######OpenITI# #META# Sham30K0033764 (Shamela0033764) #META# - oaID: Sham30K0033764 #META# shID: Shamela0033764 #META# bkid: 33764 #META# bk: الكامل في التاريخ #META# name: كتب التاريخ #META# authno: 0 #META# auth.y: NA #META# auth.x: ابن الأثير #META# Lng: NA #META# HigriD: NA #META# AD: NA #META# betaka: |- #META# الكتاب : الكامل في التاريخ #META# المؤلف : ابن الأثير #META# مصدر الكتاب : موقع الوراق #META# http://www.alwarraq.com #META# [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] #META# تم استيراده من نسخة : شاملة 5611 #META# inf.x: "[ الكامل في التاريخ - ابن الأثير ]\n\n\nمن أشهر كتب التاريخ الإسلامي، وأحسنها #META# ترتيبا وتنسيقا. طبع مرات كثيرة، أولها في ليدن سنة 1850 --1874م بعناية تورنبرج، #META# ثم في مصر 1303ه. ألفه عز الدين ابن الأثير في الموصل، ورتبه على السنين، وانتهى #META# به إلى عام (628). ثم أهمله في مسوداته مدة طويلة، حتى أمره الملك الرحيم بالاجتهاد #META# في تبييضه. قال: فألقيت عني جلباب المهل، وأبطلت رداء الكسل..وقلت: هذا أوان الشد #META# فاشتدي زيم...وسميته اسما يناسب معناه، وهو: (الكامل في التاريخ). ثم أعقب ذلك بكلمات #META# في فوائد علم التاريخ، ثم افتتح كتابه بذكر بدء الخلق، وقصص الأنبياء حتى صعود السيد #META# المسيح، وأعقبه بفصل في ذكر من ملك من ملوك الروم بعد رفع المسيح (ع) إلى عهد محمد #META# (ص) ثم أخبار الهجرات العربية، وأيام العرب قبل الإسلام، ثم السيرة النبوية حتى عام #META# (11ه). وافتتح المجلد الثاني بذكر مرض النبي (ص) ووفاته حتى حوادث سنة (65). ووصل #META# بالمجلد الثالث إلى حوادث سنة (168) وبالرابع إلى آخر خلافة المقتدر سنة (295) والخامس #META# حتى سنة (412) والسادس حتى سنة (527) والسابع حتى سنة (628) وهو أهم أجزاء الكتاب #META# وفيه الكثير من مشاهداته وذكرياته. ويؤخذ عليه انحرافه عن صلاح الدين، وإن كان في #META# الظاهر يثني عليه. وذكر في سبب تأليفه أنه رأى كتب التاريخ متباينة في تحصيل الغرض، #META# يكاد جوهر المعرفة بها يستحيل إلى العرض..وسود كثير منهم الأوراق بصغائر الأمور....والشرقي #META# أخل بذكر أخبار الغرب، والغربي أهمل أحوال الشرق، فكان الطالب إذا أراد أن يطالع #META# تاريخا مفصلا إلى وقته يحتاج إلى مجلدات كثيرة. وذكر أنه أفرغ فيه كل تراجم الطبري، #META# وما فيه من الروايات التامة، مضيفا إليها ما عثر عليه في التواريخ المشهورة. قال: #META# (إلا ما يتعلق بما جرى بين أصحاب رسول الله (ص) فإني لم أضف إلى ما نقله أبو جعفر #META# شيئا) وإنما اعتمدت عليه من بين المؤرخين إذ هو الإمام المتقن حقا، الجامع علما #META# وصحة اعتقاد وصدقا. قال: (وذكرت في كل سنة لكل حادثة كبيرة ترجمة تخصها..وأما الحوادث #META# الصغار فأفردت لجميعها ترجمة واحدة في آخر كل سنة، فأقول: ذكر عدة حوادث. وذكرت في #META# آخر كل سنة من توفي فيها من مشهوري العلماء والأعيان). انظر التعريف بكتابي أخويه: #META# (النهاية) و(المثل السائر). وانظر د. فيصل السامر (ابن الأثير ص87 و161) وفيه جداول #META# مهمة لكتاب الكامل. وكان ابن الأثير من أصدقاء ياقوت الحموي، وهو الذي نفذ وصيته #META# بعد موته. \n\n\nأعد هذه الصفحة الباحث : زهير ظاظا\nzaza@alwarraq.com" #META# bkord: 7743 #META# AuthInf: NA #META# Max: 2355 #META# NoSr: 0 #META# Comp: 1 #META# IslamShort: 0 #META# TafseerNam: NA #META# Idx: 1 #META# Archive: 0 #META# Iso: الكامل في التاريخ #META# oNum.x: NA #META# oVer.x: NA #META# bVer: 0 #META# seal.x: NA #META# oAuth: NA #META# Pdf: NA #META# NoSel: 0 #META# NoTaf: 0 #META# verName: NA #META# bLnk: NA #META# PdfCs: 0 #META# ShrtCs: 0 #META# Recyc: NA #META# RecycN: NA #META# nData: المجلد اF7B3A2EAة واسعة. #META# inf.y: NA #META# oNum.y: NA #META# oVer.y: NA #META# seal.y: NA #META# cat: 28 #META# catord: 103 #META# Lvl: 0 #META# #META# #META# #META#Header#End# ### | AUT المجلد الأول # ### || AUT بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله القديم فلا أول لوجوده، الدائم الكريم فلا آخر لبقائه ولا ~~نهاية لجوده، الملك حقا فلا تدرك العقول حقيقة كنهه، القادر فكل ما في ~~العالم من أثر قدرته، المقدس فلا تقرب الحوادث حماه، المنزه عن التغيير فلا ~~ينجو منه سواه، مصرف الخلائق بين رفع وخفض، وبسط وقبض، وإبرام ونقض، وإماتة ~~وإحياء، وإيجاد وإفناء، وإسعاد وإضلال، وإعزاز وإذلال، يؤتي الملك من يشاء، ~~وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء ~~قدير، مبيد القرون السالفة، والأمم الخالفة، لم يمنعهم منه ما تخذوه معقلا ~~وحرزا ف (هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا) مريم 19 : 98، بتقديره ~~النفع والضر، (له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين) الأعراف 7 : 54. ~~أحمده علي ما أولى من نعمه، وأجذل للناس من قسمه، وأصلي على رسوله محمد سيد ~~العرب والعجم، المبعوث الى جميع الأمم، وعلى آله وأصحابه أعلام الهدى ~~ومصابيح الظلم، صلى الله عليه وسلم. أما بعد، فإني لم أزل محبا لمطالعة كتب ~~التواريخ ومعرفة ما فيها، مؤثرا للاطلاع على الجلي من حوادثها وخافيها، ~~مائلا إلى المعارف والآداب والتجارب المودعة في مطاويها، فلما تأملتها ~~رأيتها متباينة في تحصيل الغرض، يكاد جوهر المعرفة بها يستحيل إلى العرض، ~~فمن بين مطول قد استقصى الطرق والروايات، ومختصر قد أخل بكثير مما هو آت، ~~ومع ذلك فقد ترك كلهم العظيم من الحادثات، والمشهور من الكائنات، وسود كثير ~~منهم الأوراق بصغائر الأمور التي الإعراض عنها أولى، وترك تسطيرها أحى، ~~كقولهم خلع فلان الذمي صاحب العيار، وزاد رطلا في الأسعار، وأكرم فلان، ~~وأهين فلان، وقد أرخ كل منهم إلى زمانه وجاء بعده من ذيل عليه، وأضاف ~~المتجددات بعد تاريخه إليه، والشرقي منهم قد أخل بذكر أخبار الغرب، والغربي ~~قد أهمل أحوال الشرق؛ فكان الطالب إذا أراد أن يطالع تاريخا متصلا إلى وقته ~~يحتاج إلى مجلدات كثيرة وكتب متعددة مع ما فيها من الإخلال والإملال. فلما ~~رأيت الأمر ms0001 كذلك شرعت في تأليف تاريخ جامع لأخبار ملوك الشرق والغرب وما ~~بينهما، ليكون تذكرة لي أراجعه خوف النسيان، وآتي فيه بالحوادث والكائنات ~~من أول الزمان، متتابعة يتلو بعضها بعضا إلى وقتنا هذا. ولا أقول إني أتيت ~~على جميع الحوادث المتعلقة بالتاريخ، فإن من هو بالموصل لا بد أن يشذ عنه ~~ما هو بأقصي الشرق والغرب، ولكن أقول إنني قد جمعت في كتابي هذا ما لم ~~يجتمع في كتاب واحد، ومن تأمله علم صحة ذلك. فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي ~~صنفه الإمام أبو جعفر الطبري إذ هو الكتاب المعول عند الكافة عليه، ~~والمرجوع عند الاختلاف إليه، فأخذت ما فيه من جميع تراجمه، لم زخل بترجمة ~~واحدة منها، وقد ذكر هو في أكثر الحوادث روايات ذوات عدد، كل رواية منها ~~مثل التي قبلها أو أقل منها، وربما زاد الشيء اليسير أو نقصه، فقصدت أتم ~~الروايات فنقلتها وأضفت إليها من غيرها ما ليس فيها، وأودعت كل شيء مكانه، ~~فجاء جميع ما في تلك الحادثة على اختلاف طرقها سياقا واحدا على ما تراه. ~~فلما فرغت منه وأخذت غيره من التواريخ المشهورة فطالعتها وأضفت منها الى ما ~~نقلته من تاريخ الطبري ما ليس فيه، ووضعت كل شيء منها موضعه، إلا ما يتعلق ~~بما جري بين أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإني لم أضف إلى ما نقله ~~أبو جعفر شيئا، إلا ما فيه زيادة بيان، أو اسم إنسان، أو ما لا يطعن على ~~أحد منهم في نقله، وإنما اعتمدت علهي من بين المؤرخين إذ هو الإمام المتقن ~~حقا، الجامع علما وصحة اعتقاده وصدقا. على أني لم أنقل إلا من التواريخ ~~المذكورة، والكتب المشهورة، ممن يعلم بصدقهم فيما نقلوه، وصحة ما دونوه، ~~ولم أكن كالخابط في ظلماء الليالي، ولا كمن يجمع الحصباءواللآلي. ورأيتهم ~~أيضا يذكرون الحادثة الواحدة في سنين، ويذكرون منها في كل شهر أشياء، فتأتي ~~الحادثة مقطعة لا يحصل منها على غرض، ولا تفهم إلا بعد إمعان النظر، فجمعت ~~أنا الحادثة في موضع واحد وذكرت ms0002 كل شيء منها في أي شهر أو سنة كانت، فأتت ~~متناسقة متتابعة، قد أخذ بعضها برقاب بعض. PageV01P0001 # وذكرت في كل سنة لكل حادثة كبيرة مشهورة ترجمة تخصها، فأما الحوادث ~~الصغار التي لا يحتمل منها كل شيء ترجمة فإني أفردت لجميعها ترجمة واحدة في ~~آخر كل سنة، فأقول: ذكر عدة حوادث، وإذا ذكرت بعض من نبغ وملك قطرا من ~~البلاد ولم تطل أيامه فإني أذكر جميع حاله من أوله إلى آخره، عند ابتداء ~~أمره، لأنه إذا تفرق خبره لم يعرف للجهل به. وذكرت في آخر كل سنة من توفي ~~فيها من مشهوري العلماء والأعيان والفضلاء، وضبطت الأسماء المشتبهة ~~المؤتلفة في الخط المختلفة في اللفظ الواردة فيه بالحروف ضبطا يزيل ~~الإشكال، ويغني عن الأنقاط والأشكال. فلما جمعت أكثره أعرضت عنه مدة طويلة ~~لحوادث تجددت، وقواطع توالت وتعددت، ولأن معرفتي بهذا النوع كملت وتمت. ثم ~~إن نفرا من إخواني، وذوي المعارف والفضائل من خلاني، ممن أرى محادثتهم ~~نهاية أوطاري، وأعدهم من أماثل مجالسي وسماري، رغبوا إلي في أن يسمعوه مني، ~~ليرووه عني؛ فاعتذرت بالأعراض عنه وعدم الفراغ منه، فإنني لم أعاود مطالعة ~~مسودته ولم أصلح ما أصلح فيها من غلط وسهو، ولا اسقطت منها ما يحتاج إلى ~~إسقاط ومحو، وطالت المراجعة مدة وهم للطلب ملازمون، وعن الإعراض معرضون، ~~وشرعوا في سماعه قبل إتمامه وإصلاحه، وإثبات ما تمس الحاجة إليه وحذف ما لا ~~بد من اطراحه، والعزم على إتمامه فاتر، والعجز ظاهر، للاشتغال بما لا بد ~~منه، لعدم المعين والمظاهر؛ ولهموم توالت، ونوائب تتابعت، فأنا ملازم ~~الإهما والتواني، فلا أقول: إني لأسير إليه سير الشواني. فبينما الأمر كذلك ~~إذ برز أمر من طاعته فرض واجب، واتباع أمره حكم لازب، من أعلاق الفضل ~~بإقباله عليها نافقة، وأرواح الجهل بإعراضه عنها نافقة، من أحيا المكارم ~~وكانت أمواتا، وأعادها خلقا جديدا بعد أن كانت رفاتا؛ من عم رعيته عدله ~~ونواله، وشملهم إحسانه وإفضاله، مولانا مالك الملك الرحيم، العالم المؤيد، ~~المنصور، المظفر بدر الدين، ركن الإسلام والمسلمين، محي ms0003 العدل في العالمين، ~~خلد الله دولته. فحينئذ ألقيت عني جلباب المهل، وأبطلت رداء الكسل، وألقيت ~~الدواة وأصلحت القلم، وقلت: هذا زوان الشد فاشتدي زيم، وجعلت الفراغ أهم ~~مطلب، وإذا أراد الله أمرا هيأ له السبب، وشرعت في إتمامه مسابقا، ومن ~~العجب أن السكيت يروم أن يجيء سابقا، ونصبت نفسي غرضا للسهام، وجعلتها مظنة ~~لأقوال اللوام، لأن المآخذ إذا كانت تتطرق إلى التصنيف المهذب، ~~والاستدراكات تتعلق بالمجموع المرتب، الذي تكررت مطالعته وتنقيحه، وأجيد ~~تأليفه وتصحيحه، فهي بغيره أولى، وبه أحرى، على أني مقر بالتقصير، فلا أقول ~~إن الغلط سهو جرى به القلم، بل أعترف بأن ما أجهل أكثر مما أعلم. وقد سميته ~~اسما يناسب معناه، وهو: الكامل في التاريخ. ولقد رأيت جماعة ممن يدعي ~~المعرفة والدراية، ويظن بنفسه التبحر في العلم والرواية، يحتقر التواريخ ~~ويزدريها، ويعرض عنها ويلغيها، ظنا منه أن غاية فائدتها إنما هو القصص ~~والأخبار، ونهاية معرفتها الأحاديث والأسمار، وهذه حال من اقتصر على القشر ~~دون اللب فنظره، وأصبح مخشلبا جوهره، ومن رزقه الله طبعا سليما، وهداه ~~صراطا مستقيما، علم أن فوائدها كثيرة، ومنافعها الدنيوية والأخروية جمة ~~غزيرة، وها نحن نذكر شيئا مما ظهر لنا فيها، ونكل إلى قريحة الناظر فيه ~~معرفة باقيها. فزما فوائدها الدنيوية فمنها: أن الإنسان لا يخفى أنه يحب ~~البقاء، ويؤثر أن يكون في زمرة الأحياء، فيا ليت شعري أي فرق بين ما رآه ~~أمس أو سمعه، وبين ما قرأه في الكتب المتضمنة أخبار الماضين وحوادث ~~المتقدمين؟ فإذا طالعها فكأنه عاصرهم، وإذا علمها فكأنه حاضرهم. ~~PageV01P0002 # ومنها: أن الملوك ومن إليهم الأمر والنهي إذا وقفوا على ما فيها من سيرة ~~أهل الجور والعدوان ورأها مدونة في الكتب يتناقلها الناس، فيرويها خلف عن ~~سلف، ونظروا الى ما أعقبت من سوء الذكر، وقبيح الأحدوثة، وخراب البلاد، ~~وهلاك العباد، وذهاب الأموال، وفساد الأحوال، استقبحوها، وأعرضوا عنها ~~واطرحوها، وإذا رأوا سيرة الولاة العادلين وحسنها، وما يتبعهم من الذكر ~~الجميل بعد ذهابهم، وأن بلادهم وممالكهم عمرت، وأموالهم درت، استحسنوا ذلك ~~ورغبوا ms0004 فيه، وثابروا عليه وتركوا ما ينافيه، هذا سوى ما يحصل لهم من معرفة ~~الآراء الصائبة التي دفعوا بها مضرات الأعداء، وخلصوا بها من المهالك، ~~واستصانوا نفائس المدن وعظيم الممالك، ولو لم يكن فيها غير هذا لكفى به ~~فخرا. ومنها ما يحصل للإنسان من التجارب والمعرفة بالحوادث وما تصير إليه ~~عواقبها، فإنه لا يحدث أمر إلا قد تقدم هو أو نظيره، فيزداد بذلك عقلا، ~~ويصبح لأن يقتدى به أهلا، ولقد أحسن القائل حيث يقول شعرا: رأيت العقل ~~عقلين ... فمطبوع ومسموع فلا ينفع مسموع ... إذا لم يك مطبوع كما لا تنفع ~~الشمس ... وضوء العين ممنوع يعني بالمطبوع العقل الغريزي الذي خلقه الله ~~تعالى للإنسان، وبالمسموع ما يزداد به العقل الغريزي من التجربة، وجعله ~~عقلا ثانيا توسعا وتعظيما له، وإلا فهو زيادة في عقله الأول. ومنها ما ~~يتجمل به الإنسان في المجالس والمحافل من ذكر شيء من معارفها، ونقل طريفة ~~من طرائفها، فترى الأسماع مصغية إليه، والوجوه مقبلة عليه، والقلوب متأملة ~~ما يورده ويصدره، مستحسنة ما يذكره. وأما الفوائد الأخروية: فمنها أن ~~العاقل اللبيب إذا تفكر فيها، ورأى تقلب الدنيا بأهلها، وتتابع نكباتها إلى ~~أعيان قاطنيها، وأنها سلبت نفوسهم وذخائرهم، وأعدمت أصاغرهم وأكابرهم، فلم ~~تبق على جليل ولا حقير، ولم يسلم من نكدها غني ولا فقير، زهد فيها وأعرض ~~عنها، وأقبل على التزود للآخرة منها، ورغب في دار تنزهت عن هذه الخصائص، ~~وسلم أهلها من هذه النقائص، ولعل قائلا يقول: ما نرى ناظرا فيها زهد في ~~الدنيا، وأقبل على الآخرة ورغب في درجاتها العليا، فيا ليت شعري كم رأى هذا ~~القائل قارئا، للقرآن العزيز، وهو سيد المواعظ وأفصح الكلام، يطلب به ~~اليسير من هذا الحطام؟ فإن القلوب مولعة بحب العاجل. ومنها التخلق بالصبر ~~والتأسي وهما من محاسن الأخلاق، فإن العاقل إذا رأى أن مصاب الدنيا لم يسلم ~~منه نبي مكرم، ولا ملك معظم، بل ولا أحد من البشر، علم أنه يصيبه ما ~~أصابهم، وينوبه ما نابهم. ولهذه الحكمة وردت القصص في القرآن المجيد ms0005 (إن في ~~ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) ق:50 : 37، فإن ظن هذا ~~القائل أن الله سبحانه أراد بذكرها الحكايات والأسمار فقد تمسك من أقوال ~~الزيغ بمحكم سببها حيث قالوا: هذه أساطير الأولين اكتتبها. نسأل الله تعالى ~~أن يرزقنا قلبا عقولا ولسانا وصادقا، ويوفقنا للسداد في القول والعمل، هو ~~حسبنا ونعم الوكيل. ### | AUT ذكر الوقت الذي ابتدئ # ### | AUT فيه بعمل التاريخ في الإسلام # قيل: لما قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة أمر بعمل التاريخ، ~~والصحيح المشهور أن عمر بن الخطاب أمر بوضع التاريخ. وسبب ذلك أن أبا موسى ~~الأشعري كتب إلى عمر: إنه يزتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس ~~للمشورة، فقال بعضهم: أرخ لمبعث النبي، صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: ~~لمهاجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: بل نؤرخ لمهاجرة رسول ~~الله، فإن مهاجرته فرق بين الحق والباطل؛ قاله الشعبي. وقال ميمون بن ~~مهران: رفع إلى عمر صك محله شعبان فقال: أي شعبان؟ أشعبان الذي هو آت أم ~~شعبان الذي نحن فيه؟ ثم قال لأصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ضعوا ~~للناس شيئا يعرفونه، فقال بعضهم: اكتبوا علي تاريخ الروم فإنهم يؤرخون من ~~عهد ذي القرنين، فقال: هذا يطول، فقال: اكتبوا على تاريخ الفرس، فقيل: إن ~~الفرس كلما قام ملك طرح تاريخ من كان قبله، فاجتمع رأيهم على أن ينظروا كم ~~أقام رسول الله بالمدينة، فوجدوه عشر سنين، فكتبوا التاريخ من هجرة رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم. PageV01P0003 # وقال محمد بن سيرين: قام رجل إلى عمر فقال: أرخوا، فقال عمر: ما أرخوا؟ ~~فقال: شيء تفعله الأعاجم في شهر كذا من سنة كذا، فقال عمر: حسن، فأرخوا، ~~فاتفقوا على الهجرة ثم قالوا: من أي الشهور؟ فقالوا: من رمضان، ثم قالوا: ~~فالمحرم هو منصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام، فأجمعوا عليه. وقال سعيد بن ~~المسيب: جمع عمر الناس فقال: من أي يوم نكتب التاريخ؟ فقال علي: من مهاجرة ms0006 ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفراقه أرض الشرك، ففعله عمر. وقال عمرو بن ~~دينار: أول من أرخ يعلى بن أمية وهو باليمن. وأما قبل الإسلام فقد كان بنو ~~ابراهيم يؤرخون من نار إبراهيم إلى بنيان البيت حين بناه ابراهيم واسماعيل، ~~عليهما السلام، ثم أرخ بنو اسماعيل من بنيان البيت حتى تفرقوا، فكان كلما ~~خرج قوم من تهامة أرخوا بمخرجهم، ومن بقي بتهامة من بني اسماعيل يؤرخون من ~~خروج سعد ونهد وجهينة بني زيد من تهامة حتى مات كعب بن لؤي وأرخوا من موته ~~إلى الفيل، ثم كان التاريخ من الفيل حتى أرخ عمر بن الخطاب من الهجرة، وذلك ~~سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة. وقد كان كل طائفة من العرب تؤرخ بالحادثات ~~المشهورة فيها، ولم يكن لهم تاريخ يجمعهم، فمن ذلك قول بعضهم: ها أنا ذا ~~آمل الخلود وقد ... أدرك عقلي مولدي حجرا وقال الجعدي: فمن يك سائلا عني ~~فإني ... من الشبان أيام الختان وقال آخر: وما هي إلا في إزار وعلقة ... ~~بغار ابن همام على حي خثعما وكل واحد أرخ بحادث مشهور عندهم، فلو كان لهم ~~تاريخ يجمعهم لم يختلفوا في التاريخ، والله أعلم. ### || AUT القول في الزمان # الزمان عبارة عن ساعات الليل والنهار، وقد يقال ذلك للطويل والقصير ~~منهما، والعرب تقول: أتيتك زمان الصرام؛ وزمان الصرام يعني به وقت الصرام، ~~وكذلك: أتيتك أزمان الحجاج أمير، ويجمعون الزمان يريدون بذلك أن كل وقت من ~~أوقات إمارته زمن من الأزمنة. ### || AUT القول في جميع الزمان # ### || AUT من أوله إلى آخره # اختلف الناس في ذلك فقال ابن عباس من رواية سعيد بن جبير عنه: سبعة آلاف ~~سنة. وقال وهب بن منبه: ستة آلاف سنة، قال أبو جعفر: والصحيح من ذلك ما دل ~~على صحته الخبر الذي رواه ابن عمر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ~~(أجلكم في أجل من قبلكم، من صلاة العصر إلى مغرب الشمس). وروى نحو هذا ~~المعنى أنس وأبو سعيد إلا أنهما قالا إنه قال: ms0007 إلى غروب الشمس، وبدل صلاة ~~العصر: بعد العصر، وروى أبو هريرة عن البني، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ~~(بعثت أنا والساعة كهاتين)، وأشار بالسبابة والوسطى. وروى نحوه جابر بن ~~سمرة، وأنس، وسهل بن سعد، وبريدة بن الحصيب، والمستورد بن شداد، وأشياخ من ~~الأنصار كلهم عن النبي، صلى الله عليه وسلم. وهذه أخبار صحيحة. قال: وقد ~~زعم اليهود أن جميع ما ثبت عندهم على ما في التوراة من لدن خلق آدم إلى ~~الهجرة أربعة آلاف سنة وست مئة واثنتان وأربعون سنة. وقالت اليوناينة من ~~النصارى: إن من خلق آدم إلى الهجرة خمسة آلاف سنة وتسع مئة واثنتين وتسعين ~~سنة وشهرا. وزعم قائل أن اليهود إنما نقصوا من السنين دفعا منهم لنبوة ~~عيسى، إذ كانت صفته ومبعثه في التوراة، وقالوا: لم يأت الوقت الذي في ~~التوراة أن عيسى يكون فيه، فهم ينتظرون بزعمهم خروجه ووقته. قال: وأحسب أن ~~الذي ينتظرونه ويدعون صفته في التوراة هو الدجال. وقالت المجوس: إن قدر مدة ~~الزمان من لدن ملك جيومرث إلى وقت الهجرة ثلاثة آلاف ومائة وتسع وثلاثون ~~سنة، وهم لا يذكرون مع ذلك شيئا يعرف فوق جيومرث ويزعمون أنه هو آدم. وأهل ~~الأخبار مختلفون فيه، فمن قائل مثل قول المجوس، ومن قائل: إنه يسمى بآدم ~~بعد أن ملك الأقاليم السبعة وإنه حام بن يافث بن نوح، وكان بارا بنوح، فدعا ~~له ولذريته بطول العمر، والتمكين في البلاد، واتصال الملك، فاستجيب له، ~~فملك جيومرث وولده الفرس، ولم يزل الملك فيهم إلى أن دخل المسلمون المدائن ~~وغلبوهم على ملكهم، ومن قائل غير ذلك؛ كذا قال أبو جعفر. PageV01P0004 # قلت: ثم ذكر أبو جعفر بعد هذا فصولا تتضمن الدلالة على حدوث الأزمان ~~والأوقات، وهل خلق الله قبل خلق الزمان شيئا أم لا؟ وعلى فناء العالم وأن ~~لا يبقى إلا الله تعالى، وأنه أحدث كل شيء، واستدل على ذلك بأشياء يطول ~~ذكرها ولا يليق ذلك بالتواريخ لا سيما المختصرات منه، فإنه بعلم الأصول ~~أولى، وقد فرغ المتكلمون منه في ms0008 كتبهم فرأينا تركه أولى. بريدة: بضم الباء ~~الموحدة وسكون الياء تحتها نقطتان وآخرها هاء. ### | AUT القول في ابتداء الخلق وما كان أوله # صح في الخبر عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيما رواه عنه عبادة بن ~~الصامت أنه سمعه يقول: (إن أول ما خلق الله تعالى القلم، وقال له: اكتب، ~~فجرى في تلك الساعة بما هو كائن)، وروي نحو ذلك عن ابن عباس. وقال محمد بن ~~اسحاق: أول ما خلق الله النور والظلمة، فجعل الظلمة ليلا أسود، وجعل النور ~~نهارا أبيض مضيئا، والأول أصح للحديث، وابن اسحاق لم يسند قوله إلى أحد. ~~واعترض أبو جعفر علي نفسه بما روى سفيان عن أبي هاشم، عن مجاهد، عن ابن ~~عباس أنه قال: إن الله تعالى كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا، فكان أول ما ~~خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة؛ وأجاب بأن هذا الحديث ~~إن كان صحيحا فقد رواه شعبة أيضا عن أبي هاشم ولم يقل فيه: إن الله كان على ~~عرشه، بل روى أنه قال: أول ما خلق الله القلم. ### || AUT القول فيما خلق بعد القلم # ثم إن الله خلق، بعد القلم وبعد أن أمره فكتب ما هو كائن إلى يوم ~~القيامة، سحابا رقيقا، وهو الغمام الذي قال فيه النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~وقد سأله أبو رزين العقيلي: أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق؟ فقال: في غمام ~~ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء، وهو الغمام الذي ذكره ~~الله في قوله: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) قلت: هذا ~~فيه نظر، لأنه قد تقدم أن أول ما خلق الله تعالى القلم وقال له: اكتب، فجرى ~~في تلك الساعة، ثم ذكر ي أول هذا الفصل أن الله خلق بعد القلم وبعد أن جرى ~~بما هو كائن سحابا، ومن المعلوم أن الكتابة لا بد فيها من آلة يكتب بها، ~~وهو القلم، ومن شيء يكتب فيه، وهو الذي ms0009 يعبر عنه ههنا باللوح المحفوظ، وكان ~~ينبغي زن يذكر اللوح المحفوظ ثانيا للقلم، والله أعلم. ويحتمل أن يكون ترك ~~ذكره لزنه معلوم من مفهوم اللفظ بطريق الملازمة. ثم اختلف العلماء فيمن خلق ~~الله بعد الغمام، فروى الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس: أول ما خلق الله ~~العرش، فاستوى عليه، وقال آخرون: خلق الله الماء قبل العرش، وخلق العرش ~~فوضعه على الماء؛ وهو قول أبي صالح عن ابن عباس، وقول ابن مسعود، ووهب بن ~~منبه. وقد قيل: إن الذي خلق الله تعالى بعد القلم الكرسي، ثم العرش، ثم ~~الهواء، ثم الظلمات، ثم الماء فوضع العرش عليه. قال: وقول من قال: إن الماء ~~خلق قبل العرش، أولي بالصواب لحديث أبي رزين عن النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~وقد قيل: إن الماء كان على متن الريح حين خلق العرش؛ قاله سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس، فإن كان كذلك فقد خلقا قبل العرش. وقال غيره: إن الله خلق القلم ~~قبل أن يخلق شيئا بألف عام. واختلفوا أيضا في اليوم الذي ابتدأ الله تعالى ~~فيه خلق السموات والأرض، فقال عبد الله بن سلام، وكعب، والضحاك، ومجاهد: ~~ابتداء الخلق يوم الأحد. وقال محمد بن اسحاق: ابتداء الخلق يوم السبت، ~~وكذلك قال أبو هريرة. واختلفوا أيضا فيما خلق كل يوم، فقال عبد الله بن ~~سلام: إن الله تعالى بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين يوم الأحد ~~والاثنين، وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات يوم ~~الخميس والجمعة، ففرغ آخر ساعة من الجمعة فخلق فيها آدم، عليه السلام، فتلك ~~الساعة التي تقوم فيها الساعة. ومثله قال ابن مسعود وابن عباس من رواية أبي ~~صالح عنه، إلا أنهما لم يذكرا خلق آدم ولا الساعة. وقال ابن عباس من رواية ~~علي بن أبي طلحة عنه: إن الله تعالى خلق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها، ~~ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فذلك قوله ~~تعالى (والأرض بعد ذلك دحاها) النازعات: 79 : 30 وهذا ms0010 القول عندي هو ~~الصواب. PageV01P0005 # وقال ابن عباس أيضا من رواية عكرمة عنه: إن الله تعالى وضع البيت على ~~الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت ~~البيت، ومثله قال ابن عمر. وروى السدي عن أبي صالح، وعن أبي مالك عن ابن ~~عباس، وعن مرة الهمداني وعن ابن مسعود في قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما ~~في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات) البقرة: 2 : 29، ~~قال: إن الله عز وجل كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء، ~~فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا، فارتفع فوق الماء، فسما ~~عليه، فسماه سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع ~~أرضين في يومين: يوم الأحد ويوم الأثنين، فخلق الأرض على حوت، والحوت النون ~~الذي ذكره الله تعالى في القرآن في قوله: (ن والقلم) القلم:68 : 1، والحوت ~~في الماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة في ~~الريح، وهي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك ~~الحوت، فاضطربت وتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال فقرت، والجبال تفخر على ~~الأرض، فذلك قوله تعالى: (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم)، قال ابن ~~عباس والضحاك ومجاهد وكعب وغيرهم: كل يوم من هذه الأيام الستة التي خلق ~~الله فيها السماء والأرض كألف سنة. قلت: أما ما ورد في هذه الأخبار من أن ~~الله تعالى خلق الأرض في يوم كذا والسماء في يوم كذا، فإنما هو مجاز، وإلا ~~فلم يكن ذلك الوقت أيام وليال، لأن الأيام عبارة عما بين طلوع الشمس ~~وغروبها، والليالي عبارة عما بين غروبها وطلوعها، ولم يكن ذلك الوقت سماء ~~ولا شمس، وإنما المراد به أنه خلق كل شيء بمقدار يوم، كقوله تعالى: (ولهم ~~رزقهم فيها بكرة وعشيا) مريم: 19 : 62 وليس في الجنة بكرة وعشى. سلام: والد ~~عبد الله، بتخفيف اللام. ### || AUT القول في الليل والنهار # ### || AUT أيهما ms0011 خلق قبل صاحبه # قد ذكرنا ما خلق الله تعالى من الأشياء قبل خلق الأوقات، وأن الأزمنة ~~والأوقات إنما هي ساعات الليل والنهار، وأن ذلك إنما هو قطع الشمس والقمر ~~درجات الفلك. فلنذكر الآن بأي ذلك كان الابتداء، أبالليل أم بالنهار؟ فإن ~~العلماء اختلفوا في ذلك، فإن بعضهم يقول: إن الليل خلق قبل النهار؛ ويستدل ~~على ذلك بأن النهار من نور الشمس فإذا غابت الشمس جاء الليل فبان بذلك أن ~~النهار، وهو النور، وارد على الظلمة التي هي الليل، وإذا لم يرد نور الشمس ~~كان الليل ثابتا، فدل ذلك على أن الليل هو الأول؛ وهذا قول ابن عباس. وقال ~~آخرون: كان النهار قبل الليل، واستدلوا بأن الله تعالى كان ولا شيء معه، ~~ولا ليل ولا نهار، وأن نوره كان يضيء به كل شيء خلقه حتى خلق الليل. قال ~~ابن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور السموات من نور وجهه. قال ~~أبو جعفر: والأول أولى بالصواب للعلة المذكورة أولا، ولقوله تعالى: (أأنتم ~~أشد خلقا أم السماء بناها، رفع سمكها فسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها) 79 ~~: 27 - 29 فبدأ بالليل قبل النهار. قال عبيد بن عمير الحارثي: كنت عند علي ~~فسأله ابن الكواء عن السواد الذي في القمر فقال: ذلك آية محيت، وقال ابن ~~عباس مثله، وكذلك قال مجاهد وقتادة وغيرهما، لذلك خلقهما الله تعالى الشمس ~~أنور من القمر. قلت: وروى أبو جعفر ههنا حديثا طويلا عدة أوراق عن ابن عباس ~~عن النبي، صلى الله عليه وسلم، في خلق الشمس والقمر وسيرهما، فإنهما على ~~عجلتين، لكل عجلة ثلاث مئة وستون عروة، يجرها بعددها من الملائكة، وإنهما ~~يسقطان عن العجلتين فيغوصان في بحر بين السماء والأرض، فذلك كسوفهما، ثم إن ~~الملائكة يخرجونهما فذلك تجليتهما من الكسوف، وذكر الكواكب وسيرها، وطلوع ~~الشمس من مغربها، ثم ذكر مدينة بالمغرب تسمى جابرس وأخرى بالمشرق تسمى ~~جابلق ولكل واحدة منهما، عشرة آلاف باب يحرس كل باب منها عشرة آلاف رجل، لا ~~تعود الحراسة إليهم إلى ms0012 يوم القيامة. وذكر يأجوج ومأجوج ومنسك وثاريس، إلى ~~أشياء أخرى لا حاجة إلى ذكرها، فأعرضت عنها لمنافاتها العقول، ولو صح ~~إسنادها لذكرناها وقلنا به، ولكن الحديث غير صحيح، ومثل هذا الأمر العظيم ~~لا يجوز أن يسطر في الكتب بمثل هذا الإسناد الضعيف. PageV01P0006 # وإذ كنا قد بينا مقدار مدة ما بين أول ابتداء الله، عز وجل، في إنشاء ما ~~أراد إنشاءه من خلقه إلى حين فراغه من إنشاء جميعه من سني الدنيا ومدة ~~أزمانها، وكان الغرض في كتابنا هذا ذكر ما قد بينا أنا ذاكروه من تاريخ ~~الملوك الجبابرة، والعاصية ربها والمطيعة ربها، وأزمان الرسل والأنبياء، ~~وكنا قد أتينا على ذكر ما تصح به التأريخات وتعرف به الأوقات وهو الشمس ~~والقمر، فلنذكر الآن أول من أعطاه الله تعالى ملكا وأنعم عليه فكفر نعمته، ~~وجحد ربوبيته واستكبر، فسلبه الله نعمته وأخزاه وأذله، ثم نتبعه ذكر من ~~استن سنته واقتفى أثره وأحل الله به نقمته، ونذكر من كان بإزائه أو بعده من ~~الملوك المطيعة ربها المحمودة آثارها ومن الرسل والأنبياء، إن شاء الله تعالى. ### | AUT قصة إبليس لعنه الله وابتداء أمره # ### | AUT وإطغائه آدم عليه السلام # فأولهم وإمامهم ورئيسهم إبليس، وكان الله تعالى قد حسن خلقه وشرفه وملكه ~~على سماء الدنيا والأرض فيما ذكر، وجعله مع ذلك خازنا من خزان الجنة، ~~فاستكبر على ربه، وادعى الربوبية، ودعا من كان تحت يده إلى عبادته، فمسخه ~~الله تعالى شيطانا رجيما، وشوه خلقه، وسلبه ما كان خوله، ولعنه وطرده عن ~~سمواته في العاجل، ثم جعل مسكنه ومسكن أتباعه في الآخرة نار جهنم، نعوذ ~~بالله تعالى من نار جهنم ونعوذ بالله تعالى من غضبه ومن الحور بعد الكور. ~~ونبدأ بذكر الأخبار عن السلف بما كان الله أعطاه من الكرامة وبادعائه ما لم ~~يكن له، ونتبع ذلك بذكر أحداث في سلطانه وملكه إلى حين زوال ذلك عنه والسبب ~~الذي به زال عنه، إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر الأخبار بما كان لإبليس لعنه الله # ### || AUT من الملك وذكر ms0013 الأحداث في ملكه # روي عن ابن عباس وابن مسعود أن إبليس كان له ملك سماء الدنيا، وكان من ~~قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة، وكان ~~إبليس مع ملكه خازنا، قال ابن عباس: ثم إنه عصى الله تعالى فمسخه شيطانا ~~رجيما. وروي عن قتادة في قوله تعالى: (ومن يقل منهم إني إله من دونه) ~~الأنبياء: 21 : 29 إنما كانت هذه الآية في إبليس خاصة لما قال ما قال لعنه ~~الله تعالى وجعله شيطانا رجيما، وقال: (فذلك نجزيه جهنم، كذلك نجزي ~~الظالمين) وروي عن ابن جريح مثله. وأما الأحداث التي كانت في ملكه وسلطانه ~~فمنها ما روي عن الضحاك عن ان عباس قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة ~~يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، وكان خازنا من خزان ~~الجنة، قال: وخلقت الملائكة من نور، وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من ~~مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت، وخلق الإنسان ~~من طين، فأول من سكن في الأرض الجن، فاقتتلوا فيها وسفكوا الدماء، وقتل ~~بعضهم بعضا، قال: فبعث الله تعالى إليهم إبليس في جند من الملائكة، وهم هذا ~~الحي الذين يقال لهم الجن، فقاتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور ~~وأطراف الجبال، فلما فعل ذلك اغتر في نفسه وقال: قد صنعت ما لم يصنعه أحد، ~~فاطلع الله تعالى على ذلك من قلبه، ولم يطلع عليه أحد من الملائكة الذين ~~معه. وروي عن أنس نحوه. وروى أبو صالح عن ابن عباس ومرة الهمداني عن ابن ~~مسعود أنهما قالا: لما فرغ الله تعالى من خلق ما أحب استوى على العرش، فجعل ~~إبليس على ملك سماء الدنيا، وكان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما ~~سموا الجن لأنهم من خزنة الجنة، وكان إبليس مع ملكه خازنا فوقع في نفسه كبر ~~وقال: ما أعطاني الله تعالى هذا الأمر إلا لمزية لي على الملائكة، فاطلع ~~الله على ذلك منه ms0014 فقال: إني جاعل في الأرض خليفة، قال ابن عباس: وكان اسمه ~~عزازيل وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما، فدعاه ذلك إلى الكبر، ~~وهذا قول ثالث في سبب كبره. وروى عكرمة عن ابن عباس أن الله تعالى خلق ~~خلقا، فقال: اسجدوا لآدم، فقالوا: لا نفعل، فبعث عليهم نارا فأحرقتهم؛ ثم ~~خلق خلقا آخر، فقال: إني خالق بشرا من طين، فاسجدوا لآدم، فأبوا، فبعث الله ~~تعالى عليهم نارا فأحرقتهم، ثم خلق هؤلاء الملائكة فقال: اسجدوا لآدم، ~~قالوا: نعم، وكان إبليس من أولئك الذين لم يسجدوا. PageV01P0007 # وقال شهر بن حوشب: إن إبليس كان من الجن الذين سكنوا الأرض وطردهم ~~الملائكة، وأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء، وروي عن سعيد بن مسعود ~~نحو ذلك. وأولى الأقوال بالصواب أن يقال كما قال الله تعالى: (وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) ~~الكهف: 18 : 50 وجائز أن يكون فسوقه من إعجابه بنفسه لكثرة عبادته ~~واجتهاده، وجائز أن يكون لكونه من الجن. ومرة الهمداني، بسكون الميم، ~~والدال المهملة، نسبة إلى همدان: قبيلة كبيرة من اليمن. ### | AUT ذكر خلق آدم عليه السلام # ومن الأحاديث في سلطانه خلق أبينا آدم عليه السلام، وذلك لما أراد الله ~~تعالى أن يطلع ملائكته على ما علم من انطواء إبليس على الكبر ولم يعلمه ~~الملائكة حتى دنا أمره من البوار وملكه من الزوال فقال للملائكة: (إني جاعل ~~في الأرض خليفة، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) البقرة: روي ~~عن ابن عباس أن الملائكة قالت ذلك للذي كانوا عهدوا من أمره وأمر الجن ~~الذين كانوا سكان الأرض قبل ذلك فقالوا لربهم تعالى: أتجعل فيها من يكون ~~مثل الجن الذين كانوا يسفكون الدماء فيها ويفسدون ويعصونك ونحن نسبح بحمدك ~~ونقدس لك؟ فقال الله لهم: (إني أعلم ما لا تعلمون) يعني من انطواء إبليس ~~على الكبر والعزم على خلاف أمري واغتراره، وأنا مبد ذلك لكم منه لتروه ~~عيانا، فلما أراد الله أن يخلق آدم ms0015 أمر جبرائيل أن يأتيه بطين من الأرض، ~~فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص مني وتشينني، فرجع ولم يأخذ منها شيئا ~~وقال: يا رب إنها عاذت بك فأعذتها، فبعث ميكائيل، فاستعاذت منه فأعاذها، ~~فرجع وقال مثل جبرائيل، فبعث إليها ملك الموت فعاذت منه، فقال: أنا أعوذ ~~بالله أن أرجع ولم أنفذ أمر ربي، فأخذ من وجه الأرض فخلطه ولم يأخذ من مكان ~~واحد وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء وطينا لازبا، فلذلك خرج بنو آدم ~~مختلفين. وروى أبو موسى عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (إن الله ~~تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض، ~~منهم الأحمر والأسود والأبيض، وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب)، ~~ثم بلت طينته حتى صارت طينا لازبا ثم تركت حتى صارت حمأ مسنونا ثم تركت حتى ~~صارت صلصالا، كما قال ربنا، تبارك وتعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من ~~حمأ مسنون)، الحجر:15 : 26 واللازب: الطين الملتزب بعضه ببعض، ثم ترك حتى ~~تغير وأنتن وصار حمأ مسنونا، يعني منتنا، ثم صار صلصالا، وهو الذي له صوت. ~~وإنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، قال ابن عباس: أمر الله بتربة آدم ~~فرفعت، فخلق ادم من طين لازب من حمأ مسنون، وإنما كان حمأ مسنونا بعد ~~التزاب فخلق منه آدم بيده لئلا يتكبر إبليس عن السجود له، قال: فمكث أربعين ~~ليلة، وقيل: أربعين سنة، جسدا ملقى، فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل، ~~أي يصوت، قال: فهو قول الله تعالى: (من صلصال كالفخار) الرحمن: 55 : 14، ~~يقول: منتن كالمنفوخ الذي ليس بمصمت، ثم يدخل من فيه فيخرج من دبره ويدخل ~~من دبره ويخرج من فيه، ثم يقول: لست شيئا، ولشيء ما خلقت، ولئن سلطت عليك ~~لأهلكنك، ولئن سلطت علي لأعصينك، فكانت الملائكة تمر به فتخافه، وكان إبليس ~~أشدهم منه خوفا. PageV01P0008 # فلما بلغ الحين الذي أراد الله أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: (فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ms0016 ساجدين) الحجر: 15 : 29؛ فلما نفخ الروح ~~فيه دخلت من قبل رأسه، وكان لا يجري شيء من الروح في جسده إلا صار لحما، ~~فلما دخلت الروح رأسه عطس، فقالت له الملائكة: قل الحمد لله، وقيل: بل ~~ألهمه الله التحميد فقال: الحمد لله رب العالمين، فقال الله له: رحمك ربك ~~يا آدم، فلما دخلت الروح عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما بلغت جفوه اشتهى ~~الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فلذلك يقول ~~الله تعالى: (خلق الإنسان من عجل) الأنبياء: 21 : 37، فسجد له الملائكة ~~كلهم إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين، فقال الله له: يا إبليس ما منعك ~~أن تسجد إذ أمرتك؟ قال: أنا خير منه لم أكن لأسجد لبشر خلقته من طين، فلم ~~يسجد كبرا وبغيا وحسدا، فقال الله له: (يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي)، إلى قوله: (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) ص: 38 : 75 - ~~58، فلما فرغ من إبليس ومعاتبته وأبى إلا المعصية أوقع عليه اللعنة وأيأسه ~~من رحمته وجعله شيطانا رجيما وأخرجه من الجنة. قال الشعبي: أنزل إبليس ~~مشتمل الصماء عليه عمامة أعور في إحدى رجليه نعل. وقال حميد بن هلال: نزل ~~إبليس مختصرا فلذلك كره الاختصار في الصلاة، ولما أنزل قال: يا رب أخرجتني ~~من الجنة من أجل آدم وإنني لا أقوى عليه إلا بسلطانك، قال: فأنت مسلط، قال: ~~زدني، قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله، قال: زدني، قال: صدورهم مساكن ~~لك وتجري منهم مجرى الدم، قال: زدني، قال: أجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم ~~في الأموال والأولاد وعدهم. قال آدم: يا رب قد أنظرته وسلطته علي وإنني لا ~~أمتنع منه إلا بك، قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من قرناء ~~السوء، قال: يا رب زدني، قال: الحسنة بعشر أمثالها وأزيدها، والسيئة بواحدة ~~وأمحوها، قال: يا رب زدني، قال: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ms0017 الذنوب جميعا) الزمر: 39 : 53، قال: يا ~~رب زدني، قال: التوبة لا أمنعها من ولدك ما كانت فيهم الروح، قال: يا رب ~~زدني، قال: أغفر ولا أبالي، قال: حسبي، ثم قال الله لآدم: إيت أولئك النفر ~~من الملائكة فقل السلام عليكم، فأتاهم فسلم عليهم، فقالوا له: وعليك السلام ~~ورحمة الله، ثم رجع إلى ربه فقال: هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم. فلما امتنع ~~إبليس من السجود وظهر للملائكة ما كان مستترا عنهم علم الله آدم الأسماء ~~كلها. واختلف العلماء في الأسماء فقال الضحاك عن ابن عباس: علمه الأسماء ~~كلها التي تتعارف بها الناس: إنسان ودابة وأرض وسهل وجبل وفرس وحمار وأشباه ~~ذلك، حتى الفسوة والفسية، وقال مجاهد وسعيد بن جبير مثله. وقال ابن زيد: ~~علم أسماء ذريته، وقال الربيع: علم أسماء الملائكة خاصة، فلما علمها عرض ~~الله أهل الأسماء على الملائكة فقال: (أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم ~~صادقين) البقرة: 2 : 31 إني إن جعلت الخليفة منكم أطعتموني وقدستموني ولم ~~تعصوني، وإن جعلته من غيركم أفسد فيها وسفك الدماء، فإنكم إن لم تعلموا ~~أسماء هؤلاء وأنتم تشاهدونهم فبأن لا تعلموا ما يكون منكم ومن غيركم وهو ~~مغيب عنكم أولى وأحرى، وهذا قول ابن مسعود ورواية أبي صالح عن ابن عباس. ~~PageV01P0009 # وروي عن الحسن وقتادة أنهما قالا: لما أعلم الله الملائكة بخلق آدم ~~واستخلافه و(قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟) البقرة: 1 : 30 ~~و(قال: إني أعلم ما لا تعلمون) البقرة: 2 : 30، قالوا فيما بينهم: ليخلق ~~ربنا ما يشاء فلن يخلق خلقا إلا كنا أكرم على الله منه وأعلم منه، فلما ~~خلقه وأمرهم بالسجود له علموا أنه خير منهم وأكرم على الله منهم، فقالوا: ~~إن يك خيرا منا وأكرم على الله منا فنحن أعلم منه، فلما أعجبوا بعلمهم ~~ابتلوا بأن علمه الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال: (أنبئوني بأسماء ~~هؤلاء إن كنتم صادقين)، البقرة:2 : 31 إني لا أخلق أكرم منكم ولا أعلم ~~منكم، ففزعوا إلى التوبة، وإليها يفزع كل مؤمن، ف (قالوا: ms0018 سبحانك لا علم ~~لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم) البقرة: 2 : 32، قالا: وعلمه ~~اسم كل شيء من هذه: الخيل والبغال والإبل والجن والوحش وكل شيء. ### || AUT ذكر إسكان آدم الجنة وإخراجه منها # فلما ظهر للملائكة من معصية إبليس وطغيانه ما كان مستترا عنهم وعاتبه ~~الله على معصيته بتركه السجود لآدم فأصر على معصيته وأقام على غيه لعنه ~~الله وأخرجه من الجنة وطرده منها وسلبه ما كان إليه من ملك سماء الدنيا ~~والأرض وخزن الجنة، فقال الله له: (اخرج منها - يعني من الجنة - فإنك رجيم ~~وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين) ص: 38 : 77 - 78؛ وأسكن آدم الجنة. قال ابن ~~عباس وابن مسعود: فلما أسكن آدم الجنة كان يمشي فيها فردا ليس له زوج يسكن ~~إليها، فنام نومة واستيقظ فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، ~~فسألها فقال: من أنت؟ قالت: امرأة، قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إلي، قالت ~~له الملائكة لينظروا مبلغ علمه: ما اسمها؟ قال: حواء، قالوا: ولم سميت ~~حواء؟ قال: لأنها خلقت من حي، وقال الله له: (يا ادم اسكن أنت وزوجك الجنة ~~وكلا منها رغدا حيث شئتما) البقرة: 2 : 35. وقال ابن اسحاق فيما بلغه عن ~~أهل الكتاب وغيرهم، منهم عبد الله بن عباس قال: ألقى الله تعالى على آدم ~~النوم وأخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر ولأم مكانه لحما وخلق منه حوا، ~~وآدم نائم، فلما استيقظ رآها إلى جنبه فقال: لحمي ودمي وروحي، فسكن إليها، ~~فلما زوجه الله تعالى وجعل له سكنا من نفسه قال له: (يا آدم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة : ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) البقرة: 2 : 35. وعن ~~مجاهد وقتادة مثله: فلما أسكن الله آدم وزوجته الجنة أطلق لهما أن يأكلا كل ~~ما أرادا من كل ثمارها غير ثمرة شجرة واحدة، ابتلاء منه لهما وليمضي قضاؤه ~~فيهما وفي ذريتهما، فوسوس لهما الشيطان، وكان سبب وصوله إليهما أنه أراد ~~دخول الجنة فمنعته الخزنة، فأتى كل دابة من دواب الأرض وعرض ms0019 نفسه عليها ~~أنها تحمله حتى يدخل الجنة لكلم آدم وزوجته، فكل الدواب أبى عليه حتى أتى ~~الحية، وقال لها: أمنعك من ابن آدم فأنت في ذمتي إن أنت أدخلتني، فجعلته ~~بين نابين من أنيابها ثم دخلت به، وكانت كاسية على أرع قوائم من أحسن دابة ~~خلقها الله كأنها بختية، فأعراها الله وجعلها تمشي على بطنها. قال ابن ~~عباس: اقتلوها حيث وجدتموها واخفروا ذمة عدو الله فيها. PageV01P0010 # فلما دخلت الحية الجنة خرج إبليس من فيها فناح عليهما نياحة أحزنتهما حين ~~سمعاها، فقالا له: ما يبكيك؟ قال: أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما ~~فيه من النعمة والكرامة، فوقع ذلك في أنفسهما، ثم أتاهما فوسوس لهما وقال: ~~(يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) طه:120 (وقال: ما نهاكما ~~ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما ~~إني لكما لمن الناصحين) الأعراف: 7 : 20، أن تكونا ملكين، أو تخلدان إن لم ~~تكونا ملكين في نعمة الجنة، يقول الله تعالى: (فدلاهما بغرور) الأعراف: 7 : ~~22، وكان انفعال حواء لوسوسته أعظم، فدعاها آدم لحاجته، فقالت: لا إلا أن ~~تأتي ها هنا، فلما أتى قالت: لا إلا أن تأكل من هذه الشجرة، وهي الحنطة، ~~قال: فأكلا منها، فبدت لهما سوءاتهما، وكان لباسهما الظفر، فطفقا يخصفان ~~عليهما من ورق الجنة، قيل: كان ورق التين، وكانت الشجرة من أكل منها أحدث، ~~وذهب آدم هاربا في الجنة، فناداه ربه: أن يا آدم مني تفر؟ قال: لا يارب ~~ولكن حياء منك، فقال: يا آدم من أين أتين؟ قال: من قبل حواء يا رب، فقال ~~الله: فإن لها علي أن أدميها في كل شهر وأن أجعلها سفيهة، وقد كنت خلقتها ~~حليمة، وأن أجعلها تحمل كرها وتضع كرها وتشرف على الموت مرارا، قد كنت ~~جعلتها تحمل يسرا وتضع يسرا، ولوا بليتها لكان النساء لا يحضن، ولكن حليمات ~~ولكن يحملن يسرا ويضعن يسرا، وقال الله تعالى له: لألعنن الأرض التي خلقت ~~منها لعنة يتحول بها ثمارها شوكا، ولم ms0020 يكن في الجنة ولا في الأرض شجرة أفضل ~~من الطلح والسدر. وقال للحية: دخل الملعون في جوفك حتى غر عبدي، ملعونة أنت ~~لعنة يتحول بها قوائمك في بطنك ولا يكون لك رزق إلا التراب، أنت عدوة بني ~~آدم وهم أعداؤك، حيث لقيت واحدا منهم أخذت بعقبه وحيث لقيك شدخ رأسك، ~~اهبطوا بعضكم لبعض عدو آدم وإبليس والحية، فأهبطهم إلى الأرض، وسلب الله ~~آدم وحواء كل ما كانا فيه من النعمة والكرامة. قيل: كان سعيد بن المسيب ~~يحلف بالله ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن سقته حواء الخمر حتى سكر ~~فلما سكر قادته إليها فأكل. قلت: والعجب من سعيد كيف يقول هذا والله يقول ~~في صفة خمر الجنة (لا فيها غول) الصافات: 37 : 47. ### || AUT ذكر اليوم الذي أسكن آدم فيه الجنة # ### || AUT واليوم الذي أخرج فيه منها واليوم الذي تاب فيه # روى أبو هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (خير يوم طلعت فيه ~~الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أسكن الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تاب ~~الله عليه، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة يقللها لا يوافقها عبد مسلم يسأل ~~الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه، قال عبد الله بن سلام: قد علمت أي ساعة هي، ~~هي آخر ساعة من النهار. وقال أبو العالية: أخرج آدم من الجنة للساعة ~~التاسعة أو العاشرة منه، وأهبط إلى الأرض لتسع ساعات مضين من ذلك اليوم، ~~وكان مكثه في الجنة خمس ساعات منه، وقيل: كان مكثه ثلاث ساعات منه. فإن كان ~~قائل هذا القول أراد أنه سكن الفردوس لساعتين مضتا من يوم الجمعة من أيام ~~الدنيا التي هي على ما هي به اليوم، فلم يبعد قوله من الصواب لأن الأخبار ~~كذا كانت واردة عن السلف من أهل العلم بأن آدم خلق آخر ساعة من اليوم ~~السادس التي مقدار اليوم منها ألف سنة من سنينا، فمعلوم أن الساعة الواحدة ~~من ذلك اليوم ثلاثة وثمانون عاما من أعوامنا، وقد ذكرنا أن آدم بعد ms0021 أن خمر ~~ربنا طينته بقي قبل أن ينفخ فيه الروح أربعين عاما، وذلك لا شك أنه عنى به ~~أعوامنا، ثم بعد أن نفخ فيه الروح إلى أن تناهى أمره وأسكن الجنة وأهبط إلى ~~الأرض غير مستنكر أن يكون مقدار ذلك من سنينا قدر خمس وثلاثين سنة، وإن كان ~~أراد أنه سكن الجنة لساعتين مضتا من نهار يوم الجمعة من الأيام التي مقدار ~~اليوم منها ألف سنة من سنينا فقد قال غير الحق، لأن كل من له قول في ذلك من ~~أهل العلم يقول إنه نفخ فيه الروح آخر نهار يوم الجمعة قبل غروب الشمس. وقد ~~روى أبو صالح عن ابن عباس أن مكث آدم كان في الجنة نصف يوم كان مقداره ~~خمسمائة عام، وهذا أيضا خلاف ما وردت به الأخبار عن النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، وعن العلماء. ### || AUT ذكر الموضع الذي أهبط فيه آدم # ### || AUT وحواء من الأرض # PageV01P0011 # قيل: ثم إن الله تعالى أهبط آدم قبل غروب الشمس من اليوم الذي خلقه فيه، ~~وهو يوم الجمعة، مع زوجته حواء من السماء، فقال علي وابن عباس وقتادة وأبو ~~العالية: إنه أهبط بالهند على جبل يقال له نود من أرض سرنديب، وحواء بجدة، ~~قال ابن عباس: فجاء في طلبها فكان كلما وضع قدمه بموضع صار قرية، وما بين ~~خطوتيه مفاوز، فسار حتى أتى جمعا فازدلفت إليه حواء، فلذلك سميت المزدلفة، ~~وتعارفا بعرفات فلذلك سميت عرفات، واجتمعا بجمع فلذلك سميت جمعا، وأهبطت ~~الحية بأصفهان، وإبليس بميسان، وقيل: أهبط آدم بالبرية، وإبليس بالأبلة. ~~قال أبو جعفر: وهذا ما لا يصول الى معرفة صحته إلا بخبر يجيء مجيء الحجة، ~~ولا نعلم خبرا في ذلك غير ما ورد في هبوط آدم بالهند، فإن ذلك مما لا يدفع ~~صحته علماء الإسلام. قال ابن عباس: فلما أهبط آدم على جبل نود كانت رجلاه ~~تمسان الأرض ورأسه بالسماء يسمع تسبيح الملائكة، فكانت تهابه، فسألت الله ~~أن ينقص من طوله فنقص طوله الى ستين ذراعا، فحزن آدم لما فاته ms0022 من الأنس ~~بأصوات الملائكة وتسبيحهم، فقال: يا رب كنت جارك في دارك ليس لي رب غيرك ~~أدخلتني جنتك آكل منها حيث شئت وأسكن حيث شئت فأهبطتني إلى الجبل المقدس ~~فكنت أسمع أصوات الملائكة وأجد ريح الجنة فحططتني إلى ستين ذراعا، فقد ~~انقطع عني الصوت والنظر وذهبت عني ريح الجنة فأجابه الله تعالى: بمعصيتك يا ~~ادم فعلت بك ذلك. فلما رأى الله تعالي عري آدم وحواء أمره أن يذبح كبشا من ~~الضأن من الثمانية الأزواج التي أنزل الله من الجنة، فأخذ كبشا فذبحه وأخذ ~~صوفه، فغزلته حواء ونسجه آدم فعمل لنفسه جبة ولحواء درعا وخمارا فلبسا ذلك. ~~وقيل: أرسل إليهما ملكا يعلمهما ما يلبسانه من جلود الضأن والأنعام، وقيل: ~~كان ذلك لباس أولاده، وأما هو وحواد فكان لباسهما ما كانا خصفا من ورق ~~الجنة، فأوحى الله إلى آدم: إن لي حرما حيال عرشي فانطلق وابن لي بيتا فيه ~~ثم حف به كما رأيت ملائكتي يحفون بعرشي، فهنالك أتسجيب لك ولولدك من كان ~~منهم في طاعتي، فقال آدم: يا رب وكيف لي بذلك لست أقوى عليه ولا أهتدي ~~إليه، فقيض الله ملكا فانطلق به نحو مكة، وكان آدم إذا مر بروضة قال للملك: ~~انزل بنا ها هنا، فيقول الملك: مكانك، حتى قدم مكة، فكان كل مكان نزله آدم ~~عمرانا وما عداه مفاوز، فبنى البيت من خمسة أجبل: من طور سينا، وطور زيتون، ~~ولبنان، والجودي، وبنى قواعده من حراء؛ فلما فرغ من بنائه خرج به الملك إلى ~~عرفات فزراه المناسك التي يفعلها الناس اليوم، ثم قدم به مكة فطاف بالبيت ~~أسبوعا، ثم رجع إلى الهند فمات على نود. فعلى هذا القول أهبط حواء وآدم ~~جميعا، وإن آدم بنى البيت، وهذا خلاف الذي نذكره إن شاء الله تعالى منه: أن ~~البيت أنزل من السماء. وقيل: حج آدم من الهند أربعين حجة ماشيا، ولما نزل ~~إلى الهند كان على رأسه إكليل من شجر الجنة، فلما وصل الى الأرض يبس فتساقط ~~ورقه فنبتت منهن أنواع الطيب ms0023 بالهند، وقيل: بل الطيب من الورق الذي خصفه ~~آدم وحواء عليهما. وقيل: لما أمر بالخروج من الجنة جعل لا يمر بشجرة منها ~~إلا أخذ منها غصنا فهبط وتلك الأغصان معه فكان أصل الطيب بالهند منها، ~~وزوده الله من ثمار الجنة، فثمارنا هذه منها، غير أن هذه تتغير وتلك لا ~~تتغير، وعلمه صنعة كل شيء، ونزل معه من طيب الجنة، والحجر الأسود، وكان أشد ~~بياضا من الثلج، وكان من ياقوت الجنة، ونزل معه عصا موسى، وهي من آس الجنة ~~ومن لبان، وأنز بعد ذلك العلاة والمطرقة والكلبتان. وكان حسن الصورة لا ~~يشبهه من ولده غير يوسف، وأنزل عليه جبرائيل بصرة فيها حنطة، فقال آدم: ما ~~هذا؟ قال: هذا الذي أخرجك من الجنة، فقال: ما أصنع به؟ فقال: انثره في ~~الأرض، ففعل، فأنبته الله من ساعته، ثم حصده وجمعه وفركه وذراه وطحنه وعجنه ~~وخبزه، كل ذلك بتعليم جبرائيل، وجمع له جبرائيل الحجر والحديد فقدحه فخرجت ~~منه النار، وعلمه جبرائيل صنعة الحديد والحراثة، وأنزل إليه ثورا، فكان ~~يحرث عليه، قيل هو الشقاء الذي ذكره الله تعالى بقوله: (فلا يخرجنكما من ~~الجنة فتشقى) طه: 20 : 117. PageV01P0012 # ثم إن الله أنزل آدم من الجبل وملكه الأرض وجميع ما عليها من الجن ~~والدواب والطير وغير ذلك، فشكا الى الله تعالى وقال: يا رب أما في هذه ~~الأرض من يسبحك غيري؟ فقال الله تعالى: سأخرج من صلبك من يسبحني ويحمدني، ~~وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكري، وأجعل فيها بيتا أختصه بكرامتي وأسميه بيتي ~~وأجعله حرما آمنا، فمن حرمه بحرمتي، فقد استوجب كرامتي، ومن أخاف أهله فيه ~~فقد خفر ذمتي وأباح حرمتي، أول بيت وضع للناس فمن اعتمده لا يريد غيره فقد ~~وفد إلي وزارني وضافني، ويحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وأن يسعف كلا ~~بحاجته؛ تعمره أنت يا آدم ما كنت حيا، ثم تعمره الأمم والقرون والأنبياء من ~~ولدك أمة بعد أمة، ثم أمر آدم أن يأتي البيت الحرام، وكان قد أهبط من الجنة ~~ياقوتة واحدة، وقيل: درة ms0024 واحدة، وبقي كذلك حتى أغرق الله قوم نوح، عليه ~~السلام، فرفع وبقي أساسه، فبوأ الله لإبراهيم، عليه السلام، فبناه على ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى. وسار آدم إلى البيت ليحجه ويتوب عنده، وكان قد ~~بكى هو وحواء على خطيئتهما وما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة ولم يأكلا ~~ولم يشربا أربعين يوما، ثم أكلا وشربا بعدها، ومكث آدم لم يقرب حواء مائة ~~عام، فحج البيت وتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، وهو قوله تعالى: (ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) الأعراف: 7 : ~~23. نود بضم النون، وسكون الواو، وآخره دال مهملة. ### || AUT ذكر إخراج ذرية آدم من ظهره # ### || AUT وأخذ الميثاق # روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أخذ الله الميثاق على ذرية آدم ~~بنعمان من عرفة فأخرج من ظهره كل ذرية ذرأها إلى أن تقوم الساعة فنثرهم بين ~~يديه كالذر ثم كلمهم قبلا وقال: (ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا ~~يوم القيامة) - إلى قوله - : (بما فعل المبطلون) الاعراف: 7 : 172 - 173. ~~نعمان بفتح النون الأولى. وقيل عن ابن عباس أيضا: إنه أخذ عليهم الميثاق ~~بدحنا، موضع، وقال السدي: أخرج الله آدم من الجنة ولم يهبطه الى الأرض من ~~السماء ثم مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج ذرية كهيئة الذر بيضاء مثل اللؤلؤ، ~~فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منها كهيئة ~~الذر سوداء، فقال: ادخلوا النار ولا أبالي، فذلك حين يقول: أصحاب اليمين ~~وأصحاب الشمال، ثم أخذ منهم الميثاق فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فأعطوه ~~الميثاق، طائفة طائعين وطائفة على وجه التقية؟ ### || AUT ذكر الأحداث التي كانت في عهد آدم # ### || AUT في الدنيا # وكان أول ذلك قتل قابيل بن آدم أخاه هابيل، وأهل العلم مختلفون في اسم ~~قابيل، فبعضهم يقول: قين، وبعضهم يقول: قائين، وبعضهم يقول: قاين، وبعضهم ~~يقول: قابيل. واختلفوا أيضا في سبب قتله، فقيل: كان سببه أن آدم كان يغشى ~~حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت ms0025 له فيها بقابيل بن آدم وتوأمته ~~فلم تجد عليهما وحما ولا وصبا ولم تجد عليهما طلقا حين ولدتهما ولم تر ~~معهما دما لطهر الجنة، فلما أكلا من الشجرة وهبطا إلى الأرض فاطمأنا بها ~~تغشاها فحملت بهابيل وتوأمته فودجت عليهما الوحم والوصب والطلق حين ولدتهما ~~ورأت معهما الدم، وكانت حواء فيما يذكرون لا تحمل إلا توأما ذكرا وأنثى، ~~فولدت حواء لآدم أربعين ولدا لصلبه من ذكر وأنثى في عشرين بطنا، وكان الولد ~~منهم أي أخواته شاء تزوج إلا توأمته التي تولد معه، فإنها لا تحل له، وذلك ~~أنه لم يكن يومئذ نساء إلا أخواتهم وأمهم حواء، فأمر آدم ابنه قابيل أن ~~ينكح توأمة هابيل، وأمر هابيل أن ينكح توأمة أخيه قابيل. وقيل: بل كان آدم ~~غائبا وكان لما أراد السير قال للسماء: احفظي ولدي بالأمانة، فأبت، وقال ~~للأرض فأبت، وللجبال فأبت، وقال لقابيل، فقال: نعم تذهب وترجع وستجد كما ~~يسرك، فانطلق ادم فكان ما نذكره، وفيه قال الله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة ~~على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ~~إنه كان ظلوما جهولا) الأحزاب 33 : 73 فلما قال آدم لقابيل وهابيل في معنى ~~نكاح أختيهما ما قال لهما سلم هابيل لذلك ورضي به، وأبى ذلك قابيل وكرهه ~~تكرها عن أخت هابيل ورغب بأخته عن هابيل وقال: نحن من ولادة الجنة وهما من ~~ولادة الأرض فأنا أحق بأختي. PageV01P0013 # وقال بعض أهل العلم: إن أخت قابيل كانت من أحسن الناس فضن بها على أخيه ~~وأرادها لنفسه، وإنهما لم يكونا من ولادة الجنة إنما كانا من ولادة الأرض، ~~والله أعلم، فقال له أبوه آدم: يا بني إنها لا تحل لك، فأبى أن يقبل ذلك من ~~أبيه، فقال له أبوه: يا بني فقرب قربانا ويقرب أخوك هابيل قربانا فأيكما ~~قبل الله قربانه فهو أحق بها، وكان قابيل على بذر الأرض وهابيل على رعاية ~~الماشية، فقرب قابيل قمحا وقرب هابيل أبكارا من أبكار غنمه، وقيل: قرب ~~بقرة، فأرسل الله نارا بيضاء فأكلت ms0026 قربان هابيل وتركت قربان قابيل، وبذلك ~~كان يقبل القربان إذا قبله الله، فلما قبل الله قربان هابيل وتركت قربان ~~قابيل، وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله الله، فلما قبل الله قربان هابيل، ~~وكان في ذلك القضاء له بأخت قابيل، غضب قابيل وغلب عليه الكبر واستحوذ عليه ~~الشيطان وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، قال هابيل: (إنما يتقبل الله من ~~المتقين، لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك) إلى ~~قوله: فطوعت له نفسه قتل أخيه) المائدة 5 : 27 - 31، فاتبعه وهو في ماشيته ~~فقتله، فهما اللذان قص الله خبرهما في القرآن فقال: (واتل عليهم نبأ ابني ~~آدم بالحق إذ قربا قربانا قتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر)، إلى آخر ~~القصة. قال: فلمآ قتله سقط في يده ولم يدر كيف يواريه، وذلك أنه كان فيما ~~يزعمون أول قتيل من بني آدم، (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف ~~يواري سوأة أخيه، قال: يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة ~~أخي، فأصبح من النادمين) إلى قوله: (لمسرفون) المائدة: 5 : 32، فلما قتل ~~أخاه قال الله تعالى: يا قابيل أين أخوك هابيل؟ قال: لا أدري، ما كنت عليه ~~رقيبا فقال الله تعالى: إن صوت دم أخيك يناديني من الأرض الآن، أنت ملعون ~~من الأرض التي فتحت فاها فبلعت دم أخيك، فإذا أنت عملت في الأرض فإنها لا ~~تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعا تائها في الأرض، فقال قابيل: عظمت خطيئتي ~~إن لم تغفرها. قيل: كان قتله عند عقبة حراء، ثم نزل من الجبل آخذا بيد أخته ~~فهرب بها إلى عدن من اليمن. قال ابن عباس: لما قتل أخاه أخذ بيد أخته ثم ~~هبط بها من جبل نود إلى الحضيض، فقال له آدم: اذهب فلا تزال مرعوبا لا تأمن ~~من تراه، فكان لا يمر به أحد من ولده إلا رماه، فأقبل ابن لقابيل أعمى ومعه ~~ابن له، فقال للأعمى ابنه: هذا أبوك قابيل فارمه، فرمى الأعمى أباه قابيل ms0027 ~~فقتله، فقال ابن الأعمى لأبيه: قتلت أباك فرفع الأعمى يده فلطم ابنه فمات، ~~فقال: يا ويلتي قتلت أبي برميتي وابني بلطمتي. ولما قتل هابيل كان عمره ~~عشرين سنة، وكان لقابيل يوم قتله خمس وعشرون سنة. وقال الحسن: كان الرجلان ~~اللذان ذكرهما الله تعالى في القرآن بقوله: (واتل عليهم نبأ ابني آدم ~~بالحق) من بني إسرائيل، ولم يكونا من بني آدم لصلبه، وكان آدم أول من مات. ~~وقال أبو جعفر: الصحيح عندنا أنهما ابنا آدم لصلبه للحديث الصحيح عن النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم ~~الأول كفل منها، وذلك لأنه أول من سن القتل) فبان بهذا أنهما لصلب آدم، فإن ~~القتل مازال بين بني آدم قبل بني إسرائيل، وفي هذا الحديث أنه أول من سن ~~القتل، ومن الدليل على أنه مات من ذرية آدم قبله ما ورد في تفسير قوله ~~تعالى: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) إلى قوله: (جعلا له شركاء فيما ~~آتاهما) الأعراف: 7 : 189. عن ابن عباس وابن جبير والسدي وغيرهم قالوا: ~~كانت حواء تلد لآدم فتعبدهم، أي تسميهم عبد الله وعبد الرحمن ونحو ذلك، ~~فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس فقال: لو سميتما بغير هذه الأسماء لعاش ~~ولدكما، فولدت ولدا فسمته عبد الحارث، وهو اسم إبليس، فنزلت: (هو الذي ~~خلقكم من نفس واحدة) الآيات، وقد روى هذا المعنى مرفوعا. قلت: إنما كان ~~الله تعالى يميت أولادهم أولا، وأحيا هذا المسمى بعبد الحارث امتحانا ~~واختبارا وإن كان الله تعالى يعلم الأشياء بغير امتحان ، لكن علما لا يتعلق ~~به الثواب والعقاب. ومن الدليل على أن القاتل والمقتول ابنا آدم لصلبه ما ~~رواه العلماء عن علي بن أبي طالب أن آدم قال لما قتل هابيل. PageV01P0014 # تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولون ~~... وقل بشاشة الوجه المليح في أبيات غيرها. وقد زعم أكثر علماء الفرس أن ~~جيومرث هو آدم، وزعم بعضهم أنه ابن آدم لصلبه من حواء، ms0028 وقالوا فيه أقوالا ~~كثيرة يطول بذكرها الكتاب إذ كان قصدنا ذكر الملوك وأيامهم، ولم يكن ذكر ~~الاختلاف في نسب ملك من جنس ما أنشأنا له الكتاب، فإن ذكرنا من ذلك شيئا ~~فلتعريف من ذكرنا ليعرفه من لم يكن عارفا به، وقد خالف علماء الفرس فيما ~~قالوا من ذلك آخرون من غيرهم ممن زعم أنه آدم، ووافق علماء الفرس على اسمه، ~~وخالفهم في عينه وصفته فزعم أن جيومرث الذي زعمت الفرس أنه آدم إنما هو حام ~~بن يافث بن نوح، وأنه كان معمرا سيدا نزل جبل دنباوند من جبال طبرستان من ~~أرض المشرق وتملك بها وبفارس وعظم أمره وأمر ولده حتى ملكوا بابل وملكوا في ~~بعض الأوقات الأقاليم كلها، وابتنى جيومرث المدن والحصون وأعد السلاح وأتخذ ~~الخيل وتجبر في آخر أمره وتسمى بآدم، وقال: من سماني بغيره قتلته، وتزوج ~~ثلاثين امرأة، فكثر منهن نسله، وان ماري ابنه وماريانة أخته ممن كانا ولدا ~~في آخر عمره، فأعجب بهما وقدمهما، فصار الملوك من نسلهما. قال أبو جعفر: ~~وإنما ذكرت من أمر جيومرث في هذا الموضع ما ذكرت لأنه لا تدافع بين علماء ~~الأمم أنه أبو الفرس من العجم، وإنما اختلفوا فيه هل هو آدم أبو البشر أم ~~غيره على ما ذكرنا، ومع ذلك فلأن ملكه وملك أولاده لم يزل منتظما على سياق ~~متصل بأرض المشرق وجبالها إلى أن قتل يزدجرد بن شهريار بمرور أيام عثمان بن ~~عفان، والتاريخ على أسماء ملوكهم أسهل بيانا وأقرب إلى التحقيق منه على ~~أعمار ملوك غيرهم من الأمم، إذ لا يعلم أمة من الأمم الذين ينتسبون إلى آدم ~~دامت لهم المملكة واتصل الملك لملوكهم يأخذه آخرهم عن أولهم وغابرهم عن ~~سالفهم سواهم. وأنا ذاكر ما انتهى إلينا من القول في عمر آدم وأعمار من ~~بعده من ولده من الملوك والأنبياء وجيومرث أبي الفرس فأذكر ما اختلفوا فيه ~~من أمرهم الى الحال التي اجتمعوا عليها واتفقوا على ملك منهم في زمان بعينه ~~أنه هو امللك في ذلك الزمان إن ms0029 شاء الله. وكان آدم مع ما أعطاه الله تعالى ~~من ملك الأرض نبيا رسولا إلى ولده، وأنزل الله عليه إحدى وعشرين صحيفة ~~كتبها آدم بيده علمه إياها جبرائيل. روى أبو ذر عن النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، أنه قال: (الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، قال: قلت: يا رسول ~~الله كم الرسل من ذلك؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا، يعني كثيرا، ~~طيبا، قال: قلت: من أولهم؟ قال: آدم، قال: قلت: يا رسول الله وهو نبي مرسل؟ ~~قال: نعم، خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا، وكان ممن انزل ~~عليه تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وحروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة. ### || AUT ذكر ولادة شيث # ومن الأحداث في أيامه ولادة شيث، وكانت ولادته بعد مضي مائة وعشرين سنة ~~لآدم، وبعد قتل هابيل بخمس سنين، وقيل: ولد فردا بغير توأم، وتفسير شيث هبة ~~الله، ومعناه أنه خلف من هابيل، وهو وصي آدم، وقال ابن عباس: كان معه توأم، ~~ولما حضرت آدم الوفاة عهد الى شيث وعلمه ساعات الليل والنهار وعبادة الخلوة ~~في كل ساعة منها وأعلمه بالطوفان، وصارت الرياسة بعد آدم إليه، وأنزل الله ~~عليه خمسين صحيفة، وإليه أنساب بني آدم كلهم اليوم. وأما الفرس الذين قالوا ~~إن جيومرث هو آدم، فإنهم قالوا: ولد لجيومرث ابنته ميشان أخت ميشى، وتزوج ~~ميشى أخته ميشان فولدت له سيامك وسيامي، وفولد لسيامك بن جيومرث افروال ~~ودقس وبواسب واجرب واوراش، وأمهم جيمعا سيامي ابنه ميشي، وهي أخت أبيهم؟، ~~وذكروا أن الأرض كلها سبعة أقاليم، فأرض باب وما يوصل إليه مما يأتيه الناس ~~برا وبحرا فهو من إقليم واحد وسكانه ولد افروال بن سيامك وأعقابهم، فولد ~~لافروال ابن سيامك من افرى ابنة سيامك أو شهنج بيشداد الملك، وهو الذي خلف ~~جده جيومرث في الملك، وهو أول من جميع ملك الأقاليم السبعة، وسنذكر أخباره. ~~PageV01P0015 # وكان بعضهم يزعم أن اوشهنج هذا هو ابن آدم لصلبه من حواء. وأما ابن ~~الكلبي فإنه زعم أن أول من ms0030 ملك الأرض أو شهنق بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن ~~سام بن نوح، قال: والفرس تزعم أنه كان بعد آدم بمائتي سنة، وإنما كان بعد ~~نوح بمائتي سنة، ولم تعرف الفرس ما كان قبل نوح. والذي ذكره هشام بن الكلبي ~~لا وجه له، لاأن أوشهنج مشهور عند الفرس، وكل قوم أعلم بأنسابهم وأيامهم من ~~غيرهم، قال: وقد زعم بعض نسابة الفرس أن أوشهنج هذا هو مهلائيل، وأن أباه ~~أفروال هو قينان، وأن سيامك هو أنوش أبو قينان، وأن ميشي هو شيث أبو أنوش، ~~وأن جيومرث هو آدم، فإن كان الأمر كما زعم فلا شك أن أوشهنج كان في زمن آدم ~~رجلا، وذلك لأن مهلائيل فيما ذكر في الكتب الأولى كانت ولادة أمه دينة ابنة ~~براكيل بن محويل بن حنوخ بن قين بن آدم وأتاه بعدما مضى من عمر آدم ~~ثلاثمائة سنة وخمس وتسعون سنة، وقد كان له حين وفاة أبيه آدم ستمائة سنة ~~وخمس وستون سنة على حساب أن عمر آدم كان ألف سنة، وقد زعمت الفرس أن ملك ~~أوشهنج كان أربعين سنة، فإن كان الأمر على ما ذكره النسابة الذي ذكرت عنه ~~ما ذكرت فيما يبعد من قال: إن ملكه كان بعد وفاة آدم بمائتي سنة. ### || AUT ذكر وفاة آدم عليه السلام # ذكر أن آدم مرض أحد عشر يوما وأوصي إلى ابنه شيث وأمره أن يخفي علمه عن ~~قابيل وولده لأنه قتل هابيل حسدا منه له حين خصه آدم بالعلم، فأخفى شيث ~~وولده ما عندهم من العلم، ولم يكن عند قابيل وولده علم ينتفعون به. وقد روى ~~أبو هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: قال الله تعالى لآدم حين ~~خلقه: إئت أولئك النفر من الملائكة قل السلام عليكم، فأتاهم فسلم عليهم، ~~وقالوا له: عليك السلام ورحمة الله، ثم رجع الى ربه فقال له: هذه تحيتك ~~وتحية ذريتك بينهم، ثم قبض له يديه فقال له: خذ واختر، فقال: أحببت يمين ~~ربي وكلتا يديه يمين، ففتحها له ms0031 فإذا فيها صورة آدم وذريته كلهم، وإذا كل ~~رجل منهم مكتوب عنده أجله، وإذا آدم قد كتب له عمر ألف سنة، وإذا كل رجل ~~منهم مكتوب عنده أجله، وإذا آدم قد كتب له عمر ألف سنة، وإذا قوم عليهم ~~النور، فقال: يا رب من هؤلاء الذين عليهم النور؟ فقال: هؤلاء الأنبياء ~~والرسل الذين أرسلهم الى عبادي، وإذا فيهم رجل هو من أضوئهم نورا ولم يكتب ~~له من العمر إلا أربعون سنة، فقال آدم: يا رب هذا من أضوئهم نورا ولم تكتب ~~له إلا أربعين سنة، بعد أن أعلمه أنه داود، عليه السلام، فقال: ذلك ما كتبت ~~له، فقال: يا رب انقص له من عمري ستين سنة، فقال رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، فلما أهبط الى الأرض كان يعد أيامه، فلما أتاه ملك الموت لقبضه قال ~~له آدم: عجلت يا ملك الموت قد بقي من عمري ستون سنة، فقال له ملك الموت: ما ~~بقي شيء، سألت ربك أن يكتبه لابنك داود، فقال: ما فعلت فقال النبي، صلى ~~الله عليه وسلم: فنسي آدم فنسيت ذريته وجحد فجحدت ذريته فحينئذ وضع الله ~~الكتاب وأمر بالشهود. وروي عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الدين قال رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم: إن أول من جحد آدم ثلاث مرار، وإن الله لما خلقه ~~مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة فجعل يعرضهم على آدم فرأى ~~منهم رجلا يزهر، قال: أي رب أي بني هذا؟ قال: ابنك داود، قال: كم عمره؟ ~~قال: ستون سنة، قال: زده من العمر، قال الله تعالى: لا، إلا أن تزيده أنت، ~~وكان عمر آدم ألف سنة، فوهب له أربعين سنة، فكتب عليه بذلك كتابا وأشهد ~~عليه الملائكة، فلما احتضر آدم أتته الملائكة لتقبض روحه فقال: قد بقي من ~~عمري أربعون سنة، قالوا: إنك قد وهبتها لابنك داود، قال: ما فعلت ولا وهبت ~~له شيئا، فأنزل الله عليه الكتاب وأقام الملائكة شهودا، فأكمل لآدم ألف سنة ~~وأكمل ms0032 لداود مائة سنة. وروي مثل هذا عن جماعة، منهم سعيد بن جبير، وقال ابن ~~عباس: كان عمر آدم تسعمائة سنة وستا وثلاثين سنة، وأهل التوراة يزعمون أن ~~عمر آدم تسعمائة سنة وثلاثون سنة، والأخبار عن رسول الله والعلماء ما ~~ذكرنا، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، أعلم الخلق. وعلى رواية أبي هريرة ~~التي فيها أن آدم وهب داود من عمره ستين سنة لم يكن كثير اختلاف بين ~~الحديثين وما في التوراة سوى ما وهبه لداود. PageV01P0016 # قال ابن إسحاق عن يحيى بن عباد عن أبيه قال: بلغني أن آدم حين مات بعث ~~الله بكفنه وحنوطه من الجنة ثم وليت الملائكة قبره ودفنه حتى غيبوه. وروى ~~أبي بن كعب عن النبي، صلى الله عليه وسلم: (أن آدم حين حضرته الوفاة بعث ~~الله إليه بحنوطه وكفنه من الجنة، فلما رأت حواء الملائكة ذهبت لتدخل ~~دونهم، فقال: خلي عني وعن رسل ربي، فما لقيت ما لقيت إلا منك، ولا أصابني ~~ما أصابني إلا فيك، فلما قبض غسلوه بالسدر والماء وترا وكفنوه في وتر من ~~الثياب ثم لحدوا له ودفنوه، ثم قالوا: هذه سنة ولد آدم من بعده). قال ابن ~~عباس: لما مات آدم قال شيث لجبرائيل: صل عليه، فقال: تقدم أنت فصل على ~~أبيك، فكبر عليه ثلاثين تكبيرة، فأما خمس فهي الصلاة، وأما خمس وعشرون ~~فتفضيلا لآدم. وقيل: دفن في غار في جبل أبي قبيس يقال له غار الكنز، وقال ~~ابن عباس: لما خرج نوح من السفينة دفن آدم ببيت المقدس. وكانت وفاته يوم ~~الجمعة، كما تقدم، وذكر أن حواء عشات بعده سنة ثم ماتت فدفنت مع زوجها في ~~الغار الذي ذكرت إلى وقت الطوفان، واستخرجهما نوح وجعلهما في تابوت ثم ~~حملهما معه في السفينة، فلما غاضت الأرض الماء ردهما إلى مكانهما الذي انا ~~فيه قبل الطوفان، قال: وكانت حواء فيما ذكر قد غزلت ونسجت وعجنت وخبزت ~~وعملت أعمال النساء كلها. وإذ قد فرغنا من ذكر آدم وعدوه إبليس وذكر ~~أخبارهما وما صنع الله ms0033 بعدوه إبليس حين تجبر وتكبر من تعجيل العقوبة وطغى ~~وبغى من الطرد والإبعاد والنظرة الى يوم الدين، وما صنع بآدم إذ أخطأ ونسي ~~من تعجيل العقوبة له ثم تغمده إياه بالرحمة إذ تاب من زلته، فأرجع إلى ذكر ~~قابيل وشيث ابني آدم وأولادهما، إن شاء الله. ### || AUT ذكر شيث بن آدم عليه السلام # قد ذكرنا بعض أمره وأنه كان وصي آدم في مخلفيه بعد مضيه لسبيله، وما ~~أنزل الله عليه من الصحف، وقيل: إنه لم يزل مقيما بمكة يحج ويعتمر إلى أن ~~مات، وإنه كان جمع ما أنزل عليه وعلى أبيه آدم من الصحف وعمل بما فيها؛ ~~وإنه بنى الكعبة بالحجارة والطين. وأما السلف من علمائنا فإنهم قالوا: لم ~~تزل القبة التي جعل الله لآدم مكان البيت إلى أيام الطوفان فرفعها الله حين ~~أرسل الطوفان، وقيل: إن شيثا لما مرض أوصى إلى ابنه أنوش ومات فدفن مع ~~أبويه بغار أي قبيس؛ وكانت وفاته وقد أتت عليه تسعمائة سنة واثنتا عشرة ~~سنة، وقام أنوش بن شيث بعد موت أبيه بسياسة الملك وتدبير من تحت يديه من ~~رعيته مقام أبيه لا يوقف منه على تغيير ولا تبديل، فكان جميع عمر أنوش ~~سبعمائة وخمس سنين، وكان مولده بعد أن مضى من عمر أبيه شيث ستمائة سنة وخمس ~~سنين، وهذا قول أهل التوراة. وقال ابن عباس: ولد لشيث أنوش وولد معه نفر ~~كثير، وإليه أوصى شيث، ثم ولد لأنوش بن شيث ابنه قينان من أخته نعمة بنت ~~شيث بعد مضي تسعين سنة من عمر أنوش وولد معه نفر كثير، وإليه الوصية، وولد ~~قينان مهلائيل ونفرا كثيرا عنه، وإليه الوصية، وولد مهلائيل يرد، وهو ~~اليارد، ونفرا معه، وإليه الوصية، فولد يرد حنوخ، وهو إدريس النبي، ونفرا ~~معه، وإليه الوصية، وولد حنوخ متوشلخ ونفرا معه، وإليه الوصية. وأما ~~التوراة ففيها أن مهلائيل ولد بعد أن مضى من عمرآدم، عليه السلام، ثلاثمائة ~~وخمس وتسعون سنة، ومن عمر قينان سبعون، وولد يرد لمهلائيل بعدما مضى من عمر ~~آدم ms0034 أربعمائة سنة وستون سنة، فكان على منهاج أبيه، غير أن الأحداث بدأت في زمانه. ### | AUT ذكر الأحداث التي كانت من لدن # ### | AUT ملك شيث إلى أن ملك يرد # ذكر أن قابيل لما قتل هابيل وهرب من أبيه آدم إلى اليمن أتاه إبليس فقال ~~له: إن هابيل إنما قبل قربانه وأكلته النار لأنه كان يخدم النار ويعبدها، ~~فانصب أنت أيضا نارا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار، فهو أول من نصب النار ~~وعبدها. PageV01P0017 # وقال ابن اسحاق: إن قينا، وهو قابيل، نكح أخته أشوت بنت آدم فولدت له ~~رجلا وامرأة: خنوخ بن قين وعذب بنت قين، فنكح خوخ أخته عذب فولدت ثلاثة ~~بنين وامرأة: غيرد ومحويل وزنوشيل وموليث ابنة خنوخ، فنكح أنوشيل بن خنوخ ~~أخته موليث وولدت له رجلا اسمه لامك، فنكح لامك امرأتين اسم إحداهما عدى ~~والأخرى صلى، فولدت عدى بولس بن لامك، فكان أول من سكن القباب واقتنى ~~المال، وتوبلين فكان أول من ضرب بالونج والصنج، وولدت رجلا اسمه توبلقين، ~~وكان أول من عمل النحاس والحديد، وكان أولادهم فراعنة وجبابرة، وكانوا قد ~~أعطوا بسطة في الخلق، قال: ثم انقرض ولد قين ولم يتركوا عقبا إلا قليلا، ~~وذرية آدم كلها جهلت أنسابهم وانقطع نسلهم إلا ما كان من شيث، فمنه كان ~~النسل، وأنساب الناس اليوم كلهم إليه دون أبيه آدم، ولم يذكر ابن اسحاق من ~~أمر قابيل وولده إلا ما حكيت. وقال غيره من أهل التوراة: إن أول من اتخذ ~~الملاهي من ولد قابيل رجل يقال له ثوبان بن قابيل، اتخذها في زمان مهلائيل ~~بن قينان، اتخذ المزامير والطنابير والطبول والعيدان والمعازف، فانهمك ولد ~~قابيل في اللهو، وتناهى خبرهم الى من بالجبل من ولد شيث، فهم منهم مائة رجل ~~بالنزول إليهم وبمخالفة ما أوصاهم به آباؤهم، وبلغ ذلك يارد فوعظهم ونهاهم ~~فلم يقبلوا، ونزلوا إلى ولد قابيل فأعجبوا بما رأوا منهم، فلما أرادوا ~~الرجوع حيل بينهم وبين ذلك لدعوة سبقت من آبائهم، فلما أرادوا الرجوع حيل ~~بينهم وبين ذلك لدعوة سبقت ms0035 من آبائهم، فلما أبطأوا ظن من بالجبل ممن كان في ~~نفسه زيغ أنهم أقاموا اغتباطا، فتسللوا ينزلون من الجبل ورأوا اللهو ~~فأعجبهم ووافقوا نساء من ولد قابيل متشرعات إليهم وصرن معهم وانهمكوا في ~~الطغيان وفشت الفحشاء وشرب الخمر فيهم، وهذا القول غير بعيد من الحق، وذلك ~~أنه قد روي عن جماعة من سلف علمائنا المسلمين نحو منه، وإن لم يكونوا بينوا ~~زمان من حدث - ذلك في ملكه، إلا أنهم ذكروا أن ذلك كان فيما بين آدم ونوح؛ ~~منهم ابن عباس أو مثله، ومثله روى الحكم بن عتيبة عن أبيه مع اختلاف قريب ~~من القولين، والله أعلم. وأما نسابو الفرس فقد ذكرت ما قالوا في مهلائيل بن ~~قينان وأنه هو أوشهنج الذي ملك الأقاليم السبعة، وبينت قول من خالفهم، وقال ~~هشام بن الكلبي: إنه أول من بني البناء واستخرج المعادن وأمر أهل زمانه ~~باتخاذ المساجد، وبني مدينتين كانتا أول ما بني على ظهر الأرض من المدائن، ~~وهما مدينة بابل، وهي بالعراق، ومدينة السوس بخوزستان، وكان ملكه أربعين ~~سنة. وقال غيره: هو أول من استنبط الحديد وعمل منه الأدوات للصناعات وقدر ~~المياه في مواضع المنافع وحض الناس على الزراعة واعتماد الأعمال، وأمر بقتل ~~السباع الضارية واتخاذ الملابس من جلودها والمفارش، وبذبح البقر والغنم ~~والوحش وأكل لحومها، وإنه بنى مدينة الري، قالوا: وهي أول مدينة بنيت بعد ~~مدينة جيومرث التي كان يسكنها بدنباوند، وقالوا: إنه أول من وضع الأحكام ~~والحدود، وكان ملقبا بذلك يدعى بيشداد، ومعناه بالفارسية أول من حكم ~~بالعدل، وذلك أن بيش معناه أول، وداد معناه عدل وقضى، وهو أول من استخدم ~~الجواري وأول من قطع الشجر وجعله في البناء، وذكروا أنه نذل الهند وتنقل في ~~البلاد وعقد على رأسه تاجا، وذكروا أنه قهر إبليس وجنوده ومنعهم الاختلاط ~~بالناس وتوعدهم على ذلك وقتل مردتهم، فهربوا من خوفه الى المفاوز والجبال، ~~فلما مات عادوا. وقيل: إنه سمى شرار الناس شياطين واستخدمهم، وملك الأقاليم ~~كلها، وإنه كان بين مولد أوشهنج وموت جيومرث مائتا ms0036 سنة وثلاث وعشرون سنة. ~~عتيبة بالعين، وبعدها تاء فوقها نقطتان، وياد تحتها نقطتان، وباء موحدة. ### || AUT ذكر يرد # PageV01P0018 # وقيل يارد بن مهلائيل أمه خالته سمعن ابنة براكيل بن محويل بن حنوخ بن ~~قين بن آدم، ولد بعدما مضى من عمر آدم أربعمائة سنة وستون سنة، وفي أيامه ~~عملت الأصنام وعاد من عاد عن الاسلام، ثم نكح يرد، في قول ابن اسحاق، وهو ~~ابن مائة واثنتين وستين سنة، بركتا ابنة الدرمسيل بن محويل بن خنوخ بن قين ~~بن آدم، فولدت له خنوخ، وهو إدريس النبي، فكان أول بني آدم أعطي النبوة وخط ~~بالقلم، وأول من نظر في علوم النجوم والحساب، وحكماء اليونانيين يسمونه ~~هرمس الحكيم، وهو عظيم عندهم، فعاش يرد بعد مولد إدريس ثمانمائة سنة، وولد ~~له بنون وبنات، فكان عمره تسعمائة سنة واثنتين وستين سنة، وقيل: أنزل على ~~إدريس ثلاثون صحيفة، وهو أول من جاهد في سبيل الله وقطع الثياب وخاطها، ~~وأول من سبى من ولد قابيل بن آدم فاسترق منهم، وكان وصي والده يرد فيما كان ~~آباؤه وصوا به إليه وفيما أوصى بعضهم بعضا، وتوفي آدم بعد أن مضى من عمر ~~إدريس ثلاثمائة وثماني سنين، ودعا إدريس قومه وعظهم وأمرهم بطاعة الله ~~تعالى ومعصية الشيطان وأن لا يلابسوا ولد قابيل، فلم يقبلوا منه. قال: وفي ~~التوراة أن الله رفع إدريس بعد ثلاثمائة سنة وخمس وستين سنة من عمره، وبعد ~~أن مضى من عمر أبيه خمسمائة سنة وسبع وعشرون سنة، فعاش أبوه بعد ارتفاعه ~~أربعمائة وخمسا وثلاثين سنة تمام تسعمائة واثنتين وستين سنة. قال النبي، ~~صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر من الرسل أربعة سريانيون: آدم وشيث ونوح ~~وخنوخ، وهو أول من خط بالقلم، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، وقيل: إن الله ~~أرسله إلى جميع أهل الأرض في زمانه، وجمع له علم الماضين وزاده ثلاثين ~~صحيفة، وقال بعضهم: ملك بيوراسب في عهد إدريس، وكان قد وقع عليه من كلام ~~آدم، فاتخذه سحرا، وكان بيوراسب يعمل به، يارد بياء معجمة ms0037 باثنتين من ~~تحتها، وراء مهملة، وذال معجمة، وحنوخ بحاء مهملة مفتوحة، ونون بعدها واو، ~~وخاء معجمة، وقيل: بخائين معجمتين). ### || AUT ذكر ملك طهمورث # زعمت الفرس أنه ملك بعد موت أوشهنج طهمورث بن ويونجهان، يعني خير أهل ~~الأرض، ابن حبايداد بن أوشهنج، وقيل في نسبه غير ذلك، وزعم الفرس أيضا أنه ~~ملك الأقاليم السبعة وعقد على رأسه تاجا، وكان محمودا في ملكه مشفقا على ~~رعيته، وأنه ابتنى سابور من فارس ونزلها وتنقل في البلدان، وأنه وثب بإبليس ~~حتى ركبه فطاف عليه في أداني الأرض وأقاصيها، وأفزعه ومردته حتى تفرقوا، ~~وكان أوهل من اتخذ الصوف والشعر للبس والفرش، وأول من اتخذ زينة الملوك من ~~الخيل والبغال والحمير، وأمر باتخاذ الكلاب لحفظ المواشي وغيرها، وأخذ ~~الجوارح للصيد، وكتب بالفارسية، وأن بيوراسب ظهر في أول سنة من ملكه ودعا ~~إلى ملة كذا قال أبو جعفر وغيره من العلماء: إنه ركب إبليس وطاف عليه، ~~والعهدة عليهم، وإنما نحن نقلنا ما قالوه. قال ابن الكلبي: أول ملوك الأرض ~~من بابل طهمورث، وكان لله مطيعا، وكان ملكه أربعين سنة، وهو أول من كتب ~~بالفارسية، وفي أيامه عبدت الأصنام، وأول ما عرف الصوم في ملكه، وسببه أن ~~قوما فقراء تعذر عليهم القوت فأمسكوا نهارا وأكلوا ليلا ما يمسك رمقهم، ثم ~~اعتقدوه تقربا الى الله وجاءت الشرائع به. ### | AUT ذكر خنوخ وهو إدريس عليه السلام # ثم نكح خنوخ بن يرد هدانة، ويقال اذانة، ابنة باوبل بن محويل بن خنوخ بن ~~قين بن آدم، وهو ابن خمس وستين سنة، فولدت له متوشلخ بن خنوخ، فعاش بعدما ~~ولد متوشلخ ثلاثمائة سنة، ثم رفع واستخلفه خنوخ على أمر ولده وأمر الله ~~وأوصاه وأهل بيته قبل أن يرفع وأعلمهم أن الله سوف يعذب ولد قابيل ومن ~~خالطهم، ونهاهم عن مخالطتهم، وإنه كان أول من ركب الخيل لأنه سلك رسم أبيه ~~خنوخ في الجهاد، ثم نكح متوشلخ عربا ابنة عزازيل بن أنوشيل بن خنوخ بن قين، ~~وهو ابن مائة سنة وسبع وثلاثين سنة، فولدت ms0038 له لمك بن متوشلخ، فعاش بعدما ~~ولد له لمك سبع مائة سنة، وولد له بنون وبنات، فكان كل ما عاش متوشلخ ~~تسعمائة سنة وسبعا وعشرين سنة ثم مات وأوصى الى ابنه لمك، فكان لمك يعظ ~~قومه وينهاهم عن مخالطة ولد قابيل، فلم يقبلوا حتى نزل إليهم جميع من كان ~~معهم في الجبل. وقيل: كان لمتوشلخ ابن آخر غير لمك يقال له صابي، وبه سمي ~~الصابئون. PageV01P0019 # قلت: محويل بحاء مهملة، وياء معجمة باثنتين من تحت، وقين بقاف، وياء ~~معجمة باثنتين من تحت، ومتوشلخ بفتح الميم، وبالتاء المعجمة باثنتين من ~~فوق، وبالشين المعجمة، وبحاء مهملة، وقيل خاء معجمة. ونكح لمك بن متوشلخ ~~قينوش ابنة براكيل بن محويل بن خنوخ بن قين، وهو ابن مائة سنة وسبع وثمانين ~~سنة، فولدت له نوح بن لمك، وهو النبي، فعاش لمك بعد مولد نوح خمسمائة سنة ~~وخمسا وتسعين سنة وولد له بنون بونات ثم مات، ونكح نوح بن لمك عزرة بنت ~~براكيل بن محويل بن خنوخ بن قين، وهو ابن خمسمائة سنة، فولدت له ولده ساما ~~وحاما ويافث بني نوح، وكان مولد نوح بعد موت آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة، ~~ولما أدرك قال له أبوه لمك: قد علمت أنه لم يبق في هذا الجبل غيرنا فلا ~~تستوحش ولا تتبع الأمة الخاطئة، وكان نوح يدعو قومه ويعظهم فيستخفون به. ~~وقيل: كان نوح في عهد بيوراسب وكانوا قومه فدعاهم الى الله تسعمائة وخمسين ~~سنة كلما مضى قرن اتبعهم قرن على ملة واحدة من الكفر حتى أنزل الله عليهم ~~العذاب. وقال ابن عباس فيما رواه ابن الكلبي عن أبي صالح عنه: فولد لمك ~~نوحا، وكان له يوم ولد نوح اثنتان وثمانون سنة، ولم يكن في ذلك الزمان أحد ~~ينهى عن منكر، فبعث الله إليهم نوحا وهو ابن أربع مائة وثمانين سنة فدعاهم ~~مائة وعشرين سنة ثم أمره الله بصنعة الفلك فصنعها وركبها وهو ابن ستمائة ~~سنة وغرق من غرق ثم مكث من بعد السفينة ثلاثمائة سنة وخمسين سنة. ms0039 وروي عن ~~جماعة من السلف أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على ملة الحق، وأن ~~الكفر بالله حدث في القرن الذي بعث فيه إليهم نوح، فأرسله الله، وهو أول ~~نبي بعث بالإنذار والدعاء إلى التوحيد؛ وهو قول ابن عباس وقتادة. ### | AUT ذكر ملك جمشيد # وأما علماء الفرس فإنهم قاولا: ملك بعد طهمورث جم شيد، والشيد عندهم ~~الشعاع، وجم القمر، لقبوه بذلك لجماله، وهو جم بن ويونجهان، وهو أخو ~~طهمورث، وقيل: إنه ملك الأقاليم السبعة وسخر له ما فيها من الجن والإنس، ~~وعقد التاج على رأسه، وأمر لسنة مضت من ملكه إلى خمسين سنة بعمل السيوف ~~والدروع وسائر الأسلحة والة الصناع من الحديد، ومن سنة خمسين من ملكه إلى ~~سنة مائة بعمل الإبريسم وغزله والقطن والكتان وكل ما يستطاع غزله وحياكة ~~ذلك وصبغه ألوانا ولبسه، ومن سنة مائة الى سنة خمسين ومائة صنف الناس أربع ~~طبقات: طبقة مقاتلة، وطبقة فقهاء، وطبقة كتاب وصناع، وطبقة حراثين، واتخذ ~~منهم خدما، ووضع لكل أمر خاتما مخصوصا به، فكتب على خاتم الحرب: الرفق ~~والمداراة، وعلى خاتم الخراج: العمارة والعدل، وعلى خاتم البريد والرسل: ~~الصدق والأمانة، وعلى خاتم المظالم: السياسة والانتصاف، وبقيت رسوم تلك ~~الخواتيم حتى محاها الإسلام. ومن سنة مائة وخمسين الى سنة خمسين ومائتين ~~حارب الشياطين وأذلهم وقهرهم وسخروا له، ومن سنة خمسين ومائتين الى سنة ست ~~عشرة وثلاثمائة وكل الشياطين بقطع الأحجار والصخور من الجبال وعمل الرخام ~~والجص والكلس والبناء بذلك الحمامات والنقل من البحار والجبال والمعادن ~~والذهب والفضة وسائر ما يذاب من الجواهر وأنواع الطيب والأدوية، فنفذوا في ~~ذلك بأمره، ثم أمر فصنعت له عجلة من الزجاج، فأصفد فيها الشياطين وركبها ~~وأقبل عليها في الهواء من دنباوند الى بابل في يوم واحد، وهو يوم هرمزروز ~~وافروز دين ماه، فاتخذ الناس ذلك اليوم عيدا وخمسة أيام بعده، وكتب الى ~~الناس في اليوم السادس يخبرهم أنه قد سار فيهم بسيرة ارتضاها الله، فكان من ~~جزائه إياه عليها أنه قد جنبهم الحر والبرد ms0040 والأسقام والهرم والحسد، فمكث ~~الناس ثلاثمائة سنة بعد الثلاثمائة والست عشرة سنة لا يصيبهم شيء مما ذكر. ~~PageV01P0020 # ثم بنى قنطرة على دجلة فبقيت دهرا طويلا حتى خربها الاسكندر، وأراد ~~الملوك عمل مثلها فعجزوا فعدلوا الى عمل الجسور من الخشب، ثم إن جما بطر ~~نعمة الله عليه وجمع الإنس والجن والشياطين وأخبرهم أنه وليهم ومانعهم ~~بقوته من الأسقام والهرم والموت، وتمادى في غيه، فلم يحر أحد منهم جوابا، ~~وفقد مكانه وبهاءه وعزه وتخلت عنه الملائكة الذين كان الله أمرهم بسياسة ~~أمره، فأحس بذلك بيوراسب الذي تسمى الضحاك فابتدر الى جم لينتهسه، فهرب ~~منه، ثم ظفر به بعد ذلك بيوراسب فاستطرد امعاءه وأشره بمئشار. وقيل: إنه ~~ادعى الربوبية فوثب عليه أخوه ليقتله واسمه استغتور فتوارى عنه مائة سنة، ~~فخرج عليه في تواريه بيوراسب فغلبه على ملكه. وقيل: كان ملكه سبعمائة سنة ~~وست عشرة سنة وأربعة أشهر. قلت: وهذا الفصل من حديث جم قد أتينا به تاما ~~بعد أن كنا عازمين على تركه لما فيه من الأشياء التي تمجها الأسماع وتأباها ~~العقول والطباع، فإنها من خرافات الفرس مع أشياء أخرى قد تقدمت قبلها، ~~وإنما ذكرناها ليعلم جهل الفرس، فإنهم كثيرا ما يشنعون على العرب بجهلهم ~~وما بلغوا هذا؛ ولأنا لو كنا تركنا هذا الفصل لخلا من شيد نذكره من أخبارهم. ### | AUT ذكر الأحداث التي كانت في زمن نوح # ### | AUT عليه السلام # قد اختلف العلماء في ديانة القوم الذي أرسل إليهم نوح، فمنهم من قال: ~~إنهم كانوا قد أجمعا على العمل بما يكرهه الله تعالى من ركوب الفواحش ~~والكفر وشرب الخمور والاشتغال بالملاهي عن طاعة الله، ومنهم من قال: إنهم ~~كانوا أهل طاعة، وبيوراسب أول من أظهر القول بمذهب الصابئين وتبعه على ذلك ~~الذين أرسل إليهم نوح، وسنذكر أخبار بيوراسب فيما بعد. وأما كتاب الله، ~~قال: فينطق بأنهم أهل أوثان؛ قال تعالى: (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ~~ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا) نوح 71 : 23 - 24. ~~قلت: لا تناقض ms0041 بين هذه الأقاويل الثلاثة، فإن القول الحق الذي لا يشك فيه ~~هو أنهم كانوا أهل أوثان يعبدونها، كما نطق به القرآن، وهو مذهب طائفة من ~~الصابئين، فإن أصل مذهب الصابئين عدابة الروحانيين، وهم الملائكة لتقربهم ~~الى الله تعالى زلفى، فإنهم اعترفوا بصانع العالم وأنه حكيم قادر مقدس، إلا ~~أنهم قالوا الواجب علينا معرفة العجز عن الوصول الى معرفة جلاله وإنما ~~نتقرب إليه بالوسائط المقربة لديه؛ وهم الروحانيون، وحيث لم يعاينوا ~~الروحانيين تقربوا إليهم بالهياكل، وهي الكواكب السبعة السيارة لأنها مدبرة ~~لهذا العالم عندهم، ثم ذهبت طائفة منهم، وهم أصحاب الأشخاص، حيث رأوا أن ~~الهياكل تطلع وتغرب وترى ليلا ولا ترى نهارا، إلى وضع الأصنام لتكون نصب ~~أعينهم ليتوسلوا بها الى الهياكل، والهياكل الى الروحانيين، والروحانيون ~~الى صانع العالم؛ فهذا كان أصل وضع الأصنام أولا، وقد كان أخيرا في العرب ~~من هو على هذا الاعتقاد، وقال تعالى: (ما نعبدهم إلا ليقربونا الى الله ~~زلفى) الزمر: 39 : 3، فقد حصل من عبادة الأصنام مذهب الصابئين والكفر ~~والفواحش وغير ذلك من المعاصي. فلما تمادى قوم نوح على كفرهم وعصيانهم بعث ~~الله إليهم نوحا يحذرهم بأسه ونقمته ويدعوهم الى التوبة والرجوع إلى الحق ~~والعمل بما زمر الله تعالى، وأرسل نوح، وهو ابن خمسين سنة، فلبث فيهم ألف ~~سنة إلا خمسين عاما. وقال عون بن أبي شداد: إن الله تعالي أرسل نوحا وهو ~~ابن ثلاثمائة وخسمين سنة فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ثم عاش بعد ذلك ~~ثلاثمائة وخسمين سنة، وقيل غير ذلك، وقد تقدم. PageV01P0021 # قال ابن إسحاق وغيره: إن قوم نوح كانوا يبطشون به فيخنقونه حتى يغشى ~~عليه، فإذا أفاق قال: اللهم اغفر لي ولقومي فإنهم لا يعلمون حتى إذا تمادوا ~~في معصيتهم وعظمت في الأرض منهم الخطيئة وتطاول عليه وعليهم الشأن اشتد ~~عليه البلاء وانتظر النجل بعد النجل فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من الذي كان ~~قبله حتى إن كان الآخر ليقول: قد كان هذا مع آبائنا وأجدادنا مجنونا لا ~~يقبلون منه ms0042 شيئا، وكان يضرب ويلف ويلقى في بيته، ويرون أنه قد مات، فإذا ~~أفاق اغتسل وخرج إليهم يدعوهم الى الله، فلما طال ذلك عليه ورأى الأولاد ~~شرا من الآباء قال: رب قد ترى ما يفعل بي عبادك، فإن تك لك فيهم حاجة ~~فاهدهم، وإن يك غير ذلك فصيرني الى أن تحكم فيهم، فأوحى إليه: (إنه لن يؤمن ~~من قومك إلا من قد آمن) هود: 36، فلما يئس من إيمانهم دعا عليهم فقال: (رب ~~لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) نوح 71 : 26، الى آخر القصة، فلما شكا ~~الى الله واستنصره عليهم، أوحى الله إليه أن: (اصنع الفلك بأعيننا ووحينا ~~ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) هود: 11 : 37، فأقبل نوح على عمل ~~الفلك ولها عن دعاء قومه وجعل يهيء عتاد الفلك من الخشب والحديد والقار ~~وغيرها مما لا يصلحه سواه، وجعل قومه يمرون به وهو في عمله فيسخرون منه، ~~فيقول: (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون، فسوف تعلمون) هود: 11 : ~~38 - 39، قال: ويقولون: يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوة وأعقم الله أرحام ~~النساء فلا يولد لهم، وصنع الفلك من خشب الساج وأمره أن يجعل طوله ثمانين ~~ذراعا وعرضه خمسين ذراعا وطوله في السماء ثلاثين ذراعا، وقال قتادة: كان ~~طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين ذراعا، وطولها في السماء ثلاثين ذراعا، ~~وقال الحسن: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، والله ~~أعلم. وأمر نوحا أن يجعله ثلاث طبقات: سفلى ووسطى وعليا، ففعل نوح كما أمره ~~الله تعالى، حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه (حتى إذا جاء أمرنا وفار ~~التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن ~~آمن وما آمن معه إلا قليل) هود:11 : 40؛ وقد جعل التنور اية فيما بينه ~~وبينه، فلما فار التنور، وكان فيما قيل من حجارة كان لحواء: وقال ابن عباس: ~~كان ذلك تنورا من أرض الهند، وقال مجاهد والشعبي: كان التنور بأرض الكوفة، ~~وأخبرته زوجته بفوران الماء ms0043 من التنور، وأمر الله جبرائيل فرفع الكعبة إلى ~~السماء الرابعة، وكانت من ياقوت الجنة، كما ذكرناه، وخبز الحجر الأسود بجبل ~~أبي قبيس، فبقي فيه إلى أن بنى إبراهيم البيت فأخذه فجعله موضعه، ولما فار ~~التنور حمل نوح من أمر الله بحمله، وكانوا أولاده الثلاثة: سام وحام ويافث ~~ونساءهم وستة أناسي، فكانوا مع نوح ثلاثة عشر. وقال ابن عباس: كان في ~~السفنية ثمانون رجلا، أحدهم جرهم، كلهم بنو شيث، وقال قتادة: كانوا ثمانية ~~أنفس: نوح وامرأته وثلاثة بنوه ونساؤهم، وقال الأعمش: كانوا سبعة، ولم يذكر ~~فيهم زوج نوح، وحمل معه جسد آدم ثم أدخل ما أمر الله به من الدواب، وتخلف ~~عنه ابنه يام، وكان كافرا، وكان آخر من دخل السفينة الحمار، فلما دخل صدره ~~تعلق إبليس بذنبه فلم ترتفع رجلاه، فجعل نوح يأمره بالدخول فلا يستطيع حتى ~~قال: ادخل وإن كان الشيطان معك، فقال كلمة زلت على لسانه، فلما قالها دخل ~~الشيطان معه، فقال له نوح: ما أدخلك يا عدو الله؟ فقال: ألم تقل ادخل وإن ~~كان الشيطان معك؟ فتركه، ولما أمر نوح بإدخال الحيوان السفينة قال: أي رب ~~كيف أصنع بالأسد والبقرة؟ وكيف أصنع بالعناق والذئب والطير والهر؟ قال: ~~الذي ألقى بينها العداوة هو يؤلف بينها، فألقى الحمى على الأسد وشغله ~~بنفسه، ولذلك قيل: وما الكلب محموما وإن طال عمره ... ولكنما الحمى على ~~الأسد الورد PageV01P0022 # وجعل نوح الطير في الطبق الأسفل من السفينة، وجعل الوحش في الطبق الأوسط، ~~وركب هو ومن معه من بني آدم في الطبق الأعلى، فلما أطمأن نوح في الفلك ~~وأدخل فيه كل من أمر به، وكان ذلك بعد ستمائة سنة من عمره في قول بعضهم، ~~وفي قول بعضهم ما ذكرناه، وحمل معه من حمل، جاء الماء كما قال الله تعالى: ~~(ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقي الماء على أمر ~~قد قدر) القمر: 54 : 44 - 12، فكان بين أن أرسل الماء وبين أن احتمل الماء ~~الفلك أربعون يوما وأربعون ليلة، وكثر واشتد وارتفع وطمى، ms0044 وغطى نوح وعلى من ~~معه طبق السفينة، وجعلت الفلك تجري بهم في موج كالجبال، ونادي نوح ابنه ~~الذي هلك، وكان في معزل: (يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين) هود: 11 : ~~42، وكان كافرا؛ (قال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء)، وكان عهد الجبال وهي ~~حرز وملجأ، فقال نوح: (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وحال بينهما ~~الموج فكان من المغرقين) هو:11 : 43، وعلا الماء على رؤوس الجبال، فكان على ~~أعلى جبل في الأرض خمسة عشر ذراعا، فهلك ما على وجه الأرض من حيوان ونبات، ~~فلم يبق إلا نوح ومن معه وإلا عوج بن عنق، فيما زعم أهل التوراة، وكان بين ~~إرسال الماء وبين أن غاض ستة أشهر وعشر ليال. قال ابن عباس: أرسل الله ~~المطر أربعين يوما، فأقبلت الوحش حين أصابها المطر والطين إلى نوح وسخرت ~~له، فحمل منها كما أمره الله، فركبوا فيها لعشر ليال مضين من رجب، وكان ذلك ~~لثلاث عشرة خلت من آب، وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم، فلذلك صام من ~~صام يوم عاشوراء، وكان الماء نصفين: نصف من السماء ونصف من الأرض، وطافت ~~السفينة بالأرض كلها لا تستقر حتى أتت الحرم فلم تدخله، ودارت بالحرم ~~أسبوعا ثم ذهبت في الأرض تسير بهم حتى انتهت الى الجودي، وهو جبل بقردى ~~بأرض الموصل، فاستقرت عليه، فقيل عند ذلك: (بعدا للقوم الظالمين) هود: 11 : ~~44، ولما استقرت قيل: (يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي، وغيض الماء) هود: ~~11 : 44، نشفته الأرض، وأقام نوح في الفلك إلى أن غاض الماء، فلما خرج منها ~~اتخذ بناحية من قردى من أرض الجزيرة موضعا وابتنى قرية سموها ثمانين، وهي ~~الآن تسمى بسوق الثمانين لأن كل واحد ممن معه بنى لنفسه بيتا وكانوا ثمانين ~~رجلا. قال بعض أهل التوراة: لم يولد لنوح إلا بعد الطوفان، وقيل: إن ساما ~~ولد قبل الطوفان بثمان وتسعين سنة، وقيل: إن اسم ولده الذي أغرق كان كنعان ~~وهو يام. وأما المجوس فإنهم لا يعرفون الطوفان ويقولون ms0045 لم يزل الملك فينا ~~من عهد جيومرث، وهو آدم، قالوا: ولو كان كذلك لكان نسب القوم قد انقطع ~~وملكهم قد اضمحل، وكان بعضهم يقر بالطوفان ويزعم أنه كان في إقليم بابل وما ~~قرب منه، وأن مساكن ولد جيومرث كانت بالمشرق فلم يصل ذلك إليهم، وقول الله ~~تعالى أصدق في أن ذرية نوح هم الباقون فلم يعقب أحد ممن كان معه في السفينة ~~غير ولده سام وحام ويافث. ولما حضرت نوحا الوفاة قيل له: كيف رأيت الدنيا؟ ~~قال: كبيت له بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر، وأوصى إلى ابنه سام ~~وكان أكبر ولده. ### | AUT ذكر بيوراسب وهو الازدهاق الذي يسميه العرب الضحاك # وأهل اليمن يدعون أن الضحاك منهم، وأنه أول الفراعنة، وكان ملك مصر لما ~~قدمها إبراهيم الخليل، والفرس تذكر أنه منهم وتنسبه إليهم وأنه بيوراسب بن ~~أرونداسب بن رينكار بن وندريشتك بن يارين بن فروال بن سيامك بن ميشي بن ~~جيومرث، ومنهم من ينسبه غير هذه النسبة، وزعم أهل الأخبار أنه ملك الأقاليم ~~السبعة، وأنه كان ساحرا فاجرا. قال هشام بن الكلبي: ملك الضحاك بعد جم فيما ~~يزعمون، والله أعلم، ألف سنة، ونزل السواد في قرية يقال لها برس في ناحية ~~طريق الكوفة، وملك الأرض كلها، وسار بالجور والعسف، وبسط يده في القتل، ~~وكان أول من سن الصلب والقطع، وأول من وضع العشور وضرب الدراهم، وأول من ~~تغنى وغني له، قال: وبلغنا أن الضحاك هو نمرود، وأن ابراهيم، عليه السلام، ~~ولد في زمانه، وأنه صاحبه الذي أراد إحراقه، وتزعم الفرس أن الملك لم يكن ~~إلا للبطن الذي منه أوشهنج وجم وطهمورث، وأن الضحاك كان غاصبا، وأنه غصب ~~أهل الأرض بسحره وخبثه وهول عليهم بالحيتين اللتين كانتا على منكبيه. ~~PageV01P0023 # وقال كثير من أهل الكتب: إن الذي كان على منكبيه كان لحمتين طويلتين كل ~~واحدة منهما كرأس الثعبان، وكان يسترهما بالثياب، ويذكر على طريق التهويل ~~أنهما حيتان تقتضيانه الطعام، وكانتا تتحركان تحت ثوبه إذا جاعتا، ولقي ~~الناس منه جهدا شديدا، وذبح ms0046 الصبيان لأن اللحمتين اللتين كانتا على منكبيه ~~كانتا تضطربان فإذا طلاهما بدماغ إنسان سكنتا، فكان يذبح كل يوم رجلين، فلم ~~يزل الناس كذلك حتى إذا أراد الله هلاكه وثب رجل من العامة من أهل أصبهان ~~يقال له كابي بسبب ابنين له أخذهما أصحاب بيوراسب بسبب اللحمتين اللتين على ~~منكبيه، وأخذ كابي عصا كانت بيده فعلق بطرفها جرابا كان معه ثم نصب ذلك ~~كالعلم ودعا الناس الى مجاهدة بيوراسب ومحاربته، فأسرع الى إجابته خلق كثير ~~لما كانوا فيه من البلاء وفنون الجور، فلما غلب كابي تفاءل الناس بذلك ~~العلم فعظموه وزادوا فيه حتى صار عند ملوك العجم علمهم الأكبر الذي يتبركون ~~به وسموه درفش كابيان، فكانوا لا يسيرونه إلا في الأمور الكبار العظام، ولا ~~يرفع إلا لأولاد الملوك إذا وجهوا في الأمور الكبار. وكان من خبر كابي أنه ~~من أهل أصبهان، فثار بمن اتبعه، فالتفت الخلائق إليه، فلما أشرف على الضحاك ~~قذف في قلب الضحاك منه الرعب فهرب عن منازله وخلى مكانه، فاجتمع الأعجام ~~إلى كابي، فأعلمهم أنه لا يتعرض للملك لأنه ليس من أهله، وأمرهم أن يملكوا ~~بعض ولد جم لأنه ابن الملك أوشهنق الأكبر بن فروال الذي رسم الملك وسبق في ~~القيام به، وكان أفريدون بن أثغيان مستخفيا من الضحاك فوافى كابي ومن معه، ~~فاستبشروا بموافاته فملكوه، وصار كابي والوجوه لأفريدون أعوانا على أمره، ~~فلما ملك وأحكم ما احتاج إليه من أمر الملك احتوى على منازل الضحاك وسار في ~~أثره فأسره بدنباوند في جبالها. وبعض المجوس تزعم أنه وكل به قوما ن الجن، ~~وبعضهم يقول: إنه لقي سليمان بن داود، وحبسه سليمان في جبل دنباوند، وكان ~~ذلك الزمان بالشام، فما برح بيوراسب بحبسه يجره حتى حمله الى خراسان، فلما ~~عرف سليمان ذلك أمر الجن فأوثقوه حتى لا يزول وعملوا عليه طلسما كرجلين ~~يدقان باب الغار الذي حبس فيه أبدا لئلا يخرج، فإنه عندهم لا يموت. وهذا ~~أيضا من أكاذيب الفرس الباردة، ولهم فيه أكاذيب أعجب من هذا تركنا ذكرها. ms0047 ~~وبعض الفرس زعم أن أفريدون قتله يوم النيروز، فقال العجم عند قتله: إمروز ~~نوروز، أي استقبلنا الدهر بيوم جديد، فاتخذوه عيدا، وكان أسره يوم ~~المهرجان، فقال العجم: آمد مهرجان لقتل من كان يذبح، وزعموا أنهم لم يسمعوا ~~في أمور الضحاك بشيء يستحسن غير شيء واحد، وهو أن بليته لما اشتدت ودام ~~جوره وتراسل الوجوه في أمره فأجمعوا على المصير الى بابه فوافاه الوجوه، ~~فاتفقوا على أن يدخل عليه كابي الأصبهاني، فدخل عليه ولم يسلم، فقال: أيها ~~الملك أي السلام أسلم عليك؟ سلام من يملك الأقاليم كلها أم سلام من يملك ~~هذا الإقليم؟ فقال: بل سلام من يملك الأقاليم كلها لأني ملك الأرض، فقال ~~كابي: إذ كنت تملك الأقاليم كلها فلم خصصتنا بأثقالك وأسبابك من بينهم ولم ~~لا تقسم الأمور بيننا وبينهم؟ وعدد عليه أشياء كثيرة، فصدقه، فعمل كلامه في ~~الضحاك، فأقر بالإساءة وتألف القوم ووعدهم بما يحبون وأمرهم بالانصراف ~~ليعودوا ويقضي حوائجهم ثم ينصرفوا إلى بلادهم. وكانت أمه حاضرة تسمع ~~معاتبتهم، وكانت شرا منه، فلما خرج القوم دخلت مغتاظة من احتماله وحلمه ~~عنهم فوبخته وقالت له: ألا أهلكتهم وقطعت أيديهم؟ فلما أكثرت عليه قال لها: ~~ياهذه لا تفكري في شيء إلا وقد سبقت إليه، إلا أن القوم بدهوني بالحق ~~وقرعوني به، فكلما هممت بهم تخيل لي الحق بمنزلة الجبل بيني وبينهم فما ~~أمكنني فيهم شيء، ثم جلس لأهل النواحي فوفى لهم بما وعدهم وقضى أكثر ~~حوائجهم. وقال بعضهم: كان ملكه ستمائة سنة، وكان عمره ألف سنة، وإنه كان في ~~باقي عمره شبيها بالملك لقدرته ونفوذ أمره، وقيل: كان ملكه ألف سنة وكان ~~عمره ألف سنة ومائة سنة. وإنما ذكرنا خبر بيوراسب ها هنا لأن بعضهم يزعم أن ~~نوحا كان في زمانه، وإنما أرسل إليه والى أهل مملكته، وقيل: إنه هو الذي ~~بنى مدينة بابل ومدينة صور ومدينة دمشق. ### || AUT ذكر ذرية نوح عليه السلام # PageV01P0024 # قال النبي، صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى: (وجعلنا ذريته هم ~~الباقين) الصافات: 37 : 77؛ إنهم ms0048 سام وحام ويافث، وقال وهب بن منبه: إن سام ~~بن نوح أبو العرب وفارس والروم، وإن حاما أبو السودان، وإن يافث أبو الترك ~~ويزجوج ومأجوج، وقيل: إن القبط من ولد قوط بن حام، وإنما كان السواد في نسل ~~حام لأن نوحا نام فانكشفت سوأته فرآها حام فلم يغطها ورآها سام ويافث ~~فألقيا عليه ثوبا، فلما استيقظ علم ما صنع حام وإخوته فدعا عليهم. قال ابن ~~اسحاق: فكانت امرأة سام بن نوح صل ابنة بتأويل بن محويل بن خانوخ بن قين بن ~~آدم فولدت له نقرا: أرفخشذ واشوذ ولاوذ وإرم، قال: ولا أدري أإرم لأم ~~أرفخشذ وإخوته أم لا، فمن لود لاوذ بن سام فارس وجرجان وطسم وعميلق، وهو ~~أبو العماليق، ومنهم كانت الجبابرة بالشام الذين يقال لهم الكنعانيون، ~~والفراعنة بمصر، وكان أهل البحرين وعمان منهم ويسمون جاشم، وكان منهم بنو ~~أميم بن لاوذ أهل وبار بأرض الرمل، وهي بين اليمامة والشحر، وكانوا قد ~~كثروا فأصابتهم نقمة من الله من معصية أصابوها فهلكوا وبقيت منهم بقية، وهم ~~الذين يقال لهم النسناس، وكان طسم ساكني اليمامة الى البحرين، فكانت طسم ~~والعماليق وأميم وجاشم قوما عربا لسانهم عربي، ولحقت عبيل بيثرب قبل أن ~~تبنى، ولحقت العماليق بصنعاء قبل أن تسمى صنعاء، وانحدر بعضهم الى يثرب ~~فأخرجوا منها عبيلا فنزلوا موضع الجحفة، فأقبل سيل فاجتحفهم، أي أهلكهم، ~~فسميت الجحفة. قال: وولد إرم بن سام عوضا وغائرا وحويلا، فولد عوض غاثرا ~~وعادا وعبيلا، وولد غائر بن إم ثمود وجديسا، وكانوا عربا يتكلمون بهذا ~~اللسان المصري، وكانت العرب تقول لهذه الأمم ولجرهم العرب العاربة، ويقولون ~~لبني اسماعيل العرب المتعربة لأنهم إنما تكلموا بلسان هذه الأمم حين سكنوا ~~بين أطهرهم، فكانت عاد بهذا الرمل الى حضرموت، وكانت ثمود بالحجر بين ~~الحجاز والشام الى وادي القرى، ولحقت جديس بطسم وكانوا معهم باليمامة إلى ~~البحرين، واسم اليمامة إذ ذاك جو، وسكنت جاشم عمام، والنبط من ولد نبيط بن ~~ماش بن إرم بن سام، والفرس بنو فارس بن تيرش بن ms0049 ماسور بن سام. قال: وولد ~~لأرفخشذ بن سام ابنه قينان، كان ساحرا، وولد لقينان شالخ بن أرفخشذ من غير ~~ذكر قينان لما ذكر من سحره، وولد لشالخ غابر، ولغابر فالغ، ومعناه القاسم، ~~لأن الأرض قسمت والألسن تبلبلت في أيامه، وقحطان بن غابر، فولد لقحطان يعرب ~~ويقظان، فنزلا اليمن، وكان أول من سكن اليمن وأول من سلم عليه بأبيت اللعن، ~~وولد لفالغ بن غابر أرغو، وولد لأرغو ساروغ، وولد لساروغ ناخور، وولد ~~لناخور تارخ، واسمه بالعربية آزر، وولد لآزر إبراهيم، عليه السلام، وولد ~~لأرفخشذ أيضا نمرود، وقيل هو نمرود بن كوش بن حام بن نوح. قال هشام بن ~~الكلبي: السند والهند بنو توقير بن يقطن بن غابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام ~~بن نوح، وجرهم من ولد يقطن بن غابر، وحضرموت ابن يقطن، ويقطن هو قحطان في ~~قول من نسبه الى غير اسماعيل، والبربر من ولد ثميلا بن مارب بن فاران بن ~~عمرو بن عمليق بن لاود بن سام بن نوح ما خلا صنهاجة وكتامة، فإنهما بنو ~~فريقش بن صيفي بن سبأ. وأما يافث فمن ولده جامر وموعع ومورك وبوان وفوبا ~~وماشج وتيرش، فمن ولد جامر ملوك فارس في قول، ومن ولد تيرش الترك والخزر، ~~ومن ولد ماشج الأشبان كانوا في القديم بأرض الروم قبل أن يقع بها من وقع من ~~ولد العيص بن إسحاق وغيرهم، وقصد كل فريق من هؤلاء الثلاثة سام وحام ويافث ~~أرضا فسكنوها ودفعوا غيرهم عنها، ومن ولد يافث الروم، وهم بنو لنطى بن يوان ~~بن نافث بن نوح. وأما حام فولد له كوش ومصرايم وقوط كنعان، فمن ولد كوش ~~نمرود بن كوش، وقيل: هو من ولد سام، وصارت بقية ولد حام بالسواحل من النوبة ~~والحبشة والزنج، ويقال: إن مصرايم ولد القبط والبربر. وأما قوط فقيل إنه ~~سار الى الهند والسند فنزلها وأهلها من ولده. وأما الكنعانيون فلحق بعضهم ~~بالشام ثم جاءت بنو إسرائيل فقتلوهم بها ونفوهم عنها وصار الشام لبني ~~إسرائيل، ثم وثبت الروم على ms0050 بني إسرائيل فأجلوهم عن الشام الى العراق إلا ~~قليلا منهم، ثم جاءت العرب فغلبوا على الشام، وكان يقال لعاد عاد إرم، فلما ~~هلكوا قيل لثمود ثمود إرم، قال: PageV01P0025 # وزعم أهل التوراة أن أرفخشذ ولد لسام بعد أن مضى من عمر سام مائة سنة ~~وسنتان، وكان جميع عمر سام ستمائة سنة. ثم ولد لأرفخشذ قينان بعد أن مضى من ~~عمر أرفخشذ خمس وثلاثون سنة، وكان عمره أربعمائة وثمانيا وثلاثين سنة، ثم ~~ولد لقينان شالخ بعد أن مضي من عمره تسع وثلاثون سنة، ولم تذكر مدة عمر ~~قينان في الكتب لما ذكرنا من سحره، ثم ولد لشالخ غابر بعدما مضى من عمره ~~ثلاثون سنة، وكان عمره كله أربعمائة وثلاثا وثلاثين سنة، ثم ولد لغابر فالغ ~~وأخوه قحطان، وكان مولد فالغ بعد الطوفان بمائة وأربعين سنة، وكان عمره ~~أربعمائة وأربعا وسبعين سنة، ثم ولد لفالغ أرغو بعد ثلاثين سنة من عمر ~~فالغ، وكان عمره مائتين وتسعا وثلاثين سنة، وولد لأرغو ساروغ بعدما مضى من ~~عمره اثنتان وثلاثون سنة، وكان عمره مائتين وتسعا وثلاثين سنة، وولد لساروغ ~~ناخور بعد ثلاثين سنة من عمره، وكان عمره كله مائتين وثلاثين سنة، ثم ولد ~~لناخور تارخ أبو إبراهيم بعدما مضى من عمره سبع وعشرون سنة، وكان عمره كله ~~مائتين وثمانيا وأربعين سنة، وولد لتارخ، وهو آزر، ابراهيم، عليه السلام، ~~وكان بين الطوفان ومولد ابراهيم ألف سنة ومائتا سنة وثلاث وستون سنة، وذلك ~~بعد خلق آدم بثلاثة آلاف سنة وثلاثمائة وسبع وثلاثين سنة، وولد لقحطان بن ~~غابر يعرب، فولد ليعرب يشجب، فولد يشجب سبأ، فولد سبأ حمير وكهلان وعمرا ~~والأشعر وأنمار ومرا، فولد عمرو بن سبأ عديا، وولد عدي لخما وجذاما. ### || AUT ذكر ملك أفريدون # وهو أفريدون بن اثغيان، وهو من ولد جم شيد، وقد زعم بعض نسابة الفرس أن ~~نوحا هو أفريدون الذي قهر الضحاك وسلبه ملكه، وزعم بعضهم أن أفريدون هو ذو ~~القرنين صاحب إبراهيم الذي ذكره الله في كلامه العزيز، وإنما ذكرته في هذا ~~الموضع ms0051 لأن قصته في أولاده الثلاثة شبيهة بقصة نوح على ما سيأتي ولحسن ~~سيرته وهلاك الضحاك على يديه ولأنه قيل إن هلاك الضحاك كان على يد نوح. ~~وأما باقي نسابة الفرس فإنهم ينسبون أفريدون إلى جم شيد الملك، وكان بينهما ~~عشرة آباء كلهم يسمى اثغيان خوفا من الضحاك، وإنما كانوا يتميزون بألقاب ~~لقبوها، فكان يقال لأحهم اثغيان صاحب البقر الحمر واثغيان صاحب البقر البلق ~~وأشباه ذلك، وكان أفريدون أول من ذلل الفيلة وامتطاها ونتج البغال واتخذ ~~الإوز والحمام وعلم الترياق ورد المظالم وأمر الناس بعبادة الله والإنصاف ~~والإحسان، ورد على الناس ما كان الضحاك غصبه من الأرض وغيرها إلا ما لم يجد ~~له صاحبا فإنه وقفه على المساكين. وقيل: إنه أول من سمي الصوفي، وهو أول من ~~نظر في علم الطب، وكان له ثلاثة بنين، اسم الأكبر شرم، والثاني طوج، ~~والثالث إيرج، فخاف أن يختلفوا بعده فقسم ملكه بينهم أثلاثا وجعل ذلك في ~~سهام كتب أسماءهم عليها وأمر كل واحد منهم فأخذ سهما، فصارت الروم وناحية ~~العرب لشرم، وصارت الترك والصين لطوج، وصارت العراق والسند والهند والحجاز ~~وغيرها لإيرج، وهو الثالث، وكان يحبه، وأعطاه التاج والسرير، ومات أفريدون ~~ونشبت العداوة بين أولاده وأولادهم من بعدهم، ولم يزل التحاسد ينمو بينهم ~~إلى أن وثب طوج وشرم على أخيهما إيرج فقتلاه وقتلا ابنين كانا لإيرج وملكا ~~الأرض بينهما ثلاثمائة سنة، ولم يزل أفريدون يتبع من بقي بالسواد من آل ~~نمرود والنبط وغيرهم حتى أتى على وجوههم ومحا أعلامهم، وكان ملكه خمسمائة سنة. ### || AUT ذكر الأحداث التي كانت بين نوح وإبراهيم # قد ذكرنا ما كان من أمر نوح وأمر ولده واقتسامهم الأرض بعده ومساكن كل ~~فريق منهم، فكان ممن طغى وبغى فأرسل الله إليهم رسولا فكذبوه فأهلكهم الله، ~~هذان الحيان من ولد إرم بن سام بن نوح، أحدهما عاد والثاني ثمود. ~~PageV01P0026 # فأما عاد: فهو عاد بن عوض بن إرم بن سام بن نوح، وهو عاد الأولى، وكانت ~~مساكنهم ما بين الشحر وعمان وحضرموت بالأحقاف، ms0052 فكانوا جبارين طوال القامة ~~لم يكن مثلهم، يقول الله تعالى: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ~~وزادكم في الخلق بسطة) الأعراف: 7 : 69؛ فأرسل الله إليهم هود بن عبد الله ~~بن رباح بن الجلود بن عاد بن عوض، ومن الناس من يزعم أنه هو دوهو غابر بن ~~شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وكانوا أهل أوثان ثلاثة يقال لأحدها ضرا ~~وللآخر ضمور وللثالث الهبا، فدعاهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة دون ~~غيره وترك ظلم الناس، فكذبوه وقالوا: من أشد منا قوة ولم يؤمن بهود منهم ~~إلا قليل، وكان من أمرهم ما ذكره ابن اسحاق قال: إن عادا أصابهم قحط تتابع ~~عليهم بتكذيبهم هودا، فلما أصابهم قالوا: جهزوا منكم وفدا الى مكة يستسقون ~~لكم، فبعثوا قيل بن عير ولقيم بن هزال ومرثد بن سعد، وكان مسلما يكتم ~~إسلامه، وجلهمة بن الخيبري، خال معاوية بن بكر، ولقمان بن عاد بن فلان بن ~~عاد الأكبر في سبعين رجلا من قومهم، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن ~~بكر بظاهر مكة خارجا عن الحرم، فأكرمهم، وكانوا أخواله وصهره لأن لقيم بن ~~هزال كان تزوج هزيلة بنت بكر أخت معاوية فأولدها أولادا كانوا عند خالهم ~~معاوية بمكة، وهم: عبيد وعمرو وعامر وعمير بنو لقيم، وهم عاد الآخرة التي ~~بقيت بعد عاد الأولى، فلما نزلوا على معاوية أقاموا عنده شهرا يشربون الخمر ~~وتغنيهم الجرادتان، فينتان لمعاوية، فلما رأى معاوية طول مقامهم وتركهم ما ~~أرسلوا له شق عليه ذلك وقال: هلك أخوالي، واستحيا أن يأمر الوفد بالخروج ~~إلى ما بعثوا له، فذكر ذلك للجرادتين فقال: قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من ~~قائله لعلهم يتحركون؛ فقال معاوية: ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعل الله ~~يصبحنا غماما فيسقي أرض عاد إن عادا ... قد أمسوا لا يبينون الكلاما في ~~أبيات ذكرها، والهيمنة: الكلام الخفي، فلما غنتهم الجرادتان ذلك الشعر ~~وسمعه القوم قال بعضهم لبعض: يا قوم بعثكم قومكم يتغوثون بكم من البلاء ~~الذي نزل بهم فأبطأتم ms0053 عليها فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم، فقال مرثد بن ~~سعد: إنهم والله لا يسقون بدعائكم ولكن أطيعوا نبيكم فأنتم تسقون، وأظهر ~~إسلامه عند ذلك، فقال جلهمة بن الخيبري، خال معاوية، لمعاوية بن بكر: احبس ~~عنا مرثد بن سعد، وخرجوا الى مكة يستسقون بها لعاد، فدعوا الله تعالى ~~لقومهم واستسقوا، فأنشأ الله سحائب ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ونادى مناد ~~منها: يا قيل اختر لنفسك وقومك، فقال: قد اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر ~~ماء فناداه مناد: اخترت رمادا رمددا، لا تبقي من عاد أحدا، لا ولدا تترك ~~ولا والدا إلا جعلته همدا، إلا بني اللوذية المهدى، وبنو اللوذية: بنو لقيم ~~بن هزال، كاوا بمكة عندهم خالهم معاوية ابن بكر، وساق الله السحابة السوداء ~~بما فيها من العذاب الى عاد، فخرجت عليهم من واد يقال له المغيث، فلما ~~رأوها استبشروا بها وقالوا: (هذا عارض ممطرنا) يقول الله تعالى: (بل هو ما ~~استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها) الاحقاف: 46 : 24 - ~~25؛ أي كل شيء أمرت به، وكان أول من رأى ما فيها وعرف أنها ريح مهلكة امرأة ~~من عاد يقال لها فهدد، فلما رأت ما فيها صاحت وصعقت، فلما خرجت الريح ن ~~الوادي قال سبعة رهط منهم، أحدهم الخلجان: تعالوا حتى نقوم على شفير الوادي ~~فنردها، فجعلت الريح تدخل تحت الواحد منهم فتحمله ثم ترمي به فتدق عنقه، ~~وبقي الخلجان فمال إلى الجبل وقال: لم يق إلا الخلجان نفسه ... يالك من يوم ~~دهاني أمسه بثابت الوطء شديد وطسه ... لو لم يجئني جئته أجسه فقال له هود: ~~أسلم تسلم، فقال: ومالي؟ قال: الجنة، فقال: فما هؤلاء الذين في السحاب ~~كأنهم البخت؟ قال: الملائكة، قال: أيعيذني ربك منهم إن أسلمت؟ قال: هل رأيت ~~ملكا يعيذ من جنده؟ قال: لو فعل ما رضيت. PageV01P0027 # ثم جاءت الريح وألحقته بأصحابه و(سخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام ~~حسوما) الحاقة 69 : 7، كما قال تعالى، والحسوم: الدائمة، فلم تدع من عاد ~~أحدا إلا هلك، واعتزل هود والمؤمنون ms0054 في حظيرة لم يصبه ومن معه منها إلا ~~تليين الجلود، وإنها لتمر من عاد بالظعن ما بين السماء والأرض وتدمغهم ~~بالحجارة، وعاد وفد عاد الى معاوية بن بكر فنزلوا عليه، فأتاهم رجل على ~~ناقة فأخبرهم بمصاب عاد وسلامة هود. قال: وكان قد قيل للقمان بن عاد: اختر ~~لنفسك إلا أنه لا سبيل الى الخلود، فقال: يا رب أعطني عمرا، فقيل له: اختر، ~~فاختار عمر سبعة أنسر، فعمر فيما يزعمون عمر سبعة أنسر، فكان يأخذ الفرخ ~~الذكر حين يخرج من بيضته حتى إذا مات أخذ غيره، وكان يعيش كل نسر ثمانين ~~سنة، فلما مات السابع مات لقمان معه، وكان السابع يسمى لبدا، قال: وكان عمر ~~هود مائة وخمسين سنة، وقبره بحضرموت، وقيل بالحجر من مكة، فلما هلكوا أرسل ~~الله طيرا سودا فنقلتهم الى البحر، فذلك قوله تعالى: (فأصبحوا لا يرى إلا ~~مساكنهم) الاحقاف: 46 : 25، ولم تخرج ريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ فإنها ~~عتت على الخزنة، فذلك قوله: (أهلكوا بريح صرصر عاتية) الحاقة: 69 : 6، ~~وكانت الريح تقلع الشجرة العظيمة بعروقها وتهدم البيت على من فيه. وأما ~~ثمود: فهم ولد ثمود بن جاثر بن إرم بن سام، وكانت مساكن ثمود بالحجر بين ~~الحجاز والشام، وكانوا بعد عاد قد كثروا وكفروا وعتوا، فبعث الله إليهم ~~صالح بن عبيد بن أسف بن ماشج بن عبيد بن جادر بن ثمود، وقيل أسف بن كماشج ~~بن اروم بن ثمود يدعوهم إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة (فقالوا: يا ~~صلاح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا) هود: 11 : 62 الآية؛ وكان الله قد أطال ~~أعمارهم حتى إن كان أحدهم يبني البيت من المدر فينهدم وهو حي، فلما رأوا ~~ذلك اتخذوا من الجبال بويتا فارهين فنحتوها، وكانوا في سعة من معايشهم، ولم ~~يزل صالح يدعوهم فلم يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون، فلما ألح عليهم بالدعاء ~~والتحذير والتخويف سألوه فقالوا: يا صالح اخرج معنا إلى عيدنا، وكان لهم ~~عيد يخرجون إليه بأصنامهم، فأرنا آية فتدعو إلهك وندعو آلهتنا فإن ms0055 استجيب ~~لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا، فقال: نعم، فخرجوا بأصنامهم وصالح ~~معهم، فدعوا أصنامهم أن لا يستجاب لصالح ما يدعو به، وقال له سيد قومه: يا ~~صالح أخرج لنا من هذه الصخرة - لصخرة منفردة - ناقة جوفاء عشراء، فإن فعلت ~~ذلك صدقناك. فأخذ عليهم المواثيق بذلك وأتى الصخرة وصلى ودعا ربه عز وجل ~~فإذا هي تتمخض كما تتمخض الحامل ثم انفجرت وخرجت من وسطها الناقة كما طلبوا ~~وهم ينظرون ثم نتجت سقبا مثلها في العظم، فآمن به سيد قومه، واسمه جندع بن ~~عمرو، ورهط من قومه، فلما خرجت الناقة قال لهم صالح: (هذه ناقة لها شرب ~~ولكم شرب يوم معلوم) الشعراء: 26 : 155، ومتى عقرتموها أهلككم الله، فكان ~~شربها يوما وشربهم يوما معلوما، فإذا كان يوم شربها خلوا بينها وبين الماء ~~وحلبوا لبنها وملأوا كل وعاء وإناء، وإذا كان يوم شربهم صرفوها عن الماء ~~فلم تشرب منه شيئا وتزودوا من الماء للغد. PageV01P0028 # فأوحى الله الى صالح أن قومك سيعقرون الناقة، فقال لهم ذلك، فقالوا: ما ~~كنا لنفعل، قال: إلا تعقروها أنتم يوشك أن يولد فيكم مولود يعقرها، قالوا: ~~وما علامته؟ فوالله لا نجده إلا قتلناه قال: فإنه غلام أشقر أزرق أصهب ~~أحمر، قال: فكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان لأحدهما ابن رغب له عن ~~المناكح وللآخر ابنة لا يجد لها كفؤا فزوج أحدهما ابنه بابنة الآخر فولد ~~بينهما المولود، فلما قال لهم صالح إنما يعقرها مولود فيكم اختاروا قوابل ~~من القرية وجعلوا معهن شرطا يطوفون في القرية فإذا وجدوا امرأة تلد نظروا ~~ولدها ما هو، فلما وجدوا ذلك المولد صرخ النسوة وقلن: هذا الذي يريد نبي ~~الله صالح، فأراد الشرط أن يأخذوه فحال جداه بينهم وبينه وقالا: لو أراد ~~صالح هذا لقتلناه، فكان شر مولود وكان يشب في اليوم شباب غيره في الجمعة، ~~فاجتمع تسعة رهط منهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون، كانوا قتلوا أبناءهم حين ~~ولدوا خوفا أن يكون عاقر الناقة منهم، ثم ندموا فأقسموا ليقتلن صالحا وأهله ~~وقالوا: نخرج ms0056 فترى الناس أننا نريد السفر فنأتي الغار الذي على طريق صالح ~~فنكون فيه، فإذا جاء الليل وخرج صالح الى مسجده قتلناه ثم رجعنا الى الغار ~~ثم انصرفنا الى رحالنا وقلنا ما شهدنا قتله فيصدقنا قومه، وكان صالح لا ~~يبيت معهم، كان يخرج إلى مسجد له يعرف بمسجد صالح فيبيت فيه، فلما دخلوا ~~الغار سقطت عليهم صخرة فقتلتهم، فانطلق رجال ممن عرف الحال إلى الغار ~~فرأوهم هلكى، فعادوا يصيحون: إن صالحا أمرهم بقتل أولادهم ثم قتلهم. وقيل: ~~إنما كان تقاسم التسعة على قتل صالح بعد عقر الناقة وإنذار صالح إياهم ~~بالعذاب، وذلك أن التسعة الذين عقروا الناقة قالوا: تعالوا فلنقتل صالحا ~~فإن كان صادقا عجلنا قتله، وإن كان كاذبا ألحقناه بالناقة، فأتوه ليلا في ~~أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة فهلكوا، فأتى أصحابهم فرأوهم هلكى فقالوا ~~لصالح: أنت قتلتهم، وأرادوا قتله، فمنعهم عشيرته وقالوا: إنه قد أنذركم ~~العذاب، فإن كان صادقا فلا تزيدوا ربكم غضبا وإن كان كاذبا فنحن نسلمه ~~إليكم، فعادوا عنه؛ فعلى القول الأول يكون التسعة الذين تقاسموا غير الذين ~~عقروا الناقة، والثاني أصح، والله أعلم. PageV01P0029 # وأما سبب قتل الناقة فقيل: إن قدار بن سالف جلس مع نفر يشربون الخمر فلم ~~يقدروا على ماء يمزجون به خمرهم لأنه كان يوم شرب الناقة، فحرض بعضهم بعضا ~~على قتلها، وقيل: إن ثمودا كان فيهم امرأتان يقال لإحداهما قطام وللأخرى ~~قبال، وكان قدار يهوى قطام ومصدع يهوى قبال ويجتمعان بهما، ففي بعض الليالي ~~قالتا لقدار ومصدع: لا سبيل لكما إلينا حتى تقتلا الناقة، فقالا: نعم، ~~وخرجا وجمعا أصحابهما وقصدا الناقة وهي على حوضها، فقال الشقي لأحدهم: اذهب ~~فاعقرها، فأتاها، فتعاظمه ذلك، فأضرب عنه، وبعث آخر فأعظم ذلك وجعل لا يبعث ~~أحدا إلا تعاظمه قتلها حتى مشى هو إليها فتطاول فضرب عرقوبها فوقعت تركض، ~~وكان قتلها يوم الأربعاء، واسمه بلغتهم جبار، وكان هلاكهم يوم الأحد، وهو ~~عندهم أول، فلما قتلت أتى رجل منهم صالحا فقال: أدرك الناقة فقد عقروها، ~~فأقبل وخرجوا يتلقونه يعتذرون إليه: يا ms0057 نبي الله إنما عقرها فلان إنه لا ~~ذنب لنا قال: انظروا هل تدركون فصيلها؟ فإن أدركتموه فعسى الله أن يرفع ~~عنكم العذاب، فخرجوا يطلبونه، ولما رأى الفصيل أمه تضطرب قصد جبلا يقال له ~~القارة قصيرا فصعده، وذهبوا يطلبونه، فأوحى الله الى الجبل فطال في السماء ~~حتى ما يناله الطير، ودخل صالح القرية، فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه ~~ثم استقبل صالحا فرغا ثلاثا، فقال صالح: لكل رغوة أجل يوم (تمتعوا في داركم ~~ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب) هود: 11 : 65، وآية العذاب أن وجوهكم تصبح ~~في اليوم الأول مصفرة وتصبح في اليوم الثاني محمرة وتصبح في اليوم الثالث ~~مسودة، فلما أصبحوا إذا وجوههم كأنما طليت بالخلوق صغيرهم وكبيرهم وأنثاهم، ~~فلما أصبحوا في اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة، فلما أصبحوا في اليوم ~~الثالث إذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار، فتكفنوا وتحنطوا، وكان حنوطهم ~~الصبر والمر، وكانت أكفانهم الأنطاع، ثم ألقوا أنفسهم الى الأرض فجعلوا ~~يقلبون أبصارهم الى السماء والأرض لا يدرون من أين يأتيهم العذاب، فلما ~~أصبحوا في اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كالصاعقة، فتقطعت ~~قلوبهم في صدورهم (فأصبحوا في ديارهم جاثمين) هود: 11 : 67، وأهلك الله من ~~كان بين المشارق والمغارب منهم إلا رجلا كان في الحرم فمنعه الحرم، قيل: ~~ومن هو؟ قيل: هو أبو رغال، وهو أبو ثقيف في قول. ولا سار النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، إلى تبوك أتى على قرية ثمود فقال لأصحابه: لا يدخلن أحد منكم ~~القرية ولا تشربوا من مائها، وأراهم مرتقى الفصيل في الجبل وأراهم الفج ~~الذي كانت الناقة ترد منه الماء. وأما صالح، عليه السلام، فإنه سار الى ~~الشام فنزل فلسطين ثم انتقل الى مكة فأقام بها يعبد الله حتى مات وهو ابن ~~ثمان وخمسين سنة، وكان قد أقام في قومه يدعوهم عشرين سنة. وأما أهل التوراة ~~فإنهم يزعمون أنه لا ذكر لعاد وهود وثمود وصالح في التوراة، قال: وأمرهم ~~عند العرب في الجاهلية والإسلام كشهرة إبراهيم الخليل، عليه السلام. ms0058 قلت: ~~وليس إنكارهم ذلك بأعجب من إنكارهم نبوة إبراهيم الخليل ورسالته، وكذلك ~~إنكارهم حال المسيح، عليه السلام. ### | AUT ذكر إبراهيم الخليل عليه السلام # ### | AUT ومن كان في عصره من ملوك العجم # وهو إبراهيم بن تارخ بن ناخور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن غابر بن شالخ ~~بن قينان بن أرفخشذ بن سام بن نوح، عليه السلام، واختلف في الموضع الذي كان ~~فيه والموضع الذي ولد فيه، فقيل: ولد بالسوس من أرض الأهواز، وقيل: ولد ~~ببابل، وقيل: بكوثى، وقيل: بحران ولكن أباه نقله، قال عامة أهل العلم: كان ~~مولده في عهد نمرود بن كوش، ويقول عامة أهل الأخبار: إن نمرود كان عاملا ~~للازدهاق الذي زعم بعض من زعم أن نوحا أرسل إليه، وأما جماعة من سلف من ~~العلماء فإنهم يقولون: كان ملكا برأسه. قال ابن إسحاق: وكان ملكه قد أحاط ~~بمشارق الأرض ومغاربها، وكان ببابل، قال: ويقال: لم يجتمع ملك الأرض إلا ~~لثلاثة ملوك: نمرود وذي القرنين وسليمان بن داود، وأضاف غيره إليهم بخت ~~نصر، وسنذكر بطلان هذا القول. PageV01P0030 # فلما أراد الله أن يبعث ابراهيم حجة على خلقه ورسولا إلى عباده ولم يكن ~~فيما بينه وبين نوح نبي إلا هود وصالح، فلما تقارب زمان إبراهيم أتى أصحاب ~~النجوم نمرود فقالوا له: إنها نجد غلاما يولد في قريتك هذه يقال له ابراهيم ~~يفارق دينكم ويكسر أصنامكم في شهر كذا من سنة كذا، فلما دخلت السنة التي ~~ذكروا حبس نمرود الحبالى عنده إلا أم ابراهيم فإنه لم يعلم بحبلها لأنه لم ~~يظهر عليها أثره، فذبح كل غلام ولد في ذلك الوقت، فلما وجدت أم ابراهيم ~~الطلق خرجت ليلا الى مغارة وكانت قريبة منها فولدت ابراهيم وأصلحت من شأنه ~~ما يصنع بالمولود ثم سدت عليه المغارة ثم سعت الى بيتها راجعة، ثم كانت ~~تطالعه لتنظر ما فعل، فكان يشب في اليوم ما يشب غيره في الشهر، وكانت تجده ~~حيا يمص إبهامه جعل الله رزقه فيها. وكان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ms0059 ~~فقالت: ولدت غلاما فمات، فصدقها، وقيل: بل علم آزر بولادة إبراهيم وكتمه ~~حتى نسي الملك ذكر ذلك ، فقال آزر: إن لي ابنا قد خبأته أفتخافون عليه ~~الملك إن أنا جئت به؟ فقالوا: لا، فانطلق فأخرجه من السرب، فلما نظر الى ~~الدواب والى الخلق، ولم يكن رأى قبل ذلك غير أبيه وأمه، جعل يسأل أباه عما ~~يراه، فيقول أبوه: هذا بعير أو بقرة أو غير ذلك، فقال: ما لهؤلاء الخلق بد ~~من أن يكون لهم رب وكان خروجه بعد غروب الشمس، فرفع رأسه إلى السماء فإذا ~~هو بالكوكب وهو المشتري، فقال: هذا ربي، فلم يلبث أن غاب فقال: لا أحب ~~الآفلين، وكان خروجه في آخر الشهر فلهذا رأى الكوكب قبل القمر. وقيل: كان ~~تفكر وعمره خمسة عشر شهرا، قال لأمه وهو في المغارة: أخرجيني أنظر، فأخرجته ~~عشاء فنظر فرأى الكوكب وتفكر في خلق السموات والأرض وقال في الكوكب ما ~~تقدم، (فلما رأى القمر بازغا قال: هذا ربي، فلما أفل قال: لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين) الأنعام: 6 : 77، فلما جاء النهار وطلعت الشمس ~~رأى نورا أعظم من كل ما رأى فقال: (هذا ربي هذا أكبر، فلما أفلت قال: يا ~~قوم إني بريء مما تشركون) الانعام: 6 : 78، ثم رجع ابراهيم الى أبيه وقد ~~عرف ربه وبريء من دين قومه إلا أنه لم ينادهم بذلك، فأخبرته أمه بما كانت ~~صنعت من كتمان حاله، فسره ذلك. وكان آزر يصنع الأصنام التي يعبدونها ~~ويعطيها إبراهيم ليبيعها، فكان ابراهيم يقول: من يشري ما لا يضره ولا ~~ينفعه؟ فلا يشتريها منه أحد، وكان يأخذها وينطلق بها الى نهر فيصوب رؤوسها ~~فيه ويقول: اشربي استهزاء بقومه، حتى فشا ذلك عنه في قومه، غير أنه لم يبلغ ~~خبره نمرود، فلما بدا لابراهيم أن يدعو قومه الى ترك ما هم عليه ويأمرهم ~~بعبادة الله تعالى دعا أباه الى التوحيد فلم يجبه، ودعا قومه فقالوا: من ~~تعبد أنت؟ قال: رب العالمين، قالوا: نمرود؟ قال: بل أعبد الذي خلقني، فظهر ms0060 ~~أمره، وبلغ نمرود أن إبراهيم أراد أن يري قومه ضعف الأصنام التي يعبدونها ~~ليلزمهم الحجة، فجعل يتوقع فرصة ينتهي بها ليفعل بأصنامهم ذلك، فنظر نظرة ~~في النجوم فقال: إني سقيم، أي طعين، ليهربوا منه إذا سمعوا به، وإنما يريد ~~إبراهيم ليخرجوا عنه ليبلغ من أصنامهم، وكان لهم عيد يخرجون إليه جميعهم، ~~فلما خرجوا قال هذه المقالة فلم يخرج معهم الى العيد وخالف الى أصنامهم وهو ~~يقول: (تالله لأكيدن أصنامكم) الأنبياء: 21 : 57 فسمعه ضعفي الناس ومن هو ~~في آخرهم، ورجع الى الأصنام وهي في بهو عظيم بعضها الى جنب بعض كل صنم يليه ~~أصغر منه حتى بلغوا باب البهو وإذا هم قد جعلوا طعاما بين يدي آلهتهم ~~وقالوا: نترك الآلهة إلى حين نرجع فتأكله، فلما نظر ابراهيم الى ما بين ~~أيديهم من الطعام قال: (ألا تأكلون؟) فلما لم يجبه أحد قال: (مالكم لا ~~تنطقون؟ فراغ عليهم ضربا باليمين) الصافات: 37 : 91 - 93، فكسرها بفأس في ~~يده حتى إذا بقي أعظم صنم منها ربط الفأس بيده ثم تركهن. PageV01P0031 # فلما رجع قومه ورأوا ما فعل بأصنامهم راعهم ذلك وأعظموه وقالوا: (من فعل ~~هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا: سمعنا فتى يذكرهم يقال له ابراهيم) ~~الأنبياء: 21 : 59 - 60 يعنون يسبها ويعيبها، ولم نسمع ذلك من غيره وهو ~~الذي نظنه صنع بها هذا، وبلغ ذلك نمرود وأشراف قومه، فقالوا: (فأتوا به على ~~أعين الناس لعلهم يشهدون) الأنبياء: 21 : 61 ما نفعل به، وقيل: يشهدون ~~عليه، كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، فلما أتي به واجتمع له قومه عند ملكهم ~~نمرود وقالوا: (أأنت فعلت هذا بآلهتنها يا إبراهيم؟ قال: بل فعله كبيرهم ~~هذا، فاسألوهم إن كانوا ينطقون) الأنبياء: 21 : 63، غضب من أن يعبدوا هذه ~~الصغار وهو أكبر منها فكسرها، فارعووا ورجعوا عنه فيما ادعوا عليه من كسرها ~~إلى أنفسهم فيما بينهم فقالوا: لقد ظلمناه وما نراه إلا كما قال، ثم قالوا، ~~وعرفوا أنها لا تضر ولا تنفع ولا تبطش: (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) ~~الأنبياء: 21 ms0061 : 65، أي لا يتكلمون، فتخبرنا من صنع هذا بها وما تبطش ~~بالأيدي فنصدقك، يقول الله تعالى: (ثم نكسوا على رؤوسهم) في الحجة عليهم ~~لإبراهيم، فقال لهم إبراهيم عند قولهم (ما هؤلاء ينطقون): (أفتعبدون من دون ~~الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا ~~تعقلون) الأنبياء: 21 : 67. ثم إن نمرود قال لإبراهيم: أرأيت إلهك الذي ~~تعبد وتدعو الى عبادته ما هو؟ قال: (ربي الذي يحي ويميت) البقرة: 2 : 258، ~~قال نمرود: أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم: وكيف ذلك؟ قال: آخذ رجلين قد ~~استوجبا القتل فأقتل أحدهما فأكون قد أمته وأعفو عن الآخر فأكون قد أحييته، ~~فقال ابراهيم: (إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت) ~~البقرة: 2 : 258 عند ذلك نمرود ولم يرجع إليه شيئا، ثم إنه وأصحابه أجمعوا ~~على قتل ابراهيم فقالوا: (حرقوه وانصروا آلهتكم) الأنبياء: 68. قال عبد ~~الله بن عمر: أشار بتحريقه رجل من أعراب فارس، قيل له: وللفرس أعراب؟ قال: ~~نعم، الأكراد هم أعرابهم، قيل: كان اسمه هيزن فخسف به فهو يتجلجل فيها الى ~~يوم القيامة. فأمر نمرود بجمع الحطب من أصناف الخشب حتيإن كانت المرأة ~~لتنذر ب : إن بلغت ما تطلب أن تحتطب لنار إبراهيم، حتى إذا أرادوا أن يلقوه ~~فيها قدموه وأشعلوا النار حتى إن كانت الطير لتمر بها فتحترق من شدتها ~~وحرها، فلما أجمعوا لقذفه فيها صاحت السماء والأرض وما فيها من الخلق إلا ~~الثقلين إلى الله صيحة واحدة: أي ربنا إبراهيم ليس في أرضك من يعبدك غيره ~~يحرق بالنار فيك فأذن لنا في نصره قال الله تعالى: إن استغاث بشيء منكم ~~فلينصره وإنه لم يدع غيري فأنا له، فلما رفعوه على رأس البنيان رفع رأسه ~~إلى السماء وقال: اللهم أنت الواحد في المساء وأنت الواحد في الأرض، حسبي ~~الله ونعم الوكيل، وعرض له جبرائيل وهو يوثق فقال: ألك حاجة يا إباهيم؟ ~~قال: أما إليك فلا، فقذفوه في النار فناداها فقال: (يا نار كوني بردا ~~وسلاما على ms0062 ابراهيم) الأنبياء: 21 : 96، وقيل: ناداها جبرائيل، فلو لم يتبع ~~بردها سلام لمات ابراهيم من شدة بردها، فلم يبق يومئذ نار إلا طفئت ظنت ~~أنها هي، وبعث الله ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد فيها إلى جنبه يؤنسه. ~~فمكث نمرود أياما لا يشك أن النار قد أكلت إبراهيم، فرأى كأنه نظر فيها وهي ~~تحرق بعضها بعضا وإبراهيم جالس إلى جنبه رجل مثله، فقال لقومه: لقد رأيت ~~كأن إبراهيم حي ولقد شبه علي، ابنوا لي صرحا يشرف بي على النار، فبنوا له ~~وأشرف منه فرأى إبراهيم جالسا وإلى جانبه رجل في صورته، فناداه نمرود: يا ~~ابراهيم كبير إلهك الذي بلغت قدرته وعزته أن حال بينك وبين ما أرى، هل ~~تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: أتخشى إن أقمت فيها أن تضرك؟ قال: لا، ~~فقام ابراهيم فخرج منها، فلما خرج قال له: يا ابراهيم من الرجل الذي رأيت ~~معك مثل صورتك؟ قال: ذلك ملك الظل أرسله إلي ربي ليؤنسني، قال نمرود: إني ~~مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيت من قدرته وعزته وما صنع بك حين أبيت إلا ~~عبادته. PageV01P0032 # فقال إبراهيم: إذا لا يقبل الله منك ما كنت على شيء من دينك، فقال: يا ~~ابراهيم لا استطيع ترك ملكي، وقرب أربعة آلاف بقرة وكف عن إبراهيم ومنعه ~~الله منه، وآمن مع ابراهيم رجال من قومه حين رأوا ما صنع الله به على خوف ~~من نمرود وملإهم، وآمن له لوط بن هاران، وهو ابن أخي ابراهيم، وكان لهم أخ ~~ثالث يقال له ناخور بن تارخ، وهو أبو بتويل، وبتويل أبو لابان وأبو ربقا ~~امرأة إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب، ولابان أبو ليا وراحي زوجتي يعقوب، وآمنت ~~به سارة، وهي ابنة عمه، وهي سارة ابنة هاران الأكبر عم إبراهيم، وقيل: كانت ~~ابنة ملك حران فآمنت بالله تعالى مع ابراهيم. ### || AUT ذكر هجرة إبراهيم عليه السلام # ### || AUT ومن آمن معه # ثم إن ابراهيم والذين اتبعوا أمره أجمعوا على فراق قومهم، فخرج مهاجرا ~~حتيقدم مصر وبها فرعون ms0063 من الفراعنة الأولى كان اسمه سنان بن علوان بين عبيد ~~بن عولج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، وقيل: كان أخا الضحاك استعمله على ~~مصر، وكانت سارة من أحسن النساء وجها، وكانت لا تعصي ابراهيم شيئا، فلما ~~وصفت لفرعون أرسل الى ابراهيم فقال: من هذه التي معك؟ قال: أختي، يعني في ~~الإسلام، وتخوف إن قال هي امرأتي أن يقتله، فقال له: زينها وأرسلها إلي، ~~فأمر بذلك ابراهيم، فتزينت، وأرسلها إليه، فلما دخلت عليه أهوى بيده إليها، ~~وكان ابراهيم حين أرسلها قام يصلي، فلما أهوى إليها أخذ أخذا شديدا، فقال: ~~ادعي الله ولا أضرك، فدعت له، فأرسل، فأهوى إليها، فأخذ أخذا شديدا، فقال: ~~ادعي الله ولا أضرك، فدعت له، فأرسل، ثم فعل ذلك الثالثة، فذكر مثل ~~المرتين، فدعا أدنى حجابه فقال: إنك لم تأتني بإنسان وإنك أتيتني بشيطان ~~أخرجها وأعطها هاجر، ففعل، فأقبلت بهاجر، فلما أحس ابراهيم بها انفتل من ~~صلاته فقال: مهيم فقالت: كفى الله كيد الكافرين وأخدم هاجر. وكان أبو هريرة ~~يقول: تلك أمكم يا بني ماء السماء، وروى أبو هريرة عن النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، أنه قال: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث مرات، اثنتين في ذات الله، قوله: ~~(إني سقيم) وقوله: (بل فعله كبيرهم هذا)، وقوله في سارة: هي أختي). ### || AUT ذكر ولادة اسماعيل عليه السلام # ### || AUT وحمله الى مكة # قيل: كانت هاجر جارية ذات هيئة فوهبتها سارة لإبراهيم وقالت: خذها لعل ~~الله يرزقك منها ولدا، وكانت سارة قد منعت الولد حتى أسنت، فوقع إبراهيم ~~على هاجر فولدت إسماعيل، ولهذا قال النبي، صلى الله عليه وسلم: إذا افتتحتم ~~مصر فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما)، يعني ولادة هاجر. فكان ~~إبراهيم قد خرج بها الى الشام من مصر خوفا من فرعون، فنزل السبع من أرض ~~فلسطين، ونزل لوط بالمؤتفكة، وهي من السبع مسيرة يوم وليلة، فبعثه الله ~~نبيا، وكان إبراهيم قد اتخذ بالسبع بئرا ومسجدا، وكان ماء البئر معينا ~~طاهرا، فآذاه أهل السبع فانتقل عنهم، ms0064 فنضب الماء فاتبعوه يسألونه العود ~~إليهم، فلم يفعل وأعطاهم سبعة أعنز وقال: إذا أوردتموها الماء ظهر حتى يكون ~~معينا طاهرا فاشربوا منه ولا تغترف منه امرأة حائض، فخرجوا بالأعنز، فلما ~~وقفت على الماء ظهر إليها، وكانوا يشربون منه، إلى أن غرفت منه امرأة طامث ~~فعاد الماء الى الذي هو عليه اليوم، وأقام إبراهيم بين الرملة وإيليا ببلد ~~يقال له قط أوقط. PageV01P0033 # قال: فلما ولد اسماعيل حزنت سارة حزنا شديدا، فوهبها الله إسحاق وعمرها ~~سبعون سنة، فعمر إبراهيم مائة وعشرون سنة، فلما كبر اسماعيل واسحاق اختصما، ~~فغضبت سارة على هاجر فأخرجتها ثم أعادتها، فغارت منها فأخرجتها وحلفت ~~لتقطعن منهابضعة فتركت أنفها وأذنها لئلا تشينها ثم خفضتها، فمن ثم خفض ~~النساء، وقيل: كان إسماعيل صغيرا، وإنما أخرجتها سارة غيرة منها، وهو ~~الصحيح، وقالت سارة: لا تساكنني في بلد، فأوحى الله الى ابراهيم أن يأتي ~~مكة وليس بها يومئذ نبت، فجاء ابراهيم باسماعيل وأمه هاجر فوضعهما بمكة ~~بموضع زمزم، فلما مضى نادته هاجر: يا ابراهيم من أمرك أن تتركنا بأرض ليس ~~فيها زرع ولا ضرع ولا ماء ولا زاد ولا أنيس؟ قال: ربي أمرني، قالت: فإنه لن ~~يضيعنا، فلما ولى قال: (ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن) ابراهيم: 14 : 38 ~~يعني من الحزن، وقال: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك ~~المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) الآية ~~ابراهيم: 14 : 38. فلما ظميء اسماعيل جعل يدحض الأرض برجله، فانطلقت هاجر ~~حتى صعدت الصفا لتنظر هل ترى شيئا، فلم تر شيئا، فانحدرت الى الوادي فسعت ~~حتى أتت المروة فاستشرفت هل ترى شيئا فلم تر شيئا، ففعلت ذلك سبع مرات، ~~فذلك أصل السعي، ثم جاءت الى اسماعيل وهو يدحض الأرض بقدميه وقد نبعت ~~العين، وهي زمزم، فجعلت تفحص الأرض بيدها عن الماء، وكلما اجتمع أخذته ~~وجعلته في سقائها، قال: فقال النبي، صلى الله عليه وسلم،: (يرحمها الله لو ~~تركتها لكانت عينا سائحة). وكانت جرهم بواد قريب من ms0065 مكة ولزمت الطير الوادي ~~حين رأت الماء، فلما رأت جرهم الطير لزمت الوادي، قالوا: ما لزمته إلا وفيه ~~ماء، فجاؤوا الى هاجر فقالوا: لو شئت لكنا معك فآنسناك والماء ماؤك، قالت: ~~نعم، فكانوا معها حتى شب اسماعيل وماتت هاجر، فتزوج اسماعيل امرأة من جرهم ~~فتعلم العربية منهم هو وأولاده، فهم العرب المتعربة. واستأذن ابراهيم سارة ~~أن يأتي هاجر، فأذنت له وشرطت عليه ألا ينزل، فقدم وقد ماتت هاجر، فذهب الى ~~بيت اسماعيل فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ليس ههنا، ذهب يتصيد، وكان ~~اسماعيل بخرج من الحرم يتصيد ثم يرجع، قال ابراهيم: هل عندك ضيافة؟ قالت: ~~ليس عندي ضيافة وما عندي أحد، فقال ابراهيم: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام ~~وقولي له فليغير عتبة بابه. وعاد ابراهيم، وجاء اسماعيل فوجد ريح أبيه، ~~فقال لامرأته: هل عندك أحد؟ قالت: جاءني شيخ كذا وكذا، كالمستخفة بشأنه، ~~قال: فما قال لك؟ قالت: قال: أقرئي زوجك السلام وقولي له فليغير عتبة بابه، ~~فطلقها وتزوج أخرى. فلبث ابراهيم ما شاء الله أن يلبث ثم استأذن سارة أن ~~يزور اسماعيل، فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل، فجاء إبراهيم حتى انتهى الى ~~باب اسماعيل فقال لأمرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب ليتصيد وهو يجيء الآن إن ~~شاء الله تعالى، فانزل يرحمك الله، فقال لهاك فعندك ضيافة؟ قالت: نعم، قال: ~~فهل عندك خبز أوبر أو شعير لكانت أكثر أرض الله من ذلك، فقالت: انزل حتى ~~أغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بالمقام بالإناء فوضعته عند شقه الأيمن، فوضع ~~قدمه عليه فبقي أثر قدمه فيه، فغسلت شق رأسه الأيمن ثم حولت المقام الى شقه ~~الأيسر ففعلت به كذلك، فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه عني السلام وقولي ~~له: قد استقامت عتبة بابك - فلما جاء اسماعيل وجد ريح أبيه فقال لأمرأته: ~~هل جاءك أحد؟ قالت: نعم، شيخ أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا فقال لي كذا ~~وكذا، وقلت له كذا وكذا، وغسلت رأسه، وهذا موضع قدمه، وهو يقرئك السلام ~~ويقول: قد استقامت عتبة بابك، ms0066 قال: ذلك إبراهيم. وقيل: إن الذي أنبع الماء ~~جبرائيل، فإنه نزل الى هاجر وهي تسعى في الوادي فسمعت حسه فقالت: قد ~~أسمعتني فأغثني فقد هلكت أنا ومن معي، فجاء بها الى موضع زمزم فضرب بقدمه ~~ففارت عينا، فتعجلت، فجعلت تفرغ في شنها، فقال لها: لا تخافي الظمأ. ### || AUT ذكر عمارة البيت الحرام بمكة # PageV01P0034 # قيل: ثم أمر الله ابراهيم ببناء البيت الحرام، فضاق بذلك ذرعا فأرسل الله ~~السكينة، وهي ريح خجوج، وهي اللينة الهبوب، لها رأسان، فسار معها إبراهيم ~~حتى انتهت الى موضع البيت فتطوت عليه كتطوي الحجفة، فأمر إبراهيم أن يبني ~~حيث تستقر السكينة، فبنى إبراهيم. وقيل: أرسل الله مثل الغمامة له رأس ~~فكلمه وقال: يا إبراهيم ابن على ظلي أو على قدري لا تزد ولا تنقص، فبنى، ~~وهذان القولان نقلا عن علي، وقال السدي: الذي دله على موضع البيت جبرائيل. ~~فسار إبراهيم الى مكة، فلما وصلها وجد إسماعيل يصلح نبلا له وراء زمزم، ~~فقال له: يا اسماعيل إن الله قد أمرني أن أبني له بيتا، قال اسماعيل: فأطع ~~ربك، فقال ابراهيم: قد أمرك أن تعينني على بنائه، قال: إذن أفعل، قال فقام ~~معه فجعل إبراهيم يبنيه واسماعيل يناوله الحجارة، ثم قال ابراهيم لاسماعيل: ~~إيتني بحجر حسن أضعه على الركن فيكون للناس علما، فناداه أبو قبيس: إن لك ~~عندي وديعة، وقيل: بل جبرائيل أخبره بالحجر الأسود، فأخذه ووضعه موضعه، ~~وكانا كلما بنيا دعوا الله: (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) البقرة: ~~2 : 127. فلما ارتفع البنيان وضعف الشيخ عن رفع الحجارة قام على حجر، وهو ~~مقام إبراهيم، فجعل يناوله، فلما فرغ من بناء البيت أمره الله أن يؤذن في ~~الناس بالحج، فقال إبراهيم: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ، ~~فنادى: أيها الناس إن الله قد كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فسمعه ما ~~بين السماء والأرض وما في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه من آمن ممن ~~سبق فيعلم الله أن يحج إلى يوم القيامة، فأجيب: لبيك لبيك ms0067 ثم خرج بإسماعيل ~~معه الى التروية فنزل به منى ومن معه من المسلمين فصلى بهم الظهر والعصر ~~والمغرب والعشاء الآخرة، ثم بات حتى أصبح فصلى بهم الفجر، ثم سار الى عرفة ~~فأقام بهم هناك حتى إذا مالت الشمس جمع بين الصلاتين الظهر والعصر ثم راح ~~بهم الى الموقف من عرفة الذي يقف عليه الإمام، فوقف به على الأراك، فلما ~~غربت الشمس دفع به ون معه حتى أتى المزدلفة فجمع بها الصلاتين المغرب ~~والعشاء الآخرة، ثم بات بها ومن معه حتى إذا طلع الفجر صلى الغداة ثم وقف ~~على قزح حتى إذا أسفر دفع به وبمن معه يريه ويعلمه كيف يصنع حتى رمى الجمرة ~~وأراه المنحر ثم نحر وحلق وأراه كيف يوطف ثم عاد به الى منى ليريه كيف رمي ~~الجمار حتى فرغ من الحج. وروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أن جبرائيل هو ~~الذي أرى إبراهيم كيف يحج، ورواه عنه ابن عمر، ولم يزل البيت على ماب ناه ~~إبراهيم، عليه السلام، إلى أن هدمته قريش سنة خمس وثلاثين من مولد النبي ~~صلى الله عليه وسلم، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر قصة الذبح # واختلف السلف من المسلمين في الذبيح، فقال بعضهم: هو اسماعيل، وقال ~~بعضهم: هو إسحاق، وقد روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، كلا القولين، ولو ~~كان فيهما صحيح لم نعده إلى غيره؛ فأما الحديث في أن الذبيح إسحاق فقد روى ~~الأحنف عن العباس بن عبد المطلب عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في حديث ~~ذكر فيه: (وفديناه بذبح عظيم) الصافات: 37 : 107 هو إسحاق، وقد روى هذا ~~الحديث عن العباس من قوله لم يرفعه. وأما الحديث الآخر في أن الذبيح ~~اسماعيل فقد روى الصنابحي قال: كنا عند معاوية بن أبي سفيان فذكروا الذبيح ~~فقال: على الخبير سقطتم، كنا عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجل ~~فقال: يا رسول الله عد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين، فضحك، صلى ms0068 ~~الله عليه وسلم، فقيل لمعاوية: وا الذبيحان؟ فقال: إن عبد المطلب نذر إن ~~سهل الله حفر زمزم أن يذبح أحد أولاده، فخرج السهم على عبد الله أبي النبي، ~~صلى الله عليه سلم، ففداه بمائة بعير، وسنذكره إن شاء الله، والذبيح الثاني إسماعيل. ### || AUT ذكر من قال إنه إسحاق # PageV01P0035 # ذهب عمربن الخطاب وعلي والعباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله، رضي الله ~~عنهم، فيما رواه عنه عكرمة وعبد الله بن مسعود وكعب وابن سابط وابن أبي ~~الهذيل ومسروق الى أن الذبيح إسحاق، ### || AUT عليه السلام # .حدث عمرو بن أبي سفيان بن أبي أسيد بن أبي جارية الثقفي أن كعبا قال ~~لأبي هريرة: ألا أخبرك عن إسحاق بن ابراهيم؟ قال: بلى، قال كعب: لما رأى ~~إبراهيم ذبح إسحاق قال الشيطان: والله لئن لم أفتتن عند هذا آل إبراهيم لم ~~أفتتن أحدا منهم بعد ذلك أبدا، فتمثل رجلا يعرفونه فأقبل حتى إذا خرج ~~ابراهيم بإسحاق ليذبحه دخل على سارة امرأة ابراهيم فقال لها: أين أصبح ~~ابراهيم غاديا بإسحاق؟ قالت: لبعض حاجته، قال: لا والله إنما غدا به ليذبحه ~~قالت سارة: لم يكن ليذبح ولده، قال الشيطان: بلى والله لأنه زعم أن الله قد ~~أمره بذلك، قالت سارة: فهذا أحسن أن يطيع ربه، ثم خرج الشيطان فأدرك إسحاق ~~وهو مع أبيه فقال له: إن ابراهيم يريد أن يذبحك قال إسحاق: ما كان ليفعل، ~~قال: بلى والله إنه زعم أن ربه أمره بذلك، قال اسحاق: فوالله لئن أمره ربه ~~بذلك ليطيعنه فتركه ولحق ابراهيم فقال: أين أصبحت غاديا بابنك؟ قال: لبعض ~~حاجتي، قال: لا والله إنما تريد ذبحه قال: ولم؟ قال: لأنك زعمت أن الله ~~أمرك بذلك، قال ابراهيم: فو الله إن كان الله أمرني بذلك لأفعلن. فلما أخذ ~~ابراهيم اسحاق ليذبحه أعفاه الله من ذلك وفداه بذبح عظيم، وأوحى الله إلى ~~إسحاق: إني معطيك دعوة أستجيب لك فيها، قال اسحاق: اللهم فأيما عبد لقيك من ~~الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئا فأدخله الجنة. وقال ms0069 عبيد بن عمير: قال ~~موسى: يا رب يقولون يا إله ابراهيم واسحاق ويعقوب، فبم نالوا ذلك؟ قال: إن ~~ابراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني، وإن اسحاق جاد لي بالذبح وهو بغير ~~ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن بي. أسيد بفتح الهمزة، ~~وكسر السين، وجارية بالجيم. ### || AUT ذكر من قال ان الذبيح إسماعيل # ### || AUT عليه السلام # روى سعيد بن جبير ويوسف بن مهران والشعبي ومجاهد وعطاء بن أبي رباح كلهم ~~عن أبن عباس أنه قال: إن الذبيح اسماعيل، وقال: زعمت اليهود أنه اسحاق، ~~وكذبت اليهود، وقال أبو الطفيل والشعبي: رأيت قرني الكبش في الكعبة. قال ~~محمد بن كعب: إن الذي أمر الله إبراهيم بذبحه من ابنيه اسماعيل، وإنا لنجد ~~ذلك في كتاب الله في قصة الخبر عن ابراهيم وما أمر به من ذبحه ابنه أنه ~~اسماعيل، وذلك أن الله تعالى حين فرغ من قصة المذبوح من ابني ابراهيم قال: ~~(وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين) الصافات: 37 : 100، ويقول: وبشرناه ~~بإسحاق نبيا، ومن وراء إسحاق يعقوب بابن وابن ابن، فلم يكن يأمره بذبح ~~اسحاق، وله فيه من الله عز وجل ما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلا اسماعيل؛ ~~فذكر ذلك محمد بن كعب لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة، فقال: إن هذا الشيء ما ~~كنت أنظر فيه وإني لأراه كما قلت. ### || AUT ذكر السبب الذي من أجله أمر إبراهيم بالذبح # ### || AUT وصفة الذبح # قيل: أمر الله ابراهيم، ### || AUT عليه السلام # ، بذبح ابنه فيما ذكر أنه دعا الله أن يهب له ولدا ذكرا صالحا، فقال: (رب ~~هب لي من الصالحين) الصافات: 37 : 112، فلما بشرته الملائكة بغلام حليم ~~قال: إذن هو لله ذبيح، فلما ولد الغلام وبلغ معه السعي قيل له: أوف نذرك ~~الذي نذرت، وهذا على قول من زعم أن الذبيح اسحاق، وقائل هذا يزعم أن ذلك ~~كان بالشام على ميلين من إيليا، وأما من زعم أنه إسماعيل فيقول: إن ذلك كان ~~بمكة. قال محمد بن اسحاق: إن ms0070 ابراهيم قال لابنه حين أمر بذبحه: يا بني خذ ~~الحبل والمدية ثم انطلق بنا الى هذا الشعب لنحتطب لأهلك، فلما توجه اعترضه ~~إبليس ليصده عن ذلك، فقال: إليك عني يا عدو الله فو الله لأمضين لأمر الله ~~فاعترض اسماعيل فأعلمه ما يريد ابراهيم يصنع به، فقال: سمعا لأمر ربي ~~وطاعة، فذهب الى هاجر فأعلمها، فقالت: إن كان ربه أمره بذلك فتسليما لأمر ~~الله، فرجع بغيظه لم يصب منهم شيئا. PageV01P0036 # فلما خلا ابراهيم بالشعب، وهو شعب ثبير، قال له: (يابني إني أرى في ~~المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال: يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء ~~الله من الصابرين)، الصافات: 37 : 102، ثم قال له: يا أبت إن أردت ذبحي ~~فاشدد رباطي لا يصبك من دمي شيء فينتقص أجري، فإن الموت شديد، واشحذ شفرتك ~~حتى تريحني، فإذا أضجعتني فكبني على وجهي فإني أخشى إن نظرت في وجهي أنك ~~تدركك رحمة فتحول بينك وبين أمر الله، وإن رأيت أن ترد قميصي الى هاجر أمي ~~فعسى أن يكون أسلى لها عني، فافعل، فقال ابراهيم: نعم المعين أنت، أي بني، ~~على أمر الله فربطه كما أمره ثم حد شفرته (وتله للجبين)، ثم ادخل الشفرة ~~لخلقه، فقلبها الله لقفاها ثم اجتذبها إليه ليفرغ منه، فنودي: (أن يا ~~إبراهيم قد صدقت الرؤيا) الصافات: 37 : 104، هذه ذبيحتك فداء لابنك ~~فاذبحها. وقيل: جعل الله على خلقه صحيفة نحاس، قال ابن عباس: خرج عليه كبش ~~من الجنة قد رعى فيها أربعين خريفا، وقيل: هو الكبش الذي قربه هابيل، وقال علي، ### || AUT عليه السلام # : كان كبشا أقرن أعين أبيض، وقال الحسن: ما فدي إسماعيل إلا بتيس من ~~الأروى هبط عليه من ثبير فذبحه، قيل: بالمقام، وقيل: بمنى في المنحر. ### || AUT ذكر ما امتحن الله به إبراهيم # ### || AUT عليه السلام # بعد ابتلاء الله تعالى ابراهيم بما كان من نمرود وذبح ولده بعد أن رجا ~~نفعه ابتلاه الله بالكلمات التي أخبر أنه ابتلاه بهن فقال تعالى: (وإذ ~~ابتلى ابراهيم ربه بكلمات ms0071 فأتمهن) البقرة: 2 : 124، واختلف السلف من ~~العلماء الأئمة في هذه الكلمات، فقال ابن عباس من رواية عكرمة عنه في قوله ~~تعالى: (وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن): لم يبتل أحد بهذا الدين ~~فأقامه إلا ابراهيم، وقال الله: (وإبراهيم الذي وفى) النجم: 53 : 37، قال: ~~والكلمات عشر في براءة، وهي: (العابدون الحامدون) الآية التوبة: 112، وعشر ~~في الأحزاب، وهي: (إن المسلمين والمسلمات) الآية الاحزاب: 35، وعشر في ~~المؤمنين من أولها الى قوله تعالى: (والذين هم على صلاتهم يحافظون) ~~المعارج: 34، وقال آخرون: هي عشر خصال. قال ابن عباس من رواية طاووس وغيره ~~عنه: الكلمات عشر، وهي خمس في الرأس: قص الارب والمضمضة والاستنشاق والسواك ~~وفرق الرأس، وخمس في الجسد، وهي: تقليم الأظفار وحلق العانة والحيتان ونتف ~~الإبط وغسل أثر الغائط ، وقال آخرون: هي مناسك الحج، وقوله تعالى: (إني ~~جاعلك للناس إماما) البقرة: 2 : 124 وهو قول أبي صالح ومجاهد، وقال آخرون: ~~هي ست، وهي: الكواكب والقمر والشمس والنار والهجرة والختان. وذبح ابنه، وهو ~~قول الحسن، قال: ابتلاه بذلك فعرف أن ربه دائم لا يزول فوجه وجهه للذي فطر ~~السموات والأرض وهاجر من وطنه وأراد ذبح ابنه وختن نفسه، وقيل غير ذلك مما ~~لا حاجة إليه في التاريخ المختصر، وإنما ذكرنا هذا القدر لئلا يخلو من فصول الكتاب. ### | AUT ذكر عدو الله نمرود وهلاكه # ونرجع الآن إلى خبر عدو الله نمرود وما آل إليه أمره في دنياه وتمرده ~~على الله تعالى وإملاء الله له، وكان أول جبار في الأرض، وكان إحراقه ~~ابراهيم ما قدمنا ذكره، فأخرج إبراهيم، ### || AUT عليه السلام # ، من مدينته وحلف أنه يطلب إله ابراهيم، فأخذ أربعة أفرخ نسور فرباهن ~~باللحم والخمر حتى كبرن وغلظن، فقرنن بتابوت وقعد في ذلك التابوت فأخذ معه ~~رجلا ومع لحم لهن، فطرن به حتى إذا ذهبن أشرف ينظر الى الأرض فرأى الجبال ~~تدب كالنمل، ثم رفع لهن اللحم ونظر إلى الأرض فرآها يحيط بها بحر كأنها فلك ~~في ماء، ثم رفع طويلا فوقع في ظلمة فلم ير ما ms0072 فوقه وما تحته، ففزع وألقى ~~اللحم، فاتبعته النسور منقضات، فلما نظرت الجبال إليهن وقد أقبلن منقضات ~~وسمعن حفيفهن فزعت الجبال وكادت تزول ولم يفعلن، وذلك قول الله تعالى: (وإن ~~كان مكرهم لتزول منه الجبال) ابراهيم: 14 : 47، وكانت طيرورتهن من بيت ~~المقدس، ووقوعهن في جبل الدخان. فلما رأى أنه لايطيق شيئا أخذ ف يبنيان ~~الصرخ فبناه حتى علا وارتقى فوقه ينظر إلى إله ابراهيم بزعمه وأحدث، ولم ~~يكن يحدث، وأخذ الله بنيانهم من القواعد من أساس الصرخ فسقط وتبلبلت الألسن ~~يومئذ من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا، وكان لسان الناس قبل ذلك ~~سريانيا. PageV01P0037 # هكذا روي أنه لم يحدث، وهذا ليس بشيء، فإن الطبع البشري لم يخل منه إنسان ~~حتى الأنبياء، صلوات الله عليهم، وهم أكثر اتصالا بالعالم العلوي وأشرف ~~أنفسا، ومع هذا فيأكلون ويشربون ويبولون ويتغوطون، فلو نجا منه أحد لكان ~~الأنبياء أولى لشرفهم وقربهم من الله تعالى، وإن كان لكثرة ملكه فالصحيح ~~أنه لم يملك مستقلا، ولو ملك مستقلا لكان الإسكندر أكثر ملكا منه ومع هذا ~~فلم يقل فيه شيء من هذا. قال زيد بن أسلم: إن الله تعالى بعث الى نمرود بعد ~~ابراهيم ملكا يعدوه الى الله أربع مرات فأبى وقال: أرب غيري؟ فقال له ~~الملك: اجمع جموعك الى ثلاثة أيام، فجمع جموعه، ففتح الله عليه بابا من ~~البعوض، فطلعت الشمس فلم يروهامن كثرتها، فبعثها الله عليهم فأكلتهم ولم ~~يبق منهم إلا العظام والملك كما هو لم يصبه شيء، فأرسل الله عليه بعوضة ~~فدخلت في منخره فمكث يضرب رأسه بالمطارق فأرحم الناس به من يمع يديه ويضرب ~~بهما رأسه، وكان ملكه ذلك أربعمائة سنة، وأماته الله تعالى، وهو الذي بنى ~~الصرح. وقال جماعة: إن نمرود ن كنعان ملك مشرق الأرض ومغربها، وهذا قول ~~يدفعه أهل العلم بالسير وأخبار الملوك، وذلك أنهم لا ينكرون ان مولد ~~ابراهيم كان أيام الضحاك الذي ذكرنا بعض أخباره فيما مضى، وأنه كان ملك شرق ~~الأرض وغربها، وقول القائل إن الضحاك الذي ملك الأرض هو ms0073 نمرود ليس بصحيح، ~~لأن أهل العلم المتقدمين يذكرون أن نسب نمرود في النبط معروف، ونسب الضحاك ~~في الفرس مشهور، وإنما الضحاك استعمل نمرود على السواد وما اتصل به يمنة ~~ويسرة وجعله وولده عمالا على ذلك، وكان هو ينتقل في البلاد، وكان وطنه ووطن ~~أجداده دنباوند من جبال طبرستان، وهناك رمى به أفريدون حين ظفر به، وكذلك ~~بخت نصر. ذكر بعضهم أنه ملك الأرض جميعها، وليس كذلك، وإنما كان اصبهبذ ما ~~بين الأهواز الى أرض الروم من غربي دجلة من قبل لهراسب، لأن لهراسب كان ~~مشتغلا بقتال الترك مقيما بإزائهم ببلخ، وهو بناها لما تطاول مقامه هناك ~~لحرب الترك، ولم يملك أحد من النبط شبرا من الأرض مستقلا برأسه، فكيف الأرض ~~جميعها وإنما تطاولت مدة نمرود بالسواد أربعمائة سنة ثم دخل من نسله بعد ~~هلاكه جيل يقال له نبط بن قعود ملك بعده مائة سنة، ثم كداوص بن نبط ثمانين ~~سنة، ثم بالش بن كداوص مائة وعشرين سنة، ثم نمرود بن بالش سنة وشهرا، فذلك ~~سبع مائة سنة وسنة، وشهد أيام الضحاك، وظن الناس في نمرود ما ذكرناه، فلما ~~ملك أفريدون وقهر لازدهاق قتل نمرود بن بالش وشرد النبط وقتل فيهم مقتلة عظيمة. ### | AUT ذكر قصة لوط وقومه # قد ذكرنا مهاجر لوط مع ابراهيم، عليه السلام، الى مصر وعودهم الى الشام ~~ومقام لوط بسدوم. فلما أقام بها أرسله الله إلى أهلها، وكانوا أه كفر بالله ~~تعالى وركوب فاحشة، كما قال تعال: (إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من ~~أحد من العالمين، أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم ~~المنكر) فكان قطعهم السبيل أنهم كانوا يأخذون المسافر إذا مر بهم ويعلمون ~~به ذلك العمل الخبيث، وهو اللواطة، وأما إتيانهم المنكر في ناديهم فقيل ~~كانوا يحذفون من مر بهم ويسخرون منهم، وقيل: كانوا يتضارطون في مجالسهم، ~~وقيل: كان يأتي بعضهم بعضا في مجالسهم. وكان لوط يدعوهم إلى عبادة الله ~~وينهاهم عن الأمور التي يكرهها الله منهم من قطع السبيل وركوب الفواحش ~~وإتيان ms0074 الذكور في الأدبار ويتوعدهم على إصرارهم وترك التوبة بالعذاب ~~الأليم، فلا يزجرهم ذلك ولا يزيدهم وعظه إلا تماديا واستعجالا لعقاب الله ~~إنكارا منهم لوعيده ويقولون له: ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين، حتى ~~سأل لوط ربه النصرة عليهم لما تطاول عليه أمرهم وتماديهم في غيهم. فبعث ~~الله، لما أراد هلاكهم ونصر رسوله، جبرائيل وملكين آخرين معه أحدهما ~~ميكائيل والآخر إسرافيل، فأقبلوا فيما ذكر مشاة في صورة رجال وأمرهم أن ~~يبدأوا بإبراهيم وسارة ويبشروه باسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. PageV01P0038 # فلما نزلوا على إبراهيم، وكان الضيف قد أبطأ عنه خمسة عشر يوما حتى شق ~~ذلك عليه، وكان يضيف من نزل به، وقد وسع الله عليه الرزق، فرح بهم ورأى ~~ضيفا لم ير مثلهم حسنا وجمالا، فقال: لا يخدم هؤلاء القوم أحد إلا أنا ~~بيدي، فخرج إلى أهله فجاء بعجل سمين قد حنذه، أي أنضجه، فقربه إليهم، ~~فأمسكوا أيديهم عنه، (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، ~~قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط، وامرأته - سارة - قائمة فضحكت - لما ~~عرفت من أمر الله ولما تعلم من قوم لوط - فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق ~~يعقوب) فقالت، وصكت وجهها: (أألد وأنا عجوز)، إلى قوله: (حميد مجيد)، وكانت ~~ابنة تسعين سنة وابراهيم ابن عشرين ومائة. فلما ذهب عن ابراهيم الروع ~~وجاءته البشرى ذهب يجادل جبرائيل في قوم لوط، فقال له: أرأيت إن كان فيهم ~~خمسون من المسلمين؟ قالوا: وإن كان فيهم خمسون من المسلمين؟ قالوا: وإن كان ~~فيهم خمسون من المسلمين لم يعذبهم؟ قال: وأربعون، قالوا: وأربعون؟ قال: ~~وثلاثون، حتى بلغ عشرة، قالوا: وإن كان فيهم عشرة؟ قال: ما قم لا يكون فيهم ~~عشرة فيهم خير ثم قال: (إن فيها لوطا، قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين). ثم مضت الملائكة نحو سدوم قرية لوط، ~~فلما انتهوا إليها لقوا لوطا في أرض له يعمل فيها، وقد قال الله تعالى لهم: ~~لاتهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع ms0075 شهادات، فأتوه فقالوا: إنا متضيفوك ~~الليلة، فانطلق بهم، فلما مشى ساعة التفت إليهم فقال لهم: أما تعلمون ما ~~يعمل أهل هذه القرية؟ والله ما أعلم على ظهر الأرض إنسانا أخبث منهم، حتى ~~قال ذلك أربع مرات. وقيل: بل لقوا ابنته فقالوا: يا جارية هل من منزل؟ ~~قالت: نعم، مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم، خافت عليهم من قومها، فأتت أباها ~~فقالت: يا أبتاه أدرك فتيانا على باب المدينة ما رأيت أصبح وجوها منهم لئلا ~~يأخذهم قومك فيفضحوهم، وكان قومه قد نهوه أن يضيف رجلا، فجاء بهم فلم يعلم ~~إلا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته فأخبرت قومها وقالت لهم: قد نزل بنا قوم ما ~~رأيت أحسن وجوها منهم ولا أطيب رائحة، فجاءه قومه يهرعون إليه، فقال: يا ~~قوم (اتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد)، فنهاهم ورغبهم ~~وقال: (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) مما تريدون، (قالوا: لقد علمت ما لنا في ~~بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد) هود: 11 : 79 (أولم ننهك عن العالمين) ~~الحجر: 15 : 70، فلما لم يقبلوا منه (قال: لو أن لي بكم قوة أو اوي الى ركن ~~شديد) هود: 11 : 80 يعني لو أن لي أنصارا أو عشيرة يمنعوني منكم، فلما قال ~~ذلك وجد عليه الرسل فقالوا: إن ركنك لشديد ولم يبعث الله نبيا إلا في ثروة ~~من قومه ومنعة من عشيرته، وأغلق لوط الباب، فعالجوه، وفتح لوط الباب، ~~فدخلوا، واستأذن جبرائيل ربه في عقوبتهم فأذن له فبسط جناحه ففقأ أعينهم ~~وخرجوا يدوس بعضهم بعضا عميانا يقولون: النجاء النجاء فن في بيت لوط أسحر ~~قوم في الأرض وقالوا للوط: (إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من ~~الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك) هود: 11 : 81 (واتبع أدبارهم : ~~وامضوا حيث تؤمرون) الحجر: 15 : 65. فأخرجهم الله الى الشام وقال لوط: ~~أهلكوهم الساعة؛ فقالوا: لن نؤمر إلا بالصبح، (أليس الصبح بقريب) هود: 11 : ~~81، فملا كان الصبح أدخل جبرائيل، وقيل ميكائيل، جناحه في أرضهم وقراهم ms0076 ~~الخمس فرفعها حتى سمع أهل المساء صياح ديكتهم ونباح كلابهم، ثم قلبها فجعل ~~عاليها سافلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل فأهلكت من لم يكن بالقرى، وسمعت ~~امرأة لوط الهدة فقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها، ونجى الله لوطا وأهله ~~إلا امرأته، وذكر أنه كان فيها أربعمائة ألف، وكان ابراهيم يتشرف عليها ~~ويقول: سدوم يوما هالك، ومدائن قوم لوط خمس: سدوم وصبعة وعمرة ودوما وصعوة، ~~وسدوم هي القرية العظمى. قوله يهرعون إليه، هو مشي بين الهرولة والجمز. ### | AUT ذكر وفاة سارة زوج إبراهيم عليه السلام # ### | AUT وذكر أولاده وأزواجه # PageV01P0039 # لا يدفع أحد من أهل العلم أن سارة توفيت بالشام ولها مائة وسبع وعشرون ~~سنة، وقيل: إنها كانت بقرية الجبابرة من أرض كنعان، وقيل: عاشت هاجر بعد ~~سارة مدة، والصحيح أن هاجر توفيت قبل سارة، كما ذكرنا في مسير إبراهيم الى ~~مكة، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. فلما ماتت سارة تزوج بعدها قطورا ابنة ~~يقطن امرأة من الكنعانيين فولدت له ستة نفر: نفشان ومران ومديان ومدن ونشق ~~وسرح، وكان جميع أولاد ابراهيم مع اسماعيل واسحاق ثمانية نفر، وكان اسماعيل ~~بكره؛ وقيل في عدد أولاده غير ذلك، فالبربر من ولد نفشان، وأهل مدين قوم ~~شعيب من ولد مديان. وقيل: تزوج بعد قطورا امرأة اخرى اسمها حجون ابنة اهير. ### || AUT ذكر وفاة ابراهيم وعدد ما أنزل عليه # قيل: لما أراد الله قبض روح ابراهيم أرسل اليه ملك الموت في صورة شيخ ~~هرم، فرآه ابراهيم وهو يطعم الناس وهو شيخ كبير في الحر، فبعث إليه بحمار ~~فركبه حتى أتاه، فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها فاه فيدخلها في ~~عينه وأذنه ثم يدخلها فاه، فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره، وكان ابراهيم سأل ~~ربه أن لا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت، فقال: يا شيخ مالك تصنع ~~هذا؟ قال: يا إبراهيم الكبر، قال: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر ابراهيم سنتين، ~~فقال ابراهيم: إنما بيني وبين أن أصير هكذا سنتان، اللهم اقبضني إليك ms0077 فقام ~~الشيخ وقبض روحه ومات وهو ابن مائتي سنة. وقيل مائة وخمس وسبعين سنة، وهذا ~~عندي فيه نظر لأن ابراهيم لا يخلو أن يكون قد رأى من هو أكبر منه بسنتين أو ~~أكثر من ذلك، فإن من عاش مائتي سنة كيف لا يرى من هو أكبر منه بهذا القدر ~~القريب؟ ولكن هكذا روي، ثم إنه قد بلغه عمر نوح ولم يصبه شيء مما رأى بذلك ~~الرجل. وروى أبو ذر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: وأنزل الله على ~~ابراهيم عشر صحائف، قال: قلت: يا رسول الله فما كانت صحف ابراهيم؟ قال: ~~كانت أمثالا كلها: أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع ~~الدنيا بعضها الى بعض ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها ولو ~~كانت من كافر. وكان فيها أمثال، منها: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على ~~عقله أن يكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يفكر فيها في صنع الله، ~~وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال في المطعم ~~والمشرب، وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا في ثلاث: تزوده لمعاده ومرمة ~~لمعاشه ولذة ي غير محرم، وعلى العاقل أن يكون بصيرا بأمانه، مقبلا على ~~شانه، حافظا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه. وهو ~~أول من اختتن، وأول من أضاف الضيف، وأول من اتخذ السراويل، إلى غير ذلك من الأقاويل. ### || AUT ذكر خبر ولد اسماعيل بن إبراهيم # قد ذكرنا فيما مضى سبب إسكان إسماعيل الحرم وتزوجه امرأة من جرهم وفراقه ~~إياها بأمر إبراهيم ثم تزوج أخرى، وهي السيدة بنت مضاض الجرهمي، وهي التي ~~قال لها: قولي لزوجك: قد رضيت لك عتبة بابك، فولدت لإسماعيل اثني عشر رجلا: ~~نابت وقيدار واذيل وميشا ومسمع ورما وماش وآذر وقطورا وقافس وطميا وقيدمان، ~~وكان عمر إسماعيل فيما يزعمون سبعا وثلاثين ومائة سنة، ومن نابت وقيدار ~~ابني اسماعيل نشر الله العرب، وأرسله الله تعالى إلى العماليق وقبائل ~~اليمن، وقد ms0078 ينطق أولاد اسماعيل بغير الألفاظ التي ذكرت، ولما حضرت اسماعيل ~~الوفاة أوصى إلى أخيه إسحاق، وزوج ابنته من العيص بن إسحاق، ودفن عند قبر ~~أمه هاجر بالحجر. ### || AUT ذكر إسحاق بن إبراهيم وأولاده # قيل: ونكح إسحاق رفقا بنت بتويل فولدت له عيصا ويعقوب توأمين، وإن عيصا ~~كان أكبرهما، وكان عمر إسحاق لما ولد له ستين سنة، ثم نكح عيص بن إسحاق ~~نسمة بنت عمه اسماعيل فولدت له الروم بن عيص، وكل بني الأصفر من ولد، وزعم ~~بعض الناس أن اشبان من ولده. ونكح يعقوب بن إسحاق - وهو اسرائيل - ابنة ~~خاله ليا بنت لبان بن بتويل فولدت له روبيل، وكان أكبر ولده، وشمعون ولاوي ~~ويهوذا وزبالون ولشحر، وقيل ويشحر، ثم توفيت ليا فتزوج أختها راحيل فولدت ~~له يوسف وبنيامين، وهو بالعربية شداد، وولد له من سريتين أربعة نفر: دان ~~ونفتالي وجاد واشر، وكان ليعقوب اثنا عشر رجلا. PageV01P0040 # قال السدي: تزوج إسحاق بجارية فحملت بغلامين، فلما أرادت أن تضع زراد ~~يعقوب أن يخرج قبل عيص فقال عيص: والله لئن خرجت قبلي لاعترضن في بطن أمي ~~ولأقتلنها، فتأخر يعقوب وخرج عيص فقال عيص: والله لئن خرجت قبلي لاعترضن في ~~بطن أمي ولأقتلنها، فتأخر يعقوب وخرج عيص وأخذ يعقوب بعقب عيص، فسمي يعقوب ~~وسمي أخوه عيصا لعصيانه، وكان عيص أحبهما إلي أبيه ويعقوب أحبهما الى أمه، ~~وكان عيص صاحب صيد، فقال له اسحاق لما كبر وعمي: يا بني أطعمني لحم صيد ~~واقترب مني أدع لك بدعاء دعا لي به أبي، وكان عيص رجلا أشعر، وكان يعقوب ~~أجرد، وسمعت أمهما ذلك وقالت ليعقوب: يا بني أذبح شاة واشوها والبس جلدها ~~وقربها الى أبيك وقل له: أنا ابنك عيص، ففعل ذلك يعقوب، فلما جاء قال: يا ~~أبتاه كل، قال: من أنت؟ قال: أنا ابنك عيص، فمسحه اسحاق فقال: المس مس عيص ~~والريح ريح يعقوب، فقالت أمه: إنه عيص فكل، فأكل ودعا له أن يجعل الله في ~~ذريته الأنبياء والملوك. وقام يعقوب وجاء عيص، وكان في الصيد، ms0079 فقال لأبيه: ~~قد جئتك بالصيد الذي طلبت، فقال: يا بني قد سبقك أخوك، فحلف عيص ليقتلن ~~يعقوب، فقال: يا بني قد بقيت لك دعوة، فدعا له أن يكون ذريته عدد التراب ~~وأن لا يملكهم غيرهم. وهرب يعقوب خوفا من أخيه الى خاله، وكان يسري بالليل ~~ويكمن بالنهار، فلذلك سمي إسرائيل، ثم إن يعقوب تزوج ابنتي خاله جمع ~~بينهما، فلذلك قال الله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) ~~النساء: 4 : 23، وولد له منهما، فماتت راحيل في نفاسها ببنيامين، وأراد ~~يعقوب الرجوع الى بيت المقدس فأعطاه خاله قطيع غنم، فلما ارتحلوا لم يكن ~~لهم نفقة، فقالت زوجة يعقوب ليوسف: اسرق صنما من أصنام أبي نستنفق منه، ~~فسرق صنما من أصنام أبيها. وأحب يعقوب يوسف وأخاه بنيامين حبا شديدا ~~ليتمهما، وقال يعقوب لراع من الرعاة: إذا أتاكم أحد يسألكم من أنتم فقولوا: ~~نحن ليعقوب عبد عيص، فلقيهم عيص فسألهم فأجابه الراعي بذلك الجواب، فكف عيص ~~عن يعقوب ونزل يعقوب الشام، ومات إسحاق بالشام وعمره مائة وستون سنة ودفن ~~عند أبيه إبراهيم، عليه السلام. ### | AUT قصة أيوب عليه السلام # وهو رجل من الروم من ولد عيص، وهو أيوب بن موص بن رازج بن عيص بن اسحاق ~~بن ابراهيم، وقيل: موص بن روعيل بن عيص، وكانت زوجته التي أمر أن يضربها ~~بالضغث ليا ابنة يعقوب بن اسحاق، وقيل: هي رحمة ابنة ابراهيم بن يوسف، ~~وكانت أمه من ولد لوط، وكان دينه التوحيد والإصلاح بين الناس، وإذا أراد ~~حاجة سجد ثم طلبها. وكان من حديثه وسبب بلائه أن إبليس سمع تجاوب الملائكة ~~بالصلاة على أيوب حين ذكره الله فحسده وسأل الله أن يسلطه عليه ليفتنه عن ~~دينه، فسلطه على ماله حسب، فجمع إبليس عظماء أصحابه من العفاريت، وكان ~~لأيوب البثنية جميعها من أعمال دمشق بما فيها، وكان له فيها ألف شاة ~~برعاتها وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ومال ويحمل ~~آلة الفدان أتان وكل أتان ولد واثنان وما فوق ذلك، ms0080 فلما جمعهم إبليس قال: ~~ما عندكم من القوة والمعرفة فإني قد تسلطت على مال أيوب، فقال كل منهم ~~قولا، فأرسلهم فأهلكوا ماله كله وأيوب يحمد الله ولا يرجع عن الجد في ~~عبادته والشكر له على ما أعطاه والصرب على ما ابتلاه. فلما رأى ذلك إبلس من ~~أمره سأل الله أن يسلطه على ولده، فسلطه عليهم ولم يجعل له سلطانا على جسده ~~ولا عقله وقلبه، فأهلك ولده كلهم، ثم جاء إليه متمثلا بمعلمهم الذي كان ~~يعلمهم الحكمة جريحا مشدوخا يرققه حتى رق أيوب فبكى وقبض قبضة من التراب ~~فوضعها على رأسه، فسر بذلك إبليس. PageV01P0041 # ثم إن أيوب ندم لذلك وجد واستغفر، فصعد حفظته من الملائكة بتوبته الى ~~الله قبل إبليس، فلما لم يرجع أيوب عن عبادة ربه والصبر على ما ابتلاه به ~~سأل الله تعالى أن يسلطه على جسده، فسلطه عليه خلا لسانه وقلبه وعقله فإنه ~~لم يجعل له على ذلك سلطانا، فجاءه وهو ساجد فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها ~~جسده وصار أمره الى أن انتثر لحمه وامتلأ جسده دودا، فإن كانت الدودة لتسقط ~~من جسده فيردها إليه ويقول: كلي من رزق الله، وأصابه الجذام، وكان أشد من ~~ذلك عليه أنه كان يخرج في جسده مثل ثدي المرأة ثم يتفقأ، وأنتن حتى لم يطق ~~أحد يشم ريحه، فأخرجه أهل القرية منها الى الكناسة خارج القرية لا يقربه ~~أحد، إلا زوجته، وكانت تختلف إليه بما يصلحه، فبقي مطروحا على الكناسة سبع ~~سنين ما يسأل الله أن يكشف ما به، وما على وجه الأرض أكرم على الله منه. ~~وقيل: كان سبب بلائه أن أرض الشام أجدبت فأرسل فرعون إلى أيوب أن هلم إلينا ~~فإن لك عندنا سعة، فأقبل بأهله وخيله وماشيته، فأقطعهم فرعون القطائع، ثم ~~إن شعيبا النبي دخل إلى فرعون فقال: يافرعون أما تخاف أن يغضب الله غضبة ~~فيغضب لغضبه أهل السماء وأهل الأرض والبحار والجبال؟ وأيوب ساكت لا يتكلم، ~~فلما خرجا أوحى الله الى أيوب: يا أيوب سكت عن فرعون ms0081 لذهابك الى أرضه، ~~استعد للبلاء، فقال أيوب: أما كنت أكفل اليتيم وآوي الغريب وأشبع الجائع ~~وأكفت الأرملة؟ فمرت سحابة يسمع فيها عشرة آلاف صوت من الصواعق يقولون: من ~~فعل ذلك يا أيوب؟ فأخذ ترابا فوضعه على رأسه وقال: أنت يارب، فأوحى الله ~~إليه: استعد للبلاء، قال: فديني؟ قال: أسلمه لك، قال: فما أبالي. وقيل: كان ~~السبب غير ذلك، وهو نحو مما ذكرنا. فلما ابتلاه الله واشتد عليه البلاء ~~قالت له امرأته: إنك رجل مجاب الدعوة فادع الله أن يشفيك، فقال: كنا في ~~النعماء سبعين سنة فلنصبر في البلاء سبعين سنة، والله لئن شفاني الله ~~لأجلدنك مائة جلدة، وقيل: إنما أقسم ليجلدها لأن إبليس ظهر لها وقال: بم ~~أصابكم ما أصابكم؟ قالت: بقدر الله، قال: وهذا أيضا بقدر الله فاتبعيني، ~~فاتبعته، فأراها جميع ما ذهب منهم في واد وقال: اسجدي لي وأرده عليكم، ~~فقالت: إن لي زوجا أستأمره، فلم أخبرت أيوب قال: ألم تعلمي أن ذلك الشيطان؟ ~~لئن شفيت لأجلدنك مائة جلدة، وأبعدها وقال لها: طعامك وشرابك علي حرام لا ~~أذوق مما تأتيني به شيئا فابعدي عني فلا أراك، فذهبت عنه، فلما رأى أيوب أن ~~امرأته قد طردها وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خر ساجدا وقال: رب (إني ~~مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) الأنبياء: 21 : 83 كرر ذلك، فقيل له: ارفع ~~رأسك فقد استجيب لك، (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ص: 38 : 42، ورد ~~الله إليه جسده وصورته. وأما امرأته فقالت: كيف أتركه، وليس عنده أحد، يموت ~~جوعا وتأكله السباع؟ فرجعت إليه فرأت أيوب وقد عوفي، فلم تعرفه، فعجبت حيث ~~لم تره على حاله، فقالت له: يا عبد الله هل رأيت ذلك ارجل المبتلى الذي كان ~~ههنا؟ قال: وهل تعرفينه إذا رأيته؟ قالت: نعم، قال: هو أنا، فعرفته. وقيل: ~~إنما قال: مسني الضر لما وصل الدود إلى لسانه وقلبه خاف أن يبطل عن ذكر ~~الله تعالى والفكر، ورد الله إليه أهله ومثلهم معهم، قيل هم بأعيانهم، ~~وقيل: رد الله ms0082 إليه امرأته ورد إليها شبابها فولدت له ستة وعشرين ذكرا، ~~وأنزل الله إليه ملكا فقال: يا أيوب ن الله يقرئك السلام لصبرك على البلاء، ~~اخرج الى أندرك، فخرج إليه، فبعث الله سحابة فألقت عليه جرادا من ذهب، ~~وكانت الجرادة تذهب فيتبعها حتى يردها في أندره، فقال الملك: أما تشبع من ~~الداخل حتى تتبع الخارج؟ فقال: إن هذه البركة من بركات ربي لست أشبع منها. ~~وعاش أيوب بعد أن رفع عنه البلاد سبعين سنة، ولما عوفي أمره الله أن يأخذ ~~عرجونا من النخل فيه مائة شمراخ فيضرب به زوجته ليبر من يمينه، ففعل ذلك. ~~وقول أيوب: رب إني مسني الضر، دعاء ليس بشكوى، ودليله قوله تعالى: ~~(فاستجبنا له) الأنبياء: 21 : 84. PageV01P0042 # وكان من دعاء أيوب: أعوذ بالله من جار عينه تراني إن رأى حسنة سترها وإن ~~رأى سيئة ذكرها، وقيل: كان سبب دعائه أنه كان قد اتبعه ثلاثة نفر على دينه ~~اسم أحدهم يلدد والآخر اليفر والثالث صافر، فانطلقوا إليه وهو في البلاء ~~فبكتوه أشد تبكيت وقالوا له: لقد أذنبت ذنبا ما أذنبه أحد، فلهذا لم يكشف ~~العذاب عنك، وطال الجدال بينهم وبينه، فقال فتى كان معهم لهم كلاما يرد ~~عليهم، فقال: قد تركتم من القول أحسنه، ومن الرأي أصوبه، ومن الأمر أجمله، ~~وقد كان لأيوب عليكم من الحق والذمام أفضل من الذي وصفتم، فهل تدرون حق من ~~انتقصتم وحرمة من انتهكتم ومن الرجل الذي عبتم؟ ألم تعلموا أن أيوب نبي ~~الله وخيرته من خلقه يومكم هذا؟ ثم لم تعلموا ولم يعلمكم الله أنه سخط شيئا ~~من أمره ولا أنه نزع شيئا من الكرامة التي كرم الله بها عباده ولا أن أيوب ~~فعل غير الحق في طول ما صحبتموه، فإن كان البلاء هو الذي أزرى به عندكم ~~ووضعه في نفوسكم، فقد علمتم أن الله يبتلي النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وليس بلاوه لأولئك دليلا على سخطه عليهم ولا على هوانهم عليه ~~ولكنها كرامة وخيرة لهم، وأطال في هذا النحو من الكلام. ثم قال ms0083 لهم: وقد ~~كان في عظمة الله وجلاله وذكر الموت ما يكل ألسنتكم ويكسر قلوبكم ويقطع ~~حجتكم، ألم تعلموا أن لله عبادا أسكتتهم خشيته عن الكلام من غير عي ولا ~~بكم؟ وإنهم لهم الفصحاء الألباء العلامون بالله وآياته ولكنهم إذا ذكروا ~~عظمة الله انكسرت قلوبهم وانقطعت ألسنتهم وطاشت أحلامهم وعقولهم فزعا من ~~الله وهيبة له، فإذا أفاقوا استبقوا إلى الله بالأعمال الزاكية يعدون ~~أنفسهم مع الظالمين وإنهم لأبرار، ومع المقصرين وإنهم لأكياس أتقياء، ~~ولكنهم لا يستكثرون لله عز وجل الكثير ولا يرضون له القليل ولا يدلون عليه ~~بالأعمال فهم أينما لقيتهم خائفون مهيمون وجلون. فلما سمع أيوب كلامه قال: ~~إن الله يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير، فمتى كانت في القلب ~~ظهرت على اللسان ولا تكون الحكمة من قبل السن والشيبة ولا طول التجربة، ~~وإذا جعل اله تعالى عبدا حكيما عند الصبا لم تسقط منزلته عند الحكام، ثم ~~أقبل على الثلاثة فقال: رهبتم قبل أن تسترهبوا، وبكيتم قبل أن تضربوا، كيف ~~بكم لو قلت لكم تصدقوا عني بأموالكم لعل الله أن يخلصني، أو قربوا قربانا ~~لعل الله أن يتقبل ويرضى عني؟ وإنكم قد أعجبتكم أنفسكم فظننتم أنكم عوفيتم ~~بإحسانكم فبغيتم وتعززتم، لو صدقتم ونظرتم بينكم وبين ربكم لوجدتم لكم ~~عيوبا سترها الله بالعافية، وقد كنت فيما خلا والرجال يوقرونني وأنا مسموع ~~كلامي، معروف من حقي، مستنصف من خصمي، فأصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام ~~معكم، فأنتم أشد علي من مصيبتي. ثم أعرض عنهم وأقبل على ربه مستغيثا به ~~متضرعا إليه فقال: رب لأي شيء خلقتني ليتني إن كرهتني لم تخلقني، يا ليتني ~~كنت حيصة ملقاة، ويا ليتني عرفت الذنب الذي أذنبت فصرفت وجهك الكريم عني لو ~~كنت أمتني فالموت أجمل لي ألم أكن للغريب دارا وللمسكين قرارا ولليتيم وليا ~~وللأرملة قيما؟ إلهي أنا عبد ذليل إن أحسنت فالمن لك، وإن أسأت فبيدك ~~عقوبتي جعلتني للبلاء عرضا فقد وقع علي البلاء لو سلطته على جبل لضعف عن ~~حمله فكيف يحمله ms0084 ضعفي ذهب المال فصرت أسأل بكفي فيطعمني من كنت أعوله ~~اللقمة الواحدة فيمنها علي ويعيرني هلك أولادي، ولو بقي أحدهم أعانني، قد ~~ملني أهلي وعقني أرحامي فتنكرت معارفي، ورغب عني صديقي، وجحدت حقوقي، ونسيت ~~صنائعي، أصرخ فلا يصرخونني، وأعتذر فلا يعذرونني، دعوت غلامي فلم يجبني، ~~وتضرعت إلى أمتي فلم ترحمني، وإن قضاءك هو الذي آذاني وأقمأني، وإن سلطانك ~~هو الذي أسقمني، فلو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم ~~ملء فمي ثم كان ينبغي للعبد أن يحاج مولاه عن نفسه، لرجوت أن تعافيني عند ~~ذلك، ولكنه ألقاني وعلا عني فهو يراني ولا أراه، ويسمعني ولا أسمعه، لا نظر ~~إلي فرحمني، ولا دنا مني فأتكلم ببراءتي وأخاصم عن نفسي. PageV01P0043 # فلما قال أيوب ذلك أظلتهم غمامة ونودي منها: يا أيوب إن الله يقول قد ~~دنوت منك ولم أزل منك قريبا فقم فأدل بحجتك وتكلم ببراءتك وقم مقام جبار ~~فإنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار. تجعل الزيار في فم الأسد واللجام في فم ~~التنين وتكيل مكيالا من التنور وتزن مثقالا من الريح وتصر صرة من الشمس ~~وترد أمس، لقد منتك نفسك أمرا لا تبلغه بمثل قوتك، أردت أن تكابرني بضعفك ~~أم تخاصمني بعيك أم تحاجني بخطلك أين أنت مني يوم خلقت الأرض؟ هل علمت بأي ~~مقدار قدرتها؟ أين كنت معي يوم رفعت السماء سقفا في الهواء لا بعلائق ولا ~~بدعائم تحملها؟ هل تبلغ حكمتك أن تجري نورها أو تسير نجومها أو يختلف بأمرك ~~ليلها ونهارها؟ وذكر أشياء من مصنوعات الله. فقال أيوب: قصرت عن هذا الأمر ~~ليت الأرض انشقت لي فذهبت فيها ولم أتكلم بشيء يسخطك إلهي اجتمع علي البلاء ~~وأنا أعلم أن كل الذي ذكرت صنع يديك وتدبير حكمتك لا يعجزك شيء ولا تخفى ~~عليك خافية، تعلم ما تخفي القلوب، وقد علمت في بلائي ما لم أكن أعلمه، كنت ~~اسمع بسطوتك سمعا فأما الآن فهو نظر العين، إنما تكلمت بما تكلمت به ~~لتعذرني، وسكت لترحمني، وقد وضعت ms0085 يدي على فمي وعضضت على لساني وألصقت ~~بالتراب خدي فدسست فيه وجهي فلا أعود لشيء تكرهه، ودعا. فقال الله: يا أيوب ~~نفذ فيك حكمي وسبقت رحمتي غضبي، قد غفرت لك ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم ~~معهم لتكون لمن خلفك آية وعبرة لأهل البلاء وعزاء للصابرين، ف (اركض برجلك ~~هذا مغتسل بارد وشراب) ص: 38 : 42 فيه شفاء، وقرب عن اصحابك قربانا واستغفر ~~لهم فإنهم قد عصوني فيك، فركض برجله فانفجرت له عين ماء فاغتسل فهيا، فرفع ~~الله عنه البلاء، ثم خرج فجلس وأقبلت امرأته فسألته عنه فقال: هل تعرفينه؟ ~~قالت: نعم، مالي لا أعرفه فتبسم، فعرفته بضحكه، فاعتنقته فلم تفارقه من ~~عناقه حتى مر بهما كل مال لهما وولد. وإنما ذكرته قبل يوسف وقصته لما ذكر ~~بعضهم من أمره وأنه كان نبيا في عهد يعقوب. وذكر أن عمر أيوب كان ثلاثا ~~وتسعين سنة، وأنه أوصى عند موته الى ابنه حومل، وأن الله بعد بعده ابنه بشر ~~بن أيوب نبيا وسما ذا الكفل، وكان مقيما بالشام حتى مات، وكان عمره خمسا ~~وسبعين سنة، فأوصي إلى ابنه عيدان، وأن الله بعث بعده شعيب بن ضيعون بن ~~عنقا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم، عليه السلام. ### | AUT ذكر قصة يوسف عليه السلام # ذكروا أن اسحاق توفي وعمره ستون ومائة سنة، وقبره عند أبيه ابراهيم، ~~قبره ابناه يعقوب وعيص في مزرعة حبرون، وكان عمر يعقوب مائة وسبعا وأربعين ~~سنة، وكان ابنه يوسف قد قسم له ولأمه شطر الحسن، وكان يعقوب قد دفعه إلى ~~أخته ابنة اسحاق تحضنه، فأحبته حبا شديدا وأحبه يعقوب أيضا حبا شديدا، فقال ~~لأخته: يا أخيه سلمي إلي يوسف فوالله ما أقدر أن يغيب عني ساعة، فقالت: ~~والله ما أنا بتاركته ساعة، فأصر يعقوب على أخذه منها، فقالت: أتركه عندي ~~أياما لعل ذلك يسليني، ثم عمدت الى منطقة اسحاق، وكانت عندها، لأنها كانت ~~أكبر ولده، فحزمتها على وسط يوسف ثم قالت: قد فقدت المنطقة فانظروا من ~~أخذها، فالتمست، فقالت: اكشفوا أهل ms0086 البيت، فكشفوهم فوجدوها مع يوسف، وكان ~~من مذهبهم أن صاحب السرقة يأخذ السارق له لا يعارضه فيه أحد، فأخذت يوسف ~~فأمسكته عندها حتى ماتت وأخذه يعقوب بعد موتها، فهذا الذي تأول إخوة يوسف: ~~(إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) يوسف: 12 : 77، وقيل في سرقته غير هذا، وقد ~~تقدم. فلما رأى إخوة يوسف محبة أبيهم له وإقباله عليه حسدوه وعظم عندهم. ثم ~~إن يوسف رأى في منامه كأن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر تسجد له، فقصها على ~~أبيه، وكان عمره حينئذ اثنتي عشرة سنة، فقال له أبوه: (يا بني لا تقصص ~~رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إنه الشيطان للإنسان عدو مبين) يوسف: 12 : ~~5، ثم عبر له رؤياه، فقال: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث). ~~PageV01P0044 # وسمعت امرأة يعقوب ما قال يوسف لأبيه فقال لها يعقوب: اكتمي ما قال يوسف ~~ولا تخبرين أولادك، قالت: نعم، فلما أقبل أولاد يعقوب من الرعي أخبرتهم ~~بالرؤيا، فازدادوا حسدا وكراهة له وقالوا: ما عني بالشمس غير أبينا، ولا ~~بالقمر غيرك، ولا بالكواكب غيرنا، إن ابن راحيل يريد أن يتملك علينا ويقول ~~أنا سيدكم، وتآمروا بينهم أن يفرقوا بينه وبني أبيه وقالوا: (ليوسف وأخوه ~~أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة، إن أبانا لفي ضلال مبين) يوسف: 12 : 8 - في ~~خطأ بين في إيثارهما علينا - (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه ~~أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين) يوسف: 12 : 9 أي تائبين. فقال قائل ~~منهم، وهو يهودا، وكان أفضلهم وأعقلهم: لا تقتلوا يوسف فإن القتل عظيم، ~~وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة، وأخذ عليهم العهود أنه لا ~~يقتلونه، فأجمعوا عند ذلك أن يدخلوا على يعقوب ويكلموه في إرسال يوسف معهم ~~الى البرية، وأقبلوا إليه ووقفوا بين يديه، وكذلك كانوا يفعلون إذا أرادوا ~~منه حاجة، فلما رآهم قال: ما حاجتكم؟ قالوا: يا أبانا ما لك لا تأمنا على ~~يوسف وإنا له لناصحون) يوسف: 12 : 11 نحفظه حتى نرده أرسله معنا الى ~~الصحراء (غدا ms0087 يرتع ويلعب وإنا له لحافظون)، فقال لهم يعقوب: (إني ليحزنني ~~أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون) يوسف: 12 : 13 لا ~~تشعرون، وإنما قال لهم ذلك لأنه كان رأى في منامه كأن يوسف على رأس جبل ~~وكأن عشرة من الذئاب قد شدوا عليه ليقتلوه، وإذا ذئب منها يحمي عنه، وكأن ~~الأرض انشقت فذهب فيها فلم يخرج منها إلا بعد ثلاثة أيام، فلذلك خاف عليه ~~الذئب. فقال له بنوه: (لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون) يوسف: 12 ~~: 14، فاطمأن إليهم، فقال يوسف: يا أبت أرسلني معهم، قال: أوتحب ذلك؟ قال: ~~نعم، فأذن له، فلبس ثيابه وخرج معهم وهم يكرمونه، فلما برزوا الى البرية ~~أظهروا له العداوة وجعله بعض إخوته يصربه فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا ~~يرى منهم رحيما، فضربوه حتى كادوا يقتلونه، وجعل يصيح: يا أبتاه يا يعقوب ~~لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الإماء. فلما كادوا يقتلونه قال لهم يهوذا: أليس ~~قد أعطيتموني موثقا ألا تقتلوه؟ فانطلقوا به الى الجب فأوثقوه كتافا ونزعوا ~~قميصه وألقوه فيه، فقال: يا إخوتاه ردوا علي قميصي أتوارى به في الجب ~~فقالوا: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا تؤنسك، قال: إني لم أر شيئا، ~~فدلوه في الجب، فلما بلغ نصفه ألقوه وأرادوا أن يموت، وكان في البئر ماء، ~~فسقط فيه ثم زوى إلى صخرة فأقام عليها، ثم نادوه فظن أنهم قد رحموه ~~فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بالحجارة فمنعهم يهوذا،ثم أوحى الله إليه: ~~(لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون) يوسف: 12 : 15 بالوحي، وقيل لا يشعرون ~~أنه يوسف. والجب بأرض بيت المقد س معروف. ثم عادوا إلى أبيهم عشاء يبكون ~~فقالوا: (يا أانا إنا ذهنبا نستبق وتركنا يوسف عدن متاعنا فأكله الذئب) ~~يوسف: 12 : 17، فقال لهم أبوهم: (بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل) يوسف: ~~12 : 18، ثم قال لهم: أروني قميصه، فزروه، فقال: تالله ما رأيت ذئبا أحلم ~~من هذا أكل ابني ولم يشق قميصه ثم صاح وخر مغشيا عليه ساعة، فلما ms0088 أفاق بكى ~~بكاء طويلا فأخذ القميص يقبله ويشمه. وأقام يوسف في الجب ثلاثة أيام، وأرسل ~~الله ملكا فحل كتافه، ثم (جاءت سيارة فأرسلوا واردهم)، وهم الذي يتقدم إلى ~~الماء، (فأدلى دلوه) إلى البئر، فتعلق به يوسف فأخرجه من الجب، و(قال: يا ~~بشرى هذا غلام)، تباشروا وقيل يا بشر اسم غلام (وأسروه بضاعة) يعني الوارد ~~وأصحابه فخافوا أن يقولوا اشتريناه فيقول الرفقة اشركونا فيه فقالوا: إن ~~أهل الماء استبضعونا هذا الغلام. PageV01P0045 # وجاء يهوذا بطعام ليوسف فلم يره في الجب فنظر فرآه عند مالك في المنزل ~~فأخبر إخوته بذلك، فأتوا مالكا وقالوا: هذا عبد ابق منا، وخافهم يوسف فلم ~~يذكر حاله واشتروه من إخوته بثمن بخس؛ قيل عشرون درهما، وقي لأربعون درهما، ~~وذهبوا به الى مصر، فكساه مالك وعرضه للبيع، فاشتراه قطفير، وقيل اطفير، ~~وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من ~~العمالقة، قيل: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن بيوسف ومات ويوسف حي، وملك ~~بعده قابوس بن مصعب، فدعاه يوسف فلم يؤمن. فلما اشترى يوسف وأتى به إلى ~~منزله قال لامرأته، واسمها راعيل: (أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا) فيكفينا إذا ~~هو بلغ و فهم الأمور بعض ما نحن بسبيله من أمورنا (أو نتخذه ولدا يوسف: 12 ~~: 21، وكان لايأتي النساء، وكانت امرأته حسناء ناعمة في ملك ودنيا. فلما ~~خلا من عمر يوسف ثلاث وثلاثون سنة آتاه الله العلم والحكمة قبل النبوة، ~~وراودته راعيل عن نفسه وأغلقت الأبواب عليه وعليها ودعته إلى نفسها، فقال: ~~(معاذ الله إنه ربي - يعني أن زوجك سيدي - أحسن مثواي، إنه لا يفلح ~~الظالمون) يوسف: 12 : 23، يعني أن خيانته ظلم، وجعلت تذكر محاسنه وتشوقه ~~إلى نفسها، فقالت له: يا يوسف ما أحسن شعرك قال: هو أول ما ينتثر من جسدي، ~~قالت: يا يوسف ما أحسن عينيك قال: هما أول ما يسيل من جسدي، قالت: ما أحسن ~~وجهك قال: هو للتراب، فلم تزل به حتى همت وهم بها وذهب ليحل سراويله، فإذا ~~هو بصورة ms0089 يعقوب قد عض على إصبعه يقول: يا يوسف لا تواقعها إنما مثلك ما لم ~~تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق، ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات ~~وسقط الى الأرض. وقيل: جلس بين رجليها فرأى في الحائط: (ولا تقربوا الزنا ~~إنه كان فاحشة وساء سبيلا) الاسراء: 17 : 32، فقام حين رأى برهان ربه هاربا ~~يريد الباب، فأدركته قبل خروجه من الباب فجذبت قميصه من قبل ظهره فقدته، ~~(وألفيا سيدها لدى الباب) - وابن عمها معه، فقالت له - : (ما جزاء من أراد ~~بأهلك سوءا إلا أن يسجن) يوسف: 12 : 26، قال يوسف: بل (هي راودتني عن نفسي) ~~فهربت منها فأدركتني فقدت قميصي، قال لها ابن عمها: تبيان هذا في القميص ~~فإن كان قد من قبل فصدقت، وإن كان قد من دبر فكذبت، فأتي بالقميص فوجده قد ~~من دبر فقال: (إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم) يوسف: 12 : 28. وقيل: كان ~~الشاهد صبيا في المهد، قال ابن عباس: تكلم أربعة في المهد وهم صغار، ابن ~~ماشطة امرأة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريح، وعيسى بن مريم. وقال زوجها ~~ليوسف: (أعرض عن هذا) أي ذكر ما كان منها فلا نذكره لأحد، ثم قال لزوجته، ~~(استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) يوسف: 12 : 29. وتحدث النساء بأمر ~~يوسف وامرأة العزيز، وبلغ ذلك امرأة العزيز، فأرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ ~~يتكئن عليه من وسائد، وحضرن، وقدمت لهن أترنجا وأعطت كل واحدة منهن سكينا ~~لقطع الأترنج، وقد أجلست يوسف في غير المجلس الذي هن فيه وقالت له: (اخرج ~~عليهن - فخرج - فلما رأينه أكبرنه - وأعظمنه - وقطعن أيديهن) بالسكاكين ولا ~~يشعرن، وقلن: معاذ الله (ما هذا بشرا، إن هذا إلا ملك كريم) يوسف: 12 : 31. ~~فلما حل بهن ما حل من قطعهن أيديهن وذهاب عقولهن وعرفن خطأهن فيما قلن أقرت ~~على نفسها وقالت: (فذلكن الذي لمتنني فيه، ولقد راودته عن نفسه فاستعصم، ~~ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين) يوسف 12 : 32، فاختار ~~يوسف السجن على معصية الله، فقال: (رب السجن أحب إلي ms0090 مما يدعونني إليه وإلا ~~تصرف عني كيدهن أصب إليهن) يوسف: 12 : 33، (فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن) ~~يوسف: 12 : 34، ثم بدا للعزيز من بعد ما رأي الآيات من القميص وخمش الوجه ~~وشهادة الطفل وتقطيع النسوة أيديهن في ترك يوسف مطلقا. PageV01P0046 # وقيل: إنها شكت إلى زوجها وقالت: إن هذا العبد قد فضحني في الناس يخبرهم ~~أنني راودته عن نفسه، فسجنه سبع سنين، فلما حبس يوسف أدخل معه السجن فتيان ~~من أصحاب فرعون مصر، أحدهما صاحب طعامه، والآخر صاحب شرابه، لأنهما نقل ~~عنهما أنهما يريدان أن يسما الملك، فلما دخل يوسف السجن قال: إني أعبر ~~الأحلام، فقال أحد الفتيين للآخر: هلم فلنجربه، فقال الخباز: (إني أراني ~~أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه) وقال الآخر: (إني أراني أعصر خمرا) ~~يوسف: 12 : 3، كره أن يعبر لهما ما سألاه عنه، وأخذ في غير ذلك وقال: (يا ~~صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟) يوسف: 12 : 39 ~~وكان اسم الخباز مخلت، واسم الآخر نبو، فلم يدعاه حتى أخبرهما بتأويل ما ~~سألاه عنه، فقال: (أما أحدكما)، وهو الذي رأى أنه يعصر الخمر، (فيسقي ربه ~~خمرا)، يعنى سيده الملك (وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه)، يوسف 12 : ~~41، فلما عبر لهما قالا: ما رأينا شيئا قال: (قضي الأمر الذي فيه ~~تستفتيان)، ثم قال لنبو، وهو الذي ظن أنه ناج منهما: (اذكرني عند ربك) ~~يوسف: 12 : 42 الملك وأخبره أني محبوس ظلما، (فأنساه الشيطان ذكر ربه)، ~~غفلة عرضت ليوسف من قبل الشيطان، فأوحى الله إليه: يا يوسف اتخذت من دوني ~~وكيلا لأطيلن حبسك، فلبث في السجن سبع سنين. ثم إن الملك، وهو الريان بن ~~الوليد بن الهروان بن اراشة بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن ~~نوح، رأى رؤيا هائلة، رأي سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، ورأي سبع سنبلات ~~خضر وأخر يابسات، فجمع السحرة والكهنة والحازة والعافة فقصها عليهم، ~~فقالوا: (أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين، وقال الذي نجا منهما ms0091 ~~وادكر بعد أمة - أي حين - أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون) يوسف: 12 : 44 - 45، ~~فأرسلوه الى يوسف، فقص عليه الرؤيا، فقال: (تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم ~~فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ~~ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون، ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس ~~وفيه يعصرون) يوسف: 12 : 47 - 49، فإن البقرة السمان السنون المخاصيب، ~~والبقرات العجاف السنون المحول، وكذلك السنبلات الخضر واليابسات، فعاد نبو ~~إلى الملك فأخبره، فعلم أن قول يوسف حق، فقال: (ائتوني به)، فلما أتاه ~~الرسول ودعاه إلى الملك لم يخرج معه وقال: (ارجع الى ربك فأسأله ما بال ~~النسوة اللاتي قطعن أيديهن؟) يوسف:12 : 50 فلما رجع الرسول من عند يوسف سأل ~~الملك أولئك النسوة فقلن: (حاش لله ما علمنا عليه من سوء) ولكن امرأة ~~العزيز خبرتنا أنها راودته عن نفسه، فقالت امرأة العزيز: (أنا راودته عن ~~نفسه) يوسف: 12 : 51، فقال يوسف: إنما رددت الرسل ليعلم سيدي (أني لم أخنه ~~بالغيب) يوسف: 52 في زوجته، فلما قال ذلك، قال له جبرائيل: ولا حين هممت ~~بها؟ فقال يوسف: (وما أبرئ نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء) يوسف: 12 : 53. ~~فلما ظهر للملك براءة يوسف وأمانته قال: (ائتوني به أستخلصه لنفسي) يوسف: ~~12 : 54، فلما جاءه الرسول خرج معه ودعا لأهل السجن وكتب على بابه: هذا قبر ~~الأحياء وبيت الأحزان وتجربة الأصدقاء وشماتة الأعداء، ثم اغتسل ولبس ثيابه ~~وقصد الملك، فلما وصل إليه و(كلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين) يوسف: ~~12 : 54، فقال يوسف: (اجعلني على خزائن الأرض) يوسف:12 : 55، فاستعمله بعد ~~سنة ولو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته، فسلم خزائنه ~~كلها إليه بعد سنة وجعل القضاء إليه وحكمه نافذا، ورد إليه عمل قطفير سيده ~~بعد أن هلك، وكان هلاكه في تلك الليالي، وقيل: بل عزله فرعون وولى يوسف ~~عمله، والأول أصح لأن يوسف تزوج امرأته، على ما نذكره. ولما ولي يوسف عمل ~~مصر دعا الملك الريان إلى ms0092 الإيمان، فآمن، ثم توفي، ثم ملك بعده مصر قابوس ~~بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن فاران بن عمرو بن عملاق، فدعاه ~~يوسف الى الإيمان، فلم يؤمن، وتوفي يوسف في ملكه. PageV01P0047 # ثم إن الملك الريان زوج يوسف راعيل امرأة سيده، فلما دخل بها قال: أليس ~~هذا خيرا مما كنت تريدين؟ فقالت: أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة ~~حسناء جميلة في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله ~~في حسنك فغلبتني نفسي، ووجدها بكرا، فولدت له ولدين افرائيم ومنشا. فلما ~~ولي يوسف خزائن أرضه ومضت السنون السبع المخصبات وجمع فيها الطعام في سنبله ~~ودخلت السنون المجدبة وقحط الناس وأصابهم الجوع وأصاب بلاد يعقوب التي هو ~~بها بعث بنيه إلى مصر وأمسك بنيامين أخا يوسف لأمه، فلما دخلوا على يوسف ~~عرفهم وهم له منكرون، وإنما أنكروه لعبد عهدهم منه ولتغير لبسته، فإنه لبس ~~ثياب الملوك، فلما نظر إليهم قال: أخبروني ما شأنكم، قالوا: نحن من الشام ~~جئنا نمتار الطعام، قال: كذبتم، أنتم عيون، فأخبروني خبركم، قالوا: نحن ~~عشرة أولاد رجل واحد صديق، كنا اثني عشر، وإنه كان لنا أخ فخرج معنا إلى ~~البرية فهلك، وكان أحبنا الى أبينا، قال: فإلى من سكن أبوكم بعده؟ قالوا: ~~إلى أخ لنا أصغر منه، قال: فأتوني به أنظر إليه (فإن لم تأتوني به فلا كيل ~~لكم عندي ولا تقربون، قالوا: سنراود عنه أباه) يوسف: 12 : 60 - 61، قال: ~~فاجعلوا بعضكم عندي رهينة حتى ترجعوا، فوضعوا شمعون، أصابته القرعة، وجهزهم ~~يوسف بجهازهم وقال لفتيانه: اجعلوا بضاعتهم، يعني ثمن الطعام، في رحالهم ~~لعلهم يرجعون، لما علم أن أمانتهم وديانتهم تحملهم على رد البضاعة فيرجعون ~~إليه لأجلها. وقيل: رد مالهم لأنه خشي أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به ~~مرة أخرى، فإذا رأوا معهم بضاعة عادوا، وكان يوسف حين رأى ما بالناس من ~~الجهد قد أسى بينهم، وكان لا يحمل للرجل إلا بعيرا. فلما رجعوا الى أبيهم ~~بأحمالهم قالوا: يا أبانا إن ms0093 عزيز مصر قد أكرمنا كرامة لو أنه بعض أولاد ~~يعقوب مازاد على كرامته، وإنه ارتهن شمعون وقال: ائتوني بأخيكم الذي عطف ~~عليه أبوكم بعد أخيكم، (فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون)، ~~قال: (هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل ولما فتحوا متاعهم ~~وجدوا بضاعتهم ردت إليهم، قالوا: يا أبانا ما نبغي، هذه بضاعتنا ردت إلينا ~~ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير) يوسف: 12 : 63 - 65، قال يعقوب: ~~(ذلك كيل يسير)، فقال يعقوب: (لن أرسله معكم حتى تؤتوني موثقا من الله ~~لتأتنني به إلا أن يحاط بكم، فلما آتوه موثقهم قال: الله على ما نقول وكيل) ~~يوسف: 12 : 66، ثم أوصاهم أبوهم بعد أن أذن لأخيهم في الرحيل معهم (وقال: ~~يا بني لاتدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة) يوسف: 12 : 67، خاف ~~عليهم العين، وكانوا ذوي صورة حسنة، ففعلوا كما أمرهم أبوهم، (ولما دخلوا ~~على يوسف آوى إليه أخاه) يوسف: 12 : 69 وعرفه وأنزلهم منزلا وأجرى عليهم ~~الوظائف وقدم لهم الطعام وأجلس كل اثنين على مائدة، فبقي بنيامين وحده، ~~فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه فقال يوسف: لقد بقي أخوكم هذا ~~وحيدا، فأجلسه معه وقعد يؤاكله، فلما كان الليل جاءهم بالفرش وقال: لينم كل ~~أخوين منكم على فراش، وبقي بنيامين وحده، فقال: هذا ينام معي، فبات معه على ~~فراشه، فبقي يشمه ويضمه إليه حتى أصبح، وذكر له بنيامين حزنه على يوسف، ~~فقال له: أتحب أن أكون أخاك عوض أخيك الذاهب؟ فقال بنيامين: ومن يجد أخا ~~مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام إليه فعانقه وقال له: ~~إني أنا أخوك يوسف فلا تبتئس بما فعلوه بنا فيما مضى، فإن الله قد أحسن ~~إلينا، ولا تعلمهم بما علمتك. وقيل: لما دخلوا على يوسف نقر الصواع وقال: ~~إنه يخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلا وأنكم بعتم أخاكم، فلما سمعه بنيامين ~~سجد له وقال: سل صواعك هذا عن أخي أحي هو؟ فنقره ms0094 ثم قال: هو حي وستراه، ~~قال: فاصنع بي ما شئت فإنه إن علم بي فسوف يستنقذني؛ قال: فدخل يوسف فبكى ~~ثم توضأ وخرج إليهم، قال: فلما حمل يوسف إبل إخوته من الميرة جعل الإناء ~~الذي يكيل به الطعام، وهوالصواع، وكان من فضة، في رحل أخيه، وقيل: كان إناء ~~يشرب فيه، ولم يشعر أخوه بذلك. PageV01P0048 # وقيل: إن بنيامين لما علم أن يوسف أخوه قال: لا أفارقك، قال يوسف: أخاف ~~غم أبوينا ولا يمكنني حبسك إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع، قال: افعل، قال: ~~فإني أجعل الصواع في رحلك ثم أنادي عليك بالسرقة لآخذك منهم، قال: افعل، ~~فلما ارتحلوا (أذن مؤذن: أيتها العير إنكم لسارقون) يوسف: 12 : 70، (قالوا: ~~تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين) يوسف: 12 : 73 ~~لأننا رددنا ثمن الطعام الى يوسف، فلما قالوا ذلك (قالوا: فما جزاؤه إن ~~كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه) يوسف: 12 : 74 - 75 ~~تأخذونه لكم، فبدأ بأوعيتهم ففتشها قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاد ~~أخيه، فقالوا: (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) يوسف: 12 : 75، يعنون يوسف، ~~وكانت سرقته حين سرق صنما لجده أبي أمه فكسره فعيروه بذلك، وقيل ما تقدم ~~ذكره من المنطقة. فلما استخرجت السرقة من رحل الغلام قال إخوته: يا بني ~~راحيل لا يزال لنا منكم بلاء فقال بنيامين: بل بنو راحيل ما يزال لهم منكم ~~بلاء وضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم. فأخذ يوسف أخاه ~~بحكم إخوته، فلما رأوا أنهم لا سبيل لهم عليه سألوه أن يتركه لهم و(قالوا: ~~يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه) يوسف: 12 : 78، ~~فقال: (معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) يوسف: 12 : 79، فلما ~~يأسوا من خلاصه خلصوا نجيا لا يختلط بهم غيرهم، فقال كبيرهم، وهو شمعون: ~~(ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله) يوسف: 12 : 80 أن نأتيه ~~بأخينا إلا أن ms0095 يحاط بنا، ومن قبل هذه المرة (ما فرطتم في يوسف، فلن أبرح ~~الأرض حتى يأذن لي أبي) يوسف: 80 بالخروج، وقيل: بالحرب، فارجعوا الى أبيكم ~~فقصوا عليه خبركم. فلما رجعوا إلى أبيهم فأخبروه بخبر بنيامين وتخلف شمعون ~~(قال: بل سولت لكم أنفسكم أمرا، فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) ~~يوسف: 12 : 83، بيوسف وأخيه وشمعون، ثم أعرض عنهم وقال: واحزناه على يوسف ~~(وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم) يوسف: 12 : 84 مملوء من الحزن والغيظ، ~~فقال له بنوه: (تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا - أي دنفا - أو تكون من ~~الهالكين)، يوسف: 12 : 85، فأجابهم يعقوب فقال: (إنما أشكو بثي وحزني الى ~~الله وأعلم من الله ما لا تعلمون) من صدق رؤيا يوسف. وقيل: بلغ من وجد ~~يعقوب وجد سبعين مبتلى، وأعطي على ذلك أجر مائة شهيد. قيل: دخل على يعقوب ~~جار له فقال: يا يعقوب قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك فقال: ~~هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من هم يوسف، فأوحى الله إليه: أتشكوني ~~إلى خلقي؟ قال: يا رب خطيئة فاغفرها، قال: قد غفرتها لك، فكان يعقوب إذا ~~سئل بعد ذلك قال: (إنما أشكو بثي وحزني الى الله)، فأوحى الله إليه: لو ~~كانا ميتين لأحييتهما لك، إنما ابتليتك لأنك قد شويت وقترت على جارك ولم ~~تطعمه. وقيل: كان سبب ابتلائه أنه كان له بقرة لها عجول فذبح عجولها بين ~~يديها وهي تخور فلم يرحمها يعقوب، فابتلي بفقد أعز ولده عنده؛ وقيل: ذبح ~~شاة، فقام ببابه مسكين فلم يطعمه منها، فأوحى الله إليه في ذلك وأعلمه أنه ~~سبب ابتلائه، فصنع طعاما ونادى: من كان صائما فليفطر عند يعقوب. ثم إن ~~يعقوب أمر بنيه الذين قدموا عليه من مصر بالرجوع اليها وتجسس الأخبار عن ~~يوسف وأخيه، فرجعوا الى مصر فدخلوا على يوسف وقالوا: (يا أيها العزيز مسنا ~~وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة - يعني قليلة - فأوف لنا الكيل) يوسف: 12 : ~~88 قيل: كانت بضاعتهم دراهم زيوفا، وقيل: ms0096 كانت سمنا وصوفا، وقيل غير ذلك، ~~(وتصدق علينا) بفضل ما بين الجيد والرديء، وقيل: برد أخينا علينا، فلما سمع ~~كلامهم غلبته نفسه فارفض دمعه باكيا ثم باح لهم بالذي كان يكتم، وقيل: إنما ~~أظهر لهم ذلك لأن أباه كتب إليه، حين قيل له إنه أخذ ابنه لأنه سرق، كتابا: ~~PageV01P0049 # من يعقوب اسرائيل الله ابن اسحاق ذبيح الله ابن ابراهيم خليل الله الى ~~عزيز مصر المظهر العدل، (أما بعد فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء، أما جدي ~~فشدت يداه ورجلاه وألقي في النار فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وأما أبي ~~فشدت يداه ورجلاه ووضع السكين على حلقه ليذبح ففداه الله، وأما أنا فكان لي ~~ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته الى البرية فعادوا ومعهم قميصه ~~ملطخا بدم وقالوا: أكله الذئب، وكان لي ابن آخر أخوه لأمه فكنت أتسلى به ~~فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا: إنه سرق وإنك حبسته، وإنا أهل بيت لا نسرق ولا ~~نلد سارقا فإن رددته علي ورلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك). فلما ~~قرأ الكتاب لم يتمالك أن بكى وأظهر لهم فقال: (هل علمتم ما فعلتم بيوسف ~~وأخيه إذ أنتم جاهلون؟ قالوا: أإنك لأنت يوسف قال: أنا يوسف وهذا أخي، قد ~~من الله علينا) يوسف: 12 : 89 - 90 بأن جمع بيننا، فاعتذروا و(قالوا: تالله ~~لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين)، قال: (لا تثريب عليكم الوم) يوسف: ~~91 : 92، أي لا أذكر لكم ذنبكم، (يغفر الله لكم)، ثم سألهم عن أبيه، ~~فقالوا: لما فاته بنيامين عمي من الحزن، فقال: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه ~~عليوجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين) يوسف: 12 : 93، فقال يهودا: ~~أنا أذهب به لأنيذهبت إليه بالقميص ملطخا بالدم وزخبرته أن يوسف أكله ~~الذئب، فأنا أخبره أنه حي فأفرحه كما أحزنته، وكان هو البشير، (ولما فصلت) ~~العير عن مصر حملت الريح الى يعقوب ريح يوسف، وبينهما ثمانون فرسخا، يوسف ~~بمصر ويعقوب بأرض كنعان، فقال يعقوب: (إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون) ms0097 ~~يوسف: 12 : 94؟ فقال له من حضره من أولاده: (تالله إنك) من ذكر يوسف (لفي ~~ضلالك القديم، فلما أن جاء البشير) بقميص يوسف (ألقاه) على وجه يعقوب فعاد ~~بصيرا و(قال: ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون)، يعني تصديق الله ~~تأويل رؤيا يوسف؛ و(لما أن جاء البشير) يوسف: 12 : 95 - 96 قال له يعقوب: ~~كيف تركت يوسف؟ قال: إنه ملك مصر، قال: ما أصنع بالمللك علي أي دين تركته؟ ~~قال: على الإسلام، قال: الآن تمت النعمة، فلما رأى من عنده من أولاده قميص ~~يوسف وخبره قالوا له: (يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا، قال: سوف أستغفر لكم) ~~يوسف: 12 : 96 - 97 آخر الدعاء الى السحر من ليلة الجمعة. ثم ارتحل يعقوب ~~وولده، فلما دنا من مصر خرج يوسف يتلقاه ومعه أهل مصر، وكانوا يعظمونه، ~~فلما دنا أحدهما من صاحبه نظر يعقوب الى الناس والخيل، وكان يعقوب يمشي ~~ويتوكأ على ابنه يهودا، فقال له: يا بني هذا فرعون مصر، قال: لا، هذا ابنك ~~يوسف، فلما قرب منه أراد يوسف أن يبدأه بالسلام، فمنع من ذلك، فقال يعقوب: ~~السلام عليك يا مذهب الأحزان، لأنه لم يفارقه الحزن والبكاء مدة غيبة يوسف ~~عنه. قال: فلما دخلوا مصر رفع أبويه، يعني أمه وأباه، وقيل: كانت خالته، ~~وكانت أمه قد ماتت، وخر له يعقوب وأمه وإخوته سجدا، وكان السجود تحية الناس ~~للملوك، ولم يرد بالسجود وضع الجبهة على الأرض، فإن ذلك لا يجوز إلا لله ~~تعالى ، وإنما أراد الخضوع والتواضع والانحناء عند السلام، كما يفعل الآن ~~بالملوك، والعرش: السرير، وقال: (يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ~~ربي حقا) يوسف: 12 : 100. وكان بين رؤيا يوسف ومجيء يعقوب أربعون سنة، ~~وقيل: ثمانون سنة، فإنه ألقي في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، ولقيه وهو ابن ~~سبع وتسعين سنة، وعاش بعد جمع شمله ثلاثا وعشرين سنة، وتوفي وله مائة ~~وعشرون سنة، وأوصى إلي أخيه يهودا، وقيل: كانت غيبة يوسف عن يعقوب ثماني ~~عشرة سنة، ms0098 وقيل: إن يوسف دخل مصر وله سبع عشرة سنة، واستوزره فرعون بعد ~~ثلاث عشرة سنة من قدومه إلى مصر، وكانت مدة غيبته عن يعقوب اثنتين وعشرين ~~سنة، وكان مقام يعقوب بمصر وأهله معه سبع عشرة سنة، وقيل غير ذلك، والله ~~أعلم. ولما مات يعقوب أوصي الى يوسف أن يدفنه مع أبيه اسحاق، ففعل يوسف، ~~فسار به الى الشام فدفنه عند أبيه، ثم عاد إلى مصر وأوصى يوسف أن يحمل من ~~مصر ويدفن عند آبائه، فحمله موسى لما خرج ببني إسرائيل. PageV01P0050 # وولد يوسف افرائيم ومنشى، فولد لافراثيم نون ولنون يوشع فتى موسى، وولد ~~لمنشى موسى، قيل موسى بن عمران، وزعم أهل التوراة أنه موسى الخضر، وولد له ~~رحمة امرأة أيوب في قولك. ### | AUT قصة شعيب عليه السلام # قيل: إن اسم شعيب يثرون بن ضيعون بن عنقا بن ثابت بن مدين بن ابراهيم، ~~وقيل: هو شعيب بن ميكيل من ولد مدين، وقيل: لم يكن شعيب من ولد ابراهيم، ~~وإنما هو من ولد بعض من آمن بإبراهيم وهاجر معه الى الشام، ولكنه ابن بنت ~~لوط، فجدة شعيب ابنة لوط، وكان ضرير البصر، وهو معنى قوله تعالى: (وإنا ~~لنراك فينا ضعيفا) هود: 11 : 91؛ أي ضرير البصر. وكان النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، إذا ذكره قال: ذاك خطيب الأنبياء؛ بحسن مراجعته قومه؛ وإن الله أرسله ~~الى أهل مدين وهم أصحاب الأيكة، والأيكة: شجر ملتف، وكانوا أهل كفر بالله، ~~وبخس للناس في المكاييل والموازين وإفساد أموالهم، وكان الله وسع عليهم في ~~الرزق وبسط لهم في العيش استدراجا لهم منه مع كفرهم بالله، فقال لهم شعيب: ~~(يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني ~~أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط) هود:11 : 84. فلما طال تماديهم ~~في غيهم وضلالهم ولم يزدهم تذكير شعب إياهم وتحذيره عذاب الله إياهم إلا ~~تماديا، ولما أراد إهلاكهم سلط عليهم عذاب يوم الظلة، وهو ما ذكره ابن عباس ~~في تفسير قوله تعالى: (فأخذهم عذاب يوم الظلة ms0099 إنه كان عذاب يوم عظيم) ~~الشعراء: 26 : 189، فقال: بعث الله عليهم وقدة وحرا شديدا فأخذ بأنفسهم، ~~فخرجوا من البيوت هرابا إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة فأظلتهم من ~~الشمس، فوجدوا لها بردا ولذة فنادى بعضهم بعضا حتى اجتمعوا تحتها، فأرسل ~~الله عليهم نارا، قال عبد الله بن عباس: فذلك عذاب يوم الظلة. وقال قتادة: ~~بعث الله شعيبا الي أمتين: الى قومه أهل مدين، والى أصحاب الأيكة، وكانت ~~الأيكة من شجر ملتف، فلما أراد الله أن يعذبهم بعث عليهم حرا شديدا ورفع ~~لهم العذاب كأنه سحابة، فلما دنت منهم خرجوا إليها رجاء بردها، فلما كانوا ~~تحتها أمطرت عليهم نارا، قال: فذلك قوله: (فأخذهم عذاب يوم الظلة). وأما ~~أهل مدين فمنهم من ولد مدين بن ابراهيم الخليل، فعذبهم الله بالرجفة، وهي ~~الزلزلة، فأهلكوا. قال بعض العلماء: كان قوم شعيب عطلوا حدا، فوسع الله ~~عليهم في الرزق، ثم عطلوا حدا فوسع الله عليهم في الرزق، فجعلوا كلما عطلوا ~~حدا وسع الله عليهم في الرزق، حتى إذا أراد هلاكهم سلط عليهم حرا لا ~~يستطيعون أن يتقاروا ولا ينفعهم ظل ولا ماد حتي ذهب ذاهب منهم فاستظل تحت ~~ظلة فودج روحا فنادى أصحابه: هلموا الى الروح، فذهبوا اليه سراعا حتى اذا ~~اجتمعوا إليها ألهبها الله عليهم نارا، فذلك عذاب يوم الظلة. وقد روى عامر ~~عن ابن عباس أنه قال له: من حدثك ما عذاب يوم الظلة فكذبه، وقال مجاهد: ~~عذاب يوم الظلة هو إظلال العذاب على قوم شعيب، وقال زيد بن أسلم في قوله ~~تعالى: (يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في ~~أموالنا ما نشاء) هود: 11 : 87؛ قال: مما كان ينهاهم عنه قطع الدراهم. ### | AUT قصة الخضر وخبره مع موسى # قال أهل الكتاب: إن موسى صاحب الخضر هو موسى بن منشى بن يوسف بن يعقوب، ~~والحديث الصحيح عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أن موسى صاحب الخضر هو موسى ~~بن عمران على ما نذكره، وكان الخضر ممن كان في ms0100 أيام أفريدون الملك ابن ~~اثغيان في قول علماء أهل الكتاب الأول قبل موسى بن عمران، وقيل: إنه كان ~~على مقدمة ذي القرنين الأكب الذي كان في أيام ابراهيم الخليل، وإنه بلغ مع ~~ذي القرنين نهر الحياة فرشب من مائه ولا يعلم ذو القرنين ومن معه، فخلد وهو ~~حي عندهم الى الآن، وزعم بعضهم: أنه كان من ولد من آمن مع ابراهيم وهاجر ~~معه، واسمه يليا بن ملكان بن فالغ بن غابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن ~~نوح، وكان أبوه ملكا عظيما، وقال آخرون: ذو القرنين الذي كان على عهد ~~ابراهيم أفريدون بن اثغيان، وعلى مقدمته كان الخضر. PageV01P0051 # قال عبد الله بن شوذب: الخضر من ولد فارس، والياس من بني اسرائيل يلتقيان ~~كل عام بالموسم، وقال ابن اسحاق: استخلف الله على بني اسرائيل رجلا منهم ~~يقال له ناشية بن أموص، فبعث الله لهم الخضر معه نبيا، قال: واسم الخضر ~~فيما يقول بنو اسرائيل إرميا بن حلقيا، وكان من سبط هارون بن عمران، وبين ~~هذا الملك وبين أفرويدون أكثر من ألف عام. وقول من قال إن الخضر كان في ~~أيام أفريدون وذي القرنين الأكبر قبل موسى بن عمران أشبه للحديث الصحيح أن ~~موسى بن عمران أمره الله بطلب الخضر، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان ~~أعلم الخلق بالكائن من الأمور، فيحتمل أني كون الخضر على مقدمة ذي القرنين ~~قبل موسى، وأنه شرب من ماء الحياة فطال عمره، ولم يرسل في أيام ابراهيم، ~~وبعث في أيام ناشية بن أموص، وكان ناشية هذا في أيام بشتاسب بن لهراسب، ~~والحديث ما رواه أبي بن كعب عن النبي، صلى الله عليه وسلم. قال سعيد بن ~~جبير: قلت لابن عباس: إن نوفا يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى بن عمران، قال ~~: كذب عدو الله، حذثني أبي بن كعب عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: إن ~~موسى قام في بني اسرائيل خطيبا فقيل له: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب ~~الله عليه حين لم ms0101 يرد العلم إليه، فقال: يا رب هل هناك أعلم مني؟ قال: بلى، ~~عبد لي بمجمع البحرين، قال: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتا فتجعله في ~~مكتل فحيث تفقده فهو هناك، فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم قال لفتاه: إذا فقدت ~~هذا الحوت فأخبرني، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر حتى أتيا الصخرة وذلك ~~الماء، وهو ماء الحياة، فمن شرب منه خلد ولا يقاربه شيد ميت إلا حيي، فمس ~~الحوت منه فحيي، وكان موسى راقدا، واضطرب الحوت في المكتل فخرج في البحر، ~~فأمسك الله عنه جرية الماء فصار مثل الطاق، فصار للحوت سربا، وكان لهما ~~عجبا، ثم انطلقا، فلما كان حين الغداء قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد ~~لقينا من سفرنا هذا نصبا، قال: ولم يجد موسى النصب حتى تجاوز حيث أمره ~~الله، فقال: (أرأيت إذ أوينا الى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا ~~الشيطان أن أذكره، واتخذ سبيله في البحر عجبا؛ قال ذلك ما كنا نبغ، فارتدا ~~على آثارهما قصصا) الكهف: 18 : 63 - 46، قال: يقصان آثارهما حتى أتيا ~~الصخرة، فإذا رجل نائم مسجى بثوبه، فسلم موسى عليه، فقال: وأنى بأرضنا ~~السلام قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: يا موسى إني ~~على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله لا ~~أعلمه، قال: فإني أتبعك علي أن تعلمني مما علمت رشدا، (قال: فإن اتبعتني ~~فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا) الكهف: 18 : 70، فانطلقا يمشيان ~~على ساحل البحر ثم ركبا سفينة، فجاء عصفور فقعد علي حرف السفينة فنقر في ~~الماء، فقال الخضر لموسى: ما ينقص علمي وعلمك من علم الله إلا مقدار ما نقر ~~هذا العصفور من البحر. PageV01P0052 # قال: فبينا هم في السفينة لم يفجأ موسي إلا وهو يوتد وتدا أو ينزع تختا ~~منها، فقال له موسى: حملنا بغير نول فتخرقها (لتغرق أهلها، لقد جئت شيئا ~~إمرا؛ قال: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا؟ قال: لا ms0102 تؤاخذني بما نسيت) ~~الكهف: 18 : 71 - 73، قال: وكانت الأولي من موسى نسيانا، قال: فخرجا ~~فانطلقا يمشيان فأبصرا غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ برأسه فقتله، فقال له ~~موسى: (أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا؛ قال: ألم أقل لك إنك ~~لن تستطيع معي صبرا؟ قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، قد بلغت من ~~لدني عذرا، فانطلقا حتى رذا أتيا زهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن ~~يضيفوهما) الكهف: 18 : 74 - 77 فلم يجدا أحدا يطعمهما ولا يسقيهما، (فوجدا ~~فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه)، فقال له موسى: لم يضيفونا ولم ينزلونا، ~~(لو شئت لاتخذت عليه أجرا؛ قال: هذا فراق بيني وبينك، سأنبئك بتأويل ما لم ~~تستطع عليه صبرا؛ أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر، فزردت أن ~~أعيبها، وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) الكهف: 18 : 77 - 79 وفي ~~قراءة أبي: سفينة صالحة - وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين، فخشينا أن ~~يرهقهما طغيانا وكفرا؛ فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما؛ ~~وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما، وكان ~~أوبهما صالحا - إلى - ما لم تسطع عليه صبرا) الكهف: 18 : 79 - 82. فكان ابن ~~عباس يقول: ما كان الكنز إلا علما، قيل لابن عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر؛ ~~فقال: شرب الفتى من الماء فخلد، فأخذه العالم فطابق به سفينته ثم أرسلها في ~~البحر، فإنها لتموج به إلى يوم القيامة. الحديث يدل على أن الخضر كان قبل ~~موسى وفي أيامه، ويدل على خطأ من قال إنه إرميا، لأن إرميا كان أيام بخت ~~نصر، وبين أيام موسى وبخت نصر من المدة ما لا يشكل على عالم بأيام الناس، ~~فإن موسى إنما نبئ في أيام منوجهر، وكان ملكه بعد جده أفريدون. ### | AUT ذكر الخبر عن منوجهر والحوادث في أيامه # ثم ملك بعد أفريدون بن اثغيان بن كاو منوجهر، وهو من ولد إيرج بن ~~أفريدون، وكان مولده بدنباوند، وقيل الري، فلما ولد منوجهر أخفى أمره خوفا ~~من ms0103 طوج وسلم عليه، ولما كبر منوجهر سار الى جده أفريدون فتوسم فيه الخير ~~وجعل له ما كان جعله لجده إريج من المملكة وتوجه بتاجه. وقد زعم بعضهم أن ~~منوجهر بن شجر بن افريقش بن اسحاق بن ابراهيم انتقل إليه الملك، واستشهد ~~بقول جرير بن عطية: وأبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا ... حمائل موت لابسين ~~السنورا إذا انتسبوا عدوا الصبهبذ منهم ... وكسرى وعدوا الهرمزان وقيصرا ~~وكان كتاب فيهم ونبوة ... وكانوا باصطخر الملوك وتسترا فيجمعنا والغر أبناء ~~فارس ... أب لا نبالي بعده من تأخرا أبونا خليل الله والله ربنا ... رضينا ~~بما أعطى الإله وقدرا وأما الفرس فتنكر هذا النسب ولا تعرف لها ملكا إلا في ~~أولاد أفريدون ولا تقر بالملك لغيرهم. قلت: والحق ما قاله الفرس، فإن أسماء ~~ملوكهم قبل الإسكندر معروفة وبعد أيامه ملوك الطوائف، وإذا كان منوجهر أيام ~~موسى وكل ما بين موسى واسحاق خمسة آباء معروفون ولم يزالوا بمصر ففي أي ~~زمان كثروا وانتشروا وملكوا بلاد الفرس؟ ومن أين لجرير هذا العلم حتى يكون ~~قوله حجة لا سيما وقد جعل الجميع أبناء إسحاق قال هشام بن الكلبي: ملك طوج ~~وسلم الأرض بعد أخيهما إيرج ثلاثمائة سنة، ثم ملك منوجهر مائة وعشرين سنة، ~~ثم وثب به ابن لطوج التركي على رأس ثمانين سنة فنفاه عن بلاد العراق اثنتي ~~عشرة سنة، ثم أديل منه منوجهر، فنفاه عن بلاده وعاد إلى ملكه، وملك بعد ذلك ~~ثمانيا وعشرين سنة. وكان منوجهر يوصف بالعدل والإحسان، وهو أول من خندق ~~الخنادق وجمع آلة الحرب، وأول من وضع الدهقنة فجعل لكل قرية دهقانا وأمر ~~أهلها بطاعته، ويقال: إن موسى ظهر في سنة ستين من ملكه. PageV01P0053 # وقال غير هشام؛ إنه لما ملك سار نحو بلاد الترك طالبا بدم جده إيرج بن ~~أفريدون، فقتل طوج بن أفريدون وأخاه سلما، ثم إن افراسياب بن فشنج بن رستم ~~بن ترك، الذي ينسب إليه الأتراك من ولد طوج بن أفريدون، حرب منوجهر بعد ~~قتله طوج بستين سنة وحاصره بطبرستان، ثم اصطلحا أن ms0104 يجعلا حد ما بين ملكيهما ~~منتى رمية سهم رجل من أصحاب منوجهر اسمه إيرشى، وكان رايما شديد النزع، ~~فرمى سهما من طبرستان فوقع بنهر بلخ، وصار النهر حد ما بين الترك ولد طوج ~~وعمل منوجهر. قلت: وهذا من أعجب ما يتداوله الفرس في أكاذيبهم، أن رمية سهم ~~تبلغ هذا كله. وقد ذكر أن منوجهر اشتق من الفرات ودجلة ونهر بلخ أنهارا ~~عظاما وأمر بعمارة الأرض، وقيل: إن الترك تناولت من أطراف رعيته بعد خمس ~~وثلاثين سنة من ملكه، فوبخ قومه وقال لهم: أيها الناس إنكم لم تلدوا الناس ~~كلهم وإنما الناس ناس ما عقلوا من أنفسهم ودفعوا العدو عنهم، وقد نالت ~~الترك من أطرافكم وليس ذلك إلا بترككم جهاد عدوكم ، وإن الله أعطانا هذا ~~الملك ليبلونا أنشكر أم نكفر فيعاقبنا، فإذا كان غد فاحضروا. فحضر الناس ~~والأشراف، فقام على قدميه، فقام له الناس، فقال: اقعدوا، إنما قمت لأسمعكم، ~~فجلسوا، فقال: أيها الناس إنما الخلق للخالق والشكر للمنعم والتسليم ~~للقادر، ولا بد مما هو كائن، وإنه لا أضعف من مخلوق طالبا كان أو مطلوبا، ~~ولا أقوى من خالق ولا أقدر ممن طلبته في يده ولا أعجز ممن هو في يد طالبه، ~~وإن التفكر نور والغفلة ظلمة، فالضلالة جهالة، وقد ورد الأول ولا بد للآخر ~~من اللحاق بالزول، إن الله أعطانا هذا الملك فله الحمد ونسأله إلهام الرشد ~~والصدق واليقين، وإنه لا بد أن يكون للملك على أهل مملكته حق ولأهل مملكته ~~عليه حق، فحق الملك عليهم أن يطيعوه ويناصحوه ويقاتلوا عدوه، وحقهم على ~~الملك أن يعطيهم أرزاقهم في زوقاتها إذ لا معول لهم إلا عليها، وإنه ~~خازنهم، وحق الرعية علي الملك أن ينظر إليهم ويرفق بهم ولا يحملهم على ما ~~لا يطيقون، وإن أصابتهم مصيبة تنقص من ثمارهم أن يسقط عنهم خراج ما نقص، ~~وإن اجتاحتهم مصيبة أن يعوضهم ما يقويهم على عمارتهم، ثم يأخذ منهم بعد ذلك ~~قدر ما لا يجحف بهم في سنة أو سنتين، ألا وإن الملك ينبغي ms0105 أن يكون فيه ثلاث ~~خصال: أن ذلك قدر ما لا يجحف بهم في سنة أو سنتين، ألا وإن الملك ينبغي أن ~~يكون فيه ثلاث خصال: أن يكون صدوقا لا يكذب، وأن يكون سخيا لا يبخل، وأن ~~يملك نفسه عند الغضب فإنه مسلط ويده مبسوطة، والخراج يأتيه، فلا يستأثر عن ~~جنده ورعيته بما هم أهل له، وأن يكثر العفو فإنه لا ملك أقوى ولا أبقى من ~~ملك فيه العفو، فإن الملك إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة. ألا ~~وإن الترك قد طمعت فيكم فاكفونا فإنما تكفون أنفسكم، وقد أمرت لكم بالسلاح ~~والعدة وأنا شريككم في الرأي، وإنما لي من هذا الملك اسمه مع الطاعة منكم، ~~ألا وإنما الملك ملك إذا أطيع، فإن خولف فهو مملوك وليس بملك، ألا وإن أكمل ~~الأداة عند المصيبات الزخذ بالصبر والراحة إلي اليقين، فمن قتل في مجاهدة ~~العدو ورجوت له بفوز رضوان الله، وإنما هذه الدنيا سفر لأهلها لا يحلون عقد ~~الرحال إلا في غيرها، وهي خطبة طويلة. ثم أمر بالطعام فزكلوا وشربوا وخرجوا ~~وهم له شاكرون مطيعون. وكان ملكه مائة وعشرين سنة. وزعم ابن الكلبي أن ~~الرايش، واسمه الحرث بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يعرب بن قحطان، وكان قد ملك ~~اليمن بعد يعرب بن قحطان، كان ملكه باليمن أيام ملك منوجهر، وإنما سمي ~~الرايش لغنيمة غنمها فأدخلها اليمن فسمي الرايش، ثم غزا الهند فتل بها وأسر ~~وغنم ورجع الى اليمن، ثم سار على جبلي طيء، ثم على الأنبار، ثم على الموصل ~~ووجه منها خيله وعليها رجل من أصحابه يقال له شمر بن العطاف، فدخل على ~~الترك بزرض أذربيجان فقتل المقاتلة وسبهى الذرية وكتب ما كان من مسيره على ~~حجرين، وهما معروفان بأذربيجان. PageV01P0054 # ثم ملك بعده ابنه أبرهة، ولقبه ذو المنار، وإنما لقب بذلك لأنه غزا بلاد ~~المغرب وأوغل فيها برا وبحرا، وخاف على جيشه الضلال عند قفوله فبنى المنار ~~ليهتدوا بها، وقد زعم أهل اليمن أنه وجه ابنه العبد ms0106 بن أبرهة في غزواته الى ~~ناحية من أقاصي المغرب فغنم وقدم بسبي له وحشة منكرة، فذعر الناس منهم، ~~فسمي ذو الأذعار؛ فأبرهة أحد ملوكهم الذين توغلوا في البلاد. وإنما ذكرت من ~~ذكرت من ملوك اليمن ها هنا لقول من زعم أن الرايش كان أيام منوجهر وأن ملوك ~~اليمن كانوا عمالا لملوك فارس. ### | AUT قصة موسى عليه السلام ونسبه # ### | AUT وما كان في أيامه من الأحداث # قيل: هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن اسحاق بن ~~ابراهيم، وولد لاوي ليعقوب وهو ابن تسع وثمانين سنة، وولد قاهث للاوي وهو ~~ابن ست وأربعين سنة، وولد لقاهث يصهر، وولد عمران ليصهر وله ستون سنة، وكان ~~عمره جميعه مائة وسبعا وأربعين سنة وولد موسى ولعمران سبعون سنة وكان عمر ~~عمران جميعه مائة وسبعا وثلاثين سنة، وأم موسى يوخابد، واسم امرأته صفورا ~~بنت شعيب النبي. وكان فرعون مصر في أيامه قابوس بن مصعب بن معاوية صاحب ~~يوسف الثاني، وكانت امرأته آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد ~~فرعون يوسف الأول، وقيل: كانت من بني اسرائيل، فلما نودي موسى أعلم أن ~~قابوس فرغون مصر مات وقام أخوه الوليد بن مصعب مكانه، وكان عمره طويلا، ~~وكان أعتى من قابوس وأفجر، وأمر بأن يأتيه هو وهارون بالرسالة، ويقال: إن ~~الوليد تزوج آسية بعد أخيه، ثم سار موسى إلى فرعون رسولا مع هارون، فكان من ~~مولد موسى إلى أن أخرج بني إسرائيل من مصر ثمانون سنة، ثم سار الى التيه ~~بعد أن مضى عبر البحر، وكان مقامهم هنالك إلى أن خرجوا مع يوشع بن نون ~~أربعين سنة، فكان ما بين مولد موسى الى وفاته مائة وعشرين سنة. قال ابن ~~عباس وغيره، دخل حديث بعضهم في بعض: إن الله تعالى لما قبض يوسف وهلك الملك ~~الذي كان معه وتوارثت الفراعنة ملك مصر ونشر الله بني اسرائيل لم يزل بنو ~~اسرائيل تحت يد الفراعنة وهم على بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب ms0107 ~~واسحاق وابراهيم شرعوا فيهم من الاسلام حتى كان فرعون موسى، وكان زعتاهم ~~علي الله وأعظمهم قولا وأطولهم عمرا، واسمه فيما ذكر الويد بن مصعب، وكان ~~سيء الملكة على بني اسرائيل يعذبهم ويجعلهم خولا ويسومهم سوء العذاب. فلما ~~أراد الله أن يستنفذهم بلغ موسى الأشد وأعطي الرسالة، وكان شأن فرعون قبل ~~ولادة موسى أنه رأى في منامه كأن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت علي ~~بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني اسرائيل وأخربت بيوت مصر، فدعا السحرة ~~والحزاة والكهنة فسألهم عن رؤياه، فقالوا: يخرج من هذا البلد، يعنون بيت ~~المقدس، الذي جاء بنو اسرائيل منه، رجل يكون على وجهه هلاك مصر، فأمر أن لا ~~يولد لبني اسرائيل مولود إلا ذبح ويترك الجواري. وقيل: إنه لما تقارب زمان ~~موسى أتى منجمو فرعون وحزاته إليه فقالوا: اعلم أنا نجد في علمنا أن مولودا ~~من بني اسرائيل قد أظلك زمانه الذي يولد فيه يسلبك ملكك ويغلبك على سلطانك ~~ويبدل دينك، فأمر بقتل كل مولود يولد في بني اسرائيل. PageV01P0055 # وقيل: بل تذاكر فرعون وجلساؤه معا ما وعد الله عز وجل إبراهيم أن يجعل في ~~ذريته أنبياء وملوكا، فقال بعضهم: إ بني اسرائيل لينتظرون ذلك، وقد كانوا ~~يظنونه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هكذا وعد الله إبراهيم، فقال ~~فرعون: كيف ترون؟ فأجمعوا على أن يبعث رجالا يقتلون كل مولود في بني ~~اسرائيل، وقال للقبط: انظروا مماليككم الذين يعملون خارجا فأدخولهم واجعلوا ~~بني اسرائيل يلون ذلك، فجعل بني اسرائيل في أعمال غلمانهم، فذلك حين يقول ~~الله عز وجل: (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم ~~يذبح أبناءهم) القصص: 82 : 4؛ فجعل لا يولد لبني اسرائيل مولود إلا ذبح، ~~وكان يأمر بتعذيب الحبالى حتى يضعن، فكان يشقق القصب ويوقف المرأة عليه ~~فيقطع أقدامهن، وكانت المرأة تضع فتتقي بولدها القصب، وقذف الله الموت في ~~مشيخة بني اسرائيل، وفدخل رؤوس القبط على فرعون وكلموه وقالوا: إن هؤلاء ~~القوم قد وقع فيهم الموت فيوشك أن ms0108 يقع العمل على غلماننا، تذبح الصغار ~~وتفني الكبار، فلو أنك كتبت تبقي من أولادهم، فأمرهم أن يذبحوا سنة ويتركوا ~~سنة، فلما كان في تلك السنة التي تركوا فيها ولد هارون، وولد موسى في السنة ~~التي يقتلون فيها، وهي السنة المقبلة، قلما أرادت أمه وضعه حزنت من شزنه ، ~~فأوحى الله إليها، أي ألهمها: (أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم - ~~وهو النيل - ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) ~~القصص: 28 : 7. فلما وضعته أرضعته ثم دعت نجارا فجعل له تابوتا وجعل مفتاح ~~التابوت من داخل وجعلته فيه وألقته في اليم، فلما توارى عنها زتاها إبليس، ~~فقالت في نفسها: ما الذي صنعت بنفسي لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب ~~إلي من أن ألقيه بيدي إلى حيتان البحر ودوابه، فلما ألقته (قالت لأخته) - ~~واسمها مريم (قصيه) يعني قصي أثره (فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون) القصص: ~~28 : 11 انها أخته، فأقبل الموج بالتابوت يرفعه مرة ويخفضه أخرى حتى ادخله ~~بين أشجار عند دور فرعون، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدن ~~التابوت فأدخلنه إلى آسية، وظنن أن فيه مالا، فلما فتح ونظرت إليه آسية ~~وقعت عليها رحمته وأحبته، فلما أخبرت به فرعون وأتته قالت: (قرة عين لي ولك ~~لا تقتلوه) القصص: 28 : 9، فقال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. ~~قال النبي، صلى الله عليه وسلم، والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون له قرة ~~عين كما أقرت لهداه الله كما هداها. وأراد أن يذبحه فلم تزل اسية تكلمه حتى ~~تركه لها وقال: إني أخاف أن يكون هذا من بني اسرائيل وأن يكون هذا الذي على ~~يديه هلاكنا، فذلك قوله عز وجل: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) ~~القصص: 28 : 8، وأرادوا له المرضعات فلم يزخذ من أحد من النساد، فذلك قوله: ~~(وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت - أخته مريم - هل أدلكم على أهل بيت ~~يكفلونه لكم وهم له ناصحون؟) القصص: 28 : 12، فزخذوها وقالوا: ms0109 ما يدريك ما ~~نصحهم له؟ هل يعرفونه؟ حتى شكوا في ذلك فقالت: نصحهم له شفقتهم عليه ~~ورغبتهم في قضاء حاجة الملك ورجاء منفعته، فانطلقت إلى أمه فأخبرتها الخبر، ~~فجاءت أمه، فلما أعطته ثديها أخذه منها، فكادت تقول: هذا ابني، فعصمها ~~الله. وإنما سمي موسى لأنه وجد في ماء وشجر، والماء بالقبطية مو، والشجر ~~سا، فذلك قوله تعالى: (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن) القصص: 28 : ~~13. PageV01P0056 # وكان غيبته عنها ثلاثة أيام، وزخذته معها إلى بيتها، واتخذه فرعون ولدا ~~فدعي ابن فرعون، فلما تحرك الغلام حملته أمه إلى آسية، فأخذته ترقصه وتلعب ~~به وناولته فرعون، فلما أخذه إليه أخذ الغلام بلحيته فنتفها، قال فرعون: ~~علي بالذباحين يذبحونه، هو هذا قالت آسية: (لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو ~~نتخذه ولدا) القصص: 28 : 9، إنما هو صبي لا يعقل وإنما فعل هذا من جهل، وقد ~~علمت أنه ليس في مصر امرأة أكثر حليا مني، أنا أضع له حليا من ياقوت وجمرا ~~فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي، فأخرجت له ~~ياقوتها ووضعت له طشتا من جمر فجاء جبرائيل فوضع يده في جمرة فأخذها فطرحها ~~موسى في فمه، فأحرقت لسانه، فهو الذي يقول الله تعالى: (واحلل عقدة من ~~لساني يفقهوا قولي) طه: 27 : 28، فدرأت عن موسى بتلك القتل. وكبر موسى ، ~~وكان يركب مركب فرعون ويلبس ما يلبس، وإنما يدعى موسى بن فرعون، وامتنع به ~~بنو اسرائيل ولم يبق قبطي يظلم اسرائيليا خوفا منه. ثم إن فرعون ركب مركبا ~~وليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل له: فرعون قد ركب، فركب موسى في أثره ~~فأدركه المقيل بأرض يقال لها منف، وهذه منف (بفتح الميم وسكون النون) مصر ~~القديمة التي هي مصر يوسف الصديق، وهي الآن قرية كبيرة، فدخل نصف النهار، ~~وقد أغلقت أسواقها، (على حين غفلة من أهلها، فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا ~~من شيعته) القصص: 28 : 15 - 17 يقول هذا اسرائيلي قيل إنه السامري (وهذا من ~~عدوه)، فغضب موسى ms0110 لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني اسرائيل وحفظه ~~لهم، وكان قد حماهم من القبط، وكان الناس لايعلمون أنه منهم بل كانوا يظنون ~~أن ذلك بسبب الرضاع، فلما اشتد غضبه وكزه فقضى عليه، فقال: إن (هذا من عمل ~~الشيطان إنه عدو مضل مبين؛ قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له، إنه هو ~~الغفور الرحيم) القصص: 28 : 16؛ فأوحى الله تعالى إلى موسى: وعزتي لو أن ~~النفس التي قتلت أقرت لي ساعة واحدة أني خالق رازق لأذقتك العذاب، (قال: رب ~~بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين) القصص: 28 : 17، فأصبح في المدينة ~~خائفا يترقب أن يؤخذ، (فإذا الذي استنصره بالزمس يستصرخه - يقول يستعينه : ~~قال له مسوى: إنك لغوي مبين) القصص: 28 : 18، ثم أقبل لينصره، فلما نظر الي ~~موسى وقد أقبل نحوه ليبطش بالرجل الذي يقاتل الاسرائيلي خاف أن يقتله من ~~أجل أنه أغلظ له في الكلام قال: (أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟ إن ~~تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين) القصص: 28 ~~: 19، فترك القبطي، فذهب فأفشى عليه أن موسى هو الذي قتل الرجل، فطلبه ~~فرعون وقال: خذوه فإنه صاحبنا، فجاء رجل فأخبره وقال له: (إن الملأ يأتمرون ~~بك ليقتلوك فاخرج) القصص: 28 : 20. قيل: كان خربيل مؤمن آل فرعون، كان على ~~بقية من دين إبراهيم، عليه السلام، وكان أول من آمن بموسى، فلما أخبره خرج ~~من بينهم (خائفا يترقب، قال: رب نجني من القوم الظالمين) القصص: 28 : 21، ~~وأخذ في ثنيات الطريق، فجاءه ملك علي فرس وفي يده عنزة، وهي الحربة ~~الصغيرة، فلما رآه موسى سجد له من الفرق، فقال له: لا تسجد لي ولكن ابتعني؛ ~~فهداه نحو مدين، وقال موسى وهو متوجه إليها: (عسى ربي أن يهديني سواء ~~السبيل) القصص: 28 : 22، فانطلق به الملك حتي انتهى به إلي مدين، فكان قد ~~سار وليس معه طعام، وكان يزكل ورق الشجر، ولم يكن له قوة على الشمي، فما ~~بلغ مدين حتى سقط خف قدمه، ms0111 (ولما ورد ماء مدين - قصد الماء - وجد عليه أمة ~~من الناس يسقون، ووجد من دونهم امرأتين تذودان) القصص: 28 : 23، أي تحبسان ~~غنمهما، وهما ابنتا شعيب النبي، وقيل: ابنتا يثرون، وهو ابن أخي شعيب، فلما ~~رآهما موسى سألهما: (ما خطبكما؟ قالتا: لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ ~~كبير) القصص: 28 : 23، فرحمهما موسى فأتى البئر فاقتلع صخرة عليها كان ~~النفر من أهل مدين يجتمعون عليها حتى يرفعوها فسقى لهما غنمهما، فرجعتا ~~سريعا، وكانتا إنما تسقيان من فضول الحياض، وقصد موسى شجرة هناك ليستظل بها ~~فقال: (رب إني لما أنزلت إليه من خير فقير) القصص: 28 : 24. قال ابن عباس: ~~لقد قال موسى ذلك ولو شاء إنسان أن ينظر الى خضرة أمعائه من شدة الجوع لفعل ~~وما سأل إلا أكلة. PageV01P0057 # فلما رجعت الجاريتان إلى أبيهما سريعا سألهما فأخبرتاه، فأعاد إحداهما ~~الى موسى تستدعيه، فأتته وقالت له: (إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا) ~~القصص: 25، فقام معها، فمشت بين يديه، فضربت الريح ثوبها فحكى عجيزتها، ~~فقال لها: امشي خلفي ودليني على الطريق فإنا أهل بيت لا ننظر في أعقاب ~~النساء. فلما أتاه (وقص عليه القصص قال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين)، ~~قالت إحداهما، وهي التي أحضرته: (يا أبت استأجره، إن خير من استأجرت القوي ~~الأمين) القصص: 26، قال لها أبوها: القوة قد رأيتها فما يدريك بأمانته؟ ~~فذكرت له ما أمرها به من المشي خلفه، فقال له أبوها: (إني زريد أن أنكحك ~~إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني - نفسك - ثماني حجج، فإن أتممت عشرا فمن ~~عندك) القصص: 27، فقال له موسى: (ذلك بيني وبينك أيما الزجلين قضيت فلا ~~عدوان علي، والله على ما نقول وكيل) القصص: 28، فأقام عنده يومه، فلما أمسى ~~أحضر شعيب العشاد، فامتنع موسى من الأكل، فقال: ولم ذلك؟ قال: إنها من أهل ~~بيت لا نأخذ على اليسير من عمل الآخرة الدنيا بأسرها، فقال شعيب: ليس لذلك ~~أطعمتك إنما هذه عادتي وعادة آبائي، فأكل، وازدادت رغبة شعيب في موسى فزوجه ~~ابنته التي أحضرته، ms0112 واسمها صفورا، وأمرها أن تأتيه بعصا، فأتته بعصا، وكانت ~~تلك العصا قد استودعها إياه ملك في صورة رجل، فدفعتها إليه، فلما رآها ~~أبوها أمرها بردها والإتيان بغيرها، فألقتها وأرادت أن تأخذ غيرها، فلم تقع ~~بيدها سواها، وجعل يرددها، وكل ذلك لا يخرج في يدها غيرها، فزخذها موسى ~~ليرعى بها فندم أبوها حيث أخذها وخرج إليه ليأخذها منه حيث هي وديعة، فلما ~~رآه مسوى يريد أخذها منه مانعه، فحكما أول رجل يلقاهما، فزتاهما ملك في ~~صورة آدمي فقضى بينهما أن يضعها موسى في الأرض، فمن حملها فهي له، فألقاها ~~موسى فلم يطق أبوها حملها وأخذها موسى بيده فتركها له، وكانت من عوسج لها ~~شعبتان وفي رأسها محجن، وقيل: كانت من آس الجنة، حملها آدم معه، وقيل في ~~أخذها غير ذلك. وأقام موسى عند شعيب يرعى له غنمه عشر سنين، وسار بأهله في ~~زمن شتاء وبرد، فلما كانت الليلة التي أراد الله عز وجل لموسى كرامته ~~وابتداءه فيها بنبوته وكلامه أخطأ فيها الطريق حتى لا يدري أين يتوجه، ~~وكانت امرأته حاملا، فأخذها الطلق في ليلة شاتية ذات مطر ورعد وبرق، فأخرج ~~زنده ليقدح نارا لأهله ليصطلوا ويبيتوا حتى يصبح ويعلم وجه طريقه، فأصلد ~~زنده فقدح حتى أعيا، فرفعت له نار، فلما رآها ظن أنها نار، وكانت من نور ~~الله، ف (قال لأهله: امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر) القصص: ~~29، فإن لم أجد خبرا (آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون) النمل: 7، فحين قصدها ~~رآها نورا ممتدا من السماء إلى شجرة عظيمة من العوسج، وقيل: من العناب، ~~فتحير موسى وخاف حين رأى نارا عظيمة بغير دخان، وهي تلتهب في شجرة خضراء لا ~~تزداد النار إلا عظما ولا تزداد الشجرة إلا خضرة، فلما دنا منها استأخرت ~~عنه، ففزع ورجع، فنودي منها، فلما سمع الصوت استأنس فعاد، (فلما أتاها نودي ~~من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة) القصص: 30: أن بورك ~~من في النار ومن حولها يا موسى، (إن أنا الله رب العالمين)، فلما ms0113 سمع ~~النداء ورأى تلك الهيبة علم أنه ربه تعالى، فخفق قلبه وكل لسانه وضعفت قوته ~~وصار حيا كميت إلا أن الروح يتردد فيه، فأرسل الله إليه ملكا يشد قلبه، ~~فلما ثاب إليه عقله نودي: (اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى) طه: 12؛ ~~وإنما أمر بخلع نعله لأنهما كانتا من جلد حمار ميت، وقيل: لينال قدمه الأرض ~~المباركة، ثم قال له تسكينا لقلبه: (وما تلك بيمينك يا موسى؟ قال: هي عصاي ~~أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي) طه: 17 : 18؛ يقول: أضرب الشجر فيسقط ورقة ~~للغنم؛ (ولي فيها مآرب أخرى) أحمل عليها المزود والسقاء. وكانت تضيء لموسى ~~في الليلة المظلمة، وكانت إذا أعوزه الماء أدلاها في البئر فينال الماء ~~ويصير في رأسها شبه الدلو، وكان إذا اشتهى فاكهة غرسها في الأرض فنبتت لها ~~أغصان تحمل الفاكهة لوقتها. PageV01P0058 # قال له: ألقها يا موسى، فألقاها موسى، فإذا هي حية تسعى عظيمة الجثة في ~~خفة حركة الجان، فلما رآها موسى (وولى مدبرا ولم يعقب)، فنودي: (يا موسى لا ~~تخف إني لا يخاف لدي المرسلون) النمل: 10، أقبل ولا تخف سنعيدها سيرتها ~~الأولي عصا؛ وإنما أمره الله بإلقاء العصا حتى إذا ألقاها عند فرعون لا ~~يخاف منها، فلما أقبل قال: خذها ولا تخف وأدخل يدك في فيها، وكان على موسي ~~جبة صوف، فل يده بكمه وهو لها هائب، فنودي: ألق كمك عن يدك، فألقاه، وأدخل ~~يده بين لحييها، فلما أدخل يده عادت عصا كما كانت لا ينكر منها شيئا. ثم ~~قال له: (أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) النمل: 12، يعني برصا، ~~فأدخلها وأخرجها بيضاء من غير سوء مثل الثلج لها نور، ثم ردها فعادت كما ~~كانت، فقيل له: (فذانك برهانان من ربك إلي فرعون وملإه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين؛ قال: رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يتقلون؛ وأخي هارون هو أفصح ~~مني لسانا فأرسله معي ردءا: يصدقني) القصص: 32 - 34، أي يبين لهم عني ما ~~زكلمهم به، فإنه يفهم عني ما لا يفهمون، (قال: سنشد ms0114 عضدك بأخيك ونجعل لكما ~~سلطانا فلا يصلون رليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) القصص: 35. ~~فأقبل موسى إلى أهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلا، فتضيف على أمه وهو ~~لا يعرفهم ولا يعرفونه، فجاء هارون فسألها عنه، فأخبرته أنه ضيف، فدعاه ~~فأكل معه، وسأله هارون: من أنت؟ قال: أنا موسى، فاعتنقا، وقيل: إن الله ترك ~~موسى سبعة أيام ثم قال: أجب ربك فيما كلمك، فقال: (رب اشرح لي صدري) طه: 25 ~~الآيات، فزمره بالمسير الى فرعون، ولم يزل أهله مكانهم لا يدرون ما فعل حتى ~~مر راع من أهل مدين فعرفهم فاحتملهم إلى مدين، فكانوا عند شعيب حتى بلغهم ~~خبر موسى بعدما فلق البحر، فساروا إليه. وأما مسوى فإنه سار الى مصر، وأوحى ~~الله إلى هارون يعلمه بقفول موسى ويأمره بتلقيه، فخرج من مصر فالتقى به، ~~قال موسى: يا هارون إنه الله تعالى قد أرسلنا إلى فرعون فانطلق معي إليه، ~~قال: سمعا وطاعة، فلما جاء إلى بيت هارون وزظهر أنهما ينطلقان الى فرعون ~~سمعت ذلك ابنة هارون فصاحت أمهما فقالت: أنشدكما الله أن لا تذهبا الى ~~فرعون فيقتلكما جميعا فأبيا فانطلقا إليه ليلا، فضربا بابه، فقال فرعون ~~لبوابهك من هذا الذي يضرب بابي هذه الساعة؟ فأشرف عليهما البواب فكلمهما، ~~فقال له موسى: إنا رسولا رب العالمين، فأخبر فرعون، فأدخلا إليه. وقيل: إن ~~موسى وهارون مكثا سنتين يغدوان الى باب فرعون ويروحان يلتمسان الدخول إليه ~~فلم يجسر أحد يخبره بأمرهما، حتى أخبره مسخرة كان يضحكه بقوله، فأمر حينئذ ~~فرعون بإدخالهما، فلما دخلا قال له موسى: إني رسول من رب العالمين، فعرفه ~~فرعون فقال له: (ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين؛ وفعلت فعلتك ~~التي فعلت وأنت من الكافرين؟ قال: فعلتها إذا وأنا من الضالين، ففررت منكم ~~لما خفتكم فوهب لي ربي حكما، يعني نبوة، وجعلني من المرسلين) الشعراء: 18 - ~~21، فقال له فرعون: (إن كنت جئت باية فأت بها إن كنت من الصادقين، فألقي ~~عصاه فإذا هي ثعبان مبين) الاعراف: ms0115 106 - 107 قد فتح فاه فوضع اللحي الأسفل ~~في الأرض والأعلى على القصر وتوجه نحو فرعون ليأخذه، فخافه فرعون ووثب فزعا ~~فزحدث في ثيابه، ثم بقي بضعة وعشرين يوما يجيء بطنه حتى كاد يهلك، وناشده ~~فرعون بربه تعالي أن يرد الثعبان، فزخذه موسى فعاد عصا، ثم أدخل يده في ~~جيبه وأخرجها بيضاء كالثلج لها نور يتلألأ ثم رها فعادت إلى ما كانت عليه ~~من لونها ثم زخرجها الثانية لها نور ساطع في السماء تكل منه الأبصار قد ~~أضاءت ما حولها يدخل نورها البيوت ويرى من الكوى ومن وراءالحجب، فلم يستطع ~~فرعون النظر إليها، ثم ردها موسى في جيبه وأخرجها فإذا هي على لونها. ~~PageV01P0059 # وأوحى الله تعالى إلي موسى وهارون أن (قولا له قولا لينا لعله يتذكر أو ~~يخشى) طه: 44، فقال له موسى: هل لك في أن أعطيك شبابك فلا تهرم، وملكك فلا ~~ينزع، وأرد إليك لذة المناكح والمشارب والركوب، فإذا مت دخلت الجنة وتؤمن ~~بي؟ فقال: لا حتى يأتي هامان، فلما حضر هامان عرض عليه قول موسى، فعجهزه ~~وقال له: تصير تعبد بعد أن كنت تعبد ثم قال له: أنا أرد عليك شبابك، فعمل ~~له الوسمة فخصبه بها، فهو أول من خصب بالسواد، فلما رآه موسى هاله ذلك، ~~فأوحى الله إليه: لا يهولنك ما ترى فلن يلبث إلا قليلا، فلما سمع فرعون ذلك ~~خرج إلى قومه فقال: إن هذا لساحر عليم، وأراد قتله، فقال مؤمن آل فرعون، ~~واسمه خربيل: (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات؟) غافر: ~~28 وقال الملأ من قوم فرعون: (أرجه وزخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك ~~بكل سحار عليم) الشعراء: 36 - 37، ففعل وجمع السحرة، فكانوا سبعين ساحرا، ~~وقيل: اثنين وسبعين، وقيل: خمسة عشر ألفا، وقيل ثلاثين ألفا، فوعدهم فرعون ~~واتعدوا يوم عيد كان لفرعون، فصفهم فرعون وجمع الناس، وجاء موسى ومعه أخوه ~~هارون وبيده عصاه حتى زتى الجمع وفرعون في مجلسه مع أشراف قومه، فقال موسى ~~للسحرة حين جاءهم: (ويلكم لا تفتروا على الله ms0116 كذبا فيسحتكم بعذاب) طه: 61، ~~فقال السحرة بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر ثم قالوا: لنأتينك بسحر لم تر ~~مثله (وقالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون) الشعراء: 44، فقال له السحرة: ~~يا (موسى إما أن تلقي وإما زن نكون نحن الملقين) الاعراف: 115، قال: بل ~~ألقوا، (فألقوا حبالهم وعصيهم) فإذا هي في رأي العين حيات أمثال الجبال قد ~~ملأت الوادي يركب بعضها بعضا، فأوجس موسى خوفا، فأوحي الله إليه: أن (ألق ~~ما في يمينك تلقف ما صنعوا) طه: 69، فألقى عصاه من يده فصارت ثعبانا عظيما ~~فاستعرضت ما زلقوا من حبالهم وعصيهم، وهي كالحيات في أعين الناس، فجعلت ~~تلقفها وتلقفها وتبتلعها حتى لم تبق منها شيئا، ثم أخذ موسى عصاه فإذا هي ~~في يده كما كانت. وكان رئيس السحرة أعمى، فقال له أصحابه: إن عصا موسى صارت ~~ثعبانا عظيما وتلقف حبالنا وعصينا، فقال لهم: ولم يبق لها أثر ولا عادت إلى ~~حالها الأول؟ فقالوا: لا، فقال: هذا ليس بسحر، فخر ساجدا وتبعه السحرة ~~أجمعون و(قالوا: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون) الشعراء: 47 - 48، قال ~~فرعون: (آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل) طه: 71، فقطعهم وقتلهم ~~وهم يقولون: (ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين) الأعراف: 126، فكانوا ~~أول النهار كفارا وآخر النهار شهداء. وكان خربيل مؤمن آل فرعون يكتم ~~إيمانه، قيل: كان من بني إسرائيل، وقيل: كان من القبط، وقيل: هو النجار ~~الذي صنع التابوت الذي جعل فيه موسى وألقي في النيل، فلما رأى غلبة موسى ~~السحرة أظهر إيمانه، وقيل: أظهر إيمانه قبل فقتل وصلب مع السحرة، وكان له ~~امرأة مؤمنة تكتم إيمانها أيضا، وكانت ماشطة ابنة فرعون، فبينما هي تمشطها ~~إذ وقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا ~~بل ربي وربك ورب أبيك، فأخبرت أباها بذلك، فدعا بها وبولدها وقال لها: من ~~ربك؟ قالت: ربي وربك الله، فزمر بتنور نحاس فأحمي ليعذبها وأولادها، فقالت: ~~لي إليك ms0117 حاجة، قال: وما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها، قال: ذلك ~~لك، فأمر بأولادها فألقوا في التنور واحدا واحدا، وكان آخر أولادها صبيا ~~صغيرا، فقال: اصبري يا أماه فإنك على حق، فألقيت في التنور مع ولدها. وكانت ~~آسية امرأة فرعون من بني اسرائيل، وقيل: كانت من غيرهم، وكانت مؤمنة تكتم ~~إيمانها، فلما قتلت الماشطة رأت آسية الملائكة تعرج بروحها، كشف الله عن ~~بصيرتها، وكانت تنظر إليها وهي تعذب، فلما رأت الملائكة قوي إيمانها ~~وازدادت يقينا وتصديقا لموسى، فبينما هي كذلك إذ دخل عليها فرعون فأخبرها ~~خبر الماشطة، قالت له آسية: الويل لك ما أجرأك على الله فقال لها: لعلك ~~اعتراك الجنون الذي اعترى الماشطة؟ فقالت: ما بي جنون ولكني آمنت بالله ~~تعالى ربي وربك ورب العالمين. PageV01P0060 # فدعا فرعون أمها وقال لها: إن ابنتك قد أصابها ما أصاب الماشطة فأقسم ~~لتذوقن الموت أو لتكفرن بإله موسى، فخت بها أمها وأرادتها على موافقة ~~فرعون، فأبت وقالت: أما أنزكفر بالله فلا والله فأمر فرعون حتى مدت بين ~~يديه أربعة أوتاد وعذبت حتى ماتت، فلما عاينت الموت قالت: (رب ابن لي عندك ~~بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين) التحريم: 11، ~~فكشف الله عن بصيرتها فرأت الملائكة وما أعد لها من الكرامة، فضحكت، فقال ~~فرعون: انظروا الى الجنون الذي بها تضحك وهي في العذاب ثم ماتت. ولما رأى ~~فرعون قومه قد دخلهم الرعب من موسى خاف أن يؤمنوا به ويتركوا عبادته فاحتال ~~لنفسه وقال لوزيره: يا هامان ابن لي صرحا لعلي (أطلع إلى إله موسى وإني ~~لأظنه كاذبا) غافر: 37، فأمر هامان بعمل الآجر، وهو أول من عمله، وجمع ~~الصناع وعمله في سبع سنين، وارتفع البنيان ارتفاعا لم يبلغه بنيان آخر، فشق ~~ذلك على موسى واستعظمه، فأوحى الله إليه: أن دعه وما يريد فإني مستدرجه ~~ومبطل ما عمله في ساعة واحدة، فلما تم بناؤه أمر الله جبرائيل فخربه وأهلك ~~كل من عمل فيه من صانع ومستعمل، فلما رأى فرعون ذلك من ms0118 صنع الله أمر أصحابه ~~بالشدة على بني اسرائيل وعلى موسى، ففعلوا ذلك، وصاروا يكلفون بني إسرائيل ~~من العمل ما لا يطيقونه، وكان الرجال ولانساء في شدة، وكانوا قبل ذلك ~~يطعمون بني اسرائيل إذا استعملوهم، فصاروا لا يسعمونهم شيئا، فيعودون بأسوأ ~~حال يريدون يكسبون ما يقوتهم، فشكوا ذلك إلى موسى، فقال لهم: استعينوا ~~بالله واصبروا، إن العاقبة للمتقين، (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في ~~الأرض فينظر كيف تعملون) الأعراف: 129. فلما أبى فرعون وقومه إلا الثبات ~~على الكفر، تابع الله عليه الآيات، فأرسل عليهم الطوفان، وهو المطر ~~المتتابع، فغرق كل شيء لهم، فقالوا: يا موسى ادع ربك يكشف عنا هذا ونحن ~~نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، فكشفه الله عنهم ونبتت زروعهم، فقالوا: ما ~~يسرنا أنا لم نمطر، فبعث الله عليهم الجراد فأكل زروعهم، فسألوا موسى أن ~~يكشف ما بهم ويؤمنوا به، فدعا الله فكشفه، فلم يؤمنوا وقالوا: قد بقي من ~~زروعنا بقية، فأرسل الله عليهم الدبا، وهو القمل، فأهلك الزروع والنبات ~~أجمع، وكان يهلك أطعمتهم، ولم يقدروا أن يحترزوا منه، فسألوا موسى أن يكشفه ~~عنهم؛ ففعل، فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الضفادع، وكانت تسقط في قدورهم ~~وأطعمتهم وملأت البيوت عليهم، فسألوا موسى أن يكشفه عنهم ليؤمنوا به، ففعل، ~~فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياه الفرعونيين دما، وكان ~~الفرعوني والاسرائيلي يستقيان من ماء واحد، فيأخذ الاسرائيلي ماء ويأخذ ~~الفرعوني دما، وكان الاسرائيلي يأخذ الماء في فمه فيمجه في فم الفرعوني ~~فيصير دما، فبقي ذلك سبعة أيام، فسألوا موسى أن يكشفه عنهم ليؤمنوا، ففعل، ~~فلم يؤمنوا. فلما يئس من إيمانهم ومن إيمان فرعون دعا موسى وأمن هارون ~~فقال: (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا، ربنا ~~ليضلوا عن سبيلك، ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى ~~يروا العذاب الأليم) يونس: 88، فاستجاب الله لهما، فمسخ الله أموالهم، ما ~~عدا خيلهم وجواهرهم وزينتهم، حجارة، والنخل والأطعمة والدقيق وغير ذلك، ~~فكانت إحدى الآيات التي جاء بها موسى. ms0119 PageV01P0061 # فلما طال الأمر على موسى أوحى الله إليه يأمره بالمسير ببني اسرائيل وأن ~~يحمل معه تابوت يوسف بن يعقوب ويدفنه بالأرض المقدسة، فسأل موسى عنه فلم ~~يعرفه إلا امرزة عجوز فأرته مكانه في النيل، فاستخرجه موسى، وهو في صندوق ~~مرمر، فزخذه معه فسار، وأمر بني اسرائيل أن يستعيروا من حلي القبط ما ~~أمكنهم، ففعلوا ذلك وأخذوا شيئا كثيرا، وخرج موسى ببني اسرائيل ليلا والقبط ~~لا يعلمون، وكان موسى على ساقة بني اسرائيل، وهارون على مقدمتهم، وكان بنو ~~اسرائيل لما ساروا من مصر ستمائة ألف وعشرين ألفا وعشرين ألفا، وتبعهم ~~فرعون وعلى مقدمتهم هامان، (فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى: إنا ~~لمدركون) الشعراء: 61 يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، ~~أما الأول فكانوا يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا، وأما الآن فيدركنا فرعون ~~فيقتلنا، قال موسى: (كلا إن معي ربي سيهدين). وبلغ بنو اسرائيل إلى البحر ~~وبقي بين أيديهم وفرعون من ورائهم، فأيقنوا بالهلاك، فتقدم موسى فضرب البحر ~~بعصاه فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، وصار فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط ~~طريق، فقال كل سبط: قد هلك أصحابنا، فأمر الله الماء فصار كالشباك، فكان كل ~~سبط يرى من عن يمينه وعن شماله حتى خرجوا، ودنا فرعون وأصابه من البحر فرأى ~~الماء علي هيئته والطرق فيه، فقال لأصحابه: ألا ترون البحر قد فرق مني ~~وانفتح لي حتى أدرك أعدائي؟ فلما وقف فرعون على أفواه الطرق لم تقتحمه ~~خيله، فنزل جبرائيل على فرس أنثى وديق، فشمت الحصن ريحها فاقتحمت في أثرها ~~حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم ~~فأغرقهم، وبنو اسرائيل ينظرون إليهم، وانفرد جبرائيل بفرعون يأخذ من حمأة ~~البحر فيجعلها في فيه، وقال حين أدركه الغرق: آمنت أنه لا إله إلا الذي ~~آمنت به بنو إسرائيل، وغرق، فبعث الله إليه ميكائيل يعيره، فقال له: (الآن ~~وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) يونس: 91، وقال جبرائيل للنبي، صلى الله ~~عليه وسلم: لو رزيتني ms0120 وأنا أدس من حمأة البحر في فم فرعون مخافة أن يقول ~~كلمة يرحمه الله بها). فلما نجا بنو اسرائيل قالوا: إن فرعون لم يغرق، فدعا ~~موسى فأخرج الله فرعون غريقا، فأخذه بنو اسرائيل يتمثلون به، ثم ساروا ~~فزتوا علي قوم يعبدون الأصنام فقالوا: (يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم ~~آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون) الأعراف: 138، فتركوا ذلك، ثم بعث موسى جندين ~~عظيمين كل جند اثنا عشر ألفا إلى مدائن فرعون، وهي يومئذ خالية من زهلها قد ~~زهلك الله عظماءهم ورؤساءهم ولم يبق غير النساء والصبيان والزمنى والمرضى ~~والمشايخ والعاجزين، فدخلوا البلاد وغنموا الأموال وحملوا ما أطاقوا وباعوا ~~ما عجزوا عن حمله من غيرهم، وكان على الجندين يوشع بن نون وكالب بن يوفنا. ~~وكان موسى قد وعده الله وهو بمصر أنه إذا خرج مع بني اسرائيل منها وأهلك ~~الله عدوهم أن يأتيهم بكتاب فيه ما يأتون وما يذرون، فلما أهلك الله فرعون ~~وأنجى بني إسرائيل قالوا: يا موسى ائتنا بالكتاب الذي وعدتنا، فسأل موسى ~~ربه ذلك، فأمره أن يصوم ثلاثين يوما ويتطهر ويطهر ثيابه ويأتي إلى الجبل ~~جبل طور سينا ليكلمه ويعطيه الكتاب، فصام ثلاثين يوما أولها أول ذي القعدة، ~~وسار الى الجبل واستخلف أخاه هارون على بني اسرائيل، فلما قصد الجبل أنكر ~~ريح فمه فتسوك بعود خرنوب، وقيل: تسوك بلحاء شجرة، فأوحى الله رليه: أما ~~علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟ وأمره أن يصوم عشرة أيام ~~أخرى، فصامها، وهي عشر ذي الحجة، (فتم ميقات ربه أربعين ليلة) الاعراف: ~~142. PageV01P0062 # ففي تلك الليالي العشر افتتن بنو إسرائيل لأن الثلاثين انقضت ولم يرجع ~~إليهم موسى، وكان السامري من زهل باجرمى، وقيل: من بني اسرائيل، فقال ~~هارون: يا بني اسرائيل إن الغنائم لا تحل لكم والحلي الذي استعمرتموه من ~~القبط غنيمة فاحفروا حفيرة وألقوه فيها حتى يرجع موسى فيرى فيه رأيه، ~~ففعلوا ذلك، وجاء السامري بقبضة من التراب الذي أخذه من أثر حافر فرس ~~جبرائيل فألقاه فيه، فصار الحلي ms0121 عجلا جسدا له خوار، وقيل: إن الحلي ألقي في ~~النار فذاب فألقي السامري ذلك التراب فصار الحلي عجلا جسدا له خوار، وقيل: ~~كان يخور ويمشي، وقيل: ما خار رلا مرة واحدة ولم يعد، وقيل: إن الاسمري صاغ ~~العجل من ذلك الحلي في ثلاثة أيام ثم قذف فيه التراب فقام له خوار. فلما ~~رأوه قال لهم السامري: (هذا إلهكم وإله موسى، فنسي) طه: 88 موسى وتركه ههنا ~~وذهب يطلبه، فعكفوا عليه يعبدونه فقال لهم هارون: (يا قوم إنما فتنتم به ~~وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري) طه: 90، فأطاعه بعضهم وعصاه بعضهم، ~~فأقام بمن معه ولم يقاتلهم، ولما ناجى الله تعالى موسى قال له: (وما أعجلك ~~عن قومك يا موسى؟ قال: هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى، قال: فإنا ~~قد فتنا قومك من بعدك - يا موسى - وأضلهم السامري) طه: 83 - 85، فقال موسى: ~~يا ربي هذا السامري قد أمرهم، أن يتخذوا العجل، من نفخ فيه الروح؟ قال: ~~أنا، قال: فأنت إذا أضللتهم. ثم إن موسي لما كلمه الله تعالي زحب أن ينظر ~~إليه قال: (رب أرني أنظر إليك، قال: لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن ~~استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، وخر موسى صعقا، ~~فلما أفاق قال: سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين) الأعراف: 143، وأعطاه ~~الألواح فيها الحلال والحرام والمواعظ، وعاد موسى ولا يقدر أحد أن ينظر ~~إليه، وكان يجعل عليه حريرة نحو أربعين يوما، ثم يكشفها لما تغشاه من ~~النور، فلما وصل إلى قومه ورأى عبادتهم العجل ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه ~~ولحيته يجره إليه، (قال: يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن ~~تقول فرقت بين بني اسرائيل ولم ترقب قولي) طه: 94 - 97، فترك هارون وأقبل ~~علي السامري وقال: (ما خطبك يا سامري؟ قال: بصرت بما لم يبصروا به، فقبضت ~~قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي، قال: فاذهب فإن لك في ~~الحياة أن تقول لا مساس)، ثم أخذ ms0122 العجل وبرده بالمبارد وأحرقه وأمر السامري ~~فبال عليه وذراه في البحر. فلما ألقى موسي الألواح ذهب ستة أسباعها وبقي ~~سبع، وطلب بنو اسرائيل التوبة فأبى الله أن يقبل توبتهم وقال لهم موسى: (يا ~~قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلي بارئكم فاقتلوا أنفسكم) ~~البقرة: 54، فاقتتل الذين عبدوه والذين لم يعبدوه، فكان من قتل من الفريقين ~~شهيدا، فقتل منهم سبعون ألفا، وقام موسى وهارون يدعوان الله، فعفا عنهم ~~وأمرهم بالكف عن القتال وتاب عليهم، وأراد موسى قتل السامري فأمره الله ~~بتركه وقال: إنه سخي، فلعنه موسى. ثم إن موسى اختار من قومه سبعين رجلا من ~~زخيارهم وقال لهم: انطلقوا معي إلى الله فتوبوا مما صنعتم وصوموا وتطهروا، ~~وخرج بم الى طور سينا للميقات الذي وقته الله له، فقالوا: اطلب أن نسمع ~~كلام ربنا، فقال: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتي تغشى ~~الجبل كله ودخل فيه موسى وقال للقوم: ادنوا، فدنوا حتى دخلوا في الغمام، ~~فوقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه، فلما فرغ انكشف من موسى ~~الغمام فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) البقرة: ~~55 فأخذتهم الصاعقة فماتوا جميعا، فقام موسى يناشد الله تعالى ويدعوه ~~ويقول: يا رب اخترت أخيار بني اسرائيل وأعود إليهم وليسوا معي فلا ~~يصدقونني، ولم يزل يتضرع حتى رد الله إليهم أرواحهم فعاشوا رجلا رجلا ينظر ~~بعضهم إلى بعض كيف يحيون، فقالوا: ياموسى أنت تدعو الله فلا تسأله شيئا إلا ~~أعطاكه، فادعه يجعلنا أنبياء، فدعا الله فجعلهم أنبياء. وقيل: أمر السبعين ~~كان قبل أن يتوب الله على بني اسرائيل، فلما مضوا للميقات واعتذروا قبل ~~توبتهم وأمرهم أن يقتل بعضهم بعضا، والله أعلم. PageV01P0063 # ولما رجع موسى إلى بني اسرائيل ومعه التوراة أبوا أن يقبولها وبعملوا بما ~~فيها للأثقال والشدة التي جاء بها، وأمر الله جبرائيل فقلع جبلا من فلسطين ~~على قدر عسكرهم، وكان فرسخا في فرسخ، ورفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة الرجل ~~مثل الظلة وبعث نارا من ms0123 قبل وجوههم وأتاهم البحر من خلفهم، فقال لهم موسى: ~~خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا فإن قبلتموه وفعلتم ما أمرتم به وإلا رضختم ~~بهذا الجبل وغرقتم في هذا البحر وأحرقتكم بهذه النار، فلما رأوا أن لا مهرب ~~لهم قبلوا ذلك وسجدوا على شق وجوههم وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فصارت ~~سنة في اليهود يسجدون على جانب وجوههم وقالوا: سمعنا وأطعنا. ولما رجع موسى ~~من المناجاة بقي أربعين يوما لا يراه أحد إلا مات، وقيل: ما رآه إلا عمي، ~~فجعل على وجهه ورأسه برنسا لئلا يرى وجهه. ثم إن رجلا من بني اسرائيل قتل ~~ابن عم له ولم يكن له وارث غيره ليرث ماله وحمله وألقاه بموضع آخر، ثم أصبح ~~يطلب دمه عند موسى من بعض بني اسرائيل، فجحدوا، فسأل موسى ربه، فأمرهم أن ~~يذبحوا بقرة، فقالوا: (أتتخذنا هزوا؟ قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) ~~البقرة: 67 المستهزئين، فقالوا له: ما هي؟ ولو ذبحوا بقرة ما لأجزأت عنهم، ~~ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم، وإنما كان تشديدهم لأن رجلا منهم كان برا ~~بأمه وكان له بقرة على النعت المذكور فنفعه بره بأمه، فلم يجدوا على الصفة ~~المذكورة إلا بقرته، فباعها منهم بملء جلدها ذهبا، فلما سألوا موسى عنها ~~قال: (إنها بقرة لا فارض ولا بكر) البقر: 68، يقول: لا كبيرة ولا صغيرة نصف ~~بين السنين، (قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها، قال: إنه يقول ~~إنهابقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، قالوا: ادع لنا ربك يبين لناما ~~هي، إن البقر تشابه علينا - قال: إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ~~ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها) يعني لا عيب فيها، وقيل لا بياض فيها - ~~قالوا: الآن جئت بالحق) البقرة: 69 - 71، وطلبوها فلم يجدوا إلا بقرة ذلك ~~الرجل البار بأمه، فاشتروها، فغالى بها حتى أخذ ملء جلدها ذهبا، فذبحوها ~~وضربوا القتيل بلسانها، وقيل: بغيره، فحيي وقام وقال: قتلني فلان، ثم مات. ### | AUT ذكر أمر بني إسرائيل في التيه ووفاة هارون عليه ms0124 السلام # ثم إن الله تعالى أمر موسى، عليه السلام، أن يسير ببني اسرائيل إلى ~~أريحا بلد الجبارين، وهي أرض بيت المقدس، فساروا حتى كانوا قريبا منهم، ~~فبعث موسى اثني عشر نقيبا من سائر أسباط بني اسرائيل، فساروا ليأتوا بخبر ~~الجبارين، فلقيهم رجل من الجبارين يقال له: (عوج بن عناق) فأخذ الاثني عشر ~~فحملهم وانطلق بهم الى امرأته فقال: انظري الى هؤلاءالقوم الذين يزعمون ~~أنهم يريدون أن يقاتلونا، وأراد أن يطأهم برجله؛ فمنعته امرأته وقالت: ~~أطلقهم ليرجعوا ويخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك، فلما خرجوا قال بعضهم ~~لبعض: إنكم إن أخبرتم بني اسرائيل بخبر هؤلاء لا يقدموا عليهم، فاكتموا ~~الأمر عنهم؛ وتعاهدوا على ذلك ورجعوا، فنكث عشرة منهم العهد وأخبروا بما ~~رأوا، وكتم رجلان منهم، وهما: يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ختن موسى، ولم ~~يخبروا إلا موسى وهارون، فلما سمع بنو اسرائيل الخبر عن الجبارين امتنعوا ~~عن المسير إليهم، فقال لهم موسى: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب ~~الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين، قالوا: ياموسي إن فيها ~~قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون، ~~قال رجلان) وهما يوشع وكالب (من الذين يخافون أنعم الله عليهما: ادخلوا ~~عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون) المائدة: 21 - 23، (قالوا: يا موسى ~~إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا ~~قاعدون) المائدة: 24. PageV01P0064 # فغضب موسي فدعا عليهم فقال: (رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فافرق بيننا ~~وبين القوم الفاسقين) المائدة: 25، وكانت علجة من موسى، فقال الله تعالى: ~~(فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض) المائدة: 26، فندم موسي ~~حينئذ، فقالوا له: فكيف لنا بالطعام؟ فأنزل الله المن والسلوى، فزما المن ~~فقيل هو كالصمغ وطعمه كلاشهد يقع على الأشجار، وقيل: هو الترنجبين، وقيل: ~~هو الخبز الرقاق، وقيل: هو عسل كان ينزل لكل إنسان صاع، وأما السلوى فهو ~~طاذر يشبه السماني، فقالوا: أين الشراب؟ فزمر موسي فضرب بعصاه الحجر ~~(فانفجرت منه ms0125 اثنتا عشرة عينا) البقرة: 60، لكل سبط عين، فقالوا: أين الظل؟ ~~فظلل عليهم الغمام، فقالوا: أين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم ولا يتمزق ~~لهم ثوب، ثم قالوا: (يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا ~~مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وففومها وعدسها وبصلها، قال: أتستبدولن ~~الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم) البقرة: 61، ~~فلما خرجوا من التيه رفع عنهم المن والسلوى. ثم إن موسي التقي هو وعوج بن ~~عناق، فوثب موسي عشرة أذرع، وكانت عصاه عشرة أذرع، وكان طوله عشرة أذرع، ~~فأصاب كعب عوج فقتله، وقيل: عاش عوج ثلاثة آلاف سنة. ثم إن الله أوحى إلى ~~موسى: إني متوف هارون فأت به جبل كذا وكذا، فانطلقا نحوه فإذا هم فيه بشجرة ~~لم يروا مثلها وفيه بيت مبني وسرير عليه فرش وريح طيبة، فلما رآه هارون ~~أعجبه، قال: يا موسى إني أريد أن أنام على هذا السرير، فقال له موسى: نم، ~~قال: إني أخاف رب هذا البيت أن يأتي فيغضب علي، قال موسى: لا تخف أنا أكفيك ~~، قال: فنم معي، فلما ناما أخذ هارون الموت، فلما وجد حسه قال: يا موسى ~~خدعتني فتوفي ورفع على السرير إلى السماء، ورجع موسى إلى بني اسرائيل، فقال ~~له بنو اسرائيل: إنك قتلت هارون لحبنا إياه، فقال: ويحكم أفترون أني أقتل ~~أخي فلما أكثروا عليه صلى ودعا الله، فنزل بالسرير حتى نظروا إليه ما بين ~~السماء والأرض، فأخبرهم أنه مات وأن موسى لم يقتله، فصدقوه، وكان موته في التيه. ### || AUT ذكر وفاة موسى عليه السلام # قيل: بينما موسى، عليه السلام، يمشي ومعه يوشع بن نون فتاه إذ أقبلت ريح ~~سوداء، فلما نظر إليها يوشع ظن أنها الساعة، فالتزم موسى وقال: لاتقوم ~~الساعة وأنا ملتزم نبي الله، فاستل موسي من تحت القميص وبقي القميص في يدي ~~يوشع، فلما جاء يوشع بالقميص أخذه بنو اسرائيل وقالوا: قتلت نبي الله فقال: ~~ما قتلته ولكنه استل مني، فلم يصدقوه، قال: ms0126 فإذا لم تصدقوني فأخروني ثلاثة ~~أيام، فوكلوا به من يحفظه، فدعا الله، فأتي كل رجل كان يحرسه في المنام ~~فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى، وأنا قد رفعناه إلينا، فتركوه. وقيل: إن موسى ~~كره الموت فأراد الله أن يحبب إليه الموت، فأوحى الله إلى يوشع بن نون، ~~وكان يغدو عليه ويروح، ويقول له موسى: يا نبي الله ما أحدث الله إليك؟ فقال ~~له يوشع بن نون: يا نبي الله ألم أصحبك كذا وكذا سنة فهل كنت أسألك عن شيء ~~مما أحدث الله لك؟ ولا يذكر له شيئا، فلما رأى موسى ذلك كره الحياة وأحب ~~الموت، وقيل: إنه مر منفردا برهط من المالذكة يحفرون قبرا، فعرفهم فوقف ~~عليهم، فلم ير أحسن منه ولم ير مثل ما فيه من الخضرة والبهجة، فقال لهم: يا ~~ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر؟ فقالوا: نحفره لعبد كريم على ربه، فقال: ~~إن هذا العبد له منزل كريم ما رأيت مضجعا ولا مدخلا مثله، فقالوا: أتحب أن ~~يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل واضطجع فيه وتوجه إلى ربك وتنفس أسهل ~~تنفس تتنفسه، فنزل فيه وتوجه إلى ربه ثم تنفس، فقبض الله روحه ثم سوت ~~الملائكة عليه التراب. وكان، صلى الله عليه وسلم، زاهدا في الدنيا راغبا ~~فيما عند الله، إنما كان يستظل في عريش ويأكل ويشرب من نقير من حجر تواضعا ~~إلى الله تعالى. PageV01P0065 # وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: إن الله أرسل ملك الموت ليقبض روحه ~~فلطمه ففقأ عينه، فعاد وقال: يا رب أرسلتني إلى عبد لا يحب الموت، قال ~~الله: رجع له وقل له يضع يده على ظهر ثور وله بكل شعرة تحت يده سنة، وخيره ~~بين ذلك وبين أن يموت الآن، فأتاه ملك الموت وخيره، فقال له: فما بعد ذلك؟ ~~قال: الموت، قال: فالآن إذن، فقبض روحه، وهذا القول صحيح قد صح النقل به عن ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، فكان موته في التيه أيضا. وقيل: بل هو الذي فتح ~~مدينة الجبارين على ما ms0127 نذكره. وكان جميع عمر موسى مائة وعشرين سنة، من ذلك ~~في ملك أفريدون عشرون، وفي ملك منوجهر مائة سنة، وكان ابتداء أمره منذ بعثه ~~الله إلي أن قبضه في ملك منوجهر. ثم نبئ بعده يوشع بن نون فكان في زمن ~~منوجهر عشرين سنة، وفي زمن أفراسياب سبع سنين. ### | AUT ذكر يوشع بن نون عليه السلام # ### | AUT وفتح مدينة الجبارين # لما توفي موسى بعث الله يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف بن يعقوب بن ~~اسحاق بن ابراهيم الخليل، عليه السلام، نبيا الى بني اسرائيل وأمره بالمسير ~~الى أريحا مدينة الجبارين، واختلف العلماء في فتحها على يد من كان، فقال ~~ابن عباس: إن موسي وهارون توفيا في التيه وتوفي فيه كل من دخله، وقد جاوز ~~العشرين سنة، غير يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، فلما انقضى أربعون سنة أوحى ~~الله الى يوشع بن نون فزمره بالمسير إليها وفتحها، ففتحها؛ ومثله قال قتادة ~~والسدي وعكرمة. وقال آخرون: إن موسى عاش حتى خرج من التيه وسار الى مدينة ~~الجبارين وعلى مقدمته يوشع بن نون ففتحها؛ وهو قول ابن اسحاق، قال ابن ~~اسحاق: سار موسى بن عمران الى أرض كنعان لقتال الجبارين، فقدم يوشع بن نون ~~وكالب بن يوفنا، وهو صهره على أخته مريم بنت عمران، فلما بلغوها اجتمع ~~الجبارون الى بلعم بن باعور، وهو من ولد لوط، فقالوا له: رن موسي قد جاء ~~ليقتلنا ويخرجنا من ديارنا فادع الله عليهم، وكان بعلم يعرف اسم الله ~~الأعظم، فقال لهم: كيف أدعو على نبي الله والمؤمنين ومعهم الملائكة فراجعوه ~~في ذلك وهو يمتنع عليهم، فأتوا امرأته وأهدوا لها هدية، فقبلتها، وطلبوا ~~إليها أن تحسن لزوجها أن يدعو على بني اسرائيل، فقالت له في ذلك، فامتنع، ~~فلم تزل به حتى قال: أستخير الله، فاستخار الله تعالى، فنهاه في المنام، ~~فأخبرها بذلك، فقالت: راجع ربك، فعاود الاستخارة فلم يرد إليه جواب، فقالت: ~~لو أراد ربك لنهاك، ولم تزل تخدعه حتى أجابهم، فركب حمارا له متوجها إلى ~~جبل ms0128 مشرف على بني إسرائيل ليقف عليه ويدعو عليهم، فما سار عليه إلا قليلا ~~حتى ربض الحمار، فنزل عنه وضربه حتى قام فركبه فسار به قليلا فبرك، فعل ذلك ~~ثلاث مرات، فلما اشتد ضربه في الثالثة أنطقه الله فقال له: ويحك يا بلعم ~~أين تذهب؟ أما ترى الملائكة ترى تردني؟ فلم يرجع، فأطلق الله الحمار حينئذ، ~~فسار عليه حتى أشرف على بني اسرائيل، فكان كلما أراد أن يدعو عليهم ينصرف ~~لسانه الى الدعاء لهم، وإذا أراد أن يدعو لقومه انقلب دعاؤه عليهم، فقالوا ~~له في ذلك، فقال: هذا شيء غلبنا الله عليه، واندلع لسانه فوقع على صدره، ~~فقال: الآن قد ذهبت مني الدنيا والآخرة ولم يبق غير المكر والحيلة، وأمرهم ~~أن يزينوا نساءهم ويعطوهن السلع للبيع ويرسلوهن إلى العسكر ولا تمنع امرأة ~~نفسها ممن يريدها، وقال: إن زنى منهم رجل واحد كفيتموهم، ففعلوا ذلك، ودخل ~~النساء عسكر بني اسرائيل، فأخذ زمرى بن شلوم، وهو رأس سبط شمعون بن يعقوب، ~~امرأة وأتى بها موسى فقال له: أظنك تقول هذا حرام فوالله لا نطيعك، ثم ~~أدخلها خيمته فوقع عليها، فأنزل الله عليهم الطاعون، وكان فنحاص بن العزار ~~بن هارون صاحب أمر عمه موسى غائبا، فلما جاء رأى الطاعون قد استقر في بني ~~اسرائيل، وأخبر الخبر، وكان ذا قوة وبطش، فقصد زمرى فرآه وهو مضاجع المرأة، ~~فطعنهما بحربة في يده فانتظمهما، ورفع الطاعون، وقد هلك في تلك الساعة ~~عشرون ألفا، وقيل: سبعون ألفا، فأنزل الله في بلعم: (واتل عليهم نبأ الذي ~~آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين). PageV01P0066 # ثم إن موسى قدم يوشع الي أريحا في بني اسرائيل فدخلها وقتل بها الجبارين، ~~وبقيت منهم بقية، وقد قاربت الشمس الغروب، فخشي أن يدركهم الليل فيعجزوه، ~~فدعا الله تعالى أن يحبس عليهم الشمس، ففعل وحبسها حتى استأصلهم، ودخلها ~~موسى فأقام بها ما شاء الله أن يقيم، وقبضه الله إليه لا يعلم بقبره أحد من ~~الخلق. وأما من زعم أن موسى كان قد توفي قبل ms0129 ذلك فقال: إن الله أمر يوشع ~~بالمسير الى مدينة الجبارين، فسار ببني اسرائيل، ففارقه رجل يقال له بلعم ~~بن باعور، وكان يعرف الاسم الأعظم، وساق من حديثه نحو ما تقدم، فلما ظفر ~~يوشع بالجبارين أدركه المساء ليلة السبت فدعا الله فرد الشمس عليه وزاد في ~~النهار ساعة فهزم الجبارين ودخل مدينتهم وجمع غنائمهم ليأخذها القربان، فلم ~~تأت النار، فقال يوشع: فيكم غلول فبايعوني، فبايعوه، فلصقت يده في يد من ~~غل، فزتاه برأس ثور من ذهب مكلل بالياقوت فجعله في القربان وجعل الرجل معه، ~~فجاءت النار فأكلتهما. وقيل: بل حصرها ستة أشهر، فلما كان السابع تقدموا ~~الى المدينة وصاحوا صيحة واحدة فسقط السور، فدخلوهاوهزموا الجبارين وقتلوا ~~فيهم فأكثروا، ثم اجتمع جماعة من ملوك الشام وقصدوا يوشع فقاتلهم وهزمهم ~~وهرب الملوك الى غار، فأمر بهم يوشع بن نون فقتلوا وصلبوا، ثم ملك الشام ~~جميعه فصار لبني اسرائيل وفرق عماله فيه، ثم توفاه الله فاستخلف على بني ~~اسرائيل كالب بن يوفنا، وكان عمر يوشع مائة وستا وعشرين سنة، وكان قيامه ~~بالأمر بعد موسى سبعا وعشرين سنة. وأما من بقي من الجبارين فإن إفريقش بن ~~قيس بن صيفي بن سبأ بن كعب بن زيد بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ~~مإه بهم متوجها الى افريقية فاحتملهم من سواحل الشام فقدم بهم افريقية ~~فافتتحها وقتل ملكها جرجير وأسكنهم إياها، فهم البرابرة، وأقام من حمير في ~~البربر صنهاجة وكتامة، فهم فيهم إلى اليوم. ### || AUT ذكر أمر قارون # وكان قارون بن يصهر بن قاهث، وهو ابن عم موسى بن عمران بن قاهث، وقيل: ~~كان عم موسى؛ والأول أصح، وكان عظيم المال كثير الكنوز، قيل: إن مفاتيح ~~خزائنه كانت تحمل على أربعين بغلا، فبغى على قومه بكثرة ماله، فوعظوه ونهوه ~~وقالوا له ما قص الله تعالى في كتابه: (لا تفرح إن الله لايحب الفرحين، ~~وابتغ فيما آتالك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما ~~أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في ms0130 الأرض إن الله لا يحب المفسدين) القصص: ~~76 - 77؛ فأجابهم جواب مغتر لحلم الله عنه فقال: إنما أوتيته، يعني المال ~~والخزائن، على علم عندي، قيل على خبر ومعرفة مني، وقيل: لولا رضى الله عني ~~ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا، فلم يرجع عن غيه ولكنه تمادى في طغيانه حتى ~~(خرج على قومه في زينته) القصص: 79، وهي أنه ركب برذونا أبيض بمراكب ~~الأرجوان المذهبة وعليه الثياب المعصفرة وقد حمل معه ثلاثمائة جارية على ~~مثل برذونه وأربعة آلاف من أصحابه، وبنى داره وضرب عليها صفائح الذهب وعمل ~~لهابابا من ذهب، فتمنى أهل الغفلة والجهل مثل ماله، فنهاهم أهل العلم ~~بالله. وأمره الله تعالى بالزكاة، فجاء إي موسى من كل ألف دينار دينار، ~~وعلى هذا من كل ألف شيء شيء، فلما عاد الى بيته وجده كثيرا، فجمع نفرا يثق ~~بهم من بني اسرائيل فقال: إن موسى أمركم بكل شيء فأطعتموه، وهو الآن يريد ~~أخذ أموالكم، فقالوا: أنت كبيرنا وسيدنا فمرنا بما شئت، فقال: آمركم أن ~~تحضروا فلانة البغي فتجعلوا لها جعلا فتقذفه بنفسها، ففعلوا ذلك، فأجابتهم ~~إليه. ثم أتى موسى فقال: إن قومك قد اجتمعوا لك لتأمرهم وتنهاهم، فخرج ~~إليهم فقال: من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنى وليس له امرأة ~~جلدناه مائة جلدة، وإن كان له امرأة رجمناه حتى يموت فقال له قارون: وإن ~~كنت أنت؟ فقال: نعم، قال: فإن بني اسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فقال: ~~ادعوها فإن قالت فهو كما قالت. فلما جاءت قال لها موسى: أقسمت عليك بالذي ~~أنزل التوراة إلا صدقت: أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ قالت: لا، كذبوا، ولكن ~~جعلوا لي جعلا على أن أقذفك، فسجد ودعا عليهم، فأوحى الله إليه: مر الأرض ~~بما شئت تطعك، فقال: يا أرض خديهم. PageV01P0067 # وقيل: إن هذا الأمر بلغ موسى، فدعا الله تعالى عليه، فأوحى الله إليه: مر ~~الأرض بما شئت تطعك، فجاء موسى الى قارون، فلما دخل عليه عرف الشر في وجهه ~~فقال له: يا موسى ارحمني، فقال موسى: يا ms0131 أرض خذيهم، فاضطربت داره وساخت ~~بقارون وأصحابه إلى الكعبين، وجعل يقول: يا موسي ارحمني، قال: يا أرض ~~خذيهم، فأخذتهم الى ركبهم، فلم يزل يستعطفه وهو يقول: يا أرض خذيهم، حتى ~~خسف بهم، فأوحى الله إلى موسى: ما أفظك أما وعزتي لو إياي نادى لأجبته، ولا ~~أعيد الأرض تطيع أحدا أبدا بعدك، فهو يخسف به كل يوم، فلما أنزل الله نقمته ~~حمد المؤمنون الله، وعرف الذين تمنوا مكانه بالأمس خطأ أنفسهم واستغفروا وتابوا. ### || AUT ذكر من ملك من الفرس بعد منوجهر # لما هلك منوجهر ملك فارس سار أفراسياب بن فشنج بن رستم ملك الترك الى ~~مملكة الفرس واستولى عليهم وسار الى أرض بابل وأكثر المقام بها وبمهرجا ~~نقذق وأكثر الفساد في مملكة فارس، وعظم ظلمه، وأخرب ما كان عامرا، ودفن ~~الأنهار والقنى، وقحط الناس سنة خمس من ملكه، إلي زن خرج عن مملكة فارس، ~~ولم يزل الناس منه فيزعظم البلية إلى أن ملك زو بن طهماسب، وكان منوجهر قد ~~سخط على ولده طهماسب ونفاه عن بلاده، فأقام في بلاد الترك عن ملك لهم يقال ~~له وامن وتزوج ابنته، فولدت له زو بن طهماسب، وكان المنجمون قد قالوا ~~لأبيها: إن ابنته تلد ولدا يقتله، فسجنها، فلما تزوجها طهماسب وولدت منه ~~كتمت أمرها وولدها، ثم إن منوجهر رضي عن طهماسب وأحضره إليه، فاحتال في ~~إخراج زوجته وابنه زو من محبسهما، فوصلت رليه، ثم إن زوا فيما ذكر قتل جده ~~وأمن في بعض الحروب الترك وطرد أفراسياب التركي عن مملكة فارس حتى رده الى ~~الترك بعد حروب جرت بينهما، فكانت غلبة أفراسياب على أقاليم بابل ومملكة ~~الفرس اثنتي عشرة سنة من لدن توفي منوجهر الى أن أخرجه عنها زو، وكان ~~إخراجه عنها في روزابن من شهر ابان ماه، فاتخذه لهم هذا اليوم عيدا وجعلوه ~~الثالث لعيديهم النوروز والمهرجان. وكان زو محمودا في ملكه محسنا الى رعيته ~~فأمر بإصلاح ما كان أفراسياب أفسده من مملكتهم، وبعمارة الحصون، وإخراج ~~المياه اليت غور طرقها، حتى عادت البلاد ms0132 إلى أحسن ما كانت، ووضع عن الناس ~~الخراج سبع سنين، فعمرت البلاد في ملكه وكثرت المعايش، واستخرج بالسواد ~~نهرا وسماه الزاب، وبنى عليه مدينة، وهي التي تسمى العتيقة، وجعل لها طسوج ~~الزاب الأعلي وسسوج الزاب الأوسط وطسوج الزاب الأسفل، وكان أوهل من اتخذ ~~ألوان الطبيخ أمر بها وبأصناف الزطعمة، وأعطى جنوده ما غنم من الترك ~~وغيرهم. وكان جميع ملكه إلى أن انقضت مدته ثلاث سنين، وكان كرشاسب بن أنوط ~~وزيره في ملكه ومعينه فيه، وقيل: كان شريكه في الملك؛ والزول أصح، وكان ~~عظيم الشأن في فارس إلا أنه لم يملك. ### | AUT ذكر ملك كيقباذ # ثم ملك بعد زو كيقباذ بن راع بن ميسرة بن نوذر بن منوجهر وقدر مياه ~~الأنهاروالعيون لشرب الأرض، وسمى البلاد بأسمائها وحدها بحدودها، وكور ~~الكور وبين حيز كل كورة، وأخذ العشر من غلاتها لأرزاق الجند، وكان - فيما ~~ذكر كيقباذ حريصا علي عمارة البلاد، ومنعها من العدو، كثير الكنوز؛ وقيل: ~~إن الملوك الكيانية وأبناءهم من نسله، وجرت بينه وبين الترك حروب كثيرة، ~~فكان مقيما بالقرب من نهر بلخ، وهو جيحون، لمنع الترك من تطرق شيء من ~~بلاده، وكان ملكه مائة سنة. ### || AUT ذكر الأحداث في بني إسرائيل # ### || AUT في عهد زو وكيقباذ ونبوة حزقيل # لما توفي يوشع بن نون قام بأمر بني اسرائيل بعده كالب بن يوفنا، ثم ~~حزقيل بن نورى، وهو الذي يقال له ابن العجوز، وإنما قيل له ذلك لأن أمه ~~سألت الله الولد وقد كبرت، فوهبه الله لها، وهو الذي دعا للقوم الموتى ~~فأحياهم الله. PageV01P0068 # وكان سبب ذلك: أن قرية يقال لها راوردارة، وقع بها الطاعون، فهرب عامة ~~أهلها ونزلوا ناحية، فهلك أكثر من بقي بالقرية وسلم الآخرون، فلما ارتفع ~~الطاعون رجعوا، فقال الذين بقوا: أصحابنا هولاء كانوا أحزم منا ولو صنعنا ~~كما صنعوا بقينا، فوقع الطاعون من قابل، فهرب عامة أهلها، وهم بضعة وثلاثون ~~ألفا، وقيل: ثلاثة آلاف، وقيل: أربعة آلاف، وقيل غير ذلك، حتي نزلوا ذلك ~~المكان، فصاح بهم ملك فماتوا ونخرت ms0133 عظامهم، فمر بهم حزقيل فلما رآهم جعل ~~يتفكر في بعثهم، فأوحى الله إليه: أتريد أن أريك كيف أحييهم؟ قال: نعم، ~~فقيل: ناد، فنادى: يا أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي، فجعلت ~~العظام تطير بعضها الى بعض حتى صارت أجسادا من عظام، ثم نادى: يا أيتها ~~العظام إن الله أمرك أن تكتسي فألبست لحما ودما وثيابها التي ماتت فيها، ثم ~~نادى: يا أيتها الأرواح! إن الله يأمرك أن تعودي إلى أجسادك فعادت،وقامت ~~الأجساد أحياء؛ وقالوا: حين أحيوا سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت ، ~~فرجعوا إلى قومهم أحياء يعرفون انهم كانوا موتى سحنة الموت على وجوههم لا ~~يلبسون ثوبا الا عاد كفنا دسما ثم ماتوا ثم مات حزقيل ولم تذكر مدته في بني ~~اسرائيل، وقيل: كانوا قوم حزقيل فلما أن ماتوا بكى حزقيل وقال يا رب كنت في ~~قوم يعبدونك ويذكرونك فبقيت وحيدا فقال الله أتحب أن أحييهم؟ قال: نعم قال: ~~فإني قد جعلت حياتهم إليك، فقال حزقيل: أحيوا بإذن الله تعالى فعاشوا. ### || AUT ذكر الياس عليه السلام # لما توفي حزقيل كثرت الأحداث في بني إسرائيل، وتركوا عهد الله وعبدوا ~~الأوثان فبعث اللهم اليهم الياس بن ياسين بن فنحاص بن العزار بن هرون بن ~~عمران نبيا، وكان الأنبياء في بني إسرائيل بعر موسى بن عمران يبعثون بتجديد ~~ما نسوا من التوراة، وكان الياس مع ملك من ملوكهم يقال له أخاب وكان يسمع ~~منه ويصدقه وكان الياس يقيم له أمره، وكان بنو إسرائيل قد اتخذوا صنما ~~يعبدونه يقال له: بعل، فجعل الياس يدعوهم إلى الله وهم لا يسمعون إلا من ~~ذلك الملك، وكان ملوك بني إسرائيل متفرقة كل ملك قد تغلب على ناحية يأكلها، ~~فقال ذلك الملك الؤي كان الياس معه والله ما أرى الذي تدعو إليه إلا باطلا ~~لأني فلانا وفلانا يعد ملوك بني إسرائيل قد عبدوا الأوثان، فلم يضرهم ذلك ~~شيئا يأكلون ويشربون ويتمتعون ما ينقص ذلك من ديارهم وما نري لنا عليهم من ~~فضل؟ ففارقه الياس وهو ms0134 يسترجع، فعبد ذلك الملك الأوثان أيضا. وكان للملك ~~جار صالح مؤمن يكتم إيمانه، وله بستان إلى جانب دار الملك، والملك يحسن ~~جواره، وللمك زوجة عظيمة الشر والكفر، فقالت له ليأخذ بستان الرجل فلم ~~يفعل، فكانت تخلف زوجها عئيمة الشر والكفر، فقالت له ليأخذ بستان الرجل فلم ~~يفعل، فكانت تخلف زوجها إذا سار عن بلده وتظهر للناس، فغاب مرة فوضعت ~~إمرأته على صاحب البستان من شهد عليه أنه سب الملك، فقتلته، وأخذت بستانه، ~~فلما عاد الملك غضب من ذلك واستعظمه وأنكره، فقالت: فات أمره فأوحى الله ~~إلى الياس يأمره أن يقول للملك وامرأته أن يرد البستان على ورثة صاحبه فإن ~~لم يفعلا غضب عليهما وأهلكهما في البستان ولم يتمتعا به إلا قليلا، ~~فأخبرهما الياس بذلك فلم يراجعا الحق. PageV01P0069 # فلما رأى الياس أن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر والظلم دعا عليهم، ~~فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، فهلكت الماشية والطيور والهوام والشجر ~~وجهد الناس جهدا شديدا واستخفى الياس خوفا من بني إسرائيل، فكان يأتيه ~~رزقه، ثم أنه أوى ليلة إلى أمرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له اليسع بن ~~أخطوب - به ضر شديد فدعا له فعوفى من الضر الذي كان به واتبع الياس، وكان ~~معه وصحبه وصدقه، وكان الياس قد كبر، فأوحى الله إليه إنك قد أهلكت كثيرا ~~من الخلق من البهائم والدواب والطير وغيرها، ولم يعص سوى بني إسرائيل، فقال ~~الياس: أي رب: دعني أكن أنا الذي أدعو لهم وأبتهج بالفرج لعلهم يرجعون، ~~فجاء الياس إليهم، وقال لهم: انكم قد هلكتم وهلكت الدواب بخطاياكم، فإن ~~أحببتم أن تعلموا أن الله ساخط عليكم بفعلكم، وأن الذي أدعوكم إليه هو ~~الحق، فاخرجوا باصنامكم وادعوها، فان استجابت لكم فذلك الحق كما تقولون، ~~وان هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله ففرج عنكم، قالوا ~~أنصفت فخرجوا بأصنامهم فدعوها فلم يستجب لهم ولم يفرح عنهم، فقالوا: لالياس ~~انا قد هلكنا فادع الله لنا فدعا لهم بالفرج وان يسقوا، فخرجت سحابة مثل ms0135 ~~الترس وعظمت وهم ينظرون، ثم أرسل الله منها المطر فحييت بلادهم، وفرج الله ~~عنهم ما كانوا فيه من البلاء فلم ينزعوا ولم يراجعوا الحق، فلما رأى ذلك ~~الياس سأل الله أن يقبضه فيريحه منهم، فكساه الله الريش وألبسه النور وقطع ~~عنه لذة المعطعم والمشرب، فصار ملكيا إنسيا سماويا أرضيا، وسلط الله على ~~الملك وقومه عدوا فظفر بهم وقتل الملك وزوجته بذلك البستان وألقاهما فيه ~~حتى بليت لحومهما. ### | AUT ذكر نبوة اليسوع عليه السلام # ### | AUT وأخذ التابوت من بني إسرائيل # فلما انقطع إلياس عن بني اسرائيل بعث الله أليسع، فكان فيهم ما شاء ~~الله، ثم قبضه الله وعظمت فيهم الزحداث وعندهم التابوت يتوارثونه فيه ~~السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة، فكانوا لا يلقاهم ~~عدو فيقدمون التابوت إلا هزم الله العدو، وكانت السكينة شبه رأس هر، فإذا ~~صرخت في التابوت بصراخ هر أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح، ثم خلف فيها ملك ~~يقال له إيلاف، وكان الله يمنعهم ويحميهم، فلما عظمت أحداثهم نزل بهم عدو ~~فخرجوا إليه وأحرجوا التابوت، فاقتتلوا فغلبهم عدوهم على التابوت وزخذه ~~منهم وانهزموا، فلما علم ملكهم أن التابوت أخذ مات كمدا، ودخل العدو أرضهم ~~ونهب وسبى وعاد، فمكثوا على اضطراب من أمرهم واختلاف، وكانوا يتمادون ~~أحيانا في غيهم فيسلط الله عليهم من ينتقم منهم، فإذا راجعوا التوبة كف ~~الله عنهم شر عدوهم، فكان هذا حالهم من لدن توفي يوشع بن نون إلى أن بعث ~~الله اشمويل وملكهم طالوت ورد عليهم التابوت. وكانت مدة ما بين وفاة يوشع، ~~الذي كان يلي أمر بني إسرائيل بعضها القضاة وبعضها الملوك وبعضها المتغلبون ~~الى أن ثبت الملك فيهم ورجعت النبوة إلى اشمويل، أربعمائة سنة وستين سنة. ~~فكان أول من سلط عليهم رجل من نسل لوط يقال له كوشان فقهرهم وأذلهم ثماني ~~سنين، ثم أنقذهم من يده أخ لكالب الأصغر يقال له عتنيل، فقال بأمرهم أربعين ~~سنة. ثم سلط عليهم ملك يقال له عجلون فملكهم ثماني عشرة سنة، ثم استنقذهم ~~منه ms0136 رجل من سبط بنيامين يقال له أهوذ، وقام بزمرهم ثمانين سنة. ثم سلط ~~عليهم ملك من الكنعانيين يقال له يابين، فملكهم عشرين سنة، واستنقذهم منه ~~امرأة من بين أنبيائهم يقال لها دبورا، ودبر الأمر رجل من قبلها يقال له ~~باراق أربعين سنة. ثم سلط عليهم قوم من نسل لوط فملكوهم سبع سنين، ~~واستنقذهم رجل يقال له جدعون إبن يواش من ولد نفتالي بن يعقوب، فدبر أمرهم ~~أربعين سنة وتوفي، ودبر أمرهم بعده ابنه ابيمالخ ثلاث سنين، ثم دبرهم بعده ~~فولع بن فوا ابن خال ابيمالخ، ويقال إنه ابن عمه، ثلاثا وعشرين سنة، ثم دبر ~~أمرهم بعده رجل يقال له يائير اثنتين وعشرين سنة. PageV01P0070 # ثم ملكهم قوم من أهل فلسطين بني عمون ثماني عشرة سنة، ثم قام بأمرهم رجل ~~منهم يقال له يفتح ست سنين، ثم دبرهم بعده يبحسون سبع سنين، ثم بعده آلون ~~عشر سنين، ثم بعده لترون، ويسميه بعضهم عكرون، ثماني سنين، ثم قهرهم أهل ~~فلسطين وملكوهم أربعين سنة، ثم وليهم شمسون عشرين سنة، ثم بقوا بعده عشر ~~سنين بغير مدبر ولا رئيس، ثم قام بأمرهم بعد ذلك عالي الكاهن، وفي أيامه ~~غلب أهل فلسطين على التابوت في قول، فلما مضى من وقت قيامه أربعون سنة بعث ~~اشمويل نبيا فدبرهم عشر سنين، ثم سألوا اشمويل أن يبعث لهم ملكا يقاتل بهم أعداءهم. ### | AUT ذكر حال اشمويل وطالوت # كان من خبر اشمويل بن بالي أن بني إسرائيل لما طال عليهم البلاء، وطمع ~~فيهم الأعداء، وأخذ التابوت منهم، فصاروا بعده لا يلقون ملكا إلا خائفين، ~~فقصدهم جالوت ملك الكنعانيين، وكان ملكه ما بين مصر وفلسطين، فظفر بهم، ~~فضرب عليهم الجزية، وأخذ منهم التوراة، فدعوا الله أن يبعث لهم نبيا ~~يقاتلون معه، وكان سبط النبوة هلكوا، فلم يبق منهم غير امرأة حبلى، فحبسوها ~~في بيت خيفة أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بني اسرائيل في ~~ولدها، فولدت غلاما سمته اشمويل، ومعناه: سمع الله دعائي. وسبب هذه التسمية ~~أنها كانت ms0137 عاقرا، وكان لزوجها امرأة أخرى قد ولدت له عشرة أولاد فبغت عليها ~~بكثرة الزولاد، فانكسرت العجوز ودعت الله أن يرزقها ولدا، فرحم الله ~~انكسارها وحاضت لوقتها وقرب منها زوجها، فحملت، فلما انقضت مدة الحمل ولدت ~~غلاما فسمته اشمويل، فلما كبر أسلمته في بيت المقدس يتعلم التوراة، وكفله ~~شيخ ن علمائهم وتبناه. فلما بلغ أن يبعثه الله نبيا أتاه جبرائيل وهو يصلي ~~فناداه بصوت يشبه صوت الشيخ، فجاء إليه، فقال: ما تريد؟ فكره أن يقول لم ~~أدعك فيفزع، فقال: ارجع فنم، فرجع، فعاد جبرائيل لمثلها، فجاء إلى الشيخ، ~~فقال له: يا بني عد فإذا دعوتك فلا تجبني، فلما كانت الثالثة ظهر له ~~جبرائيل وأمره بإنذار قومه وأعلمه أن الله بعثه رسولا، فدعاهم، فكذبوه، ثم ~~أطاعوه، وأقام يدبر زمرهم عشر سنين، وقيل: أربعين سنة. وكان العمالقة مع ~~ملكهم جالوت قد عظمت نكايتهم في بني اسرائيل حتى كادوا يهلكونهم، فلما رأى ~~بنو إسرائيل ذلك قالوا: (ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، قال: هل عسيتم ~~إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا؟ قالوا: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله ~~وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا) البقرة:246. فدعا الله فأرسل إليه عصا ~~وقرنا فيه دهن، وقيل له: إن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا، وإذا دخل عليك ~~رجل فنش الدهن الذي في القرن فهو ملك بني إسرائيل فادهن رأسه به وملكه ~~عليهم، فقاسوا أنفسهم بالعصا فلم يكونوا مثلها، وكان طالوت دباغا، وقيل: ~~كان سقاء يسقي الماء ويبيعه، فضل حماره فانطلق يطلبه، فلما اجتاز بالمكان ~~الذي فيه اشمويل دخل يسأله أن يدعو له ليرد الله حماره، فلما دخل نش الدهن، ~~فقاسوه بالعصا فكان مثلها، ف (قال لهم نبيهم إن الله قد بعثه لكم طالوت ~~ملكا) البقرة:247، وهو بالسريانية شاول بن قيس بن أنمار بن ضرار بن يحرف ~~ابن يفتح بن ايش بن بنيامين بن يعقوب بن اسحاق، فقالوا له: ما كنت قط أكذب ~~منك الساعة ونحن من سبط المملكة ولم يؤت طالوت سعة من المال فنتبعه. ms0138 ~~PageV01P0071 # فقال اشمويل: (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم) ~~البقرة:247، فقالوا: إن كنت صادقا فأت بآية، فقال: (إن آية ملكه أن يأتيكم ~~التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله ~~الملائكة) البقرة:248، والسكينة رأس هر، وقيل طشت من ذهب يغسل فيها قلوب ~~الأنبياء، وقيل غير ذلك، وفيه الألواح وهي من در وياقوت وزبرجد، وأما ~~البقية فهي عصا موسى ورضاضة الألواح، فحملته الملائكة وأتت به إلى طالوت ~~نهارا بين السماء والأرض والناس ينظرون، فزخرجه طالوت إليهم، فأقروا بملكه ~~ساخطين وخرجوا معه كارهين، وهم ثمانون ألفا، فلما خرجوا قال لهم طالوت: (إن ~~الله مبتليكم بنهر، فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني) ~~البقرة:249، وهو نهر فلسطين، وقيل: الأردن، فشربوا منه إلا قليلا، وهم ~~أربعة آلاف، فمن شرب منه عطش ومن لم يشرب منه إلا غرفة روي، (فلما جاوزه هو ~~والذين آمنوا معه) لقيهم جالوت، وكان ذا بأس شديد، فلما رأوه رجع أكثرهم ~~و(قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده)، ولم يبق معه غير ثلاثمائة وبضعة ~~عشر عدد أهل بدر، فلما رجع من رجع قالوا: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله، والله مع الصابرين) البقرة:249. وكان فيهم إيشى أبو داود ومعه ~~من أولاده ثلاثة عشر ابنا، وكان داود أصغر بنيه، وقد خلفه يرعى لهم ويحمل ~~لهم الطعام، وكان قد قال لأبيه ذات يوم: يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئا إلا ~~صرعته، ثم قال له: لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا فركبت عليه وأخذت ~~بأذنيه فلم أخفه، ثم أتاه يوما آخر فقال: إني لأمشي بين الجبال فأسبح فلا ~~يبقى جبل إلا سبح معي، قال له: أبشر فإن هذا خير أعطاكه الله. فأرسل الله ~~إلى النبي الذي مع طالوت قرنا فيه دهن وتنور من حديد، فبعث به إلى طالوت ~~وقال له: إن صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا الذهن على رأسه فيغلي حتى ~~يسيل من القرن، ولا يجاوز رأسه إلى وجهه ms0139 ويبقي على رأسه كهيئة الإكليل، ~~ويدخل في هذا التنور فيملأه، فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم، فلم يوافقه ~~منهم أحد، فأحضر داود من رعيه، فمر في طريقه بثلاثة أحجار، فكلمته وقلن: ~~خذنا يا داود تقتل بنا جالوت، فأخذهن فجعلهن في مخلاته، وكان طالوت قد قال: ~~من قتل جالوت زوجته ابنتي وأجريت خاتمه في مملكتي. فلما جاء داود وضعوا ~~القرن على رأسه، فغلى حتى ادهن منه ولبس التنور فملأه، وكان داود مسقاما ~~أزرق مصفارا، فلما دخل في التنور تضايق عليه حتى ملأه، وفرح اشمويل وطالوت ~~وبنو إسرائيل بذلك وتقدموا إلى جالوت وتصافوا للقتال، وخرج داود نحو جالوت ~~وأخذ الأحجار ووضعها في قذافته ورمى بها جالوت، فوقع الحجر بين عينيه فنقب ~~رأسه فقتله، ولم يزل الحجر يقتل كل من أصابه ينفذ منه إلى غيره، فانهزم ~~عسكر جالوت بإذن الله ورجع طالوت فأنكح ابنته داود وأجرى خاتمه في ملكه، ~~فمال الناس إلى داود وأحبوه. فحسده طالوت وأراد قتله غيلة، فعلم ذلك داود ~~ففارقه وجعل في مضجعه زق خمر وسجاه، ودخل طالوت إلى منام داود، وقد هرب ~~داود، فضرب الزق ضربة خرقه، فوقعت قطرة من الخمر في فيه، فقال: يرحم الله ~~داود ما كان أكثر شربه الخمر فلما أصبح طالوت علم أنه لم يصنع شيئا، فخاف ~~داود أن يغتاله فشدد حجابه وحراسه. ثم إن داود أتاه من المقابلة في بيته ~~وهو نائم فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه، فما استيقظ طالوت بصر بالسهام ~~فقال: يرحم الله داود هو خير مني، ظفرت به وأردت قتله وظفر بي فكف عني، ~~وأذكى عليه العيون فلم يظفروا به. وركب طالوت يوما فرأى داود فركض في أثره، ~~فهرب داود منه واختفى في غار في الجبل، فعمى الله أثره على طالوت، ثم إن ~~طالوت قتل العلماء حتى لم يبق أحد إلا امرأة كانت تعرف اسم الله الأعظم ~~فسلمها إلى رجل يقتلها، فرحمها وتركها وأخفى أمرها. PageV01P0072 # ثم إن طالوت ندم وأراد التوبة وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس، فكان كل ~~ليلة يخرج ms0140 الى القبور فيبكي ويقول: أنشد الله عبدا علم لي توبة إلا أخبرني ~~بها، فلما أكثر ناداه مناد من القبور: يا طالوت أما رضيت قتلتنا أحياء حتى ~~تؤذينا أمواتا فازداد بكاء وحزنا، فرحمه الرجل الذي أمره بقتل تلك المرأة ~~فقال له: إن دللتك علي عالم لعلك تقتله قال: لا، فزخذ عليه العهود ~~والمواثيق ثم أخبره بتلك المرأة فقال: سلها هل لي من توبة؟ فحضر عندها ~~وسألها هل به من توبة؟ فقالت: ما أعلم له من توبة، ولكن هل تعلمون قبر نبي؟ ~~قالوا: نعم، قبر يوشع بن نون، فانطلقت وهم معها فدعت، فخرج يوشع، فلما رآهم ~~قال: مالكم؟ قالوا: جئنا نسألك هل لطالوت من توبة؟ قال: ما أعلم له توبة ~~إلا أن يتخلى من ملكه ويخرج هو وولده فيقاتلوا في سبيل الله حتى تقتل ~~أولاده ثم يقاتل هو حتي يقتل، فعسى أن يكون له توبة، ثم سقط ميتا، ورجع ~~طالوت أحزن مما كان يخاف أن لا يتابعه ولده، فبكى حتى سقطت أشفار عينيه ~~ونحل جسمه، فسأله بنوه عن حاله، فأخبرهم، فتجهزوا للغزو فقاتلوا بين يديه ~~حتى قتلوا، ثم قاتل هو بعدهم حتى قتل. وقيل: إن النبي الذي بعث لطالوت حتى ~~أخبره بتوبته أليسع، وقيل: اشمويل، والله أعلم. وكانت مدة ملك طالوت إلى أن ~~قتل أربعين سنة. ### | AUT ذكر ملك داود # هو داود بن إيشي بن عويد بن باعز بن سلمون بن نحشون بن عمي نوذب بن رام ~~بن حصرون بن فارض بن يهوذا بن يعقوب بن اسحاق، وكان قصيرا أزرق قليل الشعر، ~~فلما قتل طالوت أتى بنو إسرائيل داود فأعطوه خزائن طالوت وملكوه عليهم، ~~وقيل: إن داود ملك قبل أن يقتل جالوت؛ وسبب ملكه حينئذ أن الله أوصى الى ~~اشمويل ليأمر طالوت بغزو مدين وقتل من بها، فسار إليها وقتل من بها رلا ~~ملكهم، فإنه أخذه أسيرا، فأوحى الله إلى اشمويل: قل لطالوت آمرك بأمر ~~فتركته لأنزعن الملك منك ومن بنيك ثم لا يعود فيكم إلى يوم القيامة، وأمر ~~اشمويل بتمليك داود، ms0141 فملكه وسار إلى جالوت فقتله، والله أعلم. فلما ملك بني ~~اسرائيل جعله الله نبيا وملكا وأنزل عليه الزبور وعلمه صنعة الدروع، وهو ~~أول من عملها، وألان له الحديد، وأمر الجبال والطير يسبحون معه إذا سبح، ~~ولم يعط الله أحدا مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور تدنو الوحوش حتى يأخذ ~~بأعناقها وإنها لمصيخة تسمع صوته. وكان شديد الاجتهاد كثير العبادة ~~والبكاء، وكان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر، وكان يحرسه كل يوم وليلة أربعة ~~آلاف، وكان يزكل من كسب يده. وفي ملكه مسخ أهل أيلة قردة؛ وسبب ذلك أنهم ~~كانوا تزتيهم يوم السبت حيتان البحر كثيرا، فإذا كان غير يوم السبت لا يجيء ~~إليهم منها شيء، فعملوا على جانب البحر حياضا كبيرة وأجروا إليها الماء، ~~فإذا كان آخر نهار يوم الجمعة فتحوا الماء إلى الحياض فتدخلها الحيتان ولا ~~تقدر على الخروج عنها، فيأخذونها يوم الأحد، فنهاهم بعض أهلها فلم ينتهوا، ~~فمسخهم الله قردة وبقوا ثلاثة أيام وهلكوا. ### || AUT ذكر فتنته بزوجة أوريا # ثم إن الله ابتلاه بزوجة أوريا، وكان سبب ذلك أنه قد قسم زمانه ثلاثة ~~أيام، يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما يخلوا فيه للعبادة، ويوما يخلو فيه ~~مع نسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان يحسد فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب: ~~أي ربي أرى الخير قد ذهب به آبائي فأعطني مثل ما أعطيتهم فأوحى الله إليه: ~~إن آباءك ابتلوا ببلاء فصبروا، ابتلي ابراهيم بذبح ابنه، وابتلي اسحاق ~~بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، فقال: رب ابتلني بمثل ما ~~ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم، فأوحى الله إليه: إنك مبتلى فاحترس. ~~PageV01P0073 # وقيل: كان سبب البلية أنه حدث نفسه أنه يطيق أن يقطع يوما بغير مقارفة ~~سوء، فلما كان اليوم الذي يخلو فيه للعبادة عزم على أن يقطع ذلك اليوم بغير ~~سوء وأغلق بابه وأقبل على العبادة، فإذا هو بحمامة من ذهب فيها كل لون حسن ~~قد وقعت بين يديه، فأهوى ليأخذها، فطارت غير بعيد من غير أن ييأس من أخذها، ~~فما زال ms0142 يتبعها وهي تفر منه حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه حسنها، فلما ~~رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها فاستترت به، فزاده ذلك رغبة، فسأل عنها ~~فأخبر أن زوجها بثغر كذا، فبعث الى صاحب الثغر بأن يقدم أوريا بين يدي ~~التابوت في الحرب، وكان كل من يتقدم بين يدي التابوت لا ينهزم، إما أن يظفر ~~أو يقتل، ففعل ذلك به فقتل. وقيل: إن داود لما نظر إلى المرأة فزعجبته فسأل ~~عن زوجها، فقيل: إنه في جيش كذا، فكتب إلى صاحب الجيش أن يبعثه في سرية إلى ~~عدو كذا ففعل ذلك، ففتح الله عليه، فكتب إلى داود فأمر داود أن يرسل أيضا ~~إلى عدو كذا أشد منه، ففعل، فظفر، فأمر داود أن يرسل إلى عدو ثالث، ففعل، ~~فقتل أوريا في المرة الثالثة، فلما قتل تزوج داود امرأته، وهي أم سليمان في ~~قول قتادة. وقيل: إن خطيئة داود كانت أنه لما بلغه حسن امرأة أوريا تمنى أن ~~تكون له حلالا، فاتفق أن أوريا سار إلى الجهاد فقتل فلم يجد له من الهم ما ~~وجده لغيره، فبينما داود في المحراب يوم عبادته وقد أغلق الباب إذ دخل عليه ~~ملكان أرسلهما الله إليه من غير الباب، فراعه ذلك فقالا: (لا تخف، خصمان ~~بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق، إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي ~~نعجة واحدة، فقال: أكفلنيها وعزني في الخطاب) ص:22 : 32، أي قهرني، وأخذ ~~نعجتي، فقال للآخر: ما تقول؟ قال: صدق، إني أردت أن أكمل نعاجي مائة فزخذت ~~نعجته، فقال داود: إذا لا ندعك وذاك، فقال الملك: ما أنت بقادر عليه، قال ~~داود: فإن لم ترد عليه ماله ضربنا منك هذا وهذا، وأومأ إلى أنفه وجبهته، ~~قال: يا داود أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امرأة ولم ~~يكن لأوريا إلا امرأة واحدة فلم تزل به حتى قتل وتزوجت امرأته، ثم غابا ~~عنه. فعرف ما ابتلي به وما وقع فيه، فخر ساجدا أربعين يوما لا يرفع ms0143 رأسه ~~إلا لحاجة لا بد منها، وأدام البكاء حتى نبت من دموعه عشب غطى رأسه، ثم ~~نادى: يارب قرح الجبين وجمدت العين وداود لم يرجع إليه في خطيئته بشيء، ~~فودي: أجائع فتطعم أم مريض فتشفى أم مظلوم فتنصر؟ قال: فنحب نحبة هاج ما ~~كان نبت، فعند ذلك قبل الله توبته وأوحى إليه: ارفع رأسك فقد غفرت لك، قال: ~~يا رب كيف أعلم أنك قد غفرت لي؟ وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء إذا جاء ~~أوريا يوم القيامة آخذا رأسه بيمينه تشخب أوداجه دما قبل عرشك يقول: يا رب ~~سل هذا فيم قتلني، فأوحى الله إليه: إذا كان ذلك دعوته وأستوهبك منه فيهبك ~~لي فأهبه بذلك الجنة، قال: يا رب الآن علمت أنك قد غفرت لي. قال: فما ~~استطاع داود بعدها أن يملأ عينه من السماء حياء من ربه حتى قبض، ونقش ~~خطيئته في يده، فكان إذا رأها اضطربت يده، وكان يؤتى بالشراب في الإناء ~~ليشربه فكان يشرب نصفه أو ثلثيه فيذكر خطيئته فينتحب حتى تكاد مفاصله يزول ~~بعضها من بعض ثم يملأ الإناء من دموعه، وكان يقال: إن دمعة داود تعدل دموع ~~الخلائق، وهو يجيء يوم القيامة وخطيئته مكتوبة بكفه فيقول: يا رب ذنبي ذنبي ~~قدمني، فيقدم، فلا يأمن فيقول: يا رب أخرني، فلا يأمن. وأزالت الخطيئة طاعة ~~داود عن بني إسرائيل واستخفوا بأمره، ووثب عليه ابن له يقال له إيشي وأمه ~~ابنة طالوت فدعا إلى نفسه، فكثر أتباعه من أهل الزيغ من بني إسرائيل، فلما ~~تاب الله على داود اجتمع إليه طائفة من الناس فحارب ابنه حتى هزمه ووجه ~~إليه بعض قواده وأمره بالرفق به والتلطف لعله يأسره ولا يقتله، وطلبه ~~القائد وهو منهزم فاضطره إلى شجرة فقتله، فحزن عليه داود حزنا شديدا وتنكر ~~لذلك القائد. ### || AUT ذكر بناء بيت المقدس ووفاة داود # ### || AUT عليه السلام # PageV01P0074 # قيل: أصاب الناس في زمان داود طاعون جارف، فخرج بهم الى موضع بيت المقدس، ~~وكان يرى الملائكة تعرج منه إلى السماء، فلهذا ms0144 قصده ليدعو فيه، فلما وقف ~~موضع الصخرة دعا الله تعالى في كشف الطاعون عنهم، فاستجاب له ورفع الطاعون، ~~فاتخذوا ذلك الموضع مسجدا، وكان الشروع في بنائه لإحدى عشرة سنة مضت من ~~ملكه، وتوفي قبل أن يستتم بناءه، وأوصى إلى سليمان بإتمامه وقتل القائد ~~الذي قتل أخاه إيشي بن داود. فلما توفي داود ودفنه سليمان تقدم بإنفاذ أمره ~~فقتل القائد واستتم بناء المسجد، بناه بالرخام وزخرفه بالذهب ورصعه ~~بالجواهر، وقوي على ذلك جميعه بالجن والشياطين، فلما فرغ اتخذ ذلك اليوم ~~عيدا عظيما وقرب قربانا، فتقبله الله منه، وكان ابتداؤه أولا ببناء ~~المدينة، فلما فرغ منها ابتدأ بعمارة المسجد، وقد أكثر الناس في صفة البناء ~~مما يستبعد ولا حاجة إلى ذكره. وقيل: إن سليمان هو الذي ابتدأ بعمارة ~~المسجد، وكان داود أراد أن يبنيه فأوحى الله إليه: إن هذا بيت مقدس وإنك قد ~~صبغت يدك في الدماء فلست ببانيه، ولكن ابنك سليمان يبنيه لسلامته من ~~الدماء، فلما ملك سليمان بناه. ثم إن داود توفي وكان له جارية تغلق الأبواب ~~كل ليلة وتأتيه بالمفاتيح فيقوم إلى عبادته، فأغلقتها ليلة فرأت في الدار ~~رجلا فقالت: من أدخلك الدار؟ فقال: أنا الذي أدخل على الملوك بغير إذن، ~~فسمع داود قوله فقال: أنت ملك الموت؟ قال: نعم، قال: فهلا أرسلت إلي لأستعد ~~للموت؟ قال: قد أرسلت إليك كثيرا، قال: من كان رسولك؟ قال: أين أبوك وأخوك ~~وجارك ومعارفك؟ قال: ماتوا، قال: فهم كانوا رسلي إليك لأنك تموت كما ماتوا ~~ثم قبضه، فلما مات ورث سليمان ملكه وعلمه ونبوته. وكان له تسعة عشر ولدا، ~~فورثه سليمان دونهم، وكان عمر داود لما توفي مائة سنة، صح ذلك عن النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، وكانت مدة ملكه أربعين سنة. ### | AUT ذكر ملك سليمان بن داود عليه السلام # لما توفي داود ملك بعده ابنه سليمان على بني إسرائيل، وكان ابن ثلاث ~~عشرة سنة، وآتاه مع الملك النبوة، وسأل الله أن يؤتيه ملكا لا ينبغي لأحد ~~من بعده، فاستجاب له وسخر ms0145 له الإنس والجن والشياطين والطير والريح، فكان ~~إذا خرج من بيته إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام له الإنس والجن حتى يجلس. ~~وقيل: إنهما سخر له الريح والجن والشياطين والطير وغير ذلك بعد أن زال ملكه ~~وأعاده الله سبحانه إليه على ما نذكره. وكان أبيض جسيما كثير الشعر يلبس ~~البياض، وكان أبوه يستشيره في حياته ويرجع إلى قوله، فمن ذلك ما قصه الله ~~في كتابه في قوله: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) الأنبياء: 21 : 78؛ ~~الآية، وكان خبره: أن غنما دخلت كرما فزكلت عناقيده وأفسدته، فقضى داود ~~بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان: أو غير ذلك، أن تسلم الكرم إلى صاحب ~~الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها ~~إلى أن يعود كرمه إلى حاله ثم يأخذ كرمه ويدفع الغنم إلى صاحبها، فأمضى ~~داود قوله، وقال الله تعالى: (ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) ~~الأنبياء:79. قال بعض العلماء: في هذا دليل على أن كل مجتهد في الأحكام ~~الفرعية مصيب، فإن داود أخطأ الحكم الصحيح عند الله تعالى وأصابه سليمان، ~~فقال الله تعالى: (وكلا آتينا حكما وعلما). وكان سليمان يأكل من كسب يده، ~~وكان كثير الغزو، وكان إذا أراد الغزو أمر بعمل بساط من خشب يسع عسكره ~~ويركبون عليه هم ودوابهم وما يحتاجون إليه، ثم زمر الريح فحملته فسارت في ~~غدوته مسيرة شهر وفي روحته كذلك، وكان له ثلاثمائة زوجة وسبعمائة سرية، ~~وأعطاه الله أجرا أنه لا يتكلم أحد بشيء إلا حملته الريح إليه فيعلم ما يقول. ### || AUT ذكر ما جرى له مع بلقيس # نذكر أولا ما قيل في نسبها وملكها، ثم ما جرى له معها، فنقول: قد اختلف ~~العلماء في اسم آبائها، فقيل: إنها هي بلقمة ابنة ليشرح بن الحارث بن قيس ~~بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقيل: هي بلقمة ابنة هادد واسمه ~~ليشرح بن تبع ذي الأذعار بن تبع ذي المنار بن تبع الرايش، وقيل في نسبها ~~غير ذلك ms0146 لا حاجة إلى ذكره. PageV01P0075 # وقد اختلف الناس في التبابعة وتقديم بعضهم على بعض وزيادة في عددهم ~~ونقصان، اختلافا لا يحصل الناظر فيه على طائل، وكذا أيضا اختلفوا في نسبها ~~اختلافا كثيرا، وقال كثير من الرواة: إن أمها جنية ابنة ملك الجن واسمها ~~رواحة بنت السكر، وقيل: اسم أمها يلقمة بنت عمرو بن عمير الجني، وإنما نكح ~~أبوها إلى الجن لأنه قال: ليس في الإنس لي كفوة، فخطب إلى الجن فزوجوه. ~~واختلفوا في سبب وصوله إلى الجن حتى خطب إليهم فقيل: إنه كان لهجا بالصيد، ~~فربما اصطاد الجن على صور الظباء فيخلي عنهن، فظهر له ملك الجن وشكره علي ~~ذلك واتخذه صديقا، فخطب ابنته فأنكحه على أن يعطيه ساحل البحر ما بين يبرين ~~إلى عدن؛ وقيل: إن أباها خرج يوما متصيدا فرأي حديتين تقتتلان بيضاء وسوداء ~~وقد ظهرت السوداء علي البيضاء فزمر بقتل السوداء وحمل البيضاء وصب عليها ~~ماء، فأفاقت، فأطلقها وعاد إلى داره وجلس منفردا، وإذا معه شاب جميل، فذعر ~~منه، فقال له: لا تخف أنا الحية التي أنجيتني، والأسود الذي قتلته غلام لنا ~~تمرد علينا وقتل عدة من أهل بيتي؛ وعرض عليه المال وعلم الطب، فقال: أما ~~المال فلا حاجة لي به، وأما الطب فهو قبيح بالملك، ولكن إن كان لك بنت ~~فزوجنيها، فزوجه على شرط أن لا يغير عليها شيئا تعمله ومتى غير عليها ~~فارقته، فأجابه إلى ذلك، فحملت منه فولدت له غلاما فألقته في النار، فجزع ~~لذلك وسكت للشرط، ثم حملت منه فولدت جارية فألقتها إلى كلبة فأخذتها، فعظم ~~ذلك عليه وصبر للشرط، ثم إنه عصي عليه بعض أصحابه فجمع عسكره فسار إليه ~~ليقاتله وهي معه، فانتهى إلي مفازة، فلما توسطها رأى جميع ما معهم من الزاد ~~يخلط بالتراب، وإذا الماء يصب من القرب والمزاود، فأيقنوا بالهلاك وعلموا ~~أنه من فعال الجن عن أمر زوجته، فضاق ذرعا عن حمل ذلك، فأتاها وجلس وأومأ ~~إلى الأرض وقال: يا أرض صبرت لك على إحراق ابني وإطعام الكلبة إبنتي ثم ms0147 أنت ~~الآن قد فجعتنا بالزاد والماء وقد أشرفنا على الهلاك فقالت المرأة: لو صبرت ~~لكان خيرا لك، وسأخبرك: إن عدوك خدع وزيرك فجعل السم في الأزواد والمياه ~~ليقتلك وأصحابك، فمر وزيرك ليشرب ما بقي من الماء ويأكل من الزاد، فأمره ~~فامتنع، فقتله، ودلتهم على الماء والميرة من قريب وقالت: أما ابنك فدفعته ~~إلى حاضنة تربيه وقد مات، وأما ابنتك فهي باقية، وإذا بجويرية قد خرجت من ~~الأرض، وهي بلقيس، وفارقته امرأته وسار إلى عدو فظفر به. وقيل في سبب نكاحه ~~إليهم غير ذلك، والجميع حديث خرافة لا أصل له ولا حقيقة. وأما ملكها اليمن ~~فقيل: إن أباها فوض إليها الملك فملكت بعده، وقيل: بل مات عن غير وصية ~~بالملك لأحد، فأقام الناس ابن أخ له، وكان فاحشا خبيثا فاسقا لا يبلغه عن ~~بنت قيل ولا ملك ذات جمال إلا أحضرها وفضحها، حتى انتهى إلى بلقيس بنت عمه، ~~فأراد ذلك منها فوعدته أن يحضر عندها الى قصرها وأعدت له رجلين من أقاربها ~~وأمرتهما بقتله إذا دخل إليها وانفرد بها، فلما دخل إليها وثبا عليه ~~فقتلاه، فلما قتل أحضرت وزراءه فقرعتهم فقالت: أما كان فيكم من يزنف ~~لكريمته وكرائم عشيرته ثم أرتهم إياه قتيلا وقالت: اختاروا رجلا تملكونه، ~~فقالوا: لا نرضى بغيرك؛ فملكوها. وقيل: إن أباها لم يكن ملكا وإنما كان ~~وزير الملك، وكان الملك خبيثا، قبيح السيرة يأخذ بنات الأقيال والأعيان ~~والأشراف، وإنها قتلته، فملكها الناس عليهم. وكذلك أيضا عظموا ملكها وكثرة ~~جندها فقيل: كان تحت يدها أربعمائة ملك، كل ملك منهم على كورة، مع كل ملك ~~منهم أربعة آلاف مقاتل، وكان لها ثلاثمائة وزير يدبرون ملكها، وكان لا اثنا ~~عشر قائدا يقود كل قائد منهم اثني عشر ألف مقاتل. PageV01P0076 # وبالغ آخرون مبالغة تدل على سخف عقولهم وجهلهم، قالوا: كان لها اثنا عشر ~~ألف قيل، تحت يد كل قيل مائة ألف مقاتل، مع كل مقاتل سبعون ألف جيش، في كل ~~جيش سبعون ألف مبارز، ليس فيهم إلا أبناء خمس وعشرين سنة، ms0148 وما أظن الساعة ~~راوي هذا الكذب الفاحش عرف الحساب حتى يعلم مقدار جهله، ولو عرف مبلغ العدد ~~لأقصر عن إقدامه على هذا القول السخيف، فإن أهل الزرض لا يبلغون جميعهم ~~شبابهم وشيوخهم وصبيانهم ونساؤهم هذا العدد، فيكف أن يكونوا أبناء خمس ~~وعشرين سنة فيا ليت شعري كم يكون غيرهم ممن ليس من أسنانهم، وكم تكون ~~الرعية وأرباب الحرف والفلاحة وغير ذلك، وإنما الجند بعض أهل البلاد، وإن ~~كان الحاصل من اليمن قد قل في زماننا فإن رقعة أرضه لم تصغر، وهي لا تسع ~~هذا العدد قياما كل واحد إلى جانب الآخر. ثم إنهم قالوا: أنفقت على كوة ~~بيتها التي تدخل الشمس منها فتسجد لها ثلاثمائة ألف أوقية من الذهب، وقالوا ~~غير ذلك، وذكروا من أمر عرشها ما يناسب كثرة جيشها، فلا نطول بذكره، وقد ~~تواطأوا على الكذب والتلاعب بعقول الجهال واستهانوا بما يلحقهم من استجهال ~~العقلاء لهم، وإنما ذكرنا هذا على قبحه ليقف بعض من كان يصدق به عليه ~~فينتهي إلى الحق. وأما سبب مجيئها الى سليمان وإسلامها فإنه طلب الهدهد فلم ~~يره، وإنما طلبه لأن الهدهد يرى الماء من تحت الأرض فيعلم هل في تلك الأرض ~~ماء أم لا، وهل هو قريب أم بعيد، فبينما سليمان في بعض مغازيه احتاج إلى ~~الماء فلم يعلم أحد ممن معه بعده، فطلب الهدهد ليسأله عن ذلك فلم يره، ~~وقيل: بل نزلت الشمس إلى سليمان، فنظر ليرى من أين نزلت لأن الطير كانت ~~تظله، فرأى موضع الهدهد فارغا، فقال: (لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ~~ليأتيني بسلطان مبين) النمل: 21. وكان الهدهد قد مر على قصر بلقيس فرأى ~~بستانا لها خلف قصرها، فمال إلى الخضرة، فرأى فيه هدهدا فقال له: أين أنت ~~عن سليمان وما تصنع ها هنا؟ فقال له: ومن سليمان؟ فذكر له حاله وما سخر له ~~من الطير وغيره، فعجب من ذلك، فقال له هدهد سليمان: وأعجب من ذلك أن كثرة ~~هؤلاء القوم تملكهم امرأة (وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم) ms0149 النمل: 23، ~~وجعلوا الشكر لله أن سجدوا للشمس من دونه، وكان عرشها سريرا من ذهب مكلل ~~بالجواهر النفيسة من اليواقيت والزبرجد واللؤلؤ. ثم إن الهدهد عاد الى ~~سليمان فأخبره بعذره في تأخيره، فقال له: اذهب بكتابي هذا فألقه إليها، ~~فوافاها وهي في قصرها فألقاه في حجرها، فأخذته وقرأته وأحضرت قومها وقالت: ~~(إني ألقي إلي كتاب كريم، إنه من سليمان، وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا ~~تعلو علي وأتوني مسلمين يا أيها الملأ : ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون) ~~النمل: 29 - 32. (قالوا: نحن أولو قوة وأولو بأس شديد، والأمر إليك فانظري ~~ماذا تأمرين) النمل: 33، قالت: (إني مرسلة إليهم بهدية) النمل: 35 فإن ~~قبلها فهو من ملوك الدنيا فنحن أعز منه وأقوى، وإن لم يقبلها فهو نبي من ~~الله. فلما جاءت الهدية إلى سليمان قال للرسل: (أتمدونني بمال فما آتاني ~~الله خير مما آتاكم) إلى قوله: (وهم صاغرون) النمل: 36 - 37، فلما رجع ~~الرسل إليها سارت إليه وزخذت معها الأقيال من قومها، وهم القواد، وقدمت ~~عليه، فلما قاربته وصارت منه على نحو فرسخ قال لأصحابه: (أيهكم يزتين ~~بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين؟ قال عفريت من الجن: أنا آتيك به قبل أن تقوم ~~من مقامك) النمل: 38 - 39، يعني قبل أن تقوم في الوقت الذي تقصد فيه بيتك ~~للغداء، قال سليمان: أريد أسرع من ذلك، ف (قال الذي عنده علم من الكتاب) ~~وهو آصف بن برخيا، وكان يعرف اسم الله الأعظم: (أنا آتيك به قبل أن يرتد ~~إليك طرفك) النمل: 40، وقال له: انظر إلى السماء وأدم النظر فلا ترد طرفك ~~حتى أحضره عندك، وسجد ودعا، فرأى سليمان العرش قد نبع من تحت سيريره، فقال: ~~(هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر) إذ أتاني به قبل أن يرتد إلي طرفي (أم ~~أكفر) إذ جعل تحت يدي من هو أقدر مني على إحضاره. فلما جاءت قيل: (أهكذا ~~عرشك؟ قالت: كأنه هو) النمل: 42 ولقد تركته في حصون وعنده جنود تحفظه فكيف ~~جاء الى ها هنا؟. PageV01P0077 # فقال سليمان للشياطين: ابنوا ms0150 لي صرحا تدخل علي فيه بلقيس، فقال بعضهم: إن ~~سليمان قد سخر له من سخر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد غلاما فلا ننفك من ~~العبودية أبدا، وكانت امرزة شعراء الساقين، فقال الشياطين: ابنوا له بنيانا ~~يرى ذلك منها فلا يتزوجها، فبنوا له صرحا من قوارير خضر وجعلوا له طوابيق ~~من قوارير بيض، فبقي كأنه الماء، وجعلوا تحت الوطابيق صور دواب البحر من ~~السمك وغيره، وقعد سليمان على كرسي ثم أمر فأدخلت بلقيس عليه، فلما أرادت ~~أن تدخله ورأت صور السمك ودواب الماء حسبته لجة ماء فكشفت عن ساقيها لتدخل، ~~فلما رآها سليمان صرف نظره عنها و(قال إنه صرح ممرد من قوارير، قالت: رب ~~إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) النمل: 44. فاستشار ~~سليمان في شيء يزيل الشعر ولا يضر الجسد، فعمل له الشياطين النورة، فهي أول ~~ما عملت النورة، ونكحها سليمان وأحبها حبا شديدا وردها إلى ملكها باليمن، ~~فكان يزورها كل شهر مرة يقيم عندها ثلاثة أيام. وقيل: إنه أمرها أن تنكح ~~رجلا من قومها فامتنعت وأنفت من ذلك، فقال: لا يكون في الإسلام إلا ذلك، ~~فقالت: إن كان لا بد من ذلك فزوجني ذا تبع ملك همدان، فزوجه إياها ثم ردها ~~إلى اليمن، وسلط زوجها ذا تبع على الملك، وأمر الجن من أهل اليمن بطاعته، ~~فاستعملهم ذو تبع، فعملوا له عدة حصون باليمن، منها سلحين ومراوح وفليون ~~وهنيدة وغيرها، فلما مات سليمان لم يطيعوا ذا تبع وانقضى ملك ذي تبع وملك ~~بلقيس مع ملك سليمان. وقيل: إن بلقيس ماتت قبل سليمان بالشام وإنه دفنها ~~بتدمر وأخفى قبرها. ### || AUT ذكر غزوته أبا زوجته جرادة ونكاحها # ### || AUT وعبادة الصنم في داره وأخذ خاتمه وعوده إليه # قيل: سمع سليمان بملك في جزيرة من جزائر البحر وشدة ملكه وعظم شأنه، ولم ~~يكن للناس إليه سبيل، فخرج سليمان الى تلك الجزيرة وحملته الريح حتى نزل ~~بجنوده بها فقتل ملكها وغنم ما فيها غنم بنتا للملك لم ير الناس مثلها حسنا ~~وجمالا فاصطفاها ms0151 لنفسه ودعاها إلى الإسلام، فأسلمت على قلة رغبة فيه، ~~وأحبها حبا شديدا، وكانت لا يذهب حزنها ولا تزال تبكي، فقال لها: ويحك ما ~~هذا الحزن والدمع الذي لا يرقأ؟ قالت: إني أذكر أبي وملكه وما أصابه ~~فيحزنني ذلك، قال: فقد أبدلك الله ملكا خيرا من ملكه وهداك إلى الاسلام، ~~قالت: إنه كذلك ولكني إذا ذكرته أصابني ما ترى، فلو أمرت الشياطين فصوروا ~~صورته في داري أراها بكرة وعشية لرجوت أن يذهب ذلك حزني. فزمر الشياطين ~~فعملوا لها مثل صورته لا ينكر منها شيئا، وألبستها ثيابا مثل ثياب أبيها، ~~وكانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو عله في جواريها فتسجد له ويسجدن معها، ~~وتروح عشية ويرحن، فتفعل مثل ذلك، ولا يعلم سليمان بشيء من أمرها أربعين ~~صباحا. وبلغ الخبر آصف بن برخيا، وكان صديقا، وكان لا يرد من منازل سليمان ~~أي وقت أراد من ليل أو نهار سواء كان سليمان حاضرا أو غائبا، فزتاه فقال: ~~يا نبي الله قد كبر سني ودق عظمي وقد حان مني ذهاب عمري وقد أحببت أن أقوم ~~مقاما أذكر فيه أنبياء الله وأثني عليهم بعلمي فيهم وأعلم الناس بعض ما ~~يجهلون، قال: افعل، فجمع له سليمان الناس، فقام آصف خطيبا فيهم فذكر من مضي ~~من الأنبياء وأثنى عليهم حتى انتهى الى سليمان فقال: ما كان أحلمك في صغرك، ~~وأبعدك من كل ما يكره في صغرك، ثم انصرف. فملئ سليمان غضبا، فأرسل إليه ~~وقال له: يا آصف لما ذكرتني جعلت تثني علي في صغري وسكت عما سوى ذلك، فما ~~الذي أحدثت في آخر أمري؟ قال: إن غير الله ليعبد في دارك أربعين يوما في ~~هوى امرأة، قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون) البقرة: 156، لقد علمت أنك ما ~~قلت إلا عن شيء بلغك، ودخل داره وكسر الصنم وعاقب تلك المرأة وجواريها، ثم ~~أمر بثياب الطهارة فأتى بها، وهي ثياب تغزلها الأبكار اللائي لم يحضن ولم ~~تمسها امرأة ذات دم، فلبسها وخرج الى الصحراء وفرش الرماد ثم أقبل تائبا ms0152 ~~إلى الله وتمعك في الرماد بثيابه تذللا لله تعالى وتضرعا، وبكى واستغفر ~~يومه ذلك ثم عاد الى داره. PageV01P0078 # وكانت أم ولد له لا يثق إلا بها يسلم خاتمه إليها، وكان لا ينزعه إلا عند ~~دخول الخلاء، وإذا أراد أن يصيب امرأة فيسلمه إليها حتى يتطهر، وكان ملكه ~~في خاتمه، فدخل في بعض تلك الأيام الخلاء وسلم خاتمه إليها، فأتاها شيطان ~~اسمه صخر الجني في صورة سليمان فأخذ الخاتم وخرج إلى كرسي سليمان، وهو في ~~صورة سليمان، فجلس عليه، وعكفت عليه الإنس والجن والطير، وخرج سليمان وقد ~~تغيرت حاله وهيذته، فقال: خاتمي فقالت؛ ومن أنت؟ قال: أنا سليمان، قالت: ~~كذبت لست بسليمان قد جاء سليمان وأخذ خاتمه مني وهو جالس على سريره فعرف ~~سليمان خطيئته فخرج وجعل يقول لبني اسرائيل: أنا سليمان، فيحثون عليه ~~التراب، فلما رأى ذلك قصد البحر وجعل ينقل سمك الصيادين ويعطونه كل يوم ~~سمكتين يبيع إحداهما بخبز ويأكل الأخرى، فبقي كذلك أربعين يوما. ثم إن آصف ~~وعظماء بني اسرائيل أنكروا حكم الشيطان المتشبه بسليمان، فقال آصف: يا بني ~~اسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم سليمان ما رأيت؟ قالوا: نعم، قال: أمهلوني ~~حتى أدخل على نسائه وأسألهن هل أنكرن ما أنكرنا منه، فدخل عليهن وسألهن، ~~فذكرن أشد مما عنده، فقال: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، (إن هذا لهو البلاء ~~المبين) الصافات: 106. ثم خرج إلى بني اسرائيل فأخبرهم، فلما رأى الشيطان ~~أنهم قد علموا به طار من مجلسه فمر بالبحر فألقى الخاتم فيه، فبلعته سمكة ~~واصطادها صياد وحمل له سليمان يومه ذلك فأعطاه سمكتين، تلك السمكة إحداهما، ~~فأخذها فشقها ليصلحها ويأكلها فرأى خاتمه في جوفها، فأخذه وجعله في إصبعه ~~وخر لله ساجدا، وعكفت عليه الإنس والجن والطير وأقبل عليه الناس ورجع إلى ~~ملكه وأظهر التوبة من ذنبه وبث الشياطين في إحضار صخر الذي أخذ الخاتم، ~~فأحضروه، فنقب له صخرة وجعله فيها وسد النقب بالحديد والرصاص وألقاه في ~~البحر. وكان مقامه في الملك أربعين يوما، بمقدار عبادة الصنم في دار ms0153 ~~سليمان. وقيل: كان السبب في ذهاب ملكه أن امرأة له كانت أبر نسائه عنده ~~تسمى جرادة ولا يأتمن على خاتمه سواها، فقالت له: إن أخي بينه وبين فلان ~~حكومة وأنا أحب أن تقضي له، فقال: أفعل، ولم يفعل، فابتلي، وأعطاها خاتمه ~~ودخل الخلاء، فخرج الشيطان في صورته فأخذه، وخرج سليمان بعده فطلب الخاتم ~~فقالت: ألم تأخذه؟ قال: لا، وخرج من مكانه تائها وبقي الشيطان أربعين يوما ~~يحكم بين الناس، ففطنوا له وأحدقوا به ونشروا التوراة فقرأوها، فطار من بين ~~أيديهم وألقى الخاتم في البحر، فابتعله حوت، ثم إن سليمان قصد صيادا وهو ~~جائع فاستطعمه وقال: أنا سليمان، فكذبه وضربه فشجه، فجعل يغسل الدم، فلام ~~الصيادون صاحبهم وأعطوه سمكتين إحداهما التي ابتلعت الخاتم، فشق بطنها وأخذ ~~الخاتم، فرد الله إليه ملكه، فاعتذروا إليه، فقال: لا أحمدكم على عذركم ولا ~~ألومكم على ما كان منكم. وسخر الله له الجن والشياطين والريح، ولم يكن ~~سخرها له قبل ذلك، وهو أشبه بظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: (قال رب اغفر لي ~~وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب، فسخرنا له الريح تجري ~~بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد) ~~ص:37. وقيل في سب زوال ملكه غير ذلك، والله أعلم. ### || AUT ذكر وفاة سليمان # لما رد الله إلى سليمان الملك لبث فيه مطاعا والجن تعمل له (ما يشاء من ~~محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات) سبأ: 13 وغير ذلك ويعذب من ~~الشياطين من شاء ويطلب من شاء، حتى إذا دنا أجله وكان عادته إذا صلى كل يوم ~~رأى شجرة نابتة بين يديه، فيقول: ما اسمك؟ فتقول: كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ ~~فإن كانت لغرس غرست وإن كانت لدواء كتبت، فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى ~~شجرة بين يديه فقال لها: ما اسمك؟ فقالت: الخرنوبة، فقال لها: لأي شيء أنت؟ ~~قالت: لخراب هذا البيت، يعني بيت المقدس، فقال سليمان: ما كان الله ليخربه ~~وأنا حي، أنت التي ms0154 على وجهك هلاكي وخراب البيت وقلعها، ثم قال: اللهم عم ~~على الجن موتي حتى يعلم الناس أن الجن لا يعلمون الغيب. PageV01P0079 # وكان سليمان يتجرد للعبادة في بيت المقدس السنة والسنتين والشهروالشهرين ~~وأقل وأكثر، يدخل معه طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي توفي فيها، ~~فبينما هو قائم يصلي متوكئا على عصاه أدركه أجله فمات ولا تعلم به الشياطين ~~ولا الجن، وهم في ذلك يعملون خوفا منه، فأكلت الأرضة عصاه فانكسرت فسقط، ~~فعلموا أنه قد مات، وعلم الناس أن الجن لا يعلمون الغيب ولو علموا (الغيب ~~ما لبثوا في العذاب المهين) سبأ: 14 ومقاساة الأعمال الشاقة. ولما سقط أراد ~~بنو اسرائيل أن يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا يوما وليلة ~~فأكلت منها، فحسبوا بنسبته فكان أكل تلك العصا في سنة، ثم إن الشياطين ~~قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين ~~الشراب لأتيناك بأطيب الشراب، ولكنا سننقل لك الماء والطين، فهم ينقلون ~~إليها ذلك حيث كانت، ألم تر إلى الطين يكون في وسط الخشبة؟ فهو ما ينقلونه ~~لها. قيل: إن الجن والشياطين شكوا ما يحلقهم من التعب والنصب إلى بعض أولي ~~التجربة منهم، وقيل: كان إبليس، فقال لهم: ألستم تنصرفون بأحمال وتعودون ~~بغير أحمال؟ قالوا: بلى، قال: فلكم في كل ذلك راحة، فحملت الريح الكلام ~~فألقته في أذن سليمان، فأمر الموكلين بهم أنهم إذا جاءوا بالأحمال والآلات ~~التي يبنى بها إلى موضع البناءوالعمل يحملهم من هناك في عودهم ما يلقونه من ~~المواضع التي فيها الأعمال ليكون أشق عليهم وأسرع في العمل، فاجتازوا بذلك ~~الذي شكوا إليه حالهم فأعلموه حالهم، فقال لهم: انتظروا الفرج فإن الأمور ~~إذا تناهت تغيرت، فلم تطل مدة سليمان بعد ذلك حتى مات؛ وكان مدة عمره ثلاثا ~~وخسمين سنة، وملكه أربعين سنة. ### || AUT ذكر من ملك من الفرس بعد كيقباذ # لما توفي كيقباذ ملك بعده ابنه كيكاووس بن كينية بن كيقباذ، فلما ملك ~~حمى بلاده وقتل جماعة من عظماء البلاد المجاورة له، وكان ms0155 يسكن بنواحي بلخ، ~~وولد له ولد سماه سياروخش وضمه إلى رستم الشديد بن داستان بن نريمان بن ~~جوذنك بن كرشاسب، وكان أصبهبذ سجستان وما يليها، وجعله عنده ليربيه، فأحسن ~~تربيته وعلمه العلوم ولفروسية والآداب وما يحتاج الملوك إليه، فلما كمل ما ~~أراد حمله إلى أبيه، فلما رآه سر به صورة ومعنى. وكان أبوه كيكاووس قد تزوج ~~ابنة أفراسياب ملك الترك، وقيل: إنها ابنة ملك اليمن، فهويت سياوخش ودعته ~~الى نفسها، فامتنع، فسعت به الى أبيه حتى أفسدته عليه، فسأل سياوخش رستم ~~الشديد ليتوصل مع أبيه لينفذه الى محاربة أفراسياب بسبب منعه بعض ما كان قد ~~استقر بينهما، وأراد البعد عن أبيه ليأمن كيد امرأته، ففعل ذلك رستم، فسيره ~~أبوه وضم إليه جيشا كثيفا، فسار الى بلاده الترك للقاء أفراسياب، فلما سار ~~الى تلك الناحية جرى بينهما صلح، فكتب سياوخش الى أبيه يعرفه ما جري بينه ~~وبين أفراسياب، فلما سار الى تلك الناحية جرى بينهما صلح، فكتب سياوخش الى ~~أبيه يعرفه ما جرى بينه وبين أفرسياب من الصلح، فكتب إليه والده يأمره ~~بمناهضة أفراسياب ومحاربته وفسخ الصلح، فاستقبح سياوخش الغدر وأنف منه، فلم ~~ينفذ ما أمره به، ورأى أن ذلك من فعل زوجة والده ليقبح فعله، فراسل ~~أفراسياب في الأمان لنفسه لينتقل إليه، فأجابه أفراسياب إلى ذلك، وكان ~~السفير في ذلك قيران بن ويسعان، ودخل سياوخش الى بلاد الترك، فزكرمه ~~أفراسياب إلى ذلك، وكان السفير في ذلك قيران بن ويسعان، ودخل سياوخش الى ~~بلاد الترك، فزكرمه أفراسياب وأنزله وأجرى عليه وزوجه بنتا له يقال لها ~~وسفافريد، وهي أم كيخسرو، فظهر له من أدب سياوخش ومعرفته بالملك وشجاعته ما ~~خاف على ملكه منه، وزاد الفساد بينهما بسعي ابني أفراسياب وأخيه كيدر حسدا ~~منهم لسياوخش، فزمرهم أفراسياب بقتله، فقتلوه ومثلوا به، وكانت زوجته ابنة ~~أفراسياب حاملة منه بابنه كيخسرو، فطلبوا الحيلة في إسقاط ما في بطنها، فلم ~~يسقط، فأنكر قيران الذي كان أمان سياوخش إليه لتضع ما في بطنها ويقتله، ~~فلما وضعت رق ms0156 قيران لها وللمولود ولم يقتله وستر أمره حتى بلغ، فسير ~~كيكاووس إلى بلاد الترك من كشف أمره وأخذه إليه. وحين بلغ خبر قتله الى ~~فارس لبس شادوس بن جودرز السواد حزنا، وهو أول من لبسه، ودخل على كيكاووس ~~فقال له: ما هذا؟ فقال: إن هذا اليوم يوم ظلام وسواد. PageV01P0080 # ثم إن كيكاووس لما علم بقتل ابنه سير الجيوش مع رستم الشديد وطو أصبهبذ ~~أصبهان لمحاربة أفراسياب، فدخلا بلاد الترك فقتلا وأسرا وأثخنا فيها، وجرى ~~لهما مع أفراسياب حروب شديدة قتل فيها ابنا أفراسياب وأخوه الذين أشاروا ~~بقتل سياوخش. وزعمت الفرس أن الشياطين كانت مسخرة له، وأنها بنت له مدينة ~~طولها في زعمهم ثلاثمائة فرسخ وبنوا عليها سورا من صرف وسورا من شبه وسورا ~~من فضة، وكانت الشياطين تنقلها بين السماء والأرض وما بينهما، وأن كيكاووس ~~لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث، ثم إن الله أرسل إلى المدينة من يخربها فعجزت ~~الشياطين عن المنع عنها، فقتل كيكاووس جماعة من رؤوسائهم. وقال بعض العلماء ~~بأخبار المتقدمين: إنما سخر له فعل الشياطين بأمر سليمان بن داود، وكان ~~مظفرا لا يناوئه أحد من الملوك إلا ظهر عليه، فلم يزل كذلك حتى حدثته نفسه ~~بالصعود الى السماء، فسار من خراسان الى بابل، وأعطاه الله تعالى قوة ارتفع ~~بها هو ومن معه حتى بلغوا السحاب، ثم سلبهم الله تلك القوة، فسقطوا وهلكوا ~~وأفلت بنفسه وأحدث يومئذ. وهذا جميعه من أكاذيب الفرس الباردة. ثم إن ~~كيكاووس بعد هذه الحادثة تمزق ملكه وكثرت الخوارج عليه وصاروا يغزونه، ~~فيظفر مرة ويظفرون أخرى، ثم غزا بلاد اليمن وملكها يومئذ ذو الأذعار بن ~~أبرهة ذي المنار بن الرايش، فلما ورد اليمن خرج إليه ذو الأذعار، وكان قد ~~أصابه الفالج، فلم يكن يغزو، فلما وطئ كيكاووس بلاده خرج إليه بنفسه ~~وعساكره وظفر بكيكاووس فأسره واستباح عسكره وحبسه في بئر وأطبق عليه، فسار ~~رستم من سجستان الى اليمن وأخرج كيكاووس وأخذه، وأراد ذو الأذعار منعه فجمع ~~العساكر وأراد القتال ثم خاف البوار فاصطلحا ms0157 علي أخذ كيكاووس والعود الى ~~بلاد الفرس، فأخذ وزعاده الى ملكه، فأقطعه كيكاووس سجستان وزابلستان، وهي ~~من أعمال غزنة، وأزال عنه اسم العبودية، ثم توفي كيكاووس، وكان ملكه مائة ~~وخمسين سنة. ### || AUT ذكر ملك كيخسرو بن سياوخش بن كيكاووس # لما مات كيكاووس ملك بعده ابن ابنه كيخسرو بن سياوخش بن كيكاوس، وأمه ~~وسفافريد ابنة أفراسياب ملك الترك، فلما ملك كتب الى الأصبهذين جميعهم أن ~~يزتوا بعساكرهم جميعها، فلما اجتمعوا جهز ثلاثين ألفا مع طوس وأمره بدخول ~~بلاد الترك، وأن لا يمر بقرية ولا مدينة لهم إلا قتل كل من فيها إلا مدينة ~~من مدنهم كان بها أخ له اسمه فيروزد بن سياوخش، كان أبوه قد تزوج أمه في ~~بعض مدائن الترك، فاجتاز طوس بها فجرى بينه وبين فيروزد حرب قتل فيها ~~فيروزد، فبلغ خبره كيخسرو فعظم عليه وكتب إلى عم له كان مع طوس يأمره ~~بالقبض على طوس وإرساله مقيدا والقيام بأمر الجيش، ففعل ذلك وسار بالعسكر ~~نحو أفراسياب، فسير أفراسياب العساكر إليه فاقتتلوا قتالا شديدا كثرت فيه ~~القتلى وانحازت الفرس الى رؤوس الجبال وعادوا الى كيخسرو، فوبخ عمه ولامه ~~واهتم بغزو الترك، فأمر بجمع العساكر جميعها وأن لا يتخلف أحد، فلما ~~اجتمعوا أعلمهم أنه يريد قصد بلاد الترك من أربعة وجوه، فسير جودرز في أعظم ~~العساكر وزمره بالخدول الى بلاد الترك مما يلي بلخ وأعطاه درفش كابيان، وهو ~~العلم الزكبر الذي لهم، وكانوا لا يرسلونه إلا مع بعض أولاد الملوك لزمر ~~عظيم، وسير عسكرا آخر من ناحية الصين، وسير عسكرا آخر مما يلي الخزر، ~~وعسكرا آخر بين هذين العسكرين، فدخلت العساكر بلاد الترك من كل جهاتها ~~وأخربتها، لا سيما جودرز، فإنه قتل وأخرب وسبى، وتبعه كيخسرو بنفسه في ~~طريقه، فوصل إليه وقد قتل جماعة كثيرة من زهل أفراسياب وأثخن فيهم، ورآه قد ~~قتل خمسمائة ألف ونيفا وستين ألفا وأسر ثلاثين ألفا وغنم ما لا يعد ولا ~~يحصى، وعرض عليه من قتل من أهل أفراسياب طراحنته، فعظم جودرز عنده وشكره ms0158 ~~وأقطعه أصبهان وجرجان، ووردت عليه الكتب من عساكره الداخلة من تلك الوجوه ~~الى الترك بما قتلوا وغنموا وأخربوا وأنهم هزموا لأفراسياب عسكرا بعد عسكر، ~~فكتب إليهم أن يجدوا في محاربتهم ويوافوه بموضع سماه لهم. PageV01P0081 # فلما بلغ أفراسياب قتل من قتل من طراخنته وأهله وعساكره عظم ذلك عليه ~~فسقط في يديه ولم يكن بقي عنده من أولاده غير ولده شيده، فوجهه في جيش نحو ~~كيخسرو، فسار إليه واقتتلوا قتالا شديدا أربعة أيام، ثم انهزمت الترك ~~وتبعهم الفرس يقتلونهم ويأسرون، وأدركوا ابن أفراسياب فقتلوه، وسمع ~~أفراسياب بالحادثة وقتل ابنه فأقبل فيمن عنده من العساكر فلقي كيخسرو ~~فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع بمثله، واشتد الأمر، فانهزم أفراسياب وكثر ~~القتل في الترك فقتل منهم مائة ألف، وجد كيخسرو في طلب أفراسياب، ولم يزل ~~يهرب من بلد الى بلد حتى بلغ أذربيجان فاستتر، وظفر به وأتى به إلى كيخسرو، ~~فلما حضر عنده سأله عن غدره بأبيه، فلم يكن له حجة ولا عذر، فأمر بقتله، ~~فذبح كما ذبح سياوخش، ثم انصرف من أذربيجان مظفرا منصورا فرحا. فلما قتل ~~أفراسياب ملك الترك بعده أخوه كي سواسف، فلما توفي ملك بعده ابنه جرازسف، ~~وكان جبارا عاتيا. فلما فرغ كيخسرو من الأخذ بثأر أبيه واستقر في ملكه زهد ~~في الدنيا وترك الملك وتنسك، واجتهد أهله وأصحابه به ليلازم الملك فلم ~~يفعل، فقالوا له: فاعهد إلى من يقوم بالملك بعدك، فعهد إلى لهراسب، وفارقهم ~~كيخسرو وغاب عنهم، فلا يدري ما كان منه ولا أين مات، وبعض يقول غير ذلك. ~~وكان ملكه ستين سنة، وملك بعده لهراسب. ### || AUT ذكر أمر بني إسرائيل بعد سليمان # قيل: ثم ملك بعد سليمان على بني اسرائيل ابنه رحبعم بن سليمان، وكان ~~ملكه سبع عشرة سنة، ثم افترقت ممالك بني اسرائيل بعد رحبعم، فملك أبيا بن ~~رحبعم سبط يهوذا وبنيامين دون سائر الأسباط، وذلك أن سائر الأسباط ملكوا ~~عليهم يوربعم بن بايعا عبد سليمان بسبب القربان الذي كانت جرادة زوجة ~~سليمان فيما زعموا قربته في دره ms0159 للصنم، فتوعده الله تعالي أن ينزع بعض ~~الملك عن ولده، فكان ملك أبيا بن رحبعم ثلاث سنين، ثم ملك أسا بن أبيا أمر ~~السبطين اللذين كان أبوه يملكهما إحدى وأربعين سنة؛ وكان رجلا صالحا، وكان أعرج. ### || AUT ذكر محاربة آسا بن أفيا ورزح الهندي # قيل: كان أسا بن أبيا رجلا صالحا، وكان أبوه قد عبد الأصنام ودعا الناس ~~الى عبادتها، فلما ملك ابنه أسا أمر مناديا فنادى: ألا إن الكفر قد مات ~~وأهله وعاش الإيمان وأهله، فليس كافر في بني اسرائيل يطلع رأسه بكفر إلا ~~قتلته، فإن الطوفان لم يغرق الدنيا وأهلها ولم يخسف بالقرى ولم تطمر ~~الحجارة والنار من السماء إلى الأرض إلا بترك طاعة الله والعمل بمعصيته ~~وشدد في ذلك. فأتى بعضهم ممن كان يعبد الأصنام ويعمل بالمعاصي إلى أم أسا ~~الملك، وكانت تعبد الأصنام، فشكوا إليها، فجاءت إليه ونهته عما كان يفعله ~~وبالغت في زجره، فلم يصغ الى قولها بل تهددها على عبادة الأصنام وأظهر ~~البراءة منها، فحينئذ أيس الناس منه وانتزح من كان يخافه وساروا إلى الهند. ~~وكان بالهند ملك يقال له رزح، وكان جبارا عاتيا عظيم السلطان قد أطاعه أكثر ~~البلاد، وكان يدعو الناس الى عبادته، فوصل اليه أولذك النفر من بني اسرائيل ~~وشكوا إليه ملكهم ووصفوا له البلاد وكثرتها وقلة عسكرها وضعف ملكها وأطمعوه ~~فيها. فأرسل الجواسيس فأتوه بأخبارها، فلما تيقن الخبر جمع العساكر وسار ~~الى الشام في البحر، وقال له بنو اسرائيل: إن لأسا صديقا ينصره ويعينه، ~~قال: فأين أسا وصديقه من كثرة عساكري وجنودي وبلغ خبره إلى أسا، فتضرع الى ~~الله تعالي وأظهر الضعف والعجز عن الهندي وسأل الله النصرة عليه، فاستجاب ~~الله له وأراه في المنام: إني سأظهر من قدرتي في رزح الهندي وعساكره ما ~~أكفيك شرهم وأغنمكم أموالهم حتى يعلم أعداؤك أن صديقك لا يطاق وليه ولا ~~ينهزم جنده. PageV01P0082 # ثم سار رزح حتى أرسى بالساحل، وسار الى بيت المقدس، فلما صار على مرحلتين ~~منه فرق عساكره، فامتلأت منهم تلك الأرض ms0160 وملئت قلوب بني إسرائيل رعبا، وبعث ~~أسا العيون فعادوا وأخبروه من كثرتهم بما لم يسمع بمثله، وسمع الخبر بنو ~~اسرائيل فصاحوا وبكوا وودع بعضهم بعضا وعزموا على أن يخرجوا الى رزح ~~ويستسلموا إليه وينقادوا له، فقال لهم ملكهم: إن ربي قد وعدني بالظفر ولا ~~خلف لوعده، فعاودوا الدعاء والتضرع، ففعلوا ودعوا جميعهم وتضرعوا، فزعموا ~~أن الله أوحى إليه: يا أسا إن الحبيب لا يسلم حبيبه، وأنا الذي أكفيك عدوك ~~فإنه لا يهون من توكل علي، ولا يضعف من تقوى بي، وقد كنت تذكرني في الرخاء ~~فلا أسلمك في الشدة، وسأرسل بعض الزبانية يقتلون أعدائي، فاستبشر وأخبر بني ~~اسرائيل، فأما المؤمنون فاستبشروا وأما المنافقون فكذبوه. وزمره الله ~~بالخروج إلى رزح في عساكره، فخرج في نفر يسير، فوقفوا على رابية من الأرض ~~ينظرون الى عساكره، فلما رآهم رزح احتقرهم واستصغرهم وقال: إنما خرجت من ~~بلادي وجمعت عساكري وأنفقت أموالي لهذه الطائفة ودعا النفر من بني اسرائيل ~~الذين قصدوه والجواسيس الذين أرسلهم ليختبروا له وقال: كذبتموني وأخبرتموني ~~بكثرة بني اسرائيل حتى جمعت العساكر وفرقت أموالي ثم أمر بهم فقتلوا، وأرسل ~~إلى أسا يقول له: أين صديقك الذي ينصرك ويخلصك من سطوتي؟ فأجابه أسا: يا ~~شقي إنك لا تعلم ما تقول أتريد أن تغالب الله بقوتك أم تكاثره بقلتك؟ وهو ~~معي في موقفي هذا، ولن يغلب أحد كان الله معه، وستعلم ما يحل بك فغضب رزح ~~من قوله وصف عساكره وخرج الى قتال أسا وأمر الرماة فرموهم بالسهام، وبعث ~~الله من الملائكة مددا لبني اسرائيل، فأخذوا السهام ورموا بها الهنود، ~~فقتلت كل إنسان منهم نشابته، فقتل جميع الرماة، فضج بنو اسرائيل بالتسبيح ~~والدعاء، وتراءت الملائكة للهنود، فلما رآهم رزح ألقي الله الرعب في قلبه ~~وسقط في يده ونادى في عساكره يأمرهم بالحملة عليهم، ففعلوا، فقتلتهم ~~الملائكة ولم يبق منهم غير رزح وعبيده ونسائه، فلما رأى ذلك ولى هاربا وهو ~~يقول: قتلني صديق أسا. فلما رآه أسا مدبرا قال: اللهم إنك إن لم تهلكه ~~استنفر ms0161 علينا نائبه، وبلغ رزح ومن معه الى البحر فركبوا السفن، فلما سارت ~~بهم أرسل الله عليهم الرياح فعرقتهم أجمعين. ثم ملك بعد أسا ابنه سافاط الى ~~أن هلك خمسا وعشرين سنة، ثم ملكت عزليا بنت عمرم أخت أخزيا، وكانت قتلت ~~أولاد ملوك بني اسرائيل ولم يبق منهم إلا يواش بن أخزيا، وهو ابن ابنها، ~~فإنه ستر عنها، ثم قتلها بواش وأصحابه، وكان ملكها سبع سنين؛ ثم ملك يواش ~~أربعين سنة، ثم قتله أصحابه، وهو الذي قتل جدته؛ ثم ملك عوزيا بن امصيا بن ~~يواش، ويقال له غوزيا، الى أن توفي اثنتين وخمسين سنة؛ ثم ملك يوثام بن ~~عوزيا الى أن توفي ست عشرة سنة؛ ثم ملك حزقيا بن أحاز الى أن توفي، فيقال: ~~إنه صاحب شعيا الذي أعلمه شعيا انقضاء عمره، فتضرع الى ربه فزاده، وأمر ~~شعيا بإعلامه ذلك، وقيل: إن صاحب شعيا في هذه القصة اسمه صدقيا، على ما يرد ذكره. ### || AUT ذكر شعيا والملك الذي معه من بني إسرائيل ومسير سنحاريب إلى بني إسرائيل # قيل: كان الله تعالى قد أوحى الى موسى ما ذكر في القرآن: (وقضينا الى ~~بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا، فإذا جاء ~~وعد أولادهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان ~~وعدا مفعولا، ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجلعناكم ~~أكثر نفيرا، إن أحسنتم أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها، فإذا جاء وعد ~~الآخرة ليسؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا ~~تتبيرا عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا). ~~PageV01P0083 # فكثر في بني اسرائي لالزحداث والذنوب، وكان الله يتجاوز عنهم متعطفا ~~عليهم، وكان من أول ما أنزل الله عليهم عقوبة لذنوبهم أن ملكا منهم يقال له ~~صدقية، وكانت عادتهم إذا ملك عليهم رجل بعث الله إليه نبيا يرشده ويوحي ~~إليه ما يريد، ولم يكن لهم غير شريعة التوراة، فلما ملك صدقية بعث الله ~~تعالى إليه شعيا، ms0162 وهو الذي بشر بعيسى وبمحمد، عليهما السلام، فلما قارب أن ~~ينقضي ملكه عظمت الأحداث في بني اسرائيل، فأرسل الله عليهم سنحاريب ملك ~~بابل في عساكر يغص بها الفضاء، فسار حتى نزل بيت المقدس وزحاط به وملك بني ~~اسرائيل مريض في ساقه قرحة، فأتاه النبي شعيا وقال له: إن الله يأمرك أن ~~توصي وتعهد فإنك ميت، فأقبل الملك على الدعاء والتضرع، فاستجاب الله له، ~~فأوحى الله إلى شعيا أنه قد زاد في عمر الملك صدقية خمس عشرة سنة وأنجاه من ~~عدوه سنحاريب، فلما قال له ذلك زال عنه الألم وجاءته الصحة. ثم إن الله ~~أرسل على عساكر سنحاريب ملكا صاح بهم فماتوا غير ستة نفر منهم: سنحاريب ~~وخمسة من كتابه، أحدهم بخت نصر في قول بعضهم، فخرج صدقية وبنو اسرائيل الى ~~معسكرهم فغنموا ما فيه والتمسوا سنحاريب فلم يجدوه، فأرسل الطلب في أثره ~~فوجدوه ومعه أصحابه، فأخذوهم وقيدوهم وحملوهم إليه فقال لسنحاريب: كيف رأيت ~~صنع ربنا بك؟ فقال: قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم فلم أسمع ذلك، فطاف بهم ~~حول بيت المقدس ثم سجنهم. فأوحى الله إلى شعيا يأمر الملك بإطلاق سنحاريب ~~ومن معه، فأطلقهم، فعادوا الى بابل وأخبروا قومهم بما فعل الله بهم ~~وبعساكرهم، وبقي بعد ذلك سبع سنين ثم مات. وقد زعم بعض أهل الكتاب أن بني ~~اسرائيل سار إليهم قبل سنحاريب ملك من ملوك بابل يقال له كفرو، وكان بخت ~~نصر ابن عمه وكاتبه، وأن الله أرسل عليهم ريحا فأهلكت جيشه وأفلت هو ~~وكاتبه، وأن هذا البابلي قتله ابن له، وأن بخت نصر غضب لصاحبه فقتل ابنه ~~الذي قتله، وأن سنحاريب سار بعد ذلك وكان ملكه بنينوي وغزا مع ملك أذربيجان ~~يومئذ بني اسرائيل فأوقع بهم، ثم اختلف سنحاريب وملك أذربيجان وتحاربا حتى ~~تفانى عسكراهما، فخرج بنو اسرائيل وغنموا ما معهم. وقيل: كان ملك سنحاريب ~~الى أن توفي تسعا وعشرين سنة، وكان ملك بني اسرائيل الذي حصره سنحاريب ~~حزقيا، فلما توفي حزقيا ملك بعده ابنه منشى خسما وخمسين ms0163 سنة، ثم ملك بعده ~~آمون الى أن قتله أصحابه ثنتي عشرة سنة، ثم ملك ابنه يوشيا الي أن قتله ~~فرعون مصر الزجدع إحدى وثلاثين سنة؛ ثم ملك بعده ابنه ياهو أحاز بن يوشيا، ~~فعزله فرعون الأجدع واستعمل بعده يوياقيم بن ياهو أحاز ووظف عليه خراجا ~~يحمله إليه، وكان ملكه اثنتي عشرة سنة، ثم ملك بعده ابنه يوياحين، فغزاه ~~بخت نصر وأشخصه الى بابل بعد ثلاثة أشهر من ملكه، وملك بعده يقونيا ابن ~~عمه، وسماه صدقية، وخالفه فغزاه وظفر به وحمله الى بابل وذبح ولده بين يديه ~~وسمل عينيه وخرب بيت المقدس والهيكل وسبى بني اسرائيل وحملهم الى بابل، ~~فمكثوا الى أن عادوا إليه، على ما نذكره إن شاء الله؛ وكان جميع ملك صدقية ~~إحدى عشرة سنة. وقيل: إن شعيا أوحى الله إليه ليقوم في بني اسرائيل يذكرهم ~~بما يوحي الله على لسانه لما كثرت فيهم الأحداث، ففعل، فعدوا عليه ليقتلوه، ~~فهرب منهم، فلقيته شجرة فانفلقت له، فدخلها، وأخذ الشيطان بهدب ثوبه وأراه ~~بني اسرائيل، فوضعوا المنشار على الشجرة فنشروها حتي قطعوه في وسطها. وقيل ~~في أسماء ملوكهم غير ذلك، ركناه كراهة التطويل ولعدم الثقة بصحة النقل به. ### || AUT ذكر ملك لهراسب وابنه بشتاسب وظهور زرادشت # قد ذكرنا أن كيخسرو لما حضرته الوفاة عهد الى ابن عمه لهراسب بن كيوخى ~~بن كيكاووس، فهو ابن ابن كيكاووس، فلما ملك اتخذ سريرا من ذهب وكلله بأنواع ~~الجواهر وبنيت له بزرض خراسان مدينة بلخ وسماها الحسناء، ودون الدواوين، ~~وقوى ملكه بانتخابه الجنود، وعمر الأرض، وجبى الخراج لأرزاق الجند. واشتدت ~~شوكة الترك في زمانه فنزل بلخ لقتالهم، وكان محمودا عند زهل مملكته شديد ~~القمع لزعدائه المجاورين له، شديد التفقد لأصحابه، وبعيد الهمة، عظيم ~~البنيان، وشق عدة أنهار، وعمر البلاد، وحمل إليه ملوك الهند الروم والمغرب ~~الخراج، وكاتبوه بالتمليك هيبة له وحذرا منه. PageV01P0084 # ثم إنه تنسك وفارق الملك واشتغل بالعبادة واستخلف ابنه بشتاسب في الملك، ~~وكان ملكه مائة وعشرين سنة، وملك بعده ابنه بشتاسب، وفي أيامه ms0164 ظهر زرادشت ~~بن سقيمان الذي ادعى النبوة وتبعه المجوس، وكان زرادشت فيما يزعم أهل ~~الكتاب من أهل فلسطين يخدم لبعض تلامذة إرميا النبي خاصا به، فخانه وكذب ~~عليه، وفدعا الله عليه فبرص ولحق ببلاد أذربيجان وشرع بها دين المجوس. ~~وقيل: إنه من العجم، وصنف كتابا وطاف به الأرض، فما عرف أحد معناه، وزعم ~~أنها لغة سماوية خوطب بها، وسماه: اشتا، فسار من أذربيجان إلى فارس، فلم ~~يعرفوا ما فيه ولم يقبلوه، فسار الى الهند وعرضه على ملوكهم، ثم أتى الصين ~~والترك فلم يقبله أحد وأخرجوه من بلادهم، وقصد فرغانة، فأراد ملكها أن ~~يقتله فهرب منها وقصد بشتاسب بن لهراسب، فأمر بحبسه، فحبس مدة، وشرح زرادشت ~~كتابه وسماه: زند، ومعناه: التفسير، ثم شرح الزند بكتاب سماه: بازند، يعني: ~~تفسير التفسير، وفيه علوم مختلفة كالرياضات وأحكام النجوم والطب وغير ذلك ~~من أخبار القرون الماضية وكتب الأنبياء، وفي كتابه: تمسكوا بما جئتكم به ~~الى أن يجيئكم صاحب الجمل الأحمر، يعني محمدا، صلى الله عليه وسلم، وذلك ~~على رأس ألف سنة وست مائة سنة، وبسبب ذلك وقعت البغضاء بين المجوس والعرب، ~~ثم يذكر عند أخبار سابور ذي الأكتاف أن من جملة الأسباب الموجبة لغزوة ~~العرب هذا القول؛ والله أعلم. ثم إن بشتاسب زحضر زرادشت، وهو ببلخ، فلما ~~قدم عليه شرع له دينه، فأعجبه واتبعه وقهر الناس على اتباعه وقتل منهم خلقا ~~كثيرا حتى قبلوه ودانوا به. وأما المجوس فيزعمون أن أصله من أذربيجان، وأنه ~~نزل على الملك من سقف إيوانه وبيده كبة من نار يلعب بها ولا تحرقه، وكل من ~~أخذها من يده لم تحرقه، وأنه اتبعه الملك ودان بدينه وبنى بيوت النيران في ~~البلاد وأشعل من تلك النار في بيوت النيران، فيزعمون أن النيران التي في ~~بيوت عباداتهم من تلك إلى الآن. وكذبوا فإن النار التي للمجوس طفئت في جميع ~~البيوت لما بعث الله محمدا، صلى الله عليه وسلم، على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى. وكان هظور زرادشت بعد مضي ثلاثين سنة ms0165 من ملك بشتاسب، وأتاه بكتاب ~~زعم أنه وحي من الله تعالى، وكتب في جلد اثني عشر ألف بقرة حفرا ونقشا ~~بالذهب، فجعله بشتاسب في موضع بإصطخر ومنع من تعليمه العامة. وكان بشتاسب ~~وآباؤه قبله يدينون بدين الصابئة، وسيرد باقي أخباره. ### | AUT ذكر مسير بختنصر إلى بني إسرائيل # قد اختلف العلماء في الوقت الذي أرسل فيه بخت نصر على بني اسرائيل، ~~فقيل: كان في عهد إرميا النبي ودانيال وحنانيا وعزاريا وميشائيل، وقيل: ~~إنما أرسله الله على بني اسرائيل لما قتلوا يحيى بن زكرياء، والأول أكثر. ~~وكان ابتداء أمر بخت نصر ما ذكره سعيد بن جبير قال: كان رجل من بني اسرائيل ~~يقرأ الكتب، فلما بلغ الى قوله تعالى: (بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس ~~شديد) الاسراء:5، قال: أي رب أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني اسرائيل ~~على يده، فزري في المنام مسكينا يقال له بخت نصر ببابل، فسار على سبيل ~~التجارة الى بابل وجعل يدعو المساكين ويسأل عنهم حتى دلوه على بخت نصر، ~~فأرسل من يحضره، قرآه صعلوكا مريضا، فقام عليه في مرضه يعالجه حتى برأ، ~~فلما برأ أعطاه نفقة وعزم على السفر، فقال له بخت نصر وهو يبكي: فعلت معي ~~ما فعلت ولا أقدر على مجازاتك قال الإسرائيلي: بلى تقدر عليه، تكتب لي ~~كتابا إن ملكت أطلقتني، فقال: أتستهزئ بي؟ فقال: إنما هذا أمر لا محالة ~~كائن. PageV01P0085 # ثم إن ملك الفرس أحب أن يطلع على أحوال الشام، فأرسل إنسانا يثق به ~~ليتعرف له أخباره وحال من فيه، فسار إليه ومعه بخت نصر فقير لم يخرج إلا ~~للخدمة، فلما قدم الشام رأى أكبر بلاد الله خيلا ورجالا وسلاحا، ففت ذلك في ~~ذرعه، فلم يسأل عن شيء، وجعل بخت نصر يجلس مجالس أهل الشام فيقول لهم: ما ~~يمنعكم أن تغزوا بابل، فلو غزوتموها ما دون بيت ما لها شيء فكلهم يقول له: ~~لا نحسن القتال ولا نراه، فلما عادوا أخبر الطليعة بما رأوا من الرجال ~~والسلاح والخيل، وأرسل بخت نصر الى ms0166 الملك يطلب إليه أن يحضره ليعرفه جلية ~~الحال، فأحضره، فأخبره بما كان جميعه، ثم إن الملك أراد أن يبعث عسكرا إلى ~~الشام أربعة آلاف راكب جريدة، واستشار فيمن يكون عليهم، فأشاروا ببعض ~~أصحابه، فقال: لا بل بخت نصر، فجعله عليهم، فساروا فغنموا وأوقعوا ببعض ~~البلاد وعادوا سالمين. ثم إن لهراسب استعلمه أصبهبذ على ما بين الأهواز إلى ~~أرض الروم من غربي دجلة؛ وكان السبب في مسيره إلى بني اسرائيل أنه لما ~~استعمله لهراسب كما ذكرنا سار الى الشام فصالحه أهل دمشق وبيت المقدس، فعاد ~~عنهم وأخذ رهائنهم، فلما عاد من القدس الى طبرية وثب بنو اسرائيل على ملكهم ~~الذي صالح بخت نصر فقتلوه وقالوا: داهنت أهل بابل وخذلتنا، فلما سمع بخت ~~نصر بذلك قتل الرهائن الذين معه وعاد الى القدس فأخبره. وقيل: إن الذي ~~استعمله إنما كان الملك بهمن بن بشتاسب بن لهراسب، وكان بخت نصر قد خدم جده ~~وأباه وخدمه وعمر عمرا طويلا، فأرسل بهمن رسلا الى ملك بني اسرائيل ببيت ~~المقدس فقتلهم الإسرائيلي، فغضب بهمن من ذلك واستعمل بخت نصر على أقاليم ~~بابل وسيره في الجنود الكثيرة، فعمل بهم ما نذكره. هذه الأسباب الظاهرة ~~وإنما السبب الكلي الذي أحدث هذه الأسباب الموجبة للانتقام من بني اسرائيل ~~هو معصية الله تعالى ومخالفة أواره، وكانت سنة الله تعالى في بني اسرائيل ~~أنه إذا ملك عليهم ملكا أرسل معه نبيا يرشده ويهديه الى أحكام التوراة، ~~فلما كان قبل مسير بخت نصر إليهم كثرت فيهم الأحداث والمعاصي، وكان الملك ~~فيهم يقونيا بن يوياقيم، فبعث الله إليه إرميا، قيل: هو الخضر، عليه ~~السلام، فأقام فيهم يعدوهم الى الله وينهاهم عن المعاصي ويذكر لهم نعمة ~~الله عليهم بإهلاك سنحاريب، فلم يرعووا، فأمره الله أن يحذرهم عقوبته وأنه ~~إن لم يراجعوا الطاعة سلط عليهم من يقتلهم ويسبي ذراريهم ويخرب مدينتهم ~~ويستعبدهم ويأتيهم بجنود ينزع من قلوبهم الرأفة والرحمة، فلم يراجعوها ~~فأرسل الله إليه: لأقيضن لهم فتنة تذر الحليم حيران ويضل فيها رأي ذي الرأي ~~وحكمة ms0167 الحكيم، ولأسلطن عليهم جبارا قاسيا عاتيا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره ~~الرحمة، يتبعه عدد مثل سواد الليل، وعساكر مثل قطع السحاب، يهلك بني ~~اسرائيل وينتقم منهم ويخرب بيت المقدس. فلما سمع إرميا ذلك صاح وبكى وشق ~~ثيابه، وجعل الرماد على رأسه وتضرع إلى الله في رفع ذلك عنهم في أيامه. ~~فأوحى الله إليه: وعزتي لا أهلك بيت المقدس وبني اسرائيل حتى يكون الأمر من ~~قبلك في ذلك، ففرح إرميا، وقال: لا والذي بعث موسى وأنبياءه بالحق لا آمر ~~بهلاك بني اسرائيل أبدا. وأتى ملك بني اسرائيل فأعلمه بما أوحي إليه، ~~فاستبشر وفرح، ثم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين ولم يزدادوا إلا معصية ~~وتماديا في الشر، وذلك حين اقترب هلاكهم، فقل الوحي حيث لم يكونوا هم ~~يتذكرون، فقال لهم ملكهم: يا بني اسرائيل انتهوا عما أنتم عليه قبل أن ~~يأتيكم عذاب الله فلم ينتهوا، فألقى الله في قلب بخت نصر أن يسير الى بني ~~اسرائيل ببيت المقدس، فسار في العساكر الكثيرة التي تملأ الفضاء. وبلغ ملك ~~بني اسرائيل الخبر، فاستدعى إرميا النبي، فلما حضر عنده قال له: يا إرميا ~~أين ما زعمت أن ربك أوحي إليك أن لا يهلك بيت المقدس حتى يكون الأمر منك؟ ~~فقال إرميا: إن ربي لا يخلف الميعاد وأنا به واثق. PageV01P0086 # فلما قرب الأجل ودنا انقطاع ملكهم وأراد الله إهلاكهم أرسل الله ملكا في ~~صورة آدمي إلى إرميا وقال له: استفته، فأتاه وقال له: يا إرميا أنا رجل من ~~بني اسرائيل أستفتيك في ذوي رحمي، وصلت أرحامهم بما أمرني الله به وأتيت ~~إليهم حسنا وكرامة فلا تزيدهم كرامتي إياهم إلا سخطا لي وسوء سيرة معي ~~فأفتني فيهم، فقال له: أحسن فيما بينك وبين الله وصل ما أمرك الله به أن ~~تصله، فانصرف عنه الملك ثم عاد إليه بعد أيام ف يتلك الصورة، فقال له ~~إرميا: أما طهرت أخلاقهم وما رأيت منهم ما تريد؟ فقال: والذي بعثك بالحق ما ~~أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس الى ذوي ms0168 رحمه إلا وقد زتيتها إليهم وأفضل ~~من ذلك فلم يزدادوا إلا سوء سيرة، فقال: ارجع الى أهلك وأحسن إليهم، فقام ~~الملك من عنده فلبث أياما، ونزل بخت نصر على بيت المقدس بأكثر من الجراد، ~~ففزع منهم بنو إسرائيل وقال ملكهم لإرميا: أين ما وعدك ربك؟ فقال: إني بربي ~~واثق. ثم إن الملك الذي أرسله الله يستفتي إرميا عاد إليه وهو قاعد على ~~جدار بيت المقدس فقال مثل قوله الأول وشكا أهله وجورهم وقال له: يا نبي ~~الله كل شيء كنت أصبر عليه قبل اليوم لأن ذلك كان فيه سخطي، وقد رأيتهم ~~اليوم على عمل عظيم من سخط الله تعالى، فلو كانوا على ما كانوا عليه اليوم ~~لم يشتد عليهم غضبي، وإنما غضبت اليوم لله وأتيتك لأخبرك خبرهم، وإني أسألك ~~بالله الذي بعثك بالحق إلا ما دعوت الله عليهم أن يهلكوا، فقال إرميا: يا ~~ملك السموات والأرض إن انوا على حق وصواب فأبقهم، وإن كانوا على سخطك وعمل ~~لا ترضاه فأهلكهم، فلما خرجت الكلمة من فيه أرسل الله صاعقة من السماء في ~~بيت المقدس والتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها. فلما رأى ذلك ~~إرميا صاح وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه وقال: يا ملك السموات والأرض، يا ~~أرحم الراحمين أين ميعادك، أيا رب، الذي وعدتني به؟ فأوحى الله إليه أنه لم ~~يصبهم ما أصابهم إلا بفتياك التي أفتيت رسولنا، فاستيقن أنها فتياه وأن ~~السائل كان من عند الله، وخرج إرميا حتى خالط الوحش، ودخل بخت نصر وجنوده ~~بيت المقدس، فوطئ الشام وقتل بني اسرائيل حتى أفناهم، وخرب بيت المقدس وأمر ~~جنوده، فحملوا التراب وألقوه فيه حتى ملأوه ثم انصرف راجعا الى بابل وأخذ ~~معه سبايا بني اسرائيل، وأمرهم، فجمعوا من كان في بيت المقدس كلهم، ~~فاجتمعوا واختار منهم مائة ألف صبي فقسمهم على الملوك والقواد الذين كانوا ~~معه، وكان من أولئك الغلمان دانيال النبي وحنانيا وعزاريا وميشائيل، وقسم ~~بني اسرائيل ثلاث فرق، فقتل ثلثا، وأقر بالشام ثلثا، وسبى ثلثا، ms0169 ثم عمر ~~الله بعد ذلك إرميا، فه الذي رئي بفلوات الأرض والبلدان. ثم إن بخت نصر عاد ~~الى بابل وأقام في سلطانه ما شاء الله أن يقيم، ثم رأى رؤيا، فبينما هو قد ~~أعبجه ما رأى، فدعا دانيال وحنانيا وعزاريا وميشائيل وقال: أخبروني عن رؤيا ~~رأيتها فأنسيتها، ولذن لم تخبروني بها وبتأويلها لأنزعن أكتافكم فخرجوا من ~~عنده ودعوا الله وتضرعوا إليه وسألوه أن يعلمهم إياها، فأعلمهم الذي سألهم ~~عنه، فجاءوا الى بخت نصر فقالوا: رأيت تمثالا، قال: صدقتم، قالوا: قدماه ~~وساقاه من فخار وركبتاه وفخذاه من نحاس وبطنه من فضة وصدره من ذهب ورأسه ~~وعنقه من حديد، فبينما أنت تنظر إليه قد أعجبك أرسل الله عليه صخرة من ~~السماء فدقته، وهي التي أنستك الرؤيا قال: صدقتم، فما تأويلها؟ قالوا: أريت ~~ملك الملوك، وبعضهم كان ألين ملكا من بعض، وبعضهم كان أحسن ملكا من بعض، ~~وبعضهم أشد، وكان أول الملك الفخار، وهو أضعفه وألينه، ثم كان فوقه النحاس، ~~وهو أفضل منه وأشد، ثم كان فوق النحاس الفضة، وهي أفضل من ذلك وأحسن، ثم ~~كان فوقها الذهب، وهو أحسن من الفضة وأفضل، ثم كان الحديد، وهو ملكك، فهو ~~أشد الملوك وأعز، وكانت الصخرة التي رأيت قد أرسل الله من السماء فدقت ذلك ~~جميعه نبيا يبعثه الله من السماء ويصير الأمر إليه. PageV01P0087 # فلما عبر دانيال ومن معه رؤيا بخت نصر قربهم وأدناهم واستشارهم في أمره، ~~فحسدهم أصحابه وسعوا بهم إليه وقالوا عنهم ما أوحشه منهم، فأمر، فحفر لهم ~~أخدود وألقاهم فيه، وهم ستة رجال، وألقى معهم سبعا ضاريا ليأكلهم، ثم قال ~~أصحاب بخت نصر: انطلقوا فلنأكل ولنشرب، فذهبوا فأكلوا وشربوا، ثم راحوا ~~فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه بينهم لم يخدش منهم أحدا، ووجدوا معهم ~~رجلا سابعا، فخرج إليهم السابع، وكان ملكا من الملائكة، فلطم بخت نصر لطمة ~~فمسخه وصار في الوحش في صورة أسد، وهو مع ذلك يعقل ما يعقله الإنسان، ثم ~~رده الله الى صورة الإنس وأعاد عليه ملكه، فلما عاد الي ms0170 ملكه كان دانيال ~~وأصحابه أكرم الناس عليه، فعاد الفرس وسعوا بهم الى بخت نصر وقالوا له في ~~سعايتهم: إن دانيال إذا شرب الخمر لا يملك نفسه من كثرة البول، وكان ذلك ~~عندهم عارا؛ فصنع لهم بخت نصر طعاما وأحضره عنده وقال للبواب: انظر أول من ~~يخرج ليبول فاقتله، وإن قال لك: أنا بخت نصر، فقل له: كذبت، بخت نصر أمرني ~~بقتلك واقتله. فحبس الله عن دانيال البول، وكان أول من قام من الجمع بخت ~~نصر فقام مدلا أنه الملك، وكان ذلك ليلا، فلما رآه البواب شد عليه ليقتله، ~~فقال له: أنا بخت نصر فقال: كذبت، بخت نصر أمرني بقتلك، وقتله. وقيل في سبب ~~قتله: إن الله أرسل عليه بعوضة فدخلت في منخره وصعدت الى رأسه، فكان لا يقر ~~ولا يسكن حتى يدق رأسه، فلما حصره الموت قال لأهله: شقوا رأسي فانظروا ما ~~هذا الذي قتلني، فلما مات شقوا رأسه فوجدوا البعوضة بزم رأسه، ليرى الله ~~العباد قدرته وسلطانه وضعف بخت نصر، لما تجبر قتله بأضعف مخلوقاته، تبارك ~~الذي بيده ملكوت كل شيء، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. وأما دانيال فإنه ~~أقام بأرض بابل وانتقل عنها ومات ودفن بالسوس من أعمال خوزستان. ولما أراد ~~الله تعالى أن يرد بني اسرائيل الى بيت المقدس كان بخت نصر قد مات، فإنه ~~عاش بعد تخريب بيت المقدس أربعين سنة، في قول بعض أهل العلم، وملك بعده ابن ~~له يقال له أولمردج، فملك الناحية ثلاثا وعشرين سنة، ثم هلك وملك ابن له ~~بلتاصر سنة، فلما ملك تخلط في أمره، فعزله ملك الفرس حينئذ؛ وهو مختلف فيه ~~علي ما ذكرناه؛ واستعمل بعده داريوش على بابل الشام، وبقي ثلاثين سنة، ثم ~~عزله واستعمل مكانه أخشويرش، فبقي أربع عشرة سنة، ثم ملك ابنه كيرش العلمي، ~~وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وكان قد تعلم التوراة ودان باليهودية، وفهم ~~عندانيال ومن معه مثل حنانيا وعزاريا وغيرهما، فسألوه أن يأذن لهم في ~~الخروج الى بيت المقدس، فقال: لو كان بقي ms0171 منكم منكم ألف نبي ما فارقتكم، ~~وولى دانيال القضاء وجعل إليه جميع أمره، وأره أن يقسم ما غنمه بخت نصر من ~~بني اسرائيل عليهم، وأمره بعمارة بيت المقدس، فعمر في أيامه، وعاد إليه بنو ~~اسرائيل. وهذه المدة لهؤلاء الملوك معدودة من خراب بيت المقدس منسوبة الى ~~بخت نصر، وكان ملك كيرش اثنتين وعشرين سنة. وقيل: إن الذي أمر بعود بني ~~اسرائيل الى الشام بشتاسب بن لهراسب، وكان قد بلغه خراب بلاد الشام، وزنها ~~لم يبق بها من بني اسرائيل أحد، فنادى في أرض بابل: من شاء من بني اسرائيل ~~أن يرجع الى الشام فليرجع، وملك عليهم رجلا من ال داود وأمره أن يعمر بيت ~~المقدس، فرجعوا وعمروه. PageV01P0088 # وكان إرميا بن خلقيا من سبط هارون بن عمران، فلما وطئ بخت نصر الشام وخرب ~~بيت المقدس وقتل بني اسرائيل وسباهم، فارق البلاد واختلط بالوحش، فلما عاد ~~بخت نصر الى بابل أقبل إرميا على حمار له معه عصير عنب وفي يده سلة تين ~~فرأى بيت المقدس خرابا فقال: (أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله ~~مائة عام) البقرة: 259 ثم أمات حماره وأعمى عنه العيون، فلما انعمر بيت ~~المقدس أحيا الله من إرميا عينيه، ثم أحيا جسده، وهو ينظر إليه، وقيل له: ~~(كم لبثت؟ قال: لبثت يوما أو بعض يوم)، قيل: (بل لبثت مائة عام، فانظر الى ~~طعامك وشرابك لم يتسنه - يتغير - وانظر الى حمارك) فنظر الى عظام حماره وهي ~~تجتمع بعضها الى بعض، ثم كسي لحما، ثم قام حيا بإذن الله، ونظر الى المدينة ~~وهي تبنى، وقد كثر فيها بنو إرسرائيل وتراجعوا إليها من البلاد، وكان عهدها ~~خرابا، وأهلها ما بين قتيل وأسير، فلما رآها عامرة (قال: أعلم أن الله على ~~كل شيء قدير) البقرة: 259. وقيل: إن الذي أماته الله مائة عام ثم أحياه كان ~~عزيزا، فلما عاش قصد منزله من بيت المقدس على وهم منه فرأى عنده عجوزا ~~عمياء زمنه كانت جارية له، ولها من العمر مائة وعشرون سنة، فقال ms0172 لها: هذا ~~منزل عزيز؟ قالت: نعم، وبكت وقالت: ما أرى أحدا يذكر عزيزا غيرك فقال: أنا ~~عزيز، فقالت: إن عزيزا كان مجاب الدعوة، فادع الله لي بالعافية، فدعا لها ~~فعاد بصرها وقامت ومشت، فلما رأته عرفته، وكان لعزيز ولد وله من العمر مائة ~~وثلاث عشرة سنة، وله أولاد شيوخ، فذهبت إليهم الجارية وأخبرتهم به، فجاؤوا، ~~فلما رأوه عرفه ابنه بشامة كانت في ظهره. وقيل: إن عزيزا كان مع بني ~~اسرائيل بالعراق، فعاد الى بيت المقدس فجدد لبني اسرائيل التوراة لأنهم ~~عادوا الى بيت المقدس، ولم يكن معهم التوراة لأنها كانت قد أخذت فيما أخذ ~~وأحرقت وعدمت، وكان عزيز قد أخذ مع السبي، فلما عاد عزيز الى بيت المقدس مع ~~بني اسرائيل جعل يبكي ليلا ونهارا وانفرد عن الناس، فبينما هو كلذكل في ~~حزنه إذ أقبل إليه رجل، وهو جالس، فقال: يا عزيز ما يبكيك؟ فقال: أبكي لأن ~~كتاب الله وعهده كان بين أظهرنا فعدم، قال: فتريد أن يرده الله عليكم؟ قال: ~~نعم، قال: فارجع وصم وتطهر والميعاد بيننا غدا هذا المكان، ففعل عزيز ذلك ~~وأتي المكان فانتظره، وأتاه ذلك الرجل بإناء فيه ماء، وكان ملكا بعثه الله ~~في صورة رجل، فسقاه من ذلك الإناء، فتمثلت التوراة في صدره، فرجع الى بني ~~اسرائيل فوضع لهم التوراة يعرفونها بحلالها وحرامها وحدودها، فزحبوه حبا ~~شديدا لم يحبوا شيئا قط مثله، وأصلح أمرهم، وأقام عزيز بينهم، ثم قبضه الله ~~إليه على ذلك، وحدثت فيهم الأحداث، حتى قال بعضهم: عزيز ابن الله ولم يزل ~~بنو اسرائيل ببيت المقدس، وعادوا وكثروا حتى غلبت عليهم الروم زمن ملوك ~~الطوائف، فلم يكن لهم بعد ذلك جماعة. وقد اختلف العلماء في أمر بخت نصر ~~وعمارة بيت المقدس اختلافا كثيرا تركنا ذكره اختصارا. ### || AUT ذكر غزو بختنصر العرب # قيل: أوحى الله إلى برخيا بن حنيا يأمره أن يقول لبخت نصر ليغزو العرب ~~فيقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم ويستبيح أموالهم عقوبة لهم على كفرهم، فقال ~~برخيا لبخت نصر ما أمر به، فابتدأ ms0173 بمن في بلاده من تجار العرب فأخذهم وبنى ~~لهم حران بالنجف وحبسهم فيه ووكل بهم، وانتشر الخبر في العرب، فخرجت إليه ~~طوائف منهم مستأمنين، فقبلهم وعفا عنهم فأنزلهم السواد، فابتنوا الزنبار، ~~وخلى عن أهل الحيرة فاتخذوها منزلا حياة بخت نصر. PageV01P0089 # فلما مات انضموا الى أهل الأنبار، وهذا أول سكنى العرب السواد بالحيرة ~~والأنبار، وسار الى العرب بنجد والحجاز، فأوحى الله إلى برخيا وإرميا ~~يأمرهما أن يسير الى معد بن عدنان فيأخذاه ويحملاه الى حران، وأعلمهما أنه ~~يخرج من نسله محمد، صلى الله عليه وسلم، الذي يختم به الأنبياء؛ فسارا تطوى ~~لهما المنازل والأرض حتى سبقا بخت نصر الى معد، فحملاه الى حران في ~~ساعتهما، ولمعد حينئذ اثنتا عشرة سنة، وسار بخت نصر فلقي جموع العرب ~~فقاتلهم فهزمهم وأكثر القتل فيهم، وسار الى الحجاز فجمع عدنان العرب والتقى ~~هو وبخت نصر بذات عرق قاتتلوا قتالا شديدا، فانهزم عدنان وتبعه بخت نصر الى ~~حصون هناك، واجتمع عليه العرب وخندق كل واحد من الفريقين على نفسه وأصحابه، ~~فكمن بخت نصر كمينا، وهو أول كمين عمل، وأخذتهم السيوف، فنادوا بالويل، ~~ونهي عدنان عن بخت نصر، وبخت نصر عن عدنان، فافترقا، فلما رجع بخت نصر خرج ~~معد بن عدنان مع الأنبياء حتى أتى مكة فأقام أعلامها وحج وحج معه الأنبياء، ~~وخرج معد حتى أتى ريشوب وسأل عمن بقي منولد الحرث بن مضاض الجرهمي، فقيل ~~له: بقي جوشم بن جلهمة، فتزوج معد ابنته معانة، فولدت له نزار بن معد. ### || AUT ذكر بشتاسب والحوادث في ملكه وقتل أبيه لهراسب # لما ملك بشتاسب بن لهراسب ضبط الملك وقرر قوانينه وابتنى بفارس مدينة ~~فسا ورتب سبعة من عظماء أهل مملكته مراتب وملك كل واحد منهم مملكة على قدر ~~مرتبته، ثم إنه أرسل إلى ملك الترك، واسمه خرزاسف، وهو أخو أفراسياب، ~~وصالحه، واستقر الصلح على أن يكون لبشتاسب دابة واقفة على باب ملك الترك لا ~~تزال علي عادتها على أبواب الملوك، فلما جاء زرادشت الى بشتاسب واتبعه على ~~ما ذكرناه ms0174 أشار زرادشت على بشتاسب بنقض الصلح مع ملك الترك، وقال: أنا أعين ~~لك طالعا تسير فيه الى الحرب فتظفر؛ وهذا أول وقت وضعت فيه الاختيارات ~~للملوك بالنجوم؛ وكان زرادشت عالما بالنجوم جيد المعرفة بها، فأجابه بشتاسب ~~الى ذلك، فأرسل الى الدابة التي بباب ملك الترك والى الموكل بها فصرفهما، ~~فغضب ملك الترك وأرسل اليه يتهدده وينكر عليه ذلك ويأمره بإنفاذ زرادشت ~~إليه وإن لم يفعل غزاه وقتله وأهل بيته. فكتب إليه بشتاسب كتابا غليظا ~~يؤذنه فيه بالحرب، وسار كل واحد منهما الى صاحبه والتقيا واقتتلا قتالا ~~شديدا، فكانت الهزيمة على الترك، وقتلوا قتلا ذريعا، ومروا منهزمين، وعاد ~~بشتاسب الى بلخ، وعظم أمر زرادشت عند الفرس، وعظم شأنه حيث كان هذا الظفر ~~بقوله. وكان أعظم الناس غناء في هذه الحرب إسفنديار بن بشتاسب، فلما انجلت ~~الحرب سعى الناس بي بشتاسب وابنه اسفنديار وقالوا: ويريد الملك لنفسه، ~~فندبه لحرب بعد حرب، ثم أخذه وحبسه مقيدا. ثم إن بشتاسب سار الى ناحية ~~كرمان وسجستان وسار الى جبل يقال له طمبدر لدراسة دينه والتنسك هناك، وخلف ~~أباه لهراسب ببلخ شيخا قد أبطله الكبر، وترك بها خزائنه وأولاده ونساءه، ~~فبلغت الأخبار إلى ملك الترك خرزاسف، فلما تحققها جمع عساكره وحشد وسار الى ~~بلخ وانتهز الفرصة بغيبة بشتاسب عن مملكته، ولما بلغ بلخ ملكها وقتل لهراسب ~~وولدين لبشتاسب والهرابذة وأحرق الدواوين وهدم بيوت النيران وأرسل السرايا ~~إلى البلاد، فقتلوا وسبوا وأخربوا، وسبى ابنتين لبشتاسب إحداهما خمانى ~~والاخرى باذافره، وأخذ علمهم الأكبر المعروف بدرفش كابيان، وسار متبعا ~~لبشتاسب، وهرب بشتاسب من بين يديه فتحصن بتلك الجبال مما يلي فارس، وضاق ~~ذرعا بما نزل به. فلما اشتد عليه الأمر أرسل الى ابنه اسفنديار مع عالمهم ~~جاماسب، فأخرجه من محبسه واعتذر إليه ووعده أن يعهد إليه بالملك من بعده، ~~فلما سمع إسفنديار كلامه سجد له ونهض من عنده وجمع من عنده من الجند وبات ~~ليلته مشغولا بالتجهز وسار من الغد نحو عسكر الترك وملكهم، والتقوا ~~واقتتلوا والتحمت الحرب وحمي ms0175 الوطيس، وحمل إسفنديار على جانب من العسكر ~~فأثر فيه ووهنه، وتابع الحملات، وفشا في الترك أن إسفنديار هو المتولي ~~لحربهم، فانهزموا لا يلوون على شيء، وانصرف إسفنديار وقد ارتجع درفش ~~كابيان. PageV01P0090 # فلما دخل على أبيه استبشر به وأمره باتباع الترك ووصاه بقتل ملكهم ومن ~~قدر عليه من أهله ويقتل من الترك من أمكنه قتله وأن يستنقذ السبايا ~~والغنائم التي أخذت من بلادهم، فسار إسفنديار ودخل بلاد الترك وقتل وسبى ~~وأخرب وبلغ مدينتهم العظمى ودخلهم عنوة وقتل الملك وإخوته ومقاتلته واستباح ~~أمواله وسبى نساءه واستنقذ أختيه ودوخ البلاد وانتهى الى آخر حدود بلاد ~~الترك والى التبت، وأقطع بلاد الترك، وجعل كل ناحية الى رجل من وجوه الترك ~~بعد أن آمنهم ووظف عليهم خراجا يحملونه كل سنة الى أبيه بشتاسب، ثم عاد الى ~~بلخ. فحسده أبوه بما ظهر منه من حفظ الملك والظفر بالترك، وأسر ذلك في ~~نفسه، وأمره بالتجهز والمسير الى قتال رستم الشديد بسجستان، وقال له: هذا ~~رستم متوسط بلادنا ولا يعطينا الطاعة لأن الملك كيكاووس وأعتقه فأقطعه ~~إياها؛ وقد ذكرنا ذلك في ملك كيكاوو؛ وكان عغرض بشتاسب أن يقتله رستم أو ~~يقتل هو رستم، فإنه كان أيضا شديد الكراهة لرستم، فجمع العساكر وسار الى ~~رستم لينزع سجستان منه، فخرج إليه رستم وقاتله، فجمع العساكر وسار الى رستم ~~لينزع سجستان منه، فخرج إليه رستم وقاتله، فقتل إسفنديار، قتله رستم. ومات ~~بشتاسب، وكان ملكه مائة سنة واثنتي عشرة سنة، وقيل: مائة وعشرين سنة، وقيل: ~~مائة وخمسين سنة. وقيل: إنه جاءه رجل من بني اسرائيل زعم أنه نبي أرسل إليه ~~واجتمع به ببلخ، فكان يتكلم بالعبري وزرادشت نبي المجوس يعبر عنه، وجاماسب ~~العالم هو حاضر معهم يترجم أيضا عن الاسرائيلي، وكان بشتاسب ومن قبله من ~~آبائه وسائر الفرس يدينون بدين الصابئة قبل زرادشت. ### | AUT ذكر الخبر عن ملوك بلاد اليمن # ### | AUT من أيام كيكاووس الى أيام بهمن بن اسفنديار # قد مضي ذكر الخبر عمن زعم أن كيكاووس كان في عهد سليمان بن ms0176 داود، وقد ~~ذكرنا من كان في عهد سليمان من ملوك اليمن والخبر عن بلقيس بنت ايلشرح، ~~وصار الملك بعد بلقيس الى ياسر بن عمرو بن يعفر الذي يقال له أنعم ~~الانعامة، قال أهل اليمن: إنه سار غازيا نحو المغرب حتى بلغ واديا يقال له ~~وادي الرمل، ولم يبلغه أحد قبله، فلما انتهى اليه لم يجد وراءه مجازا لكثرة ~~الرمل، فبينما هو مقيم عليه إذ انكشف الرمل فأمر رجلا يقال له عمرو أن يعبر ~~هو وأصحابه، فعبروا، فلم يرجعوا، فلما رأى ذلك أمر بنصب صنم نحاس، فصنع ثم ~~نصب على صخرة على شفير الوادي وكتب على صدره بالمسند: هذا الصنم لياسر أنعم ~~الحميري، ليس وراءه مذهب فلا يتكلفن أحد ذلك فيعطب. وقيل: إن وراء ذلك ~~الرمل قوما من أمه موسى، وهم الذين عنى الله بقوله: (ومن قوم موسى أمة ~~يهدون بالحق وبه يعدلون) الاعراف: 951؛ والله أعلم. ثم ملك بعده تبع، وهو ~~تبان، وهو أسعد، وهو أبو كرب بن ملكيكرب تبع بن زيد بن عمرو بن تبع، وهو ذو ~~الأذعار بن أبرهة تبع ذي المنار بن الرايش بن قيس بن صيفي بن سبأ، وكان ~~يقال له الزايد، وكان تبع هذا في أيام بشتاسب وأردشير بهمن بن إسفنديار بن ~~بشتاسب، وإنه شخص متوجها من اليمن في الطريق الذي سلكه الرايش حتى خرج على ~~جبلي طيء، ثم سار يريد الأنبار، فلما انتهى الى موضع الحيرة تحير، وكان ~~ليلا، فأقام بمكانه، فسمي ذلك المكان بالحيرة، وخلف به قوما من الأزد ولخم ~~وجذام وعاملة وقضاعة، فبنوا وأقاموا به، ثم انتقل إليهم بعد ذلك ناس من طيء ~~وكلب والسكون وبلحرث بن كعب وإياد، ثم توجه الى الموصل، ثم الى أذربيجان، ~~فلقي الترك فهزمهم، فقتل المقاتلة وسبى الذرية، ثم عاد الى اليمن، فهابته ~~الملوك وأهدوا إليه، وقدمت عليه هدية ملك الهند، وفيها تحف كثيرة من الحرير ~~والمسك والعود وسائر طرف الهند، فرأى ما لم ير مثله، فقال للرسول: كل هذا ~~في بلدكم؟ فقال: أكثره من بلد الصين، ووصف ms0177 له بلد الصين، فحلف ليغزونها، ~~فسار بحمير حتى أتى الى الركائك وأصحاب القلانس السود، ووجه رجلا من أصحابه ~~يقال له ثابت نحو الصين في جمع عظيم، فأصيب، فسار تبع حتى دخل الصين، فقتل ~~مقاتلتها واكتسح ما وجد فيها، وكان مسيره ومقامه ورجعته في سبع سنين. ثم ~~إنه خلف بالتبت اثني عشر ألف فارس من حمير، فهم أهل التبت، ويزعمون أنهم ~~عرب، وألوانهم ألوان العرب وخلقهم. PageV01P0091 # وهكذا ذكر، وقد خالف هذه الرواية كثير من أصحاب السير والتواريخ، وكل ~~واحد منهم خالف الآخر، وقدم بعضهم من أخره الآخر، فلم يحصل منهم كثير ~~فائدة، ولكن ننقل ما وجدنا مختصرا. ### | AUT ذكر خبر أردشير بهمن وابنته خماني # ثم ملك بعد بشتاسب ابن ابنه أردشير بهمن بن اسفنديار، وكان مظفرا في ~~مغازيه، وملك أكثر من أبيه، وقيل: إنه ابتنى بالسواد مدينة وسماها أياوان ~~أردشير، وهي القرية المعروفة بهمينيا بالزاب الأعلى، وابتنى بكور دجلة ~~الأبلة، وسار الى سجستان طالبا بثأر أبيه، فقتل رستم وأباه دستان وابنه ~~فرامرز. وبهمن هو أبو دارا الأكبر، وأبو ساسان أبي ملوك الفرس الأحرار ~~أردشير ابن بابك وولده، وأم دارا خمانى ابنة بهمن، فهي أخته وأمه. وغزا ~~بهمن رومية الداخلة في ألف ألف مقاتل، وكان ملوك الأرض يحملون إليه ~~الإتاوة، وكان أعظم ملوك الفرس شأنا وأفضلهم تدبيرا. وكانت أم بهمن من نسل ~~بنيامين بن يعقوب، وأم ابنه ساسان من نسل سليمان بن داود، وكان ملك بهمن ~~مائة وعشرين سنة، وقيل: صمانين سنة، وكان متواضعا مرضيا فيهم، وكانت كتبه ~~تخرج: من عبد الله خادم الله السائس لأموركم. ثم ملكت بعده ابنته خمانى، ~~ملكوها حبا لأبيها ولعقلها وفروسيتها، وكانت تلقب بشهرزاد، وقيل: إنما ملكت ~~لأنها حين حملت منه دارا الأكبر سألته أن يعقد التاج له في بطنها ويؤثره ~~بالملك، ففعل بهمن وعقد التاج عليه حملا في بطنها، وساسان بن بهمن رجل ~~يتصنع للملك، فلما رأى فعل أبيه لحق باصطخر وتزهد ولحق برؤوس الجبال واتخذ ~~غنما، وكان يتولاها بنفسه، فاستبشعت العامة ذلك منه. وهلك بهمن ms0178 وابنه دارا ~~في بطن أمه، فملكوها، ووضعته بعد أشهر من ملكها، فأنفت من إظهار ذلك وجعلته ~~في تابوت وجعلت معه جواهر وأجرته في نهر الكر من اصطخر، وقيل: بنهر بلخ، ~~وسار التابوت الى طحان من أهل اصطخر، ففرح لما فيه من الجوهر، فحضنته ~~امرأته، ثم ظهر أمره حين شب، فأقرت خمانى بإساءتها، فلما تكامل امتحن فوجد ~~على غاية ما يكون أبناء الملوك، فحولت التاج إليه وسارت الى فارس وبنت ~~مدينة اصطخر، وكانت قد أوتيت ظفرا وزغزت الروم وشغلت الأعداء عن تطرق ~~بلادها، وخففت عن رعيتها الخراج؛ وكان ملكها ثلاثين سنة. وقيل: إن خمانى أم ~~دارا حضنته حتى كبر فسلمت إليه وعزلت نفسها، فضبط الملك بشجاعة وحزم. ونرجع ~~إلى ذكر بني اسرائيل ومقابلة تاريخ أيامهم إلى حين تصرمها ومدة من كان في ~~أيامهم من ملوك الفرس. قد ذكرنا فيما مضي سبب انصراف من انصرف الى بيت ~~المقدس من سبايا بني اسرائيل الذي كان بخت نصر سباهم، وكان ذلك في أيام ~~كيرش بن اخشويرش، وملكه ببابل من قبل بهمن وأربع سنين بعد وفاته في ملك ~~ابنته خمانى، وكانت مدة خراب بيت المقدس من لدن خربه بخت نصر مائة سنة، كل ~~ذلك في أيام بهمن بعضه وفي أيام ابنته خمانى بعضه، وقيل غير ذلك، وقد تقدم ~~ذكر الاختلاف. وقد زعم بعضهم أن كيرش هو بشتاسب، وأنكر عليه قوله ولم يملك ~~كيرش منفردا قط. ولما عمر بيت المقدس ورجع إليه أهله كان فيهم عزير، وكان ~~الملك عليهم بعد ذلك من قبل الفرس إما رجل منهم وإما رجل من بني اسرائيل، ~~إلى أن صار الملك بناحيتهم لليونانية والروم لسبب غلبة الإسكندر على ~~الناحية حين قتل دارا بن دارا، وكان جملة مدة ذلك فيما قيل ثمانيا وثمانين سنة. ### | AUT ذكر خبر دارا الأكبر وابنه دارا الأصغر وكيف كان هلاكه مع خبر ذي القرنين # وملك دارا بن بهمن بن إسفنديار، وكان يلقب جهرازاد، يعني كريم الطبع، ~~فنزل ببابل، وكان ضابطا لملكه قاهرا لمن حوله من الملوك، يؤدون ms0179 إليه ~~الخراج، وبنى بفارس مدينة سماها دارابجرد، وحذف دواب البرد ورتبها، وكان ~~معجبا بابنه دارا ومن حبه له سماه باسم نفسه وصير له الملك بعده. وكان ملكه ~~اثنتين وعشرين سنة. ثم ملك بعده ابنه دارا وبنى بأرض الجزيرة بالقرب من ~~نصيبين مدينة دارا، وهي مشهورة إلى الآن، واستوزر إنسانا لا يصلح لها، ~~فأفسد قلبه على أصحابه، فقتل رؤساء عسكره واستوحش منه الخاصة والعامة، وكان ~~شابا غرا جميلا حقودا سيء السيرة في رعيته. وكان ملكه أربع عشرة سنة. ### | AUT ذكر الإسكندر ذي القرنين # PageV01P0092 # كان فيلفوس أبو الاسكندر اليوناني من أهل بلدة يقال لها مقدونية، كان ~~ملكا عليها وعلى بلاد أخرى، فصالح دارا على خراج يحمله إليه في كل سنة، ~~فلما هلك فيلفوس ملك بعده ابنه الاسكندر واستولى على بلاد الروم أجمع، فقوي ~~على دارا فلم يحمل إليه من الخراج شيئا، وكان الخراج الذي يحمله بيضا من ~~ذهب، فسخط عليه دارا وكتب إليه يؤنبه بسوء صنيعه في ترك حمل الخراج، وبعث ~~إليه بصولجان والرة ويترك الملك، وإن لم يفعل ذلك واستعصى عليه بعث إليه من ~~يأتيه به في وثاق، وإن عدة جنوده كعدة حب السمسم الذي بعث به إليه. فكتب ~~إليه الاسكندر: إنه قد فهم ما كتب به، وقد نظر الى ما ذكر في كتابه إليه من ~~إرساله الصولجان والكرة وتيمن به لإلقاء الملقي الكرة الى الصولجان ~~واحترازه إياها؛ وشبه الأرض بالكرة، وأنه يجر ملك دارا إلى ملكه، وتيمنه ~~بالسمسم الذي بعث كتيمنه بالصولجان والكرة لدسمه وبعده من المرارة ~~والحرافة، وبعث إليه بصرة فيها خردل، وزعلمه في ذلك أن ما بعث به إليه قليل ~~ولكنه مر حريف، وأن جنوده مثله، فلما وصل كتباه إلى دارا تأهب لمحاربته. ~~وقد زعم بعض العلماء بأخبار الأولين أن الإسكندر الذي حارب دارا بن دارا هو ~~أخو دارا الأصغر الذي حربه، وأن أباه دارا الأكبر كان تزوج أم الإسكندر، ~~وهي ابنة ملك الروم، فلما حملت إليه وجد نتن ريحها وسهكها، فأمر أن يحتال ~~لذلك منها؛ فاجتمع رأي ms0180 أهل المعرفة في مداواتها على شجرة يقال لها ~~بالفارسية سندر، فغسلت بمائها فأذهب ذلك كثيرا من نتنها ولم يذهب كله، ~~وانتهت نفسه عنها، فردها الى أهلها، وقد علقت منه فولدت في أهلها غلاما ~~فسمته باسم الشجرة التي غسلت بمائها مضافا إلى اسمها، وقد هلك أبوها وملك ~~الإسكندر بعده، فمنع الخراج الذي كان يؤديه جده، إلى دارا، فأرسل يطلبه، ~~وكان بيضا من ذهب، فأجابه: إني قد ذبحت الدجاجة التي كانت تبيض ذلك البيض ~~وأكلت لحمها، فإن زحببت وادعناك، وإن أحببت ناجزناك. ثم خاف الإسكندر من ~~الحرب فطلب الصلح، فاستشار دارا أصحابه، فأشاروا عليه بالحرب لفساد قلوبهم ~~عليه، فعند ذلك ناجزه دارا القتال، فكتب الإسكندر إلى حاجبي دارا وحكمهما ~~على الفتك بدارا، فاحتكما شيئا، ولم يشترطا أنفسهما، فلما التقيا للحرب طعن ~~دارا حاجباه في الوقعة، وكان الحرب بينهما سنة، فانهزم أصحاب دارا ولحقه ~~الاسكندر وهو بآخر رمق. وقيل: بل فتك به رجلان من حرسه من أهل همذان حبا ~~للراحة من ظلمه، وكان فتكهما به لما رأيا عسكره قد انهزم عنه، ولم يكن ذلك ~~بأمر الإسكندر، وكان قد أمر الإسكندر مناديا ينادي عند هزيمة عسكر دارا أن ~~يؤسر دارا ولا يقتل، فأخبر بقتله، فنزل إليه ومسح التراب عن وجهه وجعل رأسه ~~في حجره وقال له: إنما قتلك أصحابك وإنني لم أهم بقتلك قط، ولقد كنت أرغب ~~بك يا شريف الأشراف ويا ملك الملوك وحر الأحرار عن هذا المصرع، فأوص بما ~~أحببت، فأوصاه دارا أن يتزوج ابنته روشنك ويرعى حقها ويعظم قدرها ويستبقي ~~أحرار فارس ويأخذ له بثزره ممن قتله، ففعل الاسكندر ذلك أجمع وقتل حاجبي ~~دارا، وقال لهما: إنكما لم تشترطا نفوسكما، فقتلهما بعد أن وفى لهما بما ~~ضمن لهما، وقال: ليس ينبغي أن يستبقى قاتل الملوك إلا بذمة لا تخفر، وكان ~~التقاؤهما بناحية خراسان مما يلي الخزر، وقيل: ببلاد الجزيرة عند دارا. ~~وكان ملك الروم قبل الإسكندر متفرقا فاجتمع، وملك فارس مجتمعا فتفرق، حمل ~~الإسكندر كتبا وعلوما لأهل فارس من علوم ونجوم ms0181 وحكمة ونقله الى الرومية. ~~وقذ ذكرنا قول من قال إن الإسكندر أخو دارا لأبيه، وأما الروم وكثير من أهل ~~الأنساب فيزعمون أنه الإسكندر بن فيلفوس، وقيل فيلبوس بن مطريوس، وقيل: ابن ~~مصريم بن هرمس بن هردس بن ميطون بن رومي بن ليطي بن يونان بن يافث بن ثوبة ~~بن سرحون بن روميط بن زنط بن توقيل بن رومي بن الأصفر بن اليفز بن العيص بن ~~اسحاق بن ابراهيم. PageV01P0093 # فجمع بعد هلك دارا ملك دارا فملك العراق والشام والروم ومصر والجزيرة، ~~وعرض جنده فوجدهم على ما قيل ألف ألف وأربعماذة ألف رجل، منهم من جنده ~~ثمانمائة ألف رجل، ومن جند دارا ستمائة ألف رجل، وتقدم بهدم حصون فارس ~~وبيوت النيران وقتل الهرابذة، وأحرق كتبهم، واستعمل على مملكة فارس رجالا، ~~وسار قدما الى أرض الهند فقتل ملكها وفتح مدنها وخرب بيوت الأصنام وأحرق ~~كتب علومهم، ثم سار منها الى الصين، فلما وصل إليها أتاه حاجبه في الليل ~~وقال: هذا رسول ملك الصين، فزحضره فسلم وطلب الخلوة، ففتشوه فلم يروا معه ~~شيئا، فخرج من كان عند الإسكندر، فقال: أنا ملك الصين جئت أسألك عن الذي ~~تريده، فإن كان مما يمكن عمله عملته وتركت الحرب، فقال له الاسكندر: ما ~~الذي آمنك مني؟ قال: علمت أنك عاقل حكيم ولم يكن بيني وبينك عداوة ولا دخل، ~~وأنت تعلم أنك إن قتلتني لم يكن قتلي سببا لتسليم أهل الصين ملكي إليك، ثم ~~إنك تنسب إلى الغدر. فعلم أنه عاقل فقال له: أريد منك ارتفاع ملكك لثلاث ~~سنين عاجلا ونصف الارتفاع لكل سنة، قال: قد أجبتك ولكن أسألني كيف حالي، ~~قال: قل كيف حالك؟ قال: أكون أول قتيل لمحارب وأول أكلة لمفترس، قال: فإن ~~قنعت منك بارتفاع سنتين؟ قال: يكون حالي أصلح قليلا، قال: فإن قنعت منك ~~بارتفاع سنة؟ قال: يبقى ملكي وتذهب لذاتي، قال: وأنا أترك لك ما مضى وآخذ ~~الثلث لكل سنة فكيف يكون حالك؟ قال: يكون السدس للفقراء والمساكين ومصالح ~~البلاد، والسدس لي، والثلث للعسكر، ms0182 والثالث لك، قال: قد قنعت منك بذلك، ~~فشكره وعاد، وسمع العسكر بذلك ففرحوا بالصلح. فلما كان الغد خرج ملك الصين ~~بعسكر عظيم أحاط بعسكر الإسكندر، فركب الإسكندر والناس، فظهر ملك الصين على ~~الفيل وعلى رأسه التاج، فقال له الإسكندر: أغدرت؟ قال: لا ولكني أردت أن ~~تعلم أني لم أطعك من ضعف ولكني لما رأيت العالم العلوي مقبلا عليك أردت ~~طاعته بطاعتك والقرب منه بالقرب منك، فقال له الإسكندر: لايسأم مثلك ~~الجزية، فما رأيت بيني وبينك من يستحق الفضل والوصف بالعقل غيرك، وقد ~~زعفيتك من جميع ما أردته منك وأنا منصرف عنك، فقال له ملك الصين: فلست ~~تخسر، وبعث إليه بضعف ما كان قرره معه، وسار الإسكندر عنه من يومه ودانت له ~~عامة الأرضين في الشرق والغرب وملك التبت وغيرها. فلما فرغ من بلاد المغرب ~~والمشرق وما بينهما قصد بلاد الشمال، وملك تلك البلاد ودان له من بها من ~~الأمم المختلفة إلى أن اتصل بديار يأجوج ومأجوج، وقد اختلفت الأقوال فيهم، ~~والصحيح أنهم نوع من الترك لهم شوكة وفيهم شر، وهم كثيرون، وكانوا يفسدون ~~فيما يجاورهم من الأرض ويخربون ما قدروا عليه من البلاد ويؤذون من يقرب ~~منهم، فلما رأى أهل تلك البلاد الإسكندر شكوا إليه من شرهم، كما أخبر الله ~~عنهم في قوله: (ثم زتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين) الكهف: 93 وهما جبلان ~~متقابلان لا يرتقى فيهما وليس لهما مخرج إلا من الفرجة التي بينهما فلما ~~بلغ إلى تلك وقارب السدين - (وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا؛ ~~قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على ~~أن تجعل بيننا وبينهم سدا؟ قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل ~~بينكم وبينهم ردما) الكهف: 93 - 95، يقول: ما مكني فيه ربي خير من خرجكم، ~~ولكن أعينوني بالقوة، والقوة الفعلة والصناع والآلة التي يبنى بها، فقال: ~~(آتوني زبر الحديد) الكهف: 96، أي قطع الحديد، فأتوه بها، فحفر الأساس حتى ~~بلغ الماء، ثم جعل الحديد ms0183 والحطب صفوفا بعضها فوق بعض (حتى إذا ساوى بين ~~الصدفين)، وهما جبلان، أشعل النار في الحطب فحمي الحديد وأفرغ عليه القطر، ~~وهو النحاس المذاب، فصار موضع الحطب وبين قطع الحديد، فبقي كأنه برد محبر ~~من حمرة النحاس وسواد الحديد، وجعل أعلاه شرفا من الحديد، فامتنعت يأجوج ~~ومأجوج من الخروج الى البلاد المجاورة لهم، قال الله تعالى: (فما اسطاعوا ~~أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا) الكهف: 97. PageV01P0094 # فلما فرغ من أمر السد دخل الظلمات مما يلي القطب الشمالي، والشمس جنوبية، ~~فلهذا كانت ظلمة، وإلا فليس في الأرض موضع إلا تطلع الشمس عليه أبدا، فلما ~~دخل الظلمات أخذ معه زربعمائة من أصحابه يطلب عين الخلد، فسار فيها ثمانية ~~عشر يوما، ثم خرج ولم يظفر بها، وكان الخضر على مقدمته، فظفر بها وسبح فيها ~~وشرب منها، والله أعلم. ورجع إلى العراق فمات في طريقه بشهر زور بعلة ~~الخوانيق، وكان عمره ستا وثلاثين سنة في قول، ودفن في تابوت من ذهب مرصع ~~بالجوهر وطلي بالصبر لئلا يتغير وحمل إلى أمه بالاسكندرية. وكان ملكه أربع ~~عشرة سنة، وقتل دارا في السنة الثالثة من ملكه، وبنى اثني عشرة مدينة، ~~منها: أصبهان، وهي التي يقال لها جبي، ومدينة هراة، ومرو، وسمرقند، وبنى ~~بالسواد مدينة لروشنك ابنة دارا، وبأرض اليونان مدينة، وبمصر الاسكندرية. ~~فلما مات الإسكندر أطاف به من معه من الحكماء اليونانيين والفرس والهند ~~وغيرهم، فكان يجمعهم ويستريح إلى كلامهم، فوقفوا عليه، فقال كبيرهم: ليتكلم ~~كل واحد منكم بكلام يكون للخاصة معزيا وللعامة واعظا، ووضع يده على التابوت ~~وقال: أصبح آسر الأسراء أسيرا، وقال آخر: هذا الملك كان يخبأ الذهب فقد صار ~~الذهب يخبأه، وقال آخر: ما أزهد الناس في هذا الجسد وما أرغبهم في التابوت، ~~وقال آخر: من أعجب العجب أن القوي قد غلب والضعفاء لا هون مغترون، وقال ~~آخر: هذا الذي جعل أجله ضمارا وجعل أمله عيانا، هلا باعدت من أجلك لتبلغ ~~بعض أملك، بل هلا حققت من أملك بالامتناع من وفور أجلك، وقال آخر: أيها ms0184 ~~الساعي المنتصب جمعت ما خذلك عند الاحتياج إليه فغودرت عليه أوزاره وقارفت ~~آثامه فجمعت لغيرك وإثمه عليك، وقال آخر: قد كنت لنا واعظا فما وعظتنا ~~موعظة أبلغ من وفاتك فمن كان له معقول فليعقل، ومن كان معتبرا فليعتبر، ~~وقال آخر: رب هائب لك يخافك من ورائك وهو اليوم بحضرتك ولا يخافك، وقال ~~آخر: رب حريص على سكوتك إذ لا تسكت، وهو اليوم حريص على كلامك إذ لا تتكلم، ~~وقال آخر: كم أماتت هذه النفس لئلا تموت وقد ماتت، وقال آخر، وكان صاحب كتب ~~الحكمة: قد كنت تزمرني أن لا أبعد عنك فاليوم لا أقدر على الدنو منك، وقال ~~آخر: هذا يوم عظيم أقبل من شره ما كان مدبرا، وأدبر من خيره ما كان مقبلا، ~~فمن كان باكيا على من زال ملكه فليبك، وقال آخر: يا عظيم السلطان اضمحل ~~سلطانك كما اضمحل ظل السحاب، وعفت آثار مملكتك كما عفت آثار الذباب، وقال ~~آخر: يا من ضاقت عليه الأرض طولا وعرضا ليت شعري كيف حالك بما احتوى عليك ~~منها وقال آخر: اعجبوا ممن كان هذا سبيله كيف شهر نفسه بجمع الأموال الحطام ~~البائد والهشيم النافد، وقال آخر: أيها الجمع الحافل والملقى الفاضل لا ~~ترغبوا فيما لا يدوم سروره وتنقطع لذته، فقد بان لكم الصلاح والرشاد من ~~الغي والفساد، وقال آخر: يا من كان غضبه الموت هلا غضبت على الموت وقال ~~آخر: قد رأيتم هذا الملك الماضي فليتعظ به هذا الملك الباقي، وقال آخر: إن ~~الذي كانت الآذان تنصت له قد سكت فليتكلم الآن كل ساكت، وقال آخر: سيلحق بك ~~من سره موتك كما لحقت بمن سرك موته، وقال آخر: ما لك لا تقل عضوا من أعضائك ~~وقد كنت تستقل بملك الأرض بل ما لك لا ترغب عن ضيق المكان الذي أنت فيه وقد ~~كنت ترغب عن رحب البلاد وقال آخر: إن دنيا يكون هذا في آخرها فالزهد أولى ~~أن يكون في أولها. وقال صاحب مائدته: قد فرشت النمارق ونضدت النضائد ولا ~~أرى ms0185 عميد القوم، وقال صاحب بيت ماله: قد كنت تأمرني بالادخار فإلى من أدفع ~~ذخائرك؟. وقال آخر: هذه الدنيا الطويلة العريضة قد طويت منها في سبعة أشبار ~~ولو كنت بذلك موقنا لم تحمل على نفسك في الطلب. وقالت زوجته روشنك: ما كنت ~~أحسب أن غلاب دارا يغلب، فإن الكلام الذي سمعت منكم فيه شماتة، فقد خلف ~~الكأس الذي شرب به ليشربه الجماعة، وقالت أمه حين بلغها موته: لئن فقدت من ~~ابني أمره لم يفقد من قلبي ذكره. فهذا كلام الحكماء فيه مواعظ وحكم حسنة ~~فلهذا أثبتها. PageV01P0095 # ومن حيل الإسكندر في حروبه أنه لما حارب دارا خرج الى بين الصفين وأمر ~~مناديا فنادى: يا معشر الفرس قد علمتم ما كتبتم إلينا وما كتبنا إليكم من ~~الأمان، فمن كان منكم على الوفاء فليعتزل فإنه يرى منا الوفاء، فاتهمت ~~الفرس بعضها بعضا واضطربوا. ومن حيله أنه تلقاه ملك الهند بالفيلة، فنفرت ~~خيل أصحابه عنها، فعاد عنه وأمر باتخاذ فيلة من نحاس وألبسها السلاح وجعلها ~~مع الخيل حتى ألفتها، ثم عاد الى الهند، فخرج إليهم ملك الهند، فأمر ~~الإسكندر بتلك الفيلة فملئت بطونها من النفط والكبريت وجرت على العجل إلى ~~وسط المعركة ومعها جمع من أصحابه، فلما نشبت الحرب أمر بإشعال النار في تلك ~~الفيلة، فلما حميت انكشف أصحابه عنها وغشيتها فيلة الهند، فضربتها ~~بخراطيمها فاحترقت وولت هاربة راجعة على الهند، فانهزموا بين يديها. ومن ~~حيله أنه نزل على مدينة حصينة وكان بها كثير من الأقوات وبها عيون ماء، ~~فعاد عنها فأرسل إليها قوما على هيئة التجار ومعهم أمتعة يبيعونها وأمرهم ~~بمشترى الطعام والمغالاة في ثمنها، فإذا صار عندهم أحرقوه وهربوا، ففعلوا ~~ذلك وهربوا إليه فأنفذ السرايا إلى سواد تلك المدينة وأمرهم بالغارة مرة ~~بعد أخرى، فهربوا ودخلوا البلد ليحتموا به، فسار الإسكندر إليهم، فلم ~~يمتنعوا عليه. وكتب إلى أرسطاطاليس يذكر له أن من خاصة الروم جماعة لهم همم ~~بعيدة ونفوس كبيرة وشجاعة، وأنه يخافهم على نفسه ويكره قتلهم بالظنة، فكتب ~~إليه أرسطاطاليس: فهمت كتابك، ms0186 فإن ما ذكرت من بعد هممهم فإن الوفاء من بعد ~~الهمة وكبر النفس، والغدر من دناءة النفس وخستها، وأما شجاعتهم ونقص عقولهم ~~فمن كانت هذه حاله فرفهه في معيشتته واخصصه بحسان النساء، فإن رفاهية العيش ~~تميت الشجاعة وتحبب السلامة، وإياك والقتل فإنه زلة لا تستقال وذنب لا ~~يغفر، وعاقب بدون القتل تكن قادرا على العفو، فما أحسن العفو من القادر، ~~وليحسن خلقك تخلص لك النيات بالمحبة، ولا تؤثر نفسك على أصحابك، فليس مع ~~الاستئثار محبة، ولا مع المؤاساة بغضة. وكتب إلى أرسطاطاليس أيضا لما ملك ~~بلاد فارس يذكر له أنه رأى بإيران شهر رجلا ذوي رأي وصرامة وشجاعة وجمال ~~وأنساب رفيعة، وأنه إنما ملكهم بالحظ والإنفاق، وأنه لا يأمن، إ سافر عنهم ~~فأفرغهم، وثوبهم، وأنه لا يكفى شرهم إلا ببوارهم، فكتب إليه: قد فهمت كتابك ~~في رجال فارس، فأما قتلهم فهو من الفساد والبغي الذي لا يؤمن عاقبته، ولو ~~قتلتهم لأثبت أهل البلد أمثالهم وصار جميع أهل البلد أعداءك بالطبع وأعداء ~~عقبك لزنك تكون قد وترتهم في غير حرب، وأما إخراجك إياهم من عسكرك فمخاطرة ~~بنفسك وأصحابك، ولكني أشير عليك برأي هو أبلغ من القتل، وهو أن تستدعي منهم ~~أولاد الملوك ومن يصلح للملك فتقلدهم البلدان وتجعل كل واحد منهم ملكا ~~برأسه فتتفرق كلمتهم ويقع بأسهم بينهم ويجتمعون على الطاعة والمحبة لك ~~ويرون أنفسهم صنيعتك، ففعل الإسكندر ذلك، فهم ملوك الطوائف، وقيل في ملوك ~~الطوائف غير هذا السبب، ونحن نذكره إن شاء الله. ### || AUT ذكر من ملك من قومه بعد الاسكندر # لما مات الاسكندر عرض الملك على ابنه الإسكندروس، فأبى واختار العبادة، ~~فملكت اليونان فيما قيل بطلميوس بن لاغوس، وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة، ~~ثم ملك بعده بطلميوس فيلوذفوس، وكان ملكه أربعين سنة، ثم ملك بعده بطلميوس ~~أوراغاطس أربعا وعشرين سنة، ثم ملك بعده بطلميوس فيلافطر إحدى وعشرين سنة، ~~ثم ملك بعده بطلميوش افيفانس اثنتين وعشرين سنة، ثم ملك بعده بطلميوس ~~الاخشندر إحدى عشرة سنة، ثم ملك بعده بطلميوس الذي ms0187 اختفى عن ملكه ثماني ~~سنين، ثم ملكت بعده قالو بطرى سبع عشرة سنة، وكانت من الحكماء؛ وهؤلاء كلهم ~~من اليونان، وكل من كان بعد الإسكندر كان يدعى بطلميوس كما كانت تدعى ملوك ~~الفرس أكاسرة وملوك الروم قياصرة. وقد ذكر بعض العلماء أن بطلميوس صاحب ~~المجسطي وغيره من الكتب لم يكن من هؤلاء الملوك، وإنما كان أيام ملوك الروم ~~على ما نذكره إن شاء الله تعالى. PageV01P0096 # ثم ملك الشام فيما بعد قالوبطرى ملوك الروم، فكان أول من ملك منهم جايوس ~~يولوس خمس سنين، ثم ملك بعده أغسطوس ستا وخسمين سنة، فلما مضى من ملكه ~~اثنتان وأربعون سنة ولد عيسى بن مريم، عليه السلام، وقيل: كان بين مولده ~~وقيام الإسكندر ثلاثمائة وثلاث سنين. ### || AUT ذكر أخبار ملوك الفرس بعد الاسكندر # ### || AUT وهم ملوك الطوائف # لما مات الإسكندر ملك بلاد الفرس بعده ملوك الطوائف، وقد تقدم ذكر السبب ~~في تمليكهم، وقيل: كان السبب في ذلك أن الإسكندر لما ملك بلاد الفرس ووصل ~~الى ما أراد كتب إلى أرسطاطاليس الحكيم: إني قد وترت جميع من في بلاد ~~المشرق وقد خشيت أن يتفقوا بعدي على قصد بلادنا وإيذاء قومنا، وقد هممت أن ~~أقتل أولاد من قتلت من الملوك وألحقهم بآبائهم، فما ترى؟. فكتب إليه: إنك ~~إن قتلت أبناء الملوك أفضى الملك إلى السفل والأنذال، والسفل إذا ملكوا ~~قذروا وإذا قدروا طغوا وبغوا وظلموا، وما يخشى من معرتهم أكثر، والرأي أن ~~تجمع أبناء الملوك فتملك كل واحد منهم بلدا واحدا وكورة واحدة، فإن كل واحد ~~منهم يقوم في وجه الآخر يمنعه عن بلوغ غرضه خوفا على ما بيده فتتولد ~~العداوة بينهم فيشتغل بعضهم ببعض فلا يتفرغون إلى من بعد عنهم. فعندها قسم ~~الإسكندر بلاد المشرق على ملوك الطوائف ونقل عن بلدانهم النجوم والحكمة، ~~وكان من حالهم بعد الإسكندر ما ذكره أرسطاطاليس، واشتغلوا عن قصد اليونان. ~~وكان أرسطاطاليس من أفضل الحكماء وأعلمهم، وكان الإسكندر يصدر عن رأيه، ~~وأخذ الحكمة عن أفلاطون تلميذ سقراط، وسقراط تلميذ أوسيلاوس في ms0188 الطبيعيات ~~دون غيرها، ومعناه رأس السباع، وكان أوسيلاوس تلميذ انكساغورس، إلا أن ~~أرسطاطاليس خالف أستاذه في عدة مسائل، فلما قيل له في ذلك قال: أفلاطون ~~صديق والحق صديق، إلا أن الحق أولى بالصداقة منه. وقد اختلف العلماء في ~~الملك الذي كان بسواد العراق بعد الاسكندر وعدد ملوك الطوائف الذين ملكوا ~~إقليم بابل، فقال هشام بن الكلبي وغيره: ملك بعد الاسكندر بلاقس سلبقس، ثم ~~أنطيخس، وهو الذي بنى مدينة أنطاكية، وكان في أيدي هؤلاء الملوك سواد ~~الكوفة أربعا وخمسين سنة، وكانوا يتطرقون الجبال وناحية الأهواز وفارس. ### || AUT ذكر ملك أشك بن أشكان # ثم خرج رجل يقال له أشك، وهو من ولد دارا الأكبر، وكان مولده ومنشأه ~~بالري، فجمع جمعا كبيرا وسار يريد أنطيخس، وزحف رليه أنطيخس والتقيا ببلاد ~~الموصل، فقتل أنطيخس وملك أشك السواد وصار بيده من الموصل إلى الري أصبهان، ~~وعظمته سائر ملوك الطوائف لسنه وشرفه وفعله، وبدأوا به كتبهم، وسموه ملكا ~~من غير أن يعزل أحدا منهم، ثم ملك بعده ابنه سابور بن أشك. ### || AUT ذكر ملك جوذرز # ثم ملك بعد سابور جودرز بن أشكان، وهو الذي غزا بني اسرائيل في المرة ~~الثانية. وسبب تسليط الله إياه عليهم قتلهم يحيى بن زكرياء، فأكثر القتل ~~فيهم، فلم يعد لهم جماعة كجماعتهم الأولى، ورفع الله منهم النبوة ونزل بهم ~~الذل، وقيل: إن الذي غزا بني إسرائيل طيطوس بن اسفيانوس ملك الروم، فقتلهم ~~وسباهم وخرب بيت المقدس، وقد كانت الروم غزت بلاد فارس يطلبون ثأر أنطيخس، ~~وملك بابل حينئذ بلاش أبو أردوان الذي قتله أردشير بن بابك، فكتب بلاش إلى ~~ملوك الطوائف يعلمهم ما أجمعت عليه الروم من غزو بلادهم وما حشدوا وجمعوا ~~وأنه إن عجز عنهم ظفروا بهم جميعا. فوجه كل ملك من ملوك الطوائف الى بلاش ~~من الرجال والسلاح والمال بقدر قوته، فاجتمع عنده أربعمائة ألف رجل، فولى ~~عليهم صاحب الحضر، وكان له ما بين السواد والجزيرة، فلقي الروم وقتل ملكهم ~~واستباح عسكرهم، وذلك الذي هيج الروم على بناء القسطنطينية ms0189 ونقل الملك من ~~رومية إليها، وكان الذي أنشأها قسطنطين الملك، وهو أول من تنصر من ملوك ~~الروم وأجلى من بقي من بني اسرائيل عن فلسطين والشام لقتلهم عيسى بزعمهم، ~~وأخذ الخشبة التي يزعمون أنهم صلبوا المسيح عليها، فظمها الروم وأدخلوها ~~خزائنهم وهي عندهم إلى اليوم، ولم يزل ملك فارس متفرقا حتى ملك أردشير بن ~~بابك، ولم يبين هشام مدة ملكهم. PageV01P0097 # وقال غيره من أهل العلم بأخبار فارس: ملك بلادهم بعد الإسكندر ملوك من ~~غير الفرس كانوا يطيعون كل من ملك بلاد الجبل، وهم الأشغانيون الذين يدعون ~~ملوك الطوائف، وكان ملكهم مائتي سنة، وقيل: كان ملكهم ثلاثمائة وأربعين ~~سنة، ملك من هذه السنين أشك بن أشكان عشرين سنة، ثم ابنه سابور ستين سنة، ~~وفي إحدى وأربعين سنة من ملكه ظهر المسيح عيسى بن مريم، عليه السلام، وإن ~~تيطوس بن اسفيانوس ملك رومية غزا بيت المقدس بعد ارتفاع المسيح بنحو من ~~أربعين سنة فملك المدينة وقتل وسبى وأخرب المدينة، ثم ملك جودرز بن أشغانان ~~الأكبر عشر سنين، ثم ملك بيرن الأشغاني اربعين سنة ثم ملك هرمز الأشغاني ~~سبع عشرة سنة، ثم ملك أردوان الأشغاني اثنتين وعشرين سنة، ثم ملك كسرى ~~الأشغاني أربعين سنة ثم ملك بلاش الأشغاني أربعا وعشرين سنة، ثم ملك أردوان ~~الأصغر ثلاث عشرة سنة، ثم ملك أردشير بن بابك. وقال بعضهم: ملك بلاد الفرس ~~بعد الإسكندر ملوك الطوائف الذين فرق الإسكندر المملكة بينهم، وتفرد بكل ~~ناحية من ملك عليها من حين ملكه عليها ما خلا السواد، فإن كان أربعا وخسمين ~~سنة بعد هلاك الإسكندر في يد الروم، وكان في ملوك الطوائف رجل من نسل ~~الملوك قد ملك الجبال وأصبهان، ثم غلب ولده بعد ذلك على السواد، وكانوا ~~ملوكا عليها، وعلى الماهات والجبال، وأصبهان كالرئيس على سائر ملوك ~~الطوائف، لأن العادة جرت بتقديمه وتقديم ولده، ولذلك قصد لذكرهم في كتب سير ~~الملوك، فاقتصرنا على ذكرهم دون غيرهم، فكانت مدة ملوك الطوائف مائتي سنة ~~وستين سنة، وقيل: ثلاثمائة وأربعا وأربعين سنة، ms0190 وقيل: خمسمائة وثلاثا ~~وعشرين سنة، والله أعلم. فمن الملوك الذين ملكوا الجبال ثم تهيأت بعد ~~أولادهم الغلبة على السواد أشك بن جزه، وهو من ولد إسفنديار بن بشتاسب في ~~قول، وبعض الفرس زعم أن أشك بن دارا، قال بعضهم: أشك بن أشكان الكبير، هو ~~من ولد كيكاووس، وكان ملكه عشرين سنة، ثم ملك بعده أشك ابنه إحدى وعشرين ~~سنة، ثم ملك ابنه سابور ثلاثين سنة، ثم ملك ابنه جودرز عشر سنين، ثم ملك ~~ابنه بيرن إحدى وعشرين سنة، ثم ملك ابنه جودرز الأصغر تسع عشرة سنة، ثم ~~ابنه نرسي أربعين سنة، ثم هرمز بن بلاش بن أشكان سبع عشرة سنة، ثم أردوان ~~الأكبر بن أشكان اثنتي عشرة سنة، ثم كسرى ابن أشكان أربعين سنة، ثم أردوان ~~الأصغر بن بلاش ثلاث عشرة سنة، وكان أعظم ملوك الأشكانية وأظهرهم وأعزهم ~~قهرا للملوك، ثم ملك أردشير بن بابك وجمع مملكة الفرس على ما نذكره إن شاء ~~الله. وقد عد بعضهم في أسماء الملوك غير ما ذكرنا لا حاجة الى إلى الإطالة ~~بذكره، وقد ذكرنا بعض ما قيل عند ملك أردشير بن بابك. ### | AUT ذكر الأحداث أيام ملوك الطوائف # ### | AUT فمن ذلك ذكر المسيح عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا عليهم السلام # إنما جمعنا هذين الأمرين العظيمين في هذه الترجمة لتعلق أحدهما بالآخر، ~~فنقول: كان عمران بن ماثان من ولد سليمان بن داود، وكان آل ماثان رؤوس بني ~~اسرائيل وأحبارهم، وكان متزوجا بحنة بنت فاقوراء، وكان زكرياء بن برخيا ~~متزوجا بأختها إيشاع، وقيل: كانت إيشاع أخت مريم بنت عمران، وكانت حنة قد ~~كبرت وعجزت ولم تلد ولدا، فبينما هي في ظل شجرة أبصرت طائرا يزق فرخا له ~~فاشتهت الولد فدعت الله أن يهب لها ولدا، ونذرت إن يرزقها ولدا أن تجعله من ~~سدنة بيت المقدس وخدمه، فحررت ما في بطنها، ولم تعلم ما هو، وكان النذر ~~المحرر عندهم أن يجعل للكنيسة يقوم بخدمتها ولا يبرح منها حتى يبلغ الحلم، ~~فإذا بلغ خير، فإن أحب ms0191 أن يقيم فيها أقام، وإن أحب أن يذهب ذهب حيث شاء، ~~ولم يكن يحرر إلا الغلمان، لأن الإناث لا يصلحن لذلك لما يصيبهن من الحيض ~~والأذى. PageV01P0098 # ثم هلك عمران وحنة حامل بمريم، فلما وضعتها إذا هي أنثى فقالت عند ذلك: ~~(رب إني وضعتها أنثى، والله أعلم بما وضعت، وليس الذكر كالأنثى) آل عمران: ~~36 في خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها، (وإني سميتها مريم)، وهي بلغتهم ~~العبادة، ثم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء ~~هارون، وهم يلون من بيت المقدس ما يلي بنو شيبة من الكعبة، فقالت: دونكم ~~هذه المنذورة، فتنافسوا فيها لأنها بنت إمامهم وصاحب قربانهم، فقال زكرياء: ~~أنا أحق بها لأن خالتها عندي، فقالوا: لكنا نقترع عليها، فألقوا أقلامهم في ~~نهر جار، قيل هو نهر الأدن، فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون بها ~~التوراة، فارتفع قلم زكرياء فوق الماء ورسبت أقلامهم، فأخذها وكفلها وضمها ~~إلى خالتها أم يحيى واسترضع لها حتى كبرت، فبنى لها غرفة في المسجد لا يرقى ~~إليها إلا بسلم ولا يصعد إليها غيره، وكان يجد عندها فاكهة الشتاء في ~~الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فيقول: أنيى لك هذا؟ فتقول: هو من عند ~~الله، فلما رأى زكرياء ذلك منها دعا الله تعالى ورجا الولد حيث رأى فاكهة ~~الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، فقال: إن الذي فعل هذا بمريم قادر ~~على أن يصلح زوجتي حتى تلد، ف (قال: رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع ~~الدعاء) آل عمران: 38. فبينما هو يصلي في المذبح الذي لهم إذا هو برجل شاب، ~~هو جبرائيل، ففزغ زكرياء منه، فقال له: (إن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكملة ~~من الله) آل عمران: 39، يعني عيسى بن مريم، عليه السلام، ويحيى أوهل من آمن ~~بعيسى وصدقه، وذلك أن زمه كانت حاملا به فاستقبلت مريم وهي حامل بعيسى ~~فقالت لها: يا مريم أحامل أنت؟ فقالت: لماذا تسأليني؟ قالت: إني أرى ما في ~~بطني يسجد لما في بطنك، فذلك تصديقه. ms0192 وقيل: صدق المسيح، عليه السلام، وله ~~ثلاث سنين، وسماه الله تعالى يحيى ولم يكن قبله من تسمى هذا الاسم، قال ~~الله تعالى: (لم نجعل له من قبل سميا) مريم: 7، وقال تعالى: (وسلام عليه ~~يوم ولد ويوم يموت ويمو يبعث حيا) مريم: 15، قيل: أوحش ما يكون ابن آدم في ~~هذه الأيام الثلاثة، فسلمه الله تعالى من وحشتها، وإنما ولد يحيى قبل ~~المسيح بثلاث سنين، وقيل بستة أشهر، وكان لا يأتي النساء، ولا يلعب مع ~~الصبيان. (قال: رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر) آل ~~عمران: 40 وكان عمره اثنتين وتسعين سنة، وقيل: مائة وعشرين سنة، وكانت ~~امرأته ابنة ثمان وتسعين سنة، فقيل له: (كذلك الله يفعل ما يشاء)، وإنما ~~قال ذلك استخبارا هل يرزق الولد من امرأته العاقر أم غيرها، لا إنكارا ~~لقدرة الله تعالى، (قال: رب اجعل لي آية، قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة ~~أيام إلا رمزا) آل عمران: 41، قال: أمسك الله لسانه عقوبة لسؤاله الآية، ~~والرمز الإشارة. فلما ولد رآه أبوه حسن الصورة، قليل الشعر، قصير الأصابع، ~~مقرون الحاجبين، دقيق الصوت، قويا في طاعة الله مذ كان صبيا، قال الله ~~تعالى: (وآتيناه الحكم صبيا)، قيل: إنه قال له يوما الصبيان أمثاله: يا ~~يحيى اذهب بنا نلعب، فقال لهم: ما للعب خلقت، وكان يأكل العشب وأوراق ~~الشجر، وقيل: كان يأكل خبز الشعير، ومر به إبليس ومعه رغيف شعير فقال: أنت ~~تزعم أنك زاهد وقد ادخرت رغيف شعير؟ فقال يحيى: يا ملعون هو القوت، فقال ~~إبليس: إن الأقل من القوت يكفي لمن يموت، فأوحى الله الله إليه: اعقل ما ~~يقول لك. PageV01P0099 # ونبئ صغيرا فكان يدعو الناس إلى عبادة الله، ولبس الشعر، فلم يكن له ~~دينار ولا درهم ولا مسكن يسكن إليه، أينما جنه الليل أقام، ولم يكن له عبد ~~ولا أمة، واجتهد في العبادة، فنظر يوما إلى بدنه وقد نحل فبكى، فأوحى الله ~~إليه: يا يحيى أتبكي لما نحل من جسمك؟ وعزتي وجلالي لو اطلعت في النار ms0193 ~~اطلاعة لتدرعت الحديد عوض الشعر فبكى حتى أكلت الدموع لحم خديه وبدت أضراسه ~~للناظرين، فبلغ ذلك أمه فدخلت عليه وأقبل زكرياء ومعه الأحبار فقال: يا بني ~~ما يدعوك إلى هذا؟ قال: أنت أمرتني بذلك حيث قلت: إن بين الجنة والنار عقبة ~~لا يجوزها إلا الباكون من خشية الله، فقال: فابك واجتهد إذن، فصنعت له أمه ~~قطعتي لبد على خديه تواريان أضراسه، فكان يبكي حتى يبلهما، وكان زكرياء إذا ~~أراد يعظ أن الناس نظر فإن كان يحيى حاضرا لم يذكر جنة ولانارا. وبعث الله ~~عيسى رسولا نسخ بعض أحكام التوراة، فكان مما نسخ أنه حرم نكاح بنت الأخ، ~~وكان لملكهم، واسمه هيرودس، بنت أخ تعجبه يريد أن يتزوجها، فنهاه يحيى ~~عنها، وكان لها كل يوم حاجة يقضيها لها، فلما بلغ ذلك أمها قالت لها: إذا ~~سألك الملك ما حاجتك فقولي أن تذبح يحيى بن زكرياء، فلما دخلت عليه وسألها ~~ما حاجتك قالت: أريد أن تذبح يحيى بن زكرياء، فقال: اسألي غير هذا، قالت: ~~ما أسألك غيره، فلما أبت دعا بيحيى ودعا بطست فذبحه، فلما رأت الرأس قالت: ~~اليوم قرت عيني فصعدت الى سطح قصرها فسقطت منه إلى الأرض ولها كلاب ضارية ~~تحته، فوثبت الكلاب عليها فأكلتها وهي تنظر، وكان آخر ما أكل منها عيناها ~~لتعتبر، فلما قتل بذرت قطرة من دمه على الأرض، فلم تزل تغلي حتى بعث الله ~~بخت نصر عليهم، فجاءته امرأة فدلته على ذلك الدم، فألقى الله في قلبه أن ~~يقتل منهم على ذلك الدم حتى يسكن، فقتل منهم سبعين ألفا حتى سكن الدم. وقال ~~السدي نحو هذا، غير أن قال: أراد الملك أن يتزوج بنت امرأة له، فنهاه يحيى ~~عن ذلك، فطلبت المرأة من الملك قتل يحيى، فأرسل إليه فقتله وأحضر رأسه في ~~طست وهو يقول له: لا تحل لك، فبقي دمه يغلي، فطرح عليه تراب حتى بلغ سور ~~المدينة، فلم يسكن الدم، فسلط الله عليهم بخت نصر في جمع عظيم فحصرهم فلم ~~يظفر بهم، فأراد الرجوع ms0194 فأتته امرأة من بني اسرائيل فقالت: بلغني أنك تريد ~~العود قال: نعم، قد طال المقام وجاع الناس وقلت الميرة بهم وضاف عليهم، ~~فقالت: إن فتحت لك المدينة أتقتل من آمرك بقتله وتكف إذا أمرتك؟ قال: نعم، ~~قالت: اقسم جندك أربعة أقسام على نواحي المدينة، ثم ارفعوا أيديكم إلى ~~السماء وقولوا: اللهم إنا نستفتحك على دم يحيى بن زكرياء، ففعلوا، فخرب سور ~~المدينة، فدخلوها، فأمرتهم العجوز أن يقتلوا علي دم يحيى بن زكرياء حتى ~~يسكن، فلم يزل يقتل حتى قتل سبعين ألفا وسكن الدم، فأمرته بالكف، وكف. وخرب ~~بيت المقدس، وزمر أن تلقى فيه الجيف، وعاد ومعه دانيال وغيره من وجوه بني ~~اسرائيل، منهم عزريا وميشائيل ورأس الجالوت، فكان دانيال أكرم الناس عليه، ~~فحسدهم المجوس وسعوا بهم الى بخت نصر، وذكر نحو ما تقدم من إلقائهم إلى ~~السبع ونزول الملك عليهم ومسخ بخت نصر ومقامه في الوحش سبع سنين. وهذا ~~القول وما لم نذكره من الروايات من أن بخت نصر هو الذي خرب بيت المقدس وقتل ~~بني اسرائيل عدن قتلهم يحيى بن زكرياء باطل عند أهل السير والتاريخ وأهل ~~العلم بأمور الماضين، وذلك أنهم أجمعين مجمعون على أن بخت نصر غزا بني ~~اسرائيل عند قتلهم نبيهم شعيا في عهد إرميا بن حلقيا، وبين عهد إرميا وقتل ~~يحيى أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة عند اليهود والنصارى، ويذكرون أن ذلك في ~~كتبهم وأسفارهم مبين، وتوافقهم المجوس في مدة غزو بخت نصر بني اسرائيل الى ~~موت الإسكندر، وتخالفهم في مدة ما بين موت الاسكندر ومولد يحيى، فيزعمون أن ~~مدة ذلك كانت إحدى وخمسين سنة. PageV01P0100 # وأما ابن اسحاق فإنه قال: الحق أن بني اسرائيل عمروا بيت المقدس بعد ~~مرجعهم من بابل وكثروا ثم عادوا يحدثون الأحداث ويعود الله سبحانه عليهم ~~ويبعث فيهم الرسل، ففريقا يكذبون وفريقا يقتلون، حتى كان آخر من بعث الله ~~فيهم زكرياء وابنه يحيى وعيسى بن مريم، عليهم السلام، فتلوا يحيى وزكرياء، ~~فابتعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له جودرس، ms0195 فسار إليهم حتى دخل ~~عليهم الشام، فلما دخل عليهم بيت المقدس قال لقائد عظيم من عسكره اسمه ~~نبوزاذان، وهو صاحب الفيل: إني كنت حلفت لئن أنا ظفرت ببني إسرائيل ~~لأقتلنهم حتى يسيل دماؤهم في وسط عسكري إلى أن لا أجد من أقتله؛ وأمره أن ~~يدخل المدينة ويقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، فدخل نبوزاذان المدينة فأقام في ~~المدينة التي يقربون فيها فربانهم، فوجد فيها دما يغلي، فقال: يا بني ~~اسرائيل ما شأن هذا الدم يغلي؟ فقالوا: هذا دم قربان لنا لم يقبل فلذلك هو ~~يغلي. فقال: ما صدقتموني الخبر فقالوا: إنه قد انقطع منا الملك والنبوة ~~فلذلك لم يقبل منا، فذبح منهم على ذلك الدم سبعمائة وسبعين رجلا من رؤوسهم، ~~فلم يهدأ، فأمر بسبعمائة من علمائهم فذبحوا على الدم، فلم يهدأ، فلما رأى ~~الدم لا يبرد قال لهم: يا بني اسرائيل اصدقوني واصبروا على أمر ربكم، فقد ~~طال ما ملكتم في الأرض تفعلون ما شئتم، قبل أن لا أدع منكم نافخ نار أنثى ~~ولا ذكرا إلا قتلته. فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوه الخبر وقالوا: هذا ~~دم نبي كان ينهانا عن كثير مما يسخط الله ويخبرنا بخبركم، فلم نصدقه ~~وقتلناه فهذا دمه، فقال: ما كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن زكرياء، قال: الآن ~~صدقتموني، لمثل هذا انتقم ربكم منكم، وخر ساجدا وقال لمن حوله: أغلقوا ~~أبواب المدينة وأخرجوا من ها هنا من جيش جودرس، ففعلوا، وخلا في بني ~~اسرائيل ثم قال للدم: يا يحيى قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من زجلك وما ~~قتل منهم، فاهدأ بإذن الله قبل أن لا يبقى من قومك أحد، فسكن الدم، ورفع ~~نبوزاذان القتل، وقال: آمنت بما آمنت به بنو اسرائيل وصدقت به وأيقنت أنه ~~لا رب غيره، ثم قال لبني اسرائيل: إن جودرس أمرني أن أقتل فيكم حتى تسيل ~~دماؤكم في عسكره، ولست أستطيع أن أعصيه، قالوا: افعل، فأمرهم أن يحفروا ~~حفيرة، وأمر بالخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والإبل فذبحها حتى كثر ~~الدم ms0196 وأجرى عليه ماء، فسال الدم في العسكر، فأمر الدم بالقتلى الذين كان ~~قتلهم، فألقوا فوق المواشي، فلما نظر جودرس إلى الدم قد بغل عسكره أرسل إلى ~~نبوزاذان: أن ارفع القتل عنهم فقد انتقمت منهم بما فعلوا. وهي الوقعة ~~الأخيرة التي أنزل الله ببني اسرائيل، يقول الله تعالى لنبيه محمد، صلى ~~الله عليه وسلم: (وقضينا الى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ~~ولتعلن علوا كبيرا، فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس ~~شديد فجاسوا خلال الديار، وكان وعدا مفعولا، ثم رددنا لكم الكرة عليهم ~~وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا، إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن ~~أسأتم فلها، فإذا جاء وعد الآخرة ليسؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه ~~أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا، عسى ربكم أن يرحمكم، وإن عدتم عدنا ~~وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا) الاسراء: 4 - 8، و: (عسى) وعد من الله حق. ~~وكانت الوقعة الأولى بخت نصر وجنوده، ثم رد الله سبحانه لهم الكرة، ثم كانت ~~الوقعة الأخيرة جودرس وجنوده، وكانت أعظم الوقعتين، فيها كان خراب بلادهم ~~وقتل رجالهم وسبي ذراريهم ونسائهم، يقول الله تعالى: (وليتبروا ما علوا ~~تتبيرا). وزعم بعض أهل العلم أن قتل يحيى كان أيام أردشير بن بابك، وقيل: ~~كان قتله قبل رفع المسيح، عليه السلام، بسنة ونصف؛ والله أعلم. ### | AUT ذكر قتل زكريا # PageV01P0101 # لما قتل يحيى وسمع أبوه بقتله فر هاربا فدخل بستانا عند بيت المقدس فيه ~~أشجار، فأرسل الملك في طلبه، فمر زكرياء بالشجرة، فنادته: هلم إلي يا نبي ~~الله فلما أتاها انشقت فدخلها، فانطبقت عليه وبقي في وسطها، فأتى عدوا الله ~~إبليس فأخذ هدب ردائه فأخرجه من الشجرة ليصدقوه إذا أخبرهم، ثم لقي الطلب ~~فأخبرهم، فقال لهم: ما تريدون؟ فقالوا: نلتمس زكرياء، فقال: إنه سحر هذه ~~الشجرة فانشقت له فدخلها، قالوا: لا نصدقك قال: فإن لي علامة تصدقوني بها؛ ~~فأراهم طرف ردائه، فزخذوا الفؤوس وقطعوا الشجرة باثنتين وشقوها بالمنشار، ~~فمات زكرياء فيها، فسلط الله عليهم أخبث أهل الأرض فانتقم به ms0197 منهم. وقيل: ~~إن السبب في قتله أن إبليس جاء إلى مجالس بني اسرائيل فقذف زكرياء بمريم ~~وقال لهم: ما أحبلها غيره، وهو الذي كان يدخل عليها، فطلبوه فهرب، وذكر من ~~دخوله الشجرة نحو ما تقدم. ### | AUT ذكر ولادة المسيح عليه السلام # ### | AUT ونبوته إلى آخر أمره # كانت ولادة المسيح أيام ملوك الطوائف، قالت المجوس: كان ذلك بعد خمس ~~وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل، وبعد إحدى وخمسين سنة مضت من ملك ~~الأشكانيين، وقالت النصارى: إن ولادته كانت لمضي ثلاثمائة وثلاث وستين سنة ~~من وقت غلبة الإسكندر على أرض بابل، وزعموا أن مولد يحيى كان قبل مولد ~~المسيح بستة أشهر، وأن مريم، عليها السلام، حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، ~~وقيل: خمس عشرة، وقيل: عشرون، وأن عيسى عاش إلى أن رفع اثنتين وثلاثين سنة ~~وأياما، وأن مريم عشات بعده ست سنين، فكان جميع عمرها إحدى وخمسين سنة، وأن ~~يحيى قتل قبل أن يرفع المسيح، وأتت المسيح النبوة والرسالة وعمره ثلاثون ~~سنة. وقد ذكرنا حال مريم في خدمة الكنيسة، وكانت هي وابن عمها يوسف بن ~~يعقوب بن ماثان النجار يليان خدمة الكنيسة، وكان يوسف حكيما نجارا يعمل ~~بيديه ويتصدق بذلك، وقالت النصارى: إن مريم كان قد تزوجها يوسف ابن عمها ~~إلا أنه لم يقربها إلا بعد رفع المسيح، والله أعلم. وكانت مريم إذا نفد ~~ماؤها وماء يوسف ابن عمها أخذ كل واحد منهما قلته وانطلق إلى المغارة التي ~~فيها الماء يستعذبان منه ثم يرجعان الى الكنيسة، فلما كان اليوم الذي لقيها ~~فيه جبرائيل نفد ماؤها فقالت ليوسف ليذهب معها إلى الماء، فقال: عندي من ~~الماء ما يكفيني إلى غد، فأخذت قلتها وانطلقت وحدها حتى دخلت المغارة، ~~فوجدت جبرائيل قد مثله الله (لها بشرا سويا) مريم: 17، فقال لها: يا مريم ~~إن الله قد بعثني إليك (لأهب لك غلاما زكيا) مريم: 19، (قالت: إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا) مريم: 18 أي مطيعا لله، وقيل: هو اسم رجل بعينه، ~~وتحسبه رجلا، (قال: ms0198 إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا، قالت: أنى يكون ~~لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا - أي زانية - قال: كذلك قال ربك)، إلى ~~قوله: (أمرا مقضيا) مريم: 19 - 21. PageV01P0102 # فلما قال ذلك استسلمت لقضاء الله، فنفخ في جيب درعها ثم انصرف عنها وقد ~~حملت بالمسيح، وملأت قلتها وعادت، وكان لا يعلم في أهل زمانها أعبد منها ~~ومن ابن عمها يوسف النجار، وكان معها، وهو أول من أنكر حملها، فلما رأى ~~الذي بها استعظمه ولم يدر على ماذا يضع ذلك منها، فإذا أراد يتهمها ذكر ~~صلاحها وأنها لم تغب عنه ساعة قط، وإذا أراد يبرئها رأى الذي بها، فلما ~~اشتد ذلك عليه كلمها فكان أول كلامه لها أن قال لها: إنه قد وقع من أمرك ~~شيء قد حرصت على أن أميته وأكتمه فغلبني، فقالت: قل قولا جميلا، فقال: ~~حدثيني هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم، قال: فهل ينبت شجر بغير غيث ~~يصيبه؟ قالت: نعم، قال: فهل يكون ولد بغير ذكر؟ قالت له: نعم، ألم تعلم أن ~~الله أنبت الزرع يوم خلقه بغير بذر ألم تعلم أن الله خلق الشجر من غير مطر ~~وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجر بعدما خلق كل واحد منهما وحده أو ~~تقول لن يقدر الله على أن ينبت حتى يستعين بالبذر والمطر قال يوسف: لا أقول ~~هكذا ولكني أقول إن الله يقدر على ما يشاء، إنما يقول لذلك كن فيكون، قالت ~~له: ألم تعلم أن الله خلق آدم وحواء من غير ذكر ولا أنثى قال: بلى، فلما ~~قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله لا يسعه أن يسألها عنه ~~لما رأى من كتمانها له. وقيل: إنها خرجت إلى جانب الحجرات لحيض أصابها ~~فاتخذت من دونهم حجابا من الجدران، فلما طهرت إذا برجل معها، وذكر الآيات، ~~فلما حملت أتتها خالتها امرأة زكرياء ليلة تزورها، فلما فتحت لها الباب ~~التزمتها، فقالت امرأة زكرياء: إني حبلى، فقالت لها مريم: وأنا أيضا ms0199 حبلى، ~~قالت امرأة زكرياء: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك. وولدت امرأة ~~زكرياء يحيى، وقد اختلف في مدة حملها، فقيل: تسعة أشهر، وهو قول النصارى، ~~وقيل: ثمانية أشهر، فكان ذلك آية أخرى لأنه لم يعش مولود لثمانية أشهر ~~غيره، وقيل: ستة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة، وهو أشبه بظاهر ~~القرآن العزيز لقوله تعالى: (فحملته فانتبذت به مكانا قصيا) مريم: 22؛ عقبه ~~بالفاء. فلما أحست مريم خرجت الي جانب المحراب الشرقي فأتت أقصاه (فاجاءها ~~المخاض إلى جذع النخلة، قالت) وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس - (يا ~~ليتني مت قبل هذا، وكنت نسيا منسيا)، مريم: 23 يعني نسي ذكري وأثري فلا يرى ~~لي أثر ولا عين، قالت مريم: كنت إذا خلوت حدثني عيسى وحدثته، فإذا كان ~~عندنا إنسان سمعت تسبيحه في بطني، (فناداها) جبرائيل (من تحتها) - أي من ~~أسفل الجبل - (ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا) مريم: 24، وهو النهر ~~الصغير، أجراه تحتها، فمن قرأ: من تحتها، بكسر الميم، جعل المنادي جبرائيل، ~~ومن فتحها قال إنه عيسى، أنطقه الله، (وهزي إليك بجذع النخلة) مريم: 25، ~~كان جذعا مقطوعا فهزته فإذا هو نخلة، وقيل: كان مقطوعا فلما أجهدها الطلق ~~احتضنته فاستقام واخضر وأرطب، فقيل لها: (وهزي إليك بجذع النخلة)، فهزته ~~فتساقط الرطب فقال لها: (فكلي واشربي وقري عينا، فإما ترين من البشر أحدا ~~فقولي: إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا) مريم: 26، وكان من صام ~~في ذلك الزمان لا يتكلم حتى يمسي. فلما ولدته ذهب إبليس فأخبر بني إسرائيل ~~أن مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدون بدعوتها، (فأتت به قومها تحمله) مريم: 27. ~~وقيل: إن يوسف النجار تركها في مغارة أربعين يوما ثم جاء بها الى أهلها، ~~فلما رأوها قالوا لها: (يا مريم لقد جئت شيئا فريا، يا أخت هارون ما كان ~~أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا) مريم: 27 - 28 فما بالك أنت؟ وكانت من ~~نسل هارون أخي موسى، كذا قيل. قلت: إنها ليست من نسل هارون إنما ms0200 هي من سبط ~~يهوذا بن يعقوب من نسل سليمان بن داود، وإنما كانوا يدعون بالصالحين، ~~وهارون من ولد لاوي بن يعقوب. PageV01P0103 # قالت لهم ما زمرها الله به، فلما أرادوها بعد ذلك على الكلام (أشارت ~~إليه)، فغضبوا وقالوا: لسخريتها بنا أشد علينا من زنائها، (قالوا: كيف نكلم ~~من كان في المهد صبيا) مريم: 29، فتكلم عيسى فقال: (إني عبد الله آتاني ~~الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصاة والزكاة ما دمت ~~حيا) مريم: 30 - 31، فكان أول ما تكلم به العبودية ليكون أبلغ في الحجة على ~~من يعتقد أنه إله. وكان قومها قد أخذوا الحجارة ليرجموها، فلما تكلم ابنها ~~تركوها، ثم لم يتكلم بعدها حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان، وقال بنو ~~اسرائيل: ما زحبلها غير زكرياء فإنه هو الذي كان يدخل عليها ويخرج من ~~عندها، فطلبوه ليقتلوه، ففر منه، ثم أدركوه فقتلوه. وقيل في سبب قتله غير ~~ذلك، وقد تقدم ذكره. وقيل: إنه لما دنا نفاسها أوحى الله إليها: أن اخرجي ~~من أرض قومك فإنهم إن ظفروا بك عيروك وقتلوك وولدك، فاحتملها يوسف النجار ~~وسار بها إلى أرض مصر، فلما وصلا إلى تخوم مصر أدركها المخاض، فلما وعضت ~~وهي محزونة قيل لها: (لا تحزني)، الآية إلى (إنسيا) فكان الرطب يتساقط ~~عليها، وذلك في الشتاء، وأصبحت الأصنام منكوسة على رؤوسها، فوزعت الشياطين ~~فجاؤوا إلى إبليس، فلما رأى جماعتهم سألهم فأخبروه، فقال: قد حدث في الأرض ~~حادث، فطار عند ذلك وغاب عنهم فمر بالمكان الذي ولد فيه عيسى فرأى الملائكة ~~محدقين به، فعلم أن الحدث فيه، ولم تمكنه الملائكة من الدنو من عيسى، فعاد ~~الى أصحابه وأعلمهم بذلك وقال لهم: ما ولدت امرأة إلا وأنا حاضر، وإني ~~لأرجو أن أضل به أكثر ممن يهتدي. واحتملته مريم الي أرض مصر فمكثت اثنتي ~~عشرة سنة تكتمه من الناس، فكانت تلتقط السنبل والمهد في منكبيها. قلت: ~~والقول الأول في ولادته بأرض قومها للقرآن أصح لقول الله تعالى: (فأتت به ~~قومها تحمله) مريم: 27، وقوله: (كيف نكلم ms0201 من كان في المهد صبيا) مريم: 29. ~~وقيل إن مريم حملت المسيح الى مصر بعد ولادته ومعها يوسف النجار، وهي ~~الربوة التي ذكرها الله تعالى، وقيل: الربوة دمشق، وقيل: بيت المقدس، وقيل ~~غير ذلك، فكان سبب ذلك الخوف من ملك بني اسرائيل، وكان من الروم، واسمه ~~هيرودس، فإن اليهود أغروه بقتله، فساروا الى مصر وأقاموا بها اثنتي عشرة ~~سنة الى أن مات ذلك الملك، وعادوا الى الشام، وقيل: إن هيرودس لم يرد قتله ~~ولم يسمع به إلا بعد رفعه، وإنما خافوا اليهود عليه، والله أعمل. ### || AUT ذكر نبوة المسيح وبعض معجزاته # لما كانت مريم بمصر نزلت على دهقان، وكانت داره يزوي إليها الفقراء ~~والمساكين، فسرق له مال، فلم يتهم المساكين، فحزنت مريم، فلما رأى عيسى حزن ~~أمه قال: أتريدين أن أدله على ماله؟ قالت: نعم، قال: إنه أخذه الأعمى ~~والمقعد، اشتركا فيه، حمل الأعمى المقعد فأخذه، فقيل للأعمى ليحمل المقعد، ~~فأظهر العجز، فقال له المسيح: كيف قويت على حمله البارحة لما أخذتما المال؟ ~~فاعترفا وأعاداه. ونزل بالدهقان أضياف ولم يكن عندهم شراب، فاهتم لذلك، ~~فلما رآه عيسى دخل بيتا للدهقان فيه صفان من جرار فأمر عيسى يده على ~~أفواهها وهو يمشي، فامتلأت شرابا، وعمره حينئذ اثنتا عشرة سنة. وكان في ~~الكتاب يحدث الصبيان بما يصنع أهلوهم وبما كانوا يأكلون. قال وهب: بينما ~~عيسى يلعب مع الصبيان إذ وثب غلام على صبي فضربه برجله فقتله فألقاه بين ~~رجلي المسيح متلطخا بالدم، فانطلقوا به الى الحاكم في ذلك البلد فقالوا: ~~قتل صبيا، فسأله الحاكم، فقال: ما قتلته، فأرادوا أن يبطشوا به، فقال: ~~إيتوني بالصبي حتى أسأله من قتله، فتعجبوا من قوله وأحضروا عنده القتيل، ~~فدعا الله فأحياه، فقال: من قتلك؟ فقال: قتلني فلان، يعني الذي قتله، فقال ~~بنو اسرائيل للقتيل: من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم، ثم مات الغلام من ~~ساعته. PageV01P0104 # وقال عطاء: سلمت مريم الى صباغ يتعلم عنده، فاجتمع عند الصباغ ثياب وعرض ~~له حاجة، فقال المسيح: هذه ثياب مختلفة الألوان ms0202 وقد جعلت في كل ثوب منها ~~خيطا على اللون الذي يصبغ به فاصبغها حتى أعود من حاجتي هذه، فأخذها المسيح ~~وألقاها في حب واحد، فلما عاد الصباغ سأله عن الثياب فقال: صبغتها، فقال: ~~أين هي؟ قال: في هذا الحب، قال: كلها؟ قال: نعم، قال: لقد أفسدتها على ~~أصحابها وتغيظ عليه، فقال له المسيح: لا تعجل وانظر إليها، وقام وأخرجها كل ~~ثوب منها على اللون الذي أراد صاحبه فتعجب الصباغ منه وعلم أن ذلك من الله ~~تعالى. ولما عاد عيسى وأمه الى الشام نزلا بقرية يقال لها ناصرة، وبها سميت ~~النصارى، فأقام إلى أن بلغ ثلاثين سنة، فأوحى الله إليه أن يبرز للناس ~~ويدعوهم إلى الله تعالى ويداوي المرضى والزمنى والأكمه والأبرص وغيرهم من ~~المرضى، ففعل ما أمر به، وأحبه الناس، وكثر أتباعه، وعلا ذكره. وحضر يوما ~~طعام بعض الملوك كان دعا الناس إليه، فقعد على قصعة يزكل منها ولا تنقص، ~~فقال الملك: من أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم، فنزل الملك عن ملكه وابتعه في ~~نفر من أصحابه فكانوا الحواريين. وقيل: إن الحواريين هم الصبآغ الذي تقدم ~~ذكره وأصحاب له، وقيل: كانوا صيادين، وقيل: قصارين، وقيل: ملاحين، والله ~~أعلم، وكانت عدتهم اثني عشر رجلا، وكانوا إذا جاعوا أو عطشوا قالوا: يا روح ~~الله قد جعنا وعطشنا، فيضرب يده إلى الأرض فيخرج لكل إنسان منهم رغيفين وما ~~يشربون، فقالوا: من أفضل منا، إذا شئنا أطعمتنا وسقيتنا فقال: أفضل منكم من ~~يأكل من كسب يده، فصاروا يغسلون الثياب بالأجرة. ولما أرسله الله أظهر من ~~المعجزات أنهه صور من الطين صورة طائر ثم نفخ فيه فيصير طائرا بإذن الله، ~~قيل هو الخفاش. وكان غالبا على زمانه الطب فأتاهم بما أبرأ الأكمه والأبرص ~~وأحيا الموتى تعجيزا لهم، فممن أحياه عازر، وكان صديقا لعيسى، فمرض، فأرسلت ~~أخته إلى عيسى أن عازر يموت، فسار إليه وبينهما ثلاثة أيام، فوصل إليه وقد ~~مات منذ ثلاثة أيام، فأتى قبره فدعا له فعاش، وبقي حتى ولد له، وأحيا امرأة ms0203 ~~وعاشت وولد لها، وأحيا سام بن نوح، كان يوما مع الحواريين يذكر نوحا والغرق ~~والسفينة فقالوا: لوبعثت لنا من شهد ذلك فأتى تلا وقال: هذا قبر سام بن ~~نوح، ثم دعا الله فعاش، وقال: قد قامت القيامة؟ فقال المسيح: لا ولكن دعوت ~~الله فأحياك، فسألوه فأخبرهم، ثم عاد ميتا، وأحيا عزيرا النبي، قال له بنو ~~اسرائيل، احي لنا عزيرا وإلا أحرقناك، فدعا الله فعاش، فقالوا: ما تشهد ~~لهذا الرجل؟ قال: أشهد أنه عبد الله ورسوله، وأحيا يحيى بن زكرياء. ### || AUT ذكر نزول المائدة # وكان من المعجزات العظيمة نزول المائدة. وسبب ذلك: أن الحواريين قالوا ~~له: يا عيسى (هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟) المائدة: 112 ~~فدعا عيسى فقال: (اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا ~~لأولنا وآخرنا) المائدة: 114، فأنزل الله المائدة عليها خبز ولحم يأكلون ~~منها ولا تنفد، فقال لهم: إنها مقيمة ما لم تذخروا منها، فما مضي يومهم حتى ~~اذخروا، وقيل: أقبلت الملائكة تحمل المائدة عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات ~~حتى وضعوها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم؛ وقيل: كان ~~عليها منثمار الجنة، وقيل: كانت تمد بكل طعام إلا اللحم، وقيل: كانت سمكة ~~فيها طعم كل شيء، فلما زكلوا منها، وهم خمسة آلاف، وزادت حتى بلغ الطعام ~~ركبهم، قالوا: نشهد أنك رسول الله، ثم تفرقوا فتحدثوا بذلك، فكذب به من لم ~~يشهده، وقالوا: سحر أعينكم، فافتتن بعضهم وكفر، فمسخوا خنازير ليس فيهم ~~امرأة ولا صبي، فبقوا ثلاثة أيام ثم هلكوا ولم يتوالدوا. PageV01P0105 # وقيل: كانت المائدة سفرة حمراء تحتها غمامة وفوقها غمامة وهم ينظرون ~~إليها تنزل حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين ~~اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة ولا عقوبة واليهود ينطرون إلى شيء لم ~~يروا مثله ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحها، فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام ~~الدنيا أم من طعام الجنة؟ فقال المسيح: لا من طعام الدنيا ولا من طعام ~~الآخرة، إنما ms0204 هو شيء خلقه الله بقدرته، فقال لهم: كلوا مما سألتم، فقالوا ~~له: كل أنت يا روح الله، فقال: معاذ الله أن آكل منها فلم يأكل ولم يأكلوا ~~منها، فدعا المرضى والزمنى والفقراء، فأكلوا منها، وهم ألف وثلاثمائة، ~~فشبعوا، وهي بحالها لم تنقص، فصح المرضى والزمنى، واستغنى الفقراء، ثم صعدت ~~وهم ينظرون إليها حتى توارت، وندم الحواريون حيث يأكلوا منها. وقيل: إنها ~~نزلت أربعين يوما، كانت تنزل يوما وتنقطع يوما، وأمر الله عيسى أن يعدو ~~إليها الفقراء دون الأغنياء، ففعل ذلك، فاشتد على الأغنياء وجحدوا نزولها ~~وشكوا في ذلك وشككوا غيرهم فيها، فأوحى الله إلى عيسى: إني شرطت أن أعذب ~~المكذبين عذابا لا أعذب به أحدا من العالمين، فمسخ منهم ثلاثمائة وثلاثة ~~وثلاثين رجلا فأصبحوا خنازير، فلما رأى الناس ذلك فزعوا الى عيسى وبكوا ~~وبكى عيسى على الممسوخين، فلما أبصرت الخنازير عيسى بكوا وطافوا به وهو ~~يعدوهم بأسمائهم ويشيرون برؤوسهم ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا. ### || AUT ذكر رفع المسيح إلى السماء # ### || AUT ونزوله إلى أمه وعوده إلى السماء # قيل: إن عيسى استقبله ناس من اليهود، فلما رأوه قالوا: قد جاء الساحر ~~ابن الساح الفاعل ابن الفاعلة وقذفوه وأمه، فسمع ذلك ودعا عليهم، فاستجاب ~~الله دعاءه ومسخهم خنازير، فلما رأى ذلك رأى بني اسرائيل فزع وخاف وجمع ~~كلمة اليهود على قتله، فاجتمعوا عليه، فسألوه، فقال: يا معشر اليهود إن ~~الله يبغضكم، فغضبوا من مقالته وثاروا إليه ليقتلوه، فبعث إليه جبرائيل ~~فأدخله في خوخة إلى بيت فيها روزنة في سقفها فرعه إلى السماء من تلك ~~الروزنة، فأمر رأس اليهود رجلا من أصحابه اسمه قطيبانوس أن يدخل إليه ~~فيقتله، فدخل فلم ير أحدا، وألقى الله عليه شبه المسيح، فخرج إليم فظنوه ~~عيسى، فقتلوه وصلبوه. وقيل: إن عيسى قال لأصحابه: أيكم يحب أن يلقى عليه ~~شبهي وهو مقتول؟ فقال رجل منهم: زنا يا روح الله، فألقي عليه شبهه، فقتل ~~وصلب. وقيل: إن الذي شبه بعيسى وصلب رجل اسرائيلي اسمه يوشع أيضا. ms0205 وقيل لما ~~أعلم الله المسيح أنه خارج من الدنيا جزع منالموت فدعا الحواريين فصنع لم ~~طعاما فقال: احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا عشاهم وقام ~~يخدمهم، فلما فرغوا أخذ يغسل أيديهم بيده ويمسحها بثيابه، فتعاظموا ذلك ~~وكرهوه، فقال: من يرد علي الليلة شيئا مما أصنع فليس مني، فأقروه حتى فرغ ~~من ذلك، ثم قال: أما ما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي فليكن لكم بي ~~أسوة فلا يتعاظم بعضكم على بعض، وأما حاجتي التي أستغيثكم عليها فتدعون ~~الله لي وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي، فلما نصبوا أنفسهم للدعاء أخذهم ~~النوم حتى ما يستطيعون الدعاء، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله ما تصبرون لي ~~ليلة قالوا: والله ما ندري ما لنا، لقد كنا نسمر فنكثر السمر ومانقدر عليه ~~الليلة، وكلما أردنا الدعاء حيل بيننا وبينه، فقال: يذهب بالراعي ويتفرق ~~الغنم؛ وجعل ينعى نفسه، ثم قال: ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث ~~مرات، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني. فخرجوا وتفرقوا، وكانت ~~اليهود تطلبه، فزخذوا شمعون، أحد الحواريين، وقالوا: هذا صاحبه. ~~PageV01P0106 # واختلف العلماء في موته قبل رفعه إلى السماء، فقيل: رفع ولم يمت، وقيل: ~~توفاه الله ثلاث ساعات وقيل سبع ساعات، ثم أحياه ورفعه، ولما رفع إلى ~~السماء قال الله له: انزل: فلما قالوا لشمعون عن المسيح جحد وقال: ما أنا ~~صاحبه فتركوه، فعلوا ذلك ثلاثا، فلما سمع صياح الديك بكى وأحزنه ذلك، وأتى ~~أحد الحواريين الى اليهود فدلهم على المسيح وأعطوه ثلاثين درهما فأتى معهم ~~إلى البيت الذي فيه المسيح، فدخله، فرفع الله المسيح وألقى شبهه على الذي ~~دلهم عليه، فأخذوه وأوثقوه وقادوه وهم يقولون له: أنت كنت تحيي الموتى ~~وتفعل كذا وكذا فهلا تنجي نفسك؟ وهو يقول: أنا الذي دلكم عليه، فلم يصغوا ~~إلى قوله ووصلوا به إلى الخشبة وصلبوه عليها. وقيل: إن اليهود لما دلهم ~~عليه الحواري اتبعوه وأخذوه من البيت الذي كان فيه ليصلبوه، فأظلمت الأرض، ~~وأرسل الله ملائكة فحالوا بينهم وبينه، وألقى شبه ms0206 المسيح على الذي دلهم ~~عليه، فأخذوه ليصلبوه، فقال: أنا الذي دلكم عليه، فلم يلفتوا إليه فقتلوه ~~وصلبوه عليها، ورفع الله المسيح إليه بعد أن توفاه ثلاث ساعات، وقيل: سبع ~~ساعات، ثم أحياه ورفعه، ثم قال له: انزل إلى مريم، فإنه لم يبك عليك أحد ~~بكاءها ولم يحزن أحد حزنها، فنزل عليها بعد سبعة أيام، فاشتعل الجبل حين ~~هبط نورا، وهي عند المصلوب تبكي ومعها امرأة كان أبرأها من الجنون، فقال: ~~ما شأنكما تبكيان؟ قالتا: عليك قال: إني رفعني الله إليه ولم يصبني إلا ~~خير، وإن هذا شيء شبه لهم، وأمرها فجمعت له الحواريين، فبثهم في الأرض رسلا ~~عن الله وأمرهم أن يبلغوا عنه ما أمره الله به، ثم رفعه الله إليه وكساه ~~الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وطار مع الملائكة، فهو ~~معهم، فصار إنسيا ملكيا أرضيا، فتفرق الحواريون حيث أمرهم، فتلك الليلة ~~التي أهبطه الله فيها هي التي تدخن فيها النصارى، وتعدى اليهود على بقية ~~الحواريين يعذبونهم ويشتمونهم، فسمع بذلك ملك الروم، واسمه هيرودس، وكانوا ~~تحت يده، وكان صاحب وثن، فقيل: له: إن رجلا كان في بني اسرائيل وكان يفعل ~~الآيات من إحياء الموتى وخلق الطير من الطين والإخبار عن الغيوب فعدوا عليه ~~فقتلوه، وكان يخبرهم أنه رسول الله، فقال الملك: ويحكم ما منعكم أن تذكروا ~~هذا من زمره، فوالله لو علمت ما خليت بينهم وبينه ثم بعث إلى الحواريين ~~فانتزعهم من أيدي اليهود وسألهم عن دين عيسى، فزخبروه، وتابعهم على دينهم ~~واستنزل المصلوب الذي شبه لهم فغيبه، وأخذ الخشبة التي صلب عليها فأكرمها ~~وصانها، وعدا على بني اسرائيل فقتل منهم قتلى كثيرة، فمن هناك كان أصل ~~النصرانية في الروم. وقيل: كان هذا الملك هيرودس ينوب عن ملك الروم الأعظم ~~الملقب قيصر، واسمه طيباريوس، وكان هذا أيضا يسمى ملكا، وكان ملك طيباريوس ~~ثلاثا وعشرين سنة، منها إلى ارتفاع المسيح ثماني عشرة سنة وأيام. ### | AUT ذكر من ملك من الروم بعد رفع المسيح # ### | AUT إلى عهد نبينا محمد ms0207 صلى الله عليه وسلم # PageV01P0107 # زعموا أن ملك الشام جميعه صار بعد طيباريوس إلى ولده جايوس، وكان ملكه ~~أربع سنين، ثم ملك بعده ابن له آخر اسمه قلوديوس أربع عشرة سنة، ثم ملك ~~بعده نيرون الذي قتل بطرس وبولس فصلبهما منكسين أربع عشرة سنة، ثم ملك بعده ~~بوطلايس أربعة أشهر، ثم ملك اسفسيانوس، وهذا الذي وجه ابنه طيطوس الى البيت ~~المقدس فهدمه وقتل من بني اسرائيل غضبا للمسيح، ثم ملك ابنه طيطوس، ثم ملك ~~أخوه دومطيانوس ست عشرة سنة، ثم ملك بعده نارواس ست سنين، ثم ملك من بعده ~~طرايانوس تسع عشرة سنة، ثم ملك بعده هدريانوس إحدى وعشرين سنة، ثم ملك من ~~بعده أنطونينوس بن بطيانوس اثنتين وعشرين سنة، ثم ملك مرقوس وأولاده تسع ~~عشرة سنة، ثم ملك بعده قومودوس ثلاث عشرة سنة، ثم ملك من بعده فرطيناجوس ~~ستة أشهر، ثم ملك بعده سيواروش أربع عشرة سنة، ثم ملك بعده انطينانوس سبع ~~سنين، ثم ملك من بعده مرقيانوس ست سنين، ثم ملك من بعده انطينانوس أربع ~~سنين، وفي ملكه مات جالينوس الطبيب، ثم ملك الخسندروس ثلاث عشرة سنة، ثم ~~ملك مكسيمانوس ثلاث سنين، ثم ملك جورديانوس ست سنين، ثم فيلفوس سبع سنين، ~~ثم ملك داقيوس ست سنين، ثم ملك قالوس ست سنين، ثم ملك والرييانوس وقالينوس ~~خمس عشرة سنة، ثم ملك قلوديوس سنة، ثم ملك قريطاليوس شهرين، ثم ملك ~~أورليانوس خمس سنين، ثم ملك طيقطوس ستة أشهر، ثم ملك فولورنوس خمسة وعشرين ~~يوما، ثم ملك فروبوس ست سنين ثم قوروس وابناه سنتين، ثم ملك دقلطيانوس ست ~~سنين، ثم ملك مخسيميانوس عشرين سنة، ثم قسطنطين ثلاثين سنة، ثم ملك يليانوس ~~سنتين، ثم ملك يويانوس سنة، ثم ملك والنطيانوس وغرطيانوس عشر سنين، ثم ملك ~~خرطيانوس ووالنطيانوس الصغير سنة، ثم ملك تيداسيس الأكبر سبع عشرة سنة، ثم ~~ارقاديوس وانورويوس عشرين سنة، ثم ملك تياداسيس الأصغر ووالنطيانوس ست عشرة ~~سنة، ثم ملك مرقيانوس سبع سنين، ثم لاو ست عشرة سنة، ثم ملك زانون ثماني ms0208 ~~عشرة سنة، ثم ملك انسطاس سبعا وعشرين سنة، ثم ملك يوسطينانوس تسع سنين، ثم ~~ملك يوسطينانوس الشيخ عشرين سنة، ثم ملك يوسطينس اثنتي عشرة سنة، ثم ملك ~~طيباريوس ست سنين، ثم مريقيش وتاداسيس ابنه عشرين سنة، ثم ملك فوقا الذي ~~قتل سبع سنين وستة أشهر، ثم هرقل الذي كتب إليه النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~ثلاث سنين. فمن لدن عمر البيت المقدس بعد زن أخربه بخت نصر إلى الهجرة، علي ~~قولهم، ألف سنة ونيف، ومن ملك الإسكندر رليها تسعمائة ونيف وعشرون سنة، فمن ~~ذلك من وقت ظهوره الى مولد عيسى، عليه السلام، ثلاثمائة سنة وثلاث سنين، ~~ومن مولده الى ارتفاعه اثنتان وثلاثون سنة، ومن وقت ارتفاعه الى الهجرة ~~خمسمائة وخسم وثمانون سنة وأشهر. هذا الذي ذكره أبو جعفر من عدد ملوك ~~الروم، وقد زخلى ذكرهم عن شيء من الحوادث التي كانت في أيامهم، وقد سطرها ~~غيره من العلماء بالتاريخ وخالفه في كثير منها ووافقه في الباقي مع مخالفة ~~الاسم وضاف الى أسمائهم ذكر شيء من الحوادث في أيامهم، وأنا أذكره مختصرا، ~~إن شاء الله. ### | AUT ذكر ملوك الروم وهم ثلاث طبقات # ### | AUT فالطبقة الأولى الصابئون # PageV01P0108 # ذكر غير واحد من علماء التاريخ أن الروم غلبت الوينان، وهم ولد صوفير، ~~والاسرائيليون يدعون أن صوفير، هو الأصفر بن نفر بن عيص بن اسحاق بن ~~ابراهيم، وكانوا ينزلون رومية قبل غلبتهم على اليونان، وكانوا يدينون قبل ~~النصرانية بمذهب الصابئين، ولهم أصنام يعبدونها على عادة الصابئين، فكان ~~أول ملوكهم برومية غاليوس، وكان ملكه ثماني عشرة سنة، وقيل: كان ملك قبله ~~روملس وارمانوس، وهما بنياها، وإليهما نسبت، وأضيف الروم إليها، وإنما ~~غاليوس أول من يعد في التاريخ لشهرته، ثم ملك بعده يوليوس أربع سنين وأربعة ~~أشهر، ثم ملك أوغسطس، ومعناه الصباء، وهو أول من سمي قيصر، وتفسير ذلك أنه ~~شق عنه بطن أمه لأنها ماتت وهي حامل به، فزخرج من بطنها، ثم صار ذلك لقبا ~~لملوكهم، وكان ملكه ستا وخمسين سنة وخمسة أشهر، وأكثر المؤرخين يبتدئون ms0209 ~~باسمه لأنه أول من خرج من رومية وسير الجنود برا وبحرا، وغزا اليونانيين، ~~واستولى على ملكهم، وقتل قلوبطرة آخر ملوكهم، واستولى على الاسكندرية ونقل ~~ما فيها الى رومية، وملك الشام، واضمحل ملك اليونانيين، ودخلوا في الروم، ~~واستخلف على البيت المقدس هيرودس بن أنطيقوس؛ ولاثنتين وأربعين سنة من ملكه ~~كانت والدة المسيح، وهو الذي بنى قيصارية. ثم ملك بعده طيباريوس ثلاثا ~~وعشرين سنة، وهو الذي بنى مدينة طبرية، فأضيفت إليه، وعربها العرب؛ وفي ~~ملكه رفع المسيح، عليه السلام، وملك بعد رفعه ثلاث سنين. ثم ملك بعده ابنه ~~غايوس أبرع سنين، وهو الذي قتل اصطفنوس رئيس الشمامسة عند النصارى ويعقوب ~~أخا يوحنا بن زبدي، وهما من الحواريين، وقتل خلقا من النصارى، وهو أول ~~الملوك من عباد الأصنام قتل النصارى. ثم ملك قلوديوس بن طيباريوس أربع عشرة ~~سنة، وفي ملكه حبس شمعون الصفا، ثم خلص شمعون من الحبس وسار الى انطاكية، ~~فدعا الى النصرانية، ثم سار الى رومية فدعا أهلها أيضا، فأجابته زوجة الملك ~~وسارت إلى البيت المقدس وأخرجت الخشبة التي تزعم النصارى أن المسيح صلب ~~عليها، وكانت في أيدي اليهود، فأخذتها وردتها الى النصارى. ثم ملك نيرون ~~ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر، وفي آخر ملكه قتل بطرس وبولس بمدينة رومية ~~وصلبهما منكسين، وفي أيامه ظفرت اليهود بيعقوب بن يوسف، وهو أول الاساقفة ~~بالبيت المقدس، فقتلوه وأخذوا خشبة الصليب فدفنوها، وفي أيامه كان مارينوس ~~الحكيم صاحب كتاب الجغرافيا في صورة الأرض. ثم ملك بعده غلباس سبعة أشهر؛ ~~ثم ملك أوثون ثلاثة أشهر؛ ثم ملك بيطاليس أحد عشر شهرا، ثم ملك اسباسيانوس ~~سبع سنين وسبعة أشهر، وفي أيامه خالف أهل البيت المقدس قيصر فحصرهم وافتتح ~~المدينة عنوة وقتل كثيرا من زهلها من اليهود والنصارى وعمهم الأذى في ~~أيامه. ثم ملك بانه طيطوس سنتين وثلاثة أشهر، وفي أيامه أظهر مرقيون مقالته ~~بالاثنين، وهما: الخير والشر، وبعد ثالث بينهما، وإليه تنسب المرقونية؛ وهو ~~من أهل حران. ثم ملك ذومطيانش بن اسباسيانوس خمس عشرة سنة وعشرة أشهر، ms0210 ~~ولتسع سنين من ملكه بمدينة أفسيس، ثم ملك إيليا اندريانوس عشرين سنة، وقتل ~~من اليهود والنصارى خلقا كثيرا لخلاف كان منهم عليه، وأخرب البيت المقدس، ~~وهو آخر خرابه، فلما مضى من ملكه ثماني سنين عمره أيضا وسماه إيليا، فبقي ~~الاسم عليه، فكان قبل ذلك يسمى أورشلم، وأسكن المدينة جماعة من الروم ~~واليونان، وبنى هيكلا عظيما للزهرة، وكان علاي البنيان، فهدم من أعلاه ~~كثير، وهو باق الى يومنا هذا، وهو سنة ثلاث وستمائة، وقد رأيته، وهو محكم ~~البناء، ولا أدري كيف نسب الى داود وقد بني بعده بدهر طويل، على أنني سمعت ~~بالبيت المقدس من جماعة يذكرون أن داود بناه وكان يتفرغ فيه لعبادته. وفي ~~أيام هذا الملك كان ساقيدس الفيلسوف الصامت. PageV01P0109 # ثم ملك أنطنينس بيوس اثنتين وعشرين سنة، وفي أيامه كان بطلميوس صاحب ~~المجسطي والجغرفايا وغيرهما؛ وقيل: إنه من ولد قلوديوس، ولهذا قيل له ~~القلودي نسبة إليه، وهو السادس من ملوك الروم، ودليل كونه في هذا الزمان ~~وليس من ملوك اليونان أنه ذكر في كتاب المجسطي أنه رصد الشمس بالإسكندرية ~~سنة ثمانمائة وثمانين لبخت نصر، وكان من ملك بخت نصر الى قتل دارا أربعمائة ~~وتسع وعشرون سنة وثلاثمائة وستة عشر يوما، ومن قتل دارا الى زوال ملك ~~قلوبطرة لملكة آخر ملوك اليونان على يد أوغسطس مائتا سنة وست وثمانون سنة، ~~ومذ غلبة أوغسطس الى انطنينوس مائة وسبع وستون سنة، فمذ ملك بخت نصر الى ~~أدريانوس ثمانمائة وثلاث وثمانون سنة تقريبا، وهذا موافق لما حكاه بطلميوس. ~~قال: ومن زعم أن ابن قلوبطرة آخر ملوك اليونانيهين فقد أبطل ذكر هذا بعض ~~العلماء بالتاريخ وعد موك اليونان وذكر مدة ملكهم على ما قال، وأما أبو ~~جعفر الطبري فإنه ذكر في مدة ملكهم ماذتي سنة وسبعا وعشرين سنة، على ما ~~تقدم ذكره. ثم ملك بعده مرقس، ويسمي أورليوس، تسع عشرة سنة، وفي ملكه أظهر ~~ابن ديصان مقالته، وكان أسقفا بالرهاء، وهو من القائلين بالاثنين، ونسب الى ~~نهر على باب الرهاء يسمى ديصان وجد عليه ms0211 منبوذا، وبنى على هذا النهر كنيسة. ~~ثم ملك فومودوس اثنتي عشرة سنة، وفي أيامه كان جالينوس قد أردك بطلميوس ~~القلودي، وكان دين النصرانية قد ظهر في أيامه وذكرهم في كتابه في : جوامع ~~كتاب أفلاطون في السياسة. ثم ملك برطينقش ثلاثة أشهر؛ ثم ملك يوليانوس ~~شهرين، ثم ملك سيوارس سبع شعرة سنة، وشمل اليهود في أيامه القتل والتشريد، ~~وبنى بالاسكندرية هيكلا عظيما سماه هيكل الآلهة. ثم ملك انطونيوس ست سنين، ~~ثم ملك مقرونيوس سنة وشهرين، ثم ملك أنطونيوس الثاني زربع سنين، ثم ملك ~~الاكصندروس، ويلقب مامياس، ثلاث عشرة سنة، ثم مل مقسميانوس ثلاث سنين، ثم ~~ملك مقسموس ثلاثة أشهر، ثم ملك غرديانوس ست سنين، ثم ملك فيلبوس ست سنين، ~~وتنصر وترك دين الصابئين وتبعه كثير من زهل مملكته واختلفوا لذلك، وكان ~~فيمن خالفه بطريق يقال له داقيوس، قتل فيلبوس واستولى على الملك، ثم ملك ~~بعد فيلبوس داقيوس ينتين وتتبع النصارى، فهرب منه أصحاب الكهف الى غار في ~~جبل شرقي مدينة أفسيس، وقد خربت المدينة، وكان لبثهم فيه مائة وخمسين سنة. ~~وهذا باطل لأنه علي هذا السياق من حين رفع المسيح الى الآن نحو مائتي سنة ~~وخمس عشرة سنة، وكان لبث أصحاب الكهف علي ما نطق به القرآن المجيد ~~(ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا) الكهف: 25 فذلك خمسمائة سنة وأربع وعشرون ~~سنة، فعلى هذا يكون ظهورهم قبل الإسلام بنحو ستين سنة، وقد ذكرنا من لدن ~~ظهورهم الى الهجرة زيادة على مائتي سنة، فهذه الجملة أكثر من الفترة بين ~~المسيح والنبي، عليهما الصلاة والسلام، إلا أن هذا الناقل قد ذكر أن غيبتهم ~~كانت ماذة وخمسين سنة على ما نراه مذكورا، وفيه مخالفة للقرآن، ولولا نص ~~القرآن لكان استقام له ما يريد. ثم ملك بعده غاليوس سنتين، وكان شريكه في ~~الملك يوليانوس، ملك خمس عشرة سنة، ثم ملك قلوديوس، ثم ملك ابنه اورليانوس ~~ست سنين، ثم ملك طافسطوس وأخوه فورس تسعة أشهر، ثم بروبس تسع سنين، ثم ملك ~~قاروس سنتين وخمسة أشهر، ثم ملك دقلطيانوس ms0212 سبع عشرة سنة، ثم ملك مقسيمانوس ~~وشاركه مقسنطيوس، ثم اقتتلا فاقتسما الملك، فملك الأب علي الاشم وبلاد ~~الجزيرة وبعض الروم، وملك الابن رومية وما اتصل بها من أرض الفرنج، وملكا ~~تسع سنين، وتملك معهما قسطنس أبو قسطنطين بلاد بورنطيا وما يليها، وهي ~~نواحي القسطنطينية، ولم تكن بنيت حينئذ، ثم مات قسطنس وملك بعده ابنه ~~قسطنطين المعروف بزمه هيلاني، وهو الذي تنصر. PageV01P0110 # قال: ومن أول ملوك الروم الى ها هنا كانوا شبيها بملوك الطوائ لا ينضبط ~~عددهم، وقد اختلف الناس فيهم كاختلافهم في ملوك الطوائف، وإنما الذي يعول ~~عليه من قسطنطين الى هرقل الذي بعث محمد، صلى الله عليه وسلم، في أيامه، ~~ولقد صدق قائل هذا فإن فيه من الاختلاف والتناقض ما ذكرنا بعضه عند ذكر ~~دقيوس وأصحاب الكهف، ولهذه العلة لم يذكر الطبري أصحاب الكهف في زمان أي ~~الملوك كانوا، وإنما ذكرناه نحن لما في أيام الملوك من الحوادث. ### | AUT الطبقة الثانية من ملوك الروم المتنصرة # ثم ملك قسطنطين المعروف بزمه هيلانى في جميع بلاد الروم، وجرى بينهوبين ~~مقسيمانوس وابنه حروب كثيرة، فلما ماتا استولى على الملك وتفرد به، وكان ~~ملكه ثلاثا وثلاثين سنة وثلاثة أشهر، وهو الذي تنصر من مولك الروم وقاتل ~~عليها حتى قبلها الناس ودانوا بها الى هذا الوقت. وقد اختلفوا في سبب ~~تنصره، فقيل: إنه كان به برص وأرادوا نزعه فأشار عليه بعض وزرائه ممن كان ~~يكتم النصرانية بإحداث دين يقاتل عليه ثم حسن له النصرانية ليساعده من دان ~~به، ففعل ذلك، فتبعه النصارى من الروم مع أصحابه وخاصته، فقوي بهم وقفهر من ~~خالفه، وقيل: إنه سير عساكر على أسماء أصنامهم، فانهزمت العساكر، وكان لهم ~~سبعة أصنام على أسماء الكواكب السبعة، على عادة الصابئين، فقال له وزير له ~~يكتم النصرانية في هذا وأزرى بالأصنام وأشار عليه بالنصرانية، فأجابه، ~~فظفر، ودام ملكه؛ وقيل غير ذلك. ولعشرين سنة مضت من ملكه كان السنهودس ~~الأول بمدينة نيقية من بلاد الروم، ومعناه الاجتماع، فيه ألفان وثمانية ~~وأربعون أسقفا فاختار منهم ms0213 ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا متفقين غير مختلفين، ~~فحرموا آريوس الإسكندراني الذي يضاف إليه الآريوسية من النصارى، ووضع شرائع ~~النصرانية عبد أن لم تكن، وكان رئيس هذا المجمع بطرق الإسكندرية. وفي السنة ~~السابعة من ملكه سارت أمه هيلانى الرهاوية، كان أبوه سباها من الرهاء، ~~فأولدها هذا الملك، فسارت الى البيت المقدس وأخرجت الخشبة التي تزعم ~~النصارى أن المسيح صلب عليها؛ وجعلت ذلك اليوم عيدا، فهو عيد الصليب، وبنت ~~الكنيسة المعروفة بقمامة، وتسمى القيامة، وهي الي وقتنا هذا يحجها أنواع ~~النصارى، وقيل: كان مسيرها بعد ذلك لأن ابنها دان بالنصرانية في قول بعضهم ~~بعد عشرين سنة من ملكه، وفي النسة الحادية والعشرين من ملكه طبق جميع ~~ممالكه بالبيع هو وأمه، منها: كنيسة حمص، وكنيسة الرهاء، وهي من العجائب. ~~ثم ملك بعده قسطنطين أنطاكية أربعا وعشرين سنة بعهد من أبيه إليه وسلم إليه ~~القسطنطينية، والى أخيه قسطنس أنطاكية والشام ومصر والجزيرة، والى أخيه ~~قسطوس رومية وما يليها من بلاد الفرنج والصقالبة، وأخذ عليهما المواثيق ~~بالانقياد لأخيهما قسطنطين. ثم ملك بعده يوليانوس ابن أخيه سنتين، وكان ~~يدين بمذهب الصابئين ويخفي ذلك، فلما ملك أظهرها وخرهب البيع وقتل النصارى، ~~وهو الذي سار الى العراق أيام سابور بن أردشير فقتل بسهم غرب؛ وقد ذكر أبو ~~جعفر خبر هذا الملك مع سابور ذي الأكتاف وهو بعد سابور بن أردشير. ثم ملك ~~بعده يونيانوس سنة فأظهر دين النصرانية ودان بها وعاد عن العراق. ثم ملك ~~بعده ولنطيوش اثنتي عشرة سنة وخمسة أشهر، ثم ملك والنس ثلاث سنين وثلاثة ~~أشهر، ثم ملك والنطيانوس ثلاث سنين، ثم ملك تدوس الكبير، ومعناه عطية الله، ~~تسع عشرة سنة، وفي ملكه كان السنهودس الثاني بمدينة القسطنطينية، اجتمع فيه ~~مائة وخمسون أسقفا لعنوا مقدونس وأشياعه، وكان فيه بطرق الإسكندرية وبطرق ~~انطاكية وبطرق البيت المقدس، والمدن التي يكون فيها كراسي البطرق أربع: ~~إحداها رومية، وهي لبطرس الحواري، والثانية الإسكندرية، وهي لمرقس أحد ~~أصحاب الأناجيل الأربعة، والثالثة القسطنطينية، والرابعة انطاكية، وهي ~~لبطرس أيضا، ولثماني سنين من ms0214 ملكه ظهر أصحاب الكهف. PageV01P0111 # ثم ملك بعده أرقاديوس بن تدوس ثلاث عشرة سنة، ثم ملك تدوس الصغير بن تدوس ~~الكبير اثنتين وأربعين سنة، ولإحدي وعشرين سنة من ملكه كان السنهودس الثالث ~~بمدينة أفسس، وحضر هذا المجمع مائتا أسقف، وكان سببه ما ظهر من نسطورس بطرق ~~القسطنطينية، وهو رأس النسطورية من النصارى، من مخالفة مذهبهم، فلعنوه ~~ونفوه، فسار الى صعيد مصر فأقام ببلاد إخميم ومات بقرية يقال لها سيصلح، ~~وكثر أتباعه، وصار بسبب ذلك بينهم وبين مخالفيهم حرب وقتال، ثم دثرت مقالته ~~إلى أن أحياها برصوما مطران نصيبين قديما. ومن العجائب أن الشهرستاني مصنف ~~كتاب: نهاية الاقدام في الأصول، ومصنف كتاب: الملل والنحل، في ذكر المذاهب ~~والآراء القديمة والجديدة، ذكر فيه أن نسطور كان أيام المأمون، وهذا تفرد ~~به، ولا أعلم له في ذلك موافقا. ثم ملك بعده مرقيان ست سنين، وفي أول سنة ~~من ملكه كان السنهودس الرابع على قسقرس برطق القسطنطينية، اجتمع فيه ~~ثلاثمائة وثلاثون أسقفا، وفي هذا المجمع خالفت اليعقوبية سائر النصارى. ثم ~~ملك ليون الكبير ست عشرة سنة، ثم ملك ليون الصغير سنة، وكان يعقوبي المذهب، ~~ثم ملك زينون سبع سنين، وكان يعقوبيا، فزهد في الملك فاستخلف ابنا له، ~~فهلك، فعاد الى الملك، ثم ملك نسطاس سبعا وعشرين سنة، وكان يعقوبي المذهب، ~~وهو الذي بنى عمورية، فلما حفر أساسها أصاب فيه مالا وفي بالنفقة على ~~بنائها وفضل منه شيء بنى به بيعا وأديرة. ثم ملك يوسطين سبع سنين، واكثر ~~القتل في اليعقوبية. ثم ملك يوسطانوس تسعا وعشرين سنة، وبنى بالرهاء كنيسة ~~عجيبة، وفي أيامه كان السنهودس الخامس بالقسطنطينية، فحرموا أدريحا أسقف ~~منبج لقوله بتناسخ الأرواح في أجساد الحيوان، وإن الله يفعل ذلك جزاء لما ~~ارتكبوه، وفي أيامه كان بين اليعاقبة والملكية ببلاد مصر فتن؛ وفي أيامه ~~ثار اليهود بالبيت المقدس وجبل الخليل على النصارى فقتلوا منهم خلقا كثيرا؛ ~~وبنى الملك من البيع والأديرة شيئا كثيرا؛ ثم ملك يوسطينوس ثلاث عشرة سنة ~~وفي أيامه كان كسرى أنوشروان؛ ثم ms0215 ملك طباريوس ثلاث سنين وثمانية أشهر، وكان ~~بينه وبين أنوشروان مراسلات ومهاداة، وكان مغرى بالبناء وتحسينه وتزويقه. ~~ثم ملك موريق عشرين سنة وأربعة أشهر، وفي أيامه ظهر رجل من زهل مدينة حماه ~~يعرف بمارون إليه تنسب المارونية من النصارى، وأحدث رأيا يخالف من تقدمه، ~~وتبعه خلق كثير بالشام، ثم إنهم انقرضوا ولم يعرف الآن منهم أحد. وهذا ~~موريق هو الذي قصده كسرى أبرويز حين انهزم من بهرام جوبين فزوجه ابنته ~~وأمده بعساكره وأعاده الى ملكه، على ما نذكره إن شاء الله. ثم ملك بعده ~~فوقاس، وكان من بطارقة موريق، فوثب به فاغتاله فقتله وملك الروم بعده، وكان ~~ملكه ثماني سنين وأربعة أشهر، ولما ملك تتبع ولد موريق وحاشيته بالقتل، ~~فلما بلغ ذلك أبرويز غضب وسير الجنود الى الشام ومصر فاحتوى عليهما وقتلوا ~~من النصارى خلقا كثيرا، وسيرد ذلك عند ذكر أبرويز. ثم ملك هرقل، وكان سبب ~~ملكه أن عساكر الفرس لما فتكت في الروم ساروا حتى نزلوا على خليج ~~القسطنطينية وحصروها، وكان هرقل يحمل الميرة في البحر الى أهلها، فحسن موقع ~~ذكل من الروم وبانت شهامته وشجاعته وأحب الروم فحملهم على الفتك بفوقاس ~~وذكرهم سوء آثاره، ففعلوا ذلك وقتلوه وملكوا عليهم هرقل. ### | AUT ذكر الطبقة الثالثة من ملوك الروم بعد الهجرة # فأولهم هرقل، قد ذكر سبب ملكه، وكان مدة ملكه خمسا وعشرين سنة، وقيل: ~~إحدي وثلاثين سنة؛ وفي أيامه كان النبي، صلى الله عليه وسلم، ومنه ملك ~~المسلمون الشام. ثم ملك بعده ابنه قسطنطين، وقيل: هو ابن أخيه قسطنطين، ~~وكان ملكه تسع سنين وستة أشهر، وسيرد خبره عند ذكر غزاة الصواري، إن شاء ~~الله. وفي أيامه كان السنهودس السادس على لعن رجل يقال له قورس الإسكندري ~~خالف الملكية ووافق المارونية. PageV01P0112 # ثم ملك بعده ابنه قسطا خمس عشرة سنة في خلافة علي، عليه السلام، ومعاوية، ~~ثم ملك هرقل الأصغر بن قسطنطين أربع سنين وثلاثة أشهر، ثم ملك قسطنطين بن ~~قسطا ثلاث عشرة سنة بعض أيام معاوية وأيام يزيد وبانه معاوية ومروان ms0216 بن ~~الحكم وصدرا من أيام عبد الملك، ثم ملك أسطنان، المعروف بالأخرم، تسع سنين ~~أيام عبد الملك، ثم خلعه الروم وخرموا أنفه وحمل إلى بعض الجزائر، فهرب ~~ولحق بملك الخزر واستنجده فلم ينجده، فانتقل الى ملك برجان؛ ثم ملك بعده ~~لونطش ثلاث سنين أيام عبد الملك، ثم ترك الملك وترهب؛ ثم ملك ابسمير، ~~المعروف بالطرسوسي، سبع سنين، فقصده أسطينان ومعه برجان وجرى بينهما حروب ~~كثيرة وظفر به أسطنان وخلعه وعاد الى ملكه، فكان ذلك أيام الوليد بن عبد ~~الملك، واستقر أسطينان، وكان قد شرط لملك برجان أن يحمل إليه خراجا كل سنة، ~~فعسف الروم وقتل بها خلقا كثيرا، فاجتمعوا عليه وقتلوه، فكان ملكه الثاني ~~سنتين ونصفا، وكان قتله أول دولة سليمان بن عبد الملك؛ ثم ملك نسطاس بن ~~فيلفوس، وكان في أيامه اختلاف بين الروم فخلعوه ونفوه. ثم ملك تيدوس ~~المعروف بالأرمني في أيام سليمان بن عبد الملك أيضا، وهو الذي حصره مسلمة ~~بن عبد الملك؛ ثم ملك بعده اليون بن قسطنطين لضعفه عن الملك، وضمن أليون ~~للروم رد المسلمين عن القسطنطينية، فملكوه، فكان ملكه ستا وعشرين سنة، ومات ~~في السنة التي بويع فيها الوليد بن يزيد بن عبد الملك. ثم ملك بعده ابنه ~~قسطنطين إحدى وعشرين سنة، وفي أيامه انقرضت الدولة الزموية، وتوفي لعشر ~~سنين مضت من أيام المنصور، ثم ملك بعده ابنه اليون تسع عشرة سنة وأربعة ~~أشهر بقية أيام المنصور، وتوفي في خلافة المهدي، ثم ملك بعده ريني امرأة ~~اليون بن قسطنطين، ومعها ابنها قسطنطين بن اليون، وهي تدبر الزمر بقية أيام ~~المهدي والهادي وصدرا من خلافة الرشيد، فلما كبر ابنها أفسد ما بينه وبين ~~الرشيد، وكانت أمه مهادنة له، فقصده الرشيد وجرى له معه وقعة، فانهزم وكاد ~~يؤخذ، فكحلته أمه وانفردت بالملك بعده خمس سنين وهادنت الرشيد. ثم ملك ~~بعدها نقفور، أخذ الملك منها، وكان ملكه سبع سنين وثلاثة أشهر، وهو نقفور ~~أبو استبراق، وكنت قد رأيته مضبوطا بكثير من الكتب بسكون القاف، حتى رأيت ~~رجلا ms0217 زعم أن اسمه نقفور، بفتح القاف. وعهد نقفور الى ابنه استبراق بالملك ~~بعده، وهو أول من فعل ذلك في الروم، ولم يكن يعرف قبله، وكانت ملوك الروم ~~قبل نقفور تحلق لحاها، وكذلك ملوك الفرس، فلم يفعله نقفور، وكانت ملوك ~~الروم قبله تكتب: من فلان ملك النصرانية، فكتب نقفور: من فلان ملك الروم، ~~وقال: لست ملك النصرانية كلها، وكانت الروم تسمي العرب سارقيوس، يعني: عبيد ~~سارة، بسبب هاجر أم اسماعيل، فنهاهم عن ذلك وجرى بين نقفور وبين برجان حرب ~~سنة ثالث وتسعين ومائة فقتل فيها. ثم ملك بعده ابنه استبراق بعهد من أبيه ~~إليه، وكان ملكه شهرين، ثم ملك بعده ميخائيل بن جرجس، وهو ابن عم نقفور، ~~وقيل: ابن استبراق، وكان ملكه سنتين في أيام الأمين، وقيل أكثر من ذلك، ~~فوثب به اليون المعروف بالبطريق وغلب على الأمر وحبسه، ثم ملك بعده اليون ~~البطريق سبع سنين وثلاثة أشهر، فوثب به أصحاب ميخائيل في خلاص صاحبهم وقتل ~~اليون ثم فتح لم ذلك وعاد ميخائيل الى الملك، وقيل: إنه كان قد ترهب أيام ~~اليون، وكان لمكه هذه الدفعة الثانية تسع سنين، وقيل أكثر من ذلك. ثم ملك ~~بعده ابنه توفيل بن ميخائيل أربع عشرة سنة، وهو الذي فتح زبطرة، وسار ~~المعتصم بسبب ذلك وفتح عمورية، وكان موته أيام الواثق. ثم ملك بعده ابنه ~~ميخائيل ثمانيا وعشرين سنة، وكانت أمه تدبر الملك معه، وزراد قتلها فترهبت، ~~وخرج عليه رجل من أهل عمورية من أبناء الملوك السالفة يعرف بابن بقراط، ~~فلقيه ميخائيل فيمن عنده من أسارى المسلمين، فظفر به ميخائيل فمثل به، ثم ~~خرج عليه بسيل الصقلبي فاستولى على الملك وقتل ميخائيل سنة ثلاث وخمسين ~~ومائتين. ثم ملك بعده بسيل الصقلبي عشرين سنة أيام المعتز والمهتدي وصدرا ~~من أيام المعتمد، وكانت أمه صقلبية فنسب إليها. PageV01P0113 # وقد غلط حمزة الأصفهاني فيه فقال عند ذكر ميخائيل: ثم انتقل الملك عن ~~الروم وصار في الصقلب فقتله بسيل الصقلبي ظنا منه أن أباه كان صقلبيا. ثم ~~ملك بعده ابنه ms0218 اليون بن بسيل ستا وعشرين سنة أيام المعتمد والمعتضد ~~والمكتفي وصدرا من أيام المقتدر، وقيل: إن وفاته كانت سنة سبع وتسعين ~~ومائتين. ثم ملك أخوه الأسكندروس سنة وشهرين ومات بالدبيلة، وقيل: إنه ~~اغتيل لسوء سيرته، ثم ملك بعده قسطنطين بن اليون، وهو صبي، وتولى الأمر له ~~بطريق البحر، واسمه ارمانوس، وشرط على نفسه شروطا، منها أنه لا يطلب الملك ~~ولا يلبس التاج لا هو ولا زحد من أولاده، فلم يمض غير سنتين حتى خوطب هو ~~وأولاده بالملوك وجلس مع قسطنطين على السرير، وكان له ثلاثة من الولد، فخصى ~~أحدهم وجعله بطرقا ليأمن من المنازعة، فإن البطرق يحكم على الملك، فبقي على ~~حاله إلى سنة ثلاثين وثلاثمائة من الهجرة، فاتفق ابناه مع قسطنطين الملك ~~على إزالة أبيهما، فدخلا عليه وقبضاه وسيراه الى دير له في جزيرة بالقرب من ~~القسطنطينية، وأقام ولداه مع قسطنطين نحو أربعين يوما وأرادا الفتك به، ~~فسبقهما إلى ذلك وقبض عليهما وسيرهما الى جزيرتين في البحر، فوثب أحدهما ~~بالموكل به فقتله، وأخذه أهل تلك الجزيرة فقتلوه وأرسلوا رأسه الى قسطنطين ~~الملك، فجزع لقتله. وأما ارمانوس فإنه مات بعد أربع سنين من ترهبه، ودام ~~ملك قسطنطين بقية أيام المقتدر والقاهر والراضي والمستكفي وبعض أيام ~~المطيع، ثم خرج على قسطنطين هذا قسطنطين بن أندرونقس، وكان أبوه قد توجه ~~إلى المكتفي سنة أربع وتسعين ومائتين وأسلم على يده وتوفي، فهرب ابنه هذا ~~علي طريق أرمينية وأذربيجان الى بلاد الروم، فاجمع عليه خلق كثير وكثر ~~أبتاعه، فسار الى القسطنطينية ونازع الملك قسطنطين في ملكه، وذلك سنة إحدى ~~وثلاثمائة، فظفر به الملك فقتله. وخرج عن طاعته أيضا صاحب رومية، وهي كرسي ~~ملك الإفرنج، وتسمى بالملك، ولبس ثياب الملوك، وكانوا قبل ذلك يطيعون ملوك ~~الروم أصحاب القسطنطينية ويصدرون عن أمرهم، فلما كان سنة أربعين وثلاثمائة ~~قوي ملك رومية، فخرج عن طاعته، فأرسل إليه قسنطين العساكر يقاتلونه ومن معه ~~من الفرنج، فالتقوا واقتتلوا، فانهزمت الروم وعادت الى القسطنطينية منكوبة، ~~فكف حينئذ قسطنطين عن معارضته ورضي ms0219 بالمسالمة وجرى بينهما مصاهرة، فزوج ~~قسنطين ابنه أرمانوس بابنة ملك رومية، ولم يزل أمر الإفرنج بعد هذا يقوى ~~ويزداد ويتسع ملكهم كالاستيلاء على بعض بلاد الأندلس، على ما نذكره، ~~وكأخذهم جزيرة صقلية وبلاد ساحل الشام والبيت المقدس، وعلى ما نذكره، وفي ~~آخر الأمر ملكوا القسطنطينية سنة إحدي وستمائة، على ما نذكره إن شاء الله. ~~ومما ينبغي أن يلحق بهاذ أن الطوائف من الترك اجتمعت، منهم: البجناك ~~والبختي وغيرهما، وقصدوا مدينة للروم قديمة تسمى وليدر سنة اثنتين وعشرين ~~وثلاثمائة وحصروها، فبلغ خبرهم الى أرمانوس، فسير إليهم عسكرا كثيفا فيهم ~~من المتنصرة اثنا عشر ألفا، فاتتلوا قتالا شديدا، فانهزم الروم، واستولى ~~الترك على المدينة وخربوها بعد أن أكثروا القتل فيها والسبي والنهب، ثم ~~ساروا الى القسطنطينية وحصروها أربعين يوما وأغاروا على بلاد الروم واتصلت ~~غاراتهم الى بلاد الإفرنج، ثم عادوا راجعين. ### | AUT ذكر وصول قبائل العرب الى العراق # ### | AUT ونزولهم الحيرة # PageV01P0114 # قال ابن الكلبي: لما مات بخت نصرانضم الذين أسكنهم الحيرة من العرب إلى ~~أهل الأنبار وبقيت الحيرة خرابا دهرا طويلا وأهلها بالأنبار لا يطلع عليهم ~~قادم من العرب، فلما كثر أولد معد بن عدنان ومن كان معهم من قبائل العرب ~~ومزقتهم الحروب خرجوا يطلبون الريف فيما يليهم من اليمن ومشارف الشام، ~~وأفلت منهم قبائل حتى نزلوا بالبحرين وبها جماعة من الأزد، وكان الذين ~~أقبلوا من تهامة مالك وعمرو ابنا فهم بن تيم بن أسد بن وبرة بن قضاعة، ~~ومالك بن زهير بن عمرو بن فهم في جماعة من قومهم، والحيقاد بن الحنق بن ~~عمير بن قبيص بن معد بن عدنان في قبيص كلها، ولحق بهم غطفان بن عمرو بن ~~الطمثان بن عوذ مناة بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن إياد بن نزار بن معد بن ~~عدنان وغيره من إياد، فاجتمع بالبحرين قبائل من العرب وتحالفوا على التنوخ، ~~وهو المقام، وتعاقدوا علي التناصر والتساعد، فصاروا يدا واحدة وضمهم اسم ~~تنوخ، وتنخ عليهم بطون من نمارة بن لخم، ودعا مالك بن زهير ms0220 جديمة الأبرش بن ~~مالك بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي الى التنوخ معه وزوجه أخته لميس، فتنخ ~~جديمة، وكان اجتماعهم أيام ملوك الطوائف، وإنما سموا ملوك الطوائف لأن كل ~~ملك منهم كان ملكه على طائفة قليلة من الأرض. قال: ثم تطلعت أنفس من كان ~~بالبحرين إلى ريف العراق فطمعوا في أن يغلبوا الأعاجم في ما يلي بلاد العرب ~~منه أو مشاركتهم فيه لاختلاف بين ملوك الطوائف، فأجمعوا علي المسير الى ~~العراق، فكان أول من يطلع منهم الحيقاد بن الحنق في جماعة من قومه وأخلاط ~~من الناس، فوجدوا الأرمانيين، وهم الذين ملكوا أرض بابل وما يليها الى ~~ناحية الموصل، يقاتلون الأردوانيين، وهم ملوك الطوائف، وهو ما بين نفر، وهي ~~قرية من سواد العراق إلى الأبلة، فدفعوهم عن بلادهم، والأرمانيون من بقايا ~~إرم فلهذا سموا الأرمانيين، وهم نبط السواد. ثم طلع مالك وعمرو ابنا فهم بن ~~تيم الله وغيرهما من تنوخ الى الأنبار على ملك الأرمانيين، وطلع نمارة ومن ~~معه الى نفر على ملك الأردوانيين، وكانوا لاي دينون للأعاجم حتى قدمها تبع ~~وهو أسعد أبو كرب بن ملكيكرب في جيوشه، فخلف بها من لم يكن فيه قوة من ~~عسكره، وسار تبع ثم رجع إليهم فأقرهم على حالهم، ورجع الى اليمن وفيهم من ~~كل القبائل، ونزلت تنوخ من الأنبار الى الحيرة في الأخبية لا يسكنون بيوت ~~المدر، وكان أول من ملك منهم مالك بن فهم، وكان منزله مما يلي الأنبار، ثم ~~مات مالك فملك بعده أخوه عمرو بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي، ثم مات فملك ~~بعده جديمة الأبرش بن مالك بن فهم، وقيل: إن جذيمة من العاربة الأولى من ~~بني دمار بن أميم بن لوذ بن سام بن نوح، عليه السلام؛ والله أعلم. ### | AUT ذكر جذيمة الأبرش # قال: وان جذيمة من أفضل ملوك العرب رأيا، وأبعدهم مغارا، وأشدهم نكاية، ~~وأول من استجمع له الملك بأرض العراق، وضم إليه العرب، وغزا بالجيوش، وكان ~~به برص فكنت العرب عنه، فقيل: الوضاح، والأبرش، ms0221 إعظاما له، وكانت منازله ما ~~بين الحيرة والأنبار وبقة وهيت وعين التمر وأطراف البر الى العمير وخفية، ~~تجبى إليه الأموال، وتفد إليه الوفود، وكان غزا طسما وجديسا في منازلهم من ~~اليمامة، فأصاب حسان بن تبع أسعد أبي كرب قد زغار عليهم فعاد بمن معه، ~~وأصاب حسان سرية لجذيمة فاجتاحها، وكان له صنمان يقال لهما الضيزنان، وكانت ~~إياد بعين أباغ، فذكر لجذيمة غلام من لخم في أخواله من إياد يقال له عدي بن ~~نصر بن ربيعة له جمال وظرف، فغزاهم جذيمة، فبعثت إياد من سرق صنميه وحملها ~~الى إياد، فأرسلت إليه: إن صنميك أصبحا فينا زهدا فيك ورغبة فينا، فإن ~~أوثقت لنا أن لا تغزونا دفعناهما رليك، قال: وتدفعون معهما عدي بن نصر، ~~فزجابوه الى ذلك وأرسلوه مع الصنمين، فضمه الى نفسه وولاه شرابه. فأبصرته ~~رقاض أخت جذيمة فعشقته وراسلته ليخطبها الى جذيمة، فقال: لا أجترئ على ذلك ~~ولا أطمع فيه، قالت: إذا جلس على شرابه فاسقه صرفا واسق القوم ممزوجا، فإذا ~~أخذت الخمر فيه فاخطبني إليه فلن يردك، فإذا زوجك فأشهد القوم. ~~PageV01P0115 # ففعل عدي ما أمرته، فزجابه جذيمة وأملكه إياها، فانصرف إليها فأعرس بها ~~من ليلته وأصبح بالخلوق، فقال له جذيمة، وأنكر ما رأى به: ما هذه الآثار يا ~~عدي؟ قال: اثار العرس، قال: أي عسر؟ قال: عرس رقاش، قال: من زوجكها ويحك ~~قال: الملك، فندم جذيمة وأكب على الأرض متفكرا، وهرب عدي، فلم ير له أثر ~~ولم يسمع له بذكر، فأرسل إليها جذيمة: خبريني وأنت لا تكذبيني ... أبحر ~~زنيت أن بهجين أم بعبد فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون فقالت: لا ~~بل أنت زوجتني أمرأ عربيا حسيبا ولم تستأمرني في نفسي، فكف عنها وعذرها، ~~ورجع عدي إلى إياد فكان فيهم، فخرج يوما مع فتية متصيدين، فرمى به فتى منهم ~~في ما بن جبلين، فتنكس فمات. فحملت رقاش فولدت غلاما فسمته عمرا، فلما ~~ترعرع وشب ألبسته وعطرته وأزارته خاله، فلما رآه أحبه وجلعه مع ولده، وخرج ~~جذيمة متبديا ms0222 بأهله وولده في سنة خصيبة، فأقام في روضة ذات زهر وغدر، فخرج ~~ولده وعمرو معهم يجتنون الكمأة، فكانوا إذا أصابوا كمأة جيدة أكلوها، وإذا ~~أصابها عمرو خبأها، فانصرفوا إلى جذيمة يتعادون، وعمرو يقول: هذا جناي ~~وخياره فيه ... إذ كل جان يده في فيه فضمه جذيمة إليه والتزمه وسر بقوله ~~وفعله، وأمر فجعل له حلى من فضة وطوق، فكان أوهل عربي ألبس طوقا. فبينا هو ~~على أحسن حالة إذ استطارته الجن، فطلبه جذيمة في الآفاق زمانا فلم يقدر ~~عليه، ثم أقبل رجلان من بلقين قضاعة يقال لهما مالك وعقيل ابنا فارج بن ~~مالك من الشام يريدان جذيمة، وأهديا له طرفا، فنزلا منزلا ومعهما قينة لهما ~~تسمى أم عمرو، فقدمت طعاما، فبينما هما يزكلان إذا أقبل فتى عريان قد تلبد ~~شعره وطالت أظفاره وساءت حاله فجلس ناحية عنهما ومد يده يطلب الطعام، ~~فناولته القينة كراعا، فزكلها، ثم مد يده ثانية، فقالت: لا تعط العبد كراعا ~~فيطمع في الذراع فذهبت مثلا، ثم سقتهما من شراب معها وأوكت زقها، فقال عمرو ~~بن عدي: صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا وما شر ~~الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا فسألاه عن نفه، قال: إن ~~تنكراني أو تنكرا نسبي، فإنني أنا عمرو بن عدي، بن تنوخية، اللخمي، وغدا ما ~~ترياني في نمارة غير معصي. فنهضا وغسلا رأسه وأصلحا حاله وألبساه ثيابا ~~وقالا: ما كنا لنهدي لجذيمة أنفس من ابن أخته فخرجا به إلى جذيمة، فسر به ~~سرورا شديدا وقال: لقد رأيته يوم ذهب وعليه طوق، فما ذهب من عيني وقلبي الى ~~الساعة، وأعادوا عليه الطوق، فنظر إليه وقال: شب عمرو عن الطوق، وأرسلها ~~مثلا، وقال لمالك وعقيل: حكمكما، قالا: حكمنا منادمتك ما بقينا وبقيت؛ فهما ~~ندمانا جذيمة اللذان يضربان مثلا. وكان ملك العرب بأرض الجزيرة ومشارف ~~الشام عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة العمليقي من عاملة العمالقة، فتحارب ~~هو وجذيمة، فقتل عمرو وانهزمت عساكره، وعاد جذيمة سالما، وملكت بعد عمرو ~~ابنته الزباء، ms0223 واسمها نائلة، وكان جنود الزباء بقايا العماليق وغيرهم، وكان ~~لها من الفرات إلى تدمر، فلما استجمع لها أمرها واستحكم ملكها اجتمعت لغزو ~~جذيمة تطلب بثأر أبيها، فقالت لها زختها ربيبة، وكانت عاقلة: إن غزوت جذيمة ~~فإنما هو يوم له ما بعده والحرب سجال، وأشارت بترك الحرب وإعمال الحيلة، ~~فأجابتها إلى ذلك وكتبت إلى جذيمة تدعوه الى نفسها وملكها، وكتبت إليه أنها ~~لم تجد ملك النساء إلا قبحا في السماع وضعفا في السلطان، وأنها لم تجد ~~لملكها ولا لنفسها كفوا غيره. فلما انتهى كتاب الزباء إليه استخف ما دعته ~~إليه وجمع إليه ثقاته، وهو ببقة من شاطئ الفرات، فعرض عليهم ما دعته إليه ~~واستشارهم؛ فأجمع رأيهم علي أن يسير إليها ويستولي على ملكها. وكان فيهم ~~رجل يقال له قصير بن سعد من لخم، وكان سعد تزوج أمة لجذيمة فولدت له قصيرا، ~~وكان أديبا حازما ناصحا لجذيمة قريبا منه، فخالفهم فيما أشاروا به عليه ~~وقال: رأي فاتر، وغدر حاضر؛ فذهبت مثلا؛ وقال لجذيمة: اكتب إليها فإن كانت ~~صادقة فلتقبل إليك وإلا لم تمكنها من نفسك وقد وترتها وقتلت أباها. ~~PageV01P0116 # فلم يوافق جذيمة ما أشار به قصير وقال له: لا ولكنك امرؤ رأيك في الكن لا ~~في الضح؛ فذهبت مثلا. ودعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عدي فاستشاره، فشجعه على ~~المسير وقال: إن نمارة قومي مع الزباء فلو رأوك صاروا معك، فأطاعه. فقال ~~قصير: لا يطاع لقصير أمر، وقالت العرب: ببقة أبرم الأمر؛ فذهبتا مثلا. ~~واستخلف جذيمة عمرو بن عدي على ملكه، وعمرو بن عبد الجن على خيوله معه، ~~وسار في وجوه أصحابه، فلما نزل الفرضة قال لقصير: ما الرأي؟ قال: ببقة تركت ~~الرأي؛ فذهبت مثلا. واستقبله رسل الزباء بالهدايا والألطاف، فقال: يا قصير ~~كيف ترى؟ قال: خطر يسير، وخطب كبير؛ فذهبت مثلا؛ وستلقاك الخيول، فإن سارت ~~أمامك فإنه المرأة صادقة، وإن أخذت جنبيك وأحاطت بك فإن القوم غادرون، ~~فاركب العصا، وكانت فرسا لجذيمة لا تجارى، فإني راكبها ومساريك عليها. ~~فلقيته الكتائب فحالت ms0224 بينه وبين العصا، فركبها قصير، ونظر اليه جذيمة موليا ~~على متنها، فقال: ويل أمه حزما على متن العصا فذهبت مثلا، وقال: ما ضل من ~~تجري به العصا؛ فذهبت مثلا؛ وجرت به الى غروب الشمس، ثم نفقت وقد قطعت أرضا ~~بعيدة، فبنى عليها برجا يقال له برج العصا، وقالت العرب: خير ما جاءت به ~~العصا؛ مثل تضربه. وسار جذيمة وقد أحاطت به الخيول حتى دخل على الزباء، ~~فلما رأته تكشفت، فإذا هي مضفورة الاسب بالباء الموحدة هو شعر الاست، وقالت ~~له: يا جذيمة أدأب عروس ترى؟ فذهبت مثلا، فقال: بلغ المدى، وجف الثرى، وأمر ~~غدر أرى؛ فذهبت مثلا، فقالت له: أما وإلهي ما بنا من عدم مواس، ولا قلة ~~أواس، ولكنها شيمة من أناس؛ فذهبت مثلا، وقالت له: أنبئت أن دماء الملوك ~~شفاء من الكلب، ثم أجلسته على نطع وأمرت بطست من ذهب، فزعد له، وسقته الخمر ~~حتى أخذت منه مأخذها ثم زمرت براهشيه فقطعا، وقدمت إليه الطست، وقد قيل ~~لها: إن قطر من دمه شيء في غير الطست طلب بدمه، وكانت الملوك لا تقتل بضرب ~~الرقبة إلا في قتال تكرمة للملك، فلما ضعفت يداه سقطتا، فقطر من دمه في غير ~~الطست، فقالت: لا تضيعوا دم الملك فقال جذيمة: دعوا دما ضيعه أهله فذهبت ~~مثلا. فهلك جذيمة وخرج قصير من الحي الذين هلكت العصا بين أظهرهم حتى قدم ~~على عمرو بن عدي ، وهو بالحيرة، فوجده قد اختلف هو وعمرو بن عبد الجن فأصلح ~~بينهما، وأطاع الناس عمرو بن عدي، وقال له قصير: تهيأ واستعد ولا تطل دم ~~خالك، فقال: كيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو؟ فذهبت مثلا. وكانت الزباء ~~سألت كهنة عن أمرها وهلاكها، فقالوا لها: نرى هلاكك بسبب عمرو بن عدي، ولكن ~~حتفك بيدك، فحذرت عمرا واتخذت نفقا من مجلسها إلى حصن لها داخل مدينتها، ثم ~~قالت: إن فجأني أمر دخلت النفق الى حصني، ودعت رجلا مصورا حاذقا فأرسلته ~~إلي عمرو بن عدي متنكرا وقالت له: صوره جالسا ms0225 وقائما ومتفضلا متنكرا ~~ومتسلحا بهيئته ولبسه ولونه ثم أقبل إلي، ففعل المصور ما أوصته الزباء وعاد ~~إليها، وأرادت أن تعرف عمروبن عدي فلا تراه على حال إلا عرفته وحذرته. وقال ~~قصير لعمرو: اجدع أنفي واضرب ظهري ودعني وإياها، فقال عمرو: ما أنا بفاعل، ~~فقال قصير: خل عني إذا وخلاك ذم؛ فذهبت مثلا، فقال عمرو: فأنت أبصر، فجدع ~~قصير زنفه ودق بظهره وخرج كزنه هارب وأظهر أن عمرا فعل ذلك به، وسار حتى ~~قدم على الزباء، فقيل لها: إن قصيرا بالباب؛ فأمرت به أفدخل عليها، فإذا ~~أنفه قد جدع وظهره قد ضرب، فقالت: لأمر ما جدع قصير أنفه؛ فذهبت مثلا، ~~قالت: ما الذي أرى بك يا قصير؟ قال: زعم عمرو أني غدرت خاله وزينت له ~~المسير إليك ومالأتك عليه ففعل بي ما ترين فأقبلت إليك وعرفت أني لا أكون ~~مع أحد هو أثقل عليه منك، فأكرمته، وأصابت عنده بعض ما أرادت من الحزم ~~والرأي والتجربة والمعرفة بأمور الملك. PageV01P0117 # فلما عرف أنها قد استرسلت إليه ووثقت به، قال لها: إن لي بالعراق أموالا ~~كثيرة، ولي بها طرائف وعطر، فابعثيني لأحمل مالي وأحمل إليك من طرائفها ~~وصنوف ما يكون بها من التجارات فتصيبين أرباحا وبعض ما لا غناء للملوك عنه، ~~فسرحته ودفعت إليه أموالا وجهزت معه عيرا، فسار حتى قدم العراق وأتى عمرو ~~بن عدي متخفيا وأخبره الخبر وقال: جهزني بالبز والطرف وغير ذلك لعل الله ~~يمكن من الزباء فتصيب ثأرك وتقتل عدوك، فأعطاه حاجته، فرجع بذلك كله إلي ~~الزباء فعرضه عليها، فأعجبها وسرها وازدادات به ثقة، ثم جهزته بعد ذلك ~~بأكثر مماجهزته به في المرة الزولى، فسار حتى قدم العراق وحمل من عند عمرو ~~حاجته ولم يدع طرفة ولا متاعا قدر عليه، ثم عاد الثالثة فأخبر عمرا الخبر ~~وقال: اجمع لي ثقات أصحابك وجندك وهيد لهم الغرائز، وهو أول من عملها، ~~واحمل كل رجلين على بعير في غرارتين واجعل معقد رؤوسهما من باطنهما، وقال ~~له: إذا دخلت مدينة الزباء أقمتك على باب ms0226 نفقها وخرجت الرجال من الغرائز ~~فصاحوا بأهل المدينة، فمن قاتلهم قاتلوه، وإن أقبلت الزباء تريد نفقها ~~قتلتها. ففعل عمرو ذلك وساروا، فلما كانوا قريبا من الزباء تقدم قصير إليها ~~فبشرها وأعلمها كثرة ماحمل من الثياب والطرائف وسألها أن تخرج وتنظر إلى ~~الإبل وما عليها، وكان قصير يكمن النهار ويسري الليل، وهو أول من فعل ذلك، ~~فخرجت الزباء فأبصرت الإبل تكاد قوائمها تسوخ في الأرض، فقالت: يا قصير. ما ~~للجمال مشيها وثيدا ... أندلا يحملن أم حديدا أم صرفانا باردا شديدا ... أم ~~الرجال جثما قعودا ودخلت الإبل المدينة، فلما توسطتها أنيخت وخرج الرجال من ~~الغرائر، ودل قصير عمرا على باب النفق وصاحوا بزهل المدينة ووضعوا فيهم ~~السلاح، وقام عمرو علي باب النفق، وأقبلت الزباء تريد الخروج من النفق، ~~فلما أبصرت عمرا قائما على باب النفق عرفته بالصورة التي عملها المصور، ~~فمصت سما كان في خاتمها، فقالت: بيدي لا بيد عمرو فذهبت مثلا، وتلقاها عمرو ~~بالسيف فقتلها وأصاب ما أصاب من المدينة ثم عاد الى العراق. وصار الملك بعد ~~جذيمة لابن أخته عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث ابن سعود ~~بن مالك بن عمرو بن نمارة بن لخم، وهو أول من اتخذ الحيرة منزلا من ملوك ~~العرب، فلم يزل ملكا حتى مات، وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقيل: مائة وصماني ~~عشرة سنة، منها أيام ملوك الطوائف خمس وتسعون سنة، وأيام أردشير بن بابك ~~أربع عشرة سنة وأشهر، وأيام ابنه سابور بن زردشير ثماني سنين وشهران، وكان ~~منفردا بملكه يغزو المغازي ولا يدين لملوك الطوائف الى أن ملك أردشير بن ~~بابك أهل فارس، ولم يزل الملك في ولده إلى أن كان آخرهم النعمان بن المنذر، ~~الى أيام ملوك كندة، على ما نذكره إن شاء الله. وقيل في سبب مسير ولد نصر ~~بن ربيعة الى العراق غير ما تقدم، وهو رؤيا رآها ربيعة، وسيرد ذكرها عند ~~أمر الحبشة، إن شاء الله تعالى. ### | AUT ذكر طسم وجديس وكانوا أيام ملوك الطوائف ms0227 # كان طسم بن لوذ بن أذهر بن سام بن نوح، وجديس بن عامر بن أزهر بن سام ~~ابني عم، وكانت مساكنهم موضع اليمامة، وكان اسمها حينئذ جوا، وكانت من أخصب ~~البلاد وأكثرها خيرا، وكان ملكهم أيام ملوك الطوائف عمليق، وكان ظالما قد ~~تمادى في الظلم والغشم والسيرة الكثيرة القبح، وإن امرأة من جديس يقال لها ~~هزيلة طلقها زوجها وأراد أخذ ولدها منها، فخاصمته الى عمليق وقالت: أيها ~~الملك حملته تسعا، ووضعته دفعا، وأرضعته شفعا؛ حتى إذا تمت أوصاله، ودنا ~~فصاله، أراد أن يأخذه مني كرها، ويتركين بعده ورها، فقال زوجها: أيها الملك ~~إنها أعطيت مهرها كاملا، ولم أصب منها طالا، إلا وليدا خاملا، فافعل ما كنت ~~فاعلا، فأمر الملك بالغلام فصار في غلمانه وأن تباع المرأة وزوجها فيعطى ~~زوجها خمس ثمنها وتعطى المرأة عشر ثمن زوجها، فقالت هزيلة: أتينا أخا طسم ~~ليحكم بيننا ... فأنفذ حكما في هزيلة ظالما لعمري لقد حكمت لا متورعا ... ~~ولا كنت فيمن يبرم الحكم عالما ندمت ولم أندم وأنى بعترتي ... وأصبح بعلي ~~في الحكومة نادما PageV01P0118 # فلما سمع عمليق قولها أمر أن لا تزوج بكر من جديس وتهدى إلى زوجها حتى ~~يفترعها، فلقوا من ذلك بلاء وجهدا وذلا، ولم يزل يفعل ذلك حتى زوجت الشموس، ~~وهي عفيرة بنت عباد زخت الأسود، فلما أرادوا حملها إلى زوجها انطلقوا بها ~~إلى عمليق لينالها قبله، ومعها الفتيان، فلما دخلت عليه افترعها وخلى ~~سبيلها، فخرجت الى قومها في دمائها وقد شقت درعها من قبل ودبر والدم يبين ~~وهي في أقبح منظر تقول: لا أحد أذل من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس يرضى ~~بذا يا قوم بعل حر ... أهدى وقد أعطى وسيق المهر وقالت أيضا لتحرض قومها: ~~أيجمل ما يؤتى إلى فتياتكم، ... وأنتم رجال فيكم عدد النمل وتصبح تمشي في ~~الدماء عفيرة ... جهارا وزفت في النساء الى بعل ولو أننا كنا رجالا وكنتم ~~... نساء لكنا لا نقر بذا الفعل فموتوا كراما أو أميتوا عدوكم ... ودبوا ~~لنار الحرب بالحطب الجزل وإلا فخلوا بطنها وتحملوا ms0228 ... إلى بلد قفر وموتوا ~~من الهزل فللبين خير من مقام على الأذى ... وللموت خير من مقام على الذل ~~وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تعاب من الكحل ودونكم طيب ~~النساء فإنما ... خلقتم لأثواب العروس وللنسل فبعدا وسحقا للذي ليس دافعا ~~... ويختال يمشي بيننا مشية الفحل فلما سمع أخوها الأسود قولها، وكان سيدا ~~مطاعا، قال لقومه: يا معشر جديس إن هؤلاء القوم ليسوا بأعز منكم في داركم ~~إلا بملك صاحبهم علينا وعليهم، ولوا عجزنا لما كان له فضل علينا، ولو ~~امتنعنا لانتصفنا منه، فأطيعوني فيما آمركم فإنه عز الدهر. وقد حمي جديس ~~لما سمعوا من قولهم فقالوا: نطيعك ولكن القوم أكثر منا قال: فإني أصنع ~~الملك طعاما وأدعوه وأهله إليه، فإذا جاؤوا يرفلون في الحلل أخذنا سيوفنا ~~وقتلناهم، فقالوا: افعل، فصنع طعاما فأكثر وجعله بظاهر البلد ودفن هو وقومه ~~سيوفهم ف يالرمل ودعا الملك وقومه، فجاؤوا يرفلون في حللهم، فلما أخذوا ~~مجالسهم ومدوا أيديهم يأكلون، أخذت جديس سيوفهم من الرمل وقتلوهم وقتلوا ~~ملكهم وقتلوا بعد ذلك السفلة. ثم إن بقية طسم قصدوا حسان بن تبع ملك اليمن ~~فاستنصروه، فسار الى اليمامة، فلما كان منها على مسيرة ثلاث قال له بعضهم: ~~إن لي أختا متزوجة في جديس يقال لها اليمامة تبصر الراكب من مسيرة ثلاث، ~~وإني أخاف أن تنذر القوم بك، فمر أصحابك فليقطع كل رجل منهم شجرة فليجعلها ~~أمامه. فأمرهم حسان بذلك، فنظرت اليمامة فأبصرتهم فقالت لجديس: لقد سارت ~~إليكم حمير، قالوا: وما ترين؟ قالت: أرى رجلا في شجرة معه كتف يتعرقها أو ~~نعل يخصفها؛ وكان كذلك، فكذبوها، فصبحهم حسان فأبادهم، وأتي حسان باليمامة ~~ففقأ عينها، فإذا فيها عروق سود، فقال: ما هذا؟ قالت: حجر أسود كنت أكتحل ~~به يقال له الإثمد، وكانت زول من اكتحل به، وبهذه اليمامة سميت الميامة، ~~وقد أكثر الشعراء ذكرها في أشعارهم. ولما هلكت جديس هرب الأسود قاتل عمليق ~~الى جبل طيء فأقام بهما، ذلك قبل أن تنزلهما طيء، وكانت طيء تنزل الجرف ms0229 من ~~اليمن، وهو الآن لمراد وهمدان، وكان يأتي الى طيء بعير أزمان الخيف عظيم ~~السمن ويعود عنهم، ولم يعلموا من أين يأتي، ثم إنهم اتبعوه يسيرون بسيره ~~حتي هبط بهم على أجأ وسلمى جبلي طيء، وهما بقرب فيد، فرأوا فيهما النخل ~~والمراعي الكثيرة ورأوا الأسود بن عفار، فقتلوه، وأقامت طيء بالجبلين بعده، ~~فهم هناك إلى الآن، وهذا أول مخرجهم إليهما. ### | AUT ذكر أصحاب الكهف # ### | AUT وكانوا أيام ملوك الطوائف # كان أصحاب الكهف أيام ملك اسمه دقيوس، ويقال دقيانوس، وكانوا بمدينة ~~للروم اسمها أفسوس، وملكهم يعبد الأصنام، وكانوا فتية آمنوا بربهم كما ذكر ~~الله تعالى، فقال: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا) ~~الكهف: 9؛ والرقيم خبرهم كتب في لوح وجع على باب الكهف اذي أووا رليه، ~~وقيل: كتبه بعض أهل زمانهم وجعله في البناءوفيه أسماؤهم وفي أيام من كانوا ~~وسبب وصولهم الى الكهف. PageV01P0119 # وكانت عدتهم، فما ذكر ابن عباس، سبعة وثامنهم كلبهم، وقال: إنا من القليل ~~الذين تعلمونهم، وقال ابن اسحاق: كانوا ثمانية، فعلى قوله يكون تاسعهم ~~كلبهم، وكانوا من الروم، وكانوا يعبدون الأوثان، فهداهم الله، وكانت ~~شريعتهم شريعة عيسى، عليه السلام. وزعم بعضهم أنهم كانوا قبل المسيح، وأن ~~المسيح أعلم قومه بهم، وأن الله بعثهم من رقدتهم بعد رفع المسيح، والأول ~~أصح. وكان سبب إيمانهم أنه جاء حواري من أصحاب عيسى إلى مدينتهم فأراد أن ~~يدخلها، فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخلها أحد حتى يسجد له، فلم يدخلها ~~وأتى حماما قريبا من المدينة، فكان يعمل فيه، فرأى صاحب الحمام البركة ~~وعلقه الفتية، فجعل يخبرهم خبر السماءوالأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به ~~وصدقوه، فكان على ذلك حتى جاء ابن الملك بامرأة فدخل بها الحمام، فعيره ~~الحواري، فاستحيا، ثم رجع مرة أخرى فعيره فسبه وانتهره ودخل الحمام ومعه ~~المرأة، فماتا في الحمام، فقيل للملك: إن الذي بالحمام قتلهما، فطلب فلم ~~يوجد، فقيل: من كان يصحبه؟ فذكر الفتية، فطلبوا فهربوا فمروا بصاحب لهم على ~~حالهم في زرع له ms0230 فذكروا له أمرهم، فسار معهم وتبعهم الكلب الذي له حتى ~~آواهم الليل الى الكهف، فقالوا: نبيت ههنا حتى نصبح ثم نرى رأينا، فدخلوه ~~فرأوا عنده عين ماء وثمارا، فأكلوا من الثمار وشربوا من الماء، فلما جنهم ~~الليل ضرب الله على آذانهم ووكل بهم ملائكة يقلبونهم ذات اليمن وذات الشمال ~~لئلا تأكل الأرض أجسادهم، وكانت الشمس تطلع عليهم. وسمع الملك دقيانوس ~~خبرهم فخرج في أصحابه يتبعون أثرهم حتى وجدهم قد دخلوا الكهف، وأمر أصحابه ~~بالدخول إليهم وإخراجهم، فكلما أراد رجل أن يدخل أرعب فعاد، فقال بعضهم: ~~أليس لو كنت ظفرت بهم قتلتهم؟ قال: بلى، قال: فابن عليهم باب الكهف ودعهم ~~يموتوا جوعا وعطشا، ففعل، فبقوا زمانا بعد زمان. ثم إن راعيا أدركه المطر ~~فقال: لو فتحت باب هذا الكهف فأدخلت غنمي فيه، ففتحه، فرد الله إليهم ~~أرواحهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورق ليشتري لهم طعاما، واسمه ~~تلميخا، فلما أتى باب المدينة رأى ما زنكره حتى دخل علي رجل فقال: بعني ~~بهذه الدراهم طعاما، فقال: فمن أين لك هذه الدراهم؟ قال: خرجت أنا وأصحاب ~~لي أمس ثم أصبحوا فأرسلوني، فقال: هذه الدراهم كانت على عهد الملك الفلاني، ~~فرفعه إلى الملك، وكان ملكا صالحا، فسأله عنها، فأعاد عليه حالهم، فقال ~~الملك: وأين أصحابك؟ قال: انطلقوا معي، فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف، ~~فقال: دعوني أدخل إلى أصحابي قبلكم لئلا يسمعوا أصواتكم فيخافوا ظنا منهم ~~أن دقيانوس قد علم بهم، فدخل عليهم وأخبرهم الخبر، فسجدوا شكرا لله وسألوه ~~أن يتوفاهم، فاستجاب لهم، فضرب على أذنه وآذانهم، وأراد الملك الدخول عليهم ~~فكانوا كلما دخل عليهم رجل أرعب، فلم يقدروا أن يدخلوا عليهم، فعاد عنهم، ~~فبنوا عليهم كنيسة يصلون فيها. قال عكرمة: لما بعثهم الله كان الملك حينئذ ~~مؤمنا، وكان قد اختلف أهل مملكته في الروح والجسد وبعثهما، فقال قائل: يبعث ~~الله الروح دون الجسد، وقال قائل: يبعثان جميعا؛ فشق ذلك على الملك فلبس ~~المسوح وسأل الله أن يبين له الحق، فبعث لله أصحاب ms0231 الكهف بكرة، فلما بزغت ~~الشمس قال بعضهم لبعض: قد غفلنا هذه الليلة عن العبادة، فقاموا إلى الماء، ~~وكان عند الكهف عين وشجرة، فإذا العين قد غارت والأشجار قد يبست، فقال ~~بعضهم لبعض: إن أمرنا لعبج هذه العين غارت وهذه الأشجار يبست في ليلة واحدة ~~وألقى الله عليهم الجوع، فقالوا: أيكم يذهب (إلى المدينة فلينظر أيها أزكى ~~طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا) الكهف: 19. ~~PageV01P0120 # فدخل أحدهم يشتري الطعام، فلما رأى السوق عرف وأنكر الوجوه ورأى الإيمان ~~ظاهرا بها، فأتى رجلا يشتري منه، فأنكر الدراهم، فرفعه الى الملك، فقال ~~الفتى: أليس ملككم فلان؟ فقال الرجل: لا بل فلان فعجب لذلك، فلما أحضر عند ~~الملك أخبره بخبر أصحابه، فجمع الملك الناس وقال لهم: إنكم قد اختلفتم في ~~الروح والجسد، وإن الله قد بعث لكم آية هذا الرجل من قوم فلان، يعني الملك ~~الذي مضى، فقال الفتى: انطلقوا بي الى أصحابي، فركب الملك والناس معه، فلما ~~انتهى إلى الكهف قال الفتى للملك: ذروني أسبقكم إلى أصحابي أعرفهم خبركم ~~لئلا يخافوا إذا سمعوا وقع حوافر دوابكم وأصواتكم فيظنوكم دقيانوس، فقال: ~~افعل، فسبقهم إلى أصحابه ودخل على أصحابه فأخبرهم الخبر، فعلموا حينئذ ~~مقدار لبثهم في الكهف وبكوا فرحا ودعوا الله أن يميتهم ولا يراهم أحد ممن ~~جاءهم، فماتوا لساعتهم، فضرب الله على أذنه وآذانهم معه، فلما استبطأوه ~~دخلوا إلي الفتية فإذا أجسادهم لا ينركون منها شيئا غير أنها لا أرواح ~~فيها، فقال الملك: هذه آية لكم، ورأى الملك تابوتا من نحاس مختوما بخاتم، ~~ففتحه، فرأى فيه لوحا من رصاص مكتوبا فيه أسماء الفتية وأنهم هربوا من ~~دقيانوس الملك مخافة على نفوسهم ودينهم فدخلوا هذا الكهف، فلما علم دقيانوس ~~بمكانهم بالكهف سده عليهم، فليعلم من قرأ كتابنا هذا شأنهم. فلما قرأوه ~~عجبوا وحمدوا الله تعالى الذي أراهم هذه الآية للبعث ورفعوا أصواتهم ~~بالتحميد والتسبيح. وقيل: إن الملك ومن معه دخلوا على الفتية فرأوهم أحياء ~~مشرقة وجوههم وألوانهم لم تبل ثيابهم، وأخبرهم الفتية بما لقوا ms0232 من ملكهم ~~دقيانوس، واعتنقهم الملك، وقعدوا معه يسبحون الله ويذكرونه، ثم قالوا: له: ~~نستودعك الله، ورجعوا الى مضاجعهم كما كانوا، فعمل الملك لكل رجل منهم ~~تابوتا من الذهب، فلما نام رآهم في منامه وقالوا: إننا لم نخلق من الذهب ~~إنما خلقنا من التراب وإليه نصير، فعمل لهم حينئذ توابيت من خشب، فحجبهم ~~الله بالرعب، وبنى الملك على باب الكهف مسجدا وجعل لهم عيدا عظيما. وأسماء ~~الفتية: مكسلمينيا ويمليخا ومرطوس ونيرويس وكسطومس ودينموس وريطوفس وقالوس ~~ومخسيلمينيا، وهذه تسعة أسماء، ويه أتم الروايات، والله أعلم، وكلبهم قطمير. ### | AUT ذكر يونس بن متى # وكان أمره من الأحداث أيام ملوك الطوائف. قيل: لم ينسب أحد من الأنبياء ~~إلى أمه إلا عيسى بن مريم ويونس بن متى، وهي أمه، وكان من قرية من قرى ~~الموصل يقال لها نينوى، وكان قومه يعبدون الأصنام، فبعثه الله إليهم بالنهي ~~عن عبادتها والأمر بالتوحيد، فأقام فيهم ثلاثا وثلاثين سنة يدعوهم، فلم ~~يؤمن غير رجلين، فلما أيس من إيمانهم دعا عليهم، فقيل له: ما أسرع ما دعوت ~~على عبادي ! ارجع إليهم فادعهم أربعين يوما، فدعاهم سبعة وثلاثين يوما، فلم ~~يجيبوه، فقال لهم: إن العذاب يأتيكم إلى ثلاثة أيام، وآية ذلك أن ألوانكم ~~تتغير، فلما أصبحوا تغيرت ألوانهم، فقالوا: قد نزل بكم ما قال يونس ولم ~~نجرب عليه كذبا فانظروا فإن بات فيكم فأمنوا من العذاب، وإن لم يبت فاعلموا ~~أن العذاب يصبحكم. فلما كانت ليلة الأربعين أيقن يونس بنزول العذاب، فخرج ~~من بين أظهرهم. فلما كان الغد تغشاهم العذاب فوق رؤوسهم، خرج عليهم غيم ~~أسود هائل يدخن دخانا شديدا، ثم نزل إلى المدينة فاسودت منه سطوحهم، فلما ~~رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك، فطلبوا يونس فلم يجدوه، فألهمهم الله التوبة، ~~فأخلصوا النية في ذلك وقصدوا شيخا وقالوا له: قد نزل بنا ما ترى فما نفعل ؟ ~~فقال: آمنوا بالله وتوبوا وقولوا: يا حي يا قيوم، يا حي حين لا حي، يا حي ~~محيي الموتى، يا حي لا إله إلا أنت. فخرجوا من القرية ms0233 إلى مكان رفيع في ~~براز من الأرض وفرقوا بين كل دابة وولدها ثم عجوا إلى الله واستقالوه وردوا ~~المظالم جميعا حتى إن كان أحدهم ليقلع الحجر من بنائه فيرده إلى صاحبه. ~~PageV01P0121 # فكشف الله عنهم العذاب، وكان يوم عاشوراء يوم الأربعاء، وقيل: للنصف من ~~شوال يوم الأربعاء، وانتظر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مر به مار ~~فقال: ما فعل أهل القرية ؟ فقال: تابوا إلى الله فقبل منهم وأخر عنهم ~~العذاب. فغضب يونس عند ذلك فقال: والله لا أرجع كذابا ! ولم تكن قرية رد ~~الله عنهم العذاب بعدما غشيهم إلا قوم يونس، ومضى مغاضبا لربه. وكان فيه ~~حدة وعجلة وقلة صبر، ولذلك نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يكون مثله، ~~فقال تعالى: (ولا تكن كصاحب الحوت) القلم: 48. ولما مضى ظن أن الله لا يقدر ~~عليه، أي يقضي عليه العقوبة، وقيل: يضيق عليه الحبس، فسار حتى ركب في سفينة ~~فأصاب أهلها عاصف من الريح، وقيل: بل وقفت فلم تسر، فقال من فيها: هذه ~~بخطيئة أحدكم ! فقال يونس: هذه بخطيئتي فألقوني في البحر، فأبوا عليه حتى ~~أفاضوا بسهامهم (فساهم فكان من المدحضين) الصافات: 141، فلم يلقوه، وفعلوا ~~ذلك ثلاثا ولم يلقوه، فألقى نفسه في البحر، وذلك تحت الليل، فالتقمه الحوت، ~~فأوحى الله إلى الحوت أن يأخذه ولا يخدش له لحما ولا يكسر له عظما، فأخذه ~~وعاد إلى مسكنه من البحر، فلما انتهى إليه سمع يونس حسا فقال في نفسه: ما ~~هذا ؟ فأوحى الله إليه في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دواب البحر، فسبح وهو في ~~بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: ربنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض ~~غريبة. فقال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. فقالوا: ~~العبد الصالح الذي كان يصعد له كل يوم عمل صالح ؟ فشفعوا له عند ذلك، ~~(فنادى في الظلمات) - ظلمة البحر وظلمة بطن الحوت وظلمة الليل - (أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) الأنبياء: 87 ! وكان قد سبق له من ~~العمل الصالح، فأنزل ms0234 الله فيه: (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه ~~إلى يوم يبعثون) الصافات: 143، وذلك أن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، ~~(فنبذناه بالعراء وهو سقيم) الصافات: 145؛ ألقي على ساحل البحر وهو كالصبي ~~المنفوس، ومكث في بطن الحوت أربعين يوما، وقيل: عشرين يوما، وقيل: ثلاثة ~~أيام، وقيل: سبعة أيام، والله أعلم. وأنبت (الله) عليه شجرة من يقطين، وهو ~~القرع، يتقطر إليه منه اللبن، وقيل: هيأ الله له أروية وحشية، فكانت ترضعه ~~بكرة وعشية حتى رجعت إليه قوته وصار يمشي، فرجع ذات يوم إلى الشجرة فوجدها ~~قد يبست، فحزن وبكى عليها، فعاتبه الله، وقيل له: أتبكي وتحزن على شجرة ولا ~~تحزن على مائة ألف وزيادة أردت أن تهلكهم ! ثم إن الله أمره أن يأتي قومه ~~فيخبرهم أن الله قد تاب عليهم، فعمد إليهم، فلقي راعيا، فسأله عن قوم يونس، ~~فأخبره أنهم على رجاء أن يرجع إليهم رسولهم، قال: فأخبرهم أنك قد لقيت ~~يونس. قال: لا أستطيع إلا بشاهد، فسمى له عنزا من غنمه والبقعة التي كانا ~~فيها وشجرة هناك، وقال: كل هذه تشهد لك. فرجع الراعي إلى قومه فأخبرهم أنه ~~رأى يونس، فهموا به، فقال: لا تعجلوا حتى أصبح. فلما أصبح غدا بهم إلى ~~البقعة التي لقي فيها يونس فاستنطقها، فشهدت له، وكذلك الشاة والشجرة، وكان ~~يونس قد اختفى هناك. فلما شهدت الشاة قالت لهم: إن أردتم نبي الله فهو ~~بمكان كذا وكذا، فأتوه، فلما رأوه قبلوا يديه ورجليه وأدخلوه المدينة بعد ~~امتناع، فمكث مع أهله وولده أربعين يوما وخرج سائحا، وخرج الملك معه يصحبه ~~وسلم الملك إلى الراعي، فأقام يدبر أمرهم أربعين سنة بعد ذلك. ثم إن يونس ~~أتاهم بعد ذلك. PageV01P0122 # وقال ابن عباس وشهر بن حوشب: كانت رسالة يونس بعدما نبذه الحوت، وقالا: ~~كذلك أخبر الله تعالى في سورة الصافات فإنه قال: (فنبذناه بالعراء وهو سقيم ~~وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) الصافات: 145 ~~- 147. وقال شهر: إن جبرائيل أتى يونس فقال له: انطلق إلى ms0235 أهل نينوى ~~فأنذرهم العذاب فإنه قد حضرهم. قال: ألتمس دابة. قال: الأمر أعجل من ذلك. ~~قال: ألتمس حذاء. قال: الأمر أعجل من ذلك. قال: فغضب وانطلق إلى السفينة ~~فركب، فلما ركب احتبست، قال: فساهموا، فسهم، فجاءت الحوت، فنودي الحوت: إنا ~~لم نجعل يونس من رزقك إنما جعلناك له حرزا، فالتقمه الحوت وانطلق به من ذلك ~~المكان حتى مر به على الابلة، ثم انطلق به على دجلة حتى ألقاه بنينوى. ### | AUT ومما كان من الاحداث أيام ملوك الطوائف # إرسال الله تعالى الرسل الثلاثة إلى مدينة إنطاكية. وكانوا من الحواريين ~~أصحاب المسيح، أرسل أولا اثنين، وقد اختلف في أسمائهما، فقدما إنطاكية ~~فرأيا عندها شيخا يرعى غنما، وهو حبيب النجار، فسلما عليه، فقال: من أنتما ~~؟ قالا: رسولا عيسى ندعوكم إلى عبادة الله تعالى. قال: معكما آية ؟ قالا: ~~نعم، نحن نشفي المرضى ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله. قال حبيب: إن لي ~~ابنا مريضا مذ سنين، وأتى بهما منزله، فمسحا ابنه، فقام في الوقت صحيحا، ~~ففشا الخبر في المدينة، وشفى الله على أيديهما كثيرا من المرض. وكان لهم ~~ملك اسمه أنطيخس يعبد الأصنام، فبلغ إليه خبرهما، فدعاهما، فقال: من أنتما ~~؟ قالا: رسل عيسى ندعوك إلى الله تعالى. قال: فما آيتكما ؟ قالا: نبرئ ~~الأكمه والأبرص ونشفي المرضى بإذن الله. فقال: قوما حتى ننظر في أمركما، ~~فقاما، فضربهما العامة. وقيل: إنهما قدما المدينة فبقيا مدة لا يصلان إلى ~~الملك، فخرج الملك يوما، فكبرا وذكرا الله، فغضب وحبسهما وجلد كل واحد ~~منهما مائة جلدة، فلما كذبا وضربا بعث المسيح شمعون رأس الحواريين ~~لينصرهما، فدخل البلد متنكرا وعاشر حاشية الملك، فرفعوا خبره إلى الملك، ~~فأحضره ورضي عشرته وأنس به وأكرمه، فقال له يوما: أيها الملك بلغني أنك ~~حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى دينهما فهل كلمتهما وسمعت ~~قولهما ؟ فقال الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإن رأى الملك أن ~~يحضرهما حتى نسمع كلامهما، فدعاهما الملك، فقال لهما شمعون: من أرسلكما ؟ ~~قالا: الله الذي خلق كل شيء ms0236 ولا شريك له. قال: فثفاه وأوجزا. قالا: إنه ~~يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال شمعون: فما آيتكما ؟ قالا: ما تتمناه. ~~فأمر الملك، فجيء بغلام مطموس العينين موضعهما كاللحمة، فما زالا يدعوان ~~ربهما حتى انشق موضع البصر، وأخذ بندقتين من الطين فوضعاهما في حدقتيه ~~فصارتا مقلتين يبصر بهما. فعجب الملك لذلك فقال: إن قدر إلهكما الذي ~~تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما. قالا: إن إلهنا قادر على كل شيء. ~~فقال الملك: إن ها هنا ميتا منذ سبعة أيام فلم ندفنه حتى يرجع أبوه وهو ~~غائب، فأحضر الميت وقد تغيرت ريحه، فدعوا الله تعالى علانيا وشمعون يدعو ~~سرا، فقام الميت فقال لقومه: إني مت مشركا وأدخلت في أودية من النار وأنا ~~أحذركم ما أنتم فيه. ثم قال: فتحت أبواب السماء فنظرت فرأيت شابا حسن الوجه ~~يشفع لهؤلاء الثلاثة. فقال الملك: ومن هم ؟ فقال: هذا، وأومأ إلى شمعون، ~~وهذان، وأشار إليهما، فعجب الملك، فحينئذ دعا شمعون الملك إلى دينه، فآمن ~~قومه، وكان الملك فيمن آمن وكفر آخرون. وقيل: بل كفر الملك وأجمع هو وقومه ~~على قتل الرسل، فبلغ ذلك حبيبا النجار، وهو على باب المدينة، فجاء يسعى ~~إليهم فيذكرهم ويدعوهم إلى طاعة الله وطاعة المرسلين، فذلك قوله تعالى: (إذ ~~أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث) يس: 14، وهو شمعون، فأضاف الله ~~تعالى الإرسال إلى نفسه، وإنما أرسلهم المسيح لأنه أرسلهم بإذن الله تعالى. ~~PageV01P0123 # فلما كذبهم أهل المدينة، حبس الله عنهم المطر، فقال أهلها للرسل: (إنا ~~تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) - بالحجارة، وقيل: لنقتلنكم - وليمسنكم ~~منا عذاب أليم) يس: 18، فلما حضر حبيب، وكان مؤمنا يكتم إيمانه، وكان يجمع ~~كسبه كل يوم وينفق على عياله نصفه ويتصدق بنصفه، فقال: (يا قوم اتبعوا ~~المرسلين) يس: 20. فقال قومه: وأنت مخال لربنا ومؤمن بإله هؤلاء ؟ فقال: ~~(وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ؟) يس: 22، فلما قال ذلك قتلوه، ~~فأوجب الله له الجنة، فذلك قوله تعالى: (قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي ~~يعلمون بما غفر ms0237 ربي وجعلني من المكرمين) يس: 27؛ وأرسل الله عليهم صيحة فماتوا. ### | AUT ومما كان من الأحداث شمسون # وكان من قرية من قرى الروم قد آمن، وكانوا يعبدون الأصنام، وكان على ~~أميال من المدينة، وكان يغزوهم وحده ويقاتلهم بلحي جمل. فكان إذا عطش انفجر ~~له من الحجر الذي فيه ماء عذب فيشرب منه، وكان قد أعطي قوة لا يوثقه حديد ~~ولا غيره، وكان على ذلك يجاهدهم ويصيب منهم ولا يقدرون منه على شيء، فجعلوا ~~لامرأته جعلا لتوثقه لهم، فأجابتهم إلى ذلك، فاعطوها حبلا وثيقا، فتركته ~~حتى نام وشدت يديه، فاستيقظ وجذبه، فسقط الحبل من يديه، فأرسلت إليهم ~~فأعلمتهم، فأرسلوا إليها بجامعة من حديد، فتركتها في يديه وعنقه وهو نائم، ~~فاستيقظ وجذبها فسقطت من عنقه ويديه، فقال لها في المرتين: ما حملك على ما ~~صنعت ؟ فقالت: أريد أجرب قوتك وما رأيت مثلك في الدنيا فهل في الأرض شيء ~~يغلبك ؟ قال: نعم بشعر رأسه، وكان كثيرا، فأرسلت إليهم، فجاؤوا فأخذوه ~~فجدعوا أنفه وأذنيه وفقأوا عينيه وأقاموه للناس. وجاء الملك لينظر إليه، ~~وكانت المدينة على أساطين، فدعا الله شمسون أن يسلطه عيهم، فأمر أن يأخذ ~~بعمودين من عمد المدينة فيجذبهما، ورد إليه بصره وما أصابوه من جسده، وجذب ~~العمودين فوقعت المدينة بالملك والناس وهلك من فيها هدما. وكان شمسون أيام ~~ملوك الطوائف. ### | AUT ومما كان من الأحداث أيضا جرجيس # قيل: كان بالموصل ملك يقال له دازانه، وكان جبارا عاتيا، وكان جرجيس ~~رجلا صالحا من أهل فلسطين يكتم إيمانه مع أصحاب له صالحين، وكانوا قد ~~أدركوا بقايا من الحواريين فأخذوا عنهم، وكان جرجيس كثير التجارة عظيم ~~الصدقة، وربما نفد ماله في الصدقة ثم يعود يكتسب مثله، ولولا الصدقة لكان ~~الفقر أحب إليه من الغنى، وكان يخاف بالشام أن يفتتن عن دينه، فقصد الموصل ~~ومعه هدية لملكها لئلا يجعل لأحد عليه سبيلا، فجاءه حين جاءه وقد أحضر ~~عظماء قومه وأوقد نارا وأعد أصنافا من العذاب وأمر بصنم له يقال له افلون ~~فنصب، فمن لم يسجد له عذبه ms0238 وألقي في النار. فلما رأى جرجيس ما يصنع استعظمه ~~وحدث نفسه بجهاده، فعمد إلى المال الذي معه فقسمه في أهل ملته وأقبل عليه ~~وهو شديد الغضب فقال له: اعلم أنك عبد مملوك لا تملك لنفسك شيئا ولا لغيرك ~~شيئا، وأن فوقك ربا هو الذي خلقك ورزقك، فأخذ في ذكر عظمة الله تعالى وعيب ~~صنمه. فأجابه الملك بأن سأله من هو ومن أين هو. فقال جرجيس: أنا عبد الله ~~وابن أمته من التراب خلقت وإليه أعود. فدعاه الملك إلى عبادة صنمه وقال له: ~~لو كان ربك ملك الملكوت لرؤي عليك أثره كما ترى على من حولي من ملوك قومي. ~~فأجابه جرجيس بتعظيم أمر الله وتمجيده وقال له: تعبد افلون الذي لا يسمع ~~ولا يبصر ولا يغني من رب العالمين، أم تعبد الذي قامت بأمره السموات ~~والأرض، أم تعبد طرقلينا عظيم قومك من الناس، عليه السلام، فإنه كان آدميا ~~يأكل ويشرب فأكرمه الله بأن جعله إنسيا ملكيا، أم تعبد عظيم قومك مخليطيس ~~أيضا وما نال بولايتك من عيسى، عليه السلام ! وذكر من معجزاته وما خصه الله ~~من الكرامة. فقال له الملك: إنك أتيتنا بأشياء لا نعلمها، ثم خيره بين ~~العذاب والسجود للصنم. فقال جرجيس: إن كان صنمك هو الذي رفع السماء، وعدد ~~أشياء من قدرة الله، عز وجل، فقد أصبت ونصحت، وإلا فاخسأ أيها الملعون. ~~PageV01P0124 # فلما سمع الملك أمر بحبسه ومشط جسده بأمشاط الحديد حتى تقطع لحمه وعروقه، ~~وينضح بالخل والخردل، فلم يمت. فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بستة مسامير من ~~حديد فأحميت حتى صارت نارا ثم سمر بها رأسه، فسال دماغه، فحفظه الله تعالى. ~~فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بحوض من نحاس فأوقد عليه حتى جعله نارا ثم أدخله ~~فيه وأطبق عليه حتى برد. فلما رأى ذلك لم يقتله دعاه وقال له: ألم تجد ألم ~~هذا العذاب ؟ قال: إن إلهي حمل عني عذابك وصبرني ليحتج عليك. فأيقن الملك ~~بالشر وخافه على نفسه وملكه فأجمع رأيه على أن يخلده في ms0239 السجن، فقال الملأ ~~من قومه: إنك إن تركته في السجن طليقا يكلم الناس ويميل بهم عليك، ولكن ~~يعذب بعذاب يمنعه من الكلام. فأمر به فبطح في السجن على وجهه ثم أوتد في ~~يديه ورجليه أوتادا من حديد، ثم أمر بأسطوان من رخام حمله ثمانية عشر رجلا ~~فوضع على ظهره، فظل يومه ذلك تحت الحجر، فلما أدركه الليل أرسل الله إليه ~~ملكا، وذلك أول ما أيد بالملائكة، فأول ما جاءه الوحي قلع عنه الحجر ونزع ~~الأوتاد وأطعمه وسقاه وبره وعزاه، فلما أصبح أخرجه من السجن فقال له: الحق ~~بعدوك فجاهده، فإني قد ابتليتك به سبع سنين يعذبك ويقتلك فيهن أربع مرات في ~~كل ذلك أرد إليك روحك، فإذا كانت القتلة الرابعة تقبلت روحك وأوفيتك أجرك. ~~فلم يشعر الملك إلا وقد وقف جرجيس على رأسه يدعوه إلى الله، فقال له: ~~أجرجيس ؟ قال: نعم. من أخرجك من السجن ؟ قال: أخرجني من سلطانه فوق سلطانك ~~! فمليء غيظا ودعا بأصناف العذاب ومدوه بين خشبتين ووضعوا على رأسه سيفا ثم ~~وشروه حتى سقط بين رجلييه وصار جزلتين، ثم قطعوهما قطعا، وكان له سبعة أسد ~~ضارية في جب فألقوا جسده إليها، فلما رأته خضعت برؤوسها وقامت على براثنها ~~لا تألوا أن تقيه الأذى الذي تحتها، فظل يومه تحتها ميتا، فكانت أول ميتة ~~ذاقها. فلما أدركه الليل جمع الله جسده وسواه ورد فيه روحه وأخرجه من قعر ~~الجب. فلما أصبحوا أقبل جرجيس، وهم في عيد لهم صنعوه فرحا بموت جرجيس، فلما ~~نظروا إليه مقبلا قالوا: ما أشبه هذا بجرجيس ! قال الملك: هو هو! قال ~~جرجيس: أنا هو حقا، بئس القوم أنتم ! قتلتم ومثلتم فرد الله روحي إلي ! ~~هلموا إلى هذا الرب العظيم الذي أراكم قدرته. فقالوا: ساحر سحر أعينكم ~~وأيديكم عنه، فجمعوا من ببلادهم من السحرة، فلما جاؤوا قال الملك لكبيرهم: ~~اعرض علي من سحرك ما يسرى به عني. فدعا بثور فنفخ في أذنيه فإذا هو ثوران، ~~ودعا ببذر فحرث وزرع وحصد ودق وذرى وطحن وخبز وأكل في ms0240 وطحن وخبز وأكل في ~~ساعته. فقال له الملك: هل تقدر أن تمسخه كلبا ؟ قال: ادع لي بقدح من ماء، ~~فأتي به، فنفث فيه الساحر ثم قال الملك لجرجيس: اشربه، فشربه جرجيس حتى أتى ~~على آخره. فقال له الساحر: ماذا تجد ؟ قال: ما أجد إلا خيرا ! كنت عطشان ~~فلطف الله بي فسقاني. وأقبل الساحر على الملك وقال: لو كنت تقاسي جبارا ~~مثلك لغلته إنما تقاسي جبار السماء والأرض. وكانت أتت جرجيس امرأة من ~~الشام، وهو في أشد العذاب، فقالت له: إنه لم يكن لي مال إلا ثورا أعيش به ~~من حرثه فمات، وجئتك لترحمني وتسأل الله أن يحيي ثوري. فأعطاها عصا وقال: ~~اذهبي إلى ثورك فاضربيه بهذه العصا وقولي له: احي بإذن الله. فأخذت العصا ~~وأتت مصرع الثور فرأت روقيه وشعر وذنبه فجمعتها ثم قرعتها بالعصا وقالت ما ~~أمرها به جرجيس، فعاش ثورها، وجاء الخبر بذلك. PageV01P0125 # فلما قال الساحر ما قال: قال رجل من أصحاب الملك، وكان أعظمهم بعد الملك: ~~اسمعوا مني. قالوا: نعم. قال: إنكم قد وضعتم أمره على السحر، وإنه لم يعذب ~~ولم يقتل، فهل رأيتم ساحرا قط قدر أن يدفع عن نفسه الموت أو أحيا ميتا ؟ ~~وذكر الثور وإحياءه. فقالوا له: إن كلامك كلام رجل قد أصغى إليه. فقال: قد ~~آمنت به وأشهد الله أني بريء مما تعبدون ! فقام إليه الملك وأصحابه ~~بالخناجر فقطعوا لسانه بالخناجر، فلم يلبث أن مات. وقيل: أصابه الطاعون ~~فأعجله قبل أن يتكلم، وكتموا شأنه، فكشفه جرجيس للناس، فاتبعه أربعة آلاف ~~وهو ميت، فقتلهم الملك بأنواع العذاب حتى أفناهم، وقال له رجل من عظماء ~~أصحاب الملك: يا جرجيس إنك زعمت أن إلهك يبدأ الخلق ثم يعيده، وإني سائلك ~~أمرا إن فعله إلهك آمنت به وصدقتك وكفيتك قومي. هذا تحتنا أربعة عشر منبرا ~~ومائدة وأقداح وصحاف من خشب يابس وهو من أشجار شتى فادع ربك أن يعيدها خضرا ~~كما بدأها يعرف كل عود بلونه وورقه وزهره وثمره. قال جرجيس: قد سألت أمرا ~~عزيزا علي وعليك، ms0241 وإنه على الله يسير، ودعا الله فما برحوا حتى اخضرت وساخت ~~عروقها وتشعبت ونبت ورقها وزهرها حتى عرفوا كل عود باسمه. فقال الذي سأله ~~هذا: أنا أتولى عذابه. فعمد إلى نحاس فصنع منه صورة ثور مجوف ثم حشاها نفطا ~~ورصاصا وكبريتا وزرنيخا وأدخل جرجيس في وسطها ثم أوقد تحت الصورة النار حتى ~~التهبت وذاب كل شيء فيها واختلط ومات جرجيس في جوفها. فلما مات أرسل الله ~~ريحا عاصفا ورعدا وبرقا وسحابا مظلما وأظلم ما بين السماء والأرض وبقوا ~~أياما متحيرين، فأرسل الله ميكائيل، فاحتمل تلك الصورة، فلما أقلها ضرب بها ~~الأرض، ففزع من روعتها كل من سمعها وانكسرت وخرج منها جرجيس حيا، فلما وقف ~~وكلمهم انكشفت الظلمة وأسفر ما بين السماء والأرض. قال له عظيم من عظمائهم: ~~ادع الله بأن يحيي موتانا من هذه القبور. فأمر جرجيس بالقبور فنبشت وهي ~~عظام رفات، ثم دعا فلم يبرحوا حتى نظروا إلى سبعة عشر إنسانا، تسعة رجال ~~وخمسة نسوة وثلاثة صبية وفيهم شيخ كبير. فقال له جرجيس: متى مت ؟ فقال: في ~~زمان كذا وكذا، فإذا هو أربع مائة عام. فلما رأى ذلك الملك قال: لم يبق من ~~عذابكم شيء إلا وقد عذبتموه وأصحابه به إلا الجوع والعطش، فعذبوه به. ~~فعمدوا إلى بيت عجوز فقيرة، وكان لها ابن أعمى أبكم مقعد، فحصروه فيه، فلا ~~يصل إليه طعام ولا شراب. فلما جاع قال للعجوز: هل عندك طعام أو شراب ؟ ~~قالت: لا والذي يحلف به ما لنا عهد بالطعام من كذا وكذا وسأخرج فألتمس لك ~~شيئا. فقال لها: هل تعبدين الله ؟ قالت: لا. فدعاها فآمنت، وانطلقت تطلب له ~~شيئا، وفي بيتها دعامة من خشبة يابسة تحمل خشب البيت، فدعا الله فاخضرت تلك ~~الدعامة وأنبتت كل فاكهة تؤكل وتعرف، فظهر للدعامة فروع من فوق البيت تظله ~~وما حوله، وعادت العجوز وهو يأكل رغدا. فلما رأت الذي حدث في بيتها قالت: ~~آمنت بالذي أطعمك في بيت الجوع، فادع هذا الرب العظيم أن يشفي ابني. قال: ~~أدنيه مني، فأدنته، ms0242 فبصق في عينيه فأبصر، فنفث في أذنيه فسمع. قالت له: ~~أطلق لسانه ورجليه. قال لها: أخريه فإن له يوما عظيما. ورأى الملك الشجرة ~~فقال: أرى شجرة ما كنت أعهدها ! قالوا: تلك الشجرة الساحر الذي أردت أن ~~تعذبه بالجوع وقد شبع منها وأشبعت العجوز، وشفى لها ابنها. PageV01P0126 # فأمر بالبيت فهدم، وبالشجرة أن تقطع، فملا هموا بقطعها أيبسها الله ~~وتركوها. وأمر بجرجيس فبطح على وجهه، وأمر بعجل فأوقر أسطوانا وجعل في أسفل ~~العجل خناجر وشفارا ثم دعا بأربعين ثورا فنهضت بالعجل نهضة واحدة وجرجيس ~~تحتها، فانقطع ثلاث قطع، ثم أمر بقطعه فأحرقت حتى صارت رمادا، وبعث بالمراد ~~مع رجال فذروه في البحر، فلم يبرحوا حتى سمعوا صوتا من السماء: يا بحر إن ~~الله يأمرك أن تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيب فإني أريد أن أعيده. فأرسل ~~الرياح فجمعته كما كان قبل أن يذروه، والذين ذروه قيام لم يبرحوا، وخرج ~~جرجيس حيا مغبرا، فرجعوا ورجع معهم وأخبروا الملك خبر الصوت والرياح. فقال ~~له الملك: هل لك فيما هو خير لي ولك ؟ ولولا أن يقال إنك غلبتني لآمنت بك، ~~ولكن اسجد لصنمي سجدة واحدة أو اذبح له شاة واحدة وأنا أفعل ما يسرك. فطمع ~~جرجيس في إهلاك الصنم حين يراه وإيمان الملك عند ذلك، فقال له: أفعل - ~~خديعة منه - وأدخلني على صنمك أسجد له وأذبح. ففرح الملك بذلك وقبل يديه ~~ورجليه وطلب منه أن يكون يومه وليلته عنده، ففعل، فأخلى له الملك بيتا ~~ودخله جرجيس، فلما جاء الليل قام يصلي ويقرأ الزبور، وكان حسن الصوت، فلما ~~سمعته امرأة الملك استجابت له وآمنت به وكتمت إيمانها، فلما اصبح غدا به ~~إلى بيت الأصنام ليسجد لها. وقيل للعجوز: إن جرجيس قد افتتن وطمع في الملك ~~بعد الملك. فخرجت تحمل ابنها على عاتقها في أعراضهم توبخ جرجيس، فلما دخل ~~بيت الأصنام نظر فإذا العجوز وابنها أقرب الناس إليه، فدعا ابنها، فأجابه ~~وما تكلم قبل ذلك قط، ثم نزل عن عاتق أمه يمشي على قدميه سويتين وما ms0243 وطئ ~~الأرض قط، فلما وقف بين يدي جرجيس قال له: ادع لي هذه الأصنام، وهي على ~~منابر من ذهب واحد وسبعون صنما، وهم يعبدون الشمس والقمر معها، فدعاها، ~~فأقبلت تتدحرج إليه. فلما انتهت إليه ركض برجله الأرض فخسف بها وبمنابرها، ~~فقال له الملك: يا جرجيس خدعتني وأهلكت أصنامي ! فقال له: فعلت ذلك عمدا ~~لتعتبر وتعلم أنها لو كانت آلهة لامتنعت مني. فلما قال هذا قالت امرأة ~~الملك وأظهرت إسلامها وعدت عليهم أفعال جرجيس وقالت: ما تنتظرون من هذا ~~الرجل إلا دعوة فتهلكون كما هلكت أصنامكم. فقال الملك: ما أسرع ما أضلك هذا ~~الساحر ! ثم أمر بها فعلقت على خشبة، ثم مشط لحمها بمشاط الحديد، فلما ~~آلمها العذاب قالت لجرجيس: ادع الله أن يخفف عني الألم. فقال: انظري فوقك. ~~فنظرت فضحكت. فقال لها الملك: ما يضحكك ؟ قالت: أرى على رأسي ملكين معهما ~~تاج من حلي الجنة ينتظران خروج روحي ليزيناني به ويصعدا بها إلى الجنة. ~~فلما مات أقبل جرجيس على الدعاء وقال: اللهم أكرمتني بهذا البلاء لتعطيني ~~أفضل منازل الشهداء، وهذا آخر أيامي فأسألك أن تنزل بهؤلاء المنكرين من ~~سطواتك وعقوبتك ما لا بل لهم به، فأمطر الله عليهم النار فأحرقتهم. فلما ~~احترقوا بحرها عمدوا إليه فضربوه بالسيوف فقتلوه، وهي القتلة الرابعة. فلما ~~احترقت المدينة بجميع ما فيها رفعت من الأرض وجعل عاليها سافلها، فلبثت ~~زمانا يخرج من تحتها دخان منتن. وكان جميع من آمن به وقتل معه أربعة ~~وثلاثين ألفا وامرأة الملك. ### | AUT ذكر خالد بن سنان العبسي # وممن كان في الفترة خالد بن سنان العبسي، قيل: كان نبيا، وكان من ~~معجزاته أن نارا ظهرت بأرض العرب فافتتنوا بها وكادوا يتمجسون، فأخذ خالد ~~عصاه ودخلها حتى توسطها ففرقها، وهو يقول: بدا بدا، كل هدى مؤدى، لأدخلنها ~~وهي تلظى ولأخرجن منها وثيابي تندى. ثم إنها طفئت وهو في وسطها. فلما حضرته ~~الوفاة قال لأهله: إذا دفنت فإنه ستجيء عانة من حمير يقدمها عير أبتر فيضرب ~~قبري بحافره، فإذا رأيتم ذلك فانبشوا ms0244 عني فإني سأخبركم بجميع ما هو كائن. ~~فلما مات ودفنوه رأوا ما قال، فأرادوا نبشه، فكره ذلك بعضهم قالوا: نخاف إن ~~نبشناه أن تسبنا العرب بأنا نبشنا ميتا لنا. فتركوه. فقيل إن النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، قال فيه: ذلك نبي ضيعه قومه، وأتت ابنته النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، فآمنت به. كذا قيل إنه آخر الحوادث أقام ملوك الطوائف، ولا وجه ~~له، فإن من أدركت ابنته النبي، صلى الله عليه وسلم، يكون بعد اجتماع الملك ~~لأردشير بن بابك بدهر طويل. PageV01P0127 # ونرجع إلى أخبار ملوك الفرس لسياق التاريخ، ونقدم قبل ذكرهم عدد الملوك ~~الأشغانية من ملوك الطوائف وطبقات ملوك الفرس، إن شاء الله تعالى. ### | AUT ذكر طبقات ملوك الفرس # ### | AUT الطبقة الأولى الفيشداذية # ملوك الأرض بعد جيومرث أوشهنج؛ وملك فيشداذ أربعين سنة، ومعنى فيشداذ ~~أول حاكم. ملك بعده طهمورث بن يوجهان ثلاثية سنة. ثم ملك أخوه جمشيد ~~سبعمائة وست عشرة سنة. ثم ملك بيوراسف بن أرونداسف ألف سنة. ثم ملك أفريدون ~~بن أثفيان خمسمائة سنة. ثم ملك منوجهر مائة وعشرين سنة. ثم ملك أفراسياب ~~التركي اثنتي عشرة سنة. ثم ملك زوبن تهماسف ثلاث سنين. ثم ملك كرشاسب تسع سنين. ### | AUT الطبقة الثانية الكيانية # ثم ملك كيقباذ مائة وستا وعشرين سنة. ثم ملك كيكاووس مائة وخمسين سنة. ~~ثم ملك كيخسرو ثمانين سنة. ثم ملك كي لهراسب مائة وعشرين سنة. ثم ملك كي ~~بشتاسب مائة وعشرين سنة. ثم ملك كي بهمن مائة واثنتي عشرة سنة. ثم ملك ~~خمانى جهرازاد ثلاثين سنة. ثم ملك أخوها دارا بن بهمن اثنتي عشرة سنة. ثم ~~ملك ابنه دارا بن دارا أربع عشرة سنة، وهو الذي أخذ الإسكندر الملك منه. ~~وكان ملك الإسكندر بعده أربع عشرة سنة. ### | AUT الطبقة الثالثة الأشغانية # وهم الذين استولوا على العراق والجبال، وكان سائر ملوك الطوائف ~~يعظمونهم. فأول ملوك الأشغانيين أقام ملوك الطوائف أشك، ملك اثنتين وخمسين ~~سنة. ثم ملك ابنه شابور بن أشك أربعا وعشرين سنة. ثم ملك ابنه جوذرز بن ms0245 ~~شابور، وهو الذي غزا بني إسرائيل بعد قتل يحيى بن زكرياء، خمسين سنة. ثم ~~ملك ابنه أخيه وبحن بن بلاش إحدى وعشرين سنة. ثم ملك جوذرز بن وبحن تسع ~~عشرة سنة. ثم ملك أخوه نرسي ثلاثين سنة. ثم ملك عمه هرمزان بن بلاش بن ~~شابور تسع عشرة سنة. ثم ملك ابنه فيروز بن هرمزان اثنتي عشرة سنة. ثم ملك ~~ابنه خسرو أربعين سنة. ثم ملك أخوه بلاش بن فيروز أربعا وعشرين سنة. ثم ملك ~~ابنه أردوان بن بلاش خمسا وخمسين سنة. وقد ذكر بعضهم أنه ملك بعد هرمزان بن ~~بلاش أردوان الأكبر اثنتي عشرة سنة. وقيل في عدد ملوك الطوائف غير ذلك، ~~والفرس تعترف باضطراب التاريخ عليهم في أيام ملوك الطوائف وملك بيوراسف ~~وملك أفراسياب التركي لأنهم زال الملك عنهم ولم يمكن ضبطه. ### | AUT الطبقة الرابعة الساسانية # فأولهم أردشير بن بابك. ### | AUT ذكر أخبار أردشير بن بابك وملوك الفرس # قيل: لما مضى من لدن ملك الإسكندر أرض بابل، في قول النصرى وأهل الكتب ~~الأول، خمسمائة سنة وثلاث وعشرون سنة، وفي قول المجوس: مائتان وست وستون، ~~وثب أردشير بن بابك بن ساسان الأصغر بن بابك بن ساسان بن بابك بن مهرمس بن ~~ساسان بن بهمن الملك ابن إسفنديار بن بشتاسب، وقيل في نسبته غير ذلك، يريد ~~الأخذ بثأر الملك دارا بن دارا ورد الملك إلى أهله وإلى ما لم يزل عليه ~~أيام سلفه الذين مضوا قبل ملوك الطوائف وجمعه لرئيس واحد. PageV01P0128 # وذكر أن ولده كان بقرية من قرى إصطخر يقال لها طيزودة من رستاق إصطخر، ~~وكان جده ساسان شجاعا مغرى بالصيد، وتزوج امرأة من نسل ملوك فارس يعرفون ~~بالبادرنجبين، وكان قيما على بيت نار بإصطخر يقال له بيت نار هيد، فولدت له ~~بابك، فلما كبر قام بأمر الناس بعد أبيه، ثم ولد له ابنه أردشير، وكان ملك ~~إصطخر يومئذ رجل من البادرنجيين يقال له جوزهر، وكان له خصي اسمه تيري قد ~~صيره ارجيدا بدارابجرد. فلما أتى لأردشير سبع سنين قدمه أبوه ms0246 إلى جوزهر ~~وسأله أن يضمه إلى تيرى ليكون ربيبا له وارجيدا بعده في موضعه، فأجابه ~~وأرسله إلى تيري، فقبله وتبناه. فلما هلك تيري تقلد أردشير الأمر وحسن ~~قيماه به، وأعلمه قوم من المنجمين صلاح مولده وأنه يملك البلاد، فازداد في ~~الخير، ورأى في منامه ملكا جلس عند رأسه فقال له: إن الله يملكك البلاد؛ ~~فقويت نفسه قوة لم يعهدها؛ وكان أول ما فعل أنه سار إلى موضع من دارابجرد ~~يسمى خوبابان فقتل ملكها، واسمه فاسين، ثم سار إلى موضع يقال له كوسن فقتل ~~ملكها، واسمه منوجهر، ثم إلى موضع يقال له لزويز فقتل ملكها، واسمها دارا، ~~وجعل في هذه المواضع قوما من قبله، وكتب إلى أبيه بما كان منه، وأمره ~~بالوثوب يجوزهر، وهو بالبيضاء، ففعل ذلك وقتل جوزهر وأخذ تاجه، وكتب إلى ~~أردوان ملك الجبال وما يتصل بها يتضرع إليه ويسأله في تتويج ابنه سابور ~~بتاج جوزهر، فمنعه من ذلك وهدده، فلم يحفل بابك بذلك وهلك في ثلاثة أيام، ~~فتوج سابور بن بابك بالتاج وملك مكان أبيه، وكتب إلى أردشير يستدعيه، ~~فامتنع، فغضب سابور وجمع جموعا وسار بهم نحوه ليحاربه،وخرج من إصطخر وبها ~~عدة من أصحابه وإخوانه وأقاربه وفيهم من هو أكبر سنا منه، فأخذوا التاج ~~والسرير وسلموهما إلى أردشير، فتتوج وافتتح أمره بجد وقوة وجعل له وزيرا ~~ورتب موبذان موبذ، وأحس من إخوته وقوم كانوا معه بالفتك به، فقتل جماعة ~~منهم، وعصى عليه أهل دارابجرد فعاد إليه فافتتحها وقتل جماعة من أهلها، ثم ~~سار إلى كرمان وبها ملك يقال له بلاش فاقتتلا قتالا شديدا، وقاتل أردشير ~~بنفسه وأسر بلاش، فاستولى على المدينة وجعل فيها ابنا له اسمه أردشير أيضا. ~~وكان في سواحل بحر فارس ملك اسمه أسيون يعظم فسار إليه أردشير فقتله وقتل ~~من معه واستخرج له أموالا عظيمة. وكتب إلى جماعة من الملوك، منهم: مهرك ~~صاحب ابرساس من أردشير خره، يدعوهم إلى الطاعة، فلم يفعلوا، فسار إليهم ~~فقتل مهرك ثم سار إلى جور فأسسها وبنى الجوسق المعروف بالطربال ms0247 وبيت نار ~~هناك. فبينا هو كذلك إذ ورد عليه رسول أردوان بكتاب، فجمع الناس فقرأه ~~عليهم، فإذا فيه: إنك عدوت قدرك واجتلبت حتفك أيها الكردي ! من أذن لك في ~~التاج والبلاد ؟ ومن أمرك ببناء المدينة ؟ وأعلمه أنه قد وجه إليه ملك ~~الأهواز ليأتيه به في وثاق. فكتب إليه: إن الله حباني بالتاج وملكني ~~البلاد، وأنا أرجو أن يمكنني منك فأبعث برأسك إلى بيت النار الذي أسسته. ~~وسار أردشير نحو إصطخر وخلف وزيره أبرسام بأردشير خره، فلم يلبث إلا قليلا ~~حتى ورد عليه كتاب أبرسام بموافاة ملك الأهواز وعوده منكوبا، ثم سار إلى ~~أصبهان فملكها وقتل ملكها، وعاد إلى فارس وتوجه إلى محاربة نيروفر صاحب ~~الأهواز، وسار إلى أرجان وإلى ميسان وطاسار، ثم إلى سرق، فوقف على شاطئ ~~دجيل فظفر بالمدينة وابتنى مدينة سوق الأهواز وعاد إلى فارس بالغنائم، ثم ~~عاد من فارس إلى الأهواز على طريق خرة وكازرون، وقتل ملك ميسان وبنى هناك ~~كرخ ميسان وعاد إلى فارس. فأرسل إلى أردوان يؤذنه بالحرب ويقول له ليعين ~~موضعا للقتال. فكتب إليه أردوان: إني أوافيك في صحراء هرمزجان لانسلاخ ~~مهرماه. فوافاه أردشير قبل الوقت وخندق على نفسه واحتوى على الماء، ووافاه ~~أردوان وملك الأرمانيين، وكانا يتحاربان على الملك فاصطلحا على أردشير ~~وحارباه، وهما متساندان يقاتله هذا يوما وهذا يوما، فإذا كان يوم بابا ملك ~~الأرمانيين لم يقم له أردشير، وإذا كان يوم أردوان لم يقم لأردشير، فصالح ~~أردشير بابا ملك الأرمانيين على أن يكف ويفرغ أردشير لأردوان، فلم يلبث أن ~~قتله واستولى على ما كان له، وأطاعه بابا وسمي أردشير: شاهنشاه. ~~PageV01P0129 # ثم سار إلى همذان فافتتحها، وإلى الجبل وأذربيجان وأرمينية والموصل ~~ففتحها عنوة، وسار إلى السواد من الموصل فملكه وبنى على شاطئ دجلة قبالة ~~طيسفون، وهي المدينة التي في شرق المدائن مدينة غربية، وسماها به أردشير، ~~وعاد من السواد إلى إصطخر، وسار منها إلى سجستان، ثم إلى جرجان، ثم إلى ~~نيسابور ومرو وبرخ وخوارزم، وعاد إلى فارس ونزل جور. فجاءه رسل ملك ms0248 كوسان ~~وملك طوران وملك مركان بالطاعة. ثم سار من جور إلى البحرين، فاضطر ملكها ~~إلى أن رمى نفسه من حصنه فهلك. وعاد إلى المدائن فتوج ابنه سابور بتاجه في ~~حياته وبنى ثماني مدن، منها: مدينة الخط بالبحرين، ومدينة بهرسير مقابل ~~المدائن. وكان اسمه به أردشير فعربت به سير، وأردشير خره، هي مدينة ~~فيروزاباذ، سماها عضد الدولة بن بويه كذلك، وبنى بكرمان مدينة أردشير أيضا ~~فعربت بردشير، وبنى بهمن أردشير على دجلة عند البصرة، والبصريون يسمونها ~~بهمن شير، وفرات ميسان أيضا، وبنى رامهرمز بخوزستان، وبنى سوق الأهواز، ~~وبالموصل بودر أردشير، وهي حزة. ولم يزل محمود السيرة مظفرا منصورا لا ترد ~~له راية، ومدن المدن، وكور الكور، ورتب المراتب وعمر البلاد. وكان ملكه من ~~قتله أردوان إلى أن هلك أربع عشرة سنة، وقيل: أربع عشرة سنة وعشرة أشهر، ~~ولما استولى أردشير على العراق كره كثير من تنوخ المقام في مملكته فخرج من ~~كان منهم من قضاعة إلى الشام، ودان له أهل الحيرة والأنبار، وقد كانت ~~الحيرة والأنبار بنيتا زمن بخت نصر، فخربت الحيرة لتحول أهلها إلى الأنبار، ~~وعمرت الأنبار خمسمائة سنة وخمسين سنة إلى أن عمرت الحيرة زمن عمرو بن عدي، ~~فعمرت خمسمائة وبضعا وثلاثين سنة إلى أن وضعت الكوفة ونزلها أهل الإسلام. ### | AUT ذكر ملك سابور بن أردشير بن بابك # ولما هلك أردشير بن بابك قام بالملك بعده ابنه سابور، وكان أردشير قد ~~أسرف في قتل الأشكانية حتى أفناهم بسبب ألية آلاها جده ساسان بن أردشير بن ~~بهمن، فإنه أقسم أنه إن ملك يوما من الدهر لم يستبق من نسل أشك بن جزه ~~أحدا، وأوجب ذلك على عقبه، فكان أول من ملك من عقبه أردشير، فقتلهم جميعا ~~نساءهم ورجالهم، غير أن جارية وجدها في دار المملكة فأعجبته، وكانت ابنة ~~للملك المقتول، فسألها عن نسبها، فذكرت أنها خادم لبعض نساء الملك. فسألها ~~أبكر أم ثيب، فأخبرته أنها بكر، فاتخذها لنفسه وواقعها، فعلقت منه، فلما ~~أمنت منه بحبلها أخبرته أنها من ولد أشك، ms0249 فنفر منها ودعا هرجد بن اسام، ~~وكان شيخا مسنا، فأخبره الخبر، وقال له ليقتلها ليبر قسم جده. فأخذها الشيخ ~~ليقتلها، فأخبرته أنها حبلى، فأتى بالقوابل فشهدن بحبلها، فأودعها سربا في ~~الأرض ثم قطع مذاكيره ووضعها في حق وختم عليه، وحضر عند الملك فقال: ما ~~فعلت ؟ فقال: استودعتها بطن الأرض، ودفع الحقف إليه، وسأله أن يختمه بخاتمه ~~ويودعه بعض خزائنه، ففعل. ثم وضعت الجارية غلاما، فكره الشيخ أن يسمى ابن ~~الملك دونه، وخاف يعلمه به وهو صغير، فأخذ له الطالع وسماه شابور، ومعناه: ~~ابن الملك، فيكون اسما وصفة، وهو أول من سمي بهذا الاسم. وبقي أردشير لا ~~يولد له، فدخل عليه الشيخ الذي عنده الصبي يوما فوجده محزونا، فقال له: ما ~~يحزن الملك ؟ فقال: ضربت بسيفي ما بين المشرق والمغرب حتى ظفرت وصفا لي ملك ~~آبائي ثم أهلك وليس لي عقب فيه. فقال له الشيخ: سرك الله أيها الملك وعمرك ~~! لك عندي ولد طيب نفيس، فادع لي بالحق الذي استودعتك أرك برهان ذلك. فدعا ~~أردشير بالحق وفتحه، فوجد فيه مذاكير الشيخ وكتابا فيه: لما أخبرتني ابنة ~~أشك التي علقت من ملك الملوك حين أمر بقتلها لم أستحل إتلاف زرع الملك ~~الطيب فأودعتها بطن الأرض كما أمر وتبرأنا إليه من أنفسنا لئلا يجد عاضه ~~إلى عضهها سبيلا. فأمره أردشير أن يجعل مع سابور مائة غلام، وقيل: ألف غلام ~~من أشباهه في الهيئة والقامة، ثم يدخلهم عليه جميعا لا يفرق بينهم زي، ففعل ~~الشيخ. فلما نظر إليهم أردشير قبلت نفسه ابنه من بينهم، ثم أعطوا صوالجة ~~وكرة، فلعبوا بالكرة وهو في الإيوان، فدخلت الكرة الإيوان، فهاب الغلمان أن ~~يدخلوه، وأقدم سابور من بينهم ودخل، فاستدل بإقدامه مع ما كان من قبوله له ~~حين رآه أنه ابنه، فقال له أردشير: ما اسمك ؟ قال: شاه بور. PageV01P0130 # فلما ثبت عنده أنه ابنه شهر أمره وعقد له التاج من بعده، وكان عاقلا ~~بليغا فاضلا، فلما ملك ووضع التاج على رأسه فرق الأموال على الناس من قرب ~~ومن ms0250 بعد، وأحسن إليهم، فبان فضل سيرته وفاق جميع الملوك، وبنى مدينة ~~نيسابور، ومدينة سابور بفارس، وبنى فيروز سابور، وهي الأنبار، وبنى ~~جنديسابور. وقيل: إنه حاصر الروم بنصيبين وفيها جمع من الروم مدة ثم أتاه ~~من ناحية خراسان من احتاج إلى مشاهدته، فسار إليها وأحكم أمرها، ثم عاد إلى ~~نصيبين، فزعموا أن سورها تصدع وانفرجت منه فرجة دخل منها وقتل وسبى وغنم ~~وتجاوزها إلى بلاد الشام فافتتح من مدائنها مدنا كثيرة، منها فالوقية ~~وقدوقية، وحاصر ملكا للروم بإنطاكية فأسره وحمله وجماعة كثيرة معه فأسكنهم ~~مدينة جنديسابور. ### | AUT ذكر خبر مدينة الحضر # كانت بجبال تكريت بين دجلة والفرات مدينة يقال لها الحضر، وكان بها ملك ~~يقال له الساطرون، وكان من الجرامقة، والعرب تسميه الضيزن، وهو من قضاعة، ~~وكان قد ملك الجزيرة وكثر جنده، وإنه تطرق بعض السواد إذ كان سابور ~~بخراسان، فلما عاد سابور أخبر بما كان منه، فسار إليه وحاصره أربع سنين، ~~وقيل: سنتين، لا يقدر على هدم حصنه ولا الوصول إليه. وكان للضيزن بنت تسمى ~~النضيرة، فحاضت، فأخرجت إلى ربض المدينة، وكذلك كان يفعل بالنساء، وكانت من ~~أجمل النساء، وكان سابور من أجمل النساء، فرأى كل واحد منهما صاحبه ~~فتعاشقا، فأرسلت إليه: ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به سور المدينة ؟ ~~فقال: أحكمك وأرفعك على نسائي. فقالت: عليك بحمامة ورقاء مطوقة فاكتب على ~~رجلها بحيض جارية بكر زرقاء ثم أرسلها فإنها تقع على سور المدينة فيخرب، ~~وكان ذلك طلسم ذلك البلد. ففعل وتداعت المدينة، فدخلها عنوة وقتل الضيزن ~~وأصحابه، فلم يبق منهم أحد يعرف اليوم، وأخرب المدينة واحتمل النضيرة فأعرس ~~بها بعين التمر فلم تزل ليلتها تتضور، فالتمس ما يؤذيها فإذا ورقة آس ~~ملتزقة بعكنة من عكن بطنها، فقال لها: ما كان يغذوك به أبوك ؟ قالت: بالزبد ~~والمخ وشهد الأبكار من النحل وصفو الخمر. فقال: وأبيك لأنا أحدث عهدا بك ~~وآثر لك من أبيك ! فأمر رجلا فرسا جموحا ثم عصب غدائرها بذنبه ثم استركضها ~~فقطعها قطعا، وقد أكثر ms0251 الشعراء ذكر الضيزن في أشعارهم. وفي أيام سابور ظهر ~~ماني الزنديق وادعى النبوة، وتبعه خلق كثير، وهم الذين يسمون المانوية. ~~وكان ملكه ثلاثين سنة وخمسة عشر يومان وقيل: إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر ~~وتسعة أيام. ### | AUT ذكر ملك ابنه هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك # وكان يشبه في خلقه بأردشير غير لاحق به في تدبيره، وكان في البطش ~~والجرأة على أمر عظيم، وكانت أمه من بنات مهرك الملك الذي قتله أردشير ~~وتتبع نسله فقتلهم، لأن المنجمين أخبروه أنه يكون من نسله من يملك، فهربت ~~أمه إلى البادية وأقامت عند بعض الرعاء، وخرج سابور متصيدا، فاشتد به العطش ~~وارتفعت له الأخبية التي فيها أمر هرمز، فقصدها وطلب الماء، فناولته ~~المرأة، فرأى منها جمالا فائقا، فلم يلبث أن حضر الرعاء فسألهم سابور عنها، ~~فقال بعضهم: إنها ابنته، فتزوجها وسار بها إلى منزله، وكسيت ونظفت، فأرادها ~~فامتنعت عليه مدة، فلما طال عليه سألها عن سبب ذلك فأخبرته أنها ابنة مهرك ~~وأنها تفعل ذلك إبقاء عليه من أردشير، فعاهدها على ستر أمرها، ووطئها فولدت ~~له هرمز، فستر أمره حتى صار له سنون. فركب أردشير يوما إلى منزل ابنه سابور ~~لشيء أراد ذكره له، فدخل منزله مفاجأة، فلما استقر خرج هرمز وبيده صولجان ~~وهو يصيح في أثر الكرة، فلما رآه أردشير أنكره ووقف على المشابه التي فيه ~~من حسن الوجه وعبالة الخلق وأمور غيرها، فاستدناه أردشير وسأل عنه سابور، ~~فخرج مفكرا على سبيل الإقرار بالخطاء، وأخبر أباه أردشير الخبر، فسر، ~~وأخبره أنه قد تحقق الذي ذكره المنجمون في ولد مهرك، وأن ذلك قد سلى ما كان ~~في نفسه وأذهبه. PageV01P0131 # فلما ملك سابور ولى هرمز خراسان وسيره إليها، فقهر الأعداء واستقل ~~بالأمر، فوشى به الوشاة إلى سابور أنه على عزم أن يأخذ الملك منه، وسمع ~~هرمز بذلك فقيل إنه قطع يده وأرسلها إلى أبيه، فكتب إليه بما بلغه وأنه فعل ~~ذلك إزالة للتهمة لأن رسمهم أنهم كانوا لا يملكون ذا عاهة، فلما وصلت يده ~~إلى ms0252 سابور تقطع أسفا وأرسل إلى هرمز يعلمه ما ناله لذلك وعقد له على الملك ~~وملكه، ولما ملك عدل في رعيته، وكان صادقا، وسلك سبيل آبائه وكور كورة ~~رامهرمز. وكان ملكه سنة وعشرة أيام. ### | AUT ذكر ملك ابنه بهرام بن هرمز بن سابور # وكان حليما متأنيا حسن السيرة، وقتل ماني الزنديق وسلخه وحشا جلده تبنا ~~وعلق على باب من أبواب جنديسابور يسمى باب ماني. وكان ملكه ثلاث سنين ~~وثلاثة أشهر وثلاثة أيام. وكان عامل سابور بن أردشير وابنه هرمز وبهرام بن ~~هرمز - بعد ملك عمرو بن عدي على ربيعة ومضر وسائر من ببادية العراق والحجاز ~~والجزيرة يومئذ - ابن لعمرو بن عدي، يقال له امرؤ القيس البدء، وهو أول من ~~تنصر من آل نصر بن ربيعة وعمال الفرس، وعاش مملكا فيعمله مائة سنة وأربع ~~عشرة سنة، منها في زمن سابور بن أردشير ثلاثا وعشرين سنة وشهرا، وفي زمن ~~هرمز بن سابور سنة وعشرة أيام، وفي زمن بهرام ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة ~~أيام، وفي زمن بهرام بن بهرام بن هرمز ثماني عشرة سنة. ### | AUT ذكر ملك ابنه بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير # وكان ملكه حسنا، وكان عالما بالأمور، فلما عقد له التاج وعدهم بحسن ~~السية، واختلف في سني ملكه، فقيل ثماني عشرة سنة، وقيل سبع عشرة سنة، والله أعلم. ### | AUT ذكر ملك ابنه بهرام بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور # فلما عقد التاج على رأسه دعا له العظماء فأحسن الرد، وكان قبل أن يفضي ~~إليه الأمر مملكا على سجستان. وكان ملكه أربع سنين. ### | AUT ذكر ملك نرسي بن بهرام # وهو أخو بهرام الثالث، فلما عقد التاج على رأسه دخل عليه الأشراف ~~والعظماء فدعوا له، فوعدهم خيرا وسار فيهم بأعدل السيرة، وقال: لن نضيع شكر ~~ما أنعم الله به علينا. وكان ملكه تسع سنين. ### | AUT ذكر ملك هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز # وكان الناس قد وجلوا منه لفظاظته، فأعلمهم أنه قد علم بما ms0253 كانوا يخافون ~~من شدة ولايته، وأن الله قد أبدل ما كان فيه من الفظاظة رقة ورأفة، وساسهم ~~أرفق سياسة، وكان حريصا على انتعاش الضعفاء وعمارة البلاد والعدل، ثم هلك ~~ولا ولد له، فشق ذلك على الناس، فسألوا عن نسائه، فذكر لهم أن بعضهن حبلى، ~~وقيل: عن هرمز كان أوصى بالملك لذلك الحمل. وولدت المرأة سابور ذا الأكتاف. ~~وكان ملك هرمز ست سنين وخمسة أشهر، وقيل سبع سنين وخمسة أشهر. وأسماء ~~الملوك من سابور بن أردشير إلى هنا لم يحذف منها شيء. ### | AUT ذكر ملك ابنه سابور ذي الأكتاف # وهو سابور بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن ~~أردشير ابن بابك، قيل: ملك بوصية أبيه له، فاستبشر الناس بولادته وبثوا ~~خبره في الآفاق، وتقلدوا الوزراء والكتاب ما كانوا يعملونه في ملك أبيه. ~~وسمع الملوك أن ملك الفرس صغير في المهد، فطمعت في مملكتهم الترك والعرب ~~والروم، وكانت العرب أقرب إلى بلاد فارس، فسار جمع منهم في البحر من عبد ~~القيس والبحرين إلى بلاد فارس وسواحل أردشير خره وغلبوا أهلها على مواشيهم ~~ومعايشهم وأكثروا الفساد، وغلبت إياد على سواد العراق وأكثروا الفساد فيهم، ~~فمكثوا حينا لا يغزوهم أحد من الفرس لصغر ملكهم. PageV01P0132 # فلما ترعرع سابور وكبر كان أول ما عرف من حسن فهمه أنه سمع في البحر ~~ضوضاء وأصواتا فسأل عن ذلك فقيل: إن الناس يزدحمون في الجسر الذي على دجلة ~~مقبلين ومدبرين، فأمر بعمل جسر آخر يكون أحدهما للمقبلين والآخمر للمدبرين، ~~فاستبشر الناس بذلك. فلما بلغ ست عشرة سنة وقوي على حمل السلاح جمع رؤساء ~~أصحابه فذكر لهم ما اختل من أمرهم وأنه يريد الذب عنهم ويشخص إلى بعض ~~الأعداء. فدعا له الناس وسألوه أن يقيم بموضعه ويوجه القواد والجنود ليكفوه ~~ما يريد، فأبى واختار من عسكره ألف رجل، فسألوه الازدياد، فلم يفعل، وسار ~~بهم ونهاه عن الإبقاء على أحد من العرب، وقصد بلاد فارس فأوقع بالعرب وهم ~~غارون فقتل وأسر وأكثر. ثم قطع البحر ms0254 إلى الخط فقتل من بالبحرين لم يلتفت ~~إلى غنيمة، وسار إلى هجر وبها ناس من تميم وبكر بن وائل وعبد القيس، فقتل ~~منهم حتى سالت دماؤهم على الأرض، وأباد عبد القيس، وقصد اليمامة وأكثر في ~~أهلها القتل، وغور مياه العرب، وقصد بكرا وتغلب فيما بين مناظر الشام ~~والعراق فقتل وسبى وغور مياههم وسار إلى قرب المدينة ففعل كذلك، وكان ينزع ~~أكتاف رؤسائهم ويقتلهم إلى أن هلك فسموه سابور ذا الأكتاف لهذا، وانتقلت ~~إياد حينئذ إلى الجزيرة وصارت تغير على السواد، فجهز سابور إليهم الجيوش، ~~وكان لقيط الإيادي معهم، فكتب إلى إياد: ؟سلام في الصحيفة من لقيط ... إلى ~~من بالجزيرة من إياد بأن الليث كسرى قد أتاكم ... فلا يشغلكم سوق النقاد ~~أتاكم منهم سبعون ألفا ... يزجون لكتائب كالجراد فلم يقبلوا منه وداموا على ~~الغارة، فكتب إليهم أيضا: أبلغ إيادا وطول في سراتهم ... أني أرى الرأي إن ~~لم أعص قد نصعا وهي قصيدة مشهورة من أجود ما قيل في صفة الحرب. فلم يحذروا، ~~وأوقع بهم سابور وأبادهم قتلا إلا من لحق بأرض الروم. فهذا فعله بالعرب. ~~وأما الروم فإن سابور كان هادن ملكهم، وهو قسطنطين، وهو أول من تنصر من ~~ملوك الروم، ونحن نذكر سبب تنصره عند الفراغ من ذكر سابور إن شاء الله. ~~ومات قسطنطين وفرق ملكه بين ثلاثة بنين كانوا له، فملكوا، وملكت الروم ~~عليهم رجلا من أهل بيت قسطنطين يقال له اليانوس، وكان على ملة الروم الأولى ~~ويكتم ذلك، فلما ملك أظهر دينه وأعاد ملة الروم وأخرب البيع وقتل الأساقفة ~~ثم جمع جموعا من الروم والخزر وسار نحو سابور. واجتمعت العرب للانتقام من ~~سابور، فاجتمع في عسكر اليانوس منهم خلق كثير. وعادت عيون سابور إليه ~~فاختلفوا في الأخبار، فسار سابور بنفسه مع جماعة من ثقاته نحو الروم، فلما ~~قرب من يوسانوس، وهو على مقدمة اليانوس، اختفى وأرسل بعض من معه إلى الروم، ~~فأخذوا، وأقر بعضهم على سابور، فأرسل يوسانوس إليه سرا ينذره فارتحل سابور ~~إلى عسكره وتحارب هو والعرب ms0255 والروم، فانهزم عسكره وقتل منهم مقتلة عظيمة، ~~وملكت الروم مدينة طيسفون، وهي المدائن الشرقية، وملكوا أيضا أموال سابور ~~وخزائنه. وكتب سابور إلى جنوده وقواده يعلمهم ما لقي من الروم والعرب ~~ويستحثهم على المسير إليه، فاجتمعوا إليه، وعاد واستنقذ مدينة طيسفون، ونزل ~~اليانوس مدينة بهرسير، واختلف الرسل بينهما، فبينما اليانوس جالس أصابه سهم ~~لا يعرف راميه فقتله، فسقط في أيدي الروم، ويئسوا من الخلاص من بلاد الفرس، ~~فطلبوا من يوسانوس أن يملك عليهم، فلم يفعل وأبى إلا أن يعودوا إلى ~~النصرانية، فأخبروه أنهم على ملته، وإنما كتموا ذلك خوفا من اليانوس. فملك ~~عليهم، وأرسل سابور إلى الروم يتهددهم ويطلب الذي ملك عليهم ليجتمع به. ~~فسار إليه يوسانوس في ثمانين رجلا، فتلقاه سابور وتساجدا وطعما، وقوى سابور ~~أمر يوسانوس بجهده وقال للروم: إنكم أخربتم بلادنا وأفسدتم فيها، فإما أن ~~تعطونا قيما ما أهلكتم وإما أن تعوضونا نصيبين، وكانت قديما للفرس، فغلبت ~~الروم عليها، فدفعوها إليهم، وتحول أهلها عنها، فحول إليها سابور اثني عشر ~~ألف بيت من أهل إصطخر وأصبهان وغيرهما، وعادت الروم إلى بلادهم، وهلك ملكهم ~~بعد ذلك بيسير. PageV01P0133 # وقيل: إن سابور سار إلى حد الروم وأعلم أصحابه أنه على قصد الروم مختفيا ~~لمعرفة أحوالهم وأخبار مدنهم، وسار إليهم، فجال فيهم حينا، وبلغه أن قيصر ~~أولم وجمع الناس فحضر بزي سائل لينظر إلى قيصر على الطعام، ففطن به وأخذ ~~وأدرج في جلد ثور، وسار قيصر بجنوده إلى أرض فارس ومعه سابور على تلك ~~الحال، فقتل وأخرب حتى بلغ جند يسابور، فتحصن أهلها وحاصرها، فبينما هو ~~يحاصرها إذ غفل الموكلون بحراسة سابور، وكان بقربه قوم من سبي الأهواز، ~~فأمرهم أن يلقوا على القد الذي عليه زيتا كان بقربهم، ففعلوا، ولان الجلد ~~وانسل منه وسار إلى المدينة وأخبر حراسها فأدخلوه، فارتفعت أصوات أهلها، ~~فاستيقظ الروم، وجمع سابور من بها وعباهم وخرج إلى الروم سحر لتك الليلة ~~فقتلهم وأسر قيصر وغنم أمواله ونساءه واثقله بالحديد وأمره بعمارة ما أخرب ~~وألزمه بنقل التراب من بلد الروم ms0256 ليبني به ما هدم المنجنيق من جنديسابور ~~وأن يغرس الزيتون مكان النخل، ثم قطع عقبه وبعث به إلى الروم على حمار ~~وقال: هذا جزاؤك يبغيك علينا؛ فأقام مدة ثم غزا فقتل وسبى سبايا أسكنهم ~~مدينة بناها بناحية السو سماها إيران شهر سابور، وبنى مدينة نيسابور ~~بخراسان في قول، وبالعراق بزرج سابور. وكان ملكه اثنتين وسبعين سنة. وهلك ~~في أيامه امرؤ القيس بن عمرو ابن عدي عامله على العرب، فاستعمل ابنه عمرو ~~بن امرئ القيس، فبقي في عمله بقية ملك سابور وجميع أيام أخيه أردشير بن ~~هرمز وبعض أيام سابور بن سابور. وكانت ولايته ثلاثين سنة. ### | AUT سبب تنصر قسطنطين # وأما ### | AUT سبب تنصر قسطنطين # فإنه كان قد كبر سنه وساء خلقه وظهر به وضح كبير، فأرادت الروم خلعه ~~وترك ماله عليه، فشاور نصحاءه، فقالوا له: لا طاقة لك بهم فقد أجمعوا على ~~خلعك وإنما تحتال عليهم بالدين. وكانت النصرانية قد ظهرت، وهي خفية، وقالوا ~~له: استمهلهم حتى تزور البيت المقدس، فإذا زرته دخلت في دين النصرانية ~~وحملت الناس عليه، فإنهم يعترفون، فتقاتل من عصاك بمن أطاعك، وما قاتل قوم ~~على دين إلا نصروا. ففعل ذلك، فأطاعه عالم عظيم وخالفه خلق كثير وأقاموا ~~على دين اليونانية، فقاتلهم وظفر بهم، فقتلهم فأحرق كتبهم وحكمتهم وبنى ~~القسطنطينية ونقل الناس إليها، وكانت رومية دار ملكهم، وبقي ملكه عليه، ~~وغلب على الشام، وكان الأكاسرة قبل سابور ذي الأكتاف ينزلون طيسفون، وهي ~~المدينة الغربية من المدائن، فلما نشأ سابور بنى الإيوان بالمدائن الشرقية ~~وانتقل إيه وصار هو دار الملك، وهو باق إلى الآن، ونحن في سنة خمس وعشرين وستمائة. ### | AUT ذكر ملك أردشير بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن سابور بن أردشير بن بابك أخي # سابور فلما ملك واستقر له الملك عطف على العظماء وذوي الرئاسة فقتل منهم ~~خلقا كثيرا، فخلعه الناس بعد أربع سنين من ملكه. ### | AUT ذكر ملك سابور بن سابور ذي الأكتاف # فلما ملك بعد خلع عمه استبشر الناس بعود ملك أبيه ms0257 إليه، وكتب إلى العمال ~~بالعدل والرفق بالرعية وأمر بذلك وزراءه وحاشيته، وأطاعه عمه المخلوع ~~وأحبته رعيته، ثم إن العظماء وأهل الشرف قطعوا أطناب خيمة كان فيها فسقطت ~~عليه فقتلته. وكان ملكه خمس سنين. ### | AUT ذكر ملك أخيه بهرام بن سابور ذي الأكتاف # وكان يلقب كرمان شاه، لأن أباه ملكه كرمان في حياته، فكتب إلى القواد ~~كتابا يحثهم على الطاعة، وكان محمودا في أموره، وبنى بكرمان مدينة. وثار به ~~ناس من الفتاك فقتله أحدهم بنشابة. وكان ملكه إحدى عشرة سنة. ### | AUT ذكر ملك يزدجرد الأثيم بن بهرام بن سابور ذي الأكتاف # PageV01P0134 # ومن أهل العلم من يقول إن يزدجرد هذا هو أخو بهرام كرمان شاه بن سابور لا ~~ابنه، وكان فظا غليظا ذا عيوب كثيرة يضع الشيء في غير مواضعه، كثير الرؤية ~~في الصغائر، واستعمال كل ما عنده في المواربة والدهاء والمخاتلة مع فطنة ~~بجهات الشر وعجب به، وكان غلقا سيئ الخلق لا يغفر الصغيرة من الزلات ولا ~~يقبل شفاعة أحد من الناس وإن كان قريبا منه، كثير التهمة، ولا يأتمن أحدا ~~على شيء، ولم يكن يكافئ أحدا على حسن البلاء وإن هو أولى الخسيس من العرف ~~استعظمه، وإذا بلغه أن أحدا من أصحابه صافى أحدا من أهل صناعته نحاه عن ~~خدمته. وكان فيه مع ذلك ذكاء ذهن وحسن أدب، وقد مهر في صنوف من العلم، ~~واستوزر نرسي حكيم زمانه، وكان فاضلا قد كمل أدبه ولقبه هزار بيده، فأمل ~~الناس أن يصلح نرسي منه، فكان ما أملوه بعيدا. فلما استوى له الملك واشتدت ~~شوكته هابته الأشراف والعظماء، وحمل على الضعفاء فأكثر من سفك الدماء. فلما ~~ابتليت الرعية به شكوا ما نزل بهم منه إلى الله تعالى وسألوه تعجيل إنقاذهم ~~منه، فزعموا أنه كان بجرجان فرأى ذات يوم في صره فرسا عائرا لم ير مثله، ~~فأخبر به، فأمر أن يسرج ويلجم ويدخل عليه، فلم يقدر أحد على ذلك، فأعلم ~~بذلك، فخرج إليه بنفسه وألجمه بيده وأسرجه، فلما رفع ذنبه ليثفره رمحه على ~~فؤاده ms0258 رمحة هلك منها مكانه وملأ الفرس فروجه جريا ولم يعلم له خبر، وكان ~~ذلك من صنع الله ورأفته بهم. وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر وستة ~~عشر يوما. وأما العرب فقيل إنه لما هلك عمرو بن امرئ القيس البدء بن عمرو ~~ابن عدي في عهد سابور استخلف سابور على عمله أوس بن قلام، وهو من العماليق، ~~فملك خمس سنين وقتل في عهد بهرام بن سابور، ساستخلف بعده في عمله امرؤ ~~القيس بن عمرو بن امرئ القيس البدء، فبقي خمسا وعشرين سنة، وهلك أيام ~~يزدجرد الأثيم، فاستخلف بعده في عمله ابنه النعمان وأمه شقيقة ابنة أبي ~~ربيعة بن ذهل بن شيبان، وهو صاحب الخورنق. وسبب بنائه له أن يزدجرد الأثيم ~~كان لا يبقى له ولد، فسأل عن منزل مريء صحيح، فدل على ظاهرة الحيرة، فدفع ~~ابنه بهرام جور إلى النعمان هذا وأمره ببناء الخورنق مسكنا له وأمره ~~بإخراجه إلى بوادي العرب، وكان الذي بنى الخورنق رجلا اسمه سنمار. فلما فرغ ~~من بنائه تعجبوا منه، فقال: لو علمت أنكم توفونني أجري لعملته يدور مع ~~الشمس. فقال: وإنك لتقدر على ما هو أفضل منه ! ثم أمر به فألقي من رأس ~~الخورنق فهلك، فضربت العرب بجزائه المثل، وهو مذكور في أشعارها. وغزا ~~النعمان هذا الشام مرارا وأكثر المصائب في أهلها وسبى وغنم وجعل معه ملك ~~فارس كتيبتين يقال لإحداهما دوس وهي لتنوخ، وللأخرى الشهباء وهي لفارس، ~~فكان يغزو بهما الشام ومن لم يطعه من العرب. ثم إنه جلس يوما في مجلسه من ~~الخورنق فأشرف منه على النجف وما يليه من البساتين والأنهار في يوم من أيام ~~الربيع، فأعجبه ذلك، فقال لوزيره: هل رأيت مثل هذا المنظر قط ؟ قال: لا لو ~~كان يدوم. قال: فما الذي يدوم ؟ قال: ما عند الله في الآخرة. قال: فبم ينال ~~ذلك ؟ قال: بتركك الدنيا وعبادة الله. فترك ملكه من ليلته ولبس المسوح وخرج ~~هاربا لا يعلم به، فأصبح الناس فلم يروه. وكان ملكه إلى أن تركه وساح تسعا ms0259 ~~وعشرين سنة وأربعة أشهر، من ذلك في أيام يزدجرد خمس عشرة سنة، وفي زمن ~~بهرام جور بن يزدجرد أربع عشرة سنة. وأما علماء الفرس فإنهم يقولون غير ~~هذا، وسيرد ذكره. ### | AUT ذكر ملك بهرام بن يزدجرد الأثيم # PageV01P0135 # لما ولد يزدجرد بهرام جور اختار لحضانته العرب، فدعا بالمنذر بن النعمان ~~واستحضنه بهرام وشرفه وكرمه وملكه على العرب، فسار به المنذر واختار لرضاعه ~~ثلاث نسوة ذوات أجسام صحيحة وأذهان ذكية وآداب حسنة من بنات الأشراف، منهن ~~عربيتان وعجمية، فأرضعنه ثلاث سنين. فلما بلغ خمس سنين أحضر له مؤدبين ~~فعلموه الكتابة والرمي والفقه بطلب من بهرام بذلك، وأحضر حكيما من حماء ~~الفرس بتعلم ووعى كل ما علمه بأدنى تعليم. فلما بلغ اثنتي عشرة سنة تعلم كل ~~ما أفيد وفاق معلميه، فأمرهم المنذر بالانصراف، وأحضر معلمي الفروسية فأخذ ~~عنهم كل ما ينبغي له، ثم صرفهم. ثم أمر فأحضرت خيل العرب للسباق فسبقها فرس ~~أشقر للمنذر، وأقبل باقي الخيل بداد بداد فقرب المنذر الفرس بيده إليه، ~~فقبله وركبه يوما للصيد، فبصر بعانة حمر وحش، فرمى عليها وقصدها وإذا هو ~~بأسد قد أخذ عيرا منها فتناول ظهره بفيه، فرماه بهرام بسهم فنفذ في الأسد ~~والعير، ووصل إلى الأرض فساخ السهم إلى ثلثه، فرآه من معه فعجبوا منه، ثم ~~أقبل على الصيد واللهو والتلذذ. فمات أبوه وهو عند المنذر، فتعاهد العظماء ~~وأهل الشرف على أن لا يملكوا أحدا من ذرية يزدجرد لسوء سيرته، فاجتمعت ~~الكلمة على صرف الملك عن بهرام لنشوئه في العرب وتخلقه بأخلاقهم ولأنه من ~~ولد يزدجرد، وملكوا رجلا من عقب أردشير بن بابك يقال له كسرى. فانتهى هلاك ~~يزدجرد وتمليك كسرى إلى بهرام، فدعا بالمنذر وابنه النعمان وناس من أشراف ~~العرب وعرفهم إحسان والده إليهم وشدته على الفرس، وأخبرهم الخبر. فقال ~~المنذر: لا يهولنك ذلك حتى ألطف الحيلة فيه، وجهز عشرة آلاف فارس ووجههم مع ~~ابنه النعمان إلى طيسفون وبهرسير مدينتي الملك، وأمره أن يعسكر قربا منهما ~~ويرسل طلائعه إليهما وأن يقاتل من قاتله ms0260 ويغير على البلاد، ففعل ذلك، وأرسل ~~عظماء فارس حوابى صاحب رسائل يزدجرد إلى المنذر يعلمه أمر النعمان، فلما ~~ورد حوابى قال له: الق الملك بهرام. فدخل عليه، فراعه ما رأى منه، فأغفل ~~السجود دهشا، فعرف بهرام ذلك فكلمه ووعده أحسن الوعد ورده إلى المنذر وقال ~~له: أجبه. فقال له: إ إن الملك بهرام أرسل النعمان إلى ناحيتكم حيث ملكه ~~الله بعد أبيه. فلما سمع حوابى مقالة المنذر وتذكر ما رأى من بهرام علم أن ~~جميع من تشاور في صرف الملك عن بهرام محجوج، فقال للمنذر: سر إلى مدينة ~~الملوك فيجتمع إليك الأشراف والعظماء، وتشاوروا في ذلك فلن يخالفوا ما تشير ~~به. وسار المنذر بعد عود حوابي من عنده بيوم في ثلاثين ألفا من فرسان العرب ~~إلى مدينتي الملك بهرام، فجمع الناس، وصعد بهرام على منبر من ذهب مكلل ~~بالجوهر وتكلم عظماء الفرس فذكروا فظاظة يزدجرد أبي بهرام وسوء سيرته وكثرة ~~قتله وإخراب البلاد وأنهم لهذا السبب صرفوا الملك عن ولده. فقال بهرام: لست ~~أكذبكم وما زلت زاريا عليه ذلك ولم أزل أسأل الله أن يملكني لأصلح ما أفسد ~~ومع هذا فإذا أتى على ملكي سنة ولم اف بما أعد تبرأت من الملك طائعا وأنا ~~راض بأن تجعلوا التاج وزينة الملك بين أسدين ضاريين فمن تناولهما كان الملك ~~له. فأجابوه إلى ذلك ووضعوا التاج والزينة بين أسدين، وحضر موبذان موبذ، ~~فقال بهرام لكسرى: دونك التاج والزينة. فقال كسرى: أنت أولى لأنك تطلب ~~الملك بوراثة وأنا فيه مغتصب. فحمل بهرام جرزا وتوجه نحو التاج، فبدر إليه ~~أحد الأسدين فوثب بهرام فعلا ظهره وعصر جنبي الأسد بفخذيه وجعل يضرب رأسه ~~بالجزر الذي معه، ثم وثب الأسد الآخر عليه، فقبض أذنيه بيده ولم يزل يضرب ~~رأسه برأس الأسد الآخر الذي تحته حتى دمغهما ثم قتلهما بالجزر الذي معه ~~وتناول بعد ذلك التاج والزينة. فكان أول من أطاعه كسرى، وقال جميع من حضر: ~~قد أذعنا لك ورضينا بك ملكا، وإن العظماء والوزراء والأشراف سألوا المنذر ms0261 ~~ليكلم بهرام في العفو عنهم. فسأل المنذر الملك بهرام ذلك فأجابه. ~~PageV01P0136 # وملك بهرام وهو ابن عشرين سنة وأمر أن يلزم رعيته راحة ودعة، وجلس للناس ~~يعدهم بالخير ويأمرهم بتقوى الله، ولم يزل مدة ملكه يؤثر اللهو على ما سواه ~~حتى طمع فيه من حوله من الملوك في بلاده، وكان أول من سبق إلى قصده خاقان ~~ملك الترك، فإنه غزاه في مائتي ألف وخمسين ألفا من الترك، فعظم ذلك على ~~الفرس، ودخل العظماء على بهرام وحذروه، فتمادى في لهوه ثم تجز وسار إلى ~~أذربيجان ليتنسك في بيت نارها، ويتصيد بأمنيته في سبعة رهط من العظماء ~~وثلاثمائة من ذوي البأس والنجدة، واستخلف أخاه نرسي، فما شك الناس في أنه ~~هرب من عدوه، فاتفق رأي جمهورهم على الانقياد إلى خاقان، وبذل الخراج له ~~خوفا على نفوسهم وبلادهم. فبلغ ذلك خاقان فأمن ناحيتهم وسار بهرام من ~~أذربيجان إلى خاقان في تلك العدة، فثبت للقتال وقتل خاقان بيده وقتل جنده ~~وانهزم من سلم من القتل، وأمعن بهرام في طلبهم يقتل ويأسر ويغنم ويسبي، ~~وعاد وجنده سالمين وظفر بتاج خاقان وإكليله وغلب على طرف من بلاده واستعمل ~~عليها مرزبانا، وأتاه رسل الترك خاضعين مطيعين وجعلوا بينهم حدا لا يعدونه، ~~وأرسل إلى ما وراء النهر قائدا من قواده فقتل وسبى وغنم، وعاد بهرام إلى ~~العراق، وولى أخاه نرسي خراسان وأمره أن ينزل مدينة بلخ. واتصل به أن بعض ~~رؤساء الديلم جمع جمعا كثيرا وأغار على الري وأعمالها فغنم وسبى وخرب ~~البلاد وقد عجز أصحابه في الثغر عن دفعه، وقد قرروا عليهم إتاوة يدفعونها ~~إليه، فعظم ذلك عليه وسير مرزبانا إلى الري في عسكر كثيف وأمره أن يضع على ~~الديلمي من يطمعه في البلاد ويغريه بقصدها، ففعل ذلك، فجمع الديلمي جموعه ~~وسار إلى الري، فأرسل المرزبان إلى بهرام جور يعلمه خبره، فكتب إليه يأمره ~~بالمسير نحو الديلمي والمقام بموضع سماه له، ثم سار جريدة في نفر من خواصه ~~فأدرك عسكره بذلك المكان والديلمي لا يعلم بوصوله، وهو قد ms0262 قوي طمعه لذلك، ~~فعبى بهرام أصحابه وسار نحو الديلم، فلقيهم وباشر القتال بنفسه، فأخذ ~~رئيسهم أسيرا، وانهزم عسكره، فأمر بهرام بالنداء فيهم بالأمان لمن عاد ~~إليه، فعاد الديلم جميعهم، فآمنهم ولم يقتل منهم أحدا وأحسن إليهم وعادوا ~~إلى أحسن طاعة، وأبقى على رئيسهم وصار من خواصه. وقيل: كانت هذه الحادثة ~~قبل حرب الترك، والله أعلم. ولما ظفر بالديلم أمر ببناء مدينة سماها فيروز ~~بهرام، فبنيت له هي ورستاقها. واستوزر نرسي، فأعلمه أنه ماض إلى الهند ~~متخفيا، فسار إلى الهند وهو لا يعرفه أحد، غير أن الهند يرون شجاعته وقتله ~~السباع. ثم إن فيلا ظهر وقطع السبيل وقتل خلقا كثيرا، فاستدل عليه، فسمع ~~الملك خبره فأرسل معه من يأتيه بخبره. فانتهى بهرام والهندي معه إلا ~~الأجمة، فصعد الهندي شجرة ومضى بهرام فاستخرج الفيل وخرج وله صوت شديد، ~~فلما قرب منه رماه بسهم بين عينيه كاد يغيب، ووقذه بالنشاب وأخذ مشفره، ولم ~~يزل يطعنه حتى أمكن من نفسه فاحتز رأسه وأخرجه. وأعلم الهندي ملكهم بما ~~رأى، فأكرمه وأحسن إليه وسأله عن حاله، فذكر أن ملك فارس سخط عليه فهرب إلى ~~جواره، وكان لهذا الملك عدو فقصده، فاستسلم الملك وأراد أن يطيع ويبذل ~~الخراج، فنهاه بهرام وأشار بمحاربته، فلما التقوا قال لأساورة الهندي: ~~احفظوا لي ظهري، ثم حمل عليهم فجعل يضرب في أعراضهم ويرميهم بالنشاب حتى ~~انهزموا، وغنم أصحاب بهرام ما كان في عسكر عدوه، فأعطى بهرام الدبيل ومكران ~~وأنحكه ابنته، فأمر بتلك البلاد فضمت إلى مملكة الفرس. وعاد بهرام مسرورا ~~وأغزى نرسي بلاد الروم في أربعين ألفا وأمره أن يطالب ملك الروم بالإتاوة، ~~فسار إلى القسطنطينية، فهادنه ملك الروم، فانصرف بكل ما أراد إلى بهرام. ~~وقيل: إنه لما فرغ من خاقان والروم سار بنفسه إلى بلاد اليمن ودخل ~~بلاد(السودان فقتل مقاتلتهم وسبى لهم خلقا كثيرا وعاد إلى مملكته. ثم إنه ~~في آخر ملكه خرج إلى الصيد فشد على عنز فأمعن في طلبه، فارتطم في جب فغرق، ~~فبلغ والدته ذلك، فسارت إلى ذلك ms0263 الموضع وأمرت بإخراجه، فنقلوا من الجب طينا ~~كثيرا حتى صار إكاما عظاما ولم يقدروا عليه. وكان ملكه ثماني عشرة سنة ~~وعشرة أشهر وعشرين يوما، وقيل: ثلاثا وعشرين سنة. PageV01P0137 # هكذا ذكر أبو جعفر في اسم بهرام جور أن أباه أسلمه إلى المنذر بن ~~النعمان، كما تقدم، وذكر عند يزدجرد الأثيم أنه سلم ابنه بهرام إلى النعمان ~~بن امرئ القيس، ولا شك أن بعض العلماء قال هذا وبعضهم قال ذلك، إلا أنه لم ~~ينسب كل قول إلى قائله. ### | AUT ذكر ملك ابنه يزدجرد بن بهرام جور # لما لبس التاج جلس للناس ووعدهم وذكر أباه ومناقبه وأعلمهم أنهم إن ~~فقدوا منه طول جلوسه لهم فإن خلوته في مصالحهم وكيد أعدائهم، وأنه قد ~~استوزر نرسي صاحب أبيه. وعدل في رعيته وقمع أعداءه وأحسن إلى جنده، وكان له ~~ابنان يقال لأحدهما هرمز وللآخر فيروز، وكان لهرمز سجستان، فغلب على الملك ~~بعد هلاك أبيه يزدجرد، فهرب فيروز ولحق ببلاد الهياطلة واستنجد ملكهم، ~~فأمده بعد أن دفع إليه الطالقان، فأقبل بهم فقتل أخاه بالري، وكانا من أم ~~واحدة، وقيل لم يقتله وإنما أسره وأخذ الملك منه. وكان الروم منعوا الخراج ~~عن يزدجرد، فوجه إليهم نرسي في العدة التي أنفذه أبوه فيها فبلغ إرادته. ~~وكان ملك يزدجرد ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر، وقيل تسع عشرة سنة. ### | AUT ذكر ملك فيروز بن يزدجرد بن بهرام بعد أن قتل أخاه هرمز وثلاثة من أهل # بيته ولما ظفر فيروز بأخيه وملك أظهر العدل وأحسن السيرة، وكان يتدين، ~~إلا أنه كان محدودا مشؤوما على رعيته، وقحطت البلاد في زمانه سبع سنين ~~متوالية، وغارت الأنهار والقنى، وقل ماء دجلة، ومحلت الأشجار، وهاجت عام ~~الزروع في السهل والجبل من بلاده، وماتت الطيور والوحوش، وعم أهل البلاد ~~الجوع والجهد الشديد، فكتب إلى جميع رعيته يعلمهم أنه لا خراج عليهم ولا ~~جزية ولا مؤونة، وتقدم إليهم بأن كل من عنده طعام مذخور يواسي به الناس وأن ~~يكون حال الغني والفقير واحدا، وأخبرهم أنه إن بلغه أن ms0264 إنسانا مات جوعا ~~بمدينة أو قرية عاقبهم ونكل بهم، وساس الناس سياسة لم يعطب أحد جوعا ما خلا ~~رجلا واحدا من رستاق أردشير خره، وابتهل فيروز إلى الله بالدعاء فأزال ذلك ~~القحط وعادت بلاده إلى ما كانت عليه. فلما حيي الناس والبلاد وأثخن في ~~أعدائه سار مريدا حرب الهياطلة، فلما سمع إخشنوار ملكهم خافه، فقال له بعض ~~أصحابه: اقطع يدي ورجلي وألقني على الطريق وأحسن إلى عيالي لأحتال على ~~فيروز. ففعل ذلك، واجتاز به فيروز فسأله عن حاله فقال له: إني قلت لإخشنوار ~~لا طاقة لك بفيروز ففعل بي هذا، وإني أدلك على طريق لم يسلكها ملك وهي ~~أقرب. فاغتر فيروز بذلك وتبعه، فسار به وبجنده حتى قطع بهم مفازة بعد مفازة ~~حتى إذا علم أنهم لا يقدرون على الخلاص وأعلمهم حاله. فقال أصحاب فيروز ~~لفيروز: حذرناك فلم تحذر، فليس إلا التقدم على كل حال، فتقدموا أمامهم ~~فوصلوا إلى عدوهم وهم هلكى عطشى وقتل العطش منهم كثيرا. فلما أشرفوا على ~~تلك الحال صالحوا إخشنوار على أن يخلي سبيلهم إلى بلادهم على أن يحلف له ~~فيروز أنه لا يغزو بلاده، فاصطلحا، وكتب فيروز كتابا بالصلح وعاد. فلما ~~استقر في مملكته حملته الأنفة على معاودة إخشنوار، فنهاه وزراؤه عن نقض ~~العهد، فلم يقبل وسار نحوه، فلما تقاربا أمر إخشنوار فحفر خلف عسكره خندقا ~~عرضه عشرة أذرع وعمقه عشرون ذراعا وغطاه بخشب ضعيف وتراب، ثم عاد وراءه، ~~فلما سمع فيروز بذلك اعتقده هزيمة فتبعه ولا يعلم عسكر فيروز بالخندق فسقط ~~هو وأصحابه فيه فهلكوا، وعاد إخشنوار إلى عسكر فيروز وأخذ كل ما فيه وأسر ~~نساءه وموبذان موبذ ثم استخرج جثة فيروز وجثة كل من سقط معه فجعلها في ~~النواويس. PageV01P0138 # وقيل: إن فيروز لما انتهى إلى الخندق الذي حفره إخشنوار ولم يكن مغطى عقد ~~عليه قناطر وجعل عليها أعلاما له ولأصحابه يقصدونها في عودهم وجاء إلى ~~القوم. فلما التقى العسكران احتج عليه إخشنوار بالعهود التي بينهما وحذره ~~عاقبة الغدر، فلم يرجع، فنهاه أصحابه فلم ms0265 ينته، فضعفت نياتهم في القتال. ~~فلما أبى إلا القتال رفع إخشنوار نسخة العهد على رمح وقال: اللهم خذ بما في ~~هذا الكتاب وقلده بغيه. فقاتله فانهزم فيروز وعسكره فضلوا عن مواضع القناطر ~~فسقطوا في الخندق، فهلك فيروز وأكثر عسكره، وغنم إخشنوار أموالهم ودوابهم ~~وجميع ما معهم، وغلب إخشنوار على عامة خراسان. فسار إليهم رجل من أهل فارس ~~يقال له سوخرا، وكان فيهم عظيما، وخرج كالمحتسب، وقيل: بل كان فيروز ~~استخلفه على ملكه لما سار، وكان له سجستان، فلقي صاحب الهياطلة فأخرجه من ~~خراسان واستعاد منه كل ما أخذ من عسكر فيروز مما هو في عسكره من السبي ~~وغيره وعاد إلى بلاده، فعظمته الفرس إلى غاية لم يكن فوقه إلا الملك، وكانت ~~مملكة الهياطلة طخارستان، فكان فيروز قد أعطى ملكهم لما ساعده على حرب أخيه ~~الطالقان. وكان ملك فيروز ستا وعشرين سنة، وقيل: إحدى وعشرين سنة. ### | AUT ذكر الأحداث في العرب أيام يزدجرد وفيروز # كان يخدم ملوك حمير أبناء الأشراف من حمير وغيرهم، وكان ممن يخدم حسان ~~بن تبع عمرو بن حجر الكندي سيد كندة، فلما قتل عمرة ابن تبع أخاه حسان بن ~~تبع اصطنع عمرة بن حجر وزوجه ابنة أخيه حسان، ولم يطمع في التزوج إلى ذلك ~~البيت أحد من العرب، فولدت الحارث بن عمرو. وملك بعد عمرة بن تبع عبد كلال ~~بن مثوب، وإنما مملكوه لأن أولاد عمرو كانوا صغارا، وكان الجن قبل ذلك قد ~~استهامت تبع بن حسان، وكان عبد كلال على دين النصرانية الأولى ويكتم ذلك. ~~ورجع تبع بن حسان من استهامته وهو أعلم الناس بما كان قبله، فملك اليمن، ~~وهابته حمير، فبعث ابن أخته الحارث بن عمرو بن حجر في جيش إلى الحيرة، فسار ~~إلى النعمان بن امرئ القيس، وهو ابن الشقيقة، فقاتله فقتل النعمان وعدة من ~~أهل بيته، وأفلت المنذر بن النعمان الأكبر وأمه ماء السماء امرأة من النمر ~~ابن قاسط، فذهب ملك آل النعمان وملك الحارث بن عمرو الكندي ما كانوا ~~يملكون؛ قاله بعضهم. ms0266 وقال ابن الكلبي: ملك بعد النعمان المنذر بن النعمان ~~بن المنذر بن النعمان أربعا وأربعين سنة، من ذلك في زمن بهرام جور ثماني ~~سنين، وفي زمن يزدجرد ابن بهرام ثماني عشرة سنة، وفي زمن فيروز بن يزدجرد ~~سبع عشرة سنة، ثم ملك بعده الأسود بن المنذر عشرين سنة، منها في زمن فيروز ~~بن يزدجرد عشر سنين، وفي زمن بلاش بن فيروز أربع سنين، وفي زمن قباذ بن ~~فيروز ست سنين. وهكذا ذكر أبو جعفر ها هنا أن الحارث بن عمرو قتل النعمان ~~بن امرئ القيس وأخذ بلاده وانقرض ملك أهل بيته، وذكر فيما تقدم أن المنذر ~~بن النعمان أو النعمان، على الاختلاف المذكور، هو الذي جمع العساكر وملك ~~بهرام جور على الفرس، ثم ساق فيما بعد ملوك الحيرة من أولاد النعمان هذا ~~إلى آخرهم ولم يقطع ملكهم بالحارث بن عمرو، وسبب هذا أن أخبار العرب لم تكن ~~مضبوطة على الحقيقة، فقال كل واحد ما نقل إليه من غير تحقيق. وقيل غير ذلك، ~~وسنذكره في مقتل حجر بن عمرو والد امرئ القيس في أيام العرب إن شاء الله. ~~والصحيح أن ملوك كندة عمرو والحارث كانوا بنجد على العرب، وأما اللخميون ~~ملوك الحيرة المناذرة فلم يزالوا عليها إلى أن ملك قباذ الفرس وأزالهم ~~واستعمل الحارث بن عمرو الكندي على الحيرة. ثم أعاد أنوشروان الحيرة إلى ~~اللخميين، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### | AUT ذكر ملك بلاش بن فيروز بن يزدجرد # ثم ملك بعد فيروز ابنه بلاش وجرى بينه وبين أخيه قباذ منازعة استظهر ~~فيها قباذ وملك، فلما ملك بلاش أكرم سوخرا وأحسن إليه لما كان منه، ولم يزل ~~حسن السيرة حريصا على العمارة، وكان لا يبلغه أن بيتا خرب وجلا أهله إلا ~~عاقب صاحب تلك القرية على تركه سد فاقتهم حتى لا يضطروا إلى مفارقة ~~أوطانهم، وبنى مدينة ساباط بقرب المدائن، وكان ملكه أربع سنين. ### | AUT ذكر ملك قباذ بن فيروز بن يزدجرد ! # PageV01P0139 # وكان قباذ قبل أن يصير الملك إليه قد ms0267 سار إلى خاقان مستنصرا به على أخيه ~~بلاش، فمر في طريقه بحدود نيسابور ومعه جماعة من أصحابه متنكرين وفيهم ~~زرمهر بن سوخرا، فتاقت نفسه إلى النكاح، فشكا ذلك إلى زرمهر وطلب منه ~~امرأة، فسار إلى امرأة صاحب المنزل، وكان من الأساورة، وكان لها بنت حسناء، ~~فخطبها منها وأطمعها وزوجها، فزوجا فدخل بها من ليلته، فحملت بأنوشروان، ~~وأمر لها بجائزة سنية وردها، وسألتها أمها عن قباذ وحاله. فذكرت أنها لا ~~تعرف من حاله شيئا غير أن سراويله منسوجة بالذهب، فعلمت أنه من أبناء ~~الملوك. ومضى قباذ إلى خاقان واستنصره على أخيه، فأقام عنده أربع سنين وهو ~~يعده، ثم أرسل معه جيشا. فلما صار بالقرب من الناحية التي بها زوجته سأل ~~عنها فأحضرت ومعها أنوشروان وأعلمته أنه ابنه. وورد الخبر إليه بذلك المكان ~~أن أخاه بلاش قد هلك، فتيمن بالمولود وحمله وأمه على مراكب نساء الملوك ~~واستوثق له الملك وخص سوخرا وشكر لولده خدمته. وتولى سوخرا الأمر، فمال ~~الناس إليه وتهاونوا بقباذ، فلم يحتمل ذلك. فكتب إلى سابور الرازي، وهو ~~أصبهبذ ديار الجبل، ويقال للبيت الذي هو منه مهران، فاستقدمه ومعه جنده، ~~فتقدم إليه فأعلمه عزمه على قتل سوخرا وأمره بكتمان ذلك، فأتاه يوما سابور ~~وسوخرا عند قباذ فألقى في عنقه وهقا وأخذه وحبسه ثم خنقه قباذ وأرسله إلى ~~أهله وقدم عوضه سابور الرازي. وفي أيامه ظهر مزدك وابتدع ووافق زرادشت في ~~بعض ما جاء به وزاد ونقص، وزعم أنه يدعو إلى شريعة إبراهيم الخليل حسب ما ~~دعا إليه زرادشت، واستحل المحارم والمنكرات، وسوى بين الناس في الأموال ~~والأملاك والنساء والعبيد والإماء حتى لا يكون لأحد على أحد فضل في شيء ~~البتة، فكثر أتباعه من السفلة والأغتام فصاروا عشرات ألوف، فكان مزدك يأخذ ~~امرأة هذا فيسلمها إلى الآخر، وكذا في الأموال والعبيد والإماء وغيرها من ~~الضياع والعقار، فاستولى وعظم شأنه وتبعه الملك قباذ. فقال يوما لقباذ: ~~اليوم نوبتي من امرأتك أم أنوشروان. فأجابه إلى ذلك، فقام أنوشروان إليه ~~ونزع خفيه بيده وقبل ms0268 رجليه وشفع إليه حتى لا يتعرض لأمه وله حكمه في سائر ~~ملكه، فتركها. وحرم ذباحة الحيوان وقال: يكفي في طعام الإنسان ما تنبته ~~الأرض وما يتولد من الحيوان كالبيض واللبن والسمن والجبن، فعظمت البلية به ~~على الناس فصار الرجل لا يعرف ولده والولد لا يعرف أباه. فلما مضى عشر سنين ~~من ملك قباذ اجتمع موبذان موبذ والعظماء وخلعوه وملكوا عليهم أخاه جامسب ~~وقالوا له: إنك قد أثمت باتباعك مزدك وبما عمل أصحابه بالناس وليس ينجيك ~~إلا إباحة نفسك ونسائك، وأرادوه على أن يسلم نفسه إليهم ليذبحوه ويقربوه ~~إلى النار، فامتنع من ذلك، فحبسوه وتركوه لا يصل إليه أحد. فخرج زرمهر بن ~~سوخرا فقتل من المزدكية خلقا، وأعاد قباذ إلى ملكه وأزال أخاه جامسب. ثم إن ~~قباذ قتل بعد ذلك زرمهر. وقيل: لما حبس قباذ وتولى أخوه دخلت أخت لقباذ ~~عليه كأنها تزوره ثم لفته في بساط وحمله غلام، فلما خرج من السجن سأله ~~السجان عما معه، فقالت: هو مرحل كنت أحيض فيه، فلم يمس البساط، فمضى الغلام ~~بقباذ، وهرب قباذ فلحق بملك الهياطلة يستجيشه. فلما صار بإيران شهر، وهي ~~نيسابور، نزل برجل من أهلها له ابنة بكر حسنة جميلة فنحكها، وهي أم كسرى ~~أنوشروان، فكان نكاحه إياها في هذه السفرة لا في تلك، في قول بعضهم، وعاد ~~ومعه أنوشروان، فغلب أخاه جامسب على الملك؛ وكان ملك جامسب ست سنين. وغزا ~~قباذ بعد ذلك الروم ففتح مدينة آمد وبنى مدينة أرجان ومدينة حلوان ومات، ~~فملك ابنه كسرى أنوشروان بعده، فكان ملك قباذ مع سني أخيه جامسب ثلاثا ~~وأربعين سنة، فتولى أنوشروان ما كان أبوه أمر له به. وفي أيامه خربت الخزر ~~فأغاربت على بلاده فبلغت الدينور، فوجه قباذ قائدا من عظماء قواده في اثني ~~عشر ألفا، فوطئ بلاد أران وفتح ما بين النهر المعروف بالرس إلى شروان، ثم ~~إن قباذ لحق به فبنى بأران مدينة البيلقان ومدينة برذعة، وهي مدينة الثغر ~~كله، وغيرهما، وبقي الخزر، ثم بنى سدا للآن فيما بين ms0269 أرض شروان وباب اللان، ~~وبنى على السد مدنا كثيرة خربت بعد بناء الباب والأبواب. ### | AUT ذكر حوادث العرب أيام قباذ # PageV01P0140 # لما ملك الحارث بن عمرو بن حجر الكندي العرب وقتل النعمان بن المنذر ابن ~~امرئ القيس، كما ذكرناه، بعث إليه قباذ: إنه قد كان بيننا وبين الملك الذي ~~كان قبلك عهد، وأحب لقاءك. وكان قباذ زنديقا يظهر الخير ويكره الدماء ~~ويداري أعداءه. فخرج إليه الحارث والتقيا واصطلحا على أن لا يجوز الفرات ~~أحد من العرب، فطمع الحارث الكندي فأمر أصحابه أن يقطعوا الفرات ويغيروا ~~على السواد، فسمع قباذ فعلم أنه من تحت يد الحارث، فاستدعاه، فحضر، فقال ~~له: إن لصوصا من العرب صنعت كذا وكذا، فقال: ما علمت ولا أستطيع ضبط العرب ~~إلا بالمال والجنود. وطلب منه شيئا من السواد، فأعطاه ستة طساسيج، وأرسل ~~الحارث بن عمرو إلى تبع، وهو باليمن، يطمعه في بلاد العجم، فسار تبع حتى ~~نزل الحيرة، وأرسل ابن أخيه شمرا ذا الجناح إلى قباذ، فحاربه فهزمه شمر حتى ~~لحق بالري، ثم أدركه بها فقتله، ثم وجه تبع شمرا إلى خراسان، ووجه ابنه ~~حسان إلى السغد، وقال: أيكما سبق إلى الصين فهو عليه، وكان كل واحد منهما ~~في جيش عظيم، يقال: كانا في ستمائة ألف وأربعين ألفا؛ وأرسل ابن أخيه يعفر ~~إلى الروم، فنزل على القسطنطينية، فأعطوه الطاعة والإتاوة، ومضى إلى رومية ~~فحاصرها فأصاب من معه طاعون، فوثب الروم عليهم فقتلوهم ولم يفلت منهم أحد. ~~وسار شمر ذو الجناح إلى سمرقند فحاصرها، فلم يظفر بها، وسمع أن ملكها أحمق ~~وأن له ابنة، وهي التي تقضي الأمور، فأرسل إليها هدية عظيمة، وقال لها: ~~إنني إنما قدمت لأتزوج بك ومعي أربعة آلاف تابوت مملوءة ذهبا وفضة أنا ~~أدفعها إليك وأمضي إلى الصين، فإن ملكت كنت امرأتي وإن هلكت كان المال لك. ~~فلما بلغتها الرسالة قالت: قد أجبته فليبعث المال؛ فأرسل أربعة آلاف تابوت ~~في كل تابوت رجلان. ولسمرقند أربعة أبواب، ولكل باب ألفا رجل، وجعل العلامة ~~بينهم أن يضرب ms0270 بالجرس. فلما دخلوا البلد صاح شمر في الناس وضرب بالجرس، ~~فخرجوا وملكوا الأبواب ودخل المدينة فقتل أهلها وحوى ما فيها وسار إلى ~~الصين فهزم الترك ودخل بلادهم ولقي حسان بن تبع قد سبقه إليها بثلاث سنين، ~~فأقاما بها حتى ماتا؛ وكان مقامهما فيما قيل إحدى وعشرين سنة، وقيل: عادا ~~في طرقهما حتى قدما على تبع بالغنائم والسبي والجواهر، ثم انصرفوا جميعا ~~إلى بلادهم، ومات تبع باليمن فلم يخرج أحد من اليمن غازيا بعده. وكان ملكه ~~مائة وإحدى وعشرين سنة؛ وقيل تهود. قال ابن إسحاق: كان تبع الآخر وهو تبان ~~أسعد أبو كرب حين أقبل من المشرق بعد أن ملك البلاد جعل طريقه على المدينة، ~~وكان حين مر بها في بدايته لم يهج أهلها وخلف عندهم ابنا له فقتل غيلة ~~فقدمها عازما على تخريبها واستئصال أهلها، فجمع له الأنصار حين سمعوا ذلك ~~ورئيسهم عمرو ابن الطلة أحد بني عمرو بن مبذول من بني النجار وخرجوا ~~لقتاله، وكانوا يقاتلونه نهارا ويقرونه ليلا. فبينما هو على ذلك إذ جاءه ~~حبران من بني قريظة عالمان، فقالا له: قد سمعنا ما تريد أن تفعل، وإنك إن ~~أبيت إلا ذلك حيل بينك وبينه ولم نأمن عليك عاجل العقوبة. فقال: ولم ذلك ؟ ~~فقالا: إنها مهاجر نبي من قريش تكون داره. فانتهى عما كان يريد وأعجبه ما ~~سمع منهما فاتبعهما على دينهما، واسمهما كعب وأسد، وكان تبع وقومه أصحاب ~~أوثان. وسار من المدينة إلى مكة، وهي طريقه، فكسا الكعبة الوصائل والملاء، ~~وكان أول من كساها، وجعل لها بابا ومفتاحا، وخرج متوجها إلى اليمن فدعا ~~قومه إلى اليهودية فأبوا عليه حتى حاكموه إلى النار، وكانت لهم نار تحكم ~~بينهم فيما يزعمون تأكل الظالم ولا تضر المظلوم. فقال لقومه: أنصفتم. فخرج ~~قومه بأوثانهم وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما حتى قعدوا عند مخرج ~~النار، فخرجت النار فغشيتهم وأكلت الأوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك من ~~رجال حمير، وخرج الحبران تعرق جباههما لم تضرهما، فأصفقت حمير على ديته. ~~PageV01P0141 # وكان قدم على ms0271 تبع قبل ذلك شافع بن كليب الصدفي، وكان كاهنا، فقال له تبع: ~~هل تجد لقوم ملكا يوازي ملكي ؟ قال: لا إلا لملك غسان. قال: فهل تجد ملكا ~~يزيد عليه ؟ قال: أجد لبار مبرور، أيد بالقهور، ووصف في الزبور، وفضلت أمته ~~في السفور، يفرج الظلم بالنور، أحمد النبي، طوبى لأمته حين يجي، أحد بني ~~لؤي، ثم أحد بني قصي ! فنظر تبع في الزبور فإذا هو يجد صفة النبي، صلى الله ~~عليه وسلم. ثم ملك بعد تبع هذا، وهو تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب، ربيعة ~~بن نصر اللخمي، فلما هلك ربيعة رجع الملك باليمن إلى حسان بن تبان أسعد. ~~فلما ملك ربيعة رأى رؤيا هالته فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا إلا ~~أحضره وقال لهم: رأيت رؤيا هالتني فأخبروني بتأويلها. فقالوا: اقصصها ~~علينا. فقال: إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها، فلما قال ذلك ~~قال له رجل منهم: إن كان الملك يريد ذلك فليبعث إلى سطيح وشق فهما يخبرانك ~~عما سألت. واسم سطيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن ~~غسان، وكان يقال له الذئبي نسبة إلى ذئب بن عدي، وشق بن مصعب بن يشكر بن ~~أنمار. فبعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق، فلما قدم عليه سطيح سأله عن ~~رؤياه وتأويلها. فقال: رأيت جمجمة، خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض بهمة، فأكلت ~~منها كل ذات جمجمة ؟ قال له الملك: ما أخطأت منها شيئا، فما عندك في ~~تأويلها ؟ فقال: أحلف بما بين الحرتين من حنش ليهبطن أرضكم الحبش فليملكن ~~ما بين أبين إلى جرش. قال الملك: وأبيك يا سطيح إن هذا لغائظ موجع، فمتى ~~يكون أفي زماني أم بعده ؟ قال: بل بعده بحين ستين سنة أو سبعين يمضين من ~~السنين. قال: هل يدوم ذلك من ملكهم أو ينقطع ؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين ~~يمضين من السنين، ثم يقتلون بها أجمعون ويخرجون منها هاربين. قال الملك: ~~ومن الذي يلي ذلك ؟ قال: يليه إرم ذي يزن، يخرج ms0272 عليهم من عدن، فلا يترك ~~أحدا منهم باليمن. قال: فيدوم ذلك من سلطانهن أو ينقطع ؟ قال: بل ينقطع، ~~يقطعه نبي زكي، يأتيه الوحي من العلي، وهو رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك ~~بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر. قال: وهل للدهر من آخر ؟ قال: ~~نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه ~~المسيئون. قال: أحق ما تخبرنا يا سطيح ؟ قال: نعم والشفق، والغسق، والفلق ~~إذا اتسق، إن ما أنبأتك به لحق. ثم قدم عليه شق فقال: يا شق إني رأيت رؤيا ~~هالتني فأخبرني عنها وعن تأويلها ! وكتمه ما قال سطيح لينظر هل يتفقان أم ~~يختلفان. قال: نعم، رأيت جمجمة، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت ~~منها كل ذات نسمة. فلما سمع الملك ذلك قال: ما أخطأت شيئا، فما تأويلها ؟ ~~قال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، وليملكن ما بين ~~أبين إلى نجران. قال الملك: وأبيك يا شق ! إن هذا لغائظ، فمتى هو كائن ؟ ~~قال: بعدك بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان، ويذيقهم أشد الهوان، وهو ~~غلام ليس بدني ولا مزن، يخرج من بيت ذي يزن. فلا يترك أحدا منهم باليمن ~~قال: فهل يدوم سلطانه أم ينقطع ؟ قال: بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق ~~والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل. قال: وما ~~يوم الفصل ؟ قال: يوم تجزى فيه الولاة، ويدعى من السماء بدعوات، ويسمع منها ~~الأحياء والأموات، ويجتمع فيه الناس للميقات. فلما فرغ من مسألتهما جهز ~~بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، فمن بقية ربيعة بن نصر كان النعمان ~~بن المنذر ملك الحيرة، وهو النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو ~~بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر ذلك الملك. فلما هلك ربيعة ~~بن نصر واجتمع ملك اليمن إلى حسان بن تبان بن أبي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن ~~عمرو ذي الأذعار، كان ms0273 مما هيج أمر الحبشة وتحول الملك عن حمير أن حسان سار ~~بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب والعجم، كما كانت التبابعة تفعل. ~~فلما كان بالعراق كرهت قبائل العرب من اليمن المسير معه فكلموا أخاه عمرا ~~في قتل حسان وتمليكه، فأجابهم إلى ذلك إلا ما كان من ذي رعين الحميري، فإنه ~~نهاه عن ذلك، فلم يقبل منه، فعمد ذو رعين إلى صحيفة فكتب فيها. ألا من ~~يشتري سهرا بنوم ؟ ... سعيد من يبيت قرير عين PageV01P0142 # فإما حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين ثم ختمها وأتى بها عمرا ~~فقال: ضع هذه عندك، ففعل. فلما بلغ حسان ما أجمع عليه أخوه وقبائل اليمن ~~قال لعمرو: يا عمرو لا تعجل علي منيتي ... فالملك تأخذه بغير حشود فأبى إلا ~~قتله، فقتله بموضع رحبة مالك، فكانت تسمى فرضة نعم فيما قيل، ثم عاد إلى ~~اليمن فمنع النوم منه، فسأل الأطباء وغيرهم عما به وشكا إليهم السهر، فقال ~~له قائل منهم: ما قتل أحد أخاه أو ذا رحم بغيا إلا منع منه النوم. فلما سمع ~~ذلك قتل كل من أشار عليه بقتل أخيه حتى خلص إلى ذي رعين، فلما أراد قتله ~~قال: إن لي عندك براءة. قال: وما هي ؟ قال: أخرج الكتاب الذي استودعتك. ~~فأخرجه فإذا فيه البيتان، فكف عن قتله، ولم يلبث عمرو أن هلك، فتفرقت حمير ~~عند ذلك. قلت: هذا الذي ذكره أبو جعفر من قتل قباذ بالري وملك تبع البلاد ~~من بعد قتله من النقل القبيح والغلط الفاحش، وفساده أشهر من أن يذكر، فلولا ~~أننا شرطنا أن لا نترك ترجمة من تاريخه إلا ونأتي بمعناها من غير إخلال ~~بشيء لكان الإعراض عنه أولى. ووجه الغلط فيه أنه ذكر أن قباذ قتل بالري، ~~ولا خلاف بين أهل النقل من الفرس وغيرهم أن قباذ مات حتف أنفه في زمان ~~معلوم، وكان ملكه مدة معلومة، كما ذكرناه قبل، ولم ينقل أحد أنه قتل إلا في ~~هذه الرواية. ولما مات ملك ابنه كسرى أنوشروان بعده، وهذا ms0274 أشهر من: قفا ~~نبك، ولو كان ملك الفرس انتقل بعد قباذ إلى حمير، كيف كان ملك ابنه بعده ~~وتمكن في الملك حتى أطاعه ملوك الأمم وحملت الروم إليه الخراج ! ثم ذكر ~~أيضا أن تبعا وجه ابنه حسان إلى الصين وشمرا إلى سمرقند وابن أخيه إلى ~~الروم وأنه ملك القسطنطينية وسار إلى رومية فحاصرها، فيا ليت شعري ! ما هو ~~اليمن وحضرموت حتى يكون بهما من الجنود ما يكون بعضهم في بلادهم لحفظها، ~~وجيش مع تبع، وجيش مع حسان يسر بهم إلى مثل الصين في كثرة عساكره ومقاتلته، ~~وجيش مع ابن أخيه تبع يلقى به مثل كسرى ويهزمه ويملك بلاده ويحاصر به مثل ~~سمرقند في كبرها وعظمها وكثرة أهلها، وجيش مع يعفر يسير بهم إلى ملك الروم ~~ويملك القسطنطينية ! والمسلمون مع كثرة ممالكهم واتساعها وكثرة عددهم قد ~~اجتهدوا ليأخذوا القسطنطينية أو ما يجاورها واليمن من أقل بلادهم عددا ~~وجنودا فلم يقدروا على ذلك، فكيف يقدر عليه بعض عساكر اليمن مع تبع ؟ هذا ~~مما تأباه العقول، وتمجه الأسماع. ثم إنه قال: إن ملك تبع بلاد الفرس ~~والروم والصين وغيرها كان بعد قتل قباذ، يعني أيام ابنه أنوشروان، ولا خلاف ~~أن مولد النبي، صلى الله عليه وسلم، كان في زمن أنوشروان، وكان ملكه سبعا ~~وأربعين سنة، ولا خلاف أيضا أن الحبشة لما ملكت اليمن انقرض ملك حمير منه، ~~وكان آخر ملوكهم ذا نواس. وكان ملك حمير قد اختل قبل ذي نواس، وانقطع ~~نظامهم حتى طمعت الحبشة فيه وملكته، وكان ملكهم اليمن أيام قباذ، وكيف يمكن ~~أن يكون ملك الحبشة الذي هو مقطوع به أيام قباذ ويكون تبع هو الذي ملك ~~اليمن قد قتل قباذ وملك بلاده قبل أن تملك الحبشة اليمن ؟ هذا مردود محال ~~وقوعه، وكان ملك الحبشة اليمن سبعين سنة، وقيل أكثر من ذلك، وكان انقراض ~~ملكهم في آخر ملك أنوشروان، والخبر في ذلك مشهور، وحديث سيف ذي يزن في ذلك ~~ظاهر، ولم يزل اليمن بعد الحبشة في يد الفرس إلى أن ملكه ms0275 المسلمون، فكيف ~~يستقيم أن ينقضي ملك تبع الذي هو ملك بلاد فارس ومن بعده من ملوك حمير وملك ~~الحبشة وهو سبعون سنة في ملك أنوشروان وكان ملكه نيفا وأربعين سنة ؟ وهذا ~~أعجب أن مدة بعضها سبعون سنة تنقضي قبل مضي نيف وأربعين سنة، ولو فكر أبو ~~جعفر في ذلك لاستحيا من نقله. وأعجب من هذا أنه قال: ثم ملك بعد تبع هذا ~~ربيعة بن نصر اللخمي، وهذا ربيعة هو جد عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة، وكان ~~ملك عمرو والحيرة بعد خاله جذيمة أيام ملوك الطوائف قبل ملك أردشير بن بابك ~~بخمس وتسعين سنة، وبين أردشير وقباذ ما يقارب عشرين ملكا، وكيف يكون جد ~~عمرو وقد ملك بعد قباذ وهو قبله بهذا الدهر الطويل ؟ ولو لم يترجم أبو جعفر ~~على هذه الحادثة بقوله: ذكر الحوادث أيام قباذ، لكان يحتمل تأويلا فيه، ثم ~~ما قنع بذلك حتى قال، بعد أن قص مسير تبع: وقتل قباذ وملك البلاد. ~~PageV01P0143 # وأما ابن إسحاق فإنه قال: إن الذي سار إلى المشرق من التبابعة هو تبع ~~الأخير، ويعني بقوله تبع الأخير أنه آخر من سار إلى المشرق وملك البلاد، ~~فإن ابن إسحاق وغيره يقولون إن الذي ملك البلاد المشرقية لما توفي ملك بعده ~~عدة تبابعة ثم اختل أمرهم زمانا طويلا حتى طمعت الحبشة فيهم وخرجت إلى ~~اليمن. فليت شعري إذا كان هذا تبع في أيام قباذ فلا شك أن تبعا الأخير الذي ~~أخذ منه اليمن يكون في زمن بني أمية ويكون ملك الحبشة اليمن بعد مدة من ملك ~~بني العباس، ويكون أول الإسلام من ثلاثمائة سنة من ملكهم أيضا مما بعدها ~~حتى يستقيم هذا القول. ثم إنه قال: إن عمر بن طلحة الأنصاري خرج إلى تبع، ~~وعمر هذا قيل إنه أدرك النبي، صلى الله عليه وسلم، شيخا كبيرا ومات عند ~~مرجعه من غزوة بدر. ومن الدليل على بطلانه أيضا أن المسلمين لما قصدوا بلاد ~~الفرس ما زالت الفرس تقول لهم عند مراسلاتهم ومحاوراتهم في حروبهم: كنتم ms0276 ~~أقل الأمم وأذلها وأحقرها والعرب تقر لهم بذلك، فلو كان ملك تبع قريب العهد ~~لقالت العرب: إننا بالأمس قتلنا ملككم وملكنا بلادكم واستبحنا حريمكم ~~وأموالكم، فسكوت العرب عن ذلك وإقرارها للفرس دليل على بعد عهده أو عدمه، ~~على أن الفرس لا تقر بذلك لا في قديم الزمان ولا في حديثه، فإنهم يزعمون أن ~~ملكهم لم ينقطع من عهد جيومرث، الذي هو آدم في قول بعضهم، إلى أن جاء ~~الإسلام، إلا أيام ملوك الطوائف، وكان لملوك الفرس طرف من البلاد في ذلك ~~الزمان لم ينقطع انقطاعا كليا، على أن أصحاب السير قد اختلفوا في تبع الذي ~~سار وملك البلاد اختلافا كثيرا، شمر بن غش، وقيل: تبع أسعد، وإنه بعث إلى ~~سمرقند شمرا ذا الجناح، إلى غير ذلك من الاختلافات التي لا طائل فيها. وهذا ~~القدر كاف في كشف الخطأ فيه. ### || AUT ذكر ملك لختيعة # فلما هلك عمرو وتفرقت حمير وثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت ~~المملكة يقال له لختيعة تنوف ذو شناتر فملكهم، في قول ابن إسحاق، فقتل ~~خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، وكان امرأ فاسقا يزعمون أنه كان يعمل ~~عمل قوط لوط، فكان إذا سمع بغلام من أبناء الملوك أنه قد بلغ أرسل إليه ~~فوقع عليه في مشربة لئلا يملك بعد ذلك، ثم يطلع إلى حرسه وجنده قد أخذ ~~سواكا في فيه يعلمهم أنه قد فرغ منه، ثم يخلي سبيله فيفضحه. ### || AUT ذكر ملك ذي نواس وقصة أصحاب الأخدود # كان من أبناء الملوك زرعة ذو نواس بن تبان أسعد بن كرب، وكان صغيرا حين ~~أصيب أخوه حسان، فشب غلاما جميلا ذا هيئة، فبعث إليه لختيعة ليفعل به ما ~~كان يفعل بغيره، فأخذ سكينا لطيفا فجعله بين نعله وقدمه، ثم انطلق إليه مع ~~رسوله، فلما خلا به في المشربة قتله ذو نواس بالسكين ثم احتز رأسه فجعله في ~~كوة مشربته التي يطلع منها، ثم أخذ سواكه فجعله في فيه، ثم خرج، فقالوا: ذو ~~نواس أرطب أم يباس؟ ms0277 فقال: سل يحماس، استرطبان ذو نواس لا بأس. فذهبوا ~~ينظرون حين قال لهم ما قال، فإذا رأس لختيعة مقطوع، فخرجت حمير والحرس في ~~أثر ذي نواس حتى أدركوه فملكوه حيث أراحهم من لختيعة، واجتمعوا عليه، وكان ~~يهوديا، وبنجران بقايا من أهل دين عيسى ابن مريم على استقامة لهم رئيس يقال ~~له عبد الله بن الثامر، وكان أصل النصرانية بنجران. PageV01P0144 # قال وهب بن منبه: إن رجلا من بقايا أهل دين عيسى يقال له فيميون، وكان ~~رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا مجاب الدعوة، وكان سائحا لا يعرف بقرية ~~إلا خرج منها إلى غيرها، وكان لا يأكل إلا من كسب يده، وكان يعمل الطين ~~ويعظم الأحد لا يعمل فيه شيئا ويخرج إلى الصحراء يصلي جميع نهاره، فنزل ~~قرية من قرى الشام يعمل عمله ذلك مستخفيا، ففطن به رجل اسمه صالح فأحبه حبا ~~شديدا، وكان يتبعه حيث ذهب لا يفطن به فيميون، حتى خرج مرة يوم الأحد إلى ~~الصحراء واتبعه صالح وفيميمون لا يعلم. فجلس صالح منه منظر العين مستخفيا، ~~وقام فيميون يصلي، فبينما هو يصلي إذ أقبل نحوه تنين، فلما رآه فيميون دعا ~~عليه فمات، ورآه صالح ولم يدر ما أصاهب فخاف على فيميون، فصاح: يا فيميون ~~التنين قد أقبل نحوك ! فلم يلتفت إليه وأقبل على صلاته حتى أمسى، وعرف أن ~~صالحا عرفه، فكلمه صالح وقال له: يعلم الله أنني ما أحببت شيئا حبك قط وقد ~~أردت صحبتك حيثما كنت. قال: افعل. فلزمه صالح، وكان إذا ما جاءه العبد به ~~ضر شفي إذا دعا له، وإذا دعي إلس أحد به ضر لم يأته. وكان لرجل من أهل ~~القرية ابن ضرير فجعل ابنه في حجرة ألقى عليه ثوبا ثم قال لفيميون: قد أردت ~~أن تعمل في بيتي عملا، فانطلق إليه لأشارطك عليه؛ فانطلق معه، فلما دخل ~~الحجرة ألقى الرجل الثوب عن ابنه وطلب إليه أن يدعو له، فدعا له فأبصر. ~~وعرف فيميون أنه قد عرف بالقرية فخرج هو وصالح ومر بشجرة عظيمة بالشام. ms0278 ~~فناداه رجل وقال: ما زلت أنتظرك، لا تبرح حتى تقوم علي فإني ميت، قال: ~~فمات، فواراه فيميمون وانصرف ومعه صالح حتى وطئا بعض أرض العرب، وأخذهما ~~بعض العرب فباعوهما بنجران، وأهل نجران على دين العرب تعبد نخلة طويلة بين ~~أظهرهم، لها عيد كل سنة؛ إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وحلي ~~جميل، فعكفوا عليها يوما، فابتاع رجل من أشرافهم فيميون، وابتاع رجل آخر ~~صالحا، فكان فيميون إذا قام من الليل يصلي في بيته استسرج له البيت حتى ~~يصبح من غير مصباح. فلما رأى سيده ذلك أعجبه، فسأله عن دينه فأخبره، وعاب ~~دين سيده. وقال له: لو دعوت إلهي الذي أعبد لأهلك النخلة. فقال: افعل فإنك ~~إن فعلت دخلنا في دينك وتركنا ما نحن عليه. فصلى فيميون ودعا الله تعالى، ~~فأرسل الله عليها ريحا فجففتها وألقتها، فاتبعه عند ذلك أهل نجران على ~~دينه، فحملهم على شريعة من دين عيسى ودخل عليهم بعد ذلك الأحداث التي دخلت ~~على أهل دينهم بكل أرض. فمن هنالك كان أصل النصرانية بنجران. وقال محمد بن ~~كعب القرظي: كان أهل نجران يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قراها ساحر كان ~~أهل نجران يرسلون أولادهم إليه يعلمهم السحر. فلما نزلها فيميون وهو رجل ~~كان يعبد الله على دين عيسى بن مريم، عليه السلام، فإذا عرف في قرية خرج ~~منها إلى غيرها، وكان مجاب الدعوة يبرئ المرضى، وله كرامات، فوصل نجران ~~فسكن خيمة بين نجران وبين الساحر، فأرسل الثامر ابنه عبد الله مع الغلمان ~~إلى الساحر، فاجتاز بفيميون فرأى ما أعجبه من صلاته، فجعل يجلس إليه ويستمع ~~منه، فأسلم معه ووحد الله تعالى وعبده، وجعل يسأله عن الاسم الأعظم - وكان ~~يعلمه - فكتمه إياه وقال: لن تحتمله، والثامر يعتقد أن ابنه يختلف إلى ~~الساحر مع الغلمان. فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن عليه بالاسم الأعظم ~~عمد إلى قداح فكتب عليها أسماء الله جميعها ثم ألقاها في النار واحدا واحدا ~~حتى إذا ألقى القدح الذي عليه ms0279 الاسم الأعظم وثب منها فلم تضره شيئا، فأخذه ~~وعاد إلى صاحبه فأخبره الخبر، فقال له: امسك على نفسك، وما أظن أن تفعل، ~~فكان عبد الله لا يلقى أحدا إذا أتى نجران به ضر إلا قال: يا عبد الله ~~أتدخل في ديني حتى أدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء ؟ فيقول: نعم، ~~فيوحد الله ويسلم، ويدعو له عبد الله فيشفى، حتى لم يبق أحد من أهل نجران ~~ممن به ضر إلا أتاه واتبعه ودعا له فعوفي. PageV01P0145 # فرفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال له: أفسدت علي أهل قريتي وخالفت ~~ديني، لأمثلن بك ! فقال: لا تقدر على ذلك. فجعل يرسله إلى الجبل الطويل ~~فيلقى من رأسه فيقع على الأرض ليس به بأس، فأرسله إلى مياه نجران، وهي بحور ~~لا يقع فيها شيء إلا هلك، فيلقى فيها فيخرج ليس به بأس. فلما غلبه قال عبد ~~الله بن الثامر: إنك لا تقدر على قتلي حتى توحد الله وتؤمن كما آمنت، فإنك ~~إذا فعلت قتلتني. فوحد الله الملك ثم ضربه بعصا بيده فشجه شجة غير كبيرة ~~فقتله، فهلك الملك مكانه، واجتمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر. ~~قال: فسار إليهم ذو نواس بجنوده فجمعهم ثم دعاهم إلى اليهودية وخيرهم بينها ~~وبين القتل، فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود، فحرق بالنار وقتل بالسيف حتى ~~قتل قريبا من عشرين ألفا. وهم الذين أنزل الله فيهم: (قتل أصحاب الاخدود) ~~البروج: 4. وقال ابن عباس: كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له ذو نواس ~~واسمه يوسف بن شرحبيل، وكان قبل مولد النبي، صلى الله عليه وسلم، بسبعين ~~سنة، وكان له ساحر حاذق. فلما كبر قال للملك: إني كبرت فابعث إلي غلاما ~~أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما اسمه عبد الله بن الثامر ليعلمه، فجعل يختلف ~~إلى الساحر، وكان في طريقه راهب حسن القراءة، فقعد إليه الغلام، فأعجبه ~~أمره، فكان إذا جاء إلى المعلم يدخل إلى الراهب فيقعد عنده، فإذا جاء من ~~عنده إلى المعلم ضربه وقال له: ما ms0280 الذي حبسك ؟ وإذا انقلب إلى أبيه دخل إلى ~~الراهب فيضربه أبوه ويقول: ما الذي أبطأ بك ؟ فشكا الغلام ذلك إلى الراهب، ~~فقال له: إذا أتيت المعلم فقل حبسني أبي، وإذا أتيت أباك فقل حبسني المعلم. ~~وكان في ذلك البلد حية عظيمة قطعت طريق الناس، فمر بها الغلام فرماها بحجر ~~فقتلها، وأتى الراهب فأخبره. فقال له الراهب: إن لك لشأنا، وإنك ستبتلى فإن ~~ابتليت فلا تدلن علي. وصار الغلام يبرئ الأكمة والأبرص ويشفي الناس. وكان ~~للملك ابن عم أعمى، فسمع بالغلام وقتل الحية فقال: ادع الله أن يرد علي ~~بصري. فقال الغلام: إن رد الله عليك بصرك تؤمن به ؟ قال: نعم. قال: اللهم ~~إن كان صادقا فأردد عليه بصره، فعاد بصره، ثم دخل على الملك، فلما رآه تعجب ~~منه وسأله، فلم يخبره، وألح عليه فدله على الغلام، فجيء به، فقال له: لقد ~~بلغ من سحرك ما أرى. فقال: أنا لا أشفي أحدا إنما يشفي الله من يشاء، فلم ~~يزل يعذبه حتى دله على الراهب، فجيء به، فقال له: ارجع عن دينك، فأبى، فأمر ~~به فوضع المنشار على رأسه فشق بنصفين، ثم جيء بابن عم الملك، فقال: ارجع عن ~~دينك، فأبى، فشقه قطعتين، ثم قال للغلام: ارجع عن دينك، فأبى فدفعه إلى نفر ~~من أصحابه وقال لهم اذهبوا به إلى جبل كذا فان رجع وإلا فاطرحوه من رأسه، ~~فذهبوا به إلى الجبل فقال اللهم اكفنيهم ! فرجف بهم الجبل وهلكوا، ورجع ~~الغلام إلى الملك، فسأله عن أصحابه، فقال: كفانيهم الله. فغاظه ذلك وأرسله ~~في سفينة إلى البحر ليلقوه فيه، فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم ! فغرقوا ~~ونجا، وجاء إلى الملك فقال: اقتلوه بالسيف، فضربوه فنبا عنه. وفشا خبره في ~~اليمن، فأعظمه الناس وعلموا أنه على الحق، فقال الغلام للملك: إنك لن تقدر ~~على قتلي إلا أن تجمع أهل مملكتك وترميني بسهم وتقول: بسم الله رب الغلام. ~~ففعل ذلك فقتله. فقال الناس: آمنا برب الغلام ! فقيل للملك: قد نزل بك ما ~~تحذر. فأغلق أبواب المدينة ms0281 وخد أخدودا وملأه نارا وعرض الناس، فمن رجع عن ~~دينه تركه، ومن لم يرجع ألقاه في الأخدود فأحرقه. وكانت امرأة مؤمنة، وكان ~~لها ثلاثة بنين، أحدهم رضيع، فقال لها الملك: ارجعي وإلا قتلتك أنت ~~وأولادك، فأبت، فألقى ابنيها الكبيرين، فأبت، ثم أخذ الصغير ليلقيه فهمت ~~بالرجوع. قال لها الصغير: يا أماه لا ترجعي عن دينك، لا بأس عليك ! فألقاه ~~وألقاها في أثره، وهذا الطفل أحد من تكلم صغيرا. قيل: حفر رجل خربة بنجران ~~في زمن عمر بن الخطاب، فرأى عبد الله ابن الثامر واضعا يده على ضربة في ~~رأسه، فإذا رفعت عنها يده جرت دما، وإذا أرسلت يده ردها إليها وهو قاعد، ~~فكتب فيه إلى عمر، فأمر بتركه على حاله. ### | AUT ذكر ملك الحبشة اليمن # PageV01P0146 # قيل: لما قتل ذو نواس من قتل من أهل اليمن في الأخدود لأجل العود عن ~~النصرانية أفلت منهم رجل يقال له دوس ذو ثعلبان حتى أعجز القوم، فقدم على ~~قيصر فاستنصره على ذي نواس وجنوده وأخبره بما فعل بهم. فقال له قيصر: بعدت ~~بلادك عنا، ولكن سأكتب إلى النجاشي ملك الحبشة وهو على هذا الدين وقريب ~~منكم. فكتب قيصر إلى ملك الحبشة يأمره بنصره، فأرسل معه ملك الحبشة سبعين ~~ألفا وأمر عليهم رجلا يقال له أرياط، وفي جنوده أبرهة الأشرم، فساروا في ~~البحر حتى نزلوا بساحل اليمن، وجمع ذو نواس جنوده فاجتمعوا، ولم يكن له حرب ~~غير أنه ناوش شيئا من قتال ثم انهزموا، وخلها أرياط. فلما رأى ذو نواس ما ~~نزل به وبقومه اقتحم البحر بفرسه فغرق، ووطئ أرياط اليمن فقتل ثلث رجالهم، ~~وبعث إلى النجاشي بثلث سباياهم، ثم أقام بها وأذل أهلها. وقيل: إن الحبشة ~~لما خرجوا إلى المندب من أرض اليمن كتب ذو نواس إلى أقيال اليمن يدعوهم إلى ~~الاجتماع على عدوهم، فلم يجيبوه وقالوا: يقاتل كل رجل عن بلاده. فصنع ~~مفاتيح وحملها على عدة من الإبل ولقي الحبشة وقال: هذه مفاتيح خزائن ~~الأموال باليمن، فهي لكم ولا تقتلوا الرجال والذرية، فأجابوه ms0282 إلى ذلك ~~وساروا معه إلى صنعاء، فقال لكبيرهم: وجه أصحابك لقبض الخزائن. فتفرق ~~أصحابه ودفع إليهم المفاتيح، وكتب إلى الأقيال بقتل كل ثور أسود، فقتلت ~~الحبشة ولم ينج منهم إلا الشريد. فلما سمع النجاشي جهز إليهم سبعين ألفا مع ~~أرياط والأشرم، فملك البلاد وأقام بها سنين، ونازعه أبرهة الأشرم، وكان في ~~جنده، فمال إليه طائفة منهم، وبقي أرياط في طائفة، وسار أحدهما إلى الآخر، ~~وأرسل أبرهة: إنك لن تصنع بأن تلقي الحبشة بعضها على بعض شيئا، فيهلكوا، ~~ولكن ابرز إلي فأينا قهر صاحبه استولى على جنده. فتبارزا، فرفع أرياط ~~الحربة فضرب أبرهة، فوقعت على رأسه فشرمت أنفه وعينه، فسمي الأشرم. وحمل ~~غلام لأبرهة يقال له عتودة، كان قد تركه كمينا من خلف أرياط، على أرياط ~~فقتله، واستولى أبرهة على الجند والبلاد وقال لعتودة: احتكم. فقال: لا تدخل ~~عروس على زوجها من اليمن حتى أصيبها قبله، فأجابه إلى ذلك، فبقي يفعل بهم ~~هذا الفعل حينا، ثم عدا عليه إنسان من اليمن فقتله، فسر أبرهة بقتله وقال: ~~لو علمت أنه يحتكم هكذا لم أحكمه. ولما بلغ النجاشي قتل أرياط غضب غضبا ~~شديدا وحلف ألا يدع أبرهة حتى يطأ أرضه ويجز ناصيته، فبلغ ذلك أبرهة، فأرسل ~~إلى النجاشي من تراب اليمن وجز ناصيته فبلغ ذلك أبرهة، فأرسل إلى النجاشي ~~من تراب اليمن وجز ناصيته وأرسلها أيضا، وكتب إليه بالطاعة وإرسال شعره ~~وترابه ليبر قسمه بوضع التراب تحت قدميه، فرضي عنه وأقره على عمله. فلما ~~استقر باليمن بعث إلى أبي مرة ذي يزن، فأخذ زوجته ريحانة بنت ذي جدن ~~ونكحها، فولدت له مسروقا، وكانت قد ولدت لذي يزن ولدا اسمه معدي كرب، وهو ~~سيف، فخرج ذو يزن من اليمن فقدم الحيرة على عمرو بن هند وسأله أن يكتب له ~~إلى كسرى كتابا يعلمه محله وشرفه وحاجته، فقال: إني أفد إلى الملك كل سنة ~~وهذا وقتها، فأقام عنده حتى وفد معه ودخل إلى كسرى معه، فأكرمه وعظمه وذكر ~~حاجته وشكا ما يلقون من الحبشة، واستنصره ms0283 عليهم، وأطمعه في اليمن وكثرة ~~مالها، فقال له كسر أنوشروان: إني لأحب أن أسعفك بحاجتك ولكن المسالك إليها ~~صعبة وسأنظر، وأمر بإنزاله، فأقام عنده حتى هلك. ونشأ ابنه معدي كرب بن ذي ~~يزن في حجرة أبرهة، وهو يحسب أنه أبوه، فسبه انب لأبرهة وسب أباه، فسأل أمه ~~عن أبيه، فصدقته، وأقام حتى مات أبرهة وابنه يكسوم وسار عن اليمن، ففعل ما ~~نذكره إن شاء الله. ### | AUT ذكر ملك كسرى أنوشروان بن قباذ # ابن فيروز بن يزدجرد بن بهرام بن يزدجرد الأثيم لما لبس التاج خطب الناس ~~فحمد الله وأثنى عليه وذكر ما ابتلوا به من فساد أمورهم ودينهم وأولادهم، ~~وأعلمهم أنه يصلح ذلك، ثم أمر برؤوس المزدكية فقتلوا وقسمت أموالهم في أهل ~~الحاجة. PageV01P0147 # وكان سبب قتلهم أن قباذ كان، كما ذكرنا، قد اتبع مزدك على دينه وما دعاه ~~إليه وأطاعه في كل ما يأمره به من الزندقة وغيرها مما ذكرنا أيام قباذ، ~~وكان المنذر بن ماء السماء يومئذ عاملا على الحيرة ونواحيها، فدعاه قباذ ~~إلى ذلك، فأبى، فدعا الحارث بن عمرو الكندي، فأجابه، فسدد له ملكه وطرد ~~المنذر عن مملكته، وكانت أم أنوشروان يوما بين يدي قباذ، فدخل عليه مزدك. ~~فلما رأى أم أنوشروان قال لقباذ: ادفعها إلي لأقضي حاجتي منها. فقال: ~~دونكها. فوثب إليه أنوشروان، ولم يزل يسأله ويتضرع إليه أن يهب له أمه حتى ~~قبل رجله، فتركها، فحاك ذلك في نفسه. فهلك قباذ على تلك الحال وملك ~~أنوشروان، فجلس للملك، ولما بلغ المنذر هلاك قباذ أقبل إلى أنوشروان، وقد ~~علم خلافه على أبيه في مذهبه واتباع مزدك، فإن أنوشروان كان منكرا لهذا ~~المذهب كارها له، ثم إن أنوشروان أذن للناس إذنا عاما، ودخل عليه مزدك، ثم ~~دخل عليه المنذر، فقال أنوشروان: إني كنت تمنيت أمنيتين، أرجو أن يكون الله ~~عز وجل قد جمعهما إلي. فقال مزدك: وما هما أيها الملك ؟ قال: تمنيت أن أملك ~~وأستعمل هذا الرجل الشريف، يعني المنذر، وأن أقتل هذه الزنادقة. فقال مزدك: ~~أوتستطيع أن ms0284 تقتل الناس كلهم ؟ فقال: وإنك ها هنا يا ابن الزانية ؟! والله ~~ما ذهب نتن ريح جوربك من أنفي منذ قبلت رجلك إلى يومي هذا. وأمر به فقتل ~~وصلب. وقتل منهم ما بين جازر إلى النهروان وإلى المدائن في ضحوة واحدة مائة ~~ألف زنديق وصلبهم، وسمي يومئذ أنوشروان. وطلب أنوشروان الحارث بن عمرو، ~~فبلغه ذلك وهو بالأنبار، فخرج هاربا في صحابته وماله وولده، فمر بالثوية، ~~فتبعه المنذر بالخيل من تغلب وإياد وبهراء، فلحق بأرض كلب ونجا وانتهبوا ~~ماله وهجائنه، وأخذت بنو تغلب ثمانية وأربعين نفسا من بني آكل المرار ~~فقدموا بهم على المنذر، فضرب رقابهم بحفر الأميال في ديار بني مرين ~~العباديين بين دير بني هند والكوفة، فذلك قول عمرو بن كلثوم: فآبوا بالنهاب ~~وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا وفيهم يقول امرؤ القيس: ملوك من بني ~~حجر بن عمرو ... يساقون العشية يقتلونا فلو في يوم معركة أصيبوا ... ولكن ~~في ديار بني مرينا ولم تغسل جماجمهم بغسل ... ولكن في الدماء ومرملينا تظل ~~الطير عاطفة عليهم ... وتنتزع الحواجب والعيونا ولما قتل أنوشروان مزدك ~~وأصحابه أمر بقتل جماعة ممن دخل على الناس في أموالهم ورد الأموال إلى ~~أهلها، وأمر بكل مولود اختلفوا فيه أن يلحق بمن هو منهم إذا لم يعرف أبوه ~~وأن يعطى نصيبا من ملك الرجل الذي يسند إليه إذا قبله الرجل، وبكل امرأة ~~غلبت على نفسها أن يؤخذ مهرها من الغالب، ثم تخير المرأة بين الإقامة عنده ~~وبين فراقه إلا أن يكون لها زوج فترد إليه. وأمر بعيال ذوي الأحساب الذين ~~مات قيمهم فأنكح بناتهم الأكفاء، وجهزهن من بيت المال، وأنكح نساءهم من ~~الأشراف، واستعان بأبنائهم في أعماله، وعمر الجسور والقناطر، وأصلح الخراب، ~~وتفقد الأساورة وأعطاهم، وبنى في الطرق القصور والحصون، وتخير الولاة ~~والعمال والحكام، واقتدى بسيرة أردشير، وارتجع بلادا كانت مملكة الفرس، ~~منها: السند وسندوست والرخج وزابلستان وطخارستان، وأعظم القتل في النازور ~~وأجلى بقيتهم عن بلاده. واجتمع أبخز وبنجر وبلنجر واللان على قصد بلاده، ~~فقصدوا أرمينية للغارة على أهلها، وكان الطريق ms0285 سهلا، فأمهلهم كسرى حتى ~~توغلوا في البلاد وأرسل إليهم جنودا، فقاتلوهم فأهلكوهم ما خلا عشرة آلاف ~~رجل أسروا فأسكنوا أذربيجان. PageV01P0148 # وكان لكسرى أنوشروان ولد هو أكبر أولاده اسمه أنوشزاد، فبلغه عنه أنه ~~زنديق، فسيره إلى جنديسابور وجعله معه جماعة يثق بدينهم ليصلحوا دينه ~~وأدبه. فبينما هم عنده غذ بلغه خبر مرض والده لما دخل بلاد الروم، فوثب بمن ~~عنده فقتلهم وأخرج أهل السجون فاستعان بهم وجمع عنده جموعا من الأشرار، ~~فأرسل إليهم نائب أبيه بالمدائن عسكرا، فحصروه بجنديسابور، وأرسل الخبر إلى ~~كسرى، فكتب إليه يأمره بالجد في أمره وأخذه أسيرا، فاشتد الحصار حينئذ عليه ~~ودخل العساكر المدينة عنوة فقتلوا بها خلقا كثيرا وأسروا أنوشزاد، فبلغه ~~خبر جده لأمه الداور الرازي، فوثب بعامل سجستان وقاتله، فهزمه العامل، ~~فالتجأ إلى مدينة الرخج وامتنع بها، ثم كتب إلى كسرى يعتذر ويسأله أن ينفذ ~~إليه من يسلم له البلد، ففعل وآمنه. وكان الملك فيروز قد بنى بناحية صول ~~واللان بناء يحصن به بلاده، وبنى عليه ابنه قباذ زيادة فلما ملك كسرى ~~أنوشروان بنى في ناحية صول وجرجان بناء كثيرا وحصونا حصن بها بلاده جميعها. ~~وإن سيجيور خاقان قصد بلاده، وكان أعظم الترك، واستمال الخزر وأبخز وبلنجر، ~~فأطاعوه، فأقبل في عدد كثير وكتب إلى كسرى يطلب منه الإتاوة ويتهدده إن لم ~~يفعل، فلم يجبه كسرى إلى شيء مما طلب لتحصينه بلاده، وإن ثغر أرمينية قد ~~حصنه، فصار يكتفي بالعدد اليسير، فقصده خاقان فلم يقدر على شيء منه، وعاد ~~خائبا، وهذا خاقان هو الذي قتل ورد ملك الهياطلة وأخذ كثيرا من بلادهم. ### || AUT ذكر ملك كسرى بلاد الروم # كان بين كسرى أنوشروان وبين غطيانوس ملك الروم هدنة، فوقع بين رجل من ~~العرب، كان ملكه غطيانوس على عرب الشام يقال له خالد بن جبلة، وبين رجل من ~~لخم كان ملكه كسرى على عمان والبحرين واليمامة إلى الطائف وسائر الحجاز ~~يقال له المنذر بن النعمان، فتنة، فأغار خالد على ابن النعمان فقتل من ~~أصحابه مقتلة عظيمة وغنم أمواله، ms0286 فكتب كسرى إلى غطيانوس يذكره ما بينهما من ~~العهد والصلح ويعلمه ما لقي المنذر من خالد، وسأله أن يأمر خالد برد ما غنم ~~إلى المنذر ويدفع له دية من قتل من أصحابه وينصفه من خالد، وإنه إن لم يفعل ~~ينقض الصلح. ووالى الكتب إلى غطيانوس في إنصاف المنذر، فلم يحفل به. فاستعد ~~كسرى وغزا بلاد غطيانوس في بضعة وسبعين ألفا، وكان طريقه على الجزيرة، فأخذ ~~مدينة دارا ومدينة الرهاء وعبر إلى الشام فملك منبج وحلب وإنطاكية، وكانت ~~أفضل مدائن الشام، وفامية وحميص ومدنا كثيرة متاخمة لهذه المدائن عنوة ~~واحتوى على ما فيها من الموال والعروض، وسبى أهل مدينة إنطاكية ونقلهم إلى ~~أرض السواد، وأمر فبنيت لهم مدينة إلى جانب مدينة طيسفون على بناء مدينة ~~إنطاكية وأسكنهم إياها، وهي التي تسمى الرومية، وكور لها خمسة طساسيج: طسوج ~~النهروان الأعلى، وطسوج النهروان الأوسط، وطسوج النهروان الأسفل، وطسوج ~~بادرايا، وطسوج باكسايا، وأجرى على السبي الذين نقلهم إليها من إنطاكية ~~الأرزاق، وولى القيام بأمرهم رجلا من نصارى الأهواز ليستأنسوا به لموافقته ~~في الدين؛ وأما سائر مدن الشام ومضر فإن غطيانوس ابتاعها من كسرى بأموال ~~عظيمة حملها إليه وضمن له فدية يحملها إليه كل سنة على أن لا يغزو بلاده، ~~فكانوا يحملونها كل عام. وسار أنوشروان من الروم إلى الخزر فقتل منهم وغنم ~~وأخذ منهم بثأر رعيته. ثم قصد اليمن فقتل فيها وغنم وعاد إلى المدائن وقد ~~ملك ما دون هرقلة وما بينه وبين البحرين وعمان. وملك النعمان بن المنذر على ~~الحيرة وأكرمه، وسار نحو الهياطلة ليأخذ بثأر جده فيروز، وكان أنوشروان قد ~~صاهر خاقان قبل ذلك، ودخل كسرى بلادهم فقتل ملكهم، واستأصل أهل بيته، ~~وتجاوز بلخ وما وراء النهر وأنزل جنوده فرغانة، ثم عاد إلى المدائن. وغزا ~~البرجان ثم رجع وأرسل جنده إلى اليمن، فقتلوا الحبشة وملكوا البلاد. وكان ~~ملكه ثمانيا وأربعين سنة، وقيل: سبعا وأربعين سنة. وكان مولد رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، في آخر ملكه، وقيل: ولد عبد الله بن عبد ms0287 المطلب أبو ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأربع وعشرين سنة مضت من ملك أنوشروان، ~~وولد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سنة اثنتين وأربعين من ملكه. ~~PageV01P0149 # قال هشام بن الكلبي: ملك العرب من قبل ملوك الفرس بعد الأسود بن المنذر ~~أخوه المنذر بن المنذر بن النعمان سبع سنين، ثم ملك بعده النعمان بن الأسود ~~أربع سنين، ثم استخلف أبو يعفر بن علقمة بن مالك بن عدي اللخمي ثلاث سنين، ~~ثم ملك المنذر بن امرئ القيس البدء ولقب ذو القرنين لضفيرتين كانتا له، ~~وأمه ماء السماء، وهي ماوية ابنة عمرو بن جشم ابن النمر بن قاسط، تسعا ~~وأربعين سنة، ثم ملك ابنه عمرو بن المنذر ست عشرة سنة. قال: ولثماني سنين ~~وثمانية أشهر من ولايته ولد النبي، صلى الله عليه وسلم، وذلك أيام أنوشروان ~~عام الفيل. فلما دانت لكسرى بلاد اليمن وجه إلى سرنديب من بلاد الهند، وهي ~~أرض الجوهر، قائدا من قواده في جند كثيف، فقاتل ملكها، فقتله واستولى ~~عليها، وحمل إلى كسرى منها أموالا عظيمة وجواهر كثيرة. ولم يكن ببلاد الفرس ~~بنات اوى، فجاءت إليها من بلاد الترك في ملك كسرى أنوشروان، فشق عليه ذلك ~~وأحضر موبذان موبذ وقال له: قد بلغنا تساقط هذه السباح إلى بلادنا وقد ~~تعاظمنا ذلك، فأخبرنا برأيك فيها. فقال: سمعت فقهاءنا يقولون: متى لم يغلب ~~العدل الجور في البلاد بل جار أهلها غزاهم أعداؤهم وأتاهم ما يكرهون. فلم ~~يلبث كسرى أن أتاه أن فتيانا من الترك قد غزوا أقصى بلاده، فأمر وزراءه ~~وعماله أن لا يتعدوا فيما هم بسبيله العدل ولا يعملوا في شيء منها إلا به، ~~ففعلوا ما أمرهم، فصرف الله ذلك العدو عنهم من غير حرب. ؟ ### || AUT ذكر ما فعله أنوشروان بأرمينية وأذربيجان # كانت أرمينية وأذربيجان بعضها للروح وبعضها للخزر، فبنى قباذ سورا مما ~~يلي بعض تلك الناحية، فلما توفي وملك ابنه أنوشروان وقوي أمره وغزا فرغانة ~~والبرجان وعاد بنى مدينة الشابران ومدينة مسقط ومدينة الباب والأبواب، ~~وإنما سميت أبوابا لأنها ms0288 بنيت على طريق في الجبل، وأسكن المدن قوما سماهم ~~السياسجين، وبنى غير هذه المدن، وبنى لكل باب قصرا من حجارة، وبنى بأرض ~~جرزان مدينة سغدبيل وأنزلها السغد وأبناء فارس، وبنى باب اللان، وفتح جميع ~~ما كان بأيدي الروم من أرمينية، وعمر مدينة أردبيل وعدة حصون، وكتب إلى ملك ~~الترك يسأله الموادعة والاتفاق ويخطب إليه ابنته، ورغب في صهره، وتزوج كل ~~واحد بابنة الآخر. فأما كسرى فإنه أرسل إلى خاقان ملك الترك بنتا كانت قد ~~تبنتها بعض نسائه وذكر أنها ابنته، وأرسل ملك الترك ابنته، واجتمعا، فأمر ~~أنوشروان جماعة من ثقاته أن يكبسوا طرفا من عسكر الترك ويحرقوا فيه، ~~ففعلوا، فلما أصبحوا شكا ملك الترك ذلك، فأنكر أن يكون له علم به، ثم أمر ~~بمثل ذلك بعد ليال، فضج التركي، فرفق به أنوشروان، فاعتذر إليه، ثم أمر ~~أنوشروان أن تلقى النار في ناحية من عسكره فيها أكواخ من حشيش، فلما اصبح ~~شكا إلى التركي، قال: كافأتني بالتهمة ! فحلف التركي أنه لم يعلم بشيء من ~~ذلك، فقال أنوشروان له: إن جندنا قد كرهوا صلحنا لانقطاع العطاء والغارات، ~~ولا أمن أن يحدثوا حدثا يفسد قلوبنا فنعود إلى العدواة، والرأي أن تأذن لي ~~في بناء سور يكون بيني وبينك نجعل عليه أبوابا فلا يدخل إليك إلا من تريده ~~ولا يدخل إلينا إلا من نريده. فأجابه إلى ذلك. وبنى أنوشروان السور من ~~البحر وألحقه برؤوس الجبال، وعمل عليه أبواب الحديد ووكل به من يحرسه. فقيل ~~لملك الترك: إنه خدعك وزوجك غير ابنته وتحصن منك فلم تقدر له على حيلة. ~~وملك أنوشروان ملوكا رتبهم على النواحي، فمنهم صاحب السرير وفيلان شاه ~~واللكز ومسقط وغيرها، ولم تزل أرمينية بأيدي الفرس حتى ظهر الإسلام، فرفض ~~كثير من السياسجين حصونهم ومدائنهم حتى خربت واستولى عليها الخزر والروم، ~~وجاء الإسلام وهي كذلك. ### | AUT ذكر أمر الفيل # لما دام ملك أبرهة باليمن وتمكن به بنى القليس بصنعاء، وهي كنيسة لم ير ~~مثلها في زمانها بشيء من الأرض، ثم كتب إلى النجاشي: ms0289 إني قد بنيت لك كنيسة ~~لم ير مثلها ولست بمنته حتى أصرف إليها حاج العرب. فلما تحدثت العرب بذلك ~~غضب رجل من النسأة من بني فقيم، فخرج حتى أتاها فقعد فيها وتغوط، ثم لحق ~~بأهله، فأخبر بذلك أبرهة، وقيل له: إنه فعل رجل من أهل البيت الذي تحجه ~~العرب بمكة غضب لما سمع أنك تريد صرف الحجاج عنه ففعل هذا. PageV01P0150 # فغضب أبرهة وحلف ليسيرن إلى البيت فيهدمه، وأمر الحبشة فتجهزت، وخرج معه ~~بالفيل واسمه محمود، وقيل: كان معه ثلاثة عشر فيلا وهي تتبع محمودا، وإنما ~~وحد الله سبحانه الفيل لأنه عنى كبيرها محمودا، وقيل في عددهم غير ذلك. ~~فلما سار سمعت العرب به فأعظموه ورأوا جهاده حقا عليهم، فخرج عليه رجل من ~~أشراف اليمن يقال له ذو نفر وقاتله، فهزم ذو نفر وأخذ أسيرا فأراد قتله ثم ~~تركه محبوسا عنده، ثم مضى على وجهه، فخرج عليه نفيل ابن حبيب الجثعمي ~~فقاتله، فانهزم نفيل وأخذ أسيرا، فضمن لأبرهة أن يدله على الطريق، فتركه ~~وسار حتى إذا مر على الطائف بعثت معه ثقيف أبا رغال يدله على الطريق حتى ~~أنزله بالمغمس، فلما نزله مات أبو رغال، فرجمت العرب قبره، فهو القبر الذي ~~يرجم. وبعث أبرهة الأسود بن مقصود إلى مكة، فساق أموال أهلها وأصاب فيها ~~مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، ثم أرسل أبرهة حناطة الحميري إلى مكة ~~فقال: سل عن سيد قريش وقل له إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت، ~~فإن لم تمنعوا عنه فلا حاجة لي بقتالكم. فلما بلغ عبد المطلب ما أمره قال ~~له: والله ما نريد حربه، هذا بيت الله وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه فهو ~~يمنع بيته وحرمه وإن يخل بيته وبينه فوالله ما عندنا من دفع، فقال له: ~~انطلق معي إلى الملك. فانطلق معه عبد المطلب حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي ~~نفر، وكان له صديقا، فدل عليه، وهو في محبسه، فقال له: هل عندك غناء فيما ~~نزل بنا ؟ فقال: وما غناء رجل ms0290 أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله ؟ ولكن أنيس ~~سائس الفيل صديق لي فأوصيه بك وأعظم حقك وأسأله أن يستأذن لك على الملك ~~فتكلمه بما تريد ويشفع لك عنده إن قدر. قال: حسبي. فبعث ذو نفر إلى أنيس، ~~فحضره وأوصاه بعبد المطلب وأعلمه أنه سيد قريش. فكلم أنيس أبرهة وقال: هذا ~~سيد قريش يستأذن، فأذن له. وكان عبد المطلب رجلا عظيما وسيما، فلما رآه ~~أبرهة أجله وأكرمه ونزل عن سريره إليه وجلس معه على بساط وأجلسه إلى جنبه ~~وقال لترجمانه: قل له ما حاجتك ؟ فقال له الترجمان ذلك، فقال عبد المطلب: ~~حاجتي أن يرد علي مائتي بعير أصابها لي فلما قال له ذلك فقال أبرهة ~~لترجمانه: قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني ~~في إبلك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه ؟ قال عبد المطلب: أنا ~~رب الإبل وللبيت رب يمنعه. قال: ما كان ليمنع مني. وأمر برد إبله، فلما ~~أخذها قلدها وجعلها هديا وبثها في الحرم لكي يصاب منها شيء فيغضب الله. ~~وانصرف عبد المطلب إلى قريش وأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج معه من مكة ~~والتحرز في رؤوس الجبال خوفا من معرة الجيش، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقه ~~باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة، فقال ~~عبد المطلب، وهو آخذ بحلقة باب الكعبة: يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب ~~فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا ... إمنعهم أن يخربوا فناكا وقال ~~أيضا: لا هم إن العبد يم ... نع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم ... ~~ومحالهم غدرا محالك ولئن فعلت فإنه ... أمر تتم به فعالك أنت الذي إن جاء ~~با ... غ نرتجيك له كذلك ولوا ولم يحووا سوى ... خزي وتهلكهم هنالك لم ~~أستمع يوما بأر ... جس منهم يبغوا قتالك جروا جموع بلادهم ... والفيل كي ~~يسبوا عيالك عمدوا حماك بكيدهم ... جهلا وما رقبوا جلالك ثم أرسل عبد ~~المطلب حلقة باب الكعبة وانطلق هو ومن معه من ms0291 قريش إلى شعف والجبال فتحرزوا ~~فيها ينتظرون ما يفعل أبرهة بمكة إذا دخل. PageV01P0151 # فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله، وكان اسمه محمودا، وأبرهة ~~مجمع لهدم البيت والعود إلى اليمن، فلما وجهوا الفيل أقبل نفيل بن حبيب ~~الخثعمي فمسك بأذنه وقال: ارجع محمود، ارجع راشدا من حيث جئت فإنك في بلد ~~الله الحرام ؟! ثم أرسل أذنه، فألقى الفيل نفسه إلى الأرض واشتد نفيل فصعد ~~الجبل، فضربوا الفيل، فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه ~~إلى الشام ففعل كذلك، ووجهوه راجعا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه إلى ~~الشام ففعل كذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فسقط إلى ~~الأرض. وأرسل الله عليهم طيرا أبابيل من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طير ~~منها ثلاثة أحجار تحملها، حجر في منقاره وحجران في رجليه، فقذفتهم بها وهي ~~مثل الحمص والعدس لا تصيب أحدا منهم إلا هلك، ليس كلهم أصابت، وأرسل الله ~~سيلا ألقاهم في البحر وخرج من سلم مع أبرهة هاربا يبتدرون الطريق الذي ~~جاءوا منه ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفير ~~حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته: أين المفر والإله الطالب ... والأشرم ~~المغلوب غير الغالب وقال أيضا: ألا حييت عنا يا ردينا ... نعمناكم مع ~~الإصباح عينا أتانا قابس منكم عشاء ... فلم يقدر لقابسكم لدينا ردينة لو ~~رأيت ولم تريه ... لدى جنب المحصب ما رأينا إذا لعذرتني وحمدت رأيي ... ولم ~~تأسي لما قد فات بينا حمدت الله إذ عاينت طيرا ... وخفت حجارة تلقى علينا ~~وكل القوم يسأل عن نفيل ... كأن علي للحبشان دينا وأصيب أبرهة في جسده ~~فسقطت أعضاؤه عضوا عضوا حتى قدموا به صنعاء وهو مثل الفرخ، فما مات حتى ~~انصدع صدره عن قلبه. فلما هلك ملك ابنه يكسوم بن أبرهة، وبه كان يكنى، وذلت ~~حمير واليمن له، ونكحت الحبشة نساءهم وقتلوا رجالهم واتخذوا أبناءهم تراجمة ~~بينهم وبين العرب. ولما أهلك الله الحبشة وعاد ملكهم ومعه من سلم منهم ونزل ms0292 ~~عبد المطلب من الغد إليهم لينظر ما يصنعون ومعه أبو مسعود الثقفي لم يسمعا ~~حسا، فدخلا معسكرهم فرأيا القوم هلكى، فاحتفر عبد المطلب حفرتين ملأهما ~~ذهبا وجوهرا له ولأبي مسعود ونادى في الناس، فتراجعوا، فأصابوا من فضلهما ~~شيئا كثيرا، فبقي عبد المطلب في غنى من ذلك المال حتى مات. ويبعث الله ~~السيل فألقى الحبشة في البحر وقال كثير من أهل السير إن الحصبة والجدري أول ~~ما رؤيا في العرب بعد الفيل وكذلك قالوا إن العشر والحرمل والشجر لم تعرف ~~بأرض العرب إلا بعد الفيل. وهذا مما لا ينبغي أن يعرض عليه فإن هذه الأمراض ~~والأشجار قبل الفيل مذ خلق الله العالم. ولما رد الله الحبشة عن الكعبة ~~وأصابهم ما أصابهم عظمت العرب قريشا وقالوا: أهل الله قاتل عنهم. ثم مات ~~يكسوم وملك بعده أخوه مسروق. ### | AUT ذكر عود اليمن إلى حمير وإخراج الحبشة عنه # لما هلك يكسوم ملك اليمن أخوه مسروق بن أبرهة، وهو الذي قتله وهرز، فلما ~~تشد البلاء على أهل اليمن خرج سيف بن ذي يزن، وكنيته أبو مرة، وقيل: كنية ~~ذي يزن أبو مرة، حتى قدم على قيصر، وتنكب كسرى لإبطائه عن نصر أبيه، فإنه ~~كان قصد كسرى أنوشروان لما أخذت زوجته يستنصره على الحبشة، فوعده، فأقام ذو ~~يزن عنده، فمات على بابه. وكان ابنه سيف مع أمه في حجر أبرهة، وهو يحسب أنه ~~ابنه، فسبه ولد لأبرهة وسب أباه، فسأل أمه عن أبيه فأعلمته خبره بعد مراجعة ~~بينهما، فأقام حتى مات أبرهة وابنه يكسوم، ثم سار إلى الروم فلم يجد عند ~~ملكهم ما يحب لموافقته الحبشة في الدين، فعاد إلى كسرى، فاعترضه يوما وقد ~~ركب فقال له: إن لي عندك ميراثا، فدعا به كسرى لما نزل فقال له: من أنت وما ~~ميراثك ؟ قال: أنا ابن الشيخ اليماني الذي وعدته النصرة فمات ببابك، فتلك ~~العدة حق لي وميراث. فرق كسرى له وقال له: بعدت بلادك عنا وقل خيرها ~~والمسلك إليها وعر ولست أغرر بجيشي. وأمر له بمال، ms0293 فخرج وجعل ينثر الدراهم، ~~فانتهبها الناس، فسمع كسرى فسأله ما حمله على ذلك، فقال: لم آتك للمال ~~وإنما جئتك للرجال ولتمنعني من الذل والهوان، وإن جبال بلادنا ذهب وفضة. ~~PageV01P0152 # فأعجب كسرى بقوله وقال: يظن المسكين أنه أعرف ببلاده مني؛ واستشار وزراءه ~~في توجيه الجند معه، فقال له موبذان موبذ: أيها الملك إن لهذا الغلام حقا ~~بنزوعه إليك وموت أبيه ببابك وما تقدم من عدته بالنصرة، وفي سجونك رجال ذوو ~~نجدة وبأس فلو أن الملك وجههم معه فإن أصابوا ظفرا كان للملك، وإن هلكوا ~~فقد استراح وأراح أهل مملكته منهم. فقال كسرى: هذا الرأي. فأمر بمن في ~~السجون، فأحضروا، فكانوا ثمانمائة، فقود عليهم قائدا من أساورته يقال له ~~وهرز، وقيل: بل كان من أهل السجون سخط عليه كسرى لحدث فحبسه، وكان يعدله ~~بألف أسوار، وأمر بحملهم في ثماني سفن، فركبوا البحر، فغرق سفينتان وخرجوا ~~بساحل حضرموت، ولحق بابن ذي يزن بشر كثير، وسار إليهم مسروق في مائة ألف من ~~الحبشة وحمير والأعراب، وجعل وهرز البحر وراء ظهره وأحرق السفن لئلا يطمع ~~أصحابه في النجاة، وأحرق كل ما معهم من زاد وكسوة إلا ما أكلوا وما على ~~أبدانهم، وقال لأصحابه: إنما أحرقت ذلك لئلا يأخذه الحبشة إن ظفروا بكم، ~~وإن نحن ظفرنا بهم فسنأخذ أضعافه، فإن كنتم تقاتلون معي وتصبروني أعلمتموني ~~ذلك، وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي حتى يخرج من ظهري، فانظروا ما ~~حالكم إذا فعل رئيسكم هذا بنفسه. قالوا: بل نقاتل معك حتى نموت أو نظفر. ~~وقال لسيف بن ذي يزن: ما عندك ؟ قال: ما شئت من رجل عربي وسيف عربي، ثم ~~اجعل رجلي مع رجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا. قال: أنصفت. فجمع إليه ~~سيف من استطاع من قومه، فكان أول من لحقه السكاسك من كندة. وسمع بهم مسروق ~~بن أبرهة فجمع إليه جنده، فعبأ وهرز أصحابه وأمرهم أن يوتروا قسيهم، وقال: ~~إذا أمرتكم بالرمي فارموا رشقا. وأقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه، وهو على ~~فيل ms0294 وعلى رأسه تاج وبين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة لا يرى دون الظفر ~~شيئا. وكان وهرز كل بصره، فقال: أروني عظيمهم. فقالوا: هذا صاحب الفيل، ثم ~~ركب فرسا، فقالوا: ركب فرسا، ثم انتقل إلى بلغة، فقالوا: ركب بغلة. فقال ~~وهرز: ذل وذل ملكه ! وقال وهرز: ارفعوا لي حاجبي، وكانا قد سقطا على عينيه ~~من الكبر، فرفعوهما له بعصابة، ثم جعل نشابة في كبد قوسه وقال: أشيروا إلى ~~مسروق، فأشاروا إليه، فقال لهم: سأرميه فإن رأيتم أصحابه وقوفا لم يتحركوا ~~فاثبتوا حتى أوؤذنكم، فإني قد أخطأت الرجل، وإن رأيتموهم قد استداروا ~~ولاثوا به فقد أصبته فاحملوا عليهم. ثم رماه فأصاب السهم بين عينيه، ورمى ~~أصحابه، فقتل مسروق وجماعة من اصحابه، فاستدارت الحبشة بمسروق وقد سقط عن ~~دابته، وحملت الفرس عليهم فلم يكن دون الهزيمة شيء، وغنم الفرس من عسكرهم ~~ما لا يحد ولا يحصى. وقال وهرز: كفوا عن العرب واقتلوا السودان ولا تبقوا ~~منهم أحدا. وهرب رجل من الأعراب يوما وليلة ثم التفت فرأى في جعبته نشابة ~~فقال: لأمك الويل ! أبعد أم طول مسير ! وسار وهرز حتى دخل صنعاء وغلب على ~~بلاد اليمن وأرسل عماله في المخاليف. وكان مدة ملك الحبشة اليمن اثنتين ~~وسبعين سنة، توارث ذلك منهم أربعة ملوك: أرياط ثم أبرهة ثم ابنه يكسوم ثم ~~مسروق بن أبرهة، وقيل: كان ملكهم نحوا من مائتي سنة، وقيل غير ذلك، والأول ~~أصح. PageV01P0153 # فلما ملك وهرز اليمن أرسل إلى كسرى يعلمه بذلك وبعث إليه بأموال، وكتب ~~إليه كسرى يأمره أن يملك سيف بن ذي يزن، وبعضهم يقول معدي كرب بن سيف بن ذي ~~يزن على اليمن وأرضها، وفرض عليه كسرى جزية وخراجا معلوما في كل عام، فملكه ~~وهرز وانصرف إلى كسرى وأقام سيف على اليمن ملكا يقتل الحبشة ويبقر بطون ~~الحبال عن الحمل، ولم يترك منهم إلا القليل جعلهم خولا فاتخذ منهم جمازين ~~يسعون بين يديه بالحراب، فمكث غير كثير، ثم إنه خرج يوما والحبشة يسعون بين ~~يديه بحرابهم فضربوه بالحراب حتى ms0295 قتلوه، فكان ملكه خمس عشرة سنة، ووثب بهم ~~رجل من الحبشة فقتل باليمن وأفسد، فلما بلغ ذاك كسرى بعث إليهم وهرز في ~~أربعة آلاف فارس وأمره أن لا يترك باليمن أسود ولا ولد عربية من أسود إلا ~~قتله، صغيرا أو كبيرا، ولا يدع رجلا جعدا قططا قد شرك فيه السودان إلا ~~قتله، وأقبل حتى دخل اليمن ففعل ما أمره، وكتب إلى كسرى يخبره، فأقره على ~~ملك اليمن، فكان يجيبها لكسرى حتى هلك، وأمر بعده كسرى ابنه المرزبان بن ~~وهرز حتى هلك، ثم أمر بعده كسرى التينجان بن المرزبان، ثم أمر بعده خر خسرة ~~بن التينجان بن المرزبان. ثم إن كسرى أبرويز غضب عليه فأحضره من اليمن، ~~فلما قدم تلقاه رجل من عظماء الفرس فألقى عليه سيفا كان لأبي كسرى، فأجاره ~~كسرى بذلك من القتل وعزله عن اليمن، وبعث باذان إلى اليمن، فلم يزل ليها ~~حتى بعث الله نبيه محمدا، صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن أنوشروان استعمل ~~بعد وهرز زرين، وكان مسرفا، إذا أراد أن يركب قتل قتيلا ثم سار بين أصواله، ~~فمات أنوشروان وهو على اليمن، فعزله ابنه هرمز. وقد اختلفوا في ولاة اليمن ~~للأكسارة اختلافا كثيرا لم أر لذكره فائدة. ### || AUT ذكر ما أحدثه قريش بعد الفيل # لما كان من أمر أصحاب الفيل ما ذكرناه عظمت قريش عند العرب فقالوا لهم ~~أهل الله وقطنه يحامي عنهم، فاجتمعت قريش بينها وقالوا: نحن بنو إبراهيم، ~~عليه السلام، وأهل الحرم وولاة البيت وقاطنوا مكة، فليس لأحد من العرب مثل ~~منزلتنا، ولا يعرف العرب لأحد مثل ما يعرف لنا، فهلموا فلنتفق على ائتلاف ~~أننا لا نعظم شيئا من الحل كما يعظم الحرم، فإننا إذا فعلنا ذلك استخفت ~~العرب بنا وبحرمنا وقالوا: قد عظمت قريش من الحل مثل ما عظمت من الحرم، ~~فتركوا الوقوف بعرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر ~~والحج ودين إبراهيم، ويروى سائر العرب أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها، ~~وقالوا: نحن أهل الحرم فلا نعظم غيره، ونحن ms0296 الحمس، وأصل الحماسة الشدة أنهم ~~تشددوا في دينهم وجعلوا لمن ولد واحدة من نسائهم من العرب ساكني الحل مثل ~~ما لهم بولادتهم، ودخل معهم في ذلك كنانة وخزاعة وعامر لولادة لهم، ثم ~~ابتدعوا فقالوا: لا ينبغي للحمس أن يعملوا الأقط ولا يسلأوا السمن وهم حرم، ~~ولا يدخلوا بيتا من شعر، ولا يستظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرما. ~~وقالوا: ولا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاؤوا به معهم من الحل في ~~الحرم إذا جاؤوا حجاجا أو عمارا. ولا يطوفون بالبيت طوافهم إذا قدموا إلا ~~في ثياب الحمس، فإن لم يجدوا طافوا بالبيت عراة، فإن أنف أحد من عظمائهم أن ~~يطوف عريانا إذا لم يجد ثياب الحمس فطاف في ثيابه ألقاها إذا فرغ من الطواف ~~ولا يمسها هو، ولا أحد غيره، وكانوا يسمونها اللقى. فدانت العرب لهم بذلك، ~~فكانوا يطوفون كما شرعوا لهم ويتركون أزوادهم التي جاؤوا بها من الحل ~~ويشترون من طعام الحرم ويأكلونه. هذا في الرجال، وأما النساء فكانت المرأة ~~تضع ثيابها كلها إلا درعها مفرجا ثم تطوف فيه وتقول: اليوم يبدو بعضه أو ~~كله ... وما بدا منه فلا أحله PageV01P0154 # فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدا، صلى الله عليه وسلم، فنسخه، فأفاض من ~~عرفات، وطاف الحجاج بالثياب التي معهم من الحل، وأكلوا من طعام الحل، في ~~الحرم أيام الحج، وأنزل الله تعالى في ذلك: (ثم أفيضوا من أفاض الناس ~~واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) البقرة: 199؛ أراد بالناس العرب، أمر ~~قريشا أن يفيضوا من عرفات، وأنزل الله تعالى في اللباس والطعام الذي من ~~الحل وتركهم إياه في الحرم: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا ~~واشربوا، إلى قوله: لقوم يعلمون) ### || AUT ذكر حلف المطيبين والأحلاف # قد ذكرنا ما كان قصي أعطى ولده عبد الدار من الحجابة والسقاية والرفادة ~~والندوة واللواء، ثم إن هاشما وعبد شمس والمطلب ونوفلا بني عبد مناف ابن ~~قصي رأوا أنهم أحق بذلك من بني عبد الدار لشرفهم عليهم ولفضلهم في ms0297 قومهم، ~~وأرادوا أخذ ذلك منهم، فتفرقت عند ذلك قريش، كانت طائفة مع بني عبد مناف، ~~وطائفة مع بني عبد الدار يرون أنه لا يجوز أن يؤخذ منهم ما كان قصي جعله ~~لهم إذ كان أمر قصي فيهم شرعا متبعا معرفة منهم لفضله تيمنا بأمره، وكان ~~صاحب أمر بني عبد مناف بن قصي عبد شمس لأنه كان أكبرهم، وكان صاحب بني عبد ~~الدار الذي قام في المنع عنهم عامر بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار، ~~فاجتمع بنو أسد بن عبد العزى بن قصي، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة، ~~وبنو الحارث بن فهر بن مالك ابن النضر مع بني عبد مناف، واجتمع بنو مخزوم، ~~وبنو سهم، وبنو جمح، وبنو عدي بن كعب مع بني عبد الدار، وخرجت عامر بن لؤي ~~ومحارب ابن فهر من ذلك، فلم يكونوا مع أحد الفريقين، وعقد كل طائفة بينهم ~~حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة، فأخرجت ~~بنو عبد مناف بن قصي جفنة مملوءة طيبا، قيل: إن بعض نساء بني عبد مناف ~~أخرجتها لهم، فوضعوها في المسجد وغمسوا أيديهم فيها وتعاهدوا وتعاقدوا ~~ومسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم، فسموا بذلك المطيبين. وتعاقد بنو ~~عبد الدار ومن معهم من القبائل عند الكعبة على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم ~~بعضهم بعضا فسموا لأحلاف، ثم تصافوا للقتال وأجمعوا على الحرب، فبينما هم ~~على ذلك إذ تداعوا للصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة وأن ~~تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار، فاصطلحوا ورضي كل واحد من ~~الفريقين بذلك وتحاجزوا عن الحرب، وثبت كل قوم مع من حالفوا حتى جاء ~~الإسلام وهم على ذلك، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما كان من حلف ~~في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة ولا حلف في الإسلام. فولي السقاية ~~والرفادة هاشم بن عبد مناف لأن عبد شمس كان كثير الأسفار قليل المال كثير ~~العيال، وكان هاشم موسرا ms0298 جوادا. وكان ينبغي أن نذكر هذا قبل الفيل وما ~~أحدثه قريش، وإنما أخرناه للزوم تلك حوادث بعضها ببعض. ### || AUT ذكر ما فعله كسرى في أمر الخراج والجند # كان ملوك الفرس يأخذون من غلات كورهم قبل ملك كسرى أنوشروان في خراجها ~~من بعضها الثلث ومن بعضها الربع، وكذلك الخمس والسدس على قدر شربها ~~وعمارتها، ومن الجزية شيئا معلوما، فأمر الملك قباذ بمسح الأرضين ليصح ~~الخراج عليها، فمات قبل الفراغ من ذلك، فلما ملك أنوشروان أمر باستتمام ذلك ~~ووضع الخراج على الحنطة والشعير ون والكرم والرطب والنخل والزيتون والأرز ~~على كل نوع من هذه الأنواع شيئا معلوما، ويؤخذ في السنة في ثلاثة أنجم، وهي ~~الوضائع التي اقتدى بها عمر بن الخطاب، وكتب كسرى إلى القضاة في البلاد ~~نسخة بالخراج ليمتنع العمال من الزيادة عليه، وأمر أن يوضع عمن أصابت غلته ~~جائحة بقدر جائحته، وألزموا الناس الجزية ما خلا العظماء وأهل البيوتات ~~والجند والهرابذة والكتاب ومن في خدمة الملك كل إنسان على قدره من اثني عشر ~~درهما وثمانية دراهم وستة دراهم وأربعة دراهم، وأسقطها عمر عمن لم يبلغ ~~عشرين سنة أو جاوز خمسين سنة. PageV01P0155 # ثم إن كسرى ولى رجلا من الكتاب من الكفاة والنبلاء اسمه بابك عرض جيشه، ~~فطلب من كسرى التمكن من شغله إلى ذلك، فتقدم ببناء مصطبة موضع عرض الجيش ~~وفرشها، ثم نادى أن يحضر الجند بسلاحهم وكراعهم للعرض، فحضروا، فحيث لم ير ~~معهم كسرى أمرهم بالانصراف، فعل ذلك يومين، ثم أمر فنودي في اليوم الثالث ~~أن لا يتخلف أحد ولا من أكرم بتاج، فسمع كسرى فحضر وقد لبس التاج والسلاح، ~~ثم أتى بابك ليعرض عليه، فرأى سلاحه تاما ما عدا وترين للقوس كان عادتهم أن ~~يستظهروا بهما، فلم يرهما بابك معه فلم يجز على اسمه وقال له: هلم كل ما ~~يلزمك. فذكر كسرى الوترين فتعلقهما، ثم نادى منادي بابك وقال: للكمي السيد، ~~سيد الكماة، أربعة آلاف درهم، وأجاز على اسمه. فلما قام عن مجلسه حضر عند ~~كسرى يعتذر إليه من ms0299 غلظته عليه، وذكر له أن أمره لا يتم إلا بما فعل. فقال ~~كسرى: ما غلظ علينا أمر نريد به إصلاح دولتنا. ومن كلام كسرى: الشكر ~~والنعمة كفتان ككفتي الميزان أيهما رجح بصاحبه احتاج الأخف إلى أن يزاد فيه ~~حتى يعادل صاحبه، فإذا كانت النعم كثيرة والشكر قليلا انقطع الحمد، فكثير ~~النعم يحتاج إلى كثير من الشكر، وكلما زيد في الشكر ازدادت النعم وجاوزته، ~~ونظرت في الشكر فوجدت بعضه بالقول وبعضه بالفعل، ونظرت أحب الأعمال إلى ~~الله فوجدته الشيء الذي أقام به السموات والأرض وأرسى به الجبال وأجرى به ~~الأنهار وبرأ به البرية، وهو الحق والعدل، فلزمته، ورأيت ثمرة لحق والعدل ~~عمارة البلدان التي بها قوام الحياة للناس والدواب والطير وجميع الحيوانات. ~~ولما نظرت في ذلك وجدت المقاتلة أجراء لأهل العمارة، وأهل العمارة أجراء ~~للمقاتلة، فأما المقاتلة فإنهم يطلبون أجورهم من أهل الخراج وسكان البلدان ~~لمدافعتهم عنهم ومجاهدتهم من ورائهم، فحق على أهل العمارة أن يوفرهم ~~أجورهم، فإن العمارة والأمن والسلامة في النفس والمال لا يتم إلا بهم، ~~ورأيت أن المقاتلة لا يتم لهم المقام والأكل والشرب وتثمير الأموال ~~والأولاد إلا بأهل الخراج والعمارة، فأخذت للمقاتلة من أهل الخراج ما يقوم ~~بأودهم وتركت على أهل الخراج من مستغلاتهم ما يقوم بمؤونتهم وعمارتهم ولم ~~أجحف بواحد من الجانبين، ورأيت المقاتلة وأهل الخراج كالعينين المبصرتين ~~واليدين المتساعدتين والرجلين على أيهما دخل الضرر تعدى إلى الأخرى. ونظرنا ~~في سير آبائنا فلم نترك منها شيئا يقترن بالثواب من الله والذكر الجميل بين ~~الناس والمصلحة الشاملة للجند والرعية إلا اعتمدناه، ولا فسادا إلا أعرضنا ~~عنه، ولم يدعنا إلى حب ما لا خير فيه حب الآبا. ونظرت في سير أهل الهند ~~والروم وأخذنا محمودها، ولم تنازعنا أنفسنا إلى ما تميل إليه أهواؤنا، ~~وكتبنا بذلك إلى جميع أصحابنا ونوابنا في سائر البلدان. فانظر إلى هذا ~~الكلام الذي يدل على زيادة العلم وتوفر العقل والقدرة على منع النفس، ومن ~~كان هذا حاله استحق أن يضرب به المثل في العدل ms0300 إلى أن تقوم الساعة. وكان ~~لكسرى أولاد متأدبون، فجعل الملك من بعده لابنه هرمز. وكان مولد رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، عام الفيل، وذلك لمضي اثنتين وأربعين سنة من ملكه، وفي ~~هذا العام كان يوم ذي جبلة، وهو يوم من أيام العرب المذكورة. ### | AUT ذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم # قال قيس بن مخرمة وقباث بن أشيم وابن عباس وابن إسحاق: إن رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، ولد عام الفيل. قال ابن الكلبي: ولد عبد الله بن عبد ~~المطلب أبو رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأربع وعشرين مضت من سلطان كسرى ~~أنوشروان، وولد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سنة اثنتين وأربعين من ~~سلطانه، وأرسله الله تعالى لمضي اثنتين وعشرين من ملك كسرى أبرويز بن كسرى ~~هرمز بن كسرى أنوشروان، فهاجر لاثنتين وثلاثين سنة مضت من ملك أبرويز. ~~PageV01P0156 # قال ابن إسحاق: ولد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الاثنين لاثنتي ~~عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، وكان مولده بالدار التي تعرف بدار ابن يوسف. ~~قيل: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهبها عقيل بن أبي طالب، فلم تزل ~~في يده حتى توفي، فباعها ولده من محمد بن يوسف أخي الحجاج، فبنى داره التي ~~يقال لها دار ابن يوسف وأدخل ذلك البيت في الدار حتى أخرجته الخيزران ~~فجعلته مسجدا يصلي فيه. وقي: ولد لعشر خلون منه، وقيل: لليلتين خلتا منه. ~~قال ابن إسحاق: إن آمنة ابنة وهب أم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كانت ~~تحدث أنها أتيت في منامها لما حملت برسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقيل ~~لها: إنك حملت بسيد هذه الأمة فإذا وقع بالأرض قولي أعيده بالواحد، من شر ~~كل حاسد، ثم سميه محمدا. ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور ~~بصرى من أرض الشام. فلما وضعته أرسلت إلى جده عبد المطلب: إنه قد ولد لك ~~غلام فأته فانظر إليه؛ فنظر إليه، وحدثته بما رأت حين ms0301 حملت به وما قيل لها ~~فيه وما أمرت أن تسميه. وقال عثمان بن أبي العاص: حدثتني أمي أنها شهدت ~~ولادة آمنة ابنة وهب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فما شيء أن أنظر إليه ~~من البيت إلا نور وإني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول لتقعن علي. ~~وأول من أرضع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثويبة مولاة أبي لهب بلبن ابن ~~له يقال له مسروح، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده ~~أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، فكانت ثويبة تأتي رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، بمكة قبل أن يهاجر فيكرمها وتكريمها خديجة، فأرسلت إلى أبي لهب ~~أن يبيعها إياها لتعتقها، فأبى، فلما هاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~إلى المدينة أعقتها أبو لهب، فكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يبعث ~~إليها بالصلة إلى أن بلغه خبر وفاتها منصرفه من خيبر، فسأل عن ابنها مسروح، ~~فقيل: توفي قبلها، فسأل: هل لها من قرابة ؟ فقيل: لم يبق لها أحد. ثم أرضعت ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد ثويبة حليمة بنت أي ذؤيب، واسمه عبد ~~الله بن الحارث بن شجنة من بني سعد بن بكر بن هوازن، واسم زوجها الذي ~~أرضعته بلبنه الحارث بن عبد العزى، واسم إخوته من الرضاعة عبد الله وأنيسة ~~وجذامة، وهي الشيماء، عرفت بذلك، وكانت الشيماء تحضنه مع أمها حليمة. وقدمت ~~حليمة على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد أن تزوج خديجة، فأكرمها ~~ووصلها، وتوفيت قبل فتح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة، فلما فتح مكة ~~قدمت عليه أخت لها فسألها عنها، فأخبرته بموتها، فذرفت عيناه، فسألها عمن ~~خلفت، فأخبرته، فسألته نحلة وحاجة فوصلها. PageV01P0157 # وقال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: كانت حليمة السعدية تحدث أنها خرجت ~~من بلدها مع نسوة يلتمسن الرضعاء، وذلك في سنة شهباء لم تبق شيئا. قالت: ~~فخرجت على أتان لنا قمراء معنا شارف لنا والله ما تبض بقطرة وما ننام ~~ليلتنا ms0302 أجمع من صبينا الذي معي من بكائه من الجوع وما في ثديي ما يغنيه، ~~وما في شارفنا ما يغذوه، ولكنا نرجو الغيث والفرج، فلقد أذمت أتاني بالركب ~~حتى شق عليهم ضعفا وعجفا، حتى قدمنا مكة فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنا ~~إنما نرجو المعروف من أبي الصبي. فكنا نقول: يتيم فما عسى أن تصنع أمه وجده ~~! فما بقيت امرأة معي إلا أخذت رضيعا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت ~~لصاحبي، وكان معي: إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله ~~لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه ! قال: افعلي فعسى أن الله يجعل لنا فيه ~~بركة. قالت: فذهبت فأخذته، فلما أخذته ووضعته في حجري أقبل عليه ثدياي مما ~~شاء من لبن، فشرب حتى روى وشرب معه أخوه حتى روي ثم ناما، وما كان ابني ~~ينام قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا أنها حافل، فحلب منها ثم شرب ~~حتى روي، ثم سقاني فشربت حتى شبعنا. قالت: يقول لي صاحبي: تعلمين والله يا ~~حليمة لقد أخذت نسمة مباركة ! قلت: والله لأرجو ذلك. قالت: ثم خرجنا، فركبت ~~أتاني وحملته عليها فلم يلحقني شيء من حمرهم حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ~~ابنة أبي ذؤيب اربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها ؟ فأقول: ~~بلى والله لهي هي، فيقلن: إن لها شأنا، ثم قدمنا منازلنا من بني سعد، وما ~~أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا شباعا ~~لبنا فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة ولا يجدها في ضرع حتى إن كان الحاضر ~~من قومنا ليقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي ابنة أبي ذؤيب ! ~~فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة من لبن، وتروح غنمي شباعا لبنا. فلم نزل ~~نتعرف البركة من الله والزيادة في الخير حتى مضت سنتان وفصلته، وكان يشب ~~شبابا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان ms0303 غلاما جفرا، فقدمنا به على ~~أمه ونحن أحرص شيء على مكثه عندنا لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه في ~~تركه عندنا، فأجابت. قالت: فرجعنا به، فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مر ~~مع أخيه في بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه: ذلك أخي ~~القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه وشقا بطنه وهما يسوطانه ! ~~قالت: فخرجنا نشتد فوجدناه قائما منتقعا وجهه. قالت: فالتزمته أنا وأبوه ~~وقلنا له: مالك يا بني ؟ قال: جاءني رجلان فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا به ~~شيئا لا أدري ما هو. قالت: فرجعنا إلى خبائنا، وقال لي أبوه: والله لقد ~~خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك. قالت: ~~فاحتملناه فقدمنا به على أمه. فقالت: ما أقدمك يا ظئر به وقد كنت حريصة على ~~مكثه عندك ؟ قالت: قلت: قد بلغ الله بابن وقضيت الذي علي وتخوفت عليه ~~الأحداث فأديته إليك كما تحبين. قالت: ما هذا بشأنك فاصدقيني ! ولم تدعني ~~حتى أخبرتها. قالت: فتخوفت عليه الشيطان ؟ قلت: نعم. قالت: كلا والله ما ~~للشيطان عليه سبيل، وإن لابني لشأنا، أفلا أخبرك ؟ قلت: بلى. قالت: رأيت ~~حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى من الشام، ثم حملت به ~~فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف منه ولا أيسر، ثم وقع حين وضعته وإنه ~~لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء. دعيه عنك وانطلقي راشدة. وكانت ~~مدة رضاع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سنتين، وردته حليمة إلى أمه وجده ~~عبد المطلب وهو ابن خمس سنين في قول. وقال شداد بن أوس: بينما نحن عند رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل شيخ من بني عامر وهو ملك قومه وسيدهم ~~شيخ كبير متوكئا على عصا فمثل قائما وقال: يا ابن عبد المطلب إني أنبئت أنك ~~تزعم أنك رسول الله، أرسلك بما أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من ~~الأنبياء، ألا وإنك فهت بعظيم، ألا ms0304 وقد كانت الأنبياء من بني إسرائيل وأنت ~~ممن يعبد هذه الحجارة والأوثان وما لك وللنبوة، وإن لكل قول حقيقة، فما ~~حقيقة قولك وبدء شأنك ؟ PageV01P0158 # فأعجب النبي؛ صلى الله عليه وسلم، بمساءلته ثم قال: يا أخا بني عامر ~~اجلس. فجلس، فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم: إن حقيقة قولي وبدء شأني ~~أني دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى، وكنت بكر أمي، وحملتني كأثقل ما تحمل ~~النساء، ثم رأت في منامها أن الذي في بطنها نور، قالت: فجعلت أتبع بصري ~~النور وهو يسبق بصري حتى أضاءت لي مشارق الأرض ومغاربها؛ ثم إنها ولدتني ~~فنشأت، فلما نشأت بغضت إلي الأوثان والشعر، فكنت مستضعفا في بني سعد بن ~~بكر، فبينا أنا ذات يوم منتبذا من أهلي مع أتراب من الصبيان إذ أتانا ثلاثة ~~رهط معهم طست من ذهب مملوء ثلجا فأخذوني من بين أصحابي، فخرج أصحابي هرابا ~~حتى انتهوا إلى شفير الوادي ثم أقبلوا على الرهط فقالوا: ما أربكم إلى هذا ~~الغلام فإنه ليس له أب وما يرد عليكم قتله ؟ فلما رأى الصبيان الرهط لا ~~يردون جوابا انطلقوا مسرعين إلى الحي يؤذنونهم بي ويستصرخونهم على القوم، ~~فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعا لطيفا، ثم شق ما بين مفرق صدري إلى ~~منتهى عانتي، فأنا أنظر إليه لم أجد لذلك مسا، ثم أخرج أحشاء بطني فغسلها ~~بالثلج فأنعم غسلها، ثم أخرج قلبي فصدعه ثم أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها، ~~قال بيده يمنة منه وكأنه يتناول شيئا، فإذا أنا بخاتم في يده من نور يحار ~~الناظرون دونه، فختم به قلبي، فامتلأ نورا، وذلك نور النبوة والحكمة، ثم ~~أعاده مكانه، فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرا، ثم قال الثالث لصاحبه: ~~تنح، فتنحى عني، فأمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم ذلك ~~الشق بإذن الله تعالى، ثم أخذ بيدي فأنهضني إنهاضا لطيفا ثم قال للأول الذي ~~شق بطني زنه عشرة من أمته. فوزنوني بهم فرجحتهم. ثم قال: زنه مائة من أمته. ~~فوزنوني بهم ms0305 فرجحتهم. ثم قال زنه بألف من أمته. فوزنوني بهم فرجحتهم. فقال: ~~دعوه فلو وزنته بأمته كلهم لرجح بهم. ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما ~~بين عيني ثم قالوا: يا حبيب، لم ترع؛ إنك لو تدري ما يراد بكن من الخير ~~لقرت عينك. قال: فبينا نحن كذلك إذ أنا بالحي قد جاؤوا بحذافيرهم، وإذ ظئري ~~أمام الحي تهتف بأعلى صوتها وهي تقول: يا ضعيفاه ؟! قال: فانكبوا علي ~~وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا: حبذا أنت من ضعيف ! ثم قالت ظئري: يا ~~وحيداه ! فانكبوا علي فضموني إلى صدورهم وقبلوا ما بين عيني وقالوا: حبذا ~~أنت من وحيد وما أنت بوحيد ! إن الله معك ! ثم قالت ظئري: يا يتيماه ~~استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك ! فانكبوا علي وضموني إلى صدورهم وقبلوا ~~ما بين عيني وقالوا: حبذا أنت من يتيم ! ما أكرمك على الله ! لو تعلم ما ~~يراد بك من الخير ! قال: فوصلوا بي إلى شفير الوادي. فلما بصرت بي ظئري ~~قالت: يا بني ألا أراك حيا بعد ! فجاءت حتى انكبت علي وضمتني إلى صدرها، ~~فوالذي نفسي بيده إني لفي حجرها وقد ضمتني إليها، وإن بدي في يد بعضهم، ~~فجعلت ألتفت إليهم، وظننت أن القوم يبصرونهم، يقول بعض القوم: إن هذا ~~الغلام أصابه لمم أو طائف من الجن، انطلقوا به إلى كاهننا حتى ينظر إليه ~~ويداويه. فقلت: ما هذا ! ليس بي شيء مما يذكر، إن إرادتي سليمة، وفؤادي ~~صحيح ليس في قلبة. فقال أبي من الرضاع: ألا ترون كلامه صحيحا ؟ إني لأرجو ~~أن لا يكون بابني بأس. فاتفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن، فذهبوا بي ~~إليه. فلما قصوا عليه قصتي قال: اسكتوا حتى أسمع من الغلام فإنه أعلم بأمره ~~منكم. فقصصت عليه أمري من أوله إلى آخره، فلما سمع قولي وثب إلي وضمني إلى ~~صدره، ثم نادى بأعلى صوته: يا للعرب اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه! ~~فواللات والعزى لئن تركتموه فأدرك ليبدلن دينكم وليخالفن أمركم وليأتينكم ~~بدين لم تسمعوا بمثله قط. فانتزعتني ms0306 ظئري منه وقالت: لأنت أجن وأعته من ~~ابني هذا، فاطلب لنفسك من يقتلك، فإنا غير قاتليه ! ثم ردوني إلى أهلي ~~فأصبحت مفزعا مما فعل بي وأثر الشق مما بين صدري إلى عانتي كأنه الشراك، ~~فذلك حقيقة قولي وبدء شأني يا أخا بني عامر. PageV01P0159 # فقال العامري: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أن أمرك حق، فأنبئني بأشياء ~~أسألك عنها. قال: سل. قال: أخبرني ما يزيد في العلم ؟ قال: التعلم. قال: ~~فما يدل على العلم ؟ قال النبي، صلى الله عليه وسلم: السؤال. قال: فأخبرني ~~ماذا يزيد في الشيء ؟ قال: التمادي. قال: فأخبرني هل ينفع البر مع الفجور ؟ ~~قال: نعم، التوبة تغسل الحوبة، والحسنات يذهبن السيئات، وإذا ذكر العبد ~~الله عند الرخاء أعانه عند البلاء. فقال العامري: فكيف ذلك ؟ قال: ذلك بأن ~~الله، عز وجل، يقول: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا أجمع له خوفين، ~~إن خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي في حظيرة القدس فيدوم له أمنه ولا ~~أمحقه فيمن أمحق، وإن هو أمنني في الدنيا خافني يوم أجمع عبادي لميقات يوم ~~معلوم فيدوم له خوفه. قال: يا ابن عبد المطلب أخبرني إلى م تدعو ؟ قال: ~~أدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وأن تخلع الأنداد وتكفر بالات والعزى ~~وتقر بما جاء من عند الله من كتاب ورسول، وتصلي الصلوات الخمس بحقائقهن، ~~وتصوم شهرا من السنة، وتؤدي زكاة مالك يطهرك الله تعالى بها ويطيب لك مالك، ~~وتحج البيت إذا وجدت إليه سبيلا، وتغتسل من الجنابة، وتؤمن بالموت والبعث ~~بعد الموت، وبالجنة والنار. قال: يا ابن عبد المطلب فإذا فعلت ذلك فما لي ؟ ~~فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها، وذلك جزاء من تزكى) طه: 76. فقال: هل مع هذا من الدنيا شيء ؟ فإنه ~~يعجبني الوطأة من العيش. قال النبي: صلى الله عليه وسلم: نعم النصر ~~والتمكين في البلاد. فأجاب وأناب. قال ابن إسحاق: هلك عبد الله بن عبد ~~المطلب أبو رسول الله، ms0307 صلى الله عليه وسلم، وأم رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، آمنة بنت وهب ابن عبد مناف بن زهرة حامل به. قال هشام بن محمد: توفي ~~عبد الله أبو رسول الله بعدما أتى على رسول الله ثمانية وعشرون يوما. وقال ~~الواقدي: الثبت عندنا أن عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشام في عير ~~لقريش ونزل بالمدينة وهو مريض فأقام بها حتى توفي ودفن بدار النابغة، الدار ~~الصغرى. قال ابن إسحاق: وتوفيت أمه آمنة وله ست سنين بالأبواء بين مكة ~~والمدينة، كانت قدمت به المدينة على أخواله من بني النجار تزيره إياهم. ~~فماتت وهي راجعة، وقيل: إنها أتت المدينة تزور قبر زوجها عبد الله ومعها ~~رسول الله وأم أيمن حاضنة رسول الله، فلما عادت ماتت بالأبواء. وقيل: إن ~~عبد المطلب زار أخواله من بني النجار وحمل معه آمنة ورسول الله، فلما رجع ~~توفيت بمكة ودفنت في شعب أبي ذر؛ والأول أصح. ولما سارت قريش إلى أحد هموا ~~باستخراجها من قبرها، فقال بعضهم: إن النساء عورة وربما أصاب محمد من ~~نسائكم، فكفهم الله بهذا القوم إكراما لأم النبي، صلى الله عليه وسلم. قال ~~ابن إسحاق: وتوفي عبد المطلب ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، ابن ثماني ~~سنين، وقيل: ابن عشر سنين، ولما مات عبد المطلب صار رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، في حجر عمه أبي طالب بوصية من عبد المطلب إليه بذلك لما كان يرى ~~من بره به وشفقته وحنوه عليه، فيصبح ولد أبي طالب غمصا رمصا، ويصبح رسول ~~الله صقيلا دهينا. ### | AUT ذكر قتل تميم بالمشقر # PageV01P0160 # قال هشام: أرسل وهرز بأموال وطرف من اليمن إلى كسرى، فلما كانت ببلاد ~~تميم دعا صعصعة بن ناجية المجاشعي، جد الفرزدق الشاعر، بنى تميم إلى الوثوب ~~عليها، فأبوا، فقال: كأني ببني بكر بن وائل وقد انتهبوا فاستعانوا بها على ~~حربكم، فلما سمعوا ذلك وثبوا عليها وأخذوها، وأخذ رجل من بني سليط يقال له ~~النطف خرجا فيه جوهر، فكان يقال: أصاب كنز النطف، فصار ms0308 مثلا، وصار أصحاب ~~العي إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة، فكساهم وحملهم وسار معهم حتى دخل ~~على كسرى، فأعجب به كسرى ودعا بعقد من در فعقد على رأسه، فمن ثم سمي هوذة ~~ذا التاج، وسأله كسرى عن تميم هل من قومه أو بينه وبينهم سلم، فقال: لا ~~بيننا إلا الموت. قال: قد أدركت ثأرك، وأراد إرسال الجنود إلى تيم، فقيل ~~له: إن ماءهم قليل وبلادهم بلاد سوء، وأشير عليه أن يرسل إلى عامله ~~بالبحرين، وهو ازاد فيروز بن جشيش الذي سمته العرب المكعبر، وإنما سمي بذلك ~~لأنه كان يقطع الأيدي والأرجل، فأمره بقتل بني تميم، ففعل، ووجه إليه ~~رسولا، ودعا هوذة وجدد له كرامة وصلة وأمره بالمسير مع رسوله، فأقبلا إلى ~~المكعبرة أيام اللقاط، وكانت تيمم تصير إلى هجر للميرة واللقاط، فأمر ~~المكعبر مناديا ينادي: ليحضر من كان ها هنا من بني تميم فإن الملك قد أمر ~~لهم بميرة وطعام. فحضروا ودخلوا المشقر، وهو حصن، فلما دخلوا قتل المكعبر ~~رجالهم واستبقى غلمانهم، وقتل يومئذ قعنب الرياحي، وكان فارس يربوع، وجعل ~~الغلمان في السفن وعبر بهم إلى فارس. قال هبيرة بن حدير العدوي: رجع إلينا ~~بعدما فتحت إصطخر عدة منهم، وشد رجل من بني تميم يقال له عبيد بن وهب على ~~سلسلة الباب فقطعها وخرج، واستوهب هوذة من المكعبر مائة أسير منهم فأطلقهم. ~~حدير بضم الحاء المهملة، وفتح الدال. ### | AUT ذكر ملك ابنه هرمز بن أنوشروان # وكانت أمه ابنة خاقان الأكبر، وكان هرمز بن كسرى أديبا ذا نية في ~~الإحسان إلى الضعفاء والحمل على الأشراف، فعادوه وأبغضوه، وكان في نفسه مثل ~~ذلك، وكان عادلا بلغ من عدله أنه ركب ذات يوم إلى ساباط المدائن فاجتاز ~~بكروم، فاطلع أسوار من أساورته في كرم وأخذ منه عناقيد حصرم، فلزمه حافظ ~~الكروم وصنع، فبلغ من خوف الأسوار من عقوبة كسرى هرمز أن دفع إلى حافظ ~~الكرم منطقة محلاة بذهب عوضا من الحصرم فتركه. وقيل: كان مظفرا منصورا لا ~~يمد يده إلى شيء إلا ناله، ms0309 وكان داهيا ردي النية قد نزع إلى أخواله الترك، ~~وإنه قتل من العلماء وأهل البيوتات والشرف ثلاثة عشر ألف رجل وستمائة رجل، ~~ولم يكن له رأي إلا في تالف السفلة. وحبس كثيرا من العظماء وأسقهم وحط ~~مراتبهم وحرم الجنود، ففسد عليه كثير ممن كان حوله، وخرج عليه شاية ملك ~~الترك في ثلاثمائة ألف مقاتل في سنة ست عشرة من ملكه، فوصل هراة وباذغيس، ~~وأرسل إلى هرمز والفرس يأمرهم بإصلاح الطرق ليجوز إلى بلاد الروم. ووصل ملك ~~الروم في ثمانين ألفا إلى الضواحي قاصدا له، ووصل ملك الخزر إلى الباب ~~والأبواب في جمع عظيم، فإن جمعا من العرب شنوا الغارة على السواد. فأرسل ~~هرمز بهرام خشنش، ويعرف بجوبين، في اثني عشر ألفا من المقاتلة اختارهم من ~~عسكره، فسار مجدا وواقع شايه ملك الترك فقتله برمية رماها واستباح عسكره، ~~ثم وافاه برموده بن شايه فهزمه أيضا وحصره في بعض الحصون حتى استسلم، ~~فأرسله إلى هرمز أسيرا وغنم ما في الحصن، فكان عظيما. ثم خاف بهرام ومن معه ~~هرمز فخلعوه وساروا نحو المدائن وأظهروا أن ابنه أبرويز أصلح للملك منه، ~~وساعدهم على ذلك بعض من كان بحضرة هرمز، وكان غرض بهرام أن يستوحش هرمز من ~~ابنه أبرويز ويستوحش ابنه منه فيختلفا، فإن ظفر أبرويز بأبيه كان أمره على ~~بهرام سهلا، وإن ظفر أبوه نجا بهرام والكلمة مختلفة فينال من هرمز غرضه، ~~وكان يحدث نفسه بالاستقلال بالملك. فلما علم أبرويز ذلك خاف أباه فهرب إلى ~~أذربيجان، فاجتمع عليه عدة من المرازبة والأصبهبذين، ووثب العظماء ~~بالمدائن، وفيهم بندويه وبسطام خالا أبرويز، فخلعوا هرمز وسلموا عينيه ~~وتركوه تحرجا من قتله، وبلغ أبرويز الخبر فأقبل من أذربيجان إلى دار الملك. ~~وكان ملك هرمز إحدى عشرة سنة وتسعة أشهر، وقيل: اثنتي عشرة سنة، ولم يسلم ~~من ملوك الفرس غيره لا قبله ولا بعده. PageV01P0161 # ومن محاسن السير ما حكي عنه أنه لما فرغ من بناء داره التي تشرف على دجلة ~~مقابلة المدائن عمل وليمة عظيمة وأحضر الناس من الأطراف، ms0310 فأكلوا، ثم قال ~~لهم: هل رأيتم في هذه الدار عيبا ؟ فكلهم قال: لا عيب فيها. فقام رجل وقال: ~~فيها ثلاثة عيوب فاحشة، أحدها: أن الناس يجعلون دورهم في الدنيا وأنت جعلت ~~الدنيا في دارك، فقد أفرطت في توسيع صحونها وبيوتها فتتمكن الشمس في الصيف ~~والسموم فيؤذي ذلك أهلها ويكثر فيها في الشتاء البرد، والثاني أن الملوك ~~يتوصلون في البناء على الأنهار لتزول همومهم وأفكارهم بالنظر إلى المياه ~~ويترطب الهواء وتضيء أبصارهم، وأنت قد تركت دجلة وبنيتها في القفر، والثالث ~~أنك جعلت حجرة النساء مما يلي الشمال من مساكن الرجال، وهو أدوم هبوبا، فلا ~~يزال الهواء يجيء بأصوات النساء وريح طيبهن، وهذا ما تمنعه الغيرة والحمية. ~~فقال هرمز: أما سعة الصحون والمجالس فخير المساكن ما سافر فيه البصر، وشدة ~~الحر والبرد يدفعان بالخيش والملابس والنيران، وأما مجاورة الماء فكنت عند ~~أبي وهو يشرف على دجلة فغرقت سفينة تحته فاستغاث من بها إليه وأبي يتأسف ~~عليهم ويصيح بالسفن التي تحت داره ليلحقوهم، فإلى أن لحقهم غرق جميعهم، ~~فجعلت في نفسي أنني لا أجاور سلطانا هو أقوى مني، وأما عمل حجرة النساء في ~~جهة الشمال فقصدنا به أن الشمال أرق هواء وأقل وخامة، والنساء يلازمن ~~البيوت، فعمل لذلك، وأما الغيرة فإن الرجال لا يخلون بالنساء، وكل من يدخل ~~هذه الدار إنما هو مملوك وعبد لقيم، وأما أنت فما أخرج هذا منك إلا بغض لي، ~~فأخبرني عن سببه. فقال الرجل: لي قرية ملك كنت أنفق حاصلها على عيالي ~~فغلبني المرزبان فأخذها مني فقصدتك أتظلم منذ سنتين فلم أصل إليك، فقصدت ~~وزيرك وتظلمت إليه فلم ينصفني، وأنا أؤدي خراج القرية حتى لا يزول اسمي ~~عنها، وهذا غاية الظلم أن يكون غيري يأخذ دخلها وأنا أؤدي خراجها. فسأل ~~هرمز وزيره فصدقه وقال: خفت أعلمك فيؤذيني المرزبان. فأمر هرمز أن يؤخذ من ~~المرزبان ضعف ما أخذ وأن يستخدمه صاحب القرية في أي شغل شاء سنتين، وعزل ~~وزيره، وقال في نفسه: إذا كان الوزير يراقب الظالم فالأحرى أن ms0311 غيره يراقبه، ~~فأمر باتخاذ صندوق، وكان يقفله ويختمه بخاتم ويترك على باب داره وفيه خرق ~~يلقى فيه رقاع المتظلمين، وكان يفتحه كل أسبوع ويكشف المظالم، فأفكر وقال: ~~أريد أعرف ظلم الرعية ساعة فساعة، فاتخذ سلسلة طرفها في مجلسه في السقف ~~والطرف الآخر خارج الدار في روزنة وفيها جرس، وكان المتظلم يحرك السلسلة ~~فيحرك الجرس فيحضره ويكشف ظلامته. ### | AUT ذكر ملك كسرى أبرويز بن هرمز # وكان من أشد ملوكهم بطشا وأنفذهم رأيا، وبلغ من البأس والنجدة وجمع ~~الأموال ومساعدة الأقدار ما يبلغه ملك قبله، ولذلك لقب أبرويز، ومعناه ~~المظفر، وكان في حياة أبيه قد سعى به بهرام جوبين إلى أبيه أنه يريد الملك ~~لنفسه، فلما علم ذلك سار إلى أذربيجان سرا، وقيل غير ذلك، وقد تقدم، فلما ~~وصلها بايعه من كان بها من العظماء واجتمع من بالمدائن على خلع أبيه، فلما ~~سمع أبرويز بادر الوصول إلى المدائن قبل بهرام جوبين فدخلها قبله ولبس ~~التاج وجلس على السرير، ثم دخل على أبيه، وكان قد سلم، فأعلمه أنه بريء مما ~~فعل به، وإنما كان هربه للخوف منه، فصدقه وسأله أن يرسل إليه كل يوم من ~~يؤنسه وأن ينتقم ممن خلعه وسلم عينيه، فاعتذر بقرب بهرام منه في العساكر ~~وأنه لا يقدر على أن ينتقم ممن فعل به ذلك إلا بعد الظفر ببهرام. ~~PageV01P0162 # وسار بهرام إلى النهروان وسار أبرويز إليه، فالتقيا هناك، ورأى أبرويز من ~~أصحابه فتورا في القتال فانهزم ودخل على أبيه وعرفه الحال فاستشاره، فأشار ~~عليه بقصد موريق ملك الروم، وجهز ثانيا وسار في عدة يسير فيهم خالاه بندويه ~~وبسطام وكردي أخو بهرام، فلما خرجوا من المدائن خاف من معه أن بهرام يرد ~~هرمز إلى الملك ويرسل إلى ملك الروم في ردهم فيردهم إليه، فاستأذنوا أبرويز ~~في قتل أبيه هرمز فلم يحر جوابا، فانصرف بندويه وبسطام وبعض من معهم إلى ~~هرمز فقتلوه خنقا، ثم رجعوا إلى أبرويز وساروا مجدين إلى أن جاوزوا الفرات ~~ودخلوا ديرا يستريحون فيه، فلما دخلوا غشيتهم خيل بهرام ms0312 جوبين ومقدمها رجل ~~اسمه بهرام بن سياوش، فقال بندويه لأبرويز: احتل لنفسك. قال: ما عندي حيلة ~~! قال بنديوه: أنا أبذل نفسي دونك، وطلب منه بزته فلبسها، وخرج أبرويز ومن ~~معه من الدير وتواروا بالجبل، ووافى بهرام الدير فرأى بندويه فوق الدير ~~عليه بزة أبرويز، فاعتقده هو وسأله أن ينظره إلى غد ليصير إليه سلما، ففعل، ~~ثم ظهر من الغد على حيلته فحمله إلى بهرام جوبين فحبسه. ودخل بهرام جوبين ~~دار الملك وقعد على السرير ولبس التاج، فانصرفت الوجوه عنه، ولكن الناس ~~أطاعوه خوفا، وواطأ بهرام بن سياوش بندويه على الفتك ببهرام جوبين، فعلم ~~بهرام جوبين بذلك فقتل بهرام وأفلت بندويه فلحق بأذربيجان. وسار أبرويز إلى ~~إنطاكية وأرسل أصحابه إلى الملك، فوعده النصرة وتزوج أبرويز ابنة الملك ~~موريق، واسمها مريم، وجهز معه العساكر الكثيرة، فبلغت عدتهم سبعين ألفا ~~فيهم رجل يعد بألف مقاتل، فرتبهم أبرويز وسار بهم إلى أذربيجان، فوافاه ~~بندويه وغيره من المقدمين والأساورة في أربعين ألف فارس من أصبهان وفارس ~~وخراسان، وسار إلى المدائن. وخرج بهرام جوبين نحوه، فجرى بينهما حرب شديدة، ~~فقتل فيها الفارس الرومي الذي يعد بألف فارس، ثم انهزم بهرام جوبين وسار ~~إلى الترك، وسار أبرويز من المعركة ودخل المدائن وفرق الأموال في الروم، ~~فبلغت جملتها عشرين ألف ألف فأعادهم إلى بلادهم. وأقام بهرام جوبين عند ~~الترك مكرما، فأرسل أبرويز إلى زوجة الملك وأجزل لها الهدية من الجواهر ~~وغيرها، وطلب منها قتل بهرام، فوضعت عليه من قتله، فاشتد قتله على ملك ~~الترك، ثم علم أن زوجته قتلته فطلقها. ثم إن أبرويز قتل بندويه، وأراد قتل ~~بسطام فهرب منه إلى طبرستان لحصانتها، فوضع أبرويز عليه فقتله. وأما الروم ~~فإنهم خلعوا ملكهم موريق بعد أربع عشرة سنة من ملك أبرويز وقتلوه وملكوا ~~عليهم بطريقا اسمه فوقاس، فأباد ذرية موريق سوى ابن له هرب إلى كسرى ~~أبرويز، فأرسل معه العساكر وتوجه وملكه على الروم وجعل على عساكره ثلاثة ~~نفر من قواده وأساورته، وأما أحدهم فكان يقال له بوران، وجهه ms0313 في جيش منها ~~إلى الشام، فدخلها حتى انتهى إلى البيت المقدس فأخذ خشبة الصليب التي تزعم ~~النصارى أن المسيح، عليه السلام، صلب عليها فأرسلها إلى كسرى أبرويز، وأما ~~القائد الثاني فكان يقال له شاهين، فسيره في جيش آخر إلى مصر، فافتتحها ~~وأرسل مفاتيح الإسكندرية إلى أبرويز، وأما القائد الثالث، وهو أعظمهم، فكان ~~يقال له فرخان، وتدعى مرتبته شهربراز، وجعل مرجع القائدين الأولين إليه، ~~وكانت والدته منجبة لا تلد إلا نجيبا، فأحضرها أبرويز وقال لها: إني أريد ~~أن أوجه جيشا إلى الروم استعمل عليه بعض بنيك فأشيري علي أيهم أستعمل. ~~فقالت: أما فلان فأروغ من ثعلب وأحذر من صقر، وأما فرخان فهو أنفذ من سنان، ~~وأما شهربراز فهو أحلم من كذا. فقال: قد استعملت الحليم، فولاه أمر الجيش، ~~فسار إلى الروم فقتلهم وخرب مدائنهم وقطع أشجارهم وسار في بلادهم إلى ~~القسطنطينية حتى نزل على خليجها القريب منها ينهب ويغير ويخرب، فلم يخضع ~~لابن موريق أحد ولا أطاعه، غير أن الروم قتلوا فوقاس لفساده وملكوا عليهم ~~بعده هرقل، وهو الذي أخذ المسلمون الشام منه. PageV01P0163 # فلما رأى هرقل ما أهم الروم من النهب والقتل والبلاء تضرع إلى الله تعالى ~~ودعاه، فرأى في منامه رجلا كث اللحية رفيع المجلس عليه بزة حسنة، فدخل ~~عليهما داخل فألقى ذلك الرجل عن مجلسه وقال لهرقل: إني قد أسلمته في يدك؛ ~~فاستيقظ، فلم يقص رؤياه، فرأى في الليلة الثانية ذلك الرجل جالسا في مجلسه ~~وقد دخل الرجل الثالث وبيده سلسلة، فألقاها في عنق ذلك الرجل وسلمه إلى ~~هرقل وقال: قد دفعت إليك كسرى برمته فاغزه فإنك دمال عليه وبالغ أمنيتك في ~~أدعائك. فقص حينئذ هذه الرؤيا على عظماء الروم، فأشاروا عليه أن يغزوه، ~~فاستعد هرقل واستخلف ابنا له على القسطنطينية وسلك غير الطريق الذي عليه ~~شهربراز وسار حتى أوغل في بلاد أرمينية وقصد الجزيرة فنزل نصيبين، فأرسل ~~إليه كسرى جندا وأمرهم بالمقام بالموصل، وأرسل إلى شهربراز يستحثه على ~~القدوم ليتضافرا على قتال هرقل. وقيل في مسيره غير هذا، ms0314 وهو أن شهربراز سار ~~إلى بلاد الروم فوطئ الشام حتى وصل إلى أذرعات ولقي جيوش الروم فهزمها وظفر ~~بها وسبى وغنم وعظم شأنه. ثم إن فرخان أخا شهربراز شرب الخمر يوما وقال: ~~لقد رأيت في المنام كأني جالس في سرير كسرى، فبلغ الخبر كسرى فكتب إلى أخيه ~~شهربراز يأمره بقتله، فعاوده وأعلمه شجاعته ونكايته في العدو، فعاد كسرى ~~وكتب إليه بقتله، فراجعه، فكتب إليه الثالثة، فلم يفعل، فكتب كسرى بعزل ~~شهربراز وولاية فرخان العسكر، فأطاع شهربراز فلما جلس على سرير الإمارة ~~ألقى إليه القاصد بولايته كتابا صغيرا من كسرى يأمره بقتل شهربراز فعزم على ~~قتله، فقال له شهربراز: أمهلني حتى أكتب وصيتي، فأمهله، فأحضر درجا وأخرج ~~منه كتب كسرى الثلاثة وأطلعه عليها وقال: أنا راجعت فيك ثلاث مرات ولم ~~أقتلك، وأنت تقتلني في مرة واحدة، فاعتذر أخوه إليه وأعاده إلى الإمارة ~~واتفقا على موافقة ملك الروم على كسرى، فأرسل شهربراز إلى هرقل: إن لي إليك ~~حاجة لا يبلغها البريد ولا تسعها الصحف، فالقني في خمسين روميا، فإني ألقاك ~~في خمسين فارسيا. فأقبل قيصر في جيوشه جميعها ووضع عيونه تأتيه بخبر ~~شهربراز، وخاف أن يكون مكيدة، فأتته عيونه فأخبروه أنه في خمسين فارسيا، ~~فحضر عنده في مثلها واجتمعا وبينهما ترجمان فقال له: أنا وأخي خربنا بلادك ~~وفعلنا ما علمت وقد حسدنا كسرى وأراد قتلنا وقد خلعناه ونحن نقاتل معك. ~~ففرح هرقل بذلك واتفقا عليه وقتلا الترجمان لئلا يفشي سرهما، وسار هرقل في ~~جيشه إلى نصيبين. وبلغ كسرى أبرويز الخبر وأرسل هرقل قائدا من قواده اسمه ~~راهزار في اثني عشر ألفا، وأمره أن يقيم بنينوى من أرض الموصل على دجلة ~~يمنع هرقل من أن يجوزها، وأقام هو بدسكرة الملك، فأرسل راهزار العيون، ~~فأخبروه أن هرقل في سبعين ألف مقاتل، فأرسل إلى كسرى يعرفه ذلك وأنه يعجز ~~عن قتال هذا الجمع الكثير، فلم يعذره وأمره بقتاله، فأطاع وعبى جنده، وسار ~~هرقل نحو جنود كسرى وقطع دجلة من غير الموضع الذي فيه راهزرا، فقصده ms0315 راهزار ~~ولقيه فاقتتلوا راهزار وستة آلاف من أصحابه وانهزم الباقون. وبلغ الخبر ~~أبرويز وهو بدسكرة الملك، فهده ذلك وعاد إلى المدائن وتحصن بها لعجزه عن ~~محاربة هرقل، وكتب إلى قواد الجند الذين انهزموا يتهددهم بالعقوبة فأحوجهم ~~إلى الخلاف عليه، على ما نذكره إن شاء الله. وسار هرقل حتى قارب المدائن ثم ~~عاد إلى بلاده. PageV01P0164 # وكان سبب عوده أن كسرى لما عجز عن هرقل أعمل الحيلة فكتب كتابا إلى ~~شهربراز يشكره ويثني عليه ويقول له: أحسنت في فعل ما أمرتك به من مواصلة ~~ملك الروم وتمكينه من البلاد، والآن فقد أوغل وأمكن من نفسه فتجيء أنت من ~~خلفه وأنا من بين يديه ويكون اجتماعنا عليه يوم كذا فلا يفلت منهم أحد. ثم ~~جعل الكتاب في عكاز ابنوس وأحضر راهبا كان في دير عند المدائن وقال له: لي ~~إليك حاجة. فقال الراهب: الملك أكبر من أن يكون له إلي حاجة ولكنني عبده. ~~قال: إن الروم قد نزلوا قريبا منا وقد حفظوا الطرق عنا، ولي إلي أصحابي ~~الذين بالشام حاجة وأنت نصراني إذا جزت على الروم لا ينكرونك، وقد كتبت ~~كتابا وهو في هذه العكازة فتوصله إلى شهربراز، وأعطاه مائتي دينار. فأخذ ~~الكتاب وفتحه وقرأه ثم أعاده وسار، فلما صار بالعسكر ورأى الروم والرهبان ~~والنواقيس رق قلبه وقال: أنا شر الناس إن أهلكت النصرانية ! فأقبل إلى ~~سرادق الملك وأنهى حاله وأوصل الكتاب إليه. فقرأه ثم أحضر أصحابه رجلا قد ~~أخذوه من طريق الشام قد واطأه كسرى ومعه كتاب قد افتعله على لسان شهربراز ~~إلى كسرى يقول: إنني ما زلت أخادع ملك الروم حتى اطمأن إلي وجاز إلى البلاد ~~كما أمرتني فيعرفني الملك في أي يوم يكون لقاؤه حتى أهجم أنا عليه من ورائه ~~والملك من بين يديه فلا يسلم هو ولا أصحابه، وآمره أن يتعمد طريقا يؤخذ ~~فيها. فلما قرأ ملك الروم الكتاب الثاني تحقق الخبر فعاد شبه المنهزم ~~مبادرا إلى بلاده، ووصل خبر عودة ملك الروم إلى شهربراز فأراد أن يستدرك ما ms0316 ~~فرط منه فعارض الروم فقتل منهم قتلا ذريعا وكتب إلى كسرى: إنني عملت الحيلة ~~على الروم حتى صاروا في العراق، وأنفذ من رؤوسهم شيئا كثيرا. وفي هذه ~~الحادثة أنزل الله تعالى: (آلم غلبت الروم في آدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون) الروم: 1 - 3؛ يعني بأدنى الأرض أذرعات، وهي أدنى أرض الروم إلى ~~العرب، وكانت الروم قد هزمت بها في بعض حروبها، وكان النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، والمسلمون قد ساءهم ظفر الفرس أولا بالروم لأن الروم أهل كتاب، وفرح ~~الكفار لأن المجوس أميون مثلهم، فلما نزلت هذه الآيات راهن أبو بكر الصديق ~~أبي بن خلف على أن الظفر يكون للروم إلى تسع سنين، والرهن مائة بعير، فغلبه ~~أبو بكر، ولم يكن الرهن ذلك الوقت حراما، فلما ظفرت الروم أتى الخبر رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الحديبية. ### || AUT ذكر ما رأى كسرى من الآيات # ### || AUT بسبب رسول الله صلى الله عليه وسلم # فمن ذلك أن كسرى أبرويز سكر دجلة العوراء وأنفق عليها من الأموال ما لا ~~يحصى كثرة، وكان طاق مجلسه قد بني بنيانا لم ير مثله، وكان عنده ثلاثمائة ~~وستون رجلا من الحزاة من بين كاهن وساحر ومنجم، وكان فيهم رجل من العرب ~~اسمه السايب، بعث به باذان من اليمن، وكان كسرى إذا أحزنه أمر جمعهم فقال: ~~انظروا في هذا الأمر ما هو. فلما بعث الله محمدا، صلى الله عليه وسلم، أصبح ~~كسرى وقد انقصم طاق ملكه من غير ثقل، وانخرقت عليه دجلة العوراء، فلما رأى ~~ذلك أحزنه فقال: انقصم طاق ملكي من غير ثقل، وانخرقت دجلة العوراء شاه ~~بشكست، يقول: الملك انكسر. ثم دعا كهانه وسحاره ومنجميه، وفيهم السايب، ~~فقال لهم: انظروا في هذا الأمر. فنظروا في أمره فأخذت عليهم أقطار السماء ~~وأظلمت الأرض، فلم يمض لهم ما راموه، وبات السايب في ليلة ظلماء على ربوة ~~من الأرض ينظر، فرأى برقا من قبل الحجاز استطار فبلغ المشرق، فلما أصبح رأى ~~تحت قدميه روضة خضراء، فقال فيما ms0317 يعتاف: إن صدق ما أرى ليخرجن من الحجاز ~~سلطان يبلغ المشرق تخصب عليه الأرض كأفضل ما أخصبت على ملك. PageV01P0165 # فلما خلص الكهان والمنجمون والسحار بعضهم إلى بعض ورأوا ما أصابهم، ورأى ~~السايب ما رأى، قال بعضهم لبعض: والله ما حيل بينكم وبين علمكم إلا لأمر ~~جاء من السماء، وإنه لنبي بعث أو هو مبعوث يسلب هذا الملك ويكسره، ولئن ~~نعيتم لكسرى ملكه ليقتلنكم، فاتفقوا على أن يكتموه الأمر وقالوا له: قد ~~نظرنا فوجدنا أن وضع دجلة العوراء وطاق الملك قد وضع على النحوس، فلما ~~اختلف الليل والنهار وقعت النحوس مواقعها فزال كل ما وضع عليها، وإنا نحسب ~~لك حسابا تضع عليه بنيانك فلا يزول، فحسبوا وأمروه بالبناء، فبنى دجلة ~~العوراء في ثمانية أشهر فأنفق عليها أموالا جليلة حتى إذا فرغ منها قال ~~لهم: اجلس على سورها ؟ قالوا: نعم، فجلس في أساورته، فبينما هو هنالك ~~انتسفت دجلة البنيان من تحته فلم يخرج إلا بآخر رمق. فلما أخرجوه جمع كهانه ~~وسحاره ومنجميه فقتل منهم قريبا من مائة وقال: قربتكم وأجريت عليكم الأرزاق ~~ثم أنتم تلعبون بي ! فقالوا: أيها الملك أخطأنا كما أخطأ من قبلنا. ثم ~~حسبوا له وبناه وفرغ منه وأمروه بالجلوس عليه، فخاف فركب فرسا وسار على ~~البناء، فبينما هو يسير انتسفته دجلة فلم يدرك إلا بآخر رمق، فدعاهم وقال: ~~لأقتلنكم أجمعين أو لتصدقونني. فصدقوه الأمر، فقال: ويحكم هلا بينتم لي ~~فأرى فيه رأيي ؟ قالوا: منعنا الخوف. فتركهم ولها عن دجلة حين غلبته، وكان ~~ذلك سبب البطائح، ولم تكن قبل ذلك، وكانت الأرض كلها عامرة. فلما كانت سنة ~~ست من الهجرة أرسل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عبد الله بن حذافة ~~السهمي إلى كسرى، فزادت الفرات والدجلة زيادة عظيمة لم ير قبلها ولا بعدها ~~مثلها، فانبثقت البثوق وانتسفت ما كان بناه كسرى، واجتهد أن يسكرها فغلبه ~~الماء، كما بينا، ومال إلى موضع البطائح فطما الماء على الزروع وغرق عدة ~~طساسيج، ثم دخلت العرب أرض الفرس وشغلتهم عن عملها بالحروب واتسع ms0318 الخرق. ~~فلما كان زمن الحجاج تفجرت بثوق أخر فلم يسدها مضارة للدهاقين لأنه اتهمهم ~~بممالأة ابن الأشعث، فعظم الخطب فيها وعجز الناس عن عملها، فبقيت على ذلك ~~إلى الآن. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: بعث الله إلى كسرى ملكا وهو ~~في بيت إيوانه الذي لا يدخل عليه فلم يرعه إلا به قائما على رأسه في يده ~~عصا بالهاجرة في ساعته التي يقيل فيها، فقال: يا كسرى أتسلم أو أكسر هذه ~~العصا ؟ فقال: بهل بهل ! وانصرف عنه، فدعا بحراسه وحجابه فتغيظ عليهم وقال: ~~من أدخل هذا الرجل ؟ فقالوا: ما دخل علينا أحد ولا رأيناه ! حتى إذا كان ~~العام المقبل أتاه في تلك الساعة وقال له: أتسلم أو أكسر العصا ؟ فقال: بهل ~~بهل ! وتغيظ على حجابه وحراسه. فلما كان العام الثالث أتاه فقال: أتسلم أو ~~أكسر العصا؟ فقال: بهل بهل ! فكسر العصا ثم خرج. فلم يكن إلا تهور ملكه ~~وانبعاث ابنه والفرس حتى قتوله. وقال الحسن البصري: قال أصحاب رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله ما حجة الله على كسرى فيك ؟ قال: بعث ~~إليه ملكا فأخرج يده إليه من جدار تلألأ نورا، فلما رآها فزع فقال له: لا ~~ترع يا كسرى ! إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا فاتبعه تسلم دنياك ~~وآخرتك. قال: سأنظر. ### || AUT ذكر وقعة ذي قار وسببها # ذكروا عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال لما بلغه ما كان من ظفر ~~ربيعة بجيش كسرى: هذا أول يوم انتصف العرب فيه من العجو وبي نصروا. فحفظ ~~ذلك منه، وكان يوم الوقعة. قال هشام بن محمد: كان عدي بن زيد التميمي ~~وأخواه عمار، وهو أبي، وعمرو، وهو سمي، يكونون مع الأكاسرة ولهم إليهم ~~انقطاع، وكان المنذر ابن المنذر لما ملك جعل ابنه النعمان في حجر عدي بن ~~زيد، وكان له غير النعمان أحد عشر ولدا، وكانوا يسمون الأشاهب لجمالهم. ~~فلما مات المنذر بن المنذر وخلف أولاده أراد كسرى بن هرمز أن يملك على ms0319 ~~العرب من يختاره، فأحضر عدي بن زيد وسأله عن أولاد المنذر، فقال: هم رجال، ~~فأمره بإحضارهم. فكتب عدي فأحضرهم وأنزلهم، وكان يفضل إخوة النعمان عليه ~~ويريهم أنه لا يرجو النعمان ويخلو بواحد واحد ويقول له: إذا سألك الملك ~~أتكفونني العرب ؟ فقولوا: نكفيكهم إلا النعمان. وقال للنعمان: إذا سألك ~~الملك عن إخوتك فقل له: إذا عجزت عن إخوتي فأنا عن غيرهم أعجز. ~~PageV01P0166 # وكان من بنيمرينا رجل يقال له عدي بن أوس بن مرينا، وكان داهيا شاعرا، ~~وكان يقول للأسود بن المنذر: قد عرفت أني أرجوك وعيني إليك، وإنني أريد أن ~~تخالف عدي بن زيد، فإنه والله لا ينصح لك أبدا ! فلم يلتفت إلى قوله. فلما ~~أمر كسرى عدي بنزيد أن يحضرهم، أحضرهم رجلا رجلا وسألهم كسرى: أتكفونني ~~العرب ؟ فقالوا: نعم إلا النعمان. فلما دخل عليه النعمان رأى رجلا دميما ~~أحمر أبرش قصيرا فقال له: أتكفيني إخوتك والعرب ؟ قال: نعم، وإن عجزت عن ~~إخوتي فأنا عن غيرهم أعجز. فملكه وكساه وألبسه تاجا قيمته ستون ألف درهم، ~~فقال عدي بن مرينا للأسود: دونك فقد خالفت الرأي. ثم صنع عدي بن زيد طعاما ~~ودعا عدي بن مرينا إليه وقال: إني عرفت أن صاحبك الأسود كان أحب إليك أن ~~يملك من صاحبي النعمان، فلا تلمني على شيء كنت على مثله، وإني أحب أن لا ~~تحقد علي وإن نصيبي من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك، وحلف لابن مرينا أن ~~لا يهجوه ولا يبغيه غائلة أبدا، فقام ابن مرينا وحلف أنه لا يزال يهجوه ~~ويبغيه الغوائل. وسار النعمان حتى نزل الحيرة، وقال ابن مرينا للأسود: إذا ~~فاتك الملك فلا تعجز أن تطلب بثأرك من عدي فإن معدا لا ينام مكرها، وأمرتك ~~بمعصيته فخالفتني، وأريد أن لا يأتيك من مالك شيء إلا عرضته علي. ففعل. ~~وكان ابن مرينا كثير المال، وكان لا يخلي النعمان يوما من هدية وطرفة، فصار ~~من أكرم الناس عليه، وكان إذا ذكر عدي بن زيد وصفه وقال: إلا أنه في مكر ~~وخديعة، واستمال ms0320 أصحاب النعمال، فمالوا إليه، وواضعهم على أن قالوا ~~للنعمان: إن عدي بن زيد يقول إنك عامله، ولم يزالوا بالنعمان حتى اضغنوه ~~عليه، فأرسل إلى عدي يستزيره، فاستأذن عدي كسرى في ذلك، فأذن له، فلما أتاه ~~لم ينظر إليه حتى حبسه ومنع من الدخول عليه، فجعل عدي يقول الشعر وهو في ~~السجن، وبلغ النعمان قوله فندم على حبسه إياه وخاف منه إذا أطلقه. فكتب عدي ~~إلى أخيه أبي أبياتا يعلمه بحاله، فلما قرأ أبياته وكتابه كلم كسرى فيه، ~~فكتب إلى النعمان وأرسل رجلا في إطلاق عدي، وتقدم أخو عدي إلى الرسول ~~بالدخول إلى عدي قبل النعمان، ففعل ودخل على عدي وأعلمه أنه أرسل لإطلاقه، ~~فقال له عدي: لا تخرج من عندي وأعطني الكتاب حتى أرسله، فإنك إن خرجت من ~~عندي قتلني، فلم يفعل، ودخل أعداء عدي على النعمان فأعلموه الحال وخوفوه من ~~إطلاقه، فأرسلهم إليه فخنقوه ثم دفنوه. وجاء الرسول فدخل على النعمان ~~بالكتاب فقال: نعم وكرامة، وبعث إليه بأربعة آلاف مثقال وجارية وقال: إذا ~~أصبحت ادخل إليه فخذه. فلما أصبح الرسول غدا إلى السجن فلم ير عديا، وقال ~~له الحرس: إنه مات منذ أيام. فرجع إلى النعمان وأخبره أنه رآه بالأمس ولم ~~يره اليوم، فقال: كذبت ! وزاده رشوة واستوثق منه أن لا يخبر كسرى، إلا أنه ~~مات قبل وصوله إلى النعمان. قال: وندم النعمان على قتله، واجترأ أعداء عدي ~~على النعمان وهابهم هيبة شديدة. فخرج النعمان في بعض صيده، فرأى ابنا لعدي ~~يقال له زيد فكلمه وفرح به فرحا شديدا واعتذر إليه من أمر أبيه وسيره إلى ~~كسرى ووصفه له وطلب إليه أن يجعله مكان أبيه، ففعل كسرى، وكان يلي ما يكتب ~~إلى العرب خاصة، وسأله كسرى عن النعمان فأحسن الثناء عليه وأقام عند الملك ~~سنوات بمنزلة أبيه، وكان يكثر الدخول على كسرى. وكان لملوك الأعاجم صفة ~~للنساء مكتوبة عندهم، وكان يبعثون في طلب من يكون على هذه الصفة من النساء ~~ولا يقصدون العرب، فقال له زيد بن عدي: إني ms0321 أعرف عند عبدك النعمان من بناته ~~وبنات عمه أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة. قال: فتكتب فيهن. قال: أيها ~~الملك إن شر شيء في العرب وفي النعمان أنهم يتكرمون بأنفسهم عن العجم، فأنا ~~أكره أن تعنتهن، وإن قدمت أنا عليه لم يقدر على ذلك، فابعثني وابعث معي ~~رجلا يفقه العربية، فبعث معه رجلا جلدا، فخرجا حتى بلغا الحيرة ودخلا على ~~النعمان. قال له زيدك إن الملك احتاج إلى نساء لأهله وولده وأراد كرامتك ~~فبعث إليك. قال: وما هؤلاء النسوة ؟ قال: هذه صفتهن قد جئنا بها. ~~PageV01P0167 # وكانت الصفة أن المنذر أهدى إلى أنوشروان جارية أصابها عند الغارة على ~~الحارث بن أبي شمر الغساني، وكتب يصفها أنها معتدلة الخلق، نقية اللون ~~والثغر، بيضاء، وطفاء، قمراء، دعجاء، حوراء، عيناء، قنواء، شماء، شمراء، ~~زجاء، برجاء، أسيلة الخد، شهية القد، جثيلة الشعر، بعيدة مهوى القرط، ~~عيطاء، عريضة الصدر، كاعب الثدي، ضخمة مشاشة المنكب والعضد، حسنة المعصم، ~~لطيفة الكف، سبطة البنان، لطيفة طي البطن، خميصة الخصر، غرثى الوشاح، رداح ~~القبل، رابية الكفل، لفاء الفخذين، ريا الروادف، ضخمة المنكبين، عظيمة ~~الركبة، مفعمة الساق، مشبعة الخلخال، لطيفة الكعب والقدم، قطوف المشي، ~~مكسال الضحى، بضة المتجرد، سموع للسيد، ليست بحلساء ولا سفعاء، ذليلة ~~الأنف، عزيزة النفر، لم تغذ في بؤس، حييه، رزينة، زكية، كريمة الخال، تقتصر ~~بنسب أبيها دون فصيلتها، وبفصيلتها دون جماع قبيلتها، قد أحكمتها الأمور في ~~الأدب، فرأيها رأي أهل الشرف، وعملها عمل أهل الحاجة، صنا الكفيين، قطيعة ~~اللسان، رهوة الصوت، تزين البيت وتشين العدو، إن أردتها اشتهت، وإن تركتها ~~انتهت، تحملق عيناها، ويحمر خداها، وتذبذب شفتاها، وتبادرك الوثبة. فقبلها ~~كسرى وأمر بإثبات هذه الصفة، فبقيت إلى أيام كسرى بن هرمز. فقرأ زيد هذه ~~الصفة على النعمان، فشق ذلك عليه وقال لزيد، والرسول يسمع: أما في عين ~~السواد وفارس ما تبلغون حاجتكم ؟! قال الرسول لزيد: ما العين ؟ قال: البقر. ~~وأنزلهما يومين وكتب إلى كسرى: إن الذي طلب الملك ليس عندي. وقال لزيد: ~~اعذرني عنده. فلما عاد ms0322 إلى كسرى قال لزيد: أين ما كنت أخبرتني ؟ قال: قد ~~قلت للملك وعرفته بخلهم بنسائهم على غيرهم وأن ذلك لشقائهم وسوء اختيارهم، ~~وسل هذا الرسول عن الذي قال، فإني أكرم الملك عن ذلك. فسأل الرسول، فقال: ~~إنه قال: أما في بقر السواد ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا ؟ فعرف الغضب في ~~وجهه ووقع في قلبه وقال: رب عبد أراد ما هو أشد من هذا فصار مره إلى ~~التباب. وبلغ هذا الكلام النعمان، وسكت كسرى على ذلك أشهرا والنعمان يستعد، ~~حتى أتاه كتاب كسرى يستدعيه. فحين وصل الكتاب أخذ سلاحه وما قوي عليه ثم ~~لحق بجبلي طيء، وكان متزوجا إليهم، وطلب منهم أن يمنعوه. فأبوا عليه خوفا ~~من كسرى، فأقبل وليس أحد من العرب يقبله حتى نزل في ذي قار في بني شيبان ~~سرا، فلقي هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو الشيباني وكان سيدا منيعا، والبيت ~~من ربيعة في آل ذي الجدين لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين، وكان ~~كسرى قد أطعمه الأبلة، فكره النعمان أن يدفع إليه أهله لذلك، وعلم أن هانئا ~~يمنعه مما يمنع منه أهله، فأودعه أهله وماله، وفيه أربعمائة درع، وقيل ~~ثمانمائة درع. وتوجه النعمان إلى كسرى فلقي زيد بن عدي على قنطرة ساباط، ~~فقال: انج نعيم. فقال: أنت يا زيد فعلت هذا ! أما والله لئن انفلت لأفعلن ~~بك ما فعلت بأبيك. فقال به زيدك امض نعيم فقد والله وضعت لك عنده أخية لا ~~يقطعها المهر الأرن. فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه فقيده وبعث به إلى ~~خانقين حتى وقع الطاعون فمات فيه، قال: والناس يظنون أنه مات بساباط ببيت ~~الأعشى وهو يقول: فذاك وما أنجى من الموت ربه ... بساباط حتى مات وهو محرزق ~~وكان موته قبل الإسلام. PageV01P0168 # فلما مات استعمل كسرى إياس بن قبيصة الطائي على الحيرة وما كان عليه ~~النعمان، وكان كسرى اجتاز به لماء سار إلى ملك الروم فأهدى له هدية، فشكر ~~ذلك له وأرسل إليه، فبعث كسرى ms0323 بأن يجمع ما خلفه النعمان ويرسله إليه، فبعث ~~إياس إلى هانئ بن مسعود الشيباني يأمره بإرساله ما استودعه النعمان، فأبى ~~هانئ أن يسلم ما عنده. فلما أبى هانئ غضب كسرى، وعنده النعمان بن زرعة ~~التغلبي، وهو يحب هلاك بكر بن وائل، فقال لكسرى: أمهلهم حتى يقيظوا ~~ويتساقطوا على ذي قار تساقط الفراش في النار فتأخذهم كيف شئت. فصبر كسرى ~~حتى جاؤوا حنو ذي قار، فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة يخيرهم واحدة من ~~ثلاث: إما أن يعطوا بأيديهم، وإما أن يتركوا ديارهم، وإما أن يحاربوا. ~~فولوا أمرهم حنظلة بن ثعلبة العجلي، فاشار بالحرب، فآذنوا الملك بالحرب، ~~فأرسل كسرى إياس بن قبيصة الطائي أمير الجيش ومعه مرازبة الفرس والهامرز ~~النسوي وغيره من العرب تغلب وإياد وقيس بن مسعود بن قيس بن ذي الجدين، وكان ~~على طف سفوان، فأرسل الفيول، وكان قد بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، فقسم ~~هانئ ابن مسعود دروع النعمان وسلاحه. فلما دنت الفرس من بني شيبان قال هانئ ~~بن مسعود: يا معشر بكر، إنه لا طاقة لكم في قتال كسرى فاركنوا إلى الفلاة، ~~فسارع الناس إلى ذلك، فوثب حنظلة بن ثعلبة العجلي وقال: يا هانئ أردت ~~نجاءنا فألقيتنا في الهلكة، ورد الناس وقطع وضن الهوادج، وهي الحزم للرحال، ~~فسمي مقطع الوضن، وضرب على نفسه قبة، وأقسم أن لا يفر حتى تقر القبة، فرجع ~~الناس واستقوا ماء لنصف شهر. فأتتهم العجم فقاتلتهم بالحنو، فانهزمت العجم ~~خوفا من العطش إلى الجبابات، فتبعتهم بكر وعجل وأبلت يومئذ بلاء حسنا، ~~واضطمت عليهم جنود العجم، فقال الناس: هلكت عجل، ثم حملت بكر فوجدت عجلا ~~تقاتل وامرأة منهم تقول: إن يظفروا يحرزوا فينا الغرل ... إيها فداء لكم ~~بني عجل فقاتلوهم ذلك اليوم، ومالت العجم إلى بطحاء ذي قار خوفا من العطش، ~~فأرسلت إياد إلى بكر، وكانوا مع الفرس، وقالوا لهم: إن شئتم هربنا الليلة ~~وإن شئتم أقمنا ونفر حين تلاقون الناس. فقالوا: بل تقيمون وتنهزمون إذا ~~التقينا. وقال زيد بن حسان السكوني، وكان ms0324 حليفا لبني شيبان: أطيعوني واكنوا ~~لهم، ففعلوا ثم تقاتلوا وحرض بعضهم بعضا، وقالت ابنة القرين الشيبانية: ~~ويها بني شيبان صفا بعد صف ... إن تهزموا يصبغوا فينا القلف فقطع سبعمائة ~~من بني شيبان أيدي أقبيتهم من مناكبهم لتخف أيديهم لضرب السيوف، فجالدوهم ~~وبارز الهامرز، فبرز إليه برد بن حارثة اليشكري فقتله برد، ثم حملت مسيرة ~~بكر وميمنتها وخرج الكمين فشدوا على قلب الجيش وفيهم إياس بن قبيصة الطائي، ~~وولت إياد منهزمة كما وعدتهم، فانهزمت الفرس واتبعتهم بكر تقتل ولا تلتفت ~~إلى سلب وغنيمة. وقال الشعراء في وقعة ذي قار فأكثروا. ### | AUT ذكر ملوك الحيرة بعد عمرو بن هند # قد ذكرنا من ملك من آل نصر بن ربيعة إلا هلاك عمرة بن هند. فلما هلك ~~عمرو ملك موضعه أخوه قابوس بن المنذر أربع سنين، من ذلك أيام أنوشروان ~~ثمانية أشهر، وفي أيام هرمز ثلاث سنين وأربعة أشهر، ثم ولي بعد قابوس ~~السهرب، ثم ملك بعده المنذر بن النعمان أربع سنين، ثم ولي بعده النعمان بن ~~المنذر أبو قابوس اثنتين وعشرين سنة، من ذلك في زمان هرمز سبع سنين وثمانين ~~أشهر، وفي زمانه ابنه أبرويز أربع عشرة سنة وأربعة أشهر، ثم ولي إياس بن ~~قبيصة الطائي ومعه النخيرخان في زمان كسرى بن هرمز أربع عشرة سنة، ولثمانية ~~أشهر من ولاية إياس بعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم ولي ازادبه بن مابيان ~~الهمداني سبع عشرة سنة، من ذلك في زمان كسرى بن هرمز أربع عشرة سنة وثمانية ~~أشهر، وفي زمن بوران دخت ابنة كسرى شهرا. ثم ولي المنذر بن النعمان بن ~~المنذر، وهو الذي يسميه العرب المغرور الذي قتل بالبحرين يوم جواثاء. وكانت ~~ولايته إلى أن قدم عليه خالد بن الوليد الحيرة ثمانية أشهر، وكان آخر من ~~بقي من آل نصر وانقرض ملكهم مع انقراض ملك فارس؛ فجميع ملوك آل نصر فيما ~~زعم هشام عشرون ملكا، ملكوا خمسمائة سنة واثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر. ### | AUT ذكر المروزان وولايته اليمن من قبل هرمز # PageV01P0169 # قال ms0325 هشام: استعمل كسرى هرمز المروزان بعد عزل زرين عن اليمن، وأقام ~~باليمن حتى ولد له فيها، ثم إن أهل جبل يقال له المضايع منعوه الخراج، ~~فقصدهم فرأس جبلهم لا يقدر عليه لحصانته وله طريق واحد يحميه رجل واحد، ~~وكان يحاذي ذلك الجبل جبل آخر، وقد قارب هذا الجبل، فأجرى فرسه فعبر به ذلك ~~المضيق، فلما رأته حمير قالوا: هذا شيطان ! وملك حصنهم وأدوا الخراج، وأرسل ~~إلى كسرى يعلمه، فاستدعاه إليه فاستخلف ابنه خرخسره على اليمن وسار إليه ~~فمات في الطريق، وعزل كسرى خرخسره عن اليمن وولى باذان، وهو آخر من قدم ~~اليمن من ولاة العجم. ### | AUT ذكر قتل كسرى أبرويز # كان كسرى قد طغى لكثرة ماله وما فتحه من بلاد العدو ومساعدة الأقدار ~~وشره على أموال الناس، ففسدت قلوبهم، وقيل: كانت له اثنا عشر ألف امرأة، ~~وقيل ثلاثة آلاف امرأة، يطؤهن، وألوف جوار، وكان له خمسون ألف دابة، وكان ~~أرغب الناس في الجوهر والأواني وغير ذلك، وقيل: إنه أمر أن يحصي ما جبي من ~~خراج بلاده في سنة ثماني عشرة من ملكه، فكان من الورقة مائة ألف ألف مثقال ~~وعشرون ألف ألف مثقال، وإنه احتقر الناس وأمر رجلا اسمه زاذان بقتل كل مقيد ~~في سجونه، فبلغوا ستة وثلاثين ألفا، فلم يقدم زاذان على قتلهم، فصاروا ~~أعداءه له، وكان أمر بقتل المنهزمين من الروم فصاروا أيضا أعداء له، ~~واستعمل رجلا على استخلاص بواقي الخراج، فعسف الناس وظلمهم، ففسدت نياتهم، ~~ومضى ناس من العظماء إلى بابل، فأحضروا ولده شيرويه بن أبرويز، فإن كسرى ~~كان قد ترك أولاده بها ومنعهم من التصرف وجعل عندهم من يؤدبهم، فوصل إلى ~~بهرسير فدخلها ليلا فأخرج من كان في سجونها، واجتمع إليه أيضا الذين كان ~~كسرى أمر بقتلهم، فنادوا قباذ شاهنشاه وساروا حين أصبحوا إلى رحبة كسرى، ~~فهرب حرسه، وخرج كسرى إلى بستان قريب من قصره هاربا فأخذ أسيرا، وملكوا ~~ابنه، فأرسل إلى أبيه يقرعه بما كان منه، ثم قتلته الفرس وساعدهم ابنه، ~~وكان ملكه ثمانيا وثلاثين ms0326 سنة. ولمضي اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة ~~عشر يوما هاجر النبي، صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة. قيل: وكان ~~لكسرى أبرويز ثمانية عشر ولدا، وكان أكبرهم شهريار، وكانت شيرين قد تبنته، ~~فقال المنجمون لكسرى: إنه سيولد لبعض ولدك غلام يكون خراب هذا المجلس وذهاب ~~الملك على يديه، وعلامته نقص في بعض بدنه، فمنع ولده عن النساء لذلك حتى ~~شكا شهريار إلى شيرين الشنبق، فأرسلت إليه جارية كانت تحجمها، وكانت تظن ~~أنها لا تلد، فلما وطئها علقت بيزدجرد فكتمته خمس سنين، ثم إنها رأت من ~~كسرى رقة للصبيان حين كبر فقالت: أيسرك أن ترى لبعض بنيك ولدا ؟ قال: نعم، ~~فأتته بيزدجرد، فأحبه وقربه، فبينما هو يلعب ذات يوم ذكر ما قيل، فأمر به، ~~فجرد من ثيابه، فرأى النقص في أحد وركيه فأراد قتله، فمنعته شيرين وقالت: ~~إن كان الأمر في الملك قد حضر فلا مرد له، فأمرت به فحمل إلى سجستان، وقيل: ~~بل تركته في السواد في قرية يقال لها خمانية. ولما قتل كسرى أبرويز بن هرمز ~~ملك ابنه شيرويه. ### | AUT ذكر ملك كسرى شيروية بن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان # لما ملك شيرويه بن أبرويز وأمه مريم ابنة موريق ملك الروم واسمه قباذ، ~~دخل عليه العظماء والأشراف فقالوا: لا يستقيم أن يكون لنا ملكان، فإما أن ~~تقتل كسرى ونحن عبيدك، وإما أن نخلعك ونطيعه. PageV01P0170 # فانكسر شيرويه ونقل أباه من دار الملك إلى موضع آخر حبسه فيه، ثم جمع ~~العظماء وقال: قد رأينا الإرسال إلى كسرى بما كان من إساءته ونوقفه على ~~أشياء منها. فأرسل إليها رجلا يقال له اسفاذ خشنش كان يلي تدبير المملكة، ~~وقال له: قل لأبينا الملك عن رسالتنا: إن سوء أعمالك فعل بك ما ترى، منها ~~جرأتك على أبيك وسملك عينيه وقتلك إياه، ومنها سوء صنيعك إلينا معشر أبنائك ~~في منعنا من مجالسة الناس وكل ما لنا فيه دعة، ومنها إساءتك إلى من خلدت في ~~السجون، ومنها إساءتك إلى النساء تأخذهن لنفسك وتركك العطف ms0327 عليهن ومنعهن ~~ممن يعاشروهن ويرزقن منه الولد، ومنها ما أتيت إلى رعيتك عامة من العنف ~~والغلظة والفظاظة، ومنها جمع الأموال في شدة وعنف من أربابها، ومنها تجميرك ~~الجنود في ثغور الروم وغيرها وتفريقك بينهم وبين أهليهم، ومنها غدرك بموريق ~~ملك الروم مع إحسانه إليك وحسن بلائه عندك وتزويجه إياك بابنته، ومنعك إياه ~~خشبة الصليب التي لم يكن بك ولا بأهل بلادك إليها حاجة، فإن كان لك حجة ~~تذكرها فافعل، وإن لم يكن لك حجة فتب إلى الله تعالى حتى يأمر فيك بأمره. ~~قال: فجاء الرسول إلى كسرى أبرويز فأدى إليه الرسالة، فقال أبرويز: قل عني ~~لشيرويه القصير العمر لا ينبغي لأحد أن يتوب من أجل الصغير من الذنب إلا ~~بعد أن يتيقنه فضلا عن عظيمه ما ذكرت وكثرت منا، ولو كنا كما تقول لم يكن ~~لك أيها الجاهل أن تنشر عنا مثل هذا العظيم الذي يوجب علينا القتل لما ~~يلزمك في ذلك من العيوب، فإن قضاة أهل ملتك ينفون ولد المستوجب للقتل من ~~أبيه وينفونه من مضامة أهل الأخيار ومجالستهم فضلا عن أن يملك، مع أنه قد ~~بلغ منا بحمد الله من إصلاحنا أنفسنا وأبناءنا ورعيتنا ما ليس في شيء منه ~~تقصير، ونحن نشرح الحال فيما لزمنا من الذنوب لتزداد علما بجهلك. فمن ~~جوابنا: أن الأشرار أغروا كسرى هرمز والدنا بنا حتى اتهمنا فرأينا من سوء ~~رأيه فينا ما يخوفنا منه فاعتزلنا بابه إلى أذربيجان، وقد استفاض ذلك، فلما ~~انتهك منه ما انتهك شخصنا إلى بابه فهجم المنافق بهرام علينا فأجلانا عن ~~المملكة، فسرنا إلى الروم وعدنا إلى ملكنا واستحكم أمرنا فبدأنا بأخذ الثأر ~~ممن قتل أبانا أو شرك في دمه. وأما ما ذكرت من أمر أبنائنا فإننا وكلنا بكم ~~من يكفكم عن الانتشار فيما لا يعنيكم فتتأذى بكم الرعية والبلاد، وكنا ~~أقمنا لكم النفقات الواسعة وجميع ما تحتاجون إليه، وأما أنت خاصة فإن ~~المنجمين قضوا في مولدك أنك مثرب علينا، وأن يكون ذلك بسببك، وإن ملك الهند ~~كتب إليك ms0328 كتابا وأهدى لك هدية، فقرأنا الكتاب فإذا هو يبشرك بالملك بعد ~~ثمان وثلاثين سنة من ملكنا، وقد ختمنا على الكتاب وعلى مولدك وهما عند ~~شيرين، فإن أحببت أن تقرأهما فافعل، فلم يمنعنا ذلك عن برك والإحسان إليك ~~فضلا عن قتلك. وأما ما ذكرت عمن خلدناه في السجون، فجوابنا: إننا لم نحبس ~~إلا من وجب عليه القتل أو قطع بعض الأطراف، وقد كان الموكلون بهم والوزراء ~~يأمروننا بقتل من وجب قتله قبل أن يحتالوا لأنفسهم، فكنا بحبنا الاستبقاء ~~وكراهتنا لسفك الدماء نتأنى بهم ونكل أمرهم إلى الله تعالى، فإن أخرجتهم من ~~محبسهم عصيت ربك، ولتجدن غب ذلك. وأما قولك: إنا جمعنا الأموال، وأنواع ~~الجواهر والأمتعة بأعنف جمع وأشد إلحاح، فاعلم أيها الجاهل أنه إنما يقيم ~~الملك بعد الله تعالى الأموال والجنود، وخاصة ملك فارس الذي قد اكتنفه ~~الأعداء ولا يقدر على كفهم وردعهم عما يريدونه إلا بالجنود والأسلحة ~~والعدد، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالمال، وقد كان أسلافنا جمعوا الأموال ~~والسلاح وغير ذلك فأغار المنافق بهرام ومن معه على ذلك إلا اليسير، فلما ~~ارتجعنا ملكنا وأذعن لنا الرعية بالطاعة أرسلنا إلى نواحي بلادنا أصبهبذين ~~وقامروسانين فكفوا الأعداء وأغاروا على بلادهم، ووصل إلينا غنائم بلادهم من ~~أصناف الأموال والأمتعة ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وقد بلغنا أنك هممت ~~بتفريق هذه الأموال على رأي الأشرار المستوجبين للقتل، ونحن نعلمك أن هذه ~~الأموال لم تجتمع إلا بعد الكد والتعب والمخاطرة بالنفوس، فلا تفعل ذلك ~~فإنها كهف ملكك وبلادك وقوة على عدوك. PageV01P0171 # فلما انصرف أستاذ خشنش إلى شيرويه قص عليه جواب أبيه، ثم إن عظماء الفرس ~~عادوا إلى شيرويه فقالوا: إما أن تأمر بقتل أبيك وإما أن نطيعه ونخلعك، ~~فأمر بقتله على كره منه وانتدب لقتله رجالا ممن وترهم كسرى أبرويز، وكان ~~الذي باشر قتله شاب يقال له مهر هرمز بن مردانشاه من ناحية نيمروذ. فلما ~~قتل شق شيرويه ثيابه وبكى ولطم وجهه وحملت جنازته وتبعها العظماء وأشراف ~~الناس، فلما دفن أمر شيرويه بقتل ms0329 مهرهرمز قاتل أبيه. وكان ملكه ثمانيا ~~وثلاثين سنة. ثم إن شيرويه قتل إخوته، فهلك منهم سبعة عشر أخا ذوو شجاعة ~~وأدب، بمشورة وزيره فيروز. وابتلي شيرويه بامراض، ولم يلتذ بشيء من الدنيا، ~~وكان هلاكه بدسكرة الملك، وجزع بعد قتل إخوته جزعا شديدا، ويقال: إنه لما ~~كان اليوم الثاني من قتل إخوته دخلت عليه بوران وازرميدخت أختاه فأغلظتا له ~~وقالتا: حملك الحرص على الملك الذي لا يتم لك على قتل أبيك وإخوتك. فلما ~~سمع ذلك بكى بكاء شديدا ورمى التاج عن رأسه ولم يزل مهموما مدنفا. ويقال: ~~إنه اباد من قدر عليه من أهل بيته. وفشا الطاعون في أيامه فهلك من الفرس ~~أكثرهم، ثم هلك هو. وكان ملكه ثمانية أشهر. ### | AUT ذكر ملك أردشير # وكان عمره سبع سنين. فلما توفي شيرويه ملك الفرس عليهم ابنه أردشير ~~وحضنه رجل يقال له بهادر جسنس، مرتبته رئاسة أصحاب المائدة، فأحسن سياسة ~~الملك، فبلغ من إحكامه ذلك ما لم يحس معه بحداثة سن أردشير. وكان شهربراز ~~بثغر الروم في جند ضمهم إليه كسرى أبرويز، وكان قد صلح له بعده ما فعل ~~بالروم مما ذكرناه، وكان ينفذ له الخلع والهداية، وكان أبرويز وشيرويه ~~يكاتبانه ويستشيرانه، فلما لم يشاوره عظماء الفرس في تمليك أردشير اتخذ ذلك ~~ذريعة إلى التعنت وبسط يده في القتل وجعله سببا للطمع في الملك احتقارا ~~لأردشير لصغر سنه، فأقبل بجنده نحو المدائن، فتحول أردشير وبهادر جسنس ومن ~~بقي من نسل الملك إلى مدينة طيسفون، فحاصرهم شهربراز ونصب عليهم المجانيق ~~فلم يظفر بشيء، فأتاها من قبل المكيدة، فلم يزل يخدع رئيس الحرس وأصبهبذ ~~نيمروذ حتى فتحا له باب المدينة فدخلها وقتل جماعة من الرؤساء وأخذ أموالهم ~~وقتل بعض أصحابه أردشير في إيوان خسروشاه قباذ بأمر شهربراز. وكان ملكه سنة وستة أشهر. ### | AUT ذكر ملك شهريراز # ولم يكن من بيت الملك. لما قتل أردشير جلس شهربراز، واسمه فرخان، على ~~تخت المملكة، فحين جلس عليه ضرب عليه بطنه فاشتد ذلك. ثم عوفي. وتعاهد ~~ثلاثة إخوه من ms0330 أهل إصطخر على قتله غضبا لقتل أردشير، وكانوا في حرسه، وكان ~~الحرس يقفون سماطين إذا ركب الملك عليهم السلاح وبأيديهم السيوف والرماح، ~~فإذا حاذى الملك بعضهم وضع جبهته على ترسه فوق الترس كهيئة السجود. فركب ~~شهربراز يوما فوقف الإخوة الثلاثة بعضهم قريب من بعض، فلما حاذاهم طعنوه ~~فسقط ميتا، فشدوا في رجله حبلا وجروه، وساعدهم بعض العظماء وتساعدوا على ~~قتل جماعة قتلوا أردشير، وكان جميع ملكه أربعين يوما. ### | AUT ذكر ملك بوران ابنة أبرويز بن هرمز بن أنوشروان # لما قتل شهربراز ملكت الفرس بوران لأنهم لم يجدوا من بيت المملكة رجلا ~~يملكونه. فلما ملكت أحسنت السيرة في رعيتها وعدلت فيهم فأصلحت القناطر ~~ووضعت ما بقي من الخراج وردت خشبة الصليب على ملك الروم، وكانت مملكتها سنة ~~وأربعة أشهر، ثم ملك بعدها رجل يقال له خشنشبنده من بني عم ابرويز الأبعدين ~~وكان ملكه أقل من شهر وقتله الجند لأنهم أنكروا سيرته. ### | AUT ذكر ملك آزرميدخت ابنة أبرويز # PageV01P0172 # لما قتل خشنشبنده ملكت الفرس آزرميدخت ابنة أبرويز، وكانت من أجمل ~~النساء، وكان عظيم الفرس يومئذ فرخهرمز أصبهبذ خراسان، فأرسل إليها ~~يختطبها، فقالت: إن التزوج للملكة غير جائز وغرضك قضاء حاجتك مني فصر إلي ~~وقت كذا. ففعل وسار إليها تلك الليلة، فتقدمت إلى صاحب حرسها أن يقتله، ~~فقتله وطرح في رحبة دار المملكة، فلما أصبحوا رأوه قتيلا فغيبوه. وكان ابنه ~~رستم، وهو الذي قاتل المسلمين بالقادسية، خليفة أبيه بخراسان، فسار في عسكر ~~حتى نزل بالمدائن وسمل عيني آزرميدخت وقتلها، وقيل: بل سمت. وكان ملكها ستة ~~أشهر. قيل: ثم أتى رجل يقال له كسرى بن مهرجسنس من عقب أردشير بن باك كان ~~ينزل الأهواز، فملكه العظماء ولبس التاج وقتل بعد أيام، وقيل: إن الذي ملك ~~بعد آزرميدخت خرزاد خسرو من ولد أبرويز وأمه كردية أخت بسطام، قيل: وجد ~~بحصن الحجارة بقرب نصيبين، فمكث أياما يسيرة ثم خلعوه وقتلوه. وكان ملكه ~~ستة أشهر. وقال الذين قالوا ملك كسرى بن مهرجسنس: إنه لما قتل طلب عظماء ~~الفرس ms0331 من له نسب ببيت المملكة ولو من النساء، فأتوا برجل كان يسكن ميسان ~~يقال له فيروز بن مهران جسنس، ويسمى أيضا جسنسنده، أمه صهار بخت ابنة ~~يزدانزان بن أنوشروان فملكوه، وكان ضخم الرأس. فلما توج قال: ما أضيق هذا ~~التاج ! فتطيروا من كلامه فقتلوه في الحال، وقيل: كان قتله بعد أيام. ### | AUT ذكر ملك يزدجرد بن شهريار بن أبرويز # ثم إن الفرس اضطرب أمرهم ودخل المسلمون بلادهم فطلبوا أحدا من بيت ~~المملكة ليملكوه ويقاتلوا بين يديه ويحفظوا بلادهم، فظفروا بيزدجرد ابن ~~شهريار بن أبرويز بإصطخر، فأخذوه وساروا به إلى المدائن فملكوه واستقر في ~~الملك، غير أن ملكه كان كالخيال عند ملك أهل بيته. وكان الوزراء والعظماء ~~يدبرون ملكه لحداثة سنه وضعف أمر مملكة فارس، واجترأ عليهم الأعداء وتطرقوا ~~بلادهم، وغزت العرب بلادهم بعد أن مضى من ملكه سنتان. وكان عمره كله إلى أن ~~قتل ثمانيا وعشرين سنة، وبقي من أخباره ما نذكره إن شاء الله في موضعه من ~~فتوح المسلمين. هذا آخر ملوك الفرس ونذكر بعده التواريخ الإسلامية على ~~سياقة سني الهجرة، ونقدم قبل ذلك الأيام المشهورة للعرب في الجاهلية، ثم ~~نأتي بعدها بالحوادث الإسلامية إن شاء الله تعالى. ### | AUT ذكر أيام العرب في الجاهلية # لم يذكر أبو جعفر من أيامها غير يوم ذي قار وجذيمة الأبرش والزباء وطسم ~~وجديس، وما ذكر ذلك إلا حيث أنهم ملوك، فأغفل ما سوى ذلك. ونحن نذكر الأيام ~~المشهورة والوقائع المذكورة التي اشتملت على جمع كثيرة وقتال شديد، ولم ~~أعرج على ذكر غارات تشتمل على النفر اليسير لأنه يكثر ويخرج عن الحصر، ~~فنقول، وبالله التوفيق. ### || AUT ذكر حرب زهير بن جناب الكلبي # ### || AUT مع غطفان وبكر وتغلب وبني القين # كان زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف ابن عذرة ~~الكلبي أحد من اجتمعت عليه قضاعة، وكان يدعى الكاهن لصحة رأيه، وعاش مائتين ~~وخمسين سنة، أوقع فيها مائتي وقعة؛ وقيل: عاش أربعمائة وخمسين سنة، وكان ~~شجاعا مظفرا ميمون ms0332 النقيبة. وكان سبب غزاته غطفان أن بني بغيض بن ريث بن ~~غطفان حين خرجوا من تهامة ساروا بأجمعهم، فتعرضت لهم صداء، وهي قبيلة من ~~مذحج، فقاتلوهم، وبنو بغيض سائرون بأهليهم وأموالهم، فقاتلوهم عن حريمهم ~~فظهروا على صداء وفتكوا فيهم، فعزت بغيض بذلك وأثرت وكثرت أموالها. فلما ~~رأوا ذلك قالوا: والله لنتخذن حرما مثل مكة لا يقتل صيده ولا يهاج عائده، ~~فبنوا حرما ووليه بنو مرة بن عوف، فلما بلغ فعلهم وما أجمعوا عليه زهير بن ~~جناب قال: والله لا يكون ذلك أبدا وأنا حي، ولا أخلي غطفان تتخذ حرما أبدا. ~~فنادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقام فيهم فذكر حال غطفان وما بلغه عنهم ~~وقال: إن أعظم مأثرة يدخرها هو وقومه أن يمنعوهم من ذلك، فأجابوه، فغزا بهم ~~غطفان وقاتلهم أبرح قتال وأشده، وظفر بهم زهير وأصاب حاجته منهم وأخذ فارسا ~~منهم في حرمهم فقتله وعطل ذلك الحرم. ثم من على غطفان ورد النساء وأخذ ~~الأموال؛ وقال زهير في ذلك: فلم تصبر لنا غطفان لما ... تلاقينا وأحرزت ~~النساء فلولا الفضل منا ما رجعتم ... إلى عذراء شيمتها الحياء PageV01P0173 # فدونكم ديونا فاطلبوها ... وأوتارا ودونكم اللقاء فإنا حيث لا يخفى عليكم ~~... ليوث حين يحتضر اللواء فقد أضحى لحي بني جناب ... فضاء الأرض والماء ~~الرواء نفينا نخوة الأعداء عنا ... بأرماح أسنتها ظماء ولولا صبرنا يوم ~~التقينا ... لقينا مثل ما لقيت صداء غداة تضرعوا لبني بغيض ... وصدق الطعن ~~للنوكى شفاء وأما حربه مع بكر وتغلب ابني وائل فكان سببها أن أبرهة حين طلع ~~إلى نجد أتاه زهير، فأكرمه وفضله على من أتاه من العرب، ثم أمره على بكر ~~وتغلب ابني وائل، فوليهم حتى أصابتهم سنة فاشتد عليهم ما يطلب منهم من ~~الخراج، فأقام بهم زهير في الحرب ومنعهم من النجعة حتى يؤدوا ما عليهم، ~~فكانت مواشيهم تهلك. فلما رأى ذلك ابن زيابة أحد بني تيم الله بن ثعلبة، ~~وكان فاتكا، أتى زهيرا وهو نائم، فاعتمد التيمي بالسيف على بطن زهير فمر ~~فيها حتى خرج من ظهره ms0333 مارقا بين الصفاق، وسلمت أمعاؤه وما في بطنه، وظن ~~التيمي أنه قد قتله، وعلم زهير أنه قد سلم فلم يتحرك لئلا يجهز عليه، فسكت. ~~فانصرف التيمي إلى قومه فأعلمهم أنه قتل زهيرا، فسرهم ذلك. ولم يكن مع زهير ~~إلا نفر من قومه، فأمرهم أن يظهروا أنه ميت وأن يستأذنوا بكرا وتغلب في ~~دفنه فإذا أذنوا دفنوا ثيابا ملفوفة وساروا به مجدين إلى قومهم، ففعلوا ~~ذلك. فأذنت لهم بكر وتغلب في دفنه، فحفروا وعمقوا ودفنوا ثيابا ملفوفة لم ~~يشك من رآها أن فيها ميتا، ثم ساروا مجدين إلى قومهم، فجمع لهم زهير ~~الجموع، وبلغهم الخبر، فقال بن زيابة: طعنة ما طعنت في غلس اللي ... ل ~~زهيرا وقد توافى الخصوم حين يحمي له المواسم بكر ... أين بكر وأين منها ~~الحلوم خانني السيف إذ طعنت زهيرا ... وهو سيف مضلل مشؤوم وجمع زهير من قدر ~~عليه من أهل اليمن، وغزا بكرا وتغلب، وكانوا علموا به، فقاتلهم قتالا شديدا ~~انهزمت به بكر، وقاتلت تغلب بعدها فانهزمت أيضا، وأسر كليب ومهلهل ابنا ~~ربيعة وأخذت الأموال وكثرت القتلى في بني تغلب وأسر جماعة من فرسانهم ~~ووجوههم، فقال زهير في ذلك من قصيدته: أين أين الفرار من حذر الموت ... ت ~~إذا يتقون بالأسلاب إذ أسرنا مهلهلا وأخاه ... وابن عمرو في القيد وابن ~~شهاب وسبينا من تغلب كل بيضا ... ء رقود الضحى برود الرضاب حين تدعو مهلهلا ~~يال بكر ... ها أهذي حفيظة الأحساب ويحكم ويحكم أبيح حماكم ... يا بني تغلب ~~أنا بن رضاب وهم هاربون في كل فج ... كشريد النعام فوق الروابي واستدارت ~~رحى المنايا عليهم ... بليوث من عامر وجناب فهم بين هارب ليس يألو ... ~~وقتيل معفر في التراب فضل العز عزنا حين نسمو ... مثل فضل السماء فوق ~~السحاب وأما حربه مع بني القين بن جسر فكان سببها أن أختا لزهير كانت ~~متزوجة فيهم. فجاء رسولها إلى زهير ومعه صرة فيها رمل وصرة فيها شوك قتاد، ~~فقال زهير: إنها تخبركم أنه يأتيكم عدو كثير ذو شوكة شديدة، فاحتملوا. فقال ms0334 ~~الجلاح بن عوف السحمي: لا نحتمل لقول امرأة، فظعن زهير وأقام الجلاح، وصبحه ~~الجيش فقتلوا عامة قوم الجلاح وذهبوا بأموالهم وماله. ومضى زهير فاجتمع مع ~~عشيرته من بني جناب، وبلغ الجيش خبره فقصدوه، فقاتلهم وصبر لهم فهزمهم وقتل ~~رئيسهم، فانصرفوا عنه خائبين. ولما طال عمر زهير وكبرت سنه استخلف ابنه ~~أخيه عبد الله بن عليم، فقال زهير يوما: ألا إن الحي ظاعن. فقال عبد الله: ~~ألا إن الحي مقيم. فقال زهير: من هذا المخالف علي ؟ فقالوا: ابن أخيك عبد ~~الله بن عليم. فقال: أعدى الناس للمرء ابن أخيه. ثم شرب الخمر صرفا حتى ~~مات. وممن شرب الخمر صرفا حتى مات عمرو بن كلثوم التغلبي، وأبو عامر ملاعب ~~الأسنة العامري. ### || AUT ذكر يوم البردان # PageV01P0174 # فكان من حديثه أن زياد بن الهبولة ملك الشام، وكان من سليح بن حلوان بن ~~عمران بن الحاف بن قضاعة. فأغار على حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث ~~الكندي ملك عرب بنجد ونواحي العراق وهو يلقب آكل المرار، وكان حجر قد أغار ~~في كندة وربيعة على البحرين، فبلغ زيادا خبرهم فسار إلى أهل حجر وربيعة ~~وأموالهم وهم خلوف ورجالهم في غزاتهم المذكورة، فأخذ الحريم والأموال وسبى ~~فيهم هندا بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية. وسمع حجر وكندة وربيع ~~بغارة زيادة فعادوا عن غزوهم في طلب ابن الهبولة، ومع حجر أشراف ربيعة عوف ~~بن محلم بن ذهل بن شيبان. وعمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وغيرهما، ~~فأدركوا عمرا بالبردان دون عين أباغ وقد أمن الطلب، فنزل حجر في سفح جبل، ~~ونزلت بكر وتغلب وكندة مع حجر دون الجبل بالصحصحان على ماء يقال له حفير. ~~فتعجل عوف بن محلم وعمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وقالا لحجر: إنا ~~متعجلان إلى زياد لعلنا نأخذ منه بعض ما أصاب منا. فسارا إليه، وكان بينه ~~وبين عوف إخاء، فدخل عليه وقال له: يا خير الفتيان اردد علي امرأتي أمامة. ~~فردها عليه وهي حامل، فولدت له ms0335 بنتا أراد عوف أن يئدها فاستوهبها منه عمرو ~~بن أبي ربيعة وقال: لعلها تلد أناسا، فسميت أم أناس، فتزوجها الحارث بن ~~عمرو بن حجر آكل المرار، فولدت عمرا، ويعرف بابن أم أناس. ثم إن عمرو بن ~~أبي ربيعة قال لزياد: يا خير الفتيان اردد علي ما أخذت من إبلي. فردها عليه ~~وفيها فحلها، فنازعه الفحل إلى الإبل، فصرعه عمرو. فقال له زياد: يا عمرو ~~لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم ! فقال له ~~عمرو: لقد أعطيت قليلا، وسميت جليلا، وجررت على نفسك ويلا طويلا ! ولتجدن ~~منه، ولا والله لا تبرح حتى أروي سناني من دمك ! ثم ركض فرسه حتى صار إلى ~~حجر، فلم يوضح له الخبر، فأرسل سدوس بن شيبان بن ذهل وصليع بن عبد غنم ~~يتجسسان له الخبر ويعلمان علم العسكر، فخرجنا حتى هجما على عسكره ليلا وقد ~~قسم الغنيمة وجيء بالشمع فأطعم الناس تمرا وسمنا، فلما أكل الناس نادى: من ~~جاء بحزمة حطب فله قدرة نمر. فجاء سدوس وصليع بحطب وأخذا قدرتين من تمر ~~وجلسا قريبا من قبته. ثم انصرف صليع إلى حجر فأخبره بعسكر زياد وأراه ~~التمر. وأما سدوس فقال: لا أبرح حتى آتيه بأمر جلي. وجلس مع القوم يتسمع ما ~~يقولون، وهند امرأة حجر خلف زياد، فقالت لزياد: إن هذا التمر أهدي إلى حجر ~~من هجر، والسمن من دومة الجندل. ثم تفرق أصحاب زياد عنه، فضرب سدوس يده إلى ~~جليس له وقال له: من أنت؟ مخافة أن يستنكره الرجل. فقال: أنا فلان بن فلان. ~~ودنا سدوس من قبة زياد بحيث يسمع كلامه، ودنا زياد من امرأة حجر فقبلها ~~وداعبها وقال لها: ما ظنك الآن بحجر ؟ فقالت: ما هو ظن ولكنه يقين، إنه ~~والله لن يدع طلبك حتى تعاين القصور الحمر، يعني قصور الشام، وكأني به في ~~فوارس من بني شيبان يذمرهم ويذمرونه وهو شديد الكلب تزبد شفتاه كأنه بعير ~~أكل مرارا، فالنجاء النجاء ! فإن وراءك طالبا حثيثا، وجمعا كثيفا، وكيدا ~~متينا، ms0336 ورأيا صليبا. فرفع يده فلطمها ثم قال لها: ما قلت هذا إلا من عجبك ~~به وحبك له ! فقالت: والله ما أبغضت أحدا بغضي له ولا رأيت رجلا أحزم منه ~~نائما ومستيقظا، إن كان لتنام عيناه فبعض اعضائه مستيقظ ! وكان إذا أراد ~~النوم أمرني أن أجعل عنده عسا من لبن، فبينا هو ذات ليلة نائم وأنا قريب ~~منه أنظر إليه، إذ أقبل أسود سالخ إلى رأسه فنحى رأسه، فمال إلى يده ~~فقبضها، فمال إلى رجله فقبضها، فمال إلى العس فشربه ثم مجه. فقتل: يستيقظ ~~فيشربه فيموت فأستريح منه. فانتبه من نومه فقال: علي بالإناء، فناولته فشمه ~~ثم ألقاه فهريق. فقال: أين ذهب الأسود ؟ فقلت: ما رأيته. فقال: كذبت والله ~~! وذلك كله يسمعه سدوس، فسار حتى أتى حجرا، فلما دخل عليه قال: أتاك ~~المرجفون بأمر غيب ... على دهش وجئتك باليقين فمن يك قد أتاك بأمر لبس ... ~~فقد آتي بأمر مستبين ثم قص عليه ما سمع، فجعل حجر يعبث بالمرار ويأكل منه ~~غضبا وأسفا، ولا يشعر أنه يأكله من شدة الغضب، فلما فرغ سدوس من حديثه وجد ~~حجر المرار فسمي يومئذ آكل المرار، والمرار نبت شديد المرارة لا تأكله دابة ~~إلا قتلها. PageV01P0175 # ثم أمر حجر فنودي في الناس وركب وسار إلى زياد فاقتتلوا قتالا شديدا، ~~فانهزم زياد وأهل الشام وقتلوا قتلا ذريعا، واستنقذت بكر وكندة ما كان ~~بأيديهم من الغنائم والسبي، وعرف سدوس زيادا فحمل عليه فاعتنقه وصرعه وأخذه ~~أسيرا، فلما رآه عمرو بن أبي ربيعة حسده فطعن زيادا فقتله. فغضب سدوس وقال: ~~قتلت أسيري وديته دية ملك، فتحاكما إلى حجر، فحكم على عمرو وقومه لسدوس ~~بدية ملك وأعانهم من ماله. وأخذ حجر زوجته هندا فربطها في فرسين ثم ركضهما ~~حتى قطعاها، ويقال: بل أحرقها، وقال فيها: إن من غره النساء بشيء ... بعد ~~هند لجاهل مغرور حلوة العين والحديث ومر ... كل شيء أجن منها الضمير كل ~~أنثى وإن بدا لك منها ... آية الحب حبها خيتعور ثم عاد إلى الحيرة. قلت: ~~هكذا قال بعض ms0337 العلماء إن زياد بن هبولة السليحي ملك الشام غزا حجرا، وهذا ~~غير صحيح لأن ملوك سليح كانوا بأطراف الشام مما يلي البر من فلسطين إلى ~~قنسرين والبلاد للروم، ومنهم أخذت غسان هذه البلاد، وكلهم كانوا عمالا ~~لملوك الروم كما كان ملوك الحيرة عمالا لملوك الفرس على البر والعرب، ولم ~~يكن سليح ولا غسان مستقلين بملك الشام، ولا بشبر واحد على سبيل التفرد ~~والاستقلال. وقولهم: ملك الشام، غير صحيح، وزياد بن هبولة السليحي ملك ~~مشارف الشام أقدم من حجر آكل المراز بزمان طويل، لأن حجرا هو جد الحارث ابن ~~عمرو بن حجر الذي ملك الحيرة والعرب بالعراق أيام قباذ أبي أنوشروان. وبين ~~ملك قباذ والهجرة نحو مائة وثلاثين سنة، وقد ملكت غسان أطراف الشام بعد ~~سليح ستمائة سنة، وقيل: خمسمائة سنة، وأقل ما سمعت فيه ثلاثمائة سنة وست ~~عشرة سنة، وكانوا بعد سليح، ولم يكن زياد آخر ملوك سليح، فتزيد المدة زيادة ~~أخرى، وهذا تفاوت كثير فكيف يستقيم أن يكون ابن هبولة الملك ايام حجر حتى ~~يغير عليه ! وحيث أطبقت رواة العرب على هذه الغزاة فلا بد من توجيهها، ~~وأصلح ما قيل فيه: إن زياد بن هبولة المعاصر لحجر كان رئيسا على قوم أو ~~متغلبا على بعض أطراف الشام حتى يستقيم هذا القول، والله أعلم. وقولهم ~~أيضا: إن حجرا. عاد إلى الحيرة، لا يستقيم أيضا لأن ملوك الحيرة من ولد عدي ~~بن نصر اللخمي لم ينقطع ملكهم لها إلا أيام قباذ، فإنه استعمل الحارث بن ~~عمرو بن حجر آكل المرار كما ذكرناه قبل. فلما ولي أنوشروان عزل الحارث ~~وأعاد اللخميين، ويشبه أن يكون بعض الكنديين قد ذكر هذا تعصبا، والله أعلم. ~~إن أبا عبيدة ذكر هذا اليوم ولم يذكر أن ابن هبولة من سليح بل قال: هو غالب ~~بن هبولة ملك من ملوك غسان، ولم يذكر عوده إلى الحيرة؛ فزال هذا الوهم. ~~وسليح بفتح السين المهملة، وكسر اللام، وآخره حاء مهملة. ### || AUT ذكر مقتل حجر أبي امرئ القيس # ### || AUT والحروب الحادثة ms0338 بمقتله إلى أن مات امرؤ القيس # نذكر أولا سبب ملكهم العرب بنجد ونسوق الحادث إلى قتله وما يتصل به ~~فنقول: كان سفهاء بكر قد غلبوا على عقلائها وغلبوهم على الأمر وأكل القوي ~~الضعيف، فنظر العقلاء في أمرهم فرأوا أن يملكوا عليهم ملكا يأخذ للضعيف من ~~القوي. فنهاهم العرب وعلموا أن هذا لا يستقيم بأن يكون الملك منهم لأنه ~~يطيعه قوم ويخالفه آخرون، فساروا إلى بعض تبايعة اليمن، وكانوا للعرب ~~بمنزلة الخلفاء للمسلمين، وطبوا منه أن يملك عليهم ملكا، فملك عليهم حجر بن ~~عمرو آكل المرار، فقدم عليهم ونزل ببطن عاقل وأغار ببكر فانتزع عامة ما كان ~~بأيدي اللخميين من أرض بكر وبقي كذلك إلى أن مات فدفن ببطن عاقل. فلما مات ~~صار عمرو بن حجر آكل المرار، وهو المقصور، ملكا بعد أبيه، وإنما قيل له ~~المقصور لأنه قصر على ملك أبيه، وكان أخوه معاوية، وهو الجون، على اليمامة، ~~فلما مات عمرو ملك بعده ابنه الحارث، وكان شديد الملك بعيد الصوت، فلما ملك ~~قباذ بن فيروز الفرس خرج في أيامه مزدك فدعا الناس إلى الزندقة، كما ~~ذكرناه، فأجابه قباذ إلى ذلك، وكان المنذر بن ماء السماء عاملا للأكاسرة ~~على الحيرة ونواحيها، فدعاه قباذ إلى الدخول معه، فامتنع، فدعا الحارث بن ~~عمرو إلى ذلك فأجابه، فاستعمله على الحيرة وطرد المنذر عن مملكته. وقيل في ~~تمليكه غير ذلك، وقد ذكرناه أيام قباذ. PageV01P0176 # فبقوا كذلك إلى أن ملك كسرى أنوشروان بن قباذ بعد أبيه فقتل مزدك وأصحابه ~~وأعاد المنذر بن ماء السماء إلى ولاية الحيرة وطلب الحارث بن عمرو، وكان ~~بالأنباء، وبها منزله، فهرب بأولاده وماله وهجانته، وتبعه المنذر بالخيل من ~~تغلب وإياد وبهراء فلحق بأرض كلب فنجا وانتهبوا ماله وهجانته، وأخذت تغلب ~~ثمانية وأربعين نفسا من بني آكل المرار، فيهم عمرو ومالك ابنا الحارث، ~~فقدموا بهم على المنذر، فقتلهم في ديار بني مرينا، وفيهم يقول عمرو بن ~~كلثوم: فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا وفيهم يقول امرؤ ~~القيس: ملوك من بني حجر بن ms0339 عمرو ... يساقون العشية يقتلونا فلو في يوم ~~معركة أصيبوا ... ولكن في ديار بني مرينا ولم تغسل جماجمهم بغسل ... ولكن ~~في الدماء مرملينا تظل الطير عاكفة عليهم ... وتنتزع الحواجب والعيونا ~~وأقام الحارث بديار كلب، فتزعم كلب أنهم قتلوه، وعلماء كندة تزعم أنه خرج ~~يتصيد فتبع تيسا من الظباء فأعجزه فأقسم أن لا يأكل شيئا إلا من كبده، ~~فطلبته الخيل، فأتى به بعد ثلاثة، وقد كاد يهلك جوعا، فشوي له بطنه فأكل ~~فلذة من كبده حارة فمات. ولما كان الحارث بالحيرة أتاه أشراف عدة قبائل من ~~نزار فقالوا: إنا في طاعتك وقد وقع بيننا من الشر بالقتل ما تعلم وتخاف ~~الفناء فوجه معنا بنيك ينزلون فينا فيكفون بعضنا عن بعض. ففرق أولاده في ~~قبائل العرب، فملك ابنه حجرا على بني أسد بن خزيمة وغطفان، ومد لك ابنه ~~شرحبيل، وهو الذي قتل يوم الكلاب، على بكر بن وائل بأسرها وعلى غيرها، وملك ~~ابنه معدي كرب، وهو غلفاء، وإنما قيل له غلفاء لأنه كان يغلف رأسه بالطيب، ~~على قييس عيلان وطوائف غيرهم، وملك ابنه سلمة على تغلب والنمر بن قاسط وبني ~~سعد بن زيد مناة من تميم. فبقي حجر في بني أسد وله عليهم جائزة وإتاوة كل ~~سنة لما يحتاج إليه، فبقي كذلك دهرا، ثم بعثإليهم من يجبي ذلك منهم، وكانوا ~~بتهامة، وطردوا رسله وضربوهم، فبلغ ذلك حجرا، فسار إليهم بجند من ربيعة ~~وجند من جند أخيه من قيس وكنانة، فأتاهم فأخذ سرواتهم وخيارهم وجعل يقتلهم ~~بالعصا وأباح الأموال وسيره إلى تهامة وحبس منهم جماعة من أشرافهم، منهم ~~عبيد بن الأبرص الشاعر، فقال شعرا يستعطفه لهم، فرق لهم وأرسل من يردهم، ~~فلما صاروا على يوم منه تكهن كاهنهم، وهو عوف بن ربيعة ابن عامر الأسدي، ~~فقال لهم: من الملك الصلهب، الغلاب غير المغلب، في الإبل كأنها الربرب، هذا ~~دمه يتثعب، وهو غدا أول من يستلب ؟ قالوا: ومن هو ؟ قال: لولا تجيش نفس ~~خاشيه، لأخبرتكم أنه حجر ضاحيه، فركبوا كل صعب وذلول حتى بلغوا إلى ms0340 عسكر ~~حجر فهجموا عليه في قبته فقتلوه، طعنه علياء بن الحارث الكاهلي فقتله، وكان ~~حجر قتل أباه، فلما قتل قالت بنو أسد: يا معشر كنانة وقيس أنتم إخواننا ~~وبنو عمنا والرجل بعيد النسب منا ومنكم وقد رأيتم سيرته وما كان يصنع بكم ~~هو وقومه فانتهبوهم. فشدوا على هجانته فانتهبوها ولفوه في ريطة بيضاء ~~وألقوه على الطريق، فلما رأته قيس وكنانة انتهبوا أسلابه وأجار عمرو بن ~~مسعود عياله. وقيل:إن حجرا لما رأى اجتماع بني أسد عليه خافهم فاستجار ~~عويمر ابن شجنة أحد بني عطارد بن كعب بن زيد مناة بن تميم لبنته هند بنت ~~حجر وعياله، وقال لبني أسد: إن كان هذا شأنكم فإني مرتحل عنكم ومخليكم ~~وشأنكم. فوادعوه على ذلك وسار عنهم وأقام في قومه مدة ثم جمع لهم جمعا ~~عظيما وأقبل إليهم مدلا بمن معه، فتآمرت بنو أسد وقالوا: والله لئن قهركم ~~ليحكمن عليكم حكم الصبي فما خير العيش حينئذ فموتوا كراما. فاجتمعوا وساروا ~~إلى حجر فلقوه فاقتتلوا قتالا شديدا، وكان صاحب أمرهم علباء ابن الحارث، ~~فحمل على حجر فطعنه فقتله، وانهزمت كندة ومن معهم، وأسر بنو أسد من أهل بيت ~~حجر وغنموا حتى ملأوا أيديهم من الغنائم، وأخذوا جواريه ونساءه وما معهم ~~فاقتسموه بينهم. PageV01P0177 # وقيل: إن حجرا أخذ أسيرا في المعركة وجعل في قبة، فوثب عليه ابن أخت ~~علباء فضربه بحديدة كانت معه لأن حجرا كان قتل أباه، فلما جرحه لم يقض ~~عليه، فأوصى حجر ودفع كتابه إلى رجل وقال له: انطلق إلى ابني نافع، وكان ~~أكبر أولاده، فإن بكى وجزع فاتركه واستقرهم واحدا واحدا حتى تأتي امرأ ~~القيس، وكان أصغرهم، فأيهم لم يجزع فادفع إليه خيلي وسلاحي ووصيتي. وقد كان ~~بين في وصيته من قتله وكيف كان خبره. فانطلق الرجل بوصيته إلى ابنه نافع ~~فوضع التراب على رأسه ثم أتاهم كلهم، ففعلوا مثله حتى أتى امرأ القيس فوجده ~~مع نديم له يشرب الخمر ويلعب معه بالنرد، فقال: قتل حجر، فلم يلتفت إلى ~~قوله، وأمسك نديمه، فقال له ms0341 امرؤ القيس: اضرب، فضرب حتى إذا فرغ قال: ما ~~كنت لأفسد دستك، ثم سأل الرسول عن أمر أبيه كله، فأخبره، فقال له: الخمر ~~والنساء علي حرام حتى أقتل من بني أسد مائة وأطلق مائة. وكان حجر قد طرد ~~امرأ القيس لقوله الشعر، وكان يأنف منه، وكانت أم امرئ القيس فاطمة بنت ~~ربيعة بن الحارث أخت كليب بن وائل، وكان يسير في أحياء العرب يشرب الخمر ~~على الغدران ويتصيد، فأتاه خبر قتل أبيه وهو بدمون من أرض اليمن، فلما سمع ~~الخبر قال: تطاول الليل علينا دمون ... دمون إنا معشر يمانون وإننا لقومنا ~~محبون ثم قال: ضيعني صغيرا وحملني دمه كبيرا، لا صحو اليوم ولا سكر غدا، ~~اليوم خمر وغدا أمر. فذهبت مثلا. ثم ارتحل حتى نزل ببكر وتغلب فسألهم النصر ~~على بني أسد، فأجابوه. فبعث العيون إلى بني أسد، فنذروا به، فلجأوا إلى بني ~~كنانة، وعيون امرئ القيس معهم، فقال لهم علباء بن الحارث: اعلموا أن عيون ~~امرئ القيس قد عادوا إليه بخبركم وأنكم عند بني كنانة، فارحلوا بليل ولا ~~تعلموا بني كنانة. فارتحلوا. وأقبل امرؤ القيس بمن معه من بكر وتغلب وغيرهم ~~حتى انتهى إلى بني كنانة، وهو يظنهم بني أسد، فوضع السلاح فيهم وقال: يا ~~لثارات الملك يا لثارات الهمام ! فقيل له: أبيت اللعن ! لسنا لك بثأر، نحن ~~بنو كنانة فدونك ثأرك فاطلبهم فإن القوم قد ساروا بالأمس. فتبع بني أسد، ~~ففاتوه ليلتهم، فقال في ذلك: ألا يا لهف هند إثر قوم ... هم كانوا الشفاء ~~فلم يصابوا وقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب وأفلتهن ~~علباء جريضا ... ولو أدركته صفر الوطاب يعني ببني أبيهم كنانة، فإن أسدا ~~وكنانة ابني خزيمة هما أخوان. وقوله: ولو أدركته صفر الوطاب، قيل: كانوا ~~قتلوه واستاقوا إبله فصفرت وطابه من اللبن، أي خلت، وقيل: كانوا قتلوه فخلا ~~جلده، وهو وطابه، من دمه بقتله. فسار امرؤ القيس في آثار بني أسد فأدركهم ~~ظهرا وقد تقطعت خيله وهلكوا عطشا وبنو أسد نازلون على الماء، فقاتلهم ms0342 حتى ~~كثرت القتلى بينهم وهربت بنو أسد. فلما أصبحت بكر وتغلب أبوا أن يتبعوهم ~~وقالوا: قد أصبت ثأرك. فقال: لا والله. فقالوا: بلى ولكنك رجل مشؤوم، ~~وكرهوا قتلهم بني كنانة فانصرفوا عنه، ومضى إلى أزد شنوءة يستنصرهم، فأبوا ~~أن ينصروه وقالوا: إخواننا وجيراننا. فسار عنهم ونزل بقيل يدعى مرثد الخير ~~بن ذي جدن الحميري، وكان بينهما قرابة، فاستنصره على بني أسد، فأمده ~~بخمسمائة رجل من حمير، ومات مرثد قبل رحيل امرئ القيس، وملك بعده رجل من ~~حمير يقال له قرمل، فزود امرأ القيس ثم سير معه ذلك الجيش وتبعه شذاذ من ~~العرب واستأجر غيرهم من قبائل اليمن، فسار بهم إلى بني أسد وظفر بهم. ثم إن ~~المنذر طلب امرأ القيس ولج في طلبه ووجه الجيوش إليه، فلم يكن لامرئ القيس ~~بهم طاقة وتفرق عنهم من كان معه من حمير وغيرهم، فنجا في جماعة من أهله ~~ونزل بالحارث بن شهاب اليبروعي، وهو أبو عتيبة ابن الحارث، فأرسل إليه ~~المنذر يتوعده بالقتال إن لم يسلمهم إليه، فسلمهم، ونجا امرؤ القيس ومعه ~~يزيد بن معاوية بن الحارث وابنته هند ابنة امرئ القيس وأدراعه وسلاحه ~~وماله، فخرج ونزل على سعد بن الضباب الإيادي سيد قومه، فأجاره، ومدحه امرؤ ~~القيس ثم تحول عنه ونزل على المعلى بن تيم الطائي فأقام عنده واتخذ إبلا ~~هناك، فعدا قوم من جديلة يقال لهم بنو زيد عليها فأخذوها، فأعطاه بنو نبهان ~~معزى يحلبها فقال: PageV01P0178 # إذا ما لم يكن إبل فمعزى ... كأن قرون جلتها العصي الأبيات. ثم رحل عنهم ~~ونزل بعامر بن جوين، فأراد أن يغلب امرأ القيس على ماله وأهله، فعلم امرؤ ~~القيس بذلك فانتقل إلى رجل من بني ثعل يقال له حارثة بن مر فاستجاره، ~~فأجاره. فوقعت بين عامر بن جوين والثعلي حرب، وكانت أمور كبيرة، فلما رأى ~~امرؤ القيس أن الحرب قد وقعت بين طيئ بسببه خرج من عندهم فقصد السموأل بن ~~عادياء اليهودي، فأكرمه وأنزله، فأقام عنده امرؤ القيس ما شاء الله ثم طلب ~~منه أن ms0343 يكتب له إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ليوصله إلى قيصر، ففعل ذلك، ~~وسار إلى الحارث وأودع أهله وأدراعه عند السموأل، فلما وصل إلى قيصر أكرمه. ~~فبلغ ذلك بني أسد فأرسلوا رجلا منهم يقال له الطماح، كان امرؤ القيس قتل ~~أخا له، فوصل الأسدي، وقد سير قيصر مع امرئ القيس جيشا كثيفا فيهم جماعة من ~~أبناء الملوك. فلما سار امرؤ القيس، قال الطماح لقيصر: إن امرأو القيس غوي ~~عاهر، وقد ذكر أنه كان يراسل ابنتك ويواصلها وقال فيها أشعارا أشهرها بها ~~في العرب، فبعث إليه قيصر بحلة وشي منسوجة بالذهب، مسمومة، وكتب إليه: إني ~~أرسلت إليك بحلتي التي كنت ألبسها تكرمة لك فالبسها واكتب إلي بخبرك من ~~منزل منزل. فلبسها امرؤ القيس وسر بذلك، فأسرع فيه السم وسقط جلده، فلذلك ~~سمي ذا القروح؛ فقال امرؤ القيس في ذلك: لقد طمح الطماح من نحو أرضه ... ~~ليلبسني مما يلبس ابؤسا فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفسا ~~فلما وصل إلى موضع من بلاد الروم يقال له أنقرة احتضر بها، فقال: رب خطبة ~~مسحنفره، وطعنة مثعنجره، وجفنة متحيره، حلت بأرض أنقره. رب خطبة مسحنفره، ~~... وطعنة مثعنجره وجفنة متحيره ... حلت بأرض أنقره ورأى قبر أمراة من بنات ~~ملوك الروم وقد دفنت بجنب عسيب، وهو جبل، فقال: أجارتنا إن الخطوب تنوب ... ~~وإني مقيم ما أقام عسيب أجارتنا إنا غريبان ها هنا ... وكل غريب للغريب ~~نسيب ثم مات فدفن إلى جنب المرأة، فقبره هناك. ولما مات امرؤ القيس سار ~~الحارث بن أبي شمر الغساني إلى السموأل بن عادياء وطالبه بأدراع امرئ ~~القيس، وكانت مائة درع، وبما له عنده، فلم يعطه، فأخذ الحارث ابنا للسموأل، ~~فقال: إما أن تسلم الأدراع وإما قتلت ابنك. فأبى السموأل أن يسلم إليه ~~شيئا، فقتل ابنه، فقال السموأل في ذلك: وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما ~~ذم أقوام وفيت وأوصى عاديا يوما بأن لا ... تهدم يا سموأل ما بنيت بنى لي ~~عاديا حصنا حصينا ... وماء كلما شئت استقيت وقد ذكر ms0344 الأعشى هذه الحادثة، ~~فقال: كن كالسموأل إذا طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار إذ سامه ~~خطتي خسف فقال له: ... قل ما تشاء فإني سامع حار فقال: غدر وثكل أنت بينهما ~~... فاختر فما فيهما حظ لمختار فشك غير طويل ثم قال له: اقتل أسيرك إني ~~مانع جاري وهي أكثر من هذا. ### || AUT يوم خزاز # وكان من حديثه أن ملكا من ملوك اليمن كان في يديه أسرى من مضر وربيعة ~~وقضاعة، فوفد عليه وفد من وجوه بني معد، منهم: سدوس بن شيبان بن ذهل بن ~~ثعلبة، وعوف بن محلم بن ذهل بن شيبان، وعوف ابن عمرو بن جشم بن ربيعة بن ~~زيد مناة بن عامر اضحيان، وجشم بن ذهل بن هلال بن ربيعة بن زيد ابن عامر ~~الضحيان، فلقيهم رجل من بهراء يقال له عبيد بن قراد، وكان في الأسرى، وكان ~~شاعرا، فسألهم أن يدخلوه في عدة من يسألون فيه، فكلموا الملك فيه وفي ~~الأسرى، فوهبهم لهم، فقال عبيد بن قراد البهراوي: نفسي الفداء لعوف الفعال ~~... وعوف ولابن هلال جشم تداركني بعدما قد هوي ... ت مستمسكا بعراقي الوذم ~~ولولا سدوس وقد شمرت ... بي الحرب زلت بنعلي القدم وناديت بهراء كي يسمعوا ~~... وليس بآذانهم من صمم ومن قبلا عصمت قاسط ... معدا إذا ما عزيز أزم ~~PageV01P0179 # فاحتبس الملك عنده بعض الوفد رهينة وقال للباقين: ايتوني برؤساء قومكم ~~لآخذ عليهم المواثيق بالطاعة لي وإلا قتلت أصحابكم. فرجعوا إلى قومهم ~~فأخروهم الخبر، فبعث كليب وائلإلى ربيعة فجمعهم، واجتمعت عليه معد، وهو أحد ~~النفر الذين اجتمعت عليهم معد، على ما نذكره في مقتل كليب. فلما اجتمعوا ~~عليه سار بهم وجعل على مقدمته السفاح التغلبي، وهو سلمة بن خالد بن كعب بن ~~زهير بن تيم بن أسامة بن مالك بن بكر ابن حبيب بن تغلب، وأمرهم أن يوقدوا ~~على خزاز نارا ليهتدوا بها، وخزاز جبل بطخفة ما بين البصرة إلى مكة، وهو ~~قريب من سالع، وهو جبل أيضا؛ وقال له: إن غشيك العدو فأوقد نارين. فبلغ ms0345 ~~مذحجا اجتماع ربيعة ومسيرها فأقبلوا بجموعهم واستنفروا من يليهم من قبائل ~~اليمن وساروا إليهم، فلما سمع أهل تهامة بمسير مذحج انضموا إلى ربيعة، ~~ووصلت مذحج إلى خزام ليلا، فرفع السفاح نارين. فلما رأى كليب النارين اقبل ~~إليهم بالجموع فصبحهم، فالتقوا بخراز فاقتتلوا قتالا شديدا أكثروا فيه ~~القتل، فانهزمت مذحج وانفضت جموعها، فقال السفاح في ذلك: وليلة بت أقود في ~~خزاز ... هديت كتائبا متحيرات ضللن من السهاد وكن لولا ... سهاد القوم أحسب ~~هاديات وقال الفرزدق يخاطب جريرا ويهجوه: لولا فوارس تغلب ابنة وائل ... ~~دخل العدو عليك كل مكان ضربوا الصنائع والملوك وأوقدوا ... نارين أشرفتا ~~على النيران وقيل: إنه لم يعلم أحد من كان الرئيس يوم خزاز لأن عمرو بن ~~كلثوم، وهو ابن ابنة كليب، يقول: ونحن غداة أوقد في خزاز ... رفدنا فوق رفد ~~الرافدينا فلو كان جده الرئيس لذكره ولم يفتخر بأنه رفد، ثم جعل من شهد ~~خزازا متساندين فقال: فكنا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنو ~~أبينا فصالوا صولة فيمن يليهم ... وصلنا صولة فيمن يلينا فقالوا له: ~~استأثرت على إخوتك، يعني مضر، ولما ذكر جده في القصيدة قال: ومنا قبله ~~الساعي كليب ... فأي المجد إلا وقد ولينا فلم يدع له الرياسة يوم خزاز، وهي ~~أشرف ما كان يفتخر له به. حبيب بضم الحاء المهملة، وفتح الباء الموحدة، ~~وسكون الياء تحتها نقطتان، وآخره باء أخرى موحدة. ### || AUT ذكر مقتل كليب # ### || AUT والأيام بين بكر وتغلب # وكان من حديث الحرب التي وقعت بين بكر وتغلب ابني وائل بن هنب ابن أفصى ~~بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان بسبب قتل كليب، ~~واسمه وائل بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن ~~غنم بن تغلب، وإنما لقب كليبا لأنه كان إذا سار أخذ معه جرو كلب، فإذا مر ~~بروضة أو موضع يعجبه ضربه ثم ألقاه في ذلك المكان وهو يصيح ويعوي فلا يسمع ~~عواءه أحد إلا تجنبه ولم يقربه، ms0346 وكان يقال له كليب وائل، ثم اختصروا فقالوا ~~كليب، فغلب عليه. وكان لواء ربيعة بن نزال للأكبر فالأكبر من ولده، فكان ~~اللواء في عنزة بن أسد بن ربيعة، وكانت سنتهم أنهم يصفرون لحاهم ويقصون ~~شواربهم، فلا يفعل ذلك من ربيعة إلا من يخالفهم ويريد حربهم، ثم تحول ~~اللواء في عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن اسد بن ربيعة بن نزال، ~~وكانت سنتهم إذا شتموا لطموا من شتمهم، وإذا لطموا قتلوا من لطمهم. ثم تحول ~~اللواء في النمر بن قاسط بن هنب، وكان لهم غير سنة من تقدمهم. ثم تحول ~~اللواء في النمر بن قاسط بن هنب، وكان لهم غير سنة من تقدمهم. ثم تحول ~~اللواء في النمر بن قاسط بن هنب، وكان لهم غير سنة من لطمهم. ثم تحول ~~اللواء في النمر بن قاسط بن هنب، وكان لهم غير سنة من تقدمهم. ثم تحول ~~اللواء إلى بكر بن وائل فساءوا غيرهم في فرخ طائر، كانوا يوثقون الفرخ ~~بقارعة الطريق، فإذا علم بمكانه لم يسلك أحد ذلك الطريق ويسلك من يريد ~~الذهاب والمجيء عن يمينه ويساره، ثم تحول اللواء إلى تغلب، فوليه وائل بن ~~ربيعة، وكانت سنته ما ذكرناه من جرو الكلب. PageV01P0180 # ولم تجتمع معد إلا على ثلاثة نفر، وهم: عامر بن الظرب بن عمرو ابن بكر بن ~~يشكر بن الحارث، وهو عدوان بن عمرو بن قيس عيلان، وهو الناس بن مضر، ~~بالنون، وهو أخو إليا بن مضر، وكان قائد معد حين تمذحجت مذحج وسارت إلى ~~تهامة، وهي أول وقعة كانت بين تهامة واليمن؛ والثاني ربيعة بن الحارث بن ~~مرة بن زهير بن جشم بن بكر ابن حبيب بن كلب، وكان قائد معد يوم السلان بين ~~أهل اليمامة واليمن؛ والثالث وائل بن ربيعة، وكان قائد معد يوم خزاز ففض ~~جموع اليمن وهزمهم وجعلت له معد قسم الملك وتاجه وطاعته وبقي زمانا من ~~الدهر، ثم دخله زهو شديد وبغى على قومه حتى بلغ من بغيه أنه كان يحمي مواقع ms0347 ~~السحاب فلا يرعى حماه، وكان يقول: وحش أرض كذا في جواري، فلا يصاد، ولا ~~يورد أحد مع إبله ولا يوقد نارا مع ناره، ولا يمر أحد بين بيوته ولا يجتبي ~~في مجلسه. وكانت بنو جشم وبنو شيبان أخلاطا في دار واحدة إرادة الجماعة ~~ومخافة الفرقة، وتزوج كليب جليلة بنت مرة بن شيبان بن ثعلبة، وهي أخت جساس ~~بن مرة، وحمى كليب أرضا من العالية في أو الربيع، وكان لا يقربها إلا ~~محارب، ثم إن رجلا يقال له سعد بن شميس بن طوق الجرمي نزل بالبسوس بنت منقذ ~~التميمية خالة جساس بن مرة. وكان للجرمي ناقة اسمها سراب ترعى مع نوق جساس، ~~وهي التي ضربت العرب بها المثل فقالوا: أشأم من سراب وأشأ من البسوس. فخرج ~~كليب يوما يتعهد الإبل ومراعيها فأتاها وتردد فيها، وكانت إبله وإبل جساس ~~مختلطة، فنظر كليب إلى سراب فأنكرها، فقال له جساس، وهو معه: هذه ناقة ~~جارنا الجرمي. فقال: لا تعد هذه الناقة إلى هذا الحمى. فقال جساس: لا ترعى ~~إبلي مرعى إلا وهذه معها، معها فقال كليب: لئن عادت لأضعن سهمي في ضرعها. ~~فقال جساس: لئن وضعت سهمك في ضرعها لأضعن سنان رمحي في لبتك ! ثم تفرقا، ~~وقال كليب لأمرأته: أترين أن في العرب رجلا مانعا مني جاره ؟ قالت: لا ~~أعلمه إلا جساسا، فحدثها الحديث. وكان بعدذ لك إذا أراد الخروج إلى الحمى ~~منعته وناشتدته الله أن لا يقطع رحمه، وكانت تنهى أخاها جساسا أن يسرح ~~إبله. ثم إن كليبا خرج إلى الحمى وجعل يتصفح الإبل، فرأى ناقة الجرمي فرمى ~~ضرعها فأنقذه، ولها عجيج حتى بركت بفناء صاحبها. فلما رأى ما بها صرخ ~~بالذل، وسمعت البسوس صراخ جارها، فخرجت إليه. فلما رأت ما بناقته وضعت يدها ~~على رأسها ثم صاحت: واذلاه ؟! وجساس يراها ويسمع، فخرج إليها فقال لها: ~~اسكتي ولا تراعي، وسكن الجرمي، وقال لهما: إني سأقتل جملا أعظم من هذه ~~الناقة، سأقتل غلالا، وكان غلال فحل إبل كليب لم ير في زمانه مثله، وإنما ms0348 ~~أراد جساس بمقالته كليبا. وكان لكليب عين يسمع ما يقولون، فأعاد الكلام على ~~كليب، فقال: لقد اقتصر من يمينه على غلال. ولم يزل جساس يطلب غرة كليب، ~~فخرج كليب يوما آمنا فلما بعد عن البيوت ركب جساس فرسه وأخذ رمحه وأدرك ~~كليبا، فوقف كليب. فقال له جساس: يا كليب الرمح وراءك ؟! فقال: إن كنت ~~صادقا فأقبل إلي من أمامي، ولم يلتفت إليه، فطعنه فأرداه عن فرسه، فقال: يا ~~جساس أغثني بشربة من ماء، فلم يأته بشيء، وقضى كليب نحبه. فأمر جساس رجلا ~~كان معه اسمه عمرو بن الحارث بن ذهل بن شيبان فجعل عليه أحجارا لئلا تأكله ~~السباع. وفي ذلك يقول مهلهل بن ربيعة، أخو كليب: قتيل ما قتيل المرء عمرو ~~... وجساس بن مرة ذي صريم أصاب فؤاده بأصم لدن ... فلم يعطف هناك على حميم ~~فإن غدا وبع غد لرهن ... لأمر ما يقام له عظيم جسيما ما بكيت به كليبا ... ~~إذا ذكر الفعال من الجسيم سأشرب كأسها صرفا وأسقى ... بكأس غير منطقة مليم ~~ولما قتل جساس كليبا انصرف على فرسه يركضه وقد بدت ركبتاه، فلما نظر أبوه ~~مرة إلى ذلك قال: لقد أتاكم جساس بداهية، ما رأيته قط بادي الركبتين إلى ~~اليوم ! فلما وقف على أبيه قال: ما لك يا جساس ؟ قال: طعنت طعنة يجتمع بنو ~~وائل غدا لها رقصا. قال: ومن طعنت ؟ لأمك الثكل ! قال: قتلت كليبا. قال: ~~أفعلت ؟ قال: نعم. قال: بئس والله ما جئت به قومك ! فقال جساس: تأهب عنك ~~أهبة ذي امتناع ... فإن الأمر جل عن التلاحي PageV01P0181 # فإني قد جنيت عليك حربا ... تغص الشيخ بالماء القراح فلما سمع أبوه قوله ~~خاف خذلان قومه لما كان من لائمته إياه، فقال يجيبه: فإن تك قد جنيت علي ~~حربا ... تغص الشيخ بالماء القراح جمعت بها يديك على كليب ... فلا وكل ولا ~~رث السلاح سألبس ثوبها وأذود عني ... بها عار المذلة والفضاح ثم إن مرة دعا ~~قومه إلى نصرته، فأجابوه وجلوا الأسنة وشحذوا السيوف وقوموا الرماح وتيأوا ~~للرحلة إلى جماعة ms0349 قومهم. وكان همام بن مرة أخو جساس، ومهلهل أخو كليب في ~~ذلك الوقت يشربان، فبعث جساس إلى همام جارية لهم تخبره الخير، فانتهت ~~إليهما وأشارت إلى همام، فقام إليها، فأخبرته، فقال له مهلهل: ما قالت لك ~~الجارية ؟ وكان بينهما عهد أن لا يكتم أحدهما صاحبه شيئا، فذكر له ما قالت ~~الجارية، وأحب أن يعلمه ذلك في مداعبة وهزل، فقال له مهلهل: است أخيك أضيق ~~من ذلك ! فأقبلا على شربهما، فقال له مهلهل: اشرب، فاليوم خمر وغدا أمرز ~~فشرب همام وهو حذر خائف، فلما سكر مهلهل عاد همام إلى أهله، فساروا من ~~ساعتهم إلى جماعة قومهم، وظهر أمر كليب، فذهبوا إليه فدفنوه، فلما دفن شقت ~~الجيوب وخمشت الوجوه وخرج الأبكار وذوات الخدور العواتق إليه وفمن للمأتم، ~~فقال النساء لأخت كليب: أخرجي جليلة أخت جساس عنا فإن قيامها فيه شماتة ~~وعار علينا، وكانت امرأة كليب، كما ذكرنا، فقالت لها أخت كليب: اخرجي عن ~~مأتمنا فأنت أخت قاتلنا وشقيقة واترنا، فخرجت تجر عطافها، فلقيها أبوها مرة ~~فقال لها: ما وراءك يا جليلة ؟ فقالت: ثكل العدد، وحزن الأبد؛ وفقد خليل، ~~وقتل أخ عن قليل؛ وبين هذين غرس الأحقاد، وتفتت الأكباد. فقال لها: أويكف ~~ذلك كرم الصفح وإغلاء الديات ؟ فقالت أمنية مخدوع ورب الكعبة ! ألبدن تدع ~~لك تغلب دم ربها ! ولما رحلت جليلة قالت أخت كليب: رحلة المعتدي وفراق ~~الشامت، ويل غدا لآل مرة من الكرة بعد الكرة. فبلغ قولها جليلة، فقالت: ~~وكيف تشمت الحرة بهتك سترها وترقب وترها ! أسعد الله أختي ألا قالت: نفرة ~~الحياء وخوف الأعداء ! ثم أنشأت تقول: يا ابنة الأقوام إن لمت فلا ... ~~تعجلي باللوم حتى تسألي فإذا أنت تبينت الذي ... يوجب اللوم، فلومي واعذلي ~~إن تكن أخت امرئ ليمت على ... شفق منها عليه فافعلي جل عندي فعل جساس فيا ~~... حسرتا عما انجلى أو ينجلي فعل جساس على وجدي به ... قاطع ظهري ومدن ~~أجلي لو بعين فقئت عين سوى ... أختها فانفقأت لم أحفل تحمل العين قذى العين ~~كما ... تحمل الأم أذى ms0350 ما تفتلي يا قتيلا قوض الدهر به ... سقف بيتي جميعا ~~من عل هدم البيت الذي استحدثته ... وسعى في هدم بيتي الأول ورماني قتله من ~~كثب ... رمية المصمى به المستأصل يا نسائي دونكن اليوم قد ... خصني الدهر ~~برزء معضل خصني قتل كليب بلظى ... من ورائي ولظى مستقبل ليس من يبكي ليوميه ~~كمن ... إنما يبكي ليوم مقبل يشتفي المدرك بالثأر وفي ... دركي ثأري ثكل ~~المثكل ليته كان دما فاحتلبوا ... دررا منه دمي من أكحلي إنني قاتلة مقتولة ~~... ولعل الله أن يرتاح لي وأما مهلهل، واسمه عدي، وقيل: امرؤ القيس، وهو ~~خال امرؤ القيس بن حجر الكندي، وإنما لقب مهلهلا لأنه أول من هلهل الشعر ~~وقصد القصائد، وأول من كذب في شعره، فإنه لما صحا لم يرعه إلا النساء ~~يصرخن: ألا إن كليبا قتل، فقال، وهو أول شعر قيل في هذه الحادثة: كنا نغار ~~على العواتق أن ترى ... بالأمس خارجة عن الأوطان فخرجن حين ثوى كليب جسرا ~~... مستيقنات بعده بهوان فترى الكواعب كالظباء عواطلا ... إذ حان مصرعه من ~~الأكفان يخمشن من أدم الوجوه حواسرا ... من بعده ويعدن بالأزمان ~~PageV01P0182 # متسلبات نكدهن وقد ورى ... أجوافهن بحرقة ووراني ويقلن من للمستضيف إذا ~~دعا ... أم من لخضب عوالي المران أم لاتسار بالجزور إذا غدا ... ريح يقطع ~~معقد الأشطان أمن لإسباق الديات وجمعها ... ولفادحات نوائب الحدثان كان ~~الذخيرة للزمان فقد أتى ... فقدانه وأخل ركن مكاني يا لهف نفسي من زمان ~~فاجع ... ألقى علي بكلكل وجران بمصيبة لا تستقال جليلة ... غلبت عزاء القوم ~~والنسوان هدت حصونا كن قبل ملاوذا ... لذوي الكهول معا وللشبان أضحت وأضحى ~~سورها من بعده ... متهدم الأركان والبنيان فابكين سيد قومه واندبنه ... شدت ~~عليه قباطي الأكفان وأبكين للأيتام لما أقحطوا ... وابكين عند تخاذل ~~الجيران وابكين مصرع جيده متزملا ... بدمائه فلذاك ما أبكاني فلأتركن به ~~قبائل تغلب ... قتلى بكل قرارة ومكان قتلى تعاورها النسور أكفها ... ينهشها ~~وحواجل الغربان ثم انطلق إلى المكان الذي قتل فيه كليب فرأى دمه، وأتى قبره ~~فوقف عليه ثم قال: إن تحت التراب ms0351 حزما وعزما ... وخصيما ألد ذا معلاق حية ~~في الوجار أربد لا ين ... فع منه السليم نفث الراقي ثم جز شعره وقصر ثوبه ~~وهجر النساء وترك الغزل وحرم القمار والشراب وجمع إليه قومه وأرسل رجالا ~~منهم إلى بني شيبان، فأتوا مرة بن ذهل ابن شيبان وهو في نادي قومه فقالوا ~~له: إنكم أتيتم عظيما بقتلكم كليبا بناقة وقطعتم الرحم، وانتهكتم الحرمة، ~~وإنا نعرض عليك خلالا أربعا لكم فيها مخرج ولنا فيها مقنع، إما أن تحيي لنا ~~كليبا أو تدفع إلينا قاتله جساسا فنقتله به، أو هماما فإنه كفؤ له، أو ~~تمكننا من نفسك، فإن فيك وفاء لدمه. فقال لهم: أما إحيائي كليبا فلست قادرا ~~عليه، وأما دفعي جساسا إليكم فإنه غلام طعن طعنة على عجل وركب فرسه فلا ~~أدري أي بلاد قصد، وأما همام فإنه أبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة كلهم فرسان ~~قومهم فلن يسلموه بجريرة غيره، وأما أنا فما هو إلا أن تجول الخيل جولة ~~فأكون أول قتيل فما أتعجل الموت، ولكن لكم عندي خصلتان: أما إحداها فهؤلاء ~~أبنائي الباقون، فخذوا أيهم شئتم فاقتلوه بصاحبكم، وأما الأخرى فإني أدفع ~~إليكم ألف ناقة سود الحدق حمر الوبر. فغضب القوم وقالوا: قد أسأت ببذل ~~هؤلاء وتسومنا اللبن من دم كليب ؟ ونشبت الحرب بينهم. ولحقت جليلة زوجة ~~كليب بأبيها وقومها، واعتزلت قبائل بكر الحرب وكرهوا مساعدة بني شيبان على ~~القتال وأعظموا قتل كليب، فتحولت لجيم ويشكر، وكف الحارث بن عباد عن نصرهم ~~ومعه أهل بيته، وقال مهلهل عدة قصائد يرثي كليبا منها: كليب لا خير في ~~الدنيا ومن فيها ... إذ أنت خليتها فيمن يخليها كليب أي فتى عز ومكرمة ... ~~تحت السقائف إذ يعلوك سافيها نعى النعاة كليبا لي فقلت لهم: ... مالت بنا ~~الأرض أو زالت رواسيها الحزم والعزم كانا من صنيعته ... ما كل آلائه يا قوم ~~أحصيها القائد الخيل تردي في أعنتها ... رهودا إذا الخيل لجت في تعاديها من ~~خيل تغلب ما تلقى أسنتها ... إلا وقد خضبوها من أعاديها يهزهزون من الخطي ms0352 ~~مدمجة ... صما أنابيبها زرقا عواليها ليت السماء على من تحتها وقعت ... ~~وانشقت الأرض فانجابت بمن فيها لا أصلح الله منا من يصالحكم ... ما لاحت ~~الشمس في أعلى مجاريها فالتقوا أول قتال كان بينهم في قول يوم عنيزة، وهي ~~عند فلجة، وكانا على السواء، فقال مهلهل: كأنا غدوة وبني أبينا ... بجنب ~~عنيزة رحيا مدير ولولا الريح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذكور ~~PageV01P0183 # فتفرقوا ثم بقوا زمانا، ثم إنهم التقوا بماء يقال له النهي، كانت بنو ~~شيبان نازلة عليه، ويروى أنها أول وقعة كانت بينهم، وكان رئيس تغلب مهلهل، ~~ورئيس شيبان الحارث بن مرة، وكانت الدائة لبني تغلب، وكانت الشوكة في بني ~~شيبان، واستحر القتال فيهم إلا أنه لم يقتل ذلك اليوم أحد من بني مرة. ثم ~~التقوا بالذنائب، وهي أعظم وقعة كانت لهم، فظفرت بنو تغلب وقتلت بكرا مقتلة ~~عظيمة، وقتل فيها شراحيل بن مرة بن همان بن ذهل ابن شيبان، وهو جد الحوفزان ~~وجد معن بن زائدة، وقتل الحارث بن مرة بن ذهل بن شيبان، وقتل من بني ذهل بن ~~ثعلبة عمرة بن سدوس ابن شيبان بن ذهل وغيرهم من رؤساء بكر. ثم التقوا يوم ~~واردات فاقتتلوا قتالا شديدا، فظفرت تغلب أيضا، وكثر القتل في بكر، فقتل ~~همام بن مرة بن ذهل بن شيبان أخو جساس لأبيه وأمه، فمر مهلهل، فلما رآه ~~قتيلا قال: والله ما قتل بعد كليب أعز علي منك، وتالله لا تجتمع بكر بعدكما ~~على خير أبدا. وقيل: إنما قتل يوم القصيبات، قبل يوم قضة، قتله ناشرة، وكان ~~همام قد التقطه ورباه وسماه ناشرة، وكان عنده. فلما شب علم أنه تغلبي، فلما ~~كان هذا اليوم جعل همام يقاتل فإذا عطش جاء إلى قربة له يشرب منها فتغفله ~~ناشرة فقتله ولحق بقومه تغلب، وكاد جساس يؤخذ فسلم، فقال مهلهل: لو أن خيلي ~~أدركتك وجدتهم ... مثل الليوث بسترغب عرين ويقول فيها: ولأوردن الخيل بطن ~~أراكة ... ولأقضين بفعل ذاك ديوني ولأقتلن جحاجحا من بكركم ... ولأبكين بها ~~جفون عيون حتى ms0353 تظل الحاملات مخافة ... من وقعنا يقذفن كل جنين وقيل في ~~ترتيب الأيام غير ما ذكرنا، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وكان أبو نويرة ~~التغلبي وغيره طلائع قومه، وكان جساس وغيره طلائع قومهم، والتقى بعض ~~الليالي جساس وأبو نويرة، فقال له أبو نويرة: اختر إما الصراع أو الطعان أو ~~المسايفة. فاختار جساس الصراع، فاصطرعا وأبطأ كل واحد منهما على أصحاب حيه، ~~وطلبوهما فأصابوهما وهما يصطرعان، وقد كاد جساس يصرعه، ففرقوا بينهما. ~~وجعلت تغلب تطلب جساسا أشد الطلب، فقال له أبوه مرة: الحق بأخوالك بالشام، ~~فامتنع، فألح عليه أبو فسيره سرا في خمسة نفر. وبلغ الخبر إلى مهلهل، فندب ~~أبا نويرة ومعه ثلاثون رجلا من شجعان أصحابه فساروا مجدين، فأدركوا جساسا، ~~فقاتلهم فقتل أبو نويرة وأصحابه ولم يبق منهم غير رجلين، وجرح جساس جرحا ~~شديدا مات منه، وقتل أصحابه فلم يسلم غير رجلين أيضا، فعاد كل واحد من ~~السالمين إلى أصحابه. فلما سمع مرة قتل ابنه جساس قال: إنما يحزنني أن كان ~~لم يقتل منهم أحدا. فقيل له: إنه قتل بيده أبا نويرة رئيس القوم وقتل معه ~~خمسة عشر رجلا ما شركه منا أحد في قتلهم وقتلنا نحن الباقين، فقال: ذلك مما ~~يسكن قلبي عن جساس. PageV01P0184 # وقيل: إن جساسا آخر من قتل في حرب بكر وتغلب، وكان سبب قتله أن أخته ~~جليلة كانت تحت كليب وائل. فلما قتل كليب عادت إلى أبيها وهي حامل ووقعت ~~الحرب، وكان من الفريقين ما كان، ثم عادوا إلى الموادعة بعدما كادت الفئتان ~~تتفانيان، فولدت أخت جساس غلاما فسمته هجرسا، ورباه جساس، وكان لا يعرف أبا ~~غيره، فزوجه ابنته، فوقع بين هجرس وبين رجل من بكر كلام، فقال له البكري: ~~ما أنت بمنته حتى نلحقك بأبيك. فأمسك عنه ودخل إلى أمه كثيبا حزينا فأخبرها ~~الخبر. فلما نام إلى جنب امرأته رأت من همه وفكره ما أنكرته، فقصت على ~~أبيها جساس قصته، فقال: ثائر ورب الكعبة ! وبات على مثل الرضف حتى أصبح، ~~فأحضر الهجرس فقال له: إنما أنت ms0354 ولدي وأنت مني بالمكان الذي تعلم، وزوجتك ~~ابنتي، وقد كانت الحرب في أبيك زمانا طويلا، وقد اصطلحنا وتحاجزنا، وقد ~~رأيت أن تدخل في ما دخل فيه الناس من الصلح وأن تنطلق معي حتى نأخذ عليك ~~مثل ما أخذ علينا. فقال الهجرس: أنا فاعل. فحمله جساس على فرس فركبه ولبس ~~لأمته وقال: مثلي لا يأتي أهله بغير سلاحه، فخرجا حتى أتيا جماعة من ~~قومهما، فقص عليهم جساس القصة وأعلمهم أن الهجرس يدخل في الذي دخل فيه ~~جماعتهم وقد حضر ليعقد ما عقدتم. فلما قربوا الدم وقاموا إلى العقد أخذ ~~الهجرس بوسط رمحه ثم قال: وفرسي وأذنيه، ورمحي ونصليه، وسيفي وغراريه لا ~~يترك الرجل قاتل أبيه وهو ينظر إليه، ثم طعن جساسا فقتله ولحق بقومه، وكان ~~آخر قتيل في بكر. والأول أكثر. ونرجع إلى سياقه الحديث. فلما قتل جساس أرسل ~~أبوه مرة إلى مهلهل: إنك قد أدركت ثأرك وقتلت جساسا، فاكفف عن الحرب ودع ~~اللجاج والإسراف وأصلح ذات البين فهو أصلح للحيين وأنكأ لعدوهم، فلم يجب ~~إلى ذلك. وكان الحارث ابن عباد قد اعتزل الحرب، فلم يشهدها، فلما قتل جساس ~~وهمام ابنا مرة حمل ابنه بجيرا، وهو ابن عمرو بن عباد أخي الحارث بن عباد، ~~فلما حمله على الناقة كتب معه إلى مهلهل: إنك قد أسرفت في القتل وأدركت ~~ثأرك سوى ما قتلت من بكر، وقد أرسلت ابني إليك فإما قتلته بأخيك وأصلحت بين ~~الحيين وإما أطلقته وأصلحت ذات البين، فقد مضى من الحيين في هذه الحروب من ~~كان بقاؤه خيرا لنا ولكم. فلما وقف على كتابه أخذ بجيرا فقتله وقال: بؤبشسع ~~نعل كليب. فلما سمع أبوه بقتله ظن أنه قد قتله بأخيه ليصلح بين الحيين، ~~فقال: نعم القتيل قتيلا أصلح بين ابني وائل ! فقيل: إنه قال: بؤبشسع نعل ~~كليب، فغضب عند ذلك الحارث بن عباد وقال: قربا مربط النعامة مني ... لقحت ~~حرب وائل عن حيال قربا مربط النعامة مني ... شاب رأسي وأنكرتني رجالي لم ~~أكن من جناتها علم الل ... ه وإني ms0355 بحرها اليوم صالي فأتوه بفرسه النعامة، ~~ولم يكن في زمانها مثلها، فركبها وولي أمر بكر وشهد حربهم، وكان أول يوم ~~شهده يوم قضة، وهو يوم تحلاق اللمم، وإنما قيل له تحلاق اللمم لأن بكرا ~~حلقوا رؤوسهم ليعرف بعضهم بعضا إلا جحدر بن ضبيعة بن قيس أبو المسامعة فقال ~~لهم: أنا قصير فلا تشينوني، وأنا اشتري لمتي منكم بأول فارس يطلع عليكم. ~~فطلع ابن عناق فشد عليه فقتله، وكان يرتجز ذلك اليوم ويقول: ردوا علي الخيل ~~إن ألمت ... إن لم أقاتلهم فجزوا لمتي وقاتل يومئذ الحارث بن عباد قتالا ~~شديدا، فقتل في تغلب مقتلة عظيمة، وفيه يقول طرفة: سائلوا عنا الذي يعرفنا ~~... بقوانا يوم تحلاق اللمم يوم تبدي البيض عن أسوقها ... وتلف الخيل أفواج ~~النعم وفي هذا اليوم أسر الحارث بن عباد مهلهلا، واسمه عدي، وهو لا يعرفه، ~~فقال له: دلني على عدي وأنا أخلي عنك. فقال له المهلهل: عليك عهد الله بذلك ~~إن دللتك عليه ؟ قال: نعم. قال: فأنا عدي؛ فجز ناصيته وتركه، وقال في ذلك: ~~لهف نفسي على عدي ... ولم أعرف عديا إذ أمكنتني اليدان PageV01P0185 # وكانت الأيام التي اشتدت فيها الحرب بين الطائفتين خمسة أيام: يوم عنيزة ~~تكافأوا فيه وتناصفوا؛ ثم اليوم الثاني يوم واردات، كان لتغلب على بكر؛ ثم ~~اليوم الثالث الحنو، كان لبكر على تغلب؛ ثم اليوم الرابع يوم القصيبات، ~~أصيب بكر حتى ظنوا أنهم لن يستقيلوا؛ ثم اليوم الخامس يوم قضة، وهو يوم ~~التحالق، وشهده الحارث بن عباد؛ ثم كان بعد ذلك أيام دون هذه، منها: يوم ~~النقية، ويوم الفصيل لبكر على تغلب، ثم لم يكن بينهما مزاحفة إنما كان ~~مغاورات، ودامت الحرب بينهما أربعين سنة. ثم إن مهلهلا قال لقومه: قد رأيت ~~أن تبقوا على قومكم فإنهم يحبون صلاحكم، وقد أتت على حربكم أربعون سنة وما ~~لمتكم على ما كان من طلبكم بوتركم، فلو مرت هذه السنون في رفاهية عيش لكانت ~~تمل من طولها، فكيف وقد فني الحيان وثكلت الأمهات ويتم الأولاد ونائحة لا ~~تزال ms0356 تصرخ في النواحي، ودموع لا ترفأ، وأجساد لا تدفن، وسيوف مشهورة، ورماح ~~مشرعة ؟! وإن القوم سيرجعون إليكم غدا بمودتهم ومواصلتهم وتتعطف الأرحام ~~حتى تتواسوا في قبال النعل، فكان كما قال: ثم قال مهلهل: أما أنا فما تطيب ~~نفسي أن أقيم فيكم ولا أستطيع أن أنظر إلى قاتل كليب وأخاف أن أحملكم على ~~الاستئصال وأنا سائر إلى اليمن، وفارقهم وسار إلى اليمن ونزل في جنب، وهي ~~حي من مذحج، فخطبوا إليه ابنته، فمنعهم، فاجبروه على تزويجها وساقوا إليه ~~صداقها جلودا من أدم، فقال في ذلك: أعزز على تغلب بما لقيت ... أخت بني ~~الأكرمين من جشم أنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الحباء من أدم لو ~~بأبانين جاء يخطبها ... ضرج ما أنف خاطب بدم الأراقم بطن من جشم بن تغلب، ~~يعني حيث فقدت الأراقم، وهم عشيرتها، تزوجها رجل من جنب بأدم. ثم إن مهلهلا ~~عاد إلى ديار قومه، فأخذه عمرو بن مالك بن ضبيعة البكري أسيرا بنواحي هجر ~~فأحسن إساره، فمر عليه تاجر يبيع الخمر قدم بها من هجر، وكان صديقا لمهلهل، ~~فأهدى إليه وهو أسير زقا من خمر، فاجتمع إليه بنو مالك فنحروا عنده بكرا ~~وشربوا عند مهلهل في بيته الذي أفرد له عمرو. فلما أخذ فيهم الشراب تغنى ~~مهلهل بما كان يقوله من الشعر وينوح به على أخيه كليب، فسمع منه عمرو ذلك ~~فقال: إنه لريان، والله لا يشرب عندي ماء حتى يرد زبيب، وهو فحل كان له لا ~~يرد إلا خمسا في حمارة القيظ، فطلب بنو مالك زبيبا وهو حراص على أن لا يهلك ~~مهلهل، فلم يقدروا عليه حتى مات مهلهل عطشا. وقي: إن ابنة خال المهلهل، وهي ~~ابنة المجلل التغلبي، كانت امرأة عمرو، وأرادت أن تأتي مهلهلا وهو أسير، ~~فقال يذكرها: طفلة ما ابنة المجلل بيضا ... ء لعوب لذيذة في العناق فاذهبي ~~ما إليك غير بعيد ... لا يؤاتي العناق من في الوثاق ضربت نحرها إلي وقالت: ~~... يا عدي لقد وقتك الأواقي وهي أبيات ذوات عدد، فنقل شعره إلى ms0357 عمرو بن ~~مالك، فحلف عمرو أن لا يسقيه الماء حتى يرد زبيب، فسأله الناس أن يورد ~~زبيبا قبل وروده، ففعل وأورده وسقاه حتى يتحلل من يمينه، ثم إنه سقى مهلهلا ~~من ماء هناك هو أوخم المياه، فمات مهلهل. عباد بضم العين، وفتح الباء ~~الموحدة وتخفيفها. ### | AUT ذكر الحرب بين الحارث والأعرج # ### | AUT وبني تغلب # قال أبو عبيدة: إن بكرا وتغلب ابني وائل اجتمعت للمنذر بن ماء السماء، ~~وذلك بعد حربهم، وكان الذي أصلح بينهم قيس بن شراحيل ابن مرة بن همام، فغزا ~~بهم المنذر بني آكل المرار، وجعل على بني بكر وتغلب ابنه عمرو بن هند، ~~وقال: أغز أخوالك. فغزاهم، فاقتتلوا، فانهزم بنو آكل المرار وأسروا، وجاءوا ~~بهم إلى المنذر فقتلهم. PageV01P0186 # ثم انتقضت تغلب على المنذر ولحقت بالشام، ونحن نذكر سبب ذلك في أخبار ~~شيبان إن شاء الله، وعادت الحرب بينهم وبين بكر، فخرج ملك غسان بالشام، وهو ~~الحارث بن أبي شمر الغساني، فمر بأفاريق من تغلب، فلم يستقبلوه. وركب عمرو ~~بن كلثوم التغلبي فلقيه، فقال له: ما منع قومك أن يتلقوني ؟ فقال: لم ~~يعلموا بمرورك، فقال: لئن رجعت لأغزونهم غزوة تتركهم ايقاظا لقدومي، فقال ~~عمرو: ما استيقظ قوم قط إلا نبل رأيهم وعزت جماعتهم، فلا توقظن نائمهم. ~~فقال: كأنك تتوعدني بهم، أما والله لتعلمن إذا أجالت غطاريف غسان الخيل في ~~دياركم أن أيقاظ قومك سينامون نومة لا حلم فيها، تجتث أصولهم وينفى فلهم ~~إلى اليابس الجدد والنازح الثمد. ثم رجع عمرو بن كلثوم عنه وجمع قومه وقال: ~~ألا فاعلم أبيت اللعن أنا ... أبيت اللعن نأبى ما تريد تعلم أن محملنا ثقيل ~~... وأن دبار كبتنا شديد وأنا ليس حي من معد ... يقاومنا إذا لبس الحديد ~~فلما عاد الحارث الأعرج غزا بني تغلب، فاقتتلوا واشتد القتال بينهم، ثم ~~انهزم الحارث وبنو غسان وقتل أخو الحارث في عدد كثير، فقال عمرو بن كلثوم: ~~هلا عطفت على أخيك إذا دعا ... بالثكل ويل أبيك يا ابن أبي شمر فذق الذي ~~جشمت نفسك واعترف ... فيها ms0358 أخاك وعامر بن أبي حجر ### || AUT يوم عين أباغ # وهو بين المنذر بن ماء السماء وبين الحارث الأعرج بن أبي شمر جبلة، ~~وقيل: أبو شمر عمرو بن جبلة بن الحارث بن حجر بن النعمان بن الحارث الأيهم ~~بن الحارث بن مارية الغساني، وقيل في نسبه غير هذا، وقيل: هو أزدي تغلب على ~~غسان؛ والأول أكثر وأصح، وهو الذي طلب أدراع امرئ القيس من السموأل بن ~~عادياء وقتل ابنه، وقيل غيره، والله أعلم. وسبب ذلك أن المنذر بن ماء ~~السماء ملك العرب سار من الحيرة في معد كلها حتى نزل بعين أباغ بذات الخيار ~~وأرسل إلى الحارث الأعرج بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بنجفنة بن عمرو ~~مزيقياء بن عامر الغساني ملك العرب بالشام: أما أن تعطيني الفدية فأنصرف ~~عنك بجنودي، وإما أن تأذن بحرب. فأرسل إليه الحارث: أنظرنا ننظر في أمرنا. ~~فجمع عساكره وسار نحو المنذر وأرسل إليه يقول له: إنا شيخان فلا نهلك جنودي ~~وجنودك ولكن يخرج رجل من ولدي ويخرج رجل من ولدي ويخرج رجل من ولدك فمن قتل ~~خرج عوضه آخر، وإذا فني أولادنا خرجت أنا إليك فمن قتل صاحبه ذهب بالملك. ~~فتعاهدا على ذلك، فعمد المنذر إلى رجل من شجعان أصحابه فأمره أن يخرج فيقف ~~بين الصفين ويظهر أنه ابن المنذر، فلما خرج أخرج إليه الحارث ابنه أبا كرب، ~~فلما رآه رجع إلى أبيه وقال: إن هذا ليس بابن المنذر إنما هو عبده أو بعض ~~شجعان أصحابه، فقال: يا بني أجزعت من الموت ؟ ما كان الشيخ ليغدر. فعاد ~~إليه وقاتله فقتله الفارس وألقى رأسه بين يدي المنذر، وعاد فأمر الحارث ~~ابنا له آخر بقتاله والطلب بثأر أخيه، فخرج إليه، فلما واقفه رجع إلى أبيه ~~وقال: يا أبت هذا والله عبد المنذر. فقال: يا بني ما كان الشيخ ليغدر. فعاد ~~إليه فشد عليه فقتله. فلما رأى ذلك شمر بن عمرو الحنفي، وكانت أمه غسانية، ~~وهو مع المنذر، قال: أيها الملك إن الغدر ليس من شيم الملوك ولا ms0359 الكرام، ~~وقد غدرت بابن عمك دفعتين. فغضب المنذر وأمر بإخراجه، فلحق بعسكر الحارث ~~فأخبره، فقال له: سل حاجتك. فقال له: حلتك وخلتك. فلما كان الغد عبى الحارث ~~أصحابه وحرضهم، وكان في أربعين ألفا، واصطفوا للقتال، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، فقتل المنذر وهزمت جيوشه، فأمر الحارث بابنيه القتيلين فحملا على ~~بعير بمنزلة العدلين، وجعل المنذر فوقهما فودا وقال: يا لعلاوة دون العدلين ~~! فذهبت مثلا؛ وسار إلى الحيرة فأنهبها وأحرقها ودفن ابنيه بها وبني ~~الغريين عليهما في قول بعضهم، وفي ذلك اليوم يقول ابن أبي الرعلاء ~~الضبياني: كم تركنا بالعين عين أباغ ... من ملوك وسوقة أكفاء أمطرتهم سحائب ~~الموت تترى ... إن في الموت راحة الأشقياء ليس من مات فاستراح بميت ... ~~إنما الميت ميت الأحياء ### || AUT يوم مرج حليمة # ### || AUT وقتل المنذر بن المنذر بن ماء السماء # PageV01P0187 # لما قتل المنذر بن ماء السماء، على ما تقدم، ملك بعده ابنه المنذر وتلقب ~~الأسود، فلما استقر وثبت قدمه جمع عساكره وسار إلى الحارث الأعرج طالبا ~~بثأر أبيه عنده، وبعث إليه: إنني قد أعددت لك الكهول، على الفحول. فأجابه ~~الحارث: قد أعددت لك المرد على الجرد. فسار المنذر حتى نزل بمرج حليمة، ~~فتركه من به من غسان للأسود، وإنما سمي مرج حليمة بحليمة ابنة الحارث ~~الغساني، وسنذكر خبرها عند الفراغ من هذا اليوم. ثم إن الحارث سار فنزل ~~بالمرج أيضا، فأمر أهل القرى التي في المرج أن يصنعوا الطعام لعسكره، ~~ففعلوا ذلك وحملوه في الجفان وتركوه في العسكر، فكان الرجل يقاتل فإذا أراد ~~الطعام جاء إلى تلك الجفان فأكل منها. فأقامت الحرب بين الأسود والحارث ~~أياما ينتصف بعضهم من بعض. فلما رأى الحارث ذلك قعد في قصره ودعا ابنته ~~هندا وأمرها فاتخذت طيبا كثيرا في الجفان وطبت به أصحابه، ثم نادى: يا ~~فتيان غسان من قتل ملك الحيرة زوجته ابنتي هندا. فقال لبيد بن عمرو الغساني ~~لأبيه: يا أبت أنا قاتل ملك الحيرة أو مقتول جونه لا محالة، ولست أرضى فرسي ~~فأعطني فرسك الزيتية. فأعطاه فرسه. فلما ms0360 زحف الناس واقتتلوا ساعة شد لبيد ~~على الود فضربه ضربة فألقاه عن فرسه وانهزم أصحابه في كل وجه، ونزل فاحتز ~~رأسه وأقبل به إلى الحارث وهو على قصره ينظر إليهم، فألقى الرأس بين يديه. ~~فقال له الحارث: شأنك بابنة عمك فقد زوجتكها. فقال: بل أنصرف فأواسي أصحابي ~~بنفسي فإذا انصرف الناس انصرفت. فرجع فصادف أخاه الأسود قد رجع إليه الناس ~~وهو يقاتل وقد اشتدت نكايته، فتقدم لبيد فقاتل فقتل، ولم يقتل في هذه الحرب ~~بعد تلك الهزيمة غيره، وانهزمت لخم هزيمة ثانية وقتلوا في كل وجه، وانصرفت ~~غسان بأحسن ظفر. وذكر أن الغبار في هذا اليوم اشتد وكثر حتى ستر الشمس وحتى ~~ظهرت الكواكب المتباعدة عن مطالع الشمس لكثرة العساكر، لأن الأسود سار بعرب ~~العراق أجمع، وسار الحارث بعرب الشام أجمع، وهذا اليوم من أشهر أيام العرب، ~~وقد فخر به بعض شعراء غسان فقال: يوم وادي حليمة وازدلفنا ... بالعناجيج ~~والرماح الظماء إذ شحنا أكفنا من رقاق ... رق من وقعها سنا السحناء وأتت ~~هند بالخلوق إلى من ... كان ذا نجدة وفضل غناء ونصبنا الجفان في ساحة المر ~~... ج فملنا إلى جفان ملاء وقيل في قتله غير ما تقدم، ونحن نذكره. قال بعض ~~العلماء: وكان سببه أن الحارث بن أبي شمر جبلة بن الحارث الأعرج الغساني ~~خطب إلى المنذر اللخمي ابنته وقصد انقطاع الحرب بين لخم وغسان، فزوجه ~~المنذر ابنته هندا، وكانت لا تريد الرجال، فصنعت بجلدها شبيها بالبرص وقالت ~~لأبيها: أنا على هذه الحالة وتهديني لملك غسان ؟ فندم على تزويجها فأمسكها. ~~ثم إن الحارث أرسل يطلبها فمنعها أبوها واعتل عليه. ثم إن المنذر خرج ~~غازيا، فبعث الحارث بن أبي شمر جيشا إلى الحيرة فانتهبها وأحرقها. فانصرف ~~المنذر من غزاته لما بلغه من الخبر، فسار يريد غسان، وبلغ الخبر الحارث ~~فجمع أصحابه وقومه فسار بهم فتوافقوا بعين أباغ فاصطفوا للقتال فاقتتلوا ~~واشتد الأمر بين الطائفتين، فحملت ميمنة المنذر على ميسرة الحارث، وفيها ~~ابنه فقتلوه، وانهزمت الميسرة، وحملت ميمنة الحارث على ميسرة المنذر ms0361 فانهزم ~~من بها وقتل مقدمها فروة بن مسعود ابن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، ~~وحملت غسان من القلب على المنذر فقتلوه وانهزم أصحابه في كل وجه، فقتل منهم ~~بشر كثير وأسر خلق كثير. منهم من بني تميم ثم من بني حنظلة مائة أسير، منهم ~~شأس ابن عبدة، فوفد أخوه علقمة بن عبدة الشاعر على الحارث يطلب إليه أن ~~يطلق أخاه، ومدحه بقصيدته المشهورة التي أولها: طحا بك قلب في الحسان طروب ~~... بعيد الشباب عصر حان مشيب تكلفني ليلى وقد شط أهلها ... وعادت عواد ~~بيننا وخطوب يقول فيها: فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء ~~طبيب إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له في ودهن نصيب يردن ثراء ~~المال حيث وجدنه ... وشرخ الشباب عندهن عجيب PageV01P0188 # وقاتل من غسان أهل حفاظها ... وهنب وفاس جالدت وشبيب تخشخش أبدان الحديد ~~عليهم ... كما خشخشت يبس الحصاد جنوب فلم تنج إلا شطبة بلجامها ... وإلا ~~طمر كالقناة نجب وإلا كمي ذو حفاظ كأنه ... بما ابتل من حد الظبات خضيب وفي ~~كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب فلا تحرمني نائلا عن جنابة ~~... فإني امرؤ وسط القباب غريب فلما بلغ إلى قوله: فحق لشأس من نداك ذنوب، ~~قال الملك: إي والله وأذنبة، ثم أطلق شأسا وقال له: إن شئت الحباء وإن شئت ~~أسراء قومك ؟ وقال لجلسائه: إن اختار الحباء على قومه فلا خير فيه. فقال: ~~أيها الملك ما كنت لأختار على قومي شيئا. فأطلق له الأسرى من تميم وكساه ~~وحباه، وفعل ذلك بالأسرى جميعهم وزودهم زادا كثيرا. فلما بلغوا بلادهم ~~أعطوا جميع ذلك لشأس وقالوا: أنت كنت السبب في إطلاقنا فاستعن بهذا على ~~دهرك، فحصل له مال كثير من إبل وكسوة وغير ذلك. عبدة بفتح العين والباء ~~الموحدة. وقيل في قتله: إنه جمع عسكرا ضخما وسار حتى نزل الشام، وسار ملك ~~الشام، وهو عند الأكثر الحارث بن أبي شمر، فنزل مرج حليمة، وهو ينسب إلى ~~حليمة بنت الملك، ونزل الملك ms0362 اللخمي في مرج الصفر، فسير الحارث فارسين ~~طليعة، أحدهما فارس خصاف، وكانت فرسه تجري على ثلاث فلا تلحق، فسارا حتى ~~خالطا القوم وقربا من الملك وأمامه شمعة فقتلا حاملها. ففزع القوم فاضطربوا ~~بأسيافهم فقتل بعضهم بعضا حتى أصبحوا، وأتاهم رسل الحارث ملك غسان ببذل ~~الصلح والإتاوة وقال: إني باعث رؤوس القبائل لتقرير الحال، وندب أصحابه، ~~فانتدب له مائة غلام، وقي: ثمانون غلاما، فألبسهم السلاح وأمر ابنته حليمة ~~أن تطيبهم وتلبسهم، ففعلت. فلما مر بها لبيد بن عمرو فارس الزيتية قبلها، ~~فأتت أباها باكية، فقال: هو أسد القوم ولئن سلم لأنكحنه إياك، وأمره على ~~القوم وساروا، فلما قاربوا العسكر العراقي جمع الملك رؤوس أصحابه. وجاء ~~الغسانيون وعليهم السلاح قد لبسوا فوقها الثياب والبرانس، فلما تتاموا عند ~~الملك أبدوا السلاح فقتلوا من وجدوا، وقتل لبيد بن عمرو ملك العراقيين ~~وأحيط بالغسانيين فقتلوا إلا لبيد بن عمرو، فإن فرسه لم تبرح، فاستوى ~~عليها، وعاد فأخبر الملك، فقال له: قد أنكحتك ابنتي حليمة. فقال: لا يتحدث ~~الناس أني فل مائة، ثم عاد إلى القوم فقاتل فقتل. وتفقد أهل العراق أشرافهم ~~وإذا بهم قد قتلوا فضعفت نفوسهم لذلك وزحفت إليهم غسان فانهزموا. قلت: قد ~~اختلف النسابون وأهل السير في مدة الأيام وتقديم بعضها على بعض، واختلفوا ~~أيضا في المقتول فيها، فمنهم من يقول: إن يوم حليمة هو اليوم الذي قتل فيه ~~المنذر بن ماء السماء، ويوم أباغ هو اليوم الذي قتل فيه المنذر بن المنذر، ~~ومنهم من يقول بضد ذلك، ومنهم من يجعل اليومين واحدا فيقول: لم يقتل إلا ~~المنذر بن ماء السماء. وأما ابنه المنذر فمات بالحيرة، وقيل: إن المقتول من ~~ملوك الحيرة غيرهما، فالصحيح أن المقتول هو المنذر بن ماء السماء لا شك ~~فيه، وأما ابنه ففيه خلاف كثير، والأصح أنه لم يقتل، ومن أثبت قتله اختلفوا ~~في سببه، على ما ذكرناه. وإنما ذكرت اختلافهم والحادثة واحدة لأن كل سبب ~~منها قد ذكره بعض العلماء، فمتى تركنا أحدهما ظن من ليس له معرفة ms0363 أن كل سبب ~~منها حادث مستقل. وقد أهملناه، فأتينا بها جميعا لذلك ونبهنا عليه. ### || AUT ذكر قتل مضرط الحجارة # وهو عمرو بن المنذر بن ماء السماء اللخمي صاحب الحيرة، وكان يلقب مضرط ~~الحجارة لشدة ملكه وقوة سياسته، وأمه هند بنت الحارث بن عمرو المقصور بن ~~آكل المرار، وهي عمة امرئ القيس بن حجر بن الحارث. PageV01P0189 # وكان سبب قتله أنه قال يوما لجلسائه: هل تعلمون أن أحدا من العرب من أهل ~~مملكتي يأنف أن تخدم أمه أمي ؟ قالوا: ما نعرفه إلا أن يكون عمرو بن كلثوم ~~التغلبي، فإن أمه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة، وعملها كليب وائل، وزوجها ~~كلثوم، وابنها عمرو. فسكت مضرط الحجارة على ما في نفسه وبعث إلى عمرو بن ~~كلثوم يستزيره ويأمره أن تزور أمه ليلى أم نفسه هندا بنت الحارث. فقدم عمرو ~~بن كلثوم في فرسان من بني تغلب ومعه أمه ليلى، فنزل على شاطئ الفرات، وبلغ ~~عمرو بن هند قدومه فأمر فضربت خيامه بين الحيرة والفرات وأرسل إلى وجوه أهل ~~مملكته فصنع لهم طعاما ثم دعا الناس إليه فقرب إليهم الطعام على باب ~~السرادق، وجلس هو وعمرو بن كلثوم معها في القبة، وقد قال مضرط الحجارة ~~لأمه: إذا فرغ الناس من الطعام ولم يبق إلا الطرف فنحي خدمك عنك، فإذا دنا ~~الطرف فاستخدمي ليلى ومريها فلتناولك الشيء بعد الشيء. ففعلت هند ما أمرها ~~به ابنها، فلما استدعي الطرف قالت هند لليلى: ناوليني ذلك الطبق. فقالت: ~~لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها. فألحت عليها. فقالت ليلى: واذلاه يا آل تغلب ~~! فسمعها ولدها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه والقوم يشربون، فعرف عمرو ~~بن هند الشر في وجهه، وثار ابن كلثوم إلى سيف ابن هند وهو معلق في السرادق، ~~وليس هناك سيف غيره، فأخذه ثم ضرب به رأس مضرط الحجارة فقتله، وخرج فنادى: ~~يا آل تغلب ! فانتهبوا ماله وخيله وسبوا النساء وساروا فلحقوا بالحيرة، ~~فقال أفنون التغلبي. لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا ... لتخدم ليلى أمه ~~بموفق ms0364 فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتا ... وأمسك من ندمانه بالمخنق يوم ~~الكلاب الأول قال ابن الكلبي: أول من اشتد ملكه من كندة حجر آكل المرار ابن ~~عمرو بن معاوية بن الحارث الكندي، فلما هلك ملك بعده ابنه عمور مثل ملك ~~أبيه فسمي المقصور لأنه قصر على ملك أبيه، فتزوج عمرو أم أناس بنت عوف بن ~~محلم الشيباني، فولدت له الحارث، فملك بعد أبيه أربعين سنة، وقيل: ستين ~~سنة، فخرج يتصيد فرأى عانة وهي حمر الوحش، فشد عليها، فانفرد منها حمار، ~~فتتبعه وأقسم أن لا يأكل شيئا قبل كبده، وهو بمسحلان، فطلبته الخيل ثلاثة ~~أيام حتى أدركته، فأتي به وقد كادي موت من الجوع، فشوي على النار وأطعم من ~~كبده وهي حارة، فمات، وكان الحارث فرق بنيه في قبائل معد، فجعل حجرا في بني ~~أسد وكنانة، وهو أكبر ولده؛ وجعل شرحبيل في بكر بن وائل وبني حنظلة ابن ~~مالك بن زيد مناة بن تميم وبني أسيد بن عمرو بن تيمم، والرباب؛ وجعل سلمة، ~~وهو أصغرهم، في بني تغلب والنمر بن قاسط وبني سعد بن زيد مناة بن تميم؛ ~~وجعل ابنه معدي كرب، ويعرف بغلفاء، في قيس عيلان، وقد تقدم هذا في قتل حجر ~~أبي امرئ القيس، وإنما أعدناه ها هنا للحاجة إليه. PageV01P0190 # فلما هلك الحارث تشتت أمر أولاده وتفرقت كلمتهم ومشى بينهم الرجال، وكانت ~~المغاورة بين الأحياء الذين معهم، وتفاقم أمرهم حتى جمع كل واحد منهم ~~لصاحبه الجموع وزحف إليه بالجيوش، فسار شرحبيل فيمن معه من الجيوش فنزل ~~الكلاب، وهو ماء بين البصرة والكوفة. وأقبل سلمة فيمن معه وفي الصنائع ~~أيضا، وهم قوم كانوا مع الملوك من شذاذ العرب، فأقبلوا إلى الكلاب وعلى ~~تغلب السفاح بن خالد بن كعب ابن زهير، فاقتتلوا قتالا شديدا، وثبت بعضهم ~~لبعض. فلما كان آخر النهار من ذلك اليوم خذلت بنو حنظلة وعمرو بن تميم ~~والرباب بكر بن وائل وانهزموا، وثبتت بكر وانصرفت بنو سعد ومن معها عن تغلب ~~وصبرت تغلب، ونادى منادي شرحبيل: من أتاني ms0365 برأس سلمة فله مائة من الإبل، ~~ونادى منادي سلمة: من أتاني برأس شرحبيل فله مائة من الإبل. فاشتد القتال ~~حينئذ كل يطلب أن يظفر لعله يصل إلى قتل أحد الرجلين ليأخذ مائة من الإبل. ~~فكانت الغلبة آخر النهار لتغلب وسلمة، ومضى شرحبيل منهزما، فتبعه ذو ~~السنينة التغلبي، فالتفت إليه شرحبيل فضربه على ركبته فأطن رجله، وكان ذو ~~السنينة أخا أبي حنش لأمه، فقال لأخيه: قتلني الرجل ! وهلك ذو السنينة ! ~~فقال أبو حنش لشرحبيل: قتلني الله إن لم أقتلك ! وحمل عليه فأدركه،فقال: يا ~~أبا حنش اللبن اللبن ! يعني الدية. فقال: قد هرقت لبنا كثيرا ! فقال: يا ~~أبا حنش املكا بسوقة ؟ فقال: إن أخي ملكي. فطعنه فأقاه عن فرسه ونزل إليه ~~فأخذ رأسه وبعث به إلى سلمة مع ابن عم له، فأتاه به وألقان بين يديه، فقال ~~سلمة: لو كنت ألقيته أرفق من هذا ! وعرفت الندامة في وجه سلمة والجزع عليه. ~~فهرب أبو حنش منه، فقال سلمة: ألا أبلغ أبا حنش رسولا ... فما لك لا تجيء ~~إلى الثواب لتعلم أن خير الناس طرا ... قتيل بين أحجار الكلاب تداعت حوله ~~جشم بن بكر ... وأسلمه جعاسيس الرباب فأجابه أبو حنش فقال: أحاذر أن أجيئك ~~ثم تحبو ... حباء أبيك يوم صنيبعات وكانت غدرة شنعاء تهفو ... تقلدها أبوك ~~إلى الممات وكان سبب يوم صنيبعات أن ابنا للحارث كان مسترضعا في تميم وبكر ~~ولدغته حية فمات، فأخذ خمسين رجلا من تميم وخمسين رجلا من بكر فقتلهم به. ~~ولما قتل شرحبيل قام بنو زيد مناة بن تميم دون أهله وعياله فمنعوهم وحالوا ~~بين الناس وبينهم حتى ألحقوهم بقومهم ومأمنهم؛ ولما بلغ خبر قتله أخاه معدي ~~كرب، وهو غلفاء، قال يرثيه: إن جنبي عن الفراش لنابي ... كتجافي الأسر فوق ~~الظراب من حديث نمى إلي فما تر ... قأ عيني ولا أسيغ شرابي مرة كالذعاف ~~أكتمها النا ... س على حرملة كالشهاب من شرحبيل إذ تعاوره الأر ... ماح من ~~بعد لذة وشباب يا ابن أمي ولو شهدتك إذ تد ... عو تميما وأنت ms0366 غير مجاب ثم ~~طاعنت من ورائك حتى ... يبلغ الرحب أو تبز ثيابي أحسنت وائل وعادتها الإح ~~... سان بالحنو يوم ضرب الرقاب يوم فرت بنو تميم وولت ... خيلهم يكتسعن ~~بالأذناب وهي طويلة؛ ثم إن تغلب أخرجوا سلمة من بينهم فلجأ إلى بكر بن وائل ~~وانضم إليهم، ولحقت تغلب بالمنذر بن امرئ القيس اللخمي. الكلاب بضم الكاف. ~~أسيد بن عمرو بضم الهمزة، وفتح السين المهملة، وتشديد الياء المثناة من ~~تحت. وذو السنينة بضم السين المهملة، تصغير سن. والرباب بكسر الراء، وتخفيف ~~الباء الأولى الموحدة. ### || AUT يوم أوارة الأول # وهو يوم كان بين المنذر بن امرئ القيس وبين بكر بن وائل. وكان سببه أن ~~تغلب لما أخرجت سلمة بن الحارث عنها التجأ إلى بكر ابن وائل، كما ذكرناه ~~آنفا، فلما صار عند بكر أذعنت له وحشدت عليه وقالوا: لا يملكنا غيرك، فبعث ~~إليهم المنذر يدعوهم إلى طاعته، فأبوا ذلك، فحلف المنذر ليسيرن إليهم فإن ~~ظفر بهم فليذبحنهم على قلة جبل أوارة حتى يبلغ الدم الحضيض. PageV01P0191 # وسار إليهم في جموعه، فالتقوا بأوارة فاقتتلوا قتالا شديدا وأجلت الواقعة ~~عن هزيمة بكر وأسر يزيد بن شرحبيل الكندي، فأمر المنذر بقتله، فقتل، وقتل ~~في المعركة بشر كثير، وأسر المنذر من بكر أسرى كثيرا فأمر بهم فذبحوا على ~~جبل أوارة، فجعل الدم يجمد. فقيل له: أبيت اللعن لو ذبحت كل بكري على وجه ~~الأرض لم تبلغ دماؤهم الحضيض ! ولكن لو صببت عليه الماء ! ففعل فسال الدم ~~إلى الحضيض، وأمر بالنساء أن يحرقن بالنار. وكان رجل من قيس بن ثعلبة ~~منقطعا إلى المنذر، فكلمه في سبي بكر ابن وائل، فأطلقهن المنذر، فقال ~~الأعشى يفتخر بشفاعة القيسي إلى المنذر في بكر: ومنا الذي أعطاه بالجمع ربه ~~... على فاقة وللملوك هباتها سبايا بني شيبان يوم أوارة ... على النار إذ ~~تجلى له فتياتها ### || AUT يوم أوارة الثاني # كان عمرو بن المنذر اللخمي قد ترك ابنا له اسمه أسعد عند زراة بن عدس ~~التميمي؛ فلما ترعرع مرت به ناقة سمينة فعبث بها فرمى ms0367 ضرعها، فشد عليه ربها ~~سويد أحد بني عبد الله بن دارم التميمي فقتله. وهرب فلحق بمكة فحالف قريشا. ~~وكان عمرو بن المنذر غزا قبل ذلك ومعه زرارة فأخفق، فلما كان حيال جبلي طيء ~~قال له زرارة: أي ملك إذا غزا لم يرجع ولم يصب، فمل على طيء فإن بحيالها، ~~فمال إليهم فأسر وقتل وغنم، فكانت في صدور طيء على زرارة، فلما قتل سويد ~~أسعد، وزرارة يومئذ عند عمرو، قال له عمرو بن ثعلبة بن ملقط الطائي يحرض ~~عمرا على زرارة: من مبلغ عمرا بأن ال ... مرء لم يخلق صباره ها إن عجزة أمة ~~... بالسفح أسفل من أواره فاقتل زرارة لا أرى ... في القوم أوفى من زراره ~~فقال عمرو: يا زرارة ما تقول ؟ قال كذبت، قد علمت عداوتهم فيك. قال: صدقت. ~~فلما جن الليل سار مجدا إلى قومه ولم يلبث أن مرض. فلما حضرته الوفاة قال ~~لابنه: يا حاجب ضم إليك غلمتي في بني نهشل. وقال لابن أخيه عمرو بن عمرو: ~~عليك بعمرو بن ملقط فإنه حرض علي الملك. فقال له: يا عماه لقد أسندت إلي ~~أبعدهما شقة وأشدهما شوكة. فلما مات زرارة تهيأ عمرو بن عمرو في جمع وغزا ~~طيئا فأصاب الطريفين: طريف بن مالك، وطريف بن عمرو، وقتل الملاقط؛ فقال ~~علقمة بن عبدة في ذلك: ونحن جلبنا من ضرية خيلنا ... نجنبها حد الإكام ~~قطاقطا أصبنا الطريف والطريف بن مالك ... وكان شفاء الواصبين الملاقطا فلما ~~بلغ عمرو بن المنذر وفاة زرارة غزا بني دارم، وقد كان حلف ليقتلن منهم ~~مائة، فسار بطلبهم حتى بلغ أوارة، وقد نذروا به فتفرقوا. فأقام مكانه وبث ~~سراياه فيهم، فأتوه بتسعة وتسعين رجلا سوى من قتلوه في غاراتهم فقتلهم، ~~فجاء رجل من البراجم شاعر ليمدحه فأخذه ليقتله ليتم مائة، ثم قال: إن الشقي ~~وافد البراجم ! فذهبت مثلا. وقيل: إنه نذر أن يحرقهم فلذلك سمي محرقا، ~~فأحرق منهم تسعة وتسعين رجلا واجتاز رجل من البراجم فشم قتار اللحم فظن أن ~~الملك يتخذ طعاما فقصده. فقال: من ms0368 أنت ؟ فقال: أبيت اللعن أنا وافد ~~البراجم. فقال: إن الشقي وافد البراجم؛ ثم أمر به فقذف في النار، فقال جرير ~~للفرزدق: أين الذين بنار عمرو أحرقوا ... أم أين أسعد فيكم المسترضع وصارت ~~تميم بعد ذلك يعيرون بحب الأكل لطمع البرجمي في الأكل، فقال بعضهم: إذا ما ~~مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجيء بزاد بخبز أو بلحم أو بتمر ... أو ~~الشيء الملفف في البجاد تراه ينقب البطحاء حولا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد ~~قيل: دخل الأحنف بن قيس على معاوية بن أبي سفيان فقال له معاوية: ما الشيء ~~الملفف في البجاد يا أبا بحر ؟ قال: السخينة يا أمير المؤمنين. والسخينة ~~طعام تعير به قريش كما كانت تعير تميم بالملفف في البجاد. قال: فلم ير ~~متمازحان أوقر منهما. ### | AUT ذكر قتل زهير بن جذيمة # ### | AUT وخالد بن جعفر بن كلاب والحارث بن ظالم المري وذكر يوم الرحرحان # PageV01P0192 # كان زهي بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس ~~العبسي، وهو والد قيس بن زهير صاحب حرب دحس والغبراء، سيد قيس عيلان، فتزوج ~~إليه ملك الحيرة، وهو النعمان بن امرئ القيس جد النعمان بن المنذر لشرفه ~~وسؤدده، فأرسل النعمان إلى زهير يستزيره بعض أولاده، فأرسل ابنه شأسا فكان ~~أصغر ولده، فأكرمه وحباه، فلما انصرف إلى أبيه كساه حللا وأعطاه مالا طيبا. ~~فخرج شأس يريد قومه فبلغ ماء من مياه غني بن أعصر فقتله رباح بن الأشل ~~الغنوي وأخذ ما كان معه وهو لا يعرفه، وقيل لزهير: إن شأسا أقبل من عند ~~الملك وكان آخر العهد به بماء من مياه غني. فسار زهير إلى ديار غني، وهم ~~حلفاء في بني عامر ابن صعصعة، فاجتمعوا عنده، فسألهم عن ابنه، فحلفوا أنهم ~~لم يعلموا خبره، قال: لكني أعلمه، فقال له أبو عامر: فما الذي يرضيك منا ؟ ~~قال: واحدة من ثلاث: إما تحيون ولدى، وإما تسلمون إلي غنيا حتى أقتلهم ~~بولدي، وإما الحرب بيننا وبينكم ما بقينا وبقيتم. فقالوا: ما ms0369 جعلت لنا في ~~هذه مخرجا، أما إحياء ولدك فلا يقدر عليه إلا الله، وأما تسليم غني إليك ~~فهم يمتنعون مما يمتنع منه الأحرار، وأما الحرب بيننا فوالله إننا لنحب ~~رضاك ونكره سخطك، ولكن إن شئت الدية، وإن شئت تطلب قاتل ابنك فنسلمه إليك ~~أو تهب دمه فإنه لا يضيع في القرابة والجوار. فقال: ما أفعل إلا ما ذكرت. ~~فلما رأى خالد بن جعفر بن كلاب تعدي زهير على أخواله من غني قال: والله ما ~~رأينا كاليوم تعدي رجل على قومه. فقال له زهير: فهل لك أن تكون طلبتي عندك ~~وأترك غنيا ؟ قال: نعم؛ فانصرف زهير وهو يقول: فلولا كلاب قد أخذت قرينتي ~~... برد غني أعبدا ومواليا ولكن حمتهم عصبة عامرية ... يهزون في الأرض ~~القصار العواليا مساعير في الهيجا مصاليت في الوغى ... أخوهم عزيز لا يخاف ~~الأعاديا يقيمون في دار الحفاظ تكرما ... إذا ما فني القوم أضحت خواليا ثم ~~إنه أرسل امرأة وأمرها أن تكتم نسبها وأعطاها لحم جزور سمينة وسيرها إلى ~~غني لتبيع اللحم بطيب وتسأل عن حال ولده. فانطلقت المرأة إلى غني وفعلت ما ~~أمرها، فانتهت إلى امرأة رباح بن الأشل وقالت لها: قد زوجت بنتا لي وأبغي ~~الطيب بهذا اللحم، فأعطتها طيبا وحدثتها بقتل زوجها شأسا. فعادت المرأة إلى ~~زهير وأخبرته، فجمع خيله وجعل يغير على غني حتى قتل منهم مقتلة عظيمة، ~~ووقعت الحرب بين بني عبس وبني عامر وعظم الشر. ثم إن زهيرا خرج في أهل بيته ~~في الشهر الحرام إلى عكاظ، فالتقى هو وخالد بن جعفر بن كلاب. فقال له خالد: ~~لقد طال شرنا منك يا زهير ! فقال زهير: أما والله ما دامت لي قوة أدرك بها ~~ثأرا فلا انصرام له. وكانت هوازن تؤتي زهير بن جذيمة الإتاوة كل سنة بعكاظ، ~~وهو يسومها الخسف، وفي أنفسها منه غيظ وحقد، ثم عاد خالد وزهير إلى قومهما، ~~فسبق خالد إلى بلاد هوازن فجمع إليه قومه وندبهم إلى قتال زهير، فأجابوه ~~وتأهبوا للحرب وخرجوا يريدون زهيرا وهم على طريقه، ms0370 وسار زهير حتى نزل على ~~أطراف بلاد هوازن، فقال له ابنه قيس: انج بنا من هذه الأرض فإنا قريب من ~~عدونا. فقال له: يا عاجز وما الذي تخوفني به من هوازن وتتقي شرها ؟ فأنا ~~أعلم الناس بها. فقال ابنه: دع عنك اللجاج وأطعني وسر بنا فإني خائف ~~عاديتهم. وكانت تماضر بنت الشريد بن رياح بن يقظة بن عصية السلمية أم ولد ~~زهير وقد أصاب بعض إخوتها دما فلحق ببني عامر، وكان فيهم، فأرسله خالد عينا ~~ليأتيه بخبر زهير، فخرج حتى أتاهم في منزلهم، فعلم قيس ابن زهير حاله وأراد ~~هو وأبوه أن يوثقوه ويأخذوه معهم إلى أن يخرجوا من أرض هوازن، فمنعت أخته، ~~فأخذوا عليه العهود ألا يخبرهم وأطلقوه فسار إلى خالد ووقف إلى شجرة يخبرها ~~الخبر، فركب خالد ومن معه إلى زهير، وهو غير بعيد منهم، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، والتقى خالد وزهير فاقتتلا طويلا ثم تعانقا فسقطا على الأرض، وشد ~~ورقاء بن زهير على خالد وضربه بسيفه فلم يصنع شيئا لأنه قد ظاهر بين درعين، ~~وحمل جندح ابن البكاء، وهو ابن امرأة خالد، على زهير فقتله، وهو خالد ~~يعتركان، فثار خالد عنه وعادت هوازن إلى منازلها، وحمل بنو زهير أباهم إلى ~~بلادهم، فقال ورقاء بن زهير في ذلك: PageV01P0193 # رأيت زهيرا تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر إلى بطلين ~~يعتران كلاهما ... يريد رياش السيف والسيف نادر فشلت يميني يوم أضرب خالدا ~~... ويمنعه مني الحديد المظاهر فيا ليت أني قبل أيام خالد ... وقبل زهير لم ~~تلدني تماضر لعمري لقد بشرت بي إذ ولدتني ... فماذا الذي ردت عليك البشائر ~~؟ فلا يدعني قومي صريحا بحرة ... لئن كنت مقتولا ويسلم عامر فطر خالد إن ~~كنت تستطيع طيرة ... ولا تقعن إلا وقلبك حاذر أتتك المنايا إن بقيت بضربة ~~... تفارق منها العيش والموت حاضر وقال خالد يمن على هوازن بقتله زهيرا: ~~أبلغ هوازن كيف تكفر بعدما ... أعتقتهم فتوالدوا أحرارا وقتلت ربهم زهيرا ~~بعدما ... جدع الأنوف وأكثر الأوتارا وجعلت مهر نسائهم ودياتهم ... عقل ~~الملوك هجائنا وبكارا ms0371 وكان زهير سيد غطفان، فعلم خالد أن غطفان ستطلبه ~~بسيدها، فسار إلى النعمان بن امرئ القيس بالحيرة فاستجاره، فأجاره. فضرب له ~~قبة، وجمع بنو زهير لهوازن، فقال الحارث بن ظالم المري: اكفوني حرب هوازن ~~فأنا أكفيكم خالد بن جعفر. وسار الحارث حتى قدم على النعمان فدخل عليه ~~وعنده خالد، وهما يأكلان تمرا، فأقبل النعمان يسائله، فحسده خالد، فقال ~~للنعمان: أبيت اللعن ! هذا رجل لي عنده يد عظيمة، قتلت زهيرا وهو سيد غطفان ~~فصار هو سيدها. فقال الحارث: سأجزيك على يدك عندي، وجعل الحارث يتناول ~~التمر ليأكله فيقع من بين أصابعه من الغضب، فقال عروة لأخيه خالد: ما أردت ~~بكلامه وقد عرفته فتاكا ؟ فقال خالد: وما يخوفني منه ؟ فوالله لو رآني ~~نائما ما أيقظني. ثم خرج خالد وأخوه إلى قبتهما فشرجاها عليهما، ونام خالد ~~وعروة عند رأسه يحرسه، فلما أظلم الليل انطلق الحارث إلى خالد فقطع شرج ~~القبة ودخلها وقال لعروة: لئن تكلمت قتلتك ! ثم أيقظ خالدا، فلما استيقظ ~~قال: أتعرفني ؟ قال: أنت الحارث. قال: خذ جزاء يدك عندي ! وضربه بسيفه ~~المعلوب فقتله، ثم خرج من القبة وركب راحلته وسار. وخرج عروة من القبة ~~يستغيث وأتى باب النعمان فدخل عليه وأخبره الخبر، فبث الرجال في طلب ~~الحارث. قال الحارث: فلما سرت قليلا خفت أن أكون لم أقتله فعدت متنكرا ~~واختلطت بالناس ودخلت عليه فضربته بالسيف حتى تيقنت أنه مقتول وعدت فلحقت ~~بقومي؛ فقال عبد الله بن جعدة الكلابي: يا حار لو نبهته لوجدته ... لا ~~طائشا رعشا ولا معزالا شقت عليه الجعفرية جيبها ... جزعا وما تبكي هناك ~~ضلالا فانعوا أبا بحر مجرب ... حران يحسب في القناة هلال فليقتلن بخالد ~~سرواتكم ... وليجعلن لظالم تمثالا تالله قد نبهته فوجدته ... رخو اليدين ~~مواكلا عسقالا فعلوته بالسيف أضرب رأسه ... حتى أضل بسلحه السربالا فجعل ~~النعمان يطلبه ليقتله بجاره، وهوازن تطلبه لتقتله بسيدها خالد، فلحق بتميم ~~فاستجار بضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم، فأجاره على النعمان ~~وهوازن، فلما علم النعمان ذلك جهز ms0372 جيشا إلى بني دارم عليهم ابن الخمس ~~التغلبي، وكان يطلب الحارث بدم أبيه لأنه كان قتله . . PageV01P0194 # ثم إن الأحوص بن جعفر أخا خالد جمع بني عامر وسار بهم، فاجتمعوا هم وعسكر ~~النعمان على بني دارم وساروا، فلما صاروا بأدنى مياه بني دارم رأوا امرأة ~~تجني الكمأة ومعها جمل لها، فأخذها رجل من غني وتركها عنده. فلما كان الليل ~~نام فقامت إلى جملها فركبته وسارت حتى صبحت بني دارم وقصدت سيدهم زرارة بن ~~عدس فأخبرته الخبر وقالت: أخذني أمس قوم لا يريدون غيرك ولا أعرفهم. قال: ~~فصفيهم لي. قالت: رأيت رجلا قد سقط حاجباه فهو يرفعهما بخرقة، صغير ~~العينين، وعن أمره يصدرون. قال: ذاك الأحوص وهو سيد القوم. قالت: ورأيت ~~رجلا قليل المنطق إذا تكلم اجتمع القوم كما تجتمع الإبل لفحلها، أحسن الناس ~~وجها، ومعه ابنان له يلازمانه. قال: ذلك مالك بن جعفر وابناه عامر وطفيل. ~~قالت: ورأيت رجلا جسيما كأن لحيته محمرة معصفرة. قال: ذاك عوف بن الأحوص. ~~قالت: ورأيت رجلا هلقاما جسيما. قال: ذاك ربيعة بن عبد الله بن أبي بكر بن ~~كلاب. قالت: ورأيت رجلا أسود أخنس قصيرا إذا تكلم عذم القوم عذم المخوس. ~~قال: ذاك ربيعة بن قرط بن عبد الله بن أبي بكر. قالت: ورأيت رجلا أقرن ~~الحاجبين، كثير شعر السبلة، يسيل لعابه على لحيته إذا تكلم. قال: ذاك جندح ~~بن البكاء. قالت: ورأيت رجلا صغير العينين ضيق الجبهة يقود فرسا له معه ~~جفير لا يفارق يده. قال: ذاك ربيعة بن عقيل بن كعب. قالت: ورأيت رجلا معه ~~ابنان أصبهان إذا أقبلا رماهما الناس بأبصارهم، فإذا أدبرا كانا كذلك. قال: ~~ذاك الصعق بن عمرو بن خويلد بن نفيل وابناه يزيد وزرعة. قالت: ورأيت رجلا ~~لا يقول كلمة إلا وهي أحد من شفرة. قال: ذاك عبد الله بن جعدة بن كعب. ~~وأمرها زرارة فدخلت بيتها وأرسل زرارة إلى الرعاء يأمرهم بإحضار الإبل، ~~ففعلوا. وأمرهم فحملوا الأهل والأثقال وساروا نحو بلاد بغيض، وفرق الرسل في ~~بني مالك بن ms0373 حنظلة فأتوه، فأخبرهم الخبر وأمرهم، فوجهوا أثقالهم إلى بلاد ~~بغيض، ففعلوا وباتوا معدين. وأصبح بنو عامر وأخبرهم الغنوي حال الظعينة ~~وهربها فسقط في أيديهم واجتمعوا يديرون الرأي، فقال بعضهم: كأني بالظعينة ~~قد أتت قومها فأخبرتهم الخبر، فحذروا وأرسلوا أهليهم وأموالهم إلى بلاد ~~بغيض وباتوا معدين لكم في السلاح فاركبوا بنا في طلب نعمهم وأموالهم فإنهم ~~لا يشعرون حتى نصيب حاجتنا وننصرف. فركبوا يطلبون ظعن بني دارم، فلما أبطأ ~~القوم عن زرارة قال لقومه: إن القوم قد توجهوا إلى ظعنكم وأموالكم فسيروا ~~إليهم. فساروا مجدين فلحقوهم قبل أن يصلوا إلى الظعن والنعم، فاقتتلوا ~~قتالا شديدا، فقتلت بنو مالك بن حنظلة ابن الخمس التغلبي رئيس جيش النعمان، ~~وأسرت بنو عامر معبد بن زرارة، وصبر بنو دارم حتى انتصف النهار، وأقبل قيس ~~بن زهير فيمن معه من ناحية أخرى، فانهزمت بنو عامر وجيش النعمان وعادوا إلى ~~بلادهم ومعبد أسير مع بني عامر، فبقي معهم حتى مات. وفي تلك الأيام أيضا ~~مات زرارة بن عدس. وقيل في استجارة الحارث ببني تميم غير ذلك، وهو أن ~~النعمان طلب شيئا يغيظ به الحارث بعد قتل خالد وهربه، فقيل له: كان قصد ~~الحيرة ونزل على عياض بن ديهث التميمي وهو صديق له، فبعث إليه النعمان فأخذ ~~إبلا له، فركب الحارث وأتى الحيرة متخفيا واستنقذ ماله من الرعاء، ورده ~~عليه وطلب شيئا يغيظ به النعمان، فرأى ابنه غضبان فضرب رأسه بالسيف فقتله، ~~وبلغ النعمان الخبر فبعث في طلبه فلم يدرك، فقال الحارث في ذلك: أخصيي حمار ~~بات يكدم نجمة ... أتؤكل جاراتي وجارك سالم فإن تك أذوادا أصبت ونسوة ... ~~فهذا ابن سلمى رأسه متفاقم علوت بذي الحيات مفرق رأسه ... ولا يركب المكروه ~~إلا الأكارم فتكت بهن كما فتكت بخالد ... وكان سلاحي تحتويه الجماجم بدأت ~~بتلك وانثنيت بهذه ... وثالثة تبيض منها المقادم حسبت أبا قابوس أنك مخفري ~~... ولما تذق ثكلا وأنفك راغم PageV01P0195 # كذا قال بعضهم، وقيل: إن المقتول كان شرحبيل بن الأسود بن المنذر، وكان ~~الأسود قد ترك ابنه شرحبيل ms0374 عند سنان بن أبي حارثة المري ترضعه زوجته. فمن ~~هناك كان لسنان مال كثير، وكان ابنه هرم يعطى منه، فجاء الحارث متخفيا ~~فاستعار سرج سنان ولا يعلم سنان، ثم أتى امرأة سنان فقال: يقول بعلك ابعثي ~~بشرحبيل ابن الملك مع الحارث بن ظالم حتى يستأمن به ويتخفر به وهذا سرجه ~~علامة. فزينته ودفعته إليه، فأخذه وقتله وهرب. فغزا الأسود بني ذبيان وبني ~~أسد بشط أربك فقتل فيهم قتلا ذريعا وسبى واستأصل الأموال وأقسم ليقتلن ~~الحارث، فسار الحارث متخفيا إلى الحيرة ليفتك بالأسود، فبينما هو في منزله ~~إذ سمع صارخة تقول: أنا في جوار الحارث بن ظالم، وعرف حالها، وكان الأسود ~~قد أخذ لها صرمة من الإبل، فقال لها: انطلقي غدا إلى مكان كذا، وأتاه ~~الحارث. فلما وردت إبل النعمان أخذ مالها فسلمه إليها وفيها ناقة تسمى ~~اللقاع، فقال الحارث في ذلك: إذا سمعت حنة اللقاع ... فادعي أبا ليلى فنعم ~~الداعي يمشي بعضب صارم قطاع ... يفري به مجامع الصداع ثم أقبل يطلب مجيرا ~~فلم يجره أحد من الناس وقالوا: من يجيرك على هوازن والنعمان وقد قتلت ولده ~~؟ فأتى زرارة بن عدس وضمرة بن ضمرة فأجاراه على جميع الناس. خبر الحارث ~~وعمرو بن الاطنابة. ثم إن عمرو بن الإطنابة الخزرجي لما بلغه قتل خالد بن ~~جعفر، وكان صديقا له، قال: والله لو وجده يقظان ما أقدم عليه، ولوددت أني ~~لقيته. وبلغ الحارث قوله وقال: والله لآتينه في رحله ولا ألقاه إلا ومعه ~~سلاحه، فبلغ ذلك ابن الإطنابة فقال أبياتا، منها: أبلغ الحارث بن ظالم المو ~~... عد والناذر النذور عليا إنما تقتل النيام ولا تق ... تل يقظان ذا سلاح ~~كميا فبلغ الحارث شعره فسار إلى المدينة وسأل عن منزل ابن الإطنابة، فلما ~~دنا منه نادى: يا ابن الإطنابة أغثني ! فأتاه عمرو فقال: من أنت ؟ قال: رجل ~~من بني فلان خرجت أريد بني فلان فعرض لي قوم قريبا منك فأخذوا ما كان معي ~~فاركب معي حتى نستنقذه. فركب معه ولبس سلاحه ومضى معه، فلما ms0375 أبعد عن منزله ~~عطف عليه وقال: أنائم أنت أم يقظان ؟ فقال: يقظان. فقال: أنا أبو ليلى ~~وسيفي المعلوب، فألقس ابن الإطنابة سيفه، وقيل: رمحه، وقال: قد أعجلتني ~~فأمهلني حتى آخذ سيفي. فقال: خذه. قال: أخاف أن تعجلني عن أخذه. قال: لك ~~ذمة ظالم لا أعجلك عن أخذه. قال: فوذمة الإطنابة لا آخذه ولا أقاتلك ! ~~فانصرف الحارث وهو يقول أبياتا، منها: بلغتنا مقالة المرء عمرو ... ~~فالتقينا وكان ذاك بديا فهممنا بقتله إذ برزنا ... ووجدناه ذا سلاح كميا ~~غير ما نائم يروع بالفت ... ك ولكن مقلدا مشرفيا فمننا عليه بعد علو ... ~~بوفاء وكنت قدما وفيا ثم إن الحارث لما علم أن النعمان قد جد في طلبه ~~وهوازن لا تقعد عن الطلب بثأر خالد خرج متنكرا إلى الشام واستجار بيزيد بن ~~عمرو، فأكرمه وأجاره. وكان ليزيد ناقة محماة في عنقها مدية وزناد وملح ~~ليمتحن بذلك رعيته، فوحمت زوجة الحارث واشتهت شحمها ولحمها ورفع منه. وفقدت ~~الناقة فطلبت فوجدت عقيرة بالوادي، فأرسل الملك إلى كاهن فسأله عنها، فذكر ~~له أن الحارث نحرها، فأرسل امرأة بطيب تشتري من لحمها من امرأة الحارث، ~~فأدركها الحارث وقد اشترت اللحم فقتلها ودفنها في البيت. فسأل الملك الكاهن ~~عن المرأة، فقال: قتلها من نحر الناقة، وإذا كرهت أن تفتش بيته فتأمر الرجل ~~بالرحيل، فإذا رحل فتشت بيته. ففعل ذلك، فلما رحل الحارث فتش الكاهن بيته ~~فوجد المرأة، وأحس بيته. ففعل ذلك، فلما رحل الحارث فتش الكاهن بيته فوجد ~~المرأة، وأحس الحارث بالشر فعاد إلى الكاهن فقتله، فأخذ الحارث وأحضر عند ~~الملك، فأمر بقتله، فقال: إنك قد أجرتني فلا تغدر بي. فقال: إن غدرت بك مرة ~~واحدة فقد غدرت بي مرارا. فقتله. ### | AUT أيام داحس والغبراء # ### | AUT وهي بين عبس وذبيان # PageV01P0196 # وكان سبب ذلك أن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي سار إلى المدينة ليتجهز ~~لقتال عامر والأخذ بثأر أبيه، فأتى أحيحة بن الجلاح يشتري منه درعا موصوفة. ~~فقال له: لا أبيعها ولولا أن تذمني بنو عامر لوهبتها منك ولكن ms0376 اشترها بابن ~~لبون. ففعل ذلك وأخذ الدرع، وتسمى ذات الحواشي، ووهبه أحيحة أيضا أدراعا، ~~وعاد إلى قومه وقد فرغ من جهازه. فاجتاز بالربيع بن زياد العبسي فدعاه إلى ~~مساعدته على الأخذ بثأره فأجابه إلى ذلك. فلما أراد فراقه نظر الربيع إلى ~~عيبته فقال: ما في حقيبتك ؟ قال: متاع عجيب لو أبصرته لراعك، وأناخ راحلته، ~~فأخرج الدرع من الحقيبة، فأبصرها الربيع فأعجبته ولبسها، فكانت في طوله. ~~فمنعها من قيس ولم يعطه إياها، وترددت الرسل بينهما في ذلك، ولج قيس في ~~طلبها، ولج الربيع في منعها. فلما طالت الأيام على ذلك سير قيس أهله إلى ~~مكة وأقام ينتظر غرة الربيع. ثم إن الربيع سير إبله وأمواله إلى مرعى كثير ~~الكلإ وأمر أهله فظعنوا، وركب فرسه وسار إلى المنزل، فبلغ الخبر قيسا فسار ~~في أهله وإخوته فعارض ظعائن الربيع وأخذ زمام أمه فاطمة بنت الخرشب وزمام ~~زوجته. فقالت فاطمة أم الربيع: ما تريد يا قيس ؟ قال: أذهب بكن إلى مكة ~~فأبيعكن بها بسبب درعي. قالت: وهيفي ضماني وخل عنا، ففعل. فلما جاءت إلى ~~ابنها قالت له في معنى الدرع، فحلف أنهن لا يرد الدرع، فأرسلت إلى قيس ~~أعلمته بما قال الربيع، فأغار على نعم الربيع فاستاق منها أربعمائة بعير ~~وسار بها إلى مكة فباعها واشترى بها خيلا، وتبعه الربيع فلم يلحقه، فكان ~~فيما اشترى من الخيل داحس والغبراء. وقيل: إن داحسا كان من خيل بني يربوع، ~~وإن أباه كان أخذ فرسا لرجل من بني ضبة يقال له انيف بن جبلة، وكان الفرس ~~يسمى السبط، وكانت أم داحش لليربوعي، فطلب اليربوعي من الضبي أن ينزي فرسه ~~على حجره فلم يفعل. فلما كان الليل عمد اليربوعي إلى فرس الضبي فأخذه ~~فأنزاه على فرسه، فاستيقظ الضبي فلم ير فرسه فنادى في قومه، فأجابوه، وقد ~~تعلق باليربوعي، فأخبرهم الخبر، فغضب ضبة من ذلك، فقال لهم: لا تعجلوا، ~~دونكم نطفة فرسكم فخذوها. فقال القوم: قد أنصف. فسطا عليها رجل من القوم ~~فدس يده في رحمها فأخذ ما فيها، ms0377 فلم تزد الفرس إلا لقاحا فنتجت مهرا فسمي ~~داحسا بهذا السبب. فكان عند اليربوعي ابنان له، أغار قيس بن زهير على بني ~~يربوع فنهب وسبى، ورأى الغلامين أحدهما على داحس والآخر على الغبراء ~~فطلبهما فلم يلحقهما، فرجع وفي السبي أم الغلامين وأختان لهما وقد وقع داحس ~~والغبراء في قلبه، وكان ذلك قبل أن يقع بيته وبين الربيع ما وقع. ثم جاء ~~وفد بني يربوع في فداء الأسرى والسبي، فأطلق الجميع إلا أم الغلامين ~~وأختيهما وقال: إن أتاني الغلامان بالمهر والفرس الغبراء وإلا فلا. فامتنع ~~الغلامان من ذلك، فقال شيخ من بني يربوع كان أسيرا عند قيس، وبعث بها إلى ~~الغلامين، وهي: إن مهرا فدى الرباب وجملا ... وسعادا لخير مهر أناس ادفعوا ~~داحسا بهن سراعا ... إنها من فعالها الأكياس دونها والذي يحج له النا ... س ~~سبايا يبعن بالأفراس إن قيسا يرى الجواد من الخي ... ل حياة في متلف ~~الأنفاس يشتري الطرف بالجراجرة الج ... لة يعطي عفوا بغير مكاس فلما انتهت ~~الأبيات إلى بني يربوع قادوا الفرسين إلى قيس وأخذوا النساء. وقيل: إن قيسا ~~أنزى داحسا على فرس له فجاءت بمهرة فسماها الغبراء. ثم إن قيسا أقام بمكة ~~فكان أهلها يفاخرونه، وكان فخورا، فقال لهم: نحوا كعبتكم عنا وحرمكم وهاتوا ~~ما شئتم. فقال ل عبد الله بن جدعان: إذا لم نفاخرك بالبيت المعمور وبالحرم ~~الآمن فيم نفاخرك ؟ فمل قيس مفاخرتهم وعزم على الرحلة عنهم، وسر ذلك قريشا ~~لأنهم قد كانوا كرهوا مفاخرته، فقال لإخوته: ارحلوا بنا من عندهم أولا وإلا ~~تفاقم الشر بيننا وبينهم، والحقوا ببني بدر فإنهم أكفاؤنا في الحسب، وبنو ~~عمنا في النسب، وأشراف قومنا في الكرم، ومن لا يستطيع الربيع أن يتناولنا ~~معهم. فلحق قيس وإخوته ببني بدر، وقال في مسيره إليهم: أسير إلى بني بدر ~~بأمر ... هم فيه علينا بالخيار PageV01P0197 # فإن قبلوا الجوار فخير قوم ... وإن كرهوا الجوار فغير عار أتينا الحارث ~~الخير بن كعب ... بنجران وأي لجا بجار فجاورنا الذين إذا أتاهم ... غريب حل ~~في سعة القرار ms0378 فيأمن فيهم ويكون منهم ... بمنزلة الشعار من الدثار وإن نفرد ~~بحرب بني أبينا ... بلا جار فإن الله جاري ثم نزل ببني بدر فنزل بحذيفة، ~~فأجاره هو وأخوه حمل بن بدر، وأقام فيهم، وكان معه أفراس له ولإخوته لم يكن ~~في العرب مثلها، وكان حذيفة يغدو ويروح إلى قيس فينظر إلى خيله فيحسده ~~عليها ويكتم ذلك في نفسه، وأقام قيس فيهم زمانا يكرمونه وإخوته، فغضب ~~الربيع ونقم ذلك عليهم وبعث إليهم بهذه الأبيات: ألا أبلغ بني بدر رسولا ~~... على ما كان من شنإ ووتر بأني لم أزل لكم صديقا ... أدافع عن فزارة كل ~~أمر أسالم سلمكم وأرد عنكم ... فوارس أهل نجران وحجر وكان أبي ابن عمكم ~~زياد ... صفي أبيكم بدر بن عمرو فألجأتم أخا الغدرات قيسا ... فقد أفعمتم ~~إيغار صدري فحسبي من حذيفة ضم قيس ... وكان البدء من حمل بن بدر فإما ~~ترجعوا أرجع إليكم ... وإن تأبوا فقد أوسعت عذري فلم يتغيروا عن جوار قيس. ~~فغضب الربيع وغضبت عبس لغضبه، ثم إن حذيفة كره قيسا وأراد إخراجه عنهم فلم ~~يجد حجة، وعزم قيس على العمرة فقال لأصحابه: إني قد عزمت على العمرة فإياكم ~~أن تلابسوا حذيفة بشيء، واحتملوا كل ما يكون منه حتى أرجع فإني قد عرفت ~~الشر في وجهه وليس يقدر على حاجته منكم إلا أن تراهنون على الخيل. وكان ذا ~~رأي لا يخطئ في ما يريده، وسار إلى مكة. ثم إن فتى من عبس يقال له ورد ابن ~~مالك أتى حذيفة فجلس إليه، فقال له ورد: لو اتخذت من خيل قيس فحلا يكون ~~أصلا لخيلك. فقال حذيفة: خيلي خير من خيل قيس، ولجا في ذلك إلى أن تراهنا ~~على فرسين من خيل قيس وفرسين من خيل حذيفة، والرهن عشرة أذواد. وسار ورد ~~فقدم على قيس بمكة فأعلمه الحال، فقال له: أراك قد أوقعتني في بني بدر ~~ووقعت معي وحذيفة ظلوم لا تطيب نفسه بحق ونحن لا نقر له بضيم. ورجع قيس من ~~العمرة، فجمع قومه وركب إلى حذيفة وسأله ms0379 أن يفكر الرهن، فلم يفعل. فسأله ~~جماعة فزارة وعبس فلم يجب إلى ذلك، وقال: إن أقرقيس أن السبق لي وإلا فلا، ~~فقال أبو جعدة الفزاري: آل بدر دعوا الرهان فإنا ... قد مللنا اللجاج عند ~~الرهان ودعوا المرء في فزارة جارا ... إن ما غاب عنكم كالعيان ليت شعري عن ~~هاشم وحصين ... وابن عوف وحارث وسنان حين يأتيهم لجاجك قيسا ... رأي صاح ~~أتيت أم نشوان وسأل حذيفة إخوته وسادات أصحابه في ترك الرهان ولج فيه، وقال ~~قيس: علام تراهنني ؟ قال: على فرسيك داحس والغبراء وفرسي الخطار والحنفاء، ~~وقيل: كان الرهن على فرسي داحس والغبراء. قال قيس: داحس أسرع. وقال حذيفة: ~~الغبراء أسرع، وقال لقيس: أريد أن أعلمك أن بصري بالخيل أثقب من بصرك؛ ~~والأول أصح. فقال له قيس: نفس في الغاية وارفع في السبق. فقال حذيفة: ~~الغاية من أبلى إلى ذات الإصاد، وهو قدر مائة وعشرين غلوة، والسبق مائة ~~بعير، وضمروا الخيل. فلما فرغوا قادوا الخيل إلى الغاية وحشدوا ولبسوا ~~السلاح وتركوا السبق على يد عقال ابن مروان بن الحكم القيسي وأعدوا الأمناء ~~على إرسال الخيل. وأقام حذيفة رجلا من بني أسد في الطريق وأمره أن يلقى ~~داحسا في وادي ذات الإصاد إن مر به سابقا فيرمي به إلى أسفل الوادي. ~~PageV01P0198 # فلما أرسلت الخيل سبقها داحس سبقا بينا والناس ينظرون إليه وقيس وحذيفة ~~على رأس الغاية في جميع قومهما. فلما هبط داحس في الوادي عارضه الأسدي فلطم ~~وجهه فألقاه في الماء، فكاد يغرق هو وراكبه ولم يخرج إلا وقد فاتته الخيل. ~~وأما راكب الغبراء فإنه خالف طريق داحس لما رآه قد أبطأ وعاد إلى الطريق ~~واجتمع مع فرسي حذيفة، ثم سقطت الحنفاء وبقي الغبراء والخطار، فكانا إذا ~~أحزنا سبق الخطار وإذا أسهلا سبقت الغبراء. فلما قربا من الناس وهما في وعث ~~من الأرض تقدم الخطار، فقال حذيفة: سبقك يا قيس. فقال: رويدك يعلون الجدد؛ ~~فذهبت مثلا. فلما استوت بهما الأرض قال حذيفة: خدع والله صاحبنا. فقال قيس: ~~ترك الخداع من أجرى من ms0380 مائة وعشرين؛ فذهبت مثلا. ثم إن الغبراء جاءت سابقة ~~وتبعها الخطار فرس حذيفة، ثم الحنفاء له أيضا، ثم جاء داحس بعد ذلك والغلام ~~يسير به على رسله، فأخبر الغلام فيسا بما صنع بفرسه، فأنكر حذيفة ذلك وادعى ~~السبق ظالما، وقال: جاء فرساي متتابعين، ومضى قيس وأصحابه حتى نظروا إلى ~~القوم الذين حبسوا داحسا واختلفوا. وبلغ الربيع بن زياد خبرهم فسره ذلك ~~وقال لأصحابه: هلك والله قيس، وكأني به إن لم يقتله حذيفة وقد أتاكم يطلب ~~منكم الجوار، أما والله لئن فعل ما لنا من ضمه من بد. ثم إن الأسدي ندم على ~~حبس داحس فجاء إلى قيس واعترف بما صنع، فسبه حذيفة. ثم إن بني بدر قصروا ~~بقيس وإخوته وآذوهم بالكلام، فعاتبهم قيس، فلم يزدادوا إلا بغيا عليه ~~وإيذاء له. ثم إن قيسا وحذيفة تناكرا في السبق حتى هما بالمؤاخذة، فمنعهما ~~الناس، وظهر لهم بغي حذيفة وظلمه، ولج في طلب السبق، فأرسل ابنه ندبة إلى ~~قيس يطالبه به، فلما أبلغه الرسالة طعنه فقتله وعادت فرسه إلى أبيه ونادى ~~قيس: يا بني عبس الرحيل ؟! فرحلوا كلهم، ولما أتت الفرس حذيفة علم أن ولده ~~قتل، فصاح في الناس وركب في من معه وأتى منازل بني عبس فرآها خالية ورأى ~~ابنه قتيلا، فنزل إليه وقبل بين عينيه ودفنوه. وكان مالك بن زهير أخو قيس ~~متزوجا في فزارة وهو نازل فيهم، فأرسل إليه قيس: أني قد قتلت ندبة بن حذيفة ~~ورحلت فالحق بنا وإلا قتلت. فقال: إنما ذنب قيس عيه، ولم يرحل، فأرسل قيس ~~إلى الربيع ابن زياد يطلب منه العود إليه والمقام معه إذ هم عشيرة وأهل، ~~فلم يجبه ولم يمنعه، وكان مفكرا في ذلك. ثم إن بني بدر قتلوا مالك بن زهير ~~أخا قيس، وكان نازلا فيهم، فبلغ مقتله بني عبس والربيع بن زياد، فاشتد ذلك ~~عليهم، وأرسل الربيع إلى قيس عينا يأتيه بخبره، فسمعه يقول: أينجو بنو بدر ~~بمقتل مالك ... ويخذلنا في النائبات ربيع وكان زيادق قبله يتقى به ... من ~~الدهر ms0381 إن يوم ألم فظيع فقل لربيع يحتذي فعل شيخه ... وما الناس إلا حافظ ~~ومضيع وإلا فما لي في البلاد إقامة ... وأمر بني بدر علي جميع فرجع الرجل ~~إلى الربيع فأخبره، فبكى الربيع على مالك وقال: منع الرقاد فما أغمض ساعة ~~... جزعا من الخبر العظيم الساري أفبعد مقتل مالك بن زهير ... يرجو النساء ~~عواقب الأطهار من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد ~~النساء حواسرا يندبنه ... ويقمن قبل تبلج الأسحار يضربن حر وجوههن على فتى ~~... ضخم الدسيعة غير ما خوار قد كن يكنن الوجوه تسترا ... فاليوم حين برزن ~~للنظار وهي طويلة. PageV01P0199 # فسمعها قيس فركب هو وأهله وقصدوا الربيع بن زياد وهو يصلح سلاحه، فنزل ~~إليه قيس وقام الربيع فاتنقا وبكيا وأظهرا الجزع لمصاب مالك، ولقي القوم ~~بعضهم بعضا فنزلوا. فقال قيس للربيع: إنه لم يهرب منك من لجأ إليه، ولم ~~يستغن عنك من استعان بك، وقد كان لك شر يومي فليكن لي خير يوميك، وإنما أنا ~~بقومي وقومي بك وقد أصاب القوم مالكا، ولست أهم بسوء لأني إن حاربت بني بدر ~~نصرتهم بنو ذبيان، وإن حاربتني خذلني بنو عبس إلا أن تجمعهم علي، وأنا ~~والقوم في الدماء سواء، قتلت ابنهم وقتلوا أخي، فإن نصرتني طمعت فيهم، وإن ~~خذلتني طمعوا في. فقال الربيع: يا قيس إنه لا ينفعني أن أرى لك من الفضل ما ~~لا أراه لي، ولا ينفعك أن ترى لي ما لا أراه لك، وقد مال علي قتل مالك وأنت ~~ظالم ومظلوم، ظلموك في جوادك وظلمتهم في دمائهم، وقتلوا أخاك بابنهم، فإن ~~يبؤ الدم بالدم فعسى أن تلقح الحرب أقم معك، وأحب الأمرين إلي مسالمتهم ~~ونخلو بحرب هوازن. وبعث قيس إلى أهله وأصحابه، فجاؤوا ونزلوا مع الربيع، ~~وأنشدهم عنترة بن شداد مرثيته في مالك: فلله عينا من رأى مثل مالك ... ~~عقيرة قوم أن جرى فرسان فليتهما لم يطعما الدهر بعدها ... وليتهما لم يجمعا ~~لرهان وليتهما ماتا جميعا ببلدة ... وأخطاهما قيس فلا يريان لقد جلبا جلبا ~~لمصرع مالك ... وكان ms0382 كريما ماجدا لهجان وكان إذا ما كان يوم كريهة ... فقد ~~علموا أني وهو فتيان وكنا لدى الهيجاء نحمي نساءنا ... ونضرب عند الكرب كل ~~بنان فسوف ترى إن كنت بعدك باقيا ... وأمكنني دهري وطول زماني فأقسم حقا لو ~~بقيت لنظرة ... لقرت بها عيناك حين تراني وبلغ حذيفة أن الربيع وقيسا ~~اتفقا، فشق ذلك عليه واستعد للبلاء. وقيل: إن بلاد عبس كانت قد أجدبت ~~فانتجع أهلها بلاد فزارة، وأخذ الربيع جوارا من حذيفة وأقام عندهم. فلما ~~بلغه مقتل مالك قال لحذيفة: لي ذمتي ثلاثة أيام. فقال حذيفة: ذلك لك. ~~فانتقل الربيع من بني فزارة. فبلغ ذلك حمل بن بدر فقال لحذيفة أخيه: بئس ~~الرأي رأيت ! قتلت مالكا وخليت سبيل الربيع ! والله ليضرمنها عليك نارا ! ~~فركبا في طلب الربيع، ففاتهما، فعلما أنه قد أضمر الشر. واتفق الربيع وقيس، ~~وجمع حذيفة قومه وتعاقدوا على عبس، وجمع الربيع وقيس قومهما واستعدوا ~~للحرب، فأغارت فزارة على بني عبس فأصابوا نعما ورجالا، فحميت عبس واجتمعت ~~للغارة، فنذرت بهم فزارة. فخرجوا إليهم فالتقوا على ماء يقال له العذق، وهي ~~أول وقعة كانت بينهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، وقتل عوف بن يزيد، قتله جندب ~~بن خلف العبسي. وانهزمت فزارة وقتلوا قتلا ذريعا، وأسر الربيع بن زياد ~~حذيفة ابن بدر، وكان حر بن الحارث العبسي قد نذر إن قدر على حذيفة أن يضربه ~~بالسيف، وله سيف قاطع يسمى الأصرم، فأراد ضربه بالسيف لما أسر وفاء بنذره، ~~فأرسل الربيع إلى امرأته فغيبت سيفه ونهوه عن قتله وحذروه عاقبة ذلك، فأبى ~~إلا ضربه، فوضعوا عليه الرجال، فضربه، فلم يصنع السيف شيئا وبقي حذيفة ~~أسيرا. فاجتمعت غطفان وسعوا في الصلح، فاصطلحوا على أن يهدروا بدر بن حذيفة ~~بدم مالك بن زهير، ويعقلوا عوف بن بدر، ويعطوا حذيفة عن ضربته التي ضربه حر ~~مائتين من الإبل، وأن يجعلوها عشارا كلها، وأربعة أعبد، وأهدر حذيفة دماء ~~من قتل من فزارة في الوقعة وأطلق من الأسر. فلما رجع إلى قومه ندم على ذلك ~~وساءت مقالته في بني ms0383 عبس، وركب قيس بن زهير وعمارة بن زياد فمضيا إلى حذيفة ~~وتحدثا معه. فأجابهما إلى الاتفاق وأن يرد عليهما الإبل التي أخذ منهما، ~~وكانت توالدت عنده. فبيناهم في ذلك إذ جاءهم سنان بن أبي حراثة المري فقبح ~~رأي حذيفة في الصلح وقال: إن كنت لا بد فاعلا فأعطهم إبلا عجافا مكان إبلهم ~~واحبس أولادها. فوافق ذلك رأي حذيفة، فأبى قيس وعمارة ذلك. وقيل: إن الابل ~~التي طلبوها منه هي إبل كان قد أخذها سبقا من قيس. وقيل أيضا: إن مالك بن ~~زهير قتل بعد هذه الوقعة المذكورة؛ قال حميد ابن بدر في ذلك: قتلنا بعوف ~~مالكا وهو ثأرنا ... ومن يبتدع شيئا سوى الحق يظلم PageV01P0200 # وجعل سنان يحث حذيفة على الحرب، فتيسروا لها. ثم إن الأنصار بلغهم ما ~~عزموا عليه، فاتفق جماعة من رؤسائهم، وهم: عمرو بن الإطنابة، ومالك بن ~~عجلان، وأحيحة بن الجلام، وقيس ابن الخطيم، وغيرهم، وساروا ليصلحوا بينهم، ~~فوصلوا إليهم وترددوا في الاتفاق، فلم يجب حذيفة إلى ذلك وظهر لهم بغيه، ~~فحذروه عاقبته وعادوا عنه. وأغار حذيفة على عبس، وأغارت عبس على فزارة، ~~وتفاقم الشر، وأرسل حذيفة أخاه حملا فأغار وأسر ريان بن الأسلع بن سفيان ~~وشده وثاقا وحمله إلى حذيفة فأطلقه ليرهنه ابنيه وجبير ابن أخيه عمرو بن ~~الأسلع، ففعل ريان ذلك، ثم سار قيس إلى فزارة فلقي منهم جمعا فيهم مالك بن ~~بدر، فقتله قيس وانهزمت فزارة، فأخذ حينئذ حذيفة ولدي ريان فقتلهما وهما ~~يستغيثان: يا أبتاه ! حتى ماتا، وأما ابن أخيه فمنعه أخواله. ولما قتل مالك ~~والغلامان اشتدت الحرب بين الفريقين وأكثرها في فزارة ومن معها. ففي بعض ~~الأيام التقوا واقتتلوا قتالا شديدا ودامت الحرب بينهم إلى آخر النهار، ~~وأبصر ريان بن الأسلع زيد بن حذيفة فحمل عليه فقتله، وانهزمت فزارة وذبيان، ~~وأدرك الحارث بن بدر فقتل، ورجعت عبس سالمة لم يصب منها أحد. فلما قتل زيد ~~والحارث جمع حذيفة جميع بني ذبيان وبعث إلى أشجع وأسد بن خزيمة فجمعهم، ~~فبلغ ذلك بني عبس فضموا ms0384 أطرافهم، وأشار قيس بن زهير بالسبق إلى ماء ~~العقيقة، ففعلوا ذلك، وسار حذيفة في جموعه إلى عبس، ومشى السفراء بينهم، ~~فحلف حذيفة: أنه لا يصلح حتى يشرب من ماء العقيقة. فأرسل إليه قيس منه في ~~سقاء وقال: لا أترك حذيفة يخدعني. واصطلحوا على أن تعطي بنو عبس حذيفة ديات ~~من قتل له، ووضعوا الرهائن عدنه إلى أن يجمعوا الديات، وهي عشر، وكانت ~~الرهائن ابنا لقيس بن زهير، وابنا للربيع بن زياد، فوضعوا أحدهما عند قطبة ~~بن سنان والآخر عند رجل من بكر بن وائل أعمى. فعير بعض الناس حذيفة بقبول ~~الدية، فحضر هو وأخوه حمل عند قطبة بن سنان والبكري وقالا: ادفعا إلينا ~~الغلامين لنكسوهما ونسرحهما إلى أهلهما. فأما قطبة فدفع إليهما الغلام الذي ~~عنده، وهو ابن قيس، وأما البكري فامتنع من تسليم من عنده، فلما أخذا ابن ~~قيس عادا فلقيا في الطريق ابنا لعمارة بن زياد العبسي وابن عم له، فأخذاهما ~~وقتلاهما مع ابن قيس. فلما بلغ ذلك بني عبس أخذوا ما كانوا جمعوا من ~~الديات، فحملوا عليه الرجال واشتروا السلاح، ثم خرج قيس في جماعة فلقوا ~~ابنا لحذيفة ومعه فوارس من ذبيان فقتلوهم. فجمع حذيفة وسار إلى عبس، وهم ~~على ماء يقال له عراعر، فاقتتلوا،فكان الظفر لفزارة ورجعت سالمة. وجد حذيفة ~~في الحرب وكرهها أخوه حمل وندم على ما كان، وقال لأخيه في الصلح فلم يجب ~~إلى ذلك، وجمع الجموع من أسد وذبيان وسائر بطون غطفان وسار نحو بني عبس، ~~فاجتمعت عبس وتشاوروا في أمرهم، فقال لهم قيس بن زهير: إنه قد جاءكم ما لا ~~قبل لكم به وليس لبني بدر إلا دماؤكم والزيادة عليكم، وأما من سواهم فلا ~~يريدون غير الأموال والغنيمة، والرأي أننا نترك الأموال بمكانها ونترك معها ~~فارسين على داحس وعلى فرس آخر جواد ونرحل نحن ونكون على مرحلة من الماء، ~~فإذا جاء القوم إلى الأموال سار إلينا الفارسان فأعلمانا وصولهم، فإن القوم ~~يشتغلون بالنهب وحيازة الأموال، وإن نهاهم ذوو الرأي عن ذلك فإن العامة ms0385 ~~تخالفهم وتنتقض تعبيتهم ويشتغل كل إنسان بحفظ ما غنم ويعلقون أسلحتهم على ~~ظهور الإبل ويأمنون. فنعود نحن إليهم عند وصول الفارسين فندركهم وهم على ~~حال تفرق وتشتت فلا يكون لأحدهم همة إلا نفسه. PageV01P0201 # ففعلوا ذلك وجاء حذيفة ومن معه فاشتغلوا بالنهب، فنهاهم حذيفة وغيرهم فلم ~~يقبلوا منه، وكانوا على الحال التي وصف قيس. وعادت بنو عبس وقد تفرقت أسد ~~وغيرهم، وبقي بنو فزارة في آخر الناس، فحملوا عليهم من جوانبهم فقتل مالك ~~بن سبيع التغلبي سيد غطفان، وانهزمت فزارة وحذيفة معهم وانفرد في خمسة ~~فوارس وجد في الهرب. وبلغ خبره بني عبس، فتبعه قيس بن زهير والربيع بن زياد ~~وقرواش بن عمرو بن الأسلع وريان بن الأسلع الذي قتل حذيفة ابنيه، وتبعوا ~~أثرهم في الليل، وقال قيس: كأني بالقوم وقد وردوا جفر الهباءة ونزلوا فيه، ~~فساروا ليلتهم كلها حتى أدركوهم مع طلوع الشمس في جفر الهباءة في الماء، ~~وقد أرسلوا خيولهم فأخذوا بجمعها، فمحال قيس وأصحابه بينهم وبينها، وكان مع ~~حذيفة في الجفر أخوه حمل بن بدر وابنه حصن بن حذيفة وغيرهم. فهجم عليهم قيس ~~والربيع ومن معهما وهم ينادون: لبيكم لبيكم ! يعني أنهم يجيبون نداء ~~الصبيان لما قتلوا ينادون: يا أبتاه ! فقال لهم قيس: يا بني بكر كيف رأيتم ~~عاقبة البغي ؟ فناشدوهم الله الرحم، فلم يقبلوا منهم. ودار قرواش ابن عمرو ~~حتى وقف خلف ظهر حذيفة فضربه فدق صلبه، وكان قرواش قد رباه حذيفة حتى كبر ~~عنده في بيته، وقتلوا حملا أخاه وقطعوا رأسيهما واستبقوا حصن بن حذيفة ~~لصباه. وكان عدد من ؟ قتل في هذه الوقعة من فزارة وأسد وغطفان ما يزيد على ~~أربعمائة قتيل، وقتل من عبس ما يزيد على عشرين قتيلا، وكانت فزارة تسمي هذه ~~الوقعة البوار؛ وقال قيس ابن زهير: أقام على الهباءة خير ميت ... وأكرمه ~~حذيفة لا يريم لقد فجعت به قيس جميعا ... موالي القوم والقوم الصميم وعم به ~~لمقتله بعيد ... وخص به لمقتله حميم وهي طويلة؛ وقال أيضا: ألم تر أن خير ~~الناس أمسى ms0386 ... على جفر الهباءة لا يريم فلولا ظلمه ما زلت أبكي ... عليه ~~الدهر ما طلع النجوم ولكن الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغي مرتعه وخيم ~~وأكثروا القول في يوم الهباءة. ثم إن عبسا ندمت على ما فعلت يوم الهباءة، ~~ولام بعضهم بعضا، فاجتمعت فزارة إلى سنان بن أبي حارثة المري وشكوا إليه ما ~~نزل بهم، فأعظمه وذم عبسا وعزم على أن يجمع العرب ويأخذ بثأر بني بدر ~~وفزارة، وبث رسهل. فاجتمع من العرب خلق كثير لا يحصون، ونهى أصحابه عن ~~التعرض إلى الموال والغنيمة وأمرهم بالصبر، وساروا إلى بني عبس. فلما بلغهم ~~مسيرهم إليهم قال قيس: الرأي أننا لا نلقاهم، فإننا قد وترناهم فهم ~~يطالبوننا بالذخول والطوائل، وقد رأوا ما نالهم بالأمس باشتغالهم بالنهب ~~والمال فهم لا يتعرضون إليه الآن، والذي ينبغي أن نفعله أننا نرسل الظعائن ~~والأموال إلى بني عامر، فإن الدم لنا قبلهم فهم لا يتعرضون لكم ويبقى أولو ~~القوة والجلد على ظهور الخيل ونماطلهم القتال، فإن أبوا إلا القتال كنا قد ~~أحرزنا أهلينا وأموالنا وقاتلناهم وصبرنا لهم، فإن ظفرنا فهو الذي نريد، ~~وإن كانت الأخرى كنا قد احترزنا ولحقنا بأموالنا ونحن على حامية. ففعلوا ~~ذلك. PageV01P0202 # يوم ذات الجراجر وسارت ذبيان ومن معها فلحقوا بني عبس على ذات الجراجر ~~فاقتتلوا قتالا شديدا يومهم ذلك وافترقوا. فلما كان الغد عادوا إلى اللقاء ~~فاقتتلوا أشد من اليوم الأول، وظهرت في هذه الأيام شجاعة عنترة ابن شداد. ~~فلما رأى الناس شدة القتال وكثرة القتلى لاموا سنان بن أبي حارثة على منعه ~~حذيفة عن الصلح وتطيروا منه وأشاروا عليه بحقن الدماء ومراجعة السلم، فلم ~~يفعل وأراد مراجعة الحرب في اليوم الثالث. فلما رأى فتور أصحابه وركونهم ~~إلى السلم رحل عائدا. فلما عاد عنهم رحل قيس وبنو عبس إلى بني شيبان بن بكر ~~وجاوروهم وبقوا معهم مدة، فرأى قيس من غلمان شيبان ما يكرهه من التعرض لأخذ ~~أموالهم فرحلوا عنهم، فتبعهم جمع من شيبان، فلقيتهم بنو عبس واقتتلوا، ~~فانهزمت شيبان وسارت عبس إلى هجر ms0387 ليحالفوا ملكهم، وهو معاوية بن الحارث ~~الكندي، فعزم معاوية على الغارة عليهم ليلا، فبلغهم الخبر فساروا عنه ~~مجدين، وسار معاوية مجدا في اثرهم، فتاه بهم الدليل على عمد لئلا يدركوا ~~عبسا إلا وهم قد لحقهم ودوابهم النصب، فأدركوهم بالفروق فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، فانهزم معاوية وأهل هجر وتبعتهم عبس فأخذت من أموالهم وقتلوا منهم ~~ما أرادوا ورجعوا سائرين فنزلوا بماء يقال له عراعر عليه حي من كلب، فركبوا ~~ليقاتلوا بني عبس، فبرز الربيع وطلب رئيسهم، فبرز إليه، واسمه مسعود بن ~~مصاد الكلبي. فاقتتلا حتى سقطا إلى الأرض، وأراد مسعود قتل الربيع، فانحسرت ~~البيضة عن رقبته، فرماه رجل من بني عبس بسهم فقتله، فثار به الربيع فقطع ~~رأسه، وحملت عبس على كلب والرأس على رمح فانهزمت كلب وغنمت عبس أموالهم ~~وذراريهم، فساروا إلى اليمامة فحالفوا أهلها من بني حنيفة وأقاموا ثلاث ~~سنين، فلم يحسنوا جوارهم وضيقوا عليهم فساروا عنهم، وقد تفرق كثير منهم ~~وقتل منهم وهلكت دوابهم ووترهم العرب فراسلتهم بنو ضبة وعرضوا عليهم المقام ~~عندهم ليستعينوا بهم على حرب تميم، ففعلوا وجاوروهم. فلما انقضى الأمر بين ~~ضبة وتميم تغيرت ضبة لعبس وأرادوا اقتطاعهم، فحاربتهم عبس فظفرت وغنمت من ~~أموال ضبة وسارت إلى بني عامر وحالفوا الأحوص بن جعفر بن كلاب، فسر بهم ~~ليقوى بهم على حرب بني تميم لأنه كان بلغه أن لقيط بن زرارة يريد غزو بني ~~عامر والأخذ بثأر أخيه معبد، فأقامت عبس عند بني عامر، فقصدتهم تميم، وكانت ~~وقعة شعب جبلة، وسنذكره إن شاء الله. ثم إن ذبيان غزوا بني عامر بن صعصعة ~~وفيهم بنو عبس فاقتتلوا، فهزمت عامر وأسر قرواش بن هني العبسي ولم يعرف. ~~فلما قدموا به الحي عرفته امرأة عنهم، فلما عرفوه سلموه إلى حصن بن حذيفة ~~فقتله. ثم رحلت عبس عن عامر ونزلت بتيم الرباب، فبغت تيم عليهم، فاقتتلوا ~~قتالا شديدا وتكاثرت عليهم تيم فقتلوا من عبس مقتلة عظيمة. ورحلت عبس وقد ~~ملوا الحرب وقلت الرجال والأموال وهلكت المواشي، فقال لهم قيس: ما ترون ms0388 ؟ ~~قالوا: نرجع إلى أخواننا من ذبيان فالموت معهم خير من البقاء مع غيرهم. ~~فساروا حتى قدموا على الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، وقيل: على هرم بن ~~سنان بن أبي حارثة ليلا، وكان عند حصن ابن حذيفة بن بدر. فلما عاد ورآهم ~~رحب بهم وقال: من القوم ؟ قالوا: إخوانك بنو عبس، وذكروا حاجتهم. فقال: نعم ~~وكرامة أعلم حصن ابن حذيفة. فعاد إليه وقال: طرقت في حاجة، قال: أعطيتها، ~~قال بنو عبس: وجدت وفودهم في منزلي. قال حصن: صالحوا قومكم، أما أنا فلا ~~أدي ولا أتدي، قد قتل آبائي وعمومتي عشرين من عبس؛ فعاد إلى عبس وأخبرهم ~~بقول حصن وأخذهم إليه، فلما رآهم قال قيس والربيع ابن زياد: نحن ركبان ~~الموت. قال: بل ركبان السلم، إن تكونوا اختللتم إلى قومكم فقد اختل قومكم ~~إليكم. ثم خرج معهم حتى أتوا سنانا فقال له: قم بأمر عشيرتك وأصلح بينهم ~~فإني سأعينك. ففعل ذلك وتم الصلح بينهم وعادت عبس. وقيل: إن قيس بن زهير لم ~~يسر مع عبس إلى ذبيان وقال: لا تراني غطفانية أبدا وقد قتلت أخاها أو زوجها ~~أو ولدها أو ابن عمها، ولكني سأتوب إلى ربي، فتنصر وساح في الأرض حتى انتهى ~~إلى عمان فترهب بها زمانا، فلقيه حوج بن مالك العبدي فعرفه فقتله وقال: لا ~~رحمني الله إن رحمتك. PageV01P0203 # وقيل: إن قيسا تزوج في النمير بن قاسط لما عادت عبس إلى ذبيان، وولد له ~~ولد اسمه فضالة، فقدم على النبي، صلى الله عليه وسلم، وعقد له على من معه ~~من قومه، وكانوا تسعة وهو عاشرهم. انقضى حرب داحس والغبراء، والحمد لله. ### | AUT يوم شعب جبلة # كان لقيط بن زرارة قد عزم على غزو بني عامر بن صعصعة للأخذ بثأر أخيه ~~معبد بن زرارة، وقد ذكرنا موته عندهم أسيرا. فبينما هو يتجهز أتاه الخبر ~~يحلف بني عبس وبني عامر، فلم يطمع في القوم وأرسل إلى كل من كان بيته وبين ~~عبس ذحل يسأله الحلف والتظافر على غزو عبس وعامر. فاجتمعت ms0389 إليه أسد وغطفان ~~وعمرو بن الجون ومعاوية بن الجون واستوثقوا واستكثروا وساروا، فعقد معاوية ~~بن الجون الألوية، فكان بنو أسد وبنو فزارة بلواء مع معاوية بن الجون، وعقد ~~لعمرو بن تميم مع حاجب بن زرارة، وعقد للرباب مع حسان بن همام، وعقد لجماعة ~~من بطون تميم مع عمرو ابن عدس، وعقد لحنظلة بأسرها ع لقيط بن زرارة، وكان ~~مع لقيط ابنته دخنتوس، وكان يغزو بها معه ويرجع إلى رأيها. وساروا في جمع ~~عظيم لا يشكون في قتل عبس وعامر وإدراك ثأرهم، فلقي لقيط في طريقه كرب بن ~~صفوان بن الحباب السعدي، وكان شريفا، فقال: ما منعك أن تسير معنا في غزاتنا ~~؟ قال: أنا مشغول في طلب إبل لي. قال: لا بل تريد أن تنذر بنا القوم، ولا ~~أتركك حتى تحلف أنك لا تخبرهم، فحلف له، ثم سار عنه وهو مغضب. فلما دنا من ~~عامر أخذ خرقة فصر فيها حنظلة وشوكا وترابا وخرقتين يمانيتين وخرقة حمراء ~~وعشرة أحجار سود ثم رمى بها حيث يسقون ولم يتكلم. فأخذها معاوية بن قشير، ~~فأتى بها الأحوص بن جعفر وأخبره أن رجلا ألقاها وهم يسقون. فقال الأحوص ~~لقيس بن زهير العبسي: ما ترى في هذا الأمر ؟ قال: هذا من صنع الله لنا، هذا ~~رجل قد أخذ عليه عهد على أن لا يكلمكم فأخبركم أن أعداءكم قد غزوكم عدد ~~التراب، وأن شوكتهم شديدة، وأما الحنظلة فهي رؤساء القوم، وأما الخرقتان ~~اليمانيتان فهما حيان من اليمن معهم، وأما الخرقة الحمراء فهي حاجب بن ~~زرارة، وأما الأحجار فهي عشر ليال يأتيكم القوم إليها، قد أنذرتكم فكونوا ~~أحرارا فاصبروا كما يصبر الأحرار الكرام. قال الأحوص: فإنا فاعلون وآخذون ~~برأيك، فإنه لم تنزل بك شدة إلا رأيت المخرج منها. قال: فإذا قد رجعتم إلى ~~رأيي فأدخلوا نعمكم شعب جبلة ثم اظمئوها هذه الأيام ولا توردوها الماء، ~~فإذا جاء القوم أخرجوا عليهم الإبل وانخسوها بالسيوف والرماح فتخرج مذاعير ~~عطاشا فتشغلهم وتفرق جمعهم واخرجوا أنتم في آثارها واشفوا نفوسكم. ففعلوا ~~ما أشار ms0390 به. وعاد كرب بن صفوان فلقي لقيطا فقال له: أنذرت القوم ؟ فأعاد ~~الحلف له أنه لم يكلم أحدا منهم، فخلى عنه. فقالت دخنتوس ابنة لقيط لأبيها: ~~ردني إلى أهلي ولا تعرضني لعبس وعامر فقد أنذرهم لا محالة. فاستحمقها وساءه ~~كلامها وردها. وسار حتى نزل على فم الشعب بعساكر جرارة كثيرة الصواهل وليس ~~لهم هم إلا الماء، فقصدوه. فقال لهم قيس: أخرجوا عليهم الآن الإبل، ففعلوا ~~ذلك، فخرجت الإبل مذاعير عطاشا وهم في أعراضها وأدبارها، فخبطت تميما ومن ~~معها وقطعتهم، وكانوا في الشعب، وأبرزتهم إلى الصحراء على غير تعبية. ~~وشغلوا عن الاجتماع إلى ألويتهم، وحملت عيهم عبس وعامر فاقتتلوا قتالا ~~شديدا وكثرت القتلى في تميم، وكان أول من قتل من رؤسائهم عمرو بن الجون، ~~وأسر معاوية بن الجون وعمرو بن عمرو بن عدس زوج دخنتوس بنت لقيط، وأسر حاجب ~~ابن زرارة، وانحاز لقيط بن زرارة، فدعا قومه وقد تفرقوا عنه، فاجتمع إليه ~~نفر يسير، فتحرز برايته فوق جرف ثم حمل فقتل فيهم ورجع وصاح: أنا لقيط، ~~وحمل ثانية فقتل وجرح وعاد، فكثر جمعه، فانحط الجرف بفرسه، وحمل عليه عنترة ~~فطعنه طعنة قصم بها صلبه، وضربه قيس بالسيف فألقاه متشحطا في دمه، فذكر ~~ابنته دخنتوس فقال: يا ليت شعري عنك دخنتوس ... إذا أتاها الخبر المرموس ~~أتحلق القرون أم تميس ... لا بل تمس إنها عروس ثم مات وتمت الهزيمة على ~~تميم وغطفان، ثم فدوا حاجبا بخمسمائة من الإبل، وفدوا عمرو بن عمرو بمائتين ~~من الإبل، وعاد من سلم إلى أهله. وقالت دختنوس ترثي أباها قصائد، منها: عثر ~~الأغر بخير خن ... دف كهلها وشبابها PageV01P0204 # وأضرها لعدوها ... وأفكها لرقابها وقريعها ونجيبها ... في المطبقات ~~ونابها ورئيسها عند الملو ... ك وزين يوم خطابها وأتمها نسبا إذا ... رجعت ~~إلى أنسابها فرعى عمودا للعشي ... رة رافعا لنصابها ويعولها ويحوطها ... ~~ويذب عن أحسابها ويطا مواطن للعد ... و فكان لا يمشى بها فعل المدل من ~~الأسو ... د لحينها وتبابها كالكوكب الدري في ... سماء لا يخفى بها عبث ~~الأغر به وك ... ل ms0391 منية لكتابها فرت بنو أسد فرا ... ر الطير عن أربابها ~~وهوازن أصحابهم ... كالفأر في أذنابها وذكر محمد بن إسحاق في يوم جبلة غير ~~ما ذكرنا، قال: كان سببه أن بني خندف كان لهم على قيس أكل تأكله القعدد من ~~خندف، فكان ينتقل فيهم حتى انتهى إلى تميم، ثم من تميم إلى بني عمرو بن ~~تميم، وهم أقل بطن منهم وأذله، فأبت قيس أن تعطي الأكل وامتنعت منه، فجمعت ~~تميم وحالفت غيرها من العرب وساروا إلى قيس، فذكر القصة نحو ما تقدم وخالف ~~في البعض فلا حاجة إلى ذكره. وفي هذا اليوم ولد عامر بن الطفيل العامري. ~~وقد قال بعض العلماء إن المجوسية كان يدين بها بعض العرب بالبحرين، وكان ~~زرارة عدس وابناه حاجب ولقيط والأقرع بن حابس وغيرهم مجوسا، وإن لقيطا تزوج ~~ابنته دختنوس وسماها بهذا الاسم الفارسي، وإنه قتل وهي تحته، فقال في ذلك: ~~يا ليت شعري عنك دختنوس الأبيات. والأول أصح، والله أعلم. ### | AUT يوم ذات نكيف # كان بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة مبغضين لقريش مضطغنين عليهم ما كان من ~~قصي حين أخرجهم من مكة مع من أخرج من خزاعة حين قسمها رباعا وخططا بين ~~قريش. فلما كانوا على عهد عبد المطلب هموا بإخراج قريش من الحرم وأن ~~يقاتلوهم حتى يغلبوهم عليه، وعدت بنو بكر على نعم لبني الهون بن خزيمة ~~فاطردوها، ثم جمعوا جموعهم وجمعت قريش جموعهم واستعدت، وعقد عبد المطلب ~~الحلف بين قريش والأحابيش، وهم بنو الحارث بن عبد مناة وبنو الهون بن خزيمة ~~بن مدركة وبنو المصطلق من خزاعة، فلقوا بني بكر ومن انضم إليهم، وعلى الناس ~~عبد المطلب، فاقتتلوا بذات نكيف، فانهزم بنو بكر وقتلوا قتلا ذريعا، فلم ~~يعودوا لحرب قريش، قال ابن شعلة الفهري: فلله عينا من رأى من عصابة ... غوت غي بكر ### | AUT يوم ذات نكيف # أناخوا إلى أبياتنا ونسائنا ... فكانوا لنا ضيفا بشر مضيف فقتل يومئذ ~~عبد بن السفاح القاري من القارة قتادة بن قيس أخا بلعاء ابن قيس، ms0392 واسم ~~بلعاء مساحق. ويومئذ قيل: قد أنصف القارة من راماها؛ والقارة من ولد الهون ~~بن خزيمة، وهو من ولد عضل بن الديش؛ قال رجل منهم: دعونا قارة لا تنفرونا ~~... فنجفل مثل إجفال الظليم وقيل: بهذا البيت سموا قارة، وكان يقال للقارة ~~رماة الحدق. ### | AUT ذكر الفجار الأول والثاني # أما الفجار الأول فلم يكن فيه كثير أمر ليذكر، وإنما ذكرناه لئلا يرى ~~ذكر الفجار الثاني وما كان فيه من الأمور العظيمة فيظن أن الأول مثله وقد ~~أهملناه، فلهذا ذكرناه. قال ابن إسحاق: كان الفجار الأول بين قريش ومن معها ~~من كنانة كلها وبين قيس عيلان. وسببه أن رجلا من كنانة كان عليه دين لرجل ~~من بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن، فأعدم الكناني، فوافى النصري سوق ~~عكاظ بقرد وقال: من يبيعني مثل هذا بما لي على فلان الكناني ؟ فعل ذلك ~~تعييرا للكناني وقومه؛ فمر به رجل من كنانة فضرب القرد بالسيف فقتله أنفة ~~مما قال النصري، فصرخ النصري في قيس، وصرخ الكناني في كنانة، فاجتمع الناس ~~وتحاوروا حتى كاد يكون بينهم القتال ثم اصطلحوا. PageV01P0205 # وقيل: كان سببه أن فتية من قريش قعدوا إلى امرأة من بني عامر وهي وضيئة ~~عيها برقع، فقالوا لها: اسفري لننظر إلى وجهك: فلم تفعل. فقال غلام منهم ~~فشك ذيك درعها إلى ظهرها ولم تشعر، فلما قامت انكشفت دبرها، فضحكوا وقالوا: ~~منعتنا النظر إلى وجهك فقد نظرنا إلى دبرك. فصاحت المرأة: يا بني عامر فضحت ~~! فأتاها الناس واشتجروا حتى كاد يكون قتال، ثم رأوا أن الأمر يسير ~~فاصطلحوا. وقيل: بل قعد رجل من بني غفار يقال له أبو معشر بن مكرز، وكان ~~عازما منيعا في نفسه، وكان بسوق عكاظ، فمد رجله ثم قال: نحن بنو مدركة بن ~~خندف ... من يطعنوا في عينه لا يطرف ومن يكونوا قومه يغطرف ... كأنه لجة ~~بحر مسرف أنا والله أعز العرب، فمن زعم أنه أعز مني فليضربها بالسيف. فقام ~~رجل من قيس يقال له أحمر بن مازن فضربها بالسف فخرشها ms0393 خرشا غير كثير، ~~فاختصم الناس ثم اصطلحوا. بنو نصر بالنون. وأما الفجار الثاني، وكان بعد ~~الفيل بعشرين سنة، وبعد موت عبد المطلب باثنتي عشرة سنة، ولم يكن في أيام ~~العرب أشهر منه ولا أعظم، فإنما سمي الفجار لما استحل الحيان كنانة وقيس ~~فيه من المحارم، وكان قبله يوم جبلة، وهو مذكور من أيام العرب، والفجار ~~أعظم منه. وكان سببه أن البراض بن قيس بن رافع الكناني ثم الضمري كان رجلا ~~فاتكا خليعا قد خلعه قومه لكثرة شره، وكان يضرب المثل بفتكه فيقال: أفتك من ~~البراض. قال بعضهم: والفتى من تعرفته الليلة ... فهو فيها كالحية النضناض ~~كل يوم له بصرف الليالي ... فتكة مثل فتكة البراض فخرج حتى قدم على النعمان ~~بن المنذر، وكان النعمان يبعث كل عام بلطيمة للتجارة إلى عكاظ تباع له ~~هناك، وكان عكاظ وذو المجاز ومجنة أسواقا تجتمع بها العرب كل عام إذا حضر ~~الموسم فيأمن بعضهم بعضا حتى تنقضي أيامها، وكانت مجنة بالظهران، وكانت ~~عكاظ بين نخلة والطائف، وكان ذو المجاز بالجانب الأيسر إذا وقفت على ~~الموقف، فقال النعمان، وعنده البراض وعروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب المعروف ~~بالرحال، وإنما قيل له ذلك لكثرة رحلته إلى الملوك: من يجيز لي لطيمتي هذه ~~حتى يبلغها عكاظ ؟ فقال البراض: أنا أجيزها، أبيت اللعن، على كنانة. فقال ~~النعمان: إنما أريد من يجيزها على كنانة وقيس ! فقال عروة: أكلب خليع ~~يجيزها لك، أبيت اللعن ! أنا أجيزها على أهل الشيح والقيصوم من أهل تهامة ~~وأهل نجد. فقال البراض، وغضب: وعلى كنانة تجيزها يا عروة ؟ قال عروة: وعلى ~~الناس كلهم. PageV01P0206 # فدفع النعمان اللطيمة إلى عروة الرحال وأمره بالمسير بها، وخرج البراض ~~يتبع أثره، وعروة يرى مكانه ولا يخشى منه، حتى إذا كان عروة بين ظهري قومه ~~بواد يقال له تيمن ينواحي فدك أدركه البراض بن قيس فأخرج قداحه يستقسم بها ~~في قتل عروة، فمر به عروة فقال: ما تصنع يا براض ؟ فقال: أستقسم في قتلك ~~أيؤذن لي أم لا. فقال عروة: استك ms0394 أضيق من ذلك ! فوثب إليه البراض بالسف ~~فقتله. فلما رآه الذين يقومون على العير والأحمار قتيلا انهزموا، فاستاق ~~البراض العير وسار على وجهه إلى خيبر، وتبعه رجلان من قيس ليأخذاه، أحدهما ~~غنوي والآخر غطفاني، اسم الغنوي أسد ابن جوين، واسم الغطفاني مساور بن ~~مالك، فلقيهما البراض بخيبر أول الناس فقال لهما: من الرجلان ؟ قالا: من ~~قيس قدمنا لنقتل البراض. فأنزلهما وعقل راحلتيهما، ثم قال: أيكما أجرأ عليه ~~وأجود سيفا ؟ قال الغطفاني: أنا. فأخذه ومشى معه ليدله بزعمه على البراض، ~~فقال للغنوي: احفظ راحلتيكما، ففعل، وانطلق البراض بالغطفاني حتى أخرجه إلى ~~خربة في جانب خيبر خارجا من البيوت، فقال للغطفاني: هو في هذه الخربة إليها ~~يأوي فأمهلني حتى أنظر أهو فيها. فوقف ودخل البراض ثم خرج فقال: هو فيها ~~وهو نائم، فأرني سيفك حتى أنظر إليه أضارب هو أم لا، فأعطاه سيفه، فضربه به ~~حتى قتله ثم أخفى السيف وعاد إلى الغنوي فقال له: لم أر رجلا أجبن من ~~صاحبك، تركته في البيت الذي فيه البراض وهو نائم فلم يقدم عليه. فقال: انظر ~~لي من يحفظ الراحلتين حتى أمضي إليه فأقتله. فقال: دعهما وهما علي، ثم ~~انطلقا إلى الخربة، فقتله وسار بالعير إلى مكة، فلقي رجلا من بني أسد بن ~~خزيمة، فقال له البراض: هل لك إلى أن أجعل لك جعلا أن تنطلق إلى حرب بن ~~أمية وقومي فإنهم قومي وقومك، لأن أسد بن خزيمة من خندف أيضا، فتخبرهم أن ~~البراض بن قيس قتل عروة الرحال، فليحذروا قيسا ! وجعل له عشرا من الإبل. ~~فخرج الأسدي حتى أتى عكاظ، وبها جماعة من الناس، فأتى حرب بن أمية فأخبره ~~الخبر، فبعث إلى عبد الله بن جدعان التيمي وإلى هشام بن المغيرة المخومي، ~~وهو والد أبي جهل، وهما من أشراف قريش وذوي السن منهم، وإلى كل قبيلة من ~~قريش أحضر منها رجلا، وإلى الحليس بن يزيد الحارثي، وهو سيد الأحابيش، ~~فأخبرهم أيضا. فتشاوروا وقالوا: نخشى من قيس أن يطلبوا ثأر صاحبهم منا ~~فإنهم لا ms0395 يرضون أن يقتلوا به خليعا من بني ضمرة. فاتفق رأيهم على أن يأتوا ~~أبا براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب ملاعب الأسنة، وهو يومئذ سيد قيس ~~وشريفها، فيقولوا له: إنه قد كان حدث بين نجد وتهامة وإنه لم يأتنا علمه ~~فأجز بين الناس حتى تعلم وتعلم. فأتوه وقالوا له ذلك، فأجاز بين الناس ~~وأعلم قومه ما قيل له، ثم قام نفر من قريش فقالوا: يا أهل عكاظ إنه قد حدث ~~في قومنا بمكة حدث أتانا خبره ونخشى إن تخلفنا عنهم أن يتفاقم الشر فلا ~~يروعنكم تحملنا. ثم ركبوا على الصعب والذلول إلى مكة. فلما كان آخر اليوم ~~أتى عامر بن مالك ملاعب الأسنة الخبر فقال: غدرت قريش وخدعني حرب بن أمية، ~~والله لا تنزل كنانة عكاظ أبدا. ثم ركبوا في طلبهم حتى أدركوهم بنخلة، ~~فاقتتل القول، فاشتعلت قيس، فكادت قريش تنهزم إلا أنها على حاميتها تبادر ~~دخول الحرم ليأمنوا به. فلم يزالوا كذلك حتى دخلوا الحرم مع الليل، وكان ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، معهم، وعمره عشرون سنة. وقال الزهري: لم ~~يكن معهم، ولو كان معهم لم ينهزموا، وهذه العلة ليست بشيء لأنه قد كان بعد ~~الوحي والرسالة ينهزم أصحابه ويقتلون، وإذا كان في جمع قبل الرسالة ~~وانهزموا فغير بعيد. ولما دخلت قريش الحرم عادت عنهم قيس وقالوا لهم: يا ~~معشر قريش إنا لا نترك دم عروة وميعادنا عكاظ في العام المقبل، وانصرفت إلى ~~بلادها يحرض بعضها بعضا ويبكون عروة الرحال. يوم شمطة ثم إن قيسا جمعت ~~جموعها ومعها ثقيف غيرها، وجمعت قريش جموعها، منهم كنانة جميعها والأحابيش ~~وأسد بن خزيمة، وفرقت قريش السلاح في الناس، فأعطى عبد الله بن جدعان مائة ~~رجل سلاحا تاما، وفعل الباقون مثله. PageV01P0207 # وخرجت قريش للموعد على كل بطن منها رئيس، فكان على بني هاشم الزبير بن ~~عبد المطلب ومعه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإخوته أبو طالب وحمزة ~~والعباس بنو عبد المطلب، وعلى بني أمية وأحلافها حرب ابن أمية، وعلى ms0396 بني ~~عبد الدار عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وعلى بني أسد بن عبد ~~العزى خويلد بن أسد، وعلى بني مخزوم هشام بن المغيرة أبو أبي جهل، وعلى بني ~~تيم عبد الله بن جدعان، وعلى بني جمح معمر ابن حبيب بن وهب، وعلى بني سهم ~~العاصب بن وائل، وعلى بني عدي زيد ابن عمرو بن نفيل والد سعيد بن زيد، وعلى ~~بني عامر بن لؤي عمرة بن عبد شمس والد سهيل بن عمرو، وعلى بني فهر عبد الله ~~بن الجراح والد أبي عبيدة، وعلى الأحابيش الحليس بن يزيد وسفيان بن عويف ~~هما قائداهم، والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة كنانة وعضل والقارة الديش ~~من بني الهون بن خزيمة والمصطلق بن خزاعة، سموا بذلك لحلفهم بني الحارث، ~~والتحبش التجمع، وعلى بني بكر بلعاء بن قيس، وعلى بني فراس بن غنم من كنانة ~~عمير بن قيس جذل الطعان، وعلى بني أسد بن خزيمة بشر بن أبي محازم، وكان على ~~جماعة الناس حرب بن أمية لمكانة من عبد مناف سنا ومنزلة. وكانت قيس قد ~~تقدمت إلى عكاظ قبل قريش، فعلى بني عامر ملاعب الأسنة أبو براء، وعلى بني ~~نصر وسعد وثقيف سبيع بن ربيع بن معاوية، وعلى بني جشم الصمة والد دريد، ~~وعلى غطفان عوف بن أبي حارثة المري،وعلى بني سليم عباس بن زعل بن هني بن ~~أنس، وعلى فهم وعدوان كدام بن عمرو. وسارت قريش حتى نزلت عكاظ وبها قيس. ~~وكان مع حرب بن أمية إخوته سفيان وأبو سفيان والعاص وأبو العاص بنو أمية، ~~فعقل حرب نفسه وقيد سفيان وأبو العاص نفسيهما وقالوا: لن يبرح رجل منا ~~مكانه حتى نموت أو نظفر، فيومئذ سموا العنابس، والعنبس الأسد. واقتتل الناس ~~قتالا شديدا، فكان الظفر أول النهار لقيس، وانهزم كثير من بني كنانة وقريش، ~~فانهزم بنو زهرة وبنو عدي، وقتل معمر بن حبيب الجمحي، وانهزمت طائفة من بني ~~فراس، وثبت حرب بن أمية وبنو عبد مناف وسائر قبائل قريش، ولم يزل ms0397 الظفر ~~لقيس على قريش وكنانة إلى أن انتصف النهار. ثم عاد الظفر لقريش وكنانة ~~فقتلوا من قيس فأكثروا، وحمي القتال واشتد الأمر فقتل يومئذ تحت راية بني ~~الحاث بن عبد مناة بن كنانة مائة رجل وهم صابرون، فانهزمت قيس، وقتل من ~~أشرافهم عباس ابن زعل السلمي وغيره. فلما رأى أبو السيد عم مالك بن عوف ~~النصري ما تصنع كنانة من القتل نادى: يا معشر بني كنانة أسرفتم في القتل. ~~فقال ابن جدعان: إنا معشر يسرف. ولما رأى سبيع بن ربيع بن معاوية هزيمة ~~قبائل قيس عقل نفسه واضطجع وقال: يا معشر بني نصر قاتلوا عني أو ذروا. ~~فعطفت عليه بنو نصر وجشم وسعد بن بكر وفهم وعدوان وانهزم باقي قبائل قيس، ~~فقاتل هؤلاء أشد قتال رآه الناس. ثم إنهم تداعوا إلى الصلح فاصطلحوا على أن ~~يعدوا القتلى فأي الفريقين فضل له قتلى أخذ ديتهم من الفريق الآخر، فتعادوا ~~القتلى فوجدوا قريشا وبني كنانة قد أفضلوا على قيس عشرين رجلا، فوهن حرب بن ~~أمية يومئذ ابنه أبا سفيان في ديات القوم حتى يؤديها، ورهن غيره من ~~الرؤساء، وانصرف الناس بعضهم عن بعض ووضعوا الحرب وهدموا ما بينهم من ~~العداوة والشر وتعاهدوا على أن لا يؤذي بعضهم بعضا فيما كان من أمر البراض وعروة. ### | AUT يوم ذي نجب # وكان من حديث ### | AUT يوم ذي نجب # أن بني عامر لما أصابوا من تميم ما أصابوا يوم جبلة رجوا أن يستأصلوهم، ~~فكاتبوا حسان بن كبشة الكندي، وكان ملكا من ملوك كندة، وهو حسان بن معاوية ~~بن حجر، فدعوه إلى أن يغزو معهم بني حنظلة من تميم، فأخبروه أنهم قد قتلوا ~~فرسانهم ورؤساءهم، فأقبل معهم بصنائعه ومن كان معه. فلما أتى بني حنظلة خبر ~~مسيرهم قال لهم عمرو بن عمرو: يا بني مالك إنه لا طاقة لكم بهذا الملك وما ~~معه من العدد فانتقلوا من مكانكم، وكانوا في أعالي الوادي مما يلي مجيء ~~القوم، وكانت بنو يربوع بأسفله، فتحولت بنو مالك حتى نزلت خلف بني ms0398 يربوع، ~~وصارت بنو يربوع تلي الملك. PageV01P0208 # فلما رأوا ما صنع بنو مالك استعدوا وتقدموا إلى طريق الملك. فلما كان وجه ~~الصبح وصل ابن كبشة فيمن معه وقد استعد القوم فاقتتلوا. فلما رآهم بنو مالك ~~وصبرهم في القتال ساروا إليهم وشهدوا معهم القتال فاقتتلوا مليا، فضرب حشيش ~~بن نمران الرياحي ابن كبشة الملك على رأسه فصرعه، فمات، وقتل عبيدة بن مالك ~~بن جعفر، وانهزم طفيل بن مالك على فرسه قرزل، وقتل عمرو بن الأحوص بن جعفر، ~~وكان رئيس عامر، وانهزمت بنو عامر وصنائع ابن كبشة. قال جرير في الإسلام ~~يذكر اليوم بذي نجب: بذي نجب ذدنا وواكل مالك ... أخا لم يكن عند الطعان ~~بواكل وكان يوم ذي نجب بعد يوم جبلة بسنة. وبقي الأحوص بعد ابنه عمرو يسيرا ~~وهلك أسفا عليه. ### | AUT يوم نعف قشاوة # وهو يوم لشيبان على تميم: قال أبو عبيدة: أغار بسطام بن قيس على بني ~~يربوع من تميم وهم بنعف قشاوة، فاهم ضحى، وهو يوم ريح ومطر، فوافق النعم ~~حين سرح، فأخذه كله ثم كر راجعا، وتداعت عيله بنو يربوع فلحقوه وفيهم عمارة ~~بن عتيبة بن الحارث بن شهاب، فكر عليه بسطام فقتله، ولحقهم مالك بن حطان ~~اليربوعي فقتله، وأتاهم أيضا بجير بن أبي مليل فقتله بسطام، وقتلوا من ~~يربوع جمعا وأسروا آخرين، منهم: مليل بن أبي مليل، وسلموا وعادوا غانمين. ~~فقال بعض الأسرى لبسطام: أيسرك أن أبا مليل مكاني ؟ قال: نعم. قال: فإن ~~دللتك عليه أتطلقني الآن ؟ قال: نعم. قال: فإن ابنه بجيرا كان أحب خلق الله ~~إليه وستجده الآن مكبا عليه يقبله فخذه أسيرا. فعاد بسطام فرآه كما قال، ~~فأخذه أسيرا وأطلق اليربوعي. فقال له أبو مليل: قتلت بجيرا وأسرتني وابني ~~مليلا ! والله لا أطعم الطعام أبدا وأنا موثق. فخشي بسطام أن يموت فأطلقه ~~بغير فداء على أن يفادي مليلا وعلى أن لا يتبعه بدم ابنه بجير ولا يبغيه ~~غائلة ولا يدل له على عورة ولا يغير عليه ولا على قومه أبدا، وعاهده على ~~ذلك، ms0399 فأطلقه وجز ناصيته، فرجع إلى قومه وأراد الغدر ببسطام والنكث به، ~~فأرسل بعض بني يربوع إلى بسطام بخبره، فحذره؛ وقال متمم بن نويرة: أبلغ ~~شهاب بني بكر وسيدها ... عني بذاك الصهباء بسطاما أروي الأسنة من قومي ~~فأنهلها ... فأصبحوا في بقيع الأرض نواما لا يطبقون إذا هب النيام ولا ... ~~في مرقد يحلمون الدهر أحلاما أشجي تميم بن مر لا مكايدة ... حتى استعادوا ~~له أسرى وأنعاما هلا أسيرا فدتك النفس تطعمه ... مما أراد وقدما كنت مطعاما ~~وهي أبيات عدة. ### | AUT يوم الغبيط # وهو يوم كانت الحرب فيه بين بني شيبان وتميم، أسر فيه بسطام بن قيس ~~الشيباني. وسبب ذلك أن بسطام بن قيس والحوفزان بن شريك ومفروق بن عمرو ~~ساروا فيجمع من بني شيبان إلى بلاد تميم فأغاروا على ثعلبة بن يربوع وثعلبة ~~بن سعد بن ضبة وثعلبة بن عدي بن فزارة وثعلبة بن سعد بن ذبيان، وكانوا ~~متجاورين بصحراء فلج، فاقتتلوا، فانهزمت الثعالبة، وقتل منهم مقتلة عظيمة، ~~وغنم بنو شيبان أموالهم، ومروا على بني مالك بن حنظلة من تميم، وهم بين ~~صحراء فلج وغبيط المدرة فاستاقوا إبلهم. فركبت إليهم بنو مالك يقدمهم عتيبة ~~بن الحارث بن شهاب اليربوعي وفرسان بني يربوع، وساروا في أثر بني شيبان ~~ومعه من رؤساء تميم الأحيمر بن عبد الله وأسيد بن جباة وحر بن سعد ومالك بن ~~نويرة فأدركوهم بغبيط المدرة فقاتلوهم. وصبر الفريقان، ثم انهزمت شيبان ~~واستعادت تميم ما كانوا غنموه من أموالهم، وقتلت بنو شيبان أبا مرحب ربيعة ~~بن حصية، وألح عتيبة بن الحارث على بسطام بن قيس فأدركه فقال له: استأسر ~~أبا الصهباء فأنا خير لك من الفلاة والعطش. فاستأسر له بسطام بن قيس. فقال ~~بنو ثعلبة لعتيبة: إن أبا مرحب قد قتل وقد أسرت بسطاما وهو قاتل مليل وبجير ~~ابني أبي مليل ومالك بن حطان وغيرهم فاقتله. قال: إني معيل وأنا أحب اللبن. ~~قالوا: إنك تفاديه فيعود فيحربنا مالنا، فأبى عليهم وسار به إلى بني عامر ~~بن صعصعة لئلا يؤخذ فيقتل، وإنما ms0400 قصد عامرا لأن عمته خولة بنت شهاب كانت ~~ناكحا فيهم؛ فقال مالك بن نويرة في ذلك: لله عتاب بن مية إذا رأى ... إلى ~~ثأرنا في كفه يتلدد PageV01P0209 # أتحيي امرأ أردى بجيرا ومالكا ... وأتوى حريثا بعدما كان يقصد ونحن ثأرنا ~~قبل ذاك ابن أمه ... غداة الكلابيين والجمع يشهد ونحن توسط عتيبة بيوت بني ~~عامر صاح بسطام: واشيباناه ! ولا شيبان لي اليوم ! فبعث إليه عامر بن ~~الطفيل: إن استطعت أن تلجأ إلى قبتي فافعل فإني سأمنعك، وإن لم تستطع فاقذف ~~نفسك في الركي. فأتى عتيبة تابعه من الجن فأخبره بذلك، فأمر ببيته فقوض. ~~فركب فرسه وأخذ سلاحه ثم أتى ملجس بني جعفر، وفيه عامر بن الطفيل الغنوي، ~~فحياهم وقال: يا عامر قد بلغني الذي أسلت به إلى بسطام فأنا مخيرك فيه ~~خصالا ثلاثا. فقال عامر: وما هي ؟ قال: إن شئت فأعطني خلعتك وخلعة أهل بيتك ~~حتى أطلقه لك، فليست خلعتك وخلعة أهل بيتك بشر من خلعته وخلعة أهل بيته. ~~فقال عامر: هذا لا سبيل إليه. قال عتيبة: ضع رجلك مكان رجله فلست عندي بشر ~~منه. فقال: ما كنت لأفعل قال عتيبة: تتبعني إذا جاوزت هذه الرابية فتقارعني ~~عنه على الموت. فقال عامر: هذه أبغضهن إلي. فانصرف به عتيبة إلى بني عبيد ~~بن ثعلبة فرأى بسطام مركب أم عتيبة رثا فقال: يا عتيبة هذا رحل أمك ؟ قال: ~~نعم. قال: ما رأيت رحل أم سيد قط مثل هذا. فقال عتيبة: واللات والعزى لا ~~أطلقك حتى تأتيني أمك بحدجها، وكان كبيرا ذا ثمن كثير، وهذا الذي أراد ~~بسطام ليرغب فيه فلا يقتله. فأرسل بسطام فأحضر حدج أمه وفادى نفسه ~~بأربعمائة بعير، وقيل: بألف بعير، وثلاثين فرسا وهودج أمه وحدجها وخلص من ~~الأسر. فلما خلص من الأسر أذكى العيون على عتيبة وإبله، فعادت إليه عيونه ~~فأخبروه أنها على أرباب، فأغار عليها وأخذ الإبل كلها وما لهم معها. عتيبة ~~بالتاء فوقها نقطتان، والياء تحتها نقطتان ساكنة، وفي آخرها باء موحدة. ### | AUT يوم لشيبان على بني تميم # قال ms0401 أبو عبيدة: خرج الأقرع بن حابس وأخوه فراس التميميان، وهما ~~الأقرعان، في بني مجاشع من تميم وهما يريدان الغارة على بكر بن وائل ومعهما ~~البروك أبو جعل، فلقيهم بسطام بن قيس الشيباني وعمران ابن مرة في بني بكر ~~بن وائل بزبالة فاقتتلوا قتالا شديدا ظفرت فيه بكر وانهزمت تميم وأسر ~~الأقرعان وأبو جعل وناس كثير، وافتدى الأقرعان نفسيهما من بسطام وعاهداه ~~على إرسال الفداء، فأطلقهما، فبعدا ولم يرسلا شيئا. وكان في الأسرى إنسان ~~من يربوع فسمعه بسطام من قيس في الليل يقول: فدى بوالدة علي شفيقة ... ~~فكأنها حرض على الأسقام لو أنها علمت فيسكن جأشها ... أني سقطت على الفتى ~~المنعام سقط العشاء به على متنعم ... سمح اليدين معاود الإقدام فلما سمع ~~بسطام ذلك منه قال له: وأبيك لا يخبر أمك عنك غيرك ! وأطلقه، وقال ابن رميض ~~العنزي: جاءت هدايا من الرحمان مرسلة ... حتى أنيخت لدى أبيات بسطام جيش ~~الهذيل وجيش الأقرعين معا ... وكبة الخيل والأذواد في عام مسوم خيله تعدو ~~مقانبه ... على الذوائب من أولاد همام وقال أوس بن حجر: وصبحنا عار طويل ~~بناؤه ... نسب به ما لاح في الأفق كوكب فلم أر يوما كان أكثر باكيا ... ~~ووجها ترى فيه الكآبة تجنب أصابوا البروك وابن حابس عنوة ... فظل لهم ~~بالقاع يوم عصبصب وإن أبا الصهباء في حومة الوغى ... إذا ازورت الأبطال ليث ~~مجرب وأبو الصهباء هو بسطام بن قيس. وأكثر الشعراء في هذا اليوم في مدح ~~بسطام بن قيس، تركنا ذكره اختصارا. حجر بفتح الحاء والجيم. ### | AUT يوم مبايض # وهو لشيبان على بني تميم. قال أبو عبيدة: حج طرف بن تميم العنبري ~~التميمي، وكان رجلا جسيما يلقب مجدعا، وهو فارس قومه، ولقيه حمصيصة بن جندل ~~الشيباني من بني أبي ربيعة، وهو شاب قوي شجاع، وهو يطوف بالبيت، فأطال ~~النظر إليه، فقال له طريف: لم تشد نظرك إلي ؟ قال حمصيصة: أريد أن أثبتك ~~لعلي أن ألقاك في جيش فأقتلك. فقال طريف: اللهم لا تحول الحول حتى ألقاه ! ~~ودعا حمصيصة مثله، فقال ms0402 طريف: أوكلما وردت عكاظ قبيلة ... بعقوا إلي عريفهم ~~يتوسم PageV01P0210 # لا تنكروني إنني أنا ذاكم ... شاكي السلاح وفي الحوادث معلم حولي فوارس ~~من أسيد جمة ... ومن الهجيم وحول بيتي خصم تحتي الأغر وفوق جلدي نثرة ... ~~زغف ترد السيف وهو مثلم في أبيات. ثم إن بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان ~~وبني مرة بن ذهل بن شيبان كان بينهم شر وخصام فاقتتلوا شيئا من قتال ولم ~~يكن بينهم دم. فقال هانئ بن مسعود، رئيس بني أبي ربيعة، لقومه: إني أكره أن ~~يتفاقم الشر بيننا، فارتحل بهم فنزل على ماء يقال له بمائض، وهو قريب من ~~مياه بني تميم، فأقاموا عليه أشهرا، وبلغ خبرهم بني تميم، فأرسل بعضهم إلى ~~بعض وقالوا: هذا حي منفرد وإن اصطلمتموهم أوهنتم بكر بن وائل. واجتمعوا ~~وساروا على ثلاثة رؤساء: أبو الجدعاء الطهوي على بني حنظلة، وابن فدكى ~~المنقري على بني سعد، وطريف بن تميم على بني عمرو بن تميم. فلما قاربوا بني ~~أبي ربيعة بلغهم الخبر فاستعدوا للقتال، فخطبهم هانئ بن مسعود وحثهم على ~~القتال، فقال: إذا أتوكم فقاتلوهم شيئا من قتال ثم انحازوا عنهم، فإذا ~~اشتغلوا بالنهب فعودوا إليهم فإنكم تصيبون منهم حاجتكم. وصبحهم بنو تميم ~~والقوم حذرون فاقتتلوا قتالا شديدا وفعلت بنو شيبان ما أمرهم هانئ. فاشتغلت ~~تميم بالغنيمة، ومر رجل منهم بابن لهانئ بن مسعود صبي فأخذه وقال: حسبي هذا ~~من الغنيمة، وسار به وبقيت تميم مع الغنيمة والسبي. فعادت شيبان عليهم ~~فهزموهم وقتلوهم وأسروهم كيف شاءوا، ولم تصب تميم بمثلها؛ لم يفلت منهم إلا ~~القليل، ولم يلو أحد على أحد، وانهزم طريف فاتبعه حمصيصة فقتله. واستردت ~~شيبان الأهل والمال وأخذوا مع ذلك ما كان معهم، وفادى هانئ بن مسعود ابنه ~~بمائة بعير، وقال بعض شيبان في هذا اليوم: ولقد دعوت طرف دعوة جاهل ... غر ~~وأنت بمنظر لا تعلم وأتيت حيا في الحروب محلهم ... والجيش باسم أبيهم ~~يستهزم فوجدتهم يرعون حول ديارهم ... بسلا إذا حام الفوارس أقدموا وإذا ~~اعتزوا بأبي ربيعة أقبلوا ... بكتيبة ms0403 مثل النجوم تلملم ساموك درعك والأغر ~~كليهما ... وبنو أسيد أسلموك وخصم وقال عمرو بن سواد يرثي طريفا: لا تبعدن ~~يا خير عمرو بن جندب ... لعمري لمن زار القبور ليبعدا عظيم رماد النار لا ~~متعبسا ... ولا مؤيسا منها إذا هو أوقدا وما كان وقافا إذا الخيل أحجمت ... ~~وما كان مبطانا إذا ما تجردا ### | AUT يوم الزويرين # قال أبو عبيدة: كانت بكر بن وائل قد أجدبت بلادهم فانتجعوا بلاد تميم ~~بين ليمامة وهجر، فلما تدانوا جعلوا لا يلقى بكري تميميا إلا قتله، ولا ~~يلقى تميمي بكريا إلا قتله، إذا أصاب أحدهما مال الآخر أخذه، حتى تفاقم ~~الشر وعظم.فخرج الحوفزان بن شريك والوادك بن الحارث الشيبانيان ليغيرا على ~~بني دارم، فاتفق أن تميما في تلك الحال اجتمعت في جمع كثير من عمرو بن ~~حنظلة والرباب وسعد وغيرها وسارت إلى بكر بن وائل، وعلى تميم أبو الرئيس ~~الحنظلي. فبلغ خبرهم بكر بن وائل فتقدموا وعليهم الأصم عمرو بن قيس بن ~~مسعود أبو مفروق وحنظلة بن سيار العجلي وحمران ابن عبد عمرو العبسي، فلما ~~التقوا جعلت تميم والرباب بعيرين وجللوهما وجعلوا عندهما من يحفظهما ~~وتركوهما بين الصفين معقولين وسموهما زويرين، يعني: إلهين، وقالوا: لا نفر ~~حتى يفر هذان البعيران. فلما رأى أبو مفروق البعيرين سأل عنهما فأعلم ~~حالهما، فقال: أنا زويركم، وبرك بين الصفين وقال: قاتلوا عني ولا تفروا حتى ~~أفر. فاقتتل الناس قتالا شديدا، فوصلت شيبان إلى البعيرين فأخذوهما ~~فذبحوهما. واشتد القتال عليهما، فانهزمت تميم وقتل أبو الرئيس مقدمهم ومعه ~~بشر كثير، واجترفت بكر أموالهم ونساءهم وأسروا أسرى كثيرة، ووصل الحوفزان ~~إلى النساء والأموال، وقد سار الرجال عنها للقتال، فأخذ جميع ما خلفوه من ~~النساء والأموال وعاد إلى أصحابه سالما؛ وقال الأعشى في ذلك اليوم: يا سلم ~~لا تسألي عنا فلا كشفت ... عند اللقاء ولا سود مقاريف PageV01P0211 # نحن الذين هزمنا يوم صبحنا ... يوم الزويرين في جمع الأحاليف ظلوا وظلت ~~تكر الخيل وسطهم ... بالشيب منا والمرد الغطاريف تستأنس الشرف الأعلى ~~بأعينها ... لمح الصقور علت فوق ms0404 الأظاليف انسل عنها بسيل الصيل فانجردت ... ~~تحت اللبود متون كالزحاليف وقد أكثر الشعراء في هذا اليوم، لا سيما الأغلب ~~العجلي، فمن ذلك أرجوزته التي أولها: إن سرك العز ... فجحجح بحشم يقول ~~فيها: جاؤوا بزويريهم وجئنا بالأصم ... شيخ لنا كالليث من باقي إرم شيخ لنا ~~معاود ضرب البهم ... يضرب بالسيف إذا الرمح انقصم هل غير غار ... صك غارا ~~فانهزم الغاران: بكر وتميم. وله الأرجوزة التي أولها: يا رب حرب ... ثرة ~~الأخلاف يذكر فيها هذا اليوم. ### | AUT ذكر أسر حاتم طيء # قال أبو عبيدة: أغار حاتم طيء بجيش من قومه على بكر بن وائل فقاتلوهم، ~~وانهزمت طيء وقتل منهم وأسر جماعة كثيرة، وكان في الأسرى حاتم ابن عبد الله ~~الطائي، فبقي موثقا عند رجل من عنيزة، فأتته امرأة منهم اسمها عالية بناقة ~~فقالت له: افصد هذه، فنحرها، فلما رأتها منحورة صرخت، فقال حاتم: عالي لا ~~تلتد من عاليه ... إن الذي أهلكت من ماليه إن ابن أسماء لكم ضامن ... حتى ~~يؤدي آنس ناويه لا أفصد الناقة في أنفها ... لكنني أوجرها العاليه إني عن ~~الفصد لفي مفخر ... يكره مني المفصد الآليه والخيل إن شمص فرسانها ... تذكر ~~عند الموت أمثاليه وقال رميض العنزي يفتخر: ونحن أسرنا حاتما وابن ظالم ... ~~فكل ثوى في قيدنا وهو يخشع وكعب إياد قد أسرنا وبعده ... أسرنا أبا حسان ~~والخيل تطمع وريان غادرنا بوج كأنه ... وأشياعه فيها صريم مصرع وقال يحيى ~~بن منصور الذهلي قصيدة يفتخر بأيام قومه، وهي طويلة، وفيها آداب حسنة، ~~تركناها كراهية التطويل، وأولها: أمن عرفان منزلة ودار ... تعاورها البوارح ~~والسواري وقال أبو عبيدة: جاء الإسلام وليس في العرب أحد أعز دارا ولا أمنع ~~جارا ولا أكثر حليفا من شيبان. كانت عنينة من لخم في الأحلاف، وكانت درمكة ~~بن كندة في بني هند، وكانت عكرمة من طيء، وحوتكة من عذرة، وبنانة كل هؤلاء ~~في بني الحارث بن همام، وكانت عائذة من قريش، وضبة وحواس من كندة، هؤلاء في ~~بني أبي ربيعة، وكانت سليمة من بني عبد القيس في ms0405 بني أسعد بن همام، وكانت ~~وثيلة من ثعلبة، وبنو خيبري من طيء في بني تميم بن شيبان، وكانت عوف بن ~~حارث من كندة في بني محلم. كل هذه قبائل وبطون جاورت شيبان فعزت بها وكثرت. ### | AUT يوم مسحلان # قال أبو عبيدة: غزا ربيعة بن زياد الكلبي في جيش من قومه فلقي جيشا لبني ~~شيبان عامتهم بنو أبي ربيعة، فاقتتلوا قتالا شديدا، فظفرت بهم بنو شيبان ~~وهزموهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وذلك ### | AUT يوم مسحلان # ، وأسروا ناسا كثيرا، وأخذوا ما كان معهم. وكان رئيس شيبان يومئذ حيان بن ~~عبد الله بن قيس المحلمي، وقيل: كان رئيسهم زياد بن مرثد من بني أبي ربيعة، ~~فقال شاعرهم: سائل ربيعة حيث حل بجيشه ... مع الحي كلب حيث لبت فوارسه عشية ~~ولى جمعهم فتتابعوا ... فصار إلينا نهبه وعوانسه ثم إن الربيع بن زياد ~~الكلبي نافر قومه وحاربهم فهزموه. فاعتزلهم وسار حتى حل ببني شيبان، ~~فاستجار برجل اسمه زياد من بني أبي ربيعة، فقتله بنو أسعد بن همام، ثم إن ~~شيبان حملوا ديته إلى كلب مائتي بعير فرضوا. ### | AUT حرب لسليم وشيبان # PageV01P0212 # قال أبو عبيدة: خرج جيش لبني سليم عليهم النصيب السلمي وهم يريدون الغارة ~~على بكر بن وائل. فلقيهم رجل من بني شيبان اسمه صليع ابن عبد غنم وهو محرم ~~على فرس له يسمى البحراء، فقال لهم: أين تذهبون ؟ قالوا: نريد الغارة على ~~بني شبان. فقال لهم: مهلا فإني لكم ناصح، إياكم وبني شيبان، فإني أقسم لكم ~~بالله لتأتينكم على ثلاثمائة فرس خصي سوى الفحول والإناث. فأبوا إلا الغارة ~~عليهم، فدفع صليع فرسه ركضا حتى أتى قومه فأنذرهم. فركبت شيبان واستعدوا، ~~فأتاهم بنو سليم وهم معدون فاقتتلوا قتالا شديدا، فظفرت شيبان وانهزمت سليم ~~وقتل منهم مقتلة كثيرة وأسر منهم ناس كثير، ولم ينج إلا القليل، وأسر ~~النصيب رئيسهم، أسره عمران بن مرة الشيبان فضرب رقبته، فقال صليع: نهيت بني ~~زعل غداة لقيتهم ... وجيش نصيب والظنون تطاع وقلت لهم: إن الحريب وراكسا ~~... به نعم ترعى المرار ms0406 رتاع ولكن فيه الموت يرتع سربه ... وحق لهم أن ~~يقبلوا ويطاعوا متى تأته تلقى على الماء حارثا ... وجيشا له يوفي بكل بقاع ### | AUT يوم جدود # وهو يوم بين بكر بن وائل وبني منقر من تميم. وكان من حديثه أن الحوفزان، ~~واسمه الحارث بن شريك الشيباني، كانت بينه وبين بني سليط ابن يربوع موادعة، ~~فهم بالغدر بهم وجمع بني شيبان وذهلا واللهازم، وعليهم حمران بن عبد عمرو ~~بن بشر بن عمرو. ثم غزا وهو يرجو أن يصيب غرة من بني يربوع. فلما انتهى إلى ~~بني يربوع نذر به عتيبة بن الحارث بن شهاب فنادى في قومه، فحالوا بين ~~الحوفزان وبين الماء، وقال لعتيبة: إني لا أرى معك إلا رهطك وأنا في طوائف ~~من بني بكر، فلئن ظفرت بكم قل عددكم وطمع فيكم عدوكم، ولئن ظفرتم بي ما ~~تقتلون إلا أقاصي عشيرتي، وما إياكم أردت، فهل لكم أن تسالمونا وتأخذوا ما ~~معنا من التمر، ووالله لا نروح يربوعا أبدا. فأخذ ما معهم من التمر وخلى ~~سبيلهم. فسارت بكر حتى أغاروا على بني ربيع بن الحارث، وهو مقاعس، بجدود، ~~وإنما سمي مقاعسا لأنه تقاعس عن حلف بني سعد، فأغار عليهم وهم خلوف فأصاب ~~سبيا ونعما، فبعث بنو ربيع صريخهم إلى بني كليب، فلم يجيبوهم، فأتى الصريخ ~~بني منقر بن عبيد فركبوا في الطلب فلحقوا بكر بن وائل وهم مقاتلون، فما شعر ~~الحوفزان وهو في ظل شجرة إلا بالأهتم بن سمي بن سنان المنقري واقفا على ~~رأسه، فركب فرسه، فنادى الأهتم: يا آل سعد ! ونادى الحوفزان: يا آل وائل ! ~~ولحق بنو منقر فقاتلوا قتالا شديدا، فهزمت بكر وخلوا السبي والأموال، ~~وتبعتهم منقر، فمن قتيل وأسير، وأسر الأهتم حمران بن عبد عمرو، ولم يكن ~~لقيس بن عاصم المنقري همة إلا الحوفزان، فتبعه على مهر، والحوفزان على فرس ~~فارج فلم يحلقه وقد قاربه. فلما خاف أن يفوته حفزه بالرمح في ظهره فاحتفز ~~بالطعنة ونجا، فسمي يومئذ الحوفزان، وقيل غير هذا. وقال الأهتم في أسره ~~حمران: نيطت ms0407 بحمران المنية بعدما ... حشاه سنان من شراعة أزرق دعا يال قيس ~~واعتزيت لمنقر ... وكنت إذا لاقيت في الخيل أصدق وقال سوار بن حيان المنقري ~~يفتخر على رجل من بكر: ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة ... كسته نجيعا من دم ~~البطن أشكلا وحمران قسرا أنزلته رماحنا ... فعالج غلا في ذراعيه مثقلا فيا ~~لك من أيام صدق نعدها ... كيوم جواثا والنباج وثيتلا قضى الله أنا يبوم ~~تقتسم العلى ... أحق بها منكم فأعطى فأجزلا فلست بمسطيع السماء ولم تجد ... ~~لعز بناه الله فوقك منقلا منقر بكسر الميم، وسكون النون، وفتح القاف؛ وربيع ~~بضم الراء، وفتح الباء الموحدة. ### | AUT يوم الإياد وهو يوم أعشاش ويوم العظالى # PageV01P0213 # وإنما سمي يوم العظالى لأن بسطام بن قيس وهانئ بن قبيصة ومفروق ابن عمرو ~~تعاظلوا على الرياسة، وكانت بكر تحت يد كسرى وفارس، وكانوا يقرونهم ~~ويجهزونهم، فأقبلوا من عند عامل عين التمر في ثلاثمائة متساندين وهم ~~يتوقعون انحدار بني يربوع في الحزن، فاجتمع بنو عتيبة وبنو عبيد وبنو زبيد ~~في الحزن. فحلت بنو زبيد الحديقة، وحلت بنو عتيبة وبنو عبيد روضة الثمد، ~~فأقبل جيش بكر حتى نزلوا حضبة الحصى، فرأى بسطام السواد بالحديقة، وثم غلام ~~عرفه بسطام، وكان قد عرف غلمان بني ثعلبة حين أسره عتيبة. فسأله بسطام عن ~~السواد الذي بالحديقة، فقال: هم بنو زبيد. قال: كم هم من بيت ؟ قال: خمسون ~~بيتا. قال: فأين بنو عتيبة وبنو عبيد ؟ قال: هم بروضة الثمد وسائر الناس ~~بخفاف، وهو موضع. فقال بسطام: أتطيعونني يا بني بكر ؟ قالوا: نعم. قال: أرى ~~لكم أن تغنموا هذا الحي المتفرد بني زبيد وتعودوا سالمين. قالوا: وما يغني ~~بنو زبيد عنا ؟ قال: إن في السلامة إحدى الغنيمتين. قالوا: إن عتيبة بن ~~الحارث قد مات. وقال مفروق: قد انتفخ سحرك يا أبا الصهباء! وقال هانئ: اخسأ ~~! فقال: إن أسيد بن جباة لا يفارق فرسه الشقراء ليلا ونهارا، فإذا أحس بكم ~~ركبها حتى يشرف على مليحة فينادي: يا آل ثعلبة، فيلقاكم طعن ينسيكم الغنيمة ~~ولم يبصر أحد منكم ms0408 مصرع صاحبه، وقد عصيتموني وأنا تابعكم وستعلمون. فأغاروا ~~على بني زبيد وأقبلوا نحو بني عتيبة وبني عبيد، فأحست الشقراء فرس أسيد ~~بوقع الحوافر فنخست بحافرها، فركبها أسيد وتوجه نحو بني يربوع بمليحة ~~ونادى: يا سوء صباحاه! يا آل ثعلبة بن يربوع ! فما ارتفع الضحى حتى تلاحقوا ~~فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت شيبان بعد أن قتلت من تميم جماعة من ~~فرسانهم، وقتل من شيبان أيضا وأسر جماعة، منهم: هانئ بن قبيصة، ففدى نفسه ~~ونجا، فقال متمم بن نويرة في هذا اليوم: لعمري لنعم الحي أسمع غدوة ... ~~أسيد وقد جد الصراخ المصدق وأسمع فتيانا كجنة عبقر ... لهم ريق عند الطعان ~~ومصدق أخذن بهم جنبي أفاق وبطنها ... فما رجعوا حتى أرقوا وأعتقوا وقال ~~العوام في هذا اليوم: قبح الإله عصابة من وائل ... يوم الأفاقة أسلموا ~~بسطاما ورأى أبو الصهباء دون سوامهم ... طعنا يسلي نفسه وزحاما كنتم أسودا ~~في الوغى فوجدتم ... يوم الأفاقة في الغبيط نعاما وأكثر العوام الشعر في ~~هذا اليوم. فلما ألح فيه أخذ بسطام إبله، فقالت أمه: أرى كل ذي شعر أصاب ~~بشعره ... خلا أن عواما بما قال عيلا فلا ينطقن شعرا يكون جوازه ... كما ~~شعر عوام أعام وأرجلا ### | AUT يوم الشقيقة وقتل بسطام بن قيس # هذا يوم بين بني شيبان وضبة بن أد، قتل فيه بسطام بن قيس سيد شيبان. ~~وكان سببه أن بسطام بن قيس بن مسعود بن خالد بن عبد الله ذي الجدين غزا بني ~~ضبة ومعه أخوه السليل بن قيس ومعه رجل يزجر الطير من بني أسد ابن خزيمة ~~يسمى نقيدا. فلما كان بسطام في بعض الطريق رأى في منامه كأن آتيا أتاه، ~~فقال له: الدلو تأتي الغرب المزلة؛ فقص رؤياه على نقيد، فتطير وقال: ألا ~~قلت: ثم تعود باديا مبتلة؛ فتفرط عنك النحوس. ومضى بسطام على وجهه، فلما ~~دنا من نقا يقال له الحسن في بلاد ضبة صعده ليرى، فإذا هو بنعم قد ملأ ~~الأرض فيه ألف ناقة لمالك بن المنتفق الضبي من بني ثعلبة بن سعد ms0409 بن ضبة قد ~~فقأ عين فحلها، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية إذا بلغت إبل أحدهم ألف ~~بعير فقأوا عين فحلها لترد عنها العين، وهي إبل مرتبعة، ومالك بن المنتفق ~~فيها على فرس له جواد. فلما أشرف بسطام على النقا تخوف أن يروه فينذروا به ~~فاضطجع وتدهدى حتى بلغ الأرض وقال: يا بني شيبان لم أر كاليوم قط في الغرة ~~وكثرة النعم. ونظر نقيد إلى لحية بسطام معفرة بالتراب لما تدهدى فتطير له ~~أيضا وقال: إن صدقت الطير فهو أول من يقتل. وعزم الأسدي على فراقه، فأخذته ~~رعدة تهيبا لفراقه والانصراف عنه وقال له: ارجع يا أبا الصهباء، فإني أتخوف ~~عليك أن تقتل، فعصاه ففارقه نقيد. PageV01P0214 # وركب بسطام وأصحابه وأغاروا على الإبل واطردوها، وفيها فحل لمالك يقال له ~~أبو شاعر، وكان أعور، فنجا مالك على فرسه إلى قومه من ضبة حتى إذا أشرف على ~~تعشار نادى: يا صباحاه ! وعاد راجعا. وأدرك الفوارس القوم وهم يطردون ~~النعم، فجعل فحله أبو شاعر يشذ من النعم ليرجع وتتبعه الإبل، فكلما تبعته ~~ناقة عقرها بسطام. فلما رأى مالك ما يصنع بسطام وأصحابه قال: ما ذا السفه ~~يا بسطام ؟ لا تعقرها فإما لنا وإما لك. فأبى بسطام، وكان في أخريات الناس ~~على فرس أدهم يقال له الزعفران يحمي أصحابه، فلما لحقت خيل ضبة قال لهم ~~مالك: ارموا روايا القوم. فجعلوا يرمونها فيشقونها. فلحقت بنو ثعلبة وفي ~~أوائلهم عاصم بن خليفة الصباحي، وكان ضعيف العقل، وكان قبل ذلك يعقب قناة ~~له فيقال له: ما تصنع بها يا عاصم ؟ فيقول: أقتل عليها بسطاما، فيهزأون ~~منه. فلما جاء الصريخ ركب فرس أبيه بغير أمره ولحق الخيل، فقال لرجل من ~~ضبة: أيهم الرئيس ؟ قال: صاحب الفرس الأدهم. فعارضه عاصم حتى حاذاه، ثم حمل ~~عليه فطعنه بالرمح في صماخ أذنه أنفذ الطعنة إلى الجانب الآخر، وخر بسطام ~~على شجرة يقال لها الألاءة. فلما رأت ذلك شيبان خلوا سبيل النعم وولوا ~~الأدبار، فمن قتيل وأسير. وأسر بنو ثعلبة نجاد بن قيس أخا ms0410 بسطام في سبعين ~~من بني شبان، وكان عبد الله بن عنمة الضبي مجاورا في شيبان، فخاف أن يقتل ~~فقال يرثي بسطاما: لأم الأرض ويل ما أجنت ... غداة أضر بالحسن السبيل يقسم ~~ماله فينا وندعو ... أبا الصهباء إذ جنح الأصيل أجدك لن تريه ولن نراه ... ~~تخب به عذافرة ذمول حقيبة بطنها بدن وسرج ... تعارضها مزببة زؤول إلى ميعاد ~~أرعن مكفهر ... تضمر في جوانبه الخيول لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك ~~والنشيطة والفضول لقد صمت بنو زيد بن عمرو ... ولا يوفي ببسطام قتيل فخر ~~على الألاءة لم يوسد ... كأن جبينه سيف صقيل فإن يجزع عليه بنو أبيه ... ~~فقد فجعوا وفاتهم جليل بمطعام إذا الأشوال راحت ... إلى الحجرات ليس لها ~~فصيل فلم يبق في بكر بن وائل بيت إلا وألقي لقتله لعلو محله؛ وقال شمعلة ~~ابن الأخضر بن هبيرة بن المنذر بن ضرار الضبي يذكره: فيوم شقيقة الحسنين ~~لاقت ... بنو شيبان آجالا قصارا شككنا بالرماح، وهن زور، ... صماخي كبشهم ~~حتى استدارا وأوجرناه أسمر ذا كعوب ... يشبه طوله مسدا مغارا الشقيقة: أرض ~~صلبة بين جبلي رمل. والحسنان: نقوا رمل كانت الوقعة عندهما. وقالت أم بسطام ~~بن قيس ترثيه: ليبك ابن ذي الجدين بكر بن وائل ... فقد بان منها زينها ~~وجمالها إذا ما غدا فيهم غدوا وكأنهم ... نجوم سماء بينهن هلالها فلله عينا ~~من رأى مثله فتى ... إذا الخيل يوم الروع هب نزالها عزيز المكر لا يهد ~~جناحه ... وليث إذا الفتيان زلت نعالها وحمال أثقال وعائد محجر ... تحل ~~إليه كل ذاك رحالها سيبكيك عان لم يجد من يفكه ... ويبكيك فرسان الوغى ~~ورجالها وتبكيك أسرى طالما قد فككتهم ... وأرملة ضاعت وضاع عيالها مفرج ~~حومات الخطوب ومدرك ال ... حروب إذا صالت وعز صيالها تغشى بها حينا كذاك ~~ففجعت ... تميم به أرماحها ونبالها فقد ظفرت منا تميم بعثرة ... وتلك لعمري ~~عثرة لا تقالها أصيبت به شيبان والحي يشكر ... وطير يرى إرسالها وحبالها ~~عنمة بفتح العين المهملة، والنون. ### | AUT يوم النسار # PageV01P0215 # النسار: أجبل متجاورة، وعندها كانت الوقعة، وهو موضع معروف ms0411 عندهم. وكان ~~سبب ذلك اليوم أن بني تميم بن مر بن أد كانوا يأكلون عمومتهم ضبة بن أد ~~وبني عبد مناة بن أد، فأصابت ضبة رهطا من تميم. فطلبتهم تميم فانزاحت جماعة ~~الرباب، وهو تيم وعدي وثور أطحل وعكل بنو عبد مناة بن أد وضبة بن أد وإنما ~~سموا الرباب لأنهم غمسوا أيديهم في الرب حين تحالفوا، فلحقت ببني أسد، وهم ~~يومئذحلفاء لبني ذبيان بن بغيض. فنادى صارخ بني ضبة: يا آل خندف ! فأصرختهم ~~بنو أسد، وهو أول يوم تخندقت فيه ضبة واستمدوا حليفهم ظبيا وغطفان، فكان ~~رئيس أسد يوم النسار عوف بن عبد الله بن عامر بن جذيمة بن نصر بن قعين، ~~وقيل: خالد بن نضلة، وكان رئيس الرباب الأسود بن المنذر أخو النعمان، وليس ~~بصحيح، وكان على الجماعة كلهم حصن بن حذيفة بن بدر؛ وفيه يقول زهير بن أبي ~~سلمى: ومن مثل حصن في الحروب ومثله ... لإنداد ضيم أو لأمر يحاوله إذا حل ~~أحياء الأحاليف حوله ... بذي نجب لجاته وصواهله فلما بلغ بني تميم ذلك ~~استمدوا بني عامر بن صعصعة، فأمدوهم. وكان حاجب بن زرارة على بني تميم، ~~وكان عامر بن صعصعة جوابا، وهو لقب مالك بن كعب من بني أبي بكر بن كلاب، ~~لأن بني جعفر كان جواب قد أخرجهم إلى بني الحارث بن كعب فحالفوهم، وقيل: ~~كان رئيس عامر شريح بن مالك القشيري. وسار الجمعان فالتقوا بالنسار ~~واقتتلوا، فصبرت عامر واستحر بهم القتل، وانفضت تميم فنجت ولم يصب منهم ~~كثير، وقتل شريح القشيري رأس بني عامر، وقتل عبيد بن معاوية بن عبد الله بن ~~كلاب وغيرهما، وأخذ عدة من أشراف نساء بني عامر، منهن سلمى بنت المخلف، ~~والعنقاء بنت همام وغيرهما، فقالت سلمى تعير جوابا والطفيل: لحى الإله أبا ~~ليلى بفرته ... يوم النسار وقنب العير جوابا كيف الفخار وقد كانت بمعترك ~~... يوم النسار بنو ذبيان أربابا لم تمنعوا القوم إن أشلوا سوامكم ... ولا ~~النساء وكان القوم أحرابا وقال رجل يعير جوابا والطفيل بفراره عن امرأتيه: ~~وفر ms0412 عن ضرتيه وجه خارئة ... ومالك فر قنب العير جواب القنب: غلاف الذكر، ~~وجواب لقب لأنه كان يجوب الآثار، واسمه مالك، وقال بشر بن أبي خازم في ~~هزيمة حاجب: وأفلت حاجب جوب العوالي ... على شقراء تلمع في السراب ولو ~~أدركن رأس بني تميم ... عفرن الوجه منه بالتراب وكان يوم النساء بعد يوم ~~جبلة وقتل لقيط بن زرارة. جواب بفتح الجيم، وتشديد الواو، وآخره باء موحدة؛ ~~وخازم بالخاء المعجمة، والزاي. ### | AUT يوم الجفار # لما كان على رأس الحول من يوم النسار اجتمع من العرب من كان شهد النسار، ~~وكان رؤساؤهم بالجفار الرؤساء الذين كانوا يوم النسار، إلا أن بني عامر قيل ~~كان رئيسهم بالجفار عبد الله بن جعدة بن كعب بن ربيعة، فالتقوا بالجفار ~~واقتتلوا، وصبرت تميم، فعظم فيها القتل وخاصة في بني عمرو ابن تميم، وكان ### | AUT يوم الجفار # يسمى الصيلم لكثرة من قتل به؛ وقال بشر ابن أبي خازم في عصبة تميم لبني ~~عامر: عصبت تميم أن يقتل عامر ... يوم النسار فأعقبوا بالصيلم كنا إذا ~~نفروا لحرب نفرة ... نشفي صداعهم برأس صلدم نعلو الفوارس بالسيوف ونعتزي ~~... والخيل مشعلة النحور من الدم يخرجن من خلل الغبار عوابسا ... خبب ~~السباع بكل ليث ضيغم وهي عدة أبيات، وقال أيضا: ### | AUT يوم الجفار # ويوم النسا ... ركانا عذابا وكان غراما فأما تميم تميم بن مر ... ~~فألفاهم القوم روبى نياما وأما بنو عامر بالجفار ... ويوم النسار فكانوا ~~نعاما فلما أكثر بشر على بني تميم، قيل له: ما لك ولتميم وهم أقرب الناس ~~منك أرحاما ؟ فقال: إذا فرغت منهم فرغت من الناس ولم يبق أحد. ### | AUT يوم الصفقية والكلاب الثاني # PageV01P0216 # أما يوم الصفقة وسببه فإن باذان، نائب كسرى أبرويز بن هرمز باليمن، أرسل ~~إليه حملا من اليمن. فلما بلغ الحمل إلى نطاع من أرض نجد أغارت تميم عليه ~~وانتهبوه وسلبوا رسل كسرى وأساورته. فقدموا على هوذة بن علي الحنفي صاحب ~~اليمامة مسلوبين، فأحسن إليهم وكساهم. وقد كان قبل هذا إذا أرسل كسرى لطيمة ~~تباع باليمن يجهز رسله ms0413 ويخفرهم ويحسن جوارهم، وكان كسرى يشتهي أن يراه ~~ليجازيه على فعله. فلما أحسن أخيرا إلى هؤلاء الرسل الذين أخذتهم تميم ~~قالوا له: إن الملك لا يزال يذكرك ويؤثر أن تقدم عليه، فسار معهم إليه. ~~فلما قدم عليه أكرمه وأحسن إليه وجعل يحادثه لينظر عقله، فرأى ما سره، فأمر ~~له بمال كثير، وتوجه بتاج من تيجانه وأقطعه أموالا بهجر. وكان هوذة ~~نصرانيا، وأمره كسرى أن يغزوه هو والمكعبر مع عساكر كسرى بني تميم، فساروا ~~إلى هجر ونزلوا بالمشقر. وخاف المكعبر وهوذة أن يدخلا بلاد تميم لأنها لا ~~تحتملها العجم وأهلها بها ممتنعون، فبعثا رجالا من بني تميم يدعونهم إلى ~~الميرة، وكانت شديدة، فأقبلوا على كل صعب وذلول، فجعل المكعبر يدخلهم الحصن ~~خمسة خمسة وعشرة عشرة وأقل وأكثر، يدخلهم من باب على أنه يخرجهم من آخر، ~~فكل من دخل ضرب عنقه. فلما طال ذلك عليهم ورأوا أن الناس يدخلون ولا يخرجون ~~بعثوا رجالا يستعلمون الخبر، فشد رجل من عبس فضرب السلسلة فقطعها وخرج من ~~كان بالباب. فأمر المكعبر بغلق الباب وقتل كل من كان بالمدينة، وكان يوم ~~الفصح، فاستوهب هوذة منه مائة رجل فكساهم وأطلقهم يوم الفصح. فقال الأعشى ~~من قصيدة يمدح هوذة: بهم يقرب يوم الفصح ضاحية ... يرجو الإله بما أسدى وما ~~صنعا فصار يوم المشقر مثلا، وهو يوم الصفقة لإصفاق الباب، وهو إغلاقه. وكان ~~يوم الصفقة وقد بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو بمكة بعد لم يهاجر. ~~وأما يوم الكلاب الثاني فإن رجلا من بني قيس بن ثعلبة قدم أرض نجران على ~~بني الحارث بن كعب، وهم أخواله، فسألوه عن الناس خلفه فحدثهم أنه أصفق على ~~بني تميم باب المشقر وقتلت المقاتلة وبقيت أموالهم وذراريهم في مساكنهم لا ~~مانع لها. فاجتمعت بنو الحارث من مذحج، وأحلافها من نهد وجرم بن ربان، ~~فاجتمعوا في عسكر عظيم بلغوا ثمانية آلاف، ولا يعلم في الجاهلية جيش أكثر ~~منه ومن جيش كسرى بذي قار ومن يوم جبلة، وساروا يريدون بني تميم، فحذرهم ~~كاهن ms0414 كان مع بني الحارث واسمه سلمة بن المغفل وقال: إنكم تسيرون أعيانا، ~~وتغزون أحيانا، سعدا وريانا، وتردون مياهها جيابا، فتلقون عليها ضرابا، ~~وتكون غنيمتكم ترابا، فأطيعوا أمري ولا تغزوا تميما. فعصوه وساروا إلى ~~عروة، فبلغ الخبر تميما فاجتمع ذوو الرأي منهم إلى أكثر بن صيفي، وله يومئذ ~~مائة وتسعون سنة، فقالوا له: يا أبا جيدة حقق هذا الأمر فإنا قد رضيناك ~~رئيسا. فقال لهم: وإن امرأ قد عاش تسعين حجة ... إلى مائة لم يسأل العيش ~~جاهل مضت مائتان غير عشر وفاؤها ... وذلك من عد اليالي قلائل PageV01P0217 # ثم قال لهم: لا حاجة لي في الرياسة ولكني أشير عليكم لينزل حنظلة ابن ~~مالك بالدهناء، ولينزل سعد بن زيد مناة والرباب وهم ضبة بن أد وثور وعكل ~~وعدي بنو عبد مناة بن أد الكلاب، فأي الطريقين أخذ القوم كفى أحدهما صاحبه، ~~ثم قال لهم: احفظوا وصيتي لا تحضروا النساء الصفوف فإن نجاة اللئيم في نفسه ~~ترك الحريم، وأقلوا الخلاف على أمرائكم، ودعوا كثرة الصياح في الحرب فإنه ~~من الفشل، والمرء يعجز لا محالة، فإن أحمق الحمق الفجور، وأكيس الكيس ~~التقى، كونوا جميعا في الرأي، فإن الجميع معزز للجميع، وإياكم والخلاف فإنه ~~لا جماعة لمن اختلف، ولا تلبثوا ولا تسرعوا فإن أحزم الفريقين الركين، ورب ~~عجلة تهب ريثا، وإذا عز أخوك فهن البسوا جلود النمور وابرزوا للحرب، ~~وادرعوا الليل واتخذوه جملا، فإن الليل أخفى للويل، والثبات أفضل من القوة ~~وأهنأ الظفر كثرة الأسرى، وخير الغنيمة المال، ولا ترهبوا الموت عند الحرب، ~~فإن الموت من ورائكم، وحب الحياة لدى الحرب زلل، ومن خير أمرائكم النعمان ~~بن مالك بن حارث بن جساس، وهو من بني تميم ابن عبد مناة بن أد. فقبلوا ~~مشورته، النعمان بن مالك بن حارث بن جساس، وهو من بني تميم ابن عبد مناة بن ~~أد. فقبلوا مشورته، ونزلت عمرو بن حنظلة الدهناء، ونزلت سعد والرباب ~~الكلاب، وأقبلت مذحج ومن معها من قضاعة فقصدوا الكلاب، وبلغ سعدا والرباب ~~الخبر. فلما دنت مذحج نذرهم ms0415 شميت ابن زنباع اليربوعي فركب جمله وقصد سعدا ~~ونادى: يا آل تميم يا صباحاه ! فثار الناس، وانتهت مذحج إلى النعم فانتهبها ~~الناس، وراجزهم يقول: في كل عام نغم ننتابه ... على الكلاب غيبت أصحابه ~~يسقط في ... آثاره غلابه فلحق قيس بن عاصم المنقري والنعمان بن جساس ومالك ~~بن المنتفق في سرعان الناس، فأجابه قيس يقول. عما قليل تلتحق أربابه ... ~~مثل النجوم حسرا سحابه ليمنعن النعم اغتصابه ... سعد وفرسان الوفى أربابه ~~ثم حمل عليهم قيس وهو يقول: في كل عام نعم تحوونه ... يلقحه قوم وتنتجونه ~~أربابه نوكى فلا يحمونه ... ولا يلاقون طعانا دونه أنعم الأبناء تحسبونه ~~... هيهات هيهات لما ترجونه فاقتتل القوم قتالا شديدا يومهم أجمع. فحمل ~~يزيد بن شداد بن قنان الحارثي على النعمان بن مالك بن جساس فرماه بسهم ~~فقتله، وصارت الرياسة لقيس بن عاصم، واقتتلوا حتى حجر بينهم الليل، وباتوا ~~يتحارسون. فلما أصبحوا غدوا على القتال، وركب قيس بن عاصم وركبت مذحج ~~واقتتلوا أشد من القتال الأول، فكان أول من انهزم من مذحج مدرج الرياح. وهو ~~عامر بن المجون بن عبد الله الجرمي، وكان صاحب لوائهم، فألقى اللواء وهرب، ~~فلحقه رجل من بني سعد فعقر به دابته، فنزل يهرب ماشيا، ونادى قيس بن عاصم: ~~يا آل تميم عليكم الفرسان ودعوا الرجالة فإنها لكم، وجعل يلتقط الأسرى، ~~وأسر عبد يغوث بن الحارث بن وقاص الحارثي رئيس مذحج فقتل بالنعمان بن مالك ~~بن جساس، وكان عبد يغوث شاعرا، فشدوا لسانه قبل قتله لئلا يهجوهم، فأشار ~~إليهم ليحلوا لسانه ولا يهجوهم، فحلوه، فقال شعرا: ألا لا تلوماني، كفى ~~اللوم ما بيا ... فما لكما في اللوم نفع ولا ليا ألم تعلما أن الملامة ~~نفعها ... قليل وما لومي أخا من شماليا فيا راكبا إما عرضت فبلغن ... ~~نداماي من نجران ألا تلاقيا أبا كرب والأيهمين كليهما ... وقيسا بأعلى ~~حضرموت اليمانيا أقول وقد شدوا لساني بنسعة: ... معاشر ثيم أطلقوا من ~~لسانيا كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كري كرة من ورائيا ولم أسبإ ~~الزق الروي ms0416 ولم أقل ... لأيسار صدق عظموا ضوء ناريا وقد علمت عرسي مليكة ~~أنني ... أنا الليث معدوا عليه وعاديا لحى الله قوما بالكلاب شهدتهم ... ~~صميمهم والتابعين المواليا ولو شئت نجتني من القوم شطبة ... ترى خلفها ~~الكمت العتاق تواليا PageV01P0218 # وكنت إذا ما الخيل شمصها القنا ... لبيقا بتصريف القناة بنانيا فيا عاص ~~فك القيد عني فإنني ... صبور على مر الحوادث ناكيا فإن تقتلوني تقتلوا بي ~~سيدا ... وإن تطلقوني تحربوني ماليا أبو كرب بشر بن علقمة بن الحارث، ~~والأيهمان الأسود بن علقمة بن الحارث، والعاقب وهو عبد المسيح بن الأبيض، ~~وقيس بن معدي كرب، فزعموا أن قيسا قال: لو جعلني أول القوم لافتديته بكل ما ~~أملك. ثم قتل ولم يقبل له فدية. ربان بالراء والباء الموحدة. ؟ ### | AUT يوم ظهر الدهناء وهو يوم بين طيء وأسد بن خزيمة # وسبب ذلك أن أوس بن حارثة بن لأم الطائي كان سيدا مطاعا في قومه وجوادا ~~مقداما، فوفد هو وحاتم الطائي على عمرو بن هند، فدعا عمرو أوسا فقال له: ~~أنت أفضل أم حاتم ؟ فقال: أبيت اللعن ! إن حاتما أوحدها وأنا أحدها، ولو ~~ملكني حاتم وولدي ولحمتي لوهبنا في غداة واحدة. ثم دعا عمرو حاتما فقال له: ~~أنت أفضل أم أوس ؟ فقال: أبيت اللعن ! إنما ذكرت أوسا ولأحد ولده أفضل مني. ~~فاستحسن ذلك منهما وحباهما وأكرمهما. ثم إن وفود العرب من كل حي اجتمعت عند ~~النعمان بن المنذر وفيهم أوس، فدعا بحلة من حلل الملوك وقال للوفود: احضروا ~~في غد فإني ملبس هذه الحلة أكرمكم. فلما كان الغد حضر القوم جميعا إلا ~~أوسا، فقيل له: لم تتخلف ؟ فقال: إن كان المراد غيري فأجمل الأشياء بي ألا ~~أكون حاضرا، وإن كنت المراد فسأطلب. فلما جلس النعمان ولم ير أوسا قال: ~~اذهبوا إلى أوس فقولوا له: احضر آمنا مما خفت. فحضر فألبس الحلة، فحسده قوم ~~من أهله، فقالوا للحطيئة: اهجه ولك ثلاثمائة ناقة. فقال: كيف أهجو رجلا لا ~~أرى في بيتي أثاثا ولا مالا إلا منه، ثم قال: كيف الهجاء وما ms0417 تنفك صالحة ~~... من أهل لأم بظهر الغيب تأتيني فقال لهم بشر بن أبي خازم: أنا اهجوه ~~لكم، فأعطوه النوق، وهجاه فأفحش في هجائه وذكر أمه سعدى. فلما عرف أوس ذلك ~~أغار على النوق فاكتسحها، وطلبه فهرب منه والتجأ إلى بني أسد عشيرته، ~~فمنعوه منه ورأوه تسليمه إليه عارا. فجمع أوسجديلة طيء وسار بهم إلى أسد، ~~فالتقوا بظهر الدهناء تلقاء تيماء فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت بنو أسد ~~وقتلوا قتلا ذريعا، وهرب بشر فجعل لا يأتي حيا يطلب جوارهم إلا امتنع من ~~إجارته على أوس. ثم نزل على جندب بن حصن الكلابي بأعلى الصمان، فأرسل إليه ~~أوس يطلب منه بشرا، فأرسله إليه. فلما قدم به على أوس أشار عليه قومه ~~بقتله، فدخل على أمه سعدى فاستشارها، فأشارت أن يرد عليه ماله ويعفو عنه ~~ويحبوه فإنه لا يغسل هجاءه إلا مدحه. فقبل ما أشارت به وخرج إليه وقال: يا ~~بشر ما ترى أني أصنع بك ؟ فقال: إني لأرجو منك يا أوس نعمة ... وإني لأخرى ~~منك يا أوس راهب وإني لأمحو بالذي أنا صادق ... به كل ما قد قلت إذ أنا ~~كاذب فهل ينفعني اليوم عندك أنني ... سأشكر إن أنعمت والشكر واجب فدى لابن ~~سعدى اليوم كل عشيرتي ... بني أسد أقصاهم والأقارب تداركني أوس بن سعدى ~~بنعمة ... وقد أمكنته من يدي العواقب فمن عليه أوس وحمله على فرس جواد ورد ~~عليه ما كان أخذ منه وأعطاه من ماله مائة من الإبل، فقال بشر: لا جرم لا ~~مدحت أحدا، حتى أموت، غيرك، ومدحه بقصيدته المشهورة التي أولها: أتعرف من ~~هنيدة رسم دار ... بحرجي ذروة فإلى لواها ومنها منزل ببراق خبت ... عفت ~~حقبا وغيرها بلاها وهي طويلة. ### | AUT يوم الوقيط # PageV01P0219 # وكان من حديثه أن اللهازم تجمعت، وهي قيس وتيم اللات ابنا ثعلبة ابن ~~عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ومعها عجل بن لجيم وعنزة ابن أسد بن ~~ربيعة بن نزار لتغير على بني تميم وهم غارون. فرأى ذلك الأعور وهو ناشب بن ~~بشامة ms0418 العنبري، وكان أسيرا في قيس بن ثعلبة، فقال لهم: أعطوني رجلا أرسله ~~إلى أهلي أوصيهم ببعض حاجتي. فقالوا له:ترسله ونحن حضور ؟ قال: نعم. فأتوه ~~بغلام مولد، فقال: أتيتموني بأحمق ؟! فقال الغلام: والله ما أنا بأحمق ! ~~فقال: إني أراك مجنونا ! قال: والله ما بي جنون ! قال: أتعقل ؟ قال: نعم ~~إني لعاقل. قال: فالنيران أكثر أم الكواكب ؟ قال: الكواكب، وكل كثيرة، فملأ ~~كفه رملا وقال: كم في كفي ؟ قال: لا أدري فإنه لكثير. فأومأ إلى الشمس بيده ~~وقال: ما تلك ؟ قال: الشمس. قال: ما أراك إلا عاقلا، اذهب إلى قومي فأبلغهم ~~السلام وقل لهم ليحسنوا إلى أسيرهم فإني عند قوم يحسنون إلي ويكرموني، وقل ~~لهم فليعروا جملي الأحمر ويركبوا ناقتي العيسار بآية ما أكلنا منهم حيسا ~~وليرعوا حاجتي في بني مالك، وأخبرهم أن العوسج قد أورق، وأن النساء قد ~~اشتكت، وليعصوا همام بن بشامة فإنه مشؤوم مجدود، وليطيعوا هذيل بن الأخنس، ~~فإنه حازم ميمون، واسألوا الحارث عن خبري. وسار الرسول فأتى قومه فأبلغهم، ~~فلم يدروا ما أراد، فأحضروا الحارث وقصوا عليه خبر الرسول. فقال للرسول. ~~اقصص علي أول قصتك. فقص عليه أول ما كلمه حتى أتى على آخره. فقال: أبلغه ~~التحية والسلام وأخبره أنا نستوصي به. فعاد الرسول؛ ثم قال لبني العنبر: إن ~~صاحبكم قد بين لكم، أما الرمل الذي جعل في كفه فإنه يخبركم أنه قد أتاكم ~~عدد لا يحصى، وأما الشمس التي أومأ إليها فإنه يقول ذلك أوضح من الشمس، ~~وأما جمله الأحمر فالصمان فإنه يأمركم أن تعروه، يعني ترتحلوا عنه، وأما ~~ناقته العيساء فإنه يأمركم أن تحترزوا في الدهناء، وأما بنو مالك فإنه ~~يأمركم أن تنذروهم معكم، وأما إيراق العوسج فإن القوم قد لبسوا السلاح، ~~وأما اشتكاء النساء فإنه يريد أن النساء قد خرزن الشكاء، وهي أسقية الماء ~~للغزو. فحذر بنو العنبر وركبوا الدهناء وأنذروا بني مالك، فلم يقبلوا منهم. ~~ثم إن اللهازم وعجلا وعنزة أتوا بني حنظلة فوجدوا عمرا قد أجلت، فأوقعوا ~~ببني دارم بالوقيط فاقتتلوا قتالا شديدا ms0419 وعظمت الحرب بينهم فأسرت ربيعة ~~جماعة من رؤساء بني تميم، منهم ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة فجزوا ~~ناصيته وأطلقوه، وأسروا عثجل بن المأمون بن زرارة، وجويرة بن بدر بن عبد ~~الله بن دارم، ولم يزل في الوثاق حتى رآهم يوما يشربون، فأنشأ يتغنى يسمعهم ~~ما يقول: وقائلة ما غاله أن يزورنا ... وقد كنت عن تلك الزيارة في شغل وقد ~~أدركتني والحوادث جمة ... مخالب قوم لا ضعاف ولا عزل سراع إلى الجلى بطاء ~~عن الخنا ... رزان لدى الباذين في غير ما جهل لعلهم أن يمطروني بنعمة ... ~~كما صاب ماء المزن في البلد المحل فقد ينعش الله الفتى بعد ذلة ... وقد ~~تبتني الحسنى سراة بني عجل فلما سمعوا الأبيات أطلقوه. وأسر أيضا نعيم وعوف ~~ابنا القعقاع بن معبد بن زرارة وغيرهما من سادات بني تميم، وقتل حكيم بن ~~جذيمة بن الأصيلع النهشلي، ولم يشهدها من نهشل غيره. وعادت بكر فمرت ~~بطريقها بعد الوقعة بثلاثة نفر من بني العنبر لم يكونوا ارتحلوا مع قومهم، ~~فلما رأوهم طردوا إبلهم فأحرزوها من بكر. وأكثر الشعراء في هذا اليوم، فمن ~~ذلك قول أبي مهوش الفقعسي يعير تميما بيوم الوقيط: فما قاتلت يوم الوقيطين ~~نهشل ... ولا الأنكد الشؤمى فقيم بن دارم ولا قضبت عوف رجال مجاشع ... ولا ~~قشر الأستاه غير البراجم وقال أبو الطفيل عمرو بن خالد بن محمود بن عمرو بن ~~مرثد: حكت تميم بركها لما التقت ... راياتنا ككواسر العقبان دهموا الوقيط ~~بجحفل جم الوغى ... ورماحها كنوازع الأشطان ### | AUT يوم المروت # PageV01P0220 # وهو يوم بين تميم وعامر بن صعصعة. وكان سببه أنه التقى قعنب بن عتاب ~~الرياحي وبحير بن عبد الله بن سلمة العامري بعكاظ، فقال بحير لقعنب: ما ~~فعلت فرسك البيضاء ؟ قال: هي عندي، وماسؤالك عنها ؟ قال: لأنها نجتك مني ~~يوم كذا وكذا، فأنكر قعنب ذلك وتلاعنا وتداعيا أن يجعل الله ميتة الكاذب ~~بيد الصادق، فمكثا ما شاء الله. وجمع بحير بني عامر وسار بهم فأغار على بني ~~العنبر بن عمرو بن تميم بإرم ms0420 الكلبة وهم خلوف، فاستاق السبي والنعم ولم يلق ~~قتالا شديدا، وأتى الصريخ بني العنبر بن عمرو بن تميم وبني مالك بن حنظلة ~~بن مالك بن زيد مناة بن تميم وبني يربوع بن حنظلة، فركبوا في الطلب، فتقدمت ~~عمرو ابن تميم. فلما انتهى بحير إلى المروت قال: يا بني عامر انظروا هل ~~ترون شيئا ؟ قالوا: نرى خيلا عارضة رماحها على كواهل خيلها. قال: هذه عمرو ~~بن تميم وليست بشيء، فلحق بهم بنو عمرو فقاتلوهم شيئا من قتال ثم صدروا ~~عنهم، ومضى بحير، ثم قال: يا بني عامر انظروا هل ترون شيئا ؟ قالوا: نرى ~~خيلا ناصبة رماحها. قال: هذه مالك بن حنظلة وليست بشيء، فلحقوا فقاتلوا ~~شيئا من قتال ثم صدروا عنهم، ومضى بحير وقال: يا بني عامر انظروا هل ترون ~~شيئا ؟ قالوا: نرى خيلا ليست معها رماح وكأنما عليها الصبيان. قال: هذه ~~يربوع رماحها بين آذان خيلها، إياكم والموت الزؤام، فاصبروا ولا أرى أن ~~تنجوا. فكان أول من لحق من بني يربوع الواقعة وهو نعيم بن عتاب، وكان يسمى ~~الواقعة لبليته، فحمل على المثلم القشيري فأسره، وحملت قشير على دوكس بن ~~واقد بن حوط فقتلوه، وأسر نعيم المصفى القشيري فقتله، وحمل كدام بن بجيلة ~~المازني على بحير فعانقه، ولم يكن لقعنب همة إلا بحير، فنظر إليه وإلى كدام ~~قد تانقا فأقبل نحوهما، فقال كدام: يا قعنب أسيري. فقال قعنب: ماز رأسك ~~والسيف، يريد: يا مازني. فخلى عنه كدام وشد عليه قعنب فضربه فقتله، وحمل ~~قعنب أيضا على صهبان، وأم صهبان مازنية، فأسره، فقالت بنو مازن: يا قعنب ~~قتلت أسيرنا فأعطنا ابن أخينا مكانه، فدفع إليهم صهبان في بحير، فرضوا ~~بذلك، واستنقذت بنو يربوع أموال بني العنبر وسبيهم من بني عامر وعادوا. ~~بحير بفتح الباء الموحدة، وكسر الحاء المهملة. ### | AUT يوم فيف الريح # وهو بين عامر بن صعصعة والحارث بن كعب، وكان خبره أن بني عامر كانت تطلب ~~بني الحارث بن كعب بأوتار كثيرة، فجمع لهم الحصين ابن يزيد بن شداد بن ms0421 قنان ~~الحارثي، وهو ذو الغصة، واستعان بجعفي وزبيد وقبائل سعد العشيرة ومراد ~~وصداء ونهد وخثعم وشهران وناهس وأكلب ثم أقبلوا يريدون بني عامر وهم ~~منتجعون مكانا يقال له فيف الريح، ومع مذحج النساء والذراري حتى لا يفروا. ~~فاجتمعت بنو عامر، فقال لهم عامر بن الطفيل: أغيروا بنا على القوم فإني ~~أرجو أن نأخذ غنائمهم ونسبي نساءهم ولا تدعوهم يدخلون عليكم. فأجابوه إلى ~~ذلك وساروا إليهم. فلما دنوا من بني الحارث ومذحج ومن معهم أخبرتهم عيونهم ~~وعادت إليهم مشايخهم، فحذروا فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا ثلاثة أيام ~~يغادونهم القتال بفيف الريح، فالتقى الصميل بن الأعور الكلابي وعمرو بن ~~صبيح النهدي، فطعنه عمرو، فاعتنق الصميل فرسه وعاد، فلقيه رجل من خثعم ~~فقتله وأخذ درعه وفرسه. وشهدت بنو نمير يومئذ مع عامر بن الطفيل فأبلوا ~~بلاء حسنا وسموا ذلك اليوم حريجة الطعان لأنهم اجتمعوا برماحهم فصاروا ~~بمنزلة الحرجة، وهي شجر مجتمع. PageV01P0221 # وسبب اجتماعهم أن بني عامر جالوا جولة إلى موضع يقال له العرقوب، والتفت ~~عامر بن الطفيل فسأل عن بني نمير فوجدهم قد تخلفوا في المعركة، فرجع وهو ~~يصيح: يا صباحاه ! يا نميراه ! ولا نمير لي بعد اليوم ! حتى اقتحم فرسه وسط ~~القوم، فقويت نفوسهم، وعادت بنو عامر وقد طعن عامر بن الطفيل ما بين ثغرة ~~نحره إلى سرته عشرين طعنة. وكان عامر في ذلك اليوم يتعهد الناس فيقول: يا ~~فلان ما رأيتك فعلت شيئا، فمن أبلى فليرني سيفه أو رمحه، ومن لم يبل شيئا ~~تقدم فأبلى، فكان كل من أبلى بلاءي حسنا أتاه فأراه الدم على سنان رمحه أو ~~سيفه، فأتاه رجل من الحارثيين اسمه مسهر. فقال له: يا أبا علي أنظر ما صنعت ~~بالقوم ! انظر إلى رمحي ! فلما أقبل عليه عامر لينظر وجأه بالرمح في وجنته ~~ففلقها وفقأ عينه وترك رمحه وعاد إلى قومه. وإنما دعاه إلى ذلك ما رآه يفعل ~~بقومه، فقال: هذا والله مبير قومي ! فقال عامر بن الطفيل: أتونا بشهران ~~العريضة كلها ... وأكلب طرا في جياد السنور لعمري وما ms0422 عمري علي بهين ... ~~لقد شان حر الوجه طعنة مسهر فبئس الفتى أن كنت أعور عاقرا ... جبانا وما ~~أغنى لدى كل حضر وأسرت بنو عامر يومئذ سيد مراد جريحا، فلما برأ من جراحته ~~أطلق. وممن أبلى يومئذ أربد بن قيس بن حر بن خالد بن جعفر، وعبيد بن شريح ~~بن الأحوص بن جعفر؛ وقال لبيد بن ربيعة، ويقال إنها لعامر ابن الطفيل: ~~أتونا بشهران العريضة كلها ... وأكلبها في مثل بكر بن وائل فبتنا ومن ينزل ~~به مثل ضيفنا ... يبت عن قرى أضيافه غير غافل أعاذل لو كان البداد لقوبلوا ~~... ولكن أتانا كل جن وخابل وخثعم حي يعدلون بمذحج ... فهل نحن إلا مثل ~~إحدى القبائل وأسرع القتل في الفريقين جميعا، ثم إنهم افترقوا ولم يشتغل ~~بعضهم عن بعض بغنيمة، وكان الصبر فيها والشرف لبني عامر. ### | AUT يوم اليحاميم ويعرف أيضا بقارات حوق # وهو بين قبائل طيء بعضها في بعض. وكان سبب ذلك أن الحارث بن جبلة ~~الغساني كان قد أصلح بين طيء. فلما هلك عادت إلى حربها، فالتقت جديلة ~~والغوث بموضع يقال له غرثان، فقتل قائد بني جديلة وهو أسبع بن عمرو بن لأم ~~عم أوس ابن خالد بن حارثة بن لأم، وأخذ رجل من سنبس يقال له مصعب أذنيه ~~فخصف بهما نعليه، وفي ذلك يقول أبو سروة السنبسي: نخصف بالآذان منكم نعالنا ~~... ونشرب كرها منكم في الجماجم وتناقل الحيان في ذلك أشعارا كثيرة، وعظم ~~ما صمعت الغوث على أوس ابن خالد بن لأم، وعزم على لقاء الحرب بنفسه، وكان ~~لم يشهد الحروب المتقدمة هو ولا أحد من رؤساء طيء كحاتم بن عبد الله وزيد ~~الخيل وغيرهم من الرؤساء، فلما تجهز أوسى للحرب وأخذ في جمع جديلة ولفها ~~قال أبو جابر: أقيموا علينا القصد يا آل طيء ... وإلا فإن العلم عند ~~التحاسب فمن مثلنا يوما إذا الحرب شمرت ... ومن مثلنا يوما إذا لم نحاسب ~~فإن تقطعيني أو تريدي مساءتي ... فقد قطع الخوف المخوف ركائبي PageV01P0222 # وبلغ الغوث جمع أوس لها وأوقدت النار على ms0423 مناع، وهي ذروة أجأ، وذلك أول ~~يوم توقد عليه النار. فأقبلت قبائل الغوث، كل قبيلة وعليها رئيسها، منهم ~~زيد الخيل وحاتم، وأقبلت جديلة مجتمعة على أوس بن حارثة بن لأم، وحلف أوس ~~أن لا يرجع عن طيء حتى ينزل معها جبليها أجأ وسلمى وتجبي له أهلها، ~~وتزاحفوا والتقوا بقارات حوق على راياتهم فاقتتلوا قتالا شديدا، ودارت ~~الحرب على بني كباد بن جندب فأبيروا. قال عدي بن حاتم: إني لواقف يوم ~~اليحاميم والناس يقتتلون إذ نظرت إلى زيد الخيل قد حضر ابنيه مكنفا وحريثا ~~في شعب لا منفذ له وهو يقول: أي ابني أبقيا على قومكما فإن اليوم يوم ~~التفاني فإن يكن هؤلاء أعماما فهؤلاء أخوال. فقلت: كأنك قد كرهت قتال ~~أخوالك ! قال: فاحمرت عيناه غضبا وتطاول إلي حتى نظرت إلى ما تحته من سرجه ~~فخفته، فضربت فرسي وتنحيت عنه. واشتغل بنظره إلي عن ابنيه، فخرجا كالصقرين، ~~وحمل قيس بن عازب على بحير بن زيد الخيل بن حارثة بن لأم فضربه على رأسه ~~ضربة عنق لها بحير فرسه وولى، فانهزمت جديلة عند ذلك وقتل فيها قتل ذريع، ~~فقال زيد الخيل: تجيء بني لأم جياد كأنها ... عصائب طير يوم طل وحاصب فإن ~~تنج منها لا يزل بك شامة ... أناء حيا بين الشجا والترائب وفر ابن لأم ~~واتقانا بظهره ... يردعه بالرمح قيس بن عازب وجاءت بنو معن كأن سيوفهم ... ~~مصابيح من سقف فليس بآيب وما فر حتى أسلم ابن حمارس ... لوقعة مصقول من ~~البيض قاضب فلم تبق لجديلة بقية للحرب بعد يوم اليحاميم، فدخلوا بلاد كلب ~~حالفوهم وأقاموا معهم. ### | AUT يوم ذي طلوح # وهو يوم الصمد، ويوم أود أيضا، وهو بين بكر وتميم، وكان من حديثه أن ~~عميرة بن طارق بن أرثم اليربوعي التميمي تزوج مرية بنت جابر العجلي أخت ~~أبجر وسار غل عجل ليبتني بأهله. وكان له في بني تميم امرأة أخرى تعرف بابنة ~~النطف من بني تميم، فأتى أبجر أخته يزورها وزوجها عندها. فقال لها أبجر: ~~إني لأرجو أن آتيك بابنة ms0424 النطف امرأة عميرة. فقال له: ما أراك تبقي علي حتى ~~تسلبني أهلي. فندم أبجر وقال له: ما كنت لأغزو قومك ولكنني مستأسر في هذا ~~الحي من تميم، وجمع أبجر والحوفزان بن شريك الشيباني، الحوفزان على شيبان ~~وأبجر على اللهازم، ووكلا بعميرة من يحرسه لئلا يأتي قومه فينذرهم. فسار ~~الجيش، فاحتال عميرة على الموكل بحفظه وهرب منه وجد السير إلى أن وصل إلى ~~بني يربوع فقال لهم: قد غزاكم الجيش من بكر بن وائل، فأعلموا بني ثعلبة ~~بطنا منهم، فأرسلوا طليعة منهم فبقوا ثلاثة أيام، ووصلت بكر فركبت يربوع ~~والتقوا بذي طلوح. فركب عميرة ولقي أبجر فعرفه نفسه، والتقى القوم واقتتلوا ~~فكان الظفر ليربوع. وانهزمت بكر وأسر الحوفزان وابنه شريك وابن عنمة ~~الشاعر، وكان مع بني شيبان فافتكه متمم بن نويرة، وأسر أكثر الجيش البكري؛ ~~وقال ابن عنمة يشكر متمما: جزي الله رب الناس عني متمما ... بخير الجزاء ما ~~أعف وأجودا أجيرت به أبناؤنا ودماؤنا ... وشارك في إطلاقنا وتفردا أبا نهشل ~~إني غير كافر ... ولا جاعل من دونك المال سرمدا ### | AUT يوم أقرن # قال أبو عبيدة: غزا عمرو بن عمرو بن عدس التميمي بني عبس فأخذ إبلهم ~~واستاق سبيهم وعاد حتى إذا كان أسفل ثنية أقرن نزل وابتنى بجارية من السبي، ~~ولحقه الطلب فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل أنس الفوارس ابن زياد العبسي عمرا ~~وابنه حنظلة واستردوا الغنيمة والسبي، فنعى جرير على بني دارم ذلك فقال: ~~أتنسون عمرا يويم برقة أقرن ... وحنظلة المقتول إذ هو يافعا وكان عمرو أسلع ~~أبرص، وكان هو ومن معه قد أخطأوا ثنية الطريق في عودهم وسلكوا غير الطريق، ~~فسقطوا من الجبل الذي سلكوه فلقوا شدة ففي ذلك يقول عنترة: كأن السرايا يوم ~~نيق وصارة ... عصائب طير ينتحين لمشرب شفى النفس مني أو دنا لشفائها ... ~~تهورهم من حالق متصوب وقد كنت أخشى أن أموت ولم تقم ... مراتب عمرو وسط نوح ~~مسلب PageV01P0223 # وكانت أم سماعة بن عمرو بن عمرو من عبس، فزاره خاله فقتله بأبيه، فقال في ~~ذلك مسكين ms0425 الدارمي: وقاتل خاله بأبيه منا ... سماعة لم يبع نسبا بخال ### | AUT يوم السلان # قال أبو عبيدة: كان بنو عامر بن صعصعة حمسا، والحمس قريش ومن له فيهم ~~ولادة، والحمس متشددون في دينهم، وكانت عامر أيضا لقاحا لا يدينون للملوك. ~~فلما ملك النعمان بن المنذر ملكه كسرى أبرويز، وكان يجهز كل عام لطيمة، وهي ~~التجارة، لتباع بعكاظ، فعرضت بنو عامر لبعض ما جهزه فأخذوه. فغضب لذلك ~~النعمان وبعث إلى أخيه لأمه، وهو وبرة بن رومانس الكلبي، وبعث إلى صنائعه ~~ووضائعه، والصنائع من كان يصطنعه من العرب ليغزيه، والوضائع هم الذين كانوا ~~شبه المشايخ، وأرسل إلى بني ضبة بن أد وغيرهم من الرباب وتميم فجمعهم، ~~فأجابوه، فأتاه ضرار بن عمرو الضبي في تسعة من بنيه كلهم فوارس ومعه حبيش ~~ابن دلف، وكان فارسا شجاعا، فاجتمعوا في جيش عظيم، فجهز النعمان معهم عيرا ~~وأمرهم بتسييرها وقال لهم: إذا فرغتم من عكاظ وانسلخت الحرم ورجع كل قوم ~~إلى بلادهم فاقصدوا بني عامر فإنهم قريب بنواحي السلان. فخرجوا وكتموا ~~أمرهم وقالوا: خرجنا لئلا يعرض أحد للطيمة الملك. فلما فرغ الناس من عكاظ ~~علمت قريش بحالهم، فأرسل عبد الله بن جدعان قاصدا إلى بني عامر يعلمهم ~~الخبر، فسار إليهم وأخبرهم خبرهم، فحذروا وتهيأوا للحرب وتحرزوا ووضعوا ~~العيون، وعاد بنو عامر عليهم عامر ابن مالك ملاعب الأسنة، وأقبل الجيش ~~فالتقوا بالسلان فاقتتلوا قتالا شديدا. فبينا هم يقتتلون إذ نظر يزيد بن ~~عمرو بن خويلد الصعق إلى وبرة بن رومانس أخي النعمان فأعجبه هيئته، فحمل ~~عليه فأسره. فلما صار في أيديهم هم الجيش بالهزيمة، فنهاهم ضرار بن عمرو ~~الضبي وقام بأمر الناس فأسره. فلما صار في أيديهم هم الجيش بالهزيمة، ~~فنهاهم ضرار بن عمرو الضبي وقام بأمر الناس فقاتل هو وبنوه قتالا شديدا. ~~فلما رآه أبو براء عامر بن مالك وما يصنع ببني عامر هو وبنوه حمل عليه، ~~وكان أبو براء رجلا شديد الساعد. فلما حمل على ضرار اقتتلا، فسقط ضرار إلى ~~الأرض وقاتل عليه بنوه حتى خلصوه ms0426 وركب، وكان شيخا، فلما ركب قال: من سره ~~ساءته نفسه؛ فذهبت مثلا. يعني من سره بنوه إذا صاروا رجالا كبر وضعف فساءه ~~ذلك. وجعل أبو براء يلح على ضرار طمعا في فدائه، وجعل بنوه يحمونه. فلما ~~رأى ذلك أبو براء قال له: لتموتن أو لأموتن دونك فأحلني على رجل له فداء. ~~فأومأ ضرار إلى حبيش بن دلف، وكان سيدا، فحمل عليه أبو براء فأسره، وكان ~~حبيش أسود نحيفا دميما، فلما رآه كذلك ظنه عبدا وأن ضرارا خدعه، فقال: أنا ~~لله، أعزز سائر القوم، ألا في الشؤم وقعت ! فلما سمعها حبيش منه خاف أن ~~يقتله فقال: أيها الرجل إن كنت تريد اللبن، يعني الإبل، فقد أصبته. فافتدى ~~نفسه بأربعمائة بعير وهزم جيش النعمان. فلما رجع الفل إليه أخبروه بأسر ~~أخيه وبقيام ضرار ب أمر الناس وما جرى له مع أبي براء، واقتدى وبرة بن ~~رومانس نفسه بألف بعير وفرس من يزيد بن الصعق، فاستغنى يزيد، وكان قبله ~~خفيف الحال؛ وقال لبيد يذكر أيام قومه: إني امرؤ منعت أرومة عامر ... ضيمي ~~وقد حنقت علي خصوم يقول فيها: وغداة قاع القريتين أتاهم ... رهوا يلوح ~~خلالها التسويم بكتائب رجح تعود كبشها ... نطع الكباش كأنهن نجوم قوله: قاع ~~القريتين، يعني ### | AUT يوم السلان # . حبيش بن دلف بضم الحاء المهملة، وبالباء الموحدة، وبالياء المثناة من ~~تحتها نقطتان، وآخره شين معجمة. ### | AUT يوم ذي علق # PageV01P0224 # وهو يوم التقى فيه بنو عامر بن صعصعة وبنو أسد بذي علق فاقتتلوا قتالا ~~عظيما. قتل في المعركة ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب العمري أبو لبيد ~~الشاعر وانهزمت عامر، فتبعهم خالد بن نضلة الأسدي وابنه حبيب والحارث ابن ~~خالد بن المضلل وأمعنوا في الطلب، فلم يشعروا إلا وقد خرج عليهم أبو براء ~~عامر بن مالك من وراء ظهورهم في نفر من أصحابه، فقال لخالد: يا أبا معقل إن ~~شئت أجزتنا وأجزناك حتى نحمل جرحانا وندفن قتلانا. قال: قد فعلت. فتواقفوا. ~~فقال له أبو براء: عل علمت ما فعل ربيعة ؟ قال: ms0427 نعم، تركته قتيلا. قال: ومن ~~قتله ؟ قال: ضربته أنا وأجهز عليه صامت بن الأفقم. فلما سمع أبو براء بقتل ~~ربيعة حمل على خالد هو ومن معه، فمانعهم خالد وصاحباه وأخذوا سلاح حبيب بن ~~خالد، ولحقهم بنو أسد فمنعوا أصحابهم وحموهم، فقال الجميح: سائل معدا عن ~~الفوارس لا ... أوفوا بجيرانهم ولا سلموا يسعى بهم قرزل ويستمع ال ... ناس ~~إليهم وتخفق اللمم ركضا وقد غادروا ربيعة في ... الأثآر لما تقارب النسم في ~~صدره صعدة ويخلجه ... بالرمح حران باسلا أضم قرزل فرس الطفيل والد عامر بن ~~الطفيل. وقال لبيد من قصيدة يذكر أباه: ولا من ربيع المقترين رزئته ... بذي ~~علق فاقني حياءك واصبري ### | AUT يوم الرقم # قال أبو عبيدة: غزت عامر بن صعصعة غطفان، ومع بني عامر يومئذ عامر بن ~~الطفيل شابا لم يرئس بعد، فبلغوا وادي الرقم، وبه بنو مرة بن عوف بن سعد ~~ومعهم قوم من أشجع بن ذئب بن غطفان وناس من فزارة ابن ذبيان، فنذروا ببني ~~عامر وهجمت عليهم بنو عامر بالرقم، وهو واد بقرب تضرع، فالتقوا فاقتتلوا ~~قتالا شديدا، فأقبل عامر بن الطفيل فرأى امرأة من فزارة فسألها. فقالت: أنا ~~أسماء بنت نوفل الفزاري. وقيل: كانت أسماء بنت حصن بن حذيفة. فبينا عامر ~~يسألها خرج عليه المنهزمون من قومه وبنو مرة في أعقابهم. فلما رأى ذلك عامر ~~ألقى درعه إلى أسماء وولى منهزما، فأدتها إليه بعد ذلك، وتبعتهم مرة وعليهم ~~سنان بن حارثة بن أبي حارثة المري، وجعل الأشجعيون يذبحون كل من أسروه من ~~بني عامر لوقعة كانت أوقعتها بهم بنو عامر، فذلك البطن من بني أشجع يسمون ~~بني مذبح، فذبحوا سبعين رجلا منهم، فقال عامر بن الطفيل يذكر غطفان ويعرض ~~بأسماء: قد ساءت أسماء وهي خفية ... لضحائها أطردت أم لم أطرد فلأبغينكم ~~القنا وعوارضا ... ولأقبلن الخيل لابة ضرغد ولأبرزن بمالك وبمالك ... وأخي ~~المرورات الذي لم يسند في أبيات عدة. فلما بلغ شعره غطفان هجاه منهم جماعة، ~~وكان نابغة بني ذبيان حينئذ غائبا عند ملوك غسان قد هرب ms0428 من النعمان. فلما ~~آمنه النعمان وعاد سأل قومه عما هجوا به عامر بن الطفيل، فأنشدوه ما قالوا ~~فيه وما قال فيهم، فقال: لقد أفحشتم وليس مثل عامر يهجى بمثل هذا، ثم قال ~~يخطئ عامرا في ذكره امرأة من عقائلهم: فإن يك عامر قد قال جهلا ... فإن ~~مطية الجهل الشباب فإنك سوف تحلم أو تباهي ... إذا ما شبت أو شاب الغراب ~~فكن كأبيك أو كأبي براء ... توافقك الحكومة والصواب فلا تذهب بحلمك طاميات ~~... من الخيلاء ليس لهن باب إلى آخرها. فلما سمعها عامر قال: ما هجيت قبلها. ### | AUT يوم ساحوق # قال أبو عبيدة: غزت بنو ذبيان بني عامر وهم بساحوق، وعلى ذبيان سنان بن ~~أبي حارثة المري، وقد جهزهم وأعطاهم الخيل والإبل وزودهم، فأصابوا نعما ~~كثيرة وعادوا، فلحقتهم بنو عامر واقتتلوا قتالا شديدا. ثم انهزمت بنو عامر ~~وأصيب منهم رجال وركبوا الفلاة، فهلك أكثرهم عطشا، وكان الحر شديدا، وجعلت ~~ذبيان تدرك الرجل منهم فيقولون له: قف ولك نفسك وضع سلاحك، فيفعل. وكان ~~يوما عظيما على عامر، وانهزم عامر ابن الطفيل وأخوه الحكم، ثم إن الحكم ضعف ~~وخاف أن يؤسر فجعل في عنقه حبلا وصعد إلى شجرة وشده ودلى نفسه فاختنق، وفعل ~~مثله رجل من بني غني، فلما ألقى نفسه ندم فاضطرب، فأدركوه وخلصوه وعيروه ~~يجزعه؛ وقال عروة بن الورد العبسي في ذلك: PageV01P0225 # ونحن صبحنا عامرا في ديارها ... علالة أرماح وضربا مذكرا بكل رقاق ~~الشفرتين مهند ... ولدن من الخطي قد طر أسمرا عجبت لهم إذ يخنقون نفوسهم ~~... ومقتلهم تحت الوغى كان أجدرا ### | AUT يوم أعيار ويوم النقيعة # كان المثلم بن المشجر العائذي ثم الضبي مجاورا لبني عبس؛ فتقامر هو ~~وعمارة بن زياد، وهو أحد الكملة، فقمره عمارة حتى اجتمع عليه عشرة أبكر، ~~فطلب منه المثلم أ، يخلي عنه حتى يأتي أهله فيرسل إليه بالذي له، فأبى ذلك، ~~فرهنه ابنه شرحاف بن المثلم، وخرج المثلم فأتى قومه فأخذ البكارة فأتى بها ~~عمارة وافتك ابنه. فلما انطلق بابنه قال له في الطريق: يا أبتاه ms0429 من معضال ؟ ~~قال: ذلك رجل من بني عمك ذهب فلم يوجد إلى الساعة. قال شرحاف: فإني قد عرفت ~~قاتله. قال أبوه: ومن هو ؟ قال: عمارة بن زياد سمعته يقول للقوم يوما وقد ~~أخذ فيه الشراب إنه قتله ولم يلق له طالبا. ولبثوا بعد ذلك حينا وشب شرحاف. ~~ثم إن عمارة جمع جمعا عظيما من عبس فأغار بهم على بني ضبة فأخذوا إبلهم، ~~وركبت بنو ضبة فأدركوهم في المرعى. فلما نظر شرحاف إلى عمارة قال: يا عمارة ~~أتعرفني ؟ قال: من أنت ؟ قال: أنا شرحاف، أد إلي ابن عمي معضالا، لا مثله ~~يوم قتلته ! وحمل عليه فقتله، وقاتتلت ضبة وعبس قتالا شديدا واستنقذت ضبة ~~الإبل، وقال شرحاف: ألا أبلغ سراة بني بغيض ... بما لاقت سراة بني زياد وما ~~لاقت جذيمة إذ تحامي ... وما لاقى الفوارس من بجاد تركنا بالنقيعة آل عبس ~~... شعاعا يقتلون بكل واد وما إن فاتنا إلا شريد ... يؤم القفر في تيه ~~البلاد فسل عنا عمارة آل عبس ... وسل وردا وما كل بداد تركتهم بوادي البطن ~~رهنا ... لسيدان القرارة والجلاد ### | AUT يوم النباة # قال أبو عبيدة: خرجت بنو عامر تريد غطفان لتدرك بثأرها يوم الرق ويوم ~~ساحوق، فصادفت بني عبس وليس معهم أحد من غطفان، وكانت عبس لم تشهد يوم ~~الرقم ولا يوم ساحوق مع غطفان ولم يعينوهم على بني عامر، وقيل: بل شهدها ~~أشجع وفزارة وغيرهما من بني غطفان، على ما نذكره. قال: وأغارت بنو عامر على ~~نعم بني عبس وذبيان وأشجع فأخذوها وعادوا متوجهين إلى بلادهم فضلوا في ~~الطريق فسلكوا وادي النباة فأمعنوا فيه ولا طريق لهم ولا مطلع حتى قاربوا ~~آخره. وكان الجبلان يلتقيان إذا هم بامرأة من بني عبس تخبط الشجر لهم في ~~قلة الجبل. فسألوها عن المطلع، فقالت لهم: الفوارس المطلع، وكانت قد رأت ~~الخيل قد أقبلت وهي على الجبل، ولم يرها بنو عامر لأنهم في الوادي، فأرسلوا ~~رجلا إلى قلة الجبل ينظر، فقال لهم: أرى قوما كأنهم الصبيان على متون ~~الخيل، أسنة رماحهم عند ms0430 آذان خيلهم. قالوا: تلك فزارة. قال: وأرى قوما بيضا ~~جعادا كأن عليهم ثيابا حمرا. قالوا: تلك أشجع. قال: وأرى قوما نسورا قد ~~قلعوا خيولهم بسوادهم كأنما يحملونها حملا بأفخاذهم آخذين بعوامل رماحهم ~~يجرونها. قالوا: تلك عبس، أتاكم الموت الزؤام ! ولحقهم الطلب بالوادي، فكان ~~عامر بن الطفيل أول من سبق على فرسه الورد ففات القوم، وأعيا فرسه الورد، ~~وهو المربوق أيضا، فعقره لئلا تفتحله فزارة، واقتتل الناس، ودام القتال ~~بينهم، وانهزمت عامر فقتل منهم مقتلة كبيرة، قتل فيها من أشرافهم البراء بن ~~عامر بن مالك، وبه يكنى أبوه، وقتل نهشل وأنس وهزان بنو مرة بن أنس بن خالد ~~بن جعفر، وقتلوا عبد الله بن الطفيل أخا عامر، قتله الربيع بن زياد العبسي، ~~وغيرهم كثير، وتمت الهزيمة على بني عامر. ### | AUT يوم الفرات # قال أبو عبيدة: أغار المثنى بن حارثة الشيباني، وهو ابن أخت عمران ابن ~~مرة، على بني تغلب، وهم عند الفرات، وذلك قبيل الإسلام، فظفر بهم فقتل من ~~أخذ من مقاتلتهم وغرق منهم ناس كثير في الفرات وأخذ أموالهم وقسمها بين ~~أصحابه، فقال شاعرهم في ذلك: ومنا الذي غشى الدليكة سيفه ... على حين أن ~~أعيا الفرات كتائبه ومنا الذي شد الركي ليستقي ... ويستقي محضا غير ضاف ~~جوانبه ومنا غريب الشام لم ير مثله ... أفك لعان قد تناءى أقاربه ~~PageV01P0226 # الدليكة: فرس المثنى بن حارثة، والذي شد الركي مرة بن همام، وغريب الشام ~~ابن القلوص بن النعمان بن ثعلبة. ### | AUT يوم بارق # قال المفضل الضبي: إن بني تغلب والنمر بن قاسط وناسا من تميم اقتتلوا ~~حتى نزلوا ناحية بارق، وهي من أرض السواد، وأرسلوا وفدا منهم إلى بكر بن ~~وائل يطلبون إليهم الصلح، فاجتمعت شيبان ومن معهم وأرادوا قصد تغلب ومن ~~معهم، فقال زيد بن شريك الشيباني: إني قد أجرت أخوالي وهم النمر بن قاسط، ~~فأمضوا جواره وساروا وأوقعوا ببني تغلب وتميم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة لم ~~تصب تغلب بمثلها واقتسموا الأسرى والأموال، وكان من أعظم الأيام عليهم، قتل ~~الرجال ونهب الأموال ms0431 وسبي الحريم، فقال أبو كلبة الشيباني: وليلة بسعادى لم ~~تدع سندا ... لتغلبي ولا أنفا ولا حسبا والنمريون لولا سر من ولدوا ... من ~~آل مرة شاع الحي منتهبا ### | AUT يوم طخفة # وهو لبني يربوع على عساكر النعمان بن المنذر. قال أبو عبيدة: وكان سبب ~~هذه الحرب أن الرادفة، وهي بمنزلة الوزارة، وكان الرديف يجلس عن يمين ~~الملك، كانت لبني يربوع من تميم يتوارثونها صغيرا عن كبير. فلما كان أيام ~~النعمان، وقيل أيام ابنه المنذر، سألها حاجب ابن زرارة الدرامي التميمي ~~النعمان أن يجعلها للحارث بن بيبة بن قرط ابن سفيان بن مجاشع الدارمي ~~التميمي، فقال النعمان لبني يربوع في هذا وطلب منهم أن يجيبوا إلى ذلك، ~~فامتنعوا، وكان منزلهم أسفل طخفة، فحيث امتنعوا من ذلك بعث إليهم النعمان ~~قابوس ابنه وحسانا أخاه ابني المنذر، قابوس على الناس، وحسان على المقدمة، ~~وضم إليهما جيشا كثيفا، منهم الصنائع والوضائع وناس من تميم وغيرهم، فساروا ~~حتى أتوا طخفة فالتقوا هم ويربوع واقتتلوا، وصبرت يربوع وانهزم قابسو ومن ~~معه، وضرب طارق أبو عميرة فرس قابوس فعقره وأسره، وأراد أن يجز ناضيته، ~~فقال: إن الملوك لا تجز نواصيها، فأرسله. وأما حسان فأسره بشر بن عمرو بن ~~جوين فمن عليه وأرسله. فعاد المنهزمون إلى النعمان، وكان شهاب بن قيس بن ~~كياس اليربوعي عند الملك، فقال له: يا شهاب أدرك ابني وأخي، فإن أدركتهما ~~حيين فلبني يربوع حكمهم وأرد عليهم ردافتهم وأترك لهم من قتلوا وما غنموا ~~وأعطيهم ألفي بعير. فسار شهاب فوجدهما حيين فأطلقهما، ووفى الملك لبني ~~يربوع بما قال ولم يعرض لهم في ردافتهم؛ وقال مالك ابن نويرة: ونحن عقرنا ~~مهر قابوس بعدما ... رأى القوم منه الموت والخيل تلحب عليه دلاص ذات نسج ~~وسيفه ... جراز من الهندي أبيض مقضب طلبنا بها، إنا مداريك نيلها ... إذا ~~طلب الشأو البعيد المغرب ### | AUT يوم النباج وثيتل # قال أبو عبيدة: غزا قيس بن عاصم المنقري ثم التميمي بمقاعس، وهم بطون من ~~تميم، وهم صريم وربيع وعبيد بنو الحارث بن عمرو ms0432 بن كعب بن سعد، وغزا معه ~~سلامة بن ظرب الحماني في الأحارث، وهم بطون من تميم أيضا، وهم حمان وريعة ~~ومالك والأعرج بنو كعب بن سعد، فغزوا بكر بن وائل، فوجدوا اللهازم، وهم بنو ~~قيس وتيم اللات ابناء ثعلبة بن عكاشة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، ومعهم ~~بنو ذهل ابن ثعلبة وعجل بن لجيم وعنزة بن أسد بن ربيعة بالنباج وثيتل، ~~وبينهما روحة، فأغار قيس على النياح، ومضى سلامة إلى ثيتل ليغير على من ~~بها. فلما بلغ قيس إلى النباج، ومضى سلامة إلى ثيتل ليغير على من بها. فلما ~~بلغ قيس إلى النباح سقى خيله ثم أراق ما معهم من الماء وقال لمن معه: ~~قاتلوا فالموت بين أيديكم والفلاة من ورائكم، فأغار على من به من بكر صبحا ~~فقاتلوهم قتالا شديدا وانهزمت بكر وأصيب من غنائمهم ما لا يحد كثرة. فلما ~~فرغ قيس من النهب عاد مسرعا إلى سلامة ومن معه نحو ثيتل فأدركهم، ولم يغز ~~سلامة على من به، فأغار عليهم قيس أيضا، فقاتلوه وانهزموا، وأصاب من ~~الغنائم نحو ما أصاب بالنباج، وجاء سلامة فقال: أغرتم على من كان لي، ~~فتنازعوا حتى كاد الشر يقع بينهم، ثم اتفقوا على تسليم الغنائم إليه؛ ففي ~~ذلك يقول ربيعة بن طريف: فلا يبعدنك الله قيس بن عاصم ... فأنت لنا عز عزيز ~~ومعقل وأنت الذي حربت بكر بن وائل ... وقد عضلت منها النباج وثيتل وقال قرة ~~بن زيد بن عاصم: PageV01P0227 # أنا ابن الذي شق المرار وقد رأى ... بثيتل أحياء اللهازم حضرا فصبحهم ~~بالجيش قيس بن عاصم ... فلم يجدوا إلا الأسنة مصدرا سقاهم بها الذيفان قيس ~~بن عاصم ... وكان إذا ما أورد الأمر أصدرا على الجرد يعلكن الشكيم عوابسا ~~... إذا الماء من أعطافهن تحدرا فلم يرها الراؤون إلا فجاءة ... يثرن عجاجا ~~كالدواخن أكدرا وحمران أدته إلينا رماحنا ... فنازع غلا في ذراعيه أسمرا ~~ثيتل بالثاء المثلثة المفتوحة، والياء المسكنة المثناة من تحتها، والتاء ~~المثناة من فوقها. ### | AUT يوم فلج # قال أبو عبيدة: ms0433 هذا يوم لبكر بن وائل على تميم. وسببه أن جمعا من بكر ~~ساروا إلى الصعاب فشتوا بها، فلما انقضى الربيع انصرفوا فمروا بالدو فلقوا ~~ناسا من بني تميم من بني عمرو وحنظلة، فأغاروا على نعم كثير لهم ومضوا، ~~وأتى بني عمرو وحنظلة الصريخ فاستجاشوا لقومهم فأقبلوا في آثار بكر بن وائل ~~فساروا يومين وليلتين حتى جهدهم السير وانحدروا في بطن فلج، وكانوا قد ~~خلفوا رجلين على فرسين سابقين ربيئة ليخبراهم بخبرهم إن ساروا إليهم. فلما ~~وصلت تميم إلى الرجلين أجريا فرسيهما وسارا مجدين فأنذرا قومهما، فأتاهم ~~الصريخ بمسير تميم عند وصولهم إلى فلج، فضرب حنظلة بن يسار العجلي قبته ~~ونزل فنزل الناس معه وتهيأوا للقتال معه، ولحقت بنو تميم فقاتلتهم بكر بن ~~وائل قتالا شديدا، وحمل عرفجة بن بحير العجلي على خالد بن مالك بن سلمة ~~التميمي فطعنه وأخذه أسيرا. وقتل في المعركة ربعي بن مالك بن سلمة، فانهزمت ~~تمي وبلغت بكر بن وائل منها ما أرادت، ثم إن عرفجة أطلق خالد بن مالك وجز ~~ناصيته، فقال خالد: وجدنا الرفد رفد بني لجيم ... إذا ما قلت الأرفاد زادا ~~هم هم ضربوا القباب ببطن فلج ... وذادوا عن محارمهم ذيادا وهم وهم منوا علي ~~وأطلقوني ... وقد طاعوعت في الجنب القيادا أليسوا خير من ركب المطايا ... ~~وأعظمهم إذا اجتمعوا رمادا أليس هم عماد الحي بكرا ... إذا نزلت مجللة ~~شدادا وقال قيس بن عاصم يعير خالدا: لو كنت حرا يا ابن سلمى بن جندل ... ~~نهضت ولم تقصد لسلمى ابن جندل فما بال أصداء بفلج غريبة ... تنادي مع ~~الأطلال: يا لابن حنظل صوادي لا مولى عزيز يجيبها ... ولا أسرة تسقي صداها ~~بمنهل وغادرت ربعيا بفلج ملحبا ... وأقبلت في أولى الرعيل المعجل توائل من ~~خوف الردى لاوقيته ... كما نالت الكدراء من حين أجدل يعيره حيث لم يأخذ ~~بثأر أخيه ربعي ومن قتل معه ### | AUT يوم فلج # ، ويقول: إن أصداءهم تنادي ولا يسقيها أحد، على مذهب الجاهلية، ولولا ~~التطوير لشرحناه أبين من هذا. ### | AUT يوم الشيطين # قال ms0434 أبو عبيدة: كان الشيطان لبكر بن وائل، فلما ظهر الإسلام في نجد سارت ~~بكر قبل السواد، وبقي مقايس بن عمرو العائذي بن عائذة من قريش حليف بني ~~شيبان بالشيطين. فلما أقامت بكر في السواد لحقهم الوباء والطاعون الذي كان ~~أيا كسرى شيرويه فعادوا هاربين فنزلوا لعلع، وهي مجدبة، وقد أخصب الشيطان، ~~فسارت تميم فنزلوا بها، وبلغت أخبار خصب الشيطين إلى بكر، فاجتمعوا وقالوا: ~~نغير على تميم، فإن في دين ابن عبد المطلب، يعنون النبي، أن من قتل نفسا ~~قتل بها، فنغير هذه الغارة ثم نسلم عليها، فارتحلوا من لعلع بالذراري ~~والأموال ورئيسهم بشر بن مسعود ابن قيس بن خالد فأتوا الشيطين في أربع ~~ليال، والذي بينهما مسيره ثماني ليال، فسبقوا كل خبر حتى صبحوهم وهم لا ~~يشعرون فقاتلوهم قتالا شديدا وصبرت تميم ثم انهزمت، فقال رشيد بن رميض ~~العنبري يفخر بذلك: وما كان بين الشيطين ولعلع ... لنسوتنا إلا مناقل أربع ~~فجئنا بجمع لم ير الناس مثله ... يكاد له ظهر الوديعة يطلع بأرعن دهم تنسل ~~البلق وسطه ... له عارض فيه المنية تلمع PageV01P0228 # صبحنا به سعدا وعمرا ومالكا ... فظل لهم يوم من الشر أشنع وذا حسب من آل ~~ضبة غادروا ... بجري كما يجري الفصيل المفزع تقصع يربوع بسرة أرضنا ... ~~وليس ليربوع بها متقصع ثم إن النبي، صلى الله عليه وسلم، وكتب إلى بكر بن ~~وائل على ما بأيديهم. الشيطان بالشين المعجمة، والياء المشددة المثناة من ~~تحتها، وبالطاء المهملة، آخره نون. ### | AUT أيام الأنصار وهم الأوس والخزرج التي جرت بينهم # الأنصار لقب قبيلتي الأوس والخزرج ابني حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو ~~مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ~~ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن ~~يشجب بن يعرب بن قحطان، لقبهم به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما هاجر ~~إليهم ومنعوه ونصروه، وأم الأوس والخزرج قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد، ~~ولذلك يقال ms0435 لهم أبناء قيلة. وإنما لقب ثعلبة العنقاء لطول عنقه، ولقب عمرو ~~مزيقياء لأنه كان يمزق عنه كل يوم حله لئلا يلبسها أحد بعده، ولقب عامر ماء ~~السماء لسماحته وبذلك كأنه ناب مناب المطر، وقيل لشرفه، ولقب امرؤ القيس ~~البطريق لأنه أول من استعان به بنو إسرائيل من العرب بعد بلقيس، فبطرقه ~~رحبعم ابن سليمان بن داود، عليه السلام، فقيل له البطريق، وكانت مساكن ~~الأزد بمأرب من اليمن إلى أن أخبر الكهان عمرو بن عامر مزيقياء أن سيل ~~العرم يخرب بلادهم ويغرق أكثر أهلها عقوبة لهم بتكذيبهم رسل الله تعالى ~~إليهم. فلما علم ذلك عمرو باع ما له من مال وعقار وسار عن مأرب هو ومن ~~تبعه، ثم تفرقوا في البلاد فسكن كل بطن ناحية اختاروها، فسكنت خزاعة ~~الحجاز، وسكنت غسان الشام. ولما سار ثعلبة بن عمرو بن عامر فيمن معه ~~اجتازوا بالمدينة، وكانت تسمى يثرب، فتخلف بها الأوس والخزرج ابنا حارثة ~~فيمن معهما، وكان فيها قرى وأسواق وبها قبائل من اليهود من بني إسرائيل ~~وغيرهم، منهم قريظة والنضير وبنو قينقاع وبنو ماسلة وزعورا وغيرهم، وقد ~~بنوا لهم حصونا يجتمعون بها إذا خافوا. فنزل عليهم الأوس والخزرع فابتنوا ~~المساكن والحصون، إلا أن الغلبة والحكم لليهود إلى أن كان من الفطيون ومالك ~~ابن العجلان ما نذكره إن شاء الله تعالى، فعادت الغلبة للأوس والخزرج، ولم ~~يزالوا على حال اتفاق واجتماع إلى أن حدث بينهم حرب سمير، على ما نذكره إن ~~شاء الله تعالى. ### | AUT ذكر غلبة الأنصار على المدينة # ### | AUT وضعف أمر اليهود بها وقتل الفطيون # قد ذكرنا أن الإستيلاء كان لليهود على المدينة لما نزلها الأنصار، ولم ~~يزل الأمر كذلك إلى أن ملك عليهم الفطيون اليهودي، وهو من بني إسرائيل ثم ~~من بني ثعلبة، وكان رجل سوء فاجرا، وكانت اليهود تدين له بأن لا تزوج امرأة ~~منهم إلا دخلت عليه قبل زوجها، وقيل: إنه كان يفعل ذلك بالأوس والخزرج ~~أيضا. ثم إن أختا لمالك بن العجلان السالمي الخزرجي تزوجت، فلما كان ms0436 زفافها ~~خرجت عن مجلس قومها وفيه أخوها مالك وقد كشفت عن ساقيها. فقال لها مالك: ~~لقد جئت بسوء. قالت: الذي يراد بي الليلة أشد من هذا، أدخل على غير زوجي ! ~~ثم عادت فدخل عليها أخوها فقال لها: هل عندك من خبر ؟ قالت: نعم، فما عندك ~~؟ قال: أدخل مع النساء فإذا خرجن ودخل عليك قتلته. قالت: افعل. فلما ذهب ~~بها النساء إلى الفطيون انطلق مالك معهن في زي امرأة ومعه سيفه، فلما خرج ~~النساء من عندها ودخل عليها الفطيون قتله مالك وخرج هاربا؛ فقال بعضهم في ~~ذلك من أبيات: هل كان للفطيون عقر نسائكم ... حكم النصيب فبئس حكم الحاكم ~~حتى حباه مالك بمرشة ... حمراء تضحك عن نجيع قاتم ثم خرج مالك بن العجلان ~~هاربا حتى دخل الشام فدخل على ملك من ملوك غسان يقال له أبو جبيلة واسمه ~~عبيد بن سالم بن مالك بن سالم، وهو أحد بني غضب بن جشم بن الخزرج، وكان قد ~~ملكهم وشرف فيهم، وقيل: إنه لم يكن ملكا وإنما كان عظيما عند ملك غسان، وهو ~~الصحيح، لأن ملوك غسان لم يعرف فيهم هذا، وهو أيضا من الخزرج على ما ذكر. ~~PageV01P0229 # فلما دخل عليه مالك شكا إليه ما كان من الفطيون وأخبره بقتله وأنه لا ~~يقدر على الرجوع، فعاهد الله أبو جبيلة ألا يمس طيبا ولا يأتي النساء حتى ~~يذل اليهود ويكون الأوس والخزرج أعز أهلها. ثم سار من الشام في جمع كثير ~~وأظهر أنه يريد اليمن حتى قدم المدينة فنزل بذي حرض، وأعلم الأوس والخزرج ~~ما عزم عليه، ثم أرسل إلى وجوه اليهود يستدعيهم إليه وأظهر لهم أنه يريد ~~الإحسان إليهم، فأتاه أشرافهم في حشمهم وخاصتهم. فلما اجتمعوا ببابه أمر ~~بهم فأدخلوا رجلا رجلا وقتلهم عن آخرهم. فلما فعل بهم ذلك صارت الأوس ~~والخزرج أعز أهل المدينة، فشاركوا اليهود في النخل والدور؛ ومدح الرمق بن ~~زيد الخزرجي أبا جبيلة بقصيدة، منها: وأبو جبيلة خير من ... يمشي وأوفاهم ~~يمينا وأبرهم برا وأع ... ملهم بهدي الصالحينا أبقت لنا ms0437 الأيام وال ... حرب ~~المهمة تعترينا كبشا له قرن يع ... ض حسامه الذكر السنينا فقال أبو جبيلة: ~~عسل طيب في وعاء سوء، وكان الرمق رجلا ضئيلا؛ فقال الرمق: إنما المرء ~~بأصغريه قلبه ولسانه. ورجع أبو جبيلة إلى الشام. حرض بضم الحاء والراء ~~المهملتين، وآخره ضاد معجمة. ### | AUT حرب سمير # ولم يزل الأنصار على حال اتفاق واجتماع، كان أول اختلاف وقع بينهم وحرب كانت لهم ### | AUT حرب سمير # . وكان سببها أن رجلا من بني ثعلبة من سعد بن ذبيان يقال له كعب بن ~~العجلان نزل على مالك بن العجلان السالمي فحالفه وأقام معه. فخرج كعب يوما ~~إلى سوق بني قينقاع فرأى رجلا من غطفان معه فرسه وهو يقول: ليأخذ هذا الفرس ~~أعز أهل يثرب. فقال رجل: فلان. وقال رجل آخر: أحيحة بن الجلاح الأوسي. وقال ~~غيرهما: فلان بن فلان اليهودي أفضل أهلها. فدفع الغطفاني الفرس إلى مالك بن ~~العجلان. فقال كعب: ألم أقل لكم إن حليفي مالكا أفضلكم ؟ فغضب من ذلك رجل ~~من الأوس من بني عمرو بن عوف يقال له سمير وشتمه وافترقا، وبقي كعب ما شاء ~~الله. ثم قصد سوقا لهم قبا فقصده سمير ولازمه حتى خلا السوق فقتله. وأخبر ~~مالك بن العجلان بقتله، فأرسل إلى بني عمرو بن عوف يطلب قاتله، فأرسلوا: ~~إنا لا ندري من قتله. وترددت الرسل بينهم، وهو يطلب سميرا وهم ينكرون قتله، ~~ثم عرضوا عليه الدية فقبلها. وكانت دية الحليف فيهم نصف دية النسيب منهم. ~~فأبى مالك إلا أخذ دية كاملة، وامتنعوا من ذلك وقالوا: نعطي دية الحليف، ~~وهي النصف. ولج الأمر بينهم حتى آل إلى المحاربة، فاجتمعوا والتقوا ~~واقتتلوا قتالا شديدا وافترقوا. ودخل فيها سائر بطون الأنصار، ثم التقوا ~~مرة أخرى واقتتلوا حتى حجز بينهم الليل، وكان الظفر يومئذ للأوس. فلما ~~افترقوا أسلت الأوس إلى مالك يدعونه إلى أن يحكم بينهم المنذر ابن حرام ~~النجاري الخزرجي جد حسان بن ثابت بن المنذر. فأجابهم إلى ذلك، فأتوا ~~المنذر، فحكم بينهم المنذر بأن يدوا كعبا حليف ms0438 مالك دية الصريح ثم يعودوا ~~إلى سنتهم القديمة، فرضوا بذلك وحملوا الدية وافترقوا، وقد شبت البغضاء في ~~نفوسهم وتمكنت العداوة بينهم. ### | AUT ذكر حرب كعب بن عمرو المازني # ثم إن بني جحجبا من الأوس وبني مازن بن النجار من الخزرج وقع بينهم حرب ~~كان سببها أن كعب بن عمرو المازني تزوج امرأة من بني سالم فكان يختلف ~~إليها. فأمر أحيحة بن الجلاح سيد بني جحجبا جماعة فرصدوه حتى ظفروا به ~~فقتلوه، فبلغ ذلك أخاه عاصم بن عمرو، فأمر قومه فاستعدوا للقتال، وأرسل إلى ~~بني جحجبا يؤذنهم بالحرب. فالتقوا بالرحابة فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت ~~بنو جحجبا ومن معهم وانهزم معهم أحيحة، فطلبه عاصم بن عمرو فأدركه وقد دخل ~~حصنه، فرماه بسهم فوقع في باب الحصن، فقتل عاصم أخا لأحيحة. فمكثوا بعد ذلك ~~ليالي، فبلغ أحيحة أن عاصما يتطلبه ليجد له غرة فيقتله، فقال أحيحة: نبئت ~~أنك جئت تس ... ري بين داري والقبابة فلقد وجدت بجانب ال ... ضحيان شبانا ~~مهابه فتيان حرب في الحدي ... د وشامرين كأسد غابه هم نكبوك عن الطري ... ق ~~فبت تركب كل لابه أعصيم لا تجزع فإن ... ن الحرب ليست بالدعابه ~~PageV01P0230 # فأنا الذي صبحتكم ... بالقوم إذى دخلوا الرحابه وقتلت كعبا قبلها ... ~~وغلوت بالسيف الذؤابه فأجابه عاصم: أبلغ أحيحة إن عرض ... ت بداره عني ~~جوابه وأنا الذي أعجلته ... عن مقعد ألهى كلابه ورميته سهما فأخ ... طأه ~~وأغلق ثم بابه في أبيات. ثم إن أحيحة أجمع أن يبيت بني النجار وعنده سلمى ~~بنت عمرو بن زيد النجارية، وهي أم عبد المطلب جد النبي، صلى الله عليه وسلم ~~فما رضيت، فلما جنها الليل وقد سهر معها أحيحة فنام، فلما نام سارت إلى بني ~~النجار فاعلمتهم ثم رجعت، فحذروا، وغدا أحيحة بقومه مع الفجر، فلقيهم بنو ~~النجار في السلاح، فكان بينهم شيء من قتال، وانحاز أحيحة، وبلغه أن سلمى ~~أخبرتهم فضربها حتى كسر يدها وأطلقها وقال أبياتا، منها: لعمر أبيك ما يغني ~~مكاني ... من الحلفاء آكلة غفول تؤوم لا تقلص مشمعلا ... مع ms0439 الفتيان مضجعه ~~ثقيل تنزع للحليلة حيث كانت ... كما يعتاد لقحته الفصيل وقد أعددت للحدثان ~~حصنا ... لو أن المرء ينفعه العقول جلاه القين ثمت لم تخنه ... مضاربه ~~ولاطته فلول فهل من كاهن آوي إليه ... إذا ما حان من آل نزول يراهنني ~~ويرهنني بنيه ... وأرهنه بني بما أقول فما يدري الفقير متى غناه ... وما ~~يدري الغني متى يعيل وما تدري وإن أجمعت أمرا ... بأي الأرض يدركك المقيل ~~وما تدري وإن أنتجت سقبا ... لغيرك أم يكون لك الفصيل وما إن أخوة كبروا ~~وطابوا ... لباقية، وأمهم هبول ستشكل أو يفارقها بنوها ... بموت أو يجيء لهم قتول ### | AUT ذكر الحرب بين بني عمرو وبني الحارث # ### | AUT وهو يوم السرارة # ثم إن بني عمرو بن عوف من الأوس وبني الحارث من الخزرج كان بينهما حرب ~~شديدة. وكان سببها أن رجلا من بني عمرو قتله رجل من بني الحارث، فعدا بنو ~~عمرو على القاتل فقتلوه غيلة، فاستكشف أهله فعلموا كيف قتل فتهيأوا للقتال ~~وأرسلوا إلى بني عمرو بن عوف يؤذونهم بالحرب، فالتقوا بالسرارة، وعلى الأوس ~~حضير بن سماك والد أسيد بن حضير، وعلى الخزرج عبد الله بن سلول أبوى الحباب ~~الذي كان رأس المنافقين. فاقتتلوا قتالا شديدا. صبر بعضهم لبعض أربعة أيم، ~~ثم انصرفت الأوس إلى دورها، ففخرت الخزرج بذلك؛ وقال حسان بن ثابت في ذلك: ~~فدى لبني النجار أمي وخالتي ... غداة لقوهم بالمثقفة السمر وصرم من الأحياء ~~عمرو بن مالك ... إذا ما دعوا كانت لهم دعوة النصر فوا لا أنسى حياتي ~~بلاءهم ... غداة رموا عمرا بقاصمة الظهر وقال حسان أيضا: لعمر أبيك الخير ~~بالحق ما نبا ... علي لساني في الخطوب ولا يدي لساني وسيفي صارمان كلاهما ~~... ويبلغ ما لا يبلغ السيف مذودي فلا الجهد ينسيني حياتي وحفظتي ... ولا ~~وقعات الدهر يفللن مبردي أكثر أهلي من عيال ساهم ... وأطوي على الماء ~~القراح المبرد ومنها: وإني لمنجاء المطي على الوجى ... وإني لنزال لما لم ~~أعود وإني لقوال لذي اللوث مرحبا ... وأهلا إذا ما ريع من كل مرصد وإني ms0440 ~~ليدعوني الندى فأجيبه ... وأضرب بيض العارض المتوقد فلا تعجلن يا قيس واربع ~~فإنما ... قصاراك أن تلقى بكل مهند حسام وأرماح بأيدي أعزة ... متى ترهم يا ~~ابن الخطيم تلبد أسود لدى الأشبال يحمي عرينها ... مداعيس بالخطي في كل ~~مشهد وهي أبيات كثيرة. فأجابه قيس بن الخطيم: تروح عن الحسناء أم أنت مغتدي ~~... وكيف انطلاق عاشق لم يزود تراءت لنا يوم الرحيل بمقلتي ... شريد بملتف ~~من السدر مفرد PageV01P0231 # وجيد كجيد الريم حال يزينه ... على النحر ياقوت وفص زبرجد كأن الثريا فوق ~~ثغرة نحرها ... توقد في الظلماء أي توقد ألا إن بين الشرعبي وراتج ... ~~ضرابا كتجذيم السيال المصعد لنا حائطان الموت أسفل منهما ... وجمع متى تصرخ ~~بيثرب يصعد ترى اللابة السوداء يحمر لونها ... ويسهل منها كل ربع وفدفد ~~فإني لأغنى الناس عن متكلف ... يرى الناس ضلالا وليس بمهتد لساء عمرا ثورا ~~شقيا موعظا ... ألد كأن رأسه رأس أصيد كثير المنى بالزاد لا صبر عنده ... ~~إذا جاع يوما يشتكيه ضحى الغد وذي شيمة عسراء خالف شيمتي ... فقلت له دعني ~~ونفسك أرشد فما المال والأخلاق إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزود ~~متى ما تقد بالباطل الحق يأبه ... فإن قدت بالحق الرواسي تنقد إذا ما أتيت ~~الأمر من غير بابه ... ضللت وإن تدخل من الباب تهتد وهي طويلة. وقال عبيد ~~بن ناقد: لمن الديار كأنهن المذهب ... بليت وغيرها الدهور تقلب يقول فيها ~~في ذكر الوقعة: لكن فرا أبي الحباب بنفسه ... يوم السرارة سيئ منه الأقرب ~~ولى وألقى يوم ذلك درعه ... إذ قيل جاء الموت خلفك يطلب نجاك منا بعدما قد ~~أشرعت ... فيك الرماح، هناك شد المذهب هي طويلة أيضا. وأبو الحباب هو عبد ~~الله بن سلول. ### | AUT حرب الحصين بن الأسلت # ثم كانت حرب بين بني وائل بن زيد الأوسيين وبين بني مازن بن النجار ~~الخزرجيين. وكان سببها أن الحصين بن الأسلت الأوسي الوائلي نازع رجلا من ~~بني مازن، فقتله الوائلي ثم انصرف إلى أهله، فتبعه نفر من بني مازن فقتلوه. ~~فبلغ ذلك أخاه أبا ms0441 قيس بن الأسلت فجمع قومه وأرسل إلى بني مازن يعلمهم أنه ~~على حربهم. فتهيأوا للقتال، ولم يتخلف من الأوس والخزرج أحد، فاقتتلوا ~~قتالا شديدا حتى كثرت القتلى في الفريقين جميعا، وقتل أبو قيس بن الأسلت ~~الذين قتلوا أخاه ثم انهزمت الأوس، فلام وحوح بن الأسلت أخاه أبا قيس وقال: ~~لا يزال منهزم من الخزرج، فقال أبو قيس لأخيه، ويكنى أبا حصين: أبلغ أبا ~~حصن وبع ... ض القول عندي ذو كباره أن ابن أم لي ... س من الحديد ولا ~~الحجارة ماذا عليكم أن يكو ... ن لكم بها رحلا عماره يحمي ذماركم وبع ... ض ~~القوم لا يحمي ذماره يبني لكم خيرا وبنيا ... ن الكريم له اثاره في أبيات. ### | AUT حرب ربيع الظفري # ثم كانت حرب بين بني ظفر من الأوس وبين بني مالك بن النيجار من الخزرج. ~~وكان سببها أن ربيعا الظفري كان يمر في مال لرجل من بني النجار إلى ملك له، ~~فمنعه النجاري، فتنازعا، فقتله ربيع، فجمع قومهما فاقتتلوا قتالا شديدا كان ~~أشد قتال بينهم، فانهزمت بنو مالك بن النجار؛ فقال قيس بن الخطيم الأوسي في ~~ذلك: أجد بعمرة غنيانها ... فتهجر أم شأننا شأنها فإن تمس شطت بها دارها ~~... وباح لك اليوم هجرانها فما روضة من رياض القطا ... كأن المصابيح ~~حوذانها بأحسن منها ولا نزهة ... ولوج تكشف أدجانها وعمرة من سروات النسا ~~... ء ينفح بالمسك أردانها منها: ونحن الفوارس يومالربي ... ع قد علموا كيف ~~أبدانها جنونا لحربي وراء الصري ... خ حتى تقصد مرانها تراهن يخلجن خلج ~~الدلا ... يبادر بالنزع أشطانها هي طويلة. فأجابه حسان بن ثابت الخزرجي ~~بقصيدة أولها: لقد هاج نفسك أشجانها ... وغادرها اليوم أديانها ومنها: ~~ويثرب تعلم أنا بها ... إذا التبس الحق ميزانها ويثرب تعلم أنا بها ... إذا ~~أقحط القطر نوآنها ويثرب تعلم إذ حاربت ... بأنا لدى الحرب فرسانها ~~PageV01P0232 # ويثرب تعلم أن النبي ... ت عند الهزاهز ذلانها ومنها: متى ترنا الأوس في ~~بيضنا ... نهز القنا تخب نيرانها وتعط القياد على رغمها ... وتنزل ملهام ~~عقبانها فلا تفخرن التمس ملجأ ms0442 ... فقد عاود الأوس أديانها ### | AUT حرب فارع بسبب الغلامى القضاعي # ومن أيامهم يوم فارع. وسببه أن رجلا من بني النجار أصاب غلاما من قضاعة ~~ثم من بلي، وكان عم الغلام جارا لمعاذ بن النعمان بن امرئ القيس الأوسي ~~والد سعد بن معاذ، فأتى الغلام عمه يزوره فقتله النجاري. فأرسل معاذ إلى ~~بني النجار: أن أدفعوا إلي دية جاري أو ابعثوا إي بقاتله أرى فيه رأيي. ~~فأبوا أن يفعلوا. فقال رجل من بني عبد الأشهل: والله إن لم تفعلوا لا نقتل ~~به إلا عامر بن الإطنابة، وعامر من أشراف الخزرج؛ فبلغ ذلك عامرا فقال: ألا ~~من مبلغ الأكفاء عني ... وقد تهدى النصيحة للنصيح فإنكم وما ترجون شطري ... ~~من القول امزجى والصريح سيندم بعضكم عجلا عليه ... وما أثر اللسان إلى ~~الجروح أبت لي عزتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح وإعطائي على ~~المكروه مالي ... وضربي هامة البطل المشيح وقولي كلما جشأت وجاشت: ... ~~مكانك تحمدي أو تستريحي لأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن عرض صحيح ~~بذي شطب كلون الملح صاف ... ونفس لا تقر على القبيح فقال الربيع بن أبي ~~الحقيق اليهودي في عراض قول عامر بن الإطنابة: ألا من مبلغ الأكفاء عني ... ~~فلا ظلم لدي ولا افتراء فلست بغائظ الأكفاء ظلما ... وعندي للملامات اجتزاء ~~فلم أر مثل من يدنو لخسف ... له في الأرض سير واستواء وما بعض الإقامة في ~~ديار ... يهان بها الفتى إلا عناء وبعض القول ليس له عناج ... كمحض الماء ~~ليسى له إناء وبعض خلائق الأقوام داء ... كداء الشح ليس له دواء وبعض الداء ~~ملتمس شفاء ... وداء النوك ليس له شفاء يحب المرء أن يلقى نعيما ... ويأبى ~~الله إلا ما يشاء ومن يك عاقلا لم يلق بؤسا ... ينخ يوما بساحته القضاء ~~تعاوره بنات الدهر حتى ... تثلمه كما ثلم الإناء وكل شدائد نزلت بحي ... ~~سيأتي بعد شدتها رخاء فقل للمتقي عرض المنايا: ... توق فليس ينفعك اتقاء ~~فما يعطى الحريص غنى بحرص ... وقد ينمي لدى الجود الثراء وليس بنافع ذا ~~البخل مال ms0443 ... ولا مزر بصاحبه الحباء غني النفس ما استغنى بشيء ... وفقر ~~النفس ما عمرت شقاء يود المرء ما تفد ... كأن فناءهن له فناء فلما رأى معاذ ~~بن النعمان امتناع بني النجار من الدية أو تسليم القاتل إليه تهيأ للحرب ~~وتجهز هو وقومه واقتلوا عند فارغ، وهو أطم حسان بن ثابت، واشتد القتال ~~بينهم ولم تزل الحرب بينهم حتى حمل ديته عامر بن الإطنابة. فلما فعل صلح ~~الذي كان بينهم وعادوا إلى أحسن ما كانوا عليه، فقال عامر بن الإطنابة في ~~ذلك. صرمت ظليمة خلتي ومراسلي ... وتباعدت ضنا بزاد الراحل جهلا وما تدري ~~ظليمة أنني ... قد أستقل بصرم غير الواصل ذلل ركابي حيث شئت مشيعي ... أني ~~أروع قطا المكان الغافل أظليم ما يدريك ربة خلة ... حسن ترغمها كظبي الحائل ~~قد بت مالكها وشارب قهوة ... درياقة رويت منها وآغلي بيضاء صافية يرى من ~~دونها ... قعر الإناء يضيء وجه الناهل وسراب هاجرة قطعت إذا جرى ... فوق ~~الإكام بذات لون باذل أجد مراحلها كأن عفاءها ... سقطان من كتفي ظليم جافل ~~PageV01P0233 # فلنأكلن بناجز من مالنا ... ولنشربن بدين عام قابل إني من القوم الذين ~~إذا انتدوا ... بدأوا ببر الله ثم النائل المانعين من الخنا جيرانهم ... ~~والحاشدين على طعام النازل والخاطلين غنيهم بفقيرهم ... والباذلين عطاءهم ~~للسائل والضاربين الكبش يبرق بيضة ... ضرب المهند عن حياض الناهل والعاطفين ~~على المصاف خيولهم ... والملحقين رماحهم بالقاتل والمدركين عدوهم بذحولهم ~~... والنازلين لضرب كل منازل والقائلين معا خذوا اقرانكم ... إن المنية من ~~وراء الوائل خزر عيونهم إلى أعدائهم ... يمشون مشي الأسد تحت الوابل ليسوا ~~بأنكاس ولا ميل إذا ... ما الحرب شبت أشعلوا بالشاعل لا يطبعون وهم على ~~أحسابهم ... يشفون بالأحلام داء الجاهل والقائلين فلا يعاب خطيبهم ... يوم ~~المقالة بالكلام الفاصل وإنما أثبتنا هذه الأبيات وليس فيها ذكر الوقعة ~~لجودتها وحسنها. ### | AUT حرب حاطب # ثم كانت الوقعة المعروفة بحاطب. وهو حاطب بن قيس من بني أمية ابن زيد بن ~~مالك بن عوف الأوسي، وبينها وبين حرب سمير نحو مائة سنة. وكان بينهما أيام ~~ذكرنا المشهور ms0444 منها وتركنا ما ليس بمشهور. و ### | AUT حرب حاطب # آخر وقعة كانت بينهم إلا يوم بعاث حتى جاء الله بالإسلام. وكان سبب هذه ~~الحرب أن حاطبا كان رجلا شريفا سيدا، فأتاه رجل من بني ثعلبة بن سعد بن ~~ذبيان فنزل عليه، ثم إنه غدا يوما إلى سوق بني قينقاع، فرآه يزيد بن الحارث ~~المعروف بابن فسحم، وهي أمه. وهو من بني الحارث بن الخزرج. فقال يزيد لرجل ~~يهودي: لك ردائي إن كسعت هذا الثعلبي. فأخذ رداءه وكسعه كسعة سمعها من ~~بالسوق. فنادى الثعلبي: يا آل حاطب كسع ضيفك وفضح ! وأخبر حاطب بذلك، فجاء ~~إليه فسأله من كسعه، فأشار إلى اليهودي، فضربه حاطب بالسيف فلق هامته، ~~فأخبر ابن فسحم الخبر، وقيل له: قتل اليهودي، قتله حاطب، فأسرع خلف حاطب ~~فأدركه وقد دخل بيوت أهله، فلقي رجلا من بني معاوية فقتله. فثارت الحرب بين ~~الأوس والخزرج واحتشدوا واجتمعوا والتقوا على جسر ردم بني الحارث بن ~~الخزرج. وكان على الخزرج يومئذ عمرو بن النعمان البياضي، وعلى الأوس حضير ~~بن سماك الأشهلي. وقد كان ذهب ذكر ما وقع بينهم من الحروب فيمن حولهم من ~~العرب، فسار إليهم عببنه بنى حصن ابن حذيفة بن بدر الفزاري وخيار بنى مالك ~~بن حماد الفزاري فقدما المدينة وتحدثا مع الأوس والخزرج في الصلح وضمنا أن ~~يتحملا كل ما يدعي بعضهم على بعض، فأبوا، ووقعت الحرب عند الجسر، وشهدها ~~عيينة وخيار. فشاهدا من قتالهم وشدتها ما أيسا معه من الإصلاح بينهم، فكان ~~الظفر يومئذ للخزرج. وهذا اليوم من أشهر أيامهم، وكان بعده عدة وقائع كلها من ### | AUT حرب حاطب # ، فمنها: ### | AUT يوم الربيع # ثم التقت الأنصار بعد يوم الجسر بالربيع، وهو حائط في ناحية السفح، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كاد يفني بعضهم بعضا، فانهزمت الأوس وتبعها ~~الخزرج حتى بلغوا دورهم، وكانوا قبل ذلك إذا انهزمت إحدى الطائفتين فدخلت ~~دورهم كفت الأخرى عن اتباعهم. فلما تبع الخزرج الأوس إلى دورهم طلبت الأوس ~~الصلح، فامتنعت بنو التجار من الخزرج عن إجابتهم. ms0445 فحصنت الأوس النساء ~~والذراري في الآطام، وهي الحصون، ثم كفت عنهم الخزرج؛ فقال صخر بن سلمان ~~البياضي: ألا أبلغا عني سويد بن صامت ... ورهط سويد بلغا وابن الاسلت بأنا ~~قتلن بالربيع سراتكم ... وأفلت مجروحا به كل مفلت فلولا حقوق في العشيرة ~~إنها ... أدلت بحق واجب إن أدلت لنالهم منا كما كان نالهم ... مقانب خيل ~~أهلكت حين حلت فأجابه سويد بن الصامت: ألا أبلغا عني صخيرا رسالة ... فقد ~~ذقت حرب الأوس فيها ابن الاسلت قتلنا سراياكم بقتلى سراتنا ... وليس الذي ~~ينجو إليكم بمفلت ومنها: ### | AUT يوم البقيع # PageV01P0234 # ثم التقت الأوس والخزرج ببقيع الغرقد فاقتتلوا قتالا شديدا، فكان الظفر ~~يومئذ للأوس؛ فقال عبيد بن ناقد الأوسي: لما رأيت بني عوف وجمعهم ... جاءوا ~~وجمع بني النجار قد حفلوا دعوت قومي وسهلت الطريق لهم ... إلى المكان الذي ~~أصحابه حللوا جادت بأنفسها من مالك عصب ... يوم اللقاء فما خافوا ولا فشلوا ~~وعاوروكم كؤوس الموت إذ برزوا ... شطر النهار وحتى أدبر الأصل حتى استقاموا ~~وقد طال المراس بهم ... فكلهم من دماء القوم قد نهلوا تكشف البيض عن قتلى ~~أولى رحم ... لولا المسالم والأرحام ما نقولا تقول كل فتاة غاب قيمها: ... ~~أكل من خلفنا من قومنا قتلوا لقد قتلتم كريما ذا محافظة ... قد كان حالفه ~~القينات والحلل جزل نوافله حلو شمائله ... ريان واغله تشقى به الإبل ~~الواغل: الذي يدخل على القوم وهم يشربون. فأجابه عبد الله بن رواحة الحارثي ~~الخزرجي: لما رأيت بني عوف وإخوتهم ... كعبا وجمع بني النجار قد حفلوا قدما ~~أباحوا حماكم بالسيوف ولم ... يفعل بكم أحد مثل الذي فعلوا وكان رئيس الأوس ~~يومئذ في حرب حاطب أبو قيس بن الأسلت الوائلي، فقام في حربهم وهجر الراحة، ~~فشحب وتغير. وجاء يوما إلى امرأته فأنكرته حتى عرفته بكلامه، فقالت له: لقد ~~أنكرتك حتى تكلمت ! فقال: قالت ولم تقصد لقيل الخنا: ... مهلا فقد أبلغت ~~أسماعي واستنكرت لونا له شاحبا ... والحرب غول ذات أوجاع من يذق الحرب يجد ~~طعمها ... مرا وتتركه بجعجاع قد حصت البيضة رأسي فما ... أطعم ms0446 نوما غير ~~نهجاع أسعى على جل بني مالك ... كل امرئ في شأنه ساعي أعددت للأعداء موضونة ~~... فضفاضة كالنهي بالقاع أحفزها عني بذي رونق ... مهند كاللمع قطاع صدق ~~حسام وادق حده ... ومنحن أسمر قراع وهي طويلة ثم إن أبا قيس بن الأسلت جمع ~~الأوس وقال لهم: ما كنت رئيس قوم قط إلا هزموا، فرئسوا عليكم من أحببتم؛ ~~فرأسوا عليهم حضير الكتائب بن السماك الأشهلي، وهو والد أسيد بن حضير لولده ~~صحبة، وهو بدري، فصار حضير يلي أمورهم في حروبهم. فالتقى الأوس والخزرج ~~بمكان يقال له الغرس، فكان الظفر للأوس، ثم تراسلوا في الصلح فاصطلحوا على ~~أن يحسبوا القتلى فمن كان عليه الفضل أعطى الدية، فأفضلت الأوس على الخزرج ~~ثلاثة نفر، فدفعت الخزرج ثلاثة غلمة منهم رهنا بالديات، فغدرت الأوس فقتلت الغلمان. ### | AUT يوم الفجار الأول للأنصار # وليس بفجار كنانة وقيس. فلما قتلت الأوس الغلمان جمع الخزرج وحشدوا ~~والتقوا بالحدائق؛ وعلى الخزرج عبد الله بن أبي بن سلول، وعلى الأوس أبو ~~قيس بن الأسلت، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كاد بعضهم يفنى بعضا. وسمى ذلك ~~اليوم يوم الفجار لغدرهم بالغمان، وهو الفجار الأول، فكان قيس بن الخطيم في ~~حائط له فانصرف فوافق قومه قد برزوا للقتال فعجز عن أخذ سلاحه إلا السيف ثم ~~خرج معهم، فعظم مقامه يومئذ وأبلى بلاء حسنا وجرح جراحة شديدة، فمكث حينا ~~يتداوى منها، وأمر أن يحتمي عن الماء، فلذلك يقول عبد الله بن رواحة: ~~رميناك أيام الفجار فلم تزل ... حميا فمن يشرب فلست بشارب ### | AUT يوم معبس ومضرس # PageV01P0235 # ثم التقوا عند معبس ومضرس، وهما جداران، فكانت الخزرج وراء مضرس، وكانت ~~الأوس وراء معبس، فأقاموا أياما يقتتلون قتالا شديدا، ثم انهزمت الأوس حتى ~~دخلت البيوت والآطام، وكانت هزيمة قبيحة لم ينهزموا مثلها. ثم إن بني عمرو ~~بن عوف وبني أوس مناة من الأوس وادعوا الخزرج فامتنع من الموادعة بنو عبد ~~الأشهل وبنو ظفر وغيرهم من الأوس وقالوا: لا نصالح حتى ندرك ثأرنا من ~~الخزرج. فألحت الخزرج عليهم بالأذى والغارة ms0447 حين وادعهم بنو عمرو بن عوف ~~وأوس مناة، فعزمت الأوس إلا من ذكرنا على الانتقال من المدينة، فأغارت بنو ~~سلمة على مال لبني عبد الأشهل يقال له الرعل، فقاتلوهم عليه، فجرح سعد بن ~~معاذ الأشهلي جراحة شديدة، واحتمله بنو سلمة إلى عمرو بن الجموح الخزرجي، ~~فأجاره وأجار الرعل من الحريق وقطع الأشجار، فلما كان يوم بعاث جازاه سعد ~~على نذكره إن شاء الله. ثم سارت الأوس إلى مكة لتحالف قريشا على الخزرج ~~وأظهروا أنهم يريدون العمرة. وكانت عادتهم أنه إذا أراد أحدهم العمرة أو ~~الحج لم يعرض إليه خصمه ويعلق المعتمر على بيته كرانيف النخل. ففعلوا ذلك ~~وساروا إلى مكة فقدموها وحالفوا قريشا وأبو جهل غائب. فلما قدم أنكر ذلك ~~وقال لقريش: أما سمعتم قول الأول: ويل للأهل من النازل ! إنهم لأهل عدد ~~وجلد ولقل ما نزل قوم على قوم إلا أخرجوهم من بلدهم وغلبوهم عليه. قالوا: ~~فما المخرج من حلفهم ؟ قال: أنا أكفيكموهم، ثم خرج حتى جاء الأوس فقال: ~~إنكم حالفتم قومي وأنا غائب فجئت لأحالفكم وأذكر لكم من أمرنا ما تكونون ~~بعده علظ على رأس أمركم. إنا قوم تخرج إماؤنا إلى أسواقنا ولا يزال الرجل ~~منا يدرك الأمة فيضرب عجيزتها، فإن طابت أنفسكم أن تفعل نساؤكم مثل ما تفعل ~~نساؤنا خالفناكم، وإن كرهتم ذلك فردوا إلينا حلفنا. فقالوا: لا نقر بهذا. ~~وكانت الأنصار بأسرها فيهم غيرة شديدة، فردوا إليهم حلفهم وساروا إلى ~~بلادهم؛ فقال حسان بن ثابت يفتخر بما أصاب قومه من الأوس: ألا أبلغ أبا قيس ~~رسولا ... إذا ألقى لها سمعا تبين فلست لحاصن إن لم تزركم ... خلال الدار ~~مسبلة طحون يدين لها العزيز إذا رآها ... ويهرب من مخافتها القطين تشيب ~~الناهد العذراء منها ... ويسقط من مخافتها الجنين يطوف بكم من النجار أسد ~~... كأسد الغيل مسكنها العرين يظل الليث فيها مستكينا ... تله في كل ملتفت ~~أنين كأن بهاءها للناظريها ... من الأثلات والبيض الفتين كأنهم من الماذي ~~عليهم ... جمال حين يجتلدون جون فقد لاقاك قبل بعاث قتل ... وبعد ms0448 بعاث ذل ~~مستكين وهي طويلة أيضا. ### | AUT يوم الفجار الثاني للأنصار # كانت الأوس قد طلبت من قريظة والنضير أن يحالفوهم على الخزرج، فبلغ ذلك ~~الخزرج فأرسلوا إليهم يؤذنونهم بالحرب، فقالت اليهود: إنا لا نريد ذلك، ~~فأخذت الخزرج رهنهم وعلى الوفاء، وهم أربعون غلاما من فريظة والنضير، ثم إن ~~يزيد بن فسحم شرب يوما فسكر فتغنى بشعر يذكر فيه ذلك: هلم إلى الأحلاف إذ ~~رق عظمهم ... وإذ أصلحوا مالا لجذمان ضائعا إذا ما امرؤ منهم أساء عمارة ~~... بعثنا عليهم من بني العير جادعا فأما الصريخ منهم فتحملوا ... وأما ~~اليهود فاتخذنا بضائعا أخذنا من الأولى اليهود عصابة ... لغدرهم كانوا ~~لدينا ودائعا فذلوا لرهن عندنا في حبالنا ... مصانعة يخشون منا القوارعا ~~وذاك بأنا حين نلقى عدونا ... نصول بضرب يترك العز خاشعا فبلغ قوله قريظة ~~والنضير فغضبوا. وقال كعب بن أسد: نحن كما قال: إن لم نغر فخالف الأوس على ~~الخزرج. فلما سمعت الخزرج بذلك قتلوا كل من عندهم من الرهن من أولاد قريظة ~~والنضير، فأطلقوا نفرا، منهم: سليم ابن أسد القرظي جد محمد بن كعب بن سليم. ~~واجتمعت الأوس وقريظة والنضير على حرب الخزرج فاقتتلوا قتالا شديدا، وسمي ~~ذلك الفجار الثاني لقتل الغلمان من اليهود. PageV01P0236 # وقد قيل في قتل الغلمان غير هذا، وهو: إن عمرو بن النعمان البياضي ~~الخزرجي قال لقومه بني بياضة: إن أباكم أنزلكم منزلة سوء، والله لا يمس ~~رأسي ماء حتى أنزلكم منازل قريظة والنضير أو أقتل رهنهم ! وكانت منازل ~~قريظة والنضير خير البقاع، فأرسل إلى قريظة والنضير: إما أن تخلوا بيننا ~~وبين دياركم، وإما أن نقتل الرهن. فهموا بأن يخرجوا من ديارهم، فقال لهم ~~كعب بن أسد القرظي: يا قوم امنعوا دياركم وخلوه يقتل الغلمان، ما هي إلا ~~ليلة يصيب فيها أحدكم امرأة حتى يولد له مثل أحدهم. فأرسلوا إليهم، إنا لا ~~ننتقل عن ديارنا فانظروا في رهننا فعوا لنا. فعدا عمرو ابن النعمان على ~~رهنهم فقتلهم، وخالفه عبد الله بن أبي بن سلول فقال: هذا بغي وإثم، ونهاه ms0449 ~~عن قتلهم وقتال قومه من الأوس وقال له: كأني بك وقد حملت قتيلا في عباءة ~~يحملك أربعة رجال. فلم يقتل هو ومن أطاعه أحدا من الغلمان وأطلقوهم؛ ومنهم: ~~سليم بن أسد جد محمد بن كعب. وحالفت حينئذ قريظة والنضير الأوس على الخزرج، ~~وجرى بينهم قتال سمي ذلك اليوم يوم الفجار الثاني. وهذا القول أشبه بأن ~~يسمى اليوم فجارا، وأما على القول الأول فإنما قتلوا الرهن جزاء للغدر من ~~اليهود فليس بفجار من الخزرج إلا أن يسمى فجارا لغدر اليهود. ### | AUT يوم بعاث # ثم إن قريظة والنضير جددوا العهود مع الأوس على الموازرة والتناصر، ~~واستحكم أمرهم وجدوا في حربهم، ودخل معهم قبائل من اليهود غير من ذكرنا. ~~فلما سمعت بذلك الخزرج جمعت وحشدت وراسلت حلفاءها من أشجع وجهينة، وراسلت ~~الأوس حلفاءها من مزينة، ومكثوا أربعين يوما يتجهزون للحرب، والتقوا ببعاث، ~~وهي من أعمال قريظة، وعلى الأوس حضير الكتائب بن سماك والد أسيد بن حضير، ~~وعلى الخزرج مرو بن النعمان البياضي، وتخلف عبد الله بن أبي بن سلول فيمن ~~تبعه عن الخزرج، وتخلف بنو حارثة بن الحارث عن الأوس. فلما التقوا اقتتلوا ~~قتالا شديدا وصبروا جميعا. ثم إن الأوس وجدت مس السلاح فولوا منهزمين نحو ~~العريض. فلما رأى حضير هزيمتهم برك وطعن قدمه بسنان رمحه وصاح: واعقراه ~~كعقر الجمل ! والله لا أعود حتى أقتل، فإن شئتم يا معشر الأوس أن تسلموني ~~فافعلوا. فعطفوا عليه وقاتل عنه غلامان منى بني عبد الأشهل يقال لهما محمود ~~ويزيد ابنا خليفة حتى قتلا، وأقبل سهم لا يدرى من رمى به فأصاب عمرو بن ~~النعمان البياضي رئيس الخزرج فقتله، فبينا عبد الله بن أبي ابن سلول يتردد ~~راكبا قريبا من بعاث يتجسس الأخبار إذ طلع عليه بعمرو ابن النعمان قتيلا في ~~عباءة يحمله أربعة رجال، كما كان قال له. فلما رآه قال ذق وبال البغي ! ~~وانهزمت الخزرج، ووضعت فيهم الأوس السلاح، فصاح صائح: يا معشر الأوس أحسنوا ~~ولا تهلكوا إخوانكم فجوارهم خير من جوار الثعالب ! فانتهوا عنهم ms0450 ولم ~~يسلبوهم. وإنما سلبهم قريظة والنضير، وحملت الأوس حضيرا مجروحا فمات. ~~وأحرقت الأوس دور الخزرج ونخيلهم، فأجار سعد بن معاذ الأشهلي أموال بني ~~سلمة ونخيلهم ودورهم جزاء بما فعلوا له في الرعل، وقد تقدم ذكره، ونجى ~~يومئذ الزبير بن إياس بن باطا ثابت بن قيس بن شماس الخزرجي، أخذه فج ~~وأطلقه، وهي اليد التي جازاه بها ثابت في الإسلام يوم بني القريظة، ~~وسنذكره. وكان ### | AUT يوم بعاث # آخر الحروب المشهورة بين الأوس والخزرج ثم جاء بالإسلام واتفقت الكلمة ~~واجتمعوا على نصر الإسلام وأهله وكفى الله المؤمنين القتال. وأكثرت الأنصار الأشعار في ### | AUT يوم بعاث # ، فمن ذلك قول قيس بن الخطيم الظفري الأوسي: أتعرف رسما كالطراز المذهب ~~... لعمرة ركبا غير موقف راكب ديار التي كانت ونحن على منى ... تحل بنا ~~لولا رجاء الركائب تبدت لنا كالشمس تحت ... زبدا حاجب منها وضنت بحاجب ~~ومنها: وكنت امرأ أبعث الحرب ظالما ... فلما أبوا شعلتها كل جانب أذنت بدفع ~~الحرب حتى رأيتها ... عن الدفع لا تزداد غير تقارب فلما رأيت الحرب حربا ~~تجردت ... لبست مع البردين ثوب المحارب مضعفة يغشى الأنامل ريعها ... كأن ~~قتيريها عيون الجنادب ترى قصد المران تلقى كأنها ... تذرع خرصان بأيدي ~~الشواطب PageV01P0237 # وسامحني ملكاهنين ومالك ... وثعلبة الأخيار رهط القباقب رجال متى يدعوا ~~إلى الحرب يسرعوا ... كمشي الجمال المشعلات المصاعب إذا ما فررنا كان أسوأ ~~فرارنا ... صدود الخدود وازورار المناكب صدود الخدود والقنا متشاجر ... ولا ~~تبرح الأقدام عند التضارب ظأرناكم بالبيض حتى لأنتم ... أذل من السقبان بين ~~الحلائب يجردن بيضا كل يوم كريهة ... ويرجعن حمرا جارحات المضارب لقيتكم ~~يوم الحدائق حاسرا ... كأن يدي بالسيف مخراق لاعب ويوم بعاث أسلمتنا سيوفنا ~~... إلى حسب في جذم غسان ثاقب قتلناكم يوم الفجار وقبله ... ويوم بعاث كان ~~يوم التغالب أتت عصب للأوس تخطر بالقنا ... كمشي الأسود في رشاش الأهاضب ~~فأجابه عبد الله بن رواحة: أشاقتك ليلى في الخليط المجانب ... نعم، فرشاش ~~الدمع في الصدر غالب بكى إثر من شطت نواه ولم يقم ... لحاجة محزون شكا الحب ~~ناصب ms0451 لدن غدوة حتى إذا الشمس عارضت ... أراحت له من لبه كل عازب نحامي على ~~أحسابنا بتلادنا ... لمفتقر أو سائل الحق واجب وأعمى هدته للسبيل سيوفنا ~~... وخصم أقمنا بعدما ثج ثاعب ومعترك ضنك يرى الموت وسطه ... مشينا له مشي ~~الجمال المصاعب برجل ترى الماذي فوق جلودهم ... وبيضا نقيا مثل لون الكواكب ~~وهم حسر لا في الدروع تخالهم ... أسودا متى تنشا الرماح تضارب معاقلهم في ~~كل يوم كريهة ... مع الصدق منسوب السيوف القواضب وهي طويلة. وليلى التي شبب ~~بها ابن رواحة هي أخت قيس بن الخطيم، وعمرة التي شبب بها ابن الخطيم هي أخت ~~عبد الله بن رواحة، وهي أم النعمان بن بشير الأنصاري. بعاث بضم الباء ~~الموحدة، وبالعين المهملة، وقال صاحب كتاب العين وحده: وهو بالغين المعجمة. ### | AUT ذكر غلبة ثقيف على الطائف # ### | AUT والحرب بين الأحلاف وبني مالك # كانت أرض الطائف قديما لعدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر. فلما كثر ~~بنو عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور ابن عكرمة بن خصفة ~~بن قيس بن عيلان غلبوهم على الطائف بعد قتال شديد. كان بنو عامر يصيفون ~~بالطائف ويشتون بأرضهم من نجد، وكانت مساكن ثقيف حول الطائف، وقد اختلف ~~الناس فيهم، فمنهم من جعلهم من إياد فقال ثقيف اسمه قسي بن نبت بن منبه بن ~~منصور بن يقدم بن أفصى بن دعمي ابن إياد من معد، ومنهم من جعلهم من هوازن ~~فقال: هو قيس بن منبه ابن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس ~~بن عيلان. فرأت ثقيف البلاد فأعجبهم نباتها وطيب ثمرها فقالوا لبني عامر: ~~إن هذه الأرض لا تصلح للزرع وإنما هي أرض ضرع ونراكم على أن آثرتم الماشية ~~على الغراس، ونحن أناس ليست لنا مواش فهل لكم أن تجمعوا الزرع والضرع بغير ~~مؤونة ؟ تدفعون إلينا بلادكم هذه فنثيرها ونغرسها ونحفر فيها الأطواء ولا ~~نكلفكم مؤونة. نحن نكفيكم المؤونة والعمل، فإذا كان وقت إدراك الثمر كان ~~لكم النصف ms0452 كاملا ولنا النصف بما عملنا. فرغب بنو عامر في ذلك وسلموا إليهم ~~الأرض، فنزلت ثقيف الطائف واقتسموا البلاد وعملوا الأرض وزرعوها من الأعتاب ~~والثمار ووفوا بما شرطوا لبني عامر حينا من الدهر، وكان بنو عامر يمنعون ~~ثقيفا ممن أرادهم من العرب. فلما كثرت ثقيف وشرفت حصنت بلادها وبنوا سور ~~على الطائف وحصنوه ومنعوا عامرا مما كانوا يحملونه إليهم عن نصف الثمار. ~~وأراد بنو عامر أخذه منهم فلم يقدروا عليه فقاتلوهم فلم يظفروا، وكانت ثقيف ~~بطنين: الأحلاف وبني مالك، وكان للأحلاف في هذا أثر عظيم، ولم تزل تعتد ~~بذلك على بني مالك فأقاموا كذلك. PageV01P0238 # ثم إن الأحلاف أثروا وكثرت خيلهم فحموا لها حمى من أرض بني نصر بن معاوية ~~بن بكر بن هوازن يقال له جلذان، فغضب من ذلك بنو نصر وقاتلوهم عليه، ولجت ~~الحرب بينهم. وكان رأس بني نصر عفيف بن عوف ابن عباد النصري ثم اليربوعي، ~~ورأس الأحلاف مسعود بن عنب. فلما لجت الحرب بين بني نصر والأحلاف اغتنم ذلك ~~بنو مالك ورئيسهم جندب ابن عوف بن الحارث بن مالك بن حطيط بن جشم من ثقيف ~~لضغائن كانت بينهم وبين الأحلاف، فحالفوا بني يربوع على الأحلاف. فلما سمعت ~~الأحلاف بذلك اجتمعوا. وكان أول قتال كان بين الأحلاف وبين بني مالك ~~وحلفائهم من ني نصر يوم الطائف، واقتتلوا قتالا شديدا، فانتصر الأحلاف ~~وأخرجوهم منه إلى واد من وراء الطائف يقال له الحب، وقتل من بني مالك وبني ~~يربوع مقتلة عظيمة في شعب من شعاب ذلك الجبل يقال له الأبان. ثم اقتتلوا ~~بعد ذلك مسميات، منهن يوم غمر ذي كندة، من نحو نخلة، ومنهن يوم كرونا من ~~نحو حلوان، وصاح عفيف ابن عوف اليربوعي في ذلك اليوم صيحة يزعمون أن سبعين ~~حبلى منهم ألقت ما في بطنها، فاقتتلوا أشد قتال ثم افترقوا. فسارت بنو مالك ~~تبتغي الحلف من دوس وخثعم وغيرهما على الأحلاف، وخرجت الأحلاف إلى المدينة ~~تبتغي الحلف من الأنصار على بني مالك، فقدم مسعود بن معتب على أحيحة بن ms0453 ~~الجلاح أحد بني عمرو ابن عوف من الأوس، وكان أشرف الأنصار في زمانه، فطلب ~~منه الحلف، فقال له أحيحة: والله ما خرج رجل من قومه إلى قوم قط بحلف أو ~~غيره إلا أقر لأولئك القوم بشر مما أنف منه من قومه، فقال له مسعود: إني ~~أخوك، وكان صديقا له، فقال: أخوك الذي تركته وراءك فارجع إليه وصالحه ولو ~~بجدع أنفك وأذنك فإن أحدا لن يبر لك في قومك إذ خالفته؛ فانصرف عنه وزوده ~~بسلاح وزاد وأعطاه غلاما كان يبني الآطام، يعني الحصون، بالمدينة، فبنى ~~لمسعود بن معتب أطما، فكان أول أطم بني بالطائف، ثم بنيت الآطام بعده ~~بالطائف. ولم يكن بعد ذلك بينهم حرب تذكر. وقالوا في حربهم أشعارا كثيرة، ~~فمن ذلك قول محبر، وهو ربيعة بن سفيان أحد بني عوف بن عقدة من الأحلاف: وما ~~كنت ممن أرث الشر بينهم ... ولكن مسعودا جناها وجندبا قريعي ثقي أنشبا الشر ~~بينهم ... فلم يك عنها منزع حين أنشبا عناقا ضروسا بين عوف ومالك ... شديدا ~~لظاها تترك الطفل أشيبا مضرمة شبا أشبا وقودها ... بأيديهما ما أورياها ~~وأثقبا أصابت براء من طوائف مالك ... وعوف بما جرا عليها وأجلبا كجمثورة ~~جاؤوا تخطوا مآبنا ... إليهم وتدعو في اللقاء معتبا وتدعو بني عوف بن عقدة ~~في الوغى ... وتدعو علاجا والحليف المطيبا حبيبا وحيا من رباب كتائبا ... ~~وسعدا إذا الداعي إلى الموت ثوبا وقوما بمكروثاء شنت معتب ... بغارتها فكان ~~يوما عصبصبا فأسقط أحبال النساء بصوته ... عفيف إذا نادى بنصر فطربا عفيف ~~هذا بضم العين وفتح الفاء. ### | AUT بسم الله الرحمن الرحيم # ### | AUT نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم # ### | AUT وذكر بعض أخبار آبائه وأجداده # واسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، محمد، وقد تقدم ذكر ولادته في ملك ~~كرى أنوشروان، وهو محمد بن عبد الله، ويكنى عبد الله أبا قثم، وقيل: أبا ~~محمد، وقيل: أبا أحمد بن عبد المطلب. وكان عبد الله أصغر ولد أبيه، فكان هو ~~عبد الله وأبو طالب، واسمه عبد مناف، والزبير، وعبد الكعبة، ms0454 عاتكة، وأميمة، ~~وبرة ولد عبد المطلب، أمهم جميعهم فاطمة بنت عمرو بن عايذ بن عمران بن ~~مخزوم بن يقظة. وكان عبد المطلب نذر حين لقي من قريش العنت في حفر زمزم، ~~كما نذكره، لئن ولد له عشرة نفر وبلغوا معه حتى يمنعوه لينحرن أحدهم عند ~~الكعبة لله تعالى. فلما بلغوا عشرة وعرف أنهم سيمنعونه أخبرهم بنذره ~~فأطاعوه وقالوا: كيف نصنع ؟ قال: يأخذ كل رجل منكم قدحا ثم يكتب فيه اسمه. ~~ففعلوا وأتوه بالقداح، فدخلوا على هبل في جوف الكعبة، وكان أعظم أصنامهم، ~~وهو على بئر يجمع فيه ما يهدى إلى الكعبة. PageV01P0239 # وكان عند هبل سبعة أقداح، فيكل قدح كتاب، فقدح فيه العقل، إذا اختلفوا في ~~العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، وقدح فيه نعم للأمر إذا أرادوه ~~يضرب به، فإن خرج نعم عملوا به، وقدح فيه لا، فإذا أرادوا أمرا ضربوا به، ~~فإذا خرج لا لم يعملوا ذلك الأمر، وقدح فيه منكم، وقدح فيه ملصق، وقدح فيه ~~من غيركم، وقدح فيه المياه. إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح ~~وفيها ذلك القدح فحيث ما خرج عملوه به؛ وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما ~~أ ينكحوا جارية أو يدفنوا ميتا أو شكوا في نسب أحد منهم ذهبوا به إلى هبل ~~وبمائة درهم وجزور فأعطوه صاحب القداح الذي يضربها ثم قربوا صاحبهم الذي ~~يريدون به ما يريدون ثم قالوا: يا إلهنا هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا ~~وكذا، فأخرج الحق فيه. ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فيضرب، فإن خرج عليه ~~منكم كان وسيطا، وإن خرج عليه من غيركم كان حليفا، وإن خرج عليه شيء سوى ~~هذا مما يعملون به، فإن خرج نعم عملوا به، وإن خرج لا أخروه عامهم ذلك حتى ~~يأتوه به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح. وقال عبد ~~المطلب لصاحب القداح: اضر على بني هؤلاء بقداحهم هذه. وأخبره بنذره الذي ~~نذر، وكان عبد الله أصغر بني أبيه وأحبهم إليه. فلما أخذ ms0455 صاحب القداح يضرب ~~قام عبد المطلب يدعو الله تعالى، ثم ضرب صاحب القداح، فخرج قدح عل عبد ~~الله. فأخذ عبد المطلب بيده ثم أقبل إلى إساف ونائلة، وهما الصنمان اللذان ~~ينحر الناس عندهما. فقامت قريش من أنديتها، فقالوا: ما تريد ؟ قال: أذبحه، ~~فقالت قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا لا يزال ~~الرجل منا يأتي بإبنه حتى يذبحه. فقال له المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن ~~مخزوم: والله لا تذبحه حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه. وقالت ~~له قريش وبنوه: لا تفعل وانطلق إلى كاهنة بالحجر فسلها فإن أمرتك بذبحه ~~ذبحته، فإن أمرتك بما لك وله فيه فرج قبلته. فانطلقوا إليها، وهي بخيبر، ~~فقص عليها عبد المطلب خبره، فقالت لهم: ارجعوا اليوم حتى يأتيني تابعي ~~فأسأله، فرجعوا عنها. ثم غدوا عليها فقالت لهم: نعم، قد جاءني الخبر، فكم ~~الدية فيكم ؟ قالوا: عشر من الإبل، وكانت كذلك. قالت: ارجعوا إلى بلادكم ~~وقربوا عشرا من الإبل واضربوا عليها وعليه بالقداح فإن خرج على صاحبكم ~~فزيدوا عشرا حتى يرضى ربكم. وإن خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا ~~صاحبكم. فخرجوا حتى أتوا مكة، فلما أجمعوا لذلك قام عبد المطلب يدعو الله ~~ثم قربوا عبد الله وعشرا من الإبل، فخرجت القداح على عبد الله، فزادوا ~~عشرا، فخرجت القداح على عبد الله. فما برحوا يزيدون عشرا وتخرج القداح على ~~عبد الله حتى بلغت الإبل مائة، ثم ضربوا فخرجت القداح على الإبل. فقال من ~~حضر: قد رضي ربك يا عبد المطلب. فقال عبد المطلب: لا والله حتى أضرب ثلاث ~~مرات. فضربوا ثلاثا، فخرجت القداح على الإبل، فنحرت ثم تركت لا يصد عنها ~~إنسان ولا سبع. وأما تزويج عبد الله بن عبد المطلب بآمنة ابنة وهب أم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لما فرغ عبد المطلب من الإبل انصرف بإبنه ~~عبد الله وهو آخذ بيده فمر على أم قتال ابنة نوفل بن أسد أخت ورقة بن ms0456 نوفل، ~~وهي عند البيت، فقالت له حين نظرت إليه والى وجهه: أين تذهب يا عبد الله ؟ ~~فقال: مع أبي. قالت: لك عندي مثل الذي نحر عنك أبوك من الإبل وقع علي الآن. ~~قال: إن معي أبي لا أستطيع خلافه ولا فراقه. فخرج به عبد المطلب حتى أتى به ~~وهب بن عبد مناف بن زهرة، وهو سيد بني زهرة، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب، وهي ~~لبرة بنت عبد العزي بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، وبرة لأم حبيب بنت أسد ~~بن عبد العزي بن قصي، وأم حبيب لبرة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن ~~كعب. فدخل عبد الله عليها حين ملكها مكانها فوقع عليها فحملت بمحمد صلى ~~الله عليه ولم، ثم خرج من عندها حتى أتى المرأة التي عرضت عليه نفسها ~~بالأمس فقال لها: مالك لا تعرضين علي اليوم ما كنت عرضت بالأمس ؟ فقالت: ~~فارقك النور الذي كان معك بالأمس فليس لي بك اليوم حاجة. وقد كانت تسمع من ~~أخيها ورقة بن نوفل أنه كائن لهذه الأمة نبي من بني إسماعيل. PageV01P0240 # وقيل: إن عبد المطلب خرج بإبنه عبد الله ليزوجه فمر به على كاهنة من خثعم ~~يقال لها فاطمة بنت مر متهودة من أهل تبالة فرأت في وجهه نورا وقالت له: يا ~~فتى هل لك أن تقع علي الآن وأعطيك مائة من الإبل ؟ فقال لها: أما الحرام ~~فالممات دونه ... والحل لا حل فأستبينه فكيف بالأمر الذي تبغينه ثم قال ~~لها: أنا مع أبي ولا أقدر أن أفارقه. فمضى فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف ~~بن زهرة. فأقام عندها ثلاثا ثم انصرف، فمر بالخثعمية فدعته نفسهإلى ما دعته ~~إليه، فقال لها: هل لك فيما كنت أردت ؟ فقالت ؟ يا فتى ما أنا بصاحبة ريبة ~~ولكني رأيت في وجهك نورا فأردت أن يكون لي فأبى الله إلا أن يجعله حيث ~~أراد، فما صنعت بعدي ؟ قال: زوجني أبي آمنة بنت وهب. قالت فاطمة بنت مر: ~~إني رأيت مخيلة لمعت ... فتلألأت ms0457 بحناتم القطر فلمأتها نورا يضيء له ... ما ~~حوله كإضاءة البدر فرجوته فخرا أبوء به ... ما كل قادح زنده يوري لله ما ~~زهرية سلبت ... ثوبيك ما استلبت وما تدري وقالت أيضا في ذلك: بني هاشم قد ~~غادرت من أخيكم ... أمينة إذ للباه تعتركان كما غادر المصباح عند خموده ... ~~فتائل قد بلت له بدهان فما كل ما يحوي الفتى من تلاده ... لعزم ولا ما فاته ~~لتوان فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه ... سيكفيكه جدان يعتلجان سيكفيكه إما يد ~~مقفعلة ... وإما يد مبسوطة ببنان ولما حوت منه أمينة ما حوت ... حوت منه ~~فخرا ما لذلك ثان وقيل: إن الذي اجتاز بها غير هذا، والله أعلم. قال ~~الزهري: أرسل عبد المطلب ابنه عبد الله إلى المدينة يمتار لهم تمرا فمات ~~بالمدينة. وقيل: بل كان في الشام فأقبل في عير قريش فنزل بالمدينة وهو مريض ~~فتوفي بها ودفن في دار النابغة الجعدي وله خمس وعشرون سنة، وقيل: ثمان ~~وعشرون سنة، وتوفي قبل أن يولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. عايذ بن ~~عمران بالذال المعجمة، والياء تحتها نقطتان، وعبيد بفتح العين، وكسر الباء ~~الموحدة. وعويج بفتح العين، وكسر الواو، وآخره جيم. ### | AUT ابن عبد المطلب # واسمه شيبة، سمي بذلك لأنه كان في رأسه لما ولد شيبة، وأمه سلمى بنت ~~عمرو بن زيد الخزرجية النجارية، ويكنى أبا الحارث، وإنما قيل له عبد المطلب ~~لأن أباه هاشما شخص في تجارة إلى الشام، فلما قدم المدينة نزل على عمرو بن ~~لبيد الخزرجي من بني النجار، فرأى ابنته سلمى فأعجبته فتزوجها. وشرط أبوها ~~أن لا تلد ولدا إلا في أهلها، ثم مضى هاشم لوجهه وعاد من الشام فبنى بها في ~~أهلها ثم حملها إلى مكة فحملت. فلما أثقلت ردها إلى أهلها ومضى إلى الشام ~~فمات بغزة. فولدت له سلمى عبد المطلب، فمكث بالمدينة سبع سنين. ثم إن رجلا ~~من بني الحارث بن عبد مناف مر بالمدينة فإذا غلمان ينتضلون، فجعل شيبة إذا ~~أصاب قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد ms0458 البطحاء. فقال له الحارثي: من أنت ؟ ~~قال: أنا ابن هاشم بن عبد مناف. فلما أتى الحارثي مكة قال للمطلب، وهو ~~بالحجر: يا أبا الحارث تعلم أني وجدت غلمانا بيثرب وفيهم ابن أخيك ولا يحسن ~~ترك مثله. فقال المطلب: لا أرجع إلى أهلي حتى آتي به. فأعطاه الحارثي ناقة ~~فركبها وقدم المدينة عشاء فرأى غلمانا يضربون كرة فعرف ابن أخيه فسأل عنه ~~فأخبر به، فأخذه وأركبه على عجز الناقة. وقيل: بل أخذه بإذن أمه، وسار إلى ~~مكة فقدمها ضحوة والناس في مجالسهم فجعلوا يقولون له: من هذا وراءك ؟ ~~فيقول: هذا عبدي. حتى أدخله منزله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم. ~~فقالت: من هذا الذي معك ؟ قال: عبد لي. واشترى له حلة فلبسها ثم خرج به ~~العشي فجلس إلى مجلس بني عبد مناف فأعلمهم أنه ابن أخيه، فكان بعد ذلك يطوف ~~بمكة فيقال: هذا عبد المطلب، لقوله هذا عبدي. PageV01P0241 # ثم أوقفه المطلب على ملك أبيه فسلمه إليه. فعرض له نوفل بن عبد مناف، وهو ~~عمه الآخر، بعد موت المطلب، في ركح له، وهو الفناء، فأخذه، فمشى عبد المطلب ~~إلى رجالات قريش وسألهم النصرة على عمه، فقالوا له: ما ندخل بينك وبين عمك. ~~فكتب إلى أخواله من بني النجار يصف لهم حاله، فخرج أبو أسعد بن عدس النجاري ~~في ثمانين راكبا حتى أتى الأبطح، فخرج عبد المطلب يتلقاه، فقال له: المنزل ~~يا خال ! قال: حتى ألقى نوفلا. وأقبل حتى وقف على رأسه في الحجر مع مشايخ ~~قريش، فسل سيفه ثم قال: ورب هذه البنية لتردن على ابن أختنا ركحة أو لأملأن ~~منك السيف ! قال: فإني ورب هذه البنية أرد عليه ركحه، فأشهد عليه من حضر ثم ~~قال لعبد المطلب: المنزل يا ابن أختي. فأقام عنده ثلاثا، فاعتمروا ~~وانصرفوا. فدعا ذلك عبد المطلب إلى الحلف، فدعا بشر بن عمرو وورقاء بن فلان ~~ورجالا من رجالات خزاعة فحالفهم في الكعبة وكتبوا كتابا. وكان إلى عبد ~~المطلب السقاية والرفادة، وشرف في قومه وعظم شأنه. ثم ms0459 إنه حفر زمزم، وهي ~~بئر إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام، التي أسقاه الله تعالى منها، فدفنتها ~~جرهم، وقد تقدم ذكر ذلك. ### | AUT سبب حفر بئر زمزم # وكان سبب حفره إياها أنه قال: بينا أنا نائم بالحجر إذ أتاني آت فقال: ~~احفر طيبة. قال: قلت: وما طيبة ؟ قال: ثم ذهب، فرجعت الغد إلى مضجعي فنمت ~~فيه، فجاءني فقال: احفر برة. قال: قلت: وما برة ؟ قال: ثم ذهب عني، قال: ~~فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر المضنونة. قال: ~~قلت: وما المضنونة ؟ قال: فذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه ~~فجاءني فقال: احفر زمزم، إنك إن حفرتها لا تندم. فقلت: وما زمزم ؟ قال تراث ~~من أبيك الأعظم، لا تنزف أبدا ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، مثل نعام جافل ~~لم يقسم، ينذر فيها ناذر لمنعم، يكون ميراثا وعقدا محكم، ليس كبعض ما قد ~~تعلم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل. فلما ~~بين له شأنها ودل على موضعها وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث ~~ليس له ولد غيره، فحفر بين إساف ونائلة في الموضع الذي تنحر فيه قريش ~~لأصنامها، وقد رأى الغراب ينقر هناك. فلما بدا له الطوي كبر، فعرفت قريش ~~أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا ~~فيها حقا فأشركنا معك. قال: ما أنا بفاعل، هذا أمر خصصت به دونكم. قالوا: ~~فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها. قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم. ~~قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم؛ وكانت بمشارف الشام. فركب عبد المطلب ومعه ~~نفر من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر، حتى إذا كانوا ببعض ~~تلك المفاوز بين الحجاز والشام فني ماء عبد المطلب وأصحابه، فظمئوا حتى ~~أيقنوا بالهلكة، فطلبوا الماء ممن معهم من قريش فلم يسقوهم. فقال لأصحابه: ~~ماذا ترون ؟ فقالوا: رأينا تبع لرأيك فمرنا بما شئت. قال: فإني أرى أن يحفر ~~كل رجل ms0460 منكم لنفسه حفرة، فكلما مات واحد واراه أصحابه حتى يكون آخركم موتا ~~قد وارى الجميع، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب. قالوا: نعم ما رأيت. ~~ففعلوا ما أمرهم به. ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا ~~بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض ونبتغي لأنفسنا لعجز. فارتحلوا ومن ~~معه من قبائل قريش ينظرون إليهم، ثم ركب عبد المطلب، فلما انبعثت به راحلته ~~انفجرت من تحت خفها عين عذبة من ماء، فكبر وكبر أصحابه وشربوا وملأوا ~~أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلموا إلى الماء فقد سقانا الله. ~~فقال أصحابه: لا نسقيهم لأنهم لم يسقونا. فلم يسمع منهم وقال: فنحن إذا ~~مثلهم ! فجاء أولئك القرشيون فشربوا وملأوا أسقيتهم وقالوا: قد والله قضى ~~الله لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبدا، إن الذي سقاك ~~هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا. فرجعوا ~~إليه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبينها. PageV01P0242 # فلما فرغ من حفرها وجد الغزالين اللذين دفنتهما جرهم فيها، وهما من ذهب، ~~ووجد فيها أسيافا قلعية وأدراعا. فقالت له قريش: يا عبد ! المطلب لنا معك ~~في هذا شرك وحق. قال: لا ولكن هلم إلى أمر نصف بيني وبينكم، نضرب عليها ~~بالقداح. فقالوا: فكيف تصنع ؟ قال: أجعل للكعبة قدحين ولكم قدحين وله ~~قدحين، فمن خرج قداحه على شيء أخذه، ومن تخلف قداحه فلا شيء له. قالوا: ~~أنصفت. ففعلوا ذلك وضربت القداح عند هبل فخرج قدحا الكعبة على الغزالين، ~~وخرج قدحا عبد المطلب على الأسياف والأدراع، ولم يخرج لقريش شيء من القداح. ~~فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة وجعل فيه الغزالين صفائح من ذهب، فكان ~~أول ذهب حليت به الكعبة. وقيل: بل بقيا في الكعبة وسرقا، على ما نذكره. ~~وأقبل الناس والحجاج على بئر زمزم تبركا بها ورغبة فيها، واعرضوا عما سواها ~~من الأبيار. ولما رأى عبد المطلب تظاهر قريش عليه نذر الله تعالى: إن يرزقه ~~عشرة من الولدان يبلغون ms0461 أن يمنعوه ويذبوا عنه نحر أحدهم قربانا لله تعالى. ~~وقد ذكر النذر في إسم عبد الله أبي النبي صلى الله عليه وسلم. وعبد المطلب ~~أول من خضب بالوسمة، وهو السواد، لأن الشيب أسرع إليه. وكان لعبد المطلب ~~جار يهودي يقال له أذينة يتجر وله مال كثير، فغاظ ذلك حر بن أمية، وكان ~~نديم عبد المطلب، فأغرى به فتيانا من قريش ليقتلوه ويأخذوا ماله، فقتله ~~عامر بن عبد مناف بن عبد الدار وصخر بن عمرو ابن كعب التيمي جد أبي بكر، ~~رضي الله عنه، فلم يعرف عبد المطلب قاتليه، فلم يزل يبحث حتى عرفهما، وإذا ~~هما قد استجارا بحرب بن أمية، فأتى حربا ولامه وطلبهما منه. فأخفاهما، ~~فتغالظا في القول حتى تنافرا إلى النجاشي ملك الحبشة، فلم يدخل بينهما، ~~فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزي العدوي جد عمر بن الخطاب. فقال لحرب: يا ~~أبا عمرو أتنافر رجلا هو أطول منك قامة، وأوسم وسامة، وأعظم منك هامة، وأقل ~~منك ملامة؛ وأكثر منك ولدا، وأجزل منك صفدا، وأطول منك مددا؛ وإني لأقول ~~هذا وإنك لبعيد الغضب، رفيع الصوت في العرب؛ جلد المريرة، لحبل العشيرة، ~~ولكنك نافرت منفرا؛ فغضب حرب وقال: من إنتكاس الزمان أن جعلت حكما. فترك ~~عبد المطلب منادمة حرب ونادم عبدالله بن جدعان التيمي، وأخذ من حرب مائة ~~ناقة فدفعها إلى ابن عم اليهودي وارتجع ماله إلا شيئا هلك فغرمه من ماله. ~~وهو أول من تحنث بحراء، فكان إذا دخل شهر رمضان صعد حراء وأطعم المساكين ~~جميع الشهر. وتوفي وله مائة وعشرون سنة، وكان قد عمي. وقبل غير ذلك. ؟؟ ### | AUT ابن هاشم # واسم هاشم عمرو، وكنيته أبو نضلة، وإنما قيل له هاشم لأنه أول من هشم ~~الثريد لقومه بمكة وأطعمه. قال ابن الكلبي: كان هاشم أكبر ولد عبد مناف، ~~والمطلب أصغرهم، أمه عاتكة بنت مرة السلمية، ونوفل، وأمه واقدة، وعبد شمس، ~~فسادوا كلهم، وكان يقال لهم المجبرون. وهم أول من أخذ لقريش العصم، ~~فانتشروا من الحرم؛ أخذ لهم هاشم خيلا من ms0462 الروم وغسان بالشام، وأخذ لهم عبد ~~شمس خيلا من النجاشي بالحبشة، وأخذ لهم نوفل خيلا من الأكاسرة بالعراق، ~~وأخذ لهم المطلب خيلا من حمير باليمن، فاختلفت قريش بهذا السبب إلى هذه ~~النواحي، فجبر الله بهم قريشا. وقيل: إن عبد شمس وهاشما تؤامان، وإن أحدهما ~~ولد قبل الآخر وإصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه فنحيت، فسال الدم، فقيل يكون ~~بينهما دم. وولي هاشم بعد أبيه عبد مناف ما كان إليه من السقاية والرفادة، ~~فحسده أمية بن عبد شمس على رياسته وإطعامه، فتكلف أن يصنع صنيع هاشم، فعجز ~~عنه، فشمت به ناس من قريش، فغضب ونال من هاشم ودعاه إلى المنافرة، فكره ~~هاشم ذلك لسنة وقدره، فلم تدعه قريش حتى نافره على خمسين ناقة والجلاء عن ~~مكة عشر سنين، فرضي أمية وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، وهو جد عمرو بن ~~الحمق، ومنزله بعسفان، وكان مع أمية همهمة بن عبد العزى الفهري، وكانت ~~ابنته عند أمية، فقال الكاهن: والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام ~~الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، من منجد وغاثر، لقد سبق ~~هاشم أمية إلى المآثر، أول منه وآخر، وأبو همهمة بذلك خابر. فقضى لهاشم ~~بالغلبة، وأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها، وغاب أمية عن مكة بالشام عشر ~~سنين. فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية. PageV01P0243 # وكان يقال لهاشم والمطلب البدران لجمالهما. ومات هاشم بغزة وله عشرون ~~سنة، وقيل: خمس وعشرون سنة، وهو أول من مات من بني عبد مناف ثم مات عبد شمس ~~بمكة فقبر بأجياد. ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق. ثم مات المطلب ~~بردمان من أرض اليمن. وكانت الرفادة والسقاية بعد هاشم إلى أخيه المطلب ~~لصغر ابنه عبد المطلب بن هاشم. ؟؟ ### | AUT ابن عبد مناف # واسمه المغيرة، وكنيته أبو عبد شمس، وكان يقال له القمر لجماله، وكانت ~~أمه حين ولدته دفعته إلى مناف، صنم بمكة، تدينا بذلك، فغلب عليه عبد مناف. ~~وكان عبد مناف وعبد العزي وعبد الدار بنو قصي إخوة، أمهم حبى ابنة حليل بن ms0463 ~~حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن خزاعة، وهو الذي عقد الحلف بين قريش ~~والأحابيش، والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناف بن كنانة، وبنو المصطلق من ~~خزاعة، وبنو الهون من خزيمة. وكان قصي يقول: ولد لي أربعة بنين فسميت ابنين ~~بإلهي، وهما عبد مناف وعبد العزي، وواحدا بداري، وهو عبد الدار، وواحدا بي، ~~وهو عبد قصي. حليل بضم الحاء المهملة، وفتح اللام الأولى. وحبشية بضم الحاء. ؟؟ ### | AUT ابن قصي # واسمه زيد، وكنيته أبو المغيرة، وإنما قيل له قصي لأن ربيعة بن حرام ابن ~~ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد بن زيد تزوج أمه فاطمة ابنة سعد ابن ~~سيل، واسمه جبر بن جمالة بن عوف، وهي أيضا أم أخيه زهرة، ونقلها إلى بلاد ~~عذرة من مشارف الشام وحملت معها قصيا لصغره، وتخلف زهرة في قومه لكبره، ~~فولدت أمه فاطمة لربيعة بن حرام رزاح بن ربيعة، فهو أخو قصي لأمه. وكان ~~لربيعة ثلاثة نفر من امرأة أخرى، وهم حن بن ربيعة ومحمود وجلهمة، وقيل: إن ~~حنا كان أخا قصي لأمه. فشب زيد في حجر ربيعة فسمي قصيا لبعده عن دار قومه، ~~وكان قصي ينتمي إلى ربيعة إلى أن كبر، وكان بينه وبين رجل من قضاعة شيء، ~~فعيره القضاعي بالغربة، فرجع قصي إلى أمه وسألها عما قال، فقالت له: يا بني ~~أنت أكرم منه نفسا وأبا، أنت ابن كلاب بن مرة وقوم بمكة عند البيت الحرام. ~~فصبر حتى دخل الشهر الحرام وخرج مع حاج قضاعة حتى قدم مكة وأقام مع أخيه ~~زهرة، ثم خطب إلى حليل بن حبشية الخزاعي ابنته حبى، فزوجه، وحليل يومئذ يلي ~~الكعبة. فولدت أولاده: عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزي، وعبد قصي، وكثر ~~ماله وعظم شرفه. وهلك حليل وأوصى بولاية البيت لابنته حبى، فقالت: إني لا ~~أقدر على فتح الباب وإغلاقه، فجعل فتح الباب وإغلاقه إلى ابنه المحترش، وهو ~~أبو غبشان. فاشترى قصي منه ولاية البيت بزق خمر وبعود، فضربت به العرب ~~المثل فقالت: أخسر ms0464 صفقة من أبي غبشان. فلما رأت ذلك خزاعة كثروا على قصي، ~~فاستنصر أخاه رزاحا، فحضر هو وإخوته الثلاثة فيمن تبعه من قضاعة إلى نصرته، ~~ومع قصي قومه بنو النضر، وتهيأ لحرب خزاعة وبني بكر، وخرجت إليهم خزاعة ~~فاقتتلوا قتالا شديدا، فكثرت القتلى في الفريقين والجراح، ثم تداعوا إلى ~~الصلح على أن يحكموا بينهم عمرو بن عوف بن كعب بن ليث بن بكر بن عبد مناف ~~بن كنانة، فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالبيت ومكة من خزاعة، وأن كل دم أصابه ~~من خزاعة وبني بكر موضوع فيشدخه تحت قدميه، وأن كل دم أصابت خزاعة وبنو بكر ~~من قريش وبني كنانة ففي ذلك الدية مؤداة، فسمي بعمرو الشداخ بما شدخ من ~~الدماء وما وضع منها. فولي قصي البيت وأمر مكة. وقيل: إن حليل بن حبشية ~~أوصى قصيا بذلك وقال: أنت أحق بولاية البيت من خزاعة. فجمع قومه وأرسل إلى ~~أخيه يستنصره، فحضر في قضاعة في الموسم وخرجوا إلى عرفات وفرغوا من الحج ~~ونزلوا منى وقصي مجمع على حربهم، وإنما ينتظر فراغ الناس من حجهم. ~~PageV01P0244 # فلما نزلوا منى ولم يبق إلا الصدر، وكانت صوفة تدفع بالناس من عرفات ~~وتجيزهم إذا تفرقوا من منى، إذا كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار، ورجل من ~~صوفة يرمي للناس لا يرمون حتى يرمي، فإذا فرغوا من منى أخذت صوفة بناحيتي ~~العقبة وحبسوا الناس، فقالوا: أجيزي صوفة، فإذا نفرت صوفة ومضت خلي سبيل ~~الناس فانطلقوا بعدهم. فلما كان ذلك العام فعلت صوفة كما كانت تفعل، قد ~~عرفت لها العرب ذلك، فهو دين في أنفسهم، فأتاهم قصي ومن معه من قومه ومن ~~قضاعة فمنعهم وقال: نحن أولى بهذا منكم. فقاتلوه وقاتلهم قتالا شديدا، ~~فانهزمت صوفة وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم وأنحازت عند ذلك خزاعة وبنو ~~بكر وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة. فلما إنحازوا عنه بادأهم فقاتلهم، ~~فكثر القتل في الفريقين وأجلى خزاعة عن البيت، وجمع قصي قومه إلى مكة من ~~الشعاب والأودية والجبال، فسمي مجمعا، ونزل بني ms0465 بغيض بن عامر بن لؤي وبني ~~تيم الأدرم بن غالب بن فهر وبني محارب بن فهر وبني الحارث بن فهر، إلا بني ~~هلال بن أهيب رهط أبي عبيدة بن الجراح وإلا رهط عياض بن غنم، بظواهر مكة، ~~فسموا قريش الظواهر، وتسمى سائر بطون قريش قريش البطاح، وكانت قريش الظواهر ~~تغير وتغزو، وتسمى قريش البطاح الضب للزومها الحرم. فلما ترك قصي قريشا ~~بمكة وما حولها ملكوه عليهم. فكان أول ولد كعب بن لؤي أصاب ملكا أطاعه به ~~قومه، وكان إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، فحاز شرف قريش ~~كله، وقسم مكة أرباعا بين قومه، فبنوا المساكن واستأذنوه في قطع الشجر، ~~فمنعهم، فبنوا والشجر في منازلهم، ثم إنهم قطعوه بعد موته. وتيمنت قريش ~~بأمره فما تنكح امرأة ولا رجل إلا في داره، ولا يتشاورون في أمر ينزل بهم ~~إلا في داره، ولا يعقدون لواء للحرب إلا في داره، يعقده بعض ولده، وما تدرع ~~جارية إذا بلغت أن تدرع إلا في داره، وكان أمره في قومه كالدين المتبع في ~~حياته وبعد موته. فاتخذ دار الندوة وبابها في المسجد، وفيها كانت قريش تقضي ~~أمورها. فلما كبر قصي ورق، وكان ولده عبد الدار أكبر ولده، وكان ضعيفا، ~~وكان عبد مناف قد ساد في حياة أبيه وكذلك إخوته، قال قصي لعبد الدار: والله ~~لألحقنك بهم ! فأعطاه دار الندوة والحجابة، وهي حجابة الكعبة، واللواء، وهو ~~كان يعقد لقريش ألويتهم، والسقاية، كان يسقي الحاج، والرفادة، وهي خرج ~~تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب فيصنع منه طعاما للحاج ~~يأكله الفقراء، وكان قصي قد قال لقومه: إنكم جيران الله وأهل بيته، وإن ~~الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما ~~وشرابا أيام الحج. ففعلوا فكانوا يخرجون من أموالهم فيصنع به الطعام أيام ~~منى، فجرى الأمر على ذلك في الجاهلية والإسلام إلى الآن، فهو الطعام الذي ~~يصنعه الخلفاء كل عام بمنى. فأما الحجابة فهي في ولده إلى الآن، وهم بنو ~~شيبة بن ms0466 عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزي بن عثمان بن عبد الدار. وأما ~~اللواء فلم يزل في ولده إلى أن جاء الإسلام، فقال بنو عبد الدار: يا رسول ~~الله اجعل اللواء فينا. فقال: الإسلام أوسع من ذلك. فبطل. وأما الرفادة ~~والسقاية فإن بني عبد مناف بن قصي: عبد شمس، وهاشم، والمطلب، ونوفل، أجمعوا ~~أن يأخذوها من بني عبد الدار لشرفهم عليهم وفضلهم، فتفرقت عند ذلك قريش، ~~فكانت طائفة مع بني عبد مناف، وطائفة مع بني عبد الدار لا يرون تغيير ما ~~فعله قصي، وكان صاحب أمر بني عبد الدار عامر ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد ~~الدار. PageV01P0245 # فكان بنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة بن كلاب وبنو تيم بن مرة وبنو ~~الحارث بن فهر مع بني عبد مناف، وكان بنو مخزوم وبنو سهم وبنو جمح وبنو عدي ~~مع بني عبد الدار، فتحالف كل قوم حلفا مؤكدا، وأخرج بنو عبد مناف جفنة ~~مملوءة طيبا فوضعوها عند الكعبة وتحالفوا وجعلوا أيديهم في الطيب، فسموا ~~المطيبين. وتعاقد بنو عبد الدار ومن معهم وتحالفوا فسموا الأحلاف، وتعبوا ~~للقتال، ثم تداعوا إلى الصلح على أ، يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة، ~~فرضوا بذلك وتحاجز الناس عن الحر واقترعوا عليها، فصارت لهاشم بن عبد مناف، ~~ثم بعده للمطلب بن عبد مناف، ثم لأبي طالب بن عبد المطلب، ولم يكن له مال ~~فادان من أخيه العباس بن عبد المطلب بن عبد مناف مالا فأنفقه، ثم عجز عن ~~الأدلاء فأعطى العباس السقاية والرفادة عوضا عن دينه، فوليها، ثم ابنه عبد ~~الله، ثم علي بن عبد الله، ثم محمد بن علي، ثم داود بن علي بن سليمان بن ~~علي، ثم وليها المنصور وصار يليها الخلفاء. وأما دار الندوة فلم تزل لعبد ~~الدار، ثم لولده حتى باعها عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ~~من معاوية فجعلها دار الإمارة بمكة، وهي الآن في الحرم معروفة مشهورة. ثم ~~هلك قصي فأقام أمره في قومه من ms0467 بعده ولده، وكان قصي لا يخالف سيرته وأمره، ~~ولما مات دفن بالحجون، فكانوا يزورون قبره ويعظمونه. وحفر بمكة بئرا سماها ~~العجول، وهي أول بئر حفرتها قريش بمكة. سيل بفتح السين المهمة، والياء ~~المثناة التحتية. وحرام بفتح الحاء والراء المهملتين. ورزاح بكسر الراء، ~~وفتح الزاي، وبعد الألف حاء مهملة. وحبى بضم الحاء المهملة، وتشديد الباء ~~الموحدة. وملكان بكسر الميم، وسكون اللام. وأما ملكان بن حزم بن ريان، ~~وملكان بن عباد بن عياض، فهما بفتح الميم واللام. ؟؟ ### | AUT ابن كلاب # ويكنى أبا زهرة، وأم كلاب هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث ### | AUT ابن فهر # بن مالك، وله أخوان لأبيه من غير أمه، وهما تيم ويقظة، أمهما أسماء بنت ~~جارية البارقية، وقيل: يقظة لهند بنت سرير أم كلاب. يقظة بالياء تحتها ~~نقطتان، وبفتح القاف والظاء المعجمة. ؟ ### | AUT ابن مرة # ويكنى أبا يقظة، وأم مرة محشية ابنة شيبان بن محارب بن فهر، وأخواه ~~لأبيه وأمه هصيص وعدي، وقيل: أم عدي رقاش بنت ركبة بن نائلة بن كعب بن حرب ~~بن تميم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس عيلان. هصيص بضم الهاء، وفتح الصاد ~~المهملة بعدها ياء تحتها نقطتان، وصاد ثانية. ؟؟ ### | AUT ابن كعب # ويكنى أبا هصيص، وأم كعب ماوية ابنة كعب بن القين بن جسر القضاعية، وله ~~أخوان لأبيه وأمه، أحدهما عامر، والآخر سامة، ولهم من أبيه أخ كان يقال له ~~عوف، أمه الباردة ابنة عوف بن غنم بن عبد الله بن غطفان، وانتمى ولده إلى ~~غطفان، وكان خرج مع أمه الباردة إلى غطفان، فتزوجها سعد بن ذبيان، فتبناه ~~سعد. ولكعب أيضا أخوان من غير أمه، أحدهما خزيمة، وهو عائذة قريش، وعائذة ~~أمه، وهي ابنة الحمس بن قحافة من خثعم، والآخر سعد، ويقال له بنانة، وبنانة ~~أمه، فأهل البادية منهم في بني سعد بن همام في بني شيبان ابن ثعلبة، ~~والحاضرة ينتمون إلى قريش. وكان كعب عظيم القدر عند العرب، فلهذا أرخوا ~~لموته إلى عام الفيل، ثم أرخوا بالفيل، وكان يخطب ms0468 الناس أيام الحج، وخطبته ~~مشهورة يخبر فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم. جسر بفتح الجيم، وسكون السين ~~المهملة، وآخره راء. ؟؟ ### | AUT ابن لؤي # ويكنى أبا كعب، وأم لؤي عاتكة ابنة يخلد بن النضر بن كنانة، وهي أولى ~~العواتك اللواتي ولدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من قريش. وله أخوان، ~~أحدهما تيم الأدرم، والدرم نقصان في الذقن، قيل: إنه كان ناقص اللحي؛ ~~والآخر قيس، ولم يبق منهم أحد، وآخر من مات منهم في زمن خالد بن عبد الله ~~القسري، فبقي ميراثه لا يدرى من يستحقه. وقيل: إن أمهم سلمى بنت عمرو بن ~~ربيعة، وهو يحيى بن حارثة الخزاعي. يخلد بفتح الياء تحتها نقطتان، وسكون ~~الخاء المعجمة، وبعد اللام دال مهملة. ؟؟ ### | AUT ابن غالب # ويكنى أبا تيم، وأم غالب ليلى ابنة الحارث بن تيم بن سعد بن هذيل، ~~وإخوته من أبيه وأمه: الحارث ومحارب وأسد وعوف وجون وذئب، وكانت محارب ~~والحارث من قريش الظواهر، فدخلت الحارث الأبطح. ؟؟ ### | AUT ابن فهر # PageV01P0246 # ويكنى أبا غالب، وفهر هو جماع قريش، في قول هشام، وأمه جندلة بنت عامر بن ~~الحارث بن مضاض الجرهمي، وقيل غير ذلك. وكان فهر رئيس الناس بمكة، وكان ~~حسان فيما قيل أقبل من اليمن مع حمير وغيرهم يريد أن ينقل أحجار الكعبة إلى ~~اليمن، فنزل بنخلة، فاجتمع قريش وكنانة وخزيمة وأسد وجذام وغيرهم، ورئيسهم ~~فهر بن مالك، فاقتتلوا قتالا شديدا، وأسر حسان وانهزمت حمير وبقي حسان بمكة ~~ثلاث سنين، وافتدى نفسه وخرج فمات بين مكة واليمن. ؟؟ ### | AUT ابن مالك # وكنيته أبو الحارث، وأمه عاتكة بنت عدوان، وهو الحارث بن قيس عيلان، ~~ولقبها عكرشة، وقيل غير ذلك. وقيل: إن النضر بن كنانة كان اسمه قريشا. ~~وقيل: لما جمعهم قصي قيل لهم قريش، والتقرش التجمع. وقيل: لما ملك قصي ~~الحرم وفعل أفعالا جميلة قيل له القرشي، وهو أول من سمي به، وهو من ~~الإجتماع أيضا، أي لإجتماع خصال الخير فيه، وقد قيل في تسمية قريش قريشا ~~أقوال كثيرة لا حاجة إلى ذكرها. وقصي ms0469 أول من أحدث وقود النار بالمزدلفة، ~~وكانت توقد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بعده. ؟؟ ### | AUT ابن النضر # يكنى أبا يخلد، كني بإبنه يخلد، واسم النضر قيس، وإنما قيل له النضر ~~لجماله، وأمه برة ابنة مر بن أد بن طابخة أخت تميم بن مر، وإخوته لأبيه ~~وأمه نصير ومالك وملكان وعامر والحارث وعمرو وسعد وعوف وغنم ومخزمة وجرول ~~وغزوان وجدال، وأخوهم لأبيهم عبد مناة، وأمه فكيهة، وهي الذفراء، ابنة هني ~~بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وأخو عبد مناة لأمه علي بن مسعود بن ~~مازن الغساني، وكان قد حضن أولاد أخيه عبد مناة فنسبوا إليه، فقيل لبني عبد ~~مناة بنو علي، وإياهم عنى الشاعر بقوله: لله در بني عل ... ي أيم منهم ~~وناكح وقيل: تزوج امرأة عبد مناة فولدت له وحضن بني عبد مناة فغلب على ~~نسبهم، ثم وثب مالك بن كنانة على علي بن مسعود فقتله، فواراه أسد بن خزيمة. ؟؟ ### | AUT ابن كنانة # ويكنى أبا النضر، وأم كنانة عوانة بنت سعد بن قيس عيلان، وقيل: هند ابنة ~~عمرو بن قيس. وإخوته لأبيه أسد وأسدة، ويقال: إنه أبو جذام والهون، وأمهم ~~برة بنت مر، وهي أم النضر، خلف عليها بعد أبيه. ؟؟ ### | AUT ابن خزيمة # ويكنى أبا أسد، وأمه سلمى ابنة أسلم بن الحاف بن قضاعة، وأخوه لأمه تغلب ~~بن حلوان بن عمران بن الحاف، وأخو خزيمة لأبيه وأمه هذيل، وقيل: أمهما سلمى ~~بنت أسد بن ربيعة. وخزيمة هو الذي نصب هبل على الكعبة، فكان يقال هبل ~~خزيمة. أسلم، بضم اللام. ؟؟ ### | AUT ابن مدركة # واسمه عمرو، ويكنى أبا هذيل، وقيل: أبا خزيمة، وأمه خندف، وهي ليلى ابنة ~~حلوان بن عمران، وأمها ضرية ابنة ربيعة بن نزار، وبها سمي حمى ضرية. وإخوة ~~مدركة لأبيه وأمه: عامر، وهو طابخة، وعمير، وهو قمعة، يقال: إنه أبو خزاعة. ~~قال هشام: خرج إلياس في نجعة له فنفرت إبله من أرنب فخرج إليها عمرو ~~فأدركها فسمي مدركة، وأخذها عامر فطبخها فسمي طابخة، ms0470 وانقمع عمير في الخباء ~~فسمي قمعة، وخرجت أمهم ليلى تمشي فقال لها إلياس: أين تخندفين ؟ فسميت ~~خندف، والخندفة: ضرب من المشي. ؟؟ ### | AUT ابن إلياس # وكان يكنى أبا عمرو، وأمه الرباب ابنة جندة بن معد، وأخوه لأبيه وأمه ~~الناس، بالنون، وهو عيلان، وسمي عيلان لفرس له كان يدعى عيلان، وقيل: لأنه ~~ولد في أصل جبل يسمى عيلان، وقيل غير ذلك. ولما توفي حزنت عليه خندف حزنا ~~شديدا فلم تقم حيث مات ولم يظلها سقف حتى هلكت، فضرب بها المثل. وتوفي يوم ~~الخميس، فكانت تبكي كل خميس من غدوة إلى الليل. ؟؟ ### | AUT ابن مضر # وأمه سودة بنت عك، وأخوه لأبيه وأمه إياد، ولهما أخوان من أبيهما: ربيعة ~~وأنمار، أمهما جدالة ابنة وعلان من جرهم. وذكر أن نزار بن معد لما حضرته ~~الوفاة أوصى بنيه وقسم ماله بينهم فقال: يا بني هذه القبة، وهي من أدم ~~حمراء، وما أشبهها من مالي لمضر، فسمي مضر الحمراء، وهذا الخباء الأسود وما ~~أشبه من مالي لربيعة، وهذه الخادم وما أشبهها من مالي لإياد، وكانت شمطاء، ~~فأخذ البلق والنقد من غنمه، وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس عليه، فأخذ ~~أنمار ما أصابه، فإن أشكل في ذلك عليكم شيء واختلفتم في القسمة فعليكم ~~بالأفعى الجرهمي. PageV01P0247 # فاختلفوا فتوجهوا إلى الأفعى الجرهمي، فبينما هم يسيرون في مسيرهم إذ رأى ~~مضر كلأ قد رعي فقال: إن البعير الذي قد عى هذا الكلأ لأعور. وقال ربيعة: ~~هو أزور. وقال إياد: هو أبتر. وقال أنمار: هو شرود. فلم يسيروا إلا قليلا ~~حتى لقيهم رجل توضع به راحلته، فسألهم عن البعير، فقال مضر: هو أعور ؟ قال: ~~نعم. قال ربيعة: هو أزور ؟ قال: نعم. وقال إياد: هو أبتر ؟ قال: نعم. وقال ~~أنمار: هو شرود ؟ قال: نعم، هذه صفة بعيري، دلوني عليه، فحلفوا له ما رأوه، ~~فلزمهم، وقال: كيف أصدقكم وهذه صفة بعيري !. فساروا جميعا حتى قدموا نجران ~~فنزلوا على الأفعى الجرهمي، فقص عليه صاحب البعير حديثه، فقال لهم الجرهمي: ~~كيف وصفتموه ولم تروه ؟ قال مضر: رأيته ms0471 يرعى جانبا ويدع جانبا فعرفت أنه ~~أعور. وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة والأخرى فاسدة الأثر فعرفت أنه ~~أزور. وقال إياد: عرفت أنه أبتر باجتماع بعره ولو كان أذنب لمصع به. وقال ~~أنمار: عرفت أنه شرود لأنه يرعى المكان الملتف نبته ثم يجوزه إلى مكان أرق ~~منه نبتا وأخبث. فقال الجرهمي: ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه. ثم سألهم من هم، ~~فأخبروه، فرحب بهم وقال: أتحتاجون أنتم إلي وأنتم كما أرى ؟ ودعا لهم بطعام ~~فأكلوا وشربوا، فقال مضر: لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها نبت على قبر. ~~وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب لولا أنه وبي بلبن كلبة. وقال إياد: لم ~~أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه لغير أبيه الذي ينتمي إليه. وقال أنمار: لم ~~أر كاليوم كلاما أنفع لحاجتنا. وسمع الجرهمي الكلام فعجب، فأتى أمه وسألها، ~~فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا من ~~نفسها فحملت به، وسأل القهرمان عن الخمر، فقال: من حبلة غرستها على قبر ~~أبيك، وسأل الراعي عن اللحم فقال: شاة أرضعتها لبن كلبة. فقيل لمضر: من أين ~~عرفت الخمر ؟ فقال: لأني أصابني عطش شديد. وقيل لربيعة فيما قال، فذكر ~~كلاما وأتاهم الجرهمي وقال: صفوا لي صفتكم، فقصوا عليه قصتهم، فقضى بالقبة ~~الحمراء والدنانير والإبل، وهي حمر، لمضر، وقضى بالخباء الأسود والخيل ~~الدهم لربيعة، وقضى بالخادم، وكانت شمطاء، والماشية البلق لإياد، وقضى ~~بالأرض والدراهم لأنمار. ومضر أول من حدا، وكان سبب ذلك أنه سقط من بعيره ~~فانكسرت يده فجعل يقول: يا يداه يا يداه، فأتته الإبل من المرعى، فلما صلح ~~وركب حدا، وكان من أحسن الناس صوتا. وقيل: بل انكسرت يد مولى له فصاح، ~~فاجتمعت الإبل، فوضع مضر الحداء وزاد الناس فيه. وهو أول من قال حينئذ: ~~بصبصن إذ حدين بالأذناب، فذهب مثلا. وروي أن النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~قال: (لا تسبوا مضر وربيعة فإنهما مسلمان). ؟؟ ### | AUT ابن نزار # وقيل كان يكنى أبا إياد، وقيل: أبا ربيعة، أمه ms0472 معانة ابنة جوشم بن جلهمة ~~بن عمرو بن جرهم، وإخوته لأبيه وأمه قنص وقناصة وسالم وجندة وجناد والقحم ~~وعبيد الرباح والغرف والعوف وشك وضاعة، وبه كان يكنى معد، وعدة درجوا. ؟؟ ### | AUT ابن معد # وإمه مهدة ابنة اللهم، ويقال اللهم، ويقال اللهم بن جلحب بن جديس، وقيل ~~بن طسم، وإخوته من أبيه الريث، وقيل: الريث هو عك، وقيل: عك بن الريث، وعدن ~~بن عدنان، قيل: هو صاحب عدن وأبين وإليه تنسب أبين، ودرج نسله ونسل عدن، ~~وأد وأبي بن عدنان، ودرج، والضحاك والغني. فلحق ولد عدنان باليمن عند حرب ~~بخت نصر، وحمل إرميا وبرخيا معدا إلى حران فأسكناه بها. فلما سكنت الحرب ~~رداه إلى مكة فرأى إخوته قد لحقوا باليمن. ؟؟ ### | AUT ابن عدنان # ولعدنان أخوان يدعى أحدهما نبتا والآخر عامرا، فنسب النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، لا يختلف الناسبون فيه إلى معد بن عدنان، على ما ذكرت، يختلفون ~~فيما بعد ذلك اختلافا عظيما لا يحصل منه على غرض، فتارة يجعل بعضهم بين ~~عدنان وبين إسماعيل، عليه السلام، أربعة آباء، ويجعل آخر بينهما أربعين ~~أبا، ويختلفون أيضا في الأسماء أشد من اختلافهم في العدد، فحيث رأيت الأمر ~~كذلك لم أعرج على ذكر شيء منه، ومنهم من يروي عن النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، في نسبه حديثا يصله بإسماعيل، ولا يصح في ذلك الحديث. ؟؟ ### | AUT ذكر الفواطم والعواتك # PageV01P0248 # وإما الفواطم اللائي ولدن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فخمس: قرشية ~~وقيسيتان ويمانيتان. أما القرشية فأم أبيه عبد الله بن عبد المطلب فاطمة ~~بنت عمرو بن عايذ بن عمران ابن مخزوم المخزومية. وأما القيسيتان فأم عمرو ~~بن عايذ بن فاطمة ابنة عبد الله بن رزاح بن ربيعة ابن جحوش بن معاوية بن ~~بكر بن هوازن، وأمها فاطمة بنت الحارث بن بهثة بن ليم بن منصور. وأما ~~اليمانيتان فأم قصي بن كلاب فاطمة بنت سعد بن سيل بن أزد شنوءة وأم حبى بنت ~~حليل بن حبشية بن كعب بن سلول، وهي أم قصي فاطمة بنت ms0473 نصر بن عوف بن عمرو بن ~~ربيعة بن حارثة الخزاعية. وأما العواتك فاثنتا عشرة: اثنتان من قريش، ~~وواحدة من بني يخلد ابن النضر، وثلاث من سليم، وعدويتان، وهذلية، وقضاعية، ~~وأسدية. فأما القرشيتان فأم أمه آمنة بنت وهب برة بنت عبد العزى بن عثمان ~~بن عبد الدار، وأم برة أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى، وأم أسد ريطة بنت كعب ~~بن سعد بن تيم، وأمه أميمة بنت عامر الخزاعية، وأمها عاتكة بنت هلال بن ~~أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهم، وأم هلال هند بنت هلال ابن عامر بن صعصعة، ~~وأم أهيب بن ضبة عاتكة بنت غالب بن فهر، وأمها عاتكة بنت يخلد بن النضر بن ~~كنانة. وأما السلميات فأم هاشم بن عبد مناف عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج ~~ابن ذكوان بن بهثة بن سليم بن منصور، وأم عبد مناف عاتكة بنت هلال بن فالج، ~~والثالثة أم جده لأمه وهب، وهي عاتكة بنت الأوقص بن مرة ابن هلال. قلت: ~~هكذا ذكر بعض العلماء عواتك سليم، وجعل أم عبد مناف عاتكة بنت مرة، وليس ~~بشيء، فإن أم عبد مناف حبى بنت حليل الخزاعية، وقال غيره: أم هاشم عاتكة ~~بنت مرة، وأم مرة بن هلال عاتكة بنت جابر ابن قنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ ~~القيس بن بهثة بن سليم، وأم هلال بن فالج عاتكة بنت عصية بن خفاف بن امرئ ~~القيس. وأما العدويتان فمن جهة أبيه عبد الله، فإن أم عبد الله فاطمة بنت ~~عمرو، وأم فاطمة تخمر بنت عبد قصي، وأمها هند بنت عبد الله بن الحارث بن ~~وائلة بن الظرب، وأمها زينب بنت مالك بن ناصرة بن كعب الفهمية. وأما عاتكة ~~بنت عامر بن الظرب بن عمرو بن عباد بن بكر بن الحارث، وهو عدوان بن عمرو بن ~~قيس عيلان، وأم مالك بن النضر عاتكة، فهي عكرشة، وهي الحصان بنت عدوان. ~~وأما الأزدية فأم النضر بن كنانة بنت مرة بن أد أخت تميم، وأمها ماوية من ms0474 ~~بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار، وأمها عاتكة بنت الأزد بن الغوث، وقد ولدته ~~هذه الأزدية مرة أخرى من قبل غالب بن فهر، فإن أم غالب ليلى بنت الحارث بن ~~تميم بن سعد بن هذيل، وأمها سلمى بنت طابخة بن إلياس ابن مضر، وأمها عاتكة ~~بنت الأزد هذه. وأما الهذلية فعاتكة بنت سعد بن سيل، هي أم عبد الله بن ~~رزام جد عمرو بن عايذ بن عمران بن مخزوم لأمه، وعمر وجد رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، أبو أمه. وأما القضاعية فأم كعب بن لؤي ماوية بنت القين بن ~~جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة، وأمها وحشية بنت ربيعة بن حرام بن ضنة ~~العذرية، وأمها عاتكة بنت رشدان بن قيس بن جهينة. وأما الأسدية فأم كلاب بن ~~مرة هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كلاب، وأمها عاتكة بنت ~~دودان بن أسد بن خزيمة. وعايذ بن عمران بالياء المثناة من تحتها، والذال ~~المعجمة. وسعد بن سل بفتح السين المهملة، والياء المثناة من تحتها المفتحة. ~~حيي بضم الحاء المهملة، وبالياء المثناة من تحتها، وتشديد الياء الممالة. ~~وحليل بضم الحاء المهملة، وبالياء المثناة من تحتها. وجسر بفتح الجيم، ~~وتسكين السين المهملة. حارثة بالحاء المهملة، والثاء المثلثة. ووائلة بن ~~الظرب بالياء المثناة من تحتها. وضبة بن الحارث بالضاد المعجمة المفتوحة، ~~والباء المشددة الموحدة. وشيع الله بالشين المعجمة المفتوحة، والياء ~~المثناة من تحتها الساكنة. وحرام بفتح الحاء المهملة، والراء المهملة. وضنة ~~العذري بكسر الضاد المعجمة، والنون المشددة. وعصية بالعين المهملة ~~المضمومة، وفتح الصاد والياء المثناة من تحتها. ### | AUT عدنا إلى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P0249 # توفي عبد المطلب بعد الفيل بثماني سنين، وأوصى أبا طالب برسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم. فكان أبو طالب هو الذي قام بأمر النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، بعد جده، ثم إن أبا طالب خرج إلى الشام، فلما أراد المسير لزمه رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، فرق له وأخذه معه، ولرسول ms0475 الله، صلى الله عليه ~~وسلم، تسع سنين. فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام، وبها راهب يقال له ~~بحيرا في صومعة له، وكان ذا علم في النصرانية، ولم يزل بتلك الصومعة راهب ~~يصير إليه علمهم، وبها كتاب يتوارثونه. فلما رآهم بحيرا صنع لهم طعاما ~~كثيرا، وذلك لأنه رأى على رسول الله غمامة تظلله من بين القوم، ثم أقبلوا ~~حتى نزلوا في ظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الشجرة وقد هصرت أغصانها حتى ~~استظل بها، فنزل إليهم من صومعته ودعاهم. فلما رأى بحيرا رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده كان يجدها ~~من صفته. فلما فرغ القوم من الطعام وتفرقوا، سأل النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، عن أشياء من حاله في يقظته ونومه فوجدها بحيرا موافقة لما عنده من ~~صفته، ثم نظر إلى خاتم النبوة بين كتفيه، ثم قال بحيرا لعمه أبي طالب: ما ~~هذا الغلام منك ؟ قال: ابني. قال: ما ينبغي أن يكون أبوه حيا. قال: فإنه ~~ابن أخي مات أبوه وأمه حبلى به. قال: صدقت، ارجع به إلى بلدك واحذر عليه ~~يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن له شأن ~~عظيم. فخرج به عمه حتى أقدمه مكة. وقيل: بينما هو يقول لعمه في إعادته إلى ~~مكة وتخوفهم عليه من الروم إذ أقبل سبعة نفر من الروم، فقال لهم بحيرا: ما ~~جاء بكم ؟ قالوا: جاءنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا ~~بعث إليها ناس، وإنا بعثنا إلى طريقك. قال: أرأيتم أمرا أراده الله هل ~~يستطيع أحد من الناس رده ؟ قالوا: لا. وتابعوا بحيرا وأقاموا عنده. وقال ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما هممت بشيء مما كان الجاهلية يعملونه غير ~~مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمني برسالته؛ ~~قلت ليلة لغلام يرعى معي بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر ~~بها كما يسمر ms0476 الشباب. فقال: أفعل. فخرجت حتى إذ كنت عند أول دار بمكة سمعت ~~عزفا، فقلت: ما هذا ؟ فقالوا: عرس فلان بفلانة، فجلست أسمع، فضرب الله على ~~أذني فنمت، فما أيقظني إلا حر الشمس، فعدت إلى صاحبي فسألني فأخبرته. ثم ~~قتل له ليلة أخرى مثل ذلك ودخلت مكة، فأصابني مثل أول ليلة، ثم ما هممت بعده بسوء. ### | AUT ذكر نكاح النبي صلى الله عليه وسلم خديجة # ونكح رسول الله، صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد وهو ابن خمس وعشرين ~~سنة وخديجة يومئذ ابنة أربعين سنة. وسبب ذلك أن خديجة بنت خويلد بن أسد بن ~~عبد العزى بن قصي كانت امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها ~~وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه، وكانت قريش تجارا، فلما بلغها عن رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، صدق الحديث وعظم الأمانة وكرم الأخلاق أرسلت ~~إليه ليخرج في مالها إلى الشام تاجرا وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره مع ~~غلامها ميسرة. فأجابها وخرج معه ميسرة حتى قدم الشام، فنزل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب، فأطلع الراهب رأسه إلى ~~ميسرة فقال: من هذا؟ قال ميسرة: هذا رجل من قريش. فقال الراهب: ما نزل تحت ~~هذه الشجرة إلا نبي. ثم باع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشترى وعاد، ~~فكان ميسرة إذا كانت الهاجرة يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو على بعيره. ~~فلما قدم مكة ربحت خديجة ربحا كثيرا، وحدثها ميسرة عن قول الراهب وما رأى ~~من إظلال الملكين إياه. PageV01P0250 # وكانت خديجة امرأة حازمة عاقلة شريفة مع ما أراده الله من كرامتها، ~~فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرضت عليه نفسها، وكان أوسط ~~نساء قريش نسبا وأكثرهن مالا وشرفا، وكل قومها كان حريصا على ذلك منها لو ~~يقدر عليه. فلما أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال لأعمامه، وخرج ~~ومعه حمزة بن عبد المطلب وأبو طالب وغيرهما من عمومته حتى دخل خويلد بن أسد ms0477 ~~فخطبها إليه، فتزوجها فولدت له أولاده كلهم، إلا إبراهيم: زينب، ورقية، وأم ~~كلثوم، وفاطمة، والقاسم، وبه كان يكنى، وعبد الله، والطاهر، والطيب. وقيل: ~~إن عبد الله ولد في الإسلام هو والطاهر والطيب، فأما القاسم والطاهر والطيب ~~فهلكوا في الجاهلية، وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن معه. ~~وقيل: إن الذي زوجها عمها عمرو بن أسد، وإن أباها مات قبل الفجار. قال ~~الواقدي: وهو الصحيح، لأن أباها توفي قبل الفجار. وكان منزل خديجة يومئذ ~~المنزل الذي يعرف بها اليوم، فيقال: إن معاوية اشتراه وجعله مسجدا يصلى ~~فيه. وكان الرسول بين خديجة وبين النبي، صلى الله عليه وسلم نفيسة بنت منية ~~أخت يعلى بن منية، وأسلمت يوم الفتح، فبرها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وأكرمها. منية بالنون الساكنة، والياء المثناة من تحتها. ### | AUT ذكر حلف الفضول # قال ابن إسحاق: وكان نفر من جرهم وقطوراء يقال لهم: الفضيل بن الحارث ~~الجرهمي، والفضيل بن وداعة القطوري، والمفضل بن فضالة الجرهمي، اجتمعوا ~~فتحالفوا أن لا يقروا ببطن مكة ظالما، وقالوا: لا ينبغي إلا ذلك لما عظم ~~الله من حقها، فقال عمرو بن عوف الجرهمي: إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا ... ~~ألا يقر ببطن مكة ظالم أمر عليه تعاهدوا وتواثقوا ... فالجار والمعتر فيهم ~~سالم ثم درس ذلك فلم يبق إلا ذكره في قريش. ثم إن قبائل من قريش تداعت إلى ~~ذلك الحلف فتحالفوا في دار عبد الله بن جدعان لشرفه وسنه، وكانوا بني هاشم ~~وبني المطلب وبني أسد بن عبد العزى وزهرة بن كلاب وتيم من مرة، فتحالفوا ~~وتعاقدوا أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو من غيرهم من سائر الناس إلا ~~قاموا معه وكانوا على ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف ~~الفضول، وشهده رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال حين أرسله الله تعالى: ~~لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر ~~النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت. قال: وقال محمد بن ms0478 إبراهيم بن الحارث ~~التيمي: كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب وبين الوليد بن عتبة بن أبي ~~سفيان منازعة في مال كان بينهما، والوليد يومئذ أمير على المدينة لعمه ~~معاوية، فتحامل الوليد لسلطانة. فقال له الحسين: أقسم بالله لتنصفني أو ~~لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم لأدعون ~~بحلف الفضول. فقال عبد الله بن الزبير، وكان حاضرا: وأنا أحلف بالله لو دعا ~~به لأجبته حتى ينصف من حقه أو نموت. وبلغ المسور بن مخرمة الزهري فقال مثل ~~ذلك، وبلغ عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ ~~الوليد ذلك أنصف الحسين من نفسه حتى رضي. ### | AUT ذكر هدم قريش الكعبة وبنائها # وفي سنة خمس وثلاثين من مولده صلى الله عليه وسلم، هدمت قريش الكعبة. ~~وكان سبب هدمهم إياها أنها كانت رضيمة فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، ~~وذلك أن نفرا من قريش وغيرهم سرقوا كنزها وفيه غزلان من ذهب، وكانا في بئر ~~في جوف الكعبة. وكان أمر غزالي الكعبة أن الله لما أمر إبراهيم وإسماعيل ~~ببناء الكعبة ففعلا ذلك، وقد تقدم ذكره، وأقام إسماعيل بمكة وكان يلي البيت ~~حياته، وبعده وليه ابنه نبت. فلما مات نبت ولم يكثر ولد إسماعيل غلبت جرهم ~~على ولاية البيت، فكان أول من وليه منهم مضاض، ثم ولده من بعده حتى بغت ~~جرهم واستحلوا حرمة البيت فظلموا من دخل مكة حتى قيل: ان إسافا ونائلة زنيا ~~في البيت فمسخا حجرين. PageV01P0251 # وكانت خزاعة قد أقامت بتهامة بعد تفرق أولاد عمرو بن عامر من اليمن، ~~فأرسل الله على جرهم الرعاف أفناهم، فاجتمعت خزاعة على إجلاء من بقي منهم، ~~ورئيس خزاعة عمرو بن ربيعة بن حارثة فاقتتلوا، فلما أحس عامر بن الحارث ~~الجرهمي بالهزيمة خرج بغزالي الكعبة والحجر الأسود يلتمس التوبة وهو يقول: ~~؟لاهم إن جرهما عبادك ... الناس طرف وهم تلادك بهم قديما عمرت بلادك فلم ~~تقبل توبته، فدفن غزالي الكعبة ببئر زمزم وطمها وخرج بمن بقي ms0479 من جرهم إلى ~~أرض جهينة، فجاءهم سيل فذهب بهم أجمعين، وقال عمرو بن الحارث: كأن لم يكن ~~بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها ~~فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر وولي البيت بعد جرهم عمرو بن ~~ربيعة، وقيل: وليه عمرو بن الحارث الغساني، ثم خزاعة بعده، غير أنه كان في ~~قبائل مضر ثلاث خلال: الإجازة بالحج من عرفة، وكان ذلك إلى الغوث بن مر بن ~~أد، وهو صوفة، والثانية الإضافة من جمع إلى منى، وكانت إلى بني زيد بن ~~عدوان، وآخر من ولي ذلك منهم أبو سيارة عميلة بن الأعزل بن خالد، والثالثة ~~النسيء للشهور الحرم، فكان ذلك إلى القلمس، وهو حذيفة بن فقيم بن كنانة، ثم ~~إلى بنيه من بعده، ثم صار ذلك إلى أبي ثمامة، وهو جنادة بن عوف بن قلع بن ~~حذيفة؛ وقام الإسلام وقد عادت الأشهر الحرم إلى أصلها فأبطل الله عز وجل ~~النسيء. ثم وليت البيت بعد خزاعة قريش، وقد ذكرنا ذلك عند ذكر قصي بن كلاب. ~~ثم حفر عبد المطلب زمزم فأخرج الغزالين، كما تقدم. وكان الذي وجد الغزالان ~~عنده دويك، مولى لبني مليح بن خزاعة، فقطعت قريش يده، وكان فيمن اتهم في ~~ذلك: عامر بن الحارث بن نوفل، وأبو هارب بن عزيز، وأبو لهب بن عبد المطلب. ~~وكان البحر قد ألقى سفينة إلى جدة لتاجر رومي فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدوا ~~لسقفها، فتهيأ لهم بعض ما يصلحها. وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي يطرح ~~فيها ما يهدى لها كل يوم فتشرف على جدار الكعبة، وكان لا يدنو منها أحد إلا ~~كشت وفتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينما هي يوما على جدار الكعبة اختطفها ~~طائر فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله عز وجل قد رضي ما ~~أردناه. وكان ذلك ورسول الله، ### | AUT صلى الله عليه وسلم # ، ابن خمس وثلاثين سنة، وبعد الفجار بخمس عشرة سنة. فلما أرادوا هدمها ~~قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران ms0480 بن مخزوم فتناول حجرا من الكعبة فوثب ~~من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها إلا ~~طيبا ولا تدخلوا فيه مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد. وقيل: إن الوليد ~~بن المغيرة قال هذا. ثم إن الناس هابوا هدمها فقال الوليد بن المغيرة: أنا ~~أبدأكم به، فأخذ المعول فهدم، فتربص الناس به تلك الليلة وقالوا: ننظر فإن ~~أصيب لم نهدم منها شيئا، فأصبح الوليد سالما وغدا إلى عمله فهدم والناس معه ~~حتى انتهى الهدم إلى الأساس ثم أفضوا إلى حجارة خضر آخذ بعضها ببعض، فأدخل ~~رجل من قريش عتلة بين حجرين منها ليقلع به أحدهما. فلما تحرك الحجر انتقضت ~~مكة بأسرها، ثم جمعوا الحجارة لبنائها ثم بنوا حتى بلغ البنيان موضع الركن، ~~فأرادت كل قبيلة رفعه إلى موضعه حتى تحالفوا وتواعدوا للقتال، فقربت بنو ~~عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدي على الموت وأدخلوا ~~أيديهم في ذلك الدم فسموا لعقة الدم بذلك، فمكثوا على ذلك أربع ليال ثم ~~تشاوروا. فقال أبو أمية بن المغيرة، وكان أسن قريش: اجعلوا بينكم حكما أول ~~من يدخل من باب المسجد يقضي بينكم، فكان أول من دخل رسول الله ### | AUT صلى الله عليه وسلم # فلما رأوه قالوا: هذا الأمين قد رضينا به، وأخبروه الخبر، فقال: هلموا ~~إلي ثوبا، فأتي به، فأخذ الحجر الأسود فوضعه فيه ثم قال: لتأخذ كل قبيلة ~~بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا. فلما بلغوا به موضعه وضعه بيده ~~ثم بني عليه. ### | AUT ذكر الوقت الذي أرسل فيه رسول الله # ### | AUT صلى الله عليه وسلم # بعث الله نبيه محمدا ### | AUT صلى الله عليه وسلم # لعشرين سنة مضت من ملك كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان، وكان على ~~الحيرة إياس بن قبيصة الطائي عاملا للفرس على العرب. PageV01P0252 # قال ابن عباس من رواية حمزة وعكرمة عنه وأنس بن مالك وعروة ابن الزبير: إن النبي ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، بعث وأنزل عليه الوحي ms0481 وهو ابن أربعين سنة. وقال ابن عباس من رواية ~~عكرمة أيضا عنه وسعيد بن المسيب: إنه أنزل عليه، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، وكان نزول الوحي عليه يوم الاثنين بلا خلاف. ~~واختلفوا في أي الأثانين كان ذلك، فقال أبو قلابة الجرمي: أنزل الفرقان على النبي، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان، وقال آخرون: كان ذلك لتسع عشرة مضت من ~~رمضان. وكان، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، قبل أن يظهر له جبرائيل يرى ويعاين آثارا من آثار من يريد الله إكرامه ~~بفضله، وكان من ذلك ما ذكرت من شق الملكين بطنه واستخراجهما ما في قلبه من ~~الغل والدنس، ومن ذلك أنه كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه، فكان ~~يلتفت يمينا وشمالا فلا يرى أحدا، وكانت الأمم تتحدث بمبعثه وتخبر علماء كل ~~أمة قومها بذلك. قال عامر بن ربيعة: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: إنا ~~لننتظر نبيا من ولد إسماعيل، ثم من بني عبد المطلب، ولا أراني أدركه، وأنا ~~أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك حياة ورأيته فأقرئه مني السلام، ~~وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفي عليك. قلت: هلم. قال: هو رجل ليس بالطويل ولا ~~بالقصير، ولا بكثير الشعر ولا بقليلة، ولا تفارق عينيه حمرة، وخاتم النبوة ~~بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثم يخرجه قومه ويكرهون ما ~~جاء به، ويهاجر إلى يثرب فيظهر بها أمره، فإياك أن تنخدع عنه، فإني طفت ~~البلاد كلها أطلب دين إبراهيم فكل من أسأله من اليهود والنصارى والمجوس ~~يقول: هذا الدين وراءك، وينعتونه مثل ما نعته لك، ويقولون لم يبق نبي غيره. ~~قال عامر: فلما أسلمت أخبرت رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، قول زيد وأقرأته السلام. فرد عليه رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، وترحم عليه وقال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا. وقال جبير بن مطعم: ~~كنا جلوسا عند صنم سوانة قبل ms0482 أن يبعث رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # بشهر. نحرنا جزورا، فإذا صائح يصيح من جوف الصنم: اسمعوا إلى العجب، ذهب ~~استراق الوحي ونرمى بالشهب لنبي بمكة اسمه أحمد مهاجره إلى يثرب. قال: ~~فأمسكنا وعجبنا، وخرج رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # . والأخبار عن دلائل نبوته كثيرة، وقد صنف العلماء في ذلك كتبا كثيرا ~~ذكروا فيها كل عجيبة، ليس هذا موضع ذكرها. ### || AUT ذكر ابتداء الوحي إلى النبي # ### || AUT صلى الله عليه وسلم # قالت عائشة، رضي الله عنها: كان أول ما ابتدئ به رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، من الوحي الرؤيا الصادقة، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه ~~الخلاء، فكان بغار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد ثم يرجع إلى أهله ~~فيتزود لمثلها حتى فجأه الحق فأتاه جبرائيل فقال: يا محمد أنت رسول الله. ~~قال رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # : فجثوت لركبتي ثم رجعت ترجف بوادري فدخلت على خديجة فقلت: زملوني زملوني ~~! ثم ذهب عني الروع، ثم أتاني فقال: يا محمد أنت رسول الله. قال: فلقد هممت ~~أن أطرح نفسي من حالق، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد أنا جبرائيل ~~وأنت رسول الله، قال: اقرأ. قلت: وما أقرأ ؟ فأخذني فغتني ثلاث مرات حتى ~~بلغ مني الجهد ثم قال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) العلق: 1، فقرأت. فأتيت ~~خديجة، فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا ~~يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، ~~وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. ثم انطلقت بي إلى ورقة بن ~~نوفل، وهو ابن عمها، وكان قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة ~~والإنجيل، فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني فأخبرته خبري. فقال: هذا ~~الناموس الذي أنزل على موسى بن عمران، ليتني كنت حيا حين يخرجك قومك. قلت: ~~أمخرجي هم ؟ قال: نعم، إنه لم يجيء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، ولئن ~~أدركني يومك لأنصرنك نصرا ms0483 مؤزرا. ثم إن أول ما نزل عليه من القرآن بعد ~~اقرأ: (ن والقلم وما يسطرون) القلم: 1 و(يا أيها المدثر) المدثر: 1 والضحى: ~~1. PageV01P0253 # وقالت خديجة لرسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، فيما تثبته فيما أكرمه الله به من نبوته: يا ابن عم أتستطيع أن تخبرني ~~بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟ قال: نعم. فجاءه جبرائيل، فأعلمها. ~~فقالت: قم فاجلس على فخذي اليسرى، فقام، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، فجلس عليها. فقالت: هل تراه ؟ قال: نعم. قالت: فتحول فاقعد على فخذي ~~اليمنى. فجلس عليها، فقالت: هل تراه ؟ قال: نعم. فتحسرت فألقت خمارها، ~~ورسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، في حجرها، ثم قالت: هل تراه ؟ قال: لا. قالت: يا ابن عم اثبت وأبشر، ~~فوالله إنه ملك، وما هو بشيطان ! وقال يحيى بن أبي كثير: سألت أبا سلمة عن ~~أول ما نزل من القرآن، قال: نزلت (يا أيها المدثر) أول. قال: قلت: إنهم ~~يقولون (اقرأ باسم ربك). قال: سألت جابر بن عبد الله قال: لا أحدثك إلا ما ~~حدثنا رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، قال: جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فسمعت صوتا فنظرت عن يميني فلم ~~أر شيئا ونظرت عن يساري فلم أر شيئا ونظرت خلفي وأمامي فلم أر شيئا، فرفعت ~~رأسي فإذا هو، يعني الملك، جالس على عرش بين السماء والأرض، فخشيت منه ~~فأتيت خديجة فقلت: دثروني دثروني، وصبوا علي ماء، ففعلوا، فنزلت: (يا أيها ~~المدثر)، هذا حديث صحيح. قال هشام بن الكلبي: أتى جبرائيل النبي، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، أول ما أتاه ليلة السبت وليلة الأحد، ثم ظهر له برسالة الله يوم ~~الاثنين فعلمه الوضوء والصلاة، وعلمه: (اقرأ باسم ربك الذي خلق)، وكان ~~لرسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، أربعون سنة. قال الزهري: فتر الوحي عن رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، فترة، فحزن حزنا شديدا وجعل يغدو إلى رؤوس الجبال ليتردى منها، فكلما ~~رقي ذروة جبل تبدى له جبرائيل فيقول: إنك رسول ms0484 الله حقا. فيسكن لذلك جأشه ~~وترجع نفسه. فلما أمر الله نبيه، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، أن ينذر قومه عذاب الله على ما هم عليه من عبادة الأصنام دون الله الذي ~~خلقهم ورزقهم وأني حدث بنعمة ربه عليه، وهي النبوة في قول ابن إسحاق، فكان ~~يذكر ذلك سرا لمن يطمئن إليه من أهله، فكان أول من آمن به وصدقه من خلق ~~الله تعالى خديجة بنت خويلد زوجته. قال الواقدي: أجمع أصحابنا على أن أول ~~أهل القبلة استجاب لرسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، خديجة. ثم كان أول شيء فرض الله من شرائع الإسلام عليه بعد الإقرار ~~بالتوحيد والبراءة من الأوثان الصلاة، وان الصلاة لما فرضت عليه، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، أتاه جبرائيل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت ~~فيه عين، فتوضأ جبرائيل وهو ينظر إليه ليريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، مثله، ثم قام جبرائيل فصلى به وصلى النبي، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، بصلاته، ثم انصرف. وجاء رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، إلى خديجة فعلمها الوضوء، ثم صلى بها فصلت بصلاته. ### || AUT ذكر المعراج برسول الله # ### || AUT صلى الله عليه وسلم # اختلف الناس في وقت المعراج، فقيل: كان قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: ~~بسنة واحدة، واختلفوا في الموضع الذي أسري برسول الله ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، منه، فقيل: كان نائما بالمسجد في الحجر فأسري به منه، وقيل: كان نائما ~~في بيت أم هانئ بنت أبي طالب، وقائل ها يقول: الحرم كله مسجد. وقد روى حديث ~~المعارج جماعة من الصحابة بأسانيد صحيحة. قالوا: قال رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # : أتاني جبرائيل وميكائيل فقالا: بأيهم أمرنا ؟ فقالا: أمرنا بسيدهم؛ ثم ~~ذهبا ثم جاءا من القابلة وهم ثلاثة فألفوه وهو نائم فقلبوه لظهره وشقوا ~~بطنه وجاؤوا بماء زمزم فغسلوا ما كان في بطنه من غل وغيره، وجاؤوا بطست ~~مملوء إيمانا وحكمة فمليء قلبه وبطنه ms0485 إيمانا وحكمة. قال: وأخرجني جبرائيل ~~من المسجد وغذا أنا بدابة، وهي البراق، وهي فوق الحمار ودون البغل، يقوع ~~خطوه عند منتهى طرفه، فقال: اركب، فلما وضعت يدي عليه تشامس واستصعب. فقال ~~جبرائيل: يا براق ما ركبك نبي أكرم على الله من محمد، فانصب عرقا وانخفض لي ~~حتى ركبته، وسار بي جبرائيل نحو المسجد الأقصى، فأتيت بإنائين أحدهما لبن ~~والآخر خمر، فقيل لي: اختر أحدهما، فأخذت اللبن فشربته، فقيل لي: أصبت ~~الفطرة، أما إنك لو شربت الخمر لغوت أمتك بعدك. PageV01P0254 # ثم سرنا فقال لي: انزل فصل، فنزلت فصليت، فقال: هذه طيبة وإليها المهاجر. ~~ثم سرنا فقال لي: انزل فصل، فنزلت فصليت، فقال: هذا طور سيناء حيث كلم الله ~~موسى.ثم سرنا فقال: انزل فصل، فنزلت فصليت، فقال: هذا بيت لحم حيث ولد ~~عيسى. ثم سرنا حتى أتينا بين المقدس، فلما انتهينا إلى باب المسجد أنزلني ~~جبرائيل وربط البراق بالحلقة التي كان يربط بها الأنبياء. فلما دخلت المسجد ~~إذا أنا بالأنبياء حوالي، وقيل: بأرواح الأنبياء الذين بعثهم الله قبلي، ~~فسلموا علي، فقلت: يا جبرائيل من هؤلاء ؟ قال: إخوانك من الأنبياء، زعمت ~~قريش أن الله شريكا، وزعمت النصارى أن لله ولدا، سل هؤلاء النبيين هل كان ~~لله، عز وجل، شريك أو ولد، فذلك قوله تعالى: (واسأل من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) الزخرف: 45؛ فأقروا بالوحدانية ~~لله، عز وجل، ثم جمعهم جبرائيل وقدمني فصليت بهم ركعتين. ثم انطلق بي ~~جبرائيل إلى الصخرة فصعد بي عليها، فإذا معراج إلى السماء لا ينظر الناظرون ~~إلى شيء أحسن منه ومنه تعرج الملائكة، أصله في صخرة بيت المقدس ورأسه ملتصق ~~بالسماء، فاحتملني جبرائيل ووضعني على جناحه وصعد بي إلى السماء الدنيا ~~فاستفتح، فقيل: من هذا ؟ قال: جبرائيل. قيل: ومن معك ؟ قال: محمد. قيل: وقد ~~بعث إليه ؟ قال نعم. قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء ! ففتح، فدخلنا فإذا ~~أنا برجل تام الخلقة عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة وعن شماله باب يخرج ~~منه ms0486 ريح خبيثة، فإذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك، وإذا نظر إلى الباب ~~الذي عن يساره بكى. فقلت: من هذا ؟ وما هذان البابان؟ فقال: هذا أبوك آدم، ~~والباب الذي عن يمينه باب الجنة، فإذا نظر إلى من يدخلها من ذريته ضحك، ~~والباب الذي عن يساره باب جهنم، إذا نظر إلى من يدخلها من ذريته بكى وحزن. ~~ثم صعد بي إلى السماء الثانية فاستفتح، فقيل: من هذا ؟ قال: جبرائيل. قيل: ~~ومن معك ؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه ؟ قال: نعم. قيل: حياه الله، مرحبا ~~به ونعم المجيء جاء ! ففتح لنا. فدخلنا فإذا بشابين، فقلت: يا جبرائيل من ~~هذان ؟ فقال: هذان عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا. ثم صعد بي إلى السماء ~~الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا ؟ قال: جبرائيل. قيل: ومن معك ؟ قال: محمد. ~~قيل: وقد بعث إليه ؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء ! فدخلنا، ~~فإذا أنا برجل قد فضل الناس بالحسن. قلت: من هذا يا جبرائيل ؟ قال: هذا ~~أخوك يوسف. ثم صعد بي إلى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا ؟ قال: ~~جبرائيل. قيل: ومن معك ؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه ؟ قال: نعم. قيل: ~~مرحبا به ونعم المجيء جاء ! فدخلنا، فإذا أنا برجل، فقلت: من هذا ؟ قال: ~~إدريس رفعه الله مكانا عليا. ثم صعد بي إلى السماء الخامسة، فاستفتح، فقيل: ~~من هذا ؟ قال: جبرائيل. قيل: ومن معك ؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه ؟ ~~قال: نعم. قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء ! فدخلنا، فإذا رجل جالس وحوله ~~قوم يقص عليهم. قلت: من هذا ؟ قال: هذا هارون والذين حوله بنو إسرائيل. ثم ~~صعد بي إلى السماء السادسة فاستفتح، فقيل: من هذا ؟ قال: جبرائيل. قيل: ومن ~~معك ؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه ؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به ونعم المجيء ~~جاء ! فدخلنا، فإذا أنا برجل جالس فجاوزناه، فبكى الرجل، فقلت: يا جبرائيل ~~من هذا ؟ قال: هذا موسى. قلت: فما باله يبكي ؟ قال: يزعم بنو إسرائيل أني ~~أكرم على الله من آدم، ms0487 وهذا الرجل من بني آدم قد خلفني وراءه. PageV01P0255 # قال: ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح، فقيل: من هذا ؟ قال: ~~جبرائيل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه ؟ قال: نعم. قيل: ~~مرحبا به ونعم المجيء جاء ! فدخلنا، فإذا رجل أشمط جالس على كرسي على باب ~~الجنة وحوله قوم بيض الوجوه أمثال القراطيس وقوم في ألوانهم شيء، فقال ~~الذين في ألوانهم شيء فاغتسلوا في نهر وخرجوا وقد صارت وجوههم مثل وجوه ~~أصحابهم. فقلت: من هذا ؟ قال: أبوك إبراهيم، وهؤلاء البيض الوجوه قوم لم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم، وأما الذين في ألوانهم شيء فقوم خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا فتابوا فتاب الله عليهم، وإذا إبراهيم مستند إلى بيت، فقال: هذا ~~البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون إليه. قال: ~~وأخذني جبرائيل فانتهينا إلى سدرة المنتهى وإذا نبقها مثل قلال هجر يخرج من ~~أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فأما الباطنان ففي الجنة، ~~وأما الظاهران فالنيل والفرات، قال: وغشيها من نور الله ما غشيها، وغشيها ~~الملائكة كأنهم جراد من ذهب من خشية الله، وتحولت حتى ما يستطيع أحد أن ~~ينعتها، وقام جبرائيل في وسطها، فقال جبرائيل: تقدم يا محمد. فتقدمت ~~وجبرائيل معي إلى حجاب، فأخذ بي ملك وتخلف عني جبرائيل، فقلت: إلى أين ؟ ~~فقال: (وما منا إلا له مقام معلوم) الصافات: 164، وهذا منتهى الخلائق. فلم ~~أزل كذلك حتى وصلت إلى العرش فاتضع كل شيء عند العرش وكل لساني من هيبة ~~الرحمن، ثم أنطق الله لساني فقلت: التحيات المباركات والصلوات الطيبات لله، ~~وفرض الله علي وعلى أمتي في كل يوم وليلة خمسين صلاة. ورجعت إلى جبرائيل ~~فأخذ بيدي وأدخلني الجنة فرأيت القصور من الدر والياقوت والزبرجد، ورأيت ~~نهرا يخرج من أصله ماء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، يجري على رضراض ~~من الدر والياقوت والمسك، فقال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، ثم عرض علي ~~النار، فنظرت إلى أغلاها وسلاسلها وحياتها وعقاربها وما فيها من العذاب. ثم ~~أخرجني، ms0488 فانحدرنا حتى أتينا موسى، فقال: ماذا فرض عليك وعلى أمتك ؟ قلت: ~~خمسين صلاة. قال: فإني قد بلوت بني إسرائيل قبلك وعالجتهم أشد المعالجة على ~~أقل من هذا فلم يفعلوا، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فرجعت إلى ربي ~~وسألته، فخفف عني عشرا. فرجعت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع واسأله ~~التخفيف. فرجعت فخفف عني عشرا، فلم أزل بين ربي وموسى حتى جعلها خمسا، ~~فقال: ارجع فاسأله التخفيف، فقلت: إني قد استحيت من ربي وما أنا براجع، ~~فنوديت: إني قد فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة والخمس بخمسين، وقد أمضيت ~~فريضتي وخففت عن عبادي. ثم انحدرت أنا وجبرائيل إلى مضجعي، وكان كل ذلك في ~~ليلة واحدة. فلما رجع إلى مكة علم أن الناس لا يصدقونه، فقعد في المسجد ~~مغموما، فمر به أبو جهل، فقال له كالمستهزئ: هل استفدت الليلة شيئا ؟ قال: ~~نعم، أسري بي الليلة إلى بيت المقدس. قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ فقال: ~~نعم. فخاف أن يخبر بذلك عنه فيجحده النبي، فقال: أتخبر قومك بذلك ؟ فقال: ~~نعم. فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلموا فأقبلوا. فحدثهم النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، فمن بين مصدق ومكذب ومصفق وواضع يده على رأسه. وارتد ~~الناس ممن كان آمن به وصدقه. وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر فقالوا: إن ~~صاحبك يزعم كذا وكذا ؟! فقال: إن كان قال ذلك فقد صدق، إني لأصدقه بما هو ~~أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فسمي أبو بكر الصديق من ~~يومئذ. قالوا: فانعت لنا المسجد الأقصى. قال: فذهبت أنعت حتى التبس على، ~~قال: فجيء بالمسجد، وإني أنظر إليه، فجعلت أنعته. قالوا: فأخبرنا عن عيرنا. ~~قال: قد مررت على عير بني فلان بالروحاء وقد أضلوا بعيرا لهم وهم في طلبه، ~~فأخذت قدحا فيه ماء فشربته، فسلوهم عن ذلك، ومررت بعير بني فلان وفلان ~~وفلان فرأيت راكبا وقعودا بذي مر فنفر بكرهما مني فسقط فلان فانكسرت يده، ~~فسلوهما. قال: ومررت بعيركم بالتنعيم يقدمها جمل أورق ms0489 عليه غرارتان مخيطتان ~~تطلع عليكم من طلوع الشمس. فخرجوا إلى الثنية فجلسوا ينظرون طلوع الشمس ~~ليكذبوه إذ قال قائل: هذه الشمس قد طلعت. فقال آخر: والله هذه العير قد ~~طلعت يقدمها بعير أورق كما قال. فلم يفلحوا وقالوا: إن هذا سحر مبين. ~~PageV01P0256 ### || AUT ذكر الاختلاف في أول من أسلم # اختلف العلماء في أول من أسلم مع الاتفاق على أن خديجة أول خلق الله ~~إسلاما، فقال قوم: أول ذكر آمن علي. روي عن علي عليه السلام، أنه قال: أنا ~~عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر، ~~صليت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبل الناس بسبع سنين. وقال ابن ~~عباس: أول من صلى علي. وقال جابر بن عبد الله: بعث النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، يوم الاثنين وصلى علي يوم الثلاثاء. وقال زيد بن أرقم: أول من أسلم ~~مع النبي، صلى الله عليه وسلم، علي. وقال عفيف الكندي: كنت أمرأ تاجرا ~~فقدمت مكة أيام الحد فأتيت العباس، فبينا نحن عنده إذ خرج رجل فقال تجاه ~~الكعبة يصلي، ثم خرجت امرأة تصلي معه، ثم خرج غلام فقال يصلي معه. فقلت: يا ~~عباس ما هذا الدين ؟ فقال: هذا محمد بن عبد الله ابن أخي، زعم أن الله ~~أرسله وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذه امرأته خديجة آمنت به، وهذا ~~الغلام علي بن أبي طالب آمن به، وايم الله ما أعلم على ظهر الأرض أحدا على ~~هذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة ! قال عفيف: ليتني كنت رابعا. وقال محمد بن ~~المنذر وربيعة بن أبي عبد الرحمن وأبو حازم المدي والكلبي: أول من أسلم ~~علي. قال الكلبي: كان عمره تسع سنين، وقيل: إحدى عشرة سنة. وقال ابن إسحاق: ~~أول من أسلم علي وعمره إحدى عشرة سنة. وكان من نعمة الله عليه أن قريشا ~~أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال يوما رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، لعمه العباس: يا عم إن أبا طالب كثير ms0490 العيال فانطلق ~~بنا نخفف عن عيال أبي طالب، فانطلقا إليه وأعلماه ما أرادا، فقال أبو طالب: ~~اتركا لي عقيلا واصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~عليا، وأخذ العباس جعفرا، فلم يزل علي عند النبي، صلى الله عليه وسلم، حتى ~~أرسله الله فاتبعه. وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، إذا أراد الصلاة انطلق ~~هو وعلي إلى بعض الشعاب بمكة فيصليان ويعودان. فعثر عليهما أبو طالب فقال: ~~يا ابن أخي ما هذا الدين ؟ قال: دين الله وملائكته ورسله، ودين أبينا ~~إبراهيم، بعثني الله تعالى به إلى العباد، وأنت أحق من دعوته إلى الهدى ~~وأحق من أجابني. قال: لا أستطيع أن أفارق ديني ودين آبائي، ولكن والله لا ~~تخلص قريش إليه بشيء تكرهه ما حييت. فلم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم ~~واستغنى عنه. قال: وقال أبو طالب لعلي: ما هذا الدين الذي أنت عليه ؟ قال: ~~يا أبه ! آمنت بالله وبرسوله وصليت معه. فقال: أما إنه لا يدعونا إلا إلى ~~الخير فالزمه. وقيل: أول من أسلم أبو بكر، رضي الله عنه. قال الشعبي: سألت ~~ابن عباس عن أول من اسلم، فقال: أما سمعت قول حسان بن ثابت: إذا تذكرت شجوا ~~من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها ... ~~بعد النبي وأوفاها بما حملا الثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس ~~منهم صدق الرسلا وقال عمرو بن عبسة: أتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~بعكاظ فقلت: يا رسول الله من تبعك على هذا الأمر ؟ قال: تبعني عليه حر ~~وعبد، أبو بكر وبلال. فأسلمت عند ذلك، فلقد رأيتني ربع الإسلام. وكان أبو ~~ذر يقول: لقد رأيتني ربع الإسلام لم يسلم قبلي إلا النبي وأبو بكر وبلال. ~~وقال إبراهيم النخعي: أبو بكر أول من أسلم. وقيل: أول من أسلم زيد بن ~~حارثة. قال الزهري وسليمان بن يسار وعمران بن أبي أنس وعروة بن الزبير: أول ~~من أسلم زيد بن حارثة وكان هو وعلي يلزمان النبي، صلى الله ms0491 عليه وسلم، ~~وكان، صلى الله عليه وسلم، يخرج إلى الكعبة أول النهار ويصلي صلاة الضحى، ~~وكانت قريش لا تنكرها، وكان إذا صلى غيرها قعد علي وزيد بن حارثة يرصدانه. ~~PageV01P0257 # وقال ابن إسحاق: أول ذكر أسلم بعد النبي علي وزيد بن حارثة، ثم أسلم أبو ~~بكر وأظهر إسلامه، وكان مانعا لقومه محببا فيهم، وكان أعلمهم بأنساب قريش ~~وما كان فيها، وكان تاجرا يجتمع إليه قومه، فجعل يدعو من يثق به من قومه، ~~فأسلم على يديه عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد ~~بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~حين استجابوا له فأسلموا وصلوا. وكان هؤلاء النفر هم الذين سبقوا إلى ~~الإسلام، ثم تتابع الناس في الإسلام حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به ~~الناس. قال الواقدي: وأسلم أبو ذر، قالوا رابعا أو خامسا، وأسلم عمرو بن ~~عبسة السلمي رابعا أو خامسا، وقيل: إن الزبير أسلم رابعا أو خامسا، وأسلم ~~خالد بن سعيد بن العاص خامسا. وقال ابن إسحاق: أسلم هو وزوجته همينة بنت ~~خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة من خزاعة بعد جماعة كثيرة. ؟ ### || AUT ذكر أمر الله تعالى نبيه # ### || AUT صلى الله عليه وسلم بإظهار دعوته # ثم إن الله تعالى أمر النبي، صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه بثلاث سنين ~~أن يصدع بما يؤمر، وكان قبل ذلك في السنين الثلاث مستترا بدعوته لا يظهرها ~~إلا لمن يثق به، فكان أصحابه إذا أرادوا الصلاة ذهبوا إلى الشعاب فاستخفوا، ~~فبينما سعد بن أبي وقاص وعمار وابن مسعود وخباب وسعيد بن زيد يصلون في شعب ~~اطلع عليهم نفر من المشركين، منهم: أبو سفيان بن حرب، والأخنس بن شريق، ~~وغيرهما، فسبوهم وعابوهم حتى قاتلوهم، فضرب سعد رجلا من المشركين بلحي جمل ~~فشجه، فكان أول دم أريق في الإسلام في قول. قال ابن عباس: لما نزلت: (وأنذر ~~عشرتك الأقربين) الشعراء: 214 خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فصعد على ~~الصفا ms0492 فهتف: يا صباحاه ! فاجتمعوا إليه، فقال: يا بني فلان، يا بني فلان، ~~يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف ! فاجتمعوا إليه. فقال: أرأيتكم لو ~~أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح الجبل أكنتم مصدقي ؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك ~~كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شدي. فقال أبو لهب: تبا لك ! أما ~~جمعتنا إلا لهذا ؟ ثم قام، فنزلت: (تبت يدا أبي لهب) المسد: 1. وقال جعفر ~~بن عبد الله بن أبي الحكم: لما أنزل الله على رسوله: (وأنذر عشيرتك ~~الأقربين)، اشتد ذلك عليه وضاق به ذرعا، فجلس في بيته كالمريض، فأتته عماته ~~يعدنه، فقال: ما اشتكيت شيئا ولكن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين. ~~فقلن له: فادعهم ولا تدع أبا لهب فيهم فإنه غير مجيبك. فدعاهم، صلى الله ~~عليه وسلم، فحضروا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا خمسة ~~وأربعين رجلا، فبادره أبو لهب وقال: هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع ~~الصباة، واعلم أنه ليس لقومك في العرب قاطبة طاقة، وأن أحق من أخذك فحبسك ~~بنو أبيك؛ وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش ~~وتمدهم العرب، فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشر مما جئتهم به. فسكت رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، ولم يتكلم في ذلك المجلس، ثم دعاهم ثانية وقال: ~~الحمد لله، أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا ~~هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ~~ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدا والنار أبدا. ~~فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك وأقبلنا لنصيحتك وأشد تصديقنا لحديثك، ~~وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، ~~فامض لما أمرت به فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على ~~فراق دين ms0493 عبد المطلب. فقال أبو لهب: هذه والله السوأة ! خذوا على يديه قبل ~~أن يأخذ غيركم. فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا. PageV01P0258 # وقال علي بن أبي طالب: لما نزلت: (وأنذر عشيرتك الأقربين) دعاني النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ~~فضقت ذرعا وعلمت أني متى أبادرهم بهذا الأمر أر منهم ما أكره، فصمت عليه ~~حتى جاءني جبرائيل فقال: يا محمد إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك. فاصنع لنا ~~صاعا من طعام واجعل عليه رجل شاة واملأ لنا عسا من لبن واجمع لي بني عبد ~~المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به. ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم، وهم ~~يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة ~~والعباس وأبو لهب، فلما اجتمعوا فتنفها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة، ~~ثم قال: خذوا باسم الله، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء من حاجة، وما أرى إلا ~~مواضع أيديهم، وايم الله الذي نفس علي بيده إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ~~ما قدمت لجميعهم ! ثم قال: اسق القوم، فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى ~~رووا جميعا، وايم الله إن كان الرجل الواحد ليشرب مثله! فلما أراد رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لهد ما ~~سحركم به صاحبكم. فتفرق القوم ولم يكلمهم، صلى الله عليه وسلم، فقال: الغد ~~يا علي؛ إن هذا الرجل سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرقوا قبل أن أكلمهم، ~~فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم إلي. ففعل مثل ما فعل بالأمس، ~~فأكلوا، وسقيتهم ذلك العس، فشربوا حتى رووا جميعا وشبعوا، ثم تكلم رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا ~~في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، ~~وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن ms0494 ~~يكون أخي ووصي وخليفتي فيكم ؟ فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت وإني لأحدثهم ~~سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا: أنا يا نبي الله أكون وزيرك ~~عليه. فأخذ برقبتي ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له ~~وأطيعوا. قال: فقال القوم يضحكون فيقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك ~~وتطيع. وأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يصدع بما جاءه من عند الله ~~وأن يبادئ الناس بأمره ويدعوهم إلى الله، فكان يدعو في أول ما نزلت عليه ~~النبوة ثلاث سنين مستخفيا إلى أن أمر بالظهور للدعاء، ثم صدع بأمر الله ~~وبادأ قومه بالإسلام، فلم يبعدوا منه ولم يردوا عليه إلا بعض الرد، حتى ذكر ~~آلهتهم وعابها. فلما فعل ذلك أجمعوا على خلافه إلا من عصمه الله منهم ~~بالإسلام، وهم قليل مستخفون. وحدب عليه عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه، ومضى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أمر الله مظهرا لأمره لا يرده شيء. فلما ~~رأت قريش أنه، صلى الله عليه وسلم، لا يعتبهم من شيء يكرهونه، وأن أبا طالب ~~قد قام دونه ولم يسلمه لهم، مشى رجال من أشرافهم إلى أبي طالب: عتبة وشيبة ~~ابنا ربيعة، وأبو البختري بن هشام، والأسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، ~~وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، ومن مشى منهم، ~~فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا ~~وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما ~~نحن عليه من خلافه، فقال لهم أبو طالب قولا جميلا وردهم ردا رفيقا، ~~فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما هو عليه. ثم شري ~~الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال فتضاغنوا وأكثرت قريش ذكر رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، وتذامروا فيه، فمشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا: يا ~~أبا طالب إن لك سنا وشرفا، وإنا قد اشتهيناك أن تنهى ابن أخيك فلم ms0495 تفعل، ~~وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آلهتنا وآبائنا وتسفيه أحلامنا حتى تكفه ~~عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، أو كما قالوا، ثم ~~انصرفوا عنه. PageV01P0259 # فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم له ولم تطب نفسه بإسلام رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، وخذلاته، وبعث إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~فأعلمه ما قالت قريش وقال له: أبق على نفسك وعلي ولا تحملني من الأمر ما لا ~~أطيق. فظن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه قد بدا لعمه بدو وأنه خذله ~~وقد ضعف عن نصرته، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا عماه لو وضعوا ~~الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو ~~أهلك فيه ما تركته. ثم بكى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقام. فلما ولى ~~ناداه أبو طالب، فأقبل عليه وقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا ~~أسلمك لشيء أبدا. فلما علمت قريش أن أبا طالب لا يخذل رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، وأنه يجمع لعداوتهم مشوا بعمارة بن الوليد فقالوا: يا أبا طالب ~~هذا عمارة بن الوليد فتى قريش وأشعرهم وأجملهم، فخذه فلك عقله ونصرته ~~فاتخذه ولدا، وأسلم لنا ابن أخيك هذا الذي سفه أحلامنا وخالف دينك ودين ~~آبائك وفرق جماعة قومك نقتله، فإنما رجل برجل. فقال: والله لبئس ما ~~تسومونني، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابن تقتلونه ؟ هذا والله لا ~~يكون أبدا ! فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف: والله لقد أنصفك قومك ~~وما أراك تريد أن تقبل منهم ! فقال أبو طالب: والله ما أنصفوني ولكنك قد ~~أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك. اشتد الأمر عند ذلك ~~وتنابذ القوم واشتدت قريش على من في القبائل من الصحابة الذين أسلموا، ~~فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع ~~الله رسوله بعمه أبي طالب، وقام أبو طالب ms0496 في بني هاشم فدعاهم إلى منع رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، فأجابوا إلى ذلك واجتمعوا إليه إلا ما كان من ~~أبي لهب. فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره أقبل يمدحهم ويذكر فضل رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، فيهم. وقد مشت قريش إلى أبي طالب عند موته ~~وقالوا له: أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم ~~آلهتنا وندعه وإلهه. فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه قال له: هؤلاء ~~سروات قومك يسألونك أن تكف عن شتم آلهتم ويدعوك وإلهك. قال له رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم: أي عم ؟! أولا أدعوهم إلى ما خير لهم منها كلمة ~~يقولونها تدين لهم بها العرب ويملكون رقاب العجم ؟ فقال أبو جهل: ما هي ~~وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها ؟ قال: تقولون لا إله إلا الله، فنفروا ~~وتفرقوا وقالوا: سل غيرها. فقال: لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما ~~سألتكم غيرها. قال: فغضبوا وقاموا من عنده غضابى وقالوا: والله لنشتمنك ~~وإلهك الذي يأمرك بهذا ! (وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم)، ~~إلى قوله: (إلا اختلاق) ص 6؛ وأقبل على عمه فقال: قل كلمة أشهد لك بها يوم ~~القيامة. قال: لولا أن تعيبكم بها العرب وتقول جزع من الموت لأعطيتكها، ~~ولكن على ملة الأشياخ، فنزلت: (إنك لا تهدي من أحببت) القصص: 56. ### || AUT ذكر تعذيب المستضعفين من المسلمين # وهم الذين سبقوا إلى الإسلام ولا عشائر لهم تمنعهم ولا قوة لهم يمنعون ~~بها، فأما من كانت له عشيرة تمنعه فلم يصل الكفار إليه، فلما رأوا امتناع ~~من له عشيرة وثبت كل قبيلة على من فيها من مستضعفي المسلمين فجعلوا ~~يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش ورمضاء مكة والنار ليفتنوهم عن ~~دينهم، فمنهم من يفتتن من شدة البلاء وقلبه مطمئن بالإيمان، ومنهم من يتصلب ~~في دينه ويعصمه الله منهم. PageV01P0260 # فمنهم: بلال بن رباح الحبشي مولى أبي بكر، وكان أبوه من سبي الحبشة، وأمه ~~حمامة سبية أيضا، وهو من مولدي السراة، وكنيته أبو عبد ms0497 الله، فصار بلال ~~لأمية بن خلف الجمحي، فكان إذا حميت الشمس وقت الظهيرة يلقيه في الرمضاء ~~على وجهه وظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتلقى على صدره، ويقول: لا تزال ~~هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فكان ورقة بن نوفل يمر به ~~وهو يعذب وهو يقول: أحد أحد. فيقول: أحد أحد والله يا بلال. ثم يقول لأمية: ~~أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانا. فرآه أبو بكر يعذب فقال ~~لأمية بن خلف الجمحي: ألا تتقي الله في هذا المسكين ؟ فقال: أنت أفسدته ~~فأبعدته. فقال: عندي غلام على دينك أسود أجلد من هذا أعطيكه به. قال: قبلت. ~~فأعطاه أبو بكر غلامه وأخذ بلالا فأعتقه، فهاجر وشهد المشاهد كلها مع رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم. ومنهم: عمار بن ياسر أبو اليقظان العنسي، وهو ~~بطن من مراد - وعنس هذا بالنون - ، أسلم هو وأبوه وأمه وأسلم قديما ورسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، في دار الأرقم بن أبي الأرقم بعد بضعة وثلاثين ~~رجلا، أسلم هو وصحيب في يوم واحد، وكان ياسر حليفا لبني مخزوم، فكانوا ~~يخرجون عمارا وأباه وأمه إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء يعذبونهم بحر ~~الرمضاء، فمر بهم النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: صبرا آل ياسر فإن ~~موعدكم الجنة. فمات ياسر في العذاب وأغلظت امرأته سمية القول لأبي جهل، ~~فطعنها في قلبها بحربة في يديه فماتت، وهي أول شهيد في الإسلام، وشددوا ~~العذاب على عمار بالحر تارة وبوضع الصخر على صدره أخرى وبالتغريق أخرى، ~~فقالوا: لا نتركك حتى تسب محمدا وتقول في اللات والعزى خيرا، ففعل، فتركوه، ~~فأتى النبي، صلى الله عليه وسلم، يبكي. فقال: ما وراءك ؟ قال: شر يا رسول ~~الله، كان الأمر كذا وكذا. قال: فكيف تجد قلبك ؟ قال: أجده مطمئنا ~~بالإيمان. فقال: يا عمار إن عادوا فعد، فأنزل الله تعالى: (إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان) النحل: 106؛ فشهد المشاهد كلها مع رسول الله وقتل ~~بصفين مع علي وقد جاوز التسعين، قيل بثلاث، وقيل بأربع سنين. ms0498 ومنهم: خباب ~~بن الأرث، كان أبوه سواديا من كسكر، فسباه قوم من ربيعة وحملوه غل مكة ~~فباعوه من سباع بن عبد العزى الخزاعي حليف بني زهرة، وسباع هو الذي بارزه ~~حمزة يوم أحد، وخباب تميمي، وكان إسلامه قديما، قيل سادس ستة قبل دخول رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، دار الأرقم، فأخذه الكفار وعذبوه عذابا شديدا، ~~فكانوا يعرونه ويلصقون ظهره بالرمضاء ثم بالرضف، وهي الحجارة المحماة ~~بالنار، ولووا رأسه، فلم يجبهم إلى شيء مما أرادوا منه، وهاجر وشهد المشاهد ~~كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونزل الكوفة، ومات سنة ست وثلاثين. ~~ومنهم: صهيب بن سنان الرومي، ولم يكن روميا، وإنما نسب إليهم لأنهم سبوه ~~وباعوه، وقيل: لأنه كان أحمر اللون، وهو من النمر بن قاسط، كناه رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، أبا يحيى قبل أن يولد له، وكان ممن يعذب في الله، فعذب ~~عذابا شديدا. ولما أراد الهجرة منعته قريش، فافتدى نفسه منهم بماله أجمع، ~~وجعله عمر بن الخطاب عند موته يصلي بالناس إلى أن يستخلف بعض أهله الشورى، ~~وتوفي بالمدينة في شوال من سنة ثمان وثلاثين وعمره سبعون سنة. وأما عامر بن ~~فهيرة فهو مولى الطفيل بن عبد الله الأزدي، وكان الطفيل أخا عائشة لأمها أم ~~رومان، أسلم قديما قبل دخول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دار الأرقم، ~~وكان من المستضعفين يعذب في الله، فلم يرجع عن دينه، واشتراه أبو بكر ~~وأعتقه، فكان يرعى غنما له، وكان يروح بغنم أبي بكر إلى النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، وإلى أبي بكر لما كانا في الغار، وهاجر معهما إلى المدينة ~~يخدمهما، وشهد بدرا وأحدا، واستشهد يوم بئر معونة وله أربعون سنة. ولما طعن ~~قال: فزت ورب الكعبة ؟! ولم توجد جثته لتدفن مع القتلى، فقيل: إن الملائكة ~~دفنته. PageV01P0261 # ومنهم: أبو فكيهة، واسمه أفلح، وقيل يسار، وكان عبدا لصفوان بن أمية بن ~~خلف الجمحي، أسلم مع بلال، فأخذه أمية بن خلف وربط في رجله حبلا وأمر به ~~فجر ثم ms0499 ألقاه في الرمضاء، ومر به جعل فقال له أمية: أليس هذا ربك ؟ فقال: ~~الله ربي وربك ورب هذا، فخنقه خنقا شديدا، ومعه أخوه أبي بن خلف يقول: زده ~~عذابا حتى يأتي محمد فيخلصه بسحره، ولم يزل على تلك الحال حتى ظنوا أنه قد ~~مات، ثم أفاق، فمر به أبو بكر فاشتراه وأعتقه. وقيل: إن بني عبد الدار ~~كانوا يعذبونه، وإنما كان مولى لهم، وكانوا يضعون الصخرة على صدره حتى دلع ~~لسانه فلم يرجع عن دينه، وهاجر ومات قبل بدر. ومنهم: لبيبة جارية بني مؤمل ~~بن حبيب بن عدي بن كعب، أسلمت قبل إسلام عمر بن الخطاب، وكان عمر يعذبها ~~حتى تفتن ثم يدعها، ويقول: إني لم أدعك إلا سآمة، فتقول: كذلك يفعل الله بك ~~إن لم تسلم، فاشتراها أبو بكر فأعتقها. ومنهم: زنيرة، وكانت لبني عدي، وكان ~~عمر يعذبها، وقيل: كانت لبني مخزوم، وكان أبو جهل يعذبها حتى عميت، فقال ~~لها: إن اللات والعزى فعلا بك. فقالت: وما يدري اللات والعزى من يعبدهما ؟ ~~ولكن هذا أمر من السماء وربي قادر على رد بصري، فأصبحت من الغد وقد رد الله ~~بصرها، فقالت قريش: هذا من سحر محمد، فاشتراها أبو بكر فأعتقها. زنيرة بكسر ~~الزاي، وتشديد النون، وتسكين الياء المثناة من تحتها، وفتح الراء. ومنهم: ~~النهدية، مولاة لبني نهد، فصارت لامرأة من بني عبد الدار فأسلمت، وكانت ~~تعذبها وتقول: والله لا أقلعت عنك أو يبتاعك بعض أصحاب محمد، فابتاعها أبو ~~بكر فأعتقها. ومنهم: أم عبيس، بالباء الموحدة، وقيل عنيس، بالنون، وهي أمة ~~لبني زهرة، فكان الأسود بن عبد يغوث يعذبها، فابتاعها أبو بكر فأعتقها. ~~وكان أبو جهل يأتي الرجل الشرير ويقول له: أتترك دينك ودين أبيك وهو خير ~~منك ! ويقبح رأيه وفعله ويسفه حلمه ويضع شرفه، وإن كان تاجرا يقول: ستكسد ~~تجارتك ويهلك مالك، وإن كان ضعيفا أغرى به حتى يعذب. ### || AUT ذكر المستهزئين # ### || AUT ومن كان أشد الأذى للنبي صلى الله عليه وسلم # وهم جماعة من قريش فمنهم عمه أبو لهب ms0500 عبد العزى بن عبد المطلب، كان ~~شديدا عليه وعلى المسلمين، عظيم التكذيب له، دائم الأذى، فكان يطرح العذرة ~~والنتن على باب النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان جاره، فكان رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، يقول: أي جوار هذا يا بني عبد المطلب ! فرآه يوما حمزة ~~فأخذ العذرة وطرحها على رأس أبي لهب، فجعل ينفضها عن رأسه ويقول: صاحبي ~~أحمق ! وأقصر عما كان يفعله لكنه يضع من يفعل ذلك. وما أبو لهب بمكة عند ~~وصول الخبر بانهزام المشركين ببدر بمرض يعرف بالعدسة. ومنهم: الأسود بن عبد ~~يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، وهو ابن خال النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~وكان من المستهزئين، وكان إذا رأى فقراء المسلمين قال لأصحابه: هؤلاء ملوك ~~الأرض الذين يرثون ملك كسرى. وكان يقول للنبي، صلى الله عليه وسلم: أما ~~كلمت اليوم من السماء يا محمد ! وما أشبه ذلك. فخرج من أهله فأصابه السموم ~~فاسود وجهه، فلما عاد إليهم لم يعرفوه وأغلقوا الباب دونه، فرجع متحيرا حتى ~~مات عطشا. وقيل: إن جبرائيل أومأ إلى السماء فأصابته الأكلة فامتلأ قيحا ~~فمات. ومنهم: الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم السهمي، كان أحد ~~المستهزئين الذين يؤذون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو ابن الغيطلة، ~~وهي أمه، وكان يأخذ حجرا يعبده، فإذا رأى أحسن منه ترك الأول وعبد الثاني. ~~وكان يقول: قد غر محمد أصحابه ووعدهم أن يحيوا بعد الموت، والله ما يهلكنا ~~إلا الدهر، وفيه نزلت: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه)؛ وأكل حوتا مملوحا فلم ~~يزل يشرب الماء حتى مات، وقيل: أخذته الذبحة، وقيل: امتلأ رأسه قيحا فمات. ~~PageV01P0262 # ومنهم: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، وكان الوليد يكنى أبا ~~عبد شمس، وهو العدل، لأنه كان عدل قريش كلها، لأن قريشا كانت تكسو البيت ~~جميعها وكان الوليد يكسوه وحده، وهو الذي جمع قريشا وقال: إن الناس يأتونكم ~~أيام الحج فيسألونكم عن محمد فتختلف أقواكم فيه، فيقول هذا: ساحر، ويقول ~~هذا: كاهن، ms0501 ويقول هذا: شاعر، ويقول هذا: مجنون، وليس يشبه واحدا مما ~~يقولون، ولكن أصلح ما قيل فيه ساحر لأنه يفرق بين المرء وأخيه وزوجته. وقال ~~أبو جهل: لئن سب محمد آلهتنا سببنا إلهه، فأنزل الله تعالى: (ولا تسبوا ~~الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) الأنعام: 108. ومات ~~بعد الهجرة بعد ثلاثة أشهر وهو ابن خمس وتسعين سنة، ودفن بالحجون، وكان مر ~~برجل من خزاعة يريش نبلا له فوطئ على سهم منها فخدشه، ثم أومأ جبرائيل إلى ~~ذلك الخدش بيده فانتقض ومات منه، فأوصى إلى بنيه أن يأخذوا ديته من خزاعة، ~~فأعطت خزاعة ديته. ومنهم: أمية وأبي ابنا خلف، وكانا على شر ما عليه أحد من ~~أذى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتكذيبه، جاء أبي إليه، صلى الله عليه ~~وسلم، بعظم فخذ ففته في يده وقال: زعمت أن ربك يحيي هذا العظم، فنزلت: (قال ~~من يحيي العظام وهي رميم) يس: 78. وصنع عقبة بن أبي معيط طعاما ودعا إليه ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: لا أحضره حتى تشهد أن لا إله إلا ~~الله، ففعل، فقام معه. فقال له أمية بن خلف: أقلت كذا وكذا ؟ فقال: إنما ~~قلت ذلك لطعامنا، فنزلت: (ويوم يعض الظالم على يديه) الفرقان: 27. وقتل ~~أمية يوم بدر كافرا، قتله خبيب وبلال، وقيل: قتله رفاعة بن رافع الأنصاري. ~~وأما أخوه أبي فقتله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم أحد، رماه بحربة ~~فقتله. ومنهم: أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، وكان ممن يؤذي رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، ويعين أبا جهل على أذاه، قتله حمزة يوم بدر. ومنهم: العاص ~~بن وائل السهمي، والد عمرو بن العاص، وكان من المستهزئين، وهو القائل لما ~~مات القاسم ابن النبي، صلى الله عليه وسلم: إن محمدا أبتر لا يعيش له ولد ~~ذكر، فأنزل: (إن شانئك هو الأبتر) الكوثر: 3. فركب حمارا له فلما كان بشعب ~~من شعاب مكة ربض به حماره فلدغ في رجله فانتفخت حتى صارت كعنق البعير، ms0502 فمات ~~منها بعد هجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، ثاني شهر دخل المدينة وهو ابن ~~خمس وثمانين سنة. ومنهم: النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن ~~عبد الدار، يكنى أبا قائد، وكان أشد قريش في تكذيب النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، والأذى له ولأصحابه. وكان ينظر في كتب الفرس ويخالط اليهود والنصارى، ~~وسمع بذكر النبي، صلى الله عليه وسلم، وقرب مبعثه، فقال: إن جاءنا نذير ~~لنكونن أهدى من إحدى الأمم، فنزلت: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم)؛ الآية. ~~وكان يقول: إنما يأتيكم محمد بأساطير الأولين، فنزل فيه عدة آيات. أسره ~~المقداد يوم بدر وأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بضرب عنقه، فقتله علي ~~بن أبي طالب صبرا بالأثيل. ومنهم: أبو جهل بن هشام المخزومي، كان أشد الناس ~~عداوة للنبي، صلى الله عليه وسلم، وأكثرهم أذى له ولأصحابه، واسمه عمرو، ~~وكنيته أبو الحكم، وأما أبو جهل فالمسلمون كنوه به، وهو الذي قتل سمية أم ~~عمار بن ياسر، وأفعاله مشهورة، وقتل ببدر، قتله ابنا عفراء، وأجهز عليه عبد ~~الله بن مسعود. ومنهم: نبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان، وكانا على ما كان ~~عليه أصحابهما من أذى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والطعن عليه، وكانا ~~يلقيانه فيقولان له: أما وجد الله من يبعثه غيرك؟ إن ها هنا من هو أسن منك ~~وأيسر. فقتل منبه، قتله علي بن أبي طالب ببدر، وقتل أيضا العاص بن منبه بن ~~الحجاج، قتله أيضا علي ببدر، وهو صاحب ذي الفقار، وقيل منبه بن الحجاج ~~صاحبه، وقيل نبيه. نبيه بضم النون، وفتح الباء الموحدة. PageV01P0263 # ومنهم: زهير بن أبي أمية أخو أم سلمة لأبيها، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب، ~~وكان ممن يظهر تكذيب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويرد ما جاء به ويطعن ~~عليه إلا أنه ممن أعان على نقض الصحيفة. واختلف في موته فقيل: سار إلى بدر ~~فمرض فمات، وقيل: أسر ببدر فأطلقه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما عاد ~~مات بمكة، وقيل: حضر ms0503 وقعة أحد فأصابه سهم فمات منه، وقيل: سار إلى اليمن ~~بعد الفتح فمات هناك كافرا. ومنهم: عقبة بن أبي معيط، واسم أبي معيط أبان ~~بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، ويكنى أبا الوليد، وكان من أشد الناس أذى ~~لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعداوة له وللمسلمين، عمد إلى مكتل فجعل ~~فيه عذرة وجعله على باب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبصر به طليب بن ~~عمير بن وهب بن عبد مناف بن قصي، وأمه أروى بنت عبد المطلب، فأخذ المكتل ~~منه وضرب به رأسه وأخذ بأذنيه، فشكاه عقبة إلى أمه فقال: قد صار ابنك ينصر ~~محمدا. فقالت: ومن أولى به منا ؟ أموالنا وأنفسنا دون محمد. وأسر عقبة ببدر ~~فقتل صبرا، قتله عاصم بن ثابت الأنصاري، فلما أراد قتله قال: يا محمد من ~~للصبية ؟ قال: النار. قتل بالصفراء، وقيل بعرق الظبية، وصلب، وهو أول مصلوب ~~في الإسلام. ومنهم: الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وكان من ~~المستهزئين، ويكنى أبا زمعة، وكان أصحابه يتغامزون بالنبي، صلى الله عليه ~~وسلم، وأصحابه ويقولون: قد جاءكم ملوك الأرض ومن يغلب على كنوز كسرى وقيصر، ~~ويصفرون به ويصفقون، فدعا عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يعمى ~~ويثكل ولده، فجلس في ظل شجرة فجعل جبرائيل يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورقها ~~وبشكوها حتى عمي، وقيل: أومأ إلى عينيه فعمي فشغله عن رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، وقتل ابنه معه ببدر كافرا، قتله أبو دجانة، وقتل ابن ابنه عتيب، ~~قتله حمزة وعلي اشتركا في قتله، وقتل ابن ابنه الحارث بن زمعة بن الأسود، ~~قتله علي، وقيل: هو الحارث بن الأسود، والأول أصح، وهو القائل: أتبكي أن ~~يضل لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود ومات والناس يتجهزون إلى أحد وهو ~~يحرض الكفار وهو مريض. ومنهم: طعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، يكنى أبا ~~الريان، وكان ممن يؤذي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويشتمه ويسمعه ~~ويكذبه، وأسر ms0504 ببدر، وقتل كافرا صبرا، قتله حمزة. ومنهم: مالك بن الطلاطلة ~~بن عمرو بن غبشان من المستهزئين، وكان سفيها، فدعا رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، فأشار جبرائيل إلى رأسه فامتلأ قيحا فمات. ومنهم: ركانة بن عبد ~~يزيد بن هاشم بن المطلب، كان شديد العداوة، لقي النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: يا ابن أخي بلغني عنك أمر ولست بكذاب، فإن صرعتني علمت أنك صادق، ولم ~~يكن يصرعه أحد، فصرعه النبي، صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، ودعاه رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، إلى الإسلام، فقال: لا أسلم حتى تدعو هذه ~~الشجرة. فقال لها رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أقبلي، فأقبلت تخد الأرض. ~~فقال ركانة، ما رأيت سحرا أعظم من هذا، مرها فلترجع، فأمرها فعادت. فقال: ~~هذا سحر عظيم. هؤلاء أشد عداوة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومن عداهم ~~من رؤساء قريش كانوا أقل عداوة من هؤلاء، كعتبة وشيبة وغيرهما، وكان جماعة ~~من قريش من أشد الناس عليه فأسلموا، تركنا ذكرهم لذلك. منهم: أبو سفيان بن ~~الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية المخزومي أخو أم سلمة لأبيها، ~~وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبو ~~سفيان بن حرب، والحكم بن العاص، والد مروان، وغيرهم، أسلموا يوم الفتح. ### || AUT ذكر الهجرة إلى أرض الحبشة # ولما رأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما يصيب أصحابه من البلاء وما ~~هو فيه من العافية بمكانة من الله، عز وجل، وعمه أبي طالب وأنه لا يقدر على ~~أن يمنعهم قال: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن فيها ملكا لا يظلم أحد عنده، ~~حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه. PageV01P0264 # فخرج المسلمون إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم، ~~فكانت أول هجرة في الإسلام، فخرج عثمان بن عفان وزوجته رقية ابنة النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، معه، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ومعه امرأته سهلة ~~بنت سهيل بن عمرو، ms0505 والزبير العوام، وغيرهم تمام عشرة رجال، وقيل: أحد عشر ~~رجلا وأربع نسوة، وكان مسيرهم في رجب سنة خمس من النبوة، وهي السنة الثانية ~~من إظهار الدعوة، فأقاموا شعبان وشهر رمضان. وقدموا في شوال سنة خمس من ~~النبوة، وكان سبب قدومهم إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه لما رأى ~~مباعدة قومه له شق عليه وتمنى أن يأتيه الله بشيء يقاربهم به، وحدث نفسه ~~بذلك، فأنزل الله: (والنجم إذا هوى) النجم: 20؛ فلما وصل إلى قوله: ~~(أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى)؛ ألقى الشيطان على لسانه لما ~~كان يحدث به نفسه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. فلما سمعت ذلك ~~قريش سرهم والمسلمون مصدقون بذلك لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا ~~يتهمونه ولا يظنون به سهوا ولا خطأ. فلما انتهى إلى سجدة سجد معه المسلمون ~~والمشركون إلا الوليد بن المغيرة، فإنه لم يطق السجود لكبره، فأخذ كفا من ~~البطحاء فسجد عليها. ثم تفرق الناس. وبلغ الخبر من بالحبشة من المسلمين أن ~~قريشا أسلمت، فعاد منهم قوم وتخلف قوم، وأتى جبرائيل رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، فأخبره بما قرأ، فحزن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وخاف، ~~فأنزل الله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته) الحج: 52؛ فذهب عنه الحزن والخوف. واشتدت قريش على ~~المسلمين، فلما قرب المسلمون الذين كانوا بالحبشة من مكة بلغهم أن إسلام ~~أهل مكة باطل، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار أو مستخفيا، فدخل عثمان في جوار ~~أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية، فأمن بذلك، ودخل أبو حذيفة بن عتبة بجوار ~~أبيه، ودخل عثمان بن مظعون بجوار الوليد بن المغيرة، ثم قال: أكون في ذمة ~~مشرك ! جوار الله أعز، فرد عليه جواره، وكان لبيد بن ربيعة ينشد قريشا ~~قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل فقال عثمان بن مظعون: صدقت، فلما قال: ~~وكل نعيم لا محالة زائل قال: كذبت ! نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: يا ms0506 ~~معشر قريش ما كانت مجالسكم هكذا ولا كان السفه من شأنكم. فأخبروه خبره وخبر ~~ذمته، فقام بعض بني المغيرة فلطم عين عثمان، فضحك الوليد شماتة به حيث رد ~~جواره، وقال لعثمان: ما كان عن هذا ! فقال: إن عيني الأخرى لمحتاجة إلى مثل ~~ما نالت هذه. فقال له: هل لك أن تعود إلى جواري ؟ قال: لا أعود إلى جوار ~~غير الله. فقام سعد بن أبي وقاص إلى الذي لطم عين عثمان فكسر أنفه، فكان ~~أول دم أريق في الإسلام في قول. PageV01P0265 # وأقام المسلمون بمكة يؤذون، فلما رأوا ذلك رجعوا مهاجرين إلى الحبشة ~~ثانيا، فخرج جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون إلى الحبشة، فكمل بها تمام ~~اثنين وثمانين رجلا، والنبي، صلى الله عليه وسلم، مقيم بمكة يدعو إلى الله ~~سرا وجهرا، فلما رأت قريش أنه لا سبيل لها إليه رموه بالسحر والكهانة ~~والجنون وأنه شاعر، وجعلوا يصدون عنه من خافوا أن يسمع قوله، وكان أشد ما ~~بلغوا منه ما ذكره عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: حضرت قريش يوما بالحجر ~~فذكروا النبي، صلى الله عليه وسلم، وما نال منهم وصبرهم عليه، فبينما كذلك ~~إذ طلع النبي، صلى الله عليه وسلم، ومشى حتى استلزم الركن، ثم مر بهم ~~طائفا، فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى فلما مر بهم الثانية ~~غمزوه مثلها ثم الثالثة، فقال: أتسمعون يا معشر قريش ؟ والذي نفس محمد بيده ~~لقد جئتكم بالذبح. قال: فكأنما على رؤوسهم الطير واقع حتى إن أشدهم فيه ~~ليرفؤه بأحسن ما يجد. وانصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان ~~الغد اجتمعوا في الحجر، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم حتى إذا أتاكم ~~بما تكرهون تركتموه؛ فبينما هم كذلك إذ طلع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~فوثبوا إليه وثبة رجل واحد يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا ؟ فيقول: أنا ~~الذي أقول ذلك، فأخذ عقبة ابن أبي معيط بردائه، وقام أبو بكر الصديق دونه ~~يقول وهو يبكي: ويلكم ms0507 ! (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟) غافر: 28 ثم ~~انصرفوا عنه. هذا أشد ما بلغت عنه. ### || AUT ذكر إرسال قريش إلى النجاشي # ### || AUT في طلب المهاجرين # لما رأت قريش أن المهاجرين قد اطمأنوا بالحبشة وأمنوا، وأن النجاشي قد ~~أحسن صحبتهم، ائتمروا بينهم فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي أمية ~~ومعهما هدية إليه وإلى أعيان أصحابه، فسارا حتى وصلا الحبشة، فحملا إلى ~~النجاشي هديته وإلى أصحابه هداياهم وقالا لهم: إن ناسا من سفهائنا فارقوا ~~دين قومهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا ~~أنتم، وقد أرسلنا أشراف قومهم إلى الملك ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك ~~فيهم فاشيروا عليه بأن يرسلهم معنا من غير أن يكلمهم، وخافا إن يسمع ~~النجاشي كلام المسلمين أن لا يسلمهم. فوعدهما أصحاب النجاشي المساعدة على ~~ما يريدان. ثم إنهما حضرا عند النجاشي فأعلماه ما قد قالاه، فأشار أصحابه ~~بتسليم المسلمين إليهما. فغضب من ذلك وقال: لا والله لا أسلم قوما جاوروني ~~ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم وأسألهم عما يقول هذان، فإن ~~كانا صادقين سلمتهم إليهما، وإن كانوا على غير ما يذكر هذان منعتهم وأحسنت ~~جوارهم. ثم أرسل النجاشي إلى أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فدعاهم ~~فحضروا، وقد أجمعوا على صدقه فيما ساءه وسره وكان المتكلم عنهم جعفر بن أبي ~~طالب. فقال لهم النجاشي: ما هذا الدين الذين فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا ~~في ديني ولا دين أحد من الملل ؟ فقال جعفر: أيها الملك كنا أهل جاهلية نعبد ~~الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل ~~القوي منا الضعيف، حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته ~~وعفافه فدعاه لتوحيد الله وأن لا نشرك به شيئا ونخلع ما كنا نعبد من ~~الأصنام، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف ~~عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم، وأمرنا ~~بالصلاة والصيام. وعدد عليه أمور الإسلام، قال: فآمنا به ms0508 وصدقناه وحرمنا ما ~~حرم علينا وحللنا ما أحل لنا، فتعدى علينا وقمنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ~~ليردونا إلى عبادة الأوثان، فلما قهرونا وظلمونا وحالوا بيننا وبين ديننا ~~خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. ~~فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء ؟ قال: نعم، فقرأ عليه سطرا ~~من كهيعص، فبكى النجاشي وأساقفته، وقال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ~~يخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، والله لا أسلمهم إليكما أبدا ! فلما خرجا من ~~عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا يبيد خضراءهم. فقال له عبد الله ~~بن أبي أمية، وكان أتقى الرجلين: لا تفعل فإن لهم أرحاما. PageV01P0266 # فلما كان الغد قال للنجاشي: إن هؤلاء يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما. ~~فأرسل النجاشي فسألهم عن قولهم في المسيح. فقال جعفر: نقول فيه الذي جاءنا ~~به نبينا: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء ~~البتول. فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال: ما عدا عيسى ما قلت هذا العود. ~~فنخرت بطارقته، فقال: وإن نخرتم. وقال للمسلمين: اذهبوا فأنتم آمنون، ما ~~أحب أن لي جبلا من ذهب وأنني آذيت رجلا منكم. ورد هدية قريش وقال: ما أخذ ~~الله الرشوة مني حتى آخذها منكم، ولا أطاع الناس في حتى أطيعهم فيه. وأقام ~~المسلمون بخير دار. وظهر ملك من الحبشة فنازع النجاشي في ملكه، فعظم ذلك ~~على المسلمين، وسار النجاشي إليه ليقاتله، وأرسل المسلمون الزبير بن العوام ~~ليأتيهم بخبره، وهم يدعون له، فاقتتلوا، فظفر النجاشي، فما سر المسلمون ~~بشيء سرورهم بظفره. قيل: إن معنى قوله إن الله لم يأخذ الرشوة مني، أن أبا ~~النجاشي لم يكن له ولد غيره، وكان له عم قد أولد اثني عشر ولدا، فقالت ~~الحبشة: لو قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، ~~وكان أخوه وأولاده يتوارثون الملك دهرا. فقتلوا أباه وملكوا عمه ومكثوا على ~~ذلك حينا، وبقي النجاشي عند عمه، وكان عاقلا، ms0509 فغلب على أمر عمه، فخافت ~~الحبشة أن يقتلهم جزاء لقتل أبيه، فقالوا لعمه: إما أن تقتل النجاشي وإما ~~أن تخرجه من بين أظهرنا فقد خفناه. فأجابهم إلى إخراجه من بلادهم على كره ~~منه، فخرجوا إلى السوق فباعواه من تاجر بستمائة درهم. فسار به التاجر في ~~سفينته. فلما جاء العشاء هاجت سحابة فأصابت عمه بصاعقة، ففزعت الحبشة إلى ~~أولاده، فإذا هم لا خير فيهم، فهرج على الحبشة أمرهم، فقال بعضهم: والله لا ~~يقيم أمركم إلا النجاشي، فإن كان لكم بالحبشة رأي فأدركوه. فخرجوا في طلبه ~~حتى أدركوه وملكوه. وجاء التاجر وقال لهم: إما أن تعطوني مالي وإما أن ~~أكلمه. فقالوا: كلمه. فقال: أيها الملك، ابتعت غلاما بستمائة درهم ثم أخذوا ~~الغلام والمال. فقال النجاشي: إما أن تعطوه دراهمه وإما أن يضع الغلام يده ~~في يده فليذهبن به حيث شاء. فأعطوه دراهمه؛ فهذا معنى قوله. فكان ذلك أول ~~ما علم من عدله ودينه. قال: ولما مات النجاشي كانوا لا يزالون يرون على قبره نورا. ### | AUT ذكر إسلام حمزة بن عبد المطلب # ثم إن أبا جهل مر برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو جالس عند الصفا، ~~فآذاه وشتمه ونال منه وعاب دينه، ومولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها ~~تسمع ذلك، ثم انصرف عنه فجلس في نادي قريش عند الكعبة، فلم يلبث حمزة بن ~~عبد المطلب أن أقبل من قنصه متوشحا قوسه، وكان إذا رجع لم يصل إلى أهله حتى ~~يطوف بالكعبة، وكان يقف على أندية قريش ويسلم عليهم ويتحدث معهم، وكان أعز ~~قريش وأشدهم شكيمة. فلما مر بالمولاة، وقد قام رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، ورجع إلى بيته، قالت له: يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد ~~من أبي الحكم بن هشام فإنه سبه وآذاه ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد. قال: ~~فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج سريعا لا يقف على أحد ~~كما كان يصنع يريد الطواف بالكعبة معدا لأبي جهل ms0510 إذا لقيه أن يقع به، حتى ~~دخل المسجد، فرآه جالسا في القوم، فأقبل نحوه وضرب رأسه بالقوس فشجه شجة ~~منكرة، وقال: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول ؟ فاردد علي إن استطعت. ~~وقامت رجال بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل، دعوا أبا ~~عمارة فإني سببت ابن أخيه سبا قبيحا. وتم حمزة على إسلامه. فلما أسلم حمزة ~~عرفت قريش أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد عز، وأن حمزة سيمنعه، ~~فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. واجتمع يوما أصحابه فقالوا: ما سمعت ~~قريش القرآن يجهر لها به، فمن رجل يسمعهموه ؟ فقال ابن مسعود: أنا. فقالوا: ~~نخشى عليك إنما نريد من له عشيرة يمنعونه. قال: إن الله سيمنعني. فغدا ~~عليهم في الضحى حتى أتى المقام وقريش في أنديتها ثم رفع صوته وقرأ سورة ~~الرحمن، فلما علمت قريش أنه يقرأ القرآن قاموا إليه يضربونه وهو يقرأ، ثم ~~انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه، فقالوا: هذا الذي خشينا عليك. فقال: ما ~~كان أعداء الله أهون علي منهم اليوم، ولئن شئتم لأغادينهم. قالوا: حسبك قد ~~أسمعتهم ما يكرهون. PageV01P0267 ### | AUT ذكر إسلام عمر بن الخطاب # ثم أسلم عمر بعد تسعة وثلاثين رجلا وثلاث وعشرين امرأة، وقيل: أسلم بعد ~~أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة، وقيل: أسلم بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى ~~وعشرين امرأة، وكان رجلا جلدا منيعا، وأسلم بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة. ~~وكان أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، لا يقدرون يصلون عند الكعبة حتى ~~أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عندها وصلى معه أصحاب النبي، صلى ~~الله عليه وسلم. وكان قد أسلم قبله حمزة بن عبد المطلب، فقوي المسلمون ~~بهما، وعلموا أنهما سيمنعان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمسلمين. ~~قالت أم عبد الله بنت أبي حثمة، وكانت زوج عامر بن ربيعة، إنا لنرحل إلى ~~أرض الحبشة، وقد ذهب عامر لبعض حاجته، إذ أقبل عمر وهو على شركه حتى وقف ~~علي، وكنا نلقى منه البلاء أذى وشدة، ms0511 فقال: أتنطلقون يا أم عبد الله ؟ ~~قالت: قلت: نعم والله لنخرجن في أرض الله، فقد آذيتمونا وقهرتمونا، حتى ~~يجعل الله لنا فرجا. قالت: فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة وحزنا. قالت: ~~فلما عاد عامر أخبرته وقلت له: لو رأيت عمر ورقته وحزنه علينا ! قال: أطمعت ~~في إسلامه ؟ قلت: نعم. قال: لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب، لما كان يرى من ~~غلظته وشدته على المسلمين، فهداه الله تعالى فأسلم فصار على الكفار أشد منه ~~على المسلمين. وكان سبب إسلامه أن أخته فاطمة بنت الخطاب كانت تحت سعيد بن ~~زيد بن عمرو العدوي، وكانا مسلمين يخفيان إسلامهما من عمر، وكان نعيم بن ~~عبد الله النحام قد أسلم أيضا وهو يخفي إسلامه فرقا من قومه، وكان خباب بن ~~الأرت يختلف إلى فاطمة يقرئها القرآن، فخرج عمر يوما ومعه سيفه يريد النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، والمسلمين، وهم مجتمعون في دار الأرقم عند الصفا، ~~وعنده من لم يهاجر من المسلمين في نحو أربعين رجلا، فلقيه نعيم بن عبد الله ~~فقال: أين تريد يا عمر ؟ فقال: أريد محمدا الذي فرق أمر قريش وعاب دينها ~~فأقتله. فقال نعيم: والله لقد غرتك نفسك، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي ~~على الأرض وقد قتلت محمدا؟ أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم ؟ قال: وأي أهلي ~~؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة، فقد والله أسلما. فرجع عمر ~~إليهما وعندهما خباب بن الأرت يقرئهما القرآن. فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب ~~وأخذت فاطمة الصحيفة فألقتها تحت فخذيها، وقد سمع عمر قراءة خباب. فلما دخل ~~قال: ما هذه الهينمة ؟ قالا: ما سمعت شيئا ؟ قال: بلى، قد أخبرت أنكما ~~تابعتما محمدا، وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته لتكفه، فضربها ~~فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته: قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما ~~شئت. ولما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم وقال لها: أعطيني هذه الصحيفة التي ~~سمعتكم تقرأون فيها الآن حتى أنظر إلى ما جاء به ms0512 محمد. قالت: إنا نخشاك ~~عليها، فحلف أنه يعيدها. قالت له، وقد طمعت في إسلامه: إنك نجس على شركك ~~ولا يمسها إلا المطهرون، فقام فاغتسل. فأعطته الصحيفة وقرأها، وفيها: طه، ~~وكان كاتبا، فلما قرأ بعضها قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ؟! فلما سمع ~~خباب خرج إليه وقال: يا عمر إني والله لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة ~~نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: (اللهم أيد الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي ~~الحكم بن هشام) الله يا عمر ! فقال عمر عند ذلك: فدلني يا خباب على محمد ~~حتى آتيه فأسلم. فدله خباب، فأخذ سيفه وجاء إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~وأصحابه فضرب عليهم الباب، فقام رجل منهم فنظر من خلل الباب، فرآه متوشحا ~~سيفه، فأخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، بذلك فقال حمزة: إئذن له، فإن كان ~~جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن أراد شرا قتلناه بسيفه. PageV01P0268 # فأذن له، فنهض إليه النبي، صلى الله عليه وسلم، حتى لقيه فأخذ بمجامع ~~ردائه ثم جذبه جذبة شديدة وقال: ما جاء بك ؟ ما أراك تنتهي حتى ينزل الله ~~عليك قارعة. فقال عمر: يا رسول الله جئت لأؤمن بالله وبرسوله، فكبر، صلى ~~الله عليه وسلم، تكبيرة عرف من في البيت أن عمر أسلم. فلما أسلم قال: أي ~~قريش أنقل للحديث ؟ قيل: جميل بن معمر الجمحي، فجاءه فأخبره بإسلامه، فمشى ~~إلى المسجد وعمر وراءه وصرخ: يا معشر قريش ألا إن ابن الخطاب قد صبأ. فيقول ~~عمر من خلفه: كذب ولكني أسلمت، فقاموا، فلم يزل يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت ~~الشمس وأعيا، فقعد وهم على رأسه، فقال: افعلوا ما بدا لكم، فلو كنا ~~ثلاثمائة نفر تركناها لكم أو تركتموها لنا، يعني مكة. فبينما هم كذلك إذ ~~أقبل شيخ عيه حلة فقال: ما شأنكم ؟ قالوا: صبأ عمر. قال: فمه، رجل اختار ~~لنفسه أمرا فماذا تريدون ؟ أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبهم هكذا ؟ خلوا عن ~~الرجل. وكان الرجل العاص بن وائل السهمي. قال عمر: لما أسلمت أتيت باب أبي ms0513 ~~جهل بن هشام فضربت عليه بابه، فخرج إلي وقال: مرحبا بابن أخي ! ما جاء بك ؟ ~~قلت: جئت لخبرك أني قد أسلمت وآمنت بمحمد، صلى الله عليه وسلم، وصدقت ما ~~جاء به. قال: فضرب الباب في وجهي وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به ! وقيل في ~~إسلامه غير هذا. ### | AUT ذكر أمر الصحيفة # ولما رأت قريش الإسلام يفشو ويزيد، وأن المسلمين قووا بإسلام حمزة وعمر، ~~وعاد إليهم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي أمية من النجاشي بما يكرهون من ~~منع المسلمين عنهم، وأمنهم عنده، ائتمروا في أن يكتبوا بينهم كتابا ~~يتعاقدون فيه على أن لا ينكحوا بني هاشم وبني المطلب ولا ينكحوا إليهم ولا ~~يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم شيئا. فكتبوا بذلك صحيفة وتعاهدوا على ذلك، ثم ~~علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا لذلك الأمر على أنفسهم، فلما فعلت قريش ~~ذلك انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه ~~واجتمعوا. وخرج من بني هاشم أبو لهب بن عبد المطلب إلى قريش، فلقي هندا بنت ~~عتبة فقال: كيف رأيت نصري اللات والعزى ؟ قالت: لقد أحسنت. فأقاموا على ذلك ~~سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا لا يصل إلى أحد منهم شيء إلا سرا. وذكروا أن أبا ~~جهل لقي حكيم بن حزام بن خويلد ومعه قمح يريد به عمته خديجة، وهي عند رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، في الشعب، فتعلق به وقال: والله لا تبرح حتى ~~أفضحك. فجاء أبو البختري بن هشام فقال: ما لك وله ؟ عنده طعام لعمته ~~أفتمنعه أن يحمله إليها ؟ خل سبيله. فأبى أبو جهل، فنال منه. فضربه أبو ~~البختري بلحى جمل فشجه ووطئه وطأ شديدا، وحمزة ينظر إليهم، وهم يكرهون أن ~~يبلغ النبي، صلى الله عليه وسلم، ذلك فيشمت بهم هو والمسلمون. ورسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، يدعو الناس سرا وجهرا، والوحي متتابع إليه، فبقوا كذلك ~~ثلاث سنين. PageV01P0269 # وقام في نقض الصحيفة نفر من قريش، وكان أحسنهم بلاء فيه هشام بن عمرو بن ~~لحارث بن ms0514 عمرو بن لؤي، وهو ابن أخي نضلة بن هشام بن عبد مناف لأمه، وكان ~~يأتي بالبعير قد أوقره طعاما ليلا ويستقبل به الشعب ويخلع خطامه فيدخل ~~الشعب. فلما رأى ما هم فيه وطول المدة عليهم مشى إلى زهير بن أبي أمية بن ~~المغيرة المخزومي، أخي أم سلمة، وكان شديد الغيرة على النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، والمسلمين، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير أرضيت أن ~~تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث علمت ؟ أما إني أحلف ~~بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم، يعني أبا جهل، ثم دعوته إلى مثل ما دعاك ~~إيه ما أجابك أبدا. فقال: فماذا أصنع ؟ وإنما أنا رجل واحد، والله لو كان ~~معي رجل آخر لنقضتها. فقال: قد وجدت رجلا. قال: ومن هو ؟ قال: أنا. قال ~~زهير: ابغنا ثالثا، فذهب إلى المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقال له: ~~أرضيت أن يهلك بطنان من بني عدي ابن عبد مناف وأنت شاهد ذلك موافق فيه ؟ ~~أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا. قال: ما أصنع ؟ ~~إنما أنا رجل واحد. قال: قد وجدت ثانيا. قال: من هو ؟ قال: أنا. قال: ابغنا ~~ثالثا. قال: قد فعلت. قال: من هو ؟ قال: زهير بن أبي أمية. قال: ابغنا ~~رابعا. فذهب إلى أبي البختري بن هشام وقال له نحوا مما قال للمطعم، قال: ~~وهل من أحد يعين على هذا ؟ قال: نعم. قال: من هو ؟ قال: أنا وزهير والمطعم. ~~قال: ابغنا خامسا. فذهب إلى زمعة بن الأسود المطلب بن أسد، فكلمه وذكر له ~~قرابتهم، قال: وهل على هذا الأمر معين ؟ قال: نعم، وسمى له القوم، فاتعدوا ~~خطم الحجون الذي بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك وتعاهدوا على القيام في نقض ~~الصحيفة. فقال زهير: أنا أبدأكم. فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير ~~فطاف بالبيت ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب ~~وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم ؟ والله لا أقعد ms0515 حتى تشق هذه ~~الصحيفة القاطعة الظالمة. قال أبو جهل: كذبت والله لا تشق. قال زمعة بن ~~الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا بها حين كتبت. قال أبو البختري: صدق ~~زمعة، لا نرضى ما كتب فيها. قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غي ذلك. ~~وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك. قال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل وأبو طالب ~~في ناحية المسجد. فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها ~~إلا ما كان: باسمك اللهم، كانت تفتتح بها كتبها، وكان كاتب الصحيفة منصور ~~بن عكرمة، فشلت يده. وقيل: كان سبب خروجهم من الشعب أن الصحيفة لما كتبت ~~وعلقت بالكعبة اعتزل الناس بني هاشم وبني المطلب، وأقام رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، وأبو طالب ومن معهما بالشعب ثلاث سنين، فأرسل الله الأرضة ~~وأكلت ما فيها من ظلم وقطيعة رحم وتركت ما فيها من أسماء الله تعالى، فجاء ~~جبرائيل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأعلمه بذلك، فقال النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، لعمه أبي طالب، وكان أبو طالب لا يشك في قوله، فخرج من الشعب ~~إلى الحرم، فاجتمع الملأ من قريش، وقال: إن ابن أخي أخبرني أن الله أرسل ~~على صحيفتكم الأرضة فأكلت ما فيها من قطيعة رحم وظلم وتركت اسم الله تعالى، ~~فأحضروها، فإن كان صادقا علمتم أنكم ظالمون لنا قاطعون لأرحامنا، وإن كان ~~كاذبا علمنا أنكم على حق وأنا على باطل. فقاموا سراعا وأحضروها، فوجدوا ~~الأمر كما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقويت نفس أبي طالب واشتد ~~صوته وقال: قد تبين لكم أنكم أولى بالظلم والقطيعة. فنكسوا رؤوسهم ثم ~~قالوا: إنما تأتوننا بالسحر والبهتان، وقام أولئك النفر في نقضها كما ~~ذكرنا؛ وقال أبو طالب في أمر الصحيفة وأكل الأرضة ما فيها من ظلم وقطيعة ~~رحم أبياتا منها: وقد كان في أمر الصحيفة عبرة ... متى ما يخبر غائب القوم ~~يعجب محا الله منهم كفرهم وعقوقهم ... وما نقموا من ناطق الحق معرب فأصبح ~~ما قالوا ms0516 من الأمر باطلا ... ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب ؟؟ ### | AUT ذكر وفاة أبي طالب وخديجة # ### | AUT وعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على العرب # PageV01P0270 # توفي أبو طالب وخديجة قبل الهجرة بثلاث سنين وبعد خروجهم من الشعب، فتوفي ~~أبو طالب في شوال أو في ذي القعدة وعمره بضع وثمانون سنة، وكانت خديجة ماتت ~~قبله بخمسة وثلاثين يوما، وقيل: كان بينهما خمسة وخمسون يوما، وقيل: ثلاثة ~~أيام، فعظمت المصيبة على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بهلاكهما، فقال ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (ما نالت قريش مني شيئا أكرهه حتى مات أبو ~~طالب)، وذلك أن قريشا وصلوا من أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا ~~يصلون إليه في حياته حتى ينثر بعضهم التراب على رأسه، وحتى إن بعضهم يطرح ~~عليه رحم الشاة وهو يصي، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يخرج ذلك على ~~العود ويقول: أي جوار هذا يا بني عبد مناف ! ثم يلقيه بالطريق. فلما اشتد ~~عليه الأمر بعد موت أبي طالب خرج ومعه زيد بن حارثة إلى ثقيف يلتمس منهم ~~النصر. فلما انتهى إليهم عمد إلى ثلاثة نفر منهم، وهم يومئذ ساده ثقيف، وهم ~~إخوة ثلاثة: عبد ياليل ومسعود وحبيب بنو عمر وبن عمير، فدعاهم إلى الله ~~وكلمهم في نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه، فقال أحدهم: مارد ~~يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. وقال آخر: أما وجد الله من يرسله غيرك ~~! وقال ثالث: والله لا أكلمك كلمة أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول ~~لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك، ولئن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن ~~أكلمك. فقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد يئس من خير ثقيف، وقال ~~لهم: إذا أبيتم فاكتموا علي ذلك، وكره أن يبلغ قومه، فلم يفعلوا وأغروا به ~~سفهاءهم. فاجتمعوا إليه وألجؤوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وهو ~~البستان، وهما فيه، ورجع السفهاء عنه، وجلس إلى ظل حبلة ms0517 وقال: اللهم إليك ~~أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، اللهم يا أرحم الراحمين أنت رب ~~المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته ~~أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ! ولكن عافيتك هي أوسع، إني أعوذ ~~بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل ~~بي غضبك أو تحل بي سخطك. فلما رأى ابنا ربيعة ما لحقه تحركت له رحمهما ~~فدعوا غلاما لهما نصرانيا اسمه عداس فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب واذهب ~~به إلى ذلك الرجل، ففعل. فلما وضعه بين يدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وضع يده فيه وقال: بسم الله، ثم أكل، فقال عداس: والله إن هذا الكلام ما ~~يقوله أهل هذه البلدة. فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم: من أي بلاد أ،ت ~~وما دينك ؟ قال: أنا نصراني من أهل نينوى. فقال رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم: أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟ قال له: وما يدريك ما يونس ؟ ~~قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ذلك أخي كان نبيا وأنا نبي، فأكب عداس ~~على يدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ورجليه يقبلها فعاد. فيقول ابنا ~~ربيعة أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاء عداس قالا له: ~~ويحك ما لك تقبل يديه ورجليه ؟ قال: ما في الأرض خير من هذا الرجل. قالا: ~~ويحك إن دينك خير من دينه ! ثم انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، راجعا ~~إلى مكة حتى إذا كان في جوف الليل قام قائما يصلي، فمر به نفر من الجن، وهم ~~سبعة نفر من جن نصيبين، رائحين إلى اليمن فاستمعوا له، فلما فرغ من صلواته ~~ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا. PageV01P0271 # وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما عاد من ثقيف أرسل إلى ~~المطعم بن عدي ليجيره حتى يبلغ رسالة ربه، فأجاره، وأصبح المطعم قد لبس ~~سلاحه هو ms0518 وبنوه وبنو أخيه فدخلوا المسجد، فقال له أبو جهل: أمجير أم متابع ~~؟ قال: بل مجير. قال: قد أجرنا من أجرت. فدخل النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~مكة وأقام بها فدخل يوما المسجد الحرام والمشركون عند الكعبة. فلما رآه أبو ~~جهل قال: هذا نبيكم يا بني عبد مناف. فقال عتبة بن ربيعة: وما ينكر أن يكون ~~منا نبي وملك ؟ فأخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بذلك، فأتاهم فقال: ~~أما أنت يا عتبة فما حميت لله وإنما حميت لنفسك، وأما أنت يا أبا جهل ~~فوالله لا يأتي عليك غير بعيد حتى تضحك قليلا وتبكي كثيرا، وأما أنتم يا ~~معشر قريش فوالله لا يأتي عليكم غير كثير حتى تدخلوا فيما تكرون وأنتم ~~كارهون، فكان الأمر كذلك. وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعرض نفسه ~~في المواسم على قبائل العرب، فأتى كندة في منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له ~~مليح، فدعاهم إلى الله وعرض نفسه عليهم، فأبوا عليه. فأتى كلبا إلى بطن ~~منهم يقال لهم: بنو عبد الله فدعاهم إلى الله وعرض نفسه عليهم، فلم يقبلوا ~~ما عرض عليهم. ثم إنه أتى بني حنيفة وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم: ~~أرأيت إن نحن تابعناك فأظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ ~~قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء. قال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا ~~ظهرت كان الأمر لغيرنا ؟ لا حاجة لنا بأمرك. فلما رجعت بنو عامر إلى شيخ ~~لهم كبير فأخبروه خبر النبي، صلى الله عليه وسلم، ونسبه، وضع يده على رأسه ~~ثم قال: يا بني عامر هل من تلاف ؟ والذي نفسي بيده ما تقولها إسماعيلي قط ~~وإنها لحق، وأين كان رأيكم عنه ! ولم يزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~يعرض نفسه على كل قادم له اسم وشرف ويدعوه إلى الله. وكان كلما أتى قبيلة ~~يدعوهم إلى الإسلام تبعه عمه أبو لهب، فإذا فرغ رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، من كلامه يقول لهم أبو لهب: ms0519 يا بني فلان، إنما يدعوكم هذا إلى أن ~~تستحلوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفاءكم من الجن إلى ما جاء به من ~~الضلالة والبدعة فلا تطيعوه ولا تسمعوا له. ### | AUT ذكر أول عرض رسول الله # ### | AUT صلى الله عليه وسلم نفسه على الأنصار وإسلامهم # فقدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف بطن من الأوس مكة حاجا ~~ومعتمرا، وكان يسمى الكامل لجلده وشعره ونسبه، وهو القائل: ألا رب من تدعو ~~صديقا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري مقالته كالسحر إذ كان شاهدا ~~... وبالغيب مأثور على ثغرة النحر يسرك باديه وتحت أديمه ... نميمة غش ~~تبتري عقب الطهر تبين لك العينان ما هو كاتم ... وما جن بالبغضاء والنظر ~~الشزر فرشني بخير طالما قد بريتني ... فخير الموالي من يريش ولا يبري فتصدى ~~له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدعاه إلى الإسلام، وقرأ عليه القرآن، ~~فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول حسن، ثم انصرف وقدم المدينة، فلم يلبث أن ~~قتله الخزرج، قتل يوم بعاث، فكان قومه يقولون: قتل وهو مسلم. بعاث بالباء ~~الموحدة المضمومة، والعين المهملة، وهو الصحيح. وقدم أبو الحيسر أنس بن ~~رافع مكة مع فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من ~~قريش على قومهم من الخزرج، فأتاهم النبي، صلى الله عليه وسلم، وقال لهم: هل ~~لكم فيما هو خير لكم مما جئتم له ؟ ودعاهم إلى الاسم، وقرأ عليهم القرآن، ~~فقال إياس، وكان غلاما حدثا: هذا والله خير مما جئنا له. فضرب وجهه أبو ~~الحيسر بحفنة من البطحاء وقال: دعنا منك فلقد جئنا لغير هذا. فسكت إياس، ~~وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يلبث إياس أن هلك، فسمعه قومه يهلل ~~الله ويكبره حتى مات، فما يشكون أنه مات مسلما. ### || AUT ذكر بيعة العقبة الأولى # ### || AUT وإسلام سعد بن معاذ # PageV01P0272 # فلما أراد الله إظهار دينه وإنجاز وعده خرج رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه ms0520 على القبائل كما ~~كان يفعله، فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج فدعاهم إلى الله وعرض ~~عليهم الإسلام، وقد كانت يهود معهم ببلادهم، وكان هؤلاء أهل أوثان، فكانوا ~~إذا كان بينهم شر تقول اليهود: إن نبيا يبعث الآن نتبعه ونقتلكم معه قتل ~~عاد وثمود. فقال أولئك النفر بعضهم لبعض: هذا والله النبي الذي توعدكم به ~~اليهود، فأجابوه وصدقوه وقالوا له: إن بين قومنا شرا، وعسى الله أن يجمعهم ~~بك، فإن اجتمعوا عليك فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عنه، وكانوا سبعة نفر من ~~الخزرج: أسعد بن زرارة بن عدس أبو أمامة، وعوف بن الحارث بن رفاعة، وهو ابن ~~عفراء، كلاهما من بني النجار، ورافع بن مالك بن عجلان، وعامر بن عبد حارثة ~~بن ثعلبة بن غنم، كلاهما من بني زريق، وقطبة بن عامر بن حديدة بن سواد من ~~بني سلمة - سلمة هذا بكسر اللام - ، وعقبة بن عامر بن نابئ من بني غنم، ~~وجابر بن عبد الله بن رياب من بني عبيدة. رياب بكسر الراء والياء المعجمة ~~باثنتين من تحت وبالباء الموحدة. فلما قدموا المدينة ذكروا لهم النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، حتى إذا كان العام ~~المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا، فلقوه بالعقبة، وهي العقبة ~~الأولى، فبايعوه بيعة النساء، وهم: أسعد بن زرارة، وعوف ومعاذ ابنا الحارث، ~~وهما ابنا عفراء، ورافع بن مالك بن عجلان، وذكوان بن عبد قيس من بني زريق، ~~وعبادة بن الصامت من بني عوف بن الخزرج، ويزيد بن ثعلبة بن خزمة أبو عبد ~~الرحمن من بلي حليف لهم، وعباس بن نضلة من بني سالم، وعقبة بن عامر بن ~~نابئ، وقطبة بن عامر بن حديدة، وهؤلاء من الخزرج، وشهدها من الأوس أبو ~~الهيثم بن التيهان، حليف لبني عبد الأشهل، وعويم بن ساعدة حليف لهم. ~~فانصرفوا عنه، وبعث، صلى الله عليه وسلم، معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد ~~مناف بن عبد الدار وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم ms0521 الإسلام، فنزل بالمدينة ~~على أسعد بن زرارة، فخرج به أسعد بن زرارة فجلس في دار بني ظفر، واجتمع ~~عليهما رجال ممن أسلم. فسمع به سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وهما سيدا بني ~~عبد الأشهل، وكلاهما مشرك، فقال سعد لأسيد: انطلق إلى هذين اللذين أتيا ~~دارنا فانههما، فإنه لولا أسعد بن زرارة، وهو ابن خالتي، كفيتك ذلك. فأخذ ~~أسيد حربته ثم أقبل عليهما، فقال: ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلا ~~عنا. فقال مصعب: أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما ~~تكره ! فقال: أنصفت ثم جلس إليهما، فكلمة مصعب بالإسلام، فقال: ما أحسن هذا ~~وأجله ! كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الدين ؟ قالا: تغتسل وتطهر ثيابك ثم ~~تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين، ففعل ذلك وأسلم. ثم قال لهما: إن ورائي ~~رجلا إن تبعكما لم يتخلف عنكما أحد من قومه، وسأرسله إليكما، سعد بن معاذ. ~~ثم انصرف إلى سعد وقومه، فلما نظر إليه سعد قال: أحلف بالله لقد جاءكم بغير ~~الوجه الذي ذهب به من عندكم ! فقال له سعد: ما فعلت قال: كلمت الرجلين، ~~والله ما رأيت بهما بأسا، وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن ~~زرارة ليقتلوه. فقام سعد مغضبا مبادرا لخوفه مما ذكر له، ثم خرج إليهما، ~~فلما رآهما مطمئنين عرف ما أرد أسيد، فوقف عليهما وقال لأسعد بن زرارة: ~~لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني. فقال له مصعب: أو تقعد ~~فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره ! فجلس فعرض عليه ~~مصعب الإسلام وقرأ عليه القرآن فقال لهما: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا ~~الدين ؟ فقالا له ما قالا لأسيد، فأسلم وتطهر ثم عاد إلى نادي قومه ومعه ~~أسيد بن حضير، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم ~~؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا ~~بالله ورسوله. قال: فوالله ما أمسى في دار ms0522 عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا ~~مسلما أو مسلمة. PageV01P0273 # ورجع مصعب إلى منزل أسعد ولم يزل يدعو إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور ~~الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من بني أمية ابن زيد ~~ووائل وواقف، فإنهم أطاعوا أبا قيس بن الأسلت، فوقف بهم عن الإسلام حتى ~~هاجر النبي، صلى الله عليه وسلم، ومضت بدر وأحد والخندق وعاد مصعب إلى مكة. ~~أسيد بضم الهمزة، وفتح السين. وحضير بضم الحاء المهملة، وفتح الضاد ~~المعجمة،وتسكين الياء تحتها نقطتان، وفي آخره راء. ### || AUT ذكر بيعة العقبة الثانية # لما فشا الإسلام في الأنصار اتفق جماعة منهم على المسير إلى النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، مستخفين لا يشعر بهم أحد، فساروا إلى مكة في الموسم في ذي ~~الحجة مع كفار قومهم واجتمعوا به وواعدوه أوسط أيام التشريف بالعقبة. فلما ~~كان الليل خرجوا بعد مضي ثلثه مستخفين يتسللون حتى اجتمعوا بالعقبة، وهم ~~سبعون رجلا، معهم امرأتان: نسيبة بنت كعب أم عمارة وأسماء أم عمرو بن عدي ~~من بني سلمة وجاءهم رسول الله ومعه عمه العباس ابن عبد المطلب، وهو كافر ~~أحب أن يتوثق لابن أخيه، فكان العباس أول من تكلم فقال: يا معشر الخزرج، ~~وكانت العرب تسمى الخزرج والأوس به، إن محمدا منا حيث قد علمتم في عز ~~ومنعة، وإنه قد أبى إلا الانقطاع إليكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما ~~دعوتموه إليه ومانعوه فأنتم وذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه فمن الآن ~~فدعوه فإنه في عز ومنعة. فقال الأنصار: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول ~~الله وخذ لنفسك وربك ما أحببت. فتكلم وتلا القرآن ورغب في الإسلام ثم قال: ~~تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. ثم أخذ البراء بن معرور بيده ثم ~~قال: والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله ~~فنحن والله أهل الحرب. فاعترض الكلام أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول ~~الله إن بيننا وبين الناس حبالا، وإنا قاطعوها، يعني اليهود، ms0523 فهل عسيت إن ~~أ؟هرك الله عز وجل أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ فتبسم رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، وقال: بل الدم الدم والهدم الهدم، أنتم مني وأنا منكم، أسالم من ~~سالمتم وأحارب من حاربتم. وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أخرجوا إلى ~~اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم، فأخرجوهم تسعة من الخزرج وثلاثة من ~~الأوس. وقال لهم العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري: يا معشر الخزرج هل ~~تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ تبايعونه على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم ~~ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن فهو ~~والله خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له فخذوه فهو والله ~~خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، ~~فما لنا بذلك يا رسول الله ؟ قال: الجنة. قالوا: ابسط يدك، فبايعوه. وما ~~قال العباس بن عبادة ذلك إلا ليشد العقد له عليهم. وقيل: بل قاله ليؤخر ~~الأمر ليحضر عبد الله بن أبي بن سلول فيكون أقوى لأمر القوم. فكان أول من ~~بايعه أبو أمامة أسعد بن زرارة، وقيل: أبو الهيم بن التيهان، وقي: البراء ~~بن معرور. ثم بايع القوم فبايعوا، فلما بايعوه صرخ الشيطان من رأس العقبة: ~~يا أهل الجباجب، هل لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم ؟ فقال ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أما والله لأفرغن لك أي عدو الله ! ثم قال: ~~ارفضوا إلى رحالكم. فقال له العباس بن عبادة: والذي بعثك بالحق نبيا لئن ~~شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا. فقال: لم نؤمر بذلك، فرجعوا. فلما ~~أصبحوا جاءهم جلة قريش فقالوا: قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه ~~وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من أحياء العرب أبغض إلينا أن ~~تنشب بيننا وبينهم الحرب منكم. فحلف من هناك من مشركي الأنصار ما كان من ~~هذا شيء. PageV01P0274 # فلما سار الأنصار من مكة قال البراء بن معرور: يا معشر الخزرج ! قد رأيت ~~أن لا أستدبر الكعبة ms0524 في صلاتي. فقالوا له: إن رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، يستقبل الشام، فنحن لا نخالفه، فكان يصلي إلى الكعبة، فلما قدم مكة ~~سأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن ذلك فقال: لقد كنت على قبلة لو صبرت ~~عليها. فرجع إلى قبلة رسول الله. فلما بايعوه ورجعوا إلى المدينة، كان ~~قدومهم في ذي الحجة، فأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمكة بقية ذي ~~الحجة والمحرم وصفر، وهاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول، وقدمها لاثنتي ~~عشرة ليلة خلت منه. وقد كانت قريش لما بلغهم إسلام من أسلم من الأنصار ~~اشتدوا على من بمكة من المسلمين وحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، ~~وهي الفتنة الآخرة؛ وأما الأولى فكانت قبل هجرة الحبشة. وكانت البيعة في ~~هذه العقبة على غير الشروط في العقبة الأولى، فإن الأولى كانت على بيعة ~~النساء، وهذه البيعة كانت على حرب الأحمر والأسود. ثم أمر النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، أصحابه بالهجرة إلى المدينة، فكان أول من قدمها أبو سلمة بن عبد ~~الأسد، وكانت هجرته قبل البيعة بسنة، ثم هاجر بعده عامر بن ربيعة حليف بني ~~عدي مع امرأته ليلى ابنة أبي حثمة، ثم عبد الله بن جحش ومعه أخوه أبو أحمد ~~وجميع أهله، فأغلقت دارهم وتتابع الصحابة، ثم هاجر عمر بن الخطاب وعياش بن ~~أبي ربيعة فنزلا في بني عمرو بن عوف، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام ~~إلى عياش بن أبي ربيعة بالمدينة، وكان أخاهما لأمهما، فقالا له: إن أمك قد ~~نذرت أنها لا تستظل ولا تمتشط. فرق لها وعاد وتتابع الصحابة بالهجرة إلى أن ~~هاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. ### | AUT ذكر هجرة النبي صلى الله عليه وسلم # لما تتابع أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالهجرة أقام هو بمكة ~~ينتظر ما يؤمر به من ذلك، وتخلف معه علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق. فلما ~~رأت قريش ذلك حذروا خروج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا في ms0525 دار ~~الندوة، وهي دار قصي بن كلاب، وتشاوروا فيها، فدخل معهم إبليس في صورة شيخ ~~وقال: أنا من أهل نجد سمعت بخبركم فحضرت وعسى أن لا تعدموا مني رأيا. ~~وكانوا عتبة وشيبة وأبا سفيان وطعيمة بن عدي وحبيب بن مطعم والحارث بن عامر ~~والنضر بن الحارث وأبا البختري بن هشام وربيعة بن الأسود وحكيم بن حزام ~~وأبا جهل ونبيها ومنبها ابني الحجاج وأمية بن خلف وغيرهم. فقال بعضهم لبعض: ~~إن هذا الرجل قد كان من أمره ما كان، وما نأمنه على الوثوب علينا بمن ~~اتبعه، فأجمعوا فيه رأيا، فقال بعضهم: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ~~ثم تربصوا به ما أصاب الشعراء قبله. فقال النجدي: ما هذا لكم برأي، لو ~~حبستموه يخرج أمره من وراء الباب إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم ~~فينتزعوه من أيديكم. فقال آخر: نخرجه وننفيه من بلدنا ولا نبالي أين وقع ~~إذا غاب عنا. فقال النجدي: ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه ؟ لو فعلتم ذلك ~~لحل على حي من أحياء العرب فيغلب عليهم بحلاوة منطقه ثم يسير بهم إليكم حتى ~~يطأكم ويأخذ أمركم من أيديكم. فقال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى ~~نسيبا ونعطي كل فتى منهم سيفا ثم يضربونه ضربة رجل واحد فيقتلونه، فإذا ~~فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل كلها فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم ~~جميعا ورضوا منا بالعقل. فقال النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي ~~لا رأي غيره؛ فتفرقوا على ذلك. PageV01P0275 # فأتى جبرائيل النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: لا تبت الليلة على فراشك. ~~فلما كان العتمة اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، فلما رآهم ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي واتشح ~~ببردي الأخضرى، فنم فيه فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه، وأمره أن يؤدي ما ~~عنده من وديعة وأمانة وغير ذلك. وخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخذ ~~حفنة من تراب فجعله على ms0526 رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من (يس والقرآن ~~الحكيم)، إلى قوله: (فهم لا يبصرون) يس: 1 - 9. ثم انصرف لم يروه، فأتاهم ~~آت فقال: ما تنتظرون ؟ قالوا: محمدا. قال: خيبكم الله، خرج عليكم ولم يترك ~~أحدا منكم إلا جعل على رأسه التراب وانطلق لحاجته ! فوضعوا أيديهم على ~~رؤوسهم فرأوا التراب وجعلوا ينظرون فيرون عليا نائما وعليه برد النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، فيقولون: إن محمدا لنائم، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا. ~~فقام علي عن الفراش، فعرفوه، وأنزل الله في ذلك: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ~~ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك) الآية الأنفال: 30. وسأل أولئك الرهط عليا عن ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: لا أدرين أمرتموه بالخروج فخرج. فضربوه ~~وأخرجوه إلى المسجد فحبسوه ساعة ثم تركوه، ونجى الله رسوله من مكرهم وأمره ~~بالهجرة، وقام علي يؤدي أمانة النبي، صلى الله عليه وسلم، ويفعل ما أمره. ~~وقالت عائشة: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا يخطئه أحد طرفي النهار ~~أن يأتي بيت أبي بكر إما بكرة أو عشية، حتى كان اليوم الذي أذن الله فيه ~~لرسوله بالهجرة فأتانا بالهاجرة، فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء هذه الساعة ~~إلا لأمر حدث. فلما دخل جلس على السرير وقال: أخرج من عندك. قال: يا رسول ~~الله إنما هما ابنتاي، وما ذاك ؟ قال: إن الله قد أذن لي في الخروج. فقال ~~أبو بكر: الصحبة يا رسول الله ! قال: الصحبة، فبكى أبو بكر من الفرح، ~~فاستأجر عبد الله بن أرقد، من بني الديل بن بكر، وكان مشركا، يدلهما على ~~الطريق، ولم يعلم بخروج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غير أبي بكر وعلي ~~وآل أبي بكر، فأما علي فأمره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يتخلف عنه ~~حتى يؤدي عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الودائع التي كانت عنده ثم ~~يلحقه. وخرجا من خوخة في بيت أبي بكر في ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بثور ~~فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله ms0527 أن يستمع لهما بمكة نهاره ثم يأتيهما ~~ليلا، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يأتيهما بها ليلا، ~~وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بطعامهما مساء، فأقاما في الغار ثلاثا. ~~وجعلت قريش مائة ناقة لمن رده عليهم. وكان عبد الله بن أبي بكر إذا غدا من ~~عندهما اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفي. فلما مضت الثلاث وسكن ~~الناس أتاهما دليلهما ببعيريهما، فأخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~أحدهما بالثمن فركبه، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما ونسيت أن تجعل ~~لها عصاما فحلت نطاقها فجعلته عصاما وعلقت السفرة به، وكان يقال لأسماء ذات ~~النطاقين لذلك. ثم ركبا وسارا، وأردف أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة يخدمهما ~~في الطريق، فساروا ليلتهم ومن الغد إلى الظهر، ورأوا صخرة طويلة، فسوا أبو ~~بكر عندها مكانا ليقيل فيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وليستظل بظلها، ~~فنام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحرسه أبو بكر حتى رحلوا بعدما زالت ~~الشمس. PageV01P0276 # وكانت قريش قد جعلت لمن يأتي بالنبي، صلى الله عليه وسلم، دية، فتبعهم ~~سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي فلحقهم وهم في أرض صلبة، فقال أبو بكر: يا ~~رسول الله أدركنا الطلب ! فقال: (ولا تحزن إن الله معنا) التوبة: 40، ودعا ~~عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فارتطمت فرسه إلى بطنها وثار من تحتها ~~مثل الدخان. فقال: ادع لي يا محمد ليخلصني الله ولك علي أن أرد عنك الطلب، ~~فدعا له فتخلص، فعادي تبعهم، فدعا عليه الثانية فساخت قوائم فرسه في الأرض ~~أشد من الأولى، فقال: يا محمد قد علمت أن هذا من دعائك علي، فادع لي ولك ~~عهد الله أن أرد عنك الطلب. فدعا له فخلص وقرب من النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، وقال له: يا رسول الله خذ سهما من كنانتي وإن إبلي بمكان كذا فخذ ~~منها ما أحببت. فقال: لا حاجة لي في إبلك. فلما أراد أن يعود عنه قال له ~~رسول الله، صلى الله ms0528 عليه وسلم: كيف بك يا سراقة إذا سورت بسواري كسرى ؟ ~~قال: كسرى بن هرمز ؟ قال: نعم. فعاد سراقة فكان لا يلقاه أحد يريد الطلب ~~إلا قال: كفيتم ما ها هنا، ولا يلقى أحدا إلا رده. قالت أسماء بنت أبي بكر: ~~لما هاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أتانا نفر من قريش فيه أبو جهل ~~فوقفوا على باب أبي بكر فقالوا: أين أبوك ؟ قلت: لا أدري، فرفع أبو جهل يده ~~فلطم خدي لطمة طرح قرطي، وكان فاحشا خبيثا. ومكثنا مليا لا ندري أين توجه ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى أتى رجل من الجن من أسفل مكة والناس ~~يتبعونه يسمعون صوته ولا يرون شخصه وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه ~~... رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالهدي واغتديا به ... فأفلح من ~~أمسى رفيق محمد ليهنئ بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد ~~قالت: فلما سمعنا قوله عرفنا أن وجهه كان إلى المدينة. وقدم بهما دليلهما ~~قباء فنزل على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول يوم ~~الاثنين حين كادت الشمس تعتدل، فنزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ~~كلثوم بن الهدم، أخي بني عمرو بن عوف، وقيل: نزل على سعد بن خيثمة، وكان ~~عزبا، وكان ينزل عنده العزاب من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان ~~يقال لبيته بيت العزاب، والله أعلم. ونزل أبو بكر على خبيب بن إساف بالسنح، ~~وقيل: نزل على خارجة بن زيد أخي بني الحارث بن الخزرج. وأما علي فإنه لما ~~فرغ من الذي أمره به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هاجر إلى المدينة، ~~فكان يسير الليل ويكمن النهار حتى قدم المدينة وقد تفطرت قدماه، فقال ~~النبي، صلى الله عليه وسلم: ادعوا لي عليا. قيل: لا يقدر أن يمشي. فأتاه ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، واعتنقه وبكى رحمة لما بقدميه من الورم وتفل في ~~يديه وأمرهما على قدميه، لم يشتكهما بعد حتى قتل. ونزل بالمدينة على ms0529 امرأة ~~لا زوج لها، فرأى إنسانا يأتيها كل ليلة ويعطيها شيئا، فاستراب بها، فسألها ~~عنه فقالت: هو سهل بن حنيف، قد علم أني امرأة لا زوج لي فهو يكسر أصنام ~~قومه ويحملها إلي ويقول: احتطبي بهذه. فكان علي يذكر ذلك عن سهل بن حنيف ~~بعد موته. وأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بقباء يوم الاثنين ~~والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة، وقيل: أقام ~~عندهم أكثر من ذلك. والله أعلم. وأدركت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي ببطن الوادي، فكانت أول ~~جمعة صلاها بالمدينة. قال ابن عباس: ولد النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم ~~الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين، وهاجر يوم ~~الاثنين، وقبض يوم الاثنين. واختلف العلماء في مقامه بمكة بعد أن أوحي ~~إليه، فقال أنس وابن عباس، رضي الله عنهما، من رواية أبي سلمة عنه وعائشة: ~~إنه أقام بمكة عشر سنين، ومثلهم قال من التابعين ابن المسيب والحسن وعمرو ~~بن دينار، وقيل: أقام ثلاث عشرة سنة؛ قاله ابن عباس من رواية أبي جمرة ~~وعكرمة أيضا عنه، ولعل الذي قال أقام عشر سنين أراد بعد إظهار الدعوة، فإنه ~~بقي سنين يسيرة، ومما يقوي هذا القول قول صرمة بن أنس الأنصاري، شعر: ثوى ~~في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى صديقا مواتيا PageV01P0277 # فهذا يدل على مقامه ثلاث عشرة سنة لأنه قد زاد على عشر سنين، فلو كان خمس ~~عشرة لصح الوزن، وكذلك ست عشرة وسبع عشرة، وحيث لم يستقم الوزن بأن يقول ~~ثلاث عشرة قال بضع عشرة، ولم ينقل في مقام زيادة على عشر سنين إلا ثلاث ~~عشرة وخمس عشرة. وقد روي عن قتادة قول غريب جدا، وذلك أنه قال: نزل القرآن ~~على النبي: صلى الله عليه وسلم، بمكة ثماني سنين، ولم يوافقه غيره. ### | AUT ذكر ما كان من الأمور # ### | AUT أول سنة من الهجرة # فمن ذلك تجميعه صلى الله عليه وسلم، بأصحابه ms0530 الجمعة في اليوم الذي نزل ~~فيه من قباء في بني سالم في بطن واد لهم، وهي أول جمعة جمعها رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، في الإسلام وخطبهم، وهي أول خطبة. وكان رحل من قباء ~~يريد المدينة فركب ناقته وأرخى زمامها، فكان لا يمر بدار من دور الأنصار ~~إلا قالوا: هلم يا رسول الله إلى العدد والعدة والمنعة. فيقول: خلوا سبيلها ~~فإنها مأمورة، حتى انتهى إلى موضع مسجده اليوم، فبركت على باب مسجده، وهو ~~يومئذ مربد لغلامين يتيمين في حجر معاذ بن عفراء، وهما سهل وسهل ابنا عمرو ~~من بني النجار، فلما بركت لم ينزل عنها، ثم وثبت فسارت غير بعيد ورسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، واضع لها زمامها لا يثنيها به، فالتفتت خلفها ثم ~~رجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه ووضعت جرانها، فنزل عنها رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، واحتمل أبو أيوب الأنصار رحله، وسأل رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم عن المربد فقال معاذ بن عفراء: هو ليتيمين لي وسأرضيهما من ثمنه، ~~فأمر به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يبنى مسجدا، وأقام عند أبي أيوب ~~حتى بنى مسجده ومساكنه. وقيل: إن موضع المسجد كان لبني النجار فيه نخل وحرث ~~وقبور المشركين، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ثامنوني به. فقالوا: ~~لا يبغى به إلا ما عند الله. فأمر به فبنى مسجده، وكان قبله يصلي حيث ~~أدركته الصلاة، وبناه هو والمهاجرون والأنصار، وهو الصحيح. وفيها بني مسجد ~~قباء. وفيها أيضا توفى كلثوم بن الهدم. وتوفي بعده أسعد بن زرارة، وكان ~~نقيب بني النجار، فاجتمع بنو النجار، وطلبوا من رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، أن يقيم لهم نقيبا، فقال لهم: أنتم إخواني وأنا نقيبكم، فكان فضيلة ~~لهم. وفيها مات أبو أحيحة بالطائف، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل ~~السهمي بمكة مشركين. وفيها بني النبي، صلى الله عليه وسلم، بعائشة بعد ~~مقدمة المدينة بثمانية أشهر، وقيل بسبعة أشهر في ذي القعدة، وقيل في شوال، ms0531 ~~وكان تزوجها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين بعد وفاة خديجة وهي ابنة ست سنين، ~~وقيل ابنة سبع سنين. وفيها هاجرت سودة بنت زمعة زوج رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، وبناته ما عدا زينب، وهاجر أيضا عيال أبي بكر ومعهم ابنه عبد ~~الله وطلحة بن عبيد الله. وفيها زيد في صلاة العصر ركعتان بعد مقدمة ~~المدينة بشهر. وفيها ولد عبد الله بن الزبير، وقيل في السنة الثانية في ~~شوال، وكان أول مولود للمهاجرين بالمدينة، وكان النعمان بن بشير أول مولود ~~للأنصار بعد الهجرة، وقيل: إن المختار بن أبي عبيد وزياد ابن أبيه ولدا ~~فيها. وفيها على رأس سبعة أشهر عقد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعمه ~~حمزة لواء أبيض في ثلاثين رجلا من المهاجرين ليعرضوا عير قريش، فلقي أبا ~~جهل في ثلاثمائة رجل فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، وكان يحمل اللواء أبو ~~مرثد، وهو أول لواء عقده. وفيها أيضا عقد لواء لعبيدة بن الحارث بن المطلب، ~~وكان أبيض يحمله مسطح بن أثاثة، فالتقى هو والمشركون، فكان بينهم الرمي دون ~~المسايفة، وكان سعد بن أبي وقاص أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان ~~المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان مسلمين وهما بمكة، فخرجا مع المشركين ~~يتوصلان بذلك، فلما لقيهم المسلمون انحازا إليهم. وقال بعضهم: كان لواء أبي ~~عبيدة أول لواء عقده، وإنما اشتبه ذلك لقرب بعضها ببعض، وكان على المشركين ~~أبو سفيان بن حرب، وقيل مكرز بن حفص بن الأخيف، وقيل عكرمة بن أبي جهل. ~~والأخيف، بالخاء المعجمة والياء المثناة من تحتها. وفيها عقد لواء لسعد بن ~~أبي وقاص وسيره إلى الأبواء، وكان يحمل اللواء المقداد بن الأسود، وكان ~~مسيره في ذي القعدة وجميع من معه من المهاجرين فلم يلق حربا. PageV01P0278 # جعل الواقدي هذه السرايا جميعها في السنة الأولى من الهجرة، وجعلها ابن ~~إسحاق في السنة الثانية، فقال: على رأس اثني عشر شهرا من مقدم رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، المدينة خرج غازيا واستخلف على المدينة سعد ms0532 بن عبادة ~~فبلغ ودان يريد قريشا وبني ضمرة من كنانة، وهي غزاة الأبواء، بينهما ستة ~~أميال، فوادعته فيها بنو ضمرة، ورئيسهم مخشي بن عمرو، ثم رجع إلى المدينة ~~ولم يلق كيدا، وذكر ابن إسحاق بعد هذه الغزوة غزوة عبيدة بن الحارث، ثم ~~غزوة حمزة بن عبد المطلب. وفيها كان غزاة بواط، خرج رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم في مائتين من أصحابه في شهر ربيع الآخر، يعني سنة اثنتين، يريد ~~قريشا حتى بلغ بواط من ناحية رضوى، وكان في عير قريش أمية بن خلف الجمحي في ~~مائة رجل ومعهم ألفان وخمسمائة بعير، فرجع ولم يلق كيدا، وكان يحمل لواء ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سعد بن أبي وقاص، واستخلف على المدينة سعد ~~بن معاذ. بواط بفتح الباء الموحدة وبالطاء المهملة. وفيها غزا رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، غزوة العشيرة من ينبع في جمادي الأولى يريد قريشا حين ~~ساروا إلى الشام، فلما وصل العشيرة وادع بني مدلج وحلفاءهم من مضرة ورجع ~~ولم يلق كيدا، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وكان يحمل لواءه ~~حمزة، وفي هذه الغزوة كنى النبي صلى الله عليه وسلم عليا أبا تراب في قول ~~بعضهم. وفيها أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر، وفاته كرز، ~~وكان لواؤه مع علي، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة. وفيها بعث رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، سعد بن أبي وقاص في سرية ثمانية رهط فرجع ولم ~~يلق كيدا. وفيها جاء أبو قيس بن الأسلت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~فعرض عليه الإسلام، فقال: ما أحسن ما تدعو إليه ! سأنظر في أمري ثم أعود. ~~فلقيه عبد الله بن أبي المنافق فقال: كرهت قتال الخزرج. فقال أبو قيس: لا ~~أسلم إلى سنة، فمات في ذي القعدة. ثم دخلت السنة الثانية من الهجرة في هذه ~~السنة غزا رسول الله، صلى ms0533 الله عليه وسلم، في قول بعض أهل السير، غزوة ~~الأبواء، ويقال ودان، وبينهما ستة أميال، واستخلف رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، على المدينة سعد بن عبادة، وكان لواؤه أبيض مع حمزة بن عبد المطلب، ~~وقد تقدم ذكرها. وفيها زوج علي بن أبي طالب فاطمة في صفر. ### || AUT ذكر سرية عبد الله بن جحش # أمر رسول الله أبا عبيدة بن الجراح أن يتجهز للغزو، فتجهز، فلما أراد ~~المسير بكى صبابة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبعث مكانه عبد الله ~~بن جحش في جمادى الآخرة معه ثمانية رهط من المهاجرين، وقيل اثنا عشر رجلا ~~وكتب له كتابا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما ~~أمره به ولا يكره أحدا من أصحابه، ففعل ذلك، ثم قرأ الكتاب وفيه يأمره ~~بنزول نخلة بين مكة والطائف فيرصد قريشا ويعلم أخبارهم، فأعلم أصحابه، ~~فساروا معه، وأضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما يعتقبانه ~~فتخلفا في طلبه، ومضى عبد الله ونزل بنخلة، فمرت عير لقريش تحمل زبيبا ~~وغيره فيها عمرو بن الحضرمي وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل ~~والحكم بن كيسان، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وقد حلق رأسه. فلما رأوه قالوا: ~~عمار لا بأس عليكم منهم، وذلك آخر يوم من رجب، فرمى واقد بن عبد الله ~~التيمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان والحكم، وهرب نوفل، وغنم ~~المسلمون ما معهم، فقال عبد الله بن جحش: إن لرسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، خمس ما غنمتم، وذلك قبل أن يفرض الخمس، وكانت أول غنيمة غنمها ~~المسلمون وأول خمس في الإسلام. PageV01P0279 # وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسرى إلى المدينة. فلما قدموا ~~قال لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، ~~فوقف العير والأسيرين، فسقط في أيديهم، وعنفهم المسلمون، وقال قريش: قد ~~استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام. وقالت اليهود تفأأل بذلك على رسول الله، ~~صلى الله عليه ms0534 وسلم: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله: عمرو عمرت ~~الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد وقدت الحرب. فأنزل الله: (يسألونك عن ~~الشهر الحرام قتال فيه) الآية البقرة: 217. فلما نزل القرآن وفرج الله عن ~~المسلمين قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، العير، وكانت أول غنيمة ~~أصابوها، وفدى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الأسيرين. فأما الحكم فأقام ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلم وحسن اسلامه حتى قتل يوم بئر ~~معونة. وقيل: كان قتلهم عمرو بن الحضرمي وأخذ العير آخر يوم من جمادى وأول ~~ليلة من رجب. وفيها صرفت القبلة من الشام إلى الكعبة، وكان أول ما فرضت ~~القبلة إلى بيت المقدس والنبي، صلى الله عليه وسلم، بمكة، وكان يحب استقبال ~~الكعبة، وكان يصلي ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس. فلما هاجر إلى ~~المدينة لم يمكنه ذلك، وكان يؤثر أن يصرف إلى الكعبة، فأمره الله أن يستقبل ~~الكعبة يوم الثلاثاء للنصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من قدومه ~~المدينة، وقيل: على رأس ستة عشر شهرا في صلاة الظهر. وفيها أيضا في شعبان ~~فرض صوم شهر رمضان، وكان لما قدم المدينة رأى اليهود تصوم عاشوراء فصامه ~~وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان لم يأمرهم بصوم عاشوراء ولم ينههم. وفيها أمر ~~الناس بإخراج زكاة الفطر قبل الفطر بيوم أو يومين. وفيها خرج رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، إلى المصلى فصلى بهم صلاة العيد، وكان ذلك أول خرجة ~~خرجها، وحملت بين يديه العنزة، وكانت للزبير وهبها له النجاشي، وهي اليوم ~~للمؤذنين في المدينة. ### | AUT ذكر غزوة بدر الكبرى # وفي السنة الثانية كانت وقعة بدر الكبرى في شهر رمضان في السابع عشر، ~~وقيل التاسع عشر، وكانت يوم الجمعة. وكان سببها قتل عمرو بن الحضرمي وإقبال ~~أبي سفيان بن حرب في عير لقريش عظيمة من الشام وفيها أموال كثيرة ومعها ~~ثلاثون رجلا أو أربعون، وقيل: قريبا من سبعين رجلا من قريش، منهم: مخرمة بن ~~نوفل الزهري، وعمرو بن العاص، فلما سمع ms0535 بهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~ندب المسلمين إليهم وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل ~~الله أن ينفلكموها. فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك لأنهم لم ~~يظنوا أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يلقى حربا. وكان أبو سفيان قد سمع ~~أن النبي، صلى الله عليه وسلم، يريده، فحذر واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري ~~فبعثه إلى مكة يستنفر قريشا ويخبرهم الخبر، فخرج ضمضم إلى مكة. وكانت عاتكة ~~بنت عبد المطلب قد رأت قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها فقصتها ~~على أخيها العباس واستكتمته خبرها، قالت: رأيت راكبا على بعير له حتى وقف ~~بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: أن انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ! قالت: ~~فأرى الناس قد اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد، فمثل بعيره على الكعبة، ثم صرخ ~~مثلها، ثم مثل بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ مثلها، ثم أخذ صخرة عظيمة ~~وأرسلها، فلما كانت بأسفل الوادي ارفضت فما بقي بيت من مكة إلا دخله فلقة ~~منها. فخرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان صديقه، فذكرها له ~~واستكتمه ذلك، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الخبر، فلقي أبو جهل العباس ~~فقال له: يا أبا الفضل أقبل إلينا. قال: فلما فرغت من طوافي أقبلت إليه، ~~فقال لي: متى حدثت فيكم هذه النبية ؟ وذكر رؤيا عاتكة، ثم قال: ما رضيتم أن ~~تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ! فسنتربص بكم هذه الثلاث فإن يكن حقا وإلا ~~كتبنا عليكم أنكم أكذب أهل بيت في العرب. PageV01P0280 # قال العباس: فما كان مني إليه إلا أني جحدت ذلك وأنكرته، فلما أمسيت ~~أتاني نساء بني عبد المطلب وقلن لي: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في ~~رجالكم وقد تناول نساءكم ولم تنكر عليه ذلك ! قال قلت: والله كان ذلك، ~~ولأتعرضن له، فإن عاد كفيتكموه. قال: فغدوت اليوم الثالث من رؤيا عاتكة ~~وأنا مغضب أحب أن أدركه فرأيته في المسجد فمشيت نحوه أتعرض له ليعود فأوقع ~~به، فخرج نحو باب ms0536 المسجد يشتد، قال قلت: ما باله قاتله الله ! أكل هذا فرقا ~~من أن أشاتمه ! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوت ضمضم بن عمرو وهو يصرخ ببطن ~~الوادي واقفا على بعيره قد جدعه وحول رحله وشق قميصه وهو يقول: يا معشر ~~قريش اللطيمة اللطيمة ! أموالكم مع أبي سفيان، قد عرض له محمد وأصحابه، لا ~~أدري إن تدركوها، الغوث الغوث ! فشغلني عنه وشغله عني. قال: فتجهز الناس ~~سراعا ولم يتخلف من أشرافهم أحد إلا أبا لهب وبعث مكانه العاص بن هشام بن ~~المغيرة، وعزم أمية بن خلف الجمحي على القعود، فإنه كان شيخا ثقيلا بطيئا، ~~فأتاه عقبة بن أبي معيط بمجمرة فيها نار وما يتبخر به وقال: يا أبا علي ~~استجمر، فإنما أنت من النساء. فقال: قبحك الله وقبح ما جئت به ! وتجهز وخرج ~~معهم. وعزم عتبة بن ربيعة أيضا على القعود فقال له أخوه شيبة: إن فارقنا ~~قومنا كان ذلك سبة علينا، فامض مع قومك، فمشى معهم. فلما أجمعوا على المسير ~~ذكروا ما بينهم وبين بكر بن عبد مناة بن كنانة ابن الحارث فخافوا أن يؤتوا ~~من خلفهم، فجاءهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف ~~كنانة، وقال: أنا جار لكم فاخرجوا سراعا. وكانوا تسعمائة وخمسين رجلا، ~~وقيل: كانوا ألف رجل، وكانت خيلهم مائة فرس، فنجا منها سبعون فرسا وغنم ~~المسلمون ثلاثين فرسا، وكان مع المشركين سبعمائة بعير. وكان مسير رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، لثلاث ليال خلون من شهر رمضان في ثلاثمائة ~~وثلاثة عشر رجلا، وقيل أربعة عشر، وقيل بضعة عشر رجلا، وقيل ثمانية عشر، ~~وقيل كانوا سبعة وسبعين من المهاجرين، وقيل ثلاثة وثمانون والباقون من ~~الأنصار، فقيل: جميع من ضرب له رسول الله، صلى الله عليه وسلم بسهم من ~~المهاجرين ثلاثة وثمانون رجلا، ومن الأوس أحد وسبعون رجلا، ومن الخزرج مائة ~~وسبعون رجلا، ولم يكن فيهم غير فارسين، أحدهما المقداد بن عمرو الكندي، ولا ~~خلاف فيه، والثاني قيل كان الزبير بن العوام، وقيل ms0537 كان مرثد بن أبي مرثد، ~~وقيل المقداد وحده، وكانت الإبل سبعين بعيرا، فكانوا يتعاقبون عليها البعير ~~بين الرجلين والثلاثة والأربعة، فكان بين النبي، صلى الله عليه وسلم، وعلي ~~وزيرد بن حارثة بعير، وبين أبي بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف بعير، وعلى مثل ~~هذا. وكان فرس المقداد اسمه سبحة، وفرس الزبير اسمه السيل، وكان لواؤه مع ~~مصعب بن عمير بن عبد الدار، ورأيته مع علي بن أبي طالب، وعلى الساقة قيس بن ~~أبي صعصعة الأنصاري. فلما كان قريبا من الصفراء بعث بسبس بن عمرو وعدي بن ~~بي الزغباء الجهنيين يتجسسان الأخبار عن أبي سفيان، ثم ارتحل رسول الله، ~~صلى الله عيه وسلم، وترك الصفراء يسارا، وعاد إليه بسبس بن عمرو ويخبره أن ~~العير قد قاربت بدرا، ولم يكن عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~والمسلمين علم بمسير قريش لمنع عيرهم، وكان قد بعث عليا والزبير وسعدا ~~يلتمسون له الخبر ببدر، فأصابوا راوية لقريش فيهم أسلم غلام بني الجحجاح ~~وأبو يسار غلام بني العاص. فأتوا بهما النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو قائم ~~يصلي، فسألوهما، فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم ~~خبرهما وضربوهما ليخبروهما عن أبي سفيان. فقالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما. ~~وفرغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الصلاة وقال: إذا صدقاكم ضربتموهما ~~وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا، إنهما لقريش، أخبراني أين قريش ؟ قالا: هم ~~وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى. فقال رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم: كم القوم ؟ قالا: كثير. قال: كم عدتهم ؟ قالا: لا ندري. قال: كم ~~ينحرفون ؟ قالا: يوما تسعا ويوما عشرا. قال: القوم بين تسعمائة إلى الألف. ~~PageV01P0281 # ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش ؟ قالا: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، ~~والوليد وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر، وطعيمة بن ~~عدي، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل، وأمية بن خلف، ونبيه ~~ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود. فأقبل رسول الله، ms0538 صلى ~~الله عليه وسلم، على أصحابه وقال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها. ثم ~~استشار أصحابه، فقال أبو بكر فأحسن، ثم قال عمر فأحسن، ثم قام المقداد بن ~~عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول كما ~~قالت بنو إسرائيل لموسى: (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) المائدة: ~~24؛ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو ~~سرت بنا إلى برك الغماد، يعني مدينة الحبشة، لجالدنا معك من دونه حتى ~~تبلغه. فدعا لهم بخير ثم قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي ~~أيها الناس؛ وإنما يريد الأنصار لأنهم كانوا عدد الناس، وخاف أن لا تكون ~~الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة وليس عيهم أن يسير بهم. ~~فقال له سعد بن معاذ: لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال: أجل. قال: قد آمنا ~~بك وصدقناك وأعطيناك عهودنا، فامض يا رسول الله لما أمرت، فوالذي بعثك ~~بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك وما نكره أن تكون تلقى ~~العدو بنا غدا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما ~~تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله ! فسار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: أبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى ~~مصارع القوم. ثم انحط على بدر فنزل قريبا منها. وكان أبو سفيان قد ساحل ~~وترك بدرا يسارا ثم أسرع فنجا، فلما رأى أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش، ~~وهم بالجحفة: إن الله قد نجى عيركم وأموالكم فارجعوا. فقال أبو جهل بن ~~هشام: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، وكان بدر موسما من مواسم العرب تجتمع ~~لهم بها سوق كل عام، فنقيم بها ثلاثا فننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمر ~~وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا. فقال الأخنس بن شريق الثقفي، ~~وكان حليفا لبني زهرة وهم بالجحفة: يا بني زهرة قد نجى الله أموالكم ~~وصاحبكم ms0539 فارجعوا. فرجعوا، فلم يشهدها زهري ولا عدوي، وشهدها سائر بطون ~~قريش. ولما كانت قريش بالجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد ~~مناف رؤيا فقال: إني رأيت فيما يرى النائم رجلا أقبل على فرس ومعه بعير له ~~فقال: قتل عتبة وشيبة وأبو جهل وغيرهم ممن قتل يومئذ، ورأيته ضرب لبة بعيرة ~~ثم أرسله في العسكر فما بقي خباء إلا أصابه من دمه. فقال أبو جهل: وهذا ~~أيضا نبي من بني المطلب، سيعلم غدا من المقتول. وكان بين طالب بن أبي طالب، ~~وهو في القوم، وبين بعض قريش محاورة، فقالوا: والله قد عرفنا أن هواكم مع ~~محمد. فرجع طالب إلى مكة فيمن رجع، وقيل: إنما كان خرج كرها، فلم يوجد في ~~الأسرى ولا في القتلى ولا فيمن رجع إلى مكة، وهو الذي يقول: يا رب إما ~~يغزون طالب ... في مقنب من هذه المقانب فيكن المسلوب غير السالب ... وليكن ~~المغلوب غير الغالب ومضت قريش حتى نزلت بالعدوة القصوى من الوادي، وبعث ~~الله السماء، وكان الوادي دهسا، فأصاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وأصحابه منه ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم المسير، وأصاب قريشا منه ما لم ~~يقدروا على أن يرحلوا معه. فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يبادرهم ~~إلى الماء حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزله، فقال الحباب بن المنذر بن ~~الجموح: يا رسول الله ؟! أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أو ~~نتأخره ؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. ~~قال: يا رسول الله فإن هذا ليس لك بمنزل، انهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء ~~سواه من القوم فننزله ثم نعور ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضا ونملأه ~~ماء فنشرب ماء ولا يشربون ثم نقاتلهم. ففعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~ذلك. PageV01P0282 # فلما نزل جاءه سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله نبني لك عريشا من جريد ~~فتكون فيه ونترك عندك ركائبك ثم نلقى عدونا، فإن ms0540 أعزنا الله وأظهرنا الله ~~عليهم كان ذلك مما أحببناه، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بما ~~وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد حبا لك منهم، ولو ظنوا ~~أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويحاربون معك. ~~فأثنى عليه خيرا، ثم بني لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، عريش، وأقبلت ~~قريش بخيلائها وفخرها، فلما رآها قال: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها ~~وفخرها تحادك وتكذب رسولك ! اللهم فنصرك الذي وعدتني ! اللهم أحنهم الغداة. ~~ورأى عتبة بن ربيعة على جمل أحمر فقال: إن يكن عند أحد من القوم خير فعند ~~صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا. وكان خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري ~~أو أبوه إيماء بعث إلى قريش حين مروا به ابنا له بجزائر أهداها لهم وعرض ~~عليهم المدد بالرجال والسلاح، فقالت قريش: إن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا ~~من ضعف، وإن كنا نقاتل الله كما زعم محمد فما لأحد بالله طاقة. فلما نزلت ~~قريش أقبل جماعة، منهم حكيم بن حزام، حتى وردوا حوض النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اتركوهم، فما شرب منه رجل إلا ~~قتل يومئذ إلا حكيم نجا على فرس له يقال له الوجيه وأسلم بعد ذلك فحسن ~~إسلامه، وكان يقول إذا إجتهد في يمينه: لا والذي نجاني يوم بدر. ولما ~~اطمأنت قريش بعثوا عمرو بن وهب الجمحي ليحزر المسلمين، فجال بفرسه حولهم ثم ~~عاد فقال: هم ثلاثمائة يزيدون قليلا أو ينقصون، ولقد رأيت الولايا تحمل ~~المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، ليس لهم منعة إلا سيوفهم، والله لا ~~يقتل رجل منهم إلا يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا أعدادهم فما خير العيش بعد ~~ذلك، فروا رأيكم. فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في القوم فأتى عتبة بن ~~ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها، هل لك أن لا تزال تذكر ~~فيها بخير إلى آخر الدهر ؟ قال: وما ذاك ؟ قال: ترجع ms0541 بالناس وتحمل دم حليفك ~~عمرو بن الحضرمي. قال: قد فعلت، علي دمه وما أصيب من ماله، فأت ابن ~~الحنظلية، يعني أبا جهل، فلا أخشى أن يفسد أمر الناس غيره. فقام عتبة في ~~الناس فقال: إنكم ما تصنون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا، والله لئن ~~أصبتموهم لا يزال رجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه قتل ابن عمه أو ابن ~~خاله أو رجلا من عشيرته. قال حكيم بن حزام: فانطلقت إلى أبي جهل فوجدته قد ~~نثل درعا وهو يهيئها، فأعلمته ما قال عتبة، فقال: انتفخ والله سحره حين رأى ~~محمدا وأصحابه، والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما ~~قال ولكن رأى ابنه أبا حذيفة فيهم وقد خافكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن ~~الحضرمي فقال له: هذا حليفك يريد أن يرجع إلى مكة بالناس، وقد رأيت ثأرك ~~بعينك فانشد خفرتك ومقتل أخيك. فقام عامر وصرخ: واعمراه واعمراه ! فحميت ~~الحرب واستوسق الناس على الشر. فلما بلغ عتبة قول أبي جهل: انتفخ سحره، ~~قال: سيعلم المصفر استه من انتفخ سحره أنا أم هو! ثم التمس بيضة يدخلها ~~رأسه فما وجد من عظم هامته، فاعتجر ببرد له. وخرج الأسود بن عبد الأسد ~~المخزومي، وكان سيئ الخلق، فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم ولأهدمنه أو ~~لأموتن دونه. فخرج إليه حمزة فضربه فأطن قدمه بنصف ساقه فوقع على الأرض، ثم ~~حبا إلى الحوض فاقتحم فيه ليبر يمينه، وتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض. ~~PageV01P0283 # ثم خرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة ودعوا إلى المبارزة، فخرج ~~إليهم عوف ومعوذ ابنا عفراء وعبد الله بن رواحة كلهم من الأنصار فقالوا: من ~~أنتم ؟ قالوا: من الأنصار. فقالوا: أكفاء كرام، وما لنا بكم من حاجة، ليخرج ~~إلينا أكفاؤنا من قومنا. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: قم يا حمزة، قم ~~يا عبيدة بن الحارث، قم يا علي، فقاموا ودنا بعضهم من بعض، فبارز عبيدة بن ~~الحارث بن المطلب، وكان أمير القوم، عتبة، ms0542 وبارز حمزة شيبة، وبارز علي ~~الوليد، فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما علي فلم يمهل الوليد أن ~~قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما قد أثبت صاحبه، وكر حمزة ~~وعي على عتبة فقتلاه واحتملا عبيدة إلى أصحابه، وقد قطعت رجله، فلما أتوا ~~به النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: ألست شهيدا يا رسول الله ؟ قال: بلى. ~~قال: لو رآني أبو طالب لعلم أننا أحق منه بقوله: ونسلمه حتى نصرع حوله ... ~~ونذهل عن أبنائنا والحلائل ثم مات، وتزاحف القوم ودنا بعضهم من بعض، وأبو ~~جهل يقول: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لم نعرف فأحنه الغداة، فكان هو ~~المستفتح على نفسه. وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد أمر أصحابه أن ~~لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال: إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل. ونزل ~~في الريش ومعه أبو بكر وهو يدعو ويقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل ~~الإسلام لا تعبد في الأرض، اللهم أنجز لي ما وعدتني. ولم يزل حتى سقط ~~رداؤه، فوضعه عليه أبو بكر ثم قال له: كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما ~~وعدك. وأغفى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في العريش إفاءة، وانتبه ثم ~~قال: يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبرائيل آخذ بعنان فرسه يقوده على ~~ثناياه النقع، وأنزل الله: (إذ تستغيثون ربكم) الآية الأنفال: 9. وخرج رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) القمر: ~~45، وحرض المسلمين وقال: والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل ~~صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة. فقال عمير بن الحمام ~~الأنصاري وبيده تمرات يأكلهن: بخ بخ ! ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن ~~يقتلني هؤلاء ! ثم ألقى التمرات من يده وقاتل حتى قتل. ورمي مهجع مولى عمر ~~بن الخطاب بسهم فقتل، فكان أول قتيل. ثم رمي حارثة بن سراقة الأنصاري فقتل، ~~وقاتل عوف بن عفراء حتى قتل، واقتتل الناس قتالا شديدا. فأخذ رسول الله، ~~صلى الله ms0543 عليه وسلم، حفنة من التراب ورمى بها قريشا وقال: شاهت الوجوه. ~~وقال لأصحابه: شدوا عليهم. فكانت الهزيمة، فقتل الله من قتل من المشركين ~~وأسر من أسر منهم. ولما كان رسول الله، صلى الله عيه وسلم، في العريش وسعد ~~بن معاذ قائم على باب العريش متوشحا بالسيف في نفر من الأنصار يحرسون رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، يخافون عليه كرة العدو، فرأى رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس من الأسر، ~~فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لكأنك تكره ذلك يا سعد ؟ قال: أجل ~~يا رسول الله، أول وقعة أوقعها الله بالمشركين كان الإثخان أحب إلي من ~~استبقاء الرجال. وكان أول من لقي أبا جهل معاذ بن عمرو بن الجموح وقريش ~~محيطة به يقولون لا يخلص إلى أبي الحكم، قال معاذ: فجعلته من شأني، فلما ~~أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه، وضربني ابنه عكرمة فطرح ~~يدي من عاتقي، فتعلقت بجلدة من جثتي، فقاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، ~~فلما آذتني جعلت عليها رجلي ثم تمطيت حتى طرحتها. وعاش معاذ إلى زمان ~~عثمان، رضي الله عنه. PageV01P0284 # ثم مر بأبي جهل معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته وتركه وبه رمق، ثم مر به ~~ابن مسعود، وقد أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يلتمس في القتلى، ~~فوجده بآخر رمق، قال: فوضعت رجلي على عنقه ثم قلت: هل أخزاك الله يا عدو ~~الله ؟ قال: وبماذا أخزاني ؟ أعمد من رجل قتلتموه، أخبرني لمن الدائرة ؟ ~~قلت: لله ولرسوله. فقال له أبو جهل: لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا ~~! قال: فقلت: إني قاتلك. قال: ما أنت بأول عبد قتل سيده، أما إن أشد شيء ~~لقيته اليوم قتلك إياي وإلا قتلني رجل من المطيبين الأحلاف. فضربه عبد الله ~~فوقع رأسه بين رجليه، فحمله إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسجد شكرا ~~لله. وكان عبد الرحمن بن عوف قد غنم أدراعا، فمر ms0544 بأمية بن خلف وابنه علي، ~~فقالا له: نحن خير لك من هذه الأدراع. فطرح الأدراع وأخذ بيده وبيد ابنه ~~ومشى بهما، فقال له أمية: من الرجل المعلم بريشة نعامة في صدره ؟ قال: حمزة ~~بن عبد المطلب. قال أمية: هو الذي فعل بنا الأفاعيل. ورأى بلال أمية وكان ~~يعذبه بمكة فيخرج به إلى رمضاء مكة فيضجعه على ظهره ثم يأمر بالصخرة ~~العظيمة فتوضع على صدره ويقول: لا تزال هكذا حتى تفارق دين محمد، فيقول ~~بلال: أحد أحد، فلما رآه بلال قال: أمية ؟! رأس الكفر ! لا نجوت إن نجا ! ~~ثم صرخ: يا أنصار الله رأس الكفر رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا ! ~~فأحاط بهم المسلمون، وقتل أمية وابنه علي، وكان عبد الرحمن يقول: رحم الله ~~بلالا، ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري. وقتل حنظلة بن أبي سفيان بن حرب، قتله ~~علي بن أبي طالب. ولما انهزم المشركون أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، أن ~~لا يقتل أبو البختري بن هشام لأنه كان أكف القوم عن رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، وهو بمكة، وكان ممن اهتم في نقض الصحيفة، فلقيه المجذر بن ذياد ~~البلوي حليف الأنصار ومعه زميل له، فقال له: إن رسول الله قد نهى عن قتلك. ~~فقال: وزميلي ؟ فقال المجذر: لا والله. قال: إذا والله لأموتن أنا وهو لا ~~تتحدث نساء قريش أني تركت زميلي حرصا على الحياة. فقتله، ثم أخبر رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، بخبره. وجيء بالعباء، أسره أبو اليسر، وكان ~~مجموعا، وكان العباس جسيما، فقيل لأبي اليسر: كيف أسرته ؟ قال: أعانني عليه ~~رجل ما رأيته قبل ذلك، بهيئة كذا وكذا، فقال رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم: لقد أعانك عليه ملك كريم. ولما أمسى العباس مأسورا بات رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ساهرا أول ليله، فقال له أصحابه: يا رسول الله ما لك لا ~~تنام ؟ فقال: سمعت تضور العباس في وثاقه فمنع مني النوم. فقاموا إليه ~~فأطلقوه، فنام رسول الله، صلى الله عليه وسلم. ms0545 وقد كان رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، قال لأصحابه يومئذ: قد عرفت رجالا من بني هاشم وغيرهم أخرجوا ~~كرها، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد ~~المطلب فلا يقتله فإنه أخرج كرها. فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أنقتل ~~أبناءنا وآباءنا وإخواننا ونترك العباس ؟ والله لئن لقيته لألحمنه بالسيف. ~~فبلغ النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال لعمر: يا أبا حفص أما تسمع قول أبي ~~حذيفة ؟ أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف ؟ فقال أبو حذيفة: لا أزال خائفا من ~~تلك الكلمة ولا يكفرها عني إلا الشهادة. فقتل يوم اليمامة شهيدا. وقد كان ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه: قد رأيت جبرائيل وعلى ثناياه ~~النقع. فقال رجع من بني غفار: أقبلت أنا وابن عم لي فصعدنا جبلا يشرف بنا ~~على بدر، ونحن مشركان، ننظر لمن تكون الدائرة فننتهب، فدنت منا سحابة فسمعت ~~فيها حمحمة الخيل وسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم، قال: فأما ابن عمي فمات ~~مكانه، وأما أنا فكدت أهلك فتماسكت. وقال أبو داود المازني: إني لأتبع رجلا ~~من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل سيفي إليه، فعرفت أنه قتله ~~غيري. وقال سهل بن حنيف: كان أحدنا يشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن ~~جسده قبل أن يصل إليه السيف. PageV01P0285 # فلما هزم الله المشركين وقتل منهم من قتل وأسر من أسر أمر رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، أن تطرح القتلى في القليب، فطرحوا فيه إلا أمية بن خلف ~~فإنه انتفخ فيدرعه فملأها، فذهبوا به ليخرجوه فتقطع، وطرحوا عليه من التراب ~~والحجارة ما غيبه، ولما ألقوا في القليب وقف عليهم رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، وقال: يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم ! كذبتموني ~~وصدقني الناس ! ثم قال: يا عتبة، يا شيبة، يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن ~~هشام، وعدد من كان في القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ فإني وجدت ما ~~وعدني ربي ms0546 حقا. فقال له أصحابه: أتكلم قوما موتى ؟ فقال: ما أنتم بأسمع لما ~~أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني. ولما قال، صلى الله عليه وسلم، ~~لأهل القليب ما قال رأى في وجه أبي حيفة بن عتبة الكراهية وقد تغير، فقال: ~~لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء ؟ قال: لا والله يا رسول الله ما شككت في أبي ~~وفي مصرعه، ولكنه كان له عقل وحلم وفضل فكنت أرجو له الإسلام، فلما رأيت ما ~~مات عليه من الكفر أحزنني ذلك، فدعا له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~بخير. ثم إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمر فجمع ما في العسكر، فاختلف ~~المسلمون، فقال من جمعه: هو لنا. وقال الذين كانوا يقاتلون العدو: والله ~~لولا نحن ما أصبتموه، نحن شغلنا القوم عنكم حتى أصبتم ما أصبتم. وقال الذين ~~كانوا يحرسون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو في العريش: والله ما أنتم ~~بأحق به منا، لقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن له من يمنعه ولكن خفنا ~~كرة العدو على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقمنا دونه. فنزع الله ~~الأنفال من أيديهم وجعلها إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبسمها بين ~~المسلمين على سواء. وبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عبد الله بن رواحة ~~بشيرا إلى أهل العالية، وزيد بن حارثة بشيرا إلى أهل السافلة من المدينة، ~~فوصل زيد وقد سووا التراب على رقية بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وكانت زوجة عثمان بن عفان، خلفه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عليها وقسم ~~له. فلما عاد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لقيه الناس يهنئونه بما فتح ~~الله عليه، فقال سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري: إن لقينا إلا عجائز صلعا ~~كالبدن المعقلة فنحرناها. فتبسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: يا ~~بن أخي أولئك الملأ من قريش. وكان في الأسرى النضر بن الحارث وعقبة بن أبي ~~معيط، فأمر علي بن أبي طالب بقتل ms0547 النضر فقتله بالصفراء، وأمر عاصم بن ثابت ~~بقتل عقبة بن أبي معيط، فلما أرادوا قتله جزع من القتل وقال: ما لي أسوة ~~بهؤلاء ؟ يعني الأسرى، ثم قال: يا محمد من للصبية ؟ قال: النار، فقتله بعرق ~~الظبية صبرا. وكان في الأسرى سهيل بن عمرو أسره مالك بن الدخشم الأنصاري، ~~فلما أتي به النبي، صلى الله عليه وسلم، قال عمر بن الخطاب: دعني أنزع ~~ثنيتيه يا رسول الله فلا يقوم عليك خطيبا أبدا، وكان سهيل أعلم الشفة ~~السفلى، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: دعه يا عمر فسيقوم مقاما ~~تحمده عليه، فكان مقامه ذلك عند موت النبي، صلى الله عليه وسلم، وسنذكره ~~عند خبر الردة إن شاء الله. ولما قدم به المدينة قالت له سودة بنت زمعة، ~~زوج النبي، صلى الله عليه وسلم: اعطيتم بأيديكم كما تفعل النساء، ألا متم ~~كراما ! فسمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قولها فقال لها: يا سودة أعلى ~~الله وعلى رسوله ! فقال: يا رسول الله ما ملكت نفسي حين رأيته أن قلت ما ~~قلت. وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: استوصوا بالأسرى خيرا. وكان ~~أحدهم يؤثر أسيره بطعامه. فكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد ~~الله الخزاعي، فقالوا: ما وراءك ؟ قال: قتل عتبة وشيبة وأبو الحكم ونبيه ~~ومنبه ابنا الحجاج، وعدد أشراف قريش. فقال صفوان بن أمية: والله إن يعقل ~~فاسألوه عني. فقالوا: ما فعل صفوان ؟ قال: هو ذاك جالس في الحجر، وقد رأيت ~~أباه وأخاه حين قتلا. PageV01P0286 # ومات أبو لهب بمكة بعد وصول خبر مقتل قريش بتسعة أيام، وناحت قريش على ~~قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيشمت محمد وأصحابه، ولا تبعثوا في فداء ~~أسراكم لا يشتط عليكم محمد. وكان الأسود بن عبد يغوث قد أصيب له ثلاثة من ~~ولده: زمعة وعقيل والحارث، وكان يحب أن يبكي على بنيه، فبينما هو كذلك إذ ~~سمع نائحة فقال لغلامه، وقد ذهب بصره: انظر هل أحل البكاء لعلي أبكي على ~~زمعة فإن جوفي قد ms0548 احترق. فرجع إليه وقال له: إنما هي امرأة تبكي على بعير ~~لها أضلته، فقال: أتبكي أن يضل لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود ولا ~~تبكي على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود على بدر بني هصيص ... ومخزوم ~~ورهط أبي الوليد وبكي إن بكيت على عقيل ... وبكي حارثا أسد الأسود وبكيهم ~~ولا تسمي جميعا ... فما لأبي حكيمة من نديد ألا قد ساد بعدههم أناس ... ~~ولولا يوم بدر لم يسودوا يعني أبا سفيان. ثم إن قريشا أرسلت في فداء ~~الأسرى، فأول من فدي أبو وداعة السهمي، فداه ابنه المطلب، وفدى العباس نفسه ~~وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وحليفه عتبة بن عمرو بن ~~جحدم، أمره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بذلك فقال: لا مال لي. فقال له ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أين المال الذي وضعته عند أم الفضل وقلت ~~لها إن أصبت فللفضل كذا ولعبد الله كذا ولعبيد الله كذا ؟ قال: والذي بعثك ~~بالحق ما علم به أحد غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك رسول الله ! وفدى نفسه ~~وابني أخويه وحليفه، وكان قد أخذ مع العباس عشرون أوقية من ذهب، فقال: ~~احسبها في فدائي. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: لا، ذاك شيء أعطاناه ~~الله، عز وجل. وكان في الأساري عمرو بن أبي سفيان، أسره علي، فقيل لأبيه: ~~أفد عمرا. فقال: لا أجمع علي دمي ومالي، يقتل ابني حنظلة وأفدي عمرا ! ~~فتركه ولم يفكه. ثم إن سعد بن النعمان الأنصاري خرج إلى مكة معتمرا، فأخذه ~~أبو سفيان، وكانت قريش لا تعرض لحاج ولا معتمر. فحبسه أبو سفيان ليفدي به ~~عمرا ابنه، وقال: أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه ... تعاقدتم لا تسلموا السيد ~~الكهلا فإن بني عمرو لئام أذلة ... لئن لم يفكوا عن أسيرهم الكبلا فمشى بنو ~~عمرو بن عوف إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فطلبوا منه عمرو بن أبي سفيان ~~ففادوا به سعدا. وكان في الأساري أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد ~~شمس ms0549 زوج زينب بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان من أكثر رجال مكة ~~مالا وأمانة وتجارة، وكانت أمة هالة بنت خويلد أخت خديجة زوجة رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، فسألته أن يزوجه زينب، ففعل قبل أن يوحى إليه، فلما ~~أوحي إليه آمنت به زينب، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مغلوبا بمكة ~~لم يقدر أن يفرق بينهما، فلما خرجت قريش إلى بدر خرج معهم فأسر، فلما بعثت ~~قريش في فداء الأسارى بعثت زينب في فداء أبي العاص زوجها بقلادة لها كانت ~~خديجة أدخلتها معها، فلما رآها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رق لها رقة ~~شديدة وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا. ~~فأطلقوا لها أسيرها وردوا القلادة. وأخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~عليه أن يرسل زينب إليه بالمدينة، وسار إلى مكة، وأرسل رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، زيد بن حارثة مولاه ورجلا من الأنصار ليصحبا زينب من مكة، فلما ~~قدم أبو العاص أمرها باللحاق بالنبي، صلى الله عليه وسلم، فتجهزت سرا، ~~وأركبها كنانة بن الربيع، أخو أبي العاص، بعيرا وأخذ قوسه وخرج بها نهارا. ~~فسمعت بها قريش فخرجوا في طلبها فلحقوها بذي طوى، وكانت حاملا فطرحت حملها ~~لما رجعت لخوفها، ونثر كنانة أسهمه ثم قال: والله لا يدنو مني أحد إلا وضعت ~~فيه سهما !؟ فأتاه أبو سفيان بن حرب وقال: خرجت بها علانية فيظن الناس أن ~~ذلك عن ذل وضعف منا، ولعمر ما لنا في حبسها حاجة، فارجع بالمرأة ليتحدث ~~الناس أنا رددناها. ثم أخرجها ليلا وسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما ~~بها على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأقامت عنده. PageV01P0287 # فلما كان قبيل الفتح خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام بأمواله وأموال رجال ~~من قريش، فلما عاد لقيته سرية لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخذوا ما ~~معه وهرب منهم، فلما كان الليل أتى المدينة فدخل على زينب، فلما كان الصبح ~~خرج رسول الله، صلى ms0550 الله عليه وسلم، إلى الصلاة فكبر وكبر الناس، فنادت ~~زينب من صفة النساء: أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص. فقال النبي، صلى ~~الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ما علمت بشيء من ذلك، وإنه ليجير على ~~المسلمين ادناهم. وقال لزينب: لا يخلص اليك فلا يحل لك. وقال للسرية الذين ~~اصابوه: إن رأيتم أن تردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فيء ~~الله الذي أفاءه عليكم وأنتم أحق به. قالوا: يا رسول الله بل نرده عليه. ~~فردوا عليه ماله كله حتى الشظاظ، ثم عاد إلى مكة فرد على الناس مالهم وقال ~~لهم: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، والله ما منعني من ~~الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أكل أموالكم. ثم خرج فقدم ~~على النبي، صلى الله عليه وسلم، فرد عليه أهله بالنكاح الأول، وقيل بنكاح ~~جديد. وجلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية بعد بدر، وكان شيطانا ممن ~~كان يؤذي النبي وأصحابه،وكان ابن وهب في الأساري، فقال صفوان: لا خير في ~~العيش بعد من أصيب ببدر. فقال عمير: صدقت ولولا دين علي وعيال أخشى ضيعتهم ~~لركب إلى محمد حتى أقتله. فقال صفوان: دينك علي وعيالك مع عيالي أسوتهم. ~~فسار إلى المدينة فقدمها، فأمر النبي، صلى الله عليه وسلم، عمر بن الخطاب ~~بإدخاله عليه، فأخذ عمر بحمالة سيفة وقال لرجال معه من الأنصار: ادخلوا على ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واحذروا هذا الخبيث. فلما رآه رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، قال لعمر: اتركه، ثم قال: ادن يا عمير، ما جاء بك؟ ~~قال: جئت لهذا الأسير. قال: اصدقني. قال: ما جئت إلا لذلك. قال: بل قعدت ~~أنت وصفوان وجرى بينكما كذا وكذا. فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، هذا ~~الأمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فالحمد لله الذي هداني للإسلام. فقال رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم: فقهوا أخاكم في دينه وعلموه القرآن وأطلقوا له ~~أسيره؛ ms0551 ففعلوا. فقال: يا رسول الله كنت شديد الأذى للمسلمين فأحب أن تأذن ~~لي فأقدم مكة فأدعو إلى الله وأوذي الكفار في دينهم كما كنت أوذي أصحابك. ~~فأذن له، فكان صفوان يقول: أبشروا الآن بوقعة تأتيكم تنسيكم وقعة بدر. فلما ~~قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الله، فأسلم معه ناس كثير، وكان يؤذي من ~~خالفه. وقدم مكرز بن حفص بن الأخيف في فداء سهيل بن عمرو، وكان رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، يشاور أبا بكر وعمر وعليا في الأساري، فأشار أبو بكر ~~بالفداء، وأشار عمر بالقتل، فمال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى ~~الفداء، فأنزل الله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض) إلى قوله: (لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) الأنفال: 67 - 68؛ وكان ~~الأسرى سبعين، فقتل من المسلمون عقوبة بالمفاداة يوم أحد سبعون، وكسرت ~~رباعية رسول الله، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه وانهزم ~~أصحابه، فأنزل الله تعالى: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها) آل ~~عمران: 165. وكان جميع من قتل من المسلمين ببدر أربعة عشر رجلا، ستة من ~~المهاجرين، وثمانية من الأنصار. ورد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جماعة ~~استصغرهم، منهم: عبد الله بن عمر، ورافع بن خديج، والبراء ابن عازب، وزيد ~~بن ثابت، وأسيد بن حضير. PageV01P0288 # وضرب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لثمانية نفر بسهم في الأنفال لم ~~يحضروا الوقعة، منهم: عثمان بن عفان، كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~خلفه على زوجته رقية بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لمرضها، وطلحة بن ~~عبيد الله، وسعيد بن زيد، كان أرسلهما يتجسسان خبر العير، وأبو لبابة، خلفه ~~على المدينة، وعاصم بن عدي، خلفه على العالية، والحارث بن حاطب، رده إلى ~~بني عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم، والحارث بن الصمة، كسر بالروحاء، وخوات بن ~~جبير، كسر في بدر أسفل سيفه ذي الفقار، وكان لمنبه بن الحجاج، وقيل كان ~~للعاص ابن منبه، قتله علي صبرا وأخذ سيفه ذا ms0552 الفقار، فكان للنبي، صلى الله ~~عليه وسلم، فوهبه لعلي. رحضة بفتح الراء المهملة، والحاء المهملة، والضاد ~~المعجمة. والحبار بضم الحاء المهملة، والباء الموحدة، وأسيد بن حضير بضم ~~الهمزة، والضاد المعجمة. وخديج بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدار المهملة. ### | AUT ذكر غزوة بني القينقاع # لما عاد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من بدر أظهرت يهود له الحسد بما ~~فتح الله عليه وبغوا ونقضوا العهد، وكان قد وادعهم حين قدم المدينة مهاجرا. ~~فلما بلغه حسدهم جمعهم بسوق بني قينقاع فقال لهم: احذروا ما نزل بقريش ~~وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل. فقالوا: يا محمد لا يغرنك أنك لقيت ~~قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة. فكانوا أول يهود نقضوا ما بينهم ~~وبينه، فبينما هم على مجاهرتهم وكفرهم إذا جاءت امرأة مسلمة إلى سوق بني ~~قينقاع فجلست عند صائغ لأجل حلي لها، فجاء رجل منهم فخل درعها إلى ظهرها، ~~وهي لا تشعر، فلما قامت بدت عورتها، فضحكوا منها، فقام إليه رجل من ~~المسلمين فقتله، ونبذوا العهد إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتحصنوا ~~في حصونهم، فغزاهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحاصرهم خمس عشرة ليلة، ~~فنزلوا على حكمه، فكتفوا، وهو يريد قتلهم، وكانوا حلفاء الخزرج، فقام إليه ~~عبد الله بن أبي بن سلول فكلمه فيهم، فلم يجبه، فأدخل يده في جيب رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، فغضب رسول الله، وقال: ويحك أرسلني. فقال: لا ~~أرسلك حتى تحسن إلى موالي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من ~~الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، وإني والله لأخشى الدوائر. فقال ~~النبي، صلى الله عليه وسلم: هم لك، خلوهم لعنهم الله لعنة معهم. وغنم رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، والمسلمون ما كان لهم من مال، ولم يكن لهم أرضون ~~إنما كانوا صاغة، وكان الذي أخرجهم عبادة بن الصامت الأنصاري، فبلغ بهم ~~ذباب، ثم ساروا إلى أذرعات من أرض الشام، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى هلكوا. ~~وكان قد استخلف على المدينة أبا ms0553 لبابة، وكان لواء رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، مع حمزة، وقسم الغنيمة بين أصحابه وخمسها، وكان أول خمس أخذه رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، في قول. ثم انصرف رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وحضر الأضحى وخرج إلى المصلى فصلى بالمسلمين، وهي أول صلاة عيد ~~صلاها، وضحى فيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بشاتين، وقيل بشاة، وكان ~~أول أضحى رآه المسلمون، وضحى معه ذوو اليسار. وكانت الغزاة في شوال بعد ~~بدر، وقيل: كانت في صفر سنة ثلاث، وجعلها بعضهم بعد غزوة الكدر. ذباب بكسر ~~الذال المعجمة، وبائين موحدتين. ### || AUT ذكر غزوة الكدر # قال ابن إسحاق: كانت في شوال سنة اثنتين، وقال الواقدي: كانت في المحرم ~~سنة ثلاث، وكان قد بلغ النبي، صلى الله عليه وسلم، اجتماع بني سليم على ماء ~~لهم يقال له الكدر، فسار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى الكدر فلم يلق ~~كيدا، وكان لواؤه مع علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ~~وعاد ومعه النعم والرعاء، وكان قدومه، في قول، لعشر ليال مضين من شوال. ~~وبعد قدومه أرسل غالب بن عبد الله الليثي في سرية إلى بني سليم وغطفان، ~~فقتلوا فيهم وغنموا النعم، واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر وعادوا منتصف ~~شوال. الكدر بضم الكاف، وسكون الدال المهملة. ### || AUT ذكر غزوة السويق # PageV01P0289 # كان أبو سفيان قد نذر بعد بدر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو ~~محمدا، فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر يمينه حتى جاء المدينة ليلا واجتمع ~~بسلام بن مشكم سيد النضير فعلم منه خبر الناس، ثم خرج في ليلته فبعث رجالا ~~من قريش إلى المدينة، فأتوا العريض فحرقوا في نخلها وقتلوا رجلا من الأنصار ~~وحليفا له، واسم الأنصاري معبد بن عمرو وعادوا، ورأى أن قد بر في يمينه. ~~وجاء الصريخ، فركب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه فأعجزهم، وكان ~~أبو سفيان وأصحابه يلقون جرب السويق يتخففون منها للنجاة، وكان ذلك عامة ~~زادهم، فلذلك سميت ms0554 غزوة السويق. ولما رجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~والمسلمون قالوا: يا رسول الله أتطمع أن تكون لنا غزوة ؟ قال: نعم. وقال ~~أبو سفيان بمكة، وهو يتجهز: كروا على يثرب وجمعهم ... فإن ما جمعوا لكم نفل ~~إن يك يوم القليب كان لهم ... فإن ما بعده لكم دول آليت لا أقرب النساء ولا ~~... يمس رأسي وجلدي الغسل حتى تبيروا قبائل الأوس وال ... خزرج، إن الفؤاد ~~يشتعل فأجابه كعب بن مالك بقوله: يا لهف أم المسبحين على ... جيش ابن حرب ~~بالحرة الفشل إذ يطرحون الرجال من سئم الطي ... ر ترقى لقنة الجبل جاؤوا ~~بجمع لو قيس مبركه ... ما كان إلا كمفحص الدئل عار من النصر والثراء ومن ~~... أبطال أهل البطحاء والأسل وفي ذي الحجة منها مات عثمان بن مظعون فدفن ~~بالبقيع وجعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على رأس القبر حجرا علامة ~~لقبره. وقيل: إن الحسن بن علي ولد فيها. وقيل: إن علي بن أبي طالب بنى ~~بفاطمة على رأس اثنين وعشرين شهرا، فإن كان هذا صحيحا فالأول باطل. وفي هذه ~~السنة كتب المعاقلة وقربه بسيفه. سلام بتشديد اللام. ومشكم بكسر الميم، ~~وسكون الشين المعجمة، وفتح الكاف. والعريض بضم العين المهملة، وفتح الراء، ~~وآخره ضاد معجمة: واد بالمدينة. ### | AUT ودخلت السنة الثالثة من الهجرة # في المحترم سنة ثلاث سمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن جمعا من بني ~~ثعلبة بن سعد بن ذبيان وبين محارب بن حفص تجمعوا ليصيبوا من المسلمين، فسار ~~إليهم في أربعمائة وخمسين رجلا، فلما صار بذي القصة لقي رجلا من ثعلبة ~~فدعاه إلى الإسلام، فأسلم وأخبره أن المشركين أتاهم خبره فهربوا إلى رؤوس ~~الجبال، فعاد ولم يلق كيدا، وكان مقامه اثنتي عشرة ليلة. وفيها، في جمادى ~~الأول غزا بني سليم ببحران، وسبب هذه الغزوة أن جمعا من بني سليم تجمعوا ~~ببحران من ناحية الفرع، فبلغ ذلك النبي، صلى الله عليه وسلم، فسار إليهم في ~~ثلاثمائة، فلما بلغ بحران وجدهم قد تفرقوا فانصرف ولم يلق كيدا، ms0555 وكانت ~~غيبته عشر ليال، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم. القصة فتح القاف، ~~والصاد المهملة. وبحران بالباء الموحدة، والحاء المهملة الساكنة. ### || AUT ذكر قتل كعب بن الأشرف اليهودي # وفي هذه السنة قتل كعب بن الأشرف، وهو أحد بني نبهان من طيء، وكانت أمه ~~من بني النضير، وكان قد كبر عليه قتل من قتل ببدر من قريش، فسار إلى مكة ~~وحرض على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبكى أصحاب بدر، وكان يشبب بنساء ~~المسلمين حتى آذاهم، فلما عاد إلى المدينة قال رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم: من لي من ابن الأشرف ؟ فقال محمد بن مسلمة الأنصاري: أنا لك به، أنا ~~أقتله. قال: فافعل إن قدرت على ذلك. قال: يا رسول الله لا بد لنا ما نقول. ~~قال: قولوا ما بدا لكم، فأنتم في حل من ذلك. PageV01P0290 # فاجتمع محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة بن وقش، وهو أبو نائلة، والحارث بن ~~أوس بن معاذ، وكان أخا كعب من الرضاعة، وعباد بن بشر، وأبو عبس بن جبر، ثم ~~قدموا إلى ابن الأشرف أبا نائلة، فتحدث معه ثم قال له: يا ابن الأشرف إني ~~قد جئتك لحاجة فاكتمها عي. قال: أفعل. قال: كان قدوم هذا الرجل شؤما على ~~العرب، قطع عنا السبل حتى ضاعت العيال وجهدت البهائم. فقال كعب: قد كنت ~~أخبرتك بهذا. قال أبو نائلة: وأريد أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك وتحسن ~~في ذلك. قال: ترهنونني أبنائكم ؟ قال: أردت أن تفضحنا، إن معي أصحابي على ~~مثل رأيي تبيعهم وتحسن ونجعل عندك رهنا من الحلقة ما فيه وفاء، وأراد أبو ~~نائلة بذكر الحلقة، وهي السلاح، أن لا ينكر السلاح إذا جاء مع أصحابه. ~~فقال: إن في الحلقة لوفاء. فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم، فأخذوا ~~السلاح وساروا إليه، وشيعهم النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى بقيع الغرقد ~~ودعا لهم. فلما انتهوا إلى حصن كعب هتف به أبو نائلة، وكان كعب قريب عهد ~~بعرس، فوثب إليه، وتحدثوا ساعة، وسار معهم إلى شعب ms0556 العجوز. ثم إن أبا نائلة ~~أخذ برأس كعب وشم بيده وقال: ما رأيت كالليلة طيبا أعرف قط. ثم مشى ساعة ~~وعاد لمثلها حتى اطمأن كعب، ثم مشى ساعة وأخذ بفود رأسه ثم قال: اضربوا عدو ~~الله ! فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا. قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا ~~في سيفي فأخذته، وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه ~~نار، قال: فوضعته في ثندوئته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ووقع عدو الله. ~~وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ، أصابه بعض أسيافنا، قال: فخرجنا على بعاث ~~وقد أبطأ علينا صاحبنا فوقفنا له ساعة وقد نزفه الدم، ثم أتانا فاحتلمناه ~~وجئنا به النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه بقتل عدو الله، وتفل على جرح ~~صاحبنا وعدنا إلى أهلينا فأصبحنا وقد خافت يهود، ليس بها يهودي إلا وهو ~~يخاف على نفسه. قال: وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من ظفرتم به من ~~رجال يهود فاقتلوه. فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة اليهودي وهو من تجار ~~يهود، فقتله، وكان يبايعهم، فقال لهم أخوه حويصة، وهو مشرك: يا عدو الله ~~قتلته ؟! أما والله لرب شحم في بطنك من ماله ! وضربه، فقال محيصة: لقد ~~أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لقتلتك. قال: فوالله إن كان لأول إسلام ~~حويصة. فقال: إن دينا بلغ بك ما أرى لعجب. ثم أسلم. عبس بن جبر بفتح العين ~~المهملة، وسكون الباء الموحدة. وجبر بالجيم، والباء الموحدة. وسنينة تصغير ~~سن. وفي ربيع الأول منها تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، وبنى بها في جمادى الآخرة. وفيها ولد السائب بن يزيد ابن أخت ~~نمير. وقال الواقدي: وفيها غزا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غزوة أنمار ~~يقال لها دوام، وقد ذكرنا قول ابن إسحاق قبل ذلك. وفيها كان غزوة القردة، ~~وكان أميرها زبد بن حارثة، وهي أول سرية خرج فيها زيد أميرا. وكان من ~~حديثها أن قريشا خافت من ms0557 طريقها التي كانت تسلك إلى الشام بعد بدر، فسلكوا ~~طريق العراق، فخرج منهم جماعة فيهم صفوان بن أمية وأبو سفيان. وكان عظيم ~~تجارتهم الفضة، وكان دليلهم فرات بن حيان من بكر بن وائل، فبعث رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، زيدا، فلقيهم على ماء يقال له الفردة، فأصاب العير وما ~~فيها، وأعجزه الرجال، فقدم بها على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان ~~الخمس عشرين ألفا، وقسم الأربعة الأخماس على السوية، وأتي بفرات بن حيان ~~أسيرا فأسلم، فأطلقه رسول الله، صلى الله عليه وسلم. الفردة: ماء بنجد، وقد ~~اختلف العلماء في ضبطه، فقيل فردة بالفاء المفتوحة والراء الساكنة، وبه مات ~~زيد الخيل، ويرد ذكره، وضبطه ابن الفرات في غير موضع قردة بالقاف، وقال ابن ~~إسحاق: وسير زيد بن حارثة إلى الفردة، ماء من مياه نجد، ضبطه ابن الفرات ~~أيضا بفتح الفاء والراء، فإن كانا مكانين وإلا فقط ضبط ابن الفرات أحدهما خطأ. ### || AUT ذكر قتل أبي رافع # PageV01P0291 # في هذه السنة في جمادي الآخرة قتل أبو رافع سلام بن أبي الحقيق اليهودي، ~~وكان يظاهر كعب بن الأشرف على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما قتل كعب ~~بن الأشرف، وكان قتلته من الأوس، قالت الخزرج: والله لا يذهبون بها علينا ~~عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكانا يتصاولان تصاول الفحلين، فتذاكر ~~الخزرج من يعادي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كابن الأشرف، فذكروا ابن ~~أبي الحقيق، وهو بخيبر، فاستأذنوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في قتله، ~~فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج عبد الله بن عتيك ومسعود بن سنان وعبد الله ~~بن أنيس وأبو قتادة وخزاعي بن الأسود حليف لهم وأمر عليهم عبد الله بن ~~عتيك، فخرجوا حتى قدموا خيبر فأتوا دار أبي رافع ليلا، فلم يدعوا بابا في ~~الدار إلا أغلقوه على أهله، وكان في علية فاستأذنوا عليه، فخرجت امرأته ~~فقالت: من أنتم ؟ قالوا: نفر من العرب يلتسمون الميرة. قالت: ذاك صاحبكم ~~فادخلوا عليه، فدخلوا. فلما دخلوا أغلقوا ms0558 باب العلية ووجدوه على فراشه ~~وابتدروه، فصاحت المرأة، فجعل الرجل منهم يريد قتلها، فيذكر نهي النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، إياهم عن قتل النساء والصبيان، فيمسك عنها، وضربوه ~~بأسيافهم، وتحامل على عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه، ثم خرجوا ~~من عنده. وكان عبد الله بن عتيك سيئ البصر، فوقع من الدرجة فوثئت رجله وثأ ~~شديدا، فاحتملوه واختفوا، وطلبتهم يهود في كل وجه فلم يروهم، فرجعوا إلى ~~صاحبهم، فقال المسلمون: كيف نعلم أن عدو الله قد مات ؟ فعاد بعضهم ودخل في ~~الناس فرأى الناس حوله وهو يقول: لقد عرفت صوت ابن عتيك، ثم قلت: أين ابن ~~عتيك ؟ ثم صاحت امرأته وقالت: مات والله. قال: فما سمعت كلمة ألذ إلى نفسي ~~منها. ثم عاد إلى أصحابه وأخبرهم الخبر وسمع صوت الناعي يقول: أنعى أبا ~~رافع تاجر أهل الحجاز. وساروا حتى قدموا على النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~واختلفوا في قتله. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: هاتوا أسيافكم، ~~فجاؤوا بها، فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر ~~العظام. وقيل في قتله: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعث إلى أبي رافع ~~اليهودي، وكان بأرض الحجاز، رجالا من الأنصار وأمر عليهم عبد الله بن عتيك، ~~وكان أبو رافع يؤذي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما دنوا منه غربت ~~الشمس وراح الناس بسرجهم، فقال عبد الله بن عتيك لأصحابه: أقيموا مكانكم ~~فإني أنطلق وأتلطف للبواب لعلي أدخل. فانطلق فأقبل حتى دنا من الباب فتقنع ~~بثوبه كأنه يقضي حاجته، فهتف به البواب: إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني ~~أريد أن أغلق الباب، فدخل وأغلق الباب وعلق المفاتيح على وتد، قال: فقمت ~~فأخذتها ففتحت بها الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده في علالي. فلما أراد ~~النوم ذهب عنه السمار، فصعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابا أغلقته علي من ~~داخل، فقلت: إن علموا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله. قال: فانتهيت إليه فإذا ~~هو ms0559 في بيت مظلم وسط عياله لا أدري أين هو. فقلت: أبا رافع ؟! قال: من هذا ؟ ~~فأهويت نحو الصوت فضربته ضربة بالسيف وأنا دهش، فما أغنى عني شيئا وصاح، ~~فخرجت من البيت غير بعيد ثم دخلت عليه فقلت: ما هذا الصوت ؟ قال: لأمك ~~الويل! إن رجلا في البيت ضربني بالسيف. قال: فضربته بأثخنته فلم أقتله، ثم ~~وضعت حد السيف في بطنه حتى أخرجته من ظهره، فعرفت أني قتلته فجعلت أفتح ~~الأبواب وأخرج حتى انتهيت إلى درجة فوضعت رجلي وأنا أظن أني انتهيت إلى ~~الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة وانكسرت ساقي فعصبتها بعمامتي وجلست عند الباب ~~فقلت: والله لا أبرح حتى أعلم أقتلته أم لا. فلما صاح الديك قام الناعي ~~فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء ! ~~قد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فحدثته. ~~قال: ابسط رجلك. فبسطتها فمسحها فكأني لم أشتكها قط. قيل: كان قتل أبي رافع ~~في ذي الحجة سنة أربع من الهجرة، والله أعلم. سلام بتشديد اللام. وحقيق بضم ~~الحاء المهملة، وفتح القاف الأولى، تصغير حق. PageV01P0292 # وفيها تزوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حفصة بنت عمر بن الخطاب في ~~شعبان، وكانت قبله تحت خنيس بضم الخاء المعجمة، وبالنون المفتوحة، وبالياء ~~المعجمة باثنتين من تحت، وبالسين المهملة وهو ابن حذافة السهمي، فتوفى فيها. ### || AUT ذكر غزوة أحد # وفيها في شوال لسبع ليال خلون منه كانت وقعة أحد، وقيل للنصف، وكان الذي ~~هاجها وقعة بدر، فإنه لما أصيب من المشركين من أصيب ببدر مشى عبد الله بن ~~أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وغيرهم ممن أصيب آباؤهم ~~وأبناؤهم وإخوانهم بها، فكلموا أبا سفيان ومن كان له في تلك العير تجارة ~~وسألوهم أن يعينوهم بذلك المال على حرب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~ليدركوا ثأرهم منهم، ففعلوا وتجهز الناس وأرسلوا أربعة نفر، وهم: عمرو بن ~~العاص، وهبيرة بن وهب، وأبن الزبعرى، وأبو عزة الجمحي، فساروا في ms0560 العرب ~~ليستنفروهم، فجمعوا جمعا من ثقيف وكنانة وغيرهم، واجتمعت قريش بأحابيشها ~~ومن أطاعها من قبائل كنانة وتهامة، ودعا جبير بن مطعم غلامه وحشي بن حرب، ~~وكان حبشيا يقذف بالحربة قل ما يخطئ، فقال له: اخرج مع الناس فإن قتلت عم ~~محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق. وخرجوا معهم بالظعن لئلا يفروا، وكان ~~أبو سفيان قائد الناس، فخرج بزوجته هند بنت عتبة، وغيره من رؤساء قريش ~~خرجوا بنسائهم، خرج عكرمة بن أبي جهل بزوجته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، ~~وخرج الحارث بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة أخت خالد، وخرج صفوان ~~بن أمية ببريرة، وقيل برزة بنت مسعود الثقفية أخت عروة بن مسعود، وهي أم ~~ابنه عبد الله بن صفوان، وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبه بن الحجاج، وهي ~~أم ولده عبد الله بن عمرو، وخرج طلحة بن أبي طلحة بسلافة بنت سعد، وهي أم ~~بنيه مسافع والحلاس وكلاب وغيرهم. وكان مع النساء الدفوف يبكين على قتلى ~~بدر يحرضن بذلك المشركين. وكان مع المشركين أبو عامر الراهب الأنصاري، وكان ~~خرج إلى مكة مباعدا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومعه خمسون غلاما من ~~الأوس، وقيل كانوا خمسة عشر، وكان يعد قريشا أنه لو لقي محمدا لم يتخلف عنه ~~من الأوس رجلان. فلما التقى الناس بأحد كان أبو عامر أول من لقي في ~~الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى: يا معشر الأوس أنا أبو عامر. فقالوا: فلا ~~أنعم الله بك عينا يا فاسق ! فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر قاتلهم قتالا ~~شديدا حتى راضخهم بالحجارة. وكانت هند كلما مرت بوحشي أو مر بها قالت له: ~~يا أبا دسمة اشف واستشف، وكان يكنى أبا دسمة. فأقبلوا حتى نزلوا بعينين ~~بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مما يلي المدينة. فلما سمع بهم ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمسلمون قال: إني رأيت بقرا فأولتها ~~خيرا، ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها ~~المدينة، ms0561 فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم فإن أقاموا بشر مقام وإن ~~دخلوا علينا قاتلناهم فيها. وكان رأي عبد الله بن أبي بن سلول مع رأي رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، يكره الخروج، وأشار بالخروج جماعة ممن استشهد ~~يومئذ. وأقامت قريش يوم الأربعاء والخميس والجمعة، وخرج رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، حين صلى الجمعة فالتقوا يوم السبت نصف شوال. فلما لبس رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، سلاحه وخرج ندم الذين كانوا أشاروا بالخروج إلى ~~قريش وقالوا: استكرهنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونشير عليه، فالوحي ~~يأتيه فيه، فاعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما شئت. فقال: لا ينبغي لنبي أن ~~يلبس لامته فيضعها حتى يقاتل. PageV01P0293 # فخرج في ألف رجل، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، فلما كان بين ~~المدينة وأحد عاد عبد الله بن أبي بثلث الناس، فقال: أطاعهم وعصاني، وكان ~~من تبعه أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن حرام أخو بني سلمة يذكرهم ~~الله أن لا يخذلوا نبيهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ~~وانصرفوا. فقال: أبعدكم الله أعداء الله ! فسيغني الله عنكم ! وبقي رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، في سبعمائة، فسار في حرة بني حارثة وبين ~~أموالهم، فمر بمال رجل من المنافقين يقال له مربع بن قيظي، وكان ضرير ~~البصر، فلما سمع حس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومن معه قام يحثي ~~التراب في وجوههم ويقول: إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي، ~~وأخذ حفنة من تراب في يده وقال: لو أعلم أني لا أصيب غيرك لضربت به وجهك. ~~فابتدروه ليقتلوه، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: لا تفعلوا فهذا الأعمى ~~البصر والقلب. فضربه سعد بن زيد بقوس فشجه. وذب فرس بذنبه فأصاب كلاب سيف ~~صاحبه، فاستله، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: سيوفكم، فإني أرى ~~السيوف ستسل اليوم. وسار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى نزل بعدوة ~~الوادي وجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وكان المشركون ms0562 ثلاثة آلاف، منهم سبعمائة ~~دارع، والخيل مائتي فرس والظعن خمس عشرة امرأة، وكان المسلمون مائة دارع ~~ولم يكن من الخيل غير فرسين، فرس لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفرس ~~لأبي بردة بن نيار، وعرض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المقاتلة فرد زيد ~~بن ثابت وابن عمر وأسيد بن ظهير والبراء بن عازب وعرابة بن أوس وأبا سعيد ~~الخدري وغيرهم، وأجاز جابر بن سمرة ورافع بن خديج. وأرسل أبو سفيان إلى ~~الأنصار يقول: خلوا بيننا وبين ابن عمنا فننصرف عنكم فلا حاجة بنا إلى ~~قتالكم. فردوا عليه بما يكره. وتعبأ المشركون فجعلوا على ميمنتهم خالد بن ~~الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، وكان لواؤهم مع بني عبد الدار، ~~فقال لهم أبو سفيان: إنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، فإما أن تكفونا وإما ~~أن تخلوا بيننا وبين اللواء، يحرضهم بذلك. فقالوا: ستعلم إذا التقينا كيف ~~نصنع، وذلك أراد. واستقبل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة وترك أحد ~~خلف ظهره وجعل وراءه الرمادة، وهم خمسون رجلا، وأمر عليهم عبدالله بن جبير، ~~أخا خوات بن جبير، وقال له: انضح عنا الخيل بالنيل لا يأتونا من خلفنا ~~واثبت مكانك إن كانت لنا أو علينا. وظاهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~بين درعين وأعطى اللواء مصعب بن عمير، وأمر الزبير على الخيل ومع المقداد، ~~وخرج حمزة بالجيش بين يديه. وأقبل خالد وعكرمة فلقيهما الزبير والمقداد ~~فهزما المشركين، وحمل النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه فهزموا أبا ~~سفيان، وخرج طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين وقال: يا معشر أصحاب محمد ~~إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم. إلى النار ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة، ~~فهل أحد منكم يعجله سيفي إلى الجنة أو يعجلني سيفه إلى النار ؟ فبرز إليه ~~علي بن أبي طالب، فضربه علي فقطع رجله، فسقط وانكشفت عورته، فناشده الله ~~والرحم فتركه، فكبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال لعلي: ما منعك أن ~~تجهز عليه ؟ قال: إنه ناشدني الله والرحم فاستحييت منه. ms0563 وكان بيد رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، سيف، فقال: من يأخذه بحقه ؟ فقام إليه رجال، ~~فأمسكه عنهم حتى قام أبو دجانة فقال: وما حقه يا رسول الله ؟ قال: تضرب به ~~العدو حتى تثخن. قال: أنا آخذه. فأعطاه إياه. وكان شجاعا، وكان إذا أعلم ~~بعصابة له حمراء علم الناس أنه يقاتل، فعصب رأسه بها وأخذ السيف وجعل ~~يتبختر بين الصفين. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إنها مشية يبغضها ~~الله إلا في هذا الموطن)، فجعل لا يرتفع له شيء إلا حطمه حتى انتهى إلى ~~نسوة في سفح الجبل معهن دفوف لهن فيهن امرأة تقول: نحن بنات طارق ... نمشي ~~على النمارق إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق ... فراق ~~غير وامق وتقول أيضا: إيها بني عبد الدار ... إيها حماة الديار ضربا بكل ~~بتار PageV01P0294 # فرفع السف ليضربها، ثم أكرم سيف الله، صلى الله عليه وسلم، أن يضرب به ~~امرأة. وكانت المرأة هند، والنساء معها يضربن بالدفوف خلف الرجال يحرضن. ~~واقتتل الناس قتالا شديدا، وأمعن في الناس حمزة وعلي وأبو دجانة في رجال من ~~المسلمين، وأنزل الله نصره على المسلمين، وكانت الهزيمة على المشركين، وهرب ~~النساء مصعدات في الجبل، ودخل المسلمون عسكرهم ينهبون. فلما نظر بعض الرماة ~~إلى العسكر حين انكشف الكفار عنه أقبلوا يريدون النهب، وثبتت طائفة وقالوا: ~~نطيع رسول الله ونثبت مكاننا، فأنزل الله: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من ~~يريد الآخرة) آل عمران: 152؛ يعني اتباع أمر رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم. قال ابن مسعود: وما علمت أن أحدا من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، يريد الدنيا حتى نزلت الآية. فلما فارق بعض الرماة مكانهم رأى خالد ~~بن الوليد قلة من بقي من الرماة، فحمل عليهم فقتلهم، وحمل على أصحاب النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، من خلفهم. فلما رأى المشركون خيلهم تقاتل تبادروا ~~فشدوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم، وقد كان المسلمون قتلوا أصحاب اللواء، ~~فبقي مطروحا لا يدنو منه أحد، فأخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته، ms0564 ~~فاجتمعت قريش حوله، وأخذه صؤاب فقتل عليه، وكان الذي قتل أصحاب اللواء علي، ~~قاله أبو رافع، قال: فلما قتلهم أبصر النبي، صلى الله عليه وسلم، جماعة من ~~المشركين، فقال لعلي: احمل عليهم، ففرقهم وقتل فيهم، ثم أبصر جماعة أخرى ~~فقال له: احمل عليهم، فحمل عليهم وفرقهم وقتل فيهم، فقال جبرائيل: يا رسول ~~الله هذه المؤاساة ؟! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إنه مني وأنا ~~منه. فقال جبرائيل: وأنا منكما. قال: فسمعوا صوتا: لا سيف إلا ذو الفقار، ~~ولا فتى إلا علي. وكسرت رباعية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، السفلى وشقت ~~شفته وكلم في وجنته وجبهته في أصول شعره، وعلاه بن قمئة بالسيف، وكان هو ~~الذي أصابه، وقيل: أصابه عتبة بن وقاص، وقيل: عبد الله بن شهاب الزهري جد ~~محمد بن مسلم. وقيل: إن عتبة بن أبي وقاص، وابن قمئة الليثي الأدرمي، من ~~بني تيم بن غالب، وكان أدرم ناقص الذقن، وأبي بن خلف الجمحي، وعبد الله بن ~~حميد الأسدي، أسد قريش، تعاقدوا على قتل رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ ~~فأما ابن شهاب فأصاب جبهته، وأما عتبة فرماه بأربعة أحجار فكسر رباعتيه ~~اليمنى وشق شفته، وأما ابن قمئة فكلم وجنته ودخل من حلق المغفر فيها وعلاه ~~بالسيف فلم يطق أن يقطعه فسقط رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجحشت ركبته، ~~وأما أبي بن خلف فشد عليه بحربة، فأخذها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~منه وقتله بها، وقيل: بل كانت حربة الزبير أخذها منه، وقيل: أخذها من ~~الحارث بن الصمعة، وأما عبد الله بن حميد فقتله أبو دجانة الأنصاري. ولما ~~جرح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جعل الدم يسيل على وجه وهو يمسحه ~~ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الله ! وقاتل ~~دونه نفر خمسة من الأنصار فقتلوا، وترس أبو دجانة رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، بنفسه، فكان يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه، ورمى سعد بن أبي وقاص ~~دون رسول ms0565 الله، صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~يناوله السهم ويقول: ارم فداك أبي وأمي. وأصيبت يومئذ عين قتادة بن ~~النعمان، فردها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيده، فكانت أحسن عينيه. ~~وقاتل مصعب بن عمير ومعه لواء المسلمين فقتل، قتله ابن قمئة الليثي، وهو ~~يظن أنه النبي، صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى قريش وقال: قتلت محمدا. فجعل ~~الناس يقولون: قتل محمد، قتل محمد. ولما قتل مصعب أعطى رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، اللواء علي بن أبي طالب. وقاتل حمزة حتى مر به سباع بن عبد ~~العزى الغبشاني، فقال له حمزة: هلم إلي يا ابن مقطعة البظور ! وكانت أمه أم ~~أنمار ختانة بمكة فلما التقيا ضربه حمزة فقتله، قال وحشي، إني والله لأنظر ~~إلى حمزة وهو يهذ الناس بسيفه هذا ما يلقى شيئا يمر به إلا قتله، وقتل سباع ~~بن عبد العزى. قال: فهززت حربتي ودفعتها عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من ~~بين رجليه وأقبل نحوي فغلب فوقع، فأمهلته حتى مات فأخذت حربتي ثم تنحيت إلى ~~العسكر، فرضي الله عن حمزة وأرضاه. PageV01P0295 # وقتل عاصم بن ثابت مسافع بن طلحة وأخاه كلاب بن طلحة بسهمين، فحملا إلى ~~أمها سلافة وأخبراها أن عاصما قتلهما، فنذرت إن أمكنها الله من رأسه أن ~~تشرب فيه الخمر. وبرز عبد الرحمن بن أبي بكر، وكان مع المشركين، وطلب ~~المبارزة، فأراد أبو بكر أن يبرز إليه، فقال رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم: شم سيفك وأمتعنا بك. وانتهى أنس بن النضر، عم أنس بن مالك، إلى عمر ~~وطلحة في رجال من المهاجرين قد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يحبسكم قالوا: قد ~~قتل النبي، صلى الله عليه وسلم. قال: فما تصنعون بالحياة بعده ! قوموا ~~فموتوا على ما مات عليه. ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل، فوجد به سبعون ~~ضربة وطعنة، وما عرفه إلا أخته، عرفته بحسن بنانه. وقيل: إن أنس بن النضر ~~سمع نفرا من المسلمين يقولون، لما سمعوا أن النبي، صلى ms0566 الله عليه وسلم، ~~قتل: ليت لنا من يأتي عبد الله بن أبي بن سلول ليأخذ لنا أمانا من أبي ~~سفيان قبل أن يقتلونا. فقال لهم أنس: يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب ~~محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد. اللهم إني أعتذر إليك مما ~~يقول هؤلاء وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ! ثم قاتل حتى قتل. وكان أول من ~~عرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كعب بن مالك، قال: فناديت بأعلى صوتي: ~~يا معشر المسلمين أبشروا ! هذا رسول الله حي لم يقتل، فأشار إليه: أنصت. ~~فلما عرفه المسلمون نهضوا نحو الشعب ومعه علي وأبو بكر وعمر وطلحة والزبير ~~والحارث بن الصمة وغيرهم. فلما أسند إلى الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول: ~~يا محمد لا نجوت إن نجوت ! فعطف عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فطعنه ~~بالحربة في عنقه، وكان أبي يقول بمكة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن ~~عندي العود أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه. فيقول له النبي، صلى الله ~~عليه وسلم: بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى. فلما رجع إلى قريش وقد خدشه ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خدشا غير كبير قال: قتلني محمد. قالوا: ~~والله ما بك بأس. قال: إنه قد كان قال لي أنا أقتلك، فوالله لو بصق علي ~~لقتلني ! فمات عدو الله بسرف. وقاتل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم ~~أحد قتالا شديدا، فرمى بالنبل حتى فني نبله وانكسرت سية قوسه وانقطع وتره. ~~ولما جرح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جعل علي ينقل له الماء في درقته ~~من المهراس ويغسله، فلم ينقطع الدم، فأتت فاطمة وجعلت تعانقه وتبكي، وأحرقت ~~حصيرا وجعلت على الجرح من رماده فانقطع الدم. ورمى مالك بن زهير الحشمي ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، فاتقاه طلحة بيده فأصاب السهم خنصره، وقيل: ~~رماه حبان بن العرقة، فقال: حس، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لو ~~قال: باسم ms0567 الله، لدخل الجنة، والناس ينظرون إليه، إن يده شلت إلا السبابة ~~والوسطى؛ والأول أثبت. وصعد أبو سفيان ومعه جماعة من المشركين في الجبل، ~~فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ليس لهم أن يعلونا، فقاتلهم عمر ~~وجماعة من المهاجرين حتى أهبطوهم، ونهض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى ~~الصخرة ليعلوها، وكان عليه درعان، فلم يستطع، فجلس تحته طلحة حتى صعد، فقال ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أوجب طلحة. وانتهت الهزيمة بجماعة ~~المسلمين، فيهم عثمان بن عفان وغيره، إلى الأعوص، فأقاموا به ثلاثا ثم أتوا ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال لهم حين رآهم: لقد ذهبتم فيها عريضة. ~~والتقى حنظلة بن أبي عامر، غسيل الملائكة، وأبو سفيان بن حرب، فلما استعلاه ~~حنظلة رآه شداد بن الأسود وهو ابن شعوب، فدعاه أبو سفيان، فأتاه، فضرب ~~حنظلة فقتله، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إنه لتغسله الملائكة. ~~فسلوا أهله فسئلت صاحبته فقالت: خرج وهو جنب، سمع الهائعة، فقال رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، لذلك غسلته الملائكة. وقال أبو سفيان يذكر صبره ~~ومعاونة ابن شعوب إياه على قتل حنظلة: ولو شئت نجتني كميت طمرة ... ولم ~~أحمل النعماء لابن شعوب فما زال مهري مزجر الكلب منهم ... لدن غدوة حتى دنت ~~لغروب أقاتلهم وأدعي بال غالب ... وأدفعهم عني بركن صليب فبكي ولا ترعي ~~مقالة عاذل ... ولا تسأمي من عبرة ونحيب PageV01P0296 # أباك وإخوانا لنا قد تتابعوا ... وحق لهم من عبرة بنصيب وسلى الذي قد كان ~~في النفس أنني ... قتلت من النجار كل نجيب ومن هاشم قرنا نجيبا ومصعبا ... ~~وكان لدى الهيجاء غير هيوب ولو أنني لم أشف منهم قرونتي ... لكانت شجا في ~~القلب ذات ندوب فأجابه حسان بقوله: ذكرت القروم الصيد من آل هاشم ... ولست ~~لزور قلته بمصيب أتعجب أن أقصدت حمزة منهم ... عشاء وقد سميته بنجيب ألم ~~يقتلوا عمرا وعتبة وابنه ... وشيبة والحجاج وابن حبيب غداة دعا العاصي عليا ~~فراعه ... بضربة عضب بله بخضيب ووقعت هند وصواحباتها على القتلى يمثلن بهم، ~~واتخذت ms0568 هند من آذان الرجال وآنافهم خدما وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها ~~وحشيا، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها. ثم أشرف ~~أبو سفيان على المسلمين فقال: أفي القوم محمد ؟ ثلاثا، فقال رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم: لا تجيبوه. ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ ثلاثا. ثم ~~قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاثا. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء ~~فقد قتلوا. فقال عمر: كذبت أي عدو الله قد أبقى الله لك ما يخزيك. فقال: ~~اعل هبل، اعل هبل. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: قولوا الله أعلى ~~وأجل. فقال أبو سفيان: إنا لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان: أنشدك ~~الله يا عمر أقتلنا محمدا ؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك. فقال: ~~أنت أصدق من ابن قمئة ! ثم قال: هذا بيوم بدر، والحرب سجال، أما إنكم ~~ستجدون في قتلاكم مثلا، والله ما رضيت ولا سخطت ولا نهيت ولا أمرت واجتاز ~~به الحيس بن زبان سيد الأحابيش وهو يضرب في شدق حمزة بزج الرمح ويقول: ذق ~~عقق ! فقال الحليس: يا بني كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن عمه كما ترون. ~~فقال أبو سفيان: اكتمها عني فإنها زلة. وكانت أم أيمن حاضنة رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، ونساء من الأنصار يسقين الماء، فرماها حبان بن العرقة بسهم ~~فأصاب ذيلها، فضحك، فدفع النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى سعد بن أبي وقاص ~~سهما وقال: ارمه. فرماه فأصابه، فضحك النبي، صلى الله عليه وسلم، وقال: ~~استقاد لها سعد، أجاب الله دعوتك وسدد رميتك. ثم انصرف أبو سفيان ومن معه ~~وقال: إن موعدكم العام المقبل. ثم بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عليا ~~في أثرهم وقال: انظر فإن جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ~~ركبوا الخيل فإنهم يريدون المدينة، فوالذي نفسي بيده لئن أرادوها ~~لأناجزنهم. قال علي: فخرجت في أثرهم، فامتطوا ms0569 الإبل وجنبوا الخيل يريدون ~~مكة، فأقبلت أصيح ما أستطيع أن أكتم، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~أمره بالكتمان. وأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رجلا أن ينظر في ~~القتلى، فرأى سعد بن الربيع الأنصاري وبه رمق، فقال للذي رآه: أبلغ رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، عني السلام وقل له جزاك الله خير ما جزى نبيا عن ~~أمته، وأبلغ قومي السلام وقل لهم لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، أذى وفيكم عين تطرف. ثم مات. ووجد حمزة ببطن ~~الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به، فحين رآه رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، قال: لولا أن تحزن صفية أو تكون سنة بعدي لتركته حتى يكون في أجواف ~~السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش لأمثلن بثلاثين رجلا منهم. ~~وقال المسلمون: لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب، فأنزل الله في ~~ذلك: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) الآية النحل: 126، فعفا رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، وصبر ونهى عن المثلة. PageV01P0297 # وأقبلت صفية بنت عبد المطلب، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لابنها ~~الزبير ليردها لئلا ترى ما بأخيها حمزة، فلقيها الزبير فأعلمها بأمر النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، فقالت: إنه بلغني أنه مثل بأخي وذلك في الله قليل ! ~~فما أرضانا بما كان من ذلك ! لأحتسبن ولأصبرن. فأعلم الزبير النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، بذلك، فقال: خل سبيلها، فأتته وصلت عليه واسترجعت، وأمر ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، به فدفن. وكان في المسلمين رجل اسمه قزمان، ~~وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول إنه من أهل النار، فقاتل يوم أحد ~~قتالا شديدا، فقتل من المشركين ثمانية أو تسعة، ثم جرح فحمل إلى داره، وقال ~~له المسلمون: أبشر قزمان ! قال: بم أبشر، وأنا ما قاتلت إلا عن أحساب قومي ~~؟ ثم اشتد عليه جرحه فأخذ سهما فقطع رواهشه فنزف الدم، فمات، فأخبر رسول ~~الله، صلى ms0570 الله عليه وسلم، فقال: أشهد أني رسول الله. وكان ممن قتل يوم أحد ~~مخيريق اليهودي، قال ذلك اليوم ليهود: يا معشر يهود، لقد علمتم أن نصر محمد ~~عليكم حق. فقالوا: إن اليوم السبت. فقال: لا سبت، وأخذ سيفه وعدته وقال: إن ~~قتلت فما لي لمحمد يصنع به ما يشاء، ثم غدا فقاتل حتى قتل، فقال رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم: مخيريق خير يهود. وقتل اليمان أبو حذيفة، قتله ~~المسلمون، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رفعه وثابت بن قيس بن وقش ~~مع النساء، فقال أحدهما لصاحبه، وهما شيخان: ما ننتظر ؟ أفلا نأخذ أسيافنا ~~فنلحق برسول الله، صلى الله عليه وسلم ؟ لعل الله يرزقنا الشهادة. ففعلا ~~ودخلا في الناس ولا يعلم بهما، فأما ثابت فقتله المشركون، وأما اليمان ~~فاختلفت عليه سيوف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه، فقال حذيفة: أبي أبي ؟! ~~فقالوا: والله ما عرفناه. فقال: يغفر الله لكم. وأراد رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، أن يديه، فتصدق حذيفة بديته على المسلمين. واحتمل بعض النساء ~~قتلاهم إلى المدينة، فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بدفنهم حيث ~~صرعوا، وأمر أن يدفن الاثنان والثلاثة في القبر الواحد، وأن يقدم إلى ~~القبلة أكثرهم قرآنا، وصلى عليهم، فكان كلما أتي بشهيد جعل حمزة معه وصلى ~~عليهما، وقيل: كان يجمع تسعة من الشهداء وحمزة عاشرهم فيصلي عليهم، ونزل في ~~قبره علي وأبو بكر وعمر والزبير، وجلس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ~~حفرته وأمر أن يدفن عمرو بن الجموح وعبد الله بن حرام في قبر واحد، وقال: ~~كانا متصافيين في الدنيا. فلما دفن الشهداء انصرف رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، فلقيته حمنة بنت جحش، فنعى لها أخاها عبد الله، فاسترجعت له، ثم نعى ~~لها خالها حمزة، فاستغفرت له، ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير، فولولت ~~وصاحت، فقال: إن زوج المرأة منها لبمكان. ومر رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، بدار من دور الأنصار فسمع البكاء والنوائح، فذرفت عيناه فبكى وقال: ~~لكن ms0571 حمزة لا بواكي له ؟! فرجع سعد بن معاذ إلى دار عبد الأشهل فأمر نساءهم ~~أن يذهبن فيبكين على حمزة. ومر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بامرأة من ~~الأنصار قد أصيب أبوها وزوجها، فلما نعيا لها قالت: ما فعل رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم ؟ قال: هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه، فلما نظرت ~~إليه قالت: كل مصيبة بعدك جلل. وكان رجوعه إلى المدينة يوم السبت يوم ~~الوقعة. ينار بالنون المكسورة، والياء تحتها نقطتان، وآخره راء. وجبير بضم ~~الجيم، تصغير جبر. وخوات بالخاء المعجمة، والواو المشددة، وبعد الألف تاء ~~فوقها نقطتان. وحبان بكسر الحاء المهملة، وبالباء الموحدة، وآخره نون. ~~والحليس بضم الحاء المهملة، تصغير حلس. وزبان بالزاي، والباء الموحدة وآخره نون. ### || AUT ذكر غزوة حمراء الأسد # PageV01P0298 # لما كان الغد من يوم الأحد أذن مؤذن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~بالغزو وقال: لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس، فخرج ليظن الكفار به قوة، ~~وخرج معه جماعة جرحى يحملون نفوسهم وساروا حتى بلغوا حمراء الأسد، وهي من ~~المدينة على سبعة أميال، فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ومر به ~~معبد الخزاعي، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح لرسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، بتهامة، وكان معبد مشركا، فقال: يا محمد لقد عز علينا ما أصابك. ~~ثم خرج من عند النبي، صلى الله عليه وسلم، فلقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء ~~قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليستأصلوا المسلمين ~~بزعمهم، فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك ؟ قال: محمد قد خرج في ~~أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله، قد جمع معه من تخلف عنه وندموا على ما ~~صنعوا، وما ترحل حتى ترى نواصي الخيل. قال: فوالله قد أجمعنا الرجعة ~~لنستأصل بقيتهم. قال: إني أنهاك عن هذا، فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه. ومر ~~بأبي سفيان ركب من عبد القيس فقال لهم: بلغوا عني محمدا رسالة وأحمل لكم ~~إبلكم هذه زبيبا بعكاظ. قالوا: نعم. قال: أخبروه ms0572 أنا قد أجمعنا السير إليه ~~وإلى أصحابه لنستأصلهم. فمروا بالنبي، صلى الله عليه وسلم، وهو بحمراء ~~الأسد فأخبروه، فقال صلى الله عليه وسلم: حسبنا الله ونعم الوكيل. ثم عاد ~~إلى المدينة وظفر في طريقه بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص، وبأبي عزة ~~عمرو بن عبيد الله الجمحي، وكان قد تخلف عن المشركين بحمراء الأسد، ساروا ~~وتركوه نائما، وكان أبو عزة قد أسر يوم بدر، فأطلقه رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم بغير فداء لأنه شكا إليه فقرا وكثرة عيال، فأخذ رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، عليه العهود أن لا يقاتله ولا يعين على قتاله، فخرج معهم ~~يوم أحد وحرض على المسلمين، فلما أتي به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~قال له: يا محمد امنن علي. قال: المؤمن لا يلدغ من حجر مرتين. وأمر به ~~فقتل. وأما معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية، وهو الذي جدع أنف حمزة ~~ومثل به مع من مثل به، وكان قد أخطأ الطريق، فلما أصبح أتى دار عثمان بن ~~عفان، فلما رآه قال له عثمان: أهلكتني وأهلكت نفسك. فقال: أنت أقربهم مني ~~رحما وقد جئتك لتجيرني. وأدخله عثمان داره، وقصد رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، ليشفع فيه، فسمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: إن معاوية ~~بالمدينة فاطلبوه؛ فأخرجوه من منزل عثمان، وانطلقوا به إلى النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، فقال عثمان: والذي بعثك بالحق ما جئت إلا لأطلب له أمانا فهبه ~~لي، فوهبه له وأجله ثلاثة أيام وأقسم لئن أقام بعدها ليقتلنه، فجهزه عثمان ~~وقال له: ارتحل. وسار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى حمراء الأسد ~~وأقام معاوية ليعرف أخبار النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما كان اليوم ~~الرابع قال النبي، صلى الله عليه وسلم: إن معاوية أصبح قريبا ولم يبعد، ~~فاطلبوه، فطلبه زيد بن حارثة وعمار فأدركاه بالحماة فقتلاه. وهذا معاوية جد ~~عبد الملك بن مروان بن الحكم لأمه. وفيها قيل ولد الحسن بن علي في النصف ms0573 من ~~شهر رمضان. وفيها علقت فاطمة بالحسين، وكان بين ولادتها وحملها خمسون يوما. ~~وفيها حملت جميلة بنت عبد الله بن أبي عامر غسيل الملائكة في شوال. ؟ ### | AUT ودخلت السنة الرابعة من الهجرة # ### || AUT ذكر غزوة الرجيع # PageV01P0299 # في هذه السنة في صفر كانت غزوة الرجيع. وكان سببها أن رهطا من عضل ~~والقارة قدموا على النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن فينا إسلاما ~~فابعث لنا نفرا يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن. فبعث معهم ستة نفر ~~وأمر عليهم عاصم بن ثابت، وقيل: مرثد بن أبي مرثد، فلما كانوا بالهدأة ~~غدروا واستصرخوا عليهم حيا من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فبعثوا لهم مائة ~~رجل، فالتجأ المسلمون إلى جبل فاستنزلوهم وأعطوهم العهد، فقال عاصم: والله ~~لا أنزل على عهد كافر، اللهم خبر نبيك عنا ! وقاتلهم هو مرثد وخالد بن ~~البكير، ونزل إليهم ابن الدثنة وخبيب بن عدي ورجل آخر فأوثقوهم، فقال الرجل ~~الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أتبعكم ! فقتلوه وانطلقوا بخبيب وابن ~~الدثنة فباعوهما بمكة، فأخذ خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب ~~هو الذي قتل الحارث بأحد، فأخذوه ليقتلوه بالحارث، فبينما خبيب عند بنات ~~الحارث استعار من بعضهن موسى يستحد بها للقتل، فدب صبي لها فجلس على فخذ ~~خبيب والموسى في يده، فصاحت المرأة، فقال خبيب: أتخشين أن أقتله ؟ إن الغدر ~~ليس من شأننا. فكانت المرأة تقول: ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب، لقد رأيته ~~وما بمكة ثمرة وإن في يده لقطفا من عنب يأكله ما كان إلا رزقا رزقه الله ~~خبيبا. فلما خرجوا من الحرم بخبيب ليقتلوه قال: ردوني أصل ركعتين، فتركوه، ~~فصلاهما، فجرت سنة لمن قتل صبرا، ثم قال خبيب: لولا أن تقولوا جزع لزدت، ~~وقال أبياتا، منها: ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي شيء كان في الله ~~مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع اللهم أحصهم ~~عددا، واقتلهم بددا ! ثم صلبوه. وأما عاصم بن ثابت فإنهم أرادوا رأسه ~~ليبيعوه من سلافة ms0574 بنت سعد، وكانت نذرت أن تشرب الخمر في رأس عاصم لأنه قتل ~~ابنيها بأحد، فجاءت النحل فمنعته، فقالوا: دعوه حتى يمسي فنأخذه. فبعث الله ~~الوادي فاحتمل عاصما، وكان عاهد الله أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك، فمنعه ~~الله في مماته كما منع في حياته. وأما ابن الدثنة فإن صفوان بن أمية بعث به ~~مع غلامه نسطاس إلى التنعيم ليقتله بابنيه، فقال نسطاس: أنشدك الله أتحب أن ~~محمدا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك ؟ قال: ما أحب أن محمدا ~~الآن مكانه الذي هو فيه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي. فقال أبو سفيان: ما ~~رأيت من الناس أحدا يجب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا. ثم قتله نسطاس. خبيب ~~بضم الخاء المعجمة، وفتح الباء الموحدة، بعدها ياء تحتها نقطتان، وآخره باء ~~موحدة أيضا. والبكير بضم الباء الموحدة، تصغير بكر. ### || AUT ذكر إرسال عمرو بن أمية لقتل أبي سفيان # ولما قتل عاصم وأصحابه بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمرو ابن ~~أمية الضمري إلى مكة مع رجل من الأنصار وأمرهما بقتل أبي سفيان بن حرب، قال ~~عمرو: فخرجت أنا ومعي بعير لي وبرجل صاحب علة، فكنت أحمله على بعيري حتى ~~جئنا بطن يأجج، فعقلنا بعيرنا في الشعب وقلت لصاحبي: انطلق بنا إلى أبي ~~سفيان لنقتله، فإن خشيت شيئا فاحلق بالبعير فاركبه والحق برسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، وأخبره الخبر عني. وأوغل بالبلد يحث السياق. PageV01P0300 # فدخلنا مكة ومع يخنجر قد أعددته إن عاقني إنسان ضربته به، فقال لي صاحبي: ~~هل لك أن نبدأ فنطوف ونصلي ركعتين ؟ فقلت: إن أهل مكة يجلسون بأفنيتهم وأنا ~~أعرف بها. فلم نزل حتى أتينا البيت فطفنا وصلينا ثم خرجنا فمررنا بمجلس ~~لهم، فعرفني بعضهم فصرخ بأعلى صوته: هذا عمرو بن أمية ! فثار أهل مكة إلينا ~~وقالوا: ما جاء إلا لشر، وكان فاتكا متشيطنا في الجاهلية، فقلت لصاحبي: ~~النجاء ! هذا الذي كنت أحذر، أما أبو سفيان فليس إليه سبيل، فانج بنفسك. ~~فخرجنا نشتد حتى صعدنا ms0575 الجبل فدخلنا غارا فبتنا فيه ليلتنا ننتظر أن يسكن ~~الطلب. قال: فوالله إني لفيه إذ أقبل عثمان بن مالك التيمي يختل بفرس له، ~~فقام على باب الغار، فخرجت إيه فضربته بالخنجر، فصاح صيحة أسمع أهل مكة، ~~فأقبلوا إليه ورجعت إلى مكاني، فوجدوه وبه رمق، فقالوا: من ضربك ؟ قال: ~~عمرو بن أمية، ثم مات ولم يقدر يخبرهم بمكاني، وشغلهم قتل صاحبهم عن طلبي، ~~فاحتلموه ومكثنا في الغار يومين حتى سكن عنا الطلب، ثم خرجنا إلى التنعيم، ~~فإذا بخشبة خبيب وحوله حرس، فصعدت خشبته واحتملته على ظهري، فما مشيت به ~~إلا نحو أربعين خطوة حتى نذروا بي فطرحته، فاشتدوا في أثري، فأخذت الطريق ~~فأعيوا ورجعوا، وانطلق صاحبي فركب البعير وأتى النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~فأخبره. وأما خبيب فلم ير بعد ذلك وكأن الأرض ابتلعته. قال: وسرت حتى دخلت ~~غارا بضجنان ومعي قوسي وأسهمي، فبينا أنا فيه إذ دخل علي رجل من بني الدئل ~~أعور طويل يسوق غنما فقال: من الرجل ؟ قلت: من بني الدئل، فاضطجع معي ورفع ~~عقيرته يتغنى ويقول: وست بمسلم ما دمت حيا ... ولست أدين دين المسلمينا ثم ~~نام فقتله ثم سرت، فإذا رجلان بعثتهما قريش يتجسسان أمر رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، فرميت أحدهما بسهم فقتلته وأستأسرت الآخر، فقدمت على ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، وأخبرته الخبر، فضحك ودعا لي بخير. وفي هذه ~~السنة تزوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زينب بنت خزيمة أم المساكين من ~~بني هلال في شهر رمضان، وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها. وولي ~~المشركون الحج في هذه السنة. ### || AUT ذكر بئر معونة # في هذه السنة في صفر قتل جمع من المسلمين ببئر معونة. وكان سبب ذلك أن ~~أبا براء بن عازب بن عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة، سيد بني عامر بن ~~صعصعة، قدم المدينة وأهدى للنبي، صلى الله عليه وسلم، هدية فلم يقبلها ~~وقال: يا أبا براء لا أقبل هدية مشرك، ثم عرض عليه الإسلام فلم يبعد عنه ms0576 ~~ولم يسلم، وقال: إن أمرك هذا حسن، فلو بعثت رجلا من أصحابك إلى أهل نجد ~~يدعوهم إلى أمرك لرجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، أخشى عليهم أهل نجد. فقال أبو براء: أنا لهم جار. فبعث رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، سبعين رجلا، فيهم: المنذر بن عمرو الأنصاري المعنق ~~ليموت، والحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان، وعامر بن فهيرة، وغيرهم، وقيل: ~~كانوا أربعين، فساروا حتى نزلوا ببئر معونة بين أرض بني عامر وحرة بني ~~سليم، فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب النبي، صلى الله عليه وسلم ~~إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر إلى الكتاب وعدا على حرام فقتله، ~~فلما طعنه قال: الله أكبر فزت ورب الكعبة ! واستصرخ بني عامر، فلم يجيبوه ~~وقالوا: لن نخفر أبا براء، فقد أجارهم، فاستصرخ بني سليم: عصية ورعلا ~~وذكوان، فأجابوه وخرجوا حتى أحاطوا بالمسلمين فقاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم ~~إلا كعب بن زيد الأنصاري، فإنهم تركوه وبه رمق، فعاش حتى قتل يوم الخندق. ~~PageV01P0301 # وكان في سرح القوم عمرو بن أمية ورجل من الأنصار، فرأيا الطير تحوم على ~~العسكر فقالا: إن لها شأنا، فأقبلا ينظران، فإذا صرعى، وإذا الخيل واقفة، ~~فقال عمرو: نلحق برسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنخبره الخبر. فقال ~~الأنصاري: لا أرغب بنفسي عن موطن فيه المنذر بن عمرو، ثم قاتل القوم حتى ~~قتل، فأخذوا عمرو بن أمية أسيرا. فلما علم عامر أنه من سعد أطلقه، وخرج ~~عمرو حتى إذا كان بالقرقرة لقي رجلين من بني عامر فنلا معه ومعهما عقد من ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم يعلم به عمرو فقتلهما، ثم أخبر النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، الخبر، فقال له: لقد قتلت قتيلين لأدينهما. ثم قال ~~رسول الله: هذا عمل أبي براء، فشق عليه ذلك. وكان فيمن قتل عامر بن فهيرة، ~~فكان عامر بن الطفيل يقول: من الرجل منهم لما قتل رفع بين السماء والأرض ؟ ~~قالوا: هو عامر بن فهيرة. وقال حسان ms0577 بن ثابت يحرض بني أبي براء على عامر بن ~~الطفيل: بني أم ألم يرعكم ... وأنتم من ذوائب أهل نجد تهكم عامر بأبي براء ~~... ليخفره وما خطأ كعمد في أبيات له. فقال كعب بن مالك: لقد طارت شعاعا كل ~~وجه ... خفارة ما أجار أبو براء في أبيات أخرى. فلما بلغ ربيعة بن أبي براء ~~ذلك حمل على عامر بن الطفيل فطعنه، فخر عن فرسه، فقال: إن مت فدمي لعمي. ~~وأنزل الله عز وجل، في أهل بئر معونة قرآنا: بلغوا قومنا عنا أنا قد لقينا ~~ربنا فرضي عنا ورضينا عنه، ثم نسخت. معونة بفتح الميم، وضم العين المهملة، ~~وبعد الواو نون. وحرام بالحاء المهملة، والراء. وملحان بكسر الميم، وبالحاء المهملة. ### || AUT ذكر إجلاء بني النضير # وكان سبب ذلك أن عامر بن الطفيل أرسل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~يطلب دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية، وقد ذكرنا ذلك. فخرج ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى بني النضير يستعينهم فيها ومعه جماعة من ~~أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي، فقالوا: نعم نعينك على ما أحببت، ثم خلا ~~بعضهم ببعض وتآمروا على قتله، وهو جالس إلى جنب جدار، فقالوا: من يعلو هذا ~~البيت فيلقي عليه صخرة فيقتله ويريحنا منه ؟ فانتدب له عمرو بن جحاش، ~~فنهاهم عن ذلك سلام بن مشكم وقال: هو يعلم، فلم يقبلوا منه، وصعد عمرو بن ~~جحاش، فأتى الخبر من السماء إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بما عزموا ~~عليه، فقام وقال لأصحابه: لا تبرحوا حتى آتيكم، وخرج راجعا إلى المدينة، ~~فلما أبطأ قام أصحابه في طلبه، فأخبرهم الخبر وأمر المسلمين بحربهم، ونزل ~~بهم، فتحصنوا منه في الحصون، فقطع النخل وأحرق وأرسل إليهم عبد الله بنأبي ~~وجماعة معه أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم وإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن ~~خرجتم خرجنا معكم، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من الأموال إلا ~~السلاح، ms0578 فأجابهم إلى ذلك، فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام، فكان ~~ممن سار إلى خيبر كنانة بن الربيع وحيي بن أخطب، وكان فيهم يومئذ أم عمرو ~~صاحبة عروة بن الورد التي ابتاعوا منه، وكانت غفارية. فكانت أموال النضير ~~لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحده يضعها حيث شاء، فقسمها على المهاجرين ~~الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة ذكرا فقرا فأعطاهما. ~~ولم يسلم من بني النضير إلا يامين بن عمير بن كعب، وهو ابن عم عمرو بن ~~جحاش، وأبو سعيد بن وهب، وأحرزا أموالهما. واستخلف على المدينة ابن أم ~~مكتوم، وكانت رايته على علي بن أبي طالب. سلام بتشديد اللام. ومشكم بكسر ~~الميم، وسكون الشين المعجمة، والكاف. ؟ ### || AUT غزوة ذات الرقاع # أقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالمدينة بعد بني النضير شهري ربيع ~~ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان حتى نزل نخلا، وهي غزوة ~~الرقاع، سميت بذلك لأجل جبل كانت الوقعة به فيه سواد وبياض وحمرة، فاستخلف ~~على المدينة عثمان بن عفان، فلقي المشركين ولم يكن قتال، وخاف الناس بعضهم ~~بعضا، فنزلت صلاة الخوف، وقد اختلف الرواة في صلاة الخوف، وهو مستقصى في ~~كتب الفقه. PageV01P0302 # وجاء رجل من محارب إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فطلب منه أن ينظر إلى ~~سيفه، فأعطاه السيف، فلما أخذه وهزه قال: يا محمد أما تخافني ؟ قال: لا. ~~قال: أما تخافني وفي يدي السيف ؟ قال: لا، يمنعني الله منك، فرد السيف ~~إليه. وأصاب المسلمون امرأة منهم، وكان زوجها غائبا، فلما أتى أهله أخبر ~~الخبر، فحلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، دما، ~~وخرج يتبع أثر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنزل رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: من يحرسنا الليلة ؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من ~~الأنصار، فأقاما بفم شعب نزله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واضطجع ~~المهاجري وحرس الأنصاري أول الليل وقام يصلي، وجاء زوج المرأة فرأى ms0579 شخصه ~~فعرف أنه ربيئة القوم فرماه بسهم فوضعه فيه فانتزعه وثبت قائما يصلي، ثم ~~رماه بسهم آخر فأصابه فنزعه وثبت يصلي، ثم رماه بالثالث فوضعه فيه فانتزعه ~~ثم ركع وسد، ثم أيقظ صاحبه وأعلمه، فوثب، فلما رآهما الرجل علم أنهما علما ~~به، فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري قال: سبحان الله ألا أيقظتني أول ما ~~رماك ؟ قال: كنت في سورة أقرأها فلم أحب أن أقطعها، فلما تابع علي الرمي ~~أعلمتك، وايم الله لولا خوفي أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها. وقيل: إن هذه الغزوة كانت في المحرم ~~سنة خمس من الهجرة. ### || AUT ذكر غزوة بدر الثانية # سميت أيضا غزوة السويق وفي شعبان منها خرج رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، إلى بدر لميعاد أبي سفيان بن حرب حتى نزل بدرا فأقام عليها ثماني ~~ليال ينتظر أبا سفيان، وخرج أبو سفيان في أهل مكة إلى مر الظهران، وقيل: ~~إلى عسفان، ثم رجع ورجعت قريش معه، فسماهم أهل مكة جيش السويق، يقولون: ~~إنما خرجتم تشربون السويق. واستخلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ~~المدينة عبد الله بن رواحة. وفيها تزوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أم ~~سلمة. وفيها أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب ~~يهود. وفيها، في جمادى الأولى، مات عبد الله بن عثمان بن عفان، وأمه رقية ~~بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صلى عليه رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وكان عمره ست سنين. وفيها ولد الحسين بن علي بن أبي طالب، في قول. ~~وولي الحج فيها المشركون. ### | AUT الأحداث في السنة الخامسة من الهجرة # فيها تزوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زينب بنت جحش، وهي ابنة عمته، ~~كان زوجها مولاه زيد بن حارثة، وكان يقال له زيد بن محمد. فخرج رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، يريده وعلى الباب ستر من شعر، فرفعته الريح فرآها وهي ~~حاسرة فأعجبته وكرهت ms0580 إلى زيد، فلم يستطع أن يقربها، فجاء إلى النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، فأخبره، فقال: أرابك فيها شيء ؟ قال: لا والله. فقال له ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (أمسك عليك زوجك واتق الله) الأحزاب: 37. ~~ففارقها زيد وحلت، وأنزل الوحي على النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: من ~~يبشر زينب أن الله قد زوجنيها ؟ وقرأ عليهم قوله تعالى: (وإذ تقول للذي ~~أنعم الله عليه) الآية؛ فكانت زينب تفخر على نسائه وتقول: زوجكن أهلوكن ~~وزوجني الله من السماء. وفيها كانت غزوة دومة الجندل في ربيع الأول، وسببها ~~أنه بلغ النبي، صلى الله عليه وسلم، أن بها جمعا من المشركين، فغزاهم، فلم ~~يلق كيدا، وخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وغنم المسلمون إبلا ~~وغنما وجدت لهم. ومات أم سعد بن عبادة وسعد مع النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~في هذه الغزاة. وفيها وادع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عيينة بن حصن ~~الفزاري أن يرعى بتغلمين وما والاها. عيينة بضم العين، تصغير عين. ### || AUT ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب # PageV01P0303 # وكانت في شوال، وكان سببها أن نفرا من يهود من بني النضير، منهم: سلام بن ~~أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وكنانة ابن الربيع بن أبي الحقيق، وغيرهم، حزبوا ~~الأحزاب على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقدموا على قريش بمكة فدعوهم ~~إلى حرب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقالوا: نكون معكم حتى نستأصله، ~~فأجابوهم إلى ذلك، ثم أتوا على غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، وأخبروه أن قريشا معهم على ذلك، فأجابوهم، فخرجت قريش وقائدها ~~أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث ~~بن عوف بن أبي حارثة المري في مرة، ومسعر بن رخيلة الأشجعي في الأشجع. فلما ~~سمع بهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمر بحفر الخندق، وأشار به سلمان ~~الفارسي، وكان أول مشهد شهده مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ ~~حر، فعمل فيه رسول ms0581 الله، صلى الله عليه وسلم، رغبة في الأجر وحثا للمسمين، ~~وتسلل عنه جماعة من المنافقين بغير علم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~فأنزل الله في ذلك: (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا) النور: 63 ~~الآية. وكان الرجل من المسلمين إذا نابته نائبة لحاجة لا بد منها يستأذن ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيقضي حاجته ثم يعود، فأنزل الله تعالى: ~~(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله) الآية الفتح 15. وقسم الخندق بين ~~المسلمين. فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان كل يدعيه أنه منهم، فقال ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم: سلمان منا، سلمان من أهل البيت. وجعل لكل ~~عشرة أربعين ذراعا، فكان سلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن وعمرو بن عوف وستة ~~من الأنصار يعملون، فخرجت عليهم صخرة كسرت المعول، فأعلموا النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، فهبط إليها ومعه سلمان فأخذ المعول وضرب الصخرة ضربة صدعها، ~~وبرقت منها برقة أضاءت ما ين لابتي المدينة، فكبر رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، والمسلمون، ثم الثانية كذلك، ثم الثالثة كذلك، ثم خرج وقد صدعها، ~~فسأله سلمان عما رأى من البرق، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أضاءت ~~الحيرة وقصور كسرى في البرقة الأولى، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها، ~~وأضاء لي في الثانية القصور الحمر من أرض الشام والروم، وأخبرني أن أمتي ~~ظاهرة عيها، وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء، وأخبرني أن أمتي ظاهرة عليها، ~~فأبشروا، فاستبشر المسلمون. وقال المنافقون: ألا تعجبون ؟ يعدكم الباطل، ~~ويخبركم أنه ينظر من يثرب الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم لا ~~تستطيعون أن تبرزوا، فأنزل الله: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ~~ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) الأحزاب: 12. فأقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع ~~الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من ~~كنانة وتهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم حتى نزلوا إلى جنب أحد، وخرج رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، والمسلمون فجعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف، ~~فنزل ms0582 هناك ورفع الذراري والنساء في الآطام. وخرج حيي بن أخطب حتى أتى كعب ~~بن أسد سيد قريظة، وكان قد وادع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على قومه، ~~فأغلق كعب حصنه ولم يأذن له وقال: إنك امرؤ مشؤوم، وقد عاهدت محمدا ولم أر ~~منه إلا الوفاء. قال حيي: يا كعب قد جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش ~~وقادتها وسادتها، وغطفان بقادتها، وقد عاهدوني أنهم لا يبرحون حتى يستأصلوا ~~محمدا وأصحابه. قال كعب: جئتني بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه يرعد ويبرق ~~وليس فيه شيء، ويحك يا حيي ! دعني ومحمدا. ولم يزل معه يفتله في الذروة ~~والغارب حتى حمله على الغدر بالنبي، صلى الله عليه وسلم، ففعل ونكث العهد، ~~وعاهده حيي إن عادت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى ~~يصيبني ما أصابك. فعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ~~ومن أسفل منهم، ونجم النفاق من بعض المنافقين، وأقام رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، والمشركون عليه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر، ولم يكن بين ~~القوم حرب إلا الرمي بالنبل. PageV01P0304 # فلما اشتد البلاء بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى عيينة بن حصن ~~والحارث بن عوف المري، قائدي غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن ~~يرجعا بمن معهما عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأجابا إلى ذلك، ~~فاستشار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فقالا: ~~يا رسول الله شيء تحب أن تصنعه أم شيء أمرك الله به أو شيء تصنعه لنا ؟ ~~قال: بل لكم، رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم. ~~فقال سعد بن معاذ: قد كنا نحن وهم على الشرك ولا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة ~~إلا قرى أو بيعا، فحين أكرمنا الله بالإسلام نعطيهم أموالنا ! ما نعطيهم ~~إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فترك ذلك رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم. ثم إن فوارس من قريش، ms0583 منهم: عمرو بن عبد ود أحد بني عامر بن لؤي، ~~وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب، ونوفل بن عبد الله، وضرار بن الخطاب ~~الفهري، خرجوا على خيولهم واجتازوا ببني كنانة وقالوا: تجهزوا للحرب ~~وستعلمون من الفرسان. وكان عمرو بن عبد ود قد شهد بدرا كافرا وقاتل حتى ~~كثرت الجراح فيه، فلم يشهد أحدا وشهد الخندق معلما حتى يعرف مكانه، وأقبل ~~هو وأصحابه حتى وقفوا على الخندق، ثم تيمموا مكانا ضيقا فاقتحموه، فجالت ~~بهم خيولهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من ~~المسلمين، فأخذوا عليهم الثغرة، وكان عمرو قد خرج معلما، فقال له علي: يا ~~عمرو إنك عاهدت أن لا يدعوك رجل من قريش إلى خصلتين إلا أخذت إحداهما ؟ ~~قال: أجل. قال له عليك فإني أدعوك إلى الله والإسلام. قال: لا حاجة لي ~~بذلك. قال: فإني أدعوك إلى النزال. قال: والله ما أحب أن أقتلك. قال علي: ~~ولكني أحب أن أقتلك. فحمي عمرو عند ذلك فنزل عن فرسه وعقره ثم أقبل على ~~علي، فتجاولا، وقتله علي، وخرجت خيلهم منهمة، وقتل مع عمرو رجلان، قتل علي ~~أحدهما وأصاب آخر سهم فمات منه بمكة. ورمي سعد بن معاذ بسهم قطع أكحله، ~~رماه حبان بن قيس بن العرقة بن عبد مناف من بني معيص من عامر بن لؤي، ~~والعرقة أمه، وإنما قيل لها العرقة لطيب ريح عرقها، وهي قلابة بنت سعد بن ~~سهم وهي جدة خديجة أم أبيها أو هي أم عبد مناف بن الحارث. فلما رمى سعدا ~~قال: خذها وأنا ابن العرقة. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: عرق الله وجهك ~~في النار، ولم يقطع الأكحل من أحد إلا مات. فقال سعد: اللهم إن كنت أبقيت ~~من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أقاتلهم من قوم آذوا ~~نبيك وكذبوه، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا فاجعله لي شهادة ولا تمتني ~~حتى تقر عيني من بني قريظة. وكانوا حلفاءه ومواليه في ms0584 الجاهلية. وقيل: إن ~~الذي رمى سعدا هو أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم. فلما قال سعد ما قال ~~انقطع الدم. وكانت صفية عمة النبي، صلى الله عليه وسلم، في فارع، حصن حسان ~~ابن ثابت، وكان حسان فيه مع النساء لأنه كان جبانا، قالت: فأتانا آت من ~~اليهود فقلت لحسان: هذا اليهودي يطوف بنا ولا نأمنه أن يدل على عوراتنا ~~فانزل إليه فاقتله. فقال: والله ما أنا بصاحب هذا. قالت: فأخذت عمودا ونزلت ~~إليه فقتلته، ثم رجعت فقلت لحسان: انزل إليه فخذ سلبه فإنني يمنعني منه أنه ~~رجل. فقال: والله ما لي بسلبه من حاجة. ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعي أتى ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت ولم يعلم ~~قومين فمرني بما شئت. فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إنما أنت ~~رجل واحد فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة). فخرج حتى أتى بني قريظة، ~~وكان نديما لهم في الجاهلية، فقال لهم: قد عرفتم ودي إياكم. فقالوا: لست ~~عندنا بمتهم. قال: قد ظاهرتم قريشا وغطفان على حرب محمد، وليسوا كأنتم، ~~البلد بلدكم، به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه، ~~وإن قريشا وغطفان إن رأوا نهزة وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ~~ببلادهم وخلوا بينكم وبين محمد ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا ~~حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم ثقة لكم حتى تناجزوا محمدا. قالوا: أشرت ~~بالنصح. PageV01P0305 # ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان ومن معه: قد عرفتم ودي إياكم ~~وفراقي محمدا، وقد بلغني أن قريظة ندموا وقد أرسلوا إلى محمد: هل يرضيك عنا ~~أن نأخذ من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكم فتضرب أعناقهم ثم نكون ~~معك على من بقي منهم ؟ فأجابهم: أن نعم، فإن طلبت قريظة منكم رهنا من ~~رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: أنتم أهلي ~~وعشيرتي. وقال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم. فلما كان ms0585 ليلة السبت من شوال ~~سنة خمس كان مما صنع الله لرسوله أن أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى قريظة ~~عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان وقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، ~~قد هلك الخف والحافر فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا. فأرسلوا إليهم: إن ~~اليوم السبت لا نعمل فيه شيئا ولسنا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا ثقة لنا ~~فإنا نخشى أن ترجعوا إلى بلادكم وتتركونا والرجل ونحن ببلاده. فلما أبلغتهم ~~الرسل هذا الكلام قالت قريش وغطفان: والله لقد صدق نعيم بن مسعود، فأرسلوا ~~إلى قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا. فقالت قريظة عند ذلك: إن ~~الذي ذكر نعيم بن مسعود لحق. وخذل الله بينهم، وبعث الله عليهم ريحا في ~~ليال شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم. فلما انتهى إلى ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، اختلاف أمرهم دعا حذيفة بن اليمان ليلا فقال: ~~انطلق إليهم وانظر حالهم ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا. قال حذيفة: فذهبت ~~فدخلت فيهم والريح وجنود الله تفعل فيهم ما تفعل لا يقر لهم قدر ولا بناء ~~ولا نار. فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش لينظر الرجل أمر جليسه، قال: ~~فأخذت بيد الرجل الذي بجانبي فقلت: من أنت ؟ قال: أنا فلان، ثم قال أبو ~~سفيان: والله لقد هلك الخف والحافر وأخلفتنا قريظة ولقينا من هذه الريح ما ~~ترون، فارتحلوا فإني مرتحل. ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه ~~فوثب على ثلاث قوائم، ولولا عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إي أن لا ~~أحدث شيئا لقتلته. قال حذيفة: فرجعت إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو ~~قائم يصلي في مرط لبعض نسائه، فأدخلني بين رجله وطرح علي طرف المرط، فلما ~~سلم خبرته الخبر. وسمعت غطفان بما فعلت قريش فعادوا راجعين إلى بلادهم، ~~فلما عادوا قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا). ~~فكان كذلك حتى فتح الله مكة. ### || AUT ذكر غزوة بني قريظة # لما أصبح ms0586 رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عاد إلى المدينة ووضع المسلمون ~~السلاح وضرب على سعد بن معاذ قبة في المسجد ليعوده من قريب، فلما كان الظهر ~~أتى جبرائيل النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: أقد وضعت السلاح ؟ قال: نعم. ~~قال جبرائيل: ما وضعت الملائكة السلاح، إن الله يأمرك بالمسير إلى بني ~~قريظة وأنا عامد إليهم. فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مناديا فنادى: ~~من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة. وقدم عليا إليهم ~~برايته وتلاحق الناس، ونزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأتاه رجال بعد ~~العشاء الأخيرة فصلوا العصر بها، وما عابهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم. ~~وحاصر بني قريظة شهرا أو خمسا وعشرين ليلة، فما اشتد عليهم الحصار أرسلوا ~~إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن تبعث إلينا أبا لبابة بن عبد ~~المنذر، وهو أنصاري من الأوس، نستشيره، فأرسله، فلما رأوه قام إليه الرجال ~~وبكى النساء والصبيان، فرق لهم، فقالوا: ننزل على حكم رسول الله. فقال: ~~نعم، وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح. فال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى ~~عرفت أني خنت الله ورسوله وقلت: والله لا أقمت بمكان عصيت الله فيه. وانطلق ~~على وجهه حتى ارتبط في المسجد وقال: لا أبرح حتى يتوب الله علي. فتاب الله ~~عليه وأطلقه رسول الله، صلى الله عليه وسلم. PageV01P0306 # ثم نزلوا على حكم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال الأوس: يا رسول ~~الله افعل في موالينا مثل ما فعلت في موالي الخزرج، يعني بني قينقاع، وقد ~~تقدم ذكرهم. فقال: ألا ترضون أن يحكم فيهم سعد بن معاذ ؟ قالوا: بلى. فأتاه ~~قومه فاحتملوه على حمار ثم أقبلوا معه إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسن إلى مواليك. فلما كثروا عليه قال: قد آن لسعد ~~أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فعلم كثير منهم أنه يقتلهم، فلما انتهى سعد ~~إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: ms0587 قوموا إلى سيدكم، أو قال: خيركم، ~~فقاموا إليه وأنزلوه وقالوا: يا أبا عمرو أحسن إلى مواليك فقد رد رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، الحكم فيهم إليك. فقال سعد: عليكم عهد الله ~~وميثاقه، إن الحكم فيهم إلي ؟ قالوا: نعم، فالتفت إلى الناحية الأخرى التي ~~فيها النبي، صلى الله عليه وسلم، وغض بصره عن رسول الله إجلالا وقال: وعلى ~~من ههنا العهد أيضا ؟ فقالوا: نعم. وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ~~نعم. قال: فإني أحكم أن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية والنساء وتقسم الأموال، ~~فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق ~~سبعة أرقعة. ثم استنزلوا فحبسوا في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار. ثم ~~خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق ثم ~~بعث إليهم فضرب أعناقهم فيها، وفيهم حيي بن أخطب وكعب بن أسد سيدهم، وكانوا ~~ستمائة أو سبعمائة، وقيل: ما بين سبعمائة وثمانمائة، وأتي بحيي بن أخطب وهو ~~مكتوف، فلما رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: والله ما لمت نفسي في ~~عداوتك ولكن من يخذل الله يخذل. ثم قال للناس: إنه لا بأس بأمر الله، كتاب ~~وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل. فأجلس وضربت عنقه. ولم تقتل منهم إلا ~~امرأة واحدة قتلت بحدث أحدثته، وقتلت أرفة بنت عارضة منهم. وأسلم منهم ~~ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد. ثم قسم رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، أموالهم، فكان للفارس ثلاثة أسهم، للفرس سهمان ولفارسه سهم، ~~وللراجل ممن ليس له فرس سهم، وكانت الخيل ستة وثلاثين فرسا، وأخرج منها ~~الخمس، وكان أول فيء وقع فيه السهمان والخمس. واصطفى رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، لنفسه ريحانة بنت عمرو بنخنافة من بني قريظة، فأراد أن يتزوجها ~~فقالت: اتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك. فلما انقضى أمر قريظة انفجر جرح ~~سعد بن معاذ واستجاب الله دعاءه، وكان في خيمته التي في المسد، فحضره رسول ms0588 ~~الله، صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر، وقالت عائشة: سمعت بكاء أبي بكر ~~وعمر عليه وأنا في حجرتي، وأما النبي، صلى الله عليه وسلم، فكان لا يبكي ~~على أحد، كان إذا اشتد وجده أخذ بلحيته. وكان فتح قريظة في ذي القعدة وصدر ~~ذي الحجة، وقتل من المسلمين في الخندق ستة نفر، وفي قريظة ثلاثة نفر. ### | AUT ودخلت سنة ست من الهجرة # ### | AUT ذكر غزوة بني لحيان # في جمادى الأولى منها خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى بني لحيان ~~يطلب بأصحاب الرجيع، خبيب بن عدي وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من ~~القوم غرة، وأغذ السير حتى نزل على غران منازل بني لحيان، وهي بين أمج ~~وعسفان، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال، فلما أخطأه ما أراد منهم ~~خرج في مائتي راكب حتى نزل بعسفان تخويفا لأهل مكة، وأرسل فارسين من أصحابه ~~حتى بلغا كراع الغميم ثم عاد قافلا. غران بفتح الغين المعجمة، وفتح الراء، ~~وبعد الألف نون. وأمج بفتح الهمزة، والميم، وآخره جيم. ### || AUT ذكر غزوة ذي قرد # ثم قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة فلم يقم إلا أياما قلائل ~~حتى أغار عيينة بن حصن الفزاري في خيل غطفان على لقاح النبي، وأول من نذر ~~بهم سلمة بن الأكوع الأسلمي؛ هكذا ذكرها أبو جعفر بعد غزوة بني لحيان عن ~~ابن إسحاق، والرواية الصحيحة عن سلمة: أنها كانت بعد مقدمة المدينة منصرفا ~~من الحديبية، وبين الوقعتين تفاوت. PageV01P0307 # قال سلمة بن الأكوع: أقبلنا مع النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة ~~بعد صلح الحديبية، فبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بظهره مع رباح ~~غلامه وخرجت معه بفرس طلحة بن عبيد الله، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن ابن ~~عيينة بن حصن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~فاستاقه أجمع وقتل راعيه، قلت: يا رباح خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة وأخبر ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، أن المشركين قد أغاروا على سرحه؛ ms0589 ثم استقبلت ~~الأكمة فناديت ثلاثة أصوات: يا صباحاه ! ثم خرجت في آثار القوم أرميهم ~~بالنبل وأرتجز وأقول: خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع قال: ~~فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم، فإذا خرج إلي فارس قعدت في اصل شجرة ~~فرميته فعقرت به، وإذا دخلوا في مضايق الجبل رميتهم بالحجارة من فوقهم، فما ~~زلت كذلك حتى ما تركت من ظهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعيرا إلا ~~جعلته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه وألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وثلاثين ~~بردة يستخفون بها، لا يلقون شيئا إلا جعلت عليه أمارة، أي علامة، حتى يعرفه ~~أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى إذا انتهوا إلى متضايق من ثنية ~~أتاهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ممدا، فقعدوا يتضحون، فلما رآني قال: ~~ما هذا ؟ قالوا: لقينا منه البرح وقد استنفذ كلما بأيدينا، فما برحت مكاني ~~حتى أبصرت فوارس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتخللون الشجر، أولهم ~~الأخرم الأسدي واسمه محرز بن نضلة من أسد بن خزيمة وعلى أثره أبو قتادة ~~وعلى أثرهما المقداد بن عمرو الكندي، فأخذت بعنان الأخرم وقلت: احذر القوم ~~لا يقتطعوك حتى تلحق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، فقال: يا ~~سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: ~~فخليته، فالتقى هو وعبد الرحمن بن عيينة، فعقر الأخرم بعبد الرحمن فرسه ~~وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم، ولحق أبو تقادة ~~فارس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعبد الرحمن فطعنه، فانطلقوا هاربين، ~~قال سلمة: فوالذي كرم وجه محمد لأتبعنهم أعدو على رجلي حتى ما أرى من أصحاب ~~محمد ولا غبارهم شيئا. وعدلوا قبل غروب الشمس إلى غار فيه ماء يقال له ذو ~~قرد يشربون منه وهم عطاش، فنظروا إلي أعدو في آثارهم فحليتهم فما ذاقوا منه ~~قطرة، قال: واشتدوا في ثنية ذي أبهر فأرشق بعضهم بسهم فيقع في نغض كتفه، ~~فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم ms0590 الرضع. وإذا فرسان على الثنية فجئت ~~بهما أقودهما إلى النبي، صلى الله عليه وسلم. ولحقني عمي عامر بسطيحة فيها ~~مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء، فتوضأت وصليت وشربت ثم جئت إلى النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، وهو على الماء الذي أجليتهم عنه بذي قرد، وإذا رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، قد أخذ تلك الإبل التي استنقذت من العدو وكل رمح وكل ~~بردة، وإذا بلال قد نحر لهم ناقة من الإبل وه يشوي منها، فقلت: يا رسول ~~الله خلني أنتخب مائة رجل فلا يبقى منه عين تطرف. فضحك وقال: إنهم ليقرون ~~بأرض غطفان. فجاء رجل من غطفان فقال: نحر لهم فلان جزورا، فلما كشطوا عنها ~~جلدها رأوا غبارا فقالوا: أتيتم، فخرجوا هاربين. فلما أصبحنا قال رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم: خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجالنا سلمة بن ~~الأكوع، ثم أعطاني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سهم الفارس وسهم الراجل، ~~ثم أردفني وراءه على العضباء. فبينما نحن نسير، وكان رجل من الأنصار لا ~~يسبق شدا، فقال: ألا من مسابق ؟ مرارا، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ~~إيذن لي فلأسابق الرجل. قال: إن شئت. قال: فطفرت وربطت شرفا أو شرفين ~~فألحقه فقلت: سبقتك والله ! فسبقته إلى المدينة، فلم نمكث بها إلا ثلاثا ~~حتى خرجنا إلى خيبر. وفي هذه الغزوة نودي: يا خيل الله اركبي، ولم يكن يقال ~~قبلها. قرد بفتح القاف والراء. ### || AUT ذكر غزوة بني المصطلق من خزاعة # PageV01P0308 # ذكرت هذه الغزوة بعد غزوة ذي قرد، وكانت في شعبان من السنة سنة ست، وكان ~~بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن بني المصطلق تجمعوا له، وكان قائدهم ~~الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما سمع ~~بهم خرج إليهم فلقيهم بماء لهم يقال له المريسيع بنحية قديد، فاقتتلوا، ~~فانهزم المشركون وقتل من قتل منهم وأصيب رجل من المسلمين من بني ليث بن بكر ~~اسمه هشام بن صبابة أخو مقيس بن صبابة، أصابه ms0591 رجل من الأنصار من رهط عبادة ~~بن الصامت بسهم وهو يرى أنه من العدو فقتله خطأ، وأصاب رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، سبايا كثيرة فقسمها في المسلمين، وفيهم جويرية بنت الحارث بن ~~أبي ضرار، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له، فكاتبته عن ~~نفسها، فأتت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاستعانته في كتابتها، فقال ~~لها: هل لك في خير من ذلك ؟ قالت: وما هو يا رسول الله ؟ قال: أقضي كتابتك ~~وأتزوجك. قالت: نعم يا رسول الله. ففعل، وسمع الناس الخبر فقالوا: أصهار ~~رسول الله؛ فأعتقوا أكثر من مائة بيت من أهل بني المصطلق، فما كانت امرأة ~~أعظم بركة على قومها منها. وبينما الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس، ~~ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له جهجاه، فازدحم هو وسنان ~~الجهني، حليف بني عوف من الخزرج، على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر ~~الأنصار ! وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين ! فغضبت عبد الله بن أبي بن سلول، ~~وعند رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم، غلام حديث السن. فقال: أقد فعلوها ! قد ~~كاثرونا في بلادنا ! أما والله (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل) المنافقون: 8 ! ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم ~~بأنفسكم ! أحللتموهم ببلادكم وقاسمتموهم أموالكم ! والله لو أمسكتم عنهم ما ~~بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم. فسمع ذلك زيد، فمشى به إلى النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، وذلك عند فراغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من غزوه، ~~فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله مر به عباد بن بشر ~~فليقتله. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كيف إذا تحدث الناس أن محمدا ~~يقتل أصحابه ! ولكن أذن بالرحيل. فارتحل في ساعة لم يكن يرتحل فيها ليقطع ~~ما الناس فيه. فلقيه أسيد بن حضير فسلم عليه وقال: يا رسول الله لقد رحت في ~~ساعة لم تكن تروح فيها. فقال: أوما ms0592 بلغك ما قال عبد الله بن أبي ؟ قال: ~~وماذا ؟ قال: زعم إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال أسيد: ~~فأنت والله تخرجه إن شئت فإنك العزيز وهو الذليل، ثم قال: يا رسول الله ~~ارفق به فوالله لقد من الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ~~ليرى أنك قد استلبته ملكا. وسمع عبد الله بن أبي زيدا أعلم النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، قوله فمشى إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فحلف بالله ما ~~قلت ما قال ولا تكلمت به. وكان عبد الله في قومه شريفا، فقالوا: يا رسول ~~الله عسى أن يكون الغلام قد أخطأ، وأنزل الله: (إذا جاءك المنافقون) ~~المنافقون: 1؛ تصديقا لزيد، فلما نزلت أخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~بأذن زيد وقال: هذا الذي أوفى الله بأذنه. وبلغ عبد الله بن عبد الله بن ~~أبي بن سلول ما كان من أمر أبيه النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول ~~الله بلغني أنك تريد قتل أبي، فإن كنت فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، ~~وأخشى أن تأمر غيري بقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس ~~فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: بل ~~نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا. فكان بعد ذلك إذا أحدث حدثا عاتبه قومه ~~وعنفوه وتوعدوه، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعمر بن الخطاب حين ~~بلغه ذلك عنهم: كيف ترى ذلك يا عمر ؟ أما والله لو قتلته يوم أمرتني بقتله ~~لأرعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. فقال عمر: أمر رسول الله ~~أعظم بركة من أمري. PageV01P0309 # وفيها قدم مقيس بن صبابة مسلما فيما يظهر، فقال: يا رسول الله جئت مسلما ~~وجئت أطلب دية أخي، وكان قتل خطأ؛ فأمر له بدية أخيه هشام بن صبابة، وقد ~~تقدم ذكر قتله آنفا، فأقام عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غير كثير، ~~ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ms0593 ثم خرج إلى مكة مرتدا فقال: شفى النفس أن قد ~~بات في القاع مسندا ... تضرج ثوبيه دماء الأخادع وكانت هموم النفس من قبل ~~قتله ... تلم فتحميني وطاء المضاجع حللت به نذري وأدركت ثؤرتي ... وكنت إلى ~~الأصنام أول راجع مقيس بكسر الميم، وسكون القاف، وفتح الياء تحتها نقطتان. ~~وصبابة بصاد مهملة، وببائين موحدتين بينهما ألف. وأسيد بهمزة مضمومة. وحضير ~~بضم الحاء المهملة، وفتح الضاد. ### || AUT حديث الإفك # وكان ### || AUT حديث الإفك # في غزوة المصطلق: لما رجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكان ببعض ~~الطريق قال أهل الإفك ما قالوا، وكان من حديثه ما روي عن عائشة، قالت: كان ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج ~~سهمها خرج بها معه، فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه فخرج سهمي ~~فخرج بي معه، وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق لم يتفكهن باللحم، وكنت ~~إذا وصل بعيري جلست في هودجي ثم يأتي القوم الذين يرحلون بعيري فيحملون ~~الهودج وأنا فيه فيضعونه على ظهر البعير ثم يأخذون برأس البعير ويسيرون. ~~قالت: فلما قفل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من سفره ذلك، وكان قريبا من ~~المدينة، بات بمنزل بعض الليل ثم ارتحل هو والناس، وكنت قد خرجت لبعض حاجتي ~~وفي عنقي عقد لي من جزع ظفار انسل من عنقي ولا أدري، فلما رجعت التمست ~~العقد فلم أجده، وأخذ الناس بالرحيل، فرجعت إلى المكان الذي كنت فيه ألتمسه ~~فوجدته، وجاء القوم الذين يرحلون بعيري فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه، ~~فاحتملوه على عادتهم وانطلقوا، ورجعت إلى المعسكر وما فيه داع ولا مجيب، ~~فتلففت بجلبابي واضطجعت مكاني وعرفت أنهم يرجعون إلي إذا افتقدوني. قالت: ~~فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي، وكان تخلف عن العسكر ~~لحاجته، فلم يبت مع الناس، فلما رأى سوادي أقبل حتى وقف علي فعرفني، وكان ~~رآني قبل أن يضرب الحجاب، فلما رآني استرجع وقال: ما خلفك ؟ قالت: فما ~~كلمته، ثم ms0594 قرب البعير وقال: اركبي. فركبت وأخذ برأس البعير مسرعا. فلما نزل ~~الناس واطمأنوا طلع الرجل يقودني، فقال أهل الإفك ما قالوا، فارتعج العسكر ~~ولم أعلم بشيء من ذلك، ثم قدمنا المدينة فاشتكيت شكوى شديدة، وقد انتهى ~~الحديث إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإلى أبوي ولا يذكران لي منه ~~شيئا، إلا أني أنكرت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعض لطفه، فكان إذا ~~دخل علي وأمي تمرضني قال: كيف تيكم ؟ لا يزيد على ذلك، فوجدت في نفسي مما ~~رأيت من جفائه، فاستأذنته في الانتقال إلى أمي لتمرضني، فأذن لي، وانتقلت ~~ولا أعلم بشيء مما كان حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة. قالت: وكنا ~~قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف نعافها ونكرهها، إنما كان النساء ~~يخرجن كل ليلة، فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح ابنة أبي رهم بن ~~المطلب، وكانت أمها خالة أبي بكر الصديق، قالت: فوالله إنها لتمشي إذ عثرت ~~في مرطها فقالت: تعس مسطح. قالت: قلت: لعمر الله بئس ما قلت لرجل من ~~المهاجرين قد شهد بدرا ! قالت: أوما بلغك الخبر ؟ قلت: وما الخبر ؟ ~~فأخبرتني بالذي كان. قالت: فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي فرجعت فما زلت ~~أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي، وقلت لأمي: تحدث الناس بما تحدثوا ولا ~~تذكرين لي من ذلك شيئا ؟ قالت: أي بنية خفضي عليك، فوالله قل ما كانت امرأة ~~حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها. قالت: وقد قام ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الناس فخطبهم ولا أعلم بذلك، ثم قال: ~~أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهن غير الحق، ويقولون ~~ذلك لرجل والله ما علمت عليه إلا خيرا وما دخل بيتا من بيوتي إلا معي. ~~PageV01P0310 # وكان كبر عند عبد الله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج، مع الذي قال ~~مسطح وحمنة بنت جحش، وذلك أن زينب أختها كانت عند رسول الله، صلى ms0595 الله عليه ~~وسلم، فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضارني لأختها، فلما قال رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، تلك المقالة قال أسيد بن حضير: يا رسول الله إن يكونوا من الأوس ~~نكفكهم، وإن يكونوا من إخواننا الخزرج فمرنا بأمرك. فقال سعد بن عبادة: ~~والله ما قلت هذه المقالة إلا وقد عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ~~ما قلت هذا. فقال أسيد: كذبت ولكنك منافق تجادل عن المنافقين. وتثاور الناس ~~حتى كاد يكون بينهم شر، ونزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ودعا علي بن ~~أبي طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما، فأما أسامة فأثنى خيرا وأما علي فقال: ~~إن النساء لكثير وسل الخادم تصدقك، فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~بريرة يسألها، فقام إليها علي فضربها ضربا شديدا وهو يقول: اصدقي رسول ~~الله. فقالت: والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب عليها إلا أنها كانت ~~تنام عن عجينها فيأتي الداجن فيأكله. ثم دخل علي رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وعندي أبواي وامرأة من الأنصار وأنا أبكي وهي تبكي، فحمد الله وأثنى ~~عليه ثم قال: يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس، فإن كنت قارفت ~~سوءا فتوبي إلى الله. قالت: فوالله لقد تقلص دمعي حتى ما أحس منه شيئا، ~~وانتظرت أبوي أن يجيباه، فلم يفعلا، فقلت: ألا تجيبانه ؟ فقالا: والله ما ~~ندري بماذا نجيبه ! وما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على أبي بكر تلك ~~الأيام. فلما استعجبا بكيت ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا، ~~والله لئن أقررت - والله يعلم إني منه بريئة - لتصدقني، ولئن أنكرت لا ~~تصدقني. ثم التمست اسم يعقوب فلم أجده فقلت: ولكني أقول كما قال أبو يوسف: ~~(فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) يوسف: 18، ولشأني كأني أصغر في ~~نفسي أن ينزل الله في قرآنا يتلى، ولكني كنت أرجو أن يرى رؤيا يكذب الله ~~بها عني. قالت: فوالله ما برح رسول الله، صلى الله عليه ms0596 وسلم، من مجلسه حتى ~~جاءه الوحي، فسجي بثوبه، فأما أنا فوالله ما فزعت ولا باليت، وقد عرفت أني ~~بريئة وأن الله ظالمي، وأما أبواي فما سري عن رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يحقق الله ما قال الناس. قالت: ~~ثم سري عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإنه ليتحدر عنه مثل الجمان، ~~فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك. ~~فقلت: بحمد الله ! ثم خرج إلى الناس فخطبهم وذكر لهم ما أنزل الله في من ~~القرآن، ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، وكانوا ممن ~~أفصح بالفاحشة، فضربوا حدهم، وحلف أبو بكر لا ينفق على مسطح أبدا، فأنزل ~~الله: (ولا يأتل أولو الفضل منكم) الآية النور: 22؛ فقال أبو بكر: إني أحب ~~أن يغفر الله لي؛ ورجع إلى مسطح نفقته. ثم إن صفوان بن المعطل اعترض حسان ~~بن ثابت بالسيف فضربه، ثم قال: تلق ذباب السيف عني فإنني ... غلام إذا ~~هوجيت لست بشاعر فوثب ثابت بن قيس بن شماس فجمع يديه إلى عنقه وانطلق به ~~إلى الحارث ابن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا ؟ فقال: ضرب ~~حسان وما أراه إلا قتله. فقال عبد الله: هل علم رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، بشيء مما صنعت ؟ قال: لا والله، قال: لقد اجترأت، أطلق الرجل، ~~فأطلقه، فذكر ذلك لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدعا حسان وصفوان بن ~~المعطل، فقال صفوان: هجاني يا رسول الله وآذاني فضربته. فقال رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، لحسان: أحسن يا حسان. قال: هي لك يا رسول الله، فأعطاه ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عوضا منها بيرحاء، وهي قصربني حديلة، ~~بالحاء المهملة؛ وأعطاه شيرين، أمة قبطية، وهي أخت مارية أم إبراهيم ابن ~~رسول الله، فولدت له ابنه عبد الرحمن، وكان صفوان حصورا لا يأتي النساء، ثم ~~قتل بعد ذلك شهيدا. مسطح بكسر الميم، وسكون السين المهملة، ms0597 وبالطاء والحاء المهملتين. ### || AUT ذكر عمرة الحديبية # PageV01P0311 # في هذه السنة خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، معتمرا في ذي القعدة لا ~~يريد حربا ومع جماعة من المهاجرين والأنصار ومن تبعه من الأعراب ألف ~~وأربعمائة، وقيل: ألف وخمسمائة، وقيل: ثلاثمائة، وساق الهدي معه سبعين بدنه ~~ليعلم الناس أنه إنما جاء زائرا للبيت. فلما بلغ عسفان لقيه بسر بن سفيان ~~الكعبي فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعوا بمسيرك فاجتمعوا بذي طوى ~~يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبدا، وقد قدموا خالد بن الوليد إلى كراع ~~الغميم. وقيل: إن خالدا كان مع النبي، صلى الله عليه وسلم، مسلما، وإنه ~~أرسله، فلقي عكرمة بن أبي جهل فهزمه؛ والأول أصح. ولما بلغه بسر ما فعلت ~~قريش قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا ويح قريش قد أكلتهم الحرب ! ~~ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، ~~وإن أظهرني الله دخلوا في الإسلام وافرين، والله لا أزال أجاهدهم على الذي ~~بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة. ثم خرج على غير الطريق ~~التي هم بها وسلك ذات اليمين حتى سلك ثنية المرار على مهبط الحديبية، فبركت ~~به ناقته، فقال الناس: خلأت. فقال: ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، ~~لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها. ~~ثم قال للناس: انزلوا. فقالوا: ما بالوادي ماء. فأخرج سهما من كنانته ~~فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه، فجاش ~~الماء بالري حتى ضرب الناس عنه بعطن، وكان اسم الذي أخذ السهم ناجية بن ~~عمير سائق بدن النبي، صلى الله عليه وسلم. فبينما هم كذلك أتاهم بديل بن ~~ورقاء الخزاعي في نفر من قومه خزاعة، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، من تهامة، فقال: تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد نزلوا ~~أعداد مياه الحديبية وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال ms0598 النبي، صلى الله ~~عليه وسلم: إنا لم نأتي لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن شاءت قريش ~~ماددناهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم ~~على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي. فانطلق بديل إلى قريش فأعلمهم ما قال ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال: إن هذا الرجل ~~عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، دعوني آته. فقالوا: ائته. فأتاه وكلمه، فقال ~~له: يا محمد جمعت أوشاب لناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم، إنها قريش ~~خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أنك لا تدخلها ~~عليهم عنوة أبدا، وايم الله بكأني بهؤلاء قد تكشفوا عنك غدا. فقال أبو بكر: ~~امصص بظر اللات ! أنحن ننكشف عنه ؟ قال: من هذا يا محمد ؟ قال النبي، صلى ~~الله عليه وسلم: هذا ابن أبي قحافة. فقال: أما والله لولا يد لك عندي ~~لكافأتك بها. ثم جعل يتناول لحية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يكلمه ~~والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الحديد، ~~فجعل يقرع يده إذا تناولها ويقول له: اكفف يدك قبل أن لا تصل إليك. فقال ~~عروة: من هذا ؟ قال النبي، صلى الله عليه وسلم: هذا ابن أخيك المغيرة. ~~فقال: أي غدر ! وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس ؟ وكان المغيرة قد قتل ثلاثة عشر ~~رجلا من بني مالك وهرب، فتهايج الحيان بن و مالك رهط المقتولين والأحلاف ~~رهط المغيرة، فودى عروة للمقتولين ثلاث عشرة دية وأصلح ذلك الأمر. وطال ~~الكلام بينهما، فقال له النبي؛ صلى الله عليه وسلم، نحو مقالته لبديل، فقال ~~له عروة: يا محمد أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله ~~قبلك ؟ وجعل يرمق أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فوالله لا يتنخم النبي ~~نخامة إلا وقعت في كف أحدهم فدلك بها وجهه وجلده وإن أمرهم ابتدروا أمره، ~~وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وما يحدون النظر إليه تعظيما له. فرجع ms0599 ~~عروة إلى أصحابه وقال: أي قوم قد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي فوالله ما ~~رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ! وحدثهم ما رأى وما ~~قال النبي، صلى الله عليه وسلم. PageV01P0312 # فقال رجل من كنانة اسمه الحليس بن علقمة، وهو سيد الأحابيش: دعوني آته. ~~فقالوا: ائته فلما رآه النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: هذا فلان وهو من ~~قوم يعظمون البدن، فابعثوا الهدي في وجهه فلما رأى الهدي رجع إلى قريش ولم ~~يصل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا قوم قد رأيت ما لا يحل صده، ~~الهدي في قلائده. فقالوا: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك. فقال: والله ما ~~على هذا حالفناكم أن تصدوا عن البيت من جاء معظما له، والذي نفسي بيده ~~لتخلن بين محمد وبين البيت أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد. قال: ~~فقالوا: مه ! كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا. فقام رجل منهم يقال له مكرز ~~بن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: افعل. فلما أشرف على النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، قال لأصحابه: هذا رجل فاجر، فجعل يكلم النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، فلما جاء قال النبي: سهل أمركم. وقال ~~ابن إسحاق: إن قريشا إنما بعثت سهيلا بعد رسالة رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، مع عثمان بن عفان، قال: لما رجع عروة بن مسعود إلى قريش بعث رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، خراش بن أمية الخزاعي إلى قريش على جمل له يقال ~~له الثعلب ليبلغ عنه، فعقروا به جمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش وخلوا سبيله حتى أتى رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمر ليرسله إلى مكة، فقال: ~~ليس بمكة من بني عدي من يمنعني، وقد علمت قريش عداوتي لها وأخافها على نفسي ~~فأرسل عثمان فهو أعز بها مني. فدعا عثمان فأرسله ليبلغ عنه، فانطلق، فلقيه ~~أبان ms0600 ابن سعيد بن العاص فأجاره، فأتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، فقالوا لعثمان حين فرغ من أداء الرسالة: إن شئت ~~أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به النبي، صلى الله ~~عليه وسلم. فاحتبسته قريش عندها، فبلغ النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قد ~~قتل، فقال: لا نبرح حتى نناجز القوم. ثم دعا الناس إلى البيعة فبايعوه تحت ~~الشجرة، وهي سمرة، لم يتخلف منهم أحد إلا الجد بن قيس، وكان أول من بايعه ~~رجل من بني أسد يقال له أبو سنان. ثم أتى الخبر أن عثمان لم يقتل. ثم بعثت ~~قريش سهيل بن عمرو أخا عامر بن لؤي إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ليصالحه ~~على أن يرجع عنهم عامه ذلك، فأقبل سهيل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~وأطال معه الكلام وتراجعا، ثم جرى بينهم الصلح، فدعا رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، علي بن أبي طالب، فقال: اكتب باسم الله الرحمن الرحيم. فقال ~~سهيل: لا نعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فكتبها، ثم قال: اكتب: هذا ما ~~صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو - فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله ~~لم نقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال لعلي: امح رسول الله. فقال: لا ~~أمحوك أبدا. فأخذه رسول الله، صلى الله عليه وسلمن وليس يحسن يكتب فكتب ~~موضع رسول الله: محمد بن عبد الله، وقال لعلي: لتبلين بمثلها - اصطلحا على ~~وضع الحرب عن الناس عشر سنين وأنه من أتى منهم رسول الله بغير إذن وليه رده ~~إليهم ومن جاء قريشا ممن مع رسول الله لم يردوه عليه، ومن أحب أن يدخل في ~~عهد رسول الله دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل، فدخلت خزاعة في عهد ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وأن يرجع رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، عنهم عامة ذلك، فإذا كان عام قابل ms0601 خرجنا عنك ~~فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا وسلاح الراكب السيوف في القرب. ~~PageV01P0313 # فبينا النبي، صلى الله عليه وسلم، يكتب الكتاب إذ جاء أبو جندل ابن سهيل ~~بن عمرو يرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان ~~أصحاب النبي لا يشكون في افتح لرؤيا رآها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~فلما رأوا الصلح دخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون. فلما رأى سهيل ~~ابنه أبا جندل أخذه وقال: يا محمد قد تمت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك ~~هذا. قال: صدقت، وأخذه ليرده إلى قريش، فصاح أبو جندل: يا معشر المسلمين ~~أرد إلى المشركين ليفتنوني عن ديني ! فزاد الناس شرا إلى ما بهم، فقال له ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم: احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من ~~المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد أعطينا القوم عهودنا على ذلك فلا نغدر بهم. ~~قال: فوثب عمر بن الخطاب يمشي مع أبي جندل ويقول له: اصبر واحتسب فإنما هم ~~المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب ! وأدنى قائم السيف منه رجاء أن يأخذه ~~فيضرب به أباه، قال: فبخل الرجل بأبيه. وشهد على الصلح جماعة من المسلمين ~~فيهم أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم، وجماعة من المشركين. فلما ~~فرغ النبي، صلى الله عليه وسلم، من قضيته قال: قوموا فانحروا ثم احلقوا، ~~فما قام أحد حتى قال ذلك مرارا، فلما لم يقم أحد منهم دخل على أم سلمة فذكر ~~لها ذلك، فقالت: يا نبي الله اخرج ولا تكلم أحدا منهم حتى تنحر بدنك وتحلق ~~شعرك، ففعل، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وحلقوا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا ~~غما. فما فتح في الإسلام قبله فتح كان أعظم منه، حيث أمن الناس كلهم فدخل ~~في الإسلام تينك السنتين مثل ما دخل فيه قبل ذلك وأكثر. فلما قدم رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة جاءه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية ~~الثقفي، وهو مسلم، وكان ممن حبس بمكة، ms0602 فكتب فيه الأزهر بن عبد عوف والأخنس ~~بن شريق وبعثا فيه رجلا من بني عامر بن لؤي ومعه مولى لهم، فقال له رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم: قد علمت أنا قد أعطينا هؤلاء القوم عهدا ولا ~~يصلح الغدر في ديننا. فانطلق معهما إلى ذي الحليفة فجلسوا، وأخذ أبو بصير ~~سيف أحدهما فقتله به وخرج المولى سريعا إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~فأخبره بقتل صاحبه، ثم أقبل أبو بصير فقال: يا رسول الله قد وفت ذمتك ~~وأنجاني الله منهم. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ويل امه مسعر حرب ~~لو كان له رجال ! فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج أبو بصير حتى نزل ~~بناحية ذي المروة على ساحل البحر على طريق قريش إلى الشام، وبلغ المسلمين ~~الذين كانوا احتبسوا بمكة ذلك فخرجوا إلى أبي بصير، منهم أبو جندل، فاجتمع ~~إليه قريب من سبعين رجلا، فضيقوا على قريش يعترضون العير تكون لهم، فأرسلت ~~قريش إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، يناشدونه الله والرحم لما أرسل إليهم ~~فمن أتاه فهو آمن، فآواهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وفيها نزلت سورة ~~الفتح، وهاجر إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نسوة مؤمنات فيهن أم ~~كلثوم ابنة عقبة بن أبي معيط، فجاء أخواها عمارة والوليد يطلبانها، فأنزل ~~الله: (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) الممتحنة: 10 الآية؛ ~~فلم يرسل امرأة مؤمنة إلى مكة، وأنزل الله: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)؛ ~~فطلق عمر بن الخطاب امرأتين له، إحداهما قريبة بنت أبي أمية، والثانية أم ~~كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعي، وهما مشركتان، فتزوج أم كلثوم أبو جهم بن ~~حذيفة ابن غانم. بسر بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة، وآخره راء. ~~بصير بالباء الموحدة المفتوحة، والصاد المهملة المكسورة، والياء الساكنة ~~تحتها نقطتان، وآخره راء أيضا. وأسيد بفتح الهمزة، وكسر السين. وجارية ~~بالجيم، وآخره راء أيضا. والحليس بضم الحاء المهملة، وفتح اللام، وبعده ياء ~~تحتها نقطتان، وآخره سين مهملة. وفيها كانت عدة ms0603 من سرايا وغزوات: منها سرية ~~عكاشة بن محصن أربعين رجلا إلى الغمر، فنذر بهم القوم فهربوا، فسعت الطلائع ~~فوجدوا مائتي بعير فأخذوها إلى المدينة، وكانت في ربيع الآخر. ومنها سرية ~~محمد بن مسلمة، أرسله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في عشرة فوارس في ~~ربيع الأول إلى بني ثعلبة بن سعد، فكمن القوم له حتى نام هو وأصحابه وظهروا ~~عليهم، فقتل أصحابه ونجا هو وحده جريحا. PageV01P0314 # ومنها سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة في ربيع الآخر في أربعين ~~رجلا، فهرب أهله منهم وأصابوا نعما ورجلا واحدا أسلم فتركه رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم. ومنها سرية زيد بن حارثة بالجموم، فأصاب امرأة من مزينة ~~اسمها حليمة، فدلتهم على محلة من حال بني سليم، فأصابوا نعما وشاء وأسرى ~~فيهم زوجها، فأطلقها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وزوجها معها. ومنها ~~سرية زيد أيضا إلى العيص في جمادى الأولى، وفيها أخذت الأموال التي كانت مع ~~أبي العاص بن الربيع، واستجار بزينب بنت النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~فأجارته. وقد تقدم ذكره في غزوة بدر. ومنها سرية زيد أيضا إلى الطرف في ~~جمادى الآخرة إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا، فهربوا منه، وأصاب من نعمهم ~~عشرين بعيرا. ومنها سرية زيد بن حارثة إلى حسمى في جمادى الآخرة. وسببها أن ~~رفاعة بن زيد الجذامي ثم الضبي قدم على النبي، صلى الله عليه وسلم، في هدنة ~~الحديبية وأهدى لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، غلاما وأسلم فحسن إسلامه، ~~وكتب له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كتابا إلى قومه يدعوهم إلى ~~الإسلام، فأسلموا، ثم ساروا إلى حرة الرجلاء. ثم إن دحية بن خليفة الكلبي ~~أقبل من اشام من عند قيصر، حتى إذا كان بأرض جذام أغار عليه الهنيد بن عوص ~~بن الهنيد الضليعيان، وهو بطن من جذام، فأخذا كل شيء معه، فبلغ ذلك نفرا من ~~بني الضبيب قوم رفاعة ممن كان أسلم، فنفروا إلى الهنيد وابنه، فلقوهما ~~واقتتلوا، فظفر بنو الضبيب واستنقذوا ms0604 كل شيء أخذ من دحية وردوه عليه، فخرج ~~دحية حتى قدم على النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبره وطلب منه دم ~~الهنيد وابنه عوص، فأرسل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إليهم زيد بن ~~حارثة في جيش، فأغاروا بالفضافض وجمعوا ما وجدوا من مال وقتلوا الهنيد ~~وابنه. فلما سمع بذلك بنو الضبيب رهط رفاعة بن زيد سار بعضهم إلى زيد بن ~~حارثة فقالوا: إنا قوم مسلمون. فقال زيد: فاقرأوا أم الكتاب، فقرأها حسان ~~بن ملة. فقال زيد: نادوا في الجيش: إن الله حرم علينا ما أخذ من طريق القوم ~~التي جاؤوا منها، وأراد أن يسلم إليهم سباياهم، فأخبره بعض أصحابه عنهم بما ~~أوجب أن يحتاط، فتوقف في تسليم السبايا وقال: هم في حكم الله، ونهى الجيش ~~أن يهبطوا واديهم. وعاد أولئك الركب الجذاميون إلى رفاعة بن زيد وهو بكراع ~~ربة لم يشعر بشيء من أمرهم، فقال له بعضهم: إنك لجالس تحلب المعزى ونساء ~~جذام أسارى قد غرهن كتابك الذي جئت به. فسار رفاعة والقوم معه إلى المدينة ~~وعرض كتاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: كيف أصنع بالقتلى ؟ ~~فقالوا: لنا من كان حيا ومن قتل فهو تحت أقدامنا، يعنون تركوا الطلب به. ~~فأجابهم إلى ذلك وأرسل معهم علي بن أبي طالب إلى زيد بن حارثة فرد على ~~القوم مالهم حتى كانوا ينتزعون ليد المرأة تحت الرجل، وأطلق الأسارى. ربة ~~بالراء والباء الموحدة. والضبيب بضم الضاد المعجمة، تصغير ضب - وقيل: هو ~~بفتح الضاد، وكسر الباء، وآخره نون - نسبة إلى ضبيبة. ومنها سرية زيد أيضا ~~إلى وادي القرى في رجب. ومنها سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في ~~شعبان، فأسلموا، فتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ رئيسهم، وهي أم أبي ~~سلمة. ومنها سرية علي بن أبي طالب إلى فدك في شعبان في مائة رجل، وذلك أن ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بلغه أن حيا من بني سعد قد تجمعوا له ~~يريدون أن يمدوا أهل خيبر، فسار إليهم ms0605 علي فأصاب عينا لهم، فأخبره أنه سار ~~إلى أهل خيبر يعرض عليهم نصرهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر. ومنها سرية زيد ~~بن حارثة إلى أم فرقة في رمضان، وكانت عجوزا كبيرة، فلقي زيد بن فزارة ~~بوادي القرى فأصيب أصحابه وارتث زيد من بين القتلى فنذر أن لا يمس ماء من ~~جنابة حتى يغزو فزارة، فبعثه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إليهم، فلقيهم ~~بوادي القرى فأصاب منهم وقتل وأسر أم قرفة، وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، ~~عجوز كبيرة، وبنتا لها، فربط أم قرفة بين بعيرين فشقاها نصفين، وقدم على ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، بابنتها، وكانت لسلمة بن الأكوع، فأخذها رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، منه هبة وأرسلها إلى حرب بن أبي وهب فولدت له ~~عبد الله بن حرب. PageV01P0315 # وأما سلمة بن الأكوع فإنه جعل أمير هذه السرية أبا بكر، فروي عنه أنه ~~قال: أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، علينا أبا بكر، فغزونا ناسا من ~~بني فزارة، فشننا عليهم الغارة صلاة الصبح، فأخذت منهم جماعة وسقتهم إلى ~~أبي بكر وفيها امرأة من بني فزارة معها بنت لها من أحسن العرب، فنفلني أبو ~~بكر بنتها، فقدمت المدينة فلقيت النبي، صلى الله عليه وسلم، بالسوق فقال ~~لي: يا أبا سلمة لله أبوك هب لي المرأة. فقلت: والله لقد أعجبتني وما كشفت ~~لها ثوبا. فسكت ثم عاد من الغد فوهبتها له، فبعث بها إلى مكة ففادى بها ~~أسارى من المسلمين. ومنها سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين الذين ~~قتلوا راعي النبي، صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الإبل في شوال. وبعثه رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، في عشرين فارسا. وفيها تزوج عمر بن الخطاب جميلة ~~بنت ثابت بن أبي الأفلح أخت عاصم، فولدت له عاصما، فطلقها وتزوجها بعده ~~يزيد بن جارية فولدت له عبد الرحمن بن يزيد، فهو أخو عاصم لأمه. جارية ~~بالجيم وبعد الراء ياء تحتها نقطتان. وفيها أجدب الناس جدبا شديدا فاستسقى ~~رسول الله بالناس ms0606 في رمضان. ؟ ### || AUT ذكر مكاتبة رسول الله # ### || AUT صلى الله عليه وسلم الملوك # وفيها بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الرسل إلى كسرى وقيصر ~~والنجاشي وغيرهم، وأرسل حاطب بن بلتعة إلى المقوقس بمصر، وأرسل شجاع بن وهب ~~الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني، وأرسل دحية إلى قيصر، وأرسل سليط بن ~~عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي، وبعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى، ~~وأرسل عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، وأرسل العلاء بن الحضرمي إلى ~~المنذر بن ساوى أخي عبد القيس، وقيل: إن إرساله كان سنة ثمان، والله أعلم. ~~فأما المقوقس فإنه قبل كتاب النبي، صلى الله عليه وسلم، وأهدى إليه أربع ~~جوار، منهن مارية أم إبراهيم ابن رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وأما ~~قيصر، وهو هرقل، فإنه قبل كتاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وجعله بين ~~فخذيه وخاصرته، وكتب إلى رجل برومية كان يقرأ الكتب يخبره شأنه، فكتب إليه ~~صاحب رومية: إنه النبي الذي كنا ننتظره لا شك فيه فاتبعه وصدقه. فجمع هرقل ~~بطارقة الروم في الدسكرة وغلقت أبوابها ثم اطلع عليهم من علية وخافهم على ~~نفسه وقال لهم: قد أتاني كتاب هذا الرجل يدعوني إلى دينه، وإنه والله النبي ~~الذي نجده في كتابنا، فهلم فلنتبعه ونصدقه فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا. ~~فنخروا نخرة رجل واحد ثم ابتدروا الأبواب ليخرجوا، فقال: ردوهم علي، وخافهم ~~على نفسه وقال لهم: إنما قلت لكم ما قلت لأنظر كيف صلابتكم في دينكم، وقد ~~رأيت منكم ما سرني، فسجدوا له، وانطلق وقال لدحية: إني لأعلم أن صاحبك نبي ~~مرسل ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لا تبعته، فاذهب إلى ضغاطر ~~الأسقف الأعظم في الروم واذكر له أمر صاحبك وانظر ما يقول لك. فجاء دحية ~~وأخبره بما جاء به من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال له ضغاطر: والله ~~إن صاحبك نبي مرسل نعرفه بصفته ونجده في كتابنا. ثم أخذ عصاه وخرج على ~~الروم وهم في الكنيسة فقال: يا ms0607 معشر الروم قد جاءنا كتاب من أحمد يدعونا ~~إلى الله، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. قال: ~~فوثبوا عليه فقتلوه. PageV01P0316 # فرجع دحية إلى هرقل وأخبره الخبر. قال: قد قلت إنا نخافهم على أنفسنا. ~~وقال قيصر للروم: هلموا نعطيه الجزية، فأبوا، فقال: نعطيه أرض سورية، وهي ~~الشام، ونصالحه، فأبوا، واستدعى هرقل أبا سفيان، وكان بالشام تاجرا، إلى ~~الشام في الهدنة، فحضر عنده ومعه جماعة من قريش أجلسهم هرقل خلفه وقال: إني ~~سائله فإن كذب فكذبوه. فقال أبو سفيان: لولا أن يؤثر عني الكذب لكذبت، ~~فسأله عن النبي، قال: فصغرت له شأنه، فلم يلتفت إلى قولي وقال: كيف نسبه ~~فيكم ؟ قلت: هو أوسطنا نسبا. هل كان من أهل بيته من يقول مثل قوله ؟ قلت: ~~لا. قال: فهل له فيكم ملك سلبتموه إياه ؟ قلت: لا. قال: فمن اتبعه منكم ؟ ~~قلت: الضعفاء والمساكين والأحداث. قال: فهل يحبه من يتبعه ويلزمه أو يقليه ~~ويفارقه ؟ قلت: ما تبعه رجل ففارقه. قال: فكيف الحرب بينكم وبينه ؟ قلت: ~~سجال يدال عينا وندال عليه. قال: هل يغدر ؟ قال: فلم أجد شيئا أغمز به ~~غيرها، قلت: لا، ونحن منه في هدنة، ولا نأمن غدره. قال: فما التفت إليها. ~~قال أبو سفيان: فقال لي هرقل: سألتك عن نسبه فزعمت أنه من أوسط الناس وكذلك ~~الأنبياء، وسألتك هل قال أحد من أهل بيته مثل قوله فهو متشبه به فزعمت أن ~~لا وسألتك هل سلبتموه ملكه فجاء بهذا لتردوا عليه ملكه، فزعمت أن لا، ~~وسألتك عن أتباعه فزعمت أنهم الضعفاء والمساكين، وكذلك أتباع الرسل، وسألتك ~~عمن يتبعه أيحبه أم يفارقه فزعمت أنهم يحبونه ولا يفارقونه، وكذلك حلاوة ~~الإيمان لا تدخل قلبا فتخرج منه، وسألتك هل يغدر فزعمت أن لا، ولئن صدقتني ~~ليغلبن على ما تحت قدمي هاتين، ولوددت أني عنده فأغسل قدميه. انطلق لشأنك. ~~قال: فخرجت وأنا أضرب إحدى يدي بالأخرى وأقول: أي عباد الله لقد أمر أمر ~~ابن أبي كبشة، أصبح ملوك الروم يهابونه في سلطانهم. قال: ms0608 وقدم عليه دحية ~~بكتاب النبي: صلى الله عليه وسلم: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول ~~الله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى، أسلم تسلم، وأسلم ~~يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن إثم الأكارين عليك). وأما الحارث بن ~~أبي شمر الغساني فأتاه كتاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع شجاع بن ~~وهب، فلما قرأه قال: أنا سائر إليه، فلما بلغ قوله رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، قال: باد ملكه. وأما النجاشي فإنه لما جاءه كتاب النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، آمن به واتبعه وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب وأرسل إليه ~~ابنه في ستين من الحبشة فغرقوا في البحر، وأرسل إليه رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت مهاجرة بالحبشة مع زوجها ~~عبيد الله بن جحش، فتنصر وتوفي بالحبشة، فخطبها النجاشي إلى رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، فأجابت، وزوجها، وأصدقها النجاشي أربعمائة دينار، فلما سمع ~~أبو سفيان تزويج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أم حبيبة قال: ذاك الفحل ~~لا يقدع أنفه. وأما كسرى فجاءه كتاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع عبد ~~الله بن حذافة فمزق الكتاب، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: مزق ملكه. ~~وكان كتابه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كرسى عظيم ~~فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا عبده ورسوله، وإني أدعوك بدعاء الله، وإني رسول الله إلى الناس ~~كافة لأنذر (من كان حيا ويحق القول على الكافرين) يس: 70، فأسلم تسلم، وإن ~~توليت فإن إثم المجوس عليك). PageV01P0317 # فلما قرأه شقه، قال: يكتب إلي بهذا وهو عبدي ! ثم كتب إلى باذان، وهو ~~باليمن: أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني ~~به. فبعث باذان بابويه، وكان كاتبا حاسبا، ورجلا آخر من الفرس يقال له ~~خرخسره، وكتب معهما يأمره بالمسير معها إلى كسرى، وتقدم ms0609 بابويه أن يأتيه ~~بخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وسمعت قريش بذلك ففرحوا وقالوا: ~~أبشروا فقد نصب له كسرى ملك الملوك، كفيتم الرجل. فخرجا حتى قدما على رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما، فكره النظر ~~إليهما وقال: ويلكما من أمركما بهذا ؟ قالا: ربنا، يعنيان الملك. فقال: لكن ~~ربي أمرني أن أعفي لحيتي وأقص شاربي، فأعلماه بما قدما له وقالا: إن فعلت ~~كتب باذان فيك إلى كسرى، وإن أبيت فهو يهلكك ويهلك قومك. فقال لهما رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم: ارجعا حتى تأتياني غدا. وأتى رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، الخبر من السماء: إن الله قط سلط على كسرى ابنه شيرويه ~~فقتله، فدعاهما رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأخبرهما بقتل كسرى وقال ~~لهما: إن ديني وسلطاني سيبلغ ملك كسرى وينتهي منتهى الخف والحافر، وأمرهما ~~أن يقولا لباذان: أسلم، فإن أسلم أقره على ما تحت يده وأملكه على قومه. ثم ~~أعطى خرخسره منطقة ذهب وفضة أهداها له بعض الملوك. وخرجا فقدما على باذان ~~وأخبراه الخبر، فقال: والله ما هذا كلام ملك وإني لأراه نبيا، ولننظرن فإن ~~كان ما قال حقا فإنه لنبي مرسل، وإن لم يكن فنرى فيه رأينا. فلم يلبث باذان ~~أن قدم عليه كتاب شيرويه يخبره بقتل كسرى وأنه قتله غضبا للفرس لما استحل ~~من قتل أشرافهم، ويأمره بأخذ الطاعة له باليمن وبالكف عن النبي، صلى الله ~~عليه وسلم. فلما أتاه كتاب شيرويه أسلم وأسلم معه أبناء من فارس. وكانت ~~حمير تسمى خرخسره صاحب المعجزة، والمعجزة بلغة حمير المنطقة. وأما هوذة بن ~~علي فكان ملك اليمامة، فلما أتاه سليط بن عمرو يدعوه إلى الإسلام، وكان ~~نصرانيا، أرسل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وفدا فيهم مجاعة بن مرارة ~~والرجال بن عنفوة يقول له: إن جعل الأمر له من بعده أسلم وسار إليه نصره، ~~وإلا قصد حربه. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا ولا كرامة، اللهم ~~اكفنيه ! فمات بعد قليل. ms0610 وأما مجاعة والرجال فأسلما، وأقام الرجال عند رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، حتى قرأ سورة البقرة وغيرها وتفقه وعاد إلى ~~اليمامة فارتد وشهد أن رسول الله أشرك مسيلمة معه، فكانت فتنته أشد من فتنة ~~مسيلمة. مجاعة بضم الميم وتشديد الجيم. والرجال بالجيم المشددة، وقيل ~~بالحاء المهملة المشددة. وعنفوة بضم العين، وسكون النون، وضم الفاء، وفتح ~~الواو. وأما المنذر بن ساوى، والي البحرين، فلما أتاه العلاء بن الحضرمي ~~يدعوه ومن معه بالبحرين إلى الإسلام أو الجزية، وكانت ولاية البحرين للفرس، ~~فأسلم المنذر بن ساوى وأسلم جميع العرب بالبحرين. فأما أهل البلاد من ~~اليهود والنصارى والمجوس فإنهم صالحوا العلاء والمنذر على الجزية من كل ~~حالم دينار، ولم يكن بالبحرين قتال إنما بعضهم أسلم وبعضهم صالح. وولي الحج ~~في هذه السنة المشركون. وفي هذه السنة ماتت أم رومان، وهي أم عائشة زوجة ~~النبي، صلى الله عليه وسلم. ### | AUT ودخلت سنة سبع # ### || AUT ذكر غزوة خيبر # لما عاد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الحديبية أقام بالمدينة ذا ~~الحجة وبعض المحرم وسار إلى خيبر في ألف وأربعمائة رجل معهم مائتا فارس، ~~وكان مسيره إلى خيبر في المحرم سنة سبع، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة ~~الغفاري، فمضى حتى نزل بجيشه بالرجيع ليحول بين أهل خيبر وغطفان لأنهم ~~كانوا مظاهرين لهم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقصدت غطفان خيبر ~~ليظاهروا يهود عليه، ثم خافوا المسلمين أن يخلفوهم في أهليهم وأموالهم، ~~فرجعوا ونزلوا بين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويهود، فسار رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، وقال في مسيره لعامر بن الأكوع، عم سلمة بن عمرو بن ~~الأكوع: احد لنا، فنزل وحداهم يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا ~~تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا ~~PageV01P0318 # فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رحمك الله ! فقال له عمر: هلا ~~امتعتنا به يا رسول الله ! وكان إذا قالها لرجل قتل، فلما نازلوا خيبر بارز ~~عامر فعاد عليه ms0611 سيفه فجرحه جرحا شديدا، فمات منه، فقال الناس: إنه قتل ~~نفسه. فقال سلمة ابن أخيه للنبي، صلى الله عليه وسلم، ما قالوا فقال: كذبوا ~~بل له أجره مرتين. فلما أشرف عليها قال لأصحابه: قفوا. ثم قال: (اللهم رب ~~السموات وما وما أظلللن، ورب الأرضين وما أقلللن، ورب الشياطين وما أضللن، ~~ورب الرياح وما أذرين، نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ونعوذ بك من شرها ~~وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله). وكان يقول ذلك لكل قرية يقدمها. ~~ونزل على خيبر ليلا ولم يعلم أهلها فخرجوا عند الصباح إلى عملهم بمساحيهم، ~~فلما رأوا عادوا وقالوا: محمد والخميس، يعنون الجيش، فقال النبي، صلى الله ~~عليه وسلم: الله أكبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم (فساء صباح المنذرين) ~~الصافات: 177. ثم حصرهم وضيق عليهم وبدأ بالأموال يأخذها مالا مالا ويفتحها ~~حصنا حصنا، فكان أول حصن افتتحه حصن ناعم، وعنده قتل محمود بن سلمة، ألقي ~~عليه منه رحى فقتلته، ثم القموص حصن بني أبي الحقيق، وأصاب منهم رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، سبايا، منهم صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت عند كنانة بن ~~الربيع بن أبي الحقيق، فاصطفاها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لنفسه، ~~وفشت السبايا في المسلمين وأكلوا لحوم الحمر الإنسية، فنهاهم رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، عنها. وكان الزبير بن باطا القرظي قد من على ثابت بن ~~قيس بن شماس في الجاهلية يوم بعاث، فأطلقه، فلما كان الآن أتاه ثابت فقال ~~له: أتعرفني ؟ قال: وهل يجهل مثلي مثلك ! قال: أريد أن أجزيك بيدك عندي. ~~قال: إن الكريم يجزي الكريم. فأتى ثابت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: كان للزبير عندي يد أريد أن أجزيه بها فهبه به لي. فوهبه له. فأتاه ~~فقال له: إن النبي، صلى الله عليه وسلم، قد وهب لي دمك فهو لك. قال: شيخ ~~كبير لا أهل له ولا ولد؛ فاستوهب ثابت أهله وولده من رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، فوهبهم له. فقال الزبير: أهل ms0612 بيت بالحجاز لا مال لهم؛ فاستوهب ~~ثابت ماله من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فوهبه له، فمن عليه بالجميع. ~~فقال الزبير: أي ثابت ما فعل الذي كان وجهه مرآة صقيلة يتراءى فيها عذارى ~~الحي كعب بن أسد ؟ قال: قتل. فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب ؟ ~~قال: قتل. قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا كررنا عزال بن ~~سموال ؟ قال: قتل. قال: فما فعل المجلسان ؟ يعني بني كعب بن قريظة وبني ~~عمرو بن قريظة. قال: ذهبوا. قال: فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ما ~~ألحقتني بهم، فوالله ما في العيش بعدهم خير فقتله. ثم افتتح رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، حصن الصعب، وهو أكثرها طعاما وودكا، ثم قصد حصنهم الوطيح ~~والسلالم، وكانا آخر ما افتتحه فخرج منه مرحب اليهودي وهو يقول: قد علمت ~~خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب أطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا ~~الليوث أقبلت تلهب كان حمادى كالحمى لا يقرب وسأل المبارزة، فخرج إليه محمد ~~بن مسلمة وقال: أنا والله الموتور الثائر، قتلوا أخي بالأمس. فأقره رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، بمبارزته وقال: اللهم أعنه عليه، فخرج إليه ~~فتقاتلا طويلا، ثم حمل مرحب على محمد بن مسلمة فضربه، فاتقاه بالدرقة، فوقع ~~سيفه فيها، فعضت به فأمسكته، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله. ثم خرج بعده ~~أخوه ياسر وهو يقول: قد علمت خيبر أني ياسر ... شاكي السلاح بطل مغاور وطلب ~~المبارزة، فخرج إليه الزبير بن العوام، فقتله الزبير. وقيل: إن الذي قتل ~~مرحبا وأخذ الحصن علي بن أبي طالب؛ وهو الأشهر والأصح. PageV01P0319 # قال بريدة الأسلمي: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ربما أخذته ~~الشقيقة فيلبث اليوم اليومين لا يخرج، فلما نزل خيبر أخذته فلم يخرج إلى ~~الناس، فأخذ أبو بكر الراية من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم نهض ~~فقاتل قتالا شديدا، ثم رجع فأخذها عمر فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال ~~الأول؛ ثم رجع فأخبر بذلك رسول الله، ms0613 صلى الله عليه وسلم، فقال: (أما والله ~~لأعطينها غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يأخذها عنوة). وليس ~~ثم علي، كان قد تخلف بالمدينة لرمد لحقه، فلما قال رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، مقالته هذه تطاولت لها قريش، فأصبح فجاء علي على بعير له حتى ~~أناخ قريبا من خباء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو أرمد قد عصب عينيه، ~~فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما لك ؟؟ قال: رمدت بعدك. فقال له: ~~ادن مني. فدنا منه، فتفل في عينيه، فما شكا وجعا حتى مضى لسبيله. ثم أعطاه ~~الراية، فنهض بها وعليه حلة حمراء، فأتى خيبر، فأشرف عليه رجل من يهود ~~فقال: من أنت ؟ قال: أنا علي بن أبي طالب. فقال اليهودي: غلبتم يا معشر ~~يهود. وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر يماني قد نقبه مثل البيضة على رأسه ~~وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب فقال علي: أنا ~~الذي سمتني أمي حيدره ... أكيلكم بالسيف كيل السندره ليث بغابات شديد قسورة ~~فاختلفا ضربتين، فبدره علي فضربه فقد الحجفة والمغفر ورأسه حتى وقع في ~~الأرض؛ وأخذ المدينة. قال أبو رافع مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ~~خرجنا مع علي حين بعثه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، برايته إلى خيبر، ~~فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله، فقاتلهم فضربه يهودي فطرح ترسه من يده ~~فتناول علي بابا كان عند الحصن فتترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل ~~حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده؛ فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم ~~نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه. وكان فتحها في صفر. فلما فتحت خيبر ~~جاء بلال بصفية وأخرى معها على قتلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفية صرخت ~~وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها، فاصطفى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~صفية وأبعد الأخرى وقال: إنها شيطانة، لأجل فعلها. وقال لبلال: أنزعت منك ~~الرحمة؟ جئت بهما على ms0614 قتلاهما ! وكانت صفية قد رأت في منامها وهي عروس ~~لكنانة بن أبي الحقيق أن قمرا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها، فقال: ~~ما هذا إلا أنك تتمنين محمدا. ولطم وجهها لطمة اخضرت عينها منها، فأتي بها ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبها أثر منها، وسألها فأخبرته، ودفع كنانة ~~ابن أبي الحقيق إلى محمد بن مسلمة فقتله بأخيه محمود. فلما سمع بذلك أهل ~~فدك بعثوا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يسألونه أن يسيرهم ويخلوا له ~~الأموال. ففعل ذلك، ولما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، أن يعاملهم في الأموال على النصف وأن يخرجهم إذا شاء، فساقاهم ~~على الأموال على الشرط الذي طلبوا، وفعل مثل ذلك أهل فدك، وكانت خيبر فيئا ~~للمسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأنهم لم ~~يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب. ولما استقر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية مسمومة فوضعتها بين ~~يديه، فأخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، منها مضغة فلم يسغها ومعه بشر ~~بن البراء بن معرور، فأكل بشر منها، وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ~~إن هذه الشاة تخبرني أنها مسمومة، ثم دعا المرأة فاعترفت، فقال: ما حملك ~~على ذلك ؟ قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقتل: إن كان نبيا فسيخبر، ~~وإن كان ملكا استرحنا منه. فتجاوز عنها. ومات بشر من تلك الأكلة. وقال رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، في مرضه الذي مات فيه: هذا الأوان وجدت انقطاع ~~أبهري من أكلة خيبر. فكان المسلمون يرون أنه مات شهيدا مع كرامة النبوة. ~~PageV01P0320 # ولما فرغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من خير انصرف إلى وادي القرى ~~فحاصر أهله ليالي فافتتحه عنوة، وفي حصارة قتل مدعم مولى رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، الذي أهداه له رفاعة بن زيد الجذامي، فقال المسلمون: هنيئا ~~له الجنة. وقال رسول الله، ms0615 صلى الله عليه وسلم: كلا، والذي نفس محمد بيده ~~إن شملته الآن لتشتعل عليه نارا، وكان غلها من فيء المسلمين يوم خيبر. ~~فسمعه رجل فقال: يا رسول الله أصبت شراكين لنعلين لي كنت أخذتهما. فقال ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يقد لك مثلهما من النار. وترك رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، النخل والأرض في أيدي أهل الوادي وعاملهم نحو ما عامل ~~أهل خيبر، فبقوا كذلك إلى أن ولي عمر الخلافة فأجلاهم، وقيل: إنه يجلهم ~~لأنها خارجة عن الحجاز. وفي هذه السفرة، أعني خيبر، نام رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، والقصة مشهورة. وشهد معه ~~نساء من نساء المسلمين فرضخ لهن من الفيء. وفي هذه السفرة قال الحجاج بن ~~علاط السلمي لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: لي بمكة مال عند صاحبتي أم ~~شيبة ابنة أبي طلحة، وهي أم ابنه معرض بن الحجاج، ومال متفرق بمكة، فأذن لي ~~يا رسول الله. فأذن له. فقال: إنه لا بد من أن أقول. قال: قل. فقدم الحجاج ~~مكة، فسأله أهل مكة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما صنع بخيبر، ولم ~~يكونوا علموا بإسلامه، فقال لهم: إن يهود هزمته وأصحابه وقتل أصحابه قتلا ~~ذريعا وأسر محمد، وقالت يهود: لن نقتله حتى نبعث به إلى مكة فقتلوه. فصاحوا ~~بمكة بذلك، فقال: أعينوني في جمع مالي حتى أقدم خيبر فأصيب من فل محمد ~~وأصحابه قبل أن يسبقني التجار. فجمعوه كله كأحث شيء. فأتاه العباس وسأله عن ~~الخبر، فأخبره، بعد أن جمع ماله، بفتح خيبر وأن النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~أخذ صفية بنت حيي لنفسه، وأنه قدم لجمع ماله، وسأله أن يكتم عنه ثلاثا خوف ~~الطلب. فكتم العباس الخبر ثلاثا بعد مسيره، ثم لبس حلة له وخرج فطاف ~~بالكعبة، فلما رأته قريش قالوا: يا أبا الفضل هذا والله التجلد. قال: كلا ~~والله ! لقد افتتح محمد خيبر وأخذ ابنة ملكهم وأموالهم. وأخبرهم بخبر ~~الحجاج. فقالوا: لو علمنا لكان ms0616 له ولنا شأن. وقسم من أموال خيبر الشق ~~والنطاة بين المسلمين، وكانت الكتيبة خمس الله والرسول وسهم ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل، فطعم أزواج النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~وطعم رجال مشوا بين رسول الله وأهل فدك بالصلح، وقسمت خيبر على أهل ~~الحديبية، فأعطي الفرس سهمين والرجل سهما. وأقر النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~أهل خيبر بخيبر، وأبو بكر بعده، وعمر صدرا من إمارته حتى بلغه أن النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، قال في مرضه الذي مات فيه: لا يجتمع بجزيرة العرب ~~دينان، فأجلى عمر من يهود من لم يكن معه عهد من رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم. سلام بن مشكم بتشديد اللام، ومشكم بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة. ~~والحقيق بضم الحاء المهملة، وبقافين. وأخطب بالخاء المعجمة، وآخره باء ~~موحدة. ومعمرور بالعين المهملة، وبعده راءان مهملتان. وعلاط بكسر العين ~~المهملة، وطاء مهملة. ### || AUT ذكر فدك # لما انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من خيبر بعث محصة بن مسعود ~~إلى أهل فدك يدعوهم إلى الإسلام ورئيسهم يومئذ يوشع بن نون اليهودي، ~~فصالحوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على نصف الأرض، فقبل منهم ذلك، ~~وكان نصف فدك خالصا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يوجف المسلمون ~~عليه بخيل ولا ركاب، يصرف ما يأتيه منها على أبناء السبيل، ولم يزل أهلها ~~بها حتى استخلف عمر بن الخطاب، وأجلى يهود الحجاز، فبعث أبا الهيثم بن ~~التيهان وسهل بن أبي خيثمة وزيد بن ثابت، فقوموا نصف تربتها بقيمة عدل، ~~فدفعها إلى يهود وأجلاهم إلى الشام، ولم يزل رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي يصنعون صنيع رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، بعد وفاته. PageV01P0321 # فلما ولي معاوية الخلافة أقطعها مروان بن الحكم، فوهبها مروان ابنيه عبد ~~الملك وعبد العزيز، ثم صارت لعمر بن عبد العزيز وللوليد وسليمان ابني عبد ~~الملك بن مروان، فلما ولي الوليد الخلافة وهب نصيبه عمر بن عبد العزيز، ثم ~~ولي سليمان ms0617 الخلافة فوهب نصيبه منها أيضا عمر بن عبد العزيز، فلما ولي عمر ~~بن عبد العزيز الخلافة خطب الناس وأعلمهم أمر فدك وأنه قد ردها إلى ما كانت ~~عليه مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فوليها ~~أولاد فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم أخذت منهم. فلما كانت ~~سنة عشر ومائتين ردها المأمون إليهم. محيصة بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، ~~وتشديد الياء المثناة من تحت وكسرها، وآخره صاد مهملة. والتيهان بفتح التاء ~~فوقها نقطتان، وتشديد الياء تحتها نقطتان وكسرها. وفي هذه السنة رد رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع، زوجها، في ~~المحرم. وفيها قدم حاطب من عند المقوقس بمارية أم إبراهيم ابن رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، وأختها شيرين، وبغلته دلدل، وحماره يعفور، وكسوة، ~~فأسلمت مارية وأختها قدومهما على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخذ ~~مارية لنفسه ووهب شيرين حسان بن ثابت الأنصاري، فهي أم ابنه عبد الرحمن، ~~فهو وإبراهيمابنا خالة. وفيها اتخذ منبره، وقيل: إنه عمل سنة ثمان، وهو ~~الثبت. وفيها بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمر بن الخطاب في ثلاثين ~~رجلا إلى عجز هوازن، فهربوا منه ولم يلق كيدا. وفيها كانت سرية بشير بن سعد ~~والد النعمان بن بشير الأنصاري إلى بني مرة بفدك في شعبان في ثلاثين رجلا ~~أصيب أصحابه وارتث في القتلى، ثم رجع إلى المدينة. وفيها كانت سرية غالب بن ~~عبد الله الليثي إلى أرض بني مرة، فأصاب مرداس بن نهيك حليفا لهم من جهينة ~~قتله أسامة بن زيد ورجل من الأنصار. قال أسامة: لما غشيناه قال: أشهد أن لا ~~إله إلا الله، فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما قدمنا على النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، أخبرناه الخبر فقال: كيف تصنع بلا إله إلا الله ! وفيها كانت ~~سرية غالبة بن عبد الله أيضا في مائة وثلاثين راكبا إلى بني عبد بن ثعلبة، ~~فأغار عليهم واستاق النعم إلى ms0618 المدينة. وفيها كانت سرية بشير بن سعد إلى ~~اليمن والجناب في شوال. وكان سببها أن جبيل بن نويرة الأشجعي كان دليل رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، إلى خيبر، قدم على النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~فأخبره أن جمعا من غطفان بالجناب قد أمدهم عيينة بن حصن وأمرهم بالمسير إلى ~~المدينة، فبعث النبي، صلى الله عليه وسلم، بشيرا فأصابوا نعما وقتلوا مولى ~~لعيينة، ثم لقوا جمع عيينة، فهزمهم المسلمون، وانهزم عيينة، فلقيه الحارث ~~بن عوف منهزما، فقال له: قد آن لك أن تقصر عما مضى. حاطب بالحاء المهملة، ~~وآخره باء موحدة. وبشير بفتح الباء الموحدة، وكسر الشين المعجمة، وآخره ~~راء، والد النعمان بن بشي. وعيينة بضم العين، وفتح الياء المثناة تحتها ~~نقطتان، وسكون الياء الثانية، وبعدها نون، تصغير عين. ### || AUT ذكر عمرة القضاء # لما عاد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من خيبر أقام بالمدينة جماديين ~~ورجب وشعبان ورمضان وشوالا يبعث السرايا، ثم خرج في ذي الحجة معتمرا عمرة ~~القضاء وساق معه سبعين بدنة وخرج معه المسلمون ممن كان معه في عمرته ~~الأولى. فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه وتحدثت قريش بينها أن النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، وأصحابه في عسر وجهد، فاصطفوا له عند دار الندرة، فلما ~~دخلها اضطبع بردائه فأخرج عضده اليمنى ثم قال: (رحم الله أمرأ أراهم اليوم ~~من نفسه قوة)! ثم استلم الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه، وكان بين يديه ~~لما دخل مكة عبد الله بن رواحة آخذا بخطام ناقته وهو يقول: خلوا بني الكفار ~~عن سبيله ... خلوا فكل الخير في رسوله يا رب إني مؤمن بقيله ... أعرف حق ~~الله في قبوله نحن قتلناكم على تأويله ... ويذهل الخليل عن خليله ~~PageV01P0322 # وتزوج النبي، صلى الله عليه وسلم، في سفره هذا بميمونة بنت الحارث وأقام ~~بمكة ثلاثا، فأرسل المشركون إليه مع علي بن أبي طالب ليخرج عنهم. فقال: ما ~~عليهم لو أعرست بين أظهرهم وصنعنا لهم طعاما فحضروه معنا ؟ فقالوا: لا حاجة ~~لنا في طعامه. فخرج ms0619 عنهم وبنى بميمونة بسرف، ثم انصرف إلى المدينة فأقام ~~بها بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع، وبعث جيشه الذي أصيب بمؤتة، ~~وولي تلك الحجة المشركون. وفيها كانت غزوة ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني ~~سليم في ذي القعدة، فلقوه فأصيب هو وأصحابه، وقيل: بل نجا وأصيب أصحابه. ؟ ### | AUT ودخلت سنة ثمان # فيها توفيت زينب بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ قاله الواقدي. ~~وفيها كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي الكلبي، كلب الليث، إلى بن ~~الملوح، فلقيه الحارث بن البرصاء الليثي فأخذوه أسيرا، فقال: إنما جئت ~~لأسلم. فقال له غالب: إن كنت صادقا فلن يضرك رباط ليلة، وإن كنت كاذبا ~~استوثقنا منك. ووكل به بعض أصحابه وقال له: إن نازعك فخذ رأسه؛ وأمره ~~بالمقام إلى أن يعود، ثم ساروا حتى أتوا بطن الكديد فنزلوا بعد العصر ~~وأرسلوا جندب بن مكيث الجهني ربيئة لهم، قال: فقصدت تلا هناك يطلعني على ~~الحاضر فانبطحت عليه، فخرج لي منهم رجل فرآني منبطحا، فأخذ قوسه وسهمين ~~فرماني بأحدهما، فوضعه في جنبي، قال: فنزعته ولم أتحرك، ثم رماني بالثاني ~~فوضعه في رأس منكبي، قال: فنزعته ولم أتحرك. قال: أما والله لقد خالطه ~~سهماي ولو كان ربيئة لتحرك. قال: فأمهلناهم حتى راحت مواشيهم واحتلبوا ~~فشننا عليهم الغارة فقتلنا منهم واستقنا منهم النعم ورجعنا سراعا. وأتى ~~صريخ القوم فجاءنا ما لا قبل لنا به حتى إذا لم يكن بيننا إلا بطن الوادي ~~من قديد بعث الله من حيث شاء سحابا ما رأينا قبل ذلك مطرا مثله، فجاء ~~الوادي بما لا يقدر أحد يجوزه، فلقد رأيتهم ينظرون إلينا ما يقدر أحد ~~يتقدم، وقدمنا المدينة. وكان شعار المسلمين: أمت أمت، وكان عدتهم بضعة عشر ~~رجلا. وفيها بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، العلاء بن الحضرمي إلى ~~البحرين وبها المنذر بن ساوى، فصالح المنذر على أن على المجوس الجزية ولا ~~تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم. وقيل: إن إرساله كان سنة ست من الهجرة مع ~~الرسل الذين أرسلهم رسول ms0620 الله، صلى الله عليه وسلم، إلى الملوك، وقد تقدم ~~ذلك. وفيها كانت سرية شجاع بن وهب إلى بني عامر في ربيع الأول في أربعة عشر ~~رجلا، فأصابوا نعما، فكان سهم كل رجل منهم خمسة عشر بعيرا. وفيها كانت سرية ~~عمرو بن كعب الغفاري إلى ذات الأطلاح في خمسة عشر رجلا، فوجد بها جمعا ~~كثيرا فدعاهم إلى الإسلام فأبوا أن يجيبوا وقتلوا أصحاب عمرو ونجا حتى قدم ~~المدينة. وذات الأطلاح من ناحية الشام، وكانوا من قضاعة ورئيسهم رجل يقال له سدوس. ### || AUT ذكر إسلام خالد بن الوليد # ### || AUT وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة # في هذه السنة في صفر قدم عمرو بن العاص مسلما على النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، وقدم معه خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة العبدري. PageV01P0323 # وكان سبب إسلام عمرو أنه قال: لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق قلت ~~لأصحابي: إني أرى أمر محمد يعلو علوا منكرا، وإني قد رأيت أن نلحق ~~بالنجاشي، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، وإن ظهر قومنا على محمد ~~فنحن من قد عرفوا. قالوا: إن هذا الرأي. قال: فجمعنا له أدما كثيرا وخرجنا ~~إلى النجاشي، فإنا لعنده إذ وصل عمرو بن أمية الضمري رسولا من النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، في أمر جعفر وأصحابه. قال: فدخلت على النجاشي وطلبت منه أن ~~يسلم إلي عمرو بن أمية الضمري لأقتله تقربا إلى قريش بمكة. فلما سمع كلامي ~~غضب وضرب أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، يعني النجاشي، فخفته ثم قلت: والله ~~لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه. قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه ~~الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله ؟ قال: قلت: أيها الملك أكذلك هو ~~؟ قال: ويحك يا عمرو أعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من ~~خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. قال: فقلت: فبايعني له على الإسلام. ~~فبسط يده فبايعته ثم خرجت إلى أصحابي وكتمتهم إسلامي وخرجت عائدا إلى رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، ولقيني ms0621 خالد بن الوليد، وذلك قبل الفتح، وهو ~~مقبل من مكة، فقلت: أين يا أبا سليمان ؟ قال: والله لقد استقام المنسم، إن ~~الرجل لنبي، أذهب والله أسلم فحتى متى ! فقلت: ما جئت إلا للإسلام، فقدمنا ~~على النبي، صلى الله عليه وسلم، فتقدم خالد بن الوليد فأسلم، ثم دنوت ~~فأسلمت، وتقدم عثمان بن طلحة فأسلم. ### || AUT ذكر غزوة ذات السلاسل # وفيها أرسل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمرو بن العاص إلى أرض بلي ~~وعذرة يدعو الناس إلى الإسلام، وكانت أمه من بلي، فتألفهم رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، بذلك، فسار حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له ~~السلاسل، وبه سميت تلك الغزوة ذات السلاسل، فلما كان به خاف فبعث إلى ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، يستمده، فبعث إليه رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين، فيهم أبو بكر وعمر، وقال ~~لأبي عبيدة حين وجهه: لا تختلفا. فخرج أبو عبيدة، فلما قدم عليه قال عمرو: ~~إنما جئت مددا إلي. فقال له أبو عبيدة: يا عمرو إن رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، قال: لا تختلفا، فإن عصيتني أطعتك. قال: فأنا أمير عليك. قال: ~~فدونك. فصلى عمرو بالناس. وفيها أرسل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمرو ~~بن العاص إلى جيفر وعياذ ابني الجلندى بعمان، فآمنا وصدقا. وأخذ الجزية من المجوس. ### || AUT ذكر غزوة الخبط وغيرها # وفيها كانت غزوة الخبط، وأميرهم أبو عبيدة بن الجراح، في ثلاثمائة من ~~المهاجرين والأنصار، وكانت في رجب، وزودهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~جرابا من تمر، فكان أبو عبيدة يقبض لهم قبضة ثم تمرة تمرة، فكان أحدهم ~~يلوكها ويشرب عليها الماء، فنفد ما في الجراب، فأكلوا الخبط وجاعوا جوعا ~~شديدا، فنحر لهم قيس بن سعد بن عبادة تسع جزائر فأكلوها، فنهاه أبو عبيدة، ~~فانتهى. ثم إن البحر ألقى إليهم حوتا ميتا فأكلوا منها حتى شبعوا، ونصب أبو ~~عبيدة ضلعا من أضلاعه، فيمر الراكب تحته. فلما قدموا المدينة ms0622 ذكروا ذلك ~~للنبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: كلوا رزقا أخرجه الله لكم، وأكل منه رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، وذكروا صنيع قيس بن سعد، فقال: إن الجود من شيمة ~~أهل ذلك البيت. PageV01P0324 # وفيها كانت سرية وجهها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في شعبان أميرها ~~أبو قتادة ومعه عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي؛ وكان سببها أن رفاعة بن قيس، ~~أو قيسس بن رفاعة، في بطن عظيم من جشم نزل بالغابة يجمع لحرب النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، فبعث النبي، صلى الله عليه وسلم، أبا قتادة ومن معه ليأتوا ~~منه بخير، فوصلوا قريبا من الحاضر مع غروب الشمس، فكمن كل واحد منهم في ~~ناحية، وكانوا ثلاثة، وقيل: كانوا ستة عشر رجلا، قال عبد الله بن أبي حدرد: ~~فكان لهم راع أبطأ عليهم، فخرج رفاعة بن قيس في طلبه ومعه سلاحه، فرميته ~~بسهم في فؤاده، فما تكلم، قال: فأخذت رأسه ثم شددت في ناحية العسكر وكبرت ~~وكبر صاحباي، فوالله ما كان إلا النجاء، فأخذوا نساءهم وأبناءهم وما خف ~~عليهم واستقنا الإبل الكثيرة والغنم فجئنا بها رسول الله وبرأسه معي، ~~فأعطاني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من تلك الإبل عشر بعيرا، وكنت قد ~~تزوجت وأخذت أهلي. وعدل البعير بعشر من الغنم. وفيها أغزى رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، أبا قتادة أيضا إلى إضم ومعه محلم بن جثامة الليثي قبل ~~الفتح، فلقيهم عامر بن الأضبط الأشجعي على بعير له ومعه متاعه، فسلم عليهم ~~بتحية الإسلام، فأمسكوا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينهما ~~فقتله وأخذ بعيره، فلما قدمنا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أخبره ~~الخبر، فنزل: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) ~~النساء: 93؛ الآية؛ وقيل: كانت هذه السرية حين خرج إلى مكة في رمضان. ~~وكانوا ثمانية نفر. ؟ ### || AUT ذكر غزوة مؤتة # كان ينبغي أن نقدم هذه الغزوة على ما تقدم، وإنما أخرناها لتتصل الغزوات ~~العظيمة فيتلوا بعضها بعضا. وكانت في جمادى ms0623 الأولى من سنة ثمان، واستعمل ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد ~~فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة. فقال جعفر: ما كنت ~~أذهب أن تستعمل علي زيدا. فقال: امض فإنك لا تدري أي ذلك خير. فبكى الناس ~~وقالوا: هلا متعتنا بهم يا رسول الله ؟ فأمسك، وكان إذا قال: فإن أصيب فلان ~~فالأمير فلان، أصيب كل من ذكره. فتجهز الناس، وهم ثلاثة آلاف، وودعهم رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، والناس. فلما ودع عبد الله بن رواحة بكى عبد ~~الله، فقال له الناس: ما يبكيك ؟ فقال: ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ~~ولكن سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقرأ آية، وهي: (وإن منكم إلا ~~واردها كان عى ربك حتما مقضيا) مريم: 71؛ فلست أدري كيف لي بالصدر بعد ~~الورود ؟ فقال المسلمون: صحبكم الله وردكم إلينا سالمين. فقال عبد الله: ~~لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حران ~~مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقولوا إذا مروا علي جدثي ... ~~أرشدك الله من غاز وقد رشدا فلما ودعهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وعاد قال عبد الله: خلف السلام على امرء ودعته ... في النخل خير مشيع وخليل ~~ثم ساروا حتى نزلوا معان، فبلغهم أن هرقل سار إليهم في مائة ألف من الروم ~~ومائة ألف من المستعربة من لخم وجذام وبلقين وبلي، عليهم رجل من بلي يقال ~~له مالك بن رافلة، ونزلوا مآب من أرض البلقاء، فأقام المسلمون بمعان ليلتين ~~ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نخبره ~~الخبر وننتظر أمره، فشجعهم عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم والله إن الذي ~~تكرهون للذي خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا ~~نقاتلهم إلا بهذا الدين، فانطلقوا فما هي إلا إحدى الحسنيين. فقال الناس: ~~صدق والله، وساروا، وسمعه زيد بن أرقم، وكان يتيما في حجره، وقد أردفه ms0624 في ~~مسيره ذلك على حقيبته، وهو يقول: إذا أديتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد ~~الحساء فشأنك فانعمي وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي وجاء المسلمون ~~وغادروني ... بأرض الشام مشتهي الثواء وردك كل ذي نسب قريب ... من الرحمن ~~منقطع الإخاء PageV01P0325 # هنالك لا أبالي طلع بعل ... ولا نخل أسافلها رواء فلما سمعها زيد بكى، ~~فخفقه بالدرة وقال: ما عليك يا لكع ! يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي ~~الرحل ؟ ثم ساروا، فالتقتهم جموع الروم والعرب بقرية من البلقاء يقال لها ~~مشارف، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها، وكان ~~على ميمنة المسلمين قطبة بن قتادة العذري، وعلى ميسرتهم عباية بن مالك ~~الأنصاري، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، حتى شاط في رماح القوم، ثم أخذها جعفر بن أبي طالب فقاتل ~~بها وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردا شرابها والروم روم ~~قد دنا عذابها، ... علي، إذ لاقيتها، ضرابها فلما اشتد القتال اقتحم عن فرس ~~له شقراء فعقرها ثم قاتل القوم حتى قتل، وكان كعفر أول من عقر فرسه في ~~الإسلام، فوجدوا به بضعا وثمانين بين رمية وضربة وطعنة، فلما قتل أخذ ~~الراية عبد الله بن رواحة ثم تقدم، فتردد بعض التردد، ثم قال يخاطب نفسه: ~~أقسمت يا نفس لتنزلنه ... طائعة أو لا لتكرهنه إن أجلت الناس وشدوا الرنه ~~... ما لي أراك تكرهين الجنه قد طال ما قد كنت مطمئنه ... هل أنت نطفة في ~~شنه وقال أيضا: يا نفس إن لم تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت وما ~~تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت ثم نزل عن فرسه، وأتاه ابن عم له ~~بعرق من لحم فقال له: شد بهذا صلبك، فقد لقيت ما لقيت. فأخذه فانتهش منه ~~نهشة ثم سمع الحطمة في ناحية العسكر فقال لنفسه: وأنت في الدنيا ! ثم ألقاه ~~وأخذ سيفه وتقدم فقاتل حتى قتل. واشتد الأمر على المسلمين وكلب عليهم ~~العدو، وقد كان قطبة بن قتادة ms0625 قتل قبل ذلك مالك بن رافلة قائد المستعربة. ~~ثم إن الخبر جاء من السماء في ساعته إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فصعد ~~المنبر وأمر فنودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فقال: باب خير ! ثلاثا ~~أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؛ إنهم لقوا العدو فقتل زيد شهيدا، فاستغفر له، ~~ثم أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيدا، فاستغفر له، ثم أخذ ~~اللواء عبد الله بن رواحة، وصمت حتى تغيرت وجوه الأنصار وظنوا أنه قد كان ~~من عبد الله ما يكرهون، ثم قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: فقاتل القوم ~~حتى قتل شهيدا، ثم قال: لقد رفعوا إلى الجنة على سر من ذهب، فرأيت في سرير ~~ابن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت: عم هذا ؟ فقيل: مضيا، وتردد بعض ~~التردد ثم مضى. ولما قتل ابن رواحة أخذ الراية ثابت بن أقرم الأنصاري وقال: ~~يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم. فقالوا: رضينا بك. فقال: ما أنا ~~بفاعل. فاصطلحوا على خالد بن الوليد، فأخذ الراية ودافع القوم وانحازوا ~~عنه، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ~~خالد بن الوليد، فعاد بالناس، فمن يومئذ سمي خالد سيف الله. وقال رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم: مر بي جعفر البارحة في نفر من الملائكة له ~~جناحان مختضب القوادم بالدم. قالت أسماء: أتاني النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~وقد فرغت من اشتغالي وغسلت أولاد جعفر ودهنتهم فأخذهم وشمهم ودمعت عيناه، ~~فقلت: يا رسول الله أبلغك عن جعفر شيء ؟ قال: نعم، أصيب هذا اليوم. ثم عاد ~~إلى أهله فأمرهم أن يصنعوا لآل جعفر طعاما، فهو أول ما عمل في دين الإسلام. ~~قالت أسماء بنت عميس: فقمت أصنع، واجتمع إلي النساء. فلما رجع الجيش ودنا ~~من المدينة لقيهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمسلمون، فأخذ عبد الله ~~بن جعفر فحمله بين يديه، فجعل الناس يحثون التراب على الجيش ويقولون: يا ~~فرار ؟! ويقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ms0626 (ليسوا بالفرار ولكنهم ~~الكرار إن شاء الله تعالى). ### || AUT ذكر فتح مكة # PageV01P0326 # وأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد غزوة مؤتة جمادى الآخرة ورجبا، ~~ثم إن بني بكر بن عبد مناة عدت على خزاعة وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال ~~له: الوتير، وكانت خزاعة في عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبكر في ~~عهد قريش في صلح الحديبية؛ وكان سبب ذلك أن رجلا من بني الحضرمي اسمه مالك ~~بن عباد وكان حليفا للأسود بن رزن الدثلي ثم البكري في الجاهلية خرج تاجرا، ~~فلما كان بأرض خزاعة قتلوه وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة ~~فقتلوه، فعدت خزاعة على بني الأسود بن رزن، وهم سلمى وكلثوم وذؤيب، فقتلوهم ~~بعرفة، وكانوا من أشراف بني بكر، فبينما خزاعة وبكر على ذلك جاء الإسلام ~~واشتغل الناس به، فلما كان صلح الحديبية ودخلت خزاعة في عهد النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، ودخلت بكر في عهد قريش، اغتنمت بكر تلك الهدنة وأرادوا أن ~~يصيبوا من خزاعة ثأرهم بقتل بني الأسود، فخرج نوفل بن معاوية الدثلي بمن ~~تبعه من بكر حتى بيت خزاعة على ماء الوتير. وقيل: كان سبب ذلك أن رجلا من ~~خزاعة سمع رجلا من بكر ينشد هجاء النبي، صلى الله عليه وسلم، فشجه، فهاج ~~الشر بينهم وثارت بكر بخزاعة حتى بيتوهم باوتير، وأعانت قريش بني بكر على ~~خزاعة بسلاح ودواب وقاتل معهم جماعة من قريش مختفين، منهم صفوان بن أمية ~~وعكرمة بن أبي جهل وسهل بن عمرو، فانحازت خزاعة إلى الحرم وقتل منهم نفر. ~~فلما دخلت خزاعة الحرم قالت بكر: يا نوفل إنا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك ! ~~فقال: لا إله له اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرفون في ~~الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه ؟ فلما نقضت بكر وقريش العهد الذي بينهم وبين ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، خرج عمرو بن سالم الخزاعي ثم الكعبي حتى قدم ~~على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة فوقف عليه ms0627 ثم قال: لا هم إني ~~ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا فوالدا كنا وكنت ولدا ... ثمت ~~أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر رسول الله نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا ~~مددا فيهم رسول الله قد تجردا ... أبيض مثل البدر ينمي صعدا إن سيم خسفا ~~وجهه تربدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ~~ونقضوا ميثاقك المؤكدا وجعلوا لي في كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعوا ~~أحدا وهم أذل وأقل عددا ... هم بيتونا بالوتير هجدا فقتلونا ركعا وسجدا ~~فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: قد نصرت يا عمرو بن سالم ! ثم عرض ~~لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، عنان من السماء فقال: إن هذه السحابة ~~لتستهل بنصر بني كعب. وكان بين عبد المطلب وخزاعة حلف قديم، فلهذا قال عمرو ~~بن سالم: حلف أبينا وأبيه الأتلدا. ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة ~~حتى قدموا على النبي، صلى الله عليه وسلم، المدينة فنادوه وهو يغتسل فقال: ~~يا لبيكم ! وخرج إليهم، فأخبروه الخبر ثم انصرفوا راجعين إلى مكة، وكان ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد قال: كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليجدد ~~العهد خوفا ويزيد في المدة. ومضى بديل فلقي أبا سفيان بعسفان يريد النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، ليجدد العهد خوفا منه، فقال لبديل: من أين أقبلت ؟ ~~قال: من خزاعة في الساحل وبطن هذا الوادي. قال: أوما أتيت محمدا ؟ قال: لا. ~~فقال أبو سفيان لأصحابه لما راح بديل: انظروا بعر ناقته، فإن جاء المدينة ~~لقد علف النوى. فنظروا بعر الناقة فرأوا فيه النوى. PageV01P0327 # ثم خرج أبو سفيان حتى أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فدخل على ابنته أم ~~حبيبة زوج النبي، فلما أراد أن يجلس على فراش رسول الله طوته عنه. فقال: ~~أرغبت به عني أم رغبت بي عنه ؟ فقالت: هو فراش رسول الله وأنت مشرك نجس فلم ~~أحب أن تجلس عليه، فقال: لقد أصابك بعدي شر. ثم خرج حتى أتى النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، فكلمه، ms0628 فلم يرد عليه شيئان ثم أتى أبا بكر فكلمه ليكلم له ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أنا بفاعل ثم أتى عمر فكلمه فقال: ~~أنا أشفع لكم إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم ! والله لو لم أجد إلا ~~الذر لجاهدتكم به. ثم خرج حتى أتى عليا، وعنده فاطمة والحسن غلام، فكلمه في ~~ذلك، فقال له: والله لقد عزم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على أمر لا ~~نستطيع أن نكلمه فيه. فقال لفاطمة: يا بنت محمد هل لك أن تأمري ابنك هذا أن ~~يجير بين الناس فيكون سيد العرب ؟ فقالت: ما بلغ ابني أن يجير بين الناس، ~~وما يجير على رسول الله أحد. فالتفت إلى علي فقال له: أرى الأمور قد اشتدت ~~علي فانصحني. قال: أنت سيد كنانة فقم فأجر بين الناس والحق بأرضك فقام أبو ~~سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره وقدم ~~مكة وأخبر قريشا ما جرى له وما أشار به علي عليه. فقالوا له: والله ما زاد ~~على أن يسخر بك. ثم إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تجهز وأمر الناس ~~بالتجهز إلى مكة وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في ~~بلادها. فكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يعلمهم الخبر وسيره مع ~~امرأة من مزينة اسمها كنود، وقيل: مع سارة مولاة لبني المطلب. فأرسل رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، عليا والزبير، فأدركاها وأخذا منها الكتاب وجاءا ~~به إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأحضر حاطبا وقال له: ما حملك على ~~هذا ؟ فقال: والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما بدت ولا غيرت ولكن لي بين ~~أظهرهم أهل وولد وليس لي عشيرة فصانعتهم عليهم. فقال عمر: دعني أضرب عنقه ~~فإنه قد نافق. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: وما يدريك يا عمر ؟ لعل ~~الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم، وأنزل الله ~~في حاطب: (يا ms0629 أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) إلى آخر ~~الآية الممتحنة: 1. ثم مضى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واستخلف على ~~المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري، وخرج لعشر مضين من رمضان، وفتح مكة ~~لعشر بقين منه، فصام حتى بلغ ما بين عسفان وأمج، فأفطروا، واستوعب معه ~~المهاجرون والأنصار، فسبعت سليم وألفت مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام، ~~وأدركه عيينة بن حصن الفزاري بالعرج والأقرع بن حابس بالسقيا، ولقيه العباس ~~بن عبد المطلب باحجفة، وقيل: بذي الحليفة، مهاجرا، فأمره رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، أن يرسل رحله إلى المدينة ويعود معه، وقال له: أنت آخر ~~المهاجرين، وأنا آخر الأنبياء. ولقيه أيضا محرمة بن نوفل، وأبو سيان بن ~~الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية بنيق العقاب، فالتمسا الدخول ~~على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكلمته أم سلمة فيهما وقالت له: ابن ~~عمك وابن عمتك. قال: لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن ~~عمتي فهو الذي قال بمكة ما قال. فلما سمعا ذلك وكان مع أبي سفيان ابن له ~~اسمه جعفر فقال: والله ليأذن لي أو لآخذن بيد ابني هذا ثم لنذهبن في الأرض ~~حتى نموت عطشا وجوعا. فرق لهما رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأدخلهما ~~إليه فأسلما. وقيل: إن عليا قال لأبي سفيان بن الحارث: إيت رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: (تالله آثرك ~~الله علينا وإن كنا لخاطئين) يوسف: 91 فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه ~~فعلا ولا قولا، ففعل ذلك. فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا ~~تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) يوسف: 92، وقربهما، ~~فأسلما، وأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما مضى: لعمرك إني يوم ~~أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... ~~فهذا أواني حين أهدى وأهتدي PageV01P0328 # وهاد هداني غير نفسي ونالني ... مع ms0630 الله من طردت كل مطرد الأبيات. فضرب ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صدره وقال: (أنت طردتني كل مطرد). وقيل: إن ~~أبا سفيان لم يرفع رأسه إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، حياء منه. وقدم ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مر الظهران في عشرة آلاف فارس، من بني غفار ~~أربعمائة، ومن مزينة ألف وثلاثة نفر، ومن بني سليم سبعمائة، ومن جهينة ألف ~~وأربعمائة، وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف من العرب، ثم من تميم ~~وأسد وقيس. فلما نزل مر الظهران قال العباس بن عبد المطلب: يا هلاك قريش ؟! ~~والله لئن بغتها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في بلادها فدخل عنوة إنه ~~لهلاك قريش إلى آخر الدهر. فجلس على بغلة النبي، صلى الله عليه وسلم، وقال: ~~أخرج لعلي أرى حطابا أو رجلا يدخل مكة فيخبرهم بكان رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، فيأتونه ويستأمنونه. قال: فخرجت أطوف في الأراك إذ سمعت صوت أبي ~~سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء الخزاعي قد خرجوا يتجسسون. فقال أبو ~~سفيان: ما رأيت نيرانا أكثر من هذه. فقال بديل: هذه نيران خزاعة. فقال أبو ~~سفيان: خزاعة أذل من ذلك. فقلت: يا أبا حنظلة، يعني أبا سفيان كان يكنى ~~بذلك، فقال: أبو الفضل ! قلت: نعم. قال: لبيك فداك أبي وأمي، ما وراءك ؟ ~~فقلت: هذا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في المسلمين أتاكم في عشرة آلاف. ~~قال: ما تأمرني ؟ قلت: تركب معي فأستأمن لك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~فوالله لئن ظفر بك ليضربن عنقك. فردفني، فخرجت أركض به نحو رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، فكلما مررت بنار من نيران المسلمين يقولون: عم رسول الله ~~على بغلة رسول الله، حتى مررنا بنار عمر بن الخطاب، فقال أبو سفيان: الحمد ~~لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ! ثم اشتد نحو النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، وركضت البغلة فسبقت عمر، ودخل عمر على رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، فأخبره وقال: دعني أضرب ms0631 عنقه. فقلت: يا رسول الله إني قد أجرته. ثم ~~أخذت برأس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقلت: لا يناجيه اليوم أحد دوني. ~~فلما أكثر فيه عمر قلت: مهلا يا عمر، فوالله ما تصنع هذا إلا لأنه من بني ~~عبد مناف، ولو كان من بني عدي ما قلت هذه المقالة. فقال: مهلا يا عباس، ~~فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب من إسلام الخطاب لو أسلم. فقال رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم: اذهب فقد آمناه حتى تغدو علي به بالغداة. فرجعت ~~به إلى منزلي وغدوت به على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: ~~ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله ؟ قال: بلى، ~~بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لو كان مع الله غيه لقد أغنى عني شيئا. فقال: ~~ويحك ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ فقال: بأبي أنت وأمي، أما هذه ففي ~~النفس منها شيء. قال العباس: فقلت له: ويحكم تشهد شهادة الحق قبل أن تضرب ~~عنقك ! قال: فتشهد، وأسلم معه حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء. فقال رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، للعباس: اذهب فاحبس أبا سفيان عند خطم الجبل ~~بمضيق الوادي حتى تمر عليه جنود الله. فقلت: يا رسول الله إنه يحب الفخر ~~فاجعل له شيئا يكون في قومه. فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل ~~دار حكيم بن حزام فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. ~~قال: فخرجت به فحبسته عند خطم الجبل، فمرت عليه القبائل فيقول: من هؤلاء ؟ ~~فأقول: أمسلم. فيقول: ما لي ولأسلم. ويقول: من هؤلاء ؟ فأقول: جهينة. ~~فيقول: ما لي ولجهينة. حتى مر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في كتيبته ~~الخضراء مع المهاجرين والأنصار في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق. فقال: من ~~هؤلاء ؟ فقلت: هذا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في المهاجرين والأنصار. ~~فقال: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. ms0632 فقلت: ويحك إنها النبوة. فقال: نعم ~~إذن. فقلت: الحق بقومك سريعا فحذرهم. فخرج حتى أتى مكة ومعه حكيم بن حزام، ~~فصرخ في المسجد: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به. ~~فقالوا: فمه. قال: من دخل داري فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق ~~بابه فهو آمن؛ ثم قال: يا معشر قريش أسلموا تسلموا. PageV01P0329 # فأقبلت امرأته هند فأخذت بلحيته وقالت: يا آل غالب اقتلوا هذا الشيخ ~~الأحمق. فقال: أرسلي لحيتي وأقسم لئن أنت لم تسلمي لتضربن عنقك، ادخلي بيتك ~~! فتركته. وبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في أثرهما الزبير وأمره أن ~~يدخل ببعض الناس من كداء، وكان على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن ~~يدخل ببعض الناس من كداء، فقال سعد حين وجهه: اليوم يوم الملحمة، اليوم ~~تستح الحرمة. فسمعها رجل من المهاجرين فأعلم رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، فقال لعلي بن أبي طالب: أدركه فخذ الراية منه وكن أنت الذي تدخل بها، ~~وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أسفل مكة من الليط في بعض الناس، وكان معه ~~أسلم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من العرب، وهو أول يوم أمر رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، خالد بن الوليد. ولما وصل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~إلى ذي طوى وقف على راحلته وهو معتجر ببرد خز أحمر وقد وضع رأسه تواضعا لله ~~تعالى حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى إن أسفل لحيته ليمس واسطة ~~الرحل، ثم تقدم ودخل من أذاخر بأعلاها وضربت قبته هناك. وكان عكرمة بن أبي ~~جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا ومعهم ~~الأحابيش وبنو بكر وبنو الحارث بن عبد مناة، فلقيهم خالد بن الوليد فقاتلهم ~~فقتل من المسلمين جابر بن جبيل الفهري وحبيش بن خالد، وهو الأشعر الكعبي، ~~وسلمة بن الميلاء، وقتل من المشركين ثلاثة عشر رجلا ثم انهزم المشركون. ~~وكان مع عكرمة حماس بن خالد الدثلي، وكان ms0633 قد قال لأمرأته: لآتينك بخادم من ~~أصحاب محمد، فلما عاد إليها منهزما قالت له تستهزئ به: أين الخادم ؟ فقال: ~~فأنت لو شهدتنا بالخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه وأبو يزيد كالعجوز ~~المؤتمه ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه إذ ضربتنا بالسيوف المثلمه ... ~~لهم زفير خلفنا وغمغمه أبو يزيد هذا هو سهيل بن عمرو. وكان رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، قد عهد إلى امرائه أن لا يقتلوا أحدا إلا من قاتلهم. فلما ~~انهزم المشركون وأراد المسلمون دخول مكة قام في وجوههم نساء مشركات يلطمن ~~وجوه الخيل بالخمر وقد نشرن شعورهن، فرآهن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وإلى جنبه أبو بكر، فتبسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: يا أبا بكر ~~كيف قال حسان ؟ فأنشده: تكاد جيادنا مستمطرات ... يلطمهن بالخمر النساء ~~وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد أمر بقتل ثمانية رجال وأربع نسوة، ~~فأما الرجال فمنهم عكرمة بن أبي جهل، كان يشبه أباه في إيذاء رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، وعداوته والإنفاق على محاربته، فلما فتح رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، مكة خافه على نفسه فهرب إلى اليمن وأسلمت امرأته أم ~~حكيم بنت الحارث بن هشام فاستأمنت له وخرجت في طلبه ومعها غلام لها رومي، ~~فراودها عن نفسها، فأطعمته ولم تمكنه حتى أتت حيا من العرب فاستعانتهم ~~عليه، فأوثقوه، وأدركت عكرمة وهو يريد ركوب البحر فقالت: جئتك من عند أوصل ~~الناس وأحملهم وأكرمهم وقد آمنك، فرجع، وأخبرته خبر الرومي، فقتله قبل أن ~~يسلم. فلما قدم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سر به، فأسلم وسأل رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، أن يستغفر له، فاستغفر. ومنهم صفوان بن أمية بن ~~خلف، وكان أيضا شديدا على النبي، صلى الله عليه وسلم، فهرب خوفا منه إلى ~~جدة، فقال بن وهب الجمحي: يا رسول الله إن صفوان سيد قومي وقد خرج هاربا ~~منك فآمنه. قال: هو آمن، وأعطاه عمامته التي دخل بها مكة ليعرف بها أمانه، ~~فخرج ms0634 بها عمير فأدركه بجدة فأعلمه بأمانه وقال: إنه أحلم الناس وأوصلهم، ~~وإنه ابن عمك وعزه عزك وشرفه شرفك. قال: إني أخافه على نفسي. قال: هو أحلم ~~من ذلك. فرجع صفوان وقال لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن هذا يزعم أنك ~~آمنتني. قال: صدق. قال: اجعلني بالخيار شهرين. قال: أنت فيه أربعة أشهر، ~~فأقام معه كافرا وشهد معه حنينا والطائف ثم أسلم وحسن إسلامه وتوفي بمكة ~~عند خروج الناس إلى البصرة ليوم الجمل. PageV01P0330 # ومنهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح من بني عامر بن لؤي، وكان قد أسلم وكتب ~~الوحي إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أملى عليه: عزيز حكيم، ~~يكتب: عليم حكيم، وأشباه ذلك، ثم ارتد وقال لقريش: إني أكتب أحرف محمد في ~~قرآنه حيث شئت ودينكم خير من دينه؛ فلما كان يوم الفتح فر إلى عثمان بن ~~عفان، وكان أخاه من الرضاعة، فغيبه عثمان حتى اطمأن الناس، ثم أحضره عند ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وطلب له الأمان، فصمت رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، طويلا ثم آمنه، فأسلم وعاد، فلما انصرف قال رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، لأصحابه: لقد صمت ليقتله أحدكم. فقال أحدهم: هلا أومأت إلينا ؟ ~~فقال: ما كان للنبي أن يقتل بالإشارة، إن الأنبياء لا يكون لهم خائنة ~~الأعين. ومنهم عبد الله بن خطل، وكان قد أسلم، فأرسله رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، مصدقا ومعه رجل من الأنصار وغلام له رومي قد أسلم، فكان الرومي ~~يخدمه ويصنع الطعام، فنسي يوما أن يصنع له طعاما، فقتله وارتد، وكان له ~~قينتان تغنيان بهجاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقتله سعيد بن حريث ~~المخزومي، أخو عمرو بن حريث، وأبو برزة الأسلمي. ومنهم الحويرث بن نقيذ بن ~~وهب بن عبد بن قصي، وكان يؤذي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمكة وينشد ~~الهجاء فيه، فلما كان يوم الفتح هرب من بيته، فلقيه علي بن أبي طالب فقتله. ~~ومنهم مقيس بن صبابة، ms0635 وإنما أمر بقتله لأنه قتل الأنصاري الذي قتل أخاه ~~هشاما خطأ وارتد، فلما انهزم أهل مكة يوم الفتح اختفى بمكان هو وجماعة ~~وشربوا الخمر، فعلم به نميلة بن عبد الله الكناني، فأتاه فضربه بالسيف حتى ~~قتله. ومنهم عبد الله بن الزبعري السهمي، وكان يهجو رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، بمكة ويعظم القول فيه، فهرب يوم الفتح هو وهبيرة بن أبي وهب ~~المخزومي زوج أم هانئ بنت أبي طالب إلى نجران، فأما هبيرة فأقام بها مشركا ~~حتى هلك، وأما ابن الزبعري فرجع إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~واعتذر، فقبل عذره، فقال حين أسلم: يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما ~~فتقت إذ أنا بور إذ أباري الشيطان في سنن الغ ... ي ومن نال مثله مثبور آمن ~~اللحم والعظام بربي ... ثم نفسي الشهيد أنت النذير في أشعار له كثيرة يعتذر ~~بها. ومنهم وحشي بن حرب قاتل حمزة، فهرب يوم الفتح إلى الطائف، ثم قدم في ~~وفد أهله على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا ~~الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، أوحشي ؟ ~~قال: نعم. قال: أخبرني كيف قتلت عمي ؟ فأخبره، فبكى وقال: غيب وجهك عني. ~~وهو أول من جلد في الخمر، وأول من لبس المعصفر المصقول في الشام. وهرب ~~حويطب بن عبد العزى، فرآه أبو ذر في حائط فأخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~بمكانه، فقال: أوليس قد آمنا الناس إلا من قد أمرنا بقتله ؟ فأخبره بذلك، ~~فجاء إلى النبي فأسلم. قيل: إنه دخل يوما على مروان بن الحكم وهو على ~~المدينة فقال له مروان: يا شيخ تأخر إسلامك. فقال: لقد هممت به غير مرة ~~فكان يصدني عنه أبوك. فأما النساء فمنهن هند بنت عتبة، وكان رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، أمر بقتلها لما فعلت بحمزة ولما كانت تؤذي رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، بمكة، فجاءت إليه النساء متخفية فأسلمت وكسرت كل صنم في ~~بيتها ms0636 وقالت: لقد كنا منكم في غرور، وأهدت إلى رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، جديين، واعتذريت من قلة ولادة غنمها، فدعا لها بالبركة في غنمها ~~فكثرت، فكانت تهب وتقول: هذا من بركة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~فالحمد لله الذي هدانا للإسلام. ومنهن سارة، وهي مولاة عمرو بن عبد المطلب ~~بن هاشم بن عبد مناف، وهي التي حملت كتاب حاطب بن أبي بلتعة في قول بعضهم، ~~وكانت قدمت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مسلمة فوصلها فعادت إلى مكة ~~مرتدة، فأمر بقتلها، فقتلها علي بن أبي طالب. PageV01P0331 # ومنهن قينتا عبد الله بن خطل، وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، فأمر بقتلهما، فقتلت إحداهما واسمها قريبة، وفرت الأخرى وتنكرت ~~وجاءت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأسلمت وبقيت إلى خلافة عمر بن ~~الخطاب، فأوطأها رجل فرسه خطأ فماتت، وقيل: بقيت إلى خلافة عثمان، فكسر رجل ~~ضلعا من أضلاعها خطأ فماتت، فأغرمه عثمان ديتها. ولما دخل رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، مكة كانت عليه عمامة سوداء، فوقف على باب الكعبة وقال: لا ~~إله إلا الله وحده، وصدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل دم أو ~~مأثرة أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحج. ثم ~~قال: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ ~~كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، فعفا عنهم، وكان الله قد أمكنه منهم، ~~وكانوا له فيئا، فلذلك سمى أهل مكة الطلقاء. وطاف بالكعبة سبعا، ودخلها ~~وصلى فيها، ورأى فيها صور الأنبياء، فأمر بها فمحيت، وكان على الكعبة ~~ثلاثمائة وستون صنما، وكان بيده قضيب، فكان يشير به إلى الأصنام وهو يقرأ: ~~(وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) الاسراء: 81؛ فلا يشير إلى ~~صنم منها إلا سقط لوجهه. وقيل بل أمر بها وخذمت وكسرت. ثم جلس رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، للبيعة على الصفا، وعمر بن الخطاب تحته، واجتمع ms0637 الناس ~~لبيعة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على الإسلام، فكان يبايعهم على السمع ~~والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا، فكانت هذه بيعة الرجال. وأما بيعة ~~النساء فإنه لما فرغ من الرجال بايع النساء، فأتاه منهن نساء من نساء قريش، ~~منهن أم هانئ بنت أبي طالب، وأم حبيب بنت العاص بن أمية، وكانت عند عمرو بن ~~عبد ود العامري، وأروى بنت أبي العيص عمة عتاب بن أسيد، وأختها عاتكة بنت ~~أبي العيص، وكانت عند الطلب بن أبي وداعة السهمي، وأمه بنت عفان بن العاص ~~أخت عثمان، وكانت عند سعد حليف بني مخزوم، وهند بنت عتبة، وكانت عند أبي ~~سفيان، ويسيرة بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وأم حكيم بنت الحارث ~~بن هشام، وكانت عند عكرمة بن أبي جهل، وفاختة بنت الوليد بن المغيرة أخت ~~خالد، وكانت عند صفوان بن أمية بن خلف، وريطة بنت الحجاج، وكانت عند عمرو ~~بن العاص في غيرهن وكانت هند متنكرة لصنيعها بحمزة، فهي تخاف أن تؤخذ به، ~~وقال لهن: تبايعنني على أن لا تشركن بالله شيئا. قالت هند: إنك والله لتأخذ ~~علينا ما لا تأخذه على الرجال فسنؤتيكه. قال: ولا تسرقن. قالت: والله إن ~~كنت لأصبت من مال أبي سفيان الهنة والهنة. فقال أبو سفيان، وكان حاضرا: أما ~~ما مضى فأنت منه في حل. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أهند ؟ قالت: ~~أنا هند فاعف عما سلف عفا الله عنك. قال: ولا تزنين. قالت: وهي تزني الحرة ~~؟ قال: ولا تقتلن أولادكن. قالت: ربيناهم صغارا وقتلتهم يوم بدر كبارا فأنت ~~وهم أعلم. فضحك عمر. قال: ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن. ~~قالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح ولبعض التجاوز أمثل. قال: ولا تعصينني ~~في معروف. قالت: ما جلسنا هذا المجس ونحن نريد أن نعصيك. فقال رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، لعمر: بايعهن. وإستغفر لهن رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم. وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا يمس النساء ولا ms0638 يصافح امرأة ~~ولا تمسه امرأة إلا امرأة أحلها له أو ذات محرم منه. ولما جاء وقت الظهر ~~أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بلالا أن يؤذن على ظهر الكعبة وقريش ~~فوق الجبال، فمنهم من يطلب الأمان ومنهم من قد أمن، فلما أذن وقال: أشهد أن ~~محمدا رسول الله، قالت جويرية بنت أبي جهل: لقد أكرم الله أبي حين لم يشهد ~~نهيق بلال فوق الكعبة. وقيل: إنها قالت: لقد رفع الله ذكر محمد، وأما نحن ~~فسنصلي ولكنا لا نحب من قتلالأحبة. وقال خالد بن أسد، أخو عثمان بن أسد: ~~لقد أكرم الله أبي فلم ير هذا اليوم. وقال الحارث بن هشام: ليتني مت قبل ~~هذا اليوم. وقال جماعة نحو هذا القول. ثم أسلموا وحسن إسلامهم ورضي الله ~~عنهم. PageV01P0332 # وأما الأسماء المشكلة: فحاطب بن أبي بلتعة بالحاء والطاء المهملتين، ~~والباء الموحدة، وبلتعة بالباء الموحدة، وبعد اللام تاء مثناة من فوقها. ~~وعيينة بن حصن بضم العين المهملة، ويائين مثناتين من تحت، ثم نون، تصغير ~~عين. وبديل بن ورقاء بضم الباء الموحدة. وعتاب بالتاء فوقها نقطتان، وآخره ~~باء موحدة. وأسيد بفتح الهمزة، وكسر السين. وقول أم سلمة: ابن عمك وابن ~~عمتك، فتعني بابن عمه أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابن عمته عبد ~~الله بن أبي أمية، وهو أخوها لأبيها، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب. ~~وقوله: قال في مكة ما قال، فإنه قال بمكة: لن نؤمن لك حتى ترقى في السماء، ~~ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه وقد غلط هنا بعض العلماء الكبار ~~فقال: معنى قول أم سلمة: ابن عمتك، أن جدة النبي أم عبد الله كانت مخزومية ~~وعبد الله بن أبي أمية مخزومي، فعلى هذا يكون ابن خالته لا ابن عمته، ~~والصواب ما ذكرناه. وحبيش بن خالد بضم الحاء المهملة، وبالباء الموحدة، ثم ~~بالياء المثناة من تحت، وآخره شين معجمة. ومقيس بن صبابة بكسر الميم، وسكون ~~القاف، وبالياء المثناة من تحت المفتوحة، وآخره سين مهملة. وصبابة بضم ~~الصاد ms0639 المهملة، وبائين موحدتين بينهما ألف. خطم الجبل روي بالخاء المعجمة، ~~وبالحاء المهملة، فأما بالخاء المعجمة فهو الأنف الخارج من الجبل، وأما ~~بالحاء المهملة فهو الموضع الذي ثلم منه وقطع فبقي منقطعا، وقد روي حطم ~~الخيل بالحاء المهملة، والخيل هذه هي التي تركب، يعني أنه يحبسه في الموضع ~~الضيق الذي يحطم الخيل فيه بعضها بعضا لضيقه. ### || AUT ذكر غزوة خالد بن الوليد بني جذيمة # وفي هذه السنة كانت غزوة خالد بن الوليد بني جذيمة، وكان رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، قد بعث السرايا بعد الفتح فيما حول مكة يدعون الناس إلى ~~الإسلام ولم يأمرهم بقتال، وكان ممن بعث خالد بن الوليد، بعثه داعيا ولم ~~يبعثه مقاتلا، فنزل على الغميصاء من مياه جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن ~~كنانة، وكانت جذيمة أصابت في الجاهلية عوف بن عبد عوف أبا عبد الرحمن بن ~~عوف، والفاكه بن المغيرة عم خالد، كانا أقبلا تاجرين من اليمن، فأخذت ما ~~معهما وقتلتهما، فلما نزل خالد ذلك الماء أخذ بنو جذيمة السلاح، فقال لهم ~~خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا. فوضعوا السلاح، فأمر خالد بهم ~~فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل منهم من قتل. فلما انتهى الخبر إلى النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، رفع يديه إلى السماء ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما ~~صنع خالد ! ثم أرسل عليا ومعه مال وأمره أن ينظر في أمرهم، فودى لهم الدماء ~~والأموال حتى إنه ليدي ميلغة الكلب، وبقي معه من المال فضله، فقال لهم علي: ~~هل بقي لكم مال أو دم لم يود ؟ قالوا: لا. قال: فإني أعطيكم هذه البقية ~~احتياطا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ففعل. ثم رجع إلى رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، فأخبره، فقال: أصبت وأحسنت. وقيل: إن خالدا اعتذر وقال إن ~~عبد الله بن حذافة السهمي أمره بذلك عن رسول الله، وكان بين عبد الرحمن بن ~~عوف وخالد كلام في ذلك، فقال له: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام. فقال ~~خالد: إنما ms0640 ثأرت بأبيك. فقال عبد الرحمن: كذبت، قد قتلت أنا قاتل أبي ولكنك ~~إنما ثأرت بعمك الفاكه، حتى كان بينهما شر، فبلغ ذلك رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: مهلا يا خالد، دع عنك أصحابي، فوالله لو كان لك أحد ذهبا ~~ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة أحدهم ولا روحته. قال عبد الله بن ~~أبي حدرد الأسلمي: كنت يومئذ في جند خالد فأثرنا في أثر ظعن مصعدة يسوق بهن ~~فتية، فقال: أدركوا أولئك. قال: فخرجنا في أثرهم حتى أدركناهم مضوا، ووقف ~~لنا غلام شاب على الطريق، فلما انتهينا إليه جعل يقاتلنا ويقول: ارفعن ~~أطراف الذيول وارتعن ... مشي حييات كأن لم تفزعن إن تمنع اليوم النساء ~~تمنعن فقاتلناه طويلا فقتلناه ومضينا حتى لحقنا الظعن، فخرج إلينا غلام ~~كأنه الأول فجعل يقاتلنا ويقول: أقسم ما إن خادر ذو لبده ... يروم بين أثلة ~~ووهده يفرس شبان الرجال وحده ... بأصدق الغداة مني نجده PageV01P0333 # فقاتلناه حتى قتلناه، وأدركنا الظعن فأخذناهن، فإذا فيهن غلام وضيء الوجه ~~به صفرة كالمنهوك، فربطناه بحبل وقدمناه لنقتله، فقال لنا: هل لكم في خير ؟ ~~قلنا: ما هو ؟ قال: تدركون بي الظعن في أسفل الوادي ثم تقتلوني. قلنا: ~~نفعل، فعارضنا الظعن، فلما كان بحيث يسمعن الصوت نادى بأعلى صوته: اسلمي ~~حبيش، على فقد العيش. فأقبلت إليه جارية بيضاء حسانة وقالت: وأنت فاسلم على ~~كثرة الأعداء، وشدة البلاء. قال: سلام عليك دهرا، وإن بقيت عصرا. قالت: ~~وأنت سلام عليك عشرا، وشفعا تترى، وثلاثا وترا. فقال: إن يقتلوني يا حبيش ~~فلم يدع ... هواك لهم مني سوى غلة الصدر فأنت التي أخليت لحمي من دمي ... ~~وعظمي، وأسبلت الدموع على نحري فقالت له: ونحن بكينا من فراقك مرة ... ~~وأخرى وواسيناك في العسر واليسر وأنت فلم تبعد فنعم فتى الهوى ... جميل ~~العفاف والمودة في ستر فقال لها: أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم ... بحلية أو ~~ألفيتكم بالخوانق ألم يك حقا أن ينول عاشق ... تكلف إدلاج السرى في الودائق ~~فلا ذنب لي قد قلت إذ نحن جيرة ... أثيبي ms0641 بود قبل إحدى الصفائق أثيبي بود ~~قبل أن تشحط النوى ... وينأى الأمير بالحبيب المفارق فإني لا آبه بالذي ~~ادعيته ... ولا منظر مذ غبت عني برائق على أن ما ناب العشيرة شاغل ... ولا ~~ذكر إلا أن يكون لوامق فقدموه فضربوا عنقه. هذا الشعر لعبد الله بن علقمة ~~الكناني، وكان من جذيمة مع حبيشة بنت حبيش الكنانية أنه خرج مع أمه، وهو ~~غلام، نحو المحتلم لتزور جارة لها، وكان لها ابنة اسمها حبيشة بنت حبيش. ~~فلما رآها عبد الله هويها ووقعت في نفسه، وأقامت أمه عند جارتها، وعاد عبد ~~الله إلى أهله. ثم عاد ليأخذ أمه بعد يومين، فوجد حبيشة قد تزينت لأمر كان ~~في الحي، فازداد بها عجبا، وانصرفت أمه، فمشى معها وهو يقول: وما أدري، بلى ~~إني لأدري ... أصوب القطر أحسن أم حبيش حبيشة والذي خلق البرايا ... وما إن ~~عندنا للصب عيش فسمعت أمه فتغافلت عنه. ثم إنه رأى ظبيا على ربوة فقال: يا ~~أمنا خبريني غير كاذبة ... وما يريد سؤول الحق بالكذب أتلك أحسن أم ظبي ~~برابية ... لا بل حبيشة في عيني وفي أربي فزجرته أمه وقالت: ما أنت وهذا ؟ ~~وأنا زوجتك ابنة عمك فهي من أجل تلك النساء. وأتت امرأة عمير فأخبرتها ~~الخبر وقالت: زيني ابنتك له، ففعلت وأدخلتها عليه، فأطرق. فقالت أمه: أيهما ~~الآن أحسن ؟ فقال: إذا غيبت عني حبيشة مرة ... من الدهر لا أملك عزاء ولا ~~صبرا كأن الحشا حر السعير تحسه ... وقود الغضا والقلب مضطرم جمرا وجعل ~~يراسل الجارية وتراسله، فعلقته كما عقلها، وأكثر قول الشعر فيها، فمن ذلك: ~~حبيشة جدي وجدك جامع ... بشملكم شملي وأهلكم أهلي وهل أنا ملتف بثوبك مرة ~~... بصحراء بين الألبتين إلى النحل فلما علم أهلها خبرهما حجبوها عنه، ~~فازداد غرامه. فقالوا لها: عديه السرحة، فإذا أتاك فقولي له: نشدتك الله ~~أحببتني فوالله ما على الأرض أبغض إلي منك، ونحن قريب نسمع ما تقولين، ~~فوعدته وجلسوا قريبا، فأقبل لموعد لها. فلما دنا منها دمعت عيناها والتفتت ~~إلى جنب أهلها وهم جلوس ms0642 فعرف أنهم قريب وبلغه الحال فقال: فإن قلت ما قالوا ~~لقد زدتني جوى ... على أنه لم يبق سر ولا ستر ولم يك حتى عن فواك بذلته ... ~~فيسلبني عنك التجنب والهجر وما أنس ملأشياء أنس ومقها ... ونظرتها حتى ~~يغيبني القبر وبعث النبي، صلى الله عليه وسلم، إثر ذلك خالد بن الوليد، ~~فكان منه ما تقدم ذكره. وفي هذه السنة تزوج النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~مليكة ابنة داود الليثية، وكان أبوها قتل يوم فتح مكة، فجاء إليها بعض ~~أزواج النبي، صلى الله عليه وسلم، فقلن لها: ألا تستحين تزوجين رجلا قتل ~~أباك ؟ فاستعاذت منه، ففارقها. PageV01P0334 # وفيها هدم خالد بن الوليد العزى ببطن نخلة لخمس ليال بقين من رمضان، وكان ~~هذا البيت تعظه قريش وكنانة ومضر كلها، وكان سدنتها بنو شيبان ابن سليم ~~حلفاء بني هاشم، فلما سمع صاحبها بمسير خالد بن الوليد إليها علق عليها ~~سيفه وقال: أبا عز شدي شدة لا شوى لها ... على خالد ألقي القناع وشمري فلما ~~انتهى خالد إليها جعل السادن يقول: أعزى بعض غضباتك، فخرجت امرأة سوداء ~~حبشية عريانة مولولة، فتقها وكسر الصنم وهدم البيت ثم رجع إلى النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، فأخبره فقال: تلك العزى لا تعبد أبدا. وفيها هدم عمرو بن ~~العاص سواع، وكان برهاط لهذيل، فلما كسر الصنم أسلم سادنه، ولم يجد في ~~خزانته شيئا. وفيها هدم سعد بن زيد الأشهلي مناة بالمشلل. ### || AUT ذكر غزوة هوازن بحنين # وكانت في شوال، وسببها أنه لما سمعت هوازن بما فتح الله على رسوله من ~~مكة جمعها مالكبن عوف النصري من بني نصر بن معاوية بن بكر، وكانوا مشفقين ~~من أن يغزوهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد فتح مكة، وقالوا: لا مانع ~~لهمن غزونا، والرأي أن نغزوه قبل أن يغزونا. واجتمع إليه ثقيف يقودها قارب ~~بن الأسود بن مسعود سيد الأحلاف، وذو الخمار سبيع بن الحارث، وأخوه الأحمر ~~بن الحارث سيد بني مالك، ولم يحضرها من قيس عيلان إلا نصر وجشم وسعد بن ms0643 كر ~~وناس من بني هلال، ولم يحضرها كعب ولا كلاب، وفي جشم دريد بن الصمة شيخ ~~كبير ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه، وكان شيخا مجربا. فلما أجمع مالك بن ~~عوف المسير إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حط مع الناس أموالهم ~~ونساءهم، فلما نزلوا أوطاس جمع الناس، وفيهم دريد بن الصمة، فقال دريد: بأي ~~وادس أنتم ؟ فقالوا: بأوطاس. قال: نعم مجال الخيل لا حزن ضرس، ولا سهل دهس؛ ~~ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء وبكاء الصغير ؟ قالوا: ~~ساق مالك مع الناس ذلك. فقال: يا مالك إن هذا يوم له ما بعده، ما حملك على ~~ما صنعت ؟ قال: سقتهم مع الناس ليقاتل كل إنسان عن حريمه وماله. قال دريد: ~~راعي ضأن والله، هل يرد المنهزم شيء ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعل إلا رجل ~~بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. وقال: ما فعلت كعب وكلاب ؟ ~~قالوا: لم يشهدها أحد منهم. قال: غاب الجد والحد، لو كان يوم علاء ورفعة لم ~~تغب عنه كعب ولا كلاب، ووددت أنكم فعلتم ما فعلا. ثم قال: يا مالك ارفع من ~~معك إلى عليا بلادهم ثم الق الصباء على الخيل، فإن كانت لك لحق بك من ~~وراءك، وإن كانت عليك كنت قد أحرزت أهلك ومالك. قال مالك: والله لا أفعل ~~ذلك، إنك قد كبرت وكبر علمك، والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكين على ~~هذا السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر. فقال دريد: هذا ~~يوم لم أشهده لوم يفتني. ثم قال مالك: أيها الناس إذا رأيتم القوم فاكسروا ~~جفون سيوفكم وشدوا عليهم شدة رجل واحد. وبعث مالك عيونه ليأتوه بالخبر، ~~فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ما شأنكم ؟ قالوا: رأينا رجالا بيضا ~~على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن حل بنا ما ترى ! فلم ينهه ذلك عن وجهه ~~أن مضى على ما يريد. ولما بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خبر هوازن ms0644 ~~أجمع المسير إليهم، وبلغه أن عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا، فأرسل إليه ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ مشرك: أعرنا سلاحك نلق فيه ~~عدونا. فقال له صفوان: أغصبا يا محمد ؟ فقال: بل عارية مضمونة نؤديها إليك. ~~قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح. ثم سار النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، ومعه ألفان من مسلمة الفتح مع عشرة آلاف من أصحابه، ~~فكانوا اثني عشر ألفا، فلما رأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كثرة من ~~معه قال: لن نغلب اليوم من قلة، وذلك قوله تعالى: (ويوم حنين إذ أعجبتكم ~~كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا) التوبة: 25؛ وقيل: إنما قالها رجل من بكر. ~~PageV01P0335 # واستعمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على من بمكة عتاب بن أسيد. قال ~~جابر: فلما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد أجوف حطوط، إنما ننحدر فيه ~~انحدارا في عماية الصبح وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في ~~شعابه ومضايقه، قد تهيأوا وأعدوا، فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب ~~قد شدت علينا شدة رجل واحد، فانهزم الناس أجمعون لا يلوي أحد على أحد، ~~وانحاز رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذات اليمين ثم قال: أيها الناس ~~هلموا إلي أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، قاله ثلاثا، ثم احتملت ~~الإبل بعضها فعضا، إلا أنه قد بقي مع النبي، صلى الله عليه وسلم، نفر من ~~المهاجرين والأنصار وأهل بيته، منهم: أبو بكر وعمر وعلي والعباس وابنه ~~الفضل وأبو سفيان بن الحارث وربيعة بن الحارث وأيمن ابن أم أيمن وأسامة بن ~~زيد. قال: وكان رجل من هوازن على جلم أحمر بيده راية سوداء أمام الناس، ~~فإذا أدرك رجلا طعنه ثم رفع رايته لمن وراءه فاتبعوه، فحمل عليه علي فقتله. ~~ولما انهزم الناس تكلم رجال من أهل مكة بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو ~~سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، والأزلام معه. وقال كلدة بن ~~النبل، وهو أخو صفوان ms0645 بن أمية لأمه، وكان صفوان بن أمية يومئذ مشركا: الآن ~~بطل السحر. فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك، فوالله لأن يربني رجل من قريش ~~أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن ! وقال شيبة بن عثمان: اليوم أدرك ثأري ~~من محمد، وكان أبوه قتل بأحد، قال: فأدرت به لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى ~~فؤادي فلم أطق ذلك. وكان العباس مع النبي، صلى الله عليه وسلم، آخذا بحكمة ~~بغلته دلدل وهو عليها، وكان العباس جسيما شديد الصوت، فقال له رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم: يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة ! ~~ففعل، فأجابوه: لبيك لبيك ! فكان الرجل يريد أن يثني بعيره فلا يقدر، فيأخذ ~~سلاحه ثم ينزل عنه ويؤم الصوت، فاجتمع على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~مائة رجل فاستقبل بهم القوم وقاتلهم، فلما رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~شدة القتال قال: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب الآن حمي الوطيس؛ ~~وهو أول من قالها. واقتتل الناس قتالا شديدا، وقال النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، لبغلته دلدل: البدي دلدل، فوضعت بطنها على الأرض، فأخذ حفنة من تراب ~~فرمى به في وجوههم، فكانت الهزيمة، فما رجع الناس إلا والأسارى في الحبال ~~عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقيل: بل أقبل شيء أسود من السماء مثل ~~البجاد حتى سقط بين القوم، فإذا نمل أسود مبثوث، فكانت الهزيمة. ولما ~~انهزمت هوازن قتل من ثقيف وبني مالك سبعون رجلا، فأما الأحلاف من ثقيف فلم ~~يقتل منهم غير رجلين لأنهم انهزموا سريعا. وقصد بعض المشركين الطائف ومعهم ~~مالك بن عوف، واتبعت خيل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المشركين فقتلتهم، ~~فأدرك ربيعة بن رفيع السلمي دريد ابن الصمة ولم يعرفه لأنه كان في شجار ~~لكبره، وأناخ بعيره فإذا هو شيخ كبير، فقال له دريد: ماذا تريد ؟ قال: ~~أقتلك. قال: ومن أنت ؟ فانتسب له، ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا. فقال دريد: ~~بئس ما سلحتك أمك، خذ سيفي ms0646 فاضرب به، ثم ارفع عن العظام واخفض عن الدماغ ~~فإني كذلك كنت أقتل الرجال، وإذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، ~~فرب يوم قد منعت فيه نساءك. فقتله. فلما أخبر أمه قالت: والله لقد أعتق ~~أمهات لك ثلاثا. وساتلب أبو طلحة الأنصاري يوم حنين عشرين رجلا وحده، ~~وقتلهم. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (من قتل قتيلا فله سلبه). ~~وقتل أبو قتادة الأنصاري قتيلا وأجهضه القتال عن أخذ سلبه فأخذه غيره، فلما ~~قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذلك قام أبو قتادة فقال: قتلت قتيلا ~~وأخذ غيري سلبه. فقال الذي أخذ السلب: هو عندي فارضه مني يا رسول الله. ~~فقال أبو بكر: لا والله لا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله تقاسمه، ~~فرد عليه السلب. وكان لبعض ثقيف غلام نصراني، فقتل، فبينما رجل من الأنصار ~~يستلب قتلي ثقيف إذ كشف العبد فرآه أغزل، فصرخ بأعلى صوته: يا معشر العرب ~~إن ثقيفا لا تختتن. فقال له المغيرة بن شعبة: لا تقل هذا، إنما هو غلام ~~نصراني، وأراه قتلى ثقيف مختتنين. PageV01P0336 # ومر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الطريق بامرأة مقتولة، فقال: من ~~قتلها ؟ قالوا: خالد بن الوليد. فقال لبعض من معه: أدرك خالدا فقل له إن ~~رسول الله ينهاك أن تقتل امرأة أو وليدا أو عسيفا. والعسيف الأجير. وكان ~~بعض المشركين بأوطاس فأرسل إليهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا عامر ~~الأشعري، عم أبي موسى، فرمي أبو عامر بسهم، قيل رماه سلمة بن دريد بن ~~الصمة، وقتل أبو موسى سلمة هذا بعمه أبي عامر، وانهزم المشركون بأوطاس، ~~وظفر المسلمون بالغنائم والسبايا، فساقوا في السبي الشيماء ابنة الحارث بن ~~عبد العزى، فقالت لهم: إني والله أخت صاحبكم من الرضاعة، فلم يصدقوها حتى ~~أتوا بها النبي، صلى الله عليه وسلم. فقالت له: إني أختك. قال: وما علامة ~~ذلك ؟ قالت: عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك. فعرفها وبسط لها رداءه ~~وأجلسها عليه خيرها فقال: إن ms0647 أحببت فعندي مكرمة محببة، وإن أحببت أن أمتعك ~~وترجعي إلى قومك. قالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، ففعل. وأمر رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، بالسبايا والأموال، فجمعت إلى الجعرانة، وجعل عليها ~~بديل بن ورقاء الخزاعي. واستشهد من المسلمين بحنين أيمن بن أم أيمن، ويزيد ~~بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى وغيرهما. ؟ ### || AUT ذكر حصار الطائف # لما قدم المنهزمون من ثقيف ومن انضم إليهم من غيرهم إلى الطائف أغلقوا ~~عليهم مدينتهم واستحصروا وجمعوا ما يحتاجون إليه. فسار إليهم النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، فلما كان ببحرة الرغاء قبل وصوله إلى الطائف قتل بها رجلا ~~من بني ليث قصاصا، كان قد قتل رجلا من هذيل فأمر بقتله، وهو أول دم أقيد به ~~في الإسلام، وسار إلى ثقيف فحصرهم بالطائف نيفا وعشرين يوما ونصب عليهم ~~منجنيقا أشار به سلمان الفارسي، وقاتلهم قتالا شديدا، حتى إذا كان يوم ~~الشدخة عند جدار الطائف، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد المحماة، فخرجوا من ~~تحتها، فرماهم من بالطائف بالنبل فقتلوا رجالا. فأمر رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، بقطع أعناب ثقيف، فقطعت، ونزل إلى رسول الله نفر من رقيق أهل ~~الطائف فأعتقهم، منهم أبو بكرة نفيع بن مسروح وكان للحارث بن كلدة، وإنما ~~قيل له أبو بكرة ببكرة نزل فيها، وغيره. فلما أسلم أهل الطائف تكلمت سادات ~~أولئك العبيد في أن يردهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى الرق فقال: ~~لا أفعل، أولئك عتقاء الله. ثم إن خويلة بنت حكيم السلمية، وهي امرأة عثمان ~~بن مظعون، قالت: يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلي بادية بنت ~~غيلان أو حلي الفارغة بنت عقيل، وكانتا من أكثر النساء حليا. فقال لها رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن كان لم يؤذن لي في ثقيف يا خويلة ؟ ~~فخرجت فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب. فدخل عليه عمر وقال: يا رسول الله ما حديث ~~حدثتنيه خويلة أنك قد قلته ؟ قال: قد قلته. قال: أفلا ms0648 أؤذن بالرحيل يا رسول ~~الله ؟ قال: بلى. فأذن بالرحيل. وقيل: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~استشار نوفل بن معاوية الدثلي في المقام عليهم. فقال: يا رسول الله ثعلب في ~~جحر إن أقمت عليه أخذته إن تركته لم يضرك، فأذن بالرحيل. فلما رجع الناس ~~قال رجل: يا رسول الله ادع على ثقيف. قال: اللهم اهد ثقيفا وأت بهم. فلما ~~رأت ثقيف الناس قد رحلوا عنهم نادى سعيد بن عبيد الثقفي: ألا إن الحي مقيم. ~~فقال عيينة بن حصن: أجل والله مجدة كراما. فقال رجل من المسلمين: قاتلك ~~الله يا عيينة أتمدحهم بالامتناع من رسول الله، صلى الله عليه وسلم ؟ قال: ~~إني والله ما جئت لأقاتل معكم ثقيفا، ولكني أردت أن أصيب من ثقيف جارية ~~لعلها تلد لي رجلا، فإن ثقيفا قوم مناكير. واستشهد بالطائف اثنا عشر رجلا، ~~منهم عبد الله بن أبي أمية المخزومي، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب، وعبد الله ~~بن أبي بكر الصديق، رمي بسهم فمات منه بالمدينة بعد وفاة رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، والسائب بن الحارث بن عدي، وغيرهم. PageV01P0337 # وهذه بادية بنت غيلان قال فيها هيت المخنث لعبد الله بن أبي أمية: إن فتح ~~الله عيكم الطائف فسل رسول الله أن ينفلك بادية بنت غيلان فإنها هيفاء شموع ~~نجلاء، إن تكلمت تغنت، وإن قامت تثنت، وإن مشت ارتجت، وإن قعدت تبنت، تقبل ~~بأربع وتدبر بثمان، بثغر كالأقحوان، بين رجليها كالقعب المكفأ. فقال النبي، ~~صلى الله عليه وسلم: لقد علمت الصفة، ومنعه من الدخول إلى نسائه. ### || AUT ذكر قسمة غنائم حنين # لما رحل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الطائف سار حتى نزل ~~الجعرانة، وأتته وفود هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله ~~إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك. ~~وقام زهير بن صرد من بني سعد بن بكر، وهم الذين أرضعوا رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنما في الحظائر عماتك ms0649 وخالاتك وحواضنك، ~~ولو أنا أرضعنا الحارث بنأبي شمر الغساني أو النعمان بن المنذر لرجونا ~~عطفه، وأنت خير المكفولين ! ثم قال: امنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك ~~المرء نرجوه وندخر امنن على نسوة قد عاقها قدر ... ممزق شملها في دهرها غير ~~في أبيات. فخيرهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين أبنائهم ونسائهم وبين ~~أموالهم، فاختاروا أبناءهم ونساءهم، فقال: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب ~~فهو لكم، فإذا أنا صليت بالناس فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين ~~وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم وأسأل فيكم. فلما ~~صلى الظهر فعلوا ما أمرهم به، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما كان ~~لي ولبني عبد المطلب فهو لكم. وقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو ~~لرسول الله. وقال الأقرع بن حابس: ما كان لي ولبني تميم فلا. وقال عيينة بن ~~حصن: ما كان لي ولفزارة فلا. وقال عباس بن مرداس: ما كان لي ولسليم فلا. ~~فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله. فقال: وهنتموني. فقال رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم: من تمسك بحقه من السبي فله بكل إنسان ست فرائض ~~من أول شيء نصيبه، فردوا على الناس أبناءهم ونساءهم. وسأل رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، عن مالك بن عوف، فقيل: إنه بالطائف. فقال: أخبروه إن أتاني ~~مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة بعير. فأخبر مالك بذلك، فخرج من ~~الطائف سرا ولحق برسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأسلم وحسن إسلامه، ~~واستعمله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على قومه وعلى من أسلم من تلك ~~القبائل التي حول الطائف، فأعطاه أهله وماله ومائة بعير. وكان يقاتل بمن ~~أسلم معه من ثمالة وفهم وسلمة ثقيفا، لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه، حتى ~~ضيق عليهم. ولما فرغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من رد سبايا هوازن ركب ~~واتبعه الناس يقولون: يا رسول الله اقسم علينا فيئنا، حتى ألجؤه إلى شجرة، ~~فاختطف رداؤه، فقال: ms0650 ردوا علي ردائي أيها الناس، فوالله لو كان لي عدد شجر ~~تهامة نعم لقسمتها عليكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا. ثم رفع ~~وبرة من سنام بعير وقال: ليس لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس وهو ~~مردود عليكم. ثم أعطى المؤلفة قلوبهم، وكانوا من أشراف الناس، يتألفهم على ~~الإسلام، فأعطى أبا سفيان وابنه معاوية، وحكيم بن حزام، والعلاء بن جارية ~~الثقفي، والحارث بن هشام، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد ~~العزى، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، ومالك بن عوف النصري، كل واحد منهم ~~مائة بعير، وأعطى دون المائة رجالا، منهم: مخرمة بن نوفل الزهري، وعمير بن ~~وهب، وهشام بن عمرو، وسعيد بن يربوع، وأعطى العباس بن مرداس أباعر، فسخطها ~~وقال: كانت نهابا تلافيتها ... بكري على المهر في الأجرع وإيقاظي القوم أن ~~يرقدوا ... إذا هجع الناس لم أهجع فأصبح نهبي ونهب العبي ... د بين عيينة ~~والأقرع وقد كنت في الحرب ذا تدرإ ... فلم أعط شيئا ولم أمنع إلا أفائل ~~أعطيتها ... عديد قوائمها الأربع وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في ~~المجمع وما كنت دون امرء منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع PageV01P0338 # فأعطاه حتى رضي. وقال رجل من الصحابة: يا رسول الله أعطيت عيينة والأقرع ~~وتركت جعيل بن سراقة. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ومن يعدل إذا لم ~~أعدل ؟ فقال عمر بن الخطاب: ألا نقتله ؟ فقال: دعوه، ستكون له شيعة يتعمقون ~~في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يوجد ~~شيء، ثم في القدح فلا يوجد شيء ثم في الفوق فلا يوجد شيء سبق الفرث الدم ~~وقيل: إن هذا القول إنما كان في مال بعث به علي من اليمن إلى رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، فقسمه بين جماعة، منهم: عيينة والأقرع وزيد الخيل. قال ~~أبو سعيد الخدري: لما أعطى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما أعطى من تلك ~~الغنائم في قريش وقبائل العرب ms0651 ولم يعط الأنصار شيئا وجدوا في أنفسهم حتى ~~قال قائلهم: لقي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قومه. فأخبر سعد بن عبادة ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بذلك، فقال له: فأين أنت يا سعد ؟ قال: أنا ~~من قومي. قال: فاجمع قومك لي، فجمعهم. فأتاهم رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: ما حديث بلغني عنكم ؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله بي ؟ وفقراء ~~فأغناكم الله بي ؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم بي ؟ قالوا: بلى والله يا ~~رسول الله، ولله ورسوله المن والفضل. فقال: ألا تجيبوني ؟ قالوا: بماذا ~~نجيبك ؟ فقال: والله لو شئتم لقلتم فصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا ~~فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فواسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار في ~~أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، ~~أفلا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم ؟ ~~والذي نفسي بيده لولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا ~~وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار ~~وأبناء أبناء الأنصار. قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا ~~برسول الله قسما وحظا. وتفرقوا. ثم اعتمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~من الجعرانة وعاد إلى المدينة، واستخلف على مكة عتاب بن أسيد، وترك معه ~~معاذ بن جبل يفقه الناس، وحج عتاب بن أسيد بالناس، وحج الناس تلك السنة على ~~ما كانت العرب تحج وعاد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة في ذي ~~القعدة أو ذي الحجة. وفيها بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمرو بن ~~العاص إلى جيفر وعياذ ابني الجلندى من الأزد بعمان مصدقا، فأخذ الصدقة من ~~أغنيائهم وردها على فقرائهم، وأخذ الجزية من المجوس، وهم كانوا أهل البلد، ~~وكان العرب حولها، وقيل سنة سبع. وفيها تزوج رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، الكلابية، واسمها فاطمة بنت الضحاك بن سفيان، فاختارت الدنيا، وقيل: ~~إنها استعاذت منه ففارقها. وفيها ولدت مارية إبراهيم ابن النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، ms0652 في ذي الحجة، فدفعه إلى أم بردة بنت المنذر الأنصارية فكانت ~~ترضعه، وزوجها البراء بن أوس الأنصاري. وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، فأرسلت أبا رافع إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~يبشره بإبراهيم، فوهب له مملوكا، وغار نساء النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~وعظم عليهن حين رزقت مارية منه ولدا. وفيها بعث رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، كعب بن عمير إلى ذات إطلاح من الشام إلى نفر من قضاعة يدعوهم إلى ~~الإسلام ومعه خمسة عشر رجلا، فوصل إليهم فدعاهم إلى الاسلام، فلم يجيبوه، ~~وكان رئيس قضاعة رجلا يقال له سدوس، فقتلوا المسلمين ونجا عمير فتقدم إلى ~~المدينة. وفيها بعث أيضا عيينة بن حصن الفزاري إلى بني العنبر من تميم، ~~فأغار عليهم وسبى منهم نساء، وكان على عائشة عتق رقبة من بني إسماعيل، فقال ~~لها رسول الله، صلى الله عليه وسلم: هذا سبي بني العنبر يقدم علينا فنعطيك ~~إنسانا فتعتقينه. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع # ### || AUT ذكر إسلام كعب بن زهير # قيل: خرج كعب بن زهير بن أبي سلمى، وأبو سلمى ربيعة المزني، ومعه أخوه ~~بجير حتى أتيا أبرق العزاف، فقال له بجير: اثبت في غنمنا حتى آتي هذا ~~الرجل، يعني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأسمع منه. فأقام كعب وسار ~~بجير إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأسلم، وبلغ ذلك كعبا فقال: ~~PageV01P0339 # ألا أبلغا عني بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا ففارقت أسباب ~~الهدى واتبعته ... على أي شيء ويب غيرك دلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا ~~... عليه ولم تدرك عليه أخا لكا سقاك بها المأمور كأسا روية ... فأنهلك ~~المأمور منها وعلكا فإن أنت لم تفعل فلست بآسف ... ولا قائل أما عثرت ~~لعالكا فلما بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قوله غضب وأهدر دمه، فكتب ~~بذلك بجير إلى أخيه بعد عود رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الطائف ~~وقال: النجاء النجاء، وما أدري أن تتفلت، ثم ms0653 كتب إليه: إذا أتاك كتابي هذا ~~فأسلم وأقبل إليه فإنه لا يأخذ مع الإسلام بما كان قبله. فأسلم كعب وجاء ~~حتى أناخ راحلته بباب المسجد، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع أصحابه، ~~قال كعب: فعرفته بالصفة فتخطيت الناس إليه فأسلمت وقلت: الأمان يا رسول ~~الله، هذا مقام العائذ بك. قال: من أنت ؟ فقلت: كعب بن زهير. قال: الذي ~~يقول، ثم التفت إلى أبي بكر فقال: كيف قال ؟ فأنشده أبو بكر الأبيات التي ~~أولها: ألا أبلغا عني بجيرا رسالة فقال كعب: ما هكذا قلت يا رسول الله، ~~إنما قلت: سقاك أبو بكر بكأس روية ... فأنهلك المأمون منها وعلكا فقال رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، مأمون والله. فتجهمته الأنصار وأغلظت له، ولانت ~~له قريش وأحبت إسلامه، فأنشده قصيدته التي أولها: بانت سعاد فقلبي اليوم ~~متبول ... متيم عندها لم يفد مكبول فلما انتهى إلى قوله: وقال كل خليل كنت ~~آمله ... لا ألهينك إني عنك مشغول نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند ~~رسول الله مأمول في فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا ~~زالوا فما زال أنكاس ولا كشف ... عند اللقاء ولا ميل معازيل لا يقع الطعن ~~في نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل نظر رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، إلى قريش فأومأ إليهم أن اسمعوا، حتى قال: يمشون مشي الجمال الزهر ~~يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل يعرض بالأنصار لغلظتهم التي كانت ~~عليه، فأنكرت قريش قوله وقالوا: لم تمدحنا إذ هجوتهم، ولم يقبلوا ذلك منه، ~~وعظم على الأنصار هجوه، فشكوه، فقال يمدحهم: من سرة كرم الحياة فلا يزل ... ~~في مقنب من صالحي الأنصار ورثوا المكارم كارا عن كابر ... إن الخيار هم بنو ~~الأخيار الباذلين نفوسهم ودماءهم ... يوم الهياج وسطوة الجبار يتطهرون ~~يرونه نسك لهم ... بدماء من قتلوا من الكفار في أبيات. فكساه النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، بردة كانت عليه، فلما كان زمن معاوية أرسل إلى كعب: أن ~~بعنا بردة رسول الله. فقال: ما كنت ms0654 لأوثر بثوب رسول الله أحدا. فلما مات ~~كعب اشتراها معاوية من أولاده بعشرين ألف درهم، وهي البردة التي عند ~~الخلفاء الآن. وقيل: إنما رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بقتله وقطع لسانه ~~لنه تشبب بأم هانئ بنت أبي طالب. أبو سلمى بضم السين والإمالة، والمأمور ~~بالراء، قال بعض العلماء: إنما كره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذلك لن ~~العرب كانت تقول لكل من يتكلم بالشيء من تلقاء نفسه مأمور، بالراء، يريدون ~~أن الذي يقوله تأمره به الجن وإن كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~مأمورا من الله تعالى ولكنه كره لعادتهم، فلما قال: المأمون بالنون، رضي به ~~لأنه مأمون على الوحي. وبجير بالباء الموحدة المضمومة وبالجيم. ### || AUT ذكر غزوة تبوك # لما عاد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أقام بالمدينة بعد عوده من ~~الطائف ما بين ذي الحجة إلى رجب، ثم أمر الناس بالتجهز لغزو الروم وأعلم ~~الناس مقصدهم لبعد الطريق وشدة الحر وقوة العدو، وكان قبل ذلك إذا أراد ~~غزوة ورى بغيرها. PageV01P0340 # وكان سببها أن النبي، صلى الله عليه وسلم، بلغه أن هرقل ملك الروم ومن ~~عنده من متنصرة العرب قد عزموا على قصده، فتجهز هو والمسلمون وساروا إلى ~~الروم. وكان الحر شديدا، والبلاد مجدبة، والناس في عسرة، وكانت الثمار قد ~~طابت، فأحب الناس المقام في ثمارهم فتجهزوا على كره، فكان ذلك الجيش يسمى ~~العسرة. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، للجد بن قيس، وكان من رؤساء ~~المنافقين: هل لك في جلاد بني الأصفر ؟ فقال: والله لقد عرف قومي حبي ~~للنساء، وأخشى أن لا أصبر على نساء بني الأصفر، فإن رأيت أن تأذن لي ولا ~~تفتني. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: قد أذنت لك، فأنزل الله تعالى: ~~(ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتن) الآية التوبة: 49؛ وقال قائل من ~~المنافين: لا تنفروا في الحر، فنزل قوله تعالى: (وقالوا لا تنفروا في الحر ~~قل نار جهنم أشد حرا) التوبة: 81. ثم إن النبي، صلى الله عليه ms0655 وسلم، تجهز ~~وأمر بالنفقة في سبيل الله، وأنفق أهل الغنى، وأنفق أبو بكر جميع ما بقي ~~عنده من ماله، وأنفق عثمان نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم منها، قيل: كانت ~~ثلاثمائة بعير وألف دينار. ثم إن رجالا من المسلمين أتوا النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، وهم البكاؤون، وكانوا سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، وكانوا أهل ~~حاجة، فاستحملوه. فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا يبكون، فلقيهم يامين ~~بن عمير بن كعب النضري فسألهم عما يبكيهم فأعلموه، فأعطى أبا ليلى عبد ~~الرحمن بن كعب وعبد الله بن مغفل المزني بعيرا، فكانا يعتقبانه مع رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم. وجاء المعذرون من الأعراب فاعتذروا إلى رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، فلم يعذرهم الله، وكان عدة من المسلمين تخلفوا ~~من غير شك، منهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وأبو ~~خيثمة. فلما سار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تخلف عنه عبد الله بن أبي ~~المنافق فيمن تبعه من أهل النفاق، واستخلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~على المدينة سباع بن عرفطة، وعلى أهله علي بن أبي طالب، فأجف به المنافقون ~~وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا له. فلما سمع علي ذلك أخذ سلاحه ولحق برسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره ما قال المنافقون، فقال: (كذبوا وإنما ~~خلفتك لما ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أما ترضى أن تكون مني ~~بمنزلة هارون من موسى ؟ إلا أنه لا نبي بعدي). فرجع. فسار رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم. ثم إن أبا خيثمة أقام أياما، فجاء يوما إلى أهله، وكانت له ~~امرأتان، وقد رشت كل امرأة منهما عريشها وبردت له ماء وصنعت طعاما، فلما ~~رآه قال: يكون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الحر والريح وأبو خيثمة ~~في الظل البارد والماء البارد مقيم ! ما هذا بالنصف، والله ما أحل عريشا ~~منهما حتى ألحق برسول الله، صلى الله عليه وسلم. فهيأ زاده وخرج إلى ناضحه ~~فركبه، وطلب رسول الله، ms0656 صلى الله عليه وسلم، فأدركه بتبوك، فقال الناس: يا ~~رسول الله هذا راكب مقبل. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كن أبا ~~خيثمة. فقالوا: هو والله أبو خيثمة. وأتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~فأخبره بخبره، فدعا له. وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين مر ~~بالحجر، وهو بطريقه، وهو منزل ثمود، قال لأصحابه: لا تشربوا من هذا الماء ~~شيئا ولا تتوضأوا منه، وما كان من عجين فألقوه واعلفوه الإبل ولا تأكلوا ~~منه شيئا، ولا يخرج الليلة أحد إلا مع صاحب له. ففعل ذلك الناس ولم يخرج ~~أحد إلا رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته فأصابه جنون، وأما الذي طلب ~~بعيره فاحتمله الريح إلى جبلي طيء، فأخبر بذلك رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: ألم أنهكم أن لا يخرج أحد إلا مع صاحب له ؟ فأما الذي خنق فدعا ~~له فشفي، وأما الذي حملته الريح فأهدته طيء إلى رسول الله بعد عوده إلى ~~المدينة. وأصبح الناس بالحجر ولا ماء معهم، فشكوا ذلك إلى النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، فدعا الله فأرسل سحابة فأمطرت حتى روي الناس. وكان بعض ~~المنافقين يسير مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما جاء المطر قال له ~~بعض المسلمين: هل بعد هذا شيء ؟ قال: سحابة مارة. PageV01P0341 # وضلت ناقة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الطريق فقال لأصحابه، وفيهم ~~عمارة بن حزم، وهو عقبي بدري: إن رجلا قال إن محمدا يخبركم الخبر من السماء ~~وهو لا يدري أين ناقته، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله عز وجل، وهي ~~في الوادي في شعب كذا قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا فأتوه بها، فرجع ~~عمارة إلى أصحابه فخبرهم بما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الناقة ~~تعجبا مما رأى. وكان زيد بن لصيت القينقاعي منافقا وهو في رحل عمارة قد قال ~~هذه المقالة، فأخبر عمارة بأن زيدا قد قالها، فقام عمارة يطأ عنقه وهو ~~يقول: في رحلي داهية ولا أدري ms0657 ! اخرج عني يا عدو الله ! فزعم بعض الناس أن ~~زيدا تاب بعد ذلك وحسن إسلامه، وقيل: لم يزل متهما حتى هلك. ووقف بأبي ذر ~~جمله فتخلف عليه، فقيل: يا رسول الله تخلف أبو ذر. فقال: ذروه فإن يك فيه ~~خير فسيلحقه الله بكم. فكان يقولها لكل من تخلف عنه، فوقف أبو ذر على جمله، ~~فلما أبطأ عليه أخذ رحله عنه وحمله على ظهره وتبع النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، ماشيا. فنظر الناس فقالوا: يا رسول الله هذا رجل على الطريق وحده، ~~فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كن أبا ذر. فلما تأمله الناس قالوا: ~~هو أبو ذر. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله أبا ذر، يمشي ~~وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده)، ويشهده عصابة من المؤمنين. فلما نفى عثمان ~~أبا ذر إلى الربذة أصابه بها أجله ولم يكن معه إلا امرأته وغلامه، فأوصاهما ~~أن يغسلاه ويكفناه ثم يضعاه على الطريق، فأول ركب يمر بهما يستعينان بهم ~~على دفنه؛ ففعلا ذلك، فاجتاز بهما عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق، ~~فأعلمته امرأة أبي ذر بموته. فبكى ابن مسعود وقال: صدق رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك؛ ثم واروه. وانتهى رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، إلى تبوك، فأتى يوحنا ابن رؤبة صاحب أيلة فصالحه ~~على الجزية وكتب له كتابا، فبلغت جزيتهم ثلاثمائة دينار، ثم زاد فيها ~~الخلفاء من بني أمية. فلما كان عمر بن عبد العزيز لم يأخذ منهم غير ~~ثلاثمائة، وصالح أهل أذرح على مائة دينار في كل رجب، وصالح أهل جرباء على ~~الجزية، وصالح أهل مقنا على ربع ثمارهم. وأرسل رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل، وكان ~~نصرانيا من كندة، فقال لخالد: إنك تجده يصيد البقر. فخرج خالد بن الوليد ~~حتى إذا كان من حصنه على منظر العين وأكيدر على سطح داره فباتت البقر تحك ~~بقرونها باب ms0658 الحصن، فقالت امرأته: هل رأيت مثل هذا قط ؟ قال: لا والله، ثم ~~نزل وركب فرسه ومعه نفر من أهل بيته، ثم خرج يطلب البقر، فتلقتهم خيل رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، وأخذته وقتلوا أخاه حسانا، وأخذ خالد من أكيدر ~~قباء ديباج مخوص بالذهب فأرسله إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم فجعل ~~المسلمون يلمسونه ويتعجبون منه. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ~~أتعجبون من هذا ؟ لمناديل سعد بن عبادة في الجنة أحسن من هذا. وقدم خالد ~~بأكيدر على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فحقن دمه وصالحه على الجزية ~~وخلى سبيله. PageV01P0342 # وأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يجاوزها، ~~ولم يقدم عليه الروم والعرب المتنصرة، فعاد إلى المدينة. وكان في الطريق ~~ماء يخرج من وشل لا يروي إلا الراكب والراكبين بواد يقال له وادي المشقق، ~~فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من سبقنا فلا يستقين منه شيئا حتى ~~نأتيه، فسبقه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه، فلما جاءه رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، أخبروه بفعلهم، فلعنهم ودعا عليهم، ثم نزل رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، إليه فوضع يده تحته وجعل يصب إليها يسيرا من الماء، فدعا ~~فيه ونضحه في الوشل، فانخرق الماء جريا شديدا، فشرب الناس واستقوا. وسار ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى قارب المدينة، فأتاه خبر مسجد الضرار، ~~فأرسل مالك بن الدخشم فحرقه وهدمه وأنزل الله فيه: (والذين اتخذوا مسجدا ~~ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين) التوبة: 107 الآيات. وكان الذين بنوه ~~اثني عشر رجلا، وكان قد أخرج من دار خذام بن خالد من بني عمرو بن عوف. وقدم ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان قد تخلف عنه رهط من المنافقين، فأتوه ~~يحلفون له ويعتذرون، فصفح عنهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم يعذرهم ~~الله ورسوله، وتخلف أولئك النفر الثلاثة، وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ~~ومرارة بن الربيع، تخلفوا من غير شك ولا نفاق، ms0659 فنهى رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، عن كلامهم، فاعتزلهم الناس، فبقوا كذلك خمسين ليلة، ثم أنزل ~~الله توبتهم: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ~~وضاقت عليهم أنفسهم) الآيات؛ إلى قوله: (صادقين) التوبة: 118، وكان قدوم ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة من تبوك في رمضان. يامين النضري ~~بالنون، والضاد المعجمة. وعبد الله بن مغفل بالغين المعجمة، والفاء المشددة ~~المفتوحة. وزيد بن لصيت باللام المضمومة، والصاد المهملة المفتوحة، وآخره ~~تاء مثناة من فوقها. وخذام بن خالد بالخاء المكسورة، والذال المعجمتين. ~~وأكيدر بالهمزة المضمومة، والكاف المفتوحة، والدال المهملة المكسورة، وآخره ~~راء مهملة. ؟ ### || AUT ذكر قدوم عروة بن مسعود الثقفي # ### || AUT على رسول الله صلى الله عليه وسلم # وفيها قدم عروة بن مسعود الثقفي على النبي، صلى الله عليه وسلم، مسلما، ~~وقيل: بل أدركه في الطريق مرجعه من الطائف، وسأله أن يرجع إلى قومه ~~بالإسلام، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إنهم قاتلوك. فقال: أنا أحب ~~إليهم من أبكارهم، ورجا أن يوافقوه لمنزلته فيهم، فلما رجع إلى الطائف صعد ~~إلى علية له وأشرف منها عليهم وأظهر الإسلام ودعاهم إليهم، فرموه بالنبل، ~~فأصابه سهم فقتله، فقيل له: ما ترى في دمك ؟ فقال: كرامة أكرمني الله بها ~~وشهادة ساقها إلي، ليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله، ~~فادفنوني معهم. فلما مات دفنوه معهم. وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~فيه: (إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه). ### || AUT ذكر قدوم وفد ثقيف # وفي هذه السنة في رمضان قدم وفد ثقيف على رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم. وسبب ذلك أنهم رأوا أن من يحيط بهم من العرب قد نصبوا لهم القتال ~~وشنوا الغارات عليهم، وكان أشدهم في ذلك مالك بن عوف النصري، فلا يخرج منهم ~~مال إلا نهب، ولا إنسان إلا أخذ، فلما رأوا عجزهم اجتمعوا وأرسلوا عبد ~~ياليل بن عمرو بن عمير، والحكم بن عمرو بن وهب، وشرحبيل بن غيلان، ms0660 وهؤلاء ~~من الأحلاف، وأرسلوا من بني مالك عثمان بن أبي العاص، وأوس بن عوف، ونمير ~~بنخرشة، فخرجوا حتى قدموا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأنزلهم في ~~قبة في المسجد، فكان خالد بن سعيد بن العاص يمشي بينهم وبين النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يرسل إليهم ما ~~يأكلونه مع خالد، وكانوا لا يأكلون طعاما حتى يأكل خالد منه، حتى أسلموا. ~~PageV01P0343 # وكان فيما سألوا رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، أن يدع الطاغية، وهي اللات، لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى عليهم، وكان ~~قصدهم بذلك أن يتسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم، فنزلوا إلى شهر فلم ~~يجبهم، وسألوه أن يعفيهم من الصلاة فقال: لا خير في دين لا صلاة فيه، ~~فأجابوا وأسلموا. وأمر عليهم رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، عثمان بن أبي العاص، وكان أصغرهم، لما رأى من حرصه على الإسلام والتفقه ~~في الدين. ثم رجعوا إلى بلادهم، وأرسل رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، معهم المغيرة بن شعبة وأبا سفيان بن حرب ليهدما الطاغية، فتقدم المغيرة ~~فهدمها، وقام قومه من بني شعيب دونه خوفا أن يرمى بسهم، وخرج نساء ثقيف ~~حسرا يبكين عليها، وأخذ حليها ومالها. وكان أبو مليح بن عروة بن مسعود ~~وقارب بن الأسود بن مسعود قدما على رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، لما قتل عروة والأسود، فأمرهما رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، أن يقضيا منه دين عروة والأسود ابني مسعود، ففعلا، وكان الأسود مات ~~كافرا، فسأل ابنه قارب بن الأسود رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، أن يقضي دين أبيه، فقال: إنه كافر. فقال: يصل مسلم ذا قرابته، يعني أنه ~~أسلم فيصل أباه وإن كان مشركا. ؟ ### || AUT ذكر غزوة طيء # ### || AUT وإسلام عدي بن حاتم # في هذه السنة في شهر ربيع الآخر أرسل النبي، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، علي بن أبي طالب في سرية إلى ديار طيء وأمره أن يهدم صنمهم ms0661 الفلس، فسار ~~إليهم وأغار عليهم، فغنم وسبى وكسر الصنم، وكان متقلدا سيفين يقال لأحدهما ~~مخذم وللآخر رسوب، فأخذهما علي وحملهما إلى رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، وكان الحارث بن أبي شمر أهدى السيفين للصنم، فعلقا عليه، وأسر بنتا ~~لحاتم الطائي، وحملت إلى رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، بالمدينة فأطلقها. وأما إسلام عدي بن حاتم فقال عدي: جاءت خيل رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، فأخذوا أختي وناسا فأتوا بهم رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، فقالت أختي: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن علي من الله ~~عليك. فقال: ومن وافدك ؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: الذي فر من الله ورسوله ! ~~فمن عليها، وإلى جانبه رجل قائم وهو علي بن أبي طالب، قال: سليه حملانا. ~~فسألته، فأمر لها به وكساها وأعطاها نفقة. قال عدي: وكنت ملك طيء آخذ منهم ~~المرباع وأنا نصراني، فلما قدمت خيل رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، هربت إلى الشام من الإسلام وقلت أكون عند أهل ديني، فبينا أنا بالشام ~~إذ جاءت أختي وأخذت تلومني على تركها وهربي بأهلي دونها، ثم قالت لي: أرى ~~أن تلحق بمحمد سريعا فإن كان نبيا كان للسابق فضله، وإن كان ملكا كنت في عز ~~وأنت أنت. قال: فقدمت على رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، فسلمت عليه وعرفته نفسي، فانطلق بي إلى بيته، فلقيته امرأة ضعيفة ~~فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها، فقلت: ما هذا بملك، ثم دخلت ~~بيته فأجلسني على وسادة وجلس على الأرض، فقلت في نفسي: ما هذا ملك. فقال ~~لي: يا عدي إنك تأخذ المرباع وهو لا يحل في دينك، ولعلك إنما يمنعك من ~~الإسلام ما ترى من حاجتنا وكثرة عدونا، والله ليفيضن المال فيهم حتى لا ~~يوجد من يأخذه، ووالله لتسمعن بالمرأة تسير من القادسية على بعيرها حتى ~~تزور هذا البيت لا تخاف إلا الله، ووالله لتسمعن بالقصور البيض من بابل وقد ~~فتحت. قال: فأسلمت، فقد ms0662 رأيت القصور البيض وقد فتحت، ورأيت المرأة تخرج إلى ~~البيت لا تخاف إلا الله، ووالله لتكونن الثالثة ليفيضن المال حتى لا يقبله أحد. ### || AUT ذكر قدوم الوفود على رسول الله # ### || AUT صلى الله عليه وسلم # PageV01P0344 # لما افتتح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة وأسلمت ثقيف وفرغ من تبوك ~~ضربت إليه وفود من كل وجه، وإنما كانت العرب تنتظر بإسلامها قريشا إذ كانوا ~~أمام الناس وأهل الحرم وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام، لا تنكر ~~العرب ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وخلافه، فلما فتحت مكة وأسلمت قريش عرفت العرب أنها لا طاقة لها بحرب رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، ولا عداوته، فدخلوا في الدين أفواجا، كما قال ~~الله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) النصر: 1 - 3. وقدمت وفودهم ~~في هذه السنة، قدم وفد بني أسد على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ~~أتيناك قبل أن ترسل إلينا رسولا، فأنزل الله تعالى: (يمنون عليك أن ~~أسلموا)؛ الآية الحجرات: 17. وفيها قدم وفد بلي في شهر ربيع الأول. وفيها ~~قدم وفد الزاريين، وهم عشرة نفر. وفيها قدم على رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وفد بني تميم مع عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس، وفيهم الأقرع بن ~~حابس والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وقيس بن عاصم والختات ومعتمر بن زيد ~~في وفد عظيم ومعهم عيينة بن حصن الفزاري، فلما دخلوا المسجد نادوا رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، من وراء حجراته أن اخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وخرج إليهم، فقالوا: جئنا نفاخرك فأذن ~~لشاعرنا وخطيبنا، فأذن لهم، فقام عطارد فقال: الحمد لله الذي له علينا ~~الفضل والمن، وهو أهله، الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها ~~المعروف وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثرهم عددا، فمن يفاخرنا فليعدد مثل ms0663 ~~عددنا. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لثابت بن قيس: أجب الرجل. فقام ~~ثابت فقال: الحمد لله الذي له السماوات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع ~~كرسيه علمه، ولم يكن شيء قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا، ~~واصطفى من خير خلقه رسولا، أكرمهم نسبا، وأصدقهم حديثا، وأفضلهم حسبا، ~~فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله تعالى من العالمين، ثم ~~دعا الناس إلى الإيمان فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس ~~نسبا وجوها وخير الناس فعالا. ثم كان أول الخلق استجابة لله حين دعاه نحن، ~~فنحن أنصار الله ووزراء رسوله نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ~~ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا، وكان قتله عينا ~~يسيرا، والسلام عليكم. فقالوا: يا رسول الله ائذن لشاعرنا، فأذن له، فقام ~~الزبرقان بن بدر فقال: نحن الكرام فلا حي يعادلنا ... منا الملوك وفينا ~~تنصب البيع وكم قسرنا من الأحياء كلهم ... عند النهاب وفضل العرب يتبع ونحن ~~يطعم عند القحط مطعمنا ... من الشواء إذا لم يؤنس القزع بما ترى الناس ~~تأتينا سراتهم ... من كل أرض هويا ثم نصطنع فننحر الكوم عبطا في أرومتنا ~~... للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا فلا ترانا إلى حي نفاخرهم ... إلا ~~استقادوا وكاد الرأس يقتطع إنا أبينا ولن يأبى لنا أحد ... إنا كذلك عند ~~الفخر نرتفع فمن يفاخرنا في ذاك يعرفنا ... فيرجع القول والأخبار تستمع ~~قال: وكان حسان بن ثابت غائبا، فدعاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليجيب ~~شاعرهم. قال حسان: فلما سمعت قوله قلت على نحوه: إن الذوائب من فهر وإخوتهم ~~... قد بينوا سنة للناس تتبع قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا ~~النفع في أشياعهم نفعوا يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله، وكل ~~البر يصطنع سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق، فاعلم، شرها البدع إن ~~كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع PageV01P0345 # لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم ... عند ms0664 الدفاع ولا يوهون ما رقعوا إن ~~سابقوا الناس يوما فاز سبقهم ... أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا أعفة ذكرت ~~في الوحي عفتهم ... لا يطمعون ولا يزري بهم طمع لا يبخلون على جار بفضلهم ~~... ولا يمسهم من مطمع طبع إذا نصبنا لحي لم ندب لهم ... كما يدب إلى ~~الوحشية الذرع كأنهم في الوغى والموت مكتنع ... أسد بحلية في أرساغها فدع ~~أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرقت الأهواء والشيع فإنهم أفضل ~~الأحياء كلهم ... إن جد بالناس جد القول أو شمعوا فلما فرغ حسان قال الأقرع ~~بن حابس: إن هذا الرجل لمؤتى له، خطيبهم أخطب من خطيبنا، وشاعرهم أشعر من ~~شاعرنا؛ ثم أسلموا وأجازهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفيهم أنزل الله ~~تعالى: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) الآيات ~~الحجرات: 4. الختات بالخاء المعجمة، وتائين كل واحدة منهما معجمة باثنتين ~~من فوق. وعيينة بضم العين المهملة، وبائين كل واحدة منهما مثناة من تحت، ~~ونون. وفيها قدم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كتب ملوك حمير مقرين ~~بالإسلام مع رسولهم الحارث بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين وهمدان، فأرسل ~~إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم، وكتب إليهم رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، يأمرهم بما عليهم في الإسلام وينهاهم عما حرم عليهم. وفيها ~~قدم وفد بهراء على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنزلوا على المقداد بن ~~عمرو. وفيها قدم وفد بني البكاء. وفيها قدم وفد بني فزارة فيهم خارجة بن ~~حصن. وفيها قدم وفد ثعلبة بن منقذ. وفيها قدم وفد سعد بن بكر، وكان وافدهم ~~ضمام بن ثعلبة، فسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن شرائع الإسلام ~~وأسلم، فلما رجع إلى قومه قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لئن صدق ~~ليدخلن الجنة؛ فلما قدم على قومه اجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم به أن قال: ~~بئست اللات والعزى ! فقالوا: اتق البرص والجذام والجنون. فقال: ويحكم إنهما ~~لا يضران ولا ينفعان، وإن ms0665 الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا وقد استنقذكم ~~به مما كنتم فيه؛ وأظهر إسلامه، فما أمسى ذلك اليوم في حاضره رجل مشرك ولا ~~امرأة مشركة، فما سمع بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة. ### || AUT ذكر حج أبي بكر رضي الله عنه # وفيها حج أبو بكر بالناس ومعه عشرون بدنة لرسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، ولنفسه خمس بدنات، وكان في ثلاثمائة رجل، فلما كان بذي الحليفة أرسل ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في أثره عليا وأمره بقراءة سورة براءة على ~~المشركين فأدركه بالعرج، وأخذها منه فعاد أبو بكر وقال: يا رسول الله بأبي ~~أنت وأمي أنزل في شيء ؟ قال: لا، ولكن لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني، ألا ~~ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار وصاحبي على الحوض ؟ قال: بلى، فسار ~~أبو بكر أميرا على الموسم، فأقام الناس الحج وحجت العرب الكفار على عادتهم ~~في الجاهلية، وعلي يؤذن ببراءة، فنادى يوم الأضحى: لا يحجن بعد العام مشرك ~~ولا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~عهد فأجله إلى مدته فقالوا: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن ~~والضرب، ورجع المشركون، فلام بعضهم بعضا وقالوا: ما تصنعون وقد أسلمت قريش ~~؟ فأسلموا. وفي هذه السنة فرضت الصدقات، وفرق رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، فيها عماله. وفيها في شعبان توفيت أم كلثوم بنت النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، وهي زوج عثمان بن عفان وغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب، ~~وقيل: غسلتها نسوة من الأنصار، منهن أم عطية، وصلى عليها رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، ونزل في حفرتها أبو طلحة. PageV01P0346 # وفيها مات عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، وكان ابتداء مرضه في ~~شوال، فلما توفي جاء ابنه عبد الله إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فسأله ~~قميصه، فأعطاه، فكفنه فيه، وجاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليصلي ~~عليه، فقام عمر ms0666 في صدره وقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد قال يوم كذا ~~وكذا وكذا ! يعدد أيامه، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتبسم ثم قال: ~~أخر عني عمر، قد خيرت فاخترت، قد قيل لي: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) التوبة: 80؛ ولو علمت أن لو زدت ~~على السبعين غفر لهم لزدت، ثم صلى عليه وقام على قبره حتى فرغ منه، فأنزل ~~الله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) الآية ~~التوبة: 84. وفيها نعى النبي، صلى الله عليه وسلم، النجاشي للمسلمين، وكان ~~موته في رجب سنة تسع، وصلى عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفيها توفي ~~أبو عامر الراهب عند النجاشي. ### | AUT ذكر الأحداث في سنة عشر # ### || AUT ذكر وفد نجران مع العاقب والسيد # وفيها أرسل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خالد بن الوليد إلى بني ~~الحارث بن كعب بنجران في شهر ربيع الآخر وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام ~~ثلاثا، فإن أجابوا أقام فيهم وعلمهم شرائع الإسلام، وإن لم يفعوا قاتلهم. ~~فخرج إليهم ودعاهم إلى الإسلام، فأجابوا وأسلموا، فأقام فيهم وكتب إلى رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، يعلمه إسلامهم، وعاد خالد ومعه وفدهم فيهم قيس ~~بن الحصين بن يزيد بن قينان ذي الغصة ويزيد بن عبد المدان وغيرهما، فقدموا ~~على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم عادوا عنه في بقية شوال أو في ذي ~~الحجة، وأرسل إليهم عمرو بن حزم يعلمهم شرائع الإسلام ويأخذ صدقاتهم، وكتب ~~معه كتابا، وتوفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعمرو بن حزم على نجران. ~~وأما نصارى نجران فإنهم أرسلوا العاقب والسيد في نفر إلى رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، وأرادوا مباهلته، فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين، فلما رأوهم قالوا: هذه وجوه لو أقسمت على ~~الله أن يزيل الجبال لأزالها، ولم يباهلوه وصالحوه على ألفي حلة ثمن كل حلة ~~أربعون ms0667 درهما، وعلى أن يضيفوا رسل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وجعل لهم ~~ذمة الله تعالى وعهده ألا يفتنوا عن دينهم ولا يعشروا، وشرط عيهم أن لا ~~يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به. فلما استخلف أبو بكر عاملهم بذلك، فلما ~~استخلف عمر أجلى أهل الكتاب عن الحجاز وأجلى أهل نجران، فخرج بعضهم إلى ~~الشام وبعضهم إلى نجرانية الكوفة، واشترى منهم عقارهم وأموالهم. وقيل: إنهم ~~كانوا قد كثروا فبلغوا أربعين ألفا فتحاسدوا بينهم، فأتوا عمر بن الخطاب ~~وقالوا: أجلنا، وكان عمر بن الخطاب قد خافهم على المسلمين فاغتنما فأجلاهم، ~~فندموا بعد ذلك ثم استقالوه فأبى، فبقوا كذلك إلى خلافة عثمان. فلما ولي ~~علي أتوه وقالوا: ننشدك الله خطك بيمينك. فقال: إن عمر كان رشيد الأمر وأنا ~~أكره خلافه، وكان عثمان قد أسقط عنهم مائتي حلة، وكان صاحب النجرانية ~~بالكوفة يبعث إلى من بالشام والنواحي من أهل نجران بجبونهم الحلل. ~~PageV01P0347 # فلما ولي معاوية ويزيد بن معاوية شكوا إليه تفرقهم وموت من مات منهم ~~وإسلام من أسلم منهم، وكانوا قد قلوا، وأروه كتاب عثمان، فوضع عنهم مائتي ~~حلة تكملة أربعمائة حلة. فلما ولي الحجاج العراق وخرج عليه عبد الرحمن بن ~~محمد بن الأشعث اتهم الدهاقين بموالاته واتهمهم معهم فردهم إلى ألف ~~وثلاثمائة حلة وأخذهم بحلل وشي. فلما ولي عمر بن عبد العزيز شكوا إليه ~~فناءهم ونقصهم وإلحاح العرب عليهم بالغارة وظلم الحجاج، فأمر بهم فأحصوا ~~ووجدوا على العشر من عدتهم الأولى، فقال: أرى هذا الصلح جزية وليس على ~~أرضهم شيء وجزية المسلم والميت ساقطة، فألزمهم مائتي حلة. فلما تولى يوسف ~~بن عمر اثقفي ردهم إلى أمرهم الأول عصبية للحجاج. فلما استخلف السفاح عمدوا ~~إلى طريقه يوم ظهوره من الكوفة فألقوا فيها الريحان ونثروا عليه، فأعجبه ~~ذلك من فعلهم، ثم رفعوا إليه أمرهم وتقربوا إليه بأخواله بني الحارث بن ~~كعب، فكلمه فيهم عبد الله بن الحارث فردهم إلى مائتي حلة. فلما ولي الرشيد ~~شكوا إليه العمال فأمر أن يعفوا من العمال وأن يكون مؤداهم بيت ms0668 المال. ~~وفيها قدم وفد سلامان في شوال، وهم سبعة نفر، رأسهم حبيب السلاماني. وفيها ~~قدم وفد غبشان في رمضان، ووفد عامر في شهر رمضان أيضا. وفيها قدم وفد الأزد ~~رسأهم صرد بن عبد الله في بضعة عشر رجلا، فأسلم، وأمره رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد المشركين، فسار إلى مدينة ~~جرش، وفيها قبائل من ايمن فيهم خثعم، فحاصرهم قريبا من شهر فامتنعوا منه ~~فرجع حتى كان بجبل يقال له كشر، فظن أهل جرش أنه منهزم فخرجوا في طلبه ~~فأدركوه، فعطف عليهم فقاتلهم قتالا شديدا، وقد كان أهل جرش بعثوا رجلين ~~منهم إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ينظران حاله. فبينما هما عنده إذ ~~قال: بأي بلاد الله شكر ؟ فقالا: ببلادنا جبل يقال له كشر. فقال: إنه ليس ~~بكشر ولكنه شكر، وإن بدن الله لتنحر عنده الآن. فقال لهما أبو بكر أبو ~~عثمان: ويحكما إنه ينعى لكما قومكما فاسألاه أن يدعوا الله يرفع عنهم، ~~ففعلا، فقال: اللهم ارفع عنهم، فخرجا من عنده إلى قومهما فوجداهم قد أصيبوا ~~ذلك اليوم في تلك الساعة التي ذكر فيها النبي، صلى الله عليه وسلم، حالهم، ~~وخرج وفد جرش إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأسلموا. وفيها قدم وفد ~~مراد مع فروة بن مسيك المرادي على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مفارقا ~~لملوك كندة، وقد كان قبيل الإسلام بين مراد وهمدان وقعة ظفرت فيها همدان ~~وأكثروا القتل في مراد، وكان يقال لذلك اليوم يوم الرزم، وكان رئيس همدان ~~الأجدع بن مالك والد مسروق، وفي ذلك يقول فروة: فإن نغلب فغلابون قدما ... ~~وإن نهزم فغير مهزمينا وما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا كذاك ~~الدهر دولته سجال ... تكر صروفه حينا وحينا فبينا ما يسر به ويرضى ... ولو ~~لبست غضارته سنينا إذ انقلبت به كرات دهر ... فألفى للأولى غبطوا طحينا ومن ~~يغبط بريب الدهر منهم ... يجد ريب الزمان له خؤونا فلو خلد الملوك إذا ~~خلدنا ... ولو ms0669 بقي الكرام إذا بقينا فأفنى ذلكم سروات قوم ... كما افنى ~~القرون الأولينا ولما توجه فروة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مفارقا ~~لقومه قال: لما رأيت ملوك كندة أعرضت ... كالرجل خان الرجل عرق نسائها يممت ~~راحلتي أؤم محمدا ... أرجو فضائلها وحسن ثرائها فلما انتهى إلى رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، قال له: يا فروة هل ساءك ما أصاب قومك يوم الرزم ؟ ~~فقال: يا رسول الله من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي ولم يسؤه ذلك ؟ فقال ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن ذلك لا يزيد قومك في الإسلام إلا خيرا، ~~فاستعمله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على مراد وزبيد ومذحج كلها وبعث ~~معه خالد بن سعيد ابن العاص، فكان على الصدقات إلى أن توفي رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم. PageV01P0348 # وفيها أرسل فروة بن عمرو الجذامي ثم النفاثي رسولا إلى رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، بإسلامه وأهدى له بغلة بيضاء، وكان فروة عاملا للروم على ~~من يليهم من العرب، وكان منزله معان في أرض الشام، فلما بلغ الروم إسلامه ~~طلبوه حتى أسروه فحبسوه، فقال في محبسه ذلك: طرقت سليمى موهنا فشجاني ... ~~والروم بين الباب والقربان صد الخيال وساءه ما قد رأى ... وهممت أن أغفي ~~وقد أبكاني لا تكحلن العين بعدي إثمدا ... سلمى ولا تدنن للإنسان فلما ~~اجتمعت الروم لصلبه على ماء لهم يقال له عفرى بفلسطين قال: ألا هل أتى سلمى ~~بأن خليلها ... على ماء عفرى فوق إحدى الرواحل على ناقة لم يلقح الفحل أمها ~~... مشذبة أطرافها بالمناجل وهذا من أبيات المعاني. فلما قدموه ليصلبوه ~~قال: بلغ سراة المسلمين بأنني ... سلم لربي أعظمي ومقامي ثم ضربوا عنقه ~~وصلبوه. وفيها قدم وفد زبيد على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع عمرو بن ~~معدي كرب، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد استعمل على زبيد ومراد ~~فروة بن مسيك في هذه السنة قبل قدوم عمرو، فلما عاد عمرو من عند رسول الله، ~~صلى الله ms0670 عليه وسلم، أقام في قومه بني زبيد وعليهم فروة، فلما توفي رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، ارتد عمرو. وفيها قدم وفد عبد القيس على رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، وفيهم الجارود بن عمرو، وكان نصرانيا فأسلم ~~وأسلم من معه، وكان الجارود حسن الإسلام، نهى قومه عن الردة بعد موت النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، لما ارتدوا مع الغرور، وهو المنذر بن النعمان، وقد كان ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعث العلاء بن الحضرمي قبل الفتح إلى ~~المنذر بن ساوى العبدي فأسلم وحسن إسلامه، ثم هلك بعد وفاة رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، وقبل ردة أهل البحرين، والعلاء أمير لرسول الله على ~~البحرين. وفيها قدم وفد بني حنيفة وفيهم مسيلمة، وكان منزله في دار ابنة ~~الحارث امرأة من الأنصار، واجتمع مسيلمة برسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~ثم عاد إلى اليمامة وتنبأ وتكذب لهم وادعى أنه شريك رسول الله في النبوة، ~~فاتبعه بنو حنيفة. وفيها قدم وفد كندة مع الأشعث بن قيس، وكانوا ستين ~~راكبا، فقال الأشعث: نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار. فقال النبي: ~~صلى الله عليه وسلم: (نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفز أمنا ولا ننتفي من ~~أبينا). وفيها قدم وفد محارب. وفيها قدم وفد الرهاويين، وهم بطن من مذحج. ~~ورهاء بفتح الراء، قاله عبد الغني بن سعيد. وفيها قدم وفد عبس. وفيها قدم ~~وفد صدف، وافوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع. وفيها قدم ~~وفد خولان، وكانوا عشرة. وفيها قدم وفد بني عامر بن صعصعة فيهم عامر بن ~~الطفيل وأربد بن قيس وجبار بن سلمى، بضم السين وبالإمالة، بن مالك بن جعفر ~~وكان هؤلاء الثلاثة رؤوس القوم وشياطينهم، وكان عامر يريد الغدر برسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، فقال له قومه: إن الناس قد أسلموا فأسلم. فقال: ~~لا أتبع عقب هذا الفتى، ثم قال لأربد: إذا قدمنا عليه فإني شاغله فاعله ~~بالسيف من خلفه. فلما قدموا جعل يكلم ms0671 النبي، صلى الله عليه وسلم، يشغله ~~ليفتك به أربد، فلم يفعل أربد شيئا، فقال عامر للنبي، صلى الله عليه وسلم: ~~لأملأنها عليك خيلا ورجالا فلما ولى قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ~~اللهم اكفني عامرا فلما خرجوا قال عامر لأربد: لم لم تقتله ؟ قال: كلما ~~هممت بقتله دخلت بيني وبينه حتى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف ؟ ورجعوا، ~~فلما كانوا ببعض الطريق أرسل الله على عامر بن الطفيل الطاعون فقتله، وإنه ~~لفي بيت امرأة سلولية، فمات وجعل يقول: يا بني عامر أغدة كغدة البعير وموت ~~في بيت سلولية ؟! وأرسل الله على أربد صاعقة فأحرقته، وكان أربد بن قيس أخا ~~لبيد بن ربيعة لأمه. PageV01P0349 # وفيها قدم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفد طيء فيهم زيد الخيل، ~~وهو سيدهم، فأسلموا وحسن إسلامهم. وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (ما ~~ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا ما كان ~~من زيد الخيل)، ثم سماه زيد الخير وأقطع له فيد وأرضين معها. فلما رجع ~~أصابته الحمى بقرية من نجد فمات بها. وفيها كتب مسيلمة الكذاب إلى رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، يذكر أنه شريكه في النبوة، وأرسل الكتاب مع ~~رسولين، فسألهما رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عنه، فصدقاه. فقال لهما: ~~لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما. وكان كتاب مسيلمة: من مسيلمة رسول الله ~~إلى محمد رسول الله، أما بعد فإني قد أشركت معك في الأمر وإن لنا نصف الأرض ~~ولقريش نصفها، ولكن قريشا قوم يعتدون. فكتب إليه رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم: (بسم اله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما ~~بعد فالسلام على من اتبع الهدى، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ~~والعاقبة للمتقين). وقيل: إن دعوى مسيلمة وغيره النبوة كانت بعد حجة الوداع ~~ومرضته التي مات فيها. فلما سمع الناس بمرضه وثب الأسود العنسي باليمن، ~~ومسيلمة باليمامة، وطليحة في بني أسد. ### || AUT ذكر ms0672 إرسال علي إلى اليمن وإسلام همدان # في هذه السنة بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عليا إلى اليمن، وقد ~~كان أرسل قبله خالد بن الوليد إليهم يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، فأرسل ~~عليا وأمره أن يعقل خالدا ومن شاء من أصحابه، ففعل، وقرأ علي كتاب رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، على أهل اليمن، فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، ~~فكتب بذلك إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: السلام على همدان، ~~يقوله ثلاثا، ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام، وكتب بذلك إلى رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، فسجد شكرا لله تعالى. ### || AUT ذكر بعث رسول الله # ### || AUT صلى الله عليه وسلم أمراءه على الصدقات # وفيها بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمراءه وعماله على الصدقات، ~~فبعث المهاجرين بن أبي أمية بن المغيرة إلى صنعاء، فخرج عليه العنسي وهو ~~بها، وبعث زياد بن لبيد الأنصاري إلى حضرموت على صدقاتهم، وبعث عدي بن حاتم ~~الطائي على صدقات طيء وأسد، وبعث مالك بن نويرة على صدقات بني حنظلة، وجعل ~~الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم على صدقات سعد بن زيد مناة بن تميم، وبعث ~~العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، وبعث علي بن أبي طالب إلى نجران ليجمع ~~صدقاتهم وجزيتهم ويعود، ففعل وعاد، ولقي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~بمكة في حجة الوداع، واستخلف على الجيش الذي معه رجلا من أصحابه، وسبقهم ~~إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فلقيه بمكة، فعمد الرجل إلى الجيش فكساهم ~~كل رجل حلة من البز الذي مع علي، فلما دنا الجيش خرج علي ليتلقاهم فرأى ~~عليهم الحلل، فنزعها عنهم، فشكاه الجيش إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~فقام النبي، صلى الله عليه وسلم، خطيبا فقال: (أيها الناس لا تشكو عليا ~~فوالله إنه لأخشن في ذات الله وفي سبيل الله). ### || AUT ذكر حجة الوداع # خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى الحج لخمس بقين من ذي القعدة لا ~~يذكر الناس إلا الحج، ms0673 فلما كان بسرف أمر الناس أن يحلوا بعمرة إلا من ساق ~~الهدي، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد ساق الهدي وناس مع، وكان ~~علي بن أبي طالب قد لقيه محرما، فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم: حل كما ~~حل أصحابك. فقال: إني قد أهللت بما أهل به رسول الله، فبقي على إحرامه، ~~ونحر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الهدي عنه وعن علي وحج بالناس فأراهم ~~مناسكهم وعلمهم سنن حجهم وخطب خطبته التي بين فيها للنا ما بين، وكان الذي ~~يبلغ عنه بعرفه ربيعة بن أمية بن خلف لكثرة الناس، فقال بعد حمد الله: ~~PageV01P0350 # أيها الناس اسمعوا قولي فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا. ~~أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، وكل ربا موضوع ~~كلم رؤوس أموالكم، وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وكل دم كان في ~~الجاهلية موضوع، وأول دم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان ~~مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل. أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد ~~بأرضكم هذه أبدا ولكنه يطاع فيما سوى ذلك وقد رضي بما تحقرون من أعمالكم. ~~أيها الناس (إنما النسيء زيادة في الكفر) التوبة: 37، وإن الزمان قد استدار ~~كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، و(إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر ~~شهرا) التوبة: 36. أيها الناس استوصوا بالنساء خيرا. وهي خطبة طويلة. وقال ~~حين وقف بعرفة: هذا الموقف - للجبل الذي هو عليه - وكل عرفة موقف. وقال ~~بالمزدلفة: هذا الموقف وكل مزدلفة موقف. ولما نحر بمنى قال: هذا المنحر وكل ~~منى منحر. فقضى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الحج، وكانت حجة الوداع ~~وحجة البلاغ، وذلك أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يحج بعدها، وأرى ~~الناس مناسكهم وعلمهم حجتهم. ### || AUT ذكر عدد غزواته # ### || AUT صلى الله عليه وسلم وسراياه # وكان آخر غزوة غزاها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بنفسه غزوة تبوك، ~~وجميع غزواته بنفسه تسع ms0674 عشرة غزوة. قال الواقدي: هكذا يرويه أهل العراق عن ~~زيد بن أرقم، وهو خطأ لأنه زيدا غزا مؤتة مع عبد الله بن رواحة وهو رديفه ~~على رحله، ولم يغز مع النبي، صلى الله عليه وسلم، غير ثلاث غزوات أو أربع، ~~وقيل: غزا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ستا وعشرين غزوة، وقيل: سبعا ~~وعشرين، فمن قال: ستا وعشرين جعل غزوة خيبر ووادي القرى واحدة لأنه لم يرجع ~~من خيبر إلى منزله، ومن فرق بينهما جعل غزواته سبعا وعشرين، جعل خيبر غزوة ~~ووادي القرى غزوة. وأول غزوة غزاها ودان، وهي الأبواء، ثم بواط بناحية ~~رضوى، ثم العشيرة، ثم بدر الأولى لطلب كرز بن جابر، ثم بدر التي قتل فيها ~~قريشا، ثم غزوة بني سليم، ثم غزوة السويق، ثم غزوة غطفان، وهي غزوة ذي أمر، ~~ثم غزوة بحران بالحجاز، ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بني ~~النضير، ثم غزوة ذات الرقاع، ثم غزوة بدر الآخرة، ثم غزوة دومة الجندل، ثم ~~غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان من هذيل، ثم غزة ذي ~~قرد، ثم غزوة بني المصطلق، ثم غزوة الحديبية، ثم غزوة خيبر، ثم عمرة ~~القضاء، ثم غزوة فتح مكة، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك؛ ~~قاتل منها في تسع غزوات: بدر وأحد والخندق وقريظة والمصطلق وخيبر والفتح ~~وحنين والطائف. واختلف في عدد سراياه، فقيل: كانت خمسا وثلاثين ما بين سرية ~~وبعث، وقيل: ثمانيا وأربعين. وفي هذه السنة قدم جرير بن عبد الله البجلي في ~~رمضان مسلما، فبعثه إلى ذي الخلصة فهدمها، وكان من حجر أبيض بتبالة، وهو ~~صنم بجيلة وخثعم وأزد السراة، فلما أتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خبر ~~هدمه سجد شكرا لله تعالى. وفيها أسلم باذان باليمن وبعث بإسلامه إلى رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم. ### || AUT ذكر عدد حج النبي # ### || AUT صلى الله عليه وسلم وعمره # قال جابر: حج النبي، صلى الله عليه وسلم، حجتين، حجة قبل أن ms0675 يهاجر وحجة ~~بعدما هاجر معها عمرة. وقال ابن عمر: اعتمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~ثلاث عمر، وقالت عائشة: أربع عمر، وروي مثل ذلك عن ابن عمر. ### || AUT ذكر صفة النبي صلى الله عليه وسلم # ### || AUT وأسمائه وخاتم النبوة # قال علي بن أبي طالب: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليس بالطويل ~~ولا بالقصير، ضخم الرأس واللحية، شئن الكفين والقدمين، ضخم الكراديس، مشربا ~~وجهه حمرة، طويل المسربة، إذا مشى تكفأ تكفؤا كأنما ينحط من صبب، لم أر ~~قبله ولا بعده مثله، وكان أدعج العينين، سبط الشعر، سهل الخدين، ذا وفرة، ~~كأن عنقه إبريق فضة، وإذا التفت التفت جميعا، كأن العرق في وجهه اللؤلؤ ~~الرطب لطيب عرقه وريحه. PageV01P0351 # قال أبو عبيدة وغيره: شئت الكفين والقدمين، يعني أنهما إلى الغلظ أقرب، ~~وقوله: ضخم الكراديس، يعني ألواح الأكتاف، والمسربة الشعر ما بين السرة ~~واللبة، والصبب الانحدار، والدعج في العين السواد، والسبط من الشعر ضد ~~الجعد. وكان بين كتفيه، صلى الله عليه وسلم، خاتم النبوة، وهي بضعة ناشزة ~~حولها شعر. وأما أسماؤه فهي كما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (أنا ~~محمد، وأنا أحمد والمقفي والحاشر ونبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة ~~والعاقب والماحي الذي يمحو الله به الكفر. والحاشر الذي يحشر الناس على ~~قدمه. والعاقب آخر الأنبياء. وأما شعره وشيبه فقال أنس: لم يشنه الله ~~بالشيب، وقيل: كان في مقدم لحيته عشرون شعرة بيضاء ولم يخضب. قال جابر بن ~~سمرة: وكان في مفرق رأسه شعرات بيض إذا دهنه غطاهن الدهن، وأخرجت أم سلمة ~~شعره مخضوبا بالحناء والكتم. وقال أبو رمثة: كان رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، يخضب، وكان شعره يبلغ كتفيه أو منكبيه. وقالت أم هانئ: كان له ضفائر أربع. ### || AUT ذكر شجاعته صلى الله عليه وسلم # ### || AUT وجوده # قال أنس: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أشجع الناس، وأسمح الناس، ~~وأحسن الناس، وقع في المدينة فزع فركب فرسا عريا فسبق الناس إليه فجعل ~~يقول: أيها الناس لم ms0676 تراعوا. وقال علي بن أبي طالب: كنا إذا اشتد البأس ~~اتقينا برسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكان أقربنا إلى العدو، وكفى بهذا ~~شجاعة أن مثل علي الذي هو هو في شجاعته يقول هذا، وقد تقدم في غزواته ما ~~يستدل به على تمكنه من الشجاعة وأنه لم يقاربه فيها أحد. ### || AUT ذكر عدد أزواج النبي # ### || AUT صلى الله عليه وسلم وسراريه وأولاده # قال ابن الكلبي: إن النبي، صلى الله عليه وسلم، تزوج خمس عشرة امرأة، ~~ودخل بثلاث عشرة، وجمع بين إحدى عشرة، وتوفي عن تسع. وأول امرأة تزوجها ~~خديجة بنت خويلد، وكان تزوجها قبله عتيق بن عائذ بن عبد الله بن مخزوم ومات ~~عنها، وتزوجها بعد عتيق أبو هالة بن زرارة بن نباش التميمي، فولدت له هند ~~بن أبي هالة، ثم مات عنها، فتزوجها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فولدت ~~له ثمانية: القاسم والطيب والطاهر وعبد الله وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، ~~فأما الذكور فماتوا وهم صغار، وأما الإناث فبلغن ونكحن وولدن، ولم يتزوج ~~على خديجة في حياتها أحدا وكان موتها قبل الهجرة بثلاث سنين، ولم يولد له ~~ولد من غيرها إلا إبراهيم. فلما توفيت خديجة نكح بعدها سودة بنت زمعة، وقيل ~~عائشة، فأما عائشة فكانت يوم تزوجها صغيرة بنت ست سنين، وأما سودة فكانت ~~امرأة ثيبا، وكانت قبله عند السكران بن علمرو بن شمس أخي سهيل بن عمرو، ~~وكان من مهاجرة الحبشة فتنصر بها ومات، فخلف عليها رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، وهو بمكة، وكان الذي خطبها عليه خولة بنت حكيم زوجة عثمان بن ~~مظعون، فدخل بسودة بمكة، زوجها منه أبوها زمعة بن قيس، فلما تزوجها كان ~~أخوها عبد بن زمعة غائبا، فلما قدم جعل يحثي التراب على رأسه، فلما أسلم ~~قال: إني سفيه حيث فعلت ذلك، وندم على ما كان منه. وأما عائشة فدخل بها ~~بالمدينة وهي ابنة تسع سنين، ومات عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة، ولم يتزوج ~~بكرا غيرها، ومات سنة ثمان وخمسين. ثم ms0677 تزوج بعدها حفصة بنت عمر بن الخطاب، ~~وكانت قبله عند خنيس بن حذافة السهمي خنيس بالخاء المعجمة والنون والسين ~~المهملة، وكان بدريا، ولم يشهد من بني سهم بدرا غيره، ولم تلد له شيئا، ~~وماتت بالمدينة في خلافة عثمان. ثم تزوج بعدها أم سلمة ابنة أبي أمية زاد ~~الركب المخزومية، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، شهد بدرا ~~وأصابته جراحة يوم أحد فمات منها، وتزوجها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~قبل الأحزاب، وماتت سنة تسع وخمسين، وقيل: بعد قتل الحسين، رضي الله عنه. ~~ثم تزوج زينب بنت خزيمة من بني عامر بن صعصعة، ويقال لها أم المساكين، ~~وتوفيت في حياته، ولم يمت في حياته غيرها وغير خديجة بنت خويلد، وكانت زينب ~~قبله عند الطفيل بن الحارث بن عبد المطلب. ثم تزوج عام المريسيع جويرية ~~ابنة الحارث بن أبي ضرار الخزاعية من بني المصطلق، وكانت قبله عند مالك بن ~~صفوان المصطلقي، لم تلد له شيئا. PageV01P0352 # ثم تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت عند عبيد الله بن جحش، ~~وكان من مهاجرة الحبشة فتنصر ومات بها، فأرسل النبي، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، إلى النجاشي فخطبها عليه وتزوجها وهي بالحبشة، وزوجها منه خالد بن سعيد ~~بن العاص، وقيل: بل خطبها إلى عثمان بن عفان فزوجها منه، وبعث فيها إلى ~~النجاشي فساق منه المهر أربعمائة دينار وأرسلها إليه، وتوفيت في خلافة ~~أخيها معاوية فلم تلد له شيئا. ثم تزوج زينب بنت جحش، وكانت قبله عند زيد ~~بن حارثة مولاه، فلم تلد له شيئا، فزوجها الله إياه وبعث في ذلك جبرائيل، ~~وكانت تفخر على نساء النبي، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، وتقول: أنا أكرمهن وليا وسفيرا، وهي أول من توفي من أزواجه، توفيت بعده ~~في خلافة عمر. ثم تزوج عام خيبر صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت قبله تحت سلام ~~بن مشكم فتوفي عنها، وخلف عليها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، فقتله محمد ~~بن مسلمة صبرا بأمر النبي، ms0678 ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، ثم أعتقها النبي، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، وتزوجها سنة ست، وماتت سنة ست وثلاثين. ثم تزوج ميمونة ابنة الحارث ~~الهلالية، وكانت قبله عند عمير بن عمرو الثقفي، ولم تلد له شيئا، ثم خلف ~~عليها أبو زهير بن عبد العزى بعد عمير، ثم رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، بعده، وهي خالة ابن عباس وخالد بن الوليد، وتزوجها في عمرة القضاء ~~بسرف. ثم تزوج امرأة من بني كلاب يقال لها النشا بنت رفاعة، وقيل: هي شنبا ~~ابنة أسماء بن الصلت، وقيل: ابنة الصلت بن حبيب، توفيت قبل أن يدخل بها. ثم ~~تزوج الشنبا ابنة عمرو الغفارية، وقيل الكنانية، فمات إبراهيم ابنه قبل أن ~~يدخل بها، فقالت: لو كان نبيا ما مات ابنه، فطلقها. ثم تزوج غزية ابنة جابر ~~الكلابية، خطبها عليه أبو أسيد، بضم الهمزة، الساعدي، فلما قدمت على النبي، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، استعاذت بالله منه ففارقها. ثم تزوج أسماء ابنة النعمان بن الأسود بن ~~شراحل الكندي، فلما دخل بها وجد بها بياضا فمتعها وردها إلى أهلها، وقيل: ~~بل استعاذت منه أيضا فردها. والعالية ابنة ظبيان فجمعها ثم فارقها. وقتيلة ~~بنت قيس أخت الأشعث فتوفي عنها قبل أن يدخل بها، فارتدت. وفاطمة ابنة سرع. ~~وقال ابن الكلبي: غزية هي أم شريك. قال: وقيل: إنه تزوج خولة ابنة الهذيل ~~بن هبيرة، وليلى ابنة الخطيم الأنصارية عرضت نفسها عليه فتزوجها، فأخبرت ~~قومها، فقالوا: أنت غيور وله نساء فاستقيليه فأقالته ففارقها. وأما من خطب النبي، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، من النساء، ولم ينكحها فمنهن أم هانئ بنت أبي طالب خطبها ولم يتزوجها. ~~ومنهن ضباعة بنت عامر من بني قشير. ومنهن صفية بنت بشامة أخت الأعور ~~العنبري. ومنهن أم حبيبة ابنة عمة العباس، فوجد العباس أخاه من الرضاعة ~~فتركها. ومنهن جمرة ابنة الحارث بن أبي حارثة خطبها، فقال أبوها: بها سوء، ~~ولم يكن بها، فرجع إليها فوجدها قد برصت. وأما سراريه فهي مارية ابنة شمعون ms0679 ~~القبطية، وولدت له إبراهيم؛ وريحانة ابنة زيد القرظية، وقيل: هي من بني النضير. ### || AUT ذكر موالي رسول الله # ### || AUT صلى الله عليه وسلم # فمنهم زيد بن حارثة، وابنه أسامة بن زيد، وثوبان، ويكنى أبا عبد الله، ~~أصله من السراة، وسكن حمص بعد موت النبي، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، ومات سنة سبع وخمسين، وقيل: سكن الرملة، ولا عقب له. وشقران، وكان من ~~الحبشة، وقيل من الفرس، واسمه صالح بن عيد، واختلف في أمره، فقيل: إن رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، ورثه من أبيه، وقيل: كان لعبد الرحمن بن عوف فوهبه للنبي، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، وأعقب. وأبو رافع، واسمه إبراهيم، وقيلأو يقع، فقيل: كان للعباس فوهبه للنبي، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، فأعتقه رسول الله، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، وقيل: كان لأبي أحيحة سعيد بن العاص فأعتق ثلاثة من بنيه أنصباءهم منه، ~~وشهد معهم بدرا وهم كفار، وقتلوا يومئذ، ووهب خالد بن سعيد نصيبه منه للنبي، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، فأعتقه وابنه البهي، واسمه رافع، وأخوه عبيد اله بن أبي رافع، كان يكتب ~~لعلي بن أبي طالب. وسلمان الفارسي، وكنيته أبو عبد الله، من أهل أصبهان، ~~وقيل: من أهل رامهرمز، أصابه سبيا بعض من كلب وبيع من يهودي بوادي القرى، ~~فكاتب اليهودي وأعانه النبي، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، حتى عتق. PageV01P0353 # NOTMATCH ### || AUT ذكر أسماء خيله صلى الله عليه وسلم NOTMATCH # وسفينة، كان لأم سلمة، فأعتقته وشرطت عليه خدمة رسول الله، ### || AUT ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، حياته. قيل: اسمه مهران، وقيل: رباح، وقيل: كان من عجم الفرس. وأنسة ~~يكنى أبا مسروح، وهو من مولدي السراة، وكان يأذن على رسول الله، ### || AUT ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، وشهد معه بدرا وأحدا والمشاهد كلها، وقيل: كان من الفرس. وأبو كبشة، ~~واسمه سليم، قيل: كان من موالي مكة، وقيل: كان من مولدي أرض دوس، اشتراه رسول الله، ### || AUT ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، وأعتقه، وشهد بدرا والمشاهد ms0680 كلها، وتوفي يوم استخلف عمر بن الخطاب سنة ~~ثلاث عشرة. ورويقع أبو مويهبة، كان من مولدي مزينة، فاشتراه رسول الله، ### || AUT ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، وأعتقه. ورباح الأسود، كان يأذن على رسول الله، ### || AUT ### || AUT صلى الله عليه وسلم # . وفضالة نزل الشام. ومدعم قتل بوادي القرى. وأبو ضميرة، قيل: كان من ~~الفرس من ولد بشتاسب الملك، فأصابه رسول الله، ### || AUT ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، في بعض وقائعه فأعتقه، وهو جد أبي حسين. ويسار وكان نوبيا، أصابه في ~~بعض غزواته فأعتقه، وهو الذي قتله العرنيون الذين أغاروا على لقاح رسول الله، ### || AUT ### || AUT صلى الله عليه وسلم # . ومهران مولاه، حدث عن النبي، ### || AUT ### || AUT صلى الله عليه وسلم # . وكان له خصي يقال له مابوز، أهداه له المقوقس مع مارية وشيرين، قيل: ~~إنه الذي قذفت مارية به، فبعث رسول الله، ### || AUT ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، عليا ليقتله، فرآه خصيا فتركه. وخرج إليه من الطائف وهو محاصرهم أربعة ~~أعبد فأعتقهم، منهم أبو بكرة. ### || AUT ذكر من كان يكتب لرسول الله # ### || AUT ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ذكر أن عثمان بن عفان كان يكتب له أحيانا وعلي بن أبي طالب أحيانا، ~~وخالد بن سعيد، وأبا بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي. وأول من كتب له أبي بن ~~كعب، وكتب له زيد بن ثابت، وكتب له عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم ارتد ~~ورجع إلى الإسلام يوم الفتح. وكتب له معاوية بن أبي سفيان، وحنظلة الأسيدي ~~بضم الهمزة، وتشديد الياء، كذلك يقوله المحدثون، وهو منسوب إلى أسيد بن ~~عمرو بن تميم، بالتشديد إجماعا. ذكر أسماء خيله ### || AUT ### || AUT صلى الله عليه وسلم # قيل: أول فرس ملكه، ### || AUT ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، فرس اشتراه بالمدينة من أعرابي من فزارة بعشر أواق، وسماه السكب، وأول ~~غزوة غزاها عليه أحد. وفرس لأبي بردة بن نيار اسمه ملاوح. وكان له فرس يدعى ~~المرتجز، وهو الفرس الذي شهد به خزيمة بن ثابت، وكان صاحبه من ms0681 بني مرة. ~~وكان له ثلاثة أفراس: لزاز والظرب واللحيف، وأما لزاز فأهداه له المقوقس، ~~وأما اللحيف فأهداه له ربيعة بن أبي البراء، وأما الظرب فأهداه له فروة بن ~~عمرو الجذامي. وكان له فرس يقال له الورد، أهداه له تميم الداري، فوهبه النبي، ### || AUT ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، لعمر بن الخطاب، فحمل عليه في سبيل الله فوجده يباع. وقيل: كان له فرس ~~اسمه اليعسوب. تفسير هذه الأسماء: السكب الكثير الجري، كأنما يصب جريه صبا. ~~واللحيف سمي به لطول ذنبه كأنه يلحف الأرض بذنبه. أي يغطيها. ولزاز سمي به ~~لشدة تلززه. والظرب سمي به لشدة خلقه، سمي بالجبل الصغير. والمرتجز سمي به ~~لحسن صهيله. واليعسوب سمي به لأنه أجود خيله، لأن اليعسوب الرئيس. ؟ ### || AUT ذكر بغاله وحميره وإبله # ### || AUT ### || AUT صلى الله عليه وسلم # كانت له دلدل، وهي أول بغلة رؤيت في الإسلام، أهداها له المقوقس ومعها ~~حمار اسمه عفير، وبقيت البلغة إلى زمن معاوية، وأهدى له فروة بن عمرة بغلة ~~يقال لها فضة، فوهبها لأبي بكر، وحماره يعفور بقي بعد منصرفه من حجة ~~الوداع. وأما إبله فكانت له القصوى، وهي التي أخذها من أبي بكر بأربعمائة ~~درهم وهاجر عليها، وكانت من نعم بني الحريش، وبقيت مدة، وهي العضباء ~~والجدعاء أيضا. قال ابن المسيب: كان في طرف أذنها جدع، وقيل: لم يكن بها ~~جدع. وأما لقاحه فكان له عشرون لقحة بالغابة، وهي التي أغار عليها القوم، ~~يأتي لبنها أهله كل ليلة، وكان له لقاح غزار، منهن: الحناء والسمراء ~~والعريس والسعدية والبغوم واليسيرة والريا ومهرة والشقراء. وأما منائحه، ~~فكانت له سبع منائح من الغنم: عجوة وزمزم وسقيا وبركة وورسة وأطلال وأطراف، ~~وسبع أعنز يرعاهن أيمن بن أم أيمن. PageV01P0354 # تفسير هذه الأسماء: عفير تصغير ترخيم الأعفر، وهو الأبيض بياضا غير خالص، ~~ومنه أيضا اسم حماره يعفور، كأخضر ويخضور. البغام صوت الإبل، ومنه البغوم. ~~والباقي لا يحتاج إلى شرح. ### || AUT ذكر أسماء سلاحه صلى الله عليه وسلم # كان له ذو الفقار، غنمه يوم بدر، ms0682 وكان لمنبه بن الحجاج، وقيل لغيره، ~~وغنم من بني قينقاع ثلاثة أسياف: سيفا قلعيا وسيفا يدعى بتارا وسيفا يدع ~~الحتف، وكان له المخذم ورسوب، وقدم معه المدينة سيفان شهد بأحدهما بدرا ~~يسمى العضب. وكان له ثلاثة أرماح وثلاث قسي، قوس اسمها الروحاء وقوس تدعى ~~البيضاء، وقوس نبع تدعى الصفراء، وكان له درع يقال لها الصعدية، وكان له ~~درع يقال لها فضة، غنمها من بني قينقاع، وكان له درع تسمى ذات الفضول، كانت ~~عليه يوم أحد، يه وفضة. وكان له ترس فيه تمثال رأس كبش، فكرهه رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، فأصبح وقد أذهبه الله عز وجل. تفسير هذه الأسماء: سمي ~~السيف ذو الفقار لحفر فيهز والسيف المخذم القاطع. والرسوب الذي يمضي في ~~الضربة ويثبت فيها. ### | AUT المجلد الثاني # ### | AUT ذكر أحداث سنة إحدى عشرة # في المحرم من هذه السنة ضرب النبي، صلى الله عليه وسلم، بعثا إلى الشام ~~وأميرهم أسامة بن زيد مولاه، وأمره أن يوطىء الخيل تخوم البلقاء والداروم ~~من أرض فلسطين، فتكلم المنافقون في إمارته وقالوا: أمر غلاما على جلة ~~المهاجرين والأنصار. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إن تطعنوا في ~~إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وإنه لخليق للإمارة، وكان أبوه ~~خليقا لها)، وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون، منهم: أبو بكر وعمر، فبينما ~~الناس على ذلك ابتدىء برسول الله، صلى الله عليه وسلم، مرضه. ### || AUT ذكر مرض رسول الله # ### || AUT صلى الله عليه وسلم ووفاته # ابتدىء برسول الله، صلى الله عليه وسلم، مرضه أواخر صفر في بيت زينب بنت ~~جحش، وكان يدور على نسائه حتى اشتد مرضه في بيت ميمونة، فجمع نساءه ~~فاستأذنهن أن يتمرض في بيت عائشة، ووصلت أخبار بظهور الأسود العنسي باليمن، ~~ومسيلمة باليمامة، وطليحة في بني أسد، وعسكر بسميراء، وسيجيء ذكر أخبارهم ~~إن شاء الله تعالى. فتأخر مسير أسامة لمرض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~ولخبر الأسود العنسي ومسيلمة، فخرج النبي، صلى الله عليه وسلم، عاصبا رأسا ~~من الصداع ms0683 فقال: إني رأيت فيما يرى النائم أن في عضدي سوارين من ذهب ~~فكرهتهما فنفختهما فطارا، فأولتهما بكذاب اليمامة وكذاب صنعاء. وأمر بإنفاذ ~~جيش أسامة وقال: (لعن الله الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). وخرج أسامة ~~فضرب بالجرف العسكر وتمهل الناس، وثقل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم ~~يشغله شدة مرضه على إنفاذ أمر الله، فأرسل إلى نفر من الأنصار في أمر ~~الأسود، فأصيب الأسود في حياة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبل وفاته ~~بيوم، فأرسل إلى جماعة من الناس يحثهم على جهاد من عنهم من المرتدين. وقال ~~أبو مويهبة مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أيقظني رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، ليلة وقال: إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع، فانطلق معي ~~فانطلقت معه فسلم عليهم ثم قال: ليهنئكم ما أصبحتم فيه، قد أقبلت الفتن ~~كقطع الليل المظلم. ثم قال: قد أوتيت مفاتيح خزائن الأرض والخلد بها، ثم ~~الجنة، وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي، فاخترت لقاء ربي. ثم استغفر لأهل ~~البقيع ثم انصرف، فبدىء بمرضه الذي قبض فيه. قالت عائشة: فلما رجع من ~~البقيع وجدتي وأنا أجد صداعا وأنا أقول: وارأساه! قال: بل أنا والله يا ~~عائشة وارأساه! ثم قال: ما ضرك لو مت قبل فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ~~ودفنتك؟ فقلت: كأني بك والله لو فعلت ذلك فرجعت إلى بيتي فعرست ببعض نسائك. ~~فتبسم وتتام به وجعه وتمرض في بيتي. PageV01P0355 # فخرج منه يوما بين رجلين أحدهما الفضل بن العباس والآخر علي، قال الفضل: ~~فأخرجته حتى جلس على المنبر فحمد الله، وكان أول ما تكلم به النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، أن صلى على أصحاب أحد فأكثر واستغفر لهم، ثم قال: أيها ~~الناس إنه قد دنا مني حقوق من بين أظهركم، فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري ~~فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستفد منه، ومن أخذت له ~~مالا فهذا مالي فليأخذ منه ولا يخش الشحناء من قبلي فإنها ليست من شأني، ms0684 ~~ألا وإن أحبكم إلي من أخذ مني حقا إن كان له أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب ~~النفس. ثم نزل فصلى الظهر ثم رجع إلى المنبر فعاد لمقالته الأولى. فادعى ~~عليه رجل بثلاثة دراهم، فأعطاه عوضها. ثم قال: أيها الناس من كان عنده شيء ~~فليؤده ولا يقل فضوح الدنيا، ألا وإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة. ثم ~~صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم، ثم قال: إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ~~ما عنده فاختار ما عنده. فبكى أبو بكر وقال: فديناك بأنفسنا وآبائنا! فقال ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم. لا بيقين في المسجد باب إلا باب أبي بكر ~~فإني لا أعلم أحدا أفضل في الصحبة عندي منه، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت ~~أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام. ثم أوصى بالأنصار فقال: يا معشر ~~المهاجرين أصبحتم تزيدون وأصبحت الأنصار لا تزيد، والأنصار عيبتي التي أويت ~~إليها، فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم. قال ابن مسعود: نعى إلينا نبينا ~~وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر. فلما دنا الفراق جمعنا في بيت عائشة فنظر ~~إلينا فشدد ودمعت عيناه وقال: مرحبا بكم، حياكم الله، رحمكم الله، آواكم ~~الله، حفظم الله، رفعكم الله، وفقكم الله، سلمكم الله، قبلكم الله، أوصيكم ~~بتقوى الله، وأوصي الله بكم، وأستخلفه عليكم، وأؤديكم إليه، إني لكم منه ~~نذير وبشير ألا تعلوا على الله في عباده وبلاده، فإنه قال لي ولكم: (تلك ~~الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، والعاقبة ~~للمتقين) القصص: صلى الله عليه وسلم. قلنا: فمتى أجلك؟ قال: دنا الفراق ~~والمنقلب إلى الله وسدرة المنتهى والرفيق الأعلى وجنة المأوى. فقلنا: من ~~يغسلك؟ قال: أهلي الأدنى فالأدنى. قلنا: فيم نكفنك؟ قال: في ثيابي هذه إن ~~شئتم أو في بياض. قلنا: فمن يصلي عليك؟ قال: مهلا، غفر الله لكم وجزاكم عن ~~نبيكم خيرا. فبكينا وبكى، ثم قال: إذا غسلمتوني وكفتنتموني فضعوني على ~~سريري على شفير قبري ثم اخرجوا عني ساعة ليصلي علي جبرائيل وإسرافيل ~~وميكائيل ms0685 وملك الموت مع الملائكة، ثم ادخلوا علي فوجا فوجا فصلوا علي ولا ~~تؤذوني بتزكية ولا رنة وليبدأ بالصلاة علي رجال أهل بيتي ثم نساؤهم ثم أنتم ~~بعد، أقرئوا أنفسكم مني السلام، ومن غاب من أصحاب فاقرئوه مني السلام، وما ~~تابعكم على ديني فاقرئوه السلام. قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس ~~- ثم جرت دموعه على خديه - اشتد برسول الله، صلى الله عليه وسلم، مرضه ~~ووجعه، فقال: إيتوني بدواة وبيضاء أكتب لكم كتابا لا تضلون بعدي أبدا. ~~فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبي تنازع - فقالوا: إن رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، يهجر. فجعلوا يعيدون عليه، فقال: دعوني فما أنا فيه خير مما تدعونني ~~إليه. فأوصى بثلاث: أن يخرج المشركون من جزيرة العرب، وأن يجاز الوفد بنحو ~~مما كان يجيزهم. وسكت عن الثالثة عمدا أو قال: نسيتها. وخرج علي بن أبي ~~طالب من عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في مرضه. فقال الناس: كيف أصبح ~~رسول الله؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا. فأخذ بيده العباس فقال: أنت بعد ~~ثلاث عبد العصا، وإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سيتوفى في مرضه هذا، ~~وإني لأعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب، فاذهب إلى رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، فاسأله فيمن يكون هذا الأمر، فإن كان فينا علمناه، وإن كان في ~~غيرنا أمره أوصى بنا. فقال علي: لئن سألناها رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، فمنعناها لا يعطيناها الناس أبدا، والله لا أسألها رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، أبدا. PageV01P0356 # قال: فما اشتد الضحى حتى توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالت ~~عائشة: قالت أسماء بنت عميس: ما وجعه إلا ذات الجنب، فلو لددتموه، ففعلوا. ~~فلما أفاق قال: لم فعلتم هذا؟ قالوا: ظننا أن بك ذات الجنب: قال: لم يكن ~~الله ليسلطها علي. ثم قال: لا تبقن أحدا لددتموه إلا عمي، وكان العباس ~~حاضرا، ففعلوا. قال أسامة: لما ثقل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هبطت ~~أنا ومن معي إلى ms0686 المدينة فدخلنا عليه وقد صمت فلا يتكلم، فجعل يرفع يده إلى ~~السماء ثم يضعها علي، فعلمت أنه يدعو لي. قالت عائشة: وكنت أسمع رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، يقول كثيرا: إن الله لم يقبض نبيا حتى يخيره. قالت: ~~فلما احتضر كان آخر كلمة سمعتها منه وهو يقول: بل الرفيق الأعلى. قالت: ~~قلت: إذا والله لا يختارنا، وعلمت أنه تخير. ولما اشتد مرضه أذنه بلال ~~بالصلاة فقال: مروا أبا بكر يصلي بالناس. قالت عائشة: فقلت: إنه رجل رقيق ~~وإنه متى يقوم مقامك لا يطيق ذلك. فقال: مروا أبا بكر فيصلي بالناس. فقلت ~~مثل ذلك، فغضب، وقال: إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر يصلي بالناس. فتقدم ~~أبو بكر، فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خفة فخرج ~~بين رجلين، فلما دنا من أبي بكر، تأخر أبو بكر، فأشار إليه أن قم مقامك، ~~فقعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يصلي إلى جنب أبي بكر جالسا، فكان أبو ~~بكر يصلي بصلاة النبي والناس يصلون بصلاة أبي بكر وصلى أبو بكر بالناس سبع ~~عشرة صلاة، وقيل: ثلاثة أيام. ثم إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خرج في ~~اليوم الذي توفي فيه إلى الناس في صلاة الصبح، فكاد الناس يفتتنون في ~~صلاتهم فرحا برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتبسم رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، فرحا لما رأى من هيئتهم في الصلاة، ثم رجع وانصرف الناس وهم ~~يظنون أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد أفاق من وجعه، ورجع أبو بكر ~~إلى منزله بالسنح. قالت عائشة: رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو ~~يموت وعنده قدح فيه ماء يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: ~~اللهم أعني على سكرات الموت. قال: ثم دخل بعض آل أبي بكر وفي يده سواك، ~~فنظر إليه نظرا عرفت أنه يريده، فأخذت فلينته ثم ناولته إياه، فاستن به ثم ~~وضعه، ثم ثفل في حجري، قالت: فذهبت أنظر في ms0687 وجهه وإذا بصره قد شخص وهو ~~يقول: بل الرفيق الأعلى، فقبض، قالت: توفي وهو بين سحري ونحري، وحداثة سني ~~أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبض في حجري، فوضعت رأسه على وسادة وقمت ~~ألتدم مع النساء وأضرب وجهي. ولما اشتد برسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وجعه ونزل به الموت جعل يأخذ الماء بيده ويجعله على وجهه ويقول: واكرباه! ~~فتقول فاطمة: واكربي لكربك يا أبتي! فيقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم. ~~لا كرب على أبيك بعد اليوم، فلما رأى شدة جزعها استدناها وسارها، فبكت، ثم ~~سارها الثانية فضحكت، فلما توفي رسول الله سألتها عائشة عن ذلك، قالت: ~~أخبرني أنه ميت فبكيت، ثم أخبرني أني أول أهله لحوقا به، فضحكت. وروي عنها ~~أنها قالت: ثم سارني الثاني وأخبرني أني سيدة نساء أهل الجنة، فضحكت. وكان ~~موته يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، ودفن من الغد نصف ~~النهار، وقيل: مات نصف النهار يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول. ~~PageV01P0357 # ولما توفي كان أبو بكر بمنزله بالسنح، وعمر حاضر، فلما توفي قام عمر ~~فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~توفي وإنه والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى ابن عمران، والله ~~ليرجعن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا ~~أنه مات. وأقبل أبو بكر وعمر يكلم الناس، فدخل على رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، وهو مسجى في ناحية البيت فكشف عن وجهه ثم قبله وقال: بأبي أنت ~~وأمي طبت حيا وميتا، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها. ثم رد الثوب ~~على وجهه ثم خرج، وعمر يكلم الناس، فأمره بالسكوت فأبى، فأقبل أبو بكر على ~~الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه ~~ثم قال: أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله ~~فإن الله حي لا يموت، ثم تلا هذه ms0688 الآية: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر ~~الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) آل عمران: النبي، صلى الله عليه وسلم، . ~~قال: فوالله لكأن الناس ما سمعوها إلا منه. قال عمر: فوالله ما هو إلا إذ ~~سمعتها فعقرت حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي، وقد علمت أن رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، قد مات. ولما توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~ووصل خبره إلى مكة وعامله عليها عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية استخفى ~~عتاب وارتجت مكة وكاد أهلها يرتدون، فقام سهيل بن عمرو على باب الكعبة وصاح ~~بهم، فاجتمعوا إليه، فقال: يا أهل مكة لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتد، ~~والله ليتمن الله هذا الأمر كما ذكر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلقد ~~ررأيته قائما مقامي هذا وحده وهو يقول: قولوا معي لا إله إلا الله تدن لكم ~~العرب وتؤد إليكم العجم الجزية، والله لتنفقن كنوز كسرى وقيصر في سبيل ~~الله، فمن بين مستهزىء ومصدق فكان ما رأيتم، والله ليكونن الباقي. فامتنع ~~الناس من الردة. وهذا المقام الذي قاله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما ~~أسر سهيل بن عمرو في بدر لعمر بن الخطاب، وقد ذكر هناك. ### || AUT حديث السقيفة وخلافة أبي بكر # ### || AUT رضي الله عنه وأرضاه # لما توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اجتمع الأنصار في سقيفة بني ~~ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة، فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة ~~بن الجراح، فقال: ما هذا؟ فقالوا: منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: منا ~~الأمراء ومنكم الوزراء. ثم قال أبو بكر: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر ~~وأبا عبيدة أمين هذه الأمة. فقال عمر: أيكم يطيبب نفسا أن يخلف قدمين ~~قدمهما النبي صلى الله عليه وسلم؟ فبايعه عمر وبايعه الناس. فقالت الأنصار ~~أبو بعض الأنصار: لا نبايع إلا عليا. قال: ms0689 وتخلف علي وبنو هاشم والزبير ~~وطلحة عن البيعة. وقال الزبير: لا أغمد سيفا حتى يبايع علي. فقال عمر: خذوا ~~سيفه واضربوا به الحجر، ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة. وقيل: لما سمع علي ~~بيعة أبي بكر خرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلا حتى بايعه، ثم استدعى ~~إزاره ورداءه فتجلله. والصحيح: أن أمير المؤمنين ما بايع إلا بعد ستة أشهر، ~~والله أعلم. وقيل: لما اجتمع الناس على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان وهو ~~يقول: إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم، يا آل عبد مناف فيم أبو بكر من ~~أموركم؟ أين المستضعفان؟ أين الأذلان علي والعباس؟ ما بال هذا الأمر في أقل ~~حي من قريش؟ ثم قال لعلي: ابسط يدك أبايعكم، فوالله لئن شئت لأملأنها عليه ~~خيلا ورجلا. فأبى علي، رضي الله عنه، فتمثل بشعر المتلمس: ولن يقيم على خسف ~~يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته ... ~~وذا يشج فلا يبكي له أحد فزجره علي وقال: والله إنك ما أردت بهذا إلا ~~الفتنة، وإنك والله طالما بغيت للإسلام شرا! لا حاجة لنا في نصيحتك. ~~PageV01P0358 # وقال ابن عباس: كنت أقرىء عبد الرحمن بن عوف القرآن فحج وحججنا معه، فقال ~~لي عبد الرحمن: شهدت أمير المؤمنين اليوم بمنى، وقال له رجل: سمعت فلانا ~~يقول: لو مات عمر لبايعت فلانا، فقال عمر: إني لقائم العشية في الناس ~~أحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا الناس أمرهم. قال: فقلت: يا ~~أمير المؤمنين إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وهم الذين يغلبون على ~~مجلسك، وأخاف أن تقول مقالة لا يعوها ولا يحفظوها ويطيروا بها، ولن أمهل ~~حتى تقدم المدينة وتخلص بأصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فتقول ما ~~قلت فيعوا مقاتلك. فقال: والله لأقومن بها أول مقام أقومه بالمدينة. قال: ~~فلما قدمت المدينة هجرت يوم الجمعة لحديث عبد الرحمن، فلما جلس عمر على ~~المنبر حمد الله وأثنى عليه ثم قال بعد أن ذكر الرجم وما نسخ من ms0690 القرآن ~~فيه: إنه بلغني أن قائلا منكم يقول: لو مات أمير المؤمنين بايعت فلانا، فلا ~~يغرن أمرا أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فتنة، فقد كانت كذلك ولكن الله ~~وقى شرها، وليس منكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وإنه كان خيرنا حين ~~توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإن عليا والزبير ومن تخلفوا عنا في ~~بيت فاطمة وتخلفت عنا الأنصار واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت له: ~~انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، فانطلقنا نحوهم فلقينا رجلان صالحان من ~~الأنصار، أحدهما عويم بن ساعدة، والثاني معن بن عدي، فقالا لنا: ارجعوا ~~أقضوا أمركم بينكم. قال: فأتينا الأنصار وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة ~~وبين أظهرهم رجل مزمل، قلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة وجع، فقام رجل ~~منهم فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام، ~~وأنتم يا معشر قريش رهط بيننا وقد دفت إلينا دافة من قومكم، فإذا هم يريدون ~~أن يغصبونا الأمر. فلما سكت وكنت قد زورت في نفسي مقالة أقولها بين يدي أبي ~~بكر، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك! فقام فحمد الله وما ترك ~~شيئا كنت زورت في نفسي إلا جاء به أو بأحسن منه وقال: يا معشر الأنصار إنكم ~~لا تذكرون فضلا إلا وأنتم له أهل، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لقريش، ~~هم أوسط العرب دارا ونسبا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين. وأخذ بيدي وبيد ~~أبي عبيدة بن الجراح، وإني والله ما كرهت من كلامه كلمة غيرها، إن كنت أقدم ~~فتضرب عنقي فيما لا يقربني إلى إثم أحب إلي من أن أؤمر على قوم فيهم أبو ~~بكر. فلما قضى أبو بكر كلامه قام منهم رجل فقال: أنا جذيلها المحكم وعذيقها ~~المرجب، منا أمير ومنكم أمير. وارتفعت الأصوات واللغط، فلما خفت الاختلاف ~~قلت لأبي بكر: ابسط يدك أبايعك؛ فبسط يده فبايعه وبايعه الناس، ثم نزونا ~~على سعد بن عبادة، فقال قائلهم: قتلتم سعدا. ms0691 فقلت: قتل الله سعدا، وإنا ~~والله ما وجدنا أمرا هو أقوى من بيعة أبي بكر، خشيت إن فارقت القوم ولم تكن ~~بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما أن نتابعهم على ما لا نرضى به، وإما أن ~~نخالفهم فيكون فسادا. وقال أبو عمرة الأنصاري: لما قبض النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة وأخرجوا سعد بن عبادة ليولوه ~~الأمر، وكان مريضا، فقال بعد أن حمد الله: يا معشر الأنصار لكم سابقة في ~~الدين وفضيلة في الإسلام ليست لأحد من العرب، إن محمدا، صلى الله عليه ~~وسلم، لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد ~~والأوثان فما آمن به إلا القليل، ما كانوا يقدرون على منعه ولا على إعزاز ~~دينه ولا على دفع ضيم، حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة ورزقكم ~~الإيمان به وبرسوله والمنع له ولأصحابه والإعزاز له ولدينه والجهاد لأعدائه ~~فكنتم أشد الناس على عدوه حتى استقامت العرب لأمر الله طوعا وكرها وأعطى ~~البعيد المقادة صاغرا فدانت لرسوله بأسيافكم العرب، وتوفاه الله وهو عنكم ~~راض وبكم قرير العين. استبدوا بهذا الأمر دون الناس، فإنه لكم دونهم. ~~PageV01P0359 # فأجابوا بأجمعهم: أن قد وفقت وأصبت الرأي ونحن نوليك هذا الأمر فإنك مقنع ~~ورضا للمؤمنين. ثم إنهم ترادوا الكلام فقالوا: وإن أبى المهاجرون من قريش ~~وقالوا نحن المهاجرون وأصحابه الأولون وعشيرته وأولياؤه! فقالت طائفة منهم: ~~فإنا نقول منا أمير ومنكم أمير ولن نرضى بدون هذا أبدا. فقال سعد: هذا أول ~~الوهن. وسمع عمر الخبر فأتى منزل النبي، صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر فيه، ~~فأرسل إليه أن اخرج إلي. فأرسل إليه. إني مشتغل. فقال عمر: قد حدث أمر لابد ~~لك من حضوره. فخرج إليه فأعلمه الخبر، فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما أبو ~~عبيدة. قال عمر: فأتيناهم وقد كنت زورت كلاما أقوله لهم، فلما دنوت أقول ~~أسكتني أبو بكر وتكلم بكل ما أردت أن أقول، فحمد الله وقال: إن الله قد بعث ~~فينا رسولا إلى خلقه ms0692 شهيدا على أمته ليعبدوه ويوحدوه وهم يعبدون من دونه ~~آلهة شتى من حجر وخشب، فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم. فخص الله ~~المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والمواساة له والصبر معه على شدة أذى ~~قومهم لهم وتكذيبهم إياهم، وكل الناس لهم مخالف زار عليهم، فلم يستوحشوا ~~لقلة عددهم وشنف الناس لهم، فهم أول من عبد الله في هذه الأرض وآمن بالله ~~وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده لا ينازعهم ~~إلا ظالم، وأنتم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده لا ينازعهم ~~إلا ظالم، وأنتم يا معشر الأنصار، من لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم ~~في الإسلام، رضيكم الله أنصارا لدينه ورسوله وجعل إليكم هجرته وفيكم جلة ~~أزواجه وأصحابه فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء ~~وأنتم الوزراء، لا تفاوتون بمشورة ولا تقضي دونكم الأمور. فقام حباب بن ~~المنذر بن الجموح فقال: يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في ~~ظلكم ولن يجترىء مجترىء على خلافكم ولا يصدروا إلا عن رأيكم، أنتم أهل العز ~~وأولو العدد والمنعة وذوو البأس والنجدة، وإنما ينظر الناس ما تصنعون، ولا ~~تختلفوا فيفسد عليكم أمركم، أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنا أمير ومنكم أمير. ~~فقال عمر: هيهات لا يجتمع اثنان في قرن! والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ~~ونبينا من غيركم، ولا تمتنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، ولنا ~~بذلك الحجة الظاهرة، من ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته! فقال ~~الحباب بن المنذر: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا ~~وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموه فأجلوهم ~~عن هذه البلاد وتولوا عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، ~~فإنه بأسيافكم دان الناس لهذا الدين، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب! ~~أنا أبو شبل في عرينة الأسد، والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة. فقال عمر: إذا ~~ليقتلك الله! فقال: بل إياك يقتل. فقال أبو عبيدة: يا معشر ms0693 الأنصار إنكم ~~أول من نصر فلا تكونوا أول من بدل وغير! فقام بشير بن سعد أبو النعمان بن ~~بشير فقال: يا معشر الأنصار إنا والله وإن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين ~~وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضى ربنا وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا، ~~فيما ينبغي أن نستطيل على الناس بذلك ولا نبتغي به الدنيا، ألا إن محمدا، ~~صلى الله عليه وسلم، من قريش وقومه أولى به، وايم الله لا يراني الله ~~أنازعهم هذا الأمر، فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم. فقال أبو بكر: ~~هذا عمر وأبو عبيدة فإن شئتم فبايعوا. فقالا: والله لا نتولى هذا الأمر ~~عليك وأنت أفضل المهاجرين وخليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في ~~الصلاة، وهي أفضل دين المسلمين، ابسط يدك نبايعك. فلما ذهبا يبايعانه ~~سبقهما بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحباب بن المنذر: عققت عقاقا ما أحوجك ~~إلى ما صنعت! أنفست على ابن عمك الإمارة؟ فقال: لا والله ولكني كرهت أن ~~أنازع القوم حقهم. ولما رأت الأوس ما صنع بشير وما تطلب الخزرج من تأمير ~~سعد قال بعضهم لبعض، وفيهم أسيد بن حضير، وكان نقيبا: والله لئن وليتها ~~الخزرج مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبدا، ~~فقوموا فبايعوا أبا بكر فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد والخزرج ما ~~أجمعوا عليه، وأقبل الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب. PageV01P0360 # ثم تحول سعد بن عبادة إلى داره فبقي أياما، وأرسل إليه ليبايع فإن الناس ~~قد بايعوا، فقال: لا والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبلي، وأخضب سنان ~~رمحي، وأضرب بسيفي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني، ولو اجتمع معكم الجن ~~والإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي. فقال عمر: لا تدعه حتى يبايع. فقال ~~بشير بن سعد: إنه قد لج وأبى ولا يبايعكم حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل ~~معه أهله وطائفة من عشيرته، فاتركوه ولا يضركم تركه، وإنما هو رجل واحد. ~~فتركوه. وجاءت أسلم فبايعت، فقوي أبو ms0694 بكر بهم، وبايع الناس بعد. قيل إن ~~عمرو بن حريث قال لسعيد بن زيد: متى بويع أبو بكر؟ قال: يوم مات رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة. قال الزهري: ~~بقي علي وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى ماتت فاطمة، ~~رضي الله عنها، فبايعوه. فلما كان الغد من بيعة أبي بكر جلس على المنبر ~~وبايعه الناس بيعة عامة، ثم تكلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ~~قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق ~~أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوي ضعيف ~~عندي حتى آخذ من الحق إن شاء الله تعالى، لا يدع أحد منكم الجهاد فإنه لا ~~يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت ~~الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله. أسيد بن حضير ~~بضم الهمزة، وبالحاء المهملة المضمومة، وبالضاد المعجمة، وآخره راء. ### || AUT ذكر تجهيز النبي # ### || AUT صلى الله عليه وسلم ودفنه # فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~ودفن يوم الثلاثاء، وقيل: بقي ثلاثة أيام لم يدفن، والأول أصح. وكان الذي ~~يلي غسله علي والعباس والفضل وقثم ابنا العباس وأسامة بن زيد وشقران مولى ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحضرهم أوس بن خولي الأنصاري، وكان بدريا، ~~وكان العباس وابناه يقلبونه، وأسامة وشقران يصبان الماء، وعلي يغسله وعليه ~~قميصه وهو يقول: بأبي أنت وأمي ما أطيبك حيا وميتا! ولم ير من رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، ما يرى من ميت. واختلفوا في غسله في ثيابه أو مجردا، ~~فألقى الله عليهم النوم ثم كلمهم مكلم لا يدرى من هو أن غسلوا رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، وعليه ثيابه، ففعلوا ذلك. وكفن رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين وبرد حبرة أدرج فيها إدراجا. ms0695 ~~واختلفوا في موضع دفنه فقال أبو بكر: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~يقول: ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض، فرفع فراشه ودفن موضعه، وحفر له أبو ~~طلحة الأنصاري لحدا ودخل الناس يصلون عليه أرسالا: الرجال ثم النساء ثم ~~الصبيان ثم العبيد، ودفن ليلة الأربعاء. وكان الذي نزل قبره علي بن أبي ~~طالب والفضل وقثم ابنا العباس وشقران. وقال أوس بن خولي الأنصاري لعلي: ~~أنشدك الله وحظنا من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأمره بالنزول فنزل. ~~وكان المغيرة بن شعبة يدعي أنه أحدث الناس عهدا برسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، ويقول: ألقيت خاتمي في قبره عمدا فنزلت لآخذه، وسأل ناس من أهل ~~العراق عليا عن ذلك فقال: كذب المغيرة، أحدثنا عهدا به قثم به العباس. ~~واختلفوا في عمره يوم مات فقال ابن عباس وعائشة ومعاوية وابن المسيب: كان ~~عمره ثلاثا وستين سنة. وقال ابن عباس أيضا ودغفل بن حنظلة: كان عمره خمسا ~~وستين سنة. وقال عروة بن الزبير: كان عمره ستين سنة. ### || AUT ذكر إنفاذ جيش أسامة بن زيد # PageV01P0361 # قد ذكرنا استعمال النبي، صلى الله عليه وسلم، أسامة بن زيد على جيش وأمره ~~بالتوجه إلى الشام، وكان قد ضرب البعث على أهل المدينة ومن حولها وفيهم عمر ~~بن الخطاب، فتوفي النبي، صلى الله عليه وسلم، ولم يسر الجيش، وارتدت العرب ~~إما عامة أو خاصة من كل قبيلة، وظهر النفاق، واشرأبت يهود والنصرانية، وبقي ~~المسلمون كالغنم في الليلة المطيرة لفقد نبيهم وقلتهم وكثرة عدوهم. فقال ~~الناس لأبي بكر: إن هؤلاء، يعنون جيش أسامة، جند المسلمين، والعرب - على ما ~~ترى - قد انتقضت بك فلا ينبغي أن تفرق جماعة المسلمين عنك. فقال أبو بكر: ~~والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تختطفني لأنفذت جيش أسامة كما أمر ~~النبي، صلى الله عليه وسلم. فخاطب الناس وأمرهم بالتجهز للغزو وأن يخرج كل ~~من هو من جيش أسامة إلى معسكره بالجرف، فخرجوا كما أمرهم، وجيش أبو بكر من ~~بقي من تلك القبائل ms0696 التي كانت لهم الهجرة في ديارهم، فصاروا مسايح حول ~~قبائلهم، وهم قليل. فلما خرج الجيش إلى معسكرهم بالجرف وتكاملوا أرسل أسامة ~~عمر بن الخطاب، وكان معه في جيشه، إلى أبي بكر يستأذنه أن يرجع بالناس ~~وقال: إن معي وجوه الناس وحدهم، ولا آمن على خليفة رسول الله وحرم رسول ~~الله والمسلمين أن يتخطفهم المشركون. وقال من مع أسامة من الأنصار لعمر بن ~~الخطاب: إن أبا بكر خليفة رسول الله، فإن أبى إلا أن نمضي فأبلغه عنا واطلب ~~إليه أن يولي أمرنا رجلا أقدم سنا من أسامة. فخرج عمر بأمر أسامة إلى أبي ~~بكر فأخبره بما قال أسامة. فقال: (لو خطفتني الكلاب والذئاب لأنقذته كما ~~أمر به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولا أرد قضاء قضى به رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته. قال عمر: فإن الأنصار ~~تطلب إليك أن تولي أمرهم رجلا أقدم سنا من أسامة. فوثب أبو بكر، وكان ~~جالسا، وأخذ بلحية عمر وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب! استعمله رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، وتأمرني أن أعزله؟ ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم وأشخصهم ~~وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب، فقال له أسامة: يا خليفة رسول الله لتركبن أو ~~لأنزلن! فقال: (والله لا نزلت ولا أركب، وما علي أن أغبر قدمي ساعة في سبيل ~~الله! فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له، وسبعمائة درجة ~~ترفع له، وسبعمائة سيئة تمحى عنه). فلما أراد أن يرجع قال لأسامة: إن رأيت ~~أن تعينني بعمر فافعل، فأذن له، ثم وصاهم فقال: لا تخونوا ولا تغدروا ولا ~~تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تعقروا ~~نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا ~~بعيرا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم ~~وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا ~~حولها مثل العصائب فاخفقوهم بالسيف ms0697 خفقا. اندفعوا باسم الله. وأوصى أسامة ~~أن يفعل ما أمر به رسول الله، صلى الله عليه وسلم. فسار وأوقع بقبائل من ~~ناس قضاعة التي ارتدت وغنم وعاد، وكانت غيبته أربعين يوما، وقيل: سبعين ~~يوما. وكان إنفاذ جيش أسامة أعظم الأمور نفعا للمسلمين، فإن العرب قالوا: ~~لو لم يكن بهم قوة لما أرسلوا هذا الجيش، فكفوا عن كثير مما كانوا يريدون أن يفعلوه. ### || AUT ذكر أخبار الأسود العنسي باليمن # واسمه عيهلة بن كعب بن عوف العنسي، بالنون؛ وعنس بطن من مذحج، وكان يلقب ~~ذا الخمار لأنه كان معتما متخمرا أبدا. PageV01P0362 # وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، قد جمع لباذان حين أسلم وأسلم أهل اليمن ~~عمل اليمن جميعه وأمره على جميع مخاليفه، فلم يزل عاملا عليه حتى مات. فلما ~~مات باذان فرق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمراءه في اليمن، فاستعمل ~~عمرو بن حزم على نجران، وخالد بن سعيد بن العاص على ما بين نجران وزبيد، ~~وعامر بن شهر على همدان، وعلى صنعاء شهر ابن باذان، وعلى عك والأشعريين ~~الطاهر بن أبي هالة، وعلى مأرب أبا موسى، وعلى الجند يعلى بن أمية، وكان ~~معاذ معلما يتنقل في عمالة كل عامل باليمن وحضرموت، واستعمل على أعمال ~~حضرموت زياد بن لبيد الأنصاري، وعلى السكاسك والسكون عكاشة بن ثور، وعلى ~~بني معاوية ابن كندة عبد الله أو المهاجر، فاشتكى رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، فلم يذهب حتى وجهه أبو بكر، فمات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وهؤلاء عماله على اليمن وحضرموت. وكان أول من اعترض الأسود الكاذب شهر ~~وفيروز وداذويه، وكان الأسود العنسي لما عاد رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، من حجة الوداع وتمرض من السفر غير مرض موته بلغه ذلك، فادعى النبوة، ~~وكان مشعبذا يريهم الأعاجيب، فاتبعه مذحج، وكانت ردة الأسود أول ردة في ~~الإسلام على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وغزا نجران فأخرج عنها ~~عمرو ابن حزم وخالد بن سعيد، ووثب قيس بن عبد يغوث بن مكشوح ms0698 على فروة ابن ~~مسيك، وهو على مراد، فأجلاه ونزل منزله، وسار الأسود عن نجران إلى صنعاء، ~~وخرج إليه شهر بن باذان فلقيه، فقتل شهر لخمس وعشرين ليلة من خروج الأسود، ~~وخرج معاذ هاربا حتى لحق بأبي موسى وهو بمأرب، فلحقا بحضرموت، ولحق بفروة ~~من تم على إسلامه من مذحج. واستتب للأسود ملك اليمن، ولحق أمراء اليمن إلى ~~الطاهر بن أبي هالة إلا عمرا وخالدا، فإنهما رجعا إلى المدينة، والطاهر ~~بجبال عك وجبال صنعاء، وغلب الأسود على ما بين مفازة حضرموت إلى الطائف إلى ~~البحرين والأحساء إلى عدن، واستطار أمره كالحريق، وكان معه سبعمائة فارس ~~يوم لقي شهرا سوى الركبان، واستغلظ أمره، وكان خليفته في مذحج عمرو ابن ~~معدي كرب، وكان خليفته على جنده قيس بن عبد يغوث، وأمر الأبناء إلى فيروز ~~وداذويه. وكان الأسود تزوج امرأة شهر بن باذان بعد قتله، وهي ابنة عم ~~فيروز. وخاف من بحضرموت من المسلمين أن يبعث إليهم جيشا، أو يظهر بها كذاب ~~مثل الأسود، فتزوج معاذ إلى السكون، فعطفوا عليه. وجاء إليهم وإلى من ~~باليمن من المسلمين كتب النبي، صلى الله عليه وسلم، يأمرهم بقتال الأسود، ~~فقام معاذ في ذلك وقويت نفوس المسلمين، وكان الذي قدم بكتاب النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، وبر بن يحنس الأزدي، قال جشنس الديلمي: فجاءتنا كتب النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، يأمرنا بقتاله إما مصادمة أو غيلة، يعني إليه وإلى ~~فيروز وداذويه، وأن نكاتب من عنده دين. فعملنا في ذلك، فرأينا أمرا كثيفا، ~~وكان قد تغير لقيس بن عبد يغوث، فقلنا: إن قيسا يخاف على دمه فهو لأول ~~دعوة، فدعوناه وأبلغناه عن النبي، صلى الله عليه وسلم، فكأنما نزلنا عليه ~~من السماء، فأجابنا، وكاتبنا الناس. فأخبره الشيطان شيئا من ذلك، فدعا قيسا ~~فأخبره أن شيطانه يأمره قبتله لميله إلى عدوه، فحلف قيس: لأنت أعظم في نفسي ~~من أن أحدث نفسي بذلك. ثم أتانا فقال: يا جشنس ويا فيروز ويا داذويه، ~~فأخبرنا بقول الأسود. فبينا نحن معه يحدثنا إذ أرسل ms0699 إلينا الأسود فتهددنا، ~~فاعتذرنا إليه ونجونا منه ولم نكد وهو مرتاب بنا ونحن نحذره. فبينا نحن على ~~ذلك إذ جاءتنا كتب عامر بن شهر وذي زود مران وذي الكلاع وذي ظليم يبذلون ~~لنا النصر، فكاتبناهم وأمرناهم أن لا يفعلوا شيئا حتى نبرم أمرنا، وإنما ~~اهتاجوا لذلك حين كاتبهم النبي، صلى الله عليه وسلم، وكتب أيضا إلى أهل ~~نجران فأجابوه، وبلغ ذلك الأسود وأحس بالهلاك. PageV01P0363 # قال: فدخلت على آزاد، وهي امرأته التي تزوجها بعد قتل زوجها شهر ابن ~~باذان، فدعوتها إلى ما نحن عليه وذكرتها قتل زوجها شهر وإهلاك عشيرتها ~~وفضيحة النساء. فأجابت وقالت: والله ما خلق الله شخصا أبغض إلي منه، ما ~~يقوم لله على حق ولا ينتهي عن محرم، فأعلموني أمركم أخبركم بوجه الأمر. ~~قال: فخرجت وأخبرت فيروز وداذويه وقيسا. قال: وإذ قد جاء رجل فدعا قيسا إلى ~~الأسود، فدخل في عشرة من مذحج وهمدن فلم يقدر على قتله معهم وقال له: ألم ~~أخبرك الحق وتخبرني الكذب؟ إنه، يعني شيطانه، يقول لي: إلا تقطع من قيس يده ~~يقطع رقبتك. فقال قيس: إنه ليس من الحق أن أهلك وأنت رسول الله، فمرني بما ~~أحببت أو اقتلني، فموته أهون من موتات. فرق له وتركه، وخرج قيس فمر بنا ~~وقال: اعملوا عملكم. ولم يعقد عندنا. فخرج علينا الأسود في جمع، فقمنا له ~~وبالباب مائة ما بين بقرة وبعير، فنحرها ثم خلاها، ثم قال: أحق ما بلغني ~~عنك يا فيروز؟ - وبوأ له الحربة - لقد هممت أن أنحرك. فقال: اخترتنا لصهرك ~~وفضلتنا على الأبناء، فلو لم تكن نبيا لما بعنا نصيبنا منك بشيء، فكيف وقد ~~اجتمع لنا بك أمر الدنيا والآخرة فإنا بحيث تحب فقال له: اقسم هذه، فقسمها، ~~ولحق به وهو يسمع سعاية رجل بفيروز وهو يقول له: أنا قاتله غدا وأصحابه، ثم ~~التفت فإذا فيروز فأخبره بقسمتها، ودخل الأسود ورجع فيروز فأخبرنا الخبر، ~~فأرسلنا إلى قيس فجاءنا، فاجتمعنا على أن أعود إلى المرأة فأخبرها بعزيمتنا ~~ونأخذ رأيها، فأتيتها فأخبرتها، فقالت: هو متحرز ms0700 وليس من القصر شيء إلا ~~والحرس محيطون به غير هذا البيت، فإن ظهره إلى مكان كذا وكذا، فإذا أمسيتم ~~فانقبوا عليه فإنكم من دون الحرس وليس دون قتله شيء، وستجدون فيه سراجا ~~وسلاحا. فخرجت فتلقاني الأسود خارجا من بعض منازله فقال: ما أدخلك علي؟ ~~ووجأ رأسي حتى سقطت، وكان شديدا، فصاحت المرأة فأدهشته عني ولولا ذلك ~~لقتلني وقالت: جاءني ابن عمي زائرا ففعلت به هذا؟ فتركني، فأتيت أصحابي ~~فقلت: النجاء! الهرب! وأخبرتهم الخبر. فإنا على ذلك حيارى إذ جاءنا رسولها ~~يقول: لا تدعن ما فارقتك عليه، فلم أزل به حتى اطمأن. فقلنا لفيروز: إيتها ~~فتثبت منها. ففعل، فلما أخبرته قال: ننقب على بيوت مبطنة، فدخل فاقتلع ~~البطانة وجلس عندها كالزائر، فدخل عليها الأسود فأخذته غيرة، فأخبرته برضاع ~~وقرابة منها عنده محرم، فأخرجه. فلما أمسينا عملنا في أمرنا وأعملنا ~~أشياعنا وعجلنا عن مراسلة الهمدانيين والحميريين فنقبنا البيت من خارج ~~ودخلنا، وفيه سراج تحت جفنة، واتقينا بفيروز، كان أشدنا فقلنا: انظر ماذا ~~ترى، فخرج ونحن بينه وبين الحرس. فلما دنا من باب البيت سمع غطيطا شديدا ~~والمرأة قاعدة، فلما قام على باب البيت أجلسله الشيطان وتكلم على لسانه ~~وقال: ما لي ولك يا فيروز! فخشي إن رجع أن يهلك وتهلك المرأة فعاجله وخالطه ~~وهو مثل الجمل فأخذ برأسه فقتله ودق عنقه ووضع ركبته في ظهره فدقه ثم قام ~~ليخرج، فأخذت المرأة بثوبه وهي ترى أنه لم يقتله. فقال: قد قتلته وأرحتك ~~منه، وخرج فأخبرنا، فدخلنا معه، فخار كما يخور الثور، فقطعت رأسه بالشفرة، ~~وابتدر الحرس المقصورة يقولون: ما هذا؟ فقالت المرأة: النبي يوحى إليه! ~~فخمدوا، وقعدنا نأتمر بيننا، فيروز وداذويه وقس، كيف نخبر أشياعنا، ~~فاجتمعنا على النداء. فلما طلع الفجر نادينا بشعارنا الذي بيننا وبين ~~أصحابنا، ففزع المسلمون والكافرون، ثم نادينا بالأذان فقلت: أشهد أن محمدا ~~رسول الله وأن عيهلة كذاب! وألقينا إليهم رأسه، وأحاط بنا أصحابه وحرسه ~~وشنوا الغارة وأخذوا صبيانا كثيرة وانتهبوا. فنادينا أهل صنعاء من عنده ~~منهم فأمسكه، ففعلوا. ms0701 فلما خرج أصحابه فقدوا سبعين رجلا، فراسلونا ~~وراسلناهم على أن يتركوا لنا ما في أيديهم ونترك ما في أيدينا، ففعلنا، ولم ~~يظفروا منا بشيء، وترددوا في ما بين صنعاء ونجران. وتراجع أصحاب النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، إلى أعمالهم، وكان يصلي بنا معاذ بن جبل، وتبنا إلى رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، بخبره، وذلك في حياته. وأتاه الخبر من ليلته، ~~وقدمت رسلنا، وقد توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأجابنا أبو بكر. ~~PageV01P0364 # قال ابن عمر: أتى الخبر من السماء إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، في ~~ليلته التي قتل فيها، فقال: (قتل العنسي، قتله رجل مبارك من أهل بيت ~~مباركين)، قيل: من قتله؟ قال: (قتله فيروز). قيل: كان أول أمر العنسي إلى ~~آخره ثلاثة أشهر، وقيل قريب من أربعة أشهر، وكان قدوم البشير بقتله في آخر ~~ربيع الأول بعد موت النبي، صلى الله عليه وسلم، فكان أول بشارة أتت أبا بكر ~~وهو بالمدينة. قال فيروز: لما قتلنا الأسود عاد أمرنا كما كان، وأرسلنا إلى ~~معاذ بن جبل فصلى بنا ونحن راجون مؤملون لم يبق شيء نكرهه إلا تلك الخيول ~~من أصحاب الأسود، فأتى موت النبي، صلى الله عليه وسلم، فانتقضت الأمور ~~واضطربت الأرض. العنسي بالعين والنون. وفي هذه السنة ماتت فاطمة بنت النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، في ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان وهي ابنة تسع ~~وعشين سنة أو نحوها، وقيل: توفيت بعد النبي، صلى الله عليه وسلم، بثلاثة ~~أشهر، وقيل: بستة أشهر، وغسلها علي وأسماء بنت عميس، وصلى عليها العباس بن ~~عبد المطلب، ودخل قبرها العباس وعلي والفضل بن العباس. وفيها توفي عبد الله ~~بن أبي بكر الصديق، وكان أصابه سهم بالطائف وهو مع النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، رماه به أبو محجن ثم انتفض عليه فمات في شوال. وفي هذا العام الذي ~~بويع فيه أبو بكر ملك يزدجر بلاد فارس. وفيه، أعني سنة إحدى عشرة، اشترى ~~عمر بن الخطاب مولاه أسلم بمكة من ناس من ms0702 الأشعريين. ### || AUT ذكر أخبار الردة # قال عبد الله بن مسعود: لقد قمنا بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~مقاما كدنا نهلك فيه لولا أن الله من علينا بأبي بكر، أجمعنا على أن لا ~~نقاتل على ابنة مخاض وابنة لبون، وأن نأكل قرى عربية ونعبد الله حتى يأتينا ~~اليقين، فعزم الله لأبي بكر على قتالهم، فوالله ما رضي منهم إلا بالخطة ~~المخزية أو الحرب المجلية، فأما الخطة المخزية فأن يقروا بأن من قتل منهم ~~في النار ومن قتل منا في الجنة، وأن يدوا قتلانا ونغنم ما أخذنا منهم، وأن ~~ما أخذوا منا مردود علينا. وأما الحرب المجلية فأن يخرجوا من ديارهم. وأما ~~أخبار الردة فإنه لما مات النبي، صلى الله عليه وسلم، وسير أبو بكر جيش ~~أسامة ارتدت العرب وتضرمت الأرض نارا وارتدت كل قبيلة عامة أو خاصة إلا ~~قريشا وثقيفا، واستغلظ أمر مسيلمة وطليحة، واجتمع على طليحة عوام طيء وأسد، ~~وارتدت غطفان تبعا لعيينة بن حصن، فإنه قال: نبي من الحليفين، يعني أسدا ~~وغطفان، أحب إلينا من نبي من قريش، وقد مات محمد وطليحة حي، فاتبعه وتبعته ~~غطفان. وقدمت رسل النبي، صلى الله عليه وسلم، من اليمامة وأسد وغيرهما وقد ~~مات فدفعوا كتبهم لأبي بكر وأخبروه الخبر عن مسيلمة وطليحة، فقال: لا ~~تبرحوا حتى تجيء رسل أمرائكم وغيرهم بأدهى مما وصفتهم، فكان كذلك، وقدمت ~~كتب أمراء النبي، صلى الله عليه وسلم، من كل مكان بانتفاض العرب عامة أو ~~خاصة وتسلطهم على المسلمين، فحاربهم أبو بكر بما كان رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، يحاربهم، بالرسل، فرد رسلهم بأمره وأتبع رسلهم رسلا وانتظر ~~بمصادمتهم قدوم أسامة، فكان عمال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على قضاعة ~~وكلب امرؤ القيس بن الأصبغ الكلبي، وعلى القين عمرو بن الحكم، وعلى سعد ~~هذيم معاوية الوالبي، فارتد وديعة الكلبي فيمن تبعه، وبقي امرؤ القيس على ~~دينه، وارتد زميل بن قطبة القيني، وبقي عمرو، وارتد معاوية فيمن اتبعه من ~~سعد هذيم، فكتب أبو بكر إلى ms0703 امرىء القيس، وهو جد سكينة بنت الحسين، فسار ~~بوديعة إلى عمرو، فأقام لزميل، وإلى معاوية العذري، وتوسطت خيل أسامة ببلاد ~~قضاعة فشن الغارة فيهم، فغنموا وعادوا سالمين. ### || AUT ذكر خبر طليحة الأسدي # PageV01P0365 # وكان طليحة بن خويلد الأسدي من بني أسد بن خزيمة قد تنبأ في حياة رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، فوجه إليه النبي، صلى الله عليه وسلم، ضرار بن ~~الأزور عاملا على بني أسد وأمرهم بالقيام على من ارتد، فضعف أمر طليحة حتى ~~لم يبق إلا أخذه، فضربه بسيف، فلم يصنع فيه شيئا، فظهر بين الناس أن السلاح ~~لا يعمل فيه، فكثر جمعه. ومات النبي، صلى الله عليه وسلم، وهم على ذلك، ~~فكان طليحة يقول: إن جبرائيل يأتيني، وسجع للناس الأكاذيب، وكان يأمرهم ~~بترك السجود في الصلاة ويقول: إن الله لا يصنع بتعفر وجوهم وتقبح أدباركم ~~شيئا، اذكروا الله أعفة قيامان إلى غير ذلك، وتبعه كثير من العرب عصبية، ~~فلهذا كان أكثر أتباعه من أسد وغطفان وطيء. فسارت فزارة وغطفان إلى جنوب ~~طيبة، وأقامت طيء على حدود أراضيهم وأسد بسميراء، واجتمعت عبس وثعلبة ابن ~~سعد ومرة بالأبرق من الربذة، واجتمع إليهم ناس من بني كنانة، فلم تحملهم ~~البلاد فافترقوا فرقتين، أقامت فرقة بالأبرق، وسارت فرقة إلى ذي القصة، ~~وأمدهم طليحة بأخيه حبال، فكان عليهم وعلى من معهم من الدئل وليث ومدلج، ~~وأرسلوا إلى المدينة يبذلون الصلاة ويمنعون الزكاة، فقال أبو بكر: (والله ~~لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه). وكان عقل الصدقة على أهل الصدقة وردهم، ~~فرجع وفدهم، فأخبروهم بقلة من في المدينة وأطمعوهم فيها. وجعل أبو بكر بعد ~~مسير الوفد على أنقاب المدينة عليا وطلحة والزبير وابن مسعود، وألزم أهل ~~المدينة بحضور المسجد خوف الغارة من العدو لقربهم، فما لبثوا إلا ثلاثا حتى ~~طرقوا المدينة غارة مع الليل وخلفوا بعضهم بذي حسى ليكونوا لهم ردءا، ~~فوافوا ليلا الأنقاب وعليها المقاتلة فمنعوهم، وأرسلوا إلى أبي بكر بالخبر ~~فأرسل إليهم أبو بكر أن الزموا أماكنكم ففعلوا، فرج إلى أهل المسجد على ms0704 ~~النواضح، فردوا العدو واتبعوهم حتى بلغوا ذا حسى، فخرج عليهم الردء بأنحاء ~~قد نفخوها وفيها الحبال، ثم دهدهوها بأرجلهم على الأرض، فنفرت إبل المسلمين ~~وهم عليها ورجعت بهم إلى المدينة ولم يصرع مسلم. وظن الكفار بالمسلمين ~~الوهن، وبعثوا إلى أهل ذي القصة بالخبر، فقدموا عليهم، وبات أبو بكر يعبي ~~الناس، وخرج على تعبية يمشي وعلى ميمنته النعمان بن مقرن وعلى ميسرته عبد ~~الله بن مقرن وعلى أهل الساقة سويد ابن مقرن. فما طلع الفجر إلا وهم والعدو ~~على صعيد واحد، فما شعروا بالمسلمين حتى وضعوا فيهم السيوف، فما ذر قرن ~~الشمس حتى ولوهم الأدبار وغلبوهم على عامة ظهرهم وقتل رجال، واتبعهم أبو ~~بكر حتى نزل بذي القصة، وكان أول الفتح، ووضع بها النعمان بن مقرن في عدد، ~~ورجع إلى المدينة، فذل له المشركون. فوثب بنو عبس وذبيان على من فيهم من ~~المسلمين فقتلوهم، فحلف أبو بكر ليقتلن في المشركين بمن قتلوا من المسلمين ~~وزيادة، وازداد المسلمون قوة وثباتا. وطرقت المدينة صدقات نفر كانوا على ~~صدقة الناس، بهم صفوان والزبرقان بن بدر وعي بن حاتم، وذلك لتمام ستين يوما ~~من مخرج أسامة، وقدم أسامة بعد ذلك بأيام، وقيل: كانت غزوته وعوده في ~~أربعين يوما. فلما قدم أسامة استخلفه أبو بكر على المدينة وجنده معه ~~ليستريحوا ويريحوا ظهرهم، ثم خرج فيمن كان معه، فناشده المسلمون ليقيم، ~~فأبى وقال: لأواسينكم بنفسي. وسار إلى ذي حسى وذي القصة حتى نزل بالأبرق ~~فقاتل من به، فهزم الله المشركين وأخذ الحطيئة أسيرا، فطارت عبس وبنو بكر، ~~وأقام أبو بكر بالأبرق أياما، وغلب علي بني ذبيان وبلادهم وحماها لدواب ~~المسلمين وصدقاتهم. PageV01P0366 # ولما انهزمت عبس وذبيان رجعوا إلى طليحة وهو ببزاخة، وكان رحل من سميراء ~~إليها، فأقام عليها، وعاد أبو بكر إلى المدينة. فلما استراح أسامة وجنده، ~~وكان قد جاءهم صدقات كثيرة تفضل عليهم، قطع أبو بكر البعوث وعقد الألوية، ~~فعقد أحد عشر لواء، عقد لواء لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد فإذا ~~فرغ سار إلى مالك ms0705 بن نويرة بالبطاح إن أقام له، وعقد لعكرمة بن أبي جهل ~~وأمره بمسيلمة، وعقد للمهاجر بن أبي أمية وأمره بجنود العنسي ومعونة ~~الأبناء على قيس بن مكشوح ومن أعانه من أهل اليمن عليهم، ثم يمضي إلى كندة ~~بحضرموت، وعقد لخالد بن سعيد وبعثه إلى الحمقتين من مشارف الشام، وعقد ~~لعمرو بن العاص وأرسله إلى قضاعة، وعقد لحذيفة بن محصن الغلفاني وأمره بأهل ~~دبا، وعقد لعرفجة بن هرثمة وأمره بمهرة وأمرهما أن يجتمعا وكل واحد منهما ~~على صاحبه في عمله. وبعث شرحبيل بن حسنة في أثر عكرمة بن أب جهل وقال: إذا ~~فرغ من اليمامة فالحق بقضاعة وأنت على خيلك تقاتل أهل الردة. وعقد لمعن بن ~~حاجز وأمره ببني سليم ومن معهم من هوازن، وعقد لسويد بن مقرن وأمره بتهامة ~~باليمن، وعقد للعلاء بن الحضرمي وأمره بالبحرين، ففصلت الأمراء من ذي القصة ~~ولحق بكل أمير جنده، وعهد إلى كل أمير وكتب إلى جميع المرتدين نسخة واحدة ~~يأمرهم بمراجعة الإسلام ويحذرهم، وسير الكتب إليهم مع رسله. ولما انهزمت ~~عبس وذبيان ورجعوا إلى طليحة ببزاخة أرسل إلى جديلة والغوث من طيء يأمرهم ~~باللحاق به، فتعجل إليه بعضهم وأمروا قومهم باللحاق بهم، فقدموا على طليحة. ~~وكان أبو بكر بعث عدي بن حاتم قبل خالد إلى طيء وأتبعه خالدا وأمره أن يبدأ ~~بطيء ومنهم يسير إلى بزاخة ثم يثلث بالبطاح ولا يبرح إذا فرغ من قوم حتى ~~يأذن له. وأظهر أبو بكر للناس أنه خارج إلى خيبر بجيش حتى يلاقي خالدا، ~~يرهب العدو بذلك. وقدم عدي على طيء فدعاهم وخوفهم، فأجابوه وقالوا له: ~~استقبل الجيش فأخره عنا حتى نستخرج من عند طليحة منا لئلا يقتلهم. فاستقبل ~~عدي خالدا وأخبره بالخبر، فتأخر خالد، وأرسلت طيء إلى إخوانهم عند طليحة ~~فلحقوا بهم، فعادت طيء إلى خالد بإسلامهم، ورحل خالد يريد جديلة، فاستمهله ~~عدي عنهم، ولحق بهم عدي بهم يدعوهم إلى الإسلام، فأجابوه، فعاد إلى خالد ~~بإسلامهم، ولحق بالمسلمين ألف راكب منهم، وكان خير مولود في أرض طيء ms0706 وأعظمه ~~بركة عليهم. وأرسل خالد بن الوليد عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم الأنصاري ~~طليعة، فلقيهما حبال أخو طليحة فقتلاه، فبلغ خبره طليحة فخرج هو وأخو سلمة، ~~فقتل طليحة عكاشة وقتل أخوه ثابتا ورجعا. وأقبل خالد بالناس فرأوا عكاشة ~~وثابتا قتيلين، فجزع لذلك المسلمون، وانصرف بهم خالد نحو طيء، فقالت له ~~طيء: نحن نكفيك قيسا، فإن بني أسد حلفاؤنا. فقال: قاتلوا أي الطائفتين ~~شئتم. فقال عدي بن حاتم: لو نزل هذا على الذين هم أسرتي فالأدنى لجاهدتهم ~~عليه، والله لا أمتنع عن جهاد بني أسد لحلفهم. فقال له خالد: إن جهاد ~~الفريقين جهاد، لا تخالف رأي أصحابك وامض بهم إلى القوم الذين هم لقتالهم ~~أنشط؛ ثم تعبى لقتالهم، ثم سار حتى التقيا على بزاخة، وبنو عامر قريبا ~~يتربصون على من تكون الدائرة، قال: فاقتتل الناس على بزاخة. وكان عيينة بن ~~حصن مع طليحة في سبعمائة من بني فزارة، فقاتلوا قتالا شديدا وطليحة متلفف ~~في كسائه يتنبأ لهم، فلما اشتدت الحر كر عيينة على طليحة وقال له: هل جاءك ~~جبرائيل بعد؟ قال: لا، فرجع فقاتل، ثم كر على طليحة فقال له: لا أبا لك! ~~أجاءك جبرائيل؟ قال: لا. فقال عيينة: حتى متى؟ والله بلغ منا! ثم رجع فقاتل ~~قتالا شديدا ثم كر على طليحة فقال: هل جاءك جبرائيل؟ قال: نعم. فماذا قال ~~لك؟ قال: قال لي: إن لك رحا كرحاه، وحديثا لا تنساه. فقال عيينة: قد علم ~~الله أنه سيكون حديث لا تنساه، انصرفوا يا بني فزارة فإنه كذاب، فانصرفوا ~~وانهزم الناس. وكان طليحة قد أعد فرسه وراحلته لامرأته النوار، فلما غشوه ~~ركب فرسه وحمل امرأته ثم نجا بها وقال: يا معشر فزارة من استطاع أن يفعل ~~هكذا وينجو بامرأته فليفعل. ثم انهزم فلحق بالشام، ثم نزل على كلب فأسلم ~~حين بلغه أن أسدا وغطفان قد أسلموا، ولم يزل مقيما في كلب حتى مات أبو بكر. ~~PageV01P0367 # وكان خرج معتمرا في إمارة أبي بكر ومر بجنبات المدينة، فقيل لأبي بكر: ~~هذا طليحة! ms0707 فقال: ما أصنع به؟ قد أسلم! ثم أتى عمر فبايعه حين استخلف. فقال ~~له: أنت قاتل عكاشة وثابت؟ والله لا أحبك أبدا! فقال: يا أمير المؤمنين ما ~~يهمك من رجلين أكرمهما الله بيدي ولم يهني بأيديهما! فبايعه عمر وقال له: ~~ما بقي من كهانتك؟ فقال: نفخة أو نفختان بالكير. ثم رجع إلى قومه فأقام ~~عندهم حتى خرج إلى العراق. ولما انهزم الناس عن طليحة أسر عيينة بن حصن، ~~فقدم به على أبي بكر، فكان صبيان المدينة يقولون له وهو مكتوف: يا عدو الله ~~أكفرت بعد إيمانك؟ فيقول: والله ما آمنت بالله طرفة عين. فتجاوز عنه أبو ~~بكر وحقن دمه. وأخذ من أصحاب طليحة رجل كان عالما به، فسأله خالد عما كان ~~يقول، فقال: إن مما أتى به: والحمام واليمام، والصرد الصوام، قد صمن قبلكم ~~بأعوام، ليبلغن ملكنا العراق والشام. قال: ولم يؤخذ منهم سبي لأنهم كانوا ~~قد أحرزوا حريمهم، فلما انهزموا أقروا بالإسلام خشية على عيالاتهم، فآمنهم. ~~حبال بكسر الحاء المهملة، وفتح الباء الموحدة، وبعد الألف لام. وذو القصة ~~بفتح القاف، والصاد المهملة. وذو حسى بضم الحاء المهملة، والسين المهملة ~~المفتوحة. ودبا بفتح الدال المهملة، وبالباء الموحدة. وبزاخة بضم الباء ~~الموحدة، وبالزاي، والخاء المعجمة. ### || AUT ذكر ردة بني عامر وهوازن وسليم # وكانت بنو عامر تقدم إلى الردة رجلا وتؤخر أخرى وتنظر ما تصنع أسد ~~وغطفان. فلما أحيط بهم وبنو عامر على قادتهم وسادتهم كان قرة بن هبيرة في ~~كعب ومن لافها، وعلقمة بن علاثة في كلاب ومن لافها، وكان أسلم ثم ارتد في ~~زمن النبي، صلى الله عليه وسلم، ولحق بالشام بعد فتح الطائف، فلما توفي ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، أقبل مسرعا حتى عسكر في بني كعب. فبلغ ذلك أبا ~~بكر فبعث إليه سرية عليها القعقاع بن عمرو، وقيلك بل قعقاع بن سور، وقال له ~~ليغير على علقمة لعله يقتله أو يستأسره. فخرج حتى أغار على الماء الذي عليه ~~علقمة، وكان لا يبرح إلا مستعدا، فسابقهم على فرسه فسبقهم ms0708 مراكضة، وأسلم ~~أهله وولده، وأخذه القعقاع وقدم بهم على أبي بكر، فجحدوا أن يكونوا على حال ~~علقمة، ولم يبلغ أبا بكر عنهم أنهم فارقوا دارهم، وقالوا له: ما ذنبنا فيما ~~صنع علقمة؟ فأرسلهم ثم أسلم، فقبل ذلك منه. وأقبلت بنو عامر بعد هزيمة أهل ~~بزاخة يقولون: ندخل فيما خرجنا منه ونؤمن بالله ورسوله، وأتوا خالدا ~~فبايعهم على ما بايع أهل بزاخة وأعطوه بأيديهم على الإسلام، وكانت بيعته: ~~عليكم عهد الله وميثاقه لتؤمنن بالله ورسوله، ولتقيمن الصلاة، ولتؤتن ~~الزكاة، وتبايعون على ذلك أبناءكم ونساءكم، فيقولون: نعم، ولم يقبل من أحد ~~من أسد وغطفان وطيء وسليم وعامر إلا أن يأتوه بالذين حرقوا ومثلوا وعدوا ~~على الإسلام في حال ردتهم، فأتوه بهم، فمثل بهم وحرقهم ورضخهم بالحجارة ~~ورمى بهم من الجبال ونكسهم في الآبار، وأرسل إلى أبي بكر يعلمه ما فعل، ~~وأرسل إليه قرة ابن هبيرة ونفرا معه موثقين وزهيرا أيضا. وأما أم زمل ~~فاجتمع فلال غطفان وطيء وسليم وهوازن وغيرها إلى أم زمل سلمى بنت مالك بن ~~حذيفة بن بدر، وكانت أمها أم قرفة بنت ربيعة بن بدر، وكانت أم زمل قد سبيت ~~أيام أمها أم قرفة، وقد تقدمت الغزوة، فوقعت لعائشة، فأعتقتها ورجعت إلى ~~قومها وارتدت واجتمع إليها الفل، فأمرتهم بالقتال، وكثف جمعها وعظمت ~~شوكتها. فلما بلغ خالدا أمرها سار إليها، فاقتتلوا قتالا شديدا أول يوم وهي ~~واقفة على جمل كان لأمها وهي في مثل عزها، فاجتمع على الجمل فوارس فعقروه ~~وقتلوها وقتل حول جملها مائة رجل، وبعث بالفتح إلى أبي بكر. PageV01P0368 # وأما خبر الفجاءة السلمي، واسمه إياس بن عبد ياليل، فإنه جاء إلى أبي بكر ~~فقال له: أعني بالسلاح أقاتل به أهل الردة. فأعطاه سلاحا وأمره إمرة، فخالف ~~إلى المسلمين وخرج حتى نزل بالجواء، وبعث نخبة بن أبي الميثاء من بني ~~الشريد وأمره بالمسلمين، فشن الغارة على كل مسلم في سليم وعامر وهوازن، ~~فبلغ ذلك أبا بكر فأرسل إلى طريفة بن حاجز فأمره أن يجمع له ويسير إليه، ~~وبعث إليه ms0709 عبد الله بن قيس الحاشي عونا، فنهضا إليه وطلباه، فلاذ منهما، ثم ~~لقياه على الجواء فاقتتلوا وقتل نخبة وهرب الفجاءة، فلحقه طريفة فأسره ثم ~~بعث به إلى أبي بكر، فلما قدم أمر أبو بكر أن توقد له نار في مصلى المدينة ~~ثم رمي به فيها مقموطا. وأما خبر أبي شجرة بن عبد العزى السلمي، وهو ابن ~~الخنساء، فإنه كان قد ارتد فيمن ارتد من سليم وثبت بعضهم على الإسلام مع ~~معن بن حاجز، وكان أميرا لأبي بكر. فلما سار خالد إلى طليحة كتب إلى معن أن ~~يلحقه فيمن معه على الإسلام من بني سليم، فسار واستخلف على عمله أخاه طريفة ~~بن حاجز. فقال أبو شجرة حين ارتد: صحا القلب عن مي هواه وأقصرا ... وطاوع ~~فيها العاذلين فأبصرا ألا أيها المدلي بكثرة قومه ... وحظك منهم أن تضام ~~وتقهرا سل الناس عنا كل يوم كريهة ... إذا ما التقينا دارعين وحسرا ألسنا ~~نعاطي ذا الطماح لجامه ... ونطعن في الهيجا إذا الموت أقفرا فرويت رمحي من ~~كتيبة خالد ... وإني لأرجو بعدها أن أعمرا ثم إن أبا شجرة أسلم، فلما كان ~~زمن عمر قدم المدينة فرأى عمر وهو يقسم في المساكين، فقال: أعطني فإني ذو ~~حاجة، فقال: ومن أنت؟ فقال: أنا أبو شجرة بن عبد العزى السلمي. قال: أي عدو ~~الله لا والله! ألست الذي تقول: فرويت رمحي من كتيبة خالد ... وإني لأرجو ~~بعدها أن أعمرا؟ وجعل يعلوه بالدرة في رأسه حتى سبقه عدوا إلى ناقته فركبها ~~ولحق بقومه وقال: ضن علينا أبو حفص بنائله ... وكل مختبط يوما له ورق في أبيات. ### || AUT ذكر قدوم عمرو بن العاص من عمان # كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد أرسل عمرو بن العاص إلى جيفر عند ~~منصرفه من حجه الوداع. فمات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعمرو بعمان، ~~فأقبل حتى انتهى إلى البحرين فوجد المنذر بن ساوى في الموت. ثم خرج عنه إلى ~~بلاد بني عامر فنزل بقرة بن هبيرة، وقرة يقدم رجلا ويؤخر أخرى ms0710 ومعه عسكر من ~~بني عامر، فذبح له وأكرم مثواه. فلما اراد الرحلة خلا به قرة وقال: يا هذا ~~إن العرب لا تطيب لكم نفسا بالإتاوة، فإن أعفيتموها من أخذ أموالها فستسمع ~~لكم وتطيع، وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم. فقال له عمرو: أكفرت يا قرة؟ ~~أتخوفنا بالعرب؟ فوالله لأوطئن عليك الخيل في حفش أمك والحفش: بيت تنفرد ~~فيه النفساء. وقدم على المسلمين بالمدينة فأخبرهم، فأطافوا به يسألونه ~~فأخبرهم أن العساكر معسكرة من دبا إلى المدينة. فتفرقوا وتحلقوا حلقا، ~~وأقبل عمر يريد التسليم على عمرو فمر على حلقة فيها علي وعثمان وطلحة ~~والزبير وعبد الرحمن وسعد. فلما دنا عمر منهم سكتوا، فقال: فيم أنتم؟ فلم ~~يجيبوه. فقال لهم: إنكم تقولون ما أخوفنا على قريش من العرب! قالوا: صدقت. ~~قال: فلا تخافوهم، أنا والله منكم على العرب أخوف مني من العرب عليكم، ~~والله لو تدخلون، معاش قريش، جحرا لدخلته العرب في آثاركم، فاتقوا الله ~~فيهم. ومضى عمر، فلما قدم بقرة بن هبيرة على أبي بكر أسيرا استشهد بعمرو ~~على إسلامه، فأحضر أبو بكر عمرا فسأله، فأخبره بقول قرة إلى أن وصل إلى ذكر ~~الزكاة فقال قرة: مهلا يا عمرو! فقال: كلا، والله لأخبرنه بجميعه. فعفا عنه ~~أبو بكر وقبل إسلامه. ### || AUT ذكر بني تميم وسجاح # PageV01P0369 # وأما بنو تميم فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرق فيهم عماله، فكان ~~الزبرقان منهم وسهل بن منجاب وقيس بن عاصم وصفوان بن صفوان وسبرة بن عمرو ~~ووكيع بن مالك ومالك بن نويرة. فلما وقع الخبر بموت رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، سار صفوان بن صفوان إلى أبي بكر بصدقات بني عمرو وأقام قيس عاصم ~~ينظر ما الزبرقان صانع ليخالفه، فقال حين أبطأ عليه الزبرقان في عمله: وا ~~ويلتاه من ابن العكلية! والله لقد مزقني ما أدري ما أصنع، لئن أنا بعثت ~~بالصدقة إلى أبي بكر وبايعته لينحرن ما معه في بني سعد فيسودني فيهم، ولئن ~~نحرتها في بني سعد ليأتين أبي بكر فيسودني عنده. فقسمها ms0711 على المقاعس ~~والبطون، ووافى الزبرقان فاتبع صفوان بن صفوان بصدقات الرباب - وهي ضبة بن ~~أد بن طابخة، وعدي وتيم وعكل وثور بنو عبد مناة بن أد - وبصدقات عوف ~~والأبناء، وهذه بطون من تميم. ثم ندم قيس بعد ذلك، فلما أظله العلاء بن ~~الحضرمي أخرج الصدقة فتلقاه بها، ثم خرج معه وتشاغلت تميم بعضها ببعض. وكان ~~ثمامة بن أثال الحنفي تأتيه أمداد تميم، فلما حدث هذا الحدث أضر ذلك ~~بثمامة، وكان مقاتلا لمسيلمة الكذاب، حتى قدم عليه عكرمة بن أبي جهل، ~~فبينما الناس ببلاد تميم مسلمهم بإزاء من أراد الردة وارتاب إذ جاءتهم سجاح ~~بنت الحارث بن سويد بن عقفان التميمية قد أقبلت من الجزيرة وادعت النبوة. ~~وكانت ورهطها في أخوالها من تغلب تقود أفناء ربيعة معها الهذيل بن عمران في ~~بني تغلب، وكان نصرانيا، فترك دينه وتبعها، وعقة بن هلال في النمر، وزياد ~~بن فلان في إياد، والسليل بن قيس في شيبان، فأتاهم أمر أعظم مما هم فيه ~~لاختلافهم والتشاغل فيما بينهم. وكان سجاح تريد غزو أبي بكر، فأرسلت إلى ~~مالك بن نويرة تطلب الموادعة، فأجابها وردها عن غزوها وحملها على أحياء من ~~بني تميم، فأجابته وقالت: أنا امرأة من بني يربوع، فإن كان ملك فهو لكم. ~~وهرب منها عطارد بن حاجب وسادة بني مالك وحنظلة إلى بني العنبر، وكرهوا ما ~~صنع وكيع، وكان قد وادعها، وهرب منها أشباههم من بني يربوع وكرهوا ما صنع ~~مالك بن نويرة، واجتمع مالك ووكيع وسجاح فسجعت لهم سجاح وقالت: أعدوا ~~الركاب، واستعدوا للنهاب، ثم أغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب. فساروا ~~إليهم، فلقيهم ضبة وعبد مناة فقتل بينهم قتلى كثيرة وأسر بعضهم من بعض ثم ~~تصالحوا، وقال قيس بن عاصم شعرا ظهر فيه ندمه على تخلفه عن أبي بكر بصدقته. ~~ثم سارت سجاح في جنود الجزيرة حتى بلغت النباج، فأغار عليهم أوس ابن خزيمة ~~الهجيمي في بني عمرو فأسر الهذيل وعقة، ثم اتفقوا على أن يطلق أسرى سجاح ~~ولا يطأ أرض أوس ومن ms0712 معه. ثم خرجت سجاح في الجنود وقصدت اليمامة وقالت: ~~عليكم باليمامه، ودفوا دفيف الحمامة، فإنها غزوة صرامه، لا يلحقكم بعدها ~~ملامه. فقصدت بني حنيفة، فبلغ ذلك مسيلمة فخاف إن هو شغل بها أن يغلب ثمامة ~~وشرحبيل بن حسنة والقبائل التي حولهم على حجر، وهي اليمامة، فأهدى لها ثم ~~أرسل إليها يستأمنها على نفسه حتى يأتيها، فآمنته، فجاءها في أربعين من بني ~~حنيفة، فقال مسيلمة: لنا نصف الأرض وكان لقريش نصفها لو عدلت، وقد رد الله ~~عليك النصف الذي ردت قريش. وكان مما شرع لهم مسيلمة أن من أصاب ولدا واحدا ~~ذكرا لا يأتي النساء حتى يموت ذلك الولد فيطلب الولد حتى يصيب ابنا ثم ~~يمسك. وقيل: بل تحصن منها، فقالت له: انزل، فقال لها: أبعدي أصحابك. ففعلت، ~~وقد ضرب لها قبة وخمرها لتذكر بطيب الريح الجماع، واجتمع بها، فقالت له: ما ~~أوحى إليك ربك؟ فقال: ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى، أخرج منها نسمة ~~تسعى، بين سفاق وحشى قالت: وماذا أيضا؟ قال: إن الله خلق النساء أفراجا، ~~وجعل الرجال لهن أزواجا، فتولج فيهن قعسا إيلاجا، ثم تخرجها إذا تشاء ~~إخراجا، فينتجن لنا سخالا إنتاجا. قالت: أشهد أنك نبي. قال: هل لك أن ~~أتزوجك وآكل بقومي وقومك العرب؟ قالت: نعم. قال: ألا قومي إلى النيك ... ~~فقد هيي لك المضجع فإن شئت ففي البيت ... وإن شئت ففي المخدع وإن شئت ~~سلقناك ... وإن شئت على أربع وإن شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع ~~PageV01P0370 # قالت: بل به أجمع فإنه أجمع للشمل. قال: بذلك أوحي إلي. فأقامت عنده ~~ثلاثا ثم انصرفت إلى قومها، فقالوا لها: ما عندك؟ قالت: كان على الحق ~~فتبعته وتزوجته. قالوا: هل أصدقك شيئا؟ قالت: لا. قالوا: فارجعي فاطلبي ~~الصداق؛ فرجعت. فلما رآها أغلق باب الحصن وقال: ما لك؟ قالت: أصدقني. قال: ~~من مؤذنك؟ قالت: شبث بن ربعي الرياحي، فدعاه وقال له: ناد في أصحابك أن ~~مسيلمة رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما جاءكم به محمد: صلاة الفجر وصلاة ~~العشاء ms0713 الآخرة. فانصرفت ومعها أصحابها، منهم: عطارد بن حاجب وعمرو بن ~~الأهتم وغيلان بن خرشة وشبث بن ربعي، فقال عطارد بن حاجب: أمست نبينا أنثى ~~نطوف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا وصالحها مسيلمة على غلات اليمامة ~~سنة تأخذ النصف وتترك عنده من يأخذ النصف، فأخذت النصف وانصرفت إلى الجزيرة ~~وخلفت الهذيل وعقة وزيادا لأخذ النصف الباقي، فلم يفاجئهم إلا دنو خالد ~~إليهم فارفضوا. فلم تزل سجاح في تغلب حتى نقلهم معاوية عام الجماعة وجاءت ~~معهم وحسن إسلامهم وإسلامها وانتقلت إلى البصرة وماتت بها وصلى عليها سمرة ~~ابن جندب وهو على البصرة لمعاوية قبل قدوم عبيد الله بن زياد من خراسان ~~وولايته البصرة. وقيل: إنها لما قتل مسيلمة سارت إلى أخوالها تغلب بالجزيرة ~~فماتت عندهم ولم يسمع لها بذكر. ### || AUT ذكر مالك بن نويرة # لما رجعت سجاح إلى الجزيرة ارعوى مالك بن نويرة وندم وتحير في أمره، ~~وعرف وكيع وسماعة قبح ما أتيا فراجعا رجوعا حسنا ولم يتجبرا وأخرجا الصدقات ~~فاستقبلا بها خالدا. وسار خالد بعد أن فرغ من فزارة وغطفان وأسد وطيء يريد ~~البطاح، وبها مالك بن نويرة قد تردد عليه أمره، وتخلفت الأنصار عن خالد ~~وقالوا: ما هذا بعهد الخليفة إلينا إن الخليفة عهد إلينا إن نحن فرغنا من ~~بزاخة واستبرأنا بلاد القوم أن نقيم حتى يكتب إلينا. فقال خالد: قد عهد إلي ~~أن أمضي، وأنا الأمير، ولو لم يأتي كتاب ما رأيته فرصة وكنت إن أعلمته ~~فاتتني لم أعلمه حتى انتهزها، وكذلك لو ابتلينا بأمر ليس فيه منه عهد لم ~~ندع أن نرى أفضل ما يحضرنا ثم نعمل به، فأنا قاصد إلى مالك ومن معي ولست ~~أكرههم. ومضى خالد وندمت الأنصار وقالوا: إن أصاب القوم خيرا حرمتموه، وإن ~~أصيبوا ليجتنبنكم الناس. فلحقوه. ثم سار حتى قدم البطاح، فلم يجد بها أحدا، ~~وكان مالك بن نويرة قد فرقهم ونهاهم عن الاجتماع وقال: يا بني يربوع إنا ~~دعينا إلى هذا الأمر فأبطأنا عنه فلم نفلح، وقد نظرت فيه فرأيت الأمر يتأتى ms0714 ~~لهم بغير سياسة، وإذا الأمر لا يسوسه الناس، فإياكم ومناوأة قوم صنع لهم، ~~فتفرقوا وادخلوا في هذا الأمر. فتفرقوا على ذلك، ولما قدم خالد البطاح بث ~~السرايا وأمرهم بداعية الإسلام وأن يأتوه بكل من لم يجب وإن امتنع أن ~~يقتلوه، وكان قد أوصاهم أبو بكر أن يؤذنوا إذا نزلوا منزلا، فإن أذن القوم ~~فكفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا فاقتلوا وانهبوا، وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام ~~فسائلوهم عن الزكاة، فإن أقروا فاقبلوا منهم، وإن أبوا فقاتلوهم. ~~PageV01P0371 # قال: فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر من بني ثعلبة بن يربوع، فاختلفت ~~السرية فيهم، وكان فيهم أبو قتادة، فكان فيمن شهد أنهم قد أذنوا وأقاموا ~~وصلوا، فلما اختلفوا أمر بهم فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء، فأمر ~~خالد مناديا فنادى: أدفئوا أسراكم، وهي في لغة كنانة القتل، فظن القوم أنه ~~أراد القتل، ولم يرد إلا الدفء، فقتلوهم، فقتل ضرار بن الأزور مالكا، وسمع ~~خالد الواعية فخرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمرا أصابه وقد ~~اختلف القوم فيهم، فقال أبو قتادة: هذا عملك فزبره خالد فغضب ومضى حتى أتى ~~أبا بكر فغضب أبو بكر حتى كلمه عمر فيه فلم يرض إلا أن يرجع إليه فرجع إليه ~~حتى قدم معه المدينة وتزوج خالد أم تميم امرأة مالك. فقال عمر لأبي بكر: إن ~~سيف خالد فيه رهق، وأكثر عليه في ذلك. فقال: هيه يا عمر! تأول فأخطأ، فارفع ~~لسانك عن خالد، فإني لا أشيم سيفا سله الله على الكافرين. وودى مالكا وكتب ~~إلى خالد أن يقدم عليه، ففعل، ودخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد ~~وقد غرز في عمامته أسهما، فقام إليه عمر فنزعها وحطمها وقال له: أرثاء قتلت ~~أمرا مسلما ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بأحجارك! وخالد لا يكلمه يظن ~~أن رأي أبي بكر مثله، ودخل على أبي بكر فأخبره الخبر واعتذر إليه، فعذره ~~وتجاوز عنه وعنفه في التزويج الذي كانت عليه العرب من كراهة أيام الحرب. ~~فخرج خالد ms0715 وعمر جالس فقال: هلم إلي يا ابن أم سلمة. فعرف عمر أن أبا بكر قد ~~رضي عنه، فلم يكلمه. وقيل: إن المسلمين لما غشوا مالكا وأصحابه ليلا أخذوا ~~السلاح فقالوا: نحن المسلمون. فقال أصحاب مالك: ونحن المسلمون. قالوا لهم: ~~ضعوا السلاح، فوضعوه ثم صلوا، وكان يعتذر في قتله أنه قال: ما إخال صاحبكم ~~إلا قال كذا وكذا. فقال له: أو ما تعده لك صاحبا؟ ثم ضرب عنقه. وقدم متمم ~~بن نويرة على أبي بكر يطلب بدم أخيه ويسأله أن يرد عليهم سبيهم، فأمر أبو ~~بكر برد السبي وودى مالكا من بيت المال. ولما قدم على عمر قال له: ما بلغ ~~بك الوجد على أخيك؟ قال: بكيته حولا حتى أسعدت عيني الذاهبة عيني الصحيحة، ~~وما رأيت نارا قط إلا كدت أنقطع أسفا عليه لأنه كان يوقد ناره إلى الصبح ~~مخافة أن يأتيه ضيف ولا يعرف مكانه. قال: فصفه لي. قال: كان يركب الفرس ~~الحرون، ويقود الجمل الثقال وهو بين المزادتين النضوختين في الليلة القرة ~~وعليه شملة فلوت، معتقلا رمحا خطلا، فيسري ليلته ثم يصبح وكأن وجهه فلقة ~~قمر. قال: أنشدني بعض ما قلت فيه. فأنشده مرثيته التي يقول فيها: وكنا ~~كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ~~ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا فقال عمر: لو كنت أقول الشعر لرثيت ~~أخي زيدا. فقال متمم: ولا سواء يا أمير المؤمنين، لو كان أخي صرع مصرع أخيك ~~لما بكيته. فقال عمر: ما عزاني أحد بأحسن مما عزيتني به. وفي هذه الوقعة ~~قتل الوليد وأبو عبيدة ابنا عمارة بن الوليد، وهما ابنا أخي خالد، لهما صحبة. ### || AUT ذكر مسيلمة وأهل اليمامة # قد ذكرنا فيما تقدم مجيء مسيلمة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما ~~مات النبي، صلى الله عليه وسلم، وبعث أبو بكر السرايا إلى المرتدين، أرسل ~~عكرمة بن أبي جهل في عسكر إلى مسيلمة وأتبعه شرحبيل بن حسنة، فعجل عكرمة ~~ليذهب بصوتها، فواقعهم فنكبوه، وأقام شرحبيل بالطريق ms0716 حين أدركه الخبر، وكتب ~~عكرمة إلى أبي بكر بالخبر. فكتب إليه أبو بكر: لا أرينك ولا تراني، لا ~~ترجعن فتوهن الناس، امض إلى حذيفة وعرفجة فقاتل أهل عمان ومهرة، ثم تسير ~~أنت وجندك تستبرون الناس حتى تلقى مهاجر بن أبي أمية باليمن وحضرموت. فكتب ~~إلى شرحبيل بالمقام إلى أن يأتي خالد، فإذا فرغوا من مسيلمة تلحق بعمرو بن ~~العاص تعينه على قضاعة. PageV01P0372 # فلما رجع خالد من البطاح إلى أبي بكر واعتذر إليه قبل عذره ورضي عنه ~~ووجهه إلى مسيلمة وأوعب معه المهاجرين والأنصار، وعلى الأنصار ثابت بن قيس ~~بن شماس، وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد بن الخطاب، وأقام خالد بالبطاح ~~ينتظر وصول البعث إليه. فلما وصلوا إليه سار إلى اليمامة وبنو حنيفة يومئذ ~~كثيرون كانت عدتهم أربعين ألف مقاتل، وعجل شرحبيل ابن حسنة، وبادر خالدا ~~بقتال مسيلمة، فنكب، فلامه خالد، وأمد أبو بكر خالدا بسليط ليكون ردءا له ~~لئلا يؤتى من خلفه. وكان أبو بكر يقول: لا أستعمل أهل بدر، أدعهم حتى يلقوا ~~الله بصالح أعمالهم، فإن الله يدفع بهم وبالصالحين أكثر مما ينتصر بهم. ~~وكان عمر يرى استعمالهم على الجند وغيره. وكان مع مسيلمة نهار الرجال بن ~~عنفوة، وكان قد هاجر إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وقرأ القرآن، وفقه في ~~الدين، وبعثه معلما لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة، فكان أعظم فتنة على ~~بني حنيفة من مسيلمة، شهد أن محمدا، صلى الله عليه وسلم، يقول: إن مسيلمة ~~قد أشرك معه، فصدقوه واستجابوا له، وكان مسيلمة ينتهي إلى أمره، وكان يؤذن ~~له عبد الله بن النواجة، والذي يقيم له حجير بن عمير، فكان حجير يقول: أشهد ~~أن مسيلمة يزعم أنه رسول الله. فقال له مسيلمة: أفصح حجير، فليس في ~~المجمجمة خير. وهو أول من قالها. وكان مما جاء به وذكر أنه وحي: (يا ضفدع ~~بنت ضفدع نقي ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين، ~~ولا الماء تكدرين). وقال أيضا: (والمبديات زرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات ~~قمحا، والطاحنات ms0717 طحنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما ~~إهالة وسمنا؛ لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المذر؛ ريقكم ~~فامنعوه، والمعيي فأووه، والباغي فناوئوه). وأتته امرأة فقالت: إن نخلنا ~~لسحيق، وإن آبارنا لجزر، فادع الله لمائنا ونخلنا كما دعا محمد، صلى الله ~~عليه وسلم، لأهل هزمان. فسأل نهارا عن ذلك، فذكر أن النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، دعا لهم وأخذ من ماء آبارهم فتمضمض منه ومجه في الآبار ففاضت ماء ~~وأنجيت كل نخلة وأطلعت فسيلا قصيرا مكمما، ففعل مسيلمة ذلك، فغار ماء ~~الآبار ويبس النخل، وإنما ظهر ذلك بعد مهلكه. وقال له نهار: أمر يدك على ~~أولاد بني حنيفة مثل محمد، ففعل وأمر يده على رؤوسهم وحنكهم فقرع كل صبي ~~مسح رأسه، ولثغ كل صبي حنكه، وإنما استبان ذلك بعد مهلكه. وقيل: جاءه طلحة ~~النمري فسأله عن حاله، فأخبره أنه يأتيه رجل في ظلمة، فقال: أشهد أنك ~~الكاذب، وأن محمدا صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر. فقتل معه ~~يوم عقرباء كافرا. ولما بلغ مسيلمة دنو خالد ضرب عسكره بعقرباء، وخرج إليه ~~الناس وخرج مجاعة بن مرارة في سرية يطلب ثأرا لهم في بني عامر، فأخذه ~~المسلمون وأصحابه، فقتلهم خالد واستبقاه لشرفه في بني حنيفة، وكانوا ما بين ~~أربعين إلى ستين. وترك مسيلمة الأموال وراء ظهره، فقال شرحبيل بن مسيلمة: ~~يا بني حنيفة قاتلوا فإن اليوم يوم الغيرة، فإن انهزمتم تستردف النساء ~~سبيات، وينكحن غير خطيبات؛ فقاتلوا عن أحسابكم وامنعوا نساءكم. فاقتتلوا ~~بعقرباء وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة، وكانت قبله مع عبد ~~الله بن حفص بن غانم، فقتل، فقالوا: تشى علينا من نفسك فقال: بئس حامل ~~القرآن أنا إذا! وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس، وكانت العرب ~~على راياتهم، والتقى الناس، وكان أول من لقي المسلمين نهار الرجال بن عنفوة ~~فقتل، قتله زيد بن الخطاب، واشتد القتال، ولم يلق المسلمون حربا مثلها قط، ~~وانهزم المسلمون، وخلص بنو حنيفة إلى مجاعة وإلى خالد، ms0718 فزال خالد عن ~~الفسطاط ودخلوا إلى مجاعة وهو عند امرأة خالد، وكان سلمة إليها، فأرادوا ~~قتلها، فنهاهم مجاعة عن قتلها وقال: أنا لها جار، فتركوها، وقال لهم: عليكم ~~بالرجال، فقطعوا الفسطاط. ثم إن المسلمين تداعوا، فقال ثابت بن قيس: بئس ما ~~عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين! اللهم إني أبرأ إليك مما يصنع هؤلاء، يعني ~~أهل اليمامة، وأعتذر إليك مما يصنع هؤلاء، يعني المسلمين، ثم قاتل حتى قتل. ~~PageV01P0373 # وقال زيد بن الخطاب: لا نحور بعد الرجال، والله لا أتكلم اليوم حتى ~~نهزمهم أو أقتل فأكلمه بحجتي. غضوا أبصاركم وعضوا على أضراسكم أيها الناس، ~~واضربوا في عدوكم وامضوا قدما. وقال أبو حذيفة: يا أهل القرآن زينوا القرآن ~~بالفعال. وحمل خالد في الناس حتى ردوهم إلى أبعد مما كانوا، واشتد القتال ~~وتذامرت بنو حنيفة وقاتلت قتالا شديدا، وكانت الحرب يومئذ تارة للمسلمين ~~وتارة للكافرين، وقتل سالم وأبو حذيفة وزيد بن الخطاب وغيرهم من أولي ~~البصائر. فلما رأى خالد ما الناس فيه قال: امتازوا أيها الناس لنعلم بلاء ~~كل حي ولنعلم من أين نؤتى. فامتازوا، وكان أهل البوادي قد جنبوا المهاجرين ~~والأنصار وجنبهم المهاجرون والأنصار. فلما امتازوا قال بعضهم لبعض: اليوم ~~يستحى من الفرار، فما رئيس يوم كان أعظم نكاية من ذلك اليوم، ولم يدر أي ~~الفريقين كان أعظم نكاية، غير أن القتل كان في المهاجرين والأنصار وأهل ~~القرى أكثر منه في أهل البوادي. وثبت مسيلمة فدارت رحاهم عليه، فعرف خالد ~~أنها لا تركد إلا بقتل مسيلمة، ولم تحفل بنو حنيفة بمن قتل منهم. ثم برز ~~خالد ودعا إلى البراز ونادى بشعارهم، وكان شعارهم: يا محمداه! فلم يبرز ~~إليه أحد إلا قتله. ودارت رحا المسلمين، ودعا خالد مسيلمة فأجابه، فعرض ~~عليه أشياء مما يشتهي مسيلمة فكان إذا هم بجوابه أعرض ليستشير شيطانه ~~فينهاه أن يقبل. فأعرض بوجهه مرة وركبه خالد وأرهقه، فأدبر وزال أصحابه، ~~وصاح خالد في الناس فركبوهم، فكانت هزيمتهم، وقال لمسيلمة: أين ما كنت ~~عدنا. فقال: قاتلوا عن أحسابكم. ونادى المحكم: يا ms0719 بني حنيفة الحديقة ~~الحديقة! فدخلوها وأغلقوا عليهم بابها. وكان البراء بن مالك، وهو أخو أسد ~~بن مالك، إذا حضر الحرب أخذته رعدة حتى يقعد عليه الرجال ثم يبول، فإذا بال ~~ثار كما يثور الأسد، فأصابه ذلك، فلما بال وثب وقال: إلي أيها الناس، أنا ~~البراء بن مالك! إلي إلي! وقاتل قتالا شديدا، فلما دخلت بنو حنيفة الحديقة ~~قال البراء: يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة. فقالوا: لا نفعل. ~~فقال: والله لتطرحنني عليهم بها! فاحتمل حتى أشرف على الجدار فاقتحمها ~~عليهم وقاتل على الباب وفتحه للمسلمين ودخلوها عليهم فاقتتلوا أشد قتال، ~~وكثر القتلى في الفريقين لاسيما في بني حنيفة، فلم يزالوا كذلك حتى قتل ~~مسيلمة. واشترك في قتله وحشي مولى جبير بن مطعم ورجل من الأنصار، أما وحشي ~~فدفع عليه حربته، وضربه الأنصاري بسيفه، قال ابن عمر: فصرخ رجل: قتله العبد ~~الأسود، فولت بنو حنيفة عند قتله منهزمة، وأخذهم السيف من كل جانب، وأخبر ~~خالد بقتل مسيلمة، فخرج بمجاعة يرسف في الحديد ليدله على مسيلمة، فجعل يكشف ~~له القتلى حتى مر بمحكم اليمامة، وكان وسيما، فقال: هذا صاحبكم؟ فقال ~~مجاعة: لا، هذا والله خير منه وأكرم، هذا محكم اليمامة، ثم دخل الحديقة ~~فإذا رويجل أصيفر أخينس، فقال مجاعة: هذا صاحبكم قد فرغتم منه. وقال خالد: ~~هذا الذي فعل بكم ما فعل. وكان الذي قتل محكم اليمامة عبد الرحمن بن أبي ~~بكر، رماه بسهم في نحره وهو يخطب ويحرض الناس فقتله. وقال مجاعة لخالد: ما ~~جاءك إلا سرعان الناس، وإن الحصون مملوة، فهلم إلى الصلح على ما ورائي، ~~فصالحه على كل شيء دون النفوس، وقال: أنطلق إليهم فأشاورهم. فانطلق إليهم ~~وليس في الحصون إلا النساء والصبيان ومشيخة فانية ورجال ضعفى، فألبسهم ~~الحديد وأمر النساء أن ينشرن شعورهن ويشرفن على الحصون حتى يرجع إليهم. ~~فرجع إلى خالد فقال: قد أبوا أن يجيزوا ما صنعت، فرأى خالد الحصون مملوة ~~وقد نهكت المسلمين الحرب وطال اللقاء وأحبوا أن يرجعوا على الظفر ولم يدروا ~~ما ms0720 هو كائن، وقد قتل من المهاجرين والأنصار من أهل المدينة ثلاثمائة وستون، ~~ومن المهاجرين من غير المدينة ثلاثمائة رجل، وقتل ثابت بن قيس، قطع رجل من ~~المشركين رجله فأخذها ثابت وضربه بها فقتله، وقتل من بني حنيفة بعقرباء ~~سبعة آلاف، وبالحديقة مثلها، وفي الطلب نحو منها. وصالحه خالد على الذهب ~~والفضة والسلاح ونصف السبي، وقيل ربعه. فلما فتحت الحصون لم يكن فيها إلا ~~النساء والصبيان والضعفاء، فقال خالد لمجاعة: ويحك خدعتني! فقال: هم قومي ~~ولم أستطع إلا ما صنعت. PageV01P0374 # ووصل كتاب أبي بكر إلى خالد أن يقتل كلم حتلم، وكان قد صالحهم، فوفى لهم ~~ولم يغدر. ولما رجع الناس قال عمر لابنه عبد الله، وكان معهم: ألا هلكت قبل ~~زيد؟ هلك زيد وأنت حي! ألا واريت وجهك عني؟ فقال عبد الله: سأل الله ~~الشهادة فأعطيها وجهدت أن تساق إلي فلم أعطها. وفي هذه السنة بعد وقعة ~~اليمامة أمر أبو بكر بجمع القرآن لما رأى من كثرة من قتل من الصحابة لئلا ~~يذهب القرآن، وسيرد مبينا سنة ثلاثين. وممن قتل باليمامة شهيدا من الصحابة ~~عباد بن بشر الأنصاري، شهد بدرا وغيرها. وقتل عباد بن الحارث الأنصاري، ~~وكان شهد أحدا. وقتل بها عمير بن أوس بن عتيك الأنصاري، وكان شهد أحد. ~~وفيها قتل عامر بن ثابت بن سلمة الأنصاري. وفيها قتل عمارة بن حزم الأنصاري ~~أخو عمرو، وكان بدريا. وفيها قتل علي بن عبيد الله بن الحارث بن بني عامر ~~بن لؤي، وكان له صحبة. وقتل بها عائذ بن ماعص الأنصاري، وقيل: قتل يوم بئر ~~معونة. وقتل فيها فروة بن النعمان، وقيل ابن الحارث بن النعمان الأنصاري، ~~وكان قد شهد أحدا وما بعدها. وفيها قتل قيس بن الحارث بن عدي الأنصاري، عم ~~البراء بن عازب، وقيل بل قتل بأحد. وقتل بها سعد بن جماز الأنصاري، وكان قد ~~شهد أحدا. وقتل بها أبو دجانة الأنصاري، وهو بدري، وقيل بل عاش بعد ذلك ~~وشهد صفين مع علي، رضي الله عنه، والله أعلم. وقتل باليمامة ms0721 سلمة بن مسعود ~~بن سنان الأنصاري. وقتل فيها السائب بن عثمان بن مظعو الجمحي، وهو من ~~مهاجرة الحبشة، وشهد بدرا. وقتل أيضا السائب بن العوام أخو الزبير لأبويه. ~~وقتل بها الطفيل بن عمرو الدوسي، شهد خيبر. وقتل بها زرارة بن قيس ~~الأنصاري، له صحبة. وقتل فيها مالك بن عمرو السلمي حليف بني عبد شمس، وهو ~~بدري. وقتل مالك بن أمية السلمي، وهو بدري. ومالك بن عوس بن عتيك الأنصاري، ~~وهو ممن شهد أحدا. وقتل بها معن بن عدي بن الجد البلوي حليف الأنصار، شهد ~~العقبة وبدرا وغيرهما. ومسعود بن سنان الأسود حليف بني غانم، وشهد أحدا. ~~وفيها قتل النعمان بن عصر بن الربيع البلوي، وهو بدري. وقيل هو بكسر العين ~~وسكون الصاد، وقيل بفتحهما. وفيها قتل صفوان ومالك ابنا عمرو السلمي، وهما ~~بدريان. وضرار ابن الأزور الأسدي وهو الذي قتل مالك بن نويرة بأمر خالد. ~~وفيها قتل عبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي، وقيل قتل عبد الله ~~بالطائف هو وأخوه السائب. وفيها قتل عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى ~~العامري عامر قيس، وشهد بدرا وغيرها. وفيها قتل عبد الله بن عبد الله بن ~~أبي بن سلول، وهو بدري. وعبد الله بن عتيك الأنصاري، وهو قاتل ابن أبي ~~الحقيق، وهو بدري. وفيها قتل شجاع بن أبي وهب الأسدي أسد خزيمة، شهد بدرا. ~~وهريم بن عبد الله المطلبي القرشي، وأخوه جادة. والوليد ابن عبد شمس بن ~~المغيرة المخزومي، ابن عم خالد. وقتل ورقة بن إياس ابن عمرو الأنصاري، وهو ~~بدري. ويزيد بن أوس حليف بني عبد الدار، أسلم يوم الفتح. وأبو حبة بن غزية ~~الأنصاري، شهد أحدا. وأبو عقيل البلوي حليف الأنصار، وهو بدري. وأبو قيس بن ~~الحارث بن قيس بن عدي السهمي، من مهاجرة الحبشة، شهد أحدا. ويزيد بن ثابت ~~أخو زيد بن ثابت. الرجال بن عنفوة بالزاء المفتوحة، وبالجيم المشددة، وقيل ~~بالحاء المهملة، والأول أكثر. ومجاعة بتشديد الجيم. ومحكم اليمامة بالحاء ~~المهملة، والكاف المشددة. وسعد بن ms0722 جماز بالجيم، والميم المشددة، وآخره زاي. ### || AUT ذكر ردة أهل البحرين # PageV01P0375 # لما قدم الجارود بن المعلى العبدي على النبي، صلى الله عليه وسلم، وتفقه ~~ردة إلى قومه عبد القيس، فكان فيهم. فلما مات النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~وكان المنذر بن ساوى العبدي مريضا فمات بعد النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~بقليل. فلما مات المنذر بن ساوى ارتد بعده أهل البحرين؛ فأما بكر فتمت على ~~ردتها، وأما عبد القيس فإنهم جمعهم الجارود وكان بلغه أنهم قالوا: لو كان ~~محمد نبيا لم يمت. فلما اجتمعوا إليه قال لهم: أتعلمون أنه كان لله أنبياء ~~فيما مضى؟ قالوا: نعم. قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا. قال: فإن محمدا، صلى ~~الله عليه وسلم، قد مات كما ماتوا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله. فأسلموا وثبتوا على إسلامهم. وحصرهم أصحاب المنذر بعده حتى ~~استنقذهم العلاء بن الحضرمي. واجتمعت ربيعة بالبحرين على الردة إلا الجارود ~~ومن تبعه وقالوا: نرد الملك في المنذر بن النعمان بن المنذر، وكان يسمى ~~الغرور. فلما أسلم كان يقول: أنا المغرور ولست بالغرور. وخرج الحطم بن ~~ضبيعة أخو بني قيس بن ثعلبة في بكر بن وائل فاجتمع إليه من غير المرتدين ~~ممن لم يزل مشركا حتى نزل القطيف وهجر، واستغووا الخط ومن بها من الزط ~~والسبابجة، وبعث بعثا إلى دارين، وبعث إلى جواثا فحصر المسلمين، فاشتد ~~الحصر على من بها، فقال عبد الله بن حذف، وقد قتلهم الجوع: ألا أبلغ أبا ~~بكر رسولا ... وفتيان المدينة أجمعينا فهل لكم إلى قوم كرام ... قعود في ~~جواثا محصرينا كأن دماءهم في كل فج ... شعاع الشمس يغشى الناظرينا توكلنا ~~على الرحمن إنا ... وجدنا النصر للمتوكلينا وكان سبب استنقاذ العلاء بن ~~الحضرمي إياهم أن أبا بكر كان قد بعثه على قتال أهل الردة بالبحرين، فلما ~~كان بحيال اليمامة لحق به ثمامة بن أثال الحنفي في مسلمة بني حنيفة، ولحق ~~به أيضا قيس بن عاصم المنقري وأعطاه بدل ما كان قسم من الصدقة من ms0723 موت ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، وانضم إليه عمرو والأبناء، وسعد بن تميم ~~والرباب أيضا لحقته في مثل عدته، فسلك بهم الدهناء حتى إذا كانوا في ~~بحبوحتها نزل وأمر الناس بالنزول في الليل، فنفرت إبلهم بأحمالها، فما بقي ~~عندهم بعير ولا زاد ولا ماء، فلحقهم من الغم ما لا يعلمه إلا الله، ووصى ~~بعضهم بعضا فدعاهم العلاء فاجتمعوا إليه، فقال: ما هذا الذي غلب عليكم من ~~الغم؟ فقالوا: كيف نلام ونحن إن بلغنا غدا لم تحم الشمس حتى نهلك. فقال: لن ~~تراعوا، أنتم المسلمون وفي سبيل الله وأنصار الله، فأبشروا فوالله لن ~~تخذلوا. فلما صلوا الصبح دعا العلاء ودعوا معه، فلمع لهم الماء، فمشوا إليه ~~وشربوا واغتسلوا. فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل تجمع من كل وجه فأناخت ~~إليهم فسقوها. وكان أبو هريرة فيهم، فلما ساروا عن ذلك المكان قال لمجاب بن ~~راشد: كيف علمك بموضع الماء؟ قال: عارف به. فقال له: كن معي حتى تقيمني ~~عليه. قال: فرجعت به إلى ذلك المكان فلم نجد إلا غدير الماء فقلت له: والله ~~لولا الغدير لأخبرتك أن هذا هو المكان، وما رأيت بهذا المكان ماء قبل ~~اليوم، وإذا إداوة مملوة ماء. فقال أبو هريرة: هذا والله المكان، ولهذا ~~رجعت بك وملأت إداوتي ثم وضعتها على شفير الغدير وقلت: إن كان منا من المن ~~عرفته، وإن كان عينا عرفته، فإذا من المن فحمد الله. PageV01P0376 # ثم ساروا فنزلوا بهجر، وأرسل العلاء إلى الجارود يأمره أن ينزل بعبد ~~القيس على الحطم مما يليه، وسار هو فيمن معه حتى نزل عليه مما يلي هجر، ~~فاجتمع المشركون كلهم إلى الحطم إلا أهل دارين، واجتمع المسلمون إلى ~~العلاء، وخندق المسلمون على أنفسهم والمشركون وكانوا يتراوحون القتال ~~ويرجعون إلى خندقهم، فكانوا كذلك شهرا. فبينا هم كذلك سمع المسلمون ضوضاء ~~هزيمة أو قتال العلاء: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال عبد الله بن حذف: أنا، ~~فخرج حتى دنا من خندقهم، فأخذوه. وكانت أمه عجلية، فجعل ينادي: يا أبجراه! ~~فجاء أبجر من ms0724 بجير فعرفه فقال: ما شأنك؟ فقال: علام أقبل وحولي عساكر من ~~عجل وتيم اللات وغيرهما؟ فلخصه، فقال له: والله إني لأظنك بئس ابن أخت أتيت ~~الليلة أخوالك. فقال: دعني من هذا وأطعمني فقد مت جوعا. فقرب له طعاما، ~~فأكل، ثم قال: زودني واحملني، يقول هذا الرجل قد غلب عليه السكر، فحمله على ~~بعير وزوده وجوزه، فدخل عسكر المسلمين فأخبرهم أن القوم سكارى، فخرج ~~المسلمون عليهم فوضعوا فيهم السيف كيف شاؤوا، وهرب الكفار، فمن بين متردد ~~وناج ومقتول ومأسور، واستولى المسلمون على العسكر ولم يفلت رجل إلا بما ~~عليه. فأما أبجر فأفلت، وأما الحطم فقتل، قتله قيس بن عاصم بعد أن قطع عفيف ~~بن المنذر التميمي رجله. وطلبهم المسلمون فأسر عفيف المنذر بن النعمان بن ~~المنذر الغرور فأسلم. وأصبح العلاء فقسم الأنفال ونفل رجالا من أهل البلاء ~~ثيابا، فأعطى ثمامة بن أثال الحنفي خميصة ذات أعلام كانت للحطم يباهي بها. ~~فلما رجع ثمامة بعد فتح دارين رآها بنو قيس بن ثعلبة فقالوا له: أنت قتلت ~~الحطم! فقال: لم أقتله ولكني اشتريتها من المغنم. فوثبوا عليه فقتلوه. وقصد ~~عظم الفلال إلى دارين فركبوا إليها السفن ولحق الباقون ببلاد قومهم. فكتب ~~العلاء إلى من ثبت على إسلامه من بكر بن وائل، منهم عتيبة ابن النهاس ~~والمثنى بن حارثة وغيرهما، يأمرهما بالقعود للمنهزمين والمرتدين بكل طريق، ~~ففعلوا، وجاءت رسلهم إلى العلاء بذلك، فأمر أن يؤتى من وراء ظهره، فندب ~~حينئذ الناس إلى دارين وقال لهم: قد أراكم الله من آياته في البر لتعتبروا ~~بها في البحر، فانهضوا إلى عدوكم واستعرضوا البحر. وارتحل وارتحلوا حتى ~~اقتحم البحر على الخيل والإبل والحمير وغير ذلك، وفيهم الراجل، ودعا ودعوا. ~~وكان من دعائهم: (يا أرحم الراحمين، يا كريم، يا حليم، يا أحد، يا صمد، يا ~~حي، يا محيي الموتى، يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت يا ربنا)! فاجتازوا ذلك ~~الخليج بإذن الله يمشون على مثل رملة فوقها ماء يغمر أخفاف الإبل، وبين ~~الساحل ودارين يوم وليلة ms0725 لسفن البحر، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فظفر ~~المسلمون وانهزم المشركون، وأكثر المسلمون القتل فيهم فما تركوا بها مخبرا ~~وغنموا وسبوا، فلما فرغوا رجعوا حتى عبروا، وضرب الإسلام فيها بجرانه. وكتب ~~العلاء إلى أبي بكر يعرفه هزيمة المرتدين وقتل الحطم. وكان مع المسلمين ~~راهب من أهل هجر، فأسلم فقيل له: ما حملك على الإسلام؟ قال: ثلاثة أشياء ~~خشيت أن يمسخني الله بعدها: فيض في الرمال، وتمهيد أثباج البحر، ودعاء ~~سمعته في عسكرهم في الهواء سحرا: (اللهم أنت الرحمن الرحيم لا إله غيرك، ~~والبديع فليس قبلك شيء، والدائم غير الغافل، الحي الذي لا يموت وخالق ما ~~يرى وما لا يرى، وكل يوم أنت في شأن، علمت كل شيء بغير علم). فعلمت أن ~~القوم لم يعانوا بالملائكة إلا وهم على حق، فكان أصحاب النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، يسمعون هذا منه بعد. عتيبة بعد العين تاء معجمة باثنتين من ~~فوقها، وياء تحتها نقطتان، ثم باء موحدة. وحارثة بحاء مهملة، وثاء مثلثة. ### || AUT ذكر ردة أهل عمان ومهرة # قد اختلف في تاريخ حرب المسلمين هؤلاء المرتدين، فقال ابن إسحاق: كان ~~فتح اليمامة واليمن والبحرين وبعث الجنود إلى الشام سنة اثنتي عشرة، وقال ~~أبو معشر ويزيد بن عياض بن جعدبة وأبو عبيدة بن محمد بن عمار ابن ياسر: إن ~~فتوح الردة كلها كانت لخالد وغيره سنة إحدى عشرة، إلا أمر ربيعة بن بجير ~~فإنه كان سنة ثلاث عشرة، وقصته: أنه بلغ خالد بن الوليد أن ربيعة بالمصيخ ~~والحصيد في جمع من المرتدين فقاتله وغنم وسبى وأصاب ابنة لربيعة فبعث بها ~~إلى أبي بكر، فصارت إلى علي بن أبي طالب. PageV01P0377 # وأما عمان فإنه نبغ بها ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي، وكان يسامي في ~~الجاهلية الجلندى، وادعى بمثل ما ادعى من تنبأ، وغلب على عمان مرتدا، ~~والتجأ جيفر وعياذ إلى الجبال، وبعث جيفر إلى أبي بكر يخبره ويستمده عليه، ~~وبعث أبو بكر حذيفة بن محصن الغلفاني من حمير، وعرفجة البارقي من الأزد؛ ~~حذيفة إلى عمان، وعرفجة ms0726 إلى مهرة، وكل منهما أمير على صاحبه في وجهه، فإذا ~~قربا من عمان يكاتبان جيفرا. فسار إلى عمان، وأرسل أبو بكر إلى عكرمة بن ~~أبي جهل، وكان بعثه إلى اليمامة، فأصيب. فأرسل إليه أن يلحق بحذيفة وعرفجة ~~بمن معه يساعدهما على أهل عمان ومهرة، فإذا فرغوا منهم سار إلى اليمن. ~~فلحقهما عكرمة قبل عمان، فلما وصلوا رجاما، وهي قريب من عمان، كاتبوا جيفرا ~~وعياذا، وجمع لقيط جموعه وعسكر بدبا، وخرج جيفر وعياذ وعسكرا بصحار وأرسلا ~~إلى حذيفة وعكرمة وعرفجة، فقدموا عليهما، وكاتبوا رؤساء من لقيط وارفضوا ~~عنه، ثم التقوا على دبا فاقتتلوا قتالا شديدا، واستعلى لقيط، ورأى المسلمون ~~الخلل، ورأى المشركون الظفر. فبينما هم كذلك جاءت المسلمين موادهم العظمى ~~من بني ناجية وعليهم الخريت بن راشد، ومن عبد القيس وعليهم سيحان بن صوحان، ~~وغيرهم، فقوى الله المسلمين، بهم ووهن بهم أهل الشرك فولى المشركون ~~الأدبار، فقتل منهم في المعركة عشرة آلاف وركبوهم حتى أثخنوا فيهم وسبوا ~~الذراري وقسموا الأموال وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر مع عرفجة، وأقام حذيفة ~~بعمان حتى يوطىء الأمور يسكن الناس. وأما مهرة فإن عكرمة بن أبي جهل سار ~~إليهم لما فرغ من عمان ومعه من استنصر من ناجية وعبد القيس وراسب وسعد، ~~فاقتحم عليهم بلادهم، فوافق بها جمعين من مهرة أحدهما مع سخريت رجل منهم من ~~بني شخراة، والثاني مع المصبح، أحد بني محارب، ومعظم الناس معه، وكانا ~~مختلفين. فكاتب عكرمة سخريتا، فأجابه وأسلم، وكاتب المصبح يدعوه فلم يجب، ~~فقاتله قتالا شديدا، فانهزم المرتدون وقتل رئيسهم وركبهم المسلمون فقتلوا ~~من شاؤوا منهم وأصابوا ما شاؤوا من الغنائم، وبعث الأخماس إلى أبي بكر مع ~~سخريت، وازداد عكرمة وجنده قوة بالظهر والمتاع، وأقام عكرمة حتى اجتمع ~~الناس على الذي يحب وبايعوا على الإسلام. دبا بفتح الباء الموحدة المخففة، ~~وفتح الدال المهملة. والخريت بكسر الخاء المعجمة، وتشديد الراء المهملة ~~الممكسورة ثم ياء مثناة من تحتها، وآخره تاء. وسيحان بفتح السين المهملة، ~~وبالياء المثناة من تحت، وبالحاء المهملة، وآخره نون. ms0727 ### || AUT ذكر خبر ردة اليمن # لما توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعلى مكة وأرضها عتاب بن أسيد، ~~وعلى عك والأشعريين الطاهر بن أبي هالة، وعلى الطائف عثمان ابن أبي العاص ~~ومالك بن عوف النصري، عثمان على المدن، ومالك على أهل الوبر، وبصنعاء فيروز ~~وداذويه يسانده وقيس بن مكشوح، وعلى الجند يعلى بن أمية، وعلى مأرب أبو ~~موسى، وكان منهم مع الأسود الكذاب ما ذكرناه. فلما أهلك الله الأسود العنسي ~~بقي طائفة من أصحابه يترددون بين صنعاء ونجران لا يأوون إلى أحد. ومات ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، على أثر ذلك، فارتد الناس، فكتب عتاب بن أسيد ~~إلى أبي بكر يعرفه خبر من ارتد في عمله، وبعث عتاب أخاه خالدا إلى أهل ~~تهامة وبها جماعة من مدلج وخزاعة وأبناء كنانة. وأما كنانة عليهم جندب بن ~~سلمى، فالتقوا بالأبارق، فقتلهم خالد وفرقهم، وأفلت جندب وعاد، وبعث عثمان ~~بن أبي العاص بعثا إلى شنوءة وبها جماعة من الأزد وبجيلة وخثعم، وعليهم ~~حميضة بن النعمان، واستعمل عثمان على السرية عثمان بن أبي ربيعة، فالتقوا ~~بشنوءة، فانهزم الكفار وتفرقوا، وهرب حميضة في البلاد. وأما الأخابث من ~~العك فكانوا أول منتقض بتهامة بعد النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم تجمع عك ~~والأشعريون، وأقاموا على الأعلاب طريق الساحل، فسار إليهم الطاهر بن أبي ~~هالة ومعه مسروق وقومه من عك ممن لم يرتد، فالتقوا على الأعلاب، فانهزمت عك ~~ومن معهم وقتلوا قتلا ذريعا، وأنتنت السبل لقتلهم وكان ذلك فتحا عظيما. ~~وورد كتاب أبي بكر على الطاهر يأمره بقتالهم، وسماهم الأخابث، وسمى طريقهم ~~طريق الأخابث، فبقي الاسم عليهم إلى الآن. PageV01P0378 # وأما أهل نجران فلما بلغهم موت النبي، صلى الله عليه وسلم، أرسلوا وفدا ~~ليجددوا عهدهم مع أبي بكر، فكتب بذلك كتابا. وأما بجيلة فإن أبا بكر رد ~~جرير بن عبد الله وأمره أن يستنفر من قومه من ثبت على الإسلام ويقاتل بهم ~~من ارتد على الإسلام وأن يأتي خثعم فيقاتل من خرج غضبا لذي الخلصة، فخرج ~~جرير ms0728 وفعل ما أمره، فلم يقم له أحد إلا نفر يسير، فقتلهم وتتبعهم. حميضة ~~بالحاء المهملة المضمومة، والضاد المعجمة. ### || AUT ذكر خبر ردة اليمن ثانية # وكان ممن ارتد ثانية قس بن عبد يغوث بن مكشوح، وذلك أنه لما بلغه موت ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، عمل في قتل فيروز وجشيش، وكت أبو بكر إلى عمر ~~ذي مران وإلى سعيد ذي زود وإلى ذي الكلاع وإلى حوشب ذي ظليم وإلى شهر ذي ~~نياف يأمرهم بالتمسك بدينهم والقيام بأمر الله، ويأمرهم بإعانة الأبناء على ~~من ناوأهم، والسمع لفيروز، وكان فيروز وداذويه وقس قبل ذلك متساندين. فلما ~~سمع قيس بذلك كتب إلى ذي الكلاع وأصحابه يدعوهم إلى قتل الأبناء وإخراج ~~أهلهم من اليمن، فلم يجيبوه ولم ينصروا الأبناء. فاستعد لهم قيس وكاتب ~~أصحاب الأسود المترددين في البلاد سرا يدعوهم ليجتمعوا معه، فجاؤوا إليه، ~~فسمع بهم أهل صنعاء فقصد قيس فيروز وداذويه فاستشارهما في أمره خديعة منه ~~ليلبس عليهما، فاطمأنا إليه. ثم إن قيسا صنع من الغد طعاما ودعا داذويه ~~وفيروز وجشيش، فخرج داذويه فدخل عليه فقتله، وجاء إلى فيروز، فلما دنا منه ~~سمع امرأتين على سطحين تتحدثان فقالت إحداهما: هذا مقتول كما قتل داذويه، ~~فخرج. فطلبه أصحاب قيس، فخرج يركض، ولقيه جشيش فرجع معه فتوجها نحو جبل ~~خولان، وهم أخوال فيروز، فصعد الجبل، ورجعت خيول قيس فأخبروه، فثار بصنعاء ~~وما حولها وأتته خيول الأسود. واجتمع إلى فيروز جماعة من الناس، وكتب إلى ~~أبي بكر يخبره، واجتمع إلى قيس عوام قبائل من كتب إلى أبو بكر إلى رؤسائهم، ~~واعتزل الرؤساء، وعمد قيس إلى الأبناء ففرقهم ثلاث فرق: من أقام أقر عياله، ~~والذين ساروا مع فيروز فرق عيالهم فرقتين فوجه إحداهما إلى عدن ليحملوا في ~~البحر وحمل الأخرى في البر، وقال لهم جميعهم: الحقوا بأرضكم. فلما علم ~~فيروز ذلك جد في حربه وتجرد لها وأرسل إلى بني عقيل بن ربيعة بن عامر ~~يستمدهم، وإلى عك يستمدهم، فركبت عقيل وعليهم رجل من الحلفاء يقال له ~~معاوية، فلقوا ms0729 خيل قيس بن عامر ومعهم عيالات الأبناء الذين كان قد سيرهم ~~قيس فاستنقذوهم وقتلوا خيل قيس. وسارت عك وعليهم مسروف فاستنقذوا طائفة ~~أخرى من عيالات الأبناء وقتلوا من معهم من أصحاب قيس، وأمدت عقيل وعك فيروز ~~بالرجال. فلما أتته أمدادهم خرج بهم وبمن اجتمع عنده فلقوا قيسا دون صنعاء ~~فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزم قيس وأصحابه وتذبذب أصحاب العنسي وقيس معهم ~~فيما بين صنعاء ونجران. قيل: وكان فروة بن مسيك قدم على النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، مسلما فياستعمله النبي، صلى الله عليه وسلم، على صدقات مراد ومن ~~نازلهم ونزل دارهم. PageV01P0379 # وكان عمرو بن معدي كرب الزبيدي قد فارق قومه سعد العشيرة وانحاز إليهم ~~وأسلم معهم، فلما ارتد العنسي ومعه مذحج ارتد عمرو فيمن ارتد، وكان عمرو مع ~~خالد بن سعيد بن العاص، فلما ارتد سار إليه خالد فلقيه فضربه خالد على ~~عاتقه فهرب منه، وأخذ خالد سيفه الصمصامة وفرسه، فلما ارتد عمرو جعله ~~العنسي بإزاء فروة، فامتنع كل واحد منهما من البراح لمكان صاحبه. فبينما هم ~~كذلك قدم عكرمة بن أبي جهل أبين من مهرة، وقد تقدم ذكر قتال مهرة، ومعه بشر ~~كثير من مهرة وغيرهم، فاستبرى النخع وحمير، وقدم أيضا المهاجرين بن أبي ~~أمية في جمع من مكة والطائف وبجيلة مع جرير إلى نجران، فانضم إليه فروة بن ~~مسيك المرادي، فأقبل عمرو بن معدي كرب مستجيبا حتى دخل على المهاجر من غير ~~أمان، فأوثقه المهاجر، وأخذ قيسا أيضا فأوثقه وسيرهما إلى أبي بكر، فقال: ~~يا قيس قتلت عباد الله واتخذت المرتدين وليجة من دون المؤمنين وهم بقتله لو ~~وجد أمرا جليا! فانتفى قيس من أن يكون قارف من أمر داذويه شيئا، وكان قتله ~~سرا، فتجافى له عن دمه وقال لعمرو: أما تستحي أنك كل يوم مهزوم أو مأسور؟ ~~لو نصرت هذا الدين لرفعك الله. فقال: لا جرم لأقبلن ولا أعود. ورجعا إلى ~~عشائرهما. فسار المهاجر من نجران والتقت الخيول على أصحاب العنسي فاستأمنوا ~~فلم يؤمنهم وقتلهم بكل سبيل، ثم ms0730 سار إلى صنعاء فدخلها وكتب إلى أبي بكر بذلك. ### || AUT ذكر ردة حضرموت وكندة # لما توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعماله على بلاد حضرموت: زياد ~~بن أبي لبيد الأنصاري على حضرموت، وعكاشة بن أبي أمية على السكاسك والسكون، ~~والمهاجر بن أبي أمية على كندة، استعمله النبي، صلى الله عليه وسلم، ولم ~~يخرج إليها حتى توفي النبي، صلى الله عليه وسلم، فبعثه أبو بكر إلى قتال من ~~باليمن ثم المسير بعد إلى عمله، وكا قد تخلف عن رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، بتبوك فرجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو عاتب عليه، فبينما أم ~~سلمة تغسل رأس النبي، صلى الله عليه وسلم، قالت: كيف ينفعني عيش وأنت عاتب ~~على أخي؟ فرأت منه رقة، فأومأت إلى خادمها فدعته، فلم يزل بالنبي، صلى الله ~~عليه وسلم، يذكر عذره حتى رضي عنه واستعمله كل كندة. فتوفي النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، ولم يسر إلى عمله ثم سار بعده. وكان سبب ردة كندة وإجابتهم ~~الأسود الكذاب حتى لعن النبي، صلى الله عليه وسلم، الملوك الأربعة منهم، ~~أنهم لما أسلموا أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يوضع بعض صدقة ~~حضرموت في كندة، وبعض صدقة كندة في حضرموت، وبعض صدقة حضرموت في السكون، ~~وبعض صدقة السكون في حضرموت، فقال بعض بني وليعة: من كندة لحضرموت ليس لنا ~~ظهر، فإن رأيتم أن تبعثوا إلينا بذلك على ظهر. قالوا: فإنا ننظر فإن لم يكن ~~لكم ظهر فعلنا. فلما توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالت بنو وليعة: ~~أبلغونا كما وعدتم رسول الله، صلى الله عليه وسلم! فقالوا: إن لكم ظهرا ~~فاحتملوا، فقالوا لزياد: أنت معهم علينا. فأبى الحضرميون ولج الكنديون ~~ورجعوا إلى دارهم وترددوا في أمرهم، وأمسك عنهم زياد انتظارا للمهاجر. ~~PageV01P0380 # وكان المهاجر لما تأخر بالمدنية قد استخلف زيادا على عمله، وسار المهاجر ~~من صنعاء إلى عمله وعكرمة بن أبي جهل أيضا، فنزل أحدهما على الأسود والآخر ~~على وائل، وكان زياد بن ms0731 لبيد قد ولي صدقات بني عمرو بن معاوية من كندة ~~بنفسه، فقدم عليهم، فكان أول من انتهى إليه منهم شيطان بن حجر، فأخذ منهم ~~بكرة ووسمها، فإذا الناقة للعداء بن حجر أخي شيطان وليست عليه صدقة، وكان ~~أخوه قد أوهم حين أخرجها، وكان اسمها شذرة، وظنها غيرها، فقال العداء: هذه ~~ناقتي. فقال شيطان: صدق فأطلقها وخذ غيرها. فرأى زياد أن ذلك منه اعتلال ~~فاتهمه زياد بالكفر ومباعدة الإسلام، فمنعهما عنها وقال: صارت في حق الله. ~~فلجا في أخذها، فقال لهما: لا تكونن شذرة عليكم كالبسوس. فنادى العداء: يا ~~آل عمرو أضام وأضطهد! إن الذليل من أكل في داره! ونادى حارثة بن سراقة بن ~~معدي كرب، فأقبل إلى زياد وهو واقف، فقال: أطلق بكرة الرجل وخذ غيرها. فقال ~~زياد: ما لي إلى ذلك سبيل. فقال حارثة: ذاك إذا كنت يهودييا وعاج إليها؛ ~~وأطلق عقالها ثم ضرب على جنبها وبعثها وقام دونها، فأمر زياد شبابا من ~~حضرموت والسكون فمنعوه وكتفوه وكتفوا أصحابه وأخذوا البكرة، وتصايحت كندة ~~وغضبت بنو معاوية لحارثة وأظهروا أمرهم، وغضبت حضرموت والسكون لزياد، ~~وتوافى عسكران عظيمان من هؤلاء، ولم يحدث بنو معاوية شيئا لمكان أسرائهم، ~~ولم يجد أصحاب زياد سبيلا يتعلقون به عليهم، وأمرهم زياد بوضع السلاح فلم ~~يفعلوا، وطلبوا أسراءهم فلم يطلقهم، ونهد إليهم ليلا فقتل منهم وتفرقوا، ~~فلما تفرقوا أطلق حارثة ومن معه. فلما رجع الأسرى إلى أصحابهم حرضوهم على ~~زياد ومن معه، واجتمع منهم عسكر كثير ونادوا بمنع الصدقة، فأرسل الحصين بن ~~نمير إليهم فما زال يسفر فيما بينهم وبين زياد وحضرموت والسكون حتى سكن ~~بعضهم عن بعض، فأقاموا بعد ذلك يسيرا. ثم إن بني عمرو بن معاوية من كندة ~~نزلوا المحاجر، وهي أحماء حموها، فنزل جمد محجرا ومخوص محجرا ومشرح محجرا ~~وأبضعه محجرا وأختهم العمردة محجرا، وهم الملوك الأربعة رؤساء عمرو الذين ~~لعنهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد ذكروا قبل. ونزلت بنو الحارث ابن ~~معاوية محاجرها، فنزل الأشعث بن قيس محجرا، والسمط بن ms0732 الأسود محجرا، وأطبقت ~~بنو معاوية كلها على منع الصدقة إلا شرحبيل بن السمط وابنه، فإنهما قالا ~~لبني معاوية: إنه لقبيح بالأحرار التنقل، إن الكرام ليلزمون الشبهة ~~فيتكرمون أن ينتقلوا إلى أوضح منها مخافة العار، فكيف الانتقال من الأمر ~~الحسن الجميل والحق إلى الباطل القبيح! اللهم إنا لا نمالىء قومنا على ذلك. ~~وانتقل ونزل مع زياد ومعهما امرؤ القيس بن عابس، وقالا له: بيت القوم فإن ~~أقواما في السكاسك والسكون قد انضموا إليهم وكذلك شذاذ من حضرموت، فإن لم ~~تفعل خشينا أن تتفرق الناس عنا إليهم. فأجابهم إلى تبييت القوم، فاجتمعوا ~~وطرقوهم في محاجرهم فوجدوهم جلوسا حول نيرانهم، فأكبوا على بني عمرو بن ~~معاوية، وفيهم العدد والشوكة من خمسة أوجه، فأصابوا مشرحا ومخوصا وجمدا ~~وأبضعة وأختهم العمردة، وأدركتهم لعنة النبي، صلى الله عليه وسلم، وقتلوا ~~فأكثروا، وهرب من أطاق الهرب، وعاد زياد بن لبيد بالأموال والسبي، واجتازوا ~~بالأشعث، فثار في قومه فاستنقذهم وجمع الجموع. PageV01P0381 # وكتب زياد إلى المهاجر يستحثه، فلقيه الكتاب بالطريق فاستخلف على الجند ~~عكرمة بن أبي جهل وتعجل في سرعان الناس وقدم على زياد وسار إلى كندة، ~~فالتقوا بمحجر الزرقان فاقتتلوا، فانهزمت كندة وقتلت وخرجوا هرابا فالتجأوا ~~إلى النجير، وقد رموه وأصلحوه. وسار المهاجر فنزل عليهم واجتمعت كندة في ~~النجير فتحصنوا به فحصرهم المسلمون، وقدم إليهم عكرمة، فاشتد الحصر على ~~كندة وتفرقت السرايا في طلبهم فقتلوا منهم، وخرج من بالنجير من كندة وغيرهم ~~فقاتلوا المسلمين فكثر فيهم القتل فرجعوا إلى حصنهم وخشعت نفوسهم وخافوا ~~القتل وخاف الرؤساء على نفوسهم. فخرج الأشعث ومعه تسعة نفر فطلبوا من زياد ~~أن يؤمنهم وأهليهم على أن يفتحوا له الباب. فأجابهم إلى ذلك وقال: اكتبوا ~~ما شئتم ثم هلموا الكتاب حتى أختمه. ففعلوا، ونسي الأشعث أن يكتب نفسه ~~لأجحدما وثب عليه بسكين، فقال: تكتبني أو أقتلك؟ فكتبه ونسي نفسه، ففتحوا ~~الباب فدخل المسلمون فلم يدعوا مقاتلا إلا قتلوه وضربوا أعناقهم صبرا ~~وأخذوا الأموال والسبي. فلما فرغوا منهم دعا الأشعث أولئك النفر والكتاب ~~معهم فعرضهم، ms0733 فأجار من في الكتاب، فإذا الأشعث ليس منهم، فقال المهاجر: ~~الحمد لله الذي خطأ فاك يا أشعث يا عدو الله! قد كنت أشتهي أن يخزيك الله! ~~وشدة كتافا، فقيل له: أخره وسيره إلى أبي بكر فهو أعلم بالحكم فيه، فسيره ~~إلى أبي بكر مع السبي. وقيل: إن الحصار لما اشتد على من بالنجير نزل الأشعث ~~إلى المهاجر وزياد والمسلمين فسألهم الأمان على دمه وماله حتى يقدموا به ~~على أبي بكر فيرى فيه رأيه على أن يفتح لهم النجير ويسلم إليهم من فيه وغدر ~~بأصحابه، فقبلوا ذلك منه، ففتح لهم الحصن، فاستنزلوا من فيه من الملوك ~~فقتلوهم وأوثقوا الأشعث وأرسلوه مع السبي إلى أبي بكر، فكان المسلمون ~~يلعنونه ويلعنه سبايا قومه، وسماه نساء قومه عرف النار، وهم اسم الغادر ~~عندهم. فلما قدم المدينة قال له أبو بكر: ما تراني أصنع بك؟ قال: لا أعلم. ~~قال: فإني أقتلك. قال: فأنا الذي راوضت القوم في عشرة فما يحل دمي. قال: ~~إنما وجب الصلح بعد ختم الصحيفة على من فيها، وإنما كنت قبل ذلك مراوضا. ~~فلما خشي القتل قال: أو تحتسب في خيرا فتطلق إساري وتقيلني عثرتي وتفعل بي ~~مثل ما فعلت بأمثالي وترد علي زوجتي؟ وقد كان خطب أم فروة أخت أبي بكر لما ~~قدم على النبي، صلى الله عليه وسلم، وأخرها إلى أن يقدم الثانية، فمات ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، وارتد؛ فإن فعلت ذلك تجدني خير أهل بلادي لدين ~~الله. فحقن دمه ورد عليه أهله وأقام بالمدينة حتى فتح العراق وقسم الغنائم ~~بين الناس. وقيل: إن عكرمة قدم بعد الفتح فقال زياد والمهاجر لمن معهما: إن ~~إخوانكم قدموا مددا لكم فأشركوهم في الغنيمة، ففعلوا وأشركوهم. ولما ولي ~~عمر بن الخطاب قال: إنه لقبيح بالعرب أن يملك بعضهم بعضا، وقد وسع الله عز ~~وجل وفتح الأعاجم. واستشار في فداء سبايا العرب في الجاهلية والإسلام إلا ~~امرأة ولدت لسيدها، وجعل فداء لكل إنسان ستة أبعرة أو سبعة إلا حنيفة وكندة ~~فإنه خفف عليهم ms0734 لقتل رجالهم فتتبع النساء بكل مكان فقدوهن. وفيها انصرف ~~معاذ بن جبل من اليمن. وفيها استقضى أبو بكر عمر بن الخطاب، وكان يقضي بين ~~الناس خلافته كلها. وحج بالناس في هذه السنة عتاب بن أسيد، وقيل عبد الرحمن ~~بن عوف. النجير، بضم النون، وفتح الجيم، وسكون الياء تحتها نقطتان وآخره ~~راء: حصن باليمن منيع. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتي عشرة # ### || AUT ذكر مسير خالد بن الوليد إلى العراق # ### || AUT وصلح الحيرة # في هذه السنة في المحرم منها أرسل أبو بكر إلى خالد بن الوليد وهو ~~باليمامة يأمره بالمسير إلى العراق، وقيل: بل قدم المدينة من اليمامة فسيره ~~أبو بكر إلى العراق فسار حتى نزل ببانقيا وباروسما وأليس وصالحه أهلها. ~~وكان الذي صالحه عليها ابن صلوبا على عشرة آلاف دينار سوى حرزة كسرى، وكانت ~~على كل رأس أربعة دراهم، وأخذ منهم الجزية. ثم سار حتى نزل الحيرة فخرج ~~إليه أشرافها مع إياس بن قبيصة الطائي، وكان أميرا عليها بعد النعمان بن ~~المنذر، فدعاهم خالد إلى الإسلام أو الجزية أو المحاربة، فاختاروا الجزية، ~~فصالحهم على تسعين ألف درهم، فكانت أول جزية أخذت من الفرس في الإسلام هي ~~والقريات التي صالح عليها. PageV01P0382 # وقيل: إنما أمره أبو بكر أن يبدأ بالأبلة، وكتب إلى عياض بن غنم أن يقصد ~~العراق ويبدأ بالمصيخ ويدخل العراق من أعلاه ويسير حتى يلقى خالدا، وكان ~~المثنى بن حارثة الشيباني قد استأذن أبا بكر أن يغزو بالعراق فأذن له، فكان ~~يغزوهم قبل قدوم خالد، وأمر أبو بكر خالدا وعياضا أن يستنفرا من قاتل أهل ~~الردة وأن لا يغزون معهما مرتد، ففعلا وكتبا إليه يستمدانه، فأمد خالدا ~~بالقعقاع بن عمرو التميمي، فقيل له: أتمده برجل واحد؟ فقال: لا يهزم جيش ~~فيهم مثل هذا. وأمد عياضا بعبد بن غوث الحميري. وكتب أبو بكر إلى المثنى ~~وحرملة ومعذور وسلمى أن يلحقوا بخالد بالأبلة. فقدم خالد ومعه عشرة آلاف ~~مقاتل، وكان مع المثنى وأصحابه ثمانية آلاف. ولما قدم خالد فرق جنده ثلاث ~~فرق ولم ms0735 يحملهم على طريق واحد، على مقدمته المثنى وبعده عدي بن حاتم وجاء ~~خالد بعدهما، ووعدهما الحفير ليصادموا عدوهم، وكان ذلك الفرج أعظم فروج ~~فارس وأشدها شوكة، فكان صاحبه أسوار اسمه هرمز، فكان يحارب العرب في البر ~~والهند في البحر. فلما سمع هرمز بهم كتب إلى أردشير الملك بالخبر، وتعجل هو ~~إلى الكواظم في سرعان أصحابه ليتلقى خالدا، فسمع أنهم تواعدوا الحفير، ~~فسبقهم إليه ونزل به وجعل على مقدمته قباذ وأنوشجان، وكانا من أولاد أردشير ~~الأكبر، واقترنوا في السلاسل لئلا يفروا، فسمع بهم خالد فمال بالناس إلى ~~كاظمة، فسبقه هرمز إليها، وكان سيء المجاورة للعرب، فكلهم عليه حنق، وكانوا ~~يضربونه مثلا في الخبث فيقولون: أكفر من هرمز. وقدم خالد فنزل على غير ماء، ~~فقال له أصحاب في ذلك: ما تفعل؟ فقال لهم: لعمري ليصيرن الماء لأصبر ~~الفريقين، فحطوا أثقالهم، وتقدم خالد إلى الفرس فلاقاهم، وأرسل الله سحابة ~~فأإدرت وراء صف المسلمين فقويت قلوبهم، وخرج هرمز ودعا خالدا إلى البراز ~~وأوطأ أصحابه على الغدر بخالد، فبرز إليه خالد ومشى نحوه راجلا، ونزل هرمز ~~أيضا وتضاربا، فاحتضنه خالد، وحمل أصحاب هرمز، فما شغله ذلك عن قتله، وحمل ~~القعقاع بن عمرو فأزاحهم، وانهزم أهل فارس وركبهم المسلمون، وسميت الوقعة ~~ذات السلاسل، ونجا قباذ وأنوشجان، وأخذ خالد سلب هرمز، وكانت قلنسوته بمائة ~~ألف لأنه كان قد تم شرفه في الفرس، وكانت هذه عادتهم، إذا تم شرف الإنسان ~~تكون قلنسوته بمائة ألف. وبعث خالد بالفتح والأخماس إلى أبي بكر، وسار حتى ~~نزل بموضع الجسر الأعظم بالبصرة، وبعث المثنى بن حارثة في آثارهم، وأرسل ~~معقل بن مقرن إلى الأبلة ففتحها فجمع الأموال بها والسبي. وهذا القول خلاف ~~ما يعرفه أهل النقل لأن فتح الأبلة كان على يد عتبة ابن غزوان أيام عمر بن ~~الخطاب سنة أربع عشرة. وحاصر المثنى بن حارثة حصن المرأة ففتحه وأسلمت، ولم ~~يعرض خالد وأصحابه إلى الفلاحين لأن أبا بكر أمرهم بذلك. ### || AUT ذكر وقعة الثني # لما وصل كتاب هرمز إلى أردشير بخبر ms0736 خالد أمده بقارن بن قريانس، فلما ~~انتهى إلى المذار لقيه المنهزمون فاجتمعوا ورجعوا ومعهم قباذ وأنوشجان ~~ونزلوا الثني، وهو النهر، وسار إليهم خالد فلقيهم واقتتلوا، فبرز قارن ~~فقتله معقل بن الأعشى بن النباش، وقتل عاصم أنوشجان، وقتل عدي ابن حاتم ~~قباذ، وكان شرف قارن قد انتهى. ولم يقاتل المسلمون بعده أحدا انتهى شرفه، ~~وقتل من الفرس مقتلة عظيمة يبلغون ثلاثين ألفا سوى من غرق ومنعت المياه ~~المسلمين من طلبهم. وقسم الفيء وأنفذ الأخماس إلى المدينة وأعطى الأسلاب من ~~سلبها، وكانت الغنيمة عظيمة، وسبى عيالات المقاتلة، وأخذ الجزية من ~~الفلاحين وصاروا ذمة. وكان في السبي أبو الحسن البصري، وكان نصرانيا، وأمر ~~على الجند سعيد بن النعمان، وعلى الحرز سويد بن مقرن المزني وأمره بنزول ~~الحفير، وأقام بتجسس الأخبار. ### || AUT ذكر وقعة الولجة # PageV01P0383 # ولما فرغ خالد من الثني وأتى الخبر أردشير بعث الأندرزعز، وكان فارسا من ~~مولدي لسواد، وأرسل بهمن جاذويه في أثره في جيش، وحشر إلى الأندرزعز من بين ~~الحيرة وكسكر ومن عرب الضاحية والدهاقين وعسكروا بالولجة. وسمع بهم خالد ~~فسار إليهم من الثني فلقيهم بالولجة وكمن لهم فقاتلهم قتالا شديدا أشد من ~~الأول حتى ظن الفريقان أن الصبر قد أفرغ. واستبطأ خالد كمينه فخرجوا من ~~ناحيتين، فانهزمت الأعاجم، وأخذ خالد من بين أيديهم والكمين من خلفهم فقتل ~~منهم خلقا كثيرا، ومضى الأندرزعز منهزما فمات عطشا، وأصاب خالد ابنا لجابر ~~بن بجير وابنا لعبد الأسود من بكر بن وائل، وكانت وقعة الولجة في صفر، وبذل ~~الأمان للفلاحين، فعادوا وصاروا ذمة، وسبى ذراري المقاتلة ومن أعانهم. ### || AUT ذكر وقعة أليس وهو على الفرات # لما أصاب خالد يوم الولجة ما أصاب من نصارى بكر بن وائل الذين أعانوا ~~الفرس غضب لهم نصارى قومهم فكاتبوا الفرس واجتمعوا على أليس وعليهم عبد ~~الأسود العجلي، وكان مسلمو بني عجل، منهم: عتيبة بن النهاس وسعيد بن مرة ~~وفرات بن حيان ومذعور بن عدي والمثنى بن لاحق، أشد الناس على أولئك ~~النصارى. وكتب أردشير إلى بهمن جاذويه، وهو ms0737 بقشيناثا، يأمره بالقدوم على ~~نصارى العرب بأليس، فقدم بهمن جاذويه إلى أردشير ليشاوره فيما يفعل فوجده ~~مريضا، فتوقف عليه، فاجتمع على جابان نصارى عجل وتيم اللات وضبيعة وجابر بن ~~بجير وعرب الضاحية من أهل الحيرة. وكان خالد لما بلغه تجمع نصارى بكر ~~وغيرهم سار إليهم ولا يشعر بدنو جابان. فلما طلع جابان بأليس قالت العجم ~~له: أنعاجلهم أم نغدي الناس ولا نريهم أنا نحفل بهم ثم نقاتلهم؟ فقال ~~جابان: إن تركوكم فتهاونوا بهم. فعصوه وبسطوا الطعام، وانتهى خالد إليهم ~~وحط الأثقال، فلما وضعت توجه إليهم وطلب مبارزة عبد الأسود وابن أبجر ومالك ~~بن قيس، فبرز إليه مالك من بينهم، فقتله خالد وأعجل الأعاجم عن طعامهم. ~~فقال لهم جابان: ألم اقل لكم والله ما دخلتني من مقدم جيش وحشة إلا هذا؟ ~~وقال لهم: حيث لم تقدروا على الأكل فسموا الطعام فإن ظفرتم فأيسر هالك وإن ~~كانت لهم هلكوا بأكله. فلم يفعلوا، واقتتلوا قتالا شديدا والمشركون يزيدهم ~~ثبوتا توقعهم قدوم بهمن جاذويه، فصابروا المسلمين، فقال خالد: اللهم إن ~~هزمتهم فعلي أن لا أستبقي منهم من أقدر عليه حتى أجري من دمائهم نهرهم. ~~فانهزمت فارس فنادى منادي خالد: الأسراء الأسراء إلا من امتنع فاقتلوه. ~~فأقبل لهم المسلمون أسراء ووكل بهم من يضرب أعناقهم يوما وليلة. فقال له ~~القعقاع وغيره: لو قتلت أهل الأرض لم تجر دماؤهم، فأرسل عليها الماء تبر ~~يمينك؛ ففعل، وسمي نهر الدم؛ ووقف خالد على الطعام وقال للمسلمين: قد ~~نفلتكموه، فتعشى به المسلمون، ودعل من لم الرقاق يقول: ما هذه الرقاع ~~البيض! وبلغ عدد القتلى سبعين ألفا، وكانت الوقعة في صفر. فلما فرغ من أليس ~~سار إلى أمغيشيا، وقيل اسمها منيشيا، فأصابوا فيها ما لم يصيبوا مثله لأن ~~أهلها أعجلهم المسلمون أن ينقلوا أموالهم وأثاثهم وكراعهم وغير ذلك، وأرسل ~~إلى أبي بكر بالفتح ومبلغ الغنائم والسبي وأخرب أمغيشيا. فلما بلغ ذلك أبا ~~بكر قال: عجز النساء أن يلدن مثل خالد. ### || AUT ذكر وقعة يوم فرات بادقلى # ### || AUT وفتحه الحيرة # PageV01P0384 # ثم ms0738 سار خالد من أمغيششيا إلى الحيرة وحمل الرحال والأثقال في السفن، فخرج ~~مرزبان الحيرة، وهو الأزاذبه فعسكر عند الغريين وأرسل ابنه فقطع الماء عن ~~السفن فبقيت على الأرض. فسار خالد في خيل نحو ابن الأزاذبه فلقيه على فرات ~~بادقلى فضربه وقتله وقتل أصحابه وسار نحو الحيرة، فهرب منه الأزاذبه، وكان ~~قد بلغه موت أردشير وقتل ابنه، فهرب بغير قتال، ونزل المسلمون عند الغريين، ~~وتحصن أهل الحيرة فحصرهم في قصورهم. وكان ضرار بن الأزور محاصرا القصر ~~الأبيض وفيه إياس بن قبيصة الطائي، وكان ضرار بن الخطاب محاصرا قصر الغريين ~~وفيه عدي بن عدي المقتول، وكان ضرار بن مقرن المزني عاشر عشرة إخوة محاصرا ~~قصر ابن مازن وفيه ابن أكال، وكان المثنى محاصرا قصر ابن بقيلة وفيه عمرو ~~بن عبد المسيح بن بقيلة، فدعوهم جميعا وأجلوهم يوما وليلة، فأبى أهل ~~الحيرة، وقاتلهم المسلمون فافتتحوا الدور والديرات وأكثروا القتل. فنادى ~~القسيسون والرهبان: يا أهل القصور ما يقتلنا غيركم! فنادى أهل القصور ~~المسلمين: قد قبلنا واحدة من ثلاث، وهي: إما الإسلام أو الجزية أو ~~المحاربة، فكفوا عنهم، وخرج إليهم إياس بن قبيصة وعمرو بن عبد المسيح بن ~~قيس بن حيان بن الحارث، وهو بقيلة، وإنما سمي بقيلة لأنه خرج على قومه في ~~بردين أخضرين، فقالوا: ما أنت إلا بقيلة خضراء، فأرسلوهم إلى خالد، فكان ~~الذي يتكلم عنهم عمرو بن عبد المسيح، فقال له خالد: كم أتى عليك؟ قال: مئو ~~سنين. قال: فما أعجب ما رأيت؟ قال: رأيت القرى منظومة ما بين دمشق والحيرة ~~تخرج المرأة من الحيرة فلا تتزود إلا رغيفا. فتبسم خالد وقال لأهل الحيرة: ~~ألم يبلغني أنكم خبثة خدعة، فما بالكم تتناولون حوائجكم بخرف لا يدري من ~~أين جاء؟ فأحب عمرو أن يريه من نفسه ما يعرف به عقله وصحة ما حدثه به، قال: ~~وحقك إني لأعرف من أين جئت! قال: فمن أين خرجت؟ قال: من بطن أمي. قال: فأين ~~تريد؟ قال: أمامي. قال: وما هو؟ قال: الآخرة. قال: فمن أين أقصى ms0739 أثرك؟ قال: ~~من صلب أبي. قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي. قال: أتعقل؟ قال: إي والله ~~وأقيد. قال خالد: إنما أسألك! قال: فأنا أجيبك. قال: أسلم أنت أم حرب؟ قال: ~~بل سلم. قال: فما هذه الحصون؟ قال: بنيناها للسفيه نحبسه حتى ينهاه الحليم. ~~قال خالد: قتلت أرض جاهلها وقتل أرضا عالمها، القوم أعلم بما فيهم. وكان مع ~~ابن بقيلة خادم معه كيس فيه سم، فأخذه خالد ونثره في يده وقال: لم تستصحب ~~هذا؟ قال: خشيت أن تكونوا على غير ما رأيت فكان الموت أحب إلي من مكروه ~~أدخله على قومي. فقال خالد: إنها لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها، وقال: ~~(باسم الله خير الأسماء، رب الأرض والسماء، الذي لا يضر مع اسمه داء، ~~الرحمن الرحيم)، وابتلع السم. فقال ابن بقيلة: والله لتبلغن ما اردتم ما ~~دام أحد منكم هكذا. وأبى خالد أن يصالحهم إلا على تسليم كرامة بنت عبد ~~المسيح إلى شويل، فأبوا، فقالت لهم: هونوا عليهم وأسلموني فإني سأفتدي. ~~ففعلوا، فأخذها شويل، فافتدت منه بألف درهم، فلامه الناس، فقال: ما كانت ~~أظن أن عددا أكثر من هذا. وكان سبب تسليمها إليه أن النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، لما ذكر استيلاء أمته على ملك فارس والحيرة سأله شويل أن يعطى كرامة ~~ابنة عبد المسيح، وكان رآها شابة فمال إليها، فوعده النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، ذلك، فلما فتحت الحيرة طلبها وشهد له شهود بوعد النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، أن يسلمها إليه، فسلمها إليه خالد. وصالحهم على مائة ألف وتسعين ~~ألفا، وقيل: على مائتي ألف وتسعين ألفا، وأهدوا له هدايا. فبعث بالفتح ~~والهدايا إلى أبي بكر، فقبلها أبو بكر من الجزاء وكتب إلى خالد أن يأخذ ~~منهم بقية الجزية ويحسب لهم الهدية. وكان فتح الحيرة في شهر ربيع الأول سنة ~~اثنتي عشرة، وكتب لهم خالد كتابا، فلما كفر أهل السواد بعد موت أبي بكر ~~ضيعوا الكتاب، فلما افتتحه المثنى ثانية عاد بشرط آخر، فلما عادوا كفروا، ~~وافتتحها سعد بن ms0740 أبي وقاص ووضع عليهم أربعمائة ألف. قال خالد: ما لقيت قوما ~~كأهل فارس، وما لقيت من أهل فارس كأهل أليس. ### || AUT ذكر ما بعد الحيرة # PageV01P0385 # قيل: كان الدهاقين يتربصون بخالد وينظرون ما يصنع أهل الحيرة، فلما ~~صالحهم واستقاموا له أتته الدهاقين من تلك النواحي، أتاه دهقان فرات سريا ~~وصلوبا ابن نسطونا ونسطونا، فصالحوه على ما بين الفلاليج إلى هرمزجرد على ~~ألفي ألف، وقيل: ألف ألف سوى ما كان لآل كسرى، وبعث خالد عماله ومسالحه، ~~وبعث ضرار بن الأزور وضرار بن الخطاب والقعقاع بن عمرو والمثنى بن حارث ~~وعتيبة بن النهاس فنزلوا على السيب، وهم كانوا أمراء الثغور مع خالد، ~~وأمرهم بالغارة، فمخروا ما وراء ذلك إلى شاطىء دجلة، وكتب خالد إلى أهل ~~فارس يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية فإن أجابوا وإلا حاربهم، فكان العجم ~~مختلفين بموت أردشير إلا أنهم قد أنزلوا بهمن جاذويه بهرسير ومعه غيره كأنه ~~مقدمة لهم، وجبى خالد الخراج في خمسين ليلة وأعطاه المسلمين، ولم يبق لأهل ~~فارس فيما بين الحيرة ودجلة أمر لاختلافهم بموت أردشير إلا أنهم مجمعون على ~~حرب خالد وخالد مقيم بالحيرة يصعد ويصوب سنة قبل خروجه إلى الشام، والفرس ~~يخلعون ويملكون ليس إلا الدفع عن بهرسير، وذلك أن شيرى بن كسرى قتل كل من ~~كان يناسبه إلى أنوشروان، وقتل أهل فارس بعده وبعد أردشير ابنه من كان بين ~~أنوشروان وبين بهرام جور، فبقوا لم يقدروا على من يملكونه ممن يجتمعون ~~عليه. فلما وصلهم كتب خالد تكلم نساء آل كسرى فولي الفرخزاد بن النبذوان ~~إلى أن يجتمع آل كسرى على من يملكونه إن وجدوه. ووصل جرير بن عبد الله ~~البجلي إلى خالد بعد فتح الحيرة، وكان سبب وصوله إليه أنه كان مع خالد بن ~~سعيد بن العاص بالشام فاستأذنه في المصير إلى أبي بكر ليكلمه في قومه ~~ليجمعهم له، وكانوا أوزاعا متفرقين في العرب، فأذن له، فقدم على أبي بكر ~~فذكر له ذلك وأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعده به وشهد له ms0741 شهود، ~~فغضب أبو بكر وقال: ترى شغلنا وما نحن فيه بغوث المسلمي ممن بإزائهم من ~~فارس والروم ثم أنت تكلفني ما لا يغني! وأمره بالمسير إلى خالد بن الوليد، ~~فسار حتى قدم عليه بعد فتح الحيرة ولم يشهد شيئا مما قبلها بالعراق ولا ~~شيئا مما كان خالد فيه من قتل أهل الردة. عتيبة بالتاء المثناة من فوقها، ~~وبالياء المثناة من تحتها، وبالباء الموحدة. ### || AUT ذكر فتح الأنبار # ثم سار خالد على تعبيته التي خرج فيها من الحيرة إلى الأنبار، وإنما سمي ~~الأنبار لأن أهراء الطعام كانت بها أنابير، وعلى مقدمته الأقرع بن حابس. ~~فلما بلغها أطاف بها وأنشب القتال، وكان قليل الصبر عنه، وتقدم إلى رماته ~~وأوصاهم أن يقصدوا عيونهم فرموا رشقا واحدا ثم تابعوا فأصابوا ألف عين، ~~فسميت تلك الوقعة ذات العيون. وكان على من بها من الجند شيرزاد صاحب ساباط، ~~فلما رأى ذلك أرسل يطلب الصلح على أمر لم يرضه خالد، فرد رسله ونحر من إبل ~~العسكر كل ضعيف وألقاه في خندقهم، ثم عبره، فاجتمع المسلمون والكفار في ~~الخندق، فأرسل شيرزاد إلى خالد وبذل له ما أراد، فصالحه على أن يلحقه ~~بمأمنه في جريدة ليس معهم من متاع شيء، وخرج شيرزاد إلى بهمن جاذويه، ثم ~~صالح خالد من حول الأنبار وأهل كلواذى. ### || AUT ذكر فتح عين التمر # ولما فرغ خالد من الأنبار استخلف عليها الزبرقان بن بدر وسار إلى عين ~~التمر وبها مهران بن بهرام جوبين، في جمع عظيم من العجم، وعقة ابن أبي عقة ~~في جمع عظيم من العرب منا النمر وتغلب وإياد وغيرهم، فلما سمعوا بخالد قال ~~عقة لمهران: إن العرب أعلم بقتال العرب فدعنا وخالدا. قال: صدقت فأنتم أعلم ~~بقتال العرب، وإنكم لمثلنا في قتال العجم. فخدعه واتقى به وقال: إن احتجتم ~~إلينا أعناكم. فلامه أصحابه من الفرس على هذا القول، فقال لهم: إنه قد ~~جاءكم من قتل ملوككم أمر عظيم وفل حدكم فاتقيته بهم، فإن كانت لكم على خالد ~~فهي لكم، وإن كانت الأخرى ms0742 لم تبلغوا منهم حتى يهنوا فنقاتلهم ونحن أقوياء. ~~فاعرفوا له، وسار عقة إلى خالد فالتقوا، فحمل خالد بنفسه على عقة وهو يقيم ~~صفوفه، فاحتضنه وأخذه أسيرا وانهزم عسكره من غير قتال فأسر أكثرهم. ~~PageV01P0386 # فلما بلغ الخبر مهران هرب في جنده وتركوا الحصن، فلما انتهى المنهزمون ~~إليه تحصنوا به، فنازلهم خالد، فطلبوا منه الأمان، فأبى، فنزلوا على حكمه، ~~فأخذهم أسرى وقتل عقة ثم قتلهم أجمعين وسبى كل من في الحصن وغنم ما فيه، ~~ووجد في بيعتهم أربعين غلاما يتعلمون الإنجيل، فأخذهم فقسمهم في أهل ~~البلاء، منهم: سيرين أبو محمد، ونصير أبو موسى، وحمران مولى عثمان. وأرسل ~~إلى أبي بكر بالخبر والخمس. وفي عين التمر قتل عمير بن رئاب السهمي، وكان ~~من مهاجرة الحبشة، ومات بها بشير بن سعد الأنصاري والد النعمان فدفن بها ~~إلى جانب عمير. ### || AUT ذكر خبر دومة الجندل # ولما فرغ خالد من عين التمر أتاه كتاب عياض بن غنم يستمده على من بإزائه ~~من المشركين، فسار خالد إليه، فكان بإزائه بهراء وكلب وغسان وتنوخ ~~والضجاعم، وكانت دومة على رئيسين: أكيدر بن عبد الملك والجودي ابن ربيعة، ~~فأما أكيدر فلم ير قتال خالد وأشار بصلحه خوفا، فلم يقبلوا منه، فخرج عنهم، ~~وسمع خالد بمسيره فأرسل إلى طريقه عاصم بن عمرو معارضا له فأخذه أسيرا ~~فقتله وأخذ ما كان معه وسار حتى نزل على أهل دومة الجندل فجعلها بينه وبين ~~عياض. فلما اطمأن خالد خرج إليه الجودي في جمع ممن عنده من العرب لقتاله ~~وأخرج طائفة أخرى إلى عياض، فقاتلهم عياض فهزمهم، فهزم خالد من يليه، وأخذ ~~الجودي أسيرا وانهزموا إلى الحصن، فلما امتلأ أغلقوا الباب دون أصحابهم ~~فبقوا حوله، فأخذهم خالد فقتلهم حتى سد باب الحصن، وقتل الجودي وقتل الأسرى ~~إلا أسرى كلب، فإن بني تميم قالوا لخالد: قد أمناهم، وكانوا حلفاءهم، ~~فتركهم. ثم أخذ الحصن قهرا فقتل المقاتلة وسبى الذرية والسرح فباعهم، ~~واشترى خالد ابنة الجودي، وكانت موصوفة. وأقام خالد بدومة الجندل، فطمع ~~الأعاجم، وكاتبهم عرب الجزيرة غضبا ms0743 لعقة، فخرج زرمهر وروزبه يريدان الأنبار ~~واتعدا حصيدا والخنافس، فسمع القعقاع بن عمرو، وهو خليفة خالد على الحيرة، ~~فأرسل أعبد بن فدكي وأمره بالحصيد وأرسل عروة بن الجعد البارقي إلى ~~الخنافس، فخرجا فحالا بينهما وبين الريف، ورجع خالد إلى الحيرة، فبلغه ذلك، ~~وكان عازما على مصادمة أهل المدائن، فمنعه من ذلك كراهية مخالفة أبي بكر، ~~فعجل القعقاع بن عمرو وأبا ليلى بن فدكي إلى روزبه وزرمهر فسبقاه إلى عين ~~القمر، ووصل إلى خالد كتاب امرىء القيس الكلبي أن الهذيل بن عمران قد عسكر ~~بالمصيخ، ونزل ربيعة بن بجير بالثني وبالبشر غضبا لعقة يريدان زرمهر ~~وروزبه، فخرج خالج وسار إلى القعقاع وأبي ليلى فاجتمع بهما بالعين، فبعث ~~القعقاع إلى حصيد، وبعث أبا ليلى إلى الخنافس. ### || AUT ذكر وقعة حصيد والخنافس # فسار القعقاع نحو حصيد، وقد اجتمع بها روزبه وزرمهر، فالتقوا بحصيد، ~~فقتل من العجم مقتلة عظيمة، فقتل القعقاع زرمهر، وقتل عصمة ابن عبد الله ~~أحد بني الحارث بن طريف الضبي روزبه، وكان عصمة من البررة، وهم كل فخذ ~~هاجرت بأسرها، والخيرة كل قوم هاجروا من بطن، وغنم المسلمون ما في حصيد ~~وانهزمت الأعاجم إلى الخنافس، وسار أبو ليلى بمن معه إلى الخنافس وبها ~~المهبوذان على العسكر، فلما أحس المهبوذان بهم هرب إلى المصيخ إلى الهذيل بن عمران. ### || AUT ذكر وقعة مصيخ بني البرشاء # ولما انتهى الخبر إلى خالد بمصاب أهل الحصيد وهرب أهل الخنافس كتب إلى ~~القعقاع وأبي ليلى وأعبد وعروة وواعدهم ليلة وساعة يجتمعون فيها إلى ~~المصيخ، وخرج خالد من العين قاصدا إليهم. فلما كان تلك الساعة من ليلة ~~الموعد اتفقوا جميعا بالمصيخ فأغاروا على الهذيل ومن معه وهم نائمون من ~~ثلاثة أوج فقتلوهم، وأفلت الهذيل في ناس قليل وكثر فيهم القتل، وكان مع ~~الهذيل عبد العزى بن أبي رهم أخو أوس مناة ولبيد بن جرير، وكانا قد أسلما ~~ومعهما كتاب أبي بكر بإسلامهما، فقتلا في المعركة، فبلغ ذلك أبا بكر وقول ~~عبد العزى: أقول إذ طرق الصباح بغارة ... سبحانك ms0744 اللهم رب محمد سبحان ربي ~~لا إله غيره ... رب البلاد ورب من يتورد PageV01P0387 # فواداهما وأوصى بأولادهما، فكان عمر يعتد بقتلهما وقتل مالك بن نويرة على ~~خالد، فيقول أبو بكر: كذلك يلقى من نازل أهل الشرك. وقد كان حرقوص بن ~~النعمان بن النمر قد نصحهم فلم يقبلوا منه، فجلس مع زوجته وأولاده يشربون، ~~فقال لهم: اشربوا شراب مودع، هذا خالد بالعين وجنوده بالحصيد؛ ثم قال: ألا ~~سقياني قبل خيل أبي بكر ... لعل منايانا قريب وما ندري فضرب رأسه، فإذا هو ~~في جفنة فيها الخمر، وقتلوا أولاده وأخذوا بناته. وقيل: إن قتل حرقوص وهذه ~~الوقعة ووقعة الثني كان في مسير خالد ابن الوليد من العراق إلى الشام، ~~وسيذكر إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر وقعة الثني والزميل # وكان ربيعة بن بجير التغلبي بالثني والبشر، وهو الزميل، وهما شرقي ~~الرصافة، قد خرج غضبا لعقة وواعد روزبه وزرمهر والهذيل، ولما أصاب خالد أهل ~~المصيخ واعد القعقاع وأبا ليلى ليلة، وأمرهما بالمسير ليغيروا عليهم، فسار ~~خالد من المصيخ، فاجتمع هو وأصحابه بالثني فبيتهم من ثلاثة أوجه كما فعل ~~بأهل المصيخ وجردوا فيهم السيوف، فلم يفلت منهم مخبر، وغنم وسبى وبعث ~~بالخبر والخمس مع النعمان بن عوف إلى أبي بكر، فاشترى علي بن أبي طالب، كرم ~~الله وجهه، بنت ربيعة بن بجير التغلبي، فاتخذها فولدت له عمر ورقية. ولما ~~انهزم الهذيل بالمصيخ لحق بعتاب بن فلان، وهو بالبشر، في عسكر ضخم، فبينهم ~~خالد بغارة شعواء من ثلاثة أوجه قبل أن يصل إليهم خبر ربيعة، فقتل منهم ~~مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها وقسم الغنائم، وبعث الخمس إلى أبي بكر، وسار ~~خالد من البشر إلى الرضاب، وبها هلال بن عقة، فتفرق عنه أصحابه، وسار هلال ~~عنها فلم يلق خالد بها كيدا. ### || AUT ذكر وقعة الفراض # ثم سار خالد من الرضاب إلى الفراض، وهي تخوم الشام والعراق والجزيرة، ~~وأفطر بها رمضان لاتصال الغزوات، وحميت الروم واستعانوا بمنم يليهم من ~~مسالح الفرس فأعانوهم، واجتمع معهم تغلب وإياد والنمر وساروا إلى ms0745 خالد. ~~فلما بلغوا الفرات قالوا له: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم. قال ~~خالد: اعبروا. قالوا له: تنح عن طريقنا حتى نعبر. قال: لا أفعل، ولكن ~~اعبروا أسفل منا وذلك للنصف من ذي القعدة سنة ثنتي عشرة فعبروا أسفل من ~~خالد، وعظم في أعينهم، وقالت الروم: امتازوا حتى نعرف اليوم من يثبت ممن ~~يولي. ففعلوا، فاقتتلوا قتالا عظيما وانهزمت الروم ومن معهم، وأمر خالد ~~المسلمين أن لا يرفعوا عنهم، فقتل في المعركة وفي الطلب مائة ألف، وأقام ~~خالد على الفراض عشرا، ثم أذن بالرجوع إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القعدة ~~وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بهم، وجعل شجر بن الأعز على الساقة، وأظهر خالد ~~أنه في الساقة. ### || AUT ذكر حجة خالد # ثم خرج خالد حاجا من الفراض سرا ومعه عدة أصحابه يعسف البلاد، فأتى مكة ~~وحج ورجع، فما توافى جنده بالخبر حتى وافاهم مع صاحب الساقة فقدما معا ~~وخالد وأصحابه محلقون، ولم يعلم بحجة إلا من أعلمه به، ولم يعلم أبو بكر ~~بذلك إلا بعد رجوعه، فعتب عليه، وكانت عقوبته إياه أن صرفه إلى الشام من ~~العراق ممدا جموع المسلمين باليرموك، وكان أهل العراق أيام علي إذا بلغهم ~~عن معاوية شيء يقولون: نحن أصحاب ذات السلاسل، ويسمون ما بينها وبين الفراض ~~ولا يذكرون ما بعد الفراض احتقارا للذي كان بعدها. وأغار خالد بن الوليد ~~على سوق بغداد ووجه المثنى فأغار على سوق فيها جمع لقضاعة وبكر، وأغار أيضا ~~على مسكن وقطريل وتل عقرقوف وبادوريا؛ قال الشاعر: وللمثنيى بالعال معركة ~~... شاهدها من قبيله بشر كتيبة أفزعت بوقعتها ... كسرى وكاد الإيوان ينفطر ~~وشجع المسلمين إذ حذروا ... وفي صروف التجارب العبر سهل نهج السبيل ~~فافترقوا ... آثاره والأمور تقتفر يعني بالعال الأنبار ومسكن وقطربل ~~وبادوريا. PageV01P0388 # وفيها تزوج عمر عاتكة بنت زيد. وفيها مات أبو العاص بن الربيع في ذي ~~الحجة وأوصى إلى الزبير، وتزوج علي، رضي الله عنه، ابنته أمامة، وأمها زينب ~~نبت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفيها ms0746 اشترى عمر أسلم مولاه في قول. ~~وحج بالناس هذه السنة أبو بكر، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان، وقيل: ~~حج بالناس عمر بن الخطاب أو عبد الرحمن بن عوف. وفيها مات أبو مرثد الغنوي، ~~وهو بدري، وكان ابنه مرثد بن أبي مرثد قد قتل بالرجيع، وهو بدري أيضا. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث عشرة # ### || AUT ذكر فتوح الشام # قيل: في سنة ثلاث عشرة وجه أبو بكر الجنود إلى الشام بعد عوده من الحج، ~~فبعث خالد بن سعيد بن العاص، وقيل: إنما سيره لما سير خالد بن الوليد إلى ~~العراق، وكان أول لواء عقده إلى الشام لواء خالد، ثم عزله قبل أن يسير. ~~وكان سبب عزله أنه تربص ببيعة أبي بكر شهرين ولقي علي بن أبي طالب وعثمان ~~بن عفان فقال: يا أبا الحسن، يا بني عبد مناف، أغلبتم عليها؟ فقال علي: ~~أمغالبة ترى أم خلافة. فأما أبو بكر فلم يحدقها عليه وأما عمر فاضطغنها ~~عليه، فلما ولاه أبو بكر لم يزل به عمر به حتى عزله من الإمارة وجعله ردءا ~~للمسلمين بتيماء وأمره أن لا يفارقها إلا بأمره وأن يدعو من حوله من العرب ~~غلا من ارتد وأن لا يقاتل إلا من قاتله. فاجتمع إليه جموع كثيرة، وبلغ خبره ~~الروم فضربوا البعث على العرب الضاحية بالشام من بهراء وسليح وغسان وكلب ~~ولخم وجذام، فكتب خالد بن سعيد إلى بكر بذلك، فكتب إليه أبو بكر: أقدم ولا ~~تقتحمن. فسار إليهم، فلما دنا منهم تفرقوا، فنزل منزلهم وكتب إلى أبي بكر ~~بذلك، فأمره بالإقدام بحيث لا يؤتى من خلفه. فسار حتى جازه قليلا ونزل، ~~فسار إليه بطريق من بطارقة الروم يدعى باهان، فقاتله فهزمه وقتل من جنده، ~~فكتب خالد إلى أبي بكر يستمده، وكان قد قدم على أبي بكر أوائل مستنفري ~~اليمن وفيهم ذو الكلاع، وقدم عكرمة بن أبي جهل فيمن معه من تهام وعمان ~~والبحرين والسرو، فكتب لهم أبو بكر إلى أمراء الصدقات أن يبدلوا من استبدل، ~~فكلهم استبدل، فسمي جيش ms0747 البدال، وقدموا على خالد بن سعيد. وعندها اهتم أبو ~~كبر بالشام وعناه أمره، وكان أبو بكر قد رد عمرو ابن العاص إلى عمله الذي ~~كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولاه إياه من صدقات سعد هذيم وعذرة ~~وغيرهم قبل ذهابه إلى عمان ووعده أن يعيده إلى عمله بعد عوده من عمان، ~~فأنجز له أبو بكر عدة رسول الله، صلى الله عليه وسلم. فلما عزم على قصد ~~الشام كتب له: إني كنت قد رددتك على العمل الذي ولاك رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، مرة ووعدك به أخرى إنجازا لمواعيد رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وقد وليته، وقد أحببت أن أفرغك لما هو خير لك في الدنيا والآخرة، إلا ~~أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك. فكتب إليه عمرو: إني سهم من سهام الإسلام، ~~وأنت بعد الله الرامي بها والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم ~~به. فأمره وأمر الوليد ابن عقبة، وكان على بعض صدقات قضاعة، أن يجمعا ~~العرب، ففعلا، وأرسل أبو بكر إلى عمرو بعض من اجتمع إليه وأمره بطريق سماها ~~له إلى فلسطين، وأمر الوليد بالأردن وأمده ببعضهم، وأمر يزيد بن أبي سفيان ~~على جيش عظيم هو جمهور من انتدب إليه، فيهم سهيل بن عمرو في أمثاله من أهل ~~مكة، وشيعه ماشيا، وأوصاه وغيره من الأمراء، فكان مما قال ليزيد: ~~PageV01P0389 # (إني قد وليتك لأبلوك وأجربك وأخرجك، فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك، ~~وإن أسأت عزلتك، فعليك بتقوى الله فإنه يرى من باطنك مثل الذي من ظاهرك، ~~وإن أولى الناس بالله أشدهم توليا له، وأقرب الناس من الله أشدهم تقربا ~~إليه بعمله، وقد وليتك عمل خالد فإياك وعبية الجاهلية، فإن الله يبغضها ~~ويبغض أهلها، وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير وعدهم إياه، ~~وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضا، وأصلح نفسك يصلح لك ~~الناس، وصل الصوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها، وإذا قدم ~~عليك رسل عدوك فأكرمهم وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من ms0748 عسكرك وهم جاهلون به ولا ~~ترينهم فيروا خللك ويعلموا علمك، وأنزلهم في ثروة عسكرك، وامنع من قبلك من ~~محادثتهم، وكن أنت المتولي لكلامهم، ولا تجعل سرك لعلانيتك فيخلط أمرك، ~~وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة، ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من ~~قبل نفسك، واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار وتنكشف عندك الأستار، وأكثر ~~حرسك وبددهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك، فمن ~~وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل، ~~واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة فإنها أيسرهما لقربها من النهار، ولا ~~تخف من عقوبة المستحق، ولا تلجن فيها، ولا تسرع إليها، ولا تخذلها مدفعا، ~~ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده، ولا تجسس عليهم فتفضحهم، ولا تكشف الناس عن ~~أسرارهم، واكتف بعلانيتهم، ولا تجالس العباثين، وجالس أهل الصدق والوفاء، ~~واصدق اللقاء، ولا تجبن فيجبن الناس، واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر ويدفع ~~النصر، وستجدون أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم ~~له). وهذه من أحسن الوصايا وأكثرها نفعا لولاة الأمر. ثم إن أبا بكر استعمل ~~أبا عبيدة بن الجراح على من اجتمع وأمره بحمص، وسار أبو عبيدة على باب من ~~البلقاء فقاتله أهله ثم صالحوه، فكان أول صلح في الشام. واجتمع للروم جمع ~~بالعربة من أرض فلسطين، فوجه إليهم يزيد بن أبي سفيان أبا أمامة الباهلي ~~فهزمهم، فكان أول قتال بالشام بعد سرية أسامة بن زيد. ثم أتوا الدائن ~~فهزمهم أبو أمامة أيضا، ثم مرج الصفر استشهد فيها ابن الخالد بن سعيد، ~~وقيل: استشهد فيها خالد أيضا، وقيل: بل سلم وانهزم على ما نذكره، وذلك أنه ~~لما سمع توجيه الأمراء بالجنود بادر لقتال الروم فاستطرد له باهان فاتبعه ~~خالد ومعه ذو الكلاع وعكرمة والوليد فنزل مرج الصفر، فاجتمعت عليه مسالح ~~باهان وأخذوا الطرق، وخرج باهان فرأى ابن خالد بن سعيد فقتله ومن معه، فسمع ~~خالد فانهزم، فوصل في هزيمته إلى ذي المروة قريب المدينة، فأمره أبو بكر ~~بالمقام بها، ms0749 وبقي عكرمة في الناس ردءا للمسلمين يمنع من يطلبهم. وكان قد ~~قدم شرحبيل بن حسنة من عند خالد بن الوليد إلى أبي بكر وافدا، فأمره أبو ~~بكر بالشام وندب معه الناس واستعمله على عمل الوليد ابن عقبة. فأتى شرحبيل ~~على خالد بن سعيد ففصل عنه ببعض أصحابه، واجتمع إلى أبي بكر ناس فأرسلهم مع ~~معاوية بن أبي سفيان وأمره باللحاق بأخيه يزيد، فلما مر بخالد فصل عنه ~~بباقي أصحابه. فأذن أبو بكر لخالد بدخول المدينة. فلما وصل الأمراء إلى ~~الشام نزل أبو عبيدة الجابية، ونزل يزيد البلقاء، ونزل شرحبيل الأردن، وقيل ~~بصرى، ونزل عمرو بن العاص العربة. فبلغ الروم ذلك فكتبوا إلى هرقل، وكان ~~بالقدس، فقال: أرى أن تصالحوا المسلمين، فوالله لأن تصالحوهم على نصف ما ~~يحصل من الشام ويبقى لكم نصفه مع بلاد الروم أحب إليكم من أن يغلبوكم على ~~الشام ونصف بلاد الروم. فتفرقوا عنه وعصوه، فجمعهم وسار بهم إلى حمص، ~~فنزلها وأعد الجنود والعساكر، وأرا إشغال كل طائفة من المسلمين بطائفة من ~~عسكره لكثرة جنده لتضعف كل فرقة من المسلمين عمن بإزائه، فأرسل تذارق أخاه ~~لأبيه وأمه في تسعين ألفا إلى عمرو، وأرسل جرجة بن توذر إلى يزيد بن أبي ~~سفيان، وبعث القيقار بن نسطوس في ستين ألفا إلى أبي عبيدة ابن الجراح، وبعث ~~الدراقص نحو شرحبيل، فهابهم المسلمون وكاتبوا عمرا ما الرأي، فأجابهم: إن ~~الرأي لمثلنا الاجتماع، فإن مثلنا إذا اجتمعنا لا نغلب من قلة، فإن تفرقنا ~~لا يقوم كل فرقة له بمن استقبلها لكثرة عدونا. PageV01P0390 # وكتبوا إلى أبي بكر فأجابهم مثل جواب عمرو وقال: إن مثلكم لا يؤتى من قلة ~~وإنما يؤتى العشرة آلاف من الذنوب، فاحترسوا منها، فاجتمعوا باليرموك ~~متساندين وليصل كل واحد منكم بأصحابه. فاجتمع المسلمون باليرموك والروم ~~أيضا وعليهم التذارق وعلى المقدمة جرجة وعلى المجنبة باهان، ولم يكن وصل ~~بعد إليهم، والدراقص على الأخرى وعلى الحرب القيقار، فنزل الروم وصار ~~الوادي خندقا لهم، وإنما أرادوا أن يتأنس الروم بالمسلمين لترجع إليهم ~~قلوبهم، ms0750 ونزل المسلمون على طريقهم ليس للروم طريق إلا عليهم، فقال عمرو: ~~أبشروا! حصرت الروم وقل ما جاء محصور بخير. وأقاموا صفرا عليهم وشهري ربيع ~~لا يقدرون منهم على شيء من الوادي والخندق ولا يخرج الروم خرجة إلا أديل ~~عليهم المسلمون. ### || AUT ذكر مسير خالد بن الوليد # ### || AUT من العراق إلى الشام # لما رأى المسلمون مطاولة الروم استمدوا أبا بكر، فكتب إلى خالد بن ~~الوليد يأمره بالمسير إليهم وبالحث وأن يأخذ نصف الناس ويستخلف على النصف ~~الآخر المثنى بن حارثة الشيباني، ولا يأخذن من فيه نجدة إلا ويترك عند ~~المثنى مثله، وإذا فتح الله عليهم رجع خالد وأصحابه إلى العراق. فاستأثر ~~خالد بأصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، على المثنى وترك للمثنى عدادهم من ~~أهل القناعة من ليس له صحبة، ثم قسم الجند نصفين، فقال المثنى: والله لا ~~أقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر، وبالله ما أرجو النصر إلا بأصحاب النبي، ~~صلى الله عليه وسلم. فلما رأى خالد ذلك أرضاه ومضى لوجهه وشيعه المثنى إلى ~~قراقر ثم رجع إلى الحيرة في المحرم. وقيل: سار من العراق في ثمانمائة، ~~وقيل: في ستمائة، وقيل: في خمسمائة، وقيل: في تسعة آلاف، وقيل: في ستة ~~آلاف، وقيل: إنما أمره أبو بكر أن يأخذ أهل القوة والنجدة، فأتى حدوداء ~~فقاتله أهلها فظفر بهم، وأتى المصيخ وبه جمع من تغلب فقاتلهم وظفر بهم وسبى ~~وغنم. وكان من السبي الصهباء بنت حبيب بن بجير، وهي أم عمر بن علي ابن أبي ~~طالب، وقيل في أمرها ما تقدم. وقيل: سار خالد فلما وصل إلى قراقر، وهو ماء ~~لكلب، أغار على أهلها وأراد أن يسير منهم فوزا إلى سوى، وهو ماء لبهراء ~~بينهما خمس ليال، فالتمس دليلا، فدل على رافع بن عميرة الطائي، فقال له في ~~ذلك، فقال له رافع: إنك لن تطيق ذلك بالخيل والأثقال، فوالله إن الراكب ~~المفرد يخافه على نفسه. فقال: إنه لابد لي من ذلك لأخرج من وراء جموع الروم ~~لئلا يحبسني عن غياث المسلمين. ms0751 فأمر صاحب كل جماعة أن يأخذ الماء للشعبة ~~لخمس وأن يعطش من الإبل الشرف ما يكتفي به ثم يسقوها عللا بعد نهل، والعلل ~~الشربة الثانية، والنهل الأولى، ثم يصروا آذان الإبل ويشدوا مشافرها لئلا ~~تجتر. ثم ركبوا من قراقر، فلما ساروا يوما وليلة شقوا لعدة من الخيل بطون ~~عشرة من الإبل فمزجوا ماء في كروشها بما كان من الألبان وسقوا الخيل، ~~ففعلوا ذلك أربعة أيام. فلما دنا من العلمين قال للناس: انظروا هل ترون ~~شجرة عوسج كقعدة الرجل؟ فقالوا: ما نراها. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ~~هلكتم والله وهلكت معكم! وكان أرمد. فقال لهم: انظروا ويحكم! فنظروا فرأوها ~~قد قطعت وبقي منها بقية. فلما رأوها كبروا، فقال رافع: احفروا في أصلها. ~~فحفروا واستخرجوا عينا فشربوا حتى روي الناس. فقال رافع: والله ما وردت هذا ~~الماء قط إلا مرة واحدة مع أبي وأنا غلام. فقال شاعر من المسلمين: لله عينا ~~رافع أنى اهتدى ... فوز من قراقر إلى سوى خمسا إذا ما ساره الجيش بكى ... ~~ما سارها قبلك إنسي يرى فلما انتهى خالد إلى سوى أغار على أهلها وهم بهراء ~~وهم يشربون الخمر في جفنة قد اجتمعوا عليها ومغنيهم يقول: ألا عللاني قبل ~~جيش أبي بكر ... لعل منايانا قريب ولا ندري ألا عللاني بالزجاج وكرروا ... ~~علي كميت اللون صافية تجري ألا عللاني من سلافة قهوة ... تسلي هموم النفس ~~من جيد الخمر أظن خيول المسلمين وخالدا ... ستطرقكم قبل الصباح مع النسر ~~فهل لكم في السير قبل قتالكم ... وقبل خروج المعصرات من الخدر PageV01P0391 # فقتل المسلمون مغنيهم وسال دمه في تلك الجفنة وأخذوا أموالهم وقتل حرقوص ~~بن النعمان البهراني. ثم أتى أرك فصالحوه، ثم أتى تدمر فتحصن أهله ثم ~~صالحوه، ثم أتى القريتين فقاتلهم فظفر بهم وغنم، وأتى حوارين فقاتل أهلها ~~فهزمهم وقتل وسبى، وأتى قصم فصالحه بنو مشجعة من قضاعة، وسار فوصل إلى ثنية ~~العقاب عند دمشق ناشرا رايته، وهي راية سوداء، وكانت لرسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، تسمى العقاب، وقيل: كانت ms0752 رايته تسمى العقاب فسميت الثنية بها، ~~وقيل: سميت بعقاب من الطير سقطت عليها، والأول أصح. ثم سار فأتى مرج راهط ~~فأغار على غسان في يوم فصحهم فقتل وسبى، وأرسل سرية إلى كنيسة بالغوطة ~~فقتلوا الرجال وسبوا النساء وساقوا العيال إلى خالد. ثم سار حتى وصل إلى ~~بصرى فقاتل من بها فظفر بهم وصالحهم، فكانت بصرى أول مدينة فتحت بالشام على ~~يد خالدوأهل العراق. وبعث بالأخماس إلى أبي بكر. ثم سار فطلع على المسلمين ~~في ربيع الآخر، وطلع باهان على الروم ومعه الشمامسة والقسيسون والرهبان ~~يحرضون الروم على القتال، وخرج باهان كالمعتذر، فولي خالد قتاله، وقاتل ~~الأمراء من بإزائهم، ورجع باهان والروم إلى خندقهم وقد نال منهم المسلمون. ~~عميرة بفتح العين المهملة وكسر الميم. ذكر وقعة اليرموك فلما تكامل جمع ~~المسلمين باليرموك، وكانوا سبعة وعشرين ألفا، قدم خالد في تسعة آلاف فصاروا ~~ستة وثلاثين ألفا سوى عكرمة فإنه كان ردءا لهم، وقيل: بل كانوا سبعة وعشرين ~~ألفا وثلاثة آلاف من فلال خالد ابن سعيد، وعشرة آلاف مع خالد بن الوليد، ~~فصاروا أربعين ألفا سوى ستة آلاف مع عكرمة بن أبي جهل، وقيل في عددهم غير ~~ذلك، والله أعلم. وكان فيهم ألف صحابي، منهم نحو مائة ممن شهد بدرا. وكان ~~الروم في مائتي ألف وأربعين ألف مقاتل، منهم ثمانون ألف مقيد وأربعون ألف ~~مسلسل للموت وأربعون ألفا مربطون بالعمائم لئلا يفروا وثمانون ألف راجل، ~~وقيل: كانوا مائة ألف، وكان قتال المسلمين لهم على تساند، كل أمير على ~~أصحابه لا يجمعهم أحد، حتى قدم خالد بن الوليد من العراق، وكان القسيسون ~~والرهبان يحرضون الروم شهرا، ثم خرجوا إلى القتال الذي لم يكن بعده قتال في ~~جمادى الآخرة. فلما أحس المسلمون بخروجهم أرادوا الخروج متساندين، فسار ~~فيهم خالد بن الوليد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا يوم من أيام الله ~~لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، فإن هذا ~~يوم له ما بعده، ولا تقاتلوا قوما على نظام ms0753 وتعبية وأنتم متساندون فإن ذلك ~~لا يحل ولا ينبغي، وإن من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا، ~~فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه رأي من وإليكم ومحبته. قالوا: ~~هات فما الرأي؟ قال: إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر، ولو ~~علم بالذي كان ويكون لقد جمعكم، إن الذي أنتم فيه أشد على المسلمين مما قد ~~غشيهم وأنفع للمشركين من أمدادهم، ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم، فالله ~~الله! فقد أفرد كل رجل منكم ببلد لا ينتقصه منه إن دان لأحد من الأمراء ولا ~~يزيده عليه إن دانوا له. إن تأمير بعضكم لا ينتقصكم عند الله ولا عند خليفة ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم. هلموا فإن هؤلاء قد تهيأوا، وإن هذا يوم له ~~ما بعده، إن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم وإن هزمونا لم نفلح ~~بعدها. فهلموا فلنتعاور الإمارة فليكن بعضنا اليوم والآخر غدا والآخر بعد ~~غد حتى تتأمروا كلكم، ودعوني أتأمر اليوم. فأمروه وهم يرون أنها كخرجاتهم ~~وأن الأمر لا يطول. فخرجت الروم في تعبية لم ير الراؤون مثلها قط، وخرج ~~خالد في تعبية لم تعبها العرب قبل ذلك، فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى ~~الأربعين، وقال: إن عدوكم كثير وليس تعبية أكثر في رأي العين من الكراديس، ~~فجعل القلب كراديس وأقام فيه أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس وعليها عمرو ~~بن العاص وشرحبيل بن حسنة، وجعل الميسرة كراديس وعليها يزيد بن أبي سفيان، ~~وكان على كردوس القعقاع بن عمرو، وجعل على كل كردوس رجلا من الشجعان، وكان ~~القاضي أبو الدرداء، وكان القاص أبو سفيان بن حرب، وعلى الطلائع قباث بن ~~أشيم، وعلى الأقباض عبد الله ابن مسعود. PageV01P0392 # قال رجل لخالد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين! فقال خالد: ما أكثر ~~المسلمين وأقل الروم، وإنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان، والله لوددت ~~أن الأشقر، يعني فرسه، براء من توجيه وأنهم أضعفوا في العدد، وكان قد حفي ~~في مسيره. فأمر خالد عكرمة بن ms0754 أبي جهل والقعقاع بن عمرو فأنشبا القتال. ~~والتحم الناس وتطارد الفرسان وتقاتلوا، فإنهم على ذلك قدم البريد من ~~المدينة واسمه محمية بن زنيم، فسألوه الخبر، فأخبرهم بسلامة وأمداد؛ وإنما ~~جاء بموت أبي بكر وتأمير أبي عبيدة، فبلغوه خالدا، فأخبره خبر أبي بكر سرا. ~~وخرج جرجة إلى بين الصفين وطلب خالدا، فخرج إليه، فآمن كل واحد منهما ~~صاحبه، فقال جرجة: يا خالد اصدقني ولا تكذبني، فإن الحر لا يكذب، ولا ~~تخادعني، فإن الكريم لا يخادع المسترسل، هل أنزل الله نبيكم سيفا من السماء ~~فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟ قال: لا. قال: ففيم سميت سيف الله؟ ~~فقال له: إن الله بعث فينا نبيه، صلى الله عليه وسلم، فكنت فيمن كذبه ~~وقاتله، ثم إن الله هداني فتابعته، فقال: (أنت سيف الله سله على المشركين)! ~~ودعا لي بالنصر. قال: فأخبرني إلى ما تدعوني. قال خالد: إلى الإسلام أو ~~الجزية أو الحرب. قال: فما منزلة من الذي يجيبكم ويدخل فيكم؟ قال: منزلتنا ~~واحدة. قال: فهل له مثلكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم وأفضل لأننا اتبعنا ~~نبينا وهو حي يخبرنا بالغيب ونرى منه العجائب والآيات، وحق لمن رأى ما ~~رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم، وأنتم لم تروا مثلنا ولم تسمعوا مثلنا، فمن ~~دخل بنية وصدق كان أفضل منا. فقلب جرجة ترسه ومال مع خالد وأسلم وعلمه ~~الإسلام واغتسل وصلى ركعتين ثم خرج مع خالد فقاتل الروم. وحملت الروم حملة ~~أزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية، عليهم عكرمة وعمه الحارث بن ~~هشام، فقال عكرمة: قاتلت النبي، صلى الله عليه وسلم، في كل موطن ثم أفر ~~اليوم! ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه الحارث بن هشام وضرار بن ~~الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد ~~حتى أثبتوا جميعا جراحا، فمنهم من برأ ومنهم من قتل. وقاتل خالد وجرجة ~~قتالا شديدا، فقتل جرجة عند آخر النهار وصلى الناس الأولى والعصر إيماء ~~وتضعضع الروم ونهد خالد بالقلب حتى كان بين خيلهم ورجلهم، ms0755 فانهزم الفرسان ~~وتركوا الرجالة. ولما رأى المسلمون خيل الروم قد توجهت للمهرب أفرجوا لها، ~~فتفرقت وقتل الرجالة واقتحموا في خندقهم، فاقتحمه عليهم، فعمدوا إلى ~~الواقوصة حتى هوى فيها المقترنون وغيرهم، ثمانون ألفا من المقترنين وأربعون ~~ألف مطلق سوى من قتل في المعركة، وتجلل الفيقار وجماعة من أشراف الروم ~~برانسهم وجلسوا فقتلوا متزملين. ودخل خالد الخندق ونزل في رواق تذارق. فلما ~~أصبحوا أتى خالد بعكرمة بن أبي جهل جريحا فوضع رأسه على فخذه، وبعمرو بن ~~عكرمة فجعل رأسه على ساقه ومسح وجوههما وقطر في حلوقهما الماء وقال: زعم ~~ابن حنتمة، يعني عمر، أنا لا نستشهد! وقاتل النساء ذلك اليوم وأبلين. قال ~~عبد الله بن الزبير: كنت مع أبي باليرموك وأنا صبي لا أقاتل، فلما اقتتل ~~الناس نظرت إلى ناس على تل لا يقاتلون، فركبت وذهبت إليهم وإذا أبو سفيان ~~بن حرب ومشيخة من قريش من مهاجرة الفتح فرأوني حدثا فلم يتقوني، قال: ~~فجعلوا والله إذا مال المسلمون وركبتهم الروم يقولون: إيه بني الأصفر! فإذا ~~مالت الروم وركبهم المسلمون: قال: ويح بني الأصفر! فلما هزم الله الروم ~~أخبرت أبي فضحك فقال: قاتلهم الله! أبوا إلا ضغنا، لنحن خير لهم من الروم! ~~وفي اليرموك أصيبت عين أبي سفيان بن حرب. ولما انهزمت الروم كان هرقل بحمص، ~~فنادى بالرحيل عنها قريبا وجعلها بينه وبين المسلمين وأمر عليها أميرا كما ~~أمر على دمشق. وكان من أصيب من المسلمين ثلاثة آلاف، منهم عكرمة وابنه عمرو ~~وسلمة بن هشام وعمرو ابن سعيد وأبان بن سعيد وجندب بن عمرو والطفيل بن عمرو ~~وطليب بن عمير وهشام بن العاص وعياش بن أبي ربيعة، في قول بعضهم. عياش ~~بالياء المثناة والشين المعجمة. PageV01P0393 # وفيها قتل سعيد بن الحرب بن قيس بن عدي السهمي، وهو من مهاجرة الحبشة. ~~وفيها قتل نعيم بن عبد الله النحام العدوي عدي قريش، وكان إسلامه قبل عمر. ~~وفيها قتل النضير بن الحارث بن علقمة، وهو قديم الإسلام والهجرة، وهو أخو ~~النضر الذي قتل ببدر كافرا. وقتل فيها ms0756 أبو الروم بن عمير بن هاشم العبدري ~~أخو مصعب بن عمير، وهو من مهاجرة الحبشة، شهد أحدا. وقيل قتلوا يوم ~~أجنادين، والله أعلم. ذكر حال المثنى بن حارثة بالعراق وأما المثنى بن ~~حارثة الشيباني فإنه لما ودع خالد بن الوليد، وسار خالد إلى الشام فيمن معه ~~بالجند، أقام بالحيرة ووضع المسلحة وأذكى العيون، واستقام أمر فارس بعد ~~مسير خالد من الحيرة بقليل، وذلك سنة ثلاث عشرة، على شهربراز ابن أردشير بن ~~شهريار سابور، فوجه إلى المثنى جندا عظيما عليهم هرمز جاذويه في عشرة آلاف، ~~فخرج المثنى من الحيرة نحوه وعلى مجنبتيه المعنى ومسعود أخواه، فأقام ببابل ~~وأقبل هرمز نحوه، وكتب كسرى شهربراز إلى المثنى كتابا: (إني قد بعثت إليكم ~~جندا من وحش أهل فارس، إنما هم رعاء الدجاج والخنازير ولست أقاتلك إلا ~~بهم). فكتب إليه المثنى: (إنما أنت أحد رجلين: إما باغ فذلك شر لك وخير ~~لنا، وإما كاذب فأعظم الكاذبين فضيحة عند الله وفي الناس الملوك، وأما الذي ~~يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما أضررتم إليهم، فالحمد لله الذي رد كيدهم إلى ~~رعاة الدجاج والخنازير). فجزع الفرس من كتابه فالتقى المثنى وهرمز ببابل ~~فاقتتلوا قتالا شديدا، وكان فيلهم يفرق المسلمين، فانتدب له المثنى ومعه ~~ناس فقتلوه وانهزم الفرس وتبعهم المسلمون إلى المدائن يقتلونهم. ومات ~~شهربراز لما انهزم هرمز جاذويه واختلف أهل فارس وبقي ما دون دجلة بيد ~~المثنى. ثم اجتمعت الفرس على دخت زنان ابنة كسرى، فلم ينفذ لها أمر وخلعت ~~وملك سابور بن شهربراز. فلما ملك قام بأمره الفرخزاد بن البنذوان، فسأله أن ~~يزوجه آزرميدخت بنت كسرى، فأجابه. فغضب آزرميدخت فأرسلت إلى سياوخش الرازي ~~فشكت إليه، فقال لها: لا تعاوديه وأرسلي إليه فليأتك، فأرسلت إليه واستعد ~~سياوخش، فلما كان ليلة العرس أقبل الفرخزاد حتى دخل، فثار به سياوخش فقتله، ~~وقصدت آزرميدخت ومعها سياوخش سابور فحصروه ثم قتلوه، وملكت آزرميدخت ثم ~~تشاغلوا بذلك. وأبطأ خبر أبي بكر على المثنى فاستخلف على المسلمين بشير بن ~~الخصاصية ووضع مكانه في المسالح سعيد ms0757 بن مرة العجلي وسار إلى المدينة إلى ~~أبي بكر ليخبره خبر المشركين ويستأذنه في الاستعانة بمن حسنت توبته من ~~المرتدين، فإنهم أنشط إلى القتال من غيرهم، فقدم المدينة وابو بكر مريض قد ~~أشفى، فأخبره الخبر، فاستدعى عمر وقال له: إني لأرجو أن أموت يومي هذا، ~~فإذا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى، ولا تشغلنكم مصيبة عن أمر ~~دينكم ووصية ربكم، فقد رأيتني متوفى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما ~~صنعت وما أصيب الخلق بمثله، وإذا فتح الله على أهل الشام فاردد أهل العراق ~~إلى أهل العراق فإنهم أهله وولاة أمره وأهل الجرأة عليهم. ومات أبو بكر ~~ليلا فدفنه عمر وندب الناس مع المثنى، وقال عمر: قد علم أبو بكر أنه يسوءني ~~أن أؤمر خالدا فلهذا أمرني أن أرد أصحاب خالد، وترك ذكره معهم. وإلى ~~آزرميدخت انتهى شأن أبي بكر، فهذا حديث العراق إلى آخر أيام أبي بكر، رضي ~~الله عنه. ذكر وقعة أجنادين PageV01P0394 # وقد ذكرها أبو جعفر عقيب وقعة اليرموك وروى خبرها عن ابن إسحاق من اجتماع ~~الأمراء ومسير خالد بن الوليد من العراق إلى الشام نحو ما تقدم، وقال: فسار ~~خالد من مرج راهط إلى بصرى وعليها أبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ~~ويزيد بن أبي سفيان، فاجتمعوا عليها فرابطوها فصالحهم أهلها على الجزية، ~~فكانت أول مدينة فتحت بالشام في خلافة أبي بكر. ثم ساروا جميعا إلى فلسطين ~~مددا لعمرو بن العاص وهو مقيم بالعرباتمن غور فلسطين، واجتمعت الروم ~~بأجنادين وعليهم تذارق أخو هرقل لأبويه، وقيل كان الروم القبقلار؛ وأجنادين ~~بين الرملة وبين جبرين من أرض فلسطين، وسار عمرو بن العاص حين سمع ~~بالمسلمين فلقيهم ونزلوا بأجنادين وعسكروا عليهم، فبعث القبقلار عربيا إلى ~~المسلمين يأتيه بخبرهم، فدخل فيهم وأقام يوما وليلة ثم عاد إليه، فقال: ما ~~وراءك؟ فقال: بالليل رهبان وبالنهار فرسان، ولو سرق ابن ملكهم قطعوه، ولو ~~زنى رجم لإقامة الحق فيهم. فقال: إن كنت صدقتني لبطن الأرض خير من لقاء ~~هؤلاء على ظهرها. ms0758 والتقوا يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ~~ثلاث عشرة، فظهر المسلمون وهزم المشركون وقتل القبقلار وتذارق واستشهد رجال ~~من المسلمين، منهم: سلمة بن هشام بن المغيرة، وهبار بن الأسود، ونعيم بن ~~عبد الله النحام، وهشام بن العاص بن وائل، وقيل: بل قتل باليرموك وجماعة ~~غيرهم. قال: ثم جمع هرقل للمسلمين فالتقوا باليرموك، وجاءهم خبر وفاة أبي ~~بكر وهم مصافون، وولاية أبي عبيدة، وكانت هذه الوقعة في رجب؛ هذه سياقة ~~الخبر. وكان فيمن قتل ضرار بن الخطاب الفهري وله صحبة، وعمرو ابن سعيد بن ~~العاص وهو من مهاجرة الحبشة، وقتل باليرموك، وممن قتل الفضل بن العباس، ~~وقيل: قتل بمرج الصفر، وقيل: مات في طاعون عمواس. وفيها قتل طليب بن عمير ~~بن وهب القرشي وقتل باليرموك، شهد بدرا، وهو من المهاجرين الأولين. وفيها ~~قتل عبد الله بن أبي جهم القرشي العدوي، وكان إسلامه يوم الفتح. وفيها قتل ~~عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بعد أن قتل جمعا من الروم في المعركة، ~~وكان عمره يوم مات النبي، صلى الله عليه وسلم، نحو ثلاثين سنة. وفيها قتل ~~عبد الله بن الطفيل الدوسي، وهو الملقب بذي النور، وكان من فضلاء الصحابة ~~قديم الإسلام هاجر إلى الحبشة. أجنادين بعد الجيم نون، ودال مهملة مفتوحة، ~~ومنهم من يكسرها، ثم ياء مثناة من تحتها ساكنة، وآخره نون. وقد قيل: إن ~~وقعة أجنادين كانت سنة خمس عشرة، وسيرد ذكرها إن شاء الله. ### || AUT ذكر وفاة أبي بكر # كانت وفاة أبي بكر، رضي الله عنه، لثماني ليال بقين من جمادى الآخرة ~~ليلة الثلاثاء وهو ابن ثلاث وستين سنة، وهو الصحيح، وقيل غير ذلك، وكان قد ~~سمه اليهود في أرز، وقيل في حريرة، وهي الحسو، فأكل هو والحارث بن كلدة، ~~فكف الحارث وقال لأبي بكر: أكلنا طعاما مسموما سم سنة، فماتا بعد سنة. ~~وقيل: إنه اغتسل وكان يوما باردا فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة فأمر ~~عمر أن يصلي بالناس. ولما مرض قال له الناس: ألا ms0759 ندعو الطبيب؟ قال: قد ~~أتاني وقال لي أنا فاعل ما أريد؛ فعلموا مراده وسكتوا عننه، ثم مات. وكانت ~~خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال، وقيل: كانت سنتين وأربعة أشهر إلا ~~أربع ليال، وكان مولده بعد الفيل بثلاث سنين. وأوصى أن تغسله زوجته أسماء ~~بنت عميس وابنه عبد الرحمن وأن يكفن في ثوبيه ويشترى معهم ثوب ثالث، وقال: ~~الحي أحوج إلى الجديد من الميت، إنما هو للمهلة والصديد. ودفن ليلا وصلى ~~عليه عمر بن الخطاب في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكبر عليه ~~أربعا، وحمل على السرير الذي حمل عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ودخل ~~قبره ابنه عبد الرحمن وعمر وعثمان وطلحة، وجعل رأسه عند كتفي النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، وألصقوا لحده بلحد النبي، صلى الله عليه وسلم، وجعل قبره ~~مثل قبر النبي، صلى الله عليه وسلم، مسطحا. وأقامت عائشة عليه النوح فنهاهن ~~عن البكاء عمر فأبين، فقال لهشام بن الوليد: ادخل فأخرج إلي ابنة أبي ~~قحافة، فأخرج إليه أم فروة ابنة أبي قحافة فعلاها بالدرة ضربات فتفرق النوح ~~حين سمعن ذلك. وكان آخر ما تكلم به: توفني مسلما وألحقني بالصالحين. ~~PageV01P0395 # وكان أبيض خفيف العارضين أحنى لا يستمسك إزاره، معروق الوجه نحيفا، أقنى ~~غائر العينين يخضب بالحناء والكتم، وكان أبوه حيا بمكة لما توفي. وهو أبو ~~بكر عبد الله، وقيل: عتيق بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن ~~سعيد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك، يجتمع مع النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، في مرة بن كعب، وأمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عمرو بن ~~كعب بن سعد بن تيم. وقيل: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال له: (أنت ~~عتيق من النار)، فلزمه، وقيل: إنما قيل له عتيق لرقة حسنه وجماله. وأسلمت ~~أمه قديما بعد إسلام أبي بكر، وتزوج في الجاهلية قتيلة بنت عبد العزى بن ~~عامر بن لؤي فولدت له عبد ms0760 الله وأسماء، وتزوج أيضا في الجاهلية أم رومان، ~~واسمها دعد بنت عامر بن عميرة الكنانية، فولدت له عبد الرحمن وعائشة، وتزوج ~~في الإسلام أسماء بنت عميس، وكانت قبله عند جعفر بن أبي طالب، فولدت له ~~محمد بن أبي بكر، وتزوج أيضا في الإسلام حبيبة بنت خارجة بن زيد الأنصارية، ~~فولدت له بعد وفاته أم كثلوم. ### || AUT أسماء قضاته وعماله وكتابه # لما ولي أبو بكر قال له أبو عبيدة: أنا أكفيك المال. وقال له عمر: أنا ~~أكفيك القضاء. فمكث عمر سنة لا يأتيه رجلان. وكان علي بن أبي طالب يكتب له ~~وزيد بن ثابت وعثمان بن عفان، وكان يكتب له من حضر. وكان عامله على مكة ~~عتاب بن أسيد، ومات في اليوم الذي مات فيه أبو بكر، وقيل: مات بعده. وكان ~~على الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى صنعاء المهاجر بن أبي أمية، وعلى ~~حضرموت زياد بن لبيد الأنصاري، وعلى خولان يعلى بن منية، وعلى زبيد ورمع ~~أبو موسى، وعلى الجند معاذ بن جبل، وعلى البحرين العلاء بن الحضرمي. وبعث ~~جرير بن عبد الله إلى نجران، وعبد الله بن ثور إلى جرش، وعياض بن غنم إلى ~~دومة الجندل. وكان بالشام أبو عبيدة وشرحبيل ويزيد وعمرو، وكل رجل منهم على ~~جند وعليهم خالد ابن الوليد. وكان نقش خاتمه: نعم القادر الله. وعاش أبوه ~~بعده ستة أشهر وأياما، ومات وله سبع وتسعون سنة. ### || AUT ذكر بعض أخباره ومناقبه # كان أبو بكر أول الناس إسلاما في قول بعضهم، وقد تقدم الخلاف في ذلك، ~~وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له ~~عنه كبوة غير أبي بكر). والذي ورد له عن النبي، صلى الله عليه وسلم، من ~~المناقب كثير، كشهادته له بالجنة، وعتقه من النار، وغير ذلك من الإخبار ~~بخلافته تعريضا كقوله، صلى الله عليه وسلم، للمرأة: (إن لم تجديني فأتي أبا ~~بكر)، وكقوله: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)، إلى غير ذلك. وشهد ~~بدرا وأحدا والخندق وغير ms0761 ذلك من المشاهد مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وأعتقد سبعة نفر كلهم يعذب في الله تعالى، منهم بلال وعامربن فهيرة وزنيرة ~~والنهدية وابنها وجارية بني مؤمل وأم عبيس وأسلم. وله أربعون ألفا أنفقها ~~في الله مع ما كسب في التجارة. ولما ولي الخلافة وارتدت العرب خرج شاهرا ~~سيفه إلى ذي القصة، فجاءه علي وأخذ بزمام راحلته وقال له: أين يا خليفة ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم! أقول لك ما قال لك رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، يوم أحد: شم سيفك لا تفجعنا بنفسك، فوالله لئن أصبنا بك لا يكون ~~للإسلام نظام؛ فرجع وأمضى الجيش. وكانت له بيت مال بالسنح، وكان يسكنه إلى ~~أن انتقل إلى المدينة، فقيل له: ألا نجعل عليه من يحرسه؟ قال: لا. فكان ~~ينفق جميع ما فيه على المسلمين فلا يبقى فيه شيء، فلما انتقل إلى المدينة ~~جعل بيت المال معه في داره. وفي خلافته انفتح معدن بني سليم، وكان يسوي في ~~قسمته بين السابقين الأولين والمتأخرين في الإسلام وبين الحر والعبد والذكر ~~والأنثى، فقيل له: لتقدم أهل السبق على قدر منازلهم، فقال: إنما أسلموا لله ~~ووجب أجرهم عليه يوفيهم ذلك في الآخرة، وإنما هذه الدنيا بلاغ. وكان يشتري ~~الأكسية ويفرقها في الأرامل في الشتاء. ولما توفي أبو بكر جمع عمر الأمناء ~~وفتح بيت المال فلم يجدوا فيه شيئا غير دينار سقط من غرارة، فترحموا عليه. ~~PageV01P0396 # قال أبو صالح الغفاري: كان عمر يتعهد امرأة عمياء في المدينة بالليل ~~فيقوم بأمرها فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها ففعل ما أرادت، فرصده ~~عمر فإذا هو أبو بكر كان يأتيها ويقضي أشغالها سرا وهو خليفة، فقال له: أنت ~~هو لعمري! قال أبو بكر بن حفص بن عمر: لما حضرت أبا بكر الوفاة حضرته عائشة ~~وهو يعالج الموت فتمثلت: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما ~~وضاق بها الصدر فنظر إليها كالغضبان ثم قال: ليس كذلك ولكن (جاءت سكرة ~~الموت بالحق ذلك ما ms0762 كنت منه تحيد) ق:!رضي الله عنه، إني قد كنت نحلتك حائط ~~كذا وفي نفسي منه شيء فرديه على الميراث، فردته، فقال: إنما هما أخواك ~~وأختك. قالت: من الثانية؟ إنما هي أسماء. قال: ذات بطن بنت خارجة، يعني ~~زوجته، وكانت حاملا فولدت أم كلثوم بعد موته. وقال لها: أما إنا منذ ولينا ~~أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارا ولا درهما ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم ~~ولبسنا من خشن ثيابهم وليس عندنا من فيء المسليمن قليل ولا كثير إلا هذا ~~العبد وهذا البعير وهذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بالجميع إلى عمر. فلما مات ~~بعثته إلى عمر، فلما رآه بكى حتى سالت دموعه إلى الأرض وجعل يقول: رحم الله ~~أبا بكر! لقد أتعب من بعده، ويكرر ذلك، وأمر برفعه. فقال عبد الرحمن ابن ~~عوف: سبحان الله! تسلب عيال أبي بكر عبدا وناضحا وسحق قطيفة ثمنها خمسة ~~دراهم، فلو أمرت بردها إليهم. فقال: لا والذي بعث محمدا، صلى الله عليه ~~وسلم، بالحق لا يكون هذا في ولايتي ولا خرج أبو بكر منه وأتقلده أنا. وأمر ~~أبو بكر أن يرد جميع ما أخذ من بيت المال لنفقته بعد وفاته. وقيل: إن زوجته ~~اشتهت حلوا فقال: ليس لنا ما نشتري به. فقالت: أنا أستفضل من نفقتنا في عدة ~~أيام ما نشتري به. قال: افعلي. ففعلت ذلك، فاجتمع لها في أيام كثيرة شيء ~~يسير، فلما عرفته ذلك ليشتري به حلوا أخذه فرده إلى بيت المال وقال: هذا ~~يفضل عن قوتنا، وأسقط من نفقته بمقدار ما نقصت كل يوم وغرمه لبيت المال من ~~ملك كان له. هذا والله هو التقوى الذي لا مزيد عليه وبحق قدمه الناس، رضي ~~الله عنه وأرضاه. وكان منزل أبي بكر بالسنح عند زوجته حبيبة بنت خارجة، ~~فأقام هنالك ستة أشهر بعد ما بويع له، وكان يغدو على رجليه إلى المدينة، ~~وربما ركب فرسه، فيصلي بالناس، فإذا صلى العشاء رجع إلى السنح، وكان إذا ~~غاب صلى بالناس عمر. وكان يغدو كل يوم إلى ms0763 السوق فيبيع ويبتاع، وكانت له ~~قطعة غنم تروح عليه، وربما خرج هو بنفسه فيها، وربما رعيت له، وكان يحلب ~~للحي أغنامهم، فلما بويع بالخلافة قالت جارية منهم: الآن لا يحلب لنا منائح ~~دارنا، فسمعها فقال: بلى لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو أن لا يغير بي ما ~~دخلت فيه. فكان يحلب لهم. ثم تحول إلى المدينة بعد ستة أشهر من خلافته ~~وقال: ما تصلح أمور الناس مع التجارة، وما يصلح إلا التفرغ لهم والنظر في ~~شأنهم، فترك التجارة، وأنفق من مال المسلمين ما يصلحه وعياله يوما بيوم ~~ويحج ويعتمر، فكان الذي فرضوا له في كل سنة ستة آلاف درهم، وقيل: فرضوا له ~~ما يكفيه، فلما حضرته الوفاة أوصى أن تباع أرض له ويصرف ثمنها عوض ما أخذه ~~من مال المسلمين. وكان أول وال فرض له رعيته نفقته، وأول خليفة ولي وأبوه ~~حي، وأول من سمى مصحف القرآن مصحفا، وأول من سمي خليفة. زنيرة بكسر الزاي، ~~والنون المشددة. وعبيس بضم العين المهملة، وبالباء الموحدة المفتوحة، ثم ~~بالياء المثناة من تحت، وبالسين المهملة. ومنية بالنون الساكنة، والياء ~~تحتها نقطتان. ### || AUT ذكر استخلافه عمر بن الخطاب # لما نزل بأبي بكر، رضي الله عنه، الموت دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: ~~أخبرني عن عمر. فقال: إنه أفضل من رأيك إلا أنه فيه غلظة. فقال أبو بكر: ~~ذلك لأنه يراني رقيقا، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرا مما هو عليه، وقد ~~رمقته فكنت إذا غضبت على رجل أراني الرضاء عنه، وإذا لنت له أراين الشدة ~~عليه. ودعا عثمان بن عفان وقال له: أخبرني عن عمر. فقال: سريرته خير من ~~علانيته، وليس فينا مثله. فقال أبو بكر لهما: لا تذكرا مما قلت لكما شيئا، ~~ولو تركته ما عدوت عثمان، والخيرة له أن لا يلي من أموركم شيئا، ولوددت أني ~~كنت من أموركم خلوا وكنت فيمن مضى من سلفكم. PageV01P0397 # ودخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر فقال: استخلفت على الناس عمر وقد ~~رأيت ما يلقى الناس منه ms0764 وأنت معه، وكيف به إذا خلا بهم وأنت لاق ربك فسائلك ~~عن رعيتك! فقال أبو بكر: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: أبالله تخوفني! إذا لقيت ~~ربي فسألني قلت: استخلفت على أهلك خير أهلك. ثم إن أبا بكر أحضر عثمان بن ~~عفان خاليا ليكتب عهد عمر، فقال له: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما ~~عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين، أما بعد. ثم أغمي عليه، فكتب ~~عثمان: أما بعد فإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيرا. ثم ~~أفاق أبو بكر فقال: اقرأ علي. فقرأ عليه، فكبر أبو بكر وقال: اراك خفت أن ~~يختلف الناس إن مت في غشيتي. قال: نعم. قال: جزاك الله خيرا عن الإسلام ~~وأهله. فلما كتب العهد أمر به أن يقرأ على الناس، فجمعهم وأرسل الكتاب مع ~~مولى له ومعه عمر، فكان عمر يقول للناس: أنصتوا واسمعوا لخليفة رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يألكم نصحا. فسكن الناس، فلما قرىء عليهم ~~الكتاب سمعوا وأطاعوا، وكان أبو بكر أشرف على الناس وقال: أترضون بمن ~~استخلفت عليكم؟ فإني ما استخلفت عليكم ذا قرابة، وإني قد استخلفت عليكم عمر ~~فاسمعوا له وأطيعوا، فإني والله ما ألوت من جهد الرأي. فقالوا: سمعنا ~~وأطعنا. ثم أحضر أبو بكر عمر فقال له: إني قد استخلفتك على أصحاب رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، وأوصاه بتقوى الله ثم قال: يا عمر إن لله حقا ~~بالليل لا يقبله في النهار، وحقا في النهار لا يقبله بالليل، وإنه لا يقبل ~~نافلة حتى تؤدي الفريضة، ألم تر يا عمر أنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه ~~يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه غدا إلا حق ~~أن يكون ثقيلا. ألم تر يا عمر أنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة ~~باتباعهم الباطل وخفته عليهم، وحق لميزان أن يوضع فيه غدا إلا باطل أن يكون ~~خفيفا. ألم تر يا عمر أنما نزلت آية الرخاء مع آية الشدة وآية الشدة ms0765 مع آية ~~الرخاء ليكون المؤمن راغبا راهبا، لا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس ~~له، ولا يرهب رهبة يلقي فيها بيديه. أو لم تر يا عمر أنما ذكر أهل النار ~~بأسوإ أعمالهم فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو أن لا أكون منهم، وأنه إنما ذكر ~~أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه يجاوز لهم ما كان من سيء فإذا ذكرتهم قلت أين ~~عملي من أعمالهم؟ فإن حفظت وصيتي فلا يكونن غائب أحب إليك من حاضر من ~~الموت، ولست بمعجزه. وتوفي أبو بكر فلما دفن صعد عمر بن الخطاب فخطب الناس ~~ثم قال: (إنما مثل العرب مثل جمل آنف اتبع قائده فلينظر قائده حيث يقوده، ~~وأما أنا فورب الكعبة لأحملنكم على الطريق)! وكان أول كتاب كتبه إلى أبي ~~عبيدة بن الجراح بتولية جند خالد وبعزل خالد لأنه كان عليه ساخطا في خلافة ~~أبي بكر كلها لوقعته بابن نويرة وما كان يعمل في حربه، وأول ما تكلم به عزل ~~خالد وقال: لا يلي لي عملا أبدا، وكتب إلى أبي عبيدة: إن أكذب خالد نفسه ~~فهو الأمير على ما كان عليه، وإن لم يكذب نفسه فأنت الأمير على ما هو عليه، ~~وانزع عمامته عن رأسه وقاسمه ماله. فذكر ذلك لخالد، فاستشار أخته فاطمة، ~~وكانت عند الحارث بن هشام، فقالت له: والله لا يحبك عمر أبدا وما يريد إلا ~~أن تكذب نفسك ثم ينزعك. فقبل رأسها وقال: صدقت؛ فأبى أن يكذب نفسه، فأمر ~~أبو عبيدة فنزع عمامة خالد وقاسمه ماله، ثم قدم خالد على عمر بالمدينة، ~~وقيل: بل هو أقام بالشام مع المسلمين، وهو أصح. ### || AUT ذكر فتح دمشق # قيل: ولما هزم أهل اليرموك استخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير ابن كعب ~~الحميري، وسار حتى نزل بالصفر، فأتاه الخبر أن المنهزمين اجتمعوا بفحل، ~~وأتاه الخبر أيضا بأن المدد قد أتى أهل دمشق من حمص، فكتب إلى عمر في ذلك، ~~فأجابه عمر يأمره بأن يبدأ بدمشق فإنها حصن الشام وبيت ملكهم، وأن يشغل أهل ~~فحل بخيل ms0766 تكون بإزائهم، وإذا فتح دمشق سار إلى فحل، فإذا فتحت عليهم سار هو ~~وخالد إلى حمص وترك شرحبيل ابن حسنة وعمرا بالأردن وفلسطين. فأرسل أبو ~~عبيدة إلى فحل طائفة من المسلمين فنزلوا قريبا منها، وبثق الروم الماء حول ~~فحل فوحلت الأرض، فنزل عليها المسلمون، فكان أول محصور بالشام أهل فحل ثم ~~أهل دمشق. PageV01P0398 # وبعث أبو عبيدة جندا فنزلوا بين حمص ودمشق، وأرسل جندا آخر فكانوا بين ~~دمشق وفلسطين، وسار أبو عبيدة وخالد فقدموا على دمشق وعليها نسطاس، فنزل ~~أبو عبيدة على ناحية وخالد على ناحية وعمرو على ناحية، وكان هرقل قريب حمص، ~~فحصرهم المسلمون سبعين ليلة حصارا شديدا وقاتلوهم بالزحف والمجانيق وهم ~~معتصمون بالمدينة يرجعون الغياث، وجاءت خيول هرقل مغيثة دمشق فمنعتها خيول ~~المسلمين التي عند حمص، فخذل أهل دمشق وطمع فيهم المسلمون. وولد للبطريق ~~الذي على أهلها مولود فصنع طعاما فأكل القوم وشربوا وتركوا مواقفهم، ولا ~~يعلم بذلك أحد من المسلمين إلا ما كان من خالد، فإنه كان لا ينام ولا ينيم ~~ولا يخفى عليه من أمورهم شيء عيونه ذكية، وهو معني بما يليه، وكان قد اتخذ ~~حبالا كهيئة السلاليم وأوهاقا، فلما أمسى ذلك اليوم نهد هو ومن معه من جنده ~~الذين قدم عليهم وتقدمهم هو والقعقاع بن عمرو ومذعور بن عدي وأمثاله ~~وقالوا: إذا سمعتم تكبيرا على السور فارقوا إلينا واقصدوا الباب. فلما وصل ~~هو وأصحابه إلى السور ألقوا الحبال فعلق بالشرف منها حبلان، فصعد فيهما ~~القعقاع ومذعور وأثبتا الحبال بالشرف، وكان ذلك المكان أحصن موضع بدمشق ~~وأكثره ماء وأشده مدخلا، فصعد المسلمون ثم انحدر خالد وأصحابه وترك بذلك ~~المكان من يحميه وأمرهم بالتكبير، فكبروا، فأتاهم المسلمون إلى الباب وإلى ~~الحبال، وانتهى خالد إلى من يليه فقتلهم وقصد الباب فقتل البوابين، وثار ~~أهل المدينة لا يدرون ما الحال، وتشاغل أهل كل ناحية بما يليهم، وفتح خالد ~~الباب وقتل كل من عنده من الروم. فلما رأى الروم ذلك قصدوا أبا عبيدة ~~وبذلوا له الصلح، فقبل منهم وفتحوا له الباب ms0767 وقالوا له: ادخل وامنعنا من ~~أهل ذلك الجانب، ودخل أهل كل باب بصلح مما يليهم. ودخل خالد عنوة، فالتقى ~~خالد والقواد في وسطها، هذا قتلا ونهبا وهذا صفحا وتسكينا، فأجروا ناحية ~~خالد مجرى الصلح، وكان صلحهم على المقاسمة، وقسموا معهم للجنود التي عند ~~فحل وعند حمص وغيرهم ممن هو ردء للمسلمين. وأرسل أبو عبيدة إلى عمر بالفتح، ~~فوصل كتاب عمر إلى أبي عبيدة يأمره بإرسال جند العراق نحو العراق إلى سعد ~~بن أبي وقاص، فأرسلهم وأمر عليهم هاشم بن عتبة المرقال، وكانوا قد قتل ~~منهم، فأرسل أبو عبيدة عوض من قتل، وكان ممن ارسل الأشتر وغيره، وسار أبو ~~عبيدة إلى فحل. ### || AUT ذكر غزوة فحل # فلما فتحت دمشق سار أبو عبيدة إلى فحل واستخلف على دمشق يزيد ابن أبي ~~سفيان، وبعث خالدا على المقدمة، وعلى الناس شرحبيل بن حسنة، وكان على ~~المجنبتين أبو عبيدة وعمرو بن العاص، وعلى الخيل ضرار بن الأزور، وعلى ~~الرجال عياض بن غنم، وكان أهل فحل قد قصدوا بيسان، فهم بها، فنزل شرحبيل ~~بالناس فحلا، وبينهم وبين الروم تلك المياه والأوحال، وكتبوا إلى عمر، ~~وكانت العرب تسمي تلك الغزاة ذات الردغة وبيسان وفحل. وأقام الناس ينتظرون ~~كتاب عمر، فاغترهم الروم فخرجوا وعليهم سقلار بن مخراق، فأتوهم والمسلمون ~~حذرون، وكان شرحبيل لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبية. فلما هجموا على ~~المسلمين لم يناظروهم فاقتتلوا أشد قتال كان لهم ليلتهم ويومهم إلى الليل، ~~وأظلم الليل عليهم وقد حاروا، فانهزم الروم وهم حيارى وقد أصيب رئيسهم ~~سقلار والذي يليه فيهم نسطورس، وظفر المسلمون بهم وركبوهم، ولم تعرف الروم ~~مأخذهم، فانتهت بهم الهزيمة إلى الوحل فركبوه، ولحقهم المسلمون فأخذوهم ولا ~~يمنعون يدلامس فوخزوهم بالرماح، فكانت الهزيمة بفحل والقتل بالرداغ، فأصيب ~~الروم وهم ثمانون ألفا لم يفلت منهم إلا الشريد، وقد كان الله يصنع ~~للمسلمين وهم كارهون، كرهوا البثوق والوهل، فكانت عونا لهم على عدوهم ~~وغنموا أموالهم فاقتسموها. وانصرف أبو عبيدة بخالد ومن معه إلى حمص. وممن ~~قتل في هذه ms0768 الحرب السائب بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي، له صحبة. فحل ~~بكسر الفاء، وسكون الحاء المهملة، وآخره لام. ### || AUT ذكر فتح بلاد ساحل دمشق # PageV01P0399 # لما استخلف أبو عبيدة يزيد بن أبي سفيان على دمشق وسار إلى فحل سار يزيد ~~إلى مدينة صيدا وعرقة وجبيل وبيروت، وهي سواحل دمشق، على مقدمته أخوه ~~معاوية، ففتحها فتحا يسيرا وجلا كثير من أهلها؛ وتولى فتح عرقة معاوية ~~بنفسه في ولاية يزيد. ثم إن الروم غلبوا على بعض هذه السواحل في آخر خلافة ~~عمر وأول خلافة عثمان، فقصدهم معاوية ففتحها ثم رمها وشحنها بالمقاتلة ~~وأعطاهم القطائع. ولما ولي عثمان الخلافة وجمع لمعاوية الشام وجه معاوية ~~سفيان بن مجيب الأزدي إلى طرابسل، وهي ثلاث مدن مجتمعة، ثم بنى في مرج على ~~أميال منها حصنا سمي حصن سفيان وقطع المادة عن أهلها من البر والبحر ~~وحاصرهم. فلما اشتد عليهم الحصار اجتمعوا في أحد الحصون الثلاثة وكتبوا إلى ~~ملك الروم يسألونه أن يمدهم أو يبعث إليهم بمراكب يهربون فيها إلى بلاد ~~الروم، فوجه إليهم بمراكب كثيرة ركبوا فيها ليلا وهربوا. فلما أصبح سفيان، ~~وكان يبيت هو والمسلمون في حصنه ثم يغدو على العدو، وجد الحصن خاليا فدخله ~~وكتب بالفتح إلى معاوية، فأسكنه معاوية جماعة كثيرة من اليهود، وهو الذي ~~فيه المينا اليوم، ثم بناه عبد الملك بن مروان وحصنه، ثم نقض أهله أيام عبد ~~الملك ففتحه ابنه الوليد في زمانه. ### || AUT ذكر فتح بيسان وطبرية # لما قصد أبو عبيدة حمص من قحل أرسل شرحبيل ومن معه إلى بيسان فقاتلوا ~~أهلها، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، ثم صالحهم من بقي على صلح دمشق فقبل ذلك ~~منهم. وكان أبو عبيدة قد بعث بالأعور إلى طربية يحاصرها، فصالحه أهلها على ~~صلح دمشق أيضا وأن يشاطروا المسلمين المنازل، فنزلها القواد وخيولها وكتبوا ~~بالفتح إلى عمر. قال أبو جعفر: وقد اختلفوا في أي هذه الغزوات كان قبل ~~الأخرى، فقيل ما ذكرنا، وقيل: إن المسلمين لما فرغوا من أجنادين اجتمع ~~المنهزمون بفحل فقصدها المسلمون ms0769 فظفروا بها. ثم لحق المنهزمون من فحل بدمشق ~~فقصدها المسلمون فحاصروها وفتحوها، وقدم كتاب عمر بن الخطاب بعزل خالد ~~وولاية أبي عبيدة وهم محاصرون دمشق، فلم يعرفه أبو عبيدة ذلك حتى فرغوا من ~~صلح دمشق وكتب الكتاب باسم خالد وأظهر أبو عبيدة بعد ذلك عزله، وكانت فحل ~~في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة، وفتح دمشق في رجب سنة أربع عشرة، وقيل: إن ~~وقعة اليرموك كانت سنة خمس عشرة، ولم تكن للروم بعدها وقعة، وإنما اختلفوا ~~لقرب بعض ذلك من بعض. ### || AUT ذكر خبر المثنى بن حارثة # ### || AUT وأبي عبيد بن مسعود # قد ذكرنا قدوم المثنى بن حارثة الشيباني من العراق على أبي بكر، ووصية ~~أبي بكر عمر بالمبادرة إلى إرسال الجيوش مع؛ فلما أصبح عمر من الليلة التي ~~مات فيها أبو بكر كان أول ما عمل أن ندب الناس مع المثنى بن حارثة الشبياني ~~إلى أهل فارس، ثم بايع الناس، ثم ندب الناس وهو يبايعهم ثلاثا ولا ينتدب ~~أحد إلى فارس، وكانوا أثقل الوجوه على المسلمين وأكرهها إليهم لشدة سلطانهم ~~وشوكتهم وقهرهم الأمم، فلما كان اليوم الرابع ندب الناس إلى العراق، فكان ~~أول منتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وهو والد المختار، وسعد بن عبيد ~~الأنصاري، وسليط بن قيس، وهو ممن شهد بدرا، وتتابع الناس. PageV01P0400 # وتكلم المثنى بن حارثة فقال: أيها الناس لا يعظمن عليكم هذا الوجه، فإنا ~~قد فتحنا ريف فارس وغلبناهم على خير شقي السواد ونلنا منهم واجترأنا عليهم، ~~ولنا إن شاء الله ما بعدها. فاجتمع الناس، فقيل لعمر: أمر عليهم رجلا من ~~السابقين من المهاجرين أو الأنصار. قال: لا والله لا أفعل، إنما رفعهم الله ~~تعالى بسبقهم ومسارعتهم إلى العدو، فإذا فعل فعلهم قوم وتثاقلوا كان الذين ~~ينفرون خفافا وثقالا ويسبقون إلى الرفع أولى بالرئاسة منهم، والله لا أؤمر ~~عليهم إلا أولهم انتدابا! ثم دعا أبا عبيد، وسعدا وسليطا، وقال لهما: لو ~~سبقتماه لوليتكما ولأدركتما بها إلى ما لكما من السابقة، فأمر ابا عبيد على ~~الجيش وقال ms0770 له: اسمع من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأشركهم في ~~الأمر ولا تجتهد مسرعا حتى تتبين، ولم يمنعني أن أؤمر سليطا إلا سرعته إلى ~~الحرب، وفي التسرع إلى الحرب ضياع إلا عن بيان، فإنه لا يصلحها إلا المكيث. ~~وأوصاه بجنده. فكان بعث أبي عبيد أول جيش سيره عمر، ثم بعده سير يعلى بن ~~منية إلى اليمن وأمره بإجلاء أهل نجران بوصية رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وأن لا يجتمع بجزيرة العرب دينان. ### || AUT ذكر خبر النمارق # فسار أبو عبيدة الثقفي وسعد بن عبيد وسليط بن قيس الأنصاريان والمثنى بن ~~حارثة الشيباني أحد بني هند من المدينة، وأمر عمر المثنى بالتقدم إلى أن ~~يقدم عليه أصحابه، وأمرهم باستنفار من حسن إسلامه من أهل الردة. ففعلوا ~~ذلك، وسار المثنى فقدم الحيرة، وكانت الفرس تشاغلت عن المسلمين بموت ~~شهربراز حتى اصطلحوا على سابور بن شهريار بن أردشير، فثارت به آزرميدخت ~~فقتلته وقتلت الفرخزاد وملكت بوران، وكانت عدلا بين الناس حتى يصطلحوا، ~~فأرسلت إلى رستم بن الفرخزاد بالخبر وتحثه على السير، وكان على فرج خراسان، ~~فأقبل لا يلقى جيشا لآزرميدخت إلا هزمه حتى دخل المدائن، فاقتتلوا، وهزم ~~سياوخش وحصره وآزرميدخت بالمدائن. ثم افتتحها رستم وقتل سياوخش وفقأ عين ~~آزرميدخت، ونصب بوران على أن تملكه عشر سنين ثم يكون الملك في آل كسرى إن ~~وجدوا من غلمانهم أحدا وإلا ففي نسائهم، ودعت مرازبة فارس وأمرتهم أن ~~يسمعوا له ويطيعوا، وتوجته، فدانت له فارس قبل قدوم أبي عبيد. وكان منجما ~~حسن المعرفة به وبالحوادث، فقال له بعضهم: ما حملك على هذا الأمر وأنت ترى ~~ما ترى؟ قال: حب الشرف والطمع. ثم قدم المثنى إلى الحيرة في عشر، وقدم أبو ~~عبيد بعده بشهر. فكتب رستم إلى الدهاقين أن يثوروا بالمسلمين، وبعث في كل ~~رستاق رجلا يثور بأهله، فبعث جابان إلى فرات بادقلي، وبعث نرسي إلى كسكر ~~ووعدهم يوما، وبعث جندا لمصادمة المثنى. وبلغ المثنى الخبر فحذر فضم إليه ~~مسالحه، وعجل جابان ونزل النمارق، وثاروا ms0771 وتوالوا على الخروج، وخرج أهل ~~الرساتيق من أعلى الفرات إلى أسفله، وخرج المثنى من الحيرة فنزل خفان لئلا ~~يؤتى من خلفه بشيء يكرهه، وأقام حتى قدم عليه أبو عبيد. فلما قدم لبث أياما ~~يستريح هو وأصحابه، واجتمع إلى جابان بشر كثير، فنزل النمارق، وسار إليه ~~أبو عبيد فجعل المثنى على الخيل، وكان على مجنبتي جابان جشنس ماه ~~ومردانشاه، فاقتتلوا بالنمارق قتالا شديدا، فهزم الله أهل فارس وأسر جابان، ~~أسره مطر بن فضة التيمي، وأسر مردانشاه، وأسره أكتل بن شماخ العكلي فقتله. ~~وأما جابان فإنه خدع مطرا وقال له: هل لك أن تؤمنني وأعطيك غلامين أمردين ~~خفيفين في عملك وكذا وكذا؟ ففعل، فخلى عنه، فأخذه المسلمون وأتوا به أبا ~~عبيد وأخبروه أنه جابان وأشاروا عليه بقتله. فقال: إني أخاف الله أن أقتله ~~وقد آمنه رجل مسلم والمسلمون كالجسد الواحد، ما لزم بعضهم فقد لزم كلهم، ~~وتركوه. وأرسل في طلب المنهزمين حتى أدخلوهم عسكر نرسي وقتلوا منهم. أكتل ~~بفتح الهمزة، وسكون الكاف، وفتح التاء المثناة باثنتين من فوقها، وفي آخره لام. ### || AUT ذكر وقعة السقاطية بكسكر # PageV01P0401 # ولحق المنهزمون نحو كسكر وبها نرسي، وهو ابن خالة الملك، وكان له ~~النرسيان، وهو نوع من التمر يحميه، لا يأكله إلا ملك الفرس أو من أكرموه ~~بشيء منه، ولا يغرسه غيرهم، واجتمع إلى النرسي الفالة، وهو في عسكره، فسار ~~أبو عبيد إليهم من النمارق فنزل على نرسي بكسكر، وكان المثنى في تعبيته ~~التي قاتل فيها بالنمارق، وكان على مجنبتي نرسي بندويه وتيرويه ابنا بسطام ~~خال الملك، ومعه أهل باروسما والزوابي. ولما بلغ الخبر بوران ورستم بهزيمة ~~جابان بعثا الجالينوس إلى نرسي فلحقه قبل الحرب، فعاجلهم أبو عبيد، فالتقوا ~~أسفل من كسكر بمكان يدعى السقاطية، فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انهزمت فارس ~~وهرب نرسي وغلب المسلمون على عسكره وأرضه وجمعوا الغنائم، فرأى أبو عبيد من ~~الأطعمة شيئا كثيرا فنفله من حوله من العرب، وأخذوا النرسيان فأطعموه ~~الفلاحين وبعثوا بخمسه إلى عمر وكتبوا إليه: (إن الله أطعمنا مطاعم كانت ms0772 ~~الأكاسرة تحميها وأحببنا أن تروها لتشكروا إنعام الله وإفضاله). وأقام أبو ~~عبيد وبعث المثنى إلى باروسما، وبعث والقا إلى الزوابي، وعاصما إلى نهر ~~جوبر، فهزموا من كان تجمع وأخربوا وسبوا أهل زندورد وغيرها، وبذل لهم فروخ ~~وفراونداد عن أهل باروسما والزوابي وكسكر الجزاء معجلا، فأجابوا إلى ذلك ~~وصاروا صلحا، وجاء فروخ وفراوندد إلى أبي عبيد بأنواع الطعام والأخبصة ~~وغيرها، فقال: هل أكرمتم الجند بمثلها؟ فقالوا: لم يتيسر ونحن فاعلون، ~~وكانوا يتربصون قدوم الجالينوس. فقال أبو عبيد: لا حاجة لنا فيه، بئس المرء ~~أبو عبيد إن صحب قوما من بلادهم استأثر عليهم بشيء، ولا والله لا آكل ما ~~أتيتم به ولا مما أفاء الله إلا مثل ما يأكل أوساطهم. فلما هزم الجالينوس ~~أتوه بالأطعمة أيضا، فقال: ما آكل هذا دون المسلمين. فقالوا له: ليس من ~~أصحابك أحد إلا وقد أتي بمثل هذا؛ فأكل حينئذ. ### || AUT ذكر وقعة الجالينوس # ولما بعث رستم الجالينوس أمره أن يبدأ بنرسي ثم يقاتل أبا عبيد، فبادره ~~أبو عبيد إلى نرسي فهزمه، وجاء الجالينوس فنزل بباقسياثا من باروسما، فسار ~~إليه أبو عبيد، وهو على تعبيته، فالتقوا بها، فهزمهم المسلمون وهرب ~~الجالينوس وغلب أبو عبيد على تلك البلاد، ثم ارتحل حتى قدم الحيرة، وكان ~~عمر قد قال له: إنك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والجبرية، تقدم ~~على قوم تجرأوا على الشر فعلموه وتناسوا الخير فجهلوه، فانظر كيف تكون، ~~واحرز لسانك ولا تفشين سرك، فإن صاحب السر ما يضبطه متحصن ولا يؤتى من وجه ~~يكرهه، وإذا ضيعه كان بمضيعة. ### || AUT ذكر وقعة قس الناطف ويقال لها الجسر ويقال المروحة # وقتل أبي عبيد بن مسعود ولما رجع الجالينوس إلى رستم منهزما ومن معه من ~~جنده قال رستم: أي العجم أشد على العرب؟ قال: بهمن جاذويه المعروف بذي ~~الحاجب، وإنما قيل له ذو الحاجب لأنه كان يعصب حاجبيه بعصابة ليرفعهما ~~كبرا. فوجهه ومعه فيلة ورد الجالينوس معه وقال لبهمن: إن انهزم الجالينوس ~~ثانية فاضرب عنقه. فأقبل بهمن جاذويه ومعه درفش ms0773 كابيان راية كسرى، وكانت من ~~جلود النمر، عرض ثمانية أذرع، وطول اثني عشر ذراعا، فنزل بقس الناطف. وأقبل ~~أبو عبيد فنزل بالمروحة، فرأت دومة، امرأته أم المختار ابنه، أن رجلا نزل ~~من الساء بإناء فيه شراب، فشرب أبو عبيد ومعه نفر، فأخبرت بها أبا عبيد ~~فقال: لهذه إن شاء الله الشهادة! وعهد إلى الناس فقال: إن قتلت فعلى الناس ~~فلان، فإن قتل فعليهم فلان، حتى أمر الذين شربوا من الإناء، ثم قال: فإن ~~قتل فعلى الناس المثنى. PageV01P0402 # وبعث إليه بهمن جاذويه: إما أن تعبر إلينا وندعكم والعبور، وإما أن ~~تدعونا نعبر إليكم. فنهاه الناس عن العبور، ونها سليط أيضا، فلج وترك الرأي ~~وقال: لا يكونوا أجرأ على الموت منا. فعبر إليهم على جسر عقده ابن صلوبا ~~للفريقين، وضاقت الأرض بأهلها واقتتلوا، فلما نظرت الخيول إلى الفيلة ~~والخيل عليها التجافيف رأت شيئا منكرا لم تكن رأت مثله، فجعل المسلمون إذا ~~حملوا عليهم لم تقدم عليهم خيولهم، وإذا حملت الفرس على المسلمين بالفيلة ~~والجلاجل فرقت خيولهم وكراديسهم ورموهم بالنشاب. واشتد الأمر بالمسلمين، ~~فترجل أبو عبيد والناس ثم مشوا إليهم ثم صافحوهم بالسيوف، فجعلت الفيلة لا ~~تحمل على جماعة إلا دفعتهم، فنادى أبو عبيد: احتوشوا الفيلة واقطعوا بطانها ~~واقلبوا عنها أهلها، ووثب هو على الفيل الأبيض فقطع بطانه ووقع الذين عليه، ~~وفعل القوم مثل ذلك فما تركوا فيلا إلا حطوا رحله وقتلوا أصحابه. وأهوى ~~الفيل لأبي عبيد فضربه أبو عبيد بالسيف وخبطه الفيل بيده فوقع فوطئه الفيل ~~وقام عليه. فلما بصر به الناس تحت الفيل خشعت أنفس بعضهم، ثم أخذ اللواء ~~الذي كان أمره بعده فقاتل الفيل حتى تنحى عن أبي عبيد، فأخذه المسلمون ~~فأحرزوه، ثم قتل الفيل الأمير الذي بعد أبي عبيد وتتابع سبعة أنفس من ثقيف ~~كلهم يأخذ اللواء ويقاتل حتى يموت، ثم أخذ اللواء المثنى فهرب عنه الناس. ~~فلما رأى عبد الله بن مرثد الثقفي ما لقي أبو عبيد وخلفاؤه وما يصنع الناس ~~بادرهم إلى الجسر فقطعه وقال: يا أيها ms0774 الناس موتوا على ما مات عليه أمراؤكم ~~أو تظفروا! وحاز المشركون المسلمين إلى الجسر، فتواثب بعضهم إلى الفرات ~~فغرق من لم يصبر وأسرعوا فيمن صبر، وحمى المثنى وفرسان من المسلمين الناس ~~وقال: إنا دونكم فاعبروا على هينتكم ولا تدهشوا فإنا لن نزايل حتى نراكم من ~~ذلك الجانب ولا تغرقوا نفوسكم فعبروا الجسر. وقاتل عروة بن زيد الخيل قتالا ~~شديدا وأبو محجن الثقفي، وقاتل أبو زبيد الطائي حمية للعربية، وكان نصرانيا ~~قدم الحيرة لبعض أمره، ونادى المثنى: من عبر نجا. فجاءه العلوج فعقدوا الجس ~~وعبر الناس. وكان آخر من قتل عند الجسر سليط بن قيس، وعبر المثنى وحمى ~~جانبه، فلما عبر ارفض عنه أهل المدينة وبقي المثنى في قلة، وكان قد جرح ~~وأثبت فيه حلق من درعه. وأخبر عمر عمن سار في البلاد من الهزيمة استحياء، ~~فاشتد عليه وقال: اللهم إن كل مسلم في حل مني، أنا فئة كل مسلم، يرحم الله ~~أبا عبيد! لو كان انحاز إلي لكنت له فئة. وهلك من المسلمين أربعة آلاف بين ~~قتيل وغريق، وهرب الفان وبقي ثلاثة آلاف، وقتل من الفرس ستة آلاف. وأراد ~~بهمن جاذويه العبور خلف المسلمين فأتاه الخبر باختلاف الفرس وأنهم قد ثاروا ~~برستم ونقضوا الذي بينهم وبينه وصاروا فريقين: الفهلوج على رستم، وأهل فارس ~~على الفيرزان، فرجع إلى المدائن. وكانت هذه الوقعة في شعبان. وكان فيمن قتل ~~بالجسر عقبة وعبد الله ابنا قبطي بن قيس، وكانا شهدا أحدا، وقتل معهما ~~أخوهما عباد ولم يشهد معهما أحدا، وقتل أيضا قيس ابن السكن بن قيس أبو زيد ~~الأنصاري، وهو بدري لا عقب له، وقتل يزيد بن قيس بن الحطيم الأنصاري، شهد ~~أحدا، وفيها قتل أبو أمية الفزاري، له صحبة، والحكم بن مسعود أخو أبي عبيد، ~~وابنه جبر بن الحكم ابن مسعود. ### || AUT ذكر خبر أليس الصغرى # لما عاد ذو الحاجب لم يشعر جابان ومردانشاه بما جاءه من الخبر، فخرجا ~~حتى أخذا بالطريق، وبلغ المثنى فعلهما فاستخلف على الناس عاصم بن عمرو وخرج ~~في ms0775 جريدة خيل يريدهما، فظنا أنه هارب فاعترضاه، فأخذهما أسيرين، وخرج أهل ~~أليس على أصحابهما فأتوه بهم أسرى، وعقد لهم بها ذمة وقتلهما وقتل الأسرى. ~~وهرب أبو محجن من أليس ولم يرجع مع المثنى بن حارثة. ### || AUT ذكر وقعة البويب # PageV01P0403 # لما بلغ عمر خبر وقعة أبي عبيد بالجسر ندب الناس إلى المثنى، وكان فيمن ~~ندب بجيلة، وأمرهم إلى جرير بن عبد الله لأنه كان قد جمعهم من القبائل ~~وكانوا متفرقين فيها، فسأل النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يجمعهم فوعده ~~ذلك، فلما ولي أبو بكر تقاضاه بما وعده النبي، صلى الله عليه وسلم، فلم ~~يفعل، فلما ولي عمر طلب منه ذلك دعاه بالبينة فأقامها فكتب إلى عماله: إنه ~~من كان ينسب إلى بجيلة في الجاهلية وثبت عليه في الإسلام فأخرجوه إلى جرير، ~~ففعلوا ذلك، فلما اجتمعوا أمرهم عمر بالعراق، وأبوا إلا الشام، فعزم عمر ~~على العراق وينفلهم ربع الخمس، فأجابوا، وسيرهم إلى المثنى بن حارثة، وبعث ~~عصمة بن عبد الله الضبي فيمن تبعه إلى المثنى، وكتب إلى أهل الردة فلم يأته ~~أحد إلا رمى به المثنى، وبعث المثنى الرسل فيمن يليه من العرب فتوافوا إليه ~~في جمع عظيم. وكان فيمن جاءه أنس بن هلال النمري في جمع عظيم من النمر ~~نصارى وقالوا: نقاتل مع قومنا. وبلغ الخبر رستم والفيرزان فبعثا مهران ~~الهمذاني إلى الحيرة، فسمع المثنى ذلك وهو بين القادسية وخفان فاستبطن فرات ~~بادقلى وكتب إلى جرير وعصمة وكل من أتاه ممدا له يعلمهم الخبر ويأمرهم بقصد ~~البويب فهو الموعد، فانتهوا إلى المثنى وهو بالبويب ومهران بإزائه من وراء ~~الفرات، فاجتمع المسلمون بالبويب مما يلي الكوفة اليوم، وأرسل مهران إلى ~~المثنى يقول: إما أن تعبر إلينا وإما أن نعبر إليك. فقال المثنى: اعبروا. ~~فعبر مهران فنزل على شاطىء الفرات، وعبى المثنى أصحابه، وكان في رمضان، ~~فأمرهم بالإفطار ليقووا على عدوهم، فأفطروا. وكان على مجنبتي المثنى بشير ~~بن الخصاصية وبسر بن أبي رهم، وعلى مجردته المعنى أخوه، وعلى الرجل مسعود ~~أخوه، وعلى ms0776 الردء مذعور، وكان على مجنبتي مهران بن الازاذبه مرزبان الحيرة ~~ومردانشاه. وأقبل الفرس في ثلاثة صفوف مع كل صف فيل ورجلهم أمام فيلهم ولهم ~~زجل، فقال المثنى للمسلمين: إن الذي تسمعون فشل فالزموا الصمت. ودنوا من ~~المسلمين وطاف المثنى في صفوفه يعهد إليهم وهو على فرسه الشموس، وإنما سمي ~~بذلك للينه، وكان لا يركبه إلا إذا قاتل، فوقف على الرايات يحرضهم ويهزهم، ~~ولكلههم يقول: إني لعامتكم. فيجيبونه بمثل ذلك، وأنصفهم من نفسه في القول ~~والفعل، وخلط الناس في المحبوب والمكروه فلم يقدر أحد أن يعيب له قولا ولا ~~فعلا وقال: إني مكبر ثلاثا فتهيأوا ثم احملوا في الرابعة. فلما كبر أول ~~تكبيرة أعجلتهم فارس وخالطوهم وركدت خيلهم وحربهم مليا، فرأى المثنى خللا ~~في بني عجل فجعل يمد لحيته لما يرى منهم وأرسل إليهم يقول: الأمير يقرأ ~~عليكم السلام ويقول: لا تفضحوا المسلمين اليوم. فقالوا: نعم؛ واعتدلوا. ~~فضحك فرحا. فلما طال القتال واشتد قال المثنى لأنس بن هلال النمري: إنك ~~امرؤ عربي وإن لم تكن على ديننا، فإذا حملت على مهران فاحمل معي، فأجابه، ~~فحمل المثنى على مهران فأزاله حتى دخل في ميمنته، ثم خالطوهم واجتمع ~~القلبان وارتفع الغبار والمجنبات تقتل لا يستطيعون أن يفرغوا لنصر أميرهم ~~لا المسلمون ولا المشركون، وارتث مسعود أخو المثنى يومئذ وجماعة من أعيان ~~المسلمين، فلما أصيب مسعود تضعضع من معه، فقال: يا معشر بكر ارفعوا رايتكم ~~رفعكم الله ولا يهولنكم مصرعي! وكان المثنى قال لهم: إذا رأيتمونا أصبنا ~~فلا تدعوا ما أنتم فيه فإن الجيش ينكشف ثم ينصرف الزموا مصافكم وأغنوا غناء ~~من يليكم. وأوجع قلب المسلمين في قلب المشركين، وقتل غلام نصراني من تغلب ~~مهران واستوى على فرسه ثم انتمى، أنا الغلام التغلبي، أنا قتلت المرزبان ~~فجعل المثنى سلبه لصاحب خيله، وكان التغلبي قد جلب خيلا هو وجماعة من تغلب، ~~فلما رأوا القتال قاتلوا مع العرب، قال: وأفنى المثنى قلب المشركين ~~والمجنبات بعضها يقاتل بعضا. فلما رأوا قد أزال القلب وأفنى أهله وثب ~~مجنبات ms0777 المسلمين على مجنبات المشركين وجعلوا يردون الأعاجم على أدبارهم، ~~وجعل المثنى والمسلمون في القلب يدعون لهم بالنصر ويرسل إليهم من يذمرهم ~~ويقول لهم: عاداتكم في أمثالهم، انصروا الله ينصركم، حتى هزموا الفرس، ~~وسبقهم المثنى إلى الجسر وأخذ طريق الأعاجم، فافترقوا مصعدين ومنحدرين، ~~وأخذتهم خيول المسلمين حتى قتلوهم وجعلوهم جثا. PageV01P0404 # فما كانت بين المسلمين والفرس وقعة أبقى رمة منها، بقيت عظام القتلى دهرا ~~طويلا، وكانوا يحرزون القتلى مائة ألف، وسمي ذلك اليوم الأعشار، أحصي مائة ~~رجل قتل كل رجل منهم عشرة. وكان عروة بن زيد الخيل من أصحاب التسعة، وغالب ~~الكناني وعرفجة الأزدي من أصحاب التسعة. وقتل المشركون فيما بين السكون ~~اليوم وضفة الفرات وتبعهم المسلمون إلى الليل ومن الغد إلى الليل. وندم ~~المثنى على أخذه بالجسر وقال: عجزت عجزة وقى الله شرها بمسابقتي إياهم إلى ~~الجسر حتى أحرجتهم، فلا تعودوا أيها الناس إلى مثلها فإنها كانت زلة فلا ~~ينبغي إحراج من لا يقوى على امتناع. ومات أناس من الجرحى، منهم: مسعود أخو ~~المثنى، وخالد بن هلال، فصلى عليهم المثنى وقال: والله إنه ليهون وجدي أن ~~صبروا وهدوا البويب ولم ينكلوا. وكان قد أصاب المسلمون غنما ودقيقا وبقرا ~~فبعثوا به إلى عيال من قدم من المدينة وهم بالقوادس. وأرسل المثنى الخيل في ~~طلب العجم فبلغوا السيب وغنموا من البقر والسبي وسائر الغنائم شيئا كثيرا، ~~فقسمه فيهم ونفل أهل البلاد وأعطى بجيلة ربع الخمس، وأرسل الذين تبعوا ~~المنهزمين إلى المثنى يعرفونه سلامتهم وأنه لا مانع دون القوم ويستأذنوه في ~~الإقدام، فأذن لهم، فأغاروا حتى بلغوا ساباط، وتحصن أهله منهم واستباحوا ~~القرى ثم مخروا السواد فيما بينهم وبين دجلة لا يخافون كيدا ولا يلقون ~~مانعا، ورجعت مسالح العجم إليهم، وسرهم أن يرتكوا ما وراء دجلة. بسر بن أبر ~~رهم بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة. ### || AUT ذكر خبر الخنافس وسوق بغداد # ثم خلف المثنى بالحيرة بشير بن الخصاصية، وسار يمخر السواد، وأرسل إلى ~~ميسن ودستميسان وأذكى المسالح ونزل أليس، قرية من قرى الأنبار، ms0778 وهذه الغزوة ~~تدعى غزوة الأنبار الآخرة وغزوة أليس الآخرة. وجاء إلى المثنى رجلان أحدهما ~~أنباري فدله على سوق الخنافس، والثاني حيري دله على بغداذ قال المثنى: ~~أيتهما قبل صاحبتها. فقال: بينهما مسيرة أيام. قال: أيهما أعجل؟ قالا: سوق ~~الخنافس يجتمع بها تجار مدائن كسرى والسواد وربيعة وقضاعة يخفرونهم. فركب ~~المثنى وأغار على الخنافس يوم سوقها وبها خيلان من ربيعة وقضاعة، وعلى ~~قضاعة رومانس بن وبرة، وعلى ربيعة السليل بن قيس وهم الخفراء، فانتسف السوق ~~وما فيها وسلب الخفراء. ثم رجع فأتى الأنبار فتحصن أهلها منه، فلما عرفوه ~~نزلوا إليه وأتوا بالأعلاف والزاد، وأخذ منهم الأدلاء على سوق بغداذ وأظهر ~~لدهقان الأنبار أنه يريد المدائن، وسار منها إلى بغداذ ليلا وعبر إليهم ~~وصبحهم في أسواقهم فوضع السيف فيهم وأخذ ما شاء. وقال المثنى: لا تأخذوا ~~إلا الذهب والفضة والحر من كل شيء. ثم عاد راجعا حتى نزل بنهر السالحين ~~بالأنبار، فسمع أصحابه يقولون: ما أسرع القوم في طلبنا، فخطبهم وقال: ~~احمدوا الله وسلوه العافية وتناجوا بالبر والتقوى ولا تتناجوا بالإثم ~~والعدوان، انظروا في الأمور وقدروها ثم تكلموا. إنه لم يبلغ النذير مدينتهم ~~بعد، ولو بلغهم لحال الرعب بينهم وبين طلبكم. إن للغارات روعات تضعف القلوب ~~يوما إلى الليل، ولو طلبكم المحامون من رأي العين ما أدركوكم وأنتم على ~~العراب حتى نتتهوا إلى عسكركم، ولو أدركوكم لقاتلتهم التماس الأجر ورجاء ~~النصر، فثقوا بالله وأحسنوا به الظن، فقد نصركم في مواطن كثيرة. ثم سار بهم ~~إلى الأنبار، وكان من خلفه من المسلمين يمخرون السواد ويشنون الغارات ما ~~بين أسفل كسكر وأسفل الفرات، وجسوا مثقبا إلى عين التمر وفي أرض الفلاليج، ~~والمثنى بالأنبار. PageV01P0405 # ولما رجع المثنى من بغداذ إلى الأنبار بعث المضارب العجلي في جمع إلى ~~الكباث وعليه فارس العناب التغلبي، ثم لحقهم المثنى فسار معهم، فوجدوا ~~الكباث قد سار من كان به عنه ومعهم فارس العناب، فسار المسلمون خلفه فلحقوه ~~وقد رحل من الكباث، فقتلوا في أخريات أصحابه وأكثروا القتل. فلما رجعوا إلى ms0779 ~~الأنبار سرح فرات بن حيان التغلبي وعتيبة بن النهاس وأمرهما بالغارة على ~~أحياء من تغلب والنمر بصفين ثم اتبعهما المثنى واستخلف على الناس عمرو بن ~~أبي سلمى الهجيمي. فلما دنوا من صفين فر من بها وعبروا الفرات إلى الجزيرة، ~~وفني الزاد الذي مع المثنى وأصحابه، فأكلوا رواحلهم إلا ما لابد منه حتى ~~جلودها، ثم أدركوا عيرا من أهل دبا وحوران فقتلوا من بها وأخذوا ثلاثة نفر ~~من تغلب كانوا خفراء وأخذوا العير، فقال لهم: دلوني. فقال أحدهم: آمنوني ~~على أهلي ومالي وأدلكم على حي من تغلب غدوت من عندهم اليوم. فآمنه المثنى ~~وسار معهم يومه، فهجم العشي على القوم والنعم صادرة عن الماء وأصحابه جلوس ~~بأفنية البيوت، فقتل المقاتلة وسبى الذرية واستاق الأموال، وكان التغلبيون ~~بين ذي الرويحلة، فاشترى من كان مع الثنى من ربيعة السبايا بنصيبه من الفيء ~~وأعتقوهم؛ وكانت ربيعة لا تسابي إذ العرب يتسابون في جاهليتهم. وأخبر ~~المثنى أن جمهور من سلك البلاد قد انتجع شاطىء دجلة، فخرج المثنى وعلى ~~مجنبتيه النعمان بن عوف ومطر الشيبانيان، وعلى مقدمته حذيفة بن محصن ~~الغلفاني، فساروا في طلبهم فأدركوهم بتكريت، فأصابوا ما شاؤوا من النعم، ~~وعاد إلى الأنبار. ومضى عتيبة وفرات ومن معهما حتى أغاروا على صفين وبها ~~النمر وتغلب متساندين، فأغاروا عليهم حتى رموا طائفة منهم في الماء، فجعلوا ~~ينادونهم: الغرق الغرق! وجعل عتيبة وفرات يذمران الناس ويناديانهم: تغريق ~~بتحريق! يذكرانهم يوما من أيام الجاهلية أحرقوا فيه قوما من بكر بن وائل في ~~غيضة من الغياض. ثم رجعوا إلى المثنى وقد غرقوهم، وقد بلغ الخبر عمر فبعث ~~إلى عتيبة وفرات فاستدعاهما فسألهما عن قولهما، فأخبراه أنهما لم يفعلا ذلك ~~على وجه طلب ذحل إنما هو مثل فاستحلفهما فحلفا أنهما ما أرادا بذلك إلا ~~المثل واعزاز الإسلام فصدقهما وردهما إلى المثنى. عتيبة بن النهاس، بالتاء ~~المثناة من فوقها، والياء المثناة من تحتها، والباء الموحدة. ### || AUT ذكر الخبر عن الذي هيج أمر القادسية وملك يزدجرد # لما رأى أهل فارس ما يفعل ms0780 المسلمون بالسواد قالوا لرستم والفيرزان، وهما ~~على أهل فارس: لم يبرح بكما الاختلاف حتى وهنتما أهل فارس وأطمعتما فيهم ~~عدوهم، ولم يبلغ من أمركما أن نقركما على هذا الرأي أن تعرضاها للهلكة؛ ما ~~بعد بغداذ وساباط وتكريت إلا المدائن، والله لتجتمعان أو لنبدأن بكما قبل ~~أن يشمت بنا شامت ثم نهلك وقد اشتفينا منكما. فقال الفيرزان ورستم لبوران ~~ابنة كسرى: اكتبي لنا نساء كسرى وسرارية ونساء آل كسرى وسراريهم، ففعلت، ~~فأحضروهن جميعهن وأخذوهن بالعذاب يستدلونهن على ذكر من أبناء كسرى، فلم ~~يوجد عند واحدة منهن أحد، وقال بعضهن: لم يبق إلا غلام يدعى يزدجرد من ولد ~~شهريار بن كسرى وأمه من أهل بادوريا. فأرسلوا إليها وطلبوه منها، وكانت قد ~~أنزلته أيام شيري حين جمعهن فقتل الذكور، وأرسلته إلى أخواله، فلما سألوها ~~عنه دلتهم عليه، فجاؤوا به فملكوه وهو ابن إحدى وعشرين سنة واجتمعوا عليه، ~~فاطمأنت فارس واستوثقوا وتبارى المرازبة في طاعة ومعونته فسمى الجنود لكل ~~مسلحة وثغر، فسمى جند الحيرة والأبلة والأنبار وغير ذلك. PageV01P0406 # وبلغ ذلك من أمرهم واجتماعهم على يزدجرد المثنى والمسلمين، فكتبوا إلى ~~عمر بن الخطاب بما ينتظرون من أهل السواد، فلم يصل الكتاب إلى عمر حتى كفر ~~أهل السواد من كان له عهد ومن لم يكن له عهد، فخرج المثنى حتى نزل بذي قار ~~ونزل الناس بالطف في عسكر واحد. ولما وصل كتاب المثنى إلى عمر قال: والله ~~لأضربن ملوك العجم بملوك العرب! فلم يدع رئيسا ولا ذا رأي وذا شرف وبسطة ~~ولا خطيبا ولا شاعرا إلا رماهم به، فرماهم بوجوه الناس وغررهم. وكتب عمر ~~إلى المثنى ومن معه يأمرهم بالخروج من بين العجم والتفرق في المياه التي ~~تلي العجم على حدود أرضكم وأرضهم وأن لا يدعوا في ربيعة ومضر وحلفائهم أحدا ~~من أهل النجدات ولا فارسا إلا أحضروه إما طوعا أو كرها. ونزل الناس بالجل ~~وشراف إلى غضى، وهو حيال البصرة، وبسلمان، وبعضهم ينظر إلى بعض ويغيث بعضهم ~~بعضا، وذلك في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة. ms0781 وأرسل عمر في ذي الحجة من السنة ~~مخرجه إلى الحج إلى عماله على العرب أن لا يدعوا من له نجدة أو فرس أو سلاح ~~أو رأي إلا وجهوه إليه، فأما من كان على النصف ما بين المدينة والعراق فجاء ~~إليه بالمدينة لما عاد من الحج، وأما من كان أقرب إلى العراق فانضم إلى ~~المثنى بن حارثة، وجاءت أمداد العرب إلى عمر. وحج في هذه السنة عمر بن ~~الخطاب بالناس وحج سنيه كلها. وكان عامل عمر على مكة هذه السنة عتاب بن ~~أسيد فيما قال بعضهم، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى اليمن يعلى بن ~~منية، وعلى عمان واليمامة حذيفة بن محصن، وعلى البحرين العلاء بن الحضرمي، ~~وعلى الشام أبو عبيدة بن الجراح، وعلى فرج الكوفة وما فتح من أرضها المثنى ~~ابن حارثة، وكان على القضاء فيما ذكر علي بن أبي طالب. وفي هذه السنة مات ~~أبو كبشة مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقيل بعد ذلك. وفي خلافة أبي ~~بكر مات سهل بن عمرو أخو سهيل، وهو من مسلمة الفتح. وفي خلافته مات الصعب ~~بن جثامة الليثي. وفي أول خلافته مات ابنه عبد الله بن أبي بكر، وكان قد ~~جرح في حصار الطائف ثم انتقض عليه جرحه فمات. وفي هذه السنة توفي الأرقم بن ~~أبي الأرقم يوم مات أبو بكر، وهو الذي كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~مستخفيا بداره بمكة أول ما أرسل. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع عشرة # ### || AUT ذكر ابتداء أمر القادسية # لما اجتمع الناس إلى عمر خرج من المدينة حتى نزل على ماء يدعى صرارا، ~~فعسكر به ولا يدري الناس ما يريد أيسير أم يقيم، وكانوا إذا أرادوا أن ~~يسألوه عن شيء رموه بعثمان أو بعبد الرحمن بن عوف، فإن لم يقدر هذان على ~~علم شيء مما يريد ثلثوا بالعباس بن عبد المطلب، فسأله عثمان عن سبب حركته، ~~فأحضر الناس فأعلمهم الخبر واستشارهم في المسير إلى العراق، فقال العامة: ~~سر وسر بنا معك. ms0782 فدخل معهم في رأيهم وقال: اغدوا واستعدوا فإني سائر إلا أن ~~يجيء رأي هو أمثل من هذا. ثم جمع وجوه أصحاب رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وأرسل إلى علي، وكان استخلفه على المدينة، فأتاه، إلى طلحة، وكان على ~~المقدمة، فرجع إليه، وإلى الزبير وعبد الرحمن، وكانا على المجنبتين، فحضرا، ~~ثم استشارهم فاجتمعوا على أن يبعث رجلا من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، ويرميه بالجنود، فإن كان الذي يشتهي فهو الفتح وإلا أعاد رجلا وبعث ~~آخر ففي ذلك غيظ العدو. فجمع عمر الناس وقال لهم: إني كنت عزمت على المسير ~~حتى صرفني ذوو الرأي منكم، وقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلا فأشيروا علي برجل. ~~PageV01P0407 # وكان سعد بن أبي وقاص على صدقات هوازن، فكتب إليه عمر بانتخاب ذوي الرأي ~~والنجدة والسلاح فجاءه كتاب سعد، وعمر يستشير الناس فيمن يبعثه، يقول: قد ~~انتخبت لك ألف فارس كلهم له نجدة ورأي وصاحب حيطة يحوط حريم قومه، إليهم ~~انتهت أحسابهم ورأيهم. فلما وصل كتابه قالوا لعمر: قد وجدته. قال: من هو؟ ~~قالوا؟ الأسد عاديا سعد بن مالك، فانتهى إلى قولهم وأحضره وأمره على حرب ~~العراق ووصاه وقال: لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وصاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإن الله لا يمحو السيء بالسيء ~~ولكنه يمحو السيء بالحسن، وليس بين الله وبين أحد نسب إلا طاعته، فالناس في ~~ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده ~~بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يلزمه ~~فالزمه. ووصاه بالصبر وسرحه فيمن اجتمع إليه من نفر المسلمين، وهم أربعة ~~آلاف، فيهم حميضة بن النعمان بن حميضة على بارق، وعمرو بن معدي كرب، وأبو ~~سبرة بن ذؤيب على مذحج، ويزيد بن الحارث الصدائي على صداء، وحبيب ومسلية ~~وبشر بن عبد الله الهلالي في قيس عيلان. وخرج إليهم عمر فمر بفتية من ~~السكون مع حصين بن نمير ومعاوية ابن حديج ms0783 دلم سباط فأعرض عنهم، فقيل له: ما ~~لك وهؤلاء؟ فقال: ما مر بي قوم من العرب أكره إلي منهم. ثم أمضاهم فكان بعد ~~يذكرهم بالكراهة، فكان منهم سودان بن حمران قتل عثمان، وابن ملجم قتل عليا، ~~ومعاوية حديج جرد السيف في المسلمين يظهر الأخذ بثأر عثمان، وحصين بن نمير ~~كان أشد الناس في قتال علي. ثم إن عمر أخذ بوصيتهم وبعظتهم ثم سيرهم، وأمد ~~عمر سعدا بعد خروجه بألفي يماني وألفي نجدي، وكان المثنى بن حارثة في ~~ثمانية آلاف، وسار سعد والمثنى ينتظر قدومه، فمات المثنى قبل قدوم سعد من ~~جراحة انتقضت عليه، واستخلف على الناس بشير بن الخصاصية وسعد يومئذ بزرود ~~وقد اجتمع معه ثمانية آلاف، وأمر عمر بني أسد أن ينزلوا على حد أرضهم بين ~~الحزن والبسيطة، فنزلوا في ثلاثة آلاف، وسار سعد إلى شراف فنزلها ولحقه بها ~~الأشعث بن قيس في ألف وسبعمائة من أهل اليمن، فكان جميع من شهد القادسية ~~بضعة وثلاثين ألفا، وجميع من قسم عليه فيئها نحو من ثلاثين ألفا. ولم يكن ~~أحد أجرأ على أهل فارس من ربيعة، فكان المسلمون يسمونهم ربيعة الأسد إلى ~~ربيعة الفرس، ولم يدع عمر ذا رأي ولا شرف ولا خطيبا ولا شاعرا ولا وجيها من ~~وجوه الناس إلا سيره إلى سعد. وجمع سعد من كان بالعراق من المسلمين من عسكر ~~المثنى، فاجتمعوا بشراف، فعبأهم وأمر الأمراء وعرف على كل عشرة عريفا، وجعل ~~على الرايات رجالا من أهل السابقة، وولى الحروب رجالا على ساقتها ومقدمتها ~~ورجلها وطلائعها ومجنباتها، ولم يفصل إلا بكتاب عمر، فجعل على المقدمة زهرة ~~بن عبد الله ابن قتادة بن الحوية، فانتهى إلى العذيب، وكان من أصحاب رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، وجعل على الميمنة عبد الله بن المعتم، وكان من ~~الصحابة أيضا، واستعمل على الميسرة شرحبيل بن السمط الكندي، وجعل خليفته ~~خالد بن عرفطة حليف بني عبد شمس، وجعل عاصم بن عمرو التميمي على الساقة، ~~وسواد بن مالك التميمي على الطلائع، وسلمان بن ربيعة ms0784 الباهلي على المجردة، ~~وعلى الرجالة حمال بن مالك الأسدي، وعلى الركبان عبد الله ابن ذي السهمين ~~الحنفي، وجعل عمر على القضاء بينهم عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي، وعلى قسمة ~~الفيء أيضا، وجعل رائدهم وداعيتهم سلمان الفارسي، والكاتب زياد بن أبيه. ~~PageV01P0408 # وقدم المعنى بن حارثة الشيباني وسلمى بنت خصفة زوج المثنى بشراف، وكان ~~المعنى بعد موت أخيه قد سار إلى قابوس بن قابوس بن المنذر بالقادسية، وكان ~~قد بعثه إليها الفرس يستنفر العرب، فسار إليه المعنى فقفله فأنامه ومن معه، ~~ورجع إلى ذي قار وسار إلى سعد يعلمه برأي المثنى له وللمسلمين يأمرهم أن ~~يقاتلوا الفرس على حدود أرضهم على أدنى حجر من أرض العرب ولا يقاتلوهم بعقر ~~دارهم، فإن يظهر الله المسلمين فلهم ما وراءهم، وإن كانت الأخرى رجعوا إلى ~~فئة ثم يكونوا أعلم بسبيلهم وأجرأ على أرضهم إلى أن يرد الله الكرة عليهم. ~~فترحم سعد ومن معه على المثنى، وجعل المعنى على عمله وأوصى بأهل بيته خيرا، ~~ثم تزج سعد سلمى زوج المثنى. وكان معه تسعة وتسعون بدريا وثلاثمائة وبضعة ~~عشر ممن كانت له صحبة فيما بين بيعة الرضوان إلى ما فوق ذلك، وثلاثمائة ممن ~~شهد الفتح، وسبعمائة من أبناء الصحابة. وقدم على سعد وهو بشراف كتاب عمر ~~بمثل رأي المثنى، وكتب عمر أيضا إلى أبي عبيدة ليصرف أهل العراق ومن اختار ~~أن يلحق بهم إلى العراق. وكان للفرس رابطة بقصر ابن مقاتل عليها النعمان بن ~~قبيصة الطائي، وهو ابن عم قبيصة بن إياس صاحب الحيرة، فلما سمع بمجيء سعد ~~سال عنه وعنده عبد الله بن سنان بن خزيم الأسدي، فقيل: رجل من قريش. فقال: ~~والله لأحادنه القتال فإن قريشا عبيد من غلب، والله لا يخرجون من بلادهم ~~إلا بخفين! فغضب عبد الله بن سنان من قوله وأمهله حتى دخل قبته فقتله ولحق ~~بسعد وأسلم. وسار سعد من شراف فنزل العذيب، ثم سار حتى نزل القادسية بين ~~العتيق والخندق بحيال القنطرة وقديس أسفل منها بميل. وكتب عمر إلى سعد: ms0785 ~~(إني ألقي في روعي أنكم إذا لقيتم العدو هزمتموهم، فمتى لاعب أحد منكم أحدا ~~من العجم بأمان أو بإشارة أو بلسان كان لا يدري الأعجمي ما كلمه به كان ~~عندهم أمانا فأجروا له ذلك مجرى الأمان والوفاء، فإن الخطأ بالوفاء بقية، ~~وإن الخطأ بالغدر هلكة، وفيها وهنكم وقوة عدوكم وذهاب ريحكم وإقبال ريحهم. ~~واعلموا أني أحذركم أن تكونوا شيئا على المسلمين وسببا لتوهينهم). فلما نزل ~~زهرة في المقدمة وأمسى بعث سرية في ثلاثين معروفين بالنجدة وأمرهم بالغارة ~~على الحيرة، فلما جازوا السيلحين سمعوا جلبة فمكثوا حتى حاذوهم، وإذا أخت ~~آزادمرد بن آزاذبه مرزبان الحيرة تزف إلى صاحب الصنين، وهو من أشارف العجم، ~~فحمل بكير ابن عبد الله الليثي أمير السرية على شيرزاد بن آزاذبه فدق صلبه ~~وطارت الخيل على وجوهها وأخذوا الأثقال وابنة آزاذبه في ثلاثين أمرأ من ~~الدهاقين ومائة من التوابع ومعهم ما لا يدري قيمته، فاستاق ذلك ورجع فصبح ~~سعدا بعذيب الهجانات، فقسم ذلك على المسلمين وترك الحريم بالعذيب ومعها خيل ~~تحوطها، وأمر عليهم غالب بن عبد الله الليثي. ونزل سعد القادسية وأقام بها ~~شهرا لم يأته من الفرس أحد. فأرسل سعد عاصم ابن عمرو إلى ميسان، فطلب غنما ~~أو بقرا فلم يقدر عليها وتحصن منه من هناك، فأصاب عاصم رجلا بجانب أجمة، ~~فسأله عن البقر والغنم، فقال: ما أعلم. فصاح ثور من الأجمة: كذب عدو الله، ~~ها نحن! فدخل فاستاق البقر فأتى بها العسكر قسمه سعد على الناس فأخصبوا ~~أياما. فبلغ ذلك الحجاج في زمانه فأرسل إلى جماعة فسألهم، فشدوا أنهم سمعوا ~~ذلك وشاهدوه، فقال: كذبتم. قالوا: ذلك إن كنت شهدتها وغبنا عنها. قال: ~~صدقتم، فما كنا الناس يقولون في ذلك؟ قالوا: آية تبشر وإنه يستدل بها على ~~رضى الله وفتح عدونا. فقال: ما يكون هذا إلا والجمع أبرار أتقياء. قالوا: ~~ما ندري ما أجنب قلوبهم، فأما ما رأينا فما رأينا قط أزهد في دنيا منهم ولا ~~أشد بغضا لها، ليس فيهم جبان ولا عار ولا غدار. ms0786 وذلك يوم الأباقر. وبث سعد ~~الغارات والنهب بين كسكر والأنبار، فحووا من الأطعمة ما استكفوا به زمانا؛ ~~وكان بين نزول خالد بن الوليد العراق وبين نزول سعد القادسية والفراغ منها ~~سنتان وشيء، وكان مقام سعد بالقادسية شهرين وشيئا حتى ظفر. PageV01P0409 # فاستغاث أهل السواد إلى يزدجرد وأعلموه أن العرب قد نزلوا القادسية ولا ~~يبقى على فعلهم شيء وقد أخربوا ما بينهم وبين الفرات ونهبوا الدواب ~~والأطعمة، وإن أبطأ الغياث أعطيناهم بأيدينا، وكتب إليه بذلك الذي لهم ~~الضياع بالطف وهيجوه على إرسال الجنود. فأرسل يزدجرد إلى رستم، فدخل عليه ~~فقال: (إني أريد أن أوجهك في هذا الوجه وإنما يعد للأمور على قدرها، فأنت ~~رجل فارس اليوم وقد ترى ما حل بالفرس مما لم يأتهم مثله)، فأظهر له الإجابة ~~ثم قال له: دعني فإن العرب لا تزال تهاب العجم ما لم تضربهم بي، ولعل ~~الدولة أن تثبت بي إذا لم أحضر الحرب فيكون الله قد كفى ونكون قد أصبنا ~~المكيدة، والرأي في الحرب أنفع من بعض الظفر، والأناة خير من العجلة، وقتال ~~جيش بعد جيش أمثل من هزيمة بمرة وأشد على عدونا. فأبى عليه، وأعاد رستم ~~كلامه وقال: قد اضطرني تضييع الرأي إلى إعظام نفسي وتزكيتها، ولو أجد من ~~ذلك بدا لم أتكلم به، فأنشدك الله في نفسك وملكك دعني أقم بعسكري وأسرح ~~الجالينوس، فإن تكن لنا فذلك وإلا بعثنا غيره حتى إذا لم نجد بدا صبرنا لهم ~~وقد وهناهم ونحن حامون، فإني لا أزال مرجوا في أهل فارس ما لم أهزم. فأبى ~~إلا أن يسير، فخرج حتى ضرب عسكره بساباط وأرسل إلى الملك ليعفيه فأبى. ~~وجاءت الأخبار إلى سعد بذلك، فكتب إلى عمر، فكتب إليه عمر: (لا يكربنك ما ~~يأتيك عنهم واستعن بالله وتوكل عليه وابعث إليه رجالا من أهل المناظرة ~~والرأي والجلد يدعونه، فإن الله جاعل دعاءهم توهينا لهم). فأرسل سعد نفرا، ~~منهم: النعمان بن مقرن، وبسر بن أبي رهم، وحملة بن حوية، وحنظلة بن الربيع، ~~وفرات بن حيان، وعدي بن ms0787 سهيل، وعطارد بن حاجب، والمغيرة بن زرارة بن النباش ~~الأسدي، والأشعث بن قيس، والحارث بن حسان، وعاصم بن عمرو، وعمرو بن معدي ~~كرب، والمغيرة بن شعبة، والمعنى بن حارثة إلى يزدجرد دعاة، فخرجوا من ~~العسكر فقدموا على يزدجرد وطووا رستم واستأذنوا على يزدجرد فحبسوا، وأحضر ~~وزراءه ورستم معهم واستشارهم فيما يصنع ويقول لهم. واجتمع الناس ينظرون ~~إليهم وتحتهم خيول كلها صهال، وعليهم البرود وبأيديهم السياط، فأذن لهم ~~وأحضر الترجمان وقال له: سلهم ما جاء بكم وما دعاكم إلى غزونا والولوع ~~ببلادنا؟ أمن أجل أننا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا؟ فقال النعمان بن مقرن ~~لأصحابه: إن شئتم تكلمت عنكم، ومن شاء آثرته. فقالوا: بل تكلم. فقال: : (إن ~~الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يأمرنا بالخير وينهانا عن الشر، ووعدنا على ~~إجابته خير الدنيا والآخرة، فلم يدع قبيلة غلا وقاربه منها فرقة وتباعد عنه ~~بها فرقة، ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب، فبدأ بهم، فدخلوا معه على ~~وجهين: مكره عليه فاغتبط، وطائع فازداد، فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على ~~الذي كنا عليه من العداوة والضيق، ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم ~~فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح ~~كله، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزية، فإن أبيتم ~~فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمنا على أن تحكموا ~~بأحكامه ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم، وإن بذلتم الجزاء قبلنا ومنعناكم، وإلا ~~قاتلناكم). فتكلم يزدجرد فقال: (إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا ~~أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفوننا ~~أمركم لا تغزوكم فارس، ولا تطمعوا أن تقوموا لفارس، فإن كان غرر لحقكم فلا ~~يغرنكم منا، وإن كان لجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم ~~وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم. فأسكت القوم، فقام المغيرة بن زرارة ~~فقال. أيها الملك إن هؤلاء رؤوس العرب ووجوههم وهم ms0788 أشراف يستحيون من ~~الأشراف، وإنما يكرم الأشراف ويعظم حقهم الأشراف، وليس كل ما أرسلوا به ~~قالوه، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، فجاوبني لأكون الذي أبلغك وهم ~~يشهدون على ذلك لي؛ فأما ما ذكرت من سوء الحال فهي على ما وصفت وأشد؛ ثم ~~ذكر من سوء عيش العرب وإرسال الله النبي، صلى الله عليه وسلم، إليهم نحو ~~قول النعمان وقتال من خالفهم أو الجزية، ثم قال له: اختر إن شئت الجزية عن ~~يد وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف أو تسلم فتنجي نفسك. PageV01P0410 # فقال: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم! لا شيء لكم عندي. ثم استدعى بوقر ~~من تراب فقال: احملوه على أشرف هؤلاء ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن. ~~ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه رستم حتى يدفنه ويدفنكم معه في ~~خندق القادسية ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم بأنفسكم بأشد مما نالكم من ~~سابور. فقام عاصم بن عمرو ليأخذ التراب وقال: أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء، ~~فحمله على عنقه وخرج إلى راحلته فركبها وأخذ التراب وقال لسعد: (أبشر ~~فوالله لقد أعطانا الله أقاليد ملكهم). واشتد ذلك على جلساء الملك. وقال ~~الملك لرستم، وقد حضر عنده من ساباط: ما كنت أرى أن في العرب مثل هؤلاء، ما ~~أنتم بأحسن جوابا منهم، ولقد صدقني القوم، لقد وعدوا أمرا ليدركنه أو ~~ليموتن عليه، على أني وجدت أفضلهم أحمقهم حيث حمل التراب على رأسه. فقال ~~رستم: (أيها الملك إنه أعقلهم، وتطير إلى ذلك وأبصرها دون أصحابه). وخرج ~~رستم من عند الملك غضبان كئيبا وبعث في أثر الوفد وقال لثقته: (إن أدركهم ~~الرسول تلافينا أرضنا، وإن أعجزه سلبكم الله أرضكم). فرجع الرسول من الحيرة ~~بفواتهم، فقال: ذهب القوم بأرضكم من غير شك؛ وكان منجما كاهنا. وأغار سواد ~~بن مالك التميمي بعد مسير الوفد إلى يزدجرد على النجاف والفراض، فاستقا ~~ثلاثمائة دابة من بين بغل وحمار وثور وأوقرها سمكا، وصبح العسكر، فقسمه سعد ~~بين الناس، وهذا يوم الحيتان، وكانت السرايا تسري لطلب اللحوم، ms0789 فإن الطعام ~~كان كثيرا عندهم، فكانوا يسمون الأيام بها: يوم الأباقر ويوم الحيتان. وبعث ~~سعد سرية أخرى فأغاروا فأصابوا إبلا لبني تغلب والنمر واستاقوها ومن فيها، ~~فنحر سعد الإبل وقسمها في الناس فأخصبوا. وأغار عمرو بن الحارث على النهرين ~~فاستاق مواشي كثيرة وعاد. وسار رستم من ساباط وجمع آلة الحرب وبعث على ~~مقدمته الجالينوس في أربعين ألفا، وخرج هو في ستين ألفا، وفي ساقته عشرون ~~ألفا، وجعل في ميمنته الهرمزان، وعلى الميسرة مهران بن بهرام الرازي وعلى ~~ساقته البيرزان، وقال رستم للملك يشجعه بذلك: (إن فتح الله علينا القوم ~~فتوجهنا إلى ملكهم في دارهم حتى نشغلهم في أصلهم وبلادهم إلى أن يقبلوا ~~المسالمة). وكان خروج رستم من المدائن في ستين ألف متبوع، ومسيره عن ساباط ~~في مائة ألف وعشرين ألف متبوع، وقيل غير ذلك. ولما فصل رستم عن ساباط كتب ~~إلى أخيه البنذوان: أما بعد فرموا حصونكم وأعدوا واستعدوا، فكأنكم بالعرب ~~قد وردوا بلادكم وقارعوكم عن أرضكم وأبنائكم، وقد كان من رأيي مدافعتهم ~~ومطاولتهم حتى تعود سعودهم نحوسا، فإن السمكة قد كدرت الماء، وإن النعائم ~~قد حسنت، والزهرة قد حسنت، واعتدل الميزان، وذهب بهرام ولا أرى هؤلاء القوم ~~إلا سيظهرون علينا ويستولون على ما يلينا، وإن أشد ما رأيت أن الملك قال: ~~لتسيرن إليهم أو لأسيرن بنفسي. ولقي جابان رستم على قنطرة ساباط، وكانا ~~منجمين، فشكا إليه وقال له: ألا ترى ما أرى؟ فقال له رستم: (أما أنا فأقاد ~~بخشاش وزمام ولا أجد بدا من الانقياد). ثم سار فنزل بكوثى، فأتي برجل من ~~العرب، فقال له: ما جاء بكم وماذا تطلبون؟ فقال: جئنا نطلب موعود الله بملك ~~أرضكم وأبنائكم إن أبيتم أن تسلموا. قال رستم: فإن قتلتم قبل ذلك! قال: من ~~قتل منا دخل الجنة، ومن بقي منا أنجزه الله ما وعده، فنحن على يقين. فقال ~~رستم: قد وضعنا إذن في أيديكم! فقال: أعمالكم وضعتكم فأسلمكم الله بها، فلا ~~يغرنك من ترى حولك، فإنك لست تجاول الإنس إنما تجاول القضاء ms0790 والقدر. فضرب ~~عنقه ثم سار فنزل البرس، فغضب أصحابه الناس أبناءهم وأموالهم ووقعوا على ~~النساء وشربوا الخمور، فضج أهلها إلى رستم وشكوا إليه ما يلقون فقام إليهم ~~فقال: يا معشر فارس والله لقد صدق العربي، والله ما أسلمنا إلا أعمالنا، ~~والله إن العرب مع هؤلاء وهم لهم حرب أحسن سيرة منكم، إن الله كان ينصركم ~~على العدو ويمكن لكم في البلاد بحسن السيرة وكف الظلم والوفاء والإحسان، ~~فإذا تغيرتم فلا أرى الله إلا مغيرا ما بكم، وما أنا بآمن من أن ينزع الله ~~سلطانه منكم. وأتي ببعض من يشكى منه فضرب عنقه. ثم سار حتى نزل الحيرة ودعا ~~أهلها وتهددهم وهم بهم، فقال له ابن بقيلة: لا تجمع علينا: أن تعجز عن ~~نصرتنا وتلومنا على الدفع عن أنفسنا. PageV01P0411 # ولما نزل رستم بالنجف رأى كأن ملكا نزل من السماء ومعه النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، وعمر، فأخذ الملك سلاح أهل فارس فختمه ثم دفعه إلى النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، فدفعه النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى عمر، فأصبح رستم ~~حزينا. وأرسل سعد السرايا ورستم بالنجف والجالينوس بين النجف والسيلحين، ~~فطافت في السواد، فبعث سوادا وحميضة في مائة مائة، فأغاروا على النهرين، ~~وبلغ رستم الخبر فأرسل إليهم خيلا، وسمع سعد أن خيله قد وغلت فأرسل عاصم بن ~~عمرو وجابرا الأسدي في آثارهم، فلقيهم عاصم وخيل فارس تحوشهم ليخلصوا ما ~~بأيديهم، فلما رأته الفرس هربوا ورجع المسلمون بالغنائم. وأرسل سعد عمرو بن ~~معدي كرب وطليحة الأسدي طليعة، فسارا في عشرة، فلم يسيروا إلا فرسخا وبعض ~~آخر حتى رأوا مسالحهم وسرحهم على الطفوف قد ملأوها، فرجع عمرو ومن معه، ~~وأبى طليحة إلا التقدم، فقالوا له: أنت رجل في نفسك غدر ولن تفلح بعد قتل ~~عكاشة بن محصن، فارجع معنا. فأبى، فرجعوا إلى سعد فأخبروه بقرب القوم. مضى ~~طليحة حتى دخل عسكر رستم وبات فيه يجوسه ويتوسم، فهتك أطناب بيت رجل عليه ~~واقتاد فرسه، ثم هتك على آخر بيته وحل فرسه، ثم فعل بآخر ms0791 كذلك، ثم خرج يعدو ~~به فرسه، ونذر به الناس فركبوا في طلبه، فأصبح وقد لحقه فارس من الجند ~~فقتله طليحة ثم آخر فقتله ثم لحق به ثالث فرأى مصرع صاحبيه، وهما ابنا عمه، ~~فازداد حنقا، فلحق طليحة فكر عليه طليحة وأسره ولحقه الناس، فرأوا فارسي ~~الجند قد قتلا وأسر الثالث وقد شارف طليحة عسكره، فأحجموا عنه، ودخل طليحة ~~على سعد ومعه الفارسي وأخبره الخبر، فسأل الترجمان الفارسي، فطلب الأمان، ~~فآمنه سعد، قال: أخبركم عن صاحبكم هذا قبل أن أخبركم عمن قبلي، باشرت ~~الحروب منذ أنا غلام إلى الآن وسمعت بالأبطال ولم أسمع بمثل هذا أن رجلا ~~قطع فرسخين إلى عسكر فيه سبعون ألفا يخدم الرجل منهم الخمسة والعشرة فلم ~~يرض أن يخرج كما دخل حتى سلب فرسان الجند وهتك عليهم البيوت، فلما أدركناه ~~قتل الأول وهو يعد بألف فارس، ثم الثاني وهو نظيره فقتله، ثم أدركته أنا ~~ولا أظن أنني خلفت من بعدي من يعدلني وأنا الثائر بالقتيلين فرأيت الموت ~~واستؤسرت. ثم أخبره عن الفرس واسلم ولزم طليحة، وكان من أهل البلاء ~~بالقادسية، وسماه سعد مسلما. ثم سار رستم وقدم الجالينوس وذا الحاجب، فنزل ~~الجالينوس بحيال زهرة من دون القنطرة، ونزل ذو الحاجب بطيزناباذ، ونزل رستم ~~بالخرارة، ثم سار رستم فنزل بالقادسية؛ وكان بين مسيره من المدائن ووصوله ~~القادسية أربعة أشهر لا يقدم رجاء أن يضجروا بمكانهم فينصرفوا، وخاف أن ~~يلقي ما لقي من قبله، وطاولهم لولا ما جعل الملك يستعجله وينهضه ويقدمه، ~~حتى أقحمه. وكان عمر قد كتب إلى سعد يأمره بالصبر والمطاولة أيضا، فأعد ~~للمطاولة. فلما وصل رستم القادسية وقف على العتيق بحيال عسكر سعد ونزل ~~الناس، فما زالوا يتلاحقون حتى أعتموا من كثرتهم والمسلمون ممسكون عنهم. ~~وكان مع رستم ثلاثة وثلاثون فيلا، منها فيل سابور الأبيض، وكانت الفيلة ~~تألفه، فجعل في القلب ثمانية عشر فيلا، وفي المجنبتين خمسة عشر فيلا. فلما ~~أصبح رستم من تلك الليلة ركب وساير العتيق نحو خفان حتى أتى على منقطع عسكر ~~المسلمين، ms0792 ثم صعد حتى انتهى إلى القنطرة، فتأمل المسلمين ووقف على موضع ~~يشرف منه عليهم ووقف على القنطرة، وأرسل إلى زهرة فوافقه، فأراده على أن ~~يصالحه ويجعل له جعلا على أن ينصرفوا عنه من غير أن يصرح له بذلك بل يقول ~~له: (كنتم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونحفظكم، ويخبره عن صنيعهم مع العرب). ~~فقال له زهرة: (ليس أمرنا أمر أولئك، إنا لم نأتكم لطلب الدنيا إنما طلبتنا ~~وهمتنا الآخرة، وقد كنا كما ذكرت إلى أن بعث الله فينا رسولا فدعانا إلى ~~ربه فأجبناه، فقال لرسوله: إني سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني، فأنا ~~منتقم به منهم وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق لا يرغب ~~عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به أحد إلا عز). PageV01P0412 # فقال له رستم: ما هو؟ قال: (أما عموده الذي لا يصلح إلا به فشهادة أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله). قال: وأي شيء أيضا؟ قال: وإخراج العباد ~~من عبادة العباد إلى عبادة الله، والناس بنو آدم وحواء إخوة لأب وأم. قال: ~~ما أحسن هذا! ثم قال رستم: أرأيت إن أجبت إلى هذا ومعي قومي كيف يكون ~~أمركم، أترجعون؟ قال: إي والله. قال: صدقتني، أما إن أهل فارس منذ ولي ~~أردشير لم يدعوا أحدا يخرج من عمله من السفلة، كانوا يقولون إذا خرجوا من ~~أعمالهم: تعدوا طورهم وعادوا أشرافهم. فقال زهرة: (نحن خير الناس للناس، ~~فلا نستطيع أن نكون كما تقولون بل نطيع الله في السفلة ولا يضرنا من عصى ~~الله فينا). فانصرف عنه ودعا رجال فارس فذاكرهم هذا فأنفوا فقال: أبعدكم ~~الله وأسحقكم أخزى الله أخرعنا وأجبتا. فأرسل إلى سعد: أن ابعث إلينا رجلا ~~نكلمه ويكلمنا. فدعا سعد جماعة ليرسلهم إليهم. فقال له ربيع بن عامر: إن ~~الأعاجم لهم أراء وأداب ومتى نأتهم جميعا يروا أنا قد احتفلنا بهم فلا ~~تزدهم على رجل فمالئوه جميعا على ذلك. فأرسله وحده، فسار إليهم، فحبسوه على ~~القنطرة. وأعلم رستم بمجيئه فأظهر ms0793 زينته وجلس على سرير من ذهب وبسط البسط ~~والنمارق والوسائد المنسوجة بالذهب، وأقبل ربعي على فرسه وسيفه في خرقة ~~ورمحه مشدود بعصب وقد، فلما انتهى إلى البسط قيل له: انزل، فحمل فرسه عليها ~~ونزل وربطها بوسادتين شقهما وأدخل الحبل فيهما، فلم ينهوه وأروه التهاون ~~وعرف ما أرادوا، وعليه درع، وأخذ عباءة بعيره فتدرعها وشدها على وسطه. ~~فقالوا: ضع سلاحك. فقال: لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني فإن ~~أبيتم أن آتيكم إلا كما أريد وإلا رجعت. فأخبروا رستم، فقال: ائذنوا له، ~~فأقبل يتوكأ على رمحه ويقارب خطوه، فلم يدع لهم نمرقا ولابساطا إلا أفسده ~~وهتكه. فلما دنا من رستم جلس على الأرض وركز رمحه على البسط، فقيل له: ما ~~حملك على هذا؟ قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم. فقال له ترجمان رستم، ~~واسمه عبود من أهل الحيرة: ما جاء بكم؟ قال: الله جاء بنا، وهو بعثنا لنخرج ~~من يشاء من عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل ~~الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه، لندعوهم إليه، فمن قبله قبلنا منه ورجعنا ~~عنه وتركناه وأرضه دوننا، ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر. ~~فقال رستم: قد سمعنا قولكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه؟ قال: ~~نعم، وإن مما سن لنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن لا نمكن الأعداء ~~أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثا، فانظر في أمرك واختر واحدة من ثلاث ~~بعد الأجل: إما الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء فنقبل ونكف عنك وإن احتجت ~~إلينا نصرناك، أو المنابذة في اليوم الرابع ولسنا نبدأك فيما بيننا وبين ~~اليوم الرابع إلا أن تبدأ بنا، أنا كفيل بذلك عن أصحابي. قال: أسيدهم أنت؟ ~~قال: لا ولكن المسلمين كالجسد الوحد بعضهم من بعض يجيز أدناهم على أعلاهم. ~~فخلا رستم برؤساء قومه فقال: هل رأيتم كلاما قط أعز وأوضح من كلام هذا ~~الرجل؟ فقالوا: معاذ الله أن نميل إلى دين هذا الكلب! أما ترى إلى ms0794 ثيابه؟ ~~فقال: ويحكم! لا تنظروا إلى الثياب ولكن انظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، ~~إن العرب تستخف باللباس وتصون الأحساب، ليسوا مثلكم. فلما كان من الغد أرسل ~~رستم إلى سعد: أن ابعث إلينا ذلك الرجل. فبعث إليهم حذيفة بن محصن، فأقبل ~~في نحو من ذلك الزي ولم ينزل عن فرسه ووقف على رستم راكبا. قال له: انزل. ~~قال: لا أفعل. فقال له: ما جاء بك ولم يجىء الأول؟ قال له: إن أميرنا يحب ~~أن يعدل بيننا في الشدة والرخاء، وهذه نوبتي. فقال: ما جاء بكم؟ فأجابه مثل ~~الأول. فقال رستم: أو الموادعة إلى يوم ما؟ قال: نعم، ثلاثا من أمس. فرده ~~وأقبل على أصحابه وقال: ويحكم أما ترون ما أرى؟ جاءنا الأول بالأمس فغلبنا ~~على أرضنا وحقر ما نعظم وأقام فرسه على زبرجنا، وجاء هذا اليوم فوقف علينا ~~وهو في يمن الطائر يقوم على أرضنا دوننا. PageV01P0413 # فلما كان الغد أرسل: ابعثوا إلينا رجلا. فبعث المغيرة بن شعبة، فأقبل ~~إليهم وعليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب وبسطهم على غلوة لا يوصل إلى ~~صاحبهم حتى يمشى عليها، فأقبل المغيرة حتى جلس مع رستم على سريره، فوثبوا ~~عليه وأنزلوه ومعكوه، وقال: قد كانت تبلغنا عنكم الأحلام ولا أرى قوما أسفه ~~منكم، إنا معشر العرب لا نستعبد بعضنا بعضا، فظننت أنكم تواسون قومكم كما ~~نتواسى، فكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، فإن هذا ~~الأمر لا يستقيم فيكم ولا يصنعه أحد، وإني لم آتكم ولكم دعوتموني اليوم، ~~علمت أنكم مغلبون وأن ملكا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول. ~~فقالت السفلة: صدق والله العربي. وقالت الدهاقين: والله لقد رمى بكلام لا ~~تزال عبيدنا ينزعون إليه، قاتل الله أولينا ما كان أحمقهم حين كانوا يصغرون ~~أمر هذه الأمة! ثم تكلم رستم فحمد قومه وعظم أمرهم وقال: لم نزل متمكنين في ~~البلاد ظاهرين على الأعداء أشرافا في الأمم، فليس لأحد مثل عزنا وسلطاننا، ~~ننصر عليهم ولا ينصرون علينا إلا اليوم واليومين والشهر ms0795 للذنوب، فإذا انتقم ~~الله منا ورضي علينا رد لنا الكرة على عدونا، ولم يكن في الأمم أمة أصغر ~~عندنا أمرا منكم، كنتم أهل قشف ومعيشة لا نراكم شيئا، وكنتم تقصدوننا إذا ~~قحطت بلادكم فنأمر لكم بشيء من التمر والشعير ثم نردكم، وقد علمت أنه لم ~~يحملكم على ما صنعتم إلا الجهد في بلادكم، فأنا آمر لأميركم بكسوة وبغل ~~وألف درهم، وآمر لكل منكم بوقر تمر وتنصرفون عنا، فإني لست أشتهي أن ~~أقتلكم. فتكلم المغيرة فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن الله خالق كل شيء ~~ورازقه، فمن صنع شيئا فإنما هو يصنعه، وأما الذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك ~~من الظهور على الأعداء والتمكن في البلاد فنحن نعرفه، فالله صنعه بكم ووضعه ~~فيكم وهو له دونكم، وأما الذي ذكرت فينا من سوء الحال والضيق والاختلاف ~~فنحن نعرفه ولسنا ننكره، والله ابتلانا به والدنيا دول، ولم يزل أهل ~~الشدائد يتوقعون الرخاء حتى يصيروا إليه، ولم يزل أهل الرخاء يتوقعون ~~الشدائد حتى تنزل بهم، ولو شكرتم ما آتاتتكم الله لكان شكركم يقصر عما ~~أوتيتم، وأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال، ولو كنا فيما باتلينا به أهل ~~كفر لكان عظيم ما بتلينا به مستجلبا من الله رحمة يرفه بها عنا؛ إن الله ~~تبارك وتعالى بعث فينا رسولا. ثم ذكر مثل ما تقدم من ذكر الإسلام والجزية ~~والقتال، وقال له: وإن عيالنا قد ذاقوا طعام بلادكم، فقالوا: لا صبر لنا ~~عنه. فقال رستم: إذا تموتون دونها. فقال المغيرة: يدخل منقتل منا الجنة ومن ~~قتل منكم النار، ويظفر من بقي منا بمن بقي منكم. فاستشاط رستم غضبا ثم حلف ~~بالشمس أن لا يرتفع الصبح غدا حتى نقتلكم أجمعين. وانصرف المغيرة وخلص رستم ~~بأهل فارس وقال: أين هؤلاء منكم! هؤلاء والله الرجال، صادقين كانوا أم ~~كاذبين، والله لئن كان بلغ من عقلهم وصونهم لسرهم أن لا يختلفوا فما قوم ~~أبلغ لما ارادوا منهم، ولئن كانوا صادقين فيما يقوم لهؤلاء شيء! فلجوا ~~وتجلدوا. وقال: والله إني لأعلم أنكم ms0796 تصغون إلى ما أقول لكم، وإن هذا منكم ~~رثاء. فازدادوا لجاجة. فأرسل رستم رسولا خلف المغيرة وقال له: إذا قطع ~~القنطرة فأعلمه أن عينه تفقأ غدا، فأعلمه الرسول ذلك، فقال المغيرة: بشرتني ~~بخير وأجر، ولولا أن أجاهد بعد هذا اليوم أشباهكم من المشركين لتمنيت أن ~~الأخرى ذهبت. فرجع إلى رستم فأخبره. فقال: أطيعوني يا أهل فارس، إني لأرى ~~لله فيكم نقمة لا تستطيعون ردها عن أنفسكم. ثم أرسل إليه سعد بقية ذوي ~~الرأي فساروا وكانوا ثلاثة إلى رستم، فقالوا له: إن أميرنا يدعوك إلى ما هو ~~خير لنا ولك، العافية أن تقبل ما دعاك إليه ونرجع إلى أرضنا وترجع إلى أرضك ~~وداركم لكم وأمركم فيكم وما أصبتم كان زيادة لكم دوننا وكنا عونا لكم على ~~أحد إن أرادكم أو قوي عليكم، فاتق الله ولا يكونن هلاك قومك على يدك، وليس ~~بينك وبين أن تغبط بهذا الأمر إلا أن تدخل فيه وتطرد به الشيطان عنك. ~~PageV01P0414 # فقال لهم: إن الأمثال أوضح من كثير من الكلام وسأضرب لكم مثلكم تبصروا: ~~إنكم كنتم أهل جهد وقشف لا تنتصفون ولا تمتنعون فلم نسىء جواركم وكنا ~~نميركم ونحسن إليكم، فلما طعمتم طعامنا وشربتم شرابنا وصفتم لقومكم ذلك ~~ودعوتموهم ثم أتيتمونا، وإنما مثلكم ومثلنا كمثل رجل كان له كرم فرأى فيه ~~ثعلبا فقال: وما ثعلب! فانطلق الثعلب فدعا الثعالب إلى ذلك الكرم، فلما ~~اجتمعوا إليه سد صاحب الكرم النقب الذي كن يدخلن منه فقتلهن؛ فقد علمت أن ~~الذي حملكم على هذا الحرص والجهد، فارجعوا عنا عامكم هذا ونحن نميركم، فإني ~~لا أشتهي أن أقتلكم، ومثلكم أيضا كالذباب يرى العسل فيقول: من يوصلني إليه ~~وله درهمان؟ فإذا دخله غرق ونشب، فيقول: من يخرجني وله أربعة دراهم؟ وقال ~~أيضا: إن رجلا وضع سلة وجعل طعاما فيها فأتى الجرذان فخرقن السلة فدخلن ~~فيها، فأراد سدها فقيل له: لا تفعل إذن يخرقنه، لكن انقب بحياله ثم اجعل ~~فيها قصبة مجوفة فإذا دخلها الجرذان وخرجن منها فاقتل كل ما خرج منها؛ وقد ms0797 ~~سددت عليكم فإياكم أن تقتحموا القصبة فلا يخرج منها أحد إلا قتل، فما دعاكم ~~إلى ما صنعتم ولا أرى عددا ولا عدة! قال: فتكلم القوم وذكروا سوء حالهم وما ~~من الله به عليهم من إرسال رسوله واختلافهم أولا ثم اجتماعهم على الإسلام، ~~وما أمرهم به من الجهاد، وقالوا: وأما ما ضربت لنا من الأمثال فليس كذلك ~~ولكن سنضرب مثلكم إنما مثلكم كمثل رجل غرس أرضا واختار لها الشجر وأجرى ~~إليها الأنهار وزينها بالقصور وأقام فيها فلاحين يسكنون قصورها ويقومون على ~~جناتها، فخلا الفلاحون في القصور على ما لا يحب فأطال إمهالهم فلم يستحيوا، ~~فدعا إليها غيرهم وأخرجهم منها، فإن ذهبوا عنها تخطفهم الناس وإن أقاموا ~~فيها صاروا خولا لهؤلاء فيسومونهم الخسف أبدا؛ والله لو لم يكن ما نقول حقا ~~ولم يكن إلا الدنيا لما صبرنا على الذي نحن فيه من لذيذ عيشكم ورأينا من ~~زبرجكم ولقارعناكم حتى نغلبكم عليه! فقال رستم: أتعبرون إلينا أم نعبر ~~إليكم؟ فقالوا: بل اعبروا إلينا. ورجعوا من عنده عشيا، وأرسل سعد إلى الناس ~~أن يقفوا مواقفهم، وأرسل إليهم، شأنكم والعبور، فأرادوا القنطرة فقال: لا ~~ولا كرامة! أما شيء غلبناكم عليه فلن نرده عليكم. فباتوا يسكرون العتيق حتى ~~الصباح بالتراب والقصب والبراذع حتى جعلوه طريقا، واستتم بعدما ارتفع ~~النهار. ورأى رستم من الليل كأن ملكا نزل من السماء فأخذ قسي أصحابه فختم ~~عليها ثم صعد بها إلى السماء، فاستيقظ مهموما واستدعى خاصته فقصها عليهم ~~وقال: إن الله ليعظنا لو اتعظنا. ولما ركب رستم ليعبر كان عليه درعان ~~ومغفر، وأخذ سلاحه ووثب فإذا هو على فرسه لم يضع رجله في الركاب، وقال: غدا ~~ندقهم دقا! فقال له رجل: إن شاء الله. فقال: وإن لم يشأ! ثم قال: إما ضغا ~~الثعلب حين مات الأسد - يعني كسرى - وإني أخشى أن تكون هذه سنة القرود! ~~فإنما قال هذه الأشياء توهينا للمسلمين عند الفرس، وإلا فالمشهور عنه الخوف ~~من المسلمين، وقد أظهر ذلك إلى من يثق به. ### || AUT ذكر يوم أرماث ms0798 # لما عبر الفرس العتيق جلس رستم على سريره وضرب عليه طيارة وعبى في القلب ~~ثمانية عشر فيلا عليها صناديق ورجال وفي المجنبتين ثمانية وسبعة، وأقام ~~لجالينوس بينه وبين ميمنته، والفيرزان بينه وبين ميسرته وبقيت القنطرة بين ~~خيلين من خيول المسلمين وخيول المشركين، وكان يزدجرد قد وضع بينه وبين رستم ~~رجالا على كل دعوة رجلا، أولهم على باب إيوانه وآخرهم مع رستم، فكلما فعل ~~رستم شيئا قال الذي معه للذي يليه: كان كذا وكذا، ثم يقول الثاني ذلك للذي ~~يليه، وهكذا إلى أن ينتهي إلى يزدجرد في أسرع وقت. وأخذ المسلمون مصافهم. ~~وكان بسعد دماميل وعرق النسا فلا يستطيع الجلوس، وإنما هو مكب على وجهه في ~~صدره وسادة على سطح القصر يشرف على الناس والصف في أصل حائطه، لو أعراه ~~الصف فواق ناقة لأخذ برمته، فما كرثه هول تلك الأيام شجاعة، وذكر ذلك ~~الناس، وعابه بعضهم بذلك فقال: نقاتل حتى أنزل الله نصره ... وسعد بباب ~~القادسية معصم فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ... ونسوة سعد ليس فيهن أيم ~~PageV01P0415 # فبلغت أبياته سعدا فقال: اللهم إن كان هذا كاذبا وقال الذي قاله رياء ~~وسمعة فاقطع عني لسانه! إنه لواقف في الصف يومئذ أتاه سهم غرب فأصاب لسانه ~~فما تكلم بكلمة حتى لحق بالله تعالى. فقال جرير بن عبد الله نحو ذلك أيضا، ~~وكذلك غيره، ونزل سعد إلى الناس فاعتذر إليهم وأراهم ما به من القروح في ~~فخذيه وأليتيه، فعذره الناس وعلموا حاله، ولما عجز عن الركوب استخلف خالد ~~عرفطة على الناس، فاختلف عليه فأخذ نفرا ممن شغب عليه فحبسهم في القصر، ~~منهم: أبو محجن الثقفي، وقيدهم، وقيل: بل كان حبس أبي محجن بسبب الخمر، ~~وأعلم الناس أنه قد استخلف خالدا وإنما يأمرهم خالد، فسمعوا وأطاعوا، وخطب ~~الناس يومئذ، وهو يوم الاثنين من المحرم سنة أربع عشرة، وحثهم على الجهاد ~~وذكرهم ما وعدهم الله من فتح البلاد وما نال من كان قبلهم من المسلمين من ~~الفرس، وكذلك فعل أمير كل قوم، وأرسل سعد نفرا من ms0799 ذوي الرأي والنجدة، منهم: ~~المغيرة وحذيفة وعاصم وطليحة وقيس الأسدي وغالب وعمرو ابن معدي كرب ~~وأمثالهم، ومن الشعراء: الشماخ والحطيئة وأوس بن مغراء وعبدة بن الطبيب ~~وغيرهم، وأمرهم بتحريض الناس على القتال، ففعلوا. وكان صف المشركين على ~~شفير العتيق، وكان صف المسلمين مع حائط قديس والخندق، فكان المسلمون ~~والمشركون بين الخندق والعتيق، ومع الفرس ثلاثون ألف مسلسل وثلاثون فيلا ~~تقاتل، وأمر سعد الناس بقراءة سورة الجهاد، وهي الأنفال، فلما قرئت هشت ~~قلوب الناس وعيونهم وعرفوا السكينة مع قراءتها. فلما فرغ القراء منها قال ~~سعد: الزموا مواقفكم حتى تصلوا الظهر، فإذا صليتم فإني مكبر تكبيرة فكبروا ~~واستعدوا، فإذا سمعتم الثانية فكبروا والبسوا عدتكم. ثم إذا كبرت الثالثة ~~فكبروا ولينشط فرسانكم الناس، فإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعا حتى تخالطوا ~~عدوكم وقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما كبر سعد الثالثة برز أهل ~~النجدات فأنشبوا القتال، وخرج إليهم من الفرس أمثالهم، فاعتوروا الطعن ~~والضرب، وقال غالب بن عبد الله الأسدي: قد علمت واردة المشائح ... ذات ~~اللبان والبيان الواضح أني سمام البطل المسالح ... وفارج الأمر المهم ~~الفادح فخرج إليه هرمز، وكام من ملوك الباب والأبواب، وكان متوجا، فأسره ~~غالب، فجاء به سعدا ورجع وخرج عاصم وهو يقول: قد علمت بيضاء صفراء اللبب ~~... مثل اللجين إذ تغشاه الذهب أني امرؤ لا من يعيبه السبب ... مثلي على ~~مثلك يغريه العتب فطارد فارسيا فانهزم، فاتبعه عاصم حتى خالط صفهم، فحموه، ~~فأخذ عاصم رجلا على بغل وعاد به، وإذا هو خباز الملك معه من طعام الملك ~~وخبيص، فأتى به سعدا فنفه أهل موقفه. وخرج فارسي فطلب البراز، فبرز إليه ~~عمرو بن معدي كرب، فأخذه وجلد به الأرض، فذبحه وأخذ سواريه ومنطقته. وحملت ~~الفيلة عليهم ففرقت بين الكتائب، فنفرت الخيل، وكانت الفرس قد قصدت بجيلة ~~بسبعة عشر فيلا، فنفرت خيل بجيلة، فكادت بجيلة تهلك لنفار خيلها عنها وعمن ~~معها، وأرسل سعد إلى بني أسد أن دافعوا عن بجيلة وعمن معها من الناس. فخرج ~~طليحة بن خويلد وحمال بن ms0800 مالك قفي كتائبهما فباشروا الفيلة حتى عدلها ~~ركبانها. وخرج إلى طليحة عظيم منهم، فقتله طليحة، وقام الأشعث بن قيس في ~~كندة حين استصرخهم سعد فقال: يا معشر كندة لله در بني أسد أي فري يفرون واي ~~هذ يهذون عن موقفهم، أغنى كل قوم ما يليهم، وأنتم تنتظرون من يكفيكم، أشهد ~~ما أحسنتم أسوة قومكم من العرب. فنهد ونهدوا معه، فأزالوا الذين بأزائهم. ~~فلما رأى الفرس ما يلقى الناس والفيلة من أسد رموهم بحدهم وحملوا عليهم ~~وفيهم ذو الحاجب والجالينوس، والمسلمون ينتظرون التكبيرة الرابعة من سعد، ~~فاجتمعت حلبة فارس على أسد ومعهم تلك الفيلة فثبتوا لهم، وكبر سعد الرابعة ~~وزحف إليهم المسلمون ورحا الحرب تدور على أسد، وحملت الفيول على الميمنة ~~والميسرة فكانت الخيول تحيد عنها. PageV01P0416 # فأرسل سعد إلى عاصم بن عمرو التميمي: يا معشر بني تميم، أما عندكم لهذه ~~الفيلة من حيلة؟ قالوا: بلى والله! ثم نادى في رجال من قومه رماة وآخرين ~~لهم ثقافة فقال: يا معشر الرماة، ذبوا ركبان الفيلة عنهم بالنبل. وقال: يا ~~معشر أهل الثقافة، استدبروا الفيلة فقطعوا وضنها، وخرج يحميهم ورحا الحرب ~~تدور على أسد وقد جالت الميمنة والميسرة غير بعيد، وأقبل أصحاب عاصم على ~~الفيلة فأخذوا بأذناب توابيتها فقطعوا وضنها وارتفع عواؤهم فما بقي لهم فيل ~~إلا أوى وقتل أصحابها ونفس عن أسد وردوا فارسا عنهم إلى مواقفهم واقتتلوا ~~حتى غربت الشمس ثم حتى ذهبت هدأة من الليل، ثم رجع هؤلاء وهؤلاء، وأصيب من ~~أسد تلك العشية خمسمائة، وكانوا ردءا للناس، وكان عاصم حامية للناس، وهذا ~~اليوم الأول، وهو يوم أرماث؛ فقال عمرو بن شأس الأسدي: جلبنا الخيل من ~~أكناف نيق ... إلى كسرى فوافقها رعالا تركن لهم على الأقسام شجوا ... ~~وبالحقوبين أياما طوالا قتلنا رستما وبنيه قسرا ... تثير الخيل فوقهم ~~الهيالا الأبيات. وكان سعد قد تزوج سلمى امرأة المثنى بن حارثة الشيباني ~~بعده بشراف، فلما جال الناس يوم أرماث، وكان سعد لا يطيق الجلوس، جعل سعد ~~يتململ جزعا فوق القصر، فلما رأت سلمى ما ms0801 يصنع الفرس قالت: وامثنياه! ولا ~~مثنى للخيل اليوم! قالت ذلك عند رجل ضجر مما يرى في أصحابه ونفسه، فلطم ~~وجهها وقال: أين المثنى عن هذه الكتيبة التي تدور عليها الرحا! يعني أسدا ~~وعاصما. فقالت: أغيرة وجبنا؟ فقال: والله لا يعذرني اليوم أحد إن لم ~~تعذريني وأنت ترين ما بي! فتعلقها الناس لم يبق شاعر إلا اعتد بها عليه، ~~وكان غير جبان ولا ملوم. ### || AUT ذكر يوم أغواث # ولما أصبح القوم وكل سعد بالقتلى والجرحى من ينقلهم إلى العذيب، فسلم ~~الجرحى إلى النساء ليقمن عليهم، وأما القتلى فدفنوا هنالك على مشرق، وهو ~~واد بين العذيب وعين الشمس. فلما نقل سعد القتلى والجرحى طلعت نواصي الخيل ~~من الشام، وكان فتح دمشق قبل القادسية بشهر، فلما قدم كتاب عمر على أبي ~~عبيدة بن الجراح بإرسال أهل العراق سيرهم وعليهم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، ~~وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو التميمي، فتعجل القعقاع فقدم على الناس صبيحة ~~هذا اليوم، وهو يوم أغواث، وقد عهد إلى أصحابه أن يتقطعوا أعشارا، وهم ألف، ~~كلما بلغ عشرة مدى البصر سرحوا عشرة، فقدم أصحابه في عشرة، فأتى الناس فسلم ~~عليهم وبشرهم بالجنود وحرضهم على القتال وقال: اصنعوا كما أصنع، وطلب ~~البراز فقالوا فيه بقول أبي بكر: (لا يهزم جيش فيهم مثل هذا). فخرج إليه ذو ~~الحاجب، فعرفه القعقاع فنادى: يا لثارات أبي عبيد وسليط وأصحاب يوم الجسر! ~~وتضاربا، فقتله القعقاع وجعلت خيله ترد إلى الليل وتنشط الناس، وكأن لم يكن ~~بالأمس مصيبة، وفرحوا بقتل ذي الحاجب، وانكسرت الأعاجم بذلك. وطلب القعقاع ~~البراز فخرج إليه الفيرزان والبنذوان، فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان ~~بن الحارث أحد بيني تيم اللات فتبارزوا، فقتل القعقاع الفيرزان وقتل الحارث ~~البنذوان، ونادى القعقاع: يا معشر المسلمين، باشروهم بالسيوف فإنما يحصد ~~الناس بها! فاقتتلوا حتى المساء، فلم ير أهل فارس في هذا اليوم شيئا مما ~~يعجبهم، وأكثر المسلمون فيهم القتل، ولم يقاتلوا في هذا اليوم على فيل، ~~كانت وابيتها تكسرت بالأمس، فاستأنفوا عملها فلم ms0802 يفرغوا منها حتى كان الغد. ~~وجعل القعقاع كلما طلعت قطعة من أصحابه كبر وكبر المسلمون ويحمل ويحملون، ~~وحمل بنو عم للقعقاع عشرة عشرة على إبل قد ألبسوها وهي مجللة مبرقعة، وأطاف ~~بهم خيولهم تحميهم، وأمرهم القعقاع أن يحملوها على خيل الفرس يتشبهون ~~بالفيلة، ففعلوا بهم هذا اليوم، وهو يوم أغواث، كما فعلت فارس يوم أرماث، ~~فجعلت خيل الفرس تفر منها وركبتها خيول المسلمين. فلما رأى الناس ذلك ~~استنوا بهم، فلقي الفرس من الإبل يوم أغواث أعظم مما لقي المسلمون من ~~الفيلة يوم أرماث. PageV01P0417 # وحمل رجل من تميم على رستم يريد قتله فقتل دونه. وخرج رجل من فارس يبارز، ~~فبرز إليه الأعرف بن الأعلم العقيلي فقتله، ثم برز إليه آخر فقتله، وأحاطت ~~به فوارس منهم فصرعوه وأخذوا سلاحه، فغبر في وجوههم التراب حتى رجع إلى ~~أصحابه. وحمل القعقاع بن عمرو يومئذ ثلاثين حملة، كلما طلعت قطعة حمل حملة ~~وأصاب فيها وقتل، فكان آخرهم بزرجمهر الهمذاني. وبارز الأعور بن قطبة ~~شهريار سجستان فقتل كل واحد منهما صاحبه، وقاتلت الفرسان إلى انتصاف ~~النهار. فلما اعتدل النهار تزاحف الناس فاقتتلوا حتى انتصف الليل. فكانت ~~ليلة أرماث تدعى الهدأة، وليلة أغواث تدعى السواد، ولم يزل المسلمون يرون ~~يوم أغواث الظفر، وقتلوا فيه عامة أعلامهم، وجالت فيه خيل القلب وثبت ~~رجلهم، فلولا أن خيلهم عادت أخذ رستم أخذا. وبات الناس على ما بات عليه ~~القوم ليلة أرماث، ولم يزل المسلمون ينتمون. فلما سمع سعد ذلك قال لبعض من ~~عنده: إن تم الناس على الانتماء فلا توقظني فإنهم أقوياء، وإن سكتوا ولم ~~ينتم الأخرون فلا توقظني فإنهم على السواء، فإن سمعتهم ينتمون فأيقظني فإن ~~انتماءهم عن السوء. ولما اشتد القتال، وكان أبو محجن قد حبس وقيد فهو في ~~القصر فصعد حين أمسى إلى سعد يستعفيه ويستقيله فزبره ورده فنزل، فأتى فقال ~~لسلمى زوج سعد: هل لك أن تخلي عني وتعيريني البلقاء؟ فلله علي إن سلمني ~~الله أن أرجع إليك حتى أضع رجلي في قيدي. فقال: كفى حزنا ms0803 أن تردي الخيل ~~بالقنا ... وأترك مشدودا علي وثاقيا إذا قمت عناني الحديد وأغلقت ... ~~مصاريع دوني قد تصم المناديا وقد كنت ذا مال كثير وإخوة ... فقد تركوني ~~واحدا لا أخا ليا ولله عهد لا أخيس بعهده ... لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا ~~فرقت له سلمى وأطلقته وأعطته البلقاء فرس سعد، فركبها حتى إذا كان بحيال ~~الميمنة كبر ثم حمل على ميسرة الفرس ثم رجع خلف المسلمين وحمل على ميمنتهم، ~~وكان يقصف الناس قصفا منكران وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه، فقال بعضهم: ~~هو من أصحاب هاشم أو هاشم نفسه، وكان سعد يقول: لولا محبس أبي محجن لقلت ~~هذا أبو محجن وهذه البلقاء. وقال بعض الناس: هذا الخضر. وقال بعضهم: لولا ~~أن الملائكة لا تباشر الحرب لقلنا إنه ملك. فلما انتصف الليل وتراجع ~~المسلمون والفرس عن القتال أقبل أبو محجن فدخل القصر وأعاد رجليه في القيد ~~وقال: لقد علمت ثقيف غير فخر ... بأنا نحن أكرمهم سيوفا وأكثرهم دروعا ~~سابغات ... وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا وأنا وفدهم في كل يوم ... فإن عموا ~~فسل بهم عريفا وليلة قادس لم يشعروا بي ... ولم أشعر بمخرجي الزحوفا فإن ~~أحبس فذلكم بلائي ... وإن أترك أذيقهم الحتوفا فقالت له سلمى: في أي شيء ~~حبسك؟ فقال: والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته ولكنني كنت صاحب شراب في ~~الجاهلية، وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر على لساني، فقلت: إذا مت فادفني إلى ~~أصل كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني بالفلاة فإنني ... ~~أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها فلذلك حبسني. فلما أصبحت أتت سعدا فصالحته، ~~وكانت مغاضبة له، وأخبرته بخبر أبي محجن، فأطلقه فقال: اذهب فما أنا مؤاخذك ~~بشيء تقوله حتى تفعله. قال: لا جرم، والله لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبدا! ### || AUT ذكر يوم عماس # PageV01P0418 # ثم أصبحوا اليوم الثالث وهم على مواقفهم، وبين الصفين من قتلى المسلمين ~~ألفان من جريح وميت، ومن المشركين عشرة آلاف، فجعل المسلمون ينقلون قتلاهم ~~إلى المقابر والجرحى إلى النساء، وكان النساء والصبيان ms0804 يحفرون القبور، وكان ~~على الشهداء حاجب بن زيد. وأما قتلى المشركين فبين الصفين لم ينقلوا، وكان ~~ذلك مما قوى المسلمين، وبات القعقاع تلك الليلة يسرب أصحابه إلى المكان ~~الذي فارقهم فيه من الأمس وقال: إذا طلعت الشمس فأقبلوا مائة مائة، فإن جاء ~~هاشم فذاك وإلا جددتم للناس رجاء وجدا ففعلوا ولا يشعر به أحد. وأصبح الناس ~~على مواقفهم، فلما ذر قرن الشمس أقبل أصحاب القعقاع، فحين رآهم كبر وكبر ~~المسلمون وتقدموا وتكتبت الكتائب واختلفوا الضرب والطعن والمدد متتابع، فما ~~جاء آخر أصحاب القعقاع حتى انتهى إليهم هاشم فأخبر بما صنع القعقاع، فعبى ~~أصحابه سبعين سبعين، وكان فيهم قيس بن هبيرة ابن عبد يغوث المعروف بقيس بن ~~المكشوح المرادي، ولم يكن من أهل الأيام إنما كان باليرموك، فانتدب مع هاشم ~~حتى إذا خالط القلب كبر وكبر المسلمون وقال: أول قتال المطاردة ثم ~~المراماة؛ ثم حمل على المشركين يقاتلهم حتى خرق صفهم إلى العتيق ثم عاد. ~~وكان المشركون قد باتوا يعملون توابيتهم حتى أعادوها وأصبحوا على مواقفهم، ~~وأقبلت الرجالة مع الفيلة يحمونها أن تقطع وضنها، ومع الرجالة فرسان ~~يحمونهم، فلم تنفر الخيل منهم كما كانت بالأمس لأن الفيل إذا كان وحده كان ~~أوحش وإذا أطافوا به كان آنس، وكان يوم عماس من أوله إلى آخره شديدا، العرب ~~والعجم فيه سواء، ولا تكون بينهم نقطة إلا أبلغوها يزدجر بالأصوات، فيبعث ~~إليهم أهل النجدات ممن عنده، فلولا أن الله ألهم القعقاع ما فعل في اليومين ~~وإلا كسر ذلك المسلمين. وقاتل قيس بن المكشوح، وكان قد قدم مع هاشم، قتالا ~~شدديا وحرض أصحابه، وقال عمرو بن معدي كرب: إني حامل على الفيل ومن حوله، ~~لفيل بإزائه، فلا تدعوني أكثر من جزر جزور، فإن تأخرتم عني فقدتم أبا ثور، ~~يعني نفسه، وأين لكم مثل أبي ثور! فحمل وضرب فيهم حتى ستره الغبار وحمل ~~أصحابه فأفرج المشركون عنه بعدما صرعوه، وإن سيفه لفي يده يصارمهم، وقد طعن ~~فرسه، فأخذ برجل فرس أعجمي فلم يطق الجري، فنزل عنه ms0805 صاحبه إلى أصحابه وركب ~~عمرو. وبرز فارسي فبرز إليه رجل من المسلمين يقال له شبر بن علقمة، وكان ~~قصيرا، فترجل الفارسي إليه فاحتمله وجلس على صدره ثم أخذ سيفه ليذبحه ومقود ~~فرسه مشدود في منطقته، فلما سل سيفه نفر الفرس فجذبه المقود فقلبه عنه ~~وتبعه المسلم فقتله وأخذ سلبه فباعه باثني عشر ألفا. فلما رأى سعد الفيول ~~قد فرقت بين الكتائب وعادت لفعلها أرسل إلى القعقاع وعاصم ابني عمرو: ~~اكفياني الأبيض، وكانت كلها آلفة له، وكان بإزائهما، وقال لحمال والزبيل: ~~اكفياني الأجرب، وكان بإزائهما، فأخذ القعقاع وعاصم رمحين وتقدما في خيل ~~ورجل، وفعل حمال والزبيل مثل فعلهما، فحمل القعقاع وعاصم فوضعا رمحيهما في ~~عين الفيل الأبيض فنفض رأسه فطرح سائسه ودلى مشفره، فضربه القعقاع فرمى به ~~ووقع لجنبه وقتلوا من كان عليه، وحمل حمال والزبيل الأسديان على الفيل ~~الآخر فطعنه حمال في عينه فأقعى ثم استوى، وضربه الزبيل فأبان مشفره، وبصر ~~به سائسه فبقر أنفه وجبينه بالطبرزين، فأفلت الزبيل جريحا، فبقي الفيل ~~جريحا متحيرا بين الصفين كلما جاء صف المسلمين وخزوه وإذا أتى صف المشركين ~~نخسوه. وولى الفيل، وكان يدعى الأجرب، وقد عور حمال عينيه، فألقى نفسه في ~~العتيق، فاتبعته الفيلة فخرقت صف الأعاجم فعبرت في أثره فأتت المدائن في ~~توابيتها، وهلك من فيها. فلما ذهبت الفيلة وخلص المسلمون والفرس ومال الظل ~~تزاحف المسلمون فاجتلدوا حتى أمسوا وهم على السواء. فلما أمسى الناس اشتد ~~القتال وصبر الفريقان فخرجا على السواء. ### || AUT ذكر ليلة الهرير وقتل رستم # قيل: إنما سميت بذلك لتركهم الكلام إنما كانوا يهرون هريرا. وأرسل سعد ~~طليحة وعمرا ليلة الهرير إلى مخاضة أسفل العسكر ليقوموا عليها خشية أن ~~يأتيه القوم منها. فلما أتياها قال طليحة: لو خضنا وأتينا الأعاجم من ~~خلفهم. قال عمرو: بل نعبر أسفل. فافترقا وأخذ طليحة وراء العسكر وكبر ثلاث ~~تكبيرات ثم ذهب وقد ارتاع أهل فارس وتعجب المسلمون، وطلبه الأعاجم فلم ~~يدركوه. PageV01P0419 # وأما عمرو فإنه أغار أسفل المخاضة ورجع، وخرج مسعود بن مالك الأسدي ms0806 وعاصم ~~بن عمرو وابن ذي البردين الهلالي وابن ذي السهمين وقيس ابن هبيرة الأسدي ~~وأشباههم فطاردوا القوم، فإذا هم لا يشدون ولا يريدون غير الزحف، فقدموا ~~صفوفهم وزاحفهم الناس بغير إذن سعد، وكان أول من زاحفهم القعقاع، وقال سعد: ~~اللهم اغفرها له وانصره فقد أذنت له إن لم يستأذني. ثم قال: أرى الأمر ما ~~فيه هذا، فإذا كبرت ثلاثا فاحملوا، وكبر واحدة فلحقهم أسد، فقال: اللهم ~~اغفرها لهم وانصرهم. ثم حملت النع فقال: اللهم اغفرها لهم وانصرهم. ثم حملت ~~بجيلة فقال: اللهم اغفرها لهم وانصرهم. ثم حملت كندة فقال: اللهم اغفرها ~~لهم وانصرهم. ثم زحف الرؤساء ورحا الحرب تدور على القعقاع، وتقدم حنظلة بن ~~الربيع وأمراء الأعشار وطليحة وغالب وحمال وأهل النجدات، ولما كبر الثالثة ~~لحق الناس بعضهم بعضا وخالطوا القوم واستقبلوا الليل استقبالا بعد ما صلوا ~~العشاء، وكان صليل الحديد فيها كصوت القيون ليلتهم إلى الصباح، وأفرغ الله ~~الصبر عليهم إفراغا، وبات سعد بليلة لم يبت بمثلها، ورأى العرب والعجم أمرا ~~لم يروا مثله قط، وانقطعت الأخبار والأصوات عن سعد ورستم، وأقبل سعد على ~~الدعاء، فلما كان عند الصبح انتمى الناس فاستدل بذلك على أنهم الأعلون، ~~وكان أول شيء سمعه نصف الليل الباقي صوت القعقاع بن عمرو وهو يقول: نحن ~~قتلنا معشرا وزائدا ... أربعة وخمسة وواحدا نحسب فوق اللبد الأساودا ... ~~حتى إذا ماتوا دعوت جاهدا الله ربي واحترزت عامدا وقتلت كندة تركا الطبري، ~~وكان مقدما فيهم. وأصبح الناس ليلة الهرير - وتسمى ليلة القادسية من بين ~~تلك الليالي - وهم حسرى لم يغمضوا ليلتهم كلها. فسار القعقاع في الناس ~~فقال: إن الدائرة بعد ساعة لمن بدأ القوم، فاصبروا ساعة واحملوا، فإن النصر ~~مع الصبر فأثروا الصبر على الجزع. فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء وصمدوا ~~لرستم حتى خالطوا الذين دونه مع الصبح فلما رأت ذلك القبائل قام فيها ~~رؤساؤهم وقالوا: لا يكونن هؤلاء أجد في أمر الله منكم، ولا هؤلاء، يعني ~~الفرس، أجرأ على الموت منكم. فحملوا فيما يليهم وخالطوا من بإزائهم ms0807 ~~فاقتتلوا حتى قام قائم الظهيرة، فكان أول من زال الفيرزان والهرمزان فتأخرا ~~وثبتا حيث انتهيا، وانفرج القلب وركد عليهم النقع وهبت ريح عاصف فقلعت ~~طيارة رستم عن سريره فهوت في العتيق، وهي دبور، ومال الغبار عليهم، وانتهى ~~القعقاع ومن معه إلى السرير فعثروا به وقد قام رستم عنه حين أطارت الريح ~~الطيارة إلى بغال قد قدمت عليه بمال فهي واقفة، فاستظل في ظل بغل وحمله، ~~وضرب هلال بن علقمة الحمل الذي تحته رستم فقطع حباله ووقع عليه أحد ~~العدلين، ولا يراه هلال ولا يشعر به، فأزال عن ظهره فقارا، وضربه هلال ضربة ~~فنفحت مسكا. ومضى رستم نحو العتيق فرمى بنفسه فيه، واقتحمه هلال عليه وأخذ ~~برجليه ثم خرج به فضرب جبينه بالسيف حتى قتله، ثم ألقاه بين أرجل البغال ثم ~~صعد السرير وقال: قتلت رستم ورب الكعبة! إلي إلي! فأطافوا به وكبروا، فنفله ~~سعد سلبه، وكان قد أصابه الماء ولم يظفر بقلنسوته، ولو ظفر فها لكانت ~~قيمتها مائة ألف. وقيل: إن هلالا لما قصد رستم رماه رستم بنشابة أثبت قدمه ~~بالركاب، فحمل عليه هلال فضربه فقتله ثم احتز وعلقه ونادى: قتلت رستم! ~~فانهزم قلب المشركين. وقام الجالينوس على الردم ونادى الفرس إلى العبور، ~~وأما المقترنون فإنهم جشعوا فتهافتوا في العتيق، فوخزهم المسلمون برماحهم ~~فما أفلت منهم مخبر، وهم ثلاثون ألفا، وأخذ ضرار بن الخطاب درفش كابيان، ~~وهو العلم الأكبر الذي كان للفرس، فعوض منه ثلاثين ألفا، وكانت قيمته ألف ~~ألف ومائتي ألف. وقتلوا في المعركة عشرة آلاف سوى من قتلوا في الأيام قبله، ~~وقتل من المسلمين قبل ليلة الهرير ألفان وخمسمائة، وقتل ليلة الهرير ويوم ~~القادسية ستة آلاف فدفنوا في الخندق حيال مشرق، ودفن ما كان قبل ليلة ~~الهرير على مشرق، وجمعت الأسلاب والأموال فجمع منها شيء لم يجمع قبله ولا ~~بعده مثله. PageV01P0420 # وأرسل سعد إلى هلال فسأله عن رستم، فأحضره، فقال: جرده إلا ما شئت. فأخذ ~~سلبه فلم يدع عليه شيئا. وأمر القعقاع وشرحبيل باتباعهم حتى بلغا مقدار ~~الخرارة ms0808 من القادسية، وخرج زهرة بن الحوية التميمي في آثارهم في ثلاثمائة ~~فارس، ثم أدركه الناس فلحق المنهزمين والجالينوس يجمعهم، فقتله زهرة وأخذ ~~سلبه، وقتلوا ما بين الخرارة إلى السيلحين إلى النجف، وعادوا من أثر ~~المنهزمين ومعهم الأسرى، فرؤي شاب من النخع وهو يسوق ثمانين رجلا أسرى من ~~الفرس. واستكثر سعد سلب الجالينوس فكتب فيه إلى عمر. فكتب عمر إلى سعد: ~~تعمد إلى مثل زهرة وقد صلي بمثل ما صلى به وقد بقي عليك من حربك ما بقي ~~تفسد قلبه، امض له سلبه وفضله على أصحابه عند عطائه بخمسمائة. ولما اتبع ~~المسلمون الفرس كان الرجل يشير إلى الفارسي فيأتيه فيقتله، وربما أخذ سلاحه ~~فقتله به، وربما أمر رجلين فيقتل أحدهما صاحبه. ولحق سلمان بن ربيعة ~~الباهلي وعبد الرحمن بن ربيعة بطائفة منهم قد نصبوا راية وقالوا: لا نبرح ~~حتى نموت، فقتلهم سلمان ومن معه. وكان قد ثبت بعد الهزيمة بضع وثلاثون ~~كتيبة استحيوا من الفرار، وقصدهم بضعة وثلاثون من رؤساء المسلمين لكل كتيبة ~~منها رئيس. وكان قتال أهل الكتائب من الفرس على وجهين، منهم من هرب ومنهم ~~من ثبت حتى قتل، وكان ممن هرب من أمراء الكتائب الهرمزان، وكان بإزاء ~~عطارد، ومنهم أهوذ، وكان بإزاء حنظلة بن الربيع، وهو كاتب النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، ومنهم زاد بن بهيش، وكان بإزاء عاصم بن عمرو، ومنهم قارن، وكان ~~بإزاء القعقاع؛ وكان ممن ثبت وقتل شهريار بن كنارا، وكان بإزاء سلمان ابن ~~ربيعة، وابن الهربذ، وكان بإزاء عبد الرحمن بن ربيعة، والفرخان الأهوازي، ~~وكان بإزاء بسر بن أبي رهم الجهني، ومنهم خشدسوم الهمذاني، وكان بإزاء ابن ~~الهذيل الكاهلي. وتراجع الناس من طلب المنهزمين وقد قتل مؤذنهم، فتشاج ~~المسلمون في الأذان حتى كادوا يقتتلون، وأقرع سعد بينهم فخرج سهم رجل، ~~فأذن. وفضل أهل البلاء من أهل القادسية عند العطاء بخمسمائة خمسمائة، وهم ~~خمسة وعشرون رجلا، منهم: زهرة وعصمة الضبي والكلج؛ وأما أهل الأيام قبلها ~~فإنهم فرض لهم على ثلاثة آلاف فضلوا على أهل القادسية، ms0809 فقيل لعمر: لو ألحقت ~~بهم أهل القادسية. فقال: لم أكن لألحق بهم من لم يدركهم. وقيل له: لو فضلت ~~من بعدت داره على من قاتلهم بفنائه. قال: كيف أفضل عليهم وهم شجن العدو! ~~فهلا فعل المهاجرون بالأنصار هذا! وكانت العرب تتوقع وقعة العرب وأهل فارس ~~بالقادسية فيما بين العذيب إلى عدن أبين وفيما بين الأبلة وأيلة، يرون أن ~~ثبات ملكهم وزواله بها؛ وكانت في كل بلد مصيخة إليها، تنظر ما يكون من ~~أمرها. فلما كانت وقعة القادسية سارت بها الجن فأتت بها أناسا من الإنس ~~فسبقت أخبار الإنس إليهم. وكتب سعد إلى عمر بالفتح وبعدة من قتلوا وبعدة من ~~أصيب من المسلمين، وسمى من يعرف مع سعد بن عميلة الفزاري. وكان عمر يسأل ~~الركبان من حين يصبح إلى انتصاف النهار عن أهل القادسية ثم يرجع إلى أهله ~~ومنزله، قال: فلما لقي البشير سأله من أين؟ فأخبره، قال: يا عبد الله ~~حدثني. قال: هزم الله المشركين. وعمر يخب معه يسأله والآخر يسير على ناقته ~~لا يعرفه حتى دخل المدينة وإذا الناس يسلمون عليه بإمرة المؤمنين، قال ~~البشير: هلا أخبرتني، رحمك الله، أنك أمير المؤمنين! فقال عمر: لابأس عليك ~~يا أخي. وأقام المسلمون بالقادسية في انتظار قدوم البشير، وأمر عمر الناس ~~أن يقوموا على أقباضهم ويصلحوا أحوالهم ويتابع إليهم أهل الشام ممن شهد ~~اليرموك ودمشق ممدين لهم، وجاء أولهم يوم أغواث وآخرهم بعد الغد يوم الفتح ~~فكتبوا فيهم إلى عمر يسألونه عما ينبغي أن يشار فيه مع نذير بن عمرو. وقيل: ~~كانت وقعة القادسية سنة ست عشرة، قال: وكان بعض أهل الكوفة يقول: إنها كانت ~~سنة خمس عشرة، وقد تقدم أنها كانت سنة أربع عشرة. PageV01P0421 # حمضة بن النعمان بضم الحاء المهملة، وفتح الميم، وبالضاد المعجمة. بسر بن ~~أبي رهم بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة. والحوية بفتح الحاء ~~المهملة، وكسر الواو، وقيل بالجيم المضمومة، وفتح الواو؛ والأول أصح. وحمال ~~بفتح الحاء المهملة، وتشديد الميم. والمعنى بضم الميم، وفتح العين المهملة، ~~والنون المشددة. ms0810 وحصين بن نمير بضم الحاء، وفتح الصاد. ومعاوية بن حديج بضم ~~الحاء، وفتح الدال المهملتين، وآخره جيم. والمعتم بضم الميم، وسكون العين ~~المهملة، وفتح التاء فوقها نقطتان، وآخره ميم مشددة. وصرار بكسر الصاد ~~المهملة، وبالرائين المهملتين بينهما ألف: موضع عند المدينة. وصنين بكسر ~~الصاد المهملة، والنون المشددة بعدها ياء ساكنة معجمة باثنتين من تحتها، ~~وآخره نون: موضع من ناحية الكوفة. انتهى خبر القادسية. ### || AUT ذكر ولاية عتبة بن غزوان البصرة # قيل: في هذه السنة بعث عمر عتبة بن غزوان إلى البصرة، وكان بها قطبة بن ~~قتادة السدوسي يغير بتلك الناحية كما كان يغير المثنى بناحية الحيرة، فكتب ~~إلى عمر يعلمه مكانه وأ،ه لو كان معه عدد يسير ظفر بمن كان قبله من العجم ~~فنفاهم عن بلادهم. فكتب إليه عمر يأمره بالمقام والحذر، ووجه إليه شريح بن ~~عامر أحد بني سعد بن بكر، فأقبل إلى البصرة وترك بها قطبة ومضى إلى الأهواز ~~حتى انتهى إلى دارس، وفيها مسلحة الأعاجم، فقتلوه، فبعث عمر عتبة بن غزوان، ~~قال له حين وجهه: يا عتبة، إني قد استعملتك على أرض الهند، وهي حومة من ~~حومة العدو، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها ويعينك عليها، وقد كتبت إلى ~~العلاء بن الحضرمي أن يمدك بعرفجة بن هرثمة، وهو ذو مجاهدة ومكايدة للعدو، ~~فإذا قدم عليك فاستشره وقربه وادع إلى الله، فمن أجابك فاقبل منه ومن أبي ~~فالجزية وإلا فالسيف في غير هوادة، واتق الله فيما وليت، وإياك أن تنازعك ~~نفسك إلى كبر مما يفسد عليك إخوتك، وقد صحبت رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، فعززت به بعد الذلة، وقويت به بعد الضعف، حتى صرت أميرا مسلطا وملكا ~~مطاعا، تقول فيسمع منك، وتأمر فيطاع أمرك، فيا لها نعمة إن لم ترفعك فوق ~~قدرك وتبطرك على من دونك، واحتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية، ولهي ~~أخوفهما عندي عليك أن تستدرجك وتخدعك فتسقط سقطة تصير بها إلى جهنم، أعيذك ~~بالله ونفسي من ذلك. إن الناس أسرعوا إلى الله حتى رفعت ms0811 لهم الدنيا ~~فأرادوها، فأرد الله ولا ترد الدنيا، واتق مصارع الظالمين. انطلق أنت ومن ~~معك حتى إذا كنت في أقصى البر من أرض العرب وأدنى أرض الريف من أرض العجم ~~فأقيموا. فسار عتبة ومن معه حتى إذا كانوا بالمربد تقدموا حتى بلغوا حيال ~~الجسر الصغير فنزلوا. فبلغ صاحب الفرات خبرهم فأقبل في أربعة آلاف فالتقوا، ~~فقاتلهم عتبة بعد الزوال، وكان في خمسمائة، فقتلهم أجمعين ولم يبق إلا صاحب ~~الفرات فأخذه أسيرا، ثم خطب عتبة أصحابه وقال: إن الدنيا قد تصرمت وولت ~~حذاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، ألا وإنكم منتقلون منها إلى ~~دار القرار، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، وقد ذكر لي: لو أن صخرة ألقيت من ~~شفير جهنم لهوت سبعين خريفا ولتملأنه؛ وعجبتم! ولقد ذكر لي: أن ما بين ~~مصراعين من مصارع الجنة مسيرة أربعين خريفا وليأتين عليه يوم وهو كظيظ، ~~ولقد رأيتني وأنا سابع سبعة مع النبي، صلى الله عليه وسلم، ما لنا طعام إلا ~~ورق السمر حتى تقرحت أشداقنا، والتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد، فما منا ~~أولئك السبعة من أحد إلا وهو أمير مصر من الأمصار، وسيجربون الناس بعدنا. ~~وكان نزوله البصرة في ربيع الأول أو الآخر سنة أربع عشرة. وقيل: إن البصرة ~~مصرت سنة ستة عشرة بعد جلولاء وتكريت والحصنين، أرسله سعد إليها بأمر عمر. ~~وإن عتبة لما نزل البصرة أقام نحو شهر فخرج إليه أهل الأبلة، وكان بها ~~خمسمائة أسوار يحمونها، وكانت مرفأ السفن من الصين، فقاتلهم عتبة فهزمهم ~~حتى دخلوا المدينة، ورجع عتبة إلى عسكره، وألقى الله الرعب في قلوب الفرس ~~فخرجوا عن المدينة وحملوا ما خف وعبروا الماء وأخلوا المدينة ودخلها ~~المسلمون فأصابوا متاعا وسلاحا وسبيا فاقتسموه وأخرج الخمس منه، وكان ~~المسلمون ثلاثمائة. وكان فتحها في رجب أو في شعبان. ثم نزل موضع مدينة ~~الرزق وخط موضع المسجد وبناه بالقصب. PageV01P0422 # وكان أول مولود بها عبد الرحمن بن أبي بكرة، فلما ولد ذبح أبوه جزورا ~~فكفتهم لقلة الناس. وجمع لهم أهل دستميسان ms0812 فلقيهم عتبة فهزمهم وأخذ ~~مرزبانها أسيرا وأخذ قتادة منطقته فبعث بها مع أنس بن حجنة إلى عمر، فقال ~~له عمر: كيف الناس؟ فقال: انثالت عليهم الدنيا فهم يهيلون الذهب والفضة. ~~فرغب الناس في البصرة فأتوها. واستعمل عتبة مجاشع بن مسعود على جماعة ~~وسيرهم إلى الفرات، واستخلف المغيرة بن شعبة على الصلاة إلى أن يقدم مجاشع ~~بن مسعود، فإذا قدم فهو الأمير، وسار عتبة إلى عمر. فظفر مجاشع بأهل الفرات ~~وجمع الفليكان، عظيم من الفرس، للمسلمين، فخرج إليه المغيرة بن شعبة فلقيهم ~~بالمرغاب فاقتتلوا. فقال نساء المسلمين: لو لحقنا بهم فكنا معهم، فاتخذن من ~~خمرهن رايات وسرن إلى المسلمين. فلما رأى المشركون الرايات ظنوا أن مددا ~~للمسلمين قد أقبل فانهزموا وظفر بهم المسلمون. وكتب إلى عمر بالفتح، فقال ~~عمر لعتبة: من استعملت على البصرة؟ فقال: مجاشع بن مسعود. قال: أتستعمل ~~رجلا من أهل الوبر على أهل المدر؟ وأخبره بما كان من المغيرة، وأمره أن ~~يرجع إلى عمله، فمات في الطريق، وقيل في موته غير ذلك، وسيرد ذكره سنة سبع ~~عشرة. وكان من سبي ميسان يسار أبو الحسن البصري، وأرطبان جد عبد الله بن ~~عون بن أرطبان. وقيل: إن إمارة عتبة البصرة كانت سنة خمس عشرة، وقيل: ست ~~عشرة، والأول أصح، فكانت إمارته عليها ستة أشهر. واستعمل عمر على البصرة ~~المغيرة بن شعبة، فبقي سنتين ثم رمي بما رمي، واستعمل أبا موسى، وقيل: ~~استعمل بعد عتبة أبا موسى وبعده المغيرة. وفيها، أعني سنة أربع عشرة، ضرب ~~عمر ابنه عبيد الله وأصحابه في شراب شربوه وأبا محجن. وفيها أمر عمر ~~بالقيام في شهر رمضان في المساجد بالمدينة وجمعهم على أبي بن كعب وكتب إلى ~~الأمصار بذلك. وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب. وكان على مكة عتاب ~~بن أسيد في قوله، وعلى اليمن يعلى بن منية، وعلى الكوفة سعد، وعلى الشام ~~أبو عبيدة بن الجراح، وعلى البحرين عثمان بن أبي العاص، وقيل العلاء بن ~~الحضرمي، وعلى عمان حذيفة بن محصن. وفي هذه ms0813 السنة مات أبو قحافة والد أبي ~~بكر الصديق بعد موت ابنه. وفيها مات سعد بن عبادة الأنصاري، وقيل: سنة إحدى ~~عشرة، وقيل: سنة خمس عشرة. وفيها قتل سليط بن عمرو بن عامر بن لؤي. وفيها ~~ماتت هند بنت عتبة بن ربيعة أم معاوية، وكان إسلامها يوم الفتح. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس عشرة # وقيل: إن الكوفة مصرها سعد بن أبي وقاص في هذه السنة، دلهم على موضعها ~~ابن بقيلة، قال لسعد: أدلك على أرض لله ارتفعت من البق وانحدرت عن الفلاة! ~~فدله على موضعها، وقيل غير ذلك، ويأتي ذكره. ### || AUT ذكر الوقعة بمرج الروم # في هذه السنة كانت الوقعة بمرج الروم، وكان من ذلك أن أبا عبيدة وخالد ~~بن الوليد سارا بمن معهما من فحل قاصدين حمص، فنزلا على ذي الكلاع، وبلغ ~~الخبر هرقل فبعث توذر البطريق حتى نزل بمرج الروم غرب دمشق، ونزل أبو عبيدة ~~بمرج الروم أيضا، ونازله يوم نزوله شنش الرومي في مثل خيل توذر إمدادا ~~لتوذر وردءا وردءا لأهل حمص. فلما نزل أصبحت الأرض من توذر بلاقع، وكان ~~خالد بإزائه وأبو عبيدة بإزاء شنش، وسار توذر يطلب دمشق، فسار خالد وراءه ~~وراءه في جريدة، وبلغ يزيد بن أبي سفيان فعل توذر فاستقبله فاقتتلوا، ولحق ~~بهم خالد وهم يقتتلون فأخذهم من خلفهم ولم يفلت منهم إلا الشريد، وغنم ~~المسلمون ما معهم، فقسمه يزيد في أصحابه وأصحاب خالد، وعاد يزيد إلى دمشق ~~ورجع خالد إلى عبيدة وقد قتل توذر. وقاتل أبو عبيدة بعد مسير خالد شنش ~~فاقتتلوا بمرج الروم، فقتلت الروم مقتلة عظيمة، وقتل شنش، وتبعهم المسلمون ~~إلى حمص، فلما بلغ هرقل ذلك أمر بطريق حمص بالمسير إليها، وسار هو إلى ~~الرهاء، وسار أبو عبيدة إلى حمص. ### || AUT ذكر فتح حمص وبعلبك وغيرهما # PageV01P0423 # فلما فرغ أبو عبيدة من دمشق سار إلى حمص فسلك طريق بعلبك فحصرها، فطلب ~~أهلها الأمان فآمنهم وصالحهم وسار عنهم فنزل على حمص ومعه خالد، وقيل: غنما ~~سار المسلمون إلى حمص من مرج الروم، وقد ms0814 تقدم ذكره. فلما نزلوها قاتلوا ~~أهلها فكانوا يغادونهم القتال ويراوحونهم في كل يوم بارد، ولقي المسلمون ~~بردا شديدا والروم حصارا طويلا، فصبر المسلمون والروم، وكان هرقل قد أرسل ~~إلى أهل حمص يعدهم المدد وأمر أهل الجزيرة جميعها بالتجهز إلى حمص، فساروا ~~نحو الشام ليمنعوا حمص عن المسلمين. فسير سعد بن أبي وقاص السرايا من ~~العراق إلى هيت وحصروها، وسار بعضهم إلى قرقيسيا، فتفرق أهل الجزيرة وعادوا ~~عن نجدة أهل حمص، فكان أهلها يقولون: تمسكوا بمدينتكم فإنهم حفاة، فإذا ~~أصابهم البرد تقطعت أقدامهم. فكانت أقدام الروم تسقط ولا يسقط للمسلمين ~~إصبع. فلما خرج الشتاء قام شيخ من الروم فدعاهم إلى مصالحة المسلمين فلم ~~يجيبوه، وقام آخر فلم يجيبوه، فناهدهم المسلمون فكبروا تكبيرة فانهدم كثير ~~من دور حمص وزلزلت حيطانهم فتصدعت، فكبروا ثانية فأصابهم أعظم من ذلك، فخرج ~~أهلها إليهم يطلبون الصلح ولا يعلم المسلمون بما حدث فيهم، فأجابوهم ~~وصالحوهم على صلح دمشق، وأنزلها أبو عبيدة السمط بن الأسود الكندي في بني ~~معاوية، والأشعث بن ميناس في السكون، والمقداد في بلي، وأنزلها غيرهم، وبعث ~~بالأخماس إلى عمر مع عبد الله بن مسعود، وكتب عمر إلى أبي عبيدة: أن أقم ~~بمدينتك وادع أهل القوة من عرب الشام فإني غير تارك البعثة إليك. ثم استخلف ~~أبو عبيدة على حمص عبادة بن الصامت، وسار إلى حماة، فتلقاه أهلها مذعنين، ~~فصالحهم أبو عبيدة على الجزية لرؤوسهم والخراج على أرضهم، ومضى نحو شيزر، ~~فخرجوا إليه يسألون الصلح على ما صالح عليه أهل حماة، وسار أبو عبيدة إلى ~~عبيدة إلى معرة حمص، وهي معرة النعمان، نسبت بعد إلى النعمان بن بشير ~~الأنصاري، فأذعنوا له بالصلح على ما صالح عليه أهل حمص. ثم أتى اللاذقية ~~فقاتله أهلها، وكان لها باب عظيم يفتحه جمع من الناس، فعسكر المسلمون على ~~بعد منها، ثم أمر فحفر حائر عظيمة تستر الحفرة منها الفارس راكبا، ثم ~~أظهروا أنهم عائدون عنها ورحلوا، فلما جنهم الليل عادوا واستتروا في تلك ~~الحفائر، وأصبح أهل اللاذقية وهم يرون ms0815 أن المسلمين قد انصرفوا عنهم فأخرجوا ~~سرحهم وانتشروا بظاهر البلد، فلم يرعهم إلا والمسلمون يصيحون بهم ودخلوا ~~معهم المدينة وملكت عنوة وهرب قوم من النصارى إلى اليسيد ثم طلبوا الأمان ~~على أن يرجعوا إلى أرضهم، فقوطعوا على خراج يؤدونه قلوا أو كثروا وتركت لهم ~~كنيستهم، وبنى المسلمون بها مسجدا جامعا، بناه عبادة بن الصامت، ثم وسع فيه ~~بعد. ولما فتح المسلمون اللاذقية جلا أهل جبلة من الروم عنها، فلما كان زمن ~~معاوية بنى حصنا خارج الحصن الرومي وشحنه بالرجال. وفتح المسلمون مع عبادة ~~بن الصامت أنطرطوس، وكان حصينا، فجلا عنه أهله، فبنى معاوية مدينة أنطرطوس ~~ومصرها وأقطع بها القطائع للمقاتلة، وكذلك فعل ببانياس. وفتحت سلمية أيضا، ~~وقيل: إنما سميت سلمية لأنه كان بقربها مدينة تدعى المؤتفكة انقلبت بأهلها ~~ولم يسلم منهم غير مائة نفس فبنوا لهم مائة منزل وسميت سلم مائة، ثم حرف ~~الناس اسمها فقالوا: سلمية، وهذا يتمشى لقائله لو كان أهلها عربا ولسانهم ~~عربيا، وأما إذ كان لسانهم أعجميا فلا يسوغ هذا القول. ثم إن صالح بن علي ~~بن عبد الله بن عباس اتخذها دارا وبنى ولده فيها ومصروها ونزلها من نزلها ~~من ولده، فهي وأرضوها لهم. ### || AUT ذكر فتح قنسرين ودخول هرقل القسطنطينية # PageV01P0424 # ثم أرسل أبو عبيدة خالد بن الوليد إلى قنسرين. فلما نزل الحاضر زحف إليهم ~~الروم وعليهم ميناس، وكان من أعظم الروم بعد هرقل، فاقتتلوا فقتل ميناس ومن ~~معه مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها، فماتوا على دم واحد. وسار خالد حتى نزل ~~على قنسرين فتحصنوا منه، فقالوا: لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو ~~لأنزلكم إلينا. فنظروا في أمرهم ورأوا ما لقي أهل حمص فصالحوهم على صلح ~~حمص، فأبى خالد إلا على إخراب المدينة فأخربها. فعند ذلك دخل هرقل ~~القسطنطينية؛ وسببه: أن خالدا وعياضا أدربا إلى هرقل من الشام، وأدرب عمرو ~~بن مالك من الكوفة، فخرج من ناحية قرقيسيا، وأدرب عبد الله بن المعتم من ~~ناحية الموصل ثم رجعوا، فعندها دخل هرقل القسطنطينية، وكانت ms0816 هذه أول مدربة ~~في الإسلام سنة خمس عشرة، وقيل ستة عشرة. فلما بلغ عمر صنيع خالد قال: أمر ~~خالد نفسه، يرحم الله أبو بكر هو كان أعلم بالرجال مني! وقد كان عزله ~~والمثنى بن حارثة وقال: إني لم أعزلهما عن ريبة ولكن الناس عظموهما فخشيت ~~أن يوكلوا إليهما. فأما المثنى فإنه رجع عن رأيه فيه لما قام بعد أبي عبيد ~~ورجع عن خالد بعد قنسرين. وأما هرقل فإنه خرج من الرهاء؛ وكان أول من أنبح ~~كلابها ونفر دجاجها من المسلمين زياد بن حنظلة، وكان من الصحابة، وسار هرقل ~~فنزل بشمشاط، ثم أدرب منها نحو القسطنطينية. فلما أراد المسير منها علا على ~~نشز ثم التفت إلى الشام فقال: السلام عليك يا سورية، سلام لا اجتماع بعده، ~~ولا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا حتى يولد المولود المشؤوم، ويا ليته لا ~~يولد! فما أحلى فعله وأمر فتنته على الروم. ثم سار فدخل القسطنطينية، وأخذ ~~أهل الحصون التي بين إسكندرية وطرسوس معه لئلا يسير المسلمون في عمارة ما ~~بين أنطاكية وبلاد الروم، وشعث الحصون، فكان المسلمون لا يجدون بها أحدا، ~~وربما كمن عندها الروم فأصابوا غرة المتخلفين، فاحتاط المسلمون لذلك. ### || AUT ذكر فتح حلب وأنطاكية # ### || AUT وغيرهما من العواصم # لما فرغ عبيدة من قنسرين سار إلى حلب، فبلغه أن أهل قنسرين نقضوا ~~وغدروا، فوجه إليهم السمط ابن الأسود الكندي فحصرهم وفتحها وأصاب فيها بقرا ~~وغنما فقسم بعضه في جيشه وجعل بقيته في المغنم. ووصل أبو عبيدة إلى حاضر ~~حلب وهو قريب منها فجمع أصنافا من العرب، فصالحهم أبو عبيدة على الجزية ثم ~~أسلموا بعد ذلك إلا من شذ عن جماعتهم، وأتى حلب وعلى مقدمته عياض بن غنم ~~الفهري، فتحصن أهلها وحصرهم المسلمون فلم يلبثوا أن طلبوا الصلح والأمان ~~على أنفسهم وأولادهم ومدينتهم وكنائسهم وحصنهم، فأعطوا ذلك واستثني عليهم ~~موضع المسجد، وكان الذي صالحهم عياض، فأجاز أبو عبيدة ذلك. وقيل: صولحوا ~~على أن يقاسموا منازلهم وكنائسهم. وقيل: إن أبا عبيدة لم يصادف بحلب أحدا ms0817 ~~لأ انتقلوا إلى أنطاكية وراسلوا في الصلح، فلما تم ذلك رجعوا إليها. وسار ~~أبو عبيدة من حلب إلى أنطاكية وقد تحصن بها كثير من الخلق من قنسرين ~~وغيرها. فلما فارقها لقيه جمع العدو فهزمهم فألجأهم إلى المدينة وحاصرها من ~~جميع نواحيها، ثم إنهم صالحوه على الجلاء أو الجزية، فجلا بعض وأقام بعض ~~فآمنهم، ثم نقضوا فوجه أبو عبيدة إليهم عياض بن غنم وحبيب بن مسلمة، ~~ففتحاها على الصلح الأول. وكانت أنطاكية عظيمة الذكر عند المسلمين، فلما ~~فتحت كتب عمر إلى عبيدة أن رتب بأنطاكية جماعة من المسلمين واجعلهم بها ~~مرابطة ولا تحبس عنهم العطاء. وبلغ أبا عبيدة أن جمعا من الروم بين معرة ~~مصرين وحلب، فسار إليهم فلقيهم فهزمهم وقتل عدة بطارقة وسبى وغنم وفتح معرة ~~مصرين على مثل صلح حلب وجالت خيوله فبلغت بوقا وفتحت قرى الجومة وسرمين ~~ومرتحوان وتيزين وغلبوا على جميع أرض قنسرين وأنطاكية، ثم أتى أبو عبيدة ~~حلب وقد التاث أهلها، فلم يزل بهم حتى أذعنوا وفتحوا المدينة. وسار أبو ~~عبيدة يريد قورس وعلى مقدمته عياض، فلقيه راهب من رهبانها يسأله الصلح، ~~فبعث به إلى أبي عبيدة فصالحه على صلح أنطاكية، وبث خيله فغلب على جميع أرض ~~قورس وفتح تل عزاز، وكان سلمان بن ربيعة الباهلي في جيش أبي عبيدة فنزل في ~~حصن بقورس فنسب إليه يعرف بحصن سلمان. PageV01P0425 # ثم سار أبو عبيدة إلى منبج وعلى مقدمته عياض، فلحقه وقد صالح أهلها على ~~مثل صلح أنطاكية، وسير عياضا إلى ناحية دلوك ورعبان فصالحه أهلها على مثل ~~صلح منبج، واشترط عليهم أن يخبروا المسلمين بخبر الروم. وولي أبو عبيدة كل ~~كورة فتحها عاملا وضم إليه جماعة وشحن النواحي المخوفة، وسار إلى بالس، ~~وبعث جيشا مع حبيب بن مسلمة إلى قاصرين فصالحهم أهلها على الجزية أو ~~الجلاء، فجلا أكثرهم إلى بلد الروم وأرض الجزيرة وقرية جسر منبج، ولم يكن ~~الجسر يومئذ، وإنما اتخذ في خلافة عثمان للصوائف، وقيل: بل كان له رسم ~~قديم. واستولى المسلمون على الشام من ms0818 هذه الناحية إلى الفرات، وعاد أبو ~~عبيد إلى فلسطين. وكان بجبل اللكام مدينة يقال لها جرجرومة وأهلها يقال لهم ~~الجراجمة، فسار حبيب بن مسلمة إليها من أنطاكية فافتتحها صلحا على أن ~~يكونوا أعوانا للمسلمين. وفيها سير أبو عبيدة بن الجراح جيشا مع ميسرة بن ~~مسروق العبسي، فسلكوا درب بغراس من أعمال أنطاكية إلى بلاد الروم، وهو أول ~~من سلك ذلك الدرب، فلقي جمعا للروم معهم عرب من غسان وتنوخ وإياد يريدون ~~اللحاق بهرقل، فأوقع بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم لحق به مالك الأشتر ~~النخعي مددا من قبل أبي عبيدة وهو بأنطاكية، فسلموا وعادوا. وسير جيشا آخر ~~إلى مرعش مع خالد بن الوليد ففتحها على إجلاء أهلها بالأمان وأخربها. وسير ~~جيشا آخر مع حبيب بن مسلمة إلى حصن الحدث، وإنما سمي الحدث لأن المسلمين ~~لقوا عليه غلاما حدثا فقاتلهم في أصحابه، فقيل درب الحدث، وقيل: لأن ~~المسلمين أصيبوا به فقيل درب الحدث، وكان بنو أمية يسمونه درب السلامة لهذا المعنى. ### || AUT ذكر فتح قيسارية وحصر غزة # في هذه السنة فتحت قيسارية، وقيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة عشرين. وكان ~~سببها: أن عمر كتب إلى يزيد بن أبي سفيان أن يرسل معاوية إلى قيسارية؛ وكتب ~~عمر إلى معاوية يأمره بذلك، فسار معاوية إليها فحصر أهلها، فجعلوا يزاحفونه ~~وهو يهزمهم ويردهم إلى حصنهم. ثم زاحفوه آخر ذلك مستميتين، وبلغت قتلاهم في ~~المعركة ثمانين ألفا وكملها في هزيمتهم مائة ألف وفتحها، وكان علقمة بن ~~مجزز قد حصر القيقار بغزة وجعل يراسله، فلم يشفه أحد بما يريد، فأتاه كأنه ~~رسول علقمة، فأمر القيقار رجلا أن يقعد له في الطريق فإذا مر به قتله، ففطن ~~علقمة فقال: إن معي نفرا يشركونني في الرأي فأنطلق فآتيك بهم، فبعث القيقار ~~إلى ذلك الرجل أن لا يعرض له، فخرج علقمة من عنده فلم يعد وفعل كما فعل ~~عمرو بالأرطبون. مجزز بجيم وزايين الأولى مكسورة. ### || AUT ذكر فتح بيسان ووقعة أجنادين # ولما انصرف أبو عبيدة وخالد إلى حمص نزل ms0819 عمرو وشرحبيل على أهل بيسان ~~فافتتحاها وصالحا أهل الأردن، واجتمع عسكر الروم بغزة وأجنادين وبيسان، ~~وسار عمرو وشرحبيل إلى الأرطبون ومن معه وهو بأجنادين، واستخلف على الأردن ~~أبا الأعور، فنزل بالأرطبون ومعه الروم. وكان الأرطبون أدهى الروم وأبعدها ~~غورا، وكان قد وضع بالرملة جندا عظيما، وبإيلياء جندا عظيما. فلما بغل عمر ~~بن الخطاب الخبر قال: قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب فانظروا عم ~~تنفرج. وكان معاوية قد شغل أهل قيسارية عن عمرو، وكان عمرو قد جعل علقمة بن ~~حكيم الفراسي ومسروق بن فلان العكي على قتال أهل إيلياء، فشغلوا من به عنه، ~~وجعل أيضا أبا أيوب المالكي على من بالرملة من الروم فشغلهم عنه، وتتابعت ~~الأمداد من عند عمر إلى عمرو، وأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الأرطبون ~~على شيء ولا تشفيه الرسل، فسار إليه بنفسه فدخل عليه كأنه رسول، ففطن به ~~الأرطبون وقال: لاشك أن هذا هو الأمير أو من يأخذ الأمير برأيه، فأمر ~~إنسانا أن يقعد على طريقه ليقتله إذا مر به، وفطن عمرو لفعله فقال له: قد ~~سمعت مني وسمعت منك، وقد وقع قولك مني موقعا وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر ~~إلى هذا الوالي لنكانفه فأرجع فآتيك بهم الآن رأوا الذي عرضت علي الآن فقد ~~رآه الأمير وأهل العسكر، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم وكنت على رأس أمرك. ~~فقال: نعم، ورد الرجل الذي أمر بقتله. فخرج عمرو من عنده وعلم الرومي أنها ~~خدعة اختدعه بها فقال: هذا أدهى الخلق! PageV01P0426 # وبلغت خديعته عمر بن الخطاب فقال: لله در عمرو! وعرف عمرو مأخذه فلقيه ~~فاقتتلوا بأجنادين قتالا شديدا كقتال اليرموك حتى كثرت القتلى بينهم، ~~وانهزم أرطبون إلى إيلياء، ونزل عمرو أجنادين، وأفرج المسلمون الذين يحصرون ~~بيت المقدس لأرطبون، فدخل إيلياء وأزاح المسلمين عنه إلى عمرو. وقد تقدم ~~وقعة أجنادين على قول من يجعلها قبل اليرموك، وسياقها على غير هذه السياقة، ~~فلهذا ذكرناها هنالك وها هنا. ### || AUT ذكر فتح بيت المقدس وهو إيلياء # في هذه السنة فتح ms0820 بيت المقدس، وقيل: سنة ست عشرة في ربيع الأول. وسبب ~~ذلك أنه لما دخل أرطبون إيلياء فتح عمرو غزة، وقيل: كان فتحها في خلافة أبي ~~بكر، ثم فتح سبسطية، وفيها قبر يحيى بن زكرياء، عليه السلام، وفتح نابلس ~~بأمان على الجزية، وفتح مدينة لد، ثم فتح يبنى وعمواس وبيت جبرين، وفتح ~~يافا، وقيل: فتحها معاوية، وفتح عمرو مرج عيون، فلما تم له ذلك أرسل إلى ~~أرطبون رجلا يتكلم بالرومية وقال له: اسمع ما يقول، وكتب معه كتابا، فوصل ~~الرسول ودفع الكتاب إلى أرطبون وعنده وزراؤه، فقال أرطبون: لا يفتح والله ~~عمرو شيئا من فلسطين بعد أجنادين. فقالوا له: من أين علمت هذا؟ فقال: ~~صاحبها رجل صفته كذا وكذا، وذكر صفة عمر. فرجع الرسول إلى عمرو فأخبره ~~الخبر، فكتب إلى عمر بن الخطاب يقول: إني أعالج عدوا شديدا وبلادا قد ادخرت ~~لك، فرأيك. فعلم عمر أن عمرا لم يقل ذلك إلا بشيء سمعه، فسار عمر عن ~~المدينة. وقيل: كان سبب قدوم عمر إلى الشام أن أبا عبيدة حصر بيت المقدس، ~~فطلب أهله منه أن يصالحهم على صلح أهل مدن الشام وأن يكون المتولي للعقد ~~عمر بن الخطاب، فكتب إليه ذلك، فسار عن المدينة واستخلف عليها علي ابن أبي ~~طالب، فقال له علي: أين تخرج بنفسك؟ إنك تريد عدوا كلبا. فقال عمر: أبادر ~~بالجهاد قبل موت العباس، إنكم لو فقدتم العباس لانتفض بكم الشر كما ينتقض ~~الحبل. فمات العباس لست سنين من خلافة عثمان، فانتقض بالناس الشر. وسار عمر ~~فقدم الجابية على فرس، وجميع ما قدم الشام أربع مرات: الأولى على فرس، ~~الثانية على بعير، والثالثة على بغل، رجع لأجل الطاعون، والرابعة على حمار. ~~وكتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوه بالجابية ليوم سماه لهم في المجردة ~~ويستخلفوا على أعمالهم، فلقوه حيث رفعت لهم الجابية، فكان أول من لقيه يزيد ~~وأبو عبيدة ثم خالد على الخيول عليهم الديباج والحرير، فنزل وأخذ الحجارة ~~ورماهم بها وقال: ما أسرع ما رجعتم عن رأيكم! إياي تستقبلون ms0821 في هذا الزي ~~وإنما شبعتم مذ سنتين! وبالله لو فعلتم هذا على رأس المائتين لاستبدلت بكم ~~غيركم. فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنها يلامقة، وإن علينا السلاح. قال: ~~فنعم إذن. وركب حتى دخل الجابية وعمرو وشرحبيل بأجنادين كأنهما لم يتحركا ~~من مكانهما. فلما قدم عمر الجابية قال له رجل من اليهود يا أمير المؤمنين، ~~إنك لا ترجع إلى بلادك حتى يفتح الله عليك إيلياء، وكانوا قد شجوا عمرا ~~وأشجاهم ولم يقدر عليها ولا على الرملة. فبينما عمر معسكر بالجابية فزع ~~الناس إلى السلاح، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: ألا ترى إلى الخيل والسيوف؟ ~~فنظر فإذا كردوس يلمعون بالسيوف. فقال عمر: مستأمنة فلا تراعوا، فأمنوهم، ~~وإذا أهل إيلياء وحيزها، فصالحهم على الجزية وفتحوها له؛ وكان الذي صالحه ~~العوام من أهل إيلياء والرملة لأن أرطبون والتذارق دخلا مصر لما وصل عمر ~~إلى الشام وأخذا كتابه على إيلياء وحيزها والرملة وحيزها، فشهد ذلك اليهودي ~~الصلح. فسأله عمر عن الدجال، وكان كثير السؤال عنه. فقال له: وما مسألتك ~~عنه يا أمير المؤمنين؟ أنتم والله تقتلونه دون باب لد ببضع عشرة ذراعا. ~~وأرسل عمر إليهم بالأمان وجعل علقمة بن حكيم على نصف فلسطين وأسكنه الرملة، ~~وجعل علقمة بن مجزز على نصفها الآخر وأسكنه إيلياء. وضم عمرا وشرحبيل إليه ~~بالجابية، فلقياه راكبا فقبلا ركبتيه، وضم عمر كل واحد منهما محتضنهما. ثم ~~سار إلى بيت المقدس من الجابية فركب فرسه فرأى به عرجا، فنزل عنه وأتي ~~ببرذون فركبه، فجعل يتجلجل به، فنزل وضرب وجهه وقال: لا أعلم من علمك هذه ~~الخيلاء! ثم لم يركب برذونا قبله ولا بعده. PageV01P0427 # وفتحت إيلياء وأهلها على يديه. وقيل: كان فتحها سنة ست عشرة، ولحق أرطبون ~~ومن أبى الصلح من الروم بمصر، فلما ملك المسلمون مصر قتل، وقيل: بل لحق ~~بالروم، فكان يكون على صوائفهم، والتقى هو وصاحب صائفة المسلمين، ومع ~~المسلمين رجل من قيس يقال له ضريس، فقطع يد القيسي وقتله القيسي، فقال فيه: ~~فإن يكن أرطبون الروم أفسدها ... فإن فيها بحمد الله ms0822 منتفعا وإن يكن أرطبون ~~الروم قطعها ... فقد تركت بها أوصاله قطعا بنانتان وجرموز أقيم به ... صدر ~~القناة إذا ما آنسوا فزعا ### || AUT ذكر فرض العطاء وعمل الديوان # وفي سنة خمس عشرة فرض عمر للمسلمين الفروض، ودون الدواوين، وأعطى ~~العطايا على السابقة، وأعطى صفوان بن أمية والحارث بن هشام وسهيل ابن عمرو ~~في أهل الفتح أقل ما أخذ من قبلهم، فامتنعوا من أخذه وقالوا: لا نعترف أن ~~يكون أحد أكرم منا. فقال: إني أعطيتكم على السابقة في الإسلام لا على ~~الأحساب. قالوا: فنعم إذا، وأخذوا، وخرج الحارث وسهيل بأهليهما نحو الشام ~~فلم يزالا مجاهدين حتى أصيبا في بعض تلك الدروب، وقيل: ماتا في طاعون ~~عمواس. ولما أراد عمر وضع الديوان قال له علي وعبد الرحمن بن عوف: ابدأ ~~بنفسك. قال: لا بل أبدأ بعم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم الأقرب ~~فالأقرب؛ ففرض للعباس وبدأ به، ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف، ثم ~~فرض لمن بعد بدر إلى الحديبية أربعة آلاف أربعة آلاف، ثم فرض لمن بعد ~~الحديبية إلى أن أقلع أبو بكر عن أهل الردة ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف؛ في ذلك ~~من شهد الفتح وقاتل عن أبي بكر ومن ولي الأيام قبل القادسية، كل هؤلاء ~~ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، ثم فرض لأهل القادسية وأهل الشام ألفين ألفين، وفرض ~~لأهل البلاء النازع منهم ألفين وخمسمائة ألفين وخمسمائة. فقيل له: لو ألحقت ~~أهل القادسية بأهل الأيام، فقال: لم أكن لألحقهم بدرجة من لم يدركوا. وقيل ~~له: قد سويت من بعدت داره بمن قربت داره وقاتلهم عن فنائه. فقال: من قربت ~~داره بالزيادة لأنهم كانوا ردءا للحتوف وشجى للعدو، قال المهاجرون مثل ~~قولكم حين سوينا بين السابقتين منهم والأنصار! فقد كانت نصرة الأنصار ~~بفنائهم وهاجر إليهم المهاجرون من بعد. وفرض لمن بعد القادسية واليرموك ~~ألفا ألفا، ثم فرض للروادف المثنى خمسمائة خمسمائة، ثم للروادف الثليث ~~بعدهم ثلاثمائة ثلاثمائة، سوى كل طبقة في العطاء قويهم وضعيفهم، عربهم ~~وعجمهم، وفرض للروداف الربيع ms0823 على مائتين وخمسين، وفرض لمن بعدهم، وهم أهل ~~هجر والعباد، على مائتين، وألحق أهل بدر أربعة من غير أهلها: الحسن والحسين ~~وأبا ذر وسلمان. وكان فرض للعباس خمسة وعشرين ألفا، وقيل: اثني عشر الفا، ~~وأعطى نساء النبي، صلى الله عليه وسلم، عشرة آلاف عشرة آلاف، إلا من جرى ~~عليها الملك. فقال نسوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما كان رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، يفضلنا عليهن في القسمة، فسو بيننا؛ ففعل وفضل عائشة ~~بألفين لمحبة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إياها، فلم تأخذ. وجعل نساء ~~أهل بدر في خمسمائة خمسمائة، ونساء من بعدهم إلى الحديبية على أربعمائة، ~~ونساء من بعد ذلك إلى الأيام ثلاثمائة ثلاثمائة، ونساء أهل القادسية مائتين ~~مائتين، ثم سوى بين النساء بعد ذلك وجعل الصبيان سواء على مائة مائة، ثم ~~جمع ستين مسكينا وأطعمهم الخبز، فأحصوا ما أكلوا فوجدوه يخرج من جريبتين، ~~ففرض لكل إنسان منهم ولعياله جريبتين في الشهر. وقال عمر قبل موته: لقد ~~هممت أن أجعل العطاء أربعة آلاف أربعة آلاف، ألفا يجعلها الرجل في أهله، ~~والفا يزودها معه، وألفا يتجهز بها، وألفا يترفق بها. فمات قبل أن يفعل. ~~وقال له قائل عند فرض العطاء: يا أمير المؤمنين لو شركت في بيوت الأموال ~~عدة لكون إن كان. فقال: كلمة ألقاها الشيطان على فيك وقاني الله شرها، وهي ~~فتنة لمن بعدي، بل أعد لهم ما أعد الله ورسوله طاعة لله ورسوله، هما عدتنا ~~التي بها أفضينا إلى ما ترون، فإذا كان المال ثمن دين أحدكم هلكتم. ~~PageV01P0428 # وقال عمر للمسلمين: إني كنت أمرأ تاجرا يغني الله عيالي بتجارتي، وقد ~~شغلتموني بأمركم هذا، فما ترون أنه يحل لي في هذا المال؟ وعلي ساكت. فأكثر ~~القوم، فقال: ما تقول يا علي؟ فقال: ما أصلحك وعيالك بالمعروف ليس لك غيره. ~~فقال القوم: ما قال علي. فأخذ قوته واشتدت حاجة عمر، فاجتمع نفر من الصحابة ~~منهم عثمان وعلي وطلحة والزبير فقالوا: لو قلنا لعمر في زيادة نزيده إياها ms0824 ~~في رزقه. فقال عثمان: هلموا فلنستبرىء ما عنده من وراء وراء، فأتوا حفصة ~~ابنته فأعلموها الحال واستكتموها أن لا تخبر بهم عمر. فلقيت عمر في ذلك، ~~فغضب وقال: من هؤلاء لأسوءهم؟ قالت: لا سبيل إلى علمهم. قال: أنت بيني ~~وبينهم، ما أفضل ما اقتنى رضي الله عنه، في بيتك الملبس؟ قالت: ثوبين ~~ممشقين كان يلبسهما للوفد والجمع. قال: فأي الطعام ناله عندك أرفع؟ قالت: ~~حرفا من خبز شعير فصببنا عليه وهو حار أسفل عكة لنا فجعلتها دسمة حلوة فأكل ~~منها. قال: وأي مبسط كان يبسط عندك كان أوطأ؟ قالت: كساء ثخين كنا نربعه في ~~الصيف، فإا كان الشتاء بسطنا نصفه وتدثرنا بنصفه. قال: يا حفصة فأبلغيهم أن ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قدر فوضع الفضول مواضعها وتبلغ بالتزجية، ~~فوالله لأضعن الفضول مواضعها ولأتبلغن بالتزجية، وإنما مثلي ومثل صاحبي ~~كثلاثة سلكوا طريقا، فمضى الأول وقد تزود فبلغ المنزل، ثم اتبعه الآخر فسلك ~~طريقه فأفضى إليه، ثم اتبعه الثالث فإن لزم طريقهما ورضي بزادهما ألحق ~~بهما، وإن سلك غير طريقهما لم يجامعهما. ### || AUT ذكر الحروب إلى آخر السنة فمن ذلك يوم برس وبابل وكوثى # لما فرغ سعد من أمر القادسية أقام بها بعد الفتح شهرين وكاتب عمر فيما ~~يفعل، فكتب إليه عمر يأمره بالمسير إلى المدائن وأن يخلف النساء والعيال ~~بالعتيق وأن يجعل معهم جندا كثيفا وأن يشركهم في كل مغنم ما داموا يخلفون ~~المسلمين في عيالاتهم. ففعل ذلك وسار من القادسية لأيام بقين من شوال، وكل ~~الناس مؤد مذ نقل الله إليهم ما كان في عسكر الفرس من سلاح وكراع ومال. ~~فلما وصلت مقدمة المسلمين برس وعليهم عبد الله بن المعتم وزهرة بن حوية ~~وشرحبيل ابن السمط لقيهم بها بصبهرا في جمع من الفرس، فهزمه المسلمون ومن ~~معه إلى بابل وبها فالة القادسية وبقايا رؤسائهم النخيرخان ومهران الرازي ~~والهرمزان وأشباههم وقد استعملوا عليهم الفيرزان، وقدم بصبهرا منهزما من ~~برس فوقع في النهر ومات من طعنة كان طعنه زهرة، ولما هزم ms0825 بصبهرا أقبل بسطام ~~دهقان برس فصالح زهرة وعقد له الجسور وأخبره بمن اجتمع ببابل، فأرسل زهرة ~~إلى سعد يعرفه ذلك. فقدم عليه سعد ببرس وسيره في المقدمة وأتبعه عبد الله ~~وشرحبيل وهاشما المرقال واتبعهم فنزلوا على الفيرزان ببابل وقد قالوا: ~~نقاتلهم قبل أن نفترق، فاقتتلوا فهزمهم المسلمون، فانطلقوا على وجهين، فسار ~~الهرمزان نحو الأهواز فأخذها فأكلها، وخرج الفيرزان نحو نهاوند فأخذها ~~بأكلها وبها كنوز كسرى، وأكل الماهين، وسار النخيرخان ومهران إلى المدائن ~~وقطعا الجسر. PageV01P0429 # وأقام سعد ببابل أياما وبلغه أن النخيرجان قد خلف شهريار دهقانا من ~~دهاقين الباب بكوثى في جمع، فقدم زهرة بين يديه بكير بن عبد الله الليثي ~~وكثير ابن شهاب السعدي حتى عبرا الصراة فلحقا بأخريات القوم وفيهم فيومان ~~والفرخان، فقتل بكير الفرخان وقتل كثير فيومان بسوراء، وجاء زهرة فجاز ~~سوراء ونزل، وجاء سعد وهاشم والناس ونزلوا عليه، وتقدم زهرة نحو الفرس، ~~وكانوا قد نزلوا بين الدير وكوثى، وقد استخلف النخيرخان ومهران على جنودهما ~~شهريار دهقان الباب، فنازلهم زهرة، فبرزوا إلى قتاله، وخرج شهريار يطلب ~~المبارزة، فأخرج زهرة إليه أبا نباتة نائل بن جعشم الأعرجي، وكان من شجعان ~~بني تميم، وكلاهما وثيق الخلق. فلما رأى شهريار نائلا ألقى الرمح لعتنقه، ~~وألقى أبو نباتة رمحه ليعتنقه أيضا، وانتضيا الخنجر وأراد حل أزرار درعه، ~~فوقعت إصبعه في في نائل فكسر عظمها، ورأى منه فتورا فبادره وجلد به الأرض ~~ثم قعد على صدره وأخذ خنجره وكشف درعه عن بطنه وطعن به بطنه وجنبه حتى مات، ~~وأخذ فرسه وسواريه وسلبه، وانهزم أصحابه فذهبوا إلى البلاد، وأقام زهرة ~~بكوثى حتى قدم عليه سعد، فقدم إليه نائلا والبسه سلاح شهريار وسواريه ~~وأركبه برذونه وغنمه الجميع، فكان أول أعرجي سور بالعراق، وقام بها سعد ~~أياما وزار مجلس إبراهيم الخليل، عليه السلام. نائل بالنون، وبعد الألف ياء ~~تحتها نقطتان، وآخره لام. ### || AUT ذكر بهرسير وهي المدينة العتيقة وهي المدائن الدنيا من الغرب # ثم إن سعدا قدم زهرة إلى بهرسير فمضى في المقدمات، فتلقاه شيرزاد دهقان ms0826 ~~ساباط بالصلح فأرسله إلى سعد، فصالحه على تأدية الجزية، ولقي زهرة كتيبة ~~بنت كسرى التي تدعى بوران، وكانوا يحلفون كل يوم أن لا يزول ملك فارس ما ~~عشنا، فهزمهم وقتل هاشم بن عتبة، وهو ابن أخي سعد، المقرط، وهو أسد كان ~~لكسرى قد ألفه، فقبل سعد رأس هاشم، وقبل هاشم قدم سعد، وأرسله سعد في ~~المقدمة إلى بهرسير، فنزل إلى المظلم، وقرأ: (أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما ~~لكم من زوال) إبراهيم: النبي، صلى الله عليه وسلمالنبي، صلى الله عليه ~~وسلم؛ ثم ارتحل فنزل على بهرسير، ووصلها سعد والمسلمون فرأوا الإيوان، فقال ~~ضرار بن الخطاب. الله أكبر! أبيض كسرى! هذا ما وعد الله ورسوله. وكبر وكبر ~~الناس معه، فكانوا كلما وصلت طائفة كبروا ثم نزلوا على المدينة، وكان ~~نزولهم في ذي الحجة. وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب. وكان عامله ~~فيها على مكة عتاب بن أسيد في قول، وعلى الطائف يعلى بن منية، وعلى اليمامة ~~والبحرين عثمان بن أبي العاص، وعلى عمان حذيفة بن محصن، وعلى الشام أبو ~~عبيدة بن الجراح، وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقاص وعلى قضائها: أبو ~~فروة، وعلى البصرة المغيرة بن شعبة. وفيها مات سعد بن عبادة الأنصاري، ~~وقيل: توفي في خلافة أبي بكر. ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وكان أسن من ~~أسلم من بني هاشم. ### | AUT ثم دخلت سنة ست عشرة # ### || AUT ذكر فتح المدائن الغربية وهي بهرسير # في هذه السنة في صفر دخل المسلمون بهرسير، وكان سعد محاصرا لها، وأرسل ~~الخيول فأغارت على من ليس له عهد، فأصابوا مائة ألف فلاح، فأصاب كل واحد ~~منهم فلاحا لأن كل المسلمين كان فارسا، فأرسل سعد إلى عمر يستأذنه، فأجابه: ~~إن من جاءكم من الفلاحين ممن لم يعينوا عليكم فهو أمانهم، ومن هرب ~~فأدركتموه فشأنكم به. فخلى سعد عنهم وأرسل إلى الدهاقين ودعاهم إلى الإسلام ~~أو الجزية ولهم الذمة، فتراجعوا ولم يدخل في ذلك ما كان لآل كسرى، فلم يبق ~~في غربي دجلة ms0827 إلى أرض العرب سوادي إلا أمن واغتبط الإسلام. PageV01P0430 # وأقاموا على بهرسير شهرين يرمونهم بالمجانيق ويدبون إليهم بالدبابات ~~ويقاتلوهم بكل عدة، ونصبوا عليها عشرين منجنيقا فشغلوهم بها، وربما خرج ~~العجم فقاتلوهم فلا يقومون لهم، وكان آخر ما خرجوا متجردين للحرب وتبايعوا ~~على الصبر، فقاتلهم المسلمون. وكان على زهرة بن الحوية درع مفصومة، فقيل ~~له: لو أمرت بهذا الفصم فسرد. فقال لههم: إني على الله لكريم أن ترك سهم ~~فارس الجند كلهم أن لا يؤمنني من هذا الفصم حيث يثبت في! فكان أول رجل أصيب ~~من المسلمين يومئذ هو بنشابة من ذلك الفصم. فقال بعضهم: انزعوها. فقال: ~~دعوني فإن نفسي معي ما دامت في، لعلي أن أصيب منهم بطعنة أو ضربة. فمضى نحو ~~العدو فضرب بسيفه شهريار من أهل إصطخر فقتله، وأحيط به فقتل وما انكشفوا. ~~وقيل: إن زهرة عاش إلى أيام الحجاج فقتله شبيب الخارجي، وسيرد ذكره. واشتد ~~الحصار بأهل المدائن الغربية حتى أكلوا السنانير والكلاب وصبروا من شدة ~~الحصار على أمر عظيم، فبينا هم يحاصرونهم إذا أشرف عليهم رسول الملك، فقال: ~~الملك يقول لكم: هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من دجلة إلى ~~جبلنا ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟ أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم! ~~فقال لهم أبو مفرز الأسود بن قطبة، وقد أنطقه الله تعالى بما لا يدري ما هو ~~ولا من معه. فرجع الرجل فقطعوا دجلة إلى المدائن الشرقية التي فيها ~~الإيوان، فقال له من معه: يا أبا مفرز ما قلت له؟ قال: والذي بعث محمدا ~~بالحق ما أدري وأنا أرجو أن أكون قد نطقت بالذي هو خير. وسأله سعد والناس ~~عما قال فلم يعلم. فنادى سعد في الناس، فنهدوا إليهم فما ظهر على المدينة ~~أحد ولا خرج رجل إلا رجل ينادي بالأمان، فآمنوه، فقال لهم: ما بقي بالمدينة ~~من يمنعكم. فدخلوا فما وجدوا فيها شيئا ولا أحدا إلا أسارى وذلك الرجل، ~~فأسألوه لأي شيء هربوا؟ فقال: بعث الملك غليكم يعرض عليكم الصلح ms0828 فأجبتموه ~~أنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبدا حتى نأكل عسل أفريدون بأترج كوثى. فقال ~~الملك: يا ويلتيه! إن الملائكة تتكلم على ألسنتهم ترد علينا. فساروا إلى ~~المدينة القصوى. فلما دخلها المسلمون أنزلهم سعد المنازل، وأرادوا العبور ~~إلى المدائن فوجدوا المعابر قد أخذوها ما بين المدائن وتكريت. ### || AUT ذكر فتح المدائن التي فيها إيوان كسرى # وكان فتحها في صفر أيضا سنة ست عشرة، قيل: وأقام سعد ببهرسير أياما من ~~صفر، فأتاه علج فدله على مخاضة تخاض إلى صلب الفرس، فأبى وتردد عن ذلك، ~~وقحمهم المد، وكانت السنة كثيرة المدود ودجلة تقذف بالزبد، فأتاه علج فقال: ~~ما يقيمك؟ لا يأتي عليك ثلاثة حتى يذهب يزدجرد بكل شيء في المدائن. فهيجه ~~ذلك على العبور، ورأوا رؤيا: أن خيول المسلمين اقتحمت دجلة فعبرت، فعزم سعد ~~لتأويل الرؤيا، فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (إن عدوكم قد ~~اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليه معه ويخلصون إليكم إذا شاؤوا في ~~سفنهم فيناوشونكم وليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه، قد كفاكم أهل ~~الأيام وعطلوا ثغورهم، وقد رأيت من الرأي أن تجاهدوا العدو قبل أن تحصدكم ~~الدنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم. فقالوا جميعا: عزم الله ~~لنا ولك على الرشد فافعل. فندب الناس إلى العبور وقال: من يبدأ ويحمي لنا ~~الفراض حتى تتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم من العبور؟ فانتدب له عاصم بن ~~عمرو ذو البأس في ستمائة من أهل النجدات، فاستعمل عليهم عاصما، فقدمهم عاصم ~~في ستين فارسا وجعلهم على خيل ذكور وإناث ليكون أسلس لسباحة الخيل، ثم ~~اقتحموا دجلة. فلما رآهم الأعاجم وما صنعوا أخرجوا للخيل التي تقدمت مثلها ~~فاقتحموا عليهم دجلة، فلقوا عاصما وقد دنا من الفراض. فقال عاصم: الرماح ~~الرماح! أشرعوها وتوخوا العيون. فالتقوا فاطعنوا، وتوخى المسلمون عيونهم ~~فولوا، ولحقهم المسلمون فقتلوا أكثرهم، ومن نجا منهم صار أعور من الطعن، ~~وتلاحق الستمائة بالستين غير متعتين. PageV01P0431 # ولما رأى سعد عاصما على الفراض قد منعها أذن للناس ms0829 في الاقتحام وقال: ~~قولوا نستعين بالله ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصرن ~~الله وليه وليظهرن دينه وليهزمن عدوه، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. وتلاحق الناس في دجلة وإنهم يتحدثون كما يتحدثون في البر، وطبقوا ~~دجلة حتى ما يرى من الشاطىء شيء. وكان الذي يساير سعدا في الماء سلمان ~~الفارسي، فعامت بهم خيولهم، وسعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، والله ~~لينصرن الله وليه وليظهرن دينه وليهزمن عدوه إن لم يكن في الجيش بغي أو ~~ذنوب تغلب الحسنات. فقال له سلمان: الإسلام جديد، ذللت لهم والله البحور ~~كما ذلل لهم البر، أما والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجا كما دخلوا ~~فيه أفواجا. فخرجوا منه كما قال سلمان لم يفقدوا شيئا، ولم يغرق منهم أحد ~~إلا أن مالك بن عامر العنبري سقط منه قدح فذهبت به جرية الماء فقال له الذي ~~يسايره معيرا له: أصابه القدر فطاح. فقال: والله إني لعلى حالة ما كان الله ~~ليسلبني قدحي من بين العسكرين. فلما عبروا ألقته الريح إلى الشاطىء فتناوله ~~بعض الناس وعرفه صاحبه فأخذه. ولم يغرق منهم أحد غير أن رجلا من بارق يدعى ~~غرقدة زال عن ظهر فرس له أشقر، فثنى القعقاع عنان فرسه إليه فأخذ بيده ~~فأخرجه سالما فقال البارقي وكان من أشد الناس: أعجز الأخوات أن يلدن مثلك ~~يا قعقاع وكان للقعقاع فيهم خؤولة. وخرج الناس سالمين وخيلهم تنفض أعرافها. ~~فلما رأى الفرس ذلك وأتاهم أمر لم يكن في حسابهم خرجوا هاربين نحو حلوان، ~~وكان يزدجرد قد قدم عياله إلى حلوان قبل ذلك وخلف مهران الرازي والنخيرخان، ~~وكان على بيت المال بالنهروان، وخرجوا معهم بما قدروا عليه من خير متاعهم ~~وخفيفه وما قدروا عليه من بيت المال وبالنساء والذراري وتركوا في الخزائن ~~من الثياب والمتاع والآنية والفصوص والألطاف والأدهان ما لا يدرى قيمته، ~~وخلفوا ما كانوا أعدوا للحصار من البقر والغنم والأطعمة. وكان في بيت المال ~~ثلاثة آلاف ألف الف ألف، ثلاث مرات، أخذ منها رستم ms0830 عند مسيره إلى القادسية ~~النصف وبقي النصف. وكان أول من دخل المدائن كتيبة الأهوال، وهي كتيبة عاصم ~~بن عمرو، ثم كتيبة الخرساء، وهي كتيبة القعقاع بن عمرو، فأخذوا في سككها لا ~~يلقون فيها أحدا يخشونه إلا من كان في القصر الأبيض، فأحاطوا بهم ودعوهم ~~فاستجابوا على تأدية الجزية والذمة، فتراجع إليهم أهل المدائن على مثل ~~عهدهم ليس في ذلك ما كان لآل كسرى. ونزل سعد القصر الأبيض، وسرح سعد زهرة ~~في آثارهم إلى النهروان، ومقدار ذلك من كل جهة. وكان سلمان الفارسي رائد ~~المسلمين وداعيتهم، دعا أهل بهرسير ثلاثا وأهل القصر الأبيض ثلاثا، واتخذ ~~سعد إيوان كسرى مصلى ولم يغير ما فيه من التماثيل. ولم يكن بالمدائن أعجب ~~من عبور الماء، وكان يدعى يوم الجراثيم، لا يبغي أحد إلا اشمخرت له جرثومة ~~من الأرض يستريح عليها ما يبلغ الماء حزام فرسه، ولذلك يقول أبو بجيد نافع ~~بن الأسود: وأسلنا على المدائن خيلا ... بحرها مثل برهن أريضا فانتثلنا ~~خزائن المرء كسرى ... يوم ولوا وخاض منها جريضا ولما دخل سعد الإيوان قرأ: ~~(كم تركوا من جنات وعيون وزروع) إلى قوله: (قوما آخرين) ؛ وصلى فيه صلاة ~~الفتح ثماني ركعات لا يفصل بينهن ولا يصلي جماعة، وأتم الصلاة لأنه نوى ~~الإقامة، وكانت أول جمعة بالعراق، وجمعت بالمدائن في صفر سنة ست عشرة. ولما ~~سار المسلمون وراءهم أدرك رجل من المسلمين فارسيا يحمي أصحابه فضرب فرسه ~~ليقدم على المسلم، فأحجم وأراد الفرار فتقاعس، فأدركه المسلم فقتله وأخذ ~~سلبه؛ وأدرك رجل آخر من المسلمين جماعة من الفرس يتلاومون وقد نصبوا لأحدهم ~~كرة وهو يرميها لا يخطئها، فرجعوا فلقيهم المسلم، فتقدم إليه ذلك الفارسي ~~فرماه بأقرب مما كانت الكرة فلم يصبه، فوصل المسلم إليه فقتله وهرب أصحابه. ~~أبو بجيد بضم الباء الموحدة، وفتح الجيم، وبعدها ياء تحتها نقطتان، ودال مهملة. ### || AUT ذكر ما جمع من غنائم أهل المدائن وقسمتها # PageV01P0432 # كان سعد قد جعل على الأقباض عمرو بن عمرو بن مقرن، وعلى القسمة سلمان بن ~~ربيعة الباهلي، فجمع ms0831 ما في القصر والإيوان والدور وأحصى ما يأتيه به الطلب، ~~وكان أهل المدائن قد نهبوها عند الهزيمة وهربوا في كل وجه، فما أفلت أحد ~~منهم بشيء إلا أدركهم الطلب فأخذوا ما معهم، ورأوا بالمدائن قبابا تركية ~~مملوة سلالا مختومة برصاص فحسبوها طعاما، فإذا فيها آنية الذهب والفضة، ~~وكان الرجل يطوف ليبيع الذهب بالفضة متماثلين. ورأوا كافورا كثيرا فحسبوه ~~ملحا، فعجنوا به فوجدوه مرا. وأدرك الطلب مع زهرة جماعة من الفرس على جسر ~~النهروان فازدحموا عليه، فوقع منهم بغل في الماء فعجلوا وكبوا عليه، فقال ~~بعض المسلمين: إن لهذا البغل لشأنا، فجالدهم المسلمون عليه حتى أخذوه وفيه ~~حلية كسرى، ثيابه وخرزاته ووشاحه ودرعه التي فيها الجوهر، وكان يجلس فيها ~~للمباهاة. ولحق الكلج بغلين معهما فارسيان فقتلهما وأخذ البغلين فأبلغهما ~~صاحب الأقباض، وهو يكتب ما يأتيه به الرجال، فقال له: قف حتى ننظر ما معك. ~~فحط عنهما فإذا سفطان فيهما تاج كسرى مرصعا، وكان لا يحمله إلا أسطوانتان ~~وفيه الجوهر، وعلى البغل الآخر سفطان فيهما ثياب كسرى التي كان يلبس من ~~الديباج المنسوج بالذهب المنظوم بالجوهر وغير الديباج منسوجا منظوما. وأدرك ~~القعقاع بن عمرو فارسيا فقتله وأخذ منه عيبتين وغلافين في إحداهما خمسة ~~أسياف وفي الأخرى ستة أسياف وأدراع، منها درع كسرى ومغافره ودرع هرقل ودرع ~~خاقان ملك الترك ودرع داهر ملك الهند ودرع بهرام جوبين ودرع سياوخش ودرع ~~النعمان استلبها الفرس أيام غزاهم خاقان وهرقل وداهر، وأما النعمان وجوبين ~~فحين هربا من كسرى، وفي أحد الغلافين سيوف من سيوف كسرى وهرمز وقباذ وفيروز ~~وهرقل وخاقان وداهر وبهرام وسياوخش والنعمان؛ فأحضر القعقاع الجميع عند ~~سعد، فخيره بين الأسياف فاختار سيف هرقل، وأعطاه درع بهرام ونفل سائرها في ~~الخرساء، إلا سيف كسرى والنعمان، بعث بهما إلى عمر بن الخطاب لتسمع العرب ~~بذلك وحسبوهما في الأخماس، وبعثوا بتاج كسرى وحليته وثيابه إلى عمر ليراه ~~المسلمون. وأدرك عصمة بن خالد الضبي رجلين معهما حماران فقتل أحدهما وهرب ~~الآخر، وأخذ الحمارين فأتى بهما صاحب الأقباض فإذا ms0832 على أحدهما سفطان في ~~أحدهما فرس من ذهب بسرج من فضة وعلى ثفره ولباته الياقوت والزمرد المنظوم ~~على الفضة، ولجام كذلك، وفارس من فضة مكلل بالجوهر، وفي الآخر ناقة من فضة ~~عليها شليل من ذهب وبطان من ذهب ولها زمام من ذهب، وكل ذلك منظوم بالياقوت، ~~وعليها رجل من ذهب مكلل بالجواهر، كان كسرى يضعهما على أسطوانتي التاج. ~~وأقبل رجل بحق إلى صاحب الأقباض فقال هو والذين معه: ما رأينا مثل هذا قط، ~~ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه. فقالوا: هل أخذت منه شيئا؟ فقال: والله لولا ~~الله ما أتيتكم به. فقالوا: من أنت؟ فقال: والله لا أخبركم فتحمدوني ولكني ~~أحمد الله وأرضى بثوابه. فأتبعوه رجلا، فسأل عنه فإذا عنه فإذا هو عامر ابن ~~عبد قيس. وقال سعد: والله إن الجيش لذو أمانة، ولولا ما سبق لأهل بدر لقلت ~~إنهم على فضل أهل بدر، لقد تتبعت من أقوام منهم هنات ما أحسبها من هؤلاء. ~~وقال جابر بن عبد الله: والذي لا إله إلا هو ما اطلعنا على أحد من أهل ~~القادسية أنه يريد الدنيا مع الآخرة، فلقد اتهمنا ثلاثة نفر فما رأينا ~~كأمامنتهم وزهدهم، وهم: طليحة، وعمرو بن معدي كرب، وقيس بن المكشوح. وقال ~~عمر لما قدم عليه بسيف كسرى ومنطقته وبزبرجده: إن قوما أدوا هذا لذوو ~~أمانة. فقال عليك إنك عففت فعفت الرعية. PageV01P0433 # فلما جمعت الغنائم قسم سعد الفيء بين الناس خمسة، وكانوا ستين ألفا، ~~فأصاب الفارس اثنا عشر ألفا، وكلهم كان فارسا ليس فيهم راجل، ونفل من ~~الأخماس في أهل البلاء، وقسم المنازل بين الناس، وأحضر العيالات فأنزلهم ~~الدور، فأقاموا بالمدائن حتى فرغوا من جلولاء وحلوان وتكريت والموصل ثم ~~تحولوا إلى الكوفة. وأرسل سعد في الخمس كل شيء أراد أن يعجب منه العرب، ومن ~~كان يعجبهم أن يقع، وأراد إخراج خمس القطف فلم تعتدل قسمته، وهو بهار كسرى، ~~فقال للمسلمين: هل تطيب أنفسكم عن أربعة أخماسه ينبعث به إلى عمر يضعه حيث ~~يشاء فإنا لا نراه ينقسم وهو ms0833 بيننا قليل وهو يقع من أهل المدينة موقعا؟ ~~فقالوا: نعم. فبعثه إلى عمر. والقطف بساط واحد طوله ستون ذراعا، وعرضه ستون ~~ذراعا مقدار جريب، كانت الأكاسرة تعده للشتاء إذا ذهبت الرياحين شربوا ~~عليه، فكأنهم في رياض، فيه طرق كالصور وفيه فصوص كالأنهار أرضها مذهبة ~~وخلال ذلك فصوص كالدر وفي حافاته كالأرض المزروعة والأرض المبقلة بالنبات ~~في الربيع والورق من الحرير على قضبان الذهب، وزهره الذهب والفضة، وثمره ~~الجوهر وأشباه ذلك، وكانت العرب تسميه القطف. فلما قدمت الأخماس على عمر ~~نفل منها من غاب ومن شهد من أهل البلاء، ثم قسم الخمس في مواضعه، ثم قال: ~~أشيروا علي في هذا القطف؛ فمن بين مشير بقبضه وآخر مفوض إليه. فقال له علي: ~~لم يجعل الله علمك جهلا ويقينك شكا، إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت ~~فأمضيت أو لبست فأبليت أو أكلت فأفنيت، وإنك إن تبقه على هذا اليوم لم تعدم ~~في غد من يستحق به ما ليس له. فقال: صدقني ونصحتني، فقطعه بينهم، فأصاب ~~عليا قطعة منه فباعها بعشرين ألفا، وما هي بأجود تلك القطع. وكان الذي سار ~~بالأخماس بشير بن الخصاصية والذي ذهب بالفتح حليس بن فلان الأسدي، والذي ~~ولي القبض عمرو، والقسم سلمان، وأثنى الناس على أهل القادسية، فقال عمر: ~~أولئك أعيان العرب. ولما رأى عمر سيف النعمان سأل جبير بن مطعم عن نسب ~~النعمان، فقال جبير: كانت العرب تنسبه إلى الأشلاء أشلاء قنص، وكان أحد بني ~~عجم بن قنص، فجهل الناس عجم فقالوا لخم، فنلفه سيفه. وولى عمر بن الخطاب ~~سعد بن أبي وقاص صلاة ما غلب عليه وحربه، وولى الخراج النعمان وسويدا ابني ~~مقرن، سويدا على ما سقت الفرات، والنعمان على ما سقت دجلة، ثم استعفيا، ~~فولى عملهما حذيفة بن أسيد وجابر بن عمرو المزني، ثم ولى عملهما بعد حذيفة ~~بن النعمان وعثمان ابن حنيف. خذيفة بن أسيد بفتح الهمزة، وكسر السين. ### || AUT ذكر وقعة جلولاء وفتح حلوان # وفي هذه السنة كانت وقعة جلولاء. وسببها أن ms0834 الفرس لما انتهوا بعد الهرب ~~من المدائن إلى جلولاء، وافترقت الطرق بأهل أذربيجان والباب وأهل الجبال ~~وفارس تذامروا قالوا: لو افترقتم لم تجتمعوا أبدا، وهذا مكان يفرق بيننا، ~~فهلموا فلنجتمع للعرب به ولنقاتلهم، فإن كانت لنا فهو الذي نحب، وإن كانت ~~الأخرى كنا قد قضينا الذي علينا وأبلينا عذرا. فاحتفروا خندقا واجتمعوا فيه ~~على مهران الرازي، وتقدم يزدجرد إلى حلوان فنزل بها، ورماهم بالرجال وخلف ~~فيهم الأموال فأقاموا وأحاطوا خندقهم بحسك الحديد إلا طرقهم. فبلغ ذلك سعدا ~~فأرسل إلى عمر، فكتب إليه عمر: أن سرح هاشم بن عتبة إلى جلولاء واجعل على ~~مقدمته القعقاع بن عمرو وعلى ميمنته مسعر بن مالك وعلى ميسرته عمرو بن مالك ~~بن عتبة وأجعل على ساقته عمرو بن مرة الجهني، وإن هزم الله الفرس فاجعل ~~القعقاع بين السواد والجبل، وليكن الجند اثني عشر ألفا. PageV01P0434 # ففعل سعد ذلك، وسار هاشم من المدائن بعد قسمة الغنيمة في اثني عشر ألفا، ~~منهم وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب ممن كان ارتد ومن لم يرتد، فسار ~~من المدائن فمر ببابل مهروذ، فصالحه دهقانها على أن يفرش له جريب الأرض ~~دراهم، ففعل وصالحه، ثم مضى حتى قدم جلولاء فحاصرهم في خنادقهم وأحاط بهم، ~~وطاولهم الفرس وجعلوا لا يخرجون إلا إذا أرادوا، وزاحفهم المسلمون نحو ~~ثمانين يوما، كل ذلك ينصر المسلمون عليهم، وجعلت الأمداد ترد من يزدجرد إلى ~~مهران، وأمد سعد المسلمين، وخرجت الفرس وقد احتفلوا، فاقتتلوا، فأرسل الله ~~عليهم الريح حتى أظلمت عليهم البلاد فتحاجزوا فسقط فرسانهم في الخندق، ~~فجعلوا فيه طرقا مما يليهم يصعد منه خيلهم فأفسدوا حصنهم. وبلغ ذلك ~~المسلمين فنهضوا إليهم، وقاتلوهم قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله ولا ليلة ~~الهرير إلا أنه كان أعجل. وانتهى القعقاع بن عمرو من الوجه الذي زحف فيه ~~إلى باب خندقهم فأخذ به وأمر مناديا فنادى: يا معاشر المسلمين، هذا أميركم ~~قد دخل الخندق وأخذ به فأقبلوا إليه ولا يمنعكم من بينكم وبينه من دخوله. ~~وإنما بذلك ليقوي المسلمين. فحملوا ولا يشكون بأن ms0835 هاشما في الخندق، فإذا هم ~~بالقعقاع بن عمرو وقد أخذ به، فانهزم المشركون عن المجال يمنة ويسرة فهلكوا ~~فيما أعدوا من الحسك، فعقرت دوابهم وعادوا رجالة واتبعهم المسلمون فلم يفلت ~~منهم إلا من لا يعد، وقتل يومئذ منهم مائة ألف، فجللت القتلى المجال وما ~~بين يديه وما خلفه فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم، فهي جلولاء الوقيعة. ~~فسار القعقاع بن عمرو في الطلب حتى بلغ خانقين. ولما بلغت الهزيمة يزدجرد ~~سار من حلوان نحو الري، وقدم القعقاع حلوان فنزلها في جند من الأفناء ~~والحمراء، وكان فتح جلولاء في ذي القعدة سنة ست عشرة. ولما سار يزدجرد عن ~~حلوان استخلف عليها خشرشنوم، فلما وصل القعقاع قصر شيرين خرج عليه خشرشنوم ~~وقدم إليه الزينبي دهقان حلوان، فلقيه القعقاع، فقتل الزينبي وهرب خشرشنوم ~~واستولى المسلمون على حلوان وبقي القعقاع بها إلى أن تحول سعد إلى الكوفة ~~فلحقه القعقاع واستخلف على حلوان قباذ، وكان أصله خراسانيا. وكتبوا إلى عمر ~~بالفتح وبنزول القعقاع حلوان واستأذنوه في اتباعهم، فابى وقال: لوددت أن ~~بين السواد وبين الجبل سدا لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم، حسبنا من الريف ~~السواد، إني آثرت سلامة المسلمين على الأنفال. وأدرك القعقاع في اتباعه ~~الفرس مهران بخانقين فقتله، وأدرك الفيرزان فنزل وتوغل في الجبل فتحامى، ~~وأصاب القعقاع سبايا فأرسلهن إلى هاشم فقسمهن، فاتخذن فولدن، وممن ينسب إلى ~~ذلك السبي أم الشعبي. وقسمت الغنيمة وأصحاب كل واحد من الفوارس تسعة آلاف ~~وتسعة من الدواب، وقيل: إن الغنيمة كانت ثلاثين ألف ألف وكان الخمس ستة ~~آلاف ألف، فقسمها سلمان بن ربيعة، وبعث سعد بالأخماس إلى عمر، وبعث الحساب ~~مع زياد بن أبيه، فكلم عمر فيما جاء له ووصف له، فقال عمر: هل تستطيع أن ~~تقوم في الناس بمثل ما كلمتني به؟ فقال: والله ما على الأرض شخص أهيب في ~~صدري منك، فكيف لا أقوى على هذا من غيرك! فقام في الناس بما أصابوا وما ~~صنعوا وبما يستأنفون من الانسياح في البلاد. فقال عمر: هذا الخطيب ms0836 المصقع. ~~فقال: إن جندنا أطلقوا بالفعال ألسنتنا. فلما قدم الخمس على عمر قال: والله ~~لا يجنه سقف حتى أقسمه. فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن الأرقم ~~يحرسانه في المسجد، فلما أصبح جاء في الناس فكشف عنه، فلما نظر إلى ياقوته ~~وزبرجده وجوهره بكى، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ما يبكيك يا أمير ~~المؤمنين؟ فوالله إن هذا لموطن شكر. فقال عمر: والله ما ذلك يبكيني، وبالله ~~ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى الله ~~بأسهم بينهم. ومنع عمر من قسمة السواد لتعذر ذلك بسبب الآجام والغياض ومغيض ~~المياه، وما كان لبيوت النار ولسكك البرد، وما كان لكسرى ومن جامعه، وما ~~كان لمن قتل، والأرحاء؛ وخاف أيضا الفتنة بين المسلمين، فلم يقسمه ومنع من ~~بيعه لأنه لم يقسم، واقروها حبيسا يولونها من أجمعوا عليه بالرضا، وكانوا ~~لا يجمعون إلا على الأمراء، فلا يحل بيع شيء من أرض السواد ما بين حلوان ~~والقادسية، واشترى جرير أرضا على شاطىء الفرات، فرد عمر ذلك الشراء وكرهه. ~~PageV01P0435 ### || AUT ذكر فتح تكريت والموصل # وفي هذه السنة فتحت تكريت في جمادى. وسبب ذلك أن الأنطاق سار من الموصل ~~إلى تكريت وخندق عليه ليحمي أرضه ومعه الروم وإياد وتغلب والنمر والشهارجة، ~~فبلغ ذلك سعدا فكتب إلى عمر، فكتب إليه عمر: أن سرح إليه عبد الله بن ~~المعتم واستعمل على مقدمته ربغي بن الأفكل، وعلى ميمنته الحارث بن حسان ~~الذهلي وعلى ميسرته فرات بن حيان العجلي وعلى ساقته هانىء بن قيس وعلى ~~الخيل عرفجة بن هرثمة. فسار عبد الله إلى تكريت ونزل على الأنطاق فحصره ومن ~~معه أربعين يوما، فتزاحفوا أربعة وعشرين زحفا، وكانوا أهون شوكة من أهل ~~جلولاء، وأرسل عبد الله بن المعتم إلى العرب الذين مع الأنطاق يدعوهم إلى ~~نصرته، وكانوا لا يخفون عليه شيئا. ولما رأت الروم المسلمين ظاهرين عليهم ~~تركوا أمراءهم ونقلوا متاعهم إلى السفن، فأرسلت تغلب وإياد والنمر إلى عبد ~~الله بن المعتم بالخبر وسألوه الأمان وأعلموه ms0837 أنهم معه، فأرسل إليهم: إن ~~كنتم صادقين فأسلموا. فأجابوه وأسلموا. فأرسل إليهم عبد الله: إذا سمعتم ~~تكبيرنا فاعلموا أنا أخذنا أبواب الخندق فخذوا الأبواب التي تلي دجلة ~~وكبروا واقتلوا من قدرتم عليه. ونهد عبد الله والمسلمون وكبروا وكبرت تغلب ~~وإياد والنمر وأخذوا الأبواب، فظن الروم أن المسلمين قد أتوهم من خلفهم مما ~~يلي دجلة، فقصدوا الأبواب التي عليها المسلمون، فأخذتهم سيوف المسلمين ~~وسيوف الربعيين الذين أسلموا تلك الليلة، فلم يفلت من أهل الخندق إلا من ~~أسلم من تغلب وإياد والنمر. وأرسل عبد الله بن المعتم ربعي بن الأفكل إلى ~~الحصنين، وهما نينوى والموصل، تسمى نينوى الحصن الشرقي وتسمى الموصل الحصن ~~الغربي، وقال: اسبق الخبر وسر ما دون القيل واحيي الليل، وسرح معه تغلب ~~وإياد والنمر. فقدمهم ابن الأفكل إلى الحصنين، فسبقوا الخبر وأظهروا الظفر ~~والغنيمة وبشروهم ووقفوا بالأبواب، وأقبل ابن الأفكل فاقتحم عليهم الحصنين ~~وكلبوا أبوابهما، فنادوا بالإجابة إلى الصلح وصاروا ذمة. وقسموا الغنيمة ~~فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف درهم، وسهم الراجل ألف درهم، وبعثوا بالأخماس ~~مع فرات بن حيان وبالفتح مع الحارث بن حسان إلى عمر؛ وولى حرب الموصل ربعي ~~ابن الأفكل، والخراج عرفجة بن هرثمة. وقيل: إن عمر بن الخطاب استعمل عتبة ~~بن فرقد على قصد الموصل، وفتحها سنة عشرين، فأتاها فقاتله أهل نينوى، فأخذ ~~حصنها، وهو الشرقي، عنوة، وعبر دجلة، فصالحه أهل الحصن الغربي، وهو الموصل، ~~على الجزية، ثم فتح المرج وبانهذار وباعذرا وحبتون وداسن وجميع معاقل ~~الأكراد وقردى وبازبدى وجميع أعمال الموصل فصارت للمسلمين. وقيل: إن عياض ~~بن غنم لما فتح بلدا، على ما نذكره، أتى الموصل ففتح أحد الحصنين وبعث عتبة ~~بن فرقد إلى الحصن الآخر ففتحه على الجزية والخراج، والله أعلم. المعتم بضم ~~الميم، وسكون العين المهملة، وآخره ميم مشددة. ### || AUT ذكر فتح ماسبذان # ولما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن بلغ سعدا أن آذين بن الهرمذان قد ~~جمع جمعا وخرج بهم إلى السهل، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر ابعث إليهم ~~ضرار ms0838 بن الخطاب في جند واجعل على مقدمته ابن الهذيل الأسدي وعلى مجنبتيه ~~عبد الله بن وهب الراسي والمضارب بن فلان العجلي فأرسل إليهم ضرار بن ~~الخطاب في جيش، فالتقوا بسهل ماسبذان فاقتتلوا، فأسرع المسلمون في ~~المشركين، وأخذ ضرار آذين أسيرا فضرب رقبته. ثم خرج في الطلب حتى انتهى إلى ~~السيروان، فأخذ ماسبذان عنوة، فهرب أهلها في الجبال، فدعاهم فاستجابوا له، ~~وأقام بها حتى تحول سعد إلى الكوفة، فأرسل إليه فنزل الكوفة واستخلف على ما ~~سبذان ابن الهذيل الأسدي، فكانت أحد فروج الكوفة. وقيل: إن فتحها كان بعد ~~وقعة نهاوند. ### || AUT ذكر فتح قرقيسيا # PageV01P0436 # ولما رجع هاشم بن عتبة من جلولاء إلى المدائن وقد اجتمعت جموع أهل ~~الجزيرة فأمدوا هرقل على أهل حمص وبعثوا جندا إلى أهل هيت كتب بذلك سعد إلى ~~عمر، فكتب إليه عمر أن ابعث إليهم عمر بن مالك في جند... وعلى جنبتيه ربعي ~~بن عامر ومالك بن حبيب، أرسل سعد عمر ابن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف ~~في جند وجعل على مقدمته الحارث ابن يزيد العامري، فخرج عمر بن مالك في جنده ~~نحو هيت فنازل من بها وقد خندقوا عليهم، فلما رأى عمر بن مالك اعتصامهم ~~بخندقهم ترك الأخبية على حالها وخلف عليهم الحارث بن يزيد يحاصرهم وخرج في ~~نصف الناس فجاء قرقيسيا على غرة فأخذها عنوة، فأجابوا إلى الجزية، وكتب إلى ~~الحارث ابن يزيد: إن هم استجابوا فخل عنهم فليخرجوا وإلا فخندق على خندقهم ~~خندقا بأبوابه مما يليك حتى أرى رأيي. فراسلهم الحارث، فأجابوا إلى العود ~~إلى بلادهم، فتركهم وسار الحارث إلى عمر بن مالك. وفيها غرب عمر بن الخطاب ~~أبا محجن الثقفي إلى ناصع. وفيها تزوج ابن عمر صفية بنت أبي عبيد أخت ~~المختار. وفيها حمى عمر الربذة لخيل المسلمين. وفيها ماتت مارية أم إبراهيم ~~ابن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصلى عليها عمر ودفنها بالبقيع في ~~المحرم. وفيها كتب عمر التاريخ بمشورة علي بن أبي طالب. وحج بالناس في هذه ms0839 ~~السنة عمر بن الخطاب، واستخلف على المدينة زيد ابن ثابت. وكان عماله على ~~البلاد الذين كانوا في السنة قبلها، وكان على حرب الموصل ربعي بن الأفكل، ~~وعلى خراجها عرفجة بن هرثمة، وقيل: كان على الحرب والخراج بها عتبة بن ~~فرقد، وقيل: كان ذلك كله إلى عبد الله بن المعتم. وعلى الجزيرة عياض بن غنم. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع عشرة # ### || AUT ذكر بناء الكوفة والبصرة # في هذه السنة اختطت الكوفة وتحول سعد إليها من المدائن. وكان سبب ذلك أن ~~سعدا ارسل وفدا إلى عمر بهذه الفتوح المذكورة، فلما رآهم عمر سألهم عن تغير ~~ألوانهم وحالهم، فقالوا: وخومة البلاد غيرتنا. فأمرهم عمر أن يرتادوا منزلا ~~ينزله الناس، وكان قد حضر مع الوفد نفر من بني تغلب ليعاقدوا عمر على ~~قومهم، فقال لهم عمر: أعاقدهم على أن من أسلم منكم كان له ما للمسلمين ~~وعليه ما عليهم، ومن أبى فعليه الجزية. فقالوا: إذن يهربون ويصيرون عجما، ~~وبذلوا له الصدقة، فأبى، فجعلوا جزيتهم مثل صدقة المسلم، فأجابهم على أن لا ~~ينصروا وليدا، فهاجر هؤلاء التغلبيون ومن أطاعهم من النمر وإياد إلى سعد ~~بالمدائن ونزلوا بالمدائن ونزلوا معه بعد بالكوفة. وقيل: بل كتب حذيفة إلى ~~عمر: إن العرب قد رقت بطونها وجفت أعضادها وتغيرت ألوانها. وكان مع سعد ~~فكتب عمر إلى سعد: أخبرني ما الذي غير ألوان العرب ولحومهم؟ فكتب إليه سعد: ~~إن الذي غيرهم وخومة البلاد، وإن العرب لا يوافقها إلا ما وافق إبلها من ~~البلدان. فكتب إليه عمر: أن ابعث سلمان وحذيفة رائدين فليرتادا منزلا بريا ~~بحريا ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر. فأرسلهما سعد، فخرج سلمان حتى يأتي ~~الأنبار فسار في غربي الفرات لا يرضى شيئا حتى أتى الكوفة، وسار حذيفة في ~~شرقي الفرات لا يرضى شيئا حتى أتى الكوفة، وكل رمل وحصباء وخصاص خلال ذلك، ~~فأعجبتهما البقعة فنزلا فصليا ودعوا الله تعالى أن يجعلها منزل الثبات. ~~فلما رجعا إلى سعد بالخبر وقدم كتاب عمر إليه أيضا كتب سعد إلى ms0840 القعقاع بن ~~عمرو وعبد الله بن المعتم أن يستخلفا على جندهما ويحضرا عنده، ففعلا. ~~فارتحل سعد من المدائن حتى نزل الكوفة في المحرم سنة سبع عشرة؛ وكان بين ~~نزول الكوفة ووقعة القادسية سنة وشهران، وكان فيما بين قيام عمر واختطاط ~~الكوفة ثلاث سنين وثمانية أشهر؛ ولما نزلها سعد كتب إلى عمر: (إني نزلت ~~بالكوفة منزلا فيما بين الحيرة والفرات بريا وبحريا ينبت الحلفاء والنصي، ~~وخيرت المسلمين بينها وبين المدائن فمن أعجبه المقام بالمدائن تركته فيها ~~كالمسلحة. ولما استقروا بها عرفوا أنفسهم ورجع إليهم ما كانوا فقدوا من ~~قوتهم، واستأذن أهل الكوفة في بنيان القصب، واستأذن فيه أهل البصرة أيضا، ~~واستقر منزلهم فيها في الشهر الذي نزل أهل الكوفة بعد ثلاث نزلات قبلها. ~~فكتب إليهم: إن العسكر أشد لحربكم وأذكر لكم، وما أحب أن أخالفكم. ~~PageV01P0437 # فابتنى أهل المصرين بالقصب، ثم إن الحريق وقع في الكوفة والبصرة، وكانت ~~الكوفة أشد حريقا في شوال، فبعث سعد نفرا منهم إلى عمر يستأذنونه في ~~البنيان باللبن، فقدموا عليه بخبر الحريق واستئذانه أيضا، فقال: افعلوا ولا ~~يزيدن أحدكم على ثلاثة أبيات، ولا تطاولوا في البنيان، والزموا السنة ~~تلزمكم الدولة. فرجع القوم إلى الكوفة بذلك، وكتب عمر إلى عتبة وأهل البصرة ~~بمثل ذلك. وكان على تنزيل أهل الكوفة أبو هياج بن مالك، وعلى تنزيل أهل ~~البصرة عاصم ابن دلف أبو الجرباء، وقدر المناهج أربعين ذراعا، وما بين ذلك ~~عشرين ذراعا، والأزقة سبع أذرع، والقطائع ستين ذراعا إلى الذي لبني ضبة، ~~وأول شيء خط فيهما وبني مسجداهما، وقام في وسطهما رجل شديد النزع، فرمى في ~~كل جهة بسهم وأمر أن يبنى ما وراء ذلك، وبنى ظلة في مقدمة مسجد الكوفة على ~~أساطين رخام من بناء الأكاسرة في الحيرة، وجعلوا على الصحن خندقا لئلا ~~يقتحمه أحد ببنيان، وبنوا لسعد دارا بحياله، وهي قصر الكوفة اليوم، بناه ~~روزبه من آجر بنيان الأكاسرة بالحيرة، وجعل الأسواق على شبه المساجد من سبق ~~إلى مقعد فهو له حتى يقوم منه إلى بيته أو ms0841 يفرغ من بيعه. وبلغ عمر أن سعدا ~~قال وقد سمع أصوات الناس من الأسواق: سكنوا عني الصويت؛ وأن الناس يسمونه ~~قصر سعد، فبعث محمد بن مسلمة إلى الكوفة وأمره أن يحرق باب القصر ثم يرجع، ~~ففعل، فبلغ سعدا ذلك فقال: هذا رسول أرسل لهذا، فاستدعاه سعد، فأبى أن يدخل ~~إليه، فخرج إليه سعد وعرض عليه نفقة، فلم يأخذ وأبلغه كتاب عمر إليه: ~~(وبلغني أنك اتخذت قصرا جعلته حصنا، ويسمى قصر سعد، بينك وبين الناس باب، ~~فليس بقصرك ولكنه قصر الخبال، انزل منه منزلا مما يلي بيوت الأموال وأغلقه ~~ولا نجعل على القصر بابا يمنع الناس من دخوله وتنفيهم به عن حقوقهم ~~ليوافقوا مجلسك ومخرجك من دارك إذا خرجت. فحلف له سعد ما قال الذي قالوا، ~~فرجع محمد فأبلغ عمر قول سعد، فصدقه. وكانت ثغور الكوفة أربعة: حلوان ~~وعليها القعقاع، وماسبذان وعليها ضرار ابن الخطاب، وفرقيسيا وعليها عمر بن ~~مالك، أو عمرو بن عتبة بن نوفل، والموصل وعليها عبد الله بن المعتم، وكان ~~بخا خلفاؤهم إذا غابوا عنها؛ وولي سعد الكوفة بعد ما اختطت ثلاث سنين ونصفا ~~سوى ما كان بالمدائن قبلها. ### || AUT ذكر خبر حمص حين قصد هرقل من بها من المسلمين # وفي هذه السنة قصد الروم أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين بحمص، ~~وكان المهيج للروم أهل الجزيرة، فإنهم أرسلوا إلى ملكهم وبعثوه على إرسال ~~الجنود إلى الشام ووعدوا من أنفسهم المعاونة، ففعل ذلك. فلما سمع المسلمون ~~باجتماعهم ضم أبو عبيدة إليه مسالحهم وعسكر بفناء مدينة حمص، وأقبل خالد من ~~قنسرين إليهم، فاستشارهم أبو عبيدة في المناجزة أو التحصين إلى مجيء ~~الغياث، فأشار خالد بالمناجزة، وأشار سائرهم بالتحصين ومكاتبة عمر، فأطاعهم ~~وكتب إلى عمر بذلك، وكان عمر قد اتخذ في كل مصر خيولا على قدره من فضول ~~أموال المسلمين عدة لكون إن كان، فكان بالكوفة من ذلك أربعة آلاف فرس، وكان ~~القيم عليها سلمان بن ربيعة الباهلي ونفر من أهل الكوفة، وفي كل مصر من ~~الأمصار الثمانية ms0842 على قدره، فإن تأتهم آتية ركبها الناس وساروا إلى أن ~~يتجهز الناس. فلما سمع عمر الخبر كتب إلى سعد: أن اندب الناس مع القعقاع بن ~~عمرو وسرحهم من يومهم الذي يأتيك فيه كتابي إلى حمص، فإن أبا عبيدة قد أحيط ~~به. وكتب إليه أيضا: سرح سهيل بن عدي إلى الرقة فإن أهل الجزيرة هم الذين ~~استثاروا الروم على أهل حمص، وأمره أن يسرح عبد الله بن عتبان إلى نصيبين، ~~ثم ليقصد حران والرهاء، وأن يسرح الوليد بن عقبة على عزب الجزيرة من ربيعة ~~وتنوخ، وأن يسرح عياض بن غنم، فإن كان قتال فأمرهم إلى عياض. فمضى القعقاع ~~في أربعة آلاف من يومهم إلى حمص، وخرج عياض ابن غنم وأمراء الجزيرة وأخذوا ~~طريق الجزيرة، وتوجه كل أمير إلى الكورة التي أمر عليها، وخرج عمر من ~~المدينة فأتى الجابية لأبي عبيدة مغيثا يريد حمص. PageV01P0438 # ولما بلغ أهل الجزيرة الذين أعانوا الروم على أهل حمص، وهم معهم، خبر ~~الجنود الإسلامية تفرقوا إلى بلادهم وفارقوا الروم، فلما فارقوهم استشار ~~أبو عبيدة خالدا في الخروج إلى الروم، فأشار به، فخرج إليهم فقاتلهم، ففتح ~~الله عليه، وقدم القعقاع بن عمرو بعد الوقعة بثلاثة أيام، فكتبوا إلى عمر ~~بالفتح وبقدوم المدد عليهم والحكم في ذلك، فكتب إليهم: أن اشركوهم فإنهم ~~نفروا إليكم وانفرق لهم عدوكم، وقال: جزى الله أهل الكوفة خيرا، يكفون ~~حوزتهم ويمدون أهل الأمصار. فلما فرغوا رجعوا. ### || AUT ذكر فتح الجزيرة وأرمينية # وفي هذه السنة فتحت الجزيرة. قد ذكرنا إرسال سعد العساكر إلى الجزيرة، ~~فخرج عياض بن غنم ومن معه فأرسل سهيل بن عدي إلى الرقة وقد ارفض أهل ~~الجزيرة عن حمص إلى كورهم حين سمعوا بأهل الكوفة، فنزل عليهم فأقام يحاصرهم ~~حتى صالحوه، فبعثوا في ذلك إلى عياض وهو في منزل وسط بين الجزيرة، فقبل ~~منهم وصالحهم، وصاروا ذمة، وخرج عبد الله بن عبد الله بن عتبان على الموصل ~~إلى نصيبين، فلقوه بالصلح وصنعوا كصنع أهل الرقة، فكتبوا إلى عياض فقبل ~~منهم وعقد لهم. ms0843 وخرج الوليد بن عقبة فقدم على عرب الجزيرة، فنهض معه مسلمهم ~~وكافرهم إلا إياد بن نزار فإنهم دخلوا أرض الروم، فكتب الوليد بذلك إلى ~~عمر. ولما أخذوا الرقة ونصيبين ضم عياض إليه سهيلا وعبد الله وسار بالناس ~~إلى حران، فلما وصل أجابه أهلها إلى الجزية فقبل منهم. ثم إن عياضا سرح ~~سهيلا وعبد الله إلى الرهاء فأجابوهما إلى الجزية وأجروا كل ما أخذوه من ~~الجزيرة عنوة مجرى الذمة، فكانت الجزيرة أسهل البلدان فتحا. ورجع سهيل وعبد ~~الله إلى الكوفة. وكتب أبو عبيدة إلى عمر بعد انصرافه من الجابية يسأله أن ~~يضم إليه عياض بن غنم إذا أخذ خالدا إلى المدينة، فصرفه إليه، فاستعمل حبيب ~~بن مسلمة على عجم الجزيرة وحربها، والوليد بن عقبة على عربها. فلما قدم ~~كتاب الوليد على عمر بمن دخل الروم من العرب كتب عمر إلى ملك الروم: بلغني ~~أن حيا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك، فوالله لتخرجنه إلينا أو ~~لنخرجن النصارى إليك. فأخرجهم ملك الروم، فخرج منهم أربعة آلاف وتفرق ~~بقيتهم في ما يلي الشام والجزيرة من بلاد الروم، فكل إيادي في أرض العرب من ~~أولئك الأربعة آلاف. وأبى الوليد ابن عقبة أن يقبل من تغلب إلا الإسلام، ~~فكتب فيهم إلى عمر، فكتب إليه عمر: إنما ذلك بجزيرة العرب لا يقبل منهم ~~فيها إلا الإسلام، فدعهم على أن لا ينصروا وليدا ولا يمنعوا أحدا منهم من ~~الإسلام. وكان في تغلب عز وامتناع، فهم بهم الوليد فخاف عمر أن يسطو عليهم ~~فعزله وأمر عليهم فرات بن حيان وهند بن عمرو الجملي. وقال ابن إسحاق: إن ~~فتح الجزيرة كان سنة تسع عشرة، وقال: إن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص: إذا ~~فتح الله على المسلمين الشام والعراق فابعث جندا إلى الجزيرة وأمر عليه ~~خالد بن عرفطة أو هاشم بن عتبة أو عياض بن غنم. قال سعد: ما أخر أمير ~~المؤمنين عياضا إلا لأن له فيه هوى أن أوليه وأنا موليه؛ فبعثه وبعث معه ~~جيشا فيه ms0844 أبو موسى الأشعري وابنه عمر بن سعد وهو غلام حدث السن ليس له من ~~الأمر شيء، فسار عياض ونزل بجنده على الرهاء، فصالحه أهله مصالحة حران على ~~الجزية، وبعث أبا موسى إلى نصيبين فافتتحها، وسار عياض بنفسه إلى دارا ~~فافتتحها، ووجه عثمان بن أبي العاص إلى أرمينية الرابعة فقاتل أهلها، ~~فاستشهد صفوان ابن المعطل، وصالح أهلها عثمان على الجزية. ثم كان فتح ~~قيسارية من فلسطين وهرب هرقل. فعلى هذا القول تكون الجزيرة من فتوح العراق، ~~والأكثر على أنها من فتوح أهل الشام، فإن أبا عبيدة سير عياض بن غنم إلى ~~الجزيرة. PageV01P0439 # وقيل: إن أبا عبيدة لما توفي استخلف عياضا فورد عليه كتاب عمر بولايته ~~حمص وقنسرين والجزيرة، فسار إلى الجزيرة سنة ثماني عشرة يوم الخميس للنصف ~~من شعبان في خمسة آلاف وعلى ميمنته سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي، وعلى ~~ميسرته صفوان بن المعطل، وعلى مقدمته هبيرة بن مسروق، فانتهت طليعة عياض ~~إلى الرقة فأغاروا على الفلاحين وحصروا المدينة، وبث عياض السرايا فأتوه ~~بالأسرى والأطعمة، وكان حصرها ستة أيام، فطلب أهلها الصلح، فصالحهم على ~~أنفسهم وذراريهم وأموالهم ومدينتهم، وقال عياض: الأرض لنا قد وطئناها ~~وملكناها، فأقرها في أيديهم على الخراج ووضع الجزية. ثم سار إلى حران فجعل ~~عليها عسكرا يحصرها عليهم صفوان بن المعطل وحبيب بن مسلمة وسار هو إلى ~~الرهاء، فقاتله أهلها ثم انهزموا وحصرهم المسلمون في مدينتهم، فطلب أهلها ~~الصلح فصالحهم، وعاد إلى حران فوجد صفوان وحبيبا قد غلبا على حصون وقرى من ~~أعمال حران فصالحه أهلها على مثل صلح الرهاء. وكان عياض يغزو ويعود إلى ~~الرهاء، وفتح سميساط وأتى سروج ورأس كيفاء والأرض البيضاء فصالحه أهلها على ~~صلح الرهاء. ثم إن أهل سميساط غدروا، فرجع إليهم عياض فحاصرهم حتى فتحها، ~~ثم أتى قريات على الفرات، وهي جسر منبج وما يليها، ففتحها وسار إلى رأس ~~عين، وهي عين الوردة، فامتنعت عليه وتركها وسار إلى تل موزن، ففتحها على ~~صلح الرهاء سنة تسع عشرة، وسار إلى آمد فحصرها، فقاتله ms0845 أهلها ثم صالحوه على ~~صلح الرهاء، وفتح ميافارقين على مثل ذلك، وحصن كفرتوثا، فسار إلى نصيبين ~~فقاتله أهلها ثم صالحوه على مثل صلح الرهاء، وفتح طور عبدين وحصن ماردين، ~~ودارا على مثل ذلك، وفتح قردى وبازبدى على مثل صلح نصيبين وقصد الموصل ففتح ~~أحد الحصنين، وقيل: لم يصل إليها، وأتاه بطريق الزوزان فصالحه، ثم سار إلى ~~أرزن ففتحها، ودخل الدرب فأجازه إلى بدليس وبلغ خلاط فصالحه بطريقهما، ~~وانتهى إلى العين الحامضة من أرمينية، ثم عاد إلى الرقة ومضى إلى حمص وقد ~~كان عمر ولاه إياها فمات سنة عشرين. واستعمل عمر سعيد بن عامر بن حذيم، فلم ~~يلبث إلا قليلا حتى مات، فاستعمل عمير بن سعد الأنصاري، ففتح رأس عين بعد ~~قتال شديد. وقيل: إن عياضا أرسل عمير بن سعد إلى رأس عين ففتحها بعد أن ~~اشتد قتاله عليها. وقيل: إن عمر أرسل أبا موسى الأشعري إلى رأس عين بعد ~~وفاة عياض. وقيل: إن خالد بن الوليد حضر فتح الجزيرة مع عياض ودخل حماما ~~بآمد فاطلى بشيء فيه خمر فعزله عمر. وقيل: إن خالدا لم يسر تحت لواء أحد ~~غير أبي عبيدة. والله أعلم. ولما فتح عياض سميساط بعث حبيب بن مسلمة إلى ~~ملطية ففتحها عنوة، ثم نقض أهلها الصلح، فلما ولي معاوية الشام والجزيرة ~~وجه إليها حبيب ابن مسلمة أيضا ففتحها عنوة ورتب فيها جندا من المسلمين مع عاملها. ### || AUT ذكر عزل خالد بن الوليد # في هذه السنة، وهي سنة سبع عشرة، عزل خالد بن الوليد عما كان عليه من ~~التقدم على الجيوش والسرايا. وسبب ذلك أنه كان أدرب هو وعياض بن غنم فأصابا ~~أموالا عظيمة، وكانا توجها من الجابية مرجع عمر إلى المدينة، وعلى حمص أبو ~~عبيدة وخالد تحت يده على قنسرين، وعلى دمشق يزيد، وعلى الأردن معاوية، وعلى ~~فلسطين علقمة بن مجزز، وعلى الساحل عبد الله بن قيس، فبلغ الناس ما أصاب ~~خالد فانتجعه رجال، وكان منهم الأشعث بن قيس، فأجازه بعشرة آلاف. ودخل خالد ~~الحمام فتدلك بغسل ms0846 فيه خمر، فكتب إليه عمر: بلغني أنك تدلكت بخمر، وإن الله ~~قد حرم ظاهر الخمر وباطنه ومسه فلا تمسوها أجسادكم. فكتب إليه خالد: إنا ~~قتلناها فعادت غسولا غير خمر. فكتب إليه عمر: إن آل المغيرة ابتلوا بالجفاء ~~فلا أماتكم الله عليه. PageV01P0440 # فلما فرق خالد في الذين انتجعوه الأموال سمع بذلك عمر بن الخطاب، وكان لا ~~يخفى عليه شيء من عمله، فدعا عمر البريد فكتب معه إلى أبي عبيدة أن يقيم ~~خالدا ويعقله بعمامته وينزع عنه قلنسوته حتى يعلمكم من أين أجاز الأشعث، ~~أمن ماله أم من مال إصابة أصابها، فإن زعم أنه فرقه من إصابة أصابها فقد ~~أقر بخيانة، وإن زعم أنه من ماله فقد أسرف، واعزله على كل حال واضمم إليك ~~عمله. فكتب أبو عبيدة إلى خالد، فقدم عليه، ثم جمع الناس وجلس لهم على ~~المنبر، فقام البريد فسأل خالدا من أين أجاز الأشعث، فلم يجبه، وأبو عبيدة ~~ساكت لا يقول شيئا، فقام بلال فقال: إن أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا، ~~ونزع عمامته، فلم يمنعه سمعا وطاعة، ووضع قلنسوته، ثم أقامه فعقله بعمامته ~~وقال: من أين أجزت الأشعث، من مالك أجزت أم من إصابة أصبتها؟ فقال: بل من ~~مالي؛ فأطلقه وأعاد قلنسوته ثم عممه بيده ثم قال: نسمع ونطيع لولاتنا ونفخم ~~ونخدم موالينا. قال: وأقام خالد متحيرا لا يدري أمعزول أم غير معزول، ولا ~~يعلمه أبو عبيدة بذلك تكرمة وتفخمة. فلما تأخر قدومه على عمر ظن الذي كان، ~~فكتب إلى خالد بالإقبال إليه، فرجع إلى قنسرين فخطب الناس وودعهم ورجع إلى ~~حمص فخطبهم ثم سار إلى المدينة، فلما قدم على عمر شكاه وقال: قد شكوتك إلى ~~المسلمين، فبالله إنك في أمري لغير مجمل. فقال له عمر: من أين هذا الثراء؟ ~~قال: من الأنفال والسهمان، ما زاد على ستين ألفا فلك، فقوم عمر ماله فزاد ~~عشرين ألفا فجعلها في بيت المال ثم قال: يا خالد والله إنك علي لكريم وإنك ~~إلي لحبيب ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء. وكتب ms0847 إلى الأمصار: إني لم أعزل ~~خالدا عن سخطة ولا خيانة ولكن الناس فخموه وفتنوا به فخفت أن يوكلوا إليه، ~~فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع وأن لا يكونوا بعرض فتنة. وعوضه عما أخذ منه. ### || AUT ذكر بناء المسجد الحرام والتوسعة فيه # وفيها، أعني سنة سبع عشرة، اعتمر عمر بن الخطاب وبنى المسجد الحرام ووسع ~~فيه، وأقام بمكة عشرين ليلة، وهدم على قوم أبوا أن يبيعوا، ووضع أثمان ~~دورهم في بيت المال حتى أخذوها، وكانت عمرته في رجب، واستخلف على المدينة ~~زيد بن ثابت، وأمر بتجديد أنصاب الحرم، فأمر بذلك مخرمة بن نوفل والأزهر بن ~~عبد عوف وحويطب بن عبد العزى وسعيد ابن يربوع، واستأذنه أهل المياه في أن ~~يبنوا منازل بين مكة والمدينة، فأذن لهم وشرط عليهم أن ابن السبيل أحق ~~بالظل والماء. وفيها تزوج عمر أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وهي ابنة ~~فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ودخل بها في ذي القعدة. ### || AUT ذكر غزوة فارس من البحرين # قيل: كان عمر يقول لما أخذت الأهواز وما يليها: وددت أن بيننا وبين فارس ~~جبلا من نار لا نصل إليهم منه ولا يصلون إلينا. وقد كان العلاء بن الحضرمي ~~على البحرين أيام أبي بكر فعزله عمر وجعل موضعه قدامة بن مظعون، ثم عزل ~~قدامة وأعاد العلاء يناوىء سعد بن أبي وقاص، ففاز العلاء في قتال أهل الردة ~~بالفضل، فلما ظفر سعد بأهل القادسية وأزاح الأكاسرة جاء بأعظم مما فعله ~~العلاء، فأراد العلاء أن يصنع في الفرس شيئا ولم ينظر في الطاعة والمعصية، ~~وقد كان عمر نهاه عن الغزو في البحر ونهى غيره أيضا اتباعا لرسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، وأبي بكر وخوف الغرر. فندب العلاء الناس إلى فارس فأجابوه، ~~وفرقهم، أجنادا، على أحدها الجارود بن المعلى، وعلى الآخر سوار بن همام، ~~وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوى، وخليد على جميع الناس، وحملهم في البحر ~~إلى فارس بغير إذن، فعبرت الجنود من البحرين إلى ms0848 فارس، فخرجوا إلى إصطخر ~~وبإزائهم أهل فارس وعليهم الهربذ، فجالت الفرس بين المسلمين وبين سفنهم، ~~فقام خليد في الناس فخطبهم ثم قال: (أما بعد فإن القوم لم يدعوكم إلى حربهم ~~وإنما جئتم لمحاربتهم والسفن والأرض لمن غلب، ف (استعينوا بالصبر والصلاة ~~وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) البقرة:النبي، صلى الله عليه وسلمقال: (. ~~فأجابوه إلى ذلك ثم صلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا بمكان يدعى ~~طاووس فقتل سوار والجارود. وكان خليد قد أمر أصحابه أن يقاتلوا رجالة ~~ففعلوا من أهل فارس مقتلة عظيمة، ثم خرجوا يريدون البصرة ولم يجدوا في ~~البحر سبيلا، وأخذت الفرس منهم طرقهم فعسكروا وامتنعوا. PageV01P0441 # ولما بلغ عمر صنيع العلاء أرسل إلى عتبة بن غزوان يأمره بإنفاذ جند كثيف ~~إلى المسلمين بفارس قبل أن يهلكوا، وقال: (فإني قد ألقي في روعي كذا وكذا) ~~نحو الذي كان، وأمر العلاء بأثقل الأشياء عليه، تأمير سعد عليه. فشخص ~~العلاء إلى سعد بمن معه، وأرسل عتبة جيشا كثيفا في اثني عشر ألف مقاتل فيهم ~~عاصم بن عمرو وعرفجة بن هرثمة والأحنف بن قيس وغيرهم، فخرجوا على البغال ~~يجنبون الخيل وعليهم أبو سبرة بن أبي رهم أحد بني عامر بن لؤي، فسار بالناس ~~وساحل بهم لا يعرض له أحد حتى التقى أبو سبرة وخليد بحيث أخذ عليهم الطريق ~~عقيب وقعة طاووس، وإنما كان ولي قتالهم أهل إصطخر وحدهم ومن شذ من غيرهم، ~~وكان أهل إصطخر حيث أخذوا الطريق على المسلمين، فجمعوا أهل فارس عليهم ~~فجاؤوا من كل جهة فالتقوا هم وأبو سبرة بعد طاووس وقد توافت إلى المسلمين ~~أمدادهم، وعلى المشركين شهرك، فاقتتلوا ففتح الله على المسلمين وقتل ~~المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاؤوا، وهي الغزوة التي شرفت فيها نابتة ~~البصرة، وكانوا أفضل نوابت الأمصار، ثم انكفأوا بما أصابوا، وكان عتبة كتب ~~إليهم بالحث وقلة العرجة، فرجعوا إلى البصرة سالمين. ولما أحرز عتبة ~~الأهواز وأوطأ فارس استأذن عمر في الحج فأذن له، فلما قضى حجة استعفاه فأبى ~~أن يعفيه وعزم عليه ليرجعن إلى ms0849 عمله، فدعا الله ثم انصرف، فمات في بطن نخلة ~~فدفن، وبلغ عمر موته فمر به زائرا لقبره وقال: أنا قتلتك لولا أنه أجل ~~معلوم وكتاب مرقوم. وأثنى عليه خيرا ولم يختط فيمن اختط من المهاجرين، ~~وإنما ورث ولده منزلهم من فاختة بنت غزوان، وكانت تحت عثمان بن عفان، وكان ~~حباب مولاه قد لزم شيمته فلم يختط، ومات عتبة بن غزوان على رأس ثلاث سنين ~~من مفارقة سعد بالمدائن، وذلك بعد أن استنفذ الجند الذين بفارس ونزولهم ~~البصرة، واستخلف على الناس أبا سبرة ابن أبي رهم بالبصرة، فأقره عمر بقية ~~السنة، ثم استعمل المغيرة بن شعبة عليها، فلم ينتقض عليه أحد ولم يحدث شيئا ~~إلا ما كان بينه وبين أبي بكر. ثم استعمل أبا موسى على البصرة، ثم صرف إلى ~~الكوفة، ثم استعمل عمر ابن سراقة، ثم صرف ابن سراقة إلى الكوفة من البصرة، ~~وصرف أبو موسى من الكوفة إلى البصرة، فعمل عليها ثانية. وقد تقدم ذكر ولاية ~~عتبة بن غزوان البصرة والاختلاف فيها سنة أربع عشرة. ### || AUT ذكر عزل المغيرة عن البصرة # ### || AUT وولاية أبي موسى # في هذه السنة عزل عمر المغيرة بن شعبة عن البصرة واستعمل عليها أبا موسى ~~وأمره أن يشخص إليه المغيرة بن شعبة في ربيع الأول؛ قاله الواقدي. وكان سبب ~~عزله أنه كان بين أبي بكرة والمغيرة بن شعبة منافرة، وكانا متجاورين بينهما ~~طريق، وكانا في مشربتين في كل واحدة منهما كوة مقابلة الأخرى، فاجتمع إلى ~~أبي بكرة نفر يتحدثون في مشربته، فهبت الريح ففتحت باب الكوة، فقام أبو ~~بكرة ليسده فبصر بالمغيرة وقد فتحت الريح باب كوة مشربته وهو بين رجلي ~~امرأة، فقال للنفر: قوموا فانظروا. فقاموا فنظروا، وهم أبو بكرة ونافع بن ~~كلدة وزياد بن أبيه، وهو أخو أبي بكرة لأمه، وشبل بن معبد البجلي، فقال ~~لهم: اشهدوا، قالوا: ومن هذه؟ قال: أم جميل بن الأفقم، وكانت من بني عامر ~~بن صعصعة، وكانت تغشي المغيرة والأمراء والأشراف، وكان بعض النساء يفعلن ~~ذلك في زمانها، ms0850 فلما قامت عرفوها. فلما خرج المغيرة إلى الصلاة منعه أبو ~~بكرة وكتب إلى عمر بذلك، فبعث عمر أبا موسى أميرا على البصرة وأمره بلزوم ~~السنة، فقال: أعني بعدة من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإنهم في ~~هذه الأمة كالملح لا يصلح الطعام إلا به. قال له: خذ من أحببت. فأخذ معه ~~تسعة وعشرين رجلا، منهم: أنس بن مالك وعمران بن حصين وهشام بن عامر، وخرج ~~معهم فقدم البصرة فدفع الكتاب بإمارته إلى المغيرة، وهو أوجز كتاب وأبلغه: ~~(أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى أميرا، فسلم إليه ما في يدك ~~والعجل). فأهدى إليه المغيرة وليدة تسمى عقيلة. PageV01P0442 # ورحل المغيرة ومعه أبو بكرة والشهود، فقدموا على عمر، فقال له المغيرة: ~~سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني أمستقبلهم أم مستدبرهم، وكيف رأوا المرأة أو ~~عرفوها، فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر، أو مستدبري فبأي شيء استحلوا ~~النظر إلي في منزلي على امرأتي؟ والله أتيت إلا امرأتي! وكانت تشبهها. فشهد ~~أبو بكرة أنه رآه على أم جميل يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة وأنه رآهما ~~مستدبرين، وشهد شبل ونافع مثل ذلك. وأما زياد فإنه قال: رأيته جالسا بين ~~رجلي امرأة فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان واستين مكشوفتين وسمعت حفزا شديدا. ~~قال: هل رأيت كالميل في المكحلة؟ قال: لا. قال: هل تعرف المرأة؟ قال: لا ~~ولكن أشبهها. قال: فتنح. وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد. فقال المغيرة: اشفني ~~من الأعبد. قال: اسكت أسكت الله نأمتك، أما والله لو تمت لرجمتك بأحجارك! ### || AUT ذكر الخبر عن فتح الأهواز ومناذر ونهر تيرى # وفي هذه السنة فتحت الأهواز ومناذر ونهر تيرى، وقيل: كانت سنة عشرين. ~~وكان السبب في هذا الفتح أنه لما انهزم الهرمان يوم القادسية، وهو أحد ~~البيوتات السبعة في أهل فارس، وكانت أمته منهم مهرجانقذق وكور الأهواز، ~~فلما انهزم قصد خوزستان فملكها وقاتل بها من أرادهم، فكان الهرمزان يغير ~~على أهل ميسان ودستميسان من مناذر ونهر تيرى. فاستمد عتبة بن غزوان سعدا ~~فأمده بنعيم بن مقرن ms0851 ونعيم بن مسعود وأمرهما أن يأتيا أعلى ميسان ودستميسان ~~حتى يكونا بينهم وبين نهر تيرى، ووجه عتبة ابن غزوان سلمى بن القين وحرملة ~~بن مريطة، وكانا من المهاجرين مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهما من ~~بني العدوية من بني حنظلة، فنزلا على حدود ميسان ودستميسان بينهم وبين ~~مناذر، ودعوا بني العم، فخرج إليهم غالب الوائلي وكليب بن وائل الكليبي ~~فتركا نعيما ونعيما وأتيا سلمى وحرملة وقالا: أنتما من العشيرة وليس لكما ~~منزل، فإذا كان يوم كذا وكذا فانهدا للهرمزان، فإن أحدنا يثور بمناذر ~~والآخر بنهر تيرى فنقتل المقاتلة ثم يكون وجهنا إليكم، فليس دون الهرمزان ~~شيء إن شاء الله. ورجعا وقد استجابا واستجاب قومهما بنو العم بن مالك، ~~وكانوا ينزلون خوزستان قبل الإسلام، فأهل البلاد يأمنونهم. فلما كان تلك ~~الليلة ليلة الموعد بين سلمى وحرملة وغالب وكليب، وكان الهرمزان يومئذ بين ~~نهر تيرى وبين دلث وخرج سلمى وحرملة صبيحتهما في تعبئة وأنهضا نعيما ومن ~~معه فالتقوا هم والهرمزان بين دلث ونهر تيرى، وسلمى بن القين على أهل ~~البصرة، ونعيم بن مقرن على أهل الكوفة، فاقتتلوا. فبينا هم على ذلك أقبل ~~مدد من قبل غالب وكليب، وأتى الهرمزان الخبر بأن مناذر ونهر تيرى قد أخذا، ~~فكسر ذلك قلب الهرمزان ومن معه وهزمه الله وإياهم، فقتل المسلمون منهم ما ~~شاؤوا وأصابوا ما شاؤوا واتبعوهم حتى وقفوا على شاطىء دجيل وأخذوا ما دونه ~~وعسكروا بحيال سوق الأهواز، وعبر الهرمزان جسر سوق الأهواز وأقام بها، وصار ~~دجيل بين الهرمزان والمسلمين. فلما رأى الهرمزان ما لا طاقة له به طلب ~~الصلح، فاستأمروا عتبة، فأجاب إلى ذلك على الأهواز كلها ومهرجانقذق ما خلا ~~نهر ترى ومناذر وما غلبوا عليه من سوق الأهواز فإنه لا يرد عليهم، وجعل ~~سلمى على مناذر مسلحة وأمرها إلى غالب، وحرملة على نهر تيرى وأمرها إلى ~~كليب، فكانا على مسالح البصرة. وهاجرت طوائف من بني العم فنزلوا البصرة. ~~PageV01P0443 # ووفد عتبة وفدا إلى عمر، منهم: سلمى وجماعة من أهل البصرة، فأمرهم ms0852 عمر أن ~~يرفعوا حوائجهم، فكلمهم قال: أما العامة فأنت صاحبها، وطلبوا لأنفسهم، إلا ~~ما كان من الأحنف بن قيس فإنه قال: يا أمير المؤمنين إنك كما ذكروا، ولقد ~~يعزب عنك ما يحق علينا إنهاؤه إليك مما فيه صلاح العامة، وإنما ينظر الوالي ~~فيما غاب عنه بأعين أهل الخبر ويسمع بآذانهم، فإن إخواننا من أهل الكوفة ~~نزلوا في مثل حدقة البعير الغاسقة من العيون العذاب والجنان الخصاب فتأتيهم ~~ثمارهم ولم يحصدوا، وإنا معشر أهل البصرة نزلنا سبخة هشاشة وعقة نشاشة، طرف ~~لها في الفلاة وطرف لها في البحر الأجاج، يجري إليها ما جرى في مثل مريء ~~النعامة، دارنا فعمة، وطبقتنا مضيقة، وعددنا كثير، وأشرافنا قليل، وأهل ~~البلاء فينا كثير، درهمنا كبير، وقفيزنا صغير، وقد وسع الله علينا وزادنا ~~في أرضنا، فوسع علينا يا أمير المؤمنين وزدنا طبقة تطوف علينا ونعيش بها. ~~فلما سمع عمر قوله أحسن إليهم وأقطعهم مما كان فيئا لأهل كسرى وزادهم، ثم ~~قال: هذا الفتى سيد أهل البصرة. وكتب إلى عتبة فيه بأن يسمع منه ويرجع إلى ~~رأيه، وردهم إلى بلدهم. وبينا الناس على ذلك من ذمتهم مع الهرمزان وقع بين ~~الهرمزان وغالب وكليب في حدود الأرضين اختلاف، فحضر سلمى وحرملة لينظرا ~~فيما بينهم فوجدا غالبا وكليبا محقين والهرمزان مبطلا فحالا بينهما وبينه، ~~فكفرا الهرمزان ومنع ما قبله واستعان بالأكراد وكف جنده، وكتب سلمى ومن معه ~~إلى عتبة بذلك، فكتب عتبة إلى عمر، فكتب إليه عمر يأمره بقصده، وأمد ~~المسلمين بحرقوص بن زهير السعدي، كانت له صحبة من رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وأمره على القتال وعلى غلب عليه. وسار الهرمزان ومن معه وسار ~~المسلمون إلى جسر سوق الأهواز وأرسلوا إليه: إما أن تعبر إلينا أو نعبر ~~إليكم. فقال: اعبروا إلينا. فعبروا فوق الجسر فاقتتلوا مما يلي سوق ~~الأهواز، فانهزم الهرمزان وسار إلى رامهرمز، وفتح حرقوص سوق الأهواز ونزل ~~بها واتسعت له بلادها إلى تستر، ووضع الجزية، وكتب بالفتح إلى عمر وأرسل ~~إليه الأخماس. ### || AUT ذكر صلح ms0853 الهرمزان # ### || AUT وأهل تستر مع المسلمين # وفي هذه السنة فتحت تستر، وقيل: سنة ست عشرة، وقيل: سنة تسع عشرة. قيل: ~~ولما انهزم الهرمزان يوم سوق الأهواز وافتتحها المسلمون بعث حرقوص جزء بن ~~معاوية في أثره بأمر عمر إلى سوق الأهواز، فما زال يقتلهم حتى انتهى إلى ~~قرية الشعر وأعجزه الهرمزان، فمال جزء إلى دورق، وهي مدينة سرق، فأخذها ~~صافية ودعا من هرب إلى الجزية، فأجابوه، وكتب إلى عمر وعتبة بذلك، فكتب عمر ~~إلى حرقوص وإليه بالمقام فيما غلبا عليه حتى يأمرهما بأمره، فعمر جزء ~~البلاد وشق الأنهار وأحيا الموات. وراسلهم الهرمزان يطلب الصلح، فأجاب عمر ~~إلى ذلك وأن يكون ما أخذه المسلمون بأيديهم، ثم اصطلحوا على ذلك، وأقام ~~الهرمزان والمسلمون يمنعونه إذا قصده الأكراد ويجيء إليهم. ونزل حرقوص جبل ~~الأهواز، وكان يشق على الناس الاختلاف إليه، فبلغ ذلك عمر فكتب إليه يأمره ~~بنزول السهل وأن لا يشق على مسلم ولا معاهد ولا تدركك فترة ولا عجلة فتكدر ~~دنياك وتذهب آخرتك. وبقي حرقوص إلى يوم صفين، وصار حروريا وشهد النهروان مع الخوارج. ### || AUT ذكر فتح رامهرمز وتستر # ### || AUT وأسر الهرمزان # قيل: كان فتح رامهرمز وتستر والسوس في سنة سبع عشرة، وقيل: سنة تسع ~~عشرة، وقيل: سنة عشرين. وكان سبب فتحها أن يزدجرد لم يزل وهو بمرو يثير أهل ~~فارس أسفا على ما خرج من ملكهم، فتحركوا وتكاتبوا هم وأهل الأهواز وتعاقدوا ~~على النصرة، فجاءت الأخبار حرقوص بن زهير وجزءا وسلمى وحرملة، فكتبوا إلى ~~عمر بالخبر، فكتب عمر إلى سعد وهو بالكوفة: أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا ~~مع النعمان بن مقرن وعجل فلينزلوا بإزاء الهرمزان ويتحققوا أمره. وكتب إلى ~~أبي موسى: أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا وأمر عليهم سهل ابن عدي أخا سهيل ~~وابعث معه البراء بن مالك ومجزأة بن ثور وعرفجة بن هرثمة وغيرهم، وعلى أهل ~~الكوفة والبصرة جميعا أبو سبرة بن أبي رهم. PageV01P0444 # فخرج النعمان بن مقرن في أهل الكوفة فسار إلى الأهواز على البغال يجنبون ~~الخيل، فخلف ms0854 حرقوصا وسلمى وحرملة وسار نحو الهرمزان وهو برامهرمز. فلما سمع ~~الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره الشدة ورجا أن يقتطعه ومعه أهل فارس، ~~فالتقى النعمان والهرمزان بأربك فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن الله، عز وجل، ~~هزم الهرمزان فترك رامهرمز ولحق بتستر، وسار النعمان إلى رامهرمز ونزلها ~~وصعد إلى إيذج، فصالحه تيرويه على إيذج ورجع إلى رامهرمز فأقام بها. ووصل ~~أهل البصرة فنزلوا سوق الأهواز وهم يريدون رامهرمز، فأتاهم خبر الوقعة وهم ~~بسوق الأهواز، وأتاهم الخبر أن الهرمزان قد لحق بتستر، فساروا نحوه وسار ~~النعمان أيضا وسار حرقوص وسلمى وحرملة وجزء فاجتمعوا على تستر وبها ~~الهرمزان وجنوده من أهل فارس والجبال والأهواز في الخنادق، وأمدهم عمر بأبي ~~موسى وجعله على أهل البصرة، وعلى الجميع أبو سبر، فحاصروهم أشهرا وأكثروا ~~فيهم القتل، وقتل البراء بن مالك، وهو أخو أنس بن مالك، في ذلك الحصار إلى ~~الفتح مائة مبارزة سوى من قتل في غير ذلك، وقتل مثله مجزأة بن ثور وكعب بن ~~ثور وعدة من أهل البصرة وأهل الكوفة، وزاحفهم المشركون أيام تستر ثمانين ~~زحفا يكون لهم مرة ومرة عليهم. فلما كان في آخر زحف منها واشتد القتال قال ~~المسلمون: يا براء أقسم على ربك ليهزمنهم لنا. قال: اللهم اهزمهم لنا ~~واستشهدنين وكان مجاب الدعوة، فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم ثم اقتحموها ~~عليهم ثم دخلوا مدينتهم وأحاط بها المسلمون. فبينما هم على ذلك وقد ضاقت ~~المدينة بهم وطالت حربهم خرج رجل إلى النعمان يستأمنه على أن يدله على مدخل ~~يدخلون منه، ورمى في ناحية أبي موسى بسهم: إن آمنتموني دللتكم على مكان ~~تأتون المدينة منه. فآمنوه في نشابة. فرمى إليهم بأخرى وقال: انهدوا من قبل ~~مخرج الماء فإنكم تقتحمونها. فندب الناس إليه فانتدب له عامر بن عبد قيس ~~وبشر كثير ونهدوا لذلك المكان ليلا، وقد ندب النعمان أصحابه ليسيروا مع ~~الرجل الذي يدلهم على المدخل إلى المدينة، فانتدب له بشر كثير، فالتقوا هم ~~وأهل البصرة على ذلك المخرج، فدخلوا في السرب والناس من خارج. فلما ms0855 دخلوا ~~المدينة كبروا فيها وكبر المسلمون من خارج وفتحت الأبواب فاجتلدوا فيها ~~فأناموا كل مقاتل، وقصد الهرمزان القلعة فتحصن وأطاف به الذين دخلوا، فنزل ~~إليهم على حكم عمر، فأوثقوه واقتسموا ما أفاء الله عليهم، فكان سهم الفارس ~~ثلاثة آلاف، وسهم الراجل ألفا. وجاء صاحب الرمية والرجل الذي خرج بنفسه ~~فآمنوهما ومن أغلق معهما. وقتل من المسلمين تلك الليلة بشر كثير، وممن قتل ~~الهرمزان بنفسه مجزأة بن ثور والبراء بن مالك. وخرج أبو سبرة بنفسه في أثر ~~المنهزمين إلى السوس ونزل عليها ومعه النعمان بن مقرن وأبو موسى، وكتبوا ~~إلى عمر فكتب إلى أبي موسى بردة إلى البصرة، وهي المرة الثالثة، فانصرف ~~إليها على السوس. وسار زر بن عبد الله بن كليب الفقيمي إلى جند يسابور فنزل ~~عليها، وهو من الصحابة، وأمر عمر على جند البصرة المقترب، وهو الأسود بن ~~ربيعة أحد بني ربيعة بن مالك، وهو صحابي أيضا، وكانا مهاجرين، وكان الأسود ~~قد وفد على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: جئت لأقترب إلى الله ~~بصحبتك، فسماه المقترب. وأرسل أبو سبرة وفدا إلى عمر بن الخطاب فيهم أنس بن ~~مالك والأحنف ابن قيس ومعهم الهرمزان، فقدموا به المدينة وألبسوه كسوته من ~~الديباج الذي فيه الذهب وتاجه، وكان مكللا بالياقوت، وحليته ليراه عمر ~~والمسلمون، فطلبوا عمر فلم يجدوه، فسألوا عنه فقيل: جلس في المسجد لوفد من ~~الكوفة، فوجدوه في المسجد متوسدا برنسه، وكان قد لبسه للوفد، فلما قاموا ~~عنه توسده ونام، فجلسوا دونه وهو نائم والدرة في يده، فقال الهرمزان: أين ~~عمر؟ قالوا: هو ذا. فقال: أين حرسه وحجابه؟ قالوا: ليس له حارس ولا حاجب ~~ولا كاتب. قال: فينبغي أن يكون نبيا. قالوا: بل يعمل بعمل الأنبياء. ~~PageV01P0445 # فاستيقظ عمر بجلبة الناس فاستوى جالسا ثم نظر إلى الهرمزان، فقال: ~~الهرمزان؟ قالوا: نعم. فقال: الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وغيره ~~أشباهه! فأمر بنزع ما عليه، فنزعوه وألبسوه ثوبا صفيقا، فقال له عمر: يا ~~هرمزان، كيف رأيت عاقبة الغدر وعاقبة أمر الله؟ ms0856 فقال: يا عمر، إنا وإياكم ~~في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم، فلما كان الآن معكم ~~غلبتمونا فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا. ثم قال ~~له: ما حجتك وما عذرك في انتفاضك مرة بعد أخرى؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل ~~أن أخبرك. قال: لا تخف ذلك، واستسقى ماء فأتي به في قدح غليظ، فقال: لو مت ~~عطشا لم أستطع أن أشرب في مثل هذا! فأتي به في إناء يرضاه، فقال: إني أخاف ~~أن أقتل وأن أشرب. فقال عمر: لابأس عليك حتى تشربه، فأكفأه، فقال عمر: ~~أعيدوا عليه ولا تجمعوا عليه بين القتل والعطش. فقال: لا حاجة لي في الماء، ~~إنما أردت أن أستأمن به. فقال عمر له: إني قاتلك. فقال: قد آمنتني. فقال: ~~كذبت. قال أنس: صدق يا أمير المؤمنين، قد آمنته. قال عمر: يا أنس، أنا أؤمن ~~قاتل مجزأة بن ثور والبراء بن مالك! والله لتأتين بمخرج أو لأعاقبنك. قال: ~~قلت له: لابأس عليك حتى تخبرني ولابأس عليك حتى تشربه. وقال له من حوله مثل ~~ذلك. فأقبل على الهرمزان وقال: خدعتني، والله لا أنخدع إلا أن تسلم. فأسلم، ~~ففرض له في ألفين وأنزله المدينة؛ وكان المترجم بينهما المغيرة بن شعبة، ~~وكان يفقه شيئا من الفارسية، إلى أن جاء المترجم. وقال عمر للوفد: لعل ~~المسلمين يؤذون أهل الذمة فلهذا ينتقضون بكم؟ قالوا: ما نعلم إلا وفاء. ~~قال: فكيف هذا؟ فلم يشفه أحد منهم، إلا أن الأحنف قال له: يا أمير المؤمنين ~~إنك نهيتنا عن الانسياح في البلاد وإن ملك فارس بين أظهرهم ولا يزالون ~~يقاتلوننا ما دام ملكهم فيهم، ولم يجتمع ملكان متفقان حتى يخرج أحدهما ~~صاحبه، وقد رأيت أنا لم نأخذ شيئا بعد شيء إلا بانبعاثهم وغدرهم، وأن ملكهم ~~هو الذي يبعثهم، ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا بالانسياح فنسيح في ~~بلادهم ونزيل ملكهم، فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس. فقال: صدقتني والله! ونظر ~~في حوائجهم وسرحهم. وأتى عمر الكتاب باجتماع أهل نهاوند فأذن في ms0857 الانسياح ~~في بلاد الفرس. وقتل محمد بن جعفر بن أبي طالب شهيدا على تستر في قول ~~بعضهم. أربك بفتح الهمزة، وسكون الراء، وضم الباء الموحدة، وفي آخره كاف: ~~موضع عند الأهواز. ### || AUT ذكر فتح السوس # قيل: ولما نزل أبو سبر على السوس وبها شهريار أخو الهرمزان أحاط ~~المسلمون بها وناوشوهم القتال مرات، كل ذلك يصيب أهل السوس في المسلمين، ~~فأشرف عليهم الرهبان والقسيسون فقالوا: يا معشر العرب إن مما عهد إلينا ~~علماؤنا أنه لا يفتح السوس إلا الدجال أو قوم فيهم الدجال، فإن كان فيكم ~~فستفتحونها. وسار أبو موسى إلى البصرة من السوس وصار مكانه على أهل البصرة ~~بالسوس المقترب بن ربيعة، واجتمع الأعاجم بنهاوند، والنعمان على أهل الكوفة ~~محاصرا أهل السوس مع أبي سبرة، وزر محاصرا أهل جند يسابور. فجاء كتاب عمر ~~بصرف النعمان إلى أهل نهاوند من وجهه ذلك، فناوشهم القتال قبل مسيره، فصاح ~~أهلها بالمسلمين وناوشوهم وغاظوهم، وكان صافي بن صياد مع المسلمين في خيل ~~النعمان، فأتى صافي باب السوس فدقه برجله فقال: انفتح بظار! وهو غضبان، ~~فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق وتفتحت الأبواب ودخل المسلمون وألقى ~~المشركون بأيديهم ونادوا: الصلح الصلح. فأجابهم إلى ذلك المسلمون بعدما ~~دخلوها عنوة، واقتسموا ما أصابوا. ثم افترقوا فسار النعمان حتى أتى نهاوند، ~~وسار المقترب حتى نزل على جنديسابور مع زر. وقيل لأبي سبرة: هذا جسد دانيال ~~في هذه المدينة. قال: وما علي بذلك! فأقره في أيديهم. PageV01P0446 # وكان دانيال قد لزم نواحي فارس بعد بخت نصر. فلما حضرته الوفاة ولم ير ~~أحدا على الإسلام أكرم كتاب الله عمن لم يجبه فقال لابنه: أئت ساحل البحر ~~فاقذف بهذا الكتاب فيه، فأخذه الغلام وغاب عنه وعاد وقال له: قد فعلت. قال: ~~ما صنع البحر؟ قال: ما صنع شيئا. فغضب وقال: والله ما فعلت الذي أمرتك به! ~~فخرج من عنده وفعل فعلته الأولى. فقال: كيف رأيت البحر صنع؟ قال: ماج ~~واصطفق. فغضب أشد من الأول وقال: والله ما فعلت الذي أمرتك به. فعاد إلى ~~البحر ms0858 وألقاه فيه، فانفلق البحر عن الأرض وانفجرت له الأرض عن مثل التنور، ~~فهوى فيها ثم انطبقت عليه واختلط الماء، فلما رجع إليه وأخبره بما رأى: ~~الآن صدقت. ومات دانيال بالسوس، وكان هناك يستسقى بجسده، فاستأذنوا عمر فيه ~~فأمر بدفنه. وقيل في أمر السوس: إن يزدجرد سار بعد وقعة جلولاء فنزل إصطخر ~~ومعه سياه في سبعين من عظماء الفرس فوجهه إلى السوس والهرمزان إلى تستر، ~~فنزل سياه الكلتانية، وبلغ أهل السوس أمر جلولاء ونزلو يزدجرد إصطخر، ~~فسألوا أبا موسى الصلح، وكان محاصرا لهم، فصالحهم وسار إلى رامهرمز، ثم سار ~~إلى تستر، ونزل سياه بين رامهرمز وتستر ودعا من معه من عظماء الفرس وقال ~~لهم: قد علمتم أنا كنا نتحدث أن هؤلاء القوم أهل الشقاء والبؤس سيغلبون على ~~هذه المملكة وتروث دوابهم في إيوانات إصطخر ويشدون خيولهم في شجرها، وقد ~~غلبوا على ما رأيتم، فانظروا لأنفسكم. قالوا: رأينا رأيك. قال: أرى أن ~~تدخلوا في دينهم. ووجهوا شيرويه في عشرة من الأساورة إلى أبي موسى، فشرط ~~عليهم أن يقاتلوا معه العجم ولا يقاتلوا العرب، وإن قاتلهم أحد من العرب ~~منعهم منهم، وينزلوا حيث شاؤوا، ويلحقوا بأشرف العطاء، ويعقد لهم ذلك عمر ~~على أن يسلموا، فأعطاهم عمر ما سألوا، فأسلموا وشهدوا مع المسلمين حصار ~~تستر. ومضى سياه إلى حصن قد حاصره المسلمون في زي العجم، فألقى نفسه إلى ~~جانب الحصن ونضح ثيابه بالدم، فرآه أهل الحصن صريعا فظنوه رجلا منهم ففتحوا ~~باب الحصن ليدخلوه إليهم، فوثب وقاتلهم حتى خلوا عن الحصن وهربوا، فملكه ~~وحده. وقيل: إن هذا الفعل كان منه بتستر. ### || AUT ذكر مصالحة جنديسابور # وفي هذه السنة سار المسلمون عن السوس فنزلوا بجنديسابور، وزر بن عبد ~~الله محاصرهم، فأقاموا عليها يقاتلونهم، فرمي إلى من بها من عسكر المسلمين ~~بالأمان، فلم يفجأ المسلمين إلا وقد فتحت أبوابها وأخرجوا أسواقهم وخرج ~~أهلها، فسألهم المسلمون، فقالوا: رميتم بالأمان فقبلناه وأقررنا بالجزية ~~على أن تمنعونا. فقالوا: ما فعلنا فقالوا: ما كذبنا! وسأل المسلمون فإذا ~~عبد يدعى مكثفا ms0859 كان أصله منها فعل هذا، فقالوا: هو عبد. فقال أهلها: لا ~~نعرف العبد من الحر، وقد قبلنا الجزية وما بدلنا، فإن شئتم فاغدروا. فكتبوا ~~إلى عمر فأجاز أمانهم، فآمنوهم وانصرفوا عنهم. ### || AUT ذكر مسير المسلمين إلى كرمان وغيرها # قيل: في سنة سبع عشرة أذن عمر للمسلمين في الانسياح في بلاد فارس، ~~وانتهى في ذلك إلى رأي الأحنف بن قيس وعرف فضله وصدقه، فأمر أبا موسى أن ~~يسير من البصرة إلى منقطع ذمة البصرة فيكون هناك حتى يأتيه أمره، وبعث ~~بألوية من ولى مع سهيل بن عدي، فدفع لواء خراسان إلى الأحنف بن قيس، ولواء ~~أردشير خره وسابور إلى مجاشع بن مسعود السلمي، ولواء إصطخر إلى عثمان بن ~~أبي العاص الثقفي، ولواء فساودارابجرد إلى سارية بن زنيم الكناني، ولواء ~~كرمان إلى سهيل بن عدي، ولواء سبجستان إلى عاصم بن عمرو، وكان من الصحابة، ~~ولواء مكران إلى الحكم بن عمير التغلبي، فخرجوا ولم يتهيأ مسيرهم إلى سنة ~~ثماني عشرة، وأمدهم عمر بنفر من أهل الكوفة، فأمد سهيل بن عدي بعبد الله بن ~~عتبان، وأمد الأحنف بعلقمة بن النضر وبعبد الله بن أبي عقيل وبربعي بن عامر ~~وبابن أم غزال، وأمد عاصم بن عمرو بعبد الله بن عمير الأشجعي، وأمد الحكم ~~بن عمير بشهاب بن المخارق في جموع. وقيل: كان ذلك سنة إحدى وعشرين، وقيل: ~~سنة اثنتين وعشرين، وسنذكر كيفية فتحها هناك وذكر أسبابها إن شاء الله ~~تعالى. PageV01P0447 # وكان على مكة هذه السنة عتاب بن أسيد في قول، وعلى اليمن يعلى ابن منية، ~~وعلى اليمامة والبحرين عثمان بن أبي العاص، وعلى عمان حذيفة ابن محصن، وعلى ~~الشام من ذكر قبل، وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقاص، وعلى قضائها أبو ~~قرة، وعلى البصرة وأرضها أبو موسى، وعلى القضاء أبو مريم الحنفي، وقد ذكر ~~من كان على الجزيرة والموصل قبل. وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب. ### | AUT ثم دخلت سنة ثماني عشرة # ### || AUT ذكر القحط وعام الرمادة # في سنة ثماني عشرة أصاب ms0860 الناس مجاعة شديدة وجدب وقحط، وهو عام الرمادة، ~~وكانت الريح تسفي ترابا كالرماد فسمي عام الرمادة، واشتد الجوع حتى جعلت ~~الوحش تأوي إلى الإنس، وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافيها من قيحها. وفيه ~~أيضا كان طاعون عمواس، وفيه ورد كتاب أبي عبيدة على عمر يذكر فيه أن نفرا ~~من المسلمين أصابوا الشراب، منهم: ضرار وأبو جندل، فسألناهم فتابوا، وقال ~~له: ادعهم على رؤوس الناس وسلهم أحلال الخمر أم حرام، فإن قالوا: حرام، ~~فاجلدهم ثمانين ثمانين، وإن قالوا: حلال، فاضرب أعناقهم. فسألهم فقالوا: بل ~~حرام، فجلدهم، وندموا على لجاجتهم، وقال: ليحدثن فيكم يا أهل الشام حدث، ~~فحدث عام الرمادة وأقسم عمر أن لا يذوق سمنا ولا لبنا ولا لحما حتى يحيا ~~الناس. فقدمت السوق عكة سمن ووطب من لبن، فاشتراها غلام لعمر بأربعين درهما ~~ثم أتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين قد أبر الله يمينك وعظم أجرك، قدم السوق ~~وطب من لبن وعكة من سمن ابتعتهما بأربعين درهما. فقال عمر: أغليت بهما ~~فتصدق بهما فإني أكره أن آكل إسرافا. وقال: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم ~~يصبني ما أصابهم! وكتب عمر إلى أمراء الأمصار يستغيثهم لأهل المدينة ومن ~~حولها ويستمدهم، فكان أول من قدم عليه أبو عبيدة بن الجراح بأربعة آلاف ~~راحلة من طعام، فولاه قسمتها فيمن حول المدينة، فقسمها وانصرف إلى عمله، ~~وتتابع الناس واستغنى أهل الحجاز، وأصلح عمرو بن العاص بحر القلزم وأرسل ~~فيه الطعام إلى المدينة، فصار الطعام بالمدينة كسعر مصر، ولم ير أهل ~~المدينة بعد الرمادة مثلها حتى حبس عنهم البحر مع مقتل عثمان، فذلوا ~~وتقاصروا، وكان الناس بذلك وعمر كالمحصور عن أهل الأمصار. فقال أهل بيت من ~~مزينة لصاحبهم، وهو بلال بن الحارث: قد هلكنا فاذبح لنا شاة. قال: ليس فيهن ~~شيء. فلم يزالوا به حتى ذبح فسلخ عن عظم أحمر، فنادى: يا محمداه! فأري في ~~المنام أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أتاه فقال: (أبشر بالحياة، إيت ~~عمر فأقرئه مني السلام وقل له إني ms0861 عهدتك وأنت وفي العهد شديد العقد، فالكيس ~~الكيس يا عمر)! فجاء حتى أتى باب عمر فقال لغلامه: استأذن لرسول رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، فأتى عمر فأخبره، ففزع وقال: رأيت به مسا؟ قال: لا، ~~فأدخله وأخبره الخبر، فخرج فنادى في الناس وصعد المنبر فقال: نشدتكم الله ~~الذي هداكم هل رأيتم مني شيئا تكرهون؟ قالوا: اللهم لا، ولم ذاك؟ فأخبرهم، ~~ففطنوا ولم يفطن عمر، فقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا. فنادى ~~في الناس، وخرج معه العباس ماشيا فخطب وأوجز وصلى ثم جثا لركبتيه وقال: ~~(اللهم عجزت عنا أنصارنا وعجز عنا حولنا وقوتنا وعجزت عنا أنفسنا ولا حول ~~ولا قوة إلا بك، اللهم فاسقنا وأحي العباد والبلاد! وأخذ بيد العباس بن عبد ~~المطلب عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإن دموع العباس لتتحادر على ~~لحيته فقال: (اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك، صلى الله عليه وسلم، وبقية ~~آبائه وكبر رجاله فإنك تقول وقولك الحق: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين ~~في المدينة) فحفظتهما بصلاح آبائهما، فاحفظ اللهم نبيك، صلى الله عليه ~~وسلم، في عمه، فقد دلونا به إليك مستشفعين مستغفرين). ثم أقبل على الناس ~~فقال: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا) نوح: !رسول الله، صلى الله عليه وسلم. ~~PageV01P0448 # وكان العباس قد طال عمره وعيناه تذرفان ولحيته تجول على صدره وهو يقول: ~~(اللهم أنت الراعي فلا تهمل الضالة ولا تدع الكسير بدار مضيعة، فقد صرخ ~~الصغير ورق الكبير وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى، اللهم فأغنهم ~~بغناك قبل أن يقطنوا فيهلكوا فإنه لا ييأس إلا القوم الكافرون). فنشأت ~~طريرة من سحاب، فقال الناس: ترون ترون! ثم التأمت ومشت فيها ريح ثم هدأت ~~ودرت، فوالله ما تروحوا حتى اعتنقوا الجدار وقلصوا المآزر، فطفق الناس ~~بالعباس يمسحون أركانه ويقولون: (هنيئا لك ساقي الحرمين)! فقال الفضل بن ~~العباس بن عتبة بن أبي لهب: بعمي سقى الله الحجاز وأهله ... عشية يستسقي ~~بشيبته عمر توجه بالعباس في الجدب راغبا ... إليه فما إن رام حتى أتى المطر ~~ومنا ms0862 رسول الله فينا تراثه ... فهل فوق هذا للمفاخر مفتخر ### || AUT ذكر طاعون عمواس # في هذه السنة كان طاعون عمواس بالشام، فمات فيه أبو عبيدة بن الجراح، ~~وهو أمير الناس، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، والحارث ابن هشام، ~~وسهيل بن عمرو، وعتبة بن سهيل، وعامر بن غيلان الثقفي، مات وأبوه حي، ~~وتفانى الناس منه. قال طارق بن شهاب: أتينا أبا موسى في داره بالكوفة نتحدث ~~عنده فقال: لا عليكم أن تحفوا فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم، ولا ~~عليكم أن تنزهوا من هذه القرية فتخرجوا في فسح بلادكم ونزهها حتى يرفع هذا ~~الوباء، وسأخبركم بما يكره ويتقى، من ذلك أن يظن من خرج أنه لو أقام مات، ~~ويظن من أقام فأصابه لو خرج لم يصبه، فإذا لم يظن المسلم هذا فلا عليه أن ~~يخرج؛ إني كنت مع أبي عبيدة بالشام عام طاعون عمواس، فلما اشتعل الوجع وبلغ ~~ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه: (أن سلام عيك، أما بعد فقد عرضت ~~لي إليك حاجة أريد أن أشافهك فيها، فعزمت عليك إذا أنت نظرت في كتابي هذا ~~ألا تضعه من يدك حتى تقبل إلي). فعرف أبو عبيدة ما أراد فكتب إليه: (يا ~~أمير المؤمنين، قد عرفت حاجتك إلي وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي ~~رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله في وفيهم أمره وقضاءه، فحللني ~~من عزيمتك). فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، أمات ~~أبو عبيدة؟ فقال: لا، وكأن قد. وكتب إليه عمر ليرفعن بالمسلمين من تلك ~~الأرض، فدعا أبا موسى فقال له: ارتد للمسلمين منزلا. قال: فرجعت إلى منزلي ~~لأرتحل فوجدت صاحبتي قد أصيبت. فرجعت إليه فقلت له: والله لقد كان في أهلي ~~حدث. فقال: لعل صاحبتك أصيبت؟ قلت: نعم. قال: فأمر ببعيره فرحل له. فلما ~~وضع رجله في غرزه طعن، فقال: والله لقد أصبت! ثم سار بالناس حتى نزل ~~الجابية، وكان أبو عبيدة قد قام في الناس خطيبا ms0863 فقال: (يا أيها الناس، إن ~~هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة سأل ~~الله أن يقسم له منه حظه) فطعن فمات. واستخلف على الناس معاذ بن جبل، فقام ~~خطيبا بعده فقال: (أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت ~~الصالحين قبلكم، وإن معاذا يسأل الله أن يقسم لآل معاذ حظهم). فطعن ابنه ~~عبد الرحمن فمات، ثم قام فدعا به لنفسه فطعن في راحته فلقد كان يقبلها ثم ~~يقول: (ما أحب أن لي بما فيك شيئا من الدنيا). فلما مات استخلف على الناس ~~عمرو بن العاص، فخرج بالناس إلى الجبال، ورفعه الله عنهم، فلم يكره عمر ذلك ~~من عمرو. PageV01P0449 # وقد قيل: إن عمر بن الخطاب قدم الشام، فلما كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد ~~فيهم أبو عبيدة ابن الجراح، فأخبروه بالوباء وشدته، وكان معه المهاجرون ~~والأنصار، خرج غازيا، فجمع المهاجرين الأولين والأنصار فاستشارهم، فاختلفوا ~~عليه، فمنهم القائل: خرجت لوجه الله فلا يصدك عنه هذا، ومنهم القائل: إنه ~~بلاء وفناء فلا نرى أن تقدم عليه. فقال لهم: قوموا، ثم أحضر مهاجرة الفتح ~~من قريش فاستشارهم فلم يختلفوا عليه وأشاروا بالعود، فنادى عمر في الناس: ~~(إني مصبح على ظهر). فقال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ فقال: (نعم نفر ~~من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان ~~إحداهما مخصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت ~~الجدبة رعيتها بقدر الله؟) فسمع بهم عبد الرحمن بن عوف فقال: إن النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، قال: (إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه، وإذا ~~وقع ببلد وأنتم به فلا تخرجوا فرارا منه). فانصرف عمر بالناس إلى المدينة. ~~وهذه الرواية أصح، فإن البخاري ومسلما أخرجاها في صحيحيهما، ولأن أبا موسى ~~كان هذه السنة بالبصرة ولم يكن بالشام، لكن هكذا ذكره وإنما أوردناه لننبه ~~عليه. عمواس بفتح العين المهملة والميم والواو، وبعد الألف سين مهملة. وسرع ~~بفتح السين المهملة، ms0864 وسكون الراء المهملة، وآخره غين معجمة. ومعنى قوله: ~~دعوة نبيكم، حين جاءه جبرائيل فقال: (فناء أمتك بالطعن أو الطاعون). فقال ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (فبالطاعون). ولما هلك يزيد بن أبي سفيان ~~استعمل عمر أخاه معاوية بن أبي سفيان على دمشق وخراجها، واستعمل شرحبيل بن ~~حسنة على جند الأردن وخراجها. وأصاب الناس من الموت ما لم يروا مثله قط، ~~وطمع له العدو في المسلمين لطول مكثه، مكث شهورا، وأصاب الناس بالبصرة ~~مثله، وكان عدة من مات في طاعون عمواس خمسة وعشرين ألفا. ### || AUT ذكر قدوم عمر إلى الشام بعد الطاعون # لما هلك الناس في الطاعون كتب أمراء الأجناد إلى عمر بما في أيديهم من ~~المواريث، فجمع الناس واستشارهم وقال لهم: قد بدا لي أن أطوف على المسلمين ~~في بلدانهم لأنظر في آثارهم، فأشيروا علي، وفي القوم كعب الأحبار، وفي تلك ~~السنة أسلم، فقال كعب: يا أمير المؤمنين، بأيها تريد أن تبدأ؟ قال: ~~بالعراق. قال: فلا تفعل فإن الشر عشرة أجزاء، تسعة منها بالمشرق وجزء ~~بالمغرب، والخير عشرة أجزاء، تسعة بالمغرب وجزء بالمشرق، وبها قرن الشيطان ~~وكل داء عضال. فقال علي: يا أمير المؤمنين، إن الكوفة للهجرة بعد الهجرة، ~~وإنها لقبة الإسلام، ليأتينها يوم لا يبقى مسلم إلا وحن إليها لينتصرن ~~بأهلها كما انتصر بالحجارة من قوم لوط. فقال عمر: (إن مواريث أهل عمواس قد ~~ضاعت، أبدأ بالشام فأقسم المواريث وأقيم لهم ما في نفسي ثم أرجع فأتقلب في ~~البلاد وأبدي إليهم أمري). فسار عن المدينة واستخلف عليها علي بن أبي طالب ~~واتخذ أيلة طريقا، فلما دنا منها ركب بعيره وعلى رحله فرو مقلوب وأعطى ~~غلامه مركبه، فلما تلقاه الناس قالوا: أين أمير المؤمنين؟ قال: أمامكم، ~~يعني نفسه، فساروا أمامهم، وانتهى هو إلى أيلة فنزلها، وقيل للمتلقين: قد ~~دخل أمير المؤمنين إليها ونزلها، فرجعوا إليه. وأعطى عمر الأسقف بها قميصه، ~~وقد تخرق ظهره، ليغسله ويرقعه، ففعل، وأخذه ولبسه، وخاط له الأسقف قميصا ~~غيره فلم يأخذه. فلما قدم الشام قسم الأرزاق، ms0865 وسمى الشواتي والصوائف، وسد ~~فروج الشام ومسالحها، وأخذ يدورها، واستعمل عبد الله بن قيس على السواحل من ~~كل كورة، واستعمل معاوية، وعزل شرحبيل بن حسنة وقام يعذره في الناس وقال: ~~(إني لم أعزله عن سخطة ولكني أريد رجلا أقوى من رجل). واستعمل عمرو بن عتبة ~~على الأهراء. وقسم مواريث أهل عمواس، فورث بعض الورثة من بعض، وأخرجها إلى ~~الأحياء من ورثة كل منهم. وخرج الحارث بن هشام في سبعين من أهل بيته فلم ~~يرجع منهم إلا أربعة. ورجع عمر إلى المدينة في ذي القعدة. ولما كان بالشام ~~وحضرت الصلاة قال له الناس: لو أمرت بلالا فأذن، فأمره فأذن، فما بقي أحد ~~أدرك النبي، صلى الله عليه وسلم، وبلال يؤذن إلا وبكى حتى بل لحيته، وعمر ~~أشدهم بكاء، وبكى من لم يدركه ببكائهم ولذكرهم رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم. PageV01P0450 # قال الواقدي: إن الرهاء وحران والرقة فتحت هذه السنة على يد عياض ابن ~~غنم، وإن عين الوردة، وهي رأس عين، فتحت فيها على يد عمير ابن سعد، وقد ~~تقدم شرح فتحها. في هذه السنة في ذي الحجة حول عمر المقام إلى موضعه اليوم، ~~وكأن ملصقا بالبيت. وفيها استقضى عمر شريح بن الحارث الكندي على الكوفة، ~~وعلى البصرة كعب بن سور الأزدي. وكانت الولاة على الأمصار الولاة الذين ~~كانوا عليها في السنة قبلها. وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع عشرة # قال بعضهم: إن فتح جلولاء والمدائن كان في هذه السنة على يد سعد، وكذلك ~~فتح الجزيرة، وقد تقدم ذكر فتح الجميع والخلاف فيه. وقيل: فيها كان فتح ~~قيسارية على يد معاوية، وقيل: سنة عشرين، وقد تقدم أيضا ذكر ذلك سنة ست ~~عشرة. وفي هذه السنة سالت حرة ليلى، وهي قريب المدينة، نارا، فأمر عمر ~~بالصدقة، فتصدق الناس فانطفأت. وحج بالناس هذه السنة عمر. وكان عماله فيها ~~من تقدم ذكرهم. وفيها قتل صفوان بن المعطل السلمي، وقيل: بل مات سنة ستين ~~آخر خلافة معاوية. وفيها مات ms0866 أبي بن كعب، وقيل: بل مات سنة عشرين، وقيل: ~~اثنتين وعشرين، وقيل: اثنتين وثلاثين، والله أعلم. ### | AUT ثم دخلت سنة عشرين # ### || AUT ذكر فتح مصر # قيل: في هذه السنة فتحت مصر في قول بعضهم على يد عمرو بن العاص ~~والإسكندرية أيضا، وقيل: فتحت الإسكندرية سنة خمس وعشرين، وقيل: فتحت مصر ~~سنة ست عشرة في ربيع الأول، وبالجملة فينبغي أن يكون فتحها قبل عام الرمادة ~~لأن عمرو بن العاص حمل الطعام في بحر القلزم من مصر إلى المدينة، والله ~~أعلم، وقيل غير ذلك. وأما فتحها فإنه لما فتح عمر بيت المقدس وأقام به ~~أياما وأمضى عمرو ابن العاص إلى مصر وأتبعه الزبير بن العوام مددا له فأخذ ~~المسلمون باب اليون وساروا إلى مصر فلقيهم هناك أبو مريم، جاثليق مصر، ومعه ~~الأسقف بعثه المقوقس لمنع بلادهم، فلما نزل بهم عمرو قاتلوه، فأرسل إليهم: ~~لا تعجلونا حتى نعذر إليكم وترون رأيكم بعد، وليبرز إلي أبو مريم وأبو ~~مريام، فكفوا، وخرجا إليه، فدعاهما إلى الإسلام أو الجزية، وأخبرهما بوصية ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، بأهل مصر بسبب هاجر أم إسماعيل، عليه السلام، ~~فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء، آمنا حتى نرجع إليك. فقال ~~عمرو: مثلي لا يخدع ولكني أؤجلكما ثلاثا لتنظرا. فقالا: زدنا، فزادهما ~~يوما، فرجعا إلى المقوقس فهم. فأبى أرطبون أن يجيبهما وأمر بمناهدتهم، فقال ~~لأهل مصر: أما نحن فسنجهد أن ندفع عنكم. فلم يفجأ عمرا إلا البيات وهو على ~~عدة، فلقوه فقتل أرطبون وكثير ممن معه وانهزم الباقون، وسار عمرو والزبير ~~إلى عين الشمس وبها جمعهم، وبعث إلى فرما أبرهة بن الصباح، وبعث عوف بن ~~مالك إلى الإسكندرية، فنزل عليها. قيل: وكان الإسكندر وفرما أخوين، ونزل ~~عمرو بعين الشمس، فقال أهل مصر لملكهم: ما تريد إلى قتال قوم هزموا كسرى ~~وقيصر وغلبوهم على بلادهم! فلا تعرض لهم ولا تعرضنا لهم - وذلك في اليوم ~~الرابع - فأبى وناهدوهم وقاتلوهم. فلما التقى المسلمون والمقوقس بعين الشمس ~~واقتتلوا جال المسلمون، فذمرهم عمرو، فقال له ms0867 رجل من اليمن: إنا لم نخلق من ~~حديد. فقال له عمرو: اسكت، إنما أنت كلب. قال: فأنت أمير الكلاب. فنادى ~~عمرو بأصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فأجابوه، فقال: تقدموا فبكم ينصر ~~الله المسلمين، فتقدموا وفيهم أبو بردة وأبو برزة وتبعهم الناس، وفتح الله ~~على المسلمين وظفروا وهزموا المشركين، فارتقى الزبير بن العوام سورها، فلما ~~أحسوا فتحوا الباب لعمرو وخرجوا إليه مصالحين، فقبل منهم، ونزل الزبير ~~عليهم عنوة حتى خرج على عمرو من الباب معهم، فاعتقدوا صلحا بعد ما أشرفوا ~~على الهلكة، فأجروا ما أخذوا عنوة مجرى الصلح فصاروا ذمة، وأجروا من دخل في ~~صلحهم من الروم والنوبة مجرى أهل مصر، ومن اختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ ~~مأمنه. PageV01P0451 # واجتمعت خيول المسلمين بمصر وبنوا الفسطاط ونزلوه، وجاء أبو مريم وأبو ~~مريام إلى عمرو وطلبا منه السبايا التي أصيبت بعد المعركة، فطردهما، فقالا: ~~كل شيء أصبتموه منذ فارقناكم إلى أن رجعنا إليكم ففي ذمة. فقال عمرو لهما: ~~أتغيرون علينا وتكونون في ذمة؟ قالا: نعم. فقسم عمرو ابنالعاص السبي على ~~الناس وتفرق في بلدان العرب. وبعث بالأخماس إلى عمر بن الخطاب ومعها وفد، ~~فأخبروا عمر بن الخطاب بحالهم كله وبما قال أبو مريم، فرد عمر عليهم سبي من ~~لم يقاتلهم في تلك الأيام الأربعة وترك سبي من قاتلهم فردوهم. وحضرت القبط ~~باب عمرو، وبلغ عمرا أنهم يقولون: ما أرث العرب وأهون عليهم أنفسهم! ما ~~رأينا مثلنا دان لهم. فخاف أن يطمعهم ذلك فأمر بجزر فطبخت ودعا أمراء ~~الأجناد فأعلموا أصحابهم فحضروا عنده وأكلوا أكلا عربيا، انتشلوا وحسوا وهم ~~في العباء بغير سلاح، فازداد طمعهم، وأمر المسلمين أن يحضروا الغد في ثياب ~~أهل مصر وأحذيتهم، ففعلوا، وأذن لأهل مصر فرأوا شيئا غير ما رأوا بالأمس، ~~وقام عليهم القوام بألوان مصر فأكلوا أكل أهل مصر، فارتاب القبط، وبعث أيضا ~~إلى المسلمين: تسلحوا للعرض غدا، وغدا على العرض، وأذن لهم فعرضهم عليهم ~~وقال لهم: علمت حالم حين رأيتم اقتصاد العرب فخشيت أن تهلكوا فأحببت أن ms0868 ~~أريكم حالهم في أرضهم كيف كانت، ثم حالهم في أرضكم، ثم حالهم في الحرب، فقد ~~رأيتم ظفرهم بكم وذلك عيشهم وقد كلبوا على بلادكم بما نالوا في اليوم ~~الثاني، فأردت أن تعلموا أن ما رأيتم في اليوم الثالث غير تارك عيش اليوم ~~الثاني وراجع إلى عيش اليوم الأول. فتفرقوا وهم يقولون: لقد رمتكم العرب ~~برجلهم. وبلغ عمر ذلك فقال: (والله إن حربه للينة ما لها سطوة ولا سورة ~~كسورات الحروب من غيره). ثم إن عمرا سار إلى الإسكندرية، وكان من بين ~~الإسكندرية والفسطاط من الروم والقبط قد تجمعوا له وقالوا: نغزوه قبل أن ~~يغزونا ويروم الإسكندرية. فالتقوا واقتتلوا، فهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، ~~وسار حتى بلغ الإسكندرية، فوجد أهلها معدين لقتاله. فأرسل المقوقس إلى عمرو ~~يسأله الهدنة إلى مدة، فلم يجبه إلى ذلك وقال: لقد لقينا ملككم الأكبر هرقل ~~فكان منه ما بلغكم. فقال المقوقس لأصحابه: صدق فنحن أولى بالإذعان. فأغلظوا ~~له في القول وامتنعوا، فقاتلهم المسلمون وحصروهم ثلاثة أشهر، وفتحها عمرو ~~عنوة وغنم ما فيها وجعلهم ذمة. وقيل: إن المقوقس صالح عمرا على اثني عشر ~~ألف دينار على أن يخرج من الإسكندرية من أراد الخروج ويقيم من أراد القيام ~~وعلى أن يفرض على كل حالم من القبط دينارين، وجعل فيها عمرو جندا. ولما ~~فتحت مصر غزوا النوبة فرجع المسلمون بالجراحات وذهاب الحدق لجودة رميهم، ~~فسموهم رماة الحدق. فلما ولي عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر أيام عثمان ~~صالحهم على هدية عدة رؤوس في كل سنة يؤدونهم إلى المسلمين، ويهدي إليهم ~~المسلمون كل سنة طعاما مسمى وكسوة، وأمضى ذلك الصلح عثمان ومن بعده من ولاة ~~الأمور. وقيل: إن المسلمين لما انتهوا إلى بلهيب وقد بلغت سباياهم إلى ~~اليمن أرسل صاحبهم إلى عمرو: إنني كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إلي ~~منكم: فارس والروم، فإن أحببت الجزية على أن ترد ما سبيتم من أرضي فعلت. ~~فكتب عمرو إلى عمر يستأذنه في ذلك، ورفعوا الحرب إلى أن يرد كتاب ms0869 عمر. فورد ~~الجواب من عمر: لعمري جزية قائمة أحب إلينا من غنيمة تقسم ثم كأنها لم تكن، ~~وأما السبي فإن أعطاك ملكهم الجزية على أن تخيروا من في أيديكم منهم بين ~~الإسلام ودين قومه فمن اختار الإسلام فهو من المسلمين ومن اختار دين قومه ~~فضع عليه الجزية، وأما من تفرق في البلدان فإنا لا نقدر على ردهم. فعرض ~~عمرو ذلك على صاحب الإسكندرية، فأجاب إليه، فجموا السبي واجتمعت النصارى ~~وخيروهم واحدا واحدا، فمن اختار المسلمين كبروا، ومن اختار النصارى نخروا ~~وصار عليه جزية حتى فرغوا. وكان من السبي أبو مريم عبد الله بن عبد الرحمن، ~~فاختار الإسلام وصار عريف زبيد. وكان ملوك بني أمية يقولون: إن مصر دخلت ~~عنوة وأهلها عبيدنا نزيد عليهم كيف شئنا. ولم يكن كذلك. ### || AUT ذكر عدة حوداث # PageV01P0452 # وفي هذه السنة، أعني سنة عشرين، غزا أبو بحرية عبد الله بن قيس أرض ~~الروم، وهو أول من دخلها فيما قيل، وقيل: أول من دخلها ميسرة بن مسروق ~~العبسي فسبى وغنم. وقيل: فيها عزل عمر قدامة بن مظعون من البحرين وحده في ~~شرب الخمر واستعمل أبا بكرة على البحرين واليمامة. وفيها تزوج عمر فاطمة ~~بنت الوليد أم عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وفيها عزل عمر سعد بن أبي ~~وقاص عن الكوفة لشكايتهم إياه وقالوا: لا يحسن يصلي. وفيها قسم عمر خيبر ~~بين المسلمين وأجلى اليهود عنها وقسم وادي القرى. وفيها أجلى يهود نجران ~~إلى الكوفة. وفيها بعث عمر علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة، وكانت تطرقت ~~بلاد الإسلام فأصيب المسلمون، فجعل عمر على نفسه أن لا يحمل في البحر أحدا ~~أبدا، يعني للغزو، وقيل سنة إحدى وثلاثين. مجزز بجيم وزايين الأولى مكسورة ~~مشددة. وفيها مات أسيد بن حضير في شعبان؛ أسيد تصغير أسد. وحضير بالحاء ~~المهملة المضمومة، والضاد المفتوحة، والراء. وفيها مات هرقل وملك قسطنطين. ~~وفيها ماتت زينب بنت جحش ونزل في قبرها أسامة بن زيد وابن أخيها محمد بن ~~عبد الله بن جحش. وحج بالناس عمر. ms0870 وكان عماله على الأمصار من كان قبل هذه ~~السنة إلا من ذكرت أنه عزله. وكان قضاته فيها القضاة في السنة قبلها. وفيها ~~مات عياض بن غنم، وهو الذي فتح الجزيرة، وهو أول من أجاز الدرب إلى الروم. ~~وفيها مات بلال بن رباح مؤذن النبي، صلى الله عليه وسلم، بدمشق، وقيل بحلب. ~~وفيها مات أنيس بن مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وله ولأبيه ولجده صحبة، وقتل ~~أبوه في غزوة الرجيع. وفيها مات سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي، شهد فتح ~~خيبر، وكان فاضلا، وكان على حمص حتى مات، وقيل: مات سنة تسع عشرة، وقيل: ~~سنة إحدى وعشرين وعمره أربعون سنة. وفيها مات أبو سفيان بن الحارث بن عبد ~~المطلب. وفيها ماتت صفية بنت عبد المطلب عمة النبي، صلى الله عليه وسلم. ~~وفيها قتل المظهر بن رافع الأنصاري، قدم من الشام ومعه من علوج الشام، فلما ~~كان بخيبر أمرهم قوم من اليهود فقتلوهم، فأجلاهم عمر. المظهر بضم الميم، ~~وفتح الظاء المعجمة، وتشديد الهاء، وآخره راء مهملة. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وعشرين # ### || AUT ذكر وقعة نهاوند # قيل: فيها كانت وقعة نهاوند، وقيل: كانت سنة ثماني عشرة، وقيل سنة تسع ~~عشرة. وكان الذي هيج أمر نهاوند أن المسلمين ما خلصوا جند العلاء من بلاد ~~فارس وفتحوا الأهواز كاتبت الفرس ملكهم وهو بمرو فحركوه، وكاتب الملوك بين ~~الباب والسند وخراسان وحلوان، فتحركوا وتكاتبوا واجتمعوا إلى نهاوند، ولما ~~وصلها أوائلهم بلغ سعدا الخبر، فكت إلى عمر، وثار بسعد قوم سعوا به وألبوا ~~عليه، ولم يشغلهم ما نزل بالناس؛ وكان ممن تحرك في أمره الجراح بن سنان ~~الأسدي في نفر. فقال لهم عمر إن الدليل على ما عندكم من الشر نهوضكم في هذا ~~الأمر وقد استعد لكم من استعد: والله ما يمنعني ما نزل بكم من النظر فيما ~~لديكم. فبعث عمر محمد بن مسلمة والناس في الاستعداد للفرس، وكان محمد صاحب ~~العمال يقتص آثار من شكا زمان عمر، فطاف بسعد على أهل الكوفة يسأل عنه، فما ms0871 ~~سأل عنه جماعة إلا أثنوا عليه خيرا سوى من مالأ الجراح الأسدي، فإنهم سكتوا ~~ولم يقولوا سوءا ولا يسوغ لهم ويتعمدون ترك الثناء، حتى انتهى إلى بني عبس ~~فسألهم، فقال أسامة بن قتادة: اللهم إنه لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في ~~القضية، ولا يغزو في السرية. فقال سعد: اللهم إن كان قالها رياء وكذبا ~~وسمعة فأعم بصره، وأكثر عياله، وعرضه لمضلات الفتن. فعمي، واجتمع عنده عشر ~~بنات، وكان يسمع بالمرأة فيأتيها حتى يحبسها، فإذا عثر عليه قال: دعوة سعد ~~الرجل المبارك. ثم دعا سعد على أولئك النفر فقال: اللهم إن كانوا خرجوا ~~أشرا وبطرا ورياء فاجهد بلادهم. فجهدوا، وقطع الجراح بالسيوف يوم بادر ~~الحسن بن علي، رضي الله عنه، ليغتاله بساباط، وشدخ قبيصة بالحجارة، وقتل ~~أربد بالوجء ونعال السيوف. وقال سعد: إني أول رجل أهراق دما من المشركين، ~~ولقد جمع لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبويه وما جمعهما لأحد قبلي، ~~ولقد رأيتني خمس الإسلام، وبنو أسد تزعم أني لا أحسن أصلي وأن الصيد ~~يلهيني. PageV01P0453 # وخرج محمد بسعد وبهم معه إلى المدينة فقدموا على عمر فأخبروه الخبر فقال: ~~كيف تصلي يا سعد؟ قال: أطيل الأوليين وأحذف الأخريين. فقال: هكذا الظن بك ~~يا أبا إسحاق ولولا الاحتياط لكان سبيلهم بينا. وقال: من خليفتك يا سعد على ~~الكوفة؟ فقال: عبد الله بن عبد الله بن عتبان. فأقره. فكان سبب نهاوند ~~وبعثها زمن سعد. وأما الوقعة فهي زمن عبد الله، فنفرت الأعاجم بكتاب يزدجرد ~~فاجتمعوا بنهاوند على الفيرزان في خمسين ألفا ومائة ألف مقاتل، وكان سعد ~~كتب إلى عمر بالخبر ثم شافهه به لما قدم عليه وقال له: إن أهل الكوفة ~~يستأذنونك في الانسياح وأن يبدؤوهم بالشدة ليكون أهيب لهم على عدوهم. فجمع ~~عمر الناس واستشارهم، وقال لهم: هذا يوم له ما بعده، وقد هممت أن أسير فيمن ~~قبلي ومن قدرت عليه فأنزل منزلا وسطا بين هذين المصرين ثم أستنفرهم وأكون ~~لهم ردءا حتى يفتح الله عليهم ويقضي ما أحب، فإن فتح ms0872 الله عليهم صبيتهم في ~~بلدانهم. فقال طلحة بن عبيد الله: يا أمير المؤمنين قد أحكمتك الأمور، ~~وعجمتك البلابل، واحتنكتك التجارب، وأنت وشأنك ورأيك، لا ننبو في يديك ولا ~~نكل عليك، إليه هذا الأمر، فمرنا نطع وادعنا نجب واحملنا نركب وقدنا ننقد، ~~فإنك ولي هذا الأمر، وقد بلوت وجربت واحتربت فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء ~~الله لك إلا عن خيارهم. ثم جلس. فعاد عمر، فقام عثمان فقال: أرى يا أمير ~~المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شامهم، وإلى أهل اليمن فيسيروا ~~من يمنهم، ثم تسير أنت بأهل الحرمين إلى الكوفة والبصرة فتلقى جمع المشركين ~~بجمع المسلمين، فإنك إذا سرت قل عندك ما قد تكاثر من عدد القوم وكنت أعز ~~عزا وأكثر. يا أمير المؤمنين، إنك لا تستبقي بعد نفسك من العرب باقية، ولا ~~تمتع من الدنيا بعزيز، ولا تلوذ منها بحريز. إن هذا يوم له ما بعده من ~~الأيام، فاشهده برأيك وأعوانك ولا تغب عنه. وجلس. فعاد عمر فقام إليه علي ~~بن أبي طالب فقال: أما بعد يا أمير المؤمنين فإنك إن أشخصت أهل الشام من ~~شامهم سارت الروم إلى ذراريهم، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة ~~إلى ذراريهم، وإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها ~~وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات ~~والغيالات، أقرر هؤلاء في أمصارهم واكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا ثلاث ~~فرق: فرقة في حرمهم وذراريهم، وفرقة في أهل عهدهم حتى لا ينتقضوا، ولتسر ~~فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مددا لهم؛ إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا قالوا: ~~هذا أمير المؤمنين أمير العرب وأصلها، فكان ذلك أشد لكلبهم عليك. وأما ما ~~ذكرت من مسير القوم فإن الله هو أكره لمسيرهم منك وهو أقدر على تغيير ما ~~يكره، وأما عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ولكن بالنصر. فقال ~~عمر: هذا هو الرأي، كنت أحب أن أتابع عليه، فأشيروا علي برجل أوليه ذلك ~~الثغر. ms0873 وقيل: إن طلحة وعثمان وغيرهما اشاروا عليه بالمقام. والله أعلم. ~~فلما قال عمر: أشيروا علي برجل أوليه ذلك الثغر وليكن عراقيا، قالوا: أنت ~~أعلم بجندك وقد وفدوا عليك ورأيتهم وكلمتهم. فقال: والله لأولين أمرهم رجلا ~~يكون أول الأسنة إذا لقيها غدا. فقيل: من هو؟ فقال: هو النعمان بن مقرن ~~المزني. فقالوا: هو لها. وكان النعمان يومئذ معه جمع من أهل الكوفة قد ~~اقتحموا جنديسابور والسوس. فكتب إليه عمر يأمره بالمسير إلى ماه لتجتمع ~~الجيوش عليه، فإذا اجتمعوا إليه سار بهم إلى الفيرزان ومن معه. وقيل بل كان ~~النعمان بكسكر. فكتب إلى عمر يسأله أن يعزله ويبعثه إلى جيش من المسلمين. ~~فكتب إليه عمر يأمره بنهاوند، فسار. فكتب عمر إلى عبد الله بن عبد الله بن ~~عتبان ليستنفر الناس مع النعمان كذا وكاذ ويجتمعوا عليه بماه. فندب الناس، ~~فكان أسرعهم إلى ذلك الروادف ليبلوا في الدين وليدركوا حظا. PageV01P0454 # فخرج الناس منها وعليهم حذيفة بن اليمان ومعه نعيم بن مقرن حتى قدموا على ~~النعمان، وتقدم عمر إلى الجند الذين كانوا بالأهواز ليشغلوا فارسا عن ~~المسلمين وعليهم المقترب الأسود بن ربيعة وحرملة بن مريطة ووزر بن كليب، ~~فأقاموا بتخوم أصبهان وفارس وقطعوا أمداد فارس عن أهل نهاوند، واجتمع الناس ~~على النعمان وفيهم حذيفة بن اليمان وابن عمر وجرير بن عبد الله البجلي ~~والمغيرة ابن شعبة وغيرهم، فأرسل النعمان طليحة بن خويلد وعمرو بن معد يكرب ~~وعمرو ابن ثني، وهو ابن أبي سلمى، ليأتوه بخبرهم. وخرجوا وساروا يوما إلى ~~الليل، فرجع إليه عمرو بن ثني، فقالوا: ما رجعك؟ فقال: لم أكن في أرض ~~العجم، وقتلت أرض جاهلها وقتل أرضا عالمها. ومضى طليحة وعمرو ابن معد يكرب. ~~فلما كان آخر الليل رجع عمرو، فقالوا: ما رجعك؟ قال: سرنا يوما وليلة ولم ~~نر شيئا وخفت أن يؤخذ علينا الطريق فرجعت. ومضى طليحة ولم يحفل بهما حتى ~~انتهى إلى نهاوند. وبين موضع المسلمين الذي هم به ونهاوند بضعة وعشرون ~~فرسخا. فقال الناس: ارتد طليحة الثانية. فعلم كلام ms0874 القوم ورجع. فلما رأوه ~~كبروا. فقال: ما شأنكم؟ فأعلموه بالذي خافوا عليه. فقال: والله لو لم يكن ~~دين إلا العربي ما كنت لأجزر العجم الطماطم هذه العرب العاربة. فأعلم ~~النعمان أنه ليس بينهم وبين نهاوند شيء يكرهه ولا أحد. فرحل النعمان وعبى ~~أصحابه، وهم ثلاثون ألفا، فجعل على مقدمته نعيم ابن مقرن وعلى مجنبتيه ~~حذيفة بن اليمان وسويد بن مقرن، وعلى المجردة القعقاع بن عمرو، وعلى الساقة ~~مجاشع بن مسعود. وقد توافت إليه أمداد المدينة فيهم المغيرة بن شعبة، ~~فانتهوا إلى إسبيذهان والفرس وقوف على تعبيتهم، وأميرهم الفيرزان وعلى ~~مجنبتيه الزردق وبهمن جاذويه الذي جعل مكان ذي الحاجب. وقد توافى إليهم ~~الأمداد بنهاوند كل من غاب عن القادسية ليسوا بدونهم، فلما رآهم النعمان ~~كبر وكبر معه الناس فتزلزلت الأعاجم وحطت العرب الأثقال وضرب فسطاط ~~النعمان، فابتدر أشراف الكوفة فضربوه، منهم: حذيفة بن اليمان، وعقبة بن ~~عامر، والمغيرة بن شعبة، وبشير ابن الخصاصية، وحنظلة الكاتب، وجرير بن عبد ~~الله البجلي، والأشعث ابن قيس، وسعيد بن قيس الهمداني، ووائل بن حجر ~~وغيرهم. فلم ير بناء فسطاط بالعراق كهؤلاء. وأنشب النعمان القتال بعد حط ~~الأثقال، فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس والحرب بينهم سجال وإنهم ~~انجحروا في خنادقهم يوم الجمعة، وحصرهم المسلمون وأقاموا عليهم ما شاء ~~الله، والفرس بالخيار لا يخرجون إلا إذا أرادوا الخروج، فخاف المسلمون أن ~~يطول أمرهم، حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجمع تجمع أهل الرأي من ~~المسلمين وقالوا: نراهم علينا بالخيار. وأتوا النعمان في ذلك فوافوه وهو ~~يروي في الذي رووا فيه فأخبروه، فبعث إلى من بقي من أهل النجدات والرأي ~~فأحضرهم، فتكلم النعمان فقال: (قد ترون المشركين واعتصامهم بخنادقهم ومدنهم ~~وأنهم لا يخرجون إلينا إلا إذا شاؤوا ولا يقدر المسلمون على إخراجهم، وقد ~~ترون الذي فيه المسلمون من التضايق، فما الرأي الذي به نستخرجهم إلى ~~المناجزة وترك التطويل؟). فتكلم عمرو بن ثني، وكان أكبر الناس، وكانوا ~~يتكلمون على الأسنان، فقال: التحصن عليهم أشد من المطاولة عليكم ms0875 فدعهم ~~وقاتل من أتاك منهم. فردوا عليه رأيه. وتكلم عمرو بن معد يكرب فقال: ناهدهم ~~وكابرهم ولا تخفهم، فردوا جميعا عليه رأيه وقالوا: إنما يناطح بنا الجدران ~~وهي أعوان علينا. وقال طليحة: أرى أن نبعث خيلا لينشبوا القتال فإذا ~~اختلطوا بهم رجعوا إلينا استطرادا فإنا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم، ~~فإذا رأوا ذلك طمعوا وخرجوا فقاتلناهم حتى يقضي الله فيهم وفينا ما أحب. ~~PageV01P0455 # فأمر النعمان القعقاع بن عمرو، وكان على المجردة، فأنشب القتال، فأخرجهم ~~من خنادقهم كأنهم جبال حديد قد تواثقوا أن لا يفروا، وقد قرن بعضهم بعضا كل ~~سبعة في قران وألقوا حسك الحديد خلفهم لئلا ينهزموا. فلما خرجوا نكص ثم نكص ~~واغتنمها الأعاجم ففعلوا كما ظن طليحة وقالوا: هي هي، فلم يبق أحد إلا من ~~يقوم على الأبواب وركبوهم. ولحق القعقاع بالناس، وانقطع الفرس عن حصنهم بعض ~~الانقطاع والمسلمون على تعبية في يوم جمعة صدر النهار، وقد عهد النعمان إلى ~~الناس عهده وأمرهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوا حتى يأذن لهم، ففعلوا ~~واستتروا بالحجف من الرمي، واقبل المشركون عليهم يرمونهم حتى أفشوا فيهم ~~الجراح. وشكا بعض الناس وقالوا للنعمان: ألا ترى ما نحن فيه فما تنتظر بهم؟ ~~ائذن للناس في قتالهم. فقال: رويدا رويدا. وانتظر النعمان بالقتال أحب ~~الساعات كانت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يلقى العدو فيها وذلك ~~عند الزوال، فلما كان قريبا من تلك الساعة ركب فرسه وسار في الناس ووقف على ~~كل راية يذكرهم ويحرضهم ويمنيهم الظفر، وقال لم: إني مكبر ثلاثا فإذا كبرت ~~الثالثة فإني حامل فاحملوا، وإن قتلت فالأمير بعدي حذيفة، فإن قتل ففلان، ~~حتى عد سبعة آخرهم المغيرة. ثم قال: اللهم أعزز دينك، وانصر عبادك، واجعل ~~النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك. وقيل: بل قال: اللهم ~~إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام واقبضني شهيدا. فبكى ~~الناس. ورجع إلى موقفه فكبر ثلاثا والناس سامعون مطيعون مستعدون للقتال، ~~وحمل النعمان والناس ms0876 معه وانقضت رايته انقضاض العقاب والنعمان معلم ببياض ~~القباء والقلنسوة، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع السامعون بوقعة كانت أشد ~~منها، وما كان يسمع إلا وقع الحديد، وصبر لهم المسلمون صبرا عظيما، وانهزم ~~الأعاجم وقتل منهم ما بين الزوال والإعتام ما طبق أرض المعركة دما يزلق ~~الناس والدواب. فلما أقر الله عين النعمان بالفتح استجاب له فقتل شهيدا، ~~زلق به فرسه فصرع. وقيل: بل رمي بسهم في خاصرته فقتله، فسجاه أخوه نعيم ~~بثوب، وأخذ الراية قبل أن تقع وناولها حذيفة، فأخذها وتقدم إلى موضع ~~النعمان وترك نعيما مكانه. وقال لهم المغيرة: اكتموا مصاب أميركم حتى ننتظر ~~ما يصنع الله فينا وفيهم لئلا يهن الناس. فاقتتلوا. فلما أظلم الليل عليهم ~~انهزم المشركون وذهبوا ولزمهم المسلمون وعمي عليهم قصدهم فتركوه وأخذوا نحو ~~اللهب الذي كانوا دونه بأسبيذهان فوقعوا فيه، فكان الواحد منهم يقع فيقع ~~عليه ستة بعضهم على بعضهم في قياد واحد فيقتلون جميعا، وجعل يعقرهم حسك ~~الحديد، فمات منهم في اللهب مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل في المعركة. ~~وقيل: قتل في اللهب ثمانون ألفا وفي المعركة ثلاثون ألفا سوى من قتل في ~~الطلب، ولم يفلت إلا الشريد، ونجا الفيرزان من بين الصرعى فهرب نحو همذان، ~~فاتبعه نعيم بن مقرن، وقدم القعقاع قدامه فأدركه بثنية همذان، وهي إذ ذاك ~~مشحونة من بغال وحمير موقرة عسلا، فحبسه الدواب على أجله. فلما لم يجد ~~طريقا نزل عن دابته وصعد في الجبل، فتبعه القعقاع راجلا فأدركه فقتله ~~المسلمون على الثنية وقالوا: إن لله جنودا من عسل. واستاقوا العسل وما معه ~~من الأحمال. وسميت الثنية ثنية العسل. ودخل المشركون همذان والمسلمون في ~~آثارهم فنزلوا عليها وأخذوا ما حولها. فلما رأى ذلك خسروشنوم استأمنهم، ~~ولما تم الظفر للمسلمين جعلوا يسألون عن أميرهم النعمان بن مقرن، فقال لهم ~~أخوه معقل: هذا أميركم قد أقر الله عينه بالفتح وختم له بالشهادة فاتبعوا ~~حذيفة. PageV01P0456 # ودخل المسلمون نهاوند يوم الوقعة بعد الهزيمة واحتووا ما فيها من الأمتعة ~~وغيرها وما حولها ms0877 من الأسلاب والأثاث وجمعوا إلى صاحب الأقباض السائب ابن ~~الأقرع. وانتظر من بنهاوند ما يأتيهم من إخوانهم الذين على همذان مع ~~القعقاع ونعيم، فأتاهم الهربذ صاحب بيت النار على أمان، فأبلغ حذيفة، فقال: ~~أتؤمنني ومن شئت على أن أخرج لك ذخيرة لكسرى تركت عندي لنوائب الزمان؟ قال: ~~نعم. فأحضر جوهرا نفيسا في سفطين، فأرسلهما مع الأخماس إلى عمر. وكان حذيفة ~~قد نفل منها وأرسل الباقي مع السائب ابن الأقرع الثقفي، وكان كاتبا حاسبا، ~~أرسله عمر إليهم وقال له: إن فتح الله عليكم فاقسم على المسلمين فيئهم وخذ ~~الخمس، وإن هلك هذا الجيش فاذهب فبطن الأرض خير من ظهرها. قال السائب: فلما ~~فتح الله على المسلمين وأحضر الفارسي السفطين اللذين أودعهما عنده النخير ~~جان فإذا فيهما اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، فلما فرغت من القسمة احتملتهما ~~معي وقدمت على عمر، وكان قد قدر الوقعة فبات يتململ ويخرج ويتوقع الأخبار، ~~فبينما رجل من المسلمين قد خرج في بعض حوائجه فرجع إلى المدينة ليلا، فمر ~~به راكب فسأله: من أين أقبل؟ فقال: من نهاوند، وأخبره بالفتح وقتل النعمان، ~~فلما أصبح الرجل تحدث بهذا بعد ثلاث من الوقعة، فبلغ الخبر عمر فسأله ~~فأخبره، فقال ذلك بريد الجن. ثم قدم البريد بعد ذلك فأخبره بما يسره ولم ~~يخبره بقتل النعمان: قال السائب: فخرج عمر من الغد يتوقع الأخبار. قال: ~~فأتيته فقال: ما وراءك؟ فقلت: خيرا يا أمير المؤمنين. فتح الله عليك وأعظم ~~الفتح، واستشهد النعمان بن مقرن. فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم ~~بكى فنشج حتى بانت فروع كتفيه فوق كتده. قال: فلما رأيت ذلك وما لقي قلت: ~~يا أمير المؤمنين ما أصيب بعده رجل يعرف وجهه. فقال: أولئك المستضعفون من ~~المسلمين ولكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم، وما يصنع أولئك ~~بمعرفة عمر! ثم أخبرته بالسفطين فقال: أدخلهما بيت المال حتى ننظر في ~~شأنهما والحق بجندك. قال: ففعلت وخرجت سريعا إلى الكوفة. وبات عمر، فلما ~~أصبح بعث في أثري رسولا فما أدركني حتى دخلت ms0878 الكوفة فأنخت بعيري وأناخ ~~بعيره على عرقوبي بعيري فقال: الحق بأمير المؤمنين، فقد بعثني في طلبك فلم ~~أقدر عليك إلا الآن. قال: فركبت معه فقدمت على عمر، فلما رآني قال: إلي وما ~~لي وللسائب! قلت: ولماذا؟ قال: ويحك والله ما هو إلا أن نمت الليلة التي ~~خرجت فيها فباتت الملائكة تستحبني إلى ذينك السفطين يشتعلان نارا فيقولون: ~~لنكوينك بهما، فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين. فخذهما عني فبعهما في ~~أعطية المسلمين وأرزاقهم. قال: فخرجت بهما فوضعتهما في مسجد الكوفة، ~~فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف درهم، ثم خرج بهما إلى أرض ~~الأعاجم فباعهما بأربعة آلاف ألف، فما زال أكثر أهل الكوفة مالا ثم قسم ~~ثمنهما بين الغانمين فنال كل فارس أربعة آلاف درهم من ثمن السفطين. وكان ~~سهم الفارس بنهاوند ستة آلاف وسهم الراجل ألفين. وقد نفل حذيفة من الأخماس ~~من شاء من أهل البلاء يوم نهاوند وكان المسلمون ثلاثين ألفا. ولما قدم سبي ~~نهاوند المدينة جعل أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لا يلقى منهم صغيرا إلا ~~مسح رأسه وبكى وقال له: أكل عمر كبدي! وكان من نهاوند فأسرته الروم وأسره ~~المسلمون من الروم فنسب إلى حيث سبي. وكان المسلمون يسمون فتح نهاوند فتح ~~الفتوح لأنه لم يكن للفرس بعده اجتماع. وملك المسلمون بلادهم. ### || AUT ذكر فتح الدينور والصميرة وغيرهما # لما انصرف أبو موسى من نهاوند، وكان قد جاء مددا على بعث أهل البصرة، ~~فمر بالدينور فأقام عليها خمسة أيام وصالحه أهلها على الجزية ومضى فصالحه ~~أهل سيروان على مثل صلحهم، وبعث السائب بن الأقرع الثقفي إلى الصميرة مدينة ~~مهرجان قذق ففتحها صلحا، وقيل: إنه وجه السائب من الأهواز ففتح ولاية ~~مهرجان قذق. ### || AUT ذكر فتح همذان والماهين وغيرهما # PageV01P0457 # لما انهزم المشركون دخل من سلم منهم همذان وحاصرهم نعيم بن مقرن والقعقاع ~~بن عمرو. فلما رأى ذلك خسروشنوم استأمنهم وقبل منهم الجزية على أن يضمن ~~منهم همذان وسدستبى وألا يؤتى المسلمون منهم، فأجابوه إلى ذلك وآمنوه ومن ~~معه ms0879 من الفرس، وأقبل كل من كان هرب، وبلغ الخبر الماهين بفتح همذان وملكها ~~ونزول نعيم والقعقاع بها، فاقتدوا بخسروشنوم فراسلوا حذيفة فأجابهم إلى ما ~~طلبوا وأجمعوا على القبول وأجمعوا على إتيان حذيفة؛ فخدعهم دينار وهو أحد ~~أولئك الملوك، وكان أشرفهم قارن، وقال: لا تقلوهم في جمالكم، ففعلوا، ~~وخالفهم فأتاهم في الديباج والحلي فأعطاهم حاجتهم، واحتمل المسلمون ما ~~أرادوا وعاقدوه عليهم، ولم يجد الآخرون بدا من متابعته والدخول في أمره، ~~فقيل ماه دينار لذلك. وكان النعمان بن مقرن قد عاقد بهراذان على مثل ذلك ~~فنسب إلى بهراذان، وكان قد وكل النسير بن ثور بقلعة قد لجأ إليها قوم ~~فجاهدهم فافتتحها فنسبت إلى النسير وهو تصغير نسر. قيل: دخل دينار الكوفة ~~أيام معاوية فقال: يا أهل الكوفة إنكم أول ما مررتم بنا كنتم خيار الناس ~~فبقيتم كذلك زمن عمر وعثمان، ثم تغيرتم وفشت فيكم خصال أربع: بخل، وخب، ~~وغدر، وضيق، ولم يكن فيكم واحدة منهن، وقد رمقتكم فرأيت ذلك في مولديكم ~~فعلمت من أين أتيتم، فإذا الخب من قبل النبط، والبخل من قبل فارس، والغدر ~~من قبل خراسان، والضيق من قبل الأهواز. ### || AUT ذكر دخول المسلمين بلاد الأعاجم # وفيها أمر عمر المسلمين بالانسياح في بلاد العجم وطلب الفرس أين كانوا، ~~وقيل: كان ذلك سنة ثماني عشرة، وقد تقدم ذكره. وسبب ذلك ما كان من يزدجرد ~~وبعثه الجنود مرة بعد أخرى، فوجه الأمراء من أهل البصرة وأهل الكوفة بعد ~~فتح نهاوند، وكان بين عمل سعد وعمل عمار أميران، أحدهما عبد الله بن عبد ~~الله بن عتبان، وفي زمانه كانت وقعة نهاوند، والآخر زياد بن حنظلة حليف بني ~~عبد بن قصي، وفي زمانه أمر بالانسياح وعزل عبد الله وبعث في وجه آخر، وولي ~~زياد، وكان من المهاجرين، فعمل قليلا وألح في الاستعفاء فأعفاه عمر وولى ~~عمار بن ياسر وكتب معه إلى أهل الكوفة: إني بعثت عمارا أميرا وجعلت معه ابن ~~مسعود معلما. وكان ابن مسعود بحمص فسيره عمر إلى الكوفة، وأمد أهل البصرة ~~بعبد ms0880 الله بن عبد الله، وأمد أهل الكوفة بأبي موسى. وكان أهل همذان قد ~~كفروا بعد الصلح، فبعث عمر لواء إلى نعيم بن مقرن وأمره بقصد همذان، فإذا ~~فتحها سار إلى ما وراء ذلك إلى خراسان، وبعث عتبة بن فرقد وبكير بن عبد ~~الله إلى أذربيجان، يدخل أحدهما من حلوان والآخر من الموصل، وبعث عبد الله ~~بن عبد الله إلى أصبهان، وأمر عمر سراقة على البصرة. ### || AUT ذكر فتح أصبهان # وفيها بعث عمر إليها عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وكان شجاعا من ~~أشراف الصحابة ومن وجوه الأنصار حليف لبني الحبلى، وأمده بأبي موسى، وجعل ~~على مجنبتيه عبد الله بن ورقاء الرياحي وعصمة بن عبد الله، فساروا إلى ~~نهاوند، ورجع حذيفة إلى عمله على ما سقت دجلة وما وراءها، وسار عبد الله ~~فيمن كان معه ومن تبعه من جند النعمان بنهاوند، نحو أصبهان، وعلى جندها ~~الاستندار، وعلى مقدمته شهربراز بن جاذويه، شيخ كبير، في جمع عظيم، فالتقى ~~المسلمون ومقدمة المشركين برستاق لأصبهان، فاقتتلوا قتالا شديدا، ودعا ~~الشيخ إلى البراز، فبرز له عبد الله بن ورقاء الرياحي فقتله، وانهزم أهل ~~أصبهان. فسمي ذلك الرستاق رستاق الشيخ إلى اليوم، وصالحهم الاستندار على ~~رستاق الشيخ، وهو أول رستاق أخذ من أصبهان. ثم سار عبد الله إلى مدينة جي ~~وهي مدينة أصبهان، فانتهى إليها والملك بأصبهان الفاذوسفان، فنزل بالناس ~~على جي وحاصرها وقاتلها، ثم صالحه الفاذوسفان على أصبهان وأن على من أقام ~~الجزية وأقام على ماله وأن يجزى من أخذت أرضه عنوة مجراهم ومن أبى وذهب كان ~~لكم أرضه، وقدم أبو موسى على عبد الله من ناحية الأهواز وقد صالح، فخرج ~~القوم من جي ودخلوا في الذمة إلا ثلاثين رجلا من أهل أصبهان لحقوا بكرمان. ~~ودخل عبد الله وأبو موسى جيا، وكتب بذلك إلى عمر. فقدم كتاب عمر إلى عبد ~~الله: أن سر حتى تقدم على سهيل بن عدي فتكون معه على قتال من بكرمان، فسار ~~واستخلف على أصبهان السائب بن الأقرع، ولحق بسهيل ms0881 قبل أن يصل إلى كرمان. ~~PageV01P0458 # قيل: وقد روي عن معقل بن يسار أن الأمير كان على الجند الذين فتحوا ~~أصبهان النعمان بن مقرن، وأن عمر أرسله من المدينة إلى أصبهان وكتب إلى أهل ~~الكوفة أن يمدوه، فسار إلى أصبهان وبها ملكها ذو الحاجبين، فأرسل إليه ~~المغيرة بن شعبة وعاد من عنده فقاتلهم وقتل النعمان ووقع ذو الحاجبين عن ~~دابته فانشقت بطنه وانهزم أصحابه. قال معقل: فأتيت النعمان وهو صريع فجعلت ~~عليه علما. فلما انهزم المشركون أتيته، ومعي إداوة فيها ماء، فغسلت عن وجهه ~~التراب فقال: ما فعل الناس؟ فقلت: فتح الله عليهم. قال: الحمد لله! ومات. ~~هكذا في هذه الرواية، والصحيح أن النعمان قتل بنهاوند وافتتح أبو موسى قم وقاشان. ### || AUT ذكر ولاية المغيرة بن شعبة على الكوفة # وفيها ولى عمر عمار بن ياسر على الكوفة، وابن مسعود على بيت المال ~~وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض. فشكا أهل الكوفة عمارا، فاستعفى عمار عمر ~~بن الخطاب، فولى عمر جبير بن مطعم الكوفة، وقال له: لا تذكره لأحد. فسمع ~~المغيرة بن شعبة أن عمر خلا بجبير، فأرسل امرأته إلى امرأة جبير بن مطعم ~~لتعرض عليها طعام السفر، ففعلت، فقالت: نعم ما حييتني به. فلما علم المغيرة ~~جاء إلى عمر فقال له: بارك الله لك فيمن وليت! وأخبره الخبر فعزله وولى ~~المغيرة بن شعبة الكوفة، فلم يزل عليها حتى مات عمر. وقيل: إن عمارا عزل ~~سنة اثنتين وعشرين وولي بعده أبو موسى. وسيرد ذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # قيل: وفيها بعث عمرو بن العاص عقبة بن نافع الفهري فافتتح زويلة صلحا، ~~وما بين برقة وزويلة سلم للمسلمين. وقيل: سنة عشرين. كان الأمراء في هذه ~~السنة: عمير بن سعد على دمشق وحوران وحمص وقنسرين والجزيرة؛ ومعاوية على ~~البلقاء والأردن وفلسطين والسواحل وأنطاكية وقلقية ومعرة مصرين، وعند ذلك ~~صالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة على قلقية وأنطاكية ومعرة مصرين. وفيها ولد ~~الحسن البصري وعامر الشعبي. وحج بالناس عمر بن ms0882 الخطاب، واستخلف على المدينة ~~زيد بن ثابت. وكان عامله على مكة والطائف واليمن واليمامة ومصر والبصرة من ~~كان قبل ذلك، وكان على الكوفة عمار بن ياسر، وشريح على القضاء. وفيها بعث ~~عثمان بن أبي العاص بعثا إلى ساحل فارس فحاربوهم ومعهم الجارود العبدي، ~~فقتل الجارود بعقبة تعرف بعقبة الجارود، وقيل: بل قتل بنهاوند مع النعمان. ~~وفيها مات حممة، وهو من الصحابة، بأصبهان بعد فتحها، والعلاء بن الحضرمي ~~وهو على البحرين، فاستعمل عمر مكانه أبا هريرة. وفيها مات خالد ابن الوليد ~~بحمص وأوصى إلى عمر بن الخطاب، وقيل: مات سنة ثلاث وعشرين، وقيل: مات ~~بالمدينة. والأول أصح. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين # في هذه السنة افتتحت أذربيجان، وقيل: سنة ثماني عشرة بعد فتح همذان ~~والري وجرجان، فنبدأ بذكر فتح هذه البلاد ثم نذكر أذربيجان بعدها. ### || AUT ذكر فتح همذان ثانيا # قد تقدم مسير نعيم بن مقرن إلى همذان وفتحها على يده ويد القعقاع بن ~~عمرو، فلما رجعا عنها كفر أهلها مع خسروشنوم، فلما قدم عهد نعيم من عند عمر ~~ودع حذيفة وسار يريد همذان وعاد حذيفة إلى الكوفة، فخرج نعيم ابن مقرن على ~~تعبية إلى همذان فاستولى على بلادها جميعا وحاصرها، فلما رأى أهلها ذلك ~~سألوا الصلح ففعل وقبل منهم الجزية. وقد قيل: إن فتحها كان سنة أربع وعشرين ~~بعد مقتل عمر بستة أشهر. فبينما نعيم بهمذان في اثني عشر ألفا من الجند ~~كاتب الديلم وأهل الري وأذربيجان، إذ خرج موتا في الديلم حتى نزل بواج روذ، ~~وأقبل الزينبي أبو الفرخان في أهل الري، وأقبل أسفنديار أخو رستم في أهل ~~أذربيجان، فاجتمعوا وتحصن منهم أمراء المسالح وبعثوا إلى نعيم بالخبر، ~~فاستخلف يزيد بن قيس الهمذاني وخرج إليهم، فاقتتلوا بواج روذ قتالا شديدا، ~~وكانت وقعة عظيمة تعدل بنهاوند، فانهزم الفرس هزيمة قبيحة وقتل منهم مقتلة ~~كبيرة لا يحصون، فأرسلوا إلى عمر مبشرا، فأمر عمر نعيما بقصد الري وقتال من ~~بها والمقام بها بعد فتحها. PageV01P0459 # وقيل: إن المغيرة بن شعبة، وهو عامل ms0883 على الكوفة، أرسل جرير بن عبد الله ~~إلى همذان، فقاتله أهلها وأصيبت عينه بسهم، فقال: احتسبها عند الله الذي ~~زين بها وجهي ونور لي ما شاء ثم سلبنيها في سبيله. ثم فتحها على مثل صلح ~~نهاوند وغلب على أرضها قسرا. وقيل: كان فتحها على يد المغيرة بنفسه، وكان ~~جرير على مقدمته. وقيل: فتحها قرظة بن كعب الأنصاري. ### || AUT ذكر فتح قزوين وزنجان # لما سير المغيرة جريرا إلى همذان ففتحها سير البراء بن عازب في جيش إلى ~~قزوين وأمره أن يسير إليها فإن فتحها الله على يده غزا الديلم منها، وإنما ~~كان مغزاهم قبل من دستبى. فسار البراء حتى أتى أبهر، وهو حصن، فقاتلوه ثم ~~طلبوا الأمان فآمنهم وصالحهم، ثم غزا قزوين، فلما بلغ أهلها الخبر أرسلوا ~~إلى الديلم يطلبونن النصرة فوعدوهم، ووصل المسلمون إليهم فخرجوا لقتالهم ~~والديلم وقوف على الجبل لا يمدون يدا، فلما رأى أهل قزوين ذلك طلبوا الصلح ~~على صلح أبهر؛ وقال بعض المسلمين: قد علم الديلم إذ تحارب ... حين أتى في ~~جيشه ابن عازب بأن ظن المشركين كاذب ... فكم قطعنا في دجى الغياهب من جبل ~~وعر ومن سباسب وغزا البراء الديلم حتى أدوا إليه الإتاوة، وغزا جيلان ~~والببر والطيلسان، وفتح زنجان عنوة. ولما ولي الوليد بن عقبة الكوفة غزا ~~الديلم وأذربيجان وجيلان وموقان والببر والطيلسان ثم انصرف. ### || AUT ذكر فتح الري # ثم انصرف نعيم من واج روذ حتى قدم الري وخرج الزينبي أبو الفرخان من ~~الري فلقي نعيما طالبا الصلح ومسالما له ومخالفا لملك الري، وهو سياوخش ابن ~~مهران بن بهرام جوبين، فاستمد سياوخش أهل دنباوند وطبرستان وقومس وجرجان ~~فأمدوه خوفا من المسلمين، فالتقوا مع المسلمين في سفح جبل الري إلى جنب ~~مدينتها، فاقتتلوا به، وكان الزينبي قال لنعيم: إن القوم كثير وأنت في قلة ~~فباعث معي خيلا أدخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهدهم أنت فإنهم ~~إذا خرجنا عليهم لم يثبتوا لك. فبعث معه نعيم خيلا من الليل عليهم ابن أخيه ~~المنذر بن عمرو، ms0884 فأدخلهم الزينبي المدينة ولا يشعر القوم وبيتهم نعيم بياتا ~~فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا وصبروا له حتى سمعوا التكبير من ورائهم ~~فانهزموا فقتلوا مقتلة عدوا بالقصب فيها، وأفاء الله على المسلمين بالري ~~نحوا مما في المدائن وصالحه الزينبي على الري، ومرزبة عليهم نعيم، فلم يزل ~~شرف الري في أهل الزينبي، وأخرب نعيم مدينتهم، وهي التي يقال لها العتيقة، ~~وأمر الزينبي فبنى مدينة الري الحدثي. وكتب نعيم إلى عمر بالفتح وأنفذ ~~الأخماس، وكان البشير المضارب العجلي، وراسله المصمغان في الصلح على شيء ~~يفتدي به منه على دنباوند، فأجابه إلى ذلك. وقد قيل: إن فتح الري كان على ~~يد قرظة بن كعب، وقيل: كان فتحها سنة إحدى وعشرين. وقيل غير ذلك. والله أعلم. ### || AUT ذكر فتح قومس وجرجان وطبرستان # لما أرسل نعيم إلى عمر بالبشارة وأخماس الري كتب إليه عمر يأمره بإرسال ~~أخيه سويد بن مقرن ومعه هند بن عمرو الجملي وغيره إلى قومس، فسار سويد نحو ~~قومس، فلم يقم له أحد، فأخذها سلما وعسكر بها، وكاتبه الذين لجأوا إلى ~~طبرستان منهم والذين أخذوا المفاوز، فأجابهم إلى الصلح والجزية وكتب لهم ~~بذلك. ثم سار سويد إلى جرجان فعكسر بها ببسطام وكتب إلى ملك جرجان، وهو ~~زرنان صول، وكاتبه زرنان صول وصالحه على جرجان على الجزية وكافية حرب جرجان ~~وأن يعينه سويد إن غلب، فأجابه سويد إلى ذلك، وتلقاه زرنان صول قبل دخوله ~~جرجان فدخل معه وعسكر بها حتى جبى الخراج وسمى فروجها فسدها بترك دهستان، ~~ورفع الجزية عمن قام بمنعها وأخذها من الباقين. وقيل: كان فتحها سنة ثماني ~~عشرة. وقيل: سنة ثلاثين زمن عثمان. قيل: وأرسل الأصبهبذ صاحب طبرستان سويدا ~~في الصلح على أن يتوادعا ويجعل له شيئا على غير نصر ولا معونة على أحد، ~~فقبل ذلك منه وكتب له كتابا. ### || AUT ذكر فتح طرابلس الغرب وبرقة # PageV01P0460 # في هذه السنة سار عمرو بن العاص من مصر إلى برقة فصالحه أهلها على الجزية ~~وأن يبيعوا من أبنائهم من أرادوا بيعه. فلما فرغ من برقة ms0885 سار إلى طرابلس ~~الغرب فحاصرها شهرا فلم يظفر بها، وكان قد نزل شرقيها، فخرج رجل من بني ~~مدلج يتصد في سبعة نفر وسلكوا غرب المدينة، فلما رجعوا اشتد عليهم الحر ~~فأخذوا على جانب البحر، ولم يكن السور متصلا بالبحر، وكانت سفن الروم في ~~مرساها مقابل بيوتهم، فرأى المدلجي وأصحابه مسلكا بين البحر والبلد فدخلوا ~~منه وكبروا، فلم يكن للروم ملجأ إلا سفنهم لأنهم ظنوا أن المسلمين قد دخلوا ~~البلد، ونظر عمرو ومن معه فرأى السيوف في المدينة وسمعوا الصياح، فأقبل ~~بجيشه حتى دخل عليهم البلد، فلم يفلت الروم إلا بما خف معهم في مراكبهم. ~~وكان أهل حصن سبرة قد تحصنوا لما نزل عمرو على طرابلس، فلما امتنعوا عليه ~~بطرابلس أمنوا واطمأنوا، فلما فتحت طرابلس جند عمرو عسكرا كثيفا وسيره إلى ~~سبرة، فصبحوها وقد فتح أهلها الباب وأخرجوا مواشيهم لتسرح لأنهم لم يكن ~~بلغهم خبر طرابلس، فوقع المسلمون عليهم ودخلوا البلد مكابرة وغنموا ما فيه ~~وعادوا إلى عمرو. ثم سار عمرو بن العاص إلى برقة وبها لواتة، وهم من ~~البربر. وكان سبب مسير البربر إليها وإلى غيرها من الغرب أنهم كانوا بنواحي ~~فلسطين من الشام وكان ملكهم جالوت، فلما قتل سارت البرابر وطلبوا الغرب حتى ~~إذا انتهوا إلى لوبية ومراقية، وهما كورتان من كور مصر الغربية، تفرقوا ~~فسارت زناتة ومغيلة، وهما قبيلتان من البربر، إلى الغرب فسكنوا الجبال، ~~وسكنت لواتة أرض برقة، وتعرف قديما بأنطابلس، وانتشروا فيها حتى بلغوا ~~السوس، ونزلت هوارة مدينة لبدة، ونزلت نفوسة إلى مدينة سبرة وجلا من كان ~~بها من الروم لذلك، وقام الأفارق، وهم خدم الروم، على صلح يؤدونه إلى من ~~غلب على بلادهم. وسار عمرو بن العاص، كما ذكرنا، فصالحه أهلها على ثلاثة ~~عشر ألف دينار يؤدونها جزية وشرطوا أن يبيعوا من أرادوا من أولادهم في جزيتهم. ### || AUT ذكر فتح أذربيجان # قال: فلما افتتح نعيم الري بعث سماك بن خرشة الأنصاري - وليس بأبي دجانة ~~- ممدا لبكير بن عبد الله بأذربيجان، أمره عمر بذلك، فسار سماك ms0886 نحو بكير، ~~وكان بكير حيث بعث إليها سار حتى إذا طلع بجبال جرميذان طلع عليهم اسفنديار ~~بن فرخزاذ مهزوما من واج روذ، فكان أول قتال لقيه بأذربيجان، فاقتتلوا، ~~فهزم الفرس وأخذ بكير اسفنديار أسيرا. فقال له اسفنديار: الصلح أحب إليك أم ~~الحرب؟ قال: بل الصلح. قال: أمسكني عندك فإن أهل أذربيجان إن لم أصالح ~~عليهم أو أجىء إليهم لم يقوموا لك وجلوا إلى الجبال التي حولها، ومن كان ~~على التحصن تحصن إلى يوم ما. فأمسكه عنده، وصارت البلاد إليه إلا ما كان من ~~حصن. وقدم عليه سماك بن خرشة ممدا واسفنديار في إساره وقد افتتح ما يليه، ~~وافتتح عتبة بن فرقد ما يليه. وكتب بكير إلى عمر يستأذنه في التقدم، فأذن ~~له أن يتقدم نحو الباب، وأن يستخلف على ما افتتحه، فاستخلف عليه عتبة بن ~~فرقد، فأقر عتبة سماك بن خرشة على عمل بكير الذي كان افتتحه، وجمع عمر ~~أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد. وكان بهرام بن فرخزاذ قصد طريق عتبة وأقام به ~~في عسكره حتى قدم عليه عتبة، فاقتتلوا، فانهزم بهرام، فلما بلغ خبره ~~اسفنديار وهو في الأسر عند بكير قال: الآن تم الصلح وطفئت الحرب. فصالحه ~~وأجاب إلى ذلك أهل أذربيجان كلهم، وعادت أذربيجان سلما. وكتب بذلك بكير ~~وعتبة إلى عمر وبعثا بما خمسا. ولما جمع عمر لعتبة عمل بكير كتب لأهل ~~أذربيجان كتابا بالصلح. وفيها قدم عتبة على عمر بالخبيص الذي كان أهدي له. ~~وكان عمر يأخذ عماله بموافاة الموسم كل سنة يمنعهم بذلك عن الظلم. ### || AUT ذكر فتح الباب # PageV01P0461 # في هذه السنة كان فتح الباب، وكان عمر رد أبا موسى إلى البصرة وبعث سراقة ~~بن عمرو، وكان يدعى ذا النور، إلى الباب، وجعل على مقدمته عبد الرحمن بن ~~ربيعة، وكان أيضا يدعى ذا النور، وجعل على إحدى مجنبتيه حذيفة بن أسيد ~~الغفاري، وعلى الأخرى بكير بن عبد الله الليثي، وكان بكير سبقه إلى الباب. ~~وجعل على المقاسم سلمان بن ربيعة الباهلي. فسار سراقة، فلما خرج من ms0887 ~~أذربيجان قدم بكير إلى الباب، وكان عمر قد أمد سراقة بحبيب بن مسلمة من ~~الجزيرة وجعل مكانه زياد بن حنظلة. ولما أطل عبد الرحمن بن ربيعة على ~~الباب، والملك بها يومئذ شهريار، وهو من ولد شهريار الذي أفسد بني إسرائيل ~~وأغزى الشام بهم، فكاتبه شهريار واستأمنه على أن يأتيه، ففعل، فأتاه فقال: ~~إني بإزاء عدو كلب وأمم مختلفة ليست لهم أحساب ولا ينبغي لذي الحسب والعقل ~~أن يعينهم على ذي الحسب ولست من البقبج ولا الأرمن في شيء، وإنكم قد غلبتم ~~على بلادي وأمتي فأنا منكم ويدي مع أيديكم وجزيتي إليكم والنصر لكم والقيام ~~بما تحبون فلا تسوموننا الجزية فتوهنونا بعدوكم. قال: فسيره عبد الرحمن إلى ~~سراقة، فلقيه بمثل ذلك، فقبل منه سراقة ذلك، وقال: لابد من الجزية ممن يقيم ~~ولا يحارب العدو. فأجابه إلى ذلك. وكتب سراقة في ذلك إلى عمر فأجازه عمرو واستحسنه. ### || AUT ذكر فتح موقان # لما فرغ سراقة من الباب أرسل بكير بن عبد الله وحبيب بن مسلمة وحذيفة ~~ابن أسيد وسلمان بن ربيعة إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية، فوجه بكيرا ~~إلى موقان، وحبيبا إلى تفليس، وحذيفة إلى جبال اللان، وسلمان إلى الوجه ~~الآخر. وكتب سراقة بالفتح إلى عمر وبإرسال هؤلاء النفر إلى الجهات ~~المذكورة، فأتى عمر أمر لم يظن أن يستتم له بغير مؤونة لأنه فرج عظيم وجند ~~عظيم، فلما استوسقوا واستحلوا الإسلام وعدله مات سراقة، واستخلف عبد الرحمن ~~بن ربيعة. ولم يفتتح أحد من أولئك القواد إلا بكير فإنه فض أهل موقان ثم ~~تراجعوا على الجزية عن كل حالم دينار. وكان فتحها سنة إحدى وعشرين. ولما ~~بلغ عمر موت سراقة واستخلافه عبد الرحمن بن ربيعة أقر عبد الرحمن على فرج ~~الباب وأمره بغزو الترك. أسيد في هذه التراجم بفتح الهمزة وكسر السين. ~~والنور في الموضعين بالراء. ### || AUT ذكر غزو الترك # لما أمر عمر عبد الرحمن بن ربيعة بغزو الترك خرج بالناس حتى قطع الباب. ~~فقال له شهريار: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد ms0888 غزو بلنجر والترك. قال: إنا ~~لنرضى منهم أن يدعونا من دون الباب. قال عبد الرحمن: لكنا لا نرضى حتى ~~نغزوهم في ديارهم، وبالله إن معنا أقواما لو يأذن لهم أميرنا في الإمعان ~~لبلغت بهم الروم. قال: وما هم؟ قال: اقوام صحبوا رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، ودخلوا في هذا الأمر بنية، ولا يزال هذا الأمر لهم دائما ولا يزال ~~النصر معهم حتى يغيرهم من يغلبهم وحتى يلفتوا عن حالهم. فغزا بلنجر غزاة في ~~زمن عمر فقالوا: ما اجترأ علينا إلا ومعه الملائكة تمنعهم من الموت، فهربوا ~~منه وتحصنوا، فرجع بالغنيمة والظفر، وقد بلغت خيله البيضاء على رأس مائتي ~~فرسخ من بلنجر، وعادوا ولم يقتل منهم أحد. ثم غزاهم أيام عثمان بن عفان ~~غزوات فظفر كما كان يظفر، حتى تبدل أهل الكوفة لاستعمال عثمان من كان ارتد ~~استصلاحا لهم فزادهم فسادا، فغزا عبد الرحمن بن ربيعة بعد ذلك فتذامرت ~~الترك واجتمعوا في الغياض فرمى رجل منهم رجلا من المسلمين على غرة فقتله ~~وهرب عنه أصحابه، فخرجوا عليه عند ذلك فاقتتلوا واشتد قتالهم ونادى مناد من ~~الجو: صبرا عبد الرحمن وموعدكم الجنة! فقاتل عبد الرحمن حتى قتل وانكشف ~~أصحابه وأخذ الراية سلمان بن ربيعة أخوه فقاتل بها، ونادى مناد من الجو: ~~صبرا آل سلمان! فقال سلمان: أو ترى جزعا؟ وخرج سلمان بالناس معه أبو هريرة ~~الدوسي على جيلان فقطعوها إلى جرجان، ولم يمنعهم ذلك من إنجاء جسد عبد ~~الرحمن، فهم يستسقون به إلى الآن. ### || AUT ذكر تعديل الفتوح بين أهل الكوفة والبصرة # في هذه السنة عدل عمر فتوح أهل الكوفة والبصرة بينهم. PageV01P0462 # وسبب ذلك أن عمر بن سراقة كتب إلى عمر بن الخطاب يذكر له كرة أهل البصرة ~~وعجز خراجهم عنهم، وسأله أن يزيدهم أحد الماهين أو ماسبذان، وبلغ أهل ~~الكوفة ذلك وقالوا لعمار بن ياسر، وكان على الكوفة أميرا سنة وبعض أخرى: ~~اكتب إلى عمر أن رامهرمز وإيذج لنا دونهم لم يعينونا عليهما ولم يلحقونا ~~حتى افتتحناهما، فلم يفعل عمار، ms0889 فقال له عطارد: أيها العبد الأجدع فعلام ~~تدع فيئنا؟ فقال: لقد سببت أحب أذني إليذ فأبغضوه لذلك. واختصم أهل الكوفة ~~وأهل البصرة، وادعى أهل البصرة قرى افتتحها أبو موسى دون أصبهان أيام أمد ~~به عمر بن الخطاب أهل الكوفة. فقال لهم أهل الكوفة: أتيتمونا مددا وقد ~~افتتحنا البلاد فأنشبناكم في المغانم، والذمة ذمتنا والأرض أرضنا. فقال ~~عمر: صدقوا. فقال أهل الأيام والقادسية ممن سكن البصرة: فلتعطونا نصيبنا ~~مما نحن شركاؤهم فيه من سوادهم وحواشيهم. فأعطاهم عمر مائة دينار برضا أهل ~~الكوفة أخذها من شهد الأيام والقادسية. ولما ولي معاوية، وكان هو الذي جند ~~قنسرين من أتاه من أهل العراقين أيام علي، وإنما كان قنسرين رستاقا من ~~رساتيق حمص، فأخذ لهم معاوية حين ولي بنصيبهم ومن فتوح العراق وأذربيجان ~~والموصل والباب لأنه من فتوح أهل الكوفة. وكان أهل الجزيرة والموصل يومئذ ~~ناقلة، انتقل إليها كل من نزل بهجرته من أهل البلدين أيام علي، فأعطاهم ~~معاوية من ذلك نصيبا. وكفر أهل أرمينية أيام معاوية، وقد أمر حبيب بن مسلمة ~~على الباب، وحبيب يومئذ بجرزان، وكات أهل تفليس وتلك الجبال من جرزان ~~فاستجابوا له. ### || AUT ذكر عزل عمار بن ياسر عن الكوفة # ### || AUT وولاية أبي موسى والمغيرة بن شعبة # وفيها عمل عمر بن الخطاب عمار بن ياسر عن الكوفة واستعمل أبا موسى. وسبب ~~ذلك أن أهل الكوفة شكوه وقالوا له: إنه لا يحتمل ما هو فيه وإنه ليس بأمين، ~~ونزا به أهل الكوفة. فدعاه عمر، فخرج معه وفد يريد أنهم معه، فكانوا أشد ~~عليه ممن تخلف عنه، وقالوا: إنه غير كاف وعالم بالسياسة ولا يدري على ما ~~استعملته. وكان منهم سعد بن مسعود الثقفي، عم المختار، وجرير بن عبد الله، ~~فسعيا به، فعزله عمر. وقال عمر لعمار: أساءك العزل؟ قال: ما سرني حين ~~استعملت ولقد ساءني حين عزلت. فقال له: قد علمت ما أنت بصاحب عمل ولكني ~~تأولت: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم ~~الوارثين) القصص: 5. ثم أقبل ms0890 عمر على أهل الكوفة فقال: من تريدون؟ قالوا: ~~أبا موسى. فأمره عليهم بعد عمار. فأقام عليهم سنة فباع غلامه العلف، فشكاه ~~الوليد ابن عبد شمس وجماعة معه وقالوا: إن غلامه يتجر في جسرنا، فعزله عنهم ~~وصرفه إلى البصرة. وصرف عمر ابن سراقة إلى الجزيرة. وخلا عمر في ناحية ~~المسجد فنام، فأتاه المغيرة بن شعبة فحرسه حتى استيقظ، فقال: ما فعلت هذا ~~يا أمير المؤمنين إلا من عظيم. فقال: وأي شيء أعظم من مائة ألف لا يرضون عن ~~أمير ولا يرضى عنهم أمير؟ وأحيطت الكوفة حين اختطت على مائة ألف مقاتل. ~~وأتاه أصحابه فقالوا: ما شأنك؟ فقال: إن أهل الكوفة قد عضلوني. واستشارهم ~~فيمن يوليه. وقال: ما تقولون في تولية رجل ضعيف مسلم أو رجل قوي مسدد؟ فقال ~~المغيرة: أما الضعيف المسلم فإن إسلامه لنفسه وضعفه عليك، وأما القوي ~~المسدد فإن سداده لنفسه وقوته للمسلمين. فولى المغيرة الكوفة، فبقي عليها ~~حتى مات عمر، وذلك نحو سنتين وزيادة. وقال له حين بعثه: يا مغيرة ليأمنك ~~الأبرار وليخفك الفجار. ثم أراد عمر أن يبعث سعدا على عمل المغيرة فقتل عمر ~~قبل ذلك فأوصى به. ### || AUT ذكر فتح خراسان # وفي هذه السنة غزا الأحنف بن قيس خراسان، في قول بعضهم. وقيل: سنة ثماني ~~عشرة. وسبب ذلك أن يزدجرد لما سار إلى الري بعد هزيمة أهل جلولاء وانتهى ~~إليها وعليها أبان جاذويه وثب عليه فأخذه. فقال يزدجرد: يا أبان تغدرني! ~~قال: لا ولكن قد تركت ملكك فصار في يد غيرك فأحببت أن أكتتب على ما كان لي ~~من شيء. وأخذ خاتم يزدجرد واكتتب الصكاك وسجل السلاجت بكل ما أعجبه ثم ختم ~~عليها ورد الخاتم، ثم أتى بعد سعدا فرد عليه كل شيء في كتابه. PageV01P0463 # وسار يزدجرد من الري إلى أصبهان، ثم منها إلى كرمان والنار معه، ثم قصد ~~خراسان فأتى مرو فنزلها وبنى للنار بيتا واطمأن وأمن من أن يؤتى، ودان له ~~من بقي من الأعاجم. وكاتب الهرمزان وأثار أهل فارس، فنكثوا، وأثار أهل ~~الجبال ms0891 والفيرزان، فنكثوا، فأذن عمر للمسلمين فدخلوا بلاد الفرس، فسار ~~الأحنف إلى خراسان فدخلها من الطبسين فافتتح هراة عنوة واستخلف عليها صحار ~~بن فلان العبدي، ثم سار نحو مرو الشاهجان فأرسل إلى نيسابور مطرف ابن عبد ~~الله بن الشخير وإلى سرخس الحرث بن حسان، فلما دنا الأحنف من مرو الشاهجان ~~خرج منها يزدجرد إلى مرو الروذ حتى نزلها، ونزل الأحنف مرو الشاهجان، وكتب ~~يزدجرد، وهو بمر الروذ، إلى خاقان وغلى ملك الصغد وإلى ملك الصين يستمدهم. ~~وخرج الأحنف من مرو الشاهجان واستخلف عليها حارثة بن النعمان الباهلي بعد ~~ما لحقت به أمداد أهل الكوفة، وسار نحو مرو الروذ. فلما سمع يزدجرد سار ~~عنها إلى بلخ ونزل الأحنف مرو الروذ. وقدم أهل الكوفة إلى يزدجرد واتبعهم ~~الأحنف، فالتقى أهل الكوفة ويزدجرد ببلخ، فانهزم يزدجرد وعبر النهر ولحق ~~الأحنف بأهل الكوفة، وقد فتح الله عليهم؛ فبلخ من فتوحهم. وتتابع أهل ~~خراسان من هرب وشذ على الصلح فيما بين نيسابور إلى طخارستان، وعاد الأحنف ~~إلى مرو الروذ فنزلها، واستخلف على طخارستان ربعي بن عامر، وكتب الأحنف إلى ~~عمر بالفتح فقال عمر: وددت أن بيننا وبينها بحرا من نار. فقال علي: ولم يا ~~أمير المؤمنين؟ قال: لأن أهلها سينفضون منها ثلاث مرات فيجتاحون في ~~الثالثة، فكان ذلك بأهلها أحب إلي من أن يكون بالمسلمين. وكتب عمر إلى ~~الأحنف أن يقتصر على ما دون النهر ولا يجوزه. ولما عبر يزدجرد النهر مهزوما ~~أنجده خاقان في الترك وأهل فرغانة والصغد، فرجع يزدجرد وخاقان إلى خراسان ~~فنزلا بلخ، ورجع أهل الكوفة إلى الأحنف بمرو الروذ، ونزل المشركون عليه ~~بمرو أيضا. وكان الأحنف لما بلغه خبر عبور يزدجرد وخاقان النهر إليه خرج ~~ليلا يتسمع هل يسمع برأي ينتفع به، فمر برجلين ينقيان علفا وأحدهما يقول ~~لصاحبه: لو أسندنا الأمير إلى هذا الجبل فكان النهر بيننا وبين عدونا خندقا ~~وكان الجبل في ظهورنا فلا يأتونا من خلفنا وكان قتالنا من وجه واحد رجوت أن ~~ينصرنا الله. فرجع، فلما أصبح جمع ms0892 الناس ورحل بهم إلى سفح الجبل، وكان معه ~~من أهل البصرة عشرة آلاف ومن أهل الكوفة نحو منهم، وأقبلت الترك ومن معها ~~فنزلت وجعلوا يغادرونهم القتال ويراوحونهم وفي الليل يتنحون عنهم. فخرج ~~الأحنف ليلة طليعة لأصحابه حتى إذا كان قريبا من عسكر خاقان وقف، فلما كان ~~وجه الصبح خرج فارس من الترك بطوقه فضرب بطبله ثم وقف من العسكر موقفا يقفه ~~مثله، فحمل عليه الأحنف فتقاتلا فطعنه الأحنف فقتله وأخذ طوق التركي ووقف، ~~فخرج آخر من الترك ففعل فعل صاحبه، فحمل عليه الأحنف فتقاتلا فطعنه فقتله ~~وأخذ طوقه ووقف، ثم خرج الثالث من الترك ففعل فعل الرجلين، فحمل عليه ~~الأحنف فقتله، ثم انصرف الأحنف إلى عسكره. وكانت عادة الترك أنهم لا يخرجون ~~حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم أكفاء كلهم يضرب بطبله ثم يخرجون بعد خروج ~~الثالث. فلما خرجوا تلك الليلة بعد الثالث فأتوا على فرسانهم مقتلين تشاءم ~~خاقان وتطير فقال: قد طال مقامنا وقد أصيب فرساننا، ما لنا في قتال هؤلاء ~~القوم خير؛ فرجعوا. وارتفع النهار للمسلمين ولم يروا منهم أحدا، وأتاهم ~~الخبر بانصراف خاقان والترك إلى بلخ، وقد كان يزدجرد ترك خاقان مقابل ~~المسلمين بمرو الروذ وانصرف إلى مرو الشاهجان، فتحصن حارثة بن النعمان ومن ~~معه، فحصرهم واستخرج خزائنه من موضعها وخاقان مقيم ببلخ. فقال المسلمون ~~للأحنف: ما ترى في اتباعهم؟ فقال: أقيموا بمكانكم ودعوهم. PageV01P0464 # فلما جمع يزدجرد خزائنه، وكانت كبيرة عظيمة، وأراد أن يلحق بخاقان قال له ~~أهل فارس: أي شيء تريد أن تصنع؟ قال: أريد اللحاق بخاقان فأكون معه أو ~~بالصين. قالوا له: إن هذا رأي سوء، ارجعبنا إلى هؤلاء القوم فنصالحهم فإنهم ~~أوفياء وهم أهل دين، وإن عدوا يلينا في بلادنا أحب إلينا مملكة من عدو ~~يلينا في بلاده ولا دين لهم ولا ندري ما وفاؤهم. فأبى عليهم. فقالوا: دع ~~خزائننا نردها إلى بلادنا ومن يلينا لا تخرجها من بلادنا. فأبى، فاعتزلوه ~~وقاتلوه فهزموه وأخذوا الخزائن واستولوا عليها وانهزم منهم ولحق بخاقان ~~وعبر النهر من بلخ ms0893 إلى فرغانة، وأقام يزدجرد ببلد الترك، فلم يزل مقيما زمن ~~عمر كله إلى أن كفر أهل خراسان زمن عثمان وكان يكاتبهم ويكاتبونه. وسيرد ~~ذكر ذلك في موضعه. ثم أقبل أهل فارس بعد رحيل يزدجرد على الأحنف فصالحوه ~~ودفعوا إليه تلك الخزائن والأموال وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم على أفضل ~~ما كانوا عليه زمن الأكاسرة، واغتبطوا بملك المسلمين. وأصاب الفارس يوم ~~يزدجرد كسهمه يوم القادسية. وسار الأحنف إلى بلخ فنزلها بعد عبور خاقان ~~النهر منها ونزل أهل الكوفة في كورها الأربع. ثم رجع إلى مرو الروذ فنزلها ~~وكتب بفتح خاقان ويزدجرد إلى عمر. ولما عبر خاقان ويزدجرد النهر لقيا رسول ~~يزدجرد الذي أرسله إلى ملك الصين فأخبرهما أن ملك الصين قال له: صف لي ~~هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم فإني أراك تذكر قلة منهم وكثرة منكم ~~ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل منكم مع كثرتكم إلا بخير عندهم وشر فيكم. ~~فقلت: سلني عما أحببت. فقال: أيوفون بالعهد؟ قلت: نعم. قال: وما يقولون لكم ~~قبل القتال. قال قلت: يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إما دينهم، فإن أجبنا ~~أجرونا مجراهم، أو الجزية والمنعة، أو المنابذة.؟ قال: فكيف طاعتهم ~~أمراءهم؟ قلت: أطوع قوم وأرشدهم. قال: فما يحلون وما يحرمون؟ فأخبرته. قال: ~~هل يحلون ما حرم عليهم أو يحرمون ما حلل لهم؟ قلت: لا. قال: فإن هؤلاء ~~القوم لا يزالون على ظفر حتى يحلوا حرامهم أو يحرموا حلالهم. ثم قال: ~~أخبرني عن لباسهم؟ فأخبرته، وعن مطاياهم؟ فقلت: الخيل العراب، ووصفتها له. ~~فقال: نعمت الحصون! ووصفت له الإبل وبروكها وقيامها بحملها. فقال: هذه صفة ~~دواب طوال الأعناق. وكتب معه إلى يزدجرد: إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجند ~~أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق علي، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف ~~لي رسولك لو يحاولون الجبال لهدوها ولو خلا لهم سربهم أزالوني ما داموا على ~~ما وصف، فسالمهم وارض منهم بالمساكنة ولا تهيجهم ما لم يهيجوك. فأقام ~~يزدجرد بفرغانة ومعه آل كسرى بعهد من خاقان. ولما وصل ms0894 خبر الفتح إلى عمر بن ~~الخطاب جمع الناس، وخطبهم وقرأ عليهم كتاب الفتح وحمد الله في خطبته على ~~إنجاز وعده ثم قال: ألا وإن ملك المجوسية قد هلك فليسوا يملكون من بلادهم ~~شبرا يضر بمسلم. ألا وإن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم ~~لينظر كيف تعملون، فلا تبدلوا فيستبدل الله بكم غيركم، فإني لا أخاف على ~~هذه الأمة أن تؤتى إلا من قبلكم. وقيل: إن فتح خراسان كان زمن عثمان، وسيرد هناك. ### || AUT ذكر فتح شهرزور والصامغان # لما استعمل عمر عزرة بن قيس على حلوان حاول فتح شهرزور، فلم يقدر عليها، ~~فغزاها عتبة بن فرقد ففتحها بعد قتال على مثل صلح حلوان، فكانت العقارب ~~تصيب الرجل من المسلمين فيموت. وصالح أهل الصامغان وداراباذ على الجزية ~~والخراج على أن لا يقتلوا ولا يسبوا ولا يمنعوا طريقا يسلكونه، وقتل خلقا ~~كثيرا من الأكراد. وكتب إلى عمر: إن فتحوحي قد بلغت أذربيجان. فولاه إياها ~~وولى هرثمة بن عرفجة الموصل. ولم تزل شهرزور وأعمالها مضمومة إلى الموصل ~~حتى أفردت عنها آخر خلافة الرشيد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا معاوية بلاد الروم ودخلها في عشرة آلاف فارس من ~~المسلمين. وفيها ولد يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان. وحج بالناس في ~~هذه السنة عمر بن الخطاب؛ وكان عماله على الأمصار فيها عمالة في السنة ~~قبلها إلا الكوفة، فإن عامله كان عليها المغيرة بن شعبة، وإلا البصرة فإن ~~عامله عليها صار أبا موسى الأشعري. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين # قال بعضهم: كانفتح إصطخر سنة ثلاث وعشرين. وقيل: كان فتحها بعد توج ~~الآخرة. PageV01P0465 ### || AUT ذكر الخبر عن فتح توج # لما خرج أهل البصرة الذين توجهوا إلى فارس أمراء عليها وكان معهم سارية ~~ابن زنيم الكناني فساروا وأهل فارس مجتمعن بتوج فلم يقصدهم المسلمون بل ~~توجه كل أمير إلى الجهة التي أمر بها. وبلغ ذلك أهل فارس، فافترقوا إلى ~~بلدانهم كما افترق المسلمون، فكانت تلك هزيمتهم وتشتت أمورهم. فقصد مجاشع ~~بن مسعود لسابور ms0895 وأردشير خرة، فالتقى هو والفرس بتوج فاقتتلوا ما شاء الله، ~~ثم انهزم الفرس وقتلهم المسلمون كيف شاؤوا كل قتلة وغنموا ما في عسكرهم ~~وحصروا توج فافتتحوها وقتلوا منهم خلقا كثيرا وغنموا ما فيها، وهذه توج ~~الآخرة، والأولى هي التي استقدمتها جنود العلاء بن الحضرمي أيام طاووس. ثم ~~دعوا إلى الجزية فرجعوا وأقروا بها. وأرسل مجاشع بن مسعود السلمي بالبشارة ~~والأخماس إلى عمر بن الخطاب. ### || AUT ذكر فتح إصطخر وجور وغيرهما # وقصد عثمان بن أبي العاص الثقفي لإصطخر فالتقى هو وأهل إصطخر بجور ~~فاقتتلوا وانهزم الفرس وفتح المسلمون جور ثم إصطخر وقتلوا ما شاء الله، ثم ~~فر منهم من فر، فدعاهم عثمان إلى الجزية والذمة، فأجابه الهربذ إليها، ~~فتراجعوا، وكان عثمان قد جمع الغنائم لما هزمهم فبعث بخمسها إلى عمر وقسم ~~الباقي في الناس. وفتح عثمان كازرون والنوبندجان وغلب على أرضها؛ وفتح هو ~~وأبو موسى مدينة شيراز وأرجان، وفتحا سينيز على الجزية والخراج. وقصد عثمان ~~أيضا جنابا ففتحها، ولقيه جمع الفرس بناحية جهرم فهزمهم وفتحها. ثم إن شهرك ~~خلع في آخر خلافة عمر وأول خلافة عثمان. فوجه إليه عثمان بن أبي العاص ~~ثانية وأتته الأمداد من البصرة وأميرهم عبيد الله بن معمر وشبل بن معبد، ~~فالتقوا بأرض فارس. فقال شهرك لابنه وهما في المعركة، وبينهما وبين قرية ~~لهما تدعى ريشهر ثلاثة فراسخ: يا بني أين يكون غداؤنا ههنا أم بريشهر؟ قال ~~له: يا أبه، إن تركونا فلا يكون غداؤنا ههنا ولا بريشهر ولا نكونن إلا في ~~المنزل، ولكن والله ما أراهم يتركوننا. فلما فرغا من كلامهما حتى أنشب ~~المسلمون الحرب فاقتتلوا قتالا شديدا وقتل شهرك وابنه وخلق عظيم. والذي قتل ~~شهرك الحكم بن أبي العاص أخو عثمان. وقيل: قتله سوار بن همام العبدي حمل ~~عليه فطعنه فقتله. وحمل ابن شهرك على سوار فقتله. وقيل: إن إصطخر كانت سنة ~~ثمان وعشرين، وكانت فارس الآخرة سنة تسع وعشرين. وقيل: إن عثمان بن أبي ~~العاص أرسل أخاه الحكم من البحرين في ألفين إلى فارس ms0896 ففتح جزيرة بركاوان في ~~طريقه ثم سار إلى توج، وكان كسرى أرسل شهرك فالتقوا مع شهرك، وكان الجارود ~~وأبو صفرة على مجنبتي المسلمين، وأبو صفرة هذا هو والد المهلب، فحمل الفرس ~~على المسلمين فهزموهم. فقال الجارود: أيها الأمير ذهب الجند. فقال: سترى ~~أمرك. قال: فما لبثوا حتى رجعت خيل لهم ليس عليها فرسانها والمسلمون ~~يتبعونهم يقتلونهم، فنثرت الرؤوس بين يدي ومعي بعض ملوكهم يقال المكعبر ~~فارق كسرى ولحق بي فرأى المكعبر رأسا ضخما فقال: أيها الأمير هذا رأس ~~الازدهاق، يعني شهرك. وحوصر الفرس بمدينة سابور، فصالح عليها ملكها ~~أرزنبان، فاستعان به الحكم على قتال أهل إصطخر. ومات عمر. وبعث عثمان بن ~~عفان عبيد الله بن معمر مكانه، فبلغ عبيد الله أن أرزنبان يريد الغدر به، ~~فقال له: أحب أن تتخذ لأصحابي طعاما وتذبح لهم بقرة وتجعل عظامها في الجفنة ~~التي تليني فإني أحب أن أتمشش العظام، ففعل وجعل يأخذ العظم الذي لا يكسر ~~إلا بالفؤوس فيكسره بيده ويأخذ مخه، وكان من أشد الناس، فقام أرزنبان فأخذ ~~برجله وقال: هذا مقام العائذ بك! فأعطاه عهدا. وأصاب عبيد الله منجنيق ~~فأوصاهم وقال: إنكم ستفتحون هذه المدينة إن شاء الله فاقتلوهم بي ساعة ~~فيها، ففعلوا، فقتلوا منهم بشرا كثيرا، ومات عبيد الله بن معمر. وقيل: إن ~~قتله كان سنة تسع وعشرين. ### || AUT ذكر فتح فسا ودارابجرد # PageV01P0466 # وقصد سارية بن زنيم الدئلي فسا ودار ابجرد حتى انتهى إلى عسكرهم فنزل ~~عليهم وحاصرهم ما شاء الله، ثم إنهم استمدوا وتجمعوا وتجمعت إليهم أكراد ~~فارس، فدهم المسلمين أمر عظيم، وجمع كثير، وأتاهم الفرس من كل جانب، فرأى ~~عمر فيما يرى النائم تلك الليلة معركتهم وعددهم في ساعة من النهار، فنادى ~~من الغد: الصلاة جامعة! حتى إذا كان في الساعة التي رأى فيها ما رأى خرج ~~إليهم، وكان ابن زنيم والمسلمون بصحراء إن أقاموا فيها أحيط بهم، وإن ~~استندوا إلى جبل من خلفهم لم يؤتوا إلا من وجه واحد. فقام فقال: يا أيها ~~الناس، إني رأيت هذين ms0897 الجمعين، وأخبر بحالهما. وصاح عمر وهو يخطب: يا سارية ~~بن زنيم، الجبل الجبل! ثم أقبل عليهم وقال: إن لله جنودا، ولعل بعضها أن ~~يبلغهم. فسمع سارية ومن معه الصوت فلجؤوا إلى الجبل، ثم قاتلوهم، فهزمهم ~~الله وأصاب المسلمون مغانمهم، وأصابوا في الغنائم سفطا فيه جوهر، فاستوهبه ~~منهم سارية وبعث به وبالفتح مع رجل إلى عمر. فقدم على عمر وهو يطعم الطعام، ~~فأمره فجلس وأكل، فلما انصرف عمر اتبعه الرسول، فظن عمر أنه لم يشبع، فأمره ~~فدخل بيته، فلما جلس أتي عمر بغدائه خبز وزيت وملح جريش فأكلا. فلما فرغا ~~قال الرجل: أنا رسول سارية يا أمير المؤمنين. قال: مرحبا وأهلا. ثم أدناه ~~حتى مست ركبته ركبته، وسأله عن المسلمين، فأخبره بقصة الدرج، فنظر إليه ~~وصاح به: لا ولا كرامة حتى يقدم على ذلك الجند فيقسمه بينهم. فطرده، فقال: ~~يا أمير المؤمنين، إني قد أنضيت جملي واستقرضت في جائزتي فأعطني ما أتبلغ ~~به. فما زال به حتى أبدله بعيرا من إبل الصدقة وجعل بعيره في إبل الصدقة ~~ورجع الرسول مغضوبا عليه محروما. وسأل أهل المدينة الرسول هل سمعوا شيئا ~~يوم الوقعة؟ قال: نعم سمعنا: يا سارية، الجبل الجبل، وقد كدنا نهلك فلجأنا ~~إليه ففتح الله علينا. ### || AUT ذكر فتح كرمان # ثم قصد سهيل بن عدي كرمان، ولحقه أيضا عبد الله بن عبد الله بن عتبان، ~~وعلى مقدمة سهيل بن عدي النسير بن عمرو العجلي وحشد لهم أهل كرمان ~~واستعانوا عليهم بالقفص، فاقتتلوا في أداني أرضهم، ففض الله تعالى المشركين ~~وأخذ المسلمون عليهم الطريق. وقتل النسير ابن عمرو العجلي مرزبانها، فدخل ~~النسير من قبل طريق القرى اليوم إلى جيرفت، وعبد الله بن عبد الله من مفازة ~~سير، فأصابوا ما أرادوا من بعير أو شاء، فقوموا الإبل والغنم فتحاصوها ~~بالأثمان لعظم البخت على العراب، وكرهوا أن يزيدوا، وكتبوا إلى عمر بذلك، ~~فأجابهم: إذا رأيتم أن في البخت فضلا فزيدوا. وقيل: إن الذي فتح كرمان عبد ~~الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي في خلافة ms0898 عمر، ثم أتى الطبسين من كرمان، ثم ~~قدم على عمر فقال: أقطعني الطبسين، فأراد أن يفعل، فقيل: إنهما رستاقان ~~عظيمان، فامتنع عمر من ذلك. ### || AUT ذكر فتح سجستان # وقصد عاصم بن عمرو سجستان، ولحقه عبد الله بن عمير، فاستقبلهم أهلها، ~~فالتقوا هم وأهل سجستان في أداني أرضهم، فهزمهم المسلمون، ثم اتبعوهم حتى ~~حصروهم بزرنج ومخروا أرض سجستان ماه، ثم إنهم طلبوا الصلح على زرنج وما ~~احتازوا من الأرضين فأعطوا، وكانوا قد اشترطوا في صلحهم أن فدافدها حمى، ~~فكان المسلمون يتجنبونها خشية أن يصيبوا منها شيئا فيخفروا، وأقيم أهل ~~سجستان على الخراج، وكانت سجستان أعظم من خراسان وأبعد فروجا، يقاتلون ~~القندهار والترك وأمما كثيرة، فلم يزل كذلك حتى كان زمن معاوية، فهرب الشاه ~~من أخيه رتبيل إلى بلد فيها يدعى آمل، ودان لسلم بن زياد، وهو يومئذ على ~~سجستان، ففرح بذلك وعقد لهم وأنزلهم البلاد وكتب إلى معاوية بذلك يري أنه ~~فتح عليه. فقال معاوية: إن ابن أخي ليفرح بأمر إنه ليحزنني وينبغي له أن ~~يحزنه. قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: إن آمل بلدة بينها وبين زرنج صعوبة ~~وتضايق، وهؤلاء قوم غدر، فإذا اضطرب الحبل غدا فأهون ما يجيء منهم أنهم ~~يغلبون على بلاد آمل بأسرها. وأقرهم على عهد سلم بن زياد. فلما وقعت الفتنة ~~بعد معاوية كفر الشاه وغلب على آمل واعتصم منه رتبيل بمكانه، ولم يرضه ذلك ~~حين تشاغل عنه الناس حتى طمع في زرنج فغزاها وحصر من بها حتى أتتهم الأمداد ~~من البصرة، وصار رتبيل والذين معه عصبة، وكانت تلك البلاد مذللة إلى أن مات ~~معاوية. PageV01P0467 # وقيل في فتح سجستان غير هذا، وسيرد ذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر فتح مكران # وقصد الحكم بن عمرو التغلبي مكران حتى انتهى إليها، ولحق به شهاب ابن ~~المخارق وسهيل بن عدي وعبد الله بن عبد الله بن عتبان، فانتهوا إلى دوين ~~النهر، وأهل مكران على شاطئه، فاستمد ملكهم ملك السند، فأمده بجيش كثيف، ~~فالتقوا مع المسلمين فانهزموا وقتل منهم ms0899 في المعركة مقتلة عظيمة واتبعهم ~~المسلمون يقتلونهم أياما حتى انتهوا إلى النهر، ورجع المسلمون إلى مكران ~~فأقاموا بها. وكتب الحكم إلى عمر بالفتح وبعث إليه بالأخماس مع صحار ~~العبدي. فلما قدم المدينة سأله عمر عن مكران، فقال: يا أمير المؤمنين، هي ~~أرض سهلها جبل، وماؤها وشل، وتمرها دقل، وعدوها بطل؛ وخيرها قليل، وشرها ~~طويل، والكثير فيها قليل، والقليل فيها ضائع، وما وراءها شر منها، فقال: ~~أسجاع أنت أم مخبر؟ لا والله لا يغزوها جيش لي أبدا. وكتب إلى سهيل والحكم ~~بن عمرو: أن لا يجوزن مكران أحد من جنودكما. وأمرهما ببيع الفيلة التي ~~غنمها المسلمون ببلاده الإسلام وقسم أثمانها على الغانمين، مكران بضم الميم ~~وسكون الكاف. ### || AUT ذكر خبر بيروذ من الأهواز # ولما فصلت الخيول إلى الكور، اجتمع ببيروذ جمع عظيم من الأكراد وغيرهم. ~~وكان عمر قد عهد إلى أبي موسى أن يسير إلى أقصى ذمة البصرة حتى لا يؤتى ~~المسلمون من خلفهم، وخشي أن يهلك بعض جنوده أو يخلفوا في أعقابهم، فاجتمع ~~الأكراد ببروذ، وأبطأ أبو موسى حتى تجمعوا، ثم سار فنزل بهم ببيروذ، ~~فالتقوا في رمضان بين نهر تيري ومناذر، فقام المهاجر بن زياد وقد تحنط ~~واستقتل، وعزم أبو موسى على الناس فأفطروا، وتقدم المهاجر فقاتل قتالا ~~شديدا حتى قتل. ووهن الله المشركين حتى تحصنوا في قلة وذلة، واشتد جزع ~~الربيع بن زياد على أخيه المهاجر وعظم عليه فقده، فرق له أبو موسى فاستخلفه ~~عليهم في جند، وخرج أبو موسى حتى بلغ أصبهان واجتمع بها بالمسلمين الذين ~~يحاصرون جيا، فلما فتحت رجع أبو موسى إلى البصرة، وفتح الربيع بن زياد ~~الحارثي بيروذ من نهر تيري وغنم ما معهم. ووفد أبو موسى وفدا معهم الأخماس، ~~فطلب ضبة بن محصن العنزي أن يكون في الوفد فلم يجبه أبو موسى، وكان أبو ~~موسى قد اختار من سبي بيروذ ستين غلاما، فانطلق ضبة إلى عمر شاكيا، وكتب ~~أبو موسى إلى عمر يخبره، فلما قدم ضبة على عمر سلم عليه. فقال: من أنت؟ ms0900 ~~فأخبره. فقال: لا مرحبا ولا أهلا! فقال: أما المرحب فمن الله، وأما الأهل ~~فلا أهل. ثم سأله عمر عن حاله فقال: إن أبا موسى انتقى ستين غلاما من أبناء ~~الدهاقين لنفسه وله جارية تغدى جفنة وتعشى جفنة تدعى عقيلة، وله قفيزان وله ~~خاتمان، وفوض إلى زياد بن أبي سفيان أمور البصرة، وأجاز الحطيئة بألف. ~~فاستدعى عمر أبا موسى. فلما قدم عليه حجبه أياما ثم استدعاه فسأل عمر ضبة ~~عما قال فقال: أخذ ستين غلاما لنفسه. فقال أبو موسى: دللت عليهم وكان لهم ~~فداء ففديتهم وقسمته بين المسلمين. فقال ضبة: ما كذب ولا كذبت. فقال: له ~~قفيزان. فقال أبو موسى: قفيز لأهلي أقوتهم به وقفيز للمسلمين في أيديهم ~~يأخذون به أرزاقهم. فقال ضبة: ما كذب ولا كذبت. فلما ذكر عقيلة سكت أبو ~~موسى ولم يعتذر. فعلم أن ضبة قد صدقه، قال: وولى زيادا. قال: رأيت له رأيا ~~ونبلا فأسندت إليه عملي. قال: وأجاز الحطيئة بالف. قال: سددت فمه بمالي أن ~~يشتمني. فرده عمر وأمره أن يرسل إليه زيادا وعقيلة، ففعل. فلما قدم عليه ~~زياد سأله عن حاله وعطائه والفرائض والسنن والقرآن، فرآه فقيها، فرده وأمر ~~أمراء البصرة أن يسيروا برأيه، وحبس عقيلة بالمدينة. وقال عمر: ألا إن ضبة ~~غضب على أبي موسى وفارقه مراغما أن فاته أمر من أمور الدنيا فصدق عليه ~~وكذب، فأفسد كذبه صدقه، فإياكم والكذب فإنه يهدي إلى النار. بيروذ: بفتح ~~الباء الموحدة، وسكون الياء تحتها نقطتان، وضم الراء، وسكون الواو، وآخره ذال معجمة. ### || AUT ذكر خبر سلمة بن قيس الأشجعي والأكراد # PageV01P0468 # كان عمر إذا اجتمع إليه جيش من المسلمين أمر عليهم أميرا من أهل العلم ~~والفقه، فاجتمع إليه جيش من المسلمين، فبعث عليهم سلمة بن قيس الأشجعي. ~~فقال: سر باسم الله، قاتل في سبيل الله من كفر بالله، فإذا لقيتم عدوكم ~~فادعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وأقاموا بدارهم فعليهم الزكاة وليس لهم من ~~الفيء نصيب، وإن ساروا معكم فلهم مثل الذي لكم وعليهم مثل الذي عليكم، وإن ms0901 ~~أبوا فادعوهم إلى الجزية، فإن أجابوا فاقبلوا منهم وإن أبوا فقاتلوهم، وإن ~~تحصنوا منكم وسألوكم أن ينزلوا على حكم الله ورسوله أو ذمة الله ورسوله فلا ~~تجيبوهم، فإنكم لا تدرون أتصيبون حكم الله ورسوله وذمتهما أم لا؛ ولا ~~تغدروا، ولا تقتلوا وليدا، ولا تمثلوا. قال: فساروا حتى لقوا عدوا من ~~الأكراد المشركين فدعوهم إلى الإسلام أو الجزية، فلم يجيبوا، فقاتلوهم ~~فهزموهم وقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية فقسمه بينهم، ورأى سلمة جوهرا في سفط ~~فاسترضى عنه المسلمين وبعث به إلى عمر. فقدم الرسول بالبشارة وبالسقط على ~~عمر، فسأله عن أمور الناس وهو يخبره، حتى أخبره بالسفط، فغضب غضبا شديدا ~~وأمر به فوجىء به في عنقه، ثم إنه قال: إن تفرق الناس قبل أن تقدم عليهم ~~ويقسمه سلمة فيهم لأسوءنك. فسار حتى قدم على سلمة فباعه وقسمه في الناس. ~~وكان الفص يباع بخمسة دراهم وقيمته عشرون ألفا. وحج بالناس هذه السنة عمر ~~بن الخطاب وحج معه أزواج النبي، صلى الله عليه وسلم، وهي آخر حجة حجها، ~~وفيها قتل عمر، ### || AUT رضي الله عنه # . ### || AUT ذكر الخبر عن مقتل عمر # ### || AUT رضي الله عنه # قال المسور بن مخرمة: خرج عمر بن الخطاب يطوف يوما في السوق، فلقيه أبو ~~لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وكان نصرانيا، فقال: يا أمير المؤمنين، أعدني ~~على المغيرة بن شعبة فإن علي خراجا كثيرا. قال: وكم خراجك؟ قال: درهمان كل ~~يوم. قال: وأيش صناعتك؟ قال: نجار، نقاش، حداد. قال: فما أرى خراجك كثيرا ~~على ما تصنع من الأعمال، وقد بلغني أنك تقول: لو أردت أن أصنع رحى تطحن ~~بالريح لفعلت! قال: نعم. قال: فاعمل لي رحى. قال: لئن سلمت لأعملن لك رحى ~~يتحدث بها من بالمشرق والمغرب! ثم انصرف عنه. فقال عمر: لقد أوعدني العبد ~~الآن. ثم انصرف عمر إلى منزله، فلما كان الغد جاءه كعب الأحبار فقال له: يا ~~أمير المؤمنين، اعهد فإنك ميت في ثلاث ليال. قال: وما يدريك؟ قال: أجده في ~~كتاب التوراة. قال عمر: الله! إنك ms0902 لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: ~~اللهم لا ولكني أجد حليتك وصفتك وأنك قد فني أجلك. قال: وعمر لا يحس وجعا! ~~فلما كان الغد جاءه كعب فقال: بقي يومان. فلما كان الغد جاءه كعب فقال: مضى ~~يومان وبقي يوم. فلما أصبح خرج عمر إلى الصلاة وكان يوكل بالصفوف رجالا ~~فإذا استوت كبر، ودخل أبو لؤلؤة في الناس وبيده خنجر له رأسان نصابه في ~~وسطه، فضرب عمر ست ضربات إحداهن تحت سرته وهي التي قتلته، وقتل معه كليب بن ~~أبي البكير الليثي وكان خلفه، وقتل جماعة غيره. فلما وجد عمر حر السلاح سقط ~~وأمر عبد الرحمن بن عوف فصلى بالناس، وعمر طريح، فاحتمل فأدخل بيته، ودعا ~~عبد الرحمن فقال له: إني أريد أن أعهد إليك. قال: أتشير علي بذلك؟ قال: لا. ~~قال: والله، لا أدخل فيه أبدا. قال: فهبني صمتا حتى أعهد إلى النفر الذين ~~توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو عنهم راض. ثم دعا عليا وعثمان ~~والزبير وسعدا فقال: انتظروا أخاكم طلحة ثلاثا فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم؛ ~~أنشدك الله يا علي إن وليت من أمور الناس شيئا ألا تحمل بني هاشم على رقاب ~~الناس، أنشدك الله يا عثمان إن وليت من أمور الناس شيئا ألا تحمل بني أبي ~~معيط على رقاب الناس، أنشدك الله يا سعد إن وليت من أمور الناس شيئا ألا ~~تحمل أقاربك على رقاب الناس، قوموا فتشاوروا ثم اقضوا أمركم وليصل بالناس ~~صهيب.. ثم دعا أبا طلحة الأنصاري، فقال: قم على بابهم فلا تدع أحدا يدخل ~~إليهم. PageV01P0469 # وأوصي الخليفة من بعدي بالأنصار الذي تبوأوا الدار والإيمان أن يحسن إلى ~~محسنهم ويعفو عن مسيئهم، وأوصي الخليفة بالعرب، فإنهم مادة الإسلام، أن ~~يؤخذ من صدقاتهم حقها فتوضع في فقرائهم، وأوصي الخليفة بذمة رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، أن يوفي لهم بعهدهم، اللهم هل بلغت؟ لقد تركت الخليفة من ~~بعدي على أنقى من الراحة؛ يا عبد الله بن عمر، اخرج فانظر من قتلني. قال: ~~يا ms0903 أمير المؤمنين، قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة. قال: الحمد لله ~~الذي لم يجعل منيتي بيد رجل سجد لله سجدة واحدة! يا عبد الله بن عمر، اذهب ~~إلى عائشة فسلها أن تأذن لي أن أدفن مع النبي، صلى الله عليه وسلم، وأبي ~~بكر. يا عبد الله، إن اختلف القوم فكن مع الأكثر، فإنن تشاوروا فكن مع ~~الحزب الذي فيه عبد الرحمن بن عوف، يا عبد الله، ائذن للناس. فجعل يدخل ~~عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه ويقول لهم: أهذا عن ملإ منكم؟ ~~فيقولون: معاذ الله! قال: ودخل كعب الأحبار مع الناس فلما رآه عمر قال: ~~توعدني كعب ثلاثا أعدها ... ولا شك أن القول ما قال لي كعب وما بي حذار ~~الموت، إني لميت ... ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب ودخل عليه علي يعوده فقعد ~~عند رأسه، وجاء ابن عباس فأثنى عليه، فقال له عمر: أنت لي بهذا يا ابن ~~عباس؟ فأومأ إليه علي أن قل نعم. فقال ابن عباس: نعم. فقال عمر: لا تغرني ~~أنت وأصحابك. ثم قال: يا عبد الله، خذ رأسي عن الوسادة فضعه في التراب لعل ~~الله، جل ذكره، ينظر إلي فيرحمني، والله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس ~~لافتديت به من هول المطلع. ودعي له طبيب من بني الحرث بن كعب فسقاه نبيذا ~~فخرج غير متغير، فسقاه لبنا فخرج كذلك أيضا، فقال له: اعهد يا أمير ~~المؤمنين. قال: قد فرغت. ولما احتضر ورأسه في حجر ولده عبد الله قال: ظلوم ~~لنفسي غير أني مسلم ... أصلي الصلاة كلها وأصوم ولم يذكر الله تعالى ويديم ~~الشهادة إلى ان توفي ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث ~~وعشرين. وقيل: طعن يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة ودفن يوم الأحد ~~هلال محرم سنة أربع وعشرين. وكانت ولايته عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام، ~~وبويع عثمان لثلاث مضين من المحرم. وقيل: كانت وفاته لأربع بقين من ذي ~~الحجة وبويع عثمان لليلة بقيت من ذي الحجة استقبل بخلافته هلال ms0904 محرم سنة ~~أربع وعشرين. وكانت خلافة عمر على هذا القول عشر سنين وستة أشهر وأربعة ~~أيام. وصلى عليه صهيب، وحمل إلى بيت عائشة، ودفن عند النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، وأبي بكر، ونزل في قبره عثمان وعلي والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد ~~وعبد الله بن عمر. ### || AUT ذكر نسب عمر وصفته وعمره # فأما نسبه فهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله ~~بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، وكنيته أبو حفص، وأمه حنتمة بنت هشام ~~بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهي ابنت عم أبي جهل، وقد زعم من ~~لا معرفة له أنها أخت أبي جهل، وليس بشيء. وسماه النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، الفاروق، وقيل: بل سماه أهل الكتاب. وأما صفته فكان طويلا آدم أصلع ~~أعسر يسرا، يعني يعمل بيديه، وكان لطوله كأنه راكب، وقيل: كان أبيض أبهق، ~~يعني شديد البياض، تعلوه حمرة، طوالا أصلع أشيب، وكان يصفر لحيته ويرجل ~~رأسه بالحناء. وكان مولده قبل الفجار بأربع سنين، وكان عمره خمسا وخمسين ~~سنة، وقيل: ابن ستين سنة، وقيل: ابن ثلاث وستين سنة وأشهر، وهو الصحيح، ~~وقيل: ابن إحدى وستين سنة. رياح بكسر الراء وبالياء تحتها نقطتان. ### || AUT ذكر أسماء ولده ونسائه # PageV01P0470 # تزوج عمر في الجاهلية زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح ~~فولدت له عبد الله وعبد الرحمن الأكبر وحفصة. وتزوج مليكة بنت جرول الخزاعي ~~في الجاهلية، فولدت له عبيد الله بن عمر، ففارقها في الهدنة، فخلف عليها ~~أبو جهم بن حذيفة، وقتل عبيد الله بصفين مع معاوية، وقيل: كانت أمه أم زيد ~~الأصغر أم كلثوم بنت جرول الخزاعي، وكان الإسلام فرق بينها وبين عمر. وتزوج ~~قريبة بنت أبي أمية المخزومي في الجاهلية، ففارقها في الهدنة أيضا، فتزوجها ~~بعده عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق، فكانا سلفي رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، لأن قريبة أخت أم سلمة زوج النبي، صلى ms0905 الله عليه وسلم. وتزوج أم حكيم ~~بنت الحرث بن هشام المخزومي في الإسلام، فولدت له فاطمة فطلقها، وقيل لم ~~يطلقها. وتزوج جميلة أخت عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأوسي الأنصاري في ~~الإسلام، فولدت له عاصما فطلقها، ثم تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، ~~وأمها فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصدقها أربعين ألفا، ~~فولدت له رقية وزيدا. وتزوج لهية امرأة من اليمن، فولدت له عبد الرحمن ~~الأوسط، وقيل الأصغر، وقيل: كانت أم ولد، وكانت عنده فكيهة أم ولد فولدت له ~~زينب، وهي أصغر ولد عمر. وتزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قبله ~~عند عبد الله بن أبي بكر الصديق، فقتل عنها، فلما مات عمر تزوجها الزبير بن ~~العوام، فقتل عنها أيضا، فخطبها علي، فقالت: لا أفعل، إني أضن بك عن القتل ~~فإنك بقية الناس. فتركها. وخطب أم كثلوم ابنة أبي بكر الصديق إلى عائشة، ~~فقالت أم كثلوم: لا حاجة لي فيه، إنه خشن العيش شديد على النساء. فأرسلت ~~عائشة إلى عمرو ابن العاص فقال: أنا أكفيك. فأتى عمر فقال: بلغني خبر أعيذك ~~بالله منه. قال: ما هو؟ قال: خطبت أم كلثوم بنت أبي بكر. قال: نعم، أفرغبت ~~بي عنها أم رغبت بها عني؟ قال: ولا واحدة، ولكنها حدثة نشأت تحت كنف أمير ~~المؤمنين في لين ورفق، وفيك غلظة، ونحن نهابك وما نقدر أن نردك عن خلق من ~~أخلاقك، فكيف بها إن خالفتك في شيء فسطوت بها كنت قد خلفت أبا بكر في ولده ~~بغير ما يحق عليك. وقال: فكيف بعائشة وقد كلمتها؟ قال: أنا لك بها وأدلك ~~على خير منها، أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب تعلق منها بسبب من رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم. وخطب أم أبان بنت عتبة بن ربيعة فكرهته وقالت: يغلق ~~بابه، ويمنع خيره، ويدخل عابسا ويخرج عابسا. ### || AUT ذكر بعض سيرته رضي الله عنه # قال عمر: إنما مثل العرب مثل جمل أنف اتبع قائده فلينظر ms0906 قائده حيث ~~يقوده، فأما أنا فورب الكعبة لأحملنهم على الطريق! قال نافع العيشي: دخلت ~~حير الصدقة مع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، قال: فجلس عثمان في الظل ~~يكتب وقام علي على رأسه يملي عليه ما يقول عمر، وعمر قائم في الشمس في يوم ~~شديد الحر عليه بردان أسودان اتزر بأحدهما ولف الآخر على رأسه يعد إبل ~~الصدقة يكتب ألوانها وأسنانها. فقال علي لعثمان: في كتاب الله: (يا أبت ~~استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) القصص: ثم أشار علي بيده إلى عمر ~~وقال: هذا القوي الأمين. وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: رأيت عمر أخذ ~~بتبنة من الأرض فقال: يا ليتني هذه التبنة، يا ليتني لم أك شيئا، يا ليت ~~أمي لم تلدني، يا ليتني كنت نسيا منسيا. وقال الحسن: قال عمر: لئن عشت إن ~~شاء الله لأسيرن في الرعية حولا فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني أما ~~عمالهم فلا يرفعونها إلي، وأما هم فلا يصلون إلي، فأسير إلى الشام فأقيم ~~شهرين، وبالجزيرة شهرين، وبمصر شهرين، وبالبحرين شهرين، وبالكوفة شهرين، ~~وبالبصرة شهرين، والله لنعم الحول هذا! وقيل لعمر: إن ههنا رجلا من الأنبار ~~له بصر بالديوان لو اتخذته كاتبا. فقال: لقد اتخذت إذن بطانة من دون ~~المؤمنين. قيل: خطب عمر الناس فقال: والذي بعث محمدا، صلى الله عليه وسلم، ~~بالحق لو أن جملا هلك ضياعا بشط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه. ~~PageV01P0471 # وقال أبو فراس: خطب عمر الناس فقال: أيها الناس، إني والله ما أرسل إليكم ~~عمالا ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم ~~دينكم وسنتكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفس عمر بيده ~~لأقصنه منه. فوثب عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيتك إن كان رجل ~~من أمراء المسلمين على رعية فأدب بعض رعيته إن لتقصه منه؟ قال: إي والذي ~~نفس عمر بيده إذن لأقصنه منه، وكيف لا أقصه منه وقد رأيت النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، يقص ms0907 من نفسه! ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تحمدوهم ~~فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم. قال ~~بكر بن عبد الله: جاء عمر بن الخطاب إلى باب عبد الرحمن بن عوف وهو يصلي في ~~بيته ليلا، فقال له عبد الرحمن: ما جاء بك في هذه الساعة؟ قال: رفعة نزلت ~~في ناحية السوق خشيت عليهم سراق المدينة، فانطلق فلنحرسهم. فأتيا السوق ~~فقعدا على نشز من الأرض يتحدثان، فرفع لهما مصباح فقال عمر: ألم أنه عن ~~المصابيح بعد النوم؟ فانطلقا فإذا قوم على شراب لهم. قال: انطلق فقد عرفته. ~~فلما أصبح أرسل إليه قال يا فلان كنت وأصحابك البارحة على شراب! قال: وما ~~أعلمك يا أمير المؤمنين؟ قال: شيء شهدته. قال: أو لم ينهك الله عن التجسس؟ ~~فتجاوز عنه. وإنما نهى عمر عن المصابيح لأن الفأرة تأخذ الفتيلة فترمي بها ~~في سقف البيت فتحرقه، وكانت السقوف من جريد، وقد كان رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، نهى عن ذلك قبله. وقال أسلم: وخرج عمر إلى حرة واقم وأنا معه، ~~حتى إذا كنا بصرار إذا نار تسعر. فقال: انطلق بنا إليهم. فهرولنا حتى دنونا ~~منهم فإذا بامرأة معها صبيان لها وقدر منصوبة على نار وصبيانها يتضاغون. ~~فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء. وكره أن يقول: يا أصحاب النار. ~~قالت: وعليك السلام. قال: أدنو؟ قالت: ادن بخير أو دع. فدنا فقال: ما ~~بالكم؟ قالت: قصر بنا الليل والبرد. قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ ~~قالت: من الجوع. قال: وأي شيء في هذه القدر؟ قالت: ما لي ما أسكتهم حتى ~~يناموا فأنا أعللهم وأوهمهم أني أصلح لهم شيئا حتى يناموا، الله بيننا وبين ~~عمر! قال: أي رحمك الله، ما يدري بكم عمر؟ قالت: يتولى أمرنا ويغفل عنا. ~~فأقبل علي وقال: انطلق بنا. فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق فأخرج عدلا ~~فيه كبة شحم فقال: احمله على ظهري. قال أسلم: فقلت: أنا أحمله عنك، مرتين ~~أو ثلاث فقال آخر ذلك: أنت تحمل عني ms0908 وزري يوم القيامة لا أم لك! فحملته ~~عليه، فانطلق وانطلقت معه نهرول حتى انتهينا إليها، فألقى ذلك عندها وأخرج ~~من الدقيق شيئا فجعل يقول لها: ذري علي وأنا أحرك لك، وجعل ينفخ تحت القدر، ~~وكان ذا لحية عظيمة، فجعلت أنظر إلى الدخان من خلل لحيته حتى أنضج ثم أنزل ~~القدر، فأتته بصحفة فأفرغها فيها ثم قال: أطعميهم وأنا أسطح لك، فلم يزل ~~حتى شبعوا، ثم خلى عندها فضل ذلك، وقام وقمت معه، فجعلت تقول: جزاك الله ~~خيرا، أنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين! فيقول: قولي خيرا فإنك إذا ~~جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك، إن شاء الله! ثم تنحى ناحية ثم استقبلا ~~وربض لا يكلمني حتى رأى الصبية يضحكون ويصطرعون ثم ناموا وهدأوا، فقام وهو ~~يحمد الله، فقال: يا أسلم، الجوع أسهرهم وأبكاهم فأحببت أن لا أنصرف حتى ~~أرى ما رأيت منهم. صرار بكسر الصاد المهملة ورائين. قال سالم بن عبد الله ~~بن عمر: كان عمر إذا نهى الناس عن شيء جمع أهله فقال: إني نهيت الناس عن ~~كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وأقسم بالله لا أجد ~~أحدا منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة. قال سلام بن مسكين: وكان عمر إذا ~~احتاج أتى صاحب بيت المال فاستقرضه، فربما أعسر فيأتيه صاحب بيت المال ~~يتقاضاه فيلزمه فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه فقضاه. قال: وهو أول من دعي ~~بأمير المؤمنين وذلك أنه لما ولي قالوا له: يا خليفة خليفة رسول الله. فقال ~~عمر: هذا أمر يطول، كلما جاء خليفة قالوا يا خليفة خليفة خليفة رسول الله، ~~بل أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فسمي أمير المؤمنين. وهو أول من كتب ~~التاريخ، وقد تقدم. PageV01P0472 # وهو أول من اتخذ بيت مال، وأول من عس الليل، وأول من عاقب على الهجاء، ~~وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد، وأول من جمع الناس في صلاة الجنازة على ~~أربع تكبيرات، وكانوا قبل ذلك يصلون أربعا وخمسا وستا. قال الواقدي: وهو ~~أول من جمع ms0909 الناس على إمام يصلي بهم التراويح في شهر رمضان وكتب به إلى ~~البلدان وأمرهم به، وهو أول من حمل الدرة وضرب بها، وأول من دون في الإسلام ~~الدواوين وكتب الناس على قبائلهم وفرض لهم العطاء. قال زاذان: قال عمر ~~لسلمان: أملك أنا أم خليفة؟ قال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين ~~درهما أو أقل أو أكثر ووضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة. فبكى عمر. ~~وقال أبو هريرة: يرحم الله ابن حنتمة! لقد رأيته عام الرمادة وإنه ليحمل ~~على ظهره جرابين وعكة زيت في يده وإنه ليتعقب هو وأسلم، فلما رآني قال: من ~~أين يا أبا هريرة؟ قلت: قريبا، فأخذت أعقبه فحملناه حتى انتهينا إلى صرار ~~فإذا نحو من عشرين بيتا من محارب، فقال لهم: ما أقدمكم؟ قالوا: الجهد، ~~وأخرجوا لنا جلد الميتة مشويا كانوا يأكلونه ورمة العظام مسحوقة كانوا ~~يستفونها، فرأيت عمر طرح رداءه ثم اتزر فما زال يطبخ حتى أشبعهم، ثم أرسل ~~أسلم إلى المدينة فجاءنا بأبعرة فحملهم عليها حتى أنزلهم الجنانة ثم كساهم، ~~وكان يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك. قال أبو خيثمة: رأت الشفاء ~~بنت عبد الله فتيانا يقصدون في المشي ويتكلمون رويدا، فقالت: ما هذا؟ ~~قالوا: نساك، فقالت: كان والله عمر إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب ~~أوجع، وهو والله ناسك حقا. قال الحسن: خطب عمر الناس وعليه إزار فيه اثنتا ~~عشرة رقعة منها أدم. قال أبو عثمان النهدي: رأيت عمر يرمي الجمرة وعليه ~~إزار مرقع بقطعة جراب، وقال علي: رأيت عمر يطوف بالكعبة وعليه إزار فيه ~~إحدى وعشرون رقعة فيها من أدم. وقال الحسن: كان عمر يمر بالآية من ورده ~~فيسقط حتى يعاد كما يعاد المريض، وقيل: إنه سمع قارئا يقرأ والطور، فلما ~~انتهى إلى قوله تعالى: (إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع) الطور: 7، سقط ثم ~~تحامل إلى منزله فمرض شهرا من ذلك. قال الشعبي: كان عمر يطوف في الأسواق ~~ويقرأ القرآن ويقضي بين الناس ms0910 حيث أدركه الخصوم. قال موسى بن عقبة: أتى رهط ~~إلى عمر فقالوا له: كثر العيال واشتدت المؤونة فزدنا في عطائنا. قال: ~~فعلتموها، جمعتم بين الضرائر واتخذتم الخدم من مال الله، لوددت أني وإياكم ~~في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقا وغربا فلن يعجز الناس أن يولوا رجلا ~~منهم فإن استقام اتبعوه وإن جنف قتلوه. فقال طلحة: وما عليك لو قلت: وإن ~~تعوج عزلوه؟ قال: لا، القتل أنكل لمن بعده، احذروا فتى ابن قريش وابن ~~كريمها الذي لا ينام إلا على الرضا ويضحك عند الغضب وهو يتناول من فوقه ومن ~~تحته. قال مجالد: ذكر رجل عند عمر فقيل: يا أمير المؤمنين، فاضل لا يعرف من ~~الشر شيئا. قال: ذاك أوقع له فيه. قال صالح بن كيسان: قال المغيرة بن شعبة: ~~لما دفن عمر أتيت عليا وأنا أحب أن أسمع منه في عمر شيئا، فخرج ينفض رأسه ~~ولحيته وقد اغتسل وهو ملتحف بثوب لا يشك أن الأمر يصير إليه، فقال: يرحم ~~الله ابن الخطاب، لقد صدقت ابنة أبي حنتمة، ذهب بخيرها ونجا من شرها، أما ~~والله ما قالت ولكن قولت. وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو في عمر: فجعني فيروز ~~لا در دره ... بأبيض تال للكتاب منيب رؤوف على الأدنى غليظ على العدا ... ~~أخي ثقة في النائبات نجيب متى ما يقل لا يكذب القول فعله ... سريع إلى ~~الخيرات غير قطوب وقالت أيضا: عين جودي بعبرة ونحيب ... لا تملي على الإمام ~~النجيب فجعتني المنون بالفارس المع ... لم يوم الهياج والتلبيب عصمة الناس ~~والمعين على الده ... ر وغيث المنتاب والمحروب قل لأهل الثراء والبؤس موتوا ~~... قد سقته المنون كأس شعوب PageV01P0473 # قال ابن المسيب: وحج عمر فلما كان بضجنان قال: لا إله إلا الله العظيم ~~العلي المعطي ما شاء من شاء، كنت أرعى إبل الخطاب في هذا الوادي في مدرعة ~~صوف، وكان فظا يتعبني إذا عملت ويضربني إذا قصرت، وقد أمسيت وليس بيني وبين ~~الله أحد، ثم تمثل: لا شيء فيما ترى تبقى بشاشته ms0911 ... يبقى الإله ويودي ~~المال والولد لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما ~~خلدوا ولا سليمان إذ تجري الرياح به ... والإنس والجن فيما بينها يرد أين ~~الملوك التي كانت نوافلها ... من كل أوب إليها راكب يفد حوضا هنالك مورودا ~~بلا كذب ... لابد من ورده يوما كما وردوا قال أسلم: إن هند بنت عتبة ~~استقرضت عمر من بيت المال أربعة آلاف تتجر فيها وتضمنها، فأقرضها، فخرجت ~~فيها إلى بلاد كلب فاشترت وباعت، فبلغها أن أبا سفيان وابنه عمرا أتيا ~~معاوية، فعدلت إليه، وكان أبو سفيان قد طلقها، فقال لها معاوية: ما أقدمك ~~أي أمه؟ قالت: النظر إليك أي بني، إنه عمر، وإنما يعمل لله وقد أتاك أبوك ~~فخشيت أن تخرج إليه من كل شيء وأهل ذلك هو ولا يعلم الناس من أين أعطيته ~~فيؤنبوك ويؤنبك عمر فلا يستقيلها أبدا. فبعث إلى أبيه وإلى أخيه بمائة ~~دينار وكساهما وحملهما، فتسخطها عمرو، فقال أبو سفيان: لا تسخطها فإن هذا ~~عطاء لم تغب عنه هند؛ ورجعوا جميعا، فقال أبو سفيان لهند: أربحت؟ قالت: ~~الله أعلم. فلما أتت المدينة وباعت شكت الوضيعة، فقال لها عمر: لو كان مالي ~~لتركته لك، ولكنه مال المسلمين. وقال لأبي سفيان: بكم أجازك معاوية؟ قال: ~~بمائة دينار. قال ابن عباس: بينما عمر بن الخطاب وأصحابه يتذاكرون الشعر ~~فقال بعضهم: فلان أشعر، وقال بعضهم: بل فلان أشعر، قال: فأقبلت فقال عمر: ~~قد جاءكم أعلم الناس بها، من أشعر الشعراء؟ قال: قلت: زهير بن أبي سلمى. ~~فقال: هلم من شعره ما نستدل به على ما ذكرت. فقلت: امتدح قوما من غطفان ~~فقال: لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم لأولهم يوما إذا قعدوا قوم ~~أبوهم سنان حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا جن إذا فزعوا ~~إنس إذا أمنوا ... ممردون بهاليل إذا جهدوا محسدون على ما كان من نعم ... ~~لا ينزع الله منهم ما له حسدوا PageV01P0474 # فقال عمر: أحسن والله وما أعلم أحدا أولى بهذا الشعر من ms0912 هذا الحي من بني ~~هاشم لفضل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقرابتهم منه. فقلت: وفقت يا ~~أمير المؤمنين ولم تزل موفقا! فقال: يا ابن عباس، أتدري ما منع قومكم منهم ~~بعد محمد، صلى الله عليه وسلم؟ فكرهت أن أجيبه فقلت: إن لم أكن أدري فإن ~~أمير المؤمنين يدريني! فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة ~~فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت. فقلت: يا ~~أمير المؤمنين، إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت. قال: تكلم. ~~قلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت، فلو أن ~~قريشا اختارت لأنفسها حين اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا ~~محسود. وأما قولك: إنهم أبوا أن تكون لنا النبوة والخلافة، فإن الله، عز ~~وجل، وصف قوما بالكراهة فقال: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط ~~أعمالهم) محمد: (. فقال عمر: هيهات والله يا ابن عباس، قد كانت تبلغني عنك ~~أشياء كنت أكره أن أقرك عليها فتزيل منزلتك مني. فقلت: ما هي يا أمير ~~المؤمنين؟ فإن كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كنت باطلا فمثلي ~~أماط الباطل عن نفسه. فقال عمر: بلغني أنك تقول: إنما صرفوها عنك حسدا ~~وبغيا وظلما. فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: ظلما، فقد تبين للجاهل ~~والحليم، وأما قولك: حسدا، فإن آدم حسد ونحن ولده المحسدون. فقال عمر: ~~هيهات هيهات! أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا لا يزول. فقلت: مهلا ~~يا أمير المؤمنين، لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ~~بالحسد والغش، فإن قلب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من قلوب بني هاشم. ~~فقال عمر: إليك عني يا ابن عباس. فقلت: أفعل. فلما ذهبت لأقوم استحيا مني ~~فقال: يا ابن عباس، مكانك! فوالله إني لراع لحقك محب لما سرك. فقلت: يا ~~أمير المؤمنين، إن لي عليك حقا وعلى كل مسلم، فمن حفظه فحظه أصاب، ومن ~~أضاعه فحظه أخطأ. ثم قام فمضى. ms0913 ### || AUT ذكر قصة الشورى # قال عمر بن ميمون الأودي: إن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له: يا أمير ~~المؤمنين لو استخلفت. فقال: لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته وقلت لربي إن ~~سألني: سمعت نبيك يقول: (إنه أمين هذه الأمة). ولو كان سالم مولى أبي حذيفة ~~حيا لاستخلفته وقلت لربي إن سألني: سمعت نبيك يقول: (إن سالما شديد الحب ~~لله تعالى). فقال له رجل: أدلك على عبد الله بن عمر. فقال: قاتلك الله، ~~والله ما أردت الله بهذا! ويحك! كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته؟ لا ~~أرب لنا في أموركم، فما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي، إن كان خيرا ~~فقد أصبنا منه، وإن كان شرا فقد صرف عنا، بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل ~~واحد ويسأل عن أمر أمة محمد، أما لقد جهدت نفسي وحرمت أهلي، وإن نجوت كفافا ~~لا وزر ولا أجر إني لسعيد، وأنظر فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن ~~أترك فقد ترك من هو خير مني، ولن يضيع الله دينه. فخرجوا ثم راحوا فقالوا: ~~يا أمير المؤمنين، لو عهدت عهدا. فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن ~~أنظر فأولي رجلا أمركم هو أحراكم أن يحملكم على الحق، وأشار إلى علي، ~~فرهقتني غشية فرأيت رجلا دخل جنة فجعل يقطف كل غضة ويانعة فيضمه إليه ~~ويصيره تحته، فعلمت أن الله غالب على أمره، ومتوف عمر فما أردت أن أتحملها ~~حيا وميتا، عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ~~إنهم من أهل الجنة، وهم علي وعثمان وعبد الرحمن وسعد والزبير بن العوام ~~وطلحة بن عبيد الله، فليختاروا منهم رجلا، فإذا ولوا واليا فأحسنوا موازرته ~~وأعينوه. فخرجوا فقال العباس لعلي: لا تدخل معهم. قال: إني أكره الخلاف. ~~قال: إذن ترى ما تكره. فلما أصبح عمر دعا عليا وعثمان وسعدا وعبد الرحمن ~~والزبير فقال لهم: إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم ولا يكون هذا ~~الأمر إلا فيكم، وقد قبض رسول ms0914 الله، صلى الله عليه وسلم، وهو عنكم راض، ~~وإني لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم ولكني أخاف فيما بينكم فيختلف الناس، ~~فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذنا فتشاوروا فيها واختاروا رجلا منكم. ووضع رأسه ~~وقد نزفه الدم. PageV01P0475 # فدخلوا فتناجوا حتى ارتفعت أصواتهم، فقال عبد الله بن عمر: سبحان الله! ~~إن أمير المؤمنين لم يمت بعد. فسمعه عمر فانتبه وقال: ألا أعرضوا عن هذا ~~فإذا مت فتشاوروا ثلاثة أيام وليصل بالناس صهيب ولا يأتين اليوم الرابع إلا ~~وعليكم أمير منكم، ويحضر عبد الله بن عمر مشيرا ولا شيء له من الأمر، وطلحة ~~شريككم في الأمر، فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت الأيام ~~الثلاثة قبل قدومه فأمضوا أمركم، ومن ولي بطلحة؟ فقال سعد ابن أبي وقاص: ~~أنا لك به ولا يخالف إن شاء الله تعالى. فقال عمر: أرجو أن لا يخالف إن شاء ~~الله، وما أظن يلي إلا أحد هذين الرجلين: علي أو عثمان، فإن ولي عثمان فرجل ~~فيه لين، وإن ولي علي ففيه دعابة، وأحرى به أن يحملهم على طريق الحق، وإن ~~تولوا سعدا فأهله هو وإلا فليستعن به الوالي، فإني لم أعزله عن ضعف ولا ~~خيانة، ونعم ذو الرأي عبد الرحمن بن عوف، فاسمعوا منه وأطيعوا. وقال لأبي ~~طلحة الأنصاري: يا أبا طلحة، إن الله طالما أعز بكم الإسلام فاختر خمسين ~~رجلا من الأنصار فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم. وقال للمقداد ~~بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا ~~رجلا منهم. وقال لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام وأدخل هؤلاء الرهط بيتا وقم ~~على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة ~~وأبى اثنان فاضرب رأسيهما، وإن رضي ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا فحكموا عبد الله ~~بن عمر، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله ابن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد ~~الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع فيه الناس. فخرجوا فقال ~~علي لقوم معه من بني ms0915 هاشم: أن أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا أبدا، وتلقاه عمه ~~العباس فقال: عدلت عنا! فقال: وما علمك؟ قال: قرن بني عثمان، وقال: كونوا ~~مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلا ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد ~~الرحمن، فسعد لا يخالف ابن عمه، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون فيوليها ~~أحدهما الآخر، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني. فقال له العباس: لم أرفعك ~~في شيء إلا رجعت إلي مستأخرا لما أكره، أشرت عليك عند وفاة رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، أن تسأله فيمن هذا الأمر فأبيت، فأشرت عليك بعد وفاته أن ~~تعاجل الأمر فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل معهم ~~فأبيت، احفظ عني واحدة: كلما عرض عليك القوم فقل: لا، إلا أن يولوك، واحذر ~~هؤلاء الرهط فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم به لنا غيرنا، ~~وأيم الله لا يناله إلا بشر لا ينفع معه خير! فقال علي: أما لئن بقي عثمان ~~لأذكرنه ما أتى، ولئن مات ليتداولنها بينهم، ولئن فعلوا لتجدني حيث يكرهون، ~~ثم تمثل: حلفت برب الراقصات عشية ... غدون خفافا فابتدرن المحصبا ليختلين ~~رهط ابن يعمر قارنا ... نجيعا بنو الشداخ وردا مصلبا والتفت فرأى أبا طلحة ~~فكره مكانه، فقال أبو طلحة: لن تراع أبا الحسن. PageV01P0476 # فلما مات عمر وأخرجت جنازته صلى عليه صهيب، فلما دفن عمر جمع المقداد أهل ~~الشورى في بيت المسور بن مخرمة، وقيل: في بيت المال وقيل: في حجرة عائشة ~~بإذنها، وطلحة غائب، وأمروا أبا طلحة أن يحجبهم، وجاء عمرو بن العاص ~~والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب، فحصبهما سعد وأقامهما وقال: تريدان أن ~~تقولا: حضرنا وكنا في أهل الشورى! فتنافس القوم في الأمر وكثر فيهم الكلام، ~~فقال أبو طلحة: أنا كنت لأن تدفعوها أخوف مني لأن تنافسوها، والذي ذهب بنفس ~~عمر لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أمر، ثم أجلس في بيتي فأنظر ما ~~تصنعون! فقال عبد الرحمن: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها ~~أفضلكم؟ فلم ms0916 يجبه أحد. فقال: فأنا أنخلع منها. فقال عثمان: أنا أول من رضي. ~~فقال القوم: قد رضينا. وعلي ساكت. فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني ~~موثقا لتؤثرن الحق ولا تتبع الهوى ولا تخص ذا رحم ولا تألو الأمة نصحا. ~~فقال: أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدل وغير وأن ترضوا من ~~اخترت لكم، وعلي ميثاق الله أن لا أخص ذا رحم لرحمه ولا آلو المسلمين، فأخذ ~~منهم ميثاقا وأعطاهم مثله، فقال لعي: تقول إني أحق من حضر بهذا الأمر ~~لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في الدين ولم تبعد، ولكن أرأيت لو صرف هذا الأمر ~~عنك فلم تحضر من كنت ترى من هؤلاء الرهط أحق به؟ قال: عثمان. وخلا بعثمان ~~فقال: تقول شيخ من بني عبد مناف، وصهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وابن ~~عمه، ولي سابقة وفضل، فأين يصرف هذا الأمر عني؟ ولكن لو لم تحضر أي هؤلاء ~~الرهط تراه أحق به؟ قال: علي. ولقي علي سعدا فقال له: (اتقوا الله الذي ~~تساءلون به والأرحام) النساء: ، أسألك برحم ابني هذا من رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، وبرحم عمي حمزة منك ألا تكون مع عبد الرحمن لعثمان ظهيرا ~~علي ودار عبد الرحمن لياليه يلقى أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومن ~~وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم، حتى إذا كان الليلة ~~التي صبيحتها تستكمل الأجل أتى منزل المسور بن مخرمة فأيقظه وقال له: لم ~~أذق في هذه الليلة كبير غمض، انطلق فادع الزبير وسعدا. فدعاهما. فبدأ ~~بالزبير فقال له: خل بني عبد مناف وهذا الأمر. قال: نصيبي لعلي. وقال لسعد: ~~اجعل نصيبك لي. فقال: إن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعلي أحب إلي؛ ~~أيها الرجل بايع لنفسك وأرحنا وارفع رؤوسنا. فقال له: قد خلعت نفسي على أن ~~أختار، ولو لم أفعل لم أردها. إني رأيت روضة خضراء كثيرة العشب، فدخل فحل ~~ما رأيت أكرم منه فمر كأنه سهم لم يلتفت إلى شيء منها ms0917 حتى قطعها لم يعرج، ~~ودخل بعير يتلوه فاتبع أثره حتى خرج منها، ثم دخل فحل عبقري يجر خطامه ومضى ~~قصد الأولين، ثم دخل بعير رابع فرتع في الروضة، ولا والله لا أكون الرابع ~~ولا يقوم مقام أبي بكر وعمر بعدهما أحد فيرضى الناس عنه. قال: وأرسل المسور ~~فاستدعى عليا فناجاه طويلا وهو لا يشك أنه صاحب الأمر، ثم نهض، ثم أرسل إلى ~~عثمان فتناجيا حتى فرق بينهما الصبح. PageV01P0477 # قال عمرو بن ميمون: قال لي عبد الله بن عمر: من أخبرك أنه يعلم ما كلم به ~~عبد الرحمن بن عوف عليا وعثمان فقد قال بغير علم فوقع قضاء ربك على عثمان. ~~فلما صلوا الصبح جمع الرهط وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل السابقة ~~والفضل من الأنصار وإلى أمراء الأجناد فاجتمعوا حتى التج المسجد بأهله ~~فقال: أيها الناس، إن الناس قد أجمعوا أن يرجع أهل الأمصار إلى أمصارهم، ~~فأشيروا علي. فقال عمار: إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليا. فقال ~~المقداد بن الأسود: صدق عمار، إن بايعت عليا قلنا: سمعنا وأطعنا. قال ابن ~~أبي سرح: إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان. فقال عبد الله بن أبي ~~ربيعة: صدقت إن بايعت عثمان قلنا: سمعنا وأطعنا. فتبسم عمار ابن أبي سرح ~~وقال: متى كنت تنصح المسلمين؟ فتكلم بنو هاشم وبنو أمية فقال عمار: أيها ~~الناس، إن الله أكرمنا بنيه وأعزنا بدينه فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت ~~نبيكم؟ فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يا ابن سمية وما أنت وتأمير ~~قريش لأنفسها! فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن، افرغ قبل أن يفتتن ~~الناس. فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت فلا تجعلن أيها الرهط على ~~أنفسكم سبيلا؛ ودعا عليا وقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعلمن بكتاب الله ~~وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده. قال: أرجو أن أفعل فأعمل بمبلغ علمي ~~وطاقتي؛ ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، فقال: نعم نعمل. فرفع رأسه ~~إلى ms0918 سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال: اللهم اسمع واشهد اللهم أني قد جعلت ~~ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان، فبايعه. فقال علي: ليس هذا أول يوم ~~تظاهرتم فيه علينا، (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) يوسف: ، والله ~~ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك، والله كل يوم في شأن! فقال عبد الرحمن: ~~يا علي، لا تجعل على نفسك حجة وسبيلا. فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب ~~أجله. فقال المقداد: يا عبد الرحمن، أما والله لقد تركته وإنه من الذين ~~يقضون بالحق وبه يعدلون. فقال: يا مقداد، والله لقد اجتهدت للمسلمين. قال: ~~إن كنت أردت الله فأثابك الله ثواب المحسنين. فقال المقداد: ما رأيت مثل ما ~~أتى إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم، إني لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما ~~أقول ولا أعلم أن رجلا أقضى بالعدل ولا أعلم منه، أما والله لو أجد أعوانا ~~عليه! فقال عبد الرحمن: يا مقداد اتق الله فإني خائف عليك الفتنة. فقال رجل ~~للمقداد: رحمك الله، من أهل هذا البيت ومن هذا الرجل؟ قال: أهل البيت بنو ~~عبد المطلب، والرجل علي بن أبي طالب. فقال علي: إن الناس ينظرون إلى قريش ~~وقريش تنظر بينها فتقول: إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما ~~كانت في غيرهم تداولتموها بينكم. وقدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه لعثمان ~~فقيل له: بايعوا لعثمان. فقال: كل قريش راض به؟ قالوا: نعم. فأتى عثمان، ~~فقال له عثمان: أنت على رأس أمرك وإن أبيت رددتها. قال: أتردها؟ قال: نعم. ~~قال: أكل الناس بايعوك؟ قال: نعم. قال: قد رضيت لا أرغب عما أجمعوا عليه. ~~وبايعه. وقال المغيرة بن شعبة لعبد الرحمن: يا أبا محمد قد أصبت أن بايعت ~~عثمان. وقال لعثمان: ولو بايع عبد الرحمن غيرك ما رضينا. فقال عبد الرحمن: ~~كذبت يا أعور، لو بايعت غيره لبايعته ولقلت هذه المقالة. قال: وكان المسور ~~يقول: ما رأيت أحدا بذ قوما فيما دخلوا فيه بمث ما ms0919 بذهم عبد الرحمن. قلت ~~قوله: إن عبد الرحمن صهر عثمان، يعني أن عبد الرحمن تزوج أم كلثوم بنت عقبة ~~بن أبي معيط، وهي أخت عثمان لأمه خلف عليها عقبة بعد عثمان. PageV01P0478 # وقد ذكر أبو جعفر رواية أخرى في الشورى عن المسور بن مخرمة وهي تمام حديث ~~مقتل عمر، وقد تقدم، والذي ذكره ههنا قريب من الذي تقدم آنفا، غير أنه قال: ~~لما دفن عمر جمعهم عبد الرحمن وخطبهم وأمرهم بالاجتماع وترك التفرق، فتكلم ~~عثمان فقال: الحمد لله الذي اتخذ محمدا نبيا وبعثه رسولا وصدقه وعده ووهب ~~له نصره على كل من بعد نسبا أو قرب رحما، صلى الله عليه وسلم، جعلنا الله ~~له تابعين، وبأمره مهتدين! فهو لنا نور ونحن بأمره نقوم عند تفرق الأهواء ~~ومجادلة الأعداء، جعلنا الله بفضله أئمة، وبطاعته أمراء، لا يخرج أمرنا ~~منا، ولا يدخل علينا غيرنا، إلا من سفه الحق ونكل عن القصد، وأحر بها يا ~~ابن عوف أن تترك، وأجدر بها أن تكون إن خولف أمرك وترك دعاؤك، فأنا أول ~~مجيب لك وداع إليك وكفيل بما أقول زعيم؛ وأستغفر الله لي ولكم. ثم تكلم ~~الزبير بعده فقال: أما بعد فإن داعي الله لا يجهل، ومجيبه لا يخذل عند تفرق ~~الأهواء ولي الأعناق، ولن يقصر عما قلت غلا غوى، ولن يترك ما دعوت إليه إلا ~~شقي، ولولا حدود لله فرضت، وفرائض لله حدت، تراح على أهلها وتحيا ولا تموت، ~~لكان الموت من الإمارة نجاة، والفرار من الولاية عصمة، ولكن لله علينا ~~إجابة الدعوة وإظهار السنة لئلا نموت موتة عمية، ولا نعمى عمى الجاهلية، ~~فأنا مجيئك إلى ما دعوت، ومعينك على ما أمرت، ولا حولا ولا قوة إلا بالله، ~~وأستغفر الله لي ولكم. ثم تكلم سعد فقال بعد حمد الله: وبمحمد، صلى الله ~~عليه وسلم، أنارت الطرق واستقامت السبل وظهر كل حق ومات كل باطل، إياكم ~~أيها النفر وقول الزور وأمنية أهل الغرور، وقد سلبت الأماني قوما قبلكم ~~ورثوا ما ورثتم ونالوا ما نلتم فاتخذهم الله ms0920 عدوا ولعنهم لعنا كبيرا. قال ~~الله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل) إلى قوله: (لبئس ما كانوا ~~يفعلون) المائدة: ، إني نكبت قرني وأخذت سهمي الفالج وأخذت لطلحة بن عبيد ~~الله ما ارتضيت لنفسي، فأنا به كفيل وبما أعطيت عنه زعيم والأمر إليك يا ~~ابن عوف بجهد النفس وقصد النصح، وعلى الله قصد السبيل، وإليه الرجوع، ~~وأستغفر الله لي ولكم، وأعوذ بالله من مخالفتكم. ثم تكلم علي بن أبي طالب ~~فقال: الحمد لله الذي بعث محمدا منا نبيا، وبعثه إلينا رسولا، فنحن بيت ~~النبوة، ومعدن الحكمة، وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب، لنا حق إن نعطه ~~نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السرى، لو عهد إلينا رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، عهدا لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتى ~~نموت، لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق وصلة رحم، لا حول ولا قوة إلا بالله، ~~اسمعوا كلامي وعوا منطقي، عسى أن تروا هذا الأمر بعد هذا المجتمع تنتضى فيه ~~السيوف، وتخان فيه العهود، حتى تكونوا جماعة، ويكون بعضكم أئمة لأهل ~~الضلالة وشيعة لأهل الجهالة، ثم قال: فإن تك جاسم هلكت فإني ... بما فعلت ~~بنو عبد بن ضخم مطيع في الهواجر كل غي ... بصير بالنوى من كل نجم فقال عبد ~~الرحمن: أيكم يطيب نفسا أن يخرج نفسه من هذا الأمر؟ وذكر قريبا مما تقدم. ~~ثم جلس عثمان في جانب المسجد بعد بيعته، ودعا عبيد الله بن عمر بن الخطاب، ~~وكان قتل قاتل أبيه أبا لؤلؤة، وقتل جفينة رجلا نصرانيا من أهل الحيرة كان ~~ظهيرا لسعد بن مالك، وقتل الهرمزان، فلما ضربه بالسيف قال: لا إله إلا ~~الله! فلما قتل هؤلاء أخذه سعد بن أبي وقاص وحبسه في داره وأخذ سيفه وأحضره ~~عند عثمان، وكان عبيد الله يقول: والله لأقتلن رجالا ممن شرك في دم أبي، ~~يعرض بالمهاجرين والأنصار، وإنما قتل هؤلاء النفر لأن عبد الرحمن بن أبي ~~بكر قال غداة قتل عمر: رأيت عشية أمس الهرمزان ms0921 وأبا لؤلؤة، وجفينة وهم ~~يتناجون، فلما رأوني ثاروا وسقط منهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه، وهو ~~الخنجر الذي ضرب به عمر، فقتلهم عبيد الله. فلما أحضره عثمان قال؛ أشيروا ~~علي في هذا الرجل الذي فتق في الإسلام ما فتق! فقال علي: أرى أن تقتله. ~~فقال بعض المهاجرين: قتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم! فقال عمرو بن العاص: إن ~~الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث ولك على المسلمين سلطان. فقال عثمان: أنا ~~وليه وقد جعلتها دية وأحتملها في مالي. وكان زياد بن لبيد البياضي الأنصاري ~~إذا رأى عبيد الله يقول: PageV01P0479 # ألا يا عبيد الله ما لك مهرب ... ولا ملجأ من إبن أروى ولا خفر أصبت دما ~~والله في غير حله ... حراما وقتل الهرمزان له خطر على غير شيء غير أن قال ~~قائل ... أتتهمون الهرمزان على عمر فقال سفيه، والحوادث جمة ... نعم إتهمه ~~قد أشار وقد أمر وكان سلاح العبد في جوف بيته ... يقلبها والأمر بالأمر ~~يعتبر فشكا عبيد الله إلى عثمان زياد بن لبيد، فنهى عثمان زيادا، فقال في ~~عثمان: أبا عمرو عبيد الله رهن ... فلا تشكك بقتل الهرمزان فإنك إن عفوت ~~الجرم عنه ... وأسباب الخطا فرسا رهان أتعفو إذ عفوت بغير حق ... فما لك ~~بالذي تحكي يدان فدعا عثمان زيادا فنهاه وشذبه. وقيل في فداء عبيد الله غير ~~ذلك، قال الغماذيان بن الهرمزان: كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها إلى ~~بعض، فمن فيروز أبو لؤلؤة بالهرمزان ومعه خنجر له رأسان فتناوله منه وقال: ~~ما تصنع به؟ قال: أسن به. فرآه رجل، فلما أصيب عمر قال: رأيت الهرمزان دفعه ~~إلى فيروز، فأقبل عبيد الله فقتله، فلما ولي عثمان أمكنني منه فخرجت به وما ~~في الأرض أحد إلا معي إلا أنهم يطلبون إلي فيه، فقلت لهم: ألي قتله؟ قالوا: ~~نعم، وسبوا عبيد الله، قلت لهم: أفلكم منعة؟ قالوا: لا، وسبوه، فتركته لله ~~ولهم، فحملوني، فوالله ما بلغت المنزل إلا على رؤوس الناس. والأول أصح في ~~إطلاق عبيد الله لأن عليا لما ms0922 ولي الخلافة أراد قتله فهرب منه إلى معاوية ~~بالشام، ولو كان إطلاقه بأمر ولي الدم لم يتعرض له علي. ### || AUT ذكر عدة حوادث # كان العمال فيها على مكة نافع بن عبد الحرث الخزاعي، وعلى الطائف سفيان ~~بن عبد الله الثقفي، وعلى صنعاء يعلى بن منية، وعلى الجند عبد الله بن أبي ~~ربيعة، وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة، وعلى البصرة أبو موسى الأشعري، وعلى ~~مصر عمرو بن العاص، وعلى حمص عمير بن سعد، وعلى دمشق معاوية، وعلى البحرين ~~وما والاها عثمان بن أبي العاص الثقفي. وفيها غزا معاوية الصائفة حتى بلغ ~~عمودية ومعه عبادة بن الصامت وأبو أيوب الأنصاري وأبو ذر وشداد بن أوس. ~~وفيها فتح معاوية عسقلان على صلح، وكان على قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء ~~البصرة كعب بن سور، وقيل: إن أبا بكر وعمر لم يكن لهما قاض. وفي هذه السنة ~~توفي قتادة بن النعمان الأنصاري، وهو الذي رد رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، عينه، وصلى عليه عمر بن الخطاب، وهو بدري، وقيل: توفي سنة أربع ~~وعشرين. وفي خلافة عمر توفي الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري، وهو ~~بدري، وربيعة بن الحرث بن عبد المطلب، وهو أسن من العباس، وعمير بن عوف ~~مولى سهيل بن عمرو، وهو بدري، وعمير بن وهب بن خلف الجمحي، شهد أحدا، وعتبة ~~بن معسود أخو عبد الله بن مسعود، وهو من مهاجرة الحبشة شهد أحدا، وعدي بن ~~أبي الزغباء الجهني، وهو عين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم بدر وشهد ~~غيرها أيضا. وفيها مات عويم بن ساعدة الأنصاري، وهو عقبي بدري، وقيل: إنه ~~من بلي وله حلف في الأنصار. وفيها مات سهيل بن رافع الأنصاري، شهد بدرا، ~~ومسعود بن أوس بن زيد الأنصاري، وقيل: بل عاش بعد ذلك وشهد صفين مع علي. ~~وفيها توفي واقد بن عبد الله التميمي حليف الخطاب، وهو أول من قاتل في سبيل ~~الله في الإسلام، وقتل عمرو بن الحضرمي، وكان إسلامه قبل دول رسول الله، ~~صلى الله ms0923 عليه وسلم، دار الأرقم. وفيها مات أبو جندل بن سهيل بن عمرو، ~~وأخوه عبد الله، وكان عبد الله بدريا، ولم يشهدها أبو جندل لأن أباه سجنه ~~بمكة ومنعه من الهجرة إلى يوم الحديبية، وقد تقدم كيف خلص. وفيها مات أبو ~~خالد الحرث بن قيس بن خالد، وكان أصابه جرح باليمامة فاندمل ثم انتقض عليه ~~فمات منه، وهو عقبي بدري. وفيها مات أبو خراش الهذلي الشاعر، وخبر موته ~~مشهور. وفيها توفي غيلان ابن سلمة الثقفي، وهو الذي أسلم وتحته عشر نسوة. ~~وفيها في آخرها مات الصعب بن جثامة بن قيس الليثي. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وعشرين # ### || AUT ذكر بيعة عثمان بن عفان بالخلافة # PageV01P0480 # في المحرم منها لثلاث مضين منه بويع عثمان بن عفان، وقيل غير ذلك على ما ~~تقدم، وكان هذا العام يسمى عام الرعاف لكثرته فيه بالناس. واجتمع أهل ~~الشورى عليه، وقد دخل وقت العصر، فأذن مؤذن صهيب واجتمعوا بين الأذان ~~والإقامة، فخرج فصلى بالناس وزادهم مائة مائة، ووفد أهل الأمصار، وهو أول ~~من صنع ذلك، وقصد المنبر وهو أشدهم كآبة، فخطب الناس ووعظهم وأقبلوا يبايعونه. ### || AUT ذكر عزل المغيرة عن الكوفة # ### || AUT وولاية سعد بن أبي وقاص # وفيها عزل عثمان المغيرة بن شعبة عن الكوفة واستعمل سعد بن أبي وقاص ~~عليها بوصية عمر فإنه قال: أوصي الخليفة بعدي أن يستعمل سعدا فإني لم أعزله ~~عن سوء ولا خيانة، فكان أول عامل بعثه عثمان، فعمل عليها سعد سنة وبعض أرى، ~~وقيل: بل أقر عثمان عمال عمر جميعهم سنة لأن عمر أوصى بذلك، ثم عزل المغيرة ~~بعد سنة واستعمل سعدا؛ فعلى هذا القول تكون إمارة سعد سنة وخمس وعشرين. وحج ~~بالنس في هذه السنة عثمان، وقيل: عبد الرحمن بن عوف بأمر عثمان. وقد تقدم ~~ذكر الفتوح التي ذكر بعض العلماء أنها كانت زمن عثمان وذكرت الخلاف هنالك. ~~وفي هذه السنة مات عبد الرحمن بن كعب الأنصاري، وهو بدري، وهو أحد البكائين ~~في غزوة تبوك، وسراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، ms0924 وقيل: مات بعد ذلك، وهو ~~الذي أدرك النبي، صلى الله عليه وسلم، في هجرته. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وعشرين # ### || AUT ذكر خلاف أهل الإسكندرية # في هذه السنة خالف أهل الإسكندرية ونقضوا صلحهم. وكان سبب ذلك أن الروم ~~عظم عليهم فتح المسلمين الإسكندرية وظنوا إنهم لا يمكنهم المقام ببلادهم ~~بعد خروج الإسكندرية عن ملكهم، فكاتبوا من كان فيها من الروم ودعوهم إلى ~~نقض الصلح، فأجابوهم إلى ذلك. فسار إليهم من القسطنطينية جيش كثير وعليهم ~~منويل الخصي، فأرسوا بها، واتفق معهم من بها من الروم، ولم يوافقهم المقوقس ~~بل ثبت على صلحه. فلما بلغ الخبر إلى عمرو بن العاص سارى إليهم وسار الروم ~~إليه فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم الروم وتبعهم المسلمون إلى أن ~~أدخلوهم الإسكندرية وقتلوا منهم في البلد مقتلة عظيمة، منهم منويل الخصي. ~~وكان الروم لما خرجوا من الإسكندرية قد أخذوا أموال أهل تلك القرى من ~~وافقهم ومن خالفهم. فلما ظفر بهم المسلمون جاء أهل القرى الذين خالفوهم ~~فقالوا لعمرو بنالعاص: إن الروم أخذوا دوابنا وأموالنا ولم نخالف نحن عليكم ~~وكنا على الطاعة. فرد عليهم ما عرفوا من أموالهم بعد إقامة البينة. وهدم ~~عمرو سور الإسكندرية وتركها بغير سور. وفيها بلغ سعد بن أبي وقاص على أهل ~~الري عزم على نقض الهدنة والغدر، فأرسل إليهم وأصلحهم وغزا الديلم ثم انصرف. ### || AUT ذكر عزل سعد عن الكوفة # ### || AUT وولاية الوليد بن عقبة # في هذه السنة عزل عثمان بن عفان سعد بن أبي وقاص عن الكوفة في قول ~~بعضهم، واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وأسم أبي معيط أبان بن أبي ~~عمرو، واسمه ذكوان بن أمية بن عبد شمس، وهو أخو عثمان لأمه، أمهما أروى بنت ~~كريز، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب. PageV01P0481 # وسبب ذلك أن سعدا اقترض من عبد الله بن مسعود من بيت المال قرضا، فلما ~~تقاضاه ابن مسعود لم يتيسر له قضاؤه فارتفع بينهما الكلام، فقال له سعد: ما ~~أراك إلا ستلقى شرا، هل أنت إلا ابن مسعود ms0925 عبد من هذيل؟ فقال: أجل والله ~~إني لابن مسعود وإنك لابن حمينة. وكان هاشم بن عتبة بن أبي وقاص حاضرا ~~فقال: إنكما لصاحبا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ينظر إليكما. فرفع سعد ~~يده ليدعو على ابن مسعود، وكان فيه حدة، فقال: اللهم رب السموات والأرض. ~~فقال ابن مسعود: ويلك قل خيرا ولا تلعن. فقال سعد عند ذلك: أما والله لولا ~~اتقاء الله لدعوت عليك دعوة لا تخطئك. فولى عبد سريعا حتى خرج، ثم استعان ~~عبد الله بأناس على استخراج المال، واستعان سعد بأناس على إنظاره، فافترقوا ~~وبعضهم يلوم بعضا، يلوم هؤلاء سعدا وهؤلاء عبد الله، فكان أول ما نزغ به ~~بين أهل الكوفة، وأول مصر نزغ الشيطان بين أهل الكوفة. وبلغ الخير عثمان ~~فغضب عليهما فعزل سعد وأقر عبد الله، واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط ~~مكان سعد، وكان على عرب الجزيرة عاملا لعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان ~~بعده، فقدم الكوفة واليا عليها، وأقام عليها خمس سنين، وهو من أحب الناس ~~إلى أهلها. فلما قدم قال له سعد: أكست بعدنا أم حمقنا بعدك؟ فقال: لا تجزعن ~~يا أبا إسحق، كل ذلك لم يكن وإنما هو الملك يتغداه قوم ويتعشاه آخرون. فقال ~~سعد: أراكم جعلتموها ملكا! وقال له ابن مسعود: ما أدري أصلحت بعدنا أم فسد الناس! ### || AUT ذكر صلح أهل أرمينية وأذربيجان # لما استعمل عثمان الوليد على الكوفة عزل عتبة بن فرقد على أذربيجان، ~~فنقضوا، فغزاهم الوليد سنة خمس وعشرين، وعلى مقدمته عبد الله بن شبيل ~~الأحمسي، فأغار على أهل موقان والببر والطيلسان ففتح وغنم وسبى، فطلب أهل ~~كور أذربيجان الصلح، فصالحهم على صلح حذيفة، وهو ثمانمائة ألف درهم، وقبض ~~المال. ثم بث سراياه، وبعث سلمان بن ربيعة الباهلي إلى أهل أرمينية في اثني ~~عشر ألفا، فسار في أرمينية يقتل ويسبي ويغنم، ثم انصرف وقد ملأ يديه حتى ~~أتى الوليد، فعاد الوليد وقد ظفر وغنم وجعل طريقه على الموصل، ثم أتى ~~الحديثة فنزلها، فأتاه بها كتاب عثمان ms0926 فيه أن معاوية بن أبي سفيان كتب إلي ~~يخبرني أن الروم قد أجلبت على المسلمين في جموع كثيرة، وقد رأيت أن يمدهم ~~إخوانهم من أهل الكوفة، فابعث إليهم رجلا له نجدة وبأس في ثمانية آلاف أو ~~تسعة آلاف من المكان الذي يأتيك كتابي فيه والسلام. فقام الوليد في الناس ~~وأعلمهم الحال وندبهم مع سلمان بن ربيعة الباهلي، فانتدب معه ثمانةي آلاف، ~~فمضوا حتى دخلوا مع أهل الشام إلى أرض الروم، فشنوا الغارات على أرض الروم ~~فأصاب الناس ما شاؤوا وافتتحوا حصونا كثيرة. وقيل: إن الذي أمد حبيب بن ~~مسلمة بسلمان بن ربيعة كان سعيد بن العاص، وكان سبب ذلك أن عثمان كتب إلى ~~معاوية يأمره أن يغزي حبيب بن مسلمة في أهل الشام أرمينية، فوجهه إليها، ~~فأتى قاليقلا فحصرها وضيق على من بها، فطلبوا الأمان على الجلاء أو الجزية، ~~فجلا كثير منهم فلحقوا ببلاد الروم، وأقام حبيب بها فيمن معه أشهرا. وإنما ~~سميت قاليقلا لأن امرأة بطريق أرميناقس كان اسمها قالي بنت هذه المدينة ~~فسمتها قالي قله، تعني إحسان قالي، فعربتها العرب فقالت: قاليقلا. ثم بلغه ~~أن بطريق أرميناقس، وهي البلاد التي هي الآن بيد أولاد السلطان قلج أرسلان، ~~وهي ملطية وسيواس واقصرا وقونية وما والاها من البلاد وإلى خليج ~~القسطنطينية، واسمه الموريان، قد توجه نحوه في ثمانين ألفا من الروم. فكتب ~~حبيب إلى معاوية يخبره، فكتب معاوية إلى عثمان، فأرسل عثمان إلى سعيد بن ~~العاص يأمره بإمداد حبيب، فأمده بسلمان في ستة آلاف، وأجمع حبيب على تبييت ~~الروم، فسمعته امرأته أم عبد الله بنت يزيد الكلبية فقالت: أين موعدك؟ ~~فقال: سرادق الموريان. ثم بيتهم فقتل من وقف له، ثم أتى السرادق فوجد ~~امرأته قد سبقته إليه، فكانت أول امرأة من العرب ضرب عليها حجاب سرادق. ~~ومات عنها حبيب فخلف عليها الضحاك بن قيس، فهي أم ولده. PageV01P0482 # ولما انهزمت الروم عاد حبيب إلى قاليقلا، ثم سار منها فنزل مربالا، فأتاه ~~بطريق خلاط بكتاب عياض بن غنم بأمانه، فأجراه عليه، وحمل ms0927 إليه البطريق ما ~~عليه من المال، ونزل حبيب خلاط، ثم سار منها فلقيه صاحب مكس بناحية من ~~نواحي البسفرجان، فقاطعه على بلاده، ثم سار منها إلى أزدشاط، وهي القرية ~~التي يكون بها القرمز الذي يصبغ به، فنزل على نهر دبيل وسرح الخيول إليها ~~فحصرها، فتحصن أهلها، فنصب عليهم منجنيقا، فطلبوا الأمان، فأجابهم إليه وبث ~~السرايا، فبلغت خيله ذات اللجم؛ وإنما سميت ذات اللجم لأن المسلمين أخذوا ~~لجم خيولهم فكبسهم الروم قبل أن يلجموها ثم ألجموها وقاتلوهم فظفروا بهم؛ ~~ووجه سرية إلى سراج طير وبغروند، فصالحه بطريقها على إتاوة. وقدم عليه ~~بطريق البسفرجان فصالحه على جميع بلاده. وأتى السيسجان فحاربه أهلها، ~~فهزمهم وغلب على حصونهم وسار إلى جرزان، فأتاه رسول بطريقها يطلب الصلح ~~فصالحه. وسار إلى تفليس فصالحه أهلها، وهي من جرزان، وفتح عدة حصون ومدن ~~تجاورها صلحا. وسارى سلمان بن ربيعة الباهلي إلى أران ففتح البيلقان صلحا ~~على أن آمنهم على دمائهم وأموالهم وحيطان مدينتهم، واشترط عليهم الجزية ~~والخراج. ثم أتى سلمان مدينة برذعة فعسكر على الثرثور، نهر بينه وبينها نحو ~~فرسخ، فقاتله أهلها أياما، وشن الغارات في قراها، فصالحوه على مثل صلح ~~البيلقان ودخلها؛ ووجه خيله ففتحت رساتيق الولاية، ودعا أكراد البلاشجان ~~إلى الإسلام فقاتلوه فظفر بهم فأقر بعضهم على الجزية وأدى بعضهم الصدقة، ~~وهم قليل؛ ووجه سرية إلى شمكور ففتحوها، وهي مدينة قديمة، ولم تزل معمورة ~~حتى أخربها السناوردية، وهم قوم تجمعوا لما انصرف يزيد بن أسيد عن أرمينية ~~فعظم أمرهم، فعمرها بغا سنة أربعين ومائتين وسماها المتوكلية نسبة إلى ~~المتوكل. وسار سلمان إلى مجمع أرس والكر ففتح قبلة، وصالحه صاحب سكر وغيرها ~~على الإتاوة، وصالحه ملك شروان وسائر ملوك الجبال وأهل مسقط والشابران ~~ومدينة الباب ثم امتنعت بعده. ### || AUT ذكر غزوة معاوية الروم # وفيها غزا معاوية الروم فبلغ عمورية فوجد الحصون التي بين أنطاكية ~~وطرسوس خالية فجعل عندها جماعة كثيرة من أهل الشام والجزيرة حتى انصرف من ~~غزاته، ثم أغزى بعد ذلك يزيد بن الحر العبسي الصائفة ms0928 وأمره ففعل مثل ذلك، ~~ولما خرج هدم الحصون إلى أنطاكية. ### || AUT ذكر غزوة إفريقية # في هذه السنة سير عمرو بن العاص عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى أطراف ~~إفريقية غازيا بأمر عثمان، وكان عبد الله من جند مصر، فلما سار إليها أمده ~~عمرو بالجنود فغنم هو وجنده، فلما عاد عبد الله إلى عثمان يستأذنه في غزو ~~إفريقية، فأذن له في ذلك. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها أرسل عثمان عبد الله بن عامر إلى كابل، وهي عمالة سجستان، فبلغها ~~في قول، فكانت أعظم من خراسان، حتى مات معاوية وامتنع أهلها. وفيها ولد ~~يزيد بن معاوية. وفيها كانت غزوة سابور الأولى، وقيل: سنة ست وعشرين، وقد ~~تقدم ذلك. وحج بالناس عثمان. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وعشرين # ### || AUT ذكر الزيادة في الحرم # في هذه السنة أمر عثمان بتجديد أنصاب الحرم. وفيها زاد عثمان في المسجد ~~الحرام ووسعه وابتاع من قوم فأبى آخرون فهدم عليهم ووضع الأثمان في بيت ~~المال. فصاحوا بعثمان، فأمر بهم فحبسوا، وقال لهم! قد فعل هذا بكم عمر فلم ~~تصيحوا به. فكلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد فأطلقهم. أسيد بفتح الهمزة ~~وكسر السين. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وعشرين # ### | AUT ذكر ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر وفتح إفريقية # في هذه السنة عزل عمرو بن العاص عن خراج مصر، واستعمل عليه عبد الله بن ~~سعد بن أبي سرح، وكان أخا عثمان من الرضاعة، فتباغيا، فكتب عبد الله إلى ~~عثمان يقول: إن عمرا كسر على الخراج. وكتب عمرو يقول: إن عبد الله قد كسر ~~على مكيدة الحرب. فعزل عثمان عمرا واستقدمه، واستعمل بدله عبد الله على حرب ~~مصر وخراجها، فقدم عمرو مغضبا، فدخل على عثمان وعليه جبة محشوة قطنا. فقال ~~له: ما حشو جبتك؟ قال مرو. قال: قد علمت أن حشوها عمرو ولم أرد هذا، إنما ~~سألت أقطن هو أم غيره؟. PageV01P0483 # وكان عبد الله من جند مصر، وكان قد أمره عثمان بغزو إفريقية ms0929 سنة خمس ~~وعشرين، وقال له عثمان: إن فتح الله عليك فلك من الفيء خمس الخمس نفلا. ~~وأمر عبد الله بن نافع بن عبد القيس وعبد الله بن نافع بن الحرث على جند ~~وسرحهما إلى الأندلس، وأمرهما بالاجتماع مع عبد الله بن سعد على صاحب ~~إفريقية، ثم يقيم عبد الله في عمله ويسيران إلى عملهما. فخرجوا حتى قطعوا ~~أرض مصر ووطئوا أرض إفريقية، وكانوا في جيش كثير عدتهم عشرة آلاف من شجعان ~~المسلمين، فصالحهم أهلها على مال يؤدونه ولم يقدموا على دخول إفريقية ~~والتوغل فيها لكثرة أهلها. ثم إن عبد الله بن سعد لما ولي أرسل إلى عثمان ~~في غزو إفريقية والاستكثار من الجموع عليها وفتحها، فاستشار عثمان من عنده ~~من الصحابة، فأشار أكثرهم بذلك، فجهز إليه العساكر من المدينة وفيهم جماعة ~~من أعيان الصحابة، منهم عبد الله بن عباس وغيره، فسار بهم عبد الله بن سعد ~~إلى أفريقية. فلما وصلوا إلى برقة لقيهم عقبة بن نافع فيمن معه من ~~المسلمين، وكانوا بها، وساروا إلى طرابلس الغرب فنهبوا من عندها من الروم. ~~وسار نحو إفريقية وبث السرايا في كل ناحية، وكان ملكهم اسمه جرجير، وملكه ~~من طرابلس إلى طنجة، وكان هرقل ملك الروم قد ولاه إفريقية فهو يحمل إليه ~~الخراج كل سنة. فلما بلغه خبر المسلمين تجهز وجمع العساكر وأهل البلاد فبلغ ~~عسكره مائة ألف وعشرين ألف فارس، والتقى هو والمسلمون بمكان بينه وبين ~~مدينة سبيطلة يوم وليلة، وهذه المدينة كانت ذلك الوقت دار الملك، فأقاموا ~~هناك يقتتلون كل يوم، وراسله عبد الله بن سعد يدعوه إلى الإسلام أو الجزية، ~~فامتنع منهما وتكبر عن قبول أحدهما. وانقطع خبر المسلمين عن عثمان، فسير ~~عبد الله بن الزبير في جماعة إليهم ليأتيه بأخبارهم، فسار مجدا ووصل إليهم ~~وأقام معهم، ولما وصل كثر الصياح والتكبير في المسلمين، فسأل جرجير عن ~~الخبر فقيل قد أتاهم عسكر، ففت ذلك في عضده. ورأى عبد الله بن الزبير قتال ~~المسلمين كل يوم من بكرة إلى الظهر فإذا أذن ms0930 بالظهر عاد كل فريق إلى خيامه، ~~وشهد القتال من الغد فلم ير ابن أبي سرح معهم، فسأل عنه، فقيل إنه سمع ~~منادي جرجير يقول: من قتل عبد الله بن سعد فله مائة ألف دينار وأزوجه ~~ابنتي، وهو يخاف، فحضر عنده وقال له: تأمر مناديا ينادي: من أتاني برأس ~~جرجير نفلته مائة ألف وزوجته ابنته واستعملته على بلاده. ففعل ذلك، فصار ~~جرجير يخاف أشد من عبد الله. ثم إن عبد الله بن الزبير قال لعبد الله بن ~~سعد: إن أمرنا يطول مع هؤلاء وهم في أمداد متصلة وبلاد هي لهم ونحن منقطعون ~~عن المسلمين وبلادهم، وقد رأيت أن نترك غدا جماعة صالحة من أبطال المسلمين ~~في خيامهم متأهبين ونقاتل نحن الروم في باقي العسكر إلى أن يضجروا ويملوا، ~~فإذا رجعوا إلى خيامهم ورجع المسلمون ركب من كان في الخيام من المسلمين ولم ~~يهشدوا القتال وهم مستريحون، ونقصدهم على غرة فلعل الله ينصرنا عليهم، ~~فأحضر جماعة من أعيان الصحابة واستشارهم فوافقوه على ذلك. فلما كان الغد ~~فعل عبد الله ما اتفقوا عليه وأقام جميع شجعان المسلمين في خيامهم وخيولهم ~~عندهم مسرجة، ومضى الباقون فقاتلوا الروم إلى الظهر قتالا شديدا. فلما أذن ~~بالظهر هم الروم بالانصراف على العادة فلم يمكنهم ابن الزبير وألح عليهم ~~بالقتال حتى أتعبهم ثم عاد عنهم هو والمسلمون، فكل من الطائفتين ألقى سلاحه ~~ووقع تعبا، فعند ذلك أخذ عبد الله بن الزبير من كان مستريحا من شجعان ~~المسلمين وقصد الروم فلم يشعروا بهم حتى خالطوهم وحملوا حملة رجل واحد ~~وكبروا فلم يتمكن الروم من لبس سلاحهم حتى غشيهم المسلمون وقتل جرجير، قتله ~~ابن الزبير، وانهزم الروم وقتل منهم مقتلة عظيمة وأخذت ابنة الملك جرجير ~~سبية. ونازل عبد الله بن سعد المدينة، فحصرها حتى فتحها ورأى فيها من ~~الأموال ما لم يكن في غيرها، فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار وسهم الراجل ~~ألف دينار. PageV01P0484 # ولما فتح عبد الله مدينة سبيطلة بث جيوشه في البلاد فبلغت قفصة، فسبوا ~~وغنموا، وسير عسكرا ms0931 إلى حصن الأجم، وقد احتمى به أهل تلك البلاد، فحصره ~~وفتحه بالأمان فصالحه أهل إفريقيى على ألفي ألف وخمسمائة ألف دينار وعشرين ~~ألف دينار، ونفل عبد الله بن الزبير ابنة الملك وأرسله إلى عثمان بالبشارة ~~بفتح إفريقية؛ وقيل: إن إبنة الملك وقعت لرجل من الأنصار فأركبها بعيرا ~~وارتجز بها يقول: يا ابنة جرجير تمشي عقبتك ... إن عليك بالحجاز ربتك ~~لتحملن من قباء قربتك ثم إن عبد الله بن سعد عاد من إفريقية إلى مصر، وان ~~مقامه بإفريقية سنة وثلاثة أشهر، ولم يفقد من المسلمين إلا ثلاثة نفر، قتل ~~منهم أبو ذؤيب الهذلي الشاعر فدفن هناك، وحمل خمس إفريقية إلى المدينة ~~فاشتراه مروان بن الحكم بخمسمائة ألف دينار فوضعها عنه عثمان، وكان هذا مما ~~أخذ عليه. وهذا أحسن ما قيل في خمس إفريقية، فإن بعض الناس يقول: أعطى ~~عثمان خمس أفريقية عبد الله بن سعد، وبعضهم يقول: أعطاه مروان بن الحكم. ~~وظهر بهذا أنه أعطى عبد الله خمس الغزوة الأولى وأعطى مروان خمس الغزوة ~~الثانية التي افتتحت فيها جميع إفريقية، والله أعلم. ### || AUT ذكر انتقاض إفريقية وفتحها ثانية # كان هرقل ملك القسطنطينية يؤدي إليه كل ملك من ملوك النصارى الخراج، فهم ~~من مصر وإفريقية والأندلس وغير ذلك، فلما صالح أهل إفريقية عبد الله بنى ~~سعد أرسل هرقل إلى أهلها بطريقا له وأمره أن يأخذ منهم مثل ما أخذ ~~المسلمون، فنزل البطريق في قرطاجنة وجمع أهل إفريقية وأخبرهم بما أمره ~~الملك، فأبوا عليه، وقالوا: نحن نؤدي ما كان يؤخذ منا، وقد كان ينبغي له أن ~~يسامحنا لما ناله المسلمون منا. وكان قد قام بأمر إفريقية بعد قتل جرجير ~~رجل رجل آخر من الروم، فطرده البطريق بعد فتن كثيرة، فسار إلى الشام وبه ~~معاوية وقد استقر له الأمر بعد قتل علي، فوصف له إفريقية وطلب أن يرسل معه ~~جيشا، فسير معه معاوية بن أبي سفيان معاوية بن حديج السكوني. فلما وصلوا ~~إلى الإسكندرية هلك الرومي ومضى ابن حديج فوصل إلى إفريقية وهي نار ms0932 تضطرم ~~وكان معه عسكر عظيم فنزل عند قمونية، وأرسل البطريق إليه ثلاثين ألف مقاتل. ~~فلما سمع بهم معاوية سير إليهم وجيشا من المسلمين، فقاتلوهم، فانهزمت الروم ~~وحصر حصن جلولاء فلم يقدر عليه فانهدم سور الحصن فملكه المسلمون وغنموا ما ~~فيه، وبث السرايا، فسكن الناس وأطاعوا، وعاد إلى مصر. حديج بضم الحاء وفتح ~~الدال المهملتين وآخره جيم. ثم لم يزل أهل إفريقية من أطوع أهل البلدان ~~وأسمعهم إلى زمان هشام بن عبد الملك حتى دب إليهم دعاة أهل العراق ~~واستثاروهم فشقوا العصا، وفرقوا بينهم إلى اليوم، وكانوا يقولون: لا نخالف ~~الأئمة بما تجني العمال. فقالوا لهم: إنما يعمل هؤلاء بأمر أولئك. فقالوا: ~~حتى نخبرهم، فخرج ميسرة في بضعة وعشرين رجلا فقدموا على هشام فلم يؤذن لهم، ~~فدخلوا على الأبرش فقالوا: أبلغ أمير المؤمنين أن أميرنا يغزو بنا وبجنده ~~فإذا غنمنا نفلهم، ويقول: هذا أخلص لجهادنا، وإذا حاصرنا مدينة قدمنا ~~وأخرهم، ويقول: هذا ازدياد في الأجر، ومثلنا كفى إخوانه؛ ثم إنهم عمدوا إلى ~~ماشيتنا فجعلوا يبقرون بطونها عن سخالها يطلبون الفراء البيض لأمير ~~المؤمنين فيقتلون ألف شاة في جلد، فاحتملنا ذلك، ثم إنهم سامونا أن يأخذونا ~~كل جميلة من بناتنا، فقلنا: لم نجد هذا في كتاب ولا سنة ونحن مسلمون، ~~فأحببنا أن نعلم أعن رأي أمير المؤمنين هذا أم لا؟ فطال عليهم المقام ونفدت ~~نفقاتهم، فكتبوا أسماءهم ودفعوها إلى وزرائه وقالوا: إن سأل عنا أمير ~~المؤمنين فأخبروه. ثم رجعوا إلى إفريقية فخرجوا على عامل هشام فقتلوه ~~واستولوا على إفريقية، وبلغ الخبر هشاما فسأل عن النفر فعرف أسماءهم فإذا ~~هم الذين صنعوا ذلك. ### || AUT ذكر غزوة الأندلس # لما افتتحت إفريقية أمر عثمان عبد الله بن نافع بن الحصين وعبد الله بن ~~نافع ابن عبد القيس أن يسيرا إلى الأندلس، فأتياها من قبل البحر، وكتب ~~عثمان إلى من انتدب معهما: أما بعد فإن القسطنطينية إنما تفتح من قبل ~~الأندلس. PageV01P0485 # فخرجوا ومعهم البربر، ففتح الله على المسلمين وزاد في سلطان المسلمين مثل ~~إفريقية. ولما عزل ms0933 عثمان عبد الله بن سعد عن إفريقية ترك في عمله عبد الله ~~بن نافع بن عبد القيس فكان عليها، ورجع عبد الله إلى مصر، وبعث عبد الله ~~إلى عثمان مالا قد حشد فيه، فدخل عمرو على عثمان فقال له: يا عمرو هل تعلم ~~أن تلك اللقاح درت بعدك؟ قال عمرو: إن فصالها قد هلكت. ### || AUT ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة عثمان. وفيها كان فتح إصطخر الثاني على يد عثمان ~~ابن أبي العاص. وفيها غزا معاوية بن أبي سفيان قنسرين. وفيها مات أبو ذؤيب ~~الهذلي الشاعر بمصر منصرفا من إفريقية، وقيل: بل مات بطريق مكة في البادية، ~~وقيل: مات ببلاد الروم، وكلهم قالوا: مات في خلافة عثمان. وفيها مات أبو ~~رمثة البلوي بإفريقية، له صحبة. وفيها ماتت حفصة بنت عمر ابن الخطاب زوج ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، وقيل: ماتت سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة خمس وأربعين. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وعشرين # ### || AUT ذكر فتح قبرس # قيل: في سنة ثمان وعشرين كان فتح قبرس على يد معاوية، وقيل: سنة تسع ~~وعشرين، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: إنما غزاها معاوية هذه السنة غزا ~~معه جماعة من الصحابة فيهم أبو ذر وعبادة بن الصامت ومعه زوجته أم حرام، ~~وأبو الدرداء وشداد بن أوس، وكان معاوية قد لج على عمر في غزو البحر وقرب ~~الروم من حمص، وقال: إن قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم وصياح ~~دجاجهم. فكتب عمر إلى عمرو بن العاص: صف لي البحر وراكبه. فكتب إليه عمرو ~~بن العاص: إني رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير، ليس إلا السماء والماء، إن ~~ركد خرق القلوب، وإن تحرك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قلة، والشك كثرة، ~~هم فيه كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق. فلما قرأه كتب إلى معاوية: ~~والذي بعث محمدان صلى الله عليه وسلم، بالحق لا أحمل فيه مسلما أبدا، وقد ~~بلغني أن بحر الشام يشرف على أطول شيء من الأرض فيستأذن الله ms0934 في كل يوم ~~وليلة في أني يغرق الأرض، فكيف أحمل الجنود على هذا الكافر! وبالله لمسلم ~~أحب إلي مما حوت الروم. وإياك أن تعرض إلي، فقد علمت ما لقي العلاء مني. ~~قال: وترك ملك الروم الغزو وكاتب عمر وقاربه. وبعثت أم كلثوم، بنت علي بن ~~أبي طالب، زوج عمر بن الخطاب، إلى امرأة ملك الروم بطيب وشيء يصلح للنساء ~~مع البريد، فأبلغه إليها، فأهدت امرأة الملك إليها هدية، منها عقد فاخر. ~~فلما رجع البريد أخذ عمر ما معه ونادى: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، وأعلمهم ~~الخبر، فقال القائلون: هو لها بالذي كان لها، وليست امرأة الملك بذمة ~~فتصانعك. وقال آخرون: قد كنا نهدى لنستثيب. فقال عمر: لكن الرسول رسول ~~المسلمين والبريد بريدهم، والمسلمون عظموها في صدرها فأمر بردها إلى بيت ~~المال وأعطاها بقدر نفقتها. فلما كان زمن عثمان كتب إليه معاوية يستأذنه في ~~غزو البحر مرارا، فأجابه عثمان بأخرة إلى ذلك وقال له: لا تنتخب الناس ولا ~~تقرع بينهم، خيرهم فمن اختار الغزو طائعا فاحمله وأعنه. ففعل، واستعمل عبد ~~الله بن قيس الجاسي حليف بني فزارة، وسار المسلمون من الشام إلى قبرس، وسار ~~إليها عبد الله بن سعد من مصر فاجتمعوا عليها، فصالحهم أهلها على جزية سبعة ~~آلاف دينار كل سنة يؤدونها إلى الروم مثلها، لا يمنعهم المسلمون عن ذلك ~~وليس على المسلمين منعهم ممن أرادهم ممن وراءهم، وعليهم أن يؤذنوا المسلمين ~~بمسير عدوهم من الروم إليهم ويكون طريق المسلمين إلى العدو عليهم. قال جبير ~~بن نفير: ولما فتحت قبرس ونهب منها السبي نظرت إلى أبي الدرداء يبكي فقلت: ~~ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله وأذل فيه الكفر وأهله؟ قال: ~~فضرب منكبي بيده وقال: ثكلتك أمك يا جبير ما أهون الخلق على الله إذا تركوا ~~أمره بينما هي أمة ظاهرة قاهرة للناس لهم الملك إذا تركوا أمر الله فصاروا ~~إلى ما ترى فسلط عليهم السباء، وإذا سلط السباء على قوم فليس له فيهم حاجة. ~~PageV01P0486 # وفي هذه الغزاة ماتت أم ms0935 حرام بنت ملحان الأنصارية، ألقتها بغلتها بجزية ~~قبرس فاندقت عنقها فماتت، تصديقا للنبي، صلى الله عليه وسلم، حيث أخبرها ~~أنها في أول من يغزو في البحر، وبقي عبد الله بن قيس الجاسي على البحر فغزا ~~على خمسين غزاة من بين شاتية وصائفة في البر والبحر، لم يغرق أحد ولم ينكب، ~~فكان يدعو الله أن يعافيه في جنده، فأجابه، فلما أراد الله أن يصيبه في ~~جسده خرج في قارب طليعة، فانتهى إلى المرفإ من أرض الروم وعليه مساكن ~~يسألون، فتصدق عليهم، فرجعت امرأة منهم إلى قريتها فقالت للرجال: هذا عبد ~~الله بن قيس في المرفإ؛ فثاروا إليه فهجموا عليه فقتلوه بعد أن قاتلهم ~~فأصيب وحده ونجا الملاح حتى أتى أصحابه فأعلمهم فجاؤوا حتى أرسوا بالمرفإ، ~~والخليفة عليهم سفيان بن عوف الأزدي، فخرج إليهم فقاتلهم فضجر فجعل يشتم ~~أصحابه. فقالت جارية عبد الله: ما هكذا كان يقول حين يقاتل! فقال سفيان: ~~فكيف كان يقول؟ قالت: (الغمرات ثم ينجلينا). فلزمها بقولها، وأصيب في ~~المسلمين يومئذ. وقيل لتلك المرأة بعد: بأي شيء عرفته؟ قالت: كان كالتاجر ~~فلما سألته أعطاني كالملك فعرفته بهذا. وفي هذه السنة غزا حبيب بن مسلمة ~~سورية من أرض الروم. وفيها تزوج عثمان نائلة بنت الفرافصة، وكانت نصرانية ~~فأسلمت قبل أن يدخل بها. وفيها بنى عثمان ازوراء، وحج بالناس عثمان هذه ~~السنة. حرام بالحاء المهملة والراء. والجاسي بالجيم والسين المهملة. ~~والفرافصة بفتح الفاء إلا الفرافصة بن الأحوص الكلبي الذي من ولده نائلة زوج عثمان. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وعشرين # ### || AUT ذكر عزل أبي موسى عن البصرة # ### || AUT واستعمال ابن عامر عليها # قيل: في هذه السنة عزل عثمان أبا موسى الأشعري عن البصرة، واستعمل عبد ~~الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وهو ابن خال عثمان، ~~وقيل: كان ذلك لثلاث سنين مضت من خلافة عثمان. وكان سبب عزله أن أهل إيذج ~~والأكراد كفروا في السنة الثالثة من خلافة عثمان، فنادى أبو موسى في الناس ~~وحضهم على ms0936 الجهاد، وذكر من فضل الجهاد ماشيا، فحمل نفر على دوابهم وأجمعوا ~~على أن يخرجوا رجالة. وقال آخرون: لا نعجل بشيء حتى ننظر ما يصنع، فإن أشبه ~~قوله فعله فعلنا كما يفعل. فلما خرج أخرج ثقله من قصره على أربعين بغلا، ~~فتعلقوا بعنانة وقالوا: احملنا على بعض هذه الفضول وارغب في المشي كما ~~رغبتنا. فضرب القوم بسوطه، فتركوا دابته، فمضى. وأتوا عثمان فاستعفوه منه ~~وقالوا: ما كل ما نعلم نحب أن تسألنا عنه، فأبدلنا به. فقال: من تحبون؟ ~~فقال غيلان ابن خرشة: في كل أحد عوض من هذا العبد الذي قد أكل أرضنا! أما ~~منكم خسيس فترفعوه؟ أما منكم فقير فتجبروه؟ يا معشر قريش، حتى متى يأكل هذا ~~الشيخ الأشعري هذه البلاد؟ فانتبه لها عثمان فعزل أبا موسى وولى عبد الله ~~ابن عامر بن كريز. فلما سمع أبو موسى قال: يأتيكم غلام خراج ولاج، كريم ~~الجدات والخالات والعمات، يجمع له الجندان. وكان عمر ابن عامر خمسا وعشرين ~~سنة، وجمع له جند أبي موسى وجند عثمان بن أبي العاص الثقفي من عمان ~~والبحرين، واستعمل على خراسان عمير بن عثمان بن سعد؛ وعلى سجستان عبد الله ~~بن عمير الليثي، وهو من ثعلبة، فأثخن فيها إلى كابل، وأثخن عمير في خراسان ~~حتى بلغ فرغانة لم يدع دونها كورة إلا أصلحها؛ وبعث إلى مكران عبيد الله بن ~~معمر فأثخن فيها حتى بلغ النهار؛ وبعث على كرمان عبد الرحمن بن عبيس؛ وبعث ~~إلى الأهواز وفارس نفرا وضم سواد البصرة إلى الحصين بن أبي الحرثم ثم عزل ~~عبد الله بن عمير واستعمل عبد الله بن عامر فأقره عليها سنة ثم عزله؛ ~~واستعمل عاصم بن عمرو وعزل عبد الرحمن بن عبيس؛ وأعاد عدي بن سهيل بن عدي ~~وصرف عبيد الله بن معمر إلى فارس واستعمل مكانه عمير بن عثمان؛ واستعمل على ~~خراسان أمير بن أحمر اليشكري؛ واستعمل على سجستان سنة أربع عمران بن الفضيل ~~البرجمي. ومات عاصم بن عمرو بكرمان. عبيس بضم العين المهملة وفتح الباء ~~الموحدة ثم ms0937 الياء المثناة من تحتها وآخره سين مهملة. وأمير بضم الهمزة وفتح ~~الميم وآخره راء. وكريز بن ربيعة بضم الكاف وفتح الراء. ### || AUT ذكر انتقاض أهل فارس # PageV01P0487 # ثم إن أهل فارس انتفضوا ونكثوا بعبيد الله بن معمر، فسار إليهم، فالتقوا ~~على باب إصطخر، فقتل عبيد الله وانهز المسلمون، وبلغ الخبر عبد الله بن ~~عامر، فاستنفر أهل البصرة وسار بالناس إلى فارس وعلى مقدمته عثمان بن أبي ~~العاص فالتقوا بإصطخر، وكان على ميمنته أبو برزة نضلة بن عبد الله الأسلمي، ~~وعلى ميسرته معقل بن يسار، وعلى الخيل عمران ابن الحصين، ولكلهم صحبة، ~~واشتد القتال، فانهزم الفرس وقتل منهم مقتلة عظيمة وفتحت إصطخر عنوة، وأتى ~~دارابجرد وقد غدر أهلها ففتحها، وسار إلى مدينة جور، وهي أردشير خرة، ~~فانتقضت إصطخر فلم يرجع وتمم السير إلى جور وحاصرها، وكان هرم بن حيان ~~محاصرا لها، وكان المسلمون يحاصرونها وينصرفون عنها فيأتون إصطخر ويغزون ~~نواحي كانت تنتقض عليهم، فلما نزل ابن عامر عليها فتحها. وكان سبب فتحها أن ~~بعض المسلمين قام يصلي ذات ليلة وإلى جانبه جراب له فيه خبز ولحم، فجاء كلب ~~فجره وعدا به حتى دخل المدينة من مدخل لها خفي، فلزم المسلمون ذلك المدخل ~~حتى دخلوها منه وفتحوها عنوة. فلما فرغ منها ابن عامر عاد إلى إصطخر ففتحها ~~عنوة بعد أن حاصرها واشتد القتال عليها، ورميت بالمجانيق، وقتل بها خلقا ~~كثيرا من الأعاجم وأفنى أكثر أهل البيوتات ووجوه الأساورة، وكانوا قد لجأوا ~~إليها. وقيل: إن أهل إصطخر لما نكثوا عاد إليها ابن عامر قبل وصوله إلى جور ~~فملكها عنوة وعاد إلى جور فأتى دارابجرد فملكها، وكانت منقضة أيضا، ووطىء ~~أهل فارس وطأة لم يزالوا منها في ذل، وكتب إلى عثمان بالخبر، فكتب إليه أن ~~يستعمل على بلاد فارس هرم بن حيان اليشكري وهرم بن حيان العبدي والخريت بن ~~راشد والمنجاب بن راشد والترجمان الهجيمي، وأمره أن يفرق كور خراسان على ~~جماعة فيجعل الأحنف على المروين، وحبيب بن قرة اليربوعي على بلخ، وخالد بن ~~عبد ms0938 الله بن زهير على هراة، وأمير بن أحمر على طوس، وقيس بن هبيرة السلمي ~~على نيسابور، وبه تخرج عبد الله بن خازم، وهو ابن عمه، ثم جمعها عثمان قبل ~~موته لقيس، واستعمل أمير بن أحمر على سجستان، ثم جعل عليها عبد الرحمن بن ~~سمرة، وهو من آل حبيب بن عبد شمس، فمات عثمان وهو عليها، ومات وعمران على ~~مكران، وعمير بن عثمان بن سعد على فارس، وابن كندير القشيري على كرمان. ثم ~~وفد قيس بن هبيرة عبد الله بن خازم إلى ابن عامر في زمن عثمان، وكان ابن ~~عامر يكرمه، فقال لابن عامر: اكتب لي على خراسان عهدا إن خرج عنها قيس. ~~ففعل، فرجع إلى خراسان، فلما قتل عثمان وجاش العدو قال ابن خازم لقيس: ~~الرأي أن تخلفني وتمضي حتى تنظر فيما ينظرون فيه، ففعل، فأخرج ابن خازم ~~بعده عهدا بخلافته وثبت على خراسان إلى أن قام علي بن أبي طالب وغضب قيس من ~~صنيع ابن خازم. الخريت بكسر الخاء المعجمة والراء المشددة وسكون الياء ~~تحتها نقطتان وآخره تاء فوقها نقطتان. ### || AUT ذكر الزيادة في مسجد النبي # ### || AUT صلى الله عليه وسلم # في هذه السنة زاد عثمان في مسجد النبي، ### || AUT صلى الله عليه وسلم # ، في ربيع الأول، وكان ينقل الجص من بطن نخل، وبناه بالحجارة المنقوشة، ~~وجعل عمده من حجارة فيها رصاص وسقفه ساجا، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، ~~وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبوابه على ما كانت أيام عمر ستة أبواب. ### || AUT ذكر إتمام عثمان الصلاة بجمع # ### || AUT وأول ما تكلم الناس فيه # PageV01P0488 # حج بالناس هذه السنة عثمان، وضرب فسطاطه بمنى، وكان أول فسطاط ضربه عثمان ~~بمنى، وأتم الصلاة بها وبعرفة، فكان أول ما تكلم به الناس في عثمان ظاهرا ~~حين أتم الصلاة بمنى، فعاب ذلك غير واحد من الصحابة، وقال له علي: ما حدث ~~أمر ولا قدم عهد، ولقد عهدت النبي، صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر وعمر ~~يصلون ركعتين وأنت صدرا من خلافتك، فما أدري ما ms0939 ترجع إليه. فقال: رأي ~~رأيته. وبلغ الخبر عبد الرحمن بن عوف وكان معه، فجاءه وقال له: ألم تصل في ~~هذا المكان مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر ركعتين ~~وصليتها أنت ركعتين؟ قال: بلى ولكني أخبرت أن بعض من حج من اليمن وجفاة ~~الناس قالوا: إن الصلاة للمقيم ركعتان، واحتجوا بصلاتي، وقد اتخذت بمكة ~~أهلا ولي بالطائف مال. فقال عبد الرحمن: في هذا عذر، أما قولك: اتخذت بها ~~أهلا، فإن زوجك بالمدينة تخرج بها إذا شئت وإنما تسكن بسكناك، وأما مالك ~~بالطائف فبينك وبينه مسيرة ثلاث ليال، وأما قولك عن حاج اليمن وغيرهم، فقد ~~كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ينزل عليه الوحي والإسلام قليل، ثم أبو ~~بكر وعمر، فصلوا ركعتين وقد ضرب الإسلام بجرانه. فقال عثمان: هذا رأي ~~رأيته. فخرج عبد الرحمن فلقي ابن مسعود فقال: أبا محمد، غير ما تعلم. قال: ~~فما أصنع؟ قال: اعمل بما ترى وتعلم. فقال ابن مسعود: الخلاف شر وقد صليت ~~بأصحابي أربعا. فقال عبد الرحمن: قد صليت بأصحابي ركعتين وأما الآن فسوف ~~أصلي أربعا. وقيل: كمان ذلك سنة ثلاثين. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاثين # ### || AUT ذكر عزل الوليد عن الكوفة وولاية سعيد # في هذه السنة عزل عثمان الوليد بن عقبة عن الكوفة وولاها سعيد بن العاص، ~~وقد تقدم سبب ولاية الوليد على الكوفة في السنة الثانية من خلافة عثمان ~~وأنه كان محبوبا إلى الناس، فبقي كذلك خمس سنين وليس لداره باب، ثم إن ~~شبابا من أهل الكوفة نقبوا على ابن الحيسمان الخزاعي وكاثروه، فنذر بهم ~~وخرج عليهم بالسيف وصرخ، فأشرف عليهم أبو شريح الخزاعي، وكان قد انتقل من ~~المدينة إلى الكوفة للقرب من الجهاد، فصاح بهم أبو شريح فلم يلتفتوا وقتلوا ~~ابن الحيسمان، وأخذهم الناس وفيهم زهير بن جندب الأزدي ومورع بن أبي مورع ~~الأسدي، وشبيل بن أبي الأزدي وغيرهم، فشهد عليهم أبو شريح وابنه، فكتب فيهم ~~الوليد إلى عثمان، فكتب عثمان بقتلهم، فقتلهم على باب القصر، ولهذا السبب ms0940 ~~أخذ في القسامة بقول ولي المقتول عن ملإ من الناس ليفطم الناس عن القتل ~~وكان أبو زبيد الشاعر في الجاهلية والإسلام في بني تغلب، وكانوا أخواله، ~~فظلموه دينا له، فاخذ له الوليد حقه إذ كان عاملا عليهم، فشكر أبو زبيد ذلك ~~له وانقطع إليه وغشيه بالمدينة والكوفة، وكان نصرانيا، فأسلم عند الوليد ~~وحسن إسلامه، فبينما هو عنده أتى آت أبا زينب وأبا مورع وجندبا، وكانوا ~~يحفرون للوليد منذ قتل أبناءهم ويضعون له العيون، فقال لهم: إن الوليد وأبا ~~زبيد يشربان الخمر، فثاروا وأخذوا معهم نفرا من أهل الكوفة فاقتحموا عليه ~~فلم يروا، فأقبلوا يتلاومون وسبهم الناس، وكتم الوليد ذلك عن عثمان. وجاء ~~جندب ورهط معه إلى ابن مسعود فقالوا له: إن الوليد يعتكف على الخمر، ~~وأذاعوا ذلك. فقال ابن مسعود: من استتر عنا لم نتبع عورته. فعاتبه الوليد ~~على قوله حتى تغاضبا. ثم أتي الوليد بساحر، فأرسل إلى ابن مسعود يسأله عن ~~حده، واعترف الساحر عند ابن مسعود، وكان يخيل إلى الناس أنه يدخل في دبر ~~الحمار ويخرج من فيه، فأمره ابن مسعود بقتله. فلما أراد الوليد قتله أقبل ~~الناس ومعهم جندب فضرب الساحر فقتله، فحبسه الوليد وكتب إلى عثمان فيه، ~~وأمره بإطلاقه وتأديبه، فغضب لجندب أصحابه وخرجوا إلى عثمان يستعفون من ~~الوليد، فردهم خائبين. فلما رجعوا أتاهم كل موتور فاجتمعوا معهم على رأيهم، ~~ودخل أبو زينب وأبو مورع وغيرهما على الوليد فتحدثوا عنده، فنام فأخذا ~~خاتمه وسارا إلى المدينة، واستيقظ الوليد فلم ير خاتمه، فسأل نساءه عن ذلك، ~~فأخبرنه أن آخر من بقي عنده رجلان صفتهما كذا وكذا. فاتهمهما وقال: هما أبو ~~زينب وأبو مورع، وأرسل يطلبهما، فلم يوجدا. PageV01P0489 # فقدما على عثمان ومعهما غيرهما وأخبراه أنه شرب الخمر، فأرسل إلى الوليد، ~~فقدم المدينة، ودعا بهما عثمان فقال: أتشهدان أنكما رأيتماه يشرب؟ فقالا: ~~لا. قال: فكيف؟ قالا اعتصرناها من لحيته وهو يقيء الخمر. فأمر سعيد بن ~~العاص فجلده، فأورث ذلك عداوة بين أهليهما، فكان على الوليد خميصة فأمر علي ~~بن ms0941 أبي طالب بنزعها لما جلد. هكذا في هذه الرواية، والصحيح أن الذي جلده ~~عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لأن عليا أمر ابنه الحسن أن يجلده، فقال ~~الحسن: ول حارها من تولى قارها! فأمر عبد الله بن جعفر فجلده أربعين. فقال ~~علي: أمسك، جلد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر أربعين وجلد عثمان ~~ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي. وقيل: إن الوليد سكر وصلى الصبح بأهل الكوفة ~~أربعا ثم التفت إليهم وقال: أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود: ما زلنا معك في ~~زيادة منذ اليوم، وشهدوا عليه عند عثمان، فأمر عليا بجلده، فأمر علي عبد ~~الله بن جعفر فجلده، وقال الحطيئة: شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد ~~أحق بالعذر نادى وقد تمت صلاتهم: ... أأزيدكم سكرا وما يدري فأبوا أبا وهب ~~ولو أذنوا ... لقرنت بين الشفع والوتر كفوا عنانك إذ جريت ولو ... تركوا ~~عنانك ولم تزل تجري فلما علم عثمان من الوليد شرب الخمر عزله وولى سعيد بن ~~العاص بن أمية، وكان سعيد قد ربي في حجر عمر فلما فتح الشام قدمه، فأقام مع ~~معاوية، فذكر عمر يوما قريشا، فسأل عنه، فأخبر أنه بالشام، فاستقدمه، فقدم ~~عليه، فقال له: قد بلغني عنك بلاء وصلاح فازدد يزدك الله خيرا. وقال له: هل ~~لك من زوجة؟ قال: لا. وجاء عمر بنات سفيان بن عويف ومعهن أمهن، فقالت أمهن: ~~هلك رجالنا وإذا هلك الرجال ضاع النساء، فضعهن في أكفائهن. فزوج سعيدا ~~إحداهن، وزوج عبد الرحمن بن عوف أخرى والوليد بن عقبة الثالثة. وأتاه بنات ~~مسعود بن نعيم النهشلي فقلن له: قد هلك رجالنا وبقي الصبيان، فضعنا في ~~أكفائنا؛ فزوج سعيدا إحداهن، وجبير بن مطعم الأخرى. وكان عمومته ذوي بلاء ~~في الإسلام وسابقة، فلم يمت عمر حتى كان سعيد من رجال قريش. فلما استعمله ~~عثمان سار حتى أتى الكوفة أميرا ورجع معه الأشتر وأبو خشة الغفاري وجندب بن ~~عبد الله وجثامة بن صعب بن جثامة، وكانوا ممن شخص مع الوليد يعينونه فصاروا ms0942 ~~عليه، فقال بعض شعراء الكوفة: فررت من الوليد إلى سعيد ... كأهل الحجر إذ ~~جزعوا فباروا يلينا من قريش كل عام ... أمير محدث أو مستشار لنا نار نخوفها ~~فنخشى ... وليس لهم، فلا يخشون، نار فلما وصل سعيد الكوفة صعد المنبر فحمد ~~الله وأثنى عليه ثم قال: والله لقد بعثت إليكم وإني لكاره، ولكني لم أجد ~~بدا إذا أمرت أن أتمر، ألا إن الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها، ووالله ~~لأضربن وجهها حتى أقمعها أو تعييني، وإني لرائد نفسي اليوم. ثم نزل وسأل عن ~~أهل الكوفة فعرف حال أهلها، فكتب إلى عثمان أن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم ~~وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات والسابقة، والغالب على تلك البلاد روادف ~~قدمت، وأعراب لحقت، حتى لا ينظر إلى ذي شرف وبلاء من نابتتها ولا نازلتها. ~~فكتب إليه عثمان: أما بعد ففضل أهل السابقة والقدمة ومن فتح الله عليه تلك ~~البلاد، وليكن من نزلها من غيرهم تبعا لهم إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق ~~وتركوا القيام به وقام به هؤلاء، واحفظ لكل منزلته، وأعطهم جميعا بقسطهم من ~~الحق، فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل. PageV01P0490 # فأرسل سعيد إلى أهل الأيام والقادسية فقال: أنتم وجوه الناس، والوجه ~~ينبىء عن الجسد، فأبلغونا حاجة ذي الحاجة وخلة ذي الخلة. وأدخل معهم من ~~يحتمل من اللواحق والروادف. وجعل القراء في سمره، فكأنما كانت الكومة يبسا ~~شملته نار فانقطع إلى ذلك الضرب ضربهم ففشت القالة في أهل الكوفة، فكتب ~~سعيد إلى عثمان بذلك، فجمع الناس وأخبرهم بما كتب إليه. فقالوا له: أصبت، ~~لا تطمعهم فيما ليسوا له بأهل، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس بأهل لها لم ~~يحتملها وأفسدها. فقال عثمان: يا أهل المدينة استعدوا واستمسكوا فقد دبت ~~إليكم الفتن، وإني والله لأتخلصن لكم الذي لكم حتى أنقله إليكم إن رأيتم ~~حتى يأتي من شهد من أهل العراق الفتوح سهمه فيقيم معه في بلاده. فقالوا: ~~كيف تنقل إلينا سهمنا من الأرضين؟ فقال: يبيعها من شاء بما كان له بالحجاز ~~واليمن وغيرهما ms0943 من البلاد. ففرحوا وفتح الله لهم أمرا لم يكن في حسابهم، ~~وفعلوا ذلك واشتراه رجال من كل قبيلة وجاز لهم عن تراض منهم ومن الناس ~~وإقرار بالحقوق. ### || AUT ذكر غزو سعيد بن العاص طبرستان # في هذه السنة غزا سعيد بن العاص طبرستان، فإنها لم يغزها أحد إلى هذه ~~السنة. وقد تقدم في أيام عمر الخلاف في ذلك، وأن اصبهبذها صالح سويد ابن ~~مقرن أيام عمر على مال بذله. وأما على هذا القول فإن سعيدا غزاها من الكوفة ~~سنة ثلاثين ومعه الحسن والحسين وابن عباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد ~~الله بن عمرو بن العاص وحذيفة بن اليمان وابن الزبير وناس من أصحاب النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، وخرج ابن عامر من البصرة يريد خراسان فسبق سعيدا ونزل ~~نيسابور، ونزل سعيد قومس، وهي صلح، صالحهم حذيفة بعد نهاوند فأتى جرجان ~~فصالحوه على مائتي ألف، ثم أتى طميسة، وهي كلها من طبرستان متاخمة جرجان، ~~على البحر، فقاتله أهلها، فصلى صلاة الخوف، أعلمه حذيفة كيفيتها، وهم ~~يقتتلون. وضرب سعيد يومئذ رجلا بالسيف على حبل عاتقه فخرج السيف من تحت ~~مرفقه، وحاصرهم، فسألوا الأمان، فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلا واحدا، ~~ففتحوا الحصن فقتلوا جميعا إلا رجلا واحدا؛ وحوى ما في الحصن، فأصاب رجل من ~~بني نهد سفطا عليه قفل، فظن أن فيه جوهرا، وبلغ سعيدا فبعث إلى النهدي ~~فأتاه بالسفط، فكسروا قفله فوجدوا فيه سفطا، ففتحوه فوجدوا خرقة سوداء ~~مدرجة فنشروها فوجدوا خرقة حمراء فنشروها، فإذا خرقة صفراء وفيها أيران ~~كميت وورد. فقال شاعر يهجو بني نهد: آب الكرام بالسبايا غنيمة ... وآب بنو ~~نهد بأيرين في سفط كميت وورد وافرين كلاهما ... فظنوهما غنما فناهيك من غلط ~~وفتح سيعد نامية، وليست بمدينة، هي صحارى. ومات مع سعيد محمد بن الحكم بن ~~أبي عقيل جد يوسف بن عمر. ثم رجع سعيد، فمدحه كعب بن جعيل فقال: فنعم الفتى ~~إذ حال جيلان دونه ... وإذ هبطوا من دستبى ثم أبهرا في أبيات. ولما صالح ms0944 ~~سعيد أهل جرجان كانوا يجبون أحيانا مائة ألف، وأحيانا مائتي ألف، وأحيانا ~~ثلثمائة ألف، ويقولون: هذا صلح صلحنا، وربما منعوه، ثم امتنعوا وكفروا، ~~فانقطع طريق خراسان من ناحية قومس إلا على خوف شديد منهم. كان الطريق إلى ~~خراسان من فارس إلى كرمان إلى خراسان، وأول من صير الطريق من قومس قتيبة بن ~~مسلم حين ولي خراسان. وقدمها يزيد بن المهلب فصالح صولا، وفتح البحيرة ~~ودهستان، وصالح أهل جرجان على صلح سعيد. ### || AUT ذكر غزو حذيفة الباب وأمر المصاحف # PageV01P0491 # وفيها صرف حذيفة عن غزو الري إلى غزو الباب مددا لعبد الرحمن بن ربيعة، ~~وخرج معه سعيد بن العاص، فبلغ معه أذربيجان، وكانوا يجعلون الناس ردءا، ~~فأقام حتى عاد حذيفة ثم رجعا. فلما عاد حذيفة قال لسعيد بن العاص: لقد رأيت ~~في سفرتي هذه أمرا، لئن ترك الناس ليختلفن في القرآن ثم لا يقومون عليه ~~أبدا. قال: وما ذاك؟ قال: رأيت أناسا من أهل حمص يزعمون أن قراءتهم خير من ~~قراءة غيرهم وأنهم أخذوا القرآن عن المقداد، ورأيت أهل دمشق يقولون: إن ~~قراءتهم خير من قراءة غيرهم، ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك وإنهم قرأوا ~~على ابن مسعود، وأهل البصرة يقولون مثل ذلك وإنهم قرأوا على أبي موسى ~~ويسمون مصحفه لباب القلوب. فلما وصلوا إلى الكوفة أخبر حذيفة الناس بذلك ~~وحذرهم ما يخاف، فوافقه أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكثير من ~~التابعين. وقال له أصحاب ابن مسعود: ما تنكر؟ ألسنا نقرأه على قراءة ابن ~~مسعود؟ فغضب حذيفة ومن وافقه، وقالوا: إنما أنتم أعراب فاسكتوا فإنكم على ~~خطإ. وقال حذيفة: والله لئن عشت لآتين أمير المؤمنين، ولأشيرن عليه أن يحول ~~بين الناس وبين ذلك. فأغلظ له ابن مسعود، فغضب سعيد وقام وتفرق الناس، وغضب ~~حذيفة وسار إلى عثمان فاخبره بالذي رأى، وقال: أنا النذير العريان فأدركوا ~~الأمة. فجمع عثمان الصحابة وأخبرهم الخبر، فأعظموه ورأوا جميعا ما رأى ~~حذيفة. فأرسل عثمان إلى حفصة بنت عمر: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها. وكانت ~~هذه ms0945 الصحف هي التي كتبت في أيام أبي بكر، فإن القتل لما كثر في الصحابة يوم ~~اليمامة قال عمر لأبي بكر: إن القتل قد كثر واستحر بقراء القرآن يوم ~~اليمامة، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء فيذهب من القرآن كثير، وإني أرى ~~أن تأمر بجمع القرآن، فأمر أبو بكر زيد بن ثابت فجمعه من الرقاع والعسب ~~وصدور الرجال، فكانت الصحف عند أبي بكر ثم عند عمر، فلما توفي عمر أخذتها ~~حفصة فكانت عندها. فأرسل عثمان إليها أخذها منها وأمر زيد بن ثابت وعبد ~~الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام فنسخوها في ~~المصاحف، وقال عثمان: إذا اختلفتم فاكتبوها بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم؛ ~~ففعلوا. فلما نسخوا الصحف ردها عثمان إلى حفصة وارسل إلى كل أفق بمصحف وحرق ~~ما سوى ذلك وأمر أن يعتمدوا عليها ويدعوا ما سوى ذلك. فكل الناس عرف فضل ~~هذا الفعل إلا ما كان من أهل الكوفة، فإن المصحف لما قدم عليهم فرح به ~~أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، وإن أصحاب عبد الله ومن وافقهم امتنعوا ~~من ذلك وعابوا الناس، فقام فيهم ابن مسعود وقال: ولا كل ذلك فإنكم والله قد ~~سبقتم سبقا بينا فاربعوا على ظلعكم. ولما قدم علي الكوفة قام إليه رجل فعاب ~~عثمان بجمع الناس على المصحف، فصاح به وقال: اسكت فعن ملإ منا فعل ذلك، فلو ~~وليت منه ما ولي عثمان لسلكت سبيله. ### || AUT ذكر سقوط خاتم النبي # ### || AUT صلى الله عليه وسلم في بئر أريس # وفيها وقع خاتم النبي، صلى الله عليه وسلم، من يد عثمان في بئر أريس، ~~وهي على ميلين من المدينة، وكانت قليلة الماء، فما أدرك قعرها بعد. وكان ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اتخذه لما أراد أن يكاتب الأعاجم يدعوهم ~~إلى الله تعالى، فقيل له: إنهم لا يقبلون كتابا إلا مختوما، فأمر رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، أن يعمل له خاتم من حديد، فلما عمل جعله في ~~إصبعه، فأتاه جبرائيل فنهاه ms0946 عنه، فنبذه، وأمر فعمل له خاتم من نحاس وجعله ~~في إصبعه. فقال له جبرائيل، انبذه، فنبذه، وأمررسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم بخاتم من فضة فصنع له فجعله في إصبعه، فأمره جبرائيل أن يقره، فأقره. ~~وكان نقشه ثلاثة أسطر: (محمد) سطر، و (رسول) سطر، و (الله) سطر؛ فتختم به ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى توفي، ثم تختم به أبو بكر حتى توفي، ثم ~~عمر حتى توفي، ثم تختم به عثمان ست سنين. فحفروا بئرا بالمدينة شربا ~~للمسلمين، فقعد على رأس البئر فجعل يعبث بالخاتم ويديره باصبعه فسقط من يده ~~في البئر، فطلبوه فيها ونزحوا مافيها من الماء فلم يقدروا عليه، فجعل فيه ~~مالا عظيما لمن جاء به، واغتم لذلك غما شديدا. فلما يئس منه صنع خاتما آخر ~~على مثاله ونقشه فبقي في إصبعه حتى هلك، فلما قتل ذهب الخاتم فلم يدر من أخذه. ### || AUT ذكر تسيير أبي ذر إلى الربذة # PageV01P0492 # وفي هذه السنة كان ما ذكر في أمر أبي ذر وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى ~~المدينة، وقد ذكر في سبب ذلك أمور كثيرة، من سب معاوية إياه وتهديده بالقتل ~~وحمله إلى المدينة من الشام بغير واء ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع، ~~لا يصح النقل به، ولو صح لكان ينبغي أن يعتذر عن عثمان، فإن للإمام أن يؤدب ~~رعيته، وغير ذلك من الأعذار، لا أن يجعل ذلك سببا للطعن عليه، كرهت ذكرها. ~~وأما العاذرون فإنهم قالوا: لما ورد ابن السوداء إلى الشام لقي أبا ذر ~~فقال: يا أبا ذر ألا تعجب من معاوية يقول: المال مال الله! ألا إن كل شيء ~~لله، كأنه يريد أن يحتجنه دون الناس ويمحو اسم المسلمين. فأتاه أبو ذر ~~فقال: ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله الساعة؟ قال: يرحمك الله ~~يا أبا ذر! ألسنا عباد الله والمال ماله؟ قال: فلا تقله. قال: سأقول مال ~~المسلمين. وأتى ابن السوداء أبا الدرداء فقال له مثل ذلك. فقال: أظنك والله ~~يهوديا! فأتى ms0947 عبادة بن الصامت فتعلق به عبادة وأتى به معاوية فقال: هذا ~~والله الذي بعث عليك أبا ذر. وكان أبو ذر يذهب إلى أن المسلم لا ينبغي له ~~أن يكون في ملكه أكثر من قوت يومه وليلته أو شيء ينفقه في سبيل الله أو ~~يعده لكريم، ويأخذ بظاهر القرآن: (الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) التوبة: . فكان يقوم بالشام ويقول: يا ~~معشر الأغنياء واسوا الفقراء، بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، فما زال حتى ~~ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه على الأغنياء، وشكا الأغنياء ما يلقون منهم. ~~فأرسل معاوية إليه بألف دينار في جنح الليل فأنفقها. فلما صلى معاوية الصبح ~~دعا رسوله الذي أرسله إليه فقال: اذهب إلى أبي ذر فقل له: أنقذ جسدي من ~~عذاب معاوية فإنه أرسلني إلى غيرك وإني أخطأت بك. ففعل ذلك. فقال له أبو ~~ذر: يا بني قل له: والله ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار ولكن أخرنا ثلاثة ~~أيام حتى نجمعها. فلما رأى معاوية أن فعله يصدق قوله كتب إلى عثمان: إن أبا ~~ذر قد ضيق علي، وقد كان كذا وكذا، للذي يقوله الفقراء. فكتب إليه عثمان: إن ~~الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها ولم يبق إلا أن تثب فلا تنكإ القرح وجهز أبا ~~ذر إلي وابعث معه دليلا وكفكف الناس ونفسك ما استطعت. وبعث إليه بأبي ذر. ~~فلما قدم المدينة ورأى المجالس في أصل جبل سلع قال: بشر أهل المدينة بغارة ~~شعواء وحرب مذكار. ودخل على عثمان فقال له: ما لأهل الشام يشكون ذرب لسانك؟ ~~فأخبره. فقال: يا أبا ذر علي أن أقضي ما علي وأن أدعو الرعية إلى الاجتهاد ~~والاقتصاد وما علي أن أجبرهم على الزهد. فقال أبو ذر: لا ترضوا من الأغنياء ~~حتى يبذلوا المعروف ويحسنوا إلى الجيران والإخوان ويصلوا القرابات. فقال ~~كعب الأحبار، وكان حاضرا: من أدى الفريضة فقد قضى ما عليه. فضربه أبو ذر ms0948 ~~فشجه، وقال له: يا ابن اليهودية ما أنت وما ههنا؟ فاستوهب عثمان كعبا شجته، ~~فوهبه. فقال أبو ذر لعثمان: تأذن لي في الخروج من المدينة؛ فإن رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، أمرني بالخروج منها إذا بلغ البناء سلعا. فأذن له، ~~فنزل الربذة وبنى بها مسجدا، وأقطعه عثمان صرمة من الإبل وأعطاه مملوكين ~~وأجرى عليه كل يوم عطاء، وكذلك على رافع بن خديج، وكان قد خرج أيضا عن ~~المدينة لشيء سمعه. وكان أبو ذر يتعاهد المدينة مخافة أن يعود أعرابيا، ~~وأخرج معاوية إليه أهله، فخرجوا ومعهم جراب مثقل يد الرجل، فقال: انظروا ~~إلى هذا الذي يزهد في الدنيا ما عنده؟ فقالت امرأته: والله ما هو دينار ولا ~~درهم ولكنها فلوس كان إذا خرج عطاؤه ابتاع منه فلوسا لحوائجنا. ولما نزل ~~الربذة أقيمت الصلاة وعليها رجل يلي الصدقة، فقال: تقدم يا أبا ذر. فقال: ~~لا، تقدم أنت، فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لي: اسمع وأطع وإن ~~كان عليك عبد مجدع، فأنت عبد ولست بأجدع؛ وكان من رقيق الصدقة اسمه مجاشع. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة زاد عثمان النادء الثالث يوم الجمعة على الزوراء. وفيها ~~مات حاطب بن أبي بلتعة اللخمي وهو من أهل بدر. حاطب بالحاء المهملة. وبلتعة ~~بالباء الموحدة ثم التاء المثناة من فوق بوزن مقرعة. PageV01P0493 # وفيها مات عمرو بن أبي سرح الفهري وكان بدريا. وفيها مات مسعود ابن ~~الربيع، وقيل: ابن ربيعة بن عمرو القاري، من القارة، أسلم قبل دخول النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، دار الأرقم، وشهد بدرا، وكان عمره قد جاوز الستين. ~~وفيها مات عبد الله بن كعب بن عمرو الأنصاري، شهد بدرا، وكان على غنائم ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، فيها وفي غيرها. وفيها مات عبد الله بن مظعون ~~أخو عثمان وكان بدريا؛ وجبار بن صخر، وهو بدري أيضا. جبار بالجيم وآخره راء. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين # ### || AUT ذكر غزوة الصواري # قيل: وفي هذه السنة كانت غزوة الصواري، وقيل: ms0949 كانت سنة أربع وثلاثين، ~~وقيل: في سنة إحدى وثلاثين كانت غزوة الأساورة، وقيل: كانتا معا سنة إحدى ~~وثلاثين، وكان على المسلمين معاوية، وكان قد جمع الشام له أيام عثمان. وسبب ~~جمعه له أن أبا عبيدة بن الجراح لما حضر استخلف على عمله عياض بن غنم، وكان ~~خاله وابن عمه، وكان جوادا مشهورا، وقيل: استخلف معاذ بن جبل، على ما تقدم، ~~فمات عياض واستخلف عمر بعده سعيد بن حذيم الجمحي، ومات سعيد وأمر عمر مكانه ~~عمير بن سعد الأنصاري، ومات عمر وعمير على حمص وقنسرين، ومات يزيد بن أبي ~~سفيان فجعل عمر مكانه أخاه معاوية ونعاه لأبي سفيان فقال: من جعلت على عمله ~~يا أمير المؤمنين؟ فقال: معاوية. فقال: وصلتك رحم، فاجتمعت لمعاوية الأردن ~~ودمشق، ومرض عمير بن سعد فاستعفى عثمان واستأذنه في الرجوع إلى أهله، فأذن ~~له، وضم عثمان حمص وقنسرين إلى معاوية، ومات عبد الرحمن بن علقمة، وكان على ~~فلسطين، فضم عثمان عمله إلى معاوية فاجتمع الشام لمعاوية لسنتين من إمارة ~~عثمان، فهذا كان سبب اجتماع الشام له. وأما سبب هذه الغزوة فإن المسلمين ~~لما أصابوا من أهل إفريقية وقتلوهم وسبوهم، خرج قسطنطين بن هرقل في جمع له ~~لم تجمع الروم مثله مذ كان الإسلام، فخرجوا في خمسمائة مركب أو ستمائة، ~~وخرج المسلمون وعلى أهل الشام معاوية بن أبي سفيان، وعلى البحر عبد الله بن ~~سعد بن أبي سرح، وكانت الريح على المسلمين لما شاهدوا الروم، فأرسى ~~المسلمون والروم وسكنت الريح، فقال المسلمون: الأمان بيننا وبينكم؛ فباتوا ~~ليلتهم والمسلمون يقرأون القرآن ويصلون ويدعون، والرومى يضربون بالنواقيس، ~~وقربوا من الغد سفنهم وقرب المسلمون سفنهم فربطوا بعضها مع بعض واقتتلوا ~~بالسيوف والخناجر، وقتل من المسلمين بشر كثير، وقتل من الروم ما لا يحصى، ~~وصبروا يومئذ صبرا لم يصبروا في موطن قط مثله، ثم أنزل الله نصره على ~~المسلمين، فانهزم قسطنطين جريحا ولم ينج من الروم إلا الشريد. وأقام عبد ~~الله بن سعد بذات الصواري بعد الهزيمة أياما ورجع. فكان أول ما ms0950 تكلم به ~~محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر في أمر عثمان في هذه الغزوة وأظهرا ~~عيبه وما غير وما خالف به أبا بكر وعمر، ويقولان استعمل عبد الله بن سعد ~~رجلا كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد أباح دمه، ونزل القرآن بكفره، ~~وأخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قوما أدخلهم، ونزع أصحاب رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، واستعمل سعيد بن العاص وابن عامر. فبلغ ذلك عبد الله ~~بن سعد فقال: لا تركبا معنا، فركبا في مركب ما معهما إلا القبط، فلقوا ~~العدو، فكانا أقل المسلمين نكاية وقتالا، فقيل لهما في ذلك، فقالا: كيف ~~نقاتل مع عبد الله ابن سعد؟ استعمله عثمان وعثمان فعل كذا وكذا. فأرسل ~~إليهما عبد الله ينهاهما ويتهددهما، ففسد الناس بقولهما، وتكلموا ما لم ~~يكونوا ينطقون به. وأما قسطنطين فإنه سار في مركبه إلى صقلية، فسأله أهلها ~~عن حاله، فأخبرهم. فقالوا: أهلكت النصرانية وأفنيت رجالها! لو أتانا العرب ~~لم يكن عندنا من يمنعهم. ثم أدخلوه الحمام وقتلوه وتركوا من كان معه في ~~المركب وأذنوا له في المسير إلى القسطنطينية. وقيل: في هذه السنة فتحت ~~أرمينية على يد حبيب بن مسلمة، وقد تقدم ذكر ذلك. ### || AUT ذكر مقتل يزدجرد بن شهريار # PageV01P0494 # في هذه السنة هرب يزدجرد من فارس إلى خراسان في قول بعضهم، وقد تقدم ~~الخلاف فيه، وكان ابن عامر قد خرج من البصرة حين وليها إلى فارس فافتتحها، ~~وهرب يزدجرد من جور، وهي أدرشير خره، في سنة ثلاثين، فوجه ابنن عامر في ~~أثره مجاشع بن مسعود، وقيل: هرم بن حيان العبدي، وقيل: هرم بن حيان ~~اليشكري، فاتبعه إلى كرمان، فهرب يزدجرد إلى خراسان. وأصاب مجاشع بن مسعود ~~ومن معه الثلج والدمق واشتد البرد، وكان الثلج قيد رمح، فهلك الجند وسلم ~~مجاشع ورجل معه جارية فشق بطن بعير فأدخلها فيه وهرب. فلما كان الغد جاء ~~فوجدها حية فحملها. فسمي ذلك القصر قصر مجاشع لأن جيشه هلكوا فيه، وهو على ~~خمسة فراسخ أو ms0951 ستة من السرجان من أعمال كرمان. هذا على قول من يقول: إن هرب ~~يزدجرد من فارس كان هذه السنة. وأما سبب قتله، على ما تقدم من ذكره من فتح ~~فارس وخراسان، فقد اختلف الناس في سبب قتله، فقيل: إنه هرب من كرمان في ~~جماعة إلى مرو ومعه خرزاد أخو رستم، فرجع عنه إلى العراق ووصى به ماهويه ~~مرزبان مرو، فسأله يزدجرد مالا فمنعه، فخافه أهل مرو على أنفسهم فأرسلوا ~~إلى الترك يستنصرونهم عليه، فأتوه فبيتوه فقتلوا أصحابه، فهرب يزدجرد ماشيا ~~إلى شط المرغاب فأوى إلى بيت رجل ينقر الأرحاء، فلما نام قتله، وقيل: بل ~~بيته أهل مرو ولم يستنصروا بالترك فقتلوا أصحابه وهرب منهم فقتله النقار، ~~وتبعوا أثره إلى بيت الذي ينقر الأرحاء فأخذوه وضربوه فأقر بقتله فقتلوه ~~وأهله. وكان يزدجرد قد وطىء امرأة بها فولدت له غلاما ذاهب الشق، ولدته بعد ~~قتله فسمي المخدج، فولد له أولاد بخراسان، فوجد قتيبة بن مسلم حين افتتح ~~الصغد وغيرها جاريتين من ولد المخدج فبعث بهما أو بإحداهما إلى الحجاج، ~~فبعث بها إلى الوليد بن عبد الملك، فولدت للوليد يزيد بن الوليد الناقص. ~~وأخرج يزدجرد من النهر وجعل في تابوت وحمل إلى إصطخر فوضع في ناووس هناك. ~~وقيل: إن يزدجرد هرب بعد وقعة نهاوند إلى أرض أصبهان وبها رجل يقال له ~~مطيار كان قد أصاب من العرب شيئا يسيرا فصار له بها محل كبير، فأى مطيار ~~يزدجرد ذات يوم فحجبه بوابه ليستأذن له، فضربه وشجه، فدخل البواب على ~~يزدجرد مدمى، فرحل عن أصبهان من ساعته فأتى الري، فخرج إليه صاحب طبرستان ~~وعرض عليه بلاده وأخبره بحاصنتها، فلم يجبه. وقيل: مضى من فوره ذلك إلى ~~سجستان، ثم سار إلى مرو في ألف فارس، وقيل: بل قصد فارس فأقام بها أربع ~~سنين، ثم أتى كرمان فأقام بها سنتين أو ثلاثا فطلب إليه دهقانة شيئا فلم ~~يجبه فجره برجله وطرده عن بلاده، فسار إلى سجستان فأقام بها نحوا من خمس ~~سنين، ثم عزم على قصد خراسان ms0952 ليجمع الجموع ويسير بهم إلى العرب، فسار إلى ~~مرو ومعه الرهن من أولاد الدهاقين ومعه فرخزاد. فلما قدم مرو كاتب ملوك ~~الصين وملك فرغانة وملك كابل وملك الخزر يستمدهم، وكان الدهقان يومئذ ~~بمروماهويه أبو براز، فوكل ماهويه بمرو ابنه براز ليحفظها ويمنع عنها ~~يزدجرد خوفا من مكره، فركب يزدجرد يوما وطاف بالمدينة وأراد دخولها من بعض ~~أبوابها، فمنعه براز، فصاح به أبوه ليفتح الباب فلم يفعل، وأومأ إليه أبوه ~~أن لا يفعل، ففطن له رجل من أصحاب يزدجرد فأعلمه بذلك واستأذنه في قتله، ~~فلم يأذن له. PageV01P0495 # وقيل: أراد يزدجرد صرف الدهقنة عن ماهويه إلى سنجان ابن أخيه، فبلغ ذلك ~~ماهويه، فعمل في هلاك يزدجرد ؛ فكتب إلى نيزك طرخان يدعوه إلى القدوم عليه ~~ليتفقا على قتله ومصالحة العرب عليه، وضمن له إن فعل أن يعطيه كل يوم ألف ~~درهم. فكتب نيزك إلى يزدجرد يعده المساعدة على العرب وأنه يقدم عليه بنفسه ~~إن أبعد عسكره وفرخزاد عنه. فاستشار يزدجرد أصحابه فقال له سنجان: لست أرى ~~أن تبعد عنك أصحابك وفرخزاد. وقال أبو براز: أرى أن تتألف نيزك وتجيبه إلى ~~ما سأل. فقبل رأيه وفرق عنه جنده، فصاح فرخزاد وشق جيبه وقال: أظنكم قاتلي ~~هذا! ولم يبرح فرخزاد حتى كتب له يزدجرد بخط يده أنه آمن وأنه قد أسلم ~~يزدجرد وأهله وما معه إلى ماهويه، وأشهد بذلك. وأقبل نيزك فلقيه يزدجرد ~~بالمزامير والملاهي، أشار عليه بذلك أبو براز، فلما لقيه تأخر عنه أبو براز ~~فاستقبله نيزك ماشيا، فأمر له يزدجرد بجنيبة من جنائبه، فركبها، فلما توسط ~~عسكره تواقفا فقال له نيزك فيما يقول: زوجني إحدى بناتك حتى أناصحك في قتال ~~عدوك. فسبه يزدجرد ، فضربه نيزك بمقرعته، وصاح يزدجرد ، وركض منهزما. وقتل ~~أصحاب نيزك أصحاب يزدجرد وانتهى يزدجرد إلى بيت طحان فمكث فيه ثلاثة أيام ~~لم يأكل طعاما. فقال له الطحان: اخرج أيها الشقي فكل طعاما فقد جعت! فقال: ~~لست أصل إلى ذلك إلا بزمزمة، وكان عند الطحان رجل يزمزم، فكلمه الطحان في ~~ذلك ms0953 ففعل وزمزم له فأكل. فلما رجع المزمزم سمع بذكر يزدجرد ، فسأل عن حليته ~~فوصفوه له فأخبرهم به وبحليته فأرسل إليه أبو براز رجلا من الأساورة وأمره ~~بخنقه وإلقائه في النهر، وأتى الطحان فضربه ليدله عليه، فلم يفعل وجحده. ~~فلما أراد الانصراف عنه قال له بعض أصحا به: إني لأجد ريح مسك؛ ونظر إلى ~~طرف ثوبه من ديباج في الماء فجذبه فإذا هو يزدجرد ، فسأله أن لا يقتله ولا ~~يدل عليه وجعل له خاتمه ومنطقته وسواره. فقال له: أعطني أربعة دراهم وأخلي ~~عنك؛ فلم يكن معه وقال: إن خاتمي لا يحصى ثمنه فخذه، فأبى عليه، فقال له ~~يزدجرد : قد كنت أخبر أني سأحتاج إلى أربعة دراهم فقد رأيت ذلك، ثم نزع أحد ~~قرطيه فأعطاه الطحان ليستر عليه، وأرادوا قتله، فقال: ويحكم! إنا نجد في ~~كتبنا أنه من قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في الدنيا، فلا تقتلوني ~~واحملوني إلى الدهقان أو إلى العرب فإنهم يستبقون مثلي! فأخذوا ما عليه ~~وخنقوه بوتر القوس وألقوه في الماء، فأخذ أسقف مرو وجعله في تابوت ودفنه. ~~وسأل أبو براز عن أحد القرطين وأخذ الذي دل عليه فضربه حتى أتى على نفسه. ~~وقيل: بل سار يزدجرد من كرمان قبل ورود العرب إليها نحو مرو على الطبسين ~~وقوهستان في أربعة آلاف، فلما قارب مرو لقيه قائدان يقال لأحدهما بارز ~~وللآخر سنجان وكانا متباغضين، فسعى براز بسنجان حتى هم يزدجرد بقتله، وأفشى ~~ذلك إلى امرأة من نسائه، ففشا الحديث، فجمع سنجان أصحابه وقصد قصر يزدجرد ، ~~فهرب براز وخاف يزدجرد فهرب أيضا إلى رحى على فرسخين من مرو، فدخل بيت نقار ~~الرحى، فأطعمه الطحان، فطلب منه شيئا فأعطاه منطقته، فقال: إنما يكفيني ~~أربعة دراهم، فلم يكن معه، ثم نام يزدجرد فقتله الطحان بفأس كانت معه وأخذ ~~ما عليه وألقى جثته في الماء وشق بطنه وثقله. وسمع بقتله مطران كان بمرو، ~~فجمع النصارى وقال: قتل ابن شهريار، وإنما شهريار ابن شيرين المؤمنة التي ~~قد عرفتم حقها وإحسانها إلى أهل ملتنا مع ms0954 ما نال النصارى في ملك جده ~~أنوشروان من الشرف، فينبغي أن نحزن لقتله ونبني له ناووسا، فأجابوه إلى ذلك ~~وبنوا له ناووسا وأخرجوا جثته وكفنوها ودفنوها في الناووس. وكان ملكه عشرين ~~سنة، منها أربع سنين في دعة، وست عشرة سنة في تعب من محاربة العرب إياه ~~وغلظتهم عليه، وكان آخر من ملك من آل أردشير ابن بابك وصفا الملك بعده للعرب. ### || AUT ذكر مسير ابن عامر إلى خراسان وفتحها # PageV01P0496 # لما قتل عمر بن الخطاب نقض أهل خراسان وغدروا. فلما افتتح ابن عامر فارس ~~قام إليه حبيب بن أوس التميمي فقال له: أيها الأمير إن الأرض بين يديك ولم ~~يفتح منها إلا القليل، فسر فإن الله ناصرك. قال: أو لم نؤمر بالمسير؟ وكره ~~أن يظهر أنه قبل رأيه. وقيل: إن ابن عامر لما فتح فارس عاد إلى البصرة ~~واستخلف على إصطخر شريك بن الأعورالحارثي، فبنى شريك مسجد إصطخر. فلما دخل ~~البصرة أتاه الأحنف بن قيس، وقيل غيره، فقال له: إن عدوك منك هاربن ولك ~~هائب، والبلاد واسعة، فسر فإن الله ناصرك ومعز دينه. فتجهز وسار واستخلف ~~على البصرة زيادا، وسار إلى كرمان فاستعمل عليها مجاشع بن مسعود السلمي، ~~وله صحبة، وأمره بمحاربة أهلها، وكانوا قد نكثوا أيضا، واستعمل على سجستان ~~الربيع بن زياد الحرثي، وكانوا أيضا قد غدروا ونقضوا الصلح. وسار ابن عامر ~~إلى نيسابور وجعل على مقدمته الأحنف بن قيس، فأتى الطبسين، وهما حصنان، ~~وهما بابا خراسان، فصالحه أهلهما، وسار إلى وهستان فلقيه أهلها وقاتلهم حتى ~~ألجأهم إلى حصنهم، وقدم عليها ابن عامرفصالحه أهلها على ستمائة ألف درهم. ~~وقيل: كان المتوجه إلى قوهستان أمير بن أحمر اليشكري، وهي بلاد بكر بن ~~وائل؛ وبعث ابن عامر سرية إلى رستاق زام من أعمال نيسابور، ففتحه عنوة، ~~وفتح باخرز من أعمال نيسابور أيضا، وفتح جوين من أعمال نيسابور أيضا. ووجه ~~ابن عامر الأسود بن كلثوم العدوي من عدي الرباب، وكان ناسكا، إلى بيهق، من ~~أعمالها أيضا، فقصد قصبته ودخل حيطان البلد من ثلمة ms0955 كانت فيه ودخلت معه ~~طائفة من المسلمين فأخذ العدو عليهم تلك الثلمة، فقاتل الأسود حتى قتل هو ~~وطائفة ممن معه، وقام بأمر الناس بعده أخوه أدهم بن كلثوم، فظفر وفتح بيهق، ~~وكان الأسود يدعو الله أن يحشره من بطون السباع والطير، فلم يواره أخوه، ~~ودفن من استشهد من أصحابه. وفتح ابن عامر بشت من نيسابور. وهذه بشت بالشين ~~المعجمة، وليست ببست التي بالسين المهملة، تلك من بلاد الدوان وهذه من ~~خراسان من نياسوبر. وافتتح خواف وأسفرايين وأرغيان، ثم قصد نيسابور بعد ما ~~استولى على أعمالها وافتتحها، فحصر أهلها أشهرا، وكان على كل ربع منها ~~مرزبان للفرس يحفظه، فطلب صاحب ربع من تلك الرباع الأمان على أن يدخل ~~المسلمين المدينة، فأجيب إلى ذلك، فأدخلهم ليلا ففتحوا الباب وتحصن ~~مرزبانها الأكبر في حصنها، ومعه جماعة، ومعه جماعة، وطلب الأمان والصلح على ~~جميع نيسابور، فصالحه على ألف ألف درهم، وولى نيسابور قيس بن الهيثم ~~السلمي، وسير جيشا إلى نسا وأبيورد فافتتحوها صلحا؛ وسير سرية أخرى إلى ~~سرخس مع عبد الله ابن خازم السلمي، فقاتلوا أهلها ثم طلبوا الأمان والصلح ~~على أمان مائة رجل، فأجيبوا إلى ذلك، فصالحهم مرزبانها على ذلك وسمى مائة ~~رجل ولم يذكر نفسه فقتله، ودخل سرخس عنوة. PageV01P0497 # وأتى مرزبان طوس إلى ابن عامر فصالحه عن طوس على ستمائة ألف درهم؛ وسير ~~جيشا إلى هراة عليهم عبد الله بن خازم، وقيل غيره، فبلغ مرزبان هراة ذلك ~~فسار إلى ابن عامر فصالحه عن هراة وباذغيس وبوشنج. وقيل: بل سار ابن عامر ~~في الجيش إلى هراة فقاتله أهلها ثم صالحه مرزبانها على ألف ألف درهم، ولما ~~غلب ابن عامر على هذه البلاد أرسل إليه مرزبان مرو فصالحه على ألفي ألف ~~ومائتي ألف درهم، وقيل غير ذلك؛ وأرسل ابن عامر حاتم بن النعمان الباهلي ~~إلى مرزبانها، وكانت مرو كلها صلحا إلا قرية منها يقال لها سنج، فإنها أخذت ~~عنوة وهي بكسر السين المهملة والنون الساكنة وآخرها جيم. ووجه ابن عامر ~~الأحنف بن قيس إلى ms0956 طخارستان، فمر برستاق يعرق برستاق الأحنف ويدعى سوانجرد، ~~فحصر أهلها فصالحوه على ثلثمائة ألف درهم، فقال الأحنف: أصالحكم على أن ~~يدخل رجل منا القصر فيؤذن فيه ويقيم فيكم حتى ينصرف. فرضوا بذلك، ومضى ~~الأحنف إلى مرو الروذ فقاتله أهلها فقتلهم وهزمهم وحصرهم، وكان مرزبانها من ~~أقارب باذان صاحب اليمن، فكتب إلى الأحنف: إنه دعاني إلى الصلح إسلام ~~باذان، فصالحه على ستمائة ألف، وسير الأحنف سرية فاستولت على رستاق بغ ~~واستاقت منه مواشي، ثم صالحوا أهله. وجمع له أهل طخارستان، فاجتمع أهل ~~الجوزجان، فوجه إليهم الأحنف الأقرع بن حابس التميمي في خيل وقال: يا بني ~~تميم تحابوا وتباذلوا تعدل أموركم وابدأوا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح لكم ~~دينكم، ولا تغلوا يسلم لكم جهادكم. فسار الأقرع فلقي العدو بالجوزجان فكانت ~~بالمسلمين جولة ثم عادوا فهزموا المشركين وفتحوا الجوزجان عنوة، فقال ابن ~~الغريزة النهشلي: سقى صوب السحاب إذا استهلت ... مصارع فتية بالجوزجان إلى ~~القصرين من رستاق خوت ... أقادهم هناك الأقرعان وفتح الأحنف الطالقان صلحا ~~وفتح الفارياب، وقيل: بل فتحها أمير بن أحمر. ثم سار الأحنف إلى بلخ، وهي ~~مدينة طخارستان، فصالحه أهلها على أربعمائة ألف، وقيل: سبعمائة ألف؛ ~~واستعمل على بلخ أسيد بن المتشمس، ثم سار إلى خوارزم، وهي على نهر جيحون، ~~فلم يقدر عليها فاستشار أصحابه، فقال له حضنين بن المنذر: قال عمرو بن معد ~~يكرب: إذا لم تستطع أمرا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع فعاد إلى بلخ وقد ~~قبض أسيد صلحها، وافق وهو يجيبهم المهرجان، فأهدوا له هدايا كثيرة من دارهم ~~ودنانير ودواب وأوان وثياب وغير ذلك، فقال لهم: ما صالحناه على هذا! ~~فقالوا: لا، ولكن هذا شيء نفعله في هذا اليوم بأمرائنا. فقال: ما أدري ما ~~هذا ولعله من حقي ولكن أقبضه حتى أنظر، فقبضه حتى قدم الأحنف فأخبره، ~~فسألهم عنه، فقالوا ما قالوا لأسيد، فحمله إلى ابن عامر وأخبره عنه، فقال: ~~خذه يا أبا بحر. قال: لا حاجة لي فيه. فأخذه ابن عامر. قال الحسن البصري: ~~فضمه القرشي، وكان مضما. ms0957 ولما تم لابن عامر هذا الفتح قال له الناس: ما فتح ~~لأحد ما فتح عليك، فارس وكرمان وسجستان وخراسان. فقال: لا جرم لأجعلن شكري ~~لله على ذلك أن أخرج محرما من موقفي هذا. فأحرم بعمرة من نيسابور وقدم على ~~عثمان واستخلف على خراسان قيس بن الهيثم، فسار قيس بعدن شخوصه في أرض ~~طخارستان فلم يأت بلدا منها إلا صالحه أهله وأذعنوا له، حتى أتى سمنجان ~~فامتنعوا عليه، فحصرهم حتى فتحها عنوة. أسيد بفتح الهمزة وكسر السين. وحضين ~~بن المنذر بالضاد المعجمة. ### || AUT ذكر فتح كرمان # لما سار ابن عامر عن كرمان إلى خراسان واستعمل مجاشع بن مسعود السلمي ~~على كرمان، على ما ذكرناه قبل، أمره أن يفتحها، وكان أهلها قد نكثوا ~~وغدروا، ففتح هميد عنوة واستبقى أهلها وأعطاهم أمانا وبنى بها قصرا يعرف ~~بقصر مجاشع، وأتى السيرجان، وهي مدينة كرمان، فأقام عليها أياما يسيرة ~~وأهلها متحصنون، فقاتلهم وفتحها عنوة، فجلا كثير من أهلها عنها، وفتح جيرفت ~~عنوة، وسار في كرمان فدوخ أهلها، وأتى القفص وقد تجمع له خلق كثير من ~~الأعاجم الذين جلوا، فقاتلهم فظفر بهم وظهر عليهم، وهرب كثير من أهل كرمان ~~فركبوا البحر ولحق بعضهم بمكران وبعضهم بسجستان، فأقطعت العرب منازلهم ~~وأراضيهم فعمروها واحتفروا لها القني في مواضع منها وأدوا العشر منها. ### || AUT ذكر فتح سجستان وكابل وغيرهما # PageV01P0498 # قد تقدم ذكر فتح سجستان أيام عمر بن الخطاب، ثم إن أهلها نقضوا بعده. ~~فلما توجه ابن عامر إلى خراسان سير إليها من كرمان الربيع بن زياد الحارثي، ~~فقطع المفازة حتى أتى حصن زالق، فأغار على أهله يوم مهرجان وأخذ الدهقان، ~~فافتدى نفسه بأن غرز عنزة وغمرها ذهبا وفضة وصالحه على صلح فارس. ثم أتى ~~بلدة يقال لها كركويه، فصالحه أهلها ثم نزل رستاق هيسون، فصالحوه على غير ~~قتال، وسار إلى زرنج فنزل على مدينة روشت بقرب زرنج، فقاتله أهلها وأصيب ~~رجال من المسلمين، ثم انهزم المشركون وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأتى الربيع ~~ناشروذ ففتحها، ثم أتى شرواذ فغلب عليها، ms0958 وسار منها إلى زرنج فنازلها ~~وقاتله أهلها فهزمهم وحصرهم، فأرسل إليه مرزبانها ليصالحه واستأمنه على ~~نفسه ليحضر عنده فآمنه، وجلس له الربيع على جسد من أجساد القتلى واتكأ على ~~آخر وأمر أصحابه ففعلوا مثله، فلما رآهم المرزبان هاله ذلك فصالحه على ألف ~~وصيف مع كل وصيف جام من ذهب، ودخل المسلمون المدينة. ثم سار منها إلى ~~سناروذ، وهي واد، فعبره وأتى القرية التي بها مربط فرس رستم الشديد، فقاتله ~~أهلها، فظفر بهم ثم عاد إلى زرنج وأقام بها نحو سنة؛ وعاد إلى ابن عامر، ~~واستخلف عليها عاملا، فأخرج أهلها العامل وامتنعوا. فكانت ولاية الربيع سنة ~~ونصفا. وسبى فيها أربعين ألف رأس. وكان كاتبه الحسن البصري. فاستعمل ابن ~~عامر عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس على سجستان، فسار إليها فحصر ~~زرنج، فصالحه مرزبانها على ألفي ألف درهم وألفي وصيف. وغلب عبد الرحمن على ~~ما بين زرنج والكش من ناحية الهند، وغلب من ناحية الرخج على ما بينه وبين ~~الدوان. فلما انتهى إلى بلد الدوان حصرهم في جبل الزوز ثم صالحهم ودخل على ~~الزوز، وهو صنم من ذهب، عيناه ياقوتتان، فقطع يده وأخذ الياقوتتين، ثم قال ~~للمرزبان: دونك الذهب والجوهر: وإنما أردت أن أعلمك أنه لا يضر ولا ينفع. ~~وفتح كابل وزابلستان، وهي ولاية غزنة، ثم عاد إلى زرنج فأقام بها حتى اضطرب ~~أمر عثمان، فاستخلف عليها أمير بن أحمر اليشكري وانصرف، فأخرج أهلها أمير ~~بن أحمر وامتنعوا؛ ولأمير يقول زياد بن الأعجم: لولا أمير هلكت يشكر ... ~~ويشكر هلكى على كل حال ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة عثمان. وفيها مات أبو الدرداء الأنصاري، وهو بدري، ~~وقيل: سنة اثنتين وثلاثين. وفيها مات أبو طلحة الأنصاري، وهو بدري، وقيل: ~~سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة إحدى وخمسين. وفيها مات أبو أسيد الساعدي، ~~وقيل: مات سنة ستين، وهو على هذا القول آخر من مات من البدريين. أسيد بضم ~~الهمزة. وفيها مات أبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، ms0959 وأخوه ~~الطفيل. وأبو سفيان بن حرب بن أمية، وهو ابن ثمان وثمانين سنة. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين # قيل: في هذه السنة غزا معاوية بن أبي سفيان مضيق القسطنطينية ومعه زوجته ~~عاتكة بنت قرظة، وقيل فاختة. ### || AUT ذكر ظفر الترك # ### || AUT وقتل عبد الرحمن بن ربيعة # في هذه السنة انتصرت الخزر والترك على المسلمين. PageV01P0499 # وسببه أن الغزوات لما تتابعت عليهم تذامروا وقالوا: كنا أمة لا يقرن بنا ~~أحد حتى جاءت هذه الأمة القليلة فصرنا لا نقوم لها. فقال بعضهم: إن هؤلاء ~~لا يموتون وما أصيب منهم أحد في غزوهم. وقد كان المسلمون غزوهم قبل ذلك فلم ~~يقتل منهم أحد، فلهذا ظنوا أنهم لا يموتون. فقال بعضهم: أفلا تجربون؟ ~~فكمنوا لهم في الغياض، فمر بالكمين نفر من الجند فرموهم منها فقتلوهم ~~فتواعد رؤوسهم إلى حربهم ثم اتعدوا يوما. وكان عثمان قد كتب إلى عبد الرحمن ~~ابن ربيعة وهو على الباب: إن الرعية قد أبطرها البطنة فلا تقتحم بالمسلمين ~~فإني أخشى أن يقتلوا. فلم يرجع عبد الرحمن عن مقصده، فغزا نحو بلنجر، وكان ~~الترك قد اجتمعت مع الخزر فقاتلوا المسلمين قتالا شديدا وقتل عبد الرحمن، ~~وكان يقال له ذو النور، وهو اسم سيفه، فأخذ أهل بلنجر جسده وجعلوه في تابوت ~~فهم يستسقون به ويستنصرون به، فلما قتل انهزم الناس وافترقوا فرقتين: فرقة ~~نحو الباب، فلقوا سلمان بن ربيعة أخا عبد الرحمن، كان قد سيره سعيد بن ~~العاص مددا للمسلمين بأمر عثمان، فلما لقوه نجوا معه، وفرقة نحو جيلان ~~وجرجان، فيهم سلمان الفارسي وأبو هريرة، وكان في ذلك العسكر يزيد بن معاوية ~~النخعي وعلقمة بن قيس ومعضد الشيباني وأبو مفرز التميمي في خباء واحد، ~~وعمرو بن عتبة وخالد بن ربيعة والحلحال بن ذري والقرثع في خباء، فكانوا ~~متجاورين في ذلك العسكر، وكان القرثع يقول: ما أحسن لمع الدماء على الثياب! ~~وكان عمرو بن عتبة يقول لقباء عليه: ما أحسن حمرة الدماء على بياضك! ورأى ~~يزيد بن معاوية أن غزالا جيء به لم ms0960 ير أحسن منه فلف في ملحفة ثم دفن في قبر ~~لم ير أحسن منه عليه ثلاثة نفر قعود، فلما استيقظ واقتتل الناس رمي بحجر ~~فهشم رأسه فمات، فكأنما زين ثوبه بالدماء وليس بتلطيخ، فدفن في قبر على ~~الصورة التي رأى. وقال معضد لعلقمة: أعرني بردك أعصب به رأسي، ففعل، فأتى ~~برج بلنجر الذي أصيب فيه يزيد فرماهم فقتل منهم وأتاه حجر عرادة ففضخ ~~هامته، فأخذه أصحابه فدفنوه إلى جنب يزيد، وأخذ علقمة البرد فكان يغسله فلا ~~يخرج أثر الدم منه، وكان يشهد فيه الجمعة ويقول: يحملني على هذا أن دم معضد ~~فيه. وأصاب عمرو بن عتبة جراحة فرأى قابءه كما اشتهى ثم قتل. وأما القرثع ~~فإنه قاتل حتى خرق بالحراب، فبلغ الخبر بذلك عثمان فقال: إنا لله، انتكث ~~أهل الكوفة، اللهم تب عليهم وأقبل بهم! وكان عثمان قد كتب إلى سعيد بن ~~العاص أن ينفذ سلمان إلى الباب للغزو، فسيره فلقي المهزومين، على ما تقدم، ~~فنجاهم الله به. فلما أصيب عبد الرحمن استعمل سعيد سلمان بن ربيعة على ~~الباب، واستعمل على الغزو بأهل الكوفة حذيفة بن اليمان، وأمدهم عثمان بأهل ~~الشام عليهم حبيب بن مسلمة، فتأمر عليهم سلمان وأبى حبيب حتى قال أهل ~~الشام: لقد هممنا بضرب سلمان. فقال الكوفيون: إذن والله نضرب حبيبا ونحبسه ~~وإن أبيتم كثرت القتلى فينا وفيكم؛ وقال أوس بن مغراء في ذلك: إن تضربوا ~~سلمان نضرب حبيبكم ... وإن ترحلوا نحو ابن عفان نرحل وإن تقسطوا فالثغر ثغر ~~أميرنا ... وهذا أمير في الكتائب مقبل ونحن ولاة الأمر كنا حماته ... ليالي ~~نرمي كل ثغر ونعكل وأراد حبيب أن يتأمر على صاحب الباب كما يتأمر أمير ~~الجيش إذا جاء من الكوفة، فكان ذلك أول اختلاف وقع بين أهل الكوفة والشام. ~~وغزا حذيفة ثلاث غزوات، فقتل عثمان في الثالثة، ولقيهم مقتل عثمان فقال ~~حذيفة بن اليمان: اللهم العن قتلته وشتامه! اللهم إنا كنا نعاتبه ويعاتبنا ~~فاتخذوا ذلك سلما إلى الفتنة! اللهم لا تمتهم إلا بالسيوف! ### || AUT ذكر وفاة أبي ms0961 ذر # PageV01P0500 # وفيها مات أبو ذر، وكان قد قال لابنته: استشرفي يا بنية هل ترين أحدا؟ ~~قالت: لا. قال: فما جاءت ساعتي بعد. ثم أمرها فذبحت شاة ثم طبختها ثم قال: ~~إذا جاءك الذين يدفنونني فإنه سيشهدني قوم صالحون فقولي لهم: يقسم عليكم ~~أبو ذر أن لا تركبوا حتى تأكلوا. فلما نضجت قدرها قال لها: انظري هل ترين ~~أحدا؟ قالت: نعم هؤلاء ركب. قال: استقبلي بي الكعبة، ففعلت. فقال: بسم الله ~~وبالله وعلى ملة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم مات، فخرجت ابنته ~~فتلقتهم وقالت: رحمكم الله، اشهدوا أبا ذر. قالوا: وأين هو؟ فأشارت إليه، ~~قالوا: نعم ونعمة عين! لقد أكرمنا الله بذلك. وكان فيهم ابن مسعود فبكى ~~وقال: صدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، (يموت وحده ويبعث وحده). فغسلوه ~~وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه. وقالت لهم ابنته: إن أبا ذر يقرأ عليكم السلام، ~~وأقسم عليكم أن لا تركبوا حتى تأكلوا؛ ففعلوا وحملوا أهله معهم حتى أقدموهم ~~مكة ونعوه إلى عثمان، فضم ابنته إلى عياله وقال: يرحم الله أبا ذر ويغفر له ~~نزوله الربذة. ولما حضروا شموا من الخباء ريح مسك فسألوها عنه فقالت: إنه ~~لما حضر قال: إن الميت يحضره شهود يجدون الريح لا يأكلون، فدوفي لهم مسكا ~~بماء ورشي به الخباء. وكان النفر الذين شهدوه: ابن مسعود، وأبا مفرز، وبكر ~~بن عبد الله التميميين، والأسود بن يزيد، وعلقمة بن قيس، ومالك الأشتر ~~النخعيين، والحلحال الضبي، والحرث بن سويد التميمي، وعمرو بن عتبة السلمي، ~~وابن ربيعة السلمي، وأبا رافع المزني، وسويد بن شعبة التميمي، وزياد بن ~~معاوية النخعي، وأخا القرثع الضبي، وأخا معضد الشيباني. وقيل: كان موته سنة ~~إحدى وثلاثين. وقيل: إن ابن مسعود لم يحمل أهل أبي ذر معه إنما معه إنما ~~تركهم حتى قدم على عثمان بمكة فأعلمه بموته، فجعل عثمان طريقه عليهم فحملهم معه. ### || AUT ذكر خروج قارن # ثم جمع قارن جمعا كثيرا من ناحية الطبسين وأهل باذغيس وهراة وقوهستان ~~وأقبل في أربعين ألفا، فقال قيس ms0962 بن الهيثم لابن خازم: ما ترى؟ قال: أرى أن ~~تخلي البلاد فإني أميرها ومعي عهد من ابن عامر إذا كانت حرب بخراسان فأنا ~~أميرها؛ وأخرج كتابا كان قد افتعله عمدا، فكره قيس منازعته وخلاه والبلاد ~~وأقبل إلى ابن عامر، فلامه ابن عامر وقال: قد تركت البلاد خرابا وأقبلت! ~~قال: جاءني بعهد منك. قال: فسار ابن خازم إلى قارن في أربعة آلاف وأمرا ~~لناس فحملوا الودك، فلما قرب من قارن أمر الناس أن يدرج كل رجل منهم على زج ~~رمحه خرقة أو قطنا ثم يكثروا دهنه، ثم سار حتى أمسى، فقد مقدمته ستمائة ثم ~~اتبعهم وأمر الناس، فأشعلوا النيران في أطراف الرماح، فانتهت مقدمته إلى ~~معسكر قارن نصف الليل فناوشوهم، وهاج الناس على دهش وكانوا آمنين من ~~البيات، ودنا ابن خازم منهم فرأوا النيران يمنة ويسرة تتقدم وتتأخر وتنخفض ~~وترتفع، فهالهم ذلك، ومقدمة ابن خازم يقاتلونهم، ثم غشيهم ابن خازم ~~بالمسلمين فقتل قارن، فانهزم المشركون واتبعوهم يقتلوهم كيف شاؤوا، وأصابوا ~~سبيا كثيرا. وكتب ابن خازم بالفتح إلى ابن عامر، فرضي وأقره على خراسان، ~~فلبث عليها حتى انقضى أمر الجمل، وأقبل إلى البصرة فشهد وقعة ابن الحضرمي ~~وكان معه في دار سنبيل. وقيل: ما جمع قارن استشار قيس بن الهيثم عبد الله ~~بن خازم فيما يصنع، فقال: أرى أنك لا تطيق كثرة من قد أتانا، فاخرج بنفسك ~~إلى ابن عامر فتخبره بكثرة العدو ونقيم نحن في الحصون ونطاولهم ويأتينا ~~مددكم. فخرج قيس، فلما أمعن أظهر ابن خازم عهدا وقال: قد ولاني ابن عامر ~~خراسان، وسار إلى قارن فظفر به وكتب بالفتح إلى ابن عامر فأقره على خراسان؛ ~~ولم يزل أهل البصرة يغزون من لم يكن صالح من أهل خراسان، فإذا عادوا تركوا ~~أربعة آلاف نجدة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة مات العباس عم النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان عمره يوم ~~مات ثمانيا وثمانين سنة، كان أسن من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بثلاث ~~سنين. وفيها مات عبد الرحمن ms0963 بن عوف وعمره خمس وسبعون سنة. وعبد الله بن ~~مسعود وصلى عليه عمار بن ياسر، وقيل عثمان. وتوفي عبد الله بن زيد بن عبد ~~ربه الذي أري الأذان. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين # PageV02P0001 # في هذه السنة كانت غزوة معاوية حصن المرأة من أرض الروم بناحية ملطية. ~~وفيها كانت غزوة عبد الله بن سعد إفريقية الثانية حين نقض أهلها العهد؛ ~~وفيها كان مسير الأحنف إلى خراسان وفتح المروين، ومسير ابن عامر إلى ~~نيسابور وفتحها، في قول بعضهم، وقد تقدم ذكر ذلك؛ وفيها كانت غزوة قبرس، في ~~قول بعضهم، وقد تقدم ذكرها مستوفى، وقيل إن فتحها كان سنة ثمان وعشرين، ~~فلما كان سنة اثنتين وثلاثين أعان أهلها الروم على الغزاة في البحر بمراكب ~~أعطوهم إياها، فغزاهم معاوية سنة ثلاث وثلاثين في خمس مئة مركب ففتحها عنوة ~~فقتل وسبى ثم أقرهم على صلحهم وبعث إليهم اثني عشر ألفا فبنوا المساجد وبنى ~~مدينة. وقيل: كانت غزوته الثانية سنة خمس وثلاثين. ### || AUT ذكر تسيير من سير من أهل الكوفة إلى الشام # وفي هذه السنة سير عثمان نفرا من أهل الكوفة إلى الشام. وكان السبب في ~~ذلك أن سعيد بن العاص لما ولاه عثمان الكوفة حين شهد على الوليد بشرب الخمر ~~أمره أن يسير الوليد إليه، فقدم سعيد الكوفة وسير الوليد وغسل المنبر، ~~فنهاه رجال من بني أمية كانوا قد خرجوا معه عن ذلك، فلم يجبهم واختار سعيد ~~وجوه الناس وأهل القادسية وقراء أهل الكوفة، فكان هؤلاء دخلته إذا خلا، ~~وأما إذا خرج فكل الناس يدخل عليه، فدخلوا عليه يومان فبينا هم يتحدثون قال ~~حبيش بن فلان الأسدي: ما أجود طلحة بن عبيد الله! فقال سعيد: إن من له مثل ~~النشاستج لحقيق أن يكون جوادا، والله لو أن لي مثله لأعاشكم الله به عيشا ~~رغدا. فقال عبد الرحمن بن حبيش، وهو حدث: والله لوددت أن هذا الملطاط لك، ~~يعني لسعيد، وهو ما كان للأكاسرة على جانب الفرات الذي يلي الكوفة. قالوا: ~~فض الله فاك! والله ms0964 لقد هممنا بك! فقال أبوه: غلام فلا تجاوزه. فقالوا: ~~يتمنى له سوادنا. قال: ويتمنى لكم أضعافه، فثار به الأشتر وجندب وابن ذي ~~الحنكة وصعصعة وابن الكواء وكميل وعمير بن ضابىء فأخذوه، فثار أبوه ليمنع ~~عنه، فضربوهما حتى غشي عليهما، وجعل سعيد يناشدهم ويأبون حتى قضوا منهما ~~وطرا. فسمعت بذلك بنو أسد فجاؤوا وفيهم طليحة فأحاطوا بالقصر وركبت القبائل ~~فعاذوا بسعيد، فخرج سعيد إلى الناس فقال: أيها الناس قوم تنازعوا وقد رزق ~~الله العافية، فردهم فتراجعوا. وأفاق الرجلان فقالا: قاتلنا غاشيتك. فقال: ~~لا يغشوني أبدا، فكفا ألسنتكما ولا تحزبا الناس. ففعلا، وقعد أولئك النفر ~~في بيوتهم وأقبلوا يقعون في عثمان. وقيل: بل كان السبب في ذلك أنه كان يسمر ~~عند سعيد بن العاص وجوه أهل الكوفة، منهم: مالك بن كعب الأرحبي والأسود بن ~~يزيد وعلقمة بن قيس النخعيان ومالك الأشتر وغيرهم، فقال سعيد: إنما هذا ~~السواد بستان قريش. فقال الأشتر: أتزعم أن السواد الذي أفاءه الله علينا ~~بأسيافنا بستان لك ولقومك؟ وتكلم القوم معه، فقال عبد الرحمن الأسدي، وكان ~~على شرطة سعيد: أتردون على الأمير مقالته؟ وأغلظ لهم. فقال الأشتر: من ههنا ~~لا يفوتنكم الرجل! فوثبوا عليه فوطئوه وطأ شديدا حتى غشي عليه، ثم جر ~~برجله، فنضح بماء فأفاق فقال: قتلني من انتخبت. فقال: والله لا يسمر عندي ~~أحد أبدا. فجعلوا يجلسون في مجالسهم يشتمون عثمان وسعيدا، واجتمع إليهم ~~الناس حتى كثروا، فكتب سعيد وأشراف أهل الكوفة إلى عثمان في إخراجهم، فكتب ~~إليهم أن يلحقوهم بمعاوية، وكتب إلى معاوية: إن نفرا قد خلقوا للفتنة فأقم ~~عليهم وانههم، فإن آنست منهم رشدا فاقبل وإن أعيوك فارددهم علي. فلما قدموا ~~على معاوية أنزلهم كنيسة مريم وأجرى عليهم ما كان لهم بالعراق بأمر عثمان، ~~وكان يتغدى ويتعشى معهم، فقال لهم يوما: (إنكم قوم من العرب لكم أسنان ~~وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفا وغلبتم الأمم وحويتم مواريثهم، وقد بلغني ~~أنكم نقمتم قريشا، ولو لم تكن قريش كنتم أذلة، إن أئمتكم لكم جنة فلا ~~تفترقوا عن ms0965 جنتكم، وإن أئمتكم يصبرون لكم على الجور ويحتملون منكم المؤونة، ~~والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم السوء ولا يحمدكم على الصبر ثم ~~تكونون شركاءهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد وفاتكم). فقال رجل ~~منهم، وهو صعصعة: (أما ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها ~~في الجاهلية فتخوفنا، وأما ما ذكرت من الجنة فإن الجنة إذا اخترقت خلص ~~إلينا). PageV02P0002 # فقال معاوية: (عرفتكم الآن وعلمت أن الذي أغراكم على هذا قلة العقول، ~~وأنت خطيبهم ولا أرى لك عقلا، أعظم عليك أمر الإسلام وأذكرك به وتذكرني ~~بالجاهلية! أخزى الله قوما عظموا أمركم! افقهوا عني، ولا أظنكم تفقهون، أن ~~قريشا لم تعز في جاهلية ولا إسلام إلا بالله تعالى، لم تكن بأكثر العرب ولا ~~أشدهم، ولكنهم كانوا أكرمهم أحسابا، وأمحضهم أنسابا، وأكملهم مروءة، ولم ~~يمتنعوا في الجاهلية، والناس يأكل بعضهم بعضا، إلا بالله، فبوأهم حرما آمنا ~~يتخطف الناس من حولهم! هل تعرفون عربيا أو عجميا أو أسود أو أحمر إلا وقد ~~أصابه الدهر في بلده وحرمته إلا ما كان من قريش فإنهم لم يردهم أحد من ~~الناس بكيد إلا جعل الله خده الأسفل، حتى أراد الله أن يستنقذ من أكرم ~~واتبع دينه من هوان الدنيا وسوء مرد الآخرة، فارتضى لذلك خير خلقه ثم ارتضى ~~له أصحابا فكان خيارهم قريشا، ثم بنى هذا الملك عليهم وجعل هذه الخلافة ~~فيهم فلا يصلح ذلك إلا عليهم، فكان الله يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم، ~~أفتراه لا يحوطهم وهم على دينه؟ أف لك ولأصحابك! أما أنت يا صعصعة فإن ~~قريتك شر القرى! أنتنها بيتا، وأعمقها واديا، وأعرفها بالشر، وألأمها ~~جيرانا! لم يسكنها شريف قط ولا وضيع إلا سب بها، ثم كانوا ألأم العرب ~~ألقابا وأصهارا، نزاع الأمم، وأنتم جيران الخط، وفعلة فارس، حتى أصابتكم ~~دعوة النبي، صلى الله عليه وسلم، لم تسكن البحرين فتشركهم في دعوة النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، فأنت شر قومك، حتى إذا أبرزك الإسلام وخلطك بالناس ~~أقبلت تبغي ms0966 دين الله عوجا، وتنزع إلى الذلة، ولا يضر ذلك قريشا ولا يضعهم ~~ولن يمنعهم من تأدية ما عليهم، إن الشيطان عنكم غير غافل، قد عرفكم بالشر ~~فأغرى بكم الناس، وهو صارعكم، ولا تدركون بالشر أمرا أبدا إلا فتح الله ~~عليكم شرا منه وأخزى). ثم قام وتركهم فتقاصرت إليهم أنفسهم، فلما كان بعد ~~ذلك أتاهم فقال: (إني قد أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم لا ينفع الله بكم أحدا ~~أبدا ولا يضره ولا أنتم برجال منفعة ولا مضرة، فإن أردتم النجاة فالزموا ~~جماعتكم ولا يبطرنكم الإنعام، فإن البطر لا يعتري الخيار، اذهبوا حيث شئتم ~~فسأكتب إلى أمير المؤمنين فيكم). فلما خرجوا دعاهم وقال لهم: (إني معيد ~~عليكم أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان معصوما فولاني وأدخلني في ~~أمره، ثم استخلف أبو بكر فولاني، ثم استخلف عمر فولاني، ثم استخلف عثمان ~~فولاني، ولم يولني أحد إلا وهو عني راض، وإنما طلب رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، للأعمال أهل الجزاء عن المسلمين والغناء، و وإن الله ذو سطوات ~~ونقمات يمكر بمن مكر به، فلا تعرضوا لأمر وأنتم تعلمون من أنفسكم غير ما ~~تظهرون، فإن الله غير تارككم حتى يختبركم ويبدي للناس سرائركم). وكتب ~~معاوية إلى عثمان: (إنه قدم علي أقوام ليست لهم عقول ولا أديان أثقلهم ~~الإسلام و، أضجرهم العدل، لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلمون بحجة، إنما ~~همهم الفتنة وأموال أهل الذمة، والله مبتليهم ومختبرهم ثم فاضحهم ومخزيهم، ~~وليسوا بالذين ينكون أحدا إلا مع غيرهم، فانه سعيدا ومن عنده عنهم، فإنهم ~~ليسوا لأكثر من شغب ونكير). فخرجوا من دمشق فقالوا: لا ترجعوا بنا إلى ~~الكوفة فإنهم يشمتون بنا، ولكن ميلوا إلى الجزيرة، فسمع بهم عبد الرحمن بن ~~خالد بن الوليد، وكان على حمص، فدعاهم فقال: (يا آلة الشيطان لا مرحبا بكم ~~ولا أهلا، قد رجع الشيطان محسورا وأنتم بعد نشا، خسر الله عبد الرحمن إن لم ~~يؤدبكم، يا معشر من لا أدري أعرب هم أم عجم، لا تقولوا لي ما ms0967 بلغني أنكم ~~قلتم لمعاوية؛ أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن من قد عجمته العاجمات، أنا ~~ابن فاقىء الردة! والله لئن بلغني يا صعصعة أن أحدا ممن معي دق أنفك ثم ~~غمصك لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى)! فأقامهم شهرا كلما ركب أمشاهم، فإذا مر ~~به صعصعة قال: يا ابن الحطيئة، أعلمت أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر؟ ما ~~لك لا تقول كما بلغني أنك قلت لسعيد ومعاوية؟ فيقولون: نتوب إلى الله، ~~أقلنا أقالك الله. فما زالوا به حتى قال: تاب الله عليكم. وسرح الأشتر إلى ~~عثمان، فقدم إليه ثانيا، فقال له عثمان: احلل حيث شئت. فقال: مع عبد الرحمن ~~بن خالد. فقال: ذلك إليك، فرجع إليه. PageV02P0003 # قيل: وقد روي أيضا نحو ما تقدم وزادوا فيه أن معاوية لما عاد غليهم من ~~القابلة وذكرهم كان مما قال لهم: وإني والله لا آمركم بشيء إلا وقد بدأت ~~فيه بنفسي وأهل بيتي، وقد عرفت قريش أن أبا سفيان كان أكرمها وابن أكرمها ~~غلا ما جعل الله لنبيه، صلى الله عليه وسلم، فإنه انتخبه وأكرمه، وإني لأظن ~~أن أبا سفيان لو ولد الناس لم يلد إلا حازما. قال صعصعة: قد كذبت! قد ولدهم ~~خير من أبي سفيان من خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة فسجدوا ~~له، وكان فيهم البر والفاجر، والأحمق والكيس. فخرج تلك الليلة من عندهم ثم ~~أتاهم القابلة فتحدث عندهم طويلا ثم قال: أيها القوم ردوا خيرا أو اسكتوا ~~وتفكروا وانظروا فيما ينفعكم وينفع أهاليكم والمسلمين فاطلبوه. فقال صعصعة: ~~لست بأهل ذلك ولا كرامة لك أن تطاع في معصية الله. فقال: أليس أول من ~~ابتدأتكم به أن أمرتكم بتقوى الله وطاعة نبيه وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ~~ولا تفرقوا؟ قالوا: بل أمرت بالفرقة وخلاف ما جاء به النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: إني آمركم الآن إن كنت فعلت فأتوب إلى الله وآمركم بتقواه ~~وطاعته وطاعة نبيه، صلى الله عليه وسلم، ولزوم الجماعة وأن توقروا أئمتكم ~~وتدلوهم على ms0968 أحسن ما قدرتم عليه. فقال صعصعة: فإنا نأمرك أن تعتزل عملك فإن ~~في المسلمين من هو أحق به منك، من كان أبوه أحسن قدما في الإسلام من أبيك ~~وهو أحسن في الإسلام قدما منك. فقال: والله إن لي في الإسلام قدما ولغيري ~~كان أحسن قدما مني ولكنه ليس في زماني أحد أقوى على ما أنا فيه مني، ولقد ~~رأى ذلك عمر بن الخطاب، فلو كان غيري أقوى مني لم تكن عند عمر هوادة لي ولا ~~لغيري، ولم أحدث من الحدث ما ينبغي لي أن أعتزل عملي، ولو رأى ذلك أمير ~~المؤمنين لكتب إلي فاعتزلت عمله، فمهلا فإن في ذلك وأشباهه ما يتمنى ~~الشيطان ويأمر، ولعمري لو كانت الأمور تقضى على رأيكم وأمانيكم ما استقامت ~~لأهل الإسلام يوما ولا ليلة، فعاودوا الخير وقولوه، وإن لله لسطوات، وإني ~~لخائف عليكم أن تتايعوا في مطاوعة الشيطان ومعصية الرحمن فيحلكم ذلك دار ~~الهوان في العاجل والآجل. فوثبوا عليه وأخذوا رأسه وليحته، فقال: مه إن هذه ~~ليست بأرض الكوفة، والله لو رأى أهل الشام ما صنعتم بي ما ملكت أن أنهاهم ~~عنكم حتى يقتلوكم، فلعمري إن صنيعكم ليشبه بعضه بعضا! ثم قام من عندهم وكتب ~~إلى عثمان نحو الكتاب المتقدم، فكتب إليه عثمان يأمره أن يردهم إلى سعيد بن ~~العاص بالكوفة، فردهم فأطلقوا ألسنتهم، فضج سعيد منهم إلى عثمان، فكتب إليه ~~عثمان أن يسيرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بحمص، فسيرهم إليها، فأنزلهم عبد ~~الرحمن وأجرى عليهم رزقا، وكانوا: الأشتر وثابت بن قيس الهمداني وكميل بن ~~زياد وزيد بن صوحان وأخاه صعصعة وجندب بن زهير الغامدي وجندب بن كعب الأزدي ~~وعروة بن الجعد وعمرو ابن الحمق الخزاعي وابن الكواء. قيل: سأل معاوية ابن ~~الكواء عن نفسه قال: أنت بعيد الثرى كثير المرعى طيب البديهة بعيد الغور، ~~الغالب عليك الحلم، ركن من أركان الإسلام، سدت بك فرجة مخوفة. قال: فأخبرني ~~عن أهل الأحداث من الأمصار فإنك أعقل أصحابك. قال: أما أهل المدينة فهم ~~أحرص الأمة على ms0969 الشر وأعجزهم عنه، وأما أهل الكوفة فإنهم يردون جميعا ~~ويصدرون شتى، وأما أهل مصر فهم أولى الناس بشر وأسرعهم ندامة، وأما أهل ~~الشام فهم أطوع الناس لمرشدهم وأعصاهم لمغويهم. ### || AUT ذكر تسيير من سير من أهل البصرة إلى الشام # ولما مضت ثلا سنين من إمارة عبد الله بن عامر بلغه أن في عبد القيس رجلا ~~نازلا على حكيم بن جبلة العبدي، وكان عبد الله بن سبأ، المعروف بابن ~~السوداء، هو الرجل النازل عليه، واجتمع إليه نفر فطرح إليهم ابن السوداء ~~ولم يصرح، فقبلوا منه. فأرسل إليهم ابن عامر فسأله: من أنت؟ فقال: رجل من ~~أهل الكتاب رغبت في الإسلام وفي جوارك. فقال: ما يبلغني ذلك، اخرج عني. ~~فخرج حتى أتى الكوفة فأخرج منها، فقصد مصر فاستقر بها وجعل يكاتبهم ~~ويكاتبونه وتختلف الرجال بينهم. PageV02P0004 # وكان حمران بن أبان قد تزوج امرأة في عدتها ففرق عثمان بينهما وضربه ~~وسيره إلى البصرة، فلزم ابن عامر فتذاكروا يوما المرور بعامر بن عبد القيس، ~~فقال حمران: ألا أسبقكم فأخبره؟ فخرج فدخل عليه وهو يقرأ في المصحف فقال: ~~الأمير يريد المرور بك فأحببت أن أعلمك، فلم يقطع قراءته، فقام من عنده، ~~فلما انتهى إلى الباب لقيه ابن عامر فقال: جئتك من عند امرىء لا يرى لآل ~~إبراهيم عليه فضلا؛ ودخل عليه ابن عامر فأطبق المصحف وحدثه، فقال له ابن ~~عامر: ألا تغشانا؟ فقال: سعد بن أبي القرحاء يحب الشرف. فقال: ألا نستعملك؟ ~~فقال: حصين بن الحر يحب العمل. فقال: ألا نزوجك؟ فقال: ربيعة بن عسل يعجبه ~~النساء. فقال: إن هذا يزعم أنك لا ترى لآل إبراهيم عليك فضلا! فتصفح ~~المصحف، فكان أول ما وقع عليه: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل ~~عمران على العالمين) آل عمران: . فسعى به حمران، وأقام حمران بالبصرة ما ~~شاء الله، وأذن له عثمان فقدم المدينة ومعه قوم، فسعوا بعامر بن عبد القيس ~~أنه لا يرى التزويج ولا يأكل اللحم ولا يشهد الجمعة، فألحقه بمعاوية، فلما ~~قدم عليه رأى عنده ms0970 ثريدا فأكل أكلا عربيا، فعرف أن الرجل مكذوب عليه، فعرفه ~~معاوية سبب إخراجه، فقال: أما الجمعة فإني أشهدها في مؤخر المجلس ثم أرجع ~~في أوائل الناس، وأما التزويج فإني خرجت وأنا يخطب علي، وأما اللحم فقد ~~رأيت ولكني لا آكل ذبائح القصابين منذ رأيت قصابا يجر شاة إلى مذبحها ثم ~~وضع السكين على حلقها فما زال يقول: النفاق النفاق، حتى ذبحها. قال: فارجع. ~~قال: لا أرجع إلى بلد استحل أهله مني ما استحلوا؛ فكان يكون في السواحل، ~~فكان يلقى معاوية فيكثر معاوية أن يقول: ما حاجتك. فيقول: لا حاجة لي. فلما ~~أكثر عليه قال: ترد علي من حر البصرة شيئا لعل الصوم أن يشتد علي فإنه يخف ~~علي في بلادكم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج بالناس عثمان. وفيها مات المقداد بن عمرو المعروف بالمقداد بن ~~الأسود صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأوصى أن يصلي عليه الزبير. ~~وفيها توفي الطفيل والحصين بنا الحرث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ~~وشهدا بدرا وأحدا، وقيل: ماتا سنة إحدى وثلاثين، وقيل اثنتين وثلاثين. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وثلاثين # قيل: فيها كانت غزوة الصواري، في قول بعضهم، وقد تقدم ذكرها. وفيها ~~تكاتب المنحرفون عن عثمان للاجتماع لمناظرته فيما كانوا يذكرون أنهم نقموا عليه. ### || AUT ذكر الخبر عن ذلك وعن يوم الجرعة # قد ذكرنا خبر المسيرين من الكوفة ومقامم عند عبد الرحمن بن خالد بن ~~الوليد، ووفد سعيد بن العاص إلى عثمان سنة إحدى عشرة من خلافة عثمان، وكان ~~سعيد قد ولى قبل مخرجه إلى عثمان بسنة وبعض أخرى الأشعث بن قيس أذربيجان، ~~وسعيد بن قيس الري، والنسير العجلي همذان، والسائب بن الأقرع أصبهان، ومالك ~~بن حبيب ماه، وحكيم بن سلام الحزامي الموصل، وجرير ابن عبد الله قرقيسيا، ~~وسلمان بن ربيعة الباب، وجعل القعقاع بن عمرو على الحرب، وعلى حلوان عتيبة ~~بن النهاس، وخلت الكوفة من الرؤساء. فخرج يزيد بن قيس وهو يريد خلع عثمان ~~ومعه الذين كان ابن السوداء يكاتبهم، ms0971 فأخذه القعقاع بن عمرو فقال: إنما ~~نستعفي من سعيد. فقال: أما هذا فنعم، فتركه وكاتب يزيد المسيرين في القدوم ~~عليه، فسار الأشتر والذين عند عبد الرحمن ابن خالد، فسبقهم الأشتر، فلم ~~يفجإ الناس يوم الجمعة إلا والأشتر على باب المسجد يقول: جئتكم من عند أمير ~~المؤمنين عثمان وتركت سعيدا يريده على نقصان نسائكم على مائة درهم، ورد ~~أولي البلاء منكم إلى ألفين، ويزعم أن فيئكم بستان قريش. فاستخف الناس وجعل ~~أهل الرأي ينهونهم فلا يسمع منهم. PageV02P0005 # فخرج يزيد وأمر مناديا ينادي: من شاء أن يلحق بيزيد لرد سعيد فليفعل، ~~فبقي أشراف الناس وحلماؤهم في المسجد. وعمرو بن حريث يومئذ خليفة سعيد، ~~فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وأمرهم بالاجتماع والطاعة، فقال له ~~القعقاع: أترد السيل عن أدراجه؟ هيهات لا والله لا يسكن الغوغاء إلا ~~المشرفية ويوشك أن تنتضى ويعجون عجيج العتدان ويتمنون ما هم فيه اليوم فلا ~~يرده الله عليهم أبدا، فاصبر. قال: أصبر. وتحول إلى منزلته، وخرج يزيد بن ~~قيس فنزل الجرعة - وقي قريب من القادسية - ومعه الأشتر، فوصل إليهم سعيد ~~ابن العاص، فقالوا: لا حاجة لنا بك. قال: إنما كان يكفيكم أن تبعثوا إلى ~~أمير المؤمنين رجلا وإلي رجلا، وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل واحد؟ ثم ~~انصرف عنهم، وتحسوا بمولى له على بعير قد حسر فقال: والله ما كان ينبغي ~~لسعيد أن يرجع. فقتله الأشتر. ومضى سعيد حتى قدم على عثمان فأخبره بما ~~فعلوا وأنهم يريدون البذل وأنهم يختارون أبا موسى، فجعل أبا موسى الأشعري ~~أميرا، وكتب إليهم: (أما بعد فقد أمرت عليكم من اخترتم وأعفيتكم من سعيد، ~~ووالله لأقرضنكم عرضي ولأبذلن لكم صبري ولأستصلحنكم بجهدي فلا تدعوا شيئا ~~أحببتموه لا يعصى الله فيه إلا سألتموه، ولا شيئا كرهتموه لا يعصى الله فيه ~~إلا ما استعفيتم منه، أنزل فيه عندما أحببتم حتى لا يكون لكم على الله حجة، ~~ولنصبرن كما أمرنا حتى تبلغوا ما تريدون). ورجع من الأمراء من قرب من ~~الكوفة، فرجع جرير من قرقيسيا، ms0972 وعتيبة بن النهاس من حلوان، وخطبهم أبو موسى ~~وأمرهم بلزوم الجماعة وطاعة عثمان، فأجابوا إلى ذلك وقالوا: صل بنا. فقال: ~~لا إلا على السمع والطاعة لعثمان. قالوا: نعم. فصلى بهم وأتاه ولاته ~~فولاهم. وقيل: سبب يوم الجرعة أنه كان قد اجتمع ناس من المسلمين فتذاكروا ~~أعمال عثمان فأجمع رأيهم فأرسلوا إليه عامر بن عبد الله التميمي ثم ~~العنبري. وهو الذي يدعى عامر بن عبد القيس، فأتاه فدخل عليه فقال له: إن ~~ناسا من المسلمين اجتمعوا ونظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما، ~~فاتق الله وتب إليه. فقال عثمان: انظروا إلى هذا فإن الناس يزعمون أنه ~~قارىء ثم يجيء يكلمني في المحقرات، ووالله ما يدري أين الله! فقال عامر: ~~بلى والله إني لأدري أن الله لبالمرصاد! فأرسل عثمان إلى معاوية وعبد الله ~~بن سعد وإلى سعيد بن العاص وعمرو بن العاص وعبد الله بن عامر فجمعهم ~~فشاورهم وقال لهم: إن لكل امرىء وزراء ونصحاء وإنكم وزرائي ونصحائي وأهل ~~ثقتي، وقد صنع الناس ما قد رأيتم وطلبوا إلي أن أعزل عمالي وأن أرجع عن ~~جميع ما يكرهون إلى ما يحبون، فاجتهدوا رأيكم. فقال له ابن عامر: أرى لك يا ~~أميرالمؤمنين أن تشغلهم بالجهاد عنك حتى يذلوا لك ولا يكون همة أحدهم إلا ~~في نفسه وما هو فيه من دبر دابته وقمل فروته. وقال سعيد: احسم عنك الداء ~~فاقطع عنك الذي تخاف، إن لكل قوم قادة متى تهلك يتفرقوا ولا يجتمع لهم أمر. ~~فقال عثمان: إن هذا هو الراي لولا ما فيه. وقال معاوية: أشير عليك أن تأمر ~~أمراء الأجناد فيكفيك كل رجل منهم ما قبله وأكفيك أنا أهل الشام. وقال عبد ~~الله بن سعد: إن الناس أهل طمع فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم. ثم ~~قام عمرو ابن العاص فقال: يا أمير المؤمنين إنك قد ركبت الناس بمثل بني ~~أمية فقلت وقالوا وزغت وزاغوا، فاعتدل أو اعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزما ~~وأقدم قدما. فقال له عثمان: ما لك قمل فروك؟ ms0973 أهذا الجد منك؟ فسكت عمرو حتى ~~تفرقوا فقال: والله يا أمير المؤمنين لأنت أكرم علي من ذلك ولكني علمت أن ~~بالباب من يبلغ الناس قول كل رجل منا فاردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي فأقود ~~إليك خيرا وأدفع عنك شرا. PageV02P0006 # فرد عثمان عماله إلى أعمالهم وأمرهم بتجهيز الناس في البعوث وعزم على ~~تحريم أعطياتهم ليطيعوه، ورد سعيدا إلى الكوفة، فلقيه الناس من الجرعة ~~وردوه، كما سبق ذكره. قال أبو ثور الحداني: جلست إلى حذيفة وأبي مسعود ~~الأنصاري بمسجد الكوفة يوم الجرعة، فقال أبو مسعود: ما أرى أن ترد على ~~عقبيها حتى يكون فيها دماء. فقال حذيفة: والله لتردن على عقبيها ولا يكون ~~فيها محجمة دم وما أرى اليوم شيئا إلا وقد علمته والنبي، صلى الله عليه ~~وسلم، حي. فرجع سعيد إلى عثمان ولم يسفك دم، وجاء أبو موسى أميرا، وأمر ~~عثمان حذيفة بن اليمان أن يغزو الباب فسار نحوه. ### || AUT ذكر ابتداء قتل عثمان # في هذه السنة تكاتب نفر من اصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وغيرهم ~~بعضهم إلى بعض: أن اقدموا فإن الجهاد عندنا، وعظم الناس على عثمان ونالوا ~~منه أقبح ما نيل من أحد، وليس أحد من الصحابة ينهى ولا يذب إلا نفر، منهم: ~~زيد بن ثابت، وأبو أسيد الساعدي، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، فاجتمع ~~الناس فكلموا علي بن أبي طالب، فدخل على عثمان فقال له: الناس ورائي وقد ~~كلموني فيك، والله ما أدري ما أقول لك ولا أعرف شيئا تجهله ولا أدلك على ~~أمر لا تعرفه، إنك لتعلم ما أعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ولا خلونا ~~بشيء فنبلغكه وما خصصنا بأمر دونك، وقد رأيت وصحبت رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، وسمعت منه ونلت صهره، وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحق منك، ~~ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك، وأنت أقرب إلى رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، رحما، ولقد نلت من صهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما ms0974 ~~لم ينالاه، وما سبقاك إلى شيء، فالله الله في نفسك، فإنك والله ما تبصر من ~~عمى ولا تعلم من جهالة، وإن الطريق لواضح بين، وإن أعلام الدين لقائمة. ~~اعلم يا عثمان أن أفضل عباد الله إمام عادل هدي وهدى فأقام سنة معلومة ~~وأمات بدعة متروكة، فوالله إن كلا لبين، وإن السنن لقائمة لها أعلام، وإن ~~البدع لقائمة لها أعلام، وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وأضل فأمات ~~سنة معلومة وأحيا بدعة متروكة، وإني أحذرك الله وسطواته ونقماته، فإن عذابه ~~شديد أليم، وأحذرك أن تكون إمام هذه الأمة الذي يقتل فيفتح عليها القتل ~~والقتال إلى يوم القيامة، ويلبس أمورها عليها ويتركها شيعا لا يبصرون الحق ~~لعلو الباطل، يموجون فيها موجان ويمرجون فيها مرجا. فقال عثمان: قد علمت ~~والله ليقولن الذي قلت، أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا ~~عبت عليك ولا جئت منكر أن وصلت رحما وسددت خلة وآويت ضائعا ووليت شبيها بمن ~~كان عمر يولي. أنشدك الله يا علي هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ ~~قال: نعم. قال: فتعلم أن عمر ولاه؟ قال: نعم. قال: فلم تلومني أن وليت ابن ~~عامر في رحمه وقرابته؟ قال علي: إن عمر كان يطأ على صماخ من ولى إن بلغه ~~عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى العقوبة وأنت لا تفعل، ضعفت ورققت على ~~أقربائك. قال عثمان: وهم أقرباؤك أيضا! قال: أجل، إن رحمهم مني لقريبة ولكن ~~الفضل في غيرهم. قال عثمان: هل تعلم أن عمر ولى معاوية؟ فقد وليته. فقال ~~علي: أنشدك الله، هل تعلم أن معاوية كان أخوف لعمر من يرفأ، غلام عمر، له؟ ~~قال: نعم. قال علي: فإن معاوية يقتطع الأمور دونك ويقول للناس هذا أمر ~~عثمان، وأنت تعلم ذلك فلا تغير عليه. PageV02P0007 # ثم خرج علي من عنده وخرج عثمان على أثره فجلس على المنبر ثم قال: أما بعد ~~فإن لكل شيء آفة ولكل أمر عاهة، وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة عيابون ms0975 ~~طعانون يرونكم ما تحبون ويسترون عنكم ما تكرهون، يقولون لكم ويقولون، أمثال ~~النعام يتبعون أول ناعق، أحب مواردهم إليهم البعيد، لا يشربون إلا نغصا ولا ~~يردون إلا عكرا، لا يقوم لهم رائد وقد أعيتهم الأمور، ألا فقد والله عبتم ~~علي ما أقررتم لابن الخطاب بمثله، ولكنه وطئكم برجله وضربكم بيده وقمعكم ~~بلسانه فدنتم له على ما أحببتم وكرهتم، ولنت لكم وأوطأتمك كتف وكففت يدي ~~ولساني عنكم فاجترأتم علي. أما والله لأنا أعز نفرا وأقرب ناصرا وأكثر عددا ~~وأحرى، إن قلت هلم أتي إلي، ولقد عددت لكم أقرانا، وأفضلت عليكم فضولا، ~~وكشرت لكم عن نابي، وأخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه ومنطقا لم أنطق به، ~~فكفوا عني ألسنتكم وعيبكم وطعنكم على ولاتكم، فإني كففت عنكم من لو كان هو ~~الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا. ألا فما تفقدون من حقكم؟ والله ما ~~قصرت عن بلوغ ما بلغ من كان قبل ولم تكونوا تختلفون عليه. فقام مروان بن ~~الحكم فقال: إن شئتم حكمنا والله ما بيننا وبينكم السيف، نحن وأنتم والله ~~كما قال الشاعر: فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم ... مغارسكم تبنون في دمن ~~الثرى فقال عثمان: اسكت لا سكت، دعني وأصحابي، ما منطقك في هذا! ألم أتقدم ~~إليك أن لا تنطق؟ فسكت مروان ونزل عثمان عن المنبر، فاشتد قوله على الناس ~~وعظم وزاد تألبهم عليه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج هذه السنة بالناس عثمان. وفي هذه السنة توفي كعب الأحبار، وهو كعب ~~بن ماتع، وأسلم أيام عمر. وفيها مات أبو عبس عبد الرحمن بن جبر الأنصاري، ~~شهد بدرا. وفيها مات مسطح بن أثاثة المطلبي، وهو ابن ست وخمسين سنة، وقيل: ~~بل عاش وشهد صفين مع علي، وهو الأكثر، وكان بدريا. وفيها توفي عبادة بن ~~الصامت الأنصاري، وهو ممن شهد العقبة، وكان نقيبا بدريا؛ وعاقل بن البكير، ~~وهو بدري أيضا. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وثلاثين # ### || AUT ذكر مسير من سار إلى حصر عثمان # قيل: في هذه السنة كان مسير من سار ms0976 من أهل مصر إلى ذي خشب، ومسير من سار ~~من أهل العراق إلى ذي المروة. وكان سبب ذلك أن عبد الله بن سبأ كان يهوديا ~~من أهل صنعاء أمه سوداء، وأسلم أيام عثمان، ثم تنقل في الحجاز ثم بالبصرة ~~ثم بالكوفة ثم بالشام يريد إضلال الناس فلم يقدر منهم على ذلك، فأخرجه أهل ~~الشام، فأتى مصر فأقام فيهم وقال لهم: العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع، ويكذب ~~أن محمدا يرجع، فوضع لهم الرجعة، فقبلت منه، ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ~~لكل نبي وصي، وعلي وصي محمد، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، ووثب على وصيه، وإن عثمان أخذها بغير حق، فانهضوا في هذا الأمر ~~وابدأوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~تستميلوا به الناس. وبث دعاته، وكاتب من استفسد في الأمصار وكاتبوه، ودعوا ~~في السر إلى ما هو عليه رأيهم وصاروا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في ~~عيب ولاتهم، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر ما يصنعون، حتى تناولوا ~~بذلك المدينة وأوسعوا بذلك الأرض إذاعة، فيقول أهل كل مصر: إنا لفي عافية ~~مما ابتلي به هؤلاء، إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار، ~~فقالوا: إنا لفي عافية مما فيه الناس. فأتوا عثمان فقالوا: يا أمير ~~المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ فقال: ما جاءني إلا السلامة وأنتم ~~شركائي وشهود المؤمنين، فأشيروا علي. قالوا: نشير عليك أن تبعث رجالا ممن ~~تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم. فدعا محمد بن مسلمة فأرسله ~~إلى الكوفة، وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة، وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر، ~~وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام، وفرق رجالا سواهم، فرجعوا جميعا قبل عمار ~~فقالوا: ما أنكرنا شيئا أيها الناس ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم. ~~وتأخر عمار حتى ظنوا أنه قد اغتيل، فوصل كتاب من عبد الله بن أبي سرح يذكر ~~أن عمارا قد استماله قوم بمصر وانقطعوا ms0977 إليه، منهم: عبد الله بن السوداء، ~~وخالد بن ملجم، وسودان بن حمران، وكنانة بن بشر. PageV02P0008 # فكتب عثمان إلى أهل الأمصار: أما بعد فإني آخذ عمالي بموافاتي كل موسم، ~~وقد رفع إلي أهل المدينة أن أقواما يشتمون ويضربون، فمن ادعى شيئا من ذلك ~~فليواف الموسم يأخذ حقه حيث كان مني أو من عمالي، أو تصدقوا فإن الله يجزي ~~المتصدقين. فلما قرىء في الأمصار بكى الناس ودعوا لعثمان. وبعث إلى عمال ~~الأمصار فقدموا عليه في الموسم: عبد الله بن عامر، وعبد الله بن سعد، ~~ومعاوية، وأدخل معهم سعيد بن العاص وعمرا، فقال: ويحكم ما هذه الشكاية ~~والإذاعة؟ إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقا عليكم وما يعصب هذا إلا بي! ~~فقالوا له: ألم تبعث؟ ألم يرجع إليك الخبر عن العوام؟ ألم يرجع رسلك ولم ~~يشافههم أحد بشيء؟ والله ما صدقوا ولا بروا ولا نعلم لهذا الأمر أصلا ولا ~~يحل الأخذ بهذه الإذاعة! فقال: أشيروا علي. فقال سعيد: هذا أمر مصنوع يلقى ~~في السر فيتحدث به الناس، ودواء ذلك طلب هؤلاء وقتل الذين يخرج هذا من ~~عندهم. وقال عبد الله بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم ~~فإنه خير من أن تدعهم. وقال عبد الله بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا ~~أعطيتهم الذي لهم فإنه خير من أن تدعهم. وقال معاوية: قد وليتني فوليت قوما ~~لا يأتيك عنهم إلا الخير، والرجلان أعلم بناحيتيهما، والرأي حسب الأدب. ~~وقال عمرو: أرى أنك قد لنت لهم ورخيت عليهم وزدتهم على ما كان يصنع عمر، ~~فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك فتشتد في موضع الشدة وتلين في موضع اللين. فقال ~~عثمان: قد سمعت كل ما أشرتم به علي ولكل أمر باب يؤتى منه، إن هذا الأمر ~~الذي يخاف على هذه الأمة كائن، وإن بابه الذي يغلق عليه ليفتحن فنكفكه ~~باللين والمؤاتاة إلا في حدود الله، فإن فتح فلا يكون لأحد علي حجة حق، وقد ~~علم الله أني لم آل الناس خيرا، وإن رحى ms0978 الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن ~~مات ولم يحركها. سكنوا الناس وهبوا لهم حقوقهم، فإذا تعوطيت حقوق الله فلا ~~تدهنوا فيها. فلما نفر عثمان وشخص معاوية والأمراء معه واستقل على الطريق ~~رجز به الحادي فقال: قد علمت ضوامر المطي ... وضمرات عوج القسي أن الأمير ~~بعده علي ... وفي الزبير خلف رضي وطلحة الحامي لها ولي فقال كعب: كذبت بل ~~يلي بعده صاحب البغلة الشهباء، يعني معاوية؛ فطمع فيها من يومئذ. فلما قدم ~~عثمان المدينة دعا عليا وطلحة والزبير وعنده معاوية، فحمد الله معاوية ثم ~~قال: أنتم أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وخيرته من خلفه وولاة أمر ~~هذه الأمة، لا يطمع فيه أحد غيركم، اخترتم صاحبكم عن غير غلبة ولا طمع، وقد ~~كبر وولي عمره ولو انتظرتم به الهرم لكان قريبا مع أني أرجو أن يكون أكرم ~~على الله أن يبلغه ذلك، وقد فشت مقالة خفتها عليكم فيما عتبتم فيه من شيء، ~~فهذه يدي لكم به، ولا تطمعوا الناس في أمركم، فوالله إن طمعوا فيه لا رأيتم ~~منها أبدا إلا إدبارا. قال علي: ما لك ولذلك لا أم لك؟ قال: دع أمي فإنها ~~ليست بشر أمهاتكم، قد أسلمت وبايعت النبي، صلى الله عليه وسلم، وأجبني عما ~~أقول لك. فقال عثمان: صدق ابن أخي، أنا أخبركم عني وعما وليت، إن صاحبي ~~اللذين كانا قبلي ظلما أنفسهما ومن كان منهما بسبيل احتسابا، وإن رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، كان يعطي قرابته وأنا في رهط أهل عيلة وقلة ~~معاش، فبسطت يدي في شيء من ذلك المال لما أقوم به فيه ورأيت أن ذلك لي، فإن ~~رأيتم ذلك خطأ فردوه فأمري لأمركم تبع. فقالوا: قد أصبت وأحسنت، قد أعطيت ~~عبد الله ابن خالد بن أسيد خمسين ألفا، وأعطيت مروان خمسة عشر ألفا. فأخذ ~~منهما ذلك، فرضوا وخرجوا راضين. وقال معاوية لعثمان: اخرج معي إلى الشام ~~فإنهم على الطاعة قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به. فقال: لا أبيع جوار ~~رسول الله، صلى ms0979 الله عليه وسلم، بشيء وإن كان فيه قطع خيط عنقي. قال: فإن ~~بعثت إليك جندا منهم يقيم معك لنائبه إن نابت؟ قال: لا أضيق على جيران رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم. فقال: والله لتغتالن ولتغزين! فقال: حسبي الله ~~ونعم الوكيل! PageV02P0009 # ثم خرج معاوية فمر على نفر من المهاجرين فيهم علي وطلحة والزبير وعليه ~~ثياب السفر، فقام عليهم وقال: إنكم قد علمتم أن هذا الأمر كان الناس ~~يتغالبون عليه حتى بعث الله نبيه، صلى الله عليه وسلم، وكانوا يتفاضلون ~~السابقة والقدمة والاجتهاد، فإن أخذوا بذلك فالأمر أمرهم والناس لهم تبع، ~~وإن طلبوا الدنيا بالتغالب سلبوا ذلك ورده الله إلى غيرهم، وإن الله على ~~البدل لقادر، وإني قد خلفت فيكم شيخا فاستوصوا به خيرا وكانفوه تكونوا أسعد ~~منه بذلك. ثم ودعهم ومضى. فقال علي: ما كنت أرى في هذا خيرا. فقال الزبير: ~~والله ما كان قط أعظم في صدرك وصدورنا منه اليوم. واتعد المنحرفون عن عثمان ~~يوما يخرجون فيه بالأمصار جميعا إذا سار عنها الأمراء، فلم يتهيأ لهم ذلك، ~~ولما رجع الأمراء ولم يتم لهم الوثوب صاروا يكاتبون في القدوم إلى المدينة ~~لينظروا فيما يريدون ويسألوا عثمان عن أشياء لتطير في الناس. وكان بمصر ~~محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة يحرضان على عثمان. فلما خرج المصريون ~~خرج فيهم عبد الرحمن بن عديس البلوي في خمسمائة، وقيل: في ألف، وفيهم كنانة ~~بن بشر الليثي وسودان بن حمران السكوني وقتيرة بن فلان السكوني، وعليهم ~~جميعا الغافقي بن حرب العكي؛ وخرج أهل الكوفة وفيهم زيد بن صوحان العبدي ~~والأشتر النخعي وزياد بن النضر الحارثي وعبد الله بن الأصم العامري، وهم في ~~عداد أهل مصر وعليهم جميعا عمرو بن الأصم؛ وخرج أهل البصرة فيهم حكيم بن ~~جبلة العبدي وذريح بن عباد وبشر بن شريح القيسي وابن المحترش، وهم بعداد ~~أهل مصر، وأميرهم حرقوص بن زهير السعدي؛ فخرجوا جميعا في شوال وأظهروا أنهم ~~يريدون الحج، فلما كانوا من المدينة على ثلاث تقدم ناس من ms0980 أهل البصرة ~~فنزلوا ذا خشب، وكان هواهم في طلحة، وتقدم ناس من أهل الكوفة، وكان هواهم ~~في الزبير، ونزلوا الأعوص، وجاءهم ناس من أهل مصر، وكان هواهم في علي، ~~ونزلوا عامتهم بذي المروة، ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن ~~النضر وعبد الله بن الأصم وقالا لهم: لا تعجلوا حتى ندخل المدينة ونرتاد ~~لكم، فقد بلغنا أنهم عسكروا لنا، فوالله إن كان هذا حقا واستحلوا قتالنا ~~بعد علم حالنا إن أمرنا لباطل، وإن كان الذي بلغنا باطلا رجعنا إليكم ~~بالخبر. قالوا: اذهبا. فذهبا فدخلا المدينة فلقيا أزواج النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، وعليا وطلحة والزبير، فقالا: إنما نريد هذا البيت ونستعفي من ~~بعض عمالنا، واستأذناهم في الدخول، فكلمهما أبي ونهاهما، فرجعا إلى ~~أصحابهما. فاجتمع نفر من أهل مصر فأتوا عليا، ونفر من أهل البصرة فأتوا ~~طلحة، ونفر من أهل الكوفة فأتوا الزبير، وقال كل فريق منهم: إن بايعنا ~~صاحبنا وإلا كذبناهم وفرقنا جماعتهم ثم رجعنا عليهم حتى نبغتهم. فأتى ~~المصريون عليا وهو في عسكر عند أحجار الزيت متقلدا سيفه، وقد أرسل ابنه ~~الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه، فسلموا عليه وعرضوا عليه، فصاح بهم ~~وطردهم وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وجيش ذي خشب والأعوص ~~ملعونون على لسان محمد، صلى الله عليه وسلم، فانصرفوا عنه. وأتى البصريون ~~طلحة فقال لهم مثل ذلك، وكان قد أرسل ابنيه إلى عثمان، وأتى الكوفيون ~~الزبير فقال لهم مثل ذلك، وكان قد أرسل ابنه عبد الله إلى عثمان. فرجعوا ~~وتفرقوا عن ذي خشب وذي المروة والأعوص إلى عسكرهم ليتفرق أهل المدينة ثم ~~يرجعوا إليهم. فلما بلغوا عسكرهم تفرق أهل المدينة، فرجعوا بهم، فلم يشعر ~~أهل المدينة إلا والتكبير في نواحيها، ونزلوها وأحاطوا بعثمان وقالوا: من ~~كف يده فهو آمن. وصلى عثمان بالناس أياما، ولزم الناس بيوتهم ولم يمنعوا ~~الناس من كلامه، وأتاهم أهل المدينة وفيهم علي فقال لهم: ما ردكم بعد ~~ذهابكم؟ فقالوا: أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا. وأتى طلحة الكوفيين ms0981 فسألهم عن ~~عودهم فقالوا مثل ذلك. وأتى الزبير البصريين فقالوا مثل ذلك، وكل منهم ~~يقول: نحن نمنع إخواننا ونصرهم، كأنما كانوا على ميعاد. فقال لهم علي: كيف ~~علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر وقد سرتم مراحل حتى ~~رجعتم علينا؟ هذا والله أمر أبرم بليل! فقالوا: ضعوه كيف شئتم، لا حاجة لنا ~~في هذا الرجل، ليعتزل عنا. وعثمان يصلي بهم وهم يصلون خلفه، وهم أدق في ~~عينه من التراب، وكانوا يمنعون الناس من الاجتماع. PageV02P0010 # وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستنجدهم ويأمرهم بالحث للمنع عنه ويعرفهم ما ~~الناس فيه. فخرج أهل الأمصار على الصعب والذلول، فبعث معاوية حبيب بن مسلمة ~~الفهري، وبعث عبد الله بن سعد معاوية بن حديج، وخرج من الكوفة القعقاع بن ~~عمرو وقام بالكوفة نفر يحضون على إعانة أهل المدينة، منهم: عقبة بن عامر ~~وعبد الله بن أبي أوفى وحنظلة الكاتب وغيرهم من أصحاب النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، ومن التابعين: مسروق والأسود وشريح وعبد الله بن حكيم وغيرهم، وقام ~~بالبصرة: عمران بن حصين وأنس ابن مالك وهشام بن عامر وغيرهم من الصحابة ومن ~~التابعين: كعب بن سور وهرم بن حيان وغيرهما، وقام بالشام جماعة من الصحابة ~~والتابعين وكذلك بمصر. ولما جاءت الجمعة التي على أثر دخولهم المدينة، خرج ~~عثمان فصلى بالناس ثم قام على المنبر فقال: يا هؤلاء، الله الله! فوالله إن ~~أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد، صلى الله عليه وسلم، ~~فامحوا الخطأ بالصواب. فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا أشهد بذلك، فأقعده ~~حكيم بن جبلة، وقام زيد بن ثابت فأقعده محمد بن أبي قتيرة، وثار القوم ~~بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع عن ~~المنبر مغشيا عليه، فأدخل داره واستقتل نفر من أهل المدينة مع عثمان، منهم: ~~سعد بن أبي وقاص والحسين بن علي وزيد بن ثابت وأبو هريرة. فأرسل إليهم ~~عثمان يعزم عليهم بالانصراف، فانصرفوا، وأقبل علي وطلحة والزبير فدخلوا على ~~عثمان يعودونه من ms0982 صرعته ويشكون إليه ما يجدون، وكان عند عثمان نفر من بني ~~أمية فيهم مروان بن الحكم، فقالوا كلهم لعلي: أهلكتنا وصنعت هذا الصنيع؛ ~~والله لئن بلغت الذي تريد لتمرن عليك الدنيا! فقام مغضبا وعاد هو والجماعة ~~إلى منازلهم. وصلى عثمان بالناس بعد ما نزلوا به في المسجد ثلاثين يوما، ثم ~~منعوه الصلاة، وصلى بالناس أميرهم الغافقي ودان له المصريون، والكوفيون ~~والبصريون، وتفرق أهل المدينة في حيطانهم ولزموا بيوتهم لا يجلس أحد ولا ~~يخرج إلا بسيفه ليمتنع به، وكان الحصار أربعين يوما ومن تعرض لهم وضعوا فيه ~~السلاح. وقد قيل: إن محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة كانا بمصر يحرضان ~~على عثمان، وسار محمد بن أبي بكر مع من سار إلى عثمان، وأقام ابن أبي حذيفة ~~بمصر وغلب عليها لما سار عنها عبد الله بن سعد، على ما يأتي. فلما خرج ~~المصريون إلى قصد عثمان أظهروا أنهم يريدون العمرة وخرجوا في رجب وعليهم ~~عبد الرحمن بن عديس البلوي، وبعث عبد الله بن سعد رسولا إلى عثمان يخبره ~~بحالهم وأنهم قد أظهروا العمرة وقصدهم خلعه أو قتله، فخطب عثمان الناس ~~وأعلمهم حالهم، وقال لهم: إنهم قد أسرعوا إلى الفتنة واستطالوا عمري، والله ~~لئن فارقتهم ليتمنون أن عمري كان عليهم مكان كل يوم سنة مما يرون من الدماء ~~المسفوكة والإحن والأثرة الظاهرة والأحكام المغيرة. وكان عبد الله بن سعد ~~قد خرج إلى عثمان في آثار المصريين بإذن له، فلما كان بأيلة بلغه أن ~~المصريين رجعوا إلى عثمان فحصروه، وأن محمد بن أبي حذيفة غلب على مصر ~~واستجابوا له، فعاد عبد الله إلى مصر فمنع عنها، فأتى فلسطين فأقام بها حتى ~~قتل عثمان. فلما نزل القوم ذا خشب يريدون قتل عثمان إن لم ينزع عما يكرهون، ~~ولما رأى عثمان ذلك جاء إلى علي فدخل عليه بيته فقال له: يا ابن عم، إن ~~قرابتي قريبة ولي عليك حق عظيم، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم مصبحي، ~~ولك عند الناس قدر وهم ms0983 يسمعون منك، وأحب أن تركب إليهم فتردهم عني، فإن في ~~دخولهم علي توهينا لأمري وجرأة علي! فقال علي: على أي شيء أردهم عنك؟ قال: ~~على أن أصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي. فقال علي: إني قد كلمتك مرة بعد ~~أخرى فكل ذلك نخرج ونقول ثم ترجع عنه، وهذا من فعل مروان وابن عامر ومعاوية ~~وعبد الله بن سعد، فإنك أطعتهم وعصيتني. قال عثمان: فأنا أعصيهم وأطيعك. ~~PageV02P0011 # فأمر الناس فركب معه من المهاجرين والأنصار ثلاثون رجلا فيهم سعيد بن زيد ~~وأبو جهم العدوي وجبير بن مطعم وحكيم بن حزام ومروان وسعيد بن العاص وعبد ~~الرحمن بن عتاب بن أسيد، ومن الأنصار أبو أسيد الساعدي وأبو حميد وزيد بن ~~ثابت وحسان بن ثابت وكعب بن مالك، ومن العرب نيار بن مركز، فأتوا المصريين ~~فكلموهم، وكان الذي يكلمهم علي ومحمد بن مسلمة، فسمعوا مقالتهما ورجعوا إلى ~~مصر. فقال ابن عديس لمحمد بن مسلمة: أتوصينا بحاجة؟ قال: نعم، تتقي الله ~~وترد من قبلك عن إمامهم فإنه قد وعدنا أن يرجع وينزع. قال بن عديس: أفعل إن ~~شاء الله. ورجع علي ومن معه إلى المدينة، فدخل على عثمان فأخبره برجوعهم ~~وكلمه بما في نفسه ثم خرج من عنده، فمكث عثمان ذلك اليوم، وجاءه مروان بكرة ~~الغد فقال له: تكلم وأعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا وأن ما بلغهم عن ~~إمامهم كان باطلا قبل أن يجيء الناس إليك من أمصارهم ويأتيك ما لا تستطيع ~~دفعه. ففعل عثمان، فلما خطب الناس قال له عمرو بن العاص: اتق الله يا ~~عثمان، فإنك قد ركبت أمورا وركبناها معك، فتب إلى الله نتب. فناداه عثمان: ~~وإنك هنالك يا ابن النابغة! قملت والله جبتك منذ عزلتك عن العمل! فنودي من ~~ناحية أخرى: تب إلى الله. فرفع يديه وقال: اللهم إني أول تائب. تاب إليك. ~~ورجع إلى منزله. وخرج عمرو بن العاص إلى منزله بفلسطين، وكان يقول: والله ~~إني كنت لألقى الراعي فأحرضه على عثمان. وأتى عليا وطلحة والزبير فحرضهم ms0984 ~~على عثمان، فبينما هو بقصره بفلسطين ومعه ابناه محمد وعبد الله وسلامة بن ~~روح الجذامي إذ مر به راكب من المدينة، فسأله عمرو عن عثمان، فقال: هو ~~محصور. قال عمرو: أنا أبو عبد الله، قد يضرط العير والمكواة في النار. ثم ~~مر به راكب آخر فسأله فقال: قتل عثمان. فقال عمرو: أنا أبو عبد الله، إذا ~~حككت قرحة نكأتها. فقال له سلامة بن روح: يا معشر قريش كان بينكم وبين ~~العرب باب فكسرتموه فما حملكم على ذلك! فقال: أردنا أن نخرج الحق من خاصرة ~~الباطل ليكون الناس في الحق شرعا سواء. وقيل: إن عليا لما رجع من عند ~~المصريين بعد رجوعهم إلى عثمان قال له: تكلم كلاما يسمعه الناس منك ويشهدون ~~عليك ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والأمانة، فإن البلاد قد تمخضت ~~عليك، فلا آمن أن يجيء ركب آخر من الكوفة والبصرة فتقول: يا علي اركب ~~إليهم، فإن لم افعل رأيتني قد قطعت رحمك واستخففت بحقك. فخرج عثمان فخطب ~~الخطبة التي نزع فيها وأعطى الناس من نفسه التوبة وقال: أنا أول من اتعظ، ~~أستغفر الله مما فعلة وأتوب إليه، فمثلي نزع وتاب، فإذا نزلت فليأتني ~~أشرافكم فليروا في رأيهم، فوالله لئن ردني الحق عبدا لأستنن بسنة العبد ~~ولأذلن ذل العبد وما عن الله مذهب إلا إليه، فوالله لأعطينكم الرضا ولأنحين ~~مروان وذويه ولا أحتجب عنكم! فرق الناس وبكوا حتى أخضلوا لحاهم وبكى هو ~~أيضا. PageV02P0012 # فلما نزل عثمان وجد مروان وسعيدا ونفرا من بني أمية في منزله لم يكونوا ~~شهدوا خطبته، فلما جلس قال مروان: يا أمير المؤمنين أتكلم أم أسكت؟ فقالت ~~نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان: لا بل اصمت فإنهم والله قاتلوه ومؤثموه، ~~إنه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها. فقال لها مروان: ما أنت وذاك! ~~فوالله قد مات أبوك وما يحسن يتوضأ! فقالت: مهلا يا مروان عن ذكر الآباء! ~~تخبر عن أبي وهو غائب تكذب عليه وإن أباك لا يستطيع أن يدفع عن ms0985 نفسه؟ أما ~~والله لولا أنه عمه وأنه يناله غمه لأخبرتك عنه ما لن أكذب عليه. قالت: ~~فأعرض عنها مروان، فقال: يا أمير المؤمنين أتكلم أم أسكت؟ قال: تكلم. فقال ~~مروان: بأبي أنت وأمي، والله لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع فكنت أول ~~من رضي بها وأعان عليها، ولكنك قلت ما قلت وقد بلغ الحزام الطبيين وخلف ~~السيل الزبى، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل؛ والله لإقامة على خطيئة ~~يستغفر منها أجمل من توبة يخوف عليها، وأنت إن شئت تقربت بالتوبة ولم تقر ~~بالخطيئة؛ وقد اجتمع بالباب أمثال الجبال من الناس. فقال عثمان: فاخرج ~~إليهم فكلمهم فإني أستحيي أن أكلمهم. فخرج مروان إلى الباب والناس يركب ~~بعضهم بعضا، فقال: ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم قد جئتم لنهب؟ شاهت الوجوه! ~~ألا من أريد؟ جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا! اخرجوا عنا، والله ~~لئن رمتمونا ليمرن عليكم منا أمر لا يسركم ولا تحمدوا غب رأيكم. ارجعوا إلى ~~منازلكم فإنا والله ما نحن بمغلوبين على ما في أيدينا. فرجع الناس وأتى ~~بعضهم عليا فأخبره الخبر. فأقبل علي على عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث ~~فقال: أحضرت خطبة عثمان؟ قال: نعم. قال: أفحضرت مقالة مروان للناس؟ قال: ~~نعم. فقال علي: أي عباد الله! يا للمسلمين! إني إن قعدت في بيتي قال لي: ~~تركتني وقرابتي وحقي، وإني إن تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان فصار سيقة ~~له يسوقه حيث يشاء بعد كبر السن وصحبة رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وقام ~~مغضبا حتى دخل على عثمان فقال له: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا ~~بتحرفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به؟ والله ما مروان ~~بذي رأي في دينه ولا نفسه! وأيم الله إني لأراه يوردك ولا يصدرك! وما أنا ~~عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك وغلبت على رأيك. فلما خرج علي ~~دخلت عليه امرأته نائلة ابنة الفرافصة فقالت: قد سمعت قول علي لك وليس ~~يعاودك ms0986 وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء. قال: فما أصنع؟ قالت: تتقي الله ~~وتتبع سنة صاحبيك، فإنك متى أطعت مروان قتلك، ومروان ليس له عند الناس قدر ~~ولا هيبة ولا محبة، وإنما تركك الناس لمكانه، فأرسل إلى علي فاستصلحه فإن ~~له قرابة منك وهو لا يعصى. فأرسل عثمان إلى علي فلم يأته وقال: قد أعلمته ~~أني غير عائد. فبلغ مروان مقالة نائلة فيه فجلس بين يدي عثمان فقال: يا ~~ابنة الفرافصة! فقال عثمان: لا تذكرنها بحرف فأسود وجهك، فهي والله أنصح ~~لي! فكف مروان. وأتى عثمان إلى علي بمنزله ليلا وقال له: إني غير عائد، ~~وإني فاعل. فقال له علي: بعد ما تكلمت على منبر رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وأعطيت من نفسك ثم دخلت بيتك فخرج مروان إلى الناس يشتمهم على بابك ~~ويؤذيهم. فخرج عثمان من عنده وهو يقول: خذلتني وجرأت الناس علي. فقال علي: ~~والله إني لأكثر الناس ذبا عنك، ولكني كلما جئت بشيء أظنه لك رضا جاء مروان ~~بأخرى فسمعت قوله وتركت قولي. ولم يعد علي يعمل ما كان يعمل إلى أن منع ~~عثمان الماء. فقال علي لطلحة: أريد أن تدخل عليه الروايا، وغضب غضبا شديدا ~~حتى دخلت الروايا على عثمان. PageV02P0013 # قال: وقد قيل إن عليا كان عند حصر عثمان بخيبر، فقدم المدينة والناس ~~مجتمعون عند طلحة، وكان ممن له فيه أثر، فلما قدم علي أتاه عثمان وقال له: ~~أما بعد فإن لي حق الإسلام وحق الإخاء والقرابة والصهر، ولو لم يكن من ذلك ~~شيء وكنا في الجاهلية لكان عارا على بني عبد مناف أن ينتزع أخو بني تيم، ~~يعني طلحة، أمرهم. فقال له علي: سيأتيك الخبر، ثم خرج إلى المسجد فرأى ~~أسامة فتوكأ على يده حتى دخل دار طلحة، وهو في خلوة من الناس، فقال له: يا ~~طلحة ما هذا الأمر الذي وقعت فيه؟ فقال: يا أبا الحسن بعد ما مس الحزام ~~الطبيين. فانصرف علي حتى أتى بيت المال فقال: افتحوه، فلم يجوا المفاتيح، ~~فكسر الباب ms0987 وأعطى الناس، فانصرفوا من عند طلحة حتى بقي وحده، وسر بذلك ~~عثمان، وجاء طلحة فدخل على عثمان وقال له: يا أمير المؤمنين أردت أمرا فحال ~~الله بيني وبينه! فقال عثمان: والله ما جئت تائبا، ولكن جئت مغلوبا، الله ~~حسيبك يا طلحة! ### || AUT ذكر مقتل عثمان # قد ذكرنا سبب مسير الناس إلى قتل عثمان، وقد تركنا كثيرا من الأسباب ~~التي جعلها الناس ذريعة إلى قتله لعلل دعت إلى ذلك، ونذكر الآن كيف قتل وما ~~كان بدء ذلك واتبداء الجرأة عليه قبل قتله. فكان من ذلك أن إبلا من إبل ~~الصدقة قدم بها على عثمان فوهبها لبعض بني الحكم، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن ~~عوف، فأخذها وقسمها بين الناس وعثمان في الدار. قيل: وكان أول من اجترأ على ~~عثمان بالمنطق جبلة بن عمرو الساعدي، مر به عثمان وهو في نادي قومه وبيده ~~جامعة، فسلم فرد القوم، فقال جبلة: لم تردون على رجل فعل كذا وكذا؟ ثم قال ~~لعثمان: والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه الخبيثة: ~~مروان وابن عامر وابن سعد، منهم من نزل القرآن بذمه وأباح رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، دمه. فاجترأ الناس عليه، وقد تقدم قول عمرو بن العاص له في ~~خطبته. قيل: وخطب يوما وبيده عصا كان النبي، صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر ~~وعمر يخطبون عليها، فأخذه جهجاه الغفاري من يده وكسرها على ركبته اليمنى ~~فرمي في ذلك المكان بأكلة. وقيل: كتب جمع من أهل المدينة من الصحابة وغيرهم ~~إلى من بالآفاق منهم: إن أردتم الجهاد فهلموا إليه فإن دين محمد، صلى الله ~~عليه وسلم، قد أفسده خليفتكم فأقيموه. فاختلفت قلوب الناس على ما تقدم ~~ذكره، وجاء المصريون، كما ذكرنا، إلى المدينة، فخرج إليهم علي ومحمد بن ~~مسلمة، كما تقدم، فكلماهم فعادوا ثم رجعوا، فلما رجعوا انطلق إليهم محمد بن ~~مسلمة فسألهم عن سبب عودهم، فأخرجوا صحيفة في أنبوبة رصاص وقالوا: وجدنا ~~غلام عثمان بالبويب على بعير من إبل الصدقة، ففتشنا متاعه فوجدنا ms0988 فيه هذه ~~الصحيفة يأمر فيها بجلد عبد الرحمن بن عديس وعمرو بن الحمق وعروة بن البياع ~~وحبسهم وحلق رؤوسهم ولحاهم وصلب بعضهم. وقيل: إن الذي أخذت منه الصحيفة أبو ~~الأعور السلمي. فلما رأوه سألوه عن مسيرة وهل معه كتاب فقال: لا. فسألوه في ~~أي شيء هو، فتغير كلامه، فأنكروه وفتشوه وأخذوا الكتاب منه وعادوا وعاد ~~الكوفيون والبصريون. فلما عاد أهل مصر أخبروا بذلك محمد بن مسلمة وقالوا ~~له: قد كلمنا عليا ووعدنا أن يكلمه، وكلمنا سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ~~فقالا: لا ندخل في أمركم. وقالوا لمحمد ابن مسلمة ليحضر مع علي عند عثمان ~~بعد الظهر، فوعدهم بذلك، فدخل علي ومحمد بن مسلمة على عثمان فاستأذنا ~~للمصريين عليه، وعنده مروان، فقال: دعني أكلمهم. فقال عثمان: اسكت فض الله ~~فاك! ما أنت وهذا الأمر؟ اخرج عني! فخرج مروان: وقال علي ومحمد لعثمان ما ~~قال المصريون، فأقسم بالله: ما كتبته ولا علم لي به. فقال محمد: صدق، هذا ~~من عمل مروان. ودخل عليه المصريون فلم يسلموا عليه بالخلافة، فعرفوا الشر ~~فيهم، وتكلموا فذكر ابن عديس ما فعل عبد الله بن سعد بالمسلمين وأهل الذمة ~~والاستئثار في الغنائم، فإذا قيل له في ذلك قال: هذا كتاب أمير المؤمنين. ~~وذكروا شيئا مما أحدث بالمدينة، وقالوا له: وخرجنا من مصر ونحن نريد قتلك ~~فردنا علي ومحمد ابن مسلمة وضمنا لنا النزوع عن كل ما تكلمنا فيه، فرجعنا ~~إلى بلادنا فرأينا غلامك وكتابك وعليه خاتمك تأمر عبد الله بجلدنا والمثلة ~~بنا وطول الحبس. PageV02P0014 # فحلف عثمان أنه ما كتب ولا أمر ولا علم. فقال علي ومحمد: صدق عثمان. قال ~~المصريون:فمن كتبه؟ قال: لا أدري. قالوا: فيجترأ عليك ويبعث غلامك وجملا من ~~الصدقة وينقش على خاتمك ويبعث إلى عاملك بهذه الأمور العظيمة وأنت لا تعلم؟ ~~قال: نعم. قالوا: ما أنت إلا صادق أو كاذب، فإن كنت كاذبا فقد استحققت ~~الخلع لما أمرت به من قتلنا بغير حق، وإن كنت صادقا فقد استحققت أن تخلع ~~نفسك لضعفك ms0989 عن هذا الأمر وغفلتك وخبث بطانتك، ولا ينبغي لنا أن نترك هذا ~~الأمر بيد من تقطع الأمور دونه لضعفه وغفلته، فاخلع نفسك منه كما خلعك ~~الله! فقال: لا أنزع قميصا ألسنيه الله، ولكني أتوب وأنزع. قالوا: لو كان ~~هذا أول ذنب تبت منه قبلنا، ولكنا رأيناك تتوب ثم تعود ولسنا منصرفين حتى ~~نخلعك أو نقتلك أو تلحق أرواحنا بالله تعالى، وإن منعك أصحابك وأهلك ~~قاتلناهم حتى نخلص إليك. فقال: أما إن أتبرأ من خلافة الله فالقتل أحب إلي ~~من ذلك، وأما قولكم تقاتلون من منعني فإني لا آمر أحدا بقتالكم، فمن قاتلكم ~~فبغير أمري قاتل، ولو أردت قتالكم لكتبت إلى الأجناد فقدموا علي أو لحقت ~~ببعض أطرافي. وكثرت الأصوات واللغط. فقام علي فخرج وأخرج المصريين ومضى علي ~~إلى منزله، وحصر المصريون عثمان، وكتب إلى معاوية وابن عامر وأمراء الأجناد ~~يستنجدهم ويأمرهم بالعجل وإرسال الجنود إليه. فتربص به معاوية، فقام في أهل ~~الشام يزيد بن أسد القسري جد خالج بن عبد الله القسري فتبعه خلق كثير، فسار ~~بهم إلى عثمان، فلما كانوا بوادي القرى بلغهم قتل عثمان فرجعوا. وقيل: بل ~~سار من الشام حبيب بن مسلمة الفهري، وسار من البصرة مجاشع بن مسعود السلمي، ~~فلما وصلوا الربذة ونزلت مقدمتهم صرارا بناحية المدينة أتاهم قتل عثمان ~~فرجعوا. وكان عثمان قد استشار نصحاءه في أمره، فأشاروا عليه أن يرسل إلى ~~علي يطلب إليه أن يردهم ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى يأتيه إمداده. ~~فقال: إنهم لا يقبلون التعلل، وقد كان مني في المرة الأولى ما كان. فقال ~~مروان: أعطهم ما سألوك وطاولهم ما طاولوك، فإنهم قوم بغوا عليك ولا عهد ~~لهم. فدعا عليا فقال له: قد ترى ما كان من لناس ولست آمنهم على دمي، ~~فارددهم عني فإني أعطيهم ما يريدون من الحق من نفسي وغيري. فقال علي: الناس ~~إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك، ولا يرضون إلا بالرضا، وقد كنت أعطيتهم أولا ~~عهدا فلم تف به فلا تغرني هذه المرة فإني معطيهم علك ms0990 الحق. فقال: أعطهم ~~فوالله لأفين لهم. فخرج علي إلى الناس فقال لهم: أيها الناس إنكم إنما ~~طلبتم الحق وقد أعطيتموه وقد زعم أنه منصفكم من نفسه. فقال الناس: قبلنا ~~فاستوثق منه لنا فإنا لا نرضى بقول دون فعل. فدخل عليه علي فأعلمه فقال: ~~اضرب بيني وبينهم أجلا فإني لا أقدر على أن أرد ما كرهوا في يوم واحد. فقال ~~علي: أما ما كان بالمدينة فلا أجل فيه وما غاب فأجله وصول أمرك. قال: نعم، ~~فأجلني فيما في المدينة ثلاثة أيام، فأجابه إلى ذلك، وكتب بينهم كتابا على ~~رد كل مظلمة وعزل كل عامل كرهوه. PageV02P0015 # فكف الناس عنه، فجعل يتأهل للقتال ويستعد بالسلاح واتخذ جندا، فلما مضت ~~الأيام الثلاثة ولم يغير شيئا ثار به الناس، وخرج عمرو بن حزم الأنصاري إلى ~~المصريين فأعلمهم الحال، وهم بذي خشب، فقدموا المدينة وطلبوا منه عزل عماله ~~ورد مظالمهم. فقال: والله لتفعلن أو لتخلعن أو لتقتلن. فأبى عليهم وقال: لا ~~أنزع سربالا سربلنيه الله. فحصروه واشتد الحصار عليه، فأرسل إلى علي وطلحة ~~والزبير فحضروا، فأشرف عليهم فقال: يا أيها الناس اجلسوا. فجلسوا المحارب ~~والمسالم. فقال لهم: يا أهل المدينة أستودعكم الله وأسأله أن يحسن عليكم ~~الخلافة من بعدي، ثم قال: أنشدكم بالله هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند مصاب ~~عمر أن يختار لكم ويجمعكم على خيركم؟ أتقولون إن الله لم يستجب لكم وهنتم ~~عليه وأنتم أهل حقه؟ أم تقولون: هان على الله دينه فلم يبال من ولي الدين ~~لم يتفرق أهله يومئذ؟ أم تقولون: لم يكن أخذ عن مشورة إنما كان مكابرة فوكل ~~الله الأمة إذا عصته ولم يشاوروا في الإمامة؟ أم تقولون: إن الله لم يعلم ~~عاقبة أمري! وأنشدكم بالله أتعلمون لي من سابقة خير وقدم خير قدمه الله لي ~~ما يوجب على كل من جاء بعدي أن يعرفوا لي فضلها! فمهلا لا تقتلوني فإنه لا ~~يحل إلا قتل ثلاثة: رجل زنى بعد إحصانه، أو كفر بعد إيمانه، أو قتل نفسا ~~بغير حق، فإنكم ms0991 إذا قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم ثم لم يرفع الله عنكم ~~الاختلاف أبدا. قالوا: أما ما ذكرت من استخارة الناس بعد عمر ثم ولوك فإن ~~كل ما صنع الله خيرة، ولكن الله جعلك بلية ابتلى بها عباده، وأما ما ذكرت ~~من قدمك وسلفك مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقد كنت كذلك وكنت أهلا ~~للولاية، ولكن أحدثت ما علمته ولا نترك إقامة الحق عليك مخافة الفتنة عاما ~~قابلا، وأما قولك: إنه لا يحل إلا قتل ثلاثة، فإنا نجد في كتاب الله قتل ~~غير الثلاثة الذين سميت، قتل من سعى في الأرض فسادا، وقتل من بغى ثم قاتل ~~على بغيه، وقتل من حال دون شيء من الحق ومنعه وقاتل دونه، وقد بغيت ومنعت ~~وحلت دونه وكابرت عليه ولم تقد من نفسك من ظلمت، وقد تمسكت بالإمارة علينا، ~~فإن زعمت أنك لم تكابرنا عليه فإن الذين قاموا دونك ومنعوك منا إنما ~~يقاتلون لتمسكك بالإمارة، فلو خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال معك! فسكت ~~عثمان ولزم الدار وأمر أهل المدينة بالرجوع وأقسم عليهم، فرجعوا إلا الحسن ~~بن علي وابن عباس ومحمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير وأشباها لهم، واجتمع ~~إليه ناس كثير، فكانت مدة الحصار أربعين يوما، فلما مضت ثماني عشرة ليلة ~~قدم ركبان من الأمصار فأخبروا بخبر من تهيأ إليهم من الجنود وشجعوا الناس، ~~فعندها حالوا بين الناس وبين عثمان ومنعوه كل شيء حتى الماء. فأرسل عثمان ~~إلى علي سرا وإلى طلحة والزبير وأزواج النبي، صلى الله عليه وسلم، إنهم قد ~~منعوني الماء فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا ماء فافعلوا. فكان أولهم إجابة ~~علي، وأم حبيبة زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، فجاء علي في الغلس فقال: يا ~~أيها الناس إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين، فلا ~~تقطعوا عن هذا الرجل الماء ولا المادة، فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي! ~~فقالوا: لا والله ولا نعمة عين! فرمى بعمامته في الدار بأني قد نهضت ورجعت، ~~وجاءت أم حبيبة ms0992 على بغلة لها مشتملة على إداوة فضربوا وجه بغلتها فقالت: إن ~~وصايا بني أمية عند هذا الرجل، فأحببت أن أسأله عنها لئلا تهلك أموال ~~الأيتام والأرامل. فقالوا: كاذبة، وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فنفرت وكادت ~~تسقط عنها، فتلقاها الناس فأخذوها وذهبوا بها إلى بيتها. PageV02P0016 # فأشرف عثمان يوما فسلم عليهم ثم قال: أنشدكم الله هل تعلمون أني اشتريت ~~بئر رومة بمالي ليستعذب بها فجعلت رشائي فيها كرجل من المسلمين؟ قالوا: ~~نعم. قال: فلم تمنعوني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر؟ ثم قال: ~~أنشدكم بالله هل تعلمون أني اشتريت أرض كذا فزدتها في المسجد؟ قيل: نعم. ~~قال: فهل علمتم أن أحدا منع أن يصلي فيه قبلي؟ ثم قال: أنشدكم بالله ~~أتعلمون أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال عني كذا وكذا؟ أشياء في شأنه. ~~ففشا النهي في الناس يقولون: مهلا عن أمير المؤمنين. فقام الأشتر فقال: ~~لعله مكر به وبكم. وخرجت عائشة إلى الحج واستتبعت أخاها محمدا فأبى، فقالت: ~~والله لئن استطعت أن يحرمهم الله ما يحاولون لأفعلن. فقال له حنظلة الكاتب: ~~نستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها وتتبع ذؤبان العرب إلى ما لا يحل؟ وإن هذا ~~الأمر إن صار إلى التغالب غلبك عليه بنو عبد مناف. ثم رجع حنظلة إلى الكوفة ~~وهو يقول: عجبت لما يخوض الناس فيه ... يرومون الخلافة أن تزولا ولو زالت ~~لزال الخير عنهم ... ولاقوا بعدها ذلا ذليلا وكانوا كاليهود وكالنصارى ... ~~سواء كلهم ضلوا السبيلا وبلغ طلحة والزبير ما لقي علي وأم حبيبة فلزموا ~~بيوتهم وبقي عثمان يسقيه آل حزم في الغفلات. فأشرف عثمان على الناس فاستدعى ~~ابن عباس فأمره أن يحج بالناس، وكان ممن لزم الباب، فقال: جهاد هؤلاء أحب ~~إلي من الحج. فأقسم عليه فانطلق. قال عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة: دخلت ~~على عثمان فأخذ بيدي فأسمعني كلام من على بابه، فمنهم من يقول: ما تنتظرون ~~به؟ ومنهم من يقول: انظروا عسى أن يراجع. قال: فبينما نحن واقفون إذ مر ~~طلحة فقال: أين ابن ms0993 عديس؟ فقام إليه فناجاه ثم رجع ابن عديس فقال لأصحابه: ~~لا تتركوا أحدا يدخل على عثمان ولا يخرج من عنده. فقال لي عثمان: هذا ما ~~أمر به طلحة، اللهم اكفني طلحة فإنه حمل علي هؤلاء وألبهم علي! والله إني ~~لأرجو أن يكون منها صفرا وأن يسفك دمه! قال: فأردت أن أخرج فمنعوني حتى ~~أمرهم محمد بن أبي بكر فتركوني أخرج. وقيل: إن الزبير خرج من المدينة قبل ~~أن يقتل عثمان، وقيل: أدرك قتله. ولما رأى المصريون أن أهل الموسم يريدون ~~قصدهم وأن يجمعوا ذلك إلى حجهم مع ما بلغهم من مسير أهل الأمصار قالوا: لا ~~يخرجنا من هذا الأمر الذي وقعنا فيه إلا قتل هذا الرجل فيشتغل الناس عنا ~~بذلك. فراموا الباب فمنعهم الحسن وابن الزبير ومحمد بن طلحة ومروان وسعيد ~~بن العاص ومن معهم من أبناء الصحابة واجتلدوا، فزجرهم عثمان وقال: أنتم في ~~حل من نصرتي، فأبوا، ففتح الباب لمنعهم، فلما خرج ورآه المصريون رجعوا ~~فركبهم هؤلاء وأقسم عثمان على أصحابه ليدخلن فدخلوا فأغلق الباب دون ~~المصريين، فقام رجل من أسلم يقال له نيار بن عياض، وكان من الصحابة، فنادى ~~عثمان، فبينا هو يناشده أن يعتزلهم إذ رماه كثير بن الصلت الكندي بسهم ~~فقتله. فقالوا لعثمان عند ذلك: ادفع إلينا قاتله لنقتله به. قال: لم أكن ~~لأقتل رجلا نصرني وأنتم تريدون قتلي. فلما رأوا ذلك ثاروا إلى الباب، فلم ~~يمنعهم أحد منه، والباب مغلق لا يقدرون على الدخول منه، فجاؤوا بنار ~~فأحرقوه والسقيفة التي على الباب، وثار أهل الدار، وعثمان يصلي قد افتتح طه ~~ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى... فما شغله ما سمع، ما يخطىء وما يتتعتع، حتى ~~أتى عليها، فلما فرغ جلس إلى المصحف يقرأ فيه، وقرأ: (الذين قال لهم الناس ~~إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل) آل عمران: 173، فقال لمن عنده بالدار: إن رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، قد عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه، ولم يحرقوا الباب إلا ms0994 وهم يطلبون ما ~~هو أعظم منه، فأحرج على رجل أن يستقتل أو يقاتل، وقال للحسن: إن أباك الآن ~~لفي أمر عظيم من أمرك فأقسمت عليك لما خرجت إليه. فتقدموا فقاتلوا ولم ~~يسمعوا قوله، فبرز المغيرة بن الأخنس بن شريق، وكان قد تعجل من الحج، في ~~عصابة لينصروا عثمان وهو معه في الدار، وارتجز يقول: قد علمت ذات القرون ~~الميل ... والحلي والأنامل الطفول لتصدقن بيعتي خليلي ... بصارم ذي رونق ~~مصقول لا أستقيل إذ أقلت قيلي PageV02P0017 # وخرج الحسن بن علي وهو يقول: لا دينهم ديني ولا أنا منهم ... حتى أسير ~~إلى طمار شمام وخرج محمد بن طلحة وهو يقول: أنا ابن من حامى عليه بأحد ... ~~ورد أحزابا على رغم معد وخرج سعيد بن العاص وهو يقول: صبرنا غداة الدار ~~والموت واقف ... بأسيافنا دون ابن أروى نضارب وكنا غداة الروع في الدار ~~نصرة ... نشافههم بالضرب والموت نائب وكان آخر من خرج عبد الله بن الزبير ~~فكان يحدث عن عثمان بآخر ما كان عليه، وأقبل أبو هريرة والناس محجمون فقال: ~~هذا يوم طاب فيه الضرب! ونادى: (يا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني ~~إلى النار) غافر: 41، وبرز مروان وهو يقول: قد علمت ذات القرون الميل ... ~~والكف والأنامل الطفول أني أروع أول الرعيل ... بغارة مثل القطا الشليل ~~فبرز إليه رجل من بني ليث يدعى النباع، فضربه مروان وضرب هو مروان على ~~رقبته فأثبته وقطع إحدى علباويه، فعاش مروان بعد ذلك أوقص، وقام إليه عبيد ~~بن رفاعة الزرقي ليدفف عليه، فقامت فاطمة أم إبراهيم بن عدي، وكانت أرضعت ~~مروان وأرضعت له، فقالت: إن كنت تريد قتله فقد قتل، وإن كنت تريد أن تلعب ~~بلحمه فهذا قبيح! فتركه وأدخلته بيتها، فعرف لها بنوه ذلك واستعملوا ابنها ~~إبراهيم بعد. ونزل إلى المغيرة بن الأخنس بن شريق رجل فقتل المغيرة، قال: ~~فلما سمع الناس يذكرونه قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال له عبد الرحمن ~~بن عديس: ما لك؟ فقال: رأيت فيما يرى النائم هاتفا يهتف فقال: بشر ms0995 قاتل ~~المغيرة بن الأخنس بالنار، فابتليت به. واقتحم الناس الدار من الدور التي ~~حولها ودخلوها من دار عمرو بن حزم إلى دار عثمان حتى ملؤوها ولا يشعر من ~~بالباب، وغلب الناس على عثمان وندبوا رجلا يقتله، فانتدب له رجل، فدخل عليه ~~البيت فقال: اخلعها وندعك. فقال: ويحك! والله ما كشفت امرأة في جاهلية ولا ~~إسلام ولا تغنيت ولا تمنيت ولا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، ولست خالعا قميصا كسانيه الله تعالى حتى يكرم الله أهل ~~السعادة ويهين أهل الشقاوة! فخرج عنه، فقالوا: ما صنعت؟ فقال: والله لا ~~ينجينا من الناس إلا قتله ولا يحل لنا قتله. فأدخلوا عليه رجلا من بني ليث ~~فقال له: لست بصاحبي لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، دعا لك أن تحفظ يوم ~~كذا وكذا ولن تضيع. فرجع عنه وفارق القوم. ودخل عليه رجل من قريش فقال له: ~~إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، استغفر لك يوم كذا وكذا فلن تقارف دما ~~حراما. فرجع وفارق أصحابه. وجاء عبد الله بن سلام ينهاهم عن قتله فقال: يا ~~قوم لا تسلوا سيف الله فيكم، فوالله إن سللتموه لا تغمدوه! ويلكم! إن ~~سلطانكم اليوم يقوم بالدرة، فإن قتلتموه لا يقوم إلا بالسيف. ويلكم! إن ~~مدينتكم محفوفة بالملائكة فإن قتلتموه ليتركنها. فقالوا: يا ابن اليهودية ~~ما أنت وهذا! فرجع عنهم. وكان آخر من دخل عليه ممن رجع محمد بن أبي بكر، ~~فقال له عثمان: ويلك أعلى الله تغضب؟ هل لي إليك جرم إلا حقه أخذته منك؟. ~~فأخذ محمد لحيته وقال: قد أخزاك الله يا نعثل! فقال: لست بنعثل ولكني عثمان ~~وأمير المؤمنين، وكانوا يلقبون به عثمان. فقال محمد: ما أعنى عنك معاوية ~~وفلان وفلان! فقال عثمان: يا ابن أخي فما كان أبوك ليقبض عليها. فقال محمد: ~~لو رآك أبي تعمل هذه الأعمال أنكرها عليك، والذي أريد بك أشد من قبضي ~~عليها! فقال عثمان: أستنصر الله عليك واستعين به! فتركه وخرج. وقيل: بل ms0996 طعن ~~جبينه بمشقص كان في يده. والأول أصح. قال: فلما خرج محمد وعرفوا انكساره ~~ثار قتيرة وسودان بن حمران والغافقي، فضربه الغافقي بحديدة معه وضرب المصحف ~~برجله، فاستدار المصحف واستقر بين يديه وسالت عليه الدماء، وجاء سودان ~~ليضربه، فأكبت عليه امرأته واتقت السيف بيدها، فنفح أصابعها فأطن أصابع ~~يدها وولت، فغمز أوراكها وقال: إنها لكبيرة العجز! وضرب عثمان فقتله. ~~PageV02P0018 # وقيل: الذي قتله كنانة بن بشر التجيبي. وكان عثمان رأى النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، تلك الليلة يقول له: إنك تفطر الليلة عندنا. فلما قتل سقط من ~~دمه على قوله تعالى: (فسيكفيكهم الله) البقرة: 137. ودخل غلمة لعثمان مع ~~القوم لينصروه، وكان عثمان قد أعتق من كف يده منهم، فلما ضربه سودان ضرب ~~بعض الغلمان رقبة سودان فقتله، ووثب قتيرة على الغلام فقتله، وانتهبوا ما ~~في البيت وخرجوا ثم أغلقوه على ثلاثة قتلى، فلما خرجوا وثب غلام عثمان على ~~قتيرة فقتله، وثار القوم فأخذوا ما وجدوا حتى أخذوا ما على النساء، وأخذ ~~كلثوم التجيبي ملاءة من على نائلة، فضربه غلام لعثمان فقتله، وتنادوا: ~~أدركوا بيت المال ولا تسبقوا إليه، فسمع أصحاب بيت المال كلامهم وليس فيه ~~إلا غرارتان، فقالوا: النجاء فإن القوم إنما يحاولون الدنيا! فهربوا، وأتوا ~~بيت المال فانتهبوه وماج الناس. وقيل: إنهم ندموا على قتله. وأما عمرو بن ~~الحمق فوثب على صدره وبه رمق فطعنه تسع طعنات، قال: فأما ثلاث منها فإني ~~طعنتهن إياه لله تعالى، وأما ستفلما كان في صدري عليه. وأرادوا قطع رأسه ~~فوقعت نائلة عليه وأم البنين فصحن وضربن الوجوه. فقال ابن عديس: اتركوه. ~~وأقبل عمير ابن ضابىء فوثب عليه فكسر ضلعا من أضلاعه وقال: سجنت أبي حتى ~~مات في السجن. وكان قتله لثماني عشر خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين يوم ~~الجمعة، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما، وقيل: إلا ثمانية ~~أيام، وقيل: بل كان قتله لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين، ~~وقيل: بل قتل أيام التشريق وكان عمره ms0997 اثنتين وثمانين سنة، وقيل: ثمانيا ~~وثمانين سنة، وقيل: تسعين سنة، وقيل: خمسا وسبعين سنة، وقيل: ستا وثمانين سنة. ### || AUT ذكر الموضع الذي دفن فيه # ### || AUT ومن صلى عليه # قيل: بقي عثمان ثلاثة أيام لا يدفن، ثم إن حكيم بن حزام القرشي وجبير ~~ابن مطعم كلما عليا في أن يأذن في دفنه، ففعل، فلما سمع من قصده بذلك قعدوا ~~له في الطريق بالحجارة، وخرج به ناس يسير من أهله وغيرهم، وفيهم الزبير ~~والحسن وأبو جهم بن حذيفة ومروان، بين المغرب والعشاء، فأتوا به حائطا من ~~حيطان المدينة يسمى حش كوكب، وهو خارج البقيع، فصلى عليه جبير بن مطعم، ~~وقيل: حكيم بن حزام، وقيل: مروان، وجاء ناس من الأنصار ليمنعوا من الصلاة ~~عليه ثم تركوهم خوفا من الفتنة. وأرسل علي إلى من أراد أن يرجم سريره ممن ~~جلس على الطريق لما سمع بهم فمنعهم عنه، ودفن في حش كوكب. فلما ظهر معاوية ~~بن أبي سفيان على الناس أمر بذلك الحائط فهدم وأدخل في البقيع وأمر الناس ~~فدفنوا أمواتهم حول قبره حتى اتصل الدفن بمقابر المسلمين. وقيل: إنما دفن ~~بالبقيع مما يلي حش كوكب. وقيل: شهد جنازته علي وطلحة وزيد بن ثابت وكعب بن ~~مالك وعامة من ثم من أصحابه. قال: وقيل لم يغسل وكفن في ثيابه. ### || AUT ذكر بعض سيرة عثمان # قال الحسن البصري: دخلت المسجد فإذا أنا بعثمان متكئا على ردائه، فأتاه ~~سقاءان يختصمان إليه، فقضى بينهما. وقال الشعبي: لم يمت عمر بن الخطاب حتى ~~ملته قريش وقد كان حصرهم بالمدينة، وقال: أخوف ما أخاف على هذه الأمة ~~انتشاركم في البلاد، فإن كان الرجل منهم ليستأذنه في الغزو فيقول: قد كان ~~لك في غزوك مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما يبلغك، وخير لك من غزوك ~~اليوم أن لا ترى الدنيا ولا تراك. وكان يفعل هذا بالمهاجرين من قريش ولم ~~يكن يفعله بغيرهم من أهل مكة. فلما ولي عثمان خلى عنهم فانتشروا في البلاد ~~وانقطع إليهم الناس وكان أحب إليهم ms0998 من عمر. قيل: وحج عثمان بالناس سنوات ~~خلافته كلها إلا آخر حجة، وحج بأزواج النبي، صلى الله عليه وسلم، كما كان ~~يصنع عمر. وكتب إلى الأمصار أن يوافيه العمال في الموسم ومن يشكو منهم، وأن ~~يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وأنه مع الضعيف على القوي مادام مظلوما. ~~وقيل: كان أول منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا طيران الحمام والرمي على ~~الجلاهقات، وهي قوس البندق، واستعمل عليها عثمان رجلا من بني ليث سنة ثمان ~~من خلافته، فقص الطيور وكسر الجلاهقات. PageV02P0019 # قيل: وسأل رجل سعيد بن المسيب عن محمد بن أبي حذيفة ما دعاه إلى الخروج ~~على عثمان، فقال: كان يتيما في حجر عثمان وكان والي أيتام أهل بيته ومحتملا ~~كلهم، فسأل عثمان العمل، فقال: يا بني لو كنت رضا لاستعملتك. قال: فأذن لي ~~فأخرج فأطلب الرزق. قال: اذهب حيث شئت، وجهزه من عنده وحمله وأعطاه، فلما ~~وقع إلى مصر كان فيمن أعان عليه حين منعه الإمارة. قال: وعمار بن ياسر؟ ~~قال: كان بينه وبين عباس بن عتبة بن أبي لهب كلام فضربهما عثمان فأورث ذلك ~~تعاديا بين أهل عمار وأهل عباس، وكانا تقاذفا. قيل: سئل سالم بن عبد الله ~~عن محمد بن أبي بكر ما دعاه إلى ركوب عثمان. قال: الغضب والطمع، كان من ~~الإسلام بمكان فغره أقوام فطمع، وكانت له دالة فلزمه حق، فأخذه عثمان من ~~ظهره، فاجتمع هذا إلى ذلك فصار مذمما بعد أن كان محمدا. قيل: واستخف رجل ~~بالعباس بن عبد المطلب فضربه عثمان فاستحسن منه ذلك، فقال: ايفخم رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، عمه وأرخص في الاستخفاف به! لقد خالف رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، من فعل ذلك ورضي به. قيل: وكان كعب بن ذي الحبكة ~~النهدي يلعب بالنارنجيات، فبلغ عثمان، فكتب إلى الوليد أن يوجعه ضربا، ~~فعزره وأخبر الناس خبره وقرأ عليهم كتاب عثمان، وفيه: إنه قد وجد بكم فجدوا ~~وإياكم والهزل. فغضب كعب وكان في الذين خرجوا عليه، وكان سيره إلى دنباوند، ~~فقال ms0999 في ذلك للوليد: لعمري لئن طردتني ما إلى التي ... طمعت بها من سقطتي ~~سبيل رجوت رجوعي يا ابن أروى ورجعتي ... إلى الحق دهرا، غال ذلك غول فإن ~~اغترابي في البلاد وجفوتي ... وشتمي في ذات الإله قليل وإن دعائي كل يوم ~~وليلة ... عليك بدنباوندكم لطويل قال: وأما ضابىء بن الحرث البرجمي فإنه ~~استعار في زمن الوليد بن عقبة من قوم من الأنصار كلبا يدعى قرحان يصيد ~~الظباء فحبسه عنهم، فانتزعه الأنصاريون منه قهرا، فهجاهم وقال: تجشم دوني ~~وفد قرحان خطة ... تضل لها الوجناء وهي حسير فباتوا شباعا طاعمين كأنما ... ~~خباهم ببيت المرزبان أمير فكلبكم لا تتركوا فهو أمكم ... فإن عقوق الأمهات ~~كبير فاستعدوا عليه عثمان، فعزره وحبسه، فما زال في السجن حتى مات فيه. ~~وقال في الفتك معتذرا إلى أصحابه: هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على ~~عثمان تبكي حلائله وقائلة قد مات في السجن ضابىء ... ألا من لخصم لم يجد من ~~يحاوله فلذاك صار ابنه عمير سبئيا. قال: وأما كميل بن زياد وعمير بن ضابىء ~~فإنهما سارا إلى المدينة لقتل عثمان، فأما عمير فإنه نكل عنه، وأما كميل ~~فإنه جسر وثاوره، فوجأ عثمان وجهه فوقع على استه فقال: أوجعتني يا أمير ~~المؤمنين! قال: أولست بفاتك؟ قال: لا والله. فقال عثمان: فاستقد مني، وقال: ~~دونك، فعفا عنه، وبقيا إلى أيام الحجاج فقتلهما، وسيرد ذكر ذلك إن شاء الله ~~تعالى. قيل: وكان لعثمان على طلحة بن عبيد الله خمسون ألفا، فقال له يوما: ~~قد تهيأ مالك فاقبضه. قال: هو لك معونة على مروءتك. قيل: فلما حضر عثمان ~~قال علي لطلحة: أنشدك الله ألا رددت الناس عن عثمان! قال: لا والله حتى ~~تعطيني بنو أمية الحق من أنفسها. وكان عثمان يلقب ذا النورين لأنه جمع بين ~~ابنتي النبي، صلى الله عليه وسلم. قال الأصمعي: استعمل عبد الله بن عامر ~~قطن بن عبد عوف على كرمان، فأقبل جيش للمسلمين فمنعهم سيل في واد من ~~العبور، وخشي قطن الفوت فقال: من عبر له ألف درهم. ms1000 فحملوا أنفسهم وعبروا، ~~وكانوا أربعة آلاف، فأعطاهم أربعة آلاف ألف درهم، فأبى ابن عامر أن يجري ~~ذلك له وكتب إلى عثمان، فكتب عثمان: أن احسبها له فإنه إنما أعان بها في ~~سبيل الله، فلذلك سميت الجوائز لإجازة الوادي. PageV02P0020 # وقال حسان بن زيد: سمعت عليا وهو يخطب الناس ويقول بأعلى صوته: يا أيها ~~الناس إنكم تكثرون في وفي عثمان، فإن مثلي ومثله كما قال الله تعالى: ~~(ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) الحجر: . وقال أبو ~~حميد الساعدي، وهو بدري وكان مجانبا لعثمان، فلما قتل عثمان قال: والله ما ~~أردنا قتله، اللهم لك علي أن لا أفعل كذا وكذا ولا أضحك حتى ألقاك. ### || AUT ذكر نسبه وصفته وكنيته # أما نسبه فهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد ~~مناف، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمها ~~أم حكيم بنت عبد المطلب. وأما صفته فإنه كان رجلا ليس بالطويل ولا بالقصير، ~~حسن الوجه، رقيق البشرة، بوجهه أثر جدري، كبير اللحية عظيمها، أسمر اللون، ~~أصلع، عظيم الكراديس، عظيم ما بين المنكبين، يصفر لحيته، وقيل: كان كثير ~~شعر الرأس، أروح الرجلين. وأما كنيته فإنه كان يكنى أبا عبد الله بولد جاءه ~~من رقية بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اسمه عبد الله، توفي وعمره ست ~~سنين، نقره ديك في عينه فمرض فمات في دمادى الأولى سنة أربع من الهجرة، ~~وقيل: كان يكنى أبا عمرو. ### || AUT ذكر وقت إسلامه وهجرته # قيل: كان إسلامه قديما قبل دخول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دار ~~الأرقم، وكان ممن هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى والثانية ومعه فيهما ~~امرأته رقية بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم. ### || AUT ذكر أزواجه وأولاده # تزوج رقية وأم كلثوم ابنتي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فولدت له ~~رقية عبد الله، وتزوج فاختة بنت غزوان، فولدت له عبد الله الأصغر، هلك، ~~وتزوج أم عمرو بنت ms1001 جندب بن عمرو بن حممة الدوسية، ولدت له عمرا وخالدا ~~وأبانا وعمر ومريم؛ وتزوج فاطمة بنت الوليد بن المغيرة المخزومية، ولدت له ~~الوليد وسعيدا وأم سعيد؛ وتزوج أم البنين بنت عيينة بن حصن الفزارية، ولدت ~~له عبد الملك، هلك؛ وتزوج رملة بنت شيبة بن ربيعة، ولدت له عائشة وأم أبان ~~وأم عمرو؛ وتزوج نائلة بنت الفرافصة الكلبية، ولدت له مريم بنت عثمان، ~~وقيل: ولدت له أم البنين بنت عيينة عبد الملك وعتبة، وولدت له نائلة عنبسة، ~~وكان له منها أيضا ابنة تدعى أم البنين، وكانت عند عبد الله بن يزيد بن أبي ~~سفيان؛ وقتل عثمان وعنده رملة ابنة شيبة ونائلة وأم البنين ابنة عيينة ~~وفاختة بنت غزوان، غير أنه طلق أم البنين وهو محصور. فهؤلاء أزواجه في ~~الجاهلية والإسلام وأولاه. ### || AUT ذكر أسماء عماله في هذه السنة # كان عماله هذه السنة على مكة: عبد الله بن الحضرمي، وعلى الطائف القاسم ~~بن ربيعة الثقفي، وعلى صنعاء يعلى بن منية، وعلى الجند عبد الله بن ربيعة، ~~وعلى البصرة عبد الله بن عامر، خرج منها ولم يول عثمان عليها أحدا، وعلى ~~الكوفة سعيد بن العاص أخرج منها ولم يترك يدخلها. وعلى الشام معاوية بن أبي ~~سفيان، وعامل معاوية على حمص عبد الرحمن بن خالد، وعلى قنسرين حبيب بن ~~مسلمة الفهري، وعلى الأردن أبو الأعور السلمي، وعلى فلسطين علقمة بن حكيم ~~الكناني، وعلى البحر عبد الله بن قيس الفزاري، وعلى القضاء أبو الدرداء في ~~قول بعضهم، والصحيح أنه كان قد توفي قبل أن قتل عثمان، وكان عامل عثمان على ~~الكوفة أبو موسى على الصلاة، وعلى خراج السواد جابر بن فلان المزني، وهو ~~صاحب المسناة إلى جانب الكوفة، وسماك الأنصاري، وعلى حربها القعقاع بن ~~عمرو، وعلى قرقيسيا جرير بن عبد الله، وعلى أذربيجان الأشعث بن قيس الكندي، ~~وعلى حلوان عتيبة بن النهاس، وعلى ماه مالك بن حبيب، وعلى همذان النسير، ~~وعلى الري سعيد بن قيس، وعلى أصبهان السائب بن الأقرع، وعلى ماسبذان خنيس، ~~وعلى بيت ms1002 المال عقبة بن عامر، وكان على قضاء عثمان زيد بن ثابت. عتيبة بن ~~النهاس بالتاء فوقها نقطتان، وبعدها ياء تحتها نقطتان، وآخره باء موحدة. ~~وعيينة بن حصن بالياء تحتها نقطتان، وياء ثانية، وآخره نون، تصغير عين. ~~والنسير بالنون، والسين المهملة، تصغير نسر. ### || AUT ذكر الخبر عمن كان يصلي في مسجد النبي # ### || AUT صلى الله عليه وسلم حين حصر عثمان # PageV02P0021 # قيل: وجاء ذلك اليوم الذي منع فيه عثمان الصلاة سعد القرظ، وهو المؤذن، ~~إلى علي بن أبي طالب، فقال: من يصلي بالناس؟ فقال: ادع خالد ابن زيد، ~~فدعاه، فصلى بالناس، فهو أول يوم عرف أن اسم أبي أيوب الأنصاري خالد بن ~~زيد، فصلى أياما ثم صلى بعد ذلك بالناس، وقيل: بل أمر علي سهل بن حنيف فصلى ~~بالناس من أول ذي الحجة إلى يوم العيد، ثم صلى علي بالناس العيد، ثم صلى ~~بهم حتى قتل عثمان. وقد تقدم غير ذلك في ذكر قتله. ### || AUT ذكر ما قيل فيه من الشعر # قال حسان بن ثابت الأنصاري: أتركتم غزو الدروب وراءكم ... وغزوتمونا عند ~~قبر محمد فلبئس هدي المسلمين هديتم ... ولبئس أمر الفاجر المتعمد إن تقدموا ~~نجعل قرى سرواتكم ... حول المدينة كل لين مذود أو تدبروا فلبئس ما سافرتم ~~... ولمثل أمر أميركم لم يرشد وكأن اصحاب النبي عشية ... بدن تذبح عند باب ~~المسجد أبكي أبا عمرو لحسن بلائه ... أمسى ضجيعا في بقيع الغرقد وقال أيضا: ~~إن تمس دار ابن أروى اليوم خاوية ... باب صريع وباب محرق خرب فقد يصادف ~~باغي الخير حاجته ... فيها ويهوي إليها الذكر والحسب يا أيها الناس أبدوا ~~ذات أنفسكم ... لا يستوي الصدق عند الله والكذب قوموا بحق مليك الناس ~~تعترفوا ... بغارة عصب من خلفها عصب فيهم حبيب شهاب الموت يقدمهم ... ~~مستلئما قد بدا في وجهه الغضب وقال أيضا: من سره الموت صرفا لا مزاج له ... ~~فليأت مأسدة في دار عثمانا مستشعري حلق الماذي قد شفعت ... قبل المخاطم بيض ~~زان أبدانا صبرا فدى لكم أمي وما ولدت ... قد ينفع الصبر في ms1003 المكروه أحيانا ~~فقد رضينا بأهل الشام نافرة ... وبالأمير وبالإخوان إخوانا إني لمنهم وإن ~~غابوا وإن شهدوا ... ما دمت حيا وما سميت حسانا لتسمعن وشيكا في ديارهم: ~~... الله أكبر يا ثارات عثمانا ضحوا باشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل ~~تسبيحا وقرآنا قال أبو عمر بن عبد البر، وقد ذكر بعض هذه الأبيات فقال: وق ~~زاد فيها أهل الشام، ولم أر لذكره وجها، يعني ما فيها من ذكر علي، وهو: يا ~~ليت شعري وليت الطير تخبرني ... ما كان بين علي وابن عفانا وقال الوليد بن ~~عقبة بن أبي معيط يحرض أخاه عمارة: ألا إن خير الناس بعد ثلاثة ... قتيل ~~التجيبي الذي جاء من مصر فإن يك ظن بابن أمي صادقا ... عمارة لا يطلب بذحل ~~ولا وتر يبيت وأوتار ابن عفان عنده ... مخيمة بين الخورنق والقصر فأجابه ~~الفضل بن العباس: أتطلب ثأرا لست منه ولا له ... وأين ابن ذكوان الصفوري من ~~عمرو كما اتصلت بنت الحمار بأمها ... وتنسى أباها إذ تسامي أولي الفخر ألا ~~إن خير الناس بعد ثلاثة ... وصي النبي المصطفى عند ذي الذكر وأول من صلى ~~وصنو نبيه ... وأول من أردى الغواة لدى بدر فلو رأت الأنصار ظلم ابن أمكم ~~... بزعمكم كانوا له حاضري النصر كفى ذاك عيبا أن يشيروا بقتله ... وأن ~~يسلموا للأحابيش من مصر قوله: وأين ابن ذكوان، فإن الوليد بن عقبة بن أبي ~~معيط بن أبي عمرو واسمه ذكوان بن أمية بن عبد شمس، ويذكر جماعة منى ~~النسابين أن ذكوان مولى لأمية، فتبناه وكناه أبا عمرو، ويعني: إنك مولى لست ~~من بني أمية حتى تكون ممن يطلب بثأر عثمان. وقال غيرهم من الشعراء أيضا بعد ~~مقتله فيما بين مادح وهاج، ومن ناع وباك، ومن سار فرح، فممن مدحه حسان، كما ~~تقدم، وكعب بن مالك في آخرين غيرهم كذلك. ### || AUT ذكر بيعة علي بن أبي طالب # ### || AUT ذكر بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب # PageV02P0022 # وفي هذه السنة بويع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقد اختلفوا في كيفية ms1004 ~~بيعته، فقيل: إنه لما قتل عثمان اجتمع أصحاب رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، من المهاجرين والأنصار وفيهم طلحة والزبير، فأتوا عليا فقالوا له: ~~إنه لابد للناس من إمام. قال: لا حاجة لي أمركم فمن اخترتم رضيت به. ~~فقالوا: ما نختار غيرك، وترددوا إليه مرارا وقالوا له في آخر ذلك: إنا لا ~~نعلم أحدا أحق به منك، لا أقدم سابقة، ولا أقرب قرابة من رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم. فقال: لا تفعلوا فإني أكون وزيرا خيرا من أن أكون أميرا. ~~فقالوا: والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك. قال: ففي المسجد، فإن بيعتي لا ~~تكون خفية ولا تكون إلا في المسجد. وكان في بيته، وقيل: في حائط لبني عمرو ~~بن مبذول، فخرج إلى المسجد وعليه إزار وطاق وعمامة خز ونعلاه في يده متوكئا ~~على قوس، فبايعه الناس؛ وكان أول من بايعه من الناس طلحة بن عبيد الله، ~~فنظر إليه حبيب بن ذؤيب فقال: إنا لله! أول من بدأ بالبيعة يد شلاء، لا يتم ~~هذا الأمر! وبايعه الزبير. وقال لهما علي: إن أحببتما أن تبايعاني وإن ~~أحببتما بايعتكما. فقالا: بل نبايعك. وقالا بعد ذلك: إنما فعلنا ذلك خشية ~~على نفوسنا، وعرفنا أنه لا يبايعنا. وهربا إلى مكة بعد قتل عثمان بأربعة ~~أشهر. وبايعه الناس، وجاؤوا بسعد بن أبي وقاص، فقال علي: بايع، فقال: لا، ~~حتى يبايع الناس، والله ما عليك مني بأس. فقال: خلوا سبيله. وجاؤوا بابن ~~عمر بايع. قال: لا، حتى يبايع الناس. قال: ائتني بكفيل. قال: لا أرى كفيلا. ~~قال الأشتر: دعني أضرب عنقه! قال علي: دعوه أنا كفيله، إنك ما علمت لسيء ~~الخلق صغيرا ولا كبيرا. وبايعت الأنصار إلا نفيرا يسيرا، منهم: حسان بن ~~ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة، ~~والنعمان ابن بشير، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وفضالة بن عبيد، وكعب بن ~~عجرة، وكانوا عثمانية؛ فأما حسان فكان شاعرا لا يبالي ما يصنع، وأما زيد بن ~~ثابت فولاه عثمان ms1005 الديوان وبيت المال، فلما حصر عثمان قال: يا معشر الأنصار ~~كونوا أنصارا لله، مرتين، فقال له أبو أيوب: ما تنصره إلا أنه أكثر لك من ~~العبدان. وأما كعب بن مالك فاستعمله على صدقة مزينة وترك له ما أخذ منهم؛ ~~ولم يبايعه عبد الله بن سلام، وصهيب بن سنان، وسلمة بن سلامة ابن وقش، ~~وأسامة بن زيد، وقدامة بن مظعون، والمغيرة بن شعبة. فأما النعمان بن بشير ~~فإنه أخذ أصابع نائلة امرأة عثمان التي قطعت وقميص عثمان الذي قتل فيه وهرب ~~به فلحق بالشام، فكان معاوية يعلق قميص عثمان وفيه الأصابع، فإذا رأى ذلك ~~أهل الشام ازدادوا غيظا وجدا في أمرهم، ثم رفعه، فإذا أحس منهم بفتور يقول ~~له عمرو بن العاص: حرك لها حوارها تحن، فيعلقها. وقد قيل: إن طلحة والزبير ~~إنما بايعا عليا كرها، وقيل: لم يبايعه الزبير ولا صهيب ولا سلمة بن سلامة ~~بن وقش وأسامة بن زيد. PageV02P0023 # فأما على قول من قال: إن طلحة والزبير بايعا كرها فقال: إن عثمان لما قتل ~~بقيت المدينة خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى ~~القيام بالأمر فلا يجدونه، ووجدوا طلحة في حائط له، ووجدوا سعدا والزبير قد ~~خرجا من المدينة، ووجدوا بني أمية قد هربوا غلا من لم يطق الهرب، وهرب سعيد ~~والوليد ومروان إلى مكة، وتبعهم غيرهم، فأتى المصريون عليا فباعدهم، وأتى ~~الكوفيون الزبير فباعدهم، وأتى البصريون طلحة فباعدهم، وكانوا مجتمعين على ~~قتل عثمان مختلفين فيمن يلي الخلافة. فأرسلوا إلى سعد يطلبونه، فقال: إني ~~وابن عمر لا حاجة لنا فيها، فأتوا ابن عمر فلم يجبهم، فبقوا حيارى. وقال ~~بعضهم لبعض: لئن جرع الناس إلى أمصارهم بغير إمام لم نأمن الاختلاف وفساد ~~الأمة. فجمعوا أهل المدينة لهم: يا أهل المدينة أنتم أهل الشورى، وأنتم ~~تعقدون الإمامة، وحكمكم جائز على الأمة، فانظروا رجلا تنصبونه ونحن لكم ~~تبع، وقد أجلناكم يومكم، فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلن غدا عليا وطلحة ~~والزبير وأناسا كثيرا! فغشي الناس عليا فقالوا: نبايعك فقد ترى ms1006 ما نزل ~~بالإسلام وما ابتلينا به من بين القرى. فقال علي: دعوني والتمسوا غيري فإنا ~~مستقبلون أمرا له وجوه وله ألوان لا تقوم به القلوب ولا تثبت عليه العقول. ~~فقالوا: ننشدك الله! ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى الإسلام؟ ألا ترى الفتنة؟ ~~ألا تخاف الله؟ فقال: قد أجبتكم، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ~~وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم، ألا إني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه. ثم ~~افترقوا على ذلك واتعدوا الغد. وتشاور الناس فيما بينهم وقالوا: إن دخل ~~طلحة والزبير فقد استقامت، فبعث البصريون إلى الزبير حكيم بن جبلة وقالوا: ~~احذر لا تحابه، ومعه نفر، فجاؤوا به يحدونه بالسيف، فبايع، وبعثوا إلى طلحة ~~الأشتر ومعه نفر، فأتى طلحة، فقال: دعني أنظر ما يصنع الناس، فلم يدعه، ~~فجاء به يتله تلا عنيفا، وصعد المنبر فبايع. وكان الزبير يقول: جاءني لص من ~~لصوص عبد القيس فبايعت والسيف على عنقي، وأهل مصر فرحون بما اجتمع عليه أهل ~~المدينة، وقد خشع أهل الكوفة والبصرة أن صاروا أتباعا لأهل مصر وازدادوا ~~بذلك على طلحة والزبير غيظا. ولما أصبحوا يوم البيعة، وهو يوم الجمعة، حضر ~~الناس المسجد، وجاء علي فصعد المنبر وقال: أيها الناس، عن ملأ وإذن، إن هذا ~~أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر وكنت ~~كارها لأمركم، فأبيتم إلا أن أكون عليكم، ألا وإنه ليس لي دونكم إلا مفاتيح ~~ما لكم معي وليس لي أن آخذ درهما دونكم، فإن شئتم قعدت لكم وإلا فلا أجد ~~على أحد. فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس. فقال: اللهم اشهد. ولما ~~جاؤوا بطلحة ليبايع قال: إنما أبايع كرها. فبايع، وكان به شلل، فقال رجل ~~يعتاف: إنا لله وإنا إليه راجعون، أول يد بايعت يد شلاء، لا يتم هذا الأمر! ~~ثم جيء بالزبير فقال مثل ذلك وبايع، وفي الزبير اختلاف، ثم جيء بعده بقوم ~~كانوا قد تخلفوا فقالوا: نبايع على إقامة كتاب الله في القريب والبعيد ~~والعزيز والذليل، فبايعهم، ms1007 ثم قام العامة فبايعوا، وصار الأمر أمر أهل ~~المدينة وكأنهم كما كانوا فيه وتفرقوا إلى منازلهم. وبويع يوم الجمعة لخمس ~~بقين من ذي الحجة، والناس يحسبون بيعته من يوم قتل عثمان. وأول خطبة خطبها ~~علي حين استخلف حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله أنزل كتابا هاديا يبين ~~فيه الخير والشر، فخذوا بالخير ودعوا الشر، الفرائض الفرائض أدوها إلى الله ~~تعالى يؤدكم إلى الجنة. إن الله حرم حرمات غير مجهولة وفضل حرمة المسلم على ~~الحرم كلها، وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين، فالمسلم من سلم المسلمون ~~من لسانه ويده إلا بالحق، لا يحل دم امرىء مسلم إلا بما يجب. بادروا أمر ~~العامة، وخاصة أحدكم الموت، فإن الناس أمامكم وإن ما من خلفكم الساعة ~~تحدوكم. تخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر الناس أخراهم. اتقوا الله عباد الله في ~~بلاده وعباده، إنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم. أطيعوا الله فلا ~~تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشر فدعوه، (واذكروا إذ ~~أنتم قليل مستضعفون في الأرض) الأنفال: 26. ولما فرغ من الخطبة وهو على ~~المنبر قال السبئية. PageV02P0024 # خذها إليك واحذرن أبا حسن ... إنا نمر الأمر إمرار الرسن صولة أقوام ~~كأشداد السفن ... بمشرفيات كغدران اللبن ونطعن الملك بلين كالشطن ... حتى ~~يمرن على غير عنن فقال علي: إني عجزت عجزة لا أعتذر ... سوف أكيس بعدها ~~وأستمر أرفع من ذيلي ما كنت أجر ... وأجمع الأمر الشتيت المنتشر إن لم ~~يشاغبني العجول المنتصر ... إن تتركوني والسلاح يبتدر ورجع علي إلى بيته، ~~فدخل عليه طلحة والزبير في عدد من الصحابة فقالوا: يا علي إنا قد اشترطنا ~~إقامة الحدود، وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في قتل هذا الرجل وأحلوا ~~بأنفسهم. فقال: يا إخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم ~~يملكوننا ولا نملكهم؟ ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم ~~أعرابكم وهو خلاطكم يسومونكم ما شاؤوا، فهل ترون موضعا لقدرة على شيء مما ~~تريدون؟ قالوا: لا. قال: فلا والله لا أرى إلا رأيا ترونه أبدا إلا ms1008 أن يشاء ~~الله. إن هذا الأمر أمر جاهلية وإن لهؤلاء القوم مادة، وذلك أن الشيطان لم ~~يشرع شريعة قط فيبرح الأرض من أخذ بها أبدا. إن الناس من هذا الأمر إن حرك ~~على أمور: فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا ~~هذا، حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق، فاهدأوا عني ~~وانظروا ماذا يأتيكم ثم عودوا. واشتد على قريش وحال بينهم وبين الخروج على ~~حالها، وإنما هيجه على ذلك هرب بني أمية وتفرق القوم، فبعضهم يقول ما قال ~~علي، وبعضهم يقول: نقضي الذي علينا ولا نؤخره، والله إن عليا لمستغن برأيه ~~وليكونن أشد على قريش من غيره. فسمع ذلك فخطبهم وذكر فضلهم وحاجته إليهم ~~ونظره لهم وقيامه دونهم وأنه ليس له من سلطانهم إلا ذاك والأجر من الله ~~عليه، ونادى: برئت الذمة من عبد لا يرجع إلى مولاه. فتذامرت السبئية ~~والأعراب وقالوا: لنا غدا مثلها ولا نستطيع نحتج فيهم بشيء. وقال: أيها ~~الناس أخرجوا عنكم الأعراب فليلحقوا بمياههم، فأبت السبئية وأطاعهم ~~الأعراب. فدخل علي بيته، ودخل عليه طلحة والزبير وعدة من أصحاب النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: دونكم ثأركم فاقتلوه. فقالوا: عشوا من ذلك. فقال: هم ~~والله بعد اليوم أعشى! وقال: ولو أن قومي طاوعتني سراتهم ... أمرتهم أمرا ~~يديخ الأعاديا وقال طلحة: دعني آت البصرة فلا يفجأك إلا وأنا في خيل. وقال ~~الزبير: دعني آت الكوفة فلا يفجأك إلا وأنا في خيل. فقال: حتى أنظر في ذلك. ~~قيل: وقال ابن عباس: أتيت عليا بعد قتل عثمان عند عودي من مكة فوجدت ~~المغيرة بن شعبة مستخليا به، فخرج من عنده، فقلت له: ما قال لك هذا؟ فقال: ~~قال لي قبل مرته هذه: إن لك حق الطاعة والنصيحة، وأنت بقية الناس، وإن ~~الرأي اليوم تحرز به ما في غد، وإن الضياع اليوم يضيع به ما في غد، أقرر ~~معاوية وابن عامر وعمال عثمان على أعمالهم حتى تأتيك بيعتهم ويسكن الناس، ~~ثم اعزل من ms1009 شئت، فأبيت عليه ذلك وقلت: لا أداهن في ديني ولا أعطي الدنية في ~~أمري. قال: فإن كنت أبيت علي فانزع من شئت واتر معاوية، فإن في معاوية ~~جرأة، وهو في أهل الشام يستمع منه، ولك حجة في إثباته، وكان عمر بن الخطاب ~~قد ولاه الشام. فقلت: لا والله لا أستعمل معاوية يومين! ثم انصرف من عندي ~~وأنا أعرف فيه أنه يود أني مخطىء، ثم عاد إلي فقال: إني أشرت عليك أول مرة ~~بالذي أشرت وخالفتني فيه، ثم رأيت بعد ذلك أن تصنع الذي رأيت فتعزلهم ~~وتستعين بمن تثق به، فقد كفى الله وهم أهون شوكة مما كان. قال ابن عباس: ~~فقلت لعلي: أما المرة الأولى فقد نصحك، وأما المرة الثانية فقد غشك. قال: ~~ولم نصحني؟ قلت: لأن معاوية وأصحابه أهل دنيا فمتى ثبتهم لا يبالون من ولي ~~هذا الأمر، ومتى تعزلهم يقولون: أخذ هذا الأمر بغير شورى وهو قتل صاحبنا، ~~ويؤلبون عليك، فتنتفض عليك الشام وأهل العراق، مع أني لا آمن طلحة والزبير ~~أن يكرا عليك، وأنا أشير عليك أن تثبت معاوية، فإن بايع لك فعلي أن أقلعه ~~من منزله، وقال علي: والله لا أعطيه إلا السيف! ثم تمثل: وما ميتة إن متها ~~غير عاجز ... بعار إذا ما غالت النفس غولها PageV02P0025 # فقلت: يا أمير المؤمنين أنت رجل شجاع لست صاحب رأي في الحرب، أما سمعت ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (الحرب خدعة)؟ فقال: بلى. فقلت: أما ~~والله لئن أطعتني لأصدرنهم بعد ورد، ولأتركنهم ينظرون في دبر الأمور لا ~~يعرفون ما كان وجهها في غير نقصان عليك ولا إثم لك. فقال: يا ابن عباس لست ~~من هناتك ولا من هنات معاوية في شيء. قال ابن عباس: فقلت له: أطعني والحق ~~بما لك بينبع وأغلق بابك عليك، فإن العرب تجول جولة وتضطرب ولا تجد غيرك، ~~فإنك والله لئن نهضت مع هؤلاء اليوم ليحملنك الناس دم عثمان غدا. فأبى علي ~~فقال: تشير علي وأرى فإذا عصيتك فأطعني. قال: فقلت: افعل، إن ms1010 أيسر ما لك ~~عندي الطاعة. فقال له علي: تسير إلى الشام فقد وليتكها. فقال ابن عباس: ما ~~هذا برأي، معاوية رجل من بني أمية وهو ابن عم عثمان وعامله ولست آمن أن ~~يضرب عنقي بعثمان، وإن أدنى ما هو صانع أن يحبسني فيتحكم علي لقرابتي منك، ~~وإن كل ما حمل عليك حمل علي، ولكن اكتب إلى معاوية فمنه وعده. فقال: لا ~~والله، لا كان هذا أبدا! ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، أعني سنة خمس وثلاثين، سار قسطنطين بن هرقل في ألف مركب ~~يريد أرض المسلمين قبل قتل عثمان، فسلط الله عليهم ريحا عاصفا فغرقهم ونجا ~~قسطنطين فأتى صقلية، فصنعوا له حماما، فدخله فقتلوه فيه وقالوا: قتلت ~~رجالنا. هكذا قال أبو جعفر. وهذا قسطنطين هو الذي هزمه المسلمون في غزوة ~~الصواري سنة إحدى وثلاثين، وقتله أهل صقلية في الحمام، وإن كانوا قد ~~اختلفوا في السنة التي كانت الوقعة فيها، فلولا قوله: إن المراكب غرقت، ~~لكانت هذه الحادثة هي تلك، فإنها في قول بعضهم: كانت سنة خمس وثلاثين. وفي ~~خلافة عثمان مات أوس بن خولي الأنصاري؛ وفي خلافة عثمان أيضا مات الجلاس بن ~~سويد الأنصاري، وكان من المنافقين على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وحسنت توبته؛ وفيها مات الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب، والد الملقب ~~بببة؛ وفي آخرها مات الحكم بن أبي العاص، وهو والد مروان وعم عثمان؛ وفيهها ~~مات حبان بن منقذ الأنصاري، وهو والد يحيى بن حبان، بفتح الحاء المهملة ~~وبالباء الموحدة؛ وفيها مات عبد الله ابن قيس بن خالد الأنصاري، وقيل: بل ~~قتل بأحد شهيدا؛ وفي خلافته مات قطبة بن عامر الأنصاري، وهو عقبي بدري؛ وفي ~~خلافته مات زيد بن خارجة بن زيد الأنصاري، وهو الذي تكلم بعد موته؛ وفيها ~~قتل معبد بن العباس بن عبد المطلب بإفريقية في آخر خلافة عثمان؛ وفيها مات ~~معيقيب بن أبي فاطمة، وكان من مهاجرة الحبشة، وكان على خاتم رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، وقيل: ms1011 بل مات سنة أربعين في خلافة علي؛ وفيها مات مطيع بن ~~الأسود العدوي، وكان إسلامه يوم الفتح؛ وفي خلافته مات نعيم بن مسعود ~~الأشجعي، وقيل: بل قتل في وقعة الجمل مع مجاشع بن مسعد؛ وفي خلافته مات عبد ~~الله بن حذافة السهمي، وهو بدري، وكان فيه دعابة؛ وفيها مات عبد الله بن ~~أبي ربيعة المخزومي والد عمر الشاعر، وكان قد جاء من اليمن لينصر عثمان لما ~~حصر فسقط عن راحلته فمات؛ وأبو رافع مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وقيل: مات في خلافة علي، وهو اصح؛ وفي خلافته توفي أبو سبرة بن أبي رهم ~~العامري من عامر بن لؤي، وهو بدري، وفيها مات هاشم بن عتبة بن ربيعة خال ~~معاوية، أسلم يوم الفتح وكان صالحا؛ وفيها مات أبو الدرداء، وقيل: عاش ~~بعده، والأول أصح. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وثلاثين # ### || AUT ذكر تفريق علي عماله وخلاف معاوية # وفي هذه السنة فرق علي عماله على الأمصار، فبعث عثمان بن حنيف على ~~البصرة، وعمارة بن شهاب على الكوفة، وكانت له هجرة، وعبيد الله بن عباس على ~~اليمن، وقيس بن سعد على مصر، وسهل بن حنيف على الشام. PageV02P0026 # فأما سهل فإنه خرج حتى إذا كان بتبوك لقيته خيل فقالوا: من أنت؟ قال: ~~أمير. قالوا: على أي شيء؟ أمير المؤمنينعلى الشام. قالوا: إن كان بعثك ~~عثمان فحي هلا بك، وإن كان بعثك غيره فارجع. قال: أوما سمعتم بالذي كان؟ ~~قالوا: بلى. فرجع إلى علي. وأما قيس بن سعد فإنه لما انتهى إلى أيلة لقيته ~~خيل فقالوا له: من أنت؟ قال: من فالة عثمان، فأنا أطلب من آوي إليه فأنتصر ~~به لله. قالوا: من أنت؟ قال: قيس بن سعد. قالوا: امض. فمضى حتى دخل مصر. ~~فافترق أهل مصر فرقا، فرقة دخلت في الجماعة فكانوا معه، وفرقة اعتزلت ~~بخرنبا وقالوا: إن قتل قتلة عثمان فنحن معكم، وإلا فنحن على دديلتنا حتى ~~نحرك أو نصيب حاجتنا، وفرقة قالوا: نحن مع علي ما لم يقد من إخواننا، ms1012 وهم ~~في ذلك مع الجماعة. وكتب قيس إلى علي بذلك. وأما عثمان بن حنيف فسار ولم ~~يرده أحد عن دخول البصرة ولم يجد لابن عامر في ذلك رأيا ولا استقلالا بحرب، ~~وافترق الناس بها، فاتبعت فرقة القوم، ودخلت فرقة في الجماعة، وقالت فرقة: ~~ننظر ما يصنع أهل المدينة فتصنع كما صنعوا. وأما عمارة بن شهاب فلما بلغ ~~زبالة لقيه طليحة بن خويلد، وكان خرج يطلب بثأر عثمان وهو يقول: لهفي على ~~أمر لم يسبقني ولم أدركه! وكان خروجه عند عود القعقاع من إغاثة عثمان، فلما ~~لقي عمارة قال له: ارجع، فإن القوم لا يريدون بأميرهم بدلا، فإن أبيت ضربت ~~عنقك. فرجع عمارة إلى علي بالخبر. وانطلق عبيد الله بن عباس إلى اليمن، ~~فجمع يعلى بن منية كل شيء من الجباية وخرج به إلى مكة فقدمها بالمال، ودخل ~~عبيد الله اليمن. ولما رجع سهل بن حنيف من الشام وأتت عليا الأخبار دعا ~~طلحة والزبير فقال: إن الأمر الذي كنت أحذركم قد وقع، وإن الذي قد وقع لا ~~يدرك إلا بإماتته، وإنها فتنة كالنار كلما سعرت ازدادت واستثارت. فقالا له: ~~ائذن لنا نخرج من المدينة فإما أن نكاثر وإما أن تدعنا. فقال: سأمسك الأمر ~~ما استمسك، فإذا لم أجد بدا فآخر الداء الكي. وكتب إلى معاوية وإلى أبي ~~موسى. فكتب إليه أبو موسى بطاعة أهل الكوفة وبيعتهم، وبين الكاره منهم للذي ~~كان والراضي ومن بين ذلك حتى كان علي كأنه يشاهدهم. وكان رسول علي إلى أبي ~~موسى معبد الأسلمي، وكان رسوله إلى معاوية سبرة الجهني، فقدم عليه، فلم ~~يجبه معاوية بشيء، كلما تنجز جوابه لم يزد على قوله: أدم إدامة حصن أو خذا ~~بيدي ... حربا ضروسا تشب الجذل والضرما في جاركم وابنكم إذ كان مقتله ... ~~شنعاء شيبت الأصداغ واللمما أعيا المسود بها والسيدون فلم ... يوجد لنا ~~غيرنا مولى ولا حكما حتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر دعا ~~معاوية رجلا من بني عبس يدعى قبيصة فدفع إليه طومارا مختوما ms1013 عنوانه: من ~~معاوية إلى علي: وقال له: إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطومار، ثم ~~أوصاه بما يقول، وأعاد رسول علي معه. فخرجا فقدما المدينة في ربيع الأول، ~~فدخلها العبسي كما أمره قد رفع الطومار، فتبعه الناس ينظرون إليه، وعلموا ~~أن معاوية معترض، ودخل الرسول على علي فدفع إليه الطومار، ففض ختمه فلم يجد ~~فيه كتابا. فقال للرسول: ما وراءك؟ قال: آمن أنا؟ قال: نعم، إن الرسول لا ~~يقتل. قال: ورائي أني تركت قوما لا يرضون إلا بالقود. قال: ممن؟ قال: من ~~خيط رقبتك. وتركت ستين ألف شيخ تبكي تحت قميص عثمان وهو منصوب لهم قد ~~ألبسوه منبر دمشق. قال: أمني يطلبون دم عثمان، ألست موتورا كترة عثمان؟ ~~اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان! نجا والله قتلة عثمان إلا أن يشاء الله، ~~فإنه إذا أراد أمرا اصابه، اخرج. قال: وأنا آمن؟ قال: وأنت آمن. فخرج ~~العبسي وصاحت السبئية وقالت: هذا الكلب رسول الكلاب، اقتلوه! فنادى: يا آل ~~مضر! يا آل قيس! الخيل والنهل! أقسم بالله ليردنها عليكم أربعة آلاف خصي، ~~فانظروا كم الفحول والركاب! وتعاونوا عليه، فمنعه مضر، فجعلوا يقولون له: ~~اسكت، فيقول: لا والله لا يفلح هؤلاء أبدا، أتاهم ما يوعدون، لقد حل بهم ما ~~يجدون، انتهت والله أعمالهم وذهبت ريحهم، فوالله ما أمسوا حتى عرف الذل ~~فيهم. PageV02P0027 # وأحب أهل المدينة أن يعلموا رأي علي في معاوية وقتاله أهل القبلة، أيجسر ~~عليه أم ينكل عنه؟ وقد بلغهم أن ابنه الحسن دعاه إلى القعود وترك الناس، ~~فدسوا زياد بن حنظلة التميمي وكان منقطعا إلى علي فجلس إليه ساعة، فقال له ~~علي: يا زياد تيسر، فقال: لأي شيء؟ فقال: لغزو الشام. فقال زياد: الأناة ~~والرفق أمثل، وقال: ومن لم يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب ويوطأ ~~بمنسم فتمثل علي وكأنه لا يريده: متى تجمع القلب الزكي وصارما ... وأنفا ~~حميا تجتنبك المظالم فخرج زياد والناس ينتظرونه وقالوا: ما وراءك؟ فقال: ~~السيف يا قوم. فعرفوا ما هو فاعل. واستأذنه طلحة والزبير في ms1014 العمرة، فأذن ~~لهما، فلحقا بمكة؛ ودعا علي محمد بن الحنفية فدفع إليه اللواء، وولى عبد ~~الله بن عباس ميمنته، وعمر بن أبي سلمة أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد ولاه ~~ميسرته، ودعا أبا ليلى بن عمر بن الجراح ابن أخي أبي عبيدة بن الجراح فجعله ~~على مقدمته، واستخلف على المدينة قثم بن العباس، ولم يول ممن خرج على عثمان ~~أحدا، وكتب إلى قيس بن سعد وإلى عثمان بن حنيف وإلى أبي موسى أن يندبوا ~~الناس إلى أهل الشام، ودعا أهل المدينة إلى قتالهم وقال لهم: إن في سلطان ~~الله عصمة أمركم فأعطوه طاعتكم غير ملوية ولا مستكره بها، والله لتفعلن أو ~~لينقلن عنكم سلطان الإسلام ثم لا ينقله إليكم أبدا حتى يأرز الأمر إليها، ~~انهضوا إلى هؤلاء الذين يريدون تفريق جماعتكم لعل الله يصلح بكم ما أفسد ~~أهل الآفاق وتقضون الذي عليكم. خرنبا بفتح الخاء المعجمة، وسكون الراء، ~~وفتح النون، والباء الموحدة، وآخره ألف. ### || AUT ذكر ابتداء وقعة الجمل # فبينما هم كذلك على التجهز لأهل الشام أتاهم الخبر عن طلحة والزبير ~~وعائشة وأهل مكة بنحو آخر وأنهم على الخلاف، فأعلم علي الناس ذلك، وأن ~~عائشة وطلحة والزبير قد سخطوا إمارته ودعوا الناس إلى الإصلاح وقال لهم: ~~سأصبر ما لم أخف على جماعتكم، وأكف إن كفوا، وأقتصر على ما بلغني. عنهم. ثم ~~أتاه أنهم يريدون البصرة، فسره ذلك وقال: إن الكوفة فيها رجال العرب ~~وبيوتاتهم. فقال له ابن عباس: إن الذي سرك من ذلك ليسوءني، إن الكوفة فسطاط ~~فيه من أعلام العرب، ولا يحملهم عدة القوم، ولا يزال فيها من يسمو إلى أمر ~~لا يناله، فإذا كان كذلك شغب علي الذي قد نال ما يريد حتى تكسر حدته. فقال ~~علي: إن الأمر ليشبه ما تقول، وتهيأ للخروج إليهم، فندب أهل المدينة للمسير ~~معهم فتثاقلوا، فبعث إلى عبد الله بن عمر كميلا النخعي، فجاء به، فدعاه إلى ~~الخروج معه، فقال: إنما أنا من أهل المدينة وقد دخلوا في هذا الأمر فدخلت ms1015 ~~معهم، فإن يخرجوا أخرج معهم، وإن يقعدوا أقعد. قال: فأعطني كفيلا. قال: لا ~~أفعل. فقال له علي: لولا ما أعرف من سوء خلقك صغيرا وكبيرا لأنكرتني، دعوه ~~فأنا كفيله. فرجع ابن عمر إلى المدينة وهم يقولون: والله ما ندري كيف نصنع، ~~إن الأمر لمشتبه علينا ونحن مقيمون حتى يضيء لنا. فخرج من تحت ليلته وأخبر ~~أم كلثوم ابنة علي، وهي زوجة عمر، بالذي سمع، وأنه يخرج معتمرا مقيما على ~~طاعة علي ما خلا النهوض. فأصبح علي فقيل له: حدث الليلة حدث هو أشد من طلحة ~~والزبير وعائشة ومعاوية. قال: وما ذاك؟ قالوا: خرج ابن عمر إلى الشام فأتى ~~السوق وأعد الظهر والرجال وأخذ لكل طريق طلابا وماج الناس. فسمعت أم كلثوم ~~فأتت عليا فأخبرته الخبر، فطابت نفسه وقال: انصرفوا، والله ما كذبت ولا ~~كذب، والله إنه عندي ثقة. فانصرفوا. وكان سبب اجتماعهم بمكة أن عائشة كانت ~~خرجت إليها، وعثمان محصور، ثم خرجت من مكة تريد المدينة. فلما كانت بسرف ~~لقيها رجل من أخوالها من بني ليث يقال له عبيد بن أبي سلمة، وهو ابن أم ~~كلاب، فقالت له: مهيم؟ قال: قتل عثمان وبقوا ثمانيا. قالت: ثم صنعوا ماذا؟ ~~قال: اجتمعوا على بيعة علي. فقالت: ليت هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر ~~لصاحبك! ردوني ردوني! فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما، ~~والله لأطلبن بدمه! فقال لها: ولم؟ والله إن أول أمال حرفه لأنت، ولقد كنت ~~تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر. قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت ~~وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأول. فقال لها ابن أم كلاب: ~~PageV02P0028 # فمنك البداء ومنك الغير ... ومنك الرياح ومنك المطر وأنت أمرت بقتل ~~الإمام ... وقلت لنا إنه قد كفر فهبنا أطعناك في قتله ... وقاتله عندنا من ~~أمر ولم يسقط السقف من فوقنا ... ولم ينكسف شمسنا والقمر وقد بايع الناس ذا ~~تدرإ ... يزيل الشبا ويقيم الصغر ويلبس للحرب أثوابها ... وما من وفى مثل ~~من قد غدر فانصرفت إلى مكة فقصدت الحجر ms1016 فسترت فيه، فاجتمع الناس حولها، ~~فقالت: أيها الناس إن الغوغاء من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل ~~المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلما بالأمس ونقموا عليه استعمال من ~~حدثت سنه، وقد استعمل أمثالهم قبله، ومواضع من الحمى حماها لهم فتابعهم ~~ونزع لهم عنها. فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا بادروا بالعدوان فسفكوا الدم ~~الحرام واستحلوا البلد الحرام والشهر الحرام وأخذوا المال الحرام، والله ~~لإصبع من عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم! ووالله لو أن الذي اعتدوا به ~~عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه أو الثوب من درنه إذ ماصوه ~~كما يماص الثوب بالماء، أي يغسل. فقال عبد الله بن عامر الحضرمي، وكان عامل ~~عثمان على مكة: ها أنا أول طالب! فكان أول مجيب، وتبعه بنو أمية على ذلك، ~~وكانوا هربوا من المدينة بعد قتل عثمان إلى مكة ورفعوا رؤوسهم، وكان أول ما ~~تكلموا بالحجاز وتبعهم سعيد بن العاص والوليد بن عقبة وسائر بني أمية، وقدم ~~عليهم عبد الله بن عامر من البصرة بمال كثير، ويعلى بن أمية، وهو ابن منية، ~~من اليمن ومعه ستمائة بعير وستمائة ألف درهم، فأناخ بالأبطح، وقدم طلحة ~~والزبير من المدينة فلقيا عائشة، فقالت: ما وراءكما؟ فقالا: إنا تحملنا ~~هرابا من المدينة من غوغاء وأعراب وفارقنا قومما حيارى لا يعرفون حقا ولا ~~ينكرون باطلا ولا يمنعون أنفسهم. فقالت: انهضوا إلى هذه الغوغاء. فقالوا: ~~نأتي الشام. فقال ابن عامر: قد كفاكم الشام معاوية، فأتوا البصرة فإن لي به ~~بها صنائع ولهم في طلحة هوى. قالوا: قبحك الله! فوالله ما كنت بالمسالم ولا ~~بالمحارب، فهلا أقمت كما أقام معاوية فنكفى بك ثم نأتي الكوفة فنسد على ~~هؤلاء القوم المذاهب؟ فلم يجدوا عنده جوابا مقبولا، فاستقام الرأي على ~~البصرة، وقالوا لها: نترك المدينة فإنا خرجنا فكان معنا من لا يطيق من بها ~~من الغوغاء ونأتي بلدا مضيعا سيحتجون علينا ببيعة علي فتنهضينهم كما أنهضت ~~أهل مكة، فإن أصلح الله الأمر كان الذي أردنا، وإلا ms1017 دفعنا بجهدنا حتى يقضي ~~الله ما أراد. فأجابتهم إلى ذلك. ودعوا عبد الله بن عمر ليسير معهم، فابى ~~وقال: أنا من أهل المدينة أفعل ما يفعلون. فتركوه. وكان أزواج النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، معها على قصد المدينة، فلما تغير رأيها إلى البصرة تركن ~~ذلك، وأجابتهم حفصة إلى المسير معهم، فمنعها أخوها عبد الله بن عمر. وجهزهم ~~يعلى بن منية بستمائة بعير وستمائة ألف درهم، وجهزهم ابن عامر بمال كثير، ~~ونادى مناديها: إن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة، فمن أراد ~~إعزاز الإسلام وقتال المحلين والطلب بثأر عثمان وليس له مركب وجهاز فليأت! ~~فحملوا ستمائة على ستمائة بعير وساروا في ألف، وقيل: في تسعمائة من أهل ~~المدينة ومكة، ولحقهم الناس فكانوا في ثلاثة آلاف رجل. وبعثت أم الفضل بنت ~~الحرث أم عبد الله بن عباس رجلا من جهينة يدعى ظفرا فاستأجرته على أن يأتي ~~عليا بالخبر، فقدم على علي بكتابها. وخرجت عائشة ومن معها من مكة، فلما ~~خرجوا منها وأذن مروان بن الحكم، ثم جاء حتى وقف على طلحة والزبير فقال: ~~على أيكما أسلم بالإمرة وأؤذن بالصلاة؟ فقال عبد الله بن الزبير: على أبي ~~عبد الله، يعني أباه الزبير. وقال محمد بن طلحة: على أبي محمد، يعني أباه ~~طلحة. فأرسلت عائشة إلى مروان وقالت له: أتريد أن تفرق أمرنا! ليصل بالناس ~~ابن أختي، تعني عبد الله بن الزبير. وقيل: بلى صلى بالناس عبد الرحمن بن ~~عتاب بن أسيد حتى قتل، فكان معاذ ابن عبيد الله يقول: والله لو ظفرنا ~~لاقتتلنا، ما كان الزبير يترك طلحة والأمر ولا كان طلحة يترك الزبير ~~والأمر. PageV02P0029 # وتبعها أمهات المؤمنين إلى ذات عرق فبكوا على الإسلام، فلم ير يوم كان ~~أكثر باكيا وباكية من ذلك اليوم، فكان يسمى يوم النحيب. فلما بلغوا ذات عرق ~~لقي سعيد بن العاص مروان بن الحكم وأصحابه بها فقال: أين تذهبون وتتركون ~~ثأركم على أعجاز الإبل وراءكم؟ يعني عائشة وطلحة والزبير، اقتلوهم ثم ~~ارجعوا إلى منازلكم. فقالوا: نسير فلعلنا ms1018 نقتل قتلة عثمان جميعا. فخلا سعيد ~~بطلحة والزبير فقال: إن ظفرتما لمن تجعلان الأمر؟ اصدقاني. قالا: نجعله ~~لأحدنا أينا اختاره الناس. قال: بل تجعلونه لولد عثمان فإنكم خرجتم تطلبون ~~بدمه. فقالا: ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لأيتام! قال: فلا أراني أسعى إلا ~~لإخراجها من بني عبد مناف. فرجع ورجع عبد الله ابن خالد بن أسيد، وقال ~~المغيرة بن شعبة: الرأي ما قال سعيد، من كان ههنا من ثقيف فليرجع. فرجع ~~ومضى القوم ومعهم أبان والوليد ابنا عثمان. وأعطى يعلى بن منية عائشة جملا ~~اسمه عسكر اشتراه بثمانين دينارا، فركبته، وقيل: بل كان جملها لرجل من ~~عرينة. قال العرني: بينما أنا أسير على جمل إذ عرض لي راكب فقال: أتبيع ~~جملك؟ قلت: نعم. قال: بكم؟ قلت: بألف درهم. قال: أمجنون أنت؟ قلت: ولم؟ ~~والله ما طلبت عليه أحدا إلا أدركته ولا طلبني وأنا عليه أحد إلا فته. قال: ~~لو تعلم لمن نريده! إنما نريده لأم المؤمنين عائشة! فقلت: خذه بغير ثمن. ~~قال: بل ترجع معنا إلى الرحل فنعطيك ناقة ودراهم. قال: فرجعت معه فأعطوني ~~ناقة مهرية وأربعمائة درهم أو ستمائة، وقالوا لي: يا أخا عرينة هل لك دلالة ~~بالطريق؟ قلت: أنا من أدل الناس. قالوا: فسر معنا. فسرت معهم فلا أمر على ~~واد إلا سألوني عنه، حتى طرقنا الحوأب، وهو ماء، فنبحتنا كلابه، فقالوا: أي ~~ماء هذا؟ فقلت: هذا ماء الحواب. فصرخت عائشة بأعلى صوتها وقالت: إنا لله ~~وإنا إليه راجعون، إني لهيه، سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول ~~وعنده نساؤه: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب! ثم ضربت عضد بعيرها ~~فأناخته وقالت: ردوني، أنا والله صاحبة ماء الحوأب. فأناخوا حولها يوما ~~وليلة، فقال لها عبد الله بن الزبير: إنه كذب، ولم يزل بها وهي تمتنع، فقال ~~لها: النجاء النجاء! قد أدرككم علي بن أبي طالب. فارتحلوا نحو البصرة فلما ~~كانوا بفنائها لقيهم عمير بن عبد الله التميمي وقال: يا أم المؤمنين أنشدك ~~الله أن تقدمي اليوم على قوم لم ms1019 تراسلي منهم أحدا فعجلي ابن عامر فإن له ~~بها صنائع فليذهب إليهم ليلقوا الناس إلى أن تقدمي ويسمعوا ما جئتم به. ~~فأرسلته فاندس إلى البصرة، فأتى القوم، وكتبت عائشة إلى رجال من أهل البصرة ~~وإلى الأحنف بن قيس وصبرة بن شيمان وأمثالهم وأقامت بالحفير تنتظر الجواب. ~~ولما بلغ ذلك أهل البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران بن حصين وكان رجل عامة، ~~وألزه بأبي الأسود الدئلي، وكان رجل خاصة، وقال لهما: انطلقا إلى هذه ~~المرأة فاعلما علمها وعلم من معها. فخرجا فانتهيا إليها بالحفير، فأذنت ~~لهما، فدخلا وسلما وقالا: إن أميرنا بعثنا إليك لنسألك عن مسيرك فهل أنت ~~مخبرتنا؟ فقالت: والله ما مثل يعطي لبنيه الخبر، إن الغوغاء ونزاع القبائل ~~غزوا حرم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأحدثوا فيه وآووا المحدثين ~~فاستوجبوا لعنة الله ولعنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع ما نالوا من ~~قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر فاستحلوا الدم الحرام وسفكوه وانتهبوا ~~المال الحرام وأحلوا البلد الحرام والشهر الحرام فخرجت في المسلمين أعلمهم ~~ما أتى هؤلاء وما الناس فيه وراءنا وما ينبغي لهم من إصلاح هذه القصة، ~~وقرأت: (لا خير في كثير من نجواهم) النساء: 114 الآية، فهذا شأننا إلى ~~معروف نأمركم به ومنكر ننهاكم عنه. فخرج عمران وأبو الأسود من عندها فأتيا ~~طلحة وقالا: ما أقدمك؟ فقال: الطلب بدم عثمان. فقالا: ألم تبايع عليا؟ ~~فقال: بلى والسيف على عنقي وما أستقيل عليا البيعة إن هو لم يحل بيننا وبين ~~قتلة عثمان. ثم أتيا الزبير فقالا له مثل قولهما لطلحة، وقال لهما مثل قول ~~طلحة، فرجعا إلى عثمان بن حنيف ونادى مناديها بالرحيل، فدخلا على عثمان ~~فبادر أبو الأسود عمران فقال: يا ابن حنيف قد أتيت فانفر ... وطاعن القوم ~~وجالد واصبر وابرز لهم مستلئما وشمر PageV02P0030 # فقال عثمان: إنا لله وإنا إليه راجعون، دارت رحى الإسلام ورب الكعبة ~~فانظروا بأي زيفان تزيف. فقال عمران: إي والله لتعركنكم عركا طويلا. قال: ~~فأشر علي يا عمران. قال: اعتزل ms1020 فإني قاعد. قال عثمان: بل أمنعهم حتى يأتي ~~أمير المؤمنين. فانصرف عمران إلى بيته وقام عثمان في أمره، فأتاه هشام بن ~~عامر فقال: إن هذا الأمر الذي تريده يسلم إلى شر مما تكره، إن هذا فتق لا ~~يرتق، وصدع لا يجبر، فارفق بهم وسامحهم حتى يأتي أمر علي. فأبى ونادى عثمان ~~في الناس وأمرهم بلبس السلاح، فاجتمعوا إلى المسجد، وأمرهم بالتجهز، وأمر ~~رجلا دسه إلى الناس خدعا كوفيا قيسيا، فقام فقال: أيها الناس أنا قيس بن ~~العقدية الحميسي، إن هؤلاء القوم إن كانوا جاؤوا خائفين، فقد أتوا من بلد ~~يأمن فيه الطير، وإن كانوا جاؤوا يطلبون بدم عثمان فما نحن بقتلة عثمان، ~~فأطيعوني وردوهم من حيث جاؤوا. فقام الأسود ابن سريع السعدي فقال: أو زعموا ~~أنا قتلة عثمان؟ إنما أتوا يستعينون بنا على قتلة عثمان منا ومن غيرنا. ~~فحصبه الناس فعرف عثمان أن لهم بالبصرة ناصرا فكسره ذلك. فأقبلت عائشة فيمن ~~معها حتى انتهوا إلى المربد فدخلوا من أعلاه ووقفوا حتى خرج عثمان فيمن معه ~~وخرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يكون معها، فاجتمع القوم بالمربد، ~~فتكلم طلحة وهو في ميمنة المربد وعثمان في ميسرته، فأنصتوا له، فحمد الله ~~وأثنى عليه وذكر عثمان وفضله وما استحل منه ودعا إلى الطلب بدمه وحثهم ~~عليه، وكذلك الزبير. فقال من في ميمنة المربد: صدقا وبرا. وقال من في ~~ميسرته: فجرا وغدرا وأمرا بالباطل، فقد بايعا عليا ثم جاءا يقولان، وتحاثى ~~الناس وتحاصبوا وأرهجوا. فتكلمت عائشة، وكانت جهورية الصوت، فحمدت الله ~~وقالت: كان الناس يتجنون على عثمان ويزرون على عماله ويأتوننا بالمدينة ~~فيستشيروننا فيما يخبروننا عنهم، فننظر في ذلك فنجده بريئا تقيا وفيا، ~~ونجدهم فجرة غدرة كذبة، وهم يحاولون غير ما يظهرون فلما قووا كاثروه ~~واقتحموا عليه داره واستحلوا الدم الحرام والشهر الحرام والبلد الحرام بلا ~~ترة ولا عذر، ألا إن مما ينبغي ولا ينبغي لكم غيره، أخذ قتلة عثمان وإقامة ~~كتاب الله، وقرأت: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ms1021 يدعون إلى كتاب ~~الله) آل عمران: 23 الآية؛ فافترق أصحاب عثمان فرقتين، فرقة قالت: صدقت ~~وبرت، وقال الآخرون: كذبتم والله ما نعرف ما جئتم به! فتحاثوا وتحاصبوا. ~~فلما رأت عائشة ذلك انحدرت وانحدر أهل الميمنة مفارقين لعثمان بن حنيف حتى ~~وقفوا في المربد في موضع الدباغين، وبقي أصحاب عثمان على حالهم، ومال بعضهم ~~إلى عائشة وبقي بعضهم مع عثمان. وأقبل جارية بن قدامة السعدي وقال: يا أم ~~المؤمنين والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون ~~عرضة للسلاح! إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكت سترك وأبحت حرمتك! إنه ~~من رأى قتالك يرى قتلك! لئن كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك، وإن كنت ~~أتيتنا مكرهة فاستعيني بالناس. وخرج غلام شاب من بني سعد إلى طلحة والزبير ~~فقال: أما أنت يازبير فحواري رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأما أنت يا ~~طلحة فوقيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيدك وأرى أمكما معكما فهل ~~جئتما بنسائكما؟ قالا: لا. قال: فما أنا منكم في شيء؛ واعتزل وقال في ذلك: ~~صنتم حلائلكم وقدتم أمكم ... هذا لعمرك قلة الإنصاف أمرت بجر ذيولها في ~~بيتها ... فهوت تشق البيد بالإيجاف غرضا يقاتل دونها أبناؤها ... بالنبل ~~والخطي والأسياف هكت بطلحة والزبير ستورها ... هذا امخبر عنهم والكافي ~~PageV02P0031 # وأقبل حكيم بن جبلة العبدي وهو على الخيل، فأنشب القتال، وأشرع أصحاب ~~عائشة رماحهم وأمسكوا ليسمك حكيم وأصحابه، فلم ينته وقاتلهم وأصحاب عائشة ~~كافون يدفعون عن أنفسهم وحكيم يذمر خيله ويركبهم بها، فاقتتلوا على فم ~~السكة، وأمرت عائشة أصحابها فتيامنوا إلى مقبرة بني مازن وحجز الليل بينهم، ~~ورجع عثمان إلى القصر، وأتى أصحاب عائشة إلى ناحية دار الرزق وباتوا ~~يتأهبون وبات الناس يأتونهم واجتمعوا بساحة دار الرزق. فغاداهم حكيم بن ~~جبلة وهو يسب وبيده الرمح، فقال له رجل من عبد القيس: من هذا الذي تسبه؟ ~~قال: عائشة. قال: يا ابن الخبيثة الأم المؤمنين تقول هذا؟ فطعنه حكيم ~~فقتله. ثم مر بامرأة وهو يسبها أيضا، فقالت ms1022 له: ألأم المؤمنين تقول هذا يا ~~ابن الخبيثة؟ فطعنها فقتلها. ثم سار فاقتتلوا بدار الرزق قتالا شديدا إلى ~~أن زال النهار وكثر القتل في أصحاب عثمان بن حنيف وكثر الجراح في الفريقين. ~~فلما عضتهم الحرب تنادوا إلى الصلح وتوادعوا، فكتبوا بينهم كتابا على أن ~~يبعثوا رسولا إلى المدينة يسأل أهلها، فإن كان طلحة والزبير أكرها خرج ~~عثمان ابن حنيف عن البصرة وأخلاها لهما، وإن لم يكونا أكرها خرج طلحة ~~والزبير، وكتبوا بينهم كتابا بذلك. وسار كعب بن سور إلى أهل المدينة ~~يسألهم. فلما قدمها اجتمع الناس إليه، وكان يوم جمعة، فقام وقال: يا أهل ~~المدينة، أنا رسول أهل البصرة، نسألكم هل أكره طلحة والزبير على بيعة علي ~~أم أتياها طائعين؟ فلم يجبه أحد إلا أسامة بن زيد فإنه قام وقال: إنهما ~~بايعا وهما مكرهان. فأمر به تمام بن العباس فواثبه سهل بن حنيف والناس وثار ~~صهيب وأبو أيوب في عدة من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فيهم محمد بن ~~مسلمة حين خافوا أن يقتل أسامة فقالوا: اللهم نعم. فتركوه، وأخذ صهيب أسامة ~~بيده إلى منزله وقال له: أما وسعك ما وسعنا من السكوت؟ قال: ما كنت أظن أن ~~الأمر كما أرى. فرجع كعب وبلغ عليا الخبر، فكتب إلى عثمان يعجزه وقال: ~~والله ما أكرها على فرقة ولقد أكرها على جماعة وفضل، فإن كان يريدان الخلع ~~فلا عذر لهما، وإن كانا يريدان غير ذلك نظرنا ونظروا. فقدم الكتاب على ~~عثمان، وقدم كعب بن سور، فأرسلوا إلى عثمان ليخرج، فاحتج بالكتاب وقال: هذا ~~أمر آخر غير ما كنا فيه. فجمع طلحة والزبير الرجال في ليلة مظلمة ذات رياح ~~ومطر ثم قصدا المسجد فوافقا صلاة العشاء، وكانوا يؤخرونها، فأبطأ عثمان، ~~فقدما عبد الرحمن بن عتاب، فشهر الزط والسيابجة السلاح ثم وضعوه فيهم، ~~فأقبلوا عليهم فاقتتلوا في المسجد فقتلوا، وهم أربعون رجلا، فأدخلا الرجال ~~على عثمان فأخرجوه إليهما. فلما وصل إليهما توطؤوه وما بقيت في وجهه شعرة، ~~فاستعظما ذلك وأرسلا إلى عائشة يعلمانها ms1023 الخبر، فأرسلت إليهما أن خلوا ~~سبيله. وقيل: لما أخذ عثمان أرسله إلى عائشة يستشيرونها في أمره، فقالت: ~~اقتلوه. فقالت لها امرأة: نشدتك الله في عثمان وصحبته لرسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم! فقالت لهم: احبسوه. فقال لهم مجاشع بن مسعود: اضربوه وانتفوا ~~لحيته وحاجبيه وأشفار عينيه. فضربوه أربعين سوطا ونتفوا لحيته وحاجبيه ~~وأشفار عينيه وحبسوه ثم أطلقوه وجعلوا على بيت المال عبد الرحمن بن أبي بكر ~~الصديق. وقد قيل في إخراج عثمان غير ما تقدم، وذلك أن عائشة وطلحة والزبير ~~لما قدموا البصرة كتبت عائشة إلى زيد بن صوحان: من عائشة أم المؤمنين حبيبة ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان، أما بعد ~~فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم فانصرنا، فإن لم تفعل فخذل الناس عن علي. فكتب ~~إليها: أما بعد فأنا ابنك الخالص، لئن اعتزلت ورجعت إلى بيتك وإلا فأنا أول ~~من نابذك. وقال زيد: رحم الله أم المؤمنين! أمرت أن تلزم بيتها وأمرنا أن ~~نقاتل، فتركت ما أمرت به وأمرتنا به وصنعت ما أمرنا به ونهتنا عنه. وكان ~~على البصرة عند قدومها عثمان بن حنيف فقال لهم: ما نقمتم على صاحبكم؟ ~~فقالوا: لم نره أولى بها منا وقد صنع ما صنع. قال: فإن الرجل أمرني فأكتب ~~إليه فأعلمه ما جئتم به على أن أصلي أنا بالناس حتى يأتينا كتابه. ~~PageV02P0032 # فوقفوا عنه، فكتب فلم يلبث إلا يومين أو ثلاثة حتى وثبوا على عثمان عند ~~مدينة الرزق فظروا وأرادوا قتله ثم خشوا غضب الأنصار فنتفوا شعر رأسه ~~ولحيته وحاجبيه وضربوه وحبسوه. وقام طلحة والزبير خطيبين فقالا: يا أهل ~~البصرة توبة لحوبة، إنما أردنا أن نستعتب أمير المؤمنين عثمان فغلب السفهاء ~~الحلماء فقتلوه! فقال الناس لطلحة: يا أبا محمد قد كانت كتبك تأتينا بغير ~~هذا. فقال الزبير: هل جاءكم مني كتاب في شأنه؟ ثم ذكر قتل عثمان وأظهر عيب ~~علي، فقام إليه رجل من عبد القيس فقال: أيها الرجل أنصت حتى نتكلم. فأنصت. ~~فقال العبدي: يا معشر ms1024 المهاجرين أنتم أول من أجاب رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، فكان لكم بذلك فضل ثم دخل الناس في الإسلام كما دخلتم، فلما توفي ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بايعتم رجلا منكم فرضينا وسلمنا ولم ~~تستأمرونا في شيء من ذلك، فجعل الله للمسلمين في إمارته بركة، ثم مات ~~واستخلف عليكم رجلا فلم تشاورونا في ذلك فرضينا وسلمنا، فلما توفي جعل ~~أمركم إلى ستة نفر فاخترتم عثمان وبايعتموه عن غير مشورتنا، ثم أنكرتم منه ~~شيئا فقتلتموه عن غير مشورة منا، ثم بايعتم عليا عن غير مشورة منا، فما ~~الذي نقمتم عليه فنقاتله؟ هل استأثر بفيء أو علم بغير الحق أو أتى شيئا ~~تنكرونه فنكون معكم عليه، وإلا فما هذا؟ فهموا بقتل ذلك الرجل، فمنعته ~~عشيرته، فلما كان الغد وثبوا عليه وعلى من معه فقتلوا منهم سبعين. وبقي ~~طلحة والزبير بعد أخذ عثمان بالبصرة ومعهما بيت المال والحرس والناس، ومن ~~لم يكن معهما استتر. وبلغ حكيم بن جبلة ما صنع بعثمان بن حنيف فقال: لست ~~أخاف الله إن لم أنصره! فجاء في جماعة من عبد القيس ومن تبعه من ربيعة ~~وتوجه نحو دار الرزق، وبها طعام أراد عبد الله بن الزبير أن يرزقه أصحابه، ~~فقال له عبد الله: ما لك يا حكيم؟ قال: نريد أن نرتزق من هذا الطعام وأن ~~تخلوا عثمان فيقيم في دار الإمارة على ما كتبتم بينكم حتى يقدم علي، وايم ~~الله لو أجد أعوانا عليكم ما رضيت بهذه منكم حتى أقتلكم بمن قتلهم، ولقد ~~أصبحتم وإن دماءكم لنا لحلال بمن قتلتم، أما تخافون الله؟ بم تستحلون الدم ~~الحرام؟ قال: بدم عثمان. قال: فالذين قتلتم هم قتلوا عثمان، أما تخافون مقت ~~الله؟ فقال له عبد الله: لا نرزقكم من هذا الطعام ولا نخلي سبيل عثمان حتى ~~تخلع عليا. فقال حكيم: اللهم إنك حكم عدل فاشهد، وقال لأصحابه: لست في شك ~~من قتال هؤلاء القوم، فمن كان في شك فلينصرف. وتقدم فقاتلهم. فقال طلحة ~~والزبير: الحمد لله الذي جمع ms1025 لنا ثأرنا من أهل البصرة، اللهم لا تبق منهم ~~أحدا! فاقتتلوا قتالا شديدا، ومع حكيم أربعة قواد، فكان حكيم بحيال طلحة، ~~وذريح بحيال الزبير، وابن المحترش بحيال عبد الرحمن بن عتاب، وحرقوص بن ~~زهير بحيال عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، فزحف طلحة لحكيم وهو في ثلثمائة، ~~وجعل حكيم يضرب بالسيف ويقول: أضربهم باليابس ... ضرب غلام عابس من الحياة ~~آيس ... في الغرفات نافس فضرب رجل رجله فقطعها، فحبا حتى أخذها فرمى بها ~~صاحبه فصرعه وأتاه فقتله ثم اتكأ عليه وقال: يا ساقي لن تراعي ... إن معي ~~ذراعي احمي بها كراعي وقال أيضا: ليس علي أن أموت عار ... والعار في الناس ~~هو الفرار والمجد لا يفضحه الدمار فأتى عليه رجل وهو رثيث، رأسه على آخر، ~~فقال: ما لك يا حكيم؟ قال: قتلت. قال: من قتلك؟ قال: وسادتي. فاحتمله وضمه ~~في سبعين من أصحابه، وتكلم يومئذ حكيم وإنه لقائم على رجل واحدة، وإن ~~السيوف لتأخذهم وما يتتعتع ويقول: إنا خلفنا هذين، وقد بايعا عليا وأعطياه ~~الطاعة ثم أقبلا مخالفين محاربين يطلبان بدم عثمان، ففرقا بيننا ونحن أهل ~~دار وجوار، اللهم إنهما لم يريدا عثمان! فناداه مناد: يا خبيث! جزعت حين ~~عضك نكال الله إلى كلام من نصبك وأصحابك بما ركبتم من الإمام المظلوم ~~وفرقتم من الجماعة وأصبتم من الدماء، فذق وبال الله وانتقامه. وقتلوا وقتل ~~معهم، قتله يزيد بن الأسحم الحداني، فوجد حكيم قتيلا بين يزيد وأخيه كعب. ~~PageV02P0033 # وقيل: قتله رجل يقال له ضخيم وقتل معه ابنه الأشرف وأخوه الرعل بن جبلة. ~~ولما قتل حكيم أرادوا قتل عثمان بن حنيف فقال لهم: أما إن سهلا بالمدينة ~~فإن قتلتموني انتصر، فخلوا سبيله، فقصد عليا. وقتل ذريح ومن معه، وأفلت ~~حرقوص بن زهير في نفر من أصحابه، فلجأوا إلى قومهم، فنادى منادي طلحة ~~والزبير: من كان فيهم أحد ممن غزا المدينة فليأتنا بهم، فجيء بهم فقتلوا ~~ولم ينج منهم إلا حرقوص بن زهير، فإن عشيرته بني سعد منعوه، وكان منهم، ~~فنالهم من ذلك أمر ms1026 شديد، وضربوا فيه أجلا وخشنوا صدور بني سعد، وكانوا ~~عثمانية، فاعتزلوا، وغضبت عبد القيس حين غضبت سعد لمن قتل منهم بعد الوقعة ~~ومن كان هرب إليهم إلى ما هم عليه من لزوم الطاعة لعلي، فأمر طلحة والزبير ~~للناس بأعطياتهم وأرزاقهم وفضلا أهل السمع والطاعة، فخرجت عبد القيس وكثير ~~من بكر بن وائل حين منعوهم الفضول فبادروهم إلى بيت المال وأكب عليهم الناس ~~فأصابوا منهم وخرجوا حتى نزلوا على طريق علي. وأقام طلحة والزبير وليس ~~معهما ثأر إلا حرقوص بن زهير، وكتبوا إلى أهل الشام بما صنعوا وصاروا إليه، ~~وكتبت عائشة إلى أهل الكوفة بما كان منهم وتأمرهم أن يثبطوا الناس عن علي ~~وتحثهم على طلب قتلة عثمان، وكتبت إلى أهل اليمامة وإلى أهل المدينة بما ~~كان منهم أيضا، وسيرت الكتب. وكانت هذه الوقعة لخمس ليال بقين من شهر ربيع ~~الآخر سنة ست وثلاثين. وبايع أهل البصرة طلحة والزبير، فلما بايعوهما قال ~~الزبير: ألا ألف فارس أسير بهم إلى علي أقتله بياتا أو صباحا قبل أن يصل ~~إلينا! فلم يجبه أحد، فقال: إن هذه للفتنة التي كنا نحدث عنها. فقال له ~~مولاه: أتسميها فتنة وتقاتل فيها؟ قال: ويلك! إنا نبصر ولا نبصر، ما كان ~~أمر قط إلا وأنا أعلم موضع قدمي فيه غير هذا الأمر فإني لا أدري أمقبل أنا ~~فيه أم مدبر! وقال علقمة بن وقاص الليثي: لما خرج طلحة والزبير وعائشة رأيت ~~طلحة وأحب المجالس إليه أخلاها وهو ضارب بلحيته على صدره، فقلت: يا أبا ~~محمد أرى أحب المجالس إليك أخلاها وأنت ضارب بلحيتك على صدرك، إن كرهت شيئا ~~فاجلس. قال: فقال لي: يا علقمة بينا نحن يد واحدة على من سوانا إذ صرنا ~~جبلين من حديد يطلب بعضنا بعضا، إنه كان مني في عثمان شيء ليس توبتي إلا أن ~~يسفك دمي في طلب دمه. قال: فقلت: فرد ابنك محمدا فإن لك ضيعة وعيالا، فإن ~~يك شيء يخلفك. قال: فامنعه. قال: فأتيت محمدا ابنه فقلت له: لو أقمت فإن ms1027 ~~حدث به حدث كنت تخلفه في عياله وضيعته. قال: ما أحب أن أسأل عنه الركبان. ~~يعلى بن منية بضم الميم، وسكون النون، والياء المعجمة باثنتين من تحتها، ~~وهي أمه، واسم أبيه أمية. عبد الله بن خالد بن أسيد. جارية ابن قدامة ~~بالجيم. حكيم بن جبلة بضم الحاء، وفتح الكاف، وقيل بفتح الحاء، وكسر الكاف. ~~وصوحان بضم الصاد، وآخره نون. ### || AUT ذكر مسير علي إلى البصرة والوقعة # قد ذكرنا فيما تقدم تجهز علي إلى الشام، فبينما هو على ذلك أتاه الخبر ~~عن طلحة والزبير وعائشة من مكة بما عزموا عليه، فلما بلغه ذلك دعا وجوه أهل ~~المدينة وخطبهم، فحمد الله واثنى عليه ثم قال: إن آخر هذا الأمر لا يصلح ~~إلا بما صلح به أوله، فانصروا الله ينصركم ويصلح لكم أمركم. فتثاقلوا، فلما ~~رأى زياد بن حنظلة تثاقل الناس انتدب إلى علي وقال له: من تثاقل عنك فإنا ~~نخف معك فنقاتل دونك. وقام رجلان صالحان من أعلام الأنصار، أحدهما أبو ~~الهيثم ابن التيهان، وهو بدري، والثاني خزيمة بن ثابت، وقيل: هو ذو ~~الشهادتين، وقال الحكم: ليس بذي الشهادتين، مات ذو الشهادتين أيام عثمان، ~~فأجابه إلى نصرته. PageV02P0034 # قال الشعبي: ما نهض في تلك الفتنة إلا ستة نفر بدريون ما لهم سابع. وقال ~~سعيد بن زيد: ما اجتمع أربعة من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، لخير ~~يعملونه إلا وعلي أحدهم، قيل: وقال أبو قتادة الأنصاري لعلي: يا أمير ~~المؤمنين إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قلدني هذا السيف وقد أغمدته ~~زمانا وقد حان تجريده على هؤلاء القوم الظالمين الذين لا يألون الأمة غشا، ~~وقد أحببت أن تقدمني فقدمني. وقالت أم سلمة: يا أمير المؤمنين لولا أن أعصي ~~الله وأنك لا تقبله مني لخرجت معك، وهذا ابن عمي، وهو والله أعز علي من ~~نفسي، يخرج معك ويشهد مشاهدك. فخرج معه وهو لم يزل معه، واستعمله علي على ~~البحرين ثم عزله واستعمل النعمان بن عجلان الزرقي. فلما أراد علي المسير ~~إلى البصرة وكان ms1028 يرجو أن يدرك طلحة والزبير فيردهما قبل وصولهما إلى البصرة ~~أو يوقع بهما، فلما سار استخلف على المدينة تمام بن العباس، وعلى مكة قثم ~~بن العباس، وقيل: أمر على المدينة سهل بن حنيف، وسار علي من المدينة في ~~تعبيته التي تعباها لأه الشام آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، فقالت ~~أخت علي بن عدي من بني عبد شمس: لا هم فاعقر بعلي جمله ... ولا تبارك في ~~بعير حمله ألا علي بن عدي ليس له وخرج معه من نشط من الكوفيين والبصريين ~~متخففين في تسعمائة، وهو يرجو أن يدركهم فيحول بينهم وبين الخروج أو ~~يأخذهم، فلقيه عبد الله بن سلام فأخذ بعنانه وقال: يا أمير المؤمنين لا ~~تخرج منها، فوالله إن خرجت منها لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا! فسبوه. ~~فقال: دعوا الرجل من أصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم. وسار حتى انتهى إلى ~~الربذة، فلما انتهى إليها أتاه خبر سبقهم، فأقام بها يأتمر ما يفعل، وأتاه ~~ابنه الحسن في الطريق فقال له: لقد أمرتك فعصيتني فتقتل غدا بمضيعة لا ناصر ~~لك. فقال له علي: إنك لا تزال تخن خنين الجارية، وما الذي أمرتني فعصيتك؟ ~~قال: أمرتك يوم أحيط بعثمان أن تخرج من المدينة فيقتل ولست بها، ثم أمرتك ~~يوم قتل أن لا تبايع حتى تأتيك وفود العرب وبيعة أهل كل مصر فإنهم لن ~~يقطعوا أمرا دونك، فأبيت علي، وأمرتك حين خرجت هذه المرأة وهذان الرجلان أن ~~تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فإن كان الفساد كان على يد غيرك، فعصيتني في ذلك ~~كله. فقال: أي بني! أما قولك: لو خرجت من المدينة حين أحيط بعثمان، فوالله ~~لقد أحيط بنا كما أحيط به، وأما قولك: لا تبايع حتى يبايع أهل الأمصار، فإن ~~الأمر أمر أهل المدينة وكرهنا أن يضيع هذا الأمر، ولقد مات رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، وما أرى أحدا أحق بهذا الأمر مني، فبايع الناس أبا بكر ~~الصديق فبايعته، ثم إن أبا بكر انتقل إلى رحمة الله وما ms1029 أرى أحدا أحق بهذا ~~الأمر مني، فبايع الناس عمر فبايعته، ثم إن عمر انتقل إلى رحمة الله وما ~~أرى أحدا أحق بهذا الأمر مني فجعلني سهما من ستة أسهم، فبايع الناس عثمان ~~فبايعته، ثم سار الناس إلى عثمان فقتلوه وبايعوني طائعين غير مكرهين، فأنا ~~مقاتل من خالفني بمن أطاعني حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين. وأما قولك أن ~~أجلس في بيتي حين خرج طلحة والزبير، فكيف لي بما قد لزمني أو من تريدني؟ ~~أتريدني أن أكون كالضبع التي يحاط بها ويقال ليست ههنا حتى يحل عرقوباها ~~حتى تخرج! وإذا لم أنظر فيما يلزمني من هذا الأمر ويعنيني فمن ينظر فيه؟ ~~فكف عنك يا بني. PageV02P0035 # ولما قدم علي الربذة وسمع بها خبر القوم أرسل منها إلى الكوفة محمد بن ~~أبي بكر الصديق ومحمد بن جعفر وكتب إليهم: إني اخترتكم على الأمصار وفزعت ~~إليكم لما حدث، فكونوا لدين الله أعوانا وأنصارا وانهضوا إلينا، فالإصلاح ~~نريد لتعود هذه الأمة إخوانا. فمضيا وبقي علي بالربذة يتهيأ، وأرسل إلى ~~المدينة فأتاه ما يريده من دابة وسلاح وأمر أمره وقام في الناس فخطبهم ~~وقال: إن الله تبارك وتعالى أعزنا بالإسلام ورفعنا به وجعلنا به إخوانا بعد ~~ذلة وقلة وتباغض وتباعد، فجرى الناس على ذلك ما شاء الله، الإسلام دينهم ~~والحق فيهم والكتاب إمامهم، حتى أصيب هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين ~~نزغهم الشيطان لينزغ بين هذه الأمة! ألا إن هذه الأمة لابد مفترقة كما ~~افترقت الأمم قبلها، فنعوذ بالله من شر ما هو كائن؛ ثم عاد ثانية وقال: إنه ~~لابد مما هو كائن أن يكون، ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة ~~شرها فرقة تنتحلني ولا تعمل بعملي، وقد أدركتم ورأيتم، فالزموا دينكم ~~واهدوا بهديي فإنه هدي نبيكم واتبعوا سنته وأعرضوا عما أشكل عليكم حتى ~~تعرضوه على القرآن فما عرفه القرآن فالزموه وما أنكره فردوه، وارضوا بالله ~~ربا وبالإسلام دينا ومحمد نبيا وبالقرآن حكما وإماما. فلما أراد المسير من ~~الربذة إلى البصرة قام إليه ms1030 ابن لرفعاعة بن رافع فقال: يا أمير المؤمنين أي ~~شيء تريد وأين تذهب بنا؟ فقال: أما الذي نريد وننوي فالإصلاح إن قبلوا منا ~~وأجابونا إليه. قال: فإن لم يجيبونا إليه؟ قال: ندعهم بعذرهم ونعطيهم الحق ~~ونصبر. قال: فإن لم يرضوا؟ قال: ندعهم ما تركونا. قال: فإن لم يتركونا؟ ~~قال: امتنعنا منهم. قال: فنعم إذا. وقام الحجاج بن غزية الأنصاري فقال: ~~لأرضينك بالفعل كما أرضيتني بالقوم؛ وقال: دراكها دراكها قبل الفوت ... ~~فانفر بنا واسم بنا نحو الصوت لا وألت نفسي إن كرهت الموت والله لننصرن ~~الله كما سمانا أنصارا! ثم أتاه جمعة من طيء وهو بالربذة، فقيل لعلي: هذه ~~جماعة قد أتتك، منهم من يريد الخروج معك ومنهم من يريد التسليم عليك. قال: ~~جزى الله كليهما خيرا وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما. فلما ~~دخلوا عليه قال لهم: ما شهدتمونا به؟ قالوا: شهدناك بكل ما تحب. فقال: ~~جزاكم الله خيرا فقد أسلمتم طائعين وقاتلتم المرتدين ووافيتم بصدقاتكم ~~المسلمين. فنهض سعيد بن عبيد الطائي فقال: يا أمير المؤمنين إن من الناس من ~~يعبر لسانه عما في قلبه، وإني والله ما أجد لساني يعبر عما في قلبي، وسأجهد ~~وبالله التوفيق، أما أنا فسأنصح لك في السر والعلانية، وأقاتل عدوك في كل ~~موطن، وأرى من لحق لك ما لا أرها لأحد غيرك من أهل زمانك لفضلك وقرابتك. ~~فقال: رحمك الله! قد أدى لسانك عما يجن ضميرك. فقتل معه بصفين. وسار علي من ~~الربذة وعلى مقدمته أبو ليلى بن عمر بن الجراح وعلى الميمنة عبد الله بن ~~عباس وعلى الميسرة عمر بن أبي سلمة أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد، والراية ~~مع محمد بن الحنفية، وعلي على ناقة حمراء يقود فرسا كميتا. فلما نزل بفيد ~~أتته أسد وطيء فعرضوا عليه أنفسهم، فقال: الزموا قراركم، في المهاجرين ~~كفاية. وأتاه رجل بفيد من الكوفة، فقال له: من الرجل؟ قال: عامر بن مطر ~~الشيباني. قال: أخبر عما وراءك. فأخبره، فسأله عن أبي موسى، فقال: إن أردت ms1031 ~~الصلح فأبو موسى صاحبه، وإن أردت القتال فليس بصاحبه. فقال علي: والله ما ~~اريد إلا الصلح حتى يرد علينا. ولما نزل علي الثعلبية أتاه الذي لقي عثمان ~~بن حنيف وحرسه فأخبر أصحابه الخبر فقال: اللهم عافني مما ابتليت به طلحة ~~والزبير. فلما انتهى إلى الإساد أتاه ما لقي حكيم بن جبلة وقتلة عثمان ~~فقال: الله أكبر! ما ينجيني من طلحة والزبير إن أصابا ثأرهما! وقال: دعا ~~حكيم دعوة الزماع ... حل بها منزلة النزاع PageV02P0036 # فلما انتهى إلى ذي قار أتاه فيها عثمان بن حنيف وليس في وجهه شعرة، وقيل: ~~أتاه بالربذة، وكانوا قد نتفوا شعر رأسه ولحيته، وعلى ما ذكرناه، فقال: يا ~~أمير المؤمنين بعثتني ذا لحية وقد جئتك أمرد. فقال: أصبت أجرا وخيرا، إن ~~الناس وليهم قبل رجلان فعملا بالكتاب والسنة، ثم وليهم ثالث فقالوا وفعلوا، ~~ثم بايعوني وبايعني طلحة والزبير، ثم نكثا بيعتي وألبا الناس علي، ومن ~~العجب انقيادهما لأبي بكر وعمر وعثمان وخلافهما علي، والله إنهما ليعلمان ~~أني لست بدون رجل ممن تقدم، اللهم فاحلل ما عقدا ولا تبرم ما أحكما في ~~أنفسهما وأرهما المساءة فيما قد عملا! وأقام بذي قار ينتظر محمدا ومحمدا، ~~فأتاه الخبر بما لقيت ربيعة وخروج عبد القيس، فقال: عبد القيس خير ربيعة ~~وفي كل ربيعة خير، وقال: يا لهف نفسي على ربيعه ... ربيعة السامعة المطيعه ~~قد سبقتني فيهم الوقيعه ... دعا علي دعوة سميعه حلوا بها المنزلة الرفيعه ~~وعرضت عليه بكر بن وائل فقال لها ما قال لطيء واسد. وأما محمد بن أبي بكر ~~ومحمد بن جعفر فأتيا أبا موسى بكتاب علي وقاما في الناس بأمره، فلم يجابا ~~إلى شيء. فلما أمسوا دخل ناس من أهل الحجى على أبي موسى فقالوا: ما ترى في ~~الخروج؟ فقال: كان الرأي بالأمس ليس اليوم، إن الذي تهاونتم به فيما مضى هو ~~الذي جر عليكم ما ترون، إنما هما أمران: القعود سبيل الآخرة والخروج سبيل ~~الدنيا، فاختاروا. فلم ينفر إليه أحد، فغضب محمد ومحمد وأغلظا لأبي موسى. ~~فقال ms1032 لهما: والله إن بيعة عثمان لفي عنقي وعنق صاحبكما، فإن لم يكن بد من ~~قتال لا نقاتل أحدا حتى نفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا. فانطلقا إلى علي ~~فأخبراه الخبر وهو بذي قار، فقال للأشتر، وكان معه: أنت صاحبنا في أبي موسى ~~والمعترض في كل شيء، اذهب أنت وابن عباس فأصلح ما أفسدت. فخرجا فقدما ~~الكوفة فكلما أبا موسى واستعانا عليه بنفر من أهل الكوفة، فقام لهم أبو ~~موسى وخطبهم وقال: أيها الناس إن أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، الذين ~~صحبوه أعلم بالله وبرسوله ممن لم يصحبه، وإن لكم علينا لحقا، وأنا مؤد ~~إليكم نصيحة، كان الرأي أن لا تستخفوا بسلطان الله وأن لا تجترئوا على الله ~~وأن تأخذوا من قدم عليكم من المدينة فتردوهم إليها حتى يجتمعوا فهم أعلم ~~بمن تصلح له الإمامة، وهذه فتنة صماء، النائم فيها خير من اليقظان، ~~واليقظان خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الراكب، ~~والراكب خير من الساعي، فكونوا جرثومة من جراثيم العرب فأغمدوا السيوف ~~وانصلوا الأسنة واقطعوا الأوتار وآووا المظلوم والمضطهد حتى يلتئم هذا ~~الأمر وتنجلي هذه الفتنة. PageV02P0037 # فرجع ابن عباس والأشتر إلى علي فأخبراه الخبر، فأرسل ابنه الحسن وعمار ~~ابن ياسر، وقال لعمار: انطلق فأصلح ما أفسدت. فأقبلا حتى دخلا المسجد، وكان ~~أول من أتاهما المسروق بن الأجدع فسلم عليهما، وأقبل على عمار فقال: يا أبا ~~اليقظان علام قتلتم عثمان؟ قال: على شتم أعراضنا وضرب أبشارنا. قال: فوالله ~~ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لكان خيرا للصابرين. فخرج أبو ~~موسى فلقي الحسن فضمه إليه وأقبل على عمار فقال: يا أبا اليقظان أعدوت على ~~أمير المؤمنين فيمن عدا فأحللت نفسك مع الفجار؟ فقال: لم أفعل ولم يسؤني. ~~فقطع الحسن عليهما الكلام وأقبل على أبي موسى فقال له: لم تثبط الناس عنا؟ ~~فوالله ما أردنا إلا الإصلاح ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء. فقال: ~~صدقت يا بأبي أنت وأمي، ولكن المستشار مؤتمن، سمعت رسول الله، صلى ms1033 الله ~~عليه وسلم، يقول: (إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير ~~من الماشي، والماشي خير من الراكب). وقد جعلنا الله إخوانا وقد حرم علينا ~~دماءنا وأموالنا. فغضب عمار وسبه وقام وقال: يا أيها الناس إنما قال له ~~وحده: أنت فيها قاعدا خير منك قائما. فقام رجل من بني تميم فسب عمارا وقال: ~~أنت أمس مع الغوغاء واليوم تسافه أميرنا! وثار زيد بن صوحان وطبقته وثار ~~الناس وجعل أبو موسى يكفكف الناس، ووقف زيد على باب المسجد ومعه كتاب إليه ~~من عائشة تأمره فيه بملازمة بيته أو نصرتها، وكتاب إلى أهل الكوفة بمعناه، ~~فأخرجهما فقرأهما على الناس، فلما فرغ منهما قال: أمرت أن تقر في بيتها ~~وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، فأمرتنا بما أمرت به وركبت ما أمرنا به. ~~فقال له شبث بن ربعي: يا عماني - لأنه من عبد القيس وهم يسكنون عمان - سرقت ~~بجلولاء فقطعت يدك وعصيت أم المؤمنين! وتهاوى الناس. وقام أبو موسى وقال: ~~أيها الناس أطيعوني وكوني جرثومة من جراثيم العرب يأوي إليكم المظلوم ويأمن ~~فيكم الخائف، إن الفتنة إذا أقبلت شبهت فإذا أدبرت بينت، وإن هذه الفتنة ~~فاقرة كداء البطن تجري بها الشمال والجنوب والصبا والدبور تذر الحليم وهو ~~حيران كابن أمس، شيموا سيوفكم وقصدوا رماحكم وقطعوا أوتاركم والزموا ~~بيوتكم، خلوا قريشا إذا أبوا إلا الخروج من دار الهجرة وفراق أهل علم ~~بالأمراء، استنصحوني ولا تسغشوني، أطيعوني يسلم لكم دينكم ودنياك ويشقى بحر ~~هذه الفتنة من جناها. فقام زيد فشال يده المقطوعة فقال: يا عبد الله بن قيس ~~رد الفرات على أدراجه، أردده من حيث يجيء حتى يعود كما بدأ، فإن قدرت على ~~ذلك فستقدر على ما تريد، فدع عنك ما لست مدركه! سيروا إلى أمير المؤمنين ~~وسيد المسلمين، انفروا إليه أجمعين تصيبوا الحق. فقام القعقاع بن عمرو ~~فقال: إني لكم ناصح وعليكم شفيق، أحب لكم أن ترشدوا ولأقولن لكم قولا هو ~~الحق، أما ما قال الأمير فهو الحق، لو أن إليه ms1034 سبيلا، وأما ما قال زيد فزيد ~~عدو هذا الأمر فلا تستنصحوه، والقول الذي هو الحق أنه لابد من إمارة تنظم ~~الناس وتزع الظالم وتعز المظلوم، وهذا أمير المؤمنين ولي بما ولي وقد أنصف ~~في الدعاء، وإنما يدعو إلى الإصلاح، فانفروا وكونا من هذا الأمر بمرأى ~~ومسمع. PageV02P0038 # وقال عبد الخير الخيراني: يا أبا موسى هل بايع طلحة والزبير؟ قال: نعم. ~~قال: هل أحدث علي ما يحل بن نقض بيعته؟ قال: لا أدري. قال: لا دريت، نحن ~~نتركك حتى تدري، هل تعلم أحدا خارجا من هذه الفتنة؟ إنما الناس أربع فرق: ~~علي بظهر الكوفة، وطلحة والزبير بالبصرة، ومعاوية بالشام، وفرقة بالحجاز لا ~~غناء بها ولا يقاتل بها عدو. فقال أبو موسى: أولئك خير الناس، وهي فتنة. ~~فقال عبد الخير: غلب عليك غشك يا أبا موسى! فقال سيحان ابن صوحان: أيها ~~الناس لابد لهذا الأمر وهؤلاء الناس من وال يدفع الظالم ويعز المظلوم ويجمع ~~الناس، وهذا واليكم يدعوكم لتنظروا فيما بينه وبين صاحبيه، وهو المأمون على ~~الأمة الفقيه في الدين، فمن نهض إليه فإنا سائرون معه. فلما فرغ سيحان قال ~~عمار: هذا ابن عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يستنفركم إلى زوجة رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، وإلى طلحة والزبير، وإني أشهد أنها زوجته في ~~الدنيا والآخرة، فانظروا ثم انظروا في الحق فقاتلوا معه. فقال له رجل: أنا ~~مع من شهدت له بالجنة على من لم تشهد له. فقال له الحسن: اكفف عنا فإن ~~للإصلاح أهلا. وقام الحسن بن علي فقال: أيها الناس أجيبوا دعوة أمركم ~~وسيروا إلى إخوانكم فإنه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه، ووالله لأن يليه ~~أولو النهى أمثل في العاجل والآجل وخير في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا ~~وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم، وإن أمير المؤمنين يقول: قد خرجت ~~مخرجي هذا ظالما أو مظلوما، وإني أذكر الله رجلا رعى حق الله إلا نفر، فإن ~~كنت مظلوما أعانني وإن كنت ظالما أخذ مني، والله إن طلحة والزبير لأول من ms1035 ~~بايعني وأول من غدر، فهل استأثرت بمال أو بدلت حكما؟ فانفروا فمروا ~~بالمعروف وانهوا عن المنكر. فسامح الناس وأجابوا ورضوا. وأتى قوم من طيء ~~عدي بن حاتم فقالوا: ماذا ترى وما تأمر؟ فقال: قد بايعنا هذا الرجل وقد ~~دعانا إلى جميل وإلى هذا الحدث العظيم لننظر فيه، ونحن سائرون وناظرون. ~~فقام هند بن عمرو فقال: إن أمير المؤمنين قد دعانا وأرسل إلينا رسله حتى ~~جاءنا ابنه، فاسمعوا إلى قوله وانتهوا إلى أمره وانفروا إلى أميركم فانظروا ~~معه في هذا الأمر وأعينوه برأيكم. وقام حجر بن عدي فقال: أيها الناس أجيبوا ~~أمير المؤمنين وانفروا خفافا وثقالا، مروا وأنا أولكم. فأذعن الناس للمسير، ~~فقال الحسن: أيها الناس إني عاذ فمن شاء منكم أن يخرج معي على الظهر ومن ~~شهاء في الماء. فنفر معه قريب من تسعة آلاف،أخذ في البر ستة آلاف ومائتان، ~~وأخذ في الماء ألفان وأربعمائة. وقيل: إن عليا أرسل الأشتر بعد ابنه الحسن ~~وعمار إلى الكوفة، فدخلها والناس في المسجد وأبو موسى يخطبهم ويثبطهم ~~والحسن وعمار معه في منازعة، وكذلك سائر الناس، كما تقدم، فجعل الأشتر لا ~~يمر بقبيلة فيها جماعة إلا دعاهم، ويقول: اتبعوني إلى القصر، فانتهى إلى ~~القصر في جماعة الناس، فدخله وأبو موسى في المسجد يخطبهم ويثبطهم والحسن ~~يقول له: اعتزل عملنا لا أم لك! وتنح عن منبرنا! وعمار ينازعه، فأخرج ~~الأشتر غلمان أبي موسى من القصر، فخرجوا يعدون وينادون: يا أبا موسى هذا ~~الأشتر قد دخل القصر فضربنا وأخرجنا. فنزل أبو موسى فدخل القصر فصاح به ~~الأشتر: اخرج لا أم لك أخرج الله نفسك! فقال: أجلني هذه العشية. فقال: هي ~~لك ولا تبيتن في القصر الليلة. ودخل الناس ينهبون متاع أبي موسى، فمنعهم ~~الأشتر وقال: أنا له جار. فكفوا عنه. فنفر الناس في العدد المذكور. ~~PageV02P0039 # وقيل: إن عدد من سار من الكوفة اثنا عشر ألف رجل ورجل. قال أبو الطفيل: ~~سمعت عليا يقول ذلك قبل وصولهم، فقعدت فأحصيتهم فما زادوا رجلا ولا نقصوا ~~رجلا. وكان على ms1036 كنانة وأسد وتميم والرباب ومزينة معقل ابن يسار الرياحي، ~~وكان على سبع قيس سعد بن مسعود الثقفي عم المختار، وعلى بكر وتغلب وعلة بن ~~محدوج الذهلي، وكان على مذحج والأشعرين حجر ابن عدي، وعلى بجيلة وأنمار ~~وخثعم والأزد مخنف بن سليم الأزدي، فقدموا على أمير المؤمنين بذي قار، ~~فلقيهم في ناس معه فيهم ابن عباس فرحب بهم وقال: يا أهل الكوفة أنتم قاتلتم ~~ملوك العجم وفضضتم جموعهم حتى صارت إليكم مواريثهم فمنعتم حوزتكم وأعنتم ~~الناس على عدوهم، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة فإن ~~يرجعوا فذاك الذي نريد، وإن يلجوا داويناهم بالرفق حتى يبدأونا بظلم، ولم ~~ندع أمرا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله. واجتمعوا ~~عنده بذي قار وعبد القيس بأسرها في الطريق بين علي وأهل البصرة ينتظرونه ~~وهم ألوف. وكان رؤساء الجماعة من الكوفيين: القعقاع بن عمرو وسعد بن مالك ~~وهند ابن عمرو والهيثم بن شهاب، وكان رؤساء النفار: زيد بن صوحان والأشتر ~~وعدي بن حاتم والمسيب بن نجبة ويزيد بن قيس، وأمثال لهم ليسوا دونهم، إلا ~~أنهم لم يؤمروا؛ منهم حجر بن عدي. فلما نزلوا بذي قار دعا علي القعقاع ~~فأرسله إلى أهل البصرة وقال: الق هذين الرجلين، وكان القعقاع من أصحاب ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، فادعهما إلى الألفة والجماعة وعظم عليهما ~~الفرقة، وقال له: كيف تصنع فيما جاءك منهما وليس عندك فيه وصاة مني؟ قال: ~~نلقاهم بالذي أمرت به. فإذا جاء منهم ما ليس عندنا منك فيه رأي اجتهدنا ~~رأينا وكلمناهم كما نسمع ونرى أنه ينبغي. قال: أنت لها. فخرج القعقاع حتى ~~قدم البصرة فبدأ بعائشة فسلم عليها وقال: أي أمة ما أشخصك وما أقدمك هذه ~~البلدة؟ قالت: أي بني الإصلاح بين الناس. قال: فابعثي إلى طلحة والزبير حتى ~~تسمعي كلامي وكلامهما. فبعثت إليهما، فجاءا، فقال لهما: إني سألت أم ~~المؤمنين ما أقدمها، فقالت: الإصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما، أمتابعان ~~أم مخالفان؟ قالا: متابعان. قال: فأخبراني ما وجه ms1037 هذا الإصلاح؟ فوالله لئن ~~عرفناه لنصلحن ولئن أنكرناه لا نصلح. قالا: قتلة عثمان، فإن هذا إن ترك كان ~~تركا للقرآن. قال: قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة وأنتم قبل قتلهم ~~أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة رجل فغضب لهم ستة آلاف ~~واعتزلوكم وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف، فإن ~~تركتموهم كنتم تاركين لما تقولون، وإن قاتلتموهم والذين اعتزلوكم فأديلوا ~~عليكم فالذي حذرتم وقويتم به هذا الأمر أعظم مما أراكم تكرهون، وإن أنتم ~~منعتم مضر وربيعة من هذه البلاد اجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة لهؤلائ ~~كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم والذنب الكبير. قالت عائشة: فماذا ~~تقول أنت؟ قال: أقول: إن هذا الأمر دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فإن ~~أنتم بايعتمونا فعلامة خير وتباشير رحمة ودرك بثأر هذا الرجل وعافية وسلامة ~~لهذه الأمة، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شر ~~وذهاب هذا المال، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح الخير كما كنتم، ~~ولا تعرضونا للبلاء فتعرضوا له فيصرعنا وإياكم. وايم الله إني لأقول هذا ~~القول وأدعوكم إليه! وإني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ الله حاجته من هذه ~~الأمة التي قل متاعها ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي حدث أمر ليس ~~يقدر، وليس كقتل الرجل الرجل ولا النفر الرجل ولا القبيلة الرجل. قالوا: قد ~~أصبت وأحسنت فارجع، فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر. فرجع إلى ~~علي فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح كره ذلك من كرهه ورضيه من ~~رضيه. وأقبلت وفود العرب من أهل البصرة نحو علي بذي قار قبل رجوع القعقاع ~~لينظروا ما رأى إخوانهم من أهل الكوفة وعلى أي حال نهضوا إليهم وليعلموهم ~~أن الذي عليه رأيهم الإصلاح ولا يخطر لهم قتالهم على بال. PageV02P0040 # فلما لقوا عشائرهم من أهل الكوفة قال لهم الكوفيون مثل مقالتهم وأدخلوهم ~~على علي فأخبروه بخبرهم، وسأل علي جرير بن شرس عن طلحة والزبير فأخبره ~~بدقيق أمرهما ms1038 وجليله وقال له: أما الزبير فيقول: بايعنا كرها، وأما طلحة ~~فيتمثل الأشعار ويقول: ألا أبلغ بني بكر رسولا ... فليس إلى بني كعب سبيل ~~سيرجع ظلمكم منكم عليكم ... طويل الساعدين له فضول فتمثل علي عندها: ألم ~~تعلم أبا سمعان أنا ... نرد الشيخ مثلك ذا الصداع ويذهل عقله بالحرب حتى ~~... يقوم فيستجيب بغير داع فدافع عن خزاعة جمع بكر ... وما بك يا سراقة ومن ~~دفاع ورجعت وفود أهل البصرة برأي أهل الكوفة، ورجع القعقاع من البصرة، فقام ~~علي خطيبا فحمد الله وذكر الجاهلية وشقاءها والإسلام والسعادة وإنعام الله ~~على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم الذي ~~يليه ثم الذي يليه، ثم حدث هذا الحدث الذي جره على هذه الأمة أقوام طلبوا ~~هذه الدنيا وحسدوا من أفاءها الله عليه وعلى الفضيلة وأرادوا رد الإسلام ~~والأشياء على أدبارها، والله بالغ أمره. ألا وإني راحل غدا فارتحلوا، ولا ~~يرتحلن أحد أعان على عثمان بشيء من أمور الناس، وليغن السفهاء عني أنفسهم. ~~فاجتمع نفر، منهم: علباء بن الهيثم وعدي بن حاتم وسالم بن ثعلبة القيسي ~~وشريح بن أوفى والأشتر في عدة ممن سار إلى عثمان ورضي بسير من سار، وجاء ~~معهم المصريون وابن السوداء وخالد بن ملجم فتشاوروا فقالوا: ما الرأي؟ وهذا ~~علي وهو والله أبصر بكتاب الله ممن يطلب قتلة عثمان وأقرب إلى العمل بذلك، ~~وهو يقول ما يقول ولم ينفر إليه سواهم والقليل من غيرهم، فكيف به إذا شام ~~القوم وشاموه ورأوا قلتنا في كثرتهم، وأنتم والله ترادون وما أنتم بالحي من ~~شيء! فقال الأشتر: قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا، وأما علي فلم نعرف رأيه ~~إلى اليوم، ورأي الناس فينا واحد، فإن يصطلحوا مع علي فعلي دمائنا، فهلموا ~~بنا نثب على علي فنلحقه بعثمان فتعود فتنة يرضى منا فيها بالسكون. فقال عبد ~~الله بن السوداء: بئس الرأي رأيت، أنتم يا قتلة عثمان بذي قار ألفان ~~وخمسمائة أو نحو من ستمائة، وهذا ابن الحنظلية، يعني طلحة، وأصحابه في نحو ms1039 ~~من خمسة آلاف بالأشواق إلى أن يجدوا إلى قتالكم سبيلا. فقال علباء ابن ~~الهيثم: انصرفوا بنا عنهم ودعوهم، فإن قلوا كان أقوى لعدوهم عليهم، وإن ~~كثروا كان أحرى أن يصطلحوا عليكم، دعوهم وارجعوا فتعلقوا ببلد من البلدان ~~حتى يأتيكم فيه من تقوون به وامتنعوا من الناس. فقال ابن السوداء: بئس ما ~~رأيت، ود والله الناس أنكم انفردتم ولم تكونوا مع أقوام برآء، ولو انفردتم ~~لتخطفكم الناس كل شيء. فقال عدي بن حاتم: والله ما رضيت ولا كرهت، ولقد ~~عجبت من تردد من تردد عن قتله في خوض الحديث، فأما إذا وقع ما وقع ونزل من ~~الناس بهذه المنزلة فإن لنا عتادا من خيول وسلاح، فإن أقدمتم أقدمنا وإن ~~أمسكتم أمسكنا. فقال ابن السوداء: أحسنت. وقال سالم ابن ثعلبة: من كان أراد ~~بما أتى الدنيا فإني لم ارد ذلك، والله لئن لقيتهم غدا لا أرجع إلى شيء، ~~وأحلف بالله إنكم لتفرقن السيف فرق قوم لا تصير أمورهم إلا إلى السيف. فقال ~~ابن السوداء: قد قال قولا. وقال شريح بن أوفى: أبرموا أموركم قبل أن ~~تخرجوا، ولا تؤخروا أمرا ينبغي لكم تعجيله، ولا تعجلوا أمرا ينبغي لكم ~~تأخيره، فإنا عند الناس بشر المنازل وما أدري ما الناس صانعون إذا ما هم ~~التقوا. وقال ابن السوداء: يا قوم إن عزكم في خلطة الناس، فإذا التقى الناس ~~غدا فأنشبوا القتال ولا تفرغوهم للنظر، فمن أنتم معه لا يجد بدا من أن ~~يمتنع، ويشغل الله عليا وطلحة والزبير ومن رأى رأيهم عما تكرهون. فأبصروا ~~الرأي وتفرقوا عليه والناس لا يشعرون. PageV02P0041 # وأصبح علي على ظهر ومضى، ومضى معه الناس حتى نزل على عبد القيس فانضموا ~~إليه، وسار من هناك فنزل الزاوية، وسار من الزاوية يريد البصرة، وسار طلحة ~~والزبير وعائشة من الفرضة، فالتقوا عند موضع قصر عبيد الله بن زياد. فلما ~~نزل الناس أرسل شقيق بن ثور إلى عمرو بن مرحوم العبدي أن اخرج فإذا خرجت ~~فمل بنا إلى عسكر علي. فخرجا في عبد القيس وبكر ms1040 بن وائل فعدلوا إلى عسكر ~~علي، فقال الناس: من كان هؤلاء معه غلب. وأقاموا ثلاثة أيام لم يكن بينهم ~~قتال، فكان يرسل علي إليهم يكلمهم ويدعوهم، وكان نزولهم يوم الخميس في ~~النصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، ونزل بهم علي وقد سبق أصحابه وهم ~~يتلاحقون به. فلما نزل قال أبو الجرباء للزبير: إن الرأي أن تبعث ألف فارس ~~إلى علي قبل أن يوافي إليه أصحابه. فقال: إنا لنعرف أمور الحرب ولكنهم أهل ~~دعوتنا وهذا أمر حدث لم يكن قبل اليوم، من لم يلق الله فيه بعذر انقطع عذره ~~يوم القيامة، وقد فارقنا وفدهم على أمر وأنا أرجو أن يتم لنا الصلح فأبشروا ~~واصبروا. وأقبل صبرة بن شيمان فقال لطلحة والزبير: انتهزا بنا هذا الرجل ~~فإن الرأي في الحرب خير من الشدة. فقالا: إن هذا أمر لم يكن قبل اليوم ~~فينزل فيه قرآن أو يكون فيه سنة من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد زعم ~~قوم أنه لا يجوز تحريكه، وهم علي ومن معه، وقلنا نحن: إنه لا ينبغي لنا أن ~~نتركه ولا نؤخره، وقد قال علي: ترك هؤلاء القوم شر وهو خير من شر منه، وقد ~~كان يتبين لنا، وقد جاءت الأحكام بين المسلمين بأعمها منفعة. وقال كعب بن ~~سور: يا قوم اقطعوا هذا العنق ن هؤلاء القوم، فأجابوه بنحو ما تقدم. وقام ~~علي فخطب الناس، فقام إليه الأعور بن بنان المنقري فساله عن إقدامهم على ~~أهل البصرة، فقال له علي: على الإصلاح وإطفاء النائرة لعل الله يجمع شمل ~~هذه الأمة بنا ويضع حربهم. قال: فإن لم يجيبونا؟ قال: تركناهم ما تركونا. ~~قال: فإن لم يتركونا؟ قال: دفعناهم عن أنفسنا. قال: فهل لهم من هذا مثل ~~الذي عليهم؟ قال: نعم. وقام إليه أبو سلامة الدألاني فقال: أترى لهؤلاء ~~القوم حجة فيما طلبوا من هذا الدم إن كانوا أرادوا الله بذلك؟ قال: نعم. ~~قال: أفترى لك حجة بتأخير ذلك؟ قال: نعم، إن الشيء إذا كان لا يدرك فإن ~~الحكم ms1041 فيه أحوطه وأعمه نفعا. قال: فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدا؟ قال: ~~إني لأرجو أن لا يقتل منا ومنهم أحد نقى قلبه لله إلا أدخله الله الجنة. ~~PageV02P0042 # وقال في خطبته: أيها الناس املكوا عن هؤلاء القوم أيديكم وألسنتكم وإياكم ~~أن تسبقونا فإن المخصوم غدا من خصم اليوم. وبعث إليهم حكيم بن سلامة ومالك ~~بن حبيب: إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع فكفوا حتى ننزل وننظر في هذا ~~الأمر. وخرج إليه الأحنف بن قيس وبنو سعد مشمرين قد منعوا حرقوص بن زهير ~~وهم معتزلون، وكان الأحنف قد بايع عليا بالمدينة بعد قتل عثمان لأنه كان قد ~~حج وعاد من الحج فبايعه. قال الأحنف: ولم أبايع عليا حتى لقيت طلحة والزبير ~~وعائشة بالمدينة وأنا أريد الحج وعثمان محصور، فقلت لكل منهم: إن الرجل ~~مقتول فمن تأمرونني أبايع؟ فكلهم قال: بايع عليا. فقلت: أترضونه لي؟ ~~فقالوا: نعم. فلما قضيت حجي ورجعت إلى المدينة رأيت عثمان قد قتل فبايعت ~~عليا ورجعت إلى أهلي ورأيت الأمر قد استقام. فبينما أنا كذلك إذ أتاني آت ~~فقال: هذه عائشة وطلحة والزبير بالخريبة يدعونك. فقلت: ما جاء بهم؟ قال: ~~يستنصرونك على قتال علي في دم عثمان، فأتاني أفظع أمر، فقلت: إن خذلاني أم ~~المؤمنين وحواري رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لشديد، وإن قتال ابن عم ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد أمروني ببيعته أشد، فلما أتيتهم قالوا: ~~جئنا لكذا وكذا. قال: فقلت: يا أم المؤمنين ويا زبير ويا طلحة، نشدتكم الله ~~أقلت لكم. من تأمرونني أبايع؟ فقلتم: بايع عليا. فقالوا: نعم ولكنه بدل ~~وغير. فقلت: والله لا أقاتلكم ومعكم أم المؤمنين ولا اقاتل ابن عم رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، وقد أمرتموني ببيعته، ولكني أعتزل. فأذنوا له في ~~ذلك، فاعتزل بالجلحاء ومعه زهاء ستة آلاف، وهي من البصرة على فرسخين. فلما ~~قدم علي أتاه الأحنف فقال له: إن قومنا بالبصرة يزعمون أنك إن ظهرت عليهم ~~غدا قتلت رجالهم وسبيت نساءهم. قال: ما مثلي يخاف ms1042 هذا منه، وهل يحل هذا إلا ~~لمن تولى وكفر وهم قوم مسلمون؟ قال: اختر مني واحدة من اثنتين، إما أن ~~اقاتل معك وإما أن أكف عنك عشرة آلاف سيف. قال: فكيف بما أعطيت أصحابك من ~~الاعتزال؟ قال: إن من الوفاء لله قتالهم. قال: فاكفف عنا عشرة آلاف سيف. ~~فرجع إلى الناس فدعاهم إلى القعود ونادى: يا آل خندف! فأجابه ناس، ونادى: ~~يا آل تميم! فأجابه ناس، ثم نادى: يا آل سعد! فلم يبق سعدي إلا أجابه، ~~فاعتزل بهم ونظر ما يصنع الناس، فلما كان القتال وظفر علي دخلوا فيما دخل ~~فيه الناس وافرين. فلما تراءى الجمعان خرج الزبير على فرس عليه سلاح، فقيل ~~لعلي: هذا الزبير. فقال: أما إنه أحرى الرجلين إن ذكر بالله تعالى أن يذكر. ~~PageV02P0043 # وخرج طلحة فخرج إليهما حتى اختلفت أعناق دوابهم، فقال علي: لعمري قد ~~أعددتما سلاحا وخيلا ورجالا إن كنتما أعددتما عند الله عذرا، فاتقيا الله ~~ولا تكونا (كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا) النحل: 92، ألم أكن أخاكما ~~في دينكما تحرمان دمي وأحرم دمكما، فهل من حدث أحل لكما دمي؟ قال طلحة: ~~ألبت على عثمان. قال علي: (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق) النور: 25. يا ~~طلحة، تطلب بدم عثمان فلعن الله قتلة عثمان! يا طلحة، أجئت بعرس رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، تقاتل بها وخبأت عرسك في البيت! أما بايعتني؟ قال: ~~بايعتك والسيف على عنقي. فقال علي للزبير: يا زبير ما أخرجك؟ قال: أنت، ولا ~~أراك لهذا الأمر أهلا ولا أولى به منا. فقال له علي: ألست له أهلا بعد ~~عثمان؟ قد كنا نعدك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرق بيننا. ~~وذكره أشياء، وقال له: تذكر يوم مررت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في ~~بني غنم فنظر إلي فضحك وضحكت إليه فقلت له لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال ~~لك رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (ليس به زهو، لتقاتلنه وأنت ظالم له). ~~قال: اللهم نعم، ولو ms1043 ذكرت ما سرت مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبدا. فانصرف ~~علي إلى أصحابه فقال: أما الزبير فقد أعطى الله عهدا أن لا يقاتلكم. ورجع ~~الزبير إلى عائشة فقال لها: ما كنت في موطن منذ عقلت إلا وأنا أعرف فيه ~~أمري غير موطني هذا. قالت: فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أدعهم وأذهب. ~~قال له ابنه عبد الله: جمعت بين هذين الغارين حتى إذا حدد بعضهم لبعض أردت ~~أن تتركهم وتذهب، لكنك خشيت رايات ابن أبي طالب وعلمت أنها تحملها فتية ~~أنجاد وأن تحتها الموت الأحمر فجبنت. فأحفظه ذلك، وقال: إني حلفت أن لا ~~أقاتله. قال: كفر عن يمينك وقاتله. فأعتق غلامه مكحولا، وقيل سرجس، فقال ~~عبد الرحمن بن سليمان التميمي: لم أر كاليوم أخا إخوان ... أعجب من مكفر ~~الأيمان الأبيات. وقيل: إنما عاد الزبير عن القتال لما سمع أن عمار بن ياسر ~~مع علي، فخاف أن يقتل عمارا، وقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (يا عمار ~~تقتلك الفئة الباغية)، فرده ابنه عبد الله، كما ذكرناه. وافترق أهل البصرة ~~ثلاث فرق: فرقة مع طلحة والزبير، وفرقة مع علي، وفرقة لا ترى القتال، منهم ~~الأحنف وعمران بن حصين وغيرهما. وجاءت عائشة فنزلت في مسجد الحدان في ~~الأزد، ورأس الأزد يومئذ صبرة بن شيمان، فقال له كعب بن سور: إن الجموع إذا ~~تراءت لم تستطع، إنما هي بحور تدفق، فأطعني ولا تشهدهم واعتزل بقومك فإني ~~أخاف أن لا يكون صلح، ودع مضر وربيعة فهما أخوان فإن اصطلحا فالصلح أردنا ~~وإن اقتتلا كنا حكاما عليهم غدا. وكان كعب في الجاهلية نصرانيا، فقال له ~~صبرة: أخشى أن يكون فيك شيء من النصرانية! أتأمرني أن أغيب عن إصلاح بين ~~الناس وأن أخذل أم المؤمنين وطلحة والزبير إن ردوا عليهم الصلح وأدع الطلب ~~بدم عثمان؟ والله لا أفعل هذا أبدا! فأطبق أهل اليمن على الحضور، وحضر مع ~~عائشة المنجاب بن راشد في الرباب، وهم: تيم، وعدي، وثور، وعكل بنو عبد مناف ~~بن أد بن طابخة ms1044 بن إلياس بن مضر، وضبة بن أد بن طابخة، وحضر أيضا أبو ~~الجرباء في بني عمرو بن تميم، وهلال بن وكيع في بني حنظلة، وصبرة بن شيمان ~~على الأزد، ومجاشع بن مسعود السلمي على سليم، وزفر بن الحرث في بني عامر و ~~على غطفان أعصر بن النعمان الباهلي، وعلى اليمن ذو الآجرة الحميري. ~~PageV02P0044 # ولما خرج طلحة والزبير نزلت مضر جميعا وهم لا يشكون في الصلح، ونزلت ~~ربيعة فوقهم وهم لا يشكون في الصلح، ونزلت اليمن أسفل منهم ولا يشكون في ~~الصلح، وعائشة في الحدان، والناس بالزابونة على رؤسائهم هؤلاء، وهم ثلاثون ~~ألفا، وردو حكيما ومالكا إلى علي إننا على ما فارقنا عليه القعقاع، ونزل ~~علي بحيالهم، فنزلت مضر إلى مضر، وربيعة إلى ربيعة، واليمن إلى اليم، فكان ~~بعضهم يخرج إلى بعض لا يذكرون إلا الصلح، وكان أصحاب علي عشرين ألفا، وخرج ~~علي وطلحة والزبير فتواقفوا فلم يروا أمرا أمثل من الصلح ووضع الحرب، ~~فافترقوا على ذلك. وبعث علي من العشي عبد الله بن عباس إلى طلحة والزبير، ~~وبعثاهما محمد بن أبي طلحة إلى علي، وأرسل علي إلى رؤساء أصحابه، وطلحة ~~والزبير إلى رؤساء أصحابهما بذلك، فباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية ~~التي أشرفوا عليها والصلح، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة وقد ~~أشرفوا على الهلكة، وباتوا يتشاورون، فاجتمعوا على إنشاب الحرب، فغدوا مع ~~الغلس وما يشعر بهم، فخرجوا متسللين وعليهم ظلمة، فقصد مضرهم إلى مضرهم، ~~وربيعتهم إلى ربيعتهم، ويمنهم إلى يمنهم، فوضعوا فيهم السلاح، فثار أهل ~~البصرة وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين أتوهم، وبعث طلحة والزبير إلى ~~الميمنة، وهم ربيعة، أميرا عليها عبد الرحمن بن الحرث، وإلى الميسرة عبد ~~الرحمن بن عتاب، وثبتا في القلب وقالا: ما هذا؟ قالوا: طرقنا أهل الكوفة ~~ليلا. فقالا: قد علمنا أن عليا غير منته حتى يسفك الدماء وأنه لن يطاوعنا. ~~فرد أهل البصرة أولئك الكوفيين إلى عسكرهم. فسمع علي وأهل الكوفة الصوة وقد ~~وضع السبئية رجلا قريبا منه يخبره بما يريد، ms1045 فلما قال علي: ما هذا؟ قال ذلك ~~الرجل: ما شعرنا إلا وقوم منهم قد بيتونا فرددناهم فوجدنا القوم على رجل ~~فركبونا وثار الناس. فارسل علي صاحب الميمنة إلى الميمنة وصاحب الميسرة إلى ~~الميسرة وقال: لقد علمت أن طلحة والزبير غير منتهين حتى يسفكا الدماء ~~وأنهما لن يطاوعانا والسبئية لا تفتر إنشابا، ونادى علي في الناس: كفوا فلا ~~شيء، وكان من رأيهم جميعا في تلك الفتنة أن لا يقتتلوا حتى يبدأوا، يطلبون ~~بذلك الحجة، وأن لا يقتلوا مدبرا ولا يجهزوا على جريح ولا يستحلوا سلبا ولا ~~يرزأوا بالبصرة سلاحا ولا ثيابا ولامتاعا. وأقبل كعب بن سور حتى أتى عائشة ~~فقال: أدركي فقد أبى القوم إلا القتال لعل الله أن يصلح بك. فركبت وألبسوا ~~هودجها الأدراع، فلما برزت من البيوت وهي على الجمل بحيث تسمع الغوغاء وقفت ~~واقتتل الناس وقاتل الزبير فحمل عليه عمار ابن ياسر فجعل يحوزه بالرمح ~~والزبير كاف عنه ويقول: أتقتلني يا أبا اليقظان؟ فيقول: لا يا أبا عبد ~~الله. وإنما كف الزبير عنه لقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (تقتل عمار ~~الفئة الباغية)، ولولا ذلك لقتله. وبينما عائشة واقفة إذ سمعت ضجة شديدة ~~فقالت: ما هذا؟ قالوا: ضجة العسكر. قالت: بخير أو بشر؟ قالوا: بشر، فما ~~فجأها إلا الهزيمة، فمضى الزبير من وجهه إلى وادي السباع، وإنما فارق ~~المعركة لأنه قاتل تعذيرا لما ذكر له علي. وأما طلحة فأتاه سهم غرب فأصابه ~~فشك رجله بصفحة الفرس وهو ينادي: إلي إلي عباد الله! الصبر الصبر! فقال له ~~القعقاع بن عمرو: يا أبا محمد إنك لجريح وإنك عما تريد لعليل، فادخل ~~البيوت. فدخل ودمه يسيل وهو يقول: اللهم خذ لعثمان مني حتى ترضى، فلما ~~امتلأ خفه دما وثقل قال لغلامه: أردفني وأمسكني وأبلغني مكانا أنزل فيه. ~~فدخل البصرة، فأنزله في دار خربة فمات فيها، وقيل: إنه اجتاز به رجل من ~~أصحاب علي فقال له: أنت من أصحاب أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: امدد يدك ~~أبايعك له؛ فبايعه، فخاف أن ms1046 يموت وليس في عنقه بيعة. ولما قضى دفن في بني ~~سعد، وقال: لم أر شيخا أضيع دما مني. وتمثل عند دخول البصرة مثله ومثل ~~الزبير: فإن تكن الحوادث أقصدتني ... وأخطأهن سهمي حين أرمي فقد ضيعت حين ~~تبعت سهما ... سفاها ما سفهت وضل حلمي ندمت ندامة الكسعي لما ... شريت رضا ~~بني سهم برغمي أطعتهم بفرقة آل لأي ... فألقوا للسباع دمي ولحمي ~~PageV02P0045 # وكان الذي رمى طلحة مروان بن الحكم، وقيل غيره. وأما الزبير فإنه مر ~~بعسكر الأحنف بن قيس فقال: والله ما هذا انحياز، جمع بين المسلمين حتى ضرب ~~بعضهم بعضا لحق ببيته. وقال الأحنف للناس: من يأتيني بخبره؟ فقال عمرو بن ~~جرموز لأصحابه: أنا، فاتبعه، فلما لحقه نظر إليه الزبير قال: ما وراءك؟ ~~قال: إنما أريد أن أسألك. فقال غلام للزبير اسمه عطية: إنه معد. قال: ما ~~يهولك من رجل! وحضرت الصلا، فقال ابن جرموز: الصلاة. فقال الزبير: الصلاة، ~~فلما نزلا استدبره ابن جرموز فطعنه في جربان درعه فقتله وأخذ فرسه وسلاحه ~~وخاتمه وخلى عن الغلام فدفنه بوادي السباع ورجع إلى الناس بالخبر. وقال ~~الأحنف لابن جرموز: والله ما أدري أحسنت أم أسأت. فأتى ابن جرموز عليا فقال ~~لحاجبه: استأذن لقاتل الزبير. فقال علي: ائذن له وبشره بالنار. وأحضر سيف ~~الزبير عند علي فأخذه فنظر إليه وقال: طالما جلى به الكرب عن وجه رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم! وبعث به إلى عائشة لما انجلت الوقعة وانهزم ~~الناس يريدون البصرة، فلما رأوا الخيل أطافت بالجمل عادوا قلبا كما كانوا ~~حيث التقوا وعادوا في أمر جديد، ووقفت ربيعة بالبصرة ميمنة وبعضهم ميسرة، ~~وقالت عائشة لما انجلت الوقعة وانهزم الناس لكعب بن سور: خل عن الجمل وتقدم ~~بالمصحف فادعهم إليه. وناولته مصحفا. فاستقبل القوم والسبئية أمامهم فرموه ~~رشقا واحدا فقتلوه ورموا أم المؤمنين في هودجها، فجعلت تنادي: البقية ~~البقية يا بني! ويعلو صوتها كثرة: الله الله! اذكروا الله والحساب! فيأبون ~~إلا إقداما، فكان أول شيء أحدثته حين أبوا أن قالت: أيها الناس العنوا ms1047 قتلة ~~عثمان وأشياعهم. وأقبلت تدعو، وضج الناس بالدعاء. فسمع لي فقال: ما هذه ~~الضجة؟ قالوا: عائشة تدعو على قتلة عثمان وأشياعهم. فقال علي: اللهم العن ~~قتلة عثمان! فأرسلت إلى عبد الرحمن بن عتاب وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام ~~أن اثبتا مكانكما، وحرضت الناس حين رأت القوم يريدونها ولا يكفون، فحملت ~~مضر البصرة حتى قصفت مضر الكوفة حتى زحم علي فنخس قفا ابنه محمد، وكانت ~~الراية معه، وقال له: احمل! فتقدم حتى لم يجد متقدما إلا على سنان رمح، ~~فأخذ علي الراية من يده وقال: يا بني بين يدي. وحملت مضر الكوفة، فاجتلدوتا ~~قدام الجمل حتى ضرسوا والمجنبتان على حالهما لا تصنع شيئا، ومع علي قوم من ~~غير مضر، منهم زيد بن صوحان، طلبوا ذلك منه، فقال له رجل: تنح إلى قومك، ما ~~لك ولهذا الموقف؟ ألست تعلم أن مضر بحيالك والجمل بين يديك وأن الموت دونه؟ ~~فقال: الموت خير من الحياة، الموت أريد، فأصيب هو وأخوه سيحان وارتث صعصعة ~~أخوهما واشتدت الحرب، فلما رأى علي ذلك بعث إلى ربيعة وغلى اليمن أن اجمعوا ~~من يليكم. فقام رجل من عبد القيس من أصحاب علي فقال: ندعوكم إلى كتاب الله. ~~فقالوا: وكيف يدعونا إليه من لا يستقيم ولا يقيم حدود الله وقد قتل كعب بن ~~سور داعي الله! ورمته ربيعة رشقا واحدا فقتلوه، فقام مسلم بن عبد الله ~~العجلي مكانه فرشقوه رشقا واحدا فقتلوه، ودعت يمن الكوفة يمن البصرة ~~فرشقوهم، وأبى أهل الكوفة إلا القتال ولم يريدوا إلا عائشة، فذكرت أصحابها ~~فاقتتلوا حتى تنادوا فتحاجزوا ثم رجعوا فاقتتلوا وتزاحف الناس وظهرت يمن ~~البصرة على يمن الكوفة فهزمتهم، وربيعة البصرة على ربيعة الكوفة فهزمتهم، ~~ثم عاد يمن الكوفة فقتل على رايتهم عشرة، خمسة من همدان وخمسة من سائر ~~اليمن. فلما رأى ذلك يزيد بن قيس أخذها فثبتت في يده وهو يقول: قد عشت يا ~~نفسي وقد عشيت ... دهرا فقدك اليوم ما بقيت ألب طول العمر ما حييت وإنما ~~تمثلها، وقال ابن أبي ms1048 نمران الهمداني: جردت سيفي في رجال الأزد ... أضرب في ~~كهولهم والمرد كل طويل الساعدين نهد PageV02P0046 # ورجعت ربيعة الكوفة فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل على رايتهم، وهم في ~~الميسرة: زيد وعبد الله بن رقبة وأبو عبيدة بن راشد بن سلمى وهو يقول: ~~اللهم أنت هديتنا من الضلالة واستنقذتنا من الجهالة وابتليتنا بالفتنة فكنا ~~في شبهة وعلى ريبة، وقتل. واشتد الأمر حتى لزقت ميمنة أهل الكوفة بقلبهم ~~وميسرة أهل البصرة بقلبهم ومنعوا ميمنة أهل الكوفة أن يختلطوا بقلبهم وإن ~~كانوا إلى جنبهم، وفعل مثل ذلك ميسرة أهل الكوفة بميمنة أهل البصرة، فلما ~~رأى الشجعان من مضر الكوفة والبصرة الصبر تنادوا: طرفوا إذا فرغ الصبر، ~~فجعلوا يقصدون الأطراف الأيدي والأرجل، فما رؤي وقعة كانت أعظم منها قبلها ~~ولا بعدها ولا أكثر ذراعا مقطوعة ولا رجلا مقطوعة، واصيبت يد عبد الرحمن ~~ابن عتاب قبل قتله. فنظرت عائشة من يسارها فقالت: من القوم عن يساري؟ قال ~~صبرة بن شيمان: بنوك الأزد. فقالت: يا آل غسان حافظوا اليوم على جلادكم ~~الذي كنا نسمع به، وتمثلت: وجالد من غسان أهل حفاظها ... وكعب وأوس جالدت ~~وشبيب فكان الأزد يأخذون بعر الجمل يشمونه ويقولون: بعر جمل أمنا ريحه ريح ~~المسك. وقالت لمن عن يمينها: من القوم عن يميني؟ قال: بكر بن وائل. قالت: ~~لكم يقول القائل: وجاؤوا إلينا في الحديد كأنهم ... من العزة القعساء بكر ~~بن وائل إنما بإزائكم عبد القيس. فاقتتلوا أشد من قتالهم قبل ذلك. وأقبلت ~~على كتيبة بين يديها فقالت: من القوم؟ قالوا: بنو ناجية. قالت: بخ بخ سيوف ~~أبطحية قرشية! فجالدوا جلادا يتفادى منه. ثم أطافت بها بنو ضبة فقالت: ويها ~~جمرة الجمرات! فلما رقوا خالطهم بنو عدي بن عبد مناة وكثروا حولها، فقالت: ~~من أنتم؟ قالوا: بنو عدي خالطنا إخوتنا، فأقاموا رأس الجمل وضربوا ضربا ~~شديدا ليس بالتعذير ولا يعدلون بالتطريف، حتى إذا كثر ذلك وظهر في العسكرين ~~جميعأ راموا الجمل وقالوا: لا يزال القوم أو يصرع الجمل، وصار مجنبتا علي ~~إلى القلب، وفعل ذلك ms1049 أهل البصرة، وكره القوم بعضهم بعضا. وأخذ عميرة بن ~~يثربي برأس الجمل وكان قاضي البصرة قبل كعب بن سور، فشهد الجمل هو وأخوه ~~عبد الله، فقال علي: من يحمل على الجمل؟ فانتدب له هند بن عمرو الجملي ~~المرادي، فاعترضه ابن يثربي فاختلفا ضربتين فقتله ابن يثربي، ثم حمل علباء ~~بن الهيثم فاعترضه ابن يثربي فقتله وقتل سيحان بن صوحان وارتث صعصعة، وقال ~~ابن يثربي: أنا لمن ينكرني ابن يثربي ... قاتل علباء وهند الجملي وابن ~~لصوحان على دين علي وقال ابن يثربي أيضا: أضربهم ولا أرى أبا حسن ... كفى ~~بهذا حزنا من الحزن إنما نمر الأمر إمرار الرسن فناداه عمار: لقد عذت بحريز ~~وما إليك من سبيل، فإن كنت صادقا فاخرج من هذه الكتيبة إلي. فترك الزمام في ~~يد رجل من بني عدي، حتى إذا كان بين الصفين تقدم عمار، وهو ابن تسعين سنة، ~~وقيل أكثر من ذلك، عليه فرو وقد شد وسطه بحبل ليف، وهو أضعف من بارزه، ~~واسترجع الناس وقالوا: هذا لاحق بأصحابه، وضربه ابن يثربي فاتقاه عمار ~~بدرقته فنشب سيفه فيها فعالجه فلم يخرج، وأسف عمار لرجليه فضربه فقطهما ~~فوقع على استه وأخذ أسيرا فأتي به إلى علي، فقال: استبقني. فقال: أبعد ~~ثلاثة تقتلهم! وأمر به فقتل. وقيل: إن المقتول عمرو بن يثربي وإن عميرة بقي ~~حتى ولي قضاء البصرة مع معاوية، ولما قتل ابن يثربي تولى ذلك العدوي الزمام ~~فتركه بيد رجل من بني عدي وبرز، فخرج إليه ربيعة العقيلي يرتجز ويقول: يا ~~أمتا أعق أم نعلم ... والأم تغذو ولدا وترحم ألا ترين كم شجاع يكلم ... ~~وتختلى منه يد ومعصم كذب فهي من أبر أم نعلم. ثم اقتتلا فأثخن كل واحد ~~منهما صاحبه، فماتا جميعا، وقام مقام العدوي الحرث الضبي، فما رؤي أشد منه، ~~وجعل يقول: نحن بنو ضبة أصحاب الجمل ... نبارز القرن إذا القرن نزل ننعى ~~ابن عفان بأطراف الأسل ... الموت أحلى عندنا من العسل ردوا علينا شيخنا ثم ~~بجل وقيل: إن هذه الأبيات لوسيم بن ms1050 عمرو الضبي، وكان عمرو يحرض أصحابه يوم ~~الجمل، وقد أخذ الخطام، ويقول: نحن بنو ضبة لا نفر ... حتى نرى جماجما تخر ~~يخر منها العلق المحمر ويقول: PageV02P0047 # يا أمتا يا عيس لن تراعي ... كل بنيك بطل شجاع ويقول: يا أمتا يا زوجة ~~النبي ... يا زوجة المبارك المهدي ولم يزل الأمر كذلك حتى قتل على الخطام ~~أربعون رجلا. قالت عائشة: ما زال جملي معتدلا حتى فقدت أصوات بني ضبة. قال: ~~وأخذ الخطام سبعون رجلا من قريش كلهم يقتل وهو آخذ بخطام الجمل، وكان ممن ~~أخذ بزمام الجمل محمد بن طلحة، وقال: يا أمتاه مريني بأمرك. قالت: آمرك أن ~~تكون خير بني آدم إن تركت، فجعل لا يحمل عليه أحد إلا حمل عليه، وقال: ~~حاميم لا ينصرون، واجتمع عليه نفر كلهم ادعى قتله، المكعبر الأسدي، ~~والمكعبر الضبي، ومعاوية بن شداد العبسي، وعفار السعدي النصري، فأنفذه ~~بعضهم بالرمح، ففي ذلك يقول: وأشعث قوام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما ترى ~~العين مسلم هتكت له بالرمح جيب قميصه ... فخر صريعا لليدين وللفم يذكرني ~~حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم على غير شيء غير أن ليس ~~تابعا ... عليا ومن لا يتبع الحق يندم وأخذ الخطام عمرو بن الأشرف فجعل لا ~~يدنو منه أحد إلا خبطه بالسيف، فأقبل إليه الحرث بن زهير الأزدي وهو يقول: ~~يا أمنا يا خير أم نعلم ... أما ترين كم شجاع يكلم وتختلى هامته والمعصم ~~فاختلفا ضربتين فقتل كل واحد منهما صاحبه، وأحدق أهل النجدات والشجاعة ~~بعائشة، فكان لا يأخذ الخطام أحد إلا قتل، وكان لا يأخذه والراية إلا معروف ~~عند المطيفين بالجمل فينتسب: أنا فلان بن فلان، فوالله إن كان ليقاتلون ~~عليه وإنه للموت لا يوصل إليه إلا بطلبة وعنت، وما رامه أحد من أصحاب علي ~~إلا قتل أو أفلت ثم لم يعد، وحمل عدي بن حاتم الطائي عليهم ففقئت عينه، ~~وجاء عبد الله بن الزبير ولم يتكلم فقالت: من أنت؟ فقال: ابنك ابن أختك. ~~قالت: واثكل أسماء! وانتهى إليه الأشتر، ms1051 فاقتتلا، فضربه الأشتر على رأسه ~~فجرحه جرحا شديدا، وضربه عبد الله ضربة خفيفة، واعتنق كل رجل منهما صاحبه ~~وسقطا إلى الأرض يعتركان، فقال ابن الزبير: اقتلوني ومالكا ... واقتلوا ~~مالكا معي فلو يعلمون من مالك لقتلوه، إنما كان يعرف بالأشتر، فحمل أصحاب ~~علي وعائشة فخلصوهما. قال الأشتر: لقيت عبد الرحمن بن عتاب فلقيت أشد الناس ~~وأخرقه ما لبثت أن قتلته، ولقيت الأسود بن عوف فلقيت أشد الناس وأشجعه فما ~~كدت أنجو منه فتمنيت أني لم أكن لقيته، ولحقني جندب بن زهير الغامدي فضربته ~~فقتلته، قال: ورأيت عبد الله بن حكيم بن حزام وعنده راية قريش وهو يقاتل ~~عدي بن حاتم وهما يتصاولان تصاول الفحلين فتعاورناه فقتلناه. قال: وأخذ ~~الخطام الأسود بن أبي البختر فقتل، وهو قرشي أيضا، وأخذه عمرو بن الأشرف ~~فقتل وقتل معه ثلاثة عشر رجلا من أهل بيته، وهو أزدي، وجرح مروان بن الحكم، ~~وجرح عبد الله بن الزبير سبعا وثلاثين جراحة من طعنة ورمية، قال: وما رأيت ~~مثل يوم الجمل ما ينهزم منا أحد وما نحن إلا كالجبل الأسود، وما يأخذ بخطام ~~الجمل أحد إلا قتل حتى ضاع الخطام، ونادى علي: اعقروا الجمل فإنه إن عقر ~~تفرقوا، فضربه رجل فسقط فما سمعت صوتا قط أشد من عجيج الجمل. وكانت راية ~~الأزد من أهل الكوفة مع مخنف بن سليم فقتل وأخذها الصقعب، وأخوه عبد الله ~~بن سليم فقتل، وأخذها العلاء بن عروة، فكان الفتح وهي بيده. وكانت راية عبد ~~القيس من أهل الكوفة مع القاسم بن سليم فقتل، وقتل معه زيد وسيحان ابنا ~~صوحان، وأخذها عدة نفر فقتلوا، منهم عبد الله بن رقية، ثم أخذها منقذ بن ~~النعمان فدفعها إلى ابنه مرة بن منقذ فانقضت الحرب وهي في يده، وكانت راية ~~بكر بن وائل في بني ذهل مع الحرث بن حسان الذهلي، فأقدم وقال: يا معشر بكر ~~لم يكن أحد له من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مثل منزلة صاحبكم ~~فانصروه، فتقدم وقاتلهم فقتل ابنه وخمسة من بني ms1052 أهله، وقتل الحرث، فقيل ~~فيه: أنعى الرئيس الحرث بن حسان ... لآل ذهل ولآل شيبان وقال رجل من بني ~~ذهل: تنعى لنا خير امرىء من عدنان ... عند الطعان ونزال الأقران وقال أخوه ~~بشر بن حسان: أنا ابن حسان بن خوط وأبي ... رسول بكر كلها إلى النبي ~~PageV02P0048 # وقتل رجال من بني محدوج، وقتل من بني ذهل خمسة وثلاثون رجلا، وقال رجل ~~لأخيه وهو يقاتل: يا أخي ما أحسن قتالنا إن كنا على الحق! قال: فإنا على ~~الحق، إن الناس أخذوا يمينا وشمالا، وإنا تمسكنا بأهل بيت نبينا؛ فقاتلا ~~حتى قتلا. وجرح يومئذ عمير بن الأهلب الضبي، فمر به رجل من أصحاب علي وهو ~~في الجرحى يفحص برجليه ويقول: لقد أوردتنا حومة الموت أمنا ... فلم ننصرف ~~إلا ونحن رواء لقد كان في نصر ابن ضبة أمه ... وشيعتها مندوحة وغناء أطعنا ~~قريشا ضلة من حلومنا ... ونصرتنا أهل الحجاز عناء أطعنا بني تيم بن مرة ~~شقوة ... وهل تيم إلا أعبد وإماء فقال له الرجل: قل لا إله إلا الله. قال: ~~ادن مني فلقني فبي صمم. فدنا منه الرجل، فوثب عليه فعض أذنه فقطعها. وقيل ~~في عقر الجمل: إن القعقاع لقي الأشتر وقد عاد من القتال عند الجمل فقال: هل ~~لك في العود؟ فلم يجبه. فقال: يا أشتر بعضنا أعلم بقتال بعض منك، وحمل ~~القعقاع والزمام مع زفر بن الحرث، وكان آخر من أخذ الخطام، فلم يبق شيخ من ~~بني عامر إلا أصيب قدام الجمل، وزفر بن الحرث يرتجز ويقول: يا أمنا مثلك لا ~~يراع ... كل بنيك بطل شجاع ليس بوهواه ولا براع وقال القعقاع: إذا وردنا ~~آجنا جهرناه ... ولا يطاق ورد ما منعناه وزحف إلى زفر بن الحرث الكلائي، ~~وتسرعت عامر إلى حربه فأصيبوا، فقال القعقاع لبجير بن دلجة، وهو من أصحاب ~~علي: يا بجير بن دلجة صح بقومك فليعقروا الجمل قبل أن تصابوا وتصاب أم ~~المؤمنين. فقال بجير: يا آل ضبة! يا عمرو بن دلجة! ادع بي إليك، فدعاه، ~~فقال: أنا آمن حتى أرجع ms1053 عنكم؟ قال: نعم. فاجتث ساق البعير فرمى نفسه على ~~شقه وجرجر البعير، فقال القعقاع لمن يليه: أنتم آمنون. واجتمع هو وزفر على ~~قط بطان البعير وحملا الهودج فوضعاه، وإنه كالقنفذ لما فيه من السهام، ثم ~~أطافا به، وفر من وراء ذلك من الناس. فلما انهزموا أمر علي مناديا فنادى: ~~ألا لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تدخلوا الدور. وأمر علي نفرا ~~أن يحملوا الهودج من بين القتلى، وأمر أخاها محمد بن أبي بكر أن يضرب عليها ~~قبة، وقال: انظر هل وصل إليها شيء من جراحة؟ فأدخل راسه في هودجها، فقالت: ~~من أنت؟ فقال: أبغض أهلك إليك. قالت: ابن الخثعمية؟ قال: نعم. قالت: يا ~~بأبي، الحمد لله الذي عافاك! وقيل: لما سقط الجمل أقبل محمد بن أبي بكر ~~إليه ومعه عمار فاحتملا الهودج فنحياه، فأدخل محمد يده فيه، فقالت: من هذا؟ ~~فقال: أخوك البر. قالت: عقق! قال: يا أخية هل أصابك شيء؟ قالت: ما أنت ~~وذاك؟ قال: فمن إذا الضلال؟ قالت: بل الهداة. وقال لها عمار: كيف رأيت ضرب ~~بنيك اليوم يا أماه؟ قالت: لست لك بأم. قال: بلى وإن كرهت. قالت: فخرتم أن ~~ظفرتم وأتيتم مثل الذي نقمتم، هيهات والله لن يظفر من كان هذا دأبه! ~~فأبرزوا هودجها فوضعوه ليس قربها أحد، وأتاها علي فقال: كيف أنت يا أمه؟ ~~قالت: بخير. قال: يغفر الله لك. وجاء أعين بن ضبيعة ابن أعين المجاشعي حتى ~~اطلع في الهودج، فقالت:إليك لعنك الله! فقال: والله ما أرى إلا حميراء! ~~فقالت له: هتك الله سترك وقطع يدك وأبدى عورتك. فقتل بالبصرة، وسلب، وقطعت ~~يده ورمي عريانا في خربة من خربات الأزد. ثم أتى وجوه الناس عائشة وفيهم ~~القعقاع بن عمرو فسلم عليها فقالت: إني رأيت بالأمس رجلين اجتلدا وارتجزا ~~بكذا فهل تعرف كوفيك؟ قال: نعم، ذاك الذي قال: أعق أم نعلم، وكذب، إنك لأبر ~~أم نعلم ولكن لم تطاعي. قالت: والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين ~~سنة. وخرج من عندها فأتى ms1054 عليا، فقال له علي: والله لوددت أني مت من قبل ~~اليوم بعشرين سنة، وكان علي يقول ذلك اليوم بعد الفراغ من القتال: إليك ~~أشكو عجري وبجري ... ومعشرا أغشوا علي بصري قتلت منهم مضرا بمضري ... شفيت ~~نفسي وقتلت معشري PageV02P0049 # فلما كان الليل أدخلها أخوها محمد بن أبي بكر البصرة فأنزلها في دار عبد ~~الله ابن خلف الخزاعي على صفية بنت الحرث بن أبي طلحة بن عبد العزى بن ~~عثمان ابن عبد الدر، وهي أم طلحة الطلحات بن عبد الله بن خلف، وتسلل الجرحى ~~من بين القتلى ليلا فدخلوا البصرة، فأقام علي بظاهر البصرة ثلاثا وأذن ~~للناس في دفن موتاهم، فخرجوا إليهم فدفنوهم، وطاف علي في القتلى، فلما أتى ~~على كعب بن سور قال: أزعمتم أنه خرج معهم السفهاء وهذا الحبر قد ترون! وأتى ~~على عبد الرحمن بن عتاب فقال: هذا يعسوب القوم، يعني أنهم كانوا يطيفون به، ~~واجتمعوا على الرضا به لصلاتهم، ومر على طلحة بن عبيد الله وهو صريع فقال: ~~لهفي عليك يا أبا محمد! إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لقد كنت أكره أن ~~أرى قريشا صرعى، أنت والله كما قال الشاعر: فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ~~... إذا ما هوا استغنى ويبعده الفقر وجعل كلما مر برجل فيه خير قال: زعم من ~~زعم أنه لم يخرج إلينا إلا الغوغاء وهذا العابد المجتهد فيهم. وصلى علي على ~~القتلى من أهل البصرة والكوفة، وصلى على قريش من هؤلاء وهؤلاء، وأمر فدفنت ~~الأطراف في قبر عظيم، وجمع ما كان في العسكر من شيء وبعث به إلى مسجد ~~البصرة وقال: من عرف شيئا فليأخذه إلا سلاحا كان في الخزائن عليه سمة ~~السلطان. وكان جميع القتلى عشرة آلاف نصفهم من أصحاب علي ونصفهم من أصحاب ~~عائشة، وقيل غير ذلك، وقتل من ضبة ألف رجل، وقتل من بني عدي حول الجمل ~~سبعون رجلا كلهم قد قرأ القرآن سوى الشباب ومن لم يقرأ. ولما فرغ علي من ~~الوقعة أتاه الأحنف بن قيس في بني سعد، ms1055 وكانوا قد اعتزلوا القتال، فقال له ~~علي: تربصت؟ فقال: ما كنت أراني إلا وقد أحسنت وبأمرك كان ما كان يا أمير ~~المؤمنين، فارفق فإن طريقك الذي سلكت بعيد وأنت إلي غدا أحوج منك أمس، ~~فاعرف إحساني واستصف مودتي لغد ولا تقل مثل هذا فإني لم أزل لك ناصحا. ثم ~~دخل علي البصرة يوم الإثنين فبايعه أهلها على راياتهم حتى الجرحى ~~والمستأمنة، وأتاه عبد الرحمن بن أبي بكرة في المستأمنين أيضا فبايعه، فقال ~~له علي: و ما عمل المتربص المتقاعد بي أيضا؟ يعني أباه أبا بكرة! فقال: ~~والله إنه لمريض وإنه على مسرتك لحريص. فقال علي: امش أمامي! فمشى معه إلى ~~أبيه، فلما دخل عليه علي قال له تقاعدت بي وتربصت؟ ووضع يده على صدره وقال: ~~هذا وجع بين؛ واعتذر إليه، فقبل عذره، واراده على البصرة، فامتنع وقال: رجل ~~من أهلك يسكن إليه الناس وسأشير عليه. فافترقا على ابن عباس، وولى زيادا ~~على الخراج وبيت المال، وأمر ابن عباس أن يسمع منه ويطيع، وكان زياد ~~معتزلا. ثم راح إلى عائشة، وهي في دار عبد الله بن خلف، وهي أعظم دار ~~بالبصرة، فوجد النساء يبكين على عبد الله وعثمان ابني خلف، وكان عبد الله ~~قتل مع عائشة وعثمان قتل مع علي، وكانت صفية زوجة عبد الله مختمرة تبكي، ~~فلما رأته قالت له: يا علي! يا قاتل الأحبة! يا مفرق الجمع! أيتم الله منك ~~بنيك كما أيتمت ولد عبد الله منه! فلم يرد عليها شيئا. ودخل على عائشة فسلم ~~عليها وقعد عندها، ثم قال: جبهتنا صفية، أما إني لم أرها منذ كانت جارية. ~~فلما خرج علي أعادت عليه القول، فكف بغلته وقال: لقد هممت أن أفتح هذا ~~الباب، وأشار إلى باب في الدار، وأقتل من فيه، وكان فيه ناس من الجرحى، ~~فأخبر علي بمكانهم فتغافل عنهم فسكت، وكان مذهبه أن لا يقتل مدبرا ولا يذفف ~~على جريح ولا يكشف سترا ولا يأخذ مالا. ولما خرج علي من عند عائشة قال له ~~رجل من ms1056 أزد: والله لا تغلبنا هذه المرأة! فغضب وقال: مه! لا تهتكن سترا ولا ~~تدخلن دارا لا تهيجن امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسفهن أمراءكم وصلحاءكم، ~~فإن النساء ضعيفات، ولقد كنا نؤمر بالكف عنهن وهن مشركات، فكيف إذا هن ~~مسلمات؟ ومضى علي فلحقه رجل فقال له: يا أمير المؤمنين قام رجلان على الباب ~~فتناولا من هو أمض شتيمة لك من صفية. قال: ويحك لعلها عائشة! قال: نعم. قال ~~أحدهما: جزيت عنا أمنا عقوقنا. وقال الآخر: يا أمي توبي فقد أخطأت. فبعث ~~القعقاع بن عمرو إلى الباب، فأقبل بمن كان عليه، فأحالوا على رجلين من أزد ~~الكوفة، وهما: عجلان وسعد ابنا عبد الله، فضربهما مائة سوط وأخرجهما من ~~ثيابهما. PageV02P0050 # وسألت عائشة يومئذ عمن قتل من الناس منهم معها ومنهم عليها والناس عندها، ~~فكلما نعي واحد من الجميع قالت: يرحمه الله. فقيل لها: كيف ذلك؟ قالت: كذلك ~~قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلان في الجنة، وفلان في الجنة، وقال ~~علي: إني لأرجو أن لا يكون أحد نقى قلبه لله من هؤلاء إلا أدخله الله ~~الجنة. ثم جهز علي عائشة بكل ما ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك ~~وبعث معها كل من نجا مم خرج معها إلا من أحب المقام، واختار لها أربعين ~~امرأة من نساء البصرة المعروفات، وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر، فلما ~~كان اليوم الذي ارتحلت فيه أتاها علي فوقف لها وحضر الناس فخرجت وودعتهم ~~وقالت: يا بني لا يعتب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في ~~القديم إلا ما يكون بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم في الدنيا ~~والآخرة. وخرجت يوم السبت غرة رجب وشيعها أميالا وسرح بنيه معها يوما، فكان ~~وجهها إلى مكة، فأقامت إلى الحج ثم رجعت إلى المدينة، وقال لها عمار حين ~~ودعها: ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليك! قالت: والله إنك ما ~~علمت لقوال بالحق. قال: الحمد لله الذي قضى على لسانك لي. ms1057 وأما المنهزمون ~~فقد ذكرنا حالهم، وكان منهم: عتبة بن أبي سفيان، فخرج هو وعبد الرحمن ويحيى ~~ابنا الحكم فساروا في البلاد، فلقيهم عصمة ابن أبير التيمي فقال لهم: هل ~~لكم في الجوار؟ فقالوا: نعم. فأجارهم وأنزلهم حتى برأت جراحهم وسيرهم نحو ~~الشام في أربعمائة راكب، فلما وصلوا إلى دومة الجندل قالوا: قد وفيت ذمتك ~~وقضيت ما عليك. فرجع. وأما ابن عامر فإنه خرج أيضا فلقيه رجل مه بني حرقوص ~~يدعى مري، فأجاره وسيره إلى الشام. وأما مروان بن الحكم فاستجار بمالك بن ~~مسمع، فأجاره ووفى له، وحفظ له بنو مروان ذلك في خلافتهم وانتفع بهم وشرفوه ~~بذلك. وقيل: إن مروان نزل مع عائشة بدار عبد الله بن خلف وصحبها إلى ~~الحجاز، فلما سارت إلى مكة سار إلى المدينة. وأما عبد الله بن الزبير فإنه ~~نزل بدار رجل من الأزد يدعى وزيرا، فقال له: ائت أم المؤمنين فأعلمها ~~بمكاني ولا يعلم محمد بن أبي بكر. فأتى عائشة فأخبرها، فقالت: علي بمحمد. ~~فقال لها: إنه قد نهاني أن يعلم محمد. فلم تسمع قوله وأرسلت إلى محمد ~~وقالت: اذهب مع هذا الرجل حتى تأتيني بابن أختك. فانطلق معه، وخرج عبد الله ~~ومحمد حتى انتهيا إلى دار عائشة في دار عبد الله بن خلف. ولما فرغ علي من ~~بيعة أهل البصرة نظر في بيت المال فرأى فيه ستمائة ألف وزيادة، فقسمها على ~~من شهد معه، فأصاب كل رجل منهم خمسمائة خمسمائة، فقال لهم: إن أظفركم الله ~~بالشام فلكم مثلها إلى أعطياتكم. فخاض في ذلك السبئية، وطعنوا على علي من ~~وراء وراء، وطعنوا فيه أيضا حين نهاهم عن أخذ أموالهم، فقالوا: ما له يحل ~~لنا دماءهم ويحرم علينا أموالهم؟ فقال لهم علي: القوم أمثالكم، من صفح عنا ~~فهو منا ومن لج حتى يصاب فقتاله مني على الصدر والنحر. وقال القعقاع: ما ~~رأيت شيئا أشبه بشيء من قتال القلب يوم الجمل بقتال صفين، لقد رأيتنا ~~ندافعهم بأسنتنا ونتكىء على أزجتنا وهم مثل ذلك، حتى لو أن ms1058 الرجال مشت ~~عليها لاستقلت بهم. وقال عبد الله بن سنان الكاهلي: لما كان يوم الجمل ~~ترامينا بالنبل حتى فنيت، وتطاعنا بالرماح حتى تكسرت وتشبكت في صدورنا ~~وصدورهم حتى لو سيرت عليها الخيل لسارت. ثم قال علي: السيوف يا بني ~~المهاجرين! فما شبهت أصواتها إلا بضرب القصارين. وعلم أهل المدينة بالوقعة ~~يوم الحرب قبل أن تغرب الشمس من نسر مر بماء حول المدينة ومعه شيء معلق ~~فسقط منه فإذا كف فيه خاتم نقشه: عبد الرحمن بن عتاب. وعلم من بين مكة ~~والمدينة والبصرة بالوقعة بما ينقل إليهم النسور من الأيدي والأقدام. وأراد ~~علي المقام بالبصرة لإصلاح حالها فأعجلته السبئية عن المقام، فإنهم ارتحلوا ~~بغير إذنه، فارتحل في آثارهم ليقطع عليهم أمرا إن أرادوه. وقد قيل في سبب ~~القتال يوم الجمل غير ما تقدم مع الاتفاق على مسير أصحاب عائشة ونزولهم ~~البصرة والوقعة الأولى مع عثمان بن حنيف وحكيم. PageV02P0051 # وأما مسير علي وعزل أبي موسى فقيل فيه: إن عليا لما أرسل محمد بن أبي بكر ~~إلى أبي موسى وجرى له ما تقدم سار هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى علي ~~بالربذة فأعلمه الحال، فأعاده علي إلى أبي موسى يقول له: أرسل الناس فإني ~~لم أولك إلا لتكون من أعواني على الحق. فامتنع أبو موسى، فكتب هاشم إلى ~~علي: إني قدمت على رجل غال مشاقق ظاهر الشنآن، وأرسل الكتاب مع المحل ابن ~~خليفة الطائي، فبعث علي الحسن ابنه وعمار بن ياسر يستنفران الناس، وبعث ~~قرظة بن كعب الأنصاري أميرا، وكتب معه إلى أبي موسى: إني قد بعثت الحسن ~~وعمارا يستنفران الناس، وبعثت قرظة ابن كعب واليا على الكوفة، فاعتزل عملنا ~~مذموما مدحورا، وإن لم تفعل فإني قد أمرته أن ينابذك، فإن نابذته فظفر بك ~~يقطعك إربا إربا. فلما قدم الكتاب على أبي موسى اعتزل، واستنفر الحسن ~~الناس، فنفروا نحو ما تقدم، وسار علي نحو البصرة، فقال جون بن قتادة: كنت ~~مع الزبير فجاء فارس يسير فقال: السلام عليك أيها الأمير، فرد عليه، ms1059 فقال: ~~إن هؤلاء القوم قد أتوا مكان كذا وكذا فلم أر أرث سلاحا ولا أقل عددا ولا ~~أرعب قلوبا منهم. ثم انصرف عنه، وجاء فارس آخر فقال له: إن القوم قد بلغوا ~~مكان كذا وكذا فسمعوا بما جمع الله لكم من العدد والعدة فخافوا فولوا ~~مدبرين. فقال الزبير: إيها عنك! فوالله لو لم يجد علي بن أبي طالب إلا ~~العرفج لدب إلينا فيه فانصرف. وجاء فارس، وقد كادت الخيل تخرج من الرهج، ~~فقال: هؤلاء القوم قد أتوك فلقيت عمارا فقلت له وقال لي. فقال الزبير: إنه ~~ليس فيهم! فقال الرجل: بلى والله إنه لفيهم. فقال الزبير: والله ما جعله ~~الله فيهم. فقال الرجل: بلى والله. فلما كرر عليه أرسل الزبير رجلين ~~ينظران، فانطلقا ثم رجعا فقالا: صدق الرجل. فقال الزبير: يا جدع أنفاه! يا ~~قطع ظهراه! ثم أخذته رعدة فجعل السلاح ينتفض. قال جون: فقلت ثكلتني أمي! ~~هذا الذي كنت أريد أن أموت معه أو أعيش، ما أخذه هذا الأمر إلا لشيء سمعه ~~من رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وانصرف جون فاعتزل، وجاء علي، فلما ~~تواقف الناس دعا الزبير وطلحة فتوافقوا، وذكر من أمر الزبير وعوده وتكفيره ~~عن يمينه مثل ما تقدم، فلما أبوا إلا القتال قال علي: أيكم يأخذ هذا المصحف ~~يدعوهم إلى ما فيه فإن قطعت يده أخذه بيده الأخرى فإن قطعت أخذه بأسنانه ~~وهو مقتول؟ فقال شاب: أنا. فطاف به على أصحابه فلم يجبه إلا ذلك الشاب، ~~ثلاث مرات، فسلمه إليه، فدعاهم، فقطعت يده اليمنى، فأخذه باليسرى، فقطعت، ~~فأخذه بصدره والدماء تسيل على قبائه، فقتل، فقال علي: الآن حل قتالهم. ~~فقالت أم الفتى: لا هم إن مسلما دعاهم ... يتلو كتاب الله لايخشاهم وأمهم ~~قائمة تراهم ... تأمرهم بالقتل لا تنهاهم قد خضبت من علق لحاهم وحملت ميمنة ~~علي على ميسرتهم، فاقتتلوا، فلاذ الناس بعائشة، وكان أكثرهم من ضبة والأزد، ~~وكان قتالهم من ارتفاع النهار إلى قريب من العصر ثم انهزموا، ونادى رجل من ~~الأزد: كروا، فضربه محمد ms1060 بن علي فقطع يده، فقال: يامعشر الأزد فروا، واستحر ~~القتل في الأزد فنادوا: نحن على دين علي. فقال رجل من بني ليث: سائل بنا ~~حين لقينا الأزدا ... والخيل تعدو أشقرا ووردا لما قطعنا كبدهم والزندا ... ~~سحقا لهم في رأيهم وبعدا وحمل عمار بن ياسر على الزبير فجعل يحوزه بالرمح، ~~فقال: أتريد أن تقتلني يا أبا اليقظان؟ فقال: لا يا أبا عبد الله، انصرف، ~~وجرح عبد الله بن الزبير فألقى نفسه في الجرحى ثم برأ. وعقر الجمل، واحتمل ~~محمد ابن أبي بكر عائشة فأنزلها وضرب عليها قبة، فوقف علي عليها وقال لها: ~~استنفرت الناس وقد فروا وألبت بينهم حتى قتل بعضهم بعضا، في كلام كثير. ~~فقالت عائشة: ملكت فأسجع، نعم ما ابتليت قومك اليوم! فسرحها وأرسل معها ~~جماعة من رجال ونساء وجهزها بما تحتاج. لم أذكر في وقعة الجمل إلا ما ذكره ~~أبو جعفر إذا كان أوثق من نقل التاريخ، فإن الناس قد حشوا تواريخهم بمقتضى ~~أهوائهم. PageV02P0052 # وممن قتل يوم الجمل عبد الرحمن بن عبيد الله أخو طلحة، له صحبة، وعمرو بن ~~عبد الله بن أبي قيس بن عامر بن لؤي، له صحبة. وفيها قتل المحرز ابن حارثة ~~بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس، له صحبة، واستعمله عمر على مكة ثم عزله، ~~وفيها قتل معرض بن علاط السلمي أخو الحجاج بن علاط، وقتل مع علي، وفيها قتل ~~مجاشع ومجالد ابنا مسعود السلميان مع عائشة، لهما صحبة، فأما مجاشع فلا شك ~~أنه قتل في الجمل، وقتل عبد الله بن حكيم بن حزام الأسدي القرشي مع عائشة، ~~وكان إسلامه يوم الفتح، وفيها قتل هند ابن أبي هالة الأسيدي، أمه خديجة بنت ~~خويلد زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، مع علي، وقيل: مات بالبصرة: والأول ~~أصح. الأسيدي بضم الهمزة، منسوب إلى أسيد بتشديد الياء، وهم بطن من تميم. ~~وقتل هلال بن وكيع بن بشر التميمي مع عائشة، له صحبة، وفيها قتل معاذ بن ~~عفراء أخو معوذ، وهما ابنا الحرث بن رفاعة الأنصاريان، ms1061 وشهدا بدرا، وقتل مع ~~علي، وقيل: عاش وقتل في وقعة الحرة. التيهان بفتح التاء فوقها نقطتان، ~~وتشديد الياء تحتها نقطتان، وآخره نون. وشبث بفتح الشين المعجمة، والباء ~~الموحدة، وآخره ثاء مثلثة. وسيحان بفتح السين المهملة، وسكون الياء تحتها ~~نقطتان، وفتح الحاء المهملة، وآخره نون. ونجبة بفتح النون والجيم، والباء ~~الموحدة. وعميرة بفتح العين، وكسر الميم. وأبير بضم الهمزة، وفتح الباء ~~الموحدة. والخريت بكسر الخاء المعجمة، والراء المشددة، وسكون الياء المثناة ~~من تحتها نقطتان، وفي آخره تاء فوقها نقطتان. ### || AUT ذكر قصد الخوارج سجستان # في هذه السنة بعد الفراغ من وقعة الجمل خرج حسكة بن عتاب الحبطي وعمران ~~بن الفضيل البرجمي في صعاليك من العرب حتى نزلوا زالق من سجستان، وقد نكث ~~أهلها، فأصابوا منها مالا ثم أتوا زرنج وقد خافهم مرزبانها فصالحهم ~~ودخلوها، فقال الراجز: بشر سجستان بجوع وحرب ... بابن الفضيل وصعاليك العرب ~~لا فضة تغنيهم ولا ذهب فبعث علي عبد الرحمن بن جرو الطائي، فقتله حسكة، ~~فكتب علي إلى عبد الله بن العباس يأمره أن يولي سجستان رجلا ويسيرة إليها ~~في أربعة آلاف، فوجه ربعي بن كاس العنبري ومعه الحصين بن أبي الحر العنبري، ~~فلما ورد سجستان قاتلهم حسكة وقتلوه، وضبط ربع البلاد، وكان فيروز حصين ~~ينسب إلى الحصين بن أبي الحر هذا، وهو من سجستان. ### || AUT ذكر قتل محمد بن أبي حذيفة # في هذه السنة قتل محمد بن أبي حذيفة، وكان أبوه أبو حذيفة بن عتبة بن ~~ربيعة بن عبد شمس قد قتل يوم اليمامة، وترك ابنه محمدا هذا، فكفله عثمان ~~ابن عفان وأحسن تربيته، وكان فيما قيل: أصاب شرابا فحده عثمان، ثم تنسك ~~محمد وأقبل على العبادة وطلب من عثمان أن يوليه عملا، فقال: لو كنت أهلا ~~لذلك لوليتك. فقال له: إني قد رغبت في غزو البحر فأذن لي في إتيان مصر، ~~فأذن له وجهزه، فلما قدمها رأى الناس عبادته فلزموه وعظموه، وغزا مع عبد ~~الله بن سعد غزوة الصواري. وكان محمد يعيبه ويعيب عثمان بتوليته ويقول: ms1062 ~~استعمل رجلا أباح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دمه. فكتب عبد الله إلى ~~عثمان: إن محمدا قد أفسد علي البلاد هو ومحمد بن أبي بكر. فكتب إليه: أما ~~ابن أبي بكر فإنه يوهب لأبيه ولعائشة، وأما ابن أبي حذيفة فإنه ابني وابن ~~أخي وتربيتي وهو فرخ قريش. فكتب إليه: إن هذا الفرخ قد استوى ريشه ولم يبق ~~إلا أن يطير. فبعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم وبجمل عليه ~~كسوة، فوضعها محمد في المسجد ثم قال: يا معشر المسلمين ألا ترون إلى عثمان ~~يخادعني عن ديني ويرشوني عليه! فازداد أهل مصر تعظيما له وطعنا على عثمان، ~~وبايعوه على رياستهم، فكتب إليه عثمان يذكره بره به وتربيته إياه وقيامه ~~بشأنه، ويقول: إنك كفرت إحساني أحوج ما كنت إلى شكرك. فلم يرده ذلك عن ذمه ~~وتأليب الناس عليه وحثهم على المسير إلى حصره ومساعدة من يريد ذلك. ~~PageV02P0053 # فلما سار المصريون إلى عثمان، أقام هو بمصر، وخرج عنها عبد الله بن سعد ~~بن أبي سرح، فاستولى عليها وضبطها فلم يزل بها مقيما حتى قتل عثمان وبويع ~~علي، واتفق معاوية وعمرو بن العاص على خلاف علي، فسار إلى مصر قبل قدوم قيس ~~بن سعد إليها أميرا، فأراد دخولها فلم يقدر على ذلك، فخدع محمدا حتى خرج ~~منها إلى العريش في ألف رجل فتحصن بها، فنصب عليه المنجنيق حتى نزل في ~~ثلاثين من أصحابه فقتل. وهذا القول ليس بشيء لأن عليا استعمل قيسا على مصر ~~أول ما بويع له، ولو أن ابن أبي حذيفة قتله معاوية وعمرو قبل وصول قيس إلى ~~مصر لاستوليا عليها لأنه لم يكن بها أمير يمنعهما عنها، ولا خلاف أن ~~استيلاء معاوية وعمرو عليها كان بعد صفين، والله أعلم. وقيل غير ذلك، وهو ~~أن محمد بن أبي حذيفة سير المصريين إلى عثمان، فلما حصروه أخرج محمد عبد ~~الله بن سعد عن مصر، وهو عامل عثمان، واستولى عليها، فنزل عبد الله على ~~تخوم مصر وانتظر أمر عثمان، فطلع عليه ms1063 راكب فسأله، فأخبره بقتل عثمان، ~~فاسترجع، وسأله عما صنع الناس بعده، فأخبره ببيعة علي، فاسترجع، فقا له: ~~كأن إمرة علي تعدل عندك قتل عثمان! قال: نعم. قال: أظنك عبد الله بن سعد. ~~فقال: نعم. فقال له: إن كانت لك في نفسك حاجة فالنجاء النجاء، فإن رأى أمير ~~المؤمنين علي فيك وفي أصحابك إن ظفر بكم أن يقتلكم أو ينفيكم، وهذا بعدي ~~أمير يقدم عليك. فقال: من هو؟ قال: قيس بن سعد بن عبادة. قال عبد الله بن ~~سعد: أبعد الله محمد بن أبي حذيفة، فإنه بغى على ابن عمه وسعى عليه، وقد ~~كفله ورباه وأحسن إليه، فأساء جواره وجهز إليه الرجال حتى قتل ثم ولى عليه ~~من هو أبعد منه ومن عثمان ولم يمتعه بسلطان بلاده شهرا ولم يره لذلك أهلا. ~~وخرج عبد الله هاربا حتى قدم على معاوية. وهذا القول يدل على أن قيسا ولي ~~مصر ومحمد بن أبي حذيفة حي، وهو الصحيح. وقيل: إن عمرا سار إلى مصر بعد ~~صفين، فلقيه محمد بن أبي حذيفة في جيش، فلما رأى عمرو كثرة من معه أرسل ~~إليه، فالتقيا واجتمعا، فقال له عمرو: إنه قد كان ما ترى وقد بايعت هذا ~~الرجل، يعني معاوية، وما أنا براض بكثير من أمره، وإني لأعلم أن صاحبك عليا ~~أفضل من معاوية نفسا وقديم وألى بهذا الأمر، فواعدني موعدا ألتقي معك فيه ~~في غير جيش، تأتي في مائة وآتي في مثلها، وليس معنا إلا السيوف في القرب. ~~فتعاهدا وتعاقدا على ذلك واتعدا العريش، ورجع عمرو إلى معاوية، فأخبره ~~الخبر، فلما جاء الأجل سار كل واحد منهما إلى صاحبه في مائة، وجعل عمرو له ~~جيشا خلفه لينطوي خبره، فلما التقيا بالعريش قدم جيش عمرو على أثره، فعلم ~~محمد أنه قد غدر به، فدخل قصرا بالعريش فتحصن به، فحصره عمرو ورماه ~~بالمنجنيق حتى أخذ أسيرا، وبعث به عمرو إلى معاوية فسجنه، وكانت ابنة قرظة ~~امرأة معاوية ابنة عمه محمد بن أبي حذيفة أمها فاطمة بنت عتبة، فكانت ms1064 تصنع ~~له طعاما ترسله إليه، فأرسلت إليه يوما في الطعام مبارد، فبرد بها قيود ~~وهرب فاختفى في غار فأخذ وقتل، والله أعلم. وقيل: إنه بقي محبوسا إلى أن ~~قتل حجر بن عدي، ثم إنه هرب، فطلبه مالك بن هبيرة السكوني فظفر به فقتله ~~غضبا لحجر، وكان مالك قد شفع إلى معاوية في حجر فلم يشفعه. وقيل: إن محمد ~~بن أبي حذيفة لما قتل محمد بن أبي بكر خرج في جمع كثير إلى عمرو فآمنه عمرو ~~ثم غدر به وحمله إلى معاوية بفلسطين فحبسه، ثم إنه هرب، فأظهر معاوية للناس ~~أنه كره هربه وأمر بطلبه، فسار في أثره عبيد الله بن عمرو بن ظلام الخثعمي ~~فأدركه بحوران في غار، وجاءت حمر تدخل الغار، فلما رأت محمدا نفرت منه، ~~وكان هناك ناس يحصدون، فقالوا: والله إن لنفرة هذه الحمر لشأنا. فذهبوا إلى ~~الغار فرأوه، فخرجوا من عنده، فوافقهم عبيد الله فسألهم عنه ووصفه لهم، ~~فقالوا: هو في الغار، فأخرجه وكره أن يأتي به معاوية فيخلي سبيله، فضرب ~~عنقه، وكان ابن خال معاوية. ### || AUT ذكر ولاية قيس بن سعد مصر # PageV02P0054 # وفي هذه السنة في صفر بعث علي قيس بن سعد أميرا على مصر، وكان صاحب راية ~~الأنصار مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان من ذوي الرأي والبأس، فقال ~~له: سر إلى مصر فقد وليتكها واخرج إلى رحلك واجمع إليك ثقاتك ومن أحببت أن ~~يصحبك حتى تأتيها ومعك جند، فإن ذلك أرعب لعدوك وأعز لوليك، وأحسن إلى ~~المحسن واشتد على المريب، وارفق بالعامة والخاصة، فإن الرفق يمن. فقال له ~~قيس: أما قولك: اخرج إليها بجند، فوالله لئن لم أدخلها إلا بجند آتيها به ~~من المدينة لا أدخلها أبدا، فأنا أدع ذلك الجند لك، فإن كنت احتجت إليهم ~~كانوا منك قريبا، وإن أردت أن تبعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا عدة. فخرج قيس ~~حتى دخل مصر في سبعة من أصحابه على الوجه الذي تقدم ذكره، فصعد المنبر فجلس ~~عليه وامر بكتاب أمير المؤمنين ms1065 فقرى على أهل مص بإمارته ويأمرهم بمبايعته ~~ومساعدته وإعانته على الحق، ثم قام قيس خطيبا وقال: الحمد لله الذي جاء ~~بالحق وأمات الباطل وكبت الظالمين، أيها الناس إنا قد بايعنا خير من نعلم ~~بعد نبينا، صلى الله عليه وسلم، فقوموا أيها الناس فبايعوه على كتاب الله ~~وسنة رسوله، فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم. فقام الناس ~~الناس فبايعوا واستقامت مصر، وبعث عليها عماله إلا قرية منها يقال لها ~~خرنبا فيها ناس قد أعظموا قتل عثمان، عليهم رجل من بني كنانة ثم من بني ~~مدلج اسمه يزيد بن الحرث، فبعث إلى قيس يدعو إلى الطلب بدم عثمان. وكان ~~مسلمة بن مخلد قد أظهر الطلب أيضا بدم عثمان، فأرسل إليه قيس: ويحك أعلي ~~تثب! فوالله ما أحب أن لي ملك الشام إلى مصر وأني قتلتك! فبعث إليه مسلمة: ~~إني كاف عنك ما دمت أنت والي مصر. وبعث قيس، وكان حازما، إلى أهل خرنبا: ~~إني لا أكرهكم على البيعة وإني كاف عنكم؛ فهادنهم جبى الخراج ليس أحد ~~ينازعه، وخرج أمير المؤمنين إلى الجمل ورجع وهو بمكانه، فكان أثقل خلق الله ~~على معاوية لقربه من الشام ومخافة أن يقبل علي في أهل العراق وقيس في أهل ~~مصر فيقع بينهما معاوية، فكتب معاوية إلى قيس: سلام عليك، أما بعد فإنكم ~~نقمتم على عثمان ضربة بسوط أو شتيمة رجل أو تسيير آخر واستعمال فتى، وقد ~~علمتم أن دمه لا يحل لكم، فقد ركبتم عظيما وجئتم أمرا إدا، فثب إلى الله يا ~~قيس، فإنك من المجلبين على عثمان، فأما صاحبك فإنا استيقنا أنه الذي أغرى ~~به الناس وحملهم حتى قتلوه، وإنه لم يسلم من دمه عظم قومك، فإن استطعت يا ~~قيس أن تكون ممن يطالب بدم عثمان فافعل وتابعنا على أمرنا ولك سلطان ~~العراقين إذا ظهرت ما بقيت ولمن أحببت من أهلك سلطان الحجاز ما دام لي ~~سلطان، وسلني ما شئت فإني أعطيك واكتب إلي برأيك. فلما جاءه الكتاب أحب أن ~~يدافعه ولا ms1066 يبدي له أمره ولا يتعجل إلى حربه، فكتب إليه: أما بعد فقد فهمت ~~ما ذكرته من قتلة عثمان فذلك شيء لم أقاربه، وذكرت أن صاحبي هو الذي أغرى ~~به حتى قتلوه، وهذا مما لم أطلع عليه، وذكرت أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم ~~عثمان، فأول الناس كان فيه قياما عشيرتي، وأما ما عرضته من متابعتك فهذا ~~أمر لي فيه نظر وفكرة، وليس هذا مما يسرع إليه، وأنا كاف عنك وليس يأتيك من ~~قبلي شيء تكرهه حتى ترى ونرى إن شاء الله تعالى. فلما قرأ معاوية كتابه رآه ~~مقاربا مباعدا، فكتب إليه: أما بعد فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فأعدك سلما ~~ولا متباعدا فأعدك حربا، وليس مثلي يصانع المخادع وينخدع للمكايد ومعه عدد ~~الرجال وبيده أعنة الخيل، والسلام. فلما قرأ قيس كتابه ورأى أنه لا يفيد ~~معه المدافعة والمماطلة أظهر له ما في نفسه، فكتب إليه: أما بعد فالعجب من ~~اغترارك بي وطمعك في واستسقاطك إياي، أتسومني الخروج عن طاعة أولى الناس ~~بالإمارة وأقولهم بالحق وأهداهم سبيلا وأقربهم من رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وسيلة وتأمرني بالدخول في طاعتك، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر ~~وأقولهم بالزور وأضلهم سبيلا وأبعدهم من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وسيلة، ولد ضالين مضلين، طاغوت من طواغيت إبليس! وأما قولك إني مالىء عليك ~~مصر خيلا ورجالا، فوالله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون أهم إليك إنك لذو جد، ~~والسلام. PageV02P0055 # فلما رأى معاوية كتابه أيس منه وثقل عليه مكانه ولم تنجع حيله فيه، فكاده ~~من قبل علي، فقال لأهل الشام: لا تسبوا قيس بن سعد ولا تدعوا إلى غزوه فإنه ~~لنا شيعة قد تأتينا كتبه ونصيحته سرا، ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين ~~عنده من أهل خرنبا، يجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم ويحسن إليهم! وافتعل ~~كتابا عن قيس إليه بالطلب بدم عثمان والدخول معه في ذلك وقرأه على أهل ~~الشام. فبلغ ذلك عليا، أبلغه ذلك محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر بن ms1067 أبي ~~طالب، وأعلمته عيونه بالشام، فأعظمه وأكبره، فدعا ابنيه وعبد الله بن جعفر ~~فأعلمهم ذلك. فقال ابن جعفر: يا أمير المؤمنين دع ما يريبك إلى ما لا ~~يربيك، اعزل قيسا عن مصر. فقال علي: إني والله ما أصدق بهذا عنه. فقال عبد ~~الله: اعزله فإن كان هذا حقا لا يعتزل لك. فإنهك كذلك إذ جاءهم كتاب من قيس ~~يخبر أمير المؤمنين بحال المعتزلين وكفه عن قتالهم. فقال ابن جعفر: ما ~~أخوفني أن يكون ذلك ممالأة منه، فمره بقتالهم. فكتب إليه يأمره بقتالهم ~~فلما قرأ الكتاب كتب جوابه: أما بعد فقد عجبت لأمرك تأمرني بقتال قوم كافين ~~عنك مفرغيك لعدوك! ومتى حاددناهم ساعدوا عليك عدوك، فأطعني يا أمير ~~المؤمنين واكفف عنهم فإن الرأي تركهم، والسلام. فلما قرأ علي الكتاب قال ~~ابن جعفر: يا أمير المؤمنين ابعث محمد بن أبي بكر على مصر واعزل قيسا، فقد ~~بلغني أن قيسا يقول: إن سلطانا لا يستقيم إلا بقتل مسلمة بن مخلد لسلطان ~~سوء. وكان ابن جعفر أخا محمد بن أبي بكر لأمه؛ فبعث علي محمد بن أبي بكر ~~إلى مصر، وقيل: بعث الأشتر النخعي، فمات بالطريق، فبعث محمدان فقدم محمد ~~على قيس بمصر، فقال له قيس: ما بال أمير المؤمنين؟ ما غيره؟ دخل أحد بيني ~~وبينه؟ قال: لا، وهذا السلطان سلطانك. قال: لا والله لا أقيم. وخرج منها ~~مقبلا إلى المدينة وهو غضبان لعزله، فجاءه حسان بن ثابت، وكان عثمانيان ~~يشمت به، فقال له: قتلت عثمان ونزعك علي، فبقي عليك الإثم ولم يحسن لك ~~الشكر! فقال له قيس: يا أعمى القلب والبصر! والله لولا أن ألقي بين رهطي ~~ورهطك حربا لضربت عنقك! اخرج عني! ثم أخاف مروان بن الحكم قيسا بالمدينة، ~~فخرج منها هو وسهل بن حنيف إلى علي فشهدا معه صفين. فكتب معاوية إلى مروان ~~يتغيظ عليه ويقول له: لو أمددت عليا بمائة ألف مقاتل لكان أيسر عندي من قيس ~~بن سعد في رأيه ومكانه. فلما قدم قيس على علي وأخبره الخبر، علم ms1068 أنه كان ~~يقاسي أمورا عظاما من المكايدة، وجاءهم خبر قتل محمد بن أبي بكر، فعظم محل ~~قيس عنده وأطاعه في الأمر كله. ولما قدم محمد مصر قرأ كتاب علي على أهل مصر ~~ثم قام فخطب فقال: الحمد لله الذي هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق ~~وبصرنا وإياكم كثيرا مما كان عمي عنه الجاهلون. ألا إن أمير المؤمنين ولاني ~~أمركم وعهد إلي ما سمعتم، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، ~~فإن يكن ما ترون من إمارتي وأعمالي طاعة لله فاحمدوا الله على ما كان من ~~ذلك فإنه هو الهادي له، وإن رأيتم عاملا لي عمل بغير الحق فارفعوه إلي ~~وعاتبوني فيه فإني بذلك أسعد وأنتم بذلك جديرون، وفقنا الله وإياكم لصالح ~~الأعمال برحمته. ثم نزل ولبث شهرا كاملا حتى بعث إلى أولئك القوم المعتزلين ~~الذين كانوا قد وادعهم قيس، فقال لهم: إما أن تدخلوا في طاعتنا وإما أن ~~تخرجوا عن بلادنا. فأجابوه: إنا لا نفعل، فدعنا حتى ننظر إلى ما يصير إليه ~~أمرنا فلا تعجل لحربنا. فأبى عليهم، فامتنعوا منه وأخذوا حذرهم، فكانت وقعة ~~صفين وهم هائبون لمحمد. فلما رجع علي عن معاوية وصار الأمر إلى التحكيم ~~طمعوا في محمد وأظهروا له المبارزة، فبعث محمد الحرث بن جمهان الجعفي إلى ~~أهل خرنبا وفيها يزيد بن الحرث مع بني كنانة ومن معه، فقاتلهم فقاتلوه ~~وقتلوه. فبعث محم إليهم أيضا ابن مضاهم الكلبي فقتلوه. وقد قيل: إنه جرى ~~بين محمد ومعاوية مكاتبات كرهت ذكرها فإنها مما لا يحتمل سماعها العامة. ~~وفيها قدم أبراز مرزبان مرو إلى علي بعد الجمل مقرا بالصلح، فكتب له كتابا ~~إلى دهاقين مرو والأساورة ومن بمرو، ثم إنهم كفروا وأغلقوا نيسابور، فبعث ~~علي خليد بن قرة، وقيل: ابن طريف اليربوعي، إلى خراسان. ### || AUT ذكر قدوم عمرو بن العاص على معاوية # ### || AUT ومتابعته له # PageV02P0056 # قيل: كان عمرو بن العاص قد سار عن المدينة، قبل أن يقتل عثمان، نحو ~~فلسطين. وسبب ذلك أنه لما أحيط بعثمان قال: يا ms1069 أهل المدينة لا يقيم أحد ~~فيدركه قتل هذا الرجل إلا ضربه الله بذل، من لم يستطع نصره فليهرب. فسار، ~~وقيل غير ذلك، وقد تقدم، وسار معه ابناه عبد الله ومحمد، فسكن فلسطين، فمر ~~به راكب من المدينة، فقال له عمرو: ما اسمك؟ قال: حصيرة. قال عمرو: حصر ~~الرجل! فما الخبر؟ قال: تركت عثمان محصورا. ثم مر به راكب آخر بعد أيام ~~فقال له عمرو: ما اسمك؟ قال: قتال. قال: قتل الرجل! فما الخبر؟ قال: قتل ~~عثمان، ولم يكن شيء إلى أن سرت. ثم مر به راكب من المدينة، فقال له عمرو: ~~ما اسمك؟ قال: حرب. قال عمرو: يكون حرب، وقال له: ما الخبر؟ فقال: بايع ~~الناس عليا. فقال سلم بن زنباع: يا معشر العرب كان بينكم وبين العرب باب ~~فكسر فاتخذوا بابا غيره. فقال عمرو: ذلك الذي نريده. ثم ارتحل عمرو راجلا ~~معه ابناه يبكي كما تبكي المرأة وهو يقول: واعثماناه! أنعى الحياء والدين! ~~حتى قدم دمشق، وكان قد علم الذي يكون فعمل عليه، لأن النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، كان قد بعثه إلى عمان، فسمع من حبر هناك شيئا عرف مصداقه، فسأله عن ~~وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، ومن يكون بعده، فأخبره بأبي بكر وأن مدته ~~قصيرة، ثم يلي بعده رجل من قومه مثله تطول مدته ويقتل غيلة ثم يلي بعده رجل ~~من قومه تطول مدته ويقتل عن ملإ، قال: ذلك أشد، ثم يلي بعده رجل من قومه ~~ينتشرالناس عليه ويكون على رأسه حرب شديدة، ثم يقتل قبل أن يجتمع الناس ~~عليه، ثم يلي بعده أمير الأرض المقدسة فيطول ملكه وتجتمع عليه أهل تلك ~~الفرقة ثم يموت. وقيل: إن عمرا لما بلغه قتل عثمان قال: أنا أبو عبد الله ~~أنا قتلته وأنا بوادي السباع، إن يل هذا الأمر طلحة فهو فتى العرب سيبا، ~~وإن يله ابن أبي طالب فهو أكره من يليه إلي. فبلغه بيعة علي فاشتد عليه ~~وأقام ينتظر ما يصنع الناس، فأتاه مسير عائشة وطلحة والزبير، ms1070 فأقام ينتظر ~~ما يصنعون، فأتاه الخبر بوقعة الجمل فأرتج عليه أمره، فسمع أن معاوية ~~بالشام لا يبايع عليا وأنه يعظم شأن عثمان، وكان معاوية أحب إليه من علي، ~~فدعا ابنيه عبد الله ومحمدا فاستشارهما وقال: ما تريان؟ أما علي فلا خير ~~عنده، وهو يدل بسابقته، وهو غير مشركي في شيء من أمره. فقال له ابنه عبد ~~الله: توفي النبي، صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر وهم عنك راضون، فأرى ~~أن تكف يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس على إمام فتبايعه. وقال له ابنه ~~محمد: أنت ناب من أنياب العرب ولا ارى أن يجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صوت. ~~فقال عمرو: أما أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو خير لي في آخرتي وأسلم لي ~~في ديني، وأما أنت يا محمد فأمرتني بما هو خير لي في دنياي وشر لي في ~~آخرتي. ثم خرج ومعه ابناه حتى قدم على معاوية، فوجد أهل الشام يحضون معاوية ~~على الطلب بدم عثمان، وقال عمرو: أنتم على الحق، اطلبوا بدم الخليفة ~~المظلوم، ومعاوية لا يلتفت إليه، فقال لعمرو وابناه: ألا ترى معاوية لا ~~يلتفت إليك؟ فانصرف إلى غيره. فدخل عمرو على معاوية فقال له: والله لعجب ~~لك! إني أرفدك بما أرفدك وأنت معرض عني، أما والله إن قاتلنا معك نطلب بدم ~~الخليفة إن في النفس من ذلك ما فيها حيث تقاتل من تعلم سابقته وفضله ~~وقرابته، ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا. فصالحه معاوية وعطف عليه. ### || AUT ذكر ابتداء وقعة صفين # لما عاد علي من البصرة بعد فراغه من الجمل قصد الكوفة وأرسل إلى جرير ~~ابن عبد الله البجلي، وكان عاملا على همذان استعمله عثمان، وإلى الأشعث ابن ~~قيس، وكان على أذربيجان استعمله عثمان أيضا، يأمرهما بأخذ البيعة والحضور ~~عنده، فلما حضرا عنده أراد علي أن يرسل رسولا إلى معاوية، قال جرير: أرسلني ~~إليه فإنه لي ود. فقال الأشتر: لا تفعل فإن هواه مع معاوية. فقال علي: دعه ~~حتى ننظر ما الذي يرجع ms1071 إلينا به. فبعثه وكتب معه كتابا إلى معاوية يعلمه ~~فيه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته ونكث طلحة والزبير وحربه إياهما ~~ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار من طاعته. PageV02P0057 # فسار جرير إلى معاوية، فلما قدم عليه ماطله واستنظره واستشار عمرا، فاشار ~~عليه أن يجمع أهل الشام ويلزم عليا دم عثمان ويقاتله بهم، ففعل معاوية ذلك، ~~وكان أهل الشام لما قدم عليهم النعمان بن بشير بقميص عثمان الذي قتل فيخ ~~مخضوبا بالدم بأصابع زوجته نائلة إصبعان منها وشيء من الكف وإصبعان ~~مقطوعتان من أصولهما ونصف الإبهام، وضع معاوية القميص على المنبر وجمع ~~الأجناد إليه فبكوا على القميص مدة وهو على المنبر والأصابع معلقة فيه، ~~واقسم رجال من أهل الشام أن لا يمسهم الماء إلا للغسل من الجنابة، وأن لا ~~يناموا على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان، ومن قام دونهم قتلوه. فلما عاد ~~جرير إلى أمير المؤمنين علي وأخبره خبر معاوية واجتماع أهل الشام معه على ~~قتاله وأنهم يبكون على عثمان ويقولون: إن عليا قتله وآوى قتلته وأنهم لا ~~ينتهون عنه حتى يقتلهم أو يقتلوه، قال الأشتر لعلي: قد كنت نهيتك أن ترسل ~~جريرا وأخبرتك بعداوته وغشه، ولو كنت أرسلتني لكان خيرا من هذا الذي أقام ~~عنده حتى لم يدع بابا يرجو فتحه إلا فتحه، ولا بابا يخاف منه إلا أغلقه. ~~فقال جرير: لو كنت ثم لقتلوك، لقد ذكروا أنك من قتلة عثمان. فقال الأشتر: ~~والله لو أتيتهم لم يعيني جوابهم ولحملت معاوية على خطة أعجله فيها عن ~~الفكر، ولو أطاعني فيك أمير المؤمنين لحبسك وأشباهك حتى يستقيم هذا الأمر. ~~فخرج جرير إلى قرقيسيا وكتب إلى معاوية، فكتب إليه معاوية يأمره بالقدوم ~~إليه. وقيل: كان الذي حمل معاوية على رد جرير البجلي غير مقضي الحاجة ~~شرحبيب بن السمط الكندي. وكان سبب ذلك أن شرحبيلا كان قد سيره عمر بن ~~الخطاب إلى العراق إلى سعد بن أبي وقاص وكان معه، فقدمه سعد وقربه، فحسده ~~الأشعث بن قيس الكندي لمنافسة بينهما، فوفد جرير ms1072 البجلي على عمر، فقال له ~~الأشعث: إن قدرت أن تنال من شرحبيل عند عمر فافعل. فلما قدم على عمر سأله ~~عمر عن الناس، فأحسن الثناء على سعد، قال: وقد قال شعرا: ألا ليتني والمرء ~~سعد بن مالك ... وزبرا وابن السمط في لجة البحر فيغرق أصحابي وأخرج سالما ~~... على ظهر قرقور أنادي أبا بكر فكتب عمر إلى سعد يأمره بأن يرسل زبرا ~~وشرحبيلا إليه، فأرسلهما، فأمسك زبرا بالمدينة وسير شرحبيلا إلى الشام، ~~فشرف وتقدم، وكان أبوه السمط من غزة الشام. فلما قدم جرير بكتاب علي إلى ~~معاوية في البيعة انتظر معاوية قدوم شرحبيل، فلما قدم عليه أخبره معاوية ~~بما قدم فيه جرير، فقال: كان أمير المؤمنين عثمان خليفتنا، فإن قويت على ~~الطلب بدمه وإلا فاعتزلنا. فانصرف جرير، فقال النجاشي: شرحبيل ما للدين ~~فارقت أمرنا ... ولكن لبغض المالكي جرير وقولك ما قد قلت عن أمر أشعث ... ~~فأصبحت كالحادي بغير بعير جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك، فنسب إلى جده ~~مالك. وخرج علي فعسكر بالنخيلة، وتخلف عنه نفر من أهل الكوفة، منهم: مرة ~~الهمذاني ومسروق، أخذا أعطياتهما وقصدا قزوين، فأما مسروق فإنه كان يستغفر ~~الله من تخلفه عن علي بصفين، وقدم عليه عبد الله بن عباس فيمن معه من أهل ~~البصرة، وبلغ ذلك معاوية، فاستشار عمرا، فقال: أما إذا سار علي فسر إليه ~~بنفسك ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك. فتجهز معاوية وتجهز الناس وحضهم عمرو ~~وضعف عليا وأصحابه وقال: إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم ووهنوا شوكتهم وفلوا ~~حدهم، وأهل البصرة مخالفون لعلي بمن قتل منهم، وقد تفانت صناديدهم وصناديد ~~أهل الكوفة يوم الجمل، وإنما سار علي في شرذمة قليلة وقد قتل خليفتكم، ~~والله الله في حقكم أن تضيعوه وفي دمكم أن تطلوه! وكتب معاوية أهل الشام ~~وعقد لواء لعمرو ولواء لابنيه عبد الله ومحمد ولواء لغلامه وردان، وعقد علي ~~لواء لغلامه قنبر، فقال عمرو: هل يغنين وردان عني قنبرا ... وتغني السكون ~~عني حميرا إذا الكماة لبسوا السنورا فبلغ ذلك عليا ms1073 فقال: لأصبحن العاصي ابن ~~العاصي ... سبعين ألفا عاقدي النواصي مجنبين الخيل بالقلاص ... مستحقبين ~~حلق الدلاص فلما سمع معاوية ذلك قال: ما أرى عليا إلا وقد وفى لك. وسار ~~معاوية وتأنى في مسيره، فلما رأى ذلك الوليد بن عقبة بعث إليه يقول: ~~PageV02P0058 # ألا ابلغ معاوية بن حرب ... فإنك من أخي ثقة مليم قطعت الدهر كالسدم ~~المعنى ... تهدر في دمشق فما تريم وإنك والكتاب إلى علي ... كدابغة وقد حلم ~~الأديم يمينك الإمارة كل ركب ... لأنقاض العراق بها رسيم وليس أخو التراث ~~بمن توانى ... ولكن طالب الترة الغشوم ولو كنت القتيل وكان حيا ... لجرد لا ~~ألف ولا غشوم ولا نكل عن الأوتار حتى ... يبيء بها ولا برم جثوم وقومك ~~بالمدينة قد أبيروا ... فهم صرعى كأنهم الهشيم فكتب إليه معاوية: ومستعجب ~~مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترمرم وبعث علي زياد بن النضر ~~الحارثي طليعة في ثماني آلاف، وبعث مع شريح ابن هانىء أربعة آلاف، وسار علي ~~من النخيلة وأخذ معه من بالمدائن من المقاتلة، وولى على المدائن سعد بن ~~مسعود، عم المختار بن أبي عبيد الثقفي. ولما سار علي كان معه نابغة بني ~~جعدة، فحدا به يوما فقال: قد علم المصران والعراق ... أن عليا فحلها العتاق ~~أبيض جحجاح له رواق ... إن الأولى جاروك لا أفاقوا لكم سباق ولهم سباق ... ~~قد علمت ذلكم الرفاق ووجه علي من المدائن معقل بن قيس في ثلاثة آلاف، وأمره ~~أن يأخذ على الموصل حتى يوافيه على الرقة، فلما وصل إلى الرقة قال لأهلها ~~ليعملوا له جسرا يعبر عليه إلى الشام، فأبوا، وكانوا قد ضموا سفنهم إليهم، ~~فنهض من عندهم ليعبر على جسر منبج وخلف عليهم الأشتر، فناداهم الأشتر وقال: ~~أقسم بالله لئن لم تعملوا جسرا يعبر عليه أمير المؤمنين لأجردن فيكم السيف ~~ولأقتلن الرجال ولآخذن الأموال! فلقي بعضهم بعضا وقالوا: إنه الأشتر وإنه ~~قمن أن يفي لكم بما حلف عليه أو يأتي بأكثر منه. فنصبوا له جسرا وعبر عليه ~~علي وأصحابه وازدحموا عليه، فسقطت قلنسوة عبد ms1074 الله بن أبي الحصين الأزدي ~~فنزل فأخذها ثم ركب، وسقطت قلنسوة عبد الله بن الحجاج الأزدي فنزل فأخذها، ~~ثم قال لصاحبه: فإن يك ظن الزاجري الطير صادقا ... كما زعموا أقتل وشيكا ~~وتقتل فقال ابن أبي الحصين: ما شيء أحب إلي مما ذكرت! فقتلا جميعا بصفين. ~~ولما بلغ علي الفرات دعا زياد بن النضر الحارثي وشريح بن هانىء فسرحهما ~~أمامه في اثني عشر ألفا نحو معاوية على حالهما التي خرجا عليها من الكوفة. ~~وكان سبب عودهما إليه أنهما حيث سيرهما علي من الكوفة أخذا على شاطىء ~~الفرات مما يلي البر. فلما بلغا عانات بلغهما أن معاوية قد أقبل في جنود ~~الشام، فقالا: لا والله ما هذا لنا برأي نسير وبيننا وبين المسلمين وأمير ~~المؤمنين هذا البحر! وما لنا خير في أن نلقى جنود الشام بقلة من معنا. ~~فذهبوا ليعبروا من عانات، فمنعهم أهلها. فرجعوا فعبروا من هيت، فلحقوا عليا ~~دون قرقيسيا، فلما لحقوا عليا قال: مقدمتي تأتيني من ورائي. فأخبره شريح ~~وزياد بما كان، فقال: سددتما. فلما عبر الفرات سيرهما أمامه، فلما انتهيا ~~إلى سور الروم لقيهما أبو الأعور السلمي في جند من أهل الشام، فأرسلا إلى ~~علي فأعلماه، فأرسل علي إلى الأشتر وأمره بالسرعة وقال له: إذا قدمت فأنت ~~عليهم، وإياك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن يبدأوك حتى تلقاهم فتدعوهم وتسمع ~~منهم ولا يحملك بغضهم على قتالهم قبل دعائهم والإعذار إليهم مرة بعد مرة، ~~واجعل على ميمنتك زيادا وعلى ميسرتك شريحا، ولا تدن منهم دنو من يريد أن ~~ينشب الحرب، ولا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس حتى أقدم عليك، فإني حثيث ~~المسير في إثرك إن شاء الله تعالى. وكتب علي إلى شريح وزياد بذلك وأمرهما ~~بطاعة الأشتر. PageV02P0059 # فسار الأشتر حتى قدم عليهم واتبع ما أمره وكف عن القتال، ولم يزالوا ~~متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور السلمي، فثبتوا له ~~واضطربوا ساعة، ثم انصرف أهل الشام وخرج إليهم من الغد هاشم بن عتبة ~~المرقال، وخرج ms1075 إليه أبو الأعور، فاقتتلوا يومهم وصبر بعضهم لبعض ثم ~~انصرفوا، وحمل عليهم الأشتر وقال: أروني أبا الأعور؛ وتراجعوا، ووقف أبو ~~الأعور وراء المكان الذي كان فيه أول مرة، وجاء الأشتر فصف أصحابه بمكان ~~أبي الأعور بالأمس، فقال الأشتر لسنان بن مالك النخعي: انطلق إلى أبي ~~الأعور فادعه إلى البراز. فقال: إلى مبارزتي أو مبارزتك. فقال الأشتر: لو ~~أمرتك بمبارزته فعلت؟ قال: نعم، والله لو أمرتني أن أعترض صفهم بسيفي ~~لفعلت! فدعا له وقال: إنما تدعوه لمبارزتي. فخرج إليهم فقال: آمنوني فإني ~~رسول، فآمنوه، فانتهى إلى أبي الأعور وقال له: إن الأشتر يدعوك إلى أن ~~تبارزه، فسكت طويلا ثم قال: إن خفة الأشتر وسوء رأيه حملاه على إجلاء عمال ~~عثمان عن العراق وتقبيح محاسنه وعلى أن سار إليه في داره حتى قتله فأصبح ~~متبعا بدمه لا حاجة لي في مبارزته. قال له الرسول: قد قلت فاسمع مني أجبك. ~~قال: لا حاجة لي في جوابك، اذهب عني! فصاح به أصحابه، فانصرف عنه ورجع إلى ~~الأشتر فأخبره، فقال: لنفسه نظر. فوقفوا حتى حجز الليل بينهم، وعاد ~~الشاميون من الليل وأصبح علي غدوة عند الأشتر، وتقدم الأشتر ومن معه فانتهى ~~إلى معاوية فواقفه ولحق بهم علي فتواقفوا طويلا. ثم إن عليا طلب لعسكره ~~موضعا ينزل فيه، وكان معاوية قد سبق فنزلا منزلا اختاره بسيطا واسعا أفيح ~~وأخذ شريعة الفرات، وليس في ذلك الصقع شريعة غيرها، وجعلها في حيزه، وبعث ~~عليها أبا الأعور السلمي يحميها ويمنعها، فطلب أصحاب علي شريعة غيرها فلم ~~يجدوا، فأتوا عليا فأخبروه بفعلهم وبعطش الناس، فدعا صعصعة بن صوحان فأرسله ~~إلى معاوية يقول له: إنا سرنا مسيرنا هذا ونحن نكره قتالكم قبل الإعذار ~~إليكم، فقدمت إلينا خيلك ورجالك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك، ونحن من رأينا ~~الكف حتى ندعوك ونحتج عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها، منعتم الناس عن الماء ~~والناس غير منتهين، فابعث إلى أصحابك فليخلوا بين الناس وبين الماء وليكفوا ~~لننظر فيما بيننا وبينكم وفيما قدمنا له، فإن أردت أن نترك ms1076 ما جئنا له ~~ونقتتل على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا. فقال معاوية لأصحابه: ~~ما ترون؟ فقال الوليد بن عقبة وعبد الله بن سعد: امنعهم الماء كما منعوه ~~ابن عفان، اقتلهم عطشا قتلهم الله! فقال عمرو بن العاص: خل بين القوم وبين ~~الماء وإنهم لن يعطشوا وأنت ريان ولكن بغير الماء، فانظر فيما بينك وبين ~~الله. فأعاد الوليد وعبد الله بن سعد مقالتهما وقالا: امنعهم الماء إلى ~~الليل، فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا وكان رجوعهم هزيمة، امنعهم الماء ~~منعهم الله إياه يوم القيامة! قال صعصعة: إنما يمنعه الله الفجرة وشربة ~~الخمر، لعنك الله ولعن هذا الفاسق! يعني الوليد بن عقبة. فشتموه وتهددوه. ~~وقد قيل: إن الوليد وابن أبي سرح لم يشهدا صفين. فرجع صعصعة فأخبره بما كان ~~وأن معاوية قال: سيأتيكم رأيي، فسرب الخيل إلى أبي الأعور ليمنعهم الماء، ~~فلما سمع علي ذلك قال: قاتلوهم على الماء. فقال الأشعث بن قيس الكندي: أنا ~~أسير إليهم. فسار إليهم، فلما دنوا منهم ثاروا في وجوههم فرموهم بالنبل ~~فتراموا ساعة ثم تطاعنوا بالرماح ثم صاروا إلى السيوف فاقتتلوا ساعة، وأرسل ~~معاوية يزيد بن أسد البجلي القسري، جد خالد بن عبد الله القسري، في الخيل ~~إلى أبي الأعور، فأقبلوا، فأرسل علي شبث بن ربعي الرياحي، فازداد القتال، ~~فأرسل معاوية عمرو بن العاص في جند كثير، فأخذ يمد أبا الأعور ويزيد بن ~~أسد، وأرسل علي الأشتر في جمع عظيم وجعل يمد الأشعث وشبثا، فاشتد القتال، ~~فقال عبد الله بن عوف الأزدي الأحمري: خلوا لنا ماء الفرات الجاري ... أو ~~اثبتوا لجحفل جرار لكل قرم مستميت شاري ... مطاعن برمحه كرار ضراب هامات ~~العدى مغوار ... لم يخش غير الواحد القهار PageV02P0060 # وقاتلوهم حتى خلوا بينهم وبين الماء وصار في أيدي أصحاب علي، فقالوا: ~~والله لا نسقيه أهل الشام! فأرسل علي إلى أصحابه: أن خذوا من الماء حاجتكم ~~وخلوا عنهم، فإن الله نصركم ببغيهم وظلمهم. ومكث علي يومين لا يرسل إليهم ~~أحدا ولا يأتيه أحد، ثم إن عليا ms1077 دعا أبا عمرو بشير بن عمرو بن محصن ~~الأنصاري وسعيد بن قيس الهمداني وشبث بن ربعي التميمي، فقال لهم: ائتوا هذا ~~الرجل وادعوه إلى الله وإلى الطاعة والجماعة. فقال له شبث: يا أمير ~~المؤمنين ألا تطمعه في سلطان توليه إياه أو منزلة تكون له بها أثرة عندك إن ~~هو بايعك؟ قال: انطلقوا إليه واحتجوا عليه وانظروا ما رأيه. وهذا في أول ذي ~~الحجة. فأتوه فدخلوا عليه، فابتدأ بشير بن عمرو الأنصاري فحمد الله وأثنى ~~عليه وقال: يا معاوية إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، وإن الله ~~محاسبك بعملك ومجازيك عليه، وإني أنشدك الله أن لا تفرق جماعة هذه الأمة ~~وأن لا تسفك دماءها بينها. فقطع عليه معاوية الكلام وقال: هلا أوصيت بذلك ~~صاحبك؟ فقال أبو عمرو: إن صاحبي ليس مثلك، إن صاحبي أحق البرية كلها بهذا ~~الأمر في الفضل والدين والسابقة في الإسلام والقرابة بالرسول، صلى الله ~~عليه وسلم، قال: فماذا يقول؟ قال: يأمرك بتقوى الله وأن تجيب انب عمك إلى ~~ما يدعوك إليه من الحق فإنه أسلم لك في دنياك وخير لك في عاقبة أمرك! قال ~~معاوية: ونترك دم ابن عفان؟ لا والله لا أفعل ذلك أبدا. قال: فذهب سعيد بن ~~قيس يتكلم، فبادره شبث بن ربعي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معاوية قد ~~فهمت ما رددت على ابن محصن، إنه والله لا يخفى علينا ما تطلب، إنك لم تجد ~~شيئا تستغوي به الناس وتستميل به أهواءهم وتستخلص به طاعتهم إلا قولك: قتل ~~إمامكم مظلوما فنحن نطلب دمه، فاستجاب لك سفهاء طغام، وقد علمنا أنك أبطأت ~~عنه بالنصر وأحببت له القتل لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب، ورب متمني أمر ~~وطالبه يحول الله دونه، وربما أوتي المتمني أمنيته وفوق أمنيته، ووالله ما ~~لك في واحدة منهما خير! والله إن أخطأك ما ترجو إنك لشر العرب حالا! ولئن ~~أصبت ما تتمناه لا تصيبه حتى تستحق من ربك صلي النار! فاتق الله يا معاوية ~~ودع ما أنت عليه ms1078 ولا تنازع الأمر أهله. قال: فحمد معاوية الله ثم قال: أما ~~بعد فإن أول ما عرفت به سفهك وخفة حلمك أن قطعت على هذا الحسيب الشريف سيد ~~قومه منطقه ثم اعترضت بعد فيما لا علم لك به، فقد كذبت ولؤمت أيها الأعرابي ~~الجلف الجافي في كل ما ذكرت ووصفت! انصرفوا من عندي فليس بيني وبينكم إلا ~~السيف. وغضب، وخرج القوم. فقال له شبث بن ربعي: أتهول بالسيف؟ أقسم بالله ~~لنعجلنها إليك. فأتوا عليا فأخبروه بذلك، فأخذ علي يأمر الرجل ذا الشرف ~~فيخرج ومعه جماعة من أصحابه ويخرج إليه آخر من أصحاب معاوية ومعه جماعة، ~~فيقتتلان في خيلهما ثم ينصرفان، وكرهوا أن يلقوا جمع أهل العراق بجمع أهل ~~الشام لما خافوا أن يكون فيه من الاستئصال والهلاك، فكان علي يخرج مرة ~~الأشتر ومرة حجر بن عدي الكندي ومرة شبث بن ربعي ومرة خالد بن المعمر ومرة ~~زياد بن النضر الحارثي ومرة زياد بن خصفة التيمي ومرة سعيد بن قيس الهمداني ~~ومرة معقل بن قيس الرياحي ومرة قيس بن سعد الأنصاري، وكان الأشتر أكثرهم ~~خروجا. وكان معاوية يخرج إليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وأبا الأعور ~~السلمي وحبيب بن مسلمة الفهري وابن ذي الكلاع الحميري وعبيد الله ابن عمر ~~بن الخطاب وشرحبيب بن السمط الكندي وحمرة بن مالك الهمداني، فاقتتلوا أيام ~~ذي الحجة كلها، وربما اقتتلوا في اليوم الواحد مرتين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV02P0061 # في هذه السنة مات حذيفة بن اليمان بعد قتل عثمان بيسير ولم يدرك الجمل، ~~وقتل ابناه صفوان وسعيد مع علي بصفين بوصية أبيهما، وقيل: مات سنة خمس ~~وثلاثين، والأول أصح. وفيها مات سلمان الفارسي في قول بعضهم، وكان عمره ~~مائتين وخمسين سنة، هذا أقل ما قيل فيه، وقيل: ثلثمائة وخمسون سنة، وكان قد ~~أدرك بعض أصحاب المسيح، عليه السلام. وعبد الله ابن سعد بن أبي سرح مات ~~بعسقلان حيث خرج معاوية إلى صفين وكره الخروج معه. ومات فيها عبد الرحمن بن ~~عديس البلوي أمير القادمين من مصر ms1079 لقتل عثمان، وكان ممن بايع النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، تحت الشجرة، وقيل: بل قتل بالشام. وفيها مات قدامة بن ~~مظعون الجمحي، وهو من مهاجرة الحبشة، وشهد بدرا. وفيها توفي عمرو بن أبي ~~عمرو بن ضبة الفهري أبو شداد، شهد بدرا. وفيها استعمل علي على الري يزيد بن ~~حجية التيمي تيم اللات، فكسر من خراجها ثلاثين ألفا، فكتب إليه يستدعيه، ~~فحضر، فسأله عن المال قال: أين ما غللته من المال؟ قال: ما أخذت شيئا! ~~فخفقه بالدرة خفقات وحبسه ووكل به سعدا مولاه، فهرب منه يزيد إلى الشام، ~~فسوغه معاوية المال، فكان ينال من علي، وبقي بالشام إلى أن اجتمع الأمر ~~لمعاوية فسار معه إلى العراق فولاه الري، فقيل: إنه شهد مع علي الجمل وصفين ~~والنهروان، ثم ولاه الري، وهو الصحيح، فكان ما تقدم ذكره. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وثلاثين # ### || AUT ذكر تتمة أمر صفين # في هذه السنة في المحرم منها جرت موادعة بين علي ومعاوية، توادعا على ~~ترك الحرب بينهما حتى ينقضي المحرم طمعا في الصلح، واختلفت بينهما الرسل، ~~فبعث علي عدي بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبي وشبث بن ربعي وزياد ابن خصفة. ~~فتكلم عدي بن حاتم فحمد الله وقال: أما بعد فإنا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع ~~الله به كلمتنا وأمتنا ونحقن به الدماء ونصلح ذات البين، إن ابن عمك سيد ~~المسلمين أفضلها سابقة وأحسنها في الإسلام أثرا، وقد استجمع له الناس ولم ~~يبق أحد غيرك وغير من معك، فاحذر يا معاوية لا يصبك وأصحابك مثل يوم الجمل! ~~فقال له معاوية: كأنك إنما جئت متهددا لم تأت مصلحا! هيهات يا عدي! كلا ~~والله إني لابن حرب لا يقعقع له بالشنان، وإنك والله من المجلبين على ~~عثمان، وإنك من قتلته، وإني لأرجو أن تكون ممن يقتله الله به! فقال له شبث ~~وزياد بن خصفة جوابا واحدا: أتيناك فيما يصلحنا وإياك فأقبلت تضرب لنا ~~الأمثال، دع ما لا ينفع من القول والفعل وأجبنا فيما يعم نفعه. وقال يزيد ~~ابن ms1080 قيس: إنا لم نأت إلا لنبلغك ما أرسلنا به إليك ونؤدي عنك ما سمعنا منك، ~~ولن ندع أن نصح لك وأن نذكر ما يكون به الحجة عليك ويرجع إلى الألفة ~~والجماعة، إن صاحبنا من قد عرف المسلمون فضله ولا يخفى عليك، فاتق الله يا ~~معاوية ولا تخالفه، فإنا والله ما رأينا في الناس رجلا قط أعمل بالتقوى ولا ~~أزهد في الدنيا ولا أجمع لخصال الخير كلها معه. فحمد الله معاوية ثم قال: ~~أما بعد فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فأما الجماعة التي دعوتم إليها ~~فمعنا هي، وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها لأن صاحبكم قتل خليفتنا وفرق ~~جماعتنا وآوى ثأرنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله فنحن لا نرد عليه ذلك ~~فليدفع إلينا قتلة عثمان لنقتلهم ونحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة. فقال ~~شبث بن ربعي: أيسرك يا معاوية أن تقتل عمارا؟ فقال: وما يمنعني من ذلك؟ لو ~~تمكنت من ابن سمية لقتلته بمولى عثمان. فقال شبث: والذي لا إله غيره لا تصل ~~إلى ذلك حتى تندر الهام عن الكواهل وتضيق الأرض الفضاء عليك! فقال معاوية: ~~لو كان ذلك لكانت عليك أضيق! وتفرق القوم عن معاوية، وبعث معاوية إلى زياد ~~بن خصفة فخلا به وقال له: يا أخا ربيعة، إن عليا قطع أرحامنا وقتل إمامنا ~~وآوى قتلة صاحبنا، وإني أسألك النصر عليه بعشيرتك ثم لك عهد الله وميثاقه ~~أني أوليك إذا ظهرت أي المصرين أحببت. فقال زياد: أما بعد فإني على بينة من ~~ربي وما أنعم الله علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين! وقام. فقال معاوية لعمرو ~~بن العاص: ليس نكلم رجلا منهم فيجيب إلى خير، ما قلوبهم إلا كقلب واحد. ~~PageV02P0062 # وبعث معاوية إلى علي حبيب بن مسلمة الفهري وشرحبيل بن السمط ومعن ابن ~~يزيد بن الأخنس، فدخلوا عليه، فحمد الله حبيب وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ~~فإن عثمان كان خليفة مهديا يعمل بكتاب الله وينيب إلى أمره، فاستثقلتم ~~حياته واستبطأتم وفاته فعدوتم عليه فقتلتموه، فادفع إلينا قتلة عثمان إن ~~زعمت أنك ms1081 لم تقتله نقتلهم به، ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم، ~~يولونه من أجمعوا عليه. فقال له علي: ما أنت لا أم لك والعزل وهذا الأمر؟ ~~اسكت فإنك لست هناك ولا بأهل له. فقال: والله لتريني بحيث ! فقال له علي: ~~وما أنت؟ لا أبقى الله عليك إن أبقيت علينا، اذهب فصوب وصعد ما بدا لك! ~~وقال شرحبيل: ما كلامي إلا مثل كلام صاحبي، فهل عندك جواب غير هذا؟ فقال ~~علي: ليس عندي جواب غيره. ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فإن الله ~~تعالى بعث محمدا، صلى الله عليه وسلم، بالحق فأنقذ به من الضلالة والهلكة ~~وجمع به من الفرقة ثم قبضه الله إليه فاستخلف الناس أبا بكر، واستخلف أبو ~~بكر عمر، فأحسنا السيرة وعدلا، وقد وجدنا عليهما أن توليا الأمور ونحن آل ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فغفرنا ذلك لهما، وولى الناس عثمان فعمل ~~بأشياء عابها الناس فساروا إليه فقتلوه، ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمورهم ~~فقالوا لي: بايع، فأبيت، فقالوا: بايع فإن الأمة لا ترضى إلا بك وإنا نخاف ~~إن لم تفعل أن يتفرق الناس، فبايعتهم، فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني ~~وخلاف معاوية الذي لم يجعل له سابقة في الدين ولا سلف صدق في الإسلام، طليق ~~ابن طليق، حزب من الأحزاب، لم يزل حربا لله ورسوله هو وأبوه حتى دخلا في ~~الإسلام كارهين، ولا عجب إلا من اختلافكم معه وانقيادكم له وتتركون آل بيت ~~نبيكم الذي لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم! ألا إني أدعوكم إلى كتاب الله ~~وسنة نبيه وإماتة الباطل وإحياء الحق ومعالم الدين! أقول قولي هذا وأستغفر ~~الله لي ولكم وللمؤمنين. فقالا: تشهد أن عثمان قتل مظلوما؟ فقال لهما: لا ~~أقول إنه قتل مظلوما ولا ظالما. قالا: فمن لم يزعم أنه قتل مظلوما فنحن منه ~~برآء. وانصرفا، فقال علي، كرم الله وجهه: (إنك لا تسمع الموتى) إلى قوله: ~~(فهم مسلمون) النمل: 80 - 81، ثم قال لأصحابه: لا يكن هؤلاء في الجد ms1082 في ~~ضلالهم أجد منكم في الجد في حقكم وطاعة ربكم. فتنازع عامر بن قيس الحذمري ~~ثم الطائي وعدي بن حاتم الطائي في الراية بصفين، وكانت حذمر أكثر من بني ~~عدي رهط حاتم، فقال عبد الله بن خليفة البولاني عند علي: يا بني حذمر أعلى ~~عدي تتوثبون وهل فيكم وفي آبائكم مثل عدي وأبيه؟ أليس بحامي القرية ومانع ~~الماء يوم روية؟ أليس ابن ذي المرباع، وابن جواد العرب، وابن المنهب ماله ~~ومانع جاره، ومن لم يغدر ولم يفجر ولم يبخل ولم يمنن ولم يجبن؟ هاتوا في ~~آبائكم مثل أبيه، أوفيكم مثله، أليس أفضلكم في الإسلام ووافدكم إلى النبي، ~~صلى الله عليه وسلم؟ أليس برأسكم يوم النخيلة ويوم القادسية ويوم المدائن ~~ويوم جلولاء ويوم نهاوند ويوم تستر؟ فقال علي: حسبك يا ابن خليفة. وقال ~~علي: لتحضر جماعة طيء. فأتوه، فقال: من كان رأسكم في هذه المواطن؟ قالوا: ~~عدي. فقال ابن خليفة: سلهم يا أمير المؤمنين أليسوا راضين برياسة عدي؟ ~~ففعل، فقالوا: بلى. فقال علي: فعدي أحقكم بالراية، وأخذها. فلما كان ايام ~~حجر بن عدي طلب زياد عبد الله بن خليفة ليبعثه مع حجر، فسار إلى الجبلين ~~ووعده عدي أن يرده وأن يسأل فيه، فطال عليه ذلك، فقال شعرا، منه: أتنسى ~~بلائي سادرا يا ابن حاتم ... عشية ما أغنت عديك حذمرا فدافعت عنك القوم حتى ~~تخاذلوا ... وكنت أنا الخصم اللد العذورا فولوا وما قاموا مقامي كأنما ... ~~رأوني ليثا بالأباءة مخدرا نصرتك إذ خام القريب وأبعد ال ... بعيد وقد ~~أفردت نصرا مؤزرا فكان جزائي أن أجرر بينكم ... سحيبا وأن أولى الهوان ~~وأوسرا وكم عدة لي منك أنك راجعي ... فلم تغن بالميعاد عني حبترا وسترد ~~قصته بتمامها، إن شاء الله تعالى. PageV02P0063 # فلما انسلخ المحرم أمر علي مناديا تعبئة الناس للقتال فنادى: يا أهل ~~الشام! يقول لكم أمير المؤمنين: قد استدمتكم لتراجعوا الحق وتنيبوا إليه، ~~فلم تنتهوا عن طغيانكم ولم تجيبوا إلى الحق، وإني قد نبذت إليكم على سواء، ~~إن الله لا يحب الخائنين! فاجتمع أهل ms1083 الشام إلى أمرائهم ورؤسائهم، خرج ~~معاوية وعمرو يكتبان الكتائب ويعبيان الناس، وكذلك فعل أمير المؤمنين، وقال ~~للناس: لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم، فأنتم بحمد الله على حجة، وترككم قتالهم ~~حجة أخرى، فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا ~~عورة ولا تمثلوا بقتيل، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ولا ~~تدخلوا دارا ولا تأخذوا شيئا من أموالهم، ولا تهيجوا امرأة وإن شتمن ~~أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضعاف القوى والأنفس. وكان يقول بهذا ~~المعنى لأصحابه في كل موطن، وحرض أصحابه فقال: عباد الله اتقوا الله وغضوا ~~الأبصار واخفضوا الأصوات وأقلوا الكلام ووطنوا أنفسكم على المنازلة ~~والمجاولة والمزاولة والمناضلة والمعانقة والمكادمة والملازمة، (فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) الأنفال: 45، (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين) الأنفال: 46، اللهم ألهمهم الصبر ~~وأنزل عليهم النصر وأعظم لهم الأجر! وأصبح علي فجعل على خيل الكوفة الأشتر، ~~وعلى جند البصرة سهل بن حنيف، وعلى رجالة الكوفة عمار بن ياسر، وعل رجالة ~~البصرة قيس بن سعد، وهاشم بن عتبة المرقال معه الراية، وجعل مسعر بن فدكي ~~على قراء الكوفة وأهل البصرة. وبعث معاوية على ميمنته ابن ذي الكلاع ~~الحميري، وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهري، وعلى مقدمته أبا الأعور ~~السلمي، وعلى خيل دمشق عمرو بن العاص، وعلى رجالة دمشق مسلم بن عقبة المري، ~~وعلى الناس كلهم الضحاك بن قيس، وبايع رجال من أهل الشام على الموت، فعقلوا ~~أنفسهم بالعمائم، وكانوا خمسة صفوف، وخرجوا أول يوم من صفر فاقتتلوا، وكان ~~على الذين خرجوا من أهل الكوفة الأشتر، وعلى من خرج من أهل الشام حبيب بن ~~مسلمة، فاقتتلوا يومهم قتالا شديدا معظم النهار ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم ~~مع بعض. ثم خرج في اليوم الثاني هاشم بن عتبة في خيل ورجال، وخرج إليه من ~~أهل الشام أبو الأعور السلمي، فاقتتلوا يومهم ذلك ثم انصرفوا، وخرج في ~~اليوم الثالث عمار بن ياسر، وخرج إليه عمرو بن العاص، فاقتتلوا أشد قتال، ~~وقال عمار: ms1084 يا أهل العراق أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله ~~وجاهدهما وبغى على المسلمين وظاهر المشركين؟ فلما رأى الله يعز دينه ويظهر ~~رسوله أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو فيما نرى راهب غير راغب! ثم قبض ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، فوالله إن زال بعده معروفا بعداوة المسلم ~~واتباع المجرم، فاثبتوا له وقاتلوه. وقال عمار لزياد بن النضر وهو على ~~الخيل: احمل على أهل الشام. فحمل وقاتله الناس وصبروا له، وحمل عمار فأزال ~~عمرو بن العاص عن موضعه، وبارز يومئذ زياد بن النضر أخاه لأمه، واسمه عمرو ~~بن معاوية من بني المنتفق، فلما التقيا تعارفا فانصرف كل واحد منهما عن ~~صاحبه وتراجع الناس. وخرج من الغد محمد بن علي، وهو ابن الحنفية، وخرج إليه ~~عبيد الله بن عمر بن الخطاب في جمعين عظيمين فاقتتلوا أشد القتال، وأرسل ~~عبيد الله إلى ابن الحنفية يدعوه إلى المبارزة، فخرج إليه، فحرك علي دابته ~~ورد ابنه وبرز علي إلى عبيد الله، فرجع عبيد الله، وقال محمد لأبيه: لو ~~تركتني لرجوت قتله. وقال: يا أمير المؤمنين وكيف تبرز إلى هذا الفاسق؟ ~~والله إني لأرغب بك عن أبيه! فقال علي: يا بني لا تقل في أبيه إلا خيرا. ~~وتراجع الناس. وخرج عبد الله بن عباس في اليوم الخامس، وخرج إليه الوليد بن ~~عقبة، فاقتتلوا قتالا شديدا، فسب الوليد بني عبد المطلب، فطلبه ابن عباس ~~ليبارزه فأبى، وقاتل ابن عباس قتالا شديدا. وخرج في اليوم السادس قيس بن ~~سعد الأنصاري، وخرج إليه ابن ذي الكلاع الحميري، فاقتتلوا قتالا شديدا ثم ~~انصرفوا. ثم عاد يوم الثلاثاء وخرج الأشتر، وخرج إليه حبيب، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا وانصرفوا عند الظهر. PageV02P0064 # ثم إن عليا قال: حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا؟ فقام في الناس ~~عشية الثلاثاء ليلة الأربعاء خطيبا فحمد الله وأثنى عليه فقال: الحمد لله ~~الذي لا يبرم ما نقض وما أبرم لم ينقضه الناقضون، ولو شاء الله ما اختلف ~~اثنان من خلقه ولا اختلفت الأمة في شيء ms1085 ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله وقد ~~ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار فنحن بمرأى من ربنا ومسمع فلو شاء عجل النقمة ~~وجعل الآخرة دار القرار (ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا ~~بالحسنى) النجم: 31، ألا وإنكم لاقو القوم غدا فأطيلوا الليلة القيام ~~وأكثروا تلاوة القرآن واسألوا الله النصر والصبر والقوهم بالجد والحزم، ~~وكونوا صادقين. فقام القوم يصلحون سلاحهم، فمر بهم كبع بن جعيل فقال: أصبحت ~~الأمة في أمر عجب ... والملك مجموع غدا لمن غلب فقلت قولا صادقا غير كذب ~~... إن غدا تهلك أعلام العرب وعبى علي الناس ليلته حتى الصباح وزحف بالناس، ~~وخرج إليه معاوية في أهل الشام، فسأل علي عن القبائل من أهل الشام فعرف ~~مواقفهم، فقال للأزد: اكفونا الأزد، وقال لخثعم: اكفونا خثعم، وأمر كل ~~قبيلة أن تكفيه أختها من الشام إلا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد ~~فيصرفها إلى قبيلة أخرى من الشام ليس بالعراق منهم أحد، مثل بجيلة لم يكن ~~بالشام منها إلا القليل صرفهم إلى لخم. فتناهض الناس يوم الأربعاء فاقتتلوا ~~قتالا شديدا نهارهم كله، ثم انصرفوا عند المساء وكل غير غالب، فلما كان يوم ~~الخميس صلى علي بغلس وخرج بالناس إلى أهل الشام فزحف إليهم وزحفوا معه، ~~وكان على ميمنة علي عبد الله ابن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعلى ميسرته عبد ~~الله بن عباس، والقراء مع ثلاثة نفر: عمار، وقيس بن سعد، وعبد الله بن ~~بديل، والناس على راياتهم ومراكزهم، وعلي في القلب في أهل المدينة بين أهل ~~الكوفة وأهل البصرة، وأكثر من معه من أهل المدينة الأنصار ومعه عدد من ~~خزاعة وكنانة وغيرهم من أهل المدينة، وزحف إليهم. ورفع معاوية قبة عظيمة ~~فألقى عليها الثياب وبايعه أكثر أهل الشام على الموت، وأحاط بقبته خيل ~~دمشق. وزحف عبد الله بن بديل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة وهو في ميسرة ~~معاوية، فلم يزل يحوزه ويكشف خيله حتى اضطرهم إلى قبة معاوية عند الظهر، ~~وحرض عبد الله بن بديل أصحابه فقال: ألا إن معاوية ms1086 ادعى ما ليس له، ونازع ~~الحق أهله، وعاند من ليس مثله، وجادل بالباطل ليدحض به الحق، وصال عليكم ~~بالأعراب والأحزاب الذين قد زين لهم الضلالة، وزرع في قلوبهم حب الفتنة، ~~ولبس عليهم الأمر، وزادهم رجسا إلى رجسهم، فقاتلوا الطغام الجفاة ولا ~~تخشوهم، (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم ~~مؤمنين) التوبة: 13 - 14. وحرض علي أصحابه فقال في كلام له: فسووا صفوفكم ~~كالبينان المرصوص، وقدموا الدارع، وأخروا الحاسر، وعضوا على الأضراس، فإنه ~~أنبى للسيوف عن الهام، والتووا في الأطراف فإنه أصون للأسنة، وغضوا الأبصار ~~فإنه أربط للجأش، وأسكن للقلب، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى ~~بالوقار، راياتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها، ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم، ~~واستعينوا بالصدق والصبر، فإن بعد الصبر ينزل عليكم النصر. وقام يزيد بن ~~قيس الأرحبي يحرض الناس فقال: إن المسلم من سلم في دينه ورأيه؛ وإن هؤلاء ~~القوم والله لا يقاتلونا على إقامة دين ضيعناه وإحياء حق أمتناه، إن ~~يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا ليكونوا جبارين فيها ملوكا، فلو ظهروا عليكم، ~~لا أراهم الله ظهورا ولا سرورا، ألزموكم بمثل سعيد والوليد وابن عامر ~~السفيه الضال، يجيز أحدهم بمثل ديته ودية أبيه وجده في جلسه ثم يقول: هذا ~~لي ولا إثم علي، كأنما أعطى تراثه على أبيه وأمه، وإنما هو مال الله أفاءه ~~علينا بأرماحنا وسيوفنا، فقاتلوا عباد الله القوم الظالمين، فإنهم إن ~~يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم ودنياكم وهم من قد عرفتم وخبرتم! والله ما ~~ازدادوا إلى يومهم إلا شرا! PageV02P0065 # وقاتلهم عبد الله بن بديل في الميمنة قتالا شديدا حتى انتهى إلى قبة ~~معاوية وأقبل الذين تبايعوا على الموت إلى معاوية، فأمرهم أن يصمدوا لابن ~~بديل في الميمنة، وبعث إلى حبيب بن مسلمة في الميسرة فحمل بهم وبمن كان معه ~~على ميمنة الناس فهزمهم، وانكشف أهل العراق من قبل الميمنة حتى لم يبق منهم ~~إلا ابن بديل في مائتين أو ثلثمائة من القراء قد أسند بعضهم إلى بعض وانجفل ~~الناس، وأمر علي سهل ms1087 بن حنيف فاستقدم فيمن كان معه من أهل المدينة، ~~فاستقبلتهم جموع لأهل الشام عظيمة فاحتملتهم حتى أوقفتهم في الميمنة، وكان ~~فيما بين الميمنة إلى موقف علي في القلب أهل اليمن. فلما انكشفوا انتهت ~~الهزيمة إلى علي، فانصرف علي يمشي نحو الميسرة، فانكشفت عنه مضر من الميسرة ~~وثبتت ربيعة، وكان الحسن والحسين ومحمد بنو علي معه حين قصد الميسرة والنبل ~~يمر بين عاتقه ومنكبيه، وما من بنيه أحد إلا يقيه بنفسه فيرده، فبصر به ~~أحمر مولى أبي سفيان أو عثمان فأقبل نحوه، فخرج إليه كيسان مولى علي ~~فاختلفا بينهما ضربتان فقتله أحمر، فأخذ علي بجيب درع أحمر فجذبه وحمله على ~~عاتقه ثم ضرب به الأرض فكسر منكبيه وعضديه، ودنا منه أهل الشام، فما زاده ~~قربهم إلا إسراعا، فقال له ابنه الحسن: ما ضرك لو سعيت حتى تنتهي إلى هؤلاء ~~القوم الذين قد صبروا لعدوك من أصحابك؟ فقال: يا بني إن لأبيك يوما لا ~~يعدوه ولا يبطىء به عنه السعي ولا يعجل به إليه المشي، إن أباك والله لا ~~يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه. فلما وصل إلى ربيعة نادى بصوت عال ~~كغير المكترث لما فيه الناس: لمن هذه الرايات؟ قالوا: رايات ربيعة. قال: بل ~~رايات عصم الله أهلها فصبرهم وثبت أقدامهم. وقال للحضين بن المنذر: يا فتى ~~ألا تدني رايتك هذه ذراعا؟ قال: بلى والله وعشرة أذرع، فأدناها حتى قال: ~~حسبك مكانك. ولما انتهى علي إلى ربيعة تنادوا بينهم: يا ربيعة إن أصيب فيكم ~~أمير المؤمنين وفيكم رجل حي افتضحتم في العرب! فقاتلوا قتالا شديدا ما ~~قاتلوا مثله، فلذلك قال علي: لمن راية سوداء يخفق ظلها ... إذا قيل قدمها ~~حضين تقدما ويقدمها في الموت حتى يزيرها ... حياض المنايا تقطر الموت ~~والدما أذقنا ابن حرب طعننا وضرابنا ... بأسيافنا حتى تولى وأحجما جزى الله ~~قوما صابروا في لقائهم ... لدى الموت قوما ما أعف وأكرما وأطيب أخبارا ~~وأكرم شيمة ... إذا كان أصوات الرجال تغمغما ربيعة أعني، إنهم أهل نجدة ... ~~وبأس إذا لاقوا ms1088 خميسا عرمرما PageV02P0066 # ومر به الأشتر وهو يقصد الميسرة، والأشتر يركض نحو الفزع قبل الميمنة، ~~فقال له علي: يا مالك! قال: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: ائت هؤلاء القوم ~~فقل لهم: أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه إلى الحياة التي لا تبقى لكم؟ ~~فمضى الأشتر فاستقبلا الناس منهزمين فقال لهم ما قال علي، ثم قال: أيها ~~الناس أنا الأشتر، إلي! فأقبل إليه بعضهم وذهب البعض، فنادى: أيها الناس ما ~~أقبح ما قاتلتم مذ اليوم! أخلصوا لي مذحجا، فأقبلت مذحج إليه، فقال لهم: ما ~~أرضيتم ربكم ولا نصحتم له في عدوكم، وكيف ذلك وأنتم أبناء الحرب، وأصحاب ~~الغارات، وفتيان الصباح، وفرسان الطراد، وحتوف الأقران، ومذحج الطعان الذي ~~لم يكونوا يسبقون بثأرهم ولا تطل دماؤهم، وما تفعلون هذا اليوم، فإنه مأثور ~~بعده، فانصحوا واصدقوا عدوكم اللقاء فإن الله مع الصادقين. والذي نفسي بيده ~~ما من هؤلاء - وأشار إلى أهل الشام - رجل على مثل جناح بعوضة من دين، اجلوا ~~سواد وجهي يرجع فيه دمه، عليكم بهذا السواد الأعظم، فإن الله لو قد فضه ~~تبعه من بجانبيه. قالوا: تجدنا حيث أحببت. فقصد نحو عظمهم مما يلي الميمنة ~~يزحف إليهم ويردهم، واستقبله شباب من همدان، وكانوا ثمانمائة مقاتل يومئذ، ~~وكانوا صبروا في الميمنة حتى أصيب منهم ثمانون ومائة رجل وقتل منهم أحد عشر ~~رئيسا، كان أولهم ذؤيب بن شريح، ثم شرحبيل ثم مرثد ثم هبيرة ثم يريم ثم ~~سمير أولاد شريح فقتلوا، ثم أخذ الراية عميرة ثم الحرث ابنا بشير فقتلا ~~جميعا، ثم أخذ الراية سفيان وعبد الله وبكر بنو زيد فقتلوا جميعا، ثم أخذ ~~الراية وهب بن كريب، فانصرف هو وقومه وهم يقولون: ليت لنا عدتنا من العرب ~~يحالفوننا على الموت ثم نرجع فلا ننصرف أو نقتل أو نظفر! فسمعهم الأشتر ~~يقولون هذا فقال لهم: أنا أحالفكم على أن لا نرجع أبدا حتى نظفر أو نهلك. ~~فوقفوا معه، وفي هذا قال كعب بن جعيل: وهمدان زرق تبتغي من تحالف وزحف ~~الأشتر نحو الميمنة وثاب ms1089 إليه الناس وتراجعوا من أهل البصرة وغيرهم، فلم ~~يقصد كتيبة إلا كشفها ولا جمعا إلا حازه ورده، فإنه كذلك إذ مر به زياد بن ~~النضر الحارثي يحمل إلى العسكر وقد صرع، وسببه أنه قد كان استلحم عبد الله ~~بن بديل وأصحابه في الميمنة، فتقدم زياد إليهم ورفع رايته لأهل الميمنة، ~~فصبروا وقاتل حتى صرع. ثم مروا بيزيد بن قيس الأرحبي محمولا نحو العسكر، ~~وكان قد رفع رايته لأهل الميمنة لما صرع زياد وقاتل حتى صرع، فقال الأشتر ~~حين رآه: هذا والله الصبر الجميل والفعل الكريم، ألا يستحي الرجل أن ينصرف ~~ولا يقتل أو يشفى به على القتل؟ وقاتلهم الأشتر قتالا شديدا، ولزمه الحرث ~~بن جمهان الجعفي يقاتل معه، فما زال هو ومن رجع إليه يقاتلون حتى كشف أهل ~~الشام وألحقهم بمعاوية والصف الذي معه بين صلاة العصر والمغرب، وانتهى إلى ~~عبد الله بن بديل وهو في عصابة من القراء نحو المائتين أو الثلثمائة قد ~~لصقوا بالأرض كأنهم جثا، فكشف عنهم أهل الشام فأبصروا إخوانهم فقالوا: ما ~~فعل أمير المؤمنين؟ قالوا: حي صالح في الميسرة يقاتل الناس أمامه. فقالوا: ~~الحمد لله! قد كنا ظننا أنه قد هلك وهلكتم. وقال عبد الله بن بديل لأصحابه: ~~استقدموا بنا. فقال الأشتر: لاتفعل واثبت مع الناس فإنه خير لهم وأبقى لك ~~ولأصحابك. فأبى ومضى كما هو نحو معاوية وحوله كأمثال الجبال وبيده سيفان، ~~وخرج عبد الله أمام أصحابه يقتل كل من دنا منه حتى قتل جماعة، ودنا من ~~معاوية، فنهض إليه الناس من كل جانب وأحيط به وبطائفة من أصحابه فقاتل حتى ~~قتل وقتل ناس من أصحابه، ورجعت طائفة منهم مجرحين. فبعث الأشتر الحرث بن ~~جمهان الجعفي، فحمل على أهل الشام الذين يتبعون من انهزم من أصحاب عبد الله ~~حتى نفسوا عنهم وانتهوا إلى الأشتر، وكان معاوية قد رأى ابن بديل وهو يضرب ~~قدما، فقال: أترونه كبش القوم؟ فلما قتل أرسل إليه لينظروا من هو، فلم ~~يعرفه أهل الشام، فجاء إليه، فلما رآه عرفه فقال: ms1090 هذا عبد الله بن بديل، ~~والله لو استطاعت نساء خزاعة لقاتلتنا فضلا عن رجالها! وتمثل بقول حاتم: ~~أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ... وإن شمرت يوما به الحرب شمرا ~~PageV02P0067 # وزحف الأشتر بعك والأشعرين وقال لمذحج: اكفونا عكان ووقف في همدان وقال ~~لكندة: اكفونا الأشعرين، فاقتتلوا قتالا شديدا إلى المساء، وقاتلهم الأشتر ~~في همدان وطوائف من الناس، فأزال أهل الشام عن مواضعهم حتى ألحقهم بالصفوف ~~الخمسة المعقلة بالعمائم حول معاوية، ثم حمل عليهم حملة أخرى فصرع أربعة ~~صفوف من المعقلين بالعمائم حتى انتهوا إلى الخامس الذي حول معاوية، ودعا ~~معاوية بفرسه فركب وكان يقول: أردت أن أنهزم فذكرت قول ابن الإطنابة ~~الأنصاري، وكان جاهليا: ابت لي عفتي وأبى بلائي ... وإقدامي على البطل ~~المشيح وإعطائي على المكروه مالي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح وقولي كلما ~~جشأت وجاشت: ... مكانك تحمدي أو تستريحي قال: فمنعني هذا القول من الفرار، ~~ونظر إلي عمرو وقال: اليوم صبر وغدا فخر. فقلت: صدقت. وتقدم جندب بن زهير ~~فبارز رأس أزد الشام، فقتله الشامي وقتل من رهطه عجل وسعد ابنا عبد الله من ~~بني ثعلبة، وقتل أبو زينب بن عوف. وخرج عبد الله بن أبي الحصين الأزدي في ~~القراء الذين مع عمار بن ياسر فأصيب معه، وتقدم عقبة بن حديد النميري وهو ~~يقول: ألا إن مرعى الدنيا أصبح هشيما، وشجرها خضيدا، وجديدها سملا، وحلوها ~~مر المذاق، إني قد سئمت الدنيا وعزفت نفسي عنها، وإني أتمنى الشهادة وأتعرض ~~لها في كل جيش وغارة فأبى الله إلا أن يبلغني هذا اليوم، وإني متعرض لها من ~~ساعتي هذه وقد طمعت أن لا أحرمها فما تنتظرون عباد الله بجهاد من عادى ~~الله؟ - في كلام طويل - وقال: يا إخوتي قد بعت هذه الدار بالتي أمامها، ~~وهذا وجهي إليها. فتبعه إخوته عبيد الله وعوف ومالك وقالوا: لا نطلب رزق ~~الدنيا بعدك، فقاتلوا حتى قتلوا. وتقدم شمر بن ذي الجوشن فبارز، فضرب أدهم ~~بن محرز الباهلي بالسيف وجهه وضربه شمر فلم يضره، فعاد شمر إلى رحله ms1091 فشرب ~~ماء، وكان ظمآن، ثم أخذ الرمح ثم حمل على أدهم فصرعه وقال: هذه بتلك. وكانت ~~راية بجيلة مع أبي شداد قيس بن هبيرة الأحمسي وهو قيس بن مكشوح، ومكشوح ~~لقب، فقال لقومه: والله لأنتهين بكم إلى صاحب الترس المذهب، وكان صاحبه عبد ~~الرحمن بن خالد، فقاتل الناس قتالا شديدا وشد بسيفه نحو صاحب الترس، فعرض ~~له مولى رومي لمعاوية فضرب قدم أبي شداد فقطعها، وضربه أبو شداد فقتله، ~~وأشرعت إليه الرماح فقتل، وأخذ الراية عبد الله بن قلع الأحمسي فقاتل حتى ~~قتل، ثم أخذها عفيف بن إياس فلم تزل في يده حتى تحاجز الناس. وقتل حازم بن ~~أبي حازم أخو قيس بن أبي حازم يومئذ، وقتل أبوه أيضا، له صحبة، ونعيم بن ~~صهيب بن العيلة البجليون مع علي. فلما رأى علي ميمنة أصحابه قد عادت إلى ~~مواضعها ومواقفها وكشفت من بإزائها من عدوها حتى ضاربوهم في مواقفهم ~~ومراكزهم، أقبل حتى انتهى إليهم فقال: إني قد رأيت جولتكم عن صفوفكم يحوزكم ~~الجفاة الطغام وأعراب الشام وأنتم لهاميم العرب والسنام الأعظم وعمار الليل ~~بتلاوة القرآن وأهل دعوة الحق. فلولا إقبالكم بعد إدباركم، وكركم بعد ~~انحيازكم، لوجب عليكم ما يجب على المولي يوم الزحف دبره وكنتم من الهالكين، ~~ولكن هون وجدي وشفى أحاح نفسي أني رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم ~~وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم، تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطرودة ~~الهيم، فالآن فاصبروا فقد نزلت عليكم السكينة وثبتكم الله باليقين ليعلم ~~المنهزم أنه مسخط ربه، وموبق نفسه، في كلام طويل. وكان بشر بن عصمة المري ~~قد لحق بمعاوية، فلما اقتتل الناس بصفين نظر بشر إلى مالك بن العقدية ~~الجشمي وهو يفتك بأهل الشام، فاغتاظ لذلك فحمل على مالك وتجاولا ساعة ثم ~~طعنه بشر بن عصمة فصرعه ولم يقتله وانصرف عنه، وقد ندم على طعنته إياه، ~~وكان جبارا، فقال: وإني لأرجو من مليكي تجاوزا ... ومن صاحب الموسوم في ~~الصدر هاجس دلفت له تحت الغبار بطعنة ... على ساعة فيها الطعان تخالس فبلغت ~~مقالته ابن ms1092 العقدية فقال: ألا أبلغا بشر بن عصمة أنني ... شغلت وألهاني ~~الذين أمارس وصادفت مني غرة وأصبتها ... كذلك والأبطال ماض وحابس ~~PageV02P0068 # وحمل عبد الله بن الطفيل البكائي على أهل الشام، فلما انصرف حمل عليه رجل ~~من بني تميم يقال له قيس بن مرة ممن لحق بمعاوية من أهل العراق فوضع الرمح ~~بين كتفي عبد الله، واعترضه ابن عم لعبد الله اسمه يزيد بن معاوية فوضع ~~الرمح بين كتفي التميمي، فقال له: والله لئن طعنته لأطعننك! فقال له: عليك ~~عهد الله وميثاقه إن رفعت الرمح عن ظهر صاحبك لترفعن سنانك عني! قال: نعم. ~~فرفع التميمي سنانه ورفع يزيد سنانه، فلما رجع الناس إلى الكوفة عتب يزيد ~~على ابن الطفيل، فقال له: ألم ترني حاميت عنك مناصحا ... بصفين إذ خلاك كل ~~حميم ونهنهت عنك الحنظلي وقد أتى ... على سابح ذي ميعة وهزيم وخرج رجل من ~~آل عك من أهل الشام يسأل المبارزة، فبرز إليه قيس ابن فهدان الكندي فحمل ~~عليه وتجاولا ساعة ثم طعنه عبد الرحمن فقتله، وقال: لقد علمت عك بصفين أننا ~~... إذا التقت الخيلان نطعنها شزرا ونحمل رايات الطعان بحقها ... فنوردها ~~بيضا ونصدرها حمرا وخرج قيس بن يزيد، وهو ممن فر إلى معاوية، فخرج إليه أبو ~~العمرطة ابن يزيد فتعارفا فتوافقا ثم انصرفا وأخبر كل واحد منهما أنه لقي ~~أخاه. وقاتلت طيء يومئذ قتالا شديدا فعبيت لهم جموع، فأتاهم حمرة بن مالك ~~الهمداني فقال: من القوم؟ فقال له عبد الله بن خليفة، وكان شيعيا شاعرا ~~خطيبا: نحن طيء السهل وطيء الرمل وطيء الجبل الممنوع ذي النخل، نحن طيء ~~الرماح وطيء البطاح فرسان الصباح. فقال حمرة بن مالك: إنك لحسن الثناء على ~~قومك. واقتتل الناس قتالا شديدا، فناداهم: يا معشر طيء، فدى لكم طارفي ~~وتالدي! قاتلوا على الدين والأحساب. وحمل بشر بن العسوس فقاتل، ففقئت عينه ~~يومئذ، فقال في ذلك: ألا ليت عيني هذه مثل هذه ... ولم أمش في الأحياء إلا ~~بقائد ويا ليت رجلي ثم طنت بنصفها ... ويا ليت كفي ثم ms1093 طاحت بساعدي ويا ~~ليتني لم أبق بعد مطرف ... وسعد وبعد المستنير بن خالد فوارس لم تغذ ~~الحواضن مثلهم ... إذا الحرب أبدت عن خدام الخرائد وقاتلت النخع يومئذ ~~قتالا شديدا، فأصيب منهم حيان وبكر ابنا هوذة، وشعيب بن نعيم، وربيعة بن ~~مالك بن وهبيل، وأبي أخو علقمة بن قيس الفقيه، وقطعت رجل علقمة يومئذ، فكان ~~يقول: ما أحب أن رجلي أصح مما كانت، وإنها لمما أرجو بها الثواب وحسن ~~الجزاء من ربي. قال: ورأيت أخي في المنام فقلت له: ماذا قدمتم عليه؟ فقال ~~لي: إنا التقينا نحن والقوم عند الله تعالى فاحتججنا فحججناهم،فما سررت ~~بشيء سروري بتلك الرؤيا، وكان يقال لأبي ابي الصلاة لكثرة صلاته. وخرجت ~~حمير في جمعها ومن انضم إليها من أهل الشام، ومقدمهم ذو الكلاع، ومعه عبيد ~~الله بن عمر بن الخطاب، وهم ميمنة أهل الشام، فقصدوا ربيعة من أهل العراق، ~~وكانت ربيعة ميسرة أهل العراق، وفيهم ابن عباس على الميسرة، فحملوا على ~~ربيعة حملة شديدة، فتضعضعت راية ربيعة، وكانت الراية مع أبي ساسان حضين بن ~~المنذر، فانصرف أهل الشام عنهم، ثم كر عبيد الله بن عمر وقال: يا أهل الشام ~~إن هذا الحي من أهل العراق قتلة عثمان وأنصار علي. فشدوا على الناس شدة ~~عظيمة، فثبتت ربيعة وصبروا صبرا حسنا إلا قليلا من الضعفاء والفشلة، وثبت ~~أهل الرايات وأهل الصبر والحفاظ وقاتلوا قتالا حسنا، وانهزم خالد بن المعمر ~~مع من انهزم، وكان على ربيعة، فلما رأى أصحاب الرايات قد صبروا رجع وصاح ~~بمن انهزم وأمرهم بالرجوع فرجعوا، وكان خالد قد سعي به إلى علي أنه كاتب ~~معاوية، فأحضره علي ومعه ربيعة فسأله علي عما قيل، وقال له: إن كنت فعلت ~~ذلك فالحق بأي بلد شئت لا يكون لمعاوية عليكم حكم. فأنكر ذلك. PageV02P0069 # وقالت ربيعة: يا أمير المؤمنين لو نعلم أنه فعل ذلك لقتلناه، فاستوثق منه ~~علي بالعهود، فلما فر اتهمه بعض الناس واعتذر هو بأني لما رأيت رجالا منا ~~قد انهزموا استقبلتهم لأردهم إليكم فأقبلت بمن أطاعني ms1094 إليكم. ولما رجع إلى ~~مقامه حرض ربيعة فاشتد قتالهم مع حمير وعبيد الله بن عمر حتى كثرت بينهم ~~القتلى فقتل سمير بن الريان العجلي، وكان شديد البأس، وأتى زياد ابن عمر بن ~~خصفة عبد القيس فأعلمهم بما لقيت بكر بن وائل من حمير وقال: يا عبد القيس ~~لا بكر بعد اليوم، فأتت عبد القيس بني بكر فقاتلوا معهم فقتل ذو الكلاع ~~الحميري وعبيد الله بن عمر، قتله محرز بن الصحصح من تيم الله بن ثعلبة من ~~أهل البصرة، وأخذ سيفه ذو الوشاح، وكان لعمر، فلما ملك معاوية العراق أخذه ~~منه، وقيل: بل قتله هانىء بن خطاب الأرحبي، وقيل: قتله مالك بن عمرو التنعي ~~الحضرمي. وخرج عمار بن ياسر على الناس فقال: اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن ~~رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلته. اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن ~~رضاك في أن أضع ظبة سيفي في بطني ثم أنحني عليها حتى تخرج من ظهري لفعلته. ~~وإني لا أعلم اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم عملا ~~هو أرضى لك منه لفعلته. والله إني لأرى قوما ليضربنكم ضربا يرتاب منه ~~المبطلون، وايم الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أنا على ~~الحق وأنهم على الباطل. ثم قال: من يبتغي رضوان الله ربه ولا يرجع إلى مال ~~ولا ولد؟ فأتاه عصابة، فقال: اقصدوا بنا هؤلاء القوم الذين يطلبون دم ~~عثمان، والله ما أرادوا الطلب بدمه ولكنهم ذاقوا الدنيا واستحبوها وعلموا ~~أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه منها، ولم يكن لهم سابقة ~~يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم، فخدعوا اتباعهم وإن قالوا: إمامنا ~~قتل مظلوما، ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا، فبلغوا ما ترون، فلولا هذه ما ~~تبعهم من الناس رجلان. اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت، وإن تجعل لهم الأمر ~~فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم. ثم مضى ومعه تلك العصابة، ~~فكان لا يمر بواد من أودية صفين ms1095 إلا تبعه من كان هناك من أصحاب النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، ثم جاء إلى هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وهو المرقال، وكان ~~صاحب راية علي، وكان أعور، فقال: يا هاشم أعورا وجبنا؟ لا خير في أعور لا ~~يغشى البأس، اركب يا هاشم؛ فركب ومضى معه وهو يقول: أعور يبغي أهله محلا ~~... قد عالج الحياة حتى ملا لابد أن يفل أو يفلا ... يتلهم بذي الكعوب تلا ~~وعمار يقول: تقدم يا هاشم، الجنة تحت ظلال السيوف والموت تحت أطراف الأسل، ~~وقد فتحت السماء وتزينت الحور العين. اليوم ألقى الأحبة، محمدا وحزبه، ~~وتقدم حتى دنا من عمرو بن العاص فقال له: يا عمرو بعت دينك بمصر، تبا لك! ~~فقال له: لا ولكن أطلب بدم عثمان. قال: أنا أشهد على علمي فيك أنك لا تطلب ~~بشيء من فعلك وجه الله وأنك إن لم تقتل اليوم تمت غدا، فانظر إذا أعطي ~~الناس على قدر نياتهم ما نيتك، لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثا مع رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، وهذه الرابعة ما هي بأبر وأتقى. ثم قاتل عمار ~~فلم يرجع وقتل. وقال حبة بن جوين العرني: قلت لحذيفة بن اليمان: حدثنا فإنا ~~نخاف الفتن. فقال: عليكم بالفئة التي فيها ابن سمية، فإن رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، قال: (تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق، وإن آخر ~~رزقه ضياح من لبن)، وهو الممزوج بالماء من اللبن. قال حبة: فشهدته يوم قتل ~~وهو يقول: ائتوني بآخر رزق لي في الدنيا، فأتي بضياح من لبن في قدح أروح له ~~حلقة حمراء، فما أخطأ حذيفة مقياس شعرة، فقال: اليوم ألقى الأحبة. محمدا ~~وحزبه، والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أننا على الحق ~~وأنهم على الباطل. ثم قتل، قتله أبو الغازية، واحتز رأسه ابن حوي السكسكي؛ ~~وقيل قتله غيره. PageV02P0070 # وقد كان ذو الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، لعمار بن ياسر: (تقتلك الفئة الباغية، وآخر شربة ms1096 تشربها ضياح من ~~لبن)، فكان ذو الكلاع يقول لعمرو: ما هذا ويحك يا عمرو؟ فيقول عمرو: إنه ~~سيرجع إلينا، فقتل ذو الكلاع قبل عمار مع معاوية، وأصيب عمار بعده مع علي، ~~فقال عمرو لمعاوية: ما أدري بقتل أيهما أنا أشد فرحا، بقتل عمار أو بقتل ذي ~~الكلاع، والله لو بقي ذو الكلاع بعد قتل عمار لمال بعامة أهل الشام إلى ~~علي. فأتى جماعة إلى معاوية كلهم يقول: أنا قتلت عمارا. فيقول عمرو: فما ~~سمعته يقول؟ فيخلطون، فأتاه ابن حوي فقال: أنا قتلته فسمعته يقول: اليوم ~~ألقى الأحبة، محمدا وحزبه. فقال له عمرو: أنت صاحبه، ثم قال: رويدا والله ~~ما ظفرت يداك ولقد أسخطت ربك. قيل: إن أبا الغازية قتل عمارا عاش إلى زمن ~~الحجاج ودخل عليه فأكرمه الحجاج وقال له: أنت قتلت ابن سمية؟ يعني عمارا. ~~قال: نعم. فقال: من سره أن ينظر إلى عظيم الباع يوم القيامة فلينظر إلى هذا ~~الذي قتل ابن سمية، ثم سأله أبو الغازية حاجته فلم يجبه إليها، فقال: نوطىء ~~لهم الدنيا ولا يعطونا منها ويزعم أني عظيم الباع يوم القيامة! فقال ~~الحجاج: أجل والله من كان ضرسه مثل أحد وفخذه مثل جبل ورقان ومجلسه مثل ~~المدينة والربذة إنه لعظيم الباع يوم القيامة، والله لو أن عمارا قتله أهل ~~الأرض كلهم لدخلوا كلهم النار. وقال عبد الرحمن السلمي: لما قتل عمار دخلت ~~عسكر معاوية لأنظر هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا، وكنا إذا تركنا القتال ~~تحدثوا وتحدثنا إليهم، فإذا معاوية وعمرو وأبو الأعور وعبد الله بن عمرو ~~يتسايرون، فأدخلت فرسي بينهم لئلا يفوتني ما يقولون، فقال عبد الله لأبيه: ~~يا أبه قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا وقد قال رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، ما قال، قال: وما قال؟ قال: ألم يكن المسلمون ينقلون في بناء مسجد ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين فغشي عليه فأتاه ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: ms1097 (ويحك يا ~~ابن سمية، الناس ينقلون لبنة لبنة وأنت تنقل لبنتين لبنتين رغبة في الأجر، ~~وأنت مع ذلك تقتلك الفئة الباغية). فقال عمرو لمعاوية: أما تسمع ما يقول ~~عبد الله؟ قال: وما يقول؟ فأخبره، فقال معاوية: أنحن قتلناه؟ إنما قتله من ~~جاء به. فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون: إنما قتل عمارا من جاء ~~به، فلا أدري من كان أعجب أهو أم هم. فلما قتل عمار قال علي لربيعة وهمدان: ~~أنتم درعي ورمحي، فانتدب له نحو من اثني عشر ألفا وتقدمهم علي على بغلة ~~فحملوا معه حملة رجل واحد فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض وقتلوا كل من ~~انتهوا إليه حتى بلغوا معاوية وعلي يقول: أقتلهم ولا أرى معاويه ... الجاحظ ~~العين العظيم الحاويه ثم نادى معاوية فقال علي: علام يقتل الناس بيننا؟ هلم ~~أحاكمك إلى الله فأينا قتل صاحبه استقامت له الأمور. فقال له عمرو: أنصفك. ~~فقال له معاوية: ما أنصفت، إنك لتعلم أنه لم يبرز إليه أحد إلا قتله. فقال ~~له عمرو: ما يحسن بك ترك مبارزته. فقال له معاوية: طمعت فيها بعدي! وكان ~~أصحاب علي قد وكلوا به رجلين يحافظانه لئلا يقاتل، وكان يحمل إذا غفلا فلا ~~يرجع حتى يخضب سيفه، وإنه حمل مرة فلم يرجع حتى انثنى سيفه فألقاه إليهم ~~وقال: لولا أنه أنثنى ما رجعت إليكم. فقال الأعمش لأبي عبد الرحمن: هذا ~~والله ضرب غير مرتاب. فقال أبو عبد الرحمن: سمع القوم شيئا فأدوه ما كانوا ~~بكاذبين. وأسر معاوية جماعة من أصحاب علي، فقال له عمرو: اقتلهم. فقال عمرو ~~ابن أوس الأودي: لا تقتلني فإنك خالي. قال: من أين أنا خالك ولم يكن بيننا ~~وبين أود مصاهرة؟ قال: إن أخبرتك فهو أماني عندك؟ قال: نعم. قال: أليست ~~أختك أم حبيبة زوج النبي، صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى. قال: فإني ابنها ~~وأنت أخوها فأنت خالي. فقال معاوية: ما له لله أبوه! أما كان في هؤلاء من ~~يفطن لها غيره؟ وخلى سبيله، وكان قد أسر علي ms1098 أسارى كثيرة فخلى سبيلهم، ~~فجاؤوا معاوية وإن عمرا ليقول له وقد أسر أيضا أسارى كثيرة: اقتلهم، فلما ~~وصل أصحابهم قال معاوية: يا عمرو لو أطعناك في هؤلاء الأسارى لوقعنا في ~~قبيح من الأمر؛ وخلى سبيل من عنده. PageV02P0071 # وأما هاشم بن عتبة فإنه دعا الناس عند المساء وقال: ألا من كان يريد الله ~~والدار الآخرة فإلي! فأقبل إليه ناس كثير، فحمل على أهل الشام مرارا ~~ويصبرون له، وقاتل قتالا شديدا وقال لأصحابه: لا يهولنكم ما ترون من صبرهم، ~~فوالله ما هو إلا حمية العرب وصبرها تحت راياتها وإنهم لعلى الضلال وإنكم ~~لعلى الحق. ثم حرض أصحابه وحمل في عصابة من القراء فقاتل قتالا شديدا حتى ~~رأوا بعض ما يسرون به، فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم شاب وهو يقول: أنا ابن ~~أرباب الملوك غسان ... والدائن اليوم بدين عثمان نبأنا قراؤنا بما كان ... ~~أن عليا قتل ابن عفان ثم يحمل فلا يرجع حتى يضرب بسيفه ويشتم ويلعن. فقال ~~له هاشم: يا هذا إن هذا الكلام بعده الخصام، وإن هذا القتال بعده الحساب، ~~فاتق الله فإنه سائلك عن هذا الموقف وما أردت به. قال: فإني قاتلكم لأن ~~صاحبك لا يصلي وأنتم لا تصلون، وإن صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم ساعدتموه على ~~قتله. فقال له هاشم: ما أنت وعثمان، قتله أصحاب رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وأبناء أصحابه وقراء الناس، وهم أهل الدين والعلم، وما أهمل أمر هذا ~~الدين طرفة عين. وأما قولك: إن صاحبنا لا يصلي، فإنه أول من صلى وافقه خلق ~~الله في دين الله وأولى بالرسول، صلى الله عليه وسلم، وأما كل من ترى معي ~~فكلهم قارىء لكتاب الله لا ينام الليل تهجدا، فلا يغوينك هؤلاء الأشقياء. ~~فقال الفتى: فهل لي من توبة؟ قال: نعم، تب إلى الله يتب عليك فإنه يقبل ~~التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. فرجع الفتى، فقال له أهل الشام: خدعك ~~العراقي. فقال: كلا ولكن نصح لي. وقاتل هاشم وأصحابه قتالا شديدا حتى رأوا ~~الظفر، فأقبلت عليهم ms1099 عند المغرب كتيبة لتنوخ، فقاتلهم هاشم وهو يقول: أعور ~~يبغي أهله محلا ... لابد أن يفل أو يفلا قد عالج الحياة حتى ملا ... يتلهم ~~بذي الكعوب تلا فقتل يومئذ تسعة أو عشرة، وحمل عليه الحرث بن المنذر ~~التنوخي فطعنه فسقط، فأرسل إليه علي أن قدم لواءك. فقال لرسوله: انظر إلى ~~بطني، فإذا هو قد انشق. فقال الحجاج بن غزية الأنصاري: فإن تفخروا بابن ~~البديل وهاشم ... فنحن قتلنا ذا الكلاع وحوشبا ونحن تركنا عند معترك القنا ~~... أخاك عبيد الله لحما ملحبا ونحن أحطنا بالبعير وأهله ... ونحن سقيناكم ~~سماما مقشبا ومر علي بكتيبة من أهل الشام فرآهم لا يزولون، وهم غسان، فقال: ~~إن هؤلاء لا يزولون إلا بطعن وضرب يفلق الهام ويطيح العظام تسقط منه ~~المعاصم والأكف وحتى تقرع جباههم بعمد الحديد، أين أهل النصر والصبر طلاب ~~الأجر؟ فأتاه عصابة من المسلمين، فدعا ابنه محمدا فقال له: تقدم نحو هذه ~~الراية مشيا رويدا على هينتك حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح فأمسك حتى ~~يأتيك أمري. ففعل وأعد لهم علي مثلهم وسيرهم إلى ابنه محمد وأمره بقتالهم، ~~فحملوا عليهم فأزالوهم عن مواقفهم وأصابوا منهم رجالا. ومر الأسود بن قيس ~~المرادي بعبد الله بن كعب المرادي وهو صريع، فقال عبد الله: يا أسود! قال: ~~لبيك! وعرفه وقال له: عز علي مصرعك. ثم نزل إليه وقال له: إن كان جارك ~~ليأمن بوائقك وإن كنت لمن الذاكرين الله كثيرا، أوصني رحمك الله. فقال: ~~أوصيك بتقوى الله وأن تناصح أمير المؤمنين وأن تقاتل معه المحلين حتى تظهر ~~أو تلحق بالله، وأبلغه عني السلام وقل له: قاتل على المعركة حتى تجعلها خلف ~~ظهرك، فإنه من اصبح غدا والمعركة خلف ظهره كان العالي، ثم لم يلبث أن مات، ~~فأقبل الأسود إلى علي فأخبره، فقال: رحمه الله، جاهد عدونا في الحياة ونصح ~~لنا في الوفاة. وقيل: إن الذي أشار على أمير المؤمنين علي بهذا عبد الرحمن ~~بن الحنبل الجمحي. PageV02P0072 # قال: فاقتتل الناس تلك الليلة كلها إلى الصباح، وهي ليلة الهرير، ~~فتطاعنوا ms1100 حتى تقصفت الرماح، وتراموا حتى نفد النبل وأخذوا السيوف، وعلي ~~يسير فيما بين الميمنة والميسرة ويأمر كل كتيبة أن تقدم على التي تليها، ~~فلم يزل يفعل ذلك حتى أصبح والمعركة كلها خلف ظهره، والأشتر في الميمنة ~~وابن عباس في الميسرة وعلي في القلب والناس يقتتلون من كل جانب، وذلك يوم ~~الجمعة، وأخذ الأشتر يزحف بالميمنة ويقاتل فيها، وكان قد تولاها عشية ~~الخميس وليلة الجمعة إلى ارتفاع الضحى، ويقول لأصحابه: ازحفوا قيد هذا ~~الرمح، ويزحف بهم نحو أهل الشام، فإذا فعل ذلك بهم قال: ازحفوا قيد هذه ~~القوس، فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك حتى مل أكثر الناس الإقدام. فلما رأى ~~الأشتر ذلك قال: أعيذكم بالله أن ترضعوا الغنم سائر اليوم! ثم دعا بفرسه ~~فركبه وترك رايته مع حيان بن هوذة النخعي وخرج يسير في الكتائب ويقول: من ~~يشتري نفسه ويقاتل مع الأشتر حتى يظهر أو يلحق بالله؟ فاجتمع إليه ناس كثير ~~فيهم حيان بن هوذة النخعي وغيره. فرجع إلى المكان الذي كان فيه وقال لهم: ~~شدوا شدة، فدى لكم خالي وعمي، ترضون بها الرب وتعزون بها الدين! ثم نزل ~~وضرب وجه دابته وقال لصاحب رايته: اقدم بها، وحمل على القوم وحملوا معه، ~~فضرب أهل الشام حتى اتهى بهم إلى عسكرهم، ثم قاتلوه عند العسكر قتالا ~~شديدا، وقتل صاحب رايته. ولما رأى علي الظفر من ناحيته أمده بالرجال، فقال ~~عمرو بن العاص لوردان مولاه: أتدري ما مثلي ومثلك ومثل الأشتر؟ قال: لا. ~~قال: كالأشقر إن تقدم وإن تأخر عقر، لئن تأخرت لأضربن عنقك. قال: أما والله ~~يا أبا عبد الله لأوردنك حياض الموت، ضع يدك على عاتقي؛ ثم جعل يتقدم ~~ويتقدم ويقول: لأوردنك حياض الموت، واشتد القتال. فلما رأى عمرو أن أمر أهل ~~العراق قد اشتد وخاف الهلاك قال لمعاوية: هل لك في أمر أعرضه عليك لا ~~يزيدنا إلا اجتماعا ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم. قال: نرفع المصاحف ثم ~~نقول لما فيها: هذا حكم بيننا وبينكم، فإن أبى بعضهم أن يقبلها ms1101 وجدت فيهم ~~من يقول: ينبغي لنا أن نقبل، فتكون فرقة بينهم، وإن قبلوا ما فيها رفعنا ~~القتال عنا إلى أجل. PageV02P0073 # فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا: هذا حكم كتاب الله، عز وجل، بيننا ~~وبينكم، من لثغور الشام بعد أهله؟ من لثغور العراق بعد أهله؟ فلما رآها ~~الناس قالوا: نجيب إلى كتاب الله. فقال لهم علي: عباد الله امضوا على حقكم ~~وصدقكم وقتال عدوكم فإن معاوية وعمرا وابن أبي معيط وحبيبا وابن أبي سرح ~~والضحاك ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، قد صحبتهم أطفالا ~~ثم رجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال، ويحكم والله ما رفعوها إلا خديعة ووهنا ~~ومكيدة. فقالوا له: لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فتأبى أن نقبله! فقال ~~لهم علي: فإني إنما أقاتلهم ليدينوا الحكم الكتاب فإنهم قد عصوا الله فيما ~~أمرهم ونسوا عهده ونبذوا كتابه. فقال له مسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين ~~الطائي، في عصابة من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك: يا علي أجب إلى ~~كتاب الله، عز وجل، إذ دعيت إليه وإلا دفعناك برمتك إلى القوم أو نفعل بك ~~ما فعلنا بابن عفان! قال: فاحفظوا عني نهيي إياكم واحفظوا مقالتكم لي، فإن ~~تطيعوني فقاتلوا وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم. قالوا: ابعث إلى الأشتر ~~فليأتك. فبعث علي يزيد بن هانىء إلى الأشتر يستدعيه. فقال الأشتر: ليست هذه ~~الساعة بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي، إنني قد رجوت أن ~~يفتح الله لي! فرجع يزيد فأخبره، وارتفعت الأصوات وارتفع الرهج من ناحية ~~الأشتر، فقالوا: والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل! فقال لعي: هل رأيتموني ~~ساررته؟ أليس كلمته على رؤوسكم وأنتم تسمعون؟ قالوا: فابعث إليه فليأتك ~~وإلا والله اعتزلناك! فقال له: ويلك يا يزيد! قل له: أقبل إلي فإن الفتنة ~~قد وقعت. فأبلغه ذلك، فقال الأشتر: ألرفع المصاحف؟ قال: نعم. قال: والله ~~لقد ظننت أنها ستوقع اختلافا وفرقة! إنها مشورة ابن العاهر! ألا ترى إلى ~~الفتح؟ ألا ترى ما يلقون؟ ms1102 ألا ترى ما صنع الله لنا؟ لن ينبغي أن أدع هؤلاء، ~~وانصرف عنهم. فقال له يزيد: أتحب أن تظفر وأمير المؤمنين يسلم إلى عدوه أو ~~يقتل؟ قال: لا والله، سبحان الله! فأعلمه بقولهم، فأقبل إليهم الأشتر وقال: ~~يا أهل العراق! يا أهل الذل والوهن! أحين علوتم القوم وظنوا أنكم لهم ~~قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها وهم والله قد تركوا ما أمر الله ~~به فيها وسنة من أنزلت عليه؟ فأمهلوني فاقا فإني قد أحسست بالفتح. قالوا: ~~لا. قال: أمهلوني عدو الفرس فإني قد طمعت في النصر. قالوا: إذن ندخل معك في ~~خطيئتك. قال: فخبروني عنكم متى كنتم محقين؟ أحين تاقتلون وخياركم يقتلون؟ ~~فأنتم الآن إذ أمسكتم عن القتال مبطلون أم أنتم الآن محقون؟ فقتلاكم الذين ~~لا تنكرون فضلهم وهم خير منكم في النار. قالوا: دعنا منك يا أشتر، قاتلناهم ~~لله وندع قتالهم لله! قال: خدعتم فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا ~~أصحاب الجباه السود! كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقا إلى لقاء الله، ~~فلا أرى مرادكم إلا الدنيا، ألا قبحا يا أشباه النيب الجلالة! ما أنتم ~~برائين بعدها عزا أبدا فابعدوا كما بعد القوم الظالمون! فسبوه وسبهم وضربوا ~~وجه دابته بسياطهم وضرب وجوه دوابهم بسوطه فصاح به وبهم علي فكفوا. وقال ~~الناس: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكما. PageV02P0074 # فجاء الأشعث بن قيس إلى علي فقال: أرى الناس قد رضوا بما دعوهم إليه من ~~حكم القرآن فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد. قال: ائته. فأتاه، فقال ~~لمعاوية: لأي شيء رفعتم هذه المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله ~~به في كتابه، تبعثون رجلا ترضون به ونبعث نحن رجلا نرضى به، نأخذ عليهما أن ~~يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه ثم نتبع ما اتفقا عليه. قال له الأشعث: ~~هذا الحق. فعاد إلى علي فأخبره، فقال الناس: قد رضينا وقبلنا. فقال أهل ~~الشام: قد رضينا عمرا. وقال الأشعث وأولئك القوم الذين صاروا خوارج: إنا ms1103 قد ~~رضينا بأبي موسى الأشعري. فقال علي: قد عصيتموني في أول الأمر فلا تعصوني ~~الآن، لا أرى أن أولي أبا موسى. فقال الأشعث وزيد ابن حصين ومسعر بن فدكي: ~~لا نرضى إلا به فإنه قد حذرنا ما وقعنا فيه. قال علي: فإنه ليس بثقة، قد ~~فارقني وخذل الناس عني ثم هرب مني حتى آمنته بعد أشهر، ولكن هذا ابن عباس ~~أوليه ذلك. قالوا: والله لا نبالي أنت كنت أم ابن عباس! لا نريد إلا رجلا ~~هو منك ومن معاوية سواء. قال علي: فإني أجعل الأشتر. قالوا: وهل سعر الأرض ~~غير الأشتر؟ فقال: قد أبيتم إلا أبا موسى؟ قالوا: نعم. قال: فاصنعوا ما ~~أردتم. فبعثوا إليه وقد اعتزل القتال وهو بعرض، فأتاه مولى له فقال: إن ~~الناس قد اصطلحوا. فقال: الحمد لله. قال: قد جعلوك حكما. قال: إنا لله وإنا ~~إليه راجعون. وجاء أبو موسى حتى دخل العسكر، وجاء الأشتر عليا فقال: ألزني ~~بعمرو بن العاص فوالله لئن ملأت عيني منه لأقتلنه. وجاء الأحنف بن قيس ~~فقال: يا أمير المؤمنين إنك قد رميت بحجر الأرض وإني قد عجمت أبا موسى ~~وحلبت أشطره فوجدته كليل الشفرة قريب القعر، وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا ~~رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ويبعد حتى يصير بمنزلة النجم منهم، فإن ~~أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا أو ثالثا، فإنه لن يعقد عقدة إلا ~~حللتها، ولا يحل عقدة أعقدها لك إلا عقدت أخرى أحكم منها. فأبى الناس إلا ~~أبا موسى والرضا بالكتاب. فقال الأحنف: إن أبيتم إلا أبا موسى فأدفئوا ظهره ~~بالرجال. وحضر عمرو بن العاص عند علي ليكتب القضية بحضوره، فكتبوا: بسم ~~الله الرحمن الرحيم. هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين. فقال عمرو: اكتب ~~اسمه واسم أبيه، هو أميركم وأما أميرنا فلا. فقال الأحنف: لا تمح اسم إمارة ~~المؤمنين فإني أخاف إن محوتها أن لا ترجع إليك أبدا، لا تمحها وإن قتل ~~الناس بعضهم بعضا. فأبى ذلك علي مليا من النهار، ثم إن الأشعث ms1104 ابن قيس قال: ~~امح هذا الاسم، فمحي، فقال علي: الله أكبر! سنة بسنة. والله إني لكاتب رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الحديبية فكتبت: محمد رسول الله، وقالوا: ~~لست برسول الله ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فأمرني رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، بمحوه، فقلت: لا أستطيع. فقال: أرنيه، فاريته، فمحاه بيده وقال: إنك ~~ستدعى إلى مثلها فتجيب. فقال عمرو: سبحان الله! أنشبه بالكفار ونحن مؤمنون! ~~فقال علي: يا ابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين وليا وللمؤمنين عدوا؟ فقال ~~عمرو: والله لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد هذا اليوم أبدا. فقال علي: إني ~~لأرجو أن يطهر الله مجلسي منك ومن أشباهك. وكتب الكتاب: هذا ما تقاضى عليه ~~علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى علي على أهل الكوفة ومن معهم ~~وقاضى معاوية على أهل الشام ومن معهم، إننا ننزل عند حكم الله وكتابه وأن ~~لا يجمع بيننا غيره، وأن كتاب الله بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما ~~أحيا ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب الله، وهما أبو موسى عبد الله ~~بن قيس، وعمرو بن العاص، عملا به، وما لم يجداه في كتاب الله فالسنة ~~العادلة الجامعة غير المفرقة. وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين من ~~العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهليهما والأمة لهما أنصار على ~~الذي يتقاضيان عليه، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه ~~أن يحكما بين هذه الأمة لا يرادها في حرب ولا فرقة حتى يعصيا، وأجل القضاء ~~إلى رمضان، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه، وإن مكان قضيتهما مكان عدل بين ~~أهل الكوفة وأهل الشام. PageV02P0075 # وشهد من أصحاب علي الأشعث بن قيس وسعيد بن قيس الهمداني ووقاء بن سمي ~~البجلي وعبد الله بن محل العجلي وحجر بن عدي الكندي وعبد الله بن عباس وعبد ~~الله بن الطفيل العامري وعقبة بن زياد الحضرمي ويزيد بن حجية التميمي ومالك ~~بن كعب الهمداني، ومن أصحاب معاوية أبو الأعور ms1105 السلمي وحبيب بن مسلمة وزمل ~~بن عمرو العذري وحمرة ابن مالك الهمداني وعبد الرحمن بن خالد المخزومي ~~وسبيع بن يزيد الأنصاري وعتبة بن أبي سفيان ويزيد بن الحر العبسي. وقيل ~~للأشتر ليكتب فيها، فقال: لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها شمالي إن خط لي ~~في هذه الصحيفة اسم على صلح ولا موادعة، أولست على بينة من ربي من ضلال ~~عدوي، أولستم قد رأيتم الظفر؟ فقال له الأشعث: والله ما رأيت ظفرا، هلم ~~إلينا لا رغبة بك عنا. فقال: بلى والله، الرغبة عنك في الدنيا للدنيا وفي ~~الآخرة للآخرة، لقد سفك الله بسيفي دماء رجال ما أنت خير عندي منهم ولا ~~أحرم دما. قال: فكأنما قصع الله على أنف الأشعث الحمم. وخرج الأشعث بالكتاب ~~يقرؤه على الناس حتى مر على طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدية أخو أبي ~~بلال فقرأه عليهم، فقال عروة: تحكمون في أمر الله الرجال؟ لا حكم إلا لله! ~~ثم شد بسيفه فضرب به عجز دابة الأشعث ضربة خفيفة واندفعت الدابة، وصاح به ~~أصحاب الأشعث، فرجع، وغضب للأشعث قومه وناس كثير من أهل اليمن، فمشى إليه ~~الأحنف بن قيس ومسعر بن فدكي وناس من تميم فاعتذروا، فقبل وشكر. وكتب ~~الكتاب يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين، واتفقوا على ~~أن يوافي أمير المؤمنينعلي موضع الحكمين بدومة الجندل أو بأذرح في شهر ~~رمضان. وقيل لعلي: إن الأشتر لا يقر بما في الصحيفة ولا يرى إلا قتال ~~القوم. فقال علي: وأنا والله ما رضيت ولا أحببت أن ترضوا، فإذا أبيتم إلا ~~أن ترضوا فقد رضيت وإذا رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرضا ولا التبديل بعد ~~الإقرار إلا أن يعصى الله ويتعدى كتابه، فقاتلوا من ترك أمر الله، وأما ~~الذي ذكرتم من تركه أمري وما أنا عليه فليس من أولئك فلست أخاف على ذلك، يا ~~ليت فيكم مثله اثنين! يا ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوي ما أرى إذا لخفت ~~علي مؤونتكم ورجوت أن يستقيم ms1106 لي بعض أودكم، وقد نهيتكم فعصيتموني، فكنت أنا ~~وأنتم كما قال أخو هوازن: وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد ~~غزية أرشد والله لقد فعلتم فعلة ضعضعت قوة وأسقطت منة وأورثت وهنا وذلة، ~~ولما كنتم الأعلين وخاف عدوكم الاجتياح واستحر بهم القتل ووجدوا ألم الجراح ~~رفعوا المصاحف فدعوكم إلى ما فيها ليفتنوكم عنهم ويقطعوا الحرب ويتربصوا ~~بكم المنون خديعة ومكيدة، فأعطيتموهم ما سألوا، وأبيتم إلا أن تدهنوا ~~وتجيروا، وايم الله ما أظنكم بعدها توفقون الرشد ولا تصيبون باب الحزم. ثم ~~رجع الناس عن صفين، فلما رجع علي خالفت الحرورية وخرجت، كان ذلك أول ما ~~ظهرت وأنكرت تحكيم الرجال، ورجعوا على غير الطريق الذي أقبلوا فيه، أخذوا ~~على طريق البر، وعادوا وهم أعداء متباغضون وقد فشا فيهم التحكيم يقطعون ~~الطريق بالتشاتم والتضارب بالسياط، يقول الخوارج: يا أعداء الله أدهنتم في ~~أمر الله، ويقول الآخرون: فارقتم إمامنا وفرقتم جماعتنا. PageV02P0076 # وساروا حتى جازوا النخيلة ورأوا بيوت الكوفة، فإذا بشيخ في ظل بيت عليه ~~أثر المرض، فسلم عليه أمير المؤمنين، فرد ردا حسنا، فقال له علي: أرى وجهك ~~متغيرا، أمن مرض؟ قال: نعم. قال: لعلك كرهته. قال: ما أحب أنه بغيري. فقال: ~~أليس احتسابا للخير فيما أصابك؟ قال: بلى. قال: فأبشر برحمة ربك وغفران ~~ذنبك، من أنت يا عبد الله؟ قال: صالح ابن سليم. قال: ممن أنت؟ قال: أما ~~الأصل فمن سلامان طيء، وأما الدعوة ولاجوار ففي سليم بن منصور. فقال: سبحان ~~الله ما أحسن اسمك واسم أبيك ومن اعتزيت إليه واسم ادعائك! هل شهدت معنا ~~غزاتنا هذه؟ قال: لا والله ولقد أردتها ولكن ما ترى من أثر الحمى منعني ~~عنها. فقال: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) التوبة: 91 الآية، خبرني ما ~~يقول الناس فيما كان بيننا وبين أهل الشام؟ قال: فيهم المسرور، وهم أغشاء ~~الناس، وفيهم المكبوت الآسف بما كان بينك وبينهم، وأولئك نصحاء الناس لك. ~~قال: صدقت، جعل الله ما كان من شكواك حطا لسيئاتك، فإن المرض لا ms1107 أجر فيه ~~ولكن لا يدع على العبد ذنبا إلا حطه، وإنما الأجر في القول باللسان والعمل ~~باليد والرجل، وإن الله، عز وجل، ليدخل بصدق النية والسريرة الصالحة عالما ~~من عباده الجنة. ثم مضى غير بعيد فلقيه عبد الله بن وديعة الأنصاري فدنا ~~منه وسلم عليه وسايره، فقال له: ما سمعت الناس يقولون إن عليا كان له جمع ~~عظيم ففرقه، وكان له حصن حصين فهدمه، فمتى يبني ما هدم ويجمع ما فرق؟ ولو ~~كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظفر أو يهلك كان ذلك الحزم. ~~قال علي: أنا هدمت أم هم هدموا؟ أنا فرقت أم هم فرقوا؟ أما قولهم: لو كان ~~مضى بمن أطاعه فقاتل حتى يظفر أو يهلك، فوالله ما خفي هذا عني، وإن كنت ~~لسخيا بنفسي عن الدنيا طيب النفس بالموت، ولقد هممت بالإقدام على القوم ~~فنظرت إلى هذين قد ابتدراني، يعني الحسن والحسين، ونظرت إلى هذين قد ~~استقدماني، يعني عبد الله بن جعفر ومحمد بن علي، فعلمت أن هذين إن هلكا ~~انقطع نسل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من هذه الأمة وكرهت ذلك وأشفقت ~~على هذين أن يهلكا، وأيم الله لئن لقيتهم بعد يومي هذا لألقينهم وليسوا معي ~~في عسكر ولا دار. ثم مضى وإذا على يمينه قبور سبعة أو ثمانية فقال علي: ما ~~هذه؟ فقيل: يا أمير المؤمنين إن خباب بن الأرت توفي بعد مخرجك وأوصى بأن ~~يدفن في الظهر، وكان الناس إنما يدفنون في دورهم وأفنيتهم، وكان أول من دفن ~~بظاهر الكوفة ودفن الناس إلى جنبه، فقال علي: رحم الله خبابا فلقد أسلم ~~راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهدا وابتلي في جسمه أحوالا ولن يضيع الله أجر من ~~أحسن عملا، ووقف عليها وقال: السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة والمحال ~~المقفرة من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات! أنتم لنا سلف فارط ~~ونحن لكم تبع وبكم عما قليل لاحقون! اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز بعفوك عنا ~~وعنهم! طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب وقنع ms1108 بالكفاف ورضي عن الله، عز ~~وجل! ثم أقبل حتى حاذى سكة الثوريين فسمع البكاء فقال: ما هذه الأصوات؟ ~~فقيل: البكاء على قتلى صفين. فقال: أما إني أشهد لمن قتل منهم صابرا محتسبا ~~بالشهادة. ثم مر بالفائشيين فسمع مثل ذلك، ثم مر بالشباميين فسمع رجة شديدة ~~فوقف فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامي، فقال له علي: أيغلبكم نساؤكم؟ ألا ~~تنهونهن عن هذا الرنين؟ قال: يا أمير المؤمنين لو كانت دارا أو دارين أو ~~ثلاثا قدرنا على ذلك، ولكن قتل من هذا الحي ثمانون ومائة قتيل، فليس دار ~~إلا وفيها البكاء، فأما نحن معشر الرجال فإنا لا نبكي ولكنا نفرح بالشهادة. ~~قال علي: رحم الله قتلاكم وموتاكم! فأقبل يمشي معه وعلي راكب، فقال له عليك ~~ارجع، ووقف ثم قال له: ارجع فإن مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي ومذلة ~~للمؤمن. ثم مضى حتى مر بالناعطيين وكان جلهم عثمانية، فسمع بعضهم يقول: ~~والله ما صنع علي شيئا، ذهب ثم انصرف في غير شيء، فلما رأوا أبلسوا، فقال ~~علي لأصحابه: وجوه قوم ما رأوا الشام. ثم قال لأصحابه: قوم فارقناهم آنفا ~~خير من هؤلاء. ثم قال: أخوك الذي إن أجرضتك ملمة ... من الدهر لم يبرح لبثك ~~واجما وليس أخوك بالذي إن تشعبت ... عليك الأمور ظل لحاك لائما ~~PageV02P0077 # ثم مضى فلم يزل يذكر الله حتى دخل القصر. فلما دخل الكوفة لم يدخل ~~الخوراج معه فأتوا حروراء فنزلوا بها. وقتل أويس القرني بصفين، وقيل: بل ~~مات بدمشق، وقيل: بأرمينية، وقيل: بسجتسان. وفيها قتل جندب ابن زهير ~~الأزدي، وهو من الصحابة، مع علي، وقتل بصفين أيضا حابس ابن سعد الطائي مع ~~معاوية، وهو خال يزيد بن عدي بن حاتم، فقتل يزيد قاتله غدرا، فأراد عدي ~~إسلامه إلى أولياء المقتول فهرب إلى معاوية. وممن شهد صفين مع علي خزيمة بن ~~ثابت ذو الشهادتين، ولم يقاتل، فلما قتل عمار ابن ياسر جرد سيفه وقاتل حتى ~~قتل، وقال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (تقتل عمارا الفئة ~~الباغية)، ms1109 وقتل مع علي سهيل ابن عمرو بن أبي عمر الأنصاري، وهو بدري. وممن ~~شهد وقتل فيها مع علي من المهاجرين خالد بن الوليد، وله صحبة. شريح بن ~~هانىء بضم الشين، وآخره حاء مهملة. الهمداني بفتح الهاء، وسكون الميم، وفتح ~~الدال المهملة، نسبة إلى همدان: قبيلة كبيرة من اليمن. حمرة بن مالك بضم ~~الحاء المهملة، وسكون الميم، وآخره راء. حضين بن المنذر بضم الحاء المهملة، ~~وفتح الضاد المعجمة. يريم بفتح الياء تحتها نقطتان، وكسر الراء، وسكون ~~الياء الثانية، وآخره ميم. بديل بن ورقاء بضم الباء الموحدة وفتح الدال ~~المهملة. حازم بن أبي حازم بالحاء المهملة. حبة بن جوين بفتح الحاء ~~المهملة، والباء المشددة الموحدة. والعرني بضم العين المهملة، وفتح الراء، وآخره نون. ### || AUT ذكر استعمال جعدة بن هبيرة على خراسان # وفي هذه السنة بعث علي جعدة بن هبيرة المخزومي إلى خراسان بعد عوده من ~~صفين، فانتهى إلى نيسابور، وقد كفروا وامتنعوا، فرجع إلى علي، فبعث خليد بن ~~قرة اليربوعي، فحاصر أهلها حتى صالحوه وصالحه أهل مرو. ### || AUT ذكر اعتزال الخوارج عليا ورجوعهم إليه # ولما رجع علي من صفين فارقة الخوارج وأتوا حروراء، فنزل بها منهم اثنا ~~عشر ألفا، ونادى مناديهم: إن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي، وأمير ~~الصلاة عبد الله بن الكوا اليشكري، والأمر شورى بعد الفتح، والبيعة لله، عز ~~وجل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فلما سمع علي ذلك وأصحابه قامت ~~الشيعة فقالوا له: في أعناقنا بيعة ثانية، نحن أوياء من واليت وأعداء من ~~عاديت. فقالت الخوارج: استبقم أنتم وأهل الشام إلى الكفر كفرسي رهان، بايع ~~أهل الشام معاوية على ما أحبوا وكرهوا، وبايعتم أنتم عليا على أنكم أولياء ~~من والى وأعداء من عادى. فقال لهم زياد بن النضر: والله ما بسط علي يده ~~فبايعناه قط والله ما بسط علي يده فبايعناه قط إلا على كتاب الله وسنة ~~نبيه، ولكنكم لما خالفتموه جاءته شيعته فقالوا له: نحن أولياء من واليت ~~وأعداء من عاديت، ونحن كذلك، وهو على الحق والهدى ms1110 ومن خالفه ضال مضل. وبعث ~~علي عبد الله بن عباس إلى الخوارج وقال: لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى ~~آتيك. فخرج إليهم فأقبلوا يكلمونه، فلم يصبر حتى راجعهم، فقال: ما نقمتم من ~~الحكمين وقد قال تعالى: (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) النساء: 35، ~~فكيف بأمة محمد، صلى الله عليه وسلم؟ فقالت الخوارج: أما ما جعل الله حكمه ~~إلى الناس وأمرهم بالنظر فيه فهو إليهم، وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ~~ينظروا فيه، حكم في الزاني مائة جلدة، وفي السارق القطع، فليس للعباد أن ~~ينظروا في هذا، قال ابن عباس: فإن الله تعالى يقول: (يحكم به ذوا عدل منكم) ~~المائدة: 95. فقالوا: أو تجعل الحكم في الصيد والحرث وبين المرأة وزوجها ~~كالحكم في دماء المسلمين؟ وقالوا له: أعدل عندك عمرو بن العاص وهو بالأمس ~~يقاتلنا؟ فإن كان عدلا فلسنا بعدول، وقد حكمتم في أمر الله الرجال، وقد ~~أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يرجعوا، وقد كتبتم بينكم ~~وبينهم كتابا وجعلتم بينكم الموادعة، وقد قطع الله الموادعة بين المسلمين ~~وأهل الحرب مذ نزلت براءة إلا من أقر بالجزية. وبعث علي زياد بن النضر ~~فقال: أنظر بأي رؤوسهم هم أشد إطافة. فأخبره بأنه لم يرهم عند رجل أكثر ~~منهم عند يزيد بن قيس. PageV02P0078 # فخرج علي في الناس حتى دخل إليهم، فأتى فسطاط يزيد بن قيس فدخله فصلى فيه ~~ركعتين وأمره على أصبهان والري، ثم خرج حتى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن ~~عباس فقال: ألم أنهك عن كلامهم؟ ثم تكلم فقال: اللهم هذا مقام من يفلج فيه ~~كان أولى بالفلج يوم القيامة. ثم قال لهم: من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكوا. ~~قال: فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتك يوم صفين. قال: أنشدكم الله، أتعلمون ~~أنهم حيث رفعوا المصاحف وقلتم نجيبهم قلت لكم إني أعلم بالقوم منكم أنهم ~~ليسوا باصحاب دين؟ وذكر ما كان قاله لهم، ثم قال لهم: قد اشترطت على ~~الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم ms1111 ~~القرآن فليس لنا أن نخالف، وإن أبيا فنحن عن حكمهما برآء. قالوا: فخبرنا ~~أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء؟ فقال: إنا لسنا حكمنا الرجال إنما ~~حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق إنما يتكلم ~~به الرجال. قالوا: فخبرنا عن الأجل لم جعلته بينكم؟ قال: ليعلم الجاهل ~~ويتثبت العالم، ولعل الله يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة، ادخلوا مصركم ~~رحمكم الله. فدخلوا من عند آخرهم. قيل: والخوارج يزعمون أنهم قالوا له: ~~صدقت قد كنا كما ذكرت وكان ذلك كفرا منا وقد تبنا إلى الله فتب كما تبنا ~~نبايعك وإلا فنحن مخالفون. فبايعنا علي وقال: ادخلوا فلنمكث ستة أشهر حتى ~~نجبي المال ويسمن الكراع ثم نخرج إلى عدونا. وقد كذب الخوارج فيما زعموا. ### || AUT ذكر اجتماع الحكمين # ولما جاء وقت اجتماع الحكمين أرسل علي أربعمائة رجل عليهم شريح ابن ~~هانىء الحارثي وأوصاه أن يقول لعمرو بن العاص: إن عليا يقول لك: إن أفضل ~~الناس عند الله، عز وجل، من كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه من الباطل ~~وإن زاده. يا عمرو والله إنك لتعلم أين موضع الحق فلم تتجاهل؟ إن أوتيت ~~طمعا يسيرا كنت لله به ولأوليائه عدوا، وكأن والله ما أوتيت قد زال عنك! ~~ويحك فلا تكن للخائنين خصيما وللظالمين ظهيرا، أما إني أعلم بيومك الذي أنت ~~فيه نادم، وهو يوم وفاتك، تتمنى أنك لم تظهر لمسلم عداوة ولم تأخذ على حكم ~~رشوة. فلما بلغه تغير وجهه ثم قال: متى كنت قبل مشورة علي أو أنتهي إلى ~~أمره أو أعتد برأيه؟ فقال له: وما يمنعك يا ابن النابغة أن تقبل من مولاك ~~وسيد المسلمين بعد نبيهم مشورته؟ فقد كان من هو خير منك أبو بكر وعمر ~~يستشيرانه ويعملان برأيه. فقال له: إن مثلي لا يكلم مثلك. قال شريح: بأي ~~أبويك ترغب عني يا ابن النابغة؟ أبأبيك الوسط أم بأمك النابغة؟ فقام عنه. ~~وأرسل علي أيضا معهم عبد الله بن عباس ليصلي بهم ويلي أمورهم، ومعهم ms1112 أبو ~~موسى الأشعري. وأرسل معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام حتى ~~توافوا من دومة الجندل بأذرح. وكان عمرو إذا أتاه كتاب من معاوية لا يدرى ~~بما جاء فيه ولا يسأله أهل الشام عن شيء؛ وكان أهل العراق يسألون ابن عباس ~~عن كتاب يصله من علي، فإن كتمهم ظنوا به الظنون وقالوا: أتراه كتب بكذا ~~وكذا؟ فقال لهم ابن عباس: أما تعقلون؟ أما ترون رسول معاوية يجيء لا يعلم ~~أحد بما جاء به ولا يسمع لهم صياح، وأنتم عندي كل يوم تظنون في الظنون؟ ~~وحضر معهم ابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وابن الزبير وعبد الرحمن ~~بن الحارث بن هشام وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري وأبو جهم بن حذيفة ~~العدوي والمغيرة بن شعبة. وكان سعد بن أبي وقاص على ماء لبني سليم ~~بالبادية، فأتاه ابنه عمر فقال له: إن أبا موسى وعمرا قد شهدهما نفر من ~~قريش فاحضر معهم فإنك صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأحد الشورى ولم ~~تدخل في شيء كرهته هذه الأمة وأنت أحق الناس بالخلافة. فلم يفعل، وقيل: بل ~~حضرهم سعد وندم على حضوره فأحرم بعمرة من بيت المقدس. PageV02P0079 # وقال المغيرة بن شعبة لرجال من قريش: أترون أحدا يستطيع أن يأتي برأي ~~يعلم به أيجتمع الحكمان أم لا؟ فقالوا: لا. فقال: إني أعلمه منهما. فدخل ~~على عمرو بن العاص فقال: كيف ترانا معشر من اعتزل الحب؟ فإنا قد شككنا في ~~الأمر الذي استبان لكم فيها. فقال له عمرو: أراكم خلف البرار أمام الفجار. ~~فانصرف المغيرة إلى أبي موسى فقال له مثل قوله لعمرو. فقال له أبو موسى: ~~أراكم أثبت الناس رأيا، فيكم بقية الناس. فعاد المغيرة إلى أصحابه وقال ~~لهم: لا يجتمع هذان على أمر واحد. فلما اجتمع الحكمان قال عمرو: يا أبا ~~موسى ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوما؟ قال: أشهد. قال: ألست تعلم أن معاوية ~~وآل معاوية أولياؤه؟ قال: بلى. قال: فما يمنعك منه وبيته في قريش كما ms1113 قد ~~علمت؟ فإن خفت أن يقول الناس: ليست له سابقة، فقل وجدته ولي عثمان الخليفة ~~المظلوم والطالب بدمه الحسن السياسة والتدبير وهو أخو أم حبيبة زوج رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، وكاتبه وقد صحبه وعرض له بسلطان. فقال أبو موسى: ~~يا عمرو اتق الله! فأما ما ذكرت من شرف معاوية فإن هذا ليس على الشرف تولاه ~~أهله، ولو كان على الشرف لكان لآل أبرهة ابن الصباح، إنما هو لأهل الدين ~~والفضل، مع أني لو كنت معطيه أفضل قريش شرفا أعطيته علي بن أبي طالب، وأما ~~قولك: إن معاوية ولي دم عثمان فوله هذا الأمر، فلم أكن لأوليه وأدع ~~المهاجرين الأولين، وأما تعريضك لي بالسلطان، فوالله لو خرج معاوية لي من ~~سلطانه كله لما وليته، وما كنت لأرتشي في حكم الله! ولكنك إن شئت أحيينا ~~اسم عمر بن الخطاب، رحمه الله. قال له عمرو: فما يمنعك من ابني وأنت تعلم ~~فضله وصلاحه؟ فقال: إن ابنك رجل صدق ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة. فقال ~~عمرو: إن هذا الأمر لا يصلح إلا لرجل له ضرس يأكل ويطعم؛ وكانت في ابن عمر ~~غفلة؛ فقال له ابن الزبير: أفطن فانتبه! فقال عبد الله بن عمر: والله لا ~~أرشو عليها شيئا أبدا. وقال: يا ابن العاص إن العرب قد أسندت إليك أمرها ~~بعد ما تقارعوا بالسيوف فلا تردنهم في فتنة. وكان عمرو قد عود أبا موسى أن ~~يقدمه في الكلام يقول له: أنت صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأسن ~~مني فتكلم، وتعود ذلك أبو موسى، وأراد عمرو بذلك كله أن يقدمه في خلع علي، ~~فلما أراده عمرو على ابنه وعلى معاوية فأبى وأراد أبو موسى بن عمر فأبى ~~عمرو، قال له عمرو: خبرني ما رأيك؟ قال: أرى أن نخلع هذين الرجلين ونجعل ~~الأمر شورى فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا. فقال عمرو: الرأي ما رأيت. ~~فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فقال عمرو: يا أبا موسى أعلمهم أن رأينا قد ~~اتفق. فتكلم أبو موسى ms1114 فقال: إن رأينا قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به ~~أمر هذه الأمة. فقال عمرو: صدق وبر، تقدم يا أبا موسى فتكلم. فتقدم أبو ~~موسى، فقال له ابن عباس: ويحك! والله إني لأظنه قد خدعك، إن كنتما اتفقتما ~~على أمر فقدمه فليتكلم به قبلك ثم تكلم به بعده، فإنه رجل غادر ولا آمن أن ~~يكون قد أعطاك الرضا بينكما فإذا قمت في الناس خالفك. وكان أبو موسى مغفلا ~~فقال: إنا قد اتفقنا، وقال: أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم ~~نر أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه، وهو أن ~~نخلع عليا ومعاوية ويولي الناس أمرهم من أحبوا، وإني قد خلعت عليا ومعاوية ~~فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه أهلا. ثم تنحى. وأقبل عمرو فقام ~~وقال: إن هذا قد قال ما سمعتموه وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه ~~وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي ابن عفان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه. ~~فقال سعد: ما أضعفك يا أبا موسى عن عمرو ومكايده! فقال أبو موسى: فما أصنع؟ ~~وافقني على أمر ثم نزع عنه! فقال ابن عباس: لا ذنب لك يا أبا موسى، الذنب ~~لمن قدمك في هذا المقام. قال: غدر فما أصنع؟ فقال ابن عمر: انظروا إلى ما ~~صار أمر هذه الأمة! صار إلى رجل ما يبالي ما صنع وإلى آخر ضعيف. وقال عبد ~~الرحمن بن أبي بكر: لو مات الأشعري قبل هذا اليوم لكان خيرا له. ~~PageV02P0080 # وقال أبو موسى الأشعري لعمرو: لا وفقك الله، غدرت وفجرت! إنما مثلك (كمثل ~~الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) الأعراف: 176. قال عمرو: إنما مثلك ~~(كمثل الحمار يحمل أسفارا) الجمعة: 5. فحمل شريح بن هانىء على عمرو فضربه ~~بالسوط وحمل ابن لعمرو على شريح فضربه بالسوط أيضا وحجز الناس بينهم. وكان ~~شريح يقول بعد ذلك: ما ندمت على شيء ندامتي على ضرب عمرو بالسوط ولم أضربه ~~بالسيف. والتمس أهل الشام أبا موسى فهرب ms1115 إلى مكة، ثم انصرف عمرو وأهل الشام ~~إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس وشريح إلى علي، وكان علي ~~إذا صلى الغداة يقنت فيقول: اللهم العن معاوية وعمرا وأبا الأعور وحبيبا ~~وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد! فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت ~~سب عليا وابن عباس والحسن والحسين والأشتر. وقد قيل: إن معاوية حضر الحكمين ~~وإنه قام عشية في الناس فقال: أما بعد من كان متكلما في هذا الأمر فليطلع ~~لنا قرنه. قال ابن عمر: فاطلعت حبوتي فأردت أن أقول يتكلم فيه رجال قاتلوك ~~وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق الجماعة ويسفك فيها دم، وكان ~~ما وعد الله فيه الجنان أحب إلي من ذلك، فلما انصرفت إلى المنزل جاءني حبيب ~~بن مسلمة فقال: ما منعك أن تتكلم حين سمعت هذا الرجل يتكلم؟ قلت: أردت ذلك ~~ثم خشيت. فقال حبيب: وفقت وعصمت، وهذا أصح لأنه ورد في الصحيح. ### || AUT ذكر خبر الخوارج عند توجيه الحكمين وخبر يوم النهر # لما أراد علي أن يبعث أبا موسى للحكومة أتاه رجلان من الخوارج: زرعة ابن ~~البرج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي فقالا له: لا حكم إلا لله! فقال علي: ~~لا حكم إلا لله. وقال حرقوص بن زهير: تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك واخرج ~~بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا. فقال علي: قد أردتكم على ذلك ~~فعصيتموني وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا وشرطنا شروطا وأعطينا عليها ~~عهودا، وقد قال الله تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) النحل: 91. فقال ~~حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب عنه. فقال علي: ما هو ذنب ولكنه عجز عن الرأي ~~وقد نهيتكم. فقال زرعة: يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال لأقاتلنك، اطلب وجه ~~الله تعالى. فقال علي: بؤسا لك ما أشقاك! كأني بك قتيلا تسفي عليك الرياح! ~~قال: وددت لو كان ذلك. فخرجا من عنده يحكمان. وخطب علي ذات يوم، فحكمت ~~المحكمة في جوانب المسجد، فقال علي: الله أكبر، كلمة حق ms1116 أريد بها باطل! إن ~~سكتوا غممناهم، وإن تكلموا حججناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم. فوثب يزيد ~~بن عاصم المحاربي فقال: الحمد لله غير مودع ربنا ولا مستغنى عنه! اللهم إنا ~~نعوذ بك من إعطاء الدنية في الدين إدهان في أمر الله وذل راجع بأهله إلى ~~سخط الله، يا علي أبالقتل تخوفنا؟ أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما ~~قليل غير مصفحات، ثم لتعلم أينا أولى بها صليا. ثم خرج هو وإخوة له ثلاثة ~~فأصيبوا مع الخوارج بالنهر وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنخيلة. ثم خطب علي يوما ~~آخر فقام رجل فقال: لا حكم إلا لله! ثم توالى عدة رجال يحكمون. فقال علي: ~~الله أكبر، كلمة حق أريد بها باطل! أما إن لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا: لا ~~نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم ~~مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدأونا، وإنما فيكم أمر الله. ثم رجع إلى ~~مكانه من الخطبة. PageV02P0081 # ثم إن الخوارج لقي بعضهم بعضا واجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي، ~~فخطبهم فزهدهم في الدنيا وأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال: ~~اخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو إلى بعض هذه ~~المدائن منكرين لهذه البدع المضلة. فقال له حرقوص بن زهير: إن المتاع بهذه ~~الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تدعوكم زينتها وبهجتها إلى المقام ~~بها، ولا تلفتنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم، ف (إن الله مع الذين اتقوا ~~والذين هم محسنون) النحل: 128. فقال حمزة ابن سنان الأسدي: يا قوم إن الرأي ~~ما رأيتم فولوا أمركم رجلا منكم فإنكم لابد لكم من عماد وسناد وراية تحفون ~~بها وترجعون إليها. فعرضوها على زيد بن حصين الطائي فأبى، وعرضوها على ~~حرقوص بن زهير فأبى، وعلى حمزة بن سنان وشريح بن أوفى العبسي فأبيا، ~~وعرضوها على عبد الله بن وهب، فقال: هاتوها، أما والله لا آخذها رغبة في ~~الدنيا ولا أدعها فرقا من الموت. فبايعوه لعشر خلون ms1117 من شوال. وكان يقال له ~~ذو الثفنات. ثم اجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي، فقال ابن وهب: اشخصوا ~~بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنفاذ حكم الله فإنكم أهل الحق. قال شريح: نخرج ~~إلى المدائن فننزلها ونأخذها بأبوابها ونخرج منها سكانها ونبعث إلى إخواننا ~~من أهل البصرة فيقدمون علينا. فقال زيد بن حصين: إنكم إن خرجتم مجتمعين ~~اتبعتم ولكن اخرجوا وحدانا مستخفين، فأما المدائن فإن بها من يمنعكم، ولكن ~~سيروا حتى ننزل جسر النهروان وتكاتبوا إخوانكم من أهل البصرة. قالوا: هذا ~~الرأي. وكتب عبد الله بن وهب إلى من بالبصرة منهم يعلمونهم ما اجتمعوا عليه ~~ويحثونهم على اللحاق بهم، وسير الكتاب إليهم، فأجابوه أنهم على اللحاق به. ~~فلما عزموا على المسير تعبدوا ليلتهم، وكانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة، ~~وساروا يوم السبت، فخرج شريح بن أوفى العبسي وهو يتلو قول الله تعالى: ~~(فخرج منها خائفا يترقب) إلى (سواء السبيل) القصص: 21 - 22. وخرج معهم طرفة ~~بن عدي بن حاتم الطائي، فاتبعه أبوه، فلم يقدر عليه، فانتهى إلى المدائن ثم ~~رجع، فلما بلغ ساباط لقيه عبد الله بن وهب الراسبي في نحو عشرين فارسا، ~~فأراد عبد الله قتله فمنعه عمرو بن مالك النبهاني وبشر بن زيد البولاني، ~~وأرسل عدي إلى سعد بن مسعود عامل علي على المدائن يحذره أمرهم فحذر، وأخذ ~~أبواب المدائن وخرج في الخيل واستخلف بها ابن أخيه المختار بن أبي عبيد، ~~وسار في طلبهم. فأخبر عبد الله بن وهب خبره، فرابأ طريقه وسار على بغداذ، ~~ولحقهم سعد بن مسعود بالكرخ في خمسمائة فارس عند المساء، فانصرف إليهم عبد ~~الله في ثلاثين فارسا، فاقتتلوا ساعة وامتنع القوم منهم. وقال أصحاب سعد ~~لسعد: ما تريد من قتال هؤلاء ولم يأتك فيهم أمر؟ خلهم فليذهبوا، واكتب إلى ~~أمير المؤمنين فإن أمرك باتباعهم اتبعتهم، وإن كفاكهم غيرك كان في ذلك ~~عافية لك. فأبى عليهم. فلما جن عليهم الليل خرج عبد الله بن وهب فعبر دجلة ~~إلى أرض جوخى وسار إلى النهروان فوصل إلى أصحابه ms1118 وقد أيسوا منه، وقالوا: إن ~~كان هلك ولينا الأمر زيد بن حصين أو حرقوص بن زهير. وسار جماعة من أهل ~~الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم، فردهم أهلوهم كرها، منهم القعقاع بن ~~قيس الطائي عم الطرماح بن حكيم، وعبد الله بن حكيم بن عبد الرحمن البكائي، ~~وبلغ عليا أن سالم بن ربيعة العبسي يريد الخروج فأحضره عنده ونهاه فانتهى. ~~ولما خرجت الخوارج من الكوفة أتى عليا أصحابه وشيعته فبايعوه وقالوا: نحن ~~أولياء من واليت وأعداء من عاديت. فشرط لهم فيه سنة رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي، وكان شهد معه الجمل وصفين ~~ومعه راية خثعم، فقال له: بايع على كتاب الله وسنة رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، فقال ربيعة: على سنة أبي بكر وعمر. قال له علي: ويلك! لو أن أبا ~~بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم ~~يكونا على شيء من الحق. فبايعه. فنظر إليه علي وقال: أما والله لكأني بك ~~وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت، وكأني بك وقد وطئتك الخيل بحوافرها. فقتل ~~يوم النهر مع خوارج البصرة. PageV02P0082 # وأما خوارج البصرة فإنهم اجتمعوا في خمسمائة رجل وجعلوا عليهم مسعر بن ~~فدكي التميمي، فعلم بهم ابن عباس فأتبعهم أبا الأسود الدئلي، فلحقهم بالجسر ~~الأكبر، فتواقفوا حتى حجز بينهم الليل، وأدلج مسعر بأصحابه وأقبل يعترض ~~الناس وعلى مقدمته الأشرس بن عوف الشيباني، وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب ~~بالنهر. فلما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى إلى مكة ورد علي ابن عباس إلى ~~البصرة قام في الكوفة فخطبهم فقال: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح ~~والحدثان الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. أما بعد ~~فإن المعصية تورث الحسرة وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي ~~هذه الحكومة أمري ونحلتكم رأيي لو كان لقصير أمر، ولكن أبيتم إلا ما أردتم ~~فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن: أمرتهم أمري بمنعرج ms1119 اللوى ... فلم ~~يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد إلا أن هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين ~~قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما وأحييا ما أمات القرآن واتبع كل واحد ~~منهما هواه بغير هدى من الله فحكما بغير حجة بينة ولا سنة ماضية واختلفا في ~~حكمهما وكلاهما لم يرشد فبرىء الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، استعدوا ~~وتأهبوا للمسير إلى الشام وأصحبوا في معسكركم إن شاء الله يوم الإثنين. ثم ~~نزل، وكتب إلى الخوارج بالنهر: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي ~~أمير المؤمنين إلى زيد بن حصين وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس. أما ~~بعد فإن هذين الرجلين اللذين ارتضينا حكمين قد خالفا كتاب الله واتبعا ~~هواهما بغير هدى من الله فلم يعملا بالسنة ولم ينفذا القرآن حكما فبرىء ~~الله منهما ورسوله والمؤمنون، فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا إلينا فإنا ~~سائرون إلى عدونا وعدوكم ونحن على الأمر الأول الذي كنا عليه. فكتبوا إليه: ~~أما بعد فإنك لم تغضب لربك وإنما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر ~~واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك وإلا فقد نبذناك على سواء، إن الله ~~لا يحب الخائنين. فلما قرأ كتابهم أيس منهم ورأى أن يدعهم ويمضي بالناس حتى ~~يلقى أهل الشام فيناجزهم، فقام في أهل الكوفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ~~أما بعد فإنه من ترك الجهاد في الله وأدهن في أمره كان على شفا هلكة إلا أن ~~يتداركه الله بنعمته، فاتقوا الله وقاتلوا من حاد الله ورسوله وحاول أن ~~يطفىء نور الله، فقاتلوا الخاطئين الضالين القاسطين الذين ليسوا بقراء ~~القرآن ولا فقهاء في الدين ولا علماء في التأويل، ولا لهذا الأمر بأهل في ~~سابقة الإسلام، والله لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل، تيسروا ~~للمسير إلى عدوكم من أهل المغرب، وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ~~ليقدموا عليكم، فإذا اجتمعتم شخصنا إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله. وكتب إلى ابن عباس: أما بعد فإنا خرجنا إلى معسكرنا ms1120 بالنخيلة وقد ~~أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب، فاشخص إلى الناس حتى يأتيك ~~رسولي، وأقم حتى يأتيك أمري، والسلام عليك. فقرأ ابن عباس الكتاب على الناس ~~وندبهم مع الأحنف بن قيس، فشخص ألف وخمسمائة، فخطبهم وقال: يا أهل البصرة ~~أتاني كتاب أمير المؤمنين فأمرتكم بالنفير إليه فلم يشخص منكم إليه إلا ألف ~~وخمسمائة وأنتم ستون ألف مقاتل سوى أبنائكم وعبيدكم! ألا انفروا إليه مع ~~جارية بن قدامة السعدي، ولا يجعلن رجل على نفسه سبيلا، فإني موقع بكل من ~~وجدته متخلفا عن دعوته عاصيا لإمامه، فلا يلومن رجل إلا نفسه. فخرج جارية ~~فاجتمع إليه ألف وسبعمائة، فوافوا عليا وهم ثلاثة آلاف ومائتان، فجمع إليه ~~رؤوس أهل الكوفة ورؤوس الأسباع ووجوه الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ~~يا أهل الكوفة أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحق وأصحابي إلى جهاد ~~المحلين بكم أضرب المدبر وأرجو تمام طاعة المقبل، وقد استنفرت أهل البصرة ~~فأتاني منهم ثلاثة آلاف ومائتان، فليكتب لي رئيس كل قبيلة ما في عشيرته من ~~المقاتلة وأبناء المقاتلة الذين أدركوا القتال وعبدان عشيرته ومواليهم ~~ويرفع ذلك إلينا. PageV02P0083 # فقام إليه سعيد بن قيس الهمذاني فقال: يا أمير المؤمنين سمعا وطاعة، أنا ~~أول الناس أجاب ما طلبت. وقام معقل بن قيس وعدي بن حاتم وزياد ابن خصفة ~~وحجر بن عدي وأشراف الناس والقبائل فقالوا مثل ذلك، وكتبوا إليه ما طلب، ~~وأمروا أبناءهم وعبيدهم أن يخرجوا معهم ولا يتخلف منهم متخلف، فرفعوا إليه ~~أربعين ألف مقاتل وسبعة عشر ألفا من الأبناء ممن أدرك وثمانية آلاف من ~~مواليهم وعبيدهم، وكان جميع أهل الكوفة خمسة وستين ألفا سوى أهل البصرة، ~~وهم ثلاثة آلاف ومائتا رجل. وكتب إلى سعد بن مسعود بالمدائن يأمره بإرسال ~~من عنده من المقاتلة. وبلغ عليا أن الناس يقولون: لو سار بنا إلى قتال هذه ~~الحرورية فإذا فرغنا منهم توجهنا إلى قتال المحلين! فقال لهم: بلغني أنكم ~~قلتم كيت وكيت! وإن غير هؤلاء الخارجين أهم إلينا! فدعوا ذكرهم وسيروا إلى ~~قوم ms1121 يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكا ويتخذوا عباد الله خولا. فناداه ~~الناس: أن سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت. وقام إليه صيفي بن فسيل ~~الشيباني فقال: يا أمير المؤمنين نحن حزبك وأنصارك نعادي من عاداك ونشايع ~~من أناب إلى طاعتك من كانوا وأينما كانوا، فإنك إن شاء الله لن تؤتى من قلة ~~عدد وضعف نية أتباع. ### || AUT ذكر قتال الخوارج # قيل: لما أقبلت الخارجة من البصرة حتى دنت من النهروان رأى عصابة منهم ~~رجلا يسوق بامرأة على حمار، فدعوه فانتهروه فأفزعوه وقالوا له: من أنت؟ ~~قال: أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: ~~أفزعناك؟ قال: نعم. قالوا: لا روع عليك، حدثنا عن أبيك حديثا سمعه من رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم تنفعنا به. فقال: حدثني أبي عن رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، أنه قال: (تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها ~~بدنه، يمسي فيها مؤمنا ويصبح كافرا، ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا. قالوا: لهذا ~~الحديث سألناك، فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما خيرا. قالوا: ما ~~تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها؟ قال: إنه كان محقا في أولها وفي ~~آخرها. قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم. وبعده؟. قال: إنه أعلم بالله ~~منكم وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة. فقالوا: إنك تتبع الهوى وتوالي ~~الرجال على أسمائها لا على أفعالها، والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحدا. ~~فأخذوه وكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته، وهي حبلى متم، حتى نزلوا تحت نخل ~~مواقير، فسقطت منه رطبة، فأخذها أحدهم فتركها في فيه، فقال آخر: أخذتها ~~بغير حلها وبغير ثمن، فألقاها. ثم مر بهم خنزير لأهل الذمة فضربه أحدهم ~~بسيفه، فقالوا: هذا فساد في الأرض، فلقي صاحب الخنزير فأرضاه، فلما رأى ذلك ~~منهم ابن خباب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى فما علي منكم من بأس، إني ~~مسلم ما أحدثت في الإسلام حدثا، ولقد آمنتموني قلتم: لا روع عليك. فأضجعوه ~~فذبحوه، فسال ms1122 دمه في الماء، وأقبلوا إلى المرأة فقالت: أنا امرأة ألا تتقون ~~الله! فبقروا بطنها، وقتلوا ثلاث نسوة من طيء، وقتلوا أم سنان الصيداوية. ~~فلما بلغ عليا قتلهم عبد الله بن خباب واعتراضهم الناس، بعث إليهم الحارث ~~بن مرة العبدي ليأتيهم وينظر ما بلغه عنهم ويكتب به إليه ولا يكتمه. فلما ~~دنا منهم يسائلهم قتلوه، وأتى عليا الخبر والناس معه، فقالوا: يا أمير ~~المؤمنين علام ندع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في عيالنا وأموالنا؟ سر بنا إلى ~~القوم فإذا فرغنا منهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام. وقام إليه الأشعث بن ~~قيس وكلمه بمثل ذلك، وكان الناس يرون أن الأشعث يرى رأيهم لأنه كان يقول ~~يوم صفين: أنصفنا قوم يدعون إلى كتاب الله. فلما قال هذه المقالة علم الناس ~~أنه لم يكن يرى رأيهم. فأجمع علي على ذلك وخرج فعبر الجسر وسار إليهم، ~~فلقيه منجم في ميسره فأشار عليه أن يسير وقتا من النهار، فقال له: إن أنت ~~سرت في غيره لقيت أنت وأصحابك ضرا شديدا. فخالفه علي وسار في الوقت الذي ~~نهاه عنه، فلما فرغ من أهل النهر حمد الله وأثنى عليه ثم قال: لو سرنا في ~~الساعة التي أمر بها المنجم لقال الجهال الذين لا يعلمون شيئا: سار في ~~الساعة التي أمر بها المنجم فظفر. وكان المنجم مسافر بن عفيف الأزدي. ~~PageV02P0084 # فأرسل علي إلى أهل النهر: أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم أقتلهم بهم ~~ثم أنا تارككم وكاف عنكم حتى ألقى أهل المغرب فلعل الله يقبل بقلوبكم ~~ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم. فقالوا: كلنا قتلهم وكلنا مستحل ~~لدمائكم ودمائهم. وخرج إليهم قيس بن سعد بن عبادة فقال لهم: عباد الله ~~أخرجوا إلينا طلبتنا منكم وادخلوا في هذا الأمر الذي خرجتم منه وعودوا بنا ~~إلى قتال عدونا وعدوكم فإنكم ركبتم عظيما من الأمر، تشهدون علينا بالشرك ~~وتسفكون دماء المسلمين! فقال لهم عبد الله بن شجرة السلمي، إن الحق قد أضاء ~~لنا فلسنا مبايعيكم أو تأتونا بمثل عمر، فقال: ما ms1123 نعلمه فينا غير صاحبنا، ~~فهل تعلمونه فيكم؟ قالوا: لا. قال: نشدتكم الله في أنفسكم أن تهلكوها فإني ~~لا أرى الفتنة إلا وقد غلبت عليكم. وخطبهم أبو أيوب الأنصاري فقال: عباد ~~الله إنا وإياكم على الحال الأولى التي كنا عليها، أليست بيننا وبينكم فرقة ~~فعلام تقاتلوننا؟ فقالوا: إنا لو تابعناكم اليوم حكمتم غدا. قال: فإني ~~أنشدكم الله أن تعجلوا فتنة العام مخافة ما يأتي في القابل. وأتاهم علي ~~فقال: أيتها العصابة التي أخرجها عداوة المراء واللجاجة! وصدها عن الحق ~~الهوى، وطمع بها النزق، وأصبحت في الخطب العظيم! إني نذير لكم أن تصبحوا ~~تلعنكم الأمة غدا صرعى بأثناء هذا الوادي وبأهضام هذا الغائط بغير بينة من ~~ربكم ولا برهان مبين، ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة، ونبأتكم أنها ~~مكيدة، وأن القوم ليسا بأصحاب دين، فعصيتموني، فلما فعلت شرطت واستوثقت على ~~الحكمين أن ييحا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن، فاختلفا وخالفا حكم ~~الكتاب والسنة، فنبذنا أمرهما ونحن على الأمر الأول؟ فمن أين أتيتم؟ ~~فقالوا: إنا حكمنا فلما حكمنا أثمنا، وكنا بذلك كافرين وقد تبنا، فإن تبت ~~فنحن معك ومنك، وإن أبيت فإنا منابذوك على سواء. فقال علي: اصابكم حاصب ولا ~~بقي منكم وابر، أبعد إيماني برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهجرتي معه ~~وجهادي في سبيل الله أشهد على نفسي بالكفر! لقد ضللت إذا وما أنا من ~~المهتدين، ثم انصرف عنهم. وقيل: إنه كان من كلامه لهم: يا هؤلاء إن أنفسكم ~~قد سولت لكم فراقي لهذه الحكومة التي أنتم بدأتموها وسألتموها وأنا لها ~~كاره، وأنبأتكم أن القوم إنما طلبوا مكيدة ووهنا فأبيتم علي إباء ~~المخالفين، وعندتم عنود النكداء العاصين، حتى صرفت رأيي إلى رأيكم، رأي ~~معاشر والله أخفاء الهام، سفهاء الأحلام، فلم آت، لا أبا لكم، هجرا! والله ~~ما ختلتهم عن أموركم، ولا أخفيت شيئا من هذا الأمر عنكم، ولا أوطأتكم عشوة، ~~ولا دنيت لكم الضراء، وإن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهرا فأجمع رأي ملإكم ~~على أن اختاروا رجلين فأخذنا عليهما ms1124 أن يحكما بما في القرآن ولا يعدواه، ~~فتاها فتركا الحق وهما يبصرانه وكان الجور هواهما، والثقة في أيدينا حين ~~خالفا سبيل الحق وأتيا بما لا يعرف، فبينوا لنا بماذا تستحلون قتالنا ~~والخروج عن جماعتنا وتضعون أسيافكم على عواتقكم ثم تستعرضون الناس تضربون ~~رقابهم؟ إن هذا لهو الخسران المبين، والله لو قتلتم على هذا دجاجة لعظم عند ~~الله قتلها! فكيف بالنفس التي قتلها عند الله حرام؟ فتنادوا: لا تخاطبوهم ~~ولا تكلموهم وتهيأوا للقاء الله، الرواح الرواح إلى الجنة! فعاد علي عنهم. ~~PageV02P0085 # ثم إن الخوارج قصدوا جسر النهر وكانوا غربه، فقال لعلي أصحابه: إنهم قد ~~عبروا النهر. فقال: لن يعبروا. فأرسلوا طليعة فعاد وأخبرهم أنهم عبروا ~~النهر، وكان بينهم وبينه عطفة من النهر، فلخوف الطليعة منهم لم يقربهم، ~~فعاد فقال: إنهم قد عبروا النهر. فقال علي: والله ما عبروه وإن مصارعهم ~~لدون الجسر، ووالله لا يقتل منكم عشرة ولا يسلم منهم عشرة، وتقدم علي إليهم ~~فرآهم عند الجسر لم يعبروه، وكان الناس قد شكوا في قوله وارتاب به بعضهم، ~~فلما رأوا الخوارج لم يعبروا كبروا وأخبروا عليا بحالهم، فقال: والله ما ~~كذبت ولا كذبت! ثم إنه عبأ أصحابه، فجعل على ميمنته حجر ابن عدي، وعلى ~~ميسرته شبث بن ربعي أو معقل بن قيس الرياحي، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، ~~وعلى الرجالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة، وهم سبعمائة أو ~~ثمانمائة، قيس بن سعد بن عبادة، وعبأت الخوارج فجعلوا على ميمنتهم زيد بن ~~حصين الطائي، وعلى الميسرة شريح بن أوفى العبسي، وعلى خيلهم حمزة بن سنان ~~الأسدي، وعلى رجالتهم حرقوص بن زهير السعدي. وأعطى علي أبا أيوب الأنصاري ~~راية الأمان، فناداهم أبو أيوب فقال: من جاء تحت هذه الراية فهو آمن، ومن ~~لم يقتل ولم يستعرض، ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه ~~الجماعة فهو آمن، لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك ~~دمائكم. فقال فروة بن نوفل الأشجعي: والله ما أدري على أي ms1125 شيء نقاتل عليا، ~~أرى أن أنصرف حتى يتضح لي بصيرتي في قتاله أو أتابعه. فانصرف في خمسمائة ~~فارس حتى نزل البندنيجين والدسكرة. وخرجت طائفة أخرى متفرقين فنزلوا ~~الكوفة، وخرج إلى علي نحو مائة، وكانوا أربعة آلاف، فبقي مع عبد الله بن ~~وهب ألف وثمانمائة، فزحفوا إلى علي، وكان علي قد قال لأصحابه: كفوا عنهم ~~حتى يبدأوكم. فتنادوا: الرواح إلى الجنة! وحملوا على الناس، فافترقت خيل ~~علي فرقتين: فرقة نحو الميمنة وفرقة نحو الميسرة، واستقبلت الرماة وجوههم ~~بالنبل، وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة، ونهض إليهم الرجال بالرماح ~~والسيوف، فما لبثوا أن أناموهم. فلما رأى حمزة بن سنان الهلاك نادى أصحابه: ~~أن انزلوا! فذهبوا لينزلوا فلم يلبثوا أن حمل عليهم الأسود بن قيس المرادي ~~وجاءتهم الخيل من نحو علي فأهلكوا في ساعة، فكأنا قيل لهم موتوا فماتوا. ~~وجاء أبو أيوب الأنصاري إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين قتلت زيد بن حصين ~~الطائي، طعنته في صدره حتى خرج السنان من ظهره، وقلت له: أبشر يا عدو الله ~~بالنار. فقال: ستعلم غدا أينا أولى بها صليا. فقال له علي: هو أولى بها ~~صليا. وجاءه هانىء بن خطاب الأزدي وزياد بن خصفة يحتجان في قتل عبد الله بن ~~وهب، فقال: كيف صنعتما؟ قالا: لما رأيناه عرفناه فابتدرناه وطعناه برمحينا. ~~فقال: كلاكما قاتل. وحمل جيش بن ربيعة الكناني على حرقوص بن زهير فقتله، ~~وحمل عبد الله ابن زحر الخولاني على عبد الله بن شجرة السلمي فقتله، ووقع ~~شريح بن أوفى إلى جانب جدار فقاتل عليه، وكان جل من يقاتله همدان، فقال: قد ~~علمت جارية عبسيه ... ناعمة في أهلها مكفيه أني سأحمي ثلمتي العشية فحمل ~~عليه قيس بن معاوية فقطع رجله، فجعل يقاتلهم وهو يقول: القرم يحمي شوله ~~معقولا فحمل عليه قيس أيضا فقتله، فقال الناس: اقتتلت همدان يوما ورجل ... ~~اقتتلوا من غدوة حتى الأصل ففتح الله لهمدان الرجل ### || AUT ذكر مقتل ذي الثدية # PageV02P0086 # قد روى جماعة أن عليا كان يحدث أصحابه قبل ظهور الخوارج أن ms1126 قوما يخرجون ~~يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، علامتهم رجل مخدج اليد، سمعوا ~~ذلك منه مرارا، فلما خرج أهل النهروان سار بهم إليهم علي وكان منه معهم ما ~~كان، فلما فرغ أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج، فالتمسوه، فقال بعضهم: ما ~~نجده، حتى قال بعضهم: ما هو فيهم، وهو يقول: والله إنه لفيهم، والله ما ~~كذبت ولا كذبت! ثم إنه جاءه رجل فبشره فقال: يا أمير المؤمنين قد وجدناه. ~~وقيل: بل خرج علي في طلبه قبل أن يبشره الرجل ومعه سليم بن ثمامة الحنفي ~~والريان بن صبرة فوجده في حفرة على شاطىء النهر في خمسين قتيلان فلما ~~استخرجه نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع كثدي المرأة وحلمة عليها شعرات سود ~~فغذا مدت امتدت حتى تحاذي يده الطولى ثم تترك فتعود إلى منكبيه. فلما رآه ~~قال: الله أكبر ما كذبت ولا كذبت، لولا أن تنكلوا عن العمل لأخبرتكم بما قص ~~الله على لسان نبيه، صلى الله عليه وسلم، لمن قاتلهم مستبصرا في قتالهم ~~عارفا للحق الذي نحن عليه. وقال حين مر بهم وهم صرعى: بؤسا لكم! لقد ضركم ~~من غركم! قالوا: يا أمير المؤمنين من غرهم؟ قال: الشيطان وأنفس أمارة ~~بالسوء غرتهم بالأماني وزينت لهم المعاصي ونبأتهم أنهم ظاهرون. قيل: وأخذ ~~ما في عسكرهم من شيء، فأما السلاح والدواب وما شهر عليه فقسمه بين ~~المسلمين، وأما المتاع والإماء والعبيد فإنه رده على أهله حين قدم. وطاف ~~عدي بن حاتم في القتلى على ابنه طرفة فدفنه، ودفن رجال من المسلمين قتلاهم. ~~فقال علي حين بلغه: أتقتلونهم ثم تدفنونهم؟ ارتحلوا! فارتحل الناس. فلم ~~يقتل من أصحاب علي إلا سبعة. وقيل: كانت الوقعة سنة ثمان وثلاثين. وكان ~~فيمن قتل من أصحابه يزيد بن نويرة الأنصاري، وله صحبة وسابقة، وشهد له رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، بالجنة، وكان أول من قتل. ### || AUT ذكر رجوع علي إلى الكوفة # ولما فرغ علي من أهل النهر حمد الله وأثنى عليه وقال: إن الله قد أحسن ~~بكم ms1127 وأعز نصركم فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم. قالوا: يا أمير المؤمنين ~~نفدت نبالنا وكلت سيوفنا ونصلت أسنة رماحنا وعاد أكثرها قصدا، فارجع إلى ~~مصرنا فلنستعد، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا فإنه أقوى لنا على عدونا. ~~وكان الذي تولى كلامه الأشعث بن قيس، فأقبل حتى نزل النخيلة فأمر الناس أن ~~يلزموا عسكرهم ويوطنوا على الجهاد أنفسهم وأن يقلوا زيارة أبنائهم ونسائهم ~~حتى يسيروا إلى عدوهم. فأقاموا فيه أياما ثم تسللوا من معسكرهم فدخلوا إلا ~~رجالا من وجوه الناس وترك المعسكر خاليا، فلما رأى ذلك دخل الكوفة وانكسر ~~عليه رأيه في المسير وقال لهم أيضا: أيها الناس استعدوا للمسير إلى عدوكم ~~ومن في جهاده القربة إلى الله، عز وجل، ودرك الوسيلة عنده، حيارى من الحق ~~جفاة عن الكتاب يعمهون في طغيانهم، فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلا وكفى بالله نصيرا. فلم ينفروا ولا ~~تيسروا. فتركهم أياما حتى إذا أيس من أن يفعلوا دعا رؤساءهم ووجوههم فسألهم ~~عن رأيهم وما الذي يبطىء بهم. فمنهم المعتل ومنهم المتكره، وأقلهم من نشط. ~~فقام فيهم فقال: عباد الله ما بالكم إذا أمرتكم أن تنفروا (اثاقلتم إلى ~~الأرض، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) التوبة: 38، وبالذل والهوان من ~~العز خلفا؟ وكلما ناديتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سكرة ~~وكأن قلوبكم مألوسة وأنتم لا تعقلون، فكأن أبصاركم كمة وأنتم لا تبصرون! ~~لله أنتم! ما أنتم إلا أسد الشرى في الدعة، وثعالب رواغة حين تدعون إلى ~~البأس. ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي. ما أنتم بركب يصال به. لعمر الله ~~لبئس حشاش الحرب أنتم! إنكم تكادون ولا تكيدون، وتنتقص أطرافكم وأنتم لا ~~تتحاشون، ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون. ثم قال: أما بعد فإن لي عليكم ~~حقا وإن لكم علي حقا، فأما حقكم علي فالنصيحة لكم ما صحبتكم، وتوفير فيئكم ~~عليكم، وتعليمكم كي لا تجهلوا، وتأديبكم كي تعلموا، وأما حقي عليكم فالوفاء ~~بالبيعة والنصح لي ms1128 في المغيب والمشهد والإجابة حين أدعوكم والطاعة حين ~~آمركم، فإن يرد الله بكم خيرا تنزعوا عما أكره وترجعوا إلى ما أحب فتنالوا ~~ما تلبون وتدركوا ما تأملون. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV02P0087 # قيل: وحج بالناس هذه السنة عبيد الله بن عباس، وكان عامل علي على اليمن؛ ~~وكان على مكة والطائف قثم بن العباس، وكان على المدينة سهل بن حنيف، وقيل ~~تمام بن العباس؛ وكان على البصرة عبد الله بن عباس؛ وعلى مصر محمد بن أبي ~~بكر. ولما سار علي إلى صفين استخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاري؛ وكان ~~على خراسان خليد بن قرة اليربوعي؛ وكان بالشام معاوية ابن أبي سفيان. وفيها ~~قتل حازم بن أبي حازم أخو قيس الأحمسي البجلي بصفين مع علي. وفيها مات خباب ~~بن الأرت، شهد بدرا وما بعدها، وشهد صفين مع علي والنهروان، وقيل لم ~~يشهدها، كان مريضا ومات قيل قدوم علي إلى الكوفة، وقد تقدم ذكره، وقيل مات ~~سنة تسع وثلاثين وكان عمره ثلاثا وستين سنة. وفيها قتل أبو الهيثم بن ~~التيهان بصفين مع علي، وقيل عاش بعدها يسيرا، وقتل بها أخوه عبيد بن ~~التيهان، وكان أبو الهيثم أول من بايع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليلة ~~العقبة، في قول، وهو بدري. وفيها قتل يعلى ابن منية، وهي أمه، واسم أبيه ~~أمية التميمي، وهو ابن أخت عتبة بن غزوان، وقيل ابن عمته، وكان قد شهد ~~الجمل مع عائشة، ثم شهد صفين مع علي فقتل بها، وكان إسلامه يوم الفتح، وشهد ~~حنينا. وقتل بصفين مع علي أبو عمرة الأنصاري النجاري والد عبد الرحمن، وهو ~~أيضا بدري. وفيها قتل أبو فضالة الأنصاري في قوله، وهو بدري. وفيها توفي ~~سهل ابن حنيف الأنصاري في قول، وهو بدري، وشهد مع علي حروبه. وتوفي بها ~~صهيب بن سنان وصفوان بن بيضاء، وهو بدري. وفي هذه السنة توفي عبد الله بن ~~سعد بن أبي سرح بعسقلان فجأة وهو في الصلاة وكره الخروج مع معاوية في صفين، ~~وقيل شهدها، ولا يصح. ### | AUT ms1129 ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين # ### || AUT ذكر ملك عمرو بن العاص مصر # ### || AUT وقتل محمد بن أبي بكر الصديق # في هذه السنة قتل محمد بن أبي بكر الصديق بمصر وهو عامل علي عليها، وقد ~~ذكرنا سبب تولية علي إياه مصر وعزل قيس بن سعد عنها ودخوله مصر وإنفاذه ابن ~~مضاهم الكلبي إلى أهل خرنبا، فلما مضى ابن مضاهم إليهم قتلوه، وخرج معاوية ~~بن حديج السكوني وطلب بدم عثمان ودعا إليه، فأجابه ناس وفسدت مصر على محمد ~~بن أبي بكر، فبلغ ذلك عليا فقال: ما لمصر إلا أحد الرجلين، صاحبنا الذي ~~عزلنا، يعني قيسا، أو الأشتر، وكان الأشتر قد عاد بعد صفين إلى عمله ~~بالجزيرة، وقال علي لقيس: أقم عندي على شرطتي حتى تنقضي الحكومة ثم تسير ~~إلى أذربيجان. فلما بلغ عليا أمر مصر كتب إلى الأشتر وهو بنصيبين يستدعيه، ~~فحضر عنده، فأخبره خبر أهل مصر وقال: ليس لها غيرك فاخرج إليها، فإني لو لم ~~أوصك اكتفيت برأيك، واستعن بالله واخلط الشدة باللين وارفق ما كان الرفق ~~أبلغ وتشد حين لا يغني إلا الشدة. فخرج الأشتر يتجهز إلى مصر وأتت معاوية ~~عيونه بذلك، فعظم عليه، وكان قد طمع في مصر، فعلم أن الأشتر إن قدمها كان ~~أشد عليه من محمد بن أبي بكر، فبعث معاوية إلى المقدم على أهل الخراج ~~بالقلزم وقال له: إن الأشتر قد ولي مصر، فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما ~~بقيت وبقيت. فخرج الحابسات حتى أتى القلزم وأقام به، وخرج الأشتر من العراق ~~إلى مصر، فلما انتهى إلى القلزم استقبله ذلك الرجل فعرض عليه النزول، فنزل ~~عنده، فأتاه بطعام، فلما أكل أتاه بشربة من عسل قد جعل فيه سما فسقاه إياه، ~~فلما شربه مات. وأقبل معاوية يقول لأهل الشام: إن عليا قد وجه الأشتر إلى ~~مصر فادعوا الله عليه، فكانوا يدعون اله عليه كل يوم، وأقبل الذي سقاه إلى ~~معاوية فأخبره بمهلك الأشتر، فقام معاوية خطيبا ثم قال: أما بعد فإنه كانت ~~لعلي يمينان فقطعت إحداهما ms1130 بصفين، يعني عمار بن ياسر، وقطعت الأخرى اليوم، ~~يعني الأشتر. فلما بلغ عليا موته قال: لليدين وللفمذ وكان قد ثقل عليه ~~لأشياء نقلت عنه، وقيل: إنه لما بلغه قتله قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ~~مالك وما مالك وهل موجود مثل ذلك؟ لو كان من حديد لكان قيدا أو من حجر لكان ~~صلدا! على مثله فلتبك البواكي! وهذا أصح لأنه لو كان كارها لم يوله مصر. ~~وكان الأشتر قد روى الحديث عن عمر وعلي وخالد بن الوليد وأبي ذر، وروى عنه ~~جماعة، وقال أحمد بن صالح: كان ثقة. PageV02P0088 # قيل: ولما بلغ محمد بن أبي بكر إنفاذ الأشتر شق عليه فكتب إليه علي: أما ~~بعد فقد بلغني موجدتك من تسريحي الأشتر إلى عملك، وإني لم أفعل ذلك استبطاء ~~لك في الجهاد ولا ازديادا مني لك في الجد، ولو نزعت ما تحت يدك لوليتك ما ~~هو أيسر عليك مؤونة منه وأعجب إليك ولاية، إن الرجل الذي كنت وليته أمر مصر ~~كان لنا نصيحا وعلى عدونا شديدا، وقد استكمل أيامه ولاقى حمامه ونحن عنه ~~راضوان فرضي الله عنه وضاعف له الثواب، اصبر لعدوك وشمر للحرب و (ادع إلى ~~سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) النحل: 125، وأكثر ذكر الله والاستعانة ~~به والخوف منه يكفك ما أهمك ويعنك على ما ولاك. وكتب إليه محمد: أما بعد ~~فقد انتهى إلي كتابك وفهمته، وليس على أحد من الناس ارضى برأي أمير ~~المؤمنين ولا أجهد على عدوه ولا أرأف بوليه مني، وقد خرجت فعسكرت وآمنت ~~الناس إلا من نصب لنا حربا وأظهر لنا خلافا، وأنا متبع أمر أمير المؤمنين ~~وحافظه. والسلام. وقيل: إنما تولى الأشتر مصر بعد قتل محمد بن أبي بكر. ~~وكان أهل الشام ينتظرون بعد صفين أمر الحكمين، فلما تفرقا بايع أهل الشام ~~معاوية بالخلافة، ولم يزدد إلا قومة، واختلف الناس بالعراق على علي، فما ~~كان لمعاوية هم إلا مصر، وكان يهاب أهلها لقربهم منه وشدتهم على من كان على ~~رأي عثمان، وكان يرجو أنه إذا ظهر ms1131 عليها ظهر على حرب علي لعظم خراجها، فدعا ~~معاوية عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر ابن أبي أرطأة والضحاك بن قيس ~~وعبد الرحمن بن خالد وأبا الأعور السلمي وشرحبيل بن السمط الكندي فقال لهم: ~~أتدرون لم جمعتكم؟ فإني جمعتكم لأمر لي مهم! فقالوا: لم يطلع الله على ~~الغيب أحدا وما نعلم ما تريد. فقال عمرو بن العاص: دعوتنا لتسألنا عن رأينا ~~في مصر، فإن كنت جمعتنا لذلك فاعزم واصبر؛ فنعم الرأي رأيت في افتتاحها! ~~فإن فيه عزك وعز أصحابك وكبت عدوك وذل أهل الشقاق عليك. فقال معاوية: أهمك ~~يا ابن العاص ما أهمك! وذلك أن عمرا كان صالح معاوية على قتال علي على أن ~~له مصر طعمة ما بقي. وأقبل معاوية على أصحابه وقال: أصاب أبو عبد الله، فما ~~ترون؟ فقالوا: ما نرى إلا ما رأى عمرو. قال: فكيف أصنع؟ فإن عمرا لم يفسر ~~كيف اصنع. فقال عمرو: أرى أن تبعث جيشا كثيفا عليهم رجل حازم صابر تأمنه ~~وتثق به فيأتي مصر فإنه سيأتيه من كان على مثل رأينا فيظاهره على عدونا، ~~فإن اجتمع جندك ومن بها على رأينا رجوت أن ينصرك الله. قال معاوية: أرى أن ~~نكاتب من بها من شيعتنا فنمنيهم ونأمرهم بالثبات، ونكاتب من بها من عدونا ~~فندعوهم إلى صلحنا ونمنيهم شكرنا ونخوفهم حربنا، فإن كان ما أردنا بغير ~~قتال فذاك الذي أردنا وإلا كان حربهم من بعد ذلك. إنك يا ابن العاص بورك لك ~~في الشدة والعجلة، وأنا بورك لي في التؤدة. قال عمرو: افعل ما ترى فما أرى ~~أمرنا يصير إلا إلى الحرب. فكتب معاوية إلى مسلمة بن مخلد ومعاوية بن حديج ~~السكوني، وكانا قد خالفا عليا، يشكرهما على ذلك ويحثهما على الطلب بدم ~~عثمان ويعدهما المواساة في سلطانه، وبعثه مع مولاة سبيع. فلما وقفا عليه ~~أجاب مسلمة بن مخلد الأنصاري عن نفسه وعن ابن حديج: أما بع فإن الأمر الذي ~~بذلنا له أنفسنا واتبعنا به أمر الله أمر نرجو به ثواب ربنا والنصر ms1132 على من ~~خالفنا وتعجيل النقمة على من سعى على إمامنا، وأما ما ذكرت من المواساة في ~~سلطانك، فتالله إن ذلك أمر ما له نهضنا ولا إياه أردنا، فعجل إلينا بخيلك ~~ورجلك فإن عدونا قد أصبحوا لنا هائبين فإن يأتنا مدد يفتح الله عليك. ~~والسلام. فجاءه الكتاب وهو بفلسطين، فدعا أولئك النفر وقال لهم: ما ترون؟ ~~قالوا: نرى أن تبعث جندا. فأمر عمرو بن العاص ليتجهز إليها، وبعث معه ستة ~~آلاف رجل ووصاه بالتؤدة وترك العجلة. وسار عمرو فنزل أداني أرض مصر، ~~فاجتمعت إليه العثمانية، فأقام بهم وكتب إلى محمد بن ابي بكر: أما بعد فتنح ~~عني بدمك يا ابن أبي بكر فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر، إن الناس بهذه ~~البلاد قد اجتمعوا على خلافك وهم مسلموك فاخرج منها إني لك من الناصحين. ~~وبعث معه كتاب معاوية في المعنى أيضا ويتهدده بقصده حصار عثمان. ~~PageV02P0089 # فأرسل محمد الكتابين إلى علي ويخبره بنزول عمرو بأرض مصر وأنه رأى ~~التثاقل ممن عنده ويستمده. فكتب إليه علي يأمره أن يضم شيعته إليه ويعده ~~إنفاذ الجيوش إليه ويأمره بالصبر لعدوه وقتاله. وقام محمد بن أبي بكر في ~~الناس وندبهم إلى الخروج إلى عدوهم مع كنانة بن بشر، فانتدب معه ألفان. ~~وخرج محمد بن أبي بكر بعده في ألفين وكنانة على مقدمته، وأقبل عمرو نحو ~~كنانة، فلما دنا منه سرح الكتائب كتيبة بعد كتيبة، فجعل كنانة لا تأتيه ~~كتيبة إلا حمل عليها فألحقها بعمرو بن العاص، فلما رأى ذلك بعث إلى معاوية ~~ابن حديج فأتاه في مثل الدهم، فأحاطوا بكنانة وأصحابه، واجتمع أهل الشام ~~عليهم من كل جانب، فلما رأى ذلك كنانة نزل عن فرسه ونزل معه أصحابه فضاربهم ~~بسيفه حتى استشهد. وبلغ قتله محمد بن أبي بكر فتفرق عنه أصحابه، وأقبل نحوه ~~عمرو، وما بقي معه أحد، فخرج محمد يمشي في الطريق، فانتهى إلى خربة في ~~ناحية الطريق فأوى إليها، وسار عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط، وخرج معاوية ~~بن حديج في طلب محمد ms1133 بن أبي بكر فانتهى إلى جماعة على قارعة الطريق فسألهم ~~عنه، فقال أحدهم: دخلت تلك الخربة فرأيت فيها رجلا جالسا. فقال ابن حديج: ~~هو هو. فدخلوا عليه فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا، وأقبلوا به نحو الفسطاط، ~~فوثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص، وكان في جنده، وقال: ~~أتقتل أخير صبرا؟ ابعث إلى ابن حديج فانهه عنه. فبعث إليه يأمره أن يأتيه ~~بمحمد، فقال: قتلتم كنانة بن بشر وأخلي أنا محمدا؟ (أكفاركم خير من أولئكم ~~أم لكم براءة في الزبر؟) القمر: 43، هيهات هيهات! فقال لهم محمد بن أبي ~~بكر: اسقوني ماء. فقال له معاوية بن حديج: لا سقاني الله إن سقيتك قطرة ~~ابدا، إنكم منعتم عثمان شرب الماء، والله لأقتلنك حتى يسقيك الله من الحميم ~~والغساق! فقال له محمد: يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك إليك إنما ذلك إلى ~~الله، يسقي أولياءه ويظمىء أعداءه أنت وأمثالك، أما والله ولو كان سيفي ~~بيدي ما بلغتم مني هذا. ثم قال له: أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك جوف حمار ثم ~~أحرقه عليك بالنار. فقال محمد: إن فعلت بي ذلك فلطالما فعلتم ذلك بأولياء ~~الله، وإني لأرجو أن يجعلها عليك وعلى أوليائك ومعاوية وعمرو نارا تلظى ~~كلما خبت زادها الله سعيرا. فغضب منه وقتله ثم ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه ~~بالنار. فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا وقنتت في دبر الصلاة تدعو ~~على معاوية وعمرو وأخذت عيال محمد إليها، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر ~~في عيالهم، ولم تأكل من ذلك الوقت شواء حتى توفيت. وقد قيل: إن محمدا قاتل ~~عمرا ومن معه قتالا شديدا فقتل كنانة وانهزم محمد واختبأ عند جبلة بن ~~مسروق، فدل عليه معاوية بن حديج فأحاط به، فخرج محمد فقاتل حتى قتل. وأما ~~علي فلما جاءه كتاب محمد بن أبي بكر فأجابه عنه ووعده المدد، قام في الناس ~~خطيبا وأخبرهم خبر مصر وقصد عمرو إياها وندبهم إلى إنجادهم وحثهم على ذلك ~~وقال: اخرجوا ms1134 بنا إلى الجرعة، وهي بين الكوفة والحيرة؛ فلما كان الغد خرج ~~إلى الجرعة فنزلها بكرة وأقام بها حتى انتصف النهار فلم يأته أحد، فرجع، ~~فلما كان العشي استدعى أشراف الناس وهو كئيب فقال: الحمد لله على ما قضى من ~~أمره وقدر من فعله وابتلاني بكم، أيتها القرية التي لا تطيع إذا أمرت، ولا ~~تجيب إذا دعوت، لا أبا لغيركم! ما تنتظرون بمصركم والجهاد على حقكم؟ فوالله ~~لئن جاء الموت، وليأتيني، ليفرقن بيني وبينكم وأنا لصحبتكم قال، وبكم غير ~~كثير، لله أنتم! أما دين يجمعكم ولا محمية تحميكم إذا أنتم سمعتم بعدوكم ~~ينتقص بلادكم ويشن الغارة عليكم؟ أوليس عجيبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام ~~فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة في السنة المرة والمرتين والثلاث إلى أي ~~وجه شاء وأنا أدعوكم وأنتم أولو النهى وبقية الناس على العطاء والمعونة ~~فتتفرقون عني تعصونني وتختلفون علي! فقام كعب بن مالك الأرحبي وأمير ~~المؤمنينيا أمير المؤمنين اندب الناس، لهذا اليوم كنت أدخر نفسي. ثم قال: ~~أيها الناس اتقوا الله وأجيبوا إمامكم وانصروا دعوته وقاتلوا عدوه وأنا ~~أسير إليه. فخرج معه ألفان. فقال له: سر فوالله ما أظنك تدركهم حتى ينقضي ~~أمرهم. فسار بهم خمسا. PageV02P0090 # ثم إن الحجاج بن غزية الأنصاري قدم من مصر فأخبره بقتل محمد بن أبي بكر، ~~وكان معه، وقدم عليه عبد الرحمن بن شبيب الفزاري من الشام، وكان عينه هناك، ~~فأخبره أن البشارة من عمرو وردت بقتل محمد وملك مصر وسرور أهل الشام بقتله. ~~فقال علي: أما إن حزننا عليه بقدر سرورهم به لا بل يزيد أضعافا! فأرسل علي ~~فأعاد الجيش الذي أنفذه وقام في الناس خيبا وقال: ألا إن مصر قد افتتحها ~~الفجرة أولو الجور والظلمة الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الإسلام عوجا! ~~ألا وإن محمد بن أبي بكر استشهد فعند الله نحتسبه! أما والله إن كان كما ~~علمت لممن ينتظر القضاء ويعمل للجزاء ويبغض شكل الفاجر ويحب هدى المؤمن، ~~إني والله ما ألوم نفسي على تقصير، وإني لمقاساة ms1135 الحروب لجدير خبير، وإني ~~لأتقدم على الأمر وأعرف وجه الحزم وأقوم فيكم بالرأي المصيب وأستصرخكم ~~معلنا وأناديكم نداء المستغيث فلا تسمعون لي قولا ولا تطيعون لي أمرا حتى ~~تصير بي الأمور إلى عواقب المساءة، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثار، ولا ~~تنقض بكم الأوتار، دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة فتجرجرتم ~~جرجرة الجمل الأشدق، وتثاقلتهم إلى الأرض تثاقل من ليست له نية في جهاد ~~العدو ولا اكتساب الأجر، ثم خرج إلي منكم جنيد متذانب كأنما يساقون إلى ~~الموت وهم ينظرون، فأف لكم! ثم نزل. ومعاوية بن حديج بضم الحاء، وفتح الدال ~~المهملتين. جارية بن قدامة بالجيم وفي آخره ياء تحتها نقطتان. بسر بن أبي ~~أرطأة رضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة. ### || AUT ذكر إرسال معاوية عبد الله بن الحضرمي إلى البصرة # في هذه السنة بعد مقتل محمد بن أبي بكر واستيلاء عمرو بن العاص على مصر ~~سير معاوية عبد الله بن عمرو بن الحضرمي إلى البصرة وقال له: إن جل أهلها ~~يرون رأينا في عثمان وقد قتلوا في الطلب بدمه، فهم لذلك حنقون يودون أن ~~يأتيهم من يجمعهم وينهض بهم في الطلب بثأرهم ودم إمامهم، فانزل في مضر ~~وتودد الأزد فإنهم كلهم معك، وادع ربيعة فلن ينحرف عنك أحد سواهم لأنهم ~~كلهم ترابية فاحذرهم. فسار ابن الحضرمي حتى قدم البصرة، وكان ابن عباس قد ~~خرج إلى علي بالكوفة واستخلف زياد بن أبيه على البصرة، فلما وصل ابن ~~الحضرمي إلى البصرة نزل في بني تميم، فأتاه العثمانية مسلمين عليه وحضره ~~غيرهم، فخطبهم وقال: إن عثمان إمامكم إمام الهدى قتل مظلوما، قتله علي، ~~فطلبتم بدمه فجزاكم الله خيرا. فقام الضحاك بن قيس الهلالي، وكان على شرطة ~~ابن عباس، فقال: قبح الله ما جئتنا به وما تدعونا إليه، أتيتنا والله بمثل ~~ما أتانا به طلحة والزبير، أتيانا وقد بايعنا عليا واستقامت أمورنا فحملانا ~~على الفرقة حتى ضرب بعضنا بعضا، ونحن الآن مجتمعون على بيعته، وقد أقال ~~العثرة، وعفا عن المسيء، أفتأمرنا ms1136 أن ننتضي أسيافنا ويضرب بعضنا بعضا ليكون ~~معاوية أميرا؟ والله ليوم من أيام علي خير من معاوية وآل معاوية! فقام عبد ~~الله بن خازم السلمي فقال للضحاك: اسكت فلست بأهل أن تتكلم. ثم أقبل على ~~ابن الحضرمي فقال: نحن أنصارك ويدك والقول قولك فاقرأ كتابك. فأخرج كتاب ~~معاوية إليهم يذكرهم فيه آثار عثمان فيهم وحبه العافية وسده ثغورهم ويذكر ~~قتله ويدعوهم إلى الطلب بدمه ويضمن أنه يعمل فيهم بالسنة ويعطيهم عطائين في ~~السنة. فلما فرغ من قراءته قام الأحنف فقال: لا ناقتي في هذا ولا جملي. ~~واعتزل القوم. وقام عمرو بن مرحوم العبدي فقال: أيها الناس الزموا طاعتكم ~~وجماعتكم ولا تنكثوا بيعتكم فنقع بكم الواقعة. وكان عباس بن صحار العبدي ~~مخالفا لقومه في حب علي فقام وقال: لننصرنك بأيدينا وألسنتنا. فقال له ~~المثنى بن مخربة العبدي: والله لئن لم ترجع إلى مكانك الذي جئتنا منه ~~لنجاهدنك بأسيافنا ورماحنا، ولا يغرنكم هذا الذي يتكلم، يعني ابن صحار. ~~فقال ابن الحضرمي لصبرة بن شيمان: أنت ناب من أنياب العرب فانصرني. فقال: ~~لو نزلت في داري لنصرتك. PageV02P0091 # فلما رأى زياد ذلك خاف فاستدعى حضين بن المنذر ومالك بن مسمع فقال: أنتم ~~يا معشر بكر بن ائل أنصار أمير المؤمنين وثقاته وقد كان من ابن الحضرمي ما ~~ترون وأتاه من أتاه فامنعوني حتى يأتيني أمر أمير المؤمنين. فقال حضين بن ~~المنذر: نعم. وقال مالك وكان رأيه مائلا إلى بني أمية: هذا أمر لي فيه ~~شركاء أستشير فيه وأنظر. فلما رأى زياد تثاقل مالك خاف أن تختلف عليه ربيعة ~~فأرسل إلى صبرة بن شيمان الحداني الأزدي يطلب أن يجيره وبيت مال المسلمين. ~~فقال: إن حملته إلى داري أجرتكما. فنقله إلى داره بالحدان ونقل المنبر ~~أيضا، فكان يصلي الجمعة بمسجد الحدان ويطعم الطعام. فقال زياد لجابر بن وهب ~~الراسبي: يا أبا محمد إني لا أرى ابن الحضرمي يكف وأراه سيقاتلكم ولا أدري ~~ما عند أصحابك، فانظر ما عندهم. فلما صلى زياد جلس في المسجد واجتمع الناس ms1137 ~~إليه، فقال جابر: يا معشر الأزد إن تميما تزعم أنهم هم الناس وأنهم أصبر ~~منكم عند البأس، وقد بلغني أنهم يريدون أن يسيروا إليكم ويأخذوا جاركم ~~ويخرجوه قسرا، فكيف أنتم إذا فعلوا ذلك وقد أجرتموه وبيت مال المسلمين! ~~فقال صبرة بن شميان، وكان مفخما: إن جاء الأحنف جئت، وإن جاء حتاتهم جئت، ~~وإن جاء شبابهم ففينا شباب. وكتب زياد إلى علي بالخبر، فأرسل علي إليه أعين ~~بن ضبيعة المجاشعي ثم التميمي ليفرق قومه عن ابن الحضرمي، فإن امتنعوا قاتل ~~بمن أطاعه من عصاه، وكتب إلى زياد يعلمه ذلك. فقدم أعين، فأتى زيادا، فنزل ~~عنده، وجمع رجالا وأتى قوم ونهض إلى ابن الحضرمي ومن معه ودعاهم، فشتموه، ~~وواقفهم نهاره ثم انصرف عنهم، فدخل عليه قوم، قيل إنهم من الخوارج، وقيل ~~وضعهم ابن الحضرمي على قتله، وكان معهم، فقتلوه غيلة، فلما قتل أعين أراد ~~زياد قتالهم، فأرسلت تميم إلى الأزد: إنا لم نعرض لجاركم فما تريدون إلى ~~جارنا؟ فكرهت الأزد قتالهم وقالوا: إن عرضوا لجارنا منعناه. وكتب زياد إلى ~~علي يخبره خبر أعين وقتله، فأرسل علي جارية بن قدامة السعدي، وهو من بني ~~سعد من تميم، وبعث معه خمسين رجلا، وقيل خمسمائة من تميم، وكتب إلى زياد ~~يأمره بمعونة جارية والإشارة عليه. فقدم جارية البصرة، فحذره زياد ما أصاب ~~أعين، فقام جارية في الأزد فجزاهم خيرا وقال: عرفتم الحق إذ جهله غيركم. ~~وقرأ كتاب علي إلى أهل البصرة يوبخهم ويتهددهم ويعنفهم ويتوعدهم بالمسير ~~إليهم والإيقاع بهم وقعة تكون وقعة الجمل عندها هباء. فقال صبرة بن شيمان: ~~سمعا لأمير المؤمنين وطاعة! نحن حرب لمن حاربه وسلم لمن سالمه. وقال أبو ~~صفرة، والد المهلب، لزياد: لو أدركت يوم الجمل ما قاتل قومي أمير المؤمنين. ~~وقيل: إن أبا صفرة كان توفي في مسيره إلى صفين، والله أعلم. وصار جارية إلى ~~قومه وقرأ عليهم كتاب علي ووعدهم، فأجابه أكثرهم، فسار إلى ابن الحضرمي ~~ومعه الأزد ومن تبعه من قومه، وعلى خيل ابن الحضرمي عبد الله بن ms1138 خازم ~~السلمي، فاقتتلوا ساعة، وأقبل شريك بن الأعور الحارثي فصار مع جارية، ~~فانهزم ابن الحضرمي فتحصن بقصر سنبيل ومعه ابن خازم، فأتته أمه عجلى، وكانت ~~حبشية، فأمرته بالنزول، فأبى، فقالت: والله لتنزلن أو لأنزعن ثيابي! فنزل ~~ونجا، وأحرق جارية القصر بمن فيه، فهلك ابن الحضرمي وسبعون رجلا معه، وعاد ~~زياد إلى القصر، وكان قصر سنبيل لفارس قديما وصار لسنبيل السعدي، وحوله ~~خندق، وكان فيمن احترق دراع بن بدر أخو حارثة بن بدر؛ فقال عمرو بن ~~العرندس: رددنا زيادا إلى داره ... وجار تميم دخانا ذهب لحى الله قوما شووا ~~جارهم ... ولم يدفعوا عنه حر اللهب في أبيات غر هذه؛ وقال جرير بن عطية ~~الخطفي. غدرتم بالزبير فما وفيتم ... وفاء الأزد إذ منعوا زيادا فأصبح ~~جارهم بنجاة عز ... وجار مجاشع أمسى رمادا فلو عاقدت حبل أبي سعيد ... لذاد ~~القوم ما حمل النجادا وأدنى الخيل من رهج المنايا ... وأغشاها الأسنة ~~والصعادا جارية بن قدامة بالجيم والياء تحتها نقطتان. وحارثة بن بدر بالحاء ~~المهملة، وبعدها ثاء مثلثة. وعبد الله بن خازم بالخاء المعجمة والزاي. ~~والمثنى ابن مخربة بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، وكسر الراء المشددة، ~~وآخره باء موحدة. PageV02P0092 ### || AUT ذكر خبر الخريت بن راشد وبني ناجية # قيل: وفي هذه السنة أظهر الخريت بن راشد الناجي الخلاف على علي، فجاء ~~إلى أمير المؤمنين وكان معه ثلاثمائة من بني ناجية خرجوا مع علي من البصرة ~~فشهدوا معه الجمل وصفين وأقاموا معه بالكوفة إلى هذا الوقت، فحضر عند علي ~~في ثلاثين راكبا فقال له: يا علي والله لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك، وإني ~~غدا مفارق لك، وذلك بعد تحكيم الحكمين. فقال له: ثكلتك أمك! إذا تعصي ربك ~~وتنكث عهدك ولا تضر إلا نفسك! خبرني لم تفعل ذلك؟ فقال: لأنك حكمت وضعفت عن ~~الحق، وركنت إلى القوم الذين ظلموا، فأنا عليك زار وعليهم ناقم، ولكم جميعا ~~مباين. فقال له علي: هلم أدارسك الكتاب وأناظرك في السنن وأفاتحك أمورا أنا ~~أعلم بها منك فلعلك تعرف ما أنت له ms1139 الآن منكر، قال: فإني عائد إليك. قال: ~~لا يستهوينك الشيطان، ولا يستخفنك الجهال، والله لئن استرشدتني وقبلت مني ~~لأهدينك سبيل الرشاد. فخرج من عنده منصرفا إلى أهله، وسار من ليلته هو ~~وأصحابه. فلما سمع بمسيرهم علي قال: بعدا لهم كما بعدت ثمود! إن الشيطان ~~اليوم استهواهم وأضلهم وهو غدا متبرىء منهم. فقال له زياد بن خصفة البكري: ~~يا أمير المؤمنين، إنه لم يعظم علينا فقدهم فتأسى عليهم، إنهم قل ما يزيدون ~~في عددنا لو أقاموا، ولقل ما ينقصون من عددنا بخروجهم عنا، ولكنا نخاف أن ~~يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممن يقدمون عليك من أهل طاعتك، فأذن لي في ~~اتباعهم حتى أردهم عليك. فقال: أتدري أين توجهوا؟ قال: لا، ولكني أسأل ~~وأتبع الأثر. فقال له: اخرج، رحمك الله، وانزل دير أبي موسى وأقم حتى يأتيك ~~أمري، فإن كانوا ظاهرين فإن عمالي سيكتبون بخبرهم. فخرج زياد فأتى داره ~~وجمع أصحابه من بكر بن وائل وأعلمهم الخبر، فسار معه مائة وثلاثون رجلا، ~~فقال: حسبي. ثم سار حتى أتى دير أبي موسى فنزله يوما ينتظر أمر علي، وأتى ~~عليا كتاب من قرظة بن كعب الأنصاري يخبره أنهم توجهوا نحو نفر، وأنهم قتلوا ~~رجلا من الدهاقين كان أسلم. فأرسل علي إلى زياد يأمره باتباعهم ويخبره ~~خبرهم وأنهم قتلوا رجلا مسلما ويأمره بردهم إليه، فإن أبوا يناجزهم، وسير ~~الكتاب مع عبد الله بن وال، فاستأذنه عبد الله في المسير مع زياد، فأذن له، ~~وقال له: إني لأرجو أن تكون من أعواني على الحق وأنصاري على القوم ~~الظالمين. قال ابن وال: فوالله ما أحب أن لي بمقالته تلك حمر النعم. وسار ~~بكتاب علي إلى زياد، وساروا حتى أتوا نفر، فقيل إنهم ساروا نحو جرجرايا، ~~فتبعوا آثارهم حتى أدركوهم بالمذار وهم نزول قد أقاموا يومهم وليلتهم ~~واستراحوا، فأتاهم زياد وقد تقطع أصحابه وتعبوا، فلما رأوهم ركبوا خيولهم، ~~وقال لهم الخريت: أخبروني ما تريدون. فقال له زياد، وكان مجربا رفيقا: قد ~~ترى ما بنا من التعب، والذي جئناك له ms1140 لا يصلحه الكلام علانية ولكن ننزل ثم ~~نخلو جميعأ فتذاكر أمرنا، فإن رأيت ما جئناك به حظا لنفسك قبلته، وإن رأينا ~~فيما نسمع منك أمرا نرجو فيه العافية لم نرده عليك. قال: فانزل. فنزل زياد ~~وأصحابه على ماء هناك وأكلوا شيئا وعلقوا على دوابهم، ووقف زياد في خمسة ~~فوارس بين أصحابه وبين القوم، وكانوا قد نزلوا أيضا، وقال زياد لأصحابه: إن ~~عدتنا كعدتهم، وأرى أمرنا يصير إلى القتال، فلا تكونوا أعجز الفريقين. ~~PageV02P0093 # وخرج زياد إلى الخريت فسمعهم يقولون: جاءنا القوم وهم كالون تعبون، ~~فتركناهم حتى استراحوا، هذا والله سوء الرأي. فدعاه زياد وقال له: ما الذي ~~نقمت على أمير المؤمنين وعلينا حتى فارقتنا؟ فقال: لم أرض صاحبكم إماما ولا ~~سيرتكم سيرة فرأيت أن أعتزل وأكون مع من يدعو إلى الشورى، فقال له زياد: ~~وهل يجتمع الناس على رجل يداني صاحبك الذي فارقته علما بالله وسنته وكتابه ~~مع قرابته من الرسول، صلى الله عليه وسلم، وسابقته في الإسلام؟ فقال له: ~~ذلك لا أقول لك. فقال له زياد: ففيم قتلت ذلك الرجل المسلم؟ فقال له: ما ~~أنا قتلته وإنما قتله طائفة من أصحابي. قال: فادفعهم إلينا. قال: ما لي إلى ~~ذلك سبيلز فدعا زياد أصحابه ودعا الخريت أصحابه، فاقتتلوا قتالا شديدا ~~تطاعنوا بالرماح حتى لم يبق رمح، وتضاربوا بالسيوف حتى انحنت، وعقرت عامة ~~خيولهم، وكثرت الجراحة فيهم، وقتل من أصحاب زياد رجلان ومن أولئك خمسة وجاء ~~الليل فحجز بينهما، وقد كره بعضهم بعضا وجرح زياد، فسار الخريت من الليل ~~وسار زياد إلى البصرة، وأتاهم خبر الخريت أنه أتى الأهواز فنزل بجانب منها ~~وتلاحق به ناس من أصحابهم فصاروا نحو مائتين، فكتب زياد إلى علي يخبرهم ~~وأنه مقيم يداوي الجرحى وينتظر أمره. فلما قرأ علي كتابه قام إليه معقل بن ~~قيس فقال: يا أمير المؤمنين كان ينبغي أن يكون مع من يطلب هؤلاء مكان كل ~~واحد منهم عشرة، فإذا لحقوهم استأصلوهم وقطعوا دابرهم، فأما أن يلقاهم ~~عددهم فلعمري ليصبرن لهم فإن العدة تصبر ms1141 للعدة. فقال: تجهز يا معقل إليهم، ~~وندب معه ألفين من أهل الكوفة، منهم يزيد بن المعقل الأسدي. وكتب علي إلى ~~ابن عباس يأمره أن يبعث من أهل البصرة رجلا شجاعا معروفا بالصلاح في ألفي ~~رجل إلى معقل وهو أمير أصحابه حتى يأتي معقلا، فإذا لقيه كان معقل الأمير. ~~وكتب إلى زياد ابن خصفة يشكره ويأمره بالعود. واجتمع على الخريت الناجي ~~علوج من أهل الأهواز كثير أرادوا كسر الخراج ولصوص وطائفة أخرى من العرب ~~ترى رأيه، وطمع أهل الخراج في كسره فكسروه، وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس، ~~وكان عاملا لعلي عليها، في قول من يزعم أنه لم يمت سنة سبع وثلاثين. فقال ~~ابن عباس لعلي: أنا أكفيك فارس بزياد، يعني ابن أبيه، فأمره بإرساله إليها ~~وتعجيل تسييره، فأرسل زيادا إليها في جمع كثير، فوطىء بلاد فارس، فأدوا ~~الخراج واستقاموا، وسار معقل بن قيس، ووصاه علي فقال له: اتق الله ما ~~استطعت، ولا تبغ على أهل القبلة، ولا تظلم أهل الذمة، ولا تتكبر فإن الله ~~لا يحب المتكبرين. فقدم معقل الأهواز ينتظر مدد البصرة، فأبطأ عليه فسار عن ~~الأهواز يطلب الخريت، فلم يسر إلا يوما حتى أدركه المدد مع خالد بن معدان ~~الطائي، فساروا جميعا، فلحقوهم قريب جبل من جبال رامهرمز، فصف معقل أصحابه، ~~فجعل على ميمنته يزيد بن المعقل، وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبي من أهل ~~البصرة، وصف الخريت أصحابه فجعل من معه من العرب ميمنة، ومن معه من أهل ~~البلد والعلوج ميسرة، ومعهم الأكراد، وحرض كل واحد منهما أصحابه، وحرك معقل ~~رأسه مرتين ثم حمل في الثالثة، فصبروا له ساعة ثم انهزموا، فقتل أصحاب معقل ~~منهم سبعين رجلا من بني ناجية ومن معهم من العرب، وقتلوا نحوا من ثلاثمائة ~~من العلوج والأكراد، وانهزم الخريت بن راشد فلحق بأسياف البحر، وبها جماعة ~~كثيرة من قومه، فما زال يسير فيهم ويدعوهم إلى خلاف علي ويخبرهم أن الهدى ~~في حربه حتى اتبعه منهم ناس كثير. وأقام معقل بأرض الأهواز وكتب إلى ms1142 علي ~~بالفتح، فقرأ علي الكتاب على أصحابه واستشارهم، فقالوا كلهم: نرى أن تأمر ~~معقلا أن يتبع آثار الفاسق حتى يقتله أو ينفيه فإنا لا نأمن أن يفسد عليك ~~الناس. فكتب إلى معقل يثني عليه وعلى من معه ويأمره باتباعه وقتله أو نفيه. ~~فسأل معقل عنه، فأخبر بمكانه بالأسياف وأنه قد رد قومه عن طاعة علي وأفسد ~~من عنده من عبد القيس وسائر العرب، وكان قومه قد منعوا الصدقة عام صفين ~~وذلك العام. فسار إليهم معقل فأخذ على فارس وانتهى إلى أسياف البحر. ~~PageV02P0094 # فلما سمع الخريت بمسيره قال لمن معه من الخوارج: أنا على رأيكم وإن عليا ~~لم ينبغ له أن يحكم. وقال للآخرين من أصحابه: إن عليا حكم ورضي فخلعه حكمه ~~الذي ارتضاه، وهذا كان الرأي الذي خرج عليه من الكوفة وإليه كان يذهب. وقال ~~سرا للعثمانية: إنا والله على رأيكم، قد والله قتل عثمان مظلوما. فأرضى كل ~~صنف منهم. وقال لمن منع الصدقة: شدوا أيديكم على صدقاتكم وصلوا بها ~~أرحامكم. وكان فيها نصارى كثير قد أسلموا، فلما اختلف الناس قالوا: والله ~~لديننا الذي خرجنا منه خير من دين هؤلاء، لا ينهاهم دينهم عن سفك الدماء. ~~فقال لهم الخريت: ويحكم! لا ينجيكم من القتل إلا قتل هؤلاء القوم والصبر ~~فإن حكمهم فيمن أسلم ثم ارتد أن يقتل ولا يقبلون منه توبة ولا عذرا. فخدعهم ~~جميعهم. وأتاه من كان من بني ناجية وغيرهم خلق كثير. فلما انتهى معقل إليه ~~نصب راية أمان وقال: من أتاها من الناس فهو آمن إلا الخريت وأصحابه الذين ~~حاربونا أول مرة. فتفرق عن الخريت جل من كان معه من غير قومه، وعبأ معقل ~~أصحابه وزحف نحو الخريت ومعه قومه مسلمهم ونصرانيهم ومانع الزكاة منهم. ~~فقال الخريت لمن معه: قاتلوا عن حريمكم وأولادكم، فوالله لئن ظهروا عليكم ~~ليقتلنكم وليسبنكم. فقال له رجل من قومه: هذا والله ما جرته علينا يدك ~~ولسانك. فقال: سبق السيف العذل. وسار معقل في الناس يحرضهم ويقول: أيها ~~الناسش ما ترون أفضل مما ms1143 سبق لكم من الأجر العظيم؟ إن الله ساقكم إلى قوم ~~منعوا الصدقة، وارتدوا عن الإسلام، ونكثوا البيعة ظلمان فأشهد لمن قتل منكم ~~بالجنة، ومن بقي منكم فإن الله مقر عينه بالفتح. ثم حمل معقل وجميع من معه ~~فقاتلوا قتالا شديدا وصبروا له، ثم إن النعمان بن صبهان الراسبي بصر ~~بالخريت فحمل عليه فطعنه فصرع عن دابته، ثم اختلفا ضربتين فقتله النعمان ~~وقتل معه في المعركة سبعون ومائة رجل وذهب الباقون يمينا وشمالا، وسبى معقل ~~من أدرك من حريمهم وذرياتهم، وأخذ رجالا كثيرا، فأما من كان مسلما فخلاه ~~وأخذ بيعته وترك له عياله، وأما من كان ارتد فعرض عليهم الإسلام فرجعوا ~~فخلى سبيلهم وسبيل عيالهم، إلا شيخا كبيرا نصرانيا منهم يقال له الرماحسن ~~لم يسلم فقتله، وجمع من منع الصدقة وأخذ منهم صدقة عامين، وأما النصارى ~~وعيالهم فاحتملهم مقبلا بهم، وأقبل المسلمون معهم يشيعونهم، فلما ودعوهم ~~بكى الرجال والنساء بعضهم إلى بعض حتى رحمهم الناس. وكتب معقل إلى علي ~~بالفتح، ثم أقبل بهم حتى مر على مصقلة بن هبيرة الشيباني، وهو عامل علي على ~~أردشير خره، وهم خمسمائة إنسان، فبكى النساء والصبيان وصاح الرجال: يا أبا ~~الفضل! يا حامي الرجال ومأوى المعضب وفكاك العناة امنن علينا واشترنا ~~وأعتقنا! فقال مصقلة: أقسم بالله لأتصدقن عليكم! إن الله يجزي المتصدقين. ~~فبلغ قوله معقلا فقال: والله لو أعلم أنه قالها توجعا عليهم وإزراء علينا ~~لضربت عنقه ولو كان في ذلك تفاني تميم وبكر. ثم إن مصقلة اشتراهم من معقل ~~بخمسمائة ألف، فقال له معقل: عجل المال إلى أمير المؤمنين. فقال: أنا أبعث ~~الآن ببعضه ثم كذلك حتى لا يبقى منه شيء. وأقبل معقل إلى علي فأخبره بما ~~كان منه، فاستحسنه، وبلغ عليا أن مصقلة أعتق الأسرى ولم يسألهم أن يعينوه ~~بشيء، فقال: ما أظن مصقلة إلا قد تحمل حمالة سترونه عن قريب منها مبلدا. ~~وكتب إليه يطلب منه المال أو يحضر عنده، فحضر عنده وحمل من المال مائتي ~~ألف. قال ذهل بن الحارث: فاستدعاني ms1144 ليلة فطعمنا ثم قال: إن أمير المؤمنين ~~يسألني هذا المال ولا أقدر عليه. فقلت: والله لو شئت ما مضت جمعة حتى ~~تحمله. فقال: والله ما كنت لأحملها قومي، أما والله لو كان ابن هند ما ~~طالبني بها ولو كان ابن عفان لوهبها لي، ألم تره أطعم الأشعث بن قيس كل سنة ~~من خراج أذربيجان مائة ألف؟ قال: فقلت: إن هذا لا يرى ذلك الرأي ولا يترك ~~منها شيئا. فهرب مصقلة من ليلته فلحق بمعاوية، وبلغ عليا ذلك فقال: ما له، ~~ترحه الله، فعل فعل السيد وفر فرار العبد وخان خيانة الفاجر! أما إنه لو ~~أقام فعجز ما زدنا على حبسه، فإن وجدنا له شيئا أخذناه وإلا تركناه. ثم سار ~~علي إلى داره فهدمها وأجاز عتق السبي وقال: أعتقهم مبتاعهم وصارت أثمانهم ~~دينا على معتقهم. PageV02P0095 # وكان أخوة نعيم بن هبيرة شيعة لعلي، فكتب إليه مصقلة من الشام مع رجل من ~~نصارى تغلب اسمه حلوان يقول له: إن معاوية قد وعدك الإمارة والكرامة فأقبل ~~ساعة يلقاك رسولي، والسلام. فأخذه مالك بن كعب الأرحبي فسرحه إلى علي، فقطع ~~يده، فمات، وكتب نعيم إلى مصقلة يقول: لا ترمين هداك الله معترضا ... بالظن ~~منك فما بالي وحلوانا ذاك الحريص على ما نال من طمع ... وهو البعيد فلا ~~يحزنك إن خانا ماذا أردت إلى إرساله سفها ... ترجو سقاط امرىء لم يلف ~~وسنانا قد كنت في منظر عن ذا ومستمع ... تحمي العراق وتدعى خير شيبانا حتى ~~تقحمت أمرا كنت تكرهه ... للراكبين له سرا وإعلانا عرضته لعلي إنه أسد ... ~~يمشي العرضنة من آساد خفانا لو كنت أديت مال القوم مصطبرا ... للحق أحييت ~~أحيانا وموتانا لكن لحقت بأهل الشام ملتمسا ... فضل ابن هند وذاك الرأي ~~أشجانا فاليوم تقرع سن العجز من ندم ... ماذا تقول وقد كان الذي كانا أصبحت ~~تبغضك الأحياء قاطبة ... لم يرفع الله بالبغضاء إنسانا فلما وقع الكتاب ~~إليه علم أنه قد هلك، وأتاه التغلبيون فطلبوا منه دية صاحبهم، فوداه لهم. ~~وقال بعض الشعراء في بني ناجية: ms1145 سما لكم بالخيل قودا عوابسا ... أخو ثقة ما ~~يبرح الدهر غازيا فصحبكم في رجله وخيوله ... بضرب ترى منه المدجج هاويا ~~فأصبحتم من بعد كبر ونخوة ... عبيد العصا لا تمنعون الذراريا وقال مصقلة بن ~~هبيرة: لعمري لئن عاب أهل العراق ... علي انتعاش بني ناجيه لأعظم من عتقهم ~~رقهم ... وكفي بعتقهم ماليه وزايدت فيهم لإطلاقهم ... وغاليت إن العلى غاليه ### || AUT ذكر أمر الخوارج بعد النهروان # لما قتل أهل النهروان خرج أشرس بن عوف الشيباني على علي بالدسكرة في ~~مائتين ثم سار إلى الأنبار، فوجه إليه علي الأبرش بن حسان في ثلاثمائة ~~فواقعه، فقتل أشرس في ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين. ثم خرج هلال بن علفة من ~~تيم الرباب ومعه أخوه مجالد فأتى ماسبذان، فوجه إليه علي معقل بن قيس ~~الرياحي فقتله وقتل أصحابه، وهم أكثر من مائتين، وكان قتلهم في جمادى ~~الأولى سنة ثمان وثلاثين. ثم خرج الأشهب بن بشر، وقيل الأشعث، وهو من ~~بجيلة، في مائة وثمانين رجلان فأتى المعركة التي أصيب فيها هلال وأصحابه ~~فصلى عليهم ودفن من قدر عليه منهم، فوجه إليهم علي جارية بن قدامة السعدي، ~~وقيل حجر ابن عدي، فأقبل إليهم الأشهب، فاقتتلا بجرجرايا من أرض جوخى، فقتل ~~الأشهب وأصحابه في جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين. ثم خرج سعيد بن قفل ~~التيمي من تيم الله بن ثعلبة في رجب بالبندنيجين ومعه مائتا رجل فأتى ~~درزنجان، وهي من المدائن على فرسخين، فخرج إليهم سعد بن مسعود فقتلهم في ~~رجب سنة ثمان وثلاثين. ثم خرج أبو مريم السعدي التميمي فأتى شهرزور، وأكثر ~~من معه من الموالي، وقيل لم يكن معه من العرب غير ستة نفر هو أحدهم، واجتمع ~~معه مائتا رجل، وقيل أربعمائة، وعاد حتى نزل على خمسة فراسخ من الكوفة، ~~فأرسل إليه علي يدعوه إلى بيعته ودخول الكوفة، فلم يفعل وقال: ليس بيننا ~~غير الحرب. فبعث إليه علي شريح بن هانىء في سبعمائة، فحمل الخوارج على شريح ~~وأصحابه فانكشفوا وبقي شريح في مائتين، فانحاز إلى قرية، فتراجع إليه ms1146 بعض ~~أصحابه ودخل الباقون الكوفة، فخرج علي بنفسه وقدم بين يديه جارية بن قدامة ~~السعدي، فدعاهم جارية إلى طاعة علي وحذرهم القتل فلم يجيبوا، ولحقهم علي ~~أيضا فدعاهم فأبوا عليه وعلى أصحابه، فقتلهم أصحاب علي ولم يسلم منهم غير ~~خمسين رجلا استأمنوا فآمنهم. وكان في الخوارج أربعون رجلا جرحى، فأمر علي ~~بإدخالهم الكوفة ومداواتهم حتى برأوا. وكان قتلهم في شهر رمضان سنة ثمان ~~وثلاثين، وكانوا من أشجع من قائل من الخوارج، ولجرأتهم قاربوا الكوفة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV02P0096 # وحج بالناس في هذه السنة قثم بن العباس من قبل علي، وكان عامله على مكة، ~~وكان على اليمن عبيد الله بن عباس، وعلى البصرة عبد الله بن عباس، وعلى ~~خراسان خليد بن قرة اليربوعي، وقيل كان ابن أبزى، وأما الشام ومصر فكان ~~بهما معاوية وعماله. وفي هذه السنة مات صهيب بن سنان، في قول بعضهم، وكان ~~عمره سبعين سنة، ودفن بالبقيع. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وثلاثين # ### || AUT ذكر سرايا أهل الشام # ### || AUT إلى بلاد أمير المؤمنين # وفي هذه السنة فرق معاوية جيوشه في العراق في أطراف علي، فوجه النعمان ~~بن بشير في ألف رجل إلى عين التمر وفيها مالك بن كعب مسلحة لعلي في ألف ~~رجل، وكان مالك قد أذن لأصحابه فأتوا الكوفة ولم يبق معه إلا مائة رجل، ~~فلما سمع بالنعمان كتب إلى أمير المؤمنين يخبره ويستمده، فخطب علي الناس ~~وأمرهم بالخروج إليه، فتثاقلوا، وواقع مالك النعمان وجعل جدار القرية في ~~ظهور أصحابه، وكتب مالك إلى مخنف بن سليم يستعينه، وهو قريب منه، واقتتل ~~مالك والنعمان أشد قتال، فوجه مخنف ابنه عبد الرحمن في خمسين رجلا، فانتهوا ~~إلى مالك وقد كسروا جفون سيوفهم واستقتلوا، فلما رآهم أهل الشام انهزموا ~~عند المساء وظنوا أن لهم مدادا، وتبعهم مالك فقتل منهم ثلاثة نفر. ولما ~~تثاقل أهل الكوفة عن الخروج إلى مالك صعد علي المنبر فخطبهم ثم قال: يا أهل ~~الكوفة كلما سمعتم بجمع من أهل الشام أظلكم انجحر كل امرىء منكم في ms1147 بيته ~~وأغلق عليه بابه انجحار الضب في جحره والضبع في وجارها، المغرور من ~~غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب، لا أحرار عند النداء ولا إخوان ~~عند النجاء! إنا لله وإنا إليه راجعون! ماذا منيت به منكم؟ عمي لا يبصرون، ~~وبكم لا ينطقون، وصم لا يسمعون! إنا لله وإنا إليه راجعون. ووجه معاوية في ~~هذه السنة أيضا سفيان بن عوف في ستة آلاف رجل وأمره أن يأتي هيت فيقطعها، ~~ثم يأتي الأنبار، والمدائن فيوقع بأهلها. فأتى هيت فلم يجد بها أحدا، ثم ~~أتى الأنبار وفيها مسلحة لعلي تكون خمسمائة رجل وقد تفرقوا ولم يبق منهم ~~إلا مائتا رجل، وكان سبب تفرقهم أنه كان عليهم كميل ابن زياد، فبلغه أن ~~قوما بقرقيسيا يريدون الغارة على هيت فسار إليهم بغير أمر علي، فأتى أصحاب ~~سفيان وكميل غائب عنها، فأغضب ذلك عليا على كميل، فكتب إليه ينكر ذلك عليه، ~~وطمع سفيان في أصحاب علي لقلتهم فقاتلهم، فصبر أصحاب علي ثم قتل صاحبهم، ~~وهو أشرس بن حسان البكري، وثلاثون رجلا، واحتملوا ما في الأنبار من أموال ~~أهلها ورجعوا إلى معاوية، وبلغ الخبر عليا فأرسل في طلبهم فلم يدركوا. ~~وفيها أيضا وجه معاوية عبد الله بن مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر الفزاري ~~في ألف وسبعمائة رجل إلى تيماء وأمره أن يصدق من مر به من أهل البوادي ~~ويقتل من امتنع، ففعل ذلك، وبلغ مكة والمدينة وفعل ذلك، واجتمع إليه بشر ~~كثير من قومه، وبلغ ذلك عليا فأرسل المسيب بن نجبة الفزاري في ألفي رجل، ~~فلحق عبد الله بتيماء، فاقتتلوا حتى زالت الشمس قتالا شديدا، وحمل المسيب ~~على ابن مسعدة فضربه ثلاث ضربات لا يريد قتله ويقول له: النجاء النجاء! ~~فدخل ابن مسعدة وجماعة معه الحصن وهرب الباقون نحو الشام، وانتهب الأعراب ~~إبل الصدقة التي كانت مع ابن مسعدة، وحصره ومن معه ثلاثة أيام، ثم ألقى ~~الحطب في الباب وحرقه، فلما رأوا الهلاك أشرفوا عليه وقالوا: يا مسيب قومك، ~~فرق لهم، وأمر بالنار فأطفئت، ms1148 وقال لأصحابه: قد جاءتني عيوني فأخبروني أن ~~جندا قد أتاكم من الشام. فقال له عبد الرحمن ابن شبيب: سرحني في طلبهم، ~~فأبى ذلك عليه، فقال: غششت أمير المؤمنين وداهنت في أمرهم. وفيها أيضا وجه ~~معاوية الضحاك بن قيس وأمره أن يمر بأسفل واقصة ويغير على كل من مر به ممن ~~هو في طاعة علي من الأعراب، وأرسل ثلاثة آلاف رجل معه، فسار الناس، وأخذ ~~الأموال ومضى إلى الثعلبية، وقتل وأغار على مسلحة علي، وانتهى إلى ~~القطقطانة. فلما بلغ ذلك عليا أرسل إليه حجر بن عدي في أربعة آلاف وأعطاهم ~~خمسين درهما خمسين درهما، فلحق الضحاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلا، وقتل ~~من أصحابه رجلان، وحجز بينهما الليل، فهرب الضحاك وأصحابه ورجع حجر ومن ~~معه. وفي هذه السنة سار معاوية بنفسه حتى شارف دجلة ثم نكص راجعا. ~~PageV02P0097 # واختلف فيمن حج بالناس هذه السنة، فقيل: حج بالناس عبيد الله بن عباس من ~~قبل علي، وقيل: بل حج عبد الله أخوه، وذلك باطل، فإن عبد الله بن عباس لم ~~يحج في خلافة علي، وإنما كان على هذه السنة على الحج عبيد الله بن عباس، ~~وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي، فاختلف عبيد الله ويزيد بن شجرة واتفقا ~~على أن يحج بالناس شيبة بن عثمان، وقيل: إن الذي حج من جانب علي قثم بن ~~العباس، وكان عمال علي على البلاد من تقدم ذكرهم. ### || AUT ذكر مسير يزيد بن شجرة إلى مكة # وفي هذه السنة دعا معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي، وهو من أصحابه، فقال ~~له: إني أريد أن أوجهك إلى مكة لتقيم للناس الحج وتأخذ لي البيعة بمكة ~~وتنفي عنها عامل علي. فأجابه إلى ذلك وسار إلى مكة في ثلاثة آلاف فارس وبها ~~قثم بن العباس عامل علي، فلما سمع به قثم خطب أهل مكة وأعلمهم بمسير ~~الشاميين ودعاهم إلى حربهم، فلم يجيبوه بشيء، وأجابه شيبة بن عثمان العبدري ~~بالسمع والطاعة، فعزم قثم على مفارقة مكة واللحاق ببعض شعابها ومكاتبة أمير ~~المؤمنين بالخبر ms1149 فإن أمده بالجيوش قاتل الشاميين، فنهاه أبو سعيد الخدري عن ~~مفارقة مكة وقال له: أقم فإن رأيت منهم القتال وبك قوة فاعمل برأيك وإلا ~~فالمسير عنها أمامك. فأقام وقدم الشاميون ولم يعرضوا لقتال أحد، وأرسل قثم ~~إلى أمير المؤمنين يخبره، فسير جيشا فيهم الريان بن ضمرة بن هوذة بن علي ~~الحنفي وأبو الطفيل أول ذي الحجة، وكان قدوم ابن شجرة قبل التروية بيومين، ~~فنادى في الناس: أنتم آمنون إلا من قاتلنا ونازعنا. واستدعى أبا سعيد ~~الخدري وقال له: إني أريد الإلحاد في الحرم ولو شئت لفعلت لما فيه أميركم ~~من الضعف، فقل له يعتزل الصلاة بالناس وأعتزلها أنا ويختار الناس رجلا يصلي ~~بهم. فقال أبو سعيد لقثم ذلك، فاعتزل الصلاة، واختار الناس شيبة بن عثمان ~~فصلى بهم وحج بهم، فلما قضى الناس حجهم رجع يزيد إلى الشام، وأقبل خيل علي ~~فأخبروا بعود أهل الشام، فتبعوهم، وعليهم معقل بن قيس، فأدروهم وقد رحلوا ~~عن وادي القرى، فظفروا بنفر منهم فأخذوهم أسارى وأخذوا ما معهم ورجعوا بهم ~~إلى أمير المؤمنين، ففادى بهم أسارى كانت له عند معاوية. الرهاوي منسوب إلى ~~الرهاء: قبيلة من العرب، وقد ضبطه عبد الغني ابن سعيد بفتح الراء: قبيلة ~~مشهورة، وأما المدينة فبضم الراء. ### || AUT ذكر غارة أهل الشام على أهل الجزيرة # وفيها سير معاوية عبد الرحمن بن قباث بن أشيم إلى بلاد الجزيرة وفيها ~~شبيب بن عامر جد الكرماني الذي كان بخراسان، وكان شبيب بنصيبين فكتب إلى ~~كميل بن زياد، وهو بهيت، يعلمه خبرهم، فسار كميل إليه نجدة له في ستمائة ~~فارس، فأدركوا عبد الرحمن ومعه معن بن يزيد السلمي، فقاتلهما كميل وهزمهما ~~فغلب على عسكرهما وأكثر القتل في أهل الشام وأمر أن لا يتبع مدبر ولا يجهز ~~على جريح، وقتل من أصحاب كميل رجلان، وكتب إلى علي بالفتح فجزاه خيرا ~~وأجابه جوابا حسنا ورضي عنه، وكان ساخطا عليه لما تقدم ذكره. وأقبل شبيب بن ~~عامر من نصيبين فرأى كميلا قد أوقع بالقوم فهنأه بالظفر واتبع الشاميين ms1150 فلم ~~يلحقهم فعبر الفرات وبث خيله فأغارت على أهل الشام حتى بلغ بعلبك، فوجه ~~معاوية إليه حبيب بن مسلمة فلم يدركه، ورجع شبيب فأغار على نواحي الرقة فلم ~~يدع للعثمانية بها ماشية إلا استاقها ولا خيلا ولا سلاحا إلا أخذه وعاد إلى ~~نصيبين وكتب إلى علي، فكتب إليه علي ينهاه عن أخذ أموال الناس إلا الخيل ~~والسلاح الذي يقاتلون به وقال: رحم الله شبيبا، لقد أبعد الغارة وعجل الانتصار. ### || AUT ذكر غارة الحارث بن نمر التنوخي # PageV02P0098 # ولما قدم يزيد بن شجرة على معاوية وجه الحارث بن نمر التنوخي إلى الجزيرة ~~ليأتيه بمن كان في طاعة علي، فأخذ من أهل دارا سبعة نفر من بني تغلب، وكان ~~جماعة من بني تغلب قد فارقوا عليا إلى معاوية، فسألوه إطلاق أصحابهم فلم ~~يفعل، فاعتزلوه أيضا، وكتب معاوية إلى علي ليفاديه بمن اسر معقل بن قيس من ~~أصحاب يزيد بن شجرة، فسيرهم علي إلى معاوية، وأطلق معاوية هؤلاء، وبعث علي ~~رجلا من خثعم يقال له عبد الرحمن إلى ناحية الموصل ليسكن الناس، فلقيه ~~أولئك التغلبيون الذين اعتزلوا معاوية وعليهم قريع بن الحارث التغلبي، ~~فتشاتموا ثم اقتتلوا فقتلوه، فأراد علي أن يوجه إليهم جيشا، فكلمته ربيعة ~~وقالوا: هم معتزلون لعدوك داخلون في طاعتك وإنما قتلوه خطأ. فأمسك عنهم. ### || AUT ذكر أمر ابن العشبة # بعث معاوية زهير بن مكحول العامري من عامر الأجدار إلى السماوة وأمره أن ~~يأخذ صدقات الناس، وبلغ ذلك عليا فبعث ثلاثة نفر: جعفر بن عبد الله ~~الأشجعي، وعروة بن العشبة والجلاس بن عمير الكلبيين، ليصدقوا من في طاعته ~~من كلب وبكر بن وائل، فوافوا زهيرا فاقتتلوا، فانهزم أصحاب علي وقتل جعفر ~~بن عبد الله ولحق ابن العشبة بعلي، فعنفه وعلاه بالدرة، فغضب ولحق بمعاوية، ~~وكان زهير قد حمل ابن العشبة على فرس فلذلك اتهمه. وأما الجلاس فإنه مر ~~براع فأخذ جبته وأعطاه جبة خز، فأدركته الخيل، فقالوا: أين أخذ هؤلاء ~~الترابيون؟ فأشار إليهم: أخذوا ها هنا، ثم أقبل إلى الكوفة. ### || AUT ذكر ms1151 أمر مسلم بن عقبة بدومة الجندل # وبعث معاوية مسلم بن عقبة المري إلى دومة الجندل، وكان أهلها قد امتنعوا ~~من بيعة علي ومعاوية جميعا، فدعاهم إلى طاعة معاوية وبيعته، فامتنعوا، وبلغ ~~ذلك عليا فسير مالك بن كعب الهمداني في جمع إلى دومة الجندل، فلم يشعر مسلم ~~إلا وقد وافاه مالك، فاقتتلوا يوما ثم انصرف مسلم منهزما وأقام مالك أياما ~~يدعو أهل دومة الجندل إلى البيعة لعلي فلم يفعلوا، قالوا: لا نبايع حتى ~~يجتمع الناس على إمام. فانصرف وتركهم. وفيها توجه الحارث بن مرة العبدي إلى ~~بلاد السند غازيا متطوعا بأمر أمير المؤمنين علي، فغنم وأصاب غنائم وسبيا ~~كثيرا، وقسم في يوم واحد ألف رأس وبقي غازيا إلى أن قتل بأرض القيقان هو ~~ومن معه إلا قليلا سنة اثنتين وأربعين أيام معاوية. ### || AUT ذكر ولاية زياد بن أبيه بلاد فارس # وفي هذه السنة ولى علي زيادا كرمان وفارس. وسبب ذلك أنه لما قتل ابن ~~الحضرمي واختلف الناس على علي طمع أهل فارس وكرمان في كسر الخراج، فطمع أهل ~~كل ناحية وأخرجوا عاملهم، وأخرج أهل فارس سهل بن حنيف، فاستشار علي الناس ~~فقال له جارية بن قدامة: ألا أدلك يا أمير المؤمنين على رجل صلب الرأي عالم ~~بالسياسة كاف لما ولي؟ قال: من هو؟ قال: زياد. فأمر علي ابن عباس أن يولي ~~زيادا، فسيره إليها في جمع كثير، فوطىء بهم أهل فارس، وكانت قد اضطرمت، فلم ~~يزل يبعث إلى رؤويسهم يعد من ينصره ويمنيه ويخوف من امتنع عليه، وضرب بعضهم ~~ببعض، فدل بعضهم على عورة بعض، وهربت طائفة، وأقامت طائفة، فقتل بعضهم ~~بعضا،وصفت له فارس ولم يلق منهم جمعا ولا حربان وفعل مثل ذلك بكرمان. ثم ~~رجع إلى فارس وسكن الناس واستقامت له، ونزل إصطخر، وحصن قلعة تسمى قلعة ~~زياد قريب إصطخر ثم تحصن فيها بعد ذلك منصور اليشكري، فهي تسمى قلعة منصور. ~~وقيل إن ابن عباس أشار بولايته، وقد تقدم ذكره. وفيها مات أبو مسعود ~~الأنصاري البدري، وقيل في أول خلافة ms1152 معاوية، وقيل غير ذلك، ولم يشهد بدرا ~~وإنما قيل له بدري لأنه نزل ماء بدر، وانقرض عقبه. ### | AUT ثم دخلت سنة أربعين # ### || AUT ذكر سرية بسر بن أبي أرطأة # ### || AUT إلى الحجاز واليمن # PageV02P0099 # في هذه السنة بعث معاوية بسر بن أبي أرطاة، وهو من عامر بن لؤي، في ثلاثة ~~آلاف، فسار حتى قدم المدينة، وبها أبو أيوب الأنصاري عامل علي عليها، فهرب ~~أبو أيوب فأتى عليا بالكوفة، ودخل بسر إلى المدينة ولم يقاتله أحد، فصعد ~~منبرها فنادى عليه: يا دينار يا نجار يا زريق! وهذه بطون من الأنصار، شيخي ~~شيخي عهدته ها هنا بالأمس فأين هو؟ يعني عثمان. ثم قال: والله لولا ما عهد ~~إلي معاوية ما تركت بها محتلما إلا قتلته. فأرسل إلى بني سلمة فقال: والله ~~ما لكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بن عبد الله! فانطلق جابر إلى أم سلمة ~~زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال لها: ماذات ترين؟ إن هذه بيعة ضلالة ~~وقد خشيت أن أقتل. قالت: أرى أن تبايع فإني قد أمرت ابني عمر وختني ابن ~~زمعة أن يبايعا، وكانت ابنتها زينب تحت ابن زمعة، فأتاه جابر فبايعه. وهدم ~~بالمدينة دورا ثم سار إلى مكة، فخاف أبو موسى الأشعري أن يقتله فهرب منه، ~~وأكره الناس على البيعة، ثم سار إلى اليمن، وكان عليها عبيد الله ابن عباس ~~عاملا لعلي، فهرب منه إلى علي بالكوفة، واستخلف علي على اليمن عبد الله بن ~~عبد المدان الحارثي، فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه وأخذ ابنين لعبيد الله بن ~~عباس صغيرين هما: عبد الرحمن وقثم فقتلهما، وكانا عند رجل من كنانة ~~بالبادية، فلما أراد قتلهما قال له الكناني: لم تقتل هذين ولا ذنب لهما؟ ~~فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما! فقتله وقتلهما بعده. وقيل إن الكناني أخذ ~~سيفه وقاتل عن الغلامين وهو يقول: الليث من يمنع حافات الدار ... ولا يزال ~~مصلتا دون الجار وقاتل حتى قتل. وأخذ الغلامين فدفنهما. فخرج نسوة من بني ~~كنانة فقالت امرأة منهن: يا هذا! قتلت ms1153 الرجال فعلام تقتل هذين؟ والله ما ~~كانوا يقتلون في الجاهلية والإسلام! والله يا ابن أبي أرطاة إن سلطانا لا ~~يقوم إلا بقتل الصبي الصغير والشيخ الكبير ونزع الرحمة وعقوق الأرحام ~~لسلطان سوء! وقتل بسر في ميسره ذلك جماعة من شيعة علي باليمن، وبلغ عليا ~~الخبر فأرسل جارية بن قدامة السعدي في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين، فسار ~~جارية حتى أتى نجران فقتل بها ناسا من شيعة عثمان، وهرب بسر وأصحابه منه ~~واتبعه جارية حتى أتى مكة فقال: بايعوا أمير المؤمنين. فقالوا: قد هلك فمن ~~نبايع؟ قال: لمن بايع له أصحاب علي. فبايعوا خوفا منه. ثم سار حتى أتى ~~المدينة وأبو هريرة يصلي بالناس، فهرب منه، فقال جارية: لو وجدت أبا سنور ~~لقتلته. ثم قال لأهل المدينة: بايعوا الحسن بن علي، فبايعوه، وأقام يومه، ~~ثم عاد إلى الكوفة ورجع أبو هريرة يصلي بهم. وكانت أم ابني عبيد الله أم ~~الحكم جويرية بنت خويلد بن قارظ، وقيل: عائشة بنت عبد الله بن عبد المدان. ~~فلما قتل ولداها ولهت عليهما، فكانت لا تعقل ولا تصفي ولا تزال تنشدهما في ~~المواسم فتقول: يا من أحس بنيي اللذين هما ... كالدرتين تشظى عنهما الصدف ~~يا من أحس بنيي اللذين هما ... مخ العظام فمخي اليوم مزدهف يا من أحس بنيي ~~اللذين هما ... قلبي وسمعي، فقلبي اليوم مختطف منن ذل والهة حيرى مدلهة ... ~~على صبيين ذلا إذ غدا السلف نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا ... من إفكهم ومن ~~القول الذي اقترفوا أحنى على ودجي إبني مرهفة ... من الشفار، كذاك الإثم ~~يقترف وهي أبيات مشهورة، فلما سمع أمير المؤمنين بقتلهما جزع جزعا شديدا ~~ودعا على بسر فقال: اللهم اسلبه دينه وعقله! فاصابه ذلك وفقد عقله فكان ~~يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه زق منفوخ فلا يزال ~~يضربه، ولم يزل كذلك حتى مات. ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه عبيد الله ~~بن عباس وعنده بسر فقال لبسر: وددت أن الأرض أنبتتني عندك حين قتلت ولدي. ms1154 ~~فقال بسر: هاك سيفي. فأهوى عبيد الله ليتناوله فأخذه معاوية وقال لبسر: ~~أخزاك الله شيخا قد خرفت! والله لو تمكن منه لبدأ بي! قال عبيد الله: أجل، ~~ثم ثنيت به. سلمة، بكسر اللام: بطن من الأنصار. وقيل: إن مسير بسر إلى ~~الحجاز كان سنة اثنتين وأربعين، فأقام بالمدينة شهرا يستعرض الناس لا يقال ~~له عن أحد إنه شرك في دم عثمان إلا قتله. PageV02P0100 # وفيها جرت مهادنة بين علي ومعاوية بعد مكاتبات طويلة على وضع الحرب، ~~ويكون لعلي العراق ولمعاوية الشام لا يدخل أحدهما بلد الآخر بغارة. بسر بضم ~~الباء الموحدة، والسين المهملة. زريق، بالزاي والراء: قبيلة من الأنصار ~~أيضا. وجارية بالجيم والراء. ### || AUT ذكر فراق ابن عباس البصرة # في هذه السنة خرج عبد الله بن عباس من البصرة ولحق بمكة في قول أكثر أهل ~~السير، وقد أنكر ذلك بعضهم وقال: لم يزل عاملا عليها لعلي حتى قتل علي، ~~وشهد صلح الحسن مع معاوية ثم خرج إلى مكة. والأول أصح. وإنما كان الذي شهد ~~صلح الحسن عبيد الله بن عباس. وكان سبب خروجه أنه مر بأبي الأسود فقال: لو ~~كنت من البهائم لكنت جملا، ولو كنت راعيا لما بلغت المرعى. فكتب أبو الأسود ~~إلى علي: أما بعد فإن الله، عز وجل، جعلك واليا مؤتمنا وراعيا مستوليا، وقد ~~بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحا للرعية، توفر لهم فيئهم، وتكف نفسك عن ~~دنياهم، ولا تأكل أموالهم، ولا ترتشي في أحكامهم، وإن ابن عمك قد أكل ما ~~تحت يديه بغير علمك، ولم يسعني كتمانك، رحمك الله، فانظر فيما هناك، واكتب ~~إلي برأيك فيما أحببت، والسلام. فكتب إليه علي: أما بعد فمثلك نصح الإمام ~~والأمة ووالى على الحق، وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبت إلي، ولم أعلمه ~~بكتابك، فلا تدع إعلامي بما يكون بحضرتك مما النظر فيه صلاح للأمة، فإنك ~~بذلك جدير، وهو حق واجب عليك، والسلام. وكتب إلى ابن عباس في ذلك، فكتب ~~إليه ابن عباس، أما بعد فإن الذي بلغك باطل، وإني لما تحت ms1155 يدي لضابط وله ~~حافظ، فلا تصدق الظنين، والسلام. فكتب إليه علي: أما بعد فأعلمني ما أخذت ~~من الجزية ومن أين أخذت وفيما وضعت. فكتب إليه ابن عباس: أما بعد فقد فهمت ~~تعظيمك مرزأة ما بلغك، إني رزأته من أهل هذه البلاد، فباعث إلى عملك من ~~أحببت فإني ظاعن عنه، والسلام. واستدعى أخواله من بني هلال بن عامر، ~~فاجتمعت معه قيس كلها، فحمل مالا وقال: هذه أرزاقنا اجتمعت، فتبعه أهل ~~البصرة، فلحقوه بالطف يريدون أخذ المال، فقالت قيس: والله لا يوصل إلينا ~~وفينا عين تطرف! فقال صبرة بن شيمان الحداني: يا معشر الأزد إن قيسا ~~إخواننا وجيراننا وأعواننا على العدو، وإن الذي يصيبكم من هذا المال لقليل ~~وهو لكم خير من المال. فأطاعوه فانصرفوا وانصرفت معهم بكر وعبد اليس، ~~وقاتلهم بنو تميم، فنهاهم الأحنف، فلم يسمعوا منه، فاعتزلهم وحجز الناس ~~بينهم، ومضى ابن عباس إلى مكة. ### || AUT ذكر مقتل علي بن أبي طالب # ### || AUT ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام # وفي هذه السنة قتل علي في شهر رمضان لسبع عشرة خلت منه، وقيل: لإحدى ~~عشرة، وقيل: لثلاث عشرة بقيت منه، وقيل: في شهر ربيع الآخر سنة أربعين. ~~والأول أصح. قال أنس بن مالك: مرض علي فدخلت عليه وعنده أبو بكر وعمر فجلست ~~عنده، فأتاه النبي، صلى الله عليه وسلم، فنظر في وجهه فقال له أبو بكر ~~وعمر: يا نبي الله ما نراه إلا ميتا. فقال: لن يموت هذا الآن ولن يموت حتى ~~يملأ غيظا ولن يموت إلا مقتولا. وقيل من غير وجه: إن عليا كان يقول: ما ~~يمنع أشاقكم أن يخضب هذه من هذه؟ يعني لحيته من دم رأسه. وقال عثمان بن ~~المغيرة: كان علي لما دخل رمضان يتعشى ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين ~~وليلة عند أبي جعفر لا يزيد على ثلاث لقم، يقول: أحب أن يأتيني أمر الله ~~وأنا خميص، وإنما هي ليلة أو ليلتان، فلم تمض ليلة حتى قتل. وقال الحسن بن ~~كثير عن ms1156 أبيه قال: خرج علي من الفجر فأقبل الإوز يصحن في وجهه فطردوهن عنه، ~~فقال: ذروهن فإنهن نوائح، فضربه ابن ملجم في ليلته. وقال الحسن بن علي يوم ~~قتل علي: خرجت البارحة وأبي يصلي في مسجد داره فقال لي: يا بني إني بت أوقظ ~~أهلي لأنها ليلة الجمعة صبيحة بدر، فملكتني عيناي فنمت فسنح لي رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك من الأود ~~واللدد؟ قال: والأود العوج، واللدد الخصومات - فقال لي: ادع عليهم. فقلت: ~~اللهم أبدلني بهم من هو خير منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني! فجاء ابن ~~النباج فآذنه بالصلاة، فخرج وخرجت خلفه، فضربه ابن ملجم فقتله؛ وكان، كرم ~~الله وجهه، إذا رأى ابن ملجم قال: أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليك ~~من مراد PageV02P0101 # وكان سبب قتله أن عبد الرحمن بن ملجم المرادي والبرك بن عبد الله التميمي ~~الصريمي، وقيل اسم البرك الحجاج، وعمرو بن بكر التميمي السعدي، وهم من ~~الخوارج، اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس وعابوا عمل ولاتهم ثم ذكروا أهل النهر ~~فترحموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم؟ فلو شرينا أنفسنا وقتلنا ~~أئمة الضلالة وأرحنا منهم البلاد! فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم عليا، وكان من ~~أهل مصر. وقال البرك بن عبد الله: أنا أكفيكم معاوية. وقال عمرو بن بكر: ~~أنا أكفيكم عمرو بن العاص. فتعاهدوا أن لا ينكص أحدهم عن صاحبه الذي توجه ~~إليه حتى يقتله أو يموت دونه، وأخذوا سيوفهم فسموها واتعدوا لسبع عشرة من ~~رمضان، وقصد كل رجل منهم الجهة التي يريد؛ فأتى ابن ملجم الكوفة، فلقي ~~أصحابه بالكوفة وكتمهم أمره، ورأى يوما أصحابا له من تيم الرباب، وكان علي ~~قد قتل منهم يوم النهر عدة، فتذاكروا قتلى النهر، ولقي معهم امرأة من تيم ~~الرباب اسمها قطام. وقد قتل أبوها وأخوها يوم النهر، وكانت فائقة الجمال. ~~فلما رآها أخذت قلبه فخطبها. فقالت: لا أتزوجك حتى تشتفي لي. فقال: وما ~~تريدين؟ قالت: ثلاثة آلاف وعبدا وقينة وقتل علي. ms1157 فقال: أما قتل علي فما ~~أراك ذكرته وأنت تريدينني. قالت: بلى، التمس غرته فإن أصبته شفيت نفسك ~~ونفسي ونفعك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وما فيها. ~~قال: والله ما جاء بي إلا قتل علي، فلك ما سألت. قالت: سأطلب لك من يشد ~~ظهرك ويساعدك. وبعثت إلى رجل من قومها اسمه وردان وكلمته، فأجابها، وأتى ~~ابن ملجم رجلا من أشجع اسمه شبيب بن بجرة فقال له: هل لك في شرف الدنيا ~~والآخرة؟ قال: وماذا؟ قال: قتل علي. قال شبيب: ثكلتك أمك! لقد جئت شيئا ~~إدا! كيف تقدر على قتله؟ قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج إلى صلاة الغداة ~~شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا فقد شفينا أنفسنا، وإن قتلنا فما عند الله ~~خير من الدنيا وما فيها. قال: ويحك! لو كان غير علي كان أهون، قد عرفت ~~سابقته وفضله وبلاءه في الإسلام، وما أجدني أنشرح لقتله. قال: أما تعلمه ~~قتل أهل النهر العباد الصالحين؟ قال: بلى. قال: فنقتله بمن قتل من أصحابنا. ~~فأجابه. فلما كان ليلة الجمعة، وهي الليلة التي واعد ابن ملجم أصحابه على ~~قتل علي ومعاوية وعمرو، أخذ سيفه ومعه شبيب ووردان وجلسوا مقابل السدة التي ~~يخرج منها علي للصلاة، فلما خرج علي نادى: أيها الناس الصلاة الصلاة. فضربه ~~شبيب بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب، وضربه ابن ملجم على قرنه بالسيف، ~~وقال: الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك! وهرب وردان فدخل منزله، فأتاه ~~رجل من أهله، فأخبره وردان بما كان، فانصرف عنه وجاء بسيفه فضرب به وردان ~~حتى قتله، وهرب شبيب في الغلس، وصاح الناس، فلحقه رجل من حضرموت يقال له ~~عويمر، وفي يد شبيب السيف، فأخذه وجلس عليه، فلما رأى الحضرمي الناس قد ~~أقبلوا في طلبه وسيف شبيب في يده خشي على نفسه فتركه ونجا، وهرب شبيب في ~~غمار الناس. ولما ضرب ابن ملجم عليا قال: لا يفوتنكم الرجل. فشد الناس عليه ~~فأخذوه، وتأخر علي وقدم جعدة بن هبيرة، وهو ابن ms1158 أخته أم هانىء، يصلي بالناس ~~الغداة، وقال علي: أحضروا الرجل عندي. فأدخل عليه. فقال: أي عدو الله! ألم ~~أحسن إليك؟ قال: بلى. قال: فما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحا ~~وسألت الله أن يقتل به شر خلقه. فقال علي: لا أراك مقتولا به ولا أراك إلا ~~من شر خلق الله. ثم قال: النفس بالنفس، إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن ~~بقيت رأيت فيه رأيي، يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين ~~تقولون قد قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن إلا قاتلي، انظر يا حسن إن أنا ~~مت من ضربتي هذه فاضربه ضربة بضربة ولا تمثلن بالرجل، فإني سمعت رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، يقول: (إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور). هذا كله ~~وابن ملجم مكتوف. فقالت له أم كلثوم ابنة علي: أي عدو الله! لابأس على أبي، ~~والله مخزيك! قال: فعلى من تبكين؟ والله إن سيفي اشتريته بألف، وسممته ~~بألف، ولو كانت هذه الضربة بأهل مصر ما بقي منهم أحد. PageV02P0102 # ودخل جندب بن عبد الله على علي فقال: إن فقدناك، ولا نفقدك، فنبايع ~~الحسن؟ قال: ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر، ثم دعا الحسن والحسين فقال ~~لهما: أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا على شيء ~~زوى عنكما، وقولا الحق، وارحما اليتيم، وأعينا الضائع، واصنعا للآخرة، ~~وكونا للظالم خصيما، وللمظلوم ناصرا، واعملا بما في كتاب الله، ولا تأخذكما ~~في الله لومة لائم. ثم نظر إلى محمد بن الحنفية فقال: هل حفظت ما أوصيت به ~~أخويك؟ قال: نعم. قال: فإني أوصيك بمثله وأوصيك بتوقير أخويك لعظيم حقهما ~~عليك فاتبع أمرهما ولا تقطع أمرا دونهما. ثم قال: أوصيكما به، فإنه شقيقكما ~~وابن أبيكما وقد علمتما أن أباكما كان يحبه. وقال للحسن: أوصيك أي بني ~~بتقوى الله، وإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلها، وحسن الوضوء، ~~فإنه لا صلاة إلا بطهور، وأوصيك بغفر الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، ~~والحلم عن الجاهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الأمر، ms1159 والتعاهد للقرآن، ~~وحسن الجوار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش. ثم كتب ~~وصيته ولم ينطق إلا بلا إله إلا الله، حتى مات، رضي الله عنه وأرضاه. وغسله ~~الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وكبر ~~عليه الحسن سبع تكبيرات. فلما قبض بعث الحسن إلى ابن ملجم فأحضره، فقال ~~للحسن: هل لك في خصلة؟ إني والله قد أعطيت الله عهدا أن لا أعاهد عهدا إلا ~~وفيت به، وإني عاهدت الله عند الحطيم أن اقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما، ~~فإن شئت خليت بيني وبينه فلك الله علي إن لم أقتله أو قتلته ثم بقيت أن ~~آتيك حتى أضع يدي في يدك. فقال له الحسن: لا والله حتى تعاين النار. ثم ~~قدمه فقتله، وأخذه الناس فأدرجوه في بواري وأحرقوه بالنار. قال عمرو بن ~~الأصم: قلت للحسن بن علي: إن هذه الشيعة تزعم أن عليا مبعوث قبل القيامة! ~~فقال: كذب والله هؤلاء الشيعة، لو علمنا أنه مبعوث قبل القيامة ما زوجنا ~~نساءه ولا قسمنا ماله، أما قوله: هذه الشيعة، فلا شك أنه يعني طائفة منها، ~~فإن كل شيعة لا تقول هذا إنما تقوله طائفة يسيرة منهم، ومن مشهوري هذه ~~الطائفة: جابر بن يزيد الجعفي الكوفي، وقد انقرض القائلون بهذه المقاتلة ~~فيما نعلمه. بجرة بفتح الباء والجيم. والبرك بضم الباء الموحدة، وفتح ~~الراء، وآخره كاف. وأما البرك بن عبد الله فإنه قعد لمعاوية في تلك الليلة ~~التي ضرب فيها علي، فلما خرج معاوية ليصلي الغداة شد عليه بالسيف، فوقع ~~السيف في أليته، فأخذ، فقال: إن عندي خبرا أسرك به، فإن أخبرتك فنافعي ذلك ~~عندك؟ قال: نعم. قال: إن أخا لي قد قتل عليا هذه الليلة. قال: فلعله لم ~~يقدر على ذلك. قال: بلى، إن عليا ليس معه أحد يحرسه. فأمر به معاوية فقتل. ~~وبعث معاوية إلى الساعدي، وكان طبيبا، فلما نظر إليه قال: اختر إما أن أحمي ~~حديدة فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك ms1160 الولد وتبرأ منها، ~~فإن ضربتك مسمومة. فقال معاوية: أما النار فلا صبر لي عليها، وأما الولد ~~فإن في يزيد وعبد الله ما تقر به عيني. فسقاه شربة فبرأ ولم يولد له بعدها. ~~وأمر معاوية عند ذلك بالمقصورات وحرس الليل وقيام الشرط على رأسه إذا سجد، ~~وهو أول من عملها في الإسلام. وقيل: إن معاوية لم يقتل البرك وإنما أمر ~~فقطعت يده ورجله وبقي إلى أن ولي زياد البصرة، وكان البرك قد صار إليها ~~وولد له، فقال له زياد: يولد لك وتركت أمير المؤمنين لا يولد له؟ فقتله ~~وصلبه. وأما عمرو بن بكر فإنه جلس لعمرو بن العاص تلك الليلة فلم يخرج، ~~وكان اشتكى بطنه، فأمر خارجة بن أبي حبيبة، وكان صاحب شرطته، وهو من بني ~~عامر بن لؤي، فخرج ليصلي بالناس، فشد عليه وهو يرى أنه عمرو بن العاص، ~~فضربه فقتله، فأخذه الناس إلى عمرو فسلموا عليه بالإمرة. فقال: من هذا؟ ~~قالوا: عمرو. قال: فمن قتلت؟ قالوا: خارجة. قال: أما والله يا فاسق ما ~~ظننته غيرك! فقال عمرو: أردتني وأراد الله خارجة. فقدمه عمرو فقتله. قال: ~~ولما بلغ عائشة قتل علي قالت: فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر ~~عينا بالإياب المسافر ثم قالت: من قتله؟ فقيل: رجل من مراد. فقالت: فإن يك ~~نائيا فلقد نعاه ... نعي ليس في فيه التراب PageV02P0103 # فقالت زينب بنت أبي سلمة: أتقولين هذا لعلي؟ فقالت: إنني أنسى فإذا نسيت ~~فذكروني؛ وقال ابن أبي مياس المرادي: فنحن ضربنا، يا لك الخير، حيدرا ... ~~أبا حسن مأمومة فتفطرا ونحن خلعنا ملكه من نظامه ... بضربة سيف إذ علا ~~وتجبرا ونحن كرام في الصباح أعزة ... إذا المرء بالموت ارتدى وتأزرا وقال ~~أيضا: ولم أر مهرا ساقه ذو سماحة ... كمهر قطام بين عرب ومعجم ثلاثة آلاف ~~وعبد وقينة ... وضرب علي بالحسام المصمم فلا مهر أغلى من علي وإن غلا ... ~~ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم وقال أبو الأسود الدئلي في قتل علي: ألا أبلغ ~~معاوية بن حرب ... فلا قرت عيون ms1161 الشامتينا أفي شهر الصيام فجعتمونا ... ~~بخير الناس طرا أجمعينا قتلتم خير من ركب المطايا ... ورحلها ومن ركب ~~السفينا ومن لبس النعال ومن حذاها ... ومن قرأ المثاني والمبينا إذا ~~استقبلت وجه أبي حسين ... رأيت البدر راع الناظرينا لقد علمت قريش حيث كانت ~~... بأنك خيرها حسبا ودينا وقال بكر بن حسان الباهري: قل لابن ملجم ~~والأقدار غالبة: ... هدمت للدين والإسلام أركانا قتلت أفضل من يمشي على قدم ~~... وأعظم الناس إسلاما وإيمانا وأعلم الناس بالقرآن ثم بما ... سن الرسول ~~لنا شرعا وتبيانا صهر النبي ومولاه وناصره ... أضحت مناقبه نورا وبرهانا ~~وكان منه على رغم الحسود له ... مكان هارون من موسى بن عمرانا ذكرت قاتله ~~والدمع منحدر ... فقلت سبحان رب العرش سبحانا إني لأحسبه ما كان من أنس ... ~~كلا ولكنه قد كان شيطانا قد كان يخبرهم هذا بمقتله ... قبل المنية أزمانا ~~فأزمانا فلا عفا الله عنه سوء فعلته ... ولا سقى قبر عمران بن حطانا يا ~~ضربة من شقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا بل ضربة من غوي ~~أوردته لظى ... وسوف يلقى بها الرحمن غضبانا كأنه لم يرد قصدا بضربته ... ~~إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا ### || AUT ذكر مدة خلافته ومقدار عمره # وقد قال بعضهم: كانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، وكان عمره ثلاثا ~~وستين سنة، وقيل: كان عمره تسعا وخمسين، وقيل: خمسا وستين، وقيل: ثمانيا ~~وخمسين. والأول أصح. ولما قتل دفن عند مسجد الجماعة، وقيل: في القصر، وقيل ~~غير ذلك. والأصح أن قبره هو الموضع الذي يزار ويتبرك به. ### || AUT ذكر نسبه وصفته ونسائه وأولاده # كان آدم شديد الأدمة، ثقيل العينين عظيمهما، ذا بطن، أصلع، عظيم اللحية، ~~كثير شعر الصدر، هو إلى القصر أقرب، وقيل: كان فوق الربعة، وكان ضخم عضلة ~~الذراع، دقيق مستدقها، ضخم عضلة الساق، دقيق مستدقها، وكان من أحسن الناس ~~وجها، ولا يغير شيبه، كثير التبسم. وأما نسبه فهو علي بن أبي طالب، واسم ~~أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، وأما فاطمة بنت أسد ms1162 بن هاشم بن ~~عبد مناف. وهو أول خليفة، أبواه هاشميان، ولم يل الخلافة إلى وقتنا هذا من ~~أبواه هاشميان غيره، وغير الحسن ولده، ومحمد الأمين، فإن أباه هارون الرشيد ~~وأمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور. PageV02P0104 # وأما أزواجه فأول زوجة تزوجها فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~لم يتزوج عليها حتى توفيت عنده، وكان له منها الحسن والحسين، وقد ذكر أنه ~~كان له منها ابن آخر يقال له محسن وأنه توفي صغيرا، وزينب الكبرى، وأم ~~كلثوم الكبرى. ثم تزوج بعدها أم البنين بنت حرام الكلابية، فولدت له العباس ~~وجعفرا وعبد الله وعثمان، قتلوا مع الحسين بالطف ولا بقية لهم غير العباس، ~~وتزوج ليلى بنت مسعود بن خالد النهشلية التميمية، فولدت له عبيد الله وأبا ~~بكر، قتلا مع الحسين، وقيل: إن عبيد الله قتله المختار بالمذار، وقيل: لا ~~بقية لهما. وتزوج أسماء بنت عميس الخثعمية، فولدت له محمدا الأصغر ويحيى، ~~ولا عقب لهما، وقيل: إن محمدا لأم ولد، وقتل مع الحسين، وقيل: إنها ولدت له ~~عونا، وله من الصهباء بنت ربيعة التغلبية، وهي من السبي الذي أغار عليهم ~~خالد بن الوليد بعين التمر، وولدت له عمر بن علي، ورقية بنت علي، فعمر عمر ~~حتى بلغ خمسا وثمانين سنة، فحاز نصف ميراث علي، ومات بينبع. وتزوج علي ~~أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، وأمها زينب بنت ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فولدت له محمدا الأوسط، وله محمد ابن علي ~~الأكبر الذي يقال له ابن الحنفية، أمه خولة بنت جعفر من بني حنيفة. وتزوج ~~علي أيضا أم سعيد ابنة عروة بن مسعود الثقفية، فولدت له أم الحسن ورملة ~~الكبرى، وأم كلثوم، وكان له بنات من أمهات شتى لم يذكرن لنا، منهن أم ~~هانىء، وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الصغرى، وأم كلثوم الصغرى، وفاطمة، ~~وأمامة، وخديجة، وأم الكرام، وأم سلمة، وأم جعفر، وجمانة، ونفيسة، كلهن من ~~أمهات أولاد. وتزوج أيضا مخباة بنت امرىء القيس بن عدي الكلبية، ms1163 فولدت له ~~جارية هلكت صغيرة، كانت تخرج إلى المسجد فيقال لها: من أخوالك؟ فتقول: وه ~~وه، تعني كلبا. فجميع ولده أربعة عشر ذكرا، وسبع عشرة امرأة، وكان النسل ~~منهن للحسن والحسين ومحمد بن الحنفية والعباس بن الكلابية وعمر بن التغلبية. ### || AUT ذكر عماله # وكان عامله على البصرة هذه السنة عبد الله بن عباس، وقد ذكرنا الاختلاف ~~في أمره، وكان إليه الصدقات والجند والمعاون أيام ولايته كلها، وكان على ~~قضائها من قبل علي أبو الأسود الدئلي، وكان على فارس زياد، وقد ذكرنا مسيره ~~إليها، وكان على اليمن عبيد الله بن عباس، حتى كان من أمره وأم بسر بن أبي ~~أرطأة ما ذكر، وكان على الطائف ومكة وما اتصل بذلك قثم ابن عباس، وكان على ~~المدينة أبو أيوب الأنصاري، وقيل: سهل بن حنيف، وكان عند قدوم بسر عليه من ~~أمره ما كان، وذكر. ### || AUT ذكر بعض سيرته # كان أبو رافع مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خازنا لعلي على بيت ~~المال، فدخل علي يوما وقد زينت ابنته، فرأى عليها لؤلؤة كان عرفها لبيت ~~المال فقال: من أين لها هذه؟ لأقطعن يدها! فلما رأى أبو رافع جده في ذلك ~~قال: أنا والله يا أمير المؤمنين زينتها بها. فقال علي: لقد تزوجت بفاطمة ~~وما لي فراش إلا جلد كبش ننام عليه بالليل ونعلف عليه ناضحنا بالنهار وما ~~لي خادم غيرها. قال ابن عباس: قسم علم الناس خمسة أجزاء، فكان لعلي منها ~~أربعة أجزاء ولسائر الناس جزء شاركهم علي فيه فكان أعلمهم به. وقال أحمد بن ~~حنبل: ما جاء لأحد من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، ما جاء لعلي. وقال ~~عمرو بن ميمون: لما ضرب عمر بن الخطاب وجعل الخلافة في الستة من الصحابة، ~~فلما خرجوا من عنده قال: إن يولوها الأجلح يسلك بهم الطريق، فقال له ابنه ~~عبد الله: فما يمنعك يا أمير المؤمنين من توليته؟ قال: أكره أن أتحملها حيا ~~وميتا. وقال عاصم بن كليب عن أبيه: قدم على علي مال ms1164 من أصبهان فقسمه على ~~سبعة أسهم، فوجد فيه رغيفا فقسمه على سبعة، ودعا أمراء الأسباع فأقرع بينهم ~~لينظر أيهم يعطى أولا. وقال هارون بن عنترة عن أبيه: دخلت على علي بالخورنق ~~وهو فصل شتاء وعليه خلق قطيفة وهو يرعد فيه، فقلت: يا أمير المؤمنين إن ~~الله قد جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيبا وأنت تفعل هذا بنفسك؟ فقال: ~~والله ما أرزأكم شيئا وما هي إلا قطيفتي التي أخرجتها من المدينة. ~~PageV02P0105 # وقال يحيى بن سلمة: استعمل علي عمرو بن سلمة على أصبهان فقدم ومعه مال ~~وزقاق فيها عسل وسمن فأرسلت أم كلثوم بنت علي إلى عمرو تطلب منه سمنا ~~وعسلا، فأرسل إليها ظرف عسل وظرف سمن. فلما كان الغد خرج علي وأحضر المال ~~والعسل والسمن ليقسم، فعد الزقاق فنقصت زقين، فسأل عنهما، فكتمه وقال: نحن ~~نحضرهما، فعزم عليه إلا ذكرها له، فأخبره، فأرسل إلى أم كثلوم فأخذ الزقين ~~منها فرآهما قد نقصا فأمر التجار بتقويم ما نقص منهما، فكان ثلاثة دراهم، ~~فأرسل إليها فأخذها منها ثم قسم الجميع. قيل: وخرج من همذان فرأى رجلين ~~يقتتلان ففرق بينها ثم مضى، فسمع صوتا: يا غوثاه بالله! يحضر نحوه وهو ~~يقول: أتاك الغوث. فإذا رجل يلازم رجلا. فقال: يا أمير المؤمنين بعت هذا ~~ثوبا بسبعة دراهم وشرطت أن لا يعطيني مغموزا ولا مقطوعا، وكان شرطهم يومئذ، ~~فأتاني بهذه الدراهم، فأتيت ولزمته فلطمني. فقال للاطم: ما تقول؟ فقال: صدق ~~يا أمير المؤمنين. فقال: أعطه شرطه. فأعطاه. وقال للملطوم: اقتص. قال: أو ~~أعفو يا أمير المؤمنين؟ قال: ذلك إليك. ثم قال: يا معشر المسلمين خذوه، ~~فأخذوه، فحمل على ظهر رجل كما يحمل صبيان الكتاب، ثم ضربه خمس عشرة درة ~~وقال: هذا نكال لما انتهكت من حرمته. ولما قتل، كرم الله وجهه، قام ابنه ~~الحسن خطيبا فقال: لقد قتلتم الليلة رجلا في ليلة نزل فيها القرآن وفيها ~~رفع عيسى وفيها قتل يوشع بن نون، والله ما سبقه أحد كان قبله ولا يدركه أحد ~~يكون بعده، والله ms1165 إن كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يبعثه في السرية ~~وجبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا ~~ثمانمائة أو سبعمائة أرصدها لجارية. وقال سفيان: إن عليا لم يبن آجرة على ~~آجرة، ولا لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، وإن كان ليؤتى بحبوبه من ~~المدينة في جراب. وقيل: إنه أخرج سيفا له إلى السوق فباعه وقال: لو كان ~~عندي أربعة دراهم ثمن إزار لم أبعه. وكان لا يشتري ممن يعرفه، وإذا اشترى ~~قميصا قدر كمه على طول يده وقطع الباقي. وكان يختم على الجراب الذي فيه ~~دقيق الشعير الذي يأكل منه ويقول: لا أحب أن يدخل بطني إلا ما أعلم. وقال ~~الشعبي: وجد علي درعا له عند نصراني فأقبل به إلى شريح وجلس إلى جانبه ~~وقال: لو كان خصمي مسلما لساويته، وقال: هذه درعي! فقال النصراني: ما هي ~~إلا درعي، ولم يكذب أمير المؤمنين؟ فقال شريح لعلي: ألك بنية؟ قال: لا، وهو ~~يضحك، فأخذ النصراني الدرع ومشى يسيرا ثم عاد وقال: أشهد أن هذه أحكام ~~الأنبياء، أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه وقاضيه يقضي عليه. ثم أسلم واعترف ~~أن الدرع سقطت من علي عند مسيره إلى صفين، ففرح علي بإسلامه ووهب له الدرع ~~وفرسا، وشهد معه قتال الخوارج. وقيل: إن عليا رؤي وهو يحمل في ملحفته تمرا ~~قد اشتراه بدرهم، فقيل له: يا أمير المؤمنين ألا نحمله عنك؟ فقال: أبو ~~العيال أحق بحمله. وقال الحسن بن صالح: تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد ~~العزيز، فقال عمر: أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب. وقال المدائني: ~~نظر علي إلى قوم ببابه فقال لقنبر مولاه: من هؤلاء؟ قال: شيعتك يا أمير ~~المؤمنين. قال: وما لي لا أرى فيهم سيما الشيعة؟ قال: وما سيماهم؟ قال: خمص ~~البطون من الطوى، يبس الشفاه من الظمإ، عمش العيون من البكاء. ومناقبه لا ~~تحصى، وقد جمع قضاياه في كتاب مفرد. ### || AUT ذكر بيعة الحسن بن علي # وفي هذه السنة، أعني ms1166 سنة أربعين، بويع الحسن بن علي بعد قتل أبيه. وأول ~~من بايعه قيس بن سعد الأنصاري، وقال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله ~~وسنة نبيه وقتال المحلين. فقال الحسن: على كتاب الله وسنة رسوله فإنهما ~~يأتيان على كل شرط. فبايعه الناس. وكان الحسن يشترط عليهم: إنكم مطيعون ~~تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت. فارتابوا بذلك وقالوا: ما هذا لكم ~~بصاحب وما يريد هذا إلا القتال. ### || AUT ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة المغيرة بن شعبة، وافتعل كتابا على لسان معاوية، ~~فيقال: إنه عرف يوم التروية، ونحر يوم عرفة خوفا أن يفطن لفعله، وقيل: فعل ~~ذلك لأنه بلغه أن عتبة بن أبي سفيان مصبحه واليا على الموسم. PageV02P0106 # وفيها بويع معاوية بالخلافة ببيت المقدس، وكان قبل ذلك يدعى بالأمير في ~~بلاد الشام، فلما قتل علي دعي بأمير المؤمنين، هكذا قال بعضهم، وقد تقدم ~~أنه بويع بالخلافة بعد اجتماع الحكمين، والله أعلم. وكانت خلافة الحسن ستة ~~أشهر. وفيها مات الأشعث بن قيس الكندي بعد قتل علي بأربعين ليلة وصلى عليه ~~الحسن بن علي. وفيها مات حسان بن ثابت وأبو رافع مولى رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، وهما من الصحابة. وفيها مات شرحبيل بن السمط الكندي وهو من ~~أصحاب معاوية، قيل له صحبة، وقيل لا صحبة له. وفي أول خلافة علي مات جهجاه ~~الغفاري له صحبة. وفيها مات الحارث بن خزمة الأنصاري، شهد بدرا وأحدا ~~وغيرهما. وفيها مات خوات بن جبير الأنصاري بالمدينة، وكان قد خرج مع النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، إلى بدر فرجع لعذر فضرب له رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، بسهمه، وهو صاحب ذات النحيين. وفي خلافة علي مات قرظة بن كعب ~~الأنصاري بالكوفة، وقيل: بل مات في إمارة المغيرة على الكوفة لمعاوية، شهد ~~أحدا وغيرها وشهد سائر المشاهد مع علي. ومات معاذ بن عفراء الأنصاري في أول ~~خلافة علي، وهو بدري، شهد المشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم. ~~وفي خلافته مات أبو لبابة ms1167 بن عبد المنذر الأنصاري، وكان نقيبا، شهد بدرا، ~~وقيل: بل استخلفه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على المدينة ورده من طريق ~~بدر وضرب له بسهمه. وفيها توفي معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، له صحبة، قديم ~~الإسلام، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وكان على خاتم النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، وكان مجذوما، واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال، وكان معه ~~الخاتم أيام عثمان، فمن يده وقع الخاتم، وقيل: إنه توفي آخر خلافة عثمان. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وأربعين # ### || AUT ذكر تسليم الحسن بن علي الخلافة إلى معاوية # كان أمير المؤمنين علي قد بايعه أربعون ألفا من عسكره على الموت لما ظهر ~~ما كان يخبرهم به عن أهل الشام، فبينما هو يتجهز للمسير قتل، كرم الله ~~وجهه، وإذا أراد الله أمرا فلا مرد له. فلما قتل وبايع الناس ولده الحسن ~~بلغه مسير معاوية في أهل الشام إليه، فتجهز هو والجيش الذين كانوا بايعوا ~~عليا وسار عن الكوفة إلى لقاء معاوية، وكان قد نزل مسكن، فوصل الحسن إلى ~~المدائن وجعل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري على مقدمته في اثني عشر ألفا، ~~وقيل بل كان الحسن قد جعل على مقدمته عبد الله بن عباس، فجعل عبد الله على ~~مقدمته في الطلائع قيس بن سعد بن عبادة. فلما نزل الحسن المدائن نادى مناد ~~في العسكر: ألا إن قيس بن سعد قتل فانفروا. فنفروا بسرادق الحسن، فنهبوا ~~متاعه حتى نازعوه بساطا كان تحته، فازداد لهم بغضا ومنهم ذعرا ودخل ~~المقصورة البيضاء بالمدائن، وكان الأمير على المدائن سعد بن مسعود الثقفي ~~عم المختار بن أبي عبيد، فقال له المختار، وهو شاب: هل لك في الغنى والشرف. ~~قال: وما ذاك؟ قال: تستوثق من الحسن وتستأمن به إلى معاوية. فقال له عمه: ~~عليك لعنة الله! أثب على ابن بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأوثقه؟ ~~بئس الرجل أنت! فلما رأى الحسن تفرق الأمر عنه كتب إلى معاوية وذكر شروطا ~~وقال له: إن أنت أعطيتني ms1168 هذا فأنا سامع مطيع وعليك أن تفي لي به. وقال ~~لأخيه الحسين وعبد الله بن جعفر: إنني قد راسلت معاوية في الصلح. فقال له ~~الحسين: أنشدك الله أن تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة أبيك! فقال له ~~الحسن: اسكت، أنا أعلم بالأمر منك. فلما انتهى كتاب الحسن إلى معاوية ~~أمسكه، وكان قد أرسل عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد ~~شمس إلى الحسن قبل وصول الكتاب ومعهما صحيفة بيضاء مختوم على أسفلها، وكتب ~~إليه: أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك. فلما أتت ~~الصحيفة إلى الحسن اشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك وأمسكها ~~عنده، فلما سلم الحسن الأمر إلى معاوية طلب أن يعطيه الشروط التي في ~~الصحيفة التي ختم عليها معاوية، فأبى ذلك معاوية وقال له: قد أعطيتك ما كنت ~~تطلب. فلما اصطلحا قام الحسن في أهل العراق فقال: يا أهل العراق إنه سخى ~~بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي. PageV02P0107 # وكان الذي طلب الحسن من معاوية أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة، ومبلغه ~~خمسة آلاف ألف، وخراج دار ابجرد من فارسن وأن لا يشتم عليا، فلم يجبه إلى ~~الكف عن شتم علي، فطلب أن لا يشتم وهو يسمع، فأجابه إلى ذلك ثم لم يف له به ~~أيضا، وأما خراج دار ابجرد فإن أهل البصرة منعوه منه وقالوا: هو فيئنا لا ~~نعطيه أحدا، وكان منعهم بأمر معاوية أيضا. وتسلم معاوية الأمر لخمس بقين من ~~ربيع الأول من هذه السنة، وقيل: في ربيع الآخر، وقيل: في جمادى الأولى، ~~وقيل: إنما سلم الحسن الأمر إلى معاوية لأنه لما راسله معاوية في تسليم ~~الخلافة إليه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: إنا والله ما يثنينا عن ~~أهل الشام شك ولا ندم، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر، فشيبت ~~السلام بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في مسيركم إلى صفين ودينكم أمام ~~دنياكم، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، ألا وقد ms1169 أصبحتم بين قتيلين: ~~قتيل بصفين تبكون له، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره، وأما الباقي فخاذل، ~~وأما الباكي فثائر، ألا وإن معاوية دعانا لأمر ليس فيه عز ولا نصفة، فإن ~~أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله، عز وجل، بظبى السيوف، وإن ~~أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضى. فناداه الناس من كل جانب: البقية ~~البقية! وأمضى الصلح. ولما عزم على تسليم الأمر إلى معاوية خطب الناس فقال: ~~أيها الناس إنما نحن أمراؤكم وضيفانكم ونحن أهل بيت نبيكم الذين أذهب الله ~~عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وكرر ذلك حتى ما بقي في المجلس إلا من بكى حتى ~~سمع نشيجه. فلما ساروا إلى معاوية في الصلح اصطلحا على ما ذكرناه وسلم إليه ~~الحسن الأمر. وكانت خلافة الحسن، على قول من يقول: إنه سلم الأمر في ربيع ~~الأول، خمسة أشهر ونحو نصف شهر، وعلى قول من يقول: في ربيع الآخر، يكون ستة ~~أشهر وشيئا، وعلى قول من يقول: في جمادى الأولى، يكون سبعة أشهر وشيئا، ~~والله تعالى أعلم. ولما اصطلحا وبايع الحسن معاوية دخل معاوية الكوفة ~~وبايعه الناس، وكتب الحسن إلى قيس بن سعد، وهو على مقدمته في اثني عشر ألفا ~~يأمره بالدخول في طاعة معاوية، فقام قيس في الناس فقال: أيها الناس اختاروا ~~الدخول في طاعة إمام ضلالة أو القتال مع غير إمام. فقال بعضهم: بل نختار ~~الدخول في طاعة إمام ضلالة. فبايعوا معاوية أيضا. فانصرف قيس فيمن تبعه، ~~على ما نذكره. ولما دخل معاوية الكوفة قال له عمرو بن العاص ليأمر الحسن أن ~~يقوم فيخطب الناس ليظهر لهم عيه. فخطب معاوية الناس ثم أمر الحسن أن ~~يخطبهم. فقام فحمد الله بديهة ثم قال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا ~~وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دول، وإن الله، عز وجل، ~~قال لنبيه (وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين) الأنبياء: 111. فلما ~~قاله قال له معاوية: اجلس، وحقدها على عمرو وقال: هذا من رأيك. ولحق الحسن ~~بالمدينة وأهل بيته وحشمهم، وجعل الناس ms1170 يبكون عند مسيرهم من الكوفة. قيل ~~للحسن: ما حملك على ما فعلت؟ فقال: كرهت الدنيا ورأيت أهل الكوفة قوما لا ~~يثق بهم أحد أبدا إلا غلب، ليس أحد منهم يوافق آخر في رأي ولا هوى، مختلفين ~~لا نية لهم في خير ولا شر، لقد لقي أبي منهم أمورا عظاما، فليت شعري لمن ~~يصلحون بعدي، وهي أسرع البلاد خرابا! ولما سار الحسن من الكوفة عرض له رجل ~~فقال له: يا مسود وجوه المسلمين! فقال: لا تعذلي فإن رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، رأى في المنام بني أمية ينزون على منبره رجلا فرجلا فساءه ذلك ~~فأنزل الله، عز وجل: (إنا أعطيناك الكوثر: 1، وهو نهر في الجنة، و (إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر) إلى قوله تعالى: (خير من ألف شهر) القدر: 1 - 3، ~~يملكها بعدك بنو أمية. ### || AUT ذكر صلح معاوية وقيس بن سعد # PageV02P0108 # وفيها جرى الصلح بين معاوية وقيس بن سعد، وكان قيس امتنع من ذلك، وسبب ~~امتناعه أن عبيد الله بن عباس لما علم بما يريده الحسن من تسليم الأمر إلى ~~معاوية كتب إلى معاوية يسأله الأمان لنفسه على ما أصاب من مال وغيره، ~~فأجابه إلى ذلك، وأرسل عبد الله بن عامر في جيش كثيف، فخرج إليهم عبيد الله ~~ليلا وترك جنده الذين هو عليهم بغير أمير وفيهم قيس بن سعد، فأمر ذلك الجند ~~عليهم قيس بن سعد وتعاقدوا هو وهم على قتال معاوية حتى يشرط لشيعة علي ولمن ~~كان معه على دمائهم وأموالهم. وقيل: إن قيسا كان هو الأمير على ذلك الجيش ~~في المقدمة، على ما ذكرناه، وكان شديد الكراهة لإمارة معاوية ابن أبي ~~سفيان، فلما بلغه أن الحسن بن علي صالح معاوية اجتمع معه جمع كثير وبايعوه ~~على قتال معاوية حتى يشترط لشيعة علي على دمائهم وأموالهم وما كانوا أصابوا ~~في الفتنة، فراسله معاوية يدعوه إلى طاعته، وأرسل إليه بسجل، وختم على ~~أسفله وقال له: اكتب في هذا ما شئت فهو لك. فقال عمرو لمعاوية: لا تعطه هذا ~~وقاتله. ms1171 فقال معاوية: على رسلك فإنا لا نخلص إلى قتلهم حتى يقتلوا أعدادهم ~~من أهل الشام، فما خير العيش بعد ذلك؟ فإني والله لا أقاتله أبدا حتى لا ~~أجد من قتاله بدا. فلما بعث إليه معاوية ذلك السجل اشترط قيس له ولشيعة علي ~~الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال، ولم يسأل في سجله ذلك مالا، ~~وأعطاه معاوية ما سأل، ودخل قيس ومن معه في طاعته. وكانوا يعدون دهاة الناس ~~حين ثارت الفتنة خمسة يقال إنهم ذوو رأي العرب ومكيدتهم: معاوية، وعمرو، ~~والمغيرة بن شعبة، وقيس بن سعد، وعبد الله بن بديل الخزاعي، وكان قيس وابن ~~بديل مع علي، وكان المغيرة معتزلا بالطائف، ولما استقر الأمر لمعاوية دخل ~~عليه سعد بن أبي وقاص فقال: السلام عليك أيها الملك! فضحك معاوية وقال: ما ~~كان عليك يا أبا إسحاق لو قلت: يا أمير المؤمنين؟ فقال: أتقولها جذلان ~~ضاحكا؟ والله ما أحب أني وليتها بما وليتها به! ### || AUT ذكر خروج الخوارج على معاوية # قد ذكرنا فيما تقدم اعتزال فروة بن نوفل الأشجعي في خمسمائة من الخوارج ~~ومسيرهم إلى شهرزور، وتركوا قتال علي والحسن؛ فلما سلم الحسن الأمر إلى ~~معاوية قالوا: قد جاء الآن ما لا شك فيه، فسيروا إلى معاوية فجاهدوه. ~~فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حتى حلوا بالنخيلة عند الكوفة، وكان الحسن ابن ~~علي قد سار يريد المدينة، فكتب إليه معاوية يدعوه إلى قتال فروة، فلحقه ~~رسوله بالقادسية أو قريبا منها، فلم يرجع وكتب إلى معاوية: لو آثرت أن ~~أقاتل أحدا من أهل القبلة لبدأت بقتالك، فإني تركتك لصلاح الأمة وحقن ~~دمائها. فأرسل إليهم معاوية جمعا من أهل الشام، فقاتلوهم، فانهزم أهل ~~الشام، فقال معاوية لأهل الكوفة: والله لا أمان لكم عندي حتى تكفوهم. فخرج ~~أهل الكوفة فقاتلوهم. فقالت لهم الخوارج: أليس معاوية عدونا وعدوكم؟ دعونا ~~حتى نقاتله، فإن أصبنا كنا قد كفيناكم عدوكم، وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا. ~~فقالوا: لابد لنا من قتالكم. فأخذت أشجع صاحبهم فروة فحادثوه ووعظوه فلم ~~يرجع، فأخذوه ms1172 قهرا وأدخلوه الكوفة، فاستعمل الخوارج عليهم عبد الله بن أبي ~~الحوساء، رجلا من طيء، فقاتلهم أهل الكوفة فقتلوهم في ربيع الأول، وقيل: في ~~ربيع الآخر، وقتل ابن أبي الحوساء، وكان ابن أبي الحوساء حين ولي أمر ~~الخوارج قد خوف من السلطان أن يصلبه، فقال: ما إن أبالي إذا أرواحنا قبضت ~~... ماذا فعلتم بأوصال وأبشار تجري المجرة والنسران عن قدر ... والشمس ~~والقمر الساري بمقدار وقد علمت، وخير القول أنفعه، ... أن السعيد الذي ينجو من النار ### || AUT ذكر خروج حوثرة بن وداع # PageV02P0109 # ولما قتل ابن أبي الحوساء اجتمع الخوارج فولوا أمرهم حوثرة بن وداع ابن ~~مسعود الأسدي، فقام فيهم وعاب فروة بن نوفل لشكه في تقال علي ودعا الخوارج ~~وسار من براز الروز، وكان بها، حتى قدم النخيلة في مائة وخمسين، وانضم إليه ~~فل ابن أبي الحوساء، وهم قليل، فدعا معاوية أبا حوشرة فقال له: اخرج إلى ~~ابنك فلعله يرق إذا رآك. فخرج إليه وكلمه وناشده وقال: ألا أجيئك بابنك ~~فلعلك إذا رأيته كرهت فراقه؟ فقال: أنا إلى طعنة من يد كافر برمح أتقلب فيه ~~ساعة أشوق مني إلى ابني. فرجع أبوه فأخبر معاوية بقوله، فسير معاوية إليهم ~~عبد الله بن عوف الأحمر في ألفين، وخرج أبو حوثرة فيمن خرج فدعا ابنه إلى ~~البراز، فقال: يا أبه لك في غيري سعة. وقاتلهم ابن عوف وصبروا، وبارز حوثرة ~~عبد الله بن عوف فطعنه ابن عوف فقتله وقتل أصحابه إلا خمسين رجلا دخلوا ~~الكوفة، وذلك في جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين. ورأى ابن عوف بوجه حوثرة ~~أثر السجود، وكان صاحب عبادة، فندم على قتله، وقال: قتلت أخا بني أسد سفاها ~~... لعمر أبي فما لقيت رشدي قتلت مصليا محياء ليل ... طويل الحزن ذا بر ~~وقصد قتلت أخا تقى لأنال دنيا ... وذاك لشقوتي وعثار جدي فهب لي توبة يا رب ~~واغفر ... لما قارفت من طإ وعمد ### || AUT ذكر خروج فروة بن نوفل ومقتله # ثم إن فروة بن نوفل الأشجعي خرج على المغيرة بن شعبة بعد مسير ms1173 معاوية، ~~فوجه إليه المغيرة خيلا عليها شبث بن ربعي، ويقال: معقل بن قيس، فلقيه ~~بشهرزور فقتله، وقيل قتل ببعض السواد. ### || AUT ذكر شبيب بن بجرة # كان شبيب مع ابن ملجم حين قتل عليا، فلما دخل معاوية الكوفة أتاه شبيب ~~كالمتقرب إليه فقال: أنا وابن ملجم قتلنا عليا، فوثب معاوية من مجلسه ~~مذعورا حتى دخل منزله وبعث إلى أشجع وقال: لئن رأيت شبيبا أو بلغني أنه ~~ببابي لأهلكنكم، أخرجوه عن بلدكم، وكان شبيب إذا جن عليه الليل خرج فلم يلق ~~أحدا إلا قتله، فلما ولي المغيرة الكوفة خرج عليه بالقف قريب الكوفة، فبعث ~~إليه المغيرة خيلا عليها خالد بن عرفطة، وقيل: معقل ابن قيس، فاقتتلوا فقتل ~~شبيب وأصحابه. ### || AUT ذكر معين الخارجي # وبلغ المغيرة أن معين بن عبد الله يريد الخروج، وهو رجل من محارب، وكان ~~اسمه معنا فصغر، فأرسل إليه، وعنده جماعة، فأخذ وحبس، وبعث المغيرة إلى ~~معاوية يخبره أمره، فكتب إليه: إن شهد أني خليفة فخل سبيله. فأحضره المغيرة ~~وقال له: أتشهد أن معاوية خليفة وأنه أمير المؤمنين؟ فقال: أشهد أن الله، ~~عز وجل، حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، ~~فأمر به فقتل، قتله قبيصة الهلالي، فلما كان أيام بشر بن مروان جلس رجل من ~~الخوارج على باب قبيصة حتى خرج فقتله، ولم يعرف قاتله حتى خرج قاتله مع ~~شبيب بن يزيد، فلما قدم الكوفة قال: يا أعداء الله أنا قاتل قبيصة!. ### || AUT ذكر خروج أبي مريم # ثم خرج أبو مريم مولى بني الحارث بن كعب ومعه امرأتان: قطام وكحيلة، ~~وكان أول من أخرج معه النساء، فعاب ذلك عليه أبو بلال بن أدية، فقال: قد ~~قاتل النساء مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومع المسلمين بالشام، ~~وسأردهما، فردهما، فوجه إليه المغيرة جابرا البجلي، فقاتله فقتل أبو مريم ~~وأصحابه ببادوريا. ### || AUT ذكر خروج أبي ليلى # وكان أبو ليلى رجلا أسود طويلا، فأخذ بعضادتي باب المسجد بالكوفة وفيه ~~عدة من الأشراف وحكم بصوت ms1174 عال، فلم يعرض له أحد، فخرج وتبعه ثلاثون رجلا من ~~الموالي، فبعث فيه المغيرة معقل بن قيس الرياحي فقتله بسواد الكوفة سنة ~~اثنتين وأربعين. ### || AUT ذكر استعمال المغيرة بن شعبة على الكوفة # وفيها استعمل معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص على الكوفة، فأتاه ~~المغيرة ابن شعبة فقال له: استعملت عبد الله على الكوفة وأباه على مصر ~~فتكون أميرا بين نابي الأسد. فعزله عنها واستعمل المغيرة على الكوفة. وبلغ ~~عمرا ما قال المغيرة، فدخل على معاوية فقال: استعملت المغيرة على الخراج ~~فيغتال المال ولا تستطيع أن تأخذه منه، استعمل على الخراج رجلا يخافك ~~ويتقيك. فعزله عن الخراج واستعمله على الصلاة. PageV02P0110 # ولما ولي المغيرة الكوفة استعمل كثير بن شهاب على الري، وكان يكثر سب علي ~~منبر الري، وبقي عليها إلى أن ولي زياد الكوفة، فأقره عليها، وغزا الديلم ~~ومعه عبد الله بن الحجاج التغلبي، وقتل ديلميا وأخذ سلبه، فأخذه منه كثير، ~~فناشده الله في رده عليه فلم يفعل، فاختفى له وضربه على وجهه بالسيف أو ~~بعصا هشم وجهه، فقال: من مبلغ أفناء خندف أنني ... أدركت طائلتي من ابن ~~شهاب أدركته ليلا بعقوة داره ... فضربته قدما على الأنياب هلا خشيت وأنت ~~عاد ظالم ... بقصور أبهر أسرتي وعقابي ### || AUT ذكر ولاية بسر على البصرة # في هذه السنة ولي بسر بن أبي أرطأة البصرة. وكان السبب في ذلك أن الحسن ~~لما صالح معاوية أول سنة إحدى وأربعين وثب حمران بن أبان على البصرة فأخذها ~~وغلب عليها، فبعث إليه معاوية بسر ابن أبي أرطأة وأمره بقتل بني زياد بن ~~أبيه، وكان زياد على فارس قد أرسله إليها علي بن أبي طالب، فلما قدم بسر ~~البصرة خطب على منبرها وشتم عليا ثم قال: نشدت الله رجلا يعلم أني صادق إلا ~~صدقني أو كاذب إلا كذبني. فقال أبو بكرة: اللهم إنا لا نعلمك إلا كاذبا. ~~قال: فأمر به فخنق. فقام أبو لؤلؤة الضبي فرمى بنفسه عليه فمنعه. وأقطعه ~~أبو بكرة مائة جريب، وقيل لأبي بكرة: ما حملك ms1175 على ذلك؟ فقال: يناشدنا بالله ~~ثم لا نصدقه؟ وأرسل معاوية إلى زياد: إن في يدك مالا من مال الله فأد ما ~~عندك منه. فكتب إليه زياد: إنه لم يبق عندي شيء، ولقد صرفت ما كان عندي في ~~وجهه، واستودعت بعضه لنازلة إن نزلت، وحملت ما فضل إلى أمير المؤمنين رحمة ~~الله عليه. فكتب إليه معاوية: أن أقبل ننظر فيما وليت فإن استقام بيننا أمر ~~وإلا رجعت إلى مأمنك. فامتنع، فأخذ بسر أولاد زياد الأكابر، منهم: عبد ~~الرحمن وعبيد الله وعباد، وكتب إلى زياد: لتقدمن على أمير المؤمنين أو ~~لأقتلن بنيك. فكتب إليه زياد: لست بارحا من مكاني حتى يحكم الله بيني وبين ~~صاحبك، وإن قتلت ولدي فالمصير إلى الله ومن ورائنا الحساب، (وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون) الشعراء: 227. فأراد بسر قتلهم فأتاه أبو بكرة ~~فقال: قد أخذت ولد أخي بلا ذنب، وقد صالح الحسن معاوية على ما أصاب أصحاب ~~علي حيث كانوا، فليس لك عليهم ولا على أبيهم سبيل. وأجله أياما حتى يأتيه ~~بكتاب معاوية، فركب أبو بكرة إلى معاوية، وهو بالكوفة، فلما أتاه قال له: ~~يا معاوية إن الناس لم يعطوك بيعتهم على قتل الأطفال! قال: وما ذاك يا أبا ~~بكرة؟ قال: بسر يريد قتل بني أخي زياد. فكتب له بتخليتهم. فأخذ كتابه إلى ~~بسر بالكف عن أولاد زياد، وعاد فوصل البصرة يوم الميعاد، وقد أخرج بسر ~~أولاد زياد مع طلوع الشمس ينتظر بهم الغروب ليقتلهم، واجتمع الناس لذلك وهم ~~ينتظرو أبا بكرة إذ رفع لهم على نجيب أو برذون يكده، فوقف عليه ونزل عنه ~~وألاح بثوبه وكبر وكبر الناس معه، فأقبل يسعى على رجليه فأدرك بسرا قبل أن ~~يقتلهم، فدفع إليه كتاب معاوية، فأطلقهم. وقد كان معاوية كتب إلى زياد حين ~~قتل علي يتهدده، فقام خطيبا فقال: العجب من ابن آكلة الأكباد، وكهف النفاق، ~~ورئيس الأحزاب يتهددني، وبيني وبينه ابنا عم رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، يعني ابن عباس والحسن بن علي، في سبعين ألفا واضعي ms1176 سيوفهم على ~~عواتقهم! أما والله لئن خلص إلي ليجدني أحمز ضرابا بالسيف. فلما صالح الحسن ~~معاوية وقدم معاوية الكوفة تحصن زياد في القلعة التي يقال لها قلعة زياد. ~~قول من قال في هذا: إن زيادا عنى ابن عباس، وهم لأن ابن عباس فارق عليا في ~~حياته. وقيل: إن معاوية أرسل هذا إلى زياد في حياة علي، فقال زياد هذه ~~المقالة وعنى بها عليا. وكتب زياد إلى علي يخبره بما كتب إليه معاوية، ~~فأجابه بما هو مشهور، وقد ذكرناه في استلحاق معاوية زيادا. كل ما في هذا ~~الخبر بسر فهو بضم الباء الموحدة والسين المهملة الساكنة. ### || AUT ذكر ولاية ابن عامر البصرة لمعاوية # PageV02P0111 # ثم أراد معاوية أن يولي عتبة بن أبي سفيان البصرة، فكلمه ابن عامر وقال ~~له: إن لي بالبصرة ودائع وأموالا، فإن لم تولني عليها ذهبت. فولاه البصرة. ~~فقدمها في آخر سنة إحدى وأربعين، وجعل إليه خراسان وسجستان، فجعل على شرطته ~~حبيب بن شهاب، وعلى القضاء عميرة بن يثربي أخا عمرو، وقد تقدم في وقعة ~~الجمل أن عميرة قتل فيها، وقيل عمرو هو المقتول، والله سبحانه أعلم بالصواب. ### || AUT ذكر ولاية قيس بن الهيثم خراسان # وفي السنة استعمل ابن عامر قيس بن الهيثم السلمي عل خراسان، وكان أهل ~~بادغيس وهراة وبوشنج قد نكثوا، فسار إلى بلخ فأخرب نوبهارها، كان الذي تولى ~~ذلك عطاء بن السائب مولى بني ليث، وهو الخشك، وإنما سمي عطاء الخشك لأنه ~~أول من دخل مدينة هراة من المسلمين من باب خشك، واتخذ قناطر على ثلاثة ~~أنهار من بلخ على فرسخ فقيل قناطر عطاء. ثم إن أهل بلخ سألوا الصلح ومراجعة ~~الطاعة فصالحهم قيس. وقيل: إنما صالحهم الربيع بن زياد سنة إحدى وخمسين، ~~وسيرد ذكره. ثم قدم قيس على ابن عامر فضربه وحبسه واستعمل عبد الله بن ~~خازم، فأرسل إليه أهل هراة وباذغيس وبوشنج يطلبون الأمان والصلح، فصالحهم ~~وحمل إلى ابن عامر مالا. عبد الله بن خازم بالخاء المعجمة. ### || AUT ذكر خروج سهم بن غالب # وفي ms1177 هذه السنة خرج سهم بن غالب الهجيمي على ابن عامر في سبعين رجلا، ~~منهم الخطيم الباهلي، وهو يزيد بن مالك، وإنما قيل له الخطيم لضربة ضربها ~~على وجهه، فنزلوا بين الجسرين والبصرة، فمر بهم عبادة بن فرص الليثي من ~~الغزو ومعه ابنه وابن أخيه، فقال لهم الخوارج: من أنتم؟ قالوا: قوم مسلمون. ~~قالوا: كذبتم. قال عبادة: سبحان الله! اقبلوا منا ما قبل رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، مني، فإني كذبته وقاتلته ثم أتيته فأسلمت فقبل ذلك مني. ~~قالوا: أنت كافر، وقتلوه وقتلوا ابنه وابن أخيه. فخرج إليهم ابن عامر بنفسه ~~وقاتلهم فقتل منهم عدة وانحاز بقيتهم إلى أجمة وفيهم سهم والخطيم، فعرض ~~عليهم ابن عامر الأمان فقبلوه، فآمنهم، فرجعوا، فكتب إليه معاوية يأمر ~~بقتلهم، فكتب إليه ابن عامر: إني قد جعلت لهم ذمتك. فلما أتى زياد البصرة ~~سنة خمس وأربعين هرب سهم والخطيم فخرجا إلى الأهواز، فاجتمع إلى سهم جماعة ~~فأقبل بهم إلى البصرة، فأخذ قوما، فقالوا: نحن يهود، فخلاهم، وقتل سعدا ~~مولى قدامة بن مظعون، فلما وصل إلى البصرة تفرق عنه أصحابه، فاختفى سهم، ~~وقيل: إنهم تفرقوا عند استخفائه، فطلب الأمان وظن أنه يسوغ له عند زياد ما ~~ساغ له عند ابن عامر، فلم يؤمنه زياد، وبحث عنه، فدل عليه، فأخذه وقتله ~~وصلبه في داره. وقيل: لم يزل مستخفيا إلى أن مات زياد فأخذه عبيد الله بن ~~زياد فصلبه سنة أربع وخمسين، وقيل: قبل ذلك؛ فقال رجل من الخوارج: فإن تكن ~~الأحزاب باؤوا بصلبه ... فلا يبعدن الله سهم بن غالب وأما الخطيم فإنه سأله ~~زياد عن قتله عبادة فأنكره فسيره إلى البحرين ثم أعاده بعد ذلك. ### || AUT ذكر عدة حوادث # قيل: وفي هذه السنة ولد علي بن عبد الله بن عباس، وقيل: ولد سنة أربعين ~~قبل أن يقتل علي، والأول أصح، وباسم علي سماه، وقال: سميته باسم أحب الناس ~~إلي. وحج بالناس هذه السنة عتبة بن أبي سفيان، وقيل: عنبسة بن أبي سفيان. ~~وفي هذه السنة استعمل عمرو ms1178 بن العاص عقبة بن نافع بن عبد قيس، وهو ابن خالة ~~عمرو، على إفريقية، فانتهى إلى لواتة ومزاتة، فأطاعوا ثم كفروا، فغزاهم من ~~سنته، فقتل وسبى، ثم افتتح في سنة اثنتين وأربعين غدامس، فقتل وسبى، وفتح ~~في سنة ثلاث وأربعين كورا من كور السودان، وافتتح ودان، وهي من برقة، ~~وافتتح عامة بلاد بربر، وهو الذي اختط القيروان سنة خمسين، وسيذكر إن شاء ~~الله تعالى. وفيها مات لبيد بين ربيعة الشاعر: وقيل: مات يوم دخل معاوية ~~الكوفة وعمره مائة سنة وسبع وخمسون سنة، وقيل: مات في خلافة عثمان، وله ~~صحبة، وترك الشعر مذ أسلم. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين # في هذه السنة غزا المسلمون اللان وغزوا الروم أيضا فهزموهم هزيمة منكرة ~~وقتلوا جماعة من بطارقتهم. وفيها ولد الحجاج بن يوسف في قول. وفيها ولى ~~معاوية مروان بن الحكم المدينة، وولى خالد بن العاص بن هشام مكة، فاستقضى ~~مروان عبد الله بن الحارث بن نوفل. PageV02P0112 # وكان على الكوفة المغيرة بن شعبة وعلى قضائها شريح، وعلى البصرة عبد الله ~~بن عامر وعلى قضائها عمرو بن يثربي وعلى خراسان قيس بن الهيثم استعمله ابن ~~عامر، وقيل: استعمله معاوية لما استقامت له الأمور، فلما ولي ابن عامر ~~البصرة أقره عليها. ### || AUT ذكر الخبر عن تحرك الخوارج # وفي هذه السنة تحركت الخوارج الذين كانوا انحازوا عمن قتل في النهر ومن ~~كان ارتث من جراحته في النهر فبرأوا وعفا علي عنهم، وكان سبب خروجهم أن ~~حيان بن ظبيان السلمي كان خارجيا وكان قد ارتث يوم النهر، فلما برأ لحق ~~بالري في رجال معه، فأقاموا بها حتى بلغهم مقتل علي، فدعا أصحابه، وكانوا ~~بضعة عشر، أحدهم سالم بن ربيعة العبسي، فأعلمهم بقتل علي، فقال سالم: لا ~~شلت يمين علت قذاله بالسيف! وحمدوا الله على قتله، رضي الله عنه ولا رضي ~~عنهم - ثم إن سالما رجع عن رأي الخوارج بعد ذلك وصلح - ودعاهم حيان إلى ~~الخروج ومقاتلة أهل القبلة، فأقبلوا إلى الكوفة فأقاموا بها حتى قدمها ~~معاوية، واستعمل ms1179 على الكوفة المغيرة بن شعبة، فأحب العافية وأحسن السيرة، ~~وكان يؤتى فيقال له: إن فلانا يرى رأي الشيعة وفلانا يرى رأي الخوارج، ~~فيقول: قضى الله أن لا يزالوا مختلفين وسيحكم الله بين عباده. فأمنه الناس. ~~وكانت الخوارج يلقى بعضهم بعضا ويتذاكرون مكان إخوانهم بالنهر، فاجتمعوا ~~على ثلاثة نفر: على المستورد بن علفة التيمي من تيم الرباب، وعلى معاذ بن ~~جوين الطائي وهو ابن عم زيد بن حصين الذي قتل يوم النهر، وعلى حيان بن ~~ظبيان السلمي، واجتمعوا في أربعمائة فتشاوروا فيمن يولون عليهم، فكلهم دفع ~~الإمارة عن نفسه، ثم اتفقوا فولوا المستورد وبايعوه، وذلك في جمادى الآخرة، ~~واتعدوا للخروج واستعدوا، وكان خروجهم غرة شعبان سنة ثلاث وأربعين. علفة ~~بضم العين المهملة، وتشديد اللام المكسورة، وفتح الفاء. ### || AUT ذكر قدوم زياد على معاوية # وفي هذه السنة قدم زياد على معاوية من فارس. وكان سبب ذلك أن زيادا كان ~~قد استودع ماله عبد الرحمن بن أبي بكرة، وكان عبد الرحمن يلي ماله بالبصرة، ~~وبلغ معاوية ذلك فبعث المغيرة بن شعبة لينظر في أموال زياد، فأخذ عبد ~~الرحمن فقال له: إن كان أبوك قد أساء إلي لقد أحسن عمك، يعني زيادا. وكتب ~~إلى معاوية: إني لم أجد في يد عبد الرحمن مالا يحل لي أخذه. فكتب إليه ~~معاوية: أن عذب عبد الرحمن، فأراد أن يعذر، وبلغ ذلك معاوية فقال لعبد ~~الرحمن: احفظ بما في يديك. وألقى على وجهه حريرة ونضحها بالماء، فغشي عليه، ~~ففعل ذلك ثلاث مرات ثم خلاه وكتب إلى معاوية: إني عذبته فلم أصب عنده شيئا. ~~وحفظ لزياد يده عنده. ثم دخل المغيرة على معاوية، فقال معاوية حين رآه: ~~إنما موضع سر المرء إن ... باح بالسر أخوه المنتصح فإذا بحت بسر فإلى ... ~~ناصح يستره أو لا تبح فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين إن تستودعني تستودع ~~ناصحا مشفقا، وما ذلك؟ قال له معاوية: ذكرت زيادا واعتصامه بفارس فلم أنم ~~ليلتي. فقال المغيرة: ما زياد هناك؟ فقال معاوية: داهية العرب معه أموال ~~فارس ms1180 يدبر الحيل، ما يؤمنني أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت، فإذا هو قد ~~أعاد علي الحرب جذعة، فقال المغيرة: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إتيانه؟ ~~قال: نعم، فأته وتلطف له. فأتاه المغيرة وقال له: إن معاوية استخفه الوجل ~~حتى بعثني إليك ولم يكن أحد يمد يده إلى هذا الأمر غير الحسن وقد بايع، فخذ ~~لنفسك قبل التوطين فيستغني معاوية عنك. قال: أشر علي وارم الغرض الأقصى، ~~فإن المستشار مؤتمن. فقال له المغيرة: أرى أن تصل حبلك بحبله وتشخص إليه ~~ويقضي الله. وكتب إليه معاوية بأمانه بعد عود المغيرة عنه. فخرج زياد من ~~فارس نحو معاوية ومعه المنجاب بن راشد الضبي وحارثة بن بدر الغداني. ~~PageV02P0113 # وسرح عبد الله بن عامر عبد الله بن خازم في جماعة إلى فارس وقال: لعلك ~~تلقى زيادا في طريقك فتأخذه. فسار بن خازم، فلقي زيادا بأرجان، فأخذ بعنانه ~~وقال: انزل يا زياد. فقال: له المنجاب: تنح يا ابن السوداء وإلا علقت يدك ~~بالعنان. وكانت بينهم منازعة. فقال له زياد: قد أتاني كتاب معاوية وأمانه. ~~فتركه ابن خازم، وقدم زياد على معاوية، وسأله عن أموال فارس، فأخبره بما ~~حمل منها إلى علي وبما أنفق منها في الوجوه التي تحتاج إلى النفقة وما بقي ~~عنده وأنه مودع للمسلمين، فصدقه معاوية فيما أنفق وفيما بقي عنده وقبضه ~~منه. وقيل: إن زيادا لما قال لمعاوية قد بقيت بقية من المال وقد أودعتها، ~~مكث معاوية يردده، فكتب زياد كتبا إلى قوم أودعهم المال وقال لهم: قد علمتم ~~ما لي عندكم من الأمانة فتدبروا كتاب الله: (إنا عرضنا الأمانة على السموات ~~والأرض والجبال) الأحزاب: 72 الآية؛ فاحتفظوا بما قبلكم. وسمى في الكتب ~~المال الذي أقر به لمعاوية، وأمر رسوله أن يتعرض لبعض من يبلغ ذلك معاوية. ~~ففعل رسوله، وانتشر ذلك، فقال معاوية لزياد حين وقف على الكتب: أخاف أن ~~تكون مكرت بي فصالحني على ما شئت. فصالحه على شيء وحمله إليه، ومبلغه: ألف ~~ألف درهم. واستأذنه في نزول الكوفة، فأذن ms1181 له، فكان المغيرة يكرمه ويعظمه. ~~فكتب معاوية إلى المغيرة ليلزم زيادا وحجر بن عدي وسليمان بن صرد وشبث بن ~~ربعي وابن الكوا بن الحمق بالصلاة في الجماعة، فكانوا يحضرون معه الصلاة. ~~وإنما ألزمهم بذلك لأنهم كانوا من شيعة علي. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج هذه السنة بالناس عنبسة بن أبي سفيان. وفيها مات حبيب بن مسلمة ~~الفهري بأرمينية، وكان أميرا لمعاوية عليها، وكان قد شهد معه حروبه كلها. ~~وفيها مات عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، له صحبة. وفيها مات ركانة بن ~~عبد يزيد بن هاشم بن المطلب، وهو الذي صارع النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~وصفوان بن أمية بن خلف الجمحي، وله صحبة. وفيها مات هانىء بن نيار بن عمرو ~~الأنصاري، وهو خال البراء بن عازب، وقيل: سنة خمس وأربعين، وكان بدريا ~~عقبيا. نيار بكسر النون، وفتح الياء تحتها نقطتاه، وآخره راء. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين # في هذه السنة غزا بسر بن أبي أرطأة الروم وشتا بأرضهم حتى بلغ ~~القسطنطينية فيما زعم الواقدي، وأنكر ذلك قوم من أهل الأخبار وقالوا: لم ~~يشت بسر بأرض الروم قط. وفيها مات عمرو بن العاص بمصر يوم الفطر، وكان عمل ~~عليها لعمر أربع سنين، ولعثمان أربع سنين إلا شهرين، ولمعاوية سنتين إلا ~~شهرا. وفيها ولى معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص مصر فوليها نحوا من ~~سنتين. وفيها مات محمد بن مسلمة بالمدينة في صفر، وصلى عليه مروان بن ~~الحكم، وعمره سبع وسبعون سنة. ### || AUT ذكر مقتل المستورد الخارجي # وفيها قتل المستورد بن علفة التيمي تيم الرباب، وقد ذكر سنة اثنتين ~~وأربعين: تحرك الخوارج وبيعتهم له ومخاطبته بأمير المؤمنين. فلما كان هذه ~~السنة أخبر المغيرة بن شعبة بأنهم اجتمعوا في منزل حيان ابن ظبيان السلمي ~~واتعدوا للخروج غرة شعبان، فأرسل المغيرة صاحب شرطته، وهو قبيصة بن الدمون، ~~فأحاط بدار حيان هو ومن معه، وإذا عنده معاذ بن جوين ونحو عشرين رجلا، ~~وثارت امرأته، وهي أم ولد كانت له كارهة، فأخذت ms1182 سيوفهم فألقتها تحت الفراش، ~~وقاموا ليأخذوا سيوفهم فلم يجدوها فاستسلموا، فانطلق بهم إلى المغيرة ~~فحبسهم بعد أن قررهم فلم يعترفوا بشيء، وذكروا أنهم اجتمعوا لقراءة القرآن، ~~ولم يزالوا في السجن نحو سنة، وسمع إخوانهم فحذروا، وخرج صاحبهم المستورد ~~فنزل الحيرة، واختلف الخوارج إليه، فرآهم حجار بن أبجر، فسألوه أن يكتم ~~عليهم ليلتهم تلك، فقال لهم: سأكتم عليكم الدهر، فخافوه أن يذكر حالهم ~~للمغيرة، فتحولوا إلى دار سليم بن محدوج العبدي، وكان صهرا للمستورد، ولم ~~يذكر حجار من أخبارهم شيئا. PageV02P0114 # وبلغ المغيرة خبرهم وأنهم عازمون على الخروج تلك الأيام، فقام في الناس ~~فحمد الله ثم قال: لقد علمتم أني لم أزل أحب لجماعتهم العافية وأكف عنكم ~~الأذى، وخشيت أن يكون ذلك أدب سوء لسفهائكم، وقد خشيت أن لا نجد بدا من أن ~~يؤخذ الحليم التقي بذنب الجاهل السفيه، فكفوا عنها سفهاءكم قبل أن يشمل ~~البلاء عوامكم، وقد بلغنا أن رجالا يريدون أن يظهروا في المصر بالشقاق ~~والنفاق والخلاف، وايم الله لا يخرجون في حي من أحياء العرب إلا أهلكتهم ~~وجعلتهم نكالا لمن بعدهم!. فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال: أيها ~~الأمير اعلمنا بهؤلاء القوم، فإن كانوا منا كفيناكهم، وإن كانوا غيرنا أمرت ~~أهل الطاعة فأتاك كل قبيلة بسفهائهم. فقال: ما سمي لي أحد باسمه. فقال ~~معقل: أنا أكفيك قومي فليكفك كل رئيس قومه. فأحضر المغيرة الرؤساء وقال ~~لهم: ليكفني كل رجل منكم قومه وإلا فوالله لا تحولن عما تعرفون إلى ما ~~تنكرون، وعما تحبون إلى ما تكرهون. فرجعوا إلى قومهم فناشدوهم الله ~~والإسلام إلا دلوهم على كل من يريد أن يهيج الفتنة، وجاء صعصعة بن صوحان ~~إلى عبد القيس، وكان قد علم بمنزل حيان في دار سليم، ولكنه كره أن يؤخذ من ~~عشيرته على فراقه لأهل الشام وبغضه لرأيهم، وكره مساءة أهل بيت من قومه، ~~فقام فيهم فقال: أيها الناس، إن الله، وله الحمد، لما قسم الفضل خصكم بأحسن ~~القسم فأجبتم إلى دين الله الذي اختاره لنفسه وارتضاه لملائكته ورسله، ms1183 ثم ~~أقمتم حتى قبض الله رسوله، صلى الله عليه وسلم، ثم اختلف الناس بعده فثبتت ~~طائفة وارتدت طائفة وأدهنت طائفة وتربصت طائفة، فلزمتم دين الله إيمانا به ~~وبرسوله وقاتلتم المرتدين حتى قام الدين وأهلك الله الظالمين، ولم يزل الله ~~يزيدكم بذلك خيرا حتى اختلفت الأمة بينها فقالت طائفة: نريد طلحة والزبير ~~وعائشة، وقالت طائفة: نريد أهل المغرب، وقالت طائفة: نريد عبد الله بن وهب ~~الراسبي، وقلتم أنتم: لا نريد إلا أهل بيت نبينا الذين ابتدأنا الله، عز ~~وجل، من قبلهم بالكرامة تسديدا من الله، عز وجل، لكم وتوفيقا، فلم تزالوا ~~على الحق لازمين له آخذين به حتى أهلك الله بكم وبمن كان على مثل هديكم ~~الناكثين يوم الجمل، والمارقين يوم النهر؛ وسكت عن ذكر أهل الشام لأن ~~السلطان لهم؛ فلا قوم أعدى لله ولكم ولأهل بيت نبيكم من هذه المارقة ~~الخاطئة الذين فارقوا إمامنا واستحلوا دماءنا وشهدوا علينا بالكفر، فإياكم ~~أن تؤووهم في دوركم أو تكتموا عليهم شيئا، فإنه لا ينبغي لحي من أحياء ~~العرب أن يكون أعدى لهذه المارقة منكم، وقد ذكر لي أن بعضهم في جانب من ~~الحي، وأنا باحث عن ذلك، فإن يك حقا تقربت إلى الله بدمائهم، فإن دماءهم ~~حلال! وقال: يا معشر عبد القيس إن ولاتنا هؤلاء أعرف شيء بكم وبرأيكم، فلا ~~تجعلوا لهم عليكم سبيلا، فإنهم أسرع شيء إليكم وإلى مثلكم. ثم جلس وكل قوم ~~قال: لعنهم الله وبرىء منهم، لا نؤويهم، ولئن علمنا بمكانهم لنطلعنك عليهم، ~~غير سليم بن محدوج فإنه لم يقل شيئا ورجع كئيبا يكره أن يخرج أصحابه من ~~داره فيلوموه، ويكره أن يؤخذوا في داره فيهلكوا ويهلك معهم. وجاء أصحاب ~~المستورد إليه فأعلموه بما قام به المغيرة في الناس وبما قام به رؤوسهم ~~فيهم. فسأل ابن محدوج عما قام به صعصعة في عبد القيس فأخبره، وقال: كرهت أن ~~أعلمكم فتظنوا أنه ثقل علي مكانكم. فقال له: قد أكرمت المثوى وأحسنت، ونحن ~~مرتحلون عنك. وبلغ الخبر الذين في محبس المغيرة من ms1184 الخوارج فقال معاذ بن ~~جوين بن حصين في ذلك: ألا أيها الشارون قد حان لامرىء ... شرى نفسه لله أن ~~يترحلا أقمتم بدار الخاطئين جهالة ... وكل امرىء منكم يصاد ليقتلا فشدوا ~~على القوم العداة فإنما ... أقامتكم للذبح رأيا مضللا ألا فاقصدوا يا قوم ~~للغاية التي ... إذا ذكرت كانت أبر وأعدلا فيا ليتني فيكم على ظهر سابح ... ~~شديد القصيرى دارعا غير أعزلا ويا ليتني فيكم أعادي عدوكم ... فيسقيني كأس ~~المنية أولا يعز علي أن تخافوا وتطردوا ... ولما أجرد في المحلين منصلا ~~ولما يفرق جمعهم كل ماجد ... إذا قلت قد ولى وأدبر أقبلا PageV02P0115 # مشيحا بنصل السيف في حمس الوغى ... يرى الصبر في بعض المواطن أمثلا وعز ~~علي أن تصابوا وتنقصوا ... وأصبح ذا بث أسيرا مكبلا ولو أنني فيكم وقد ~~قصدوا لكم ... أثرت إذا بين الفريقين قسطلا فيا رب جمع قد فللت وغارة ... ~~شهدت وقرن قد تركت مجدلا وأرسل المستورد إلى أصحابه فقال لهم: اخرجوا من ~~هذه القبيلة، واتعدوا سوراء. فخرجوا إليها متقطعين، فاجتمعوا بها ثلاثمائة ~~رجل وساروا إلى الصراة، فسمع المغيرة بن شعبة خبرهم فدعا رؤساء الناس ~~فاستشارهم فيمن يرسله إليهم، فقال له عدي بن حاتم: كلنا لهم عدو ولرأيهم ~~مبغض وبطاعتك مستمسك، فأينا شئت سار إليهم. وقال له معقل بن قيس: إنك لا ~~تبعث إليهم أحدا ممن ترى حولك إلا رأيته سامعا مطيعا ولهم مفارقا ولهلاكهم ~~محبا، ولا أرى أن تبعث إليهم أحدا من الناس أعدى لهم مني، فابعثني إليهم، ~~فأنا أكفيكهم بإذن الله تعالى. فقال: اخرج على اسم الله! فجهز معه ثلاثة ~~آلاف. وقال المغيرة لصاحب شرطته: الصق بمعقل شيعة علي فإنه كان من رؤساء ~~أصحابه، فإذا اجتمعوا استأنس بعضهم ببعض وهم أشد استحلالا لدماء هذه ~~المارقة وأجرأ عليهم من غيرهم، فقد قاتلوهم قبل هذه المرة. وقال له صعصعة ~~بن صوحان نحوا من قول معقل. فقال له المغيرة: اجلس فإنما أنت خطيب. فأحفظه ~~ذلك. وإنما قال له ذلك لأنه بلغه أنه يعيب عثمان بن عفان ويكثر ذكر علي ~~ويفضله، وكان المغيرة ms1185 دعاه وقال له: إياك أن يبلغني عنك أنك تعيب عثمان، ~~وإياك أن يبلغني أنك تظهر شيئا من فضل علي، فأنا أعلم بذلك منك، ولكن هذا ~~السلطان قد ظهر وقد أخذنا بإظهار عيبه للناس فنحن ندع شيئا كثيرا مما أمرنا ~~به ونذكر الشيء الذي لا نجد منه بدا ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا، فإن ~~كنت ذاكرا فضله فاذكره بينك وبين أصحابك في منازلكم سرا، وأما علانية في ~~المسجد فإن هذا لا يحتمله الخليفة لنا. فكان يقول له: نعم، ثم يبلغه عنه ~~أنه فعل ذلك، فحقد عليه المغيرة فأجابه بهذا الجواب، فقال له صعصعة: وما ~~أنا إلا خطيب فقط! قال: أجل. فقال: والله إني للخطيب الصليب الرئيس، أما ~~والله لو شهدتني يوم الجمل حيث اختلفت القنا فشؤون القنا فشؤون تفرى وهامة ~~تختلى لعلمت أني الليث النهد. فقال: حسبك لعمري لقد أوتيت لسانا فصيحا. ~~وخرج معقل ومعه ثلاثة آلاف فارس نقاوة الشيعة وسار إلى سوراء ولحقه أصحابه. ~~وأما الخوارج فإنهم ساروا إلى بهر سير وأرادوا العبور إلى المدينة العتيقة ~~التي فيها منازل كسرى، فمنعهم سماك بن عبيد الأزدي العبسي، وكان عاملا ~~عليها، فكتب إليه المستورد يدعوه إلى البراءة من عثمان وعلي وأن يتولاه ~~وأصحابه. فقال سماك: بئس الشيخ أنا إذا! وأعاد الجواب على المستورد يدعوه ~~إلى الجماعة وأن يأخذ له الأمان، فلم يجب وأقام بالمدائن ثلاثة أيام، ثم ~~بلغه مسير معقل إليهم فجمعهم المستورد وقال لهم: إن المغيرة قد بعث إليكم ~~معقل بن قيس وهو من السبئية المفترين الكاذبين، فأشيروا علي برأيكم. فقال ~~بعضهم: خرجنا نريد الله والجهاد وقد جاؤونا فأين نذهب بل نقيم حتى يحكم ~~الله بيننا. وقال بعضهم: بل نتنحى ندعو الناس ونحتج عليهم بالدعاء. فقال ~~لهم: لا أرى أن نقيم حتى يأتونا وهم مستريحون، بل أرى أن نسير بين أيديهم ~~فيخرجوا في طلبنا فينقطعوا ويتبددوا فنلقاهم على تلك الحال. فساروا فعبروا ~~بجرجرايا ومضوا إلى أرض جوخى ثم بلغوا المذار فأقاموا بها. وبلغ ابن عامر ~~بالبصرة خبرهم فسأل كيف صنع ms1186 المغيرة فأخبر بفعله، فاستدعى شريك بن الأعور ~~الحارثي، وكان من شيعة علي، فقال له: اخرج إلى هذه المارقة. ففعل. وانتخب ~~معه ثلاثة آلاف فارس من الشيعة، وكان أكثرهم من ربيعة، وسار بهم إلى ~~المذار. PageV02P0116 # وأما معقل بن قيس فسار إلى المدائن حتى بلغها، فبلغه رحيلهم فشق ذلك على ~~الناس، فقال لهم معقل: إنهم ساروا لتتبعوهم وتتبددوا وتنقطعوا فتلحقوهم وقد ~~تعبتم، وإنه لا يصيبكم شيء من ذلك إلا وقد أصابهم مثل ذلك. وسار في آثارهم ~~وقدم بين يديه أبا الرواغ الشاكري في ثلاثمائة فارس، فتبعهم أبو الرواغ حتى ~~لحقهم بالمذار، فاستشار أصحابه في قتالهم قبل قدوم معقل، فقال بعضهم: لا ~~تفعل، وقال بعضهم: بل نقاتلهم. فقال لهم: إن معقلا أمرني أن لا أقاتلهم. ~~فقالوا له: ينبغي أن تكون قريبا منه حتى يأتي معقل، وكان ذلك عند المساء. ~~فباتوا يتحارسون حتى أصبحوا، فلما ارتفع النهار خرجت الخوارج إليهم، وكانوا ~~أيضا ثلاثمائة، وحملوا عليهم، فانهزم أصحاب أبي الرواغ ساعة ثم صاح بهم أبو ~~الرواغ: الكرة الكرة! وحمل ومعه أصحابه، فلما دنوا من الخوارج عادوا ~~منهزمين، إلا أنهم لم يقتل منهم أحد، فصاح بهم أبو الرواغ أيضا: ثكلتككم ~~أمهاتكم! ارجعوا بنا نكن قريبا منهم لا نفارقهم حتى يقدم علينا أميرنا، وما ~~أقبح بنا أن نرجع إلى الجيش منهزمين من عدونا! فقال له بعض أصحابه: إن الله ~~لا يستحي من الحق، قد والله هزمونا. فقال له: لا أكثر الله فينا مثلك، إنا ~~ما لم نفارق العركة فلم نهزم، ومتى عطفنا عليهم وكنا قريبا منهم فنحن على ~~حال حسنة، فقفوا قريبا منهم فإن أتوكم وعجزتم عنهم فتأخروا قليلا، فإذا ~~حملوا عليكم وعجزتم عن قتالهم فانحازوا على حامية، فإذا رجعوا عنكم فاعطفوا ~~عليهم وكونوا قريبا منهم، فإن الجيش يأتيكم عن ساعة. فجعلت الخوارج كلما ~~حملت عليهم انحازوا عنهم، فإذا عاد الخوراج رجع أبو الرواغ في آثارهم، فلم ~~يزالوا كذلك إلى وقت الظهر، فنزل الطائفتان يصلون ثم أقاموا إلى العصر، ~~وكان أهل القرى والسيارة قد أخبروا معقلا بالتقاء ms1187 الخوارج وأصحابه، وأن ~~الخوارج تطرد أصحابه بين أيديهم، فإذا رجعوا عاد أصحابه خلفهم. فقال معقل: ~~إن كان ظني في أبي الرواغ صادقا لا يأتيكم منهزما أبدا. ثم أسرع السير في ~~سبعمائة من أهل القوة واستخلف محرز بن شهاب التميمي على ضعفة الناس، فلما ~~أشرفوا على أبي الرواغ قال لأصحابه: هذه غبرة فتقدموا بنا إلى عدونا حتى لا ~~يرانا أصحابنا، إنا تنحينا عنهم وهبناهم. فتقدم حتى وقف مقابل الخوارج ~~ولحقهم معقل، فلما دنا منهم غربت الشمس فصلى بأصحابه وصلى أبو الرواغ ~~بأصحابه وصلى الخوارج أيضا، وقال أبو الرواغ لمعقل: إن لهم شدات منكرات فلا ~~تلها بنفسك ولكن قف وراء الناس تكون ردءا لهم. فقال: نعم ما رأيت. فبينا هو ~~يخاطبه حملت الخوارج عليهم فانهزم عامة أصحاب معقل وثبت هو، فنزل إلى الأرض ~~ومعه أبو الرواغ في نحو مائتي رجل، فلما غشيهم المستورد استقبلوه بالرماح ~~والسيوف، فانهزمت خيل معقل ساعة، ثم ناداهم مسكين بن عامر، وكان شجاعا: أين ~~الفرار وقد نزل أميركم، ألا تستحيون؟ ثم رجع ورجعت معه خيل عظيمة ومعقل بن ~~قيس يقاتل الخوارج بمن معه، فلم يزل يقاتلهم حتى ردهم إلى البيوت، ثم لم ~~يلبثوا إلا قليلا حتى جاءهم محرز بن شهاب فيمن معه، فجعلهم معقل ميمنة ~~وميسرة وقال لهم: لا تبرحوا حتى تصبحوا ونثور إليهم. ووقف الناس بعضهم ~~مقابل بعض، فبينما هم متواقفون أتى الخوارج عين لهم فأخبرهم أن شريك بن ~~الأعور قد أقبل إليهم من البصرة في ثلاثة آلاف. فقال المستورد لأصحابه: لا ~~أرى أن نقيم لهؤلاء جميعا، ولكني أرى أن نرجع إلى الوجه الذي جئنا منه، فإن ~~أهل البصرة لا يتبعوننا إلى أرض الكوفة فيهون علينا قتال أهل الكوفة. ثم ~~أمرهم بالنزول يريحوا دوابهم ساعة، ففعلوا، ثم دخلوا القرية وأخذوا منها من ~~دلهم على الطريق الذي أقبلوا منه وعادوا راجعين. PageV02P0117 # وأما معقل فإنه بعث من يأتيه بخبرهم حين لم ير سوادهم، فعاد إليه بالخبر ~~أنهم قد ساروا، فخاف أن تكون مكيدة وخاف البيات فاحتاط هو وأصحابه وتحارسوا ms1188 ~~إلى الصباح، فلما أصبحوا أتاهم من أخبرهم بمسيرهم، وجاء شريك ابن الأعور ~~فيمن معه فلقي معقلا فتساءلا ساعة وأخبره معقل بخبرهم، فدعا شريك أصحابه ~~إلى المسير مع معقل، فلم يجيبوه، فاعتذر إلى معقل بخلاف أصحابه، وكان صديقا ~~له يجمعهما رأي الشيعة، ودعا معقل أبا الرواغ وأمره باتباعهم، فقال له: ~~زدني مثل الذين كانوا معي ليكون أقوى لي إن أرادوا مناجزتي. فبعث معه ~~ستمائة فارس، فساروا سراعا حتى أدركوا الخوارج بجرجرايا وقد نزلوا فنزل بهم ~~أبو الرواغ مع طلوع الشمس، فلما رأوهم قالوا: إن قتال هؤلاء أيسر من قتال ~~من يأتي بعدهم، فحملوا على أبي الرواغ وأصحابه حملة صادقة، فانهزم أصحابه ~~وثبت في مائة فارس، فقاتلهم طويلا وهو يقول: إن الفتى كل الفتى من لم يهل ~~... إذا الجبان حاد عن وقع الأسل قد علمت أني إذا البأس نزل ... أروع يوم ~~الهيج مقدام بطل ثم عطف أصحابه من كل جانب فصدقوهم القتال حتى أعادوهم إلى ~~مكانهم، فلما رأى المستورد ذلك علم أنهم إن أتاهم معقل ومن معه هلكوا، فمضى ~~هو وأصحابه فعبروا دجلة ووقفوا في أرض بهرسير وتبعهم أبو الرواغ حتى نزل ~~بهم بساباط، فلما نزل بهم قال المستورد لأصحابه: إن هؤلاء هم حماة أصحاب ~~معقل وفرسانه، ولو علمت أني أسبقهم إليه بساعة لسرت إليه فواقعته. ثم أمر ~~من يسأل عن معقل، فسألوا بعض من على الطريق فأخبروهم أنه نزل ديلمايا ~~وبينهم ثلاثة فراسخ، فلما أخبر المستورد ذلك ركب وركب أصحابه وأقبل حتى ~~انتهى إلى جسر ساباط، وهو جسر نهر ملك، وهو من جانبه الذي يلي الكوفة، وأبو ~~الرواغ من جانب المدائن، فقطع المستورد الجسر، ولما رآهم أبو الرواغ قد ~~ركبوا عبى أصحابه وأقبل حتى انتهى إلى جسر ساباط، وهو جسر نهر ملك، وهو من ~~جانبه الذي يلي الكوفة، وأبو الرواغ من جانب المدائن، فقطع المستورد الجسر، ~~ولما رآهم أبو الرواغ قد ركبوا عبى أصحابه واعتزل إلى صحراء بين المدائن ~~وساباط ليكون القتال بها ووقف ينتظرهم، فلما قطع المستورد الجسر سار إلى ms1189 ~~ديلمايا نحو معقل ليوقع به، فانتهى إليه وأصحابه متفرقون عنه وهو يريد ~~الرحيل وقد تقدم بعض أصحابه، فلما رآهم معقل نصب رايته ونادى: يا عباد الله ~~الأرض الأرض! فنزل معه نحو مائتي رجل، فحملت الخوارج عليهم فاستقبلوهم ~~بالرماح جثاة على الركب فلم يقدروا عليهم فتركوهم وعدلوا إلى خيولهم فحالوا ~~بينهم وبينها وقطعوا أعنتها، فذهبت في كل جانب، ثم مالوا على المتفرقين من ~~أصحاب معقل ففرقوا بينهم، ثم رجعوا إلى معقل وأصحابه وهم على الركب فحملوا ~~عليهم، فلم يتجلجلوا، فحملوا أخرى فلم يقدروا عليهم، فقال المستورد ~~لأصحابه: لينزل نصفكم ويبقى نصفكم على الخيل. ففعلوا واشتد الحال على أصحاب ~~معقل وأشرفوا على الهلاك. فبيما هم كذلك إذ أقبل أبو الرواغ عليهم فيمن ~~معه. وكان سبب عوده إليهم أنه أقام بمكانه ينتظرهم، فلما أبطأوا عليه أرسل ~~من يأتيه بخبرهم، فرأوا الجسر مقطوعا ففرحوا ظنا منهم أن الخوارج فعلوا ذلك ~~هيبة لهم، فرجعوا إلى أبي الرواغ فأخبروه أنهم لم يروهم وأن الجسر قد قطعوه ~~هيبة لهم. فقال لهم أبو الرواغ: لعمري ما فعلوا هذا إلا مكيدة، وما أراهم ~~إلا وقد سبقوكم إلى معقل حيث رأوا فرسان أصحابه معي، وقد قطعوا الجسر ~~ليشغلوكم به عن لحاقهم، فالنجاء النجاء في الطلب. ثم أمر أهل القرية فعقدوا ~~الجسر وعبر عليه واتبع الخوارج، فلقيه أوائل الناس منهزمين، فصاح بهم: إلي ~~إلي! فرجعوا إليه وأخبروه الخبر وأنهم تركوا معقلا يقاتلهم وما يظنونه إلا ~~قتيلا. فجد في السير ورد معه كل من لقيه من المنهزمين، فانتهى إلى العسكر ~~فرأى راية معقل منصوبة والناس يقتتلون، فحمل أبو الرواغ ومن معه على ~~الخوارج فأزالوهم غير بعيد، ووصل أبو الرواغ إلى معقل فإذا هو متقدم يحرض ~~أصحابه، فشدوا على الخوارج شدة منكرة، ونزل المستورد ومن معه من الخوارج ~~ونزل أصحاب معقل أيضا ثم اقتتلوا طويلا من النهار بالسيوف أشد قتال. ~~PageV02P0118 # ثم إن المستورد نادى معقلا ليبرز إليه، فبرز إليه، فمنعه أصحابه، فلم ~~يقبل منهم، وكان معه سيفه ومع المستورد رمحه، فقال أصحاب معقل: ms1190 خذ رمحك. ~~فأبى وأقبل على المستورد، فطعنه المستورد برمحه فخرج السنان من ظهره، وتقدم ~~معقل والرمح فيه إلى المستورد فضربه بالسيف فخالط دماغه فوقع المستورد ميتا ~~ومات معقل أيضا. وكان معقل قد قال: إن قتلت فأميركم عمرو بن محرز بن شهاب ~~التميمي. فلما قتل أخذ الراية عمرو ثم حمل في الناس على الخوارج فقتلوهم ~~ولم ينج منهم غير خمسة أو ستة. وقال ابن الكلبي: كان المستورد من تميم ثم ~~من بني تميم ثم من بني رباح، واحتج بقول جرير: ومنا فتى الفتيان والجود ~~معقل ... ومنا الذي لاقى بدجلة معقلا يعني هذه الوقعة. ### || AUT ذكر عود عبد الرحمن إلى ولاية سجستان # في هذه السنة استعمل عبد الله بن عامر عبد الرحمن بن سمرة على سجستان، ~~فأتاها وعلى شرطته عباد بن الحصين الحبطي ومعه من الأشراف عمرو بن عبيد ~~الله بن معمر وغيره، فكان يغزو البلد قد كفر أهله فيفتحه، حتى بلغ كابل ~~فحصرها أشهرا ونصب عليها مجانيق فثلمت سورها ثلمة عظيمة، فبات عليها عباد ~~بن الحصين ليلة يطاعن المشركين حتى أصبح فلم يقدروا على سدها وخرجوا من ~~الغد يقاتلون فهزمهم المسلمون ودخلوا البلد عنوة، ثم سار إلى بست ففتحها ~~عنوة، وسار إلى زران فهرب أهلها وغلب عليها، ثم سار إلى خشك فصالحه أهلها، ~~ثم أتى الرخج فقاتلوه فظفر بهم وفتحها، ثم سار إلى زابلستان، وهي غزنة ~~وأعمالها، فقاتله أهلها، وقد كانوا نكثوا، ففتحها، وعاد إلى كابل وقد نكث ~~أهلها ففتحها. ### || AUT ذكر غزوة السند # استعمل عبد الله بن عامر على ثغر الهند عبد الله بن سوار العبدي، ويقال ~~ولاه معاوية من قبله، فغزا القيقان فأصاب مغنما، ووفد على معاوية وأهدى له ~~خيلا قيقانية، ورجع فغزا القيقان فاستنجدوا بالترك فقتلوه، وفيه يقول ~~الشاعر: وابن سوار على عدانه ... موقد النار وقتال الشغب وكان كريما لم ~~يوقد أحد في عسكره نارا، فرأى ذات ليلة نارا فقال: ما هذه؟ قالوا: امرأة ~~نفساء يعمل لها الخبيص؛ فأمر أن يطعم الناس الخبيص ثلاثة أيام. ### || AUT ذكر ولاية ms1191 عبد الله بن خازم خراسان # قيل: وفي هذه اسنة عزل عبد الله بن عامر قيس بن الهيثم القيسي ثم السلمي ~~عن خراسان واستعمل عبد الله بن خازم. وسبب ذلك أن قيسا أبطأ بالخراج ~~والهدية، فقال عبد الله بن خازم لعبد الله بن عامر: ولني خراسان أكفكها. ~~فكتب له عهده، فبلغ ذلك قيسا فخاف ابن خازم وشغبه فترك خراسان وأقبل: ~~فازداد ابن عامر غضبا لتضييعه الثغر، فضربه وحبسه وبعث رجلا من يشكر على ~~خراسان، وقيل: بعث أسلم بن زرعة الكلابي ثم ابن خازم. وقيل في عزله غير ~~ذلك، وهو أن ابن خازم قال لابن عامر: إنك استعملت على خراسان قيسا وهو ~~ضعيف، وإني أخاف إن لقي حربا أن ينهزم بالناس فتهلك خراسان وتفضح أخوالك، ~~يعني قيس عيلان. قال ابن عامر: فما الرأي؟ قال: تكتب لي عهدا إن هو انصراف ~~عن عدو قمت مقامه. فكتب له. وجاش جماعة من طخارستان فشاوره قيس فأشار عليه ~~ابن خازم أن ينصرف حتى يجتمع إليه أطرافه، فلما سار مرحلة أو اثنتين أخرج ~~ابن خازم عهده وقام بأمر الناس ولقي العدو فهزمهم، وبلغ الخبر الكوفة ~~والبصرة والشام فغضب القيسية وقالوا: خدع قيسا وابن عامر! وشكوا إلى ~~معاوية، فاستقدمه، فاعتذر مما قيل فيه، فقال معاوية: قم غدا فاعتذر في ~~الناس. فرجع إلى أصحابه وقال: إني أمرت بالخطبة ولست بصاحب كلام فاجلسوا ~~حول المنبر فإذا قلت فصدقوني. فقام من الغد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ~~إنما يتكلف الخطبة إمام لا يجد منها بدا أو أحمق يهمر من رأسه، ولست بواحد ~~منهما، وقد علم من عرفني أني بصير بالفرص وثاب إليها، وقاف عند المهالك، ~~أنفذ بالسرية وأقسم بالسوية، أنشد الله من عرف ذلك مني فليصدقني. فقال ~~أصحابه: صدقت. فقال: يا أمير المؤمنين إنك فيمن نشدت فقل بما تعلم. فقال: صدقت. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج هذه السنة مروان بن الحكم وكان على المدينة، وكان على مكة خالد ابن ~~العاص بن هشام؛ وعلى الكوفة المغيرة، وعلى البصرة عبد الله بن ms1192 عامر. ~~PageV02P0119 # فيها مات عبد الله بن سلام، وله صحبة مشهورة، وهو من علماء أهل الكتاب، ~~وشهد له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالجنة. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وأربعين # في هذه السنة دخل المسلمون مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بلاد الروم ~~وشتوا بها، وغزا بسر بن أبي أرطأة في البحر. ### || AUT ذكر عزل عبد الله بن عامر عن البصرة # وفي هذه السنة عزل عبد الله بن عامر عن البصرة. وسببه أن ابن عامر كان ~~حليما كريما لينا، لا يأخذ على أيدي السفهاء، وفسدت البصرة في أيامه فشكا ~~ذلك إلى زياد، فقال له: جرد السيف. فقال له: إني أكره أن أصلحهم بفساد ~~نفسي. ثم إن ابن عامر وفد وفدا من البصرة إلى معاوية فوافقوا عنده وفد ~~الكوفة، وفيهم ابن الكوا، واسمه عبد الله بن أبي أوفى اليشكري، فسألهم ~~معاوية عن أهل العراق وعن أهل البصرة خاصة، فقال ابن الكوا: يا أمير ~~المؤمنين، إن أهل البصرة قد أكلهم سفاؤهم، وضعف عنهم سلطانهم، وعجز ابن ~~عامر وضعفه. فقال له معاوية: تتكلم عن أهل البصرة وهم حضور؟ فلما عاد أهل ~~البصرة ابلغوا ابن عامر، فغضب وقال: أي أهل العراق أشد عداوة لابن الكوا؟ ~~فقيل: عبد الله بن أبي شيخ اليشكري، فولاه خراسان، فبلغ ذلك ابن الكوا، ~~فقال: إن ابن دجاجة، يعني ابن عامر، قليل العلم في، ظن أن ولاية عبد الله ~~خراسان تسوءني! لوددت أنه لم يبق يشكري إلا عاداني وأنه ولاه. وقيل: إن ~~الذي ولاه ابن عامر خراسان طفيل بن عوف اليشكري. فلما علم معاوية حال ~~البصرة أراد عزل ابن عامر فأرسل إليه يستزيره، فجاء إليه، فرده على عمله، ~~فلما ودعه قال: إني سائلك ثلاثا فقل هن لك. فقال: هن لك، وأنا ابن أم حكيم. ~~قال: ترد علي عملي ولا تغضب. قال: قد فعلت. قال: وتهب لي مالك بعرفة. قال: ~~قد فعلت. قال: وتهب لي دورك بمكة. قال: قد فعلت. قال: وصلتك رحم؟ فقال ابن ~~عامر: يا أمير المؤمنين إني ms1193 سائلك ثلاثا فقل هن لك. فقال: هن لك، وأنا ابن ~~هند. قال: ترد علي مالي بعرفة. قال: قد فعلت. قال: ولا تحاسب لي عاملا ولا ~~تتبع لي أثرا. قال: قد فعلت. قال: وتنكحني ابنتك هندا. قال: قد فعلت. ~~ويقال: إن معاوية قال له: اختر إما أن أتبع أثرك وأحاسبك بما صار وأردك، ~~وإما أن أعزلك وأسوغك ما أصبت. فاختار العزل وأن لا يسوغه ما أصاب، فعزله ~~وولى البصرة الحارث بن عبد الله الأزدي. ### || AUT ذكر استلحاق معاوية زيادا # وفي هذه السنة استلحق معاوية زياد بن سمية، فزعموا أن رجلا من عبد القيس ~~كان مع زياد لما وفد على معاوية، فقال لزياد: إن لابن عامر عندي يدا فإن ~~أذنت لي أتيته. قال: على أن تحدثني بما يجري بينك وبينه. قال: نعم. فأذن له ~~فأتاه، فقال له ابن عامر: هيه هيه! وابن سمية يقبح آثاري ويعرض بعمالي! لقد ~~هممت أن آتي بقسامة من قريش يحلفون بالله أن أبا سفيان لم ير سمية. فلما ~~رجع سأله زياد فلم يخبره، فألح عليه حتى أخبره، فأخبر زياد بذلك معاوية. ~~فقال معاوية لحاجبه: إذا جاء ابن عامر فاضرب وجه دابته عن أقصى الأبواب. ~~ففعل ذلك به. فأتى ابن عامر يزيد فشكا ذلك إليه، فركب معه حتى أدخله، فلما ~~نظر إليه معاوية قام فدخل، فقال يزيد لابن عامر: اجلس، فكم عسى أن تقعد في ~~البيت عن مجلسه! فلما أطالا خرج معاوية وهو يتمثل: لنا سباق ولكم سباق ... ~~قد علمت ذلكم الرفاق ثم قعد فقال: يا ابن عامر أنت القائل في زياد ما قلت؟ ~~أما والله لقد علمت العرب أني كنت أعزها في الجاهلية وأن الإسلام لم يزدني ~~إلا عزا، وأني لم أتكثر بزياد من قلة ولم أتعزز به من ذلة، ولكن عرفت حقا ~~له فوضعته موضعه. فقال: يا أمير المؤمنين نرجع إلى ما يحب زياد. قال: إذا ~~نرجع إلى ما تحب. فخرج ابن عامر إلى زياد فترضاه. فلما قدم زياد الكوفة ~~قال: قد جئتكم في أمر ما ms1194 طلبته إلا لكم. قالوا: ما تشاء؟ قال: تلحقون نسبي ~~بمعاوية. قالوا: أما بشهادة الزور فلا. فأتى البصرة فشهد له رجال. هذا جميع ~~ما ذكره أبو جعفر في استلحاق معاوية نسب زياد، ولم يذكر حقيقة الحال في ~~ذلك، إنما ذكر حكاية جرت بعد استلحاقه، وأنا أذكر سبب ذلك وكيفيته، فإنه من ~~الأمور المشهورة الكبيرة في الإسلام لا ينبغي إهمالها. PageV02P0120 # وكان ابتداء حاله أن سمية أم زياد كانت لدهقان زندورد بكسكر، فمرض ~~الدهقان، فدعا الحارث بن كلدة الطبيب الثقفي، فعالجه فبرأ، فوهبه سمية، ~~فولدت عند الحارث أبا بكرة، واسمه نفيع، فلم يقر به، ثم ولدت نافعا، فلم ~~يقر به أيضا، فلما نزل أبو بكرة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، حين حصر ~~الطائف قال الحارث لنافع: أنت ولدي. وكان قد زوج سمية من غلام له اسمه ~~عبيد، وهو رومي، فولدت له زيادا. وكان أبو سفيان بن حرب سار في الجاهلية ~~إلى الطائف فنزل على خمار يقال له أبو مريم السلولي، وأسلم أبو مريم بعد ~~ذلك وصحب النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال أبو سفيان لأبي مريم: قد اشتهيت ~~النساء فالتمس لي بغيا، فقال له: هل لك في سمية؟ فقال: هاتها على طول ~~ثدييها وذفر بطنها. فأتاه بها، فوقع عليها، فعلقت بزياد، ثم وضعته في السنة ~~الأولى من الهجرة، فلما كبر ونشأ استكتبه أبو موسى الأشعري لما ولي البصرة، ~~ثم إن عمر بن الخطاب استكفى زيادا أمرا فقام فيه مقاما مرضيا، فلما عاد ~~إليه حضر، وعند عمر المهاجرون والأنصار، فخطب خطبة لم يسمعوا بمثلها. فقال ~~عمرو ابن العاص: لله هذا الغلام لو كان أبوه من قريش لساق العرب بعصاه!فقال ~~أبو سفيان، وهو حاضر: والله إني لأعرف أباه ومن وضعه في رحم أمه. فقال علي: ~~يا أبا سفيان اسكت فإنك لتعلم أن عمر لو سمع هذا القول منك لكان إليك ~~سريعا. فلما ولي علي الخلافة استعمل زيادا على فارس، فضبطها وحمى قلاعها، ~~واتصل الخبر بمعاوية، فساءه ذلك وكتب إلى زياد يتهدده ويعرض له بولادة ms1195 أبي ~~سفيان إياه، فلما قرأ زياد كتابه قام في الناس وقال: العجب كل العجب من ابن ~~آكلة الأكباد، ورأس النفاق! يخوفني بقصده إياي وبيني وبينه ابنا عم رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، في المهاجرين والأنصار؟ أما والله لو أذن لي في ~~لقائه لوجدني أحمز مخشيا ضرابا بالسيف. وبلغ ذلك عليا فكتب إليه: إني وليتك ~~ما وليتك وأنا أراك له أهلا، وقد كانت من أبي سفيان فلتة من أماني الباطل ~~وكذب النفس لا توجب له ميراثا ولا تحل له نسبا، وإن معاوية يأتي الإنسان من ~~بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، فاحذر ثم احذر، والسلام. فلما قتل ~~علي، وكان من أمر زياد ومصالحته معاوية ما ذكرناه، واضع زياد مصقلة بن ~~هبيرة الشيباني وضمن له عشرين ألف درهم ليقول لمعاوية: إن زيادا قد أكل ~~فارس برا وبحرا وصالحك على ألفي ألف درهم، والله ما أرى الذي يقال إلا حقا، ~~فإذا قال لك: وما يقال؟ فقل: يقال إنه ابن أبي سفيان. ففعل مصقلة ذلك، ورأى ~~معاوية أن يستميل زيادا، واستصفى مودته باستلحاقه، فاتفقا على ذلك، وأحضر ~~الناس وحضر من يشهد لزياد، وكان فيمن حضر أبو مريم السلولي، فقال له ~~معاوية: بم يشهد يا أبا مريم؟ فقال: أنا أشهد أن أبا سفيان حضر عندي وطلب ~~مني بغيا فقلت له: ليس عندي إلا سمية، فقال: إيتني بها على قذرها ووضرها، ~~فأتيته بها، فخلا معها ثم خرجت من عنده وإن إسكتيها لتقطران منيا. فقال له ~~زياد: مهلا أبا مريم! إنما بعثت شاهدا ولم تبعث شاتما. فاستلحقه معاوية، ~~وكان استلحاقه أول ما ردت أحكام الشريعة علانية، فإن رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، قضى بالولد للفراش وللعاهر الحجر. وكتب زياد إلى عائشة: من زياد ~~بن أبي سفيان، وهو يريد أن تكتب له: إلى زياد بن أبي سفيان، فيحتج بذلك، ~~فكتبت: من عائشة أم المؤمنين إلى ابنها زياد. وعظم ذلك على المسلمين عامة ~~وعلى بني أمية خاصة، وجرى أقاصيص يطول بذكرها الكتاب فأضربنا عنها. ومن ms1196 ~~اعتذر لمعاوية قال: إنما استلحق معاوية زيادا لأن أنكحة الجاهلية كانت ~~أنواعا، لا حاجة إلى ذكر جميعها، وكان منها أن الجماعة يجامعون البغي فإذا ~~حملت وولدت ألحقت الولد لمن شاءت منهم فيلحقه، فلما جاء الإسلام حرم هذا ~~النكاح، إلا أنه أقر كل ولد كان ينسب إلى أب من أي نكاح كان من أنكحتهم على ~~نسبه ولم يفرق بين شيء منها، فتوهم معاوية أن ذلك جائز له ولم يفرق بين ~~استلحاق في الجاهلية والإسلام؛ وهذا مردود لاتفاق المسلمين على إنكاره ~~ولأنه لم يستلحق أحد في الإسلام مثله ليكون به حجة. PageV02P0121 # قيل: أراد زياد أن يحج بعد أن استلحقه معاوية، فسمع أخوه أبو بكرة، وكان ~~مهاجرا له من حين خالفه في الشهادة بالزنا على المغيرة بن شعبة، فلما سمع ~~بحجه جاء إلى بيته وأخذ ابنا له وقال له: يا بني قل لأبيك إنني سمعت أنك ~~تريد الحج ولابد من قدومك إلى المدينة ولاشك أن تطلب الاجتماع بأم حبيبة ~~بنت أبي سفيان زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، فإن أذنت لك فأعظم به خزيا ~~مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإن منعتك فأعظم به فضيحة في الدنيا ~~وتكذيبا لأعدائك. فترك زياد الحج وقال: جزاك الله خيرا فقد أبلغت في النصح. ### || AUT ذكر غزو المهلب السند # وفيها غزا المهلب بن أبي صفرة ثغر السند فأتى بنة والأهور، وهما بين ~~الملتان وكابل، فلقيه العدو وقاتله، ولقي المهلب ببلاد القيقان ثماية عشر ~~فارسا من الترك فقاتلوه فقتلوا جميعا، فقال المهلب: ما جعل هؤلاء الأعاجم ~~أولى بالتشمير منا! فحذف الخيل، وكان أول من حذفها من المسلمين، وفي يوم ~~بنة يقول الأزدي: ألم تر أن الأد ليلة بيتوا ... ببنة كانوا خير جيش المهلب؟ ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج بالناس في هذه السنة معاوية. وفيها عمل مروان بن الحكم المقصورة ~~بالمدينة، وهو أول من عملها بها، وكان معاوية قد عملها بالشام لما ضربه ~~الخارجي. وفيها توفيت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي، صلى الله عليه ~~وسلم. وفيها ms1197 قتل رفاعة العدوي من عدي رباب، وهو بصري له صحبة. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وأربعين # فيها ولى معاوية الحارث بن عبد الله الأزدي البصرة في أولها حين عزل ابن ~~عامر، وهو من أهل الشام، فاستعمل الحارث على شرطته عبد الله بن عمرو بن ~~غيلان الثقفي، فبقي الحارث أميرا على البصرة أربعة أشهر، ثم عزله وولاها زيادا. ### || AUT ذكر ولاية زياد بن أبيه البصرة # قدم زياد الكوفة فأقام ينتظر إمارته عليها، فقيل ذلك للمغيرة بن شعبة، ~~فسار إلى معاوية فاستقاله الإمارة وطلب منه أن يعطيه منازل بقرقيسيا ليكون ~~بين قيس، فخافه معاوية وقال له: لترجعن إلى عملك. فأبى، فازداد معاوية تهمة ~~له، فرده على عمله، فعاد إلى الكوفة ليلا وأرسل إلى زياد فأخرجه منها. ~~وقيل: إن المغيرة لم يسر إلى الشام وإنما معاوية أرسل إلى زياد، وهو ~~بالكوفة، فأمره بالمسير إلى البصرة، فولاه البصرة وخراسان وسجستان، ثم جمع ~~له الهند والبحرين وعمان، فقدم البصرة آخر شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين ~~والفسق ظاهر فاش، فخطبهم خطبته البتراء، لم يحمد الله فيها، وقيل: بل حمد ~~الله فقال: PageV02P0122 # الحمد لله على إفضاله وإحسانه، ونسأله مزيدا من نعمه، اللهم كما زدتنا ~~نعما فألهمنا شكرا على نعمك علينا! أما بعد فإن الجهالة الجهلاء والضلالة ~~العمياء والفجر الموقد لأهله النار، الباقي عليهم سعيرها، ما يأتي سفهاؤكم ~~ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام، فينبت فيها الصغير ولا يتحاشى عنها ~~الكبير، كأن لم تسمعوا نبي الله، ولم تقرأوا كتاب الله، ولم تعلموا ما أعد ~~الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن ~~السرمد الذي لا يزول، أتكونوا كمن طرفت عينه الدنيا، وسدت مسامعه الشهوات، ~~واختار الفانية على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي ~~لم تسبقوا إليه؛ هذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار ~~المبصر، والعدد غير قليل، ألم تكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل ~~وغارة النهار؟ قربتم القرابة وباعدتم الدين، تعتذرون بغير العذر، وتعطفون ~~على المختلس، كل امرىء ms1198 منكم يذب عن سفيهه، صنيع من لا يخاف عاقبة، ولا يخشى ~~معادا! ما أنتم بالحلماء، ولقد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بهم ما ترون من ~~قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الإسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس ~~الريب، حرام علي الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا! إني رأيت ~~آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، لين في غير ضعف، وشدة في غير ~~جبرية وعنف، وإني لأقسم بالله لأخذن الولي بالولي، والمقيم بالظاعن، ~~والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: ~~انج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم، إن كذبة المنبر تبقى مشهورة، ~~فإذا تعلقتم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي، من بيت منكم فأنا ضامن لما ذهب ~~له، إياي ودلج الليل فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجلتكم في ذلك ~~بقدر ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم، وإياي ودعوى الجاهلية فإني لا أجد ~~أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه. وقد أحدثتم أحداثا لم تكن، وقد أحدثنا لكل ~~ذنب عقوبة، فمن غرق قوما غرقناه، ومن حرق على قوم حرقناه، ومن نقب بيتا ~~نقبت عن قلبه، ومن نبش قبرا دفنته فيه حيا، فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف ~~عنكم لساني ويدي، وإياي لا يظهر من أحد منكم خلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت ~~عنقه، وقد كانت بيني وبين أقوام إحن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان ~~منكم محسنا فليزدد إحسانا، ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته. إني لو علمت أن ~~أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعا، ولم أهتك له سترا حتى يبدي ~~لي صفحته، فإذا فعل لم أناظره، فاستأنفوا أموركم، وأعينوا على أنفسكم، فرب ~~مبتئس بقدومنا سيسر، ومسرور بقدومنا سيبتئس. أيها الناس إنا أصبحنا لكم ~~ساسة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله ~~الذي خولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ~~ولينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم، واعلموا أني مهما ms1199 قصرت عنه فإني ~~لا أقصر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقا بليل، ولا ~~حابسا رزقا ولا عطاء عن إبانه، ولا مجمرا لكم بعثا، فادعوا الله بالصلاح ~~لأئمتكم فإنهم ساستكم المؤدبون، وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى تصلحوا ~~يصلحوا، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك غيظكم، ويطول له حزنكم، ولا ~~تدركوا حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم لكان شرا لكم، أسأل الله أن يعين كلا ~~على كل، فإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على أذلاله، وإن لي فيكم ~~لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرىء منكم أن يكون من صرعاي. فقام إليه عبد الله ~~بن الأهتم فقال: أشهد أيها الأمير أنك أوتيت الحكمة وفصل الخطاب. فقال: ~~كذبت، ذاك نبي الله داود! فقال الأحنف: قد قلت فأحسنت أيها الأمير، والثناء ~~بعد البلاء، والحمد بعد العطاء، وإنا لن نثني حتى نبتلي. فقال زياد: صدقت. ~~فقام إليه أبو بلال مرداس بن أدية، وهو من الخوارج، وقال: أنبأ الله بغير ~~ماقلت، قال الله تعالى: (وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس ~~للإنسان ما سعى) النجم: 37 - 39، فأوعدنا الله خيرا مما أوعدتني يا زياد. ~~فقال زياد: إنا لا نجد إلى ما تريد أنت وأصحابك سبيلا حتى نخوض إليها ~~الدماء. PageV02P0123 # واستعمل زياد على شرطته عبد الله بن حصن، وأجل الناس حتى بلغ الخبر ~~الكوفة وعاد إليه وصول الخبر، فكان يؤخر العشاء الآخرة ثم يصلي فيأمر رجلا ~~أن يقرأ سورة البقرة أو مثلها يرتل القرآن، فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أن ~~إنسانا يبلغ أقصى البصرة، ثم يأمر صاحب شرطته بالخروج، فيخرج فلا يرى ~~إنسانا إلا قتله، فأخذ ذات ليلة أعرابيا فأتى به زيادا فقال: هل سمعت ~~النداء؟ فقال: لا والله! قدمت بحلوبة لي وغشيني الليل فاضطررتها إلى موضع ~~وأقمت لأصبح ولا علم لي بما كان من الأمير. فقال: أظنك والله صادقا ولكن في ~~قتلك صلاح الأمة. ثم أمر به فضربت عنقه. وكان زياد أول من شدد أمر السلطان، ~~وأكد الملك لمعاوية، وجرد ms1200 سيفه، وأخذ بالظنة، وعاقب على الشبهة، وخافه ~~الناس خوفا شديدا حتى أمن بعضهم بعضا، وحتى كان الشيء يسقط من يد الرجل أو ~~المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأتيه صاحبه فيأخذه، ولا يغلق أحد بابه. وأدر ~~العطاء، وبنى مدينة الرزق، وجعل الشرط أربعة آلاف، وقيل له: إن السبيل ~~مخوفة. فقال: لا أعاني شيئا وراء المصر حتى أصلح المصر، فإن غلبني فغيره ~~أشد غلبة منه. فلما ضبط المصر وأصلحه تكلف ما وراء ذلك فأحكمه. ### || AUT ذكر عمال زياد # استعان زياد بعدة من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، منهم: عمران بن ~~حصين الخزاعي ولاه قضاء البصرة، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سمرة، وسمرة ~~بن جندب. فأما عمران فاستعفى من القضاء فأعفاه. واستقضى عبد الله بن فضالة ~~الليثي، ثم أخاه عاصما، ثم زرارة بن أوفى، وكانت أخته عند زياد. وقيل إن ~~زيادا أول من سير بين يديه بالحراب والعمد واتخذ الحرس رابطة خمسمائة لا ~~يفارقون المسجد. وجعل خراسان أرباعا، واستعمل على مرو أمير بن أحمر، وعلى ~~نيسابور خليد بن عبد الله الحنفي، وعلى مرو الروذ والفارياب والطالقان قيس ~~ابن الهيثم، وعلى هراة وباذغيس وبوشنج نافع بن خالد الطاحي، ثم عتب عليه ~~فعزله. وسبب تغيره عليه أن نافعا بعث بخوان باذرهر إلى زياد قوائمه منه، ~~فأخذ نافع منها قائمة وعمل مكانها قائمة من ذهب وبعث الخوان مع غلام له ~~اسمه زيد، وكان يلي أمور نافع كلها، فسعى زيد بنافع إلى زياد وقال: إنه ~~خانك وأخذ قائمة الخوان. فعزله زياد وحبسه وكتب عليه كتابا بمائة ألف، ~~وقيل: بثمانمائة ألف، فشفع فيه رجال من وجوه الأزد فأطلقه. واستعمل الحكم ~~بن عمرو الغفاري، وكانت له صحبة، وكان زياد قال لحاجبه: ادع لي الحكم، يريد ~~الحكم بن أبي العاص الثقفي، ليوليه خراسان، فخرج حاجبه فرأى الحكم بن عمرو ~~الغفاري فاستدعاه، فحين رآه زياد قال له: ما أردتك ولكن الله أرادك! فولاه ~~خراسان وجعل معه رجالا على جباية الخراج، منهم: أسلم بن زرعة الكلابي ~~وغيره. وغزا الحكم ms1201 طخارستان، فغنم غنائم كثيرة، ثم مات؛ واستخلف أنس بن أبي ~~أناس بن زنيم، فعزله زياد وكتب إلى خليد بن عبد الله الحنفي بولاية خراسان، ~~ثم بعث الربيع بن زياد الحارثي في خمسين ألفا من البصرة والكوفة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة مروان بن الحكم، وكان على المدينة. وفيها مات زيد ~~بن ثابت الأنصاري، وقيل: سنة خمس وخمسين، وعاصم ابن عدي الأنصاري البلوي، ~~وكان بدريا، وقيل: لم يشهدها بل رده رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى ~~المدينة وضرب له بسهمه، وكان عمره مائة وعشرين سنة. وفيها مات سلمة بن ~~سلامة بن وقش الأنصاري بالمدينة، وشهد العقبة وبدرا، وكان عمره سبعين سنة. ~~وفيها توفي ثابت بن الضحاك بن خليفة الكلابي، وهو من أصحاب الشجرة، وهو أخو ~~أبي جبيرة بن الضحاك. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وأربعين # في هذه السنة كان مشتى مالك بن عبد الله بأرض الروم، وقيل: بل كان ذلك ~~عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وقيل: بل كان مالك بن هبيرة السكوني. وفيها ~~انصرف عبد الرحمن بن خالد من بلاد الروم إلى حمص ومات. ### || AUT ذكر وفاة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد # PageV02P0124 # وكان سبب موته أنه كان قد عظم شأنه عند أهل الشام ومالوا إليه لما عندهم ~~من آثار أبيه ولغنائه في بلاد الروم ولشدة بأسه، فخافه معاوية وخشي على ~~نفسه منه وأمر ابن أثال النصراني أن يحتال في قتله وضمن له أن يضع عنه ~~خراجه ما عاش وأن يوليه جباية خراج حمص. فلما قدم عبد الرحمن من الروم دس ~~إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه، فشربها، فمات بحمص، فوفى له ~~معاوية بما ضمن له. وقدم خالد بن عبد الرحمن بن خالد المدينة فجلس يوما إلى ~~عروة بن الزبير، فقال له عروة ما فعل ابن أثال؟ فقام من عنده وسار إلى حمص ~~فقتل ابن أثال، فحمل إلى معاوية، فحبسه أياما ثم غرمه ديته، ورجع خالد إلى ~~المدينة فأتى عروة، فقال عروة: ما فعل ms1202 ابن أثال؟ فقال: قد كفيتك ابن أثال، ~~ولكن ما فعل ابن جرموز؟ يعني قاتل الزبير، فسكت عروة. ### || AUT ذكر خروج سهم والخطيم # وفيها خرج الخطيم، وهو يزيد بن مالك الباهلي، وسهم بن غالب الهجيمي، ~~فحكما؛ فأما سهم فإنه خرج إلى الأهواز فحكم بها، ثم رجع فاختفى وطلب الأمان ~~فلم يؤمنه زياد وطلبه حتى أخذه وقتله وصلبه على بابه. وأما الخطيم فإن ~~زيادا سيره إلى البحرين ثم أقدمه وقال لمسلم بن عمرو الباهلي، والد قتيبة ~~بن مسلم: اضمنه، فأبى وقال: إن بات خارجا عن بيته أعلمتك، ثم أتاه مسلم ~~فقال له: لم يبت الخطيم الليلة في بيته، فأمر به فقتل وألقي في باهلة، وقد ~~تقدم ذلك أتم من هذا، وإنما ذكرناه ها هنا لأنه قتل هذه السنة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة عتبة بن أبي سفيان، وكان العمال من تقدم ذكرهم. ~~وفيها توفي صالح بن كيسان مولى بني غفار، وقيل: مولى بني عامر، وقيل: الخزاعي. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وأربعين # في هذه السنة كان مشتى مالك بن هبيرة بأرض الروم، ومشتى عبد الرحمن ~~القيني بأنطاكية. ### || AUT ذكر عزل عبد الله بن عمرو عن مصر # ### || AUT وولاية ابن حديج # وفيها عزل عبد الله بن عمرو بن العاص عن مصر ووليها معاوية بن حديج وكان ~~عثمانيا، فمر به عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال له: يا معاوية قد أخذت جزاءك ~~من معاوية، قد قتلت أخي محمد بن أبي بكر لتلي مصر فقد وليتها. فقال: ما ~~قتلت محمدا إلا بما صنع بعثمان. فقال عبد الرحمن: فلو كنت إنما تطلب بدم ~~عثمان لما شاركت معاوية فيما صنع حيث عمل عمرو بالأشعري ما عمل فوثبت أول ~~الناس فبايعته. حديج بضم الحاء المهملة، وفتح الدال المهملة، وبالجيم. ### || AUT ذكر غزوة الغور # في هذه السنة سار الحكم بن عمرو إلى جبال الغور فغزا من بها، وكانوا ~~ارتدوا، فأخذهم بالسيف عنوة وفتحها وأصاب منها مغانم كثيرة وسبايا، ولما ~~رجع الحكم من هذه الغزوة مات بمرو ms1203 في قول بعضهم، وكان الحكم قد قطع النهر ~~في ولايته ولم يفتح. وكان أول المسلمين شرب من النهر مولى للحكم اغترف ~~بترسه فشرب وناوله الحكم فشرب وتوضأ وصلى ركعتين، وكان أول المسلمين فعل ~~ذلك ثم رجع. ### || AUT ذكر مكيدة للمهلب # وكان المهلب مع الحكم بن عمرو بخراسان، وغزا معه بعض جبال الترك فغنموا، ~~وأخذ الترك عليهم الشعاب والطرق، فعيي الحكم بالأمر، فولى المهلب الحرب، ~~فلم يزل يحتال حتى أسر عظيما من عظماء الترك، فقال له: إما أن تخرجنا من ~~هذا الضيق أو لأقتلنك. فقال له: أوقد النار حيال طريق من هذه الطرق وسير ~~الأثقال نحوه فإنهم سيجتمعون فيه ويخلون ما سواه من الطرق فبادرهم إلى طريق ~~آخر فما يدركونكم حتى تخرجوا منه، ففعل ذلك، فسلم الناس بما معهم من ~~الغنائم. وحج بالناس هذه السنة عتبة بن أبي سفيان، وقيل: عنبسة بن أبي ~~سفيان؛ وكان الولاة من تقدم ذكرهم. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وأربعين # فيها كان مشتى عبد الرحمن القيني بأنطاكية. وصائفة عبد الله بن قيس ~~الفزاري. وغزوة مالك بن هبيرة السكوني البحر. وغزوة عقبة بن عامر الجهني ~~بأهل مصر والبحر وبأهل المدينة. وفيها استعمل زياد غالب بن فضالة الليثي ~~على خراسان، وكانت له صحبة. وحج بالناس مروان وهو يتوقع العزل لموجدة كانت ~~مع معاوية عليه، وارتجع معاوية منه فدك وكان وهبها له، وكان ولاة الأمصار ~~من تقدم ذكرهم. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وأربعين # PageV02P0125 # فيها كان مشتى مالك بن هبيرة بأرض الروم. وفيها كانت غزوة فضالة ابن عبيد ~~حزة وشتا بها، وفتحت على يده، وأصاب فيها شيئا كثيرا. وفيها كانت صائفة عبد ~~الله بن كرز البجلي. وفيها كانت غزوة يزيد بن شجرة الرهاوي في البحر فشتا ~~بأهل الشام. وفيها كانت غزوة عقبة بن نافع البحر فشتا بأهل مصر. ### || AUT ذكر غزوة القسطنطينية # في هذه السنة، وقيل: سنة خمسين، سير معاوية جيشا كثيفا إلى بلاد الروم ~~للغزاة وجعل عليهم سفيان بن عوف وأمر ابنه يزيد بالغزاة معهم، فتثاقل ~~واعتل، فأمسك ms1204 عنه أبوه، فأصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض شديد، فأنشأ يزيد ~~يقول: ما إن أبالي بما لاقت جموعهم ... بالفرقدونة من حمى ومن موم إذا ~~اتكأت على الأنماط مرتفقا ... بدير مروان عندي أم كلثوم وأم كلثوم امرأته، ~~وهي ابنة عبد الله بن عامر. فبلغ معاوية شعره فأقسم عليه ليلحقن بسفيان في ~~أرض الروم ليصيبه ما أصاب الناس، فسار ومعه جمع كثير أضافهم إليه أبوه، ~~وكان في الجيش ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وغيرهم ~~وعبد العزيز ابن زرارة الكلابي، فأوغلوا في بلاد الروم حتى بلغوا ~~القسطنطينية، فاقتتل المسلمون والروم في بعض الأيام واشتدت الحرب بينهم، ~~فلم يزل عبد العزيز يتعرض للشهادة فلم يقتل، فأنشأ يقول: قد عشت في الدهر ~~أطوارا على طرق ... شتى فصادفت منها اللين والبشعا كلا بلوت فلا النعماء ~~تبطرني ... ولا تجشمت من لأوائها جزعا لا يملأ الأمر صدري قبل موقعه ... ~~ولا أضيق به ذرعا إذا وقعا ثم حمل على من يليه فقتل فيهم وانغمس بينهم، ~~فشجره الروم برماحهم حتى قتلوه، رحمه الله. فبلغ خبر قتله معاوية فقال ~~لأبيه: والله هلك فتى العرب! فقال: ابني أو ابنك؟ قال: ابنك، فآجرك الله. ~~فقال: فإن يكن الموت أودى به ... وأصبح مخ الكلابي زيرا فكل فتى شارب كأسه ~~... فإما صغيرا وإما كبيرا ثم رجع يزيد والجيش إلى الشام وقد توفي أبو أيوب ~~الأنصاري عند القسطنطينية فدفن بالقرب من سورها، فأهلها يستسقون به، وكان ~~قد شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وشهد ~~صفين مع علي وغيرها من حروبه. ### || AUT ذكر عزل مروان عن المدينة وولاية سعيد # وفيها عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة في ربيع الأول وأمر سعيد ~~ابن العاص عليها في ربيع الآخر، وقيل: في ربيع الأول، وكانت ولاية مروان ~~كلها بالمدينة لمعاوية ثماني سنين وشهرين؛ وكان على قضاء المدينة عبد الله ~~بن الحارث بن نوفل، فعزله سعيد حين ولي واستقضى أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. ### || AUT ذكر وفاة الحسن ms1205 بن علي بن أبي طالب # ### || AUT رضي الله عنه # في هذه السنة توفي الحسن بن علي، سمته زوجته جعدة بنت الأشعث ابن قيس ~~الكندي، ووصى أن يدفن عند النبي، صلى الله عليه وسلم، إلا أن تخاف فتنة ~~فينقل إلى مقابر المسلمين، فاستأذن الحسين عائشة فأذنت له، فلما توفي ~~أرادوا دفنه عند النبي، صلى الله عليه وسلم، فلم يعرض إليهم سعيد بن العاص، ~~وهو الأمير، فقام مروان بن الحكم وجمع بني أمية وشيعتهم ومنع عن ذلك، فأراد ~~الحسين الامتناع فقيل له: إن أخاك قال: إذا خفتم الفتنة ففي مقابر ~~المسلمين، وهذه فتنة. فسكت، وصلى عليه سعيد بن العاص، فقال له الحسين: لولا ~~أنه سنة لما تركتك تصلي عليه. ### | AUT ثم دخلت سنة خمسين # فيها كانت غزوة بسر بن أبي أرطأة وسفيان بن عوف الأزدي أرض الروم، وغزوة ~~فضالة بن عبيد الأنصاري في البحر. ### || AUT ذكر وفاة المغيرة بن شعبة # ### || AUT وولاية زياد الكوفة # في هذه السنة في شعبان كانت وفاة المغيرة بن شعبة في قول بعضهم، وهو ~~الصحيح، وكان الطاعون قد وقع بالكوفة، فهرب المغيرة منه، فلما ارتفع ~~الطاعون عاد إلى الكوفة فطعن فمات. وكان طوالا أعور ذهبت عينه يوم اليرموك، ~~وتوفي وهو ابن سبعين سنة، وقيل: كان موته سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة تسع ~~وأربعين. PageV02P0126 # فلما مات المغيرة استعمل معاوية زيادا على الكوفة والبصرة، وهو أول من ~~جمعتا له. فلما وليها سار إليها واستخلف على البصرة سمرة بن جندب، وكان ~~زياد يقيم بالوفة ستة أشهر وبالبصرة ستة أشهر، فلما وصل الكوفة خطبهم فحصب ~~وهو على المنبر، فجلس حتى أمسكوا ثم دعا قوما من خاصته فأمرهم فأخذوا أبواب ~~المسجد ثم قال: ليأخذ كل رجل منكم جليسه ولا يقولن لا أدري من جليسي، ثم ~~أمر بكرسي فوضع له على باب المسجد، فدعاهم أربعة أربعة يحلفون: ما منا من ~~حصبك، فمن حلف خلاه ومن لم يحلف حبسه، حتى صار إلى ثلاثين، وقيل: إلى ~~ثمانين، فقطع أيديهم على المكان. وكان أول قتيل قتله زياد ms1206 بالكوفة أوفى بن ~~حصن، وكان بلغه عنه شيء، فطلبه فهرب، فعرض الناس زياد، فمر به فقال: من ~~هذا؟ قال: أوفى بن حسن. فقال زياد: أتتك بحائن رجلاه. وقال له: ما رأيك في ~~عثمان؟ قال: ختن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ابنتيه. قال: فما تقول ~~في معاوية؟ قال: جواد حليم. قال: فما تقول في؟ قال: بلغني أنك قلت بالبصرة ~~والله لآخذن البريء بالسقيم، والمقبل بالمدبر. قال: قد قلت ذاك. قال: ~~خبطتها عشواء! فقال زياد: ليس النفاخ بشر الزمرة! فقتله. ولما قدم زياد ~~الكوفة قال له عمارة بن عقبة بن أبي معيط: إن عمرو ابن الحمق يجمع إليه ~~شيعة أبي تراب. فأرسل إليه زياد: ما هذه الجماعات عندك؟ من أردت كلامه ففي ~~المسجد. وقيل: الذي سعى بعمرو ويزيد بن رويم. فقال له زياد: قد أشطت بدمه، ~~ولو علمت أن مخ ساقه قد سال من بغضي ما هجته حتى يخرج علي. فاتخذ زياد ~~المقصورة حين حصب. فلما استخلف زياد سمرة على البصرة أكثر القتل فيها، فقال ~~ابن سيرين: قتل سمرة في غيبة زياد هذه ثمانية آلاف. فقال له زياد: أتخاف أن ~~تكون قتلت بريئا؟ فقال: لو قتلت معهم مثلهم ما خشيت. وقال أبو السوار ~~العدوي: قتل سمرة من قومي في غداة واحدة سبعة وأربعين كلهم قد جمع القرآن. ~~وركب سمرة يوما فلقي أوائل خيله رجلا فقتلوه، فمر به سمرة وهو يتشحط في دمه ~~فقال: ما هذا؟ فقيل: أصابه أوائل خيلك. فقال: إذا سمعتم بنا قد ركبنا ~~فاتقوا أسنتنا. ### || AUT ذكر خروج قريب # وفيها خرج قريب الأزدي وزحاف الطائي بالبصرة، وهما ابنا خالة، وزياد ~~بالكوفة وسمرة على البصرة، فأتيا بني ضبيعة، وهم سبعون رجلا، وقتلوا منهم ~~شيخا، وخرج على قريب وزحاف شباب من بني علي وبني راسب فرموهم بالنبل، وقتل ~~عبد الله بن أوس الطاحي قريبا وجاء برأسه. واشتد زياد في أمر الخوارج ~~فقتلهم، وأمر سمرة بذلك فقتل منهم بشرا كثيرا. وخطب زياد على المنبر فقال: ~~يا أهل البصرة والله لتكفنني هؤلاء ms1207 أو لأبدأن بكم! والله لئن أفلت منهم رجل ~~لا تأخذون العام من عطائكم درهما! فثار الناس بهم فقتلوهم. ### || AUT ذكر إرادة معاوية نقل المنبر من المدينة # وفي هذه السنة أمر معاوية بمنبر النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يحمل من ~~المدينة إلى الشام، وقال: لا يترك هو وعصا النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~بالمدينة وهم قتلة عثمان، وطلب العصا، وهو عند سعد القرظ، فحرك المنبر ~~فكسفت الشمس حتى رؤيت النجوم بادية، فأعظم الناس ذلك، فتركه. وقيل: أتاه ~~جابر وأبو هريرة وقالا له: يا أمير المؤمنين لا يصلح أن تخرج منبر رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، من موضع وضعه، ولا تنقل عصاه إلى الشام، فانقل ~~المسجد. فتركه وزاد فيه ست درجات واعتذر مما صنع. فلما ولي عبد الملك بن ~~مروان هم بالمنبر، فقال له قبيصة بن ذؤيب: أذكرك الله أن تفعل! إن معاوية ~~حركه فكسفت الشمس، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (من حلف على منبري ~~آثما فليتبوأ مقعده من النار)، فتخرجه من المدينة وهو مقطع الحقوق عندهم ~~بالمدينة! فتركه عبد الملك. فلما كان الوليد ابنه وحج هم بذلك، فأرسل سعيد ~~بن المسيب إلى عمر ابن عبد العزيز فقال: كلم صاحبك لا يتعرض للمسجد ولا لله ~~والسخط له. فكلمه عمر فتركه. ولما حج سليمان بن عبد الملك أخبره عمر بما ~~كان من الوليد، فقال سليمان: ما كنت أحب أن يذكر عن أمير المؤمنين عبد ~~الملك هذا ولا عن الوليد، ما لنا ولهذا! أخذنا الدنيا فهي في أيدينا ونريد ~~أن نعمد إلى علم من أعلام الإسلام يوفد إليه فنحمله إلى ما قبلنا! هذا ما ~~لا يصلح!. PageV02P0127 # وفيها عزل معاوية بن حديج السكوني عن مصر ووليها مسلمة بن مخلد مع ~~إفريقية، وكان معاوية بن أبي سفيان بعث قبل أن يولي مسلمة إفريقية ومصر ~~عقبة بن نافع إلى إفريقية، وكان اختط قيروانها، وكان موضعه غيضة لا ترام من ~~السباع والحيات وغيرها، فدعا الله عليها فلم يبق منها شيء إلا خرج هاربا ~~حتى ms1208 إن كانت السباع لتحمل أولادها هاربة بها، وبنى الجامع. فلما عزل معاوية ~~بن أبي سفيان بن حديج السكوني عن مصر عزل عقبة عن إفريقية وجمعها لمسلمة بن ~~مخلد، فهو أول من جمع له المغرب مع مصر، فولى مسلمة إفريقية مولى له يقال ~~له أبو المهاجر، فلم يزل عليها حتى هلك معاوية بن أبي سفيان. ### || AUT ذكر ولاية عقبة بن نافع إفريقية # ### || AUT وبناء مدينة القيروان # قد ذكر أبو جعفر الطبري أن في هذه السنة ولي مسلمة بن مخلد إفريقية، وأن ~~عقبة ولي قبله إفريقية وبنى القيروان، والذي ذكره أهل التاريخ من المغاربة: ~~أن ولاية عقبة بن نافع إفريقية كانت هذه السنة وبنى القيروان، ثم بقي إلى ~~سنة خمس وخمسين ووليها مسلمة بن مخلد، وهم أخبر ببلادهم، وأنا أذكر ما ~~أثبتوه في كتبهم: قالوا: إن معاوية بن أبي سفيان عزل معاوية بن حديج عن ~~إفريقية حسب واستعمل عليها عقبة بن نافع الفهري، وكان مقيما ببرقة وزويلة ~~مذ فتحها أيام عمرو بن العاص، وله في تلك البلاد جهاد وفتوح. فلما استعمله ~~معاوية سير إليه عشرة آلاف فارس، فدخل إفريقية وانضاف إليه من أسلم من ~~البربر، فكثر جمعه، ووضع السيف في أهل البلاد لأنهم كانوا إذا دخل إليهم ~~أمير أطاعوا وأظهر بعضهم الإسلام، فإذا عاد الأمير عنهم نكثوا وارتد من ~~أسلم، ثم رأى أن يتخذ مدينة يكون بها عسكر المسلمين وأهلهم وأموالهم ~~ليأمنوا من ثورة تكون من أهل البلاد، فقصد موضع القيروان، وكان أجمة مشتبكة ~~بها من أنواع الحيوان، من السباع والحيات وغير ذلك، فدعا الله، وكان مستجاب ~~الدعوة، ثم نادى: أيتها الحيات والسباع إنا أصحاب رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، ارحلوا عنا فإنا نازلون ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه. فنظر الناس ذلك ~~اليوم إلى الدواب تحمل أولادها وتنتقل، فرآه قبيل كثير من البربر فأسلموا، ~~وقطع الأشجار وأمر ببناء المدينة، فبنيت، وبنى المسجد الجامع، وبنى الناس ~~مساجدهم ومساكنهم، وكان دورها ثلاثة آلاف باع وستمائة باع، وتم أمرها سنة ~~خمس وخمسين وسكنها الناس، ms1209 وكان في أثناء عمارة المدينة يغزو ويرسل السرايا، ~~فتغير وتنهب، ودخل كثير من البربر في الإسلام، واتسعت خطة المسلمين وقوي ~~جنان من هناك من الجنود بمدينة القيروان وأمنوا واطمأنوا على المقام فثبت ~~الإسلام فيها. ### || AUT ذكر ولاية مسلمة بن مخلد إفريقية # ثم إن معاوية بن أبي سفيان استعمل على مصر وإفريقية مسلمة بن مخلد ~~الأنصاري، فاستعمل مسلمة على إفريقية مولى له يقال له أبو المهاجر، فقدم ~~إفريقية وأساء عزل عقبة واستخف به، وسار عقبة إلى الشام وعاتب معاوية على ~~ما فعله به أبو المهاجر، فاعتذر إليه ووعده بإعادته إلى عمله، وتمادى الأمر ~~فتوفي معاوية وولي بعده ابنه يزيد، فاستعمل عقبة بن نافع على البلاد سنة ~~اثنتين وستين، فسار إليها. وقد ذكر الواقدي أن عقبة بن نافع ولي إفريقية ~~سنة ست وأربعين واختط القيروان، ولم يزل عقبة على إفريقية إلى سنة اثنتين ~~وستين، فعزله يزيد بن معاوية واستعمل أبا المهاجر مولى الأنصار، فحبس عقبة ~~وضيق عليه، فلما بلغ يزيد ابن معاوية ما فعل بعقبة كتب إليه يأمره بإطلاقه ~~وإرساله إليه، ففعل ذلك، ووصل عقبة إلى يزيد فأعاده إلى إفريقية واليا ~~عليها، فقبض على أبي المهاجر وأوثقه، وساق من خبر كسيلة مث ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى سنة اثنتين وستين. ### || AUT ذكر هرب الفرزدق من زياد # وفيها طلب زياد الفرزدق، استعدته عليه بنو نهشل وفقيم. وسبب ذلك، قال ~~الفرزدق: هاجيت الأشهب بن زميله والبعيث فسقطا، فاستعدى علي بنو نهشل وبنو ~~فقيم زياد بن أبيه، واستعدى علي أيضا يزيد ابن مسعود بن خالد بن مالك، قال: ~~فلم يعرفني زياد حتى قيل له الغلام الأعرابي الذي أنهب ماله وثيابه، ~~فعرفني. PageV02P0128 # قال الفرزدق: وكان أبي غالب قد أرسلني في جلب له أبيعه وأمتار له، فبعت ~~الجلب بالبصرة وجعلت ثمنه في ثوبي، فعرض لي رجل فقال: لشد ما تستوثق منها، ~~أما لو كان مكانك رجل أعرفه ما صر عليها. فقلت: ومن هو؟ قال: غالب بن صعصعة ~~وهو أبو الفرزدق. فدعوت أهل المربد ونثرتها. فقال لي ms1210 قائل: ألق رداءك. ~~ففعلت. فقال آخر: ألق ثوبك. ففعلت. وقال آخر: ألق عمامتك. ففعلت. فقال آخر: ~~ألق إزارك. فقلت: لا ألقيه وأمشي مجردا، إني لست بمجنون. وبلغ الخبر زيادا ~~فقال: هذا أحمق يضري الناس بالنهب، فأرسل خيلا إلى المربد ليأتوه بي، ~~فأتاني رجل من بني الهجيم على فرس له وقال: النجاء النجاء! وأردفني خلفه، ~~ونجوت، فأخذ زياد عمين لي: ذهيلا والزحاف ابني صعصعة، وكانا في الديوان، ~~فحبسهما أياما ثم كلم فيهما فأطلقهما، وأتيت أبي فأخبرته خبري، فحقدها عليه ~~زياد. ثم وفد الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة السعديان والجون بن قتادة ~~العبشمي والحتات بن يزيد أبو منازل المجاشعي إلى معاوية بن أبي سفيان، ~~فأعطى كل رجل منهم جائزة مائة ألف، وأعطى الحتان سبعين ألفا. فلما كانوا في ~~الطريق ذكر كل منهم جائزته. فرجع الحتات إلى معاوية فقال: ما ردك؟ قال: ~~فضحتني في بني تميم! أما حسبي صحيح؟ أولست ذا سن؟ ألست مطاعا في عشيرتي؟ ~~قال: بلى. قال: فما بالك خسست بي دون القوم وأعطيت من كان عليك أكثر ممن ~~كان لك؟ وكان حضر الجمل مع عائشة، وكان الأحنف وجارية يريدان عليا، وإن كان ~~الأحنف والجون اعتزلا القتال مع علي لكنهما كانا يريدانه. قال: إني اشتريت ~~من القوم دينهم، ووكلتك إلى دينك ورأيك في عثمان، وكان عثمانيا. فقال: وأنا ~~فاشتر مني ديني. فأمر له بإتمام جائزته، ثم مات الحتات فحبسها معاوية، فقال ~~الفرزدق في ذلك؛ شعر: أبوك وعمي يا معاوي أورثا ... تراثا فيحتاز التراث ~~أقاربه فما بال ميراث الحتات أخذته ... وميراث صخر جامد لك ذائبه فلو كان ~~هذا الأمر في جاهلية ... علمت من المرء القليل حلائبه ولو كان في دين سوى ~~ذا شنئتم ... لنا حقنا أو غص بالماء شاربه وأنشد محمد بن علي ألست أعز ~~الناس قوما وأسرة ... وأمنعهم جارا إذا ضيم جانبه وما ولدت بعد النبي وآله ~~... كمثلي حصان في الرجال يقاربه وبيتي إلى جنب الثريا فناؤه ... ومن دونه ~~البدر المضيء كواكبه أنا ابن الجبال الشم في عدد الحصى ... وعرق ms1211 الثرى عرقي ~~فمن ذا يحاسبه وكم من أب لي يا معاوي لم يزل ... أغر يباري الريح ما ازور ~~جانبه نمته فروع المالكين ولم يكن ... أبوك الذي من عبد شمس يقاربه تراه ~~كنصل السيف يهتز للندى ... كريما يلاقي المجد ما طر شاربه طويل نجاد السيف ~~مذ كان لم يكن ... قصي وعبد الشمس ممن يخاطبه يريد بالمالكين مالك بن حنظلة ~~ومالك بن زيد مناة بن تميم، وهما جداه. لأن الفرزدق ابن غالب بن صعصعة بن ~~ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك ~~بن زيد مناة بن تميم. فلما بلغ معاوية شعره رد على أهله ثلاثين ألفا، ~~فأغضبت أيضا زيادا عليه، فلما استعدت عليه نهشل وفقيم ازداد عليه غضبا ~~فطلبه فهرب وأتى عيسى ابن خصيلة السلمي ليلا وقال له: إن هذا الرجل قد ~~طلبني وقد لفظني الناس وقد أتيتك لتغيثني عندك. فقال: مرحبا بك. فكان عنده ~~ثلاث ليال. ثم قال له: قد بدا لي أن آتي الشام، فسيره. وبلغ زيادا مسيره ~~فأرسل في أثره، فلم يدرك، وأتى الروحاء فنزل في بكر بن وائل فأمن ومدحهم ~~بقصائد. ثم كان زياد إذا نزل البصرة نزل الفرزدق الكوفة، وإذا نزل الكوفة ~~نزل الفرزدق البصرة، فبلغ ذلك زيادا فكتب إلى عامله على الكوفة، وهو عبد ~~الرحمن بن عبيد، يأمره بطلب الفرزدق، ففارق الكوفة نحو الحجاز، فاستجار ~~بسعيد بن العاص فأجاره فمدحه الفرزدق، ولم يزل بالمدينة مرة وبمكة مرة حتى ~~هلك زياد. PageV02P0129 # وقد قيل: إن الفرزدق إنما قال هذا الشعر لأن الحتات لما أسمل آخى النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، بينه وبين معاوية، فلما مات الحتات بالشام ورثه معاوية ~~بتلك الأخوة فقال الفرزدق هذا الشعر. وهذا القول ليس بشيء لأن معاوية لم ~~يكن يجهل أن هذه الأخوة لا يرث بها أحد. الحتات بضم الحاء وبتائين مثناتين ~~من فوقهما بينهما ألف. ### || AUT ذكر وفاة الحكم بن عمرو الغفاري # في هذه السنة توفي الحكم بن عمرو الغفاري بمرو بعد انصرافه ms1212 من غزوة جبل ~~الأشل في قول، وقد تقدم ذكر وفاته في قول آخر، وكان زياد قد كتب إليه: إن ~~أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أصطفي له الصفراء والبيضاء فلا تقسم بين ~~الناس ذهبا ولا فضة. فكتب إليه الحكم: بلغني ما أمر به أمير المؤمنين، وإني ~~وجدت كتاب الله قبل كتابه، وإنه والله لو أن السموات والأرض كانتا رتقا على ~~عبد ثم اتقى الله لجعل له فرجا ومخرجا، ثم قال للناس: اغدوا على أعطياتكم ~~ومالكم، فقسمه بينهم، ثم قال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك. ~~فتوفي بمرو. وله صحبة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة معاوية، وقيل: بل حج ابنه يزيد، وكان العمال على ~~البلاد من تقدم ذكرهم. وفيها توفي سعد بن أبي وقاص بالعقيق فحمل على الرقاب ~~إلى المدينة فدفن بها، وقيل: توفي سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة خمس وخمسين، ~~وعمره أربع وسبعون، وقيل: ثلاث وثمانون سنة، وهو أحد العشرة، وكان قصيرا ~~دحداحا. وفيها توفيت صفية بنت حيي زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، وقيل: ~~توفيت أيام عمر. وفيها توفي عثمان بن أبي العاص الثقفي. وعبد الرحمن بن ~~سمرة بن حبيب بن عبد شمس، توفي بالبصرة. وأبو موسى الأشعري، وقيل: توفي سنة ~~اثنتين وخمسين. وفيها توفي زيد بن خالد الجهني، وقيل: توفي سنة ثمان وستين، ~~وقيل: ثمان وسبعين. وفيها توفي مدلاج بن عمر السلمي، وكان قد شهد المشاهد ~~كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكلهم لهم صحبة. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وخمسين # وفيها كان مشتى فضالة بن عبيد بأرض الروم، وغزوة بسر بن أبي أرطأة الصائفة. ### || AUT ذكر مقتل حجر بن عدي # ### || AUT وعمرو بن الحمق وأصحابهما # في هذه السنة قتل حجر بن عدي وأصحابه. وسبب ذلك أن معاوية استعمل ~~المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين، فلما أمره عليها دعاه وقال ~~له: أما بعد فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا، وقد يجزي عنك الحكيم ~~بغير التعليم، وقد أردت إيصاءك ms1213 بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتمادا على بصرك، ~~ولست تاركا أيصاءك بخصلة: لا تترك شتم علي وذمه، والترحم على عثمان ~~والاستغفار له، والعيب لأصحاب علي والإقصاء لهم، والإطراء بشيعة عثمان ~~والإدناء لهم. فقال له المغيرة: قد جربت وجربت، وعملت قبلك لغيرك فلم ~~يذممني، وستبلوا فتحمد أو تذم. فقال: بل نحمد إن شاء الله. فأقام المغيرة ~~عاملا على الكوفة وهو أحسن شيء سيرة، غير أنه لا يدع شتم علي والوقوع فيه ~~والدعاء لعثمان والاستغفار له، فإذا سمع ذلك حجر بن عدي قال: بل إياكم ذم ~~الله ولعن! ثم قام وقال: أنا أشهد أن من تذمون أحق بالفضل، ومن تزكون أولى ~~بالذم. فيقول له المغيرة: يا حجر اتق هذا السلطان وغضبه وسطوته، فإن غضب ~~السلطان يهلك أمثالك، ثم يكف عنه ويصفح. فلما كان آخر إمارته قال في علي ~~وعثمان ما كان يقوله، فقام حجر فصاح صيحة بالمغيرة سمعها كل من بالمسجد ~~وقال له: مر لنا أيها الإنسان بأرزاقنا فقد حبستها عنا وليس ذلك لك، وقد ~~أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين. فقام أكثر من ثلثي الناس يقولون: صدق حجر ~~وبر، مر لنا بأرزاقنا فإن ما أنت عليه لا يجدي علينا نفعا! وأكثروا من هذا ~~القول وأمثاله. فنزل المغيرة باستأذن عليه قومه ودخلوا وقالوا: علام نترك ~~هذا الرجل يجترىء عليك في سلطانك ويقول لك هذه المقالة فيوهن سلطانك ويسخط ~~عليك أمير المؤمنين معاوية؟ فقال لهم المغيرة: إني قد قتلته، سيأتي من بعدي ~~أمير يحسبه مثلي فيصنع به ما ترونه يصنع بي فيأخذه ويقتله! إني قد قرب أجلي ~~ولا أحب أن أقتل خيار أهل هذا المصر فيسعدوا وأشقى ويعز في الدنيا معاوية ~~ويشقى في الآخرة المغيرة. PageV02P0130 # ثم توفي المغيرة وولي زياد، فقام في الناس فخطبهم عند قدومه ثم ترحم على ~~عثمان وأثنى على أصحابه ولعن قاتليه. فقام حجر ففعل كما كان يفعل بالمغيرة. ~~ورجع زياد إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث، فبلغه أن حجرا ~~يجتمع إليه شيعة علي ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه وأنهم ms1214 حصبوا عمرو بن ~~حريث، فشخص زياد إلى الكوفة حتى دخلها فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ~~وحجر جالس، ثم قال: أما بعد فإن غب البغي والغي وخيم، إن هؤلاء جموا ~~فأشروا، وأمنوني فاجترؤوا على الله، لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم، ~~ولست بشيء إن لم أمنع الكوفة من حجر وأدعه نكالا لمن بعده، ويل أمك يا حجر ~~سقط العشاء بك على سرحان. وأرسل إلى حجر يدعوه وهو بالمسجد، فلما أتاه رسول ~~زياد يدعوه قال أصحابه: لا تأته ولا كرامة. فرجع الرسول فأخبر زيادا، فأمر ~~صاحب شرطته، وهو شداد بن الهيثم الهلالي، أن يبعث إليه جماعة ففعل، فسبهم ~~أصحاب حجر، فرجعوا وأخبروا زيادا، فجمع أهل الكوفة وقال: تشجون بيد وتأسون ~~بأخرى! أبدانكم معي وقلوبكم مع حجر الأحمق! هذا والله من دحسكم! والله ~~ليظهرن لي براءتكم أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم! فقالوا: معاذ ~~الله أن يكون لنا رأي إلا طاعتك وما فيه رضاك. قال: فليقم كل رجل منكم ~~فليدع من عند حجر من عشيرته وأهله. ففعلوا وأقاموا أكثر أصحابه عنه. وقال ~~زياد صاحب شرطته: انطلق إلى حجر فإن تبعك فأتني به وإلا فشدوا عليهم ~~بالسيوف حتى تأتوني به. فأتاه صاحب الشرطة يدعوه، فمنعه أصحابه من إجابته، ~~فحمل عليهم، فقال أبو العمرطة الكندي لحجر: إنه ليس معك من معه سيف غيري ~~وما يغني عنك سيفي، قم فالحق بأهلك يمنعك قومك. وزياد ينظر إليهم وهو على ~~المنبر، وغشيهم أصحاب زياد، وضرب رجل من الحمراء رأس عمرو بن الحمق بعموده ~~فوقع، وحمله أصحابه إلى الأزد فاختفى عندهم حتى خرج، وانحاز أصحاب حجر إلى ~~أبواب كندة، وضرب بعض الشرطة يد عائذ بن حملة التميمي وكسر نابه وأخذ عمودا ~~من بعض الشرط فقاتل به وحمى حجرا وأصحابه حتى خرجوا من أبواب كندة، وأتى ~~حجر بغلته، فقال له أبو العمرطة: اركب فقد قتلتنا ونفسك. وحمله حتى أركبه، ~~وركب أبو العمرطة فرسه، ولحقه يزيد بن طريف المسلي فضرب أبا العمرطة على ~~فخذه بالعمود، وأخذ أبو العمرطة سيفه فضرب ms1215 به رأسه فسقط، ثم برأ؛ وله يقول ~~عبد الله بن همام السلولي: ألؤم ابن لؤم ما عدا بك حاسرا ... إلى بطل ذي ~~جرأة وشكيم معاود ضرب الدارعين بسيفه ... على الهام عند الروع غير لئيم إلى ~~فارس الغارين يوم تلاقيا ... بصفين قرم خير نجل قروم حسبت ابن برصاء الحتار ~~قتاله ... قتالك زيدا يوم دار حكيم وكان ذلك السيف أول سيف ضرب به في ~~الكوفة في اختلاف بين الناس. ومضى حجر وأبو العمرطة إلى دار حجر واجتمع ~~إليهما ناس كثير، ولم يأته من كندة كثير أحد. فأرسل زياد. وهو على المنبر، ~~مذحج وهمدان إلى جبانة كندة وأمرهم أن يأتوه بحجر، وأرسل سائر أهل اليمن ~~إلى جبانة الصائدين وأمرهم أن يمضوا إلى صاحبهم حجر فيأتوه به، ففعلوا، ~~فدخل مذحج وهمدان إلى جبانة كندة فأخذوا كل من وجدوا، فأثنى عليهم زياد. ~~فلما رأى حجر قلة من معه أمرهم بالانصراف وقال لهم: لا طاقة لكم بمن قد ~~اجتمع عليكم وماأحب أن تهلكوا. فخرجوا، فأدركهم مذحج وهمدان فقاتلوهم ~~وأسروا قيس بن يزيد ونجا الباقون، فأخذ حجر طريقا إلى بني حوت فدخل دار رجل ~~منهم يقال له سليم بن يزيد، وأدركه الطلب فأخذ سليم سيفه ليقاتل، فبكت ~~بناته، فقال حجر: بئس ما أدخلت على بناتك إذا! قال: والله لا تؤخذ من داري ~~أسيرا ولا قتيلا وأنا حي. فخرج حجر من خوخة في داره فأتى النخع فنزل دار ~~عبد الله بن الحارث أخي الأشتر، فأحسن لقاءه. فبينما هو عنده إذ قيل له: إن ~~الشرط تسأل عنك في النخع. وسبب ذلك أن أمة سوداء لقيتهم فقالت: من تطلبون؟ ~~فقالوا: حجر بن عدي. فقالت: هو في النخع. فخرج حجر من عنده فأتى الأزد ~~فاختفى عند ربيعة بن ناجد. PageV02P0131 # فلما أعياهم طلبه دعا زياد محمد بن الأشعث وقال له: والله لتأتيني به أو ~~لأقطعن كل نخلة لك وأهدم دورك ثم لا تسلم مني حتى أقطعك إربا إربا. ~~فاستمهله، فأمهله ثلاثا وأحضر قيس بن يزيد أسيرا، فقال له زياد: لابأس ~~عليك، قد ms1216 عرفت رأيك في عثمان وبلاءك مع معاوية بصفين وأنك إنما قاتلت مع ~~حجر حمية وقد غفرتها لك ولكن ائتني بأخيك عمير. فاستأمن له منه على ماله ~~ودمه، فآمنه، فأتاه به وهو جريح فأثقله حديدا، وأمر الرجال أن يرفعوه ~~ويلقوه، ففعلوا به ذلك مرارا، فقال قيس بن يزيد لزياد: ألم تؤمنه؟ قال: بلى ~~قد آمنته على دمه ولست أهريق له دما. ثم ضمنه وخلى سبيله. ومكث حجر بن عدي ~~في بيت ربيعة يوما وليلة، فأرسل إلى محمد بن الأشعث يقول له ليأخذ له من ~~زياد أمانا حتى يبعث به إلى معاوية. فجمع محمد جماعة، منهم: جرير بن عبد ~~الله، وحجر بن يزيد، وعبد الله بن الحارث أخو الأشتر، فدخلوا على زياد ~~فاستأمنوا له على أن يرسله إلى معاوية، فأجابهم، فأرسلوا إلى حجر بن عدي ~~فحضر عند زياد، فلما رآه قال: مرحبا بك أبا عبد الرحمن، حرب أيام الحرب، ~~وحرب وقد سالم الناس، على أهلها تجني براقش، فقال حجر: ما خلعت طاعة، ولا ~~فارقت جماعة، وإني على بيعتي فقال: هيهات يا حجر! تشج بيد وتأسو بأخرى. ~~فأمر إلى السجن. فلما ولى قال زياد: والله لأحرصن على قطع خيط رقبته! وطلب ~~أصحابه، فخرج عمرو بن الحمق حتى أتى الموصل ومعه رفاعة بن شداد فاختفيا ~~بجبل هناك، فرفع خبرهما إلى عامل الموصل، فسار إليهما، فخرجا إليه فأما ~~عمرو فكان قد استسقى بطنه ولم يكن عنده امتناع، وأما رفاعة فكان شابا قويا ~~فركب فرسه ليقاتل عن عمرو، فقال له عمرو: ما ينفعني قتالك عني؟ انج بنفسك! ~~فحمل عليهم، فأفرجوا له، فنجا، وأخذ عمرو أسيرا، فسألوه: من أنت؟ فقال: من ~~إن تركتموه كان أسلم لكم، وإن قتلتموه كان أضر عليكم؛ ولم يخبرهم. فبعثوه ~~إلى عامل الموصل، وهو عبد الرحمن بن عثمان الثقفي الذي يعرف بابن أم الحكم، ~~وهو ابن أخت معاوية، فعرفه فكتب فيه إلى معاوية. فكتب إليه: إنه زعم أنه ~~طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص معه فاطعنه كما طعن عثمان. فأخرج وطعن. فمات في ~~الأولى ms1217 منهن أو الثانية. وجد زياد في طلب أصحاب حجر فهربوا، وأخذ من قدر ~~عليه منهم. فأتي بقبيصة بن ضبيعة العبسي بأمان فحبسه، وجاء قيس بن عباد ~~الشيباني إلى زياد فقال له: إن امرأ منا يقال له صيفي بن فسيل من رؤوس ~~أصحاب حجر. فبعث زياد فأتي به، فقال: يا عدو الله ما تقول في أبي تراب؟ ~~قال: ما أعرب أبا تراب. فقال: ما أعرفك به! أتعرف علي بن أبي طالب؟ قال: ~~نعم. قال: فذاك أبو تراب. قال: كلا. ذاك أبو الحسن والحسين. فقال له صاحب ~~الشرطة: يقول الأمير هو أبو تراب وتقول لا! قال: فإن كذب الأمير أكذب أنا ~~وأشهد على باطل كما شهد؟ فقال له زياد: وهذا أيضا، علي بالعصا، فأتي بها، ~~فقال: ما تقول في علي؟ قال: أحسن قول. قال: اضربوه، حتى لصق بالأرض، ثم ~~قال: أقلعوا عنه، ما قولك في علي؟ قال: والله لو شرحتني بالمواسي ما قلت ~~إلا ما سمعت مني. قال: لتلعننه أو لأضربن عنقك! قال: لا أفعل. فأوثقوه ~~حديدا وحبسوه. قيل: وعاش قيس بن عباد حتى قاتل مع ابن الأشعث في مواطنه. ثم ~~دخل الكوفة فجلس في بيته، فقال حوشب للحجاج: إن هنا امرأ صاحب فتن لم تكن ~~فتنة بالعراق إلا وثب فيها، وهو ترابي يلعن عثمان، وقد خرج مع ابن الأشعث ~~حتى هلك، وقد جاء فجلس في بيته. فبعث إليه الحجاج فقتله، فقال بنو أبيه لآل ~~حوشب: سعيتم بصاحبنا! فقالوا: وأنتم أيضا سعيتم بصاحبنا، يعني صيفيا ~~الشيباني. PageV02P0132 # وأرسل زياد إلى عبد الله بن خليفة الطائي، فتوارى، فبعث إليه الشرط ~~فأخذوه، فخرجت أخته النوار فحرضت طيئا، فثاروا بالشرط وخلصوه، فرجعوا إلى ~~زياد فأخبروه، فأخذ عدي بن حاتم وهو في المسجد فقال: ايتني بعبد الله! قال: ~~وما حاله؟ فأخبره، فقال: لا علم لي بهذا! قال: لتأتيني به. قال: لا آتيك به ~~أبدا، آتيك بابن عمي تقتله! والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه! فأمر به ~~إلى السجن، فلم يبق بالكوفة يمني ولا ربعي إلا ms1218 كلم زيادا وقالوا: تفعل هذا ~~بعدي بن حاتم صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ فقال: فإني أخرجه على ~~شرط أن يخرج ابن عمه عني فلا يدخل الكوفة ما دام لي سلطان. فأجابوه إلى ~~ذلك، وأرسل عدي إلى عبد الله يعرفه ما كان وأمره أن يلحق بجبلي طيء، فخرج ~~إليهما، وكان يكتب إلى عدي ليشفع فيه ليعود إلى الكوفة، وعدي يمنيه؛ فمما ~~كتب إليه يعاتبه ويرثي حجرا وأصحابه قوله: تذكرت ليلى والشبيبة أعصرا ... ~~وذكر الصبا برح على من تذكرا وولى الشباب فافتقدت غصونه ... فيا لك من وجد ~~به حين أدبرا فدع عنك تذكار الشباب وفقده ... وأسبابه إذ بان عنك فأجمرا ~~وبك على الخلان لما تخرموا ... ولم يجدوا على منهل الموت مصدرا دعتهم ~~مناياهم ومن حان يومه ... من الناس فاعلم أنه لن يؤخرا أولئك كانوا شيعة لي ~~وموئلا ... إذا اليوم ألفي ذا احتدام مذكرا وما كنت أهوى بعدهم متعللا ... ~~بشيء من الدنيا ولا أن أعمرا أقول ولا والله أنسى ادكارهم ... سجيس الليالي ~~أو أموت فأقبرا على أهل عذراء السلام مضاعفا ... من الله وليسق الغمام ~~الكنهوار ولاقى بها حجر من الله رحمة ... فقد كان أرضى الله حجر وأعذرا ولا ~~زال تهطال ملث وديمة ... على قبر حجر أو ينادى فيحشرا فيا حجر من للخيل ~~تدمى نحورها ... وللملك المغري إذا ما تغشمرا ومن صداع بالحق بعدك ناطق ... ~~بتقوى ومن إن قيل بالجور غيرا فنعم أخو الإسلام كنت وإنني ... لأطمع أن ~~تؤتى الخلود وتحبرا وقد كنت تعطي السيف في الحرب حقه ... وترعف معروفا ~~وتنكر منكرا فيا أخوينا من هميم عصمتما ... ويسرتما للصالحات فأبشرا ويا ~~أخوي الخندفيين أبشرا ... بما معنا حييتما أن تتبرا ويا إخوتا من حضرموت ~~وغالب ... وشيبان لقيتم جنانا مبشرا سعدتم فلم أسمع بأصوب منكم ... حجاجا ~~لدى الموت الجليل وأصبرا سأبكيكم ما لاح نجم وغرد ال ... حمام ببطن ~~الواديين وقرقرا فقلت ولم أظلم: أغوث بن طيء ... متى كنت أخشى بينكم أن ~~أسيرا هبلتم ألا قاتلتم عن أخيكم ... وقد دث حتى مال ثم تجورا تفرجتم ms1219 عني ~~فغودرت مسلما ... كأني غريب من إياد وأعصرا فمن لكم مثلي لدى كل غارة ... ~~ومن لكم مثلي إذا البأس أصحرا ومن لكم مثلي إذا الحرب قلصت ... وأوضع فيها ~~المستميت وشمرا فها أنا ذا آوي بأجبال طيء ... طريدا فلو شاء الإله لغيرا ~~نفاني عدوي ظالما عن مهاجري ... رضيت بما شاء الإله وقدرا وأسلمني قومي ~~بغير جناية ... كأن لم يكونوا لي قبيلا ومعشرا فإن ألف في دار بأجبال طيء ~~... وكان معانا من عصير ومحضرا فما كنت أخشى أن أرى متغربا ... لحى الله من ~~لاحى عليه وكشرا لحى الله قيل الحضرميين وائلا ... ولاقى القناني بالسنان ~~المؤمرا ولاقى الردى القوم الذين تحزبوا ... علينا وقالوا قول زور ومنكرا ~~PageV02P0133 # فلا يدعني قوم لغوث بن طيء ... لئن دهرهم أشقى بهم وتغيرا فلم أغزهم في ~~المعلمين ولم أثر ... عليهم عجاجا بالكويفة أكدرا فبلع خليلي إن رحلت مشرقا ~~... جديلة والحيين معنا وبحترا ونبهان والأفناء من جذم طيء ... ألم أك فيكم ~~ذا الغناء العشنزرا ألم تذكروا يوم العذيب أليتي ... أمامكم أن لا أرى ~~الدهر مدبرا وكري على مهران والجمع حابس ... وقتلي الهمام المستميت المسورا ~~ويوم جلولاء الوقيعة لم ألم ... ويوم نهاوند الفتوح وتسترا وتنسونني يوم ~~الشريعة والقنا ... بصفين في أكتافهم قد تكسرا جزى ربه عني عدي بن حاتم ... ~~برفضي وخذلاني جزاء موفرا أتنسى بلائي سادرا يا ابن حاتم ... عشية ما أغنت ~~عديك حزمرا فدافعت عنك القوم حتى تخاذلوا ... وكنت أنا الخصم الألد العذورا ~~تولوا وما قاموا مقامي كأنما ... رأوني ليثا بالأباءة مخدرا وقد تقدم ما ~~فعله عبد الله مع عدي في وقعة صفين، فلهذا لم نذكره ها هنا. نصرتك إذ خان ~~القريب وأبعط ال ... بعيد وقد أفردت نصرا مؤزرا فكان جزائي أن أجرد بينكم ~~... سحيبا وأن أولى الهوان وأوسرا وكم عدة لي منك أنك راجعي ... فلم تغن ~~بالميعاد عني حبترا فأصبحت أرعى النيب طورا وتارة ... أهرهر إن راعي ~~الشويهات هرهرا كأني لم أركب جوادا لغارة ... ولم أترك القرن الكمي مقطرا ~~ولم أعترض بالسيف منكم مغيرة ... إذ النكس مشى القهقرى ثم ms1220 جرجرا ولم أستحث ~~الركض في إثر عصبة ... ميممة عليا سجاس وأبهرا ولم أذعر الأبلام مني بغارة ~~... كورد القطا ثم انحدرت مظفرا ولم أر في خيل تطاعن مثلها ... بقزوين أو ~~شرودين أو أغر كيدرا فذلك دهر زال عني حميده ... وأصبح لي معروفه قد تنكرا ~~فلا يبعدن قومي وإن كنت عاتبا ... وكنت المضاع فيهم والمكفرا ولا خير في ~~الدنيا ولا العيش بعدهم ... وإن كنت عنهم نائي الدار محصرا فمات عبد الله ~~بالجبلين قبل موت زياد، ثم أتي زياد بكريم بن عفيف الخثعمي من أصحاب حجر بن ~~عدي، فقال: ما اسمك؟ قال: كريم بن عفيف. قال: ما أحسن اسمك واسم أبيك وأسوأ ~~عملك ورأيك! فقال له: أما والله إن عهدك برأيي منذ قريب. قال: وجمع زياد من ~~أصحاب عدي اثني عشر رجلا في السجن ثم دعا رؤساء الأرباع يومئذ، وهم: عمرو ~~بن حريث على ربع أهل المدينة، وخالد ابن عرفطة على ربع تميم وهمدان، وقيس ~~بن الوليد على ربع ربيعة وكندة، وأبو بردة بن أبي موسى على ربع مذحج وأسد، ~~فشهد هؤلاء أن حجرا جمع إليه الجموع وأظهر شتم الخليفة ودعا إلى حرب أمير ~~المؤمنين، وزعم أن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل أبي طالب، ووثب بالمصر، ~~وأخرج عامل أمير المؤمنين، وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه، والبراءة من ~~عدوه وأهل حربه، وأن هؤلاء النفر الذين معه هم رؤوس أصحابه على مثل رأيه ~~وأمره. ونظر زياد في شهادة الشهود وقال: إني لأحب أن يكونوا أكثر من أربعة، ~~فدعا الناس ليشهدوا عليه، فشهد إسحاق وموسى ابنا طلحة بن عبيد الله، ~~والمنذر ابن الزبير، وعمارة بن عقبة بن أبي معيط، وعمرو بن سعد بن أبي ~~وقاص، وغيرهم، وكتب في الشهود شريح بن الحارث القاضي وشريح بن هانىء، فأما ~~شريح بن هانىء فكان يقول: ما شهدت وقد لمته. PageV02P0134 # ثم دفع زياد حجر بن عدي وأصحابه إلى وائل بن حجر الحضرمي وكثير ابن شهاب، ~~وأمرهما أن يسيرا بهم إلى الشام، فخرجوا عشية، فلما بلغوا الغريين لحقهم ms1221 ~~شريح بن هانىء وأعطى وائلا كتابا وقال: أبلغه أمير المؤمنين، فأخذه، وساروا ~~حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء عند دمشق، وكانوا: حجر ابن عدي الكندي، ~~والأرقم بن عبد الله الكندي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل ~~الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، وكريم بن عفيف الخثعمي، وعاصم بن عوف ~~البجلي، وورقاء بن سمي البجلي، وكدام بن حيان، وعبد الرحمن بن حسان ~~العنزيين، ومحرز بن شهاب التميمي، وعبد الله بن حوية السعدي التميمي، ~~فهؤلاء اثنا عشر رجلان وأتبعهم زياد برجلين، وهما: عتبة بن الأخنس من سعد ~~بن بكر، وسعد بن نمران الهمداني، فتموا أربعة عشر رجلا. فبعث معاوية إلى ~~وائل بن حجر وكثير بن شهاب، فأدخلهما وأخذ كتابهما فقرأه، ودفع إليه وائل ~~كتاب شريح بن هانىء، فإذا فيه: بلغني أن زيادا كتب شهادتي، وإن شهادتي على ~~حجر أنه ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويديم الحج والعمرة ويأمر بالمعروف ~~وينهى عن المنكر حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله وإن شئت فدعه. فقال ~~معاوية: ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم وحبس القوم بمرج عذراء. ~~فوصل إليهم الرجلان اللذان ألحقهما زياد بحجر وأصحابه، فلما وصلا سار عامر ~~بن الأسود العجلي إلى معاوية ليعلمه بهما، فقام إليه حجر بن عدي في قيوده ~~فقال له: أبلغ معاوية أن دماءنا عليه حرام، وأخبره أنا قد أومنا وصالحناه ~~وصالحنا، وأنا لم نقتل أحدا من أهل القبلة فيحل له دماؤنا. فدخل عامر على ~~معاوية فأخبره بالرجلين، فقام يزيد بن أسد البجلي فاستوهبه ابني عمه، وهما: ~~عاصم وورقاء وكان جرير بن عبد الله البجلي قد كتب فيهما يزكيهما ويشهد لهما ~~بالبراءة مما شهد عليهما، فأطلقهما معاوية، وشفع حمرة بن مالك الهمداني في ~~سعد بن نمران فوهبه له، وشفع حبيب بن مسلمة في ابن حوية فتركه له، وقام ~~مالك بن هبيرة السكوني فقال: دع لي ابن عمي حجرا. فقال له: هو رأس القوم ~~وأخاف إن خليت سبيله أن يفسد علي مصره فنحتاج أن نشخصك إليه بالعراق. فقال: ~~والله ms1222 ما أنصفتني يا معاوية! قاتلت معك ابن عمك يوم صفين حتى ظفرت وعلا ~~كعبك ولم تخف الدوائر، ثم سألتك ابن عمي فمنعتني! ثم انصرف فجلس في بيته. ~~فبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي، والحصين بن عبد الله الكلابي، وأبا شريف ~~البدي إلى حجر وأصحابه ليقتلوا من أمروا بقتله منهم، فأتوهم عند المساء. ~~فلما رأى الخثعمي أحدهم أعور قال: يقتل نصفنا ويترك نصفنا، فتركوا ستة ~~وقتلوا ثمانية، وقالوا لهم قبل القتل: إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة ~~من علي واللعن له، فإن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم. فقالوا: لسنا ~~فاعلي ذلك. فأمر فحفرت القبور وأحضرت الأكفان وقام حجر وأصحابه يصلون عامة ~~الليل. فلما كان الغد قدموهم ليقتلوهم فقال لهم حجر بن عدي: اتركوني أتوضأ ~~وأصلي فإني ما توضأت ولا صلي، فتركوه، فصلى ثم انصرف منها وقال: والله ما ~~صليت صلاة قط أخف منها، ولولا أن تظنوا في جزعا من الموت لاستكثرت منها. ثم ~~قال: اللهم إنا نستعديك على أمتنا! فإن أهل الكوفة شهدوا علينا، وإن أهل ~~الشام يقتلوننا، أما والله لئن قتلتوني بها فإني لأول فارس من المسلمين هلك ~~في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها! ثم مشى إليه هدبة بن فياض ~~بالسيف فارتعد، فقالوا له: زعمت أنك لا تجزع من الموت، فابرأ من صاحبك ~~وندعك. فقال: وما لي لا أجزع وأرى قبرا محفورا، وكفنا منشورا، وسيفا ~~مشهورا! وإني والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب. فقتلوه وقتلوا ~~ستة. PageV02P0135 # فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم الخثعمي: ابعثوا بنا إلى أمير ~~المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته. فاستأذنوا معاوية فيهما، فأذن ~~بإحضارهما. فلما دخلا عليه قال الخثعمي: الله الله يا معاوية! فإنك منقول ~~من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة، ثم مسؤول عما أردت بسفك ~~دمائنا! فقال له: ما تقول في علي؟ قال: أقول فيه قولك. قال: أتبرأ من دين ~~علي الذي يدين الله به؟ فسكت، وقام شمر بن عبد الله من بني ms1223 قحافة ابن خثعم ~~فاستوهبه، فوهبه له على أن لا يدخل الكوفة، فاختار الموصل، فكان يقول: لو ~~مات معاوية قدمت الكوفة، فمات قبل معاوية بشهر. ثم قال لعبد الرحمن بن ~~حسان: يا أخا ربيعة ما تقول في علي؟ قال: دعني ولا تسألني فهو خير لك. قال: ~~والله لا أدعك. قال: أشهد أنه كان من الذاكرين الله تعالى كثيرا من الآمرين ~~بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس. قال: فما قولك في عثمان؟ قال: ~~هو أول من فتح أبواب الظلم، وأغلق أبواب الحق. قال: قتلت نفسك! قال: بل ~~إياك قتلت؛ ولا ربيعة بالوادي، يعني ليشفعوا فيه، فرده معاوية إلى زياد ~~وأمره أن يقتله شر قتلة، فدفنه حيا. فكان الذين قتلوا: حجر بن عدي، وشريك ~~بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، ومحرز ~~بن شهاب السعدي التميمي، وكدام بن حيان العنزي، وعبد الرحمن بن حسان العنزي ~~الذي دفنه زياد حيا، فهؤلاء السبعة قتلوا ودفنوا وصلي عليهم. قيل: ولما بلغ ~~الحسن البصري قتل حجر وأصحابه قال: صلوا عليهم وكفنوهم ودفنوهم واستقبلوا ~~بهم القبلة؟ قالوا: نعم. قال: حجوهم ورب الكعبة! وأما مالك بن هبيرة ~~السكوني فحين لم يشفعه معاوية في حجر جمع قومه وسار بهم إلى عذراء ليخلص ~~حجرا وأصحابه، فلقيته قتلتهم، فلما رأوه علموا أنه جاء ليخلص حجرا، فقال ~~لهم: ما وراءكم؟ قالوا: قد تاب القوم وجئنا لنخبر أمير المؤمنين. فسكت وسار ~~إلى عذراء، فلقيه بعض من جاء منها فأخبره بقتل القوم، فأرسل الخيل في إثر ~~قتلتهم فلم يدركوهم، ودخلوا على معاوية فأخبروه، فقال لهم: إنما هي حرارة ~~يجدها في نفسه وكأنها طفئت، وعاد مالك إلى بيته ولم يأت معاوية، فلما كان ~~الليل أرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم وقال: ما منعني أن أشفعك إلا خوفا ~~أن يعيدوا لنا حربا فيكون في ذلك من البلاء على المسلمين ما هو أعظم من قتل ~~حجر. فأخذها وطابت نفسه. ولما بلغ خبر حجر عائشة أرسلت عبد الرحمن بن ~~الحارث إلى معاوية فيه وفي أصحابه، ms1224 فقدم عليه وقد قتلهم، فقال له عبد ~~الرحمن: أين غاب عنك حلم أبي سفيان؟ قال: حين غاب عني مثلك من حلماء قومي ~~وحملني ابن سمية فاحتملت. وقالت عائشة: لولا أنا لم نغير شيئا إلا صارت بنا ~~الأمور إلى ما هو أشد منه لغيرنا قتل حجر، أما والله إن كان ما علمت لمسلما ~~حجاجا معتمرا. وقال الحسن البصري: أربع خصال كن في معاوية، لو لم تكن فيه ~~إلا واحدة لكانت موبقة. انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير ~~مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه بعده ابنه سكيرا خميرا ~~يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زيادا، وقد قال رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، وقتله حجرا وأصحاب حجر، فيا ويلا ~~له من حجر! ويا ويلا له من حجر وأصحاب حجر! قيل: وكان الناس يقولون: أول ذل ~~دخل الكوفة موت الحسن بن علي، وقتل حجر، ودعوة زياد؛ وقالت هند بنت زيد ~~الأنصارية ترثي حجرا، وكانت تتشيع: ترفع أيها القمر المنير ... تبصر هل ترى ~~حجرا يسير يسير إلى معاوية بن حرب ... ليقتله كما زعم الأمير تجبرت الجبابر ~~بعد حجر ... وطاب لها الخورنق والسدير وأصبحت البلاد له محولا ... كأن لم ~~يحيها مزن مطير ألا يا حجر حجر بني عدي ... تلقتك السلامة والسرور أخاف ~~عليك ما أردى عديا ... وشيخا في دمشق له زئير فإن تهلك فكل زعيم قوم ... من ~~الدنيا إلى هلك يصير PageV02P0136 # وقد قيل في قتله غير ما تقدم: وهو أن زيادا خطب يوم جمعة فأطال الخطبة ~~وأخر الصلاة، فقال له حجر بين عدي: الصلاة. فمضى في خطبته. فقال له: ~~الصلاة. فمضى في خطبته. فلما خشي حجر بن عدي فوت الصلاة ضرب بيده إلى كف من ~~حصى وقام إلى الصلاة وقام الناس معه. فلما رأى زياد ذلك نزل فصلى بالناس ~~وكتب إلى معاوية وكثر عليه، فكتب إليه معاوية ليشده في الحديد ويرسله إليه. ~~فلما أراد أخذه قام قومه ليمنعوه، فقال حجر: لا ولكن سمعا وطاعة. فشد في ~~الحديد ms1225 وحمل إلى معاوية. فلما دخل عليه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! ~~فقال معاوية: أأمير المؤمنين أنا؟ والله لا أقيلك ولا أستقيلك! أخرجوه ~~فاضربوا عنقه! فقال حجر للذين يلون أمره: دعوني حتى أصلي ركعتين. فقالوا: ~~صل، فصلى ركعتين خفف فيهما. ثم قال: لولا أن تظنوا بي غير الذي أردت ~~لأطلتهما، وقال لمن حضره من قومه: لا تطلقوا عني حديدا ولا تغسلوا عني دما، ~~فإني لاق معاوية غدا على الجادة؛ وضربت عنقه. قال: فلقيت عائشة معاوية ~~فقالت له: أين كان حلمك عن حجر؟ فقال: لم يحضرني رشيد. قال ابن سيرين: ~~بلغنا أن معاوية لما حضرته الوفاة جعل يقول: يومي منك يا حجر طويل! عباد ~~بضم العين، وفتح الباء الموحدة وتخفيفها. ### || AUT ذكر استعمال الربيع على خراسان # وفي هذه السنة وجه زياد الربيع بن زياد الحارثي أميرا على خراسان، وكان ~~الحكم بن عمرو الغفاري قد استخلف عند موته أنس بن أبي أناس، فعزله زياد ~~وولى خليد بن عبد الله الحنفي، ثم عزله وولى الربيع بن زياد أول سنة إحدى ~~وخمسين وسير معه خمسين ألفا بعيالاتهم من أهل الكوفة والبصرة، منهم: بريدة ~~بن الحصيب، وأبو برزة، ولهما صحبة، فسكنوا خراسان، فلما قدمها غزا بلخ ~~ففتحها صلحا، وكانت قد أغلقت بعدما صالحهم الأحنف بن قيس في قول بعضهم. ~~وفتح قهستان عنوة وقتل من بناحيتها من الأتراك، وبقي منهم نيزك طرخان، ~~فقتله قتيبة بن مسلم في ولايته. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة مات جرير بن عبد الله البجلي، وقيل: سنة أربع وخمسن، وكان ~~إسلامه في السنة التي توفي فيها رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وفيها مات ~~سعيد بن زيد، وقيل: سنة اثنتين، وقيل: ثمان وخمسين، ودفن بالمدينة، وهو أحد ~~العشرة. وأبو بكرة نفيع بن الحارث، له صحبة، وهو أخو زياد لأمه. وفيها ماتت ~~ميموتة بنت الحارث زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، بسرف، وفيها دخل بها ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقيل: ماتت سنة ثلاث وستين، وقيل: ست ~~وستين. وحج ms1226 بالناس هذه السنة يزيد بن معاوية. وكان العمال بهذه السنة من ~~تقدم ذكرهم. بريدة بضم الباء الموحدة، وفتح الراء المهملة. والحصيب بضم ~~الحاء المهملة، وفتح الصاد المهملة، وآخره باء موحدة. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين # فيها كانت غزوة سفيان بن عوف الأسدي الروم وشتى بأرضهم، وتوفي بها في ~~قول، فاستخلف عبد الله بن مسعدة الفزاري، وقيل: إن الذي شتى هذه السنة بأرض ~~الروم بسر بن أبي أرطأة ومعه سفيان بن عوف، وغزا الصائفة هذه السنة محمد بن ~~عبد الله الثقفي. ### || AUT ذكر خروج زياد بن خراش العجلي # وفي هذه السنة خرج زياد بن خراش العجلي في ثلاثمائة فارس فأتى أرض مسكن ~~من السواد، فسير إليه زياد خيلا عليها سعد بن حذيفة أو غيره، فقتلوهم وقد ~~صاروا إلى ماه. ### || AUT ذكر خروج معاذ الطائي # وخرج على زياد أيضا رجل من طيء يقال له معاذ، فأتى نهر عبد الرحمن ابن ~~أم الحكم في ثلاثين رجلا هذه السنة، فبعث إليه زياد من قتله وأصحابه، وقيل: ~~بل حل لواءه واستأمن. ويقال لهم أصحاب نهر عبد الرحمن. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج بالناس سعيد بن العاص. وكان العمال من تقدم ذكرهم. وفيها مات عمران ~~بن الحصين الخزاعي بالبصرة. وأبو أيوب الأنصاري، واسمه خالد بن زيد، شهد ~~العقبة وبدرا، وقد تقدم أنه توفي سنة تسع وأربعين عند القسطنطينية. وكعب بن ~~عجرة، وله خمس وسبعون سنة. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين # فيها كان مشتى عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي بأرض الروم. PageV02P0137 # وفيها فتحت رودس، جزيرة في البحر، فتحها جنادة بن أمية الأزدي ونزلها ~~المسلمون وهم على حذر من الروم، وكانوا أشد شيء على الروم يعترضونهم في ~~البحر فيأخذون سفنهم، وكان معاوية يدر لهم العطاء، وكان العدو قد خافهم. ~~فلما توفي معاوية أقفلهم ابنه يزيد. وقيل: فتحت سنة ستين. ### || AUT ذكر وفاة زياد # وفي هذه السنة توفي زياد بن أبيه بالكوفة في شهر رمضان. وكان سبب موته ~~أنه كتب إلى معاوية: إني قد ضبطت ms1227 العراق بشمالي ويميني فارغة فاشغلها ~~بالحجاز. فكتب له عهده على الحجاز، فبلغ أهل الحجاز فأتى نفر منهم عبد الله ~~بن عمر بن الخطاب فذكروا ذلك، فقال: أدعو الله عليه ثم استقبل القبلة. ودعا ~~ودعوا معه، وكان من دعائه أن قال: اللهم اكفنا شر زياد. فخرجت طاعونة على ~~إصبع يمينة فمات منها. فلما حضرته الوفاة دعا شريحا القاضي فقال له: قد حدث ~~ما ترى وقد أمرت بقطعها فأشر علي. فقال له شريح: إني أخشى أن يكون الأجل قد ~~دنا فتلقى الله أجذم وقد قطعت يدك كراهية لقائه، أو أن يكون في الأجل تأخير ~~فتعيش أجذم وتعير ولدك. فقال: لا أبيت والطاعون في لحاف واحد. فخرج شريح من ~~عنده، فسأله الناس، فأخبرهم، فلاموه وقالوا: هلا أشرت بقطعها؟ فقال: ~~المستشار مؤتمن. وأراد زياد قطعها، فلما نظر إلى النار والمكاوي جزع وتركه، ~~وقيل: بل تركه لما أشار عليه شريح بتركه، ولما حضرته الوفاة قال له ابنه: ~~قد هيأت لك ستين ثوبا أكفنك بها. فقال له: يا بني قد دنا من أبيك لباس هو ~~خير من لباسه، أو سلب سريع! فمات فدفن بالثوبة إلى جانب الكوفة. فلما بلغ ~~موته ابن عمر قال: اذهب ابن سمية، لا الآخرة أدركت ولا الدنيا بقيت عليك. ~~وكان مولده سنة إحدى من الهجرة؛ قال مسكين الدرامي يرثيه: رأيت زيادة ~~الإسلام ولت ... جهارا حين ودعنا زياد فقال الفرزدق يجيبه، ولم يكن هجا ~~زيادا حتى مات: أمسكين أبكى الله عينيك إنما ... جرى في ضلال دمعها فتحدرا ~~بكيت أمرأ من أهل ميسان كافرا ... ككسرى على عدانه أو كقيصرا أقول له لما ~~أتاني نعيه ... به لا بظبي بالصريمة أعفرا وكان زياد فيه حمرة، وفي عينه ~~اليمنى انكسار، أبيض اللحية مخروطها، عليه قميص ربما رقعه. ### || AUT ذكر وفاة الربيع # وفيها مات الربيع بن زياد الحارثي عامل خراسان من قبل زياد. وكان سبب ~~موته أنه سخط قتل حجر بن عدي حتى إنه قال: لا تزال العرب تقتل صبرا بعده، ~~ولو نفرت عند قتله لم يقتل رجل ms1228 منهم صبرا، ولكنها أقرت فذلت. ثم مكث بعد ~~هذا الكلام جمعة، ثم خرج يوم الجمعة فقال: أيها الناس إني قد مللت الحياة ~~وإني داع بدعوة فأمنوا! ثم رفع يديه بعد الصلاة فقال: اللهم إن كان لي عندك ~~خير فاقبضني إليك عاجلا! وأمن الناس، ثم خرج فما توارت ثيابه حتى سقط فحمل ~~إلى بيته، واستخلف ابنه عبد الله ومات من يومه، ثم مات ابنه بعده بشهرين ~~واستخلف خليد ابن يربوع الحنفي، فأقره زياد. ولما مات زياد كان على البصرة ~~ثمانية عشر شهرا، وقيل: ستة أشهر، ثم عزله معاوية، فقال سمرة: لعن الله ~~معاوية! والله لو أطعت الله كما أطعته ما عذبني أبدا. وجاء رجل إلى سمرة ~~فأدى زكاة ماله ثم دخل المسجد فصلى، فأمر سمرة بقتله فقتل، فمر به أبو بكرة ~~فقال: يقول الله تعالى: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) الأعلى: 14 - ~~15، قال: وما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير فمات شر ميتة. الثوية بضم الثاء ~~المثلثة، وفتح الواو، والياء تحتها نقطتان: موضع فيه مقبرة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة سعيد بن العاص، وكان عامل المدينة، وخرجت هذه السنة ~~وعلى الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى البصرة سمرة، وعلى خراسان خليد ~~بن يربوع الحنفي. أسيد بفتح الهمزة، وكسر السين المهملة، وسكون الياء ~~المعجمة باثنتين من تحتها. وفيها مات عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بطريق ~~مكة في نومة نامها، وقيل: توفي بعد ذلك. وفيها توفي فيروز الديلمي، وكانت ~~له صحبة، وكان معاوية قد استعمله على صنعاء. وفيها مات عمرو بن حزم ~~الأنصاري. وفيها مات فضالة بن عبيد الأنصاري بدمشق، وكان قاضيها لمعاوية، ~~وقيل: مات آخر أيام معاوية، وقيل غير ذلك، شهد أحدا وما بعدها. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وخمسين # PageV02P0138 ### || AUT ذكر غزوة الروم وفتح جزيرة أرواد # فيها كان مشتى محمد بن مالك بأرض الروم، وصائفة معن بن يزيد السلمي. ~~وفيها فتح المسلمون ومقدمهم جنادة بن أبي أمية جزيرة أرواد قريب ~~القسطنطينية، فأقاموا بها ms1229 سبع سنين، وكان معهم مجاهد بن جبر، فلما مات ~~معاوية وولي ابنه يزيد أمرهم بالعود فعادوا. ### || AUT ذكر عزل سعيد عن المدينة واستعمال مروان # وفيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن المدينة واستعمل مروان. وكان سبب ذلك ~~أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص أن يهدم دار مروان ويقبض أمواله كلها ~~ليجعلها صافية ويقبض منه فدك، وكان وهبها له، فراجعه سعيد بن العاص في ذلك، ~~فأعاد معاوية الكتاب بذلك، فلم يفعل سعيد ووضع الكتابين عنده، فعزله معاوية ~~وولى مروان وكتب إليه يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص وهدم داره، فأخذ ~~الفعلة وسار إلى دار سعيد ليهدمها، فقال له سعيد: يا أبا عبد الملك أتهدم ~~داري؟ قال: نعم، كتب إلي أمير المؤمنين، ولو كتب إليك في هدم داري لفعلت. ~~فقال: ما كنت لأفعل. قال: بلى والله. قال: كلا. وقال لغلامه: ايتني بكتاب ~~معاوية؛ فجاءه بالكتابين، فلما رآهما مروان قال: كتب إليك فلم تفعل ولم ~~تعلمني؟ فقال سعيد: ما كنت لأمن عليك، وإنما أراد معاوية أن يحرض بيننا. ~~فقال مروان: أنت والله خير مني. وعاد ولم يهدم دار سعيد، وكتب سعيد إلى ~~معاوية: العجب مما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا! إنه يضغن بعضنا على ~~بعض، فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الأخبثين، وعفوه وإدخاله ~~القطيعة بيننا والشحناء وتوارث الأولاد ذلك، فوالله لو لم نكن أولاد أب ~~واحد لما جمعنا الله عليه من نصرة أمير المؤمنين الخليفة المظلوم، واجتماع ~~كلمتنا، لكان حقا على أمير المؤمنين أن يرعى ذلك. فكتب إليه معاوية يعتذر ~~من ذلك ويتنصل وأنه عائد إلى أحسن ما يعهده. وقدم سعيد على معاوية فسأله عن ~~مروان فأثنى عليه خيرا، فقال له معاوية: ما باعد بينه وبينك؟ قال: خافني ~~على شرفه وخفته على شرفي. قال: فماذا له عندك؟ قال: أسره شاهدا وغائبا. ### || AUT ذكر استعمال عبيد الله بن زياد على خراسان # وفي هذه السنة عزل معاوية سمرة بن جندب واستعمل على البصرة عبد الله بن ~~عمرو بن غيلان ms1230 ستة أشهر. وفيها استعمل معاوية عبيد الله بن زياد على ~~خراسان. وكان سبب ولايته أنه قدم عليه بعد موت أبيه، من استعمل أبوك على ~~الكوفة والبصرة؟ فأخبره، فقال: لو استعملك أبوك لاستعملتك. فقال عبيد الله: ~~أنشدك الله أن يقولها لي أحد بعدك: لو استعملك أبوك وعمك لاستعملتك. فولاه ~~خراسان وقال له: اتق الله ولا تؤثرن على تقواه شيئا، فإن في تقواه عوضا، ~~ووفر عرضك من أن تدنسه، وإذا أعطيت عهدا فف به، ولا تبيعن كثيرا بقليل، ولا ~~يخرجن منك أمر حتى تبرمه، فإذا خرج فلا يردن عليك، وإذا لقيت عدوك فغلبوك ~~على ظهر الأرض فلا يغلبوك على بطنها، ولا تطمعن أحدا في غير حقه، ولا تؤيسن ~~أحدا من حق هو له. ثم ودعه، وكان عمر عبيد الله خمسا وعشرين سنة، وسار إلى ~~خراسان، فقطع النهر إلى جبال بخارى على الإبل، فكان أول من قطع جبال بخارى ~~في جيش، ففتح رامني ونسف وبيكند، وهي من بخارى، فمن ثم أصاب البخارية وغنم ~~منهم غنائم كثيرة، ولما لقي الترك وهزمهم كان مع ملكهم زوجته فعجلوها عن ~~لبس خفيها فلبست أحدهما وبقي الآخر، فأخذه المسلمون، فقوم بمائتي ألف درهم، ~~وكان قتاله الترك من زحوف خراسان التي تذكر، فظهر منه بأس شديد، وأقام ~~بخراسان سنتين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة مروان بن الحكم وهو أمير المدينة. وكان على الكوفة ~~عبد الله بن خالد، وقيل: الضحاك بن قيس، وعلى البصرة عبد الله بن عمرو بن ~~غيلان. PageV02P0139 # وفي هذه السنة توفي أبو قتادة الأنصاري وعمره سبعون سنة، وقيل: مات سنة ~~أربعين، وصلى عليه علي وكبر عليه سبعا، وشهد مع علي حروبه كلها، وهو بدري. ~~وفيها توفي حويطب بن عبد العزى وله مائة وعشرون سنة. وفيها توفي ثوبان مولى ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وأسامة بن زيد، وقيل: توفي أسامة سنة ثمان ~~وخمسين، وقيل: سنة تسع وخمسين. وفيها توفي سعيد بن يربوع بن عنكثة، وكان ~~عمره مائة وأربعا وعشرين سنة، وله صحبة. ومخرمة بن ms1231 نوفل، وهو من مسلمة ~~الفتح، وعمره مائة سنة وخمس عشرة سنة، وعبد الله بن أنيس الجهني. وفيها قتل ~~يزيد بن شجرة الرهاوي في غزوة غزاها، وقيل: سنة ثمان وخمسين. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وخمسين # في هذه السنة كان مشتى سفيان بن عوف الأزدي في قول، وقيل: بل الذي شتى ~~هذه السنة عمرو بن محرز، وقيل: بل عبد الله بن قيس الفزاري، وقيل: بل مالك ~~بن عبد الله. ### || AUT ذكر ولاية ابن زياد البصرة # في هذه السنة عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان عن البصرة وولاها ~~عبيد الله بن زياد. وكان سبب ذلك: أن عبد الله خطب على منبر البصرة فحصبه ~~رجل من بني ضبة فقطع يده، فأتاه بنو ضبة وقالوا: إن صاحبنا جنى ما جنى وقد ~~عاقبته ولا نأمن أن يبلغ خبرنا أمير المؤمنين فيعاقب عقوبة تعم، فاكتب لنا ~~كتابا إلى أمير المؤمنين يخرج به أحدنا إليه يخبره أنك قطعت على شبهة وأمر ~~لم يتضح. فكتب لهم، فلما كان رأس السنة توجه عبد الله إلى معاوية ووافاه ~~الضبيون بالكتاب وادعوا أنه قطع صاحبهم ظلما. فلما رأى معاوية الكتاب قال: ~~أما القود من عمالي فلا سبيل إليه ولكن أدي صاحبكم من بيت المال. وعزل عبد ~~الله عن البصرة واستعمل ابن زياد عليها، فولى ابن زياد على خراسان أسلم بن ~~زرعة الكلابي، فلم يغزو ولم يغز ولم يفتح بها شيئا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها عزل معاوية عبد الله بن خالد عن الكوفة وولاها الضحاك بن قيس، ~~وقيل ما تقدم. وفيها مات الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وهو الذي كان رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، يختفي في داره بمكة، وكان عمره ثمانين سنة ~~وزيادة، وقيل: مات يوم مات أبو بكرة. وفيها توفي أبو اليسر كعب بن عمرو ~~الأنصاري، وهو بدري، وشهد صفين مع علي، وقيل: توفي قبل. وحج بالناس هذه ~~السنة مروان بن الحكم. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وخمسين # فيها كان مشتى جنادة بن أبي أمية بأرض ms1232 الروم، وقيل: عبد الرحمن ابن ~~مسعود. وقيل: غزا فيها في البحر يزيد بن شجرة، وفي البر عياض بن الحارث، ~~واعتمر معاوية فيها في رجب، وحج بالناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. ### || AUT ذكر البيعة ليزيد بولاية العهد # وفي هذه السنة بايع الناس يزيد بن معاوية بولاية عهد أبيه. وكان ابتداء ~~ذلك وأوله من المغيرة بن شعبة، فإن معاوية أراد أن يعزله عن الكوفة ويستعمل ~~عوضه سعيد بن العاص، فبلغه ذلك فقال: الرأي أن أشخص إلى معاوية فأستعفيه ~~ليظهر للناس كراهتي للولاية. فسار إلى معاوية وقال لأصحابه حين وصل إليه: ~~إن لم أكسبكم الآن ولاية وإمارة لا أفعل ذلك أبدا. ومضى حتى دخل على يزيد ~~وقال له: إنه قد ذهب أعيان أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، وآله وكبراء ~~قريش وذوو أسنانهم، وإنما بقي أبناؤهم وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأيا وأعلمهم ~~بالسنة والسياسة، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة. قال: ~~أوترى ذلك يتم؟ قال: نعم. فدخل يزيد على أبيه وأخبره بما قال المغيرة، ~~فأحضر المغيرة وقال له ما يقول يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين قد رأيت ما ~~كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان، وفي يزيد منك خلف، فاعقد له فإن ~~حدث بك حادث كان كهفا للناس وخلفا منك ولا تسفك دماء ولا تكون فتنة. قال: ~~ومن لي بهذا؟ قال: أكفيك أهل الكوفة ويكفيك زياد أهل البصرة وليس بعد هذين ~~المصرين أحد يخالفك. قال: فارجع إلى عملك وتحدث مع من تثق إليه في ذلك وترى ~~ونرى. فودعه ورجع إلى أصحابه. فقالوا: مه؟ قال: لقد وضعت رجل معاوية في غرز ~~بعيد الغاية على أمه محمد وفتقت عليهم فتقا لا يرتق أبدا؛ وتمثل: بمثلي ~~شاهدي النجوى وغالي ... بي الأعداء والخصم الغضابا PageV02P0140 # وسار المغيرة حتى قدم الكوفة وذاكر من يثق إليه ومن يعلم أنه شيعة لبني ~~أمية أمر يزيد، فأجابوا إلى بيعته، فأوفد منهم عشرة، ويقال أكثر من عشرة، ~~وأعطاهم ثلاثين ألف درهم، وجعل عليهم ابنه موسى بن المغيرة، ms1233 وقدموا على ~~معاوية فزينوا له بيعة يزيد ودعوه إلى عقدها. فقال معاوية: لا تعجلوا ~~بإظهار هذا وكونوا على رأيكم. ثم قال لموسى: بكم اشترى أبوك من هؤلاء ~~دينهم؟ قال: بثلاثين ألفا. قال: لقد هان عليهم دينهم. وقيل: أرسل أربعين ~~رجلا وجعل عليهم ابنه عروة، فلما دخلوا على معاوية قاموا خطباء فقالوا: ~~إنما أشخصهم إليه النظر لأمة محمد، صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا أمير ~~المؤمنين كبرت سنك وخفنا انتشار الحبل فانصب لنا علما وحد لنا حدا ننتهي ~~إليه. فقال: أشيروا علي. فقالوا: نشير بيزيد ابن أمير المؤمنين. فقال: أوقد ~~رضيتموه؟ قالوا: نعم. قال: وذلك رأيكم؟ قالوا: نعم، ورأي من وراءنا. فقال ~~معاوية لعروة سرا عنهم. بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ قال: بأربعمائة ~~دينار. قال: لقد وجد دينهم عندهم رخيصا. وقال لهم: ننظر ما قدمتم له ويقضي ~~الله ما أراد، والأناة خير من العجلة. فرجعوا. وقوي عزم معاوية على البيعة ~~ليزيد، فأرسل إلى زياد يستشيره، فأحضر زياد عبيد بن كعب النميري وقال له: ~~إن لكل مستشير ثقة، ولكل سر مستودع، وإن الناس قد أبدع بهم خصلتان: إذاعة ~~السر وإخراج النصيحة إلى غير أهلها، وليس موضع السر إلا أحد رجلين: رجل ~~آخرة يرجو ثوابها، ورجل دنيا له شرف في نفسه وعقل يصون حسبه، وقد خبرتهما ~~منك، وقد دعوتك لأمر اتهمت عليه بطون الصحف، إن أمير المؤمنين كتب يستشيرني ~~في كذا وكذا، وإنه يتخوف نفرة الناس ويرجو طاعتهم، وعلاقة أمر الإسلام ~~وضمانه عظيم، ويزيد صاحب رسلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد، فالق أمير ~~المؤمنين وأد إليه فعلات يزيد وقل له رويدك بالأمر، فأحرى أن يتم لك ما ~~تريد، لا تعجل فإن دركا في تأخير خير من فوت في عجلة. فقال له عبيد: أفلا ~~غير هذا؟ قال: وما هو؟ قال: لا تفسد على معاوية رأيه، ولا تبغض إليه ابنه، ~~وألقى أنا يزيد فأخبره أن أمير المؤمنين كتب إليك يستبشرك في البيعة له، ~~وأنك تتخوف خلاف الناس عليه لهنات ينقمونها عليه، ms1234 وأنك ترى له ما ينقم عليه ~~لتستحكم له الحجة على الناس ويتم ما تريد فتكون قد نصحت أمير المؤمنين ~~وسلمت مما تخاف من أمر الأمة. فقال زياد: لقد رميت الأمر بحجره، اشخص على ~~بركة الله، فإن أصبت فما لا ينكر، وإن يكن خطأ فغير مستغش، وتقول بما ترى، ~~ويقضي الله بغيب ما يعلم. فقدم على يزيد فذكر ذلك له، فكف عن كثير مما كان ~~يصنع، وكتب زياد معه إلى معاوية يشير بالتؤدة وأن لا يعجل، فقبل منه. فلما ~~مات زياد عزم معاوية على البيعة لابنه يزيد، فأرسل إلى عبد الله بن عمر ~~مائة ألف درهم، فقبلها، فلما ذكر البيعة ليزيد قال ابن عمر: هذا أراد أن ~~ديني عندي إذن لرخيص. وامتنع. ثم كتب معاوية بعد ذلك إلى مروان بن الحكم: ~~إني قد كبرت سني، ودق عظمي، وخشيت الاختلاف على الأمة بعدي، وقد رأيت أن ~~أتخير لهم من يقوم بعدي، وكرهت أن أقطع أمرا دون مشورة من عندك، فاعرض ذلك ~~عليهم وأعلمني بالذي يردون عليك. فقام مروان في الناس فأخبرهم به، فقال ~~الناس: أصاب ووفق، وقد أحببنا أن يتخير لنا فلا يألو. فكتب مروان إلى ~~معاوية بذلك، فأعاد إليه الجواب يذكر يزيد، فقام مروان فيهم وقال: إن أمير ~~المؤمنين قد اختار لكم فلم يأل، وقد استخلف ابنه يزيد بعده. فقام عبد ~~الرحمن بن أبي بكر فقال: كذبت والله يا مروان وكذب معاوية! ما الخيار ~~أردتما لأمة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية كلما مات هرقل قام ~~هرقل. فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه: (والذي قال لوالديه أف لكما) ~~الأحقاف: 17 الآية. فسمعت عائشة مقالته فقامت من وراء الحجاب وقالت: يا ~~مروان يا مروان! فأنصت الناس وأقبل مروان بوجهه. فقالت: أنت القائل لعبد ~~الرحمن إنه نزل فيه القرآن؟ كذبت! والله ما هو به ولكنه فلان بن فلان، ~~ولكنك أنت فضض من لعنة نبي الله. PageV02P0141 # وقام الحسين بن علي فأنكر ذلك، وفعل مثله ابن عمر وابن الزبير، فكتب ~~مروان بذلك إلى معاوية، ms1235 وكان معاوية قد كتب إلى عماله بتقريظ يزيد ووصفه ~~وأن يوفدوا إليه الوفود من الأمصار، فكان فيمن أتاه محمد بن عمرو ابن حزم ~~من المدينة، والأحنف بن قيس في وفد أهل البصرة، فقال محمد بن عمرو لمعاوية: ~~إن كل راع مسؤول عن رعيته، فانظر من تولي أمر أمة محمد. فأخذ معاوية بهر ~~حتى جعل يتنفس في يوم شات ثم وصله وصرفه، وأمر الأحنف أن يدخل على يزيد، ~~فدخل عليه، فلما خرج من عنده قال له: كيف رأيت ابن أخيك؟ قال: رأيت شبابا ~~ونشاطا وجلدا ومزاحا. ثم إن معاوية قال للضحاك بن قيس الفهري، لما اجتمع ~~الوفود عنده: إني متكلم فإذا سكت فكن أنت الذي تدعو إلى بيعة يزيد وتحثني ~~عليها. فلما جلس معاوية للناس تكلم فعظم أمر الإسلام وحرمة الخلافة وحقها ~~وما أمر الله به من طاعة ولاة الأمر، ثم ذكر يزيد وفضله وعلمه بالسياسة ~~وعرض ببيعته، فعارضه الضحاك فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين ~~إنه لابد للناس من وال بعدك، وقد بلونا الجماعة والألفة فوجدناهما أحقن ~~للدماء، وأصلح للدهماء، وآمن للسبل، وخيرا في العاقبة، والأيام عوج رواجع، ~~والله كل يوم في شأن، ويزيد ابن أمير المؤمنين في حسن هديه وقصد سيرته على ~~ما علمت، وهو من أفضلنا علما وحلما، وأبعدنا رأيا، فوله عهدك واجعله لنا ~~علما بعدك ومفزعا نلجأ إليه ونسكن في ظله. وتكلم عمرو بن سعيد الأشدق بنحو ~~من ذلك. ثم قام يزيد بن المقنع العذري فقال: هذا أمير المؤمنين، وأشار إلى ~~معاوية، فإن هلك فهذا، وأشار إلى يزيد، ومن أبى فهذا، وأشار إلى سيفه. فقال ~~معاوية: اجلس فأنت سيد الخطباء. وتكلم من حضر من الوفود. فقال معاوية ~~للأحنف: ما تقول يا أبا بحر؟ فقال: نخافكم إن صدقنا، ونخاف الله إن كذبنا، ~~وأنت يا أمير المؤمنين أعلم بيزيد في ليله ونهاره وسره وعلانيته ومدخله ~~ومخرجه، فإن كنت تعلمه لله تعالى وللأمة رضى فلا تشاور فيه، وإن كنت تعلم ~~فيه غير ذلك فلا تزوده الدنيا وأنت ms1236 صائر إلى الآخرة، وإنما علينا أن نقول ~~سمعنا وأطعنا. وقام رجل من أهل الشام فقال: ما ندري ما تقول هذه المعدية ~~العراقية وإنما عندنا سمع وطاعة وضرب وازدلاف. فتفرق الناس يحكون قول ~~الأحنف، وكان معاوية يعطي المقارب ويداري المباعد ويلطف به حتى استوثق له ~~أكثر الناس وبايعه. فلما بايعه أهل العراق والشام سار إلى الحجاز في ألف ~~فارس، فلما دنا من المدينة لقيه الحسين بن علي أول الناس، فلما نظر إليه ~~قال: لا مرحبا ولا أهلا! بدنة يترقرق دمها والله مهريقه! قال: مهلا فإني ~~والله لست بأهل لهذه المقالة! قال: بلى ولشر منها. ولقيه ابن الزبير فقال: ~~لا مرحبا ولا أهلا! خب ضب تلعة، يدخل رأسه ويضرب بذنبه ويوشك والله أن يؤخذ ~~بذنبه ويدق ظهره، نحياه عني، فضرب وجه راحلته. ثم لقيه عبد الرحمن بن أبي ~~بكر، فقال له معاوية: لا أهلا ولا مرحبا! شيخ قد خرف وذهب عقله؛ ثم أمر ~~فضرب وجه راحلته، ثم فعل بابن عمر نحو ذلك، فأقبلوا معه لا يلتفت إليهم حتى ~~دخل المدينة، فحضروا بابه، فلم يؤذن لهم على منازلهم ولم يروا منه ما ~~يحبون، فخرجوا إلى مكة فأقاموا بها، وخطب معاوية بالمدينة فذكر يزيد فمدحه ~~وقال: من أحق منه بالخلافة في فضله وعقله وموضعه؟ وما أظن قوما بمنتهين حتى ~~تصيبهم بواثق تجتث أصولهم، وقد أنذرت إن أغنت النذر؛ ثم أنشد متمثلا: قد ~~كنت حذرتك آل المصطلق ... وقلت يا عمرو أطعني وانطلق إنك إن كلفتني ما لم ~~أطق ... ساءك ما سرك مني من خلق دونك ما استسقيته فاحس وذق ثم دخل على ~~عائشة، وقد بلغها أنه ذكر الحسين وأصحابه، فقال: لأقتلنهم إن لم يبايعوا، ~~فشكاهم إليها، فوعظته وقالت له: بلغني أنك تتهددهم بالقتل، فقال: يا أم ~~المؤمنين هم أعز من ذلك ولكني بايعت ليزيد وبايعه غيرهم، أفترين أن أنقض ~~بيعة قد تمت؟ قالت: فارفق بهم فإنهم يصيرون إلى ما تحب إن شاء الله. قال: ~~أفعل. وكان في قولها له: ما يؤمنك أن أقعد لك رجلا ms1237 يقتلك، وقد فعلت بأخي ما ~~فعلت؟ تعني أخاها محمدا. فقال لها: كلا يا أم المؤمنين، إني في بيت أمن. ~~قالت: أجل. PageV02P0142 # ومكث بالمدينة ما شاء الله ثم خرج إلى مكة فلقيه الناس، فقال أولئك ~~النفر: نتلقاه فلعله قد ندم على ما كان منه، فلقوه ببطن مر، فكان أول من ~~لقيه الحسين، فقال له معاوية: مرحبا وأهلا يا ابن رسول الله وسيد شباب ~~المسلمين! فأمر له بدابة فركب وسايره، ثم فعل بالباقين مثل ذلك وأقبل ~~يسايرهم لا يسير معه غيرهم حتى دخل مكة، فكانوا أول داخل وآخر خارج، ولا ~~يمضي يوم إلا ولهم صلة ولا يذكر لهم شيئا، حتى قضى نسكه وحمل أثقاله وقرب ~~مسيره، فقال بعض أولئك النفر لبعض: لا تخدعوا فما صنع بكم هذا لحبكم وما ~~صنعه إلا لما يريد. فأعدوا له جوابا فاتفقوا على أن يكون المخاطب له ابن ~~الزبير. فأحضرهم معاوية وقال: قد علمتم سيرتي فيكم وصلتي لأرحامكم وحملي ما ~~كان منكم، ويزيد أخوكم وابن عمكم وأردت أن تقدموه باسم الخلافة وتكونوا ~~أنتم تعزلون وتؤمرون وتجبون المال وتقسمونه لا يعارضكم في شيء من ذلك.. ~~فسكتوا. فقال: ألا تجيبون؟ مرتين. ثم أقبل علي بن الزبير، فقال: هات لعمري ~~إنك خطيبهم. فقال: نعم، نخيرك بين ثلاث خصال. قال: اعرضهن. قال: تصنع كما ~~صنع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو كما صنع أبو بكر أو كما صنع عمر. ~~قال معاوية: ما صنعوا؟ قال: قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم يستخلف ~~أحدا فارتضى الناس أبا بكر. قال: ليس فيكم مثل أبي بكر وأخاف الاختلاف. ~~قالوا: صدقت فاصنع كما صنع أبو بكر فإنه عهد إلى رجل من قاصية قريش ليس من ~~بني أبيه فاستخلفه، وإن شئت فاصنع كما صنع عمر، جعل الأمر شورى في ستة نفر ~~ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه. قال معاوية: هل عندك غير هذا؟ قال: ~~لا. ثم قال: فأنتم؟ قالوا: قولنا قوله. قال: فإني قد أحببت أن أتقدم إليكم، ~~إنه قد أعذر ms1238 من أنذر، إني كنت أخطب فيكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على ~~رؤوس الناس فأحمل ذلك وأصفح. وإني قائم بمقالة فأقسم بالله لئن رد علي ~~أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى ~~رأسه، فلا يبقين رجل إلا على نفسه. ثم دعا صاحب حرسه بحضرتهم فقال: أقم على ~~رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ومع كل واحد سيف، فإن ذهب رجل منهم يرد علي كلمة ~~بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما. ثم خرج وخرجوا معه حتى رقي المنبر فحمد ~~الله وأثنى عليه ثم قال: إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم لا يبتز أمر ~~دونهم ولا يقضى إلا عن مشورتهم، وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد، فبايعوا على ~~اسم الله! فبايع الناس، وكانوا يتربصون بيعة هؤلاء النفر، ثم ركب رواحله ~~وانصرف إلى المدينة، فلقي الناس أولئك النفر فقالوا لهم: زعمتم أنكم لا ~~تبايعون فلم أرضيتم وأعطيتم وبايعتم؟ قالوا: والله ما فعلنا. فقالوا: ما ~~منعكم أن تردوا على الرجل؟ قالوا: كادنا وخفنا القتل. وبايعه أهل المدينة، ~~ثم انصرف إلى الشام وجفا بني هاشم، فأتاه ابن عباس فقال له: ما بالك ~~جفوتنا؟ قال: إن صاحبكم لم يبايع ليزيد فلم تنكروا ذلك عليه. فقال: يا ~~معاوية إني لخليق أن أنحاز إلى بعض السواحل فأقيم به ثم أنطق بما تعلم حتى ~~أدع الناس كلهم خوارج عليك. قال: يا أبا العباس تعطون وترضون وترادون. ~~وقيل: إن ابن عمر قال لمعاوية: أبايعك على أني أدخل فيما تجتمع عليه الأمة، ~~فوالله لو اجتمعت على حبشي لدخلت معها! ثم عاد إلى منزله فأغلق بابه ولم ~~يأذن لأحد. قلت: ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر لا يستقيم على قول من يجعل ~~وفاته سنة ثلاث وخمسين، وإنما يصح على قول من يجعلها بعد ذلك الوقت. ### || AUT ذكر عزل ابن زياد عن خراسان # ### || AUT واستعمال سعيد بن عثمان بن عفان # في هذه السنة استعمل معاوية سعيد بن عثمان بن عفان على خراسان وعزل ابن ~~زياد. PageV02P0143 # وسبب ذلك أنه ms1239 سأل معاوية أن يستعمله على خراسان، فقال: إن بها عبيد الله ~~بن زياد. فقال: والله لقد اصطنعك أبي حتى بلغت باصطناعة المدى الذي لا ~~تجارى إليه ولا تسامى، فما شكرت بلاءه ولا جازيته وقدمت هذا - يعني يزيد - ~~وبايعت له، والله لأنا خير منه أبا وأما ونفسا! فقال معاوية: أما بلاء أبيك ~~فقد يحق عليك الجزاء به، وقد كان من شكري لذلك أني قد طلبت بدمه، وأما فضل ~~أبيك على أبيه فهو والله خير مني، وأما فضل أمك على أمه فلعمري امرأة من ~~قريش خير من امرأة من كلب، وأما فضلك عليه فوالله ما أحب أن الغوطة ملئت ~~رجالا مثلك. فقال له يزيد: يا أمير المؤمنين ابن عمك وأنت أحق من نظر في ~~أمره، قد عتب عليك فأعتبه. فولاه حرب خراسان، وولى إسحاق بن طلحة خراجها، ~~وكان إسحاق ابن خالة معاوية، أمه أم أبان بنت عتبة بن ربيعة، فلما صار ~~بالري مات إسحاق فولي سعيد حربها وخراجها، فلما قدم خراسان قطع النهر إلى ~~سمرقند، فخرج إليه الصغد فتواقفوا يوما إلى الليل ولم يقتتلوا، فقال مالك ~~بن الريب: ما زلت يوم الصغد ترعد واقفا ... من الجبن حتى خفت أن تنتصرا ~~فلما كان من الغد اقتتلوا فهزمهم سعيد وحصرهم في مدينتهم، فصالحوه وأعطوه ~~رهنا منهم خمسين غلاما من أبناء عظمائهم، فسار إلى ترمذ ففتحها صلحا ولم يف ~~لأهل سمرقند وجاء بالغلمان معه إلى المدينة. وكان ممن قتل معه قثم بن عباس ~~بن عبد المطلب. وفي هذه السنة ماتت جويرية بنت الحارث زوج النبي، صلى الله عليه وسلم. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وخمسين # فيها كان مشتى عبد الله بن قيس بأرض الروم. وفيها عزل مروان بن الحكم عن ~~المدينة، واستعمل عليها الوليد بن عتبة ابن أبي سفيان، وقيل: لم يعزل مروان ~~هذه السنة. وحج بالناس الوليد بن عتبة. وكان العامل على الكوفة الضحاك بن ~~قيس، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى خراسان سعيد بن عثمان. وفي هذه ~~السنة مات عبد الله بن ms1240 عامر، وقيل: سنة تسع وخمسين. وعبد الله بن قدامة ~~السعدي، وله صحبة، وقيل: هو عبد الله بن عمرو بن وقدان السعدي، وإنما قيل ~~له السعدي لأن أباه استرضع في بني سعدي بن بكر، وهو من بني عامر بن لؤي. ~~وعثمان بن شيبة بن أبي طلحة العبدري، وهو جد بني شيبة سدنة الكعبة ومفتاحها ~~معهم إلى الآن، وأسلم يوم الفتح، وقيل يوم حنين، وجبير بن مطعم بن نوفل ~~القرشي، له صحبة. وأم سلمة زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، وقيل: بقيت إلى ~~قتل الحسين. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وخمسين # في هذه السنة غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم وعمرو بن يزيد ~~الجهني في البحر، وقيل: جنادة بن أبي أمية. ### || AUT ذكر عزل الضحاك عن الكوفة # ### || AUT واستعمال ابن أم الحكم # وفي هذه السنة عزل معاوي الضحاك بن قيس عن الكوفة واستعمل عبد الرحمن بن ~~عبد الله بن عثمان الثقفي، وهو ابن أم الحكم، وهو ابن أخت معاوية. وفي عمله ~~هذه السنة خرجت الخوارج الذين كان المغيرة بن شعبة حبسهم فجمعهم حيان بن ~~ظبيان السلمي ومعاذ بن جوين الطائي فخطباهم وحثاهم على الجهاد، فبايعوا ~~حيان بن ظبيان وخرجوا إلى بانقيا، فسار إليهم الجيش من الكوفة فقتلوهم ~~جميعا. ثم إن عبد الرحمن بن أم الحكم طرده أهل الكوفة لسوء سيرته، فلحق ~~بخاله معاوية فولاه مصر، فاستقبله معاوية بن حديج على مرحلتين من مصر، فقال ~~له: ارجع إلى خالك، فلعمري لا تسير فينا سيرتك في إخواننا من أهل الكوفة! ~~فرجع إلى معاوية. ثم إن معاوية بن حديج وفد إلى معاوية، وكان إذا قدم إلى ~~معاوية زينت له الطرق بقباب الريحان تعظيما لشأنه، فدخل على معاوية وعنده ~~أخته أم الحكم، فقالت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: بخ بخ! هذا معاوية بن ~~حديج. قالت: لا مرحبا، تسمع بالمعيدي خير من أن تراه! فسمعها معاوية بن ~~حديج فقال: على رسلك يا أم الحكم، والله لقد تزوجت فما أكرمت، وولدت فما ~~أنجبت، أردت أن ms1241 يلي ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في إخواننا من ~~أهل الكوفة وما كان الله ليريه ذلك، ولو فعل ذلك لضربناه ضربا يطأطىء منه، ~~ولو كره هذا القاعد، يعني خاله معاوية. فالتفت إليها معاوية وقال: كفي، فكفت. ### || AUT ذكر خروج طواف بن غلاق # PageV02P0144 # كان قوم من الخوارج بالبصرة يجتمعون إلى رجل اسمه جدار فيتحدثون عنده ~~ويعيبون السلطان، فأخذهم ابن زياد فحبسهم ثم دعا بهم وعرض عليهم أن يقتل ~~بعضهم بعضا ويخلي سبيل القاتلين، ففعلوا، فأطلقهم، وكان ممن قتل طواف، ~~فعذلهم أصحابهم وقالوا: قتلتم إخوانكم! قالوا: أكرهنا وقد يكره الرجل على ~~الكفر وهو مطمئن بالإيمان. وندم طواف وأصحابه، فقال طواف: أما من توبة؟ ~~فكانوا يبكون، وعرضوا على أولياء من قتلوا الدية فأبوا، وعرضوا عليهم القود ~~فأبوا، ولقي طواف الهثهاث بن ثور السدوسي فقال له: أما ترى لنا من توبة؟ ~~فقال: ما أجد لك إلا آية في كتاب الله، عز وجل، قوله: (ثم إن ربك للذين ~~هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم) ~~النحل:110. فدعا طواف أصحابه إلى الخروج وإلى أن يفتكوا بابن زياد، فبايعوه ~~في سنة ثمان وخمسين، وكانوا سبعين رجلا من بني عبد القيس بالبصرة، فسعى بهم ~~رجل من أصحابهم إلى ابن زياد، فبلغ ذلك طوافا فعجل الخروج، فخرجوا من ~~ليلتهم فقتلوا رجلا ومضوا إلى الجلحاء، فندب ابن زياد الشرط البخارية، ~~فقاتلوهم، فانهزم الشرط حتى دخلوا البصرة واتبعوهم، وذلك يوم عيد الفطر، ~~وكثرهم الناس فقاتلوا فقتلوا، وبقي طواف في ستة نفر، وعطش فرسه فأقحمه ~~الماء، فرماه البخارية بالنشاب حتى قتلوه وصلبوه، ثم دفنه أهله؛ فقال شاعر ~~منهم: يا رب هب لي التقى والصدق في ثبت ... واكف المهم فأنت الرزاق الكافي ~~حتى أبيع التي تفنى بآخرة ... تبقى على دين مرداس وطواف وكهمس وأبي الشعثاء ~~إذ نفروا ... إلى الإله ذوي اخباب زحاف ### || AUT ذكر قتل عروة بن أدية وغيره من الخوارج # في هذه السنة اشتد عبيد الله بن زياد على الخوارج فقتل منهم جماعة ms1242 ~~كثيرة، منهم: عروة بن أدية أخو أبي بلال مرداس بن أدية، وأدية أمهما، ~~وأبوهما حدير، وهو تميمي. وكان سبب قتله أن ابن زياد كان قد خرج في رهان ~~له، فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع إليه الناس وفيهم عروة، فأقبل على ابن زياد ~~يعظه، وكان مما قال له: (أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم ~~تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين) الشعراء: 128 - 130. فلما قال ذلك ظن ابن ~~زياد أنه لم يقل ذلك إلا ومعه جماعة، فقام وركب وترك رهانه. فقيل لعروة: ~~ليقتلنك! فاختفى، فطلبه ابن زياد فهرب وأتى الكوفة، فأخذ وقدم به على ابن ~~زياد، فقطع يديه ورجليه وقتله، وقتل ابنته. وأما أخوه أبو بلال مرداس فكان ~~عابدا مجتهدا عظيم القدر في الخوارج، وشهد صفين مع علي فأنكر التحكيم، وشهد ~~النهروان مع الخوارج، وكانت الخوارج كلها تتولاه، ورأى على ابن عامر قباء ~~أنكره فقال: هذا لباس الفساق! فقال أبو بكرة: لا تقل هذا للسلطان فإن من ~~أبغض السلطان أبغضه الله. وكان لا يدين بالاستعراض، ويحرم خروج النساء، ~~ويقول: لا نقاتل إلا من قاتلنا ولا نجبي إلا من حمينا. وكانت البثجاء، ~~امرأة من بني يربوع، تحرض على ابن زياد وتذكر تجبره وسوء سيرته، وكانت من ~~المجتهدات، فذكرها ابن زياد، فقال لها أبو بلال: إن التقية لابأس بها ~~فتغيبي فإن هذا الجبار قد ذكرك. قالت: أخشى أن يلقى أحد بسبي مكروها. ~~فأخذها ابن زياد فقطع يديها ورجليها، فمر بها أبو بلال في السوق فعض على ~~لحيته وقال: أهذه أطيب نفسا بالموت منك يا مرداس؟ ما ميتة أموتها أحب إلي ~~من ميتة البثجاء! ومر أبو بلال ببعير قد طلي بقطران فغشي عليه ثم أفاق ~~فتلا: (سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار) إبراهيم: 50. ثم إن ابن زياد ~~ألح في طلب الخوراج فملأ منهم السجن وأخذ الناس بسببهم وحبس أبا بلال قبل ~~أن يقتل أخاه عروة، فرأى السجان عبادته فأذن له كل ليلة في إتيان أهله، ~~فكان يأتيهم ليلا ويعود مع الصبح، وكان صديق مرداس ms1243 إليه فأعلمه الخبر، وبات ~~السجان بليلة سوء خوفا أن يعلم مرداس فلا يرجع، فلما كان الوقت الذي كان ~~يعود فيه إذا به قد أتى، فقال له السجان: أما بلغك ما عزم عليك الأمير؟ ~~قال: بلى. قال: ثم جئت؟ قال: نعم، لم يكن جزاؤك مني مع إحسانك إلي أن ~~تعاقب. وأصبح عبيد الله فقتل الخوارج، فلما أحضر مرداس قام السجان، وكان ~~ظئرا لعبيد الله، فشفع فيه وقص عليه قصته، فوهبه له وخلى سبيله. ~~PageV02P0145 # ثم أنه خاف ابن زياد فخرج في أربعين رجلا إلى الأهواز، فكان إذا اجتاز به ~~مال لبيت المال أخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه ثم يرد الباقي، فلما سمع ابن ~~زياد برهم بعث إليهم جيشا عليهم أسلم بن زرعة الكلابي سنة ستين، وقيل: أبو ~~حصين التميمي، وكان الجيش ألفي رجل، فلما وصلوا إلى أبي بلال ناشدهم الله ~~أن يقاتلوه فلم يفعلوا، ودعاهم أسلم إلى معاودة الجماعة، فقالوا: أتردوننا ~~إلى ابن زياد الفاسق؟ فرمى أصحاب أسلم رجلا من أصحاب أبي بلال فقتلوه، فقال ~~أبو بلال: قد بدؤوكم بالقتال. فشد الخوارج على أسلم وأصحابه شدة رجل واحد ~~فهزموهم فقدموا البصرة، فلام ابن زياد أسلم وقال: هزمك أربعون وأنت في ~~ألفين، لا خير فيك! فقال: لأن تلومني وأنا حي خير من أن تثني علي وأنا ميت. ~~فكان الصبيان إذا رأوا أسلم صاحوا به: أما أبو بلال وراءك! فشكا ذلك إلى ~~ابن زياد، فنهاهم فانتهوا. وقال رجل من الخوارج: أألفا مؤمن منكم زعمتم ... ~~ويقتلهم بآسك أربعونا كذبتم ليس ذاك كما زعمتم ... ولكن الخوارج مؤمنونا ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج بالناس الوليد بن عتبة. في هذه السنة مات عقبة بن عامر الجهني، وله ~~صحبة، وشهد صفين مع معاوية. وفيها توفيت عائشة، رضي الله عنها، وسمرة بن ~~جندب، له صحبة. ومالك بن عبادة الغافقي، وله صحبة. وعميرة بن يثربي قاضي ~~البصرة، واستقضي مكانه هشام بن هبيرة. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وخمسين # في هذه السنة كان مشتى عمرو بن مرة الجهني بأرض الروم البر، وغزا ms1244 في ~~البحر جندة بن أبي أمية، وقيل: لم يكن في البحر غزوة هذه السنة. وفي هذه ~~السنة عزل عبد الرحمن بن أم الحكم عن الكوفة واستعمل عليها النعمان بن بشير ~~الأنصاري، وقد تقدم سبب عزله، وقيل: كان عزله سنة ثمان وخمسين. ### || AUT ذكر ولاية عبد الرحمن بن زياد خراسان # وفيها استعمل معاوية عبد الرحمن بن زياد على خراسان، وقدم بين يديه قيس ~~بن الهيثم السلمي، وأخذ أسلم بن زرعة فحبسه وأخذ منه ثلاثمائة ألف درهم، ثم ~~قدم عبد الرحمن، وكان كريما حريصا ضعيفا لم يغز غزوة واحدة، وبقي بخراسان ~~إلى أن قتل الحسين، فقدم على يزيد ومعه عشرون ألف ألف درهم، فقال: إن شئت ~~حاسبناك وأخذنا ما معك ورددناك إلى عملك، وإن شئت أعطيناك ما معك وعزلناك ~~وتعطي عبد الله بن جعفر خمسمائة ألف درهم. قال: بل تعطيني ما معي وتعزلني. ~~ففعل فأرسل عبد الرحمن إلى ابن جعفر بألف ألف وقال: هذه خمسمائة ألف من ~~يزيد وخمسمائة ألف مني. ### || AUT ذكر عزل ابن زياد عن البصرة وعوده إليها # في هذه السنة عزل معاوية عبيد الله بن زياد عن البصرة وأعاده إليها. ~~وسبب ذلك أن ابن زياد وفد على معاوية في وجوه أهل البصرة وفيهم الأحنف، ~~وكان سيء المنزلة من عبيد الله، فلما دخلوا رحب معاوية بالأحنف وأجلسه معه ~~على سريره، فأحس القوم الثناء على ابن زياد والأحنف ساكت، فقال له معاوية: ~~ما لك يا أبا بحر لا تتكلم؟ فقال: إن تكلمت خالفت القوم. فقال معاوية: ~~انهضوا فقد عزلته عنكم واطلبوا واليا ترضونه؛ فلم يبق أحد إلا أتى رجلا من ~~بني أمية أو من أهل الشام والأحنف لم يبرح من منزله فلم يأت أحدا، فلبثوا ~~أياما، ثم جمعهم معاوية وقال لهم: من اخترتم؟ فاختلفت كلمتهم والأحنف ساكت، ~~فقال: ما لك لا تتكلم؟ فقال: إن وليت علينا أحدا من أهل بيتك لم نعدل بعبيد ~~الله أحدا، وإن وليت من غيرهم فانظر في ذلك. فرده معاوية عليهم وأوصاه ~~بالأحنف وقبح رأيه في مباعدته، ms1245 فما هاجت الفتنة لم يف له غير الأحنف. ### || AUT ذكر هجاء يزيد بن مفرغ الحميري بني زياد وما كان منه # كان يزيد بن مفرغ الحميري مع عباد بن زياد بسجستان، فاشتغل عنه بحرب ~~الترك، فاستبطأه ابن مفرغ، وأصاب الجند الذين مع عباد ضيق في علوفات ~~دوابهم، فقال ابن مفرغ: ألا ليت اللحى كانت حشيشا ... فنعلفها دواب ~~المسلمينا وكان عباد بن زياد عظيم اللحية، فقيل: ما أراد غيرك. فطلب فهرب ~~منه وهجاه بقصائد، وكان مما هجاه به قوله: إذا أودى معاوية بن حرب ... فبشر ~~شعب رحلك بانصداع فأشهد أن أمك لم تباشر ... أبا سفيان واضعة القناع ولكن ~~كان أمرا فيه لبس ... على وجل شديد وارتياع وقال أيضا: PageV02P0146 # ألا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلغلة من الرجل اليماني أتغضب أن يقال أبوك ~~عف ... وترضى أن يقال أبوك زان فأشهد أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ~~ولد الأتان وقدم يزيد بن مفرغ البصرة وعبيد الله بن زياد بالشام عند ~~معاوية، فكتب إليه أخوه عباد بما كان منه، فأعلم عبيد الله معاوية به ~~وأنشده الشعر واستأذنه في قتل ابن مفرغ، فلم يأذن له وأمره بتأديبه. ولما ~~قدم ابن مفرغ البصرة استجا بالأحنف وغيره من الرؤساء فلم يجره أحد، فاستجار ~~بالمنذر بن الجارود فأجاره وأدخله داره، وكانت ابنته عند عبيد الله بن ~~زياد، فلما قدم عبيد الله البصرة أخبر بمكان ابن مفرغ، وأتى المنذر عبيد ~~الله مسلما، فأرسل عبيد الله الشرط إلى دار المنذر فأخذوا ابن مفرغ وأتوه ~~به والمنذر عنده، فقال له المنذر: أيها الأمير إي قد أجرته! فقال: يا منذر ~~يمدحك وأباك ويهجوني وأبي وتجبره علي! ثم أمر به فسقي دواء ثم حمل على حمار ~~وطيف به وهو يسلح في ثيابه، فقال يهجو المنذر: تركت قريشا أن أجاور فيهم ~~... وجاورت عبد القيس أهل المشقر أناس أجارونا فكان جوارهم ... أعاصير من ~~فسو العراق المبذر فأصبح جاري من جذيمة نائما ... ولا يمنع الجيران غير ~~المشمر فقال لعبيد الله: يغسل الماء ما صنعت وقولي ... راسخ منك ms1246 في العظام ~~البوالي ثم سيره عبد الله إلى أخيه عباد بسجستان، فكلمت اليمانية بالشام ~~معاوية فيه، فأرسل إلى عباد فأخذه من عنده، فقدم على معاوية وقال في طريقه: ~~عدس ما لعباد عليك إمارة ... أمنت وهذا تحملين طليق لعمري لقد نجاك من هوة ~~الردى ... إمام وحبل للإمام وثيق سأشكر ما أوليت من حسن نعمة ... ومثلي ~~بشكر المنعمين حقيق فلما دخل على معاوية بكى وقال: ركب مني ما لم يرتكب من ~~مسلم مثله على غير حدث، قال: أولست القائل: ألا أبلغ معاوية بن حرب ~~القصيدة؟ فقال: لا والله الذي عظم حق أمير المؤمنين ما قلت هذا، وإنما قاله ~~عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان واتخذني ذريعة إلى هجاء زياد. قال: ألست ~~القائل: فأشهد أن أمك لم تباشر ... أبا سفيان واضعة القناع في أشعار كثيرة ~~هجوت بها ابن زياد؟ اذهب فقد عفونا عنك فانزل أي أرض الله شئت. فنزل الموصل ~~وتزوج بها. فلما كان ليلة بنائه بامرأته خرج حين أصبح إلى الصيد فلقي ~~إنسانا على حمار. فقال: من أين أقبلت؟ فقال: من الأهواز. قال: فما فعل ماء ~~مسرقان؟ قال: على حاله. فارتاح إلى البصرة فقدمها ودخل على عبيد الله ~~فآمنه. وغضب معاوية على عبد الرحمن بن الحكم فكلم فيه فقال: لا أرضى عنه ~~حتى يرضى عنه ابن زياد. فقدم البصرة على عبيد الله وقال له: لأنت زيادة في ~~آل حرب ... أحب إلي من إحدى بناتي أراك أخا وعما وابن عم ... فلا أدري بغيب ~~ما تراني فقال: أراك شاعر سوء! ورضي عنه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة عثمان بن محمد بن أبي سفيان. وكان الوالي على ~~الكوفة النعمان بن بشير، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى المدينة ~~الوليد بن عتبة، وعلى خراسان عبد الرحمن بن زياد، على سجستان عباد بن زياد، ~~وعلى كرمان شريك بن الأعور. وفيها مات قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ~~بالمدينة، وقيل: سنة ستين، وكان قد شهد مع علي مشاهده كلها. وفيها مات سعيد ~~بن العاص، ms1247 وولد عام الهجرة، وقتل أبوه يوم بدر كافرا. وفيها مات مرة بن كعب ~~البهري السلمي، وله صحبة. وفيها مات أبو محذورة الجمحي مؤذن رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، بمكة، ولم يزل يؤذن بها حتى مات وولده من بعده، وقيل: مات ~~سنة تسع وستين. وفيها مات عبد الله بن عامر بن كريز بمكة فدفن بعرفات. ~~وفيها مات أبو هريرة، فحمل جنازته ولد عثمان بن عفان لهواه كان في عثمان. ~~وفيها غزا المسلمون حصن كمخ ومعهم عمير بن الحباب السلمي، فصعد عمير السور ~~ولم يزل يقاتل عليه وحده حتى كشف الروم فصعد المسلمون، ففتحه بعمير، وبذلك ~~كان يفتخر ويفخر له بذلك. ### | AUT ثم دخلت سنة ستين # PageV02P0147 # في هذه السنة كانت غزوة مالك بن عبد الله سورية ودخول جنادة رودس وهدمه ~~مدينتها في قول بعضهم وفيها توفي معاوية بن أبي سفيان، وكان قد أخذ على وفد ~~أهل البصرة البيعة ليزيد. ### || AUT ذكر وفاة معاوية بن أبي سفيان # خطب معاوية قبل مرضه وقال: إني كزرع مستحصد وقد طالت إمرتي عليكم حتى ~~مللتكم ومللتموني وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي، ولن يأتيكم بعدي إلا من أنا ~~خير منه، كما أن من قبلي كان خيرا مني، وقد قيل: من أحب لقاء الله أحب الله ~~لقاءه، اللهم إني قد أحببت لقاءك فأحبب لقائي وبارك لي فيه! فلم يمض غير ~~قليل حتى ابتدأ به مرضه، فلما مرض المرض الذي مات فيه دعا ابنه يزيد فقال: ~~يا بني إني قد كفيتك الشد والترحال، ووطأت لك الأمور، وذللت لك الأعداء، ~~وأخضعت لك رقاب العرب، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد، فانظر أهل الحجاز فإنهم ~~أصلك، وأكرم من قدم عليك منهم، وتعاهد من غاب، وانظر أهل العراق فإن سألوك ~~أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل، فإن عزل عامل أيسر من أن يشهر عليك مائة ~~ألف سيف، وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك، فإن رابك من عدوك شيء ~~فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، فإنهم إن أقاموا بغير ~~بلادهم ms1248 تغيرت أخلاقهم؛ وإني لست أخاف عليك أن ينازعك في هذا الأمر إلا ~~أربعة نفر من قريش: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ~~وعبد الرحمن بن أبي بكر؛ فأما ابن عمر فإنه رجل قد وقذته العبادة، فإذا لم ~~يبق أحد غيره بايعك؛ وأما الحسين بن علي فهو رجل خفيف ولن يتركه أهل العراق ~~حتى يخرجوه، فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه، فإن له رحما ماسة وحقا عظيما ~~وقرابة من محمد صلى الله عليه وسلم، وأما ابن أبي بكر فإن رأى أصحابه صنعوا ~~شيئا صنع مثله، ليس له همة إلا في النساء واللهو، وأما الذي يجثم لك جثوم ~~الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب فإن أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير، فإن هو ~~فعلها بك فظفرت به فقطعه إربا إربا؛ واحقن دماء قومك ما استطعت. هكذا في ~~الرواية ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر، وليس بصحيح؛ فإن عبد الرحمن بن أبي بكر ~~كان قد مات قبل معاوية. وقيل: إن يزيد كان غائبا في مرض أبيه وموته، وإن ~~معاوية أحضر الضحاك بن قيس ومسلم بن عقبة المري فأمرهما أن يؤديا عنه هذه ~~الرسالة إلى يزيد ابنه، وهو الصحيح. ثم مات بدمشق لهلال رجب، وقيل للنصف ~~منه، وقيل لثمان بقين منه، وكان ملكه تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وسبعة ~~وعشرين يوما مذ اجتمع له الأمر وبايع له الحسن بن علي، وقيل كان ملكه تسع ~~عشرة سنة وثلاثة أشهر، وقيل وثلاثة أشهر إلا أياما، وكان عمره خمسا وسبعين ~~سنة، وقيل ثلاثا وسبعين سنة. وقيل توفي وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وقيل خمس ~~وثمانين. وقيل: ولما اشتدت علته وأرجف به قال لأهله: احشوا عيني إثمدا ~~وادهنوا رأسي. ففعلوا وبرقوا وجهه بالدهن ثم مهد له فجلس وأذن للناس، ~~فسلموا قياما ولم يجلس أحد، فلما خرجوا عنه قالوا: هو أصح الناس. فقال ~~معاوية عند خروجهم من عنده: وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا ~~أتضعضع وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع وكان ms1249 به ~~التفاتات، فمات من يومه فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، كساني قميصا فحفظته، وقلم أظفاره يوما فأخذت قلامته فجعلتها في ~~قارورة، فإذا مت فألبسوني ذلك القميص واسحقوا تلك القلامة وذروها في عيني ~~وفمي فعسى الله أن يرحمني ببركتها؛ ثم تمثل بشعر الأشهب بن زميلة النهشلي: ~~إذا مت مات الجود وانقطع الندى ... من الناس إلا من قليل مصرد وردت أكف ~~السائلين وأمسكوا ... من الدين والدنيا بخلف مجدد فقالت إحدى بناته: كلا يا ~~أمير المؤمنين بل يدفع الله عنك. فقال متمثلا بشعر الهذلي: وإذا المنية، ~~البيت. وقال لأهله: اتقوا الله فإنه لا واقي لمن لا يتقي الله. ثم قضى ~~وأوصى أن يرد نصف ماله إلى بيت المال، كأنه أراد أن يطيب له الباقي لأن عمر ~~قاسم عماله؛ وأنشد لما حضرته الوفاة: إن تناقش يكن نقاشك يا ر ... ب عذابا ~~لا طوق لي بالعذاب أو تجاوز فأنت رب صفوح ... عن مسيء ذنوبه كالتراب ~~PageV02P0148 # ولما اشتد مرضه أخذت ابنته رملة رأسه في حجرها وجعلت تفليه، فقال: إنك ~~لتفلينه حولا قلبا، جمع المال من شب إلى دب فليته لا يدخل النار! ثم تمثل: ~~لقد سعيت لكم من سعي ذي نصب ... وقد كفيتكم التطواف والرحلا وبلغه أن قوما ~~يفرحون بموته، فأنشد: فهل من خالد إن ما هلكنا ... وهل بالموت يا للناس ~~عار؟ وكان في مرضه ربما اختلط في بعض الأوقات، فقال مرة: كم بيننا وبين ~~الغوطة؟ فصاحت بنته: واحزناه! فأفاق فقال: إن تنفي فقد رأيت منفرا. فلما ~~مات خرج الضحاك بن قيس حتى صعد المنبر وأكفان معاوية على يديه، فحمد الله ~~وأثن عليه ثم قال: إن معاوية كان عود العرب وحد العرب وجد العرب، قطع الله ~~به الفتنة وملكه على العباد وفتح به البلاد، إلا أنه قد مات وهذه أكفانه ~~ونحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره ومخلون بينه وبين عمله ثم هو الهرج إلى يوم ~~القيامة، فمن كان يريد أن يهده فعنده الأولى. وصلى عليه الضحاك. وقيل: لما ~~اشتد مرضه، أي ms1250 مرض معاوية، كان ولده يزيد بحوارين، فكتبوا إليه يحثونه على ~~المجيء ليدركه، فقال يزيد شعرا: جاء البريد بقرطاس يخب به ... فأوجس القلب ~~من قرطاسه فزعا قلنا: لك الويل ماذا في كتابكم؟ ... قال: الخليفة أمسى ~~مثبتا وجعا ثم انبعثنا إلى خوض مزممة ... نرمي الفجاج بها لا نأتلي سرعا ~~فمادت الأرض أو كادت تميد بنا ... كأن أغبر من أركانها انقطعا من لم تزل ~~نفسه توفي على شرف ... توشك مقاليد تلك النفس أن تقعا لما انتهينا وباب ~~الدار منصفق ... وصوت رملة ريع القلب فانصدعا ثم ارعوى القلب شيئا بعد ~~طيرته ... والنفس تعلم أن قد أثبتت جزعا أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه ~~... كانا جميعا فماتا قاطنين معا أغر أبلج يستسقى الغمام به ... لو قارع ~~الناس عن أحسابهم قرعا فأقبل يزيد وقد دفن فأتى قبره فصلى عليه. ### || AUT ذكر نسبه وكنيته وأزواجه وأولاده # أما نسبه فهو: معاوية بن أبي سفيان، واسم أبي سفيان صخر بن حرب ابن أمية ~~بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، وكنيته أبو عبد الرحمن. وأما نساؤه ~~وولده، فمنهن: ميسون بنت بحدل بن أنيف الكلبية أم يزيد ابنه، وقيل ولدت ~~بنتا اسمها أمة رب المشارق فماتت صغيرة، ومنهن فاختة ابنة قرظة بن عبد عمرو ~~بن نوفل بن عبد مناف، فولدت له عبد الرحمن وعبد الله ابني معاوية، وكان عبد ~~الله أحمق، اجتاز يوم بطحان وبغله يطحن وفي عنقه جلاجل فسأل عن الجلاجل ~~فقال: جعلتها في عنقه لأعلم أن قد قام فلم تدر الرحا. فقال: أرأيت إن قام ~~وحرك رأسه كيف تعلم؟ فقال الطحان: إن بغلي ليس له عقل مثل عقل الأمير. وأما ~~عبد الرحمن فمات صغيرا. ومنهن نائلة ابنة عمارة الكلابية، تزوجها وقال ~~لميسون: انظري إليها، فنظرت إليها وقالت: رأيتها جميلة، ولكني رأيت تحت ~~سرتها خالا، ليوضعن رأس زوجها في حجرها! فطلقها معاوية وتزوجها حبيب بن ~~مسلمة الفهري، ثم خلف عليها بعده النعمان بن بشير، وقتل فوضع رأسه في ~~حجرها. ومنهن كتوة بنت قرظة أخت فاختة، وغزا ms1251 قبرس وهي معه فماتت هناك. ### || AUT ذكر بعض سيرته وأخباره وقضاته وكتابه # لما بويع معاوية بالخلافة استعمل على شرطته قيس بن حمزة الهمداني، ثم ~~عزله واستعمل زمل بن عمرو العذري، وقيل السكسكي وكان كاتبه وصاحب أمره ~~سرجون الرومي، وعلى حرسه رجل من الموالي يقال له المختار، وقيل أبو المخارق ~~مالك مولى حمير، وكان أول من اتخذ الحرس، وكان على حجابه سعد مولاه، وعلى ~~القضاء فضالة بن عبيد الأنصاري، فمات، فاستقضى أبا إدريس الخولاني. وكان ~~على ديوان الخاتم عبد الله بن محصن الحميري، وكان أول من اتخذ ديوان ~~الخاتم، وكن سبب ذلك أن معاوية أمر لعمرو بن الزبير بمائة ألف درهم وكتب له ~~بذلك إلى زياد، ففتح عمرو الكتاب وصير المائة مائتين، فلما رفع زياد حسابه ~~أنكرها معاوية وطلبها من عمرو وحبسه، فقضاها عنه أخوه عبد الله بن الزبير، ~~فأحدث عند ذلك معاوية ديوان الخاتم وحزم الكتب، ولم تكن تحزم. قال عمر بن ~~الخطاب: يذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية! PageV02P0149 # قيل: وقدم عمرو بن العاص من مصر على معاوية ومعه من أهل مصر، فقال لهم ~~عمرو: لا تسلموا على معاوية بالخلافة فإنه أهيب لكم في قلبه وصغروا ما ~~استطعتم. فلما قدموا قال معاوية لحجابه: كأني بابن النابغة وقد صغر أمري ~~عند القوم، فانظروا إذا دخل القوم فتعتعوهم أشد ما يحضركم. فكان أول من دخل ~~عليه رجل منهم يقال له ابن الخياط فقال: السلام عليك يا رسول الله! وتتابع ~~القوم على ذلك، فلما خرجوا قال لهم عمرو: لعنكم الله! نهيتكم أن تسلموا ~~عليه بالإمارة فسلمتم عليه بالنبوة! قيل: ودخل عبيد الله بن أبي بكرة على ~~معاوية ومعه ولد له فأكثر من الأكل، فلحظه معاوية، وفطن عبيد الله وأراد أن ~~يغمز ابنه فلم يرفع رأسه حتى فرغ من الأكل، ثم عاد عبيد الله وليس معه ~~ابنه، فقال معاوية: ما فعل ابنك التقامة؟ قال: اشتكى. قال: قد علمت أن أكله ~~سيورثه داء. قال جويرية بن أسماء: قدم أبو موسى الأشعري على معاوية في برنس ms1252 ~~أسود فقال: السلام عليك يا أمين الله! قال: وعليك السلام. فلما خرج قال ~~معاوية: قدم الشيخ لأوليه، والله لا أوليه! وقال عمرو بن العاص لمعاوية: ~~ألست أنصح الناس لك؟ قال: بذلك نلت ما نلت. قال جويرية بن أسماء أيضا: كان ~~بسر بن أبي أرطاة عند معاوية فنال من علي وزيد بن عمر بن الخطاب حاضر، وأمه ~~أم كلثوم بنت علي، فعلاه بالعصا وشجه، فقال معاوية لزيد: عمدت إلى شيخ قريش ~~وسيد أهل الشام فضربته! وأقبل على بسر فقال: تشتم عليا وهو جده وابن ~~الفاروق على رؤوس الناس! أترى أن يصبر على ذلك؟ فأرضاهما جميعا. وقال ~~معاوية: إني لأرفع نفسي من أن يكون ذنب أعظم من عفوي، وجهل أكبر من حلمي، ~~وعورة لا أواريها بستري، وإساءة أكثر من إحساني. وقال معاوية لعبد الرحمن ~~بن الحكم: يا ابن أخي إنك قد لهجت بالشعر، فإياك والتشبيب بالنساء فتعر ~~الشريفة، والهجاء فتعر كريما وتستثير لئيما، والمدح فإنه طعمة الوقاح، ولكن ~~افخر بمفاخر قومك وقل من الأمثال ما تزين به نفسك وتؤدب به غيرك. قال عبد ~~الله بن صالح: قيل لمعاوية: أي الناس أحب إليك؟ قال: أشدهم لي تحبيبا إلى ~~الناس. وقال معاوية: العقل والحلم والعلم أفضل ما أعطي العباد، فإذا ذكر ~~ذكر، وإذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا غضب كظم، وإذا قدر غفر، وإذا ~~أساء استغفر، وإذا وعد أنجز. قال عبد الله بن عمير: أغلظ لمعاوية رجل ~~فأكثر، فقيل له: أتحلم عن هذا؟ فقال: إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ~~مالم يحولوا بيننا وبين ملكنا. وقال محمد بن عامر: لأم معاوية عبد الله بن ~~جعفر على الغناء، فدخل عبد الله على معاوية ومعه بديح ومعاوية واضع رجلا ~~على رجل، فقال عبد الله لبديح: إيها يا بديح! فتغنى، فحرك معاوية رجله، ~~فقال عبد الله: مه يا أمير المؤمنين! فقال معاوية: إن الكريم طروب. قال ابن ~~عباس: ما رأيت أخلق للملك من معاوية، إن كان ليرد الناس منه على أرجاء واد ~~رحب، ولم يكن ms1253 كالضيق الحصحص الحصر، يعني ابن الزبير، وكان مغضبا. وقال ~~صفوان بن عمرو: وقف عبد الملك بقبر معاوية فوقف عليه فترحم، فقال رجل: قبر ~~من هذا؟ فقال: قبر رجل كان والله فيما علمته ينطق عن علم ويسكت عن حلم، إذا ~~أعطى أغنى، وإذا حارب أفنى، ثم عجل له الدهر ما أخره لغيره ممن بعده، هذا ~~قبر أبي عبد الرحمن معاوية. ومعاوية أول خليفة بايع لولده في الإسلام، وأول ~~من وضع البريد، وأول من سمى الغالية التي تطيب من الطيب غالية، وأول من عمل ~~المقصورة في المساجد، وأول من خطب جالسا، في قول بعضهم. ### || AUT ذكر بيعة يزيد # PageV02P0150 # قيل: وفي رجب من هذه السنة بويع يزيد بالخلافة بعد موت أبيه، على ما سبق ~~من الخلاف فيه، فلما تولى كان على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ~~وعلى مكة عمرو بن سعيد بن العاص، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى ~~الكوفة النعمان بن بشير، ولم يكن ليزيد همة إلا بيعة النفر الذين أبوا على ~~معاوية بيعته، فكتب إلى الوليد يخبره بموت معاوية، وكتابا آخر صغيرا فيه: ~~أما بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذا ليس فيه رخصة ~~حتى يبايعوا، والسلام. فلما أتاه نعي معاوية فظع به وكبر عليه وبعث إلى ~~مروان بن الحكم فدعاه. وكان مروان عاملا على المدينة من قبل الوليد، فلما ~~قدمها الوليد كان مروان يختلف إليه متكارها، فلما رأى الوليد ذلك منه شتمه ~~عند جلسائه، فبلغ ذلك مروان فانقطع عنه ولم يزل مصارما له حتى جاء نعي ~~معاوية، فلما عظم على الوليد هلاكه وما أمر به من بيعة هؤلاء النفر، استدعى ~~مروان فلما قرأ الكتاب بموت معاوية استرجع وترحم عليه، واستشاره الوليد كيف ~~يصنع. قال: أرى أن تدعوهم الساعة وتأمرهم بالبيعة، فإن فعلوا قبلت منهم ~~وكففت عنهم، وإن أبوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإنهم إن ~~علموا بموته وثب كل رجل منهم بناحية وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه، أما ابن ~~عمر فلا ms1254 يرى القتال ولا يحب أن يلي على الناس إلا أن يدفع إليه هذا الأمر ~~عفوا. فأرسل الوليد عبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو غلام حدث، إلى الحسين ~~وابن الزبير يدعوهما، فوجدهما في المسجد وهما جالسان، فأتاهما في ساعة لم ~~يكن الوليد يجلس فيها للناس فقال: أجيبا الأمير. فقالا: انصرف، الآن نأتيه. ~~وقال ابن الزبير للحسين: ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس ~~فيها؟ فقال الحسين: أظن أن طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل ~~أن يفشو في الناس الخبر. فقال: وأنا ما أظن غيره، فما تريد أن تصنع؟ قال ~~الحسين: أجمع فتياني الساعة ثم أمشي إليه وأجلسهم على الباب وأدخل عليه. ~~قال: فإني أخافه عليك إذا دخلت. قال: لا آتيه إلا وأنا قادر على الامتناع. ~~فقام فجمع إليه أصحابه وأهل بيته ثم أقبل على باب الوليد وقال لأصحابه: إني ~~داخل فإذا دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فادخلوا علي بأجمعكم وإلا فلا ~~تبرحوا حتى أخرج إليكم. ثم دخل فسلم، ومروان عنده، فقال الحسين: الصلة خير ~~من القطيعة، والصلح خير من الفساد، وقد آن لكما أن تجتمعا، أصلح الله ذات ~~بينكما؛ وجلس، فأقرأه الوليد الكتاب ونعى له معاوية ودعاه إلى البيعة، ~~فاسترجع الحسين وترحم على معاوية وقال: أما البيعة فإن مثلي لا يبايع سرا ~~ولا يجترأ بها مني سرا، فإذا خرجت إلى الناس ودعوتهم للبيعة ودعوتنا معهم ~~كان الأمر واحدا. فقال له الويد، وكان يحب العافية: انصرف. فقال له مروان: ~~لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى ~~بينكم وبينه، احبسه فإن بايع وإلا ضربت عنقه. فوثب عند ذلك الحسين وقال: ~~ابن الزرقاء أأنت تقتلني أم هو؟ كذبت والله ولؤمت! ثم خرج حتى أتى منزله. ~~فقال مروان للوليد: عصيتني، لا والله لا يمنكم من نفسه بمثلها أبدا. فقال ~~الوليد: ونج عيرك يا مروان، والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت ~~عنه من مال الدنيا وملكها وأني ms1255 قتلت حسينا إن قال لا أبايع، والله إني لأظن ~~أن أمرأ يحاسب بدم الحسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة. قال مروان: ~~قد أصبت. يقول له هذا وهو غير حامد له على رأيه. PageV02P0151 # وأما ابن الزبير فقال: الآن آتيكم. ثم أتى داره فكمن فيها، ثم بعث إليه ~~الوليد فوجده قد جمع أصحابه واحترز، فألح عليه الوليد وهو يقول: أمهلوني. ~~فبعث إليه الوليد مواليه، فشتموه وقالوا له: يا ابن الكاهلية لتأتين الأمي ~~أو ليقتلنك! فقال لهم: والله لقد استربت لكثرة الإرسال فلا تعجلوني حتى ~~أبعث إلى الأمير من يأتيني برأيه. فبعث إليه أخاه جعفر بن الزبير، فقال: ~~رحمك الله، كف عن عبد الله فإنك قد أفزعته وذعرته وهو يأتيك غدا إن شاء ~~الله تعالى، فمر رسلك فلينصرفوا عنه. فبعث إليهم فانصرفوا. وخرج ابن الزبير ~~من ليلته فأخذ طريق الفرغ هو وأخوه جعفر ليس معهما ثالث وسارا نحو مكة، ~~فسرح الرجال في طلبه فلم يدركوه، فرجعوا وتشاغلوا به عن الحسين ليلتهم، ثم ~~أرسل الرجال إلى الحسين فقال لهم: أصبحوا ثم ترون ونرى. وكانوا يبقون عليه، ~~فكفوا عنه. فسار من ليته، وكان مخرج ابن الزبير قبله بليلة، وأخذ معه بنيه ~~وإخوته وبني أخيه وجل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية فإنه قال له: يا أخي ~~أنت أحب الناس إلي وأعزهم إلي وأعزهم علي ولست أذخر النصيحة لأحد من الخلق ~~أحق بها منك، تنح ببيعتك عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت وابعث رسلك إلى ~~الناس وادعهم إلى نفسك فإن بايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن أجمع الناس ~~على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك، ~~إني أخاف أن تأتي مصرا وجماعة من الناس فيختلفوا عليك، فمنهم طائفة معك ~~وأخرى عليك، فيقتتلون فتكون لأول الأسنة، فإذا خير هذه الأمة كلها نفسا ~~وأبا وأما أضيعها دما وأذلها أهلا. قال الحسين: فأين أذهب يا أخي؟ قال: ~~انزل مكة فإن اطمأنت بك الدار فبسبيل ذلك، وإن نأت بك لحقت بالرمال ms1256 وشعف ~~الجبال وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس، ويفرق لك ~~الرأي، فإنك أصوب ما يكون رأيا وأحزمه عملا حين تستقبل الأمور استقبالا، ~~ولا تكون الأمور عليك أبدا أشكل منها حين تستبدرها. قال: يا أخي قد نصحت ~~وأشفقت وأرجو أن يكون رأيك سديدا وموفقا إن شاء الله. ثم دخل المسجد وهو ~~يتمثل بقول يزيد بن مفرغ: لا ذعرت السوام في شفق الصب ... ح مغيرا ولا دعيت ~~يزيدا يوم أعطى من المهانة ضيما ... والمنايا يرصدنني أن أحيدا ولما سار ~~الحسين نحو مكة قرأ: (فخرج منها خائفا يترقب) القصص: 21 الآية. ثم إن ~~الوليد أرسل إلى ابن عمر ليبايع فقال: إذا بايع الناس بايعت؛ فتركوه وكانوا ~~لا يتخوفونه. وقيل: إن ابن عمر كان هو وابن عباس بمكة فعادا إلى المدينة، ~~فلقيهما الحسين وابن الزبير فسألاهما: ما وراءكما؟ فقالا: موت معاوية وبيعة ~~يزيد. فقال ابن عمر: لا تفرقا جماعة المسلمين. وقدم هو وابن عباس المدينة. ~~فلما بايع الناس بايعا. قال: ودخل ابن الزبير مكة وعليها عمرو بن سعيد، ~~فلما دخلها قال: أنا عائذ بالبيت. ولم يكن يصلي بصلاتهم ولا يفيض بإفاضتهم، ~~وكان يقف هو وأصحابه ناحية. ### || AUT ذكر عزل الوليد عن المدينة # ### || AUT وولاية عمرو بن سعيد # في هذه السنة عزل الوليد بن عتبة عن المدينة، عزله يزيد، واستعمل عليها ~~عمرو بن سعيد الأشدق، فقدمها في رمضان، فدخل عليه أهل المدينة، وكان عظيم ~~الكبر، واستعمل على شرطته عمرو بن الزبير لما كان بينه وبين أخيه عبد الله ~~من البغضاء، فأرسل إلى نفر من أهل المدينة فضربهم ضربا شديدا لهواهم في ~~أخيه عبد الله، منهم: أخوه المنذر بن الزبير، وابنه محمد بن المنذر، وعبد ~~الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام، ومحمد ~~بن عمار بن ياسر، وغيرهم، فضربهم الأربعين إلى الخمسين إلى الستين. فاستشار ~~عمرو بن سعيد عمرو بن الزبير فيمن يرسله إلى أخيه. فقال: لا توجه إليه رجلا ~~أنكأ له مني. ms1257 فجهز معه الناس وفيهم أنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمائة، فجاء ~~مروان بن الحكم إلى عمرو بن سعيد فقال له: لا تغز مكة واتق الله ولا تحل ~~حرمة البيت وخلوا ابن الزبير فقد كبر وله ستون سنة وهو لجوج. فقال عمرو بن ~~الزبير: والله لنغزونه في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم. PageV02P0152 # وأتى أبو شريح الخزاعي إلى عمرو فقال له: لا تغز مكة فإني سمعت رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (إنما أذن لي بالقتال فيها ساعة من نهار ~~ثم عادت كحرمتها بالأمس). فقال له عمرو: نحن أعلم بحرمتها منك أيها الشيخ. ~~فسار أنيس في مقدمته. وقيل: إن يزيد كتب إلى عمرو بن سعيد ليرسل عمرو بن ~~الزبير إلى أخيه عبد الله، ففعل، فأرسله ومعه جيش نحو ألفي رجل، فنزل أنيس ~~بذي طوى ونزل عمرو بالأبطح، فأرسل عمرو إلى أخيه: بر يمين يزيد، وكان حلف ~~أن لا يقبل بيعته إلا أن يؤتى به في جامعة، ويقال: حتى أجعل في عنقك جامعة ~~من فضة لا ترى ولا يضرب الناس بعضهم بعضا فإنك في بلد حرام. فأرسل عبد الله ~~بن الزبير عبد الله بن صفوان نحو أنيس فيمن معه من أهل مكة ممن اجتمع إليه، ~~فهزمه ابن صفوان بذي طوى وأجهز على جريحهم وقتل أنيس بن عمرو وسار مصعب بن ~~عبد الرحمن إلى عمرو بن الزبير، فتفرق عن عمرو أصحابه، فدخل دار ابن علقمة، ~~فأتاه أخوه عبيدة فأجاره، ثم أتى عبد الله فقال له: إني قد أجرت عمرا. ~~فقال: أتجبر من حقوق الناس! هذا ما لا يصلح وما أمرتك أن تجير هذا الفاسق ~~المستحل لحرمات الله. ثم أقاد عمرا من كل من ضربه إلا المنذر وابنه فإنهما ~~أبيا أن يستقيدا، ومات تحت السياط. ### || AUT ذكر مراسلة الكوفيين الحسين بن علي # ### || AUT ليسير إليهم وقتل مسلم بن عقيل # لما خرج الحسين من المدينة إلى مكة لقيه عبد الله بن مطيع فقال له: جعلت ~~فداك! أين تريد؟ قال: أما الآن فمكة، وأما ms1258 بعد فإني أستخير الله. قال: خار ~~الله لك وجعلنا فداك! فإذا أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة فإنها بلدة ~~مشؤومة بها قتل أبوك وخذل أخوك واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه، الزم ~~الحرم فإنك سيد العرب لا يعدل بك أهل الحجاز أحدا ويتداعى إليك الناس من كل ~~جانب، لا تفارق الحرم، فداك عمي وخالي! فوالله لئن هلكت لنسترقن بعدك. ~~فأقبل حتى نزل مكة وأهلها مختلفون إليه ويأتونه ومن بها من المعتمرين وأهل ~~الآفاق، وابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة فهو قائم يصلي عندها عامة ~~النهار ويطوف ويأتي الحسين فيمن يأتيه ولا يزال يشير عليه بالرأي، وهو أثقل ~~خلق الله على ابن الزبير، لأن أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين باقيا ~~بالبلد. ولما بلغ أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين وابن عمر وابن ~~الزبير عن البيعة أرجفوا بيزيد، واجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد ~~الخزاعي، فذكروا مسير الحسين إلى مكة وكتبوا إليه عن نفر، منهم: سليمان بن ~~صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة، ورفاعة بن شداد، وحبيب بن مظاهر وغيرهم: بسم ~~الله الرحمن الرحيم، سلام عليك، فإننا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ~~أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة ~~فابتزها أمرها وغصبها فيئها وتأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل خيارها ~~واستبقى شرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبعدت له كما ~~بعدت ثمود، وأنه ليس علينا إمام فاقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق، ~~والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا عيد، ولو ~~بلغنا إقبالك إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله تعالى، والسلام ~~عليك ورحمة الله وبركاته. وسيروا الكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد ~~الله بن وال؛ ثم كتبوا إليه كتابا آخر وسيروه بعد ليلتين، فكتب الناس معه ~~نحوا من مائة وخمسين صحيفة ثم أرسلوا إليه رسولا ثالثا يحثونه على المسير ~~إليهم، ثم كتب إليه شبث بن ms1259 ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث ويزيد بن ~~رويم وعروة بن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد ابن عمير التميمي بذلك. ~~فكتب إليهم الحسين عند اجتماع الكتب عنده: أما بعد فقد فهمت كل الذي ~~اقتصصتم وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل ~~وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إلي أنه قد اجتمع رأي ~~ملإكم وذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم أقدم إليكم وشيكا إن شاء ~~الله، فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب والقائم بالقسط والدائن بدين ~~الحق، والسلام. PageV02P0153 # واجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية ~~بنت سعد، وكانت تتشيع، وكان منزلها لهم مألفا يتحدثون فيه. فعزم يزيد ابن ~~بنيط على الخروج إلى الحسين، وهو من بعد القيس، وكان له بنون عشرة، فقال: ~~أيكم يخرج معي؟ فخرج معه ابنان له: عبد الله وعبيد الله، فساروا فقدموا ~~عليه بمكة ثم ساروا معه فقتلوا معه. ثم دعا الحسين مسلم بن عقيل فسيره نحو ~~الكوفة وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين له عجل ~~إليه بذلك. فأقبل مسلم إلى المدينة فصلى في مسجد رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وودع أهله واستأجر دليلين من قيس، فأقبلا به، فضلا الطريق وعطشوا، ~~فمات الدليلان من العطش وقالا لمسلم: هذا الطريق إلى الماء. فكتب مسلم إلى ~~الحسين: إني اقبلت إلى المدينة واستأجرت دليلين فضلا الطريق واشتد عليهما ~~العطش فماتا، واقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا، ~~وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيث، وقد تطيرت، فإن رأتي أعفيتني ~~وبعثت غيري. فكتب إليه الحسين: أما بعد فقد خشيت أن لا يكون حملك على ~~الكتاب إلي إلا الجبن، فامض لوجهك، والسلام. فسار مسلم حتى أتى الكوفة ونزل ~~في دار المختار، وقيل غيرها، وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فكلما اجتمعت إليه ~~جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين فيبكون ويعدونه من أنفسهم القتال ~~والنصرة، واختلفت ms1260 إليه الشيعة حتى علم بمكانه وبلغ ذلك النعمان بن بشير، ~~وهو أمير الكوفة، فصعد المنبر فقال: أما بعد فلا تسارعوا إلى الفتنة ~~والفرقة، فإن فيهما تهلك الرجال وتسفك الدماء وتغصب الأموال. وكان حليما ~~ناسكا يحب العافية، ثم قال: إني لا أقاتل من لم يقاتلني، ولا أثب على من لا ~~يثب علي، ولا أنبه نائمكم، ولا أتحرش بكم، ولا آخذ بالقرف ولا الظنة ولا ~~التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم فوالله ~~الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمة بيدي، ولو لم يكن لي منكم ~~ناصر ولا معين، أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه ~~الباطل. فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية فقال: ~~إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم، إن هذا الذي أنت عليه رأي المستضعفين. فقال: ~~أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية ~~الله. ونزل. فكتب عبد الله بن مسلم إلى يزيد يخبره بقدوم مسلم بن عقيل ~~الكوفة ومبايعة الناس له، ويقول له: إن كان لك في الكوفة حاجة فابعث إليها ~~رجلا قويا ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوك، فإن النعمان رجل ضعيف أو هو ~~يتضعف. وكان هو أول من كتب إليهم، ثم كتب إليه عمارة بن الوليد بن عقبة ~~وعمرو بن سعد بن أبي وقاص بنحو ذلك. فلما اجتمعت الكتب عند يزيد دعا سرجون ~~مولى معاوية فأقرأه الكتب واستشاره فيمن يوليه الكوفة، وكان يزيد عاتبا على ~~عبيد الله بن زياد، فقال له سرجون: أرأيت لو نشر لك معاوية كنت تأخذ برأيه؟ ~~قال: نعم. قال: فأخرج عهد عبيد الله على الكوفة. فقال: هذا رأي معاوية، ~~ومات وقد أمر بهذا الكتاب. فأخذ برأيه وجمع الكوفة والبصرة لعبيد الله وكتب ~~إليه بعهده وسيره إليه مع مسلم بن عمرو الباهلي والد قتيبة، فأمره بطلب ~~مسلم بن عقيل وبقتله أو نفيه. فلما وصل كتابه إلى عبيد الله أمر بالتجهز ms1261 ~~ليبرز من الغد. وكان الحسين قد كتب إلى أهل البصرة نسخة واحدة إلى الأشراف، ~~فكتب إلى مالك بن مسمع البكري، والأحنف بن قيس، والمنذر بن الجارود، ومسعود ~~بن عمرو، وقيس بن الهيثم، وعمر بن عبيد الله بن معمر، يدعوهم إلى كتاب الله ~~وسنة رسوله، وأن السنة قد ماتت والبدعة قد أحييت، فكلهم كتموا كتابه إلا ~~المنذر بن الجارود فإنه خاف أن يكون دسيسا من ابن زياد، فأتاه بالرسول ~~والكتاب فضرب عنق الرسول وخطب الناس وقال: PageV02P0154 # أما بعد فوالله ما بي تقرن الصعبة، وما يقعقع لي بالشنان، وإني لنكل لمن ~~عاداني وسلم لمن حاربني، وأنصف القارة من راماها، يا أهل البصرة إن أمير ~~المؤمنين قد ولاني الكوفة وأنا غاد إليها بالغداة وقد استخلفت عليكم أخي ~~عثمان بن زياد، فإياكم والخلاف والإرجاف، فوالله لئن بلغني عن رجل منكم ~~خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه، ولآخذن الأدنى بالأقصى، حتى تستقيموا ولا يكون ~~فيكم مخالف ولا مشاق، وإني أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطىء الحصى فلم ~~ينتزعني شبه خال ولا ابن عم. ثم خرج من البصرة ومعه مسلم بن عمرو الباهلي ~~وشريك بن الأعور الحارثي وحشمة وأهل بيته، وكان شريك شيعيا، وقيل: كان معه ~~خمسمائة فتساقطوا عنه، فكان أول من سقط شريك، ورجوا أن يقف عليهم ويسبقه ~~الحسين إلى الكوفة، فلم يقف على أحد منهم حتى دخل الكوفة وحده، فجعل يمر ~~بالمجالس فلا يشكون أنه الحسين فيقولون: مرحبا بك يا ابن رسول الله! وهو لا ~~يكلمهم، وخرج إليه الناس من دورهم، فساءه ما رأى منهم، وسمع النعمان فأغلق ~~عليه الباب وهو لا يشك أنه الحسين، وانتهى إليه عبيد الله ومعه الخلق ~~يصيحون، فقال له النعمان: أنشدك الله ألا تنحيت عني! فوالله ما أنا بمسلم ~~إليك أمانتي وما لي في قتالك من حاجة! فدنا منه عبيد الله وقال له: افتح لا ~~فتحت - فسمعها إنسان خلفه فرجع إلى الناس وقال لهم: إنه ابن مرجانة. ففتح ~~له النعمان فدخل، وأغلقوا الباب وتفرق الناس، وأصبح فجلس على المنبر، ms1262 وقيل: ~~بل خطبهم من يومه فقال: أما بعد فإن أمير المؤمنين ولاني مصركم وثغركم ~~وفيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، وبالإحسان إلى سامعكم ~~ومطيعكم، وبالشدة على مريبكم وعاصيكم، وأنا متبع فيكم أمره، ومنفذ فيكم ~~عهده، فأنا لمحسنكم كالوالد البر، ولمطيعكم كالأخ الشقيق، وسيفي وسوطي على ~~من ترك أمري وخالف عهدي، فليبق امرء على نفسه. ثم نزل فأخذ العرفاء والناس ~~أخذا شديدا وقال: اكتبوا إلي الغرباء، ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين، ومن ~~فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق، فمن كتبهم إلي ~~فبرىء، ومن لم يكتب لنا أحدا فليضمن لنا ما في عرافته أن لا يخالفنا فيهم ~~مخالف ولا يبغي علينا منهم باغ، فمن لم يفعل فبرئت منه الذمة وحلال لنا دمه ~~وماله، وأيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا ~~صلب على باب داره وألقيت تلك العرافة من العطاء وسير إلى موضع بعمان ~~الزارة. ثم نزل. وسمع مسلم بمقالة عبيد الله فخرج من دار المختار وأتى دار ~~هانىء بن عروة المرادي فدخل بابه واستدعى هانئا، فخرج إليه، فلما رآه كره ~~مكانه فقال له مسلم: أتيتك لتجيرني وتضيفني. فقال له هانىء: لقد كلفتني ~~شططا، ولولا دخولك داري لأحببت أن تنصرف عني، غير أنه يأخذني من ذلك ذمام، ~~ادخل. فآواه، فاختلفت الشيعة إليه في دار هانىء. ودعا ابن زياد مولى له ~~وأعطاه ثلاثة آلاف درهم وقال له: اطلب مسلم ابن عقيل وأصحابه والقهم وأعطهم ~~هذا المال وأعلمههم أنك منهم واعلم أخبارهم. ففعل ذلك وأتى مسلم بن عوسجة ~~الأسدي بالمسجد فسمع الناس يقولون: هذا يبايع للحسين، وهو يصلي، فلما فرغ ~~من صلاته قال له: يا عبد الله إني امرؤ من أهل الشام أنعم الله علي بحب أهل ~~هذا البيت، وهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم ~~الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد سمعت نفرا ~~يقولون إنك تعلم أمر هذا البيت وإني أتيتك لتقبض المال وتدخلني ms1263 على صاحبك ~~أبايعه، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائي إياه. فقال: لقد سرني لقاؤك إياي ~~لتنال الذي تحب وينصر الله بك أهل بيت نبيه، وقد ساءني معرفة الناس هذا ~~الأمر مني قبل أن يتم مخافة هذا الطاغية وسطوته. فأخذ بيعته والمواثيق ~~المعظمة ليناصحن وليكتمن، واختلف إليه أياما ليدخله على مسلم بن عقيل. ~~PageV02P0155 # ومرض هانىء بن عروة، فأتاه عبيد الله يعوده، فقال له عمارة بن عبد ~~السلولي: إنما جماعتنا وكيدنا قتل هذا الطاغية وقد أمكنك الله فاقتله. فقال ~~هانىء: ما أحب أن يقتل في داري. وجاء ابن زياد فجلس عنده ثم خرج، فما مكث ~~إلا جمعة حتى مرض شريك بن الأعور، وكان قد نزل على هانىء وكان كريما على ~~ابن زياد وعلى غيره من الأمراء، وكان شديد التشيع، قد شهد صفين مع عمار، ~~فأرسل إليه عبيد الله: إني رائح إليك العشية. فقال لمسلم: إن هذا الفاجر ~~عائدي العشية فإذا جلس اخرج إليه فاقتله ثم اقعد في القصر ليس أحد يحول ~~بينك وبينه، فإن برأت من وجعي سرت إلى البصرة حتى أكفيك أمرها. فلما كان من ~~العشي أتاه عبيد الله، فقام مسلم بن عقيل ليدخل، فقال له شريك: لا يفوتنك ~~إذا جلس. فقال هانىء بن عروة: لا أحب أن يقتل في داري. فجاء عبيد الله فجلس ~~وسأل شريكا عن مرضه، فأطال، فلما رأى شريك أن مسلما لا يخرج خشي أن يفوته ~~فأخذ يقول: ما تنظرون بسلمى لا تحيوها ... اسقونيها وإن كانت بها نفسي فقال ~~ذلك مرتين أو ثلاثا، فقال عبيد الله: ما شأنه؟ أترونه يخلط؟ فقال له هانىء: ~~نعم، ما زال هذا دأبه قبيل الصبح حتى ساعته هذه، فانصرف. وقيل: إن شريكا ~~لما قال اسقونيها وخلط كلامه فطن به مهران فغمز عبيد الله فوثب، فقال له ~~شريك: أيها الأمير إني أريد أن أوصي إليك. فقال: أعود إليك. فقال له مهران: ~~إنه أراد قتلك. فقال: وكيف مع إكرامي له وفي بيت هانىء ويد أبي عنده؟ فقال ~~له مهران: هو ما قلت لك. ms1264 فلما قام ابن زياد خرج مسلم بن عقيل، فقال له ~~شريك: ما منعك من قتله؟ قال: خصلتان، أما إحداهما فكراهية هانىء أن يقتل في ~~منزله، وأما الأخرى فحديث حدثه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن ~~الإيمان قيد الفتك، فلا يفتك مؤمن بمؤمن). فقال له هانىء: لو قتلته لقتلت ~~فاسقا فاجرا كافرا غادرا!. ولبث شريك بعد ذلك ثلاثا ثم مات، فصلى عليه عبيد ~~الله. فلما علم عبيد الله أن شريكا كان حرض مسلما على قتله قال: والله لا ~~أصلي على جنازة عراقي أبدا، ولولا أن قبر زياد فيهم لنبشت شريكا. ثم إن ~~مولى ابن زياد الذي دسه بالمال اختلف إلى مسلم بن عوسجة بعد موت شريك، ~~فأدخله على مسلم بن عقيل فأخذ بيعته وقبض ماله وجعل يختلف إليهم ويعلم ~~أسرارهم وينقلها إلى ابن زياد. وكان هانىء قد انقطع عن عبيد الله بعذر ~~المرض، فدعا عبيد الله محمد بن الأشعث واسماء بن خارجة، وقيل: دعا معهما ~~بعمرو بن الحجاج الزبيدي فسألهم عن هانىء وانقطاعه، فقالوا: إنه مريض. ~~فقال: بلغني أنه يجلس على باب داره وقد برأ، فالقوه فمروه أن لا يدع ما ~~عليه في ذلك. فأتوه فقالوا له: إن الأمير قد سأل عنك وقال: لو أعلم أنه شاك ~~لعدته، وقد بلغه أنك تجلس على باب دارك، وقد استبطأك، والجفاء لا يحتمله ~~السلطان، أقسمنا عليك لو ركبت معنا. فلبس ثيابه وركب معهم. فلما دنا من ~~القصر أحست نفسه بالشر فقال لحسان بن أسماء بن خارجة: يا ابن أخي إني لهذا ~~الرجل لخائف، فما ترى؟ فقال: ما أتخوف عليك شيئا فلا تجعل على نفسك سبيلا، ~~ولم يعلم أسماء مما كان شيئا. وأما محمد بن الأشعث فإنه علم به، قال: فدخل ~~القوم على ابن زياد وهانىء معهم، فلما رآه ابن زياد قال لشريح القاضي: أتتك ~~بحائن رجلاه؛ فلما دنا منه قال عبيد الله: أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك ~~من خليلك من مراد PageV02P0156 # وكان ابن زياد مكرما له، فقال هانىء: وما ذاك؟ فقال: يا ms1265 هانىء ما هذه ~~الأمور التي تربص في دارك لأمير المؤمنين والمسلمين! جئت بمسلم فأدخلته ~~دارك وجمعت له السلاح والرجال وظننت أن ذلك يخفى علي! قال: ما فعلت. قال: ~~بلى. وطال بينهما النزاع، فدعا ابن زياد مولاه ذاك العين، فجاء حتى وقف بين ~~يديه، فقال: أتعرف هذا؟ قال: نعم، وعلم هانىء أنه كان عينا عليهم، فسقط في ~~يده ساعة ثم راجعته نفسه، قال: اسمع مني وصدقني، فوالله لا أكذبك، والله ما ~~دعوته ولا علمت بشيء من أمره حتى رأيته جالسا على بابي يسألني النزول علي، ~~فاستحييت من رده ولزمني من ذلك ذمام فأدخلته داري وضفته، وقد كان من أمره ~~الذي بلغك، فإن شئت أعطيتك الآن موثقا تطمئن به ورهينة تكون في يدك حتى ~~أنطلق وأخرجه من داري وأعود إليك. فقال: لا والله. لا تفارقني أبدا حتى ~~تأتيني به. قال: لا آتيك بضيفي تقتله أبدا. فلما كثر الكلام قام مسلم بن ~~عمرو الباهلي، وليس بالكوفة شامي ولا بصري غيره، فقال: خلني وإياه حتى ~~أكلمه، لما رأى من لجاجه، وأخذ هانئا وخلا به ناحية من ابن زياد بحيث ~~يراهما، فقال له: يا هانىء أنشدك الله أن تقتل نفسك وتدخل البلاء على قومك! ~~إن هذا الرجل ابن عم القوم وليسوا بقاتليه ولا ضائريه، فادفعه إليه فليس ~~عليك بذلك مخزاة ولا منقصة إنما تدفعه إلى السلطان! قال: بلى والله إن علي ~~في ذلك خزيا وعارا، لا أدفع ضيفي وأنا صحيح شديد الساعد كثير الأعوان، ~~والله لو كنت واحدا ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه. فسمع ابن زياد ذلك ~~فقال: أدنوه مني. فأدنوه منه. فقال: والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك! قال: ~~إذن والله تكثر البارقة حول دارك! وهو يرى أن عشيرته ستمنعه. فقال: أبا ~~البارقة تخوفني؟. وقيل إن هانئا لما رأى ذلك الرجل الذي كان عينا لعبيد ~~الله علم أنه قد أخبره الخبر فقال: أيها الأمير قد كان الذي بلغك ولن أضيع ~~يدك عندي وأنت آمن وأهلك فسر حيث شئت. فأطرق عبيد الله ms1266 عند ذلك ومهران قائم ~~على رأسه وفي يده معكزة، فقال: واذلاه! هذا الحائك يؤمنك في سلطانك! فقال: ~~خذه، فأخذ مهران ضفيرتي هانىء وأخذ عبيد الله القضيب ولم يزل يضرب أنفه ~~وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسيل الدماء على ثيابه ونثر لحم خديه وجبينه على ~~لحيته حتى كسر القضيب، وضرب هانىء يده إلى قائم سيف شرطي وجبذه فمنع منه، ~~فقال له عبيد الله: أحروري أحللت بنفسك وحل لنا قتلك! ثم أمر به فألقي في ~~بيت وأغلق عليه. فقام إليه أسماء بن خارجة فقال: أرسله يا غادر! أمرتنا أن ~~نجيئك بالرجل فلما أتيناك به هشمت وجهه وسيلت دماءه وزعمت أنك تقتله. فأمر ~~به عبيد الله فلهز وتعتع ثم ترك فجلس. فأما ابن الأشعث فقال: رضينا بما رأى ~~الأمير، لنا كان أو علينا. وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئا قد قتل فأقبل في ~~مذحج حتى أحاطوا بالقصر، ونادى: أنا عمرو بن الحجاج، هذه فرسان مذحج ~~ووجوهها، لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة. فقال عبيد الله لشريح القاضي، وكان ~~حاضرا: ادخل على صاحبهم فانظر إليه ثم اخرج إليهم فأعلمهم أنه حي. ففعل ~~شريح، فلما دخل عليه قال له هانىء: يا للمسلمين! أهلكت عشيرتي؟ أين أهل ~~الدين؟ أين أهل النصر؟ أيخلونني وعدوهم وابن عدوهم! وسمع الضجة فقال: يا ~~شريح إني لأظنها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين، إنه إن دخل علي عشرة نفر ~~أنقذوني. فخرج شريح ومعه عين أرسله ابن زياد، قال شريح: لولا مكان العين ~~لأبلغتهم قول هانىء. فلما خرج شريح إليهم قال: قد نظرت إلى صاحبكم وإنه حي ~~لم يقتل. فقال عمرو وأصحابه: فأما إذ لم يقتل فالحمد لله! ثم انصرفوا. ~~PageV02P0157 # وأتى الخبر مسلم بن عقيل فنادى في أصحابه: يا منصور أمت! وكان شعارهم، ~~وكان قد بايعه ثمانية عشر ألفا وحوله في الدور أربعة آلاف، فاجتمع إليه ناس ~~كثير، فعقد مسلم لعبد الله بن عزير الكندي على ربع كندة وقال: سر أمامي، ~~وعقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج وأسد، وعقد لأبي ثمامة ms1267 الصائدي ~~على ربع تميم وهمدان، وعقد لعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة، وأقبل ~~نحو القصر. فلما بلغ ابن زياد إقباله تحرز في القصر وأغلق الباب، وأحاط ~~مسلم بالقصر وامتلأ المسجد والسوق من الناس وما زالوا يجتمعون حتى المساء، ~~وضاق بعبيد الله أمره وليس معه في القصر إلا ثلاثون رجلا من الشرط وعشرون ~~رجلا من الأشراف وأهل بيته ومواليه، وأقبل أشراف الناس يأتون ابن زياد من ~~قبل الباب الذي يلي دار الروميين والناس يسبون ابن زياد وأباه. فدعا ابن ~~زياد كثير بن شهاب الحارثي وأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج فيسير ويخذل ~~الناس عن ابن عقيل ويخوفهم، وأمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من ~~كندة وحضرموت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس، وقال مثل ذلك للقعقاع بن ~~شور الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن أبجر العجلي وشمر بن ذي الجوشن ~~الضبابي، وترك وجوه الناس عنده استئناسا بهم لقلة من معه. وخرج أولئك النفر ~~يخذلون الناس، وأمر عبيد الله من عنده من الأشراف أن يشرفوا على الناس من ~~القصر فيمنوا أهل الطاعة ويخوفوا أهل المعصية، ففعلوا، فلما سمع الناس ~~مقالة أشرافهم أخذوا يتفرقون حتى إن المرأة تأتي ابنها وأخاها وتقول: ~~انصرف، الناس يكفونك، ويفعل الرجل مثل ذلك، فما زالوا يتفرقون حتى بقي ابن ~~عقيل في المسجد في ثلاثين رجلا. فلما رأى ذلك خرج متوجها نحو أبواب كندة، ~~فلما خرج إلى الباب لم يبق معه أحد، فمضى في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب، ~~فانتهى إلى باب امرأة من كندة يقال لها طوعة أم ولد كانت للأشعث وأعتقها ~~فتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالا، وكان بلال قد خرج مع الناس وهي ~~تنتظره، فسلم عليها ابن عقيل وطلب الماء فسقته، فجلس، فقالت له: يا عبد ~~الله ألم تشرب؟ قال: بلى. قالت: فاذهب إلى أهلك، فسكت، فقالت له ثلاثا فلم ~~يبرح، فقالت: سبحان الله! إني لا أحل لك الجلوس على بابي. فقال لها: ليس لي ~~في هذا المصر منزل ms1268 ولا عشيرة، فهل لك إلى أجر ومعروف ولعلي أكافئك به بعد ~~اليوم؟ قالت: وما ذاك؟ قال: أنا مسلم بن عقيل، كذبني هؤلاء القوم وغروني. ~~قالت: ادخل. فأدخلته بيتا في دارها وعرضت عليه العشاء فلم يتعش. وجاء ابنها ~~فرآها تكثر الدخول في ذلك البيت، فقال لها: إن لك لشأنا في ذلك البيت. ~~وسألها فلم تخبره، فألح عليها فأخبرته واستكتمته وأخذت عليه الأيمان بذلك، ~~فسكت. وأما ابن زياد فلما لم يسمع الأصوات قال لأصحابه: انظروا هل ترون ~~منهم أحدا؟ فنظروا فلم يروا أحدا، فنزل إلى المسجد قبيل العتمة وأجلس ~~أصحابه حول المنبر وأمر فنودي: ألا برئت الذمة من رجل من الشرط والعرفاء ~~والمناكب والمقاتلة صلى العتمة إلا في المسجد. فامتلأ المسجد، فصلى بالناس ~~ثم قام فحمد الله ثم قال: أما بعد فإن ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما ~~رأيتم من الخلاف والشقاق فبرئت الذمة من رجل وجدناه في داره، ومن أتانا به ~~فله ديته. وأمرهم بالطاعة ولزومها، وأمر الحصين بن تميم أن يمسك أبواب ~~السكك ثم يفتش الدور، وكان على الشرط، وهو من بني تميم. PageV02P0158 # ودخل ابن زياد وعقد لعمرو بن حريث وجعله على الناس، فلما أصبح جلس للناس. ~~ولما أصبح بلال ابن تلك العجوز التي آوت مسلم بن عقيل أتى عبد الرحمن بن ~~محمد بن الأشعث فأخبره بمكان ابن عقيل، فأتى عبد الرحمن أباه، وهو عند ابن ~~زياد، فأسر إليه بذلك، فأخبر به محمد ابن زياد، فقال له ابن زياد: قم فأتني ~~به الساعة، وبعث معه عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي في سبعين من قيس حتى ~~أتوا الدار التي فيها ابن عقيل. فلما سمع الأصوات عرف أنه قد أتي، فخرج ~~إليهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار، ثم عاودا إليه فحمل عليهم فأخرجهم مرارا، ~~وضرب بكير بن حمران الأحمري فم مسلم فقطع شفته العليا وسقطت ثنيتاه، وضربه ~~مسلم على رأسه وثنى بأخرى على حبل العاتق كادت تطلع على جوفه، فلما رأوا ~~ذلك أشرفوا على سطح البيت وجعلوا يرمونه بالحجارة ms1269 ويلهبون النار في القصب ~~ويلقونها عليه. فلما رأى ذلك خرج عليهم بسيفه فقاتلهم في السكة، فقال له ~~محمد بن الأشعث: لك الأمان فلا تقتل نفسك! فأقبل يقاتلهم وهو يقول: أقسمت ~~لا أقتل إلا حرا ... وإن رأيت الموت شيئا نكرا أو يخلط البارد سخنا مرا ... ~~رد شعاع الشمس فاستقرا كل امرىء يوما يلاقي شرا ... أخاف أن أكذب أو أغرا ~~فقال له محمد: إنك لا تكذب ولا تخدع، القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ~~ضاربيك. وكان قد أثخن بالحجارة وعجز عن القتال، فأسند ظهره إلى حائط تلك ~~الدار، فآمنه ابن الأشعث والناس غير عمرو بن عبيد الله السلمي، فإنه قال: ~~لا ناقة لي في هذا ولا جمل، وأتي ببغلة فحمل عليها وانتزعوا سيفه، فكأنه ~~أيس من نفسه، فدمعت عيناه ثم قال: هذا أول الغدر. قال محمد: أرجو أن لا ~~يكون عليك بأس. قال: وما هو إلا الرجاء، أين أمانكم؟ ثم بكى. فقال له عمرو ~~بن عبيد الله بن عباس السلمي: من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي ~~نزل بك لم يبك! فقال: ما أبكي لنفسي ولكني أبكي لأهلي المنقلبين إليكم، ~~أبكي للحسين وآل الحسين. ثم قال لمحمد بن الأشعث: إني أراك ستعجز عن أماني ~~فهل تستطيع أن تبعث من عندك رجلا يخبر الحسين بحالي ويقول له عني ليرجع ~~بأهل بيته ولا يغره أهل الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذين كان يتمنى فراقهم ~~بالموت أو القتل؟ فقال له ابن الأشعث: والله لأفعلن! ثم كتب بما قال مسلم ~~إلى الحسين، فلقيه الرسول بزبالة فأخبره، فقال: كلما قدر نازل عند الله ~~نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا. وكان سبب مسيره من مكة كتاب مسلم إليه يخبره أنه ~~بايعه ثمانية عشر ألفا ويستحثه للقدوم. وأما مسلم فإن محمدا قدم به القصر، ~~ودخل محمد على عبيد الله فأخبره الخبر وأمانه له، فقال له عبيد الله: ما ~~أنت والأمان! ما أرسلناك لتؤمنه إنما أرسلناك لتأتينا به! فسكت محمد، ولما ~~جلس مسلم على باب القصر رأى جرة فيها ماء ms1270 بارد، فقال: اسقوني من هذا الماء. ~~فقال له مسلم بن عمرو الباهلي: أتراها ما أبردها! والله لا تذوق منها قطرة ~~حتى تذوق الحميم في نار جهنم! فقال لهم ابن عقيل: من أنت؟ قال: أنا من عرف ~~الحق إذ تركته، ونصح الأمة والإمام إذ غششته، وسمع وأطاع إذ عصيته، أنا ~~مسلم بن عمرو. فقال له ابن عقيل: لأمك الثكل ما أجفاك وأفظك وأقسى قلبك ~~وأغلظك! أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني! قال: فدعا ~~عمارة بن عقبة بماء بارد فصب له في قدح فأخذ ليشرب فامتلأ القدح دما، ففعل ~~ذلك ثلاثا، فقال: لو كان من الرزق المقسوم شربته. وأدخل على ابن زياد فلم ~~يسلم عليه بالإمارة، فقال له الحرسي: ألا تسلم على الأمير؟ فقال: إن كان ~~يريد قتلي فما سلامي عليه، وإن كان لا يريد قتلي فليكثرن تسليمي عليه. فقال ~~له ابن زياد: لعمري لتقتلن! فقال: كذلك؟ قال: نعم. قال: فدعني أوصي إلى بعض ~~قومي. قال: افعل. فقال لعمر بن سعد: إن بيني وبينك قرابة ولي إليك حاجة وهي ~~سر، فلم يمكنه من ذكرها، فقال له ابن زياد: لا تمتنع من حاجة ابن عمك. فقام ~~معه فقال: إن علي بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة سبعمائة درهم ~~فاقضها عني وانظر جثتي فاستوهبها فوارها وابعث إلى الحسين من يرده. ~~PageV02P0159 # فقال عمر لابن زياد: إنه قال كذا وكذا. فقال ابن زياد: لا يخونك الأمين ~~ولكن قد يؤتمن الخائن، أما مالك فهو لك تصنع به ما شئت، وأما الحسين فإن لم ~~يردنا لم نرده، وإن أرادنا لم نكف عنه، وأما جثته فإنا لن نشفعك فيها، وقيل ~~إنه قال: أما جثته فإنا إذا قتلناه لا نبالي ما صنع بها. ثم قال لمسلم: يا ~~ابن عقيل أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتت بينهم وتفرق كلمتهم! ~~فقال: كلا ولكن أهل هذا المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل ~~فيهم أعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب والسنة. ms1271 ~~فقال: وما أنت وذاك يا فاسق؟ ألم يكن يعمل بذلك فيهم إذ أنت تشرب الخمر ~~بالمدينة؟ قال: أنا أشرب الخمر! والله إن الله يعلم أنك تعلم أنك غير صادق ~~وأني لست كما ذكرت، وإن أحق الناس بشرب الخمر مني من يلغ في دماء المسلمين ~~فيقتل النفس التي حرم الله قتلها على الغضب والعداوة وهو يلهو ويلعب كأنه ~~لم يصنع شيئا. فقال له ابن زياد: قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها ~~أحد في الإسلام! قال: أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما ليس فيه، أما إنك ~~لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة ولا أحد من الناس ~~أحق بها منك. فشتمه ابن زياد وشتم الحسين وعليا وعقيلا، فلم يكلمه مسلم، ثم ~~أمر به فأصعد فوق القصر لتضرب رقبته ويتبعوا رأسه جسده، فقال مسلم لابن ~~الأشعث: والله لولا أمانك ما استسلمت، قم بسيفك دوني، قد أخفرت ذمتك. فأصعد ~~مسلم فوق القصر وهو يستغفر ويسبح، وأشرف به على موضع الحدائين فضربت عنقه، ~~وكان الذي قتله بكير بن حمران الذي ضربه مسلم، ثم أتبع رأسه جسده. فلما نزل ~~بكير قال له ابن زياد: ما كان يقول وأنتم تصعدون به؟ قال: كان يسبح ~~ويستغفر، فلما أدنيته لأقتله قلت له: ادن مني، الحمد لله الذي أمكن منك ~~وأقادني منك! فضربته ضربة لم تغن شيئا، فقال: أما ترى في خدش تخدشينه وفاء ~~من دمك أيها العبد؟ فقال ابن زياد: وفخرا عند الموت! قال: ثم ضربته الثانية ~~فقتلته. وقام محمد بن الأشعث فكلم ابن زياد في هانىء وقال له: قد عرفت ~~منزلته في المصر وبيته، وقد علم قومه أني أنا وصاحبي سقناه إليك، فأنشدك ~~الله لما وهبته لي فإني أكره عداوة قومه. فوعده أن يفعل. فلما كان من مسلم ~~ما كان بدا له فأمبر بهانىء حين قتل مسلم فأخرج إلى السوق فضربت عنقه، قتله ~~مولى تركي لابن زياد، قال: فبصر به عبد الرحمن بن الحصين المرادي بعد ذلك ~~بخازر مع ابن زياد ms1272 فقتله. فقال عبد الله بن الزبير الأسدي في قتل هانىء ~~ومسلم، وقيل قاله الفرزدق، الزبير بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة: فإن كنت ~~لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانىء في السوق وابن عقيل إلى بطل قد هشم ~~السيف وجهه ... وآخر يهوي من طمار قتيل وهي أبيات. وبعث ابن زياد برأسيهما ~~إلى يزيد، فكتب إليه يزيد يشكره ويقول له: وقد بلغني أن الحسين قد توجه نحو ~~العراق، فضع المراصد والمسالح واحترس واحبس على التهمة وخذ على الظنة، غير ~~أن لا تقتل إلا من قاتلك. وقيل: وكان مخرج ابن عقيل بالكوفة لثماني ليال ~~مضين من ذي الحجة سنة ستين، وقيل: لتسع مضين منه، قيل: وكان فيمن خرج معه ~~المختار بن أبي عبيد وعبد الله بن الحارث بن نوفل، فطلبهما ابن زياد ~~وحبسهما، وكان فيمن قاتل مسلما محمد بن الأشعث وشبث بن ربعي التميمي ~~والقعقاع بن شور، وجعل شبث يقول: انتظروا بهم الليل يتفرقوا، فقال له ~~القعقاع: إنك قد سددت عليهم وجه مهربهم فافرج لهم يتفرقوا. ### || AUT ذكر مسير الحسين إلى الكوفة # PageV02P0160 # قيل: لما أراد الحسين المسير إلى الكوفة بكتب أهل العراق إليه أتاه عمر ~~بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وهو بمكة فقال له: إني أتيتك لحاجته أريد ~~ذكرها نصيحة لك، فإن كنت ترى أنك مستنصحي قلتها وأديت ما علي من الحق فيها، ~~وإن ظننت أنك لا مستنصحي كففت عما أريد. فقال له: قل فوالله ما أستغشك وما ~~أظنك بشيء من الهوى. قال له: قد بلغني أنك تريد العراق، وإني مشفق عليك، ~~إنك تأتي بلدا فيه عماله وأمراؤه ومعهم بيوت الأموال، وإنما الناس عبيد ~~الدينار والدرهم، فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره ومن أنت أحب إليه ~~ممن يقاتلك معه. فقال له الحسين: جزاك الله خيرا يا ابن عم، فقد علمت أنك ~~مشيت بنصح وتكلمت بعقل، ومهما يقض من أمر يكن، أخذت برأيك أو تركته، فأنت ~~عندي أحمد مشير، وأنصح ناصح. قال: وأتاه عبد الله بن عباس فقال له: قد ms1273 أرجف ~~الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع؟ فقال له: قد أجمعت السير ~~في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى. فقال له ابن عباس: فإني أعيذك بالله ~~من ذلك، خبرني، رحمك الله، أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا ~~عدوهم؟ فإن كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم ~~عليهم قاهر لهم وعماله تجبي بلادهم فإنما دعوك إلى الحرب، ولا آمن عليك أن ~~يغزوك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك ويستنفروا ويخذلوك ويستنفروا إليك فيكونوا ~~أشد الناس عليك. فقال الحسين: فإني أستخير الله وأنظر ما يكون. فخرج ابن ~~عباس وأتاه ابن الزبير فحدثه ساعة ثم قال: ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم ~~وكفنا ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم، خبرني ما تريد أن تصنع؟ ~~فقال الحسين: لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتبت إلي شيعتي بها وأشراف ~~الناس وأستخير الله. فقال له ابن الزبير: أما لو كان لي بها مثل شيعتك لما ~~عدلت عنها. ثم خشي أن يتهمه فقال له: أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا ~~الأمر ههنا لما خالفنا عليك وساعدناك وبايعناك ونصحنا لك. فقال له الحسين: ~~إن أبي حدثني أن لها كبشا به تستحل حرمتها، فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش. ~~قال: فأقم إن شئت وتوليني أنا الأمر فتطاع ولا تعصى. قال: ولا أريد هذا ~~أيضا. ثم إنهما أخفيا كلامهما دوننا، فالتفت الحسين إلى من هناك وقال: ~~أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا ندري، جعلنا الله فداك! قال: إنه يقول: أقم في ~~هذا المسجد أجمع لك الناس، ثم قال له الحسين: والله لئن أقتل خارجا منها ~~بشبر أحب إلي من أن أقتل فيها، ولأن أقتل خارجا منها بشبرين أحب إلي من أن ~~أقتل خارجا منها بشبر، وايم الله لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام ~~لاستخرجوني حتى يقضوا بي حاجتهم! والله ليعتدن علي كما اعتدت اليهود في ~~السبت. فقام ابن الزبير فخرج من عنده. فقال الحسين: إن هذا ليس ms1274 شيء من ~~الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز، وقد علم أن الناس لا يعدلونه بي فود ~~أني خرجت حتى يخلو له. قال: فلما كان من العشي أو من الغد أتاه ابن عباس ~~فقال: يا ابن عم، إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك ~~والاستئصال، إن أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عاملهم ~~وعدوهم ثم أقدم عليهم، فإن أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فإن بها حصونا ~~وشعابا، وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عزلة، ~~فتكتب إلى الناس وترسل وتبث دعاءك، فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في ~~عافية. فقال له الحسين: يا ابن عم إني والله لأعلم أنك ناصح مشفق، وقد ~~أزمعت وأجمعت المسير. فقال له ابن عباس: فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك ~~وصبيتك فإني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه. ثم قال ~~له ابن عباس: لقد أقررت عين ابن الزبير بخروجك من الحجاز وهو اليوم لا ينظر ~~إليه أحد معك، والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك ~~وناصيتك حتى يجتمع علينا الناس أطعتني فأقمت لفعلت ذلك. ثم خرج ابن عباس من ~~عنده فمر بابن الزبير فقال: قرت عينك يا ابن الزبير! ثم أنشد قائلا: يا لك ~~من قبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري هذا ~~الحسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز. PageV02P0161 # قيل: وكان الحسين يقول: والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من ~~جوفي، فإذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرم المرأة. ~~قال: والفرم خرقة تجعلها المرأة في قبلها إذا حاضت. ثم خرج الحسين يوم ~~التروية، فاعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص، وهو أمير على الحجاز ليزيد بن ~~معاوية مع أخيه يحيى، يمنعونه، فأبى عليهم ومضى، وتضاربوا بالسياط، وامتنع ~~الحسين وأصحابه وساروا فمروا بالتنعيم، فرأى بها عيرا قد أقبلت من اليمن ~~بعث ms1275 بها بحير بن ريسان من اليمن إلى يزيد بن معاوية، وكان عامله على اليمن، ~~وعلى العير الورس والحلل، فأخذها الحسين وقال لأصحاب الإبل: من أحب منكم أن ~~يمضي معنا إلى العراق أوفينا كراءه وأحسنا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا من ~~مكاننا أعطيناه نصيبه من الكراء؛ فمن فارق منهم أعطاه حقه، ومن سار معه ~~أعطاه كراءه وكساه. ثم سار، فلما انتهى إلى الصفاح لقيه الفرزدق الشاعر ~~فقال له: أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب. فقال له الحسين: بين لي خبر ~~الناس خلفك. قال: الخبير سألت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، ~~والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء. فقال الحسين: صدقت، لله الأمر ~~يفعل ما يشاء وكل يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على ~~نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد ~~من كان الحق نيته، والتقوى سريرته. قال: وأدرك الحسين كتاب عبد الله بن ~~جعفر مع ابنيه عون ومحمد، وفيه: أما بعد فإني أسألك بالله لما انصرفت حين ~~تقرأ كتابي هذا، فإني مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك واستئصال ~~أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفىء نور الأرض، فإنك علم المهتدين ورجاء ~~المؤمنين، فلا تعجل بالسير فإني في إثر كتابي، والسلام. وقيل: وقام عبد ~~الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد فقال له: اكتب للحسين كتابا تجعل له الأمان ~~فيه وتمنيه في البر والصلة واسأله الرجوع. وكان عمرو عامل يزيد على مكة، ~~ففعل عمرو ذلك وأرسل الكتاب مع أخيه يحيى بن سعيد ومع عبد الله بن جعفر، ~~فلحقاه وقرآ عليه الكتاب وجهدا أن يرجع، فلم يفعل، وكان مما اعتذر به ~~إليهما أن قال: إني رأيت رؤيا رأيت فيها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وأمرت فيها بأمر أنا ماض له، علي كان أو لي. فقالا: ما تلك الرؤيا؟ قال: ما ~~حدثت بها أحدا وما أنا محدث بها أحدا حتى ألقى ربي. ولما بلغ ابن زياد مسير ms1276 ~~الحسين من مكة بعث الحصين بن نمير التميمي صاحب شرطته فنزل القادسية ونظم ~~الخيل ما بين القادسية إلى خفان، وما بين القادسية إلى القطقطانة وإلى جبل ~~لعلع. فلما بلغ الحسين الحاجر كتب إلى أهل الكوفة مع قيس بن مسهر الصيداوي ~~يعرفهم قدومه ويأمرهم بالجد في أمرهم، فلما انتهى قيس إلى القادسية أخذه ~~الحصين فبعث به إلى ابن زياد، فقال له ابن زياد: اصعد القصر فسب الكذاب ابن ~~الكذاب الحسين بن علي. فصعد قيس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا ~~الحسين بن علي خير خلق الله، ابن فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~أنا رسوله إليكم وقد فارقته بالحاجر فأجيبوه؛ ثم لعن ابن زياد وأباه ~~واستغفر لعلي. فأمر به ابن زياد فرمي من أعلى القصر فتقطع فمات. ثم أقبل ~~الحسين يسير نحو الكوفة فانتهى إلى ماء من مياه العرب، فإذا عليه عبد الله ~~بن مطيع، فلما رآه قام إليه فقال: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله! ما ~~أقدمك؟ فاحتمله فأنزله، فأخبره الحسين، فقال له عبد الله: أذكرك الله يا ~~ابن رسول الله وحرمة الإسلام أن تنتهك، أنشدك الله في حرمة قريش، أنشدك ~~الله في حرمة العرب، فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلنك، ولئن ~~قتلوك لا يهابون بعدك أحدا أبدا، والله إنها لحرمة الإسلام تنتهك وحرمة ~~قريش وحرمة العرب، فلا تفعل ولا تأت الكوفة ولا تعرض نفسك لبني أمية! فأبى ~~إلا أن يمضي. PageV02P0162 # وكان زهير بن القين البجلي قد حج، وكان عثمانيا، فلما عاد جمعهما الطريق، ~~وكان يساير الحسين من مكة إلا أنه لا ينزل معه، فاستدعاه يوما الحسين فشق ~~عليه ذلك ثم أجابه على كره، فلما عاد من عنده نقل ثقله إلى ثقل الحسين ثم ~~قال لأصحابه: من أحب منكم أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد، وسأحدثكم حديثا، ~~غزونا بلنجر ففتح علينا وأصبنا غنائم ففرحنا وكان معنا سلمان الفارسي فقال ~~لنا: إذا أدركتم سيد شباب أهل محمد فكونوا أشد فرحا بقتالكم معه بما ms1277 أصبتم ~~اليوم من الغنائم، فأما أنا فأستودعكم الله! ثم طلق زوجته وقال لها: الحقي ~~بأهلك فإني لا أحب أن يصيبك في سببي إلا خير. ولزم الحسين حتى قتل معه. ~~وأتاه خبر قتل مسلم بن عقيل بالثعلبية فقال له بعض أصحابه: ننشدك إلا رجعت ~~من مكانك فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة بل نتخوف عليك أن يكونوا عليك! ~~فوثب بنو عقيل وقالوا: والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق كما ذاق مسلم! ~~فقال الحسين: لا خير في العيش بعد هؤلاء. فقال له بعض أصحابه: إنك والله ما ~~أنت مثل مسلم بن عقيل، ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع. ثم ارتحلوا ~~فانتهوا إلى زبالة، وكان لا يمر بماء إلا اتبعه من عليه حتى انتهى إلى ~~زبالة، فأتاه خبر مقتل أخيه من الرضاعة عبد الله بن بقطر، وكان سرحه إلى ~~مسلم بن عقيل من الطريق وهو لا يعلم بقتله، فأخذته خيل الحصين، فسيره من ~~القادسية إلى ابن زياد، فقال له: اصعد فوق القصر والعن الكذاب ابن الكذاب ~~ثم انزل حتى أرى فيك رأيي. فصعد فأعلم الناس بقدوم الحسين ولعن ابن زياد ~~وأباه، فألقاه من القصر فتكسرت عظامه، وبقي به رمق، فأتاه رجل يقال له عبد ~~الملك بن عمير اللخمي فذبحه، فلما عيب ذلك عليه قال: إنما أردت أن أريحه. ~~قال بعضهم: لم يكن الذي ذبحه عبد الملك بن عمير ولكنه رجل يشبه عبد الملك. ~~فلما أتى الحسين خبر قتل أخيه من الرضاعة ومسلم بن عقيل أعلم الناس ذلك ~~وقال: قد خذلنا شيعتنا، فمن أحب أن ينصرف فلينصرف ليس عليه منا ذمام. ~~فتفرقوا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من مكة، وإنما فعل ~~ذلك لأنه علم أن الأعراب ظنوا أنه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهله فأراد ~~أن يعلموا علام يقدمون. ثم سار حتى نزل بطن العقبة، فلقيه رجل من العرب ~~فقال له: أنشدك الله لما انصرفت فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف، ~~إن هؤلاء ms1278 الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطؤوا لك الأشياء ~~فقدمت عليهم لكان ذلك رأيا، فأما على هذه الحال التي تذكر فلا أرى أن تفعل. ~~فقال: إنه لا يخفى علي ما ذكرت ولكن الله، عز وجل، لا يغلب على أمره. ثم ~~ارتحل منها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة حج بالناس عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق، وكان العامل على ~~مكة والمدينة وفيها مات جرهد الأسلمي له صحبة. وفي أيام معاوية مات حارثة ~~بن النعمان الأنصاري، وهو بدري. وفي أيامه أيضا مات دحية ابن خليفة الكلبي ~~الذي كان يشبهه جبرائيل إذا أنزل بالوحي. وفي أول خلافته مات رفاعة بن رافع ~~بن مالك بن العجلان الأنصاري، وكان بدريا، وشهد مع علي الجمل وصفين. وفي ~~أيامه مات عمرو بن أمية الضمري بالمدينة. وفي أيامه مات عثمان بن حنيف ~~الأنصاري، وعثمان بن أبي العاص الثقفي. وفي أيامه مات عتبان بن مالك ~~الأنصاري، بدمشق. وفي أيامه بعد سنة سبع وخمسين مات السائب بن أبي وداعة ~~السهمي. ومات في أيامه سراقة بن عمرو الأنصاري، وهو بدري. وفي أيامه مات ~~زياد بن لبيد الأنصاري في أولها، وهو بدري. وفي أيامه مات معقل بن يسار ~~المزني، وإليه ينسب نهر معقل بالبصرة، وقيل: مات في أيام يزيد. معقل بالعين ~~المهملة والقاف. ويسار بالياء المثناة والسين المهملة. وفي أيامه مات ناجية ~~بن جندب بن عمير صاحب بدن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها مات نعيمان بن ~~عمرو بن رفاعة الأنصاري، وهو الذي كان فيه مزاح ودعابة، وشهد بدرا، وقيل: ~~بل الذي مات ابنه. وفي آخر أيامه مات عبد الله بن مالك بن بحينة، له صحبة. ~~وفيها مات عبد الله بن مغفل بن عبد غنم المزني بالبصرة. ومغفل بضم الميم، ~~وفتح الغين المعجمة، وفتح الفاء المشددة. PageV02P0163 # وفي أيامه مات هند بن جارية بن هند الأسلمي. وفي سنة ستين توفي حكيم بن ~~حزام وله مائة وعشرون سنة، ستون في الجاهلية وستون في الإسلام. وفيها مات ~~أبو أسيد الساعدي، واسمه ms1279 مالك بن ربيعة، وهو بدري، وقيل: مات سنة خمس ~~وستين، وهو آخر من مات من البدريين، وقيل: مات سنة ثلاثين، ولا يصح. وفي ~~أول أيام معاوية مات أبو بردة هانىء بن نيار البلوي حليف الأنصار، وهو عقبي ~~بدري، وشهد مع علي حروبه كلها. وفي أيامه مات أبو ثعلبة الخشني، له صحبة، ~~وقيل: مات سنة خمس وسبعين. وفي أيامه مات أبو جهم بن حذيفة العدوي القرشي ~~في آخرها، وقيل: شهد بنيان الكعبة أيام ابن الزبير، وكان قد شهد قريشا حين ~~بنتها. وفي أول أيامه مات أبو حثمة الأنصاري والد سهل. وفي آخر أيامه مات ~~أبو قيس الجهني، شهد الفتح. وفي سنة ستين توفي صفوان بن المعطل السلمي ~~بسميساط، وقيل: إنه قتل شهيدا قبل هذا. وفيها توفيت الكلابية التي استعاذت ~~من النبي صلى الله عليه وسلم، حين تزوجها ففارقها، وكانت قد أصابها جنون، ~~وتوفي بلال بن الحارث المزني أبو عبد الرحمن. وفي آخر أيامه مات وائل بن ~~حجر الحضرمي، وأبو إدريس الخولاني. هند بن جارية بالجيم، والياء المثناة من ~~تحتها. وحارثة بن النعمان بالحاء المهملة، والثاء المثلثة. أبو أسيد بضم ~~الهمزة وفتح السين. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وستين # ### || AUT ذكر مقتل الحسين رضي الله عنه # وسار الحسين من شراف، فلما انتصف النهار كبر رجل من أصحابه، فقال له: مم ~~كبرت؟ قال: رأيت النخل. فقال رجلان من بني أسد: ما بهذه الأرض نخلة قط! ~~فقال الحسين: فما هو؟ فقالا: لا نراه إلا هوادي الخيل. فقال: وأنا أيضا أره ~~ذلك. وقال لهما: أما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من ~~وجه واحد؟ فقالا: بلى، هذا ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك فإن سبقت ~~القوم إليه فهو كما تريد. فمال إليه، فما كان بأسرع من أن طلعت الخيل ~~وعدلوا إليهم، فسبقهم الحسين إلى الجبل فنزل، وجاء القوم وهم ألف فارس مع ~~الحر بن يزيد التميمي ثم اليربوعي، فوقفوا مقابل الحسين وأصحابه في نحر ~~الظهيرة، فقال الحسين لأصحابه وفتيانه: اسقوا ms1280 القوم ورشفوا الخيل ترشيفا. ~~ففعلوا، وكان مجيء القوم من القادسية، أرسلهم الحصين بن نمير التميمي في ~~هذه الألف يستقبل الحسين، فلم يزل مواقفا الحسين حتى حضرت صلاة الظهر، فأمر ~~الحسين مؤذنه بالأذان، فأذن، وخرج الحسين إليهم فحمد الله وأثنى عليه ثم ~~قال: أيها الناس إنها معذرة إلى الله وإليكم، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ~~ورسلكم أن اقدم إلينا فليس لنا إمام لعل الله أن يجعلنا بك على الهدى، فإن ~~كنتم على ذلك فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم أقدم مصركم، ~~وإن لم تفعلوا أو كنتم بمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت ~~منه. فسكتوا وقالوا للمؤذن: أقم، فأقام، وقال الحسين للحر: أتريد أن تصلي ~~أنت بأصحابك؟ فقال: بل صل أنت ونصلي بصلاتك. فصلى بهم الحسين، ثم دخل ~~واجتمع إليه أصحابه وانصرف الحر إلى مكانه، ثم صلى بهم الحسين العصر، ثم ~~استقبلهم بوجهه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس فإنكم إن ~~تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهل البيت أولى بولاية ~~هذا الأمر من هؤلاء المدعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان، ~~فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم ورسلكم ~~انصرفت عنكم. PageV02P0164 # فقال الحر: إنا والله ما ندري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر. فأخرج ~~خرجين مملوءين صحفا فنثرها بين أيديهم. فقال الحر: فإنا لسنا من هؤلاء ~~الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا أنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك ~~الكوفة على عبيد الله بن زياد. فقال الحسين: الموت أدنى إليك من ذلك! ثم ~~أمر أصحابه فركبوا لينصرفوا فمنعهم الحر من ذلك. فقال له الحسين: ثكلتك ~~أمك! ما تريد؟ قال له: أما والله لو غيرك من العرب يقولها لي ما تركت ذكر ~~أمه بالثكل كائنا من كان، ولكني والله ما لي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ~~ما يقدر عليه. فقال له الحسين: ما تريد؟ قال الحر: أريد أن أنطلق بك ms1281 إلى ~~ابن زياد. قال الحسين: إذن والله لا أتبعك. قال الحر: إذن والله لا أدعك. ~~فترادا الكلام، فقال له الحر: إني لم أؤمر بقتالك وإنما أمرت أن لا أفارقك ~~حتى أقدمك الكوفة، فإذا أبيت فخذ طريقا لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلى ~~المدينة حتى أكتب إلى ابن زياد وتكتب أنت إلى يزيد أو إلى ابن زياد فلعل ~~الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك. فتياسر عن ~~طريق العذيب والقادسية والحر يسايره. ثم إن الحسين خطبهم فحمد الله وأثنى ~~عليه ثم قال: أيها الناس إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: من رأى ~~سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير ما عليه بفعل ~~ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله. ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة ~~الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء ~~وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله، وأنا أحق من غير، وقد أتتني كتبكم ورسلكم ~~ببيعتكم، وأنكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا ~~رشدكم، وأنا الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهلكم، فلكم في أسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدي ~~وخلعتم بيعتي فلعمري ما هي لكم بنكير، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي ~~مسلم بن عقيل، والمغرور من اغتر بكم، فحظكم أخطأتم، ونصيبكم ضيعتم، (فمن ~~نكث فإنما ينكث على نفسه) الفتح: 10، وسيغني الله عنكم، والسلام. فقال له ~~الحر: إني أذكرك الله في نفسك، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن. فقال له ~~الحسين: أبالموت تخوفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟ وما أدري ما أقول ~~لك! ولكني أقول كما قال أخو الأوسي لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، فقال له: أين تذهب؟ فإنك مقتول! فقال: سأمضي وما بالموت ~~عار على الفتى ... إذا ما نوى ms1282 خيرا وجاهد مسلما وواسى رجالا صالحين بنفسه ~~... وخالف مثبورا وفارق مجرما فإن عشت لم أندم وإن مت لم ألم ... كفى بك ~~ذلا أن تعيش وترغما فلما سمع ذلك الحر تنحى عنه، فكان يسير ناحية عنه حتى ~~انتهى إلى عذيب الهجانات، كان به هجائن النعمان ترعى هناك فنسب إليها، فإذا ~~هو بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرسا لنافع بن هلال ~~يقال له الكامل ومعهم دليلهم الطرماح بن عدي وانتهوا إلى الحسين، فأقبل ~~إليهم الحر وقال: إن هؤلاء النفر من أهل الكوفة وأنا حابسهم أو رادهم. فقال ~~الحسين: لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي، إنما هؤلاء أنصاري وهم بمنزلة من جاء ~~معي، فإن تممت على ما كان بيني وبينك وإلا ناجزتك. فكف الحر عنهم، فقال لهم ~~الحسين: أخبروني خبر الناس خلفكم. فقال له مجمع بن عبيد الله العائذي، وهو ~~أحدهم: أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم، وملئت غرائرهم، فهم ألب واحد ~~عليك، وأما سائر الناس بعدهم فإن قلوبهم تهوي إليك وسيوفهم غدا مشهورة ~~إليك. وسألهم عن رسوله قيس بن مسهر، فأخبروه بقتله وما كان منه، فترقرقت ~~عيناه بالدموع ولم يملك دمعته، ثم قرأ: (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ~~وما بدلوا تبديلا) الأحزاب: 23، اللهم اجعل لنا ولهم الجنة واجمع بيننا ~~وبينهم في مستقر رحمتك ورغائب مذخور ثوابك. PageV02P0165 # وقال له الطرماح بن عدي: والله ما أرى معك كثير أحد، ولو لم يقاتلك إلا ~~هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم، ولقد رأيت قبل خروجي من الكوفة ~~بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناي جمعا في صعيد واحد أكثر منه ~~قط ليسيروا إليك، فأنشدك الله إن قدرت على أن لا تقدم إليهم شبرا فافعل، ~~فإن أردت أن تنزل بلدا يمنعك الله به حتى ترى رأيك ويستبين لك ما أنت صانع ~~فسر حتى أنزلك جبلنا أجأ، فهو والله جبل امتنعنا به من ملوك غسان وحمير ~~والنعمان بن المنذر ومن الأحمر والأبيض، والله ما إن دخل علينا ذل قط، ms1283 ~~فأسير معك حتى أنزلك القرية، ثم تبعث إلى الرجال ممن بأجأ وسليم من طيء، ~~فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى يأتيك طيء رجالا وركبانا، ثم أقم فينا ~~ما بدا لك، فإن هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك ~~بأسيافهم، فوالله لا يوصل إليك أبدا وفيهم عين تطرف. فقال له: جزاك الله ~~وقومك خيرا! إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر جمعه على ~~الانصراف ولا ندري علام تتصرف بنا وبهم الأمور. فودعه وسار إلى أهله ووعده ~~أن يوصل الميرة إلى أهله ويعود إلى نصره، ففعل، ثم عاد إلى الحسين، فلما ~~بلغ عذيب الهجانات لقيه خبر قتله فرجع إلى أهله. ثم سار الحسين حتى بلغ قصر ~~بني مقاتل فرأى فسطاطا مضروبا فقال: لمن هذا؟ فقيل: لعبيد الله بن الحر ~~الجعفي. فقال: ادعوه لي. فلما أتاه الرسول يدعوه قال: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون، والله ما خرجت من الكوفة إلا كراهية أن يدخلها الحسين وأنا بها، ~~والله ما أريد أن أراه ولا يراني. فعاد الرسول إلى الحسين فأخبره، فلبس ~~الحسين نعليه ثم جاء فسلم عليه ودعاه إلى نصره، فأعاد عليه ابن الحر تلك ~~المقالة، قال: فإن لا تنصرني فاتق الله أن تكون ممن يقاتلنا، فوالله لا ~~يسمع واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلا هلك. فقال له: إما هذا فلا يكون أبدا إن ~~شاء الله تعالى. ثم قام الحسين فخرج إلى رحله ثم سار ليلا ساعة فخفق برأسه ~~خفقة ثم انتبه وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب ~~العالمين. فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين فقال: يا أبت جعلت فداك! مم حمدت ~~واسترجعت؟ قال: يا بني إني خفقت برأسي خفقة فعن لي فارس على فرس، فقال: ~~القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم؛ فعلمت أن أنفسنا نعيت إلينا. فقال: يا ~~أبت لا أراك الله سوءا. ألسنا على الحق؟ قال: بلى والذي يرجع إليه العباد. ~~قال: إذن لا نبالي أن نموت محقين. فقال له: جزاك الله ms1284 من ولد خيرا ما جزى ~~ولدا عن والده. فلما أصبح نزل فصلى ثم عجل الركوب فأخي يتياسر بأصحابه يريد ~~أن يفرقهم، فأتى الحر فرده وأصحابه، فجعل إذا ردهم نحو الكوفة ردا شديدا ~~امتنعوا عليه وارتفعوا، فلم يزالوا يتياسرون حتى انتهوا إلى نينوى، المكان ~~الذي نزل به الحسين، فلما نزلوا إذا راكب مقبل من الكوفة، فوقفوا ينتظرونه، ~~فسلم على الحر ولم يسلم على الحسين وأصحابه، ودفع إلى الحر كتابا من ابن ~~زياد، فإذا فيه: أما بعد فجعجع بالحسين حتى يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي ~~فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصين وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك ~~فلا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري، والسلام. فلما قرأ الكتاب قال لهم ~~الحر: هذا كتاب الأمير يأمرني أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه ~~كتابه، وقد أمر رسوله أن لا يفارقني حتى أنفذ رأيه وأمره. وأخذهم الحر ~~بالنزول على غير ماء ولا في قرية، فقالوا: دعنا ننزل في نينوى أو الغاضرية ~~أو شفية. فقال: لا أستطيع، هذا الرجل قد بعث عينا علي. فقال زهير بن القين ~~للحسين: إنه لا يكون والله بعد ما ترون إلا ما هو أشد منه يا ابن رسول ~~الله، وإن قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، ~~فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به! فقال الحسين: ما كنت لأبدأهم ~~بالقتال. فقال له زهير: سر بنا إلى هذه القرية حتى ننزلها فإنها حصينة وهي ~~على شاطىء الفرات، فإن منعونا قاتلناهم فقتالهم أهون علينا من قتال من يجيء ~~بعدهم. فقال الحسين: ما هي؟ قال: العقر. قال: اللهم إني أعوذ بك من العقر! ~~ثم نزل، وذلك يوم الخميس الثاني من محرم سنة إحدى وستين. PageV02P0166 # فلما كان الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة ~~آلاف، وكان سبب مسيره إليه أن عبيد الله بن زياد كان قد بعثه على أربعة ~~آلاف في دستبى، وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها، ms1285 وكتب له عهده ~~على الري، فعسكر بالناس في حمام أعين، فلما كان من أمر الحسين ما كان دعا ~~ابن زياد عمر بن سعد وقال له: سر إلى الحسين فإذا فرغنا مما بيننا وبينه ~~سرت إلى عملك. فاستعفاه. فقال: نعم، على أن ترد عهدنا. فلما قال له ذلك ~~قال: أمهلني اليوم حتى أنظر. فاستشار نصحاءه فكلهم نهاه، وأتاه حمزة بن ~~المغيرة بن شعبة، وهو ابن أخته، فقال: أنشدك الله يا خالي أن تسير إلى ~~الحسين فتأثم وتقطع رحمك، فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض لو ~~كان لك خير من أن تلقى الله بدم الحسين! فقال: أفعل. وبات ليلته مفكرا في ~~أمره، فسمع وهو يقول: أأترك ملك الري والري رغبة ... أم أرجع مذموما بقتل ~~حسين وفي قتله النار التي ليس دونها ... حجاب وملك الري قرة عين ثم أتى ابن ~~زياد فقال له: إنك قد وليتني هذا العمل وسمع الناس به، فإن رأيت أن تنفذ لي ~~ذلك فافعل وابعث إلى الحسين من أشراف الكوفة من لست أغنى في الحرب منه؛ ~~وسمى أناسا. فقال له ابن زياد: لست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث، فإن سرت ~~بجندنا وإلا فابعث إلينا بعهدنا. قال: فإني سائر. فأقبل في ذلك الجيش حتى ~~نزل بالحسين، فلما نزل به بعث إليه رسولا يسأله ما الذي جاء به، فقال ~~الحسين: كتب إلي أهل مصركم هذا أن أقدم عليهم، فأما إذ كرهوني فإني أنصرف ~~عنهم. فكتب عمر إلى ابن زياد يعرفه ذلك، فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال: ~~الآن إذ علقت مخالبنا به ... يرجو النجاة ولات حين مناص ثم كتب إلى عمر ~~يأمره أن يعرض على الحسين بيعة يزيد فإن فعل ذلك رأينا رأينا، وأن يمنعه ~~ومن معه الماء. فأرسل عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس، فنزلوا ~~على الشريعة وحالوا بين الحسين وبين الماء. وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة ~~أيام، ونادى عبد الله بن أبي الحصين الأزدي، وعداده في بجيلة: يا حسين أما ~~تنظر إلى الماء؟ لا ms1286 تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا! فقال الحسين: اللهم اقتله ~~عطشا ولا تغفر له أبدا. قال: فمرض فيما بعد فكان يشرب الماء القلة ثم يقيء ~~ثم يعود فيشرب حتى يبغر ثم يقيء ثم يشرب فيما يروى، فما زال كذلك حتى مات. ~~فلما اشتد العطش على الحسين وأصحابه أمر أخاه العباس بن علي فسار في عشرين ~~راجلا يحملون القرب وثلاثين فارسا فدنوا من الماء فقاتلوا عليه وملؤوا ~~القرب وعادوا، ثم بعث الحسين إلى عمر بن سعد عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري ~~أن القني الليلة بين عسكري وعسكرك. فخرج إليه عمر، فاجتمعا وتحادثا طويلا ~~ثم انصرف كل واحد منهما إلى عسكره، وتحدث الناس أن الحسين قال لعمر بن سعد: ~~اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين. فقال عمر: أخشى أن تهدم داري. ~~قال: أبنيها لك خيرا منه. قال: تؤخذ ضياعي. قال: أعطيك خيرا منها من مالي ~~بالحجاز. فكره ذلك عمر. وتحدث الناس بذلك ولم يسمعوه، وقيل: بل قاله له: ~~اختاروا مني واحدة من ثلاث: إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه، وإما ~~أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه، وإما أن ~~تسيروا بي إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلا من أهله لي ما لهم ~~وعلي ما عليهم. وقد روي عن عقبة بن سمعان أنه قال: صحبت الحسين من المدينة ~~إلى مكة ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل، وسمعت جميع مخاطباته للناس ~~إلى يوم مقتله، فوالله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس أنه يضع يده في يد يزيد، ~~ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنه قال: دعوني أرجع إلى المكان ~~الذي أقبلت منه أو دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر إلى ما يصير ~~إليه أمر الناس. فلم يفعلوا. PageV02P0167 # ثم التقى الحسين وعمر بن سعد مرارا ثلاثا أو أربعا فكتب عمر بن سعد إلى ~~عبيد الله بن زياد: إما بعد فإن الله أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وقد ms1287 ~~أعطاني الحسين أن يرجع إلى المكان الذي أقبل منه أو أن نسيره إلى أي ثغر من ~~الثغور شئنا، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده، وفي هذا لكم ~~رضى وللأمة صلاح. فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال: هذا كتاب رجل ناصح لأميره، ~~مشفق على قومه، نعم قد قبلت. فقام إليه شمر بن ذي الجوشن فقال: أتقبل هذا ~~منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك؟ والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ~~ليكونن أولى بالقوة والعزة ولتكونن أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه ~~المنزلة فإنها من الوهن، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبت كنت ~~ولي العقوبة، وإن عفوت كان ذلك لك، ولله لقد بلغني أن الحسين وعمر يتحدثان ~~عامة الليل بين العسكرين. فقال ابن زياد: نعم ما رأيت الرأي رأيك اخرج بهذا ~~الكتاب إلى عمر فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي، فإن فعلوا ~~فليبعث بهم إلي سلما، وإن أبوا فليقاتلهم، وإن فعل فاسمع له وأطع، وإن أبى ~~فأنت الأمير عليه وعلى الناس واضرب عنقه وابعث إلي برأسه. وكتب معه إلى عمر ~~بن سعد: أما بعد فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه ولا لتمنيه ولا لتطاوله ~~ولا لتقعد له عندي شافعا، انظر فإن نزل الحسين وأصحابه على الحكم واستسلموا ~~فابعث بهم إلي سلما، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك ~~مستحقون، فإن قتل الحسين فأوطىء الخيل صدره وظهره فإنه عاق شاق قاطع ظلوم، ~~فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أنت أبيت فاعتزل جندنا ~~وخل بين شمر وبين العسكر، والسلام. فلما أخذ شمر الكتاب كان معه عبد الله ~~بن أبي المحل بن حزام عند ابن زياد، وكانت عمته أم البنين بنت حزام عن علي، ~~فولدت له العباس وعبد الله وجعفرا وعثمان، فقال لابن زياد: إن رأيت أن تكتب ~~لبني أختنا أمانا فافعل، فكتب لهم أمانا فبعث به مع مولى له إليهم، فلما ~~رأوا الكتاب قالوا: لا حاجة لنا ms1288 في أمانكم، أمان الله خير من أمان ابن ~~سمية. فلما أتى شمر بكتاب ابن زياد إلى عمر قال له: ما لك ويلك قبح الله ما ~~جئت به! والله إني لأظنك أنت ثنيته أن يقبل ما كنت كتبت إليه به، أفسدت ~~علينا أمرا كنا رجونا أن يصلح، والله لا يستسلم الحسين أبدا، والله إن نفس ~~أبيه لبين جنبيه. فقال له شمر: ما أنت صانع؟ قال: أتولى ذلك. ونهض إليه ~~عشية الخميس لتسع مضين من المحرم، وجاء شمر فدعا العباس بن علي وإخوته ~~فخرجوا إليه، فقال: أنتم يا بني أختي آمنون. فقالوا له: لعنك الله ولعن ~~أمانك! لئن كنت خالنا أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له؟ ثم ركب عمر ~~والناس معه بعد العصر والحسين جالس أمام بيته محتبيا بسيفه إذ خفق برأسه ~~على ركبته، وسمعت أخته زينب الضجة فدنت منه فأيقظته، فرفع رأسه فقال: إني ~~رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في المنام، فقال: إنك تروح إلينا. ~~قال: فلطمت أخته وجهها وقالت: يا ويلتاه! قال: ليس لك الويل يا أخية، اسكتي ~~رحمك الله! قال له العباس أخوه: يا أخي أتاك القوم. فنهض فقال: يا أخي أركب ~~بنفسي. فقال له العباس: بل أروح أنا. فقال: اركب أنت حتى تلقاهم فتقول: ما ~~لكم؟ وما بدا لكم؟ وتسألهم عما جاء بهم. فأتاهم في نحو عشرين فارسا فيهم ~~زهير بن القين فسألهم، فقالوا: جاء أمر الأمير بكذا وكذا. قال: فلا تعجلوا ~~حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم. فوقفوا ورجع العباس إليه ~~بالخبر، ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويذكرونهم الله، فلما أخبره العباس ~~بقولهم قال له الحسين: ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة لعلنا ~~نصلي لربنا هذه الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم أني كنت أحب الصلاة له ~~وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار. وأراد الحسين أيضا أن يوصي أهله. ~~فرجع إليهم العباس وقال لهم: انصرفوا عنا العشية حتى ننظر في هذا الأمر، ~~فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله، فإما رضيناه وإما ms1289 رددناه. PageV02P0168 # فقال عمر بن سعد: ما ترى يا شمر؟ قال: أنت الأمير. فأقبل على الناس فقال: ~~ما ترون؟ فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي: سبحان الله! والله لو كانوا من ~~الديلم ثم سألوكم هذه المسألة لكان ينبغي أن تجيبوهم. وقال قيس بن الأشعث ~~بن قيس: أجبهم لعمري ليصبحنك بالقتال غدوة. فقال: لو أعلم أن يفعلوا ما ~~أخرتهم العشية. ثم رجع عنهم. فجمع الحسين أصحابه بعد رجوع عمر فقال: أثني ~~على الله أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء، اللهم إني أحمدك على أن ~~أكرمتنا بالنبوة وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة وعلمتنا القرآن وفقهتنا ~~في الدين فاجعلنا لك من الشاكرين، أما بعد فإني لاأعلم أصحابا أوفى ولا ~~خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعا ~~عني خيرا، ألا وإني لأظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا، وإني قد أذنت لكم ~~جميعا فانطلقوا في حل ليس عليكم مني ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ~~وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعا، ثم تفرقوا في ~~البلاد في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله، فإن القوم يطلبونني ولو أصابوني ~~لهوا عن طلب غيري. فقال له إخوته وأبناؤه وأبناء إخوته وابناء عبد الله بن ~~جعفر: لم نفعل هذا؟ لنبقى بعدك! لا أرانا الله ذلك أبدا! فقال الحسين: يا ~~بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا فقد أذنت لكم. قالوا: وما نقول ~~للناس؟ نقول: تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم ~~بسهم ولم نطعن منهم برمح ولم نضرب بسيف ولا ندري ما صنعوا؟ لا والله لا ~~نفعل ولكنا نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتى نرد موردك، فقبح ~~الله العيش بعدك! وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي فقال: أنحن نتخلى عنك ولم ~~نعذر إلى الله في أداء حقك. أما والله لا أفارقك حتى أكسر في صدورهم رمحي ~~وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمة بيدي، والله لو لم يكن معي سلاحي لقذفتهم ~~بالحجارة دونك حتى ms1290 أموت معك. وتكلم أصحابه بنحو هذا، فجزاهم الله خيرا. ~~وسمعته أخته زينب تلك العشية وهو في خباء له يقول، وعنده حوي مولى أبي ذر ~~الغفاري يعالج سيفه: يا دهر أف لك من خليل ... كم لك بالإشراق والأصيل من ~~صاحب أو طالب قتيل ... والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الأمر إلى الجليل ... ~~وكل حي سالك السبيل فأعادها مرتين أو ثلاثا، فلما سمعته لم تملك نفسها أن ~~وثبت تجر ثوبها حتى انتهت إليه ونادت: واثكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة ~~اليوم! ماتت فاطمة أمي وعلي أبي والحسن أخي يا خليفة الماضي وثمال الباقي! ~~فذهب فنظر إليها وقال: يا أخية لا يذهبن حلمك الشيطان. قالت: بأبي أنت وأمي ~~استقتلت! نفسي لنفسك الفدى! فردد غصته وترقرقت عيناه ثم قال: لو ترك القطا ~~ليلا لنام. فلطمت وجهها وقالت: وا ويلتاه! أفتغصبك نفسك اغتصابا، فذلك أقرح ~~لقلبي وأشد على نفسي! ثم لطمت وجهها وشقت جيبها وخرت مغشيا عليها. فقام ~~إليها الحسين فصب الماء على جهها وقال: اتقي الله وتعزي بعزاء الله واعلمي ~~أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون وأن كل شيء هالك إلا وجه الله، ~~أبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله ~~أسوة. فعزاها بهذا ونحوه وقال لها: يا أخية إني أقسم عليك لا تشقي علي ~~جيبا، ولا تخمشي علي وجها، ولا تدعي علي بالويل والثبور إن أنا هلكت. ثم ~~خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقربوا بعض بيوتهم من بعض وأن يدخلوا الأطناب ~~بعضها في بعض ويكونوا بين يدي البيوت فيستقبلون القوم من وجه أحد والبيوت ~~على أيمانهم وعن شمائلهم ومن ورائهم. فلما أمسوا قاموا الليل كله يصلون ~~ويستغفرون ويتضرعون ويدعون. فلما صلى عمر بن سعد الغداة يوم السبت، وقيل ~~الجمعة، يوم عاشوراء، خرج فيمن معه من الناس، وعبى الحسين أصحابه وصلى بهم ~~صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارسا، وأربعون راجلا، فجعل زهير بن ~~القين في ميمنة أصحابه، وحبيب بن مطهر في ميسرتهم، وأعطى رايته العباس ~~أخاه، ms1291 وجعلوا البيوت في ظهورهم، وأمر بحطب وقصب فألقي في مكان منخفض من ~~ورائهم كأنه ساقية عملوه في ساعة من الليل لئلا يؤتوا من ورائهم وأضرم نارا ~~تمنعهم ذلك. PageV02P0169 # وجعل عمر بن سعد على ربع أهل المدينة عبد الله بن زهير الأزدي، وعلى ربع ~~ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس، وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن بن أبي ~~سبرة الجعفي، وعلى ربع تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي، فشهد هؤلاء كلهم ~~مقتل الحسين إلا الحر بن يزيد فإنه عدل إلى الحسين وقتل معه، وجعل عمر على ~~ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي، وعلى ميسرته شمر ابن ذي الجوشن، وعلى الخيل ~~عروة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجال شبث بن ربعي اليربوعي التميمي، وأعطى ~~الراية دريدا مولاه. فلما دنوا من الحسين أمر فضرب له فسطاط، ثم أمر بمسك ~~فميث في جفنة، ثم دخل الحسين فاستعمل النورة، ووقف عبد الرحمن بن عبد ربه ~~وبرير بن حضير الهمداني على باب الفسطاط وازدحما أيهما يطلي بعده، فجعل ~~برير يهازل عبد الرحمن، فقال له: والله ما هذه بساعة باطل. فقال برير: ~~والله إن قومي لقد علموا أني ما أحببت الباطل شابا ولا كهلا، ولكني مستبشر ~~بما نحن لاقون، والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا ~~بأسيافهم. فلما فرغ الحسين دخلا، ثم ركب الحسين دابته ودعا بمصحف فوضعه ~~أمامه، واقتتل أصحابه بين يديه، فرفع يديه ثم قال: اللهم أنت ثقتي في كل ~~كرب ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من هم يضعف ~~فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت به العدو أنزلته بك ~~وشكوته إليك رغبة إليك عمن سواك ففرجته وكشفته وكفيتنيه، فأنت ولي كل نعمة، ~~وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل رغبة. فلما رأى أصحاب عمر النار تلتهب في القصب ~~نادى شمر الحسين: تعجلت النار في الدنيا قبل القيامة! فعرفه الحسين فقال: ~~أنت أولى بها صليا! ثم ركب الحسين راحلته وتقدم إلى الناس ونادى ms1292 بصوت عال ~~يسمعه كل الناس فقال: أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوني حتى أعظهم بما ~~يجب لكم علي وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي ~~وأنصفتموني كنتم بذلك أسعد ولم يكن لكم علي سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر ~~(فأجموا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا ~~تنظرون) يونس: 71، (إن وليي الله الذي نزل الكتاب، وهو يتولى الصالحين) ~~الأعراف: 196،! قال: فلما سمع أخواته قوله بكين وصحن وارتفعت أصواتهن، ~~فأرسل إليهن أخاه العباس وابنه عليا ليسكتاهن، وقال: لعمري ليكثرن بكاؤهن! ~~فلما ذهب قال: لا يبعد ابن عباس، وإنما قالها حين سمع بكاءهن لأنه كان نهاه ~~أن يخرج بهن معه. فلما سكتن حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد وعلى ~~الملائكة والأنبياء وقال ما لا يحصى كثرة، فما سمع أبلغ منه، ثم قال: أما ~~بعد فانسبوني فانظروا من أنا ثم راجعوا أنفسكم فعاتبوها وانظروا هل يصلح ~~ويحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي، ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وبان عمه، ~~وأولى المؤمنين بالله والمصدق لرسوله؟ أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ ~~أوليس جعفر الشهيد الطيار في الجنة عمي؟ أولم يبلغكم قول مستفيض فيكم: إن ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لي ولأخي: أنتما سيدا شباب أهل الجنة ~~وقرة عين أهل السنة؟ فإن صدقتموني بما أقول، وهو الحق، والله ما تعمدت كذبا ~~مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ~~ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله أو أبا سعيد أو سهل بن سعد أو زيد بن ~~أرقم أو أنسا يخبروكم أنهم سمعوه من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أما في ~~هذا حاجز يحجزكم عن سفك دمي؟. فقال له شمر: هو يعبد الله على حرف إن كان ~~يدري ما يقول! فقال له حبيب بن مطهر: والله إني أراك تعبد الله على سبعين ~~حرفا، وإن الله قد طبع على قلبك فلا تدري ما تقول. ثم قال الحسين: ms1293 فإن كنتم ~~في شك مما أقول أو تشكون في أني ابن بنت نبيكم؟ فوالله ما بين المشرق ~~والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم. أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم ~~قتلته، أو بمال لكم استهلكته، أو بقصاص من جراحة؟ فلم يكلموه، فنادى: يا ~~شبث بن ربعي! ويا حجار بن أبجر! ويا قيس بن الأشعث! ويا زيد بن الحارث! ألم ~~تكتبوا إلي في القدوم عليكم؟ قالوا: لم نفعل. ثم قال: بلى فعلتم. ثم قال: ~~أيها الناس إذ كرهتموني فدعوني أنصرف إلى مأمني من الأرض. PageV02P0170 # قال: فقال له قيس بن الأشعث: أولا تنزل على حكم ابن عمك، يعني ابن زياد، ~~فإنك لن ترى إلا ما تحب. فقال له الحسين: أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو ~~هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟ لا والله ولا أعطيهم بيدي عطاء الذليل، ولا ~~أقر إقرار العبد. عباد الله إني عذت بربي وربكم أن ترجمون، أعوذ بربي وربكم ~~من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ثم أناخ راحلته ونزل عنها. وخرج زهير بن ~~القين على فرس له في السلاح فقال: يا أهل الكوفة، نذار لكم من عذاب الله ~~نذار، إن حقا على المسلم نصيحة المسلم، ونحن حتى الآن إخوة على دين واحد ما ~~لم يقع بيننا وبينكم السيف، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنا نحن أمة ~~وأنتم أمة، إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد، صلى الله عليه ~~وسلم، لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنا ندعوكم إلى نصره وخذلان الطاغية ابن ~~الطاغية عبيد الله بن زياد، فإنكم لا تدركون مهما إلا سوءا، يسملان أعينكم، ~~ويقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقتلان ~~أماثلكم وقراءكم، أمثال حجر بن عدي وأصحابه، وهانىء بن عروة وأشباهه! قال: ~~فسبوه وأثنوا على ابن زياد وقالوا: والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه ~~أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله بن زياد سلما. فقال لهم: يا عبدا ~~الله إن ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن ms1294 سمية، فإن كنتم لم تنصروهم ~~فأعيذكم بالله أن تقتلوهم، خلوا بين الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية، ~~فلعمري إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين. فرماه شمر بسهم وقال: ~~اسكت اسكت الله نأمتك، أبرمتنا بكثرة كلامك! فقال زهر: يا ابن البوال على ~~عقبيه! ما إياك أخاطب، إنما أنت بهيمة! والله ما أظنك تحكم من كتاب الله ~~آيتين فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم. فقال شمر: إن الله قاتلك ~~وصاحبك عن ساعة. قال: أفبالموت تخوفني؟ والله للموت معه أحب إلي من الخلد ~~معكم! ثم رفع صوته وقال: يا عباد الله لا يغرنكم من دينكم هذا الجلف ~~الجافي، فوالله لا تنال شفاعة محمد قوما أهرقوا دماء ذريته وأهل بيته ~~وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم. فأمره الحسين فرجع. ولما زحف عمر نحو ~~الحسين أتاه الحر بن يزيد فقال له: أصلحك الله! أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال ~~له: إي إي والله قتالا أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي. قال: أفما لكم ~~في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضى؟ فقال عمر بن سعد: والله لو كان ~~الأمر إلي لفعلت ولكن أميرك قد أبى ذلك. فأقبل يدنو نحو الحسين قليلا ~~قليلا، وأخذته رعدة، فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن أوس: والله إن ~~أمرك لمريب! والله ما رأيت منك في موقف قط ما أراه الآن! ولو قيل من أشجع ~~أهل الكوفة لما عدوتك. فقال له: إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار ولا ~~أختار على الجنة شيئا ولو قطعت وحرقت. ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين، فقال له: ~~جعلني الله فداك يا ابن رسول الله! أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك ~~في الطريق وجعجعت بك في هذا المكان، ووالله ما ظننت أن القوم يردون عليك ما ~~عرضت عليهم أبدا، ولا يبلغون منك هذه المنزلة أبدا، فقلت في نفسي: لا أبالي ~~أن أطيع القوم في بعض أمرهم ولا يرون أني خرجت من طاعتهم، وأما هم فيقبلون ~~بعض ما تدعوهم إليه، ووالله ms1295 لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك، ~~وإني قد جئتك تائبا مما كان مني إلى ربي مؤاسيا لك بنفسي حتى أموت بين ~~يديك، أفترى ذلك توبة؟ قال: نعم، يتوب الله عليك ويغفر لك. PageV02P0171 # وتقدم الحر أمام أصحابه ثم قال: أيها القوم ألا تقبلون من الحسين خصلة من ~~هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه وقتاله؟ فقال عمر: لقد ~~حرصت لو وجدت إلى ذلك سبيلا. فقال: يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر! ~~أدعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم ~~عليه لتقتلوه؟ أمسكتم بنفسه وأحطتم به ومنعتموه من التوجه في بلاد الله ~~العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته، فأصبح كالأسير لا يملك لنفسه نفعا ولا ~~يدفع عنها ضرا، ومنعتموه ومن معه عن ماء الفرات الجاري يشربه اليهودي ~~والنصراني والمجوسي ويتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه وها هو وأهله قد صرعهم ~~العطش! بئسما خلفتم محمدا في ذريته! لا سقاكم الله يوم الظمإ إن لم تتوبوا ~~وتنزعوا عما أنتم عليه! فرموه بالنبل، فرجع حتى وقف أمام الحسين. ثم قدم ~~عمر بن سعد برايته، وأخذ سهما فرمى به وقال: اشهدوا لي أني أول رام! ثم رمى ~~الناس، وبرز يسار، مولى زياد، وسالم، مولى عبيد الله، وطلبا البراز، فخرج ~~إليهما عبد الله بن عمير الكلبي، وكان قد أتى الحسين من الكوفة وسارت معه ~~امرأته، فقالا له: من أنت؟ فانتسب لهما. فقالا: لا نعرفك، ليخرج إلينا زهير ~~بن القين، أو حبيب بن مطهر، أو برير بن حضير. وكان يسار أمام سالم، فقال له ~~الكلبي: يا ابن الزانية وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس، وما يخرج إليك ~~أحد إلا وهو خير منك! ثم حمل عليه فضربه بسيفه حتى برد فاشتغل به يضربه، ~~فحمل عليه سالم، فلم يأبه له حتى غشيه فضربه، فاتقاه الكلبي بيده فأطار ~~أصابع كفه اليسرى، ثم مال عليه الكلبي فضربه حتى قتله، وأخذت امرأته عمودا، ~~وكانت تسمى أم وهب، وأقبلت نحو زوجها وهي تقول: فداك أبي ms1296 وأمي! قاتل دون ~~الطيبين ذرية محمد! فردها نحو النساء، فامتنعت وقالت: لن أدعك دون أن أموت ~~معك. فناداها الحسين فقال: جزيتم من أهل بيت خيرا! ارجعي رحمك الله، ليس ~~الجهاد إلى النساء. فرجعت. فزحف عمرو بن الحجاج في ميمنة عمر، فلما دنا من ~~الحسين جثوا له على الركب وأشرعوا الرماح نحوهم، فلم تقدم خيلهم على ~~الرماح، فذهبت الخيل لترجع فرشقوهم بالنبل فصرعوا منهم رجالا وجرحوا آخرين. ~~وتقدم رجل منهم يقال له ابن حوزة فقال: أفيكم الحسين؟ فلم يجبه أحد، فقالها ~~ثلاثا، فقالوا: نعم، فما حاجتك؟ قال: يا حسين أبشر بالنار! قال له: كذبت بل ~~أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع، فمن أنت؟ قال: ابن حوزة. فرفع الحسين يديه ~~فقال: اللهم حزه إلى النار! فغضب ابن حوزة فأقحم فرسه في نهر بينهما فتعلقت ~~قدمه بالركاب وجالت به الفرس فسقط عنها فانقطعت فخذه وساقه وقدمه وبقي جنبه ~~الآخر متعلقا بالركاب يضرب به كل حجر وشجر حتى مات. وكان مسروق بن وائل ~~الحضرمي قد خرج معهم وقال لعلي: أصيب رأس الحسين، فأصيب به منزلة عند ابن ~~زياد، فلما رأى ما صنع الله بابن حوزة بدعاء الحسين رجع وقال: لقد رأيت من ~~أهل هذا البيت شيئا، لا أقاتلهم أبدا. ونشب القتال وخرج يزيد بن معقل حليف ~~عبد القيس فقال: يا بربر ابن حضير كيف ترى الله صنع بك؟ قال: والله لقد صنع ~~بي خيرا وصنع بك شرا. فقال: كذبت وقبل اليوم ما كنت كذابا، وأنا أشهد أنك ~~من الضالين. فقال له ابن حضير: هل لك أن أباهلك أن يلعن الله الكاذب ويقتل ~~المبطل، ثم أخرج أبارزك! فخرجها فتباهلا أن يلعن الله الكاذب ويقتل المحق ~~المبطل ثم تبارزا فاختلفا ضربتين فضرب يزيد بن معقل برير بن حضير فلم يضره ~~شيئا وضربه ابن حضير ضربة قدت المغفر وبلغت الدماغ فسقط والسيف في رأسه، ~~فحمل عليه رضى بن منقذ العبدي، فاعتنق ابن حضير، فاعتركا ساعة ثم إن ابن ~~حضير قعد على صدره، فحمل كعب بن جابر الأزدي ms1297 عليه بالرمح فوضعه في ظهره حتى ~~غيب السنان فيه، فلما وجد مس الرمح نزل على رضى فعض أنفه وقطع طرفه، وأقبل ~~إليه كعب بن جابر فضربه بسيفه حتى قتله، وقام رضى ينفض التراب عن قبائه، ~~فلما رجع كعب قالت له امرأته: أعنت على ابن فاطمة وقتلت بريرا سيد القراء، ~~والله لا أكلمك أبدا! PageV02P0172 # وخرج عمرو بن قرظة الأنصاري وقاتل دون الحسين فقتل، وكان أخوه مع عمر بن ~~سعد، فنادى: يا حسين يا كذاب ابن الكذاب! أضللت أخي وغررته حتى قتلته! ~~فقال: إن الله لم يضل أخاك بل هداه وأضلك. قال: قتلني الله إن لم أقتلك أو ~~أموت دونك. فحمل واعترضه نافع بن هلال المرادي فطعنه فصرعه، فحمل أصحابه ~~فاستنقذوه فدووي بعد فبرأ. وقاتل الحر بن يزيد مع الحسين قتالا شديدا، وبرز ~~إليه يزيد بن سفيان فقتله الحر، وقاتل نافع بن هلال مع الحسين أيضا فبرز ~~إليه مزاحم بن حريث فقتله نافع. فصاح عمرو بن الحجاج بالناس: أتدرون من ~~تقاتلون؟ فرسان المصر، قوما مستميتين، لا يبرز إليهم منكم أحد فإنهم قليل ~~وقل ما يبقون، والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم. يا أهل الكوفة ~~الزموا طاعتكم وجماعتكم، لا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الإمام. ~~فقال عمر: الرأي ما رأيت. ومنع الناس من المبارزة. قال: وسمعه الحسين فقال: ~~يا عمرو بن الحجاج أعلي تحرض الناس؟ أنحن مرقنا من الدين أم أنتم؟ والله ~~لتعلمن لو قبضت أرواحكم ومتم على أعمالكم أينا المارق. ثم حمل عمرو بن ~~الحجاج على الحسين من نحو الفرات فاضطربوا ساعة، فصرع مسلم بن عوسجة ~~الأسدي، وانصرف عمرو ومسلم صريع، فمشى إليه الحسين وبه رمق فقال: رحمك الله ~~يا مسلم بن عوسجة، (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر) الأحزاب: 23. ودنا ~~منه حبيب بن مطهر وقال: عز علي مصرعك، أبشر بالجنة، ولولا أني أعلم أنني في ~~أثرك لاحق بك لأحببت أن توصيني حتى أحفظك بما أنت له أهل. فقال: أوصيك ~~بهذا، رحمك الله، وأومأ بيده نحو الحسين، ms1298 أن تموت دونه. فقال: أفعل. ثم مات ~~مسلم وصاحت جارية له فقالت: يابن عوسجة! فنادي أصحاب عمرو: قتلنا مسلما. ~~فقال شبث لبعض من حوله: ثكلتكم أمهاتكم! إنما تقتلون أنفسكم بأيديكم وتذلون ~~أنفسكم لغيركم، أتفرحون بقتل مثل مسلم؟ أما والذي أسلمت له لرب موقف له قد ~~رأيته في المسلمين، فلقد رأيته يوم سلق أذربيجان قتل ستة من المشركين قبل ~~أن تنام خيول المسلمين، أفيقتل مثله وتفرحون؟ وكان الذي قتله مسلم بن عبد ~~الله الضبابي وعبد الرحمن بن أبي خشكارة البجلي. وحملى شمر في المسيرة ~~فثبتوا له وحملوا على الحسين وأصحابه من كل جانب، فقتل الكلبي وقد قتل ~~رجلين بعد الرجلين الأولين وقاتل قتالا شديدا، فقتله هانىء بن ثبيت الحضرمي ~~وبكير بن حي التميمي من تيم الله بن ثعلبة، وقاتل أصحاب الحسين قتالا ~~شديدا، وهم اثنان وثلاثون فارسا، فلم تحمل على جانب من خيل الكوفة إلا ~~كشفته. فلما رأى ذلك عزرة بن قيس، وهو على خيل الكوفة، بعث إلى عمر فقال: ~~ألا ترى ما تلقى خيلي هذا اليوم من هذه العدة اليسيرة؟ ابعث إليهم الرجال ~~والرماة. فقال لشبث بن ربعي: ألا تقدم إليهم! فقال: سبحان الله! شيخ مضر ~~وأهل المصر عامة تبعثه في الرماة، لم تجد لهذا غيري! ولم يزالوا يرون من ~~شبث الكراهة للقتال حتى إنه كان يقول في إمارة مصعب: لا يعطي الله أهل هذا ~~المصر خيرا أبدا ولا يسددهم لرشد، ألا تعجبون أنا قاتلنا مع علي بن أبي ~~طالب ومع ابنه آل أبي سفيان خمس سنين ثم عدونا على ابنه وهو خير أهل الأرض ~~نقاتله مع آل معاوية وابن سمية، ضلال يا لك من ضلال! فلما قال شبث ذلك دعا ~~عمر بن سعد الحصين بن نمير فبعث معه المجففة وخمسمائة من المرامية، فلما ~~دنوا من الحسين وأصحابه رشقوهم بالنبل فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم وصاروا ~~رجالة كلهم، وقاتل الحر بن يزيد راجلا قتالا شديدا، فقاتلوهم، إلى أن انتصف ~~النهار، أشد قتال خلقه الله لا يقدرون يأتونهم إلا من وجه ms1299 واحد لاجتماع ~~مضاربهم. فلما رأى ذلك عمر أرسل رجالا يقوضونها عن أيمانهم وشمائلهم ~~ليحيطوا بهم، فكان النفر من أصحاب الحسين الثلاثة والأربعة يتخللون البيوت ~~فيقلتون الرجل وهو يقوض وينهب ويرمونه من قريب أو يعقرونه، فأمر بها عمر بن ~~سعد فأحرقت، فقال لهم الحسين: دعوهم فليحرقوها فإنهم إذا حرقوها لا ~~يستطيعون أن يجوزوا إليكم منها. فكان كذلك. وخرجت امرأة الكلبي تمشي إلى ~~زوجها فجلست عند رأسه تمسح التراب عن وجهه وتقول: هنيئا لك الجنة! فأمر شمر ~~غلاما اسمه رستم فضرب رأسها بالعمود فماتت مكانها. PageV02P0173 # وحمل شمر حتى بلغ فسطاط الحسين ونادى: علي بالنار حتى أحرق هذا البيت على ~~أهله. فصاح النساء وخرجن، وصاح به الحسين: أنت تحرق بيتي على أهلي؟ حرقك ~~الله بالنار! فقال حميد بن مسلم لشمر: إن هذا لا يصلح لك، تعذب بعذاب الله ~~وتقتل الولدان والنساء، والله إن في قتل الرجال لما يرضى به أميرك! فلم ~~يقبل منه، فجاءه شبث بن ربعي فنهاه فانتهى، وذهب لينصرف فحمل عليه زهير بن ~~القين في عشرة فكشفهم عن البيوت وقتلوا أبا عزة الضبابي، وكان من أصحاب ~~شمر. وعطف الناس عليهم فكثروهم، وكانوا إذا قتل منهم الرجل والرجلان يبين ~~فيهم لقلتهم، وإذا قتل في أولئك لا يبين فيهم لكثرتهم. ولما حضر وقت الصلاة ~~قال أبو ثمامة الصائدي للحسين: نفسي لنفسك الفداء! أرى هؤلاء قد اقتربوا ~~منك، والله لا تقتل حتى أقتل دونك، وأحب أن ألقى ربي وقد صليت هذه الصلاة! ~~فرفع الحسين رأسه وقال: ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين، نعم ~~هذا أول وقتها، ثم قال: سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي. ففعلوا، فقال لهم ~~الحصين: إنها لا تقبل. فقال له حبيب بن مطهر: زعمت لا تقبل الصلاة من آل ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتقبل منك يا حمار! فحمل عليه الحصين، وخرج ~~إليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشب فسقط عنه الحصين فاستنقذه أصحابه، ~~وقاتل حبيب قتالا شديدا فقتل رجلا من بني تميم اسمه بديل بن صريم، وحمل ~~عليه ms1300 آخر من تميم فطعنه فذهب ليقوم فضربه الحصين على رأسه بالسيف فوقع ونزل ~~إليه التميمي فاحتز رأسه، فقال له الحصين: أنا شريكك في قتله. فقال الآخر: ~~لا والله! فقال له الحصين: أعطنيه أعلقه في عنق فرسي كيما يرى الناس أني ~~شركت في قتله ثم خذه وامض به إلى ابن زياد فلا حاجة لي فيما تعطاه. ففعل ~~وجال به في الناس ثم دفعه إليه، فلما رجعوا إلى الكوفة أخذ الرأس وجعله في ~~عنق فرسه ثم أقبل به إلى ابن زياد في القصر، فبصر به القاسم بن حبيب، وقد ~~راهق، فأقبل مع الفارس لا يفارقه، فارتاب به الرجل، فسأله عن حاله، فأخبره ~~وطلب الرأس ليدفنه، فقال: إن الأمير لا يرضى أن يدفن وأرجو أن يثيبني ~~الأمير. فقال له: لكن الله لا يثيبك إلا أسوأ الثواب. ولم يزل يطلب غرة ~~قاتل أبيه حتى كان زمان مصعب، وغزا مصعب ياجميرى، ودخل القاسم عسكره فإذا ~~قاتل أبيه في فسططه فدخل عليه نصف النهار فقتله. فلما قتل حبيب هد ذلك ~~الحسين وقال عند ذلك: أحتسب نفسي وحماة أصحابي. وحمل الحر وزهير بن القين ~~فقاتلا قتالا شديدا، وكان إذا حمل أحدهما وغاص فيهم حمل الآخر حتى يخلصه، ~~فعلا ذلك ساعة ثم إن رجاله حملت على الحر بن يزيد فقتلته، وقتل أبو ثمامة ~~الصائدي ابن عم له كان عدوه، ثم صلوا الظهر، صلى بهم الحسين صلاة الخوف، ثم ~~اقتتلوا بعد الظهر، فاشتد قتالهم، ووصلى إلى الحسين، فاستقدم الحنفي أمامه ~~فاستهدف لهم يرمونه بالنبل وهو بين يديه حتى سقط. وقاتل زهير بن القين ~~قتالا شديدا، فحمل عليه كثير بن عبيد الله الشعبي ومهاجر بن أوس فقتلاه، ~~وكان نافع بن هلال الجملي قد كتب اسمه على أفواق نبله، وكانت مسمومة، فقتل ~~بها اثني عشر رجلا سوى من جرح، فضرب حتى كسرت عضداه وأخذ أسيرا، فأخذه شمر ~~بن ذي الجوشن فأتى به عمر بن سعد والدم على وجهه وهو يقول: لقد قتلت منكم ~~اثني عشر رجلا سوى من جرحت، ولو بقيت ms1301 لي عضد وساعد ما أسرتموني. فانتضى شمر ~~سيفه ليقتله، فقال له نافع: والله لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى ~~الله بدمائنا، فالحمد لله الذي جعل منايانا على يدي شرار خلقه! فقتله شمر ~~ثم حمل على أصحاب الحسين. فلما رأوا أنهم قد كثروا وأنهم لا يقدرون يمنعون ~~الحسين ولا أنفسهم تنافسوا أن يقتلوا بين يديه، فجاء عبد الله وعبد الرحمن ~~ابنا عروة الغفاريان إليه فقالا: قد حازنا الناس إليك. فجعلا يقاتلان بين ~~يديه، وأتاه الفتيان الجابريان وهما سيف بن الحارث بن سريع ومالك بن عبد بن ~~سريع، وهما ابنا عم وأخوان لأم وهما يبكيان، فقال لهما: ما يبكيكما؟ إني ~~لأرجو أن تكونا عن ساعة قريري عين. فقالا: والله ما على أنفسنا نبكي ولكن ~~نبكي عليك، نراك قد أحيط بك ولا نقدر أن نمنعك! فقال: جزاكما الله جزاء ~~المتقين! PageV02P0174 # وجاء حنظلة بن أسعد الشبامي فوقف بين يدي الحسين وجعل ينادي: (يا قوم إني ~~أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب، مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم، ~~وما الله يريد ظلما للعباد، ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد، يوم تولون ~~مدبرين ما لكم من الله من عاصم، ومن يضلل الله فما له من هاد) غافر: 30 - ~~33. يا قوم لا تقتلوا الحسين فيسحتكم الله بعذاب (وقد خاب من افترى) طه: ~~61، فقال له الحسين: رحمك الله! إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا ما ~~دعوتهم إليه من الحق، ونهضوا ليستبيحوك وأصحابك فكيف بهم الآن قد قتلوا ~~إخوانك الصالحين! فسلم على الحسين وصلى عليه وعلى أهل بيته وتقدم وقاتل حتى ~~قتل. وتقدم الفتيان الجابريان فودعا الحسين وقاتلا حتى قتلا. وجاء عابس بن ~~أبي شبيب الشاكري وشوذب مولى شاكر إلى الحسين فسلما عليه وتقدما فقاتلا ~~فقتل شوذب، وأما عابس فطلب البراز فتحاماه الناس لشجاعته، فقال لهم عمر: ~~ارموه بالحجارة، فرموه من كل جانب، فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره وحمل على ~~الناس فهزمهم بين يديه، ثم رجعوا عليه فقتلوه وادعى قتله جماعة. وجاء ~~الضحاك ms1302 بن عبد الله المشرفي إلى الحسين فقال: يا ابن رسول الله قد علمت أني ~~قلت لك إني أقاتل عنك ما رأيت مقاتلا، فإذا لم أر مقاتلا فأنا في حل من ~~الإنصراف. فقال له الحسين: صدقت، وكيف لك بالنجاء؟ إن قدرت عليه فأنت في ~~حل. قال: فأقبلت إلى فرسي، وكنت قد تركته في خباء حيث رأيت خيل أصحابنا ~~تعقر، وقاتلت راجلا وقتلت رجلين وقطعت يد آخر، ودعا إلى الحسين مرارا، قال: ~~واستخرجت فرسي واستويت عليه وحملت على عرض القوم فأفرجوا لي وتبعني منهم ~~خمسة عشر رجلا ففتهم وسلمت. وجثا أبو الشعثاء الكندي، وهو يزيد بن أبي ~~زياد، بين يدي الحسين، فرمى بمائة سهم ما سقط منها خمسة أسهم، وكلما رمى ~~يقول له الحسين: اللهم سدد رميته واجعل ثوابه الجنة! وكان يزيد هذا فيمن ~~خرج مع عمر بن سعد، فلما ردوا الشروط على الحسين عدل إليه فقاتل بين يديه، ~~وكان أول من قتل. وأما الصيداوي عمرو بن خالد وجبار بن الحارث السلماني ~~وسعد مولى عمرو بن خالد ومجمع بن عبيد الله العائذي فإنهم قاتلوا أول ~~القتال، فلما وغلوا فيهم عطفوا إليهم فقطعوهم عن أصحابهم، فحمل العباس بن ~~علي فاستنقذهم وقد جرحوا، فلما دنا منهم عدوهم حملوا عليهم فقاتلوا فقتلوا ~~في أول الأمر في مكان واحد. وكان آخر من بقي من أصحاب الحسين سويد بن أبي ~~المطاع الخثعمي، وكان أول من قتل من آل بني أبي طالب يومئذ علي الأكبر ابن ~~الحسين، وأمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفية، وذلك أنه حمل ~~عليهم وهو يقول: أنا علي بن الحسين بن علي ... نحن ورب البيت أولى بالنبي ~~تالله لا يحكم فينا ابن الدعي ففعل ذلك مرارا، فحمل عليه مرة بن منقذ ~~العبدي فطعنه فصرع وقطعه الناس بسيوفهم، فلما رآه الحسين قال: قتل الله ~~قوما قتلوك! يا بني ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول! على ~~الدنيا بعدك العفاء! وأقبل الحسين إليه ومعه فتيانه فقال: احملوا أخاكم، ~~فحملوه حتى وضعوه بين ms1303 يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه. ثم إن عمرو بن ~~صبيح الصدائي رمى عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع كفه على جبهته فلم ~~يستطع أن يحركها ثم رماه بسهم آخر فقتله. PageV02P0175 # وحمل الناس عليهم من كل جانب، فحمل عبد الله بن قطبة الطائي على عون بن ~~عبد الله بن جعفر فقتله، وحمل عثمان بن خالد بن أسير الجهني وبشر بن سوط ~~الهمداني على عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب فقتلاه، ورمى عبد الله بن ~~عروة الخثعمي جعفر بن عقيل فقتله. ثم حمل القاسم بن الحسن بن علي وبيده ~~السيف، فحمل عليه عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي فضرب رأسه بالسيف فسقط القاسم ~~إلى الأرض لوجهه وقال: يا عماه! فانقض الحسين إليه كالصقر ثم شد شدة ليث ~~أغضب فضرب عمرا بالسيف فاتقاه بيده فقطع يده من المرفق فصاح، وحملت خيل ~~الكوفة ليستنقذوا عمرا فاستقبلته بصدورها وجالت عليه فوطئته حتى مات، ~~وانجلت الغبرة والحسين واقف على رأس القاسم وهو يفحص برجليه والحسين يقول: ~~بعدا لقوم قتلوك، ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك! ثم قال: عز والله على عمك ~~أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك ثم لا ينفعك صوته، والله هذا يوم كثر واتره ~~وقل ناصره! ثم احتمله على صدره حتى ألقاه مع ابنه علي ومن قتل معه من أهل ~~بيته. ومكث الحسين طويلا من النهار كلما انتهى إليه رجل من الناس رجع عنه ~~وكره أن يتولى قتله وعظم إثمه عليه، ثم إن رجلا من كندة يقال له مالك بن ~~النسير أتاه فضربه على رأسه بالسيف فقطع البرنس وأدمى رأسه وامتلأ البرنس ~~دما، فقال له الحسين: لا أكلت بها ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين! وألقى ~~البرنس ولبس القلنسوة، وأخذ الكندي البرنس، فلما قدم على أهله أخذ البرنس ~~يغسل الدم عنه، فقالت له امرأته: اسلب ابن بنت رسول الله تدخل بيتي؟ أخرجه ~~عني! قال: فلم يزل ذلك الرجل فقيرا بشر حتى مات. ودعا الحسين بابنه عبد ~~الله وهو صغير فأجلسه ms1304 في حجره، فرماه رجل من بني أسد فذبحه، فأخذ الحسين ~~دمه فصبه في الأرض ثم قال: ربي إن تكن حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك ~~لما هو خير وانتقم من هؤلاء الظالمين. ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا ~~بكر بن الحسين بن علي بسهم فقتله، وقال العباس بن علي لإخوته من أمه عبد ~~الله وجعفر وعثمان: تقدموا حتى أرثكم فإنه لا ولد لكم. ففعلوا فقتلوا، وحمل ~~هانىء بن ثبيت الحضرمي على عبد الله بن علي فقتله، ثم حمل على جعفر بن علي ~~فقتله، ورمى خولي بن يزيد الأصبحي عثمان بن علي، ثم حمل عليه رجل من بني ~~أبان بن دارم فقتله وجاء برأسه، ورمى رجل من بني أبان أيضا محمد بن علي بن ~~أبي طالب فقتله وجاء برأسه. وخرج غلام من خباء من تلك الأخبية فأخذ بعود من ~~عيدانه وهو ينظر كأنه مذعور، فحمل عليه رجل قيل إنه هانىء بن ثبيت الحضرمي ~~فقتله. واشتد عطش الحسين فدنا من الفرات ليشرب فرماه حصين بن نمير بسهم ~~فوقع في فمه فجعل يتلقى الدم بيده ورمى به إلى السماء، ثم حم الله وأثنى ~~عليه ثم قال: اللهم إني أشكو إليك ما يصنع بابن بنت نبيك! اللهم أحصهم ~~عددا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا! قيل الذي رماه رجل من بني أبان بن ~~دارم، فمكث ذلك الرجل يسيرا ثم صب الله عليه الظمأ فجعل لا يروى فكان يروح ~~عنه ويبرد له الماء فيه السكر وعساس فيها اللبن ويقول: اسقوني، فيعطى القلة ~~أو العس فيشربه، فإذا شربه اضطجع هنيهة ثم يقول: اسقوني قتلني الظمأ، فما ~~لبث إلا يسيرا حتى انقدت بطنه انقداد بطن البعير. PageV02P0176 # ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في نفر نحو عشرة من رجالهم نحو منزل الحسين ~~فحالوا بينه وبين رحله، فقال لهم الحسين: ويلكم! إن لم يكن لكم دين ولا ~~تخافون يوم المعاد فكونوا أحرارا ذوي أحساب، امنعوا رحلي وأهلي من طغاتكم ~~وجهالكم. فقالوا: ذلك لك يا ابن فاطمة. ms1305 وأقدم عليه شمر بالرجالة منهم: أبو ~~الجنوب، واسمه عبد الرحمن الجعفي، والقشعم بن نذير الجعفي، وصالح بن وهب ~~اليزني، وسنان بن أنس النخعي، وخولي بن يزيد الأصبحي، وجعل شمر يحرضهم على ~~الحسين وهو يحمل عليهم فينكشفون عنه، ثم إنهم أحاطوا به. وأقبل إلى الحسين ~~غلام من أهله فقام إلى جنبه وقد أهوى بحر بن كعب بن تيم الله بن ثعلبة إلى ~~الحسين بالسيف، فقال الغلام: يا ابن الخبيثة أتقتل عمي! فضربه بالسيف، ~~فاتقاه الغلام بيده فأطنها إلى الجلدة، فنادى الغلام: يا أمتاه! فاعتنقه ~~الحسين وقال له: يا ابن أخي اصبر على ما نزل بك فإن الله يلحقك بآبائك ~~الطاهرين الصالحين، برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعلي وحمزة وجعفر ~~والحسن. وقال الحسين: اللهم أمسك عنهم قطر السماء وامنعهم بركات الأرض! ~~اللهم فإن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقا واجعلهم طرائق قددا ولا ترض عنهم ~~الولاة أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا فعدوا علينا فقتلونا! ثما ضارب الرجالة ~~حتى انكشفوا عنه. ولما بقي الحسين في ثلاثة أو أربعة دعا بسراويل ففزره ~~ونكثه لئلا يسلبه، فقال له بعضهم: لو لبست تحته التبان. قال: ذلك ثوب مذلة ~~ولا ينبغي لي أن ألبسه. فلما قتل سلبه بحر بن كعب، وكان يداه في الشتاء ~~تنضحان بالماء، وفي الصيف تيبسان كأنهما عود. وحمل الناس عليه عن يمينه ~~وشماله، فحمل على الذين عن يمينه فتفرقوا، ثم حمل على الذين عن يساره ~~فتفرقوا، فما رؤي مكثور قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أرط جأشا منه ولا ~~أمضى جنانا ولا أجرأ مقدما منه، إن كانت الرجالة لتنكشف عن يمينه وشماله ~~انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب. فبينما هو كذلك إذ خرجت زينب وهي تقول: ~~ليت السماء انطبقت على الأرض! وقد دنا عمر بن سعد، فقالت: يا عمر أيقتل أبو ~~عبد الله وأنت تنظر إليه؟ فدمعت عيناه حتى سالت دموعه على خديه ولحيته وصرف ~~وجهه عنها. وكان على الحسين جبة من خز، وكان معتما مخصوبا بالوسمة، وقاتل ~~راجلا قتال الفارس الشجاع يتقي ms1306 الرمية ويفترص العورة ويشد على الخيل وهو ~~يقول: أعلى قتلي تجتمعون؟ أما والله لا تقتلون بعدي عبدا من عباد الله الله ~~أسخط عليكم لقتله مني! وايم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانم ثم ينتقم ~~لي منكم من حيث لا تشعرون! أما والله لوقتلتموني لألقى الله بأسكم بينكم ~~وسفك دماءكم ثم لا يرضى بذلك منكم حتى يضاعف لكم العذاب الأليم. قال: ومكث ~~طويلا من النهار، ولو شاء الناس أن يقتلوه لقتلوه ولكنهم كان يتقي بعضهم ~~ببعض ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء، فنادى شمر في الناس: ويحكم ماذا تنتظرون ~~بالرجل؟ اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم! فحملوا عليه من كل جانب، فضرب زرعة بن شريك ~~التميمي على كفه اليسرى، وضرب أيضا على عاتقه، ثم انصرفوا عنه وهو يقوم ~~ويكبو، وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس النخعي فطعنه بالرمح فوقع، وقال ~~لخولي بن يزيد الأصبحي: احتز رأسه، فأراد أن يفعل فضعف وأرعد، فقال له ~~سنان: فت الله عضدك! ونزل إليه فذبحه واحتز رأسه فدفعه إلى خولي، وسلب ~~الحسين ما كان عليه، فأخذ سراويله بحر بن كعب وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته، ~~وهي من خز، فكان يسمى بعد قيس قطيفة، وأخذ نعليه الأسود الأودي، وأخذ سيفه ~~رجل من دارم، ومال الناس على الفرش والحلل والإبل فانتهبوها، ونهبوا ثقله ~~ومتاعه وما على النساء حتى إن كانت المرأة لتنزع ثوبها من ظهرها فيؤخذ ~~منها. ووجد بالحسين ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة غير الرمية. وأما ~~سويد بن المطاع فكان قد صرع فوقع بين القتلى مثخنا بالجراحات، فسمعهم ~~يقولون: قتل الحسين! فوجد خفة فوثب ومعه سكين، وكان سيفه قد أخذ، فقاتلهم ~~بسكينة ساعة ثم قتل، قتله عروة بن بطان الثعلبي وزيد بن رقاد الجنبي، وكان ~~آخر من قتل من أصحاب الحسين. PageV02P0177 # ثم انتهوا إلى علي بن الحسين زين العابدين، فأراد شمر قتله، فقال له حميد ~~بن مسلم: سبحان الله أتقتل الصبيان! وكان مريضا، وجاء عمر بن سعد فقال: لا ~~يدخلن بيت هذه النسوة أحد ولا يعرضن لهذا ms1307 الغلام المريض، ومن أخذ من متاعهم ~~شيئا فليرده، فلم يرد أحد شيئا. فقال الناس لسنان بن أنس النخعي: قتلت ~~الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قتلت أعظم ~~العرب خطرا، أراد أن يزيل ملك هؤلاء، فأت أمراءك فاطلب ثوابك منهم فإنهم لو ~~أعطوك بيوت أموالهم في قتله كان قليلا. فأقبل على فرسه، وكان شجاعا شاعرا ~~به لوثة، حتى وقف على باب فسطاط عمر بن سعد ثم نادى بأعلى صوته: أوقر ركابي ~~فضة وذهبا ... إني قتلت السيد المحجبا قتلت خير الناس أما وأبا ... وخيرهم ~~إذ ينسبون نسبا فقال عمر بن سعد: أشهد إنك مجنون، أدخلوه علي. فلما دخل ~~حذفه بالقضيب وقال: يا مجنون أتتكلم بهذا الكلام. والله لو سمعك ابن زياد ~~لضرب عنقك! وأخذ عمر بن سعد عقبة بن سمعان مولى الرباب ابنة امرىء القيس ~~الكلبية امرأة الحسين، فقال: ما أنت؟ فقال: أنا عبد مملوك. فخلى سبيله، فلم ~~ينج منهم غيره وغير المرقع بن ثمامة الأسدي، وكان قد نثر نبله فقاتل، فجاء ~~نفر من قومه فآمنوه فخرج إليهم، فلما أخبر ابن زياد خبره نفاه إلى الزرارة. ~~ثم نادى عمر بن سعد في أصحابه من ينتدب إلى الحسين فيوطئه فرسه، فانتدب ~~عشرة، منهم إسحاق بن حيوة الحضرمي، وهو الذي سلب قميص الحسين، فبرص بعد، ~~فأتوا فداسوا الحسين بخيولهم حتى روا ظهره وصدره. وكان عدة من قتل من أصحبا ~~الحسين اثنين وسبعين رجلا. ودفن الحسين وأصحابه أهل الغاضرية من بني أسد ~~بعد قتلهم بيوم. وقتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلا سوى الجرحى ~~فصلى عليهم عمر ودفنهم. ولما قتل الحسين أرسل رأسه ورؤوس أصحابه إلى ابن ~~زياد مع خولي بن يزيد وحميد بن مسلم الأزدي، فوجد خولي القصر مغلقا فأتى ~~منزله فوضع الرأس تحت إجانة في منزله ودخل فراشه وقال لامرأته النوار: جئتك ~~بغنى الدهر، هذا رأس الحسين معك في الدار. فقالت: ويلك! جاء الناس بالذهب ~~والفضة وجئت برأس ابن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ms1308 والله لا يجمع رأسي ~~ورأسك بيت أبدا! وقامت من الفراش فخرجت إلى الدار، قالت: فما زلت أنظر إلى ~~نور يسطع مثل العمود من السماء إلى الإجانة، ورأيت طيرا أبيض يرفرف حولها. ~~فلما أصبح غدا بالرأس إلى ابن زياد. وقيل: بل الذي حمل الرؤوس كان شمر وقيس ~~بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وعروة بن قيس، فجلس ابن زياد وأذن للناس فأحضرت ~~الرؤوس بين يديه وهو ينكت بقضيب بين ثنيته ساعة، فلما رآه زيد بن الأرقم لا ~~يرفع قضيبه قال: أعل هذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فوالذي لا إله غره لقد ~~رأيت شفتي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على هاتين الشفتين يقبلهما! ثم ~~بكى، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك! فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب ~~عقلك لضربت عنقك. فخرج وهو يقول: أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، ~~قتلتم ابن فاطمة، وأمرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم، ~~فرضيتم بالذل، فبعدا لمن يرضى بالذل! فأقام عمر بعد قتله يومين ثم ارتحل ~~إلى الكوفة وحمل معه بنات الحسين وأخواته ومن كان معه من الصبيان، وعلي بن ~~الحسين مريض، فاجتازوا بهم على الحسين وأصحابه صرعى، فصاح النساء ولطمن ~~خدودهن، وصاحت زينب أخته: يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء! هذا الحسين ~~بالعراء، مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة تسفي ~~عليها الصبا! فأبكت كل عدو وصديق. PageV02P0178 # فلما أدخلوهم على ابن زياد لبست زينب أرذل ثيابها وتنكرت وحفت بها ~~إماؤها، فقال عبيد الله: من هذه الجالسة؟ فلم تكلمه، فقال ذلك ثلاثا وهي لا ~~تكلمه، فقال بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة. فقال لها ابن زياد: الحمد لله ~~الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم! فقالت زينب: الحمد لله الذي أكرمنا ~~بمحمد وطهرنا تطهيرا، لا كما تقول أنت، وإنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر. ~~فقال: فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟ قالت: كتب عليهم القتل فبرزوا إلى ~~مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتختصمون عنده. فغضب ابن زياد وقال: قد ~~شفى الله غيظي من طاغيتك ms1309 والعصاة المردة من أهل بيتك. فبكت وقالت: لعمري ~~لقد كان أبوك شجاعا! فقالت: ما للمرأة والشجاعة! ولما نظر ابن زياد إلى علي ~~بن الحسين قال: ما اسمك؟؛ قال: علي بن الحسين. قال: أولم يقتل الله علي بن ~~الحسين؟ فسكت. فقال: ما لك لا تتكلم؟ فقال: كان لي أخ يقال له أيضا علي ~~فقتله الناس. فقال: إن الله قتله. فسكت علي. فقال: ما لك لا تتكلم؟ فقال: ~~(الله يتوفى الأنفس حين موتها) الزمر: 42، (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن ~~الله) آل عمران: 145. قال: أنت والله منهم. ثم قال لرجل: ويحك! انظر هذا هل ~~أدرك؟ إني لأحسبه رجلا. قال: فكشف عنه مري بن معاذ الأحمري فقال: نعم قد ~~أدرك. قال: اقتله. فقال علي: من توكل بهذه النسوة؟ وتعلقت به زينب فقالت: ~~يا ابن زياد حسبك منا، أما رويت من دمائنا، وهل أبقيت منا أحدا! واعتنقته ~~وقالت: أسألك بالله إن كنت مؤمنا إن قتلته لما قتلتني معه! وقال له علي: يا ~~ابن زياد إن كانت بينك وبينهن قرابة فابعث معهن رجلا تقيا يصحبهن بصحبة ~~الإسلام. فنظر إليها ساعة ثم قال: عجبا للرحم! والله إني لأظنها ودت لو أني ~~قتلته أني قتلتها معه، دعوا الغلام ينطلق مع نسائه. ثم نادى: الصلاة جامعة، ~~فاجتمع الناس، فصعد المنبر فخطبهم وقال: الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله، ~~ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه، وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي ~~وشيعته. فوثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ثم الوالبي، وكان ضريرا قد ذهب ~~إحدى عينيه يوم الجمل مع علي والأخرى بصفين معه أيضا، وكان لا يفارق المسجد ~~يصلي فيه إلى الليل ثم ينصرف، فلما سمع مقالة ابن زياد قال: يا ابن مرجانة! ~~إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك والذي ولاك وأبوه! يا ابن مرجانة أتقتلون ~~أبناء النبيين وتتكلمون بكلام الصديقين؟ فقال: علي به. فأخذوه، فنادى بشعار ~~الأزد: يا مبرور! فوثب إليه فتية من الأزد فانتزعوه، فأرسل إليه من أتاه به ~~فقتله وأمر بصلبه في المسجد، فصلب، ms1310 رحمه الله. وأمر ابن زياد برأس الحسين ~~فطيف به في الكوفة، وكان رأسه أول رأس حمل في الإسلام على خشبة في قول، ~~والصحيح أن أول راس حمل في الإسلام رأس عمرو بن الحمق. ثم أرسل ابن زياد ~~رأس الحسين ورؤوس أصحابه مع زحر بن قيس إلى الشام إلى يزيد ومعه جماعة، ~~وقيل: مع شمر وجماعة معه، وارسل معه النساء والصبيان، وفيهم علي بن الحسين، ~~قد جعل ابن زياد الغل في يديه ورقبته، وحملهم على الأقتاب، فلم يكلمهم علي ~~بن الحسين في الطريق حتى بلغوا الشام، فدخل زحر بن قيس على يزيد، فقال: ما ~~وراءك؟ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله وبنصره، ورد علينا الحسين بن ~~علي في ثمانية عشر من أهل بيته، وستين من شيعته، فسرنا إليهم فسألناهم أن ~~ينزلوا على حكم الأمير عبيد الله أو القتال فاختاروا القتال فعدونا عليهم ~~مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية حتى إذا أخذت السيوف مآخذها من هام ~~القوم جعلوا يهربون إلى غير وزر، ويلوذون بالإكام والحفر، كما لاذ الحمائم ~~من صقر، فوالله ما كان إلا جزر جزور، أو نومة قائل، حتى أتينا على آخرهم! ~~فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مرملة، وخدودهم معفرة، تصهرهم الشمس، وتسفي ~~عليهم الريح، زوارهم العقبان والرخم بقي سبسب. قال: فدمعت عينا يزيد وقال: ~~كنت أرضى من طاغيتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن سمية! أما والله لو أني ~~صاحبه لعفوت عنه، فرحم الله الحسين! ولم يصله بشيء. PageV02P0179 # وقيل: إن آل الحسين لما وصلوا إلى الكوفة حبسهم ابن زياد وأرسل إلى يزيد ~~بالخبر، فبينما هم في الحبس إذ سقط عليهم حجر فيه كتاب مربوط وفيه: إن ~~البريد سار بأمركم إلى يزيد فيصل يوم كذا ويعود يوم كذا، فإن سمعتم النكير ~~فأيقنوا بالقتل، وإن لم تسمعوا تكبيرا فهو الأمان. فلما كان قبل قدوم ~~البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجر قد ألقي وفيه كتاب يقول فيه: أوصوا واعهدوا ~~فقد قارب وصول البريد. ثم جاء البريد بأمر يزيد بإرسالهم إليه، فدعا ms1311 ابن ~~زياد محفر بن ثعلبة وشمر بن ذي الجوشن وسيرهما بالثقل والرأس، فلما وصلوا ~~إلى دمشق ندى محفر بن ثعلبة على باب يزيد: جئنا برأس أحمق الناس وألأمهم! ~~فقال يزيد: ما ولدت أم محفر ألأم وأحمق منه، ولكنه قاطع ظالم. ثم دخلوا على ~~يزيد فوضعوا الرأس بين يديه وحدثوه، فسمعت الحديث هند بنت عبد الله بن عامر ~~بن كريز، وكانت تحب يزيد، فتقنعت بثوبها وخرجت فقالت: يا أمير المؤمنين ~~أرأس الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ~~فأعولي عليه وحدي على ابن بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصريحة قريش، ~~عجل عليه ابن زياد فقتله، قتله الله! ثم أذن للناس فدخلوا عليه والرأس بين ~~يديه ومعه قضيب وهو ينكت به ثغره، ثم قال: إن هذا وإيانا كما قال الحصين بن ~~الحمام: أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت ... قواضب في أيماننا تقطر الدما ~~يفلقن هاما من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما فقال أبو برزة ~~الأسلمي: أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين؟ أما لقد أخذ قضيبك في ثغره مأخذا، ~~لربما رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يرشفه، أما إنك يا يزيد تجيء ~~يوم القيامة وابن زياد شفيعك، ويجيء هذا ومحمد شفيعه. ثم قام فولى. فقال ~~يزيد: والله يا حسين لو كنت أنا صاحبك ما قتلتك. ثم قال: أتدرون من أين أتى ~~هذا؟ قال: أبى علي خير من أبيه، وفاطمة أمير خير من أمه، وجدي رسول الله ~~خير من جده، وأنا خير منه وأحق بهذا الأمر منه؛ فأما قوله أبوه خير من أبي ~~فقد حاج أبي أباه إلى الله وعلم الناس أيهما حكم له؛ وأما قوله أمي خير من ~~أمه فلعمري فاطمة بنت رسول الله خير من أمي؛ وأما قوله جدي رسول الله خير ~~من جده فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عدلا ~~ولا ندا، ولكنه إنما أتي من قبل فقهه، ولم يقرأ: (قل اللهم مالك الملك) آل ~~عمران: ms1312 26. ثم أدخل نساء الحسين عليه والرأس بين يديه، فجعلت فاطمة وسكينة ~~ابنتا الحسين تتطاولان لتنظرا إلى الرأس، وجعل يزيد يتطاول ليستر عنهما ~~الرأس. فلما رأين الرأس صحن، فصاح نساء يزيد وولول بنات معاوية. فقات فاطمة ~~بنت الحسين، وكانت أكبر من سكينة: أبنات رسول الله سبايا يا يزيد؟ فقال: يا ~~ابنة أخي أنا لهذا كنت أكره. قالت: والله ما ترك لنا خرص. فقال: ما أتى ~~إليكن أعظم مما أخذ منكن. فقام رجل من أهل الشام فقال: هب لي هذه، يعني ~~فاطمة، فأخذت بثياب أختها زينب، وكانت أكبر منها، فقالت زينب: كذبت ولؤمت، ~~ما ذلك لك ولا له. فغضب يزيد وقال: كذبت والله، إن ذلك لي ولو شئت أن أفعله ~~لفعلته. قالت: كلا والله ما جعل الله لك ذلك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين ~~بغير ديننا. فغضب يزيد واستطار ثم قال: إياي تستقبلين بهذا؟ إنما خرج من ~~الدين أبوك وأخوك! قالت زينب: بدين الله ودين أبي وأخي وجدي اهتديت أنت ~~وأبوك وجدك. قال: كذبت يا عدوة الله! قالت: أنت أمير تشتم ظالما وتقهر ~~بسلطانك؟ فاستحى وسكت، ثم أخرجن وأدخلن دور يزيد، فلم تبق امرأة من آل يزيد ~~إلا أتتهن وأقمن المأتم وسألهن عما أخذ منهن فأضعفه لهن، فكانت سكينة تقول: ~~ما رأيت كافرا بالله خيرا من يزيد بن معاوية. PageV02P0180 # ثم أمر بعلي بن الحسين فأدخل مغلولا فقال: لو رآنا رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، مغلولين لفك عنا. قال: صدقت. وأمر بفك غله عنه. فقال علي: لو ~~رآنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعداء لأحب أن يقربنا. فأمر به فقرب ~~منه، وقال له يزيد: إيه يا علي بن الحسين، أبوك الذي قطع رحمي، وجهل حقي، ~~ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما رأيت. فقال علي: (ما أصاب من مصيبة في ~~الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير ~~لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال ~~فخور) ms1313 الحديد: 22 - 23. فقال يزيد: (ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) ~~الشورى: 30. ثم سكت عنه وأمر بإنزاله وإنزال نسائه في دار علي جده، وكان ~~يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا دعا عليا إليه، فدعاه ذات يوم ومعه عمرو بن ~~الحسن، وهو غلام صغير، فقال لعمرو: أتقاتل هذا؟ يعني خالد بن يزيد، فقال ~~عمرو: أعطني سكينا وأعطه سكينا حتى أقاتله. فضمه يزيد إليه وقال: شنشنة ~~أعرفها من أخزم، هل تلد الحية إلا حية! وقيل: ولما وصل رأس الحسين إلى يزيد ~~حسنت حال ابن زياد عنده وزاده ووصله وسره ما فعل، ثم لم يلبث إلا يسيرا حتى ~~بلغه بغض الناس له ولعنهم وسبهم، فندم على قتل الحسين، فكان يقول: وما علي ~~لو احتملت الأذى وأنزلت الحسين معي في داري وحكمته فيما يريد وإن كان علي ~~في ذلك وهن في سلطاني حفظا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ورعاة لحقه ~~وقرابته، لعن الله ابن مرجانة فإنه اضطره، وقد سأله أن يضع يده في يدي أو ~~يلحق بثغر حتى يتوفاه الله، فلم يجبه إلى ذلك فقتله، فبغضني بقتله إلى ~~المسلمين، وزرع في قلوبهم العداوة، فأبغضني البر والفاجر بما استعظموه من ~~قتلي الحسين، ما لي ولابن مرجانة، لعنه الله وغضب عليه! ولما أراد أن ~~يسيرهم إلى المدينة أمر يزيد النعمان بن بشير أن يجهزهم بما يصلحهم ويسير ~~معهم رجلا أمينا من أهل الشام ومعه خيل يسير بهم إلى المدينة، ودعا عليا ~~ليودعه وقال له: لعن الله ابن مرجانة! أما والله لو أني صاحبه ما سألني ~~خصلة أبدا إلا أعطيته إياها ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ~~ولدي، ولكن قضى الله ما رأيت. يا بني كاتبني حاجة تكون لك. وأوصى بهم هذا ~~الرسول، فخرج بهم فكان يسايرهم ليلا فيكونون أمامه بحيث لا يفوتون طرفه، ~~فإذا نزلوا تنحى عنهم هو وأصحابه، فكانوا حولهم كهيئة الحرس، وكان يسألهم ~~عن حاجتهم ويلطف بهم حتى دخلوا المدينة. فقالت فاطمة بنت علي لأختها زينب: ~~لقد أحسن هذا الرجل ms1314 إلينا فهل لك أن نصله بشيء؟ فقالت: والله ما معنا ما ~~نصله به إلا حلينا، فأخرجتا سوارين ودملجين لهما فبعثتا ها إليه واعتذرتا، ~~فرد الجميع وقال: لو كان الذي صنعت للدنيا لكان في هذا ما يرضيني، ولكن ~~والله ما فعلته إلا لله ولقرابتكم من رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وكان ~~مع الحسين امرأته الرباب بنت امرىء القيس، وهي أم ابنته سكينة، وحملت إلى ~~الشام فيمن حمل من أهله، ثم عادت إلى المدينة، فخطبها الأشراف من قريش، ~~فقالت: ما كنت لأتخذ حموا بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وبقيت بعده ~~سنة لم يظلها سقف بيت حتى بليت وماتت كمدا، وقيل: إنها أقامت على قبره سنة ~~وعادت إلى المدينة فماتت أسفا عليه. فأرسل عبيد الله بن زياد مبشرا إلى ~~المدينة بقتل الحسين إلى عمرو بن سعيد، فلقيه رجل من قريش فقال: ما الخبر؟ ~~فقال: الخبر عند الأمير. فقال القرشي: إنا لله وإنا إليه راجعون، قتل ~~الحسين. ودخل البشير على عمرو بن سعيد فقال: ما وراءك؟ قال: ما سر الأمر، ~~قتل الحسين بن علي. فقال: ناد بقتله، فنادى، فصاح نساء بني هاشم وخرجت ابنة ~~عقيل بن أبي طالب ومعها نساؤها حاسرة تلوي ثوبها وهي تقول: ماذا تقولون إن ~~قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي ~~... منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن ~~تخلفوني بسوء في ذوي رحمي فلما سمع عمرو أصواتهن ضحك وقال: عجت نساء بني ~~زياد عجة ... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب والأرنب وقعة كانت لبني زبيد على ~~بني زياد من بني الحارث بن كعب، وهذا البيت لعمرو بن معدي كرب. ~~PageV02P0181 # ثم قال عمرو: واعية كواعية عثمان؛ ثم صعد المنبر فأعلم الناس قتله. ولما ~~بلغ عبد الله بن جعفر قتل ابنيه مع الحسين دخل عليه بعض مواليه يعزيه ~~والناس يعزونه، فقال مولاه: هذا ما لقيناه من الحسين! فحذفه ابن جعفر بنعله ~~وقال: يا ابن اللخناء أللحسين تقول هذا؟ والله لو ms1315 شهدته لأحببت أن لا ~~أفارقه حتى أقتل معه، والله إنه لمما يسخي بنفسي عنهما ويهون علي المصاب ~~بهما أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له صابرين معه. ثم قال: إن لم ~~تكن آست الحسين يدي فقد آساه ولدي. ولما وفد أهل الكوفة بالرأس إلى الشام ~~ودخلوا مسجد دمشق أتاهم مروان بن الحكم فسألهم كيف صنعوا؟ فأخبروه، فقام ~~عنهم ثم أتاهم أخوه يحيى ابن الحكم فسألهم فأعادوا عليه الكلام، فقال: ~~حجبتم عن محمد صلى الله عليه وسلم، يوم القيامة، لن أجامعكم على أمر أبدا! ~~ثم انصرف عنهم. فلما دخلوا على يزيد قال يحيى بن أكثم: لهام بجنب الطف أدنى ~~قرابة ... من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل سمية أمسى نسلها عدد الحصى ... ~~وليس لآل المصطفى اليوم من نسل فضرب يزيد في صدره وقال: اسكت. قيل: وسمع ~~بعض أهل المدينة ليلة قتل الحسين مناديا ينادي: أيها القاتلون جهلا حسينا ~~... أبشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء يدعو عليكم ... من نبي وملأك ~~وقبيل قد لعنتم على لسان ابن داو ... د وموسى وصاحب الإنجيل ومكث الناس ~~شهرين أو ثلاثة كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع. قال ~~رأس جالوت ذلك الزمان: ما مررت بكربلاء إلا وأنا أركض دابتي حتى أخلف ~~المكان، لأنا كنا نتحدث أن ولد نبي يقتل بذلك المكان، فكنت أخاف، فلما قتل ~~الحسين أمنت فكنت أسير ولا أركض. قيل وكان عمر الحسين يوم قتل خمسا وخمسين ~~سنة، وقيل: قتل وهو ابن إحدى وستين، وليس بشيء. وكان قتله يوم عاشوراء سنة ~~إحدى وستين. برير بن خضير بضم الباء الموحدة، وفتح الراء المهملة، وسكون ~~الياء المثناة من تحتها، وآخره راء. وخضير بالخاء والضاد المعجمتين. ثبيت ~~بضم الثاء المثلثة، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء المثناة من تحتها، ~~وآخره تاء مثناة من فوقها. ومحفر بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد ~~الفاء المكسورة، وآخره راء. وقال... التيمي تيم مرة يرثي الحسين وأهله وكان ~~منقطعا إلى بني هاشم: مررت على أبيات آل محمد ... فلم أرها أمثالها ms1316 يوم حلت ~~فلا يبعد الله الديار وأهلها ... وإن أصبحت من أهلها قد تخلت وإن قتيل الطف ~~من آل هاشم ... أذل رقاب المسلمين فذلت وكانوا رجاء ثم أضحوا رزية ... لقد ~~عظمت تلك الرزايا وجلت وعند غني قطرة من دمائنا ... سنجزيهم يوما بها حيث ~~حلت إذا افتقرت قيس جبرنا فقيرها ... تقتلنا قيس إذا النعل زلت ### || AUT ذكر أسماء من قتل معه # قال سليمان: لما قتل الحسين ومن معه حملت رؤوسهم إلى ابن زياد، فجاءت ~~كندة بثلاثة عشر رأسا، وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأسا، ~~وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن الضبابي، وجاءت بنو تميم بسبعة عشر رأسا، وجاءت ~~بنو أسد بستة أرؤس، وجاءت مذحج بسبعة أرؤس، وجاء سائر الجيش بسبعة أرؤس، ~~فذلك سبعون رأسا. PageV02P0182 # وقتل الحسين، قتله سنان بن أنس النخعي، لعنه الله، وقتل العباس بن علي، ~~وأمه أم البنين بنت حزام، قتله زيد بن داود الجنبي وحكيم بن الطفيل ~~السنسبي. وقتل جعفر بن علي، وأمه أم البنين أيضا. وقتل عبد الله بن علي، ~~وأمه أم البنين أيضا. وقتل عثمان بن علي، وأمه أم البنين أيضا، رماه خولي ~~بن يزيد بسهم فقتله. وقتل محمد بن علي، وأمه أم ولد، قتله رجل من بني دارم. ~~وقتل أبو بكر بن علي، وأمه ليلى بنت مسعود الدارمية، وقد شك في قتله. وقتل ~~علي بن الحسين بن علي، وأمه ليلى ابنة أبي مرة ابن عروة الثقفي، وأمها ~~ميمونة ابنة أبي سفيان بن حرب، قتله منقذ بن النعمان العبدي، وقتل عبد الله ~~بن الحسين بن علي، وأمه الرباب ابنة امرىء القيس الكلبي، قتله هانىء بن ~~ثبيت الحضرمي. وقتل أبو بكر ابن أخيه الحسن أيضا، وأمه أم ولد، قتله حرملة ~~بن الكاهن، رماه بسهم. وقتل القاسم بن الحسن أيضا، قتله سعد بن عمرو بن ~~نفيل الأزدي. وقتل عون بن أبي جعفر بن أبي طالب، وأمه جمانة بنت المسيب بن ~~نجبة الفزاري، قتله عبد الله بن قطبة الطائي. وقتل محمد بن عبد الله بن ~~جعفر، وأمه الخوصاء بنت ms1317 خصفة بن تيم الله بن ثعلبة، قتله عامر بن نهشل ~~التيمي. وقتل جعفر بن عقيل بن أبي طالب، وأمه أم بنين ابنة الشقر بن ~~الهضاب، قتله بشر بن الخوط الهمداني. وقتل عبد الرحمن بن عقيل، وأمه أم ~~ولد، قتله عثمان بن خالد الجهني. وقتل عبد الله بن عقل، وأمه أم ولد، رماه ~~عمرو بن صبيح الصيداوي بسهم فقتله. وقتل مسلم بن عقيل بالكوفة، وأمه أم ~~ولد. وقتل عبد الله بن مسلم بن عقيل، وأمه رقية ابنة علي بن أبي طالب، قتله ~~عمرو بن صبيح الصيداوي، ويقال قتله مالك بن أسيد الحضرمي. وقتل محمد بن أبي ~~سعيد بن عقيل، وأمه أم ولد، قتله لقيط بن ياسر الجهني. واستصغر الحسن بن ~~الحسن بن علي، وأمه خولة بنت منظور بن زبان الفزاري، واستصغر عمور بن ~~الحسن، وأمه أم ولد، فلم يقتلا. وقتل من الموالي سليمان مولى الحسين، قتله ~~سليمان بن عوف الحضرمي، وقتل منجح مولى الحسين أيضا، وقتل عبد الله بن بقطر ~~رضيع الحسين. قال ابن عباس: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، الليلة التي ~~قتل فيها الحسين وبيده قارورة وهو يجمع فيها دما. فقلت: يا رسول الله ما ~~هذا؟ قال: هذه دماء الحسين وأصحابه أرفعها إلى الله تعالى . فأصبح ابن عباس ~~فأعلم الناس بقتل الحسين وقص رؤياه، فوجد قد قتل في ذلك اليوم. وروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أعطى أم سلمة ترابا من تربة الحسين حمله إليه ~~جبرائيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، لأم سلمة: إذا صار هذا التراب دما ~~فقد قتل الحسين. فحفظت أم سلمة ذلك التراب في قارورة عندها، فلما قتل ~~الحسين صار التراب دما، فأعلمت الناس بقتله أيضا. وهذا يستقيم على قول من ~~يقول أم سلمة توفيت بعد الحسين. ثم إن ابن زياد قال لعمر بن سعد بعد عوده ~~من قتل الحسين: يا عمر إيتني بالكتاب الذي كتبته إليك في قتل الحسين. قال: ~~مضيت لأمرك وضاع الكتاب. قال: لتجيئني به. قال: ضاع. قال: لتجيئني به. قال: ms1318 ~~ترك والله يقرأ على عجائز قريش بالمدينة اعتذارا إليهن، أما والله لقد ~~نصحتك في الحسين نصيحة لو نصحتها أبي سعد بن أبي وقاص لكنت قد أديت حقه. ~~فقال عثمان بن زياد، أخو عبيد الله: صدق والله! لوددت أنه ليس من بني زياد ~~رجل إلا وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة، وأن الحسين لم يقتل! فما أنكر ذلك ~~عبيد الله بن زياد. آخر المقتل. ### || AUT ذكر مقتل أبي بلال مرداس حدير الحنظلي # قد تقدم ذكر سبب خروجه وتوجيه عبيد الله بن زياد العساكر إليه في ألفي ~~رجل فالتقائهم بآسك وهزيمة عسكر ابن زياد، فلما هزمهم أبو بلال وبلغ ذلك ~~ابن زياد ارسل إليه ثلاثة آلاف عليهم عباد بن الأخضر، والأخضر زوج أمه، نسب ~~إليه، وهو عباد بن علقمة بن عباد التميمي، فاتبعه حتى لحقه بتوج فصف له ~~عباد وحمل عليهم أبو بلال فيمن معه، فثبتوا واشتد القتال حتى دخل وقت ~~العصر، فقال أبو بلال: هذا يوم جمعة وهو يوم عظيم وهذا وقت العصر فدعونا ~~حتى نصلي. فأجابهم ابن الأخضر وتحاجزوا، فعجل ابن الأخضر الصلاة، وقيل ~~قطعها، والخوارج يصلون، فشد عليهم هو وأصحابه وهم ما بين قائم وراكع وساجد ~~لم يتغير منهم أحد من حاله، فقتلوا من آخرهم وأخذ رأس أبي بلال. ~~PageV02P0183 # ورجع عباد إلى البصرة فرصده بها عبيدة بن هلال ومعه ثلاثة نفر، فأقبل ~~عباد يريد قصر الإمارة وهو مردف ابنا صغيرا له، فقالوا له: قف حتى نستفتيك. ~~فوقف، فقالوا: نحن إخوة أربعة قتل أخونا فما ترى؟ قال: استعدوا الأمير. ~~قالوا: قد استعديناه فلم يعدنا. قال: فاقتلوه قتله الله! فوثبوا عليه ~~وحكموا به فألقى ابنه فنجا وقتل هو، فاجتمع الناس على الخوارج فقتلوا غير ~~عبيدة. ولما قتل ابن عباد كان ابن زياد بالكوفة ونائبه بالبصرة عبيد الله ~~بن أبي بكرة، فكتب إليه يأمره أن يتبع الخوارج، ففعل ذلك وجعل يأخذهم، فإذا ~~شفع في أحدهم ضمنه إلى أن يقدم ابن زياد، ومن لم يكفله أحد حبسه، وأتي ~~بعروة بن أدية فأطلقه وقال: ms1319 أنا كفيلك. فلما قدم ابن زياد أخذ من في الحبس ~~من الخوارج فقتلهم وطلب الكفلاء بمن كفلوا به فمن أتى بخارجي أطلقه وقتل ~~الخارجي، ومن لم يأت بالخارجي قتله، ثم طلب عبيد الله بن أبي بكرة بعروة بن ~~أدية، قال: لا أقدر عليه. فقال: إذن أقتلك به، فلم يزل يبحث عنه حتى ظفر به ~~وأحضره عند ابن زياد، فقال له ابن زياد: لأمثلن بك. فقال: اختر لنفسك من ~~القصاص ما شئت به، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه وصلبه، وقيل: إنه قتل سنة ~~ثمان وخمسين. ### || AUT ذكر ولاية سلم بن زياد على خراسان وسجستان # قيل: في هذه السنة استعمل يزيد سلم بن زياد على خراسان. وسبب ذلك أن ~~سلما قدم على يزيد، فقال له يزيد: يا أبا حرب أوليك عمل أخويك عبد الرحمن ~~وعباد. فقال: ما أحب أمير المؤمنين. فولاه خراسان وسجستان، فوجه سلم الحارث ~~بن معاوية الحرثي جد عيسى بن شبيب إلى خراسان، وقدم سلم البصرة فتجهز منها، ~~فوجه أخاه يزيد إلى سجستان، فكتب عبيد الله بن زياد إلى أخيه عباد يخبره ~~بولاية سلم، فقسم عباد ما في بيت المال على عبيدة وفضل فضل فنادى: من أراد ~~سلفا فليأخذ، فأسلف كل من أتاه، وخرج عباد من سجستان. فلما كان بجيرفت بلغه ~~مكان سلم، وكان بينهما جبل، فعدل عنه، فذهب لعباد تلك الليلة ألف مملوك أقل ~~ما مع أحدهم عشرة آلاف. وسار عباد على فارس فقدم على يزيد فسأله عن المال، ~~فقال: كنت صاحب ثغر فقسمت ما أصبت بين الناس. ولما سار سلم إلى خراسان كتب ~~معه يزيد إلى أخي عبيد الله بن زياد ينتخب له ستة آلاف فارس، وقيل: ألفي ~~فارس، وكان سلم ينتخب الوجوه، فخر معه عمران بن الفضيل البرجمي والمهلب بن ~~أبي صفرة وعبد الله بن خازم السلمي وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي ~~وحنظلة بن عرادة ويحيى بن يعمر العدواني وصلة بن أشيم العدوي وغيرهم، وسار ~~سلم إلى خراسان وعبر النهار غازيا، وكان عمال خراسان قبله ms1320 يغزون، فإذا دخل ~~الشتاء رجعوا إلى مرو الشاهجان، فإذا انصرف المسلمون اجتمع ملوك خراسان ~~بمدينة مما يلي خوارزم فيتعاقدون أن لا يغزو بعضهم بعضا ويتشاورون في ~~أمورهم، فكان المسلمون يطلبون إلى أمرائهم غزو تلك المدينة فيأبون عليهم، ~~فلما قدم سلم غزا فشتا في بعض مغازيه، فألح عليه المهلب بن أبي صفرة وساله ~~التوجه إلى تلك المدينة، فوجهه في ستة آلاف، وقيل: أربعة آلاف، فحاصرهم، ~~فطلبوا أن يصالحهم على أن يفدوا أنفسهم، فأجابهم إلى ذلك وصالحوه على نيف ~~وعشرين ألف ألف، وكان في صلحهم أن يأخذ منهم عروضا، فكان يأخذ الرأس ~~والدابة والمتاع بنصف ثمنه، فبلغت قيمة ما أخذ منهم خمسين ألف ألف، فحظي ~~بها المهلب عند سلم، وأخذ سلم من ذلك ما أعجبه وبعث به إلى يزيد. وغزا سلم ~~سمرقن وعبرت معه النهر امرأته أم محمد ابنة عبد الله بن عثمان بن أبي العاص ~~الثقفية، وهي أول امرأة من العرف قطع بها النهر، فولدت له ابنا سماه صغدى، ~~واستعارت امرأته من امرأة صاحب الصغد حليها فلم تعده إليها وذهبت به. ووجه ~~جيشا إلى خجندة فيهم أعشى همدان فهزموا، فقال أعشى: ليت خيلي يوم الخجندة ~~لم ته ... زم وغودرت في المكر سليبا تحضر الطير مصرعي وتروح ... ت إلى الله ~~بالدماء خضيبا ### || AUT ذكر ولاية يزيد بن زياد وطلحة الطلحات سجستان # PageV02P0184 # ولما استعمل يزيد بن معاوية سلم بن زياد على خراسان استعمل أخاه يزيد على ~~سجستان، فغدر أهل كابل فنكثوا وأسروا أبا عبيدة بن زياد، فسار إليهم يزيد ~~بن زياد في جيش فاقتتلوا وانهزم المسلمون وقتل منهم كثير، فممن قتل يزيد بن ~~عبد الله بن أبي مليكة وصلة بن أشيم أبو الصهباء العدوي زوج معاذة العدوية، ~~فلما بلغ الخبر سلم بن زياد سير طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، وهو طلحة ~~الطلحات، ففدى أبا عبيدة بن زياد بخمسمائة ألف درهم، وسار طلحة من كابل إلى ~~سجستان واليا عليها، فجبى المال وأعطى زواره، ومات بسجستان واستخلف رجلا من ~~بني يشكر، فأخرجته المضرية ms1321 ووقعت العصبية فطمع فيهم رتبيل. ### || AUT ذكر ولاية الوليد بن عتبة المدينة # ### || AUT والحجاز وعزل عمرو بن سعيد # قيل: وفي هذه السنة عزل يزيد عمرو بن سعيد عن المدينة وولاها الوليد بن ~~عتبة بن أبي سفيان. وكان سبب ذلك أن عبد الله بن الزبير أظهر الخلاف على ~~يزيد وبويع بمكة بعد قتل الحسين، فإنه لما بلغه قتل الحسين قام في الناس ~~فعظم قتله وعاب أهل الكوفة خاصة وأهل العراق عامة، فقال بعد حمد الله ~~والصلاة على رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن أهل العراق غدر فجر إلا ~~قليلا، وإن أهل الكوفة شرار أهل العراق، وإنهم دعوا الحسين لينصروه ويولوه ~~عليهم، فلما قدم عليهم ثاروا عليه فقالوا: إما أن تضع يدك في أيدينا فنبعث ~~بك إلى ابن زياد بن سمية فيمضي فيك حكمه، وإما أن تحارب؛ فرأى والله أنه هو ~~وأصحابه قليل في كثير، فإن كان الله لم يطلع على الغيب أحدا أنه مقتول ~~ولكنه اختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة، فرحم الله الحسين وأخزى ~~قاتله! لعمري لقد كان من خلافهم إياه وعصيانهم ما كان في مثله واعظ وناه ~~عنهم، ولكنه ما قرر نازل، وإذا أراد الله أمرا لم يدفع، أفبعد الحسين نطمئن ~~إلى هؤلاء القوم ونصدق قولهم ونقبل لهم عهدا؟ لا والله لا نراهم لذلك أهلا، ~~أما والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه، كثيرا في النهار صيامه، أحق بما ~~هم فيه منهم وأولى به في الدين والفضل، أما والله ما كان يبدل بالقرآن غيا، ~~ولا بالبكاء من خشية الله حدا، ولا بالصيام شرب الخمر، ولا بالمجالس في حلق ~~الذكر بكلاب الصيد - يعرض بيزيد - (فسوف يلقون غيا) مريم: 59. فثار إليه ~~أصحابه وقالوا: أظهر بيعتك فإنك لم يبق أحد إذ هلك الحسين ينازعك هذا ~~الأمر. وقد كان يبايع سرا ويظهر أنه عائذ بالبيت. فقال لهم: لا تعجلوا، ~~وعمرو بن سعيد يومئذ عامل مكة، وهو أشد شيء على ابن الزبير، وهو مع ذلك ~~يداري ويرفق، فلما استقر عند يزيد ما قد جمع ms1322 ابن الزبير بمكة من الجموع ~~أعطى الله عهدا ليوثقنه في سلسلة، فبعث إليه سلسلة من فضة مع ابن عطاء ~~الأشعري وسعد وأصحابهما ليأتوه به فيها، وبعث معهم برنس خز ليلبسوه عليها ~~لئلا تظهر للناس. فاجتاز ابن عطاء بالمدينة وبها مروان بن الحكم فأخبره ما ~~قدم له، فأرسل مروان معه ولدين له أحدهما عبد العزيز وقال: إذا بلغته رسل ~~يزيد فتعرضا له وليتمثل أحدكما بهذا القول، فقال: فخذها فليست للعزيز بخطة ~~... وفيها فعال لامرىء متذلل أعامر إن القوم ساموك خطة ... وذلك في الجيران ~~غزل بمغزل أراك إذا ما كنت للقوم ناصحا ... يقال له بالدلو أدبر وأقبل فلما ~~بلغه الرسول الرسالة قال عبد العزيز الأبيات، فقال ابن الزبير: يا بني ~~مروان قد سمعت ما قلتما فأخبرا أباكما: إني لمن نبعة صم مكاسرها ... إذا ~~تناوحت البكاء والعشر فلا ألين لغير الحق أسأله ... حتى يلين لضرس الاضغ ~~الحجر وامتنع ابن الزبير من رسل يزيد، فقال الوليد بن عتبة وناس من بني ~~أمية ليزيد: لو شاء عمرو لأخذ ابن الزبير وسرحه إليك. فعزل عمرو وولي ~~الوليد الحجاز، وأخذ الوليد غلمان عمرو ومواليه فحبسهم، فكلمه عمرو فأبى أن ~~يخليهم، فسار عن المدينة ليلتين وأرسل إلى غلمانه بعدتهم من الإبل، فكسروا ~~الحبس وساروا إليه فلحقوه عند وصوله إلى الشام، فدخل على يزيد وأعلمه ما ~~كان فيه من مكايدة ابن الزبير، فعذره وعلم صدقه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # حج بالناس الوليد بن عتبة هذه السنة. PageV02P0185 # وكان الأمير بالعراق عبيد الله بن زياد، وعلى خراسان سلم بن زياد، وعلى ~~قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة. وفي هذه السنة مات ~~علقمة بن قيس النخعي صاحب ابن مسعود، وقيل: سنة اثنتين، وقيل: خمس، وله ~~تسعون سنة. وفيها توفي المنذر بن الجارود العبدي. وجابر بن عتيك الأنصاري، ~~وقيل حر، وكان عمره إحدى وتسعين سنة، وشهد بدرا. وفيها مات حمزة بن عمرو ~~الأسلمي، وعمره إحدى وسبعون سنة، وقيل ثمانون سنة، له صحبة. وفيها توفي ~~خالد بن عرفطة الليثي، وقيل العذري، ms1323 حليف بني زهرة، وقيل مات سنة ستين، وله صحبة. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وستين # ### || AUT ذكر وفد أهل المدينة إلى الشام # لما ولي الوليد الحجاز أقام يريد غرة ابن الزبير فلا يجده إلا محترزا ~~ممتنعا، وثار نجدة بن عامر النخعي باليمامة حين قتل الحسين، وثار ابن ~~الزبير بالحجاز، وكان الوليد يفيض من المعرف ويفيض معه سائر الناس، وابن ~~الزبير واقف وأصحابه، ونجدة واقف في أصحابه، ثم يفيض ابن الزبير بأصحابه ~~ونجدة بأصحابه، وكان نجدة يلقى ابن الزبير فيكثر، حتى ظن أكثر الناس أنه ~~سيبايعه، ثم إن ابن الزبير عمل بالمكر في أمر الوليد، فكتب إلى يزيد: إنك ~~بعثت إلينا رجلا أخرق لا يتجه لرشد ولا يرعوي لعظة الحكيم، فلو بعثت رجلا ~~سهل الخلق رجوت أن يسهل من الأمور ما استوعر منها، وأن يجتمع ما تفرق. فعزل ~~يزيد الوليد وولى عثمان بن محمد بن أبي سفيان، وهو فتى غر حدث لم يجرب ~~الأمور ولم يحنكه السن، لا يكاد ينظر في شيء من سلطانه ولا عمله، فبعث إلى ~~يزيد وفدا من أهل المدينة فيهم عبد الله بن حنظلة، غسيل الملائكة، وعبد ~~الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، والمنذر بن الزبير، ورجالا ~~كثيرا من أشراف أهل المدينة، فقدموا على يزيد، فأكرمهم وأحسن إليهم وأعظم ~~جوائزهم، فأعطى عبد الله بن حنظلة، وكان شريفا فاضلا عابدا سيدا، مائة ألف ~~درهم، وكان معه ثمانية بنين، فأعطى كل ولد عشرة آلاف. فلما رجعوا قدموا ~~المدينة كلهم إلا المنذر بن الزبير، فإنه قدم العراق على ابن زياد، وكان ~~يزيد قد أجازه بمائة ألف، فلما قدم أولئك النفر الوفد المدينة قاموا فيهم ~~فأظهروا شتم يزيد وعيبه. وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر ~~ويضرب بالطنابير ويعزف عنده القيان ويلعب بالكلاب ويسمر عنده الحراب، وهم ~~اللصوص، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه. وقام عبد الله بن حنظلة الغسيل فقال: ~~جئتكم من عند رجل لو لم أجد إلا بني هؤلاء لجاهدته بهم، وقد أعطاني وأكرمني ms1324 ~~وما قبلت منه عطاءه إلا لأتقوى به. فخلعه الناس وبايعوا عبد الله بن حنظلة ~~الغسيل على خلع يزيد وولوه عليهم. وأما المنذر بن الزبير فإنه قدم على ابن ~~زياد فأكرمه وأحسن إليه، وكان صديق زياد، فأتاه كتاب يزيد حيث بلغه أمر ~~المدينة يأمره بحبس المنذر، فكره ذلك لأنه ضيفه وصديق أبيه، فدعاه وأخبره ~~بالكتاب، فقال له: إذا اجتمع الناس عندي فقم وقل ائذن لي لأنصرف إلى بلادي، ~~فإذا قلت بل تقم عندي فلك الكرامة والمواساة، فقل إن لي ضيعة وشغلا ولا أجد ~~بدا لي من الانصراف، فإني آذن لك في الانصراف فتلحق بأهلك. فلما اجتمع ~~الناس على ابن زياد فعل المنذر ذلك فأذن له في الانصراف، فقدم المدينة، ~~فكان ممن يحرض الناس على يزيد، وقال: إنه قد أجازني بمائة ألف ولا يمنعني ~~ما صنع بي أن أخبركم خبره، والله إنه ليشرب الخمر، والله إنه ليسكر حتى يدع ~~الصلاة! وعابه بمثل ما عابه به أصحابه وأشد. فبعث يزيد النعمان بن بشير ~~الأنصاري وقال له: إن عدد الناس بالمدينة قومك، فإنهم ما يمنعهم شيء عما ~~يريدون، فإنهم إن لم ينهضوا في هذا الأمر لم يجترىء الناس على خلافي. فأقبل ~~النعمان فأتى قومه فأمرهم بلزوم الطاعة وخوفهم الفتنة، قال لهم: إنكم لا ~~طاقة لكم بأهل الشام. فقال عبد الله بن مطيع العدوي: يا نعمان ما يحملك على ~~فساد ما أصلح الله من أمرنا وتفريق جماعتنا؟ فقال النعمان: والله لكأني بك ~~لو نزل بك الجموع وقامت لك على الركب تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيف ~~ودارت رحا الموت بين الفريقين قد ركبت بغلتك إلى مكة وخلفت هؤلاء المساكين، ~~يعني الأنصار، يقتلون في سككهم ومساجدهم وعلى أبواب دورهم. فعصاه الناس ~~وانصرف، وكان الأمر كما قال. PageV02P0186 ### || AUT ذكر ولاية عقبة بن نافع إفريقية ثانية # ### || AUT وما افتتحه فيها وقتله # قد ذكرنا عزل عقبة عن إفريقية وعوده إلى الشام، فلما وصل إلى معاوية ~~وعده بإعادته إلى إفريقية، وتوفي معاوية وعقبة بالشام، فاستعمله يزيد على ~~إفريقية في هذه السنة ms1325 وأرسله إليها، فوصل إلى القيروان مجدا، وقبض أبا ~~المهاجر أميرها وأوثقه في الحديد وترك بالقيروان جندا مع الذراري والأموال ~~واستخلف بها زهير بن قيس البلوي، وأحضر أولاده، فقال له: إني قد بعت نفسي ~~من الله، عز وجل، فلا أزال أجاهد من كفر بالله. وأوصى بما يفعل بعده. ثم ~~سار في عسكر عظيم حتى دخل مدينة باغاية، وقد اجتمع بها خلق كثير من الروم، ~~فقاتلوه قتالا شديدا وانهزموا عنه وقتل فيهم قتلا ذريعا وغنم منهم غنائم ~~كثيرة، ودخل المنهزمون المدينة وحاصرهم عقبة. ثم كره المقام عليهم فسار إلى ~~بلاد الزاب، وهي بلاد واسعة فيها عدة مدن وقرى كثيرة، فقصد مدينتها العظمى ~~واسمها أربة، فامتنع بها من هناك من الروم والنصارى، وهرب بعضهم إلى ~~الجبال، فاقتتل المسلمون ومن بالمدينة من النصارى عدة دفعات ثم انهزم ~~النصارى وقتل كثير من فرسانهم، ورحل إلى تاهرت. فلما بلغ الروم خبره ~~استعانوا بالبربر فأجابوهم ونصروهم، فاجتمعوا في جمع كثير والتقوا واقتتلوا ~~قتالا شديدا، واشتد الأمر على المسلمين لكثرة العدو، ثم إن الله تعالى ~~نصرهم فانهزمت الروم والبربر وأخذهم السيف وكثر فيهم القتل وغنم المسلمون ~~أموالهم وسلاحهم. ثم سار حتى نزل على طنجة فلقيه بطريق من الروم اسمه يليان ~~فأهدى له هدية حسنة ونزل على حكمه، ثم سأله عن الأندلس فعظم الأمر عليه، ~~فسأله عن البربر، فقال: هم كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله، وهم بالسوس ~~الأدنى، وهم كفار لم يدخلوا في النصرانية ولهم بأس شديد. فسار عقبة إليهم ~~نحو السوس الأدنى، وهي مغرب طنجة، فانتهى إلى أوائل البربر، فلقوه في جمع ~~كثير، فقتل فيهم قتلا ذريعا وبعث خيله في كل مكان هربوا إليه، وسار هو حتى ~~وصل إلى السوس الأقصى، وقد اجتمع له البربر في عالم لا يحصى، فلقيهم ~~وقاتلهم وهزمهم، وقتل المسلمون فيهم حتى ملوا وغنموا منهم وسبوا سبيا ~~كثيرا، وسار حتى بلغ ماليان ورأى البحر المحيط، فقال: يا رب لولا هذا البحر ~~لمضيت في البلاد مجاهدا في سبيلك. ثم عاد فنفر الروم والبربر عن ms1326 طريقه خوفا ~~منه، واجتاز بمكان يعرف اليوم بماء الفرس فنزله، ولم يكن به ماء، فلحق ~~الناس عطش كثير أشرفوا منه على الهلاك، فصلى عقبة ركعتين ودعا فبحث فرس له ~~الأرض بيديه فكشف له عن صفاة فانفجر الماء، فنادى عقبة في الناس فحفروا ~~أحساء كثيرة وشربوا، فسمي ماء الفرس. فلما وصل إلى مدينة طبنة، وبينها وبين ~~القيروان ثمانية أيام، أمر أصحابه أن يتقدموا فوجا فوجا ثقة منه بما نال من ~~العدو، وأنه لم يبق أحدا يخشاه، وسار إلى تهوذة لينظر إليها في نفر يسير، ~~فلما رآه الروم في قلة طمعوا فيه فأغلقوا باب الحصن وشتموه وقاتلوه وهو ~~يدعوه إلى الإسلام فلم يقبلوا منه. ### || AUT ذكر خروج كسيلة بن كمرم البربري على عقبة # هذا كسيلة بن كمرم البربري كان قد أسلم لما ولي أبو المهاجر إفريقية ~~وحسن إسلامه، وهو من أكابر البربر وأبعدهم صوتا، وصحب أبا المهاجر، فلما ~~ولي عقبة عرفه أبو المهاجر محل كسيلة وأمره بحفظه، فلم يقبل واستخف به، ~~وأتى عقبة بغنم فأمر كسيلة بذبحها وسلخها مع السلاخين، فقال كسيلة: هؤلاء ~~فتياني وغلماني يكفونني المؤونة. فشتمه وأمره بسلخها، ففعل، فقبح أبو ~~المهاجر هذا عند عقبة، فلم يرجع، فقال له: أوثق الرجل فإني أخاف عليك منه! ~~فتهاون به عقبة. فأضمر كسيلة الغدر، فلما كان الآن ورأى الروم قلة من مع ~~عقبة أرسلوا إلى كسيلة وأعلموه حاله، وكان في عسكر عقبة مضمرا للغدر، وقد ~~أعلم الروم ذلك وأطمعهم. فلما راسلوه أظهر ما كان يضمره وجمع أهله وبني عمه ~~وقصد عقبة، فقال أبو المهاجر: عاجله قبل أن يقوى جمعه. وكان أبو المهاجر ~~موثقا في الحديد مع عقبة. فزحف عقبة إلى كسيلة، فتنحى كسيلة عن طريقه ليكثر ~~جمعه، فلما رأى أبو المهاجر ذلك تمثل بقول أبي محجن الثقفي: كفى حزنا أن ~~تمرغ الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا علي وثاقيا إذا قمت عناني الحديد ~~وأغلقت ... مصارع من دوني تصم المناديا PageV02P0187 # فبلغ عقبة ذلك فأطلقه، فقال له: الحق بالمسلمين وقم بأمرهم وأنا أغتنم ~~الشهادة. فلم يفعل وقال: ms1327 وأنا أيضا اريد الشهادة. فكسر عقبة والمسلمون ~~أجفان سيوفهم وتقدموا إلى البربر وقاتلوهم، فقتل المسلمون جميعهم لم يفلت ~~منهم أحد، وأسر محمد بن أوس الأنصاري في نفر يسير، فخلصهم صاحب قفصة وبعث ~~بهم إلى القيروان. فعزم زهير بن قيس البلوي على القتال، فخالفه حنش ~~الصنعاني وعاد إلى مصر، فتبعه أكثر الناس، فاضطر زهير إلى العود معهم، فسار ~~إلى برقة وأقام بها. وأما كسيلة فاجتمع إليه جميع أهل إفريقية، وقصد ~~إفريقية، وبها أصحاب الأنفال والذراري من المسلمين، فطلبوا الأمان من كسيلة ~~فآمنهم ودخل القيروان واستولى على إفريقية وأقام بها إلى أن قوي أمر عبد ~~الملك بن مروان فاستعمل على إفريقية زهير بن قيس البلوي، وكان مقيما ببرقة مرابطا. ### || AUT ذكر ولاية زهير بن قيس إفريقية وقتله وقتل كسيلة # لما ولي عبد الملك بن مروان ذرك عنده من بالقيروان من المسلمين وأشار ~~عليه أصحابه بإنفاذ الجيوش إلى إفريقية لاستنقاذهم، فكتب إلى زهير بن قيس ~~البلوي بولاية إفريقية وجهز له جيشا كثيرا، فسار سنة تسع وستين إلى ~~إفريقية. فبلغ خبره إلى كسيلة، فاحتفل وجمع وحشد البربر والروم وأحضر أشراف ~~أصحابه وقال: قد رأيت أن أرحل إلى ممش فأنزلها فإن بالقيروان خلقا كثيرا من ~~المسلمين ولهم علينا عهد فلا نغدر بهم ونخاف إن قاتلنا زهيرا أن يثب هؤلاء ~~من ورائنا، فإذا نزلنا ممش أمناهم وقاتلنا زهيرا، فإن ظفرنا بهم تبعناهم ~~إلى طرابلس وقطعنا أثرهم من إفريقية، وإن ظفروا بنا تعلقنا بالجبال ونجونا. ~~فأجابوه إلى ذلك، ورحل إلى ممش، وبلغ ذلك زهيرا فلم يدخل القيروان بل أقام ~~ظاهرها ثلاثة أيام حتى أراح واستراح، ورحل في طلب كسيلة، فلما قاربه نزل ~~وعبى أصحابه وركب إليه، فالتقى العسكران، واشتد القتال، وكثر القتل في ~~الفريقين، حتى أيس الناس من الحياة، فلم يزالوا كذلك أكثر النهار، ثم نصر ~~الله المسلمين وانهزم كسيلة وأصحابه وقتل هو وجماعة من أعيان أصحابه بممش، ~~وتبع المسلمون البربر والروم فقتلوا من أدركوا منهم فأكثروا، وفي هذه ~~الوقعة ذهب رجال البربر والروم وملوكهم وأشرافهم، وعاد ms1328 زهير إلى القيروان. ~~ثم إن زهيرا رأى بإفريقية ملكا عظيما فأبى أن يقيم وقال: إنما قدمت للجهاد ~~فأخاف أن أميل إلى الدنيا فأهلك. وكان عابدا زاهدا، فترك بالقيروان عسكرا ~~وهم آمنون لخلو البلاد من عدو أو ذي شوكة، ورحل في جمع كثير إلى مصر. وكان ~~قد بلغ الروم بالقسطنطينية مسير زهير من برقة إلى إفريقية لقتال كسيلة، ~~فاغتنموا خلوها فخرجوا إليها في مراكب كثيرة وقوة قوية من جزيرة صقلية ~~وأغاروا على برقة، فأصابوا منها سبيا كثيرا، وقتلوا ونهبوا، ووافق ذلك قدوم ~~زهير من إفريقية إلى برقة، فأخبر الخبر، فأمر العسكر بالسرعة والجد في ~~قتالهم، ورحل هو ومن معه، وكان الروم خلقا كثيرا، فلما رآه المسلمون ~~استغاثوا به فلم يمكنه الرجوع وباشر القتال واشتد الأمر وعظم الخطب وتكاثر ~~الروم عليهم فقتلوا زهيرا وأصحابه ولم ينج منهم أحد، وعاد الروم بما غنمو ~~إلى القسطنطينية. ولما سمع عبد الملك بن مروان بقتل زهير عظم عليه واشتد ثم ~~سير إلى إفريقية حسان بن النعمان الغساني، وسنذكره سنة أربع وسبعين إن شاء ~~الله. وكان ينبغي أن نذكر ولاية زهير وقتله سنة تسع وستين، وإنما ذكرناه ~~ههنا ليتصل خبر كسيلة ومقتله، فإن الحادثة واحدة وإذا تفرقت لم تعلم حقيقتها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة الوليد بن عتبة. وفيها ولد محمد بن علي بن عبد الله ~~بن عباس والد السفاح والمنصور. وفيها توفي عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث ~~بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، وله صحبة. ومسلمة بن مخلد الأنصاري، وكان ~~عمره لما مات النبي صلى الله عليه وسلم، عشر سنين. وتوفي بمصر مسروق بن ~~الأجدع، وقيل توفي سنة ثلاث وستين. مخلد بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، ~~وفتح اللام وتشديدها. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وستين # ### || AUT ذكر وقعة الحرة # PageV02P0188 # كان أول وقعة الحرة ما تقدم من خلع يزيد، فلما كان هذه السنة أخرج أهل ~~المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان عامل يزيد وحصروا بني أمية بعد بيعتهم ~~عبد الله بن حنظلة، ms1329 فاجتمع بنو أمية ومواليهم ومن يرى رأيهم في ألف رجل حتى ~~نزلوا دار مروان بن الحكم، فكتبوا إلى يزيد يستغيثون به، فقدم الرسول إليه ~~وهو جالس على كرسي وقد وضع قدميه في طشت فيه ماء لنقرس كان بهما، فلما قرأ ~~الكتاب تمثل: لقد بدلوا الحلم الذي في سجيتي ... فبدلت قومي غلظة بليان ثم ~~قال: أما يكون بنو أمية ألف رجل؟ فقال الرسول: بلى والله وأكثر. قال: فما ~~استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من النهار! فبعث إلى عمرو بن سعيد فأقرأه الكتاب ~~وأمره أن يسير إليهم في الناس، فقال: قد كنت ضبطت لك الأمور والبلاد، فأما ~~الآن إذ صارت دماء قريش تهرق بالصعيد فلا أحب أن أتولى ذلك. وبعث إلى عبيد ~~الله بن زياد يأمره بالمسير إلى المدينة ومحاصرة ابن الزبير بمكة، فقال: ~~والله لا جمعتهما للفاسق، قتل ابن رسول الله وغزو الكعبة. ثم أرسل إليه ~~يعتذر. فبعث إلى مسلم بن عقبة المري، وهو الذي سمي مسرفا، وهو شيخ كبير ~~مريض، فأخبره الخبر، فقال: أما يكون بنو أمية ألف رجل؟ فقال الرسول: بلى. ~~قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من النهار! ليس هؤلاء بأهل أن ينصروا ~~فإنهم الأذلاء، دعهم يا أمير المؤمنين حتى يجهدوا أنفسهم في جهاد عدوهم ~~ويتبين لك من يقاتل على طاعتك ومن يستسلم. قال: ويحك! إنه لا خير في العيش ~~بعدهم، فاخرج بالناس. وقيل: إن معاوية قال ليزيد: إن لك من أهل المدينة ~~يوما، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة، فإنه رجل قد عرفت نصيحته. فلما خلع ~~أهل المدينة أمر مسلما بالمسير إليهم، فنادى في الناس بالتجهز إلى الحجاز ~~وأن يأخذوا عطاءهم ومعونة مائة دينار، فانتدب لذلك اثنا عشر ألفا، وخرج ~~يزيد يعرضهم وهو متقلد سيفا متنكب قوسا عربية، وهو يقول: أبلغ أبا بكر إذا ~~الليل سرى ... وهبط القوم على وادي القرى أجمع سكران من القوم ترى ... أم ~~جمع يقظان نفى عنه الكرى يا عجبا من ملحد يا عجبا ... مخادع بالدين يعفو ~~بالعرى وسار الجيش وعليهم مسلم، فقال له ms1330 يزيد: إن حدث بك حدث فاستخلف ~~الحصين بن نمير السكوني، وقال له: ادع القوم ثلاثا، فإن أجابوك وإلا ~~فقاتلهم، فإذا ظهرت عليهم فانهبها ثلاثا، فكل ما فيها من مال أو دابة أو ~~سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس، وانظر علي بن ~~الحسين فاكفف عنه واستوص به خيرا، فإنه لم يدخل مع الناس، وإنه قد أتاني ~~كتابه. وقد كان مروان بن الحكم كلم ابن عمر لما أخرج أهل المدينة عامل يزيد ~~وبني أمية في أن يغيب أهله عنده، فلم يفعل، فكلم علي بن الحسين، فقال: إن ~~لي حرما وحرمي تكون مع حرمك. فقال: أفعل، فبعث بامرأته، وهي عائشة ابنة ~~عثمان بن عفان، وحرمه إلى علي بن الحسين، فخرج علي بحرمه وحرم مروان إلى ~~ينبع، وقيل: بل أرسل حرم مروان وأرسل معهم ابنه عبد الله بن علي إلى ~~الطائف. ولما سمع عبد الملك بن مروان أن يزيد قد سير الجنود إلى المدينة ~~قال: ليت السماء وقعت على الأرض، إعظاما لذلك. ثم إنه ابتلي بعد ذلك بأن ~~وجه الحجاج فحصر مكة ورمى الكعبة بالمنجنيق وقتل ابن الزبير. وأما مسلم ~~فإنه أقبل بالجيش فبلغ أهل المدينة خبرهم، فاشتد حصارهم لبني أمية بدار ~~مروان، وقالوا: والله لا نكف عنكم حتى نستنزلكم ونضرب أعناقكم أو تعطونا ~~عهد الله وميثاقه أن لا تبغونا غائلة، ولا تدلوا لنا على عورة، ولا تظاهروا ~~علينا عدوا، فنكف عنكم ونخرجكم عنا. فعاهدوهم على ذلك فأخرجوهم من المدينة. ~~وكان أهل المدينة قد جعلوا في كل منهل بينهم وبين الشام زقا من قطران وعور، ~~فأرسل الله السماء عليهم فلم يستقوا بدلو حتى وردوا المدينة. PageV02P0189 # فلما أخرج أهل المدينة بني أمية ساروا بأثقالهم حتى لقوا مسلم بن عقبة ~~بوادي القرى فدعا بعمرو بن عثمان بن عفان أول الناس فقال له: خبرني ما ~~وراءك وأشر علي. فقال: لا أستطيع أن أخبرك، قد أخذ علينا العهود والمواثيق ~~أن لا ندل على عورة ولا نظاهر عدوا. فانتهره وقال: والله لولا أنك ابن ms1331 ~~عثمان لضربت عنقك، وايم الله لا أقيلها قرشيا بعدك! فخرج إلى أصحابه ~~فأخبرهم خبره، فقال مروان بن الحكم لابنه عبد الملك: ادخل قبلي لعله يجترىء ~~بك عني. فدخل عبد الملك فقال: هات ما عندك. فقال: نعم، أرى أن تسير بمن ~~معك، فإذا انتهيت إلى ذي نخلة نزلت فاستظل الناس في ظله فأكلوا من صقره، ~~فإذا أصبحت من الغد مضيت وتركت المدينة ذات اليسار ثم درت بها حتى تأتيهم ~~من قبل الحرة مشرقا ثم تستقبل القوم، فإذا استقبلتهم وقد أشرقت عليهم الشمس ~~طلعت بين أكتاف أصحابك فلا تؤذيهم ويصيبهم أذاها ويرون من ائتلاق بيضكم ~~وأسنة رماحكم وسيوفكم ودروعكم ما لا ترونه أنتم ما داموا مغربين، ثم قاتلهم ~~واستعن الله عليهم. فقال له مسلم: لله أبوك أي امرىء ولد! ثم إن مروان دخل ~~عليه فقال له: إيه! فقال: أليس قد دخل عليك عبد الملك. قال: بلى؛ وأي رجل ~~عبد الملك! قل ما كلمت من رجال قريش رجلا به شبيها. فقال مروان: إذا لقيت ~~عبد الملك فقد لقيتني. ثم إنه صار في كل مكان يصنع ما أمر به عبد الملك، ~~فجاءهم من قبل المشرق، ثم دعاهم مسلم فقال: إن أمير المؤمنين يزعم أنكم ~~الأصل، وإني أكره إراقة دمائكم، وإني أؤجلكم ثلاثا، فمن ارعوى وراجع الحق ~~قبلنا منه وانصرفت عنكم وسرت إلى هذا المحل الذي بمكة، وإن أبيتم كنا قد ~~اعتذرنا إليكم. فلما مضت الثلاث قال: يا أهل المدينة ما تصنعون، أتسالمون ~~أم تحاربون؟ فقالوا: بل نحارب. فقال لهم: لا تفعلوا بل ادخلوا في الطاعة ~~ونجعل جدنا وشوكتنا على أهل هذا الملحد الذي قد جمع إليه المراق والفساق من ~~كل أوب - يعني ابن الزبير - فقالوا له: يا أعداء الله لو أردتم أن تجوزوا ~~إليه ما تركناكم، نحن ندعكم أن تأتوا بيت الله الحرام فتخيفوا أهله وتلحدوا ~~فيه وتستحلوا حرمته! لا والله لا نفعل. وكان أهل المدينة قد اتخذوا خندقا ~~وعليه جمع منهم، وكان عليه عبد الرحمن بن زهير بن عبد عوف، وهو ابن عم ms1332 عبد ~~الرحمن بن عوف، وكان عبد الله بن مطيع على ربع آخر، وهم قريش في جانب ~~المدينة، وكان معقل بن سنان الأشجعي، وهو من الصحابة، على ربع آخر، وهم ~~المهاجرون، وكان أمير جماعتهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري في أعظم ~~تلك الأرباع، وهم الأنصار. وصمد مسلم فيمن معه، فأقبل من ناحية الحرة حتى ~~ضرب فسطاطه على طريق الكوفة، وكان مريضا، فأمر فوضع له كرسي بين الصفين ~~وقال: يا أهل الشام قاتلوا عن أميركم وادعوا. فأخذوا لا يقصدون ربعا من تلك ~~الأرباع إلا هزموه، ثم وجه الخيل نحو ابن الغسيل، فحمل عليهم ابن الغسيل ~~فيمن معه فكشفهم، فانتهوا إلى مسلم، فنهض في وجوههم بالرجال وصاح بهم، ~~فقاتلوا قتالا شديدا. ثم إن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد ~~المطلب جاء إلى ابن الغسيل فقاتل معه في نحو من عشرين فارسا قتالا حسنا، ثم ~~قال لابن الغسل: من كان معك فارسا فليأتني فليقف معي، فإذا حملت فليحملوا، ~~فوالله لا أنتهي حتى أبلغ مسلما فأقتله أو أقتل دونه. ففعل ذلك وجمع الخيل ~~إليه، فحمل بهم الفضل على أهل الشام فانكشفوا، فقال لأصحابه: احملوا أخرى ~~جعلت فداكم، فوالله لئن عاينت أميرهم لأقتلنه أو أقتل دونه. إنه ليس بعد ~~الصبر إلا النصر! ثم حمل وحمل أصحابه، فانفرجت خيل الشام عن مسلم بن عقبة ~~ومعه نحو خمسمائة راجل جثاة على الركب مشرعي الأسنة نحو القوم، ومضى الفضل ~~كما هو نحو راية مسلم فضرب رأس صاحبها، فقط المغفر وفلق هامته وخر ميتا، ~~وقال: خذها مني وأنا ابن عبد المطلب! وظن أنه مسلم، فقال: قتلت طاغية القوم ~~ورب الكعبة! فقال: أخطأت استك الحفرة! وإنما كان ذلك غلاما روميا وكان ~~شجاعا، فأخذ مسلم رايته وحرض أهل الشام وقال: شدوا مع هذه الراية. فمشى ~~برايته وشدت تلك الرجال أمام الراية، فصرع الفضل بن عباس، فقتل وما بينه ~~وبين أطناب مسلم بن عقبة إلا نحو من عشرة أذرع، وقتل معه زيد بن عبد الرحمن ~~بن عوف. PageV02P0190 # وأقبلت خيل ms1333 مسلم ورجالته نحو ابن الغسيل، وهو يحرض أصحابه ويذم أهل ~~المدينة، ويقدم أصحابه إلى ابن الغسيل، فلم يقدم عليهم للرماح التي بأيديهم ~~والسيوف، وكانت تتفرق عنهم، فنادى مسلم الحصين بن نمير وعبد الله بن عضاة ~~الأشعري وأمرهما أن ينزلا في جندهما، ففعلا وتقدما إليهم، فقال ابن الغسيل ~~لأصحابه: إن عدوكم قد أصاب وجه القتال الذي كان ينبغي أن يقاتلكم به، وإني ~~قد ظننت ألا يلبثوا إلا ساعة حتى يفصل الله بينكم وبينهم إما لكم وإما ~~عليكم، أما إنكم أهل النصرة ودار الهجرة وما أظن ربكم أصبح عن أهل بلد من ~~بلدان المسلمين بأرضى منه عنكم، ولا على أهل بلد من بلدان العرب بأسخط منه ~~على هؤلاء الذين يقاتلونكم، وإن لكل امرىء منكم ميتة هو ميت بها لا محالة، ~~ووالله ما من ميتة أفضل من ميتة الشهادة، وقد ساقها الله إليكم فاغتنموها. ~~ثم دنا بعضهم من بعض فأخذ أهل الشام يرمونهم بالنبل، فقال ابن الغسيل ~~لأصحابه: علام تستهدفون لهم! من أراد التعجيل إلى الجنة فليلزم هذه الراية. ~~فقام إليه كل مستميت فنهض بعضهم إلى بعض فاقتتلوا أشد قتال رؤي لأهل هذا ~~القتال، وأخذ ابن الغسيل يقدم بنيه واحدا واحدا حتى قتلوا بين يديه وهو ~~يضرب بسيفه ويقول: بعدا لمن رام الفساد وطغى ... وجانب الحق وآيات الهدى لا ~~يبعد الرحمن إلا من عصى ثم قتل وقتل معه أخوه لأمه محمد بن ثابت بن قيس بن ~~شماس، فقال: ما أحب أن الديلم قتلوني مكان هؤلاء القوم! وقتل معه عبد الله ~~بن زيد بن عاصم ومحمد بن عمرو بن حزم الأنصاري: فمر به مروان بن الحكم ~~فقال: رحمك الله! رب سارية قد رأيتك تطيل القيام في الصلاة إلى جنبها. ~~وانهزم الناس، وكان فيمن انهزم محمد بن سعد بن أبي وقاص بعد ما أبلى. وأباح ~~مسلم المدينة ثلاثا يقتلون الناس ويأخذون المتاع والأموال، فأفزع ذلك من ~~بها من الصحابة. فخرج أبو سعيد الخدري حتى دخل في كهف الجبل، فتبعه رجل من ~~أهل الشام، فاقتحم عليه ms1334 الغار، فانتضى أبو سعيد سيفه يخوف به الشامي، فلم ~~ينصرف عنه، فعاد أبو سعيد وأغمد سيفه وقال: (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما ~~أنا بباسط يدي إلي لأقتلك) المائدة: 28. فقال: من أنت؟ قال: أنا أبو سعيد ~~الخدري. قال: صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قال: نعم. فتركه ومضى. ~~وقيل: إن مسلما لما نزل بأهل المدينة خرج إليه أهلها بجموع كثيرة وهيئة ~~حسنة، فهابهم أهل الشام وكرهوا أن يقاتلوهم، فلما رآهم مسلم، وكان شديد ~~الوجع، سبهم وذمهم وحرضهم، فقاتلوهم. فبينما الناس في قتالهم إذ سمعوا ~~تكبيرا من خلفهم في جوف المدينة، وكان سببه أن بني حارثة أدخلوا أهل الشام ~~المدينة فانهزم الناس، فكان من أصيب في الخندق أكثر ممن قتل. ودعا مسلم ~~الناس إلى البيعة ليزيد على أنهم خول له يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ~~من شاء، فمن امتنع من ذلك قتله، وطلب الأمان ليزيد بن عبد الله بن ربيعة بن ~~الأسود، ولمحمد بن أبي الجهم بن حذيفة، ولمعقل بن سنان الأشجعي، فأتي بهم ~~بعد الوقعة بيوم، فقال: بايعوا على الشرط. فقال القرشيان: نبايعك على كتاب ~~الله وسنة رسوله. فضرب أعناقهما. فقال مروان: سبحان الله! أتقتل رجلين من ~~قريش أتيا بأمان؟ فطعن بخاصرته بالقضيب، فقال: وأنت والله لو قلت بمقالتهما ~~لقتلتك! وجاء معقل بن سنان فجلس مع القوم فدعا بشراب ليسقى، فقال له مسلم: ~~أي الشراب أحب إليك؟ قال: العسل. قال: اسقوه، فشرب حتى ارتوى، فقال له: ~~أرويت؟ قال: نعم. قال: والله لا تشرب بعدها شربة إلا في نار جهنم. فقال: ~~أنشدك الله والرحم! فقال له: أنت الذي لقيتني بطبرية ليلة خرجت من عند يزيد ~~فقلت: سرنا شهرا، ورجعنا شهرا، وأصبحنا صفرا، نرجع إلى المدينة فنخلع هذا ~~الفاسق ابن الفاسق ونبايع لرجل من المهاجرين أو الأنصار! فيم غطفان وأشجم ~~من الخلق والخلافة! إني آليت بيمين لا ألقاك في حرب أقدر منه على قتلك إلا ~~فعلت. ثم أمر به فقتل. وأتي بيزيد بن وهب، فقال له: بايع. قال: أبايعك على ~~الكتاب ms1335 والسنة. قال: اقتلوه. قال: أنا أبايعك! قال: لا والله، فتكلم فيه ~~مروان لصهر كان بينهما، فأمر بمروان فوجئت عنقه ثم قتل يزيد. PageV02P0191 # ثم أتى مروان بعلي بن الحسين، فجاء يمشي بين مروان وابنه عبد الملك حتى ~~جلس بينهما عنده، فدعا مروان بشراب ليتحرم بذلك من مسلم، فشرب منه يسيرا ثم ~~ناوله علي بن الحسين، فلما وقع في يده قال له مسلم: لا تشرب من شرابنا! ~~فارتعدت كفه ولم يأمنه على نفسه وأمسك القدح، فقال له: أجئت تمشي بين هؤلاء ~~لتأمن عندي؟ والله لو كان إليهما أمر لقتلتك! ولكن أمير المؤمنين أوصاني بك ~~وأخبرني أنك كاتبته، فإن شئت فاشرب. فشرب ثم أجلسه معه على السرير ثم قال ~~له: لعل أهلك فزعوا؟ قال: إي والله. فأمر بدابة فأسرجت له فحمله عليها فرده ~~ولم يلزمه بالبيعة ليزيد على ما شرط على أهل المدينة. وأحضر علي بن عبد ~~الله بن عباس ليبايع، فقال الحصين بن نمير السكوني: لا يبايع ابن أختنا إلا ~~كبيعة علي بن الحسين، وكانت أم علي بن عبد الله كندية، فقامت كندة مع ~~الحصين، فتركه مسلم، فقال علي: أبي العباس قرم بني قصي ... وأخوالي الملوك ~~بنو وليعه هم منعوا ذماري يوم جاءت ... كتائب مسرف وبنو اللكيعه أرادوني ~~التي لا عز فيها ... فحالت دونه أيد سريعه يعني بقوله مسرف مسلم بن عقبة، ~~فإنه سمي بعد وقعة الحرة مسرفا، وبنو وليعة بطن من كندة، منهم أمه، ~~واللكيعة أم أمه. وقيل: إن عمرو بن عثمان بن عفان لم يكن فيمن خرج من بني ~~أمية، فأتي به يومئذ إلى مسلم فقال: يا أهل الشام تعرفون هذا؟ قالوا: لا. ~~قال: هذا الخبيث ابن الطيب، هذا عمرو بن عثمان، هيه يا عمرو إذا ظهر أهل ~~المدينة قلت أنا رجل منكم، وإن ظهر أهل الشام قلت أنا ابن أمير المؤمنين ~~عثمان. فأمر به فنتفت لحيته، ثم قال: يا أهل الشام إن أم هذا كانت تدخل ~~الجعل في فيها ثم تقول: يا أمير المؤمنين حاجيتك ما في فمي؟ وفي ms1336 فمها ما ~~شاها وباها وكانت من دوس. ثم خلى سبيله. وكانت وقعة الحرة لليلتين بقيتا من ~~ذي الحجة سنة ثلاث وستين. قال محمد بن عمارة: قدمت الشام في تجارة فقال لي ~~رجل: من أين أنت؟ فقلت: من المدينة. فقال: خبيثة. فقلت: يسميها رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، طيبة وتسميها خبيثة! فقال: إن لي ولها لشأنا، لما خرج ~~الناس إلى وقعة الحرة رأيت في المنام أني قتلت رجلا اسمه محمد أدخل بقتله ~~النار، فاجتهدت في أني لا أسير معهم فلم يقبل مني، فسرت معهم ولم أقاتل حتى ~~انقضت الوقعة، فمررت برجل من القتلى به رمق فقال: تنح يا كلب! فأنفت من ~~كلامه وقتلته، ثم ذكرت رؤياي فجئت برجل من أهل المدينة يتصفح القتلى، فلما ~~رأى الرجل الذي قتلته قال: إنا لله، لا يدخل قاتل هذا الجنة. قلت: ومن هذا؟ ~~قال: هو محمد بن عمرو بن حزم ولد على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~فسماه محمدا وكناه أبا عبد الملك؛ فأتيت أهله فعرضت عليهم أن يقتلوني فلم ~~يفعلوا، وعرضت عليهم الدية فلم يأخذوا. وممن قتل بالحرة عبد الله بن عاصم ~~الأنصاري، وليس بصاحب الأذان، ذاك ابن زيد بن ثعلبة. وقتل أيضا فيها عبيد ~~الله بن عبد الله بن موهب. ووهب بن عبد الله بن زمعة بن الأسود. وعبد الله ~~بن عبد الرحمن بن حاطب. وزبير ابن عبد الرحمن بن عوف. وعبد الله بن نوفل بن ~~الحارث بن عبد المطلب. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة توفي الربيع بن خثيم الكوفي الزاهد. وحج بالناس هذه السنة ~~عبد الله بن الزبير، وكان يسمى يومئذ العائذ، ويرون الأمر شورى، وأتاه ~~الخبر بوقعة الحرة هلال المحرم مع سعيد مولى المسور بن مخرمة، فجاءه أمر ~~عظيم، فاستعد هو وأصحابه وعرفوا أن مسلم نازل بهم. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وستين # ### || AUT ذكر مسير مسلم لحصار ابن الزبير وموته # PageV02P0192 # فلما فرغ مسلم من قتال أهل المدينة ونهبها شخص بمن معه نحو مكة يريد ابن ms1337 ~~الزبير ومن معه، واستخلف على المدينة روح بن زنباع الجذامي، وقيل: استخلف ~~عمرو بن مخرمة الأشجعي، فلما انتهى إلى المشلل نزل به الموت، وقيل: مات ~~بثنية هرشى، فلما حضره الموت أحضر الحصين بن النمير وقال له: يابن برذعة ~~الحمار! لو كان الأمر إلي ما وليتك هذا الجند، ولكن أمير المؤمنين ولاك. خذ ~~عني أربعا: أسرع السير، وعجل المناجزة، وعم الأخبار، ولا تمكن قرشيا من ~~أذنك. ثم قال: اللهم إني لم أعمل قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا عبده ورسوله عملا أحب إلي من قتلي أهل المدينة ولا أرجى عندي في ~~الآخرة. فلما مات سار الحصين بالناس فقدم مكة لأربع بقين من المحرم سنة ~~أربع وستين وقد بايع أهلها وأهل الحجاز عبد الله بن الزبير واجتمعوا عليه، ~~ولحق به المنهزمون من أهل المدينة، وقدم عليه نجدة بن عامر الحنفي في الناس ~~من الخوارج يمنعون البيت، وخرج ابن الزبير إلى لقاء أهل الشام ومعه أخوه ~~المنذر، فبارز المنذر رجلا من أهل الشام فضرب كل واحد منهما صاحبه ضربة مات ~~منها، ثم حمل أهل الشام عليهم حملة انكشف منها أصحاب عبد الله، وعثرت بغلة ~~عبد الله فقال: تعسا! ثم نزل فصاح بأصحابه، فأقبل إليه المسور بن مخرمة ~~ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف فقاتلا حتى قتلا جميعا، وضاربهم ابن الزبير إلى ~~الليل ثم انصرفوا عنه. هذا في الحصر الأول. ثم أقاموا عليه يقاتلونه بقية ~~المحرم وصفر كله حتى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ~~يوم السبت رموا البيت بالمجانيق وحرقوه بالنار وأخذوا يرتجزون ويقولون: ~~خطارة مثل الفنيق المزبد ... نرمي بها أعواد هذا المسجد وقيل: إن الكعبة ~~احترقت من نار كان يوقدها أصحاب عبد الله حول الكعبة وأقبلت شرارة هبت بها ~~الريح فاحترقت ثياب الكعبة واحترق خشب البيت، والأول أصح، لأن البخاري قد ~~ذكر في صحيحه أن ابن الزبير ترك الكعبة ليراها الناس محترقة يحرضهم على أهل ~~الشام. وأقام أهل الشام يحاصرون ابن الزبير حتى ms1338 بلغهم نعي يزيد بن معاوية ~~لهلال ربيع الآخر. ### || AUT ذكر وفاة يزيد بن معاوية # وفي هذه السنة توفي يزيد بن معاوية بحوارين من أرض الشام لأربع عشرة خلت ~~من شهر ربيع الأول، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة في قول بعضهم، وقيل: تسع ~~وثلاثين، وكانت ولايته ثلاث سنين وستة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر، وقيل: توفي ~~في ربيع الأول سنة ثلاث وستين، وكان عمره خمسا وثلاثين سنة، وكانت خلافته ~~سنتين وثمانية أشهر، والأول أصح. وأمه ميسون بنت بحدل بن أنيف الكلبية. ~~وكان له من الولد معاوية، وكنيته أبو عبد الرحمن وأبو ليلى، وهو الذي ولي ~~بعده، وخالد ويكنى أبا هاشم، يقال إنه أصاب عمل الكيميا، ولا يصح ذلك لأحد، ~~وأبو سفيان، وأمهم أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة، تزوجها بعده ~~مروان بن الحكم؛ وله أيضا عبد الله بن يزيد، كان أرمى العرب، وأمه أم كلثوم ~~بنت عبد الله بن عامر، وهو الأسوار، وعبد الله الأصغر وعمرو وأبو بكر وعتبة ~~وحرب وعبد الرحمن ومحمد لأمهات شتى. ### || AUT ذكر بعض سيرته وأخباره # PageV02P0193 # قال محمد بن عبيد الله بن عمرو العتبي: نظر معاوية ومعه امرأته ابنة قرظة ~~إلى يزدي وأمه ترجله، فلما فرغت منه قبلته، فقالت ابنة قرظة: لعن الله سواد ~~ساقي أمك! فقال معاوية: أما والله لما تفرجت عنه وركاها خير مما تفرجت عنه ~~وركاك! وكان لمعاوية من ابنة قرظة عبد الله، وكان أحمق، فقالت: لا والله ~~ولكنك تؤثر هذا. قال: سوف أبين لك ذلك، فأمر فدعي له عبد الله، فلما حضر ~~قال: أي بني إني أردت أن أعطيك ما أنت أهله ولست بسائل شيئا إلا أجبتك ~~إليه. فقال: حاجتي أن تشتري لي كلبا فارها وحمارا. فقال: أي بني، أنت حمار ~~وأشتري لك حمارا! قم فاخرج. ثم أحضر يزيد وقال له مثل قوله لأخيه، فخر ~~ساجدا ثم قال حين رفع رأسه: الحمد لله الذي بلغ أمير المؤمنين هذه المدة ~~وأراه في هذا الرأي، حاجتي أن تعتقني من النار لأن من ولي ms1339 أمر الأمة ثلاثة ~~أيام أعتقه الله من النار، فتعقد لي العهد بعدك، وتوليني العام الصائفة، ~~وتأذن لي في الحج إذا رجعت، وتوليني الموسم، وتزيد لأهل الشام كل رجل عشرة ~~دنانير، وتفرض لأيتام بني جمح وبني سهم وبني عدي لأنهم حلفائي. فقال ~~معاوية: قد فعلت، وقبل وجهه. فقال لامرأته ابنة قرظة: كيف رأيت؟ قالت: أوصه ~~به يا أمير المؤمنين. ففعل. وقال عمر بن سبينة: حج يزيد في حياة أبيه، فلما ~~بلغ المدينة جلس على شراب له، فاستأذن عليه ابن عباس والحسين، فقيل له: إن ~~ابن عباس إن وجد ريح الشراب عرفه، فحجبه وأذن للحسين، فلما دخل وجد رائحة ~~الشراب مع الطيب فقال: لله در طيبك ما أطيبه! فما هذا؟ قال: هو طيب يصنع ~~بالشام، ثم دعا بقدح فشربه، ثم دعا بآخر فقال: اسق أبا عبد الله. فقال له ~~الحسين: عليك شرابك أيها المرء لا عين عليك مني، فقال يزيد: ألا يا صاح ~~للعجب ... دعوتك ولم تجب إلى الفتيات والشهوا ... ت والصهباء والطرب باطية ~~مكللة ... عليها سادة العرب وفيهن التي تبلت ... فؤادك ثم لم تثب فنهض ~~الحسين وقال: بل فؤادك يا ابن معاوية تبلت. وقال شقيق ابن سلمة: لما قتل ~~الحسين ثار عبد الله بن الزبير فدعا ابن عباس إلى بيعته، فامتنع وظن يزيد ~~أن امتناعه تمسك منه ببيعته، فكتب إليه: أما بعد فقد بلغني أن الملحد ابن ~~الزبير دعاك إلى بيعته وأنك اعتصمت ببيعتنا وفاء منك لنا، فجزاك الله من ذي ~~رحم خير ما يجزي الواصلين لأرحامهم الموفين بعهودهم، فما أنس من الأشياء ~~فلست بناس برك وتعجيل صلتك بالذي أنت له أهل، فانظر من طلع عليك من الآفاق ~~ممن سحرهم ابن الزبير بلسانه فأعلمهم بحاله فإنهم منك أسمع الناس ولك أطوع ~~منهم للمحل. فكتب إليه ابن عباس: أما بعد فقد جاءني كتابك، فأما تركي بيعة ~~ابن الزبير فوالله ما أرجو بذلك برك ولا حمدك ولكن الله بالذي أنوي عليم، ~~وزعمت أنك لست بناس بري، فاحبس أيها الإنسان برك عني فإني حابس ms1340 عنك بري، ~~وسألت أن أحبب الناس إليك وأبغضهم وأخذلهم لابن الزبير، فلا ولا سرور ولا ~~كرامة، كيف وقد قتلت حسينا وفتيان عبد المطلب مصابيح الهدى ونجوم الأعلام ~~غادرتهم خيولك بأمرك في صعيد واحد مرملين بالدماء، مسلوبين بالعراء، ~~مقتولين بالظماء؛ لا مكفنين ولا موسدين، تسفي عليهم الرياح، وينشى بهم عرج ~~مجلسك الذي جلست، فما أنس من الأشياء فلست بناس اطرادك حسينا من حرم رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، إلى حرم الله، وتسييرك الخيول إليه، فما زلت ~~بذلك حتى أشخصته إلى العراق، فخرج خائفا يترقب، فنزلت به خيلك عداوة منك ~~لله ولرسوله ولأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فطلب ~~إليكم الموادعة وسألكم الرجعة، فاغتنمتم قلة أنصاره واستئصال أهل بيته ~~وتعاونتم عليه كأنكم قتلتم أهل بيت من الترك والكفر، فلا شيء أعجب عندي من ~~طلبتك ودي وقد قتلت ولد أبي وسيفك يقطر من دمي وأنت أحد ثأري ولا يعجبك أن ~~ظفرت بنا اليوم فلنظفرن بك يوما، والسلام. قال الشريف أبو يعلى حمزة بن ~~محمد بن أحمد بن جعفر العلوي، وقد جرى عنده ذكر يزيد: أنا لا أكفر يزيد ~~لقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إني سألت الله أن لا يسلط على بني ~~أحدا من غيرهم، فأعطاني ذلك. ### || AUT ذكر بيعة معاوية بن يزيد بن معاوية # ### || AUT وعبد الله بن الزبير # PageV02P0194 # في هذه السنة بويع لمعاوية بن يزيد بالخلافة بالشام، ولعبد الله بن ~~الزبير بالحجاز، ولما هلك يزيد بلغ الخبرعبد الله بن الزبير بمكة قبل أن ~~يعلم الحصين بن نمير ومن معه من عسكر الشام، وكان الحصار قد اشتد من ~~الشاميين على ابن الزبير، فناداهم ابن الزبير وأهل مكة: علام تقاتلون وقد ~~هلك طاغيتكم؟ فلم يصدقوهم. فلما بلغ الحصين خبر موته بعث إلى ابن الزبير ~~فقال: موعد ما بيننا الليلة الأبطح؛ فالتقيا وتحادثا، فراث فرس الحصين، ~~فجاء حمام الحرم يلتقظ روث الفرس، فكف الحصين فرسه عنهن وقال: أخاف أن يقتل ~~فرسي حمام الحرم. فقال ابن الزبير: تتحرجون من هذا ms1341 وأنتم تقتلون المسلمين ~~في الحرم؟ فكان فيما قال له الحصين: أنت أحق بهذا الأمر، هلم فلنبايعك ثم ~~اخرج معنا إلى الشام، فإن هذا الجند الذين معي هم وجوه الشام وفرسانهم، ~~فوالله لا يختلف عليك اثنان وتؤمن الناس وتهدر هذه الدماء التي كانت بيننا ~~وبينك وبين أهل الحرم. فقال له: أنا لا أهدر الدماء، والله لا أرضى أن أقتل ~~بكل رجل مهم عشرة منكم. وأخذ الحصين يكلمه سرا، وهو يجهر ويقول: والله لا ~~أفعل. فقال له الحصين: قبح الله من يعدك بعد ذاهبا وآيبا، قد كنت أظن أن لك ~~رأيا، وأنا أكلمك سرا وتكلمني جهرا، وأدعوك إلى الخلافة وأنت لا تريد إلا ~~القتل والهلكة. ثم فارقه ورحل هو وأصحابه نحو المدينة، وندم ابن الزبير على ~~ما صنع، فأرسل إليه: أما المسير إلى الشام فلا أفعله ولكن بايعوا لي هناك ~~فإني مؤمنكم وعادل فيكم. فقال الحصين: إن لم تقدم بنفسك لا يتم الأمر، فإن ~~هناك ناسا من بني أمية يطلبون هذا الأمر. وسار الحصين إلى المدينة، فاجترأ ~~أهل المدينة على أهل الشام، فكان لا ينفرد منهم أحد إلا أخذت دابته، فلم ~~يتفرقوا، وخرج معهم بنو أمية من المدينة إلى الشام، ولو خرج معهم ابن ~~الزبير لم يختلف عليه أحد. فوصل أهل الشام دمشق وقد بويع معاوية بن يزيد، ~~فلم يمكث إلا ثلاثة أشهر حتى هلك، وقيل: بل ملك أربعين يوما ومات. وعمره ~~إحدى وعشرون سنة وثمانية عشر يوما. ولما كان في آخر إمارته أمر فنودي: ~~الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني ~~ضعفت عن أمركم فابتغيت لكم مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر فلم ~~أجده، فابتغيت ستة مثل ستة الشورى فلم أجدهم، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا ~~له من أحببتم. ثم دخل منزله وتغيب حتى مات. وقيل: إنه مات مسموما، وصلى ~~عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ثم أصابه الطاعون من يومه فمات أيضا، ~~وقيل: لم يمت، وكان معاوية أوصى أن يصلي الضحاك بن ms1342 قيس بالناس حتى يقوم لهم ~~خليفة، وقيل لمعاوية: لو استخلفت؟ فقال: لا أتزود مرارتها وأترك لبني أمية حلاوتها. ### || AUT ذكر حال ابن زياد بعد موت يزيد # لما مات يزيد وأتى الخبر عبيد الله بن زياد مع مولاه حمران، وكان رسوله ~~إلى معاوية بن أبي سفيان، ثم إلى يزيد بعده، فلما أتاه الخبر أسره إليه ~~وأخبره باختلاف الناس في الشام، فأمر فنودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، ~~وصعد المنبر فنعى يزيد وثلبه، فقال الأحنف: إنه قد كانت ليزيد في أعناقنا ~~بيعة، ويقال في المثل: أعرض عن ذي فترة، وأعرض عنه عبيد الله، وقال: يا أهل ~~البصرة إن مهاجرنا إليكم ودارنا فيكم ومولدي فيكم، ولقد وليتكم وما يحصى ~~ديوان مقاتلتكم إلا سبعين ألفا، ولقد أحصى اليوم مائة الف، وما كان يحصي ~~ديوان عمالكم إلا تسعين ألفا، ولقد أحصى اليوم مائة وأربعين ألفا، وما تركت ~~لكم قاطبة أخافه عليكم إلا وهو في سجنكم، وإن يزيد قد توفي وقد اختلف الناس ~~بالشام وأنتم اليوم أكثر الناس عددا وأعرضهم فناء وأغنى عن الناس وأوسعهم ~~بلادا، فاختاروا لأنفسكم رجلا ترضونه لدينكم وجماعتكم، فأنا أول راض من ~~رضيتموه، فإن اجتمع أهل الشام على رجل ترضونه لدينكم وجماعتكم دجلتم فيما ~~دخل فيه المسلمون، وإن كرهتم ذلك كنتم على أحد يليكم حتى تقضوا حاجتكم، فما ~~بكم إلى أحد من أهل البلدان حاجة ولا يستغني الناس عنكم. فقام خطباء أهل ~~البصرة وقالوا: قد سمعنا مقالتك وما نعلم أحدا أقوى عليها منك، فهلم ~~فلنبايعك. فقال: لا حاجة لي في ذلك. فكرروا عليه فأبى عليهم ثلاثا، ثم بسط ~~يده فبايعوه ثم انصرفوا ومسحوا أيديهم بالحيطان وقالوا: أيظن ابن مرجانة ~~أننا ننقاد له في الجماعة والفرقة! PageV02P0195 # فلما بايعوه أرسل إلى أهل الكوفة مع عمرو بن مسمع وسعد بن القرحاء ~~التميمي يعلم أهل الكوفة ما صنع أهل البصرة ويدعوهم إلى البيعة له، فلما ~~وصلا إلى الكوفة، وكان خليفته عليها عمرو بن حريث، جمع الناس وقام الرسولان ~~فخطبا أهل الكوفة وذكرا لهم ذلك، فقام يزيد بن ms1343 الحارث بن يزيد الشيباني، ~~وهو ابن رويم، فقال: الحمد لله الذي اراحنا من ابن سمية! أنحن نبايعه؟ لا ~~ولا كرامة! وحصبهما أول الناس ثم حصبهما الناس بعده، فشرفت تلك الفعلة يزيد ~~بن رويم في الكوفة ورفعته. ورجع الرسولان إلى البصرة فأعلماه الحال، فقال ~~أهل البصرة: أيخلعه أهل الكوفة ونوليه نحن! فضعف سلطانه عندهم، فكان يأمر ~~بالأمر فلا يقضى ويرى الرأي فيرد عليه، ويأمر بحبس المخطىء فيحال بين ~~أعوانه وبينه. ثم جاء إلى البصرة سلمة بن ذؤيب الحنظلي التميمي فوقف في ~~السوق وبيده لواء وقال: أيها الناس هلموا إلي، إني أدعوكم إلى ما لم يدعكم ~~إليه أحد، أدعوكم إلى العائذ بالحرم، يعني عبد الله بن الزبير. فاجتمع إليه ~~ناس وجعلوا يصفقون على يديه يبايعونه. فبلغ الخبر ابن زياد، فجمع الناس ~~فخطبهم وذكر لهم أمره معهم وأنه دعاهم إلى من يرتضونه، فبايعه منهم أهل ~~البصرة وأنهم أبوا غيره، وقال: إني بلغني أنكم مسحتم أكفكم بالحيطان وباب ~~الدار وقلتم ما قلتم، وإني آمر بالأمر فلا ينفذ ويرد علي رأيي ويحال بين ~~أعواني وبين طلبتي، ثم إن هذا سلمة بن ذؤيب يدعو إلى الخلاف عليكم ليفرق ~~جماعتكم ويضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف. فقال الأحنف والناس: نحن نأتيك ~~بسلمة، فأتوه بسلمة فإذا جمعه قد كثف والفتق قد اتسع، فلما رأوا ذلك قعدوا ~~عن ابن زياد فلم يأتوه. فدعا عبيد الله رؤساء محاربة السلطان وأرادهم ~~ليقاتلوا معه، قالوا: إن أمرنا قوادنا فعلنا. فقال له إخوته: ما من خليفة ~~فتقاتل عنه فإن هزمت رجعت إليه فأمدك، ولعل الحرب تكون عليك وقد اتخذنا بين ~~هؤلاء القوم أموالا فإن ظفروا بنا أهلكونا وأهلكوها فلم تبق لك بقية. فلما ~~رأى ذلك أرسل إلى الحارث بن قيس بن صهباء الجهضمي الأزدي فأحضره وقال له: ~~يا حارث إن أبي أوصاني أني احتجت إلى العرب يوما أن أختاركم. فقال الحارث: ~~إن قومي قد اختبروا أباك فلم يجدوا عنده مكانا ولا عندك مكافأة، ولا أردك ~~إذا أخترتنا، وما أدري كيف أماني لك، إن أخرجتك ms1344 نهارا أخاف أن تقتل وأقتل، ~~ولكني أقيم معك إلى الليل ثم أردفك خلفي لئلا تعرف. فقال عبيد الله. نعم ما ~~رأيت. فأقام عنده فلما كان الليل حمله خلفه. وكان في بيت المال تسعة عشر ~~ألف ألف، ففرق ابن زياد بعضها في مواليه وادخر الباقي فبقي لآل زياد. وسار ~~الحارث بعبيد الله بن زياد، فكان يمر به على الناس وهم يتحارسون مخافة ~~الحرورية وعبيد الله يسأله: أين نحن؟ والحارث يخبره، فلما كانوا في بني ~~سليم قال: أين نحن؟ قال: في بني سليم. قال: سلمنا إن شاء الله. فلما أتى ~~بني ناجية قال: أين نحن؟ قال: في بني ناجية. قال: نجونا إن شاء الله. فقال ~~بنو ناجية: من أنت؟ قال: الحارث بن قيس، كان يعرف رجل منهم عبيد الله، ~~فقال: ابن مرجانة! وأرسل سهما فوقع في عمامته. ومضى به الحارث فأنزله في ~~دار نفسه في الجهاضم، فقال له ابن زياد: يا حارث إنك أحسنت فاصنع ما أشير ~~به عليك، قد علمت منزلة مسعود بن عمرو في قومه وشرفه وسنه وطاعة قومه له، ~~فهل لك أن تذهب بي إليه فأكون في داره فهي في وسط الأزد، فإنك إن لم تفعل ~~فرق عليك أمر قومك. فأخذه الحارث فدخلا على مسعود، ولم يشعر وهو جالس يصلح ~~خفا له، فلما رآهما عرفهما فقال للحارث: أعوذ بالله من شر طرقتني به! قال: ~~ما طرقتك إلا بخير، قد علمت أن قومك أنجوا زيادا ووفوا له فصارت مكرمة ~~يفتخرون بها على العرب، وقد بايعتم عبيد الله بيعة الرضى عن مشورة وبيعة ~~أخرى قبل هذه، يعني بيعة الجماعة. قال مسعود: أترى لنا أن نعادي أهل مصرنا ~~في عبيد الله ولم نجد من أبيه مكافأة ولا شكرا فيما صنعنا معه؟ قال الحارث: ~~إنه لا يعاديك أحد على الوفاء على بيعتك حتى تبلغه مأمنه، أفتخرجه من بيتك ~~بعد ما دخله عليك؟ PageV02P0196 # وأمره مسعود فدخل بيت أخيه عبد الغافر بن عمرو، ثم ركب مسعود من ليلته ~~ومعه الحارث وجماعة من قومه فطافوا في ms1345 الأزد فقالوا: إن ابن زياد فقد وإنا ~~لا نأمن أن تلحظوا به. فأصبحوا في السلاح. وفقد الناس ابن زياد فقالوا: ما ~~هو إلا في الأزد. وقيل: إن الحارث لم يكلم مسعودا بل أمر عبيد الله فحمل ~~معه مائة ألف وأتى بها أم بسطام امرأة مسعود، وهي بنت عمرو بن الحارث، ومعه ~~عبيد الله، فاستأذن عليها فأذنت له، فقال لها: قد أتيتك بأمر تسودين به ~~نساء العرب وتتعجلين به الغنى. وأخبرها الخبر، وأمرها أن تدخل ابن زياد ~~البيت وتلبسه ثوبا من ثياب مسعود، ففعلت، ولما جاء مسعود أخبرته أخذ برأسها ~~يضربها، فخرج عبيد الله والحارث عليه وقال له: قد أجارتني وهذا ثوبك علي ~~وطعامك في بطني. وشهد الحارث وتلطفوا به حتى رضي، فلم يزل ابن زياد في بيته ~~حتىقتل مسعود فسار إلى الشام. ولما فقد ابن زياد بقي أهل البصرة في غير ~~أمير، فاختلفوا فيمن يؤمرون عليهم ثم تراضوا بقيس بن الهيثم السلمي ~~وبالنعمان بن سفيان الراسبي الحرمي ليختارا من يرضيان لهم، وكا رأي قيس في ~~بني أمية، ورأي النعمان في بني هاشم، فقال النعمان: ما أرى أحدا أحق بهذا ~~الأمر من فلان، لرجل من بني أمية، وقيل: بل ذكر له عبد الله بن الأسود ~~الزهري، وكان هوى قيس فيه، وإنما قال النعمان ذلك خديعة ومكرا بقيس، فقال ~~قيس: قد قلدتك أمري ورضيت من رضيت، ثم خرجا إلى الناس، فقال قيس: قد رضيت ~~من رضي النعمان. ### || AUT ذكر ولاية عبد الله بن الحارث البصرة # لما اتفق قيس والنعمان ورضي قيس بمن يؤمره النعمان أشهد عليه النعمان ~~بذلك وأخذ على قيس وعلى الناس العهود بالرضى، ثم أتى عبد الله بن الأسود ~~وأخذ بيده واشترط عليه حتى ظن الناس أنه بايعه، ثم تركه وأخذ بيد عبد الله ~~بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الملقب بببة واشترط عليه مثل ~~ذلك، ثم حمد الله وأثنى عليه وذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وحق أهل بيته ~~وقرابته وقال: أيها الناس ما تنقمون من ms1346 رجل من بني عم نبيكم وأمه هند بنت ~~أبي سفيان قد كان الأمر فيهم، فهو ابن أختكم، ثم أخذ بيده وقال: رضيت لكم ~~به، فنادوه: قد رضينا، وبايعوه وأقبلوا به إلى دار الإمارة حتى نزلها، وذلك ~~أول جمادى الآخرة سنة أربع وستين. وقال الفرزدق في بيعته: وبايعت أقواما ~~وفيت بعهدهم ... وببة قد بايعته غير نادم ### || AUT ذكر هرب ابن زياد إلى الشام # ثم إن الأزد وربيعة جددوا الحلف الذي كان بينهم وبين الجماعة، وأنفق ابن ~~زياد مالا كثيرا فيهم حتى تم الحلف وكتبوا بذلك بينهم كتابين، فكان أحدهما ~~عند مسعود بن عمرو. فلما سمع الأحنف أن الأزد طلبت إلى ربيعة ذلك، قال: لا ~~يزالون لهم أتباعا إذا أتوهم. فلما تحالفوا اتفقوا على أن يردوا ابن زياد ~~إلى دار الإمارة، فساروا، ورئيسهم مسعود بن عمرو، وقالوا لابن زياد: سر ~~معنا، فلم يفعل وأرسل معه مواليه على الخيل وقال لهم: لا تتحدثوا بخير ولا ~~بشر إلا أتيتموني به، فجعل مسعود لا يأتي سكة ولا يتجاوز قبيلة إلا أتى بعض ~~أولئك الغلمان ابن زياد بالخبر، وسارت ربيعة، وعليهم مالك بن مسمع، فأخذوا ~~سكة المربد، وجاء مسعود فدخل المسجد فصعد المنبر وعبد الله بن الحارث في ~~دار الإمارة، فقيل له: إن مسعودا وأهل اليمن وربيعة قد ساروا وسيهيج بين ~~الناس شر فلو أصلحت بينهم أو ركبت في بني تميم عليهم. فقال: أبعدهم الله، ~~لا والله لا أفسدن نفسي في إصلاحهم! وجعل رجل من أصحاب مسعود يقول: لأنكحن ~~ببه ... جارية في قبه تمشط رأس لعبه هذا قول الأزد، وأما قول مضر فيقولون: ~~إن أمه كانت ترقصه وتقول هذا. PageV02P0197 # وصعد مسعود المنبر وسار مالك بن مسمع نحو دور بني تميم حتى دخل سكة بني ~~العدوية فحرق دورهم لما في نفسه لاستعراض ابن خازم ربيعة بهراة. وجاء بنو ~~تميم إلى الأحنف فقالوا: يا أبا بحر، إن ربيعة والأزد قد تحالفوا وقد ساروا ~~إلى الرحبة فدخلوها. فقال: لستم بأحق بالمسجد منهم. فقالوا: قد دخلوا ~~الدار. فقال: لستم بأحق ms1347 بالدار منهم. فأتته امرأة بمجمر وقالت له: مالك ~~وللرياسة، إنما أنت امرأة تتجمر! فقال: است المرأة أحق بالمجمر، فما سمع ~~منه كلمة أسوأ منها، ثم أتوه فقالوا: إن امرأة منا قد سلبت خلخالها، وقد ~~قتلوا الصباغ الذي على طريقك وقتلوا المقعد الذي على باب المسجد، وقد دخل ~~مالك بن مسمع سكة بني العدوية فحرق. فقال الأحنف: أقيموا البينة على هذا، ~~ففي دون هذا ما يحل قتالهم. فشهدوا عنده على ذلك. فقال الأحنف: أجاء عباد ~~بن الحصين؟ قالوا: لا، وهو عباد بن الحصين بن يزيد بن عمرو بن أوس من بني ~~عمرو بن تميم، ثم قال: أجاء عباد؟ قالوا: لا. قال: أهاهنا عبس بن طلق بن ~~ربيعة الصريمي من بني سعد بن زيد مناة بن تميم؟ قالوا: نعم، فدعاه فانتزع ~~معجرا في رأسه فعقده في رمح ثم دفعه إليه وقال: سر، فلما ولى قال: اللهم لا ~~تخزها اليوم فإنك لم تخزها فيما مضى، وصاح الناس: هاجت زيرا! وهي أم الأحنف ~~كنوا بها عنه. فسار عبس إلى المسجد، فلما سار عبس جاء عباد فقال: ما صنع ~~الناس؟ فقيل: سار بهم عبس. فقال: لا أسير تحت لواء عبس، وعاد إلى بيته ومعه ~~ستون فارسا. فلما وصل عبس إلى المسجد قاتل الأزد على أبوابه ومسعود على ~~المنبر يحضض الناس، فقاتل غطفان بن أنيف التميمي وهو يقول: يال تميم إنها ~~مذكوره ... إن فات مسعود بها مشهوره فاستمسكوا بجانب المقصوره أي لا يهرب ~~فيفوت. وأتوا مسعودا وهو على المنبر فاستنزلوه فقتلوه، وذلك أول شوال سنة ~~أربع وستين، وانهزم أصحابه، وهرب أشيم بن شقيق بن ثور فطعنه أحدهم فنجا ~~بها، فقال الفرزدق: لو أن أشيم لم يسبق أسنتنا ... وأخطأ الباب إذ نيراننا ~~تقد إذا لصاحب مسعودا وصاحبه ... وقد تهافتت الأعفاج والكبد ولما صعد مسعود ~~المنبر أتي ابن زياد فقيل له ذلك، فتهيأ ليجيء إلى دار الإمارة، فأتوه ~~وقالوا له: إنه قتل مسعود، فركب ولحق بالشام. فأما مالك بن مسمع فأتاه ناس ~~من مضر فحصروه في داره وحرقوا ms1348 داره. ولما هرب ابن زياد تبعوه فأعجزهم ~~فنهبوا ما وجدوا له، ففي ذلك يقول واقد بن خليفة التميمي: يا رب جبار شديد ~~كلبه ... قد صار فينا تاجه وسلبه منهم عبيد الله يوم نسلبه ... جياده وبزه ~~وننهبه يوم التقى مقنبنا ومقنبه ... لو لم ينج ابن زياد هربه وقد قيل في ~~قتل مسعود ومسير ابن زياد غير ما تقدم، وهو أنه لما استجار ابن زياد بمسعود ~~بن عمرو أجاره، ثم سار ابن زياد إلى الشام وأرسل معه مسعود مائة من الأزد ~~حتى قدموا به إلى الشام، فبينما هو يسير ذات ليلة قال: قد ثقل علي ركوب ~~الإبل فوطئوا لي على ذي حافر؛ فجعلوا له قطيفة على حمار، فركبه ثم سار وسكت ~~طويلا. قال مسافر بن شريح اليشكري: فقلت في نفسي: لئن كان نائما لأنغصن ~~عليه نومه، فدنوت منه فقلت: أنائم أنت؟ قال: لا، كنت أحدث نفسي. قلت: أفلا ~~أحدثك بما كنت تحدث به نفسك؟ قال: هات. قلت: كنت تقول. ليتني كنت لم أقتل ~~حسينا. قال: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني لم أكن قتلت من قتلت. قال: وماذا؟ ~~قلت: تقول: ليتني لم أكن بنيت البيضاء. قال: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني لم ~~أكن استعملت الدهاقين. قال: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني كنت أسخى مما كنت. ~~PageV02P0198 # قال: أما قتلي الحسين فإنه أشار إلي يزيد بقتله أو قتلي فاخترت قتله، ~~وأما البيضاء فإني اشتريتها من عبد الله بن عثمان الثقفي وأرسل إلي يزيد ~~بألف ألف فأنفقتها عليها، فإن بقيت فلأهلي وإن هلكت لم آس عليها، وأما ~~استعمال الدهاقين فإن عبد الرحمن بن أبي بكرة أراد أن يروج فوقع في عند ~~معاوية حتى ذكرا قشور الأرز فبلغا بخراج العراق مائة ألف ألف فخيرني معاوية ~~بين العزل والضمان، فكرهت العزل، فكنت إذا استعملت العربي كسر الخراج، فإن ~~أغرمت عشيرته أو طالبته أوغرت صدورهم، وإن تركته تركت مال الله وأنا أعرف ~~مكانه، فوجدت الدهاقين أبصر بالجباية وأوفى بالأمانة وأهون بالمطالبة منكم ~~مع أني قد جعلتكم أمناء عليهم لئلا يظلموا أحدا. وأما ms1349 قولك في السخاء فما ~~كان لي مال فأجود به عليكم، ولو شئت لأخذت بعض مالكم فخصصت به بعضكم دون ~~بعض فيقولون ما أسخاه. وأما قولك ليتني لم أكن قتلت من قتلت فما عملت بعد ~~كلمة الإخلاص عملا هو أقرب إلى الله عندي من قتل من قتلت من الخوارج، ولكني ~~سأخبرك بما حدثت به نفسي، قلت: ليتني كنت قاتلت أهل البصرة فإنهم بايعوني ~~طائعين، ولقد حرصت على ذلك ولكن بني زياد قالوا: إن قاتلتهم فظهروا عليك لم ~~يبقوا منا أحدا، وإن تركتهم تغيب الرجل منا عند أخواله وأصهاره فوقعت بهم، ~~فكنت أقول: ليتني أخرجت أهل السجن فضربت أعناقهم، وأما إذ فاتت هاتان ~~فليتني أقدم الشام ولم يبرموا أمرا. قال: فقدم الشام ولم يبرموا أمرا، ~~فكأنما كانوا معه صبيانا، وقيل: بل قدم وقد أبرموا فنقض عليهم ما أبرموا. ~~فلما سار من البصرة استخلف مسعودا عليها، فقال بنو تميم وقيس: لا نرضى به ~~ولا نولي إلا رجلا ترضاه جماعتنا. فقال مسعود: قد استخلفني ولا أدع ذلك ~~أبدا. وخرج حتى انتهى إلى القصر ودخله، واجتمعت تميم إلى الأحنف فقالوا له: ~~إن الأزد قد دخلوا المسجد. قال: إنما هو لهم ولكم. قالوا: قد دخلوا القصر ~~وصعد مسعود المنبر، وكانت خوارج قد خرجوا فنزلوا نهر الأساورة حين خرج عبيد ~~الله إلى الشام، فزعم الناس أن الأحنف بعث إليهم أن هذا الرجل الذي قد دخل ~~القصر هو لنا ولكم عدو فما يمنعكم عنه! فجاءت عصابة منهم حتى دخلوا المسجد ~~ومسعود على المنبر يبايع من أتاه، فرماه علج يقال له مسلم من أهل فارس، دخل ~~البصرة فأسلم ثم دخل في الخوارج، فأصاب قلبه فقتله، فقال الناس: قتله ~~الخوارج، فخرجت الأزد إلى تلك الخوارج فقتلوا منهم وجرحوا فطردوهم عن ~~البصرة. ثم قيل للأزد: إن تميما قتلوا مسعودا، فأرسلوا يسألون، فإذا ناس من ~~تميم تقول، فاجتمعت الأد عند ذلك فرأسوا عليهم زياد بن عمرو أخا مسعود بن ~~عمرو ومعهم مالك بن مسمع في ربيعة، وجاءت تميم إلى الأحنف يقولون: قد ms1350 خرج ~~القوم، وهو يتمكث لا يخف للفتنة، فجاءته امرأة بمجمر فقالت: اجلس على هذا، ~~أي إنما أنت امرأة. فخرج الأحنف في بني تميم ومعهم من بالبصرة من قيس ~~فالتقوا، فقتل بينهم ققتلى كثيرة، فقال لهم بنو تميم: الله الله يا معشر ~~الأزد في دمائنا ودمائكم! بيننا وبينكم القرآن ومن شئتم من أهل الإسلام فإن ~~لكم علينا بينة فاختاروا أفضل رجل فينا فاقتلوه، وإن لم تكن لكم بينة فإنا ~~نحلف بالله ما قتلنا ولا أمرنا ولا نعلم له قائلا، وإن لم تريدوا ذلك فنحن ~~ندي صاحبكم بمائة ألف درهم. وأتاهم الأحنف واعتذر إليهم مما قيل، وسفر ~~بينهم عمر بن عبيد الله بن معمر وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فطلبوا عشر ~~ديات، فأجابهم إلى ذلك واصطلحوا عليه. وأما عبد الله بن الحارث ببة فإنه ~~أقام يصلي بهم حتى قدم عليهم عمر بن عبيد الله بن معمر أميرا من قبل ابن ~~الزبير. وقيل: بل كتب ابن الزبير إلى عمر بعهده على البصرة، فأتاه الكتاب ~~وهو متوجه إلى العمرة، فكتب عمر إلى أخيه عبيد الله يأمره أن يصلي بالناس، ~~فصلى بهم حتى قدم عمر، فبقي عمر أميرا شهرا حتى قدم الحارث بن عبد الله بن ~~أبي ربيعة المخزومي بعزله ووليها الحارث، وهو القباع. وقيل: اعتزل عبيد ~~الله بن الحارث ببة أهل البصرة بعد قتل مسعود بسبب العصبية وانتشار ~~الخوارج، فكتب أهل البصرة إلى ابن الزبير، فكتب ابن الزبير إلى أنس بن مالك ~~يأمره أن يصلي بالناس، فصلى بهم أربعين يوما، وكان عبد الله بن الحارث ~~يقول: ما أحب أن أصلح الناس بفساد نفسي، وكان يتدين. PageV02P0199 # وفي أيامه سار نافع بن الأزرق إلى الأهواز من البصرة. وأما أهل الكوفة ~~فإنه لما ردوا رسول ابن زياد، على ما ذكرناه قبل، عزلوا خليفته عليهم، وهو ~~عمرو بن حريث، واجتمع الناس وقالوا: نؤمر علينا رجلا إلى أن يجتمع الناس ~~على خليفة، فاجتمعوا على عمر بن سعد، فجاءت نساء همدان يبكين الحسين، ~~ورجالهم متقلدوا السيوف، فأطافوا بالمنبر، فقال ms1351 محمد بن الأشعث: جاء أمر ~~غير ما كنا فيه. وكانت كندة تقوم بأمر عمر بن سعد لأنهم أخواله، فاجتمعوا ~~على عامر بن مسعود بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة الجمحي، فخطب أهل الكوفة ~~فقال: إن لكل قوم أشربة ولذات فاطلبوها في مظانها، وعليكم بما يحل ويحمد، ~~واكسروا شرابكم بالماء، وتواروا عني بهذه الجدران؛ فقال ابن همام: اشرب ~~شرابك وانعم غير محسود ... واكسره بالماء لا تعص ابن مسعود إن الأمير له في ~~الخمر مأربة ... فاشرب هنيئا مريئا غير مرصود من ذا يحرم ماء المزن خالطه ~~... في قعر خابية ماء العناقيد إني لأكره تشديد الرواة لنا ... فيها ~~ويعجبني قول ابن مسعود ولما بايعه أهل الكوفة وكتبوا بذلك إلى ابن الزبير ~~أقره عليها، وكان يلقب دحروجة الجعل، وكان قصيرا، فمكث ثلاثة أشهر من مهلك ~~يزيد بن معاوية، ثم قدم عليهم عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري على ~~الصلاة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة على الخراج من عند ابن الزبير، واستعمل ~~محمد بن الأشعث بن قيس على الموصل، فاجتمع لابن الزبير أهل الكوفة والبصرة ~~ومن بالقبلة من العرب وأهل الجزيرة وأهل الشام إلا أهل الأردن في إمارة عمر ~~بن عبيد الله بن معمر. وكان طاعون الجارف بالبصرة فماتت أمه فما وجد لها من ~~يحملها حتى استأجروا لها أربعة أعلاج فحملوها. ### || AUT ذكر خلاف أهل الري # في هذه السنة بعد موت يزيد خالف أهل الري، وكان عليهم الفرخان الرازي، ~~فوجه إليهم عامر بن مسعود، وهو أمير الكوفة، محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب ~~بن زرارة بن عدس التميمي، فلقيه أهل الري، فانهزم محمد، فبعث إليهم عامر ~~عتاب بن ورقاء الرياحي التميمي، فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل الفرخان وانهزم ~~المشركون، وكان هذا محمد بن عمير مع علي بصفين على تميم الكوفة، ثم عاش بعد ~~ذلك، فلما ولي الحجاج الكوفة فارقها وسار إلى الشام لكراهته ولاية الحجاج. ### || AUT ذكر بيعة مروان بن الحكم # في هذه السنة بويع مروان بن الحكم بالشام. وكان السبب فيها أن ms1352 ابن ~~الزبير لما بويع له بالخلافة ولى عبيدة بن الزبير المدينة، وعبد الرحمن بن ~~جحدم الفهري مصر، وأخرج بني أمية ومروان بن الحكم إلى الشام، وعبد الملك بن ~~مروان يومئذ ابن ثمان وعشرين سنة، فلما قدم الحصين بن نمير ومن معه إلى ~~الشام أخبر مروان بما كان بينه وبين ابن الزبير، وقال له ولبني أمية: نراكم ~~في اختلاط فأقيموا أميركم قبل أن يدخل عليكم شأمكم فتكون فتنة عمياء صماء. ~~وكان من رأي مروان أن يسير إلى ابن الزبير فيبايعه بالخلافة، فقدم ابن زياد ~~من العراق، وبلغه ما يريد مروان أن يفعل، فقال له: قد استحييت لك من ذلك، ~~أنت كبير قريش وسيدها تمضي إلى أبي خبيب فتبايعه، يعني ابن الزبير، لأنه ~~كان يكنى بابنه خبيب! فقال: ما فات شيء بعد، فقام معه بنو أمية ومواليهم ~~وتجمع إليه أهل اليمن فسار إلى دمشق وهو يقول: ما فات شيء بعد، فقدم دمشق ~~والضحاك بن قيس قد بايعه أهلها على أن يصلي بهم ويقيم لهم أمرهم حتى يجتمع ~~الناس، وهو يدعو إلى ابن الزبير سرا. وكان زفر بن الحارث الكلائي بقنسرين ~~يبايع لابن الزبير، والنعمان بن بشير بحمص يبايع له أيضا، وكان حسان بن ~~مالك بن بحدل الكلبي بفلسطين عاملا لمعاوية ولابنه يزيد وهو يريد بني أمية، ~~فسار إلى الأردن واستخلف على فلسطين روح بن زنباع الجذامي، فثار ناتل بن ~~قيس بروح فأخرجه من فلسطين وبايع لابن الزبير. PageV02P0200 # وكان حسان في الأردن يدعو إلى بني أمية، فقال لأهل الأردن: ما شهادتكم ~~على ابن الزبير وقتلى الحرة؟ قالوا: نشهد أنه منافق وأن قتلى الحرة في ~~النار. قال: فما شهادتكم على يزيد وقتلاكم بالحرة؟ قالوا: نشهد أنه على ~~الحق وأن قتلانا في الجنة. قال: فأنا أشهد لئن كان يزيد وشيعته على حق إنهم ~~اليوم على حق، ولئن كان ابن الزبير وشيعته على باطل إنهم اليوم عليه. ~~فقالوا له: صدقت، نحن نبايعك على أن نقاتل من خالفك وأطاع ابن الزبير على ~~أن تجنبنا هذين الغلامين، يعنون ms1353 ابني يزيد عبد الله وخالدا، فإنا نكره أن ~~يأتينا الناس بشيخ ونأتيهم بصبي. وكتب حسان إلى الضحاك كتابا يعظم فيه حق ~~بني أمية وحسن بلائهم عنده ويذم ابن الزبير وأنه خلع خليفتين، وأمره أن ~~يقرأ كتابه على الناس، وكتب كتابا آخر وسلمه إلى الرسول، واسمه باغضة، وقال ~~له: إن قرأ كتابي على الناس وإلا فاقرأ هذا الكتاب عليهم. وكتب حسان إلى ~~بني أمية يأمرهم أن يحضروا ذلك، فقدم باغضة فدفع كتاب الضحاك إليه وكتاب ~~بني أمية إليهم، فلما كانت الجمعة صعد الضحاك المنبر، فقال له باغضة ليقرأ ~~كتاب حسان على الناس. فقال له الضحاك: اجلس، فقام إليه الثانية والثالثة ~~وهو يقول له: اجلس، فأخرج باغضة الكتاب وقرأه على الناس، فقال الوليد بن ~~عتبة بن أبي سفيان: صدق حسان وكذب ابن الزبير، وشتمه. وقيل: كان الوليد قد ~~مات بعد موت معاوية بن يزيد وقام يزيد بن أبي الغمس الغساني وسفيان بن ~~الأبرد الكلبي فصدقا حسانا وشتما ابن الزبير، وقام عمرو بن يزيد الحكمي ~~فشتم حسانا وأثنى على ابن الزبير، فأمر الضحاك بالوليد ويزيد بن أبي الغمس ~~وسفيان فحبسوا، وجال الناس ووثبت كلب على عمرو بن يزيد الحكمي فضربوه ~~ومزقوا ثيابه، وقام خالد بن يزيد فصعد مرقاتين من المنبر وسكن الناس، ونزل ~~الضحاك فصلى الجمعة ودخل القصر. فجاءت كلب فأخرجوا سفيان، وجاءت غسان ~~فأخرجوا يزيد، وجاء خالد بن يزيد وأخوه عبد الله معهما أخوالهما من كلب ~~فأخرجوا الوليد بن عتبة، وكان أهل الشام يسمون ذلك اليوم يوم جيرون الأول. ~~ثم خرج الضحاك إلى المسجد فجلس فيه وذكر يزيد بن معاوية فسبه، فقام إليه ~~شاب من كلب فضربه بعصا، فقام الناس بعضهم إلى بعض فاقتتلوا، قيس تدعو إلى ~~ابن الزبير ونصرة الضحاك، وكلب تدعو إلى بني أمية ثم إلى خالد بن يزيد لأنه ~~ابن أختهم. ودخل الضحاك دار الإمارة ولم يخرج من الغد إلى صلاة الفجر، وبعث ~~إلى بني أمية فاعتذر إليهم وأنه لا يريد ما يكرهون، وأمرهم أن يكتبوا إلى ~~حسان ويكتب ms1354 معهم ليسير من الأردن إلى الجابية ويسيرون هم من دمشق فيجتمعون ~~معه بالجابية ويبايعون لرجل من بني أمية، فرضوا وكتبوا إلى حسان، وسار ~~الضحاك وبنو أمية نحو الجابية، فأتاه ثور بن معن السلمي فقال: دعوتنا إلى ~~ابن الزبير فبايعناك على ذلك وأنت تسير إلى هذا الأعرابي من كلب تستخلف ابن ~~أخته خالد بن يزيد! قال الضحاك: فما الرأي؟ قال: الرأي أن تظهر ما كنا نكتم ~~وتدعو إلى ابن الزبير. فرجع الضحاك ومن معه من الناس فنزل بمرج راهط ودمشق ~~بيده، واجتمع بنو أمية وحسان وغيرهم بالجابية، فكان حسان يصلي بهم أربعين ~~يوما والناس يتشاورون، وكان مالك بن هبيرة السكوني يهوى خالد بن يزيد، ~~والحصين بن نمير يميل إلى مروان، فقال مالك للحصين: هل نبايع هذا الغلام ~~الذي نحن ولدنا أباه وقد عرفت منزلتنا من أبيه فإنه يحملنا على رقاب العرب ~~غدا؟ يعني خالدا. فقال الحصين: لا والله لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيها ~~بصبي. فقال مالك: والله لئن استخلفت مروان ليحسدك على سوطك وشراك نعلك وظل ~~شجرة تستظل بها، إن مروان أبو عشيرة وأخو عشيرة فإن بايعتموه كنتم عبيدا ~~لهم، ولكن عليكم بابن أختكم، فقال الحصين: إني رأيت في المنام قنديلا معلقا ~~من السماء وأن من يلي الخلافة يتناوله فلم ينله أحد إلا مروان، والله ~~لنستخلفنه. PageV02P0201 # وقام روح بن زنباع الجذامي فقال: أيها الناس إنكم تذكرون عبد الله بن عمر ~~وصحبته وقدمه في الإسلام، وهو كما تذكرون، ولكنه ضعيف، وليس بصاحب أمة محمد ~~الضعيف، وتذكرون ابن الزبير وهو كما تذكرون أنه ابن حواري رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، وأنه ابن ذات النطاقين، ولكنه منافق قد خلع خليفتين يزيد ~~وابنه معاوية وسفك الدماء وشق عصا المسلمين، وليس المنافق بصاحب أمة محمد، ~~وأما مروان بن الحكم فوالله ما كان في الإسلام صدع إلا كان ممن يشعبه، وهو ~~الذي قاتل علي بن أبي طالب يوم الجمل، وإنا نرى للناس أن يبايعوا الكبير ~~ويستشيروا الصغير، يعني بالكبير مروان، وبالصغير خالد بن يزيد. فاجتمع ~~رأيهم ms1355 على البيعة لمروان بن الحكم، ثم خالد بن يزيد، ثم لعمرو بن سعيد بن ~~العاص من بعد خالد، على أن إمرة دمشق لعمرو وإمرة حمص لخالد بن يزيد. فدعا ~~حسان خالدا فقال: يا ابن أختي إن الناس قد أبوك لحداثة سنك وإني والله ما ~~أريد هذا الأمر إلا لك ولأهل بيتك وما أبايع مروان إلا نظرا لكم. فقال ~~خالد: بل عجزت عنا. قال: والله ما عجزت عنكم ولكن الرأي لك ما رأيت. ثم ~~بايعوا مروان لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع وستين؛ وقال مروان حين بويع ~~له: لما رأيت الأمر أمرا نهبا ... يسرت غسان لهم وكلبا والسكسكيين رجالا ~~غلبا ... وطيئا تأباه إلا ضربا والقين تمشي في الحديد نكبا ... ومن تنوخ ~~مشمخرا صعبا لا يأخذون الملك إلا غصبا ... فإن دنت قيس فقل لا قربا خبيب ~~بضم الخاء المعجمة، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء تحتها نقطتان، وآخره باء موحدة. ### || AUT ذكر وقعة مرج راهط وقتل الضحاك # ### || AUT والنعمان بن بشير # ثم إن مروان لما بايعه الناس سار من الجابية إلى مرج راهط، وبه الضحاك ~~بن قيس ومعه ألف فارس، وكان قد استمد الضحاك النعمان بن بشير وهو على حمص ~~فأمده بشرحبيب بن ذي الكلاع، واستمد أيضا زفر بن الحارث وهو على قنسرين ~~فأمده بأهل قنسرين، وأمده ناتل بأهل فلسطين، فاجتمعوا عنده، واجتمع على ~~مروان كلب وغسان والسكاسك والسكون، وجعل على ميمنته عمرو بن سعيد وعلى ~~ميسرته عبيد الله بن زياد، وكان يزيد بن أبي الغمس الغساني مختفيا بدمشق لم ~~يشهد الجابية، فغلب على دمشق وأخرج عامل الضحاك بن قيس وغلب على الخزائن ~~وبيت المال وبايع لمروان وأمده بالأموال والرجال والسلاح، فكان أول فتح على ~~بني أمية. وتحارب مروان والضحاك بمرج راهط عشرين ليلة واقتتلوا قتالا ~~شديدا، فقتل الضحاك، قتله دحية بن عبد الله، وقتل معه ثمانون رجلا من أشراف ~~أهل الشام، وقتل أهل الشام مقتلة عظيمة، وقتلت قيس مقتلة لم يقتل مثلها في ~~موطن قط، وكان فيمن قتل هانىء بن قبيصة ms1356 النميري سيد قومه، كان مع الضحاك، ~~قتله وازع بن ذؤالة الكلبي، فلما سقط جريحا قال: تعست ابن ذات النوف أجهز ~~على فتى ... يرى الموت خيرا من فرار وألزما ولا تتركني بالحشاشة إنني ... ~~صبور إذا ما النكس مثلك أحجما فعاد إليه وازع فقتله. وكانت الوقعة في ~~المحرم سنة خمس وستين، وقيل: بل كانت في آخر سنة أربع وستين. ولما رأى ~~مروان رأس الضحاك ساءه ذلك وقال: الآن حين كبرت سني ودق عظمي وصرت في مثل ~~ظمء الحمار، أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض! ولما انهزم الناس من المرج ~~لحقوا بأجنادهم، فانتهى أهل حمص إليها وعليها النعمان بن بشير، فلما بلغه ~~الخبر خرج هربا ليلا ومعه امرأته نائلة بنت عمارة الكلبية وثقله وأولاده، ~~فتحير ليلته كلا، وأصبح أهل حمص فطلبوه، وكان الذي طلبه عمرو بن الجلي ~~الكلاعي، فقتله ورد أهله والرأس معه، وجاءت كلب من أهل حمص فأخذوا نائلة ~~وولدها معها. ولما بلغت الهزيمة زفر بن الحارث الكلابي بقنسرين هرب منها ~~فلحق بقرقيسيا وعليها عياض الحرشي، وكان يزيد ولاه إياها، فطلب منه أن يدخل ~~الحمام ويحلف له بالطلاق والعتاق على أنه حينما يخرج من الحمام لا يقيم ~~بها، فأذن له، فدخلها فغلب عليها وتحصن بها ولم يدخل حمامها، فاجتمعت إليه ~~قيس. وهرب ناتل بن قيس الجذامي عن فلسطين فلحق بابن الزبير بمكة، واستعمل ~~مروان بعده على فلسطين روم بن زنباع واستوثق الشام لمروان واستعمل عماله ~~عليها. PageV02P0202 # وقيل: إن عبيد الله بن زياد إنما جاء إلى بني أمية وهم بتدمر ومروان يريد ~~أن يسير إلى ابن الزبير ليبايعه ويأخذ منه الأمان لبني أمية، فردع عن ذلك ~~وأمره أن يسير بأهل تدمر إلى الضحاك فيقاتله، ووافقه عمرو بن سعيد وأشار ~~على مروان بأن يتزو أم خالد بن يزيد ليسقط من أعين الناس، فتزوجها، وهي ~~فاختة ابنة أبي هاشم بن عتبة، ثم جمع بني أمية فبايعوه وبايعه أهل تدمر، ~~وسار إلى الضحاك في جمع عظيم، فخرج الضحاك إليه فتقاتلا فانهزم الضحاك ومن ~~معه وقتل الضحاك. وسار ms1357 زفر بن الحارث إلى قرقيسيا واجتمعت عليه قيس، وصحبه ~~في هزيمته إلى قرقيسيا شابان من بني سليم، فجاءت خيل مروان تطلبهم، فقال ~~الشابان لزفر: انج بنفسك فإنا نحن نقتل، فمضى زفر وتركهما فقتلا؛ وقال زفر ~~في ذلك: أريني سلاحي لا أبا لك إنني ... أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا ~~أتاني عن مروان بالغيب أنه ... مقيد دمي أو قاطع من لسانيا ففي العيش منجاة ~~وفي الأرض مهرب ... إذا نحن رفعنا لهن المبانيا فلا تحبسوني إن تغيبت غافلا ~~... ولا تفرحوا إن جئتكم بلقائيا فقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... له ورق ~~من تحته الشر باديا ونمضي ولا يبقى على الأرض دمنة ... وتبقى حزازات النفوس ~~كما هيا لعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... لحسان صدعا بينا متنائيا فلم تر مني ~~نبوة قبل هذه ... فراري وتركي صاحبي ورائيا عشية أدعو في القران فلا أرى ~~... من الناس إلا من علي ولا ليا أيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيامي ~~وحسن بلائيا؟ فلا صلح حتى تنحط الخيل بالقنا ... وتثأر من نسوان كلب نسائيا ~~ألا ليت شعري هل تصيبن غارتي ... تنوخا وحيي طيء من شفائيا فأجابه جواس بن ~~القعطل: لعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... على زفر مرا من الداء باقيا مقيما ~~ثوى بين الضلوع محله ... وبين الحشا أعيا الطبيب المداويا تبكي على قتلى ~~سليم وعامر ... وذبيان معذور وتبكي البواكيا دعا بالسلاح ثم أحجم إذ رأى ~~... سيوف جناب والطوال المذاكيا عليها كأسد الغاب فتيان نجدة ... إذا شرعوا ~~نحو الطوال العواليا وقال عمرو بن الجلي الكلبي: بكى زفر القيسي من هلك ~~قومه ... بعبرة عين ما يجف سجومها يبكي على قتلى أصيبت براهط ... تجاوبه ~~هام القفار وبومها أبحنا حمى للحي قيس براهط ... وولت شلالا واستبيح حريمها ~~يبكيهم حران تجري دموعه ... ترجي نزارا أن تؤوب حلومها فمت كمدا أو عش ~~ذليلا مهضما ... بحسرة نفس لا تنام همومها في أبيات. يزيد بن أبي الغمس ~~بالسين المهملة، وقيل بالشين المعجمة، وكان قد ارتد عن الإسلام ودخل الروم ~~مع جبلة بن الأيهم ثم عاود الإسلام ms1358 وشهد صفين مع معاوية وعاش إلى أيام عبد ~~الملك بن مروان. وناتل بالنون، والتاء المعجمة من فوق باثنتين. ### || AUT ذكر فتح مروان مصر # فلما قتل الضحاك وأصحابه واستقر الشام لمروان سار إلى مصر فقدمها وعليها ~~عبد الرحمن بن جحدم القرشي يدعو إلى ابن الزبير، فخرج إلى مروان فيمن معه، ~~وبعث مروان عمرو بن سعيد من ورائه حتى دخل مصر، فقيل لابن جحدم ذلك، فرجع ~~وبايع الناس مروان ورجع إلى دمشق. فلما دنا منها بلغه أن ابن الزبير قد بعث ~~إليه أخاه مصعبا في جيش، فأرسل إليه مروان عمرو بن سعيد قبل أن يدخل الشام، ~~فقاتله، فانهزم مصعب وأصحابه، وكان مصعب شجاعا. ثم عاد مروان إلى دمشق ~~واستقر بها. وقد كان الحصين بن نمير ومالك بن هبيرة قد اشترطا على مروان ~~شروطا لهما ولخالد بن يزيد، فلما توطن ملكه قال ذات يوم ومالك عنده: إن ~~قوما يدعون شروطا، منهم عطارة مكحلة - يعني مالكا - وكان يتطيب ويتكحل، ~~فقال مالك: هذا ولما تردي تهامة ويبلغ الحزام الطبيين. فقال مروان: مهلا يا ~~أبا سليمان، إنما داعبناك! فقال: هو ذاك. PageV02P0203 ### || AUT ذكر بيعة أهل خراسان سلم بن زياد وأمر عبد الله بن خازم # ولما بلغ سلم بن زياد، وهو بخراسان، موت يزيد كتم ذلك؛ فقال ابن عرادة: ~~يا أيها الملك المغلق بابه ... حدثت أمور شأنهن عظيم قتلى بحرة والذين ~~بكابل ... ويزيد أغلق بابه المكتوم أبني أمية إن آخر ملككم ... جسد بحوارين ~~ثم مقيم طرقت منيته وعند وساده ... كوب وزق راعف مرثوم ومزنة تبكي على ~~نشوانه ... بالصبح تقعد مرة وتقوم فلما أظهر شعره أظهر سلم موت يزيد بن ~~معاوية وابنه معاوية بن يزيد ودعا الناس إلى البيعة على الرضى حتى يستقيم ~~أمر الناس على خليفة، فبايعوه ثم نكثوا به بعد شهرين، وكان محسنا إليهم ~~محبوبا فيهم، فلما خلع عنهم استخلف عليهم المهلب بن أبي صفرة، ولما كان ~~بسرخس لقيه سليمان بن مرثد، أحد بني قيس بن ثعلبة بن ربيعة، فقال له: ضاقت ~~عليك نزار حتى خلفت ms1359 على خراسان رجلا من اليمن؟ يعني المهلب، وكان أزديا ~~والأزد من اليمن، فولاه مرو الروذ والفارياب والطالقان والجوزجان، وولى أوس ~~بن ثعلبة بن زفر، وهو صاحب قصر أوس بالبصرة، هراة، فلما وصل إلى نيسابور ~~لقيه عبد الله بن خازم فقال: من وليت خراسان؟ فأخبره، فقال: أما وجدت في ~~المصر من تستعمله حتى فرقت خراسان بين بكر بن وائل واليمن؟ اكتب لي عهدا ~~على خراسان. فكتب له وأعطاه مائة ألف درهم. وسار ابن خازم إلى مرو، وبلغ ~~خبره المهلب فأقبل واستخلف رجلا من بني جشم بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ~~فلما وصلها ابن خازم منعه الجشمي وجرت بينهما مناوشة، فأصابت الجشمي رمية ~~بحجر في جبهته، وتحاجزوا، ودخلها ابن خازم، ومات الجشمي بعد ذلك بيومين. ثم ~~سار ابن خازم إلى سليمان بن مرثد بمرو الروذ فقاتله أياما فقتل سليمان، ثم ~~سار إلى عمرو بن مرثد وهو بالطالقان فاقتتلوا طويلا فقتل عمرو بن مرثد ~~وانهزم أصحابه فلحقوا بهراة بأوس بن ثعلبة، ورجع ابن خازم إلى مرو وهرب من ~~كان بمرو الروذ من بكر بن وائل إلى هراة وانضم إليها من كان بكور خراسان من ~~بكر وكثر جمعهم وقالوا لأوس بن ثعلبة: نبايعك على أن تسير إلى ابن خازم ~~وتخرج مضر من خراسان، فأبى عليهم، فقال له بنو صهيب، وهم موالي بني جحدم: ~~لا نرضى أن نكون نحن ومضر في بلد واحد وقد قتلوا سليمان وعمرا ابني مرثد، ~~فإما أن تبايعنا على هذا وإلا بايعنا غيرك. فأجابهم، فبايعوه، فسار إليهم ~~ابن خازم فنزل على واد بينه وبين هراة، فأشار البكريون بالخروج من هراة ~~وعمل خندق، فقال أوس: بل نلزم المدينة فإنها حصينة ونطاول ابن خازم نحو ~~سنة، وقال له هلال الضبي: إنما تقاتل إخوتك وبني أبيك، فإن نلت منهم الذي ~~تريد فما في العيش خير، فلو أعطيتهم شيئا يرضون به وأصلحت هذا الأمر. قال: ~~والله لو خرجنا لهم من خراسان ما رضوا. قال هلال: والله لا أقاتل معك أنا ~~ولا رجل أو ms1360 تطيعني حتى تعتذر إليهم. قال: فأنت رسولي إليهم فأرضهم. فأتى ~~هلال أوس بنن ثعلبة فناشده الله والقرابة في نزار وأن يحفظ ولاءها. فقال: ~~هل لقيت بني صهيب؟ قال: لا. قال: فالقهم. قال: فخرج فلقي جماعة من رؤساء ~~أصحابه فأخبرهم ما أتى له. فقالوا له: هل لقيت بني صهيب؟ فقال: لقد عظم أمر ~~بني صهيب عندكم، فأتاهم فكلمهم، فقالوا: لولا أنك رسول لقتلناك. قال: فهل ~~يرضيكم شيء؟ قالوا: واحدة من اثنتين: إما أن تخرجوا من خراسان، وإما أن ~~تقيموا وتخرجوا لنا عن كل سلاح وكراع وذهب وفضة. PageV02P0204 # فرجع إلى ابن خازم، فقال: ما عندك؟ فأخبره. فقال: إن ربيعة لم تزل غضابا ~~على ربها منذ بعث نبيه من مضر. وأقام ابن خازم يقاتلهم، فقال يوما لأصحابه: ~~قد طال مقامنا، وناداهم: يا معشر ربيعة أرضيتم من خراسان بخندقكم! فأحفظهم ~~ذلك، فتنادوا للقتال، فنهاهم أوس بن ثعلبة عن الخروج بجماعتهم وأن يقاتلوا ~~كما كانوا يقاتلون، فعصوه. فقال ابن خازم لأصحابه: اجعلوه يومكم فيكون ~~الملك لمن غلب، وإذا لقيتم الخيل فاطعنوها في مناخرها. فاقتتلوا ساعة ~~وانهزمت بكر بن وائل حتى انتهوا إلى خندقهم وتفرقوا يمينا وشمالا وسقط ~~الناس في الخندق وقتلوا قتلا ذريعا وهرب أوس بن ثعلبة إلى سجستان فمات بها ~~أو قريبا منها، وقتل من بكر يومئذ ثمانية آلاف، وغلب ابن خازم على هراة ~~واستعمل عليها ابنه محمدا وضم إليه شماس بن دثار العطاردي، وجعل بكير بن ~~وساج الثقفي على شرطته، ورجع ابن خازم إلى مرو. وأغارت الترك على قصر ~~اسغاد، وابن خازم على هراة، وكان فيه ناس من الأزد، فحصروهم، فأرسلوا إلى ~~ابن خازم، فوجه إليهم زهير بن حيان في بني تميم وقال له: إياك ومناوأة ~~الترك، إذا رأيتموهم فاحملوا عليهم. فوافاهم في يوم بارد، فلما التقوا حمل ~~عليهم فانهزمت الترك واتبعوهم حتى مضى عامة الليل، فرجع زهير وقد يبست يده ~~على رمحه من البرد، فجعلوا يخنون الشحم فيضعه على يده ودهنوه وأوقدوا له ~~نارا فانتفخت يده، ثم رجع إلى هراة؛ فقال في ms1361 ذلك ثابت قطنة: فدت نفسي فوارس ~~من تميم ... على ما كان من ضنك المقام بقصر الباهلي وقد أراني ... أحامي ~~حين قل به المحامي بسيفي بعد كسر الرمح فيهم ... أذودهم بذي شطب حسام أكر ~~عليهم اليحموم كرا ... ككر الشرب آنية المدام فلولا الله ليس له شريك ... ~~وضربي قونس الملك الهمام إذا فاضت نساء بني دثار ... أمام الترك بادية الخدام ### || AUT ذكر أمر التوابين # قيل: لما قتل الحسين ورجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة ودخل الكوفة ~~تلاقت الشيعة بالتلاوم والتندم، ورأت أن قد أخطأت خطأ كبيرا بدعائهم الحسين ~~وتركهم نصرته وإجابته حتى قتل إلى جانبهم، ورأوا أنه لا يغسل عارهم والإثم ~~عليهم إلا قتل من قتله أو القتل فيهم، فاجتمعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من ~~رؤساء الشيعة: إلى سليمان بن صرد الخزاعي، وكانت له صحبة، وإلى المسيب بن ~~نجبة الفزاري، وكان من أصحاب علي، وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، ~~وإلى عبد الله بن وال التيمي، تيم بكر بن وائل، وإلى رفاعة بن شداد البجلي، ~~وكانوا من خيار أصحاب علي، فاجتمعوا في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، فبدأهم ~~المسيب بن نجبة فقال بعد حمد الله: أما بعد فإنا ابتلينا بطول العمر ~~والتعرض لأنواع الفتن، فنرغب إلى ربنا أن لا يجعلنا ممن يقول له غدا: (أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر) فاطر: 37، فإن أمير المؤمنين عليا قال: العمر ~~الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة، وليس فينا رجل إلا وقد بلغه، وقد ~~كنا مغرمين بتزكية أنفسنا فوجدنا الله كاذبين في كل موطن من مواطن ابن بنت ~~نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد بلغنا قبل ذلك كتبه ورسله وأعذر إلينا فسألنا ~~نصره عودا وبدءا وعلانية فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتل إلى جانبنا لا نحن ~~نصرناه بأيدينا ولا جادلنا عنه بألسنتنا ولا قويناه بأموالنا ولا طلبنا له ~~النصرة إلى عشائرنا، فما عذرنا عند ربنا وعند لقاء نبينا وقد قتل فينا ولد ~~حبيبه وذريته ونسله؟ لا والله لا عذر دون أن ms1362 تقتلوا قاتله والموالين عليه، ~~أو تقتلوا في طلب ذلك، فعسى ربنا أن يرضى عنا عند ذلك، ولا أنا بعد لقائه ~~لعقوبته بآمن. أيها القوم ولوا عليكم رجلا منكم فإنه لابد لكم من أمير ~~تفزعون إليه وراية تحفون بها. PageV02P0205 # وقام رفاعة بن شداد وقال: أما بعد فإن الله قد هداك لأصوب القول وبدأت ~~بأرشد الأمور بدعائك إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم، ~~فمسموع منك مستجاب إلى قولك، وقلت: ولوا أمركم رجلا تفزعون إليه وتحفون ~~برايته، وقد رأينا مثل الذي رأيت، فإن تكن أنت ذلك الرجل تكن عندنا مرضيا، ~~وفينا منتصحا، وفي جماعتنا محبوبا، وإن رأيت ورأى أصحابنا ذلك ولينا هذا ~~الأمر شيخ الشيعة وصاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وذا السابقة والقدم ~~سليمان بن صرد الخزاعي، المحمود في بأسه ودينه، الموثوق بحزمه. وتكلم عبد ~~الله بن سعد بنحو ذكل وأثنيا على المسيب وسليمان. فقال المسيب: قد أصبتم ~~فولوا أمركم سليمان بن صرد. فتكلم سليمان فقال بعد حمد الله: أما بعد فإني ~~لخائف ألا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة وعظمت فيه ~~الرزية وشمل فيه الجور أولي الفضل من هذه الشيعة لما هو خير، إنا كنا نمد ~~أعناقنا إلى قدوم آل بيت نبينا، صلى الله عليه وسلم، نمنيهم النصر ونحثهم ~~على القدوم، فلما قدموا ونينا وعجزنا وأدهنا وتربصنا حتى قتل فينا ولد ~~نبينا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه إذ جعل يستصرخ ويسأل النصف فلا ~~يعطى، اتخذه الفاسقون غرضا للنبل ودريئة للرماح حتى أقصدوه، وعدوا عليه ~~فسلبوه. ألا انهضوا، فقد سخط عليكم ربكم ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء ~~حتى يرضى الله، والله ما أظنه راضيا دون أن تناجزوا من قتله، ألا لا تهابوا ~~الموت فما هابه أحد قط إلا ذل، وكونوا كبني إسرائيل إذ قال لهم نبيهم: ~~(إنكم ظلمتم أنفسكم) (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم) البقرة: 54، ~~ففعلوا وجثوا على الركب ومدوا الأعناق حين علموا أنهم لا ينجيهم من عظيم ~~الذنب إلا القتل، فكيف بكم لو دعيتم ms1363 إلى ما دعوا! أحدوا السيوف وركبوا ~~الأسنة (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) الأنفال: 60، حتى ~~تدعوا وتستنفروا. فقال خالد بن سعد بن نفيل: أما أنا فوالله لو أعلم أنه ~~ينجيني من ذنبي ويرضي ربي عني قتلي نفسي لقتلتها، وأنا أشهد كل من حضر أن ~~كل ما أصبحت أملكه سوى سلاحي الذي أقاتل به عدوي صدقة على المسلمين أقويهم ~~به على قتال الفاسقين. قال أبو المعتمر بن حنش بن ربيعة الكناني مثل ذلك. ~~فقال سليمان: حسبكم، من أراد من هذا شيئا فليأت به عبد الله بن وال التيمي، ~~فإذا اجتمع عنده كل ما تريدون إخراجه جهزنا به ذوي الخلة والمسكنة من ~~أشياعكم. وكتب سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة بن اليمان يعلمه بما عزموا ~~عليه ويدعوه إلى مساعدتهم ومن معه من الشيعة بالمدائن، فقرأ سعد بن حذيفة ~~الكتاب على من بالمدائن من الشيعة، فأجابوا إلى ذلك، فكتبوا إلى سليمان بن ~~صرد يعلمونه أنهم على الحركة إليه والمساعدة له. وكتب سليمان أيضا كتابا ~~إلى المثنى بن مخربة العبدي بالبصرة مثل ما كتب إلى سعد بن حذيفة، فأجابه ~~المثنى: إننا معشر الشيعة حمدنا الله على ما عزمتم عليه ونحن موافوك إن شاء ~~الله للأجل الذي ضربت. وكتب في أسفل الكتاب: تبصر كأني قد أتيتك معلما ... ~~على أتلع الهادي أجش هزيم طويل القرا نهد الشواة مقلص ... ملح على فأس ~~اللجام أزوم بكل فتى لا يملأ الروع قلبه ... محش لنار الحرب غير سؤوم أخي ~~ثقة ينوي الإله بسعيه ... ضروب بنصل السيف غير أثيم فكان أول ما ابتدأوا به ~~أمرهم بعد قتل الحسين سنة إحدى وستين، فما زالوا بجمع آلة الحرب ودعاء ~~الناس في السر إلى الطلب بدم الحسين، فكان يجيبهم النفر، ولم يزالوا على ~~ذلك إلى أن هلك يزيد بن معاوية سنة أربع وستين، فلما مات يزيد جاء إلى ~~سليمان أصحابه فقالوا: قد هلك هذا الطاغية والأمر ضعيف، فإن شئت وثبنا على ~~عمرو بن حريث، وكان خليفة ابن زياد على الكوفة، ms1364 ثم أظهرنا الطلب بدم الحسين ~~وتتبعنا قتلته ودعونا الناس إلى أهل هذا البيت المستأثر عليهم المدفوعين عن ~~حقهم. PageV02P0206 # فقال سليمان بن صرد: لا تعجلوا، إني قد نظرت فيما ذكرتم فرأيت أن قتلة ~~الحسين هم أشراف الكوفة وفرسان العرب وهم المطالبون بدمه، ومتى علموا ما ~~تريدون كانوا أشد الناس عليكم، ونظرت فيمن تبعني منكم فعلمت أنهم لو خرجوا ~~لم يدركوا ثأرهم ولم يشفوا نفوسهم وكانوا جزرا لعدوهم، ولكن بثوا دعاتكم ~~وادعوا إلى أمركم. ففعلوا واستجاب لهم ناس كثير بعد هلاك يزيد. ثم إن أهل ~~الكوفة أخرجوا عمرو بن حريث وبايعوا لابن الزبير، وسليمان وأصحابه يدعون ~~الناس. فلما مضت ستة أشهر بعد هلال يزيد قدم المختار بن أبي عبيد الكوفة في ~~النصف من رمضان، وقدم عبد الله بن يزيد الأنصاري أميرا على الكوفة من قبل ~~ابن الزبير لثمان بقين من رمضان، وقدم إبراهيم بن محمد بن طلحة معه على ~~خراج الكوفة. فأخذ المختار يدعو الناس إلى قتال قتلة الحسين ويقول: جئتكم ~~من عند المهدي محمد بن الحنفية وزيرا أمينا. فرجع إليه طائفة من الشيعة، ~~وكان يقول: إنما يريد سليمان أن يخرج فيقتل نفسه ومن معه وليس له بصر ~~بالحرب. وبلغ الخبر عبد الله بن يزيد بالخروج عليه بالكوفة في هذه الأيام، ~~وقيل له ليحبسه، وخوف عاقبة أمره إن تركه. فقال عبد الله: إن هم قاتلونا ~~قاتلناهم، وإن تركونا لم نطلبهم. إن هؤلاء القوم يطلبون بدم الحسين بن علي، ~~فرحم الله هؤلاء القوم، إنهم آمنون، فليخرجوا ظاهرين وليسيروا إلى من قاتل ~~الحسين، فقد أقبل إليهم، يعني ابن زياد، وأنا لهم ظهير، هذا ابن زياد قاتل ~~الحسين وقاتل أخياركم وأمثالكم قد توجه إليكم، وقد فارقوه على ليلة من جسر ~~منبج فالقتال والاستعداد إليه أولى من أن تجعلوا بأسكم بينكم فيقتل بعضكم ~~بعضا فيلقاكم عدوكم وقد ضعفتم، وتلك أمنيته، وقد قدم عليكم أعدى خلق الله ~~لكم، من ولي عليكم هو وأبوه سبع سنين لا يقلعان عن قتل أهل العفاف والدين، ~~هو الذي من قبله أتيتم، ms1365 والذي قتل من تنادون بدمه قد جاءكم فاستقبلوه بحدكم ~~وشوكتكم واجعلوها به ولا تجعلوها بأنفسكم، إني لكم ناصح. وكان مروان قد سير ~~ابن زياد إلى الجزيرة، ثم إذا فرغ منها سار إلى العراق. فلما فرغ عبد الله ~~بن يزيد من قوله قال إبراهيم بن محمد بن طلحة: أيها الناس لا يغرنكم من ~~السيف والغشم مقالة هذا المداهن، والله لئن خرج علينا خارج لنقتله، ولئن ~~استيقنا أن قوما يريدون الخروج علينا لنأخذن الوالد بولده والمولود بوالده ~~والحميم بالحميم والعريف بما في عرافته حتى يدينوا للحق ويذللوا للطاعة. ~~فوثب إليه المسيب بن نجبة فقطع عليه منطقة ثم قال: يا ابن الناكثين! أنت ~~تهددنا بسيفك وغشمك! أنت والله أذل من ذلك! إنا لا نلومك على بغضنا وقد ~~قتلنا أباك وجدك، وأما أنت أيها الأمير فقد قلت قولا سديدا. فقال إبرهيم: ~~والله لتقتلن وقد أدهن هذا، يعني عبد الله بن يزيد. فقال له عبد الله بن ~~وال: ما اعتراضك فيما بيننا وبين أميرنا؟ ما أنت علينا بأمير إنما أنت أمير ~~هذه الجزية، فأقبل على خراجك، ولئن أفسدت أمر هذه الأمة فقد أفسده والداك ~~وكانت عليهما دائرة السوء! فشتمهم جماعة ممن مع إبراهيم فشاتموه، فنزل ~~الأمير من على المنبر، وتهدده إبراهيم بأنه يكتب إلى ابن الزبير يشكوه، ~~فجاءه عبد الله في منزله واعتذر إليه، فقبل عذره. ثم إن أصحاب سليمان خرجوا ~~ينشرون السلاح ظاهرين ويتجهزون. ### || AUT ذكر فراق الخوارج عبد الله بن الزبير وما كان بينهم # وفي هذه السنة فارق الخوارج الذين كانوا قدموا مكة عبد الله بن الزبير، ~~وكانوا قد قاتلوا معه أهل الشام. وكان سبب قدومهم عليه أنهم لما اشتد عليهم ~~ابن زياد بعد قتل أبي بلال اجتمعوا فتذاكروا ذلك، فقال لهم نافع بن الأزرق: ~~إن الله قد أنزل عليكم الكتاب، وفرض عليكم الجهاد، واحتج عليكم بالبيان، ~~وقد جرد أهل الظلم فيكم السيوف فاخرجوا بنا إلى هذا الذي قد ثار بمكة فإن ~~كان على رأينا جاهدنا معه، وإن يكن على غير رأينا جاهدنا ms1366 معه، وإن يكن على ~~غير رأينا دافعناه عن البيت. وكان عسكر الشام قد سار نحو ابن الزبير. فسار ~~الخوارج حتى قدموا على ابن الزبير، فسر بمقدمهم وأخبرهم أنه على مثل رأيهم ~~من غير تفتيش. فقاتلوا معه أهل الشام حتى مات يزيد بن معاوية وانصرف أهل ~~الشام. PageV02P0207 # ثم إنهم اجتمعوا وقالوا: إن الذي صنعتم أمس لغير رأي، تقاتلون مع رجل لا ~~تدرون لعله ليس على مثل رأيكم، وقد كان أمس يقاتلكم هو وأبوه وينادي: يا ~~ثارات عثمان! فأتوه واسألوه عن عثمان فإن برىء منه كان وليكم، وإن أبى كان ~~عدوكم. فأتوه فسألوه، فنظر فإذا أصحابه حوله قليل، فقال: إنكم أتيتموني حين ~~أردت القيام، ولكن روحوا إلي العشية حتى أعلمكم. فانصرفوا، وبعث إلى أصحابه ~~فجمعهم حوله بالسلاح، وجاءت الخوارج وأصحابه حوله وعلى رأسه وبأيديهم ~~العمد، فقال ابن الأزرق لأصحابه: إن الرجل قد أزمع خلافكم، فتقدم إليه نافع ~~بن الأزرق وعبيدة بن هلال، فقال عبيدة بعد حمد الله: أما بعد فإن الله بعث ~~محمدا يدعو إلى عبادته وإخلاص الدين له، فدعا إلى ذلك فأجابه المسلمون، ~~فعمل فيهم بكتاب الله حتى قبضه الله واستخلف الناس أبا بكر واستخلف أبو بكر ~~عمر، فكلاهما عمل بكتاب الله وسنة نبيه، ثم إن الناس استخلفوا عثمان، فحمى ~~الأحماء وآثر القربى واستعمل الفتى ورفع الدرة ووضع السوط ومزق الكتاب وضرب ~~منكر الجور وآوى طريد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وضرب السابقين بالفضل ~~وحرمهم، وأخذ فيء الله الذي أفاء عليهم فقسمه في فساق قريش ومجان العرب، ~~فسارت إليه طائفة فقتلوه، فنحن لهم أولياء ومن ابن عفان وأوليائه برآء، فما ~~تقول أنت يا ابن الزبير؟ فقال: قد فهمت الذي ذكرت به النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، فهو فوق ما ذكرت وفوق ما وصفت، وفهمت ما ذكرت به أبا بكر وعمر، وقد ~~وفقت وأصبت، وفهمت الذي ذكرت به عثمان، وإني لا أعلم مكان أحد من خلق الله ~~اليوم أعلم بابن عفان وأمره مني، كنت معه حيث نقم القوم عليه واستعتبوه فلم ms1367 ~~يدع شيئا إلا أعتبهم، ثم رجعوا إليه بكتاب له يزعمون أنه كتبه يأمر فيه ~~بقتلهم، فقال لهم: ما كتبته فإن شئتم فهاتوا بينتكم فإن لم تكن حلفت لكم، ~~فوالله ما جاؤوه ببينة ولا استحلفوه ووثبوا عليه فقتلوه، وقد سمعت ما عتبته ~~به، فليس كذلك بل هو لكل خير أهل، وأنا أشهدكم ومن حضرني أني ولي لابن عفان ~~وعدو أعدائه فبرىء الله منكم. وتفرق القوم فاقبل نافع بن الأزرق الحنظلي ~~وعبد الله بن الصفار السعدي وعبد الله بن إباض وحنظلة بن بيهس وبنو ~~الماحوز: عبد الله وعبيد الله والزبير من بني سليط بن يربوع، وكلهم من ~~تميم، حتى أتوا البصرة، وانطلق أبو طالوت، من بني بكر بن وائل، وأبو فديك ~~عبد الله بن ثور بن قيس بن ثعلبة، وعطية بن الأسود اليشكري إلى اليمامة، ~~فوثبوا بها مع أبي طالوت، ثم أجمعوا بعد ذلك على نجدة بن عامر الحنفي ~~وتركوا أبا طالوت. فأما نافع وأصحابه فإنهم قدموا البصرة وهم على رأي أبي ~~بلال، واجتمعوا وتذاكروا فضيلة الجهاد، فخرج نافع على ثلاثمائة، وذلك عند ~~وثوب الناس بابن زياد وكسر الخوارج باب السجن، وخرجوا واشتغل الناس عنهم ~~بحرب الأزد وربيعة وتميم، فلما خرج نافع تبعوه، واصطلح أهل البصرة على عبد ~~الله بن الحارث، فتجرد الناس للخوارج وأخافوهم، فلحق نافع بالأهواز في شوال ~~سنة أربع وستين، وخرج من بقي منهم بالبصرة إلى ابن الأزرق إلا من لم يرد ~~الخروج يومه ذلك، منهم: عبد الله بن الصفار، وعبد الله بن إباض، ورجال ~~معهما على رأيهما، ونظر نافع فرأى أن ولاية من تخلف عن الجهاد من الذين ~~قعدوا من الخوارج لا تحل له، وأن من تخلف عنه لا نجاة له، فقال لأصحابه ذلك ~~ودعاهم إلى البراءة منهم وأنهم لا يحل لهم مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم، ولا ~~يجوز قبول شهادتهم وأخذ علم الدين عنهم، ولا يحل ميراثهم، ورأى قتل الأطفال ~~والاستعراض، وأن جميع المسلمين كفار مثل كفار العرب لا يقبل منهم إلا ~~الإسلام أو القتل. فأجابه إلى ذلك ms1368 بعضهم وفارقه بعضهم، وممن فارقه نجدة بن ~~عامر، وسار إلى اليمامة، فأطاعه الخوارج الذين بها وتركوا أبا طالوت، فكتب ~~نافع إلى ابن إباض وابن الصفار يدعوهما ومن معهما إلى ذلك، فقرأ ابن الصفار ~~الكتاب ولم يقرأه على أصحابه خشية أن يتفرقوا ويختلفوا، فأخذه ابن إباض ~~فقرأه، فقال: قاتله الله أي رأي رأى! صدق نافع، لو كان القوم مشركين كان ~~أصوب الناس رأيا وكانت سيرته كسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في المشركين، ~~ولكنه قد كذب فيما يقول، إن القوم برآء من الشرك ولكنهم كفار بالنعم ~~والأحكام ولا يحل لنا إلا دماؤهم، وما سوى ذلك فهو حرام علينا. ~~PageV02P0208 # فقال له ابن الصفار: برىء الله منك فقد قصرت، وبرىء الله من ابن الأزرق ~~فقد غلا. فقال الآخر: برىء الله منك ومنه. فتفرق القوم واشتدت شوكة ابن ~~الأزرق وكثرت جموعه وأقام بالأهواز يجبي الخراج ويتقوى به، ثم أقبل نحو ~~البصرة حتى دنا من الجسر، فبعث إليه عبد الله بن الحارث مسلم بن عبيس بن ~~كريز بن ربيعة من أهل البصرة. عبيس بالعين المهملة المضمومة، والباء ~~الموحدة، والياء المعجمة المثناة من تحت، وبالسين المهملة. وعبيدة بن بلال ~~بضم العين المهملة، والباء الموحدة. ### || AUT ذكر قدوم المختار الكوفة # كانت الشيعة تسب المختار وتعيبه لما كان منه في أمر الحسن بن علي حين ~~طعن في ساباط وحمل إلى أبيض المدائن، حتى إذا كان زمن الحسين، بعث الحسين ~~مسلم بن عقيل إلى الكوفة، وكان المختار في قرية له تدعى لفغا، فجاءه خبر ~~ابن عقيل عند الظهر أنه قد ظهر، ولم يكن خروجه عن ميعاد كما سبق، فأقبل ~~المختار في مواليه فانتهى إلى باب الفيل بعد المغرب، وقد أقعد عبيد الله بن ~~زياد عمرو بن حريث بالمسجد ومعه راية، فوقف المختار لا يدري ما يصنع، فبلغ ~~خبره عمرا فاستدعاه وآمنه، فحضر عنده. فلما كان الغد ذكر عمارة بن الوليد ~~بن عقبة أمره لعبيد الله، فأحضره فيمن دخل وقال له: أنت المقبل في الجموع ~~لتنصر ابن عقيل؟ قال: لم ms1369 أفعل ولكني أقبلت ونزلت تحت راية عمرو، فشهد له ~~عمرو، فضرب وجه المختار فشتر عينه وقال: لولا شادة عمرو لقتلتك! ثم حبسه ~~حتى قتل الحسين. ثم إن المختار بعث إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب يسأله أن ~~يشفع فيه، وكان ابن عمر تزوج أخت المختار صفية بنت أبي عبيد، فكتب ابن عمر ~~إلى يزيد يشفع فيه، فأرسل يزيد إلى ابن زياد يأمره بإطلاقه، فأطلقه وأمره ~~أن لا يقيم غير ثلاث. فخرج المختار إلى الحجاز، فلقيه ابن العرق وراء واقصة ~~فسلم عليه وسأله عن عينه، فقال: خبطها ابن الزانية بالقضيب فصارت كما ترى، ~~ثم قال: قتلني الله إن لم أقطع أنامله وأعضاءه إربا إربا! ثم سأله المختار ~~عن ابن الزبير، فقال: إنه عائذ بالبيت وإنه يبايع سرا ولو اشتدت شوكته ~~وكثرت رجاله لظهر. فقال المختار: إنه رجل العرب اليوم وإن اتبع رأيي أكفه ~~أمر الناس. إن الفتنة أرعدت وأبرقت وكأن قد انبعثت، فإذا سمعت بمكان قد ~~ظهرت به في عصابة من المسلمين أطلب بدم الشهيد المظلوم المقتول بالطف، سيد ~~المسلمين وابن بنت سيد المرسلين وابن سيدها، الحسين بن علي، فوربك لأقتلن ~~بقتله عدة من قتل على دم يحيى بن زكرياء. ثم سار وابن العرق يعجب من قوله، ~~قال ابن العرق: فوالله لقد رأيت ما ذكره وحدثت به الحجاج بن يوسف، فضحك ~~وقال: لله دره أي رجل دينا، ومسعر حرب، ومقارع أعداء كان! ثم قدم المختار ~~على ابن الزبير، فكتم عنه ابن الزبير أمره، ففارقه وغاب عنه سنة، ثم سأل ~~عنه ابن الزبير فقيل إنه بالطائف وإنه يزعم أنه صاحب الغضب ومسير الجبارين. ~~فقال ابن الزبير: ما له قاتله الله؟ لقد انبعث كذابا متكهنا، إن يهلك الله ~~الجبارين يكن المختار أولهم. فهو في حديثه إذ دخل المختار المسجد فطاف وصلى ~~ركعتين وجلس، فأتاه معارفه يحدثونه، ولم يأت ابن الزبير، فوضع ابن الزبير ~~عليه عباس بن سهل بن مسعر، فأتاه وسأله عن حاله ثم قال له: مثلك يغيب عن ~~الذي قد اجتمع ms1370 عليه الأشراف من قريش والأنصار وثقيف! لم تبق قبيلة إلا وقد ~~أتاه زعيمها فبايع هذا الرجل. فقال: إني أتيته العام الماضي وكتم عني خبره، ~~فلما استغنى عني أحببت أن أريه أني مستغن عنه. فقال له العباس: القه الليلة ~~وأنا معك. فأجابه إلى ذلك، ثم حضر عند ابن الزبير بعد العتمة، فقال ~~المختار: أبايعك على أن لا تقضي الأمور دوني وعلى أن أكون أول داخل، وإذا ~~ظهرت استعنت بي على أفضل عملك. فقال ابن الزبير: أبايعك على كتاب الله وسنة ~~رسوله. فقال: وشر علماني تبايعه على ذلك، والله لا أبايعك أبدا إلا على ~~ذلك. فبايعه، فأقام عنده وشهد معه قتال الحصين بن نمير وأبلى أحسن بلاء ~~وقاتل أشد قتال، وكان أشد الناس على أهل الشام. PageV02P0209 # فلما هلك يزيد بن معاوية وأطاع أهل العراق ابن الزبير أقام عنده خمسة ~~أشهر، فلما رآه لا يستعمله جعل لا يقدم عليه أحد من أهل الكوفة إلا سأله عن ~~حال الناس، فأخبره هانىء بن جبة الوادعي باتساق أهل الكوفة على طاعة ابن ~~الزبير إلا أن طائفة من الناس هم عدد أهلها لو كان لهم من يجمعهم على رأيهم ~~أكل بهم الأرض إلى يوم ما. فقال المختار: أنا أبو إسحاق، أنا والله لهم أن ~~أجمعهم على الحق وألقى بهم ركبان الباطل وأهلك بهم كل جبار عنيد. ثم ركب ~~راحلته نحو الكوفة فوصل إلى نهر الحيرة يوم الجمعة فاغتسل ولبس ثيابه ثم ~~ركب فمر بمسجد السكون وجبانة كندة لا يمر على مجلس إلا سلم على أهله وقال: ~~أبشروا بالنصرة والفلج، أتاكم ما تحبون. ومر ببني بدء فلقي عبيدة بن عمرو ~~البدي من كندة، فسلم عليه وقال له: أبشر بالنصر والفلج، إنك أبا عمرو على ~~رأي حسن، لن يدع الله لك معه إثما إلا غفره لك ولا ذنبا إلا ستره. وكان ~~عبيدة من أشجع الناس وأشعرهم وأشدهم تشيعا وحبا لعلي، وكان لايصبر عن ~~الشراب، فقال له: بشرك الله بالخير! فهل أنت مبين لنا؟ قال: نعم، القني ~~الليلة. ثم سافر ms1371 ببني هند فلقي إسماعيل بن كثير فرحب به وقال له: القني أنت ~~وأخوك الليلة فقد أتيتكم بما تحبون. ومر على حلقة من همدان فقال: قد قدمت ~~عليكم بما يسركم، ثم أتى المسجد واستشرف له الناس، فقام إلى سارية فصلى ~~عندها حتى أقيمت الصلاة وصلى مع الناس ثم صلى ما بين الجمعة والعصر ثم ~~انصرف إلى داره، واختلف إليه الشيعة، وأتى إسماعيل بن كثير وأخوه وعبيدة بن ~~عمرو فسألهم فأخبروه خبر سليمان بن صرد وأنه على المنبر، فحمد الله ثم قال: ~~إن المهدي ابن الوصي بعثني إليكم أمينا ووزيرا ومنتخبا وأميرا وأمرني بقتل ~~الملحدين والطلب بدم أهل بيته والدفع عن الضعفاء، فكونوا أول خلق الله ~~إجابة. فضربوا على يده وبايعوه؛ وبعث إلى الشيعة وقد اجتمعت عند سليمان بن ~~صرد وقال لهم نحو ذلك، وقال لهم: إن سليمان ليس له بصر بالحرب ولا تجربة ~~بالأمور وإنما يريد أن يخرجكم فيقتلكم ويقتل نفسه، وأنا أعمل على مثال مثل ~~لي وأمر بين لي عن وليكم، وأقتل عدوكم وأشفي صدوركم، فاسمعوا قولي وأطيعوا ~~أمري، ثم انتشروا. وما زال بهذا ونحوه حتى استمال طائفة من الشيعة وصاروا ~~يختلفون إليه ويعظمونه، وعظماء الشيعة مع سليمان لا يعدلون به أحدا، وهو ~~أثقل خلق الله على المختار، وهو ينظر إلى ما يصير أمر سليمان. فلما خرج ~~سليمان نحو الجزيرة قال عمر بن سعد وشبث بن ربعي وزيد بن الحارث بن رويم ~~لعبد الله بن يزيد الخطمي وإبراهيم بن محمد بن طلحة: إن المختار أشد عليكم ~~من سليمان، إنما خرج يقاتل عدوكم، وإن المختار يريد أن يثب عليكم في مصركم، ~~فأوثقوه واسجنوه حتى يستقيم أمر الناس. فأتوه فأخذوه بغتة، فلما رآهم قال: ~~ما لكم؟ فوالله ما ظفرت أكفكم! فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة: شدة كتافا ~~ومشه حافيا. فقال عبد الله: ما كنت لأفعل هذا برجل لم يظهر لنا غدره، إنما ~~أخذناه على الظن. فقال إبراهيم: ليس هذا بعشك فادرجي. ما هذا الذي بلغنا ~~عنك يا ابن أبي عبيد؟ فقال: ms1372 ما بلغك عني إلا باطل وأعوذ بالله من غش كغش ~~أبيك وجدك! ثم حمل إلى السجن غير مقيد، وقيل: بل كان مقيدا، فكان يقول في ~~السجن: أما ورب البحار، النخيل والأشجار، والمهامه والقفار، والملائكة ~~الأبرار، والمصطفين الأخيار، لأقتلن كل جبار، بكل لدن خطار، ومهند بتار، ~~بجموع الأنصار، ليسوا بميل أغمار، ولا بعزل أشرار؛ حتى إذا أقمت عمود ~~الدين، وزايلت شعب صدع المسلمين، وشفيت غليل صدور المؤمنين، وأدركت ثأر ~~النبيين، لم يكبر علي زوال الدنيا، ولم أحفل بالموت إذا أتى. وقيل في خروج ~~المختار إلى الكوفة وسببه غير ما تقدم، وهو أن المختار قال لابن الزبير وهو ~~عنده: إني لأعلم قوما لو أن لهم رجلا له فقه وعلم بما يأتي ويذر لاستخرج لك ~~منهم جندا تقاتل بهم أهل الشام. قال: من هم؟ قال: شيعة علي بالكوفة. قال: ~~فكن أنت ذلك الرجل. فبعثه إلى الكوفة، فنزل ناحية منها يبكي على الحسين ~~ويذكر مصابه حتى لقوه وأحبوه فنقلوه إلى وسط الكوفة وأتاه منهم بشر كثير، ~~فلما قوي أمره سار إلى ابن مطيع. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV02P0210 # حج بالناس هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان عامله على المدينة فيها ~~أخوه عبيدة بن الزبير، وعلى الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي، وعلى قضائها ~~هشام بن هبيرة، وعلى البصرة عمر بن عبيد الله بن عمر التيمي، وعلى خراسان ~~عبد الله بن خازم. وفيها مات شداد بن أوس بن ثابت، وهو ابن أخي حسان بن ~~ثابت. وفيها توفي المسور بن مخرمة بمكة في اليوم الذي ورد فيه خبر موت يزيد ~~بن معاوية، وكان سبب موته أن أصابته فلقة حجر منجنيق في جانب وجهه فمرض ~~أياما ومات. وفيها توفي أبو برزة الأشهلي بخراسان. وفيها توفي الوليد بن ~~عتبة بن أبي سفيان في قول. وفي أيام يزيد مات أبو ثعلبة الخشني، وقيل: مات ~~سنة خمس وسبعين، له صحبة. وفي أيامه أيضا مات عائذ بن عمرو المزني بالبصرة، ~~وشهد بيعة الرضوان. وفي أيام ابن زياد بالكوفة مات قيس بن ms1373 خرشة، وهو صحابي، ~~وخبر موته عجيب مع ابن زياد لأنه كان قوالا بالحق. وفي أيامه مات نوفل بن ~~معاوية بن عمرو الدئلي. وفي أيامه مات أبو خيثمة الأنصاري، شهد أحدا، وذكره ~~في تبوك مشهور. وفي أيامه مات عتبان بن مالك، وهو بدري. وفي هذه السنة توفي ~~شقيق بن ثور السدوسي. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وستين # ### || AUT ذكر مسير التوابين وقتلهم # لما أراد سليمان بن صرد الخزاعي الشخوص سنة خمس وستين بعث إلى رؤوس ~~أصحابه فأتوه، فلما أهل ربيع الآخر خرج في وجوه أصحابه، وكانوا تواعدوا ~~للخروج تلك الليلة، فلما أتى النخيلة دار في الناس فلم يعجبه عددهم، فأرسل ~~حكيم بن منقذ الكندي والوليد بن عصير الكناني، فناديا في الكوفة: يا لثارات ~~الحسين! فكانا أول خلق الله دعوا: يا لثارات الحسين. فأصبح من الغد وقد ~~أتاه نحو مما في عسكره، ثم نظر في ديوانه فوجدهم ستة عشر ألفا ممن بايعه، ~~فقال: سبحان الله! ما وافانا من ستة عشر ألفا إلا أربعة آلاف. فقيل له: إن ~~المختار يثبط الناس عنك، إنه قد تبعه ألفان. فقال: قد بقي عشرة آلاف، أما ~~هؤلاء بمؤمنين؟ أما يذكرون الله والعهود والمواثيق؟ فأقام بالنخيلة ثلاثا ~~يبعث إلى من تخلف عنه، فخرج إليه نحو من ألف رجل. فقام إليه المسيب بن نجبة ~~فقال: رحمك الله! إنه لا ينفعك الكاره ولا يقاتل معك إلا من أخرجته النية، ~~فلا تنتظر أحدا وجد في أمرك. قال: نعم ما رأيت. ثم قام سليمان في أصحابه ~~فقال: أيها الناس من كان خرج يريد بخروجه وجه الله والآخرة فذلك منا ونحن ~~منه فرحمة الله عليه حيا وميتا، ومن كان إنما يريد الدنيا فوالله ما نأتي ~~فيئا نأخذه وغنيمة نغنمها ما خلا رضوان الله، وما معنا من ذهب ولا فضة ولا ~~متاع، وما هو إلا سيوفنا على عواتقنا، وزاد قدر البلغة، فمن كان ينوي غير ~~هذا فلا يصحبنا. فتنادى أصحاب من كل جانب: إنا لا نطلب الدنيا وليس لها ~~خرجنا إنما خرجنا نطلب التوبة ms1374 والطلب بدم ابن بنت رسول الله نبينا صلى الله ~~عليه وسلم. فلما عزم سليمان على المسير قال له عبد الله بن سعد بن نفيل: ~~إني قد رأيت رأيا إن يكن صوابا فالله الموفق، وإن يكن ليس صوابا فمن قبلي؛ ~~إنا خرجنا نطلب بدم الحسين، وقتلته كلهم بالكوفة، منهم عمر بن سعد ورؤوس ~~الأرباع والقبائل، فأين نذهب ها هنا وندع الأوتار؟ فقال أصحابه كلهم: هذا ~~هو الرأي. فقال سليمان: لكن أنا لا أرى ذلك، إن الذي قتله وعبأ الجنود إليه ~~وقال لا أمان له عندي دون أن يستسلم فأمضي فيه حكمي، هذا الفاسق ابن الفاسق ~~عبيد الله بن زياد، فسيروا إليه على بركة الله فإن يظهركم الله عليه رجونا ~~أن يكون من بعده أهون علينا منه، ورجونا أن يدين لكم أهل مصركم في عافية ~~فينظرون إلى كل من شرك في دم الحسين فيقتلونه ولا يفشوا، وإن تستشهدوا ~~فإنما قاتلتم المحلين، وما عند الله خير للأبرار، إني لا أحب أن تجعلوا ~~جدكم بغير المحلين، ولو قاتلتم أهل مصركم ما عدم رجل أن يرى رجلا قد قتل ~~أخاه وأباه وحميمه ورجلا يريد قتله، فاستخيروا الله وسيروا. PageV02P0211 # وبلغ عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة خروج ابن صرد، فأتياه في ~~أشراف أهل الكوفة ولم يصحبهم من شرك في دم الحسين خوفا منه، وكان عمر بن ~~سعد تلك الأيام يبيت في قصر الإمارة خوفا منهم. فلما أتياه قال عبد الله بن ~~يزيد: إن المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يغشه، وأنتم إخواننا وأهل بلدنا ~~وأحب أهل مصر خلقه الله إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم ولا تنقصوا عددنا ~~بخروجكم من جماعتنا، أقيموا معنا حتى نتهيأ، فإذا سار عدونا إلينا خرجنا ~~إليه بجماعتنا فقاتلناه. وجعل لسليمان وأصحابه خراج جوخي إن أقاموا. وقال ~~إبراهيم بن محمد مثله؛ فقال سليمان لهما: قد محضتما النصيحة واجتهدتما في ~~المشورة، فنحن بالله وله، ونسأل الله العزيمة على الرشد ولا نرانا إلا ~~سائرين. فقال عبد الله: فأقيموا حتى نعبي معكم جريدا كثيفا ms1375 فتلقوا عدوكم ~~بجمع كثيف. وكان قد بلغهم إقبال عبيد بن زياد من الشام في جنود. فلم يقم ~~سليمان، فسار عشية الجمعة لخمس مضين من ربيع الآخر سنة خمس وستين، فوصل دار ~~الأهواز وقد تخلف عنه ناس كثير، فقال: ما أحب أن تتخلفوا ولو خرجوا فيكم ما ~~زادوكم إلا خبالا، إن الله كره انبعاثكم فثبطهم واختصكم بفضل ذلك. ثم ساروا ~~فانتهوا إلى قبر الحسين، فلما وصلوا صاحوا صيحة واحدة، فما رئي أكثر باكيا ~~من ذلك اليوم، فترحموا عليه وتابوا عنده من خذلانه وترك القتال معه وأقاموا ~~عنده يوما وليلة يبكون ويتضرعون ويترحمون عليه وعلى أصحابه، وكان من قولهم ~~عند ضريحه: اللهم ارحم حسينا الشهيد ابن الشهيد، المهدي ابن المهدي، الصديق ~~ابن الصديق، اللهم إنا نشهدك أنا على دينهم وسبيلهم وأعداء قاتليهم وأولياء ~~محبيهم، اللهم إنا خذلنا ابن بنت نبينا، صلى الله عليه وسلم، فاغفر لنا ما ~~مضى منا وتب علينا وارحم حسينا وأصحابه الشهداء الصديقين، وإنا نشهدك أنا ~~على دينهم وعلى ما قتلوا عليه، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين! وزادهم النظر إليه حنقا. ثم ساروا بعد أن كان الرجل يعود إلى ~~ضريحه كالمودع له، فازدحم الناس عليه أكثر من ازدحامهم على الحجر الأسود، ~~ثم أخذوا على الأنبار، وكتب إليهم عبد الله بن يزيد كتابا، منه: يا قومنا ~~لا تطيعوا عدوكم، أنتم في أهل بلادكم خيار كلكم، ومتى يصبكم عدوكم يعلموا ~~أنكم أعلام مصركم فيطمعهم ذلك فيمن وراءكم، يا قومنا (إنهم إن يظهروا عليكم ~~يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا ابدا) الكهف: 20، يا قوم إن ~~أيدينا وأيدكم واحدة وعدونا وعدوكم واحد ومتى تجتمع كلمتنا على عدونا نظهر ~~على عدونا ومتى تختلف تهن شوكتنا على من خالفنا، يا قومنا لا تستغشوا نصحي ~~ولا تخالفوا أمري وأقبلوا حين يقرأ كتابي عليكم. والسلام. فقال سليمان ~~وأصحابه: قد أتانا هذا ونحن في مصرنا، فحين وطأنا أنفسنا على الجهاد ودنونا ~~من أرض عدونا، ما هذا برأي. فكتب إليه سليمان يشكره ويثني عليه ms1376 ويقول: إن ~~القوم قد استبشروا ببيعهم أنفسهم من ربهم، وإنهم قد تابوا من عظيم ذنبهم ~~وتوجهوا إلى الله وتوكلوا عليه ورضوا بما قضى الله عليهم. فلما جاء الكتاب ~~إلى عبد الله قال: استمات القوم، أول خبر يأتيكم عنهم قتلهم، والله ليقتلن ~~كراما مسلمين. ثم ساروا حتى انتهوا إلى قرقيسيا على تعبية، وبها زفر بن ~~الحارث الكلابي قد تحصن بها منهم ولم يخرج إليهم، فأرسل إليه المسيب بن ~~نجبة يطلب إليه أن يخرج إليه سوقا، فأتى المسيب إلى باب قرقيسيا فعرفهم ~~نفسه وطلب الإذن على زفر، فأتى هذيل بن زفر أباه فقال: هذا رجل حسن الهيئة ~~اسمه المسيب بن نجبة يستأذن عليك. فقال أبوه: أما تدري يا بني من هذا؟ هذا ~~فارس مضر الحمراء كلها، إذا عد من أشرافها عشرة كان أحدهم هو، وهو بعد رجل ~~ناسك له دين، إيذن له. فأذن له، فلما دخل عليه أجلسه إلى جانبه وسأله، ~~فعرفه المسيب حاله وما عزموا عليه، فقال زفر: إنا لم نغلق أبواب المدينة ~~إلا لنعلم إيانا تريدون أم غيرنا، وما بنا عجز عن الناس وما نحب قتالكم، ~~وقد بلغنا عنكم صلاح وسيرة جميلة. ثم أمر ابنه فأخرج لهم سوقا، وأمر للمسيب ~~بألف درهم وفرس، فرد المال وأخذ الفرس وقال: لعلي أحتاج إليه إن عرج فرسي. ~~وبعث زفر إليهم بخبز كثير وعلف ودقيق حتى استغنى الناس عن السوق، إلا إن ~~كان الرجل يشتري سوطا أو ثوبا. PageV02P0212 # ثم ارتحلوا من الغد، وخرج إليهم زفر يشيعهم وقال لسليمان: إنه قد سار ~~خمسة أمراء من الرقة هم الحصين بن نمير وشرحبيل بن ذي الكلاع وأدهم بن محرز ~~وجبلة بن عبد الله الخثعمي وعبيد الله بن زياد في عدد كثير مثل الشوك ~~والشجر، فإن شئتم دخلتم مدينتنا وكانت أيدينا واحدة، فإذا جاءنا هذا العدو ~~قاتلناهم جميعا. فقال سليمان: قد طلب أهل مصرنا ذلك منا فأبينا عليهم. قال ~~زفر: فبادروهم إلى عين الوردة وهي رأس عين فاجعلوا المدينة في ظهوركم ويكون ~~الرستاق والماء والمادة في أيديكم وما ms1377 بيننا وبينكم فأنتم آمنون منه، ~~فاطووا المنازل، فوالله ما رأيت جماعة قط أكرم منكم، فإني أرجو أن تسبقوهم، ~~وإن قاتلتموهم فلا تقاتلوهم في فضاء ترامونهم وتطاعنونهم فإنهم أكثر منكم، ~~ولا آمن أن يحيطوا بكم، فلا تقفوا لهم فيصرعوكم، ولا تصفوا لهم، فإني لا ~~أرى معكم رجالة ومعهم الرجالة والفرسان بعضهم يحمي بعضا، ولكن القوهم في ~~الكتائب والمقانب ثم بثوها فيما بين ميمنتهم وميسرتهم واجعلوا مع كل كتيبة ~~أخرى إلى جانبها، فإن حمل على إحدى الكتيبتين رحلت الأخرى فنفست عنها، ومتى ~~شاءت كتيبة ارتفعت، ومتى شاءت كتيبة انحطت، ولو كنتم صفا واحدا فزحفت إليكم ~~الرجالة فدفعتم عن الصف انتقض فكانت الهزيمة. ثم ودعهم ودعا لهم ودعوا له ~~وأثنوا عليه. ثم ساروا مجدين فانتهوا إلى عين الوردة فنزلوا غربيها وأقاموا ~~خمسا فاستراحوا وأراحوا. وأقبل أهل الشام في عساكرهم حتى كانوا من عين ~~الوردة على مسيرة يوم وليلة، فقام سليمان في أصحابه وذكر الآخرة ورغب فيها ~~ثم قال: أما بعد فقد أتاكم عدوكم الذي دأبتم إليه في السير آناء الليل ~~والنهار، فإذا لقيتموهم فاصدقوهم القتال واصبروا إن الله مع الصابرين، ولا ~~يولينهم امرء دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة، ولا تقتلوا مدبرا، ~~ولا تجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيرا من أهل دعوتكم إلا أن يقاتلكم بعد ~~أن تأسروه، فإن هذه كانت سيرة علي في أهل هذه الدعوة. ثم قال: إن أنا قتلت ~~فأمير الناس مسيب بن نجبة، فإن قتل فالأمير عبد الله بن سعد بن نفيل، ~~فإنقتل فالأمير عبد الله بن وال، فإن قتل فالأمير رفاعة بن شداد، رحم الله ~~امرأ صدق ما عاهد الله عليه. ثم بعث المسيب في أربعمائة فارس ثم قال: سر ~~حتى تلقى أول عساكرهم فشن عليهم الغارة، فإن رأيت ما تحبه وإلا رجعت، وإياك ~~أن تترك واحدا من أصحابك أو يستقبل آخر ذلك، حتى لا تجد منه بدا. فسار يومه ~~وليلته ثم نزل السحر. فلما أصبحوا أرسل أصحابه في الجهات ليأتوه بمن يلقون، ~~فأتوه بأعرابي، فسأله ms1378 عن أدنى العساكر منه، فقال: أدنى عسكر من عساكرهم منك ~~عسكر شرحبيل بن ذي الكلاع، وهو منك على رأس ميل، وقد اختلف هو والحصين، ~~ادعى الحصين أنه على الجماعة وأبى شرحبيل ذلك، وهما ينتظران أمر ابن زياد. ~~فسار المسيب ومن معه مسرعين فأشرفوا عليهم وهم غارون، فحملوا في جانب ~~عسكرهم، فانهزم العسكر وأصاب المسيب منهم رجالا، فأكثروا فيهم الجراح ~~وأخذوا الدواب، وخلى الشاميون عسكرهم وانهزموا، فغنم منه أصحاب المسيب ما ~~أرادوا ثم انصرفوا إلى سليمان موفورين. وبلغ الخبر ابن زياد فسرح الحصين بن ~~نمير مسرعا حتى نزل في اثني عشرة ألفا، فخرج أصحاب سليمان إليه لأربع بقين ~~من جمادى الأولى، وعلى ميمنتهم عبد الله بن سعد، وعلى ميسرتهم المسيب بن ~~نجبة، وسليمان في القلب، وجعل الحصين على ميمنته جبلة بن عبد الله، وعلى ~~ميسرته ربيعة بن المخارق الغنوي، فلما دنا بعضهم من بعض دعاهم أهل الشام ~~إلى الجماعة على عبد الملك بن مروان، ودعاهم أصحاب سليمان إلى خلع عبد ~~الملك وتسليم عبيد الله بن زياد إليهم وأنهم يخرجون من بالعراق من أصحاب ~~ابن الزبير ثم يرد الأمر إلى أهل بيت النبي، صلى الله عليه وسلم، فأبى كل ~~منهم، فحملت ميمنة سليمان على ميسرة الحصين، والميسرة أيضا على الميمنة، ~~وحمل سليمان في القلب على جماعتهم، فانهزم أهل الشام إلى عسكرهم، وما زال ~~الظفر لأصحاب سليمان إلى أن حجز بينهم الليل. PageV02P0213 # فلما كان الغد صبح الحصين جيش مع ابن ذي الكلاع ثمانية آلاف، أمدهم بهم ~~عبيد الله بن زياد، وخرج أصحاب سليمان فقاتلوهم قتالا لم يكن أشد منه جميع ~~النهار لم يحجز بينهم إلا الصلاة، فلما أمسوا تحاجزوا وقد كثرت الجراح في ~~الفريقين، وطاف القصاص على أصحاب سليمان يحرضونهم. فلما أصبح أهل الشام ~~أتاهم أدهم بن محرز الباهلي في نحو من عشرة آلاف من ابن زياد، فاقتتلوا يوم ~~الجمعة قتالا شديدا إلى ارتفاع الضحى، ثم إن أهل الشام كثروهم وتعطفوا ~~عليهم من كل جانب، ورأى سليمان ما لقي أصحابه، فنزل ونادى: عباد ms1379 الله من ~~أراد البكور إلى ربه والتوبة من ذنبه فإلي! ثم كسر جفنة سيفه ونزل معه ناس ~~كثير وكسروا جفون سيوفهم ومشوا معه، فقاتلوهم، فقتل من أهل الشام مقتلة ~~عظيمة وجرحوا فيهم فأكثروا الجراح. فلما رأى الحصين صبرهم وبأسهم بعث ~~الرجالة ترميهم بالنبل واكتنفتهم الخيل والرجال، فقتل سليمان، رحمه الله، ~~رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع ثم وثب ثم وقع. فلما قتل سليمان أخذ الراية ~~المسيب بن نجبة وترحم على سليمان ثم تقدم فقاتل بها ساعة ثم رجع ثم حمل، ~~فعل ذلك مرارا، ثم قتل، رحمه الله، بعد أن قتل رجالا. فلما قتل أخذ الراية ~~عبد الله بن سعد بن نفيل وترحم عليهما، ثم قرأ: (فمنهم من قضى نحبه ومنهم ~~من ينتظر وما بدلوا تبديلا) الأحزاب: 23. وحف به من كان معه من الأزد. ~~فبينما هم في القتال أتاهم فرسان ثلاثة من سعد بن حذيفة يخبرون بمسيرهم في ~~سبعين ومائة من أهل المدائن ويخبرون أيضا بمسير أهل البصرة مع المثنى بن ~~مخربة العبدي في ثلاثمائة، فسر الناس فقال عبد الله بن سعد: ذلك لو جاؤونا ~~ونحن أحياء. فلما نظر الرسل إلى مصارع إخوانهم ساءهم ذلك واسترجعوا وقاتلوا ~~معهم، وقتل عبد الله بن سعد بن نفيل، قتله ابن أخي ربيعة بن مخارق، وحمل ~~خالد بن سعد بن نفيل على قاتل أخيه فطعنه بالسيف، واعتنقه الآخر فحمل ~~أصحابه عليه فخلصوه بكثرتهم وقتلوا خالدا، وبقيت الراية ليس عندها أحد، ~~فنادوا عبد الله بن وال فإذا هو قد اصطلى الحرب في عصابة معه، فحمل رفاعة ~~بن شداد فكشف أهل الشام عنه، فأتى فأخذ الراية وقاتل مليا ثم قال لأصحابه: ~~من أراد الحياة التي ليس بعدها موت والراحة التي ليس بعدها نصب، والسرور ~~الذي ليس بعده حزن، فليتقرب إلى الله بقتال هؤلاء المحلين، والرواح إلى ~~الجنة، وذلك عند العصر، فحمل هو وأصحابه فقتلوا رجالا وكشفوهم. ثم إن أهل ~~الشام تعطفوا عليهم من كل جانب حتى ردوهم إلى المكان الذي كانوا فيه، وكان ~~مكانهم لا يؤتى إلا ms1380 من وجه واحد، فلما كان المساء تولى قتالهم أدهم بن محرز ~~الباهلي فحمل عليهم في خيله ورجله، فوصل ابن محرز إلى ابن وال وهو يتلو: ~~(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا) آل عمران: 169 الآية؛ فغاظ ~~ذلك أدهم بن محرز فحمل عليه فضرب يده فأبانها ثم تنحى عنه وقال: إني أظنك ~~وددت أنك عند أهلك. قال ابن وال: بئس ما ظننت، والله ما أحب أن يدك مكانها ~~إلا أن يكون لي من الأجر مثل ما في يدي ليعظم وزرك ويعظم أجري. فغاظه ذلك ~~أيضا، فحمل عليه وطعنه فقتله وهو مقبل ما يزول. وكان ابن وال من الفقهاء ~~العباد. فلما قتل أتوا رفاعة بن شداد البجلي وقالوا: لتأخذ الراية. فقال: ~~ارجعوا بنا لعل الله يجمعنا ليوم شرهم. فقال له عبد الله بن عوف بن الأحمر: ~~هلكنا والله، لئن انصرفت ليركبن أكتافنا فلا نبلغ فرسخا حتى نهلك عن آخرنا، ~~وإن نجا منا ناج أخذته العرب يتقربون به إليهم فقتل صبرا، هذه الشمس قد ~~قاربت الغروب فنقاتلهم على خيلنا، فإذا غسق الليل ركبنا خيولنا أول الليل ~~وسرنا حتى نصبح ونسير على مهل ويحمل الرجل صاحبه وجريحه ونعرف الوجه الذي ~~نأخذه. فقال رفاعة: نعم ما رأيت! وأخذ الراية وقاتلهم قتالا شديدا، ورام ~~أهل الشام أهلاكهم قبل الليل فلم يصلوا إلى ذلك لشدة قتالهم، وتقدم عبد ~~الله بن عزيز الكناني فقاتل أهل الشام ومعه ولده محمد وهو صغير، فنادى بني ~~كنانة من أهل الشام وسلم ولده إليهم ليوصلوه إلى الكوفة، فعرضوا عليه ~~الأمان، فأبى ثم قاتلهم حتى قتل. PageV02P0214 # وتقدم كرب بن يزيد الحميري عند المساء في مائة من أصحابه فقاتلهم أشد ~~قتال، فعرض عليه وعلى أصحابه ابن ذي الكلاع الحميري الأمان، قال: قد كنا ~~آمنين في الدنيا وإنما خرجنا نطلب أمان الآخرة. فقاتلوهم حتى قتلوا. وتقدم ~~صخر بن هلال المزني في ثلاثين من مزينة فقاتلوا حتى قتلوا. فلما أمسوا رجع ~~أهل الشام إلى معسكرهم، ونظر رفاعة إلى كل رجل قد عقر به فرسه ms1381 وجرح فدفعه ~~إلى قومه ثم سار ليلته، وأصبح الحصين ليلتقيهم فلم يرهم، فلم يبعث في ~~آثارهم، وساروا حتى أتوا قرقيسيا، فعرض عليهم زفر الإقامة، فأقاموا ثلاثا، ~~فأضافهم ثم زودهم وساروا إلى الكوفة. ثم أقبل سعد بن حذيفة بن اليمان في ~~أهل المدائن فبلغ هيت، فأتاه الخبر، فرجع فلقي المثنى بن مخربة العبدي في ~~أهل البصرة بصندوداء فأخبره، فأقاموا حتى أتاهم رفاعة فاستقبلوه، وبكى ~~بعضهم إلى بعض وأقاموا يوما وليلة ثم تفرقوا، فسار كل طائفة إلى بلدهم. ~~ولما بلغ رفاعة الكوفة كان المختار محبوسا، فأرسل إليه: أما بعد فمرحبا ~~بالعصبة الذين عظم الله لهم الأجر حين انصرفوا ورضي فعله حين قتلوا، أما ~~ورب البيت ما خطا خاط منكم خطوة ولا ربا ربوة إلا كان ثواب الله له أعظم من ~~الدنيا! إن سليمان قد قضى ما عليه وتوفاه الله وجعل وجهه مع أرواح النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين، ولم يكن بصاحبكم الذي به تنصرون، إني أنا ~~الأمير المأمور، والأمين المأمون، وقاتل الجبارين، والمنتقم من أعداء ~~الدين، المقيد من الأوتار، فأعدوا واستعدوا وأبشروا، أدعوكم إلى كتاب الله، ~~وسنة نبيه، والطلب بدم أهل البيت، والدفع عن الضعفاء، وجهال المحلين، ~~والسلام. وكان قتل سليمان ومن معه في شهر ربيع الآخر. ولما سمع عبد الملك ~~بن مروان بقتل سليمان وانهزام أصحابه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ~~وقال: أما بعد فإن الله قد أهلك من رؤوس أهل العراق ملقح فتنة ورأس ضلالة ~~سليمان بن صرد، ألا وإن السيوف تركن رأس المسيب خذاريف، وقد قتل الله منهم ~~رأسين عظيمين ضالين مضلين: عبد الله بن سعد الأزدي، وعبد الله بن وال ~~البكري، ولم يبق بعدهم من عنده امتناع وفي هذا نظر فإن أباه كان حيا قال ~~أعشى همدان في ذلك، وهي مما يكتم ذلك الزمان: ألم خيال منك يا أم غالب ... ~~فحييت عنا من حبيب مجانب وما زلت في شجو وما زلت مقصدا ... لهم غير أني من ~~فراقك ناصب فما أنس لا أنس انفتالك في الضحى ... إلينا مع البيض ms1382 الحسان ~~الخراعب تراءت لنا هيفاء مهضومة الحشا ... لطيفة طي الكشح ريا الحقائب ~~مشيكة غزار ودسى بهائها ... كشمس الضحى تنكل بين السحائب فلما تغشاها ~~السحاب وحوله ... بدا حاجب منها وضنت بجانب فتلك الهوى وهي الجوى لي والمنى ~~... فأحبب بها من خلة لم تصاقب ولا يبعد الله الشباب وذكره ... وحب تصافي ~~المعصرات الكواعب ويزداد ما أحببته من عتابنا ... لعابا وسقيا للخدين ~~المقارب فإني وإن لم أنسهن لذاكر ... رؤية مخبأة كريم المناصب توسل بالتقوى ~~إلى الله صادقا ... وتقوى الإله خير تكساب كاسب وخلى عن الدنيا فلم يلتبس ~~بها ... وتاب إلى الله الرفيع المراتب تخلى عن الدنيا وقال اطرحتها ... ~~فلست إليها ما حييت بآيب وما أنا فيما يكره الناس فقده ... ويسعى له ~~الساعون فيها براغب فوجهه نحو الثوية سائرا ... إلى ابن زياد في الجموع ~~الكتائب بقوم هم أهل التقية والنهى ... مصاليت أنجاد سراة مناجب مضوا تاركي ~~رأي ابن طلحة حسبة ... ولم يستجيبوا للأمير المخاطب فساروا وهم ما بين ~~ملتمس التقى ... وآخر مما جر بالأمس تائب فلاقوا بعين الوردة الجيش ناضلا ~~... إليهم فحسوهم ببيض قواضب يمانية تذري الأكف وتارة ... بخيل عتاق مقربات ~~سلاهب PageV02P0215 # فجاءهم جمع من الشام بعده ... جموع كموج البحر من كل جانب فما برحوا حتى ~~أبيدت سراتهم ... فلم ينج منهم ثم غير عصائب وغودر أهل الصبر صرعى فأصبحوا ~~... تعاورهم ريح الصبا والجنائب فأضحى الخزاعي الرئيس مجدلا ... كأن لم ~~يقاتل مرة ويحارب ورأس بني شمخ وفارس قومه ... شنوءة والتيمي هادي الكتائب ~~وعمرو بن بشر والوليد وخالد ... وزيد بن بكر والحليس بن غالب وضارب من ~~همدان كل مشيع ... إذا شد لم ينكل كريم المكاسب ومن كل قوم قد أصبت زعيمهم ~~... وذو حسب في ذروة المجد ثاقب أبوا غير ضرب يفلق الهام وقعه ... وطعن ~~بأطراف الأسنة صائب وإن سعيدا يوم يدمر عامرا ... لأشجع من ليث بدرب مواثب ~~فيا خير جيش بالعراق وأهله ... سقيتم روايا كل أسحم ساكب فلا يبعدن فرساننا ~~وحماتنا ... إذا البيض أبدت عن خدام الكواعب وما قتلوا حتى أثاروا عصابة ~~... محلين نورا كالشموس الضوارب ms1383 وقيل: قتل سليمان ومن معه في شهر ربيع ~~الآخر. الخزاعي الذي هو في هذا الشعر هو سليمان بن صرد الخزاعي. ورأس بني ~~شمخ هو المسيب بن نجبة الفزاري. ورأس شنوءة هو عبد الله بن سعد بن نفيل ~~الأزدي أزد شنوءة. والتيمي هو عبد الله ابن وال التيمي من تيم اللات بن ~~ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. والوليد هو ابن عصير ~~الكناني. وخالد هو خالد بن سعد بن نفيل أخو عبد الله. نجبة بالنون، والجيم، ~~والباء الموحدة المفتوحات. ### || AUT ذكر بيعة عبد الملك وعبد العزيز # ### || AUT ابني مروان بولاية العهد # في هذه السنة أمر مروان بن الحكم بالبيعة لابنيه عبد الملك وعبد العزيز. ~~وكان السبب في ذلك أن عمرو بن سعيد بن العاص لما هزم مصعب بن الزبير حين ~~وجهه أخوه عبد الله إلى فلسطين رجع إلى مروان وهو بدمشق قد غلب على الشام ~~ومصر، فبلغ مروان أن عمرا يقول: إن الأمر لي بعد مروان، فدعا مروان حسان بن ~~مالك بن بحدل فأخبره أنه يريد أن يبايع لابنيه عبد الملك وعبد العزيز ~~وأخبره بما بلغه عن عمرو، فقال: أنا أكفيك عمرا، فلما اجتمع الناس عند ~~مروان عشيا قام حسان فقال: إنه قد بلغنا أن رجالا يتمنون أماني، قوموا ~~فبايعوالعبد الملك وعبد العزيز من بعده، فبايعوا عن آخرهم. ### || AUT ذكر بعث ابن زياد وحبيش # في هذه السنة سير مروان بن الحكم بعثين: أحدهما مع عبيد الله بن زياد ~~إلى الجزيرة ومحاربة زفر بن الحارث بقرقيسيا واستعمله على كل ما يفتحه، ~~فإذا فرغ من الجزيرة توجه لقصد العراق وأخذه من ابن الزبير، فلما كان ~~بالجزيرة بلغه موت مروان وأتاه كتاب عبد الملك بن مروان يستعمله على ما ~~استعمله عليه أبوه ويحثه على المسير إلى العراق. والبعث الآخر إلى المدينة ~~مع حبيش بن دلجة القيني، فسار بهم حتى انتهى إلى المدينة وعليها جابر بن ~~الأسود بن عوف ابن أخي عبد الرحمن بن عوف من قبل ابن الزبير، فهرب ms1384 منه ~~جابر. ثم إن الحارث بن أبي ربيعة، وهو أخو عمرو بن أبي ربيعة، وجه جيشا من ~~البصرة، وكان واليا عليها، لابن الزبير وجعل عليهم الحنيف بن السجف التيمي ~~لحرب حبيش، فلما سمع بهم حبيش سار إليهم من المدينة، وأرسل عبد الله بن ~~الزبير العباس بن سهل بن سعد الساعدي إلى المدينة أميرا وأمره أن يسير في ~~طلب حبيش حتى يوافي الجند من أهل البصرة الذين عليهم الحنيف، فأقبل عباس في ~~آثارهم حتى لحقهم بالربذة، فقاتلهم حبيش، فرماه يزيد بن سنان بسهم فقتله، ~~وكان معه يومئذ يوسف بن الحكم وابنه الحجاج، وهما على جمل واحد، وانهزم ~~أصحابه، فتحرز منهم خمسمائة بالمدينة، فقال العباس بن سهل: انزلوا على ~~حكمي، فنزلوا، فقتلهم، ورجع فل حبيش إلى الشام، ولما دخل يزيد بن سنان ~~المدينة كان عليه ثياب بيض فاسودت مما مسحه الناس ومما صبوا عليه من الطيب. ### || AUT ذكر موت مروان بن الحكم # ### || AUT وولاية ابنه عبد الملك # في شهر رمضان من هذه السنة مات مروان بن الحكم. PageV02P0216 # وكان سبب موته أن معاوية بن يزيد لما حضرته الوفاة لم يستخلف أحدا، وكان ~~حسان بن بحدل يريد أن يجعل الأمر من بعده في أخيه خالد بن يزيد، وكان ~~صغيرا، وحسان خال أبيه يزيد، فبايع حسان مروان بن الحكم وهو يريد أن يجعل ~~الأمر بعده لخالد، فلما بايعه هو وأهل الشام قيل لمروان تزوج أم خالد، وهي ~~بنت أبي هاشم بن عتبة، حتى يصغر شأنه فلا يطلب الخلافة، فتزوجها، فدخل خالد ~~يوما على مروان وعنده جماعة وهو يمشي بين صفين، فقال مروان: والله إنك ~~لأحمق! تعال يا ابن الرطبة الاست! يقصر به ليسقطه من أعين أهل الشام. فرجع ~~خالد إلى أمه فأخبرها، فقالت له: لا يعلمن ذلك منك إلا أنا، أنا أكفيكه. ~~فدخل عليها مروان فقال لها: هل قال لك خالد في شيئا؟ قالت: لا، إنه أشد لك ~~تعظيما من أن يقول فيك شيئا. فصدقها ومكث أياما، ثم إن مروان نام عندها ~~يوما، فغطته بوسادة ms1385 حتى قتلته، فمات بدمشق وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل: ~~إحدى وستين. وأراد عبد الملك قتل أم خالد، فقيل له: يظهر عند الخلق أن ~~امرأة قتلت أباك، فتركها. ولما توفي مروان قام بأمر الشام بعده ابنه عبد ~~الملك، وكان بمصر ابنه عبد العزيز بطاعة أخيه عبد الملك. وكان عبد الملك ~~ولد لسبعة أشهر، فكان الناس يذمونه لذلك، قيل: إنه اجتمع عنده قوم من ~~الأشراف، فقال لعبيد الله بن زياد بن ظبيان البكري: بلغني أنك لا تشبه ~~أباك، فقال: بلى والله إني لأشبه به من الماء بالماء والغرب بالغراب، ولكن ~~إن شئت أخبرتك بمن لم تنضجه الأرحام، ولم يولد بالتمام، ولم يشبه الأخوال ~~والأعمام. قال: من ذلك؟ قال: سويد بن منجوف، فلما خرج عبيد الله وسويد قال ~~له سويد: ما سرني بمقالتك له حمر النعم. فقال عبيد الله: وما سرني والله ~~باحتمالك إياي وسكوتك سودها. ### || AUT ذكر صفته ونسبه وأخباره # هو مروان بن الحكم بن أبي لحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وأمه ~~آمنة بنت علقمة بن صفوان بن أمية من كنانة، وكان مولده سنة اثنتين من ~~الهجرة، وكان أبوه قد أسلم عام الفتح، ونفاه رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، إلى الطائف لأنه يتجسس عليه، ورآه النبي، صلى الله عليه وسلم، يوما ~~يمشي ويتخلج في مشيه كأنه يحكيه، فقال له: كن كذلك، فما زال كذلك حتى مات. ~~ولما توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كلم عثمان أبا بكر في رده، لأنه ~~عمه، فلم يفعل، فلما توفي أبو بكر وولي عمر كلمه أيضا في رده فلم يفعل، ~~فلما ولي عثمان رده وقال: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعدني أن يرده ~~إلى المدينة، فكان ذلك مما أنكر الناس عليه. وتوفي في خلافة عثمان فصلى ~~عليه، وقد رويت أخبار كثيرة في لعنه ولعن من في صلبه، رواها الحافظ، في ~~أسانيدها كلام. وكان مروان قصيرا أحمر أوقص، يكنى أبا الحكم، وأبا عبد ~~الملك، وأعتق في يوم واحد مائة ms1386 رقبة، وولي المدينة لمعاوية مرات، فكان إذا ~~ولي يبالغ في سب علي، وإذا عزل وولي سعيد بن العاص كف عنه، فسئل عنه محمد ~~بن علي الباقر وعن سعيد، فقال: كان مروان خيرا لنا في السر، وسعيد خيرا لنا ~~في العلانية. وقد أخرج حديث مروان في الصحيح، وكان الحسن والحسين يصليان ~~خلفه ولا يعيدان الصلاة. وهو أول من قدم الخطبة في صلاة العيد وقبل الصلاة. ~~ولما مات بويع لولده عبد الملك بن مروان في اليوم الذي مات فيه، وكان يقول ~~له ولولده بنو الزرقاء، يقول ذلك من يريد ذمهم وعيبهم، وهي الزرقاء بنت ~~موهب جدة مروان بن الحكم لأبيه، وكانت من ذوات الرايات التي يستدل بها على ~~بيوت البغاء، فلهذا كانوا يذمون بها، ولعل هذا كان منها قبل أن يتزوجها أبو ~~العاص بن أمية والد الحكم، فإنه كان من أشراف قريش، لا يكون هذا من امرأة ~~وهي عنده، والله أعلم. حبيش بن دلجة بضم الحاء المههملة، وفتح الباء ~~الموحدة المفتوحة، ثم الياء المثناة من تحت، وآخره شين معجمة، ودلجة بفتح ~~الدال واللام. ### || AUT ذكر مقتل نافع بن الأزرق # في هذه السنة اشتد شوكة نافع بن الأزرق، وهو الذي ينتسب إليه الأزارقة ~~من الخوارج. PageV02P0217 # وكان سبب قوته اشتغال أهل البصرة واختلافهم بسبب مسعود بن عمرو وقتله، ~~وكثرت جموعه وأقبل نحو الجسر، فبعث إليه عبد الله بن الحارث مسلم بن عبيس ~~بن كريز بن ربيعة، فخرج إليه فرفعه عن أرض البصرة حتى بلغ دولاب من أرض ~~الأهواز، فاقتتلوا هناك، وجعل مسلم بن عبيس على ميمنته الحجاج بن باب ~~الحميري، وعلى ميسرته حارثة بن بدر الغداني، وجعل ابن الأزرق على ميمنته ~~عبيدة بن هلال اليشكري، وعلى ميسرته الزبير بن الماحوز التميمي، واشتد ~~قتالهم، فقتل مسلم أمير أهل البصرة، وقتل نافع بن الأزرق أمير الخوارج في ~~جمادى الآخرة، فأمر أهل البصرة عليهم الحجاج بن باب الحميري، وأمرت الخوارج ~~عبد الله بن الماحوز التميمي، واقتتلوا، فقتل عبد الله والحجاج فأمر أهل ~~البصر عليهم ربيعة بن الأجرم ms1387 التميمي، وأمرت الخوارج عبيد الله بن الماحوز ~~التميمي، ثم عادوا فاقتتلوا حتى أمسوا وقد كره بعضهم بعضا وملوا القتال. ~~فإنهم كذلك متواقفون متاجزون إذ جاءت الخوارج سرية مستريحة لم تشهد القتال، ~~فحملت على الناس من ناحية عبد القيس، فانهزم الناس وقتل أمير أهل البصرة ~~ربيعة بعد أن قتل أيضا دغفل بن حنظلة الشيباني النسابة، وأخذ الراية حارثة ~~بن يزيد، فقاتل ساعة، وقد ذهب الناس عنه، فقاتل وحمى الناس ومعه جماعة من ~~أهل البصرة، ثم أقبل حتى نزل بالأهواز، وبلغ ذلك أهل البصرة فأفزعهم، وبعث ~~عبد الله بن الزبير الحارث بن أبي ربيعة وعزل عبد الله بن الحارث، فأقبلت ~~الخوارج نحو البصرة. ### || AUT ذكر محاربة المهلب الخوارج # لما قربت الخوارج من البصرة أتى أهلها الأحنف بن قيس وسألوه أن يتولى ~~حربهم، فأشار بالمهلب بن أبي صفرة لما يعلم فيه من الشجاعة والرأي والمعرفة ~~بالحرب، وكان قد قدم من عند ابن الزبير وقد ولاه خراسان، فقال الأحنف: ما ~~لهذا الأمر غير المهلب. فخرج إليه أشراف أهل البصرة فكلموه، فأبى، فكلمه ~~الحارث بن أبي ربيعة، فاعتذر بعهده على خراسان، فوضع الحارث وأهل البصرة ~~كتابا إليه عن ابن الزبير يأمره بقتال الخوارج وأتوه بالكتاب، فلما قرأه ~~قال: والله لا أسير إليهم إلا أن تجعلوا لي ما غلبت عليه وتقطعوني من بيت ~~المال ما أقوي به من معي. فأجابوه إلى ذلك وكتبوا له به كتابا، وأرسلوا إلى ~~ابن الزبير فأمضاه، فاختار المهلب من أهل البصرة ممن يعرف نجدته وشجاعته ~~اثني عشر ألفا، منهم: محمد بن واسع وعبد الله بن رياح الأنصاري ومعاوية بن ~~قرة المزني وأبو عمران الجوبي، وخرج المهلب إلى الخوارج وهم عند الجسر ~~الأصغر، فحاربهم وهو في وجوه الناس وأشرافهم، فدفعهم عن الجسر، ولم يكن بقي ~~إلا أن يدخلوا، فارتفعوا إلى الجسر الأكبر، فسار إليهم في الخيل والرجال. ~~فلما رأوه قد قاربهم ارتفعوا فوق ذلك. ولما بلغ حارثة بن بدر تأمير المهلب ~~على قتال الأزارقة قال لمن معه من الناس: كرنبوا ودولبوا ... حيث ms1388 شئتم ~~فاذهبوا فأقبل بمن معه نحو البصرة فرد الحارث بن أبي ربيعة إلى المهلب، ~~وركب حارثة في سفينة في نهر دجيل يريد البصرة، فأتاه رجل من تميم وعليه ~~سلاحه والخوارج وراءه، فصاح التميمي بحارثة يستغيث به ليحمله معه، فقرب ~~السفينة إلى شاطىء النهر، وهو جرف، فوثب التميمي إليها فغاصت بجميع من فيها ~~فغرقوا. وأما المهلب فإنه سار حتى نزل بالخوارج وهم بنهر تيرى وتنحوا عنه ~~إلى الأهواز، وسير المهلب إلى عسكرهم الجواسيس تأتيه بأخبارهم، فلما أتاه ~~خبرهم سار نحوهم واستخلف أخاه المعارك بن أبي صفرة على نهر تيرى، فلما وصل ~~الأهواز قاتلت الخوارج مقدمته، وعليهم ابنه المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، ~~فجال أصحابه ثم عادوا. فلما رأى الخوارج صبرهم ساروا عن سوق الأهواز إلى ~~مناذر، فسار يريدهم، فلما قاربهم سير الخوارج جمعا عليهم واقد مولى أبي ~~صفرة إلى نهر تيرى وبها المعارك فقتلوه وصلبوه، وبلغ الخبر إلى المهلب فسير ~~ابنه المغيرة إلى نهر تيرى، فأنزل عمه المعارك ودفنه وسكن الناس واستخلف ~~بها جماعة وعاد إلى أبيه وقد نزل سولاف. PageV02P0218 # وكان المهلب شديد الاحتياط والحذر لا ينزل إلا في خندق وهو على تعبية ~~ويتولى الحرس بنفسه، فلما نازل الخوارج بسولاف ركبوا ووقفوا له واقتتلوا ~~قتالا شديدا صبر فيه الفريقان، ثم حملت الخوارج حملة صادقة على المهلب ~~وأصحابه فانهزموا وقتل منهم، وثبت المهلب وأبلى ابنه المغيرة يومئذ بلاء ~~حسنا ظهر فيه أثره، ونادى المهلب أصحابه فعادوا إليه معهم جمع كثير نحو ~~أربعة آلاف فارس، فلما كان الغد أراد القتال بمن معه فنهاه بعض أصحابه ~~لضعفهم وكثرة الجراح فيهم، فترك القتال وسار وقطع دجيل ونزل بالعاقول لا ~~يؤتى إلا من جهة واحدة، وفي يوم سولاف يقول ابن قيس الرقيات: الا طرقت من ~~آل مية طارقه ... على أنها معشوقة الدل عاشقه تميس وأرض السوس بيني وبينها ~~... وسولاف رستاق حمته الأزارقه إذا نحن شتى صادفتنا عصابة ... حرورية أضحت ~~من الدين مارقه أجازت إلينا العسكرين كليهما ... فباتت لنا دون اللحاف ~~معانقه وقال فيه بعض الخوارج: ms1389 وكائن تركنا يوم سولاف منهم ... اسارى وقتلى ~~في الجحيم مصيرها وأكثر الشعراء فيه. فلما وصل المهلب إلى العاقول نزل فيه ~~وأقام ثلاثة أيام، ثم ارتحل وسار نحو الخوارج، وهم بسلى وسلبرى، فنزل قريبا ~~منهم، وكان كثيرا ما يفعل أشياء يحدث بها الناس لينشطوا إلى القتال فلا ~~يرون لها أثرا، حتى قال الشاعر: أنت الفتى كل الفتى ... لو كنت تصدق ما ~~تقول وسماه بعضهم الكذاب، وبعض الناس يظن أنه كذاب في كل حال، وليس كذلك ~~إنما كان يفعل ذلك مكايدة للعدو. فلما نزل المهلب قريبا من الخوارج وخندق ~~عليهم وضع المسالح وأذكى العيون والحرس والناس على راياتهم ومواقفهم وأبواب ~~الخندق محفوظة، فكان الخوارج إذا أرادوا بياته وغرته وجدوا أمرا محكما ~~فرجعوا، فلم يقاتلهم إنسان كان أشد عليهم منه. ثم إن الخوارج أرسلوا عبيدة ~~بن هلال والزبير بن الماحوز في عسكر ليلا إلى عسكر المهلب ليبيتوه، فصاحوا ~~بالناس عن يمينهم ويسارهم فوجدوهم على تعبية قد حذروا فلم ينالوا منهم ~~شيئا، وأصبح المهلب فخرج إليهم في تعبية، وجعل الأزد وتميما ميمنة، وبكر بن ~~وائل وعبد القيس ميسرة، وأهل العالية في القلب، وخرجت الخوارج وعلى ميمنتهم ~~عبيدة بن هلال اليشكري، وعلى ميسرتهم الزبير بن الماحوز، وكانوا أحسن عدة ~~وأكرم خيلا من أهل البصرة لأنهم مخروا الأرض وجردوها ما بين كرمان إلى ~~الأهواز. فالتقى الناس واقتتلوا أشد قتال، وصبر الفريقان عامة النهار، ثم ~~إن الخوارج شدت على الناس شدة منكرة، فأجفلوا وانهزموا لا يلوي أحد على ~~أحد، حتى بلغت الهزيمة البصرة، وخاف أهلها السباء. وأسرع المهلب حتى سبق ~~المنهزمين إلى مكان مرتفع، ثم نادى: إلي عباد الله! فاجتمع إليه ثلاثة آلاف ~~أكثرهم من قومه من الأزد، فلما رآهم رضي عدتهم فخطبم وحثهم على القتال ~~ووعدهم النصر وأمرهم أن يأخذ كل رجل منهم عشرة أحجار، وقال: سيروا بنا نحو ~~عسكرهم فإنهم الآن آمنون وقد خرجت خيلهم في طلب إخوانكم، فوالله إني لأرجو ~~أن لا يرجع إليهم خيلهم حتى تستبيحوا عسكرهم وتقتلوا أميرهم. فأجابوه، ~~فأقبل بهم راجعا، ms1390 فما شعرت الخوارج إلا والمهلب يقاتلهم في جانب عسكرهم، ~~فلقيهم عبد الله بن الماحوز والخوارج، فرماهم أصحاب المهلب بالأحجار حتى ~~أثخنوهم ثم طعنوهم بالرماح وضربوهم بالسيوف، فاقتتلوا ساعة، فقتل عبد الله ~~بن الماحوز وكثير من أصحابه، وغنم المهلب عسكرهم، وأقبل من كان في طلب أهل ~~البصرة راجعا، وقد وضع المهلب لهم خيلا ورجالا تختطفهم وتقتلهم، وانكفأوا ~~راجعين مذلولين مغلوبين، فارتفعوا إلى كرمان وجانب أصبهان. قال بعض الخوارج ~~لما رأى قتال أصحاب المهلب بالحجارة: أتانا بأحجار ليقتلنا بها ... وهل ~~تقتل الأقران ويحك بالحجر ولما فرغ المهلب منهم أقام مكانه حتى قدم مصعب بن ~~الزبير على البصرة أميرا، وعزل الحارث بن أبي ربيعة؛ وفي هذا اليوم يقول ~~الصلتان العبدي: بسلى وسلبرى مصارع فتية ... كرام وقتلى لم توسد خدودها ~~فلما قتل عبد الله بن الماحوز استخلف الخوارج الزبير بن الماحوز. ~~PageV02P0219 # وكتب المهلب إلى الحارث بن أبي ربيعة يعرفه ظفره، فأرسل الحارث الكتاب ~~إلى ابن الزبير بمكة ليقرأه على الناس هناك، وكتب الحارث إلى المهلب: أما ~~بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه نصر الله وظفر المسلمين، فهنيئا لك يا أخا ~~الأزد شرف الدنيا وعزها وثواب الآخرة وفضلها. فلما قرأ المهلب كتابه ضحك ~~وقال: أما يعرفني إلا بأخي الأزد! ما هو إلا أعرابي جاف. وقيل: إن عثمان بن ~~عبيد الله بن معمر قاتل الخوارج ونافع بن الأزرق قبل مسلم فقتل عثمان ~~وانهزم أصحابه بعد أن قتل من الخوارج خلق كثير، فسير إليهم من البصرة بعده ~~حارثة بن بدر الغداني، فلما رآهم عرف أنه لا طاقة له بهم فقال لأصحابه: ~~كرنبوا ودولبوا ... كيف شئتم فاذهبوا يعني ما شاء؛ ثم سار بعده مسلم بن ~~عبيس. وقيل: إن المهلب لما دفع الخوارج من البصرة إلى ناحية الأهواز أقام ~~بقية سنته يجبي كور دجلة، ورزق أصحابه، وأتاه المدد من البصرة حتى بلغ ~~أصحابه ثلاثين ألفا. فعلى هذا تكون هزيمة الخوارج سنة ست وستين. ### || AUT ذكر نجدة بن عامر الحنفي # هو نجدة بن عامر بن عبد الله بن ساد بن ms1391 المفرج الحنفي، وكان مع نافع ابن ~~الأزرق، ففارقه لإحداثه في مذهبه ما تقدم ذكره، وسار إلى اليمامة، ودعا أبا ~~طالوت إلى نفسه، فمضى إلى الحضارم فنهبها، وكانت لبني حنيفة، فأخذها منهم ~~معاوية بن أبي سفيان فجعل فيها من الرقيق ما عدتهم وعدة أبنائهم ونسائهم ~~أربعة آلاف، فغنم ذلك وقسمه بين أصحابه، وذلك سنة خمس وستين، فكثر جمعه. ثم ~~إن عيرا خرجت من البحرين، وقيل من البصرة، تحمل مالا وغيره يراد بها ابن ~~الزبير، فاعترضها نجدة فأخذها وساقها حتى أتى بها أبا طالوت بالحضارم ~~فقسمها بين أصحابه، وقال: اقتسموا هذا المال وردوا هؤلاء العبيد واجعلوهم ~~يعملون الأرض لكم فإن ذلك أنفع. فاقتسموا المال وقالوا: نجدة خير لنا من ~~أبي طالوت؛ فخلعوا أبا طالوت وبايعوا نجدة وبايعه أبو طالوت، وذلك في سنة ~~ست وستين، ونجدة يومئذ ابن ثلاثين سنة. ثم سار في جمع إلى بني كعب بن ربيعة ~~بن عامر بن صعصعة، فلقيهم بذي المجاز فهزمهم وقتلهم قتلا ذريعا، وصبر كلاب ~~وعطيف ابنا قرة بن هبيرة القشيريان وقاتلا حتى قتلا، وانهزم قيس بن الرقاد ~~الجعدي فلحقه أخوه لأبيه معاوية فسأله أن يحمله ردفا فلم يفعل. ورجع نجدة ~~إلى اليماامة فكثر أصحابه فصاروا ثلاثة آلاف، ثم سار نجدة إلى البحرين سنة ~~سبع وستين، فقالت الأزد: نجدة أحب إلينا من ولاتنا لأنه ينكر الجور وولاتنا ~~يجوزونه، فعزموا على مسالمته، واجتمعت عبد القيس ومن بالبحرين غير الأزد ~~على محاربته، فقال بعض الأزد: نجدة أقرب إليكم منه إلينا لأنكم كلكم من ~~ربيعة فلا تحاربوه! وقال بعضهم: لا ندع نجدة وهو حروري ما رق تجري علينا ~~أحكامه. فالتقوا بالقطيف فانهزمت عبد القيس وقتل منهم جمع كثير وسبى نجدة ~~من قدر عليه من أهل القطيف؛ فقال الشاعر: نصحت لعبد القيس يوم قطيفها ... ~~وما نفع نصح، قيل، لا يتقبل وأقام نجدة بالقطيف ووجه ابنه المطرح في جمع ~~إلى المنهزمين من عبد القيس، فقاتلوه بالثوير، فقتل المطرح بن نجدة وجماعة ~~من أصحابه. وأرسل نجدة سرية إلى الخط فظفر بأهله، وأقام ms1392 نجدة بالبحرين. ~~فلما قدم مصعب بن الزبير إلى البصرة سنة تسع وستين بعث إليه عبد الله بن ~~عمير الليثي الأعور في أربعة عشر ألفا فجعل يقول: اثبت نجدة فإنا لا نفر، ~~فقدم ونجدة بالقطيف، فأتى نجدة إلى ابن عمير، وهو غافل، فقاتلهم طويلا ~~وافترقوا، وأصبح ابن عمير فهاله ما رأى في عسكره وأصاب جواري فيهن أم ولد ~~لابن عمير، فعرض عليها أن يرسلها إلى مولاها فقالت: لا حاجة بي إلى من ~~فرعني وتركني. وبعث نجدة أيضا بعد هزيمة ابن عمير جيشا إلى عمان واستعمل ~~عليهم عطية بن الأسود الحنفي، وقد غلب عليها عباد بن عبد الله، وهو شيخ ~~كبير، وابناه سعيد وسليمان يعشران السفن ويجيبان البلاد، فلما أتاهم عطية ~~قاتلوه فقتل عباد واستولى عطية على البلاد فأقام بها أشهرا ثم خرج منها ~~واستخلف رجلا يكنى أبا القاسم، فقتله سعيد وسليمان ابنا عباد وأهل عمان. ~~PageV02P0220 # ثم خالف عطية نجدة، على ما نذركه إن شاء الله، فعاد إلى عمان فلم يقدر ~~عليها فركب في البحر وأتى كرمان وضرب بها دراهم سماها العطوية وأقام ~~بكرمان. فأرسل إليه المهلب جيشا، فهرب إلى سجستان ثم إلى السند، فلقيه خيل ~~المهلب بقندابيل فقتله، وقيل: قتله الخوارج. ثم بعث نجدة إلى البوادي بعد ~~هزيمة ابن عمير أيضا من يأخذ من أهلها الصدقة، فقاتل أصحابه بني تميم ~~بكاظمة، وأعان أهل طويلع بني تميم، فقتلوا من الخوارج رجلا، فأرسل نجدة إلى ~~أهل طويلع من أغار عليهم وقتل منهم نيفا وثلاثين رجلا وسبى. ثم إنه دعاهم ~~بعد ذلك فأجابوه، فأخذ منهم الصدقة، ثم سار نجدة إلى صنعاء في خف من الجيش، ~~فبايعه أهلها وظنوا أن وراءه جيشا كثيرا، فلما لم يروا مددا يأتيه ندموا ~~على بيعته، وبلغه ذلك فقال: إن شئتم أقلتكم بيعتكم وجعلتكم في حل منها ~~وقاتلتكم. فقالوا: لا نستقيل بيعتنا. فبعث إلى مخالفيها فأخذ منهم الصدقة، ~~وبعث نجدة أبا فديك إلى حضرموت فجبى صدقات أهلها. وحج نجدة سنة ثمان وستين، ~~وقيل سنة تسع وستين، وهو في ثمانمائة وستين ms1393 رجلا، وقيل في ألفي رجل وستمائة ~~رجل، وصالح ابن الزبير على أن يصلي كل واحد بأصحابه ويقف بهم ويكف بعضهم عن ~~بعض. فلما صدر نجدة عن الحج سار إلى المدينة، فتأهب أهلها لقتاله، وتقلد ~~عبد الله بن عمر سيفا، فلما كان نجدة بنخل أخبر بلبس ابن عمر السلاح، فرجع ~~إلى الطائف وأصاب بنتا لعبد الله بن عمرو بن عثمان كانت عند ظئر لها فضمها ~~إليه، فقال بعض أصحابه: إن نجدة ليتعصب لهذه الجارية فامتحنوه، فسأله بعضهم ~~بيعها منه، فقال: قد أعتقت نصيبي منها فهي حرة. قال: فزوجني إياها. قال: هي ~~بالغ وهي أملك بنفسها فأنا استأمرها؛ فقام من مجلسه ثم عاد، قال: قد ~~استأمرتها وكرهت الزواج. فقيل: إن عبد الملك أو عبد الله بن الزبير كتب ~~إليه: والله لئن أحدثت فيها حدثا لأطأن بلادك وطأة لا يبقى معها بكري. وكتب ~~نجدة إلى ابن عمر يسأله عن أشياء، فقال: سلوا ابن عباس، فسألوه، ومساءلة ~~ابن عباس مشهورة. ولما سار نجدة من الطائف أتاه عاصم بن عروة بن مسعود ~~الثقفي فبايعه عن قومه، ولم يدخل نجدة الطائف، فلما قدم الحجاج الطائف ~~لمحاربة ابن الزبير قال لعاصم: يا ذا الوجهين بايعت نجدة! قال: إي والله ~~وذو عشرة أوجه، أعطيت نجدة الرضى ودفعته عن قومي وبلدي. واستعمل الحاروق، ~~وهو حراق، على الطائف وتبالة والسراة، واستعمل سعد الطلائع على ما يلي ~~نجران، ورجع نجدة إلى البحرين فقطع الميرة عن أهل الحرمين منها ومن ~~اليمامة، فكتب إليه ابن عباس: إن ثمامة بن أثال لما أسلم قطع الميرة عن أهل ~~مكة وهم مشركون فكتب إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن أهل مكة أهل ~~الله فلا تمنعهم الميرة، فجعلها لهم، وإنك قطعت الميرة عنا ونحن مسلمون. ~~فجعلها نجدة لهم. ولم يزل عمال نجدة على النواحي حتى اختلف عليه أصحابه ~~فطمع فيهم الناس؛ فأما الحاروق فطلبوه بالطائف فهرب، فلما كان من العقبة في ~~طريقه لحقه قوم يطلبونه فرموه بالحجارة حتى قتلوه. ### || AUT ذكر الاختلاف على نجدة وقتله ms1394 وولاية أبي فديك # ثم إن أصحاب نجدة اختلفوا عليه لأسباب نقموها منه، فمنها: أنا أبا سنان ~~حي بن وائل أشار على نجدة بقتل من أجابه تقية، فشتمه نجدة، فهم بالفتك به، ~~فقال له نجدة: كلف الله أحدا علم الغيب؟ قال: لا. قال: فإنما علينا أن نحكم ~~بالظاهر. فرجع أبو سنان إلى نجدة. ومنها: أن عطية بن الأسود خالف على نجدة، ~~وسببه أن نجدة سير سرية بحرا وسرية برا، فأعطى سرية البحر أكثر من سرية ~~البر، فنازعه عطية حتى أغضبه، فشتمه نجدة، فغضب عليه وألب الناس عليه. وكلم ~~نجدة في رجل يشرب الخمر في عسكره فقال: هو رجل شديد النكاية على العدو وقد ~~استنصر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالمشركين. وكتب عبد الملك إلى نجدة ~~يدعوه إلى طاعته ويوليه اليمامة ويهدر له ما أصاب من الأموال والدماء، فطعن ~~عليه عطية وقال: ما كاتبه عبد الملك حتى علم منه دهانا في الدين، وفارقه ~~إلى عمان. PageV02P0221 # ومنها أن قوما فارقوا نجدة واستنابوه فحلف أن لا يعود، ثم ندموا على ~~استنابته وتفرقوا ونقموا عليه أشياء أخر فخالف عليه عامة من معه فانحازوا ~~عنه وولوا أمرهم أبا فديك عبد الله بن ثور، أحد بني قيس بن ثعلبة، واستخفى ~~نجدة، فأرسل أبو فديك في طلبه جماعة من أصحابه وقال: إن ظفرتم به فجيئوني ~~به. وقيل لأبي فديك: إن لم تقتل نجدة تفرق الناس عنك، فألح في طلبه. وكان ~~نجدة مستخفيا في قرية من قرى حجر، وكان للقوم الذين اختفى عندهم جارية ~~يخالف إليها راع لهم، فأخذت الجارية من طيب كان مع نجدة، فسألها الراعي عن ~~أمر الطيب، فأخبرته، فأخبر الراعي أصحاب أبي فديك بنجدة، فطلبوه، فنذر بهم، ~~فأتى أخواله من بني تميم فاستخفى عندهم. ثم أراد المسير إلى عبد الملك فأتى ~~بيته ليعهد إلى زوجته، فعلم به الفديكية وقصدوه، فسبق إليه رجل منهم ~~فأعلمه، فخرج وبيده السيف، فنزل الفديكي عن فرسه وقال: إن فرسي هذا لا يدرك ~~فاركبه فلعلك تنجو عليه. فقال: ما أحب البقاء ms1395 ولقد تعرضت للشهادة في مواطن ~~ما هذا بأحسنها، وغشيه أصحاب أبي فديك فقتلوه، وكان شجاعا كريما، وهو يقول: ~~وإن جر مولانا علينا جريرة ... صبرنا لها إن الكرام الدعائم ولما قتل نجدة ~~سخط قتله قوما من أصحاب أبي فديك ففارقوه، وثار به مسلم بن جبير فضربه ~~اثنتي عشرة ضربة بسكين، فقتل مسلم وحمل أبو فديك إلى منزله فبرأ. ### || AUT ذكر استعمال مصعب على المدينة # في هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير أخاه عبيدة بن الزبير عن المدينة ~~واستعمل أخاه مصعبا. وسبب ذلك أن عبيدة خطب الناس فقال لهم: قد ترون ما صنع ~~الله بقوم في ناقة قيمتها خمسة دراهم، فسمي مقوم الناقة، فبلغ ذلك أخاه عبد ~~الله فعزله واستعمل مصعبا. ### || AUT ذكر بناء ابن الزبير الكعبة # لما احترقت الكعبة حين غزا أهل الشام عبد الله بن الزبير أيام يزيد ~~تركها ابن الزبير يشنع بذلك على أهل الشام، فلما مات يزيد واستقر الأمر ~~لابن الزبير شرع في بنائها، فأمر بهدمها حتى ألحقت بالأرض، وكانت قد مالت ~~حيطانها من حجارة المنجنيق، وجعل الحجر الأسود عنده، وكان الناس يطوفون من ~~وراء الأساس، وضرب عليها السور وأدخل فيها الحجر، واحتج بأن رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، قال لعائشة: لولا حدثان عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على ~~أساس إبراهيم وأزيد فيها الحجر. فحفر ابن الزبير فوجد أساسا أمثال الجمال ~~فحركوا منها صخرة فبرقت بارقة فقال: أقروها على أساسها وبنائها، وجعل لها ~~بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر. وقيل: كانت عمارتها سنة أربع وستين. ### || AUT ذكر الحرب بين ابن خازم وبني تميم # في هذه السنة كانت الحرب بين ابن خازم السلمي وبني تميم بخراسان. وسبب ~~ذلك أن من كان بخراسان من بني تميم أعانوا ابن خازم على من بها من ربيعة، ~~وقد تقدم ذكر ذلك، فلما صفت له خراسان جفا بني تميم، وكان قد جعل ابنه ~~محمدا على هراة، وجعل على شرطته بكير بن وساج وضم إليه شماس بن دثار ~~العطاردي، وكانت أم محمد ms1396 تميمية، فلما جفا ابن خازم بني تميم أتوا ابنه ~~محمدا بهراة، فكتب ابن خازم إلى ابنه محمد وإلى بكير وشماس يأمرهم بمنعهم ~~عن هراة، فأما شماس فصار مع بني تميم، وأما بكير فإنه منعهم، فأقاموا ببلاد ~~هرا، فأرسل بكير إلى شماس: إني أعطيتك ثلاثين ألفا فأعط كل رجل من بني تميم ~~ألفا على أن ينصرفوا. فأبوا عليه وأقاموا يترصدون محمدا، فخرج يتصيد فأخذوه ~~وشدوه وثاقا وشربوا ليلتهم وجعلوا يبولون عليه كلما أرادوا البول، فقال لهم ~~شماس: أما إذا بلغتم هذا منه فاقتلوه بصاحبيكما اللذين قتلهما بالسياط. ~~وكان قد ضرب رجلين من تميم بالسياط حتى ماتا. فقاموا إليه ليقتلوه، فنهاهم ~~عنه حيان بن مشحبة الضبي وألقى نفسه عليه، فلم يقبلوا منه وقتلوا محمدا. ~~فشكر ابن خازم لجيهان ذلك فلم يقتله فيمن قتل يوم فرتنا. وكان الذي تولى ~~قتل محمد رجلان اسم أحدهما عجلة واسم الآخر كسيب. فقال ابن خازم: بئس ما ~~اكتسب كسيب لقومه، ولقد عجل عجلة لقومه شرا. PageV02P0222 # وأقبلت تميم إلى مرو وأمروا عليهم الحريش بن هلال القريعي، وأجمع أكثرهم ~~على قتال ابن خازم، فقاتل الحريش بن هلال عبد الله بن خازم سنتين، فلما ~~طالت الحرب خرج الحريش فنادى ابن خازم وقال له: طالت الحرب بيننا فعلام ~~تقتل قومي وقومك؟ ابرز إلي فأينا قتل صاحبه صارت الأرض له. فقال له ابن ~~خازم: قد أنصفت. فبرز إليه فتضاربا وتصاولا تصاول الفحلين لا يقدر أحدهما ~~على صاحبه، ثم غفل ابن خازم فضربه الحريش على رأسه فألقى فروة رأسه على ~~وجهه وانقطع ركاب الحريش وانتزع السيف، ولزم ابن خازم عنق فرسه راجعا إلى ~~أصحابه، ثم غاداهم القتال، فمكثوا بذلك بعد الضربة أياما ثم مل الفريقان ~~فتفرقوا ثلاث فرق: فرقة إلى نيسابور مع بحير بن ورقاء، وفرقة إلى ناحية ~~أخرى، وفرقة فيها الحريش إلى مرو الروذ، فاتبعه ابن خازم إلى قرية تسمى ~~الملحمة والحريش في اثني عشر رجلا، وقد تفرقت عنه أصحابه، وهم في خربة، ~~فلما انتهى إليه ابن خازم خرج إليه في أصحابه، ms1397 فحمل مولى لابن خازم على ~~الحريش فضربه فلم يصنع شيئا، فقال الحريش لرجل معه: إن سيفي لا يصنع في ~~سلاحه شيئا فأعطني خشبة، فأعطاه عودا من عناب، فحمل على المولى فضربه فسقط ~~وقيذا، ثم قال لابن خازم: ما تريد مني وقد خليتك والبلاد؟ قال: إنك تعود ~~إليها. قال: لا أعود، فصالحه على أن يخرج من خراسان ولا يعود إلى قتاله، ~~فأعطاه اب خازم أربعين ألفا، وفتح له الحريش باب القصر، فدخله ابن خازم ~~وضمن له وفاء دينه وتحدثا طويلا. وطارت قطنة عن الضربة التي برأس ابن خازم، ~~فأخذها الحريش ووضعها مكانها، فقال له ابن خازم: مسك اليوم ألين من مسك ~~أمس. فقال الحريش: معذرة إلى الله وإليك، أما والله لولا أن ركابي انقطع ~~لخالط السيف رأسك؛ قال الحريش في ذلك: أزال عظم ذراعي عن مركبه ... حمل ~~الرديني في الإدلاج بالسحر حولين ما اغتمضت عيني بمنزلة ... إلا وكفي وساد ~~لي على حجر بزي الحديد وسربالي إذا هجعت ... عني العيون مجال الفالح الذكر ~~بحير بن ورقاء بفتح الباء الموحدة، والحاء المهملة المكسورة. والحريش ~~بالحاء والراء المهملتين، والشين المعجمة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وقع طاعون الجارف بالبصرة وعليها عبيد الله بن معمر، فهلك ~~به خلق كثير، فماتت أم عبيد الله، فلم يجدوا لها من يحملها حتى استأجروا من ~~حملها، وهو الأمير. وحج بالناس عبد الله بن الزبير. وكان على المدينة مصعب، ~~وعلى الكوفة ابن مطيع، وعلى البصرة الحارث بن ربيعة المخزومي، وعلى خراسان ~~عبد الله بن خازم. وفيها توفي عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، وكان قد ~~عمي آخر عمره، وكات وفاته بمصر، وقيل: توفي سنة ثمان وستين. ### || AUT ثم دخلت سنة ست وستين # ### || AUT ذكر وثوب المختار بالكوفة # في هذه السنة رابع عشر ربيع الأول وثب المختار بالكوفة وأخرج عنها عبد ~~الله بن مطيع عامل عبد الله بن الزبير. وسبب ذلك أن سليمان بن صرد لما قتل ~~قدم من بقي من أصحابه الكوفة، فلما قدموا وجدوا المختار محبوسا ms1398 قد حبسه عبد ~~الله بن يزيد الخطمي وإبراهيم بن محمد بن طلحة، وقد تقدم ذكر ذلك، فكتب ~~إليهم من الحبس يثني عليهم ويمنيهم الظفر ويعرفهم أنه هو الذي أمره محمد بن ~~علي، المعروف بابن الحنفية، بطلب الثأر، فقرأ كتابه رفاعة بن شداد والمثنى ~~بن مخربة العبدي وسعد بن حذيفة بن اليمان ويزيد بن أنس وأحمر بن شميط ~~الأحمسي وعبد الله بن شداد البجلي وعبد الله بن كامل، فلما قرأوا كتابه ~~بعثوا إليه ابن كامل يقولون له: إننا بحيث يسرك، فإن شئت أن نأتيك ونخرجك ~~من الحبس فعلنا. فأتاه فأخبره، فسر بذلك وقال لهم: إني أخرج في أيامي هذه. ~~وكان المختار قد أرسل إلى ابن عمر يقول له: إنني قد حبست مظلوما، ويطلب ~~إليه أن يشفع فيه إلى عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة، فكتب ~~إليهما ابن عمر في أمره، فشفعاه وأخرجاه من السجن وضمناه وحلفاه أنه لا ~~يبغيهما غائلة ولا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان، فإن فعل فعليه ألف بدنة ~~ينحرها عند الكعبة ومماليكه أحرار ذكرهم وأنثاهم. PageV02P0223 # فلما خرج نزل بداره، فقال لمن يثق به: قاتلهم الله ما أحمقهم حين يرون ~~أني أفي لهم! أما حلفي بالله فإنني إذا حلفت على يمين فرأيت خيرا منها كفرت ~~عن يميني، وخروجي عليهم خير من كفي عنهم، وأما هدي البدن وعتق المماليك فهو ~~أهون علي من بصقة، فوددت أن تم لي أمري ولا أملك بعده مملوكا أبدا. ثم ~~اختلفت إليه الشيعة واتفقوا على الرضى به، ولم يزل أصحابه يكثرون وأمره ~~يقوى حتى عزل ابن الزبير عبد الله بن يزيد الخطمي وإبراهيم بن محمد بن طلحة ~~واستعمل عبد الله بن مطيع على عملهما بالكوفة، فلقيه بحير بن رستان الحميري ~~عند مسيره إلى الكوفة فقال له: لا تسر الليلة فإن القمر بالناطح فلا تسر، ~~فقال له: وهل نطلب إلا النطح! فلقي نطحا كما يريد، فكان البلاء موكلا ~~بمنطقه، وكان شجاعا. وسار إبراهيم إلى المدينة وكسر الخراج وقال: كانت ~~فتنة، فسكت عنه ms1399 ابن الزبير. وكان قدوم ابن مطيع في رمضان لخمس بقين منه، ~~وجعل على شرطته إياس بن أبي مضارب العجلي، وأمره بحسن السيرة والشدة على ~~المريب، ولما قدم صعد المنبر فخطبهم وقال: أما بعد فإن أمير المؤمنين بعثني ~~على مصركمك وثغوركم، وأمرني بجابية فيئكم وأن لا أحمل فضل فيئكم عنكم إلا ~~برضى منكم، وأن أتبع وصية عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته، وسيرة ~~عثمان بن عفان، فاتقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا وخذوا على أيدي سفهائكم، ~~فإن لم تفعلوا فلوموا أنفسكم ولا تلوموني، فوالله لأوقعن بالسقيم العاصي، ~~ولأقيمن درء الأصعر المرتاب. فقام إليه السائب بن مالك الأشعري فقال: أما ~~حمل فيئنا برضانا فإنا نشهد أنا لا نرضى أن يحمل عنا فضله وأن لا يقسم إلا ~~فينا، وأن لا يسار فينا إلا بسيرة علي بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا ~~هذه حتى هلك، ولا حاجة لنا في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا، ولا في ~~سيرة عمر بن الخطاب فينا، وإن كانت أهون السيرتين علينا، وقد كان يفعل ~~بالناس خيرا. فقال يزيد بن أنس: صدق السائب وبر. فقال ابن مطيع: نسير فيكم ~~بكل سيرة أحببتموها. ثم نزل. وجاء إياس بن مضارب إلى ابن مطيع فقال له: إن ~~السائب بن مالك من رؤوس أصحاب المختار، فابعث إلى المختار فليأتك، فإذا جاء ~~فاحبسه حتى يستقيم أمر الناس، فإن أمره قد استجمع له وكأنه قد وثب بالمصر. ~~فبعث ابن مطيع إلى المختار زائدة بن قدامة وحسين بن عبد الله البرسمي من ~~همدان، فقالا: أجب الأمير، فعزم على الذهاب، فقرأ زائدة: (وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك) الأنفال: 30 الآية؛ فألقى ~~المختار ثيابه وقال: ألقوا علي قطيفة فقد وعكت، إني لأجد بردا شديدا، ارجعا ~~إلى الأمير فأعلماه حالي. فعادا إلى ابن مطيع فأعلماه، فتركه. ووجه المختار ~~إلى أصحابه فجمعهم حوله في الدور وأراد أن يثب في الكوفة في المحرم، فجاء ~~رجل من أصحاب شبام، وشبام حي من همدان، ms1400 وكان شريفا اسمه عبد الرحمن بن ~~شريح، فلقي سعيد بن منقذ الثوري وسعر بن أبي سعر الحنفي والأسود بن جراد ~~الكندي وقدامة بن مالك الجشمي فقال لهم: إن المختار يريد أن يخرج بنا ولا ~~ندري أرسله ابن الحنفية أم لا، فانهضوا بنا إلى ابن الحنفية نخبره بما قدم ~~علينا به المختار، فإن رخص لنا في اتباعه تبعناه وإن نهانا عنه اجتنبناه، ~~فوالله ما ينبغي أن يكون شيء من الدنيا آثر عندنا من سلامة ديننا. قالوا ~~له: أصبت. فخرجوا إلى ابن الحنفية، فلما قدموا عليه سألهم عن حال الناس ~~فأخبروه عن حالهم وما هم عليه وأعلموه حال المختار وما دعاهم إليه ~~واستأذنوه في اتباعه. فلما فرغوا من كلامهم قال لهم بعد أن حمد الله وأثنى ~~عليه وذكر فضيلة أهل البيت والمصيبة بقتل الحسين، ثم قال لهم: وأما ما ~~ذكرتم ممن دعاكم إلى الطلب بدمائنا فوالله لوددت أن الله انتصر لنا من ~~عدونا بمن شاء من خلقه، ولو كره لقال لا تفعلوا. PageV02P0224 # فعادوا وناس من الشيعة ينتظرونهم ممن أعلموه بحالهم، وكان ذلك قد شق على ~~المختار وخاف أن يعودوا بأمر يخذل الشيعة عنه، فلما قدموا الكوفة دخلوا على ~~المختار قبل دخولهم إلى بيوتهم، فقال لهم: ما وراءكم فقد فتنتم وارتبتم! ~~فقالوا له: إنا قد أمرنا بنصرك. فقال: الله أكبر، اجمعوا إلي الشيعة، فجمع ~~من كان قريبا منهم، فقال لهم: إن نفرا قد أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به ~~فرحلوا إلى الإمام المهدي، فسألوه عما قدمت به عليكم، فنبأهم أني وزيره ~~وظهيره ورسوله وأمركم باتباعي وطاعتي فيما دعوتكم إليه من قتال المحلين ~~والطلب بدماء أهل بيت نبيكم المصطفين. فقام عبد الرحمن بن شريح وأخبرهم ~~بحالهم ومسيرهم وأن ابن الحنفية أمرهم بمظاهرته ومؤازرته، وقال لهم: ليبلغ ~~الشاهد الغائب واستعدوا وتأهبوا. وقام جماعة من أصحابه فقالوا نحوا من ~~كلامه. فاستجمعت له الشيعة، وكان من جملتهم الشعبي وأبوه شراحيل، فلما تهيأ ~~أمره للخروج قال له بعض أصحابه: إن أشراف أهل الكوفة مجمعون على قتالكم مع ms1401 ~~ابن مطيع، فإن أجابنا إلى أمرنا إبراهيم بن الأشتر رجونا القوة على عدونا، ~~فإنه فتى رئيس، وابن رجل شريف، له عشيرة ذات عز وعدد. فقال لهم المختار: ~~فالقوه وادعوه. فخرجوا إليه ومعهم الشعبي فأعلموه حالهم وسألوه مساعدتهم ~~عليه وذكروا له ما كان أبوه عليه من ولاء علي وأهل بيته. فقال لهم: إني قد ~~أجبتكم إلى الطلب بدم الحسين وأهل بيته على أن تولوني الأمر. فقالوا له: ~~أنت لذلك أهل ولكن ليس إلى ذلك سبيل، هذا المختار قد جاءنا من قبل المهدي ~~وهو المأمور بالقتال وقد أمرنا بطاعته. فسكت إبراهيم ولم يجبهم، فانصرفوا ~~عنه فأخبروا المختار، فمكث ثلاثا ثم سار في بضعة عشر من أصحابه والشعبي ~~وأبوه فيهم إلى إبراهيم فدخلوا عليه، فألقى لهم الوسائد، فجلسوا عليها وجلس ~~المختار معه على فراشه، فقال له المختار: هذا كتاب من المهدي محمد بن علي ~~أمير المؤمنين وهو خير أهل الأرض اليوم وابن خير أهلها قبل اليوم بعد ~~أنبياء الله ورسله، وهو يسألك أن تنصرنا وتؤازرنا. قال الشعبي: وكان الكتاب ~~معي، فلما قضى كلامه قال لي: ادفع الكتاب إليه، فدفعه إليه الشعبي، فقرأه ~~فإذا فيه: من محمد المهدي إلى إبراهيم بن مالك الأشتر، سلام عليك فإني أحمد ~~الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإني قد بعثت إليكم وزيري وأميني ~~الذي ارتضيته لنفسي وأمرته بقتال عدوي والطلب بدماء أهل بيتي فانهض معهم ~~بنفسك وعشيرتك ومن أطاعك فإنك إن تنصرني وأجبت دعوتي كانت لك بذلك عندي ~~فضيلة، ولك أعنة الخيل وكل جيش غاز وكل مصر ومنبر وثغر ظهرت عليه فيما بين ~~الكوفة وأقصى بلاد الشام. فلما فرغ من قراءة الكتاب قال: قد كتب إلي ابن ~~الحنفية قبل اليوم وكتبت فلم يكتب إلي إلا باسمه واسم أبيه. قال المختار: ~~إن ذلك زمان وهذا زمان. قال: فمن يعلم أن هذا كتابه إلي؟ فشهد جماعة ممن ~~معه، منهم: زيد بن أنس وأحمر بن شميط وعبد الله بن كامل وجماعتهم إلا ~~الشعبي. فلما شهدوا تأخر إبراهيم عن ms1402 صدر الفراش وأجلس المختار عليه وبايعه ~~ثم خرجوا من عنده، وقال إبراهيم للشعبي: قد رأيتك لم تشهد مع القوم أنت ولا ~~أبوك، أفترى هؤلاء شهدوا على حق؟ فقال له: هؤلاء سادة القراء ومشيخة المصر ~~وفرسان العرب ولا يقول مثلهم إلا حقا. فكتب أسماءهم وتركها عنده، ودعا ~~إبراهيم عشيرته ومن أطاعه وأقبل يختلف إلى المختار كل عشية عند المساء ~~يدبرون أمورهم، واجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع ~~الأول سنة ست وستين. فلما كان تلك الليلة عند المغرب صلى إبراهيم بأصحابه ~~ثم خرج يريد المختار وعليه وعلى أصحابه السلاح، وقد أتى إياس بن مضارب عبد ~~الله بن مطيع فقال له: إن المختار خارج عليك بإحدى هاتين الليلتين وقد بعثت ~~ابني إلى الكناسة فلو بعثت في كل جبانة عظيم بالكوفة رجلا من أصحابك في ~~جماعة من أهل الطاعة لهاب المختار وأصحاب الخروج عليك. PageV02P0225 # فبعث ابن مطيع عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني إلى جبانة السبيع، ~~وقال: اكفني قومك ولا تحدثن بها حدثا. وبعث كعب بن أبي كعب الخثعمي إلى ~~جبانة بشر. وبعث زحر بن قيس الجعفي إلى جبانة كندة. وبعث عبد الرحمن بن ~~مخنف إلى جبانة الصائدين. وبعث شمر بن ذي الجوشن إلى جبانة سالم. وبعث يزيد ~~بن رويم إلى جبانة المراد، وأوصى كلا منهم أن لا يؤتى من قبله. وبعث شبث بن ~~ربعي إلى السبخة وقال: إذا سمعت صوت القوم فوجه نحوهم. وكان خروجهم إلى ~~الجبابين يوم الاثنين، وخرج إبراهيم بن الأشتر يريد المختار ليلة الثلاثاء ~~وقد بلغه أن الجبابين قد ملئت رجالا، وأن إياس بن مضارب في الشرط قد أحاط ~~بالسوق والقصر، فأخذ معه من أصحابه نحو مائة دارع وقد لبسوا عليها الأقبية، ~~فقال له أصحابه: تجنب الطريق. فقال: والله لأمرن وسط السوق بجنب القصر ~~ولأرعبن عدونا ولأرينهم هوانهم علينا. فسار على باب الفيل ثم على دار عمرو ~~بن حريث، فلقيهم إياس بن مضارب في الشرط مظهرين السلاح. فقال: من أنتم؟ ~~فقال إبراهيم: أنا إبراهيم ms1403 بن الأشتر. فقال إياس: ما هذا الجمع الذي معك ~~وما تريد؟ لست بتاركك حتى آتي بك الأمير. فقال إبراهيم: خل سبيلا. قال: لا ~~أفعل، وكان مع إياس بن مضارب رجل من همدان يقال له أبو قطن، وكان يكرمه، ~~وكان صديقا لابن الأشتر، فقال له ابن الأشتر: ادن مني يا أبا قطن، فدنا ~~منه، وهو يظن أن إبراهيم يطلب منه أن يشفع فيه إلى إياس، فلما دنا منه أخذ ~~رمحا كان معه وطعن به إياسا في ثغرة نحره فصرعه وأمر رجلا من قومه فأخذ ~~رأسه، وتفرق أصحاب إياس ورجعوا إلى ابن مطيع. فبعث مكانه ابنه راشد بن إياس ~~على الشرط، وبعث مكان راشد إلى الكناسة سويد بن عبد الرحمن المنقري أبا ~~القعقاع بن سويد. وأقبل إبراهيم بن الأشتر إلى المختار وقال له: إنا اتعدنا ~~للخروج القابلة، وقد جاء أمر لابد من الخروج الليلة، وأخبره الخبر، ففرح ~~المختار بقتل إياس وقال: هذا أول الفتح إن شاء الله تعالى! ثم قال لسعيد بن ~~منقذ: قم فأشعل النيرا في الهوادي والقصب وارفعها وسر أنت يا عبد الله بن ~~شداد فناد: يا منصور أمت، وقم أنت يا سفيان بن ليلى وأنت يا قدامة بن مالك ~~فناديا: يا لثارات الحسين! ثم لبس سلاحه. فقال له إبراهيم: إن هؤلاء الذين ~~في الجبابين يمنعون أصحابنا من إتياننا، فلو سرت إلى قومي بمن معي ودعوت من ~~أجابني وسرت بهم في نواحي الكوفة ودعوت بشعارنا لخرج إلينا من أراد الخروج ~~ومن أتاك حبسته عندك إلى من معك، فإن عوجلت كان عندك من يمنعك إلى أن آتيك. ~~فقال له: افعل وعجل وإياك أن تسير إلى أميرهم تقاتله ولا تقاتل أحدا وأنت ~~تستطيع أن لا تقاتله إلا أن يبدأك أحد بقتال. فخرج إبراهيم وأصحابه حتى أتى ~~قومه، واجتمع إليه جل من كان أجابه، وسار بهم في سكك المدينة ليلا طويلا ~~وهو يتجنب المواضع التي فيها الأمراء الذين وضعهم ابن مطيع، فلما انتهى إلى ~~مسجد السكون أتاه جماعة من خيل زحر بن قيس ms1404 الجعفي ليس عليهم أمير، فحمل ~~عليهم إبراهيم فكشفهم حتى أدخلهم جبانة كندة وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنا ~~غضبنا لأهل بيت نبيك وثرنا لهم فانصرنا على هؤلاء. ثم رجع إبراهيم عنهم بعد ~~أن هزمهم، ثم سار إبراهيم حتى أتى جبانة أثير، فتنادوا بشعارهم، فوقف فيها، ~~فأتاه سويد بن عبد الرحمن المنقري ورجا أن يصيبهم فيحظى بها عند ابن مطيع، ~~فلم يشعر به إبراهيم إلا وهو معه، فقال إبراهيم لأصحابه: يا شرطة الله ~~انزلوا فإنكم أولى بالنصر من هؤلاء الفساق الذين خاضوا في دماء أهل بيت ~~نبيكم. فنزلوا، ثم حمل عليهم إبراهيم حتى أخرجهم إلى الصحراء فانهزموا، ~~فركب بعضهم بعضا وهم يتلاومون، وتبعهم حت أدخلهم الكناسة، فقال لإبراهيم ~~أصحابه: اتبعهم واغتنم ما دخلهم من الرعب. فقال: لا ولكن نأتي صاحبنا يؤمن ~~الله بنا وحشته ويعلم ماكان من نصرنا له فيزداد هو وأصحابه قوة مع أني لا ~~آمن أن يكون قد أتي. PageV02P0226 # ثم سار إبراهيم حتى أتى باب المختار، فسمع الأصوات عالية والقوم يقتتلون، ~~وقد جاء شبث بن ربعي من قبل السبخة، فعبأ له المختار يزيد بن أنس. وجاء ~~حجار بن أبجر العجلي فجعل المختار في وجهه أحمر بن شميط. فبينما الناس ~~يقتتلون إذ جاء إبراهيم من قبل القصر فبلغ حجارا وأصحابه أن إبراهيم قد ~~أتاهم من ورائهم، فتفرقوا في الأزقة قبل أن يأتيهم، وجاء قيس بن طهفة ~~النهدي في قريب من مائة، وهو من أصحاب المختار، فحمل على شبث بن ربعي وهو ~~يقاتل يزيد بن أنس، فخلى لهم الطريق حتى اجتمعوا وأقبل شبث إلى ابن مطيع ~~وقال له: اجمع الأمراء الذين بالجبابين وجميع الناس ثم أنفذ إلى هؤلاء ~~القوم فقاتلهم فإن أمرهم قد قوي وقد خرج المختار وظهر واجتمع له أمره. فلما ~~بلغ قوله المختار خرج في جماعة من أصحابه حتى نزل في ظهر دير هند في ~~السبخة، وخرج أبو عثمان النهدي فنادى في شاكر وهم مجتمعون في دورهم يخافون ~~أن يظهروا لقرب كعب الخثعمي منهم، وكان قد أخذ عليهم أفواه ms1405 السكك. فلما ~~أتاهم أبو عثمان في جماعة من أصحابه نادى: يا لثارات الحسين! يا منصو أمت ~~أمت! يا أيها الحي المهتدون إن أمين آل محمد ووزيرهم قد خرج فنزل دير هند ~~وبعثني إليكم داعيا ومبشرا، فاخرجوا رحمكم الله! فخرجوا يتداعون: يا لثارات ~~الحسين! وقاتلوا كعبا حتى خلى لهم الطريق، فأقبلوا إلى المختار فنزلوا معه، ~~وخرج عبد الله بن قتادة في نحو من مائتين فنزل مع المختار، وكان قد تعرض ~~لهم كعب، فلما عرفهم أنهم من قومه خلى عنهم. وخرجت شبام، وهم حي من همدان، ~~من آخر ليلتهم، فبلغ خبرهم عبد الرحمن بن سعيد الهمداني، فأرسل إليهم: إن ~~كنتم تريدون المختار فلا تمروا على جبانة السبيع. فلحقوا بالمختار، فتوافى ~~إلى المختار ثلاثة آلاف وثمانمائة من اثني عشر ألفا كانوا بايعوه، فاجتمعوا ~~له قبل الفجر، فأصبح وقد فرغ من تعبيته وصلى بأصحابه بغلس. وأرسل ابن مطيع ~~إلى الجبابين فأمر من بها أن يأتوا المسجد، وأمر راشد بن إياس فنادى في ~~الناس: برئت الذمة من رجل لم يأت المسجد الليلة. فاجتمعوا فبعث ابن مطيع ~~شبث بن ربعي في نحو ثلاثة آلاف إلى المختار، وبعث راشد بن إياس في أربعة ~~آلاف من الشرط. فسار شبث إلى المختار، فبلغه خبره وقد فرغ من صلاة الصبح، ~~فأرسل من أتاه بخبرهم، وأتى إلى المختار ذلك الوقت سعر بن أبي سعر الحنفي، ~~وهو من أصحابه، لم يقدر على إتيانه إلا تلك الساعة، فرأى راشد بن إياس في ~~طريقه فأخبره المختار خبره أيضا، فبعث إبراهيم بن الأشتر إلى راشد في سبع ~~مائة، وقيل في ستمائة فارس وستمائة راجل، وبعث نعيم بن هبيرة، أخا مصقلة بن ~~هبيرة، في ثلاثمائة فارس وستمائة راجل وأمره بقتال شبث ابن ربعي ومن معه، ~~وأمرهما بتعجيل القتال وأن لا يستهدفا لعدوهما فإنه أكثر منهما، فتوجه ~~إبراهيم إلى راشد، وقدم المختار يزيد بن أنس في موضع مسجد شبث بن ربعي في ~~تسعمائة أمامه، فتوجه نعيم إلى شبث فقاتله قتالا شديدا، فجعل نعيم سعر بن ~~أبي سعر ms1406 على الخيل ومشى هو في الرجالة فقاتلهم حتى أشرقت الشمس وانبسطت، ~~فانهزم أصحاب شبث حتى دخلوا البيوت، فناداهم شبث وحرضهم، فرجع إليه منهم ~~جماعة، فحملوا على أصحاب نعيم وقد تفرقوا، فهزمهم، وصبر نعيم فقتل، وأسر ~~سعر بن أبي سعر وجماعة من أصحابه، فأطلق العرب وقتل الموالي، وجاء شبث حتى ~~أحاط بالمختار، وكان قد وهن لقتل نعيم. وبعث ابن مطيع يزيد بن الحارث بن ~~رويم في ألفين، فوقفوا في أفواه السكك، وولى المختار يزيد بن أنس خيله وخرج ~~هو في الرجالة، فحملت عليه خيل شبث فلم يبرحوا مكانهم، فقال لهم يزيد بن ~~أس: يا معشر الشيعة إنكم كنتم تقتلون وتقطع أيديكم وأرجلكم وتسمل أعينكم ~~وترفعون على جذوع النخل في حب أهل بيت نبيكم، وأنتم مقيمون في بيوتكم وطاعة ~~عدوكم، فما ظنكم بهؤلاء القوم إذا ظهروا عليكم اليوم؟ والله لا يدعون منكم ~~عينا تطرف، وليقتلنكم صبرا، ولترون منهم في أولادكم وأزواجكم وأموالكم ما ~~الموت خير منه، والله لا ينجيكم منهم إلا الصدق والصبر والطعن الصائب ~~والضرب الدراك، فتهيأوا للحملة. فتيسروا ينتظرون أمره وجثوا على ركبهم. ~~PageV02P0227 # وأما إبراهيم بن الأشتر فإنه لقي راشدا فإذا معه أربعة آلاف، فقال ~~إبراهيم لأصحابه: لا يهولنكم كثرة هؤلاء، فوالله لرب رجل خير من عشرة، ~~والله مع الصابرين. وقدم خزيمة بن نصر إليهم في الخيل، ونزل هو يمشي في ~~الرجالة، وأخذ إبراهيم يقول لصاحب رايته: تقدم برايتك، امض بهؤلاء وبها. ~~واقتتل الناس قتالا شديدا، وحمل خزيمة بن نصر العبسي على راشد فقتله، ثم ~~نادى: قتلت راشدا ورب الكعبة! وانهزم أصحاب راشد، وأقبل إبراهيم وخزيمة ومن ~~معهما بعد قتل راشد نحو المختار، وأرسل البشير إلى المختار بقتل راشد، فكبر ~~هو وأصحابه وقويت نفوسهم، ودخل أصحاب بن مطيع الفشل. وأرسل ابن مطيع حسان ~~بن فائد بن بكر العبسي في جيش كثيف نحو ألفين، فاعترض إبراهيم ليرده عمن ~~بالسبخة من أصحاب ابن مطيع، فقدم إليهم إبراهيم، فانهزموا من غير قتال، ~~وتأخر حسان يحمي أصحابه، فحمل عليه خزيمة، فعرفه فقال: يا حسان ms1407 لولا ~~القرابة لقتلتك، فانج بنفسك. فعثر به فرسه فوقع، فابتدره الناس، فقاتل ~~ساعة، فقال له خزيمة: أنت آمن فلا تقتل نفسك، وكف عنه الناس وقال لإبراهيم: ~~هذا ابن عمي وقد آمنته، فقال: أحسنت! وأمر بفرسه فأحضر فأركبه وقال: الحق ~~بأهلك. وأقبل إبراهيم نحو المختار وشبث بن ربعي محيط به، فلقيه يزيد بن ~~الحارث بن رويم وهو على أفواه السكك التي تلي السبخة، فأقبل إلى إبراهيم ~~ليصده عن شبث وأصحابه، فبعث إبراهيم إليه طائفة من أصحابه مع خزيمة بن نصر ~~وسار نحو المختار وشبث فيمن بقي معه، فلما دنا منهم إبراهيم حمل على شبث، ~~وحمل يزيد بن أنس، فانهزم شبث ومن معه إلى أبيات الكوفة، وحمل خزيمة بن نصر ~~على يزيد بن الحارث بن رويم فهزمه، وازدحموا على أفواه السكك وفوق البيوت ~~وأقبل المختار. فلما انتهى إلى أفواه السكك رمته الرماة بالنبل فصدوه عن ~~الدخول إلى الكوفة من ذلك الوجه. ورجع الناس من السبخة منهزمين إلى ابن ~~مطيع، وجاءه قتل راشد بن إياس فسقط في يده، فقال له عمرو بن الحجاج ~~الزبيدي: أيها الرجل لا تلق بيدك واخرج إلى الناس واندبهم إلى عدوك، فإن ~~الناس كثير وكلهم معك إلا هذه الطائفة التي خرجت والله يخزيها، وأنا أول ~~منتدب، فانتدب معي طائفة ومع غيري طائفة. فخرج ابن مطيع فقام في الناس ~~ووبخهم على هزيمتهم وأمرهم بالخروج إلى المختار وأصحابه. ولما رأى المختار ~~أنه قد منعه يزيد بن الحارث من دخول الكوفة عدل إلى بيوت مزينة وأحمس ~~وبارق، وبيوتهم منفردة، فسقوا أصحابه الماء ولم يشرب هو، فإنه كان صائما، ~~فقال أحمر بن شميط لابن كامل: أتراه صائما؟ قال: نعم. قال: لو أفطر كان ~~أقوى له. قال: إنه معصوم، وهو أعلم بما يصنع. فقال أحمر: صدقت، أستغفر ~~الله. فقال المختار: نعم المكان للقتال هذا. فقال إبراهيم: إن القوم قد ~~هزمهم الله وأدخل الرعب في قلوبهم، سر بنا، فوالله ما دون القصر مانع. فترك ~~المختار هناك كل شيخ ضعيف ذي علة ونقله واستخلف عليهم أبا ms1408 عثمان النهدي، ~~وقدم إبراهيم أمامه؛ وبعث ابن مطيع عمرو بن الحجاج في ألفين، فخرج عليهم؛ ~~فأرسل المختار إلى إبراهيم أن اطوه ولا تقم عليه؛ فطواه وأقام؛ وأمر ~~المختار يزيد بن أنس أن يواقف عمرو بن الحجاج، فمضى إليه، وسار المختار في ~~أثر إبراهيم، ثم وقف في موضع مصلى خالد بن عبد الله، ومضى إبراهيم ليدخل ~~الكوفة من نحو الكناسة، فخرج إليه شمر بن ذي الجوشن في ألفين، فسرح إليه ~~المختار سعيد بن منقذ الهمداني فواقعه، وأرسل إلى إبراهيم يأمره بالمسير، ~~فسار حتى انتهى إلى سكة شبث، فإذا نوفل بن مساحق في ألفين، وقيل خمسة آلاف، ~~وهو الصحيح، وقد أمر ابن مطيع مناديا فنادى في الناس أن الحقوا بابن مساحق. ~~وخرج ابن مطيع فوقف بالكناسة واستخلف شبث بن ربعي على القصر، فدنا ابن ~~الأشتر من ابن مطيع فأمر أصحابه بالنزول وقال لهم: لا يهولنكم أن يقال جاء ~~شبث وآل عتيبة بن النهاس وآل الأشعث وآل يزيد بن الحارث وآل فلان، فسمى ~~بيوتات أهل الكوفة، ثم قال: إن هؤلاء لو وجدوا حر السيوف لانهزموا عن ابن ~~مطيع انهزام المعزى من الذئب. ففعلوا ذلك. PageV02P0228 # وأخذ ابن الأشتر أسفل قبائه فأدخله في منطقته، وكان القباء على الدرع، ~~فلم يلبثوا حين حمل عليهم أن انهزموا يركب بعضهم بعضا على أفواه السكك ~~وازدحموا، وانتهى ابن الأشتر إلى ابن مساحق، فأخذ بعنان دابته ورفع السيف ~~عليه، فقال له: يا ابن الأشتر أنشدك الله هل بيني وبينك من إحنة أو تطلبني ~~بثأر؟ فخلى سبيله، وقال: اذكرها. فكان يذكرها له. ودخلوا الكناسة في آثارهم ~~حتى دخلوا السوق والمسجد وحصروا ابن مطيع ومعه الأشراف من الناس غير عمرو ~~بن حريث، فإنه أتى داره ثم خرج إلى البر، وجاء المختار حتى نزل جانب السوق. ~~وولى إبراهيم حصار القصر ومعه يزيد بن أنس وأحمر بن شميط، فحصروهم ثلاثا، ~~فاشتد الحصار عليهم، فقال شبث لابن مطيع: انظر لنفسك ولمن معك فوالله ما ~~عندهم غناء عنك ولا عن أنفسهم. فقال: أشيروا علي. فقال شبث: ms1409 الرأي أن تأخذ ~~لنفسك ولنا أمانا وتخرج ولا تهلك نفسك ومن معك. فقال ابن مطيع: إني لأكره ~~أن آخذ منه أمانا والأمور لأمير المؤمنين مستقيمة بالحجاز والبصرة. قال: ~~فتخرج ولا يشعر بك أحد فتنزل بالكوفة عند من تثق إليه حتى تلحق بصاحبك. ~~وأشار بذلك عبد الرحمن بن سعيد وأسماء بن خارجة وعبد الرحمن بن مخنف وأشراف ~~الكوفة، فأقام حتى أمسى وقال لهم: قد علمت أن الذين صنعوا هذا بكم إنهم ~~أراذلكم وأخساؤكم وأن أشرافكم وأهل الفضل منكم سامعون مطيعون، وأنا مبلغ ~~ذلك صاحبي ومعلمه طاعتكم وجهادكم حتى كان الله الغالب على أمره. فأثنوا ~~عليه خيرا. وخرج عنهم وأتى دار أبي موسى، فجاء ابن الأشتر ونزل القصر، ففتح ~~أصحابه الباب وقالوا: يا ابن الأشتر آمنون نحن؟ قال: أنتم آمنون. فخرجوا ~~فبايعوا المختار، ودخل المختار القصر فبات فيه، وأصبح أشراف الناس في ~~المسجد وعلى باب القصر، وخرج المختار فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ~~فقال: الحمد لله الذي وعد وليه النصر، وعدوه الخسر، وجعله فيه إلى آخر ~~الدهر، وعدا مفعولا وقضاء مقضيا، وقد خاب من افترى، أيها الناس إنا رفعت ~~لنا راية ومدت لنا غاية، فقيل لنا في الراية: أن ارفعوها وفي الغاية: أن ~~اجروا إليها ولا تعدوها، فسمعنا دعوة الداعي ومقالة الواعي، فكم من ناع ~~وناعية لقتلى في الواعية وبعدا لمن طغى وأدبر وعصى وكذب وتولى، ألا فادخلوا ~~أيها الناس وبايعوا بيعة هدى، فلا والذي جعل السماء سقفا مكفوفا والأرض ~~فجاجا سبلا ما بايعتم بعد بيعة علي بن أبي طالب وآل علي أهدى منها! ثم نزل ~~ودخل عليه أشراف الكوفة فبايعوه على كتاب الله وسنة رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، والطلب بدماء أهل البيت وجهاد المحلين والدفع عن الضعفاء وقتال ~~من قاتلنا وسلم من سالمنا. وكان ممن بايعه المنذر بن حسان وابنه حسان، فلما ~~خرجا من عنده استقبله سعيد بن منقذ الثوري في جماعة من الشيعة، فلما رأوهما ~~قالوا: هذان والله من رؤوس الجبارين، فقتلوا المنذر وابنه حسان، فنهاهم ~~سعيد ms1410 حتى يأخذوا أمر المختار، فلم ينتهوا، فلما سمع المختار ذلك كرهه، ~~وأقبل المختار يمني الناس ويستجر مودة الأشراف ويحسن السيرة. وقيل له: إن ~~ابن مطيع في دار أبي موسى، فسكت، فلما أمسى بعث له بمائة ألف درهم وقال: ~~تجهز بهذه فقد علمت مكانك وأنك لم يمنعك من الخروج إلا عدم النفقة. وكان ~~بينهما صداقة. ووجد المختار في بيت المال تسعة آلاف ألف، فأعطى أصحابه ~~الذين قاتل بهم حين حصر ابن مطيع في القصر، وهم ثلاثة وخمسمائة، لكل رجل ~~منهم خمسمائة درهم، وأعطى ستة آلاف من أصحابه أتوه بعدما أحاط بالقصر ~~وأقاموا معه تلك الليلة وتلك الأيام الثلاثة مائتين مائتين، واستقبل الناس ~~بخير، وجعل الأشراف جلساءه، وجعل على شرطته عبد الله بن كامل الشاكري، وعلى ~~حرسه كيسان أبا عمرة. فقام أبو عمرة على رأسه ذات يوم وهو مقبل على الأشراف ~~بحديثه ووجهه، فقال لأبي عمرة بعض أصحابه من الموالي: أما ترى أبا إسحاق قد ~~أقبل على العرب ما ينظر إلينا؟ فسأله المختار عما قالوا له، فأخبره، فقال: ~~قل لهم لا يشق عليهم ذلك فأنتم مني وأنا منكم، وسكت طويلا ثم قرأ: (إنا من ~~المجرمين منتقمون) السجدة: 22. فلما سمعوها قال بعضهم لبعض: أبشروا، كأنكم ~~والله قد قتلتم، يعني الرؤساء. PageV02P0229 # وكان أول راية عقدها المختار لعبد الله بن الحارث أخي الأشتر على ~~أرمينية، وبعث محمد بن عمير بن عطارد علىأذربيجان، وبعث عبد الرحمن بن سعيد ~~بن قيس على الموصل، وبعث إسحاق بن مسعود على المدائن وأرض جوخى، وبعث قدامة ~~بن أبي عيسى بن زمعة النصري حليف ثقيف على بهقباذ الأعلى، وبعث محمد بن كعب ~~بن قرظة على بهقباذ الأوسط، وبعث سعد بن حذيفة بن اليمان على حلوان وأمره ~~بقتال الأكراد وإقامة الطرق. وكان ابن الزبير قد استعمل على الموصل محمد بن ~~الأشعث بن قيس، فلما ولي المختار وبعث عبد الرحمن بن سعيد إلى الموصل أميرا ~~سار محمد عنها إلى تكريت ينظر ما يكون من الناس، ثم سار إلى المختار ~~فبايعه. فلما فرغ المختار ms1411 مما يريد صار يجلس للناس ويقضي بينهم، ثم قال: إن ~~لي فيما أحاول لشغلا عن القضاء؛ ثم أقام شريحا يقضي بين الناس، ثم خافهم ~~شريح فتمارض، وكانوا يقولون: إنه عثماني، وإنه شهد على حجر بن عدي، وإنه لم ~~يبلغ هانىء بن عروة ما أرسله به، وإن عليا عزله عن القضاء. فلما بلغ شريحا ~~ذلك منهم تمارض، فجعل المختار مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم إن عبد ~~الله مرض فجعل مكانه عبد الله بن مالك الطائي. ### || AUT ذكر قتل المختار قتله الحسين # ### || AUT رضي الله عنه # وفي هذه السنة وثب المختار بمن بالكوفة من قتلة الحسين. وكان سبب ذلك أن ~~مروان بن الحكم لما استوسق له الشام بعث جيشين: أحدهما إلى الحجاز عليه ~~حبيش بن دلجة القيني، وقد ذكرنا أمره وقتله، والجيش الآخر إلى العراق مع ~~عبد الله بن زياد، وقد ذكرنا ما كان من أمره وأمر التوابين، وكان قد جعل ~~لابن زياد ما غلب عليه وأمره أن ينهب الكوفة ثلاثا، فاحتبس بالجزيرة وبها ~~قيس عيلان مع زفر بن الحارث على طاعة ابن الزبير فلم يزل عبيد الله بن زياد ~~مشتغلا بهم عن العراق نحو سنة. فتوفي مروان وولي بعده ابنه عبد الملك بن ~~مروان، فأقر ابن زياد على ما كان أبوه ولاه وأمره بالجد في أمره. فلما لم ~~يمكنه في زفر ومن معه من قيس شيء أقبل إلى الموصل، فكتب عبد الرحمن بن سعيد ~~عامل المختار يخبره بدخول ابن زياد أرض الموصل وأنه قد تنحى له عن الموصل ~~إلى تكريت. فدعا المختار يزيد بن أنس الأسدي وأمره أن يسير إلى الموصل ~~فينزل بأداني أرضها حتى يمده بالجنود، فقال له يزيد: خلني أنتخب ثلاثة آلاف ~~فارس، وخلني مما توجهني إليه، فإن احتجت كتبت إليك أستمدك. فأجابه المختار، ~~فانتخب ثلاثة آلاف، وسار عن الكوفة، وسار معه المختار والناس يشيعونه، فلما ~~ودعه قال له: إذا لقيت عدوك فلا تناظرهم، وإذا مكنتك الفرصة فلا تؤخرها، ~~وليكن خبرك كل يوم عندي، وإن احتجت ms1412 إلى مدد فاكتب إلي مع أني ممدك وإن لم ~~تستمد لأنه أشد لعضدك وأرعب لعدوك. ودعا له الناس بالسلامة، ودعوا له، فقال ~~لهم: اسألوا الله لي بالشهادة فوالله لئن فاتني النصر لا تفوتني الشهادة. ~~فكتب المختار إلى عبد الرحمن بن سعيد أن خل بين يزيد وبين البلاد. فسار ~~يزيد إلى المدائن، ثم سار إلى أرض جوخى والرذانات إلى أرض الموصل فنزل ~~بباتلى، وبلغ خبره ابن زياد، فقال: لأبعثن إلى كل ألف ألفين، فأرسل ربيعة ~~بن مخارق الغنوي في ثلاثة آلاف، وعبد الله بن جملة الخثعمي في ثلاثة آلاف، ~~فسار ربيعة قبل عبد الله بيوم فنزل بيزيد بن أنس بباتلي، فخرج يزيد بن أنس ~~وهو مريض شديد المرض راكب على حمار يمسكه الرجال، فوقف على أصحابه وعبأهم ~~وحثهم على القتال وقال: إن هلكت فأميركم ورقاء بن العازب الأسدي، فإن هلك ~~فأميركم عبد الله بن ضمرة العذري، فإن هلك فأميركم سعر بن أبي سعر الحنفي، ~~وجعل على ميممنته عبد الله، وعلى ميسرته سعرا، وعلى الخيل ورقاء، ونزل هو، ~~فوضع بين الرجال على سرير، وقال: قاتلوا عن أميركم إن شئتم أو فروا عنه، ~~وهو يأمر الناس بما يفعلون، ثم يغمى عليه ثم يفيق. PageV02P0230 # واقتتل الناس عند فلق الصبح يوم عرفة واشتد قتالهم إلى ارتفاع الضحى، ~~فانهزم أهل الشام وأخذ عسكرهم وانتهى أصحاب يزيد إلى ربيعة بن مخارق وقد ~~انهزم عنه أصحابه وهو نازل ينادي: يا أولياء الحق أنا ابن مخارق، إنما ~~تقاتلون العبيد الأباق ومن ترك الإسلام وخرج منه! فاجتمع إليه جماعة ~~فقاتلوا معه، فاشتد القتال، ثم انهزم أهل الشام وقتل ربيعة بن مخارق، قتله ~~عبد الله ابن ورقاء الأسدي وعبد الله بن ضمرة العذري، فلم يسر المنهزمون ~~غير ساعة حتى لقيهم عبد الله بن جملة في ثلاثة آلاف فرد معه المنهزمين. ~~ونزل يزيد بباتلى فباتوا ليلتهم يتحارسون، فلما أصبحوا يوم الأضحى خرجوا ~~إلى القتال فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم نزلوا فصلوا الظهر، ثم عادوا إلى ~~القتال فانهزم أهل الشام وترك ابن جملة في ms1413 جماعة فقاتل قتالا شديدا، فحمل ~~عليه عبد الله بن قراد الخثعمي فقتله، وحوى أهل الكوفة عسكرهم وقتلوا فيهم ~~قتلا ذريعا وأسروا منهم ثلاثمائة أسير، وأمر يزيد بن أنس بقتلهم، وهو بآخر ~~رمق، فقتلوا، ثم مات آخر النهار، فدفنه أصحابه وسقط في أيديهم. وكان قد ~~استخلف ورقاء بن عازب الأسدي، فصلى عليه ثم قال لأصحابه: ماذا ترون؟ إنه قد ~~بلغني أن ابن زياد قد أقبل إليكم في ثمانين ألفا، وإنما أنا رجل منكم ~~فأشيروا علي فإني لا أرى لا بأهل الشام طاقة على هذه الحال وقد هلك يزيد ~~وتفرق عنا بعض من معنا، فلو انصرفنا اليوم من تلقاء أنفسنا لقالوا: إنما ~~رجعنا عنهم لموت أميرنا ولم يزالوا لنا هائبين، وإن لقيناهم اليوم كنا ~~مخاطرين، فإن هزمونا اليوم لم تنفعنا هزيمتنا إياهم بالأمس. فقالوا: نعم ما ~~رأيت. فانصرفوا. فبلغ ذلك المختار وأهل الكوفة، فأرجف الناس بالمختار ~~وقالوا: إن يزيد قت، ولم يصدقوا أنه مات. فدعا المختار إبراهيم بن الأشتر ~~وأمره على سبعة آلاف وقال له: سر فإذا لقيت جيش يزيد بن أنس فأنت الأمير ~~عليهم فارددهم معك حتى تلقى ابن زياد وأصحابه فتناجزهم. فخرج إبراهيم فعسكر ~~بحمام أعين وسار، فلما سار اجتمع أشراف الكوفة عند شبث بن ربعي وقالوا: ~~والله إن المختار تأمر علينا بغير رضى منا، ولقد أدنى موالينا فحملهم على ~~الدواب وأعطاهم فيئنا. وكان شبث شيخهم، وكان جاهليا إسلاميا، فقال لهم شبث: ~~دعوني حتى ألقاه. فذهب إليه فلم يدع شيئا أنكروه إلا ذكره له، فأخذ لا يذكر ~~خصلة إلا قال له المختار: أنا أرضيهم في هذه الخصلة وآتي لهم كل ما أحبوا، ~~وذكر له الموالي ومشاركتهم في الفيء، فقال له: إن أنا تركت مواليكم وجعلت ~~فيئكم لكم تقاتلون معي بني أمية وابن الزبير وتعطوني على الوفاء عهد الله ~~وميثاقه وما أطمئن إليه من الأيمان؟ فقال شبث: حتى أخرج إلى أصحابي فأذكر ~~لهم ذلك. فخرج إليهم فلم يرجع إليه وأجمع رأيهم على قتاله. فاجتمع شبث بن ~~ربعي ومحمد بن الأشعث وعبد ms1414 الرحمن بن سعيد بن قيس وشمر حتى دخلوا على كعب ~~بن أبي كعب الخثعمي فكلموه في ذلك، فأجابهم إليه، فخرجوا من عنده حتى دخلوا ~~على عبد الرحمن بن مخنف الأزدي فدعوه إلى ذلك، فقال لهم: إن أطعتموني لم ~~تخرجوا. فقالوا له: لم؟ فقال: لأني أخاف أن تتفرقوا وتختلفوا ومع الرجل ~~شجعانكم وفرسانكم مثل فلان وفلان، ثم معه عبيدكم ومواليكم وكلمة هؤلاء ~~واحدة، ومواليكم أشد حنقا عليكم من عدوكم، فهم مقاتلوكم بشجاعة العرب ~~وعداوة العجم، وإن انتظرتموه قليلا كفيتموه بقدوم أهل الشام أو مجيء أهل ~~البصرة فتكفونه بغيركم ولم تجعلوا بأسكم بينكم. فقالوا: ننشدك الله أن ~~تخالفنا وتفسد علينا رأينا وما أجمعنا عليه! فقال: إنما أنا رجل منكم، فإذا ~~شئتم فاخرجوا. PageV02P0231 # فوثبوا بالمختار بعد مسير إبراهيم بن الأشتر وخرجوا بالجبابين كل رئيس ~~بجبانة. فلما بلغ المختار خروجهم أرسل قاصدا مجدا إلى إبراهيم بن الأشتر، ~~فلحقه وهو بساباط يأمره بالرجوع والسرعة، وبعث المختار إليهم في ذلك: ~~أخبروني ماذا تريدون فإني صانع كل ما أحببتم. قالوا: نريد أن تعتز لنا فإنك ~~زعمت أن ابن الحنفية بعثك ولم يبعثك. قال: فأرسلوا إليه وفدا من قبلكم ~~وأرسل أنا إليه وفدا، ثم انظروا في ذلك حتى يظهر لكم. وهو يريد أن يرثيهم ~~بهذه المقالة حتى يقدم عليه إبراهيم بن الأشتر، وأمر أصحابه فكفوا أيديهم، ~~وقد أخذ عليهم أهل الكوفة بأفواه السكك فلا يصل إليهم شيء إلا القليل. وخرج ~~عبد الله بن سبيع في الميدان فقاتله بنو شاكر قتالا شديدا، فجاءه عقبة بن ~~طارق الجشمي فقاتل معه ساعة حتى ردهم عنه، ثم أقبل فنزل عقبة مع شمر ومعه ~~قيس عيلان في جبانة سلول، ونزل عبد الله بن سبيع مع أهل اليمن في جبانة ~~السبيع. ولما سار رسول المختار وصل إلى ابن الأشتر عشية يومه، فرجع ابن ~~الأشتر بقية عشيته تلك الليلة، ثم نزل حتى أمسى وأراحوا دوابهم قليلا ثم ~~سار ليلته كلها ومن الغد فوصل العصر وبات ليلته في المسجد ومعه من أصحابه ~~أهل القوة. ولما اجتمع ms1415 أهل اليمن بجبانة السبيع حضرت الصلاة، فكره كل رأس ~~من أهل اليمن أن يتقدمه صاحبه، فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف: هذا أول ~~الاختلاف، قدموا الرضى فيكم سيد القراء رفاعة بن شداد البجلي، ففعلوا، فلم ~~يزل يصلي بهم حتى كانت الوقعة. ثم إن المختار عبأ أصحابه في السوق وليس فيه ~~بنيان، فأمر ابن الأشتر فسار إلى مضر وعليهم شبث بن ربعي ومحمد بن عمير بن ~~عطارد وهم بالكناسة، وخشي أن يرسله إلى أهل اليمن فلا يبالغ في قتال قومه. ~~وسار المختار نحو أهل اليمن بجبانة السبيع ووقف عند دار عمرو بن سعيد وسرح ~~بين يديه أحمر بن شميط البجلي وعبد الله بن كامل الشاكري وأمر كلا منهما ~~بلزوم طريق ذكره له يخرج إلى جبانة السبيع وأسر إليهما أن شباما قد أرسلوا ~~إليه يخبرونه أنهم يأتون القوم من ورائهم، فمضيا كما أمرهما. فبلغ أهل ~~اليمن مسيرهما فافترقوا إليهما واقتتلوا أشد قتال رآه الناس، ثم انهزم ~~أصحاب أحمر بن شميط وأصحاب ابن كامل ووصلوا إلى المختار، فقال: ما وراءكم؟ ~~قالوا: هزمنا وقد نزل أحمر بن شميط ومعه ناس من أصحابه. وقال أصحاب ابن ~~كامل: ما ندري ما فعل ابن كامل. فأقبل بهم المختار نحو القوم حتى بلغ دار ~~أبي عبد الله الجدلي، فوقف ثم أرسل عبد الله بن قراد الخثعمي في أربعمائة ~~إلى ابن كامل وقال له: إن كان قد هلك فأنت مكانه وقاتل القوم، وإن كان حيا ~~فاترك عنده ثلاثمائة من أصحابك وامض في مائة حتى تأتي جبانة السبيع فتأتي ~~أهلها من ناحية حمام قطن. فمضى فوجد ابن كامل يقاتلهم في جماعة من أصحابه ~~قد صبروا معه، فترك عنده ثلاثمائة رجل وسار في مائة حتى أتى مسجد عبد ~~القيس، وقال لأصحابه: إني أحب أن يظهر المختار وأكره أن تهلك أشراف عشيرتي ~~اليوم، ووالله لأن أموت أحب إلي من أن يهلكوا على يدي، ولكن قفوا فقد سمعت ~~أن شباما يأتونهم من ورائهم فلعلهم يفعلون ذلك ونعافى نحن منه. فأجابه إلى ~~ذلك فبات ms1416 عند مسجد عبد القيس. وبعث المختار مالك بن عمرو النهدي، وكان ~~شجاعا، وعبد الله بن شريك النهدي في أربعمائة إلى أحمر بن شميط، فانتهوا ~~إليه وقد علاه القوم وكثروه، فاشتد قتالهم عند ذلك. وأما ابن الأشتر فإنه ~~مضى إلى مضر فلقي شبث بن ربعي ومن معه، فقال لهم إبراهيم: ويحكم انصرفوا ~~فما أحب أن يصاب من مضر على يدي. فأبوا وقاتلوه، فهزمهم وجرح حسان بن فائد ~~العبسي فحمل إلى أهله فمات، فكان مع شبث، وجاءت البشارة إلى المختار بهزيمة ~~مضر، فأرسل إلى أحمر بن شميط وابن كامل يبشرهما، فاشتد أمرهما. ~~PageV02P0232 # فاجتمع شبام، وقد رأسوا عليهم أبا القلوص، ليأتوا أهل اليمن من ورائهم، ~~فقال بعضهم لبعض: لو جعلتم جدكم على مضر وربيعة لكان أصوب، وأبوا القلوص ~~ساكت، فقالوا: ما تقول؟ فقال: قال الله تعالى: (قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار) التوبة: 123، فساروا معه نحو أهل اليمن، فلما خرجوا إلى جبانة ~~السبيع لقيهم على فم السكة الأعسر الشاكري فقتلوه ونادوا في الجباة، وقد ~~دخلوها: يا لثارات الحسين! فسمعها يزيد بن عمير بن ذي مران الهمداني فقال: ~~يا لثارات عثمان! فقال لهم رفاعة بن شداد: ما لنا ولعثمان! لا أقاتل مع قوم ~~يبغون دم عثمان. فقال له ناس من قومه: جئت بنا وأطعناك حتى إذا رأينا قومنا ~~تأخذهم السيوف قلت انصرفوا ودعوهم! فعطف عليهم وهو يقول، شعر: أنا ابن شداد ~~على دين علي ... لست لعثمان بن أروى بولي لأصلين اليوم فيمن يصطلي ... بحر ~~نار الحرب غير مؤتل فقاتل حتى قتل. وكان رفاعة مع المختار، فلما رأى كذبه ~~أراد قتله غيلة، قال: فمنعني قول النبي، صلى الله عليه وسلم: (من ائتمنه ~~رجل على دمه فقتله فأنا منه بريء). فلما كان هذا اليوم قاتل مع أهل الكوفة، ~~فلما سمع يزيد بن عمير يقول: يا لثارات عثمان، عاد عنهم فقاتل مع المختار ~~حتى قتل؛ وقتل يزيد بن عمير بن ذي مران والنعمان بن صهبان الجرمي، وكان ~~ناسكا، وقتل الفرات بن زحر بن قيس، وجرح أبوه زحر، وقتل ms1417 عبد الله بن سعيد ~~بن قيس، وقتل عمر بن مخنف، وقاتل عبد الرحمن بن مخنف حتى جرح وحملته الرجال ~~على أيديهم وما يشعر، وقاتل حوله رجال من الأزد، وانهزم أهل اليمن هزيمة ~~قبيحة، وأخذ من دور الوادعيين خمسمائة أسير فأتى بهم المختار مكتفين، فأمر ~~المختار بإحضارهم وعرضهم عليه، وقال: انظروا من شهد منهم قتل الحسين ~~فأعلموني. فقتل كل من شهد قتل الحسين، فقتل منهم مائتين وثمانية وأربعين ~~قتيلا، وأخذ أصحابه يقتلون كل من كان يؤذيهم. فلما سمع المختار بذلك أمر ~~بإطلاق كل من بقي من الأسارى وأخذ عليهم المواثيق أن لا يجامعوا عليه عدوا ~~ولا يبغوه وأصحابه غائلة، ونادى منادي المختار: من أغلق بابه فهو آمن إلا ~~من شرك في دماء آل محمد، صلى الله عليه وسلم. وكان عمرو بن الحجاج الزبيدي ~~ممن شهد قتل الحسين فركب راحلته وأخذ طريق واقصة فلم ير له خبر حتى الساعة، ~~وقيل: أدركه أصحاب المختار وقد سقط من شدة العطش فذبحوه وأخذوا رأسه. ولما ~~قتل فرات بن زحر بن قيس أرسلت عائشة بنت خليفة بن عبد الله الجعفية، وكانت ~~امرأة الحسين، إلى المختار تسأله أن يأذن لها في دفنه، ففعل، فدفنته. ~~PageV02P0233 # وبعث المختار غلاما له يدعى زربي في طلب شمر بن ذي الجوشن ومعه أصحابه، ~~فلما دنوا منه قال شمر لأصحابه: تباعدوا عني لعلي يطمع في، فتباعدوا عنه، ~~فطمع زربي عن أصحابه ثم حمل عليه شمر فقتله، وسار شمر حتى نزل مساء ~~ساتيدما، ثم سار حتى نزل منه قرية يقال لها الكلتانية على شاطىء نهر إلى ~~جانب تل، ثم أرسل إلى أهل تلك القرية فأخذ منها علجا فضربه وقال: امض ~~بكتابي هذا إلى مصعب بن الزبير. فمضى العلج حتى دخل قرية فيها أبو عمرة ~~صاحب المختار، وكان قد أرسله المختار إلى تلك القرية ليكون مسلحة بينه وبين ~~أهل البصرة، فلقي ذلك العلج علجا آخر من تلك القرية فشكا إليه ما لقي من ~~شمر، فبينا هو يكلمه إذ مر به رجل من أصحاب أبي عمرة ms1418 اسمه عبد الرحمن بن ~~أبي الكنود فرأى الكتاب وعنوانه: لمصعب بن الزبير من شمر، فقالوا للعلج: ~~أين هو؟ فأخبرهم، فإذا ليس بينه وبينهم إلا ثلاثة فراسخ، قال: فأقبلوا ~~يسيرون إليه. وكان قد قال لشمر أصحابه: لو ارتحلت بنا من هذه القرية فإنا ~~نتخوف بها. فقال: أوكل هذا فزعا من الكذاب! والله لا أتحول منها ثلاثة ~~أيام، ملأ الله قلوبهم رعبا. فإنهم لنيام إذ سمع وقع الحوافر، فقالوا في ~~أنفسهم: هذا صوت الدبا، ثم اشتد، فذهب أصحابه ليقوموا فإذا بالخيل قد أشرفت ~~من التل، فكبروا وأحاطوا بالأبيات، فولى أصحابه هاربين وتركوا خيولهم، وقام ~~شمر وقد اتزر ببرد، وكان أبرص، فظهر بياض برصه من فوق البرد وهو يطاعنهم ~~بالرمح وقد عجلوه عن لبس ثيابه وسلاحه، وكان أصحابه قد فارقوه، فلما أبعدوا ~~عنه سمعوا التكبير وقائلا يقول: قتل الخبيث، قتله ابن أبي الكنود، وهو الذي ~~رأى الكتاب مع العلج، وألقيت جثته للكلاب، قال: وسمعته بعد أن قاتلنا ~~بالرمح ثم ألقاه وأخذ السيف فقاتلنا به وهو يرتجز، شعر: نبهتم ليث عرين ~~باسلا ... جهما محياه يدق الكاهلا لم ير يوما عن عدو ناكلا ... إلا كذا ~~مقاتلا أو قاتلا ينزحهم ضربا ويروي العاملا وأقبل المختار إلى القصر من ~~جبانة السبيع ومعه سراقة بن مرداس البارقي أسيرا فناداه، شعر: امنن علي ~~اليوم يا خير معد ... وخير من حل بنجر والجند وخير من لبى وحيا وسجد فأرسله ~~المختار إلى السجن ثم أحضره من الغد، فأقبل إليه وهو يقول، شعر: ألا أبلغ ~~أبا إسحاق أنا ... نزونا نزوة كانت علينا خرجنا لا نرى الضعفاء شيئا ... ~~وكان خروجنا بطرا وحينا لقينا منهم ضربا طلحفا ... وطعنا صائبا حتى انثينا ~~كنصر محمد في يوم بدر ... ويوم الشعب إذ لاقى حنينا فأسجح إذ ملكت فلو ~~ملكنا ... لجرنا في الحكومة واعتدينا تقبل توبة مني فإني ... سأشكر إن جعلت ~~النقد دينا قال: فلما انتهى إلى المختار قال: أصلح الله الأمير، أحلف بالله ~~الذي لا إله إلا هو لقد رأيت الملائكة تقاتل معك على الخيول البلق بين ms1419 ~~السماء والأرض. فقال له المختار: اصعد المنبر فأعلم الناس. فصعد فأخبرهم ~~بذلك ثم نزل، فخلا به المختار فقال له: إني قد علمت أنك لم تر شيئا وإنما ~~أردت ما قد عرفت أن لا أقتلك، فاذهب عني حيث شئت لا تفسد علي أصحابي؛ فخرج ~~إلى البصرة فنزل عند مصعب وقال، شعر: ألا أبلغ أبا إسحاق أني ... رأيت ~~البلق دهما مصمتات كفرت بوحيكم وجعلت نذرا ... علي قتالكم حتى الممات أرى ~~عيني ما لم تبصراه ... كلانا عالم بالترهات وقتل يومئذ عبد الرحمن بن سعيد ~~بن قيس الهمداني، وادعى قتله سعر بن أبي سعر، وأبو الزبير الشبامي، وشبام ~~من همدان، ورجل آخر، فقال ابن عبد الرحمن لأبي الزبير الشبامي: أتقتل أبي ~~عبد الرحمن سيد قومك؟ فقرأ: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ~~من حاد الله ورسوله) الآية المجادلة: 22. وانجلت الوقعة عن سبعمائة وثمانين ~~قتيلا من قومه، وكان أكثر القتل ذلك اليوم في أهل اليمن. وكانت الوقعة لست ~~ليال بقين من ذي الحجة سنة ست وستين. PageV02P0234 # وخرج أشراف الناس فلحقوا بالبصرة، وتجرد المختار لقتلة الحسين، وقال: ما ~~من ديننا أن نترك قتلة الحسين أحياء، بئس ناصر آل محمد، صلى الله عليه ~~وسلم، أنا إذا في الدنيا، أنا إذا الكذاب كما سموني، وإني أستعين بالله ~~عليهم فسموهم لي، ثم اتبعوهم حتى تقتلوهم، فإني لا يسوغ لي الطعام والشراب ~~حتى أطهر الأرض مهم. فدل على عبد الله بن أسيد الجهني ومالك بن بشير البدي ~~وحمل بن مالك المحاربي، فبعث إليهم المختار فأحضرهم من القادسية، فلما رآهم ~~قال: يا أعداء الله ورسوله! أين الحسن بن علي؟ أدوا إلي الحسين، قتلتم من ~~أمرتم بالصلاة عليهم. فقالوا: رحمك الله! بعثا كارهين فامنن علينا ~~واستبقنا. فقال لهم: هلا مننتم على الحسين ابن بنت نبيكم فاستبقيتموه ~~وسقيتموه؟ وكان البدي صاحب برنسه فأمر بقطع يديه ورجليه وترك يضطرب حتى ~~مات، وقتل الآخرين وأمر بزياد بن مالك الضبعي وبعمران بن خالد القشيري ~~وبعبد الرحمن بن أبي خشارة البجلي وبعبد الله بن قيس ms1420 الخولاني فأحضروا ~~عنده، فلما رآهم قال: يا قتلة الصالحين وقتلة سيد شباب أهل الجنة، قد أقاد ~~الله منكم اليوم، لقد جاءكم الورس في يوم نحس. وكانوا نهبوا من الورس الذي ~~كان مع الحسين. ثم أمر بهم فقتلوا. وأحضر عنده: عبد الله وعبد الرحمن ابنا ~~صلخت وعبد الله بن وهب بن عمرو الهمداني، وهو ابن عم أعشى همدان، فأمر ~~بقتلهم، فقتلوا، وأحضر عنده: عثمان بن خالد بن أسيد الدهماني الجهني وأبو ~~أسماء بشر بن شميط القانصي، وكانا قد اشتركا في قتل عبد الرحمن بن عقيل وفي ~~سلبه، فضرب أعناقهما وأحرقا بالنار. ثم أرسل إلى خولي بن يزيد الأصبحي، وهو ~~صاحب رأس الحسين، فاختفى في مخرجه، فدخل أصحاب المختار يفتشون عليه، فخرجت ~~امرأته، واسمها العيوف بنت مالك، وكات تعاديه منذ جاء برأس الحسين، فقالت ~~لهم: ما تريدون؟ فقالوا لها: أين زوجك؟ قالت: لا أدري، وأشارت بيدها إلى ~~المخرج، فدخلوا فوجدوه وعلى رأسه قوصرة، فأخرجوه وقتلوه إلى جانب أهله ~~وأحرقوه بالنار. ### || AUT ذكر مقتل عمر بن سعد وغيره # ### || AUT ممن شهد قتل الحسين # ثم إن المختار قال يوما لأصحابه: لأقتلن غدا رجلا عظيم القدمين غائر ~~العينين مترف الحاجبين يسر قتله المؤمنين والملائكة المقربين. وكان عنده ~~الهيثم بن الأسود النخعي، فعلم أنه يعني عمر بن سعد، فرجع إلى منزله وأرسل ~~إلى عمر مع ابنه العريان يعرفه ذلك، فلما قاله له قال: جزى الله أباك خيرا، ~~كيف يقتلني بعد العهود والمواثيق؟ وكان عبد الله بن جعدة بن هبيرة أكرم ~~الناس على المختار لقرابته بعلي، وكلمه عمر بن سعد ليأخذ له أمانا من ~~المختار، ففعل وكتب له المختار أمانا وشرط فيه أن لا يحدث، وعنى بالحدث ~~دخول الخلاء، ثم إن عمر بن سعد خرج من بيته بعد عود العريان عنه فأتى حمامه ~~فأخبر مولى له بما كان منه وبأمانه. فقال له مولاه: وأي حدث أعظم مما صنعت؟ ~~تركت أهلك ورحلك وأتيت إلى هاهنا، ارجع ولا تجعل عليك سبيلا. فرجع وأتى ~~المختار فأخبره بانطلاقه، فقال: كلا، إن ms1421 في عنقه سلسلة سترده. وأصبح ~~المختار فبعث إليه أبا عمرة فأتاه وقال: أجب الأمير. فقام عمر فعثر في جبة ~~له، فضربه أبو عمرة بسيفه فقتله وأخذ رأسه فأحضره عند المختار. فقال ~~المختار لابنه حفص بن عمر وهو جالس عنده: أتعرف من هذا. قال: نعم ولا خير ~~في العيش بعده! فأمر به فقتل، وقال المختار: هذا بحسين وهذا بعلي بن الحسين ~~ولا سواء، والله لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله. ~~وكان السبب في تهيج المختار على قتله أن يزيد بن شراحيل الأنصاري أتى محمد ~~بن الحنفية وسلم عليه وجرى الحديث إلى أن تذاكرا المختار، فقال ابن ~~الحنفية: إنه يزعم أنه لنا شيعة وقتلة الحسين عنده على الكراسي يحدثونه. ~~فلما عاد يزيد أخبر المختار بذلك، فقتل عمر بن سعد وبعث برأسه ورأس ابنه ~~إلى ابن الحنفية وكتب إليه يعلمه أنه قد قتل من قدر عليه، وأنه في طلب ~~الباقين ممن حضر قتل الحسين. قال عبد الله بن شريك: أدركت أصحاب الأزدية ~~المعلمة وأصحاب البرانس السود من أصحاب السواري إذا مر بهم عمرو بن سعد ~~قالوا: هذا قاتل الحسين، وذلك قبل أن يقتله. وقال ابن سيرين: قال علي لعمر ~~بن سعد: كيف أنت إذا قمت مقاما تخير فيه بين الجنة والنار فتختار النار؟ ~~PageV02P0235 # ثم إن المختار أرسل إلى حكيم بن طفيل الطائي، وكان أصاب سلب العباس بن ~~علي ورمى الحسين بسهم، وكان يقول: تعلق سهمي بسرباله وما ضره، فأتاه أصحاب ~~المختار فأخذوه، وذهب أهله فشفعوا بعدي بن حاتم، فكلمهم عدي فيه، فقالوا: ~~ذلك إلى المختار. فمضى عدي إلى المختار ليشفع فيه، وكان المختار قد شفعه في ~~نفر من قومه أصابهم يوم جبانة السبيع، فقالت الشيعة: إنا نخاف أن يشفعه ~~المختار فيه، فقتلوه رميا بالسهام كما رمى الحسين حتى صار كأنه القنفذ؛ ~~ودخل عدي بن حاتم على المختار، فأجلسه معه، فشفع فيه عدي، فقال المختار: ~~أتستحل أن تطلب في قتلة الحسين؟ فقال عدي: إنه مكذوب عليه. قال: إذا ندعه ms1422 ~~لك. فدخل ابن كامل فأخبر المختار بقتله، فقال: ما أعجلكم إلى ذلك؟ ألا ~~أحضرتموه عندي؟ وكان قد سره قتله. فقال ابن كامل: غلبتني عليه الشيعة. فقال ~~عدي لابن كامل: كذبت ولكن ظننت أن من هو خير منك سيشفعني فقتلته. فسبه ابن ~~كامل، فنهاه المختار عن ذلك. وبعث المختار إلى قاتل علي بن الحسين، وهو مرة ~~بن منقذ من عبد القيس، وكان شجاعا، فأحاطوا بداره، فخرج إليهم على فرسه ~~وبيده رمحه فطاعنهم فضرب على يده وهرب منهم فنجا ولحق بمصعب بن الزبير وشلت ~~يده بعد ذلك. وبعث المختار إلى زيد بن رقاد الحباني، كان يقول: لقد رميت ~~فتى منهم بسهم وكفه على جبهته يتقي النبل فأثبت كفه في جبهته فما استطاع أن ~~يزيل كفه عن جبهته، وكان ذلك الفتى عبد الله بن مسلم بن عقيل، وإنه قال حين ~~رميته: اللهم إنهم استقلونا واستذلونا فاقتلهم كما قتلونا! ثم إنه رمى ~~الغلام بسهم آخر وكان يقول: جثته وهو ميت فنزعت سهمي الذي قتلته به من ~~جوفه، فلم أزل أنضنضه من جبهته حتى أخذته وبقي النصل؛ فلما أتاه أصحاب ~~المختار خرج إليهم بالسيف، فقال لهم ابن كامل: لا تطعنوه ولا تضربوه بالسيف ~~ولكن ارموه بالنبل والحجارة. ففعلوا ذلك به، فسقط، فأحرقوه حيا. وطلب ~~المختار سنان بن أنس الذي كان يدعي قتل الحسين، فرآه قد هرب إلى البصرة، ~~فهدم داره. وطلب عبد الله بن عقبة الغنوي فوجده قد هرب إلى الجزيرة، فهدم ~~داره، وكان قد قتل منهم غلاما. وطلب آخر من بني أسد يقال له حرملة بن ~~الكاهن، كان قد قتل رجلا من أهل الحسين ففاته. وطلب أيضا رجلا من خثعم اسمه ~~عبد الله بن عروة الخثعمي، كان يقول: رميت فيهم باثني عشر سهما؛ ففاته ولحق ~~بمصعب بن الزبير، فهدم داره. وطلب أيضا عمرو بن الصبيح الصدائي، كان يقول: ~~لقد طعنت فيهم وجرحت وما قتلت منهم أحدا، فأتي ليلا فأخذ وأحضر عند ~~المختار، فأمر بإحضار الرماح وطعن بها حتى مات. وأرسل إلى محمد بن الأشعث، ms1423 ~~وهو في قرية له إلى جنب القادسية، فطلبوه فلم يجدوه، وكان قد هرب إلى مصعب، ~~فهدم المختار داره وبنى بلبنها وطينها دار حجر بن عدي الكندي، كان زياد قد ~~هدمها. بحير بن ريسان بفتح الباء الموحدة، وكسر الحاء المهملة. شبام بكسر ~~الشين المعجمة، والباء الموحدة: بطن من همدان؛ وهمدان بسكون الميم، وبالدال ~~المهملة. وسعر بكسر السين المهملة. وأحمر بن شميط بالحاء المهملة، والراء ~~المهملة، وشميط بالشين المعجمة. وشبث بفتح الشين المعجمة واباء الموحدة. ~~جبانة أثير بضم الهمزة، وبالثاء المثلثة، وبالياء المثناة من تحت، وبالراء ~~المهملة. عتيبة بن النهاس بالعين المهملة، وبالتاء المثناة من فوق، ثم ~~بالياء المثناة من تحت، وبالباء الموحدة. حسان بن فائد بالفاء. ### || AUT ذكر بيعة المثنى العبدي للمختار بالبصرة # وفي هذه السنة دعا المثنى بن مخربة العبدي بالبصرة إلى بيعة المختار، ~~وكان ممن شهد عين الوردة مع سليمان بن صرد، ثم رجع فبايع للمختار، فسيره ~~إلى البصرة يدعو بها إليه، فقدم البصرة ودعا بها، فأجابه رجال من قومه ~~وغيرهم، ثم أتى مدينة الرزق فعسكر عندها، وجمعوا الميرة بالمدينة، فوجه ~~إليهم القباع أمير البصرة، ودعا بها عباد بن حصين، وهو على شرطته، وقيس بن ~~الهيثم في الشرط والمقاتلة، فخرجوا إلى السبخة، ولزم الناس بيوتهم فلم يخرج ~~أحد، وأقبل عباد فيمن معه، فتواقف هو والمثنى، فسار عباد نحو مدينة الرزق ~~وترك قيسا مكانه. PageV02P0236 # فلما أتى عباد مدينة الرزق أصعد على سورها ثلاثين رجلا وقال لهم: إذا ~~سمعتم التكبير فكبروا، ورجع عباد إلى قيس، وأنشبوا القتال مع المثنى، وسمع ~~الرجال الذين في دار الرزق التكبير فكبروا، وهرب من كان بالمدينة، وسمع ~~المثنى التكبير من ورائهم فهرب فيمن معه، فكف عنهم قيس وعباد ولم يتبعاهم. ~~وأتى المثنى قومه عبد القيس، فأرسل القباع عسكرا إلى عبد القيس ليأتوه ~~بالمثنى ومن معه. فلما رأى زياد بن عمرو العتكي ذكل أقبل إلى القباع فقال ~~له: لتردن خيلك عن إخواننا أو لنقاتلنهم. فأرسل القباع الأحنف بن قيس وعمر ~~بن عبد الرحمن المخزومي ليصلحا بين الناس، ms1424 فأصلح الأحنف الأمر على أن يخرج ~~وأصحابه عنهم، فأجابوه إلى ذلك وأخرجوهم عنهم، فسار المثنى إلى الكوفة في ~~نفر يسير من أصحابه. مخربة بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، وتشديد الراء ~~وكسرها، ثم باء مفتوحة. ### || AUT ذكر مكر المختار بابن الزبير # فلما أخرج المختار عامل ابن الزبير عن الكوفة، وهو ابن مطيع، سار إلى ~~البصرة وكره أن يأتي ابن الزبير مهزوما، فلما استجمع للمختار أمر الكوفة ~~أخذ يخادع ابن الزبير، فكتب إليه: قد عرفت مناصحتي إياك وجهدي على أهل ~~عداوتك وما كنت أعطيتني إذا أنا فعلت ذلك من نفسك، فلما وفيت لك لم تف بما ~~عاهدتني عليه، فإن ترد مراجعتي ومناصحتي فعلت، والسلام. وكان قصد المختار ~~أن يكف ابن الزبير عنه ليتم أمره، والشيعة لا يعلمون بشيء من أمره، فأراد ~~ابن الزبير أن يعلم أسلم هو أم حب، فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن ~~هشام المخزومي فولاه الكوفة وقال له: إن المختار سامع مطيع؛ فتجهز بما بين ~~ثلاثين ألف درهم إلى أربعين ألفا وسار نحو الكوفة. وأتى الخبر إلى المختار ~~بذلك، فدعا المختار زائدة بن قدامة وأعطاه سبعين ألف درهم وقال له: هذا ضعف ~~ما أنفق عمر بن عبد الرحمن في طريقه إلينا، وأمره أن يأخذ معه خمسمائة فارس ~~ويسير حتى يلقاه بالطريق ويعطيه النفقة ويأمره بالعود، فإن فعل وإلا فليره ~~الخيل. فأخذ زائدة بن قدامة المال وسار حتى لقي عمر فأعطاه المال وأمره ~~بالانصراف، فقال له: إن أمير المؤمنين قد ولاني الكوفة ولابد من إتيانها. ~~فدعا زائدة بالخيل، وكان قد كمنها، فلما رآها قد أقبلت أخذ المال وسار نحو ~~البصرة، فاجتمع هو وابن مطيع في إمارة الحارث بن أبي ربيعة، وذلك قبل وثوب ~~المثنى بن مخربة العبدي بالبصرة. وقيل: إن المختار كتب إلى ابن الزبير: إني ~~اتخذت الكوفة دارا، فإن سوغتني ذلك وأمرت لي بألف ألف درهم سرت إلى الشام ~~فكفيتك ابن مروان. فقال ابن الزبير: إلى متى أماكر كذاب ثقيف ويماكرني؟ ثم ~~تمثل، شعر: عاري الجواعر من ms1425 ثمود أصله ... عبد ويزعم أنه من يقدم وكتب ~~إليه: والله ولا درهم: ولا أمتري عبد الهوان ببدرتي ... وإني لآتي الحتف ما ~~دمت أسمع ثم إن عبد الملك بن مروان بعث عبد الملك بن الحارث بن أبي الحكم ~~بن أبي العاص إلى وادي القرى، وكان المختار قد وادع ابن الزبير ليكف عنه ~~ليتفرغ لأهل الشام. فكتب المختار إلى ابن الزبير: قد بلغني أن ابن مروان قد ~~بعث إليك جيشا، فإن أحببت أمددتك بمدد. فكتب إليه ابن الزبير: إن كنت على ~~طاعتي فبايع لي الناس قبلك وعجل إنفاذ الجيش ومرهم ليسيروا إلى من بوادي ~~القرى من جند ابن مروان فليقاتلوهم، والسلام. فدعا المختار شرحبيل بن ورس ~~الهمداني فسيره في ثلاثة آلاف أكثرهم من الموالي وليس فيهم من العرب إلا ~~سبعمائة رجل، وقال: سر حتى تدخل المدينة، فإذا دخلتها فاكتب إلي بذلك حتى ~~يأتيك أمري. وهو يريد إذا دخلوا المدينة أن يبعث عليهم أميرا ثم يأمر ابن ~~ورس بمحاصرة ابن الزبير بمكة. وخشي ابن الزبير أن يكون المختار إنما يكيده، ~~فبعث من مكة عباس بن سهل بن سعد في ألفين، وأمره أن يستنفر الأعراب، وقال ~~له: إن رأيت القوم على طاعتي وإلا فكايدهم حتى تهلكهم. PageV02P0237 # فأقبل عباس بن سهل حتى لقي ابن ورس بالرقيم وقد عبأ ابن ورس أصحابه، وأتى ~~عباس وقد تقطع أصحابه، ورأى ابن ورس على الماء وقد عبأ أصحابه، فدنا منهم ~~وسلم عليهم ثم قال لابن ورس سرا: ألستم على طاعة ابن الزبير؟ قال: بلى. ~~قال: فسر بنا على عدوه الذي بوادي القرى. فقال ابن ورس: ما أمرت بطاعتكم ~~إنما أمرت أن آتي المدينة، فإذا أتيتهما رأيت رأيي. فقال له عباس: إن كنتم ~~في طاعة ابن الزبير فقد أمرني أن أسيركم إلى وادي القرى. فقال: لا أتبعك، ~~أقدم المدينة وأكتب إلى صاحبي فيأمرني بأمره. فقال عباس: رأيك أفضل، وفطن ~~لما يريد وقال: إما أنا فسائر إلى وادي القرى. ونزل عباس أيضا وبعث إلى ابن ~~ورس بجزائر وغنم مسلخة، وكانوا قد ms1426 ماتوا جوعا، فذبحوا واشتغلوا بها ~~واختلطوا على الماء، وجمع عباس من أصحابه نحو ألف رجل من الشجعان وأقبل نحو ~~فسطاط ابن ورس، فلما رآهم نادى في أصحابه، فلم يجتمع إليه مائة رجل حتى ~~انتهى إليه عباس واقتتلوا يسيرا، فقتل ابن ورس في سبعين من أهل الحفاظ، ~~ورفع عباس راية أمان لأصحاب ابن ورس، فأتوها إلا نحو من ثلاثمائة رجل من ~~سليمان بن حمير الهمداني وعباس بن جعدة الجدلي، فظفر ابن سهل منهم بنحو من ~~مائتين فقتلهم وأفلت الباقون فرجعوا، فمات أكثرهم في الطريق. وكتب المختار ~~بخبرهم إلى ابن الحنفية يقول: إني أرسلت إليك جيشا ليذلوا لك الأعداء ~~ويحرزوا البلاد فلما قاربوا طيبة فعل بهم كذا وكذا، فإن رأيت أن أبعث إلى ~~المدينة جيشا كثيفا وتبعث إليهم من قبلك رجلا يعلموا أني في طاعتك فافعل ~~فإنك ستجدهم بحقك أعرف وبكم أهل البيت أرأف منهم بآل الزبير، والسلام. فكتب ~~إليه ابن الحنفية: أما بعد فقد قرأت كتابك وعرفت تعظيمك لحقي وما تنويه من ~~سروري، وإن أحب الأمور كلها إلي ما أطيع الله فيه، فأطع الله ما استطعت، ~~وإني لو أردت القتال لوجدت الناس إلي سراعا والأعوان لي كثيرا، ولكن ~~أعتزلكم وأصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. وأمره بالكف عن الدماء. ### || AUT ذكر حال ابن الحنفية مع ابن الزبير # ### || AUT ومسير الجيش من الكوفة # ثم إن ابن الزبير دعا محمد بن الحنفية ومن معه من أهل بيته وشيعته وسبعة ~~عشر رجلا من وجوه أهل الكوفة، منهم أبو الطفيل عامر بن واثلة، له صحبة، ~~ليبايعوه، فامتنعوا وقالوا: لا نبايع حتى تجتمع الأمة؛ فأكثر الوقيعة في ~~ابن الحنفية وذمه، فأغلظ له عبد الله بن هانىء الكندي وقال: لئن لم يضرك ~~إلا تركنا ببيعتك لا يضرك شيء، وإن صاحبنا يقول: لو بايعتني الأمة كلها غير ~~سعد مولى معاوية ما قبلته. وإنما عرض بذكر سعد لأن ابن الزبير أرسل إليه ~~فقتله، فسبه عبد الله وسب أصحابه وأخرجهم من عنده، فأخبروا ابن الحنفية بما ~~كان منهم، فأمرهم ms1427 بالصبر، ولم يلح عليهم ابن الزبير. فلما استولى المختار ~~على الكوفة وصارت الشيعة تدعو لابن الحنفية، خاف ابن الزبير أن يتداعى ~~الناس إلى الرضا به فألح عليه وعلى أصحابه في البيعة له، فحبسهم بزمزم ~~وتوعدهم بالقتل والإحراق وإعطاء الله عهدا إن لم يبايعوا أن ينفذ فيهم ما ~~توعدهم به، وضرب لهم في ذلك أجلا. فأشار بعض من كان مع ابن الحنفية عليه أن ~~يبعث إلى المختار يعلمه حالهم، فكتب إلى المختار بذلك وطلب منه النجدة. ~~فقرأ المختار الكتاب على الناس وقال: إن هذا مهديكم وصريح أهل بيت نبيكم ~~وقد تركوا محظورا عليهم كما يحظر على الغنم ينتظرون القتل والتحريق في ~~الليل والنهار، لست أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزرا، وإن لم أسرب في أثر ~~الخيل كالسيل يتلوه السيل حتى يحل بابن الكاهلية الويل! يعني ابن الزبير، ~~وذلك أن أم خويلد أبي العوام زهرة بنت عمرو من بني كاهل بن أسد بن خزيمة. ~~PageV02P0238 # فبكى الناس وقالوا: سرحنا إليه وعجل. فوجه أبا عبد الله الجدلي في سبعين ~~راكبا من أهل القوة، ووجه ظبيان بن عمارة أخا بني تميم ومعه أربعمائة، وبعث ~~معه لابن الحنفية أربعمائة ألف درهم، وسير أبا المعمر في مائة، وهانىء بن ~~قيس في مائة، وعمير بن طارق في أربعين، ويونس بن عمران في أربعين. فوصل أبو ~~عبد الله الجدلي إلى ذات عرق، فأقام بها حتى أتاه عمير ويونس في ثمانين ~~راكبا، فبلغوا مائة وخمسين رجلا، فسار بهم حتى دخلوا المسجد الحرام، ومعهم ~~الرايات، وهم ينادون: يا لثارات الحسين! حتى انتهوا إلى زمزم، وقد أعد ابن ~~الزبير الحطب ليحرقهم، وكان قد بقي من الأجل يومان، فكسروا الباب ودخلوا ~~على ابن الحنفية فقالوا: خل بيننا وبين عدو الله ابن الزبير! فقال لهم: إني ~~لا أستحل القتال في الحرم. فقال ابن الزبير: واعجبا لهذه الخشبية! ينعون ~~الحسين كأني أنا قتلته، والله لو قدرت على قتلته لقتلتهم. وإنما قيل لهم ~~خشبية لأنهم دخلوا مكة وبأيديهم الخشب كراهة إشهار السيوف في الحرم، وقيل: ms1428 ~~لأنهم أخذوا الحطب الذي أعده ابن الزبير. وقال ابن الزبير: أتحسبون أني ~~أخلي سبيلهم دون أن يبايع ويبايعوا؟ فقال الجدلي: إي ورب الركن والمقام ~~لتخلين سبيله أو لنجادلنك بأسيافنا جدالا يرتاب منه المبطلون! فكف ابن ~~الحنفية أصحابه وحذرهم الفتنة. ثم قدم باقي الجند ومعهم المال حتى دخلوا ~~المسجد الحرام فكبروا وقالوا: يا لثارات الحسين! فخافهم ابن الزبير، وخرج ~~محمد بن الحنفية ومن معه إلى شعب علي وهم يسبون ابن الزبير ويستأذنون محمدا ~~فيه، فأبى عليهم. فاجتمع مع محمد في الشعب أربعة آلاف رجل، فقسم بينهم ~~المال وعزوا وامتنعوا. فلما قتل المختار تضعضعوا واحتاجوا. ثم إن البلاد ~~استوثقت لابن الزبير بعد قتل المختار، فارسل إلى ابن الحنفية: ادخل في ~~بيعتي وإلا نابذتك. وكان رسوله عروة بن الزبير. فقال ابن الحنفية: بؤسا ~~لأخيك ما ألجه فيما أسخط الله وأغفله عن ذات الله! وقال لأصحابه: إن ابن ~~الزبير يريد أن يثور بنا وقد أذنت لمن أحب الانصراف عنا فإنه لا ذمام عليه ~~منا ولا لوم، فإني عبد الرحمن بن أم الحكم لقيه أصحاب المختار معهم الكرسي ~~يحملونه على بغل أشهب وهم يدعون الله له بالنصر ويستنصرونه، وكان سادن ~~الكرسي حوشب البرسمي، فلما رآهم المختار قال: مقيم حتى يفتح الله بيني وبين ~~ابن الزبير، وهو خير الفاتحين. فقام إليه أبو عبد الله الجدلي وغيره ~~فأعلموه أنهم غير مفارقيه. وبلغ خبره عبد الملك بن مروان، فكتب إليه يعلمه ~~أنه إن قدم عليه أحسن إليه وأنه ينزل إلى الشام إن أراد حتى يستقيم أمر ~~الناس، فخرج ابن الحنفية وأصحابه إلى الشام، وخرج معه كثير عزة، وهو يقول، ~~شعر: هديت يا مهدينا ابن المهتدي ... أنت الذي نرضى به ونرتجي أنت ابن خير ~~الناس بعد النبي ... أنت إمام الحق لسنا نمتري يا بن علي سر ومن مثل علي ~~فلما وصل مدين بلغه غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد، فندم على إتيانه وخافه، ~~فنزل أيلة، وتحدث الناس بفضل محمد وكثرة عبادته وزهده وحسن هديه. فلما بلغ ~~ذلك عبد الملك ms1429 ندم على إذنه له في قدومه بلده، فكتب إليه: إنه لا يكون في ~~سلطاني من لم يبايعني. فارتحل إلى مكة ونزل شعب بن أبي طالب، فأرسل إليه ~~ابن الزبير يأمره بالرحيل عنه، وكتب إلى أخيه مصعب بن الزبير يأمره أن يسير ~~نساء من مع ابن الحنفية، فسير نساء، منهن امرأة أبي الطفيل عامر بن واثلة، ~~فجاءت حتى قدمت عليه، فقال الطفيل، شعر: إن يك سيرها مصعب ... فإني إلى ~~مصعب متعب اقود الكتيبة مستلئما ... كأني أخو عزة أحرب وهي عدة أبيات. وألح ~~ابن الزبير على ابن الحنفية بالانتقال إلى مكة، فاستأذنه أصحابه في قتال ~~ابن الزبير، فلم يأذن لهم وقال: اللهم ألبس ابن الزبير لباس الذل والخوف ~~وسلط عليه وعلى أشياعه من يسومهم الذي يسوم الناس. ثم سار إلى الطائف، فدخل ~~ابن عباس على ابن الزبير وأغلظ له، فجرى بينهما كلام كرهنا ذكره. وخرج ابن ~~عباس أيضا فلحق بالطائف، ثم توفي، فصلى عليه ابن الحنفية وكبر عليه أربعا، ~~وبقي ابن الحنفية حتى حصر الحجاج ابن الزبير، فأقبل من الطائف فنزل الشعب، ~~فطلبه الحجاج ليبايع عبد الملك، فامتنع حتى يجتمع الناس. PageV02P0239 # فلما قتل ابن الزبير كتب ابن الحنفية إلى عبد الملك يطلب منه الأمان له ~~ولمن معه، وبعث إليه الحجاج يأمره بالبيعة، فأبى وقال: قد كتبت إلى عبد ~~الملك فإذا جاءني جوابه بايعت. وكان عبد الملك كتب إلى الحجاج يوصيه بابن ~~الحنفية، فتركه، فلما قدم رسول ابن الحنفية، وهو أبو عبد الله الجدلي، ومعه ~~كتاب عبد الملك بأمانه وبسط حقه وتعظيم أهله، حضر عند الحجاج وبايع لعبد ~~الملك بن مروان، وقدم عليه الشام وطلب منه أن لا يجعل للحجاج عليه سبيلا، ~~فأزال حكم الحجاج عنه. وقيل: إن ابن الزبير أرسل إلى ابن عباس وابن الحنفية ~~أن يبايعا، فقالا: حتى يجتمع الناس على إمام ثم نبايع، فإنك في فتنة. فعظم ~~الأمر بينهما وغضب من ذلك وحبس ابن الحنفية في زمزم وضيق على ابن عباس في ~~منزله واراد إحراقهما، فأرسل المختار جيشا، كما تقدم، ms1430 فأزال عنهما ضرار ابن ~~الزبير. فلما قتل المختار قوي عليهما ابن الزبير وقال: لا تجاوراني. فخرجا ~~إلى الطائف، وأرسل ابن عباس ابنه عليا إلى عبد الملك بالشام وقال: لئن ~~يربني بنو عمي أحب إلي من أن يربني رجل من بني أسد؛ يعني ببني عمه بني أمية ~~لأنهم جميعهم من ولد عبد مناف، ويعني برجل من بني أسد ابن الزبير، فإنه من ~~بني أسد بن عبد العزى بن قصي. ولما وصل علي بن عبد الله بن عباس إلى عبد ~~الملك، سأله عن اسمه وكنيته، فقال: اسمي علي، والكنية أبو الحسن. فقال: لا ~~يجتمع هذا الاسم وهذه الكنية في عسكري، أنت أبو محمد. ولما وصل ابن عباس ~~إلى الطائف توفي به، وصلى عليه ابن الحنفية. ### || AUT ذكر الفتنة بخراسان # في هذه السنة كان حصار عبد الله بن خازم من كان بخراسان من بني تميم ~~بسبب قتلهم ابنه محمدا، وقد تقدم ذكره، فلما تفرقت بنو تميم بخراسان، على ~~ما تقدم، أتى قصر فرتنا عدة من فرسانهم ما بين السبعين إلى الثمانين فولوا ~~أمرهم عثمان بن بشر بن المحتفز المازني ومعه شعبة بن ظهير النهشلي وورد بن ~~الفلق العنبري وزهير بن ذؤيب العدوي وجيهان بن مشجعة الضبي والحجاج بن ناشب ~~العدوي ورقية بن الحر في فرسان من تميم وشجعانهم، فحاصرهم ابن خازم، فكانوا ~~يخرجون إليه فيقاتلونه ثم يرجعون إلى القصر. فخرج ابن خازم يوما في ستة ~~آلاف، وخرج إليه أهل القصر، فقال لهم عثمان بن بشر: ارجعوا فلن تطيقوه، ~~فحلف زهير بن ذؤئب بالطلاق أنه لا يرجع حتى يتعرض صفوفهم. فاستبطن نهرا قد ~~يبس، فلم يشعر به أصحاب عبد الله حتى حمل عليهم فحط أولهم على آخرهم ~~واستدار وكر راجعا، واتعبوه يصيحون به، ولم يجسر أحد أن ينزل إليه حتى رجع ~~إلى موضعه، فحمل عليهم فافرجوا له حتى رجع. فقال ابن خازم لأصحابه: إذا ~~طاعنتم زهيرا فاجعلوا في رماحكم كلاليب ثم علقوها في سلاحه. فخرج إليهم ~~يوما فطاعنهم فأعلقوا فيه أربعة أرماح بالكلاليب، فالتفت ms1431 إليهم ليحمل عليهم ~~فاضطربت أيديهم وخلوا رماحهم فعاد يجر اربعة أرماح حتى دخل القصر. فأرسل ~~ابن خازم إلى زهير يضمن له مائة ألف وميسان طعمة ليناصحه، فلم يجبه. فلما ~~طال الحصار عليهم أرسلوا إلى ابن خازم ليمكنهم من الخروج ليتفرقوا، فقال: ~~لا إلا على حكمي، فأجابوا إلى ذلك. فقال زهير: ثكلتكم أمهاتكم! والله ~~ليقتلنكم عن آخركم، وإن طبتم بالموت نفسا فموتوا كراما، اخرجوا بنا جميعا ~~فإما أن تموتوا كرما وإما أن ينجو بعضكم ويهلك بعضكم، وايم الله لئن شددتم ~~عليهم شدة صادقة ليفرجن لكم، فإن شئتم كنت أمامكم، وإن شئتم كنت خلفكم. ~~فأبوا عليه. فقال: ساريكم. ثم خرج هو ورقبة ابن الحر وغلام تركي وابن ظهير ~~فحملوا على القوم حملة منكرة، فأفرجوا لهم، فمضوا، فأما زهير فرجع ونجا ~~أصحابه. فلما رجع زهير إلى من بالقصر قال: قد رأيتم، أطيعوني: قالوا: إنا ~~نضعف عن هذا ونطمع في الحياة. فقال: لا أكون أعجزكم عند الموت. فنزلوا على ~~حكم ابن خازم، فأرسل إليهم فقيدهم وحملوا إليه رجلا رجلا، فأراد أن يمن ~~عليهم فأبى عليه ابنه موسى وقال له: إن عفوت عنهم قتلت نفسي، فقتلهم إلا ~~ثلاثة: أحدهم الحجاج بن ناشب، فشفع فيه بعض من معه، فأطلقه، والآخر جيهان ~~بن مشجعة الضبي الذي ألقى نفسه على محمد بن عبد الله، كما تقدم، والآخر رجل ~~من بني سعد من تميم، وهو الذي رد الناس عن ابن خازم يوم لحقوه، وقال: ~~انصرفوا عن فارس مضر. PageV02P0240 # وقال: ولما أرادوا حمل زهير بن ذؤيب وهو مقيد أبى واعتمد على رمحه فوثب ~~الخندق، ثم أقبل إلى ابن خازم يحجل في قيوده، فجلس بين يديه، فقال له ابن ~~خازم: كيف شكرك إن أطلقتك وأطعمتك ميسان؟ قال: لو لم تصنع بي إلا حقن دمي ~~لشكرتك. فلم يمكنه ابنه موسى من إطلاقه، فقال له أبوه: ويحك نقتل مثل زهير! ~~من لقتال عدو المسلمين؟ من لحمى نساء العرب؟ فقال: والله لو شركت في دم أخي ~~لقتلتك! فأمر بقتله. فقال زهير: إن لي حاجة، ms1432 لا تقتلني ويخلط دمي بدماء ~~هؤلاء اللئام، فقد نهيتهم عما صنعوا وأمرتهم أن يموتوا كراما ويخرجوا عليكم ~~مصلتين، وايم الله لو فعلوا لأذعروا بنيك هذا وشغلوه بنفسه عن طلب ثأر ~~أخيه، فأبوا، ولو فعلوا ما قتل منهم رجل حتى يقتل رجالا. فأمر به ابن خازم ~~فقتل ناحية. فلما بلغ الحريش قتلهم قال: أعاذل إني لم ألم في قتالهم ... ~~وقد عض سيفي كبشهم ثم صمما أعاذل ما وليت حتى تبددت ... رجال وحتى لم أجد ~~متقدما أعاذل أفناني السلاح، ومن يطل ... مقارعة الأبطال يرجع مكلما أعيني ~~إن أنزفتما الدمع فاسكبا ... دما لازما لي دون أن تسكبا دما أبعد زهير وابن ~~بشر تتابعا ... وورد أرجي في خراسان مغنما أعاذ كم من يوم حرب شهدته ... ~~أكر إذا ما فارس السوء أحجما يعني زهير بن ذؤيب، وابن بشر هو عثمان، وورد بن الفلق. ### || AUT ذكر مسير ابن الأشتر إلى قتال ابن زياد # وفي هذه السنة لثمان بقين من ذي الحجة يوم السبت سار إبراهيم بن الأشتر ~~لقتال عبيد الله بن زياد، وكان مسيره بعد فراغ المختار من وقعة السبيع ~~بيومين، وأخرج المختار معه فرسان أصحابه ووجوههم وأهل البصائر منهم ممن له ~~تجربة، وخرج معه المختار يشيعه، فلما بلغ دير أما ورب المرسلات عرفا ... ~~لنقتلن بعد صف صفا وبعد ألف قاسطين ألف ثم ودعه المختار وقال له: خذ عني ~~ثلاثا: خف الله، عز وجل، في سر امرك وعلانيتك، وعجل السير، وإذا لقيت عدوك ~~فناجزهم ساعة تلقاهم. ورجع المختار وسار إبراهيم فانتهى إلى أصحاب الكرسي، ~~وهم عكوف عليه قد رفعوا أيديهم إلى السماء يدعون الله، فقال إبراهيم: اللهم ~~لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، هذه سنة بني إسرائيل، والذي نفسي بيده، إذ ~~عكفوا على عجلهم، ثم رجعوا وسار إلى قصده. ### || AUT ذكر حال الكرسي الذي كان المختار يستنصر به # قال الطفيل بن جعدة بن هبيرة: أضقنا إضاقة شديدة فخرجت يوما فإذا جار لي ~~زيات عنده كرسي ركبه الوسخ، فقلت في نفسي: لو قلت للمختار في هذا شيئا ms1433 ~~فأخذته من الزيات وغسلته فخرج عود نضار قد شرب الدهن وهو يبص، قال فقلت ~~للمختار: إني كنت أكتمك شيئا وقد بدا لي أن أذكره لك، إن أبي جعدة كان يجلس ~~على كرسي عندنا ويروي أن فيه أثرا من علي. قال: سبحان الله أخرته إلى هذا ~~الوقت! ابعث به، فأحضرته عنده وقد غشي، فأمر لي باثني عشر ألفا ثم دعا: ~~الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فقال المختار: إنه لم يكن في الأمم الخالية ~~أمر إلا وهو كائن في هذه الأمة مثله، وإنه كان في بني إسرائيل التابوت، وإن ~~هذا فينا مثل التابوت. فكشفوا عنه، وقامت السبئية فكبروا. ثم لم يلبثوا أن ~~أرسل المختار الجند لقتال ابن زياد، وخرج بالكرسي على بغل وقد غشي، فقتل ~~أهل الشام مقتلة عظيمة، فزادهم ذلك فتنة، فارتفعوا حتى تعاطوا الكفر، فندمت ~~على ما صنعت وتكلم الناس في ذلك تعيبه. وقيل: إن المختار قال لآل جعدة بن ~~هبيرة، وكانت أم جعدة أم هانىء أخت علي بن أبي طالب لأبويه: إيتوني بكرسي ~~علي. فقالوا: والله ما هو عندنا. فقال: لتكونن حمقى، اذهبوا فأتوني به. ~~قال: فظنوا أنهم لا يأتونه بكرسي غلا قال هذا هو وقبله منهم. فأتوه بكرسي، ~~وقبضه منهم، وخرجت شبام وشاكر ورؤوس أصحاب المختار وقد جعلوا عليه الحرير، ~~وكان أول من سدنه موسى بن أبي موسى الأشعري، كان يلم بالمختار لأن أمه أم ~~كلثوم بنت الفضل بن العباس، فعتب الناس على موسى، فتركه وسدنه حوشب البرسمي ~~حتى هلك المختار؛ وقال أعشى همدان في ذلك، شعر: شهدت عليكم أنكم سبئية ... ~~وإني بكم يا شرطة الشرك عارف PageV02P0241 # فأقسم ماكرسيكم بسكينة ... وإن كان قد لفت عليه اللفائف وأن ليس كالتابوت ~~فينا وإن سعت ... شبام حواليه ونهد وخارف وإني امرؤ أحببت آل محمد ... ~~وتابعت وحيا ضمنته المصاحف وبايعت عبد الله لما تتابعت ... عليه قريش شمطها ~~والغطارف وقال المتوكل الليثي: أبلغ أبا إسحاق إن جئته ... أني بكرسيكم ~~كافر تروا شبام حول أغواده ... وتحمل الوحي له شاكر محمرة أعينهم حوله ... ~~كأنهن الحمص الحادر ms1434 ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير. وكان على المدينة مصعب بن ~~الزبير عاملا لأخيه عبد الله، وعلى البصرة عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ~~لابن الزبير أيضا، كان بالكوفة المختار متغلبا عليها، وبخراسان عبد الله بن ~~خازم. وفي هذه السنة توفي اسماء بن حارثة الأسلمي، وله صحبة، وهو من أصحاب ~~الصفة، وقيل: بل مات بالبصرة في إمارة ابن زياد. وتوفي جابر بن سمرة وهو ~~ابن أخت سعد بن أبي وقاص، وقيل: مات في إمارة بشر بن هارون. وتوفي أسماء بن ~~خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري سيد قومه. حارثة بالحاء المهملة، ~~والثاء المثلثة. ### | AUT المجلد الثالث # ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وستين # ### || AUT ذكر مقتل ابن زياد # ولما سار إبراهيم بن الأشتر من الكوفة أسرع السير ليلقوا بن زياد قبل أن ~~يدخل أرض العراق، وكان ابن زياد قد سار في عسكر عظيم من الشام، فبلغ الموصل ~~وملكها، كما ذكرناه أولا، فسار إبراهيم وخلف أرض العراق وأوغل في أرض ~~الموصل وجعل على مقدمته الطفيل بن لقيط النخعي، وكان شجاعا. فلما دنا ابن ~~زياد عبأ أصحابه ولم يسر إلا على تعبية واجتماع، إلا أنه يبعث الطفيل على ~~الطلائع حتى يبلغ نهر الخازر من بلد الموصل فنزل بقرية بارشيا. وأقبل ابن ~~زياد إليه حتى نزل قريبا منهم على شاطئ الخازر وأرسل عمير بن الحباب ~~السلمي، وهو من أصحاب ابن زياد، إلى ابن الأشتر أن القني، وكانت قيس كلها ~~مضطغنة على ابن مروان وقعة مرج راهط، وجند عبد الملك يومئذ كلب. فاجتمع ~~عمير وابن الأشتر، فأخبره عمير أنه على ميسرة ابن زياد وواعده أن ينهزم ~~بالناس، فقال له ابن الأستر: ما رأيك؟ أخندق علي وأتوقف يومين أو ثلاثة؟ ~~فقال عمير: لا تفعل، وهل يريدون إلا هذا؟ فإن المطاولة خير لهم، هم كثير ~~أضعافكم وليس يطيق القليل الكثير في المطاولة، ولكن ناجز القوم فإنهم قد ~~ملئوا منكم رعبا، وإن هم شاموا أصحابك وقاتلوهم يوما بعد يوم ms1435 ومرة بعد مرة ~~أنسوا بهم واجترأوا عليهم. وقال إبراهيم: الآن علمت أنك لي مناصح وبهذا ~~أوصاني صاحبي. قال عمير: أطعه فإن الشيخ قد ضرسته الحرب وقاس منها ما لم ~~يقاسه أحد، وإذا أصبحت فناهضهم. وعاد عمير إلى أصحابه وأذكى ابن الأشتر ~~ضرسه ولم يدخل عينه غمض حتى إذا كان السحر الأول عبأ أصحابه وكتائبه وأمر ~~أمراءه، فجعل سفيان بن يزيد الأزدي على ميمنته، وعلي بن مالك الجشمي على ~~ميسرته، وهو أخو أبي الأحوص، وجعل عبد الرحمن بن عبد الله، وهو أخوا ~~إبراهيم بن الأشتر لأمه، على الخيل، وكانت خيله قليلة، وجعل الطفيل بن لقيط ~~على الرجالة، وكانت رايته مع مزاحم بن مالك. فلما انفجر الفجر صلى الصبح ~~بغلس ثم خرج فصف أصحابه وألحق كل أمير بمكانه، ونزل إبراهيم يمشي ويحرض ~~الناس ويمنيهم الظفر، وسار بهم رويدا، فأشرف على تل عظيم مشرف على القوم، ~~وإذا أولئك القوم لم يتحرك منهم أحد، فأرسل عبد الله بن زهير السلولي ~~ليأتيه بخبر القوم، فعاد إليه وقال له: قد خرج القوم على دهش وفشل، لقيني ~~رجل منهم وليس له الكلام إلا: يا شيعة أبي تراب! يا شيعة المختار الكذاب! ~~قال: فقلت له: الذي بيننا أجل من الشتم. وركب إبراهيم وسار على الرايات ~~يحثهم ويذكر لهم فعل ابن زياد بالحسين وأصحابه وأهل بيته من السبي والقتل ~~ومنع الماء، وحرضهم على قتله. PageV02P0242 # وتقدم القوم إليه، وقد جعل ابن زياد على ميمنته الحصين بن نمير السكوني، ~~وعلى ميسرته عمير بن الحباب السلمي، وعلى الخيل شر حيل بن ذي الكلاع ~~الحميري. فلما تدانى الصفان حمل الحصين بن نمير في ميمنة أهل الشام على ~~ميسرة إبراهيم، فثبت له علي بن مالك الجشمي فقتل، في رجال من أهل البأس ~~وانهزمت الميسرة، فأخذ الراية عبد الله بن ورقاء بن جنادة السلولي ابن أخي ~~حبشي بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستقبل المنهزمين، ~~فقال: إلي يا شرطة الله. فأقبل إليه أكثرهم. فقال: هذا أميركم يقاتل ابن ~~زياد، ارجعوا بينا إليه. ms1436 فرجعوا، وإذا إبراهيم كاشف رأسه ينادي: إلي شرطة ~~الله، أنا ابن الأشتر ، إن خير فراركم كراركم، ليس مسيئا من أعتب. فرجع ~~إليه أصحابه، وحملت ميمنة إبراهيم على ميسرة ابن زياد وهم يرجون أن ينهزم ~~عمير بن الحباب، كما زعم، فقاتلهم عمير قتالا شديدا وأنف من الفرار. فلما ~~رأى ذلك إبراهيم قال لأصحابه: اقصدوا هذا السواد الأعظم، فو الله لو هزمناه ~~لانجفل من ترون يمنة ويسرة انجفال طير ذعرتها. فمشى أصحابه إليهم فتطاعنوا ~~ثم صاروا إلى السيوف والعمد فاضطربوا بها مليا، وكان صوت الضرب بالحديد ~~كصوت القصارين، وكان إبراهيم يقول لصاحب رايته: انغمس برايتك فيهم. فيقول: ~~ليس لي متقدم. فيقول: بلى، فإذا تقدم شد إبراهيم بسيفه فلا يضرب به رجلا ~~إلا صرعه، وكره إبراهيم الرجالة من بين يديه كأنهم الحملان، وحمل أصحابه ~~حملة رجل واحد. واشتد القتال فانهزم أصحاب ابن زياد وقتل من الفريقين قتلى ~~كثيرة. وقيل: إن عمير بن الحباب أول من انهزم، وإنما كان قتاله أولا ~~تعذيرا. فلما انهزموا قال إبراهيم: إني قد قتلت رجلا تحت راية منفردة على ~~شاطئ نهر الخازر فالتمسوه فإني شممت منه رائحة المسك، شرقت يداه وغربت ~~رجلاه. فالتمسوه فغذا هو ابن زياد قتيلا بضربة إبراهيم فقد قدته بنصفين ~~وسقط، كما ذكر إبراهيم، فاخذ رأسه وأحرقت جثته. وحمل شريك بن جدير التغلبي ~~على الحصين بن نمير السكوني وهو يظنه عبيد الله بن زياد، فاعتنق كل واحد ~~منهما صاحبه، فنادى التغلبي: اقتلوني وابن الزاني فقتلوا الحصين وقيل: إن ~~الذي قتل ابن زياد شريك بن جدير، وكان هذا شريك شهد صفين مع علي وأصيبت ~~عينه، فلما انقضت أيام علي لحق شريك ببيت المقدس فأقام به، فلما قتل الحسين ~~عاهد الله تعالى إن ظهر من يطلب بدمه ليقتلن ابن زياد أو ليموتن دونه. فلما ~~ظهر المختار للطلب بثأر الحسين أقبل إليه وسار مع إبراهيم بن الأشتر، فلما ~~التقوا حمل على خيل الشام يهتكها صفا صفا مع أصحابه من ربيعة حتى وصلوا إلى ~~ابن زياد وثار الرهج فلا يسمع ms1437 إلا وقع الحديد، فانفرجت عن الناس وهما ~~قتيلان شريك وابن زياد. والأول أصح. وشريك هو القائل: كل عيش قد أراه باطلا ~~... غير ركز الرمح في ظل الفرس قال: وقتل شر حبيل بن ذي الكلاع الحميري، ~~وادعى قتله سفيان بن يزيد الأزدي وورقاء بن عازب الأسدي وعبيد الله بن زهير ~~السلمي، وكان عيينة بن أسماء مع ابن زياد، فلما انهزم أصحابه حمل أخته هند ~~بنت أسماء، وكانت زوجة عبيد الله بن زياد، فذهب بها وهو يرتجز: إن تصرمي ~~حبالنا فربما ... أرديت في الهيجا الكمي المعلما ولما انهزم أصحاب ابن زياد ~~تبعهم أصحاب إبراهيم، فكان من غرق أكثر ممن قتل، وأصابوا عسكرهم وفيه من كل ~~شيء. وأرسل إبراهيم البشارة إلى المختار وهو بالمدائن، وأنفذ إبراهيم عماله ~~إلى اللاد، فبعث أخاه عبد الرحمن بن عبيد الله إلى نصيبين وغلب على سنجار ~~ودارا وما والاهما من أرض الجزيرة، فولى زفر بن الحارث قرقيسيا، وحاتم بن ~~النعمان الاهلي حران والرهاء وسميساط وناحيتها، وولى عمير بن الحباب السلمي ~~كفرتوثا وطور عبدين. وأقام إبراهيم بالموصل، وأنفذ رأس عبيد الله بن زياد ~~إلى المختار ومعه رؤوس قواده، فألقيت في القصر، فجاءت حية دقيقة فتخللت ~~الرؤوس حتى دخلت في فم عبيد الله بن زياد ثم خرجت من منخره ودخلت في منخره ~~وخرجت من فيه، فعلت هذا مرارا؛ أخرج هذا الترمذي في جامعه. وقال المغيرة: ~~أول من ضرب الزيوف في الإسلام عبيد الله بن زياد، وقال بعض حجاب ابن زياد: ~~دخلت مهع القصر حين قتل الحسين فاضطرم في وجهه نارا فقال بكمه هكذا على ~~وجهه وقال: لا تحدثن بهذا أحدا. PageV02P0243 # وقال المغيرة: قالت مرجانة لابنها عبيد الله بعد قتل الحسين: يا خبيث ~~قتلت ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا ترى الجنة أبدا! وقال ابن مفرغ ~~حين قتل ابن زياد: إن المنايا إذا ما زرن طاغية ... هتكن أستار حجاب وأبواب ~~أقول بعدا وسحقا عند مصرعه ... لابن الخبيثة وابن الكودن الكابي لا أنت ~~زوحمت عن ملك فتمنعه ... ولا متت إلى ms1438 قوم بأسباب لا من نزار ولا من جذم ذي ~~يمن ... جلمود ذا ألقيت من بين ألهاب لا تقبل الأرض موتاهم إذا قبروا ... ~~وكيف تقبل رجسا بين أثواب؟ وقال سراقة البارقي يمدح إبراهيم بن الأشتر: ~~أتاكم غلام من عرانين مذحج ... جري على الأعداء غير نكول فيا ابن زياد ~~بؤبأعظم مالك ... وذق حد ماضي الشفرتين صقيل جزا الله خيرا شرطة الله إنهم ~~... شفوا من عبيد الله أمس غليلي وقال عمير بن الحباب السلمي يذم جيش ابن ~~زياد: وما كان جيش يجمع الخمر والزنا ... محلا إذا لا قى العدو لينصرا ### || AUT ذكر ولاية مصعب بن الزبير البصرة # وفي هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير الحارث بن أبي ربيعة، وهو القباع، ~~عن البصرة واستعمل عليها أخاه مصعبا. فقدمها مصعب ملثما ودخل المسجد وصعد ~~المنبر، فقال الناس: أمير أمير! وجاء الحارث بن أبي ربيع، وهو الأمير،فسفر ~~مصعب لثامه فعرفوه، وأمر مصعب الحارث بالصعود إليه فأجلسه تحته بدرجة ثم ~~قام مصعب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم " طسم تلك ~~آيات الكتاب المبين نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون " إلى ~~قوله: " من المفسدين " القصص:1 - 4؛ فأشار بيده نحو الشام و " نريد أن نمن ~~على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين " القصص:5؛ ~~وأشار نحو الحجاز " ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون " ~~القصص:6؛وأشار نحو الكوفة، وقال: يا أهل البصرة بلغني أنكم تلقبون أمراءكم ~~وقد لقبت نفسي بالجزار. ### || AUT ذكر مسير مصعب إلى المختار # ### || AUT وقتل المختار # ولما هرب أشراف الكوفة من وقعة السبيع أتى جماعة منهم إلى مصعب فأتاه ~~شبث بن ربعي على بغلة قد قطع ذنبها وطرف أنها وشق قباءه وهو ينادي: يا ~~غوثاه! فرفع خبره إلى مصعب، فقال: هذا شبث بن ربعي، فأدخل عليه، فأتاه ~~أشراف الكوفة فدخلوا عليه وأخبروه بما اجتمعوا عليه وسألوه النصر لهم ~~والمسير إلى المختار معهم. وقدم عليه محمد بن الأشعث أيضا واستحثه على ~~المسير، فأدناه مصعب وأكرمه لشرفه، وقال لأهل الكوفة ms1439 حين أكثروا عليه: لا ~~أسير حتى يأتيني المهلب بن أبي صفرة. وكتب إليه، وهو عامله على فارس، ~~يستدعيه ليشهد معهم قتال المختار، فأبطأ المهلب واعتل بشيء من الخراج ~~لكراهية الخروج، فأمر مصعب محمد بن الأشعث أن يأتي المهلب يستحثه، فأتاه ~~محمد ومعه كتاب مصعب، فلما قرأه قال له: أما وجد مصعب بريدا غيرك؟ فقال: ما ~~أنا ببريد لأحد، غير أن نساءنا وأبناءنا وحرمنا غلبنا عليهم عبيدنا. فأقبل ~~المهلب معه بجموع كثيرة وأموال عظيمة فقدم البصرة، وأمر مصعب بالعسكر عند ~~الجسر الأكبر، وأرسل عبد الرحمن بن مخنف إلى الكوفة فأمره أن يخرج إليه من ~~قدر عليه وأن يثبط الناس عن المختار ويدعوهم إلى بيعة ابن الزبير سرا، ~~ففعل، ودخل بيته مستترا، ثم سار مصعب فقدم أمامه عباد بن الحصين الحطمي ~~التميمي، وبعث عمر بن عبيد الله بن معمر على ميمنته، والمهلب على ميسرته، ~~وجعل مالك بن مسمع على بكر، ومالك بن المنذر على عبد القيس، والأحنف بن قيس ~~على تميم، وزياد بن عمر العتكي على الأزد، وقيس بن الهيثم على أهل العالية. ~~وبلغ الخبر المختار فقام في أصحابه فأعلمهم ذلك وندبهم إلى الخروج مع أحمر ~~بن شميط، فخرج وعسكر بحمام أعين، ودعا المختار رؤوس الأرباع الذين كانوا مع ~~ابن الأشتر فبعث مع أحمر بن شميط، فسار وعلى مقدمته ابن كامل الشاكري، ~~فوصلوا إلى المذار، وأتى مصعب فعسكر قريبا منه، وعبأ كل واحد منهما جنده ثم ~~تزاحفا، فجعل ابن شميط ابن كامل على ميمنته، وعلى الميسرة عبد الله بن وهيب ~~الجشمي، وجعل أبا عمرة مولى عرينة على الموالي. PageV02P0244 # فجاء عبد الله بن وهيب الجشمي إلى ابن شميط فقال له: إن الموالي والعبيد ~~أولو خور عند المصدوقة، وإن معهم رجالا كثيرا على الخيل وأنت تمشي فمرهم ~~فليمشوا معك فإني أتخوف أن يطيروا عليها ويسلموك. وكان هذا غشا منه للموالي ~~لما كانوا لقوا منهم بالكوفة، فأحب أن كانت عليهم الهزيمة وأن لا ينجو منهم ~~أحد. فلم يتهمه ابن شميط، ففعل ما أشار به، فنزل ms1440 الموالي معه. وجاء مصعب ~~وقد جعل عباد بن الحصين على الخيل، فدنا عباد من أحمر وأصحابه وقال: إنما ~~ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإلى بيعة أمير المؤمنين عبد الله بن ~~الزبير؛ وقال الآخرون: إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله وإلى بيعة ~~المختار وإلى أن نجعل هذا الأمر شورى في آل الرسول. فرجع عباد فأخبر مصعبا، ~~فقال له: ارجع فاحمل عليهم. فرجع وحمل على ابن شميط وأصحابه، فلم ينزل منهم ~~أحد، ثم انصرف إلى موقفه، وحمل المهلب على ابن كامل، فجال بعضهم في بعض، ~~فنزل ابن كامل فانصرف عنه المهلب، ثم قال المهلب لأصحابه: كروا عليهم كرة ~~صادقة، فحملوا عليهم حملة منكرة، فولوا، وصبر ابن كامل في رجال من همدان ~~ساعة ثم انهزم، وحمل عمر بن عبيد الله على عبد الله بن أنس، فصبر ساعة ثم ~~انصرف، وحمل الناس جميعا على ابن شميط، فقاتل حتى قتل، وتنادوا: يا معشر ~~بجيلة وخثعم الصبر! فناداهم المهلب: الفرار اليوم أنجى لكم، علام تقتلون ~~أنفسكم مع هذه العبيد؟ ثم قال: والله ما أرى كثرة القتل اليوم إلا في قومي. ~~ومالت الخيل على رجالة ابن شميط فانهزمت، وبعث مصعب عبادا على الخيل، فقال: ~~أيما أسير أخذته فاضرب عنقه. وسرح محمد بن الأشعث في خيل عظيمة من أهل ~~الكوفة فقال: دونكم ثأركم. فكانوا أشد على المنهزيمن من أهل البصرة لا ~~يدركون منهزما إلا قتلوه، ولا يأخذون أسيرا فيعفون عنه، فلم ينج من ذلك ~~الجيش إلا طائفة أصحاب الخيل، وأما الرجالة فأبيدوا إلا قليلا. قال معاوية ~~بن قرة المزني: انتهيت إلى رجل فأدخلت السنان في عينه فأخذت أخضخض عينه به. ~~فقيل له: أفعلت هذا؟ فقال: نعم، إنهم كانوا عندنا أحل دماء من الترك ~~والديلم. وكان معاوية هذا قاضي البصرة. فلما فرغ مصعب منهم أقبل حتى قطع من ~~تلقاء واسط، ولم تكن بنيت بعد، فأخذ في كسكر، ثم حمل الرجال وأثقالهم ~~والضعفاء في السفن فأخذوا في نهر خرشاد ثم خرجوا إلى نهر قوسان ثم خرجوا ~~إلى الفرات. ms1441 وأتى المختار خبر الهزيمة ومن قتل بها من فرسان أصحابه، فقال: ~~ما من الموت بد، وما من ميتة أموتها أحب إلي من أن أموت ميتة ابن شميط. ~~فعلموا أنه إن لم يبلغ مايريد يقاتل حتى يقتل. ولما بلغه أن مصعبا قد أقبل ~~إليه في البر والبحر سار حتى وصل السيلحين ونظر إلى مجتمع الأنهار: نهر ~~الخريرة ونهر السيلحين ونهر القادسية ونهر رسف، فسكر الفرات فذهب ماؤها في ~~هذه الأنهار وبقيت سفن أهل البصرة في الطين، فلما رأوا ذلك خرجوا من السفن ~~إلى ذلك السكر فأصلحوه وقصدوا الكوفة، وسار المختار إليهم فنزل حروراء وحال ~~بينهم وبين الكوفة، وكان قد حصن القصر والمسجد وأدخل إليه عدة الحصار. ~~وأقبل مصعب وقد جعل على ميمنته المهلب، وعلى ميسرته عمر بن عبيد الله، وعلى ~~الخيل عباد بن الحصين؛ وجعل المختار على ميمنته سليم بن يزيد الكندي، وعلى ~~ميسرته سعيد بن منقذ الهمداني، وعل الخيل عمرو بن عبد الله النهدي، وعلى ~~الرجال مالك بن عبد الله النهدي. وأقبل محمد بن الأشعث فيمن هرب من أهل ~~الكوفة فنزل بين مصعب والمختار. فلما رأى ذلك المختار بعث إلى كل جيش من ~~أهل البصرة رجلا من أصحابه، وتدانى الناس، فحمل سعيد بن منقذ على بكر وعبد ~~القيس وهم في ميمنة مصعب فاقتتلوا قتالا شديدا، فأرسل مصعب إلى المهلب ~~ليحمل على من بإزائه، فقال: ما كنت لأجزر الأزد خشية أهل الكوفة حتى أرى ~~فرصتي. وبعث المختار إلى عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومي، فحمل على من ~~بإزائه، وهم أهل العالية، فكشفهم، فانتهوا إلى مصعب، فجثا مصعب على ركبتيه ~~وبرك الناس عنده فقاتلوا ساعة وتحاجزوا. PageV02P0245 # ثم إن المهلب حمل في أصحابه على من بإزائه فحطموا أصحاب المختار حطمة ~~منكرة فكشفوهم. وقال عبد الله بن عمرو النهدي، وكان ممن شهد صفين: اللهم ~~إني على ماكنت عليه بصفين، اللهم أبرأ إليك من فعل هؤلاء، لأصحابه حين ~~انهزموا، وأبرأ إليك من أنفس هؤلاء، يعني أصحاب مصعب، ثم جالد بسيفه حتى ~~قتل. وانقصف أصحاب ms1442 المختار كأنهم أجمة قصب فيها نار، وحمل مالك بن عمرو ~~النهدي، وهو على الرجالة، ومعه نحو خمسين رجلا، وذلك عند المساء، على أصحاب ~~ابن الأشعث حملة منكرة، فقتل ابن الأشعث وقتل عامة أصحابه. وقاتل المختار ~~على فم سكة شبث عامة ليلته وقاتل معه رجال من أهل البأس وقاتلت معه همدان ~~أشد قتال وتفرق الناس عن المختار، فقال له من معه: أيها الأمير اذهب إلى ~~القصر، فجاء حتى دخله، فقال له بعض أصحابه: ألم تكن وعدتنا الظفر وأنا ~~سنهزمهم؟ فقال: أما قرأت في كتاب الله تعالى " يمحو الله ما يشاء ويثبت ~~وعنده أم الكتاب " الرعد:39. فقيل: إن المختار أول من قال بالبداء. فلما ~~أصبح مصعب أقبل يسير فيمن معه نحو السبخة، فمر بالمهلب، فقال له المهلب: يا ~~له فتحا ما أهنأه لو لم يقتل محمد بن الأشعث. قال: صدقت. ثم قال مصعب ~~للمهلب: إن عبيد الله بن علي بن أبي طالب قد قتل، فاسترجع المهلب، فقال ~~مصعب: قد كنت أحب أن يشهد هذا الفتح، أتدري من قتله؟ إنما قتله من يزعم أنه ~~شيعة لأبيه. ثم نزل السبخة فقطع عنهم الماء والمادة وقاتلهم المختار ~~وأصحابه قتالا ضعيفا، واجترأ الناس عليهم فكانوا إذا خرجوا رماهم الناس من ~~فوق البيوت وصبوا عليهم الماء القذر، وكان أكثر معاشهم من النساء، تأتي ~~المرأة متخفية ومعها القليل من الطعام والشراب إلى أهلها. ففطن مصعب ~~بالنساء فمنعهن، فاشتد على المختار وأصحابه العطش، وكانوا يشربون ماء البئر ~~يعملون فيه العسل فكان ذلك ما يروي بعضهم. ثم إن مصعبا أمر أصحابه فاقتربوا ~~من القصر واشتد الحصار عيهم، فقال: لهم المختار: ويحكم إن الحصار لا يزيدكم ~~إلا ضعفا فانزلوا بنا فنقاتل حتى نقتل كراما إن نحن قتلنا، فو الله ما أنا ~~بآيس إن صدقتموهم أن ينصركم الله. فضعفوا ولم يفعلوا. فقال لهم: أما أنا ~~فوالله لا أعطي بيدي ولا أحكمهم في نفسي، وإذا خرجت فقتلت لم تزدادوا إلا ~~ضعفا وذلا، فغن نزلتم على حكمهم وثبت أعداؤكم فقتلوكم وبعضكم ينظر إلى بعض ms1443 ~~فتقولون: يا ليتنا أطعنا المختار، ولو أنكم خرجتم معي كنتم إن أخطأتم الظفر ~~متم كراما. فلما رأى عبد الله بن جعدة بن هبيرة ما عزم عليه المختار تدلى ~~من القصر فلحق بناس من إخوانه فاختفى عندهم سرا. ثم إن المختار تطيب وتحنط ~~وخرج من القصر في تسعة عشر رجلا، منهم السائب بن مالك الأشعري، وكانت تحته ~~عمرة بنت أي موسى الأشعري، فولدت له غلاما اسمه محمد، فلما أخذ القصر وجد ~~صبيا فتركوه. فلما خرج المختار قال للسائب: ماذا ترى؟ قال: ما ترى أنت. ~~قال: ويحك يا أحمق إنما أنا رجل من العرب رأيت ابن الزبير قد وثب بالحجاز، ~~ورأيت نجدة وثب باليمامة، ومروان بالشام، وكنت فيها كأحدهم، إلا أني قد ~~طلبت بثأر أهل البيت إذ نامت عنه العرب، فقاتل على حسبك إن لم يكن لك نية. ~~فقال: إنا الله وإنا إليه راجعون، ما كنت أصنع أن أقاتل على حسبي. ثم تقدم ~~المختار فقاتل حتى قتل، قتله رجلان من بني حنيفة أخوان، أحدهما طرفه، ~~والآخر طراف، ابنا عبد الله بن دجاجة. PageV02P0246 # فلما كان الغد من قتله دعاهم بحير بن عبد الله المسكي ومن معه بالقصر إلى ~~ما دعاهم المختار فأبوا عليه وأمكنوا أصحاب مصعب من أنفسهم ونزلوا على ~~حكمه، فأخرجهم مكتفين، فأراد إطلاق العرب وقتل الموالي، فأبى أصحابه عليه، ~~فعرضوا عليه فأمر بقتلهم، وعرض عليه بحير المسكي، فقال لمصعب: الحمد الله ~~الذي ابتلانا بالأسر وابتلاك بأن تعفو عنا، هما منزلتان: إحداهما رضاء ~~الله، والأخرى سخطه، من عفا عفا الله عنه وزاد عزا، ومن عاقب لم يأمن ~~القصاص، يا ابن الزبير نحن أهل قبلتكم وعلى ملتكم ولسنا تركا ولا ديلما، ~~فإن خالفنا إخواننا من أهل مصرنا فإما أن نكون أصبنا وأخطأوا، وغما أن نكون ~~أخطأنا وأصابوا، فاقتتلنا بيننا كما اقتتل أهل الشام بينهم ثم اجتمعوا، ~~وكما اقتتل أهل البصرة واصطلحوا واجتمعوا، وقد ملكتم فأسجحوا، وقد قدرتم ~~فاعفوا. فما زال بهذا القول حتى رق لهم الناس ومصعب وأراد أن يخلي سبيلهم. ~~فقام عبد ms1444 الرحمن بن محمد بن محمد بن الأشعث فقال: أتخلي سبيلهم؟ اخترنا أو ~~اخترهم. وقام محمد بن عبد الرحمن بن سعيد الهمداني فقال مثله، وقام أشراف ~~الكوفة فقالوا مثلهما، فأمر بقتلهم، فقالوا له: يا ابن الزبير لا تقتلنا ~~واجعلنا على مقدمتك إلى أهل الشام غدا، فما بكم عنا عنى، فإن قتلنا لم نقتل ~~حتى نضعفهم لكم، وإن ظفرنا بهم كان ذلك لكم. فأبى عليهم. فقال بحير المسكي: ~~لا تخلط دمي بدامائهم إذ عصوني. فقتلهم. وقال مسافر بن سعيد بن نمران ~~الناعطي: ماتقول يا ابن الزبير لربك غدا وقد قتلت أمة من المسلمين حكموك في ~~أنفسهم صبرا؟ اقتلوا منا بعدة من قتلنا منكم، ففينا رجال لم يشهدوا موطنا ~~من حربنا يوما واحدا، كانوا في السواد وجباية الخراج وحفظ الطرق. فلم يسمع ~~منه وأمر بقتله. ولما أراد قتلهم استشار مصعب الأحنف بن قيس، فقال: أرى أن ~~تعفو، فإن العفو أقرب للتقوى. فقال أشراف أهل الكوفة: اقتلهم، وضجوا، ~~فقتلهم. فلما قتلوا قال الأحنف: ما أدركتم بقتلهم ثأرا، فليته لا يكون في ~~الآخرة وبالا. وبعثت عائشة بنت طلحة امرأة مصعب إليه في أطلاقهم، فوجدهم ~~الرسول قد قتلوا. وأم مصعب بكف المختار بن أبي عبيدة فقطعت وسمرت بمسمار ~~إلى جانب المسجد، فبقيت حتى قدم الحجاج فنظر إليها وسأل عنها عقيل: هذه كف ~~المختار، فأمر بنزعها. وبعث مصعب عماله على الجبال والسواد وكتب إلى ~~إبراهيم بن الأشتر يدعوه إلى طاعته ويقول له: إن أطعتني فلك الشام وأعنة ~~الخيل وما غلبت عليه من أرض المغرب ما دام لآل الزبير سلطان، أعطاه عهد ~~الله على ذلك. وكتب عبد الملك بن مروان إلى ابن الأشتر يدعوه إلى طاعته ~~ويقول: إن أنت أجبتني فلك العراق. فاستشار إبراهيم أصحابه فاختلفوا، فقال ~~إبراهيم: لو لم أكن أصبت ابن زياد وأشراف الشام لأجبت عبد الملك مع أني لا ~~أختار على أهل مصري وعشيرتي غيرهم. فكتب إلى مصعب بالدخول معه. فكتب إليه ~~مصعب أن أقبل، فأقبل إليه بالطاعة، فلما بلغ مصعبا إقباله إليه بعث المهلب ms1445 ~~عل عمله بالموصل والجزيرة وأرمينية وأذربيجان. ثم إن مصعبا دعا أم ثابت بنت ~~سمرة بن جندب امرأة المختار وعمرة بنت النعمان بن بشير الأنصارية امرأته ~~الأخرى فأحضرهما وسألهما عن المختار. فقالت أم ثابت: نقول فيه بقولك أنت، ~~فأطلقها، وقالت عمرة: رحمة الله، كان عبدا لله صالحا، فحبسها، وكتب إلى ~~أخيه عبد الله بن الزبير: إنها تزعم أنه نبي، فأمره بقتلها، فقتلت ليلا بين ~~الكوفة والحيرة، قتلها بعض الشرط ضربها ثلاث ضربات بالسيف وهي تقول: يا ~~أبتاه! يا عثرتاه! فرفع رجل يده فلطم القاتل وقال: يا ابن الزانية عذبتها! ~~ثم تشحطت فماتت، فتعلق الشرطي بالرجل وحمله إلى مصعب، فقال: خلوه فقد رأى ~~أمرا فظيعا. فقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي في ذلك: إن من أعجب العجائب ~~عندي ... قتل بيضاء حرة عطبول قتلت هكذا على غير جرم ... إن لله درها من ~~قتيل كتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جر الذبول وقال سعيد بن ~~عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري في ذلك أيضا: أتى راكب بالأمر ذي ~~النبإ العجب ... بقتل ابنه النعمان ذي الدين والحسب بقتل فتاة ذات دل ستيرة ~~... مهذبة الأخلاق والخيم والنسب PageV02P0247 # مطهرة من نسل قوم أكارم ... من المؤثرين الخير في سالف الحقب خليل النبي ~~المصطفى ونصيره ... وصاحبه في الحرب والضرب والكرب أتاني بأن الملحدين ~~توافقوا ... على قتلها، لا جنبوا القتل ولسلب فلا هنأت آل الزبير معيشة ... ~~وذاقوا لباس الذل والخوف والحرب كأنهم إذ أبرزوها وقطعت ... بأسيافهم فازوا ~~بمملكة العرب ألم تعجب الأقوام من قتل حرة ... من المحصنات الدين محمودة ~~الأدب من الغافلات المؤمنات بريئة ... من الذم والبهتان والشك والكذب علينا ~~ديات القتل والبأس واجب ... وهن العفاف في الحجال وفي الحجب على دين أجداد ~~لها وأبوة ... كرام مضت لم تخز أهلا ولم ترب من الخفرات لا خروج بذية ... ~~ولا دمة تنعى على جارها الجنب ولا الجار ذي القربي ولم تدر ما الخنا ... ~~ولم تزدلف يوما بسوء ولم تجب عجبت لها إذ كتفت وهي حية ... ألا إن هذا ~~الخطب من أعجب ms1446 العجب وقيل: إن المختار إنما أظهر الخلاف لابن الزبير عند ~~قدوم مصعب البصرة، وإن مصعبا لما سار إليه فبلغه مسيره أرسل إليه أحمر بن ~~شميط وأمره أن يواقعه بالمذار، وقال: إن الفتح بالمذار لأنه بلغه أن رجلا ~~من ثقيف يفتح عليه بالمذار فتح عظيم، فظن أنه هو، وإنما كان ذلك للحجاج في ~~قتال عبد الرحمن بن الأشعث. وأمر مصعب عبادا الحطمي بالمسير إلى جمع ~~المختار، فتقدم وتقدم معه عبيد الله بن علي بن أبي طالب، وبقي مصعب على نهر ~~البصريين، وخرج المختار في عشرين ألفا، وزحف مصعب ومن معه فوافوه مع الليل، ~~فقال المختار لأصحابه: لا يبرحن أحد منكم حتى يسمع مناديا ينادي: يا محمد، ~~فإذا سمعتوه فاحملوا. فلما طلع القمر أمر مناديا فنادى: يا محمد، فحملوا ~~على أصحاب مصعب فهزموهم وأدخلوهم عسكرهم، فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أصبحوا ~~وأصبح المختار وليس عنده أحد وأصحابه قد أوغلوا في أصحاب مصعب، فانصرف ~~المختار منهزما حتى دخل قصر الكوفة، وجاء أصحابه حين أصبحوا فوقفوا مليا ~~فلم يروا المختار فقالوا: قد قتل، فهرب منهم من أطاق الهرب فاختفوا بدور ~~الكوفة، وتوجه منهم نحو القصر ثمانية آلاف فوجدوا المختار في القصر، فدخلوا ~~عليه، وكانوا قد قتلوا تلك الليلة من أصحاب مصعب خلقا كثيرا، منهم محمد بن ~~الأشعث. وأقبل مصعب فأحاط بالقصر وحاصرهم أربعة أشهر يخرج المختار كل يوم ~~فيقاتلهم في سوق الكوفة. ولما قتل لمختار بعث من في القصر يطلب الأمان، ~~فأبى مصعب، فنزلوا على حكمه، فقتل من العرب سبعمائة أو نحو ذلك وسائرهم من ~~العجم، وكان عدة القتلى ستة آلاف رجل. قيل: إن مصعبا لقي ابن عمر فسلم عليه ~~وقال له: أنا ابن أخيك مصعب. فقال له ابن عمر: أنت القاتل سبعة آلاف من أهل ~~القبلة في غداة واحدة غير ما بدا لك. فقال مصعب: إنهم كانوا كفرة فجرة. ~~فقال: والله لو قتلت عدتهم غنما من تراث أبيك لكان ذلك سرفا. وقال ابن ~~الزيبر لعبد الله بن عباس: ألم يلغك قتل الكذاب؟ قال: ومن ms1447 الكذاب؟ قال: ابن ~~أبي عبيد. قال: قد بلغني قتل المختار. قال: كأنك نكرت تسميته كذابا ومتوجع ~~له. قال: ذاك رجل قتل قتلتنا وطلب ثأرنا وشفى غليل صدورنا وليس جزاؤه منا ~~الشتم والشماتة. وقال عروة بن الزبير لابن عباس: قد قتل الكذاب المختار ~~وهذا رأسه. فقال ابن عباس: قد بقيت لكم عقبة كؤود فإن صعد تموها فأنتم أنتم ~~وإلا فلا، يعني عبد الملك بن مروان. وكانت هدايا المختار تأتي ابن عمر وابن ~~الحنفية فيقبلانها، وقيل: رد ابن عمر هديته. ### || AUT ذكر عزل مصعب بن الزبير # ### || AUT وولاية حمزة بن عبد الله بن الزبير # PageV02P0248 # وفي هذه السنة عزل عبد الله بن الزير أخاه مصعبا عن العراق بعد أن قتل ~~المختار وولى مكانه ابنه حمزة بن عبد الله، وكان حمزة جوادا مخلطا يجود ~~أحيانا حتى لا يدع شيئا يملكه ويمنع أحيانا ما لا يمنع مثله، وظهر منه ~~بالبصرة خفة وضعف، فيقال إنه ركب يوما فرأى فيض البصرة فقال: إن هذا الغدير ~~إن رفقوا به ليكفينهم ضيعتهم، فلما كان بعد ذلك رآه جازرا فقال: قد قتلت لو ~~رافقوا به لكفاهم. وظهر منه غير ذلك فكتب الأحنف إلى أبيه وسأله أن يعزله ~~عنهم ويعيد مصعبا، فعزله، فاحتمل مالا كثيرا من مال البصرة، فعرض له مالك ~~بن مسمع فقال له: لا ندعك تخرج بعطايانا. فضمن له عبيد الله بن عبد الله ~~العطاء فكف عنه، وشخص حمزة بالمال وأتى المدينة فأودعه رجالا، فجحدوه إلا ~~رجلا واحدا فوفى له، وبلغ ذلك أباه فقال: أبعده الله! أردت أن أباهي به بني ~~مروان فنكص. وقيل: إن مصعبا أقام بالكوفة سنة بعد قتل المختار معزولا عن ~~البصرة، عزله أخوه عبد الله واستعمل عليها ابنه حمزة، ثم إن مصعبا وفد على ~~أخيه عبد الله فرده على البصرة، وقيل: بل انصرف مصعب إلى البصرة بعد قتل ~~المختار واستعمل على الكوفة الحارث بن أبي ربيعة، فكانتا في عمله، فعزله ~~أخوه عن البصرة واستعمل ابنه حمزة، ثم عزل حمزة بكتاب الأحنف وأهل البصرة ورد مصعبا. ms1448 ### || AUT ذكر عدة حوادث # حج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان عامله على الكوفة ~~والبصرة من تقدم ذكره، وكان على قضاء الكوفة عبد الله بن عتبة بن مسعود، ~~وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة وبالشام عبد الملك بن مروان، وبخراسان عبد ~~الله بن خازم. وفي هذه السنة مات الأحنف بن قيس بالكوفة مع مصعب، وقيل: مات ~~سنة إحدى وسبعين بالكوفة لما سار مصعب إلى قتل عبد الملك بن مروان. وقتل ~~هبيرة بن مريم مولى الحسين بن علي بالخازر، وهو من أصحاب المختار وثقات ~~المحدثين. وفيها توفي جنادة بن أبي أمية وأدرك الجاهلية، وليست له صحبة. ~~وقتل مصعب عبد الرحمن وعبد الرب ابني حجر بن عدي وعمران بن حذيفة بن ~~اليمان، قتلهم صبرا بعد قتل المختار وبعد قتل أصحابه. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وستين # ### || AUT ذكر عزل حمزة وولاية مصعب البصرة # وفي هذه السنة رد عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا إلى العراق. وسببه: أن ~~الأحنف رأى من حمزة بن عبد الله اختلاطا وحمقا، فكتب إلى أبيه، فعزله ورد ~~مصعبا واستعمل على الكوفة الحارث بن أبي ربيعة. وقيل: كان سبب عزله حمزة ~~أنه قصر بالأشراف وبسط يده ففزعوا إلى مالك بن مسمع فضرب خيمته على الجسر ~~ثم أرسل إلى حمزة: الحق بأبيك؛ وأخرجه عن البصرة، فقال العديل العجلي: إذا ~~ما خشينا من أمير ظلامة ... دعونا أبا سفيان يوما فعسكرا ### || AUT ذكر حروب الخوارج بفارس والعراق # في هذه السنة استعمل مصعب عمر بن عبيد الله بن معمر على فارس وولاه حرب ~~الأزارقة، وكان المهلب على حربهم أيام مصعب الولى وأيام حمزة بن عبد الله ~~بن الزبير. فلما عاد مصعب أراد أن يولي المهلب بلاد الموصل والجزيرة ~~وأرمينية ليكون بينه وبين عبد الملك بن مروان، فكتب إليه، وهو بفارس، في ~~القدوم عليه، فقدم واستخلف على عملة ابنه المغيرة ووصاه بالاحتياط ، وقدم ~~البصرة، فعزله مصعب عن حرب الخوارج وبلاد فارس واستعمل عليهما عمر بن عبيد ~~الله بن معمر. فلما سمع ms1449 الخوارج به قال قطري بن الفجاءة: قد جاءكم شجاع وهو ~~شجاع وبطل، جاء يقاتل لدينه وملكه بطبيعة لم أر مثلها لأحد، ما حضر حربا ~~إلا كان أول فارس يقتل قرنه. وكان الخوارج قد استعملوا عليهم بعد قتل عبيد ~~الله بن الماحوز الزبير بن الماحوز، على ما ذكرناه سنة خمس وستين، فجاءت ~~الخوارج إلى إصطخر، فقدم إليهم عمر ابنه عبيد الله في خيل، فاقتلوا فقتل ~~عبيد الله بن عمر، وأراد الزبير بن الماحوز قتال عمر فقال له قطري: إن عمر ~~مأثور فلا نقاتله، فأبى فقاتله، فقتل من فرسان الخوارج تسعون رجلا، وطعن ~~عمر صالح بن مخارق فشتر عينه، وضرب قطريا على جبينه ففلقه، وانهزمت الخوارج ~~وساروا إلى سابور، فعاد عمر ولقيهم بها ومعه مجاعة بن سعر، فقتل مجاعة ~~بعمود كان معه أربعة عشر رجلا من الخوارج، وكاد عمر بهلك في هذه الوقعة، ~~فدافع عنه مجاعة، فوهب له عمر تسعمائة ألف درهم، فقيل في ذلك: PageV02P0249 # قد ذدت عادية الكتيبة عن فتى ... قد كاد يترك لحمه أقطاعا وظهر عليهم ~~فساروا وقطعوا قنطرة بينهما ليمتنع من طلبهم وقصدوا نحو أصبهان، فأقاموا ~~عندها حتى قووا واستعدوا، ثم أقبلوا حتى مروا بفارس وبها عمر، فقطعوها في ~~غير الموضع الذي هم به، أخذوا على سابور ثم على أرجان حتى أتوا الأهواز. ~~فقال مصعب: العجب لعمر! قطع هذا العدو الذي هو بصدد محاربته أرض فارس فلم ~~يقاتلهم، ولو قاتلهم وفر كان أعذر له. وكتب إليه: يا ابن معمر ما أنصفتني، ~~تجبي الفيء وتحيد عن العدو، فاكفني أمرهم. فسار عمر من فارس في أثرهم مجدا ~~يرجو أن يلحقهم قبل أن يدخلوا العراق، وخرج مصعب فعسكر عند الجسر الأكبر ~~وعسكر الناس معه، وبلغ الخوارج وهم بالأهواز إقبال عمر إليهم وأن مصعبا قد ~~خرج من البصرة إليهم، فقال لهم الزبير بن الماحوز: من سوء الرأي وقوعكم بين ~~هاتين الشوكتين، انهضوا بنا إلى عدونا نلقهم من وجه واحد. فسار بهم فقطع ~~بهم أرض جوخي والنهروانات فأتى المدائن وبها كردم بن مرشد القرادي، ms1450 فشنوا ~~الغارة على أهل المدائن يقتلون الرجال والنساء والوالدان ويشقون أجواف ~~الحبالى. فهرب كردم، وأقبلوا إلى ساباط ووضعوا السيف في الناس يقتلون، ~~وأرسلوا جماعة إلى الكرخ فلقوا أبا بكر بن مخنف فقاتلهم قتالا شديدا، فقتل ~~أبو بكر وانهزم أصحابه، وأفسد الخوارج في الأرض. فأتى أهل الكوفة أميرهم، ~~وهو الحارث بن أبي ربيعة ولقبه القباع، فصاحوا به وقالوا: اخرج فإن العدو ~~قد أظل علينا ليست له بقية. فخرج حتى نزل النخلية فأقام أياما، فوثب إليه ~~إبراهيم بن الأشتر فحثه على المسير، فسار حتى نزل دير عبد الرحمن فأقام به ~~حتى دخل إليه شبث بن ربعي فأمره بالمسير، فلما رأى الناس بط ء مسيره رجزوا ~~به فقالوا: سار بنا القباع سيرا نكرا ... يسير يوما ويقيم شهرا فسار من ذلك ~~المكان، فكان كلما نزل منزلا أقام به حتى يصيح به الناس، فبلغ الفرات في ~~بضعة عشر يوما، فأتاها وقد انتهى إليها الخوارج، فقطعوا الجسر بينهم وبينه ~~وأخذوا رجلا اسمه سماك بن يزيد ومعه بنت له فأخذوها ليقتلوها، فقالت لهم: ~~يا أهل الإسلام! إن أبي مصاب فلا تقتلوه، وأما أنا فجارية والله ما أتيت ~~فاحشة قط ولا آذيت جارة لي ولا تطلعت ولا تشرفت قط . فلما أرادوا قتلها ~~سقطت ميتة فقطعوها بأسيافهم، وبقي سماك معهم حتى أشرفوا على الصراة، ~~فاستقبل أهل الكوفة فناداهم: اعبروا إليهم إليهم فإنهم قليل خبيث فضربوا ~~عنقه وصلبوه. فقال إبراهيم بن الأشتر للحارث: اندب معي الناس حتى أعبر إلى ~~هؤلاء الكلاب فأجيئك برؤوسهم. فقال شبث وأسماء بن خارجة ويزيد بن الحارث ~~ومحمد بن عمير وغيرهم: أصلح الله الأمير، دعهم فليذهبوا؛ وكأنهم حسدوا ~~إبراهيم. فلما رأى الخوارج كثرة الناس قطعو الجسر، واغتنم ذلك الحارث فتحبس ~~ثم جلس للناس فقال: أما بعد فإن أول القتال الرمية بالنبل وإشراع الرماح ~~والطعن ثم الطعن شزرا ثم السلة آخر ذلك كله. فقال له رجل: قد أحسن الأمير ~~الصفة ولكن متى نصنع هذا وهذا البحر بيننا وبينهم؟ فمر بهذا الجسر فليعقد ~~ثم عبرنا إليهم، فإن الله ms1451 سيريك ما تحب. فعقد الجسر وعبر الناس، فطارد ~~الخوارج حتى أتو المدائن، وطاردت بعض خليهم عند الجسر طرادا ضعيفا فرجعوا، ~~فأتبعهم الحارث عبد الرحمن بن مخنف في ستة آلاف ليخرجهم من أرض الكوفة، ~~وقال له: إذا وقعوا في أرض البصرة فاتركهم. فسار عبد الرحمن يتبعهم حتى ~~وقعوا في أرض أصبهان، فرجع عنهم ولم يقاتلهم، وقصدوا الري وعليها يزيد بن ~~الحارث بن رويم الشيباني، فقاتلهم فأعان أهل الري الخوارج، فقتل يزيد وهرب ~~ابنه حوشب، ودعاه أوه ليدفع عنه فلم يرجع، فقال بعضهم: فلو كان حرا حوشب ذا ~~حفيظة ... رأى ما رأى في الموت عيسى بن مصعب يعني أن عيسى بن مصعب لم يفر ~~عن أبيه بل قاتل عنه ومعه حتى قتل. وقال بشر بن مروان يوما وعنده حوشب هذا ~~وعكرمة بن ربعي: من يدلني على فرس جواد؟ فقال عكرمة: فرس حوشب فإنه نجا ~~عليه يوم الري. وقال بشر أيضا يوما: من يدلني على بغلة قوية الظهر؟ فقال ~~حوشب: بغلة واصل بن مسافر، كان عكرمة يتهم بامرأة واصل، فتبسم بشر وقال: ~~لقد انتصفت. PageV02P0250 # ولما فرغ الخوارج من الري انحطوا إلى أصبهان فحاصروها وبها عتاب بن ~~ورقاء، فصبر لهم، وكان يقاتلهم على باب المدينة ويرمون من السور بالنبال ~~والحجارة. وكان مع عتاب رجل من حضرموت يقال له أبو هريرة شريح، فكان يحمل ~~عليهم ويقول: كيف ترون يا كلاب النار ... شد أبي هريرة الهرار يهركم بالليل ~~والنهار ... يا ابن أبي الماحوز والأشرار كيف ترى حربي على المضمار فلما ~~طال ذلك على الخوارج كمن له رجل منهم ذات يوم فضربه بالسيف على حبل عاتقه ~~فصرعه، فاحتمله أصحابه وداووه حتى برأ وخرج إليهم على عادته. ثم إن الخوارج ~~أقامت عليهم أشهرا حتى نفدت أطعمتهم واشتد عليهم الحصار أصابهم الجهد ~~الشديد، فقال لهم عتاب: أيها الناس قد نزل بكم من الجهد ما ترون وما بقي ~~إلا أن يموت أحكم على فراشه فيدفنه أخوه إن استطاع، ثم يموت هو فلا يجد من ~~يدفنه ولا يصلي عليه، والله ما ms1452 انتم بالقلي وإنكم الفرسان الصلحاء، فاخرجوا ~~بنا إلى هؤلاء وبكم قوة وحياة قبل أن تضعفوا على الحركة من الجهد، فو الله ~~إني لأرجو إن صدقتموهم أن تظفروا بهم. فأجابوه إلى ذلك. ### || AUT ذكر قتل ابن الماحوز وإمارة قطري بن الفجاءة # لما أمر عتاب أصحابه بقتال الخوارج وأجابوه إلى ذلك جمع الناس وأمر لهم ~~بطعام كثير، ثم خرج حين أصبح فأتى الخوارج وهم آمنون، فحملوا عليهم ~~فقاتلوهم حتى أخرجوهم من عسكرهم وانتهوا إلى الزبير بن الماحوز فنزل في ~~عصابة من أصحابه فقاتل حتى قتل، وانحازت الأزارقة إلى قطري ابن الفجاءة ~~المازني،وكنيته أبو نعامة، فبايعوه، وأصحاب عتاب وأصحابه من عسكره ما ~~شاؤوا، وجاء قطري فنزل في عسكر الزبير، ثم سار عن أصبهان وتركها وأتى ناحية ~~كرمان وأقام بها حتى اجتمعت إليه جموع كثيرة وجبى المال وقوي. ثم أقبل إلى ~~أصبهان ثم أتى إلى أرض الأهواز فأقام بها والحارث بن أبي ربيعة عامل مصعب ~~على البصرة، فكتب إلى مصعب يخبره بالخوارج وأنهم ليس لهم إلا المهلب. فبعث ~~إلى المهلب وهو على الموصل والجزيرة فأمره بقتال الخوارج، وبعث إلى الموصل ~~إبراهيم بن الأشتر، وجاء المهلب إلى البصرة وانتخب الناس وسار بهم نحو ~~الخوارج، ثم أقبلوا إليه حتى التقوا بسولاف فاقتتلوا بها ثمانية أشهر أشد ~~قتال رآه الناس. ### || AUT ذكر حصار الري # وفيها أمر مصعب عتاب بن زرقاء الرياحي، عامله على أصبهان، بالمسير إلى ~~الري وقتال أهلها لمساعدتهم الخوارج على يزيد بن الحارث بن رويم وامتناعهم ~~من مدينتهم، فسار إليهم عتاب فنازلهم وقاتلهم وعليهم الفرخان، وألح عليهم ~~عتاب بالقتال ففتحها عنوة وغنم ما فيها وافتتح سائر قلاع نواحيها. وفيها ~~كان بالشام قحط شديد حتى إنهم لم يقدروا من شدته على الغزو. وفيها عسكر عبد ~~الملك بن مروان ببطنان، وهو قريب قنسرين، وشتى بها ثم رجع إلى دمشق. ### || AUT ذكر خبر عبيد الله بن الحر ومقتله # في هذه السنة قتل عبيد الله بن الحر الجعفي، وكان من خيار قومه صلاحا ~~وفضلا واجتهادا، فلما قتل عثمان ووقعت ms1453 الحرب بين علي ومعاوية قصد معاوية ~~فكان معه لمحبته عثمان وشهد معه صفين هو ومالك بن مسمع، وأقام عبيد الله ~~عند معاوية. وكان له زوجة بالكوفة، فلما طالت غيبته زوجها أخوها رجلا يقال ~~له: ظاهرت علينا عدونا فغلت. فقال له: أيمنعني ذلك من عدلك؟ قال: لا، فقص ~~عليه قصته، فرد عليه امرأته، وكانت حبلى، فوضعها عند من يثق إليه حتى وضعت ~~فألحق الولد بعكرمة ودفع المرأة إلى عبيد الله وعاد إلى الشام فأقام به حتى ~~قتل علي، فلما قتل أقبل إلى الكوفة فأتى إخوانه فقال: ما أرى أحدا ينفعه ~~اعتزاله، كنا بالشام فكان من أمر معاوية كيت وكيت، فقالوا: وكان من أمر علي ~~كيت وكيت، وكانوا يلتقون بذلك . فلما مات معاوية وقتل الحسين بن علي لم يكن ~~عبيد الله فيمن حضر قتله، يغيب عن ذلك تعمدا، فلما قتل جعل ابن زياد يتفقد ~~الأشراف من أهل الكوفة فلم ير عبيد الله بن الحر، ثم جاءه بعد أيام حتى دخل ~~عليه فقال له: أين كنت يا ابن الحر؟ قال: كنت مريضا. قال: مريض القلب أم ~~مريض البدن؟ فقال: أما قلبي فلم يمرض، وأما بدني فقد من الله علي بالعافية. ~~فقال ابن زياد: كذبت، ولكنك كنت مع عدونا. فقال: لو كنت معه لرأي مكاني. ~~PageV02P0251 # وغفل عنه ابن زياد، فخرج فركب فرسه، ثم طلبه ابن زياد فقالوا: ركب ~~الساعة. فقال: علي به. فأحضر الشرط خلفه، فقالوا: أجب الأمير. فقال: أبلغوه ~~عني أني لا آيته طائعا أبدا. ثم أجرى فرسه وأتى منزل أحمد بن زياد الطائي، ~~فاجتمع إليه أصحابه، ثم خرج حتى أتى كربلاء فنظر إلى مصارع الحسين ومن قتل ~~معه فاستغفر لهم ثم مضى إلى المدائن وقال في ذلك: يقول أمير غادر وابن ~~غادر: ... ألا كنت قاتلت الحسين بن فاطمة ونفسي على خذلانه واعتزاله ... ~~وبيعة هذا الناكث العهد لائمه فيا ندمي أن لا أكون نصرته ... ألا كل نفس لا ~~تشدد نادمه وإني لأني لم أكن من حماته ... لذو حسرة أن لا تفارق لازمه سقى ms1454 ~~الله أرواح الذين تبادروا ... إلى نصره سحا من الغيث دائمة وقفت على ~~أجداثهم ومحالهم ... فكاد الحشا ينقض والعين ساجمه لعمري لقد كانوا مصاليت ~~في الوغى ... سراعا إلى الهيجا حماة خضارمه تأسوا على نصر ابن بنت نبيهم ~~... بأسيافهم آساد غيل ضراغمه فإن يقتلوا في كل نفس بقية ... على الأرض قد ~~أضحت لذلك واجمه وما إن رأى الراؤون أفضل منهم ... لدى الموت سادات وزهر ~~قما قمه يقتلهم ظلما ويرجو ودادنا ... فدع خطة ليست لنا بملائمه لعمري لقد ~~راغمتمونا بقتلهم ... فكم ناقم منا عليكم وناقمه أهم مرارا أن أسير بجحفل ~~... إلى فئة زاغت عن الحق ظالمه فكفوا وإلا زدتكم في كتائب ... أشد عليكم ~~من زحوف الديالمه وأقام ابن الحر بمنزله على شاطئ الفرات إلى أن مات يزيد ~~ووقعت الفتنة، فقال: ما أرى قريشا تنصف، أين أبناء الحرائر؟ فأتاه كل خليع، ~~ثم خرج إلى لمدائن فلم يدع مالا قدم به للسلطان إلا أخذ منه عطاءه وعطاء ~~أصحابه ويكتب لصاحب المال بذلك، ثم جعل يتقصى الكور على مثل ذلك، إلا أنه ~~لم يتعرض لمال أحد ولا ذمة. فلم يزل كذلك حتى ظهر المختار وسمع ما يعمل في ~~السواد، فأخذ امرأته فحبسها، فأقبل عبيد الله في أصحابه إلى الكوفة فكسر ~~باب السجن وأخرجها وأخرج كل امرأة فيه، وقال في ذلك: ألم تعلمي يا أم توبة ~~أنني ... أنا الفارس الحامي حقائق مذحج وأني صبحت السجن في سورة الضحى ... ~~بكل فتى حامي الذمار مدجج فما إن برحنا السجن حتى بدا لنا ... جبين كقرن ~~الشمس غير مشنج وخد أسيل عن فتاة حبيبة ... إلينا سقاها كل دان مشنج فما ~~العيش إلا أن أزورك آمنا ... كعادتنا من قبل حربي ومخرجي وما زلت محبوسا ~~لحبسك واجما ... وإني بما تلقين من بعده شج وهي طويلة. وجعل يعبث بعمال ~~المختار وأصحابه، فأحرقت بهمدان داره ونهبوا ضيعته، فسار عبيد الله إلى ~~ضياع همدان فنهبها جميعها، وكان يأتي المدائن فيمر بعمال جوخى فيأخذ ما ~~معهم من المال، ثم يميل إلى الجبل، فلم يزل على ذلك حتى ms1455 قتل المختار. وقيل: ~~إنه بايع المختار بعد امتناع، وأراد المختار أن يسطو به فامتنع لأجل ~~إبراهيم بن الأشتر. ثم سار مع ابن الأشتر إلى الموصل ولم يشهد معه قتال ابن ~~زياد، اظهر المرض. ثم فارق ابن الأشتر وأقبل في ثلاثمائة إلى الأنبار فأغار ~~عليها وأخذ ما في بيت مالها. فلما فعل ذلك أمر المختار بهدم داره وأخذ ~~امرأته، ففعل ما تقدم ذكره. وحضر مع مصعب قتال المختار وقتله، فلما قتل ~~المختار قال الناس لمصعب في ولايته الثانية: إنا لا نأمن أن يثب ابن الحر ~~بالسواد كما كان يفعل بابن زياد والمختار، فحبسه، فقال: فمن مبلغ الفتيان ~~أن أخاهم ... أتى دونه باب شديد وحاجبه بمنزلة ما كان يرضى بمثلها ... إذا ~~قام عنته كبول تجاذبه على الساق فوق الكعب أسود صامت ... شديد يداني خطوه ~~ويقاربه PageV02P0252 # وما كان ذا من عظم جرم جرمته ... ولكن سعى الساعي بما هو كاذبه وقد كان ~~في الأرض العريضة مسلك ... وأي امرئ ضاقت عليه مذاهبه وقال: بأي بلاء أم ~~بأية نعمة ... تقدم قبلي مسلم والمهلب؟ يعني مسلم بن عمرو والد قتيبة، ~~والمهلب بن أبي صفرة. وكلم عبيد الله قوما من وجوه مذحج ليشفعوا له إلى ~~مصعب، وأرسل إلى فتيان مذحج وقال: البسوا السلاح واستروه، فإن شفعهم مصعب ~~فلا تعترضوا لأحد، وإن خرجوا ولم يشفعهم فاقصدوا السجن فإني سأعينكم من ~~داخل. فلما شفع أولئك النفر فيه شفعهم مصعب وأطلقه، فأتى منزله وأتاه الناس ~~يهنئونه، فقال لهم: إن هذا الأمر لا يصلح إلا بمثل الخلفاء الماضين ~~الأربعة، ولم نر لهم فينا شبيها فنلقي إليه أزمتنا، فإن كان من عز بز فعلام ~~نعقد في أعناقنا بيعة وليسوا بأشجع منا لقاء ولا أعظم مناعة، وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى، وكلهم عاص ~~مخالف قوي الدنيا ضعيف الآخرة، فعلام تستحل حرمتنا ونحن أصحاب النخلية ~~والقادسية وجلولاء ونهاوند، نلقى الأسنة بنحورنا، والسيوف بجباهنا، ثم لا ~~يعرف حقنا وفضلنا؟ فقاتلوا عن حريمكن، فإني قد قلبت ظهر ms1456 المجن وأظهرت لهم ~~العداوة ولا قوة إلا بالله. وخرج عن الكوفة وحاربهم وأغار. فأرسل إليه مصعب ~~سيف بن هانئ المرادي، فعرض عليه بادوريا وغيرها ويدخل في الطاعة، فلم يجب ~~إلى ذلك، فبعث إليه أيضا حريث بن يزيد، فقتله عبيد الله، فبعث إليه مصعب ~~الحجاج بن جارية الخثعمي ومسلم بن عمرو فلقياه بنهر صرصر، فقاتلهما ~~فهزمهما، فأرسل إليه مصعب يدعوه إلى الأمان والصلة وأن يزليه أي بلد شاء، ~~فلم يقبل، وأتى نرسى ففر دهقانها بمال الفلوجة، فتبعه ابن الحر حتى مر بعين ~~تمر وعليها بسطام بن مصقلة ابن هبيرة الشيباني، فالتجأ إليهم الدهقان، ~~فخرجوا إلى عبيد الله وأسر أيضا بسطام بن مصقلة وناسا كثيرا، وبعث ناسا من ~~أصحابه فأخذوا المال الذي مع الدهقان وأطلق الأسرى. ثم إن عبيد الله أتى ~~تكريت فأقام يجبي الخراج، فبعث إليه مصعب الأبرد بن قرة الرياحي والجون بن ~~كعب الهمداني في ألف، وأمدهم المهلب بيزيد بن المغفل في خمسمائة، فقال ~~لعبيد الله رجل من أصحابه: قد أتاك جمع كثير فلا تقاتلهم. فقال: يخوفني ~~بالقتل قومي وإنما ... أموت إذا جاء الكتاب المؤجل لعل القنا تدلي بأطرافها ~~الغنى ... فنجدي كراما تجتدي ونؤمل ألم تر أن الفقر يزري بأهله ... وأن ~~الغنى فيه العلى والتجمل وأنك إلا تركب الهول لا تنل ... من المال ما يرضي ~~الصديق ويفضل وقاتلهم عبيد الله يومين وهو في ثلاثمائة، ولما كان عند ~~المساء تحاجزوا وخرج عبيد الله من تكريت وقال ؟لأصحابه: غني سائر بكم إلى ~~عبد الملك بن مروان فتجهزوا، وقال: إني خائف أن أموت ولم أذعر مصعبا ~~وأصحابه. وسار نحو الكوفة فبلغ كسكر فأخذ بيت مالها، ثم أتى الكوفة فنزل ~~بحمام جرير، فبعث إليه مصعب عمر بن عبيد الله بن معمر فقاتله، فخرج إلى دير ~~الأعور، فبعث إليه مصعب حجار بن أبجر، فانهزم حجار، فشتمه مصعب وضم إليه ~~الجون بن كعب الهمداني وعمر بن عبيد الله بن معمر، فقاتلوه بأجمعهم وكثرت ~~الجراحات في عسكر عبيد الله بن الحر وعقرت خيولهم، فانهزم حجار، ثم رجع ms1457 ~~فاقتتلوا قتالا شديدا حتى أمسوا وخرج ابن الحر من الكوفة. وكتب مصعب إلى ~~يزيد بن الحارث بن رويم الشيباني، وهو بالمدائن، يأمره بقتال ابن الحر، ~~فقدم ابنه حوشبا، فلقيه بباجسري فهزمه عبيد الله وقتل فيهم، واقبل ابن الحر ~~إلى المدائن فتحصنوا منه، فخرج عبيد الله فوجه إليه الجون بن كعي الهمداني ~~وبشر بن عبد الله الأسدي، فنزل الجون بحولايا، وقدم بشر إلى تامرا فلقي ابن ~~الحر فقتله ابن الحر وهزم أصحابه، ثم لقي الجون بن كعب بحولايا فخرج إليه ~~عبد الرحمن بن عبد الله فقتله ابن الحر وهزم أصحابه، وخرج إليه بشير بن عبد ~~الرحمن بن بشير الجلي فقتله بسوراء قتالا شديدا، فرجع عنه بشير، وأقام ابن ~~الحر السواد يغير ويجبي الخراج. PageV02P0253 # ثم لحق بعبد الملك بن مروان، فلما صار إليه أكرمه وأجلسه معه على السرير ~~وأعطاه مائة ألف درهم وأعطى أصحابه مالا، فقال له ابن الحر ليوجه معه جندا ~~يقاتل بهم مصعبا، فقال له: سر بأصحابك وادع من قدرت عليه وأنا ممدك ~~بالرجال. فسار بأصحابه نحو الكوفة فنزل بقرية إلى جانب الأنبار، فاستأذنه ~~أصحابه في إتيان الكوفة، فأذن لهم وأمرهم أن يخبروا أصحابه بقدومه ليخرجوا ~~إليه. فبلغ ذلك القيسية فأتوا الحارث بن أبي ربيعة عامل ابن الزبير بالكوفة ~~فسألوه أن يرسل معهم جيشا يقاتلون عبيد الله ويغتنمون الفرصة فيه بتفرق ~~أصحابه، فبعث معهم جيشا كثيفا، فساروا فلقوا ابن الحر، فقال لا بن الحر ~~أصحابه: نحن نفر يسير وهذا الجيش لا طاقة لنا فيه. فقال: ما كنت لأدعهم، ~~وحمل عليهم وهو يقول: يالك يوما فات فيه نهبي ... وغاب عني ثقتي وصحبي ثم ~~عطفوا عليه فكشفوا أصحابه وحاولوا أن يأسروه فلم يقدروا على ذلك، وأذن ~~لأصحابه في الذهاب، فذهبوا فلم يعرض لهم أحد، وجعل بقاتل وحده، فحمل عليه ~~رجل من باهلة يكنى أبا كدية فطعنه وجعلوا يرمونه ويكتبون عليه ولا يدنون ~~منه، وهو يقول: أهذه نبل أم مغازل؟ فلما أثخنته الجراح خاض إلى معبر هناك ~~فدخله ولم يدخل فرسه، فركب السفينة ms1458 ومضى به الملاح حتى توسط الفرات، فأشرفت ~~عليه الخيل، وكان معه في السفينة نبط، فقالوا لهم: إن في السفينة طلبة أمير ~~المؤمنين، فإن فاتكم قتلناكم، فوثب ابن الحر ليرمي نفسه في الماء، فوثب ~~إليه رجل عظيم الخلق فقبض على يديه وجراحاته تجري دما وضربه الباقون ~~بالمجاذيف، فلما رأى أنه يقصد به نحو القيسية قبض على الذي معه وألقى نفسه ~~معه في الماء فغرقا. وقيل في قتله: إنه كان يغشى مصعب بن الزبير بالكوفة ~~فرآه يقدم عليه غيره، فكتب إلى عبد الله بن الزبير قصيدة يعاتب فيها مصعبا ~~ويخوفه مسيره إلى ابن مروان يقول فيها: أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... فلست ~~على رأي قبيح أواربه أفي الحق أن أجفى ويجعل مصعب ... وزيرا له من كنت فيه ~~أحاربه فكيف وقد آتيتكم حق بيعتي ... وحقي يلوى عندكم وأطالبه وأبليتكم ما ~~لا يضيع مثله ... وآسيتكم والأمر صعب مراتبه فلما استنار الملك وانقادت ~~العدى ... وأدرك من ملك العراق رغائبه جفا مصعب عني ولو كان غيره ... لأصبح ~~فيما بيننا لا أعاتبه لقد رابني من مصعب أن مصعبا ... أرى كل ذي غش لنا هو ~~صاحبه وما أنا إن حلأتموني بوارد ... على كدر قد غص بالماء شاربه وما لامرئ ~~إلا الذي الله سائق ... إليه وما قد خط في الزبر كاتبه إذا قمت عند الباب ~~أدخل مسلما ... ويمنعني أن أدخل الباب حاجبه فحبسه مصعب، وله معه معاقبات ~~من الحبس، ثم إنه قال قصيدة يهجو فيها قيس عيلان، منها: ألم تر قيسا قيس ~~عيلان برقعت ... لحاها وباعت نبلها بالمغازل فأرسل زفر بن الحارث الكلائي ~~إلى مصعب: إني قد كفيتك قتال ابن الزرقاء، يعني عبد الملك بن مروان، وابن ~~الحر يهجو قيسا، ثم إن نفرا من بني ليم أسروا ابن الحر، فقال: إنما قلت: ~~ألم تر قيسا قيس عيلان أقبلت ... وسارت إلينا في القنا والقبائل فقتله رجل ~~منهم يقال له عياش. ### || AUT ذكر عدة حوادث # قيل: في هذه السنة وافى عرفات أربعة ألوية: لواء لابن الحنفية و أصحابه، ~~ولواء لابن الزبير وأصحابه، ms1459 ولواء لبني أمية، ولواء لنجدة الحروري، ولم يجر ~~بينهم حرب ولا فتنة، وكان أصحاب ابن الحنفية أسلم الجماعة. وكان العامل ~~لابن الزبير على المدينة هذه السنة جابر بن الأسود بن عوف الزهري، وعلى ~~البصرة والكوفة مصعب أخوه، وعلى قضاء الكوفة عبد الله بن عتبة بن مسعود، ~~وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الله بن خازم، وكان عبد ~~الملك بن مروان بالشام مشاققا لابن الزبير. PageV02P0254 # ومات عبد الله بن عباس سنة ثمان وستين وعمره أربع وسبعون سنة، وقيل غير ~~ذلك. وفيها مات عدي بن حاتم الطائي، وقيل: سنة ست وستين، وعمره مائة وعشرون ~~سنة. ومات أبو واقد الليثي واسمه الحارث بن مالك. وفيها توفي أبو سريح ~~الخزاعي واسمه خويلد بن عمرو وهو الكعبي. شريح بالشين المعجمة. وعبد الرحمن ~~بن حاطب بن أبي بلتعة، وقيل: إنه ولد زمن النبي صلى الله عليه وسلم. حاطب ~~بالحاء المهملة، وبلتعة بالباء الموحدة، والتاء المثناة من فوق، والعين ~~المهملة المفتوحات. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وستين # ### || AUT ذكر قتل عمرو بن سعيد الأشدق # في هذه السنة خالف عمرو بن سعيد عبد الملك بن مروان وغلب على دمشق ~~فقتله، وقيل: كانت هذه الحادثة سنة سبعين. وكان السبب في ذلك أن عبد الملك ~~بن مروان أقام بدمشق بعد رجوعه من قنسرين ما شاء الله أن يقيم، ثم سار يريد ~~قرقيسيا وبها زفر بن الحارث الكلائي، وكان عمرو بن سعيد مع عبد الملك، فلما ~~بلغ بطنان حبيب رجع عمرو ليلا ومعه حميد بن حريث الكلبي وزهير بن الأبرد ~~الكلبي، فأتى دمشق وعليها عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي قد استخلفه عبد ~~الملك، فلما بلغه رجوع عمرو بن سعيد هرب عنها، ودخلها عمرو فغلب عليها وعلى ~~خزائنه وهدم دار ابن أم الحكم، واجتمع الناس إليه فخطبهم ومناهم ووعدهم. ~~وأصبح عبد الملك وفقد عمرا، فسأل عنه فأخبر خبره، فرجع إلى دمشق فقاتله ~~أياما، وكان عمرو إذا أخرج حميد بن حريث على الخيل أخرج إليه عبد الملك ~~سفيان بن ms1460 الأبرد الكلبي، وإذا أخرج عمرو زهير بن الأبرد أخرج إليه عبد ~~الملك حسان بن مالك بن بحدل. ثم أن عبد الملك وعمرا اصلحا وكتبا بينهما ~~كتابا وآمنه عبد الملك، فخرج عمرو في الخيل إلى عبد الملك فأقبل حتى أوطأ ~~فرسه أطناب عبد الملك فانقطعت وسقط السرادق، ثم دخل على عبد الملك فاجتمعا. ~~ودخل عبد الملك دمشق يوم الخميس، فلما كان بعد دخول عبد الملك بأربعة أيام ~~أرسل إلى عمرو أن ائتني، وقد كان عبد الملك استشار كريب بن أبرهة الحميري ~~في قتل عمرو، فقال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل، في مثل هذا هلكت حمير. فلما ~~أتى الرسول عمرا يدعوه صادف عنده عبد الله بن يزيد بن معاوية، فقال لعمرو: ~~يا أبا أمية أنت أحب إلي من سمعي ومن بصري وأرى لك أن لا تأتيه. فقال عمرو: ~~لم؟ قال: لأن تبيع ابن امرأة كعب الأحبار قال: إن عظيما من ولد إسماعيل ~~يرجع فيغلق أبواب دمشق ثم يخرج منها فلا يلبث أن يقتل. فقال عمرو: والله لو ~~كنت نائما ما انتهبني ابن الزرقاء ولا اجترأ علي، أما إني رأيت عثمان ~~البارحة في المنام فألبسني قميصه. وكان عبد الله بن يزيد زوج ابنة عمرو. ثم ~~قال عمرو للرسول: أنا رائح العشية. فلما كان العشاء لبس عمرو درعا ولبس ~~عليها القباء وتقلد سيفه وعنده حميد بن حريث الكلبي، فلما نهض متوجها عثر ~~بالبساط، فقال له حميد: والله لو أطعتني لم تأته. وقالت له امرأته الكلبية ~~كذلك، فلم يلتفت ومضى في مائة من مواليه. وقد جمع عبد الملك عنده بني ~~مروان، فلما بلغ الباب أذن له، فدخل، فلم يزل أصحابه يحبسون عند كل باب حتى ~~بلغ قارعة الدار وما معه إلا وصيف له، فنظر عمرو إلى عبد الملك وإذا حوله ~~بنو مروان وحسان بن بحدل الكلبي وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي، فلما رأى جماعتهم ~~أحس بالشر، فالتفت إلى وصيفه وقال: انطلق إلى أخي يحيى فقل له يأتيني، فلم ~~يفهم الوصيف فقال له: لبيك! فقال ms1461 عمرو: اغرب عني في حرق الله وناره! وأذن ~~عبد الملك لحسان وقبيصة فقاما فلقيا عمرا في الدار، فقال عمرو لوصيفه: ~~انطلق إلى يحيى فمره أن يأتني. فقال: لبيك! فقال عمرو: اغرب عني. فلما خرج ~~حسان وقبيصة أغلقت الأبواب ودخل عمرو، فرحب به عبد الملك وقال: هاهنا هاهنا ~~يا أبا أمية! فأجلسه معه على السرير وجعل يحادثه طويلا، ثم قال: يا غلام خذ ~~السيف عنه. فقال عمرو: إنا لله يا أمير المؤمنين. فقال عبد الملك: أتطمع أن ~~تجلس معي متقلدا سيفك؟ فأخذ السيف عنه، ثم تحدثا، ثم قال له عبد الملك: يا ~~أبا أمية إنك حيث خلعتني آليت بيمين إن أنا ملأت عيني منك وأنا مالك لك أن ~~أجعلك في جامعة. فقال له بنو مروان: ثم تطلقه يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، ~~وما عسيت أن أصنع بأبي أمية؟ فقال بنوا مروان: أبر قسم أمير المؤمنين. فقال ~~عمرو: قد أبر الله قسمك يا أمير المؤمنين. PageV02P0255 # فأخرج من تحت فراشه جامعة وقال: يا غلام قم فاجمعه فيها. فقام الغلام ~~فجمعه فيها. فقال عمرو: أذكرك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيها على ~~رؤوس الناس. فقال عبد الملك: أمكرا يا أبا أمية عند الموت؟ لا والله ما كنا ~~لنخرجك في جامعة على رؤوس الناس. ثم جذبه جذبة أصاب فمه السرير فكسر ~~ثنيتيه. فقال عمرو: أذكرك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيها على رؤوس ~~الناس. فقال عبد الملك: أمكرا يا أبا أمية عند الموت؟ لا والله ما كنا ~~لنخرجك في جامعة على رؤوس الناس. ثم جذبه جذبه أصاب فمه السرير فكسر ~~ثنيتيه. فقال عمرو: أذكرك الله يا أمير المؤمنين كسر عظم مني فلا تركب ما ~~هو أعظم من ذلك. فقال له عبد الملك: والله لو أعلم أنك تبقي علي إن أنا ~~أبقيت عليك وتصلح قريش لأطلقتك، ولكن ما اجتمع رجلان في بلدة قط على ما نحن ~~عليه إلا أخرج أحدهما صاحبه. فلما رأى عمرو أنه يريد قتله قال: أعذرا يا ~~ابن الزرقاء! وقيل: إن ms1462 عمرا لما سقطت ثبتاه جعل يمسهنا، فقال عبد الملك: يا ~~عمرو أرى ثنيتيك قد وقعتا منك موقعا لا تطيب نفسك بعدها. وأذن المؤذن العصر ~~فخرج عبد الملك يصلي بالناس وأمر أخاه عبد العزيز أن يقتله، فقام إليه عبد ~~العزيز بالسيف، فقال عمرو: أذكرك الله والرحم أن تلي قتلي، ليقتلني من هو ~~أبعد رحما منك. فألقى السيف وجلس، وصلى عبد الملك صلاة خفيفة ودخل وغلقت ~~الأبواب. ورأى الناس عبد الملك حين خرج وليس معه عمرو، فذكروا ذلك ليحيى بن ~~سعيد، فأقبل في الناس ومعه ألف عبد لعمرو وناس من أصحابه كثير، فجعلوا ~~يصيحون بباب عبد الملك: أسمعنا صوتك يا أبا أمية! فأقبل مع يحيى حميد بن ~~حريث وزهير بن الأبرد فكسروا باب المقصورة وضربوا الناس بالسيوف، وضرب ~~الوليد بن عبد الملك على رأسه، واحتمله إبراهيم بن عربي صاحب الديوان ~~فأدخله بيت القراطيس. ودخل عبد الملك حين صلى فرأى عمرا بالحياة، فقال لعبد ~~العزيز: ما منعك أن تقتله؟ فقال: إنه ناشدني الله والرحم فرققت له. فقال ~~له: اخزى الله أمك البوالة على عقبيها، فإنك لم تشبه غيرها! ثم أخذ عبد ~~الملك الحربة فطعن بها عمرا فلم تجز، ثم ثنى فلم تجز، فضرب بيده على عضده ~~فرأى الدرع فقال: ودرع أيضا؟ إن كنت لمعدا! فأخذ الصمصامة وأمر بعمرو فصرع، ~~وجلس على صدره فذبحه وهو يقول: يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك ~~حيث تقول الهامة اسقوني وانتفض عبد الملك رعدة، فحمل عن صدره فوضع على ~~سريره، وقال: ما رأيت مثل هذا قط قتله صاحب دنيا ولا طالب آخرة. ودخل يحيى ~~ومن معه على بني مروان يخرجهم ومن كان من مواليهم، فقاتلوا يحيى وأصحابه، ~~وجاء عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي فدفع إليه الرأس، فألقاه إلى الناس، ~~وقام عبد العزيز بن مروان وأخذ المال في البدر فجعل يلقيها إلى الناس، فلما ~~رأى الناس الرأس والأموال انتهبوا الأموال وفرقوا، ثم أمر عبد الملك بتلك ~~الأموال فجبيت حتى عادت إلى بيت المال. وقيل: إن عبد ms1463 الملك إنما أمر بقتل ~~عمرو حين خرج إلى الصلاة غلامه ابن الزعيرية فقتله وألقى رأسه إلى الناس، ~~ورمى بصخرة في رأسه، وأخرج عبد الملك سريره إلى المسجد وخرج وجلس عليه، ~~وفقد الوليد ابنه فقال: والله لئن كانوا قتلوه لقد أدركوا ثأرهم. فأتاه ~~إبراهيم بن عربي الكناني، فقال: الوليد عندي وقد جرح وليس عليه بأس. وأتي ~~عبد الملك بيحيى بن سعيد، وأمر به أن يقتل، فقام إليه عبد العزيز بن مروان ~~فقال: جعلت فداك يا أمير المؤمنين! أتراك قاتلا بني أمية في يوم واحد! فأمر ~~بيحيى فحبس. وأراد قتل عنبسة بن سعيد، فشفع فيه عبد العزيز أيضا، وأراد قتل ~~عامر بن الأسود الكلبي، فشفع فيه عبد العزيز، وأمر ببني عمرو بن سعيد ~~فحبسوا، ثم أخرجهم مع عمهم يحيى فألحقهم بمصعب بن الزبير. ثم بعث عبد الملك ~~إلى امرأة عمرو الكلبية: ابعثي إلي كتاب الصلح الذي كتبته لعمرو فقالت ~~لرسوله: ارجع فأعلمه أن ذلك الصلح معه في أكفانه ليخاصمك عند ربه. وكان عبد ~~الملك وعمرو يلتقيان في النسب في أمية، هذا عبد الملك بن مروان بن الحكم بن ~~أبي العاص بن أمية، وذاك عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية، وكانت أم عمرو أم ~~البنين بنت الحكم عمة عبد الملك. PageV02P0256 # فلما قتل عبد الملك مصعبا واجتمع الناس عليه دخل أولاد عمرو على عبد ~~الملك، وهم أربعة: أمية وسعيد وإسماعيل ومحمد، فلما نظر إليهم قال لهم: ~~إنكم أهل بيت لم تزالوا ترون لكم على جميع قومكم فضلا لم يجعله الله لكم، ~~وإن الذي كان بيني وبين أبيكم لم يكن حديثا ولكن كان قديما في أنفس ~~أوليائكم على أوليائنا في الجاهلية. فأقطع بأمية، وكان أكبرهم، فلم يقدر أن ~~يتكلم، فقام سعيد بن عمرو وكان الوسط، فقال: يا أمير المؤمنين ماتنعى علينا ~~أمرا كان في الجاهلية وقد جاء الله بالإسلام فهدم ذلك ووعد جنة وحذر نارا، ~~وأما الذي كان بينك وبين عمرو فإنه كان ابن عمك وأنت أعلم بما صنعت، وقد ~~وصل عمرو إلى الله ms1464 وكفى بالله حسبا، ولعمري لئن أخذتنا بما كان بينك وبينه ~~لطن الأرض خير لنا من ظهرها. فرق لهم عبد الملك وقال: إن أباكم خيرني بين ~~أن يقتلني أو أقتله فاخترت قتله على قتلي، وأما انتم فما أرغبني فيكم ~~وأوصلني لقرابتكم! وأحسن جائزتهم ووصلهم وقربهم. وقيل: إن خالد بن يزيد قال ~~لعبد الملك ذات يوم: عجبت كيف أصبت غرة عمرو. فقال عبد الملك: أدنيته مني ~~ليسكن روعه ... وأصول صولة حازم متمكن غضبا ومحمية لديني إنه ... ليس ~~المسيء سبيله كالمحسن وقيل: إنما خلع عمرو وقتله حين سار عبد الملك نحو ~~العراق لقتال مصعب، فقال له عمرو: إنك تخرج إلى العراق وقد كان أبوك جعل لي ~~هذا الأمر بعده وعلى ذلك قاتلت معه، فاجعل هذا الأمر لي بعدك، فلم يجبه عبد ~~الملك إلى ذلك، فرجع إلى دمشق، وكان من قتله ما تقدم. وقيل: بل كان عبد ~~الملك قد استخلف عمرا على دمشق فخالفه وتحصن بها، والله أعلم. ولما سمع عبد ~~الله بن الزبير بقتل عمرو قال: إن ابن الزرقاء قتل لطيم الشيطان: " وكذلك ~~نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون " الأنعام:129، وبلغ ذلك ابن ~~الحنفية فقال: " فمن نكث فإنما ينكث على نفسه " الفتح:10، يرفع له يوم ~~القيامة لواء على قدر غدرته. ### || AUT ذكر عصيان الجراجمة بالشام # لما امتنع عمرو بن سعيد على عبد الملك خرج أيضا قائد من قواد الضواحي في ~~جبل اللكام واتبعه خلق كثير من الجراجمة والأنباط وأباق عبيد المسلمين ~~وغيرهم، ثم سار إلى لبنان، فلما فرغ عبد الملك من عمر أرسل إلى هذا الخارج ~~عليه فبذل له كل جمعة ألف دينار، فركن إلى ذلك ولم يفسد في البلاد، ثم وضع ~~عليه عبد الملك سحيم بن المهاجر، فتلطف حتى وصل إليه متنكرا فأظهر له ~~ممالأته وذم عبد المكل وشتمه ووعده أن يدله على عوراته وما هو خير له من ~~الصلح. فوثق به. ثم أن سحيما عطف عليه وعلى أصحابه بوهم غارون غافلون بجيش ~~مع موالي عبد الملك وبني أمية وجند من ms1465 ثقات جنده وشجعانهم كان أعدهم بمكان ~~خفي قريب وأمر فنودي: من أتانا من العبيد، يعني الذين كانوا معه، فقتل ~~الخارج ومن أعانه من الروم، وقتل نفر من الجراجمة والأنباط، ونادى المنادي ~~بالأمان فيمن لقي منهم، فتفرقوا في قراهم وسد الخلل وعاد إلى عبد الملك ~~ووفي للعبيد ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قتل زهير بن قيس أمير إريقية، وقد ذكرنا ذلك سنة اثنتين ~~وستين، وفيها حكم رجل من الخوارج بمنى وسل سيفه، وكانوا جماعة، فأمسك الله ~~أيديهم فقتل ذلك الرجل عند الجمرة. وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن ~~الزبير، وكان على البصرة والكوفة له أخوه مصعب، وعلى قضاء الكوفة شريح، ~~وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الله بن خازم. وفيها توفي ~~أبو الدؤلي زله خمس وثمانون سنة. ### | AUT ثم دخلت سنة سبعين # في هذه السنة اجتمعت الروم واستجاشوا على من بالشام، فصالح عبد الملك ~~ملكهم على أن يؤدي إليه كل جمعة ألف دينار خوفا منه على المسلمين. وفيها ~~شخص مصعب إلى مكة، في قول بعضهم، ومعه أموال كثيرة ودواب كثيرة قسمها في ~~قومه وغيرهم ونهض ونحر بدنا كثيرة. وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن ~~الزبير، وكان عماله فيها من تقدم ذكرهم. ### || AUT ذكر يوم الجفرة # PageV02P0257 # وفي هذه السنة سار عبد الملك بن مروان يريد مصعبا، فقال له خالد بن عبد ~~الله بن خالد بن أسيد: إن وجهتني إلى البصرة وأتبعتني خيلا يسيرة رجوت أن ~~أغلب لك علها. فوجهه عبد الملك، فقدمها مستخفيا في خاصته حتى نزل على عمرو ~~بن أصمع، وقيل: نزل على علي بن أصمع الباهلي، فأرسل عمرو إلى عباد بن ~~الحصين، وهو على شرطة ابن معمر، وكان مصعب قد استخلفه على البصرة، ورجا ابن ~~أصمع أن يبايعه عباد بن الحصين وقال له: إني قد أجرت خالدا وأحببت أن تعلم ~~ذلك لتكون ظهرا لي. فوافاه الرسول حين نزل عن فرسه، فقال عباد: قل له والله ~~لا أضع لبد فرسي حتى آتيك في ms1466 الخيل. فقال ابن أصمع لخاد: إن عبادا يأتينا ~~الساعة ولا أقدر أن أمنعك عنه فعليك بالمالك بن مسمع. فخرج خالد يركض وقد ~~أخرج رجليه من الركابين حتى أتى مالكا فقال: أجرني، فأجاره، وأرسل إلى بكر ~~بن وائل والأزد فكل أول راية أتته راية بني يشكر، وأقبل عباد في الخيل، ~~فتوافقوا ولم يكن بينهم قتال. فلما كان الغد عدوا إلى جفرة نافع بن الحارث ~~ومع خالد رجال من تميم، منهم: صعصعة بن معاوية وعدب العزيز بن بشر ومرة بن ~~محكان وغيرهم، وكان أصحاب خالد: جفرية ينتسبون إلى الجفرة، وأصحاب ابن معمر ~~زبيرية، وكان من أصحاب خالد: عبيد الله بن أبي بكرة وحمران بن أبان ~~والمغيرة بن المهلب، ومن الزبيرية: قيس بن الهيثم السلمي. ووجه مصعب زحر بن ~~قيس الجعفي مددا لا بن مهمر في ألف، ووجه عبد الملك عبيد الله بن زياد بن ~~ظبيان مددا لخالد. فأرسل عبيد الله إلى البصرة من يأتيه بالخير، فعاد إليه ~~فأخبره بتفرق القوم، فرجع إلى عبد الملك. فاقتلوا أربعة وعشرين يوما وأصيبت ~~عين مالك بن مسمع وضجر من الحرب ومشت بينهم السفراء فاصطلحوا على أن يخرج ~~خالد من البصرة، فأخرجه مالك. ثم لحق مالك بثأج، وكان عبد الملك قدر جع إلى ~~دمشق، فلم يكن لمعصب همة إلا البصرة وطمع أن يدرك بها خالدا فوجده قد خرج، ~~وسخط مصعب على ابن معمر وأحضر أصحاب خالد فشتمهم وسبهم، فقال لعبيد الله بن ~~أبي بكرة: يا ابن مسروح إنما أنت أبن كلبة تعاورها الكلاب فجاءت بأحمر ~~وأصفر وأسود من كل كلب بما يشبهه، وإنما كان أبوك عبدا نزل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، من حصن الطائف ثم ادعيتم أن أبا سفيان زنى بأمكم، ~~ووالله لئن بقيت لأ لحقنكم بنسبكم. ثم دعا حمران فقال له: إما أنت ابن ~~يهويدة علج نبطي سبيت من عين التمر. وقال للحكم بن المنذر بن الجارود ولعبد ~~الله بن فضالة الزهراني ولعلي بن أصمع ولعبد العزيز بن بشر وغيرهم نحو هذا ~~من ms1467 التوبيخ والتقريع، وضربهم مائة مائة، وحلق رؤوسهم ولحاهم، وهدم دورهم ~~وصدرهم في الشمس ثلاثا، وحملهم على طلاق نسائهم، وجمر أولادهم في البعوث، ~~وطاف بهم في أقطار البصرة وأحلفهم أن لا ينكحوا الحرائر، وهم دار مالك بن ~~مسمع وأخذ ما فيها، فكان مما أخذ جارية ولدت له عمرو بن مصعب. وأقام مصعب ~~بالبصرة، ثم شخص إلى الكوفة فلم يزل بها حتى خرج إلى حرب عبد الملك بن ~~مروان. والمغيرة بضم الميم، وبالغين، والراء. خالد بن أسيد بفتح الهمزة، ~~وكسر السين. والجفرة بضم الجيم، وسكون الراء. وفي هذه السنة مات عاصم بن ~~عمر بن الخطاب، وهو حد عمر بن عبد العزيز لأمه وولد قبل موت النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، بسنتين. ### || AUT ذكر مقتل عمير بن الحباب بن جعدة السلمي # في هذه السنة قتل عمير بن الحباب بن جعدة السلمي، ونحن نذكر سبب الحرب ~~بين قيس وتغلب حتى آل الأمر إلى قتل عمير. وكان سبب ذلك أنه لما اقضى أمر ~~مرج راهط وسار زفر الحارث الكلائي إلى قرقيسيا، على ما ذكرناه، وبايع عمير ~~مروان بن الحكم وفي نفسه ما فيها بسبب قتل قيس لمارج، فلما سير مروان بن ~~الحكم عبيد الله بن زياد إلى الجزيرة والعراق كان عمير معه فلقوا سليمان بن ~~صرد بعين الوردة، وسار عبيد الله إلى قرقيسيا لقتال زفر، فثبطه عمير وأشار ~~بالخازر، فمال عمير معه، فانهزم جيش عبيد الله وقتل هو، فأتى عمير قرقيسيا ~~وصار مع زفر، فجعلا يطلبان كلبا واليمانية بم قتلوا من قيس، وكان معهما قوم ~~من تغلب يقاتلون معهما ويدلونهما. PageV02P0258 # وشغل عبد الملك عنهما بمصعب، وتغلب عمير على نصيبين. ثم إنه مل المقام ~~بقرقيسيا فاستأمن إلى عبد الملك فأمنه، ثم غدر به فحبسه عند مولاه الريان، ~~فسقاه عمير ومن معه من الحرس خمرا حتى أسكرهم وتسلق في سلم من حبال وخرج من ~~الحبس وعاد إلى الجزيرة ونزل على نهر البليخ بين حران والرقة، فاجتمعت إليه ~~قيس فكان يغير بهم على كلب واليمانية، وكان من معه ms1468 يستأوون جواري تغلب ~~وسخرون مشايخهم من النصارى، فهاج ذلك بينهم شرا لم يبلغ الحرب، وذلك قبل ~~مسير عبد الملك إلى مصعب وزفر. ثم إن عميرا أغار على كلب، ثم رجع فنزل على ~~الخابور، وكانت منازل تغلب بين الخابور والفرات ودجلة. وكانت بحيث نزل عمير ~~امرأة من تميم ناكح في تغلب يقال لها أم دويل، فأخذ غلام من بيني الحريش ~~أصحاب عمير عددا من غنمها، فشكت إلى عمير، فلم يمنع عنها، فأخذوا الباقي، ~~فمانعهم قوم من تغلب، فقتل رجل منهم يقال له مجاشع التغلبي، وجاء دويل فشكت ~~أمه إليه، وكان فارسا من فرسان تغلب، فسار في قومه وجعل يذكرهم ما تصنع بهم ~~قيس ويشكو إليهم ما أخذ من غنم أمه، فاجتمع منهم جماعة وأمروا عليهم شعيث ~~بن مليك التغلبي وأغاروا على بني الحريش ومعهم قوم من نمير، فقتل فيهم ~~التغلبيون واستاقوا ذودا لامرأة منهم يقال لها أم الهيثم، فمانعهم القيسيون ~~فلم يقدروا على منعهم، فقال الأخطل: فإن نسألون بالحريش فإننا ... منينا ~~بنوك منهم وفجور غداة تحامتنا الحريش كأنها ... كلاب بدت أنيابها لهرير ~~وجاؤوا بجمع ناصري أم هيثم ... فما رجعوا من ذودها ببعير ### || AUT يوم مساكين # ولما استحكم الشر بين قيس وتغلب، وعلى قيس عمير، وعلى تغلب شعيث، غزا ~~عمير بني تغلب وجماعتهم بماكسين من الخابور فاقتتلوا قتالا شديدا، وهي أول ~~وقعة لهم، فقتل من بني تغلب خمسمائة، وقتل شعيث، وكانت رجله قطعت، فقاتل ~~حتى قتل وهو يقول: قد علمت قيس ونحن نعلم ... أن الفتى يقتل وهو أجذم ### || AUT يوم الثرثار الأول # والثرثار نهر أصل منبعه شرقي مدينة سنجار وبالقرب من قرية يقال لها سرق ~~وفرغ في دجلة بين الكحيل ورأس الأويل من عمل الفرج. لما قتل بماكسين من ~~ذكرنا استمدت تغلب وحشدت واجتمعت إليها النمر بن قاسط وأتاها المشجر بن ~~الحارث الشيباني، وكان من ساداتهم بالجزيرة، وأتاها عبيد الله بن زياد بن ~~ظبيان منجدا لهم على قيس، فلذلك حقد عليه مصعب بن الزبير حتى قتل أخاه ~~النابئ، بن زياد، واستنجد عمير ms1469 تميما واسدا فلم ينجده منهم أحد. فالتقول ~~على الثرثار، وقد جعلت تغلب عليها بعد شعيث زياد بن هوبر، ويقال: يزيد بن ~~هوير التغلبي، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت قيس وقتلت تغلب ومن معها منهم ~~مقتله عظيمة وبقروا بطون ثلاثين امرأة من بني سليم، وقالت ليلى بنت الحارس ~~التغلبيه، وقيل هي للأخطل: لما رأونا والصليب طالعا ... ومارس جيش وسما ~~ناقعا والخيل لا تحمل إلا دارعا ... والبيض في أيماننا قواطعا خلوا لنا ~~الثرثار والزارعا ... وحنة طيسا وكرما يانعا ### || AUT يوم الثرثار الثاني # ثم إن قيسا تجمعت واستمدت واستعدت وعليها عمير بن الحباب، وأتاهم زفر بن ~~الحارث من قرقيسيا، وكان رئيس بني تغلب، والنمر ومن معهما ابن هرير فالتقوا ~~بالثرثار واقتتلوا أشد قتال اقتتله الناس، وانهزمت بنو عامر، وكانت على ~~مجنبة قيس، وصبرت سليم وأعصرت حتى انهزمت تغلب ومن معها وقتل ابنا عبد يشوع ~~وغيرهما من أشراف تغلب، فقال عمير بن الحباب: فدا لفوارس الثرثار نفسي ... ~~وما جمعت من أهل ومال وولت عامر عنا فأجلت ... وحولي من ربيعة كالجبال ~~أكاوحهم بدهم من سليم ... وأعصر كالمصاعيب النهال وقال زفر بن الحارث: ألا ~~من مبلع عني عميرا ... رسالة ناصح وعليه زاري أنترك حي ذي يمن وكلبا ... ~~ونجعل جدنا بك في نزار كمعتمد على إحدى يديه ... فخانته بوهن وانكسار ### || AUT يوم الفدين # وأغار عمير بن الحباب على الفدين، وهي قرية على الخابور، وقتل من بها من ~~بني تغلب، فهزمهم، فقال نفيع بن صفار المحاربي: PageV02P0259 # لو تسأل الأرض الفضاء عليكم ... شهد الفدين بهلككم والصور والصور: قرية من الفدين. ### || AUT يوم السكير # وهو على الخابور يسمى سكير العباس. ثم اجتمعوا والتقوا بالسكير، وعلى ~~قيس عمير بن الحباب، وعلى تغلب والنمر يزيد بن هوبر، فاقتتلوا قتالا شديدا، ~~فانهزمت تغلب والنمر وهرب عمير بن جندل، وهو من فرسان تغلب، فقال عمير بن ~~الحباب: وأفلتنا ### || AUT يوم السكير # ابن جندل ... على سابح عوج اللبان مثابر ونحن كررنا الخيل قدما شواذبا ~~... دقاق الهوادي داميات الدوائر وقال ابن صفار: صبحناكم بهن على سكير ... ~~ولا ms1470 قيتم هناك الأقورينا ### || AUT يوم المعارك # والمعارك بين الحضر والعتيق من أرض الموصل، اجتمعت تغلب بهذا المكان ~~فالتقوا هم وقيس فاقتتلوا به فاشتد قتالهم، فانهزمت تغلب، وقال ابن صفار: ~~ولقد تركنا بالمعارك منكم ... والحضر والثرثار أجسادا جثا فيقال: إن ### || AUT يوم المعارك # والحضر واحد، هزموهم إلى الحضر وقتلوا منهم بشرا كثيرا. وقال بعضهم: هما ~~يومان كانا لقيس، والله أعلم. والتقوا أيضا بلبى فوق تكريت من أرض الموصل، ~~فتناصفوا، فقيس تقول: كان الفضل لنا، وتغلب تقول: كان الفضل لنا. ### || AUT يوم الشرعبية # ثم التقوا بالشرعبية، وعلى قيس عمير بن الحباب، وعلى تغلب وألفافها ابن ~~هرير، فكان بينهم قتال شديد، قتل يومئذ عمار بن المهزم السلمي، وكان لتغلب ~~على قيس؛ قال الأخطل: ولقد بكى الجحاف لما أوقعت ... بالشرعبية إذ رأى ~~الأهوالا يعني أوقعت الخيل. والشرعبية: من بلاد تغلب. والشرعبية أيضا: ~~ببلاد منبج؛ فبعضهم يقول: إن هذه الوقعة كانت ببلاد منبج، وذلك خطأ. ### || AUT يوم البليخ # واجتمعت تغلب وسارت إلى البليخ، وهناك عمير في قيس؛ والبليخ نهر بين ~~حران والرقة؛ فالتقوا وانهزمت تغلب وكثر القتل فيها وبقرت بطون النساء كما ~~فعلوا يوم الثرثار، فقال ابن صفار: زرق الرماح ووقع كل مهند ... زلزلن قلبك ~~بالبليخ فزالا ### || AUT يوم الحشاك # ### || AUT ومقتل عمير بن الحباب السلمي وابن هوبر التغلبي # لما رأت تغلب إلحاح عمير بن الحباب عليها جمعت حاضرتها وباديتها وساروا ~~إلى الحشاك، وهو تل قريب من الشرعبية، وإلى جنبه براق، ودلف إليه عمير في ~~قيس ومعه زفر بن الحارث الكلائي وابنه الهذيل بن زفر، وعلى تغلب ابن هوبر، ~~واقتتلوا عند تل الحشاك أشد قتال وأبرحه حتى جن عليهم الليل ثم تفرقوا ~~واقتتلوا من الغد إلى الليل ثم تحاجزوا. وأصبحت تغلب في اليوم الثالث ~~فتعاقدوا أن لا يفروا، فلما رأى عمير حدهم وان نساءهم معهم قال لقيس: يا ~~قوم أرى لكم أن تنصرفوا عن هؤلاء فإنهم مستقتلون، فإذا اطمأنوا وصاروا إلى ~~سرحهم وجهنا إلى كل قوم منهم من يغير عليهم. فقال له عبد العزيز بن ms1471 حاتم بن ~~النعمان الباهلي: قتلت فرسان قيس أمس وأول أمس ثم ملئ سحرك وجبنت! ويقال: ~~إن عيينة بن أسماء بن خارجة الفزاري قال له ذلك، وكان أتاه منجدا، فغضب ~~عمير وقال: كأني بك وقد حمس الوغى أول فار! فنزل عمير وجعل يقاتل راجلا وهو ~~يقول: أنا عمير وأبو المغلس ... قد أحبس القوم بضنك فاحبس وانهزم زفر ~~يومئذ، وهو اليوم الثالث، فلحق بقرقيسيا، وذلك أنه بلغه أن عبد الملك بن ~~مروان قد عزم على الحركة غليه بقرقيسيا، فبادر للتأهب، وقيل: إنه ادعى ذلك ~~حين فر اعتذارا، وانهزمت قيس وركبت تغلب ومن معها أكتافهم وهم يقولون: أن ~~تعلمون أن تغلب تغلب؟ وشد على عمير جميل بن قيس من بن زهير فتله، وقيل: بل ~~تغاوى على عمير غلامان من بني تغلب فرمياه بالحجارة وقد أعيا فأثخناه، وكر ~~عليه ابن هوبر فقتله. وأصابت ابن هوبر يومئذ جراحة، فلما انقضت الحرب أوصي ~~بني تغلب بأن يولوا أمرهم مراد بن علقمة الزهيري. وقيل: خرج ابن هوبر في ~~اليوم الثاني من أيامهم هذه الثلاثة وأوصى أن يولوا ظامرهم مرادا، ومات من ~~ليلته، وكان مراد رئيسهم في اليوم الثالث، فعباهم على راياتهم وأمر كل بني ~~أب أن يجعلوا نساءهم خلفهم، فلما أبصرهم عمير قال ما تقدم ذكره؛ قال ~~الشاعر: أرقت بأثناء الفرات وشفني ... نوائح أبكاها قتيل ابن هوبر ~~PageV02P0260 # ولم تظلمي أن نحت أم مغلس ... قتيل النصارى في نوائح حسر وقال بعض ~~الشعراء ينكر قتل ابن هوبر عميرا: وإن عميرا يوم لاقته تغلب ... قتيل جميل ~~لا قتيل ابن هوبر وكثر القتل يومئذ في ني سليم وغني خاصة، وقتل من قيس أيضا ~~يومئذ بشر كثير، وبعثت بنو تغلب رأس عمير بن الحباب إلى عبد الملك بن مروان ~~بدمشق، فأعطى الوفد وكساهم. فلما صالح عبد الملك زفر بن الحارث واجتمع ~~الناس عليه قال الأخطل: بني أمية قد تناضلت دونكم ... أبناء قوم هم آووا ~~وهم نصروا وقيس عيلان حتى أقبلوا رقصا ... فبايعوا لك قسرا بعدما قهروا ~~ضجوا من الحرب إذ عضت غواربهم ms1472 ... وقيس عيلان من أخلاقها الضجر في أبيات ~~كثيرة. فلما قتل عمير بن الحباب وقف رجل على أسماء بن خارجة الفزاري ~~بالكوفة فقال: قتلت بنو تغلب عمير بن الحباب. فقال: لا بأس، إنما قتل الرجل ~~في ديار القوم مقيلا غير مدبر؛ ثم قال: يدي رهن على سليم بغارة ... تشيب ~~لها أصداغ بكر بن وائل وتترك أولاد الفدوكس عالة ... يتامى أيامى نهزة للقبائل ### || AUT يوم الكحيل # وهو من أرض الموصل في جانب دجلة الغربي. وسببه أنه لما قتل عمير بن ~~الحباب السلمي أتى تميم بن عمير زفر بن الحارث فسأله أن يطلب له بثأره، ~~فامتنع، فقال الهذيل بن زفر لأبيه: والله لئن ظفرت بهم تغلب إن ذلك لعار ~~عليك، ولئن ظفروا بتغلب وقد خذلتهم إن ذلك لأشد. فاستخلف زفر على قرقيسيا ~~أخاه أوس ين الحارث وعزم على أن يغير على بني تغلب وغزوهم، فوجه خيلا إلى ~~بني فدوكس بطن من تغلب فقتل رجالهم واستبيحت أموالهم ونساؤهم حتى لم يبق ~~غير إمرأة واحدة استجارت فأجارها يزيد من حمران. ووجه زفر بن الحارث ابنه ~~الهذيل في جيش إلى بني كعب بن زهير، فقتل فيهم قتلا ذريعا، وبعث زفر أيضا ~~مسلم بن ربيعة العقيلي إلى قوم تغلب مجتمعين فأكثر فيهم القتل. ثم قصد زفر ~~لبني تغلب وقد اجتمعوا بالعقيق من أرض الموصل، فلما أحست به ارتحلت تريد ~~عبور دجلة، فلما صارت بالكحيل لحقهم زفر في القيسية، فاقتتلوا قتالا شديدا، ~~وترجل أصدار زفر أجمعون وفي زفر على بغل له فقتلوهم ليلتهم وبقروا بطون ~~نساء منهم وغرق في دجلة أكثر ممن قتل بالسيف، فأتى فلهم لبى، فوجه زفر ابنه ~~الهذيل فأوقع بهم إلا من عبر فنجا، وأسر زفر منهم مائتين فتقلهم صبرا، فقال ~~زفر: ألا ياعين بكي بانكساب ... وبكي عاصما وابن الحباب فإن تك تغلب قتلت ~~عميرا ... ورهطا من غني في الحراب فقد أفنى بني جسم بن بكر ... ونمرهم ~~فوارس من كلاب قتلنا منهم مائتين صبرا ... وما عدلوا عمير بن الحباب وقال ~~ابن صفار المحاربي: أم ترح ms1473 حبربنا تركت حبيبا ... محالفها المذلة والصغار ~~وقد كانوا أولي عز فأضحوا ... وليس لهم من الذل انتصار وأسر القطامي ~~التغلبي في يوم من أيامهم وأخذ ماله، فقام زفر بأمره حتى رد عليه ماله ~~ووصله، فقال فيه: إني وإن كان قومي ليس بينهم ... وبين قومك إلا ضربة ~~الهادي مثن عليك بما أوليت من حسن ... وقد تعرض لي من مقتل بادي حبيح الذي ~~في الشعر هو بضم الحاء المهملة، وفتح الباء الموحدة، وهو في نسب بني تغلب. ### || AUT يوم البشر # لما استقر الأمر لعبد الملك واجتمع المسلمون عليه قدم عليه الأخطل ~~الشاعر التغلبي وعنده الجحاف بن حكيم السلمي، فقال له عبد الملك: أتعرف هذا ~~يا أخطل؟ قال: نعم، هذا الذي أقول فيه: ألا سائل الجحاف هل هو ثائر ... ~~بقتلى أصيبت من سليم وعامر وأنشد القصيدة حتى فرغ منها، وكان الجحاف بأكل ~~رطبا، فجعل النوى يتساقط من يده غيظا، وأجابه وقال: بلى سوف نبكيهم بكل ~~مهند ... وننعى عميرا بالرماح الشواجر PageV02P0261 # ثم قال: يا ابن النصرانية ما كنت أظن أن تجترئ علي بمثل هذا! فأرعد ~~الأخطل من خوفه ثم قام إلى عبد الملك وأمسك ذيله وقال: هذا مقام العائذ بك. ~~فقال: أنا لك مجير. ثم قام الجحاف ومشى وهو يجر ثوبه ولا يعقل به، فتلطف ~~لبعض كتاب الديوان حتى اختلق له عهدا على صدقات تغلب وبكر بالجزيرة، وقال ~~لأصحابه: إن أمير المؤمنين قد ولأني هذه الصدقات، فمن أراد اللحاق بي ~~فليفعل. ثم سار حتى أتى رصافة هشام فأعلم أصحابه ما كان من الأخطل إليه ~~وأنه افتعل كتابا، وأنه ليس بوال، فمن كان احب أن يغسل عني العار وعن نفسي ~~فليصحبني فإني قد أقسمت أن لا أغسل رأسي حتى أوقع في بني تغلب. فرجعوا عنه ~~غير ثلاثمائة قالوا له: نموت بموتك ونحيا بحياتك. فسار ليلته حتى صبح ~~الرحوب، وهو ماء لبني جشم بن بكر من تغلب، فصادف عليه جماعة منهم، فقتل ~~فيهم مقتلة عظيمة وأسر الأخطل وعليه عباءة وسخة، فظنه الذي أسره عبدا، ~~فسأله من هو، ms1474 فقال: عبد . فأطلقه، فرمى بنفسه في جب، فخاف أن يراه من يعرفه ~~فيقتله. فلما انصرف الجحاف خرج من الجب، وأسرف الجحاف في القتل وبقر البطون ~~عن الأجنة وفعل أمرا عظيما، فلما عاد عنهم قدم الأخطل على عبد الملك فأنشده ~~قوله: لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعول فهرب ~~الجحاف، فطلبه عبد الملك، فلحق ببلاد الروم، وقال بعد وقعة البشر يخاطب ~~الأخطل: أبا مالك هل لمتني أو حضضتني ... على القتل أم هل لامني كل لائم ~~ألم أفنكم قتلا وأجدع أنفكم ... بفتيان قيس والسيوف الصوارم بكل فتى ينعى ~~عميرا بسيفه ... إذا اعتصمت أيمانهم بالقوائم فإن تطردوني تطردوني وقد جرى ~~... بي الور يوما في دماء الأراقم نكحت بسيفي في زهير ومالك ... نكاح ~~اغتصاب لا نكاح دراهم في أبيات ولم يزل الجحاف يتردد في بلاد الروم من ~~طرابزندة إلى قاليقلا، وبعث إلى بطانة عبد الملك من قيس حتى أخذوا له ~~الأمان فآمنه عبد الملك، فقدم عليه، فألزمه ديات من قتل وأخذ منه الكفلاء ~~وسعى فيها، فأتى الحجاج من الشام فطلب منه، فقال له: متى عهدتني خائنا؟ ~~فقال له: ولكنك سد قومك ولك عمالة واسعة. فقال: لقد ألهمت الصدق، فأعطاه ~~مائة ألف درهم وجمع الديات فأوصلها. ثم تنسك بعد وصلح ومضى حاجا فتعلق ~~بأستار الكعبة وجعل ينادي: اللهم اغفر لي وما أظن تفعل. فسمعه محمد بن ~~الحنفية فقال: يا شيخ قنوطك شر من ذنبك. وقيل: إن سبب عوده كان أن الجحاف ~~أكرمه ملك الروم وقربه وعرض عليه النصرانية ويعطيه ما شاء، فقال: ما أتيتك ~~رغبة عن الإسلام. ولقي الروم تلك السنة عساكر المسلمين صائفة، فانهزم ~~المسلمون، وأخبروا عبد الملك أنهم هزمهم الجحاف، فأرسل إليه عبد الملك ~~يؤمنه، فسار وقصد البشر وبه حي من بشر وقد لبس أكفانه وقال: قد جئت إليكم ~~أعطي القود من نفسي. وأرد شبابهم قتله فنهاهم شيوخهم، فعفوا عنه وحج، فسمعه ~~عبد الله بن عمر وهو يطوف ويقول: اللهم اغفر لي وما أظنك تفعل. فقال ابن ~~عمر: لو كنت ms1475 الجحاف مازدت على هذا. قال: فأنا الجحاف. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وسبعين # ### || AUT ذكر مقتل مصعب # ### || AUT وملك عبد الملك العراق # في هذه السنة قتل مصعب بن الزبير في جمادى الآخرة، واستولى عبد الملك بن ~~مروان على العراق. وسبب ذلك أن عبد الملك بن مروان لما قتل عمرو بن سعيد بن ~~العاص، كما تقدم ذكره، وضع السيف فقتل من خالفه، فصفا له الشام. فلما لم ~~يبق له مخالف فيه أجمع المسير إلى مصعب بن الزبير بالعراق، فاستشار أصحابه ~~في ذلك، فأشار يحيى بن الحكم بن أبي العاص عمه بأن يقنع بالشام ويترك ابن ~~الزبير والعراق، وكان يقول عبد الملك: من أراد صواب الرأي فليخالف يحيى. ~~وقال بعضهم: إن العام جدب وقد غزوت سنتين فلم تظفر فأقم عامك هذا. ~~PageV02P0262 # فقال عبد الملك: الشام بلد قليل المال ولا آمن نفاده، وقد كتب كثير من ~~أشراف العراق يدعونني إليهم. وقال بعضهم: الرأي أن تقيم وتبعث بعض أهلك ~~ونمده بالجنود. فقال عبد الملك: إنه لا يقوم بهذا الأمر إلا قرشي له رأي، ~~ولعلي أبعث من له شجاعة ولا رأي له، وإني يصير بالحرب شجاع بالسيف إن احتجت ~~إليه، ومصعب شجاع من بيت شجاعة ولكنه لا علم له بالحرب يحب الخفض ومعه من ~~يخالفه ومعي من ينصح لي. فلما عزم على المسير ودع زوجته عاتكة بنت يزيد بن ~~معاوية، فبكت وبكى جواريها لبكائها، فقال: قاتل الله كثير عزة! لكأنه ~~يشاهدنا حين يقول: إذا ما أراد الغزو لم يثن همه ... حصان عليها عقد در ~~يزينها نهته فلما لم تر النهي عاقه ... بكت وبكى مما عناها قطينها وسار عبد ~~الملك إلى العراق، فلما بلغ مصعبا مسيره وهو بالبصرة أرسل إلى المهلب، وهو ~~يقاتل الخوارج، يستشيره، وقيل: بل أحضره عنده، فقال لمصعب: اعلم أن أهل ~~العراق قد كاتبوا عبد الملك وكاتبهم فلا تبعدني عنك. فقال له مصعب: إن أهل ~~البصرة قد أبوا أن يسيروا حتى أجعلك على قتال الخوارج، وهم قد بلغوا سوق ~~الأهواز، وأنا أكره وأنا ms1476 أكره إذ سار عبد الملك إلي أن لا أسير إليه، ~~فاكفني هذا الثغر. فعاد إليهم وسار مصعب إليا الكوفة ومعه الأحنف، فتوفي ~~بالكوفة، وأحضر مصعب إبراهيم بن الأشتر، وكان على الموصل والجزيرة، فلما ~~حضر عنده جعله على مقدمته وسار حتى نزل باجميرى، وهي قريب من أوانا، وهي من ~~مسكن، فعسكر هناك. وسار عبد الملك وعلى مقدمته أخوه محمد بن مروان وخالد بن ~~عبد الله بن خالد بن أسيد فنزلوا بقرقيسيا وحصروا زفر بن الحارث الكلائي، ~~ثم صالحهم، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وسير زفر ابنه الهذيل مع عبد ~~الملك، وكان معه، ثم لحق بمصعب بن الزبير. فلما اصطلحا سار عبد الملك ومن ~~معه فنزلوا بمسكن قريبا من عسكر مصعب، بين العسكرين ثلاثة فراسخ، ويقال: ~~فرسخان، وكتب عبد الملك إلى أهل العراق من كاتبه ومن لم يكاتبه، وبذل ~~لجميعهم أصبهان طعمة، وقيل: إن كل من كاتبه طلب منه إمرة أصبهان، فقال: أي ~~شيء هذه أصبهان حتى كلهم يطلبها! فكل منهم أخفى كتابه، إلا إبراهيم بن ~~الأشتر فإنه أحضر كتابه عند مصعب مختوما، فقرأه مصعب فإذا هو يدعوه إلى ~~نفسه ويجعل له ولاية العراق، فقال له مصعب: أتدري ما فيه؟ قال: لا . قال: ~~يعرض عليك كذا وكذا، وإن هذا لما يرغب فيه. فقال إبراهيم: ما كنت لأتقلد ~~الغدر والخيانة، ووالله ما عند عبد الملك من أحد من الناس بأيأس منه مني، ~~ولقد كتب إلى أصحابك كلهم مثل الذي كتب إلي فأطعني واشرب أعناقهم. قال: إذا ~~لا يناصحني عشائرهم. قال: فأوقرهم حديدا وابعث بهم إلى أبيض كسرى واحبسهم ~~هناك ووكل بهم من إن غلبت وتفرقت عشائرهم عنك ضرب رقابهم، وإن ظهرت مننت ~~على عشائرهم بإطلاقهم. فقال: إني لفي شغل عن ذلك، فرحم الله أبا بحر، يعني ~~الأحنف بن قيس، إن كان ليحذرني غدر أهل العراق ويقول هم كالمومسة تريد كل ~~يوم بعلا، وهم يريدون كل يوم أميرا. فلما رأى قيس بن الهيثم ما عزم أهل ~~العراق عليه من الغدر لمصعب قال ms1477 لهم: ويحكم! لا تدخلوا أهل الشام عليكم! فو ~~الله لئن يطعموا بعيشكم ليضيقن عليكم منازلكم، والله لقد رأيت سيد أهل ~~الشام على باب الخليفة يفرح إن أرسله في حاجة، ولقد رأيتنا في الصوائف وإن ~~زاد أحدنا على عدة أجمال وإن الرجل من وجوههم ليغزو على فرسه وزاده خلفه. ~~فلم يسمعوا منه، فلما تدانى العسكران أرسل عبد الملك إلى مصعب رجلا من كلب ~~وقال له: أقرئ ابن أختك السلام؛ وكانت أم مصعب كلبية؛ وقل له يدع دعاءه إلى ~~أخيه وأدع دعائي إلى نفسي ويجعل الأمر شورى. فقال له مصعب: قل له السيف ~~بيننا. PageV02P0263 # فقدم عبد الملك أخاه محمدا وقدم مصعب إبراهيم بن الأشتر، فالتقيا فتناوش ~~الفريقان فقتل صاحب لواء محمد، وجعل مصعب يمد إبراهيم، فأزال محمدا عن ~~موقفه، فوجه عبد الملك عبد الله بن يزيد إلى أخيه محمد، فاشتد القتال، فقتل ~~مسلم بن عمرو الباهلي والد قتيبة، وهو من أصحاب مصعب، وأمد مصعب إبراهيم ~~بعتاب بن ورقاء، فساء ذلك إبراهيم وقال: قد قلت له لا تمدني بعتاب وضربائه، ~~وإنا لله وإنا إليه راجعون! فانهزم عتاب بالناس، وكان قد كاتب عبد الملك ~~وبايعه، فلما انهزم صبر ابن الأشتر فقتل، قتله عبيد ابن ميسرة مولى بني ~~عذرة وحمل رأسه إلى عبد الملك. وتقدم أهل الشام فقاتلهم مصعب وقال لقطن بن ~~عبد الله الحارثي: قدم خليلك أبا عثمان. فقال: أكره أن تقتل مذحج في غير ~~شيء. فقال لحجار ابن أبجر: يا أبا أسيد قدم خيلك. قال: إلى هؤلاء الأنتان! ~~قال: ما تتأخر إليه أنتن! فقال لمحمد بن عبد الرحمن بن سعيد مثل ذلك، فقال: ~~ما فعل أحد هذا فأفعله. فقال له: أخبرني عن الحسين بن علي كيف صنع بامتناعه ~~عن النزول على حكم ابن زياد وعزمه على الحرب، فاخبره، فقال: إت الألى بالطف ~~من آل هاشم ... تأسوا فسنوا للكرام التأسيسا قال عروة: فعلمت أنه لا يبرح ~~حتى يقتل. ثم دنا محمد بن مروان من مصعب وناداه: أنا ابن عمك محمد بن مروان ~~فاقبل أمان ms1478 أمير المؤمنين. فقال: أمير المؤمنين بمكة، يعني أخاه عبد الله ~~بن الزبير. قال: فإن القوم خاذلوك. فأبى ما عرض عليه. فنادى محمد عيسى بن ~~مصعب بن الزبير له، فقال له مصعب: انظر ما يريد منك. فدنا منه، فقال له: ~~إني لك ولأبيك ناصح ولكما الأمان. فرجع إلى أبيه فأخبره، فقال: إني أظن ~~القوم يفون لك، فإن أحببت أن تأتيهم فافعل. فقال: لا تتحدث نساء قريش أني ~~خذلتك ورغبت بنفسي عنك. قال: فاذهب أنت ومن معك إلى عمك بمكة فأخبره بما ~~صنع أهل العراق ودعني فإني مقتول. فقال: لا أخبر عنك قريشا أبدا، ولكن يا ~~أبه الحق بالبصرة فإنهم على الطاعة أو الحق بأمير المؤمنين. فقال مصعب: لا ~~تتحدث قريش أني فررت. وقال لابنه عيسى: تقدم إذن أحتسبك، فتقدم ومعه ناس ~~فقتل وقتلوا؛ وجاء رجل من أهل الشام ليحتز رأس عيسى، فحمل عليه مصعب فقتله ~~وشد على الناس فانفرجوا له، وعاد ثم حمل ثانية فانفرجوا له، وبذل له عبد ~~الملك الأمان وقال: إنه يعز علي أن تقتل فاقبل أماني ولك حكمك في المال ~~والعمل. فأبى وجعل يضارب. فقال عبد الملك: هذا والله كما قال القائل. ومدجج ~~كره الكماة نزاله ... لا ممعنا هربا ولا مستسلما ودخل مصعب رادقة فتحنط ~~ورمى السرادق وخرج فقاتل، فأتاه عبيد الله بن زياد بن ظبيام فدعاه إلى ~~المبارزة، فقال له: يا كلب اعزب! مثلي يبارز مثلك! وحمل عليه مصعب فضربه ~~على البيضة فهشمها وجرحه، فرجع وعصب رأسه، وترك الناس مصعبا وخذلوه حتى بقى ~~في سبعة أنفس، وأثخن مصعب بالرمي وكثرت الجارحات فيه، فعاد إلى عبيد الله ~~بن زياد بن ظبيان، فضربه مصعب فلم يصنع شيئا لضعفه بكثرة الجراحات، وضربه ~~ابن ظبيان فقتله. وقيل: بل نظر إليه زائدة بن قدامة الثقفي فحمل عليه فطعنه ~~وقال: يا لثارات المختار! فصرعه، وأخذ عبيد الله بن زياد رأسه وحمله إلى ~~عبد الملك فألقاه بين يديه وأنشد: نعاطي الملوك الحق ما قسطوا لنا ... وليس ~~علينا قتلهم بمحرم فلما رأى عبد الملك الرأس ms1479 سجد. قال ابن ظبيان: قد هممت ~~أن أقتل عبد الملك وهو ساجد فأكون قد قتلت ملكي العرب وأرحت الناس منهما. ~~وقال عبد الملك: لقد هممت أن لأقتل ابن ظبيان فأكون قد قتلت أفتك الناس ~~بأشجع الناس. وأمر عبد الملك لابن ظبيان بألف دينار، فقال: لم أقتله على ~~طاعتك وإنما قتلته على قتل أخي النابئ بن زياد؛ ولم يأخذ منها شيئا وكان ~~قتل مصعب بدير الجاثليق عند نهر دجيل، فأمر عبد الملك به وبابنه عيسى فدفنا ~~وقال: كانت الحرمة بيننا قديمة ولكن اللك عقيم. PageV02P0264 # وكان سبب قتل النابئ أنه قطع الطريق هو ورجل من بني نمير، فأحضرا عند ~~مطرف بن سيدان الباهلي صاحب شرطة مصعب فقتل النابئ وضرب النميري وأطلقه، ~~فجمع عبيد الله جمعا وقصد مطرفا بعد أن عزله مصعب عن شرطته وولاه الأهواز، ~~وسار عبيد الله إلى المطرف فقتله، فبعث مصعب مكرم بن مطرف في طلب عبيد ~~الله، فسار حتى بلغ عسكر مكرم، فنسب إليه، ولم يلق عبيد الله، كان قد لحق ~~بعبيد الملك. وقيل في قتله غير ذلك. فلما أتي عبد الملك برأس مصعب نظر إليه ~~وقال: متى تغذو قرشية مثلك! وكانا يتحدثان إلى حبى وهما بالمدينة، فقيل ~~لها: قتل مصعب. فقالت: نعس قاتله! فقيل: قتله عبد الملك بن مروان. فقالت: و ~~بأبي القاتل والمقتول! ثم دعا عبد الملك بن مروان بن مروان جند العراق إلى ~~بيعته فبايعوه، وسار حتى دخل الكوفة فأقام بالنخيلة أربعين يوما، وخطب ~~الناس بالكوفة فوعد المحسن وتوعد المسيء، فقال: إن الجامعة التي وضعت في ~~عنق عمرو بن سعيد عندي، ووالله أضعها في عنق رجل فأنزعها إلا صعدا لا أفكها ~~عنه فكا، فلا يبقين امرؤ إلا على نفسه ولا يولغن دمه، والسلام. ودعا الناس ~~إلى البيعة فبايعوه، فحضرت قضاعة، فقال لهم: كيف سلمتم وأنتم قليل مع مضر؟ ~~فقال عبد الله بن يعلى النهدي: نحن أعز منهم وأمنع بك وبمن معك منا. ثم ~~جاءت مذحج فقال: ما أرى لأحد مع هؤلاء بالكوفة شيئا. ثم جاءت جعفى ms1480 فقال: ~~إيتوني بابن أختكم، يعني يحيى بن سعيد، وكانت أمه مذحجية، فقالوا: هو آمن؟ ~~فقال: وتشترطون أيضا! فقال رجل منهم: إنا ما نشترط جهلا بحقك ولكنا نتسحب ~~عليك تسحب الولد على الوالد. فقال: نعم أنتم الحي! إن كنتم لفرسانا في ~~الجاهلية والإسلام. ليحضر فهو آمن. فأتوه به فبايعه. ثم أتته عدوان فقدموا ~~بين أيديهم رجلا جميلا وسيما، فقال عبد الملك: عذير الحي من عدوا ... ن ~~كانوا حية الأرض بغى بعضهم بعضا ... فلم يرعوا على بعض ومنهم كانت السادا ~~... ت والموفون بالقرض ثم أقبل على ذلك الرجل الجميل فقال: إيه! فقال: لا ~~أدري. فقال معبد بن خالد الجدلي، وكان خلفه: ومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ~~ما يقضي ومنهم من يجيز الحج ... بالسنة والفرض وهم مذ ولدوا شبوا ... بسر ~~النسب المحض فأقبل عبد الملك على ذلك الجميل فقال: من هو؟ فقال: لا أدري. ~~فقال معبد من ورائه: هو ذو الإصبع، فأقبل على الجميل فقال: لم تسمى ذا ~~الإصبع؟ فقال: لا أدري. فقال معبد: لأن حية نهشت إصبعه فقطعتها. فأقبل على ~~الجميل فقال: ما كان اسمه؟ قال: لا أدري. فقال معبد: حرثان بن الحارث. فقال ~~للجميل: من أيكم هو؟ قال: لا أدري. فقال معبد: من بني ناج. ثم قال للجميل: ~~كم عطاؤك؟ قال: سبعمائة. قال لمعبد: كم عطاؤك؟ قال: ثلاثمائة. فقال لكتابه: ~~اجعل معبدا في سبعمائة وانقص من عطاء هذا أربعمائة، ففعل. ثم جاءت كندة ~~فنظر إلى عبد الله بن إسحاق بن الأشعث فأوصى به أخاه بشر بن مروان. وأقبل ~~داود بن قحذم في جمع كثير من بكر بن وائل عليهم الأقبية الداودية، وبه ~~سميت، فجلس مع عبد الملك على سريره، فأقبل عليه عبد الملك ثم نهض ونهضوا ~~معه، فقال عبد الملك: هؤلاء الفساق لولا أن صاحبهم جاءني ما أعطاني أحد ~~منهم طاعة. ثم ولى قطن بن عبد الله الحارثي الكوفة، ثم عزله فاستعمل أخاه ~~بشر بن مروان، ثم استعمل محمد بن عمير الهمداني على همذان، ويزيد بن رويم ~~على الري، ولم يف ms1481 لأحد شرط له أصبهان، وقال: علي بهؤلاء الفساق الذين ~~أنغلوا الشام وأفسدوا العراق. فقيل: قد أجارهم رؤساء عشائرهم. فقال: وهل ~~يجير علي أحد؟ وكان عبد الله بن يزيد بن أسد والد خالد القسري قد لجأ إلى ~~علي بن عبد الله بن عباس، ولجأ إليه أيضا يحيى بن معيوف الهمداني، ولجأ ~~الهذيل بن زفر بن الحارث، وكان مع عبد الملك، على ما نذكره، وعمرو بن يزيد ~~الحكمي إلى خالد بن يزيد، فآمنهم عبد الملك فظهروا. فصنع عمرو بن حريث لعبد ~~الملك طعاما كثيرا وأمر به إلى الخورنق وأذن إذنا عاما، فدخل الناس وأخذوا ~~مجالسهم، فدخل عمرو بن حريث، فأجلسه معه على سريره، ثم جاءت الموائد ~~فأكلوا، فقال عبد الملك: ما ألذ عيشنا لودام، ولكنا كما قال الأول: ~~PageV02P0265 # وكل جديد يا أميم إلى بلى ... وكل امرئ يصير يوما إلى كان فلما فرغوا من ~~الطعام طاف عبد الملك في القصر وعمرو بن حريث معه وهو يسأله: لمن هذا ~~البيت؟ ومن بنى هذا البيت؟ وعمرو يخبره، فقال عبد الملك: اعمل على مهل فإنك ~~ميت ... واكدح لنفسك أيها الإنسان فكان ما قد كان لم يك إذ مضى ... وكأن ما ~~هو كائن قد كان ولما بلغ عبد الله بن خازم مسير مصعب لقتال عبد الملك قال: ~~أمعه عمر بن عبيد الله بن معمر؟ قيل: لا، استعمله على فارس. قال: أمعه ~~المهلب؟ قيل: لا، استعمله على الخوارج. قال: أمعه عباد بن الحصين؟ قيل: ~~استخلفه على البصرة. قال: وأنا بخراسان. خذيني فجريني جعار وأبشري ... بلحم ~~امرئ لم يشهد اليوم ناصره ولما قتل مصعب بعث عبد الملك رأسه إلى الكوفة، أو ~~حمله معه إليها، ثم بعث به إلى أخيه عبد العزيز بن مروان بمصر، فلما رآه ~~وقد قطع السيف أنفه قال: رحمك الله! أما والله لقد كنت من أحسنهم خلقا ~~وأشدهم بأسا وأسخاهم نفسا. ثم سيره إلى الشام فنصب بدمشق، وأرادوا أن ~~يطوفوا به في نواحي الشام، فأخذته عاتكة بنت يزيد بن معاوية زوجة عبد الملك ~~بن مروان، وهي ms1482 أم يزيد بن عبد الملك، فغسلته ودفنته وقالت: أما رضييتم بما ~~صنعتم حتى تطرفوا به في المدن؟ هذا بغي. وكان عمر مصعب حين قتل ستا وثلاثين ~~سنة. قال يوما عبد الملك لجلسائه: من أشد الناس؟ قالوا: أمير المؤمنين. ~~قال: اسلكوا غير هذا الطريق. قالوا: عمير بن الحباب. قال: قبح الله عميرا! ~~لص، ثوب ينازع عليه أعز عنده من نفسه ودينه. قالوا: فشبيب. قال: إن ~~للحرورية لطريقا. قالوا: فمن؟ قال: مصعب كان عنده عقيلتا قريش سكينة بنت ~~الحسين وعائشة بنت طلحة، ثم هو أكثر الناس مالا، جعلت له الأمان وولاية ~~العراق وعلم أني سأفي له للمودة التي كانت بيننا فحمى أنفا وأبى وقاتل حتى ~~قتل. فقال رجل: كان مصعب يشرب النبيذ. قال: كان ذلك قبل أن يطلب المروءة، ~~فأما مذ طلبها ذو علم أن الماء ينقص مروءته ما ذاقه. قال الأقشر الأسدي: ~~حمى أنفه أن يقبل الضيم مصعب ... فمات كريما لم تذم خلائقه ولو شاء أعطى ~~الضيم من رام هضمه ... فعاش ملوما في الرجال طرائقه ولكن مضى والبرق يبرق ~~خاله ... يشاوره مرا ومرا يعانقه فولى كريما لم تنله مذمة ... ولم يك رغدا ~~تطيبه نمارقه وقال عرفجة بن شريك: ما لابن مروان أعمى الله ناظره ... ولا ~~أصاب رغيبات ولا نفلا يرجو الفلاح ابن مروان وقد قتلت ... خيل ابن مروان ~~حرا مادا بطلا يا ابن الحواري كم من نعمة لكم ... لورام غيركم أمثالها شغلا ~~حملتم فحملتم كل معضلة ... إن الكريم إذا حملته حملا وقال عبد الله بن ~~الزبير الأسدي في إبراهيم بن الأشتر، هذا الزبير بفتح الزاي وكسر الباء: ~~سأبكي وإن لم تبك فتيان مذحج ... فتاها إذا الليل التمام تأوبا فتى لم يكن ~~في مرة الحرب جاهلا ... ولا بمطيع في الوغى من تهيبا أبان أنوف الحي قحطان ~~قتله ... وأنف نزار قد أبان فأوعبا فمن يك أمسى خائنا لأميره ... فما خان ~~إبراهيم في الموت مصعبا PageV02P0266 # وحين قتل مصعب كان المهلب يحارب الأزارقة بسولاف، بلد بفارس على شاطئ ~~البحر، ثمانية أشهر، فبلغ قتله الأزارقة قبل ms1483 المهلب، فصاحوا بأصحاب المهلب: ~~ما قولكم في مصعب؟ قالوا: أمير هدى، وهو ولينا في الدنيا والآخرة، ونحن ~~أولياؤه. قالوا: فما قولكم في عبد الملك؟ قالوا: ذاك ابن اللعين، نحن نبرأ ~~إلى الله منه وهو أحل دما منكم. قالوا: فإن عبد الملك قتل مصعبا وستجعلون ~~غدا عبد الملك إمامكم. فلما كان الغد سمع المهلب وأصحابه قتل مصعب فبايع ~~المهلب الناس لعبد الملك بن مروان، فصاح بهم الخوارج: يا أعداء الله! ما ~~تقولون في مصعب؟ قالوا: يا أعداء الله لا نخبركم. وكرهوا أن يكذبوا أنفسهم. ~~قالوا: وما قولكم في عبد الملك؟ قالوا: خليفتنا. ولم يجدوا بدا إذ بايعوه ~~أن يقولوا ذلك. قالوا: يا أعداء الله! أنتم بالأمس تبرأون منه في الدنيا ~~والآخرة وهو اليوم إمامكم وقد قتل أميركم الذي كنتم تولونه! فأيهما المهتدي ~~وأيهما المبطل؟ قالوا: يا أعداء الله رضينا بذلك إذ كان يتولى أمرنا ونرتضي ~~بهذا. قالوا: لا والله ولكنكم إخوان الشياطين وعبيد الدنيا. وأما عبد الله ~~بن الزبير فلما انتهى إليه قتل أخيه مصعب قام في الناس فخطبهم فقال: الحمد ~~الله الذي له الخلق والأمر، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز ~~من يشاء ويذل من يشاء، ألا وإنه لم يذلل الله من كان الحق معه وإن كان ~~فردا، ولم يعزز من كان وليه الشيطان وإن كان الناس معه طرا، ألا وإنه قد ~~أتانا من العراق خبر أحزننا وأفرحنا، أتانا قتل مصعب، رحمه الله، وأما الذي ~~أفرحنا فعلمنا أن قتله شهادة، وأما الذي أحزننا فإن لفراق الحميم لوعة ~~يجدها حممه عن المصيبة يرعوي بعدها ذوو الرأي الجميل إلى الصبر وكريم ~~العزاء، وما مصعب إلا عبد من عبيد الله وعون من أعواني، ألا وإن أهل العراق ~~أهل الغدر والنفاق أسلموه وباعوه بأقل الثمن، فإن يقتل فمه! والله ما نوت ~~على مضاجعنا كما يموت بنو أبي العاص! والله ما قتل رجل منهم في زحف في ~~الجاهلية ولا في الإسلام، ولا نموت إلا قعصا بالرماح وتحت ظلال السيوف، ألا ~~إنما الدنيا ms1484 عارية من الملك العلي الذي لا يزول سلطانه ولا يبيد ملكه، فإن ~~تقبل لا آخذها أخذ البطر، وإن تدبر لم أبك عليها بكاء الضرع المهين، أقول ~~قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. حجار بن أبجر بفتح الحاء المهملة، وتشديد ~~الجيم، وكنيته أبو أسيد بضم الهمزة، وفتح السين. وحبى بضم الحاء المهملة، ~~وبالباء الموحدة المشددة الممالة، وآخره ياء مثناة من تحتها، وعبد الله بن ~~خازم بالخاء المعجمة والزاي. ### || AUT ذكر ولاية خالد بن عبد الله البصرة # وفي هذه السنة تنازع ولاية البصرة حمران بن أبان وعبيد الله بن أبي ~~بكرة، فقال ابن أبي بكرة: أنا أعظم منك، كنت أنفق على أصحاب خالد يوم ~~الجفرة. فقيل لحمران: إنك لا تقوى على ابن أبي بكرة فاستعن بعبد الله بن ~~الأهيم. فاستعان به، فغلب على البصرة وعبد الله على شرطها، وكان لحمران ~~منزلة عند بني أمية، وكان هذه المنازعة بعد قتل مصعب. فلما استولى عبد ~~الملك على العراق بعد قتله استعمل على البصرة خالد بن عبد الله بن خالد بن ~~أسيد، فوجه خالد عبيد الله بن أبي بكرة إليها خليفة له، فلما قدم على حمران ~~قال: أقد جئت لا جئت! فكان عبيد الله عليها حتى قدم خالد، ولما فرغ عبد ~~الملك من أمر العراق عاد إلى الشام. ### || AUT ذكر أمر عبد الملك وزفر بن الحارث # قد ذكرنا في وقعة مرج راهط مسير زفر إلى قرقيسيا واجتماع قيس عليه ~~والسبب في استلائه عليها وما كان منه بعد ذلك، وكان على بيعة ابن الزبير ~~وفي طاعته. فلما مات مروان بن الحكم وولي ابنه عبد الملك كتب إلى أبان بن ~~عقبة بن أبي معيط وهو على حمص يأمره أن يسير إلى زفر، فسار إليه وعلى ~~مقدمته عبد الله بن زميت الطائي، فواقع عبد الله زفر قبل وصول أبان وكثر في ~~أصحابه بن زفر، وأدركت طيء ثقل زفر ونساءه، فاستوهب محمد بن حصين بن نمير ~~النساء وألحقهن بزفر بقرقيسيا، فقال زفر: علقن بحبل من حصين لوا أنه ... ~~تغيب ms1485 حالت دونهن المصائر أبوكم أبونا في القديم وإنني ... لغابركم في آخر ~~الدهر شاكر وكان يقال لزفر إنه من كندة. PageV02P0267 # ثم إن عبد الملك لما أراد المسير إلى مصعب سار إلى قرقيسيا فحصر زفر فيها ~~ونصب عليها المجانيق، فأمر زفر أن ينادي في عسكر عبد الملك: لم نصبتم علينا ~~المجانيق؟ قال: لنثلم ثلمة نقاتلكم عليها. فقال زفر: قولوا لهم فإنا لا ~~نقاتلكم من وراء الحيطان ولكنا نخرج إليكم. وثلمت المنجنيق من المدينة برجا ~~مما يلي حريث بن بحدل، فقال زفر: لقد تركتني منجنيق ابن بحدل ... أحيد هن ~~العصفور حين يطير وكان خالد بن يزيد بن معاوية مجدا في قتلاهم، فقال رجل من ~~أصحاب زفر من بني كلاب: لأقولن لخالد كلاما لا يعود إلى ما يصنع. فلما كان ~~الغد خرج خالد للمحاربة، فقال له الكلابي: ماذا ابتغاء خالد وهمه ... إذ ~~سلب الملك ونيكت أمه فاستحيا وعاد ولم يرجع يقاتلهم. وقالت كلب لعبد الملك: ~~إنا إذا لقينا زفر انهزمت القيسية الذين معك فلا تخلطهم معنا. ففعل، فكتبت ~~القيسية على نبلها: إنه ليس يقاتلكم غدا مضري، ورموا النبل إلى قرقيسيا، ~~فلما أصبح زفر دعا ابنه الهذيل، وبه كان يكنى، وقيل: كان يكنى أبا الكوثر، ~~فقال: اخرج إليهم فشد عليهم شدة لا ترجع حتى تضرب فسطاط عبد الملك، والله ~~لئن رجعت دون أن تطأ أطناب فسطاطه لأقتلنك. فجمع الهذيل خيله وحمل عليهم، ~~فصبروا قليلا ثم انكشفوا، وتبعهم الهذيل بخيله حتى وطئوا أطناب الفسطاط ~~وقطعوا بعضها، ثم رجعوا، فقبل زفر رأس الهذيل وقال: لا يزال عبد الملك يحبك ~~بعدها أبدا. فقال الهذيل: والله لو شئت أن أدخل الفسطاط لفعلت. فقال زفر: ~~ألا لا أبالي من أتاه حمامه ... إذ ما المنايا عن هذيل تجلت تراه أمام ~~الخيل أول فارس ... ويضرب في أعجازها إن تولت ولما ثم برج قرقيسيا قال لعبد ~~الملك بعض أهله: لو قاتلتهم بقضاعة لملكتهم. ففعل وقاتلهم، فلما كان عند ~~المساء انكشفت قضاعة وكثر القتل فيهم، وأقبل روح بن زنباع الجذامي إلى برج ~~منها فسأل ms1486 أهله وقال: نشدتكم الله كم قتلنا منكم؟ قالوا: والله لم يقتل منا ~~أحد ولم يجرح إلا رجل واحد ولا بأس عليه، ثم قالوا: نشدناك الله كم قتل ~~منكم؟ قال: عدة فرسان وجرحتم ما لايحصى، فلعن الله ابن بحدل! ورجع روح إلى ~~عبد الملك وقال: إن ابن بحدل يمينك الباطل، فأعرض عن هذا الرجل. وكان رجل ~~من كلب يقال له الذيال يخرج فيسب زفر فيكثر، فقال زفر للهذيل ابنه أو لبعض ~~أصحابه: أما تكفيني هذا؟ قال: أنا أجيئك به. فدخل عسكر عبد الملك ليلا فجعل ~~ينادي: من يعرف بغلا من صفته كذا وكذا؟ حتى انتهى إلى خباء الرجل وقد عرفه. ~~فقال الرجل: رد الله عليك ضالتك. فقال: يا عبد الله إني قد عييت فلو أذنت ~~لي فاسترحت قليلا. قال: ادخل، فدخل والرجل وحده في خبائه، فرمى بنفسه ونام ~~صاحب الخباء، فقام إليه فأيقظه وقال: والله لئن تكلمت لأقتلنك. قال: قتلت ~~أو سلمت فماذا ينفعك قتلي؟ قال: لئن سكت وجئت معي إلى زفر فلك عهد الله ~~وميثاقه أن أردك إلى عسكرك بعد أن يصلك زفر والرجل معه، فاعلمه أنه قد ~~آمنه، فوهب له زفر دنانير وحمله على رحالة النساء وألبسه ثيابهن وبعث معه ~~رجلا حتى دنوا من عسكر عبد الملك، فنادوا: هذه جارية قد بعث بها زفر إلى ~~عبد الملك. وانصرفوا، فلما نظر إليه أهل العسكر عرفوه وأخبروا عبد الملك ~~الخبر، فضحك وقال: لا يبعد الله رجلا نصر، والله إن قتلهم لذل وإن تركهم ~~لحسرة. وكف الرجل فلم يعد يسب زفر، وقيل: أنه هرب من العسكر. ثم إن عبد ~~الملك أمر أخاه محمدا أن يعرض على زفر وابنه الهذيل الأمان على أنفسهما ومن ~~معهما وما لهم وأن يعطيا ما أحبا. ففعل محمد ذلك، فأجاب الذيل وكلم أباه ~~وقال له: لو صالحت هذا الرجل فقد أطاعه الناس وهو خير لك من ابن الزبير. ~~فأجاب على أن له الخيار في بيعته سنة وأن ينزل حيث شاء ولا يعين عبد الملك ~~على قتال ابن الزبير. ms1487 فبينا الرسل تختلف بينهما إذ جاءه رجل من كلب فقال: ~~قد هدم من المدينة أربعة أبراج. فقال عبد الملك : لا أصالحهم. وزحف إليهم ~~فهزموا أصحابه حتى أدخلوهم عسكرهم. فقال: أعطوهم ما أرادوا. فقال زفر: لو ~~كان قبل هذا لكان أحسن. واستقر الصلح على أمان الجميع، ووضع الدماء ~~والموال، وان لا يبايع عبد لملك حتى يموت ابن الزبير للبيعة له في عنقه، ~~وأن يعطى مالا يقسمه في أصحابه. PageV02P0268 # وخاف زفر أن يغدر به عبد الملك كما غدر بعمرو بن سعيد، فلم ينزل إليه، ~~فأرسل إليه بقضيب النبي صلى الله عليه وسلم ، أمانا له، فنزل إيه، فلما دخل ~~عليه أجلسه معه على سريره، فقال ابن عضاة الأشعري: أنا كنت أحق بهذا المجلس ~~منه. فقال زفر: كذبت هناك، إني عاديت فضررت وواليت فنفعت. ولما رأى عبد ~~الملك قلة من مع زفر قال: لو علمت أنه في هذه القلة لحاصرته أبدا حتى ينزل ~~على حكمي. فبلغ قوله زفر فقال: إن شئت رجعنا ورجعت. فقال: بل نفي لك يا أبا ~~الهذيل. وقال له عبد الملك يوما: بلغني أنك من كندة. فقال: وما خير من ~~لايبغي حسدا ولا يدعي رغبة! وتزوج مسلمة بن عبد الملك الرباب بنت زفر، فكان ~~يؤذن لأخويها الهذيل والكوثر في أول الناس. وأمر زفر ابنه الهذيل أن يسير ~~مع عبد الملك إلى قتال مصعب وقال له: أنت لا عهد عليك. فسار معه، فلما قارب ~~مصعبا هرب إليه وقاتل مع ابن الأشتر، فلما قتل ابن الأشتر اختفى الهذيل ~~بالكوفة حتى استؤمن له من عبد الملك فآمنه، كما تقدم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة افتتح عبد الملك قيسارية، في قول الواقدي. وفيها نزع ابن ~~الزبير جابر بن الأسود بن عوف عن المدينة واستعمل عليها طلحة بن عبيد الله ~~ابن عوف، وهو آخر وال كان له على المدينة، حتى أتاه طارق بن عمرو مولى ~~عثمان، فهرب طلحة وأقام طارق بها حتى سار إلى مكة لقتال ابن الزبير. وفي ~~إمارة مصعب مات البراء بن ms1488 عازب بالكوفة. ويويد بن مفرغ الحميري الشاعر بها ~~أيضا. وعبد الله بن أبي حدود الأسلمي، شهد الحديبية وخيبر. وفي أيامه مات ~~شتير بن شكل القيسي الكوفي، وهو من أصحاب علي وابن مسعود. شتير بضم الشين ~~المعجمة، وفتح التاء فوقها نقطتان، وبعدها ياء تحتها نقطتان. وشكل بفتح ~~الشين المعجمة، والكاف وآخره لام. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين # ### || AUT ذكر أمر الخوارج # لما استقر عبد الملك بالكوفة بعد قتل مصعب استعمل خالد بن عبد الله على ~~البصرة، فلما قدمها خالد كان المهلب يحارب الأزارقة، فجعله على خاج الأهواز ~~ومعونتها، وسير أخاه عبد العزيز بن عبد الله إلى قتل الخوارج، وسير معه ~~مقاتل بن مسمع، فخرجا يطلبان الأزراقة، فأتت الخوارج من ناحية كرمان إلى ~~دار ابجرد، فأرسل قطري بن الفجاء المازني مع صالح بن مخارق تسعمائة فارس، ~~فاقبل يسير بهم حتى استقبل عبد العزيز وهو يسير مهلا على غير تعبية، فانهزم ~~بالناس، ونزل مقاتل بن مسمع فقاتل حتى قتل، وانهزم عبد العزيز، وأخذت ~~امرأته ابنة المنذر بن الجارود فأقيمت فيمن يزيد، فبلغت قيمتها مائة ألف، ~~فجاء رجل من قومها من رؤوس الخوارج فقال: تنحوا هكذا، ما أرى هذه المشركة ~~إلا قد فتنتكم! وضرب عنقها، ولحق بالبصرة، فرآه آل المنذر فقالوا: والله ما ~~ندري أنحمدك أم نذمك! فكان يقول: ما فعلته إلا غيره وحمية. وانتهى عبد ~~العزيز إلى رامهرمز، وأتى المهلب خبره، فأرسل إليه شيخا من الأزد وقال له: ~~إن كان منهزما فعزه. فأتاه الرجل فرآه نازلا في نحو ثلاثين فارسا كئيبا ~~حزينا، فأبلغه الرسالة، وعاد إلى المهلب بالخبر، فأرسل المهلب إلى أخيه ~~خالد بن عبد الله يخبره بهزيمته. فقال للرسول: كذبت. فقال: والله ما كذبت، ~~فإن كنت كاذبا فاضرب عنقي، وإن كنت صادقا فأعطني جبتك ومطرفك. فقال: قد ~~رضيت من الخطر العظيم بالخطر اليسير. وحبسه وأحسن إليه حتى صح خبر الهزيمة. ~~قال ابن قيس الرقيات في هزيمة عبد العزيز وفراره عن امرأته: عبد العزيز ~~فضحت جيشك كلهم ... وتركتهم صرعى بكل سبيل من ms1489 بين ذي عطش يجود بنفسه ... ~~وملحب بين الرجال قتيل هلا صبرت مع الشهيد مقاتلا ... إذ رحت منكث القوى ~~بأصيل وتركت جيشك لا أمير عليهم ... فارجع بعار في الحياة طويل ونسيت عرسك ~~إذ تقاد سبية ... تبكي العيون برنة وعويل PageV02P0269 # فكتب خالد إلى عبد الملك يخبره بذلك، فكتب إليه عبد الملك: قد عرفت ذلك ~~وسألت رسولك عن المهلب فأخبرني أنه عامل على الهواز، فقيح الله رأيك حين ~~تبعث أخاك أعرابيا من أهل مكة على القتال وتدع المهلب يجبي الخراج، وهو ~~الميمون النقيبة، المقاسي للحرب، ابنها وابن أبنائها، أرسل إلى المهلب ~~يستقبلهم، وقد بعثت إلى بشر بالكوفة ليمك بجيش، فسر معهم لا ولا تعمل في ~~عدوك برأي حتى يحضره المهلب، والسلام. وكتب عبد الملك إلى بشر أخيه بالكوفة ~~يأمره بإنفاذ خمسة آلاف مع رجل يرضاه لقتال الخوارج، فإذا قضوا غزوتهم ~~ساروا إلى الري فقاتلوا عدوهم وكانوا مسلحة فبعث بشر خمسة آلاف، وعليهم عبد ~~الرحمن بن محمد الأشعث، فكتب له عهدا على الري عند الفراغ من قتاله. وخرج ~~خالد بأهل البصرة حتى قدم الأهواز، وقدمها عبد الرحمن بن محمد فيأهل ~~الكوفة، وجاءت الأزارقة حتى دنوا من الأهواز، فقال المهلب لخالد: إني أرى ~~هاهنا سفنا كثيرة فضمها إليك فإنهم سيحرقونها، فلم يمض إلا ساعة حتى أرسلوا ~~إليها فأحرقوها. وجعل خالد المهلب على ميمنته، وعلى ميسرته داود بن قحذم من ~~بني قيس بن ثعلبة، ومر المهلب على عبد الرحمن بن محمد ولم يخندق عليه، ~~فقال: ما يمنعك من الخندق؟ فقال: هم أهون علي من ضرطة الجمل. قال: لا يهنوا ~~عليك فإنهم سباع العرب. ولم يبرح المهلب حتى خندق عبد الرحمن عليه، فأقاموا ~~نحوا من عشرين ليلة، ثم زحف خالد إليهم بالناس، فرأوا أمرا هالهم من كثرة ~~الناس، فكثرت عليهم الخيل وزحفت إليهم، فانصرفوا كأنهم على حامية وهم مولون ~~لا يرون طاقة بقتل جماعة الناس. فأرسل خالد داود بن قحذم في آثارهم، وانصرف ~~خالد إلى البصرة، وسار عبد الرحمن إلى الري، وأقام المهلب بالأهواز، وكتب ~~خالد إلى ms1490 عبد الملك بذلك. فلما وصل كتابه إلى عبد الملك كتب إلى أخيه بشر ~~يأمره أن يبعث أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة مع رجل بصير بالحرب إلى فارس ~~في طلب الأزارقة، ويأمر صاحبه بموافقة داود بن قحذم إن اجتمعا. فبعث بشر ~~عتاب بن ورقاء في أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة، فساروا حتى لحقوا داود ~~فاجتمعوا ثم ابتعوا الخوارج حتى علكت خيول عامتهم وأصابهم الجوع والجهد، ~~ورجع عامة الجيشين مشاة إلى الأهواز. وفي هذه السنة كان خروج أبي فديك ~~الخارجي، وهو من بني قيس بن ثعلبة، فغلب على البحرين وقتل نجدة بن عامر ~~الحنفي، فاجتمع على خالد بن عبد الله نزول قطري الأهواز وأمر أبي فديك، ~~فبعث أخاه أمية بن عبد الله في جند كثيف إلى أبي فديك، فهزمه أبو فديك وأخذ ~~جارية له فاتخذها لنفسه، فكتب خالد إلى عبد الملك بذلك. ### || AUT ذكر قتل عبد الله بن خازم # ولما قتل مصعب كان ابن خازم يقاتل بحير بن ورقاء الصريمي التميمي ~~بنيسابور، فكتب عبد الملك إلى ابن خازم يدعوه إلى البيعة له ويطعمه خراسان ~~سبع سنين، وأرسل الكتاب مع سوادة بن أشتم النميري، وقيل: مع مكمل الغنوي. ~~فقال ابن خازم: لولا أن أضرب بين بني سليم وبني عامر لقتلتك، ولكن كل كتابك ~~فأكله. وقيل: بل كان الكتاب مع سوادة بن عبيد الله النميري، وقيل: مع مكمل ~~الغنوي فقال له ابن خازم: إنما بعثك أبو الذبان لأنك من غني وقد علم أني لا ~~أقتل رجلا من قيس، ولكن كل كتابه. وكتب عبد الملك إلى بكير بن وشاح، وكان ~~خليفة ابن خازم على مرو، بعهده على خراسان، ووعده ومناه، فخلع بكير عبد ~~الله بن الزبير ودعا إلى عبد الملك، فأجابه أهل مرو، وبلغ ابن خازم فخاف أن ~~يأتيه بكير فيجتمع عليه أهل مرو وأهل نيسابور، فترك بحيرا وأقبل إلى مرو ~~ويزيد ابنه بترمذ، فاتبعه بحير فلحقه بقرية على ثمانية فراسخ من مرو، ~~فقاتله ابن خازم، فقتل ابن خازم؛ وكان الذي قتله وكيع ms1491 بن عمرو القريعي، ~~أعثر وكيع وبحير بن ورقاء وعمار بن عبد العزيز فطعنوه فصرعوه، وقعد وكيع ~~على صدره فقتله. فقال بعض الولاة لوكيع: كيف قتلته؟ قال: غلبته بفضل القنا، ~~فلما صرع قعدت على صدره، فلم يقدر أن يقوم، وقلت: يا لثارات دويلة! وهو أخو ~~كيع لأمه، قتل في بعض تلك الحروب. قال وكيع: فتنخم في وجهي وقال: لعنك ~~الله! أتقتل كبش مضر بأخيك وهو لا يساوي كفا من نوى؟ أو قال: من تراب. قال: ~~فما رأيت أكثر ريقا منه على تلك الحال عند الموت. PageV02P0270 # وبعث بحير ساعة قتل ابن خازم إلى عبد الملك يخبره بقتله، ولم يبعث ~~بالرأس، وبعث بحير بكير بن وشاح في أهل مرو فوافاهم حين قتل ابن خازم فأراد ~~أخذ الرأس وإنفاذه إلى عبد الملك، فمنعه بحير، فضربه بكير بعمود وحبسه وسير ~~الرأس إلى عبد الملك وكتب إليه يخبره أنه هو الذي قتله. فلما قدم الرأس دعا ~~عبد الملك برسول بحير وقال: ما هذا؟ قال: لا أدري، وما فارقت القوم حتى قتل ~~ابن خازم. وقيل: إن ابن خازم إنما قتل بعد قتل عبد الله بن الزبير، وإن عبد ~~الملك أنفذ إليه رأس ابن الزبير ودعاه إلى نفسه، فغسل الرأس وكفنه وبعثه ~~إلى أهله بالمدينة وأطعم الرسول الكتاب، وقال: لولا أنك رسول لقتلتك. وقيل: ~~بل قطع يديه ورجليه وقتله وحلف أن لا يطيع عبد الملك أبدا. " بحير بفتح ~~الباء الموحدة، وكسر الحاء المهملة " . ### || AUT ذكر عدة حوادث # كان العامل على المدينة طارقا لعبد الملك، وعلى الكوفة بشر بن مروان، ~~وعلى قضائها عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعلى البصرة خالد بن عبد الله، ~~وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان، في قول بعضهم: بكير بن وشاح، وفي ~~قول بعضهم: عبد الله بن خازم وفي هذه السنة مات عبيدة السلماني، وهو من ~~أصحاب علي. عبيدة بفتح العين، وكسر الباء الموحدة. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين # ### || AUT ذكر قتل عبد الله بن الزبير # لما بويع عبد الملك بالشام ms1492 بعث إلى المدينة عروة بن أنيف في ستة آلاف من ~~أهل الشام وأمره أن لا يدخل المدينة وأن يعسكر بالعرصة، وكان عامل عبد الله ~~بن الزبير على المدينة الحارث بن حاطب بن الحارث بن معمر الجمحي، فهرب ~~الحارث، وكان ابن أنيف يدخل ويصلي بالناس الجمعة ثم يعود إلى معسكره، فأقام ~~شهرا ولم يبعث إليهم ابن الزبير أحدا. وكتب إليه عبد الملك بالعود إليه، ~~فعاد هو ومن معه، وكان يصلي بالناس بعده عبد الرحمن بن سعد القرظي، ثم عاد ~~الحارث إلى المدينة، وبعث ابن الزبير سليمان بن خالد الرزقي الأنصاري، وكان ~~رجلا صالحا عاملا على خيبر وفدك، فنزل في عمله، فبعث عبد الملك عبد الواحد ~~بن الحارث بن الحكم، وقيل: اسمه عبد الملك، وهو أصح، في أربعة آلاف، فسار ~~حتى نزل وادي القرى وسير سرية عليها أبو القمقام في خمسمائة إلى سليمان، ~~فوجدوه قد هرب، فطلبوه فأدركوه فقتلوه ومن معه. فاغتم عبد الملك بن مروان ~~لقتله وقال: قتلوا رجلا مسلما صالحا بغير ذنب. وعزل ابن الزبير الحارث ~~واستعمل مكانه جابر بن الأسود بن عوف الزهري، فوجه جابر أبا بكر بن أبي قيس ~~في ستمائة فارس وأربعين فارسا إلى خيبر، فوجدوا أبا القمقام ومن معه مقيمين ~~بفدك يعسفون الناس فقاتلوهم، فانهزم أصحاب أبي القمقام وأسر منهم ثلاثون ~~رجلا فقتلوا صبرا. وقيل: بل قتل الخمسمائة أو أكثرهم. ووجه عبد الملك طارق ~~بن عمرو مولى عثمان وأمره أن ينزل بين أيلة ووادي القرى ويمنع عمال ابن ~~الزبير من الإنتشار ويسد خللا إن ظهر له. فوجه طارق إلى أبي بكر خيلا، ~~فاقتتلوا فأصيب أبو بكر في المعركة وأصيب من أصحابه أكثر من مائتي رجل. ~~وكان ابن الزبير قد كتب إلى القباع أيام كان عامله على البصرة يأمره أن ~~يرسل إليه ألفي فارس ليعينوا عامله على المدينة، فوجه إليه ألفي رجل، فلما ~~قتل أبو بكر أمر ابن الزبير جابر بن الأسود أن يسير جيش البصرة إلى قتال ~~طارق، فسار البصريون عن المدينة، وبلغ طارقا الخبر فسار ms1493 نحوه، فالتقيا، ~~فقتل مقدم البصريين وقتل أصحابه قتلا ذريعا، وطلب طارق مدبرهم وأجهز على ~~جريحهم ولم يستبق أسيرهم. ورجع طارق إلى وادي القرى، وكان عامل ابن الزبير ~~بالمدينة جابر بن الأسود، وعزل ابن الزبير جابرا واستعمل طلحة بن عبيد الله ~~بن عوف، الذي يعرف بطلحة الندى، سنة سبعين فلم يزل على المدينة حتى أخرجه ~~طارق. PageV02P0271 # فلما قتل عبد الملك مصعبا وأتى الكوفة وجه منها الحجاج بن يوسف الثقفي في ~~ألفين، وقيل: في ثلاثة آلاف، من أهل الشام لقتال عبد الله بن الزبير. وكان ~~السبب في تسييره دون غيره أنه قال لعبد الملك: قد رأيت في المنام أني أخذت ~~عبد الله بن الزبير فسلخته، فابعثني إليه وولني قتاله. فبعثه وكتب معه ~~أمانا لابن الزبير ومن معه إن أطاعوا، فسار في جمادى الأولي سنة اثنتين ~~وسبعين، ولم يعرض للمدينة، ونزل الطائف، وكان يبعث الخيل إلى عرفة ويبعث ~~ابن الزبير أيضا فيقتلون بعرفة فتنهزم خيل ابن الزبير في كل ذلك وتعود خيل ~~الحجاج بالظفر. ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في دخول الحرم وحصر ~~ابن الزبير ويخبره بضعفه وتفرق أصحابه ويستمده، فكتب عبد الملك إلى طارق ~~يأمره باللحاق بالحجاج، فقدم المدينة في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين، ~~وأخرج عامل ابن الزبير عنها وجعل عليها رجلا من أهل الشام اسمه ثعلبة، فكان ~~ثعلبة يخرج المخ وهو على منبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يأكل عليه ~~التمر لغيظ أهل المدينة، وكان مع ذلك شديدا على أهل الزبير، وقدم طارق على ~~الحجاج بمكة في سلخ ذي الحجة في خمسة آلاف. وأما الحجاج فإنه قدم مكة في ذي ~~القعدة وقد أحرم بحجة، فنزل بئر ميمون، وحج بالناس تلك السنة الحجاج، إلا ~~أنه لم يطف بالكعبة ولا سعى بين الصفا والمروة، منعه ابن الزبير من ذلك، ~~فكان يلبس السلاح ولا يقرب النساء ولا الطيب إلى أن قتل ابن الزبير، ولم ~~يحج ابن الزبير ولا أصحابه لأنهم لم يفوا بعرفة ولم يرموا الجمار، ونحر ابن ~~الزبير بدنة ms1494 بمكة. ولما حصر الحجاج ابن الزبير نصب المنجنيق على أبي قبيس ~~ورمى به الكعبة، وكان عبد الملك ينكر ذلك أيام يزيد بن معاوية ثم أمر به، ~~فكان الناس يقولون: خذل في دينه. وحج ابن عمر تلك السنة فأرسل إلى الحجاج: ~~أن اتق الله واكفف هذه الحجارة عن الناس فإنك في شهر حرام وبلد حرام وقد ~~قدمت وفود الله من أقطار الأرض ليؤدوا فريضة الله ويزدادوا خيرا، وإن ~~المنجنيق قد منعهم عن الطواف، فاكفف عن الرمي حتى يقضوا ما يجب عليهم بمكة. ~~فبطل الرمي حتى عاد الناس من عرفات وطافوا وسعوا، ولم يمنع ابن الزبير ~~الحاج من الطواف والسعي، فلما فرغوا من طواف الزيارة نادى منادي الحجاج: ~~انصرفوا إلى بلادكم فإنا نعود بالحجارة على ابن الزبير الملحد. وأول ما رمي ~~بالمنجنيق إلى الكعبة رعدت السماء وبرقت وعلا صوت الرعد على الحجارة، فأعظم ~~ذلك أهل الشام وأمسكوا أيديهم، فأخذ الحجاج حجر المنجنيق بيده فوضعه في ~~ورمى به معهم، فلما أصبحوا جاءت الصواعق فقتلت من أصحابه اثني عشر رجلا، ~~فانكسر أهل الشام، فقال الحجاج: يا أهل الشام لا تنكروا هذا، فإني ابن ~~تهامة وهذه صواعقها وهذا الفتح قد حضر فأبشروا. فلما كان الغد جاءت الصاعقة ~~فأصابت من أصحاب ابن الزبير عدة، فقال الحجاج: ألا ترون أنهم يصابون وأنتم ~~على الطاعة وهم على خلافها؟ وكان الحجر يقع بين يدي ابن الزبير وهو يصلي ~~فلا ينصرف، وكان أهل الشام يقولون: يا ابن الزبير طالما عصيكا ... وطالما ~~عنيتنا إليكا لتجزين بالذي أتيكا يعنون: عصيت وأتيت. وقدم عليه قوم من ~~الأعراب فقالوا: قدمنا للقتال معك، فنظر فإذا مع كل امرئ منهم سيف كأنه ~~شفرة وقد خرج من غمده، فقال: يا معشر الأعراب لا قربكم الله! فوالله إن ~~سلاحكم لرث، وإن حديثكم لغث؛ وإنكم لقتال في الجدب، أعداء في لخصب. فتفرقوا ~~ولم يزل القتال بينهم دائما، فغلت الأسعار عند ابن الزبير وأصاب الناس ~~مجاعة شديدة حتى ذبح فرسه وقسم لحمها في أصحابه، وبيعت الدجاجة بعشرة ~~دراهم، والمد الذرة ms1495 بعشرين درهما، وإن بيوت ابن الزبير لمملوءة قمحا وشعيرا ~~وذرة وتمرا، وكان أهل الشام ينتظرون فناء ما عنده، وكان يحفظ ذلك ولا ينفق ~~منه إلا ما يمسك الرمق، ويقول: أنفس أصحابي قوية ما لم يفن. فلما كان قبيل ~~مقتله تفرق الناس عنه وخرجوا إلى الحجاج بالأمان، خرج من عنده نحو عشرة ~~آلاف، وكان ممن فارقه ابناه حمزة وخبيب، وأخذا لأنفسهما أمانا، فقال عبد ~~الله لابنه الزبير: خذ لنفسك أمانا كما فعل أخواك، فو الله إني لأحب ~~بقاءكم. فقال ما كنت لأرغب بنفسي عنك. فصبر معه فقتل. PageV02P0272 # ولما تفرق أصحابه عنه خطب الحجاج الناس وقال: قد ترون قلة من مع ابن ~~الزبير وماهم عليه من الجهد والضيق. ففرحوا واستبشروا فتقدموا فملأوا ما ~~بين الحجون إلى الأبواء. فدخل على أمه فقال: يا أماه قد خذلني الناس حتى ~~ولدي وأهلي ولم يبق معي إلا اليسير ومن ليس عنده أكثر من صبر ساعة، والقوم ~~يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم ~~أنك على حق وإليه تدعو فامض له فقد قتل عليه أصحابك ولا تمكن من رقبتك ~~يتلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت ~~نفسك ومن قتل معك، وإن قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت فهذا ليس فعل ~~الأحرار ولا أهل الدين، كم خلودك في الدنيا! القتل أحسن! فقال: يا أماه ~~أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني. قالت: يا بني إن الشاة لا ~~تتألم بالسلخ إذا ذبحت، فامض على بصيرتك واستعن بالله. فقبل رأسها وقال: ~~هذا رأيي والذي قمت به داعيا إلى يومي هذا ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت ~~الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله وأن تستحل حرماته، ولكني ~~أحببت أن أعلم رأيك، فقد زدتني بصيرة، فانظري يا أماه فإني مقتول في يومي ~~هذا فلا يشتد حزنك وسلمي الأمر إلى الله، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر ولا ~~عملا بفاحشة، ولم يجر ms1496 في حكم الله، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم ~~أو معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به بل أنكرته، ولم يكن شيء آثر ~~عندي من رضا ربي، اللهم لا أقول هذا تزكية لنفسي ولكني أقوله تعزية لأمي ~~حتى تسلو عني! فقالت أمه: غني لأرجو أن يكون عزائي فيك جميلا، إن تقدمتني ~~احتسبتك، وإن ظفرت سررت بظفرك، أخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك. فقال: جزاك ~~الله خيرا، فلا تدعي الدعاء لي. قالت: لا أدعه لك أبدا، فمن قتل على باطل ~~فقد قتت على حق. ثم قالت: اللهم ارحم طول ذاك القيام في الليل الطويل وذلك ~~النحيب والظمأ في هواجر مكة والمدينة وبره بأبيه وبي! اللهم قد سلمته لأمرك ~~فيه ورضيت بما قضيت فأثبني فيه ثواب الصابرين الشاكرين! فتناول يديها ~~لقبلهما فقالت: هذا وداع فلا تبعد. فقال لها: جئت مودعا لأني أرى هذا آخر ~~أيامي من الدنيا. قالت: امض على بصيرتك وادن مني حتى أودعك. فدنا منها ~~فعانقها وقبلها، فوقعت يدها على الدرع فقالت: ما هذا صنيع من يريد ما تريد. ~~فقال: مالبسته إلا لأشد منك. قالت: فإنه لا يشد مني، فنزعها ثم درج كمية ~~وشد أسفل قميصه وجبة خز تحت أثناء السراويل وادخل أسفلها تحت المنطقة وأمه ~~تقول له: البس ثيابك مشمرة. فخرج وهو يقول: إني إذا أعرف يومي أصبر ... ~~وإنما يعرف يومه الحر إذ بعضهم يعرف ثم ينكر فسمعته فقالت: تصبر إن شاء ~~الله، أبواك أبو بكر والزبير، وأمك صفية بنت عبد المطلب. فحمل على أهل ~~الشام حملة منكرة فقتل منهم ثم انكشف هو وأصحابه، وقال له بعض أصحابه: لو ~~لحقت بموضع كذا. قال: بئس الشيخ أنا إذا في الإسلام لئن أوقعت قوما فقتلوا ~~ثم فررت عن مثل مصارعهم. ودنا أهل الشام حتى امتلأت منهم الأبواب، وكانوا ~~يصيحون به: يا ابن ذات النطاقين، فيقول: وتلك شكاة ظاهر عنك عارها وجعل أهل ~~الشام على أبواب المسجد رجلا من أهل كل بلد، لكان لأهل حمص الباب الذي ~~يواجه ms1497 باب الكعبة، ولأهل دمشق باب بني تميم، وكان الحجاج وطارق من ناحية ~~الأبطح إلى المروة، فمرة يحمل ابن الزبير في هذه الناحية ومرة في هذه ~~الناحية ومرة في هذه الناحية، فكأنه أسد في أجمة ما يقدم عليه الرجال يعدو ~~في أثر القوم حتى يخرجهم، ثم يصيح: أبا صفوان! ويل أمه فتحا لو كان له رجال ~~أو كان قرني واحدا كفيته! فيقول أبو صفوان عبد الله بن صفوان بن أمية بن ~~خلف: إي والله وألف. PageV02P0273 # فلما رأى الحجاج أن الناس لا يقدمون على ابن الزبير غضب وترجل وأقبل يسوق ~~الناس ويصمد بهم صمد صاحب علم ابن الزبير وهو بين يديه. فتقدم ابن الزبير ~~على صاحب علمه وضاربهم وانكشفوا، وعرج وصلى ركعتين عند المقام، فحملوا على ~~صاحب علمه فقتلوه عند باب بني شيبة وصار العلم بأيدي أصحاب الحجاج. فلما ~~فرغ من صلاته تقدم فقاتل بغير علم فضرب رجلا من أهل الشام وقال: خذها وأنا ~~ابن الحواري! وضرب آخر، وكان حبشيا، فقطع يده وقال: اصبر أبا حمدة، اصبر ~~ابن حام. وقاتل معه عبد الله بن مطيع وهو يقول: أنا الذي فررت يوم الحره ~~... والحر لا يفر إلا مره واليوم أجزي فرة بكره وقاتل حتى قتل، وقيل: إنه ~~أصابته جراح فمات منها بعد أيام. وقال ابن الزبير لأصحابه وأهله يوم قتل ~~بعد صلاة الصبح: اكشفوا وجوهكم حتى أنظر إليكم، وعليهم لمغافر. ففعلوا. ~~فقال: يا آل الزبير لو طبتم بي نفسا عن أنفسكم كنا أهل بيت من العرب ~~اصطلحنا في الله، فلا يرعكم وقع السيوف، فإن ألم الدواء للجراح أشد من ألم ~~وقعها، صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم، غضوا أبصاركم من البارقة وليشغل كل ~~امرئ قرنه ولا تسألوا عني، فمن كان سائلا عني فإني في الرعيل الأول، احملوا ~~على بركة الله. ثم حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجون، فرمي بآجرة، رماه رجل من ~~السكون، فأصابته في وجهه فأرعش لها ودمي وجهه، فلما وجد الدم على وجهه قال: ~~فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا ms1498 تقطر الدما وقاتلهم ~~قتالا شديدا، فتعاوروا عليه فقتلوه يوم الثلاثاء من جمادى الآخرة وله ثلاث ~~وسبعون سنة، وتولى قتله رجل من مراد، وحمل رأسه إلى الحجاج فسجد ووفد ~~السكوني والمرادي إلى عبد الملك بالخبر، فأعطى كل واحد منهما خمسمائة ~~دينار. وسار الحجاج طارق وطارق حتى وقفا عليه، فقال طارق: ما ولدت النساء ~~أذكر من هذا. فقال الحجاج: أتمدح مخالف أمير المؤمنين؟ قال: نعم هو أعذر ~~لنا، ولولا هذا لما كان لنا عذر، غنا محاصروه منذ سبعة أشهر وهو في غير جند ~~ولا حصن ولا منعة فينتصف منا بل يفضل علينا. فبلغ كلامهما عبد الملك فصوب ~~طارقا. ولما قتل ابن الزبير كبر أهل الشام فرحا بقتله، فقال ابن عمر: ~~انظروا إلى هؤلاء ولقد كبر المسلمون فرحا بولادته وهؤلاء يكبرون فرحا ~~بقتله. وبعث الحجاج برأسه ورأس عبد الله بن صفوان ورأس عمارة بن عمرو بن ~~حزم إلى المدينة ثم ذهب بها إلى عبد الملك بن مروان وأخذ جثته فصلبها على ~~الثنية اليمنى بالحجون. فأرسلت إليه فكتب إليه يلومه ويقول: ألا خليت بينه ~~وبين أمه! فأذن لها الحجاج فدفنته بالحجون، فمر به عبد الله بن عمر فقال: ~~السلام عليك يا أبا خبيب! أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا ولقد كنت صواما ~~قواما وصولا للرحم، أما والله إن قوما أنت شرهم لنعم القوم. وكان ابن ~~الزبير قبل قتله بقي أياما يستعمل الصبر والمسك لئلا ينتن، فلما صلب ظهرت ~~منه رائحة المسك، فقيل: إن الحجاج صلب معه كلبا ميتا فغلب على ريح المسك، ~~وقيل: بل صلب معه سنورا. ولما قتل عبد الله ركب أخوه عروة ناقة لم ير مثلها ~~فسار إلى عبد الملك فقدم الشام قبل وصول رسل الحجاج بقتل عبد الله، فأتى ~~باب عبد الملك فاستأذن عليه فأذن له، فلما دخل سلم عليه بالخلافة، فرد عليه ~~عبد الملك ورحب به وعانقه وأجلسه على السرير، فقال عروة: متت بأرحام إليك ~~قريبة ... ولا قرب للأرحام ما لم تقرب ثم تحدثا حتى جرى ذكر عبد الله، ms1499 فقال ~~عروة: إنه كان، فقال عبد الملك: وما فعل؟ قال: قتل، فخر ساجدا، فقال عروة: ~~إن الحجاج صلبه فهب جثته لأمه. قال: نعم، وكتب إلى الحجاج يعظم صلبه. وكان ~~الحجاج لما فقد عروة كتب إلى عبد الملك يقول له: عن عروة كان مع أخيه، فلما ~~قتل عبد الله أخذ مالا من مال الله فهرب. فكتب إليه عبد الملك: إنه لم يهرب ~~ولكنه أتاني مبايعا وقد آمنته وحللته مما كان، وهو قادم عليك فإياك وعروة. ~~وعاد عروة إلى مكة وكانت غبيته عنها ثلاثين يوما. فأنزل الحجاج جثة عبد ~~الله عن الخشبة بعث به إلى أمه، فغسلته، فلما أصابه الماء تقطع، فغسلته ~~عضوا عضوا فاستمسك، وصلى عليه عروة، فدفنته. PageV02P0274 # وقيل: إن عروة لما كان غائبا عند عبد الملك كتب إليه الحجاج وعاوده في ~~إنفاذ عروة إليه، فهم عبد الملك بإنفاذه، فقال عروة: ليس الذليل من قتلتموه ~~ولكن الذليل من ملكتمخوه، وليس بملوم من صبر فمات، ولكن الملوم من فر من ~~الموت. فسمع مثل هذا الكلام فقال عبد الملك: يا أباعبد الله لن تسمع منا ~~شيئا تكرهه. وإن عبد الله لم يصل عليه أحد، منع الحجاج من الصلاة عليه، ~~وقال: غنما أمر أمير المؤمنين بدفنه، وقيل: صلى عليه غير عروة، والذي ذكره ~~مسلم في صحيحه: إن عبد الله بن الزير ألقي في مقابر اليهود، وعاشت أمه بعده ~~قليلا وماتت، وكانت قد أضرت، وهي أم عروة أيضا . فلما فرغ الحجاج من أمر ~~ابن الزبير دخل مكة فبايعه أهلها لعبد الملك ابن مروان، وأمر بكنس المسجد ~~الحرام من الحجارة والدم، وسار إلى المدينة، وكان عبد الملك قد استعمله على ~~مكة والمدينة، فلما قدم المدينة أقام بها شهرا أو شهرين فأساء إلى أهلها ~~واستخف بهم وقال: أنتم قتلة أمير المؤمنين عثمان، وختم أيدي جماعة من ~~الصحابة بالرصاص استخفافا بهم كما يفعل بأهل الذمة، منهم جابر بن عبد الله ~~وأنس بن مالك وسهل بن سعد، ثم عاد إلى مكة، فقال حين خرج منها: الحمد الله ~~الذي أخرجني ms1500 من أم نتن، أهلها أخبث بلد وأغشه لأمير المؤمنين وأحسدهم له ~~على نعمة الله، والله لو ما كنت تأتيني كتب أمير المؤمنين فيهم لجعلتها مثل ~~جوف الحمار أعوادا يهودون بها ورمة قد بليت، يغلون منبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، وقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فبلغ جابر بن عبد الله ~~قوله فقال: إن وراءه ما يسوءه، قد قال فرعون ما قال ثم أخذه الله بعد أن ~~أنظره. وقيل: إن ولاية الحجاج المدينة وما فعله بأصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، كان سنة أربع وسبعين في صفر. خبيب بن عبد الله بن الزير بضم ~~الخاء المعجمة، وببائين موحدتين بينهما ياء مثناه من تحت، وكان عبد الله ~~يكنى به ويأبي بكر أيضا. ### || AUT ذكر عمر ابن الزبير وسيرته # كان له من العمر حين قتل اثنتان وسبعون سنة، وكانت خلافته تسع سنين، لنه ~~بويع له سنة أربع وستين، وكانت له جمة مفروقة طويلة. قال يحيى بن وثاب: كان ~~ابن الزير إذا سجد وقعت العصافير على ظهره تظنه حائطا لسكونه وطول سجوده. ~~وقال غيره: قسم عبد الله الدهر ثلاث حالات: فليلة قائم حتى الصباح، وليلة ~~راكع حتى الصباح، وليلة ساجد حتى الصباح. وقيل: أول ما علم من همة ابن ~~الزير أنه كان ذات يوم يلعب مع الصبيان وهو صبي فمر به رجل فصاح عليهم ~~ففروا، ومشى ابن الزبير القهقري وقال: يا صبيان اجعلوني أميركم وشدوا بنا ~~عليه، ففعلوا. ومر به عمر بن الخطاب وهو يلعب ففر الصبيان ووقف هو، فقال له ~~عمر: ما لك لم تفر معهم؟ فقال: لم أجرم فأخافك، ولم تكن الطريق ضيقة فأوسع ~~لك. وقال قطن بن عبد الله: كان ابن الزبير يواصل من الجمعة إلى الجمعة. قال ~~خالد بن أبي عمران: كان ابن الزبير يفطر في الشهر ثلاثة أيام، ومكث أربعين ~~سنة لم ينزع ثيابه عن ظهره. وقال مجاهد: لم يكن باب من أبواب العبادة يعجز ~~عنه الناس إلا تكلفه ابن الزبير، ولقد جاء سيل طبق ms1501 البيت فجعل ابن الزير ~~يطوف سباحة. قال هشام بن عروة: كان أول ما أفصح به عمي عبد الله بن الزبير ~~وهو صغير السيف، فكان لا يضعه من يده، فكان الزبير يقول: والله ليكونن لك ~~منه يوم وأيام. قال ابن سيرين: قال ابن الزبير: ما شيء كان يحدثنا به كعب ~~إلا وقد جاء على ما قال إلا قوله: فتى ثقيف يقتلني وهذا رأسه بين يدي، يعني ~~المختار، قال ابن سيرين: ولا يشعر ابن الزيبر أن الحجاج قد خبئ له. وقال ~~عبد العزيز بن أبي جميلة الأنصاري: إن ابن عمر مر بابن الزير وهو مصلوب بعد ~~قتله فقال: رحمك الله أبا خبيب! إنك كنت لصواما قواما، ولقد أفلحت قريش إن ~~كنت شرها. PageV02P0275 # وكان الحجاج قد صلبه ثم ألقاه في مقابر اليهود وأرسل إلى أمه يستحضرها، ~~فلم تحضر، فأرسل إليها: لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك، فلم تأته، ~~فقام إليها. فلما حضر قال لها: كيف رأيتني صنعت بعبد الله؟ قالت: رأيتك ~~أفسدت على ابني دنياه وأفسد عليك آخرتك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، حدثنا أن: في ثقيف كذابا ومبيرا، فأما الكذاب فقد رأيناه، تعني المختار، ~~وأما المبير فأنت هو. وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه. وقال أبن الزبير ~~لعبد الله بن جعفر: أتذكر يوم لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنا ~~وأنت فأخذ ابني فاطمة؟ فقال: نعم فحملنا وتركك، ولو علم أنه يقول له هذا ما سأله. ### || AUT ذكر ولاية محمد بن مروان الجزيرة # ### || AUT وأرمينية # وفي هذه السنة استعمل عبد الملك أخاه محمدا على الجزيرة ### || AUT وأرمينية # فغزا منها وأثخن في العدو، وكانت بحيرة الطريخ التي بأرمينية مباحة لم ~~يعرض لها أحد بل يأخذ منها من شاء، فمنع من صيدها وجعل عليها من يأخذه ~~ويبيعه ويأخذ ثمنه، ثم صارت بعده لابنه مروان، ثم أخذت منه لما انتقلت ~~الدولة عنهم، وهي إلى الآن على هذه الحال من لحجر، ومن سن سنة سيئة كان ~~عليها وزرها ووزر من عمل ms1502 بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم ~~شيء. وهذا الطريخ من عجائب الدنيا لأن سمكه صغير له كل سنة موسم يخرج من ~~هذه البحيرة في نهر يصب إليها كثيرا يؤخذ بالأيدي والآلات المصنوعة له، ~~فإذا انقض موسمه لا يوجد منه شيء. ### || AUT ذكر قتل أبي فديك الخارجي # قد ذكرنا سنة اثنتين وسبعين قتل نجدة بن عامر الخارجي وطاعة أصحابه أبا ~~فديك، وثبت قدم أبي فديك إلى الآن، فأمر عبد الملك بن مروان عمر بن عبيد ~~الله بن معمر أن يندب الناس من أهل الكوفة والبصرة ويسير إلى قتاله، فندبهم ~~وانتدب معه عشرة آلاف، فأخرج لهم أرزاقهم، ثم سار بهم، وجعل أهل الكوفة على ~~الميمنة وعليهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، وأهل البصرة على ~~الميسرة وعليهم عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر، وهو ابن أخي عمر، وجعل ~~خيله في القلب، وساروا حتى انتهوا إلى البحرين فالتقوا واصطفوا للقتال، ~~فحمل أبو فديك وأصحابه حملة رجل واحد فكشفوا ميسرة عمر حتى أبعدوا إلا ~~المغيرة بن الملهب ومجاعة بن عبد الرحمن وفرسان الناس، فإنهم مالوا إلى صف ~~أهل الكوفة بالميمنة، وجرح عمر بن موسى. فلما رأى أهل الميسرة أهل الميمنة ~~لم ينهزموا رجعوا وقاتلوا وما عليهم أمير لأن أميرهم عمر بن موسى جريحا، ~~فحملوه معهم، واشتد قتالهم حتى دخلوا عسكر الخوارج، وحمل أهل الكوفة من ~~الميسرة حتى استباحوا عسكرهم وقتلوا أبا فديك وحصروا أصحابه بالمشقر فنزلوا ~~على الحكم، فقتل منهم نحو ستة آلاف وأسر ثمانمائة، ووجدوا جارية عبد الله ~~بن أمية حبلى من أبي فديك، وعادوا إلى البصرة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل عبد الملك خالد بن عبد الله عن البصرة وولاها أخاه ~~بشرا، في قول بعضهم، فاجتمع له المصران الكوفة والبصرة، فسار بشر إلى ~~البصرة واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث. وفيها غزا محمد بن مروان الروم ~~صائفة فهزمهم. وفيها كانت وقعة عثمان بن الوليد بالروم من ناحية أرمينية في ~~أربعة آلاف ms1503 والروم في ستين ألفا، فهزمهم وأكثر القتل فيهم. وحج بالناس هذه ~~السنة الحجاج، وكان على مكة واليمن واليمامة. وكلن على الكوفة والبصرة في ~~قول بعضهم بشر بن مروان، وقيل: كان على الكوفة بشر، وعلى البصرة خالد بن ~~عبد الله، وعلى قضاء الكوفة شريح بن عبد الحارث، وعلى قضاء البصرة هشام بن ~~هبيرة، وعلى خراسان بكير بن وشاح. وفي هذه السنة مات عبد الله بن عمر بمكة ~~ودفن بذي طوى، وقيل بفخ، وكان سبب موته أن الحجاج أمر بعض أصحابه فضرب ظهر ~~قدمه بزج رمح مسموم فمات منها، وعاد الحجاج في مرضه، فقال: من فعل بك هذا؟ ~~قال: أنت لأنك أمرت بحمل السلاح في بلد لا يحل حمله فيه. وكان موته بعد ابن ~~الزبير بثلاثة أشهر، وقيل غير ذلك، وكلن عمره سبعا وثمانين سنة. وفيها مات ~~سلمة بن الأكوع. وأبو سعيد الخدري، ورافع بن خديج. ومالك بن مسمع أبو غسان ~~البكري، وقيل: مات سنة أربع وستين، وولد على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم PageV02P0276 # وتوفي سلم بن زياد بن أبيه قبل بشر بن مروان. وأسماء بنت أبي بكر بعد ~~ابنها توطأ أمه، فطلقها. وفيها مات عوف بن مالك الأشجعي، وكان أول مشاهده ~~خيبر. ومعاوية بن حديج قبل ابن عمر بيسير. وفيها مات معبد بن خالد الجهني ~~وهو ابن ثمانين سنة، وله صحبة. وفيها قتل عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله ~~مع ابن الزبير، وهو ابن أخي طلحة بن عبيد الله، وله صحبة. رافع بن خديج ~~بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة. ومعاوية بن حديج بضم الحاء، وفتح ~~الدال المهملتين، وآخره جيم. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وسبعين # وفي هذه السنة عزل عبد الملك طارقا عن المدينة واستعمل عليها الحجاج، ~~فأقام بها شهرا وفعل بالصحابة ما تقدم ذكره، وخرج عنها معتمرا. وفيها هدم ~~الحجاج بناء الكعبة الذي كان ابن الزبير بناه وأعادها إلى البناء الأول ~~وأخرج الحجر منها، وكان عبد الملك يقول: كذب ابن الزبير على عائشة في أن ~~الحجر ms1504 من اليت، فلما قيل له: قال غير ابن الزبير إنها روت ذلك عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، قال: وددت إني تركته وما يحمل. وفيها استقضى عبد ~~الملك أبا إدريس الخولاني. ### || AUT ذكر ولاية المهلب حرب الأزارقة # لما استعمل عبد الملك بشرا على البصرة سار إليها، فأتاه كتاب عبد الملك ~~بأمره أن يبعث المهلب إلى حرب الأزراقة في أهل البصرة ووجوههم، وكان ينتخب ~~منهم من أراد أن يتركه وراءه في الحرب، وأمره أن يبعث من أهل الكوفة رجلا ~~شريفا بالبأس والنجدة والتجربة في جيش كثيف إلى المهلب، وأمرهم أن يتبعوا ~~الخوارج أين كانوا حتى يهلكوهم. فأرسل المهلب جديع بن سعيد بن قبيصة، وأمره ~~أن ينتخب الناس من الديوان، وشق على بشر أن إمرة المهلب جاءت من عبد الملك ~~فأوغرت صدره عليه حتى كأنه أذنب إليه، فدعا عبد الرحمن بن مخنف فقال له: قد ~~عرفت منزلتك عندي، وقد رأيت أن أوليك هذا الجيش الذي أسيره من الكوفة للذي ~~عرفته منك، فكن عند أحسن ظني بك وانظر إلى هذا الكذا كذا، يقع في المهلب، ~~فاستبد عليه بالأمر ولا تقبلن له مشورة ولا رأيا وتنقصه. قال عبد الرحمن: ~~فترك أن يوصيني بالجيش وقتال العدو والنظر لأهل الإسلام وأقبل يغريني بابن ~~عمي كأني من السفهاء، ما رأيت شخصا مثلي طمع منه في مثل هذا، قال: فلما رأى ~~أني لست بنشيط إلى جوابه قال لي: مالك؟ قلت: أصلحك الله، وهل يسعني إلا ~~إنفاذ أمرك فيما أحببت وكرهت! وسار المهلب حتى نزل رامهرمز فلقي بها ~~الخوارج فخندق عليه، وأقبل عبد الرحمن في أهل الكوفة ومعه بشر بن جرير ~~ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس وإسحاق بن محمد بن الأشعث وزحر بن قيس، ~~فسار حتى نزل على ميل من المهلب حيث يتراءى العسكران برامهرمز، فلم يلبث ~~العسكر إلا عشرا حتى أتاهم نعي بشر بن مروان، توفي بالبصرة، فتفرق ناس كثير ~~من أهل البصرة وأهل الكوفة، واستخلف بشر على البصرة خالد بن عبد الله بن ms1505 ~~خالد، وكان خليفته على الكوفة عمرو بن حريث. وكان الذين انصرفوا من أهل ~~الكوفة زحر بن قيس وإسحاق بن الأشعث ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد فأتوا ~~الهواز، فاجتمع بها ناس كثير، فبلغ ذلك خالد بن عبد الله، فكتب إليهم ~~يأمرهم بالرجوع إلى المهلب ويهددهم إن لم يفعلوا بالضرب والقتل، ويحذرهم ~~عقوبة عبد الملك، فلما قرأ الرسول من الكتاب عليهم سطرا أو سطرين قال زحر: ~~أوجز، فلما فرغ من قراءته لم يلتفت الناس إليه، وأقبل زحر ومن معه حتى ~~نزلوا إلى جانب الكوفة وأرسلا إلى عمرو بن حريث. وكان الذين انصرفوا من أهل ~~الكوفة زحر بن قيس وإسحاق بن محمد بن الأشعث ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد ~~فأتوا الأهواز، فاجتمع بها ناس كثير، فبلغ ذلك خالد بن عبد الله، فكتب ~~إليهم يأمرهم بالرجوع إلى المهلب ويهددهم إن لم يفعلوا بالضرب والقتل، ~~ويحذرهم عقوبة عبد الملك، فلما قرأ الرسول من الكتاب عليهم سطرا أو سطرين ~~قال زحر: أوجز، فلما فرغ من قراءته لم يلتفت الناس إليه، وأقبل زحر ومن معه ~~حتى نزلوا إلى جانب الكوفة وأرسلا إلى عمرو بن حريث: إن النفر لما بلغهم ~~وفاة الأمير تفرقوا فأقبلنا إلى مصر وأحببنا أن لا ندخل إلا بإذن الأمير. ~~فكتب إليهم ينكر عليهم عودهم ويأمرهم بالرجوع إلى المهلب، ولم يأذن لهم في ~~دخول الكوفة، فانتظروا الليل ثم دخلوا إلى بيوتهم فأقاموا حتى قدم الحجاج ~~أميرا. PageV02P0277 ### || AUT ذكرعزل بكير عن خراسان # ### || AUT وولاية أمية بن عبد الله بن خالد # في هذه السنة عزل عبد الملك بكير بن وشاح عن خراسان وولاها أمية بن عبد ~~الله بن خالد بن أسيد، وكانت ولاية بكير سنتين. وكان سبب عزله أن تميما ~~اختلفت بها فصارت مقاعس والبطون يتعصبون لبحير، ويطلبون بكيرا، وصارت أوف ~~والأنبياء يتعصبون لبكير، وكل هذه بطون من بني تميم، فخاف أهل خراسان أن ~~تعود الحرب وتفسد البلاد ويقهرهم المشركون، فكتبوا إلى عبد الملك بذلك ~~وأنها لا تصلح إلا على رجل من قريش لا يحسدونه ms1506 ولايتعصبون عليه، فاستشار ~~عبد الملك فيمن يوليه، فقال أمية: يا أمير المؤمنين تداركهم برجل منك. قال: ~~لولا انهزامك عن أبي فديك كنت لها. قال: يا أمير المؤمنين، والله ما انهزمت ~~حتى خذلني الناس ولم أجد مقاتلا، فرأيت أن انحيازي إلى فئة أفضل من تعريضي ~~عصبة بقيت من المسلمين للهلكة، وقد كتب إليك خالد بن عبد الله بعذري، وقد ~~علم الناس ذلك. فولاه خراسان. وكان عبد الملك يحبه، فقال الناس: ما رأينا ~~أحدا عوض من هزيمة ما عوض أمية. فلما سمع بكير بمسيرة أرسل إلى بحير، وهو ~~في حبسه، وقد تقدم ذكر ذلك في مقتل ابن خازم، يطلب منه الصلح، فامتنع بحير ~~وقال: ظن بكير أن خراسان تبقى له في الجماعة. ومشت السفراء بينهم، فأبى ذلك ~~بحير، فدخل عليه ضرار بن حصين الضبي فقال: أراك أحمق! يرسل إليك ابن عمك ~~يعتذر إليك وأنت أسيره والسيف بيده ولو قتلك ما حبقت فلا تقبل منه! اقبل ~~الصلح واخرج وأنت على رأس أمرك. فقبل منه وصالح بكيرا، فأرسل إليه بكير ~~بأربعين ألفا وأخذ عليه ألا يقاتله، وخرج بحير فأقام يسأل عن مسير أمية، ~~فلما بلغه أنه قد قارب نيسابور سار إليه ولقيه بها فأخبره عن خراسان وما ~~يحسن به طاعة أهلها ورفع على بكير أموالا أخذها وحذره غدره وسار معه حتى ~~قدم مرو، وكان أمية كريما، ولا يعرض لبكير ولا لعماله، وعرض عليه شرطته ~~فأبى، فولاها بحير بن ورقاء، فلام بكيرا رجال من قومه، فقال: كنت بالأمس ~~أميرا تحمل الحراب بين يدي فأصير اليوم أحمل الحربة! ثم خير أمية بكيرا أن ~~يوليه ما شاء من خراسان، فاختار طخارستان، قال: فتجهز لها، فأنفق مالا ~~كثيرا. فقال بحير لأمية: عن أتى طخارستان خلعك، وحذره فلم يوله. أسيد بفتح ~~الهمزة، وكسر السين. وبحير بفتح الباء الموحدة، وكسر الحاء. ### || AUT ذكر ولاية عبد الله بن أمية سجستان # لما وصل أمية بن عبد الله إلى كرمان استعمل ابنه عبد الله على سجستان، ~~فلما قدمها غزا رتبيل الذي ملك بعد ms1507 المقتول الأول، وكان رتبيل هائبا ~~للمسلمين، فلما وصل عبد الله إلى بست أرسل رتبيل يطلب الصلح وبذل ألف ألف، ~~وبعث إليه بهدايا ورقيق، فأبى عبد الله قبول ذلك وقال: إن ملأ لي هذا ~~الرواق ذهبا وإلا فلا صلح. وكان غرا، فخلى له رتبيل البلاد حتى أوغل فيها ~~وأخذ عليه الشعاب والمضايق، وطلب أن يخلي عنه وعن المسلمين ولا يأخذ منه ~~شيئا، فأبى رتبيل وقال: بل يأخذ ثلاثمائة ألف درهم صلحا ويكتب لنا به كتابا ~~ولا يغزو بلادنا ما كنت أميرا ولا يحرق ولا يخرب. ففعل، وبلغ ذلك عبد الملك فعزله. ### || AUT ذكر ولاية حسان بن النعمان إفريقية # قد ذكرنا ولاية زهير بن قيس سنة اثنتين وستين، وكان قتله سنة تسع وستين، ~~فلما علم عبد الملك قتله عظم عليه وعلى المسلمين وأهمه ذلك، وشغله عن ~~إفريقية ما كان بينه وبين ابن الزبير، فلما قتل ابن الزبير واجتمع المسلمون ~~عليه جهز جيشا كثيرا واستعمل عليهم وعلى إفريقية حسان بن النعمان الغساني ~~وسيرهم إليها في هذه السنة، فلم يدخل إفريقية قط جيش مثله. فلما ورد ~~القيروان تجهز منها وسار إلى قرطاجنة، وكان صاحبها أعظم ملوك إفريقية، ولم ~~يكن المسلمون قط حاربوها، فلما وصل إليها رأى بها من الروم والبربر مالا ~~يحصى كثرة، فقتلهم وحصرهم وقتل منهم كثيرا، فلما رأوا ذلك اجتمع رأيهم على ~~الهرب، فركبوا في مراكبهم وسار بعضهم إلى صقلية وبعضهم إلى الأندلس، ودخلها ~~حسان بالسيف فسبى ونهب وقتلهم قتلا ذريعا وأرسل الجيوش فيما حولها، فأسرعوا ~~إليه خوفا، فأمرهم فهدموا من قرطاجنة ما قدروا عليه. PageV02P0278 # ثم لاغه أن الروم والبربر قد اجمعوا له في صطفورة وبنزرت، وهما مدينتان، ~~فسار إليهم وقاتلهم ولقي منهم شدة وقوة، فصبر لهم المسلمون، فانهزمت الروم ~~وكثر اقتل فيهم واستولوا على بلادهم، ولم يترك حسان موضعا من بلادهم إلا ~~وطئة، وخافه أهل إفريقية خوفا شديدا، ولجأ المنهزمون من الروم إلى مدينة ~~باجة فتحصنوا بها، وتحصن البربر بمدينة بونة، فعاد حسان إلى القيروان لأن ~~الجراح قد كثرت في أصحابه، ms1508 فأقام بها حتى صحوا. ### || AUT ذكر تخريب إفريقية # لما صلح الناس قال حسان: دلوني على أعظم من بقي من ملوك إفريقية، فدلوه ~~على امرأة تملك البربر تعرف بالكاهنة، وكانت تخبرهم بأشياء من الغيب، ولهذا ~~سميت الكاهنة، وكانت بربرية، وهي بجبل أوراس، وقد اجتمع حولها البربر بعد ~~قتل كسيلة، فسأل أهل إفريقية عنها فعظموا محلها وقالوا له: إن قتلتها لم ~~تختلف البربر بعدها عليك. فسار إليها، فلما قاربها هدمت حصن باغاية ظنا ~~منها أنه يريد الحصرن، فلم يعرج حسان على ذلك وسار إليها، فالتقوا على نهر ~~نيني واقتتلوا أشد قتال رآه الناس، فانهزم المسلمون وقتل منهم خلق كثير، ~~وانهزم حسان وأسر جماعة كثيرة أطلقتهم الكاهنة سوى خالد بن يزيد القيسي، ~~وكان شريفا شجاعا، فاتخذته ولدا. وسار حسان حتى فارق إفريقية وأقام وكتب ~~إلى عبد الملك يعلمه الحال، فأمره عبد الملك بالمقام إلى أن يأتيه أمره. ~~فأقام بعمل برقة خمس سنين، فسمي ذلك المكان قصور حسان إلى الآن، وملكت ~~الكاهنة إفريقية كلها وأساءت السيرة في أهلها وعسفتهم وظلمتهم. ثم سير إليه ~~عبد الملك الجنود والأموال وأمره بالمسير إلى إفريقية وقتال الكاهنة، فأرسل ~~حسان رسولا سرا إلى خالد بن يزيد، وهو عند الكاهنة، بكتاب يستعلم منه ~~الأمور، فكتب إليه خالد جوابه في رقعة يعرفه تفرق البربر ويأمره بالسرعة، ~~وجعل الرقعة في خبزة، وعاد الرسول، فخرجت الكاهنة ناشرة شعرها تقول: ذهب ~~ملكهم فيما يأكل الناس. فطلب الرسول فلم يوجد، فوصل إلى حسان وقد احترق ~~الكتاب بالنار، فعاد إلى خالد وكتب إليه بما كتب أولا وأودعه قربوس السرج. ~~فسار حسان، فلما علمت الكاهنة بمسيره إليها قالت: إن العرب يريدون البلاد ~~والذهب والفضة، ونحن إنما نريد المزارع والمراعي، ولا أرى إلا أن أخرب ~~إفريقية حتى ييأسوا منها. وفرقت أصحابها ليخربوا البلاد، فخربوها وهدموا ~~الحصون ونهبوا الأموال، وهذا هو الخراب الأول لإفريقية. فلما قرب حسان من ~~البلاد لقيه جمع من أهلها من الروم يستغيثون من الكاهنة ويشكون إليه منها، ~~فسره ذلك وسار إلى قابس، فلقيه أهلها بالأموال ms1509 والطاعة، وكانوا قبل ذلك ~~يتحصنون من الأمراء، وجعل فيها عاملا، وسار إلى قفصة ليتقرب الطريق فأطاعه ~~من بها واستولى عليها وعلى قسطيلية ونفزاوة. وبلغ الكاهنة قدومه فأحضرت ~~ولدين لها وخالد بن يزيد وقالت لهم: إنني مقتولة فامضوا إلى حسان وخذوا ~~لأنفسكم منه أمانا. فساروا إليه وبقوا معه، وسار حسان نحوها فالتقوا ~~واقتتلوا واشتد القتال وكثر القتل حتى ظن الناس أنه الفناء، ثم نصر الله ~~المسلمين وانهزم البربر وقتلوا قتلا ذريعا، وانهزمت الكاهنة، ثم أدركت ~~فقتلت. ثم إن البربر استأمنوا إلى حسان، فآمنهم وشرط عليهم أن يكون منهم ~~عسكر مع المسلمين عدتهم اثنا عشر ألفا يجاهدون العدو، فأجابوه إلى ذلك، ~~فجعل على هذا العسكر ابني الكاهنة. ثم فشا الإسلام في البربر، وعاد حسان ~~إلى القيروان في رمضان من السنة وأقام لا ينازعه أحد إلى أن توفي عبد ~~الملك. فلما ولي الوليد بن عبد الملك ولى إفريقية عمه عبد الله بن مروان، ~~فعزل عنها حسانا واستعمل موسى بن نصير سنة تسع وثمانين، وعلى ما نذكره إن ~~شاء الله. وقد ذكر الواقدي أن الكاهنة خرجت غضبا لقتل كسيلة وملكت إفريقية ~~جميعها وعملت بأهلها الأفاعيل القبيحة وظلمتهم الظلم الشنيع ونال من ~~بالقيروان من المسلمين أذى شديد بعد قتل زهير بن قيس سنة سبع وستين، ~~فاستعمل عبد الملك على إفريقية حسان بن النعمان، فسار في جيوش كثيرة وقصد ~~الكاهنة فاقتتلوا فانهزم المسلمون وقتل منهم جماعة كثيرة، وعاد حسان منهزما ~~إلى نواحي برقة فأقام بها إلى سنة أربع وسبعين، فسير إليه عبد الملك جيشا ~~كثيفا وأمره بقصد الكاهنة، فسار إليها وقاتلها فهزمها وقتلها وقتل أولادها ~~وعاد إلى القيروان. PageV02P0279 # وقيل: إنه لما قتل الكاهنة عاد من فوره إلى عبد الملك واستخلف على ~~إفريقية رجلا اسمه أبو صالح، غليه ينسب فحص صالح. ### || AUT ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة الحجاج بن يوسف، وكان على قضاء المدينة عبد الله بن ~~قيس بن مخرمة، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة. ~~وقيل: إن عبد الملك اعتمر ms1510 هذه السنة، ولا يصح. وفيها غزا محمد بن مروان ~~الروم صائفة فبلغ أندولية. وفيها مات جابر بن سمرة السوائي في إمارة بشر بن ~~مروان بالكوفة، وفي إمارته أيضا مات أبو جحيفة بالكوفة. وفيها مات عمرو بن ~~ميمون الأودي، وقيل: سنة خمس وسبعين، وكان قد أدرك الجاهلية، وهو من ~~المعمرين. وفيها مات عبد الله بن عتبة بن مسعود، وكان من عمال عمر، وقيل: ~~مات سنة ثلاث وسبعين. وفيها مات عبد الرحمن بن عثمان التيمي، وله صحبة. ~~وفيها مات محمد بن حاطب بن الحارث الجمحي، وكان مولده بأرض الحبشة، وأتي به ~~النبي صلى الله عليه وسلم ،. وفيها مات أبو سعيد بن معلى الأنصاري. وفيها ~~مات أوس بن ضمعج الكوفي. ضمعج بالضاد المعجمة والجيم. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وسبعين # في هذه السنة غزا محمد بن مروان الصائفة حين خرجت الروم من قبل مرعش. ### || AUT ذكر ولاية الحجاج بن يوسف العراق # في هذه السنة ولى عبد الملك الحجاج بن يوسف العاق دون خراسان وسجستان، ~~فأرسل إليه عبد الملك بعهده على العراق وهو بالمدينة وأمره بالمسير إلى ~~العراق، فسار في اثني عشر راكبا على النجائب حتى دخل الكوفة حين انتشر ~~النهار فجأة، وقد كان بشر بعث المهلب إلى الخوارج، فبدأ الحجاج بالمسجد ~~فصعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء فقال: علي بالناس وهو ساكت قد أطال ~~السكوت، فتناول محمد بن عمير حصباء وأراد أن يحصبه بها وقال: قاتله الله ما ~~أغباه وأذمة! والله إني لأحسب خبره كروائه. فلما تكلم الحجاج جعلت الحصباء ~~تنتثر من يده وهو لا يعقل به، قال: ثم كشف الحجاج عن وجهه وقال: أنا ابن ~~جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني أما واله إني لأحمل الشر ~~محمله وآخذه بفعله واجزيه بمثله، وغني لأرى رؤوسا قد أينعت وقد حان قطافها، ~~إني لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى قد شمرت عن ساقها تشميرا وأنشد: ~~هذا أوان الحرب فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواق حطم ليس براعي إبل ولا ~~غنم ... ولا بجزار على ms1511 لحم وضم ثم قال: قد لفها الليل بعصلبي ... أروع خراج ~~من الدوي مهاجر ليس بأعرابي ليس أوان بكرة الخلاط ... جاءت به والقلص ~~الأعلاط تهوي هوي سائق الغطاط إني والله يا أهل العراق ما أغمز كتغماز ~~التين، ولا يقعقع لي بالشنان، ولقد فررت عن ذكاء، وجريت إلى الغاية القصوى. ~~ثم قرأ: " ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة بأتيها رزقها رغدا من كل ~~مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون " ~~النحل:112؛ وأنتم أولئك وأشباه أولئك، عن أمير المؤمنين عبد الملك نثر ~~كنانته فعجم عيدانها فوجدني أمرها عودا وأصلبها مكسرا فوجهني إليكم ورمى بي ~~في نحوركم، فإنكم أهل بغي وخلاف وشقاق ونفاق، فإنكم طالما أوضعتم في الشر ~~وسننتم سنن الغي فاستوثقوا واستقيموا، فوالله لأذيقنكم الهوان ولأمرينكم به ~~حتى تدروا، ولألحونكم لحو العود، ولأعصبنكم عصب السلمة حتى تذلوا، ~~ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل حتى تذروا العصيان وتنقادوا، ولأقرعنكم قرع ~~المروة حتى تلينوا، إني والله ما أعد إلا وفيت، ولا أخلق إلا فريت، فإياي ~~وهذه الجماعات فلا يركبن رجل إلا وحده، أقسم بالله لتقبلن على الإنصاف، ~~ولتدعن الإرجاف، وقيلا وقالا وما تقول وما يقول وأخبرني فلان، أو لأدعن لكل ~~رجل منكم شغلا في جسده! فيم أنتم وذاك؟ والله لتستقيمن على الحق أو ~~لأضربنكم بالسيف ضربا يدع النساء أيامى، والولدان يتامى، حتى تذروا السمهى، ~~وتقلعوا عن ها وها، ألا إنه لو ساغ لأهل المعصية معصيتهم ما جبي فيء، ولا ~~قوتل عدو، ولعطلت الثغور، ولولا أنهم يغزون كرها ما غزوا طوعا! وقد بلغني ~~رفضكم المهلب وإقبالكم على مصركم عاصين مخالفين، وإني أقسم بالله لا أجد ~~أحدا من عسكره بعد ثلاثة إلا ضربت عنقه وأنهيت داره! PageV02P0280 # ثم أمر بكتاب عبد الملك فقرئ على أهل الكوفة، فلما قال القارئ: أما بعد، ~~سلام عليكم فإني أحمد الله إليكم، قال له: اقطع، ثم قال: يا عبيد العصا ~~يسلم عليكم أمير المؤمنين فل يرد راد منكم السلام! أما والله لأؤدبنكم غير ~~هذا الأدب! ثم قال للقارئ: اقرأ، ms1512 فلما قرأ سلام عليكم قالوا بأجمعهم: سلام ~~الله على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. ثم دخل منزله لم يزد على ذلك، ~~ثم دعا العرفاء وقال: ألحقوا الناس بالمهلب وائتوني بالبراءات بموافاتهم ~~ولا تغلقن أبواب الجسر ليلا ولا نهارا حتى تنقضي هذه المدة. ### || AUT تفسير هذه الخطبة # قوله: أنا ابن جلا، فابن جلا هو الصبح لأنه يجلو الظلمة. وقوله: فاشتدي ~~زيم، هو اسم للحرب، والحطم الذي يحطم كل ما مر به، والوضم ما وقي به اللحم ~~عن الأرض، والعصلبي الشديد، والأعلاط من الإبل التي لا أرسان عليها. وقوله: ~~فعجم عيدانها، أي عضها واختبرها. وقوله: لأعصبنكم عصب السلمة، فالعصب ~~القطع، والسلم شجر من العضاه. وقوله: لا اخلق إلا فريت، فالخلق لتقدير، ~~ويقال: فريت الأديم إذا أصلحته. والسمهى: الباطل، وأصله ما تسميه العامة ~~مخاط الشيطان. والعطاط، بضم لعين، وقيل بفتحها: ضرب من الطير. فلما كان ~~اليوم الثالث سمع تكبيرا في السوق فخرج حتى جلس على المنبر فقال: يا أهل ~~العراق وأهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق! إني سمعت تكبيرا ليس بالتكبير ~~الذي يراد به وجه الله ولكنه التكبير الذي يراد به الترهيب، وقد عرفت أنها ~~عجاجة تحتها قصف، يا بني اللكيعة وعبيد العصا وأبناء الأيامى ألا يربع رجل ~~منكم على ظلعة، ويحسن حقن دمه، ويعرف موضع قدمه! فأقسم بالله لأوشك أن أوقع ~~بكم وقعة تكون نكالا لما قبلها وأدبا لما بعدها. فقام عمير بن ضابئ الحنظلي ~~التيمي فقال: أصلح الله الأمير، أنا في هذا البعث وأنا شيخ كبير عليل وابني ~~هذا أشب مني. فقال الحجاج: هذا خير لنا من أبيه، ثم قال: ومن أنت؟ قال: أنا ~~عمير بن ضابئ. قال: أسمعت كلامنا بالأمس؟ قال: نعم. قال: ألست الذي غزا ~~عثمان بن عفان؟ قال: بلى. قال: يا عدو الله أفلا إلى عثمان بعثت بدلا؟ وما ~~حملك على ذلك؟ قال: إنه حبس أبي وكان شيخا كبيرا. قال: أولست القائل: هممت ~~ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله إني لأحسب أن في قتلك ~~صلاح المصرين. ms1513 وأمر به فضربت رقبته وأنهب ماله. وقيل: إن عنبسة بن سعيد بن ~~العاص قال للحجاج: أتعرف هذا؟ قال: لا. قال: هذا أحد قتلة عثمان. فال ~~الحجاج: أي عدو الله! أفلا إلى أمير المؤمنين بعثت بديلا؟ ثم أمر به فضربت ~~عنقه، وأمر مناديا فنادى: ألا إن عمير بن ضابئ أتى بعد ثلاثة وكان سمع ~~النداء فأمرنا بقتله، ألا إن ذمة الله بريئة ممن لم يأت الليلة من جند ~~المهلب. فخرج الناس فازدحموا على الجسر، وخرج العرفاء إلى المهلب، وهو ~~برامهر مز، فأخذوا كتبه بالموافاة. فقال المهلب: قدم العراق اليوم رجل ذكر، ~~اليوم قوتل العدو. فلما قتل الحجاج عميرا لقي إبراهيم بن عامر الأسدي عبد ~~الله بن الزبير فسأله عن الخبر، فقال: أقول لإبراهيم لما لقيته ... أرى ~~الأمر أضحى منصبا متشعبا تجهز وأسرع فالحق الجيش لا أرى ... سوى الجيش إلا ~~في المهالك مذهبا تخير فإما أن تزور ابن ضابئ ... عميرا وإما أن تزور ~~المهلبا هما خطتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من الثلج أشهبا فحال ولو ~~كانت خراسان دونه ... رآها مكان السوق أو هي أقربا فكائن ترى من مكره الغزو ~~مسمرا ... تحمم حنو السرج حتى تحنبا تحمم أي لزمه حتى صار كالحميم. وتحنب: ~~اعوج. والزبير ههنا بفتح الزاي وكسر الباء. قيل: وكان قدوم الحجاج في شهر ~~رمضان، فوجه الحكم بن أيوب الثقفي على البصرة أميرا وأمره أن يشتد على خالد ~~بن عبد الله، فبلغ خالدا الخبر فخرج عن البصرة فنزل الجلحاء وشيعه أهل ~~البصرة فقسم فيهم ألف ألف. PageV02P0281 # فكان الحجاج أول من عاقب بالقتل على التخلف عن الوجه الذي يكتب إليه. قال ~~الشعبي: كان الرجل إذا أخل بوجهه الذي يكتب إليه زمن عمر وعثمان وعلي نزعت ~~عمامته ويقام للناس ويشهر أمره، فلما ولي مصعب قال: ما هذا بشيء، وأضاف ~~إليه حلق الرؤوس واللحى، فلما ولي بشر بن مروان زاد فيه فصار يرفع الرجل عن ~~الأرض ويسمر في يديه مسماران في حائط، فربما مات وربما خرق المسمار كفه ~~فسلم، فقال شاعر: لولا مخافة ms1514 بشر أو عقوبته ... وان ينوط في كفي مسمار إذا ~~لعطلت ثغري ثم زرتكم ... إن المحب لمن يهواه زوار فلما كان الحجاج قال: هذا ~~لعب، أضرب عنق من يخل مكانه من الثغر. ### || AUT ذكر ولاية سعيد بن أسلم السند وقتله # في هذه السنة استعمل عبد الملك على السند سعيد بن أسلم بن زرعة، فخرج ~~عليه معاوية ومحمد ابنا الحارث العلاقيان فقتلاه وغلبا على البلاد، فأرسل ~~الحجاج مجاعة بن سعر التميمي إلى السند فغلب على ذلك الثغر وغزا وفتح أماكن ~~من قندابيل، ومات مجاعة بعد سنة بمكران فقيل فيه: ما من مشاهدك التي ~~شاهدتها ... إلا يزيدك ذكرها مجاعا ### || AUT ذكر وثوب أهل البصرة بالحجاج # في هذه السنة خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة واستخلف على الكوفة عروة ~~بن المغيرة بن شعبة، فلما قدم البصرة خطبهم بمثل خطبته بالكوفة وتوعد من ~~رآه منهم بعد ثلاثة ولم يلحق بالمهلب، فأتاه شريك بن عمرو اليشكري، وكان به ~~فتق، وكان أعور يضع على عينه قطعة، فلقب ذا الكرسفة، فقال: أصلح الله ~~الأمير، إن بي فتقا وقد رآه بشر بن مروان فعذرني، وهذا عطائي مردود في بيت ~~المال فأمر به فضربت عنقه، فلم يبق بالبصرة أحد من عسكر المهلب إلا لحق به. ~~فقال المهلب: لقد أتى العراق رجل ذكر. وتتابع الناس مزدحمين إليه حتى كثر ~~جمعه. ثم سار الحجاج إلى رستقباذ، وبينها وبين المهلب ثمانية عشر فرسخا، ~~وإنما أراد أن يشد ظهر المهلب وأصحابه بمكانه، فقام برستقباذ خطيبا حين ~~نزلها فقال: يا أهل المصرين! هذا المكان والله مكانكم شهرا بعد شهر وسنة ~~بعد سنة حتى يهلك الله عدوكم هؤلاء الخوارج المطلين عليكم. ثم إنه خطب يوما ~~فقال: إن الزيادة التي زادكم إياها ابن الزبير إنما هي زيادة مخسرة باطلة ~~من ملحد فاسق منافق ولسنا نجيزها! وكان مصعب قد زاد الناس في العطاء مائة ~~مائة. فقال عبد الله بن الجارود: إنها ليست بزيادة ابن الزبير إنما هي ~~زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أنفذها وأجازها على يد أخيه ms1515 بشر. فقال له ~~الحجاج: ما أنت والكلام لتحسنن حمل رأسك أو لأسلبنك إياه فقال: ولم؟ إني لك ~~لناصح وإن هذا القول من ورائي. فنزل الحجاج ومكث أشهرا لا يذكر الزيادة ثم ~~أعاد القول فيها، فرد عليه ابن الجارود مثل رده الأول. فقام مصقلة بن كرب ~~العبدي أبو رقبة ابن مصقلة المحدث عنه فقال: إنه ليس للرعة أن ترد على ~~راعيها، وقد سمعنا ما قال الأمير، فسمعا وطاعة فيما أحببنا وكرهنا. فقال له ~~عبد الله بن الجارود: يا ابن الجرمقانية! ما أنت وهذا! ومتى كان مثلك يتكلم ~~وينطق في مثل هذا؟ وأتى الوجوه عبد الله بن الجارود فصوبوا رأيه وقوله، ~~وقال الهذيل بن عمران البرجمي وعبد الله بن حكيم بن زياد المجاشعي وغيرهما: ~~نحن معك وأعوانك، إن هذا الرجل غير كاف حتى ينقصنا هذه الزيادة، فهلم ~~نبايعك على إخراجه من العراق ثم نكتب إلى عبد الملك نسأله أن يولي علينا ~~غيره، فإن أبى خلعناه، فإنه هائب لنا ما دامت الخوارج. فبايعه الناس سرا ~~وأعطوه المواثيق على الوفاء وأخذ بعضهم على بعضهم العهود. PageV02P0282 # وبلغ الحجاج ما هم فيه فأحرز بيت المال واحتاط فيه. فلما تم لهم أمرهم ~~أظهروه، وذلك في ربيع الآخر سنة ست وسبعين، وأخرج عبد الله بن الجارود عبد ~~القيس على راياتهم، وخرج الماس معه حتى بقي الحجاج وليس معه إلا خاصته وأهل ~~بيته، فخرجوا قبل الظهر، وقطع ابن الجارود ومن معه الجسر، وكانت خزائن ~~الحجاج والسلاح من ورائه. فأرسل الحجاج أعين، صاحب حمام أعين بالكوفة، إلى ~~ابن الجارود يستدعيه إليه، فقال ابن الجارود: ومن الأمير! لا ولا كرامة ~~لابن أبي رغال! ولكن ليخرج عنا مذمونا مدحورا وإلا قاتلناه! فقال أعين: ~~فإنه يقول لك أتطيب نفسا بقتلك وقتل أهل بيتك وعشيرتك؟ والذي نفسي بيده لئن ~~لم يأتني لأدعن قومك عامة وأهلك خاصة حديثا للغابرين. وكان الحجاج قد حمل ~~أعين هذه الرسالة. فقال ابن الجارود: لولا أنك رسول لقتلتك يا ابن الخبيثة! ~~وأمر فوجئ في عنفه وأخرج. واجتمع الناس لابن الجارود، ms1516 فأقبل بهم زحفا نحو ~~الحجاج، وكان رأيهم أن يخرجوه عنهم ولا يقاتلوه، فلما صاروا إليه نهبوه في ~~فسطاطه وأخذوا ما قدروا عليه من متاعه ودوابه، وجاء أهل اليمن فأخذوا ~~امرأته ابنة النعمان بن بشير، وجاءت مضر فأخذوا امرأته الأخرى أم سلمة بنت ~~عبد الرحمن بن عمرو أخي سهيل بن عمرو. فخافه السفهاء، ثم إن القوم انصرفوا ~~عن الحجاج وتركوه، فأتاه قوم من أهل البصرة فصاروا معه خائفين من محاربة ~~الخليفة. فجعل الغضبان بن القبعثري الشيباني يقول لابن الجارود: تعش بالجدي ~~قبل أن يتغدى بك، أما ترى من قد أتاه منكم؟ ولئن أصبح ليكثرن ناصره ولتضعفن ~~منتكم! فقال: قد قرب المساء ولكنا نعاجله بالغداة. وكان مع الحجاج عثمان بن ~~قطن وزياد بن عمرو العتكي، وكان زياد على شرطة البصرة، فقال لهما: ما ~~تريان؟ فقال زياد: أن آخذ لك من القوم أمانا وتخرج حتى تلحق بأمير المؤمنين ~~فقد ارفض أكثر الناس عنك ولا أرى لك أن تقاتل بمن معك. فقال عثمان بن قطن ~~الحارثي: لكني لا أرى ذلك، إن أمير المؤمنين قد شركك في أمرك وخلطك بنفسك ~~واستنصحك وسلطك فسرت إلى ابن الزبير، وهو أعظم الناس خطرا، فقتلته، فولاك ~~الله شرف ذلك وسناه، وولاك أمير المؤمنين الحجاز، ثم رفعت فولاك العراقين، ~~فحيث جريت إلى المدى وأصبت الغرض الأقصى تخرج على قعود إلى الشام، والله ~~لئن فعلت لا نلت من عبد الملك مثل الذي أنت فيه من سلطان أبدا وليتضعن ~~شأنك، ولكني أرى أن نمشي بسيوفنا معك فنقاتل حتى نلقى ظفرا أو نموت كراما. ~~فقال له الحجاج: الرأي ما رأيت. وحفظ هذا لعثمان وحقدها على زياد بن عمرو. ~~وجاء عامل بن مسمع إلى الحجاج فقال: إني قد أخذت لك أمانا من الناس، فجعل ~~الحجاج يرفع صوته ليسمع الناس ويقول: والله لا أؤمنهم أبدا حتى يأتوا ~~بالهذيل وعبد الله بن حكيم. وأرسل إلى عبيد بن كعب النميري يقول: هلم إلي ~~فامنعني. فقال: قل له إن أتيتني منعتك. فقال: لا ولا كرامة! وبعث إلى محمد ms1517 ~~بن عمير بن عطارد كذلك، فأجابه مثل الجواب الأول، فقال: لا ناقتي في هذا ~~ولا جملي. وأرسل إلى عبد الله بن حكيم المجاشعي فأجابه كذلك أيضا. ومر عبد ~~بن الحصين الحبطي بابن الجارود وابن الهذيل وعبد الله بن حكيم وهم يتناجون، ~~فقال: أشركونا في نجواكم. فقالوا: هيهات أن يدخل في نجوانا أحد من بني ~~الحبط! فغضب وصار إلى الحجاج في مائة رجل، فقال له الحجاج: ما أبالي من ~~تخلف بعدك. وسعى قتيبة بن مسلم في قومه في يحيى أعصر؟ وقال: لا والله لا ~~ندع قيسا يقتل ولا ينهب ماله، يعني الحجاج، وأقبل إلى الحجاج. وكان الحجاج ~~قد يئس من الحياة، فلما جاءه هؤلاء اطمأن، ثم جاءه سبرة بن علي الكلابي ~~وسعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي فسلم، فأدناه منه، وأتاه جعفر بن عبد الرحمن ~~بن مخنف الأزدي، وأرسل إليه مسمع بن مالك بن مسمع: إن شئت أتيتك وإن شئت ~~أقمت وثبطت الناس عنك. فقال: أقم وثبط الناس عني. فلما اجتمع إلى الحجاج ~~جمع يمنع بمثلهم خرج فعبأ أصحابه ولتلاحق الناس به، فلما أصبح إذا حوله نحو ~~ستة آلاف، وقيل غير ذلك. فقال ابن الجارود لعبيد الله بن زياد بن ظبيان: ما ~~الرأي؟ قال: تركت الرأي أمس حين قال لك الغضبان تعش بالجدي قبل أن يتغذى ~~بك، وقد ذهب الرأي وبقي الصبر. PageV02P0283 # فدعا ابن الجارود بدرع فلبسها مقلوبة فتطير. وحرض الحجاج أصحابه وقال: لا ~~يهولنكم ماترون من كثرتهم. وتزاحف القوم وعلى ميمنة الحجاج قتيبة بن مسلم، ~~ويقال عباد بن الحصين، وعلى ميسرته سعيد بن أسلم؛ فحمل ابن الجارود في ~~أصحابه حتى جاز أصحاب الحجاج، فعطف الحجاج عليه، ثم اقتتلوا ساعة وكاد ابن ~~الجارود يظفر فأتاه سهم غرب فأصابه فوقع ميتا. ونادى منادي الحجاج بأمان ~~الناس إلا الهذيل وعبد الله بن حكيم، وأمر أن لا يتبع المنهزمون، وقال: ~~الاتباع من سوء الغلبة. فانهزم عبيد الله بن زياد بن ظبيان، وأتى سعيد بن ~~عياذ بن الجلندي الأزدي بعمان، فقيل لسعيد: غنه رجل فاتك ms1518 فاحذره، فلما جاء ~~البطيخ بعث إليه بنصف بطيخة مسمومة وقال: هذا أول شيء جاء من البطيخ وقد ~~أكلت نصف بطيخة وبعثت بنصفها، فأكلها عبيد الله فأحسن بالشر فقال: أردت أن ~~أقتله فقتلني. وحمل رأس ابن الجارود وثمانية عشر رأسا من وجوه أصحابه إلى ~~المهلب فنصبت ليراها الخوارج وييأسوا من الاختلاف. وحبس الحجاج عبيد بن كعب ~~ومحمد بن عمير حيث قالا للحجاج: تأتينا لنمنعك. وحبس الغضبان بن القبعثري ~~وقال له: أنت القائل تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك؟ فقال: ما نفعت من قيلتي ~~له ولا ضررت من قيلتي فيك. فكتب عبد الملك إلى الحجاج بإطلاقه. وقتل مع ابن ~~الجارود عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، فقال الحجاج: ألا أرى أنسا يعين ~~علي! فلما دخل البصرة أخذ ماله، فحين دخل عليه أنس قال: لا مرحبا ولا أهلا ~~بك يا ابن الخبيثة! شيخ ضلالة جوال في الفتن مرة مع أبي تراب ومرة مع ابن ~~الزبير ومرة مع ابن الجارود أما والله لأجردنك جرد القضيب، ولأعصبنك عصب ~~السلمة، ولأقلعنك قلع الصمغة! فقال أنس: من يعني الأمير؟ قال: إياك أعني، ~~أصم الله صداك! فرجع أنس فكتب إلى عبد الملك كتبا يشكو فيه الحجاج وما صنع ~~به. فكتب عبد الملك إلى الحجاج: أما بعد يا ابن أم الحجاج فإنك عبد طمت بك ~~الأمور فعلوت فيها حتى عدوت طورك وجاوزت قدرك، يا ابن المستفرمة بعجم ~~الزبيب لأغمرنك غمزة كبعض غمزات الليوث الثعالب، ولأخبطنك خبطة تود لها أنك ~~رجعت في مخرجك من بطن أمك، أما تذكر حال آبائك في الطائف حيث كانوا ينقلون ~~الحجارة على ظهورهم ويحتفرون الآبار بأيديهم في أوديتهم ومياههم؟ أنسيت حال ~~آبائك في اللؤم والدناءة في المروة والخلق؟ وقد بلغ أمير المؤمنين الذي كان ~~منك إلى أنس بن مالك جرأة وإقداما، وأظنك أردت أن تسبر ما عند أمير ~~المؤمنين في أمره فتعلم إنكاره ذلك وإغضاءه عنك، فإن سوغك ما كان منك مضيت ~~عليه قدما، فعليك لعنة الله من عند أخفش العينين أصك الرجلين ممسوح ms1519 ~~الجاعرتين! ولولا أن أمير المؤمنين يظن أن الكاتب أكثر في الكتابة عن الشيخ ~~إلى أمير المؤمنين فيك لأرسل من يسحبك ظهرا لبطن حتى يأتي بك أنسا فيحكم ~~فيك، فأكرم أنسا وأهل بيته واعرف له حقه وخدمته رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولا تقصرن في شيء من حوائجه ولا يبلغن أمير المؤمنين عنك خلاف ما ~~تقدم فيه إليك من أمر أنس وبره وإكرامه فيبعث إليك من يضرب ظهرك ويهتك سترك ~~ويشمت بك عدوك، والقه في منزله متنصلا إليه، وليكتب إلى أمير المؤمنين ~~برضاه عنك إن شاء الله، والسلام. وبعث بالكتاب مع إسماعيل بن عبد الله مولى ~~بني مخزوم، فأتى إسماعيل أنسا بكتاب أمير المؤمنين إليه فقرأه، وأتى الحجاج ~~بالكتاب إليه فجعل يقرأه ووجهه يتغير وجبينه يرشح عرقا ويقول: يغفر الله ~~لأمير المؤمنين. ثم اجتمع بأنس فرحب به الحجاج واعتذر إليه وقال: أردت أن ~~يعلم أهل العراق إذ كان من ابنك ما كان وإذ بلغت منك ما بلغت أني إليهم ~~بالعقوبة أسع. PageV02P0284 # فقال أنس: ما شكوت حتى بلغ مني الجهد وحتى زعمت أنا الأشرار وقد سمانا ~~الله الأنصار، وزعمت أنا أهل النفاق ونحن الذين تبوأوا الدار والإيمان، ~~وسيحكم الله بيننا وبينك فهو أقدر على التغيير، لا يشبه الحق عنده الباطل ~~ولا الصدق الكذب، وزعمت أنك اتخذتني ذريعة وسلما إلى مساءة أهل العراق ~~باستحلال ما حرم الله عليك مني، ولم يكن لي عليك قوة فوكلتك إلى الله ثم ~~إلى أمير المؤمنين فحفظ من حقي ما لم تحفظ، فوالله لو أن النصارى على كفرهم ~~رأوا رجلا خدم عيسى بن مريم يوما واحدا لعرفوا من حقه ما لم تعرف أنت من ~~حقي، وقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عشر سنين. وبعد فإن رأينا ~~خيرا حمدنا الله عليه وأثنينا، وإن رأينا غي ذلك صبرنا، والله المستعان. ~~ورد عليه الحجاج ما كان أخذ منه. ### || AUT ذكر شير زنجي والزنج معه # اجتمع الزنج بفرات البصرة في آخر أيام مصعب بن الزبير، ولم يكونوا ~~بالكثير، فأفسدوا ms1520 وتناولوا الثمار، وولي خالد بن عبيد الله بن خالد البصرة ~~وقد كثروا، فشكا الناس إليه ما نالهم منهم، فجمع لهم جيشا، فلما بلغهم ذلك ~~تفرقوا وأخذ بعضهم فقتلهم وصلبهم. فلما كان من أمر ابن الجارود ما ذكرنا ~~خرج الزنج أيضا فاجتمع منهم خلق كثير بالفرات وجعلوا عليهم رجلا اسمه رباح، ~~ويلقب شير زنجي، يعني أسد الزنج، فأفسدوا، فلما فرغ الحجاج من ابن الجارود ~~أمر زياد بن عمرو، وهو على شرطة البصرة، أن يرسل إليهم جيشا يقاتلهم، ففعل ~~وسير إليهم جيشا عليه ابنه حفص بن زياد فقاتلهم فقتلوه وهزموا أصحابه، ثم ~~أرسل إليهم جيشا آخر فهزم الزنج وقتلهم واستقامت البصرة. ### || AUT ذكر إجلاء الخوارج عن رامهر مز وقتل ابن مخنف # لما أتى كتاب الحجاج إلى المهلب وابن مخنف يأمرهما بمناهضة الخوارج، ~~زحفوا إليهم وقاتلوهم شيئا من قتال، فانهزمت الخوارج كأنهم على حامية، ولم ~~يكن منه قتال، وسار الخوارج حتى نزلوا كازرون، وسار المهلب وابن مخنف حتى ~~نزلوا بهم، وخندق المهلب على نفسه وقال لابن مخنف: إن رأيت أن تخندق عليك ~~فافعل. فقال أصحابه: نحن خندقنا سيوفنا. فأتى الخوارج المهلب ليبيتوه ~~فوجدوه قد تحرز، فمالوا نحو ابن مخنف فوجدوه لم يخندق فقاتلوه فانهزم عنه ~~أصحابه، فنزل فقاتل في أناس من أصحابه فقتل وقتلوا حوله كلهم، فقال شاعرهم: ~~لمن العسكر المكلل بالصر ... عى فهم بين ميت وقتيل فتراهم تسفي الرياح ~~عليهم ... حاصب الرمل بعد جر الذيول هذا قول أهل البصرة. فأما أهل الكوفة ~~فإنهم ذكروا أنه لما وصل كتاب الحجاج بمناهضة الخوارج ناهضهم المهلب وعبد ~~الرحمن فاقتتلوا قتالا شديدا ومالت الخوارج إلى المهلب فاضطروه إلى عسكره، ~~فأرسل إلى عبد الرحمن يستمده، فأمده عبد الرحمن بالخيل والرجال، وكان ذلك ~~بعد الظهر لعشر بقين من رمضان. فلما كان بعد العصر ورأت الخوارج ما يجيء من ~~عسكر عبد الرحمن من الرجال، ظنوا أنه قد خف أصحابه، فجعلوا بإزاء المهلب من ~~يشغله وانصرفوا بجندهم إلى عبد الرحمن، فلما رآهم قد قصدوه نزل ونزل معه ~~القراء، منهم: أبو ms1521 الأحوص، صاحب ابن مسعود، وخزيمة بن نصر أبو نصر بن خزيمة ~~العبسي، الذي قتل مع زيد بن علي وصلب معه بالكوفة، ونزل معه من قومه أحد ~~وسبعون رجلا، وحملت عليهم الخوارج فقاتلهم قتالا شديدا وانكشف الناس عنه ~~وبقي في عصابة من أهل الصبر ثبتوا معه، وكان ابنه جعفر بن عبد الرحمن فيمن ~~بعثه إلى المهلب، فنادى في الناس ليتبعوه إلى أبيه، فلم يتبعه إلا ناس ~~قليل، فجاء حتى دنا من أبيه، فحالت الخوارج بينهما، فقاتل حتى جرح. وقاتل ~~عبد الرحمن ومن معه على تل مشرف حتى ذهب نحو من ثلثي الليل، ثم قتل في تلك ~~العصابة، فلما أصبحوا جاء المهلب فدفنه فصلى عليه وكتب بذلك إلى الحجاج، ~~فكتب الحجاج إلى عبد الملك بذلك، فترحم عليه وذم أهل الكوفة. PageV02P0285 # وبعث الحجاج إلى عسكر عبد الرحمن عتاب بن ورقاء وأمره أن يسمع للمهلب، ~~فساءه ذلك ولم يجد بدا من طاعته، فجاء إلى العسكر وقاتل الخوارج وأمره إلى ~~المهلب وهو يقضي أموره ولا يكاد يستشير المهلب. فوضع عليه المهلب رجالا ~~اصطنعهم وأغراهم به، منهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة. وجرى بين عتاب والمهلب ~~ذات يوم كلام أغلظ كل منهما لصاحبه، ورفع المهلب القضيب على عتاب، فوثب ~~إليه ابنه المغيرة بن المهلب فقبض القضيب وقال: أصلح الله الأمير! شيخ من ~~أشياخ العرب وشريف من أشرافهم، إن سمعت منه بعض ما تكره فاحتمله له فإنه ~~لذلك أهل. ففعل، فافترقا، فأرسل عتاب إلى الحجاج يشكو المهلب ويسأله أن ~~يأمره بالعود إليه، فوافق ذلك حاجة من الحجاج إليه فيما لقي أشراف الكفة من ~~شبيب، فاستقدمه وأمره أن يترك ذلك الجيش مع المهلب، فجعل المهلب عليهم ابنه ~~حبيبا. وقال سراقة بن مرداس البارقي يرثي عبد الرمن بن مخنف: ثوى سيد ~~الأزدين أزد شنوءة ... وأزاد عمان رهن رمس بكازر وضارب حتى مات أكرم ميتة ~~... بأبيض صاف كالعقيقة باتر وصرع حول التل تحت لوائه ... كرام المساعي من ~~كرام المعاشر قضى نحبه يوم اللقاء ابن مخنف ... وأدبر عنه كل ألوث داثر ms1522 أمد ~~ولم يمدد فراح مشمرا ... إلى الله لم يذهب بأثواب غادر وأقام المهلب بسابور ~~يقاتلهم نحوا من سنة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة تحرك صالح بن مسرح أحد بني امرئ القيس بن زيد مناة من ~~تميم، وكان يرى رأي الصفرية، وهو أول من خرج فيهم، وحج هذه السنة ومعه شبيب ~~بن يزيد وسويد والبطين وأشباههم؛ وحج في هذه السنة عبد الملك بن مروان، فهم ~~شبيب أن يفتك به فبلغه ذلك من خبرهم، فكتب إلى الحجاج بن يوسف بعد انصرافه ~~يأمره بطلبهم، وكان شيخا صالحا يأتي الكوفة فيقيم بها الشهر ونحوه فيلقى ~~أصحابه ويعد ما يحتاج إليه، فلما طلبه الحجاج نبت به الكوفة فتركها. وفيها ~~غزا محمد بن مروان الصائفة عند خروج الروم إلى الغنيق من ناحية مرعش. وحج ~~بالناس عبد الملك فخطب الناس بالمدينة فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أما ~~بعد فإني لست بالخليفة المستضعف، يعني عثمان، ولا بالخليفة المداهن، يعني ~~معاوية، ولا بالخليفة المأفون، يعني يزيد، ألا وإني لا أدواي هذه الأمة إلا ~~بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم، وإنكم تحفظوننا أعمال المهاجرين الأولين ولا ~~تعلمون مثل أعمالهم، وإنكم تأمروننا بتقوى الله وتنسون ذلك من أنفسكم، ~~والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه. ثم نزل. وفي ~~هذه السنة مات العرباض بن سارية السلمي، وهو من أهل الصفة، وقيل: بل مات ~~بالشام في فتنة ابن الزبير. وفيها توفي الأسود بن يزيد النخعي، وهو ابن أخي ~~علقمة بن قيس. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وسبعين # ### || AUT ذكر خروج صالح بن مسرح # كان صالح بن مسرح التميمي رجلا ناسكا مصفر الوجه عبادة، وكان بدارا وأرض ~~الموصل والجزيرة، وله أصحاب يقرأ بهم القرآن والفقه ويقص عليهم، فدعاهم إلى ~~الخروج وإنكار الظلم وجهاد المخالفين لهم، فأجابوه، وحثهم عليهم، فراسل ~~أصحابه بذلك وقلاقوا به، فبينا هم في ذلك إذ قدم عليه كتاب شبيب يقول له: ~~غنك كنت تريد الخروج فإن كان ذلك من شأنك اليوم فأنت شيخ المسلمين ms1523 ولن نعدل ~~بك أحدا، وإن أردت تأخير ذلك اليوم أعلمني فإن الآجال غادية ورائحة ولا آمن ~~أن تختر مني المنية ولم أجاهد الظالمين. فكتب إليه صالح: إنه لم يمنعني من ~~الخروج إلا انتظارك، فأقبل إلينا فإنك ممن لا يستغنى عن رأيه ولا تقضى دونه ~~الأمور. فلما قرأ شبيب كتابه دعا نفرا من أصحابه، منهم: أخوه مصاد بن يزيد ~~بن نعيم الشيباني والمحلل بن وائل اليشكري وغيرهما، وخرج بهم حتى قدم على ~~صالح بدارا، فلما لقيه قال: اخرج بنا رحمك الله، فوالله ما تزداد السنة إلا ~~دروسا ولا يزداد المجرمون إلا طغيانا. PageV02P0286 # فبث صالح رسله وواعد أصحابه الخروج إلى ذلك هلال صفر سنة ست وسبعين ~~فاجتمعوا عنده تلك الليلة، فسأله بعضهم عن القتال قبل الدعاء أم بعده؟ ~~فقال: بل ندعوهم فإنه أقطع لحجتهم. فقال له: كيف ترى فيمن قاتلنا فظفرنا ~~به، ما تقول في دمائهم وأموالهم؟ فقال لهم: إن قتلنا وغنمنا فلنا وإن عفونا ~~فموسع علينا. ثم وعظ أصحابه وأمرهم بأمره وقال لهم: عن أكثركم رجالة وهذه ~~دواب لمحمد بن مروان فابدأوا بها فاحملوا عليها رجالكم وتقورابها على ~~عدوكم. فخرجوا تلك الليلة فأخذوا الدواب فاحتملوا عليها وأقاموا بأرض دارا ~~ثلاث عشرة ليلة. وتحصن منهم أهلها وأهل نصيبين وسنجار، وكان خروجه وهو في ~~مائة وعشرين، وقيل وعشرة. وبلغ محمدا مخرجهم، وهو أمير الجزيرة، فأرسل عدي ~~الكندي إليهم في ألف فارس. فسار من حران فنزل دوغان، وكانوا أول جيش سار ~~إلى صالح، وسار عدي وكأنه يساق إلى الموت. وأرسل إلى صالح: إن كنت ترى ~~رأينا خرجنا عنك، وإلا فنرى رأينا. فأرسل إليه عدي: إني لا أرى رأيك ولكني ~~أكره قتالك وقتال غيك. فقال صالح لأصحابه: اركبوا، فركبوا، وحبس الرسول ~~عنده ومضى بأصحابه فأتى عديا وهو يصلي الضحى، فلم يشعروا إلا والخيل طالعة ~~عليهم، فلما رأوها تنادوا، وجعل صالح شبيبا في ميمنته، وسويد بن سليم في ~~ميسرته، ووقف في القلب، فأتاهم وهم على غير تعبية وبعضهم يجول في بعض، فحمل ~~عليهم شبيب وسويد فانهزموا، ms1524 وأتي عدي بن عدي بدابته فركبها وانهزم، وجاء ~~صالح ونزل في معسكره وأخذوا ما فيه. ودخل أصحاب عدي على محمد بن مروان، ~~فغضب على عدي ثم دعا خالد بن جزء السلمي فبعثه في ألف وخمسمائة، ودعا ~~الحارث بن جعونة العامري فبعثه في ألف وخمسمائة، وقال: اخرجا إلى هذه ~~المارقة وأغذا السير فأيكما سبق فهو الأمير على صاحبه. فخرجا متساندين ~~يسألان عن صالح، فقيل لهما: إنه نحو آمد، فقصداه، فوجه صالح شبيبا في شطر ~~من أصحابه إلى الحارث بن جعونة، وتوجه هو نحو خالد، فاقتتلوا من وقت العصر ~~أشد قتال، فلم تثبت خيل محمد لخيل صالح، فلما رأى أميراهم ذلك ترجلا وترجل ~~معهما أكثر أصحابهما، فلم يقدر أصحاب صالح حينئذ عليهم، وكانوا إذا حملوا ~~استقبلتهم الرجالة بالرماح ورماهم الرماة بالنبل وطاردهم خيالتهم، فقاتلوهم ~~إلى المساء، فكثرت الجراح في الفريقين، وقتل من أصحاب صالح نحو ثلاثين ~~رجلا، ومن أصحاب محمد أكثر من سبعين. فلما أمسوا تراجعوا، فاستشار صالح ~~أصحابه، فقال شبيب: إن القوم قد اعتصموا بخندقهم فلا أرى أن نقيم عليهم. ~~فقال صالح: وأنا أرى ذلك. فخرجوا من ليلتهم سائرين فقطعوا أرض الجزيرة وأرض ~~الموصل وانتهوا إلى الدسكرة، وخرج صالح بن مسرح حتى أتى قرية يقال لها مدبج ~~على تخوم ما بين الموصل وجوخى، وصالح في تسعين رجلا، فلقيهم الحارث لثلاث ~~عشرة بقين من جمادى، فاقتتلوا فانهزم سويد بن سليم في ميسرة صالح، وثبت ~~صالح، فقتل وقاتل شبيب حتى صرع عن فرسه، فحمل عليهم راجلا، فانكشفوا عنه، ~~فجاء إلى موقف صالح فأصابه قتيلا، فنادى: إلي يا معشر المسلمين، فلاذوا به. ~~فقال لأصحابه: ليجعل كل واحد منكم ظهره إلى ظهر صاحبه وليطاعن عدوه حتى ~~يدخل هذا الحصين ونرى رأينا، ففعلوا ذلك ودخلوا الحصين جميعهم، وهم سبعون ~~رجلا، وأحاط بهم الحارث وأحرق عليهم الباب، وقال: إنهم لا يقدرون على ~~الخروج منه. مسرح بضم الميم، وفتح السين المهملة، وتشديد الراء وكسرها، ~~وبالحاء المهملة. وجعونة بفتح الجيم، وسكون العين المهملة، وفتح الواو، وآخره نون. ### || AUT ذكر ms1525 بيعة شبيب الخارجي # ### || AUT ومحاربة الحارث بن عميرة # فلما أحرق الحارث الباب على شبيب ومن معه وقال: إنهم لا يقدرون على ~~الخروج منه ونصبحهم غدا فنقتلهم، وانصرف إلى عسكره، قال شبيب لأصحابه: ما ~~تنظرون؟ فوالله لئن صبحكم هؤلاء غدوة إنه لهلاككم فقالوا: مرنا بأمرك. ~~فقال: بايعوني أو من شئتم من أصحابكم واخرجوا بنا حتى نشد عليهم في عسكرهم ~~فإنهم آمنون. فبايعوا شبيبا، وهو شبيب بن يزيد بن نعيم الشيباني، وأتوا ~~باللبود فبلوها وجعلوها على جمر الباب وخرجوا، فلم يشعر الحارث إلا وشبيب ~~وأصحابه يضاربونهم بالسيوف في جوف العسكر، فصرع الحارث، فاحتمله أصحابه ~~وانهزموا نحو المدائن، وحوى شبيب عسكرهم، وكان ذلك الجيش أول جيش هزمه ~~شبيب. PageV02P0287 ### || AUT ذكر الحرب بين أصحاب شبيب وغيره # ثم إن شبيبا لقي سلامة بن سنان التيمي، تيم شيبان، بأرض الموصل، فدعاه ~~إلى الخروج معه، فشرط عليه سلامة أن ينتخب ثلاثين فارسا ينطلق بهم نحو عنزة ~~فيشفي نفسه منهم، فإنهم كانوا قتلوا أخاه فضالة، وذلك أن فضالة كان خرج في ~~ثمانية عشر رجلا حتى نزل ماء يقال له الشجرة عليه أثلة عظيمة وعليه عنزة ~~نازلون، فلما رأوه قالوا نقتل هؤلاء ونغدو على أميرنا فيعطينا شيئا، فقال ~~أخواله من بني نصر: لا نساعدكم على قتل ابن أخينا، فنهضت عنزة فقتلوهم ~~وأتوا برؤوسهم عبد الملك بن مروان، فلذلك أنزلهم بانقيا وفرض لهم، ولم يكن ~~لهم قبل ذلك فرائض إلا قليلة، فقال سلامة أخو فضالة يذكر قتل أخيه وخذلان ~~أخواله إياه: وما خلت أخوال الفتى يسلمونه ... لوقع السلاح قبل ما فعلت نصر ~~وكان خروج فضالة قبل خروج صالح. فأجابه شبيب، فخرج حتى انتهى إلى عنزة، ~~فجعل يقتل محلة بعد محلة حتى انتهى إلى فريق منهم فيهم خالته قد أكبت على ~~ابن لها، وهو غلام حين احتلم، فأخرجت ثديها وقالت: أنشدك برحم هذا يا ~~سلامة! فقال: والله ما رأيت فضالة مذ أناخ بأصل الشجرة، يعني أخاه، لتقومن ~~عنه أو لأجمعنكم بالرمح! فقامت عنه فقتله. ### || AUT ذكر مسير شبيب إلى بني شيبان ms1526 # ### || AUT وإيقاعه بهم # ثن أقبل شبيب في خيله نحو راذان، فهرب منه طائفة من بني شيبان ومعهم ناس ~~من غيرهم قليل حتى نزلوا ديرا خربا إلى جنب حولايا، وهم نحو ثلاثة آلاف، ~~وشبيب في نحو سبعين رجلا أو يزيدون قليلا، فنزل بهم فتحصنوا منه ثم إن ~~شبيبا سرى في اثني عشر رجلا إلى أمة، وكانت في سفح جبل ساتيدما، فقال: ~~لآتين بها تكون في عسكري لا تفارقني حتى تموت أو أموت. فسار بهم ساعة، وإذا ~~هو بجماعة من بني شيبان في أموالهم مقيمين لا يرون أن شبيبا يمر بهم ولا ~~يشعر بهم، فحمل عليهم فقتل ثلاثين شيخا فيهم حوثرة بن أسد، ومضى شبيب إلى ~~أمه فحملها، وأشرف رجل من الدير على أصحاب شبيب، وكان قد استخلف شبيب عليهم ~~أخاه مصاد بن يزيد، وهم قد حصروا من في الدير، فقال: يا قوم بيننا وبينكم ~~القرآن، قال الله تعالى " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام ~~الله ثم أبلغه مأمنه " التوبة:6، فكفوا عنا حتى نخرج إليكم على أمان ~~وتعرضوا علينا رأيكم، فإن قبلناه حرمت عليكم دماؤنا وأموالنا، وإن نحن لم ~~نقبله رددتمونا إلى مأمننا ثم رأيتكم رأيكم. فأجابوهم، فخرجوا إليهم، فعرض ~~عليهم أصحاب شبيب قولهم فقبلوه كله ثم خالطوه ونزلوا إليهم، وجاء شبيب ~~فأخبر بذلك، فقال: أصبتم ووفقتم. ### || AUT ذكر الوقعة بين شبيب وسفيان الخثعمي # ثم إن شبيبا ارتحل فخرج معه طائفة وأقامت طائفة، وسار في أرض الموصل نحو ~~أذربيجان، وكتب الحجاج إلى سفيان بن أبي العالية الخثعي يأمره بالقفول، ~~وكان معه ألف فارس، يريد أن يدخل بها طبرستان. فلما أتاه كتاب الحجاج صالح ~~صاحب طبرستان ورجع، فأمره الحجاج بنزول الدسكرة حتى يأتيه جيش الحارث بن ~~عميرة الهمداني، وهو الذي قتل صالحا، وحتى تأتيه خيل المناظر ثم يسير إلى ~~شبيب. فأقام بالدسكرة ونودي في جيش الحارث: الحرب بالكوفة والمدائن، فخرجوا ~~حتى أتوا سفيان وأتته خيل المناظر عليهم سورة بن الحر التميمي، فكتب إليه ~~سورة بالتوقف حتى يلحقه، فعجل سفيان في ms1527 طلب شبيب فلحقه بخانقين، وارتفع ~~شبيب عنهم حتى كأنه يكره قتالهم، وأكمن أخاه مصادا في هزم من الأرض في ~~خمسين رجلا فارسا، ومضى في سفح الجبل، فقالوا: هرب عدو الله، فاتبعوه، فقال ~~لهم عدي بن عميرة الشيباني: لا تعجلوا حتى نبصر الأرض لئلا يكون قد كمن ~~فيها كمينا. فلم يلتفتوا، فاتبعوه، فلما جازوا الكمين رجع عليهم شبيب وخرج ~~أخوه في الكمين فانهزم الناس بغير قتال وثبت سفيان في نحو من مائتي رجل، ~~فقاتلهم قتالا شديدا، وحمل سويد بن سليم على سفيان فطاعنه، ثم تضاربا ~~بالسيوف واعتنق كل واحد منهما صاحبه، فوقعا إلى الأرض. ثم تحاجزوا وحمل ~~عليهم شبيب فانكشفوا، وأتى سفيان غلام له فنزل عن دابته وأركبه وقاتل دونه، ~~فقتل الغلام ونجا سفيان حتى انتهى إلى بابل مهروذ، وكتب إلى الحجاج بالخبر ~~ويعرفه وصول الجند إلا سورة بن الحر فإنه لم يشهد معي القتال، فلما قرأ ~~الحجاج الكتاب أثنى عليه. ### || AUT ذكر الوقعة بين شبيب وسورة بن الحر # PageV02P0288 # فلما وصل كتاب سفيان إلى الحجاج كتب إلى سورة بن الحر يلومه ويتهدده ~~ويأمره أن ينتخب من المدائن خمسمائة فارس ويسير بهم وبمن معه إلى شبيب. ~~ففعل ذلك سورة وسار نحو شبيب، وشبيب يجول في جوخى، وسورة في طلبه، حتى ~~انتهى إلى المدائن، فتحصنوا منه، وأخذ منها دواب وقتل من ظهر له، فأتى فقيل ~~له: هذا سورة قد أقبل، فخرج حتى أتى النهروان، فصلوا وترحموا على أصحابهم ~~الذين قتلهم علي وتبرأوا من علي وأصحابه. وأخبرت سورة عيونه بمنزل شبيب، ~~فدعا أصحابه فقال: إن شبيبا لا يزيد على مائة رجل، وقد رأيت أن أنتخبكم ~~فأسير في ثلاثمائة رجل من شجعانكم فآتيه وهو آمن بياتكم، فإني أرجو من الله ~~أن يصرعهم. فأجابوه إلى ذلك، فانتخب ثلاثمائة وسار بهم نحو النهروان، وبات ~~شبيب وقد أذكى الحرس، فلما دنا أصحاب سورة علموا بهم فاستووا على خيولهم ~~وتعبوا تعبيتهم للحرب، فلما انتهى إليهم سورة رآهم قد حذروا، فحمل عليهم، ~~فثبتوا له وضاربوهم، وصاح شبيب بأصحابه فحملوا عليهم ms1528 حتى تركوا العرصة، ~~وشبيب يقول: من ينك العير ينك نياكا ... جندلتان اصطكتا اصطكاكا فرجع سورة ~~إلى عسكره وقد هزم الفرسان وأهل القوة، فتحمل بهم وأقبل نحو المدائن واتبعه ~~شبيب يرجو أن يدركه فيصيب عسكره. فوصل إليهم وقد دخل الناس المدائن، وخرج ~~ابن أبي العصيفر أمير المدائن في أهل المدائن فرموا أصحاب شبيب بالنبل ~~والحجارة، فارتفع شبيب عن المدائن فمر على كلواذى فأصاب بها دواب كثرة ~~للحجاج، فأخذها ومضى إلى تكريت وأرجف الناس بالمدائن بوصول شبيب إليهم، ~~فهرب من بها من الجند نحو الكوفة، وكان شبيب بتكريت، ولام الحجاج سورة ~~وحبسه ثم أطلقه. ### || AUT ذكر الحرب بين شبيب والجزل بن سعيد # ### || AUT وقتل سعيد بن مجالد # فلما قدم الفل الكوفة سير الحجاج الجزل بن سعيد بن شر حبيل الكندي، ~~وأسمه عثمان، نحو شبيب، وأوصاه بالاحتياط وترك العجلة، فقال له: لا تبعث ~~معي من الجند المهزوم أحدا فإنهم قد دخلهم الرعب ولا ينتفع بهم المسلمون. ~~قال: قد أحسنت. فأخرج معه أربعة آلاف، فساروا معه، فقدم الجزل بين يديه ~~عياض بن أبي لبنة الكندي، فساروا في طلب شبيب، وجعل شبيب يريه الهيبة له ~~فيخرج من رستاق إلى رستاق ولا يقيم إرادة أن يفرق الجزل أصحابه فيلقاه وهو ~~على غير تعبية. فجعل الجزل لا يسير إلا على تعبية ولا ينزل إلا خندق على ~~نفسه. فلما طال ذلك على شبيب دعة أصحابه وكانوا مائة وستين رجلا، ففرقهم ~~أربع فرق، على كل أربعين رجل من أصحابه، فجعل أخاه مصادا في أربعين، وسويد ~~بن سليم في أربعين، والمحلل بن وائل في أربعين، وبقي هو في أربعين، وأتته ~~عيونه فأخبروه أن الجزل بدير يزدجرد، فأمر شبيب أصحابه فعلقوا على دوابهم، ~~ثم سار بهم وأمر كل رأس من أصحابه أن يأتي الجزل من جهة ذكرها له، وقال: ~~إني أريد أن أبيته، فحمل عليهم مصاد في أربعين رجلا، فقاتلوه ساعة ثم ~~اندفعوا بين يديه، وقد أدركهم شبيب، فقال: اركبوا أكتافهم لتدخلوا عليهم ~~عسكرهم إن استطعتم. واتبعوهم ملحين فانتهوا إلى عسكرهم، ms1529 فمنعهم أصحابه من ~~دخول خندقهم، وكان للجزل مسالح أخرى، فرجعت فمنعتهم من دخول الخندق، وقال: ~~انضحوا عنكم بالنبل. وجعل شبيب يحمل على المسالح حتى اضطرهم إلى الخندق، ~~ورشقهم أهل العسكر بالنبل. فلما رأى شبيب أنه لا يصل إليه قال لأصحابه: ~~سيروا ودعوهم. فمضى على الطريق ثم نزل هو وأصحابه فاستراحوا، ثم أقبل بهم ~~راجعا إلى الجزل أيضا على التعبية الأولى وقال: أطيفوا بعسكرهم. فأقبلوا ~~وقد أدخل أهل العسكر مسالحهم إليهم وقد أمنوا، فما شعروا إلا بوقع حوافر ~~الخيل، فانتهوا إليهم قبل الصبح وأحاطوا بعسكرهم من جهاته الأربع فقاتلوهم. ~~ثم إن شبيبا أرسل إلى أخيه مصاد، وهو يقاتلهم من نحو الكوفة، أن أقبل إلينا ~~وخل لهم الطريق، ففعل، وقاتلوهم من الوجوه الثلاثة حتى أصبحوا، فسار شبيب ~~وتركهم ولم يظفر بهم فنزل على ميل ونصف ثم صلى الغداة ثم سار إلى جرجرايا. ~~وأقبل الجزل في طلبهم على تعبية ولا ينزل إلا في خندق. وسار شبيب في أرض ~~جوخى وغيرها يكسر الخراج، فطال ذلك على الحجاج، فكتب إلى الجزل ينكر عليه ~~إبطاءه ويأمره بمناهضتهم، فجد في طلبهم، وبعث الحجاج سعيد بن مجالد على جيش ~~الجزل وأمره بالجد في قتال شبيب وترك المطاولة. PageV02P0289 # فوصل سعيد إلى الجزل، وهو بالنهروان قد خندق عليه، وقام في العسكر ووبخهم ~~وعجزهم، ثم خرج وأخرج معه الناس وضم إليه خيول أهل العسكر ليسير بهم جريدة ~~إلى شبيب ويترك الباقين مكانهم، فقال له الجزل: ما تريد أن تصنع؟ قال: أقدم ~~على شبيب في هذه الخيل. فقال له الجزل: أقم أنت في جماعة الناس فارسهم ~~وراجلهم وأبرز لهم، فوالله ليقدمن عليك، ولا تفرق أصحابك. فقال: قف أنت في ~~الصف. فقال الجزل: يا سعيد ليس لي في ما صنعت رأي، أنا بريء منه. ووقف ~~الجزل فصف أهل الكوفة وقد أخرجهم من الخندق. وتقدم سعيد بن مجالد ومعه ~~الناس، وقد أخذ شبيب إلى قطيطيا فدخلها، وأمر دهاقا أن يصلح لهم غداء، ففعل ~~وأغلق الباب، يفرغ من الغداء حتى أتاه سعيد في ذلك العسكر، ms1530 فأقبل الدهقان ~~فأعلم شبيبا بهم، فقال: لا بأس، قرب الغداء، فقربه، فأكل وتوضأ وصلى ركعتين ~~وركب بغلا له وخرج عليه، وسعيد على باب المدينة، فحمل عليهم فقال: لا حكم ~~إلا للحكم الحكيم، أنا أبو مدله، اثبتوا إن شئتم. وجعل سعيد يقول: هؤلاء ~~إنما هم أكلة رأس، وجعل يجمع خليه ويرسلها في أثر شبيب، فلما رأى شبيب ~~تفرقهم جمع أصحابه وقال: استعرضوهم فوالله لأقتلن أميرهم أو ليقتلني. وحمل ~~عليهم مستعرضا، فهزمهم، وثبت سعيد ونادى أصحابه، فحمل عليه شبيب فضربه ~~بالسيف فقتله، وانهزم ذلك الجيش وقتلوا حتى انتهوا إلى الجزل، فناداهم: ~~أيها الناس إلي إلي وقاتل قتالا شديدا حتى حمل من بين القتلى جريحا، وقدم ~~المنهزمون الكوفة، وكتب الجزل إلى الحجاج بالخبر ويخبره بقتل سعيد وأقام ~~بالمدائن، وكتب إليه الحجاج يثني عليه ويشكره، وأرسل إليه حيان بن أبهر ~~ليداوي جراحه وألفي درهم لينفقها، وبعث إليه عبد الله بن أبي عصيفر بألف ~~درهم، فكان يعوده ويتعاهده بالهدية. وسار سبيب نحو المدائن، فعلم أنه لا ~~سبيل له إلى أهلها مع المدينة، فأقبل حتى انتهى إلى الكرخ فعبر دجلة إليها، ~~فأرسل إلى السوق بغداد فآمنهم، وكان يوم سوقهم، وبلغه أنهم يخافونه، واسترى ~~أصحابه دواب وأشياء يريدونها. ### || AUT ذكر مسير شبيب إلى الكوفة # ثم سار إلى الكوفة فنزل عند حمام عمير بن سعد، فلما بلغ الحجاج مكانه ~~بعث سويد بن عبد الرحمن السعدي في ألفي رجل إليه، وقال له: الق شبيبا فإن ~~استطرد لك فلا تتبعه. فخرج وعسكر بالسبخة، فبلغه أن شبيبا قد أقبل فسار ~~نحوه، فكأنما يساقون إلى الموت، فأمر الحجاج عثمان بن قطن فعسكر بالناس في ~~السبخة، وسار سويد إلى زرارة فهو يعبئ أصحابه إذ قيل قد أتاك شبيب، فنزل ~~ونزل معه جل أصحابه، فأخبر أن شبيبا قد تركك وعبر الفرات وهو يريد الكوفة ~~من وجه آخر، فنادى في أصحابه فركبوا في آثارهم، وبلغ من بالسبخة مع عثمان ~~إقبال شبيب إليهم، فصاح بعضهم ببعض وهموا أن يدخلوا الكوفة حتى قيل لهم: إن ~~سويدا في ms1531 آثارهم قد لحقهم وهو يقاتلهم، وحمل شبيب على سويد ومن معه حملة ~~منكرة، فلم يقدر منهم على شيء، وأخذ على بيوت الكوفة نحو الحيرة، وذلك عند ~~المساء، وتبعه سويد إلى الحيرة، فرآه قد ترك الحيرة وذهب، فتركه سويد وأقام ~~حتى أصبح، وأرسل إلى الحجاج يعلمه بمسير شبيب. ### || AUT ذكر محاربة شبيب أهل البادية # وكتب الحجاج إلى سويد يأمره باتباعه، فاتبعه، ومضى شبيب حتى أغار أسفل ~~الفرات على من وجد من قومه وارتفع في البر وراء خفان فأصاب رجالا من بني ~~الورثة، فقتل منهم ثلاثة عشر رجلا، منهم حنظلة بن مالك، ومضى شبيب حتى أتى ~~بني أبيه على اللصف، وعلى ذلك الماء الفزر بن الأسود، وهو أحد بني الصلت، ~~وكان ينهى شبيبا عن رأيه، وكان شبيب يقول: لئن ملكت وانهزم منه الرجال ورجع ~~وقد أخاف أهل البادية فأخذ على القطقطانة ثم على قصر بني مقاتل ثم على ~~الحصاصة ثم على الأنبار، ومضى حتى دخل دقوقاء، ثم ارتفع إلى أداني ~~أذربيجان. فلما أبعد سار الحجاج إلى البصرة واستخلف على الكوفة عروة بن ~~المغيرة بن شعبة. فما شعر الناس إلا وقد أتاهم كتاب دهقان بابل مهروذ إلى ~~عروة يذكر له أن بعض جباة الخراج أخبره أن شبيبا قد نزل خانيجار، وهو على ~~قصد الكوفة، فأرسل عروة الكتاب إلى الحجاج بالبصرة فأقبل مجدا نحو الكوفة ~~يسابق شبيبا إليها. ### || AUT ذكر دخول شبيب الكوفة # PageV02P0290 # وأقبل شبيب إلى قرية اسمها حربى، فقال: حرب يصلى بها عدوكم، ثم سار فنزل ~~عقر قوف، فقال له سويد بن سليم: يا أمير المؤمنين لو تحولت من هذه القرية ~~المشؤومة الاسم. قال: وقد تطيرت أيضا! والله لا أسير إلى عدوي إلا منها، ~~وإنما شؤمها على عدونا والعقر لهم، إن شاء الله. ثم سار منها يبادر الحجاج ~~إلى الكوفة، وكانت كتب عروة ترد عليه، أعني الحجاج، يحثه على العجل إليهم، ~~فطوى الحجاج المنازل، فنزلها الحجاج صلاة العصر، ونزل شبيب بالسبخة صلاة ~~المغرب، فأكلوا شيئا ثم ركبوا خيولهم فدخلوا الكوفة وبلغوا السوق، وضرب ms1532 ~~شبيب باب القصر بعموده فأثر فيه أثرا عظيما، ثم وقف عند المصطبة وقال: عبد ~~دعي من ثمود أصله ... لابل يقال أبو أبيهم يقدم يعني الحجاج؛ فإن بعض الناس ~~يقول: إن شقيقا بقايا ثمود، وبعضهم يقول: هم من نسل يقدم الإيادي. ثم ~~اقتحموا المسجد الأعظم، وكان لا يزال فيه قوم يصلون، فقتلوا عقيل بن مصعب ~~الوادعي وعدي بن عمرو الثقفي وأبا ليث بن أبي سليم ومروا بدار حوشب، وهو ~~على الشرط، فقالوا: إن الأمير يطلبه، فأراد الركوب ثم أنكرهم فلم يخرج ~~إليهم، فقتلوا غلامه، ثم أتى الجحاف بن نبيط الشيباني فقال له: انزل لنقضيك ~~ثمن البكرة التي اشتريت منك بالبادية. فقال الجحاف: أما ذكرت أمانتك إلا ~~والليل أظلم وأنت على فرسك يا سويد؟ قبح الله دينا لا يصلح إلا بإراقة ~~الدماء وقتل القرابة. ثم مروا بمسجد ذهل فرأوا ذهل بن الحارث، وكان يطيل ~~الصلاة فيه، فقتلوه، ثم خرجوا من الكوفة فاستقبلهم النضر بن قعقاع بن شور ~~الذهلي، فقال له: السلام عليك أيها الأمير. فقال له سويد: أمير المؤمنين ~~ويلك! فقال: أمير المؤمنين. فقال له شبيب: يا نضر لاحكم إلا لله، وأراد ~~يلعنه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فشد أصحاب شبيب عليه فقتلوه، وكان ~~قد أقبل مع الحجاج من البصرة فتخلف عنه وكانت أم النضر ناجية بنت هانئ بن ~~قبصة الشيباني فأحب شبيب نجاته. ثم خرجوا نحو المردمة وأمر الحجاج مناديا ~~فنادى: يا خيل الله اركبي، وهو فوق باب القصر، وعنده مصباح، فكان أول من ~~أتاه عثمان بن قطن بن عبد الله بن الحصين ذي القصة، فقال: أعلموا الأمير ~~بمكاني. فقال له غلام للحجاج: قف بمكانك. وجاء الناس من كل جانب. ثم إن ~~الحجاج بعث بشر بن غالب الأسدي في ألفي رجل، وزائدة بن قدامة الثقفي في ~~ألفي رجل، وأبا الضريس مولى بني تميم في ألفي رجل، وعبد الأعلى بن عبد الله ~~بن عامر وزياد بن عمرو العتكي. وكان عبد الملك بن مروان قد استعمل محمد بن ~~موسى بن طلحة بن ms1533 عبيد الله على سجستان، وكتب إلى الحجاج ليجهزه ويسيره ~~سريعا في ألف رجل إلى عمله، فأقام يتجهز، وحدث من أمر شبيب ما حدث، فقال له ~~الحجاج: تلقى شبيبا وهذه الخارجة فتجاهدهم ويكون الظفر لك ويطير اسمك ثم ~~تمضي إلى عملك. فسيره معهم، وقال لهؤلاء الأمراء: إن كان حرب فأميركم زائدة ~~بن قدامة. فسار هؤلاء الأمراء فنزلوا أسفل الفرات، فترك شبيب الوجه الذي هم ~~فيه وأخذ نحو القادسية. ### || AUT ذكر محاربة شبيب زحر بن قيس # ووجه الحجاج جريدة خيل نقاوة ألف وثمانمائة فارس مع زحر بن قيس، وقال ~~له: اتبع شبيبا حتى تواقعه أين أدركته إلا أن يكون ذاهبا فاتركه ما لم يعطف ~~عليك أو يقيم. فخرج زحر حتى انتهى إلى السيلحين، وأقبل شبيب نحوه، فالتقيا، ~~فجمع شبيب خيله ثم اعترض بهم الصف حتى انتهى إلى زحر، فقاتل زحر حتى صرع ~~وانهزم أصحابه وظنوا أنهم قتلوه، فلما كان السحر وأصابه البرد قام يتمشى ~~حتى دخل قرية فبات بها وحمل منها إلى الكوفة وبوجهه وبرأسه بضع عشرة جراحة، ~~فمكث أياما ثم أتى الحجاج فأجلسه معه على السرير، وقال لمن حوله: من أراد ~~أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين الناس وهو شهيد فلينظر إلى هذا. ### || AUT ذكر محاربة الأمراء المقدم ذكرهم وقتل محمد بن موسى بن طلحة # فلما هزم أصحاب زحر قال أصحاب شبيب لشبيب: قد هزمنا لهم جندا، انصرف بنا ~~الآن وافرين. فقال لهم: هذه الهزيمة قد أرعبت هؤلاء الأمراء والجنود الذين ~~في طلبكم، فاقصدوا بنا نحوهم فوالله لئن قاتلناهم فما دون الحجاج مانع ~~ونأخذ الكوفة إن شاء الله تعالى. فقالوا: نحن لرأيك تبع. PageV02P0291 # فسار وسأل عن الأمراء فأخبر أنهم بروذبار على أربعة وعشرين فرسخا من ~~الكوفة، فقصدهم، فأرسل إليهم الحجاج يعلمهم بمسيره ويقول لهم: إن أمير ~~الجماعة زائدة بن قدامة. وانتهى إليهم شبيب وقد تعبأوا للحرب، فكان على ~~ميمنة أهل الكوفة زياد بن عمرو العتكي، وفي ميسرتهم بشر بن غالب الأسدي، ~~وكل أمير واقف في أصحابه، وأقبل شبيب ms1534 على فرس كميت أغر في ثلاث كتائب، ~~كتيبة فيها سويد بن سليم، فوقف بإزاء الميمنة، وكتبة فيها مصاد، أخو شبيب، ~~فوقف بإزاء الميسرة، ووقف شبيب مقابل القلب. فخرج زائدة بن قدامة يسير في ~~الناس ويحثهم على الجهاد لعدوهم والقتال ويطمعهم في عدوهم لقلته وباطله ~~وكثرتهم وأنهم على الحق، ثم انصرف إلى موقفه، فحمل سويد بن سليم على زياد ~~بن عمرو، فانكشفوا وثبت زياد في نحو من نصف أصحابه، ثم ارتفع عنهم سويد ~~قليلا ثم حمل عليهم ثانية، فتطاعنوا ساعة وصبر زياد ساعة وقاتل زياد قتالا ~~شديدا وقاتل سويد أيضا قتالا شديدا، وإنه لأشجع العرب، ثم ارتفع سويد عنهم ~~وإذا أصحاب زياد يتفرقون، فقال لسويد أصحابه: ألا تراهم يتفرقون؟ احمل ~~عليهم. فقال لهم شبيب: خلوهم حتى يخفوا؛ فتركهم قليلا ثم حمل الثالثة ~~فانهزموا، وأخذت زياد بن عمرو السيوف من كل جانب، فما ضره منها شيء للبسة ~~التي عليه، ثم إنه انهزم وقد جرح جراحة يسيرة، وذلك عند المساء. ثم حملوا ~~على عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فهزموه، ولم يقاتل كثيرا، ولحق بزياد ~~بن عمرو، فمضيا منهزمين، وحملت الخوارج حتى انتهت إلى محمد بن موسى بن طلحة ~~عند المغرب فقاتلوه قتالا شديدا وصبر لهم، ثم إن مصادا أخا شبيب حمل على ~~بشر بن غالب وهو في ميسرة أهل الكوفة، فصبر بشر ونزل معه نحو خمسين رجلا، ~~فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم وانهزم أصحابه. وحملت الخوارج على أبي الضريس ~~مولى بني تميم، وهو يلي بشر بن غالب، فهزموه، حتى انتهى إلى موقف أعين ~~فهزموهما، حتى انتهوا بهما إلى زائدة ابن قدامة، فلما انتهوا إليه نادى: يا ~~أهل الإسلام! الأرض الأرض، لا يكونوا على كفرهم أصبر منكم على إيمانكم. ~~فقاتلهم عامة الليل حتى كان السحر. ثم إن شبيبا حمل عليه في جماعة من ~~أصحابه فقتله وقتل أصحابه وتركهم ربضة حوله. ولما قتل زائدة دخل أبو الضريس ~~وأعين جوسقا عظيما، وقال شبيب لأصحابه: ارفعوا السيف عن الناس وادعوهم إلى ~~البيعة. فدعوهم إلى البيعة ms1535 عند الفجر فبايعوه. وكان فيمن بايعه أبو بردة بن ~~أبي موسى، فقال شبيب لأصحابه: هذا ابن أحد الحكمين. فأرادوا قتله، فقال ~~شبيب: ما ذنب هذا؟ وتركه، وسلموا على شبيب بإمرة المؤمنين وخلى سبيلهم، ~~فبقوا كذلك حتى انفجر الفجر، فلما ظهر الفجر أمر محمد بن موسى مؤذنه فأذن، ~~وكان لم ينهزم، فسمع شبيب الأذان فقال: ما هذا؟ قالوا: محمد بن موسى بن ~~طلحة لم يبرح. فقال: قد ظننت أن حمقه وخيلاءه يحمله على هذا. ثم نزل شبيب ~~فأذن هو وصلى بأصحابه الصبح ثم ركبوا فحملوا على محمد وأصحابه، فانهزمت ~~طائفة منهم وثبتت معه طائفة، فقتل حتى قتل، وأخذت الخوارج ما كان في العسكر ~~وانهزم الذين كانوا بايعوا شبيبا فلم يبق منهم أحد. ثم أتى شبيب الجوسق ~~الذي فيه أعين وأبو الضريس فتحصنوا منه، فأقام عليهم ذلك اليوم وسار عنهم. ~~فقال أصحابه: ما دون الكوفة أحد يمنع، فنظر وإذا أصحابه قد جرحوا، فقال ~~لهم: ما عليكم أكثر مما فعلتم. فخرج بهم على نفر ثم على الصراة فأتى ~~خانيجار فأقام بها. فبلغ الحجاج ميسره نحو نفر فظن أنه يريد المدائن، وهي ~~باب الكوفة، ومن أخذها كان في يده من السواد أكثره، فهال ذلك الحجاج فبعث ~~عثمان بن قطن أميرا على المدائن وجوخى والأنبار وعزل عنها عبد الله بن أبي ~~عصيفر، وكان بها الجزل يداوي جراحته، فلم يتعهده عثمان كما كان ابن أبي ~~عصيفر يفعل، فقال الجزل: اللهم زد ابن أبي عصيفر جودا وفضلا، وزد عثمان بن ~~قطن بخلا وضيقا. PageV02P0292 # وقد قيل في مقتل محمد بن موسى غير هذا، والذي ذكر من ذلك أن محمد بن موسى ~~كان قد شهد مع عمر بن عبيد الله بن معمر قتال أبي فديك، وكان شجاعا ذا بأس، ~~فزوجه عمر ابنته، وكانت أخته تحت عبد الملك بن مروان، فولاه سجستان، فمر ~~بالكوفة وفيها الحجاج فقيل له: إن صار هذا بسجستان مع صهره، لعبد الملك، ~~فلجأ إليه أحد ممن تطلب منعك منه. فقال: وما الحيلة؟ قال: تأتيه وتسلم عليه ms1536 ~~وتذكر نجدته وبأسه، وأن شبيبا في طريقه وأنه قد أعياك وترجو أن يريح الله ~~منه على يده فيكون له ذكره وفخره. ففعل الحجاج ذلك، فأجابه محمد وعدل إلى ~~شبيب، فأرسل إليه شبيب: غنك مخدوع وإن الحجاج قد اتقى بك وأنت جار لك حق ~~فانطلق لما أمرت به ولك الله لا أؤذيك. فأبى إلا محاربته، فواقفه شبيب ~~وأعاد إليه الرسول، فأبى وطلب البراز، فبرز إليه البطين بن قعنب وسويد بن ~~سليم، فأبى إلا شبيبا - فقالوا ذلك لشبيب، فبرز شبيب إليه وقال له: أنشدك ~~الله في دمك فإن لك جوارا، فأبى، فحمل شبيب عليه فضربه بعمود حديد وزنه ~~اثنا عشر رطلا بالشامي، فهشم البيضة ورأسه، فسقط ميتا، ثم كفنه ودفنه ~~وابتاع ما غنموا من عسكره فبعثه إلى أهله واعتذر إلى أصحابه، وقال: هو جاري ~~ولي أن أهب ما غنمت لأهل الردة. ### || AUT ذكر محاربة شبيب وقتل عثمان بن قطن # ### || AUT ذكر محاربة شبيب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وقتل عثمان بن قطن # ثم إن الحجاج دعا عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وأمره أن ينتخب من الناس ~~ستة آلاف فارس ويسير في طلب شبيب أين كان، ففعل ذلك وسار نحوه، وكتب الحجاج ~~إليه وإلى أصحابه يتهددهم بالقتل والتنكيد إن انهزموا. فوصل عبد الرحمن إلى ~~المدائن، فأتى الجزل يعوده من جراحته، فأوصاه الجزل بالاحتياط وحذره من ~~شبيب وأصحابه وأعطاه فرسا كانت له تسمى الفسيفساء، وكانت لا تجارى، ثم ودعه ~~عبد الرحمن وسار إلى شبيب. فسار شبيب إلى دقوقاء وشهرزور، فخرج عبد الرحمن ~~في طلبه حتى إذا كان بالتخوم وقف وقال: هذه أرض الموصل فليقاتلوا عنها. ~~فكتب إليه الحجاج: أما بعد فاطلب شبيبا واسلك في أثره أين سلك حتى تدركه ~~فتقتله أو تنفيه، فإنما السلطان سلطان أمير المؤمنين والجند جنده والسلام. ~~فخرج عبد الرحمن في أثر شبيب، فكان شبيب يدعه حتى يدنو منه فيبيته فيجده قد ~~خندق على نفسه وحذر، فيتركه ويسير، فيتبعه عبد الرحمن. فإذا بلغ شبيبا ~~مسيره أتاهم وهم سائرون فيجدهم ms1537 على تعبية فلا يصيب منه غرة، ثم جعل إذا دنا ~~منه عبد الرحمن يسير عشرين فرسخا أو ما يقاربها فينزل في أرض خشنة غليظة ~~ويتبعه عبد الرحمن، فإذا دنا منه فعل مثل ذلك حتى عذب ذلك الجيش وشق عليه ~~وأحفى دوابهم ولقوا منه كل بلاء، ولم يزل عبد الرحمن يتبعه حتى مر به على ~~خانقين وجلولاء وسامرا، ثم أقبل إلى البيت، وهي من قرى الموصل، ليس بينها ~~وبين سواد الكوفة إلا نهر حولايا، وهو في راذان الأعلى من أرض جوخى، ونزل ~~عبد الرحمن في عواقيل من النهر لأنها مثل الخندق. فأرسل شبيب إلى عبد ~~الرحمن يقول: إن هذه الأيام عيد لنا ولكم، يعني عيد النحر، فهل لك في ~~الموادعة حتى تمضي هذه الأيام؟ فأجابه إلى ذلك، وكان يحب المطاولة، وكتب ~~عثمان بن قطن إلى الحجاج: أما بعد فإن عبد الرحمن قد حفر جوخى كلها خندقا ~~واحدا وكسر خراجها وخلى شبيبا يأكل أهلها، والسلام. فكتب إليه الحجاج يأمره ~~بالمسير إلى الجيش وجعله أميرهم وعزل عنهم عبد الرحمن، وبعث الحجاج إلى ~~المدائن مطرف بن المغيرة بن شعبة، وسار عثمان حتى قدم على عبد الرحمن وعسكر ~~الكوفة، فوصل عشية الثلاثاء يوم التروية، فنادى الناس وهو على بغلة: أيها ~~الناس اخرجوا إلى عدوكم. فوثب إليه الناس وقالوا: هذا المساء قد غشينا ~~والناس لم يوطنوا أنفسهم على الحرب، فبت الليلة ثم اخرج على تعبية، وهو ~~يقول: لأناجزنهم فلتكونن الفرصة لي أو لهم. فأتاه عبد الرحمن فأنزله. وكان ~~شبيب قد نزل ببيعة البت، فأتاه أهلها فقالوا له: أنت ترحم الضعفاء وأهل ~~الذمة ويكلمك من تلي عليه ويشكون إليك فتنظر إليهم، وإن هؤلاء جبابرة لا ~~يكلمون ولا يقبلون العذر، والله لئن بلغهم أنك مقيم في بيعتنا ليقتلننا إذا ~~ارتحلت عنا، فإن رأيت أن تنزل جانب القرية ولا تجعل علينا مقالا فافعل. ~~فخرج عن البيعة فنزل جانب القرية. PageV02P0293 # وبات عثمان ليلته كلها يحرض أصحابه، فلما أصبح يوم الأربعاء خرج بالناس ~~كلهم، فاستقبلهم ريح شديدة وغبرة شديدة، فصاح الناس ms1538 وقالوا له: ننشدك الله ~~أن تخرج بنا والريح علينا. فأقام بهم ذلك اليوم، ثم خرج بهم يوم الخميس وقد ~~عبأ الناس، فجعل في الميمنة خالد بن نهيك بن قيس، وعلى الميسرة عقيل بن ~~شداد السلولي، ونزل هو في الرجالة، وعبر شبيب النهر إليهم، وهو يومئذ في ~~مائة وأحد وثمانين رجلا، فوقف هو في الميمنة وجعل أخاه مصادا في القلب، ~~وجعل سويد بن سليم في الميسرة، وزحف بعضهم إلى بعض. وقال شبيب لأصحابه: إني ~~حامل على ميسرتهم مما يلي النهر فإذا هزمتها فليحمل صاحب ميسرتي على ~~ميمنتهم ولا يبرح صاحب القلب حتى يأتيه أمري. وحمل على ميسرة عثمان ~~فانهزموا، ونزل عقيل بن شداد فقاتل حتى قتل، وقتل أيضا مالك بن عبد الله ~~الهمداني عم عياش بن عبد الله المنتوف، ودخل شبيب عسكرهم، وحمل سويد على ~~ميمنة عثمان فهزمها وعليها خالد بن نهيك، فقاتله قتالا شديدا، وحمل شبيب من ~~ورائه فقتله. وتقدم عثمان بن قطن وقد نزل معه العرفاء وأشراف الناس ~~والفرسان نحو القلب، وفيه مصاد أخو شبيب في نحو من ستين رجلا، فلما دنا ~~منهم عثمان شد عليهم فيمن معه فضاربوهم حتى فرقوا بينهم، وحمل شبيب بالخيل ~~من ورائهم، فما شعر عثمان ومن معه إلا والرماح في أكتافهم تكبهم لوجوههم، ~~وعطف عليهم سويد بن سليم أيضا في خيله، ورجع مصاد وأصحابه فاضطربوا ساعة، ~~وقاتل عثمان بن قطن أحسن قتال، ثم إنهم أحاطوا به وضربه مصاد أخو شبيب ضربة ~~بالسيف استدار لها وقال: " وكان أمر الله مفعولا " الأحزاب:37، ثم إن الناس ~~قتلوه ووقع عبد الرحمن، فاتاه ابن أبي سبرة الجعفي، وهو على بغله، فعرفه ~~فأركبه معه ونادى في الناس: الحقوا بدير أبي مريم؛ ثم انطلقا ذاهبين. ورأى ~~واصل السكوني فرس عبد الرحمن التي أعطاه الجزل تجول في العسكر، فأخذها بعض ~~أصحاب شبيب، فظن أنه قتل فطلبه في القتلى فلم يجده، فسأل عنه فأعطي خبره، ~~فاتبعه واصل على برذونه ومعه غلامه على بغل، فلما دنا منهما نزل عبد الرحمن ~~وابن أبي سبرة ليقاتلا، ms1539 فلما رآهما واصل عرفهما وقال: إنكما تركتما النزول ~~في موضعه فلا تنزلا الآن! وحسر عمامته عن وجهه فعرفاه، وقال لابن الأشعث: ~~قد أتيتك بهذا البرذون لتركبه، فركبه وسار حتى نزل دير البقار. وأمر شبيب ~~أصحابه فرفعوا السيف عن الناس ودعاهم إلى البيعة فبايعوه وقتل من كندة ~~يومئذ مائة وعشرون، وقتل معظم العرفاء. وبات عبد الرحمن بدير البقار، فأتاه ~~فارسان فصعدا إليه، فخلا أحدهما بعبد الرحمن طويلا ثم نزل فتبين أن ذلك ~~الرجل كان شبيبا، وقد كان بينه وبين عبد الرحمن مكاتبة، وسار عبد الرحمن ~~حتى أتى دير أبي مريم، فاجتمع الناس إليه وقالوا له: إن سمع شبيب بمكانك ~~أتاك فكنت له غنيمة. فخرج إلى الكوفة واختفى من الحجاج حتى أخذ له الأمان منه. ### || AUT ذكر ضرب الدراهم والدنانير الإسلامية # وفي هذه السنة ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم، وهو أول من ~~أحدث ضربها في الإسلام، فانتفع الناس بذلك. وكان سبب ضربها أنه كتب في صدور ~~الكتب إلى الروم: " قل هو الله أحد " الإخلاص: 1، وذكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، مع التاريخ، فكتب إليه ملك الروم: إنكم قد أحدثتم كذا وكذا فاتركوه ~~وإلا أتاكم في دنانيرنا من ذكرنا نبيكم ما تكرهون. فعظم ذلك عليه. فأحضر ~~خالد بن يزيد بن معاوية فاستشاره فيه، فقال: حرم دنانيرهم واضرب للناس سكة ~~فيها ذكر الله تعالى. فضرب الدنانير والدراهم. ثم إن الحجاج ضرب الدراهم ~~ونقش فيها: " قل هو الله أحد " ، فكره الناس ذلك لمكان القرآن لأن الجنب ~~والحائض يمسها، ونهى أن يضرب أحد غيره، فضرب سمير اليهودي، فأخذه ليقتله، ~~فقال له: عيار درهمي أجود من دراهمك فلم تقتلني؟ فلم يتركه، فوضع للناس سنج ~~الأوزان ليتركه فلم يفعل، وكان الناس لا يعرفون الوزن إنا يزنون بعضها ~~ببعض، فلما وضع لهم سيمر السنج كف بعضهم عن غبن بعض. PageV02P0294 # وأول من شدد في أمر الوزن وخلس الفضة أبلغ من تخليص من قبله عمر بن هبيرة ~~أيام يزيد بن عبد الملك، وجود الدراهم، وخلص العيار واشتد فيه. ثم ms1540 كان خالد ~~بن عبد الله القسري أيام هشام بن عبد الملك فاشتد أكثر من ابن هبيرة. ثم ~~ولي يوسف بن عمر فأفرط في الشدة، فامتحن يوما العيار فوجد درهما ينقص حبة ~~فضرب كل صانع ألف سوط. وكانوا مائة صانع، فضرب في حبة مائة ألف سوط. وكانت ~~الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بني أمية، ولم يكن المنصور يقبل في ~~الخراج غيرها، فسميت الدراهم الأولى مكروهة. وقيل: إن المكروهة الدراهم ~~التي ضربها الحجاج ونقش عليها: " قل هو الله أحد " ، فكرهها العلماء لأجل ~~مس الجنب والحائض. وكانت دراهم الأعجام مختلفة كبارا وصارا، وكانوا يضربون ~~مثقالا، وهو وزن عشرين قيرطا، ومنها وزن اثني عشر قيراطا، ومنها وزن عشرة ~~قراريط، وهي أصناف المثاقيل، فلما ضرب الدراهم في الإسلام أخذوا عشرين ~~قيراطا واثني عشر قيراطا وعشرة قراريط فوجدوا ذلك اثنين وأربعين قيراطا ~~فضربوا على الثلث من ذلك، وهو أربعة عشر قيراطا، فوزن الدرهم العربي أربعة ~~عشر قيراطا، فصار وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقيل: إن مصعب بن الزبير ~~ضرب دراهم قليلة أيام أخيه عبد الله بن الزبير، ثم كسرت بعد ذلك أيام عبد ~~الملك. والأول أصح في أن عبد الملك أول من ضرب الدراهم والدنانير. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وفد يحيى بن الحكم على عبد الملك. وفيها ولى عبد الملك ~~المدينة أبان بن عثمان. وفيها ولد مروان بن محمد بن مروان. وأقام الحج ~~للناس هذه السنة أبان بن عثمان، وهو أمير المدينة. وكان على العراق الحجاج، ~~وعلى خراسان أمية بن عبد الله بن خالد، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء ~~البصرة زرارة بن أوفى. وفيها غزا محمد بن مروان الروم من ناحية ملطية. ~~وفيها مات حبة بن جوين العرني صاحب علي. حبة بالحاء المهملة، وبالباء ~~الموحدة، وهو منسوب إلى عرنة، بالعين المهملة المضمومة، والراء المهملة، والنون. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وسبعين # ### || AUT ذكر محاربة شبيب عتاب بن ورقاء # ### || AUT وزهرة بن حوية وقتلهما # وفي هذه السنة قتل شبيب عتاب بن ورقاء ms1541 الرياحي وزهرة بن حوية. وسبب ذلك ~~أن شبيبا لما هزم الجيش الذي كان وجهه الحجاج مع عبد الرحمن بن محم بن ~~الأشعث، وقتل عثمان بن قطن، كان ذلك في حر شديد، وأتى شبيب ماه بهراذان ~~فصيف بها ثلاثة أشهر، وأتاه ناس كثير ممن يطلب الدنيا وممن كان الحجاج ~~يطلبهم بمال أو تبعات. فلما ذهب الحر خرج شبيب في نحو ثمانمائة رجل فأقبل ~~نحو المدائن، وعليها مطرف بن المغيرة بن شعبة، فجاء حتى نزل قناطر حذيفة بن ~~اليمان، فكتب عظيم بابل مهروذ إلى الحجاج بذلك، فلما قرأ الكتاب قام في ~~الناس فقال: أيها الناس لتقاتلن عن بلادكم وعن فيئكم أو لأبعثن إلى قوم هم ~~أطوع وأصبر على اللأواء والقيظ منكم فيقاتلون عدوكم ويأكلون فيئكم. فقام ~~إليه الناس من كل جانب ومكان فقالوا: نحن نقاتلهم ونعتب الأمير، فلتند بن ~~الأمير إليهم. وقام إليه زهرة بن حوية، وهو شيخ كبير لا يستتم قائما حتى ~~يؤخذ بيده، فقال له: أصلح الله الأمير أنك إنما تبعث إليهم الناس منقطعين، ~~فاستنفر الناس إليهم كافة وابعث إليهم رجلا شجاعا مجربا ممن يرى الفرار ~~هضما وعارا، والصبر مجدا وكرما. فقال الحجاج: فأنت ذلك الرجل فاخرج. فقال ~~زهرة: أصلح الله الأمير، إنما يصلح الرجل يحمل الدرع والرمح ويهز السيف ~~ويثبت على متن الفرس، وأنا لا أطيق من هذا شيئا، وقد ضعف بصري وضعفت، ولكن ~~أخرجني مع الأمير في الناس فأكون معه وأشير عليه برأيي. فقال الحجاج: جزاك ~~الله خيرا عن الإسلام وأهله في أول أمرك وآخره، فقد نصحت. ثم قال: أيها ~~الناس سيروا بأجمعكم كافة. فانصرف الناس يتجهزون ولا يدرون من أميرهم. وكتب ~~الحجاج إلى عبد الملك يخبره أن شبيبا قد شارف المدائن وأنه يريد الكوفة وقد ~~عجز أهل الكوفة عن قتاله في مواطن كثيرة، يقتل أمراءهم ويهزم جنودهم؛ ويطلب ~~إليه أن يبعث إليه جندا من الشام يقاتلون الخوارج ويأكلون البلاد. ~~PageV02P0295 # فلما أتى الكتاب بعث إليه عبد الملك سفيان بن الأبرد الكلبي في أربعة ~~آلاف، وحبيب بن عبد الرحمن ms1542 الحكمي في ألفين. فبعث الحجاج إلى عتاب بن ورقاء ~~الرياحي، وهو مع المهلب، يستدعيه، وكان عتاب قد كتب إلى الحجاج يشكو من ~~المهلب ويسأله أن يضمه إليه لأن عتابا طلب من المهلب أن يرزق أهل الكوفة ~~الذين معه من مال فارس، فأبى عليه وجرت بينهما منافرة فكادت تؤدي إلى ~~الحرب، فدخل المغيرة بن المهلب بينهما فأصلح الأمر وألزم أباه برزق أهل ~~الكوفة، فأجابه إلى ذلك، وكتب يشكو منه. فلما ورد كتابه سر الحجاج بذلك ~~واستدعاه، ثم جمع الحجاج أهل الكوفة واستشارهم فيمن يوليه أمر الجيش، ~~فقالوا: رأيك أفضل. فقال: قد بعثت إلى عتاب وهو قادم عليكم الليلة أو ~~القابلة. فقال زهرة: أيها الأمير رميتهم بحجرهم، والله لا نرجع إليك حتى ~~نظفر أو نقتل. وقال له قبيصة بن والق: إن الناس قد تحدثوا أن جيشا قد وصل ~~إليك من الشام، وأن أهل الكوفة قد هزموا وهان عليهم الفرار، فقلوبهم كأنها ~~ليست فيهم، فإن رأيت أن تبعث إلى أهل الشام ليأخذوا حذرهم ولا يبيتوا إلا ~~وهم محتاطون فإنك تحارب حولا قلبا ظعانا رحالا، وقد جهزت إليهم أهل الكوفة ~~ولست واثقا بهم كل الثقة، وإن شبيبا بينا هو في أرض إذا هو في أخرى، ولا ~~آمن أن يأتي أهل الشام وهم آمنون، فإن يهلكوا نهلك ويهلك العراق. قال له: ~~لله أبوك ما أحسن ما أشرت به! وأرسل إلى أهل الشام يحذرهم ويأمرهم أن يأتوا ~~على عين التمر، ففعلوا. وقدم عتاب بن ورقاء تلك الليلة، فبعثه الحجاج على ~~ذلك الجيش، فعسكر بحمام أعين، وأقبل شبيب حتى انتهى إلى كلواذى فقطع فيها ~~دجلة، ثم سار حتى نزل مدينة بهرسير الدنيا، فصار بينه وبين مطرف جسر دجلة ~~وقطع مطرف الجسر وبعث إلى شبيب أن ابعث إلي رجالا من وجوه أصحابك أدراسهم ~~القرآن وأنظر فيما يدعون إليه، فبعث إليه قعنب بن سويد والمحلل وغيرهما، ~~وأخذ منه رهائن إلى أن يعودوا، فأقاموا عنده أربعة أيام ثم لم يتفقوا على ~~شيء. فلما لم يتبعه مطرف تهيأ للمسير إلى عتاب ms1543 وقال لأصحابه: إني كنت عازما ~~أن آتي أهل الشام جريدة وألقاهم على غرة قبل أن يتصلوا بأمير مثل الحجاج ~~ومصر مثل الكوفة، فثبطني عنهم مطرف، وقد جاءتني عيوني فأخبروني أن أوائلهم ~~قد دخلوا عين التمر فهم الآن قد شارفوا الكوفة، وقد أخبروني أن عتابا ومن ~~معه بالبصرة، فما أقرب ما بيننا وبينه، فتيسروا للمسير إلى عتاب. وخاف مطرف ~~بن المغيرة أن يبلغ خبره مع شبيب إلى الحجاج، فخرج نحو الجبال. فأرسل شبيب ~~أخاه مصادا إلى المدائن وعقد الجسر، وأقبل عتاب إليه حتى نزل بسوق حكمة، ~~وقد خرج معه من المقاتلة أربعون ألفا، ومن الشباب والأتباع عشرة آلاف، ~~فكانوا خمسين ألفا، وكان الحجاج قد قال لهم حين ساروا: إن للسائر المجتهد ~~الكرامة والأثرة، وللهارب الهوان والجفوة، والذي لا إله غيره لئن فعلتم في ~~هذه المواطن كفعلكم في المواطن الأخر لأولينكم كنفا خشنا، ولأعركنكم بكلكل ~~ثقيل. فلما بلغ عتاب سوق حكمة أتاه شبيب، وكان أصحابه بالمدائن ألف رجل، ~~فحثهم على القتال، وسار بهم، فتخلف عنه بعضهم، ثم صلى الظهر بساباط وصلى ~~العصر وسار حتى أشرف على عتاب وعسكره، فلما رآهم نزل فصلى المغرب، وكان ~~عتاب قد عبأ أصحابه، فجعل في الميمنة محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، ~~وقال: يا ابن أخي إنك شريف صابر. فقال: والله لأصبرن ما ثبت معي إنسان. ~~وقال لقبيصة بن والق الثعلبي: اكفني الميسرة. فقال: أنا شيخ كبير لا أستطيع ~~القيام إلا أن أقام؛ فجعل عليها نعيم بن عليم، وبعث حنظلة بن الحارث ~~اليربوعي، وهو ابن همه وشيخ أهل بيته، على الرجالة، وصفهم ثلاثة صفوف: صف ~~فيهم أصحاب السيوف، وصف فيهم أصحاب الرماح، وصف فيهم الرماة، ثم سار في ~~الناس يحرضهم على القتال ويقص عليهم، ثم قال: أين القصاص؟ فلم يجبه أحد. ثم ~~قال: أين من يروي شعر عنترة؟ فلم يجبه أحد. فقال: إنا لله، كأني بكم قد ~~فررتم عن عتاب بن ورقاء وتركتموه تسفي في استه الريح! PageV02P0296 # ثم أقبل حتى جلس في القلب ومعه زهرة ms1544 بن حوية جالس وعبد الرحمن بن محمد بن ~~الأشعث وأبو بكر بن محمد بن أبي جهم العدوي. وأقبل شبيب وهو فس ستمائة وقد ~~تخلف عنه من أصحابه أربعمائة، فقال: لقد تخلف عنا من لا أحب أن يرى فينا، ~~فجعل سويد بن سليم في مائتين في الميسرة، وجعل المحلل بن وائل في مائتين في ~~القلب، ومضى هو في مائتين إلى الميمنة بين المغرب والعشاء الآخرة حين أضاء ~~القمر، فناداهم: لمن هذه الرايات؟ فقالوا: رايات لربيعة. قال: طالما نصرت ~~الحق وطالما نصرت الباطل، والله لأجاهدنكم محتبسا، أنا شبيب، لا حكم إلا ~~الله، للحكم، اثبتوا إن شئتم! ثم حمل عليهم ففضهم، فثبت أصحاب رايات قبيصة ~~بن والق وعبيد بن الحليس ونعيم بن عليم فقتلوا، وانهزمت الميسرة مكلها، ~~ونادى الناس من بني ثعلبة: قتل قبيصة وقال شبيب: قتلتموه، ومثله كما قال ~~الله تعالى: " واتل عليهم نبا الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها " ~~الأعراف:175. ثم وقف عليه وقال: ويحك لو ثبت على إسلامك الأول سعدت! وقال ~~لأصحابه: إن هذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم، ثم جاء يقاتلكم ~~مع الفسقة. ثم إن شبيبا حمل من المسيرة على عتاب، وحمل سويد بن سليم على ~~الميمنة، وعليهما محمد بن الرحمن، فقاتلهم في رجال من تميم وهمدان، فما ~~زالوا كذلك حتى قيل لهم قتل عتاب، فانفضوا. ولم يزل عتاب جالسا على طنفسة ~~في القلب ومعه زهرة بن حوية إذ غشيهم شبيب، فقال عتاب: يا زهرة هذا يوم كثر ~~فيه العدد وقل فيه الغناء، والهفي على خمسمائة فارس من تميم من جميع الناس، ~~ألا صابر لعدوه؟ ألا مواس بنفسه؟ فانفضوا عنه وتركوه، فقال زهرة: أحسنت يا ~~عتاب، فعلت فعلا لا يفعله مثلك. أبشر، فإني أرجو أن يكون الله، جل ثناؤه، ~~قد أهدى إلينا الشهادة عند فناء أعمارنا. فلما دنا منه شبيب وثب في عصابة ~~قليلة صبرت معه وقد ذهب الناس، فقيل له: إن عبد الرحمن بن الأشعث قد هرب ~~وتبعه ناس كثير. فقال: ما رأيت ذلك الفتى يبالي ms1545 ما صنع. ثم قاتلهم ساعة، ~~فرآه رجل من أصحاب شبيب يقال له عامر بن عمر التغلبي فحمل عليه فطعنه، ~~ووطئت الخيل زهرة بن حوية، فأخذ يذب بسيفه لا يستطيع أن يقوم، فجاءه الفضل ~~بن عامر الشيباني فقتله، فانتهى إليه شبيب فرآه صريعا فعرفه فقال: هذا زهرة ~~بن حوية، أما والله لئن كنت قتلت على ضلالة لرب يوم من أيام المسلمين قد ~~حسن فيه بلاؤك وعظم فيه غناؤك! ولرب خيل للمشركين هزمتها وقرية من قراهم جم ~~أهلها قد افتتحتها! ثم كان في علم الله أنك تقتل ناصرا للظالمين. وتوجع له. ~~فقال له رجل من أصحابه: إنك لتتوجع لرجل كافر. فقال إنك لست أعرف بضلالتهم ~~مني، ولكني أعرف من قديم أمرهم ما لا تعرف، ما لو ثبتوا عليه لكانوا ~~إخواننا. فاستمسك شبيب من أهل العسكر والناس، فقال: ارفعوا السيف، ودعاهم ~~إلى البيعة، فبايعه الناس وهربوا من تحت ليلتهم، وحوى ما في العسكر، وبعث ~~إلى أخيه فأتاه من المدائن. وأقام شبيب بعد الوقعة ببيت قرة يومين، ثم سار ~~نحو الكوفة فنزل بسورا وقتل عاملها. وكان سفيان بن الأبرد وعسكر الشام قد ~~دخلوا الكوفة فشدوا ظهر الحجاج واستغنى به وبعسكره عن أهل الكوفة، فقام عن ~~المنبر فقال: يا أهل الكوفة لا أعز الله من أراد بكم العز، ولا نصر من أراد ~~بكم النصر، اخرجوا عنا فلا تشهدوا معنا قتال عدونا، انزلوا بالحيرة مع ~~اليهود والنصارى ولا يقاتل معنا إلا من لم يشهد قتال عتاب. ### || AUT ذكر قدوم شبيب الكوفة وانهزامه عنها # ثم سار شبيب من سورا فنزل حمام أعين، فدعا الحجاج الحارث بن معاوية ~~الثقفي فوجهه في ناس من الشرط لم يشهدوا يوم عتاب وغيرهم، فخرج في نحو ألف ~~فنزل زرارة، فبلغ ذلك شبيبا فعجل إلى الحارث بن معاوية، فلما انتهى إليه ~~حمل عليه فقتله وانهزم أصحابه، وجاء المنهزمون فدخلوا الكوفة، وجاء شبيب ~~فعسكر بناحية الكوفة وأقام ثلاثا، فلم يكن في اليوم الأول غير قتل الحارث. ~~فلما كان اليوم الثاني أخرج الحجاج مواليه فأخذوا ms1546 بأفواه السكك، وجاء شبيب ~~فنزل السبخة وابتنى بها مسجدا، فلنا كلن اليوم الثالث أخرج الحجاج أبا ~~الورد مولاه عليه تجفاف ومعه غلمان له وقالوا: هذا الحجاج، فحمل عليه شبيب ~~فقتله، وقال: إن كان هذا الحجاج فقد أرحتكم منه. PageV02P0297 # ثم أخرج الحجاج غلامه طهمان في مثل تلك العدة والحالة، فقتله شبيب وقال: ~~إن كان هذا الحجاج فقد أرحتكم منه. ثم أن الحجاج خرج ارتفاع النهار من ~~القصر فطلب بغلا يركبه إلى السبخة فأتي ببغل، فركبه ومعه أهل الشام، فخرج، ~~فلما رآى الحجاج شبيبا وأصحابه نزل، وكان شبيب في ستمائة فارس، فأقبل نحو ~~الحجاج، وجعل الحجاج، وجعل الحجاج سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف على أفواه ~~السكك في جماعة الناس، ودعا الحجاج بكرسي فقعد عليه ثم نادى: يا أهل الشام ~~أنتم أهل السمع والطاعة والصبر واليقين فلا يغلبن باطل هؤلاء الأرجاس حقكم، ~~غضوا الأبصار واجثوا على الركب واستقبلوهم بأطراف الأسنة. ففعلوا وأشرعوا ~~الرماح، وكأنهم حرة سوداء، وأقبل شبيب في ثلاثة كراديس، كتيبة معه وكتيبة ~~مع سويد بن سليم وكتيبة مع المحلل بن وائل، وقال لسويد: احمل عليهم في ~~خيلك، فحمل عليهم، فثبتوا له ووثبوا في وجهه بأطراف الرماح فطعنوه حتى ~~انصرف هو وأصحابه. وصاح الحجاج: هكذا فافعلوا، وأمر كرسيه فقدم، وأمر شبيب ~~المحلل فحمل عليهم ففعلوا به كذلك، فناداهم الحجاج: هكذا فافعلوا، وأمر ~~بكرسيه فقدم. ثم إن شبيبا حمل عليهم في كتيبته فثبتوا له وصنعوا به كذلك، ~~فقاتلهم طويلا، ثم إن أهل الشام طاعنوه حتى ألحقوه بأصحابه. فلما رأى صبرهم ~~نادى: يا سويد احمل عليهم بأصحابك على أهل السكة لعلك تزيل أهلها وتأتي ~~الحجاج من ورائه ونحمل نحن عليه من أمامه. فحمل سويد فرمي من فوق البيوت ~~وأفواه السكك فرجع. وكان الحجاج قد جعل عروة بن المغيرة بن شعبة في ~~ثلاثمائة رجل من أهل الشام ردءا له لئلا يؤتوا من خلفهم، فجمع شبيب أصحابه ~~ليحمل بهم، فقال الحجاج: اصبروا لهذه الشدة الواحدة ثم هو الفتح، فجثوا على ~~الركب. وحمل عليهم شبيب بجميع ms1547 أصحابه، فوثبوا في وجهه، وما زالوا يطاعنونه ~~ويضاربونه قدما ويدفعونه وأصحابه حتى أجازوهم مكانهم، وأمر شبيب أصحابه ~~بالنزول، فنزل نصفهم، وجاء الحجاج حتى انتهى إلى مسجد شبيب ثم قال: يا أهل ~~الشام هذا أول الفتح، وصعد المسجد ومعه جماعة معهم النبل ليرموهم إن دنوا ~~منه، فاقتتلوا عامة النهار أشد قتال رآه الناس حتى أقر كل واحد من الفريقين ~~لصاحبه. ثم إن خالد بن عتاب قال للحجاج: ائذن لي في قتالهم فإني موتور، ~~فأذن له، فخرج ومعه جماعة من أهل الكوفة وقصد عسكرهم من ورائهم فقتل مصادا ~~أخا شبيب وقتل إمرأته غزالة وحرق في عسكره. وأتى الخبر الحجاج وشبيبا، فكبر ~~الحجاج وأصحابه، وأما شبيب فركب هو وأصحابه، وقال الحجاج لأهل الشام: ~~احملوا عليهم فإنهم قد أتاهم ما أرعبهم. فشدوا عليهم فهزموهم، وتخلف شبيب ~~في حامية الناس. فبعث الحجاج إلى خيله: أن دعوه، فتركوه ورجعوا، ودخل ~~الحجاج إلى الكوفة فصعد المنبر ثم قال: والله ما قوتل شبيب قبلها، ولى ~~والله هاربا وترك امرأته يكسر في استها القصب. ثم دعا حبيب بن عبد الرحمن ~~الحكمي فبعثه في ثلاثة آلاف فارس من أهل الشام في أثر شبيب، وقال له: احذر ~~بياته وحيث لقيته فانزل له، فإن الله تعالى قد فل حده وقصم نابه. فخرج في ~~أثره حتى نزل الأنبار، وكان الحجاج قد نادى عند انهزامهم: من جاءنا منكم ~~فهو آمن. فتفرق عن شبيب ناس كثير من أصحابه. فلما نزل حبيب الأنبار أتاهم ~~شبيب، فلما دنا منهم نزل فصلى المغرب، وكان حبيب قد جعل أصحابه أرباعا، ~~وقال لكل ربع منهم: ليمنع كل ربع منكم جانبه، فإن قاتل هذا الربع فلا يعنهم ~~الربع الآخر، فإن الخوارج قريب منكم، فوطنوا أنفسكم على أنكم مبيتون ~~ومقاتلون. فأتاهم شبيب وهم على تعبية، فحمل على ربع فقاتلهم طويلا، فما ~~زالت قدم إنسان عن موضعها، ثم تركهم وأقبل إلى ربع آخر فكانوا كذلك، ثم أتى ~~ربعا آخر فكانوا كذلك، ثم الربع الرابع فما برح يقاتلهم حتى ذهب ثلاثة ~~أرباع الليل، ثم ms1548 نازلهم راجلا فسقطت منهم الأيدي وكثرت القتلى وفقئت الأعين ~~وقتل من أصحاب شبيب نحو ثلاثين رجلا، ومن أهل الشام نحو مائة، واستولى ~~التعب والإعياء على الطائفتين حتى إن الرجل ليضرب بسيفه فلا يصنع شيئا، ~~وحتى إن الرجل ليقاتل جالسا فما يستطيع أن يقوم من التعب. فلما يئس شبيب ~~منهم تركهم وانصرف عنهم. ثم قطع دجلة وأخذ في أرض جوخى، ثم قطع دجلة مرة ~~أخرى عند واسط ثم أخذ نحو الأهواز ثم إلى فارس ثم إلى كرمان ليستريح وهو ~~ومن معه. PageV02P0298 # وقيل في هزيمته غير ذلك، وهو أن الحجاج كان قد بعث إلى شبيب أميرا فقتله، ~~ثم أميرا فقتله، أحدهما أعين صاحب حمام أعين، ثم جاء شبيب حتى دخل الكوفة ~~ومعه زوجته غزالة، وكانت نذرت أن تصلي في جامع الكوفة ركعتين تقرأ فيهما ~~البقرة وآل عمران، واتخذ في عسكره اخصاصا، فجمع الحجاج ليلا بعد أن لقي من ~~شبيب الناس ما لقوا فاستشارهم في أمر شبيب، فأطرقوا، وفصل قتيبة من الصف ~~فقال: أتأذن لي في الكلام؟ قال: نعم. قال: لأنك تبعث الرجل الشريف وتبعث ~~معه رعاعا فينهزمون ويستحيي أن ينهزم فيقتل. فقال: فما الرأي؟ قال: الرأي ~~أن تخرج إليه فتحاكمه. قال: فانظر لي معسكرا. فخرج الناس يلعنون عنبسة بن ~~سعيد لأنه هو الذي كلم الحجاج فيه حتى جعله من صحابته، وصلى الحجاج من الغد ~~الصبح واجتمع الناس وأقبل قتيبة وقد رأى معسكرا حسنا، فدخل إلى الحجاج ثم ~~خرج ومعه لواء منشور، وخرج الحجاج يتبعه حتى خرج إلى السبخة وبها شبيب، ~~وذلك يوم الأربعاء، فتواقفوا، وقيل للحجاج: لا تعرفه مكانك، فأخفى مكانه، ~~وشبه له أبا الورد مولاه، فنظر إليه شبيب فحمل عليه فضربه بعمود فقتله، ~~وحمل شبيب على خالد بن عتاب ومن معه وهو على ميسرة الحجاج فبلغ بهم الرحبة، ~~وحمل على مطر بن ناجية وهو على ميمنة الحجاج فكشفه، فنزل عند ذلك الحجاج ~~ونزل أصحابه وجلس على عباءة ومعه عنبسة بن سعيد، فإنهم على ذلك إذ تناول ~~مصقلة بن مهلهل الضبي لجام ms1549 شبيب وقال: ما تقول في صالح. فقال له مصقلة: برئ ~~الله منك، وفارقه إلا أربعين فارسا. فقال الحجاج: قد اختلفوا، وأرسل إلى ~~خالد بن عتاب فأتى بهم في عسكرهم فقاتلهم فقتلت غزالة، ومر برأسها إلى ~~الحجاج مع فارس، فعرفه شبيب فأمر رجلا فحمل على الفارس فقتله وجاء بالرأس، ~~فأمر به فغسل ثم دفنه. ومضى القوم على حاميتهم ورجع خالد فأخبر الحجاج ~~بانصرافهم، فأمره باتباعهم، فاتبعهم يحمل عليهم، فرجع إليه ثمانية نفر ~~فقاتلوه حتى بلغوا به الرحبة، وأتي شبيب بخوط بن عمير السدوسي فقال: يا خوط ~~لا حكم إلا الله. فقال: إن خوطا من أصحابكم ولكنه كان يخاف، فأطلقه؛ وأتي ~~بعمير بن القعقاع فقال: يا عمير لا حكم إلا الله. فقال: في سبيل الله ~~شبابي، فردد عليه شبيب: لا حكم إلا الله، فلم يفقه ما يريد، فقتله. وقتل ~~مصاد أخو شبيب، وجعل شبيب ينتظر الثمانية الذين اتبعوا خالدا، فأبطأوا ولم ~~يقدم أصحاب الحجاج على شبيب هيبة له، وأتى إلى شبيب أصحابه الثمانية فساروا ~~واتبعهم خالد وقد دخلوا إلى دير بناحية المدائن فحصرهم فيه، فخرجوا عليه ~~فهزموه نحو فرسخين فألقوا أنفسهم في دجلة منهزمين وألقى خالد بن عتاب. ~~فقال: معرق له في الشجاعة، ولو عرفته لأقحمت خلفه ولو دخل النار. ثم سار ~~إلى كرمان، على ما تقدم ذكره، وكتب الحجاج إلى عبد الملحك يستمده ويعرفه ~~عجز أهل الكوفة عن قتال شبيب، فسير سفيان بن الأبرد في جيش إليه. ### || AUT ذكر مهلك شبيب # وفي هذه السنة هلك شبيب. وكان سبب ذلك أن الحجاج أنفق في أصحاب سفيان بن ~~الأبرد مالا عظيما بعد أن عاد شبيب عن محاربتهم وقصد كرمان بشهرين، وأمر ~~سفيان وأصحابه بقصد شبيب، فسار نحوه، وكتب الحجاج إلى الحكم بن أيوب زوج ~~ابنته، وهو عامله على البصرة، يأمره أن يرسل أربعة آلاف فارس من أهل البصرة ~~إلى سفيان، فسيرهم مع زياد بن عمرو العتكي، فلم يصل إلى سفيان حتى التقى ~~سفيان مع شبيب، وكان شبيب قد أقام بكرمان، فاستراح هو وأصحابه ms1550 ثم أقبل ~~راجعا فالتقى مع سفيان بجسر دجيل الأهواز، فعبر شبيب الجسر إلى سفيان، فوجد ~~سفيان قد نزل في الرجال، وجعل مهاصر بن سيف على الخيل. واقبل شبيب في ثلاثة ~~كراديس فاقتتلوا أشد قتال، ورجع شبيب إلى المكان الذي كان فيه، ثم حمل ~~عليهم هو وأصحابه أكثر من ثلاثين حملة، ولا يزول أهل الشام، وقال لهم ~~سفيان: لا تتفرقوا وليزحف إليهم الرجال زحفا. فما زالوا بضاربونهم ~~ويطاعنونهم حنى اضطروهم إلى الجسر. فلما انتهى شبيب إلى الجسر نزل ونزل معه ~~نحو مائة فقاتلوهم حتى المساء وأوقعوا بأهل الشام من الضرب والطعن ما لم ~~يروا مثله. PageV02P0299 # فلما رأى سفيان عجزه عنهم وخاف أن ينصروا عليه أمر الرماة أن يرموهم، ~~وذلك عند المساء، وكانوا ناحية، فتقدموا ورموا شبيبا ساعة، فحمل هو وأصحابه ~~على الرماة فقتلوا منهم أكثر من ثلاثين رجلا، ثم أعطف على سفيان ومن معه ~~فقاتلهم حتى اختلط الظلام، ثم انصرف، فقال سفيان لأصحابه: لا تتبعوهم. فلما ~~انتهى شبيب إلى الجسر قال لأصحابه: اعبروا وإذا أصبحنا باكرناهم إن شاء ~~الله. فعبروا أمامه وتخلف في آخرهم، وجاء ليعبر وهو على حصان، وكانت بين ~~يديه فرس أنثى، فنزا فرسه عليها وهو على الجسر فاضطربت الحجر تحته ونزل ~~حافر فرس شبيب على حرف السفينة فسقط في الماء، فلما سقط قال: " ذاك تقدير ~~العزيز العليم " الانعام:96،وغرق. وقيل في قتله غير ذلك، وهو أنه كان مع ~~جماعة من عشيرته ولم تكن لهم تلك البصيرة النافذة، وكان قد قتل من عشائرهم ~~رجالا، فكان قد أوجع قلوبهم، وكان منهم رجل اسمه مقاتل من بني تيم بن ~~شيبان، فلما قتل شبيب من بني تيم أغار هو على بني مرة بن همام رهط شبيب ~~فقتل منهم، فقال له شبيب: ما حملك على قتلهمبغير أميري؟ فال: له: قتلت كفار ~~قومي فقتلت كفار قومك، ومن ديننا قتل من كان على غير رأينا، وما أصبت من ~~رهطي أكثر مما أصبت من رهطك، وما يحل لك يا أمير المؤمنين أن تجد على قتل ~~الكافرين. قال: ms1551 لا أجد. وكان معه أيضا رجال كثير قد قتل من عشائرهم، فلما ~~تخلف في آخر الناس قال بعضهم لبعض: هل لكم أن تقطع به الجسر فندرك ثأرنا؟ ~~فقطعوا الجسر، فمالت به السفن، فنفر به الفرس فوقع في الماء فغرق. والأول ~~أصح وأشهر. وكان أهل الشام يريدون الانصراف، فاتاهم صاحب الجسر فقال ~~لسفيان: إن رجلا منهم وقع في الماء، فنادوا بينهم: غرق أمير المؤمنين! ثم ~~إنهم انصرفوا راجعين وتركوا عسكرهم ليس فيه أحد، فكبر سفيان وكبر أصحابه، ~~وأقبل حتى انتهى إلى الجسر، وبعث إلى العسكر وإذا ليس فيه أحد وإذا هو أكثر ~~العساكر خيرا، ثم استخرجوا شبيبا فشقوا جوفه وأخرجوا قلبه، وكان صلبا كأنه ~~صخرة، فكان يضرب به الصخرة فيشبب عنها قامة الإنسان. قيل: وكان شبيب ينعى ~~إلى أمه، فيقال: قتل، فلا تقبل ذلك، فلما قيل لها غرق صدقت ذلك وقالت: إني ~~رأيت حين ولدته أنه خرج مني شهاب نار فعلمت أنه لا يطفئه إلا الماء. وكانت ~~أمه جارية رومية قد استراها أبوه فأولدها شبيبا منه سنة خمس وعشرين يوم ~~النحر، وقالت: إني رأيت فيما يرى النائم أنه خرج من قلبي شهاب نار فذهب ~~ساطعا في السماء وبلغ الآفاق كلها، فبينما هو كذلك إذ وقع في ماء كثير ~~فخبا، وقد ولدته في يومكم هذا الذي تهريقون فيه الدماء، وقد أولت ذلك أن ~~ولدي يكون صاحب دماء، وأن أمره سيعلو فيعظم سريعا. وكان أبوه يختلف به إلى ~~اللصف أرض قومه، وهو من بني شيبان. ### || AUT ذكر خروج مطرف بن المغيرة بن شعبة # قيل: إن بني المغيرة بن شعبة كانوا صلحاء أشرافا بأنفسهم مع شرف أبيهم ~~ومنزلتهم من قومهم، فلما قدم الحجاج ورآهم علم أنهم رجال قومهم، فاستعمل ~~عروة على الكوفة، ومطرفا على المدائن، وحمزة على همدان، وكانوا في أعمالهم ~~أحسن الناس سيرة، وأشدهم على المريب، وكان مطرف على المدائن عند خروج شبيب ~~وقربه منها، كما سبق، فكتب إلى الحجاج يستمده، فأمده بسبرة بن عبد الرحمن ~~بن مخنف وغيره، وأقبل شبيب حتى نزل ms1552 بهرسير، وكان مطرف بالمدينة العتيقة، ~~وهي التي فيها إيوان كسرى، فقطع مطرف الجسر وبعث إلى شبيب يطلبه إليه أن ~~يرسل بعض أصحابه لينظر فيما يدعون، فبعث إليه عدة منهم، فسألهم مطرف عما ~~يدعون إليه، فقالوا: ندعو إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإن ~~الذي نقمنا من قومنا الاستئثار بالفيء وتعطيل الحدود والتسلط بالجبرية. ~~PageV02P0300 # فقال لهم مطرف: ما دعوتم إلا إلى حق، وما نقمتم إلا جورا ظاهرا، أنا لكم ~~متابع فبايعوني على ما أدعوكم إليه ليجتمع أمري وأمركم. فقالوا: اذكره فإن ~~يكن حقا نجبك إليه. قال: أدعوكم إلى أن نقاتل هؤلاء الظلمة على إحداثهم ~~وندعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه وأن يكون هذا الأمر شورى بين المسلمين ~~يؤمرون من يرتضون على مثل هذه الحال التي تركهم عليها عمر بن الخطاب، فإن ~~العرب إذا علمت أن ما يراد بالشورى الرضى من قريش رضوا وكثر تبعكم ~~وأعوانكم. فقالوا: هذا مالا نجيبك إليه، وقاموا من عنده وترددوا بينهم ~~أربعة أيام، فلم تجتمع كلمتهم، فساروا من عنده. وأحضر مطرف نصحاءه وثقاته ~~فذكر لهم ظلم الحجاج وعبد الملك وأنه ما زال يؤثر مخالفتهم ومناهضتهم وأنه ~~يرى ذلك دينا لو وجد عليه أعوانا، ذكر لهم ما جرى بينه وبين أصحاب شبيب ~~وأنهم لو تابعوه على رأيه لخلع عبد الملك والحجاج، واستشارهم فيما يفعل. ~~فقالوا له: أخف هذا الكلام ولا تظهره لأحد. فقال له يزيد بن أبي زياد، مولى ~~أبيه المغيرة بن شعبة: والله لا يخفى على الحجاج مما كان بينك وبينهم كلمة ~~واحدة وليزادن على كل كلمة عشر أمثالها، ولو كنت في السحاب لالتمسك الحجاج ~~حتى يهلكك، فالنجاء النجاء فوافقه أصحابه على ذلك، فسار عن المدائن نحو ~~الجبال، فلقيه قبيصة بن عبد الرحمن الخثعمي بدير يزدجرد فأحسن إليه وأعطاه ~~نفقة وكسوة، فصحبه ثم عاد عنه، ثم ذكر مطرف لأصحابه بالدسكرة ما عزم عليه ~~ودعاهم إليه، وكان رأيه خلع عبد الملك والحجاج والدعاء إلى كتاب الله وسنة ~~نبيه وأن يكون الأمر شورى بين المسلمين يرتضون ms1553 لأنفسهم من أحبوه. فبايعه ~~البعض على ذلك ورجع عنه البعض. وكان ممن رجع عنه سبرة بن عبد الرحمن بن ~~مخنف، فجاء إلى الحجاج وقاتل شبيبا مع أهل الشام. وسار مطرف نحو حلوان، ~~وكان بها سويد بن عبد الرحمن السعدي من قبل الحجاج، فأراد هو والأكراد منعه ~~ليعذر عند الحجاج، فجازه مطرف بمواطأة منه وأوقع مطرف بالأكراد فقتل منهم ~~وسار، فلما دنا من همذان وبها أخوه حمزة بن المغيرة تركها ذات اليسار وقصد ~~ماه دينار وأرسل إلى أخيه حمزة يستمده بالمال والسلاح، فأرسل إليه سرا ما ~~طلب . وسار مطرف حتى بلغ قم وقاشان وأصبهان وبعث عماله على تلك النواحي، ~~وأتاه الناس، وكان ممن أتاه: سويد بن سرحان الثقفي، وبكير بن هارون النخعي، ~~من الري في نحو مائة رجل. وكتب البراء بن قبيصة، وهو عامل الحجاج على ~~أصبهان، غليه يعرفه حال مطرف ويستمده، فأمدة بالرجال بعد الرجال على دواب ~~البريد، وكتب الحجاج إلى عدي من الري فاجتمع هو والبراء بن قبيصة، وكان عدي ~~هو المير، فاجتمعوا في نحو ستة آلاف مقاتل، وكان حمزة بت المغيرة قد أرسل ~~إلى الحجاج يعتذر، فأظهر قبول عذره وأراد عزله وخاف أن يمتنع عليه، فكتب ~~إلى قيس بن سعد العجلي، وهو على شرطة حمزة بهمذان، بعهده على همذان ويأمره ~~أن يقبض على حمزة بن المغيرة. وكان بهمذان من عجل وربيعة جمع كثير، فسار ~~قيس بن سعد إلى حمزة في جماعة من عشيرته فأقراه العهد بولاية همذان وكتاب ~~الحجاج بالقبض عليه، وقال: سمعا وطاعة. فقبض قيس على حمزة وجعله في السجن، ~~وتولى قيس همذان، وتفرغ قلب الحجاج من هذه الناحية لقتال مطرف، وكان يخاف ~~مكان حمزة بهمذان لئلا يمد أخاه بالمال والسلاح ولعله ينجده بالرجال. فلما ~~قبض عليه سكن قلبه وتفرغ باله، ولما اجتمع عدي بن زياد الإيادي والبراء بن ~~قبصة سارا نحو مطرف فخندقا عليه، فلما دنوا منه اصطفوا للحرب واقتتلوا ~~قتالا شديدا، فانهزم أصحاب مطرف وقتل مطرف وجماعة كثيرة من أصحابه، قتله ~~عمير بن هبيرة الفزاري، ms1554 وحمل رأسه فتقدم بذلك عند بني أمية، وقاتل ابن ~~هبيرة ذلك اليوم وأبلى بلاء حسنا وقتل يزيد بن أبي مولى المغيرة، وكان صاحب ~~راية مطرف، وقتل من أصحابه عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف الأزدي، وكان ~~ناسكا صالحا. وبعث عدي بن زياد إلى الحجاج أهل البلاء، فأكرمهم وأحسن ~~إليهم، وآمن عدي بكير بن هارون وسويد بن سرحان وغيرهما، وطلب منه الأمان ~~للحجاج بن حارثة حتى عزل عدي، ثم ظهر في إمارة خالد بن عتاب بن ورقاء. ~~PageV02P0301 # وكان الحجاج يقول: إن مطرفا ليس بولد للمغيرة بن شعبة إنما هو ولد مصقلة ~~بن سبرة الشيباني، وكان مصقلة والمغيرة يدعيانه، فألحق بالمغيرة وجلد مصقلة ~~الحد، فلما أظهر رأي الخوارج قال الحجاج ذلك لأن كثيرا من ربيعة كانوا من ~~خوارج ولم يكن منهم أحد من قيس عيلان ### || AUT ذكر الإختلاف بين الأزارقة # قد ذكرنا مسير المهلب إلى الأزارقة ومحاربتهم إلى أن فارقه عتاب بن ~~ورقاء الرياحي ورجع إلى الحجاج، وأقام المهلب بعد مسير عاب عنه يقاتل ~~الخوارج، فقاتلهم على سابور نحو سنة قتالا شديدا. ثم إنه زاحفهم يوم ~~البستان فقاتلهم أشد قتال، وكانت كرمان بيد الخوارج، وفارس بيد الهلب. فضاق ~~على الخوارج مكانهم لا يأتيهم من فارس مادة، فخرجوا حتى أتوا كرمان، وتبعهم ~~المهلب بالعساكر حتى نزل بجيرفت، وهي مدينة كرمان، فقاتلهم قتالا شديدا. ~~فلما صارت فارس كلها في يد المهلب أرسل الحجاج العمال عليها، فكتب إليه عبد ~~الملك يأمره أن يترك بيد المهلب فسا ودار ابجرد وكورة إصطخر تكون له معونة ~~على الحرب، فتركا له، وبعث الحجاج إلى المهلب البراء بن قبيصة ليحثه على ~~قتال الجوارج ويأمره بالجد وأنه لا عذر له عنده فخرج المهلب بالعساكر فقاتل ~~الخوارج من صلاة الغداة إلى الظهر، ثم انصرفوا والبراء على مكان عال يراهم، ~~فجاء إلى المهلب فقال: ما رأيت كتيبة ولا فرسانا أصبر ولا أشد من الفرسان ~~الذين يقاتلونك. ثم إن المهلب رجع العصر فقاتلهم كقتالهم أول مرة لا يصد ~~كتيبة عن كتيبة، وخرجت كتيبة ms1555 من كتائب الخوارج لكتيبة من أصحاب المهلب، ~~فاشتد بينهم القتال إلى أن حجز بينهم الليل، فقالت إحداهما للأخرى: من ~~أنتم؟ فقال هؤلاء: نحن من بتي تميم. وقال هؤلاء: نحن من بني تميم. وانصرفوا ~~عند المساء. فقال المهلب للبراء بن قبيصة: كيف رأيت قوما ما يعينك عليهم ~~إلا الله جل ثناؤه؟ فأحسن المهلب إلى البراء وأمر له بعشرة آلاف درهم. ~~وانصرف البراء إلى الحجاج وعرفه عذر المهلب. ثم إن المهلب قاتلهم ثمانية ~~عشر شهرا لا يقدر منهم على شيء. ثم إن عاملا لقطري على ناحية كرمان يدعى ~~المقعطر الضبي قتل رجلا منهم، فوثبت الخوارج إلى قطري وطلبوا منه أن يقيدهم ~~من المقعطر، فلم بفعل وقال: إنه تأول فأخطأ التأويل، ما رأى أن تقتلوه وهو ~~من ذوي السابقة فيكم، فوقع بينهم الإختلاف. وقيل: كان سبب اختلافهم أن رجلا ~~كان في عسكرهم يعمل النصول المسمومة فيرمي بها أصحاب المهلب، فشكا أصحابه ~~منها، فقال: أكفيكموه، فوجه رجلا من أصحابه ومعه كتاب وأمره أن يلقيه في ~~عسكر قطري ولا يراه أحد، ففعل ذلك، ووقع الكتاب إلى قطري، فرأى فيه؛ أما ~~بعد فإن نصالك قد وصلت وقد أنفذت إليك ألف درهم. فأحضر الصانع فسأله فجحد، ~~فقتله قطري، فأنكر عليه عبد ربه الكبير قتله واختلفوا. ثم وضع المهلب رجلا ~~نصرانيا وأمره أن يقصد قطريا ويسجد له، ففعل ذلك، فقال له الخوارج: إن هذا ~~قد اتخذك إلها. ووثب بعضهم إلى النصراني فقتله، فزاد اختلافهم وفارق بعضهم ~~قطريا، ثم ولوا عبد ربه الكبير وخلعوا قطريا وبقي مع قطري منهم نحو من ~~ربعهم أو خمسهم، واقتتلوا فيما بينهم نحوا من شهر. وكتب المهلب إلى الحجاج ~~بذلك. فكتب إليه الحجاج يأمره أن يقاتلهم على حال اختلافهم قبل أن يجتمعوا، ~~فكتب إليه المهلب: إني لست أرى أن أقاتلهم ما دام يقتل بعضهم بعضا، فإن ~~تموا على ذلك فهو الذي نريد وفيه هلاكهم، وإن اجتمعوا لم يجتمعوا إلا وقد ~~رقق بعضهم بعضا فأناهضهم حينئذ وهم أهون ما كانوا وأضعفه شوكة إن شاء الله ms1556 ~~تعالى، والسلام. فسكت عنه الحجاج، وتركهم المهلب يقتتلون شهرا لا يحركهم، ~~ثم إن قطريا خرج بمن اتبعه نحو طبرستان، وبايع الباقون عبد ربه الكبير. ### || AUT ذكر مقتل عبد ربه الكبير # لما سار قطري إلى طبرستان وأقام عبد ربه الكبير بكرمان نهض إليهم المهلب ~~فقاتلوه قتالا شديدا وحصرهم بجيرفت وكرر قتالهم وهو لا ينال منهم حاجته. ثم ~~إن الخوارج طال عليهم الحصار فخرجوا من جيرفت بأموالهم وحرمهم فقاتلهم ~~المهلب قتالا شديدا حتى عقرت الخيل وتكسر السلاح وقتل الفرسان فتركهم، ~~فساروا، ودخل المهلب جيرفت، ثم سار يتبعهم إلى أن لحقهم على أربعة فراسخ من ~~جيرفت فقاتلهم من بكرة إلى نصف النهار وكف عنهم، وأقام عليهم. PageV02P0302 # ثم إن عبد ربه جمع أصحابه وقال: يا معشر المهاجرين! إن قطريا ومن معه ~~هربوا طلب البقاء ولا سبيل إليه، فالقوا عدوكم وهبوا أنفسكم لله. ثم عاد ~~للقتال، فاقتتلوا قتالا شديدا أنساهم ما قبله، فبايع جماعة من أصحاب المهلب ~~على الموت، ثم ترجلت الخوارج وعقروا دوابهم واشتد القتال وعظم الخطب حتى ~~قال المهلب: ما مربي مثل هذا - ثم إن لله تعالى أنزل نصره على المهلب ~~وأصحابه وهزم الخوارج وكثر القتلى فيهم، وكان فيمن قتل: عبد ربه الكبير، ~~وكان عدد القتلى أربعة آلاف قتيل، ولم ينج منهم إلا قليل، وأخذ عسكرهم وما ~~فيه وسبوا لأنهم كانوا يسبون نساء المسلمين. وقال الطفيل بن عامر بن واثلة ~~يذكر قتل عبد ربه الكبير وأصحابه: لقد مس منا عبد رب وجنده ... عقاب فأمسى ~~سبيهم في المقاسم سما لهم بالجيش حتى أزاحهم ... بكرمان عن مثوى من الأرض ~~ناعم وما قطري الكفر إلا نعامة ... طريد يدوي ليله غير نائم إذا فر منا ~~هاربا كان وجهه ... طريقا سوى قصد الهدى والمعالم فليس بمنجيه الفرار وإن ~~جرت ... به الفلك في لج من البحر دائم وهي أكثر من هذا تركناها لشهرتها. ~~وأحسن الحجاج إلى أهل البلاء وزادهم، وسير المهلب إلى الحجاج مبشرا، فلما ~~دخل عليه أخبره عن الجيش وعن الخوارج وذكر حروبهم وأخبره عن بني المهلب ~~فقال: ms1557 المغيرة فارسهم وسيدهم، وكفى بيزيد فارسا شجاعا، وجوادهم وسخيهم ~~قبيصة، ولا يستحيي الشجاع أن يفر من مدركه، وعبد الملك سم ناقع، وحبيب موت ~~ذعاف، ومحمد ليث غاب، وكفاك بالمفضل نجدة قال: فكيف خلفت الناس؟ قال: ~~خلفتهم بخير، قد أدركوا ما أملوا، وأمنوا ما خافوا، قال: كيف كان بنو ~~المهلب فيهم؟ قال: كانوا حماة السرح نهارا، فإن أليلوا ففرسان البيات، قال: ~~فأيهم كان أنجد؟ قال: كانوا كالحلقة المفرغة لا يعرف طرفها. فاستحسن قوله ~~وكتب إلى المهلب يشكره ويأمره أن يولي كرمان من يثق به ويجعل فيها من ~~يحميها ويقدم إليه. فاستعمل على كرمان يزيد ابنه، وسار إلى الحجاج، فلما ~~قدم عليه أكرمه وأجلسه إلى جانبه وقال: يا أهل العراق أنتم عبيد المهلب. ثم ~~قال له: أنت كما قال لقيط بن يعمر الإيادي في صفة أمراء الجيوش: وقلدوا ~~أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا لا مترفا إن رخاء العيش ~~ساعده ... ولا إذا عض مكروه به خشعا مسهد النوم تعنيه ثغوركم ... يروم منها ~~إلى الأعداء مطلعا ما انفك يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متبعا طورا ~~ومتسعا وليس يشغله مال يثمره ... عنكم ولا ولد يبغي له الرفعا حتى استمرت ~~على شزر مريرته ... مستحكم السن لا قحما ولا ضرعا وهي قصيدة طويلة هذا هو ~~الأجود منها. ### || AUT ذكر قتل قطري بن الفجاءة # ### || AUT وعبيدة بن هلال # قيل: وفي هذه السنة كانت هلكة قطري ### || AUT وعبيدة بن هلال # ومن معهما من الأزارقة. وكان السبب في ذلك أن أمرهم لما تشتت بالاختلاف ~~الذي ذكرنا، وسار قطري نحو طبرستان، وبلغ خبره الحجاج، سير إليه سفيان بن ~~الأبرد في جيش عظيم. وسار سفيان واجتمع معه إسحاق بن محمد بن الأشعث في جيش ~~لأهل الكوفة بطبرستان، فأقبلوا في طلب قطري فلحقوه في شعب طبرستان فقاتلوه، ~~فتفرق عنه أصحابه ووقع عن دابته فتدهدى إلى أسفل الشعب، وأتاه علج من أهل ~~البلد، فقال له قطري: اسقني الماء. فقال العلج: أعطني شيئا. فقال: ما معي ~~إلا سلاحي وأنا أعطيكه إذا أتيتني ms1558 بالماء. فانطلق العلج حتى أشرف على قطري، ~~ثم حدر عليه حجرا من فوقه فأصاب وركه فأوهنه، فصاح بالناس، فاقبلوا نحوه، ~~ولم يعرفه العلج، غير أنه يظن أنه من أشرافهم لكمال سلاحه وحسن هيئته، فجاء ~~إليه نفر من أهل لكوفة فقتلوه، منهم: سورة بن الحر التميمي، وجعفر بن عبد ~~الرحمن بن مخنف، والصباح بن محمد بن الأشعث، وباذان مولاهم، وعمر بن أبي ~~الصلت، وكل هؤلاء ادعى قتله. PageV02P0303 # فجاء إليهم أبو الجهم بن كنانة فقال لهم: ادفعوا رأسه إلي حتى تصطلحوا، ~~فدفعوه إليه، فأقبل به إلى إسحاق بن محمد وهو على الكوفة فأرسله معه إلى ~~سفيان، فسير سفيان الرأس مع أبي الجهم إلى الحجاج، فسيره الحجاج إلى عبد ~~الملك، فجعل عطاءه في ألفين. ثم إن سفيان سار إليهم فأحاط بهم، ثم أمر ~~مناديه فنادى: من قتل صاحبه وجاء إلينا فهو آمن؛ فقال عبيدة بن هلال في ~~ذلك: لعمري لقد قام الأصم بخبة ... لذي الشك منها في الصدور غليل لعمري لئن ~~أعطيت سفيان بيعتي ... وفارقت ديني أنني لجهول إلى الله أشكو ما ترى ~~بجيادنا ... تساوك هزلى مخهن قليل تعاورها القذاف من كل جانب ... بقومس حتى ~~صعبهن ذلول فإن يك أفناها الحصار فربما ... تشحط فيما بينهن قتيل وقد كن ~~مما إن يقدن على الوجى ... لهن بأبواب القباب صهيل وحصرهم سفيان حتى أكلوا ~~دوابهم، ثم خرجوا إليه فقاتلوه فقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحجاج. ثم دخل ~~سفيان دنباوند وطبرستان فكان هناك حتى عزله الحجاج قبل الجماجم. وقال بعض ~~العملاء: وانقرضت الأزارقة بعد مقتل قطري وعبيدة، إنما كانوا دفعة متصلة ~~أهل عسكر واحد، وأول رؤسائهم نافع بن الأزرق، وآخرهم قطري وعبيدة، واتصل ~~أمرهم بضعا وعشرين سنة، إلا أني أشك في صبيح المازني التميمي مولى سوار بن ~~الأشعر الخارج أيام هشام، قيل: هو من الأزارقة أو الصفرية، إلا أنه لم تطل ~~أيامه بل قتل عقيب خروجه. ### || AUT ذكر قتل بكير بن وشاح # في هذه السنة قتل أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن ms1559 ~~أمية بكير بن وشاح. وكان سبب ذلك أن أمية بن عبد الله، وهو عامل عبد الملك ~~بن مروان على خراسان، أمر بكيرا بالتجهيز لغزو ما وراء النهر، وقد كان قبل ~~ذلك ولاه طخارستان، فتجهز له، فوشى به بحير بن ورقاء إلى أمية، فمنعه عنها، ~~فلما أمره بغزو ما وراء النهر تجهز وأنفق نفقة كثيرة وادان فيها، فقال بحير ~~لأمية: إن صار بينك وبينه النهر خلع الخليفة. فأرسل إليه أمية: أن أقم لعلي ~~أغزو فتكون معي. فغضب بكير وقال: كأنه يضارني. وكان عقاب ذو القوة الغداني ~~استدان ليخرج مع بكير، فأخذه غرماؤه فحبس حتى أدى عنه بكير. ثم إن أمية ~~تجهز للغزو إلى بخارى ثم يعود منها إلى موسى بن عبد الله بن خازم بترمذ، ~~وتجهيز الناس معه وفيهم بكير، وساروا، فلما بلغوا النهر وأرادوا قطعه قال ~~أمية لبكير: إني قد استخلفت ابني على خراسان وأخاف أنه لا يضبطها لأنه غلام ~~حدث، فارجع إلى مرو فاكفنيها فإني قد وليتكها، فقم بأمر ابني. فانتخب بكير ~~فرسانا كان عرفهم ووثق بهم ورجع، ومضى أمية إلى بخارى للغزاة. فقال عقاب ذو ~~اللقوة لبكير: إنا طلبنا أميرا من قريش فجائنا أمير يلعب بنا ويحولنا من ~~سجن إلى سجن، وإني أرى آت تحرق هذه السفن ونمضي إلى مرو ونخلع أمية ونقيم ~~بمرو ونأكلها إلى يوم ما. ووافقه الأحنف بن عبد الله العنبري على هذا. قال ~~بكير: أخاف أن يهلك هؤلاء الفرسان الذين معي. قال: إن هلك هؤلاء فأنا آتيك ~~من أهل مرو بما شئت. قال: يهلك المسلمون. قال: إنما يكفيك أن ينادي مناد: ~~من أسلم رفعنا عنه الخراج، فيأتيك خمسون ألفا أسمع من هؤلاء وأطوع. قال: ~~فيهلك أمية ومن معه. قال: ولم يهلكون ولهم عدد وعدة ونجدة وسلاح ظاهر ~~ليقاتلوا عن أنفسهم حتى يبلغوا الصين! فحرق بكير السفن ورجع إلى مرو، فأخذ ~~ابن أمية فحبسه وخلع أمية. وبلغ أمية الخبر فصالح أهل بخارى على فدية قليلة ~~ورجع وأمر باتخاذ السفن وعبر وذكر للناس إحسانه إلى بكير ms1560 مرة بعد أخرى وأنه ~~كافأه بالعصيان، وسار إلى مرو، وأتاه موسى بن عبد الله بن خازم، وأرسل أمية ~~شماس بن دثار في ثمانمائة، فسار إليه بكير وبيته فهزمه وأمر أصحابه أن لا ~~يقتلوا منهم أحدا، فكانوا يأخذون سلاحهم ويطلقونهم، وقدم أمية فتلقاه شماس، ~~فقدم أمية ثابت بن قطبة، فلقيه بكير فأسر ثابتا وفرق جمعه ثم أطلقه ليد ~~كانت لثابت عنده. PageV02P0304 # وأقبل أمية وقاتله بكير فانكشف يوما أصحابه، فحماهم بكير، ثم التقوا يوما ~~آخر فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم التقوا يوما آخر فضرب بكير ثابت بن قطبة على ~~رأسه، فحمل حريث بن قطبة أخو ثابت على بكير، فانحاز بكير وانكشف أصحابه، ~~واتبع حريث بكيرا حتى بلغ القنطرة، وناداه: إلى أين يا بكير؟ فرجع، فضربه ~~حريث على رأسه فقطع المغفر وعض السيف رأسه فصرع، واحتمله أصحابه فأدخلوه ~~المدينة، وكانوا يقاتلونهم. فكان أصحاب بكير يغدون في الثياب المصبغة من ~~أحمر وأصفر فيجلسون يتحدثون وينادي مناديهم: من رمى بسهم رمينا إليه برأس ~~رجل من ولده وأهله، فلا يرميهم أحد. وخاف بكير إن طال الحصار أن يخذله ~~الناس، فطلب الصلح وأحب ذلك أيضا أصحاب أمية، فاصطلحوا على أن يقضي أمية ~~عنه أربعمائة ألف ويصل أصحابه ويوليه أي كور خراسان شاء ولا يسمع قول بحير ~~فيه وإن رابه ريب فهو آمن أربعين يوما. ودخل أمية مدينة مرو ووفى لبكير ~~وعاد إلى ما كان من إكرامه وأعطى أمية عقابا عشرين ألفا. وقد قيل: إن بكيرا ~~لم يصحب أمية إلى النهر، كان أمية قد استخلفه على مرو، فلما سار أمية وعبر ~~النهر خلعه، فجرى الأمر بينهما على ما ذكرناه. وكان أمية سهلا لينا سخيا، ~~وكان مع ذلك ثقيلا على أهل خراسان، وكان فيه زهو شديد وكان يقول: ما تكفيني ~~خراسان لمطبخي. وعزل أمية بحيرا عن شرطته وولاها عطاء بن أبي السائب. وطالب ~~أمية الناس بالخراج واشتد عليهم، وكان بكير يوما في المسجد وعنده الناس ~~فذكروا شدة أمية وذموه، وبحير وضرار بن حصين وعبد الله بن جارية بن قدامة ~~في ms1561 المسجد، فنقل بحير ذلك إلى أمية، فكذبه، فادعى شهادة هؤلاء، فشهد مزاحم ~~بن أبي المجشر السلمي أنه كان يمزح فتركه أمية. ثم إن بحيرا أتى أمية وقال ~~له: والله إن بكيرا قد دعاني إلى خلعك وقال: لولا مكانك لقتلت هذا القرشي ~~وأكلت خراسان، فلم يصدقه أمية، فاستشهد جماعة ذكر بكير أنهم أعداؤه، فقبض ~~أمية على بكير وعلى بدل وشمردل ابني أخيه، ثم أمر أمية بعض رؤساء من معه ~~بقتل بكير فامتنعوا، فأمر بحيرا بقتله فقتله، وقتل أمية ابني أخي بكير. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عبر أمية نهر بلخ للغزو فحوصر حتى جهد هو وأصحابه، ثم نجوا ~~بعدما أشرفوا على الهلاك ورجعوا إلى مرو. وحج هذه السنة بالناس أبان بن ~~عثمان، وهو أمير المدينة. وكان على الكوفة والبصرة الحجاج، وعلى خراسان ~~أمية. وغزا هذه السنة الصائفة الوليد بن عبد الملك. وفيها مات جابر بن عبد ~~الله بن عمرو الأنصاري. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وسبعين # ### || AUT ذكر عزل أمية بن عبد الله # ### || AUT وولاية المهلب خراسان # في هذه السنة عزل عبد الملك بن مروان أمية بن عبد الله بن خالد عن ~~خراسان وسجستان وضمهما إلى أعمال الحجاج بن يوسف ففرق عماله فيهما، فبعث ~~المهلب بن أبي صفرة على خراسان، وقد فرغ من الأزارقة، ثم قدم على الحجاج ~~وهو بالبصرة فأجلسه معه على السرير ودعا أصحاب البلاء من أصحاب المهلب ~~فأحسن إليهم وزادهم. وبعث عبيد الله بن أبي بكرة على سجستان، وكان الحجاج ~~قد استخف على الكوفة عند مسيره إلى البصرة المغيرة بن عبد الله بن أبي ~~عقيل، فلما استعمل المهلب على خراسان سير ابنه حبيبا إليها، فلما ودع ~~الحجاج أعطاه بغلة خضراء، فسار عليها وأصحابه على البريد، فسار عشرين يوما ~~حتى وصل خراسان، فلما دخل باب مرو لقيه حمل حطب فنفرت البلغة، فعجبوا من ~~نفارها بعد ذلك التعب وشدة السير. فلما وصل خراسان لم يعرض لأمية ولا ~~لعماله وأقام عشرة أشهر حتى قدم عليه المهلب سنة تسع ms1562 وسبعين. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة أبان بن عثمان، وكان أمير المدينة. وكان أمير ~~الكوفة والبصرة وخراسان وسجستان وكرمان الحجاج بن يوسف، وكان نائبه بخراسان ~~المهلب، وبسجستان عبيد الله بن أبي بكرة، وكان على قضاء الكوفة شريح، وعلى ~~قضاء البصرة موسى بن أنس، فيما قيل. في هذه السنة مات عبد الرحمن بن عبد ~~الله القاري وله ثمان وسبعون سنة، ومسح النبي صلى الله عليه وسلم ، برأسه. ~~القاري بالياء المشددة. وفيها مات زيد بن خالد الجهني، وقيل غير ذلك، وتوفي ~~عبد الرحمن بن غنم الأشعري، أدرك الجاهلية، وليست له صحبة. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وسبعين # ### || AUT ذكر غزو عبيد الله رتبيل # PageV02P0305 # لما ولى الحجاج عبيد الله بن أبي بكرة سجستان، وذلك سنة ثمان وسبعين، مكث ~~سنة لم يغز، وكان رتبيل مصالحا، وكان يؤدي الخراج، وربما امتنع منه. فبعث ~~الحجاج إلى عبيد الله بن أبي بكرة يأمره بمناجزته وأن لا يرجع حتى يستبيح ~~بلاده ويهدم قلاعه ويقيد رجاله. فسار عبيد الله في أهل البصرة وأهل الكوفة، ~~وكان على أهل الكوفة شريح بن هانئ، وكان من أصحاب علي، ومضى عبيد الله حتى ~~دخل بلاد رتبيل فأصاب من الغنائم ما شاء، وهدم حصونا، وغلب على أرض من ~~أراضيهم، وأصحاب رتبيل من الترك يتركون لهم أرضا بعد أرض حتى أمعنوا في ~~بلادهم ودنوا من مدينتهم، وكانوا منها على ثمانية عشر فرسخا، فأخذوا على ~~المسلمين العقاب والشعاب، فسقط في أيدي المسلمين، فظنوا أن قد هلكوا، ~~فصالحهم عبيد الله على سبعمائة ألف درهم يوصلها إلى رتبيل ليمكن المسلمين ~~من الخروج من أرضه، فلقيه شريح فقال له: إنكم لا تصالحون على شيء إلا حسبه ~~السلطان من أعطياتكم، وقد بلغت من العمر طويلا وقد كنت أطلب الشهادة منذ ~~زمان وإن فاتتني اليوم الشهادة ما أدركها حتى أموت. ثم قال شريح: يا أهل ~~الإسلام تعاونوا على عدوكم. فقال له ابن أبي بكرة: إنك شيخ قد خرفت. فقال ~~له شريح: إنما حسبك أن يقال بستان عبيد ms1563 الله وحمام عبيد الله. يا أهل ~~الإسلام من أراد منكم الشهادة فإلي. فاتبعه ناس من المتطوعة غير كثير ~~وفرسان الناس وأهل الحفاظ، فاتلوا حتى أصيبوا إلا قليلا، وجعل شريح يرتجز ~~ويقول: أصبحت ذا بث أقاسي الكبرا ... قد عشت بين المشركين أعصرا ثمة أدركنا ~~النبي المنذرا ... وبعده صديقه وعمرا ويوم مهران ويوم تسترا ... والجمع في ~~صفينهم والنهرا وباجميرات مع المشقرا ... هيهات ما أطول هذا عمرا وقاتل حتى ~~قتل في ناس من أصحابه ونجا منهم، فخرجوا من بلاد رتبيل، فاستقبلهم الناس ~~بالأطعمة، فكان أحدهم إذا أكل وشبع مات، فحذر الناس وجعلوا يطعمونهم السمن ~~قليلا قليلا حتى استمرؤوا، وبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى عبد الملك يعرفه ذلك ~~ويخبره أنه قد جهز من أهل الكوفة وأهل البصرة جيشا كثيفا ويستأذنه في ~~إرساله إلى بلاد رتبيل. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أصاب أهل الشام طاعون شديد حتى كادوا يفنون، فلم يغز تلك ~~السنة أحد فيما قيل. وفيها أصاب أهل الروم أهل أنطاكية وظفروا بهم. وفيها ~~استعفى شريح بن الحارث عن القضاء فأعفاه الحجاج واستعمل على القضاء أبا ~~بردة بن أبي موسى. وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان، وكان على ~~المدينة، وكان على العراق والشرق كله الحجاج بن يوسف. وكان على قضاء البصرة ~~موسى بن أنس. وفيها مات محمود بن الربيع، وكنيته أبو إبراهيم، وولد على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمانين # في هذه السنة أتى سيل بمكة فذهب بالحجاج، وكان يحمل الإبل عليها الأحمال ~~والرجال ما لأحد فيهم حيلة، وغرقت بيوت مكة، وبلغ السيل الركن فسمي ذلك ~~العام الجحاف وفي هذه السنة وقع بالبصرة طاعون الجارف. ### || AUT ذكر غزوة المهلب ما وراء النهر # في هذه السنة قطع المهلب نهر بلخ ونزل على كش، وكان على مقدمته أبو ~~الأدهم زياد بن عمرو الزماني في ثلاثة آلاف وهو في خمسة آلاف، وكان أبو ~~الأدهم يغني غناء ألفين في البأس والتدبير ms1564 والنصيحة، فأتى المهلب وهو نازل ~~على كش ابن عم ملك الختل فدعاه إلى غزو الختل، فوجه معه ابنه يزيد، وكان ~~اسم ملك الختل الشبل، فنزل يزيد ونزل ابن عم الملك ناحية، فبيته الشبل ~~وأخذه فقتله، وحصر يزيد قلعة الشبل فصالحوه على فدية حملت إليه، ورجع يزيد ~~عنهم، ووجه المهلب ابنه حبيبا فوافى صاحب بخارى في أربعين ألفا، فنزل جماعة ~~من العدو قرية، فسار إليهم حبيب في أربعة آلاف فقتلهم وأحرق القرية، فسميت ~~المحترقة، ورجع حبيب إلى أبيه. وأقام المهلب بكش سنتين، فقيل له: لو تقدمت ~~إلى ما وراء ذلك. فقال: ليت حظي من هذه الغزاة سلامة هذا الجند وعودهم ~~سالمين. PageV02P0306 # ولما كان المهلب بكش أتاهم قوم من مضر فحبسهم بها، فلما رجع أطلقهم، فكتب ~~إليه الحجاج: إن كنت أصبت بحبسهم فقد أخطأت بإطلاقهم، وإن كنت أصبت ~~بإطلاقهم فقد ظلمتهم إذ حبستهم. فكتب المهلب: خفتهم وحبستهم، فلما أمنتهم ~~خليتهم. وكان فيمن حبس عبد الملك بن أبي شيخ القشيري. وصالح المهلب أهل كش ~~على فدية يأخذها منهم، وأتاه كتاب ابن الأشعث بخلع الحجاج ويدعوه إلى ~~مساعدته، فبعث بكتابه إلى الحجاج وأقام بكش. ### || AUT ذكر تسيير الجنود إلى رتبيل مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث # قد ذكرنا حال المسلمين حين دخل بهم ابن أبي بكرة بلاد رتبيل، واستأذن ~~الحجاج عبد الملك في تسيير الجنود نحو رتبيل، فأذن له عبد الملك في ذلك، ~~فأخذ الحجاج في تجهيز الجيش، فجعل على أهل الكوفة عشرين ألفا، وعلى أهل ~~البصرة عشرين ألفا، وجد في ذلك وأعطى الناس أعطياتهم كملا، وأنفق فيهم ألفي ~~ألف سوى أعطياتهم، وانجدهم بالخيل الرائقة والسلاح الكامل، وأعطى كل رجل ~~يوصف بشجاعة وغناء، منهم عبيد بن أبي محجن الثقفي وغيره. فلما فرغ من أمر ~~الجندين بعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكان الحجاج ببغضه ويقول: ~~ما رأيته قط إلا أردت قتله. وسمع الشعبي ذلك من الحجاج ذات يوم فأخبر عبد ~~الرحمن به، فقال: والله لأحاولن أن أزيل الحجاج عن سلطانه. فلما ms1565 أراد ~~الحجاج أن يبعث عبد الرحمن على ذلك الجيش أتاه إسماعيل بن الأشعث فقال له: ~~لا تبعثه فوالله ما جاز جسر الفرات فرأى الوال عليه طاعة وإني أخاف خلافه. ~~فقال الحجاج: هو أهيب لي من أن يخالف أمري. وسيره على ذلك الجيش، فسار بهم ~~حتى قدم سجستان، فجمع أهلها فخطبهم ثم قال: إن الحجاج ولاني ثغركم وأمرني ~~بجهاد عدوكم الذي استباح بلادكم، فإياكم أن يتخلف منكم أحد فتمسه العقوبة. ~~فعسكروا مع الناس وتجهزوا، وسار بأجمعهم، وبلغ الخبر رتبيل فأرسل يعتذر ~~ويبذل الخراج، فلم يقبل منه، وسار إليه ودخل بلاده وترك له رتبيل أرضا أرضا ~~ورستاقا رستاقا وحصنا حصنا، وعبد الرحمن يحوي ذلك، وكلما حوى بلدا بعث إليه ~~عاملا وجعل معه أعوانا، وجعل الأرصاد على العقاب والشعاب، ووضع المسالح بكل ~~مكان مخوف حتى إذا جاز من أرضه أرضا عظيمة وملأ الناس أيديهم من الغنائم ~~العظيمة منع الناس من الوغول في أرض رتبيل، وقال: نكتفي بما قد أصبناه ~~العام من بلادهم حتى نجبيها ونعرفها ويجترئ المسلمون على طرقها، وفي العام ~~المقبل نأخذ ما وراءها إن شاء الله تعالى، حتى نقاتلهم في آخر ذلك على ~~كنوزهم وذراريهم وأقصى بلادهم حتى يهلكهم الله تعالى. ثم كتب إلى الحجاج ~~بما فتح الله عليه وبما يريد أن يعمل. وقد قيل في إرسال عبد الرحمن غير ما ~~ذكرنا، وهو أن الحجاج كان قد ترك بكرمان هميان بن عدي السدوسي يكون بها ~~مسلحة إن احتاج إليه عامل سجستان والسند، فعصى هميان، فبعث إليه الحجاج عبد ~~الرحمن بن محمد، فحاربه فانهزم هميان وأقام عبد الرحمن بموضعه. ثم إن عبيد ~~الله بن أبي بكرة مات وكان عاملا على سجستان، فكتب الحجاج لعبد الرحمن عهده ~~عليها وجهز إليه هذا الجيش، فكان يسمى جيش الطواويس لحسنه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة أبان بن عثمان، وكان أمير المدينة. وكان على ~~العراق والمشرق الحجاج، وكان على خراسان المهلب من قبل الحجاج، وكان على ~~قضاء البصرة موسى بن أنس وعلى قضاء الكوفة ms1566 أبو بردة. وفي هذه السنة مات ~~أسلم مولى عمر بن الخطاب. ووفيها توفي أبو إدريس الخولاني. وفيها مات عبد ~~الله بن جعفر بن أبي طالب، وقيل سنة أربع، وقيل سنة خمس، وقيل سنة ست ~~وثمانين، وقيل سنة تسعين. وفيها قتل معبد بن عبد الله بن عليم الجهني الذي ~~يروي حديث الدباغ، وهو أول من قال بالقدر في البصرة، قتله الحجاج، وقيل: ~~قتله عبد الملك بن مروان بدمشق. وفيها توفي محمد بن علي بن أبي طالب، وهو ~~ابن الحنفية. وفيها توفي جنادة بن أبي أمية، وله صحبة، وكان على غزو البحر ~~أيام معاوية كلها. وفيها مات السائب بن يزيد ابن أخت النمر، وقيل: سنة ست ~~وثمانين، ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم . وفيها توفي سويد بن غفلة، ~~بفتح الغين المعجمة، والفاء. وفيها توفي عبد الله بن أوفى، وهو آخر من مات ~~من الصحابة بالكوفة. وجبير بن نفير بن مالك الحضرمي، أدرك الجاهلية، وليس ~~له صحبة. PageV02P0307 ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وثمانين # في هذه السنة سير عبد الملك بن مروان ابنه عبيد الله ففتح قاليقلا ### || AUT ذكر مقتل بحير بن ورقاء # وفي هذه السنة قتل بحير بن ورقاء الصريمي. وكان سبب قتله أنه لما قتل ~~بكير بن وشاح، وكلاهما تميميان، بأمر أمية بن عبد الله بن خالد إياه بذلك، ~~كما تقدم ذكره، قال عثمان بن رجاء بن جابر أحد بني عوف بن سعد من الأنباء ~~يحرض بعض آل بكير من الأنباء، والأنباء عدة بطون من تميم سموا بذلك: لعمري ~~لقد أغضبت عينا على القذى ... وبت بطينا من رحيق مروق وخليت ثأرا طل واخترت ~~نومة ... ومن يشرب الصهباء بالوتر يسبق فلو كنت من عوف بن سعد ذؤابة ... ~~تركت بحيرا في دم مترقرق فقل لبحير نم ولا تخشى ثائرا ... ببكر فعوف أهل ~~شاء حبلق دع الضأن يوما قد سبقتم بوتركم ... وصرتم حديثا بين غرب ومشرق ~~وهبوا فلو أمسى بكير كعهده ... لغاداهم زحفا بجأواء فيلق وقال أيضا: فلو ~~كان بكر بارزا في أداته ms1567 ... وذي العرش لم يقدم عليه بحير ففي الدهر إن ~~أبقاني الدهر مطلب ... وفي الله طلاب بذاك جدير فبلغ بجحيرا أن رهط بكير من ~~الأبناء يتوعدونه فقال: توعدني الأبناء جهلا كأنما ... يرون مقفرا من بني ~~كعب رفعت له كفي بعضب مهند ... حسام كلون الثلج ذي رونق عضب فتعاقد سبعة ~~عشر رجلا من بني عوف الطلب بدم بكير، فخرج فتى منهم يقال له شمردل من ~~البادية حتى قدم خراسان فرأى بحيرا واقفا فحمل عليه، فطعنه فصرعه وظن أنه ~~قد قتله، فقال الناس: خارجي، وراكضهم، فعثر به فرسه فسقط عنه فقتل. وخرج ~~صعصعة بن حرب العوفي من البادية، وقد باع غنيمات له، ومضى إلى سجستان فجاور ~~قرابة لبحير مدة وادعى إلى بني حنيفة من اليمامة وأطال مجالستهم حتى أنسوا ~~به، ثم قال لهم: إن لي بخراسان ميراثا فاكتبوا لي إلى بحير كتابا ليعينني ~~على حقي. فكتبوا له، وسار فقدم على بحير وهو مع المهلب في غزوته، فلقي قوما ~~من بني عوف، فأخبرهم أمره، ولقي بحيرا فأخبره أنه من بني حنيفة من أصحاب ~~ابن أبي بكرة وأن له مالا بسجستان وميراثا بمرو، وقدم ليبيعه ويعود إلى ~~اليمامة. فأنزله بحير وأمر له بنفقة ووعده، فقال صعصعة: أقيم عندك حتى يرجع ~~الناس؛ فأقام شهرا يحضر معه باب المهلب، وكان بحير قد حذر، فلما أتاه صعصعة ~~بكتاب أصحابه وذكر أنه من حنيفة آمنه. فجاء يوما صعصة وبحير عند المهلب ~~عليه قميص ورداء، فقعد خلفه ودنا منه كأنه يكلمه فوجأه بخنجر معه في خاصرته ~~فغيبه في جوفه، ونادى: يا لثارات بكير! فاخذ وأتي به المهلب، فقال له: بؤسا ~~لك! ما أدركت بثأرك وقتلت نفسك، وما على بحير بأس. فقال: لقد طعنته طعنة لو ~~قسمت بين الناس لماتوا، ولقد وجدت ريح بطنه في يدي. فحبسه، فدخل عليه قوم ~~من الأبناء فقبلوا رأسه. ومات بحير من الغد، فقال صعصعة لما مات بحير: ~~اصنعوا الآن ما شئتم، أليس قد حلت نذور أبناء بني عوف وأدركت بثأري؟ والله ~~لقد أمكنني منه خاليا ms1568 غير مرة فكرهت أن أقتله سرا. فقال المهلب: ما رأيت ~~رجلا أسخى نفسا بالموت من هذا. وأمر بقتله فقتل. وقيل: إن المهلب بعثه إلى ~~بحير قبل أن يموت، فقتله، ومات بحير بعده. وعظم موته على المهلب وغضبت عوف ~~والأبناء وقالوا: علام قتل صاحبنا وإنما أخذ بثأره؟ فنازعهم مقاعس والبطون، ~~وكلهم بطون من تميم، حتى خاف الناس أن يعظم الأمر، فقال أهل الحجى: احملوا ~~دم صعصعة واجعلوا دم بحير ببكير، فودوا صعصعة؛ فقال رجل من الأبناء يمدح ~~صعصعة: لله در فتى تجاوز همه ... دون العراق مفاوزا وبحورا ما زال يدئب ~~نفسه وركابه ... حتى تناول في الحروب بحيرا ### || AUT ذكر دخول الديلم قزوين وما كان منهم # PageV02P0308 # كانت قزوين ثغر المسلمين من ناحية ديلم، فكانت العساكر لا تبرح مرابطة ~~بها يتحارسون ليلا ونهارا، فلما كان هذه السنة كان في جماعة من رابط بها ~~محمد بن أبي سبرة الجعفي، وكان فارسا شجاعا عظيم الغناء في حروبه، فلما قدم ~~قزوين رأى الناس يتحارسون فلا ينامون الليل، فقال لهم: أتخافون أن يدخل ~~عليكم العدو مدينتكم؟ قالوا: نعم. قال: لقد أنصفوكم إن فعلوا، افتحوا ~~الأبواب ولا بأس عليكم، ففتحوها. وبلغ ذلك الديلم فساروا إليهم وبيتوهم ~~وهجموا إلى البلد، وتصايح الناس، فقال ابن أبي سبرة: أغلقوا أبواب المدينة ~~علينا وعليهم فقد أنصفونا وقاتلوهم. فاغلقوا الأبواب وقاتلوهم، وأبلى ابن ~~أبي سبرة بلاء عظيما، وظفر بهم المسلمون، فلم يفلت من الديلم أحد، واشتهر ~~اسمه بذلك، ولم يعد الديلم بعدها يقدمون على مفارقة أرضهم. فصار محمد فارس ~~ذلك الثغر المشار إليه، وكان يدمن شرب الخمر، وبقي كذلك إلى أيام عمر بن ~~عبد العزيز، فأمر بتسييره إلى زرارة، وهي دار الفساق بالكوفة، فسير إليها، ~~فأغارت الديلم ونالت من المسلمين، وظهر الخلل بعده، فكتبوا إلى عبد الحميد ~~بن عبد الرحمن أمير الكوفة يسألونه أن يرد عليهم ابن أبي سبرة، فكتب بذلك ~~إلى عمر، فأذن له في عوده إلى الثغر، فعاد إليه وحماه. ولمحمد أخ يقال له ~~خثيمة بن عبد الرحمن، وهو اسم أبي ms1569 سبرة، وكان من الفقهاء. ### || AUT ذكر خلاف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجاج # وفي هذه السنة خالف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ومن معه من جند العراق ~~على الحجاج وأقبلوا إليه لحربه، وقيل: كان ذلك سنة اثنتين وثمانين. وكان ~~سبب ذلك أن الحجاج لما بعث عبد الرحمن بن محمد على الجيش إلى بلاد رتبيل ~~فدخلها وأخذ منها الغنائم والحصون كتب إلى الحجاج يعرفه ذلك وأن رأيه أن ~~يتركوا التوغل في بلاد رتبيل حتى يعرفوا طريقها ويجبوا خراجها على ما سبق ~~ذكره. فلما أتى كتابه إلى الحجاج كتب جوابه: إن كتابك كتاب امرئ يحب الهدنة ~~ويستريح إلى الموادعة، قد صانع عدوا قليلا ذليلا، قد أصابوا من المسلمين ~~جندا كان بلاؤهم حسنا وغناؤهم عظيما، وغنك حيث تكف عن ذلك العدو بجندي وحدي ~~لسخي النفس بمن أطيب من المسلمين، فامض لما أمرتك به من الوغول في أرضهم ~~والهدم لحصونهم وقتل مقاتلتهم وسبي ذراريم، ثم أردفه كتابا آخر بنحو ذلك، ~~وفيه: أما بعد فمر من قبلك من المسلمين فليحرثوا وليقيموا بها فإنها دارهم ~~حتى يفتحها الله عليهم. ثم كتب إليه ثالثا بذلك، ويقول له: إن مضيت لما ~~أمرتك وإلا فأخوك إسحاق بن محمد أمير الناس. فدعا عبد الرحمن الناس وقال ~~لهم: أيها الناس إني لكم ناصح، ولصلاحكم محب ولكم في كل ما يحيط بكم نفعكم ~~ناظر، وقد كان رأيي فيما بيني وبين عدوي بما رضيه ذوو أحلامكم وأولو ~~التجربة منكم، وكتبت بذلك إلى أميركم الحجاج فأتاني كتابه يعجزني ويضعفني ~~ويأمرني بتعجل الوغول بكم في أرض العدو، وهي البلاد التي هلك فيها إخوانكم ~~بالأمس، وإنما أنا رجل منكم أمضي إذا مضيتم وآبى إذا أبيتم. فثار إليه ~~الناس وقالوا: بل نأبى على عدو الله ولا نسمع له ولا نطيع. فكان أول من ~~تكلم أبو لطفيل عامر بن واثلة الكناني، وله صحبة، فقال بعد حمد الله: أما ~~بعد فإن الحجاج يرى بكم ما رأى القائل الأول: احمل عبدك على الفرس فإن هلك ~~هلك، وغن ms1570 نجا فلك. إن الحجاج ما يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم بلايا كثيرة ~~ويغشي اللهوب واللصوب، فإن ظفرتم وغنمتم أكل البلاد وحاز المال وكان ذلك ~~زيادة في سلطانه، وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذين لا يبالي ~~عنتهم ولا يبقي عليهم. اخلعوا عدو الله الحجاج وبايعوا الأمير عبد الرحمن، ~~فإني أشهدكم أني أول خالع. فنادى الناس من كل جانب: فعلنا فعلنا، قد خلعنا ~~عدو الله. وقام عبد المؤمن بن شبث بن ربعي فقال: عباد الله! إنكم إن أطعتم ~~الحجاج جعل هذه البلاد بلادكم ما بقيتم وجمركم تجمير فرعون الجنود، فإنه ~~بلغني أنه أول من جمر البعوث، ولن تعاينوا الأحبة أو يموت أكثركم فيما أرى، ~~فبايعوا أميركم وانصرفوا إلى عدوكم الحجاج فانفوه عن بلادكم. فوثب الناس ~~إلى عبد الرحمن فبايعوه على خلع الحجاج ونفيه من أرض العراق وعلى النصرة ~~له، ولم يذكر عبد الملك. PageV02P0309 # وجعل عبد الرحمن على بست عياض بن هميان الشيباني، وعلى زرنج عبد الله بن ~~عامر التميمي، وصالح رتبيل على أن ابن الأشعث إن ظهر فلا خراج عليه أبدا ما ~~بقي، وإن هزم فأراد منعه. ثم رجع إلى العراق، فسار بين يديه أعشى همدان وهو ~~يقول: شطت نوى من داره بالإيوان ... إيوان كسرى ذي القرى والريحان من عاشق ~~أمسى بزابلستان ... إن ثقيفا منهم الكذابان كذابها الماضي وكذاب ثان ... ~~أمكن ربي من ثقيف همدان يوما إلى الليل يسلي ما كان ... إنا سمونا للكفور ~~الفتان حين طغى في الكفر بعد الإيمان ... بالسيد الغطريف عبد الرحمن سار ~~بجمع كالدبا من قحطان ... ومن معد قد أتى من عدنان بجحفل جم شديد الأركان ~~... فقل لحجاج ولي الشيطان يثبت بجمع مذحج وهمدان ... فإنهم ساقوه كأس ~~الذيفان وملحقوه بقرى ابن مروان وجعل عبد الرحمن على مقدمته عطية بن عمرو ~~العنبري، وجعل على كرمان حريثة بن عمرو التميمي، فلما بلغ فارس اجتمع الناس ~~بعضهم إلى بعض وقالوا: إذا خلعنا الحجاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد ~~الملك. فاجتمعوا إلى عبد الرحمن، فكان أول الناس خلع عبد ms1571 الملك تيجان بن ~~أبحر من تميم الله بن ثعلبة، قام فال: أيها الناس إني خلعت أبا ذبان كخلعي ~~قميصي. فخلعه الناس إلا قليلا منهم، وبايعوا بعد الرحمن، وكانت بيعته: ~~نبايع على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وعلى جهاد أهل الضلالة ~~وخلعها وجهاد المحلين. فلما بلغ الحجاج خلعه كتب إلى عبد الملك بخبر عبد ~~الرحمن وسأله أن يعجل بعثة الجنود إليه. وسار الحجاج حتى نزل البصرة. ولما ~~بلغ المهلب خبر عبد الرحمن كتب إلى الحجاج من خراسان: أما بعد فإن أهل ~~العراق قد أقبلوا إليك وهم مثل السيل ليس يردهم شيء حتى ينتهي إلى قراره، ~~وإن لأهل العراق شدة في أول مخرجهم وصبابة إلى أبنائهم ونسائهم، فاتركهم ~~حتى يسقطوا إلى أهاليهم ويشموا أولادهم ثم واقعهم عندها، فإن الله ناصرك ~~عليهم. فلما قرأ كتابه سبه وقال: ما إلي نظر وإنما النظر لابن عمه، يعني ~~عبد الرحمن. ولما وصل كتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله ودعا خالد بن يزيد ~~فأقرأه الكتاب، فقال: يا أمير المؤمنين إن كان الحدث من سجستان فلا تخفه، ~~فإن كان من خراسان فإني أتخوفه. فجهز عبد الملك الجند إلى الحجاج، فكانوا ~~يصلون إلى الحجاج على البريد من مائة ومن خمسين وأقل وأكثر، وكتب الحجاج ~~تتصل بعبد الملك كل يوم بخبر عبد الرحمن. فسار الحجاج من البصرة ليلتقي عبد ~~الرحمن، فنزل تستر وقدم بين يديه مقدمة إلى دجيل، فلقوا عنده خيلا لعبد ~~الرحمن، فانهزم أصحاب الحجاج بعد قتال شديد، وكان ذلك يوم الأضحى سنة إحدى ~~وثمانين، وقتل منهم جمع كثير. فلما أتى خبر الهزيمة إلى الحجاج رجع إلى ~~البصرة وتبعه أصحاب عبد الرحمن فقتلوا منهم وأصابوا بعض أثقالهم، وأقبل ~~الحجاج حتى نزل الزاوية وجمع عنده الطعام وترك البصرة لأهل العراق، ولما ~~رجع نظر في كتاب المهلب فقال: لله دره أي صاحب حرب هو! وفرق في الناس مائة ~~وخمسين ألف ألد فرهم. فأقبل عبد الرحمن حتى دخل البصرة، فبايعه جميع أهلها ~~قراؤها وكهولها مستبصرين في قتلا الحجاج ومن ms1572 معه من أهل الشام. وكان السبب ~~في سرعة إجابتهم إلى بيعته أن عمال الحجاج كتبوا إليه: إن الخراج قد أنكر، ~~وإن أهل الذمة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار. فكتب إلى البصرة وغيرها: إن من ~~كان له أصل من قرية فليخرج إليها، فاخرج الناس لتؤخذ منهم الجزية، فجعلوا ~~يبكون وينادون: يا محمداه ولا يدرون أين يذهبون، وجعل قراء البصرة يبكون ~~لما يرون، فلما قدم ابن الأشعث عقيب ذلك بايعوه على حرب الحجاج وخلع عبد ~~الملك. وخندق الحجاج على نفسه وخندق عبد الرحمن على البصرة؛ وكان دخول عبد ~~الرحمن البصرة في آخر ذي الحجة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة سليمان بن عبد الملك، وكان ممن حج أم الدرداء ~~الصغرى. وفيها ولد ابن أبي ذئب. PageV02P0310 # وكان العامل على المدينة أبان بن عثمان، وعلى العراق والمشرق كله الحجاج، ~~وعلى خراسان المهلب، وعلى قضاء الكوفة أبو بردة، وعلى قضاء البصرة عبد ~~الرحمن بن أذينة. وكانت سجستان وكرمان وفارس والبصرة بيد عبد الرحمن. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين # ### || AUT ذكر الحرب بين الحجاج وابن الأشعث # قيل: في المحرم من هذه السنة اقتتل عسكر الحجاج وعسكر عبد الرحمن بن ~~الأشعث قتالا شديدا، قتزاحفوا في المحرم عدة دفعات، فلما كان ذات يوم في ~~آخر المحرم اشتد قتالهم فانهزم أصحاب الحجاج حتى انتهوا إليه وقاتلوا على ~~خنادقهم، ثم إنهم تزاحفوا آخر يوم من المحرم، فجال أصحاب الحجاج وتقوض ~~صفهم، فجثا الحجاج على ركبتيه وقال: لله در مصعب ما كان أكرمه حين نزل به ~~ما نزل وعزم على أنه لا يفر. فحمل سفيان بن الأبرد الكلبي على الميمنة التي ~~لعبد الرحمن فهزمها وانهزم أهل العراق وأقبلوا نحو الكوفة مع عبد الرحمن ~~وقتل منهم خلق كثير، منهم عقبة بن عبد الغافر الأزدي وجماعة من القراء ~~قتلوا ربضة واحدة معه. ولما بلغ عبد الرحمن الكوفة تبعه أهل القوة وأصحاب ~~الخيل من أهل البصرة، واجتمع من بقي في البصرة مع عبد الرحمن بن عباس بن ~~ربيعة بن الحارث بن عبد ms1573 المطلب فبايعوه، فقاتل بهم الحجاج خمس ليال أشد ~~قتال رآه الناس، ثم انصرف فلحق بابن الأشعث وبعه طائفة من أهل البصرة، وقتل ~~منهم طفيل بن عامر بن واثلة، فقال أبوه يرثيه، وهو من الصحابة: خلى طفيل ~~علي الهم فانشعبا ... وهد ذلك ركني هدة عجبا مهما نسيت فلا أنساه إذ حدقت ~~... به الأسنة مقتولا ومنسلبا وأخطأتني المنايا لا تكالعني ... حتى كبرت ~~ولن يتركن لي نسبا وكنت بعد طفيل كالذي نضبت ... عنه السيول وغاض الماء ~~فانقبضا وهي أبيات عدة. وهذه الوقعة تسمى يوم الزاوية. فأقام الحجاج أول ~~صفر واستعمل على البصرة الحكم بن أيوب الثقفي. وسار عبد الرحمن إلى الكوفة، ~~وقد كان الحجاج استعمل عليها عند مسيره إلى البصرة عبد الرحمن بن عبد ~~الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي حليف بني أمية، فقصده مطر بن ناجية ~~اليربوعي، فتحصن من ابن الحضرمي في القصر، ووثب أهل الكوفة مع مطر، فاخرج ~~ابن الحضرمي ومن معه من أهل الشام، وكانوا أربعة آلاف، واستولى مطر على ~~القصر، واجتمع الناس وفرق فيهم مائتي درهم مائتي درهم. فلما وصل ابن الأشعث ~~إلى الكوفة كان مطر بالقصر، فخرج أهل الكوفة يستقبلونه، ودخل الكوفة وقد ~~سبق إليه همدان، فكانوا حوله، فأتى القصر، فمنعه مطر بن ناجية ومعه جماعة ~~من بني تميم، فاصعد عبد الرحمن الناس في السلاليم إلى القصر، فأخذوه، فأتي ~~عبد الرحمن بمطر بن ناجية فحبسه ثم أطلقه وصار معه. فلما استقر عبد الرحمن ~~بالكوفة اجتمع إليه الناس وقصده أهل البصرة، منهم عبد الرحمن بن لعباس بن ~~ربيعة الهاشمي بعد قتاله الحجاج بالبصرة. وقتل الحجاج يوم الزاوية بعد ~~الهزيمة أحد عشر ألفا خدعهم بالأمان وأمر مناديا فنادى: لا أمان لفلان بن ~~فلان، فسمى رجالا، فقال العامة: قد آمن الناس، فحضروا عنده فأمر بهم فقتلوا. ### || AUT ذكر وقعة دير الجماجم # وكانت وقعة دير الجماجم في شعبان من هذه السنة، وقيل: كانت سنة ثلاث ~~وثمانين. وكان سببها أن الحجاج سار من البصرة إلى الكوفة لقتال عبد الرحمن ~~بن محمد فنزل ms1574 دير قوة، وخرج عبد الرحمن من الكوفة فنزل دير الجماجم. فقال ~~الحجاج: إن عبد الرحمن نزل دير الجماجم ونزلت دير القرة، أما تزجر الطير؟ ~~واجتمع إلى عبد الرحمن أهل الكوفة وأهل البصرة والقراء وأهل الثغور ~~والمسالح بدير الجماجم فاجتمعوا على حرب الحجاج لبغضه، وكانوا مائة ألف ممن ~~يأخذ العطاء ومعهم مثلهم، وجاءت الحجاج أيضا أمداد من الشام قبل نزوله بدير ~~قرة، وخندق كل منهما على نفسه، فكان الناس يقتلون كل يوم ولا يزال أحدهما ~~يدني خندقه من الآخر. PageV02P0311 # ثم إن عبد الملك وأهل الشام قالوا: إن كان ير1ضى أهل العراق بنزع الحجاج ~~عنهم نزعناه فإن عزله أيسر من حربهم ونحقن بذلك الدماء. فبعث عبد الملك ~~ابنه عبد الله وأخاه محمد بن مروان، وكان محمد بأرض الموصل، إلى الحجاج في ~~جند كثيف وأمرهما أن يعرضا على أهل العراق عزل الحجاج وأن يجريا عليهم ~~أعطياتهم كما يجرى على أهل الشام، وأن ينزل عبد الرحمن بن محمد أي بلد شاء ~~من بلد العراق، فإذا نزله كان واليا عليه ما دام حيا وعبد الملك خليفة، فغن ~~أجاب أهل العراق إلى ذلك عزلا الحجاج عنها وصار محمد بن مروان أمير العراق، ~~وإن أبى أهل العراق قبول ذلك فالحجاج أمي الجماعة ووالي القتال ومحمد بن ~~مروان وعبد الله بن عبد الملك في طاعته. فلم يأت الحجاج أمر قط كان أشد ~~عليه ولا أوجع لقلبه من ذلك، فخاف أن يقبل أهل العراق عزله فيعزل عنهم، ~~فكتب إلى عبد الملك: والله لو أعطيت أهل العراق نزعي لم يلبثوا إلا قليلا ~~حتى يخالفوك ويسيروا إليك ولا يزيدهم ذلك إلا جرأة عليك، أم تر ويبلغك وثوب ~~أهل العراق مع الأشتر على ابن عفان وسؤالهم نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه ~~لم تتم لهم السنة حتى ساروا إلى عثمان فقتلوه، وإن الحديد بالحديد يفلح. ~~فأبى عبد الملك إلا عرض عزله على أهل العراق. فلما اجتمع عبد الله ومحمد مع ~~الحجاج خرج عبد الله بن عبد الملك وقال: يا أهل العراق أنا ms1575 ابن أمير ~~المؤمنين، وهو يعطيكم كذا وكذا. وخرج محمد بن مروان وقال: أنا رسول أمير ~~المؤمنين، وهو يعرض عليكم كذا وكذا، فذكر هذه الخصال. فقالوا: نرجع العشية، ~~فرجعوا واجتمع أهل العراق عند ابن الأشعث، فقال لهم: قد أعطيتم أمرا، ~~انتهازكم اليوم إياه فرصة، وإنكم اليوم على النصف، فإن كان اعتدوا عليكم ~~بيوم الزاوية فأنتم تعتدون عليهم بيوم تستر، فاقبلوا ما عرضوا عليكم وأنتم ~~أعزاء أقوياء لقوم هم لكم هائبون وأنتم منتقصون، فوالله لا زلتم عليهم جرآء ~~وعندهم أعزاء أبدا ما بقيتم إن أنتم قبلتم. فوثب الناس من كل جانب فقالوا: ~~إن الله قد أهلكهم فأصبحوا في الضنك والمجاعة والقلة والذلة، ونحن ذوو ~~العدد الكثير والسعر الرخيص والمادة القريبة، لا والله لا نقبل! وأعادوا ~~خلعه ثانية. وكان أول من قام بخلعه بدير الجماجمع عبد الله بن ذؤاب السلمي ~~وعمير بن تيجان وكان اجتماعهم على خلعه بالجماجم أجمع من خلعهم إياه بفارس. ~~فقال عبد الله بن عبد الملك ومحمد بن مروان للحجاج: شأنك بعسكرك وجندك ~~واعمل برأيك فإنا قد أمرنا أن نسمع لك ونطيع. فقال: قد قلت: إنه لا يراد ~~بهذا الأمر غيركم، فكانا يسلمان عليه بالإمرة ويسلم عليهما بالإمرة. فلما ~~اجتمع أهل العراق بالجماجم على خلع عبد الملك قال عبد الرحمن: ألا إن بني ~~مروان يعيرون بالزرقاء، والله ما لهم نسب أصح منه إلا أن بني أبي العاص ~~أعلاج من أهل صفورية، فإن يكن هذا الأمر من قريش فمني تقويت بيضة قريش، وإن ~~يك في العرب فأنا ابن الأشعث، ومد بها صوته يسمع الناس وبرزوا للقتال. فجعل ~~الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليم الكلبي، وعلى ميسرته عمارة بن تميم ~~اللخمي، وعلى خيله سفيان بن الأبرد الملبي، وعلى رجاله عبد الله بن خبيب ~~الحكمي؛ وجعل عبد الرحمن بن محمد على ميمنته الحجاج بن حارثة الخثعمي، وعلى ~~ميسرته الأبرد بن قرة التميمي، وعلى خيله عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة ~~الهاشمي، وعلى رجاله محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعلى مجنبته عبد ms1576 الله بن ~~رزام الحارثي، وجعل على القراء جبلة بن زحر بن قيس الجعفي، وفيهم سعيد بن ~~جبير وعامر الشعبي وأبو البختري الطائي وعبد الرحمن بن أبي ليلى. ~~PageV02P0312 # ثم أخذوا يتزاحفون كل يوم ويقتتلون وأهل العراق تأتيهم موادهم من الكوفة ~~وسادها وهم في خصب، وأهل الشام في ضنك شديد قد غلت عليهم الأسعار وفقد ~~عندهم اللحم كأنهم في حصار، وهم على ذلك يغادون القتال ويراوحون. فلما كان ~~اليوم الذي قتل فيه جبلة بن زحر بن قيس، وكانت كتيبته تدعى القراء تحمل ~~عليهم فلا يبرحون، وكانوا قد عرفوا بذلك، وكان فيهم كميل بن زياد، وكان ~~رجلا ركينا. فخرجوا ذات يوم كما كانوا يخرجون، وعبأ الحجاج صفوفه وعبأ عبد ~~الرحمن أصحابه، وعبأ الحجاج لكتيبة القراء ثلاث كتائب وبعث عليها الجراح بن ~~عبد الله الحكمي، فأقبلوا نحوهم فحملوا على القراء ثلاث حملات كل كتيبة ~~تحمل حملة فلم يبرحوا وصبروا. ### || AUT ذكر وفاة المغيرة بن المهلب # وفي هذه السنة مات المغيرة بن المهلب بخراسان، وكان قد استخلفه أبوه ~~المهلب على عمله بخراسان، فمات في رجب سنة اثنتين وثمانين، فأتى الخبر يزيد ~~بن المهلب وأهل العسكر فلم يخبروا المهلب، فأمر يزيد النساء فصرخن، فقال ~~المهلب: ما هذا؟ فقيل: مات المغيرة. فاسترجع وجزع حتى ظهر جزعه، فلامه بعض ~~خاصته، ثم دعا يزيد ووجهه إلى مرو ووصاه بما يعمل وإن دموعه لتحدر على ~~لحيته. فكان المهلب مقيما بكش بما وراء النهر يحارب أهلها، فسار يزيد في ~~تين فارسا، ويقال سبعين، فلقيهم خمسمائة من الترك في مفازة بست، فقالوا: ما ~~أنتم؟ قالوا: تجار قالوا: فأعطونا شيئا. فأبى يزيد، فأعطاهم مجاعة بن عبد ~~الرحمن العتكي ثوبا وكرابيس وقوسا، فانصرفوا ثم غدروا وعادوا إليهم ~~فقاتلوهم فاشتد القتال بينهم، ومع يزيد رجل من الخوارج كان قد أخذه، فقال: ~~استبقني، فاستبقاه. فحمل الخارجي عليهم حتى خالطهم وصار من ورائهم وقتل ~~رجلا ثم كر حتى خالطهم وقتل رجلا ورجع إلى يزيد، وقتل يزيد عظيما من ~~عظمائهم، ورمي يزيد في ساقه، فاشتدت شوكتهم، وصبر يزيد ms1577 حتى جاوزهم، فقالوا: ~~قد غدرنا ولا ننصرف حتى نموت أو تموتوا أو تعطونا شيئا، فلم يعطهم يزيد ~~شيئا. فقال مجاعة: أذكر الله، قد هلك المغيرة، فأنشدك الله أن تهلك فتجتمع ~~على المهلب المصيبة. فقال: إن المغيرة لم يعد أجله ولست أعدو أجلي. فرمى ~~إليهم مجاعة بعمامة صفراء فأخذوها وانصرفوا. ### || AUT ذكر صلح المهلب أهل كش # وفي هذه السنة صالح المهلب أهل كش. وكان سبب ذلك أنه اتهم قوما من مضر ~~فحبسهم وصالح وقفل وخلف حريث بن قطبة مولى خزاعة وقال: إذا استوفيت الفدية ~~فرد عليهم الرهن. وسار المهلب فلما صار ببلخ كتب إلى حريث: إني لست آمن إن ~~رددت عليهم الرهن أن يغيروا عليك، فإذا قبضت الفدية فلا تخل الرهن حتى تقدم ~~أرض بلخ. فقال حريث لملك كش: إن المهلب كتب إلي كذا وكذا، فغن عجلت الفدية ~~سلمت إليك الرهن وسرت وأخبرته أن كتابه ورد وقد استوفيتها منكم ورددت عليكم ~~الرهن. فعجل ملك كش الفدية وأخذ الرهن، ورجع حريث، فعرض لهم الترك فقالوا ~~له: افد نفسك ومن معك، فقد لقينا يزيد بن المهلب ففدى نفسه. فقال حريث: ~~ولدتني إذا أم يزيد. وقاتلهم فقتلهم وأسر منهم، أسرى، ففدوهم فأطلقهم ورد ~~عليهم الفداء. وبلغ المهلب قوله فقال: يأنف العبد أن تلده أم يزيد، فغضب، ~~فلما قدم عليه بلخ قال: أين الرهن؟ قال: خليتهم قبل وصول كتابك وقد كفيت ما ~~خفت. قال: كذبت ولكنك تقربت إليهم. وأمر بتجريده، فجزع من ذلك حتى ظن ~~المهلب أن به مرضا، فجرده وضربه ثلاثين سوطا. فقال حريث: وددت أنه ضربني ~~ثلاثمائة ولم يجردني أنفة وحياء؛ وحلف ليقتلن المهلب. فركب يوما مع المهلب ~~فأمر غلامين له أن يضربا المهلب، فلم يفعلا وقالا: نخاف عليك أن تقتل. وترك ~~حريث إتيان المهلب، فأرسل إليه أخاه ثابت بن قطبة ليأتيه به وقال له: إنك ~~كبعض ولدي أدبه كبعضهم، فأتى ثابت أخاه وسأله أن يركب إلى المهلب، فلم ~~يفعل، وحلف ليقتله، فقال ثابت: إن كان هذا رأيك فاخرج بنا إلى موسى بن ms1578 عبد ~~الله بن خازم. وخاف ثابت أن يقتل حريث المهلب فيقتلون جميعا، فخرجا في ~~ثلاثة من أصحابهما المنقطعين إليهما. ### || AUT ذكر وفاة المهلب بن أبي صفرة # ### || AUT وولاية ابنه يزيد خراسان # PageV02P0313 # لما صالح المهلب أهل كش رجع يريد مرو، فلما كان بمرو الروذ أخذته الشوصة، ~~وقيل الشوكة، فمات منها، وأوصى إلى ابنه حبيب فصلى عليه، وقال لهم: قد ~~استخلف عليكم يزيد فلا تخالفوه. فقال له ابنه المفضل: لو لم تقدمه لقدمناه. ~~واحضر ولده فوصاهم، وأحضر سهاما فحزمت، فقال: أتكسرونها مجتمعة؟ قالوا: لا ~~قال: أفتكسرونها متفرقة؟ قالوا: نعم. قال: فهكذا الجماعة. ثم قال: أوصيكم ~~بتقوى الله وصلة الرحم فإنها تنسئ في الأجل وتثري المال وتكثر العدد، ~~وأنهاكم عن القطيعة فإنها تعقب النار والقلة والذلة، وعليكم بالطاعة ~~والجماعة، وليكن فعالكم أفضل من مقالكم، واتقوا الجواب وزلة اللسان، فإن ~~الرجل تزل قدمه فينتعش منها ويزل لسانه فيهلك، اعرفوا لمن يغشاكم حقه، فكفى ~~بغدو الرجل ورواحه إليكم تذكرة له، وآثروا الجود على البخل، وأحيوا العرف، ~~واصنعوا المعروف، فإن الرجل من العرب تعده العدة فيموت دونك فكيف بالصنيعة ~~عنده عليكم في الحرب بالتؤدة والمكيدة، فإنها أنفع من الشجاعة، وإذا كان ~~اللقاء نزل القضاء فإن أخذ الرجل بالحزم فظفر قيل أتى الأمر من وجهه فظفر ~~فحمد، وإن لم يظفر قيل ما فرط ولا ضيع ولكن القضاء غالب، وعليكم بقراءة ~~القرآن وتعليم السنن وأدب الصالحين، وإياكم وكثرة الكلام في مجالسكم. ثم ~~مات، رحمه الله، فقال نهار بن توسعة التميمي يرثيه: ألا ذهب المعروف والعز ~~والغنى ... ومات الندى والجود بعد المهلب أقام بمرو الروذ رهن ضريحه ... ~~وقد غاب عنه كل شرق ومغرب إذا قيل أي الناس أولى بنعمة ... على الناس قلنا ~~هو ولم نتهيب فلما توفي كتب ابنه إلى الحجاج يعلمه بوفاته، فاقر يزيد على خراسان. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة عزل عبد الملك أبان بن عثمان عن المدينة في جمادى الآخرة ~~واستعمل عليها هشام بن إسماعيل المخزومي، فعزل هشام نوفل بن مساحق عن قضاء ~~المدينة، ms1579 وولى على القضاء عمرو بن خالد الزرقي، وفيها غزا محمد بن مروان ~~أرمينية فهزمهم، ثم سألوه الصلح فصالحهم وولى عليهم أبا شيخ بن عبد الله، ~~فغدروا به فتقلوه، وقيل: بل قتلوه سنة ثلاث وثمانين. وفيها قتل عبد الله بن ~~شداد بن الهاد الليثي بدجيل. وفيها مات أو الجوزار أوس بن عبد الله الربعي، ~~وعطاء بن عبد الله السليمي العابد. السليمي بفتح السين المهملة، وكسر ~~اللام. وفيها مات زاذان، وأبو وائل، وعمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، ~~وعمره ستون سنة. وفيها مات أبو أمامة الباهلي، وقيل: سنة إحدى وتسعين. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين # ### || AUT ذكر بقية الوقعة بدير الجماجم # فلما حملت كتائب الحجاج الثلاث على القراء من أصحاب عبد الرحمن وعليهم ~~جبلة بن زحر نادى جبلة: يا عبد الرحمن بن أبي ليلى! يا معشر القراء! إن ~~الفرار ليس بأحد بأقبح منه منكم، غني سمعت علي بن أبي طالب، رفع الله درجته ~~في الصالحين وآتاه ثواب الصاديقين والشهداء، يقول يوم لقينا أهل الشام: ~~أيها المؤمنون إنه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعة إليه فأنكره بقلبه ~~فقد سلم وبرئ، ومن أنكره بلسانه فقد أجسر وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره ~~بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين السفلى، فذلك الذي أصاب ~~سبيل الهدى ونور في قلبه باليقين، فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين ~~المبتدعين الذين جهلوا الحق فلا يعرفونه، وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه. ~~وقال أبو البختري: أيها الناس قاتلوهم على دينكم ودنياكم. فقال الشعبي: ~~أيها الناس قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم، والله ما أعلم على بسيط ~~الأرض أعمل بظلم ولا أجور في حكم منهم. وقال سعيد بن جبير نحو ذلك، وقال ~~جبلة: احملوا عليهم حملة صادقة، ولا تردوا وجوهكم عنهم حتى توقعوا صفهم. ~~فحملوا عليهم حملة صادقة، فضربوا الكتائب حتى أزالوها وفرقوها، وتقدموا حتى ~~واقعوا صفهم فأزالوه عن مكانه، ثم رجعوا فوجدوا جبلة بن زحر قتيلا لا يدرون ~~كيف قتل. PageV02P0314 # وكان سبب قتله أن أصحابه لما حملوا على أهل ms1580 الشام ففرقوهم وقف لأصحابه ~~ليرجعوا إليه فافترقت فرقة من أهل الشام فوقفت ناحية، فلما رأوا أصحاب جبلة ~~قد تقدموا قال بعضهم لبعض: هذا جبلة، احملوا عليه ما دام أصحابه مشاغيل ~~بالقتال. فحملوا عليه فلم يول لكنه حمل عليهم فقتلوه، وكان الذي قتله ~~الوليد بن تحيت الكلبي، وجيء برأسه إلى الحجاج فبشر أصحابه بذلك. فلما رجع ~~أصحاب جبلة ورأوه قتيلا سقط في أيديهم وتنازعوه بينهم، فقال لهم أبو ~~البختري: لا يظهرن عليكم قتل جلة إنما كان كرجل منكم أتته منيته فلم يكن ~~ليتقدم ولا ليتأخر. وظهر الفشل في القراء، وناداهم أهل الشام: يا أعداء ~~الله قد هلكتم وقد قتل طاغيتكم! وقدم عليهم بسطام من مصقلة بن هبيرة ~~السيباني، ففرحوا به وقالوا: تقدم مقام جبلة. وكان قدومه من الري، فلما أتى ~~عبد الرحمن جعله على ربيعة، وكان شجاعا، فقاتل يوما فدخل عسكر الحجاج فأخذ ~~أصحابه ثلاثين امرأة فأطلقهن. فقال الحجاج: منعوا نساءهم، لو لم يردوهن ~~لسبيت نساءهم إذا ظهرت عليهم. وخرج عبد الرحمن بن عوف الرؤاسي أبو حميد ~~فدعا إلى المابرزة، فخرج إليه رجل من أهل الشام، فتضاربا، فقال كل واحد ~~منهما: أنا الغلام الكلابي فقال كل واحد منهما لصاحبه: من أنت؟ وإذا هما ~~ابنا عم، فتحاجزا. وخرج عبد الله بن رازم الحارثي فطلب المبارزة، فخرج إليه ~~رجل من عسكر الحجاج فقتله، ثم فعل ذلك ثلاثة أيام. فلما كان اليوم الرابع ~~خرج، فقالوا: جاء لا جاء الله به! فطلب المبارزة، فقال الحجاج للجراح: أخرج ~~إليه. فخرج إليه. فقال له عبد الله، وكان له صديقا: ويحك يا جراح ما أخرجك؟ ~~قال: ابتليت بك. قال: فهل لك في خير؟ قال الجراح: ما هو؟ قال عبد الله: ~~أنهزم لك وترجع إلى الحجاج وقد أحسنت عنده وحمدك، وأما أنا فأحتمل مقالة ~~الناس في انهزامي حبا لسلامتك فإني لا أحب قتل مثلك من قومي. قال: افعل. ~~فحمل الجراح على عبد الله فاستطرد له عبد الله، وحمل عليه الجراح بجد يريد ~~قتله، فصاح بعيد الله غلامه، وكان ناحية ms1581 معه ماء ليشربه، وقال له: يا سيدي ~~إن الرجل يريد قتلك! فعطف عبد الله على الجراح فضربه بعمود على رأسه فصرعه، ~~وقال له: يا جراح بئس ما جزيتني! أردت بك العافية وأردت تقلي! انطلق فقد ~~تركتك للقرابة والعشيرة. وكان سعيد بن جبير وأبو البختري الطائي يحملان على ~~أهل الشام بعد قتل جبلة بن زحر حتى يخالطاهم، وكانت مدة الحرب مائة يوم ~~وثلاثة أيام لأنه كان نزولهم بالجماجم لثلاث مضين من ربيع الأول، وكانت ~~الهزيمة لأربع عشرة مضين من جمادى الآخرة. فلما كان يوم الهزيمة اقتتلوا ~~أشد قتال، واستظهر أصحاب عبد الرحمن على أصحاب الحجاج واستعلوا عليهم وهم ~~آمنون أن يهزموا. فبينا هم كذلك إذ حمل سفيان بن الأبرد، وهو في ميمنة ~~الحجاج، على الأبرد بن قرة التميمي، وهو على ميسرة عبد الرحمن، فانهزم ~~الأبرد بن قرة من غي قتال يذكر، فظن الناس أنه قد كان صولح على أن ينهزم ~~بالناس، فلما انهزم تقوضت الصفوف من نحوه وركب الناس بعضهم بعضا، وصعد عبد ~~الرحمن المنبر ينادي الناس: إلي عباد الله. فاجتمع إليه جماعة، فثبت حتى ~~دنا منه أهل الشام فقاتل من معه ودخل أهل الشام العسكر، فأواه عبد الله بن ~~يزيد بن المفضل الأزدي فقال له: انزل فإني أخاف عليك أن تؤسر ولعلك إن ~~انصرفت أن تجمع لهم جمعا يهلكهم الله به. فنزل هو ومن معه لا يلوون على ~~شيء، ثم رجع الحجاج إلى الكوفة، وعاد محمد بن مروان إلى الموصل، وعبد الله ~~بن عبد الملك إلى الشام، وأخذ الحجاج يبايع الناس، وكان لا يبايع أحدا إلا ~~قال له: اشهد أنك كفرت، فإن قال: نعم، بايعه، وإلا قتله، فأتاه رجل من خثعم ~~كان معتزلا للناس جميعا فسأله عن حاله فأخبره باعتزاله، فقال له: أنت ~~متربص، أتشهد أنك كافر؟ قال: بئس الرجل! أنا أعبد الله ثمانين سنة ثم أشهد ~~على نفسي بالكفر! قال: إذا أقتلك. قال: وإن قتلتني فوالله ما بقي من عمري ~~إلا ظمء حمار. فقتله ولمي بق أحد من أهل ms1582 الشام والعراق إلا رحمه. ~~PageV02P0315 # ثم دعا بكميل بن زياد فقال له: أنت المقتص من أمير المؤمنين عثمان؟ قد ~~كنت أحب من أن أجد عليك سبيلا. قال: على أينا أنت أشد غضبا، عليه حين أقاد ~~من نفسه أم علي حين عفوت عنه؟ قم قال: أيها الرجل من ثقيف لا تصرف علي ~~أنيابك ولا تكشر على كالذئب، والله ما بقي من عمري إلا ظمء الحمار، اقض ما ~~أنت قاض فإن الموعد الله وبعد القتل الحساب. قال الحجاج: فإن الحجة عليك. ~~قال: ذلك إذا كان القضاء إليك. فأمر به فقتل، وكان خصيصا بأمير المؤمنين. ~~وأتي بآخر من بعده، فقال له الحجاج: أرى رجلا ما أظنه يشهد على نفسه ~~بالكفر. فقال له الرجال: أتخادعني عن نفسي؟ أنا أكفر أهل الأرض وأكفر من ~~فرعون. فضحك منه وخلي سبيله. وأقام بالكوفة شهرا، وأنزل أهل الشام بيوت أهل ~~الكوفة، أنزلهم الحجاج فيها مع أهلها، وهو أول من انزل الجند في بيوت ~~غيرهم، وهو إلى الآن لا سيما في بلاد العجم، ومن سن سنة سيئة كان عليها ~~وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. ### || AUT ذكر الوقعة بمسكن # ولما انهزم عبد الرحمن أتى البصرة واجتمع إليه من المنهزمين جمع كثير، ~~وكان فيهم عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس القرشي، ~~وكان بالمدائن محمد بن سعد بن أبي وقاص، فسار إليه الحجاج، فلحق ابن سعد ~~بعيد الرحمن، وسار عبد الرحمن نحو الحجاج ومعه جمع كثير فيهم بسطام بن ~~مصقلة بن هبيرة الشيباني، وقد بايعه خلق كثير على الموت، فاجتمعوا بمسكن، ~~وخندق عبد الرحمن على أصحابه وجعل القتال من وجه واحد. وقدم عليه خالد بن ~~جرير بن عبد الله من خراسان في ناس من بعث الكوفة، فاقتتلوا خمسة عشر يوما ~~من شعبان أشد قتال، فقتل زياد بن غيثم القيني، وكان على مسالح الحجاج، فهده ~~ذلك وهد أصحابه. وبات الحجاج يحرض أصحابه، ولما أصبحوا باكروا القتال ~~فاقتتلوا أشد قتال كان بينهم، فانكشفت خيل سفيان بن ms1583 الأبرد، فأمر الحجاج ~~عبد الملك بن المهلب فحمل على أصحاب عبد الرحمن، وحمل أصحاب الحجاج من كل ~~جانب، فانهزم عبد الرحمن وأصحابه وقتل عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه وأبو ~~البختري الطائي، ومشى بسطام بن مصقلة بن هبيرة في أربعة آلاف فارس من شجعان ~~أهل الكوفة والبصرة فكسروا جفون سيوفهم وحث أصحابه على القتال، فحملوا على ~~أهل الشام فكشفوهم مرارا، فدعا الحجاج الرماة فرموهم وأحاط بهم الناس ~~فقتلوا إلا قليلا، ومضى ابن الأشعث نحو سجستان. وقد قيل في هزيمة عبد ~~الرحمن بمسكن غير هذا، والذي قيل: إنه اجتمع هو والحجاج بمسكن، وكان عسكر ~~ابن الأشعث والحجاج بين دجلة والسيب والكرخ، فاقتتلوا شهرا ودونه، فأتى شيخ ~~فدل الحجاج على طريق من وراء الكرخ في أجمة وضحضاح من الماء، فأرسل معه ~~أربعة آلاف وقال لقائدهم: إن صدق فأعطه ألف درهم، فإن كذب فاقتله. فسار ~~بهم، ثم إن الحجاج قاتل أصحاب عبد الرحمن، فانهزم الحجاج فعبر السيب، ورجع ~~ابن الأشعث إلى عسكره آمنا ونهب عسكر الحجاج فأمنوا وألقوا السلاح، فلم ~~يشعروا نصف الليل إلا والسيف يأخذهم من تلك السرية، فغرق من أصحاب عبد ~~الرحمن أكثر ممن قتل، ورجع الحجاج في عسكره على الصوت فقتلوا من وجدوا، ~~فكان عدة من قتل أربعة آلاف، منهم: عبد الله بن شداد بن الهاد، وبسطام بن ~~مصقلة، وعمرو بن ضبيعة الرقاشي، وبشر بن المنذر بن الجارود وغيرهم. ### || AUT ذكر مسير عبد الرحمن إلى رتبيل # ### || AUT وما جرى له ولأصحابه # ولما انهزم عبد الرحمن من مسكين سار إلى سجستان فأتبعه الحجاج ابنه ~~محمدا وعمارة بن تميم اللخمي وعمارة على الجيش، فأدركه عمارة بالسوس فقاتله ~~ساعة، فانهزم عبد الرحمن ومن معه وساروا حتى أتوا سابور، واجتمع إليه ~~الأكراد، فقاتلهم عمارة قتالا شديدا على العقبة، فجرح عمارة وكثير من ~~أصحابه، وانهزم عمارة وترك لهم العقبة. وسار عبد الرحمن حتى أتى كرمان ~~وعمارة يتبع أثرهم، فدخل بعض أهل الشام قصرا في مفازة كرمان فإذا فيه كتاب ~~قد كتبه بعض أهل الكوفة من ms1584 شعر ابن حلزة اليشكري، وهي طويلة: أيا لهفا ويا ~~حزنا جميعا ... ويا حر الفؤاد لما لقينا تركنا الدين والدنيا جميعا ... ~~وأسلمنا الحلائل والبنينا فما كنا بناس أهل دين ... فنصبر في البلاء إذا ~~ابتلينا PageV02P0316 # فما كنا بناس أهل دنيا ... فمنمنعها ولو لم نرج دينا نتركنا دورنا لطغام ~~عك ... وأنباط القرى والأشعرينا فلما وصل عبد الرحمن إلى كرمان أتاه عامله، ~~وقد هيأ له نزلا فنزل، ثم رحل إلى سجستان فأتى رزنج وفيها عامله فأغلق ~~بابها ومنع عبد الرحمن من دخولها، فأقام عليها أياما ليفتحها فلم يصل ~~إليها، فسار إلى بست، وكان قد استعمل عليها عياض بن هميان بن هشام الدوسي ~~الشيباني، فاستقبله وأنزله، فلما غفل أصحابه قبض عليه عياض وأوثقه وأراد أن ~~يأمن به عند الحجاج. وقد كان رتبيل ملك الترك سمع بمقدم عبد الرحمن، فسار ~~إليه ليستقبله، فلما قبضه عياض نزل رتبيل على بست وبعث إلى عياض يقول: ~~والله لئن آذيته بما يقذي عينه أو ضررته ببعض الضرر أو أخذت منه ولو حبلا ~~من شعر لا أبرح حتى أستذلك وأقتلك وجميع من معك، وأسبي ذراريكم، وأغنم ~~أموالكم. فاستأمنه عياض، فأطلق عبد الرحمن، فأراد قتل عياض فمنعه رتبيل. ثم ~~سار عبد الرحمن مع رتبيل إلى بلاده، فأنزله وأكرمه وعظمه. وكان ناس كثير من ~~المنهزمين من أصحاب عبد الرحمن من الرؤوس والقادة الذين لم يقبلوا أمان ~~الحجاج ونصبوا له العداوة في كل موطن قد تبعوا عبد الرحمن فبلغوا سجستان في ~~نحو ستين ألفا ونزلوا على زرنج يحاصرون من بها، وكتبوا إلى عبد الرحمن ~~يستدعونه ويخبرونه أنهم على قصد خراسان ليقووا بمن بها من عشائرهم، فأتاهم، ~~وكان يصلي بهم عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ~~وإلى أن قدم عبد الرحمن. فلما أتت كتبهم عبد الرحمن سار إليهم، ففتحوا ~~زرنج، وسار نحوهم عمارة بن تميم في أهل الشام، فقال لعبد الرحمن أصحابه: ~~اخرج بنا عن سجستان إلى خراسان. فقال: إن بها يويد بن المهلب وهو رجل شجاع ~~ولا يترك لكم ms1585 سلطانه ولو دخلناها لقاتلنا وتبعنا أهل الشام فيجتمع علينا ~~أهل خراسان وأهل الشام. قالوا: لو دخلنا خراسان لكان من يتبعنا أكثر ممن ~~يقاتلنا. فشار معهم حتى بلغوا هراة، فهرب من أصحابه عبيد الله بن عبد ~~الرحمن ابن سمرة القرشي في ألفين، فقال لهم عبد الرحمن: إني كنت في مأمن ~~وملجإ فجاءتني كتبكم أن أقبل فإن أمرنا واحد فلعلنا نقاتل عدونا، فأتيتكم ~~فرأيتم أن أمضي إلى خراسان وزعمتم إنكم تجتمعون إلي وأنكم لا تتفرقون، وهذا ~~عبيد الله قد صنع ما رأيتم فاصنعوا ما بدا لكم، أما أنا فمنصرف إلى صاحبي ~~الذي أتيت من عنده. فتفرق منهم طائفة وبقي معه طائفة وبقي أعظم العسكر مع ~~عبد الرحمن بن العباس فبايعوه، ومضى عبد الرحمن بن الأشعث إلى رتبيل، وسار ~~عبد الرحمن بن العباس إلى هراة، فلقوا بها الرقاد الأزدي فقتلوه، فسار ~~إليهم يزيد بن المهلب. وقيل: إن عبد الرحمن بن الأشعث لما انهزم من مسكن ~~أتى عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة هراة، وأتى عبد الرحمن بن العابس ~~سجستان، فاجتمع فل ابن الأشعث فسار إلى خراسان في عشرين أفا فنزل هراة، ~~ولقوا الرقاد فقتلوه، فأرسل إليه يزيد بن المهلب: قد كان لك في البلاد متسع ~~ومن هو أهون مني شوكة، فارتحل إلى بلد ليس لي فيه سلطان فإني أكره قتالك، ~~وأن أردت مالا أرسلت إليك. فأعاد الجواب: إنا ما نزلنا لمحاربة ولا لمقام ~~ولكنا أردنا أن نريح ثم نرحل عنك وليست بنا إلى المال حاجة. وأقبل عبد ~~الرحمن بن العباس على الجبابة، وبلغ ذلك يزيد فقال: من أراد أن يريح ثم ~~يرتحل لم يجب الخراج. فسار يزيد نحوه وأعاد مراسلته: إنك قد أرحت وسمنت ~~وجبيت الخراج فلك ما جبيت وزيادة فاخرج عني فإني أكره قتالك. فأبى إلا ~~القتال، وكاتب جند يزيد يستميلهم ويدعوهم إلى نفسه، فعلم يزيد فقال: جل ~~المر عن العتاب؛ ثم تقدم إليه فقاتله، فلم يكن بينهم كثير قتال حتى تفرق ~~أصحاب عبد الرحمن عنه وصبر وصبرت معه طائفة ثم ms1586 انهزموا، وأمر يزيد أصحابه ~~بالكف عن أتباعهم، وأخذوا ما كان في عسكرهم وأسوا منهم أسرى، وكان منهم: ~~محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر، وعباس بن ~~الأسود بن عوف الزهري، والهلقام بن نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، ~~وفيروز حصين، وأبو الفلج مولى عبيد الله بن معمر، وسوار بن مروان، وعبد ~~الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، وعبد الله بن فضالة الزهراني ~~الأزدي. PageV02P0317 # ولحق عبد الرحمن بن العباس بالسند، واتى ابن سمرة مرو، وانصرف يزيد إلى ~~مرو وبعث الأسرى إلى الحجاج مع سبرة ونجدة، فلما أراد تسييرهم قال له أخوه ~~حبيب: بأي وجه تنظر إلى اليمانية وقد بعثت عبد الرحمن بن طلحة؟ فال يزيد: ~~غنه الحجاج ولا يتعرض له. قال: وطن نفسك على العزل ولا ترسل به فإن له ~~عندنا يدا. قال: وما هي؟ قال: ألزم المهلب في مسجد الجماعة بمائة ألف ~~فأداها طلحة عنه. فأطلقه يزيد، ولم يرسل يزيد أيضا عبد الله بن فضالة لأنه ~~من الأزد، وأرسل الباقين. فلما قدموا على الحجاج قال لحاجبه: إذا دعوتك ~~بسيدهم فأتني بفيروز، وكان بواسط القصب قبل أن تبنى مدينة واسط. فقال ~~لحاجبه: ائتني بسيدهم. فقال لفيروز: قم. فقام، فأحضره عنده. فقال له ~~الحجاج: أبا عثمان ما أخرجك مع هؤلاء؟ فوالله ما لحمك من لحومهم ولا دمك من ~~دمائهم! قال: فتنة عمت الناس. قال: اكتب إلي أموالك. قال: اكتب يا غلام ألف ~~ألف وألفي ألف، فذكر مالا كثيرا. فقال الحجاج: أين هذه الأموال؟ قال: عندي. ~~قال: فأدها. قال: وأنا آمن على دمي؟ قال: والله لتؤدينها ثم لأقتلنك. قال: ~~والله لا يجمع بين دمي ومالي. فأمر به فنحي. ثم أحضر محمد بن سعد بن أبي ~~وقاص فقال له: يا ظل الشيطان! أعظم الناس تيها وكبرا تأبى بيعة يزيد بن ~~معاوية وتتشبه بالحسين وبابن عمر ثم ضربت مؤذنا؟ وجعل يضرب رأسه بعود في ~~يده حتى أدماه، ثم أمر به فقتل. ثم دعا بعمر ms1587 بن موسى فقال: يا عبد المرأة! ~~يقوم بالعمود على رأسك ابن الحائك، يعني ابن الأشعث، وتشرب معه في الحمام! ~~فقال: أصلح الله الأمير، كانت فتنة شملت البر والفاجر فدخلنا فيها، فقد ~~أمكنك الله منا فإن عفوت فبجمالك وبفضلك، وغن عاقبت ظلمت مذنبين. فقال ~~الحجاج: أما أنها شملت البر فكذبت، ولكنها شملت الفاجر وعوفي منها الأبرار، ~~وأما اعترافك فعسى أن ينفعك؛ ورجال له الناس السلامة، ثم أمر به فقتل. ثم ~~دعا بالهلقام بن نعيم فقال: أحببت أن ابن الأشعث طلب ما طلب، ما الذي أملت ~~أنت معه؟ قال: أملت أن يملك فيوليني العراق كما ولاك عبد الملك إياه. فأمر ~~به فقتل. ثم دعا عبد الله بن عامر، فلما أتاه قال له الحجاج: لا رأت عينك ~~الجنة إن أفلت! فقال: جزى الله ابن المهلب بما صنع. قال: وما صنع؟ قال: ~~لأنه كاس في إطلاق أسرته ... وقاد نحوك في أغلالها مضرا وقى بقومك ورد ~~الموت أسرته ... وكان قومك أدنى عنده خطرا فأطرق الحجاج ووقرت في قله وقال: ~~وما أنت وذاك؟ فأمر به فقتل. ولم تزل كلمته في نفس الحجاج حتى عزل يزيد عن ~~خراسان وحبسه. ثم أمر بفيروز فعذب، وكان يشد عليه القصب الفارسي المشقوق ~~يجر عليه حتى يجرح به ثم ينضح عليه الخل، فلما أحس بالموت قال لصاحب ~~العذاب: إن الناس لا يشكون أن قد قتلت ولي ودائع وأموال عند الناس لا تؤدي ~~إليكم أبدا، فأظهرني للناس ليعلموا أني حي فيؤدوا المال. فأعلم الحجاج، ~~فقال: أظهره. فأخرج إلى باب المدينة، فصاح في الناس: من عرفني فقد عرفني، ~~ومن لم يعرفني فأنا فيروز حصين، إن لي عند أقوام مالا فمن كان لي عنده شيء ~~فهو له وهو منه في حل فلا يؤد أحد منهم درهما، ليبلغ الشاهد الغائب. فأمر ~~به الحجاج فقتل. وأمر بقتل عمر بن أبي قرة الكندي، وكان شريفا، وأمر بإحضار ~~أعشى همدان، فقال: إيه عدو الله! أنشدني قولك بين الأشبح وبين قيس. قال: بل ~~أنشدك ما قلت لك. قال: بل ms1588 أنشدني هذه. فأنشده: أبى الله إلا أن يتمم نوره ~~... ويطفئ نار الفاسقين فتخمدا ويظهر أهل الحق في كل موطن ... ويعدل وقع ~~السيف من كان أصيدا وينزل ذلا بالعاق وأهله ... كما نقضوا العهد الوثيق ~~المؤكدا وما أحدثوا من بدعة وعظيمة ... من القول لم تصعد إلى الله مصعدا ~~وما نكثوا من بيعة بعد بيعة ... إذا ضمنوها اليوم خاسوا بها غدا وجبنا حشاه ~~ربهم في قلوبهم ... فما يقربون الناس إلا تهددا فلا صدق في قول ولا صبر ~~عندهم ... ولكن فخرا فيهم وتزيدا فكيف رأيت الله فرق جمعهم ... ومزقهم عرض ~~البلاد وشردا PageV02P0318 # فقتلاهم قتلى ضلال وفتنة ... وجيشهم أمسى ذليلا مطردا ولما زحفنا لابن ~~يوسف غدوة ... وأبرق منه العارضان وأرعدا قطعنا إليه الخندقين وإنما ... ~~قطعنا وأفضينا إلى الموت مرصدا فكافحنا الحجاج دون صفوفنا ... كفاحا ولم ~~يضرب لذلك موعدا بصف كأن الموت في حجزاتهم ... إذا ما تجلى بيضه وتوقدا ~~دلفنا إليه في صفوف كأنها ... جبال شرورى أو نعاف فشهمدا فما لبث الحجاج أن ~~سل سيفه ... علينا فولى جمعنا وتبددا وما زاحف الحجاج أن سل سفه ... علينا ~~فولى جمعنا وتبددا وما زاحف الحجاج إلا رأيته ... معانا ملقى للفتوح معودا ~~وإن ابن عباس لفي مرجحنة ... أشبهها قطعا من الليل أسودا فما شرعوا رمحا ~~ولا جردوا ظبى ... ألا إنما لاقى الجبان مجردا وكرت علينا خيل سفيان كرة ~~... بفرسانها والشمري مقصدا وسفيان يهديها كأن لواءها ... من الطعن سند بات ~~بالصبغ مجسدا كهول ومرد من قضاعة حوله ... مساعير أبطال إذا النكس عردا إذا ~~قال شدوا شدة حملوا معا ... فأنهل خرصان الرماح وأوردا جنود أمير المؤمنين ~~وخيله ... وسلطانه أمسى عزيزا مؤيدا ليهن أمير المؤمنين ظهوره ... على أمة ~~كانوا سعاه وحسدا تروا يشتكون البغي من أمرئهم ... وكانوا هم أبغى البغاة ~~وأعندا وجدنا بني مروان خير أئمة ... وأفضل هذا الناس حلما وسوددا وخير ~~قريش أرومة ... وأكرمهم إلا النبي محمدا إذا ما تدبرنا عواقب أمره ... ~~وجدنا أمير المؤمنين مسددا سيغلب قوما حاربوا الله جهرة ... وإن كايدوه كان ~~أقوى وأكيدا كذاك يضل الله من كان قبله ms1589 ... مريضا ومن والى النفاق وحشدا ~~وقد تركوا الأهلين والمال خلفهم ... وبيضا عليهن الجلابيب خردا يناديهم ~~مستعبرات إليهم ... ويذرين دمعا في الخدود وإثمدا أنكثا وعصيانا وغدرا وذلة ~~... أهان الإله من أهان وأبعدا لقد شأم المصرين فرخ محمد ... بحق وما لاقى ~~من الطير أسعدا كما شأم الله النجير وأهله ... بجد له قد كان أشقى وأنكدا ~~فقال أهل الشام: أحسن، أصلح الله الأمير. فقال الحجاج: لا لم يحسن، إنكم لا ~~تدرون ما أراد بها. ثم قال: يا عدو الله! والله لا نحمدك على هذا القول، ~~إنما قلت: تأسف أن لا يكون ظهر وظفر، وتحريصا لأصحابك علينا، وليس عن هذا ~~سألناك، أنشدنا قولك بين الأشج وبين قيس باذخ، فأنشده، فلما قال: بخ بخ ~~لوالده وللمولد قال الحجاج: والله لا تبخبخ بعدها أبدا! فضربت عنقه. قوله ~~في هذه الأبيات: ابن عباس، هو عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن ~~عبد المطلب، وقد تقدم ذكره. وقوله: سفيان، هو ابن الأبرد الكلبي من قواد ~~العساكر الشامية. وقوله: فرخ محمد، هو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. ~~وقوله: الأشبح، هو محمد بن الأشعث. وقوله: بين قيس، هو معقل بن قيس ~~الرياحي، وهو جد عبد الرحمن بن محمد لأمه. وقوله: كما سأم الله النجير ~~وأهله بجد له، يعني لما ارتد الأشعث بن قيس جد عبد الرحمن بعد وفاة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، وتبعه كندة، فلما حاربهم المسلمون وحصروهم بالنجير ~~أخذوهم وقتلوهم، وقد تقدم ذكر ذلك في قتال أهل الردة. PageV02P0319 # قيل: وأتي الحجاج بأسيرين فأمر بقتلهما، فقال أحدهما: إن لي عند يدا. ~~قال: وما هي؟ قال: ذكر عبد الرحمن يوما أمك بسوء فنهيته. قال: ومن يعلم ~~ذلك؟ قال: هذا الأسير الآخر، فسأله الحجاج فصدقه، فقال له الحجاج: فلم لم ~~تفعل كما فعل؟ قال: وينفعني الصدق عندك؟ قال: نعم. قال: منعني البغض لك ~~ولقومك. قال: خلوا عن هذا لفعله وعن هذا لصدقه. قيل: جاء رجل من الأنصار ~~إلى عمر بن عبد العزيز فقال: أنا فلان بن فلان، قتل ms1590 جدي يوم بدر وقتل جدي ~~فلان يوم أحد، وجعل يذكر مناقب سلفه، فنظر عمر إلى عنبسة بن سعيد بن العاص ~~فقال: هذه المناقب والله لا يوم مسكن ويم الجماجم ويم راهط! وأنشد: تلك ~~المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ### || AUT ذكر ما جرى للشعبي مع الحجاج # لما انهزم أصحاب عبد الرحمن بالجماجم نادى منادي الحجاج: من لحق بقتيبة ~~بن مسلم فهو آمن، وكان قد ولاه الري وسار إليه؛ فلحق به ناس كثير، وكان ~~منهم الشعبي، فذكره الحجاج يوما فسأل عنه، فقال له يزيد بن أبي مسلم: إنه ~~لحق بقتيبة بالري، فكتب الحجاج إلى قتيبة يأمره بإرسال الشعبي، فأرسله. قال ~~الشعبي: فلما قدمت على الحجاج لقيت ابن أبي مسلم، وكان صديقا لي، فاستشرته ~~فقال: اعتذر مهما استطعت، وأشار بمثل ذلك إخواني ونصائحي، فلما دخلت على ~~الحجاج رأيت غير ما ذكروا لي، فسلمت عليه بالإمرة وقتل: أيها الأمير إن ~~الناس قد أمروني أن أعتذر بغير ما يعلم الله أنه الحق، وايم الله لا أقول ~~في هذا المقام إلا لحق، قد والله مردنا عليك وحرضنا وجهدنا فما كنا ~~بالأقوياء الفجرة ولا بالأنقياء البررة، ولقد نصرك الله علينا وأظفرك بنا، ~~فإن سطوت فبذنوبنا وما جرت إليه أيدينا، وإن عفوت عنا فبحلمك، وبعد فالحجة ~~لك علينا. فقال الحجاج: أنت والله أحب إلي قولا ممن يدخل علينا بقطر سيفه ~~من دمائنا، قم يقول: ما فعلت ولا شهدت، وقد أمنت يا شعبي، كيف وجدت الناس ~~بعدنا؟ فقلت: أصلح الله الأمير اكتحلت بعدك السهر، واستوعرت الجناب، ~~واستحلست الخوف، وفقدت صالح الإخوان، ولم أجد من الأمير خلفا. قال: انصرف ~~ياشعبي. فانصرفت. ### || AUT ذكر خلع عمر بن أبي الصلت بالري وما كان منه # لما ظفر الحجاج بابن الأشعث لحق خلق كثير من المنهزمين بعمر بن أبي ~~الصلت، وكان قد غلب على الري في تلك الفتنة، فلما اجتمعوا بالري أرادوا أن ~~يحظوا عند الحجاج بأمر يمحون عن أنفسهم عثرة الجماجم، فأشاروا على عمر بخلع ~~الحجاج وقتيبة، فامتنع، ms1591 فوضعوا عليه أباه أبا الصلت، وكان به بارا، فأشار ~~عليه بذلك وألزمه به وقال له: يا بني إذا سار هؤلاء تحت لوائك لا أبابي أن ~~تقتل غدا. ففعل. فلما قارب قتيبة الري بلغه الخبر فاستعد لقتاله، فالتقوا ~~واقتتلوا، فغدر أصحاب عمر به وأكثرهم من تميم، فانهزم ولحق بطبرستان، فآواه ~~الأصبهبذ وأكرمه وأحسن إليه. فقال عمر لأبيه: إنك أمرتني بخلع الحجاج ~~وقتيبة فأطعتك، وكان خلاف رأيي فلم أحمد رأيك، وقد نزلنا بهذا العلج ~~الأصبهبذ فدعني حتى أثب عليه فأقتله وأجلس على مملكته، فقد علمت الأعاجم ~~أني أشرف منه. فقال أبوه: ما كنت لأفعل هذا الرجل آوانا ونحن خائفون، ~~وأكرمنا وأنزلنا. فقال عمر: أنت أعلم وسترى. ودخل قتيبة الري وكتب إلى ~~الحجاج بخبر عمر وانهزامه إلى طبرستان، فكتب الحجاج إلى الأصبهبذ: أن ابعث ~~بهم أو برؤوسهم وإلا فقد برئت منك الذمة. فصنع لهم الأصبهبذ طعاما ~~وأحضرهما، فقتل عمر وبعث أباه أسيرا، وقيل: بل قتلهما وبعث برؤوسهما. ### || AUT ذكر بناء مدينة واسط # وفي هذه السنة بني الحجاج واسطا. وكان سبب ذلك أن الحجاج ضرب البعث على ~~أهل الكوفة إلى خراسان وعسكر بحمام عمر، وكان فتى من أهل الكوفة حديث عهد ~~بعرش، فانصرف من العسكر إلى ابنة عمه ليلا، فطرق الباب طارق ودقة دقا ~~شديدا، فإذا سكران من أهل الشام، فقالت للرجل ابنة عمه: لقد لقينا من هذا ~~الشامي شرا، يفعل بنا كل ليلة ما ترى، يريد المكروه، وقد شكوته إلى مشيخة ~~أصحابه. فقال لها زوجها: ائذني له، فأذنت له، فقتله زوجها، فلما أذن الفجر ~~خرج إلى العسكر وقال لابنة عمه: إذا صليت الفجر فابعثي إلى الشاميين ~~ليأخذوا صاحبهم، فإذا أحضروك عند الحجاج فاصدقيه الخبر على وجهه. ~~PageV02P0320 # ففعلت فأحضرت عند الحجاج فأخبرته، فقال: صدقتني. وقال للشاميين: خذوا ~~صاحبكم لا قود له ولا عقل فإنه قتيل الله إلى النار. ثم نادى مناد: لا ~~ينزلن أحد على أحد. وكان الحجاج قد أنزل أهل الشام على اهل الكوفة، فخرج ~~أهل الشام فعسكروا، وبعث روادا يرتادون له منزلا، ms1592 وأقبل حتى نزل موضع واسط، ~~فإذا راهب قد أقبل على حمار له، فلما كان بموضع واسط بال الحمار فنزل ~~الراهب فاحتفر ذلك البول واحتمله ورماه في دجلة والحجاج يراه. فقال: علي ~~به. فأتي به. فقال: ما حملك على ما صنعته؟ قال: نجد في الكتب أنه يبنى في ~~هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام في الأرض أحد يوحده. فاختط الحجاج ~~مدينة واسط وبنى المسجد في ذلك الموضع. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل عبد الملك أبان بن عثمان من المدينة، في قول بعضهم، ~~واستعمل عليها هشام بن إسماعيل. وكان العمال هذه السنة سوى المدينة الذين ~~تقدم ذكرهم في السنة قبلها. قيل: وكان الحجاج قد سير نساءه وأهله إلى الشام ~~خوفا من عبد الرحمن بن الأشعث وفيهن أخته زينب التي ذكرها النمير في شعره، ~~فلما هزم ابن الشعث أرسل البشير إلى عبد الملك بذلك وكتب كتابا إلى أخته ~~زينب، فأخذت الكتاب وهر راكبة فنفرت البغلة من قعقعة الكتاب فسقطت زينب ~~فماتت. وفي هذه السنة توفي واثلة بن الأسقع، وهو ابن خمس ومائة سنة، وقيل: ~~مات سنة خمس وثمانين وهو ابن ثمان وتسعين سنة. وفيها مات زربن جبيش وعمره ~~مائة وانتان وعشرون سنة. وأبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، وكان مولده ~~سنة إحدى من الهجرة. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وثمانين # ### || AUT ذكر قتل ابن القرية # وفيها قتل الحجاج أيوب بن القرية، وكان مع ابن الأشعث بدير الجماجم، ~~فلما هزم ابن الأشعث التحق أيوب بحوشب بن يزيد عامل الحجاج على الكوفة، ~~فاستحضره الحجاج، فقال له: أقلني عشرتي واسقني ريقي فإنه ليس جواد إلا له ~~كبوة، ولا شجاع إلا له هبوة، ولا صارم إلا له نبوة، فقال الحجاج: كلا والله ~~لأزيرنك جهنم. قال: فأرحني فإني أجد حرها! فأمر به فضربت عنقه. فلما رآه ~~قتيلا قال: لو تركناه حتى نسمع من كلامه. ### || AUT ذكر فتح قلعة نيزك بباذغيس # في هذه السنة فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك، وكان يزيد ms1593 قد وضع على نيزك ~~العيون، فلما بلغه خروج نيزك عنها سار إليها فحاصرها فملكها وما فيها من ~~الأموال والذخائر، وكانت من أحصن القلاع زامنعها، وكان نيزك إذا رآها سجد ~~لها تعظيما لها؛ وقال كعب بم معدان الأشقري يذكرها: وباذغيس التي من حل ~~ذروتها ... عز الملوك فإن شا جار أو ظلما منيعة لم يكدها قبله ملك ... إلا ~~إذا واجهت جيشا له وجما تخال نيرانها من بعد منظرها ... بعض النجوم إذا ما ~~ليلها عتما وهي أبيات عدة؛ وقال أيضا يذكر يزيد وفتحها: نفى نيزكا عن ~~باذغيس ونيزك ... بمنزلة أعيا الملوك اغتصابها محلقة دون السماء كأنها ... ~~غمامة صيف زال عنها سحابها ولا تبلغ الأروى شماريخها العلى ... ولا الطير ~~إلا نسرها وعقابها وما خوفت بالذئب ولدان أهلها ... ولا نبحت إلا النجوم ~~كلابها في أبيات غيرها. فلما فتحها كتب إلى الحجاج بالفتح - وكان يكتب له ~~يحيى بن يعمر العدواني حليف هذيل - إنا لحقنا العدو فمنحنا الله أكتافهم ~~فقتلنا طائفة وأسرنا طائفة ولحقت طائفة برؤوس الجبال وعراعر الأودية، ~~فأهضام الغيطان وأثناء الأنهار. فقال الحجاج: من يكتب ليزيد؟ فقيل: يحيى بن ~~يعمر، فكتب إليه بحمله على البريد. فقدم إليه أفصح الناس. فقال: أين ولدت؟ ~~قال: بالأهواز. قال: فهذه الفصاحة من أين؟ قال: حفظت من كلام أبي، وكان ~~فصيحا. قال: أخبرني هل يلحن عنبسة بن سعيد؟ قال: نعم كثيرا. قال: ففلان؟ ~~قال: نعم. قال: فأخبرني هل ألحن؟ قال: نعم تلحن لحنا خفيا، تزيد حرفا وتنقص ~~حرفا وتجعل أن في موضع إن، وإن في موضع أن. قال: قد أجلتك ثلاثا فإن وجدتك ~~بأرض العراق قتلتك فرجع إلى خراسان. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا عبد الله بن عبد الملك الروم ففتح المصيصة وبنى حصنها ~~ووضع بها ثلاثمائة مقاتل من ذوي البأس، ولم يكن المسلمون سكنوها قبل ذلك، ~~وبنى مسجدها. PageV02P0321 # وحج بالناس هذه السنة هشام بن إسماعيل. وكان العمال من تقدم ذكرهم. وفيها ~~غزا محمد بن مروان أرمينية. وفيها مات عبد الله بن الحارث بن نوفل الملقب ms1594 ~~ببة بعمان، وكان يسكن البصرة، وكان مولده على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وثمانين # ### || AUT ذكر هلاك عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث # لما انصرف عبد الرحمن إلى رتبيل من هراة قال له علقمة بن عمرو الأودي: ~~ما أريد أن أدخل معك لأني أتخوف عليك وعلى من معك، والله لكأني بالحجاج وقد ~~كتب إلى رتبيل يرغبه ويرهبة، فإذا هو قد بعث بك سلما أو قتلكم، ولكن معي ~~خمسمائة قد تبايعنا على أن ندخل مدينة نتحصن بها حتى نعطى الأمان أو نموت ~~كراما، ولم يدخل إلى بلاد رتبيل معه، وخرج هؤلاء الخمسمائة وجعلوا عليهم ~~مودودا البصري، وقدم عليهم عمارة بن تميم اللخمي فحاصرهم، فامتنعوا حتى ~~آمنهم، فخرجوا إليه، فوفى لهم. وتتابعت كتب الحجاج إلى رتبيل في عبد ~~الرحمن: أن أبعث به إلي وإلا والذي لا إله غيره لأوطئن أرضك ألف ألف مقاتل. ~~وكان مع عبد الرحمن رجل من تميم يقال له عبيد بن سبيع التميمي، وكان رسوله ~~إلى رتبيل، فخص برتبيل وخف عليه، فقال القاسم بن محمد بن الأشعث لأخيه عبد ~~الرحمن: إني لا آمن غدر هذا التميمي فاقتله. فخافه عبيد ووشى به إلى رتبيل ~~وخوفه الحجاج ودعاه إلى الغدر بابن الأشعث وقال له: أنا آخذ لك من الحجاج ~~عهدا ليكفن عن أرضك سبع سنين على أن تدفع إليه عبد الرحمن. فأجابه إلى ذلك، ~~فخرج عبيد إلى عمارة سرا فذكر له ما استقر مع رتبيل وما بذل له، وكتب عمارة ~~إلى الحجاج بذلك، وأجابه إليه أيضا، وبعث رتبيل برأس عبد الرحمن إلى ~~الحجاج. وقيل: إن عبد الرحمن كان قد أصابه السل فمات فأرسل رتبيل إليه فقطع ~~رأسه قبل أن يدفن وأرسله إلى الحجاج. وقد قيل: إن رتبيل لما صالح عمارة بن ~~تميم اللخمي على ابن الأشعث كتب عمارة إلى الحجاج بذلك فأطلق له خراج بلاده ~~عشر سنين، فأرسل رتبيل إلى عبد الرحمن وثلاثين من أهل بيته فحضروا فيدهم ~~وأرسلهم إلى عمارة، فألقى عبد الرحمن ms1595 نفسه من سطح قصر، فمات فاحتز رأسه ~~وسيره إلى الحجاج، فسيره الحجاج إلى عبد الملك، وسيره عبد الملك إلى أخيه ~~عبد العزيز؛ فقال بعض الشعراء: هيهات موضع جثة من رأسها ... رأس بمصر وجثة ~~بالرخج وقيل: إن هلاك عبد الرحمن كان سنة أبع وثمانين. ### || AUT ذكر عزل يزيد بن المهلب عن خراسان # ### || AUT وولاية أخيه المفضل # وفي هذه السنة عزل الحجاج يزيد بن المهلب عن خراسان. وكان سبب عزله إياه ~~أن الحجاج وفد إلى عبد الملك فمر في طريقه براهب فقيل له: إن عنده علما، ~~فدعا به وسأله ل تجدون في كتبكم ما أنتم فيه ونحن؟ قال: نعم. قال: مسمى أم ~~موصوف؟ فقال: كل ذلك نجده موصوفا بغير اسم، ومسمى بغير صفة. قال: فما تجدون ~~صفة أمير المؤمنين؟ قال: نجده في زماننا: ملك أفرع، من يقم لسبيله يصرع. ~~قال: ثم من؟ قال: اسم رجل يقال له الوليد، ثم رجل اسمه اسم نبي يفتح به على ~~الناس. قال: أفتعلم من يلي بعدي؟ قال: نعم، رجل يقال له يزيد. قال: أفتعرف ~~صفته؟ قال: يغدر غدرة، لا أعرف غير هذا. فوقع في نفسه أنه يزيد بن المهلب، ~~ثم سار وهو وجل من قول الراهب، ثم عاد وكتب إلى عبد الملك يذم يزيد وآل ~~المهلب ويخبره أنهم زبيرية. فكتب إليه عبد الملك: إني لا أرى طاعتهم لآل ~~الزبير نقصا بآل المهلب، وفاؤهم لهم يدعوهم إلى الوفاء لي. فكتب إليه ~~الحجاج يخوفه غدره وبما قال الراهب. فكتب عبد الملك إليه: إنك قد أكثرت في ~~يزيد وآل المهلب، فسم لي رجلا يصلح لخراسان. فسمى قتيبة بن مسلم، فكتب إليه ~~أن وله. وبلغ يزيد أن الحجاج عزله، فقال لأهل بيته: من ترون الحجاج يولي ~~خراسان؟ قالوا: رجلا من ثقيف. قال: كلا ولكنه يكتب إلى رجل منكم بعهده، ~~فإذا قدمت عليه عزله وولى رجلا من قيس، وأخلق بقتيبة بن مسلم. فلما أذن عبد ~~الملك في عزل يزيد كره أن يكتب إليه بعزله، فكتب إليه يأمره أن يستخلف أخاه ~~المفضل ms1596 ويقبل إليه. PageV02P0322 # واستشار يزيد حضين بن المنذر الرقاشي، فقال له: أقم واعتل واكتب إلى أمير ~~المؤمنين ليقرك فإنه حسن الحال والرأي فيك. قال يزيد: نحن أهل بيت قد بورك ~~لنا في الطاعة، وأنا أكره الخلاف. فأخذ يتجهز، فأبطأ، فكتب الحجاج إلى ~~المفضل: إني قد وليتك خراسان. فجعل المفضل يستحث يزيد، فقال له يزيد: عن ~~الحجاج لا يقرك بعدي وإنما دعاه إلى ما صنع مخافة أن امتنع عليه، وستعلم. ~~وخرج يزيد في ربيع الآخر سنة خمس وثمانين، وأقر الحجاج أخاه المفضل تسعة ~~أشهر ثم عزله. وقد قيل: إن سبب عزله أن الحجاج لما فرغ من عبد الرحمن بن ~~الأشعث لم يكن له هم إلا يزيد بن المهلب وأهل بيته، وقد كان أذل أهل العراق ~~كلهم إلا آل المهلب ومن معهم بخراسان، وتخوفه على العراق، وكان يبعث إليه ~~ليأتيه فيعتل عليه بالعدو والحروب، فكتب الحجاج إلى عبد الملك يشير عليه ~~بعزل يزيد ويخبره بطاعتهم لآل الزبير، فكتب إليه عبد الملك بنحو ما تقدم ~~وساق باقي الخبر كما تقدم؛ وقال حضين ليزيد: أمرتك أمر حازما فعصيتني ... ~~فأصبحت مسلوب الإمارة نادما فما أنا بالباكي عليك صبابة ... وما أنا ~~بالداعي لترجع سالما قال: فلما قدم قتيبة خراسان قال لحضين: ما قلت ليزيد؟ ~~قال: قلت: أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... فنفسك رد اللوم إن كنت لائما فإن ~~يبلغ الحجاج أن قد عصيته ... فإنكا تلقى أمره متفاقما قال: فماذا أمرته به ~~فعصاك؟ قال: أمرته أن لا يدع صفراء ولا بيضاء إلا حملها إلى الأمير. قال ~~بعضهم: فوجده قتيبة قارحا. وقيل: كتب الحجاج إلى يزيد: اغز خوارزم، فكتب: ~~إنها قليلة السلب شديدة الكلب. فكتب إليه الحجاج: استخلف واقدم. فكتب: إني ~~أريد أن أغزو خوارزم. فكتب الحجاج: لا تغزها فإنها كما ذكرت. فغزا ولم ~~يطعه، فصالحه أهلها وأصاب سبيا، وقفل في الشتاء، وأصاب الناس برد، فأخذوا ~~ثياب الأسرى، فمات ذلك السبي. فكتب إليه الحجاج أن اقدم. فسار إليه، فكان ~~لا يمر ببلد إلا فرش أهله الرياحين. حضين بن المنذر بالحاء ms1597 المهملة ~~المضمومة، والضاد المعجمة المفتوحة، وآخره نون ### || AUT ذكر غزو المفضل باذغيس وآخرون # لما ولي المفضل خراسان غزا باذغيس ففتحها وأصاب مغنما فقسمه، فأصاب كل ~~رجل ثماني مائة. ثم غزا آخرون وشومان فغنم وقسم ما أصاب، ولم يكن للمفضل ~~بيت مال، كان يعطي الناس كلما جاء شيء، وغن غنم شيئا قسمه بينهم. ### || AUT ذكر مقتل موسى بن عبد الله بن خازم # في هذه السنة قتل موسى بن عبد الله بن خازم بترمذ. وكان سبب مصيره إلى ~~ترمذ أن أباه لما قتل من قتل من بني تميم، وقد تقدم ذكر ذلك، تفرق عنه أكثر ~~من كان معه منهم، فخرج إلى نيسابور، وخاف بني تميم على ثقله بمرو، فقال ~~لابنه موسى: خذ ثقلي واقطع نهر بلخ حتى تلتجئ إلى بعض الملوك أو إلى حصن ~~تقيم فيه. فرحل موسى عن مرو في عشرين ومائتي فارس، واجتمع إليه تتمة ~~أربعمائة، وانضم إليه قوم من بني سليم، فأتى زم، فقاتله أهلها، فظفر بهم ~~فأصاب مالا وقطع النهر وأتى بخارى فسأل صاحبها أن يلجأ إليه فأبى. فخافه ~~وقال: رجل فاتك وأصحابه مثله فلا آمنه. ووصله وسار، فلم يأت ملكا يلجأ إليه ~~إلا كره مقامه عنده، فأتى سمر قند فأقام بها وأكرمه ملكها طرخون وأذن له في ~~المقام وأقام ما شاء الله. ولأهل الصغد مائدة يوضع عليها لحم وخل وخبز ~~وإبريق شراب، وذلك كل عام يوما، يجعلون ذلك لفارس الصغد فلا يقربه غيره، ~~فإن أكل منه أحد بارزه فأيهما قتل صاحبه فالمائدة له. فقال رجل من أصحاب ~~موسى: ما هذه المائدة؟ فأخبر، فجلس فأكل ما عليها، وقيل لصاحب المائدة فجاء ~~مغضبا وقال: يا عربي بارزني! فبارزه فقتله صاحب موسى، فقال ملك الصغد: ~~أنزلتكم وأكرمتكم فقتلتم فارسي، لولا أني آمنتك وأصحابك لقتلتكم، اخرجوا عن ~~بلدي فخرجوا. PageV02P0323 # فأتى كش فضعف صاحبها عنه فاستنصر طرخون فأتاه، فخرج موسى إليه وقد اجتمع ~~معه سبعمائة فارس، فقاتلهم حتى أمسوا وتحاجزوا وبأصحاب موسى جراح كثيرة، ~~فقال لزرعة بن علقمة: احتل لنا على طرخون. ms1598 فأتاه فقال: أيها الملك ما حاجتك ~~إلى أن تقتل موسى وتقتل معه، فإنك لا تصل إليه حتى يقتلوا مثل عدتهم منكم، ~~ولو قتلته وإياهم جميعا ما نلت حظا، لأن له قدرا في العرب، فلا يأتي أحد ~~خراسان إلا طالبك بدمه. فقال: ليس لي إلى ترك كش في يده سبيل. قال: فكف عنه ~~حتى يرتحل. فكف. وسار موسى فأتى ترمذ وبها حصن يشرف على جانب النهر، فنزل ~~موسى خارج الحصن وسأل ترمذ شاه أن يدخله حصنه، فأبى، فأهدى له موسى ولا طفه ~~حتى حصل بينهما مودة وخرج فتصيد معه. فصنع صاحب ترمذ طعاما وأحضر موسى ~~ليأكل معه، ولا يحضر إلا في مائة من أصحابه، فاختار موسى مائة من أصحابه، ~~فدخلوا الحصن وأكلوا، فلما فرغوا قال له: اخرج، قال: لا أخرج حتى يكون ~~الحصن بيتي أو قبري. وقاتلهم فقتل منهم عدة وهرب الباقون، واستولى موسى ~~عليها وأخرج ترمذ شاه منها ولم يعرض له ولا لأصحابه، فأتوا الترك ~~يستنصرونهم على موسى فلم ينصروهم وقالوا: لا نقاتل هؤلاء. وأقام موسى ~~بترمذ، فأتاه جمع من أحاب أبيه فقوزي بهم فكان يخرج فيغير على ما حوله. ثم ~~ولي بكير بن وساج خراسان فلم يعرض له، ثم قدم أمية فسار بنفسه يريد مخالفة ~~بكير فرجع، على ما تقدم ذكره. ثم إن أمية وجه إلى موسى بعد صلح بكير رجلا ~~من خزاعة في جمع كثير، وعاد أهل ترمذ إلى الترك فاستنصروهم وأعلموهم أنه قد ~~غزاه قوم من العرب وحصروه. فسارت الترك في جمع كثير إلى الخزاعي، فأطاف ~~بموسى الترك والخزاعي، فكان يقاتل الخزاعي أول النهار والترك آخر النهار، ~~فقاتلهم شهرين أو ثلاثة. ثم إنه أراد أن يبت الخزاعي وعسكره، فقال له عمرو ~~بن خالد بن حصين الكلابي: ليكن البيات بالعجم، فإن العرب اشد حذرا وأجرأ ~~على الليل، فإذا فرغنا من العجم تفرغنا للعرب. فأقام حتى ذهب ثلث الليل ~~وخرج موسى في أربعمائة وقال لعمرو بن خالد: اخرج بعدنا فكن أنت ومن معك ~~قريبا، فإذا سمعتم تكبيرنا فكبروا. ثم ms1599 سار حتى ارتفع فوق عسكر الترك ورجع ~~إليهم وجعل أصحابه أرباعا وأقبل إليهم، فلما رآهم أصحاب الأرصاد قالوا: من ~~أنتم؟ قالوا: عابرو سبيل . فلما جاوزوا الرصد حملوا على الترك وكبروا، فلم ~~يشعر الترك إلا بوقع السيوف فيهم، فساروا يقتل بعضهم بعضا وولوا، فأصيب من ~~المسلمين ستة عشر رجلا وحموا عسكرهم وأصابوا سلاحا كثيرا ومالا، وأصبح ~~الخزاعي وأصحابه وقد كسرهم ذلك، فخافوا مثلها، فقال عمرو بن خالد لموسى: ~~إننا لا نظفر إلا بمكيدة ولهم أمداد وهم كثيرون فدعني آته لعلى أصيب فرصة ~~فاضربني وخلاك ذم. فقال له موسى: تتعجل الضرب وتتعرض للقتل. قال: أما ~~التعرض للقتل فأنا كل يوم متعرض له، وأما الضرب فما أيسره في جنب ما أريد. ~~فضربه موسى خمسين سوطا، فخرج من عسكر موسى وأتى عسكر الخزاعي مستأمنا وقال: ~~أنا رجل من أهل اليمن كنت مع عبد الله بن خازم، فلما قتل أتيت ابنه فكنت ~~معه، وإنه اتهمني وقال: قد تعصبت لعدونا وأنت عين له، فضربني ولم آمن القتل ~~فهربت منه. فأمنه الخزاعي وأقام معه، فدخل يوما وهو خال ولم ير عنده سلاحا ~~فقال كأنه ينصح له: أصلح الله الأمير، إن مثلك في مثل هذه الحال لا ينبغي ~~أن يكون بغير سلاح. قال: إن معي سلاحا. فرفع طرف فراشه فإذا سيف منتضى، ~~فأخذه عمرو فضربه حتى قتله وخرج فركب فرسه وأتى موسى، وتفرق ذلك الجيش، ~~وأتى بعضهم موسى مستأمنا فآمنه، ولم يوجه إليه أمية أحدا. وعزل أمية وقدم ~~المهلب أميرا، فلم يتعرض لموسى وقال لبنيه: إياكم وموسى، فأنكم لا تزالون ~~ولاة خراسان ما دام هذا الثبط بمكانه فإن قتل فأول طالع عليكم أمير على ~~خراسان من قيس. فلما مات المهلب وولي يزيد لم يتعرض أيضا لموسى. ~~PageV02P0324 # وكان المهلب قد ضرب حريث بن قطبة الخزاعي، فخرج هو وأخوه ثابت إلى موسى، ~~فلما ولي يزيد بن المهلب أخذ أموالهما وحرمهما وقتل أخاهما لأمهما الحارث ~~بن منقذ. فخرج ثابت إلى طرخون فشكا إليه ما صنع به، وكان ثابت محبوبا إلى ~~الترك ms1600 بعيد الصوت فيهم، فغضب له طرخون وجمع له نيزك والسبل وأهل بخارى ~~والصغاينان فقدموا مع ثابت إلى موسى، وقد اجتمع إلى موسى فل عبد الرحمن بن ~~العباس من هراة وفل ابن الأشعث من العراق ومن ناحية كابل، فاجتمع معه ~~ثمانية آلاف، فقال له ثابت وحريث: سر حتى تقطع النهر وتخرج يزيد عن خراسان ~~ونوليك. فهم أن يفعل، فقال له أصحابه: إن أخرجت يزيد قدم عامل لعبد الملك، ~~ولكنا نخرج عمال يزيد عما وراء النهر ويكون لنا، فأخرجوا عمال يزيد عما ~~وراء النهر وجبوا الأموال، فقوي أمرهم، وانصرف طرخون ومن معه، واستبد ثابت ~~وحريث بتدبير الأمر، والأمير موسى ليس له غير الأسم. فقيل لموسى: ليس لك من ~~الأمور شيء والأمور إلى ثابت وحريث فاقتلهما وتول الأمر فأبى، فألحوا عليه ~~حتى أفسدوا قلبه عليهما وهم بقتلهما. فإنهم لفي ذلك إذ خرج عليهم الهياطلة ~~والتبت والترك في سبعين ألفا لا يعدون الحاسر ولا صاحب البيضة الجماء ولا ~~يعدون إلا صاحب بيضة ذات قونس. فخرج ابن خازم وقاتلهم فيمن معه، ووقف ملك ~~الترك على تل في عشرة آلاف في أكمل عدة والقتال أشد ما كان، فقال موسى: إن ~~أزلتم هؤلاء فليس الباقون بشيء. فقصد لهم حريث بن قطبة فقاتلهم وألح عليهم ~~حتى أزالهم على التل، ورمي حريث بنشابة في جبهته فتحاجزوا، فبيتهم موسى، ~~وحمل أخوه خازم بن عبد الله بن خازم حتى وصل إلى سمعة ملكهم، فوجأ رجلا ~~منهم بقبيعة سيفه فطعن فرسه، فاحتمله الفرس فألقاه في نهر بلخ، فغرق، وقتل ~~من الترك خلق كثير، ونجا من نجا منهم بشر، ومات حريث بعد يومين. ورجع موسى ~~وحمل معه الرؤوس فبنى منها جوسقين. وقال أصحاب موسى: قد كفينا أمر حريث، ~~فاكفنا أمر ثابت. فأبى، وبلغ ثابتا بعض ما يخوضون فيه، فدس محمد بن عبد ~~الله الخزاعي - عم نصر بن عبد الحميد، عامل أبي مسلم على الري - على موسى، ~~وقال: إياك أن تتكلم بالعربية، وإن سألوك فقل أنا من سبي الباميان. ففعل ~~ذلك واتصل بموسى، وكان ms1601 يخدمه وينقل إلى ثابت خبرهم، فحذر ثابت، وألح القوم ~~على موسى. فقال لهم ليلة: لقد أكثرتم علي وفيما تريدون هلاككم، فعلى أي وجه ~~تقتلونه ولا أغدر به؟ قال له أخوه نوح: إذا أتاك غدا عدلنا به إلى بعض ~~الدور فضربنا عنقه فيها قبل أن يصل إليك فقال: والله إنه هلاككم، وأنتم ~~أعلم. فخرج الغلام فأتى ثابتا فأخبره، فخرج من ليلته في عشرين فارسا ومضى. ~~وأصبحوا فلم يروه ولم يروا الغلام، فعلموا أنه كان عينا له. ونزل ثابت ~~بحوشرا واجتمع إليه خلق كثير من العرب والعجم، فأقبل موسى إليه وقاتله، ~~وتحصن ثابت بالمدينة، وأتاه طرخون معينا له، فرجع موسى إلى ترمذ، وأقبل ~~ثابت وطرخون ومعهما أهل بخارى ونسف وكش فاجتمعوا في ثمانين ألفا فحصروا ~~موسى حتى جهد هو وأصحابه، فلما اشتد عليهم قال يزيد بن هذيل: والله لأقتلن ~~ثابتا أو لأموتن. فخرج إلى ثابت فاستأمنه، فقال له ظهير: أنا أعرف بهذا ~~منك، ما أتاك إلا بغدره فاحذره، فأخذ ابنيه قدامة والضحاك رهنا، فكانا في ~~يد ظهير. وأقام يزيد يلتمس غرة ثابت فلم يقدر على ما يريد حتى مات ابن ~~لزياد القصير الخزاعي، فخرج ثابت إليه ليعزيه وهو بغير سلاح وقد غابت ~~الشمس، فدنا يزيد من ثابت فضربه على رأسه فوصل إلى الدماغ وهر فسلم، وأخذ ~~طرخون قدامة والضحاك ابني يزيد فقتلهما، وعاش ثابت سبعة أيام ومات، وقام ~~بأمر العجم بعد موت ثابت طرخون، وقام ظهير بأمر أصحاب ثابت، فقاما قياما ~~ضعيفا، وانتشر أمرهم وأجمع موسى على بياتهم، فأخبر طرخون بذلك فضحك وقال: ~~موسى يعجز أن يدخل متوضأه فكيف يبيتنا؟ لا يحرس الليلة أحد. فخرج موسى في ~~ثمانمائة وجعلها أرباعا وبينهم، وكان لا يمر بشيء إلا ضربوه من رجل ودابة ~~وغير ذلك، فليس نيزك سلاحه ووقف، وأرسل طرخون إلى موسى أن كف أصحابك فإنا ~~نرحل إذا أصبحنا. فرجع موسى وارتحل طرخون والعجم جميعا. PageV02P0325 # فكان أهل خراسان يقولون: ما رأينا مثل موسى ولا سمعنا به، قاتل مع أبيه ~~سنتين ثم خرج يسير في ms1602 بلاد خراسان فأتى ملكا فغلب على مدينته وأخرجه منها، ~~وسار الجنود من العرب والترك إليه، وكان يقاتل العرب أول النهار والترك آخر ~~النهار. وأقام موسى في الحصن خمس عشرة سنة وصار ما وراء النهر لموسى لا ~~ينازعه فيه أحد. فلما عزل يزيد بن المهلب وولي المفضل أراد أن يحظى عند ~~الحجاج بقتال موسى بن عبد الله، فسير عثمان بن مسعود إليه في جيش، وكتب إلى ~~مدرك بن المهلب وهو ببلخ يأمره بالمسير معه، فعبر النهر في خمسة عشر ألفا، ~~فكتب إلى السبل وإلى طرخون فقدموا عليه، فحصروا موسى وضيقوا عليه وعلى ~~أصحابه. فمكث شهرين في ضيق، وقد خندق عثمان عليه وحذر البات، فقال موسى ~~لأصحابه: اخرجوا بنا، حتى منى نصبر! فاجعلوا يومكم معهم إما ظفرتم وإما ~~قتلتم واقصدوا الترك. فخرجوا وخلف النضر بن سليمان بن عبد الله بن خازم في ~~المدينة، وقال له: إن قتلت فلا تدفعن المدينة إلى عثمان وادفعها إلى مدرك ~~بن المهلب. وخرج وجعل ثلث أصحابه بإزاء عثمان، وقال: لا تقاتلوه إلا أن ~~يقاتلكم. وقصد لطرخون وأصحابه فصدقوهم لقتال، فانهزم طرخون وأخذوا عسكرهم، ~~وزحفت الترك والصغد فحالوا بين موسى والحصن، فقاتلهم، فعقروا فرسه فسقط، ~~فقال لمولى له: احملني فقال: الموت كريه ولكن ارتدف فإن نجونا نجونا جميعا ~~وإن هلكنا هلكنا جميعا. قال: فارتدف، فلما نظر إليه عثمان حين وثب قال: ~~وثبة موسى ورب الكعبة! وقصد إلى موسى، وعقرت دابة موسى فسقط هو ومولاه، ~~فقتلوه، نادى منادي عثمان: من لقيتموه فخذوه أسيرا ولا تقتلوا أحدا. فقتل ~~ذلك اليوم من الأسرى خلقا كثيرا من العرب خاصة، فكان يقتل العرب ويضرب ~~المولى ويطلقه، وكان فظا غليظا. وكان الذي أجهز على موسى واصل بن طيلسة ~~العنبري. وبقيت المدينة بيد النصر بن سليمان فلم يدفعها إلى عثمان، وسلمها ~~إلى مدرك بن المهلب وآمنه، فسلمها مدرك إلى عثمان. وكتب المفضل إلى الحجاج ~~بقتل موسى. فقال: العجب منه! أكتب إليه بقتل ابن سبرة فيكتب إلي أنه لمآبه ~~ويكتب إلي أنه قد قتل موسى بن ms1603 عبد الله بن خازم. ولم يسره قتل موسى لأنه من ~~قيس. وقتل موسى سنة خمس وثمانين، وضرب رجل من الجند ساق موسى، فلما ولي ~~قتيبة قال: ما دعاك إلى ما صنعت بفتى العرب بعد موته؟ قال: كان قتل أخي. ~~فأمر به فقتل. ### || AUT ذكر موت عبد العزيز بن مروان # ### || AUT والبيعة للوليد بولاية العهد # كان عبد الملك بن مروان أراد أن يخلع أخاه عبد العزيز من ولاية العهد ~~ويبايع لابنه الوليد بن عبد الملك، فنهاه عن ذلك قبيصة بن ذوئيب وقال: لا ~~تفعل فإنك تبعث على نفسك صوت عار، ولعل الموت يأتيه فتستريح منه. فكف عنه ~~ونفسه تنازعه إلى خلعه. فدخل عليه روح بن زنباع، وكان أجل الناس عند عبد ~~الملك، فقال: يا أمير المؤمنين لو خلعته ما انتطح فيه عنزان، وأنا أول من ~~يجيبك إلى ذلك. قال: نصبح إن شاء الله. ونام روح عند عبد الملك، فدخل ~~عليهما قبيصة بن ذؤيب وهما نائمان، وكان عبد الملك قد تقدم إلى حجابه أن لا ~~يحجبوا قبيصة عنه، وكان إليه الخاتم والسكة تأتيه الأخبار قبل عبد الملك ~~والكتب. فلما دخل سليم عليه، قال: آجرك الله ما كنا نريد، وكان ذلك مخالفا ~~لك يا قبيصة. فقال قبيصة: يا أمير المؤمنين إن الرأي كله في الأناة، فقال ~~عبد الملك: وربما كان في العجلة خير كثير، رأيت أمر عمرو بن سعيد، ألم تكن ~~العجلة فيه خيرا من الأناة؟ وكانت وفاة عبد العزيز في جمادى الأولى في مصر، ~~فضم عبد الملك عمله إلى ابنه عبد الله بن عبد الملك وولاه مصر. ~~PageV02P0326 # وقيل: إن الحجاج كتب إلى عبد الملك يزين له بيعة الوليد وأوفد في ذلك ~~وفدا، فلما أراد عبد الملك خلع عبد العزيز والبيعة للوليد كتب إلى عبد ~~العزيز: إن رأيت أن يصير هذا الأمر لابن أخيك. فأبى، فكتب إليه ليجعل الأمر ~~له ويجعله له أيضا من بعده. فكتب إليه عبد العزيز: إني أرى في ابني أبي بكر ~~ما ترى في الوليد. فكتب إليه عبد الملك ms1604 ليحمل خراج مصر، فأجابه عبد العزيز: ~~إني وإياك يا أمير المؤمنين قد بلغنا سنا لم يبلغها أحد من أهل بيتك إلا ~~كان بقاؤه قليلا، وإنا لا ندري أينا يأتيه الموت أولا، فإن رأيت أن لا تفسد ~~علي بقية عمري فافعل. فرق له عبد الملك وتركه، وقال للوليد وسلميان: إن يرد ~~الله أن يعطيكما الخلافة لا يقدر أحد من العباد على رد ذلك. فقال عبد الملك ~~حيث رده عبد العزيز: اللهم إنه قطعني فاقطعه. فلما مات عبد العزيز قال أهل ~~الشام: رد على أمير المؤمنين أمره. فلما أتى خبر موته إلى عبد الملك أمر ~~الناس بالبيعة لابنيه الوليد وسلميان، فبايعوا، وكتب بالبيعة لهما إلى ~~البلدان. وكان على المدينة هشام بن إسماعي، فدعا الناس إلى البيعة فأجابوا، ~~إلا سعيد بن المسيب فإنه أبى وقال: لا أبايع وعبد الملك حي، فضربه هشام ~~ضربا مبرحا وطاف به وهو في تبان شعر حتى بلغ رأس الثنية التي يقتلون ~~ويصلبون عندها ثم ردوه وحبسوه. فقال سعيد: لو ظننت أنهم لا يصلبونني ما ~~لبست ثياب مسوح ولكنني قلت يصلبونني فيسترني. فبلغ عبد الملك الخبر فقال: ~~قبح الله هشاما، إنما كان ينبغي أن يدعوه إلى البيعة، فإن أبى أن يبايع ~~فيضرب عنقه أو يكف عنه. وكتب إليه يلومه ويقول له: إن سعيدا ليس عنده شقاق ~~ولا خلاف. وقد كان سعيد امتنع من بيعة ابن الزبير وقال: لا أبايع حتى يجتمع ~~الناس. فضربه جابر بن الأسود عامل ابن الزبير ستين سوطا، فبلغ ذلك ابن ~~الزبير فكتب إلى جابر يلومه وقال: ما لنا ولسعيد، دعه لا تعرض له. وقيل: إن ~~بيعة الوليد وسليمان كانت سنة أربع وثمانين، والأول أصح، قبل قدوم عبد ~~العزيز على أخيه عبد الملك من مصر، فلما فارقه وصاه عبد الملك فقال: ابسط ~~بشرك وألن كنفك وآثر الرفق في الأمور فهو أبلغ بك، وانظر حاجبك وليكن من ~~خير أهلك، فإنه وجهك ولسانك، ولا يفن أحد ببابك إلا أعلمك مكانه لتعلم أنت ~~الذي تأذن له أو ترده، فإذا ms1605 خرجت إلى مجلسك فابدأ جلساءك بالكلام يأنسوا بك ~~وتثبت في قلوبهم محبتك، وإذا انتهى إليك مسكل فاستظهر عليه بالمشاورة فإنها ~~تفتح مغاليق الأمور المهمة، واعلم أن لك نصف الرأي ولأخيك نصفه، ولن يهلك ~~امرؤ عن مشورة، وإذا سخطت على أحد فأخر عقوبته فإنك على العقوبة بعد التوقف ~~عنها أقدر منك على ردها بعد إمضائها. والسلام. ### || AUT ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومي. وكان العامل على العراق ~~والمشرق الحجاج بن يوسف. وفيها غزا محمد بن مروان أرمينية فصاف فيها وشتى. ~~وفي هذه السنة مات عمرو بن حريث المخزومي. وفيها مات عبد الله بن الحارث بن ~~جزء الزبيدي، وقيل سنة سبع، وقيل سنة ثمان وثمانين، وفيها مات عبد الله بن ~~عامر بن ربيعة حليف بني عدي، وكان له لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~وأربع سنين. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وثمانين # ### || AUT ذكر وفاة عبد الملك # في هذه السنة توفي عبد الملك بن مروان منتصف شوال، وكان يقول: أخاف ~~الموت في شهر رمضان، فيه ولدت وفيه فطمت وفيه جمعت القرآن، وفيه بايع لي ~~الناس، فمات للنصف من شوال حين أمن الموت في نفسه. وكان عمره ستين سنة، ~~وقيل ثلاثا وستين سنة، وكانت خلافته من لدن قتل ابن الزبير ثلاث عشرة سنة ~~وأربعة أشهر إلا سبع ليال، وقيل وثلاثة أشهر وخمسة عشر يوما. ولما اشتد ~~مرضه قال بعض الأطباء: إن شرب الماء مات. فاشتد عطشه فقال: يا وليد اسقني ~~ماء. قال: لا أعين عليك. فقال لابنته فاطمة: اسقيني ماء. فمنعها الوليد. ~~فقال: لتدعنها أو لأخلعنك. فقال: لم يبق بعد هذا شيء؛ فسقته فمات. ودخل ~~الوليد عليه وابنته فاطمة عند رأسه تبكي فقال: كيف أمير المؤمنين؟ قال: هو ~~أصلح. فلما خرج قال عبد الملك: ومستخبر عنا يريد لنا الردى ... ومستخبرات ~~والدموع سواجم PageV02P0327 # وأوصى بنيه فقال: أوصيكم بتقوى الله فإنها أزين حلية وأحصن كهف، ليعطف ~~الكبر منكم على الصغير، وليعرف الصغير حق الكبير، وانظروا مسلمة فاصدروا عن ~~رأيه ms1606 فإنه نابكم الذي عنه تفترون، ومجنكم الذي عنه ترمون، فأكرموا الحجاج ~~فإنه الذي وطأ لكم المنابر ودوخ لكم البلاد وأذل الأعداء، وكونوا بني أم ~~بردة لا تدب بينكم العقارب، وكونوا في الحرب أمرارا فإن القتال لا يقرب ~~ميتة، وكونوا للمعروف منارا فإن المعروف يبقى أجره وذكره، وضعوا معروفكم ~~عند ذوي الأحساب فإنهم أصون له وأشكر لما يؤتى إليهم منه، وتمغدوا ذنوب أهل ~~الذنوب فإن استقالوا فأقيلوا وإن عادوا فانتقموا. ولما توفي دفن خارج باب ~~الجابية وصلى عليه الوليد، فتمثل هشام: فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ~~ولكنه بنيان قوم تهدما فقال الوليد: اسكت فإنك تتكلم بلسان شيطان، ألا قلت ~~كما قال أوس بن حجر: إذا مقرم منا ذرا حد نابه ... تخمط منا ناب آخر مقرم ~~وقيل: إن سليمان تمثل بالبيت الأول، وهو الصحيح، لأن هشاما كان صغيرا له ~~أربع عشرة سنة. وقد رثى الشعراء عبد الملك، كثير عزة وغيره، فمما قيل فيه: ~~سقاك ابن مروان من الغيث مسبل ... أجش شمالي يجود ويهطل فما في حياة بعد ~~موتك رغبة ... لحر وإن كنا الوليد نؤمل ### || AUT ذكر نسبه وأولاده وأزواجه # أما نسبه فهو أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن ~~أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي ~~العاص بن أمية. وأما أولاده وأزواجه فمنهم: الوليد وسليمان ومروان الأكبر، ~~درج، وعائشة؛ أمهم ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن خزيمة ~~العبسية؛ ومنهم يزيد ومروان ومعاوية، درج، وأم كلثوم؛ وأمهم عاتكة ابنة ~~يزيد بن معاوية بن معاوية بن أبي سفيان؛ ومنهم هشام، وأمه أم هشام بنت ~~إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومية، واسمها عائشة؛ ومنهم أبو ~~بكر، وهو بكار، أمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد الله؛ ومنهم الحكم، ~~درج، أمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان؛ ومنهم فاطمة بنت عبد الملك، ~~أمها أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام ms1607 بن المغيرة؛ ومنهم ~~عبد الله ومسلمة والمنذر وعنبسة وحمد وسعيد الخير والحجاج لأمهات أولاد. ~~وكان له من النساء شقراء بنت مسلم بن حليس الطائي وأم أبيها ابنة عبد الله ~~بن جعفر بن أبي طالب. وقيل: كان عنده ابنة لعلي بن أبي طالب، ولا يصح. ### || AUT ذكر بعض أخباره # كان عبد الملك عاقلا حازما أديبا لبيبا عالما. قال أبو الزياد: كان ~~فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، ~~وعبد الملك بن مروان. وقال الشعبي: ما ذاكرت أحدا إلا وجدت لي الفضل عليه ~~إلا عبد الملك، فإني ما ذاكرته حديثا إلا زادني فيه، ولا شعرا إلا زادني ~~فيه وقال جعفر بن عقبة الخطائي: قيل لعبد الملك: أسرع إليك الشيب. فقال: ~~شيبني ارتقاء المنابر وخوف اللحن. وقال عبد الملك: ما أعلم أحدا أقوى على ~~هذا الأمر مني، إن ابن الزبير لطويل الصلاة، كثير الصيام، ولكن لبخله لا ~~يصلح أن يكون سائسا. قال أبو مسهر: قبل لعبد الملك في مرضه: كيف تجدك؟ قال: ~~أجدني كما قال الله تعالى: " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ~~وتركتم ما خولنا كم وراء ظهوركم " الأنعام:94 الآية، وقال المفضل بن فضالة ~~عن أبيه: استأذن قوم على عبد الملك بن مروان وهو شديد المرض فدخلوا عليه ~~وقد أسنده خصي إلى صدره، فقال لهم: إنكم دخلتم علي عند إقبال آخرتي وإدبار ~~دنياي، وإني تذكرت أرجى عمل لي فوجدتها غزوة غزوتها في سبيل الله وأنا خلو ~~من هذه الأشياء، فإياكم وإيا أبوابنا هذه الخبيثة أن تطيفوا بها. وقال سعيد ~~بن عبد العزيز التنوخي: لما نزل بعبد الملك بن مروان الموت أمر بفتح باب ~~قصره، فإذا قصار يقصر ثوبا فقال: يا ليتني كنت قصارا! يا ليتني كنت قصارا! ~~مرتين. فقال سعيد بن عبد العزيز: الحمد الله الذي جعلهم يفزعون إلينا ولا ~~نفزع إليهم. PageV02P0328 # وقال سعيد بن بشير: إن عبد الملك حين ثقل جعل يلوم نفسه ويضرب يده على ~~رأسه وقال: وددت أني كنت أكتسب يوما بيوم ما ms1608 يقوتني وأشتغل بطاعة الله، ~~فذكر ذلك لابن خازم، فقال: الحمد لله الذي جعلهم يتمنون عند الموت ما نحن ~~فيه ولا نتمنى عند الموت ما هم فيه. وقال مسعود بن خلف: قال عبد الملك بن ~~مروان في مرضه: والله وددت أني عبد لرجل من تهامة أرعى غنما في جبالها وأني ~~لم أك شيئا. وقال عمران بن موسى المؤدب: يروى أن عبد الملك بن مروان لما ~~اشتد مرضه قال: ارفعوني على شرف. ففعل ذلك. فتنسم الروح ثم قال: يا دنيا ما ~~أطيبك! إن طويلك لقصير، وإن كبيرك لحقير، وإن كنا منك لفي غرور! وتمثل ~~بهذين البيتين: إن تناقش يكن نقاشك يار ... ب عذابا، لا طوق لي بالعذاب أو ~~تجعوز فأنت رب صفوح ... عن مسيء ذنوبه كالتراب ويروى أن هذه الأبيات تمثل ~~بها معاوية، ويحق لعبد الملك أن يحذر هذا الحذر ويخاف، فإن من يكن الحجاج ~~بعض سيئاته يعلم على أي شيء يقدم عليه. قال عبد الملك لسعيد بن المسيب: يا ~~أبا محمد صرت أعمل الخير فلا أسر به، وأصنع الشر فلا أساء به. فقال: الآن ~~تكامل فيك موت القلب. وكان عبد الملك أول من غدر في الإسلام، وقد تقدم فعله ~~بعمرو بن سعيد، وكان أول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية، وأول من ~~نهى عن الكلام في حضرة الخلفاء، وكان الناس قبله يراجعونهم، وأول خليفة ~~بخل، وكان يقال له رشح الحجارة لبخله، وأول من نهى عن المر بالمعروف، فإنه ~~قال في خطبته بعد قتل ابن الزبير: ولا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا ~~إلا ضربت عنقه. ### || AUT ذكر خلافة الوليد بن عبد الملك # فلما دفن عبد الملك بن مروان انصرف الوليد عن قبره فدخل المسجد وصعد ~~المنبر واجتمع إليه الناس فخطبهم وقال: إنا له وإنا إليه راجعون، والله ~~المستعان على مصيبتنا لموت أمير المؤمنين، والحمد لله على ما أنعم علينا من ~~الخلافة، قوموا فبايعوا. وكان أول من عزى نفسه وهنأها؛ وكان أول من قام ~~لبيعته عبد الله بن همام السولي ms1609 وهو يقول: الله أعطاك التي لا فوقها ... ~~وقد أراد الملحدون عوقها عنك ويأبى الله إلا سوقها ... إليك حتى قلدوك ~~طوقها فبايعه ثم قام الناس لبيعته. وقد قيل: إن الوليد لما صعد المنبر حمد ~~الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس لا مقدم لما أخر الله، ولا مؤخر لما ~~قدم، وهذا كان من قضاء الله وسابق علمه، وما كتب على أنبيائه وحملة عرشه ~~الموت، وقد صار إلي منازل الأبرار ولي هذه الأمة بالذي يحق عليه لله في ~~الشدة على المريب، واللين لأهل الحق والفضل، وإقامة ما أقام الله من منار ~~الإسلام، وأعلامه، من حج البيت وغزو الثغور وشن الغارة على أعداء الله، فلم ~~يكن عاجزا ولا مفرطا. أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة، فإن الشيطان ~~مع الفرد. أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه، ومن سكت ~~مات بدائه. ثم نزل. وكان جبارا عنيدا. ### || AUT ذكر ولاية قتيبة خراسان وما كان منه هذه السنة # وفي هذه السنة قدم قتيبة خراسان أميرا عليها للحجاج، فقدمها والمفضل ~~يعرض الجند للغزاة، فخطب قتيبة الناس وحثهم على الجهاد، ثم عرضهم وسار، ~~وجعل بمرو على حربها إياس بن عبد الله بن عمرو، وعلى الخراج عثمان السعيدي. ~~فلما كان بالطالقان أتاه دهاقين بلخ وساروا معه، فقطع النهر، فتلقاه ملك ~~الصغانيان بهدايا ومفاتيح من ذهب ودعاه إلى بلاده، فمضى معه، فسلمها إليه ~~لأن ملك آخرون وسومان كان يسيء جواره. ثم سار قتيبة منها إلى آخرون وسومان، ~~وهما من طخارستان، فصالحه ملكهما على فدية أداها إليه فقلبها قتيبة قم ~~انصرف إلى مرو واستخلف على الجند أخاه صالح بن مسلم، ففتح صالح بعد رجوع ~~قتيبة كاشان وأورشت، وهي من فرغانة، وفتح أخشيكت، وهي مدينة فرغانة ~~القديمة، وكان معه نصر بن سيار فأبلى يومئذ بلاء حسنا. PageV02P0329 # وقيل: إن قيبة قدم خراسان سنة خمس وثمانين فعرض الجند فغزوا آخرون وشومان ~~ثم رجع إلى مرو. وقيل: إنه أقام السنة ولم يقطع النهر لسبب بلخ فإن بعضها ~~كان منتقصا عليه فحاربهم؛ ms1610 وكان ممن سبى امرأة برمك أبي خالد بن برمك لعبد ~~الله: إني قد علقت منك، وحضرت عبد الله بن مسلم الوفاة فأوصى أن يلحق به ما ~~في بطنها وردت إلى برمك. فذكر أن ولد عبد الله بن مسلم جاؤوا أيام المهدي ~~حين قدم الري إلى خالد فادعوه. فقال لهم مسلم بن قتيبة: إنه لا بد لكم إن ~~استلحقتموه ففعل من أن تزوجوه فتركوه. وكان برمك طبيبا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم. وفيها حبس الحجاج يزيد ~~بن المهلب وعزل حبيب بن المهلب عن كرمان وبعد الملك عن شرطته. وحج بالناس ~~هشام بن إسماعيل المخزومي. وكان الأمير على العراق والمشرق كله الحجاج بن ~~يوسف. وفي أيام عبد الملك مات أسيد بن ظهير الأنصاري. أسيد بضم الهمزة. ~~وظهير بضم الظاء المعجمة. وفيها مات عمر بن أبي سلمة، وهو ابن أم سلمة. وفي ~~أيامه مات علقمة بن وقاص الليثي، وله صحبة. وفي هذه السنة مات قبيصة بن ~~ذؤيب الخزاعي، وولد أول سنة من الهجرة، وحنكه النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~وكان على خاتم عبد الملك بن مروان، وكان فيها. وفي أيامه مات سعد بن زيد ~~الأنصاري، وولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي أيامه مات سلمة ابن ~~أبي أم سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي هذه السنة مات عبد الله ~~بن أبي أوفى الأسلمي، وقيل سنة سبع وثمانين، شهد الحديبية وخيبر. وفي آخر ~~أيامه مات الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري، وولد في آخر زمن النبي. وفي ~~هذه السنة توفي لاحق بن حميد أبو مجلز السدوسي. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وثمانين # ### || AUT ذكر إمارة عمر بن عبد العزيز بالمدينة # وفي هذه السنة عزل الوليد هشام بن إسماعيل عن المدينة لسبع ليال خلون من ~~ربيع الأول، وكانت إمارته عليها أربع سنين غير شهر أو نحوه، وولى عمر بن ~~عبد العزيز المدينة، فقدمها واليا في ربيع الأول، وثقله على ثلاثين بعيرا، ~~فنزل ms1611 دار مروان، وجعل يدخل عليه الناس فيسلمون، فلما وصل الظهر دعا عشرة من ~~الفقهاء الذين في المدينة: عروة بن الزبير، وأبا بكر بن سليمان بن أبي ~~خيثمة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وأبا بكر بن عبد الرحمن ~~بن الحارث، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمرو، ~~وعبد الله بن عبيد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن ~~زيد، فدخلوا عليه، فقال لهم: إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه وتكونون فيه ~~أعوانا على الحق، ولا أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم أو بر أيمن حضر منكم، ~~فإن رأيتم أحدا يتعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلام فأحرج الله على من بلغه ذلك ~~إلا بلغني. فخرجوا يجزونه خيرا وافترقوا. وكتب الوليد إلى عمر بن عبد ~~العزيز يأمره أن يقف هشام بن إسماعيل للناس، وكان سيء الرأي فيه، وكان هشام ~~بن إسماعيل يسيء جوار علي بن الحسين، فخافه هشام، فتقدم علي بن الحسين إلى ~~خاصته ألا يعرض له أحد بكلمة، ومر به علي وقد وقف للناس ولم يعرض له، ~~فناداه هشام: " الله أعلم حيث يجعل رسالته " الأنعام:124. ### || AUT ذكر صلح قتيبة ونيزك # ولما صالح قتيبة ملك شومان كتب إلى نيزك طرخان صاحب باذغيس في إطلاق من ~~عنده من أسراء المسلمين، وكتب إليه يتهدده، فخافه نيزك فأطلق الأسرى وبعث ~~بهم إليه، وكتب إليه قتيبة مع سليم الناصح مولى عبيد الله بن أبي بكرة ~~يدعوه إلى الصلح وإلى أن يؤمنه، وكتب إليه بحلف بالله لئن لم يقدم عليه ~~ليغزونه ثم ليطلبنه حيث كان حتى يظفر به أو يموت دونه. فقدم سليم بالكتاب، ~~فقال له نيزك، وكان يستنصحه: يا سليم ما أظن عند صاحبك خيرا، كتب إلي كتابا ~~لا يكتب إلى مثلي. فقال له سليم: إنه رجل شديد في سلطانه، سهل إذا سوهل، ~~صعب إذا عوسر، فلا يمنعك منه غلظة كتابه إليك، فأحسن حالك عنده. فقام نيزك ~~مع سليم فصالحه أهل باذعيس على أن ms1612 لا يدخلها قتيبة. ### || AUT ذكر غزو الروم # PageV02P0330 # قيل: وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك الروم فقتل منهم عددا كبيرا ~~بسوسنة من ناحية المصيصة وفتح حصونا. وقيل: إن الذي غزا في هذه السنة هشام ~~بن عبد الملك ففتح حصن بولق وحصن الأخرم وحصن بولس وقمقم، وقتل من المتعربة ~~نحوا من ألف مقاتل وسبى ذريتهم ونساءهم. ### || AUT ذكر غزو قتيبة بيكند # ولما صالح قتيبة نيزك أقام إلى وقت الغزو فغزا بي كند سنة سبع وثمانين، ~~وهي أدنى مدائن بخاري إلى النهر، فلما نزل بهم استنصروا السعد واستمدوا من ~~حولهم، فأتوهم في جمع كثير وأخذوا الطرق على قتيبة، فلم ينفذ لقتيبة رسول ~~ولم يصل إليه خبر شهرين، وأبطأ خبره على الحجاج فأشفق على الجند فأمر الناس ~~بالدعاء لهم في المساجد وهم يقتلون كل يوم. وكان لقتيبة عين من العجم يقال ~~له تندر، فأعطاه أهل بخارى مالا ليرد عنهم قتيبة، فأتاه فقال له سرا من ~~الناس: إن الحجاج قد عزل وقد أتى عامل إلى خراسان فلو رجعت بالناس كان ~~أصلح. فأمر به فقتل خوفا من أن يظهر الخبر فيهلك الناس، ثم أمر أصحابه ~~بالجد في القتال فقاتلهم قتالا شديدا، فانهزم الكفار يريدون المدينة وتبعهم ~~المسلمون قتلا وأسرا كيف شاؤوا، وتحصن من دخل المدينة بها، فوضع قتيبة ~~الفعلة ليهدم سورها، فسألوه الصلح وقتلوا العامل ومن معه، فرجع قتيبة فنقب ~~سورهم فسقط، فسألوه الصلح فلم يقبل ودخلها عنوة وقتل من كان بها من ~~المقاتلة. وكان فيمن أخذوا في المدينة رجل أعور هو الذي استجاش الترك على ~~المسلمين، فقال لقتية: أنا أفدي نفسي بخمسة آلاف حريرة قيمتها ألف ألف. ~~فاستشار قتيبة الناس فقالوا: هذه زيادة في الغنائم وما عسى أن يبلغ كيد ~~هذا! قال: لا والله لا يروع بك مسلم أبدا! فأمر به فقتل. وأصابوا فيها من ~~الغنائم والسلاح وآنية الذهب والفضة ما لا يحصى، ولا أصابوا بخراسان مثله، ~~فقوي المسلمون، وولي قسم الغنائم عبد الله بن وألان العدوي أحد بني نلكان، ~~وكان قتيبة يسميه ms1613 الأمين ابن الأمين، فإنه كان أمينا. وكان من حديث أمانة ~~أبيه أن مسلما الباهلي أبا قتيبة قال لو ألان: إن عندي مالا أحب أن ~~أستودعكه ولا يعلم به أحد. قال وألان: ابعث به مع رجل تثق به إلى موضع كذا ~~وكذا ومره إذا رأى في ذلك الموضع رجلا أن يضع المال إلى موضع كذا وكذا فإذا ~~رأيت رجلا جالسا فخل البغل وانصرف. ففعل المولى ما أمره وأتى المكان، وكان ~~وألان قد سبقه إليه وانتظر، وأبطأ عليه رسول مسلم فظن أنه قد بدا له البغل ~~ورجع، فأخذ التغلبي البغل والمال ورجع إلى منزله، وظن مسلم أن المال قد ~~أخذه وألان فلم يسأله حتى احتاج إليه، فلقيه فقال: مالي! فقال:ما قبضت شيئا ~~ولا لك عندي مال، فكان مسلم يشكوه إلى الناس، فشكاه يوما والتغلبي جالس ~~فخلا به التغلبي وسأله عن المال فأخبره، فانطلق به إلى منزله وسلم المال ~~إليه وأخبره الخبر، فكان مسلم يأتي الناس والقبائل فيذكر لهم عذر وألان ~~ويخبرهم الخبر. قال: فلما فرغ قتيبة من فتح بيكند رجع إلى مرو. ### || AUT ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة. وكان على ~~قضاء المدينة أبو بكر بن عمرو بن حزم. وكان على العراق وخراسان الحجاج، ~~وكان خليفته على البصرة هذه السنة الجراح بن عبد الله الحكمي، وعلى قضائها ~~عبد الله بن أذينة، وكان على قضاء الكوفة أبو بكر بن موسى الأشعري. وفيها ~~مات عبيد الله بن عباس بالمدينة، وقيل باليمن، وكان أصغر من عبد الله بسنة ~~وفيها مات مطرف بن عبد الله بن الشخير في طاعون الجارف بالبصرة. وفيها مات ~~المقدام بن معدي كرب الكندي، له صحبة، وقيل مات سنة إحدى وتسعين. وفيها مات ~~أمية بن عبد الله بن أسيد. أيد بفتح لهمزة. الشخير بكسر الشين والخاء ~~المعجمتين، وتشديد الخاء وبعدها ياء. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وثمانين # ### || AUT ذكر فتح طوانة من بلد الروم # PageV02P0331 # في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك والعباس بن ms1614 الوليد بن عبد الملك بلد ~~الروم، وكان الوليد قد كتب إلى صاحب أرمينية يأمره أن يكتب إلى ملك الروم ~~يعرفه أن الخزر وغيرهم من ملوك جبال أرمينية قد اجتمعوا على قصد بلاده، ~~ففعل ذلك، وقطع الوليد البعث على أهل الشام إلى أرمينية وأكثر وأعظم جهازه، ~~وساروا نحو الجزيرة قم عطفوا منها إلى بلد الروم فاقتتلوا هم والروم، ~~فانهزم الروم ثم رجعوا فانهزم المسلمون، فبقي العباس في نفر منهم ابن ~~محيريز الجمحي فقال العباس: أين أهل القرآن الذين يريدون الجنة؟ فقال ابن ~~محيريز: نادهم يأتوك. فنادى العباس: يا أهل القرآن! فأقبلوا جميعا، فهزم ~~الله الروم حتى دخلوا طوانة، وحصرهم المسلمون وفتحوها في جمادى الأولى. ~~قيل: وفيها ولد الوليد بن يزيد بن عبد الملك. ### || AUT ذكر عمارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم # قيل: وفي هذه السنة كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز في ربيع الأول ~~يأمره بإدخال حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، في مسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، وأن يشتري ما في نواحيه حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ~~ذراع، ويقول له: قدم القبلة إن قدرت، وأنت تقدر لمكان أخوالك، وإنهم لا ~~يخالفونك، فمن أبى منهم فقوموا ملكه قيمة عدل واهدم عليهم وادفع الأثمان ~~إليهم، فإن لك في عمر وعثمان أسوة. فأحضرهم عمر وأقرأهم الكتاب، فأجابوه ~~إلى الثمن، فأعطاهم إياه، وأخذوا في هدم بيون أزواج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، وبنى المسجد، وقدم عليهم الفعلة من الشام، أرسلهم الوليد، وبعث ~~الوليد إلى ملك الروم يعلمه أنه قد هدم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~ليعمره، فبعث إليه ملك الروم مائة ألف مثقال ذهب ومائة عامل وبعث إليه من ~~الفسيفساء بأربعين جملا، فبعث الوليد بذلك إلى عمر بن عبد العزيز، وحضر عمر ~~ومعه الناس فوضعوا أساسه وابتدأوا بعمارته. قيل: وفي هذه السنة غزا مسلمة ~~بن عبد الملك الروم أيضا ففتح ثلاثة حصون: أحدها حصن قسطنطين وغزالة وحصن ~~الأخرم، وقتل من المستعربة نحوا من ألف وأخذ الأموال. ms1615 ### || AUT ذكر غزو نومشكث ورامثنة # قيل: وفي هذه السنة غزا قتيبة بن مسلم نومشكث واستخلف على مرو أخاه يسار ~~بن مسلم، فتلقاه أهلها فصالحهم، ثم سار إلى رامثنة فصالحه أهلها وانصرف ~~عنهم. وزحف إليه الترك ومعهم الصغد وأهل فرغانة في مائتي ألف وملكهم كور ~~نعابون ابن أخت ملك الصين، فاعترضوا المسلمين فلحقوا عبد الرحمن بن مسلم ~~أخا قتيبة وهو على الساقة، وبينه وبين قتيبة وأوائل العسكر ميل، فلما قربوا ~~منه أرسل إلى قتيبة بخيره، وأدركه الترك فقاتلوه، ورجع قتيبة فانتهى إلى ~~عبد الرحمن وهو يقاتل الترك، وقد كاد الترك يظهرون، فلما رأى المسلمون ~~قتيبة طابت نفوسهم وقاتلوا إلى الظهر، وأبلى يومئذ نيزك، وهو مع قتيبة، ~~فانهزم الترك، ورجع قتيبة فقطع النهر عند ترمذ وأتى مرو. ### || AUT ذكر ما عمل الوليد من المعروف # وفي هذه السنة كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز في تسهيل الثنايا وحفر ~~الآبار وأمره أن يعمل الفوارة بالمدينة فعملها وأجرى ماءها، فلما حج الوليد ~~ورآها أعجبته فأمر لها بقوام يقومون عليها، وأمر أهل المسجد أن يستقوا ~~منها، وكتب إلى البلدان جميعها فإصلاح الطرق، وعمل الآبار، ومنع المجذمين ~~من الخروج على الناس، وأجرى لهم الأرزاق. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج الناس هذه السنة عمر بن عبد العزيز، ووثل جماعة من قريش، وساق معه ~~بدنا وأحرم من ذي الحيلفة، فلما كان بالتنعيم أخبر أن مكة قليلة الماء ~~وأنهم يخافون على الحاج العطس، فقال عمر: تعالوا ندع الله تعالى، فدعا ودعا ~~معه الناس، فما وصلوا البيت إلا مع المطر وسال الوادي، فخاف أهل مكة من ~~شدته، ومطرت عرفة ومكة وكثر الخصب. وقيل: إنما حج هذه السنة عمر بن الوليد ~~بن عبد الملك. وكان العمال من تقدم ذكرهم. وفيها مات سهل بن سعد الساعدي، ~~وقيل: بل سنة إحدى وتسعين، وله مائة سنة. وعبد الله بن بسر المازني من مازن ~~بن منصور، وكان ممن صلى القبلتين، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة. بسر ~~بضم الباء الموحدة، وبالسين المهملة. ### | AUT ثم ms1616 دخلت سنة تسع وثمانين # ### || AUT ذكر غزو الروم # PageV02P0332 # قيل: في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بن عبد ~~الملك الروم فافتتح مسلمة حصن عمروية، وفتح العباس أذرولية، ولقي من الروم ~~جمعا فهزمهم. وقيل: إن ملسمة قصد عمورية فلقي بها جمعا من الروم كثيرا ~~فهزمهم وافتتح هرقلة وقمونية، وغزظا العباس الصائفة من ناحية البذندون. ### || AUT ذكر غزو قتيبة بخارى # في هذه السنة أتى قتيبة كتاب الحجاج يأمره بقصد وردان خذاه، فعبر النهر ~~من زم، فلقي الصغد وأهل كش ونسف في طريق المفازة فقاتلوه، فظفر بهم ومضى ~~إلى بخارى فنزل خرقانة السفلى عن يمين وردان، فلقوه في جمع كثير، فقاتلهم ~~يومين وليلتين فظفر بهم، وغزا وردان خذاه ملك بخارى فلم يظفر بشيء، فرجع ~~إلى مرو وكتب إلى الحجاج بخبره، فكتب إليه الحجاج أن صورها لي، فبعث إليه ~~بصورتها، فكتب إليه الحجاج أن تب إلى الله، جل ثناؤه، مما كان منك وأتها من ~~مكان كذا وكذا، وكتب إليه: أن كس بكش وانسف نسف ورد وردان، وإياك والتحويط، ~~ودعنب من ثنيات الطريق. وقيل: إنما كان فتح بخارى سنة تسعين، على ما نذكره. ### || AUT ذكر ولاية خالد بن عبد الله القسري مكة # قيل: وفي هذه السنة ولي خالد بن عبد الله القسري مكة، فخطب أهلها فقال: ~~أيها الناس أيهما أعظم، خليفة الرجل على أهله أو رسوله إليهم؟ والله لو مل ~~تعلموا فضل الخليفة إلا أن إبراهيم خليل الرحمن استسقاه فسقاه ملحا أجاجا ~~واستسقاه الخليفة فسقاه عذبا فراتا، يعني بالملح زمزم، وبالماء الفرات بئرا ~~حفرها الوليد بثينة طوى في ثنية الحجون وكان ماؤها عذبا وكان ينقل ماءها ~~ويضعه في حوض إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم، فغارت البئر وذهب ماؤها ~~فلا يدرى أين هو اليوم. وقيل: وليها سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة أربع ~~وتسعين، وقد ذكرناه هناك. ### || AUT ذكر قتل ذاهر ملك السند # في هذه السنة قتل محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي، ~~يجتمع هو والحجاج ms1617 في الحكم، ذاهر بن صعصعة ملك السند وملك بلاده، وكان ~~الحجاج بن يوسف استعمله على ذلك الثغر وسير معه ستة آلاف مقاتل وجهزه بكل ~~ما يحتاج إليه حتى المسال والإبر والخيوط، فسار محمد إلى مكران فأقام بها ~~أياما ثم أتى قنزبور ففتحها، ثم سار إلى ارمائيل ففتحها، ثم سار إلى الديبل ~~فقدمها يوم جمعة، ووافته سفن كان حمل فيها الرجال والسلاح والأداة فخندق ~~حين نزل الديبل بد عظيم عليه دقل عظيم وعلى الدقل راية حمراء إذا هبت الريح ~~أطافت بالمدينة، وكانت تدور، والبد صنم في بناء عظيم تحت منارة عظيمة ~~مرتفعة، وفي رأس المنارة هذا الدقل، وكل ما يعبد فهو عندهم بد. فحصرها وطال ~~حصارها، فرمى الدقل بحجر العروس فكسره، فتطير الكفار بذلك، ثم إن محمد أتى ~~وناهضهم وقد خرجوا إليه فهزمهم حتى ردهم إلى البلد وأمر بالسلاليم فنصبت ~~وصعد عليها الرجال، وكان أولهم صعودا رجل من مراد من أهل الكوفة، ففتحت ~~عنوة وقتل فيها ثلاثة أيام وهرب عامل ذاهر عنها وأنزلها محمد أربعة آلاف من ~~المسلمين وبنى جامعها وسار عنها إلى البيرون، وكان أهلها بعثوا إلى الحجاج ~~فصالحوه، فلقوا محمدا بالميرة وأدخلوه مدينتهم، وسار عنها وجعل لا يمر ~~بمدينة إلا فتحها حتى عبر نهرا دون مهران، فأتاه أهل سربيدس فصالحوه، ووظف ~~عليهم الخراج وسار عنهم إلى سهبان ففتحها، ثم سار إلى نهر مهران فنزل في ~~وسطه. وبلغ خبره ذاهر فاستعد لمحاربته وبعث جيشا إلى سدوستان، فطلب أهلها ~~الأمان والصلح، فآمنهم ووظف عليهم الخراج، ثم عبر محمد مهران مما يلي بلاد ~~راسل الملك على جسر عقده وذاهر مستخف به، فلقيه محمد والمسلمون وهو على فيل ~~وحوله الفيلة، ومعه التكاكرة، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع بمثله، وترجل ~~ذاهر فقتل عند المساء ثم انهزم الكفار وقتلهم الملمون كيف شاؤوا، وقال ~~قاتله: الخيل تشهد يوم ذاهر والقنا ... ومحمد بن القاسم بن محمد أني فرجت ~~الجمع غير معرد ... حتى علوت عظيمهم بمهند فتركته تحت العجاج مجندلا ... ~~متعفر الخدين غير موسد فلما قتل ذاهر غلب ms1618 محمد على بلاد السند وفتح مدينة ~~راور عنوة، وكان بها امرأة لذاهر فخافت أن تؤخذ فأحرقت نفسها وجواريها ~~وجميع مالها. PageV02P0333 # ثم سار إلى برهمناباذ العتيقة، وهي على فرسخين من المنصورة، ولم تكن ~~المنصورة يومئذ، كان موضعها غيضة، وكان المنهزمون من الكفار بها، فقاتلوه ~~ففتحها محمد عنوة وقتل بها بشرا كثيرا وخربت. وسار يريد الرور وبغرور فلقيه ~~أهل ساوندرى فطلبوا الأمان فأعطاهم إياه واشترط عليهم ضيافة المسلمين، ثم ~~أسلم أهلها بعد ذلك. ثم تقدم إلى بسمد وصالح أهلها، ووصل إلى الرور، وهي من ~~مدائن السند على جبل، فحصرهم شهورا فصالحوه، وسار إلى السكة ففتحها، ثم قطع ~~نهر بياس إلى الملتان فقاتله أهلها وانهزموا، فحصرهم محمد فجاءه إنسان ودله ~~على قطع الماء الذي يدخل المدينة فقطعه، فعطشوا فألقوا بأيديهم ونزلوا على ~~حكمه فقتل المقاتلة وسبى الذرية وسدنة البد، وهم ستة آلاف، وأصابوا ذهبا ~~كثيرا، فجمع في بيت طوله عشرة أذرع وعرضه ثمانية أذرع يلقى إليه من كوة في ~~وسطه، فسميت الملتان فرج بيت الذهب، والفرج الثغر، وكان بد الملتان تهدى ~~إليه من كوة في وسطه، فسميت الملتان فرج بيت الذهب، والفرج الثغر، وكان بد ~~الملتان تهدى إليه الأموال ويحج من البلاد ويحلقون رؤوسهم ولحاهم عنده ~~ويزعمون أن صنمه هو أيوب النبي صلى الله عليه وسلم . وعظمت فتوحه، ونظر ~~الحجاج في النفقة على ذلك الثغر فكانت ستين ألف ألف درهم، ونظر في الذي حمل ~~فكان مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف، فقال: ربحنا ستين ألفا وأدركنا ثأرنا ~~ورأس ذاهر. ثم مات الحجاج، ونذكر أمر محمد عند موت الحجاج إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر استعمال موسى بن نصير على إفريقية # في هذه السنة استعمل الوليد بن عبد الملك موسى بن نصير على إفريقية، ~~وكان نصير والده على حرس معاوية، فلما سار معاوية إلى صفين لم يسر معه، ~~فقال له: ما يمنعك من المسير معي إلى قتل علي ويدي عنك معروفة؟ فقال: لا ~~أشركك بكفر من هو أولى بالشكر منك، وهو الله، عز وجل ms1619 . فسكت عنه معاوية. ~~فوصل موسى إلى إفريقية وبها صالح الذي استخلفه حسان على إفريقية، وكان ~~البربر قد طمعوا في البلاد بعد مسير حسان، فلما وصل موسى عزل صالحا وبلغه ~~أن بأطراف البلاد قوما خارجين عن الطاعة، فوجه إليه ابنه عبد الله فقاتلهم ~~فظفر بهم، وسبى منهم ألف رأس وسيره في البحر إلى جزيرة ميورقة، فنهبها وغنم ~~منها مالا يحصى وعاد سالما، فوجه ابنه هارون إلى طائفة أخرى فظفر بهم وسبى ~~منهم نحو ذلك وتوجه هو بنفسه إلى طائفة أخرى فغنم نحو ذلك، فبلغ الخمس ستين ~~ألف رأس من السبي، ولم يذكر أحد أنه سمع بسبي أعظم من هذا. ثم إن إفريقية ~~قحطت واشتد بها الغلاء، فاستسقى بالناس وخطبهم ولم يذمر الوليد، وقيل له في ~~ذلك، فقال: هذا مقام لا يدعى فيه لأحد ولا يذكر إلا الله، عز وجل، فسقى ~~الناس ورخصت الأسعار، ثم خرج غازيا إلى طنجة يريد من بقي من البربر، وقد ~~هربوا خوفا منه، فتبعهم وقتلهم قتلا ذريعا حتى بلغ السوس الأدنى لا يدافعه ~~أحد، فاستأمن البربر إليه وأطاعوه، واستعمل على طنجة مولاه طارق بن زياد، ~~ويقال: إنه صدفي. وجعل معه جيشا كثيفا جلهم من البربر، وجعل معهم من يعلمهم ~~القرآن والفرائض، وعاد إلى إفريقية. فمر بقلعة مجانة فتحصن أهلها منه وترك ~~عليها من يحاصرها مع بشر بن فلان، ففتحها، فسميت قلعة بشر إلى الآن، وحينئذ ~~لم يبق له في إفريقية من ينازعه. وقيل: كانت ولاية موسى سنة ثمان وسبعين، ~~استعمله عليها عبد العزيز بن مروان، وهو حينئذ على مصر لأخيه عبد الملك. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك الترك من ناحية أذربيجان ففتح ~~حصونا ومدائن هناك. وحج بالناس عمر بن عبد العزيز، وكان العمال من تقدم ~~ذكرهم. وفي هذه السنة مات عبد الله بن ثعلبة بن صغير العذري حليف بني زهرة، ~~وكان مولده قبل الهجرة بأربع سنين، وقيل: ولد سنة ست من الهجرة. صعير بضم ~~الصاد، وفتح العين المهملتين. وفيها مات ms1620 ظليم مولى عبد الله بن سعد بن أبي ~~سرح بإفريقية. ظليم بفتح الظاء المعجمة، وكسر اللام. ### | AUT ثم دخلت سنة تسعين # ### || AUT ذكر فتح بخارى # PageV02P0334 # قد ذكرنا ورود كتاب الحجاج إلى قتيبة بأمره بالتوبة عن انصرافه عن وردان ~~خذاه ملك بخارى ويعرفه الموضع الذي يأتي بلده منه، فلما ورد الكتاب على ~~قتيبة خرج غازيا إلى بخارى سنة تسعين، فاستجاش وردان خذاه بالصغد والترك من ~~حوله فأتوه، وقد سبق إليها قتيبة فحصرها، فلما جاءتهم أمدادهم خرجوا إلى ~~المسلمين يقاتلونهم، فقالت الأزد: اجعلونا ناحية وخلوا بيننا وبين قتلاهم. ~~فقال قتيبة: تقدموا وقاتلوهم قتالا شديدا، ثم إن الأزد انهزموا حتى دخلوا ~~العسكر وركبهم المشركون فحطموهم حتى أدخلوهم عسكرهم وجازوه حتى ضرب النساء ~~وجوه الخيل وبكين، فكروا راجعين، فانطوت مجنبتا المسلمين على الترك ~~فقاتلوهم حتى ردوهم إلى مواقفهم، فوقف الترك على نشز، فقال قتيبة: من ~~يزيلهم عن هذا الموضع؟ فلم يقدم عليهم أحد من العرب، فأتى بني تميم فقال ~~لهم: يوم كأيامكم، فأخذ وكيع اللواء وقال: يا بني تميم أتسلمونني اليوم؟ ~~قالوا: لا يا أبا مطرف. وكان هريم بن أبي طحمة على خيل تميم، ووكيع رأسهم، ~~فقال وكيع: يا هريم قدم خيلك. ودفع إليه الراية، فتقدم هريم وتقدم وكيع في ~~الرجالة، فانتهى هريم إلى نهر بينهم وبين الترك، فوقف فقال وكيع: تقدم يا ~~هريم، فنظر هريم نظر الجمل الهائج الصائل وقال: أأقحم الخيل هذا النهر؟ فإن ~~انكشفت كان هلاكها يا أحمق. فقال وكيع: يا بن اللخناء ترد أمير! فحذفه ~~بعمود كان معه، فعبر هريم في الخيل، وانتهى وكيع إلى النهر فعمل عليه جسرا ~~من خشب وقال لأصحابه: من وطن نفسه على الموت فليعبر وإلا فليثبت مكانه. فما ~~عبر معه إلا ثمانمائة رجل، فلما عبر بهم ودنا من العدو قال لهريم: غني ~~مطاعنهم فاشغلهم عنا بالخيل، فحمل عليهم حتى خالطهم، وحمل هريم في الخيل ~~فطاعنوهم، ولم يزالوا يقاتلونهم حتى حدروهم من التل، ونادى قتيبة: ما ترون ~~العدو منهزمين؟ فلم يعبر أحد النهر حتى انهزموا، وعبر ms1621 الناس، ونادى قتيبة: ~~من أتى برأس فله مائة، فأتي برؤوس كثيرة، فجاء يومئذ أحد عشر رجلا من بني ~~قريع كل رجل برأس، فيال له: من أنت؟ فيقول: قريعي. فجاء رجل من الأزد برأس، ~~فيل له: من أنت؟ فقال: قريعي، فعرفه جهم بن زحر، فقال: كذب، والله إنه ~~أزدي. فقال له قتيبة: ما دعاك إلى هذا؟ فقال: رأيت كل من جاء يقول قريعي ~~فظننت أنه ينبغي لكل من جاء برأس يقوله. فضحك قتيبة. وجرح خاقان وابنه، ~~وفتح الله عليهم، وكتب قتيبة بالفتح إلى الحجاج. ### || AUT ذكر صلح قتيبة مع الصغد # لما أوقع قتيبة بأهل بخارى هابه الصغد فرجع طرخون ملكهم ومعه فارسان، ~~فدنا من عسكر قتيبة فطلب رجلا يكلمه، فأرسل إليه قتيبة حيان النبطي، فطلب ~~الصلح على فدية يؤديها إليهم، فأجابه قتيبة إلى ما طلب وصالح، ورجع طرخون ~~إلى بلاده ورجع قتيبة ومعه نيزك. حيان بالحاء المهملة، والياء المشددة ~~تحتها نقطتان، وآخره نون. ### || AUT ذكر غدر نيزك وفتح الطالقان # قيل: لما رجع قتيبة من بخارى ومعه نيزك وقد خاف لما يرى من الفتوح فقال ~~لأصحابه: أنامع هذا ولست آمنه فلو استأذنته ورجعت كان الرأي. قالوا: افعل. ~~فاستأذن قتيبة فأذن له وهو بآمل، فرجع يريد طخارستان وأسرع السير حتى أتى ~~النوبهار فنزل يصلي فيه ويتبرك به، وقال لأصحابه: لا أشك أن قتيبة قد ندم ~~على إذنه لي وسيبعث إلى المغيرة بن عبد الله يأمره بحبسي. وندم قتيبة على ~~إذنه له فأرسل إلى المغيرة يأمره بحبس نيزك، وسار نيزك وتبعه المغيرة فوجده ~~قد دخل شعب خلم، فرجع المغيرة، وأظهر نيزك الخلع وكتب إلى أصبهبذ بلخ وإلى ~~باذان ملك مرو الوذ وإلى ملك الكالقان وإلى ملك الفارياب وإلى ملك الجوزجان ~~أن يدعوهم إلى خلع قتيبة، فأجابوه، فواعدهم الربيع أن يجتمعوا ويغزو قتيبة، ~~وكتب إلى كابل شاه يستظهر به وبعث إليه بثقله وماله وسأله أن يأذن له إن ~~اضطر إليه أن يأتيه، فأجابه إلى ذلك. وكان جبغويه ملك طخارستان ضعيفا، ~~فأخذه نيزك فقيده بقيد من ms1622 ذهب لئلا يخالف عليه، وكان جبغويه هو الملك، ~~ونيزك عبده، فاستوثق منه وأخرج عامل قتيبة من بلاد جبغويه. وبلغ قتيبة خلعه ~~قبل الشتاء وقد تفرق الجند، فبعث أخاه عبد الرحمن بن مسلم في اثني عشر ألفا ~~إلى البورقان، وقال: أقم بها ولا تحدث شيئا، فإذا انقضى الشتاء سر نحو ~~طخارستان، واعلم أني قريب منك. PageV02P0335 # فسار، فلما كان آخر الشتاء كتب قتيبة إلى نيسابور وغيرها من البلاد ليقدم ~~عليه الجنود، فقدموا قبل أوانهم، فسار نحو الطالقان، وكان ملكها قد خلع ~~وطابق نيزك على الخلع، فاتاه قتيبة فأوقع بأهل الطالقان فقتل من أهلها ~~مقتلة عظيمة وصلب منهم سماطين أربعة فراسخ في نظام واحد، ثم انقضت السنة ~~قبل محاربة نيزك، وسنذكر تمام خبره سنة إحدى وتسعين إن شاء الله. ### || AUT ذكر هرب يزيد بن المهلب # ### || AUT وإخوته من سجن الحجاج # قيل: وفي هذه السنة هرب يزيد بن المهلب وإخوته الذين كانوا معه في سجن ~~الحجاج، وكان الحجاج قد خرج إلى رستقاباذ للبعث لأن الأكراد كانوا قد غلبوا ~~على فارس، وخرج معه يزيد بن المهلب وإخوته عبد الملك والمفضل في عسكره، ~~وجعل عليهم كهيئة الخندق، وجعلهم في فسطاط قريب منه، وجعل عليهم الحرس من ~~أهل الشام، وطلب منهم ستة آلاف ألف، وأخذ يعذبهم، فكان يزيد يصبر صبرا ~~حسنا، وكان ذلك مما يغيظ الحجاج منه. فقيل للحجاج إنه رمي في ساقه بنشابة ~~فثبت نصلها فيه فهو لا يمسها إلا صاح، فأمر أن يعذب في ساقه، فلما فعلوا به ~~ذلك صاح، وأخته هند بنت المهلب عند الحجاج. فلما سمعت صوته صاحت وناحت، ~~فطلقها الحجاج، ثم إنه كف عنهم وأقبل يستأديهم وهم يعملون في التخلص، ~~فبعثوا إلى أخيهم مروان، وكان بالبصرة، أن يضمن لهم خيلا ويري الناس أنه ~~يريد بيعها لتكون عدة. ففعل ذلك، وكان أخوه حبيب يعذب بالبصرة أيضا. فصنع ~~يزيد للحرس طعاما كثيرا وأمر لهم بشراب، فسقوا واشتغلوا به، ولبس يزيد ثياب ~~طباخه وخرج وقد جعل له لحية بيضاء، فرآه بعض الحرس فقال: كانت هذه ms1623 مشية ~~يزيد، فجاء إليه فرأى لحيته بيضاء في الليل، فتركه وعاد، فخرج المفضل ولم ~~يفطن له، فجاؤوا إلى سفن معدة فركبوها، يزيد والمفضل وعبد الملك، وساروا ~~ليلتهم حتى أصبحوا، فلما أصبحوا علم بهم الحرس فرفعوا خبرهم إلى الحجاج، ~~ففزع وظن أنهم يفسدون خراسان لفتنوا بها، فبعث البريد إلى قتيبة بخبرهم ~~ويأمره بالحذر. ولما دنا يزيد من البطائح استقبلته الخيل فخرجوا عليها ~~ومعهم دليل من كلب، فاخذوا طريق الشام على طريق السماوة، وأتى الحجاج بعد ~~يومين فقيل له: إنهم أخذوا طريق الشام، فبعث إلى الوليد بن عبد الملك ~~يعلمه. ثم سار يزيد فقدم فلسطين فنزل على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي، وكان ~~كريما على سليمان بن عبد الملك، فجاء وهيب إلى سليمان فأعلمه بحال يزيد ~~وإخوته وأنهم قد استعاذوا به من الحجاج، قال: فأتني بهم فهم آمنون لا يوصل ~~إليهم أبد وأنا حي. فجاء بهم إليه، وكانوا في مكان آمن. وكتب الحجاج إلى ~~الوليد: إن آل المهلب خانوا أمان الله وهربوا مني ولحقوا بسليمان. وكان ~~الوليد قد حذرهم وظن أنهم يأتون خراسان للفتنة بها، فلما علم أنهم عند أخيه ~~سليمان سكن بعض ما به وطار غضبا للمال الذي ذهب به، فكتب سليمان إلى ~~الوليد: إن يزيد عندي وقد آمنته، وإنما عليه ثلاثة آلاف ألف لأن الحجاج ~~أغرمه ستة آلاف ألف فأدى ثلاثة آلاف ألف، والذي بقي عليه أنا أؤديه. فكتب ~~الوليد: والله لا أؤمنه حتى تبعث به إلي. فكتب : لئن أنا بعثت به إليك ~~لاجئين معه. فكتب الوليد: والله لئن جئتني لا أؤمنه. فقال يزيد: أرسلني ~~إليه فوالله ما أحب أن أوقع بينه وبينك عداوة ولا أن يتشأم الناس بي لكما، ~~واكتب معي بألطف ما قدرت عليه. فأرسله وأرسل معه ابنه أيوب، وكان الوليد قد ~~أمره أن يبعث به مقيدا. فقال سليمان لابنه: إذا دخلت على أمير المؤمنين ~~فادخل أنت ويزيد في سلسلة. ففعل ذلك. فلما رأى الوليد ابن أخيه في سلسلة ~~قال: لقد بلغنا من سليمان. ودفع أيوب كتاب أبيه ms1624 إلى عمه وقال له: يا أمير ~~المؤمنين نفسي فداؤك لا تخفر ذمة أبي وأنت أحق من منعها، ولا تقطع ما رجاء ~~من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع ~~إلينا لعز بابك. فقرأ الوليد كتاب سليمان فإذا هو يستعطفه ويشفع إليه ويضمن ~~إيصال المال، فلما قرأ المتاب قال: لقد شققنا على سليمان. وتكلم يزيد ~~واعتذر، فآمنه الوليد، فرجع إلى سليمان، وكتب الوليد إلى الحجاج: إني لم ~~أصل إلى يزيد وأهله مع سليمان، فاكفف عنهم فكف عنهم. وكان أبو عيينة بن ~~المهلب عند الحجاج عليه ألف ألف فتركها وكف عن حبيب بن المهلب. ~~PageV02P0336 # وأقام يزيد بن المهلب عند سليمان يهدي إليه الهدايا ويصنع له الأطعمة، ~~وكان لا يأتي يزيد هيدة إلا بعث بها إلى سليمان، ولا يأتي سليمان هدية إلا ~~بعث بنصفها إلى يزيد، وكان لا تعجبه جارية إلا بعث بها إلى يزيد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم ففتح الحصون الخمسة التي ~~بسورية، وغزا عباس بن الوليد حتى بلغ أرزن وبلغ سورية. وفيها استعمل الوليد ~~بن عبد الملك قرة بن شريك على مصر وعزل أخاه عبد الله بن عبد الملك. وفيها ~~أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، فأهداه ملكهم إلى الوليد. وحج بالناس ~~هذه السنة عمر بن عبد العزيز، وكان أميرا على مكة والمدينة والطائف. وكان ~~على العراق والمشرق كله الحجاج بن يوسف، وعامله على البصرة الجراح بن عبد ~~الله الحكمي، وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة، وعلى خراسان قتيبة بن مسلم، ~~وعلى مصر قرة بن شريك. وفيها مات أنس بن مالك الأنصاري، وقيل: سنة اثنتين ~~وتسعين، وقيل: ثلاث وتسعين، وكان عمره ستا وتسعين سنة، وقيل: مائة وست ~~سنين، وقيل: وسبع، وقيل وثلاث. وفيها مات أبو العالية الرياحي في شوال. ~~وفيها توفي نصر بن عاصم الليثي النحوي، وأخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي، ~~وقيل: مات سنة تسعين. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وتسعين # ### || AUT ذكر ms1625 تتمة خبر قتيبة مع نيزك # قد ذكرنا مسير قتيبة إلى نيزك وما جرى له بالطالقان وقتل بها، فلما فتح ~~الطالقان استعمل أخاه عمر بن مسلم، وقيل: إن ملكها لم يحارب قتيبة فكف عنه، ~~وكان بها لصوص فتلهم قتيبة وصلبهم، ثم سار قتيبة إلى الفارياب فخرج إليه ~~ملكها مقرا مذعنا، فقبل منه ولم يقتل بها أحدا واستعمل عليها رجلا من أهله. ~~وبلغ ملك الجوزجان خبرهم فهرب إلى الجبال، وسار قتيبة إلى الجوزجان، فلقيه ~~أهلها سامعين مطيعين، فقبل منهم ولم يقتل بها أحدا، واستعمل عليها عامر بن ~~مالك الحماني. ثم أتى بلخ فلقيه أهلها فلم يقم بها إلا يوما واحدا وسار ~~يتبع أخاه عبد الرحمن إلى شعب خلم ومضى نيزك إلى بغلان وخلف مقاتلة على فم ~~الشعب ومضايقه ليمنعوه، ووضع مقاتلته في قلعة حصينة من وراء الشعب. فأقام ~~قتيبة أياما يقاتلهم على مضيق الشعب لا يقدر على دخوله ولا يعرف طريقا ~~يسلكه إلى نيزك إلا الشعب. فأقام قتيبة أياما يقاتلهم على مضيق الشعب لا ~~يقدر على دخوله ولا يعرف طريقا يسلكه إلى نيزك إلا الشعب أو مفازة لا ~~تحتملها العساكر، فبقي متحيرا، فقدم إنسان فاستأمنه على أن يدله على مدخل ~~القلعة التي من وراء الشعب، فآمنه قتيبة وبعث معه رجالا فانتهى بهم إلى ~~القلعة من وراء شعب خلم، فطرقوهم وهم آمنون فقتلوهم، وهرب من بقي منهم ومن ~~كان في الشعب، فدخل قتيبة الشعب فأتى القلعة ومضى إلى سمنجان فأقام بها ~~أياما ثم سار إلى نيزك وقدم أخاه عبد الرحمن. فارتحل نيزك من منزله فقطع ~~وادي فرغانة ووجه ثقله وأمواله إلى كابل شاه ومضى حتى نزل الكرز وعبد ~~الرحمن يتبعه، فنزل عبد الرحمن حذاء الكرز، ونزل قتيبة بمنزل بينه وبين عبد ~~الرحمن فرسخان، فتحصن نيزك في الكرز وليس إليه مسلك إلا من وجه واحد وهو ~~صعب لا تطيقه الدواب، فحصره قتيبة شهرين حتى قل ما في يد نيزك من الطعام ~~وأصابهم الجدري وجدر جبغويه. وخاف قتيبة الشتاء فدعا سليما الناصح فقال: ~~انطلق إلى ms1626 نيزك واحتل لتأتيني به بغير أمان، فإن احتال وأبى فآمنه، واعلم ~~أني إن عاينتك وليس هو معك صلبتك. قال: فاكتب إلى عبد الرحمن لا يخالفني، ~~فكتب إليه، فقدم عليه، فقال له: ابعث رجالا ليكونوا على فم الشعب، فإذا ~~خرجت أنا ونيزك فليعطفوا من ورائنا فيحولوا بيننا وبين الشعب. فبعث عبد ~~الرحمن خيلا، فكانت هناك، وحمل سليم مع أطعمة وأخبصة أوقارا وأتى نيزك فقال ~~له: إنك أسأت إلى قتيبة وغردت. قال نيزك: فما الرأي؟ قال: أرى أن تأتيه ~~فإنه ليس ببارح، وقد عزم على أن يشتو مكانه هلك أو سلم. قال نيزك: فكيف ~~آتيه على غير أمان؟ قال: ما أظنه يؤمنك لما في نفسه عليك لأنك قد ملأته ~~غيظا، ولكني أرى أن لا يعلم بك حتى تضع يدك في يده، فإني أرجو أن يستحي ~~ويعفو عنك، قال: إني أرى نفسي تأبى هذا وهو إن رآني قتلني. فقال سليم: ما ~~أتيتك إلا لأشير عليك بهذا، ولو فعلت لرجوت أن تسلم وعود حالك عنده، فإذا ~~أبيت فإني منصرف. PageV02P0337 # وقدم سليم الطعام الذي معه، ولا عهد لهم بمثله، فانتهبه أصحاب نيزك، ~~فساءه ذلك، فقال له سليم: إني لك من الناصحين، أرى أصحابك قد جهدوا وإن طال ~~بهم لحصار لم آمنهم أن يستأمنوا بك فأت قتيبة. فقال: لا آمنه على نفسي ولا ~~آتيه إلا بأمان، وإن ظني أن يقتلني وإن آمنني، ولكن الأمان أعذر إلي. فقال ~~سليم: قد آمنك، أفتتهمني؟ قال: لا. وقال له أصحابه: اقبل قول سليم فلا يقول ~~إلا حقا. فخرج معه ومع جبغويه وصول طرخان، خليفة جبغويه، وحبس طرخان صاحب ~~شرطته وشقران ابن أخي نيزك، فلما خرجوا من الشعب عطفت الخيل التي خلفها ~~سليم فحالوا بين الأتراك أصحاب نيزك والخروج، فقال نيزك: هذا أول الغدر. ~~قال سليم: تخلف هؤلاء عنك خير لك. وأقبل سليم ونيزك ومن معه حتى دخلوا إلى ~~قتيبة فحبسهم وكتب إلى الحجاج يستأذنه في قتل نيزك. واستخرج قتيبة ما كان ~~في الكرز من متناع ومن كان فيه، فقدم به ms1627 على قتيبة. فانتظر بهم كتاب ~~الحجاج، فاتاه كتاب الحجاج بعد أربعين يوما يأمره بقتل نيزك، فدعا قتيبة ~~الناس واستشارهم في قتله، واخلفوا، فقال ضرار بن حصين: إني سمعتك تقول: ~~أعطيت الله عهدا إن أمكنك منه أن تقتله فإن لم تفعل فلا ينصرك الله عليه ~~أبدا. فدعا نيزك فضرب رقبته بيده وأمر بقتل صول وابن أخي نيزك، وقتل من ~~أصحابه سبعمائة، وقيل: اثني عشر ألفا، وصلب نيزك وابن أخيه، وبعث برأسه إلى ~~الحجاج، وقال نهار بن توسعة في قتل نيزك: لعمري نعمت غزوة الجند غزوة ... ~~قضت نحبها من نيزك وتعلت وأخذ الزنير مولى عباس الباهلي حقا لنيزك فيه ~~جوهر، وكان أكثر من في بلاده مالا وعقارا من ذلك الجوهر، وأطلق قتيبة ~~جبغويه ومن عليه وبعث به إلى الوليد، فلم يزل بالشام حتى مات الوليد. كان ~~الناس يقولون: غدر قتيبة بنيزك، فقال بعضهم: فلا تحسبن الغدر حرما فربما ~~... ترقت بك الأقدام يوما فزلت فلما قتل قتيبة نيزك رجع إلى مرو، وأرسل ملك ~~الجوزجان يطلب الأمان، فآمنه على أن يأتيه، فطلب رهنا ويعطي رهائن، فأعطاه ~~قتيبة حبيب بن عبد الله بن حبيب الباهلي، وأعطى ملك الجوزجان رهائن من أهل ~~بيته، وقدم على قتيبة فصالحه، ثم رجع فمات بالطالقان، فقال أهل الجوزجان: ~~إنهم سموه، فقتلوا حبيبا، وقتل قتيبة الرهائن الذين كانوا عنده. ### || AUT ذكر غزو شومان وكش ونسف # وفي هذه السنة سار قتيبة إلى شومان فحصرها. وكان سبب ذلك أن ملكها طرد ~~عامل قتيبة من عنده فأرسل إليه قتيبة رسولين، أحدهما من العرب اسمه عياش، ~~والآخر من أهل خراسان، يدعوان ملك شومان أن يؤدي ما كان صالح عليه. فقدما ~~شومان، فخرج أهلها إليهما فرموهما، فانصرف الخراساني وقاتلهم عياش فقتلوه، ~~ووجدوا به ستين جراحة. وبلغ قتله قتيبة فسار إليهم بنفسه، فلما أتاها أرسل ~~صالح بن مسلم أخو قتيبة إلى ملكها، وكان صديقا له، يأمره بالطاعة ويضمن له ~~رضا قتيبة إن رجع إلى الصلح. فأبى وقال لرسول صالح: أتخوفني من قتيبة وأنا ~~أمنع الملوك حصنا؟ فأتاه ms1628 قتيبة وقد تحصن ببلده فوضع عليه المجانيق، ورمى ~~الحصن من مال وجوهر ورمى به في بئر بالقلعة لا يدرك قعرها ثم فتح القلعة ~~وخرج إليهم فقاتلهم حتى قتل، وأخذ قتيبة القلعة عنوة فقتل المقاتلة وسبى ~~الذرية. ثم سار إلى كش ونسف ففتحهما. وامتنعت عليه فارياب فأحرقها، فسميت ~~المحترقة، وسير من كش ونسف أخاه عبد الرحمن إلى الصغد، وملكها طرخون، فقبض ~~عبد الرحمن من طرخون ما كان صالحه عليه قتيبة ودفع إليه رهنا كانوا معه، ~~ورجع إلى قتيبة ببخارى وكان قد سار إليها من كش ونسف، فرجعوا إلى مرو. ولما ~~كان قتيبة ببخارى ملك بخاراخذاه، وكان غلاما حدثا، وقتل من يخاف أن يضاده. ~~وقيل: إن قتيبة سار بنفسه إلى الصغد، فلما رجع عنهم قالت الصغد لطرخون: إنك ~~قد رضيت بالذل واستطبت الجزية وأنت شيخ كبير، فلا حاجة لنما فيك، فحبسوه ~~وولوا غوزك، فقتل طرخون نفسه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV02P0338 # قيل: في هذه السنة استعمل الوليد خالد بن عبد الله القسري على مكة، فلم ~~يزل واليا عليها حتى مات الوليد، وكان قد تقدم سنة تسع وثمانين ذكره أيضا، ~~فلما ولي مكة خطبهم وعظم أمر الخلافة وحثهم على الطاعة، فقال: لو أني أعلم ~~أن هذه الوحش التي تأمن في الحرم لو نطقت لم تقر بالطاعة لأخرجتها منه، ~~فعليكم بالطاعة ولزوم الجماعة، فإني والله لا أوتى بأحد يطعن على إمامه إلا ~~صلبته في الحرم، إني لا أرى فيما كتب به الخليفة أو رآه إلا إمضاءه. واشتد ~~عليهم. وحج بالناس هذه السنة الوليد بن عبد الملك، فلما دخل المدينة غدا ~~إلى المسجد ينظر إلى بنائه، وأخرج الناس منه ولم يبق غير سعيد بن المسيب لم ~~يجرؤ أحد من الحرس أن يخرجه، فقيل له: لو قمت. قال: لا أقوم حتى يأتي الوقت ~~الذي كنت أقوم فيه. فقيل: لو سلمت على أمير المؤمنين. قال: والله لا أقوم ~~إليه. قال عمر بن عبد العزيز: فجعلت أعدل بالوليد في ناحية المسجد لئلا ~~يراه، فالتفت الوليد إلى القبلة فقال: من ms1629 ذلك الشيخ؟ أهو سعيد؟ قال عمر: ~~نعم، ومن حاله كذا وكذا، فلو علم بمكانك لقام فسلم عليك، وهو ضعيف البصر. ~~قال الوليد: قد علمت حاله ونحن نأتيه. فدار في المسجد حتى أتاه فقال: كيف ~~أنت أيها الشيخ؟ فوالله ما تحرك سعيد بل قال: بخير والحمد الله، فكيف أمير ~~المؤمنين وكف حاله؟ فانصرف وهو يقول لعمر: هذا بقية الناس! وقسم بالمدينة ~~دقيقا كثيرا وآنية من ذهب وفضة وأموالا، وصلى بالمدينة الجمعة فخطب الخطبة ~~الأولى جالسا ثم قام فخطب الخطبة الثانية قائما. قال إسحاق بن يحيى: فقلت ~~لرجاء بن حيوة وهو معه: أهكذا تصنعون؟ قال: نعم، مكررا، وهكذا صنع معاوية ~~وهلم جرا. قال فقلت له: هلا تكلمه؟ قال: أخبرني قبيصة بن ذؤيب أنه كلم عبد ~~الملك ولم يترك القعود، وقال: هكذا خطب عثمان. قال فقلت: والله ما خطب إلا ~~قائما. قال رجاء: روي لهم شيء فاقتدوا به. قال إسحاق: ولم نر منهم أشد ~~تجبرا منه. وكان العمال على البلاد من تقدم ذكرهم غير مكة، فإن خالدا كان ~~عاملها، وقيل: إن عاملها هذه السنة كان عمر بن عبد العزيز بن مروان. وفي ~~هذه السنة غزا عبد العزيز بن الوليد الصائفة، وكان على ذلك الجيش مسلمة بن ~~عبد الملك، وفيها عزل الوليد عمه محمد بن مروان عن الجزيرة وأرمينية ~~واستعمل عليها أخاه مسلمة بن عبد الملك، فغزا مسلمة الترك من ناحية ~~أذربيجان حتى بلغ البال، وفتح مدائن وحصونا ونصب عليها المجانيق. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين # في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم ففتح حصونا ثلاثة وجلا ~~أهل سوسنة إلى بلاد الروم. ### || AUT ذكر فتح الأندلس # وفيها غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير الأندلس في اثني عشر ألفا، ~~فلقي ملك الأندلس، واسمه اذرينوق، وكان من أهل أصبهان، وهم ملوك عجم ~~الأندلس، فزحف له طارق بجميع من معه، وزحف الأذرينوق وفتح الأندلس سنة ~~اثنتين وتسعين. هذا جميعه ذكره أبو جعفر في فتح الأندلس، وبمثل ذلك الإقليم ~~العظيم والفتح المبين ms1630 لا يقتصر فيه على هذا القدر، وأنا أذكر فتحها على وجه ~~أتم من هذا إن شاء الله تعالى من تصانيف أهلها إذ هم أعلم ببلادهم. قالوا: ~~أول من سكنها قوم يعرفون بالأندلش، بشين معجمه، فسمي البلد بهم، ثم عرب بعد ~~ذلك بسين مهملة، والنصارى يسمون الأندلس اشبانية باسم رجل صلب فيها يقال له ~~اشبانس، وقيل: باسم ملك كان بها في الزمان الأول اسمه إشبان بن طيطس، وهذا ~~هو اسمها عند بطلميوس. وقيل: سميت بأندلس بن يافث بن نوح وهو أول من عمرها، ~~قيل: أول من سكن الأندلس بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلس فعمروها وتداولوا ~~ملكها دهرا طويلا وكانوا مجوسا، ثم حبس الله عنهم المطر وتوالى عليهم القحط ~~فهلك أكثرهم وفر منها من أطاق الفرار، فخلت الأندلس مائة سنة ثم ابتعث الله ~~لعمارتها الأفارقة، فدخل إليها قوم منهم أجلاهم ملك إفريقية تخففا منهم ~~لقحط توالى على بلاده حتى كاد يفنى أهلها، فحملها في السفن مع أمير من عنده ~~فأرسوا بجزيرة قاس، ورأوا الأندلس قد أخصبت بلادها وجرت أنهارها فسكنوها ~~وعمروها ونصبوا لهم ملوكا يضبطون أمرهم، وهم على دين من قبلهم، وكانت دار ~~مملكتهم طالقة الخراب من أرض إشبيلية بنوها وسكنوها وأقاموا مدة تزيد على ~~مائة وخمسين سنة، ملك منهم فيها أحد عشر ملكا. PageV02P0339 # ثم أرسل الله عليهم عجم رومة، وملكهم إشبان بن طيطس، فغزاهم ومزقهم وقتل ~~فيهم وحاصرهم بطالقة وقد تحصنوا فيها فابتنى عليهم إشبانية، وهي إشبيلية، ~~واتخذها درا مملكته، وكثرت جموعه وعتا وتجبر، وغزا بين المقدس فغنم ما فيه ~~وقتل فيه مائة ألف، ونقل المرمر منه إلى إشبيلية وغيرها، وغنم أيضا مائدة ~~سليمان بن داود، عليه السلام، وهي التي غنمها طارق من طيطلة لما افتتحها، ~~وغنم أيضا قليلة الذهب والحجر الذي لقي بماردة. وكان هذا إشبان قد وقف عليه ~~الخضر وهو يحرث الأرض فقال له: يا إشبان سوف تحظى وتملك وتعلو، فإذا ملكت ~~إيلياء فارفق بذرية الأنبياء. فقال: أتسخر مني؟ كيف ينال مثلي الملك؟ فقال: ~~قد جعله فيك من جعل ms1631 عصاك هذه كما ترى. فنظر إليه فإذا هي قد أورقت، فارتاع ~~وذهب عنه الخضر، وقد وثق إشبان بقوله، فداخل الناس فارتقى حتى ملك ملكا ~~عظيما، وكان ملكه عشرين سنة، ودام ملك الإشبانيين بعده إلى أن ملك منهم ~~خمسة وخمسون ملكا. ثم دخل عليهم من عجم رومة أمة يدعون البشنوليات، وملكهم ~~طويش بن نيطة، وذلك حين بعث الله المسيح فغلبوا عليها واسترلوا على ملكها، ~~وكانت مدينة ماردة دار مملكتهم، وملك منهم سبعة وعشرون ملكا. ثم دخلت عليهم ~~أمة القوط مع ملك لهم فغلبوا على الأندلس فاقتطعوها من يومئذ عن صاحب رومة، ~~وكان ابتداء ظهورهم من ناحية إيطالية شرق الأندلس، فأغارت على بلاد مدونية ~~من تلك الناحية، وذلك في أيام قليوذيوس قيصر، ثالث القياصرة، فخرج إليهم ~~وهزمهم وقتل فيهم ولم يظهروا بعدها إلى أيام قسطنطين الأكبر وأعادوا ~~الغارة، فسير إليهم جيشا فلم يثبتوا له وانقطع خبرهم إلى ثلث دولة قيصر، ~~فإنهم قدموا على أنفسهم أمير اسمه لذريق، وكان يعبد الأوثان، فسار إلى رومة ~~ليحمل النصارى على السجود لأوثانه، فظهر منه سوء سيرته، فتخاذل أصحابه عنه ~~ومالوا إلى أخيه وحاربوه، فاستعان بصاحب رومة فبعث إليه جيشا، فهزم أخاه، ~~ودان بدين النصارى، وكانت ولايته ثلاث عشرة سنة، ثم ولي بعده اقريط، وبعده ~~املريق، وبعده وغديش، وكانوا قد عادوا إلى عبادة الأوثان، فجمع من أصحابه ~~مائة ألف وسار إلى رومة، فسير إليه ملك الروم جيشا فهزموه وقتلوه. ثم بعده ~~اطلوف ست سنين وخرج عن بلد إيطالية وأقام ببلد غاليس مجاورا أقصى الأندلس، ~~ثم انتقل منها إلى برشلونة. ثم بعده أخوه ثلاث سنين ثم بعده واليا، ثم ~~بوردزاريش ثلاثا وثلاثين سنة، ثم ابنه طرشمند، ثم بعده أخوه لذريق ثلاث ~~عشرة سنة، ثم بعده أوريق سبع عشرة سنة، ثم بعده الريق بطلوشة ثلاثا وعشرين ~~سنة، ثم عشليق، ثم امليق سنتين، ثم توذيوش سبع عشرة سنة وخمسة أشهر، ثم ~~بعده ليوبا ثلاث أشهر، ثم بعده اثله خمس سنين، ثم بعده اطلنجة خمس عشرة ~~سنة، ثم بعده ليوبا ثلاث ms1632 أشهر، ثم بعده اثله خمس سنين، ثم بعده اطلنجة خمس ~~عشرة سنة، ثم بعده طودتقليس سنة وثلاث أشهر، ثم بعده اثله خمس سنين، ثم ~~بعده اطلنجة خمس عشرة سنة، ثم بعده ليوبا ثلاث سنين، ثم بعده أخوه لويلد، ~~وهو أولمن اتخذ طليطلة دار ملك ونزلها ليكون متوسطا لملكه ليحارب من خرج عن ~~طاعته عن قريب، فلم يزل يحارب من خرج عن طاعته حتى احتوى على جميع الأندلس ~~وبنى مدينة رقوبل وأتقنها وأكثر بساتينها، وهو على القرب من طليطلة، وسماها ~~باسم ولده، وغزا بلاد البشقنس حتى أذلهم، وخطب إلى ملك الفرنج ابنته لولده ~~ارمنجلد فزوجه وأسكنه إشبيلية، فحسنت له عصيان والده، ففعل، فسار إليه أبوه ~~وحصرهما وضيق عليه وطال مقامه إلى أن أخذه عنوة وسجنه إلى أن مات. ثم ملك ~~بعد لويلد ابنه ركرد، وكان حسن السيرة، فجمع الأساقفة وغير سيرة أبيه وسلم ~~البلاد إليهم، وكانوا نحو ثمانين أسقفا، وكان تقيا عفيفا قد لبس ثياب ~~الرهبان، وهو الذي بنى الكنيسة المعروفة بالوزقة بإزاء مدينة وادي آش. ثم ~~بعده ابنه ليوبا فسار كسيرة أبيه، فاغتاله رجل من القوط يقال له بتريق ~~فقتله، وملك بعده بتريق رضا أهل الأندلس، وكان مجرما طاغيا فاسقا، فثار ~~عليه رجل من خاصته فقتله. PageV02P0340 # ثم ملك من بعده غندمار سنتين، ثم ملك بعده سيسيفوط، وكانت ولايته تسع ~~سنين، وكان حسن السيرة، ثم بعده ابنه ركريد، وكان صغيرا عمره ثلاثة أشهر، ~~ومات، ثم ملك شنتله، وكان ملكه عند البعث، وكان مشكورا، ثم بعده سشنند خمس ~~سنين، ثم بعده خنتلة ستة أعوام، ثم بعده خندس أربعة أعوام، ثم بعده بنبان ~~ثمانية أعوام، ثم بعده أروى سبع سنين. وكان في دولته قحط شديد حتى كادت ~~بلاد الأندلس تخرب لشدة الجوع. ثم بعده ابقه خمس عشرة سنة، وكان جائرا ~~مذموما، ثم ملك بعده ابنه غيطشه، وكانت ولايته سنة سبع وسبعين للهجرة، وكان ~~حسن السيرة لين العريكة وأطلق كل محبوس كان في سجن أبيه وأدى الأموال إلى ~~أربابها. ثم توفي وخلف ولدين فلم ms1633 يرض بهما أهل الأندلس وتراضوا برجل يقال ~~له رذريق، وكان شجاعا وليس من بيت الملك، وكانت عادة ملوك الأندلس إنهم ~~يبعثون أولادهم الذكور والإناث إلى مدينة طليطلة يكونون في خدمة الملك لا ~~يخدمه غيرهم يتأدبون بذلك، فإذا بلغوا الحلم أنكح بعضهم بعضا وتولى ~~تجهيزهم، فلما ولي رذريق أرسل إليه يوليان، وهو صاحب الجزيرة الخضراء وسبتة ~~وغيرهما، ابنة له، فاستحسنها رذريق وافتضها، فكتبت إلى أبيها، فأغضبه ذلك، ~~فكتب إلى موسى بن نصير عامل الوليد بن عبد الملك على إفريقية بالطاعة ~~واستدعاه إليه، فسار إليه، فأدخله يوليان مدائنه وأخذ عليه العهود له ~~ولأصحابه بما يرض به، ثم وصف له الأندلس ودعاه إليها، وذلك آخر سنة تسعين. ~~فكتب موسى إلى الوليد بما فتح الله عليه وما دعاه إليه يوليان. فكتب إليه ~~الوليد: خضها بالسرايا ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال. فكتب إليه ~~موسى: إنه ليس ببحر متسع وإنما هو خليج يبين ما وراءه. فكتب إليه الوليد أن ~~اختبرها بالسرايا وإن كان الأمر على ما حكيت. فبعث رجلا من مواليه يقال له ~~طريف في أربعمائة رجل ومعهم مائة فرس، فسار في أربع سفائن فخرج في جزيرة ~~بالأندلس فسميت جزيرة طريف لنزوله فيها، ثم أغار على الجزيرة الخضراء فأصاب ~~غنيمة كثيرة ورجع سالما في رمضان سنة إحدى وتسعين. فلما رأى الناس ذلك ~~تسرعوا إلى الغزو. ثم إن موسى دعا مولى له كان على مقدمات جيوشه يقال له ~~طارق بن زياد فبعثه في سبعة آلاف من المسلمين أكثرهم البربر والموالي ~~وأقلهم العرب، فساروا في البحر، وقصد إلى جبل منيف وهو متصل بالبر فنزله، ~~فسمي الجبل جبل طارق إلى اليوم، ولما ملك عبد المؤمن البلاد أمر ببناء ~~مدينة على هذا الجبل وسماه جبل الفتح، فلم يثبت له هذا الاسم وجرت الألسنة ~~على الأول. وكان حلول طارق فيه في رجب سنة اثنتين وتسعين من الهجرة. ولما ~~ركب طارق البحر غلبته عينه فرأى النبي ومعه المهاجرون والأنصار قد تقلدوا ~~السيوف ونكبوا القسي، فقال له النبي صلى الله عليه ms1634 وسلم : يا طارق تقدم ~~لشأنك. وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد، فنظر طارق فرأى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، وأصحابه قد دخلوا الأنلدلس أمامه، فاستيقظ من نومه ~~مستبشرا وبشر أصحابه وقويت نفسه ولم يشك في الظفر. فلما تكامل أصحاب طارق ~~بالجبل نزل إلى الصحراء وفتح الجزيرة الخضراء فأصاب بها عجوزا، فقالت له: ~~إني كان لي زوج وكان عالما بالحوادث وكان يحدثهم عن أمير يدخل بلدهم فيغلب ~~عليه، ووصف من نعته أنه ضخم الهامة، وان في كتفه اليسرى شامة عليها شعر؛ ~~فكشف طارق ثوبه فإذا الشامة كما ذكرت، فاستبشر طارق أيضا هو ومن معه. ونزل ~~من الجبل إلى الصحراء وافتتح الجزيرة الخضراء وغيرها وفارق الحصن الذي في ~~الجبل. PageV02P0341 # ولما بلغ ذريق غزو طارق بلاده عظم ذلك عليه، وكان غائبا في غزاته، فرجع ~~منها طارق قد دخل بلاده فجمع له جمعا يقال بلغ مائة ألف، فلما بلغ طارقا ~~الخبر كتب إلى موسى يستمده ويخبره بما فتح وأنه زحف إليه ملك الأندلس بما ~~لا طاقة له به. فبعث إليه بخمسة آلاف، فتكامل المسلمون اثني عسر ألفا ومعهم ~~يوليان يدلهم على عورة البلاد ويتجسس لهم الأخبار. فأتاهم رذريق في جنده، ~~فالتقوا على نهر لكة من أعمال شذونة لليلتين بقيتا من رمضان سنة اثنتين ~~وتسعين، واتصلت الحرب ثمانية أيام، وكان على ميمنته وميسرته ولدا الملك ~~الذي كان قبله وغيرهما من أبناء الملوك، وافتقوا على الهزيمة بغضا لرذريق، ~~وقالوا: إن المسلمين إذا امتلأت أيديهم من الغنيمة عادوا إلى بلادهم وبقي ~~الملك لنا. فانهزموا وهزم الله رذريق ومن معه، وغرق رذريق في النهر، وسار ~~طارق إلى مدينة إستجة متبعا لهم، فلقيه أهلها ومعهم من المنهزمين خلق كثير، ~~فقاتلوه قتالا شديدا، ثم انهزم أهل الأندلس ولم يلق المسلمون بعدها حربا ~~مثلها. ونزل طارق على عين بينها وبين مدينة إسجة أربعة أميال فسميت عين ~~طارق إلى الآن. ولما سمعت القوط بهاتين الهزيمتين قذف الله في قلوبهم ~~الرعب، وكانوا يظنون أنه يفعل فعل طريف، فهربوا إلى طليطلة، وكان طريف قد ~~أوهمهم ms1635 أنه يأكلهم هو ومن معه. فلما دخلوا لطيلطلة وأخلوا مدائن الأندلس ~~قال له يوليان: قد فرغت من الأندلس ففرق جيوشك وسر أنت إلى طيطلة. ففرق ~~جيوشه من مدينة إستجة وبعث جيشا إلى قرطبة، وجيشا إلى غرناطة، وجيشا إلى ~~مالقة، وجيشا إلى تدمير، وسار إلى قرطبة فإنهم دلهم راع على ثغرة في سورها ~~فدخلوا منها البلد وملكوه. وأما الذين قصدوا تدمير فلقيهم صاحبها، واسمه ~~تدمير وبه سميت، وكان اسمها أرويولة، وكان معه جيش كثيف، فقاتلهم قتالا ~~شديدا ثم انهزم فقتل من أصحابه خلق كثير، فأمر تدمير النساء فلبسن السلاح ~~ثم صالح المسلمين عليها وفتح سائر الجيوش ما قصدوا إليه من البلاد. وأما ~~طارق فلما رأى طليطلة فازغة ضم إليها اليهود وترك معهم رجالا من أصحابه ~~وسار هو إلى وادي الحجارة فقطع الجبل من فج فيه فسمي بفج طارق إلى اليوم. ~~وانتهى إلى مدينة خلف الجبل تسمى مدينة المائدة، وفيها وجد مائدة سليمان بن ~~داود، عليه السلام، وهي من زبرجد خضر حافاتها وأرجلها منها مكللة باللؤلؤ ~~والمرجان والياقوت وغير ذلك، وكان لها ثلاثمائة وستون رجلا. ثم مضى إلى ~~مدينة ماية فغنم منها ورجع إلى طليطلة في سنة ثلاث وتسعين. وقيل: اقتحم أرض ~~جليقية فخرقها حتى انتهى إلى مدينة استرقة وانصرف إلى طليطلة ووافته جيوشه ~~التي وجهها من إستجة بعد فراغهم من فتح تلك المدن التي سيرهم إليها. ودخل ~~موسى بن نصير الأندلس في رمضان سنة ثلاث وتسعين في جمع كثير، وكان قد بلغه ~~ما صنعه طارق فحسده، فلما عبر إلى الأندلس ونزل الجزيرة الخضراء قيل له: ~~تسلك طريق طارق، فأبى، فقال له الأدلاء: نحن ندلك على طريق اشرفن طريقه ~~ومدائن لم تفتح بعد، ووعده يوليان بفتح عظيم، فسر بذلك، وكان قد غمه. ~~فساروا به إلى مدينة ابن السليم فافتتحها عنوة، ثم سار إلى مدينة قرمونة، ~~وهي أحصن مدن الأندلس، فقدم إليها يوليان وخاصته، فأتوهم على الحال ~~المنهزمين معهم السلاح فأدخلوهم مدينتهم، فأرسل موسى إليهم الخيل ففتحوها ~~لهم ليلا، فدخلها المسلمون وملكوها، ثم ms1636 سار موسى إلى إشبيلية، وهي من أعظم ~~مدائن الأندلس بنيانا وأعزها آثارا، فحصرها أشهرا وفتحها وهرب من بها، ~~فأنزلها موسى اليهود وسار إلى مدينة ماردة فحصرها، وقد كان أهلها خرجوا ~~إليه فقاتلوه قتالا شديدا، فكمن لهم موسى ليلا في مقاطع الصخر، فلم يرهم ~~الكفار، فلما أصبحوا زحف إليهم فخرجوا إلى المسلمين على عادتهم فخرجوا ~~عليهم من الكمين وأحدقوا بهم وحالوا بينهم وبين البلد وقتلوهم قتلا ذريعا ~~ونجا من نجا منهم، فدخل المدينة، وكانت حصينة، فحصرهم بها شهرا، وقاتلهم، ~~وزحف إليهم بدبابة عملها ونقبوا سورها، فخرج أهلها على المسلمين، فقتلوهم ~~عند البرج، فسمي برج الشهداء إلى اليوم، ثم افتتحها آخر رمضان سنة أربع ~~وتسعين يوم الفطر صلحا على جميع أموال القتلى يوم الكمين وأموال الهاربين ~~إلى جليقية وأموال الكنائس وحيلها للمسلمين. PageV02P0342 # ثم إن أهل إشبيلية اجتمعوا وقصدوها فقتلوا من بها من المسلمين، فسير موسى ~~إليها ابنه عبد العزيز بجيش فحصرها وملكها عنوة وقتل من بها من أهلها وسار ~~عنها إلى لبلة وباجة فملكها وعاد إلى إشبيلية. وسار موسى من مدينة ماردة في ~~شوان يريد طليطلة، فخرج إليه طارق فلقيه، فلما أبصره نزل إليه فضربه موسى ~~بالسوط على رأسه ووبخه على ما كان من خلافه ثم سار به إلى مدينة طليطلة، ~~فطلب منه ما غنم والمائدة أيضا، فأتاه بها وقد انتزع رجلا من أرجلها، فسأله ~~عنها فقال: لا علم لي، كذلك وجدتها، فعمل عوضها من ذهب. وسار موسى إلى ~~سرقسطة ومدائنها فافتتحها وأوغل في بلاد الفرنج فانتهى إلى مفازة كبيرة ~~وأرض سهلة ذات آثار، فأصاب فيها صنما قائما فيه مكتوب بالنقر: يا بني ~~إسماعيل هاهنا منتهاكم فارجعوا، وإن سألتم إلى ماذا ترجعون أخبرتكم أنكم ~~ترجعون إلى الإختلاف فيما بينكم حتى يضرب بعضكم أعناق بعض، وقد فعلتم. فرجع ~~ووافاه رسول الوليد في أثناء ذلك يأمره بالخروج عن الأندلس والقفول إليه، ~~فساءه ذلك ومطل الرسول وهو يقصد بلاد العدو في غير ناحية الصنم يقتل ويسبي ~~ويهدم الكنائس ويكسر النواقيس حتى بلغ صخرة بلاي على ms1637 البحر الأخضر، وهو في ~~قوة وظهور، فقدم عليه رسول آخر للوليد يستحثه وأجذ بعنان بغلته وأخرجه، ~~وكان موافاة الرسول بمدينة لك بجليقية، وخرج على الفج المعروف بفج موسى، ~~ووافاه طارق من الثغر الأعلى معه ومضيا جميعا. واستخلف موسى على الأندلس ~~ابنه عبد العزيز بن موسى، فلما عبر البحر إلى سبتة استخلف عليها وعلى طنجة ~~وما والاهما ابنه عبد الملك، واستخلف على إفريقية وأعمالها ابنه الكبير عبد ~~الله، وسار إلى الشام وحمل الأموال التي غنمت من الأندلس والذخائر والمائدة ~~ومعه ثلاثون ألف بكر من بنات ملوك القوط وأعيانهم ومن نفيس الجوهر والأمتعة ~~ما لا يحصى، فورد الشام، وقد مات الوليد بن عبد الملك، واستخلف سليمان بن ~~عبد الملك، وكان منحرفا عن موسى بن نصير، فعزله عن جميع أعماله وأقصاه ~~وحبسه وأغرمه حتى احتاج أن يسأل العرب في معونته. وقيل: إنه قدم الشام ~~والوليد حي، وكان قد كتب إليه وادعى أنه هو الذي فتح الأندلس وأخبره خبر ~~المائدة، فلما حضر عنده عرض عليه ما معه وعرض المائدة، ومعه طارق، فقال ~~طارق: أنا غنمتها. فكذبه موسى. فقال طارق للوليد: سله عن رجلها المعدومة. ~~فسأله عنها فلم يكن عنده علم، فأظهرها طارق وذكر أنه أخفاها لهذا السبب. ~~فعلم الوليد صدق طارق وإنما فعل هذا لأنه كان حبسه وضربه حتى أرسل الوليد ~~فأخرجه، وقيل لم يحبسه. قالوا: ولما دخلت الروم بلاد الأندلس كان في ~~مملكتهم بيت إذا ولي ملك منهم أقفل عليه قفلا، فلما ملكت القوط فعلوا ~~كفعلهم، فلما ملك رذريق أراد فتح الأقفال فنهاه أكابر أهل البلاد عن ذلك ~~فلم يقبل منهم وفتح الأقفال فرأى في البيت صور العرب وعليهم العمائم الحمر ~~على خيول شهب، وفيه كتاب: إذا فتح هذا البيت دخل هؤلاء القوم هذا البلد. ~~ففتحت الأندلس تلك السنة. فهذا القدر كاف في فتح الأندلس، ونذكر باقي أخبار ~~الأندلس عنه أوقات حدوثها على ما شرطنا إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر غزوة جزيرة سردانية # هذه الجزيرة في بحر الروم، وهي من أكبر الجزائر ms1638 ما عدا جزيرة صقلية ~~وأقريطش، وهي كثيرة الفواكه، ولما فتح موسى بلاد الأندلس سير طائفة من ~~عسكره في البحر إلى هذه الجزيرة سنة اثنتين وتسعين فدخلوها، وعمد النصارى ~~إلى ما لهم من آنية ذهب وفضة فألقوا الجميع في الميناء الذي لهم وجعلوا ~~أموالهم في سقف بنوه للبيعة العظمى التي لهم تحت السقف الأول، وغنم ~~المسلمون فيها ما لا يحد ولا يوصف، وأكثروا الغلول. فاتفق أن رجلا من ~~المسلمين اغتسل في الميناء فعلقت رجله في شيء فأخرجه فإذا صفحة من فضة، ~~وفإذا المسلمون جميع ما فيه، ثم دخل رجل من المسلمين إلى تلك الكنيسة فنظر ~~إلى حمام فرماه بسهم فأخطأ ووقع في السقف وانكسر لوح فنزل منه شيء من ~~الدنانير وأخذوا الجميع، وازداد المسلمون غلولا، فكان بعضهم يذبح الهرة ~~ويرمي ما في جوفها فيملأه دنانير ويخيط عليها ويلقيها في الطريق، فإذا خرج ~~أخذها، وكان يضع قائم سيفه على الجفن ويملأه ذهبا. فلما ركبوا في البحر ~~سمعوا قائلا يقول: اللهم غرقهم، فغرقوا عن آخرهم، فوجدوا أكثر الغرقى ~~والدنانير على أوساطهم. PageV02P0343 # وفي سنة خمس وثلاثين ومائة غزاها عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة الفهري ~~فقتل من بها قتلا ذريعا ثم صالحوه على الجزية، فأخذت منهم وبقيت ولم يغزها ~~بعده أحد، فعمرها الروم. فلما كانت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة أخرج إليها ~~المنصور بن القائم العلوي، صاحب إفريقية، أسطولا من المهدية فمروا بجنوة ~~ففتحوا المدينة وأوقعوا بأهل سردانية وسبوا فيها وأحرقوا مراكب كثيرة ~~وأخربوا جنوة وغنموا ما فيها. وفي سنة ست وأربعمائة غزاها مجاهد العامري من ~~دانية، وكان صاحبها في البحر في مائة وعشرين مركبا، ففتحها وقتل فأكثر وسبى ~~النساء والذرية، فسمع بذلك ملوك الروم فجمعوا إليه وساروا إليه من البر ~~الكبير في جمع عظيم فاقتتلوا، وانهزم المسلمون وأخرجوا من جزيرة سردانية، ~~وأخذت بعض مراكبهم وأسر أخو مجاه وابنه علي بن مجاهد، ورجع بمن بقي إلى ~~دانية ولم تغز بعد ذلك. وإنما ذكرنا جميع أخبارها هاهنا لقتلتها، وإذا ~~تفرقت لم تعرف كما يجب. ### || AUT ms1639 ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم ففتح حصونا ثلاثة وجلا ~~أهل سوسنة إلى بلاد الروم. وفي هذه السنة غزا قتيبة سجستان في قول بعضهم، ~~وأراد قصد رتبيل الأعظم، فلما نزل قتيبة سجستان أرسل رتبيل إليه رسلا ~~بالصلح، فقبل ذلك وانصرف واستعمل عليهم عبد ربه بن عبد الله الليثي. وحج ~~بالناس هذه السنة عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة؛ وكان عمال الأمصار من ~~تقدم ذكرهم. وفيها مات مالك بن أوس بن الحدثان البصري، من ولد نصر بن ~~معاوية، بالمدينة، وله أربع وتسعون سنة. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين # ### || AUT ذكر صلح خوارز مشاه وفتح خام جرد # وفي هذه السنة صالح قتيبة خوارز مشاه. وكان سبب ذلك أن ملك خوارزم كان ~~ضعيفا فغلبه أخوه خرزاد على أمره، وكان أصغر منه، وكان إذا بلغه أن عند أحد ~~ممن هو منقطع إلى الملك جارية أو مالا أو دابة أو بنتا أو أختا أو امرأة ~~جميلة أرسل إليه وأخذه منه، وكان لا يمتنع عليه أحد ولا الملك، فإذا قيل ~~للملك قال: لا أوى به وهو مغتاظ عليه. فلما طال ذلك عليه كتب إلى قتيبة ~~يدعوه إلى أرضه ليسلمها إليه، واشترط عليه أن يدفع إليه أخاه وكل من يضاده ~~ليحكم فيهم بما يرى، ولم يطلع أحد من مرازبته على ذلك، فأجابه قتيبة إلى ما ~~طلب وتجهز للغزو، وأظهر قتيبة أنه يريد الصغد، وسار من مرو، وجمع خوارز ~~مشاه أجناده ودهاقنته، فقال: إن قتيبة يريد الصغد وليس يغازيكم، فهلموا ~~نتنعم في ربيعنا هذا. فأقبلوا على الشرب والتنعم، فلم يشعروا حتى نزل قتيبة ~~في هزار سب، فقال خوارز مشاه لأصحابه: ما ترون؟ قالوا: نرى أن نقاتله. قال: ~~لكني لا أرى ذلك لأنه قد عجز عنه من هو أقوى منا وأشد شوكة، ولكن أصرفه ~~بشيء أؤديه إليه. فأجابوه إلى ذلك. فسار خوارز مشاه فنزل بمدينة الفيل من ~~وراء النهر، وهي أحصن بلاده، وقتيبة لم يعبر النهر، فأرسل إليه خوارز مشاه ms1640 ~~فصالحه على عشرة آلاف رأس وعين ومتاع وعلى أن يعينه على خام جرد، فقبل ~~قتيبة ذلك. وقيل: صالحه على مائة ألف رأس، ثم بعث قتيبة أخاه عبد الرحمن ~~إلى خام جرد، وكان يغازي خوارز مشاه، فقاتله فقتله عبد الرحمن وغلب على ~~أرضه، وقدم منهم بأربعة آلاف أسير، فقتلهم قتيبة، وسلم قتيبة إلى خوارز ~~مشاه أخاه ومن كان يخالفه، فقتلهم ودفع أموالهم إلى قتيبة ودخل قتيبة إلى ~~فيل، فقبل بن خوارزم شاه ما صالحه عليه ثم رجع إلى هزار سب. ### || AUT ذكر فتح سمرقند # فلما قبض قتيبة صلح خوارز مشاه قال إليه المجشر بن مزاحم السلمي. فقال ~~له سرا: إن أردت الصغد يوما من الدهر فالآن فإنهم آمنون من أن يأتيهم عامل ~~هذا، وإنما بينك وبينهم عشرة أيام. قال: أشار عليك بهذا أحد؟ قال: لا. قال: ~~فسمعه منك أحد؟ قال: لا. قال: والله لئن تكلم به أحد لأضربن عنقك. ~~PageV02P0344 # فلما كان الغد أمر أخاه عبد الرحمن فسار في الفرسان والرماة وقدم الأثقال ~~إلى مرو فسار يومه، فلما أمسى كتب إليه قتيبة: إذا أصبحت فوجه الأثقال إلى ~~مرو وسر بالفرسان والرماة نحو الصغد واكتم الأخبار، فإني في الأثر. ففعل ~~عبد الرحمن ما أمره، وخطب قتيبة الناس وقال لهم: إن الصغد شاغره برجلها، ~~وقد نقضوا العهد الذي بيننا وصنعوا ما بلغكم، وإني أرجو أن يكون خوارزم ~~والصغد كقريظة والنضير. ثم سار فأتى الصغد فبلغها بعد عبد الرحمن بثلاث أو ~~أربع، وقدم معه أهل خوارزم وبخارى فقاتلوه شهرا من وجه واحد وهم محصورون. ~~وخاف أهل الصغد طوال الحصار فكتبوا إلى ملك الشاش وخاقان واخشاد فرغانة: إن ~~العرب إن ظفروا بنا أتوكم بمثل ما أتونا به، فانظروا لأنفسكم ومعهما كان ~~عندك من قوة فابذلوها. فنظروا وقالوا: إنما نؤتى من سفلتنا فإنهم لا يجدون ~~كوجدنا. فانتخبوا من أولاد الملوك وأهل النجدة من أبناء المرازبة والأساورة ~~والأبطال وأمروهم أن يأتوا عسكر قتيبة فيبيتوه فإنه مشغول عنه بحصار سمر ~~قند، وولوا عليه ابنا لخاقان، فساروا. وبلغ قتيبة الخبر ms1641 فانتخب من عسكره ~~أربعمائة، وقيل: ستمائة من أهل النجدة والشجاعة وأعلمهم الخبر وأمرهم ~~بالمسير إلى عدوهم، فساروا وعليهم صالح بن مسلم، فنزلوا على فرسخين من ~~العسكر على طريق القوم، فجعل صالح له كمينين، فلما مضى نصف الليل جاءهم ~~عدوهم، فلما رأوا صالحا حملوا عليه، فلما اقتتلوا شد الكمينان عن يمين ~~وشمال فلم ير قوم كانوا أشد من أولئك. قال بعضهم: إنا لنقاتلهم إذ رأيت تحت ~~الليل قتيبة وقد جاء سرا فضربت ضربة أعجبتني. فقلت: كيف نرى بأمي وأبي؟ ~~قال: اسكت فض الله فاك. قال: فقتلناهم فلم يفلت منهم إلا الشريد، وحوينا ~~أسلابهم وسلاحهم فاحتززنا رؤوسهم وأسرنا منهم أسرى، فسألناهم عمن قتلنا ~~فقالوا: ما قتلتم إلا ابن ملك أو عظيما أو بطلا، كان الرجل يعد بمائة رجل، ~~وكتبنا أسماءهم على آذانهم ثم دخلنا العسكر حين أصبحنا، فلم يأت أحد بمثل ~~ما جئنا به من القتلى والأسرى والخيل ومناطق الذهب والسلاح، قال: وأكرمني ~~قتيبة وأكرم معي جماعة وظننت أنه رأى منهم مثل الذي رأى مني. ولما رأى ~~الصغد ذلك انكسروا، ونصب قتيبة عليهم المجانيق فرماهم وثلم ثلمة، فقام ~~عليها رجل شتم قتيبة، فرماه بعض الرماة فقتله، فأعطاه قتيبة عشرة آلاف. ~~وسمع بعض المسلمين قتيبة وهو يقول كأنما يناجي نفسه: حتى متى يا سمرقند ~~يعشش فيك الشيطان؟ أما والله لئن أصبحت لأحاولن من أهلك أقصى غاية. فانصرف ~~ذلك الرجل فقال لأصحابه: كم من نفس تموت غدا! وأخبر الخبر. فلما أصبح قتيبة ~~أمر الناس بالجد في القتال، فقاتلوهم واشتد القتال، وأمرهم قتيبة أن يبلغوا ~~ثلمة المدينة، فجعلوا الترسة على وجوههم وحملوا فبلغوها ووقفوا عليها، ~~ورماهم الصغد بالنشاب فلم يبرحوا. فأرسل الصغد إلى قتيبة فقالوا له: انصرف ~~عنا اليوم حتى نصالحك غدا. فقال قتيبة: لا نصالحهم إلا ورجالنا على الثملة، ~~وقيل: بل قال قتيبة: جزع العبيد، انصرفوا على ظفركم، فانصرفوا فصالحهم من ~~الغد على ألفي ألف ومائتي ألف مثقال في كل عام، وأن يعطوه تلك السنة ثلاثين ~~ألف فارس، وأن يخلوا المدينة لقتيبة فلا يكون ms1642 لهم فيها مقاتل فيبني فيها ~~مسجدا ويدخل ويصلي ويخطب ويتغدى ويخرج. فلما تم الصلح وأخلوا المدينة وبنوا ~~المجد دخلها قتيبة في أربعة آلاف انتخبهم، فدخل المسجد فصلى فيه وخطب وأكل ~~طعاما ثم أرسل إلى الصغد: من أراد منكم أن يأخذ متاعه فليأخذ فإني لست ~~خارجا منها ولست آخذ منكم إلا ما صالحتكم عليه، غير أن الجند يقيمون فها. ~~وقيل: إنه شرط عليهم في الصلح مائة ألف فارس وبيوت النيران وحلية الأصنام، ~~فقبض ذلك، وأتي بالأصنام فكانت كالقصر العظيم وأخذ ما عليها وأمر بها ~~فأحرقت. فجاءه غوزك فقال: إن شكرك علي واجب، لا تتعرض لهذه الأصنام فإن ~~منها أصناما من أحرقها هلك. فقال قتيبة: أنا أحرقها بيدي، فدعا بالنار فكبر ~~ثم أشعلها فاحترقت، فوجدوا من بقايا مسامير الذهب خمسين ألف مثقال. وأصاب ~~بالصغد جارية من ولد يزدجرد، فأرسلها إلى الحجاج، فأرسلها الحجاج إلى ~~الوليد، فولدت له يزيد بن الوليد. وأمر غوزك بالانتقال عنها فانتقل. ~~PageV02P0345 # وقيل: إن أهل سمرقند خرجوا على المسلمين وهم يقاتلونهم يوم فتحها، وقد ~~أمر قتيبة يومئذ بسرير فأبرز وقعد عليه، فطاعنوهم حتى جازوا قتيبة وإنه ~~لمحتب بسيفه ما حل حبوته، وانطوت مجنبتا المسلمين على الذين هزموا القلب ~~فهزموهم حتى ردوهم إلى عسكرهم، وقتل من المشركين عدد كثير، ودخلوا المدينة ~~فصالهم، وصنع غوزك طعاما ودعا قتيبة، فأتاه في عدة من أصحابه، فلما بعد ~~استوهب منه سمرقند وقال للملك: انتقل عنها، فلم نجد بدا من طاعته، ولا ~~قتيبة قوله تعالى: " وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى " النجم:50 - ~~51. وحكي عن الذي أرسله قتيبة إلى الحجاج بفتح سمرقند قال: فأرسلني الحجاج ~~إلى الوليد، فقدمت دمشق قبل طلوع الفجر فدخلت المسجد فإذا إلى جنبي رجل ~~ضرير، فسألني: من أين أنت؟ فقلت: من خراسان، وأخبرت خبر سمرقند. فقال: ~~والذي بعث محمدا بالحق ما افتتحتموها إلا غدرا! وإنكم يا أهل خراسان الذين ~~تسلبون بني أمية ملكهم ثم تنقضون دمشق حجرا حجرا. فلما فتح قتيبة سمرقند ~~قيل: إن هذا لأعدى العيرين، لأنه فتح سمرقند وخوارزم ms1643 في عام واحد، وذلك أن ~~الفارس إذا صرع في طلق واحد عيرين قيل: عادى عيرين فلما فتحها قتيبة دعا ~~نهار بن توسعة فقال: يا نهار أين قولك. ألا ذهب الغزو المقرب للغنى ... ~~ومات الندى والجود بعد المهلب أقاما بمرو الروذ رهن ضريحه ... وقد غيبا عن ~~كل شرق ومغرب أفغزو هذا؟ قال: لا، هذا أحسن، وأنا الذي أقول: وما كان مذ ~~كنا ولا كان قبلنا ... ومات الندى والجود بعد المهلب أعم لأهل الشرك قتلا ~~بسيفه ... وأكثر فينا مقسما بعد مقسم قال: وقال الشعراء في ذلك، فقال ~~الكميت من قصيدة: كانت سمرقند أحقابا يمانية ... فاليوم تنسبها قيسية مضر ~~وقال كعب الأشقري، وقيل رجل من جعفى: كل يوم يحوي قتيبة نهبا ... ويزيد ~~الأموال مالا جديدا باهلي قد ألبس التاج حتى ... شاب منه مفارق كن سودا دوخ ~~الصغد بالكتائب حتى ... ترك الصغد بالعراء قعودا فوليد يبكي لفقد أبيه ... ~~وأب موجع يبكي الوليدا ثم رجع قتيبة إلى مرو، وكان أهل خراسان يقولون: إن ~~قتيبة غدر بأهل سمرقند فملكها غدرا. وكان عمله على خوارزم إياس بن عبد الله ~~على حربها، وكان ضعيفا، وكان على خراجها عبيد الله بن أبي عبيد الله مولى ~~مسلم.فاستضعف أهل خوارزم إياسا، فجمعوا له، فكتب عبيد الله إلى قتيبة، فبعث ~~قتيبة أخاه عبد الله عاملا وأمره أن يضرب إياسا وحيان النبطي مائة مائة ~~ويحلقهما. فلما قرب عبد الله من خوارزم أرسل إلى إياس فأنذره، فتنحى، وقدم ~~عبد الله وأخذ حيان فضربه وحلقه. ثم وجه قتيبة الجنود إلى خوارزم مع ~~المغيرة بن عبد الله، فبلغها ذلك، فلما قدم المغيرة اعتزل أبناء الذين ~~قتلهم خوارزمشاه وقالوا: لا نعينك، فهرب إلى بلاد الترك، وقدم المغيرة فقتل ~~وسبى، فصالحه الباقون على الجزية، وقدم على قتيبة فاستعمله على نيسابور. ### || AUT ذكر فتح طليطلة من الأندلس # قال أبو جعفر: وفي هذه السنة غضب موسى بن نصير على مولاه طارق فسار إليه ~~في رجب منها، واستخلف على إفريقية ابنه عبد الله بن موسى، وعبر موسى إلى ~~طارق في عشرة ms1644 آلاف، فتلقاه وترضاه، فرضي عنه وقبل عذره وسيره إلى طليطلة، ~~وهي من عظام بلاد الأندلس، وهي من قرطبة على عشرين يوما، ففتحها وأصاب فها ~~مائدة سليمان بن داود، عليه السلام، وما فيها من الذهب والجوهر، والله أعلم ~~به. قلت: لم يزد على هذا، وقد ذكرت في سنة اثنتين وتسعين من فتح الأندلس ~~ودخول موسى بن نصير إلى طارق ما فيه كفاية فلا حاجة إلى إعادته؛ إلا أن أبا ~~جعفر قد ذكر أن موسى هو الذي سير طارقا وهو بالأندلس ففتح مدينة طليطلة، ~~والذي ذكره أهل الأندلس في تواريخهم ما تقدم ذكره. ### || AUT ذكر عزل عمر بن عبد العزيز عن الحجاز # قيل: وفي هذه السنة عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن الحجاز والمدينة. ~~PageV02P0346 # وكان سبب ذلك أن عمر كتب إلى الوليد يخبره بعسف الحجاج أهل العراق ~~واعتدائه عليهم وظلمه لهم بغير حق، فبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى الوليد: إن من ~~عندي من المراق وأهل الشقاق قد جلوا عن العراق ولحقوا بالمدينة ومكة، وإن ~~ذلك وهن. فكتب إليه الوليد يستشيره فيمن يوليه المدينة ومكة، فأشار عليه ~~بخالد بن بد الله وعثمان بن حيان، فولى خالدا مكة، وعثمان المدينة، وعزل ~~عمر عنهما. فلما خرج عمر من المدينة قال: إني أخاف أن أكون ممن نفته ~~المدينة، يعني بذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : تنفي خبثها. وكان ~~عزله في شعبان؛ ولما قدم خالد مكة أخرج من بها من أهل العراق كرها، وتهدد ~~من أنزل عراقيا أو أجره دارا، واشتد على أهل المدينة وعسفهم وجار فيهم ~~ومنعهم من إنزال عراقي، وكانوا أيام عمر بن عبد لعزيز كل من خاف الحجاج لجأ ~~إلى مكة والمدينة. وقيل: إنما استعمل على المدينة عثمان بن حيان، وقد تقدم ~~سنة إحدى وتسعين ولاية خالد مكة في قول بعضهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا العباس بن الوليد الروم ففتح سبسطية والمرزبانين ~~وطرسوس. وفيها غزا مروان بن الوليد فبلغ خنجرة. وفيها غزا مسلمة الروم أيضا ~~ففتح ماسيسة ms1645 وحصن الحديد وغزالة من ناحية ملطية. وفيها أجدب أهل إفريقية ~~فاستسقى موسى بن نصير فسقوا. وفيها كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد ~~العزيز قبل أن يعزله يأمره بضرب خبيب بن عبد الله بن الزبير ويصب على رأسه ~~ماء باردا، فضربه خمسين سوطا وصب عليه ماء باردا في يوم شات ووقفه على باب ~~المسجد فمات من يومه. خبيب بضم الخاء المعجمة، وبائين موحدتين بينهما ياء ~~تحتها نقطتان. وحج بالناس هذه السنة عبد العزيز بن الوليد. وكان على ~~الأمصار من تقدم ذكرهم إلا المدينة فإن عاملها عثمان بن حيان قدمها في شوال ~~لليلتين بقيتا منه، وقد تقدم ذكر ولاية خالد بن عبد الله مكة في سنة تسع ~~وثمانين، وفي سنة إحدى وتسعين قد ذكرنا أنه وليها هذه السنة. وفيها مات أبو ~~الشعثاء جابر بن زبد. وألو العالية البراء، واسمه زيدا بن فيروز، وكان مولى ~~لأعرابية من بني رياح، وليس بأبي العالية الرياحي، ذاك كان موته سنة تسعين. ~~وفيها مات بلال بن أبي الدرداء الأنصاري قاضي دمشق. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وتسعين # ### || AUT ذكر قتل سعيد بن جبير # قيل: وفي هذه السنة قتل سعيد بن جبير. وكان سبب قتله خروجه مع عبد ~~الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكان الحجاج قد جعله على عطاء الجند حين وجه عبد ~~الرحمن إلى رتبيل لقتاله، فلما خلع عبد الرحمن الحجاج كان سعيد فيمن خلع، ~~فلما هزم عبد الرحمن ودخل بلاد رتبيل هرب سعيد إلى أصبهان، فكتب الحجاج إلى ~~عامل بأخذ سع، فخرج العامل من ذلك. فأرسل إلى سعيد يعرفه ذلك ويأمره ~~بمفارقته، فسار عنه فأتى أذربيجان فطال عليه القيام فاغتم بها، فخرج إلى ~~مكة فكان بها هو وأناس أمثاله يستخفون فلا يخبرون أحدا أسماءهم. فلما ولي ~~خالد بن عبد الله مكة قيل لسعيد: إنه رجل سوء فلو سرت عن مكة. فقال والله ~~لقد فررت حتى استحييت من الله وسيجيئني ما كتب الله لي. فلما قدم خالد مكة ~~كتب إليه الوليد بحمل أهل العراق ms1646 إلى الحجاج، فاخذ سعيد بن جبير ومجاهدا ~~وطلق بن حبيب فأرسلهم إليه، فمات طلق بالطريق وحبس مجاهد حتى مات الحجاج. ~~وكان سيرهم مع حرسين، فانطلق أحدهما لحاجة وبقي الآخر، فقال لسعيد، وقد ~~استيقظ من نومه ليلا: يا سعيد إني أبرأ إلى الله من دمك، إني رأيت في منامي ~~فقيل لي: ويلك! تبرأ من دم سعيد بن جبير! فاذهب حيث شئت فإني لا أطلبك. ~~فأبى سعيد، فرأى ذلك الحرس مثل تلك الرؤيا ثلاثا ويأذن لسعيد في الذهاب وهو ~~لا يفعل. PageV02P0347 # فقدموا به الكوفة فانزل في داره، وأتاه قراء الكوفة، فجعل يحدثهم وهو ~~يضحك وبنية له في حجره، فلما نظرت إلى القيد في رجله بكت، ثم أدخلوه على ~~الحجاج، فلما أتي به قال: لعن الله ابن النصرانية! يعني خالدا، وكان هو ~~أرسله، أما كنت أعرف مكانه؟ بلى والله والبيت الذي هو فيه بمكة. ثم أقبل ~~عليه فقال: يا سعيد ألم أشركك في إمامتي؟ ألم أفعل؟ ألم أستعملك؟ قال: بلى. ~~قال: فما أخرجك علي؟ قال: إنما أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة ويصيب مرة. ~~فطابت نفس الحجاج قم عاوده في شيء، فقال: إنما كانت بيعة في عنقي؛ فغضب ~~الحجاج وانتفخ وقال: يا سعيد ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير وأخذت بيعة ~~أهلها وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: بلى. قال: فتنكث بيعتين ~~لأمير المؤمنين وتوفي بواحدة للحائك ابن الحائك؛ والله لأقتلنك قال: إني ~~إذا لسعد كما سمتني أمي. فأمر به فضربت رقبته، فبدر رأسه عليه كمة بيضاء ~~لاطية، فلما سقط رأسه هلل ثلاثا، افصح بمرة ولم يفصح بمرتين. فلما قتل ~~التبس عقل الحجاج فجعل يقول: قيودنا قيودنا! فظنوا أنه يرد القيود، فقطعوا ~~رجلي سعيد من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود، وكان الحجاج إذا نام يراه في ~~منامه يأخذ بمجامع ثوبه، فيقول: يا عدو الله فيم قتلتني؟ فيقول: مالي ~~ولسعيد بن جبير! مالي ولسعيد بن جبير! ### || AUT ### || AUT ذكر غزوة الشاش # وفرغانة # في هذه السنة قطع قتيبة النهر وفرض على أهل بخارى وكش ونسف ms1647 وخوارزم ~~عشرين ألف مقاتل فساروا معه، فوجههم إلى الشاش وتوجه هو إلى فرغانة فأتى ~~خجندة، فجمع له أهلها فلقوه فاقتتلوا مرارا، كل ذلك يكون الظفر للمسلمين. ~~ثم إن قتيبة أتى كاشان مدينة فرغانة وأتاه الجنود الذين وجههم إلى اشاش وقد ~~فتحوها وأحرقوا أكثرها وانصرف إلى مرو؛ وقال سحبان يذكر قتالهم بخجندة ~~فقال: فسل الفوارس في خجن ... دة تحت مرهقة العوالي هل كنت أجمعهم إذا ... ~~هزموا وأقدم في القتال أم كنت أضرب هامةال ... عافي وأصبر للعوالي هذا وأنت ~~قريع قي ... س كلها ضخم النوال وفضلت قيسا في الندى ... وأبوك في الحجج ~~الخوالي ولقد تبين عدل حك ... مك فيهم في كلأ حال تمت مروءتكم ونا ... غى ~~عزكم غلب الجبال ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا العباس بن الوليد أرض الروم ففتح إنطاكية. وفيها غزا ~~عبد العزيز بن الوليد فبلغ غزالة، وبلغ الوليد بن هشام المعيطي برج الحمام، ~~ويزيد بن أبي كبشة أرض سورية. وفيها كانت الزلازل بالشام ودامت أربعين يوما ~~فخربت البلاد، وكان عظم ذلك في إنطاكية. وفيها افتتح القاسم بن محمد الثقفي ~~أرض الهند. وتوفي في هذه السنة علي بن الحسين في أولها. ثم عروة بن الزبير. ~~ثم سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. واستقضى ~~الوليد على الشام سليمان بن حبيب. وحج بالناس مسلمة بن عبد الملك، وقيل: ~~عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، وكان العامل بمكة خالد بن عبد الله، ~~وبالمدينة عثمان بن حيان، وبمصر قرة بن شريك، وبخراسان قتيبة من قبل الحجاج. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وتسعين # ### || AUT ذكر غزوة الشاش # قيل: وفي هذه السنة بعث الحجاج جيشا من العراق إلى قتيبة فغزا بهم، فلما ~~كان بالشاش أو بكشماهان أتاه موت الحجاج في شوال منها، فغمه ذلك وتمثل ~~يقول: لعمري لنعم المرء من آل جعفر ... بحوران أمسى أعلقته الحبائل فإن نحي ~~لي أملك حياتي وإن تمت ... فما في حياة بعد موتك طائل ورجع إلى مرو وتفرق ~~الناس، فأتاه كتاب ms1648 الوليد: قد عرف أمير المؤمنين بلاءك وجدك واجتهادك في ~~جهاد أعداء المسلمين، وأمير المؤمنين رافعك وصانع بك الذي يجب لك، فالمم ~~مغازيك وانتظر ثواب ربك ولا تغب عن أمير المؤمنين كتبك حتى كأني أنظر إلى ~~بلائك والثغر الذي أنت فيه. ### || AUT ذكر وفاة الحجاج بن يوسف # PageV02P0348 # قيل: إن عمر بن عبد العزيز ذكر عنده ظلم الحجاج وغيره من ولاة الأمصار ~~أيام الوليد بن عبد الملك، فقال: الحجاج بالعراق، والوليد بالشام، وقرة ~~بمصر، وعثمان بالمدينة، وخالد بمكة، اللهم قد امتلأت الدنيا ظلما وجورا ~~فأرح الناس! فلم يمض غير قليل حتى توفي الحجاج وقرة بن شريك في شهر واحد، ~~ثم تبعهما الوليد وعزل عثمان وخالد، واستجاب الله لعمر. وما أشبه هذه القصة ~~بقصة ابن عمر مع زياد بن أبيه حيث كتب ؟إلى معاوية يقول له: قد ضبطت العراق ~~بشمالي ويميمني فارغة. يعرض بإمارة الحجاز. فقال ابن عمر لما بلغه ذلك: ~~اللهم أرحنا من يمين زياد وأرح أهل العراق من شماله. فكان أول خبر جاءه موت ~~زياد. وكانت وفاة الحجاج في شوال سنة خمس وتسعين، وقيل: كانت وفاته لخمس ~~بقين من شهر رمضان وله من العمر أربع وخمسون سنة، وقيل: ثلاث وخمسون سنة، ~~وكانت ولايته العراق عشرين سنة، ولما حضرته الوفاة استخلف على الصلاة ابنه ~~عبد الله بن الحجاج، واستخلف على حرب الكوفة والبصرة يزيد بن أبي كبشة، ~~وعلى خراجهما يزيد بن أبي مسلم، فأقرهما الوليد بعد موته ولم يغير أحدا من ~~عمال الحجاج. ### || AUT ذكر نسبة وشيء من سيرته # هو الحجاج ين يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن عامر بن مسعود بن معتب بن ~~مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف أبو محمد الثقفي. قال قتيبة بن ~~مسلم: خطبنا الحجاج فذكر القبر، فما زال يقول: إنه بيت الوحدة، إنه بيت ~~الغربة، وبيت كذا وكذا حتى بكى وأبكى، ثم قال: سمعت أمرر المؤمنين عبد ~~الملك يقول: سمعت مروان يقول في خطبته: خطبنا عثمان فقال في خطبته: ما نظر ms1649 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى قبر أو ذكره إلا بكى. وقد روي أحاديث ~~غير هذا عن ابن عباس وأنس. وقال ابن عوف: كنت إذا سمعت الحجاج يقرأ عرفت ~~أنه طالما درس القرآن. وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحجاج ~~ومن الحسن، وكان الحسن أفصح. وقال عبد الملك بن عمير: قال الحجاج يوما: من ~~كان له بلاء فليقم فنعطيه على بلائه. فقام رجل فقال: أعطني على بلائي. قال: ~~وما بلاؤك؟ قال: قتلت الحسن. قال: فكيف قتلته؟ قال: دسرته بالرمح درسرا، ~~وهبرته بالسيف هبرا، وما أشركت معي في قتله أحدا. قال: فإنك لا تجتمع أنت ~~وهو في مكان واحد. وقال: اخرج! ولم يعطه شيئا. قيل: كتب عبد الملك إلى ~~الحجاج يأمره بقتل أسلم بن عبد البكري بشيء بلغه عنه، فأحضره الحجاج وقال: ~~أمير المؤمنين غائب وأنت حاضر، والله تعالى يقول: " يا أيها الذين آمنوا إن ~~جاء كم فاسق بنبإ فتبينوا " الحجرات:6 الآية؛ والذي بلغه عني باطل، فاكتب ~~إلى أمير المؤمنين أني أعول أربعا وعشرين امرأة وهن بالباب، فاحضرهن، فهذه ~~أمه، وهذه عمته وزوجته وابنته، وكان في آخر هن جارية قاربت عشر سنين. فقال ~~لها: من أنت منه؟ قالت ابنته، أصلح الله الأمير! ثم أنشأت تقول: أحجاج لم ~~تشهد مقام بناته ... وعماته يندبنه الليل أجمعا أحجاج لم تقبل به أن قتله ~~... ثمانا وعشرا واثنتين وأربعا أحجاج من هذا يقوم مقامه ... علينا فمهلا ~~إن تزدنا تضعضعا أحجاج إما أن تجود بنعمة ... علينا وإما أن تقتلنا معا ~~فبكى الحجاج وقال: والله لا أعنت الدهر عليكن ولا زدتكن تضعضعا وكتب إلى ~~عبد الملك بخبر الرجل والجارية، فكتب إليه عبد الملك: إن كان الأمر كما ~~ذكرت فأحسن صلته وتفقد الجارية. ففعل. وقال عاصم بن بهدلة: سمعت الحجاج ~~يقول: اتقوا الله ما استطعتم، هذا والله مثنوية، واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا ~~خيرا لأنفسكم ليس في مثنوية، والله لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب ~~فخرجتم من هذا حلت لي دماؤكم؟، ولا أجد أحدا يقرأ علي ms1650 قراءة ابن أم عبد، ~~يعني ابن مسعود، إلا ضربت عنقه، ولأحكنها من المصحف ولو بضلع خنزير؛ قد ذكر ~~ذلك عند الأعمش. فقال: وأنا سمعته يقول: فقلت في نفسي لأقرأنها على رغم ~~أنفك. PageV02P0349 # قال الأوزاعي: قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا ~~بالحجاج لغلبناهم. قال منصور: سألنا إبراهيم الشجاعي عن الحجاج فقال: ألم ~~يقل الله " ألا لعنة الله على الظالمين " هو:18؟ قال الشافعي: بلغني أن عبد ~~الملك بن مروان قال للحجاج: ما من أحد إلا وهو عارف بعيوب نفسه، فعب نفسك ~~ولا تخبأ منها شيئا. قال: يا أمير المؤمنين أنا لجوج حقود. فقال له عبد ~~الملك: إذا بينك وبين إبليس نسب. فقال: إن الشيطان إذا رآني سالمني. قال ~~الحسن: سمعت عليا على المنبر يقول: اللهم ائتمنتهم فخافوني، ونصحتهم ~~فغشوني، اللهم فسلط عليهم غلام ثقيف يحكم في دمائهم وأموالهم بحكم ~~الجاهلية! فوصفه وهو يقول: الزيال، مفجر الأنهار، يأكل خضرتها ويلبس ~~فروتها. قال الحسن: هذه والله صفة الحجاج. قال حبيب بن أبي ثابت: قال علي ~~لرجل: لا تموت حتى تدرك فتى ثقيف. قيل له: يا أمير المؤمنين ما فتى ثقيف؟ ~~قال: ليقالن له يوم القيامة اكفنا زاوية من زوايا جهنم، رجل يملك عشرين أو ~~بضعا وعشرين سنة لا يدع الله معصية إلا ارتكبها حتى لو لم تبق إلا معصية ~~واحدة وبينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها، يقتل بمن أطاعه من عصاه. ~~وقيل: أحصي من قتله الحجاج صبرا فكانوا مائة ألف وعشرين ألفا. وقيل: إن ~~الحجاج مر بخالد بن يزيد بن معاوية وهو يخطر في مشيته، فقال رجل لخالد: من ~~هذا؟ قال خالد: بخ بخ! هذا عمرو بن العاص. فسمعهما الحجاج فرجع وقال: والله ~~ما يسرني أن العاص ولدني، ولكني ابن الأشياخ من ثقيف والعقائل من قريش، ~~وأنا الذي ضربت بسيفي هذا مائة ألف، كلهم يشهد أن أباك كان يشرب الخمر ~~ويضمر الكفر. ثم ولى وهو يقول: بخ بخ عمرو بن العاص! فهو قد اعترف في بعض ~~أيامه بمائة ms1651 ألف قتيل على ذنب واحد. ### || AUT ذكر ما فعله محمد بن القاسم بعد موت الحجاج وقتله # لما مات الحجاج بن يوسف كان محمد بن القاسم بالملتان، فأتاه خبر وفاته، ~~فرجع إلى الرور والبغرور،وكان قد فتحهما، فأعطى الناس، ووجه إلى البيلمان ~~جيشا فلم يقاتلوا وأعطوا الطاعة، وسأله أهل سرشت، وهي مغزى أهل البصرة، ~~وأهلها يقطعون في البحر، ثم أتى محمد الكيرج فخرج إليه دوهر فقاتله فانهزم ~~دوهر وهرب، وقيل: بل قتل، ونزل أهل المدينة على حكم محمد فقتل وسبى؛ قال ~~الشاعر: نحن قتلنا ذاهرا ودوهرا ... والخيل تردي منسرا فمنسرا ومات الوليد ~~بن عبد الملك وولي سليمان بن عبد الملك، فولى يويد بن أبي كبشة السكسكي ~~السند، فأخذ محمدا وقيده وحمله إلى العراق، فقال محمد متمثلا: أضاعوني وأي ~~فتى أضاعوا ... ليوخم كريهة وسداد ثغر فبكى أهل السند على محمد، فلما وصل ~~إلى العراق حبسه صالح بن عبد الرحمن بواسط، فقال: فلئن ثويت باسط وبأرضها ~~... رهن الحديد مكبلا مغلولا فلرب قينة فارس قد رعتها ... ولرب قرن قد تركت ~~قتيلا وقال: ولو كنت أجمعت الفرار لوطئت ... إناث أعدت للوغى وذكور وما ~~دخلت خيل السكاسك أرضنا ... ولا كان من عك علي أمير وما كنت للعبد المزوني ~~تابعا ... فيا لك دهر بالكرام عثور فعذبه صالح في رجال من آل أبي عقيل حتى ~~قتلهم، وكان الحجاج قتل آدم أخا صالح، وكان يرى رأي الخوارج، وقال حمزة بن ~~بيض الحنفي يرثي محمدا: إن المروءة والسماحة والندى ... لمحمد بن قاسم بن ~~محمد ساس الجيوش لسبع عشرة حجة ... ياقرب ذلك سؤددا من مولد وقال آخر: ساس ~~الرجال لسبع عشرة حجة ولداته إذ ذاك في أشغال ومات يزيد بن أبي كبشة بعد ~~قدومه أرض السند بثمانية عشر يوما، واستعمل سليمان بن عبد الملك على السند ~~حبيب بن المهلب، فقدمها وقد رجع ملوك السند إلى ممالكهم ورجع جيشبه بن ذاهر ~~إلى برهمناباذ، فنزل حبيب على شاطئ مهران، فأعطاه أهل الور الطاعة، وحارب ~~قوما فظفر بهم. ثم مات سليمان واستخلف عمر بن عبد ms1652 العزيز، فكتب إلى الملوك ~~يدعوهم إلى الإسلام والطاعة على أن يملكهم ولهم ما للمسلمين وعليهم. فأسلم ~~جيشبه والملوك وتسموا بأسماء العرب. PageV02P0350 # وكان عمرو بن مسلم الباهلي عامل على ذلك الثغر، فغزا بعض الهند فظفر. ثم ~~إن الجنيد بن عبد الرحمن ولي السن أيام هشام بن عبد الملك، فأتى الجنيد شط ~~مهران فمنعه جيشبه بن ذاهر العبور أرسل إليه: إني قد أسلمت وولاني الرجل ~~الصالح بلادي ولست آمنك. فأعطاه رهنا وأخذ منه رهنا على خراج بلاده، ثم ~~ترادا وكفر جيشبه وحارب، وقيل: إنه لم يحارب ولكن الجنيد تجنى عليه، فأتى ~~الهند فجمع جموعا وأعد السفن واستعد للحرب، فسار إليه الجنيد بالسفن، ~~فالتقوا في بطيحة، فأخذ جيشبه أسيرا، وقد جنحت سفينته، فقتله الجنيد وهرب ~~صصه بن ذاهر وهو يريد أن يمضي إلى العراق فيشكو غدر الجنيد، فلم يزل الجنيد ~~يؤنسه حتى وضع يده في يده فقتله. وغزا الجنيد الكيرج، وكانوا قد نقضوا، ~~فاتخذوا كبشا وصك بها سور المدينة فثلمه ودخلها فقتل وسبى ووجه العمال إلى ~~المرمذ والمندل ودهنج وبرونج. وكان الجنيد يقول: القتل في الجزع أكبر منه ~~في الصبر. ووجه جيشا إلى أزين فأغاروا عليها وحرقوا ربضها وفتح البيلمان ~~وحصل عنده سوى ما حمل أربعون ألف ألف وحمل مقلها، وولى الجنيد تميم بن زيد ~~القيني فضعف ووهن ومات قريبا من الديبل. وفي أيامه خرج المسلمون عن بلاد ~~الهند ورفضوا مراكزهم، ثم ولي الحكم بن عوام الملبي وقد كفر أهل الهند إلا ~~أهل قصة، فبنى مدينة سماها المحفوظة وجعلها مأوى للمسلمين، وكان معه عمرو ~~بن محمد بن القاسم، وكان يفوض إليه عظيم الأمور، فأغزاه من المحفوظة، فلما ~~قدم عليه وقد ظفر أمره فبنى مدينة وسماها المنصورة، فهي التي نزلها ~~الأمراء، واستخلص ما كان قد غلب عليه العدو، ورضي الناس بولايته، وكان خالد ~~القسري يقول: واعجبا! وليت فتى العرب، يعني تميما، فرفض وترك، ووليت أبخل ~~العرب فرضي به. ثم قتل الحكم، وكان العمال يقتلون العدو فكانوا يفتتحون ~~ناحية ويأخذون ما تيسر لهم لضعف الدولة ms1653 الأموية بعد ذلك، إلى أن جاءت ~~الدولة المباركة العباسية، ونحن نذكر إن ساء الله أيام المأمون بقية أخبار السند. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا العباس بن الوليد الروم ففتح هرقلة وغيرها. وفيها فتح ~~آخر الهند إلا الكيرج والمندل. وفي هذه السنة افتتح العباس بن الوليد ~~قنسرين. وفيها قتل الوضاحي بأرض الروم ونحو ألف رجل معه. وفيها ولد المنصور ~~عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. وحج بالناس هذه السنة بشير ~~بن الوليد بن عبد الملك، وكان عمال المصار من تقدم ذكرهم. وفيها مات أبو ~~عثمان النهدي، اسمه عبد الرحمن بن مل، وكان عمره مائة وثلاثين سنة، وقيل في ~~موته غير ذلك. وفيها مات سعد بن أياس أبو عمرو الشيباني، وله مائة وعشرون ~~سنة. وفي إمارة الحجاج مات سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي ~~هذه السنة مات سالم بن أبي الجعد. وفيها مات جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، ~~وهو أخو عبد الله بن مروان من الرضاعة. وفي إمارة الحجاج قتل أبو الأحوص ~~عوف بن مالك بن نضلة الجشمي الكوفي، قتله الخوارج. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وتسعين # ### || AUT ذكر فتح قتيبة مدينة كاشغر # وفي هذه السنة غزا قتيبة كاشغر، فسار وحمل مع الناس عيالاتهم ليضعهم ~~بسمرقند، فلما عبر النهر استعمل رجلا على معبر النهر ليمنع من يرجع إلا ~~بجواز منه، ومضى إلى فرغانة وأرسل إلى شعب عصام من يسهل الطريق إلى كاشغر ~~وهي أدنى مدائن الصين وبعث جيشا مع كبير بن فلان إلى كاشغر، فغنم وسبى ~~سبيا، فختم أعناقهم وأوغل حتى بلغ قريب لصين. فكتب إليه ملك الصين: أن أبعث ~~إلي رجلا شريفا يخبرني عنكم وعن دينكم. فانتخب قتيبة عشرة لهم جمال وألسن ~~وبأس وعقل وصلاح، فأمر لهم بعدة حسنة ومتاع حسن من لخز والوشي وغير ذلك ~~وخيول حسنة، وكان منهم هبيرة بن مشمرج الكلابي، فقال لهم: إذا دخلتم عليه ~~فأعلموه أني قد حلفت أني لا أنصرف حتى أطأ بلادهم ms1654 وأختم ملوكهم وأجب ~~خراجهم. فساروا وعليهم هبيرة، فلما قدموا عليهم دعاهم ملك الصين فلبسوا ~~ثيابا ببياضا تحتها الغلائل وتطيبوا ولبسوا النعال والأردية، ودخلوا عليه ~~وعنده عظماء قومه فجلسوا، فلم يكلمهم الملك ولا أحد ممن عنده، فنهضوا. فقال ~~الملك لمن حضره: كيف رأيتم هؤلاء؟ فقالوا: رأينا قوما ما هم إلا نساء، ما ~~بقي منا أحد إلا انتشر ما عنده. PageV02P0351 # فلما كان الغد دعاهم فلبسوا الوشي والعمائم الخز والمطارف وغدوا عليه، ~~فلما دخلوا قيل لهم: ارجعوا، وقال لأصحابه: كيف رأيتم هذه الهيئة؟ قالوا: ~~هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك. فلما كان اليوم الثالث دعاهم، فشدوا سلاحهم ~~ولبسوا البيض والمغافر وأخذوا السيوف والرماح والقسي وركبوا. فنظر إليهم ~~ملك الصين فرأى مثل الجبل، فلما دنوا ركزوا رماحهم وأقبلوا مشمرين، فقيل ~~لهم: ارجعوا: فركبوا خيولهم وأخذوا رماحهم ودفعوا خيلهم كأنهم يتطاردون. ~~فقال الملك لأصحابه: كيف ترونهم؟ قالوا: ما رأينا مثل هؤلاء. فلما أمس بعث ~~إليهم: أن أبعثوا إلي زعيمكم. فبعثوا إليه هبيرة ابن مشمرج، فقال له: قد ~~رأيتم عظيم ملكي وأنه ليس أحد منعكم مني، وأنتم في يدي بمنزلة البيضة في ~~كفي، وإني سائلكم عن أمر فإن لم تصدقوني قتلتكم. قال: سل. قال: لم صنعتم ~~بزيكم الأول اليوم الأول والثاني والثالث ما صنعتم؟ قال أما زينا اليوم ~~الأول فلباسنا في أهلنا، وأما اليوم الثاني والثالث ما صنعتم؟ قال أما زينا ~~اليوم الأول فلباسنا في أهلنا، وأما اليوم الثاني فزينا إذا منا أمراءنا، ~~وأما الثالث فزينا لعدونا. قال: ما أحسن مادبرتم دهركم، فقولوا لصاحبكم ~~ينصرف، فإني قد عرفت قلة أصحابه وإلا بعثت إليكم من يهلككم. قال: كيف يكون ~~قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون؟ وأما تخويفك ~~إيانا بالقتل فإن لنا آجالا إذا حضرت فأكرمها القتل ولسنا نكرهه أو نخافه؛ ~~وقد حلف أن لاينصرف حتى يطأ أرضكم ويختم ملوككم ويعطى الجزية. فقال: فإنا ~~نخرجه من يمينه ونبعث تراب أرضنا ونبعث إليه ببعض أبنائنا فيختمهم ونبعث ~~إليه بجزية يرضاها. فبعث إليه بهدية وأربعة ms1655 غلمان من أبناء ملوكهم، ثم ~~أجازهم فأحسن، فقدموا على قتيبة، فقبل قتيبة الجزية وختم الغلمان وردهم ~~ووطئ التراب. قال سوادة بن عبد الملك السولي: لاعيب في الوفد الذين بعثتهم ~~... للصين إن سلكوا طريق المنهج كسروا الجفون على الردى ... حاشا الكريم ~~هبيرة بن مشمرج أدى رسالتك التي استرعيته ... فأتاك من حنث اليمين بمخرج ~~فأوفد قتيبة هبيرة إلى الوليد، فمات بقرية من فارس، فرثاه سوادة فقال: لله ~~در هبيرة بن مسمرج ... ماذا تضمن من ندى وجمال وبديهة تعنى بها أبناؤها ... ~~عند احتفال مشاهد الأقوال كان الربيع إذا السنون تتابعت ... والليث عند ~~تكعكع الأبطال فسقى بقرية حيث أمسى قبره ... غر يرحن بمسبل هطال لكت الجياد ~~الصافنات لفقده ... وبكاه كل مثقف عسال وبكته شعث لم يجدن مواسيا ... في ~~العام ذي السنوات والإمحال ووصل الخبر إلى قتيبة في هذه الغزاة بموت ~~الوليد. وكان قتيبة إذا رجع من غزاته كل سنة اشترى اثني عشر فرسا واثني عسر ~~هجينا، فتحدر إلى وقت الغزو، فإذا تأهب للغزو ضمرها وحمل عليها الطلائع، ~~وكان يجعل الطلائع فرسان الناس وأشرافهم ومعهم من العجم من يستصحه، وإذا ~~بعث طليعة أمر بلوح فنقش ثم شقه بنصفين وجعل شقة عنده ويعطي نصفه الطليعة ~~ويأمرهم أن يدفنوه في موضع يصفه لهم من شجرة أو مخاضة أو غيرهما، ثم يبعث ~~بعد الطليعة من يستخرجه ليعلم أصدقت الطليعة أولا. وفيها غزا بشر بن الوليد ~~الشاتية ورجع وقد مات الوليد. ### || AUT ذكر موت الوليد بن عبد الملك # وفي النصف من جمادى الآخرة من هذه السنة مات الوليد بن عبد الملك في قول ~~جميعهم، وكانت خلافته تسع سنين وسبعة أشهر، وقيل: تسع سنين وثمانية أشهر، ~~وقيل: وأحد عشر شهرا، وكانت وفاته بدير مران، ودفن خارج الباب الصغير، وصلى ~~عليه عمر بن عبد العزيز، وكان عمره اثنتين وأربعين سنة وستة أشهر، وقيل: ~~كان عمره خمسا وأربعين سنة، وقيل: ستا وأربعين سنة وأشهرا، وقيل: تسعا ~~وأربعين. وخلف تسعة عشر ابنا، وكان دميما بتبختر في مشيته، وكان سائل الأنف ~~جدا، فقيل فيه: ms1656 فقدت الوليد وأنفا له ... كثل الفصيل بدا أن يبولا ولما دلي ~~في جنازته جمعت ركبتاه إلى عنقه، فقال ابنه: أعاش أبي؟ فقال له عمر بن عبد ~~العزيز، وكان فيمن دفنه: عوجل والله أبوك! واتعظ به عمر. PageV02P0352 ### || AUT ذكر بعض سيرة الوليد # وكان الوليد عند أهل الشام من افضل خلائفهم، بنى المساجد، مسجد دمشق ~~ومسجد الميدينة، على ساكنها السلام، والمسجد الأقصى، ووضع المنائر، وأعطى ~~المجذمين ومنعهم من سؤال الناس، وأعطى كل مقعد خادما وكل ضرير قائدا، وفتح ~~في ولايته فتوحا عظاما، منها: الأندلس وكاشغر والهند. وكان يمر بالبقال ~~فيقف عليه ويأخذ منه حزمة بقل فيقول: بكم هذه؟ فيقول: بفلس. فيقول: زد ~~فيها. وكان صاحبن بنا واتخاذ المصانع والضياع، وكان الناس يلتقون في زمانه ~~فيسأل بعضهم بعضا عن البناء، وكان سليمان صاحب طعام ونكاح، فكان الناس يسأل ~~بعضهم بعضا عن النكاح والطعام، وكان عمر بن عبد العزيز صاحب عبادة، وكان ~~الناس يسأل بعضا عن الخير ما وردك الليلة وكم تحفظ من القرآن وكم تصوم من ~~الشهر؟ ومرض الوليد مرضة قبل وفاته وأغمي عليه فبقي يومه ذلك كأنه ميت، ~~فبكوا عليه وسارت البرد بموته، فاسترجع الحجاج وشد في يده حبلا إلى أسطوانة ~~وقال: اللهم لا تسلط علي من لا رحمة له فقد طال ما سألتك أن تجعل منيتي ~~قبله! فإنه كذلك يدعو إذ قدم عليه البريد بإفاقته. ولما أفاق الوليد قال: ~~ما أحد أشد سرورا بعافيتي من الحجاج؛ ثم لم يمت حتى قفل الحجاج عليه. وكان ~~الوليد أراد أن يخلع أخاه سليمان ويبايع لولده عبد العزيز، فأبى سليمان، ~~فكتب إلى عماله ودعا الناس إلى ذلك، فلم يجبه إلا الحجاج وقتيبة وخواص من ~~الناس، فكتب الوليد إلى سليمان يأمره بالقدوم عليه، فأبطأ، فعزم الوليد على ~~المسير إليه ليخلعه وأخرج خيتمة، فمات قبل أن يسير إليه. ولما أراد أن يبني ~~مسجد دمشق كان فيه كنيسة فهدمها وبناها مسجدا، فلما ولي عمر بن عبد العزيز ~~شكوا إليه ذلك فقال لهم عمر: إن ما كان خارج المدينة ms1657 فتح عنوة ونحن نرد ~~عليكم كنيستكم ونهدم كنيسة توما فإنها فتحت عنوة ونبنيها مسجدا. فقالوا: بل ~~ندع لكم هذا ودعوا كنيسة توما. وكان الوليد لحانا لا يحسن النحو، دخل عليه ~~أعرابي فمت إليه بصهر بينه وبين قرابته، فقال له الوليد: من ختنك؟ بفتح ~~النون، وظن الأعرابي أنه يريد الختان، فقال: بعض الأطباء. فقال له سليمان: ~~إنما يريد أمير المؤمنين من ختنك؟ وضم النون. فقال الأعرابي: نعم فلان، ~~وذكر ختنه. وعاتبه أبوه على ذلك وقال: إنه لا يلي العرب إلا من يحسن ~~كلامهم. فجمع أهل النحو ودخل بيتا فلم يخرج منه ستة أشهر ثم خرج وهو أجهل ~~منه يوم دخل. فقال عبد الملك: قد أعذر. فقيل: إنه لما ولي الخلافة يختم ~~القرآن في كل ثلاث، وكان يقرأ في رمضان كل يوم ختمة، وخطب يوما فقال: يا ~~ليتها كانت القاضية، وضم التاء، فقال عمر بن عبد العزيز: عليك وأراحتنا منك. ### || AUT ذكر خلافة سليمان بن عبد الملك وبيعته # وفي هذه السنة بويع سليمان بن عبد الملك في اليوم الذي توفي فيه الوليد ~~وهو بالرملة. وفيها عزل سليمان بن عبد الملك عثمان بن حيان عن المدينة لسبع ~~بقين من رمضان واستعمل عليها أبا بكر بن محمد بن حزم، وكان عثمان قد عزم ~~على أن يجلد أبا بكر ويحلق لحيته من الغد، فلما كان الليل جاء البريد إلى ~~أبي بكر بتأميره وعزل عثمان وحده، وأن يقيده. وفيها عزل سليمان يزيد بن أبي ~~مسلم عن العراق واستعمل يزيد بن المهلب وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج ~~وأمره بقتل بني عقيل وبسط العذاب عليهم وهم أهل الحجاج، فكان يعذبهم ويلي ~~عذابهم عبد الملك بن المهلب، وكان يزيد بن المهلب قد استعمل أخاه زيادا على حرب عثمان. ### || AUT ذكر مقتل قتيبة # قيل: وفي هذه السنة قتل قتيبة بن مسلم الباهلي بخراسان PageV02P0353 # وكان سبب قتله أن الوليد بن عبد الملك أراد أن ينزع أخاه سليمان من ولاية ~~العهد ويجعل بدله ابنه عبد العزيز، فأجابه إلى ذلك الحجاج ms1658 وقتيبة على ما ~~تقدم. فلما مات الوليد وولي سليمان خافه قتيبة وخاف أن يولي سليمان يزيد ~~ابن المهلب خراسان، فكتب قتيبة إلى سليمان كتابا يهنئه بالخلافة ويذكر ~~بلاءه وطاعته لعبد الملك والوليد وأنه له على مثل ذلك إن لم يعزله عن ~~خراسان، وكتب إليه كتابا آخر يعلمه فيه فتوحه ونكاتيه، وعظم قدره عند ملوك ~~العجم وهيبته في صدورهم، وعظم صولته فيهم، ويذم أهل المهلب ويحلف بالله لئن ~~استعمل يويد على خراسان ليخلعنه. وكتب كتابا ثالثا فيه خلعه، وبعث الكتب مع ~~رجل من باهلة فقال له: ادفع الكتاب الأول إليه فإن كان يزيد حاضرا فقرأه ثم ~~ألقاه إلى يزيد فادفع إليه هذا الثاني، فإن قرأه ودفع إلى يزيد فادفع إليه ~~هذا التالي، فغن قرأ الكتاب الأول ولم يدفعه إلى يزيد فاحبس الكتابين ~~الآخرين فقدم رسول قتيبة فدخل على سليمان وعنده يزيد بن المهلب فدفع إليه ~~الكتاب، فقرأه وألقاه إلى يزيد، فدفع إليه الكتاب الآخر فقرأه وألقاه إلى ~~يزيد، فأعطاه الكتاب الثالث فقرأه فتغير لونه وختمه وأمسكه بيده. وقيل: كان ~~في الكتاب الثالث لئن لم تقرني على ما كنت عليه وتؤمنني لأخلعنك ولأملأنها ~~عليك رجالا وخيلا. ثم أمر سليمان برسول قتيبة فأنزل، فاحضره ليلا فأعطاه ~~دنانير جائزته وأعطاه عهد قتيبة على خراسان، وسير معه رسولا بذلك، فلما ~~كانا بحلوان بلغهما خلع قتيبة، فرجع رسول سليمان. وكان قتيبة لما هم بخلع ~~سليمان استشار إخوته، فقال له أخوه عبد الرحمن: اقطع بعثا فوجه فيه كل من ~~تخافه ووجه قوما إلى مرو وسر حتى تنزل سمرقند، وقل لمن معك: من أحب المقام ~~فله المراسلة، ومن أراد الانصراف فغير مستكره، فلا يقيم عندك إلا مناصح ولا ~~يختلف عليك أحد. وقال له أخوه عبد الله: اخلعه مكانك فلا يختلف عليك رجلان. ~~فخلع سليمان مكانه ودعا الناس إلى خلعه وذكر أثره فيهم وسوء أثر من تقدمه، ~~فلم يجبه أحد، فغضب وقال: لا أعز الله من نصرتم! ثم والله اجتمعتم على عنز ~~ما كسرتم قرنها! يا أهل السافلة، ولا ms1659 أقول يا أهل العالية، أوباش الصدقة ~~جمعتكم كما تجمع إبل الصدقة من كل أوب! يا معشر بكر بن وائل! يا أهل النفخ ~~والكذب والبخل! بأي يوميكم تفخرون؟ بيوم حربكم أو بيوم سلمكم! يا أصحاب ~~مسيلمة! يا بني ذميم؛ ولا أقول تميم! يا أهل الجور والقصف كنتم تسمون الغدر ~~في الجاهلية كيسان! يا أصحاب سجاح! يا معشر عبد القيس القساة تبدلتم بتأبير ~~النخل أعنة الخيل! يا معشر الأزد تبدلتم بقلوس السفن أعنة الخيل! إن هذا ~~بدعة في الإسلام، الأعراب وما الأعراب لعنة الله عليهم! يا كناسة المصرين ~~جمعتكم من منابت الشيخ والقيصوم تركبون البقر والحمر، فلما جمعتكم قلتم كيت ~~وكيت،! أما والله إني لابن أبيه وأخو أخيه! والله لأعصبنكم عصب السلمة! إن ~~حول الصليان لزمزمة! يا أهل خراسان أتدرون من وليكم؟ يزيد ابن مروان. كأني ~~بأمير جاءكم فغلبكم على فيئكم وظلاكم! ارموا غرضكم القصي! حتى متى يتبطح ~~أهل الشام بأفنيتكم! يا أهل خراسان انسبوني تجدوني عراقي الأم والمولد ~~والرأي والهوى والدين وقد أصبحتم فيما ترون من الأمن والعافية! قد فتح الله ~~لكم البلاد وآمن سبلكم، فالظعينة تخرج من مرو إلى بلخ بغير جواز، فاحمدوا ~~الله على العافية واسألوه الشكر والمزيد. PageV02P0354 # ثم نزل فدخل بيته، فاتاه أهله وقالوا: ما رأيناك كاليوم قط؛ ولاموه . ~~فقال: لما تكلمت فلم يجبني أحد غضبت فلم أدر ما قلت. وغضبت الناس وكرهوا ~~خلع سليمان فأجمعوا على خلع قتيبة وخلافه، وكان أول من تكلم الأزد، فاتوا ~~حضين بن المنذر بضاض معجمة، فقالوا: إن هذا قد دعا إلى خلع الخليفة وفيه ~~فساد الدين والدنيا وقد شتمنا فما ترى؟ فقال: إن مضر بخراسان كثيرة وتميم ~~أكثرها وهم فرسان خراسان ولا يرضون يصير الأمر في غير مضر، فإن أخرجتموهم ~~منه أعانوا قتيبة. فأجابوه إلى ذلك وقالوا: من ترى من تميم؟ قال: لا أرى ~~غير وكيع. فقال حيان النبطي مولى بني شيبان: إن أحدا لا يتولى هذا غير وكيع ~~فيصلى بحره ويبذل دمه ويتعرض للقتل، فإن قدم أمير أخذه بما جنى، فإنه ms1660 لا ~~ينظر في عاقبة وله عشيرة تطيعه وهو موتور يطلب قتيبة برياسته التي صرفها ~~عنه وصيرها لضرار ابن حصين الضبي. فمشى الناس بعضهم إلى بعض سرا، وقيل ~~لقتيبة: ليس يفسد أمر الناس إلا حيان، فأراد أن يغتاله، وكان حيان يلاطف ~~خدم الولاة، فدعا قتيبة رجلا فأمره بقتل حيان، وسمع بعض الخدم فأتى حيان ~~فأخبره، فلما جاء رسوله يدعوه تمارض. وأتى الناس وكيعا وسألوه أن يلي أمرهم ~~ففعل. وبخراسان يومئذ من أهل البصرة والعالية من المقاتلة تسعة آلاف، ومن ~~بكر سبعة آلاف، ورئيسهم حضين بن المنذر، ومن تميم عشرة آلاف، وعليهم ضرار ~~بن حصين، وعبد القيس أربعة آلاف، وعليهم عبد الله بن علوان، والأزد عشرة ~~آلاف، وعليهم عبد الله بن حوذان، ومن أهل الكوفة سبعة آلاف، وعليهم جهم بن ~~زحر، والموالي سبعة آلاف، عليهم حيان، وهو من الديلم، وقيل من خراسان، ~~وإنما قيل له نبطي للكنته. فأرسل حيان إلى وكيع: إن أنا كففت عنك وأعنتك ~~أتجعل لي الجانب الشرقي من نهر بلخ خراجه ما دمت حيا وما دمت أميرا؟ قال: ~~نعم. فقال حيان للعجم: هؤلاء يقاتلون على غير دين فدعوهم يقتل بعضهم بعضا. ~~ففعلوا فبايعوا وكيعا سرا. وقيل لقتيبة: إن الناس يبايعون ويكيعا. فدس ضرار ~~بن الضبي إلى وكيع فبايعه سرا، فظهر لقتيبة أمره فأرسل يدعوه، فوجده قد طلى ~~رجليه بمغرة وعلق على رأسه حرزا وعنده رجلان يرقيان رجله، فقال للرسول: قد ~~ترى ما برجلي. فرجع فأخبر قتيبة، فأعاده إليه يقول له: لتأتيني محمولا. ~~قال: لا أستطيع. فقال قتيبة لصاحب شرطته: انطلق إلى وكيع فأتني به فإن أبى ~~فاضرب عنقه، ووجه معه خيلا، وقيل: أرسل إليه شعبة بن ظهير التميمي، فقال له ~~وكيع: يا ابن ظهير: البث قليلا تلحق الكتائب. وليس سلاحه ونادى في الناس، ~~فأتوه، وركب فرسه وخرج، فتلقاه رجل، فقال: ممن أنت؟ قال: من بني أسد. قال: ~~ما أسمك؟ قال: ضرغامة. قال: ابن من؟ قال: ابن ليث، فأعطاه رايته، وقيل كانت ~~مع عقبة بن شهاب المازني. وأتاه الناس أرسالا ms1661 من كل وجه، فتقدم بهم وهو ~~يقول: قرم إذا حمل مكروهة ... شد الشراسيف لها والحزيم واجتمع إلى قتيبة ~~أهل بيته وخواص أصحابه وثقاته، منهم إياس بن بيهس بن عمرو، وهو ابن عم ~~قتيبة، فأمر قتيبة رجلا فنادى: أين بنو عامر؟ فقال له محقر بن جزء العلائي، ~~وهو قيسي أيضا، وكان قتيبة قد جفاهم: نادهم حيث وضعتهم. قال قتيبة: ناد: ~~أذكركم الله والرحم. قال محقر: أنت قطعتها. قال: ناد العتبى. قال محقر: لا ~~أقالنا الله إذن؛ فقال قتيبة عند ذلك: يا نفس صبرا على ما كان من ألم ... ~~إذ لم أجد لفضول العيش أقرانا ودعا ببرذون له مدرب ليركبه، فجعل يمنعه حتى ~~أعيا. فلما رأى ذلك عاد إلى سريره فجلس عليه وقال: دعوه، إن هذا أمر يراد. ~~وجاء حيان النبطي في العجم وقتيبة واجد عليه، فقال عبد الله أخو قتيبة ~~لحيان: احمل عليهم. فقال حيان: لم يأن بعد. فقال عبد الله: ناولني قوسي. ~~فقال حيان: ليس هذا بيوم قوس. وقال حيان لابنه: إذا رأيتني قد حولت قلنسوتي ~~ومضيت نحو عسكر وكيع فمل بمن معك من العجم إلي. فلما حول حيان قلنسوته مالت ~~الأعاجم إلى عسكر وكيع وكبروا. فبعث قتيبة أخاه صالحا إلى الناس. فرماه رجل ~~من بني ضبة، وقيل من بلعم، فأصاب رأسه، فحمل إلى قتيبة ورأسه مائل فوضع في ~~مصلاة، وجلس قتيبة عنده ساعة. PageV02P0355 # وتهايج الناس وأقبل عبد الرحمن أخو قتيبة نحوهم، فرماه أهل السوق ~~والغوغاء فقتلوه، وأحرق الناس موضعا كانت فيه إبل لقتيبة ودوابه ودنوا منه. ~~فقاتل عنه رجل من باهلة، فقال له قتيبة: انج بنفسك. فقال: بئس ما جزيتك إذا ~~وقد أطعمتني الجردق وألبستني النرمق. وجاء الناس حتى بلغوا فسطاطه فقطعوا ~~أطنابه، وجرح قتيبة جراحات كثيرة، فقال جهم ابن زحر بن قيس لسعد: انزل فخذ ~~رأسه، فنزل سعد فشق الفسطاط أهز رأسه وقتل معه من أهل إخوته عبد الرحمن ~~وعبد الله وصالح وحصين وعبد الكريم بنو مسلم، وقتل كثير ابنه، وقيل قتل عبد ~~الكريم فقزوين. وكان عدة من ms1662 قتل مع قتيبة من أهل بيته أحد عشر رجلا، ونجا ~~عمر ابن مسلم أخو قتيبة، نجاة أخواله. وكانت أمه الغبراء بنت ضرار بن ~~القعقاع ابن معبد بن زرارة القيسية. فلما قتل قتيبه صعد وكيع المنبر فقال: ~~مثلي ومثل قتيبة كما قال الأول: من ينك العير ينك نياكا أراد قتيبة قتلي ~~وأنا قتال قد جربوني ثم جربوني ... من غلوتين ومن المئتين حتى إذا شبت ~~وشيبوني ... خلوا عناني وتنكبوني أنا أبو مطرف! ثم قال: أنا ابن خندق ~~تنميني قبائلها ... بالصالحات وعمي قيس عيلانا ثم أخذ بلحيته فقال: شيخ إذا ~~حمل مكروهة ... شد الشراسيف لها والحزيم والله لأقتلن ثم لأقتلن! ولأصلبن ~~ثم لأصلبن!إن مرزبانكم هذا ابن الزانية قد أغلى أسعاركم! والله ليصيرن ~~القفيز بأربعة دراهم أو لأصلبنه! صلوا على نبيكم. ثم نزل، وطلب وكيع رأس ~~قتيبة وخاتمه، فقيل له: إن الأزد أخذته. فخرج وكيع مشهرا وقال: والله الذي ~~لا إله إلا هو لا أبرح حتى أوتى بالرأس أو يذهب رأسي معه. فقال له حضين: ~~اسكن يا أبا مطرف فإنك توتى به. وذهب حضين إلى الأزد، وهو سيدهم، فأمرهم ~~بتسليم ارأس إلى وكيع، فسلموه إليه، فسيره إلى سليمان مع نفر ليس فيهم ~~تميمي، ووفى وكيع لحيان النبطي بما كان ضمن له. فلما أتي سليمان برأس قتيبة ~~ورؤوس أهله كان عنده الهذيل بن زفر ابن الحارث، فقال له: هل ساءك هذا يا ~~هذيل؟ فقال: لو ساءني لساء قوما كثيرا. فقال سليمان: ما أردت هذا كله. ~~وإنما قال سليمان هذا للهذيل لأنه هو وقتيبة من قيس عيلان؛ ثم أمر بالرؤوس ~~فدفنت، ولما قتل قتيبة قال رجل من أهل خراسان: يا معشر العرب قتلتم قتيبة، ~~والله لو كان منا فمات لجعلناه في تابوت فكنا نستقي به وسنتفتح به إذا ~~غزونا، وما صنع أحد بخراسان قط ما صنع قتيبة إلا أنه غدر، وذلك أن الحجاج ~~كتب إليه: أن اختلهم واقتلهم لله. وقال الأصبهبذ: قتلتم قتيبة ويزيد بن ~~المهلب وهما سيدا العرب. قيل له: أيهما كان أعظم عندكم وأهيب؟ ms1663 قال: لو كان ~~قتيبة بأقصى جحر في الغرب مكبلا ويزيد معنا في بلادنا وال علينا لكان قتيبة ~~أهيب في صدورنا وأعظم من يزيد. وقال الفرزدق في ذلك: أتاني ورحلي في ~~المدينة وقعة ... لآل تميم أقعدت كل قائم وقال عبد الرحمن بن جمانة الباهلي ~~يرثي قتيبة: كأن أبا حفص قتيبة لم يسر ... بجيش إلى جيش ولم يعل منبرا ولم ~~تخفق الرايات والجيش حوله ... وقوف ولم يشهد له الناس عسكرا دعته المنايا ~~فاستجاب لربه ... وراح إلى الجنات عفا مطهرا فما رزئ الإسلام بعد محمد ... ~~بمثل أبي حفص فبكيه عبهرا وعبهر أم ولد له. قيل : وقال شيوخ من غسان: كنا ~~بثنية العقاب إذا نحن برجل معه عصا وجراب، قلنا: من أين أقبلت؟ قال: من ~~خراسان. قلنا: هل كان بها من خبر؟ قال: نعم، قتل بها قتيبة بن مسلم أمس. ~~فعجبنا لقوله، فلما رأى إنكارنا قال: أين يروني الليلة من إفريقية؟ وتركنا ~~ومضى، فاتبعناه على خيولنا فإذا هو يسبق الطرف. ### || AUT ذكر عدة حوادث # قيل: وفي هذه السنة مات قرة بن شريك العبسي أمير مصر في صفر، وقيل: مات ~~سنة خمس وتسعين في الشهر الذي مات فيه الحجاج. PageV02P0356 # وحج بالناس هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو أمير المدينة، ~~وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد بفتح الهمزة وكسر ~~السين. وعلى حرب العراق وصلاتها يزيد بن المهلب. وعلى خراجها صالح بن عبد ~~الرحمن. وعلى البصرة سفيان بن عبد الله الكندي من قبل يزيد ابن المهلب. ~~وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة. وعلى قضاء الكوفة أبو بكر أبن أبي موسى. ~~وعلى حرب خراسان وكيع بن أبي سود. وفيها مات شريح القاضي، وقيل سنة سبع ~~وتسعين، وله مائة وعشرون سنة. وفيها مات بعد الرحمن بن أبي بكرة. وحمود بن ~~لبيد الأنصاري، وله صحبة. وفي ولاية الوليد مات عبد الله بن حيريز، قيل له ~~صحبة. وأبو سعيد المقبري، كان يسكن المقابر فنسب إلها. وفيها توفي إبراهيم ~~بن يزيد ms1664 النخعي الفقيه. وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وله خمس وسبعون سنة. ~~وفيها توفي عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان في أيام الوليد بن عبد المكل. ~~وفيها توفي محمد بن أسامة بن زيد بن حارثة، وعباس بن سهل بن سعد الساعدي. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وتسعين # ### || AUT ذكر مقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير # وكان سبب قتله أن أباه استعمله على الأندلس، كما ذكرنا، عند عوده إلى ~~الشام، فضبطها وسدد أمورها وحمى ثغورها، وافتتح في إمارته مدائن بقت بعد ~~أبيه، وكان خيرا فاضلا، وتزوج امرأة رذريق، فحظيت عنده وغلبت عليه فحملته ~~على أن يأخذ أصحابه ورعيته بالسجود له إذا دخلوا عليه كما كان يفعل لزوجها ~~رذريق. فقال لها: إن ذلك ليس في ديننا. فلم تزل به حتى أمر ففتح باب قصير ~~لمجلسه الذي كان يجلس فيه، فكان أحدهم إذا دخل منه طأطأ رأسه فيصبر ~~كالراكع، فرضيت به، فصار كالسجود عندها، فقالت له: الآن لحقت بالملوك وبقي ~~أن أعمل لك تاجا مما عندي من الذهب واللؤلؤ، فأبى، فلم تزل به حتى فعل. ~~فانكسف ذلك للمسلمين فقيل تنصر، وفطنوا للباب فثاروا عليه فتقلوه في آخر ~~سنة سبع وتسعين. وقيل: إن سليمان ابن عبد الملك بعث إلى الجند في قتله عند ~~سخطه على والده موسى بن نصير، فدخلوا عليه وهو في المحراب فصلى الصبح وقد ~~قرأ الفاتحة وسورة الواقعة فضربوه بالسيوف ضربة واحدة وأخذوا رأسه فسيروه ~~إلى سليمان، فعرضه سليمان على أبيه، فتجلد للمصيبة وقال: هنيئا له بالشهادة ~~فقد قتلتموه والله صواما قواما. وكانوا يعدونها من زلات سليمان. وكان قتله ~~على هذه الرواية سنة ثمان وتسعين في آخرها. ثم إن سليمان ولى الأندلس الحر ~~بن عبد الرحمن الثقفي، فأقام واليا عليها إلى أن استخلف عمر بن عبد العزيز ~~فعزله، هذا آخر ما أردنا ذكره من قتل عبد العزيز على سبيل الأختصار. وفيها ~~عزل سليمان بن عبد الملك عبد الله بن موسى بن نصير عن إفريقية واستعمل ~~عليها محمد بن ms1665 يزيد القرشي، فلم يزل عليها حتى مات سليمان فعزل، فاستعمل ~~عمر بن عبد العزيز مكانه إسماعيل بن عبد الله سنة مائة، وكان حسن السيرة، ~~فاسلم البربر في أيامه جميعهم. ### || AUT ذكر ولاية يزيد بن الملهلب خراسان # وكان السبب في ذلك أن سليمان بن عبد الملك لما ولى يزيد العراق فوض إليه ~~حربها والصلاة بها وخراجها، فنظر يزيد لنفسه وقال: إن العراق قد أخرجها ~~الحجاج وأنا اليوم رجل أهل العراق ومتى قدمتها وأخذت الناس بالخراج وعذبتهم ~~على ذلك صرت مثل الحجاج وأعدت عليهم السجون وما عافاهم الله منه، ومتى لم ~~آت سليمان بمثل ما كان الحجاج أتى به لم يقبل مني. فأتى يزيد سليمان وقال: ~~أدلك على رجل بصير بالخراج توليه إياه؟ قال: نعم. قال: صالح بن عبد الرحمن ~~مولى بني تميم، فولاه الخراج وسيره قبل يزيد، فنزل واسطا، وأقبل يزيد، فخرج ~~الناس يتلقونه، ولم يخرج صالح حتى قرب يزيد، فخرج صالح في الدراعة بين يديه ~~أربعمائة من أهل الشام فلقي يزيد وسايره، فنزل يزيد، وضيق عليه صالح فلم ~~يمكنه من شيء، واتخذ يزيد ألف خوان يطعم الناس عليها، فأخذها صالح، فقال ~~يزيد: اكتب ثمنها علي. واشترى يزيد ألف خوان يطعم الناس عليها، فأخذها ~~صالح، فقال يزيد: اكتب ثمنها علي. واشترى يزيد متاعا وكتب صكا بثمنه إلى ~~صالح، فلم يقبله وقال ليزيد: إن الخراج لا يقوم بما تريد ولا يرضى بهذا ~~أمير المؤمنين وتؤخذ به. فضاحكه يزيد وقال: أجر هذا المال هذه المرة ولا ~~أعود. ففعل صالح. PageV02P0357 # وكان سليمان لم يجعل خراسان إلى يريد، فضجر يزيد من العراق لتضيق صالح ~~عليه، فدعا عبد الله بن الأهتم فقال له: إني أريدك لأمر قد أهمني فأحب أن ~~تكفينه. قال: أعل. قال: أنا فيما ترى من الضيق وقد ضجرت منه وخراسان شاغرة ~~برجلها فهل من حيلة؟ قال: نعم، سرحني إلى أمير المؤمنين. قال: فاكتم ما ~~أخبرتك. وكتب إلى سليمان يخبره بحال العراق وأثنى على ابن الأهتم وذكر علمه ~~بها، وسير ابن الأهتم على البريد. ms1666 فأتى سليمان واجتمع به، فقال له سليمان: ~~إن يزيد كتب إلي يذكر علمك بالعراق وخراسان، فكيف علمك بها؟ قال: أنا أعلم ~~الناس بها، بها ولدت وبها نشأت ولي بها وبأهلها خبر وعلم. قال: فأشير علي ~~برجل أوليه خراسان. قال: أمير المؤمنين أعلم بمن يريد، فإن ذكر منهم أحدا ~~أخبرته برأيي فيه. فسمى رجلا من قريش، فقال: ليس من رجال خراسان. قال: فعبد ~~الملك بن المهلب. قال: لا يصلح فإنه يصبو عن هذا فليس له مكر أبيه ولا ~~شجاعة أخيه. حتى عدد رجالا، وكان آخر من ذكر وكيع بن أبي سود، فقال: يا ~~أمير المؤمنين وكيع، لقد أدرك بثأري وشفاني من عدوي، ولكن أمير المؤمنين ~~أعظم حقا والنصيحة له تلزمني، إن وكيعا لم تجتمع له مائة عنان قط إلا حدث ~~نفسه بغدرة، خامل في الجماعة ثابت في الفتنة، قال: ما هو ممن تستعين به، ~~فمن لها ويحك؟ قال: رجل أعلمه لم يسمه أمير المؤمنين. قال: فمن هو؟ قال: لا ~~أذكره حتى يضمن لي أمير المؤمنين ستر ذلك وأن يجيرني منه إن علم. قال: فمن ~~هو؟ قال: لا أذكره حتى يضمن لي أمي المؤمنين ستر ذلك وأن يجيرني منه إن ~~علم. قال: نعم. قال: يزيد بن المهلب. قال: العراق أحب إليه من خراسان. قال ~~ابن الأهتم: قد علمت ولكن تكرهه فيستخلف على العراق ويسير. قال: أصبت. فكتب ~~عهد يزيد على خراسان وسيره مع ابن الأهتم، فأتى يزيد به فأمره بالجهاز ~~للمسير ساعته، وقدم ابنه مخلدا إلى خراسان من يومه، ثم سار يزيد بعده ~~واستخلف على واسط الجراح بن عبد الله الحكمي، واستعمل على بالبصرة، وكان ~~أوثق إخوته عنده، واستخلف بالكوفة حرملة بن عيمر اللخمي أشهرا ثم عزله، ~~وولى بشير بن حيان النهدي. وكانت فيس تزعم أن قتيبة لم يخلع، فلما سار يزيد ~~إلى خراسان أمره سليمان أن يسأل عن قتيبة فإن أقامت قيس البينة أن قتيبة لم ~~يخلع أن يقيد وكيعا به، ولما وصل مخلد بن يزيد مرو أخذه فحبسه وعذبه وأخذ ms1667 ~~أصحابه وعذبهم قبل قدوم أبيه، وكانت ولاية وكيع خراسان تسعة أشهر أو عشرة ~~أشهر. ثم قدم يزيد في هذه السنة خراسان فأدنى أهل الشام وقوما من أهل ~~خراسان، فقال نهار بن توسعة في ذلك: وما كنا نؤمل من أمير ... كما كنا نؤمل ~~من يزيد فأخطأ ظننا فيه وقدما ... زهدنا في معاشرة الزهيد إذا لم يعطنا ~~نصفا أمير ... مشينا نحوه مشي الأسود فمهلا يا يزيد أنب إلينا ... ودعنا من ~~معاشرة العبيد نجيب ولا ترى إلا صدودا ... على أنا نسلم من بعيد ونرجع ~~خائبي بلا نوال ... فما بال التجهم والصدود ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة جهز سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى القسطنطينية واستعمل ~~ابنه داود على الصائفة فافتتح حصن المرأة. وفيها غزا مسلمة أرض الوضاحية ~~ففتح الحصن الذي فتحه الوضاح صاحب الوضاحية. وفيها غزا عمر بن هبيرة أرض ~~الروم في البحر فشتى فيها. وفيها حج سليمان بن عبد الملك بالناس وفيها عزل ~~دواد بن طلحة الحضرمي عن مكة، وكان عمله عليها ستة أشهر، وولي عبد العزيز ~~بن عبد الله بن خالد. وكان عمال الأمصار من تقدم ذكرهم. وفيها مات عطاء بن ~~يسار، وقيل سنة ثلاث ومائة. وفيها مات موسى ابن نصير الذي فتح الأندلس، ~~وكان موته بطريق مكة مع سليمان بن عبد الملك. وفيها توفي قيس بن أبي حازم ~~البجلي وقد جاوز مائة سنة، وجاء إلى النبي، صلى الله عليه وسلم ، ليسلم، ~~فرآه قد توفي، وروى عن العشرة، وقيل: لم يرو عن عبد الرحمن بن عوف، وذهب ~~عقله في آخر عمره. حازم بالحاء المهملة والزاي المعجمة. وفيها توفي سالم بن ~~أبي الجعد مولى أشجع، واسم أبي الجعد رافع. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وتسعين # ### || AUT ذكر محاصرة القسطنطينية # PageV02P0358 # في هذه السنة سار سيمان بن عبد الملك إلى دابق وجهز جيشا مع أخيه مسلمة ~~بن عبد الملك ليسير إلى القسطنطينية، ومات ملك الروم، فأتاه أليون من ~~أذربيجان فأخبره، فضمن له فتح الروم، فوجه مسلمة معه، فسارا إلى ~~القسطنطينية، فلما دنا ms1668 منها أمر كل فارس أن يحمل معه مدين من طعام على عجز ~~فرسه إلى القسطنطينية، ففعلوا، فلما أتاها أمر بالطعام فألقي أمثال الجبال، ~~وقال للمسلمين: لا تأكلوا منه شيئا وأغيروا في أرضهم وازرعوا. وعمل بيوتا ~~من خشب، فشتى فيها وصاف، وزرع الناس، وبقي الطعام في الصحراء والناس يأكلون ~~ما أصابوا من الغارات ومن الزرع، وأقام مسلمة قاهرا للروم معه أعيان الناس ~~خالد بن معدان ومجاهد بن جبر وعبد الله بن أبي زكرياء الخزاعي وغيرهم. ~~فأرسل الروم إلى مسلمة يعطونه عن كل رأس دينارا، فلم يقبل. فقالت الروم ~~لأليون: إن صرفت عنا المسلمين ملكناك. فاستوثق منهم، فأتى مسلمة فقال له: ~~إن الروم قد علموا أنك لا تصدقهم القتال وأنك تطاولهم ما دام الطعام عندك، ~~فلو أحرقته أعطوا الطاعة بأيديهم. فأمر به فأحرق، فقوي الروم وضاق المسلمون ~~حتى كادوا يهلكون، وبقوا على ذلك حتى مات سليمان. وقيل: إنما خدع أليون ~~مسلمة بأن يسأله أن يدخل الطعام إلى الروم بمقدار ما يعيشون به ليلة واحدة ~~ليصدقوه أن أمره وأمر مسلمة واحد وأنهم في أمان من السبي والخروج من ~~بلادهم، فأذن له، وكان أليون قد أعد السفن والرجال، فنقلوا تلك اليلة ~~الطعام، فلم يتركوا في تلك الحظائر إلا ما لا يذكر، وأصبح أليون محربا، وقد ~~خدع خديعة لو كانت إمرأة لعيبت بها، ولقي الجند ما لم يلقه جيش آخر، حتى إن ~~كان الرجل ليخاف أن يخرج من العسكر وحده، وأكلوا الدواب والجلود وأصول ~~الشجر والورق وكل شيء غير التراب، وسليمان مقيم بدابق، وتولى الشتاء فلم ~~يقدر أن يمدهم حتى مات. وفي هذه السنة بايع سليمان لإبنه أيوب بولاية ~~العهد، فمات أيوب قبل أبيه. وفي هذه السنة فتحت مدينة الصقالبة، وكانت ~~برجان قد أغارت على مسلمة بن عبد الملك وهو في قلة، فكتب إلى سليمان ~~يستمده، فأمده، فمكرت بهم الصقالبة ثم إنهزموا. وفيها غزا الوليد بن هشام ~~وعمرو بن قيس، فأصيب ناس من أهل أنطاكية، وأصاب الوليد ناسا من ضواحي الروم ~~وأسر منهم بشرا كثيرا. ms1669 ### || AUT ذكر فتح جرجان وطبرستان # في هذه السنة غزا يزيد بن المهلب جرجان وطبرستان لما قدم خراسان. وسبب ~~غزوهما واهتمامه بهما أنه لما كان عند سليمان بن عبد الملك بالشام كان ~~سليمان كلما فتح قتيبة فتحا يقول ليزيد: ألا ترى إلى ما يفتح الله على ~~قتيبة؟ فيقول يزيد: ما فعلت جرجان التي قطعت الطريق وأفسدت قومس ونيسابور ~~ويقول: هذه الفتوح ليست بشيء، الشان هي جرجان. فلما ولاه سليمان خراسان لم ~~يكن له همة غير جرجان، فسار إليها ف مائة ألف من أهل الشام والعراق وخراسان ~~سوى الموالي والمتطوعة، ولم تكن جرجان يومئذ مدينة إنما هي جبال ومخازم ~~وأبواب يقوم الرجل على باب منها فلا يقدم عليه أحد. فابتدأ بقهستان ~~فحاصرها، وكان ذلك، فإذا هزموا دخلوا الحصن. فخرجوا ذات يوم وخرج إليهم ~~الناس فاقتتلوا قتالا شديدا، فحمل محمد بن سبرة على تركي قد صد الناس عنه ~~فاختلفا ضربتين، فثبت سف التركي في بيضة ابن أبي سبرة، وضربه ابن أبي سبرة ~~فقتله ورجع وسفه يقطر دما وسف التركي في بيضته، فنظر الناس إلى أحسن منظر ~~رأوه. وخرج يزيد بعد ذلك يوما ينظر مكانا يدخل مه عليهم، وكان في أربعمائة ~~من وجوه الناس وفرسانهم، فلم يشعروا حتى هجم عليهم الترك في نحو أربعة آلاف ~~فقاتلوهم ساعة، وقاتل يزيد قتالا شديدا، فسلموا وانصرفوا، وكانوا قد عطشوا، ~~فانتهوا إلى الماء فشربوا، ورجع عنهم العدو. ثم إن يزيد ألح عليهم في ~~القتال وقطع عنهم المواد حتى ضعفوا وعجزوا. فأرسل صول، دهقان قهستان، وإلى ~~يزيد يطلب منه أن يصالحه ويؤمنه على نفسه وأهله وماله ليدفع إليه المدينة ~~بما فيها، فصالحه ووفى له ودخل المينة فأخذ ما كان فيها من الأموال والكنوز ~~والسبي ما لايحصى، وقتل أربعة عشر ألف تركي صبرا، وكتب إلى سليمان بن عبد ~~الملك بذلك. PageV02P0359 # ثم خرج حتى أتى جرجان، وكان أهل جرجان قد صالحهم سعيد بن العاص، وكانوا ~~يجبون أحيانا مائة ألف وأحيانا مائتي ألف وأحيانا ثلاثمائة ألف، وربما ~~أعطوا ذلك وربما منعوه، ثم ms1670 امتنعوا وكفروا فلم يعطوا خراجا، ولم يأت جرجان ~~بعد سعيد أحد ومنعوا ذلك الطريق، فلم يكن يسلك طريق خراسان أحد إلا على ~~فارس وكرمان. وأول من صير الطريق من قومس قتيبة بن مسلم حين ولي خراسان. ~~وبقي أمر جرجان كذلك حتى ولي يزيد وأتاهم فاستقبلوه بالصلح وزادوه وهابوه، ~~فأجابهم إلى ذلك وصالحهم. فلما فتح قهستان وجرجبان طمع في طبرستان أن ~~يفتحها فعزم على أن يسير إليها، فاستعمل عبد الله بن المعمر اليشكري على ~~الساسان وقهستان وخلف معه أربعة آلاف، ثم أقبل إلى أداني جرجان مما يلي ~~طبرستان فاستعمل على ايذوسا راشد بن عمرو وجعله في أربعة آلاف ودخل بلاد ~~طبرستان، فأرسل إليه لأصبهبذ صاحبها يسأله الصلح وأن يخرج من طبرستان، فأبى ~~يزيد ورجا أن يفتحها ووجه أخاه أبا عيينة من وجه وابنه خالد بن يزيد من وجه ~~وأبا الجهم الكلبي من وجه، وقال: إذا اجتمعتم فأبو عيينة على الناس. فسار ~~أبو عيينة على الناس. فسار أبو عيينة وأقام يزيد معسكرا. واستجاش الأصبهبذ ~~أهل جيلان والديلم فأتوه فالتقوا في سفح جبل، فانهزم المشركون في الجبل، ~~فاتبعهم المسلمون حتى انتهوا إلى فم الشعب، فدخله المسلمون وصعد المشركون ~~في الجبل واتبعهم المسلمون يرومون الصعود، فرماهم العدو بالنشاب والحجارة، ~~فانهزم أبو عيينة والمسلمون يركب بعضهم بعضا يتساقطون في الجبل حتى انتهوا ~~إلى عسكر يزيد، وكف عدوهم من المسلمين وأن يقطعوا عن يزيد المادة والطريق ~~فيما بينه وبين بلاد الإسلام ويعدهم أن يكافئهم على ذلك، فثاروا بالمسلمين ~~فقتلوهم أجمعين وهم غارون في ليلة، وقتل عبد الله بن المعمر وجميع من معه ~~فلم ينج منهم أحد، وكتبوا إلى الأصبهبذ بأخذ المضايق والطرق. وبلغ ذلك يزيد ~~وأصحابه فعظم عليهم وهالهم، وفزع يزيد إلى حيان النبطي وقال له: لا يمنعك ~~ما كان مني إليك من نصيحة المسلمين وقد جاءنا عن جرجان ما جاءنا فاعمل في ~~الصلح. فقال: نعم. فأتى حيان الأصبهبذ فقال: أنا رجل منكم وإن كان الدين ~~فرق بين وبينكم، فأنا لكم ناصح، فأنت أحب إلي من ms1671 يزيد وقد بعث يستمد ~~وأمداده منه قريبة، وإنما أصابوا منه طرفا ولست آمن أن يأتيك من لا تقوم ~~له، فأرح نفسك وصالحه، فإن صالحته صير حده. على أهل جرجان بغدرهم وقتلهم ~~أصحابه. فصالحه على سبعمائة ألف، وقيل خمسمائة ألف وأربعمائة وقر زعفران أو ~~قيمته من العين، وأربعمائة رجل، على كل رجل منهم ترس وطيلسان، ومع كل رجل ~~جام من فضة وخرقة حرير وكسوة. ثم رجع حيان إلى يزيد فقال: ابعث من يحمل ~~صلحهم، فقال: من عندهم أو من عندنا؟ قال: من عندهم، وكان يزيد قد طابت نفسه ~~أن يعطيهم ما سألوا ويرجع إلى جرجان، فأرسل يزيد من يقبض ما صالحهم عليه ~~حيان، فانصرف إلى جرجان. وكان يزيد قد أغرم حيان مائتي ألف درهم، وسبب ذلك ~~أن حيان كتب إلى مخلد ابن يزيد، فبدأ بنفسه، فقال له ابنه مقاتل بن حيان: ~~تكتب إلى مخلد وتبدأ بنفسك. قال: نعم، وإن لم يرضى لقي ما لقي قتيبة. فلبعث ~~مخلد الكتاب إلى أبيه يزيد، فأغرمه مائتي أف درهم. وقيل: إن سبب مسير يزيد ~~إلى جرجان أن صولا التركي كان ينزل قهستان والبحيرة، وهي جزيرة في البحر ~~بينها وبين قهستان خمسة فراسخ، وهما من جرجان مما يلي خوارزم، وكان يغير ~~على فيروز بن قول مرزبان جرجان فيصيب من بلاده. فخافه فيروز فسار إلى يزيد ~~بخراسان وقدم عليه، فسأله عن سبب قدومه، فقال: خفت صولا فهربت منه، وأخذ ~~صول جرجان. فقال يزيد لفيروز: هل من حيلة لقتاله؟ قال: نعم، شيء واحد إن ~~ظفرت به قتلته وأعطى بيده. قال: ما هو؟ قال: تكتب إلى الأصبهبذ كتابا تسأله ~~فيه أن يحتال لصول حتى يقيم بجرجبان واجعل له على ذلك جعلا، فإنه يبعث ~~بكتابك إلى صول يتقرب به إليه فيتحول عن جرجان فينزل البحيرة، وإن تحول عن ~~جرجان وحاصرته ظفرت به. PageV02P0360 # ففعل يزيد ذلك وضمن للأصبهبذ خمسين ألف دينار إن هو حبس صولا عن البحيرة ~~ليحاصره بجرجان، فأرسل الأصبهبذ الكتاب إلى صول، فلما أتاه الكتاب رحل إلى ~~البحيرة ليتحصن ms1672 بها، وبلغ يزيد مسيره فخرج إلى جرجان ومعه فيروز، واستعمل ~~على خراسان ابنه مخلدا، وعلى سمرقند وكش ونسف وبخارى ابنه معاوية، وعلى ~~طخارستان حاتم بن قبيصة بن المهلب، وأقبل حتى أتى جرجان فدخلها ولم يمنعه ~~منها أحد، وسار منها إلى البحيرة فحصر صولا بها، فكان يخرج إليه صول ~~فيقاتله ثم يرجع، فمكثوا بذلك ستة أشهر، فأصابهم مرض وموت، فأرسل صول يطلب ~~الصلح على نفسه وماله وثلاثمائة من أهله وخاصته وسلم إليه البحيرة، فأجابه ~~يزيد، فخرج بماله وثلاثمائة ممن أحب. وقتل يزيد من الأتراك أربعة عشر ألفا ~~صبرا وأطلق الباقين. وطلب الجند أرزاقهم فقال لإدريس بن حنظلة العمي: أحصى ~~لنا ما في البحيرة حتى نعطي الجند. فدخلها إدريس فلم يقدر على إحصاء ما ~~فيها، فقال ليزيد: لا أستطيع ذلك وهو في ظروف، فتحصى الجواليق ويعلم ما ~~فيها ويعطى الجند فمن أخذ شيئا عرفنا ما أخذ من الحنطة والشعير والأرز ~~والسمسم والعسل، ففعلوا ذلك وأخذوا شيئا كثيرا، وكان شهر بن حوشب على خزائن ~~يزيد بن المهلب، فرفعوا عليه أنه أخذ خريطة، فسأله يزيد عنها، فأتاه بها ~~فأعطاها شهرا؛ فقال بعضهم: لقد باع شهر دينه بخريطة ... فمن يأمن القراء ~~بعدك يا شهر وقال مرة الحنفي: يا ابن المهلب ما أردت إلى امرئ ... لولاك ~~كان كصالح القراء وأصاب يزيد بجرجان تاجا فيه جوهر فقال: أترون أحدا يزهد ~~في هذا؟ قالوا: لا. فدعا محمد بن واسع الأزدي فقال: خذ هذا التاج. قال: لا ~~حاجة لي فيه. قال: عزمت عليك. فأخذه، فأمر يزيد رجلا ينظر ما يصنع به، فلقي ~~سائلا فدفعه إليه، فأخذ الرجل السائل وأتى به يزيد وأخبره، فأخذ يزيد التاج ~~وعوض السائل مالا كثيرا. ### || AUT ذكر فتح جرجان الفتح الثاني # قد ذكرنا فتح جرجان وقهستان وغدر أهل جرجان، فلما صالح يزيد أصبهبذ ~~طبرستان سار إلى جرجان وعاهد الله تعالى لئن ظفر بهم لا يرفع السيف حتى ~~يطحن بدمائهم ويأكل من ذلك الطحين. فأتاها وحصر أهلها بحصن فجاه ومن يكون ~~بها لا يحتاج إلى عدة ms1673 من طعام وشراب، فحصرهم يزيد فيها سبعة أشهر وهم ~~يخرجون إليه في الأيام فيقاتلونه ويرجعون. فبينا هم على ذلك إذ خرج رجل من ~~عجم خراسان يتصيد، وقيل: رجل من طيء، فأبصر وعلا في الجبل ولم يشعر حتى هجم ~~على عسكرهم فرجع كأنه يريد أصحابه وجعل يخرق قباءه ويعقد على الشجر علامات، ~~فأتى يزيد فأخبره، فضمن له يزيد دية إن دلهم على الحصن، فانتخب معه ~~ثلاثمائة رجل واستعمل عليهم ابنه خالد بن يزيد وقال له: إن غلبت على الحياة ~~فلا تغلبن على الموت، وإياك أن أراك عندي مهزوما. وضم إليه جهم بن زحر، ~~وقال للرجل: متى تصلون؟ قال: غدا العصر. قال يزيد سأجهد على مناهضتهم عند ~~الظهر. فساروا فلما كان الغد وقت الظهر أحرق يزيد كل حطب كان عندهم، فصار ~~مثل الجبال من النيران، فنظر العدو إلى النيران فهالهم ذلك فخرجوا إليهم، ~~وتقدم يزيد إليهم فاقتتلوا، وهجم أصحاب يزيد الذين ساروا على عسكر الترك ~~قبل العصر وهم آمنون من ذلك الوجه، ويزيد يقاتلهم من هذا الوجه، فما شعروا ~~إلا بالتكبير من ورائهم، فانقطعوا جميعا إلى حصنهم، وركبهم المسلمون فأعطوا ~~بأيديهم ونزلوا على حكم يزيد، فسبى ذراريهم وقتل مقاتلهم وصلبهم فرسخين إلى ~~يمين الطريق ويساره وقاد منهم اثني عشر ألفا إلى وادي جرجان وقال: من طلبهم ~~بثأر فليقتل. فكان الرجل من المسلمين يقتل الأربعة والخمسة، وأجرى الماء ~~على الدم وعليه أرحاء ليطحن بدمائهم ليبر يمينه، فطحن وخبز وأكل، وقيل: قتل ~~منهم أربعين ألفا. PageV02P0361 # وبنى مدينة جرجان، ولم تكن بنيت قبل ذلك مدينة، ورجع إلى خراسان واستعمل ~~على جرجان جهم بن زحر الجعفي، وقيل: بل قال يزيد لأصحابه لما ساروا: إذا ~~وصلتم إلى المدينة انتظروا فإذا كان السحر كبروا واقصدوا الباب فستجدونني ~~قد نهضت بالناس إليه. فلما دخل ابن زحر المدينة أمهل حتى كانت الساعة التي ~~أمره يزيد أن ينهض فيها فكبر، ففزع أهل الحصن، وكان أصحاب يزيد لا يلقون ~~أحدا إلا قتلوه، ودهش الترك فبقوا لا يدرون أين يتوجهون، وسمع يزيد التكبير ms1674 ~~فسار في الناس إلى الباب فلم يجد عنده أحدأ يمنعه وهم مشغولون بالمسلمين، ~~فدخل الحصن من ساعته وأخرج من فيه وصلبهم فرسخين من يميمن الطريق ويساره، ~~فصلبهم أربعة فراسخ، وسبى أهلها وغنم ما فيها، وكتب إلى سليمان بالفتح ~~يعظمه ويخبره أنه قد حصل عنده الخمس ستمائة ألف ألف، فقال له كاتبه المغيرة ~~بن أبي قرة مولى بني سدوس: لا تكتب تسمية المال فإنك من ذلك بين أمرين، إما ~~استكثره فأمرك بحمله وإما سمحت نفسه لك به فأعطاكه، فتكلف الهدية، فلا ~~يأتيه من قبلك شيء إلا استقله، فكأني بك قد استغرقت ما سميت ولم يقع منه ~~موقعا ويبق المال الذي سميت مخلدا في دواوينهم، فإن ولي وال بعده أخذك به، ~~وإن ولي من يتحامل عليك لم يرض بأضعافه، ولكت اكتب فسله القدوم وشافهه بما ~~أحببت فهو أسلم. فلم يقبل منه وأمضى الكتاب، وقيل: كان المبلغ أربعة آلاف ألف. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي أيوب بن سليمان بن عبد الملك وهو ولي عهد. وفيها فتحت ~~مدينة الصقالبة، وقيل غير ذلك، وقد تقدم. وفيها غزا دواد بن سليمان أرض ~~الروم ففتح حصن المرأة مما يلي ملطكية. وفيها كانت الزلازل في الدنيا كثيرة ~~ودامت ستة أشهر. وفيها مات عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود وأبو ~~عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، ويعرف بمولى ابن أزهر. وعبد الرحمن بن زيد بن ~~حارثة الأنصاري. وسعيد بن مرجانة مولى قريش، وهي أمه، واسم أبيه عبد الله. ~~وحج بالناس عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وهو أمير على مكة، ~~وكان العمال من تقدم ذكرهم إلا البصرة، فإن يزيد استعمل عليها سفيان بن عبد ~~الله الكندي. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وستعين # ### || AUT ذكر موت سليمان بن عبد الملك # في هذه السنة توفي سليمان بن عبد الملك بن مروان لعشر بقين من صفر، ~~فكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام، وقيل توفي لعشر مضين من صفر، ~~فتكون ولايته سنتين وثمانية ms1675 أشهر إلا خمسة أيام، وصلى عليه عمر بن عبد ~~العزيز. وكان الناس يقولون: سليمان مفتاح الخبر، ذهب عنهم الحجاج وولي ~~سليمان فأطلق الأسرى وأخلى السجون وأحسن إلى الناس واستخلف عمر بن عبد ~~العزيز. وكان موته بدابق من أرض قنسرين، لبس يوما حلة خضراء وعمامة خضراء ~~ونظر في المرآة فقال: أنا الملك الفتى، فما عاش جمعة، ونظرت إليه جارية ~~فقال: ما تنظرين؟ فقالت: أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء ~~للإنسان ليس فيما علمته فيك عيب ... كان في الناس غير أنك فان قيل: وشهد ~~سليمان جنازة بدابق فدفنت في حقل فجعل سليمان يأخذ من تلك التربة ويقول: ما ~~أحسن هذه التربة وأطيبها! فما أتى عليه جمعة حتى دفن إلى جانب ذلك القبر. ~~قيل: حج سليمان وحج الشعراء، فلما كان بالمدينة قافلا تلقوه بنحو أربعمائة ~~أسير من الروم، فقعد سليمان وأقربهم منه مجلسا عبد الله بن الحسن ابن الحسن ~~بن علي بن أبي طالب، فقدم بطريقهم، فقال: يا عبد الله اضرب عنقه! فأخذ سيفا ~~من حرسي فضربه فأبان الرأس وأطن الساعد وبعض الغل ودفع البقية إلى الوجوه ~~يقتلونهم، ودفع إلى جرير رجلا منهم، فأعطاه بنو عبس سيفا جيدا، فضربه فأبان ~~رأسه، ودفع إلى الفرزدق أسيرا، فأعطوه سيفا رديا لا يقطع، فضرب به الأسير ~~ضربات فلم يصنع شيئا، فضحك سليمان والقوم وشمت به بنو عبس أخوال سليمان، ~~وألقى السيف وأنشأ يقول: وإن يك سيف خان أو قدر أتى ... بتأخي نفس حتفها ~~غير شاهد فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد كذاك ~~سوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحيانا مناط القلائد PageV02P0362 # ورقاء هو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي، ضرب خالد بن جعفر ابن كلاب ~~وخالد قد أكب على أبيه زهير وضربه بالسيف فصرعه، فأقبل ورقاء فضرب خالدا ~~ضربات فلم يصنع شيئا، فقال ورقاء بن زهير رأيت زهيرا تحت كلكل خالد ... ~~فأقبلت أسعى كالعجول أبادر فشلت يميني يوم أضرب خالدا ... ويمنعه مبني ~~الحديد المظاهر ### || AUT ذكر خلافة ms1676 عمر بن عبد العزيز # في هذه السنة استخلف عمر بن عبد العزيز. وسبب ذلك أن سليمان بن عبد ~~الملك لما كان بدابق مرض، على ما وصفنا، فلما ثقل عهد في كتاب كتبه لبعض ~~بنيه، وهو غلام لم يبلغ، فقال له رجاء بن حيوة: ما تصنع يا أمير المؤمنين؟ ~~إنه مما يحفظ الخليفة في قبره أن يستخلف على الناس الرجل الصالح. فقال ~~سليمان: أنا أستخير الله وأنظر. ولم أعزم؛ فمكث سليمان يوما أو يومين ثم ~~خرقه ودعا رجاء فقال: ما ترى في ولدي دواد؟ قال الرجاء: رأيك. قال: فكيف ~~ترى في عمر بن العزيز؟ قال رجاء: فقلت: أعلمه والله خيرا فاضلا سليما. قال ~~سليمان: هو على ذلك ولئن وليته ولم أول أحدا سواه لتكونن فتنة ولا يتركونه ~~أبدا يلي عليهم إلا أن يجعل أحدهم بعده، وكان عبد الملك قد عهد إلى الوليد ~~وسليمان أن يجعلا أخاهما يزيد ولي عهد، فأمر سليمان أن يجعل يزيد بن عبد ~~الملك بعد عمر، وكان يزيد غائبا في الموسم. قال رجاء: قلت رأيك. فتكب: بسم ~~الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن ~~عبد العزيز، إني قد وليتك الخلافة بعدي ومن بعدك يزيد بن عبد الملك، ~~فاسمعوا له وأطيعوا واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم. وختم الكتاب. ~~وأرسل إلى كعب بن جابر العبسي صاحب شرطته فقال: ادع أهل بيتي. فجمعهم كعب. ~~ثم قال سليمان لرجاء بعد اجتماعهم: اذهب بكتابي إليهم و أخبرهم بكتابي ~~ومرهم فيبايعوا من وليت فيه. ففعل رجاء، فقالوا: ندخل ونسلم على أمير ~~المؤمنين؟ قال: نعم. فدخلوا، فقال لهم سليمان: في هذا الكتاب، وهو يشير إلى ~~الكتاب الذي في يد رجاء بن حيوة، عهدي فاسمعوا وأطيعوا لمن سيمت فيه. ~~فبايعوه رجلا رجلا وتفرقوا. وقال رجاء: فأتاني عمر بن عبد العزيز فقال: ~~أخشى أن يكون هذا أسند إلي شيئا من هذا الأمر، فأنشدك الله وحرمتي ومودتي ~~إلا أعلمتني إن كان ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن تأتي حال لا أقدر ms1677 فيها على ~~ذلك. قال رجاء: ما أنا بمخيبرك حرفا قال: فذهب عمر عني غضبان. قال رجاء: ~~ولقيني هشام بن عبد الملك فقال: إن لي بك حرمة وموده قديمة وعندي شكر ~~فأعلمني بهذا الأمر، فإن كان إلى غيري تكلمت والله علي أن لا أذكر شيئا من ~~ذلك أبدا. قال رجاء: فأبيت أن أخبره حرفا، فانصرف هشام وهو يضرب بإحدى يديه ~~على الأخرى وهو يقول: فإلى من إذا نحيت عني؟ أتخرج من بني عبد الملك؟ قال ~~رجاء: ودخلت على سليمان فإذا هو يموت، فجعلت إذا أخذته سكرة من سكرات الموت ~~حرفته إلى القبلة فيقول حين يفيق: لم يأن بعد. ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا، ~~فلما كانت الثالثة قال: من الآن يا رجاء إن كنت تريد شيئا، أشهد أن لا إله ~~إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فحرفته، فمات، فلما غمضته وسجيته ~~وأغلقت الباب أرسلت إلي زوجته فقالت: كيف أصبح؟ فقلت: هو نائم قد تغطى. ~~ونظر إليه الرسول متغطيا فرجع فأخبرها، فظنت أنه نائم، قال: فأجلست على ~~الباب من أثق به وأوصيته أن لا يبرح ولا يترك أحدا يدخل على الخليفة. قال: ~~فخرجت فأرسلت إلى كعب بن جابر فجمع أهل بيت سليمان، فاجتمعوا في مسجد دابق، ~~فقلت: بايعوا. فقالوا قد بايعنا مرة. قلت: وأخرى، هذا عهد أمير المؤمنين. ~~فبايعوا الثانية، فلما بايعوا بعد موته رأيت أني قد أحكمت الأمر فقلت: ~~قوموا إلى صاحبكم فقد مات. قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون! وقرأت الكتاب، ~~فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز قال هشام: لا نبايعه والله أبدا. ~~قلت: أضرب واله عنقك، قم فبايع، فقام يجر رجليه. قال رجاء: فأخذت بضبعي عمر ~~بن عبد العزيز فأجلسته على المنبر وهو يسترجع لما وقع فيه، وهشام يسترجع ~~لما أخطأه. فبايعوه. PageV02P0363 # وغسل سليمان وكفن وصلى عليه عمر بن عبد العزيز ودفن. فلما دفن أتي عمر ~~بمراكب الخلافة ولكل دابة سائس، فقال: ماهذا؟ فقيل: مراكب الخلافة. قال: ~~دابتي أوفق لي، وركب دابته وصرفت تلك الدواب، ثم أقبل ms1678 سائرا، فقيل له: ~~أمنزل الخلافة؟ فقال: فيه عيال أبي أيوب، يعني سليمان، وفي فسطاطي كفاية ~~حتى يتحولوا. فأقام في منزله حتى فرغوه. قال رجاء: فأعجبني ما صنع في ~~الدواب ومنزل سليمان، ثم دعا كاتبا فأملى عليه كتابا واحدا وأمره أن ينسخه ~~ويسيره إلى كل بلد. وبلغ عبد العزيز بن الوليد، وكان غائبا، عن موت سليمان، ~~ولم يعلم ببيعة عمر، فعقد لواء ودعا إلى نفسه، فبلغه بيعة عمر بعهد سليمان ~~وأقبل حتى دخل عليه، فقال له عمر: بلغني أنك بايعت من قبلك وأردت دخول ~~دمشق! فقال: قد كان ذاك وذلك أنه بلغني أن سليمان لم يكن عهد لأحد فخفت على ~~الأموال أن تنهب. فقال عمر: لو بايعت وقمت بالأمر لم أنازعك فيه ولقعدت في ~~بيتي. فقال عبد العزيز: ما أحب أنه ولي هذا الأمر غيرك، وبايعه، وكان يرجى ~~لسليمان بتوليته عمر بن عبد العزيز وترك ولده. فلما استقرت البيعة لعمر بن ~~عبد العزيز قال لأمرأته فاطمة بنت عبد الملك: أن أردت صحبتي فردي ما معك من ~~مال وحلى وجوهر إلى بيت مال المسلمين فإنه لهم، فإني لا أجتمع أنا وأنت وهو ~~في بيت واحد. فرددته جميعه. فلما توفي عمر وولي أخوها يزيد رده عليها وقال: ~~أنا أعلم أن عمر ظلمك. قالت: كلا والله. وامتنعت من أخذه وقالت: ما كنت ~~أطيعه حيا وأعصيه ميتا. فأخذه يزيد وفرقه على أهله. ### || AUT ذكر ترك سب أمير المؤمنين علي عليه السلام # كان بنو أمية يسبون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه السلام، إلى أن ~~ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، فترك ذلك وكتب إلى العمال في الآفاق بتركه. ~~وكان سبب محبته عليا أنه قال: كنت بالمدينة أتعلم العلم وكنت ألزم عبيد ~~الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فبلغه عني شيء من ذلك، فأتيته يوما وهو ~~يصلي، فأطال الصلاة، فقدت أنتظر فراغه، فلما فرغ من صلاته التفت إلي فقال ~~لي:متى عملمت أن الله غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان بعد أن رضي عنهم؟ ms1679 قلت: ~~لم أسمع ذلك. قال: فما الذي بلغني عنك في علي؟ فقلت: معذرة إلى الله وإليك! ~~وتركت ما كنت عليه، وكان أبي إذا خطب فنال من علي، رضي الله عنه، تلجلج ~~فقلت: يا أله إنك تمضي في خطبتك فإذا أتيت على ذكر علي عرفت منك تقصيرا؟ ~~قال: أوفطنت لذلك؟ قلت: نعم. فقال: يا بني إن الذين حولنا لو يعلمون من علي ~~ما نعلم تفروا عنا إلى أولاده. فلما ولي الخلافة لم يكن عنده من الرغبة في ~~الدينا ما يرتكب هذا الأمر العظيم لأجلها، فترك ذلك وكتب بتركه وقرأ عوضه: ~~" إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى " النحل:90 الآية؛ فحل ~~هذا الفعل عند الناس محلا حسنا وأكثروا مدحه بسببه؛ فمن ذلك قوله كثير عزة: ~~وليت فلم تشتم عليا ولن تخف ... بريا ولم تتبع مقالة مجرم تكلمت بالحق ~~المبين وإنما ... تبين آيات الهدى بالتكلم وصدقت معروف الذي قلت بالذي ... ~~فعلت فأضحى راضيا كل مسلم ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه ... من الأود ~~البادي ثقاف المقوم فقال عمر حين أنشده هذا الشعر: أفلحنا إذا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة وجه عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة، وهو بأرض الروم، يأمره ~~بالقفول منها بمن معه من المسلمين، ووجه له خيلا عتاقا وطعاما كثيرا، وحث ~~الناس على معونتهم. وفيها أغارت الترك على أذربيجان فقتلوا من المسلمين ~~جماعة، فوجه عمر حاتم بن النعمان الباهلي فقتل أولئك الترك ولم يفلت منهم ~~إلا اليسير، وقدم على عمر منهم بخمسن أسيرا. وفيها عزل يزيد بن المهلب عن ~~العراق ووجه إلى البصرة عدي بن أرطاة الفزاري وعلى الكوفة عبد الحميد ابن ~~عبد الرحمن بن زبد بن الخطاب العدوي القرشي، وضم إليه أبا الزناد، وكان ~~كاتبه، وبعث عدي في أثر يزيد بن المهلب موسى بن الوجيه الحميري. ~~PageV02P0364 # وحج بالناس هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حازم، وكان عامل عمر ~~على المدينة. وكان العامل على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد. وعلى ~~الكوفة عبد ms1680 الحميد بن عبد الرحمن، وعلى القضاء بها عامر الشعبي. وكان على ~~البصرة عدي بن أرطاة، وعلى القضاء الحسن بن فعزله عدي واستقضى أياسا. ~~واستعمل عمر بن عبد العزيز على خراسان الجراح بن عبد الله الحمي. في هذه ~~السنة مات نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بالمدينة. ومود ابن الربيع ولد على ~~عهد رسول الله، مطلوب وأبو ظبيان بن حصين بن جندب الجنبي والد قابوس؛ ظبيان ~~بالظاء المعجمة. وفيها توفي أو هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب ~~من سم سقيه عند عوده من الشام، وضع عليه سليمان بن عبد الملك من سقاه، فلما ~~أحس بذلك عاد إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وهو بالحميمة فعرفه حاله ~~وأعلمه أن الخلافة صائرة إلى ولده وأعلمه أن الخلافة صائرة إلى ولده وأعلمه ~~كيف يصنع، ثم مات عنده. وفي أيام سليمان توفي عبيد الله بن شريح المغني ~~المشهول. وعبد الرحمن بن كعب بن مالك أبو الخطاب. ### | AUT ثم دخلت سنة مائة # ### || AUT ذكر خروج شوذب الخارجي # في هذه السنة خرج شوذب، واسمه بسطام، من بني يشكر، في جوخى، وكان في ~~ثمانين رجلا، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد عاملة بالكوفة أن لا ~~يحركهم حتى سفكوا دماء وفسدوا في الأرض، فإن فعلوا وجه إليهم رجلا صليبا ~~حازما في جند. فبعث عبد الحميد محمد بن جرير بن عبد الله البجلي في ألفين ~~وأمره بما كتب به عمر، وكتب عمر إلى بسطام يسأله عن مخرجه، فقدم كتاب عمر ~~عليه وقد وقدم عليه محمد بن جرير، فقام بإزائه لا يترحك. فكان في كتاب عمر: ~~بلغني أنك خرجت غضبا لله ولرسوله ولست أولى بذلك مني، فهلم إلي أناظرك، فإن ~~كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل الناس، وإن كان في يدك نظرنا في أمرك. فكتب ~~بسطام إلى عمر: قد أنصفت وقد بعثت إليك رجلين يدارسانك ويناظرنك. وأرسل إلى ~~عمر مولى لبني شيبان حبشيا اسمه عاصم، ورجلا من بني يشكر، فقدما على ms1681 عمر ~~بخناصرة فدخلا إليه، فقال لهما: ما أخرجكما هذا المخرج وما الذي نقمتم؟ ~~فقال عاصم: ما نقمنا سيرتك، إنك لتتحرى العدل والإحسان، فاخبرنا عن قيامك ~~بهذا الأمر أعن رضى من الناس ومشورة أم ابتززتم أمرهم؟ فقال عمر: ما سألتهم ~~الولاية عليهم ولا غلبتهم عليها، وعهد إلي رجل كان قبلي فقمت ولم ينكره على ~~أحد ولم يكرهه غيركم، وأنتم ترون الرضا بكل من عدل وأنصف من كان من الناس، ~~فاتركوني ذلك الرجل، فإن خالفت الحق ورغبت عنه فلا طاعة لي عليكم. قالا: ~~بيننا وبينك أمر واحد قال: ما هو. قالا: رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك ~~وسميتها مظالم، فإن كنت على هدى وهم على الضلالة فالعنهم وابرأ منهم. فقال ~~عمر: قد علمت أنكم لم تخرجوا طلبا للدنيا ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم ~~طريقها، وإن الله، عز وجل، لم يبعث رسول صلى الله عليه وسلم ، لعانا، وقال ~~إبراهيم " فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم " إبراهيم:36. وقال ~~الله، عز وجل: " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " الأنعام:90. وقد ~~سميت أعمالهم ظلما، وكفى بذلك ذما ونقصا، وليس لعن أهل الذنوب فريضة لا بد ~~منها، فإن قلتم إنها فريضة فأخبرني متى لعنت فرعون؟ قال: ما أذكر متى ~~لعنته. قال: أفيسعك أن لا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق وشرهم ولا يسعني أن لا ~~ألعن أهل بيتي وهم مصلون صائمون! قال: أما هم كفار بظلمهم؟ قال: لا لأن ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، دعا الناس إلى الإيمان، فكان من أقر به ~~وبشرائعه قبل منه، فإن أحدث حدثا أقيم عليه الحد. PageV02P0365 # فقال الخارجي: إن رسول الله، " صلى الله عليه وسلم " ، دعا الناس إلى ~~توحيد الله والإقرار بما نزل من عنده. قال عمر: فليس أحد منهم يقول لا أعمل ~~بسنة رسول الله، ولكن القوم أسرفوا على أنفسهم على علم منهم أنه محرم ~~عليهم، ولكن غلب عليهم الشقاء. قال عاصم: فابرأ مما خالف عملك ورد أحكامهم. ~~قال عمر: أخبراني عن أبي بكر وعمر أليسا على حق؟ قالا: بلى. ms1682 قال: أتعلمان ~~أن أبا بكر حين قاتل أهل الردة سفك دماءهم وسبى الذراري وأخذ الأموال؟ ~~قالا: بلى. قال: أتعلمان أن عمر رد السبايا بعده إلى عشائرهم بفدية؟ قالا: ~~نعم. قال: فهل برئ عمر من أبي بكر؟ قالا:لا. قال: أفتراون أنتم من واحد ~~منهما؟ قالا: لا. قال: فأخبراني عن أهل النهروان وهم أسلافكم هل تعلمان أن ~~أهل الكوفة خرجوا فلم يسفكوا دما ولم يأخذوا مالا وأن من خرج إليهم من أهل ~~البصرة قتلوا عبد الله بن خباب وجاريته وهي حامل؟ قالا: نعم. قال: فهل برئ ~~من لم يقتل ممن قتل واستعرض؟ قالا: لا. قال: أفتبرأون أنتم من أحد من ~~الطائفتين؟ قالا: لا. قال: أفيسعكم أن تتلوا أبابكر وعمر وأهل البصرة وأهل ~~الكوفة وقد علمتم اختلاف أهمالهم ولا يسعني إلا البراءة من أهل بيتي والدين ~~واحد! فاتقوا الله! فإنكم جهال تقبلون من الناس ما رد عليهم رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم ، وتردون عليهم ما قبل، ويأمن عندكم من خاف عنده، ويخاف ~~عندكم من أمن عنده، فإنكم يخاف عندكم من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~عبده ورسوله، وكان من فعل ذلك عند رسول الله آمنا وحقن دمه وماله، وأنتم ~~تقتلونه، ويامن عندكم سائر أهل الأديان فتحرمون دماءهم وأموالهم. قال ~~اليشكري: أرأيت رجلا ولي قوما وأموالهم فعدل فيها ثم صيرها بعده إلى رجل ~~غير مأمون، أتراه أدى الحق الذي يلزمه لله، عز وجل، أو تراه قد سلم؟ قال: ~~لا. قال: أفتسلم هذا الأمر إلى يزيد من بعدك وأنت تعرف أنه لا يقوم فيه ~~بالحق؟ قال: إنما ولاه غيري والمسلمون أولى بما يكون منهم فيه بعدي. قال: ~~أفترى ذلك من صنع من ولاه حقا؟ فبكى عرم وقال: أنظراني ثلاثا. فخرجا من ~~عنده ثم عاد إليه فقال عاصم: أشهد أنك على حق. فقال عمر لليسكري: ما تقول ~~أنت؟ قال: ما أحسن ما وصفت ولكني لا أفتات على المسلمين بأمر، أعرض عليهم ~~ما قلت وأعلم ما حجتهم. فأما عاصم فأقام عند عمر، فأمر ms1683 له عمر بالعطاء، ~~فتوفي بعد خمسة عشر يوما. فكان عم بن عبد العزيز يقول: أهلكني أمر يزيد ~~وخصمت فيه، فأستغفر الله. فخاف بنو أمية أن يخرج ما بأيديهم من الأموال وأن ~~يخلع يزيد ولاية العهد، فوضعوا على عمر من سقاه سما، فلم يلبث بعد ذلك إلا ~~ثلاثا حتى مرض ومات، ومحمد بن جرير مقابل الخوارج لا يتعرض إليهم ولا ~~يتعرضون إليه، كل منهم ينتظر عود الرسل من عند عمر بن عبد العزيز، فتوفي ~~والأمر على ذلك. ### || AUT ذكر القبض على يزيد بن المهلب # ### || AUT واستعمال الجراح على خراسان # قيل: وفي هذه السنة كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة يأمره ~~بإنفاذ يزيد بن المهلب إليه موثقا، وكان عمر قد كتب إليه أن يستخلف على ~~عمله ويقبل إليه، فاستخلف مخلدا ابنه وقدم من خراسان ونزل واسطا، ثم ركب ~~السفن يريد البصرة، فبعث عدي بن أرطاة موسى بن الوجيه الحميري، فلحقه في ~~نهر معقل عند الجسر، فأوثقه وبعث به إلى عمر بن عبد العزيز، فدعا به عمر، ~~وكان يبغض يزيد وأهل بيته، ويقول: هؤلاء جبابرة ولا أحب مثلهم. وكان يزيد ~~ببغض عمر ويقول: إنه مراء، لما ولي عمر عرف يزيد أنه بعيد من الرياء، وملا ~~دعا عمر يزيد سأله عن الأموال التي كتب بها إلى سليمان، فقال: كنت من ~~سليمان بالمكان الذي قد رأيت، وإنما كتبت إلى سليمان لأسمع الناس به، وقد ~~علمت أن سليمان لم يكن ليأخذني به. فقال له: لا أجد في أمرك إلا حبسك، فاتق ~~الله وأد ما قبلك فإنها حقوق المسلمين ولا يسعني تركها. PageV02P0366 # وحبسه بحصن حلب، وبعث الجراح بن عبد الله الحكمي فسرحه إلى خراسان أميرا ~~عليها، وأقبل مخلد بن يزيد من خراسان يعطي الناس، ففرق أموالا عظيمة، ثم ~~قدم على عمر فقال له: يا أمير المؤمنين إن الله صنع لهذه الأمة بولايتك وقد ~~ابتلينا بك، فلا نكن نحن أشقى الناس بولايتك، علام تحبس هذا السيخ؟ أنا ~~أتحمل ما عليه فصالحنني على ما تسأل. فقال ms1684 عمر فقال له: يا أمير المؤمنين ~~إن الله صنع لهذه الأمة بولايتك وقد ابتلينا بك، فلا نكن نحن أشقى الناس ~~بولايتك، علام تحبس هذا الشيخ؟ أنا أتحمل ما عليه فصالحني على ما تسأل. ~~فقال عمر: لا ألا أن يحمل الجميع. فقال: يا أمير المؤمنين إن كانت لك بينة ~~فخذ بها وإلا فصدق مقالة يزيد واستحلفه فإن لم يفعل فصالحه. فقال عمر: ما ~~آخذه إلا بجميع المال. فخرج مخلد من عنده، فقال عمر: هذا خير من أبيه. ثم ~~لم يلبث مخلد إلا قليلا حتى مات، فصلى عليه عمر بن عبد العزيزي، فقال: ~~اليوم مات فتى العرب؛ وأنشد: بكوا حذيفة لم يبكوا مثله ... حتى تبيد خلائق ~~لم تخلق فلما أبى يزيد أن يؤدي إلى عمر شيئا ألبسه جبة صوف وحمله على جمل ~~وقال: سيروا به إلى دهلك. فلما خرج ومروا به على الناس أخذ يقول: أما لي ~~عشيرة؟ إنما يذهب إلى دهلك الفاسق واللص. فدخل سلامة بن نعيم الخولاني على ~~عمر فقال: يا أمير المؤمنين اردد يزيد إلى محبسه فإني أخاف إن أمضيته أن ~~ينزعه قومه، فإنهم قد عصبوا له. فرده إلى محبسه، فبقى فيه حتى بلغه مرض عمر. ### || AUT ذكر عزل الجراح # ### || AUT واستعمال عبد الرحمن بن نعيم القشيري وعبد الرحمن بن عبد الله # وقيل: في هذه السنة عزل عمر الجراح بن عبد الله الحكمي عن خراسان ~~واستعمل عليها عبد الرحمن بن نعيم القشيري، وكان عزل الجراح في رمضان. وكان ~~سبب ذلك أن يزيد لما عزل عن خراسان أرسل عامل العاق عاملا على جرجان، فأخذ ~~جهم بن زحر الجعفي، وكان على جرجان عاملا ليزيد بن المهلب، فحبسه وقيده ~~وحبس رهطا قدموا معه، ثم خرج إلى الجراح بخراسان، فأطلق أهل جرجان عاملهم، ~~وقال الجراح لجهم: لولا أنك ابن عمي لم أوسغك هذا فقال جهم: لولا أنك ابن ~~عمي لم آتك. وكان جهم سلف الجراح من قبل ابنتي الحصين بن الحارث، وأما كونه ~~ابن عمه فلأن الحكم والجعفي ابنا سعد القشيري. فقال له ms1685 الجراح: خالفت إمامك ~~فاغز لعلك تظفر فيصلح أمرك عنده. فوجهه إلى الختل فغنم منهم ورجع، وأوفد ~~الجراح إلى عمر وفدا رجلين من العرب ورجلا من الموالي يكنى أبا الصيد، ~~فتكلم العربيان والمولى ساكت، فقال عمر: ما أنت من الوفد؟ قال: بلى . قال: ~~فما يمنعك من الكلام؟ فقال: يا أمير المؤمنين عشرون ألفا من الموالي يغزون ~~بلا عطاء ولا رزق، ومثلهم قد اسلموا من الذمة يؤخذون بالخراج، فأميرنا عصبي ~~جاف يقوم على منبرنا فيقول: أتيتكم حفيا، وأنا اليوم عصبي، والله لرجل من ~~قومي أحب إلي من مائة من غيرهم. وهو بعد سيف من سيوف الحجاج، قد عمل بالظلم ~~والعدوان. قال عمر: إذن بمثلك يوفد. فكتب عمر إلى الجراح: انظر من صلى قبلك ~~إلى القبلة فضع عنه الجزية. فسارع الناس إلى الإسلام، فقيل للجراح: إن ~~الناس قد سارعوا إلى الإسلام نفورا من الجزية فامتحنهم بالحنان. فكتب ~~الجراح بذلك إلى عمر، فكتب عمر إليه: إن الله بعث محمدا، صلى الله عليه ~~وسلم ، داعيا ولم يبعثه خاتنا، وقال: إيتوني رجلا صدوقا أسأله عن خراسان. ~~فقيل له: عليك بأبي مجلز. فكتب إلى الجراح : أن أقبل واحمل أبا مجلز وخلف ~~على حرب خراسان عبد الرحمن بن نعيم العامري. فخطب الجراح وقال: يا أهل ~~خراسان جئتكم في ثيابي هذه التي علي وعلى فرسي لم أصب من مالكم إلا حلية ~~سيفي. ولم يكن عنده إلا فرس وبغلة. فسار عنهم، فلما قدم على عمر قال: متى ~~خرجت؟ قال: في شهر رمضان. قال: صدق من وصفك بالجفاء، هلا أقمت حتى تفطر ثم ~~تخرج! PageV02P0367 # وكان الجراح كتب إلى عمر: إني قدمت خراسان فوجدت قوما قد أبطرتهم الفتنة، ~~فأحب الأمور إليهم أن يعودوا ليمنعوا حق الله عليهم، فليس يكفهم إلا السيف ~~والسوط، فكرهت الإقدام على ذلك إلا بإذنك. فكتب إليه عمر: يا ابن أم ~~الجراح، أنت أحرص على الفتنة منهم، لا تضربن مؤمنا ولا معاهدا سوطا إلا في ~~الحق، واحذر القصاص، فإنك صائر إلى من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ~~وتقرأ ms1686 كتابا: " لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها " . فلما قدم الجراح ~~على عمر وقدم أبو مجلز قال له عمر: اخبرني عن عبد الرحمن بن عبد الله، قال: ~~يكافي الأكفاء ويعادي الأعداء، وهو أمير يفعل ما يشاء، ويقدم إن وجد من ~~يساعده. قال: فعبد الرحمن بن نعيم؟ قال: يحب العافية والتأني وهو أحب إلي. ~~فولاه الصلاة والحرب، وولى عبد الرحمن القشيري الخراج، وكتب إلى أهل ~~خراسان: إني استعملت عبد الرحمن على حربكم، وعبد الرحمن بن عبد الله على ~~خراجكم، وكتب إليهما يأمرهما بالمعروف والإحسان. فلم يزل عبد الرحمن بن ~~نعيم على خراسان حتى مات عمر وبعد ذلك حتى قتل يزيد بن المهلب، ووجه مسلمة ~~بن عبد العزيز الحارث بن الحكم فكانت ولايته أكثر من سنة ونصف ### || AUT ذكر ابتداء الدعوة العباسية # في هذه السنة وجه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الدعاة في الآفاق. ~~وكان سبب ذلك أم محمدا كان ينزل أرض الشراة من أعمال البلقاء بالشام، فسار ~~أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية إلى الشام إلى سليمان بن عبد الملك، ~~فاجتمع به محمد بن علي فأحسن صحبته، واجتمع أو هاشم بسليمان وأكرمه وقضى ~~حوائجه، ورأى من علمه وفصاحته ما حسده عليه وخافه، فوضع عليه من وقف على ~~طريقه فسمه في لبن. فلما مات أو هاشم قصدوا محمدا وبايعوه وعادوا فدعوا ~~الناس إليه، فأجابوهم، وكان الذين سيرهم إلى الآفاق جماعة، فوجه ميسرة إلى ~~العراق، ووجه محمد بن خنيس وأبا عكرمة السراج، وهو أبو محمد الصادق، وحيان ~~العطار، خال إبراهيم بن سلمة، إلى خراسان، وعليها الجراح الحكمي، وأمرهم ~~بالدجعاء إليه وإلى أهل بيته. فلقوا من لقوا. ثم انصرفوا بكتب من استجاب ~~لهم إلى محمد بن علي، فدفعوها إلى ميسرة، فبعث بها ميسرة إلى محمد بن علي ~~بن عبد الله بن عباس، فاختار أبو محمد الصادق لمحمد بن علي ا ثني عشر رجلا ~~نقباء، منهم: سليمان بن كثير الخزاعي، ولاهز بن قريظ التميمي، وقحطبة بن ~~شبيب الطائي، وموسى بن ms1687 كعب التميمي، وخالد بن إبراهيم أبو داود من بني ~~شيبان بن ذهل، والقاسم بن مجاشع التميم، وعمران بن إسماعيل أبو النجم مولى ~~آل أبي معيط، ومالك بن الهيثم الخزاعي، وطلحة بن زريق الخزاعي، وعمر بن ~~أعين أبو حمزة مولى خزاعة، وشبل بن طهمان أبو علي الهروي مولى لبني حنيفة، ~~وعيسى بن أعين مولى خزاعة، واختار سبعين رجلا، وكتب إليهم محمد بن علي ~~كتابا ليكون لهم مثالا وسيرة يسرون بها. الحميمة بضم الحاء المهملة. ~~والشراة بالشين المعجمة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أمر عمر بن عبد العزيز أهل طرندة بالقفول عنها إلى ملطية، ~~وطرندة وأغلة في البلاد الرومية من ملطية بثلاث مراحل، وكان عبد الله ابن ~~عبد الملك قد أسكنها المسلمين بعد أن غزاها سنة ثلاث وثمانين، وملطية يومئذ ~~خراب، وكان يأتيهم جند من الجزيرة يقيمون عندهم إلى أن ينزل الثلج ويعودون ~~إلى بلادهم، فلم يزالوا كذلك إلى أن ولي عمر فأمرهم بالعود إلى ملطية وأخلى ~~طرندة خوفا على المسلمين من العدو وأخرب طرندة، واستعمل على ملطية جعونة بن ~~الحارث أحد بني عامر بن صعصعة. وفيها كتب عمر بن عبد العزيز إلى ملوك السند ~~يدعوهم إلى الإسلام على أن يملكهم بلادهم ولهم ما للمسلمين وعليهم ما على ~~المسلمين، وقد كانت سيرته بلغتهم، فأسلم جيشه بن ذاهر، والملوك تسموا له ~~بأسماء العب، وكان عمر قد استعمل على ذلك الثغر عمرو بن مسلم أخا قتيبة بن ~~مسلم، فعزا بعض الهند، فظفر وبقي ملوك السن مسلمين على بلادهم أيام عمر ~~ويزيد ابن عبد الملك، فلما كان أيام هشام ارتدوا عن الإسلام، وكان سببه ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها أغزى عمر بن عبد العزيز الوليد بن هشام ~~المعيطي وعمرو بن قيس الكندي الصائفة. وفيها استعمل عمر بن عبد العزيز عمر ~~بن هبيرة الفزاري على الجزيرة عاملا عليها. PageV02P0368 # وحج بالناس هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو. وكان العمال من تقدم ~~ذكرهم إلا عامل خراسان. وكان على حربها عبد الرحمن ابن ms1688 نعيم، وعلى خراجها ~~عبد الرحمن بن عبد الله آخرها. وفيها استعمل عمر بن عبد العزيز إسماعيل بن ~~عبد الله مولى بني مخزوم على إفريقية، واستعمل السمح بن مالك الخولاني على ~~الأندلس، وكان قد رأى منه أمانة وديانة عند الوليد بن عبد الملك فاستعمله. ~~في هذه السنة مات أبوالطفيل عامر بن واثلة بمكة، وهو آخر من مات من ~~الصحابة. وفيها مات شهر بن حوشب، وقيل سنة اثنتي عشرة ومائة. وفيها توفي ~~القاسم بن مخيمرة الهمداني. وفيها توفي مسلم بن يسار الفقيه، وقيل: سنة ~~إحدى ومائة. وفيها توف أبو أمام أسعد بن سهل بن حنيف، وكان ولد على عهد ~~النبي، صلى الله عليه وسلم ، فسماه وكناه بجده لأمه أبي أمام أسعد بن زراه، ~~كان قد مات قبل بدر. وفيها توفي بسر بن سعد مولى الحضرميين؛ " لسر بضم ~~الباء الموحدة، وبالسين المهملة. وعيسى بن طلح بن عبد الله التيمي. ومحمد ~~بن جبير بن مطعم. وربيعي بن حراس الكوفي؛ جراش بكسر الحاء المهلمة، وبالراء ~~المهملة، وقيل سنة أربع ومائة. وحنش بن عبد الله الصنعاني، كان من أصحاب ~~علي، فلما قتل انتقل إلى مصر، وهو أول من اختط جامع سرقسطة بالأندلس؛ حنش ~~بالحاء المهملة والنون المفتوحتين، والشين المعجمة. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى ومائة # ### || AUT ذكر هر ابن المهلب # قد ذكرنا حبس يزيد بن المهلب، فلم يزل محبوسا حتى اشتد مرض عمر بن ~~العزيز، فعمل في الهرب، فخاف يزيد بن عبد الملك لأنه قد عذب أصهاره آل أبي ~~عقيل، وكانت أم الحجاج بنت محمد بن يوسف، وهي ابنة أخي الحجاج، زوجة يزيد ~~بن عبد الملك. وكان سبب تعذيبهم أن سليمان بن عبد الملك لما ولي الخلافة ~~طلب آل أبي عقيل فأخذهم وسلمهم إلى يزيد بن المهلب ليخلص أموالهم، فعذبهم ~~وبعث ابن المهلب إلى البلقاء من أعمال دمشق، وبها خزائن الحجاج بن يوسف ~~وعياله، فنقلهم وما معهم إليه، وكان فيمن أتي به أم الحجاج زوجة يزيد ابن ~~عبد الملك، وقيل: بل أخت لها، فعذبها، فأتى يزيد ms1689 عبد الملك إلى ابن المهلب ~~في منزله فشفع فيها، فلم يشفعه، فقال: الذي قررتم عليها أنا أحمله، فلم ~~يقبل منه، فقال لابن المهلب: أما والله لئن وليت من الأمر شيئا لأقطعن منك ~~عضوا! فقال ابن المهلب: وأنا والله لئن كان ذلك لأرمينك بمائة ألف سيف. ~~فحمل يزيد بن عبد الملك ما كان عليها، وكان مائة ألف دينار، وقيل أكثر من ~~ذلك. فلما اشتد مرض عمر بن عبد العزيز خاف ابن المهلب من يزيد بن عبد ~~الملك، فأرسل إلى مواليه، فأعدوا له إبلا وخيلا وواعدهم مكانا يأتيهم فيه، ~~فأرسل إلى عامل حلب مالا وإلى الحرس الذين يحفظونه وقال: إن أمير المؤمنين ~~قد ثقل وليس برجاء، وإن ولي يزيد يسفك دمي. فأخبره، فهرب إلى المكان الذي ~~أعد أصحابه فيه، فركب الدواب وقصد البصرة، وكتب إلى عمر بن عبد العزيز ~~كتابا يقول: إني لو وثقت بحياتك لم أخرج من محبسك، ولكني خفت أن يلي يزيد ~~فيقتلني شر قتلة. فورد كتاب وبه رمق، فقال: الهم إن كان يري بالمسلمين سوءا ~~فألحقه به وهضه فقد هاضني. ومر يزيد في طريقه بالهذيل بن زفر بن الحارث، ~~وكان يخافه، فلم يشعر الهذيل إلا وقد دخل يزيد منزله ودعا بلبن فشربه، ~~فاستحيا منه الهذيل وعرض عليه خيله وغيرها، فلم يأخذ منه شيئا. وقيل في سبب ~~خوف ابن المهلب من يزيد بن عبد الملك ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر وفاة عمر بن عبد العزيز # قيل: توفي عمر بن عبد العزيز في رجب سنة إحدى ومائة، وكانت شكواه عشرين ~~يوما، ولما مرض قيل له: لو تداويت. قال: لو كان دوائي في مسح أذني ما ~~مسحتها، نعم المذهوب إليه ربي. وكان موته بدير سمعان، وقيل: بخناصرة، ودفن ~~بدير سمعان. وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر، وكان عمره تسعا وثلاثين سنة ~~وأشهرا، وقيل: كان عمره أربعين سنة وأشهرا، وكانت كنيته أباحفص، وكان يقال ~~له أشبح بني أمية، وكان قد رمحته دابة من دواب أبيه فشجته وهو غلام، فدخل ~~على ms1690 أمه فضمته إليها وعذلت ألاه ولامته حيث لم يجعل معه حاضنا، فقال لها ~~عبد العزيز: اسكتي يا أم عاصم فطوباك إن كان أشبح بني أمية. PageV02P0369 # قال ميمون بن مهران: قال عمر بن عبد العزيز: لما وضعت الوليد في حفرته ~~تظرت فإذا وجهه أسود، فإذا مت ودفنت فاكشف عن وجهي؛ ففعلت فرأيته أحسن مما ~~كان أيام تنعمه. وقيل: كان ابن عمر يقول: ياليت شعري من هذا الذي من ولد ~~عمر في وجهه علامة يملأ الأرض عدلا؟ وكانت أمر عمر بن عبد العزيز أم عاصم ~~بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وعو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن ~~أبي العاص بن أمية، ورثاه الشعراء فأكثروا، فقال كثير عزة: أقول لما أتاني ~~ثم مهلكه ... لا تبعدن قوام الحق والدين قد غادروا في ضريح اللحد منجدلا ~~... بدير سمعان قسطاس الموازين ورثاه جرير والفرزدق وغيرهما. ### || AUT ذكر بعض سيرته # قبل: لما ولي الخلافة كتب إلى يزيد بن المهلب: أما بعد فإن سليمان كان ~~عبدا من عابد الله أنعم الله عليه عليه ثم قبضه واستخلفني، ويزيد بن عبد ~~الملك من بعدي إن كان، وإن الذي ولاني الله من ذلك من ذلك وقدر لي ليس علي ~~بهين، ولو كانت رغبتي في اخاذ أزواج أو اعتقاد أموال، لكان في الذي أعطاني ~~من ذلك ما قد بلغ بن أفضل ما بلغ بأحد من خلافة، وأنا أخاف فيما ابتليت به ~~حسابا شديدا ومسألة غليظة إلا ما عفا الله ورحم، وقد بايع من قبلنا فبايع ~~من قبلك. فلما قرأ الكتاب قيل له: لست من عماله لأن كلامه ليس ككلام من مضى ~~من أهله. فدعا يزيد الناس إلى البيعة، فبايعوا. قال مقاتل بن حيان: كتب عمر ~~إلى عبد الرحمن بن نعيم: أما بعد فاعمل عمل من يعلم أن الله لا يصلح عمل ~~المفسدين. قال طفيل بن مرداس: كتب عمر إلى سليمان بن أبي السري: ان اعمل ~~خانات، فمن مر بك من المسلمين فاقروه يوما وليلة وعهدوا دوابهم ومن كانت ms1691 به ~~علة فاقروه يويمين وليلتين، وإن كان منقطعا به فأبلغه بلده. فما أتاه كتاب ~~عمر قال له أهل سمرقند: قتيبة ظلمنا وغدر بنا فأخذ بلادنا، وقد أظهر الله ~~العدل والإنصاف فأذن لنا فليقدم منا وفد على أمير المؤمنين. فأذن لهم، ~~فوجهوا وفدا إلى عمر، فكتب لهم إلى سليمان: إن أهل سمرقند شكروا ظلما ~~وتحاملا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم ~~القاضي فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرج العرب إلى معسكرهم كما كانوا ~~قبل أن يظهر عليهم قتيبة. قال: فأجلس لهم سليمان جميع بن حاضر القاضي، فقضى ~~أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء فيكون صلحا جديدا أو ~~ظفرا عنوة. فقال أهل الصغد: بلى نرضى بما كان ولا نحدث حربا، وتراضوا بذلك. ~~قال دواد بن سليمان الحميد: كتب عمر إلى عبد الحميد: أما بعد فإن أهل ~~الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله وسنة خبيثة سنها عليهم عمال ~~السوء، وإن قوام الدين العدل والإحسان، فلا يكونن شيء أهم إليك من نفسك، ~~فإنه لا قليل من الإثم، ولا تحمل خرابا على عامر ولا عامرا على خراب. انظر ~~الخراب وخذ من ما أطاق وأصلحه حتى يعمر، ولا يؤخذ من العامر إلا وظيفة ~~الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض، ولا تأخذن أجور الضرابين ولا هدية ~~النوروز والمهرجان ولا ثمن الصحف، ولا أجور الفتوح ولا أجور البيوت، ولا ~~درهم النكاح، ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض، فاتبع في ذلك أمري فإني ~~قد وليتك من ذلك ما ولأني الله، ولا تعجل دورني بقطع ولا صلب حتى تراجعني ~~فيه، وانظر من أراد من الذرية أن يحج فعجل له مائة ليحج بها، والسلام. قال ~~عثمان بن عبد الحميد: حدثني أبي قال: قالت فاطمة بنت عبد الملك، رحمها ~~الله، امرأة عمر: لما مرض عمر اشتد قلقه ليلة، فسهرنا معه، فلما أصبحنا ~~أمرت وصيفا له يقال له مرثد ليكون عنده، فإن كانت له حاجة كنت قريبا منه، ms1692 ~~ثم نمنا، فلما انتفخ النهار استيقظت فتوجهت إليه فرأيت مرثدا خارجا من ~~البيت نائما، فقلت له: ما أخرجك؟ قال: هو أخرجني، وقال لي: إني أرى شيئا ما ~~هو بإنس ولا جن، فخرجت فسمعته يتلو: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين " القصص:83. قالت: فدخلت ~~فوجدته بعدما دخلت قد وجه نفسه للقبلة وهو ميت. PageV02P0370 # قال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على عمر أعوده فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لا ~~مرأته فاطمة، وكانت أخت مسلمة: اغسلوا ثياب أمير المسلمين. فقالت: نفعل. ثم ~~عدت فإذا القميص على حاله. فقلت: ألم آمركم أن تغسلوا قميصه؟ فقالت: والله ~~ما له غيره. قيل: وكانت نفقته كل يوم درهمين. قيل: وكان عبد العزيز قد بعث ~~ابنه إلى المدينة ليتأدب بها، فكتب إلى صالح بن كيسان أن يتعاهده، فأبطأ ~~عمر يوما عن الصلاة، فقال: ما حبسك؟ فقال: كانت مرجلتي تصلح شعري، فكتب إلى ~~أبيه بذلك، فأرسل أبوه رسولا، فلم يزل حتى حلق شعره. وقال محمد بن علي ~~الباقر: إن لكل قوم نجبيبه، وإن نجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز، وإنه ~~يبعث يوم القيامة أمه وحده. وقال مجاهد: أتينا عمر نعلمه، فلم نبرح حتى ~~تعلمنا منه. وقال ميمون: كانت العلماء عند عمر تلامذه.وقيل لعمر: ما كان ~~بدء إنابتك؟ قال: أردت ضرب غلام لي فقال: اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة. ~~وقال عمر: ما كذبت منذ علمت أن الكذب يضر أهله. وقال رياح بن عبيدة: خرج ~~عمر بن عبد العزيز وشيخ متوكئ على يده، فلما فرغ ودخل قلت: أصلح الله ~~الأمير، من الشيخ الذي كان متوكئا على يدك؟ قال: أرأيته؟ قلت نعم قال: ذاك ~~أخي الخضر أعلمني أني سألي أمر هذه الأمة وأني سأعدل فيها. قال: وأتاه ~~أصحاب مراكب الخلافة يطلبون علفها، فأمر بها فبيعت، وجعل أثمانها في بيت ~~المال وقال: تكفيني بغلتي هذه. فقال: ولما رجع من جنازة سليمان بن عبد ~~الملك رآه مولى له مغتما فسأله، فقال: ليس أحد من أمة ms1693 محمد في شرق الأرض ~~ولا غربها إلا وأنا أريد أن أؤدي إليه حقه من غير طلب منه. قال: ولما ولي ~~الخلافة قال لأمرأته وجواريه إنه قد شغل بما في عنقه عن النساء، وخيرهن بين ~~أن يقمن عنده أو يفارقنه، فبكين واخترن المقام معه. قال: ولما ولي عمر بن ~~عبد العزيز صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وكانت أول خطبة خطبها ثم قال: ~~أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا ~~يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما نهتدي ~~إليه، ولا يغتابن أحدا، ولا يعترض في ما لا يعنيه. فانقشع الشعراء والخطباء ~~وثبت عنده الفقهاء والزهاد وقالوا: ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف ~~قوله فعله. قال: فلما ولي الخلافة أحضر قريشا ووجوه الناس فقال له: إن فدك ~~كانت بيد رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فكان يضعها حيث أراه الله، ثم ~~وليها أبو بكر كذلك، ثم أقطعها مروان، ثم إنها صارت إلي ولم تكن من مالي ~~أعود منها علي، وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت عليه في عهد رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم ؛ قال: فانقطعت ظهور الناس ويئسوا من الظلم. قال: ~~وقال عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم: إن أهلي أقطعوني ما لم يكن إلي أن ~~آخذه ول لهم أن يعطونيه، وإني قد هممت بردة على أربابه. قال: فكيف نصنع ~~بولدك؟ فجرت دموعه وقال: أكلهم إلى الله. قال: وجد لولده ما يجد الناس، ~~فخرج مزاحم حتى دخل على عبد الملك بن عمر فقال ل: إن أمير المؤمنين قد عزوم ~~على كذا وكذا، وهذا أمر يضركم وقد نهيته عنه. فقال عبد الملك: بئس وزير ~~الخليفة أنت! ثم قام فدخل على أبيه وقال له: إن مزاحما أخبرني بكذا وكذا ~~فما رأيك؟ قال: إني أريد أن أقوم به العشية. قال: عجله فما يؤمنك أن يحدث ~~لك حدث أو يحدث بقلبك حدث؟ فرفع عمر يديه وقال: الحمد الله الذي جعل ms1694 من ~~ذريتي من يعينني على ديني! ثم قام به من ساعته في الناس وردها. ~~PageV02P0371 # قال: لما ولي عمر الخلافة أخذ من أهله ما بأيديهم وسمى ذلك مظالم، ففزع ~~بنو أمية إلى عمته فاطمة بنت مروان، فأتته فقالت له: تكلم أنت يا أمير ~~المؤمنين. فقال: إن الله بعث محمدا، صلى الله عليه وسلم ، رحمة ولم يبعثه ~~عذابا إلى الناس كافة، ثم اختار له ما عنده وترك للناس نهرا شربهم سواء، ثم ~~ولي أبو بكر فترك النهر على حاله، ثم ولي عمر فعمل عملهما، ثم لم يزل النهر ~~يستقي منه يزيد ومروان وعبد الملك ابنه والوليد وسليمان ابنا عبد الملك حتى ~~أفض الأمر إلي وقد يبس النهر الأعظم فلم يرو أصحابه حتى يعود إلى ما كان ~~عليه. فقالت: حسبك، قد أردت كلامك فأما إذا كانت مقالتك هذه فلا أذكر شيئا ~~أبدا. فرجعت إليهم فأخبرتهن كلامه. وقد قيل: إنها قالت له: إن بني أمية ~~يقولون كذا وكذا، فلما قال لها هذا الكلام قالت له: إنهم يحذرونك يوما من ~~أيامهم، فغضب وقال: كل يوم أخافه غير يوم القيامة فلا أمنت شره. فرجعت ~~إليهم فأخبرتهم وقالت: أنتم فعلتم هذا بأنفسكم، تزوجتم بأولاد عمر بن ~~الخطاب فجاء يشبه جده. فسكتوا. قال: وقال سفيان الثوري: الخلفاء خمسة: أبو ~~بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز، وما كان سواهم فهم منتزون. قال: ~~وقال الشافعي مثله، قال: وكان يكتب إلى عماله بثلاث، فهي تدور بينهم: ~~بإحياء سنة أو إطفاء بدعة، أو قسم في مسكنة، أورد مظلمة. قال: وكانت فاطمة ~~بنت الحسين بن علي تثني عليه وتقول: لو كان بقي لنا عمر بن عبد العزيز ما ~~احتجنا بعهده إلى أحد. قالت فاطمة امرأته: دخلت عليه وهو في مصلاة ودموعه ~~تجري على لحيته فقلت: أحدث شيء؟ فقال: إني تقلدت أمر أمة محمد فتفكرت في ~~الفقير الجائع والمريض الضائع والغازي والمظلوم المقهور والغريب الأسير ~~والشيخ الكبير وذي العيال الكثير والمال القليل وأشباههم في أقطار الأرض ~~فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم ms1695 القيامة، وأن خصمي دونهم محمد، صلى الله ~~عليه وسلم، إلى الله، فخشيت أن لا تثبت حجتي عند الخصومة، فرحمت نفسي ~~فبكيت. قيل: ولما مرض ابنه عبد الملك مرض موته، وكان من أشد أعوانه على ~~العدل، دخل عليه عمر فقال له: يا بني كيف تجدك؟ قال: أجدني في الحق. قال: ~~يا بني أن تكون ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك. فقال ابنه: يا أبتاه ~~لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب. فمات في مرضه وله سبععشرة سنة. ~~قيل: وقالعبد الملك لأبيه عمر: يا أمير المؤمنين ما تقول لربك إذا أتيته ~~وقد تركت حقا لم تحيه وباطلا لم تمته؟ فقال: يا بني إن أباك وأجدادك قد ~~دعوا الناس عن الحق فانتهت الأمور إلي وقد أقبل شرها وأدبر خيرها، ولكن أيس ~~حسنا ألا تطلع الشمس على في يوم إلا أحييت فيه حقا وأمت فيه باطلا حتى ~~يأتيني الموت فأنا على ذلك؟ وقال له أيضا: يا أمير المؤمنين انقد لأمر الله ~~وإن جاشت بي وبك القدور. فقال: يا بني إن بادهت الناس بما تقول أحوجوني إلى ~~السيف ولا خير في خير لا يحيا إلا بالسيف، فكرر ذلك. قيل: كتب عمر بن عبد ~~العزيز إلى عماله نسخة واحدة: أما بعد فإن الله، عز وجل، أكرم بالإسلام ~~أهله، وشرفهم وأعزهم، وضرب الذلة والصغار على من خالفهم، وجعلهم خير أمة ~~أخرجت للناس، فلا تولين أمور المسلمين أحدا من أهل ذمتهم وخراجهم فتتبسط ~~عليهم أيديهم وألسنتهم فتذلهم بعد أن أعزهم الله، وتهينهم بعد أن أكرمهم ~~الله تعالى، وتعرضهم لكيدهم والاستطالة عليهم، ومع هذا فلا يؤمن غشهم ~~إياهم، فإن الله، عز وجل، يقول: " لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم ~~خبالا ودوا ما عنتم " آل عمران:118، " لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ~~بعضهم أولياء بعض " المائدة: 51؛ والسلام. فهذا القدر كاف في التنبيه على ~~فضله وعدله. وفي هذه السنة مات محمد بن مروان في قول، وأبو صالح ذكوان. ### || AUT ذكر خلافة يزيد بن عبد الملك ms1696 # وفيها تولى يزيد بن عبد الملك بن مروان الخلافة، وكنيته أو خالد، بعهد ~~من أخيه سليمان بعد عمر بن عبد العزيز، ولما احتضر عمر قيل له: اكتب إلى ~~يزيد فأوصه بالأمة، قال: بماذا أوصيه؟ إنه من بني عبد الملك. ثم كتب إليه: ~~أما بعد فاتق يايزيد الصرعة بعد الغفلة حين لا تقال العثرة ولا تقدر على ~~الرجعة، إنك تترك ما تترك لمن لا يحمدك وتصير إلى من لا يعذرك والسلام. ~~PageV02P0372 # فلما ولي يزيد نزع أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن المدينة واستعمل ~~عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري عليها، واستقضى عبد الرحمن سلمة بن عبد ~~الله بن عبد الأسد المخزومي، وأراد معاضة ابن حزم فلم يجد عليه سبيلا، حتى ~~شكا عثمان بن حيان إلى يزيد بن عبد الملك من ابن حزم وأنه ضربه حدين وطلب ~~منه أن يقيده منه، فكتب يزيد إلى عبد الرحمن بن الضحاك كتابا: أما بعد ~~فانظر فيما ضرب ابن حزم ابن حيان، فإن كان ضربه في أمر بين أو أمر يختلف ~~فيه فلا تلتفت إليه. فأرسل ابن الضحاك فأحضر ابن حزم وضربه حدين في مقام ~~واحد ولم يسأله عن شيء. وعمد يزيد إلى كل ما صنعه عمر بن عبد العزيز مما لم ~~يوافق هواه فرده ولم يخف شناعة عاجلة ولا إثما عاجلا، فمن ذلك أن محمد بن ~~يوسف أخا الحجاج بن يوسف كان على اليمين، فجعل عليهم خراجا مجددا، فلما ولي ~~عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله يأمره بالاقتصار على العشر ونصف العشر ~~وترك ما جدده محمد بن يوسف وقال: لأن يأتيني من اليمن حصة ذرة أحب إلي من ~~تقرير هذه الوضيعة، فلما ولي يزيد بعد عمر أمر بردها وقال لعالمه: خذها ~~منهم ولو صاروا حرضا، والسلام. ### || AUT ذكر مقتل شوذب الخارجي # قد ذكرنا خروجه ومراسلته عمر بن عبد العزيز المناظرته، فلما مات عمر أحب ~~عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وهو الأمير على الكوفة، أن ~~يحظى عند ms1697 يزيد بن عبد الملك، فكتب إلى محمد بن جرير يأمره بمناجزة شوذب، ~~واسمه بسطام، ولم يرجع رسولا شوذب ولم يعلم بموت عمر. فلما رأوا محمدا ~~يستعد للحرب أرسل إليه شوذب: ما أعجلكم قبل انقضاء المدة! أليس قد تواعدنا ~~إلى أن يرجع الرسولان؟ فأرسل محمد: إنه لا يسعنا ترككم على هذه الحال، ~~فقالت الخوارج: ما فعل هؤلاء هذا إلا وقد مات الرجل الصالح. فاقتتلوا فأصيب ~~من الخوارج نفر وقتل الكثير من أهل الكوفة وانهزموا، وجرح محمد بن جرير في ~~استه، فدخل الكوفة وتبعهم الخوارج حتى بلغوا الكوفة ثم رجعوا إلى مكانهم. ~~وأقام شوذب ينتظر صاحبيه، فقدما عليه وأخبراه بموت عمر، ووجه يزيد من عند ~~تميم بن الحباب في ألفين قد أرسلهم، وأخبرهم أن يزيد لا يفارقهم على ما ~~فارقهم عليه عمر، فلعنوه ولعنوا معه وحاربوه فقتلوه وقتلوا أصحابه، ولجأ ~~بعضهم إلى الكوفة وبعضهم إلى يزيد. فأرسل إليهم يزيد نجدة بن الحكم الأزدي ~~في جمع، فقتلوه وهزموا أصحابه، فوجه إليهم يزيد السحاج بن وداع في ألفين، ~~فقتلوه وهزموا أصحابه، وقتل منهم نفر، منهم هدبه ابن عم شوذب. فقال أيوب بن ~~خولي يرثيهم: تركنا تميما في الغبار ملحبا ... تبكي عليه عرسه وقرائبه وقد ~~أسلمت قيس تميما ومالكا ... كما أسلم الشحاج أمس أقاربه وأقبل من حران يحمل ~~راية ... يغالب أمر الله والله غالبه فيا هدب للهيحا ويا هدب للندى ... ويا ~~هدب للخصم الألد يحاربه وياهدب كم من ملجم قد أجبته ... وقد أسلمته للرياح ~~جوالبه كان أبو شيبان خير مقاتل ... يرجى وخشى حربه من يحاربه ففاز ولا قى ~~الله في الخير كله ... وخذمه بالسيف في الله ضاربه تزود من دنياه درعا ~~ومغفرا ... وعضبا حساما لم تخنه مضاربه وأجرد محبرك السراة كأنه ... إذا ~~انقض وافي الريش حجن مخالبه وأقام الخوارج بمكانهم حتى دخل مسلمة بن عبد ~~الملك الكوفة، فشكا إليه أهل الكوفة مكان شوذب وخوفوه منه، فأرسل إليه ~~مسلمة سعيد بن عمرو الحرشي، وكان فارسا، في عشرة آلاف، فأتاه وهو بمكانه، ~~فرأى شوذب وأصحابه ما لا ms1698 قبل لهم به، فقال لأصحابه: من كان يريد الشهادة ~~فقد جاءته، ومن كان يريد الدنيا فقد ذهبت. فكسروا أغماد سيوفهم وحملوا ~~فكشفوا سعيدا وأصحابه مرارا حتى خاف سعيد الفضيحة، فوبخ أصحابه وقال: من ~~هذه الشرذمة لا أب لكم تفرون! يا أهل الشام يوما كأيامكم! فحملوا عليهم ~~فطحنوهم طحنا وقتلوا بسطاما، وهو شوذب، وأصحابه. ### || AUT ذكر موت محمد بن مروان # PageV02P0373 # وفي هذه السنة توفي محمد بن مروان بن الحكم أخو عبد الملك، وكان قد ولي ~~الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، وغزا الروم وأهل أرمينية عدة دفعات، وكان ~~شجاعا قويا، وكان عبد الملك يحسده لذلك، فلما انتظمت الأمور لعبد الملك ~~أظهر ما في نفسه له، فتجهز محمد ليسير إلى أرمينية، فلما ودع عبد الملك ~~سأله عن سبب مسيره، فقال وأنشد: وإنك لا ترى طردا لحر ... كإلصاق به بعض ~~الهوان فلو كنا بمنزلة جميعا ... جريت وأنت مضطرب العنان فقال له عبد ~~الملك: أقسمت عليك لتقيمن، فوالله لا رأيت مني ما تكره، وصلح له؛ ولما أراد ~~الوليد عزله طلب من يسد مكانه، فلم يقدم أحد عليه إلا مسلمة بن عبد الملك. ### || AUT ذكر دخول يزيد بن المهلب البصرة وخلعة يزيد بن عبد الملك # قيل: وفي هذه السنة هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز، على ~~ما تقدم، فلما مات عمر وبويع يزيد بن عبد الملك كتب إلى عبد الحميد ابن عبد ~~الرحمن وإلى عدي بن أرطاة يأمرهما بالتحرز من يزيد ويعرفهما هربه، وأمر ~~عديا أن يأخذ من بالبصرة من آل المهلب، فأخذهم وحبسهم، فيهم: المفضل وحبيب ~~ومروان بنو المهلب، وأقبل يزيد حتى ارتفع على القطقطانة، وبعث عبد الحميد ~~جندا إليهم عليهم هشام بن مساحق العامري، عامر بني لؤي، فساروا حتى نزلوا ~~العذيب، ومر يزيد قريبا منهم فلم يقدموا عليه، ومضى يزيد نحو البصرة وقد ~~جمع عدي بن أرطاة أهل البصرة وخندق عليها، وبعث على خيل البصرة المغيرة بن ~~عبد الله بن أبي عقيل الثقفي، وجاء يزيد في أصحابه الذين معه، فالتقاه أخوه ~~محمد ms1699 بن المهلب فيمن اجتمع إليه من أهله وقومه ومواليه، فبعث عدي على كل ~~خمس من أخماس البصرة رجلا، فبعث على الأزد المغيرة بن زياد بن عمرو العتكي، ~~وبعث على تميم محرز بن حمران السعدي، وعلى خمس بكر مفرج بن شيبان بن مالك ~~بن مسمع، وعلى عبد القيس مالك بن المنذر بن الجارود، وعلى أهل العالية عبد ~~الأعلى بن عبد الله بن عامر؛ وأهل العالية قريش وكنانة والأزد وبجيلة وخشعم ~~وقيس عيلان كلها ومزنية، وأهل العالية والكوفية يقال لهم ربع أهل المدينة. ~~فأقبل يزيد لا يمر بخيل من خيلهم ولا قبيلة من قبائلهم إلا تنحوا له عن ~~طريقه، وأقبل يزيد حتى نزل داره، فاختلف الناس إليه، فأرسل إلى عدي: أن ~~أبعث إلي إخوتي وإني أصالحك على البصرة وأخليك وإياها حتى آخذ لنفسي من ~~يزيد ما أحب. فلم يقبل منه، فسار حميد بن عبد الملك بن المهلب إلى يزيد بن ~~عبد الملك، فبعث معه يزيد بن عبد الملك خالدا القسري وعمرو ابن يزيد الحكمي ~~بأمان يزيد بن المهلب وأهله. وأخذ يزيد بن المهلب يعطي من أتاه قطع الذهب ~~والفضة، فمال الناس إليه، وكان عدي لا يعطي إلا درهمين ويقول: لا يحل لي أن ~~أعطيكم من بيت المال درهما إلا بأمر يزيد بن عبد الملك، ولكن تبلغوا بهذه ~~حتى يأتي الأمر في ذلك؛ وفي ذلك يقول الفرزدق: أظن رجال الدرهمين تقودهم ~~... إلى الموت آجال لهم ومصارع وأكيسهم من قر في قعر بيته ... وأيقن أن ~~الموت لا بد واقع PageV02P0374 # وخرجت بنو عمرو بن تميم من أصحاب عدي فنزلوا المربد، وبعث إليهم يزيد بن ~~المهلب مولى له يقال له دارس، فحمل عليهم فهزمهم، وخرج يزيد حين اجتمع ~~الناس له حتى نزل جبانة بني يشكر، وهي النصف فيما بينه وبين القصر، فلقيه ~~قيس وتميم وأهل الشام واقتتلوا هنيهة، وحمل عليهم أصحاب يزيد فانهزموا، ~~وتبعهم ابن المهلب حتى دنا من القصر، فخرج إليهم عدي بنفسه، فقتل من أصحابه ~~موسى بن الوجيه الحميري، والحارث بن المصرف الأودي، وكان ms1700 من فرسان الحجاج ~~وأشراف أهل الشام، وانهزم أصحاب عدي، وسمع إخوة يزيد، وهم في محبس عدي، ~~الأصوات تدنو والنشاب تقع في القصر، وقال لهم عبد الملك: إني أرى أن يزيد ~~قد ظهر ولا آمن من مع عدي من مضر وأهل الشم أن يأتونا فيقتلونا قبل أن يصل ~~إلينا يزيد، وهم في محبس عدي، الأصوات تدنو والنشاب تقع في القصر، وقال لهم ~~عبد الملك: إني أرى أن يزيد قد ظهر ولا آمن من مع عدي من مضر وأهل الشام أن ~~يأتونا فيقتلونا قبل أن يصل إلينا يزيد، فأغلقوا الباب وألقوا عليه الرحل. ~~ففعلوا، فلم يلبثوا أن جاءهم عبد الله بن دينار مولى بني عامر، وكان على ~~حرس عدي، فجاء يشتد إلى الباب هو وأصحابه وأخذوا يعالجون الباب فلم يطيقوا ~~قلعة، وأعجلهم الناس فخلوا عنهم. وجاء يزدي بن المهلب حتى نزل دارا لسليمان ~~بن زياد بن أبيه، وإلى جنب القصر، وأتى بالسلاليم وفتح القصر، وأتي بعد بن ~~أرطاة فحبسه وقال له: لولا حبسك إخوتي لما حبستك. فلما ظهر يزيد هرب رؤوس ~~أهل البصرة من تميم وقيس ومالك بن المنذر فلحقوا بالكوفة، ولحق بعضهم ~~بالشام، وخرج المغيرة بن زياد بن عمرو العتكي نحو الشام فلقي خالدا القسري ~~وعمرو بن يزيد الحكمي ومعهما حميد بن عبد الملك بن المهلب قد أقبلوا بأمان ~~يزيد بن المهلب وكل شيء أراده، فسألاه عن الخبر، فخلا بهما سرا من حميد ~~وأخبرهما وقال: أين فارجعا. فرجعا وأخذا حميدا معهما، فقال لهما حميد: ~~أنشدكما الله أن تخلفا ما بعثتما به، فإن ابن المهلب قابل منكما، وإن هذا ~~وأهل بيته لم يزالوا لنا أعداء، فلا تسمعا مقالته. فلم يقبلا قوله ورجعا ~~به. وأخذ عبد الحميد بن عبد الرحمن بالكوفة خالد بن يزيد بن المهلب وحمال ~~ابن زحر، ولم يكونا في شيء من الأمر، فأوثقهما وسيرهما إلى الشام، فحبسهما ~~يزيد بن عبد الملك، فلم يفارقا السجن حتى هلكا فيه، وأرسل يزيد ابن عبد ~~الملك إلى الكوفة شيئا على أهلها ويمتيهم الزيادة. وجهز ms1701 أخاه سلمة ابن عبد ~~الملك وابن أخيه العابس بن الوليد بن عبد الملك في سبعين ألف مقاتل من أهل ~~الشام والجزيرة، وقيل: كانوا ثمانين ألفا، فساروا إلى العراق. وكان مسلمة ~~يعيب العابس ويذمه، فوقع بينهما اختلاف؛ فكتب إليه العباس: ألا نفسي فداك ~~أبا سعيد ... وتقصر عن ملا حاتي وعذلي فلولا أن أصلك حين ينمى ... وفرعك ~~منتهى فرعي وأصلي وأني أن رميتك هضت عظمي ... ونالتني إذا نالتك نبلي لقد ~~أنكرتني إنكار خوف ... يقصر منك عن شتمي وأكلي كقول المرء عمرو في الوافي ~~... أريد حياته ويريد قتلي قيل: إن الأبيات للعابس، وقيل: إنما تمثل بها ~~فبلغ ذلك يزيد بن عبد الملك، فأرسل إليهما وأصلح بينهما، وقدما الكوفة ~~ونزلا بالنخيلة، فاقل مسلمة: ليت هذا المزوني، عني ابن المهلب، لا كلفنا ~~اتباعه في هذا البرد. فقال حيان النبطي مولى لشيبان: أنا أضمن لك أنه لا ~~يبره الأرصة، يريد أضمن أنه لا يبرح العرصة. فقال له العباس: لا أم لك أنت ~~بالنبطية أبصر منك بهذا! فقال حيان: أنبط الله وجهك أسقر أهمر ليس أليه ~~طابئ الخلافة، يريد: أشقر أحمر ليس عليه طابع الخلافة. قال مسلمة: يا أبا ~~سفيان لا يهولنك كلام العباس. فقال: إنه أهمق، يريد أحمق. PageV02P0375 # ولما سمع أصحاب بن المهلب وصول مسلمة وأهل والشام راعهم ذلك، فبلغ ابن ~~المهلب، فخطب الناس وقال: قد رأيت أهل العسكر وخوفهم، يقولون: جاء أهل ~~الشام ومسلمة، موما أهل الشام؟ هل هم إلا تسعة أسياف، سبعة منها إلي وسيفان ~~علي؟ وما مسلمة إلا جرادة صفراء، أتاكم في برابرة وجرامقة وجراجمة وأنباط ~~وأبناء فلاحين وأوباش وأخلاط، أوليسوا بشرا بألمون كما تألمون، وترجون من ~~الله ما لا يرجون؟ أعيروني سواعدكم تصفقون بها وجوهمم وقد ولوا الأدبار. ~~واستسقوا أهل البصرة ليزيد بن المهلب، وبعث عماله على الأهواز وفارس ~~وكرمان، وبعث إلى خراسان مدرك بن المهلب، وعليها عبد الرحمن بن نعيم، فقال ~~لأهلها: هذا مدرك قد أتاكم ليلقي بينكم الحرب وأنتم في بلاد عافية وطاعة، ~~فسار بنو تميم ليمنعوه، وبلغ الأزد بخراسان ms1702 ذلك،فخرج منهم نحو ألفي فارس، ~~فلقوا مدركا على رأس المفازة، فقالوا له: إنك أحب الناس إلينا وقد خرج ~~أخوك، فإن يظهر فإنما ذلك لنا ونحن أسرع الناس إليكم وأحقه بذلك، وإن تكن ~~الأخرى فما لك في أن تغشينا البلاء راحة. فانصرف عنهم، فلما استجمع أهل ~~البصرة ليزيد خطبهم وأخبرهم أنه يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه ويحثهم على ~~الجهاد ويزعم أن جهاد أهل الشام أعظم ثوابا من جهاد الترك والديلم. وكان ~~الحسن البصري يسمع، فرفع صوته يقول: والله لقد رأيناك واليا ومولى عليك، ~~فماينبغي لك ذلك. ووثب أصحابه فأخذوا بفمه وأجلسوه، ثم خرجوا من المسجد ~~وعلى باب المسجد النضر بن أنس بن مالك يقول: يا عباد الله ما تنقمون من أن ~~تجيبوا إلى كتبا الله وسنة نبيه، فوالله ما رأينا مذ ولوا عليا إلا أيام ~~عمر بن عبد العزيز. فقال الحسن: والنضر أيضا قد شهد. ومر الحسن بالناس وقد ~~نصبوا الرايات وهم ينتظرون خروج يزيد، وهم يقولون: تدعونا إلى سنة العمرين، ~~وإن من سنة العمرين أن يوضع في رجله قيد؛ ثم رد إلى محبسه. فقال ناس من ~~أصحابه: لكأنك راض عن أهل الشام؟ فقال: أنا راضعن أهل الشام؟ قبحهم الله ~~وبرحهم! أليس هم الذين أحلوا حرم رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، يقتلون ~~أهله ثلاثا؟ قد أبا حوها لأنباطهم وأقباطهم، يحملون الحرائر ذوات الدين، لا ~~ينتهون عن انتهاك حرمة، ثم خرجوا إلى مال بيت الله الحرام فهدموا الكعبة ~~وأوقدوا النيران بين أحجارها وأستارها، عليهم لعنة الله وسوء الدار. ثم إن ~~يزيد سار من البصرة واستعمل عليها أخاه مروان بن المهلب وأتى واسطا، وكان ~~قد استشار أصحابه حين توجه نحو واسط، فقال له أخوه حبيب وغيره: نرى أن نخرج ~~وننزل بفارس فنأخذ بالشعاب والعقاب وندنو من خراسان ونطاول أهل الشام، فإن ~~أهل الجبال يأتون إليك وفي يدك القلاع والحصون. فقال: ليس هذا برأيي، ~~تريدون أن تجعلوني طائرا على رأس جبل. فقال حبيب: إن الرأي الذي كان ينبغي ~~أن يكون أول الأمر ms1703 قد فات، قد أمرتك حيث ظهرت على البصرة أن توجه خيلا ~~عليها بعض أهلك إلى الكوفة، وإنما بها عبد الحميد، مررت به في سبعين رجلا ~~فعجز عنك فهو عن خيلك أعجز فسبق إليها أهل الشام وأكثر أهلها يرون رأيك، ~~ولأن تلي عليهم أحب إليهم من أن يلي عليهم أهل الشام، فلم تطعني، وأنا أشير ~~برأي، سرح مع بعض أهلك خيلا كثيرة من خيلك فتأتي الجزيرة وبتادر إليها حتى ~~ينزلوا حصنا من حصونهم، وتسير في أثرهم، فإذا أقبل أهل الشام يريدونك لم ~~يدعوا جندك بالجزيرة يقبلون إليك فيقيمون عليهم فيحبسونهم عنك حتى تأتيهم، ~~ويأتيك من بالموصل من قومك وينفض إليك أهل العراق وأهل الثغور وتقاتلهم في ~~أرض رخيصة السعر، وقد جعلت العراق كله وراء ظهرك. قال: أكره أن أقطع جيشي. ~~فلما نزل واسطا أقام بها أياما يسيرة وخرجت السنة ### || AUT ذكر عدة حوادث # حج بالناس عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس، وكان عامل المدينة. وكان على ~~مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وكان على الكوفة عبد الحميد، ~~وعلى قضائها الشعبي وكانت البصرة قد غلب عليها ابن المهلب. وكان على خراسان ~~عبد الرحمن بن نعيم. PageV02P0376 # وفيها عزل إسماعيل بن عبيد الله عن إفريقية واستعمل مكانه يزيد بن أبي ~~مسلم كاتب الحجاج، فبقي عليها إلى أن قتل على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ~~وفيها توفي مجاهد بن جبر، وقيل سنة ثلاث، وقيل: وفيها توفي أبو صالح ذكوان. ~~وفيها توفي عامر بن أكثمة الليثي. وأبو صالح السمان، وقيل له الزيات أيضا ~~لأنه كان يبعهما. وأبو عمرو سعيد بن إياس الشيباني، وكان عمره سبعا وعشرين ~~ومائة سنة، وليست له صحبة. وفي خلافة عمر توفي عبيدة بن أبي لبابة أبو ~~القاسم العامري. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين ومائة # ### || AUT ذكر مقتل يزيد بن المهلب # ثم إن يزيد بن المهلب سار عن واسط واستخلف عليها ابنه معاوية وجعل عنده ~~بيت المال والأسراء، وسار على فم النيل حتى نزل العقر، وقدم أخاه عبد ms1704 الملك ~~بن المهلب نحو الكوفة، فاتقبله العباس بن الوليد بسورا، فاقتتلوا، فحمل ~~عليهم أصحاب عبد الملك حملة كشوفهم فيها؛ ومعهم ناس من تميم وقيس من أهل ~~البصرة، فنادوا: يا أهل الشام! الله الله إن تسلمونا! وقد اضطرهم أصحاب عبد ~~الملك إلى النهر. فقال أهل الشام: لا بأس عليكم، إن لنا جولة في أول ~~القتال؛ ثم كروا عليهم فانكشف أصحاب عبد الملك فانهزموا وعادوا إلى يزيد. ~~وأقبل مسلمة يسير على شاطئ الفرات إلى الأنبار وعقد عليها الجسر، فعبر وسار ~~حتى نزل على ابن المهلب، وأتى إلى ابن المهلب ناس من أهل الكوفة كثير ومن ~~الثغور، فبعث على من خرج إليه من أهل الكوفة وربع أهل المدينة عبد الله بن ~~سفيان بن يزيد بن المغفل الأزدي، وعلى ربع مذحج وأسد النعمان بن إبراهيم بن ~~الأشتر، وعلى كندة وربيعة محمد بن إسحاق بن الأشعث، وعلى تميم وهمدان حنظلة ~~بن عتاب بن ورقاء التميمي، وجمعهم جميعا مع المفضل بن المهلب وأحصى ديوان ~~ابن المهلب مائة ألف وعشرين ألفا، فقال: لوددت أن لي بهم من بخراسان من ~~قومي؛ ثم قام في أصحابه فحرصنهم على القتال. وكان عبد الحميد بن عبد الرحمن ~~قد عسكر بالنخيلة وشق المياه وجعل على أهل الكوفة الأرصاد لئلا يخرجوا إلى ~~ابن المهلب، وبعث بعثنا إلى مسلمة مع سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف، وبعث ~~مسلمة فعزل عبد الحميد عن الكوفة واستعمل عليها محمد بن عمرو بن الوليد بن ~~عقبة، وهو ذو الشامة. فجمع يزيد رؤوس أصحابه فقال: قد رأيت أن أجمع اثني ~~عشر ألفا فأبعثهم مع أخي محمد بن المهلب حتى يبتوا مسلمة ويجملوا معهم ~~البراذع والكف والزبيل لدفن خندقهم فيقاتلهم على خندقهم بقية ليلته، وأمده ~~بالرجال حتى اصبح، فإذا أصبحت نهضت إليهم في الناس فأناجزهم، فإنني أرجو ~~عند ذلك أن ينصرنا الله عليهم، فقال السميدع: إنا قد دعوناهم إلى كتاب الله ~~وسنة نبيه،صلى الله عليه وسلم ، وقد زعموا أنهم قبلوا هذا منا، فليس لنا أن ~~تمكر ولا نغدر حتى يردوا ms1705 علينا ما زعموا أنهم قابلوه منا. وقال أبو رؤبة، ~~وهو رأس الطائفة المرجئة، ومعه أصحاب له: صدق، هكذا ينبغي. فقال يزيد: ~~ويحكم! أتصدقون بني أمية أنهم يعملون بالكتاب والسنة وقد ضيعوا ذلك منذ ~~كانوا؟ إنهم يخادعونكم ليمكروا بكم فلا يسبقوكم إليه، إني لقيت بني مروان ~~فما لقيت منهم أمكر ولا أبعد غدرا من هذه الجرادة الصفراء، يعني مسلمة. ~~قالوا: لا نفعل ذلك حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم قابلوه منا. وكان مروان ~~بن المهلب بالبصرة يحث الناس على حرب أهل الشام، والحسن البصري يثبطهم، ~~فلما بلغ ذلك مروان قام في الناس يأمرهم بالجد والاحتشاد، ثم قال: بلغني أن ~~هذا الشيخ الضال المرائي، ولم يسمعه الناس، والله لو أن جاره نزع من خص ~~داره قصبة لظل يرعف أنفه! وايم الله ليكفن عن ذكرنا وعن جمعه إليه سقاط ~~الأبلة وعلوج فرات البصرة أو لأنحين عليه مبردا خشنا. فلما بلغ ذلك الحسن ~~قال: والله ما كره أن يكرمني الله بهوانه. فقال ناس من أصحابه: لو أرادك ثم ~~شئت لمنعناك. فقال لهم: فقد خالفتكم إذ ذاك ما نهيتكم عنه، آمركم أن لا ~~يقتل بعضكم بعضا مع غيري، وآمركم أن يقتل بعضكم بعضا دوني! فبلغ ذلك مروان ~~فاشتد عليهم وطلبهم وتفرقوا، وكف عن الحسن. PageV02P0377 # وكان اجتماع يزيد بن المهلب ومسلمة بن عبد الملك بن مروان ثمانية أيام، ~~فلما كان يوم الجمعة لأربع عشرة مضت من صفر بعث مسلمة إلى الوضاح أن يخرج ~~بالسفن حتى يحرق الجسر، ففعل، وخرج مسلمة فعبأ جنود أهل الشام ثم قرب من ~~ابن المهلب وجعل على ميمنته جبلة بن مخرمة الكندي، وعلى ميسرته الهذيل بن ~~زفر بن الحارث الكلابي، وجعل العباس ابن الوليد على ميمنته سيف بن هانئ ~~الهمداني، وعلى ميسرته سويد بن القعقاع التميمي، وكان مسلمة على الناس. ~~وخرج يزيد بن المهلب وقد جعل على ميمنته حبيب بن المهلب، وعلى ميسرته ~~المفضل. فخرج رجل من أهل الشام فدعا إلى المبارزة، فبرز إليه محمد بن ~~المهلب، فضربه محمد، فاتقاه الرجل بيده ms1706 وعلى كفه كف من حديد، فضربه محمد ~~فقطع الكف الحديد، وأسرع السيف في كفه واعتنق فرسه فانهزم. فلما دنا الوضاح ~~من الجسر ألهب فيه النار، فسطع دخانه، وقد أقبل الناس، ونشبت الحرب، ولم ~~يشتد القتال، فلما رأى الناس الدخان وقيل لهم أحرق الجسر انهزموا فقيل ~~ليزيد: قد انهزم الناس. فقال: مم انهزموا؟ هل كان قتال ينهزم من مثله؟ فقيل ~~له: أحرق الجسر فلم يثبت أحد. فقال: قبحهم الله! بق دخن عليه فطار! ثم خرج ~~معه أصحابه فقال: اضربوه وجوه المنهزيمين، ففعلوا ذلك بهم حتى كثروا عليه، ~~واستقبله أمثال الجبال، فقال: دعوهم فوالله إني لأرجو أن لا يجمعني وإياهم ~~مكان أبدا، دعوهم يرحمهم الله، غنم عدا في نواحيها الذئب! وكان يزيد لا ~~يحدث نفسه بالفرار، وكان قد أتاه يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي، وهو ~~ابن أخي عثمان بن أبي العاص صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، ليس بينه ~~وبين الحكم بن أبي العاص والد مروان نسب، وهو بواسط، فقال له: إن بني مروان ~~قد باد ملكهم، فإن كنا لم تشعر بذلك فاشعر. فقال: ما شعرت؛ فقال ابن الحكم: ~~فعش ملكا أو مت كريما فإن تمت ... وسيفك مشهور بكفك تعذر فقال: أما هذا ~~فعسى. فلما رأى يزيد انهزام أصحابه قال: يا سميدع أرأيي أجود أم رأيك؟ ألم ~~أعلمك ما يريد القوم؟ قال: بلى، فنزل سميدع ونزل يزيد في أصحابهما. وقيل: ~~كان على فرس أشهب فأتاه آت فقال: إن أخاك حبيبا قد قتل. فقال: لا خير في ~~العيش بعده، قد كنت والله أبغض الحياة بعد الهزيمة وقد ازددت لها بغضا، ~~امضوا قدما. فعلموا أنه قد استقتل، فتسلل عنه من يكره القتال وبقي معه ~~جماعة جنسه وهو يتقدم، فكلما مر بخيل كشفها، أو جماعة من أهل الشام عدلوا ~~عنه، وأقبل نحوه مسلمة لا يريد غيره. فلما دنا منه أدنى مسلمة فرسه ليركب، ~~فعطف عليه خيول أهل الشام وعلى أصحابه فقتل يزيد والسميدع ومحمد بن المهلب. ~~وكان رجل من كلب يقال له ms1707 القحل بن عياش، فلما نظر إلى يزيد قال: هذا والله ~~يزيد! والله لأقتلنه أو ليقتلني! فمن يحمل معي يكفيني أصحابه حتى أصل إليه؟ ~~فحمل معه ناس فاقتتلوا ساعة وانفرج الفريقان عن يريد قتيلا وعن القحل بآخر ~~رمقه، فأومأ إلى أصحابه يريهم مكان يزيد وأنه هو قاتله وأن يزيد قتله. وأتى ~~برأس يزيد مولى لبني مرة، فقيل له: أنت قلته؟ قال: لا، فلما أتى مسلمة سيرة ~~إلى يزيد بن عبد الملك من خال بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وقيل. وقيل: ~~بل قتله الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي، ولم ينزل يأخذ رأسه أنفة. ولما ~~قتل يزيد كان المفضل بن المهلب يقاتل أهل الشام وما يدري بقتل يزيد ولا ~~بهزيمة الناس، وكان كلما حمل على الناس انكشفوا، ثم يحمل حتى يخالطهم، وكان ~~معه عامر بن العميثل الأزدي يضرب بسيفه ويقول: قد علمت أم الصبي المولود ~~... أني بنصل السيف غير رعديد PageV02P0378 # فاقتتلو ساعة فانهزمت ربيعة، فاستقبلهم المفضل يناديهم: يا معشر ربيعة ~~الكرة الكرة! والله ما كنتم بكشف ولا لئام ولا لكم هذه بعادة، فلا يؤتين ~~أهل العراق من قبلكم، فدتكم نفسي! فرجعوا إليه يريدون الحملة، فآتى وقيل ~~له: ما تصنع هاهنا وقد قتل يزيد وحبيب ومحمد وانهزم الناس منذ طويل؟ فتفرق ~~الناس عنه، ومضى المفضل إلى واسط، فما كان من العرب أضرب بسيفه ولا أحسن ~~تعبية للحرب ولا أغشى للناس منه. وقيل: بل أتاه أخوه عبد الملك وكره أن ~~يخبره بقتل يزيد فيستقتل، فقال له: إن الأمير قد انحدر إلى واسط. فانحدر ~~المفضل بمن بقي من ولد المهلب إلى واسط، فلما علم بقتل يزيد حلف أنه لا ~~يكلم عبد الملك أبدا، فما كلمه حتى قتل بقندابيل. وكانت عينه أصيبت في ~~الحرب، فقال: فضحني عبد الملك، ما عذري إذا رآني الناس فقالوا شيخ أعور ~~مهزوم! ألا صدقني فقتلت؟ ثم قال: ولا خير في طعن الصناديد باقنا ... ولا في ~~لقاء الحرب بعد يزيد فلما فارق المفضل المعركة جاء عسكر الشام إلى عسكر ~~يزيد، ms1708 فقاتلهم أبو رؤبة صاحب المرجئة ساعة من النهار، وأسر ملمة نحو ~~ثلاثمائة أسير فسرحهم إلى الكوفة، فحبسوا بها، فجاء كتاب يزيد بن عبد الملك ~~إلى محمد بن عمرو ابن الوليد يأمره بضرب رقاب الأسرى، فأمر العريان بن ~~الهيثم، وكان على شرطته، أن يخرجهم عشرين عشرين وثلاثين ثلاثين، فقام نحو ~~ثلاثين رجلا من تميم فقالوا: نحن انهزمنا بالناس فأبدأوا بنا قبل الناس. ~~فأخرجهم العريان فضرب رقابهم وهم يقولون: انهزمنا بالناس فكان هذا جزاءنا. ~~فلما فرغوا منهم جاء رسول بكتاب من عند مسلمة يأمره بترك قتل الآسرى. وأقبل ~~مسلمة حتى نزل الحية. ولما أتت هزيمة يزيد إلى واسط أخرج ابنه معاوية اثنين ~~وثلاثين أسيرا كانوا عنده فضرب أعناقهم، منهم عدي بن أرطاة، ومحمد بن عدي ~~بن أرطاة، ومالك وعبد الملك ابنا مسمع وغيرهم، ثم أقبل حتى أتى البصرة ومعه ~~المال والخزائن، وجاء المفضل بن المهلب، اجتمع أهل المهلب بالبصرة فأعدوا ~~السفن وتجهزوا للركوب في البحر. وكان يزيد بن المهلب بعث وداع ابن حميد ~~الزدي على قندابيل أميرا وقال له: إني سائر إلى هذا العدو ولو قد لقيتم لم ~~أبرح العرصة حتى يكون لي أولهم، فغن ظفرت أكرمتك، وإن كانت الأخرى كنت ~~بقندابيل حتى يقدم عليك أهل بيتي فيتحصنوا بها حتى يأخذوا لأنفسهم أمانا، ~~وقد اخترتك لهم من بين قومي، فكن عند أحسن ظني. وأخذ عليه العود لينا صحن ~~أهل بيته إن هم لجأوا إليه. فلما اجتمع آل المهلب بالبصرة حملوا عيالاتهم ~~وأموالهم في السفن البحرية ثم لججوا في البحر حتى إذا كانوا بحيال كرمان ~~خرجوا من سفنهم وحملوا عيالاتهم وأموالهم على الدواب، وكان المقدم عليهم ~~المفضل بن المهلب، وكان بكرمان فلول كثيرة، فاجتمعوا إلى المفضل، وبعث ~~مسلمة بن عبد الملك مدرك بن ضب الكلبى في طلبهم وفي أثر الفل، فأدرك مدرك ~~المفضل، ومعه الفلول في عقبه، فعطفوا عليه فقاتلوه، واشتد قتالهم إياه، ~~فقتل من أصحاب المفضل النعمان بن إبراهيم بن الأشتر النخعي، ومحمد بن إسحاق ~~بن محمد بن الأشعث وهرب ابن المهلب ms1709 فطلبوا الأمان فأمنوا، منهمك مالكم بن ~~إبراهيم بن الأشتر، والورد بن عبد الله بن حبيب السعدي التميمي. ~~PageV02P0379 # ومضى آل المهلب ومن معهم إلى قندابيل، وبعث مسلمة إلى مدرك بن ضب فرده ~~وير في أثرهم هلال بن أحوز التميمي، لحقهم بقندابيل، فأراد أهل المهلب ~~دخولها فمنعهم وداع بن حميد، وكان هلال بن أحوز لم يباينآل المهلب، فلما ~~التقوا كان وداع على المينة وعبد الملك بن هلال على الميسرة، وكلاهما أزدي، ~~فرفع هلال بن أحور راية أمان، فمال إليه وداع ابن حميد وعبد الملك بن هلال ~~وتفرق الناس عن آل المهلب. فلما رأى ذلك مروان بن المهلب أراد أن ينصرف إلى ~~النساء فيقتلهن لئلا يصرن إلى أولئك، فنهاه المفضل عن ذلك وقال: إنا لا ~~نخاف عليهن من هؤلاء. فتركهن، وتقدموا بأسيافهم فقاتلوا حتى قتلوا من عند ~~آخرهم، وهم: المفضل، وعبد الملك، وزياد، ومروان بنو المهلب، ومعاوية بن ~~يزيد بن المهلب، والمنهال ابن أبي عيينه بن المهلب، وعمرو والمغيرة ابنا ~~قبيصة بن لمهلب، وحملت رؤوسهم، وفي أذن كل واحد رقعة فيها اسمه إلا أبا ~~عيينة بن المهلب، وعمر بن يزيد بن المهلب، وعثمان بن المفضل بن المهلب، ~~فإنهم لحقوا برتبيل. وبعث هلال بن أحوز بنسائهم ورؤوسهم والاسرى من آل ~~المهلب إلى مسلمة بالحيرة، فبعثهم مسلمة إلى يزيد بن عبد الملك، فسيرهم ~~يزيد إلى العباس بن الوليد وهو على حلب، فنصب الرؤوس، وأراد مسلمة أن يبيع ~~الذرية، فاشتراهم منه الجراح بن عبد الله الحكمي بمائة ألف وخلى سبيلهم، ~~ولم يأخذ مسلمة من الجراح شيئا. ولما بلغ يزيد بن عبد الملك الخبر بقتل ~~يزيد سره لأنتصاره ولما في نفسه منه قبل الخلافة. وكان سبب العداوة بينهما ~~أن ابن المهلب خرج من الحمام أيام سليمان ابن عبد الملك وقد تضمخ بالغالية ~~فاجتاز بيزيد بن عبد الملك، وهو إلى جانب عمر بن عبد العزيز، فقال: قبح ~~الله الدنيا، لوددت أم مثقال غالية بألف دينار فلا ينالها إلا كل شريف. ~~فسمع ابن المهلب فقال له: بل وددت أن ms1710 الغالية كانت في جبهة الأسد فلا ~~ينالها إلا مثلي. فقال له يزيد بن عبد الملك: والله لئن وليت يوما لأقتلنك. ~~فقال له ابن المهلب: والله لئن وليت هذا الأمر وأنا حي لأضربن وجهك بخمسين ~~ألف سيف، فهذا كان سبب البغض بينهما، وقيل غير ذلك، وقد تقدم ذكره. وأما ~~الأسى فكانوا ثلاثة عشر رجلا، فلما قدم بهم على يزيد بن عبد الملك وعنده ~~كثير عزة فأنشد: حليم إذا ما نال عاقب مجملا ... أشد العقاب أو عفا لم يثرب ~~فعفوا أمير المؤمنين وحسبه ... فما تأته من صالح لك يكتب أساؤوا فإن تصفح ~~فإنك قادر ... وافضل حلم حسبة حلم مغضب قال يزيد بن عبد الملك: هيهات يا ~~أبا صخر! طف بك الرحم لا سبيل إلى ذلك، إن الله، عز وجل، أفادنيهم بأعمالهم ~~الخبيثة. ثم أمر بهم فقتلوا، وبقي غلام صغير فقال: اقتلوني فما أنا بصغير. ~~فقال: انظروا أنبت. فقال: أنا أعلم بنفسي، قد احتملت ووطئت النساء. فأمر به ~~يزيد فقتل. وأسماء الأسرى الذين قتلوا: المعارك وعبد الله والمغيرة والمفضل ~~ومنجاب أولاد يزيد بن المهلب، ودريد والحجاج وغشان وشبيب والفضل أولاد ~~المفضل بن المهلب، والمفضل بن قبيصة بن المهلب. وقال ثابت يرثى يزيد بن ~~المهلب: أبى طول هذا الليل أن يتصرما ... وهاج لك الهم الفؤاد المتيما أرقت ~~ولم تأرق معي أم خالد ... وقد أرقت عيناي حولا محرما على هالك هد العشيرة ~~فقده ... دعته المنايا فاستجاب وسلما على ملك بالعقر يا صاح جبنت ... ~~كتائبه واستورد الموت معلما أصيب وأشهد ولو كنت شاهدا ... تسليت إن لم يجمع ~~الحي مأتما وفي غير الأيام يا هند فاعلمي ... لطالب وتر نظرة إن تلوما فعلي ~~إن مالت بي الريح ميلة ... على ابن أبي ذبان أن يتندما أمسلم إن تقدر عليك ~~رماحنا ... نذقك بها قيء الأساود مسلما وإن نلق للعباس في الدهر عشرة ... ~~نكافئه باليوم الذي كان قدما قصاصا ولم نعد الذي كان قد أتى ... إلينا وإن ~~كان ابن مروان أظلما ستعلم إن زلت بك النعل زلة ... وأظهر أقوام حياء ~~مجمجما ms1711 PageV02P0380 # من الظالم الجاني على أهل بيته ... إذا أحضرت أسباب أمر وأبهما وإنا ~~لعطافون بالحلم بعدما ... نرى الجهل من قرط اللئيم تكرما وإنا لحلالون ~~بالثغر لا نرى ... به ساكنا إلا الخميس العرمرما نرى أن للجيران حقا وذمة ~~... إذا الناس لم يرعوا الذي الجار محر وغنا لنقري الضيف من قمع الذرى ... ~~إذا كان رفد الرافدين تجسما وأما أبو عيينة بن المهلب فأرسلت هند بنت ~~المهلب إلى يزيد بن عبد الملك في أمانه، فآمنه، وبقي عمر وعثمان حتى ولي ~~أسد بن عبد الله القسري خراسان، فكتب إليهما بأمانهما فقدماخراسان. قطنة ~~بالنون، وهو ثابت بن كعب بن جابر العتكي الأزدي، أصيبت عينه بخراسان فجعل ~~عليها قطنة فعرف بذلك، وهو يشتبه بثابت بن قطبة بالباء الموحدة، وهو خزاعي وذاك عتكي. ### || AUT ذكر استعمال مسلمة على العراق وخراسان # ولما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حرب يزيد بن المهلب جمع له أخوه يزيد ~~ابن عبد الملك ولاية الكوفة والبصرة وخراسان، فأقر محمد بن عمرو بن الوليد ~~على الكوفة، وكان قد قام بأمر البصرة بعد آل المهلب شبيب بن الحارث ~~التميمي، فبعث عليها مسلمة عبد الرحمن بن سليمان الكلبي، وعلى شرطتها ~~وأحداثها عمرو بن يزيد التميمي، فأراد عبد الرحمن أن يستعرض أهل البصرة ~~فيقتلهم، فنهاه عمرو واستمهله عشرة أيام وكتب إلى مسلمة بالخبر، فعزله وولى ~~البصرة بعد الملك بن بشر بن مروان، وأقر عمرو بن يزيد على الشرط والأحداث. ### || AUT ذكر استعمال سعيد خذينة على خراسان لمسلمة # استعمل مسلمة على خراسان سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي ~~العاص بن أمية، وهو الذي يقال له سعيد خذينة، وإنما لقب بذلك لأنه كان رجلا ~~لينا متنعما، فدخل عليه ملك أبغر وسعيد في ثياب مصبغة وحوله مرافق مصبغة، ~~فلما خرج من عنده قالا: كيف رأيت الأمير؟ قال: خذينة، فلقب خذينة، وخذينة ~~هي الهقانة ربة البيت. وكان سعيد تزوج ابنة مسلمة، فلهذا استعمله على ~~خراسان. فلما استعمل مسلمة سعيدا على خراسان سار إليها فاستعمل شعبة بن ~~ظهير ms1712 النهشلي على سمرقند، فسار إليها فقدم الصغد، وكان أهلها كفروا في ~~ولاية عبد الرحمن ابن نعيم، ثم عادوا إلى الصلح، فخطب شعبة أهل الصغد ووبخ ~~سكانها من العرب وغيرهم بالجبن وقال: ما أرى فيكم جريحا ولا أسمع أنة. ~~فاعتذروا ليه بأن جبنوا أميرهم علباء بن حبيب العبدي. وأخذ سعيد عمال عبد ~~الرحمن بن عبد الله الذين ولوا أيام عمر بن عبد العزيز فحبسهم ثم أطلقهم، ~~ثم رفع إلى سعيد أن جهم بن زحر الجعفي، وعبد العزيز بن عمرو بن الحجاج ~~الزبيدي، والمنتجع بن عبد الرحمن الأزدي، ولوا ليزيد بن المهلب في ثمانية ~~نفر وعندهم أموال قد أخفوها من فيء المسلمين. فأرسل إليهم فحبسهم بقهندر ~~مرو، وحمل جهم بن زحر على حمار وأطاف به فضربه مائتي سوط وأمر به ~~وبالثمانية الذين حبسوا معه فسلموا إلى ورقاء بن نصر الباهلي فاستعفاه، ~~فأعفاه، فسلمهم إلى عبد الحميد ابن دثار وعبد الملك بن دثار والزير بن نشيط ~~مولى باهلة، فقتلوا في العذاب جهم بن زحر وعبد العزيز والمنتجع، وعذبوا ~~القعقاع وقما حتى أشفوا على الموت، فلم يزالوا في السجن حتى غزاهم الترك ~~والصغد، فأمر سعيد بإخراجهم، وكان يقول: قبح الله الزبير فإنه قتل جهما! ### || AUT ذكر البيعة بولاية العهد لهشام والوليد # لما وجه يزيد بن عبد الملك الجيوش إلى يزيد بن المهلب، على ما ذكرناه، ~~واستعمل على الجيش مسلمة بن عبد الملك أخاه والعباس بن الوليد بن عبد الملك ~~وهو ابن أخيه، قالا له: يا أمير المؤمنين إن أهل العراق أهل غدر وإرجاف، ~~وقد توجهنا محاربين والحوادث تحدث ولا نأمن أن يرجف أهل العراق ويقولوا مات ~~أمير المؤمنين فيفت ذلك في أعضادنا، فلو عهدت عهد عبد العزيز بن الوليد ~~لكان رأيا صوابا. PageV02P0381 # فبلغ ذلك مسلمة بن عبد الملك، فأتى أخاه يزيد فقال: يا أمير المؤمنين ~~إنما أحب إليك أخوك أم ابن أخيك؟ فقال: بلى أخي. فقال: فأخوك أحق بالخلافة. ~~فقال يزيد: إذا لم تكن في ولدي فأخي أحق بها من ابن أخي كما ذكرت. ms1713 قال: ~~فابنك لم يبلغ فبايع لهشام بن عبد الملك ثم بعده لابنك الوليد، وكان الويد ~~يومئذ ابن إحدى عشرة سنة، فبايع بولاية العهد لهشام بن عبد الملك أخيه ~~وبعده لأبنه الوليد بن يزيد، ثم عاش يزيد حتى بلغ ابنه الوليد، فكان إذا ~~رآه يقول: والله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك. ### || AUT ذكر غزو الترك # لما ولي سعيد خراسان استضعفه الناس وسموه خذينة، وكان قد استعمل شعبة ~~على سمرقند ثم عزله، فطمعت الترك، فجمعهم خاقان ووجههم إلى الصغد، وعلى ~~الترك كور صول، فأقبلوا حتى نزلوا بقصر الباهلي. وقيل: أراد عظماء الدهاقين ~~أن يتزوج امرأة من باهلة كانت في ذلك القصر، فأبت، استجاش، ورجوا أن يسبوا ~~من في القصر، فأقبل كورصول حتى حصر أهل القصر وفيه مائة أهل بيت بدرايهم، ~~وكان على سمقند عثمان بن عبد الله بن مطرف بن الشخير، قد استعمله سعيد بعد ~~شعبة، فكتبوا إليه وخافوا أن يبطئ عنهم المدد فصالحوا الترك على أربيعين ~~ألفا وأعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة، وندب عثمان الناس، فانتدب المسيب بن بشر ~~الرياحي، وانتدب معه أربعة آلاف من جميع القبائل، وفيهم سعبة بن ظهير وثابت ~~قطنة وغيرهما الفرسان، فلما عسكروا قال لهم المسيب: إنكم تقدمون على حلبة ~~الترك عليهم خاقان، والعوض إن صبرتم الجنة، والعقاب إن فررتم النار، فمن ~~أراد الغزو والصبر فليقدم، فرجع عنه ألف وثلاثمائة، فلما سار فرسخا رجع ~~بمثل مقالته الأولى فاعتزله ألف، ثم سار فرسخا أخر فقال لهم مثل ذلك، ~~فاعزله ألف، ثم سار فلما كان على فرسخين منهم نزل، فأتاهم ترك خاقان ملك قي ~~فقال: لم يبق ها هنا دهقان إلا وقد بايع الترك غيري وأن في ثلاثمائة مقاتل، ~~فهم معك وعندي الخبر قد كانوا صالحوهم وأعطوهم سبعة عشر رجلا يكونون رهينة ~~في أيديهم حتى يأخذوا صلحهم، فلما بلغهم مسيركم إليهم قتلوا الرهائن، ~~وميعادهم أن يقاتلوا غدا ويفتحو لهم القصر. فبعث المسيب رجلين، رجلا من ~~العرب ورجلا من العجم، ليعلما علم القوم، فأقبلا في ليلة مظلمة وقد ms1714 أخذت ~~الترك في نواحي القصر فليس يصل إليه أحد، ودنوا من القصر، فصاح بهما ~~الربيئة، فقالا له: اسكت وادع لنا عبد الملك بن دثار. فدعاه، فأعلماه بقرب ~~المسيب منهم وقالا: هل عندكم امتناع الليلة وغدا؟ قالزا: قد أجمعنا على ~~تقديم نسائنا للموت أمامنا حتى نموت جيمعا غدا،. فرجعا إلى المسيب فأخبراه، ~~فقال لمن معه: إني سائر إلى هذا العدو، فمن أحب أن يذهب فليذهب، فلم يفارقه ~~أحد وبايعوه على الموت. فأصبح وسار وقد ازداد القصر تحصينا بالماء الذي ~~أجراه الترك، فلما صار بينه وبين الترك نصف فرسخ نزل وقد أجمع على بيانهم، ~~فلما أمى أمر أصحابه بالصبر وحثهم عليه وقال: ليكن شعاركم يا محمد، ولا ~~تتبعوا موليا، وعليكم بالدواب فاعقروها، فإنها إذا عقرت كانت أشد عليهم ~~منكم، وليست بكم قلة، فإن سبعمائة سف لا يضرب بها في عسكر إلا أوهنوه وإن ~~كثر أهله. وجعل على ميممنته كثيرا الدبوسي، وعلى ميسرته ثابت قطنة، وهو من ~~الأزد، فلما دنوا منهم كبروا، وذلك في السحر، وثار الترك وخالطهم المسلمون ~~فعقروا الدواب، وترجل المسيب في رجال معه فقاتلوا قتالا شديدا، وانقطعت ~~يمين البختري المرائي، فاخذ السيف بشماله فقطعت، فجعل يذب بيديه حتى ~~استشهد. وضرب ثابت قطنة عظيما من عظماء الترك فقتله، وانهزمت الترك، ونادى ~~منادي المسيب: لا تتبعوهم فإنهم لا يدرون من الرعب أبتعتموهم أم لا، واقصدو ~~القصر، ولا تحملوا إلا الماء، ولا تحملوا إلا من يقدر على المشي، ومن حمل ~~امرأة أو صبيا أو ضعيفا حسبة فأجره على الله، ومن أبى فله أربعون درهما، ~~وإن كان في القصر أحد من أهل عهدكم فاحملوه. فحملوا من القصر وأتوا ترك ~~خاقان، فأنزلهم قصره وأتاهم بطعام، ثم ساروا إلى سمرقند. ورجعت الترك من ~~الغد فلم يروا في القصر أحدا، ورأوا قتلاهم فقالوا: لم يكن الذي جاءنا من ~~الإنس؛ فقال ثابت قطنة: فدت نفسي فوارس من تميم ... غداة الروع في ضنك ~~المقام PageV02P0382 # فدت نفسي فوارس أكنفوني ... على الأعداء فر رهج القتام بقصر الباهلي وقد ~~رأوني ... أحامي حيث ms1715 ضربه المحامي بسيفي بعد حطم الرمح قدما ... أذودهم بذي ~~شطب حسام أكر عليهم اليحموم كرا ... ككر الشرب آنية المدام أكر به لدى ~~الغمرات حتى ... تجلت لا يضيق به مقامي فلولا الله ليس له شريك ... وضربي ~~قونس الملك الهمام إذا لسعت نساء بني دثار ... أمام الترك بادية الخدام فمن ~~مثل المسيب في قيم ... أبي بشر كقادمة الحمام وعور تلك الليلة معاوية بن ~~الحجاج الطائي وشلت يده، وكان قد ولي ولاية قبل سعيد، فأخذه سعيد بشيء بقي ~~عليه فدفعه إلى شداد بن خليد الباهلي ليستأديه، فضيق عليه شداد، فقال ~~معاوية: يا معشر قيس سرت إلى قصر الباهلي وأنا شديد البطش حديد البصر، ~~فعورت وشلت يدي، وقاتلت حتى استقذناهم بعدما أشرفوا على القتل والأسر ~~والسبي، وهذا صاحبكم يصنع بي ما يصنع فكفوه عني، فخلاه. قال بعض من كان ~~بالقصر: لما التقوا ظنا أن القيامة قد قامت لما سمعنا من هماهم القوم ووقع ~~الحديد وصهيل الخيل. ### || AUT ذكر غزو الصغد # وفي هذه السنة عبر سعيد خذينة النهر وغزا الصغد، وكانوا قد نقضوا العهد ~~وأعانوا الترك على المسلمين، فقال الناس لسعيد: إنك قد تركت الغزو وقد أغار ~~الترك وكفر أهل الصغد. فقطع النهر وقصد الصغد، فلقيه الترك وطائفة من الصغد ~~فهزمهم المسلمون، فقال سعيد: لا تتبعوهم فإن الصغد بستان أمير لمؤمنين وقد ~~هزمتموهم، أفتريدون بوارهم؟ وقد قاتلتم يا أهل العراق الخلفاء غير مرة فهل ~~أبادوكم؟ وقال سورة بن الحر لحيان النبطي: ارجع عنهم يا حيان. قال: عقيرة ~~الله لا أدعها. قال: انصرف يا نبطي. قال: أنبط الله وجهك! وسار المسلمون ~~فانتهوا إلى واد بينهم وبين المرج، فقطعه بعضهم وقد أكمن لهم الترك، فلما ~~جاءهم المسلمون خرجوا عليهم، فانهزم المسلمون حتى أنتهوا إلى الوادي، ~~فصبروا حتى انكشفوا لهم. وقيل: بل كان المنهزمون مسلحة المسلمين، فما شعروا ~~إلا والترك قد خرجوا عليهم من غيضة وعلى الخيل شعبة بن ظهير، فأعجلهم الترك ~~عن الركوب، فقاتلهم شعبة فقتل وقتل نحو من خمسين رجلا وانهزم أهل المسلحة، ~~وأتى المسلمين الخبر، ms1716 فركب الخليل بن أوس العبشمي أحد بين ظالم ونادى: يا ~~بني تميم إلي أنا الخليل! فاجتمع معه جماعة، فحمل بهم على العدو فكفوهم حتى ~~جاء الأمير والناس فانهزم العدو، فصار الخليل على خيل بني تميم حتى ولي نصر ~~بن سيار، ثم صارت رياستهم لأخيه الحكم بن اؤس. فلما كان العام المقبل بعض ~~رجالا من تميم إلى ورغسر فقالوا: ليتنا نلقى العدو فناطردهم. وكان سعيد إذا ~~بعث سرية فأصابوا أو غنموا وسبوا رد السبي وعاقب السرية؛ فقال الهجري ~~الشاعر: سريت إلى الأعداء تلهو بلبة ... وأيرك مسلول وسيفك مغمد وأنت لمن ~~عاديت عرس خفية ... وأنت علينا كالحسام المهند فقعد سعيد على النا وضعفوه. ~~وكان رجل من بني أسد يقال له إسماعيل منقطعا إلى مروان بن محمد، فذكر ~~إسماعيل عند خذينة مودته لموان، فقال خذينة: وما ذاك السلط؟ فقال إسماعيل: ~~زعمت خذينة انني سلط ... لخدينة المرآة والمشط ومجامر وكاحل جعلت ... ~~ومعازف وبخدها نقط أفذاك أم زعف مضاعفة ... ومهند من شأنه القط لمقرس ذكر ~~أخي ثقة ... لم يغذه التأنيث واللقط في أبيات غيرها. ### || AUT ذكر موت حيان النبطي # PageV02P0383 # وقد ذكر من أمر حيان فيما تقدم عند قتل قتيبة وأنه ساد وتقدم بخراسان، ~~فلما قال سورة بن الحر: يا نبطي، وأجابه حيان فقال: أنبط الله وجهك، على ما ~~تقدم آنفا، حقدها عليه سورة، فقال لسعيد حذينة: إن هذا العبد أعدى الناس ~~للعرب والوالي، وهو أفسد خراسان على قتيبة، وهو واثب بك يفسد عليك خراسان ~~ثم يتحصن في بعض هذه القلاع. فقال سعيد: لا تسمعن هذا أحدا. ثم دعا في ~~مجلسه بلبن وقد أمر بذهب، فسحق وألقي في اللبن الذي في إناء حيان، فشربه ~~حيان، ثم ركض سعيد والناس معه أربعة فراسخ ثم رجع، فعاش حيان أربعة أيام ~~ومات، وقيل: إنه لم يمت هذه السنة، وسيرد ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عزل مسلمة عن العراق وخراسان # ### || AUT وولاية ابن هبيرة # وكان سببب ذلك أنه ولي العراق وخراسان، فلم يرفع من الخراج شيئا، ms1717 ~~واستحيا يزيد بن عبد الملك أن يعزله فكتب إليه: استخلف على عملك وأقبل. ~~وقيل: إن مسلمة شاور عبد العزيز بن حاتم بن النعمان في الشخوص إلى يزيد ~~ليزوره. قال: أمن شوق إليه؟ إن عهدك منه لقريب. قال: لا بد من ذلك. قال: ~~إذا لا تخرج من عملك حتى تلقى الوالي عليه. فسار مسلمة فلقيه عمر بن هبيرة ~~الزاري بالعراق على دواب البريد، فسأله عم مقدمة، فقال عمر: وجهني أمير ~~المؤمنين في حيازة أموال بني المهلب. فلما خرج من عنده أحضر مسلمة عبد ~~العزيز بن حاتم وأخبره خبر ابن هبية، فقال: قد قلت لك. قال مسلمة: فإنه جاء ~~لحيازة أموال آل المهلب. قال: هذا أعجب من الأول، يكون ابن هبيرة على ~~الجزيرة فيعزل عنها ويبعث لحيازة أموال بني المهلب ولم يكتب معه إليك كتاب! ~~فلم يلبث حتى أتاه ابن هبيرة عمالة والغلظة عليهم؛ فقال الفرزدق: راحت ~~بمسلمة البغال عشية ... فارعي فزارة لا هناك المرتع عزل ابن بشر وابن عمرو ~~قبله ... وأخو هراة لمثلها يتوقع يعني بابن بشر بن مروان، وبابن عمرو محمدا ~~ذا الشامة، وبأخي هراة سعيد خذينة. وأما ابتداء أمر ابن هبيرة حتى ولي ~~العراق فإنه قدم من البادية من بني فزارة فافترض مع بعض ولاة الحرب، وكان ~~يقول: لأرجو أن لا تنقضي الأيام حتى ألي العراق. وسار مع عمرو بن معتوية ~~العقيلي إلى غزو الروم، فأتي بفرس رائع إلا أنه لا يستطاع ركوبه، فقال: من ~~ركبه فهو له، فقام عمر بن هبيرة وتنحى علن الفرس وأقبل حتى إذا كان بحيث ~~تناله رجلا الفرس إذا رمحه وثب فصار على سرجه، فأخذ الفرس. فلما خلع مطرف ~~بن المغيرة بن شعبة الحجاج سار عمر بن هبيرة في الجيش الذين حاربوه من ~~الري، فلما التقى العسكان التحق ابن هبيرة بمطرف مظهر أنه معه، فلما جال ~~الناس كان ممن قتله وأخذ رأسه، وقيل قتله غيره وأخذ هو رأسه وأتى به عديا ~~فأعطاه مالا وأوفده إلى الحجاج بالرأس، فسيره الحجاج إلى عبد الملك، فأقطعه ~~ببرزة، ms1718 وهي قرية بدمشق، وعاد إلى الحجاج، فوجهه إلى كردم بن مرثد الفزاري ~~ليخلص منه مالا، فاخذه منه وهرب إلى عبد الملك وقال: أنا عائذ بالله وبأمير ~~المؤمنين من الحجاج، فإنني قتلت ابن عمه مطرف بن المغيرة وأتيت أمير ~~المؤمنين برأسه ثم رجعت فأراد قتلي، ولست آمن أن ينسبني إلى أمر يكون فيه ~~هلاكي. فقال: أنت في جواري. فأقام عنده، فكتب فيه الحجاج إلى عبد الملك ~~يذكر أخذه المال وهربه، فقال له: أمسك عنه. وتزوج بعض ولد عبد الملك بنتا ~~للحجاج، فكان ابن هبيرة يهدي ويبرها وييسر عليها، فكتب إلى أبيها تثني ~~عليه، فكتب إليه الحجاج يأمره أن ينزل به حاجاته، وعظم شأنه بالشام . فلما ~~استخلف عمر بن عبد العزيز استعمله على الجزيرة، فلما ولي يزيد بن عبد الملك ~~ورأى ابن بيرة تحكم حرابة عليه تابع هداياه إليها وإلى يزيد بن عبد الملك، ~~فعملت له في ولاية العراق، فولاه يزيد. وكان ابن هبيرة بينه وبين القعقاع ~~بن خليد العبسي تحاسد، فقال القعقاع: من يطيق ابن هبيرة، حبابة بالليل ~~وهداياه بالنهار! فما ماتت حبابة قال القعقاع: هلم فقد ماتت حبابة سامين ~~... بنفسك يقدمك الذرى والكمواهل أغرك أن كانت حبابة مرة ... تميحك فانظر ~~كيف ما أنت فاعل PageV02P0384 # في أبيات. وكان بينه وبين القعقاع يوما كلام، فقال له القعقاع: يا بن ~~اللخناء من قدمك؟ فقال: قدمك أنت وأهلك أعجاز الغواني، وقدمتي صدور ~~العوالي. فسكت القعقاع. يعني أن عبد الملكل قدمهم لما تزوج إليهم فإن أم ~~الوليد وسليمان ابني عبد الملكل بن مروان عبسية ### || AUT ذكر بعض الدعاة للدولة العباسية # وفي هذه السنة وحه ميسرة رسله من العراق إلى خراسان، فظهر أمر الدعاة ~~بها، فجاء عمر بن بحير بن ورقاء السعدي إلى سعيد خذينة فقال له: إن هاهنا ~~قوما قد ظهر منهم كلام قبيح، وأعلمه حالهم، فبعث سعيد إلهم فأتي بهم، فقال: ~~ممن أنتم؟ قالوا: ناس من التجار. قال: فما هذا الذي يحكى؟ قالزا: لا ندري. ~~قال: جئتم دعاة؟ قالوا: إن لنا في أنفسنا وتجارتنا ms1719 شغلا عن هذا. فقال: مني ~~يعرف هؤلاء؟ فجاء ناس من أهل خراسان أكثرهم من ربيعة واليمن فقالوا: نحن ~~نعرفهم، وهم علينا إن أتاك منهم شيء تكرهه. فخلى سبيلهم. ### || AUT ذكر قتل يزيد بن أبي مسلم # قيل: كان يزيد بن عبد الملك قد استعمل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية سنة ~~إحدى ومائة، وقيل هذه السنة؛ وكان سبب قتله أنه عزم أن يسير فيهم بسيرة ~~الحجاج في أهل الإسلام الذين سكنوا الأمصار ممن كان أصله من السواد من أهل ~~الذمة، فأسلم بالعراق، فإنه ردهم إلى قراهم ووضع الجزية على رقابهم على نحو ~~ما كانت تؤخد منهم وهم كفار، فلما عزم يزيد على ذلك اجتمع رأيهم على قتله ~~وولوا على أنفسهم الوالي الذي ككان عليهم قبل يزيد بن أبي مسلم، وهو محمد ~~بن زيد، فولي الأمصار، وكان عندهم، وكتبوا إلى يزيد بن عبد الملك: إنا لم ~~نخلع أيدينا من طاعة، ولكن يزيد بن أب مسلم سامنا ما لا يراه الله ~~والمسلمون فقتلناه وأعدنا عاملك. فكتب إليهم يزيد بن عبد الملك: إني لم أرض ~~ما صنع يزيد بن أبي مسلم؛ وأقر محمد ابن يزيد على عمله. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا عمر بن هبيرة الروم من ناحية أرمينية وهو على الجزيرة ~~قبل أن يلي العراق، فهزمهم وأسر منهم خلقا كثيرا وقتل سبعمائة أسير. وفيها ~~غزا عباس بن الوليد بن عبد الملك الروم فافتتح دلسة. وحج بالناس هذه السنة ~~عبد الرحمن بن الضحاك، وهو عامل المدينة، وكان على مكة عبد العزيز بن عبد ~~الله بن خالد. وكان على الكوفة محمد بن عمرو ذو الشامة، وعلى قضائها القاسم ~~بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وعلى البصرة عبد الله بن بشر بن مروان ~~إلى أن عزله عمر بن هبيرة، وعلى خراسان سعيد خذينة، وعلى مصر أسامة بن زيد. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث ومائة # ### || AUT ذكر استعمال سعيد الحرشي على خراسان # في هذه السنة عزل عمر بن هبيرة سعيد خذينة عن خراسان. ms1720 وكان سب عزله أن ~~المجشر بن مزاحم السلمي وعبد الله بن عمير الليثي قدما على عمر بن هبيرة ~~فشكواه، فعزله واستعمل سعيد بن عمروا الحرشي، بلحاء المهملة، والشين ~~المعجمة، من بني الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وكان خذينة ~~غازيا بباب سمرقند، فبلغه عزله، وخلف بسمرقند ألف رجل. وقيل: إن عمر بن ~~هبيرة كتب إلى يزيد بن عبد الملك بأسماء من أبلى يوم العقر ولم يذكر سعيدا ~~الحرشي، فقال يزيد: لم يذكر الحرشي؟ وكتب إلى عمر بن هبيرة أن أول الحرشي ~~خراسان، فولاه، فقدم بين يديه المجشر بن مزاحم السلمي؛ فقال نهار بن توسعة: ~~فهل من مبلغ فتيان قومي ... بأن النبل ريشت كل ريش وأن الله أبدل من سعيد ~~... سعيدا لا المخنث من قريش وقدم سعيد الحرشي خراسان، فلم يعرض لعمال ~~خذينة، وقرأ رجل عهده فلحن فيه، فقال: صه، مهما سمعتم فهو من الكتاب ~~والأمير منه بريء. ولما قدم الحرشي خراسان كان الناس بإزاء العدو، وكانوا ~~قد نكبوا، فخطبهم وحثهم على الجهاد وقال: إنكم لا تقاتلون بكثرة ولا بعدة ~~ولكن بنصر الله وعز الإسلام، فقالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم؛ وقال: فلست لعامر إن لم تروني ... أمام الخيل أطعن بالعوالي وأضرب ~~هامة الجبار منهم ... بعضب الحد حودث بالصقال فما أنا في الحروب بمستكين ~~... ولا أخشى مصاولة الرجال أبى لي والدي من كل ذم ... وخالي في الحوادث ~~خير خال PageV02P0385 # فلما سمع أهل الصغد بقدوم الحرشي خافوا على نفوسهم لأنهم كانوا قد أعانوا ~~لترك أيام خذينة، فاجتمع عظماؤهم على الخروج من بلادهم، فقال لهم ملكهم: لا ~~تفعلوا، أقيموا واحملوا الخراج ما مضى واضمنو له خراج ما يأتي وعمارة الأرض ~~والغزو معه إن أراد ذلك، واعتذروا مما كان منكم وأعطوه رهائن. قالوا: نخاف ~~أن لا يرضى ولا يقبل ذلك منا ولكنا نأتي خجندة فنستجير ملكها ونرسل إلى ~~الأمير فنسأله الصفح عما كان منا ونوثق أنه لا يرى أمرا يكرهه. فقال: أنا ~~رجل منكم، والذي أشرت به عليكم ms1721 خير لكم. فأبوا وخرجوا إلى خجندة، وأرسلوا ~~إلى ملك فرغانة يسألونه أن يمنعهم وينزلهم مدينته، فأراد أن يفعل فقالت ~~أمه: لا يدخل هؤلاء الشياطين مدينتك، ولكن فرغ لهم رستاقا يكونون فيه، ~~فأرسل إليهم: سموا رستاقا تكونون فيه حتى أفرغه لكم وأجلوني أربعين يوما، ~~وقيل عشرين يوما. فاختاروا شعب عصام بن عبد الله الباهلي، وكان قتيبة قد ~~خلفه فيهم، فقال: نعم، ولا أنا على عقد وجوار حتى تدخلوه، وإن أتتكم العرب ~~قبل أن تدخلوه لم أمنعكم. فرضوا، ففرغ لهم الشعب. ### || AUT ذكر عدة حوادث # قيل: وفي هذه السنة أغارت الترك على اللان. وفيها غزا العباس بن الوليد ~~الروم ففتح مدينة يقال لها دلسة. وفيها جمعت مكة والمدينة لعبد الرحمن بن ~~الضحاك. وفيها ولي عبد الواحد بن عبد الله النضري الطائف، وعزل عبد العزيز ~~بن عبد الله بن خالد عنه وعن مكة. وحج بالناس عبد الرحمن بن الضحاك، وكان ~~عامل مكة والمدينة، وكان على العراق عمر بن هبيرة، وعلى خراسان الحرشي، ~~وعلى قضاء الكوفة القاسم بن عبد الرحمن، وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن ~~يعلي. وفي هذه السنة مات الشعبي، وقيل ينة أربع، وقيل خمس، وقيل سبع ومائة، ~~وهو ابن سبع وسبعين سنة. وفيها مات يزيد بن الأصم وهو ابن أخت ميمونة زوج ~~النبي، صلى الله عليه وسلم ، وقيل: مات سنة أربع ومائة وعمره ثلاث وسبعون ~~سنة. وفيها مات أبو بردة بن أبي موسى الأشعري. ويزيد ابن نمير السكوني. ~~وفيها توفي عطاء بن يسار، وهو أخو سليمان؛ يسار بالياء المثناة من تحت، ~~والسين المهملة. وفيها توفيت عمرة بنت عبد الرحمن ابن يعبد ابن زرارة ~~الأنصارية، وهي ابنة سبع وسبعين سنة. وفيها توفي مصعب ابن سعد بن أبي وقاص. ~~ويحيى بن وثاب الأسدي المنقري. وعبد العزيز ابن حاتم بن النعمان الباهلي، ~~وكان عامل عمر بن العزيز على الجزيرة. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع ومائة # ### || AUT ذكر الوقعة بين الحرشي والصغد # قيل: وفي هذه السنة غزا الحرشي فقطع النهر وسار فنزل في قصر الريح ms1722 على ~~فرسخين من قيل: وفي هذه السنة غزا الحرشي فقطع النهر وسار فنزل في قصر ~~الريح على فرسخين من الدبوسية، ولم يجتمع إليه جنده، فأمر بالرحيل، فقال له ~~هلال بن عليم الحنظلي: يا هناه إنك وزيرا خير منك أميرا، لم يجتمع إليك ~~جندك وقد أمرت بالرحيل. فعاد فأمر بالنزور، وأتاه ابن عم ملك فرغانة فقال ~~له: إن أهل الصغد بخجندة، وأخبره بخبرهم، وقال: عاجلهم قبل أن يصلوا إلى ~~الشعب فليس لهم جوار علينا حتى يمضي الأجل. فوجه معه عبد الرحمن القشيري ~~وزياد بن عبد الرحمن في جماعة، ثم ندم بعدما فصلوا وقال: جائني علج لا أعلم ~~أصدق أم كذب، فغررت بجند من المسلمين؛ فارتحل في أثرهم حتى نزل أشروسنة ~~فصالحهم بشيء يسير. PageV02P0386 # فبينا هو يتعشى إذ قيل له هذا عطاء الدبوسي، وكان مع عبد الرحمن، فسقطت ~~اللقمة من يده، ودعاء بعطاء فقال: ويلك قاتلتم أحدا؟ قال: لا. قال: لله ~~الحمد! وتعشى وأخبره بما قدم له، فسار مسرعا حتى لحق القشيري بعد ثلاثة ~~أيام، وسار فلما انتهى إلى حجندة قال له بعض أصحابه: ما ترى؟ قال: أرى ~~المعالجة. قال: لا أرى ذلك، إن جرح رجل فإلى أين يرجع، وأقتل قتيل فإلى من ~~يحمل؟ ولكني أرى النزول والتأني والاستعداد للحرب. فنزل فأخذ في التأهي، ~~فلم يخرج أحد من العدو، فجبن الناس الحرشي وقالوا: كان يذكر بشجاعة وديانة، ~~فلما صار بالعراق ماق. فحمل رجل من العرب فضرب باب خجندة بعمود ففتح الباب، ~~وكانوا حفروا في ربضهم وراء الباب الخارج خندقا وغطوه بقصب وتراب مكيدة، ~~وأرادوا أذ التقوا إن انهزموا كانو قد عرفوا الطريق ويشكل على المسلمين ~~ويسقطون في الخندق، فلما خرجوا قاتلوهم فانهزموا، وأخطأهم الطريق فسقطوا في ~~الخندق، وأخرج منهم المسلمون أربعين رجلا. وحصرهم الحرشي ونصب عليهم ~~المحانيق. فأرسلوا إلى ملك فرغانة: غنك غدرت بنا، وسألوه أن ينصرهم، فقال: ~~قد أتوكم قبل انقضاء الأجل، ولستم في جواري. فطلبوا الصلح وسألوا الأمان ~~وأن يردهم إلى الصغد، واشترط عليهم أن يردوا ما في أيديهم من ms1723 نساء العرب ~~ودراريهم وأن يؤدوا ما كسروا من الخراج ولا يغتالوا أحدا ولا يتخلف منهم ~~بخجندة أحد، فإن أحدثوا حدثا حلت دامؤهم. فخرج إليهم الملوك والتجار من ~~الصغد، وترك أهل خجندة على حالهم، ونزل عظماء الصغد على الجند الذين ~~يعرفونهم، ونزل كارزنج على أيوب بن أبي حسان. وبلغ الحرشي أنهم قتلوا امرأة ~~ممن كان في أيديهم، فقال: بلغني أن ثابتا قتل امرأة ودفنها، فجحد، فسأل ~~فإذا الخبر صحيح، فدعا بثابت إلى خيمته فقتله، فلما سمع كارزنج بقتله خاف ~~أن يقتل وأرسل إلى ابن أخيه ليأتيه بسراويل، وكان قد قال لابن أخيه: إذا ~~طلبت سراويل فاعلم أنه القتل، فبعث به إليه وخرج واعترض الناس فقتل ناسا، ~~وتضعضع العسكر ولقوا منه سرا، أنهى إلى ثابت بن عثمان بن مسعود فقتله ثابت. ~~وقتل الصغد أسرى عندهم من المسلمين مائة وخمسين رجلا، فأخبر الحرشي بذلك، ~~فسأل فرأى الخبر صحيحا، فأمر بقتلهم وعزل التجار عنهم، فقاتلهم الصغد ~~بالخشب، ولم يكن لهم سلاح، فقتلوا عن آخرهم، وكانوا ثلاثة آلاف، وقيل سعة ~~آلاف، واصطفى أموال الصغد وذراريهم، وأخذ منها ما أعجبه، ثم دعا ملسم بن ~~بديل العدوي عدي الرباب وقال: وليتك المقسم. فقال: بعدما عمل فيه عمالك ~~ليلة! وله غيري، فولاه غيره. وكتب الحرشي إلى يزيد بن عبد الملك ولم يكتب ~~إلى عمر بن هبيرة، فكان هذا مما أوغر صدره عليه؛ وقال ثابت قطنة يذكر ما ~~أصابوا من عظمائهم: أقر العين مصرع كارزنج ... وكشكير وما لاقى يباد ~~وديوشتى وما لاقى خلنج ... بحصن خجند إذا دمروا فبادروا يقال : إن دويشتى ~~دهقان سمرقند، واسمه ديو أشنج فأعربوه، وقيل: كان على أقباض خجندة علباء بن ~~أحمر اليشكري، فاشترى رجل منهم جونة بدرهمين فوجد فيها سبائك ذهب فرجع وقد ~~وضع يده على وجهه كأنه رمد فرد الجونة وأخذ الدرهمين، فطلب لم يعرف. وسرح ~~الحرشي سليمان بن أبي السري إلى حصن لا يطيف به وادي الصغد إلا من وجه واحد ~~ومعه خوارزمشاه وصاحب آخرون وشومان، فسير سليمان على مقدمته المسيب بن بشر ms1724 ~~الرياحي، فتلقوه على فرسخ، فهزمهم حتى ردهم إلى حصنهم فحصرهم، فطلب ~~الديوشتى أن ينزل على حكم الحرشي فسيره إليه فأكرمه، وطلب أهل القلعة الصلح ~~على أن لا يتعرض لنسائهم زراريهم ويسلمون القلعة. فبعث سليمان إلى الحرشي ~~ليبعث الأمناء لقبض ما في القلعة، فبعث من قبضه وباعوه وقسموه. ~~PageV02P0387 # وسار الحرشي إلى كش وصالحوه على عشرة آلاف رأس، وقيل ستة آلاف رأس. وسار ~~إلى زلرنج، فوافاه كتاب ابن هبيرة بإطلاق ديوشتى، فقتله وصلبه وولى نصر بن ~~سيار قبض صلح كش، واستعمل سليمان بن أبي السري على كش ونسف حربها وخراجها. ~~وكانت خزائن منيعة، فقال المجشر للحرشي: ألا أدلك على من يفتحها لك بغير ~~قتال؟ قال: بلى. قال: المسربل بن الخريت بن راشد الناجي، فوجهه إليها، وكان ~~صديقا لملكها، واسم الملك سبغرى، فأخبر الملك بما صنع الحرشي بأهل خجندة ~~وخوفه، قال: فما ترى؟ قال: أن تنزل بأمان. قال: فما أصنع بمن لحق بي؟ قال: ~~تجعلهم في أمانك؛ فصالحهم فأمنوه وبلاده ورجع الحرشي إلى بلاده ومعه سبغرى، ~~فقتل سبغرى وصلب ومعه الأمان. ### || AUT ذكر ظفر الخزر بالمسلمين # في هذه السنة دخل جيش للمسلمين بلاد الخزر من أرمينية وعليهم ثبيت ~~النهراني، فاجتمعت الخزر في جمع كثير وأعانهم قفجان وغيرهم من أنواع الترك ~~فلقوا المسلمين في مكان يعرف بمرج الحجارة فاقتتلوا هنالك قتالا شديدا، ~~فقتل من الملمين بشر كثير واحتوت الخزر على عسكرهم وغنموا جميع ما فيه، ~~وأقبل المنهزمون إلى الشام فقدموا على يزيد بن عبد الملك وفيهم قبيت، ~~فوبخهم يزيد على الهزيمة فقال: يا أمير المؤمنين ما جبنت ولا نكبت عن لقاء ~~العدو ولقد لصقت الخيل بالخيل والرجل بالرجل، ولقد طاعنت حتى انقصف رمحي، ~~وضاربت حتى انقطع سيفي، غير أن الله، تبارك وتعالى، يفعل ما يريد. ### || AUT ذكر ولاية الجراح أرمينية وفتح بلنجر وغيرها # لما تمت الهزيمة المذكورة على المسلمين طمع الخزر في البلاد فجمعوا ~~وحشدوا، واستعمل يزيد بن عبد الملك الجراح بن عبد الله الحكمي حينئذ على ~~أرمينية وأمده بجيش كثيف وأمره بغزو الخزر ms1725 وغيرهم من الأعداء وبقصد بلاده. ~~فسار الجراح، وتسامع الخزيرية فعادوا حتى نزلوا بالباب والأبواب، ووصل ~~الجراح إلى برذعة فأقام حتى استراح هو ومن معه سار نحو الخزر فعبر نهر ~~الكر، فسمع بأن بعض من معه من أهل تلك الجبال قد كاتب ملك الخزر يخبره ~~بمسير الجراح إليه، فحينئذ أمر الجراح مناديه فنادى في الناس: إن المير ~~مقيم ها هنا عدة أيام فاستكثروا من الميرة، فكتب ذلك الرجل إلى ملك الخزر ~~يخبره أن الجراح مقيم ويشير عليه بترك الحركة لئلا يطمع المسلمون فيه. فلما ~~كان الليل أمر الجراح بالرحيل، فسار مجدا حتى انتهى إلى مدينة الباب ~~والأبواب فلم ير الخزر، فدخل البلد فبث سراياه في النهب والغارة على ما ~~يجاوره، فغنموا وعادوا من الغد، وسار الخزر إليه وعليهم ابن ملكهم فالتقوا ~~عند نهر الران واقتتلوا قتالا شديدا، وحرض الجراح أصحابه، واشتد القتال، ~~فظفروا بالخزر وهزموهم وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فقتل منهم خلق ~~كثير، وغنم المسلمون جميع ما معهم وساروا حتى نزلوا على حصن يعرف بالحصين ~~فنزل أهله بالأمان على مال يحملونه، فأجابهم ونقلهم عنها. ثم سار إلى مدينة ~~يقال لها يرغوا، فأقام عليها ستة أيام، وهو مجد في قتلهم، فطلبوا الأمان، ~~فأمنهم وتسلم حصنهم ونقلهم منه. ثم سار الجراح إلى بلنجر، وهو حصن مشهور من ~~حصونهم، فنازله، وكان أهل الحصن قد جمعوا ثلاثمائة عجلة فشدوا بعضها إلى ~~بعض وجعلوها حول حصنهم ليحتموا بها وتمنع المسلمين من الوصول إلى الحصن، ~~وكانت تلك العجل أشد شيء على المسلمين في قنالهم. فلما رأوا الضرر الذي ~~عليهم منها انتدب جماعة منهم نحو ثلاثين رجلا وعاهدوا على الموت وكسروا ~~جفون سيوفهم وحملوا حملة رجل واحد وتقدموا نحو العجل، وجد الكفار في قتالهم ~~ورموا من النشاب ما كان يحجب الشمس فلم يرجع أولئك حتى وصلوا إلى العجل ~~وتعلقوا ببعضها وقطعوا الجبل الذي يمسكها وجذبوها فانحدرت، وتبعها سائر ~~العجل لأن بعضها كان مشدودا إلى بعض وانحدر الجميع إلى المسلمين والتحم ~~القتال واشتد وعظم الأمر على الجميع حتى بلغت ms1726 القلوب الحناجر. ثم إن الخزر ~~انهزموا واستولى المسلمون على الحصن عنوة وغنموا جميع ما فيه في ربيع الأول ~~فأصاب الفارس ثلاثمائة دينار، وكانوا بضعة وثلاثين دينار، وكانوا بضعة ~~وثلاثين ألفا. ثم إن الجراح أخذ أولاد صاحب بلنجر وأهله وأرسل إليه فأحضره ~~ورد إليه أمواله وأهله وحصنه وجعله عينا لهم يخبرهم بما يفعله الكفار. ~~PageV02P0388 # ثم سار عن بلنجر فنزل على حصن السويدر، وبه نحو أربعين ألف بيت من الترك، ~~فصالحوا الجراح على مال يؤدونه. ثم إن أهل تلك البلاد تجمعوا وأخذوا الطرق ~~على المسلمين، فكتب صاحب بلنجر إلى الجراح يعلمه بذلك. فعاد مجدا حتى وصل ~~إلى رستاق ملى وأدركهم الشتاء، فأقام المسلمون به، وكتب الجراح إلى يزيد بن ~~عبد الملك يخبره بما فتح الله عليه وبما اجتمع من الكفار ويسأله المدد. ~~فوعده إنفاذ العساكر إليه، فأدركه أجله قبل إنفاذ الجيش، فأرسل هشام بن عبد ~~الملك إلى الجراح فأقره على عمله ووعده المدد. ### || AUT ذكر عزل عبد الرحمن بن الضحاك عن المدينة ومكة # وفي هذه السنة عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك عن المدينة ~~ومكة، وكان عامله عليهما ثلاث سنين، وولى عبد الواحد النضري. وكان سبب ذلك ~~أن عبد الرحمن خطب فاطمة بنت الحسين بن علي فقالت: ما أريد النكاح ولقد ~~قعدت على بني هؤلاء. فألح عليها وقال: لئن لم تفعلي لأجلدن أكبر بنيك في ~~الخمر، يعني عبد الله بن الحسن بن الحسين ابن علي، وكان على الديوان ~~بالمدينة ابن هرمز، رجل من أهل الشام، وقد رفع حسابه ويريد أن يسير إلى ~~يزيد، فدخل على فاطمة يودعها فقال: هل من حاجة؟ فقالت: تخبر أمير المؤمنين ~~بما ألقى من ابن الضحاك وما يتعرض مني؛ وبعثت رسولا بكتابك إلى يزيد بخبره ~~بذلك. وقدم ابن هرمز على يزيد، فاستخبره عن المدينة وقال: هل من مغربة خبر؟ ~~فلم يذكر شأن فاطمة. فقال الحاجب ليزيد: بالباب رسول من فاطمة بنت الحسين. ~~فقال أبن هرمز: إنها حملتني رساة إليك. وأخبره بالخبر. فنزل من فراسه وقال: ms1727 ~~لا أم لك! عندك هذا ولا تخبرنيه؟ فاعتذر بالنسيان؛ وأذن لرسولها فأدخله ~~وأخذ الكتاب فقرأه وجعل يضرب بخيزران في يده ويقول: لقد اجترأ ابن الضحاك، ~~هل من رجل يسمعني صوته في العذاب؟ قيل له: عبد الواحد بن عبد الله النضري. ~~فكتب بيده إلى عبد الواحد: قد وليتك المدينة فاهبط إليها واعزل عنها ابن ~~الضحاك وأغرمه أربعين ألف دينار وعذبه حتى أسمع صوته وأنا على فراشي. وسار ~~البريد بالكتاب ولم يدخل على ابن الضحاك، فأخبر ابن الضحاك، فأحضر البريد ~~وأعطاه ألف دينار ليخبره خبره، فسار ابن الضحاك مجدا فنزل على مسلمة بن عبد ~~الملك فاسجاره، فحضر مسلمة عنه يزيد فطلب إليه حاجة خاله، فقال: كل حاجة ~~خاله، فقال: كل حاجة فهي لك إلا ابن الضحاك. فقال: هي والله ابن الضحاك. ~~فقال: والله لا أعفيه أبدا. وردة إلى المدينة إلى المدينة إلى عيد الواحد، ~~فعذبه ولقي شرا، ثم لبس جبة صوف يسأل الناس. وكان قدوم النضري في شوال سنة ~~أربع ومائة. وكان ابن الضحاك قد آذى الأنصار طرا، فهجاه الشعراء وذمه ~~الصالحون، ولما وليهم النضري أحسن السيرة فأحبوه، وكان خيرا يستشير فيما ~~يرد فعله القاسم بن محمد وسالم ابن عبد الله بن عمر. ### || AUT ذكر ولادة أبي العباس السفاح # وقيل: وفيها ولد أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن علي في ~~ربيع الآخر، وهو السفاح، ووصل إلى أبيه محمد بن علي أبو محمد الصادق من ~~خراسان في عدة من أصحابه، فأخرج إليهم أبا العباس في خرقة وله خمسة عشر ~~يوما وقال لهم: هذا صاحبكم الذي يتم الأمر على يده فقلبوا أطرافه، وقال ~~لهم: والله ليتمن الله هذا الأمر حتى تدركوا ثأركم من عدوكم. ### || AUT ذكر عزل سعيد الحرشي # وفي هذه السنة عزل بن هبيرة سعيدا الحرشي عن خراسان وولاها مسلم بن سعيد ~~بن أسلم بن زرعة الكلابي. وكان السبب في ذلك ما كان كتبه ابن هبيرة إلى ~~الحرشي بإطلاق الديوشتى فقتله، وكان يستخف بابن هبيرة ويذكره بأبي المثنى ms1728 ~~ولا يقول الأمير فيقول: قال أبو المثنى، وفعل أبو المثنى، فبلغ ذلك ابن ~~هبيرة فأرسل جميل بن عمران ليعلم حال الحرشي، وأظهر أنه ينظر في الدواوين، ~~فلما قدم على الحرشي قال: كيف أبو المثنى؟ فقيل له: إن جميلا لم يقدم إلا ~~ليعلم علمك. فسم بطيخة وبعث بها إليه فأكلها ومرض وسقط شعره، ورجع إلى ابن ~~هبيرة وقد عولج فصح، فقال له: الأمر أعظم مما بلغك، ما يرى الحرشي إلا أنك ~~عامل له؛ فغضب وعزله ونفح في بطنه النمل وعذبه حتى أدى الأموال. ~~PageV02P0389 # وسمر ليلة ابن هبيرة فقال: من سيد قيس؟ فقالوا: الأمير. قال: دعوا هذا، ~~سيد قيس الكوثر بن زفر، لوثور بليل لوافاه عشرون ألفا لا يقولون لم دعوتنا، ~~وفارسها هذا الحمار الذي في الحبس وقد أمرت بقتله، يعني الحرشي، فأما خير ~~قيس لها فعسى أن أكونه. فقال له أعرابي من بني فزارة: لو كنت كما تقول ما ~~أمرت بقتل فارسها. فأرسل إلى معقل بن عروة أن كف عن قتله، وكان قد لسمه ~~إليه ليقتله وكان ابن هبيرة لما ولى مسلم ابن سعيد خراسان أمره بأخذ الحرشي ~~وتقيده وانفاذ إله، فقدم مسلم دار الإمارة فرأى الباب مغلقا، فقيل للحرشي: ~~قدم مسلم، فأرسل إليه: أقدمت أميرا أو وزيرا أو زائرا؟ فقال: مثلي لا يقدم ~~زائرا ولا وزيرا. فأتاه الحرشي فشتمه وقيده وأمر بحبسه، ثم أمر صاحب الحبس ~~أن يزيده قيدا، فأخبر الحرشي بذلك فقال لكاتبه: اكتب إليه إن صاحب سجنك ذكر ~~أنك أمرته أن يزيدني قيدا، فإن كان أمرا ممن فوقك فسمعا وطاعة، وإن كان ~~رأيا رأيته فسيرك الحقحقة! وهي أشد السير؛ وتمثل: فإما تثقفوني فاقتلوني ~~... ومن يثقف فليس له خلود هم الأعداء إن شهدوا وغابوا ... أولو الأحقاد ~~والأكباد سود فلما هرب ابن هبيرة عن العراق أرسل خالد القسري في طلب الحرشي ~~فأدركه على الفرات، فقال: ما ظنك بي؟ قال: ظني بك أنك لا تدفع رجلا من قومك ~~إلى رجل من قيس. فقال: هو ذاك. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج بالناس ms1729 هذه السنة عبد الواحد بن عبد الله النضري، وعلى العراق ~~والمشرق عمر بن هبيرة. وعلى الكوفة حسين بن حسن الكن. وعلى قضاء البصرة عبد ~~الملك بن يعلى. وفيها مات أبو قلابة الجرمي، وقيل سنة سبع ومائة. وفيها مات ~~أبو قلابة الجرمي، وقيل سنة سبع ومائة. وعبد الرحمن بن حسان بن ثابت ~~النصاري. وفيها توفي يحيى ابن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة. وفيها مات ~~عامر بن سعد بن أبي وقاص. وفيها توفي موسى بن طلحة بن عبيد الله. وعمير ~~مولى ابن عباس يكنى أبا عبد الله. وخالد بن معدان بن أبي كرب الكلاعي سكن الشام. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس ومائة # ### || AUT ذكر خروج عقفان # في أيام يزيد بن عبد الملك خرج حروري اسمه عقفان في ثماني رجلا، فأراد ~~يزيد أن يرسل إليه جندا يقاتلونه، فقيل له: إن قتل بهذه البلاد اتخذها ~~الخوارج دار هجرة، والرأي أن تبعث إلى كل رجل من أصحابه رجلا من قومه يكلمه ~~ويرده. ففعل ذلك فقال لهم أهلوهم: إنا نخاف أن نؤخذ بكم. وأومنوا وبقي عفان ~~وحده، فبعث إليه يزيد أخاه فاستعطفه فرده، فلما ولي هشام بن عبيد الملك ~~ولاه أمر العصاة، فقدم ابنه من خراسان غاضبا، فشده وثاقا وبعث به إلى هشام، ~~فأطلقه لأبيه وقال: لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه. واستعمل عفان على الصدقة ~~فبقي عليها إلى أن توفي هشام. ### || AUT ذكر خروج مسعود العبدي # وخرج مسعود بن أبي زينب العبدي بالبحرين على الأشعث بن عبد الله ابن ~~الجارود، ففارق الأشعث البحرين، وسار مسعود إلى اليمامة وعليها سفيان ابن ~~عمرو العقيلي، ولاه إياها عمر بن هبية، فخرج إليه سفيان، فاقتتلوا بالخضرمة ~~قتالا شديدا، فقتل مسعود، وقام بأمر الخوارج بعده هلال بن مدلج فقاتلهم ~~يومه كله، فقتل ناس من الخوارج وقتلت زينب أخت مسعود، فلما أمسى هلال تفرق ~~عنه أصحابه وبقي في نفر يسير، فدخل قصرا فتحصن به، فنصبوا عليه السلاليم ~~وصعدوا إليه فقتلوه واستأمن أصحابه فآمنهم؛ وقال الفرزدق في هذا اليوم: ~~لعمري ms1730 لقد سلنت حنيفة سلة ... سوفا أبت يوم الوغى أن تغيرا تركن لمسعود ~~وزينب أخته ... رداء وسر بالا من الموت أحمرا أرين الحروريين يوم لقائهم ~~... ببرقان يوما يجعل الموت أشقرا وقيل: إن مسعودا غلب على البحرين والمامة ~~تسع عشرة سنة حتى قتله سفيان بن عمرو العقيلي. الخضرمة بكسر الخاء وسكون ~~الضاد المعجمتين، وكسر الراء. ### || AUT ذكر مصعب بن محمد الوالي # كان مصعب من رؤساء الخوارج، وطلبه عمر بن هبيرة وطلب معه مالك بن الصعب ~~وجابر بن سعد، فخرجوا واجتمعوا بالخورنق وأمروا عليهم مصعبا ومعه أخته آمنة ~~وساروا عنه. PageV02P0390 # فلما ولي هشام بن عبد الملك واستعمل على العراق خالدا القسري سير إليهم ~~جيشا، وكانوا قد صاروا بحزة من أعمال الموصل، فالتقوا واقتتلوا، فقتل ~~الخوارج، وقيل كان قتلهم آخر أيام يزيد بن عبد المكل، فقال فيهم بعض ~~الشعراء: فتية تعرف التخشع فيهم ... كلهم أحكم القرآن إماما قد برى لحمه ~~التهجد حتى ... عاد جلدا مصفرا وعظاما غادروهم بقاع حزة صرعى ... فسقى ~~الغيث أرضهم يا إماما ### || AUT ذكر موت يزيد بن عبد الملك # في هذه السنة توفي يزيد بن عبد الملك لخمس بقين من شعبان وله أربعون ~~سنة، وقيل خمس وثلاثون سنة، وقيل غير ذلك، وكانت ولايته أربع سنين وشهرا ~~وأياما وكنيته أبو خالد، وكان مرضه السل. وقيل: كان سبب موته أن حبابة لما ~~ماتت وجد عليها ودا شديدا، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، فخرج مشيعا ~~لجنازتها ومعه أخوه مسلمة بن عبد الملك ليسليه ويعزيه، فلم يحبه بكلمة، ~~وقيل إن يزيد لم يطق الركوب من الجزع وعجز عن المشي فأمر مسلمة فصلى عليها، ~~وقيل: منعه مسلمة عن ذلك لئلا يرى الناس منه ما يعيبونه به. فلما دفنت بقي ~~بعدها همسة عشر يوما ومات ودفن إلى جانبها، وقيل: بقي بعدها أربعين يوما لم ~~يدخل عليه أحد إلا مرة واحدة ولما مات صلى عليه أخوه مسلمة، وقيل: ابنه ~~الوليد، وكان هشام بن عبد الملك بحمص. ### || AUT ذكر بعض سيرته # كان يزيد من فتيانهم، فقال يوما ms1731 وقد طرب وعنده حبابة وسلامة القس: دعوني ~~أطير قالت حبابة: على من تدع الأمة؟ قال: عليك؛ قيل وغنته يوما: وبين ~~الترافي واللهاة حرارة ... ما تطمئن وما تسوغ فتبردا فأهوى ليطير، فقالت: ~~يا أمير المؤمنين إن لنا فيك حاجة. فقال: والله لأطيرن! فقالت: على من تخلف ~~الأمة والملك؟ قال: عليك والله! وقبل يدها؛ فخرج بعض خدمه وهو يقول: سخنت ~~عينك فما أسخفك! وخرجت معه إلى ناحية الأردن يتنزهان، فرماها بحبة عنب ~~فدخلت حلقها فشرقت ومرضت وماتت، فتركها ثلاثة أيام لم يدفنها حتى أنتنت وهو ~~يشمها ويقبلها وينظر إليها ويبكي، فكلم في أمرها حتى أذن في دفنها، وعاد ~~إلى قصره كئيبا حزينا، وسمع جارية له تتمثل بعدها. كفى حزنا بالهائم الصب ~~أن يرى ... منازل من يهوى معطلة قفرا فبكى، وبقي يزيد بعد موتها سبعة أيام ~~لا يظهر للناس، أشار عليه مسلمة بذلك وخاف أن يظهر منه ما سفهه عندهم. وكان ~~يزيد قد حج أيام أخيه سليمان فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار، وكان اسمها ~~العالية، وقال سليمان: لقد هممت أن أحجر على يزيد فردها يزيد فاشتراها رجل ~~من أهل مصر، فلما أفضت الخلافة إلى يزيد قالت امرأته سعدة: هل بقي من ~~الدنيا شيء تتمناه؟ قال: نعم، حبابة. فأرسلت فاشترتها ثم صيغتها وأتت بها ~~يزيد فأجلستها من وراء الستر وقالت: يا أمير المؤمنين هل بقي من الدنيا شيء ~~تتمناه؟ قال: قد أعلمتك. فرفعت الستر وقالت: هذه حبابة، وقامت وتركتها ~~عنده، فحظيت سعدة عنده وأكرمها. وسعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان. ولما ~~مات يزيد لم يعلم بموته حتى ناحت سلامة فقالت: لا تلمنا إن خشعنا ... أو ~~هممنا بخسوع قد لعمري بت ليلي ... كأخي الداء الوجيع ثم بات الهم مني ... ~~دون من لي بضجيع ثم بات الهم مني ... دون من لي بضجيع للذي حل بنا اليو ... ~~م من الأمر الفظيع كلما أبصرت ربعا ... خاليا فاضت دموعي قد خلا من سيد كا ~~... ن لنا غير مضيع ثم نادت: وا أمير المؤمنين أه! فعلموا بموته. والشعر ms1732 ~~لبعض الأنصار. وأخبار يزيد مع سلامة وحبابة كثيرة ليس هذا موضع ذكرها. ~~PageV02P0391 # وإنما قيل لسلامة سلامة القس لأن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار أحد ~~بني جشم بن معاوية بن بكير كان فقيها عابدا مجتهدا في العبادة، وكان يسمى ~~القس لعبادته، مر يوما بمنزل مولاها فسمع غناءها فوقف يسمعه، فرآه مولاها ~~فقال له : هل لك أن تنظر وتسمع فأبى، فقال: أنا أقعدها بمكان لا تراها ~~وتسمع غناءها؛ فدخل معه فغنته، فأعجبه غناؤها، ثم أخرجها مولاها إليه، فشغف ~~بها وأحبها وأحبته هي أيضا، وكان شابا جميلا. فقالت له يوما على خلوة: أنا ~~والله أحبك! قال: وأنا والله أحبك! قالت: وأحب أن أقبلك! قال: وأنا والله! ~~قالت: وأحب أن أضع بطني على بطنك! قال: وأنا والله! قالت: فما منعك؟ قال: ~~قول الله تعالى: " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " الزخرف:67 ~~وأن أكره أن تؤول خلتنا إلى عداوة؛ ثم قام وانصرف عنها وعاد إلى عبادته، ~~وله فيها أشعار، منها: ألم ترها لا يبعد الله دارها ... إذا طربت في صوتها ~~كيف تصنع تمد نظام القول ثم نرده ... إلى صلصل من صوتها يترجع وله فيها: ~~ألا قل هذا القلب هل أنت مبصر ... وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر ألا ليت أني ~~حيث صارت بها النوى ... جليس لسلمى كلما عج مزهر إذا أخذت في الصوت كاد ~~جليسها ... يطير إليها قبله حين ينظر فقيل لها سلامة القس لذلك. سلامة ~~بتشديد اللام، وحبابة بتخفيف الباء الموحدة. ### || AUT ذكر خلافة هشام بن عبد الملك # في هذه السنة استخلف هشام بن عبد الملك لليال بقين من شعبان، وكان عمره ~~يوم استخلف أربعا وثلاثين سنة وأشهرا، وكانت ولادته عام قتل مصعب ابن ~~الزبير سنة اثنتين وسبعين، فسماه عبد الملك منصورا، وسمته أمه باسم أبيها ~~هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي، فلم ينكر عبد ~~الملك ذلك. وكانت أمه عائشة بنت هشام حمقاء فطلقها عبد الملك. وكانت كنية ~~هشام أبا الوليد، وأتته الخلافة وهو بالرصافة، أتاه ms1733 البريد بالخاتم والقضيب ~~وسلم عليه بالخلافة، فركب منها حتى أتى دمشق. ### || AUT ذكر ولاية خالد القسري العراق # فيها عزل هشام عمر بن هبيرة عن العراق واستعمل خالد بن عبد الله القسري ~~في شوال. قال عمر بن يزيد بن عيمر الأسيدي: دخلت على هشام وخالد عنده وهو ~~يذكر طاعة أهل اليمن، فقلت: والله ما رأيت هكذا خطأ وخطلا، والله ما فتحت ~~فتنة في الإسلام إلا بأهل اليمن، هم قتلوا عثمان، وهم خلعوا عبد الملك، وإن ~~سيوفنا لتقطر من دماء أهل المهلب. قال: فلما قمت تبعني رجل من آل مروان ~~فقال: يا أخا بني تميم ورت بك زنادي، قد سمعت مقالتك وأمير المؤمنين قد ولى ~~خالدا العراق وليست لك بدار! فيسار خالد إلى العراق من يومه. الأسيدي بضم ~~الهمزة، وتشديد الياء، هكذا يقوله المحدثون، وأما النحاة فإنهم يخفون ~~الياء، وهي عند الجميع نسبة إلى أسيد بن عمرو بن تميم، بضم الهمزة، وتشديد الياء. ### || AUT ذكر دعاة بني العباس # قيل: وفي هذه السنة قد بكير بن ماهان من السند، كان بها مع الجنيد ابن ~~عبد الرحمن. فلما عزل الجنيد قدم بكير الكوفة ومعه أربع لبنات من فضة ولبنة ~~من ذهب، فلقي أبا عكرمة الصادق وميسرة ومحمد بن خنيس وسالما الأعين وأبا ~~يحيى مولى بني سلمة، فذكروا له أمر دعوة بني هاشم، فقبل ذلك ورضيه وأنف ما ~~معه عليهم ودخل إلى محمد بن علي، ومات ميسرة فأقامه مقامه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا الجراح الحكمي اللن حتى حاز ذلك إلى مدائن وحصون وراء ~~بلنجر ففتح بعض ذلك وأصاب غنائم كثيرة. وفيها كانت غزوة سعيد بن عبد الملك ~~أرض الورم، فبعث سرية في نحو ألف مقاتل فأصيبوا جميعا. وفيها غزا مسلم بن ~~سعيد الكلابي أمير خراسان الترك بما وراء النهر، فلم يفتح شيئا وقفل، فتبعه ~~الترك فلحقوه والناس يعبرون جيحون، وعلى الساقة عبيد الله بن زيهر بن حيان ~~على خيل تميم، فحاموا حتى عبر الناس. وغزا مسلم أفشين فصالح أهلها على ستة ms1734 ~~آلاف رأس ودفع إليه القلعة، وذلك لتمام خمس ومائة بعد موت يزيد بن عبد ~~الملك. وفيها غزا مروان بن محمد الصائفة اليمنى فافتتح قونية من أرض الروم ~~وكمخ. PageV02P0392 # وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك، فأرسل إلى ~~عطاء: متى أخطب؟ قال: بعد الظهر قبل التروية بيوم، فخطب قبل الظهر وقال: ~~أخبرني رسولي عن عطاء، فقال عطاء: ما أمرته غلا بعد الظهر، فاستحيا. وكان ~~هذه السنة على المدينة ومكة والطائف عبد الواحد النمضري. وكان على العراق ~~وخراسان عمر بن هبيرة. وكان على قضاء الكوفة حسين بن حسن الكندي. وعلى قضاء ~~البصرة موسى بن أنس. في هذه السنة مات كثير عزة. وعكرمة مولى ابن عباس، ~~وكان عكرمة زوج أم سعيد بنت جبير، وفيها مات حميد بن عبد الرحمن بن عوف، ~~وقيل سنة خمس وتسعين، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وأبو رجاء العطاري، وأبو ~~عبد الرحمن السلمي، وله تسعون سنة، واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة. وفيها ~~توفي عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأمه صفية أخت المختار، وأوصى ~~إليه أبوه. وفيها توفي عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أمه صفية ~~أخت المختار، وأوصى إليه أبوه. وفيها توفي أخوه عبيد الله بن عبد الله بن ~~عمر، وهو أخو سالم لأمه، أمهما أم ولد. في أيام يزيد بن عبد الملك توفي ~~أبان بن عثمان بن عفان، وكان قد فلج. وفيها توفي عمارة بن خزيمة بن ثابت ~~الأنصاري، وله خمس وسبعون سنة. وفي أيام يزيد بن عبد الملك مات المغيرة بن ~~عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. وعطاء ابن يزيد الجندعي الليثي، ~~ومولده سنة خمس وعشرين، سكن الشام. الجندعي بضم الجيم، والدال المهلة ~~المفتوحة، والنون. وعزاك ابن مالك الغفاري والد خيثم بن عزاك. ومورق العجلي. ### | AUT ثم دخلت سنة ست ومائة # ### || AUT ذكر الوقعة بين مضر واليمن بخراسان # قيل: وفي هذه السنة كانت الوقعة بين المضرية واليمانية بالبروقان من أرض ~~بلخ. وكان ms1735 سبب ذلك أن مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة غزا فتبطأ الناس عنه، ~~وكان ممن تبطأ عنه البختري بن درهم، فرد مسلم نصر بن سيار وبلغاء بن مجاهد ~~وغيرهما إلى بلخ فأمرهم أن يخرجوا الناس، فأحرق نصر باب البختري وزياد بن ~~طريف الباهلي، فمنعهم عمرو بن مسلم أخو قتيبة دخول بلخ وكان عليها، وقطع ~~مسلم بن سعيد النهر، ونزل نصر بن سيار البروقان، وأتاه أهل الغانيان ومسلمة ~~التميمي وحسان بن خالد الأسدي وغيرهما، وتجمعت ربيعة والأزد بالبروقان على ~~نصف فرسخ من نصر، وخرجت مضر إلى نصر، وخرجت ربيعة والأزد إلى عمرو بن مسلم ~~بن عمرو، وأرسلت تغلب إلى عمرو بن مسلم: إنك منا، وأنشدوه سعرا قاله رجل ~~عزا باهلة إلى تغلب، وكان بنو قتيبة من باهلة، فلم يقبل عمرو ذلك، وسفر ~~الضحاك بن مزاحم ويزيد بن المفضل الحداني في الصلح وكلما نصرا، فانصرف، ~~فحمل أصحاب عمرو بن مزاحم ويزيد بن المفضل الحداني في الصلح وكلما نصرا، ~~فانصرف، فحمل أصحاب عمرو بن مسلم والبختري على نصر، وكر نصر عليهم، فكان ~~أول قتيل رجل من باهلة من أصحاب عمرو بن مسلم في ثمانية عشر رجلا، وانهزم ~~عمرو وأرسل يطلب الأمان من نصر، فآمنه، وقيل: أصابوا عمرا في طاحونة فأتوا ~~به نصرا وفي عنقه حبل، فآمنه وضربه مائة وضرب البختري وزياد بن طريف مائة ~~مائة وحلق رؤوسهم ولحاهم والأبسهم المسوح. وقيل إن الهزيمة كانت أولا على ~~نصر ومن معه من مضر، فقال عمروا بن مسلم لرجل معه من تميم: كيف ترى أستاه ~~قومك يا أخا تميم؟ يعيره بذلك. ثم كرت تميم فهزمت أصحاب عمرو، فقال التميمي ~~لعمرو: هذه أستاه قومي. وقيل: كان سبب انهزام عمرو أن ربيعة كانت مع عمرو ~~فقتل منهم ومن الأزد جماعة، فقالت ربيعة: علام نقاتل إخواننا وأميرنا وقد ~~تقربنا إلى عمرو فأنكر قرابتنا؟ فاعتزلوا، فانهزمت الأزد وعمرو ثم آمنهم ~~نصر وأمرهم أن يحلقوا مسلم بن سعيد. ### || AUT ذكر غزو مسلم الترك # PageV02P0393 # ثم قطع مسلم النهر ولحق به من ms1736 لحق من أصحابه، فلما بلغ بخارى أتاه كتاب ~~خالد بن عبد الله بولايته العراق ويأمره بإتمام غزاته. فسار إلى فرغانة، ~~فلما وصلها بلغه أن خاقان قد أقبل إليه وأنه في موضع ذكروه، فارتحل، فسار ~~ثلاث مراحل في يوم، وأقبل إليهم خاقان فلقي طائفة من المسلمين وأصاب دواب ~~لمسلم وقتل أخو غوزك وثار الناس في وجوههم فأخرجوهم من العسكر، ورحل مسلم ~~بالناس فسار ثمانية أيام وهم مطيفون بهم، فلما كانت التاسعة أرادوا النزول ~~فشاوروا الناس، فأشاروا به وقالوا: إذا أصبحنا وردنا الماء والماء منا غير ~~بعيد. فنزلوا ولم يرفعوا بناء في العسكر، وأحرق الناس ما ثقل من الآنية ~~والأمتعة، فحرقوا ماقيمته ألف ألف، وأصبح الناس فساروا فوردوا النهر وأهل ~~فرغانة والشاش دونه، فقال مسلم بن سعيد: أعزم على كل رجل إلا اخترط سيفه، ~~ففعلوا وصارت الدنيا كلها سيوفا، فتركوا الماء وعبروا. فأقام يوما ثم قطع ~~من غد واتبعهم ابن لخاقان، فأرسل إليه حميد بن عبد الله، وهو على الساقة: ~~قف لي فإن خلفي مائتي رجل من الترك حتى أقاتلهم، وهو مثقل جراحة، فوقف ~~الناس وعطف على الترك فقاتلهم وأسر أهل الصغد وقائدهم وقائد الترك في سبعة ~~ومضى البقية، ورجع حميد فرمي بنشابه في ركبته فمات. وعطش الناس، وكان عبد ~~الرحمن العامري حمل عشرين قربة على إبله فساقها الناس جرعا جرعا، واستسقى ~~مسلم بن يعيد، فأتوه بإناء، فأخذه جابر أو حارثه بن كثير أخو سليمان بن ~~كثير من فيه، فقال مسلم: دعوه فما نازعني شربتي إلا من حر دخله. وأتوا ~~خجندة، وقد أصابهم مجاعة وجهد، فانتشر الناس، فإذا فارسان يسألان عن عبد ~~الرحمن بن نعيم، فأتياه بعهده على خراسان من أسد بن عبد الله أخي خالد، ~~فأقراه عبد الرحمن مسلما، فقال: سمعا وطاعة. وكان عبد الرحمن أول من اتخذ ~~الخيام في مفازة آمل. قال الخزرج التغلبي: قاتلنا الترك فأحاطوا بنا حتى ~~أيقنا بالهلاك، فحمل حوثرة بن يزيد بن الحر بن الخنيف على الترك في أربعة ~~آلاف فقاتلهم ساعة ثم رجع، وأقبل نصر ms1737 بن سيار في ثلاثين فارسا فقاتلهم حتى ~~أزالهم عن مواضعهم فحمل عليهم الناس فانهزم الترك وحوثرة، وهو ابن أخي رقبة ~~بن الحر. قيل: وكان عمر بن هبيرة قال لمسلم بن سعيد خين ولاه: ليكن حاجبك ~~من صالح مواليك، فإنه لسانك والمعبر عنك، وعليك بعمال العذر. قال: وما عمال ~~العذر؟ قال: تأمر أهل كل بلد أن يختاروا لأنفسهم، فإن كان خيرا كان لك وإن ~~كان شرا كان لهم دونك وكنت معذورا. وكان على خاتم مسلم بن سعيد توبة بن أبي ~~سعيد، فلما ولي أسد بن عبد الله خراسان جعله على خاتمة أيضا ### || AUT ذكر حج هشام بن عبد الملك # وحج بالناس هذه السنة هشام بن عبد الملك، وكتب له أبو الزناد سنن الحج ~~قال أبو الزناد: لقيت هشاما، فإني لفي الموكب إذ لقيه سعيد بن عبد الله ابن ~~الوليد بن عثمان بن عفان، فسار إلى جنبه فسمعه يقول: يا أمير المؤمنين إن ~~الله لم يزل ينعم على أهل بيت أمير المؤمنين وينصر خليفته المظلوم، ولم ~~يزالوا يلعنون في هذه المواطن أبا تراب! فإنها مواطن صالحة، وأمير المؤمنين ~~ينبغي له أن يلعنه فيها. فشق على هشام قوله وقال: ما قدمنا لشتم أحد ولا ~~للعنه، قدمنا حجاجا، ثم قطع كلامه وأقبل علي فسألني عن الحج، فأخبرته بما ~~كتبت له، قال: وشق على سعيد أني سمعته تكلم بذلك وكان منكسرا كلما رآني. ### || AUT ذكر ولاية أسد خراسان # قيل: وفي هذه السنة استعمل خالد بن عبد الله أخاه أسدا على خراسان ~~فقدمها وسلم بن سعيد غاز بفرغانة، فلما أتى أسد لنهر ليقطعه منعه الأشهب بن ~~عبيد التميم، وكان على السفن بآمل، وقال: قد نهيت عن ذلك فأعطاه ولا طفه، ~~فأبى، وقال: فإني أمير، فأذن له، فقال أسد: اعرفوا هذا حتى نشكره في ~~أمانتنا. وأتى الصغد فنزل بالمرج، وعلى سمرقند هانئ بن هانئ، فخرج في الناس ~~يلقى أسدا، فرآه على حجر فتفاءل الناس وقالوا: ما عند هذا خير، أسد على ~~حجر. ودخل سمرقند وبعث رجلين معهما ms1738 عهد عبد الرحمن بن نعيم على الجند، ~~فقدما وسألا عنه وسلما إليه العهد، فأتى به مسلما فقال: سمعا وطاعة. وقفل ~~عبد الرحمن بالناس ومعه مسلم، فقدموا على أسد بسمرقند، فعزل هانئا عنها ~~واستعمل عليها الحسن بن أبي العمرطة الكندي. PageV02P0394 # وقيل للحسن: إن الأتراك قد أتوك في سبعة آلاف. فقال: ما أتونا، نحن ~~أتيناهم وغلبناهم على بلادهم واستعبدناهم ومع هذا فلأذنين بعضكم من بعض ~~ولأقربن نواصي خيلكم بخيلهم، ثم سبهم ودعا عليهم، ثم خرج إليهم متبطئا، ~~فأغاروا ورجعوا سالمين. واستخلف على سمرقند ثابت قطنة، فخطب الناس، فأرتج ~~عليه وقال: ومن يطع الله ورسوله فقد ضل؛ فسكت ولم ينطق بكلمة، وقال: إن لم ~~أكن فيكم خطيبا فإنني ... بسيفي إذا جد الوغى لخطيب فقيل له: لو قلت هذا ~~على المنبر لكنت أخطب الناس؛ فقال حاجب الفيل اليشكري يعيره بحضرته. أبا ~~العلاء لقد لاقيت معضلة ... يوم العروبة من كرب وتخنيق تلوي اللسان إذا رمت ~~الكلام به ... كما هوى زلق من شاهق النيق لما رمتك عيون الناس صاحية ... ~~أنشأت تجض لما قمت بالريق أما القرآن فلا تهدى لمحكمة ... من القرآن ولا تدى لتوفيق ### || AUT ذكر استعمال الحر على الموصل # في هذه السنة استعمل هشام الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم بن أبي العاص ~~بن أمية على الموصل، وهو الذي بنى المنقوشة دارا يسكنها، وإنما سميت ~~المنقوشة لأنها كانت منقوشة بالساج والرخام والفصوص الملونة وما شاكلها، ~~وكانت عند سرق القتابين والسعارين وسق الأربعاء، وأمام الآن خربة تجاور سوق ~~الأربعاء. وهذا الحر الذي عمر النهار الذي كان بالموصل. وسبب ذلك أنه رأى ~~امرأة تحمل جرة ماء وهي تحملها قليلا ثم تستريح قليلا لبعد الماء، فكتب إلى ~~هشام بذلك، فأمر بحفر نهر إلى البلد، فحفره، فكان أكثر شرب أهل البلاد منه ~~وعليه كان الأشرع المعروف بشار النهر، وبقي العمل فيه عدة سنين، ومات الحر ~~سنة ثلاث عشرو ومائة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كلم إبراهيم بن محمد بن طلحة هشام بن عبد الملك وهو في ms1739 ~~الحجر فقال له: أسألك بالله وبحرمة هذا البيت الذي خرجت معظما له إلا رددت ~~علي ظلامتي. قال: أي ظلامة؟ قال: داري. قال: فأين كنت عن أمير المؤمنين عبد ~~الملك؟ قال: ظلمني. اقل: فالوليد وسليمان؟ قال: ظلماني. قال: فعمر؟ قال: ~~يرحمه الله ردها علي. قال: فيزيد بن عبد الملك؟ قال: ظلمني وقبضها مني بعد ~~قبضي لها، وهي في يدك. فقال هشام: لو كان فيك ضرب لضربتك. فقال: في والله ~~ضرب بالسيف والسوط. فانصرف هشام والأبرش خلفه فقال: أبا مجاشع كيف سمعت هذا ~~الإنسان؟ قال: ما أجوده! قال: هي قريش وألسنتها، ولا يزال في الناس بقايا ~~ما رأيت مثل هذا. وفيها عزل هشام عبد الواحد النضري عن مكة والمدينة ~~والطائف وولى ذلك خاله إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، فقدم المدينة في جمادى ~~الأخرة، فكانت ولاية النضري سنة وثمانية أشهر .وفيها غزا سعيد بن عبد الملك ~~الصائفة. وفيها غزا الجراح بن عبد الله اللان فصالح أهلها فأدوا الجزية. ~~وفيها ولد عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس في رجب. وفيها اسقضى ~~إبراهيم بن هشام على المدينة محمد بن صفوان الجمحي ثم عزله واستقضى الصلت ~~الكندي. وكان العامل على مكة والدينة والطائف إبراهيم بن هشام المخزومي، ~~وكان على العراق وخراسان خالد بن عبد الله القسري البجلي، وكان عامل خالد ~~على صلاة البصرة عقبة بن عبد الأعلى، وعلى شرطتها مالك بن المنذر بن ~~الجارود، وعلى قضائها ثمامة بن عبد الله بن أنس. وحج بالناس هشام بن عبد ~~الملك. وفيها مات يوسف بن مالك مولى الحضرميين، وبكر بن عبد الله المني ### | AUT ثم دخلت سنة سبع ومائة # ### || AUT ذكر ملك الجنيد بعض بلاد السند # ### || AUT وقتل صاحبه جيشبة # في هذه السنة استعمل خالد القسري الجنيد بن عبد الرحمن على السند، فنزل ~~شط مهران، فمنعه جيشبه بن ذاهر العبور وقال: إننا ملمسمون، فقد استعملني ~~الرجل الصالح، يعين عمر بن عبد العزيز، على بلادي ولست آمنك، فأعطاه رهنا ~~وأخذ منه رهنا بما على بلاده من الخراج، ms1740 ثم إنهما ترادا الرهن وكفر جيشه ~~وحاربه، وقيل: لم يحاربه ولكن الجنيد تجنى عليه فأتى الهند فجمع جموعا وأخذ ~~السفن، وقد جنحت سفينته فقتله، وهرب أخوه صصه إلى العراق ليشكو غدر الجنيد، ~~فخدعه الجنيد حتى جاء إليه فقتله. وغزا الجنيد الكيرج، وكانوا قد نقضوا، ~~ففتحها عنوة وفتح أزين والمالبة وغيرهما من ذلك الثغر. PageV02P0395 ### || AUT ذكر غزوة عنبسة الفرنج بالأندلس # في هذه السنة غزا غنبسة بن سحيم الكلبي عامل الأندلس بلد الفرنج في جمع ~~كثير ونازل مدينة قرقسونة وحصر أهلها، فصالحوه على نصف أعمالها وعلى جميع ~~ما في المدينة من أسرى المسلمين وأسلابهم وأن يعطوا الجزية ويلتزموا بأحكام ~~الذمة من محاربة من حاربه المسلمون وسالمة من سالموه، فعاد عنهم عنبسة ~~وتوفي في شعبان سنة سبع ومائة أيضا، وكانت ولايته أربع سنين وأربعة أشهر، ~~ولما مات استعمل عليهم بشر بن صفوان يحيى بن سلمة الكلبي في ذي القعدة سنة سبع أيضا. ### || AUT ذكر حال الدعاة لبني العباس # قيل: وفيها وجه بكير بن ماهان أبا عكرمة وأبا محمد الصادق ومحمد ابن ~~خنيس وعمارا العبادي وزيادا خال الوليد الأزرق في عدة من شيعتهم دعاة إلى ~~خراسان، فجاء رجل من كندة إلى أسد بن عبد الله فوشى بهم إليه.، فأتى بأبي ~~عكرمة ومحمد بن خنيس وعامة أصحابه، ونجا عمار، فقطع أسد أيدي من ظفر به ~~منهم وصلبهم، وأقبل عمار إلى بكير بن ماهان فأخبره الخبر، فكتب إلى محمد بن ~~علي بذلك، فأجابه: الحمد لله الذي صدق دعوتكم ومقالتكم وقد بقيت منكم قتلى ~~ستقتل. وفيها قدم مسلم بن سعيد إلى خالد بن عبد الله، فكان أسد يكرمه ~~بخراسان ولم يعرض له، فقدم مسلم وابن هبيرة يريد الهرب، فنهاه عن ذلك وقال: ~~إن القوم فينا أحسن رأيا منكم فيهم. وفيها غزا أسد جبال نمرون ملك غرشس مما ~~يلي جبال الطالقان، فصالحه نمرون وأسلم على يده، وهم يتولون اليوم اليمن. ### || AUT ذكر الخبر عن غزوة الغور # قيل: وفي هذه السنة غزا أسد الغور، وهي جبال هراة، فعمد أهلها ms1741 إلى ~~أثقالهم فصيروها في كهف ليس إليه طريق، فأمر أسد باتخاذ توابيت ووضع فيها ~~الرجال ودلاها بسلاسل فاستخرجوا ما قدروا عليه. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل هشام الجراح بن عبد الله الحكمي عن أرمينية وأذربيجان ~~واستعمل عليها أخاه مسلمة بن عبد الملك، فاستعمل عليها مسلمة الحارث ابن ~~عمرو الطائي، فافتتح من بلد الترك رستاقا وقرى كثيرة وأثر فيها أثرا حسنا. ~~وفيها نقل أسد من كان بالبروقان إلى بلخ من الجند وأقطع كل من كان له ~~بالبروقان بقدر مسكنة ومن لم يكن له مسكن أقطعه سمكنا، وأراد أن ينزلهم على ~~الأخماس فقيل له إنهم يتعصبون فخط بينهم. وتولى بناء مدينة بلخ برمك أبو ~~خالد بن برمك، وبينها وبين البروقان فرسخان. وحج بالناس هذه السنة إبراهيم ~~بن هشام، وكان عمال الأمصار من تقدم ذكرهم في السنة قبلها. وفيها مات ~~سليمان بن يسار وعمرة ثلاث وسبعون سنة، وعطاء بن زيدي الليثي وله ثمان ~~وتسعون سنة، وقد تقدم ذكر وفاته سنة خمس ومائة. يسار بالياء المثناة من ~~تحت، وبالسين المهلملة. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان ومائة # ### || AUT ذكر غزوة الختل والغور # قيل: وفي هذه السنة قطع أسد النهر وأتاه خاقان فلم يكن بينهما قتال في ~~هذه الغزوة، وقيل: عاد مهزوما من الختل، وكان أسد قد أظهر أنه يريد أن يشتو ~~بسرخ دره، فأمر الناس فارتحلوا، ووجه راياته وسار في ليلة مظلمة إلى سرخ ~~دره، فكبر الناس، فقال: مالهم؟ فقالوا: هذه علامتهم إذا قفلوا. فقال ~~للمنادي: ناد إن الأمير يريد غوريين، فمضى إليهم، فقاتلوهم يوما وصبروا ~~لهم. وبرز رجل من المشركين بني الصفين، فقال سالم بن أحوز لنصر بن سيار: ~~أنا حامل على هذا العلج فلعلي أقتله فيرضى أسد، فحمل عليه فطعنه فقتله ورجع ~~سالم فوقف قم قال لنصر: أنا حامل حملة أخرى، فحمل فقتل رجلا آخر، وجرح ~~سالم، فقال: أترى ما صنعنا يرضيه؟ لا أرضاه الله! قال: لا واللهز قال: ~~وأتاهما رسول أسد فقال: يقول لكما الأمير قد رأيت موقفكما ms1742 وقلة غنائكما عن ~~المسلمين لعنكما الله. فقال: آمين إن عدنا لمثل هذا! وتحاجزوا. ثم عادوا من ~~الغد فاقتتلوا وانهزم المشركون وحوى المسلمون عسكرهم وظهروا على البلاد ~~وأسروا وسبوا وغنموا. وقد كان أصاب الناس جوع شديد بالختل، فبعث أسد بكبشين ~~مع غلام له وقال: بعهما بخمسمائة درهم. فلما مضى الغلام قال أسد: لا ~~يشتريهما إلا ابن الشخير، وكان في المسلحة، فدخل حين أمسى الشاتين في السوق ~~فاشتراهما بخمسائة، فذبح إحداهما وبعث بالأخرى إلى بعض إخوانه، فلما أخبر ~~الغلام أسدا بالقصة بعث إلى ابن الشخير بألف درهم وهو عثمان بن عبد الله بن ~~الشخير أبو مطرف. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV02P0396 # في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك الروم مما يلي الجزيرة ففتح ~~قياسرية، وهي مدينة مشهورة. وفيها أيضا غزا إبراهيم بن هشام ففتح حصنا ~~الروم. وفيها وجه بكير بن ما هان إلى خراسان جماعة من شيعة بني العباس، ~~منهم عمار العابدي، فسعى بهم رجل إلى أسد بن عبد الله أمير خراسان، فأخذ ~~عمارا فقطع يديه ورجليه ونجا أصحابه فوصلوا إلى بكير فأخبروه بذلك، فكتب ~~إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، لأجابه: الحمد لله الذي صدق دعوتكم ~~ونجى شيعتكم؛ وقد تقدم سنة سبع ومائة ذكر هذه القصة. وفيها: أن عمارا نجا؛ ~~وفي هذه الرواية: أن عمارا قطع، فلهذا أعدنا ذكرها، والله أعلم. وفيها وقع ~~الحريق بدابق فاحترق المرعى والدواب والرحال. وفيها سار ابن خاقان ملك ~~الترك إلى أذربيجان فحصر بعض مدنها، فسار إليه الحارث ابن عمرو الطائي ~~فالتقوا فاققتلوا فانهزم الترك وتبعهم الحاث حتى عبر نهر أس، فعاد إليه ابن ~~خاقان فعادو الحرب أيضا، فانهزم ابن خاقان وقتل من الترك خلق كثير. وفيها ~~خرج عباد الرعيني باليمن محكما، فقتله أميرها يويف بن عمر وقتل أصحابه. ~~وكانونوا ثلاثمائة. وفيها غزا معاوية بن هشام ابن عبد الملك وعه ميمون بن ~~مهران على أهل الشام فقطعوا البحر إلى قبرس، وغزا في البر مسلمة بن عبد ~~الملك بن مروان. وفيها كان بالشام ms1743 طاعون شدؤد. وحج الناس هذه السنة إبراهيم ~~بن هشام وهو على المدينة ومكة والطائف. وكان العمال من تقدم ذكرهم في السنة ~~قبلها. وفيها مات محمد بن كعب القرطي، وقيل: سنة سبع عشرة، وقيل: إنه ولد ~~على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم . وفيها مات موسى بن محمد بن علي بن ~~الله والد عيسى ببلاد الروم غازيا، وكان عمره سبعا وسبعين سنة. وفيها مات ~~القاسم بن محمد بم أبي بكر الصديق، وكان عمره سبعين سنة، وقيل: ثنين وسبعين ~~سنة، وكان قد عمي، وقيل: مات سنة إحدى ومائة. وفيها توفي أبو المتوكل علي ~~بن دودا الناجي. وأبو نضرة المنذر بن قطعة النضري؛ نضرة بالنون والضاد ~~المعجمة. ومحارب ابن دثار الكوفي قاضيها؛ دثار بكسر الدال المهملة، والثاء المثلثة. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع ومائة # ### || AUT ذكر عزل خالد وأخيه أسد عن خاسان # ### || AUT وولاية أشرس # قيل: وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله وأخاه عن ~~خراسان. وسبب ذلك أن أسدا تعصب حتى أفسد الناس وضرب نصر بن سيار ونفرا معه ~~بالسياط، منهم: عبد الرحمن بن نعيم وسورة بن الحر والبختري ابن أبي درهم ~~وعامر بن مالك الحماني، وحلقهم وسيرهم إلى أخيه خالد، وكتب إليه: إنهم ~~أرادوا الوثوب بي. فلما قدموا على خالد لام أسدا وعنفه وقال: ألا بعث إلي ~~برؤوسهم؟ فقال: نصر: بعث بالعتاب في غير ذنب ... في كتاب تلوم أم تميم إن ~~أكن موثقا أسيرا لديهم ... في هموم وكربة وسهوم رهن تعس فما وجدت بلاء ... ~~كإسار الكرام عند اللئيم أبلغ المدعين قسرا وقسر ... أهل عود القناة ذات ~~الصون هل فطمتم عن الخيانة والغد ... رأم أنتم كالحاكر المستديم وقال ~~الفرزدق: أخالد لولا الله لم تعط طاعة ... ولولا بنو مروان لم يوثقوا نصرا ~~إذا للقيتم عند سد وثاقه ... بني الحرب لا كشف اللقاء ولا ضجرا وخطب يوما ~~أسد فقال: قبح الله هذه الوجوه وجوه أهل الشقاق والنفاق والشغب والفساد! ~~اللهم فرق بيني وبينهم وأخرجني إلى مهاجري ووطني. فبلغ ms1744 فعله هشام بن عبد ~~الملك، فكتب إلى خالد: اعزل أخاك، فعزله، فرجع إلى العراق في رمضان سنة تسع ~~ومائة، واستخلف على خراسان الحكم ابن عوانة الكلبي، فأقام الحكم صيفية فلم ~~يغز، ثم استعمل هشام أشرس ابن عبد الله السلمي على خراسان وأمره أن يكاتب ~~خالدا. وكان أشرس فاضلا خيرا، وكانوا يسمونه الكامل لفضله، فلما قدم خراسان ~~فرحوا به، واستقضى أبا المنازل الكندي ثم عزله واستقضى محمد بن زيد. ### || AUT ذكر دعاة بني العباس # PageV02P0397 # قبل: أول من قدم خراسان من دعاة بني العباس زياد أبو محمد مولى همدان في ~~ولاية أسد، بعثه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وقال له: انزل في اليمن ~~والأطف مضر، ونهاه عن رجل من نيسابور يقال له غالب لأنه كان مفرطا في حب ~~بني فاطمة، ويقال: أول من أتى خراسان بكتاب محمد بن علي حرب بن عثمان مولى ~~بني قيس بن ثعلبة من أهل بلخ، فما قدم زياد دعا إلى بني العباس وذكر سيرة ~~بني أمية وظلمهم، وأطعم الناس الطعام، وقدم عليه غالب وتناظرا في تفضيل آل ~~علي وآل العباس، وافترقا؛ وأقام زياد بمرو وشتوة ويختلف إليه من أهلها يحيى ~~بن عقيل الخزاعي وغيره. فأخبر به أسد، فدعاه وقال له: ما هذا الذي بلغني ~~عنك؟ قال: الباطل، وإنما قدمت إلى تجارة وقد فرقت مالي على الناس، فإذا ~~اجتمع خرجت. فقال له أسد: اخرج عن بلادي. فانصرف فعاد إلى أمره، فرفع أمره ~~إلى أسد وخوف من جانبه، فأحضره وقتل معه عشرة من أهل الكوفة ولم يبنج منهم ~~إلا غلامان استصغرهما، وقيل: بل أمر بزياد أن يوسط بالسيف، فضربوه بالسيف ~~فلم يعمل فيه، فكبر الناس، فقال أسد: ما هذا؟ قيل: نبا السيف عنه، ثم ضرب ~~أخرى فنبا السيف عنه، ثم ضربه الثالثة فقطعه باثنتين، وعرض البراءة على ~~أصحابه، فممن تبرأ خلى سبيله، فتبرأ اثنان فتركا وأبى البراءة ثمانية ~~فقتلوا. فلما كان الغد أقبل أحدهما إلى أسد فقال: أسألك أن تلحقني بأصحابي، ~~فقتله، وذلك قبل الأضحى بأربعة ms1745 أيام، ثم قدم بعدهم رجل من أهل الكوفة يسمى ~~كثيرا فنزل على أبي النجم، وكان يأتيه الذين لقوا زيادا، فكان على ذلك سنة ~~أو سنتين، وكان أميا، فقدم عليه خداش، واسمه عمارة غلب عليه خداش، فغلب ~~كثيرا على أمره. وقيل في أمل الدعاة ما تقدم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا عبد الله بن عقبة الفهري في البحر، وغزا معاوية ابن ~~هشام أرض الروم ففتح حصنا يقال له طيبة، فأطيب معه قوم من أهل أنطاكية. ~~وفيها قتل عمر بن يزيد الأسيدي، قتله مالك بن المنذر بن الجارود، وسبب قتله ~~أنه أبلى في قتال يزيد بن المهلب، فقال يزيد بن عبد الملك: هذا رجل العراق. ~~فغاظ ذلك خالد بن عبد الله وأمر مالك بن المنذر، وهو على شرط البصرة، أن ~~يعظمه ولا يعصي له أمرا، وأقبل يطلب له عثرة يقتله بها، فذكر مالك بن ~~المنذر عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فافترى عليه، فقال عمر بن يزيد: لا ~~تفتر على مثل عبد الأعلى. فأغلظ له مالك وضربه بالسياط حتى قتله الأسيدي ~~بضم الهمزة، وتشديد الياء تحتها نقطتان. وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك ~~الترك من ناحية أذربيجان فغنم وسبى وعاد سالما. وحج بالناس هذه السنة ~~إبراهيم بن هشام، فخطب الناس فقال: اسألوني فإنكم لا تسألون أحدا أعلم مني. ~~فسأله رجل من أهل العراق عن الأضحية أواجبة هي، فما درى ما يقول، فنزل ، ~~وكان هو العامل على المدينة ومكة والطائف، وكان على البصرة والكوفة خالد بن ~~عبد الله القشري، وكان قد استخلف على الصلاة بالبصرة أبان بن ضبارة الشربي، ~~وعلى الشرطة بها بلال ابن أبي بردة، وعلى قضائها ثمامة بن عبد الله بن أنس، ~~وعلى خراسان أشرس. وفي هذه السنة مات أبو مجلز لاحق بن حميد البصري. وفيها ~~غزا بشر ابن صفوان عامل إفريقية جزيرة صقلية فغنم شيئا كثيرا ثم رجع من ~~غزاته إلى القيروان وتوفي بها من سنتها، فاستعمل هشام بعده عبيدة بن عبد ~~الرحمن بن أبي الأغر ms1746 السلمي، فعزل عبيدة يحيى بن مسلمة الكلبي عن الأندلس ~~واستعمل حذيفة بن الأحوص الأشجعي، فقدم الأندلس في ربيع الأول سنة عشر ~~ومائة، فبقي واليا عليها ستة أسهر ثم عزل، ووليها عثمان بن أبي نسعة الخثعي. ### | AUT ثم دخلت سنة عشر ومائة # ### || AUT ذكر ما جرى لأشرس مع أهل سمرقند # ### || AUT وغيرها # PageV02P0398 # في هذه السنة أرسل أشرس إلى أهل سمرقند وما وراء النهر يدعوهم إلى ~~الإسلام على أن توضع عنهم الجزية، وأرسل في ذلك أبا الصيداء صالح بن طريف ~~مولى بني ضبة والربيع بن عمران التميمي. فقال أبو الصيداء: إنما أخرج على ~~شريطة أن من أسلم لا تؤخذ منه الجزية، وإنما خراج خراسان على رؤوس الرجال. ~~فقال أشرس: نعم. فقال أبو الصيداء لأصحابه: فإني أخرج، فإن لم يف العمال ~~أعنتموني عليهم؟ قالوا: نعم. فشخص إلى سمرقند من حولها إلى الإسلام على أن ~~توضع عنهم الجزية،فسارع الناس، فكتب غوزك إلى أشرس أن الخراج قد انكسر. ~~فكتب أشرس إلى ابن أبي العمرطة: إن في الخراج قوة للمسلمين، وقد بلغني أن ~~أهل الصغد وأشباههم ما أسلموا رغبة إنما أسلموا تعوذا من الجزية، فانظر من ~~اختتن وأقام الفائض وقرأ سورة من القرآن فارفع خراجه. ثم عزل أشرس ابن أبي ~~العمرطة عن الخراج وصيره إلى هانئ بن هانئ، فمنعم أبو الصيداء من أخذ ~~الجزية ممن أسلم، فكتب هانئ إلى أشرس: عن الناس قد أسلموا وبنوا المساجد. ~~فكتب أشرس إليه وإلى العمال: خذوا الخراج ممن كنتم تأخذونه منه. فأعادوا ~~الجزية على من أسلم. فامتنعوا واعتزلوا في سبعة آلاف على عدة فراسخ من ~~سمرقند، وخرج إليهم أبو الصيداء وربيع بن عمران التميمي والهيثم الشيباني ~~وأبو فاطمة الأزدي وعامر بن قشيراء وبجير الخجندي وبنان العنبري وإسماعيل ~~بن عقبة لينصروهم، فعزل أشرس ابن أبي العمرطة عن الحرب وأستعمل مكانه ~~المجشر بن مزاحم السمي على الحرب وصم إليه عميرة بن سعد الشيباني. فلما قدم ~~المجشر كتب إلى أبي الصيداء يسأله أن يقدم عليه هو وأصحابه، فقدم أبو ~~الصيداء وثابت قطنة، فحبسهما، ms1747 فقال أبو الصيداء: غرتم ورجعتم عما قلتم. ~~فقال هانئ: ليس بغدر ما كان فيه حقن الدماء؛ ثم سيره إلى أشرس، فكتبوا ~~إليه، فكتب أشرس: ضعوا عنهم الخراج، فرجع أصحاب أبي الصيداء وضعف أمرهم، ~~فتبع الرؤساء، فأخذوا وحملوا إلى مرو، وبقي ثابت محبوسا، فألح هانئ في ~~الخراج واستخفوا بعظماء العجم والدهاقين وأقيموا وتخرقت ثيابهم وألقيت ~~مناطقهم في أعتاقهم، وأخذوا الجزية ممن أسلم من لضعفاء، فكفرت الصغد وبخارى ~~واستجاشوا الترك. ولم يزل ثابت قطنة في حبس المجشر حتى قدم نصر بن سيار إلى ~~المجشر واليا فحمله إلى أشرس فحبسه، وكان نصر قد أحسن إليه؛ فقال ثابت ~~يمدحه بأبيات يوقل فيها: ما هاج شوقك من نؤي وأحجار ... ومن رسوم عفاها صوب ~~أمطار إن كان ظنب بنصر صادقا أبدا ... فيما أدبر من نقضي وإمراري لا يصرف ~~الجند حتى يستفئ بهم ... نهبا عظيما ويحوي ملك جبار إني وإن كنت من جذم ~~الذي نضرت ... منه الفروع وزندي الثاقب الواري لذاكر منك أمرا قد سبقت به ~~... من كان قبلك يا نصر بن سيار ناضلت عني نضال الحر إذا قصرت ... دوني ~~العشيرة واستبطأت أنصاري وصار كل صديق كنت آمله ... ألبا علي ورث الحبل من ~~جاري وما تبلست بالأمر الذي وقعوا ... به علي ولا دنست أطماري ولا عصيت ~~إماما كان طاعته ... حقا علي ولا قارفت من عار وخرج أشرس غازيا فنزل آمل ~~فأقام ثلاثة أشهر. وقدم قطن بن قتيبة بن مسلم فعبر النهر في عشرة آلاف، ~~فأقبل أهل الصغد وبخارى معهم خاقان والترك، فحصروا قطنا في خندقه، فأرسل ~~خاقان من أغار على مسرح الناس، فأخرج أشرس ثابت قطنة بكفالة عبد الله بن ~~بسطام بن مسعود بن عمرو، فوجهه مع عبد الله بن بسطام في خيل، فاتلوا الترك ~~بآمل حتى استنقذوا ما بأيديهم ورجع الترك. PageV02P0399 # ثم عبر أشرس بالناس إلى قطن، وبعث أشرس سرية مع مسعود أحد بني حيان، ~~فلقيهم العدو فقاتلوهم، فقتل رجال من المسلمين وهزم مسعود فرجع إلى أشرس، ~~وأقبل العدو، فلقيهم المسلمون فجالوا جولة فقتل رجال من ms1748 المسلمين، ثم رجع ~~المسلمون وصبروا فانهزم المشركون، وسار أشرس بالناس حتى نزل بيكند، فقطع ~~العدو عنهم الماء وأقام المسلمون يوما وليلة وعطشوا فرحلوا إلى المدينة ~~التي قطع العدو بها، وعلى المقدمة قطن ابن قتيبة، فلقيهم العدو فقتلوهم ~~فجهدوا من العطش، فمات منهم سبعمائة، فعجز الناس عن القتال، فحرض الحارث بن ~~سريج الناس فقال: القتل بالسيف أكرم في الدنيا وأعظم أجرا عند الله من ~~الموت عطشا. وتقدم الحارث وقطن في فوارس من تميم فقاتلوا حتى أزالو التر عن ~~الماء، فابتدره الناس فشربوا واستقوا. ثم مر ثابت قطنة بعبد الملك بن دثار ~~الباهلي فقال: هل لك في الجهاد؟ فقال: أمهلني حتى أغتسل وأتحنط. فوقف له ~~حتى اغتسل ثم مضيا، وقال ثابت لأصحابه: أنا أعلم بقتال هؤلاء منك؛ وحرضهم، ~~فحملوا، واشتد القتال، فقال ثابت قطنة: اللهم إني كنت ضيف ابن بسطان ~~البارحة فاجعلني ضيفك الليلة، والله لا ينظر إلي بنو أمية مشدودا ف الحديد. ~~فحمل وحمل أصحابه، فرجع أصحابه وثبت هو، فرمي برذونة فشب، وضربه فأقدم، ~~وضرب ثابت فارتث فقال وهو صريع: اللهم إني أصبحت ضيقا لابن بسطام وأمست ~~ضيفك! فاجعل قراي منك الجنة! فقتلوه وقتلوا معه عدة من المسلمين، منهم: صخر ~~بن مسلم بن النعمان العبدي، وعبد الملك بن دثار الباهلي، وغيرهما؛ وجمع قطن ~~وإسحاق بن محمد بن حبان خيلا من المسلمين تبايعوا على الموت، فحملوا على ~~العدو فقاتلوهم فكشفوهم وركبهم المسلمون يقتلونهم حتى حجزهم الليل وتفرق ~~العدو، وأتى أشرس بخارى فحصر أهلها. الحارث بن سريج بالسين المهلمة والجيم. ### || AUT ذكر وقعة كمرجه # ثم عن خاقان حصر كمرجه، وهي من أعظم بلدان خراسان، وبها جمع من ~~المسلمين، ومع خاقان أهل فرغانة وأفشينة ونسف وطوائف من أهل بخارى، فاغلق ~~المسلمون الباب وقطعوا القنطرة التي على الخندق. فأتاهم ابن خسرو بن يزدجرد ~~فقال: يا معشر العرب لم تقتلون أنفسكم؟ أنا الذي جئت بخاقان ليرد علي ~~مملكتي وأنا آخذ الأمان. فشتموه. وأتاهم بازغرى في مائتين، وكان داهية، ~~وكان خاقان لا يخالفه، فدنا من المسلمين بأمان ms1749 وقال: لينزل إلي رجل منكم ~~أكلمه بما أرسلني به خاقان. فأحذروا يزيد بن سعيد الباهلي، وكان يفهم ~~التركية يسيرا، فقال له: إن خاقان أرسلني وهو يقول إني أجعل من عطاؤه منكم ~~ستمائة ألفا، ومن عطاؤه ثلاثمائة وستمائة، وهو يحسن إليكم. فقال له يزيد: ~~كيف تكون العرب وهم ذئاب مع الترك وهم شاء! لا يكون بيننا وبينهم صلح. فغضب ~~بازغرى، وكان معه تركيان، فقالا: ألا تضرب عنقه؟ فقال: إنه نزل بأمان. وفهم ~~يزيد ما قالا فخاف فقال: بلى إنما تجعلوننا نصفين فيكون نصفنا مع أثقالنا ~~ويسير النصف معكم، فإن ظفرتم فنحن معكم، وإن كان غير ذلك كنا كسائر مدائن ~~الصغد. فرضوا بذلك، وقال: أعرض على أصحابي هذا. وصعد في الحبل، فلما صار ~~على السور نادى: يا أهل كمرجه اجتمعوا فقد جاءكم قوم يدعونكم إلى الكفر بعد ~~الإيمان، فما ترون؟ قالوا: لا نجيب ولا نرضى. قال: يدعونكم إلى قتال ~~المسلمين مع المشركين. قالوا نموت قبل ذلك. فرد بازغرى. ثم أمر خاقان بقطع ~~الخندق، فجعلوا يلقون الحطب الرطب ويلقي المسلمون الحطب اليابس حتى سوي ~~الخندق فأشعلوا فيه النيران وهاجت ريح شديدة صنعا من الله فاحترق الحطب ~~وكانوا جمعوه في سبعة أيام، في ساعة واحدة. ثم فرق خاقان على الترك أغناما ~~وأمرهم أن يأكلوا لحمها ويحشوا جلودها ترابا وكبسوا خندقها، ففعلوا ذلك، ~~فأرسل الله سحابة فمطرت مطرا شديدا، فاحتمل السيل ما في الخندق وأقاه في ~~النهر العظيم. ورماهم المسلمون بالسهام فأصابت بازعغرى نشابة في سرته فمات ~~من ليلته، فدخل عليهم بموته أمر عظيم. فلما امتد النهار جاؤوا بالأسرى ~~الذين عندهم، وهم مائة، فيهم أبو العوجاء العتكي والحجاج بن حميد النضري، ~~فقتلوهم ورموا برأس الحجاج، وكان عند المسلمين مائتان من أولاد المشركين ~~رهائن فقتلوهم واستماتوا، واشتد القتال. PageV02P0400 # ولم يزل أهل كرمجه كذلك حتى أقبلت جنود العرب فنزلت فرغانة، فعير خاقان ~~أهل الصغد وفرغانة والشاش والدهاقين وقال: زعمتم أن في هذه خمسين حمارا ~~وأنا نفتحها في خمسة أيام فارت الخمسة شهرين. وأمرهم بالرحيل وشتمهم، ~~فقالوا: ما ms1750 ندع جهدا، فاحضرنا غدا وانظر ما نصنع. فلما كان الغد وقف خاقان ~~وتقدم ملك الطاربند فقاتل المسلمين فقتل منهم ثمانية، وجاء حتى وقف على ~~ثلمة إلى جانب بيت فيه مريض من تميم، فرماه التميمي بكلوب، فتعلق بدرعه، ثم ~~نادى النساء والصبيان فجذبوه فسقط لوجه، ورماه رجل بحجر فأصاب أصل أذنه ~~فصرع، وطعنه آخر فقتله، فاشتد قتله على الترك. وأرسل خاقان إلى المسلمين: ~~إنه ليس من رأينا أن نرتحل عن مدينة نحاصرها دون إفتتاحها أو ترحلهم عنها. ~~فقالوا له: ليس من ديننا أن نعطي بأيدينا حتى نقتل فاصنعوا ما بدا لكم. ~~فأعطاهم الترك الأمان أن يرحل خاقان عنهم وبرحوا هم عنها إلى سمرقند أو ~~الدبوسية، فرأى أهل كمرجه ما هم فيه من الحصار فأجابوا إلى ذلكم، فأخذوا من ~~الترك رهائن أن لا يعرضوا لهم وطلبوا أن كورصول التركي يكون معهم في جماعة ~~لمينعهم إلى الدبوسية، فسلموا إليهم الرهائن وأخذوا أيضا هم من المسلمين ~~رهائن، وارتحل خاقان عنهم، ثم رحلوا هم بعده، فقال الأتراك الذين مع ~~كورصول: إن بالدبوسية عشرة آلاف مقاتل ولا نأمن أن يخرجوا علينا. فقال لهم ~~المسلمون : إن قاتلوكم قاتلناهم معكم. فساروا، فلما صار بينهم وبين ~~الدبوسية فرسخ نظر أهلها إلى الفرسان فظنوا أن كمرجه فتحت وأن خاقان قد ~~قصدهم فتأهبوا للحرب، فأرسل المسلمون إليهم يخبرونهم خبرهم، فالتقوهم ~~وحملوا من كان يضعف عن المشي ومن كان مجروحا. فلما بلغ المسلمون الدبوسية ~~أرسلوا إلى من عنده الرهائن يعلمونه بوصولهم ويأمرونه بإطلاقهم، فجعلت ~~العرب تطلق رجلا من الرهن والترك رجلا حتى بقي سباع بن النعمان مع الترك، ~~ورجل من الترك عند العرب، وجعل كل فريق يخاف من صاحبه الغدر، فقال سباع: ~~خلوا رهينة الترك، فخلوه، وبقي سباع مع الترك، فقال له كورصول: ما حملك على ~~هذا؟ قال: وثقت بك وقلت ترفع نفسك عن الغدر، فوصله كورصول وأعطاه سلاحه ~~وبرذونا وأطلقه. وكانت مدة حصار كمرجة ثمانية وخمسين يوما فيقال: إنهم لم ~~يسقول إبلهم خمسة وثلاثين يوما. ### || AUT ذكر ردة أهل كردر # في ms1751 هذه السنة أرتد أهل كردر، فأرسل إليهم أشرس جندا فظفروا بهم؛ فقال ~~عرفجة ونحن كفينا أهل مرو وغيرهم ... ونحن نفينا الترك عن أهل كردر فإن ~~تجعلوا ما قد غنمنا لغيرنا ... فقد يظلم المرء الكريم فيصبر ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة جمع خالد القسري الصلاة والأحداث والشرط والقضاء بالبصرة ~~لبلال بن أبي بكرة وعزل ثمامة عن القضاء. وفيها غزا مسلمة الترك من باب ~~اللان، فلقي خاقان في جموعه فاقتتلوا قريبا من شهر وأصابهم مطر شديد، ~~فانهزم خاقان وانصرف ورجع مسلمة فسلك على مسلك ذي القرنين. وفيها غزا ~~معاوية الروم ففتح صملة. وفيها غزا الصائفة عبد الله بن عقبة الفهري، وكان ~~على جيش البحر عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، بضم الحاء وفتح الدال ~~المهملتين. وحج بالناس إبراهيم بن إسماعيل. فكان العمال على البلاد هذه ~~السنة من تقدم ذكرهم في السنة التي قبلها. وفيها مات الحسن البصري وله سبع ~~وثمانون سنة. ومحمد بن سيرين وهو ابن إحدى وثمانين سنة. وفيها، أعني سنة ~~عشر ومائة، مات الفرزدق الشاعر وله إحدى وتسعون سنة. وجرير بن الخطفى الشاعر. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائة # ### || AUT ذكر عزل أشرس عن خراسان # ### || AUT واستعمال الجنيد # في هذه السنة عزل هشام أشرس بن عبد الله عن خراسان. PageV02P0401 # وكان سبب ذلك أن شداد بن خليد الباهلي شكاه إلى هشام، فعزله واسعمل ~~الجنيد بن عبد الرحمن على خراسان، وهو الجنيد بن عبد الرحمن بن عمرو بن ~~الحارث بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة امري. وكان سبب استعماله أنه أهدى ~~لأم حكيم بنت يحيى بن الحكم امرأة هشام قلادة في جوهر، فأعجبت هشاما، فأهدى ~~لهشام قلادة أخرى، فاستعمله وحمله على ثمانية من البريد، فقدم خراسان وقطعا ~~النهر، وأرسل الجنيد إلى أشرس وهو يقاتل أهل بخارى والصغد: أن أمدني بخيل، ~~وخاف أن يقتطع دونه فوجه إليه أشرس عامر بن مالك الحماني، فلما كان عامر ~~ببعض الطريق عرض له الترك والصغد، فدخل حائطا حصينا وقاتلهم على الثلمة ~~ومعه ورد ms1752 بن زياد بن أدهم بن كلثوم وواصل بن عمرو القيسي. فخرج واصل وعاصم ~~بن عيمر المسقندي ومعهما غيرهما فاستداروا حتى صاروا من وراء الماء الذي ~~هناك. ثم جمعوا قصبا وخشبا وعبروا عليه، فلم يشعر خاقان إلا والتكبير من ~~خلفه، وحمل الملمون على الترك، فاتلوهم فقتلوا عظيما من عظمائهم وانهزم ~~الترك، وار عامر إلى الجنيد، فلقيه وأقبل معه، وعلى مقدمة الجنيد عمارة بن ~~حريم، فلما انتهى إلى فرسخين من بيكند تلقته خيل الترك فقاتلتهم، فكاد ~~الجنيد يهلك ومن معه، ثم أظهره الله وسار حتى قدم العسكر، فظفر الجنيد وقتل ~~الترك، وزحف غليه خاقان، فالتقوا دون رزمان من بلاد سمرقند، وقطن بن قتيبة ~~على ساقة الجنيد. فأسر الجنيد من الترك ابن أخي خاقان في هذه الغزاة فبعث ~~به إلى هشام. وكان الجنيد عماله ولم يستعمل إلا مضريا، استعمل قطن بن قتيبة ~~على بخارى، والوليد بن القعقاع العبسي على هراة، وحبيب بن مرة العبسي على ~~شرطه، وعلى بلخ مسلم بن عبد الرحمن بالباهلي، وكان عليها نصر بن سيار، وكان ~~ما بينه وبين الباهليين متباعدا لما كان بينهم بالبروقان، وأرسل مسلم إلى ~~نصر فصادفوه نائما، فجاؤووا به في قميص ليس عليه سراويل ملبيا، فقال شيخ من ~~مضر: جئتم به على هذه الحال! فعزل الجنيد مسلما عن بلخ واستعمل يحيى بن ~~ضبيعة، واستعمل على خراج سمرقند شداد بن خليد الباهلي. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وغزا سعيد بن هشام ~~الصائفة اليمنى حتى أتى قيسارية، وغزا في البحر عبد الله بن أبي مريم. ~~واستعمل هشام على عامة الناس من الشام ومصر الحم بن قيس بن مخرمة ابن عبد ~~المطلب بن عبد مناف. وفيها سارت الترك إلى أذربيجان فلقيهم الحارث ابن عمرو ~~فهزمهم. وفيها استعمل هشام الجاح بن عبد الله الحكمي على أرمينية وعزل أخاه ~~مسلمة بن عبد الملك، فدخل بلاد الجذر من ناحية تفليس فتح مدينتهم البيضاء ~~وانصرف سالما، فجمعت الخزر وحشدت وسارت إلى بلاد الإسلام، وكان ذلك ms1753 سبب قتل ~~الجراح، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها عزل عبيدة بن عبد الرحمن، ~~عامل إفريقية، عثمان بن نسعة عن الأندلس واستعمل بعده الهيثم بن عبيد ~~الكناني، وقدمها في المرحم سنة إحدى عشرة ومائة، وتوفي في ذي الحجة من ~~السنة، فكانت ولايته عشرة أشهر. وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن هشام ~~المخزومي، فكان العمال من تقدم ذكرهم إلا خراسان كان بها الجنيد، وكان ~~بأرمينية الجراح بن عبد الله. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومائة # ### || AUT ذكر قتل الجراح الحكمي # في هذه السنة قتل الجراح بن عبد الله الحكمي. وسبب ذلك ما ذكرناه قبل من ~~دخوله بلاد الخزر وانهزامهم، فلما هزمهم اجتمع الخزر والترك من ناحية ~~اللان، فلقيهم الجراح بن عبد الله فيمن معه من أهل الشام فاقتتلوا أشد قتال ~~رآه الناس، فصبر الفريقان، وتكاثرت الخزر والترك على المسلمين، فاستشهد ~~الجراح ومن كان معه بمرج أدبيل، وكان قد استخلف أخاه الحجاج ابن عبد الله ~~على أرمينية. ولما قتل الجراح طمع الخزر وأغلوا في البلاد حتى قاربوا ~~الموصل، وعظم الخطب على المسلمين. وكان الجراح خيرا فاضلا من عمال عمر بن ~~عبد العزيز، ورثاه كثير من الشعراء. وقيل: كان قتله ببلنجر. ولما بلغ هشاما ~~خبره دعا سعيدا الحرشي فقال له: بلغني أن الجراح قد انحاز عن المشركين. ~~قال: كلا يا أمير المؤمنين، الجراح أعرف بالله من أن ينهزم ولكنه قتل. قال: ~~فما رأيك؟ قال: تبعثني على أربعين دابة من دواب البريد، ثم تبعث إلي كل يوم ~~أربعين رجلا، ثم اكتب إلى أمراء الأجناد يوافوني. PageV02P0402 # ففعل ذلك هشام، وسار الحرشي، فكان لايمر بمدينة إلا ويستنهض أهلها فيجيبه ~~من يزيد الجهاد، ولم يزل كذلك حتى وصل إلى مدينة أرزن، فلقيه جماعة من ~~أصحاب الجراح وبكوا وبكى لبكائهم وفرق فيهم نفقة وردهم معه، وجعل لا يلقاه ~~أحد من أصحاب الجراح إلا رده معه، ووصل إلى خلاط، وهي ممتنعة عليه، فحصرها ~~أيضا وفتحها وقسم غنائمها في أصحابه. ثم سار عن خلاط وفتح الحصون والقلاع ms1754 ~~شيئا بعد شيء إلى أن وصل إلى برذعة فنزلها. وكان ابن خاقان يومئذ بأذربيجان ~~يغي وينهب ويسبي ويقتل وهو محاصر مدينة ورثان، فخاف الحرشي أن يملكها، ~~فأرسل بعض أصحابه إلى أهل ورثان سرا يعرفهم وصولهم ويأمرهم بالصبر، فسار ~~القاصد، ولقيه بعض الخزر فأخذوه وسألوه عن حاله، فاخبرهم وصدقهم، فقالوا ~~له: إن فعلت ما نأمرك به أحسنا إليك وأطلقناك وإلا قتلناك. قال: فما الذي ~~يريدون؟ قالوا: تقول لأهل ورثان إنكم ليس لكم مدد ولا من يكشف ما بكم، ~~وتأمرهم بتسليم البلد إلينا. فأجابهم إلى ذلك. فلما قارب المدينة وقف بحيث ~~يسمع أهلها كلامه فقال لهم: أتعرفوني؟ قالوا: نعم أنت فلان. قال: فإن ~~الحرشي قد وصل إلى مكان كذا في عساكر كثيرة، وهو يأمركم بحفظ البلد والصبر، ~~ففي هذين اليومين يصل إليكم فرفعوا أصواتهم بالتكبير والتهليل. وقتلت الخزر ~~ذلك الرجل ورحلوا عن مدينة ورثان، فوصلها الحرشي في العساكر وليس عندها ~~أحد. فارتحل يطلب الخزر إلى أردبيل، فسار الخزر عنها ونزل الحرشي باجروان، ~~فأتاه فارس على فرس أبيض فسلم عليه وقال له: هل لك أيها المير في الجهاد ~~والغنيمة؟ قال: كيف لي ذلك؟ قال: هذا عسكر الخزر في عشرة آلاف ومعهم خمسة ~~آلاف من أهل بين من المسلمين أسارى أو سبايا وقد نزلوا على أربعة فراسخ. ~~فسار الحرشي ليلا فوافاهم آخر الليل وهم نيام، ففرق أصحابه في أربع جهات ~~فكبسهم مع الفجر ووضع المسلمون فيهم السيف، فما بزغت الشمس حتى قتلوا ~~أجمعون غير رجل واحد، وأطلق الحرشي من معهم من المسلمين وأخذهم إلى ~~باجروان، فلما دخلها أتاه ذلك الرجل صاحب الفرس الأبيض فسلم وقال: هذا جيش ~~للخزر ومعهم أموال المسلمين وحرم الجراح وأولاده بمكان كذا. فسار الحرشي ~~إليهم، فما شعروا إلا والمسلمون معهم فوضعوا فيهم السيف فتقلوهم كيف شاؤوا، ~~ولم يفلت من الخزر إلا الشريد، واستنفذوا من معهم في المسلمين والمسلمات ~~وغنموا أموالهم، وأخذ أود الجراح فأكرمهم وأحسن إليهم، وحمل الجميع إلى ~~باجروان. وبلغ خبر فعله الحرشي بعساكر الخزر ابن ملكهم، فوبخ عساكره ms1755 وذمهم ~~ونسبهم إلى العجز والوهن، فحرض بعضهم بعضا وأشاروا عليه بجمع أصحابه والعود ~~إلى قتال الحرشي. فجمع أصحابه من نواحي أذربيجان، فاجتمع معه عساكر كثيرة، ~~وسار الحرشي إليه فالتقيا بأرض برزند، واقتتل الناس أشد قتال وأعظمه، ~~فانحاز المسلمون يسيرا، فحرضهم الحرشي وأمرهم بالصبر، فعادوا إلى القتال ~~وصدقوهم الحملة، واستغاث من مع الخزر من الأساى ونادوا بالتكبير والتهليل ~~والدعاء، فعندها حرص المسلمون بعضهم بعضا ولم يبق أحد إلا وبكى رحمة ~~للأسرى، واشتدت نكايتهم في العدو، فولوا الأدبار منهزمين، وتبعهم المسلمون ~~حتى بلغوا بهم نهر رأس، وعادوا عنهم وحووا ما في عساكرهم من الأموال ~~والغنائم، وأطلقوا الأسرى والسبايا وحملوا الجميع إلى باجروان. ثم إن ابن ~~ملك الخزر جمع من لحق به من عساكره وعاد بهم نحو الحرشي فنزل على نهر ~~البيلقان، فالتقوا هناك، فصاح الحرشي بالناس، فحملوا حملة صادقة ضعضعوا ~~صفوف الخزر، وتابع الحملات وصبر الخزر صبرا عظيما ثم كانت الهزيمة عليهم، ~~فولوا الأدبار منهزمين، وكان من غرق منهم في النهر أكثر ممن قتل. وجمع ~~الحرشي الغنائم وعاد إلى باجروان فقسمها، وأرسل الخمس إلى هشام بن عبد ~~الملك وعرفه ما فتح الله على المسلمين، فكتب إليه هشام يشكره. وأقام ~~بباجروان، فأتاه كتاب هشام يأمره بالمصير إليه، واستعمل أخاه مسلمة ابن عبد ~~الملك على أرمينية وأذربيجان، فوصل إلى البلاد وسار إلى الترك في شتاء شديد ~~حتى جاز الباب في آثارهم. ### || AUT ذكر وقعة الجنيد بالشعب # PageV02P0403 # في هذه السنة خرج الجنيد غازيا يريد طخارستان، فوجه عمارة بن حريم إلى ~~طخارستان في ثمانية عشر ألفا، ووجه إبراهيم بن بسام الليثي في عشرة آلاف ~~إلى وجه آخر، وجاشت الترك فأتوا سمرقند وعليها سورة ابن الحر، فكتب سورة ~~إلى الجنيد: إن خاقان جاش الترك فخرجت إليهم فلم أطق أن أمنع حائط سمرقند، ~~فالغوث الغوث! فأمر الجنيد الناس بعبور النهر، فقام إليه المجشر بن مزاحم ~~السلمي وابن بسطام الأزدي وغيرهما وقالوا: إن الترك ليسوا كغيرهم لا يلقونك ~~صفا ولا زحفا وقد فرقت جندك، فمسلم بن عبد الرحمن بالبيروذ، ms1756 والبختري ~~بهراة، وعمارة بن حريم غائب بطخارستان، وصاحب خراسان لا يعبر النهر في أقل ~~من خمسين ألفا، فاكتب إلى عمارة فليأتك أمهل ولا تعجل. قال: فكيف بسورة ومن ~~معه من المسلمين؟ لو لم أكن إلا في بني مرة أو من طلع معي من الشام لعبرت؛ ~~وقال شعرا: أليس أحق الناس أن يشهد الوغى ... وأن يقتل الأبطال ضخما على ~~ضخم وقال: ما علتي ما علتي ما علتي ... إن لم اقتلهم فجزوا لمتي وعبر ~~الجنيد فنزل كش وتأهب للمسير، وبلغ الترك فعوروا الآبار التي في طريق كش، ~~فقال الجنيد: أي طريق إلى سمرقند أصلح؟ فقالوا: طريق المحترقة. فقال ~~المجشر: القتل بالسيف أصلح من القتل بالنار، طريق المحترقة كثير الشجر ~~والحشيش ولم يزرع منذ سنين، فإن لقينا خاقان أحرق ذلك كله فقتلنا بالنار ~~والدخان، ولكن خذ طريق العقبة فهو بيننا وبينهم سواء. فأخذ الجنيد طريق ~~العقبة فارتقى في الجبل، فأخذ المجشر بعنان دابته وقال: إنه كان يقال: ~~ليفرخ روعك. قال: أما ما كان بيننا مثلك فلا. فبات في أصل العقبة ثم سار ~~بالناس حتى صار بينه وبين سمرقند أربعة فراسخ ودخل الشعب، فصبحه خاقان في ~~جمع عظم، وزحف إليه أهل الصغد وفرغانة والشاش وطائفة من الترك، فحمل خاقان ~~على المقدمة، وعليها عثمان بن عبد الله بن الشخير، فرجعوا إلى العسكر ~~والترك تتبعهم وجاؤوهم من كل وجه، فجعل الجنيد تميما والأزد في الميمنة، ~~وربيعة في الميسرة مما يلي الجبل، وعلى مجففة خيل بني تميم عبيد الله بن ~~زهير بن حيان، وعلى المجردة عمروا بن جرقاش المنقري، وعلى جماعة بني تميم ~~عامر بن مالك الحماني، وعلى الأزد عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمرو، ~~وعلى المجففة والمجردة فضيل ابن هناد وعبد الله بن حوذان. فالتقوا، وقصد ~~العدو الميمنة لضيق الميسرة، فترجل حسان بن عبيد الله ابن زهير بين يدي ~~أبيه، فأمره أبوه بالركوب، فركب، وأحاط العدو بالميمنة، فأمدهم الجنيد بنصر ~~بن سيار، فشد هو ومن معه على العدو فكشفوهم، ثم كروا عليهم وقنتلوا عبيد ms1757 ~~الله بن زهير وابن جرقاش والفضيل ابن هناد، وجالت الميمنة والجنيد واقف في ~~اقلب، فأقبل إلى الميمنة ووقف تحت راية الأزد، وكان قد جفاهم، فقال له صاحب ~~الراية: ما هلكنا لم تبك علينا. وتقدم فقتل، وأخذ الراية ابن مجاعة فقتل، ~~وتداولها ثمانية عشر رجلا فقتلوا، وقتل يومئذ من الأزد ثمانون رجلا. وصبر ~~الناس يقاتلون حتى أعيوا، فكانت السيوف لا تقطع شيئا، فقطع عبدهم الخشب ~~يقاتلون به حتى مل الفريقان، فكانت المعانقة ثم تحاجزوا. وقتل من الأزد عبد ~~الله بن بسطام، ومحمد بن عبد الله بن حوذان، والحسن ابن شيخ، والفضيل صاحب ~~الخيل، ويزيد بن الفضل الحداني، وكان قد حج فأنفق في حجته ثمانين ومائة ~~ألف، وقال لأمه: ادعي الله أن يرزقني الشهادة، فدعت له وغشي عليها، فاستشهد ~~بعد مقدمة من الحج بثلاثة عشر يوما، وقتل النضر بن راشد العبدي، وكان قد ~~دخل على امرأته والناس يقتتلون فقال لها: كيف أنت إذا أتيت بأبي ضمرة في ~~لبد مضرجا بالدم؟ فشقت جيبها ودعت بالويل؛ فقال لها: حسبك، لو أعولت علي كل ~~أنثى لعصيتها شوقا إلى الحور العين! فرجع وقاتل حتى استشهد، رحمه الله. ~~فبينا الناس كذلك إذ أقبل رهج وطلعت فرسان، فنادى الجنيد: الأرض الأرض! ~~فترجل وترجل الناس، ثم نادى: يخندق كل قائد على حياله، فخندقوا وتحاجزوا، ~~وقد أصيب من الأزد مائة وتسعون رجلا. وكان قتالهم يوم الجمعة، فلما كان يوم ~~السبت قصدهم خاقان وقت الظهر فلم ير موضعا للقتال أسهل من موضع بكر بن ~~وائل، وعليهم زياد بن الحارث، فقصدهم، فلما قربوا حملت بكر عليهم فأخرجوا ~~لهم، فسجد الجنيد واشتد القتال بينهم. PageV02P0404 ### || AUT ذكر مقتل سورة بن الحر # فلما اشتد القتال ورأى الجنيد شدة الأمر استشار أصحابه، فقال له عبيد ~~الله بن حبيب: احتراما أن تهلك أنت وسورة بن الحر. قال: هلاك سورة أهون ~~علي. قال: فاكتب إليه فليأتك في أهل سمرقند، فإنه إذا بلغ الترك إقباله ~~توجهوا إليه فقاتلوه. فكتب إليه الجنيد يأمره بالقدوم. وقال حليس بن غالب ~~الشيباني: إن ms1758 الترك بينك وبين الجنيد، فإن خرجت كروا عليك فاختطفوك. فكتب ~~إلى الجنيد: إني لا أقدر على الخروج. فكتب إليه الجنيد: يا ابن اللخناء ~~تخرج وإلا وجهت إليك شداد بن خليد الباهلي، وكان عدوه، فاخرج الزم الماء ~~ولا تفارقه، فأجمع على المسير وقال: إذا سرت على النهر لا أصل في يويمين ~~وبيني وينه في هذا الوجه ليلة، فإذا سكت الرجل سرت. فجاءت عيون الأتراك ~~فأخبروهم بمقالة يورة، ورحل سورة واستخلف على سمر قند موسى بن أسود ~~الحنظلي، وسار في اثني عشر ألفا، فأصبح على رأس جبل، فتلقاه خاقان حين أصبح ~~وقد سار ثلاثة فراسخ وبينه وبين الجنيد فرسخ فقاتلهم، فاشتد القتال وصبروا. ~~فقال غوزك لخاقان: اليوم حار فلا نقاتلهم حتى يحمى عليهم السلاح، فوافقهم ~~وأشعل النار في الحشيش وحال بينهم وبين الماء، فقال سورة لعبادة: ما ترى يا ~~أبا سليم؟ فقال: أرى أن الترك يريدون الغنيمة فاعقر الدواب واحرق المتاع ~~وجر السيف، فإنهم يخلون لنا الطريق، وإن منعونا شرعنا الرماح ونزحف زحفا، ~~وإنما هو فرسخ حتى نصل إلى العسكر. فقال: لا أقوى على هذا ولا فلان وفلان، ~~وعد رجالا، ولكن أجمع الخيل فأصكهم بها سلمت أم عطبت. وجمع الناس وحملوا، ~~فانكشف الترك وثار الغبار فلم يبصروا من وراء الترك لهيب فسقطوا فيه، وسقط ~~العدو والمسلمون وسقط سوة فاندقت فخذه وتفرق الناس، فقتلهم الترك ولم ينجح ~~منهم غير ألفين، وقال ألف، وكان ممن نجا منهم عاصم بن عمير السمرقند، ~~واستشهد حليس بن غالب الشيباني، وانحاز المهلب بن زياد العجلي في سبعمائة ~~إلى رستاق يسمى المرغاب فنزلوا قصرا هناك، فأتاهم الأشكند صاحب نسف في خيل ~~ومعه غوزك، فأعطاهم غوزك الأمان. فقال قريش بن عبد الله العبدي: لا تثقوا ~~بهم، ولكن إذا جننا الليل خرجنا عليهم حتى نأتي سمرقند. فعصوه فنزلوا ~~بالأمان، فساقهم إلى خاقان فقال: لا أجيز أمان غوزك، فقاتلهم الوجف بن خالد ~~والمسلمون فأصيبوا غير سبعة عشر رجلا فقتلوا غير ثلاثة. وقتل سورة في ~~اللهبن فلما قتل خرج الجنيد من الشعب يريد ms1759 سمرقند مبادرا فقال له خالد بن ~~عبيد الله: سر وأسرع. فقال له المجشر: انزل وخذ بلجام دابته، فنزل ونزل ~~الناس معه، فلم يستتم نزولهم حتى طلع الترك، فقال المجشر له: لو لقونا ونحن ~~نسير ألم يهلكونا؟ فلما أصبحوا تناهضوا فجال الناس، فقال الجنيد: أيها ~~الناس إنها النار، فرجعوا، ونادى الجنيد: أي عبد قاتل فهو حر. فقاتل العبيد ~~قتالا عجب منه الناس، فسروا بما رأوا من صبرهم وصبر الناس حتى انهزم العدو ~~ومضوا، فقال موسى بن التعراء للناس: تفرحون بما رأيتم من العبيد إن لكم ~~منهم ليوما أروزبان. ومضى الجنيد إلى سمر قند فحمل عيال من كان مع سورة إلى ~~مرو وأقام بالصغد أربعة أشهر. وكان صاحب رأي خراسان في الحرب المجشر بن ~~مزاحم وعبد الرحمن بن صبح الخرقي وعبيد الله بن حبيب الهجري، وكان المجشر ~~ينزل الناس على راياتهم ويضع المسالح ليس لأحد مثل رأيه في ذلك، وكان ~~المجشر ينزل الناس على راياتهم ويضع المسالح ليس لأحد مثل رأيه، وكان عبيد ~~الله على تعبية القتال. وكان رجال من الموالي مثل هؤلاء في الرأي والمشورة ~~والعلم بالحرب، فمنهم: الفضل بن بسام، مولى ليث، وعبد الله بن أي عبد الله، ~~مولى سليم، والبختري بن مجاهد، مولى شيبان. فلما انصرف الترك بعث الجنيد ~~نهار بن توسعة، أحد بني تيم الللات، وزبل بن سويد المري إلى هشام، وكتب ~~إليه: إن سورة عصاني، أمرته بلزوم الماء فلم يفعل فتفرق عنه أصحابه فأتتني ~~طائفة إلى كش وطائفة إلى نسف وطائفة إلى سمرقند وأصيب سورة في بقية أصحابه. ~~PageV02P0405 # فسأل هشام نهار بن توسعة عن الخبر، فأخبره بما شهد، فكتب هشام إلى ~~الجنيد: قد وجهت إليك عشرة آلاف من أهل البصرة، وعشرة آلاف من أهل الكوفة، ~~ومن السلاح ثلاثين ألف رمح، ومثلها ترسة، فافرض فلا غاية لك في الفريضة ~~لخمسة عشر ألفا. فلما سمع هشام مصاب سورة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ~~مصاب سورة بخراسان ومصاب الجراح بالباب. وأبلى نصر بن سيار يومئذ بلاء ~~حسنا. وأرسل الجنيد ms1760 ليلة بالشعب رجلا وقال له: تسمع ما يقول الناس وكيف ~~حالهم. ففعل ثم رجع إليه فقال: رأيتهم طيبة أنفسهم، يتناشدون الأشعار ~~ويقرأون القرآن. فسره ذلك. قال عبيد بن حاتم بن النعمان: رأيت فساطيط بين ~~السماء والأرض فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: بعدب الله بن بسطام وأصحابه، فقتلوا ~~في غد، فقال رجل: مررت في ذلك الموضع بعد ذلك بحين فشممت رائحة المسك. ~~وأقام الجنيد بسمرقند وتوجه خاقان إلى بخارى وعليها قطن بن قتيبة بن مسلم، ~~فخاف الجنيد الترك على قطن بن قتيبة فشاور أصحابه فقال قوم: نلزم سمرقند. ~~وقال قوم: نسير منها فنأتي ربنجين، ثم كش، ثم إلى نسف فنتصل منها إلى أرض ~~زم ونقطع النهر وننزل آمل فنأخذ عليه بالطريق. فاستشار عبد الله بن أبي عبد ~~الله مولى بني سليم وأخبره بما قالوا فاشترط عليه أن لا يخالفه فيما يشير ~~به عليه من ارتحال ونزول وقتال، قال: نعم. قال: فإن أطلب إليك خصالا. قال: ~~وما هي؟ قال: تخندق حيث ما نزلت، فلا يفوتنك حمل الماء ولو كنت على شاطئ ~~نهر ، وأن تعطيني في نزولك وارتحالك. قال: نعم. قال: أما ما أشاروا عليك في ~~مقامك بسمرقند حتى يأتيك الغياث فالغياث يبطئ عنك، وأما ما أشاروا من طريق ~~كش ونسف فإنك إن سرت بالناس في غير الطريق فتت في أعضادهم وانكسروا عن ~~عدوهم واجترأ عليك خاقان، وهو اليوم قد استفتح بخارى فلم يفتحوا له، فإن ~~أخذت غير الطريق بلغ أهل بخارى ما فعلت فيستسلموا لعدوهم، وإن أخذت الطريق ~~الأعظم هابك العدو، والرأي عندي أن تأخذ عيال من قتل مع سورة فتقسمهم على ~~عشائرهم وتحملهم معك، فإني أرجو بذلك أن ينصرك الله على عدوك وتعطي كل رجل ~~تخلف بمسرقند ألف درهم فرسا. فأخذ برأيه وخلف بسمرقند عثمان بن عبد الله بن ~~الشخير في أربعمائة فاس وأربعمائة راجل. فشتم الناس عبد الله بن أبي عبد ~~الله وقالوا: ما أراد إلا هلاكنا. فخرج الجنيد وحمل العيال معه وسرح الأشحب ~~بن عبيد الحنظلي ومعه عشرة من الطلائع ms1761 وقال: كلما مضت مرحلة سرح إلي رجلا ~~يعلمني الخبر. وسار الجنيد فأسرع السير، فقال له عطاء الدبوسي: انظر أضعف ~~شيخ في العسكر فسلحه سلاحا تاما بسيفه ورمحه وترسه وجعبته ثم سر على قدر ~~مشيه، فإنا لا نقدر على سرعة المسير والقتال ونحن رجالة. ففعل الجنيد ذلك، ~~ولم يعرض للناس عارض حتى خرجوا من الأماكن المخوفة، ودنا من الطواويس، ~~وأقبل إليه خاقان بكرمينية أول يوم من رمضان واقتتلوا، فأتاه عبد الله بن ~~أبي عبد الله وهو يضحك، فقال الجنيد: ليس هذا يوم ضحك. قال: الحمد لله الذي ~~لم يلقاك هؤلاء في جبال معطشة وعلى ظهر إنما أتوك وأنت مخندق آخر النهار ~~كالين وأنت معك الزاد، فقاتلوا قليلا ثم رجعوا. ثم قال للجنيد: ارتحل فن ~~خاقان وذأنك تقيم فينطوي عليك إذا شاء. فسار وعبد الله على الساقة، ثم أمره ~~بالنزول فنزل، واستقى الناس وباتوا، فلما اصبحوا ارتحلوا، فقال عبد الله: ~~إني أتوقع أن خاقان يصدم الساقة اليوم فشدوها بالرجال، فقواهم الجنيد، ~~وجاءت الترك فمالت على الساقة فاقتتلوا، فاشتد بينهم وقتل مسلم بن أحوز ~~عظيما من عظماء الترك، فتطيروا من ذلك وانصرفوا من الطواويس. وسار المسلمون ~~فدخلوا بخارى يوم المهرجان، فتلقوهم بالدراهم البخارية، فأعطاهم عشرة عشرة. ~~قال عبد المؤمن بن خالد: رأيت عبد الله بن أبي عبد الله في المنام بعد ~~موته، فقال: حدث الناس عني برأيي يوم الشعب. وكان الجنيد يذكر خالد بن عبد ~~الله فيقول: زبدة من الزبد، صنبور من صنبور، قل من قل، هيفة من الهيف. ~~والهيفة: الضبع، والقل: الفرد، الصنبور: الذي لا أخ له، وقيل الملصق. وقدمت ~~الجنود من الكوفة على الجنيد، فسرح معهم حوثرة بن زيد العنبري فيمن انتدب ~~معه. وقيل: إن وقعة الشعب كانت سنة ثلاث عشرة؛ وقال نصر بن سيار يذكر يوم ~~الشعب: PageV02P0406 # إني نشأت وحسادي ذوو عدد ... يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا إن تحسدوني ~~على مثل البلاء لكم ... يوما فمثل بلائي جر لي الحسدا يأبى الإله الذي أعلى ~~بقدرته ... كعبي عليكم وأعطى فوقكم ms1762 عددا أرمي العداة بأفراس مكلمة ... حتى ~~اتخذن على حسادهن يدا من ذا الذي منكم في الشعب إذ وردوا ... لم يتخذ حومة ~~الأثقال معتمدا هلا شهدتم دفاعي عن جنيدكم ... وقع القنا وشهاب الحرب قد ~~وقدا وقال ابن عرس يمدح نصرا: يا نصر أنت فتى نزار كلها ... فلك المآثر ~~والفعال الأرفع فرجت عن كل القبائل كربة ... بالشعب حين تخاضعوا وتضعضعوا ~~يوم الجنيد إذ القنا متشاجر ... والنحر دام والخوافق تلمع ما زلت ترميهم ~~بنفس حرة ... حتى تفرج جمعهم وتصدعوا فالناس كل بعدها عتقاؤكم ... ولك ~~المكارم والمعالي أجمع ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا معاوية بن هشام الصائفة فافتتح خرشنة. وحج بالناس هذه ~~السنة إبراهيم بن هشام المخزومي، وقيل: سليمان بن هشام عبد الملك. وفيها ~~استعمل أهل الأندلس على أنفسهم بعد موت الهيثم أميرهم محمد بن عبد الملك ~~الأشجعي، فبقي شهرين، وولي بعده عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، وكان عمال ~~الأمصار هذه السنة من ذكرناهم في السنة قلها. وفيها مات رجاء بن حيوة ~~بقسين؛ حيوة بالحاء المهملة المفتوحة، وسكون الياء المثناة من تحت. وفيها ~~توفي مكحول أبو عبد الله الشامي الفقيه. وعبد الجبار بن وائل بن حجر ~~الحضرمي، ومات أبوه وأمه حامل به، فكل ما يروونه عن أبيه فهو منقطع. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائة # ### || AUT ذكر قتل عبد الوهاب # في هذه السنة قتل عبد الوهاب بن بخت، وكان قد غزا مع عبد الله البطال ~~أرض الروم، فانهزم الناس عن البطال، فحمل عد الوهاب وهو يقول: ما رأيت فرسا ~~أجبن منك، سفك الله دمي إن لم أسفك دمك! ثم ألقى بيضته عن رأسه وصاح: أنا ~~عبد الوهاب بن بخت! أمن الجنة تفرون؟ ثم تقدم في نحر العدو، فمر برجل يقول: ~~واعطشاه! فقال: تقدم، الري أمامك. فخالط القوم فقتل وقتل فرسه. ### || AUT ذكر غزو مسلمة وعوده # وفيها فرق مسلمة الجيوش ببلاد خاقان ففتحت مدائن وحصون على يديه وقتل ~~منهم وأسر وسبى وأحرق ودان له من وراء جبال بلنجر، وقتل ابن ms1763 خاقان، فاجتمعت ~~تلك الأمم جميعها الخزر وغيرهم عليه في جمع لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، ~~وقد جاز مسلمة بلنجر فلما بلغه خبرهم أمر أصحابه فأوقدوا النيران ثم ترك ~~خيامهم وأثقالهم وعاد هو وعسكره جريدة، وقدم الضعفاء وأخر الشجعان، وطووا ~~المراحل كل مرحلتين في مرحلة حتى وصل إلى الباب والأبواب في آخر رمق. ### || AUT ذكر قتل عبد الرحمن أمير الأندلس # ### || AUT وولاية عبد الملك بن قطن # في هذه السنة وهي سنة ثلاث عشرة ومائة، غزا عبد الرحمن بن عبد الله ~~الغافقي أمير الأندلس من قبل عبيدة بن عبد الرحمن السلمي، وكان هشام بن عبد ~~الملك قد استعمل عبيدة على إفريقية والأندلس سنة عشر ومائة، فلما قدم ~~إفريقية رأى المستنبر بن الحارث الحريثي غازيا بصلية، وأقام هناك حتى هجم ~~عليه الشتاء ثم قفل راجعا، فغرق من معه وسلم المستنبر في مركبه، فحبسه ~~عبيدة عقوبة له وجلده وشهره بالقيروان. ثم إن عبيدة استعمل على الأندلس عبد ~~الرحمن بن عبد الله، فغزا إفرنجة وأوغل في أرضهم وغنم غنائم كثيرة، وكان ~~فيما أصاب رجل من ذهب مفصصة بالدر والياقوت والزمرد، فكسرها وقسمها في ~~الناس. فبلغ ذلك عبيدة، فغضب غضبا شديدا، فكتب إليه يتهدده، فأجابه عبد ~~الرحمن، وكان رجلا صالحا: أما بعد فإن السموات والأرض لو كانتا رتقا لجعل ~~الله للمتقين منها مخرجا. ثم خرج غازيا ببلاد الفرنج هذه السنة، وقيل: سنة ~~أربع عشرة، وهو الصحيح، فقتل هو ومن معه شهداء. ثم إن عبيدة سار من إفريقية ~~إلى الشام ومعه من الهدايا والإماء ولعبيد والدواب وغير ذلك شيء كثير، ~~واستغفى هشاما، فأجابه إلى ذلك وعزله، وكان قد استعمل على الأندلس بعد قتل ~~عبد الرحمن عبد الملك بن قطن. PageV02P0407 # ثم إن هشاما استعمل على إفريقية بعد عبيدة عبيد الله بن الحبحاب، وكان ~~على مصر، فسار عبيد الله إلى إفريقية سنة ست عشرة ومائة فأخرج المستنير من ~~الحبس وولاه توني. ثم إن عبيد الله جهز جيشا مع حبيب بن أبي عبيدة وسيرهم ~~إلى أرض السودان فظفر بهم ms1764 ظفرا لم يظفر أحد مثله وأصاب ما شاء، ثم غزا ~~البحر ثم انصرف. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة مات عدي بن ثابت الأنصاري. ومعاوية بن قرة بن إياس الموني، ~~والد إياس قاضي البصرة الذي يضرب بذكائه المثل. وفيها توفي حرام بن سعيد بن ~~محيصة أبو سعيد، وعمره سبعون سنة؛ حرام بفتح الحاء المهملة وبالراء ~~المهملة. وحيصة بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الياء المثناة من ~~تحت، وبالصاد المهملة. وفيها توفي طلحة بن مصرف الأيامي. وعبد الله بن عبيد ~~الله بن عمير الليثي. وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، ويكنى أبا جعفرة، ~~وعمره سبع وسبعون سنة. ووهب بن منبه الصناعاني، وكان أصغر من أخيه همام، ~~وكانوا خمسة إخوة: همام ووهب وغيلان وعقيل ومعقل ، وقيل: مات سنة عشر ~~ومائة. وفيها توفي الحر بن يوسف أمير الموصل ودفن بمقابر قريش بالموصل، ~~وكانت بإزاء داره لمعروفة بالمنقوشة، في ذي الحجة، واستعمل هشام مكانه ~~الوليد بن تليد العبسي، وأمره بالجد في إتمام حفر النهر في البلد، فشرع فيه ~~واهتم بعمله. وفيها غزا معاوية بن هشام أرض الروم فرابط من ناحية مرعش ثم ~~رجع. وفي هذه السنة سار جماعة من دعاة بني العباس إلى خراسان، فاخذ الجنيد ~~رجلا منهم فقتله وقال: من أصبت منهم فدمه هدر. وحج بالناس هذه السنة سليمان ~~بن هشام بن عبد الملك، وقيل: إبراهيم ابن هشام بن إسماعيل المخزومي، و كان ~~العمال من تقدم ذكرهم. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائة # ### || AUT ذكر ولاية مروان بن محمد أرمينية وأذربيجان # في هذه السنة استعمل هشام بن عبد الملك مروان بن محمد بن مروان، وهو ابن ~~عمه، على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية. وكان سبب ذلك أنه كان في عسكر مسلمة ~~بأرمينية حين غزا الخزر، فلما عاد مسلمة سار مروان إلى هشام فلم يشعر به ~~حتى دخل عليه، فسأله عن سبب قدومه فقال: ضقت ذرعا بما أذكره ولم أر من ~~يحمله غيري! قال: وما هو؟ قال مروان: قد كان من دخول الخزر إلى ms1765 بلاد ~~الإسلام وقتل الجراح وغيره من لمسلمين ما دخل به الوهن على المسلمين، ثم ~~رأى أمير المؤمنين أن يوجه أخاه مسلمة بن عبد الملك إليهم، فوالله ما وطئ ~~من بلادهم إلا أدناها، ثم رأى أمير المؤمنين أن يوجه أخاه مسلمة بن عبد ~~الملك إليهم، فوالله ما وطئ من بلادهم إلا أدناها، ثم إنه لما رأى كثرة ~~جمعه أعجبه ذلك فكتب إلى الخزر يؤذنهم بالحرب وأقام بعد ذلك ثلاثة أشهر، ~~فاستعد القوم وحشدوا، فلما دخل بلادهم لم يكن له فيهم نكاية، وكان قصاراه ~~السلامة، وقد أردت أن تأذن لي في غزوة أذهب بها عنا العار وأنتقم من العدو. ~~قال: قد أذنت لك. قال: وتمدني بمائة وعشرين ألف مقاتل؟ قال: قد فعلت. قال: ~~وتكتم هذا الأمر عن كل واحد؟ قال: قد فعلت، وقد استعلمتك على أرمينية. ~~فودعه وسار إلى أرمينية واليا عليها، وسمى هشام الجنود من الشام والعراق ~~والجزيرة، فاجتمع عنده من الجنود والمتطوعة مائة وعشرون ألفا، فأظهر أنه ~~يريد غزو اللان وقصد بلادهم، وأرسل إلى ملك الجذر يطلب منه المهادنة، ~~فأجابه إلى ذلك وأرسل إليه من يقرر الصلح، فأمسك الرسول عنده إلى أن فرغ من ~~جهازه وما يريد، ثم أغلظ لهم القول وآذنهم بالحرب، وسير الرسول إلى صاحبه ~~بذلك ووكل به من ن يسيره على طريق فيه بعد، وسار هو في أقرب الطرق، فما وصل ~~الرسول إلى صاحبه إلا ومران قد وافاهم، فاعلم صاحبه الخبر وأخبره بما قد ~~جمع له مران وحشد واستعد. فاستشار ملك الجذر أصحابه، فقالوا: إن هذا قد ~~اغترك ودخل بلادك، فغن أقمت إلى أن تجمع لم يجتمع عندك إلى مدة فيبلغ منك ~~مايريد، وإن أنت لقيته على حالك هذه هزمك وظفر بك، والرأي أن تتأخر إلى ~~أقصى بلادك وتدعه وما يريد. فقبل رأيهم وسار حيث أمروه. PageV02P0408 # ودخل مروان البلاد وأوغل فيها وأخربها وعنم وسبى وانتهى إلى آخرها وأقام ~~فيها عدة أيام حتى أذلهم وانتقم منهم، ودخل بلاد ملك السرير فأوقع بأهله ~~وفتح قلاعا ودان له الملك وصالحه ms1766 على ألف رأس وخمسمائة غلام وخمسمائة جارية ~~سود الشعور ومائة ألف مدي تحمل إلى الباب، وصالح مروان أهل تومان على مائة ~~رأس نصفين، وعشرين ألف مدي، ثم دخل أرض زريكران، فصالحه ملكها، ثم أتى إلى ~~أرض خمزين، فأبى حمزين أن يصالحه، فحصرهم فافتتح حصنهم، ثم أتى سغدان ~~فافتتحها صلحا ووظف على طيرشانشاه عشرة آلاف مدي كل سنة تحمل إلى الباب، ثم ~~نزل على قلعة صاحب اللكز، وقد امتنع من أداء الوظيفة، فخرج ملك اللكز يريد ~~مالك الخز، فقتله راع بسهم هو لا يعرفه، فصالح أهل اللكز مروان،واستعمل ~~عليهم عاملا، وسار إلى قلعة شروان، وهي على البحر، فأذعن بالطاعة، وسار إلى ~~الدوداني فأقلع بهم ثم عاد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، فأصاب ربض أقرن، وإن ~~عبد الله البطال التقى هو وقسطنطين في جمع، فهزمهم البطالوأسر قسطنطسن. ~~وفيهاغزا سليمان بن هشام الصائفة اليمنى، فبلغ قيسارية. وفي هذه السنة عزل ~~هشام بن عبد الملك إبراهيم بن هشام المخزومي عن المدينة واستعمل عليها خالد ~~بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم في ربيع الأول، وكانت إمراة إبراهيم على ~~المدينة ثماني سنين، وعزل أيضا إبراهيم عن مكة والطائف واستعمل عليها خالد ~~بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم في ربيع الأول، وكانت إمراة إبراهيم على ~~المدينة ثماني سنين، وعزل أيضا إبراهيم عن مكة والطائف واستعمل عليهما محمد ~~بن هشام المخزومي، وقيل. بل ولى محمدا سنة ثلاث عشرة، فلما عزل إبراهيم أقر ~~محمد عليها. وفيها وقع الطاعون بواسط. وفيها أقبل مسلمة بن عبد الملك بعدما ~~هزم خاقان وأحكم ما هناك وبنى الباب. وحج الناس خالد بن عبد الملك بن ~~الحارث، وقيل محمد هشام. وكان العمال من تقدم ذكرهم في السنة قبلها، غير أن ~~المدينة كان عاملها خالد بن عبد الملك، وعامل مكة والطائف محمد بن هشام، ~~وعامل أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد. وفيها مات عطاء بن أبي رباح، وقيل ~~سنة خمس عشرة، وعمره ثمان وثمانون سنة، وقيل مائة ms1767 سنة. وفيها توفي محمد بن ~~الحسين الباقر، وقيل سنة خمس عشرة، وكان عمره ثلاثا وسبعين سنة، وقيل ~~ثمانيا وخمسين سنة. والحكم بن عتيبة بن النهاس أبو محمد، وهو مولى امرأة من ~~كندة، ومولده سنة خمسين. وفيها توفي عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي ~~قاضي مرو، وكان مولده لثلاث سنين مضت من خلافة عمر بن الخطاب. عتبة بضم ~~العين المهلمة، وفتح التاء فوقها نقطتان، وبعدها ياء مثناة من تحتها، وآخره ~~باء موحدة. وبريدة بضم الباء الموحدة وفتح الراء. والحصيب بضم الحاء وفتح ~~الصاد المهملتني وأخره باء موحدة. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائة # في هذه السنة غزا معاوية بن هشام أرض الروم. وفيها وقع الطاعون بالشام. ~~وفيها وقع بخراسان قحط شديد، فكتب الجنيد إلى الكور بحمل الطعام إلى مرو، ~~فأعطى الجنيد رجلا درهما فاشترى به رغيفا، فقال لهم: أتشكون الجوع ورغيف ~~بدرهم؟ لقد رأيتني بالهمد وإن الحبة من الحبوب لتباع عددا بدرهم. قال: وحج ~~بالناس هذه السنة محمد بن هشام المخزومي. وكان الأمير بخراسان الجنيد، ~~وقيل: بل كان قد مات الجنيد واستخلف عمارة بن حريم المري، وقيل: بل كان موت ~~الجنيد سنة ست عشرة ومائة وفيها غزا عبد الملك بن قطن عامل الأندلس أرض ~~البشكنس وعا سالما. ### | AUT ثم دخلت سنة ست عشرة ومائة # في هذه السنة غزا معاوية بن عبد الملك أرض الروم الصائفة. فيها كان ~~طاعون شديد بالعراق والشام، وكان أشد بواسط. ### || AUT ذكر عزل الجنيد ووفاته # ### || AUT وولاية عاصم خراسان # وفيها عزل هشام بن عبد الملك الجنيد بن عبد الرحمن المري عن خراسان. ~~واستعمل عليها عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي. وسبب ذلك أن الجنيد تزوج ~~الفاضلة بنت يزيد بن المهلب، فغضب هشام فولى عاصم خراسان. وكان الجنيد قد ~~سقي بطنه، فقال هشام لعاصم: إن أدركته وبه رمق فأرهق نفسه. فقدم عاصم وقد ~~مات الجنيد، وكان بينها عداوة، فاخذ عمارة بن حريم، وكان الجنيد قد ~~استخلفه، وهو ابن عمه، فعذبه عاصم وعذب عمال الجنبد. PageV02P0409 # وعمارة ms1768 هذا جد أبي الهيذام صاحب العصبية بالشام، وسيأتي ذكرها إن شاء ~~الله. وكان موت الجنيد بمرو، وكان من الأجواد المدوحين غير محمود في حروبه. ### || AUT ذكر خلع الحارث بن سريج بخراسان # وفي هذه السنة خلع الحارث بن سريج وأقبل إلى الفارياب، فأرسل إليه عاصم ~~بن عبد الله رسلا فيهم مقاتل بن حيان النبطي وخطاب بن محرز السلمي فقالا ~~لمن معهما: لا تلقى الحارث إلا بأمان. فأبى القوم عليهما، فأخذهم الحارث ~~وحبسهم ووكل بهم رجلا، فأوثقوه وخرجوا من السجن فركبوا وعادوا إلى عاصم، ~~فامرهم، فخطبوا وذموا الحارث وذكروا خبث سيرته وغدره. وكان الحارث قد لبس ~~السواد ودعا إلى كتاب الله سنة نبيه والبيعة للرضا، فسار من الفارياب فأتى ~~بلخ، وعليها نصر بن سيار التجيبي، فلقيا الحارث في عشرة آلاف والحارث في ~~أربعة آلاف فقاتلهما ومن معهما، فانهزم أهل بلخ وتبعهم الحارث، فدخل كدينة ~~بلخ، وخرج نصر بن سيار منها، وأمر الحارث بالكف عنهم واستعمل عليها رجلا من ~~ولد عبد الله بن خازم وسار إلى الجوزجان فغلب عليها وعلى الطالقان ومرو ~~الروز. فلما كان بالجوزجان استشار أصحابه في أي بلد يقصد، فقيل له: مرو ~~بيضة خراسان وفرسانهم كثير ولو لم يلقوك إلا بعيدهم لا نتصفوا منك، فأقم ~~فإن أتوك قاتلتهم، وإن أقاموا قطعت المادة عنهم. قال: لا أرى ذلك، وسار إلى ~~مرو فقال لأهل الرأي من مرو: إن أتى عاصم نيسابور فرق جماعتنا، وإن أتانا ~~نكب. وبلغ عاصما أن أهل مرو يكاتبون الحارث فقال: يا أهيل مرو قد كاتبتم ~~الحارث لا يقصد المدينة إلا تركتموها له، وإني لا حق بنيسابور وأكاتب أمير ~~المؤمنين حتى يمدني بعشرة آلاف من أهل الشام. فقال له المجشر بن مزاحم: إن ~~أعطوك بيعتهم بالطلاق والعتاق على القتال معك والمناصحة لك فلا تفارقهم. ~~وأقبل الحارث إلى مرو يقال في ستين ألفا ومعه فرسان الأزد وتميم، منهم: ~~محمد بن المثنى، وحماد بن عامر الحماني، وداود الأعسر، وبشر بن أنيف ~~الرياحي، وعطاء الدبوسي، ومن الدهاقين دهقان الجوزجان ودهقان الفارياب وملك ms1769 ~~الطالقان ودهقان مرو الوذ في أشباههم، وخرج عاصم في أهل مرو وغيهم فعسكر، ~~وقطع عاصم القناطر، وأقبل أصحاب الحارث فأصلحوا القناطر، فمال محمد بن ~~المثنى الفراهيذي الأزدي إللى عاصم في ألفين فأتى الأزد، ومال حماد بن عامر ~~الحماني إلى عاصم فأتى بني تميم، والتقى الحارث وعاصم، وعلى ميمنة الحارث ~~وابض بن عبد الله زرارة التغلي، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب الحارث ~~فغرق منهم بشر كثير في أنهار مرو وفي النهر الأعظم ومضت الدهاقين إلى ~~بلادهم، وغرق خازم بن عبد الله ابن خازم، وكان مع الحارث، وقتل أصحاب ~~الحارث قتلا ذريعا، وقطع الحارث وادي مرو فضرب رواقا عند منازل الرهبان، ~~وكف عنه عاصم، واجتمع إلى الحارث زهاء ثلاثة ألاف. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها عزل هشام عبيد الله بن الحبحاب الموصلي عن ولاية مصر واستعمله على ~~إفريقية، فسار إليها. وفيها سير ابن الحبحاب جيشا إلى صقلية، فلقيهم مراكب ~~الروم فاققتلوا قتالا شديدا، فانهزمت الروم، وكانوا قد أسوا جماعة من ~~المسلمين، منهم عبد الرحمن بن زياد، فبقي أسيرا إلى سنة إحدى وعشرين ومائة، ~~وفيها سير ابن الحبحاب أيضا جيشا إلى السوس وأرض السودان فغنموا وظفروا ~~وعادوا. وفيها استعمل عبد الله بن الحبحاب عطية بن الحجاج القيسي على ~~الأندلس، فسار إليها ووليها في شوال من هذه السنة وعزل عبد الملك ابن قطن، ~~وكان له كل سنة غزاة، وعو الذي افتتح جليقية والبتة وغيرهما،وقيل: بل ولي ~~عبيد الله بن الحبحاب إفريقة سنة سبع عشرة، وسترد أخباره هناك، وهذا أصح. ~~وحج بالناس هذه السنة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكان ولي عهد. وكان ~~العمال على الأمصار من تقدم ذكرهم إلا خراسان فكان عاملها عاصم بن عبد الله. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائة # في هذه السنة غزا معاوة بن هشام الصائفة اليسرى، وغزا سليمان بن هشام ~~الصائفة اليمنى من نحو الجزيرة، وفرق سراياه في أرض الروم. وفيها بعث مروان ~~بن محمد، وهو على أرمينية، بعثين، وافتحح أحدهما حصونا ثلاثة من اللان، نزل ~~الآخر ms1770 على تومانشاه فنزل أهلها على الصلح. ### || AUT ذكر عزل عاصم عن خراسان # ### || AUT وولاية أسد # PageV02P0410 # وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عاصم بن عبد الله عن خراسان وولاها ~~خالد بن عبد الله القسري، فاستخلف خالد عليها أخاه أسد بن عبد الله. وكان ~~سبب ذلك أن عاصما كتب إلى هشام: أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله، وإن ~~خراسان لا تصلح إلا أن تضم إلى صاحب العراق فتكون موادها ومعونتها من قريب ~~لتباعد أمير المؤمنين عنها . وتباطؤ غياثه عنها.فضم هشام خرسان إلى خالد بن ~~عبدالله القسري ،وكتب اليه :ابعث أخاك يصلح ماأفسد ،فإن كانت سببه كانت به ~~،فسير خالد اليها أخاه اسدا.فلما بلغ عاصما إقبال أسد وأنه قد سير على ~~مقدمت محمد بنمالك الهمدانى صالح الحرث بن سريج وكتبا بنهما كتابا على أن ~~ينزل الحارث أي كور خرسان شاء وان يكتبا جميعا الى هشام يسألانه بكتاب الله ~~وسنة نبيه،صلى الله عليه وسلم ،فإن ابى اجتمعا عليه ، فختم الكتاب بعض ~~الرؤساء، وابى يحيى بن حضين بن المنذر أن يختم وقال: هذا خلع لأمير ~~المؤمنين،فأنفسخ ذلك . وكان عاصم بقرية بأعلى مرو، وأتاه الحارث بن سريج ~~فالتقوا واقتتلوا قتالا شيدا، فانهزم الحارث وأسر من أصحابه أسرى كثيرة، ~~منهم عبد الله بن عخمرو المازني راس أهل مرو الروذ، فقتل عاصم الأسرى، وكان ~~فرس الحارث قد رمي بسهم فنزعه الحارث وألح على الفرس بالضرب والحضر ليشغله ~~عن أثر الجراحة، وحمل عليه رجل من أهل الشام، فلما قرب منه مال الحارث عن ~~فرسه ثم ابتع الشامي فقال له: أسألك بحرمة الإسلام في دمي! فقال: انزل عن ~~فرسك. فنزل عن فرسه، فركبه الحارث؛ فقال رجل من عبد القيس في ذلك: تولت ~~قريش لذة العيش واتقت ... بنا كل فج من خراسان أغبرا فليت قريشا أصبحوا ذات ~~ليلة ... يعومون في لج من البحر أخضرا وعظم أهل الشام يحيى بن حضين لما صنع ~~في نقض الكتاب وكتبوا كتابا بما كان وبهزيمة الحارث مع محمد بن مسلم ~~العنبري. فلقي أسد ms1771 بن عبد الله بالري، وقيل ببيهق، فكتب إلى أخيه خالد ~~ينتحل أنه هزم الحارث ويخبره بأمر يحيى، فأجاز خالد يحيى بعشرة آلاف دينار ~~ومئة من الخيل. وكانت ولاية عاصم أقل من سنة، فحبسه أسد وحاسبه وطلب منه ~~مائة ألف درهم وقال: إنك لم تفر، وأطلق عمارة بن حريم وعمال الجنيد. فلما ~~قدم أسد لم يكن لعاصم إلا مرو ونيسابور والحارث بمرو الروذ وخالد ابن عبد ~~الله الهجري بآمل موافق للحارث، فخاف أسد إن قصد الحارث بمرو الروذ أن يأتي ~~الهجري من قبل آمل، وإن قصد الهجري قصد الحارث مرو من قبل مرو الروذ. فأجمع ~~على توجيه عبد الرحمن بن نعيم في أهل الكوفة والشام إلى الحارث بمرو الروذ، ~~وسار أسد بالناس إلى آمل، فلقيه خيل آمل عليهم زياد القرشي مولى حيان ~~النبطي وغيره فهزموا حتى رجعوا إلى المدينة، فحصرهم أسد ونصب عليهم ~~المجانيق وعلين الهجري من أصحاب الحارث، فلطلبوا الأمان، فأرسل إليهم أسد: ~~ما تطلبون؟ قالوا: كتاب الله وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم، وأن لا تأخذ ~~أهل المدن بجنيتنا. فأجابهم إلى ذلك، فاستعمل عليهم يحيى بن نعيم بن هبيرة ~~الشيباني وسار يريد بلخ، فأخبر أن أهلها قد بايعوا سليمان بن عبد الله بن ~~خازم. فسار حتى قدمها واتخذ سفنا وسار منها إلى ترمذ، فوجد الحارث محاصرا ~~لها وبها سنان الأعرابي، فنزل أسد دون النهر لم يطق العبور إليهم ولا ~~يمدهم، وخرج أهل ترمذ من المدينة فقاتلوا الحارث قتالا شديدا، واستطرد ~~الحارث لهم، وكان قد وضع كيمنا، فتبعوه، ونصر بن سيار مع أسد جالس ينظر، ~~فاظهر الكراهية، وعرف أن الحارث قد كادهم، وظن أسد أنما ذلك شفقة على ~~الحارث حين ولي، وأراد معاتبة نصر، وإذا الكمين قد خرج عليهم فانهزموا. ~~PageV02P0411 # ثم ارتحل أسد إلى بلخ، وخرج أهل ترمذ إلى الحارث فهزموه وقتلوا جماعة من ~~أهل البصائر، منهم: عكرمة وأبو فاكمة. ثم سار أسد سمرقند في طريق زم، فلما ~~قد زم بعث إلى الهيثم الشيباني، وهو في حصن من حصونها، وهو ms1772 من أصحاب ~~الحارث، فقال له أسد: إنما أنكرتم علي قولكم ما كان من سوء السيرة ولم يبلغ ~~ذلك السبي واستحلال الفروج ولا غلبة المشركين على مثل سمرقند، وأنا أريد ~~سمرقند ولك عهد الله وذمته أن لا ينالك مني شر، ولك المواساة والكرامة ~~والأمان ولمن معك، وإن أبيت ما دعوتك إليه فعلي عهد الله إن أنت رميت بسهم ~~أن لا أؤمنك بعده، وإن جعلت لك ألف أمان لا أفي لك به. فخرج إليه على ~~الأمان وسار معه إلى سمرقند، ثم ارتفع إلى ورغسر، وماء سمرقند قمها، فسكر ~~الوادي وصرفه عن سمرقند، ثم رجع إلى بلخ. وقيل: إن أمر أسد وأصحاب الحاث ~~كان سنة ثماني عشرة. ### || AUT ذكر حال دعاة بني العباس # قيل: وفي هذه السنة أخذ أسد بن عبد الله جماعة من دعاة بني العباس ~~بخراسان فقتل بعضهم ومثل بعضهم وحبس بعضهم، وكان فيمن أخذ: سليمان بن كثير، ~~ومالك بن الهيثم، وموسى بن كعب، ولا هيز بن قريظ، وخالد بن إبراهيم، وطلحة ~~بن زريق، فأتي بهم، فقال لهم: يا فسقة ألم يقل الله تعالى: " عفا الله عما ~~سلف ومن عاد فينتقم الله منه " المائدة:95؟ فقال له سليمان: نحن والله كما ~~قال الشاعر: لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري صيدت ~~والله العقارب بيديك! إنا ناس من قومك! وإن المضربة رفعوا إليك هذا لأنا ~~كنا أشد الناس على قتيبة بن مسلم فطلبوا بثأرهم. فبعث بهم إلى الحبس، ثم ~~قال لعبد الرحمن بن نعيم: ما ترى؟ قال: أرى أتن تمن بهم على عشائرهم. قال: ~~لا أفعل، فاطلق ن كان فيهم من أهل اليمن لأنه منهم ومن كان من ربيعة أطلقه ~~أيضا لحلفهم مع اليمن، وأراد قتل من كان من مضر، فدعا موسى بن كيعب وألجمه ~~بلجام حمار وجذب اللجام فتحطمت أسنانه ودق وجهه وأنفه، ودعا لاهز بن قريظ ~~فقال له: ما هذا بحق، تصنع بنا هذا وتترك اليمانيين والربعيين؟ فضربه ~~ثلاثمائة سوط، فشهد له الحسن بن زيد الأزدي بالبراءة ولأصحابه فتركهم. ms1773 ### || AUT ذكر ولاية عبيد الله بن الحبحاب إفريقية والأندلس # في هذه السنة استعمل هشام بن عبد الملك على إفريقة والأندلس عبيد الله ~~ابن الحبحاب وأمره بالمسير إليها، وكان واليا على مصر، فاستخلف عليها ولده ~~وسا إلى إفريقية، وايتعمل على الأندلس عقبة بن الححجاج، واستعمل على طنجة ~~ابنه إسماعيل، وبعث حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع غازيا إلى المغرب، ~~فبلغ السوس الأقصى وأرض السودان فلم يقالتله أحد إلا ظهر عليه، وأصاب من ~~الغنائم والسبي أمرا عظيما، فملئ المغرب منه رعبا، وأصاب في السبي جارتيتين ~~من البربر ليس لكل واحدة منهما غير ثدي واحد، ورجع سالما. وسير جيشا في ~~البحر سنة سبع عشرة إلى حزيرة الردانية، ففتحوا منها ونهبوا وغنموا وعادوا. ~~ثم سيره غازبا إلى جزيرة صقلية سنة اثنتين وعشرين ومائة ومعه ابنه عبد ~~الرحمن بن حبيب، فلما نزل بأرضها وجه عبد الرحمن على الخيل فلم يلقه أحد ~~إلا هزمه عبد الرحمن، فظفر ظفرا لم ير مثله، حتى نزل على مدينة سرقوسة، وهي ~~من أعظم مدن صقلية، فقاتلوه فهزمهم وحصرهم، فصالحوه على الجزية، وعاد إلى ~~أبيه، وعزم حبيب على المقام بصقلية إلى أن يملكها جميعا، فأتاه كتاب ابن ~~الحبحاب يتدعيه إلى إفريقية. وكان سبب ذلك أنه استعمل على طنجة ابنه ~~إسماعيل وجعل معه عمر ابن عبد الله المرادي، فأساء السيرة وتعدى وأراد أن ~~يخمس مسلمي البربر، وزعم أنهم فيء للمسلمين، وذلك شيء لم يرتكبه أحد قبله، ~~فلما سمع البربر بمسير حبيب بن أبي عبيدة إلى صقلية بالعساكر طمعوا ونقضوا ~~الصلح على ابن الحبحاب وتداعت عليه بأسرها ملمها وكافرها، وعظم البلاء، ~~وقدم من بطنجة من البربر على أنفسهم ميسرة السقاء قم المغدوري، وكان خارجيا ~~صفريا وسقاء، وقصدوا طنجة، فقالتلهم عمر بن عبد الله فقتلوه واستولوا على ~~طنجة وبايعوا ميسرة بالخلافة وخوطب بأمير المؤمنين وكثر جمعه من البربر ~~وقوي أمره بنواحي طنجة. PageV02P0412 # وظهر في ذلك الوقت جماعة بإفريقية فأظهروا مقالة الخوارج، فأرسل ابن ~~الحبحاب إلى حبيب وهو بصقلية يتسدعيه إليه لقتال ميسرة ms1774 الساء لأن أمره كان ~~قد عظم، فعاد إلى إفريقية. وكان ابن الحبحاب قد سير خالد بن حبيب في جيش ~~إلى ميسرة، فلما وصل حبيب بن أبي عبيدة سيره في أثره، والتقى خالد وميسرة ~~بنواحي طنجة واقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع بمثله، وعاد ميسرة إلى طنجة، ~~فأنكرت البربر سيرته، وكانوا بايعوه بالخلافة، فقتلوه وولوا أمرهم خالد بن ~~حميد الزناتي، ثم التقى خالد بن حميد ومعه البربر بخالد بن حبيب ومعه العرب ~~وعسكر هشام،، وكان بينهم قتال شيد صبرت فيه العرب، وظهر عليهم كمين من ~~البربر فانهزموا، وكره خالد بن حبيب أن يهزم من البربر فصبروا معه فقتلوا ~~جيمعهم. وقتل في هذه الوقعة حماة العرب وفرسانها، فسميت غزوة الأشراف، ~~وانتقضت البلاد وخرج أمر الناس، وبلغ أهل الأندلس الخبر فثاروا بأميرهم ~~عقبة بن الحجاج فعزلوه وولوا عبد الملك بن قطن، فاختلطت الأمور على ابن ~~الحبحاب، وبلغ الخبر إلى هشام بن عبد الملك، فقال: لأغضبن للعرب غضبة وأسير ~~جيشا يكون أولهم عندهم وآخرهم عندي؛ ثم كتب إلى ابن الحبحاب يأمره بالحضور، ~~فسار إليه في جمادى سنة ثلاث وعشرين ومائة، واستعمل هشام عوضه كلثوم بن ~~عياض القشيري وسير معه جيشا كثيفا، وكتب إلى سائر البلاد التي على طريقه ~~بالمسير معه، فوصل إفريقية وعلى مقدمته بلج بن بشر، فوصل إلى القيروان ولقي ~~أهلها بالجفاء والتكبير عليهم، وأراد أن ينزل العسكر الذي معه في منازلهم، ~~فكتب أهلها إلى حبيب بن أبي عبيدة، وهو بتلمسان مواقف البربر، يشكون إليه ~~بلجا وكلثوما، فكتب حبيبب إلى كلثوم يقول له إن بلجا فعل كيت وكيت فارحل عن ~~البلد وإلا رددنا أعنة الخيل إليك. فاعتذر كلثوم وسار إلى حبيب وعلى مقدمته ~~بلج بن بشر، فاستخف بحبيب وسبه وجرى بينهما منازعة ثم اصطلحوا واجتمعوا على ~~قتلا البربر، وتقدم إليهم البربر من طنجة، فقال لهم حبيب: اجعلوا الرجالة ~~للرجالة والخيالة للخيالة، فلم يقبلوا منه، وتقدم كلثوم بالخيل، فقاتله ~~رجالة البربر فهزموه، فعاد كلثوم منهزما، ووهن الناس ذلك ونشب القتال، ~~وانكشفت خيالة البربر وثبتت رجالتها ms1775 واشتد القتال وكثر البربر عليهم، فقتل ~~كلثوم بن عياض وحبيب بن أبي عبيدة ووجوه العرب، وانهزمت العرب وتفرقوا. ~~فمضى أهل الشام إلى الأندلس ومعهم بلج بن بشر وعبيد الرحمن بن حبيب ابن أبي ~~عبيدة، وعاد بعضهم إلى القيروان. فلما ضعفت العرب بهذه الوقعة ظهر إنسان ~~يقال له عكاشة بن أيوب الفزاري بمدينة قابس، وهو على رأي الخوارج الصفرية، ~~فسار إليه جيش من القيروان فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم عسكر القيروان، ~~فخرج إليه عسكر آخر فانهزم عكاشة بعد قتال شديد وقتل كثير من أصحابه، ولحق ~~عكاشة ببلاد الرمل. فلما بلغ هشام بن عبد الملك قتل كلثوم بعث أميرا على ~~إفريقية حنظلة ابن صفوان الكلبي، فوصلها في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ~~ومائة، فلم يمكث بالقيروان إلا يسيرا حتى زحف إليه عكاشة الخارجي في جمع ~~عظيم من البربر، وكان حين انهزم حشدهم ليأخذ بثأره وأعانه عبد الواحد بن ~~يزيد الهواري ثم المدغمي، وكان صفريا، في عدد كثير وافترقا ليقصدوا ~~القيروان من جهتين، فلما قرب عكاشة خرج إليه حنظلة ولقيه مفردا واقتتلوا ~~قتالا شديدا، وانهزم عكاشة وقتل من البربر ما لا يحصى، وعاد حنظلة إلى ~~القيروان خوفا عليها من عبد الواحد، وسير إليه جيشا كثيفا عدتهم أربعون ~~ألفا، فساروا إليه، فلما قاربوه لم يجدوا شعيرا يطعمونه دوابهم فأطعموها ~~حنطة، ثم لقوه من الغد فانهزموا من عبد الواحد وعادوا إلى القيروان، وهلكت ~~دوابهم بسبب الحنطة. PageV02P0413 # فلما وصلوها نظروا وإذا قد هلك منهم عشرون ألف فرس، وسار عبد الواحد فنزل ~~على ثلاثة أميال من القيروان بموضع يعرف بالأصنام، وقد اجتمع معه ثلاثمائة ~~ألف مقاتل، فحشد حنظلة كل من بالقيروان وفرق فيهم السلاح والمال، فكثر ~~جمعة، فلما دنا الخوارج من عبد الواحد خرج إليهم حنظلة من القيروان واصطفوا ~~للقتال، وقام العلماء في أهل القيروان يحثونهم على الجهاد وقتال الخوارج ~~ويذكرونهم ما يفعلونه بالنساء من السبي وبالأنباء من الاسترقاق وبالرجال من ~~القتل، فكسر الناس أجفان سوفهم، وخرج إليهم نشاؤهم يحرضنهم، فحمي الناس ~~وحملوا على الخوارج حملة واحدة وثبت ms1776 بعضهم لبعض، فاشتد اللزام وكثر الزحام ~~وصبر الفريقان، ثم إن الله تعالى هزم الخوارج والبربر ونصر العرب، وكثر ~~القتل في البربر وتبعوهم إلى جلولاء يقتلون، ولم يعلموا أن عبد الواحد قد ~~قتل حتى حمل رأسه إلى حنظلة، فخر الناس الله سجدا. فقيل: لم يقتل بالمغرب ~~أكثر من هذه القتلة، فإن حنظلة أمر بإحصاء القتلى، فعجز الناس عن ذلك حتى ~~عدوهم بالقصب، فكانت عدة القتلى مائة ألف وثمانين ألفا، ثم أسر عكاشة مع ~~طائفة أخرى بمكان آخر وحمل إلى حنظلة فقتله، وكتب حنظلة إلى هشام بن عبد ~~الملك بالفتح، وكان الليث بن سعد يقول: ما غزوة إلى الآن أشد بعد غزوة بدر ~~من غزوة العرب بالأصنام. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وغزا سليمان بن هشام ~~الصائفة اليمنى من نحو الجزيرة وفرق سراياه في أرض الروم. وحج بالناس هذه ~~السنة خالد بن عبد الملك. وكان العامل على مكة والمدينة والطائف محمد بن ~~هشام بن إسماعيل المخزومي، وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد. وفيها ~~توفيت فاطمة بنت الحسن بن علي بن أبي طالب. وسكينة بنت الحسين. وفيها مات ~~عبد الرحمن بن هرمز الأعرج بالإسكندرية. وفيها توفي ابن أبي مليكة، واسمه ~~عبد الله بن عبيد الله بن أب مليكة. وأبو رجاء العطاردي. وأبو شاكر مسلمة ~~بن هشام بن عبد الملك. وفيها توفي ميمون ابن مهران الفقيه، وقيل سنة ثماني ~~عشرة. وفيها توفي نافع مولى ابن عمر، وقيل سنة عشرين. وفيها توفي أبو بكر ~~محمد بن عمرو بن حزم، وقيل سنة عشرين، وقيل سنة ست وعشرين، وقيل سنة ~~ثلاثين. وفيها ماتت عائشة ابنة سعد بن أبي وقاص. وسعيد بن يسار. وقتادة بن ~~عامة البصري، وكان ضريرا، ومولده سنة ستين. ### | AUT ثم دخلت سنة ثماني عشرة ومائة # في هذه السنة غزا معاوية وسليمان ابنا هشام بن عبد الملك أرض الروم. ### || AUT ذكر دعاة بني العباس # في هذه السنة وجه بكير بن ماهان عمار بن يزيد إلى خراسان واليا ms1777 على شيعة ~~بن العباس، فنزل مرو وغير اسمه وتسمى بخداش، ودعا إلى محمد بن علي، فسارع ~~إليه الناس وأطاعوه، ثم غير ما دعاهم إليه وتكذب وأظهر دين الخرمية ودعا ~~اليه ورخص لبعضهم في نساء بعض، وقال لهم:إنه لا صوم ولا صلاة ولا حج، وإن ~~تأويل الصوم أن يصام عن ذكر الإمام فلا يباح باسمه، والصلاة الدعاء له، ~~والحج القصد إليه، وكان يتأول من القرآن قوله تعالى: " ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وهملوا الصالحات " . ~~وكان خداش نصراينيا بالكوفة فأسلم ولحق بخرايان. وكان ممن اتبعه على مقاتله ~~مالك الهيثم، والحريش بن سليم الأعجمي وعغيرهما، وأخبرهم أم محمد بن علي ~~أمر بذلك. فبلغ خبره أسد بن عبد الله، فظفر به، فأغلظ القول لأسد، فقطع ~~لسانه وسمل عينيه وقال: الحمد الله الذي انتقم لأبي بكر وعمر منك! وأمر ~~يحيى ابن نعيم الشيباني فقتله وصلبه بآمل، وأتي أسد بجزور مولى المهاجر بن ~~دارة الضبي فضرب عنقه بشطاء النهر. ### || AUT ذكر ما كان من الحارث وأصحابه # PageV02P0414 # وفي هذه السنة نزل أسد بلخ وسرح جديعا الكرماني إلى القلعة التي فيها أهل ~~الحارث وأصحابه، واسمها التبووشكان من طخارستان العليا، وفيها ينو برزى ~~التغلبيون أصهار الحارث، فحصرهم الكرماني حتى فتحها فقتل بني برزى وسبى ~~عامة أهله من العرب والموالي والذرادي وباعهم فيمن يزيد في سوق بلخ، ونقم ~~على الحارث أربعمائئة وخمسون رجلا من أصحابه، وكان رئيسهم جرير بن ميمون ~~القاضي، فقال لهم الحارث: إن كنتم لا بد مفارقي فاطلبوا الأمان وأنا شاهد ~~فإنهم يجيبونكم، وإن ارتحلت قبل ذلك لم يعطوا الأمان. فقالوا: ارتحل أنت ~~وخلنا. وأرسلوا يطلبون الأمان، فاخبر أسد أن القوم ليس لهم طعام ولا ماء، ~~فسرح إليهم أسد جديعا الكرماني في ستة آلاف، فحصرهم في القلعة وقد عطش ~~أهلها وجاعوا، فسألوا أن ينزلوا على الحكم ويترك لهم نساءهم وأولادهم، ~~فاجابهم، فنزلوا على حكم أسد فأرسل إلى الكرماني يأمره أن يحمل إليه خمسين ~~رجلا من وجوههم فيهم المهاجر بن ميمون، ms1778 فحملوا إليه، فقتلهم وكتب إلى ~~الكرماني أن يجعل الذين بقوا عنده أثلاثا، فثلث يقتلهم، وثلث يقطع أيديهم ~~وأرجلهم، وثلث يقطع أديهم، ففعل ذلك الكرماني وأخرج أثقالهم فباعها. واتخذ ~~أسد ميدنة بلخ دارا، ونقل إليها الدواوين، ثم غزا طخارستان قم أرض جبوية فغنم وسبى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل هشام خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم عن المدينة ~~واستعمل عليها خالد محمد بن هشام بن إسماعيل. وفيها غزا مروان بن محمد بن ~~مروان من أرميننية ودخل أرض ورنيس إلى الخزر ونزل حصنه، فحصره مروان ونصب ~~عليه المجانيق، فقتل ورنيس، قتله بعض من اجتاز به وأرسل رأسه إلى مروان، ~~فنصبه لأهل حصنه، فنزلوا على حكمه، فقتل المقالتلة وسبى الذرية. وفي هذه ~~السنة مات علي بن عبد الله بن عباس، وكان موته بالحميمة من أرض الشام وهو ~~ابن سبع أو ثمان وسبعين سنة، وقيل: إنه ولد في الليلة التي قتل فيها علي بن ~~أبي طالب، فسماه أبوه عليا، وقال: سميته باسم أحب الناس إلي، وكناه أبا ~~الحسن، فلما قجم على عبد المكل بن مروان أكرمه وأجلسه معه على سريره وسأله ~~عن كنيته، فأخبره، فقال: لا يجتمع في عسكري هذا الاسم والكنية لأحد، وسأله: ~~هل ولد لك ولد؟ قال: نعم، وقد سميته محمدا قال: فأنت أبو محمد. وحج بالناس ~~هذه السنة محمد بم هشام بن إسماعيل، وكان أمير المدينة، وقيل: كان هذه ~~السنة على المدينة خالد بن عبد الملك، وكان على العراق والمشرق كله خالد ~~القسري، وعامله على خراسان أخوه أسد، وعامله على البصرة بلال بن أبي بردة، ~~وكان على أرمينية مروان بن محمد بن مروان. وفي هذه السنة مات عبادة بن نسي ~~قاضي الأردن. وعممرو بن شعيب ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العباس، ومات ~~بالطائف. وأبو صخرة جامع بن شداد. وأبو عشابة المعافري. وعبد الرحمن سليط ### | AUT ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائة # ### || AUT ذكر قتل خاقان # لما دخل أسد الختل كتب ابن السايجي إلى ms1779 خاقان، وهوبنواكث، يعلمه دخول ~~أسد الختل وتفرق جنوده فيها وأنه يحتال مضيعة، فلما أتاه كتابه أمر أصحابه ~~بالجهاز وسار، فلما أحس ابن السايجي بمجيء خاقان بعث إلى أسد: اخرج عن ~~الختل فإن خاقان قد أظلك. فشتم الرسول ولم يصدقه. فبعث ابن السايجي: إني لم ~~أكذبك وأنا الذي أعلمته دخولك وتفرق عسكرك، وأنها فرصة له، وسألته المدد، ~~فغن لقيك على هذه الحال ظفر بك وعاتنب العرب أبدا ما بقيت واستطال على ~~خاقان واشتدت مؤونته، وقال: أخرجت العرب من بلادك ورددت عليك ملكك. فعرف ~~أسد أنه قد صدقه فأمر بالأثقال أن تقدم وجعل عليها إبراهيم بن عاصم العقيلي ~~وأخرج معه المشيخة، فسارت الأثقال ومعها أهل الصغانيان وصغان خذاه، وأقبل ~~أسد من الختل نحو الجبل الملح يريد أن يخوض نهر بلخ، وقد قطع إبرايهم بن ~~عاصم بالسبي وما أصلبوا، وأشرف أسد على النهر فأقام يومه، فلما كان الغد ~~عبر النهر في مخاض1ه، وجعل الناس يعبرونن فادركهام خاقان فقتل من لم يقطع ~~النهلأ، وكانت المسلحة على الأزد وتميم، فقاتلوا خاقان وانكشفوا . ~~PageV02P0415 # وأقبل خاقان وظن المسلمون أنه لا يعبر إليهم النره، فلما نظر خاقان إلى ~~النهر أمر الترك بعبوره، فعبرونه، ودخل المسلمون عسكرهم وأخذ الترك ما رأوه ~~خارجا، وخرج الغلمان فضاربوهم بالعمد فعادوا، وبات أسد والمسلمون وعببأ ~~أصحابه من الليل، فلما أصبح لم يرد خاقان، فاستشار أصحابه، فقالوا له: اقبل ~~العافية. قال:ما هذه عافة! هذه بلية! إن خاقان أصاب أمس من الجند والسلاح ~~وما منعه اليوم منا إلا أنه قجد أخبره بعض من اخذه من الأسرى بموضع الأثقال ~~أمامنا فار طمعا فيها. فارتحل وبعث الطلائع، فلما أمسى استشار الناس في ~~النزول أو المير، فقال الناس: اقبل العافية، وما عسشى أن يكون ذهاب الأموال ~~بعافيتنا وعافية أهل خراسان! ونصر بن سيار مطرق. فقال له أسد: ما لك لا ~~تتكلم؟ قال: أيها الأمير خلتان كلتاهما لك، لإن تسر تغث من مع الأثقال ~~وتخلصهم، فإن انتهيت وقد هلكوا فقد قطعت مشقة لا بد من قطعها. فقبل رأيه ~~وسار ms1780 بقية يومه، ودعا أسد سعيدا الصغير مولى باهلة، وكان فارسا بأرض الختل، ~~وكتب معه كتابا إلى إبراهيم يأمره بالاستعداد ويخبره بمسير خاقان إليه وقال ~~له : لتجد السير. فطلب منه فرسه الذبوب، فقال أسد: لعمري لئن جدت نفسك ~~وبخلت عليك بالفرس إني إذا للئيم. فدفعه إليه، فأخذ معه جنيبا وسار. فلما ~~حاذى الترك وقد ساروا نحو الأثقال طلبته طلائعهم فركب الذبوب فلم يلحقوه، ~~فأتى إبراهيم بالكتاب. وسار خاقان إلى الأثقال، وقد خندق إبراهيم خندقا، ~~فأتاهم وهم قيام عليه، فأمر الصغد بقتلاهم فهزمهم المسلمون، وصعد خاقان تلا ~~فجعل ينظر ليرى عورة يأتي منها، وهكذا كان يفعل، فلما صعد التل رأى خلف ~~العسكر جزيرة دونها مخاضة فدعا بعض قواد الترك فأمرهم أن يقطعوا فوق العسكر ~~حتى يصيروا إلى الجزيرة ثم ينحدروا حتى يأتوا عسكر المسلمين من خلفهم وأن ~~يبدأوا بالأعاجم واهل الصغانيان، وقال لهم: إن رجعوا إليكم دخلنا نحن. ~~ففعلوا ودخلوا من ناحية الأعاجم فقتلوا صغان خذاه وعامة أصحابه وأخذوا ~~أموالهم، ودخلوا عسكر إبراهيم فأخذوا جميع ما فيه، وترك المسلمون التعبية ~~واجتمعوا في موضع وأحسوا بالهلاك، وإذا رهج قد ارتفع، وإذا أسد في جنده قد ~~أتاهم، فارتفعت الترك عنهم إلى الموضع الذي كان فيه خاقان، وإبراهيم يعجب ~~من كفهم وقد ظفروا وقتلوا من قتلوا وهو لايطمع في أسد، وكان أسد قد أغذ ~~المسير وأقبل حتى وقف على التل الذي كان عليه خاقان، وتنحى خاقان إلى ناحية ~~الجبل، فخرج إلى أسد من كان بقي مع الأثقال وقد قتل منهم بشرا كثيرا. ومضى ~~خاقان بالأسرى والجمال الموقرة والجواري، وأمر خاقان رجلا كان معه من أصحاب ~~الحارث بن سريج فنادى أسدا: قد كان لك فيما وراء النهر مغزى، إنك لشديد ~~الحرص، وقد كان عن الختل مندوحة وهي أرض آبائي وأجدادي. فقال سد: لعل الله ~~أن ينتقم منك. ويسار أسد إلى بلخ فعسكر في مرجها حتى أتى الشتاء، ثم فرق ~~الناس في الدور ودخل المدينة، وكان الحارث بن سريج بناحية طخارستان فانضم ~~إلى خاقان. فلما كان وسط ms1781 الشتاء أقبل خاقان، وكان لما فارق أسد أتى ~~كخارستان فأقام عند جبوية، فأقبل فأتى الجوزجان وبث الغارات. PageV02P0416 # وسبب مجيئه أن الحارث أخبره أنه لا نهوض بأسد فلم يبق معه كثير جند ونزل ~~جزة، فأتى الخبر إلى أسد بنزول خاقان بجزة، فأمر بالنيران فرفعت بالمدينة، ~~فجاء الناس من الرساتيق إليها، فأصبح أسد وصلى صلاة العيد، عيد الأضحى، ~~وخطب الناس، وقال: إن عدوا الله الحارث بن سريج استجلب الطاغية ليطفئ نو ~~الله ويبدل دينه والله مذله إن شاء الله، وإن عدوكم قد أصاب من إخوانكم من ~~أصاب، وإن يرد الله نصركم لم يضركم قلتكم وكثرتهم، فاستنصروا الله، وإن ~~أقرب ما يكون العبد من ربه إذا وضع جبهته له، وإني نازل ووضاع جبهتي، ~~فاسجدوا له وادعوا مخلصين. ففعلوا ورفعوا رؤوسهم ولا يشكون في الفتح، ثم ~~نزل وضحى وشارور الناس في المسير إلى خاقان، قال قوم: تحفظ مدينة بلخ وتكتب ~~إلى خالد والخليفة تستمده. وقال قوم: تأخذ في طريق زم فتسبق خاقان إلى مرو. ~~وقال قوم: بل تخرج إليهم. فوافق هذا رأي أسد، وكان عزم على لقائهم، فخرج ~~بالناس ركعيتين ططولهما، ثم استقبل القبلة ونادى في الناس: اعوا الله ~~تعالى، وأطال الدعاء، فلما فرغ قال: نصرتم ورب الكعبة إن شاء الله تعالى! ~~ثم سار، فلما جاز قنطرة عطاء نزل وأراد المقام حتى يتلاحق به الناس، ثم أمر ~~بالرحيل وقال: لا حاجة بنا إلى المتخلفين. ثم ارتحل وعلى مقدمته سالم بن ~~منصور البجلي في ثلاثمائة، فلقي ثلاثمائة من الترك طليعة لخاقان، فأسر ~~قائدهم وسبعة معه، وهرب بقيتهم، فأتي به أسد فبكى التركي، فقال: ما يبكيك؟ ~~قال: لست أبكي لنفسي ولكني أبكي لهلاك خاقان، إنه قد فرق جنوده بينه وبين ~~مرو. فسار أسد حتى شارف مدينة الجوزيجان فنزل عليها على فرسخين من خاقان، ~~وكان قد استباحها خاقان، فلما أصبحوا تراءى العسكران، فقال خاقان للحارث بن ~~سريج: أم تكن أخبرتين أن أسدا لا حراك به وهذه العساكر قد أقبلت من هذا؟ ~~قال: هذا محمد بن المثنى ورايته. ms1782 فبعث خاقان طليعة وقال: انظروا هل ترون ~~على الإبل سريرا وكراسي؟ فعادواإليه فأخبروه أنهم رأوها، فقال خاقان: هذا ~~أسد. وسار أسد قدر غلوة، فلقيه سالم بن جناح فقال: أبشر أيها الأمير قد ~~حزرتم ولا يبلغون أربعة آلاف، وأرجوا أن يكون خاقان عقير الله. فصف أسد ~~أصحابه، وعبى خاقان أصحابه، فلما التقوا حمل الحارث ومن معه من الصغد ~~وغيهم، وكانوا ميمنة خاقان على ميسره أسد، فهزمهم فلم يردهم شيء دون رواق ~~أسد، وحملت ميمنة أسد وهم الجوزجان والأزد وتميم عليهم، فانهزم الحارث ومن ~~معه وانهزمت الترك جيمعها، وحمل الناس جميعا فتفرق الترك في الأرض لا يلوون ~~على أحد، فتبعهم الناس مقدار ثلاثة فراسخ يقتلون من يقدرون عليه حتى انتهوا ~~إلى أغنامهم وأخذوا منها أكثر من مائة ألف وخمسين ألف رأس ودواب كثيرة. ~~وأخذ خاقان طريقا في الجبل والحارث يحميه وسا منهزما، فقال الجوزجاني ~~لعثمان بن عبد الله بن الشخير: إني لأعلم ببلادي وبطرقها فهل تتبعني لعنلا ~~نهلك خاقان؟ قال: نعم، فاخذا طريقا وسارا ومن معهما حتى أشسرفوا على خاقان ~~فأوقعوا به، فولى منهزما، فحوى المسلمون عسكر الترك وما فيه من الأموال، ~~ووجدوا فيه من نساء العرب والموليات من نساء الترك من كل شيء. ووحل بخاقان ~~برذونه فحماه الحارث بن سريج، ولم يعلم الناس أنه خاقان، وأراد الخصي الذي ~~لخاقان أن يحمل امرأة خاقان فأعجلوه فقتلها، واستنقذوا من كان مع خاقان من ~~لمسلمين. وتتبع أسد خيل الترك التي فرقها في الغارة إلى مرو الوذ وغيها ~~فقتل من قدر عليه منهم ولم ينج منهم غير القليل، ورجع إلى بلخ. وكان بشر ~~الكرماني فب السرايا فيصيبون من الترك الرجل والرجلين وأكثر. ومضى خاقان ~~إلى طخارستان واقام عند جبوية الخزلجي، ثم ارتحل إللا بلادده، فلما ورد ~~أشروسنة تلقاه خرابغره أو خاناجزه جد كاووس أبي أفشين بكل ما قدر عليه، ~~وكان ما بينهما متباعدا، إلا أنه أحب أن يتخذ عنده يدا. ثم أتى خاقان بلاده ~~واستعد لحرب ومحاصرة سمرقند، وحمل الحارث وأصحابه على خمسة آلاف برذون. ms1783 ~~فلاعب خاقان يوما كورصول بالنرد على خطر، فنازعا، فضرب كورصول يد خاقان ~~وكسرها وتنحى وجمع جمعا، وبلغه أن خاقان قد حلف ليكسرن يده، فبيت خاقان ~~فقتله، وتفرقت التك وتركوه مجردا، فأتاه نفر من الترك فدفنوه. واشتغلت ~~الترك يغير بعضها على بعض، فعند ذلك طمع أهل الصغد في الرجعة إليها. ~~PageV02P0417 # وأرسل أسد مبشرا إلى هشام بن عبد الملك بما فتح الله عليهم وبقتل خاقان، ~~فلم يصدقه وقال للربيع حاجبه: لا أظن هذا صادقا، اذهب فعده ثم سله عما ~~يقول، ففعل ما أمره به، فأخبره بما أخبر به هشاما، ثم أرسل أسد مبشرا آخر ~~فوقف على بابا هشام وكبر، فأجابه هشام بالتكبير، فلما انتهى إليه أخبره ~~بالفتح، فسجد شكرا لله تعالى، فحسدت القيسية أسدا وقالوا لهشام: اكتب بطلب ~~مقاتل بن حيان النبطي، ففعل فسيره أسد إلى هشام، فلما دخل عليه أخبره بما ~~كان، فقال له هشام: حاجتك؟ قال: إن يزيد بن المهلب أخذ من أبي مائة ألف ~~درهم بغير حق فاستحلفه على ذلك. فكتب إلى أسد فردها عليه، وقسمها مقاتل بين ~~ورثة حيان على كتاب الله تعالى. قال أبو الهندي يذكر هذه الوقعة أبا منذر ~~رمت الأمور وقستها ... وساءلت عنها كالحريص المساوم فما كان ذو رأي من ~~الناس قسته ... برأيك إلا مثلي رأي البهائم أبا منذر لولا مسيرك لم يكن ... ~~عراق ولا انقادت ملوك الأعاجم ولا حج بيت الله من حج راكبا ... ولا عمر ~~البطحاء بعد المواسم وكم من قتيل بين سان وجزة ... كسير الأيادي من ملوك ~~قماقم تركت بأرض الجوزجان تزوره ... سباع وعقبان لحز الغلاصم وذي سوقة فيه ~~من السيف خبطة ... به رمق ملقى لحوم الحوائم فمن هارب منا ومن دائن لنا ... ~~أسير يقاسي مبهمات الأداهم فدتك نفوس من تميم وعامر ... ومن مضر الحمراء ~~عند المآزم هم أطمعوا خاقان فينا فأصبحت ... حلائبه ترجو خلو المغانم وكان ~~ابن السايجي الذي أخبر أسدا بميء خاقان قد استخلفه السبل على مملكته عند ~~موته وأوصاه بثلاث خصان، قال: لا تستطل على أهل الختل استطالتي عليهم، ms1784 فإني ~~ملك وأنت لست بملك إنما أنت رجل منهم، وقال له: اطلب الخيش حتى ترده إلى ~~بلادكم، فإنه الملك بعدي؛ وكان الحنيش قد هرب إلى الصين؛ وقال له: لا ~~تحاربوا العرب وادفعوها عنكم بكل حيلة. فقال له ابن السايجي: أما تركي ~~الاستطالة عليهم وردي الحنيش فهو الرأي، وأما قولك لا تحاربوا العرب، فكيف ~~وقد كنت أكثر الملوك محاربة لهم؟ قال السبل: قد جربت قوتكم بقوتي فما ~~رأيتكم تقعون مني موقعا، وكنت إذا حاربتهم لم أفلت إلا حرضا، وإنكم إذا ~~حاربتموهم هلكتم فهذا الذي كره إلى ابن السايجي محاربة العرب. ### || AUT ذكر قتل الممغيرة بن سعيد وبيان # في هذه السنة خرج المغيرة بن سعيد وبيان في ستة نفر، وكانوا يسمون ~~الوصفاء، وكان المغيرة ساحرا، وكان يقول: لو أردت أن حيي عادا وثمودا ~~وقرونا بين ذلك كثيرا لفعلت. وبلغ خالد بن عبد الله القسري خروجهم بظهر ~~الكوفة وهو يخطب فقال:: أطعوني ماء؛ فقال يحيى بن نوفل في ذلك: أخالد لا ~~جزاك الله خيرا ... وأير في حر امك من أمير وكنت لدى المغيرة عبد سوء ... ~~تبول من المخافة للزئير وقلت لما اصابك أطعموني ... شرابا ثم بلت على ~~السرير لأعلاج ثمانية وشيخ ... كبير السن ليس بذي نصير فأرسل خالد فأخذهم ~~وأمر بسريره فأخرج إلى المسجد الجامع وأمر بالقصب والنفط فأحضرا فأحرقهم، ~~وارسل إلى مالك بن أعين الجرمي فسأله، فصدقه، فتركه. PageV02P0418 # وكان رأي المغيرة التجسيم، يقول: إن الله على صورة رجل على رأسه تاج، وإن ~~أعضاءه على عدد حروف الهجاء ويقول ما لاينطق به لسان؛ تعالى الله عن ذلك، ~~يقول: إن الله تعالى لما أراد أن يخلق تكلم باسمه الأعظم فطار فروقع على ~~تاجه، ثم كتب بإصبعه على كفه أعمال عباده من المعاصي والطاعات، فلما رأى ~~المعاصي ارفض عرقا، فاجتمع من عرقه بحران أحدهما ملح مظلم والآخر عذب نير، ~~ثم اطلع في البحر فرأى ظله فذهب ليأخذه فطار فأدركه فقلع عبيني ذلك الظل ~~ومحقه فخلق من عينيه الشمس وسماء أخرى، وخلق من البحر الملح الكفار، ms1785 ومن ~~البحر العذب المؤمنين، وكان يقول بإلهية علي وتكفير أبي بكر وعمر وسائر ~~الصحابة إلا من ثبت مع علي، وكان يقول: إن الأنبياء لم يختلفوا في شيء من ~~الشرائع، وكان يقول بتحريم ماء الفرات وكل نهر أو عين أو بئر وقعت فيه ~~نجاسة، وكان يخرج إلى المقبرة فيتكلم فيرى أمثال الجراد علاى القبور. وجاء ~~المغيرة إلى محمد الباقر فقال له: أقرر أنك تعلم الغيب حتى أجبي لك العراق. ~~فنهره وطرده. وجاء إلى ابنه جعفر بن محمد الصادق فقال له مثل ذلك، فقال: ~~أعوذ بالله! وكان الشعبي يقول للمغيرة: ما فعل الإمام؟ فيقول: لأتتهزأ به؟ ~~فيقول: لا إنما أتهزأ بك. وأما بيان فإنه يقول بإلهية علي وإن الحسن ~~والحسين إلهان، ومحمد بن الحنفية بعدهم، ثم بعده ابنه أو هشام بن محمد بنوع ~~من التناسخ، وكان يقول: إن الله تعالى بفنى جميعه إلا وجهه، ويحتج بقوله: " ~~ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " . تعالى الله عما يقول الظالمون ~~والجاحدون علوا كبيرا. وادعى النبوة، وزعم أنه المراد بقوله تعالى: " هذا ~~بيان للناس " آل عمران:138. ### || AUT ذكر خبر الخوارج هذه السنة # وفي هذه السنة خرج بهلول بن بشر الملقب كثارة، وهو من الموصل من شيبان. ~~فقيل: وكان سبب خروجه أنه خرج يريد الحج، فأمره غلامه يبتاع له خلا بدرهم، ~~فأتاه بخمر، فأمره بردها وأخذ الدرهم، فلم يجبه صاحب الخمر إلى ذلك، فجاء ~~بهلول إلى عامل القرية، وهي من السواد، فكلمه، فقال العامل: الخمر خير منك ~~ومن قولك. فمضى في حجه وقد عزم على الخروج،فلقي بمكة من كان على مثل رأيه، ~~فاتعدوا قرية من قرى الموصل، فاجتمعوا بها، وهم أربعون رجلا، وأمروا عليهم ~~بهلولا، وكتموا أمرهم وجعلوا لا يمرون بعامل إلا أخبروه أنهم قدموا من عند ~~هشام على بعض الأعمال وأخذوا دواب البريد، فلما انتهوا إلى القرية التي ~~ابتاع الغلام بها الخمر قال بهلول: نبدأ بهذا العامل فنقلته. فقال أصحابه: ~~نحن نريد قتل خالد، فإن بدأنا بهذا شهر أمرنا وحذرنا خالد وغيره، فنشدناك ~~الله أن نقتل ms1786 هذا فيفلت منا خالد، الذي يهدم المساجد ويبني البيع والكنائس ~~ويولي المجوس على المسلمين وينكح أهل الذمة المسلمات لعلنا نقتله فيريح ~~الله من. قال: والله لا أدع ما يلزمني لما بعده وأرجو أن أقتل هذا وخالدا، ~~فقتله، فعلم بهم الناس أنهم خوارج، وهربوا، وخرجت البريد إلى خالد فأعلموه ~~بهم ولا يدرون من رئيسهم. فخرج خالد من واسط وأتى الحيرة، وكان بها جند قد ~~قدموا من الشام مددا لعامل الهند، فأمرهم خالد بقتاله وقال: من قتل منهم ~~رجلا أعطيته عطاء سوى ما أخذ في الشام وأعفيته من الخروج إلى هند. فساعوا ~~إلى ذلك، فتوجه مقدمهم، وهو من بني القين، ومعه ستمائة منهم، فضم إليه خالد ~~مائتين من الشرط، فالتقوا على الفرات، فقال القيني لمن معه من الشرط: لا ~~تكونوا معنا ليكون الظفر له ولأصحابه. وخرج إليهم بهلول فحمل على القيني ~~فطعنه فأنفذه وانهزم أهل الشام والشرط، وتبعهم بهلول وأصحابه يقتلونهم حتى ~~بلغوا الكوفة. فأما أهل الشام فكانوا على خيل جياد ففاتوه، وأما شرط الكوفة ~~فأدركهم، فقالوا: أتق الله فينا فإنا مكرهون مظهرون، فجعل يقرع رؤوسهم ~~بالرمح ويقول: النجاء. فوجد بهلول مع القيني بدرة فأخذها. وكان في الكوفة ~~ستة يرن رأي بهلول فخرجوا إليه فقتلوا بصريفين، فخرج بهلول ومعه البدرة ~~قالك من قتل هؤلاء حت أعطيه هذه البدرة؟ فجاء قوم فقالوا: نحن قتلناهم، وهم ~~يظنونه من عند خالد، فقال بهلول لأهل القرية: اصدق هؤلاء؟ قالوا: نعم، ~~فقتلهم وترك أهل القرية. PageV02P0419 # وبلغت الهزيمة خالدا وما فعل بصريفين، فوجه إليه قائدا من شيبان أحد بني ~~حوشب بن يزيد بن رويم، فلقيه فيما بين الموصل والكوفة، فانهزم أهل الكوفة ~~فأتوا خالدا. فارتحل بهلول من يومه يريد الموصل، فكتب عامل الموصل إلى هشام ~~بن عبيد الملك يخبره بهم ويسأله جندا، فكتب إليه هشام: وجه إليه كثارة بن ~~بشر. وكان هشام لا يعرف بهلولا إلى بلقبه، فكتب إليه العامل أن الخارج هو ~~كثارة. ثم قال بهلول لأصحابه: إنا والله ما نصنع بابن النصرانية شيئا، يعني ~~خالدا، فبم ms1787 لا نطلب الرأس الذي سلط خالدا؟ فسار يريد هشاما بالشام، فخاف ~~عمال هشام من هشام إن تركوه يجوز إلى بلادهم، فسير خالد جندا من العراق، ~~وسير عامل الجزيرة جندا من الجزيرة، ووجه هشام جندا من الشام واجتمعوا بدير ~~بين الجزيرة والموصل، وأقبل بهلول إليهم، وقيل التقوا بكحيل دون الموصل، ~~فنزل بهلول على باباب الدير وهو في سبعين وحمل عليهم فقتل منهم نفرا عامة ~~نهاره، وكانوا عشرين ألفا، فأكثر فيهم القتل والجراح، ثم إن بهلولا وأصحابه ~~عقروا دوابهم وترجلوا فاتلوا قتالا شديدا، فقتل كثير من أصحاب بهلول، فطعن ~~بهلول فصرع، فقال له أصحابه: ول أمرنا. فقال: إن هلكت فأمير المؤمنين دعامة ~~الشيباني، وإن هلك فأمروا عمرو اليشكري. ومات بهلول من ليلته، فلما أصبحوا ~~هرب دعامة وخلاهم فقال الضحاك بن قيس يرثي بهلولا: بدلت بعد أبي بشر وصحبته ~~... قوما علي مع الأحزاب أعوانا كأنهم لم يكونوا من صحابتنا ... ولم يكونوا ~~لنا بالأمس خلانا يا عين أذري دموعا منك تهتانا ... وابكي لنا صحبة بانوا ~~وإخوانا خلوا لنا ظاهر الدنياوبطانها ... وأصبحوا في جنان الخلد جيرانا ~~فلما قلتل بهلول خرج عمرو اليشكري فلم يلبث أن قتل. وخرج البختري صاحب ~~الأشهب، وبهذا كان يعرف، على خالد في ستين، فوجه إليه خالد السمط بن مسلم ~~البجلي في أربعة آلاف، قالتقوا بناحية الفرات، فانهزمت الخوارج، فتقلاهم ~~عبيد أهل الكوفة وسفلتهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم. ثم خرج وزير ~~السختياني على خالد بالحيرة في نفر، فجعل لا يمر بقرية إلا أحرقها، ولا ~~يلقى أحدا إلا قتله، وغلب على ما هنالك وعلى بيت المال، فوجه إليه خالد ~~جندا فقاتلوا عامة أصحابه وأثخن بالجراح، وأتي به خالد، وأقبل على خالد ~~فوعظه، فأعجب خالدا ما سمع منه فلم يقتله وحبسه عنده، وكان يؤتى به في ~~الليل فيحادثه. فسعي بخالد إلى هشام وقيل: أخذ حوريا قد قتل وحرق وأباح ~~لأموال فجعله سميرا، فغضب هشام وكتب إليه يأمره بقتله، وكان خالد يقول: إني ~~أنفس به عن الموت، فأخر قتله، فكتب إليه هشام ثانيا يذمه ويأمره ms1788 بقتله ~~وإحراقه، فقتله وأحرقه ونفرا معه، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات وهو يقرأ: " ~~قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون " التوبة:81. ### || AUT ذكر خروج الصحاري بن شبيب # وفي هذه السنة خرج الصحاري بن شبيب بن يزيد بناحية جبل، وكان قد أتى ~~خالدا يسأله الفريضة، فقال خالد: وما يصنع ابن شبيب بالفريضة؟ فمضى، وندم ~~خاد وخاف أن يفتق عليه فتقا، فطلبه لم يرجع إليه وسار حتى جبل، وبها نفر من ~~بني تيم اللات بن ثعلبة، فأخبرهم، فقالوا: وما ترجو من ابن النصرانية؟ كنت ~~أولى أن تسير إليه بالسيف فتضربه به. فقال: والله ما أردت الفريضة، وما ~~أردت إلا التوصل إليه لئلا ينكرني ثم أقتله بفلان، يعني بفلان رجلا من قعدة ~~الصفرية، وكان خالد قتله صبرا، ثم دعاهم إلى الخروج معه، فتبعه منهم ثلاثون ~~رجلا وخرج بهم، فبلغ خبره خالدا وقال: قد كنت خفتها منه؛ ثم وجه إليه خالد ~~جندا، فلقوه بناحية المناذر، فقاتلهم قتالا شديدا فقتلوه وجميع أصحابه. ### || AUT ذكر غزو أسد الختل # وفيها غزا أسد الختل، فوجه مصعب بن عمرو الخزاعي إليها، فسار فنزل بقرب ~~بدر طرخان فطلب الأمان ليخرج إلى اسد، فآمنه مصعب، فسيره إلى أسد، فسأله أن ~~يقبل منه ألف ألف درهم، فأبى أسد وقال: إنك دخلتها وأنت غريب من أهل ~~الباميان، أخرج من الختل كما دخلت. قال بدرطرخان: فأنت دخلت إلى خراسان على ~~عشرة من الدواب ولو خرجت منها لم تحتمل على خمسمائة بعير وغير ذلك، إني ~~دخلت الختل شابا فاردد علي شبباب وخذ ما كسبت منها. PageV02P0420 # فغضب أسد ورده إلى مصعب ليمكنه من العود إلى حصنه، فوصل بدرطرخان مع مولى ~~لأسد إلى مصعب، فاخذه سلمة بن عبيد الله، وهو من الموالي، وقال: إن الأمير ~~يندم على تركه وحبسه عنده. وأقبل أسد بالناس، فقال لمجشر بن مزاحم: كيف ~~أنت؟ قال مجشر: كنت أمس أحسن حالا مني اليوم، كان بدرطرخان في أدينا وعرض ~~ما عرض، فلا الأمير قبل منه ما عرض عليه ولا هو شد يديه ms1789 عليه ولكنه خلى ~~سبيله وأمر بإدخاله حصنه. فندم أسد عند ذلك وأرسل إلى مصعب يسأله: هل دخل ~~بدرطرخان حصنه ظام لا؟ فجاء الرسول فوجده عند سلمة بن عبيد الله، فحوله أسد ~~إليه وأمر به فقطعت يده، وقال: من هاهنا من أولياء أبي فديك رجل من الأزد ~~كان بدرطرخان قد قتله؟ فقالم رجل مكن الأزد فقال: أنا فقال: أضرب عنقه، ~~ففعل. وغلب أسد على القلعة العظمى وبقيت قلعة فوقها صغيرة وفيها ولده ~~وأمواله فلم يوصل إليها. وفرق أسد العسكر في أودية الختل فملأ أيديهم من ~~الغنائم والسبي، وهرب أهله إلى الصين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا الوليد بن القعقاع أرض الروم. وحج بالناس في هذه السنة ~~أبو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك وحج معه ابن شهاب الزهري. وكان العامل ~~على مكة والمدينة والطائف محمد بن هشام المخزومي، وعلى العراق والمشرق كله ~~خالد القسري، وعلى خراسان أخوه أسد، وقيل: كان أسد قد هلك في هذه السنة ~~واستخلف عليها جعفر بن حنظلة البهراني وقيل: إنما هلك أسد سنة عشرين ومائة، ~~وعلى ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها غزا مروان بن محمد أرمينية فدخل ~~بلاد اللان وسار فيها حتى خرج منها إلى بلاد الخزر فمر ببلنجر وسمندر ~~وانتهى إلى البيضاء التي يكون فيها خاقان، فهرب خاقان منه. وفيها توفي حبيب ~~بن أبي ثابت. وعبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي. وقيس بن سعد المكي. ~~وسليمان بن موسى الأشدق. وإياس بن سلمة بن الأكوع ### | AUT ثم دخلت سنة عشرين ومائة # ### || AUT ذكر وفاة أسد بن عبد الله # في هذه السنة في ربيع الأول توفي أسد بن عبد الله القسري بمدينة بلخ ~~وكان سبب موته أنه كان به دبيلة في جوفه فأصابه مرض قم أفاق منه فخرج يوما ~~فأتي بكمثرى أول ما جاء فأطعم الناس منه واحدة واحدة وزأخذ كثراة فرمى بها ~~إلى خراسان دهقان هراة فانقطعت الدبيلة فهلك، واستخلف جعفر ابن حنظلة ~~البهراني، فعمل أربعة أشهر ثم جاء عهد ms1790 نصر بن سيار بالعمل في رجب سنة احدى ~~وعشرين. وكان هذا خراسان دهقان هراة خصيصا بأسد، فقدم عليه في المهرجان ~~ومعه من الهدايا والتحف ما لم يحمل غيره مثله، وكانت قيمة الهدية ألف ألف. ~~وقال لأسد: إنا معشر العجم أكلنا الدنيا أرعمائة سنة بالحلم والعقل ~~والوقار، وكان الرجال فينا ثلاثة: ميمون النقية، أين ما توجه فتح الله ~~عليه، والذي يليه رجل تمت مروته في بيت، فإن كان كذلك رحب وحيا، ورجل رحب ~~صدره وبسط يده، فإذا كان كذلك قدم وقود، وقد جعل الله صفات هؤلاء فيك فما ~~يعلم أحدا هو أتم كتخذانية منك، إنك عزيز ضابط أهل بيتك وحشمك ومواليك فليس ~~منهم من يستطيع أن يعتدي على صغير ولا كبير، ثم بنيت الإيوانات في المفاوز ~~من أحسن ما عمل، ومن يمن نقيبتك أنك لقيت خاقان وهو في ماة ألف ومعه الحارث ~~بن سريج فهزمته وقتلته وقتلت أصحابه وأبحت عسكره، وأما رحب صدرك وبسط يدك ~~فإنا لا ندري أي المالين أحب إليك، وأمال قدم عليك أم مال خرج من عندك، بل ~~أنت بما خرج أقر عينا. فضحك أسد وقال: أنت خير دهاقينا، وفرق جميع الهدية ~~بين أصحابه. ولما مات أسد رثاه ابن عرس العبدي فقال: نعى أسد بن عبد الله ~~ناع ... فريع القلب للملك المطاع ببلخ وافق المقدار يسري ... وما لقضاء ربك ~~من دفاع فجودي عين بالعبرات سحا ... ألم يحزنك تفريق الجماع في أبيات ~~غيرها. ولما مات أسد كتب مسلمة بن هشام بن عبد الملك، وهو أبو شاكر إلى ~~خالد القسري: أراح من خالد فأهلكه ... رب أراح العابد من أسد أما أبوه فكان ~~مؤتشبا ... عبدا لئيما لأعبد فقد يرى الزنى والصليب والخمر ... والخنزير ~~رحلا والغي كالرشد وأمه همها وبغيتها ... هم الإماء العواهر الشرد ~~PageV02P0421 # كافرة بالنبي مؤمنة ... بقسها والصليب والعمد يعني المعمودية. فلما قرأ ~~خالد الكتاب قال: يا عباد الله من رأى كهذه تعزية رجل من أخيه؟ وكان ما بين ~~خالد وأبي شاكر مباعدة؛ وسببها أن هشاما يرشح ابنه أبا شاكر للخلافة؛ ms1791 فقال ~~الكميت: إن الخلافة كائن أو تادها ... بعد الوليد إلى ابن أم حكيم يعني أبا ~~شاكر، وأمه أم حكيم، فبلغ الشعر خالدا فقال: أنا كافر بكل خليفة يكنى أبا ~~ساكر؛ فسمعها أبو شاكر فحقدها عليه. ### || AUT ذكر شيعة بني العباس بخراسان # وفي هذه السنة وجهت شيعة بني العابس بخراسان إلى محمد بن علي بن عبد ~~الله بن العباس سليمان بن كثير ليعلمه أمرهم وما هم عليه. وكان سبب ذلك أم ~~محمدا ترك مكاتبتهم ومراسلتهم بطاعتهم التي كانت لخداش الذي تقدم ذكره ~~وقبولهم منه ماروي عنه من الكذب. فلما أبطأت كتبه ورسله عليهم أرسلوا ~~سليمان ليعلم الخبر، فقدم عليه فعنفه محمد في ذلك، ثم صرف سليمان إلى ~~خراسان ومعه كتاب مختوم فغضوه فلم ير فيه إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فعظم ~~ذلك عليهم وعلموا مخالفة خداش لأمره، ثم وجه محمد بمن علي إليهم بكير بن ~~ماهان بعد عود سليمان من عنده وكتب معه إليهم يعلمهم كذب خداش، فلم يصدقوه ~~واستخفوا به، فانصرف بكير إلى محمد، فبعث معه يعصي مضببة بعضها بحديد ~~وبعضها بنحاس، فجمع بكير النقباء والشيعة ودفع إلى كل واحد منهم عصا، ~~فعلموا أنهم مخالفون لسيرته فتابوا ورجعوا. ### || AUT ذكر عزل خالد بن عبد الله القسري # ### || AUT وولاية يوسف بن عمر الثقفي # وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالدا عن أعمالهل جميعها، وقد ~~اختلفوا في ذلك وسببه. قيل: إن فروخ أبا المثنى كان على ضياع هشام بنهر ~~الرمان، فثقل مكانه على خالد، فقال خالد لحيان النبطي: اخرج إلى هشام وزد ~~على فروخ، ففعل حيان ذلك وتولاها، فصار حيان أثقل على خالد من فروخ، فجعل ~~يؤذيه، فيقول حيان: لا تؤذي وأنا صنيعتك، فابى إلا أذاه. فلمكا قدم عليه ~~بثق البثوق على الضياع، ثم خرج إلى هشام فقال له: إن خالدا بثق البثوق على ~~ضياعك. فوجه هشام من ينظر إليها، فقال حيان لخادم من خدم هشام: إن تكلمت ~~بكلمة أقولها لك حيث يسمع هشام فلك ألف دينار. قال: فعجاها وأقول ms1792 ما شئت، ~~فأعطاه ألفا وقال له: تبكي صبيان هشام، فإذا بكى فقل له: اسكت! والله لكأنك ~~ابن خالد القسري الذي غلته ثلاثة عشر ألف ألف. ففعل الخادم، فسمعها هشام، ~~فسأل حيان عن غلة خالد، فقال: ثلاثة عشر ألف ألف. فوقرت في نفس هشام. وقيل: ~~كانت غلته عشرين ألفا، وإنه حفر بالعراق الأنهار، منها نهر خالد وباجرى ~~وترمانا والمبارك والجمع وكورة سابور والصلح، وكان كثيرا ما يقول: غني ~~مظلوم، ما تحت قدمي شيء إلا هو لي، يعني أن عمر جعل لبجيلة ربع السواد. ~~وأشار عليه العريان بن الهيثم وبلال بن أبي بردة بعرض املاكه على هشام ~~ليأخذ منها ما أراد ويضمنان له الرضا فإنهما قد بلغهما تغير هشلم عليه، فلم ~~يفعل ولم يجبهما إلى شيء. وقيل لهشام:إن خالدا قال ولدجه: ما أنت بدون ~~مسلمة بن هشام! ودخل رجل من آل عمرو بن سعيد بن العاص على خالد في مجلسه، ~~فأغلظ له في القول، فكتب إلى هشام يشكو خالدا، فكتب هشام إلى خالد يذمه ~~ويلومه ويوبخه ويأمره أن يمشي راجلا إلى بابه ويترضاه، فقد حعل عزله ~~وولايته إليه، وكان يذكر هشاما فيقول: ابن الحمقاء، وكان خالد يخطب فيقول: ~~زعمتم أني أغلي أسعاركم، فعلى من يغليها لعنة الله وكان هشام كتب إليه ألا ~~تبيعن من الغلات شيئا حتى تباع غلات أمير المؤمنين، فبلغت كيلها دارهم. ~~وكان يقول لابنه: كيف أنت إذا احتاج إليك أمير المؤمنين؟ فبلغ هذا جميعه ~~أمير المؤمنين هشاما فتنكر له. وبلغه أيضا أنه يستقل ولاية العراق، فكتب ~~إليه هشام: يا بن أم خالد بلغني أنك تقول: ما ولاية العراق لي بشرف. يا بن ~~اللخناء، كيف لا تكون إمرة العراق لك شرفا وأنت من بجيلة القليلة الذليلة؟ ~~أما والله إني لأظن أن لأول من يأتيك صغير من قريش يشد يديك إلى عنقك. ~~PageV02P0422 # ولم يزل يبلغه عنه ما يكره، فعزم على عزله، فكتم ذلك وكتب إلى يوسف ابن ~~عمر وهو باليمن، يأمره أن يقدم في ثلاثين من اصحابه إلى العراق فقد ولاه ms1793 ~~ذلك، فسار يوسف إلى الكوفة فعرس قريبا منها، وقد ختن طارق خليفة خالد ~~بالكوفة ولده فأهدى إليه ألف وصيف ووصيفة سوى الأموال والثياب، فمر بيوسف ~~بعض أهل العراق فسألوه: ما أنتم وأين تريدون؟ قالوا: بعض المواضع. فأتوا ~~طارثقا فأخبروه خبرهم وأمروه بقتلهم وقالوا: إنهم خوارج. فسار يوسف إلى دور ~~ثقيف، فقيل لهم: ما أنتم؟ فكتموا حالهم وأمر يوسف، فجمع إليه من هناك من ~~مضر، فلما اجتمعوا دخل المسجد مع الفجر وأمر المذن وأقام الصلاة فصلى، ~~وأرسل إلى طارق وخالد فأخذهما وإن القدور لتغلي. وقيل: لما أراد هشام أن ~~يولي يوسف بن عمر العراق كتم ذلك، فقدم جندب مولي يوسف بكتاب يوسف إلى ~~هشام، فقرأه ثم ثال لسالم بن عنبسة وهو على الديوان: أن أجبه عن لسانك ~~وأتني بالكتاب. وكتب هشام بخطه كتابا صغيرا إلى يوسف يأمره بالمسير إلى ~~العراق، فكتب سالم المتاب وأتى به هشاما، فجعل كتابه في وسطكه وختمه، ثم ~~دعا رسول يوسف فأمر به فضرب ومزقت ثيابه، ودفع الكتاب إليه فسار. فارتاب ~~بشير بنم أبي طلحة، وكان خليفة سالم، فقال: هذه حيلة، وقد ولى يوسف العراق، ~~فكتب إلى عياض، وهو نائب سالم بالعراق: إن أهلك قد بعثوا إليك بالثوب ~~اليماني، فإذا أتاك فالبسه واحمد الله تعالى وأعلم ذلك طارقا. فأعلم عياض ~~طاق بن أبي زيدا بالكتاب له. ثم ندم بشير على كتابه، فكتب إلى عياض: إن ~~أهلك قد بدا لهم في إرسال الثوب. فأتى عياض بالكتاب الثاني إلى طارق، فقال ~~طارق: الخبر في الكتاب الأول، ولكن بشيرا ندم وخاف أن يظهر الخبر. وركب ~~طارق من الكوفة إلى خالد وهو بواسط، فرآه داود البريدي، وكان على حجابة ~~خالد وديوانه، فأعلم خالدا، فأذن له، فلما رآه قال: ما أقدمك بغير إذان؟ ~~قال: أمر كنت أخطأت فيه، كنت قد كتبت إلى الأمير أعزيه بأخيه أسد، وإنما ~~كان يجب أن آتيه ماشسا. فرق خالد ودمعت عيناه وقال: ارجع إلى عملك، فأخبره ~~الخبر لما غاب داود، اقل: فما الرأي؟ قال: تركب إلى أمير ms1794 المؤمنين فتعتذر ~~إليه مما بلغه عنك. قال: لا أفعل ذلك بغير إذن. قال: فترسلني إليه حتى آتيك ~~بعهده. قال: وكم مبلغه؟ قال: مائة ألف ألف . قال: ومن أين آخذها؟ والله ما ~~اجد عشرة آلاف ألف درهم! قال: أتحمل أنا وفلان وفلان. قال: إني إذا للئيم ~~إن كنت أعطيتهم شيئا وأعود فيه. فقال طارق: إنما نفيك ونفي أنفسنا بأموالنا ~~وتستأنف الدنيا وتبقى النعمة عليك وعلينا خي من أن يجيء من يطالبنا ~~بالأموال وهي عند أهل الكوفة فيتربصون فنقتل ويأكلون تلك الأموال. فأبى ~~خالد. فودعه طارق وبكى وقال: هذا آخر ما نلتقي في الدنيا. ومضى إلى الكوفة ~~وخرج وخرج خالد إلى الجمة. وقدم رسول يوسف عليه اليمن فقال: أمير المؤمنين ~~ساخط، وقد ضربني ولم يتكتب جواب كتابك، وهذا كتاب سالم صاحب الديوان. ~~فقرأه، فلما انتهى إلى آخره قرأ كتاب هشام بخطه وولاية العراق ويامره أن ~~يأخذ ابن النصرانية، يعني خالدا، وعماله ويعذبهم حتى يشتفي. فأخذ ديلا وسار ~~من يومه واستخلف على اليمن ابنه الصلت، فقدم الكوفة في جمادى الآخرة سنة ~~عشرين ومائة فنزل النجف، وأرسل مولاه كيسان وقال: انطلق فأتني بطارق، فإن ~~أقبل فاحمله على إكاف، وإن لم يقبل فأت به سحبا. فأتى كيسان الحيرة فأخذ ~~معه عبد المسح سيد أهلها إلى طارق، فقال له: إن يوسف قد قدم على العراق وهو ~~يستدعيك. فقال طارق لكيسان: إن أراد الأمير المال أعطيته ما سأل. وأقبلوا ~~به إلى يوسف بن عمر فتوافوا بالحيرة، فضربه ضربا مبرحا، يقال خمسمائة سوط، ~~ودخل الكوفة وأرسل عطاء بن مقدم إلى خالد بالجمة، فاتى الرسول حاجبه وقال: ~~استأذن لي على أبي الهيثم، فدخل متغير اللون، فقال: ايذن له، فدخل عليه، ~~فقال: ويل أمها سخطة! ثم أخذه فحبسه، وصالحه عنه أبان بن الوليد وأصحابه ~~على تسعة آلاف ألف ، فقيل ليوسف: لو لم تفعل لأخذت منه مائة ألف ألف، فندق ~~وقال: قد رهنت لساني معه ولا آمن ولا أرجع. PageV02P0423 # وأخر أصحاب خالدا فقال: قد أخطأتم ولا آمن أن يأخذها ثم يعود، ms1795 ارجعوا، ~~فرجعوا فأخبروه أن خالدا لم يرض، فقال: قد رجعتم؟ قالوا: نعم. قال: والله ~~لا أرضى بمثلها ولا مثليها، فأخذ أكثر من ذلك، وقيل: أخذ مائة ألف. فأرسل ~~يوسف إلى بلال بن أبي بردة، فقبضه، وكان قد اتخذ بلال بالكوفة دارا لم ~~ينزلها، فأحضره يوسف مقيدا فأنزله الدار، ثم جعلت سجنا. وكان خالد يصل ~~الهاشميين ويبرهم، فأتاه محمد بن عبد الله ابن عمرو بن عثمان بن عفان ~~ليستميحه فلم ير منه ما يحب، فقال: أما الصلة فللهاشميين وليس لنا منه إلا ~~أنه يلعن عليا، فبلغت خالدا فقال: إن أحب نلنا عثمان بشيء. وكان خالد مع ~~هذا يبالغ في سب علي، فقيل: كان يفعل ذلك نفيا للتهمة وتقربا إلى القوم. ~~وكانت ولاية خالد العراق في شوال سنة خمس ومائة، وعزل في جمادى الأولى ستة ~~عشرين ومائة، ولما ولي يوسف العراق كان الإسلام ذليلا والحكم فيه إلى أهل ~~الذمة، فقال يحيى بن نوفل فيه: أتانا وأهل الشرك أهل زكاتنا ... وحكامنا ~~فيما نسر ونجهر فلما أتانا يوسف الخير أشرقت ... له الأرض حتى كل واد منور ~~وحتى رأينا العدل في الناس ظاهرا ... وما كان من قبل العقيلي يظهر في ~~أبيات. ثم قال بعد ذلك: أرانا والخليفة إذ رمانا ... مع الإخلاص بالرجال ~~الجديد كأهل النار حين دعوا أغيثوا ... جميعا بالحميم وبالصديد وكان في ~~يوسف أشياء متباينة متناقه، كان طويل الصلاة ملازما للمسجد ضاباطا لحشمه ~~وأهله عن الناس، لين الكلام، متواضعا، حسن الملكة، كثير التضرع والدعاء، ~~فكان يصلي الصبح ولا يكلم أحدا حتى يصلي الضحى، يقرأ القرآن ويتضرع، وكان ~~بصيرا بالشعر والأدب، وكان شديد العقوبة مسرفا في ضرب الأبشار، فكان يأخذ ~~الثوب الجديد فيمر ظفره عليه، فإن تعلق به طاقه فضرب صاحبه وربما قطع يده. ~~وكان أحمق، أتي يوما بثوب فقال لكاتبه: ما تقول في هذا الثوب؟ فقال: كان ~~ينبغي أن تكون بيوته أصغر مما هي. فال للحائك: صدق يا بن اللخناء! فقال ~~الحائك: نحن أعلم بهذا. فقال لكتابه: صدق يا بن اللخناء. فقال الكاتب: هذا ms1796 ~~يعمل في السنة ثوبا أو ثوبين، وأنا يمر على يدي في كل سنة مائة ثوب مثل ~~هذا. فقال للحائك: صدق يا بن اللخناء! فلم يزل يكذب هذا مرة وهذا مرة حتى ~~عد أبيات الثوب فوحدها تنقص بيتا من أحد جانبي الثوب، فضرب الحائك مائة ~~سوط. وقيل: إن يوسف أراد السفر فدعا جواريه فقال لإحداهن: تخرجين معي؟ ~~قالت: نعم قال: يا خبيثة كل هذا من حب النكاح، يا خادم اضرب رأسها. وقال ~~لأخرى: ما تقولين؟ فقالت: أقيم على ولدي. فقال: يا خبيثة أكل هذا زهادة في؟ ~~اضرب رأسها. وقال لثالثة: ما تقولين؟ قالت: ما أدري ما أقول، إن قلت ما ~~قالت إحداهما لما نجوت من عقوبتك. فقال: يا لخناء أوتناقضين ونحجبين؟ اضرب ~~رأسها. فضرب الجميع. وكان قصيرا عظيم اللحية، وكان يحضر الثوب الطويل ~~ليفصله ليلبسه، فإن قال الخياط إنه يفضل منه ضربه، فإن قال له الخياط: لا ~~يكفينا إلا بعد التصرف في التفصيل، سره، فكانوا يفصلون له ثيابا طوالا ~~ويأخذون ما ينبغي من الثوب يوهمونه أن الثوب لم يكفه فيرضى بذلك. وله في ~~هذا الباب أشياء نوادر، منها أنه قال يوما لكاتب له: ما حبسك؟ قال: اشتكيت ~~ضرسي فدعا بحجام يقلعه ومع ضرس آخر. ### || AUT ذكر ولاية نصر بن سيار الكناني خراسان # لما مات أسد بن عبد الله استشار هشام بنم عبد الملك عبد الكريم بن سليط ~~الحنفي، وكان علما بخراسان، فيمن يوليه، فقال عبد الكريم: يا أمير المؤمنين ~~أما رجل خراسان حزما ونجدة فالكرماني. فأعرض عنه وقال: ما سمه؟ قال: جديع ~~بن علي. قال: لا حاجة لي فيه، وتطير، قال: فالمسن المجرب يحيى بن نعيم بن ~~هبيرة الشيباني. قال: ربيعة لا تسد بها الثغور. قال عبد الكريم: فقلت في ~~نفس: كره ربيعة واليمن فأرميه بمضر، فقلت: عقيل بن معقل الليثي إن غفرت ~~هنة. قال: ما هي؟ قلت: ليس بالعفيف. قال: لا حاجة لي فيه. قلت: منصور بن ~~أبي الخرقاء السلمي إن غفرت نكره فإنه مشؤوم. قال: غيره. قلت: فالمجشر بن ms1797 ~~مزاحم السلمي عاقل شجاع له رأي مع كذب فيه. قال: لا خير في الكذب. ~~PageV02P0424 # قلت: يحية بن الحضين. قال: ألم أخبرك أن ربيعة لا تسد بها الثغور؟ قال: ~~نصر بن سيار قال: هو لها. قلت: إن غفرت واحد، فإنه عفيف مجرب عاقل. قال: ما ~~هي؟ قلت: عشيرته بها قلقلة. قال: لا أبالك! أتريد عشيرة أكثر مني؟ أنا ~~عشيرته. فكتب عهده وبعثه مع عبد الكريم. وقد قيل: عرض عليه عثمان بن عبد ~~الله بن الشخير، وقيل له: إنه صاحب شراب، وقيل له عن يحيى بن الحضين: إنه ~~كثير التيه، وقيل له عن قطن بن قتيبة: إنه موتور، فلم يولهم فاستعمل نصرا. ~~وكان جعفر بن حنظلة الذي استخلفه أسد على خراسان عند موته قد عرض على نصر ~~أن يولويه بخارى، فاستشار البختري بن مجاهد مولى بين شيبان، فقال له: لا ~~تقبلها لأنك شيخ مضر بخراسان وكأنك بعهدك قد حاء على خراسان، فلما أتاه سلم ~~عليه بالإمرة، فقال له: من أين علمت؟ قال: كنت تأتيني فلما بعثت إلي علمت ~~أنك قد وليت. وأعطى نصر عبد الكريم لما أتاه بعهده عشرة آلاف درهم، واستعمل ~~على بلخ مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم، واستعمل على مرو الروذ وساج ابن بكير ~~بن وساج، وعلى هراة الحارث بن عبد الله بن الحشرج، وعلى نيسابور زياد بن ~~عبد الرحمن القشيري، وعلى خوارزم أبا حفص بن علي ختنه، وعلى الصغد قطن بن ~~قتيبة. قال رجل من اليمانية: ما رأيت عصبية مثل هذا. قال: بلى : التي كانت ~~قبلها، فلم يتسعمل أربع سنين إلا مضريا. وعمت خراسان عمارة لم تعمر قبلها، ~~وأحسن الولاية والجباية؛ فقال سوار ابن الأشعر: أضحت خراسان بعد الخوف آمنة ~~... من ظلم كل غشوم الحكم جبار لما أتى يوسفا أخبار ما لقيت ... اختار نصرا ~~لها نصر بن سيار وأتى نصرا عهده في رجب سنة عشرين ومائة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غا سليمان بن شام بن عبد الملك الصائفة وافتتح سندرة. ~~وفيها غزا إسحاق بن سلم ms1798 العقيلي تونشاه وافتتح قلاعها وخرب أرضها. وحج ~~بالناس هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي، وقيل: حج بهم سليمان ~~بن هشام بن عبد الملك، وقيل: أخوه يزيد بن هشام. وكان العامل على المدينة ~~ومكة والطائف محمد بن هشام المخزومي، وعلى العراق والمشرق يوسف بن عمر، ~~وعلى خراسان نصر بن سيار، وقد أمره هشام أن يكاتب يوسف بن عمر، وقيل: كان ~~عليها جعفر بن حنظلة، وعلى البصرة كثير بن عبد الله السلمي، استعمله يوسف، ~~وعلى قضائها عامر بن عبيدة، وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد، وعلى ~~قضاء الكوفة ابن شبرمة. وفيها مات عاصم بن عمر بن قتادة في أصح الأقوال. ~~وفيها مات مسلمة ابن عبد الملك بن مروان، وقيل: سنة إحدى وعشرين بالشام. ~~وفيها مات قيس بن مسلم. ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي. وحماد بن ~~سليمانالفقيه. وواقد بن عمرو بن سعد بن معاذ وعلي بن مدرك النخعي الكوفي. ~~والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الكوفي. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائة # في هذه السنة غزا مسملة بن هشام الروم فافتتح بها مطامير. ### || AUT ذكر ظهور زيد بن علي بن الحسين # قيل: إن زيد بن علي بن الحسين قتل هذه السنة، وقيل: سنة اثنتين وعشرين ~~ومائة ونحن نذكر الآن سبب خلافة على هشام وبيعة، ونذكر قتله سنة اثنتين ~~وعشرين. قد اختلفوا في سبب خلافة، فقيل: إن زيدا وداود بن علي بن عبد الله ~~ابن عباس ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب قدموا على خالد بن عبد الله ~~القسري بالعراق فأجازهم ورجعوا إلى المدينة، فما ولي يوسف بن عمر كتب إلى ~~هشام بذلك وذكر له أن خالدا ابتاع من زيد أرضا بالمدينة بعشرة آلاف دينار، ~~ثم رد الأرض عليه، فكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسيرهم إليه، ففعل، ~~فسألهم هشام عن ذلك فأقروا بالجائزة وأنكروا ما سوى ذلك وحلفوا فصدقهم ~~وأمرهم بالمسير إلى العراق ليقالاوا خالدا، فساروا على كره وقابلوا خالدا، ~~فصدقهم، فعادوا نحو المدينة. ms1799 فلما نزلوا القادسية راسل أهل الكوفة زيدا ~~فعاد إليهم. PageV02P0425 # وقيلك بل ادعى خالد القسري أنه أودع زيدا وداود بن علي ونفرا من قريش ~~مالا، فكتب يوسف بذلك إلى هشام، فأحضرهم هشام من المدينة وسيرهم إلى يوسف ~~ليجمع بينهم وبين خالد فقدموا عليه، فقال يوسف لزيد: إن خالدا رعم أنه ~~أودعك مالا. قال: كيف يودعني وهو يشتم آبائي على منبره! فأرسل إلى خالد ~~فأحضره في عباءة، فقال: هذا زيد قد أنكر أنك قد أودعته شيئا. فنظر خالد ~~إليه وإلى داود وقال ليوسف: أتريد أن تجمع مع إثمك في إثما في هذا؟ كيف ~~أودعه وأنا أشتمه وأشتم آباءه على المنبر! فقالوا لخالد: ما دعاك إلى ما ~~صنعت؟ قال: شدد علي العذاب فادعيت ذلك وأملت أن يأتي الله بفرج قبل قدومكم. ~~فرجعوا وأقام زيد وداود بالكوفة. قيل: إن يزيد بن خالد القسري هو الذي ادعى ~~المال وديعة عند زيد. فلما أمرهم هشام بالمسير إلى العراق إلى يوسف ~~استقالوه خوفا من شر يوسف وظلمه فقال: أنا أكتب إليه بالكف عنكم، وألزمهم ~~بذلك، فساروا على كره. وجمع يوسف بينهم وبين يزيد، فقال يزيد: مالي عندهم ~~قليل ولا كثير. قال يوسف: أبي تهزأ أم بأمير المؤمنين؟ فعذبه بومئذ عذابا ~~كاد يهلكه، ثم أمر بالفراشين فضربوا ونترك زيدا. ثم استحلفهم وأطلقهم، ~~فلحقوا بالمدينة، وأقام زيد بالكوفة، وكان زيد قد قال لهشام لما أمره ~~بالمسير إلى يوسف: ما آمن بعثتني إليه أن لا تجتمع أنا وأنت حيين أبدا. ~~قال: لا بد من المسير إليه فساروا إليه. وقيل: كان السبب في ذلك أن زيدا ~~كان يخاصم ابن عمه جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي في وقوف علي، زيد يخاصم ~~عن بني الحسين، وجعفر يخاصم عن بني الحسن، فكانا يتبالغان بين يدي الوالي ~~كل غاية ويقومان فلا يعيدان مما كان بينهما حرفا. فلما مات جعفر نازعه عبد ~~الله بن لحسن بن لحسن، فتنازعا يوما بين يدي خالد بن عبد الملمك بن الحارث ~~بالمدينة، فأغلظ عبد الله لزيد قال: يا ms1800 بن السندية! فضحك زيد وقال: قد كان ~~إسماعيل لأمة ومع ذلك فقد صبرت بعد وفاة سيدها إذ لم يصبر غيرها، يعني ~~فاطمة، وهي عمته، فلم يدخل عليها زمانا، فأرسلت إليه: يا بن أخي إني لأعلم ~~أن أمك عندك كأم عبد الله عنده . وقالت لعبد الله: بئس ما قلت لأم زيد! اما ~~والله لنعم دخيلة القوم كانت! قال: فذكر أن خالدا قال لهما اغدوا علينا غدا ~~فلست لعبد الملك إن لم أفصل بينكما. فاتت المدينة تغلي كالمرجل، يقول قالئل ~~قال زيد كذا، ويقول قائل قال عبد الله كذا. فلما كان الغد جلس خالد في ~~المسجد واجتمع الناس فمن بين شامت ومهموم، فدعا بهما خالد وهو يحب أن ~~يشاتما، فذهب عبد الله يتكلم، فقال زيد: لا تعجل يا ابا محمد، أعتق زيد ما ~~يملك إن خاصمك إلى خالد أبدا. ثم أقبل على خالد فقال: جمعت ذرية رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم ، لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر! فقال خالد: ~~أما لهذا السفيه أحد؟ فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم فقال: يا ابن ~~أبي تراب وابن حسين السفيه! أما ترى للوالي عليك حقا ولا طاعة؟ فقال زيد: ~~اسكت أيها القحطاني فإنالا نجيب مثلك. قال: ولم ترغب عني؟ فوالله إني لخير ~~منك، وأبي خير من أبيك، وأمي خير من أمك. فتضاحك زيد وقال: يامعشر قريش هذا ~~الدين قد ذهب فذهبت الأحساب، فوالله ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم. ~~فتكلم عبد الله بن راقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال: كذبت والله ~~أيها القحطاني! فوالله لهو خير منك نفسا وأما وأبا ومحتدا! وتناوله بكلام ~~كثير، وأخذ كفا من حصباء وضرب بها الأرض ثم قال: إنه والله ما لنا على هذا ~~من صبر. وشخص زيد إلى هشام بن عبد الملك، فجعل هشام لا يأذن له، فيرفع إليه ~~القصص فكلما رفع قصة يكتب هشام في أسفلها: ارجع إلى منزلك. فيقول زيد: ~~والله لا أرجع إلى خالد أبدا. ثم ms1801 أذن له يوما بعد طول حبس ورقي علية طويلة ~~وأمر خادما أن يتبعه بحيث بحيث لا يراه زيد ويمسع ما يقول، فصعد زيد، وكان ~~دينا، فوقف في بعض الدرجة، فسمعه يقول: والله لا يحب الدنيا أحد إلا ذل. ثم ~~صعد إلى هشام فحلف له على شيء، فقال: لا أصدقك. PageV02P0426 # فقال: يا أمير المؤمنين إن الله لم يرفع أحدا عن أن يرضى باللله، ولم يضع ~~أحدا عن الأيرصض بذلك منه. فقال هشام: لقد بلغني يا زيد أنك تكر الخلافة ~~وتتمناها ولست هنالك وأنت ابن أمة. قال زيد: إن لك جوابا. قال: فتكلم. قال: ~~إنه ليس أحد أولى بالله ولا أرفع درجة عنده من نبي ابتعثه، وقد كان إسماعيل ~~ابن أمة وأخوه ابن صريحة فاختاره الله عليه وأخرج منه خير البشر، وما على ~~أحد من ذلك إذ كان جده رسول الله وأبوه علي بن أبي طالب ما كانت أمه. قال ~~له هشام: اخرج. قال: أخرج ثم لا أكون إلا بحيث تكره. فقال له سالم: يا أبا ~~الحسين لا تظهرن هذا منك. فخرج من عنده وسار إلى الكوفة، فقال له محمد بن ~~عمر علي بن أبي طالب: أذكرك الله يا زيد لما لحقت بأهلك ولا تأت أهل ~~الكوفة، فإنهم لا يفون لك؛ فلم يقبل. فقال له: خرج بنا اساء على غير ذنب من ~~الحجاز إلى الشام ثم إلى الجزيرة ثم إلى العراق إلى قيس ثقيف يلعب بنا؛ ~~وقال: بكرت تخوفني المنون كأنني ... أصبحت عن عرض الحياة بمعزل فأجبتها: عن ~~المنية منهل ... لابد أسقى بكأس المنهل إن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي ~~إذا نزلوا بضيق المنزل فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن ~~لم أقتل أستودعك الله وإني أعطي الله عهدا إن دخلت يد في طاعة هؤلاء ما ~~عشت. وفارقه وأقبل إلى الكوفة، فأقام بها مستخفيا ينتقل في المنازل، وأقبلت ~~الشيعة تختلف إليه تبايعه، فبايعه جماعة منهم: سلمة بن كهيل، ونصر بن خزيمة ~~العبسي، ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة ms1802 الأنصاري، وناس من وجوه أهل ~~الكوفة، وكانت بيعته: إناندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، صلى الله عليه ~~وسلم ، وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين، وقسم هذا ~~الفيء بين أهله بالساء، ورد المظالم، ونصر أهل البيت، أتبايعون على ذلك؟ ~~فإذا قالوا: نعم، وضع يده على أيديهم ويقول: عليك عهد الله وميثاقه وذمته ~~وذمة رسوله، صلى الله عليه وسلم، لتفين ببيعتي ولتقاتلن عدوي ولتنصحن لي في ~~السر والعلانية، فغذا قال: نعم، مسح يده على يده ثم قال: اللهم أشهد. ~~فبايعه خمسة عشر ألفا، وقيل: اربعون ألفا، فأمر أصحابه بالاستعداد، فاقبل ~~من يريد أن يفي له ويخرج معه ويستعد ويتعيأ، فشاع أمره في الناس. هذا على ~~قول من زعم أنه أتى الكوفة من الشام واختفى بها يبايع الناس، وأما على قول ~~من زعم أنه أتى إلى يوسف بن عمر لموافقة خالد بن عبد الله اقسري أو ابنه ~~يزويد بن خالد فإن زيدا أقام بالكوفة ظاهرا ومعه داود بن علي بن عبد الله ~~بن عباس، وأقبلت الشيعة تختلف إلى زيد وتأمره بالخروج ويقولون: إنا لنرجو ~~أن تكون انت المنصور، وإن هذا الزمان هو الذي تهلك فيه بنو أمية. فأقامم ~~بالكوفة، وجعل يوسف بن عمر يسأل عنه فيقال هو ها هنا، ويبعث إليه ليسير ~~فيقول: نعم، ويعتل بالوجع، فمكث ما شاء الله. ثم ارسل إليه يوسف ليسير، ~~فاحتج بأنه يبتاع أشياء يريدها، قم أرسل إليه يوسف بالمسير عن الكوفة، ~~فاحتج بأنه يحاكم بعض آل طلحة بن عبيد الله بملك بينهما بالمدينة، فأرسل ~~إليه ليوكل وكيلا ويرحل عنها. فلما رأى جد يوسف في أمره سار حتى أتى ~~القادسية، وقيل الثعلبة، فتبعه أهل الكوفة وقالوا له: نحن أربعون ألفا لم ~~يختلف عنك أحد نضرب عنك بأسيافنا، وليس هاهنا من أهل الشام إلا عدة يسيرة ~~بعض قباسلنا يكفيكهم بإذن الله تعالى، وحلفوا له باظلأيمان المغلظة، فجعل ~~يقول: إني أخاف أن تخذولني وتسلموني كفعلكمم بأبي وجدي، فيحلفون له. فقال ~~له داود بن علي: يابن عم إن هؤلاء يغرونك ms1803 من نفسك، أليس قد خذلوا من كان ~~أعز عليهم منك جدك علي بن أبي طالب حتى قتل؟ والحسن من بعده بايهوه ثم ~~وثبوا عليه فانتزعوا رداءه وجرحوه؟ أوليس قد أخرجوا جدك الحسين وحلفوا له ~~وخذلوه وأسلموه ولم يرضوا بذلك حتى قتلوه. فلا ترجع معهم. فقالوا: إن هذا ~~لا يريد أن تظهر أنت ويزعم أنه وأهل بيته أولى بهذا الأمر منكم. فقال زيد ~~لداود: إن عليا يقالته معاوية بداهية وبكراهية، وإن الحسين قالتله يزيد ~~والأمر مقبل عليهم. فقال داود: إني خائف إن رجعت معهم أن لا يكون أحد أشد ~~عليك منهم، وأنت أعلم. PageV02P0427 # ومضى داود إلى المدينة، ورجع زيد إلى الكوفة، فلما رجع زيد أتاه سلمة بن ~~كهيل فذكر له فرابته من رسول الله، صلى الله عليه وسلم وحقه، فأحسن ثم قال ~~له: ننشدك الله كم بايعك؟ قال: أرعون ألفا. قال: فم بايه جدك؟ قال: ثمانون ~~ألفا. قال: فكم حصل معه؟ قال: ثلاثمائة. قال: نشدتك الله أنت خير أم جدك؟ ~~قال: جدي. قال: فهذا القرن خير أم ذلك القرن؟ قال: ذلك القرن. قال: أفتطمع ~~أن يفي لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجدك؟ قال: قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي ~~وأعناقهم. قال: أفتأذن لي أن أخرج من هذا البلد؟ فلا آمن أن يحدث حدث فلا ~~أملك نفسي. فأذن له فخرج إلى اليمامة، وقد تقدم ذكر مبايعة سلمة. وكتب عبد ~~الله بن الحسن بن الحسن إلى يزيد: أما بعد فإن أهل الكوفة نفخ العلانية خور ~~السريرة هرج في الرخاء جزع في اللقاء، تقدمهم أسنتهم ولا تشايعهم قلوبهم، ~~ولقد تواترت إلي كتبهم بدعوتهم، فصممت عن ندائهم وألبست قلبي غشاء عن ذكرهم ~~يأسا منهم واطراحا لهم، وما لهم مثل إلا ما قال علي بن أبي طالب: إن أهملتم ~~خضتم، وإن حوربتم خرتم، وإن اجتمع الناس على غمام طعنتم، وإن أجبتم إلى ~~مشاقة نكصتم. فلم يصغ زيد إلى شيء من ذلك، فأقام على حاله يبايع الناس ~~ويتجهز للخروج، وتزوج بالكوفة ابنة يعقوب بن عبد الله السلمي، ms1804 وتزوج أيضا ~~ابنة عبد الله بن أبي العنبسي الأزدي. وكان سبب تزوجه إياها أن أمها أم ~~عمرو بنت الصلت كانت تتشيع، فاتت زيدا تسلم عليه، وكانت جميلة حسناء قد ~~دخلت في السن ولم يظهر عليها، فخطبها زيد إلى نفسها، فاعذرت بالسن وقالت ~~له: لي ابنة هي أجمل من وابيض وأحسن دلا وشكلا فضحك زيد ثم تزوجها. وكان ~~يتنقل بالكوفة تارة عنده وتارة عند زوجه الأخرى وتارة في بني عبس وتارة في ~~بني هند وتارة في نبي تغلب وغيرهم إلى ان ظهر. ### || AUT ذكر غزوات نصر بن سيار ما وراء النهر # وفي هذه السنة غزا نصر بن سيار ما وراء النهر مرتين، وإحدهما من نحو ~~الباب الجديد، فسار من بلخ من تلك الناحية ثم رجع إلى مرو فخطب الناس ~~وأخبرتهم أنه قد أقام منصور بن عمر بن أبي الخرقاء على كشف المظالم وأنه قد ~~وضع الجزية عمن قد أسلم وجعلها على من كان يخفف عنه من المشركين. فلم تمضى ~~جمعة حتى أتاه ثلاثنون ألف مسلم كانوا يؤدون الجزية عن رؤوسهم، وثمانون ~~ألفا من المشركين كانت قد ألقيت عنهم، فحول ما كان على المسلمين غليهم ~~ووضعه عن المسلمين ثم صنف الخراج ووضعه مواضعه. ثم غزا الثانية إلى ورغسر ~~وسمرقند ثم رجع. ثم غزا الثالثة إلى الشاش من مرو، فحال بينه وبين عبور نهر ~~الشاش كورصول في خمسة عشر ألفا، وكان معهم الحارث بن سريج. وعبر كورصول في ~~أربعين رجلان فبيت أهل العسكر في ليلة مظلمة ومع نصر بخار أخذاه في أهل ~~بخارى ومعه أهل سمر قند وكش ونسف، وهم عشرون ألفا، فنادى نصر: أى يخرج أحد ~~واثبتوا على مواضعكم. فخرج عاصم بن عمير، وهو على جند سمرقند، فمرت به خيل ~~الترك، فحمل على رجل في آخرهم فأسره، فإذا هو ملك من مولكهم صاحب أربعة ~~آلاف قبة، فأتي به إلى نصر، فقال له نصر: من أنت؟ قال: كورصول. فقال نصر: ~~الحمد الله الذي أمكن منك يا عدوا الله. قال: ما ترجو من قتل ms1805 شيخ؟ وأنا ~~أعطيك أربعة آلاف بعي من إبل الترك وألف برذون تقوي بها جندك وطلق سبيلي. ~~فاستشار نصر أصحابه، فاشارو وابإطلاقه، فسأله عن عمره، قال: لا أدري. قال: ~~كم غزوت؟ قا: اثنيتن وسبعين غزوة. قال: أشهدت يوم العطش؟ قال: نعم. قال: لو ~~أعطيتني ما طلعت عليه الشمس ما أفلت من يدي بعد ما ذكرت من شماهك. وقال ~~لعاصم بن عمير السعدي: قم إلى سلبه فخذه . فقال: من أسرنيظ قال نصر، وهو ~~يضحك: أسرك يزيد بن قران الحنظلي، وأشار إليه: قال: هذا لا يستطيع أن يغسل ~~استه أو لايستطيع أن يتم له بوله فكيف يأسنري؟ أخبرني من أسرني؟ قال: أسرك ~~عاصم بن عمير. قال: لست أجد ألم القتل إذا كان أسرني فارس من فرسان العرب. ~~فقتله وصلبه على شاطئ النهر. وعاصم بن عمير هو الهزارمرد، قتل بنهاوند أيام ~~قحطبة. فلما قتل كورصول أحرقت الترك أبنيته وقطعوا آذانهم وقصوا شعورهم ~~وأذناب خيلهم. فلما أراد نصر الرجوع أحرقه لئلا يحملوا عظامه، فكان ذلك أشد ~~عليهم من قتله، وارتفع إلى فرغانة فسبى بها ألف رأس. PageV02P0428 # وكتب يوسف بن عمر إلى نصر: سر إلى هذا الغادر دينه في الشاش، يعني الحارث ~~بن سريج، فإن أظفرك الله به وبأهل الشاش فخرج بلادهم واسب ذراريهم، وإياك ~~وورطة المسلمين. فقرأ الكتاب على الناس واستشارهم، فقال يحي بن الحضين: ~~انظر أمن لأمير المؤمنين أو من الأمير؟ فقال نصر: يا يحى تكلمت بكلمة أيام ~~عاصم بلغت الخيلفة فحظيت بها وبلغت الدرجة الرفيعة، فقلت أقول مثلها، سر يا ~~يحيى فقد وليتك مقدمتي. فلام الناس يحيى فسارإلى الشاش، فأتاهم الحارث فنصب ~~عليهم عرادتين، وأغار الأخرم، وهو فارس الترك على المسلمين فقتلوه وأقوا ~~رأسه إلى الترك، فصاحوا وانهزموا. وسار نصر إلى الشاش، فلتقاه ملكها بالصلح ~~والهدية والرهن، واشترط عليه نصر إخراج الحارث بن سريج عن بلده، فأخرجه إلى ~~فاراب، واستعمل على الشاش نيزك بن صالح مولى عمرو بن العاص، ثم سار حتى نزل ~~قبا من أرض فرغانة، وكانوا أحسوا بمجيئة فأحرقوا الحشيش وقطعوا ms1806 الميرة، ~~فوجه نصر إلى ولي عهد صاحب فرغانة فحاصره في حصن، وغفلوا عنه فخرج وغنم ~~دواب المسلمين، فوجه إليهم نصر بجالا من تميم ومعهم محمد بن المثنى، وكان ~~المسلمون ودوابهم كمنوا لهم، فخرجوا واستاقوا بعضها، وخرج عليهم المسلمون ~~فهزموهم وقتلوا الدهقان وأسروا منهم وأسروا ابن الدهقان فقتله نصر، وأرسل ~~نصر سليمان بن صول بكتاب الصلح إلى صاحب فرغانة، فأمر به فأدخا الخزائن ~~ليراها ثم رجع إليه، فقال: كيف رأيت الطريق فيما بيننا وبينكم.؟ قال: سهلا ~~كثر الماء والمرعى، فكره ذلك وقال: كيف رأيت الطريق فيما بيننا وبينكم؟ ~~قال: سهلا كثير الماء والمرعى، فكره ذلك وقال: ما علمك؟ فقال سليمان: قد ~~غزوت غرشستان وغور والختل وطبرستان فكيف لا أعلم؟ قال: فكيف رأيت ما ~~أعددنا؟ قال: عدة حسنة، ولكن أما علمت أن المحصور لا يسلم من خصال، لا يأمن ~~أقرب الناس إليه وأوثقهم في نفسه أن يثبت به يطلب مرتبته ويتقرب بذلك أو ~~يفنى ما قد جمع فيسلم برمته أو يصيبه داء فيموت. فكره ما قال له وأمره ~~فأحضر كتاب الصلح، فأجاب إليه وسير أمه معه، وكانت صاحبة أمره، فقدمت على ~~نصر، فأذن لها وجعل يكلمها، وكان مما قالت له كل مالك لا يكون عنده ستة ~~أشياء فليس بملك، وزير يبث إليه ما في نفسه ويشاوره ويثق بنصيحته، وطباخ ~~إذا لم يشته الطعام اتخذ له ما يشتهي، وزوجة إذا دخل عليها مغتما فنظر إلى ~~وجهها زال غمه، وحصن إذا فزغ أتاه فأنجاه، تعني البرذون، وسيف إذا قاتل لا ~~يخشى خيانته، وذخيرة إذا حملها عاش بها أين كان من الأرض. ثم دخل تميم بن ~~نصر في جماعة فقالت: من هذا؟ قالوا: هذا فتى خراسان تميم بن نصر. قالت: ما ~~له نبل الكبير ولا حلاوة الصغير؛ ثم دخل الحجاج بن قتيبة فقالت: من هذا؟ ~~فقالوا: الحجاج بن قتيبة، فحيته وسألت عنه وقالت: يا معشر العرب ما لكم ~~وفاء ولا يصلح بعضكم بعضا، قتيبة الذي ذلل لكم ما أرى وهذا ابنه تقعده دونك ~~فحقه أن ms1807 تجلسه أنت هذا المجلس وتجلس أنت مجلسه. ### || AUT ذكر غزو مروان بن محمد بن مروان # وفي سنة إحدى ووعشرين غزا مروان بن محمد من أرمينة وهو اليها، فأتى قلعة ~~بين السرير فقتل وسبى، ثم أتى قلعة ثانية فقتل وسبى ودخل غوميك وهو حصن فيه ~~بيت الملك وسريره، فهرب الملك منه حتى أتى حصنا يقال له خيزج فيه السرير ~~الذهب، فسار إليه مروان ونازله صيفية وشتويته، فصالح الملك على ألف رأس كل ~~سنة ومائة ألف مدي، وسار مروانفدخل أرض ارزو بطران، فصالحه ملكها، ثم سار ~~في أرض تومان فصالحه، وسار حتى أتى خمزين فأخرب بلاده وحصر حصنا له شهرا ~~فصالحه، طبرسران وفيلان، وكل هذه الولايات على شاطئ البحر من أرمينية إلى طبرستان. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا مسلمة بن هشام الروم فافتتح بها مطامير. وحج بالناس ~~هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي، وهو كان عامل المدينة ومكة ~~والطائف. وعلى العراق يوسف بن عمر، وعلى خراسان نصر بن سيار، وعلى أرمينية ~~وأذربيجان مروان بن محمد، وعلى قضاء البصرة عامر بن عبيدة، وعلى قضاء ~~الكوفة ابن شبرمة. وفيها فرغ الوليد بن بكير عامل الموصل من حفر النهر الذي ~~أدخله البلد، وكان مبلغ النفقة عليه ثمانية آلاف ألف درهم، وجعل عليه ~~ثمانية أحجار تطحن، ووقف هشام هذه الأرحاء على عمل النهر. PageV02P0429 # وفيها مات سلمة بن سهيل، وقيل سنة اثنتين وعشرين. وفيها مات عامر بن عبيد ~~الله بن الزبير، وقيل سنة اثنتين وعشرين، وقيل سنة أربع وعشرين بالشام. ~~وفيها مات محمد بن يحيى بن حبان وهو ابن أربع وسبعين سنة بالمدينة، حبان ~~بفتح الحاء، وبالباء الموحدة. وقتل يعقوب بن عبد الله ابن الأشج سهيدا بأرض الروم. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائة # ### || AUT ذكر مقتل زيد بن علي بن الحسين # ### || AUT ابن علي بن أبي طالب # في هذه السنة قتل زيد بن علي بن الحسن، قد ذكر سبب مقامه بالكوفة وبيعته ~~بها . فلما أمر أصحابه بالاستعداد للخروج وأخذ من ms1808 كان يريد الوفاء له ~~بالبيعة يتجهز انطلق سليمان بن سراقة البارقي إلى يوسف بن عمر فأخربه، فبعث ~~يوسف في طلب زيد، فلم يوجد، وخاف زيد أن يؤخذ فتيعجل قبل الأجل الذي جعله ~~بينه وبين أهل الكوفة، وعلى الكوفة يومئذ الحكم بن الصلت، وعلى شرطته عمرو ~~بن عبد الرحمن من القارة ومعه عبيد الله بن العاباس الكندي في ناس من أهل ~~الشام، ويوسف بن عمر بالحيرة، قال: فلما رأى أصحاب زيد بن علي من يوسف بن ~~عمر أنه قد بلغه أمره وأنه يبحث عن أمره اجتمع إليه حماعة من رؤوسهم ~~وقالوا: رحمك الله، ما قولك في أبي بكر وعمر؟ قال زيد: رحمها الله وغفر ~~لهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي يقول فيهما إلا خيرا، وإن أشد ما أقول فيما ~~ذكرتم أنا كنا أحق بسلطان ما ذكرتم من رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، من ~~الناس أجمعين، فدفعونا عنه ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا، وقد ولوا فعدلوا ~~في الناس وعملوا بالكتاب والسنة. قالوا: فلم يظلمك هؤلاء ظالمون لي ولكم ~~ولأنفسهم، وإنما ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم ، ~~وإلى السنن أن تحيا وإلى البدع أن تطفأ، فإن اجبتمونا سعدتم، وإن أبيتم ~~فلست عليكم بوكيل. ففارقوه ونكثوا بيعته وقالوا: سبق الإمام، يعنون محمدا ~~الباقر، وكان قد مات، وقالوزا: جعفر ابنه إمامنا اليوم بعد أبيه، فسماهم ~~زيد الرافضة، وهم يزعمون أن المغيرة سماهم الرافضة حيث فارقوه. وكانت طائفة ~~أتت جعفر بن محمد الصادق قبل خروج زيد، فأخبره ببيعة زيد، فقال: بايعوه فهو ~~والله أفضلنا وسدنا، فعادوا وكتموا ذلك. وكان زيد واعد أصحابه أول ليلة من ~~صفر، وبلغ ذلك يوسف بن عمر، فبعث إلى الحكم يأمره أن يجمع أهل الكوفة في ~~المسجد الأعظم يحصرهم فيه، فجمعهم فيه، وطلبوا زيدا في دار معاوية بن إسحاق ~~بن زيد بن حارثة الأنصاري، فخرج منها ليلا، ورفعوا الهرادي فيها النيران ~~ونادوا: يا منصور أمت أمت، حتى طلع الفجر، فلما أصبحوا بعث زيد القاسم ~~التبعي ms1809 ثم الحضرمي وآخر من أصحابه يناديان بشعارهم، فملا كانا بصحراء عبد ~~القيس لقيهما جعفر ابن العباس الكندي فحملا عليه وعلى أصحابه، فقتل الذي ~~كان مع القاسم التبعي وارتث القاسم وأتي به الحكم، فضرب عنقه. فكانا أول من ~~قتل من أصحاب زيد. وأغلق الحكم دروب السوق وأبواب المسجد على الناس . وبعث ~~الحكم إلى يوسف بالحيرة فأخبره الخبر، فأرسل جعفر بن العباس ليأتيه بالخبر، ~~فسار في خمسين فارسا حتى بلغ جبانة سالم فسال ثم رجع إلى يوسف فأخبره، فسار ~~يوسف إلى تل قريب من الحيرة فنزل عليه ومع أشراف الناس، فبعث الريان بن ~~سلمة الأراني في القين ومعه ثلاثمائة من القيقانية رجالة معهم النشاب. ~~PageV02P0430 # وأصبح زيد فكان جميع من وافاه تلك الليلة مائتي رجل وثمانية عشر رجلا، ~~فقال زيد: سبحان الله أين الناس؟ فقيل: غنهم في المسجد الأعظم محصورون. ~~فقال: والله ما هذا بعذر لمن بايعنا! وسمع نصر بن خزيمة العبسي النداء ~~فأقبل إليه، فلقي عمرو بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم في خيله من جهينة في ~~الطريق، فحمل عليه نصر وأصحابه فقتل عمرو وانهزم من كان معه، وأقبل على ~~جبانة سالم حتى انتهى زيد إلى دار أنس بن عمرو الأزدي، وكان في من بايعه ~~وهو في الدار، فنودي فلم يجبهم، وناداه زيد فلم يخرج إليه، فقال زيد: ما ~~أخلفكم؟ قد فعلتموها، والله حسيبكم، ثم انتنهى زيد إلى الكناسة فحمل على من ~~بها من أهل الشام فهزمهم، ثم سار زيد يوسف ينظر إليه في مائتي رجل، فو قصده ~~لقتله، والريان يتبع أثر زيد بن علي بالكوفة في أهل الشام، فأخذ زيد على ~~مصلى خالد حتى دخل الكوفة، وسار بعض أصحابه نحو جبانة مخنف بن سليم فلقوا ~~أهل الشام فقاتلوهم، فأسر أهل الشام منهم رجلا، فأمر به يوسف بن عمر فقتل. ~~فلما رأى زيد خذلان الناس إياه قال: يا نصر بن خزيمة أنا أخاف أن يكونوا قد ~~فعلوها حسينية. قال: أما أنا والله لأقاتلن معك حتى أموت، وإن الناس في ~~المسجد فامض بنا ms1810 نحوهم. فلقيهم عبيد الله بن العباس الكندي عند ار عمر بن ~~سعد، فاقتتلوا، فانهزم عبيد الله وأصحابه، وجاء زيد حتى انتهى إلى باب ~~المسجد، فجعل أصحابه يدخلون راياتهم من فوق الأبواب ويقولون: يا أهل المسجد ~~اخرجوا من الذل إلى العز، اخرجوا إلى الدين والدنيا فإنكم لستم في دين ولا ~~دنيا. فرماهم أهل الشام بالحجارة من فوق المسجد وانصرف الريان عند المساء ~~إلى الحيرة، وانصرف زيد في من معه، وخرج إليه ناس من أهل الكوفة فنزل دار ~~الرزق، فاتاه الريان بن سلمة فقالتله عند دار الرزق وجرح أهل الشام ومعهم ~~ناس كثير، ورجع أهل الشام مساء يوم الأربعاء أسوأ شيء ظنا. فلما كان الغد ~~أرسل يوزسف بن عمر العباس بن سعيد المظزني في أهل الشام فانتهى إى زيد في ~~دار الرزق، فلقيه زيد وعلى مجنبته نصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن ~~ثابت فاقتتلوا قتالا شديدا، وحمل نابل بن فروة العبسي من اهل الششام على ~~نصر بن خزيمة فضربه بالسيف فقطع فخذه، وضربه نصر فقتله، ولم يلبث نصر أن ~~مات واشتد قتالهم، فانهزم أصحاب العباس وقتل منهم نحو من سبعين رجلا. فلما ~~كان العشاء عباهم يوسف بن عمر ثم سرحهم، فالتقوا هم وأصحاب زيد، فحمل عليهم ~~زيد فياصحابه فكشفهم وتبعهم حتى أخرجهم إلى السبخة، ثم حمل عليهم بالسبخة ~~حتى أخرجهم إلى بني سليم، وجعلت خيلهم لا تثبت لخيله، فبعث العاب إلى يوزسف ~~يعلمه ذلك وقال له: ابعث إلي الناشبية، فبعثهم إليه، فجعلوا يرمون أصحاب ~~زيد، فقاتل معاوية ابن إسحاق الأنصاري بين يدي زيد قتالا شديدا، فقتل وثبت ~~زيد ابن علي ومن معه إلى الليل، فرمي زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى ~~فثبت في دماغه، ورجع أصحابه ولا يظن أهل الشام أنهم رحعوا إلا للمساء ~~والليل، ونزل زيد في دار من دور أرحب، وأحضر أصحابه طبيبا، فانتزع النصل، ~~فضج زيد، فلما نزع النصل مات زيد، فقال أصحابه: اين ندفنه؟ قال بعضهم: ~~نطرحه في الماء. وقال بعضهم: بل نحتز رأسه ونلقيه ms1811 في القتلى. فقال ابنه ~~يحيى: والله لا تأكل لحم أبي الكلاب. وقال بعضهم: ندفنه في الخحفرة التي ~~يؤخذ منها الطين ونجعل عليه الماءن ففعلوا، فلما دفنوه أجروا عليه الماء، ~~وقيل: دفن بنهر يعقوب، سكر أصحابه الماء ودفنوه وأجروا الماء وكان معهم ~~مولى لزيد سندي، وقيل رآهم فسار فدل عليه، وتفرق الناس عنه، وسار ابنه يحيى ~~نحو كربلاء فنزل بنينوى على سابق مولى بشر بن عبد الملك بن بشر. ثم إن يوسف ~~بن عمر تتبع الجرحى في الدور، فدله السندي مولى زيد يوم الجمعه على زيد، ~~فاستخرجه من قبره وقطع رأسه وسير إلى يوسف ابن عمر وهو بالحيرة، وسيره ~~الحكم بن الصلت، فأمر بحراستهم، وبعث الرأس إلى هشام وولي الوليد فأمر ~~بانزاله وإحراقه. وقيل: كان خراش بن خشب بن يزيد الشيباني على شرطة زيد، ~~وهو الذي نبش زيدا وصلبه؛ فقال السيد الحوي: بت ليلا مسهدا ... ساهر العين ~~مقصدا ولقد قلت قولة ... وأطلت التبلدا لعن الله حوشبا ... وخراشا ومزيدا ~~PageV02P0431 # وزيدا فإنه ... كان أعتى وأعتدا ألف ألف وألف ألف ... ف من اللعن سرمدا ~~إنهم حاربوا الإل ... ه وآذوا محمدا شركوا في دم الحس ... ين وزيد تعندا ثم ~~عالوه فوق جذ ... ع صريعا مجردا يا خراش بن حوشب ... أنت أشقى الورى غدا ~~وقيل في أمر يحيى بن زيد غير ما تقدم، وذلك أن أباه زيدا لما قتل قال له ~~رجل من بني أسد: إن أهل خراسان لكم شيعة، والرأي أن تخرج إليها. قال: وكيف ~~لي بذلك؟ قال: تتوارى حتى يسكن عنك الطلب ثم تخرج. فواراه عنده ليلة، ثم ~~خاف فأتى به عبد الملك بن بشر بن مروان فقال له: إن قرابة زيد بك قريبة ~~زحقه عليك واجب. قال: أجل ولقد كان العفوعنه أقرب للتقوى. قال فقد قتل وهذا ~~ابنه غلام حدث لاذنب له، فإن علم يوسف به قتله، أفتجيره؟ قال: نعم، فأتاه ~~به فأقام عنده، فملا سكن الطلب سار في نفر من الزيدية إلى خراسان. فغضب ~~يوسف بن عمر بعد قتل زيد فقال: يا ms1812 أهل العراق، إن يحيى بن زيد ينتقل في ~~حجال نسائكم كما كان يفعل أبوه، والله لو بدا لي لعرقت خصييه كما عرقت خصيي ~~أبيه! وتهددهم وذمهم وترك. ### || AUT ذكر قتل البطال # في هذه اسنة قتل البطال، واسمه عبد الله أبو الحسين الأنطاكي، في جماعة ~~من المسلمين ببلاد الروم، وقيل: سنة ثلاث وعشرين ومائة، وكان كثير الغزاة ~~إلى الروم والإغارة على بلادهم، وله عندهم ذكر عظيم وخوف شديد. حكي أنه دخل ~~بلادهم في بعض غزاته هو وأصحابه، فدخل قرية لهم ليلا وامرأة تقول لصغير لها ~~يبكي: تسكت وإلا سلمتك إلى البطال! ثم رفعته بيدها وقالت: خذه يا بطال! ~~فتناوله من يدها. وسيره عبد الملك مع ابنه مسلمة إلى بلاد الروم وأمره على ~~رؤساء أهل الجزيرة والشام، وأمر ابنه أن يجعله على مقدمته وطلائعه، ~~وقلا:إنه ثقة شجاع مقدام، فجعله مسلمة على عشرة آلاف فارس، فكان بينه وبين ~~الروم، وكان العلافة والسابلة يسيرون آمينين، وسار مرة مع عسكر للمسلمين، ~~فلما صار بأطراف الروم سار وحده فدخل بلادهم، فرأى مبقله فنزل فأكل من ذلك ~~البقل، فجاءت جوفه وكثر إسهاله، فخاف أن يضعف عن الركوب فركب وصار تجيء ~~جوفة في سرجه ولا يجسر ينزل لئلا يضعف عن الركوب، فاستولى عليه الضعف، ~~فاعتنق رقية فرسه وسار عليه ولا يعلم أين هو، ففتح عينه فإذا هو في دير فيه ~~نساء، فاجتمعن عليه وانزلته إحداهن عن فرسهوعسلته وسقته دواء فانقطع عنه ما ~~به، وأقام في الدير ثلاثة أيام، ثم إن بطريقا حضر الدير فخطب تلك المرأة ~~وبلغه خبر البطال وتبعه فقتله وانهزم أصحاب البطريق وعاد إلى الدير وأقى ~~الرأس إلى النساء وأخذهن وساقهن إلى العسكر، فنقل أمير العسكر تلك المرأة، ~~فهي أم أولاد البطال. ### || AUT ذكرة عدة حوادث # قيل: وفي هذه السنة قتل كلثوم بن عياض القشيري الذي كان هشام بعثه في ~~أهل الشام إلى أفريقية حيث وقعت الفتنة بالبربر. وفيها ولد الفضل بن صالح ~~ومحمد بن إبراهيم بن محمد بن علي. وفيها وجه يوسف بن عمر ابن ms1813 شبرمة على ~~سجستان فاتقضى محمد بن عبيد الرحمن بن أبي ليلى. وحج بالناس هذه السنة محمد ~~بن هشام المخزومي، وكان عمال الأمصار من تقدم ذكرهم، قيل: وكان على الموصل ~~أبو قحافة ابن أخي الوليد بن تليد العبسي. وفيها مات إياس بن معاوية بن قرة ~~قاضي البصرة، وهو الموصوف بالذكاء . وزيد بن الحارث اليامي. ومحمد بن ~~المنكدر بن عبد الله أبو بكر التميم تيم قريش، وقيل: مات سنة ثلاثين، وقيل: ~~إحدى وثلاثين، وكتبه أبو بكر. ويزيد بن عبد الله بن قسط، ويعقوب بن عبد ~~الله بن الأشج. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائة # ### || AUT ذكر صلح نصر بن سيار مع الصغد. # PageV02P0432 # وسبب ذلك أن خاقان لما قتل في ولاية أسد تفرقت الترك في غارة بعضها على ~~بعض، فطمع أهل الصغد في الرجعة إليها، وانحاز قوم منهم إلى الشاش، فلما ولي ~~نصر بن سيار أرسل إليهم يدعوهم إلى الرجوع إلى بلادهم وأعطاهم ما أرادوا، ~~كانوا ينالون شروطا أنكرها أمراء خراسان، منها: أن لا يعاقب من كان مسلما ~~فارتد عن الإسلام، ولا يعدى عليهم في دين لأحد منن الناس، ولا يؤخذ أسراء ~~المسلمين من ايديهم إلا بقضية قاض وشهادة عدول. فعاب الناس ذلك على نصر بن ~~سيار وقالوا له فيه، فقال: لو عاينتم شوكتهم في المسلمين مثل ما عاينت ما ~~أنكرتم ذلك. وأرسل رسولا إلى هشام بن عبيد الملمك في ذلك، فأجابه إليه. ### || AUT ذكر وفاة عقبة بن الحجاج # ### || AUT ودخول بلج الأندلس # في هذه السنة توفي عقبة بن الحجاج السلولي أمي رالأندلس، فقيل: بل ثار ~~به أهل الأندلس فخلعوه وولوا بعده عبد الملك بن قطن، وهي ولايته الثانية، ~~وكانت ولايته في صفر من هذه السنة، وكانت البربر قد فعلت بإفريقية ما ~~ذكرناه سنة سبع عشرة ومائة، وقد حصروا بلج بن بشر العبسي حتى ضاق عليه وعلى ~~من معه الأمر واشتد الحصر، وهم صابرون إلى هذه السنة، فأرسل إلى عبد الملك ~~بن قطن يطلب منه أن يرسل إليه مراكب يجوز فيها هو ms1814 ومن معه إلى الأندلس، ~~وذكر ما أنزل عليه من الشدة وأنهم أكلوا دوابهم. فامتنه عبد الملك من ~~إدخالهم الأندلس ووعدهم بإرسال المدد إليهم، فلم يفعل. فاتفق أن البربر ~~قويت بالأندلس، فاظطر عبد الملك إلى إدخال بلج ومن معه، وقيل: إن عبد الملك ~~استشار أصحابه في جواز بلج فخوفوه من ذلك، فقال: أخاف أمير المؤمنين أن ~~يقول: أهلكت جندي، لإأجازهم وشرط عليهم أن يقيموا سنة ويرجعوا إلى إفريقية، ~~فأجابوه إلى ذلك، وأخذ وهائتنهم وأجازهم. فلما وصوا إليه رأى هو والمسلمون ~~ما بهم من سوء الحال والفقر والعري لشدة الحصار عليهم، فكسوهم وأحسنوا ~~إليهم، وقصدوا جمعا من البربر بشدونة فقاتلوهم فظفروا بالبربر فأهلكوهم ~~وغنموا مالهم ودوابهم وسلاحهم، فصلت أحوال أصحاب بلج وصار لهم دواب ~~يركبونها. ورجع عبد الملك بن قطن إلى قرطبة وقال لبلج ومن معه ليخرجوا من ~~الأندلس، فأجابوه إلى ذلك، فطلبوا منه مراكي يسيرون فيها من غير الجزيرة ~~الخضراء لئلا يلقوا البرابر الذين حصروهم. فامتنع عبد الملك وقال: ليس لي ~~مراكب إلا في الجزيرة. فقالوا: إننا لا نرجع نتعرض إلى البربر ولا نقصد ~~الجهة التي هم فيها لأننا نخاف أن يقتلونا في بلادهم. فألح عليهم في العود، ~~فلما رأوا ذلك ثاروا به وقاتلوه، فظفروا به وأخرجوه من القصر، وذلك أوائل ~~ذي القعدة من هذه السنة. فلما ظفر بلج بعبد الملك أشار عليه أصحابه بقتل ~~عبد الملك، فأخرجه من داره وكأنه فرخ لكبر سنة فقتله وصلبه، وولي الأندلس، ~~وكان عمر عبد الملك تسعين سنة، وهرب ابناه قطن وأمية، فلحق أحدهما بماردة ~~والآخر بسر قسطة، وكان هربهما قبل قتل أبيهما، فلما قتل فعلا ما نذكره إن ~~شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أوفد يوسف بن عمر الحكم بن الصلت إلى هشام يطلب إليه أن ~~يستعمله على خراسان ويذكر أنه خبير بها وأنه عمل بها الأعمال الكثيرة ويقع ~~في نصر بن سيار، فوجه هشام إلى دار الضيافة فأحضر مقاتل بن علي السعدي وقد ~~قدم من خاسان ومعه مائة وخمسون ms1815 من الترك، فسأله عن الحكم وما ولي بخراسان، ~~فقال: ولي قرية يقال لها لفارياب سبعون ألفا خراجها، فأسره الحارث بن سريج ~~فعرك أذنه وأطلقه وقا: أنت أهون من أن قتلك. فلم يعزل هشام نصر بن سيار عن ~~خراسان. وفي هذه السنة غزا نصر بن سيار فرغنة غزوته الثانية، فأوفد وفدا ~~إلى العراق عليهم معن بن أحمر النميري، ثم إلى هشام، فاجتاز بيوسف بن عمر ~~وقال له: يا بن أحمر أبلغبكم الأقطع على سلطانكم يا معشر قريش! قال: قد كان ~~ذاك، فأمره أن يعيبه عند هشام، فقال: كيف أعيبه مع بلائه وآثاره الجميلة ~~عند وعند قومي؟ فلم يزل به، قال: فيم أعيبه؟ أعيب تجربته أم طاعته أم يمن ~~نقيبته أو سياسته؟ قال: عبه بالكبر. PageV02P0433 # فلما دخل على هشام ذكر جند خراسان ونجدتهم وطاعتهم، فقال: إلا أنهم ليس ~~لهم قائد. قال: ويحك! فما فعل الكناني؟ يعني نصرا. قال: له بأس ورأي إلا ~~أنه لا يعرف الرجل ولا يسمع صوته حتى يدني منه، وما يكاد يفهم منه من الضعف ~~لأجل كبره، فقال شبيل بن عبد الرحمن المازني: كذب والله، وإنه ليس بالشيخ ~~يخشى خرفه، ولا الشاب يخشى سفهه، بل هو المجرب وقد ولي عامة ثغور خراسان قد ~~آثر معنا وأعلى منزلته وشفعه في حوائجه، فلما فعل هذا أجفى القيسية فحضروا ~~عنده واعتذروا إليه. وحج بالناس هذه السنة يزيد بن هشام بن عبد الملك. وكان ~~العمال في الأمصارهم العمال في السنة التي قبلها. وفيها مات محمد بن زاسع ~~الأزدي البصري، وقيل: سنة سبع وعشرين. وفيها توفي جعفر بن إباس. وفيها مات ~~ثابت البناني، وقيل: سنة سبع وعشرين، وله ست وثمانون سنة. وفيها توفي سعيد ~~بن أبي سعد المقبري، واسم أبي سعيد كيسان، وقيل: مات سنة خمس وعشرين، وقيل ~~ست وعشرين. ومالك ابن دينار لزاهد. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائة # ### || AUT ذكر ابتداء أمر أبي مسلم الخراساني # قد اختلف الناس في أبي مسلم، فقيل: كان حرا، واسمه إبراهيم بن عثمان ابن ~~بشار بن ms1816 سدوس بن جودزده من ولد بزرجمهر، ويكنى أبا إسحاق، ولد بأصبهان، ~~ونشأ بالكوفة، وكان أبوه أوصى إلى عيسى بن موسى السراج فحمله إلى الكوفة ~~وهو ابن سبع سنين، فلما اتصل بإبراهيم بن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس ~~الإمام قال له: غير اسمك فإنه لا يتم لنا الأمر إلا بتغيير اسمك على ما ~~وجدته في الكتب؛ فسمى نفسه عبد الرحمن بن مسلم، ويكنى أبا مسلم، فمضى لشأنه ~~وله ذؤابه وهو على حمار بإكاف وله وتسع عشرة سنة، وزوجه إبراهيم الإمام ~~ابنة عمران بن إسماعيل الطائي المعروف بأبي النجم، وهي بخراسان مع أبيها، ~~فبنى بها أبو مسلم بخراسان، وزوج أبو مسلم ابنته فاطمة من محرز بن إبراهيم، ~~وابنته الأخرى أسماء من فهم ابن محرز، فأعقبت أسماء ولم تعقب فاطمة، وفاطمة ~~هي التي تذكرها الخرمية. ثم إن سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولا هزبن ~~قريظ وقحطبة بن شبيب توجهوا من خراسان يريدون مكة سنة أربع وعشرين ومائة، ~~فلما دخلوا الكوفة أتوا عاصم بن يونس العجلي وهو في الحبس قد اتهم بالدعاء ~~إلى ولد العباس ومعه عيسى وإدريس ابنا معقل العجليان، وهذا إدريس هو جد أب ~~دلف العجلي، وكان حبسهما يوسف بن عمر مع من حبس من عمال خالد القسري ومعهما ~~أبو مسلم يخدمهما قد اتصل بهما، فرأوا فيه العلامات فقالوا: لمن هذا الفتى؟ ~~فقالا: غلام معنا من السراجين يخدما، وكان أبو مسلم يسمع عيسى وإدريس ~~يتكلمان في هذا الرأي ، فإذا سمعهما بكى، فلما رأوا ذلك منه دعوه إلى رأيهم ~~فأجاب. وقيل: إنه من أهل ضياع بني معقل العجلية بأصبهان أو غيرها من الجبل، ~~وكان اسمه إبراهيم، ويلقب حيكان، وإنما سماه عبد الرحمن وكناه أبا مسلم ~~إبراهيم الإمام، وكان مع أبي موسى السراج صاحبه يخرز الأعنة ويعمل السورج، ~~وله معرفة بصناعة الأدم والسروج، فكان يحملها إلى أصبهان والجبال والجزيرة ~~والموصل ونصيبين وآمد وغيرها يتجر فيها. وكان عاصم بن يونس العجلي وإدريس ~~وعيسى ابنا معقل محبوسين، فكان أبو مسلم يخدمهم في ms1817 الحبس بتلك العلامة، ~~فقدم سليمنان بن كثير ولا هز وقحطبة الكوفة فدخلوا على عاصم، فراوا أبا ~~مسلم عنده، فعجبهم، فأخذوه، وكتب أبو موسى السراج معه كتابا إلى إبراهيم ~~الإمام، فلقوه بمكة، فأخذ أبا سملم فكان يخدمه. PageV02P0434 # ثم إن هؤلاء النقباء قدموا على إبراهيم الإمام مرة أخرى يكلبون رجلا ~~يتوجه معهم إلى خراسان. فكان هذا نسب أبي مسلم على قول من يزعم أنه حر. ~~فملا تمكن وقوي أمره ادعى أنه من ولد سليط بن عبد الله بن عباس، وكان من ~~حديث سليط بن عبد الله بن عباس أنه كانت له جارية مولدة صفراء تخدمه، ~~فواقعها مرة ولم يطلب ولدها ثم تركها دهرا، فاغتنمت ذلك فاستنكحت عبدا من ~~عبيد المدينة فوقع عليها، فحبلت وولدت غلاما، فحدها عبد الله ابن عباس ~~واستعبد ولدها وسماه سليطا، فنشأ جلدا ظريفا يخدم ابن عباس، وكان له من ~~الوليد بن بد الملك منزلة، فادعى أنه ولد عبد الله بن عباس ووضعه على أمر ~~الوليد لما كان في نفسه من علي بن عبد الله بن عباس وأمره بمخاصمة علي، ~~فخاصمه واحتل في شهود على إقرار عبد الله بن عباس بأنه ابنه، فشهدوا ~~بذلكعند قاضي دمشق، فتحامل القاضي ابتاعا لرأي الوليد فأثبت نسبه. ثم إن ~~سليطا خاصمعلي بن عبد الله في الميراث حتى لقي منه علي أذى شديدا، وكان مع ~~علي رجل من ولد أبي رافع مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، منقطعا إليه ~~يقال له عمر الدن، فقال لعلي يوما: لأقتلن هذا الكلب وأريحك منه، فنهاه علي ~~عن ذلك وتهدده بالقطيعة ورفق على سليط حتى كف عنه. ثم إن وسيطا دخل مع علي ~~بستانا له بظاهر دمشق، فنام علي فجرى بين عمر الدن وسليط كلام، فقتله عمر ~~ودفنه في البستان، واعانه عليه مولى لعلي وهربا، وكان لسليط صاحب قد عرف ~~دخوله البستان ففقده فأتى أم سليط فأخبرها، وفقد علي أيضا عمر الدن مولاه، ~~فسأل عنهما وعن سليط فلم يخبره أحد، وغدت أم سليط إلى باب الوليد فاستغاثت ms1818 ~~على علي، فأتى الوليد من ذلك ما أحب، فأحضر عليا وسأله عن سليط، فحلف أنه ~~لم يعرف خبره وانه لم يأمر فيه بأمر، فأمره بإحضار عمر الدن، فحلف بالله ~~أنه لم يعرف موضعه، فأمر الوليد بارسال الماء في أرض البستان، فلما انتهى ~~إلى موضع الحفرة التي فيها سليط انخسفت وأخرج منها سليط، فأمر الوليد بعلي ~~فضرب وأقيم في الشمس وألبس جبة صوف ليخبره حبر سليط ويدله على عمر الدن، ~~فلم يكن عنده علم، ثم شفع فيه عباس بن زياد فأخرج إلى الحميمة، وقيل إلى ~~الحجر، فأقام به حتى هلك الوليد وولي سليمان، فرده إلى دمشق. وكان هذا مما ~~عدة المنصور على أبي مسلم حين قتله، وقال له: زعمت أنك ابن سليط ولم ترض ~~حتى نسبت إلى عبد الله غير ولده، لقد ارتقيت مرتقى صعبا زكان سبب مودة ~~الوليد على علي بن عبد الله أن اباه عبد الملك بن مروان طلق امرأته ابنها ~~ابنة عبد الله بن جعفر، فتزوجا علي، فتغير له عبد الملك وأطلق لسانه فيه ~~وقال: إنما صلاته رياء، وسمع الوليدذلك من أبيه فبقي في نفسه. وقيل: إن أبا ~~مسلم كان عبداظ، وكان سبب انتقاله إلى بني العابس أن بكير بن ماهان كان ~~كاتبا لبعض عمال السند فقدم الكوفة، فاجتمع هو وشيعة بني العباس، فغمز بهم، ~~فأخذوا، فحبس بكير وخلي عن الباقين، وكان في الحبس يونس أبو عاصم وعيسى بن ~~معقل العجلي ومعه أبو مسلم يخدمه، فدعاهم بكير إلى رأيه، فاجابوه، فقال ~~لعيسى بن معقل: ما هذا الغلام منك؟ قال: مملوك. قال: أتبعه؟ قال: هو لك . ~~قال: أحب أن تأخذ ثمنه. قال: هو لك بما شئئت، فأعطاه أربعمائة درهم، ثم ~~خرجوا من السجن، فبعث به بكير إلى إبراهيم الإمام، فدفعه إبراهيم إلى أبي ~~موسى السارج، فسمع منه وحفظ ثم سار مترددا إلى خراسان. فسار إليها فنزل على ~~سليمان بن كثير، وكان من أمره ما نذكره سنة سبع وعشرين ومائة إن شاء الله ~~تعالى. وقد كان أبو مسلم رأي رؤيا ms1819 قبل ذلك استدل بها على ملك خراسان فظهر ~~أمرها، فلما ورد نيسابور نزل بوناباذ، وكانت عامرة، فتحدث صاحب الخان الذي ~~نزله ابو سملم بذلك وقال: إن هذا يزعم أنه يلي خراسان. فخرج أبو مسلم لبعض ~~حاجته، فعمد بعض المجان فقطع ذنب حماره، فلما عاد قال لصاحب الخان: من فعل ~~هذا بحماري؟ قال: لا ادري! قال: ما اسم هذه المحلة؟ قال: بوناباذ. قال: إن ~~لم أصيرها كنداباد فلست بأنبي مسلم. فلما ولي خراسان أخربها. ### || AUT ذكر الحرب بين بلج وابني عبد الملك # ### || AUT ووفاة بلج وولاية ثعلبة بن سلامة الأندلس # PageV02P0435 # في هذه السنة كان بالأندلس حرب شديدة بين بلج وأمية وقطن ابني عبد الملك ~~بن قطن؛ وكان سببها أنهما لما هربا من قرطبة، كما ذكرناه، فلما قتل أبوهما ~~استنجدا بأهل البلاد والبربر، فاجتمع معهما جمع كثير قيل كانوا مائة ألف ~~مقاتل، فسمع بهم بلج والذين معه فسار إليهم، والتقوا واقتتلو تقالا شديدا، ~~وجرح بلج جراحات، ثم ظفر بابني عبد الملك والبربر ومن معهم وقتل منهم فأكثر ~~وعاد إلى قرطبة مظفرا منصورا، فبقي سبعة أيام، ومات من الجراحات التي فيه ~~وكانت وفاته في شوال من هذه السنة، وكانت ولايته أحد عشر شهرا؟. فلما مات ~~قدم أصحابه عليهم ثعلبة بن سلامة العجلي، للأن هشام ابن عبد الملك عهد ~~إليهم: إن حدث ببلج وكلثوم حدث بالأمير ثعلبة، فقام بالأمر، وثارت في أيامه ~~البربر بناحية ماردة، فغزاهم فقتل فيهم فأكثر وأسر منهم ألف رجل وأتى بهم إلى قرطبة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها غزا سليمان بن هشام الصائفة، فلقي أليون ملك الروم فغنم. وفيها ~~مات محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في قول بعضهم، ووصى إلى ابنه إبراهيم ~~بالقيام بأمر الدعوة إليهم. وحج الناس هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل. ~~وفيها مات محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وكان مولده سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة خمسين. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائة # ### || AUT ذكر وفاة هشام بن عبد الملك # وفيها مات ms1820 هشام بن عبد الملك بالرصافة لست خلون من شهر ربيع الآخر، ~~وكانت خلافته تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وواحدا وعشرين يوما، وقيل: وثمانية ~~ونصفا؛ وكان مرضه الذبحة، وعمره خمس وخمسون سنة، وقيل ست وخمسون سنة، فملا ~~مات طلبوا قمقما من بعض الخزان يسخن فيه الماء لغسله، فما أعطاهم عياض كاتب ~~الوليد، على ما نذكره، فاستعاروا قمقما، وصلى عليه ابنه مسلمة ودفن بالرضافة. ### || AUT ذكر بعض سيرته # قال عقال بن شبة: دخلت على هشام وعليه قباء فنك أخضر، فوجهني إلى خراسان ~~وجعل يوصيني وأنا أنظر إلى القبا ففطن فقال: مالك؟ فقلت: رأيت عليك قبل أن ~~تلي الخلافة قباء مثل هذا فجعلت أتأمل أهو هذا أم غيره. فقال: هو والله ~~ذاك، وأما ما ترون من جمعي المال وصونه فهو لكم. قال: وكان محشوا عقلا. ~~وقيل: وضرب رجل نصراني غلاما لمحمد بن هشام فشجعه، فذهب خصي لمحمد فضرب ~~النصراني، وبلغ هشاما الخبر وطلب الخصي فعاذ بمحمد، فقال له محمد: ألم ~~آمرك؟ فقال الخصي: بلى والله قد أمرتني. فضرب هشام الخصي وشتم ابنه. قال ~~عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس: جمعت دواوين بني أمية فلم أر ديوانا ~~أصح ولا أصلح للعامة والسلطان من ديوان هشام. وقيل: وأتي هشام برجل عنده ~~قيان وخمر وبربط فقال: اكسروا الطنبور على رأسه. فبكى الشيخ لما ضربع. ~~فقال: عليك بالصبر. فقال: اتراني أبكي للضرب؟ إنمكا أبكي لاحتقاره البربط ~~إذ سماه طنبورا! قال: وأغلظ رجل الهشام، فقال له: ليس لك أن تغلظ لإمامك. ~~قيل: وتفقد هشام بعض ولده فلم يحضر الجمعة، فقال: ما منعك من الصلاة؟ قال: ~~نفقت دابتي. قال: أفعجزت عن المشي؟ فمنعه الدابةسنة. قيل: وكتب إلى بعض ~~عماله: قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة دراقن، وكتب إليه: قد وصل الدراقن ~~فأعجب أمير المؤمنين، فزد منه واستوثق من الدعاء. وكتب إلى عامل له قد بعث ~~بكمأة: قد وصلت المأة وهي أربعون، وقد تغير بعضها من حشوها،فاذا بعثت شيئا ~~فأجد حشوها في الطرق بالرمل حتى لا تضطرب ms1821 ولا يصيب بعضها بعضا. وقيل له: ~~أتطمع في الخلافة؟فأنت بخيل جبان! قال: ولم لا أطمع فيها وأنا حليم عفيف؟ ~~قيل: وكان هشام ينزل الرصافة وهي نمن أعمال قنسرين، وكان الخلفاء قبله ~~وأبناء الخلفاء يبتدرون هربا من الطاعون فينزلون البرية، فلما أراد هشام أن ~~ينزل الرصافة قيل له: لا تخرج فإن الخلفاء لا يطعنون ولم ير خليفة طعن. ~~قال: أتريديون أن تجربوا في؟ فنزلها، وهي مدينة رومية. PageV02P0436 # قيل إن الجعد بن درهم أظهر مقالته يخلق القرآن أيام هشام بن عبد الملك، ~~فاخذه هشام وأرسله إلى خالد القسري، وهو أمير العراق، وأمره بقتله، فحبسه ~~خالد من الحبس في وثاقة، فلما صلى العبد يوم الأضحى قال في آخر خطبته: ~~انصرفوا وضحوا يقبل الله منكم، فإني أريد أن أضحي اليوم بالجعد بن درهم، ~~فإنه يقول: ما كلم الله موسى ولا اتخذ إبراهيم خليلا، تعالى الله عما يقول ~~الجعد علوا كبيرا. ثم نزل وذبحه. قيل: إن غيلان بن يونس ، وقيل ابن مسلم، ~~أبا مروان أظهر القول بالقدر في أيام عمر بن عبد العزيز، فأحضره عمر ~~واستتابه، فتاب ثم عاد إلى الكلام فيه أيام هشام، فأحضره من ناصرة ثم أمر ~~به فقطعت يداه ورجلاه ثم امر به فصلب. قيل: وجاء محمد بن زيد بن عبد الله ~~بن عمر بالخطاب إلى هشام، فقال: ليس لك عندي صلة، قم قال: أياك أن يغرك أحد ~~فيقول ام يعرفك أمي المؤمنين، إني قد عرفتك، وأنت محمد بن زيد فلا تقيمن ~~وتنفق ما معك، فليس لك عندي صلة، الحق بأهلك. قال مجمع بن يعقوب الأنصاري: ~~شتم هشام رجلا من الأشراف؟ فوبخه الرجل قال: أما تستحي أن تشتمني وأنت ~~خليفة الله في الرض؟ فاستحيا منه وقا: اقتص مني. قال: إذا أنا سفيه مثلك. ~~قال: فخذ مني عوضا من المال. قال: ما كنت لأفعل. قال: فهبها لله. قال: هي ~~لله ثم لك. فنكس هشام رأسه واستحيا وقال: والله لا أعود إلى مثلها أبدا. ### || AUT ذكر بيعة الوليد بن يزيد # ### || AUT ابن عبد الملك ms1822 # قيل: وكانت بيعته لست مضين من شهر ربيع الآخر من السنة، وقد تقدم عقد ~~أبيه ولاية العهد له بعد أخيه هشام بن عبد الملك؛ وكان الوليد حين جعل ولي ~~عهد بعد هشام ابن إحدى عشرة سنة، ثم عاش من بعد ذلك فبلغ الوليد خمس عشرة ~~سنة، فكان يزيد يقول: الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك. فلما ولي ~~هشام أكرم الوليد بن يزيد حتى ظهر من الوليد مجون وشرب الشراب، وكان يحمله ~~على ذلك عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدبه، واتخذ له ندماء، فأراد هشام أن ~~يقطعهم عنه فولاه الحج سنة ست عشرة ومائة، فحمل معه كلابا في صناديق وعمل ~~قبة على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة، وحمل معه الخمر، وأراد أن ينصب ~~القبة على الكعبة ويشرب فيها الخمر، فحرمه أصحابه وقالوا: لا نأمن الناس ~~عليك وعلينا معك. فلم يفعل. وظهر للناس منه تهاون بالدين واستخفاف، فطمع ~~هشام في البيعة لابنه مسلمة وخلع الولي، وألاد الوليد على ذلك، فأبى، فقال ~~له: اجعله بعدك، فأبى فتنكر له هشام وأضر به وعمل سرا في البيعة لابنه ~~مسلمة، فأجابه قوم، وكان ممن أجابه خالاه محمد وإبراهيم ابنا هشام بن ~~إسماعيل، وبنو القعقاع بن خليد العبسي، وغيرهم من خاصته، فأفرط الوليد في ~~الشراب وطلب اللذات، فقال له هشام: ويحك يا وليد، والله ما أدري أعلى ~~الإسلام أنت أم لا! ما تدع شيئا من المنكر إلا أتيته غير متحاش؛ فكتب إليه ~~الوليد: يا أيها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبي شاكر نشربها صرفا ~~وممزوجة ... بالسخن أحيانا وبالفاتر فغضب هشام على ابنه مسلمة، وكان سكنى ~~أبا شاكر، وقال له: يعيرنيالوليد بك وأنا ارشحك للخلافة! فألزمه الأدب ~~وأحضره الجماعة وولاه الموسم سنة تسع عشرة ومائة، فأظهر النسك واللين، ثم ~~إنه قسم بمكة والمدينة أموالا؛ فقال مولى لأهل المدينة: يا أيها السائل عن ~~ديننا ... نحن على دين أبي شاكر الواهب الجرد بأرسانها ... ليس بزنديق ولا ~~كافر يعرض بالوليد. وكان هشام يعيب الوليد ويتنقصه ويقصر بهن فخرج ms1823 الوليد ~~ومعه ناس من خاصته ومواليه فنزل بالأزرق على ماء له بالأردن وخلف كاتبه ~~عياض ين مسلم عند هشام ليكاتبه بما عندهم، وقطع هشام عن الوليد ما كان يجرى ~~عليه، وكاتبه الوليد فلم يجبه إلى رده، وأمره بإخراج عبد الصمد من عنده، ~~وأخرجه، وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه، فضرب هشام ابن سهيل ~~وسيره، وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد فضربه وحبسه، فقال الوليد: من يثق ~~بالناس ومن يصنع المعروف! هذا الأحوال المشؤوم قدمه أبي على أهل بيته وصيره ~~ولي عهده ثم يصنع بي ما ترون؟ لا يعلم أن لي في أحد هوى إلا عبث به! وكتب ~~إلى هشام في ذلك يعاتبه ويسأله أن يرد عليه كاتبه، فلم يرده، فكتب إليه ~~الوليد: PageV02P0437 # رأيتك تبني دائما في قطيعي ... ولو كنت ذا حزم الهدمت ما تبني تثير على ~~الباقين مجنى ضغينه ... فويل لهم إن مت من شر ما تجني كأني بهم والليت أفضل ~~قولهم ... ألا ليتنا والليت إذ ذاك لا يغني كفرت يدا من منعم لو شكرتها ... ~~جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن فلم يزل الوليد مقيما في تلك البرية حتى ~~مات هشام، فلما كان صبيحة اليوم الذي جاءته فيه الخلافة قال لأبي الزبير ~~المنذر بن أبي عمرو: ما انت علي ليلة من عقلت عقلي أطول من هذه الليلة! ~~عرضت لي هموم وحدثت نفسي فيها بأمور هذا الرجل، يعني هشاما، قد أولع بي، ~~فاركب بنا نتنفس. فركبا وسارا ميلين. ووقف على كثيب فنظر إلى رهج فقال: ~~هؤلاء رسل هشام،نسأل الله من خيرهم، إذ بدا لاجلان على البريد أحدهما مولى ~~لأبي محمد السفياني والآخر جردبة، فلما قربا نزلا يعدوان حتى دانوا منه ~~سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل. فقرأه وسأل مولى أبي محمد السفياني ~~عن كاتبه عياض، فقال: لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام الموت فأرسل إلى الخزان ~~وقال: احتفظوا بما في أيديكم، فأفاق هشام فطلب شيئا فمنعوه، فقال: إنا لله، ~~كنا خزانا للويلد! ومات من ساعته، وخرج عياض من ms1824 السجن فتم أبواب الخزائن ~~وأنزل هشاما عن فرشه وما وجدوا له قمقما يسخن له فيه الماء حتى استعاروه، ~~ولا وجدوا كفنا من الخزائن فكفنه غالب مولاه؛ فقال: هلك الاحول المثو ... م ~~فقد أرسل المطر وملكنا من بعد ذا ... ك فقد أورق الشجر فاشكروا الله إنه ~~... زائد كل من شكر وقيل: إن هذا الشعر لغير الوليد. فلما سمع الوليد موته ~~كتب إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان أن يأتي الرضافة فيحمي ما ~~فيها من أموال هشام وولده وعياله وحشمه إلا مسلمة بن هشام فإنه كلم أباه في ~~الرفق بالوليد. فقدم العباس الرصافة ففعل ما كتب به الوليد إليه، وكتب به ~~إلى الوليد، فقال الوليد ليت هشاما كان حيا يرى ... محلبه الأوفر قد أترعا ~~ويروى: ليت هشاما عاش حتى يرى ... مكياله الأوفر قد طبعا كلناه بالصاع الذي ~~كاله ... وما ظلمناه به إصبعا وما أتينا ذاك عن بدعة ... أحله الفرقان لي ~~أجمعا وضيق على أهل هشام وأصحابه، فجاء خادم لهشام فوقف عند قبره وبكى ~~وقال: يا أمير المؤمنين لو رأيت ما يصنع بنا الوليد. فقال بعض من هناك: لو ~~رأيت ما صنع بهشام لعلمت أنك في نعمة لا تقوم بشكرها! إن هشاما في شغل مما ~~هو فيه عنكم. واستعمل الوليد العمال، وكتب إلى الآفاق بأخذ البيعة، فجاءته ~~بيعتهم، وكتب إله مروان بن محمد ببيعته استأذنه في القدوم عليه. فلما ولي ~~الوليد أجرى على زمنى أهل الشام وعميهم وكساهم وأمر لكل إنسان منهم بخادم، ~~وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة وزادهم وزاد الناس في العطاء عشرات، ثم ~~زاد أهل الشام بعد العشرات عشرة عشرة، وزاد الوفود، ولم يقل في شيء يسأله ~~إلا وقال: ضمنعت لكم إن لم تعقني عوائق ... بأن سماء الضر عنكم ستقلع سيوشك ~~إلحاق معا وزيداة ... وأعطية مني عليكم تبرع محرمكم ديوانكم وعطاؤكم ... به ~~تكتب الكتاب شهرا وتطبع قال حلم الوادي المغني: كنا مع الوليد وأتاه خبر ~~موت هشام وهنئ بولايت الخلافة، وأتاه القضيب والخاتم، ثم قال: فأمسكنا سعة ~~ونظرنا ms1825 إليه بعين الخلافة، فقال: غنوني: طاب يومي ولذ شرب السلافه ... ~~وأتانا نعي من بالرصافة وأتانا البريد ينعى هشاما ... وأتانا بخاتم للخلافة ~~فاصطبحنا من خمر عانة صرفا ... ولهونا بقينة عرافه وحلف أن لا يبرح من ~~موضعه حتى يغني في هذا اشعر ويشرب عليه، ففعلنا ذلك ولم نزل نغني إلى ~~الليل. قم إن الوليد هذه السنة عقد لابنيه الحكم وعثمان البيعة من بعده ~~وجعلهما وليي عهده، أحدهما بعد الآخر، وجعل الحكم مقدما، وكتب بذلك إلى ~~الأمصار العراق وخراسان ### || AUT ذكر ولاية نصر بن سيار خراسان للوليد # PageV02P0438 # في هذه السنة لى الوليد نصر بن سيار خراسان كلها وأفرده بها، قم وفد يوسف ~~بن عمر على الوليد فاشترى منه نصرا وعماله، فرد إليه الوليد ولاية خراسان، ~~وكتب يوسف إلى نصر يأمره بالقدوم ويحمل معه ما قدر عليه من الهديايا ~~والأموال، وأن يقدم معه بعياله أجميعين، وكتب الوليد إلى نصر يأمره أن يتخذ ~~له برابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة، وأن يجمع له كل صناجه بخراسان، وكل ~~بازي وبرذون فاره، ثم يسير بكل ذلك بنفسه في وجوه أهل خراسان. وكان ~~المنجمون قد أخبروانصرا بفتنة تكون، وألح يوسفعلى نصر بالقدوم وأرسل اليه ~~رسولا في ذلك، وأمره أن يستحثه أوينادي في الناس أنه قد خلع. فأرضى نصر ~~الرسول واجازه، فلم يمض لذلك إلايسير حتى وقعت الفتنة. فتحول القصره بماجان ~~واتخلف عصمة بن عبد الله الأسدي على خرسان، وموسى بن ورقاء بالشاش، وحسان ~~من أهل الصغانيان بسمرقند،ومقاتل بن علي السعدي بأمل، وامرهم إذابلغهم ~~خروجه من مرو ان يستجلبوا الترك ليعيروا ما وراء النهر ليرجع اليهم، وسار ~~العراق. فبينا هو يسير الى العراق طرقه مولى لبني ليث وأعلمه بقتل الوليد، ~~فلما أصبح أذن للناس وأحضر رسل الوليد وقال لهم: قد كان من مسيري ما علمتم ~~، وبعثي بالهدايا ما رأيتم، وقد كان قدم الهدايا فبلغت بهيق، وطرقني فلان ~~ليلا فأخبرني أن الوليد قد قتل ووقعت الفتنة بالشام، وقدم المنصور بن جمهور ~~العراقنوهرب يوسف بن عمر، ونحن بالبلاد التي علمتم وكثت عدونا. ms1826 فقال سالم ~~بنأحوز: أيها لأمير إنه بعض مكايد قريش ،أرادو تهجين طاعتك، فسر ولاتمتحنا، ~~فقال: يا سالم أنت رجل لك علم بالحرب وحسن طاعة لبني أمية، فأما مثل هذه ~~الأمور فيها راي أمية ورجع بالناس. ### || AUT ذكر قتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين # في هذه السنة قتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ~~بخرسان . وسبب قتله أنه سار بعد قتل أبيه إلى خرسان، كما سبق ذكره، فأتى ~~بلخ فأقام بها عند الحيش بن عمرو بن داود حتى هلك هشام وولي الوليد ابن ~~يزيد. فمتب يوسف بن عمر إلى نصر بمسير يحيى بن زيد وبمنزله عند الحريش، ~~وقال له: خذه أشد الأخذ، فأخذ نصر الحريش فطالبه بيحيى، فقال: لاعلم لي به. ~~فأمربه فجلد ستمائة سوط.فقال الحريش: والله لوأنه تحت قدمي ما رفعتهما ~~عنه.فلما رأى ذلك قريش بن الحريش قال:لاتقتل أبي وانا ادلك على يحيى ،فدله ~~عليه، فأخذه نصر وكتب إلى الوليد يخبره، فكتب الوليد يأمره أنيؤمنه وخلي ~~سبيله وسبيل أصحابه. فأطلقه نصر و أمره أن يلحق بالوليد وأمر له بألفي ~~درهم، فسار إلى سرخس فأقام بها، فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس بن عباده ~~يأمره أن يسيره عنها، فسيره عنها، فسار حتى إنتهى إلى بهيق، وخاف أنيغتله ~~يوسف بنعمر فعاد إلى نيسابور، وبها عمرو بنزرارة، وكان مع يحبى سبعون رجلا، ~~فرأى يحيى تجارا، فأخذ هو وأصحابه دوابهم وقالو: علينا أثمنها، فكتب ~~عمروابن زرارة إلى نصر يخبره. فكتب نصر يأمر بمحاربته، فقاتله عمرو، وهو في ~~عشرة الآف ويحيى وسبعين رجلا، فهزمهم يحيى وقتل عمرا وأصاب دوابا كثيرة ~~وسار حتى مر بهراة، فلم يعترض لمن بها وسار عنها. وسرح نصر بن سيار سالم بن ~~أحوز في طلب يحيى، فلحقه بالجوز جان فقاتله قتالا شديدا،فرمى يحيى بسهم ~~فأصاب جبهته، رماه رجل من عنزة يقال له عيسى،فقتل منأصاب يحيى من عند أخرهم ~~وأخذوا رأس يحيى وسلبوه قميصه. فلما بلغ الوليد قتل يحيى متب الى يوسف بن ms1827 ~~عمر: خذ عجيل أهل العراق فأنزله من جذعه، يعني زيدا، وأحرقه بالنار ثم ~~أنسفه باليم نسفا، فأمر يوسف به فأحرق، ثم رضه وحمله في سفينة ثم 1راه في ~~الفرات وأما يحيى فإنه لما قتل صلب بالجوزجان ، فلم يزل مصلوبا حتى ظهر أبو ~~مسلم الخرساني وأستولى على خراسان فأنزله وصى عليه ودفنه وامربالنياحة عليه ~~في خراسان، واخذ ابو مسلم جيوان بني أمية وعرف منه أسماء من حضر قتل يحيى، ~~فن كان حيا قتله ومن كان ميتاخلفه في أهله بسوء، وكانت أم يحيى ريطة بنت ~~أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنيفة. عباد بضم العين ، وفتح الباء ~~الموحدة المخففة ### || AUT ذكر ولاية حنظلة إفريقية وأبي الخطار الأندلسي # PageV02P0439 # في هذه السنة قدم أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي اللأندلسي أميرا في ~~رجب، وكان أبو الخطار لما تبايع ولاة الأندلس من قيس قد قال شعرا وعرض فيه ~~بيوم مرج راهط وما كان من بلاء كلب فيه مروان بنالحكم وقيام القيسين مع ~~الضحاك بنقيس الفهري على مروان، ومن الشعر: أفادت بنو مروان قيسا دماءنا ~~... وفي الله أن لم يعدلوا حكم عدل كأنكم لم تشهدو مرج راهط ... ولم تعلموا ~~من كان ثم له الفضل وقيناكم حر القنا بحورنا ... وليس لكم خيل تعد ولارجل ~~فلما بلغ شعره هشام بن عبد الملك فأعم أنه رجل من كلب،وكان هشام قد استعمل ~~على إفريقية حنضلة بن صفوان الكلبي سنة أربع وعشرين ومأئة،فكتب إليه هشام ~~أن يولي الخطارالأندلس، فولاه وسيره إليها، فدخل قرطبة يوم جمعة فرأى ثعلبة ~~بن سلامة أميرها قد أضر الأف من البربر،الذين تقدم ذكر أسرهم، ليقتلهم، ~~فلما ذخل أبو الخطار دفع الأسرى إليه، فكانت ولايته سببا لحياتهم؛وكان لأهل ~~الشام الذين بالأندلس قد أرادو الخروج مع ثعلبة بن سلامة إلى الشام، فلم ~~يزل أبو الخطار يحسن إليهم ويستميلهم حتى أقامو،فأنزل كل قوم إلى شبه ~~منازلهم بالشام، فلمارأوا بلدايشبه بلدانهم أقاموا.وقيل:إن أهل الشام إنما ~~فرقهم في البلاد لأن قرطبة ضاقت عليهم ففرقهم؛وقد ذكرنا بعض أخبارهم سنة ~~تسع وثلاثين ومائة. ms1828 ### || AUT ذكر عدة حوادث # قيل: وفي هذه السنة وجه الوليد بن يزيد خاله يوسف بنمحمد بن يوسف الثقفي ~~والياعلى المدينة ومكة والطائف، ودفعإليه محمداواباهيم ابني هشام بنإسماعيل ~~المخزومي موثقين في عباءتين، فقدم بهما المدينة في شعبان فأقامهما للناس، ~~ثم حملا إلى الشام فأحضرا عند الوليد، فأمر بجلدهما، فقال محمد: أسألك ~~بالقرابة ! قال:وأي قرابة بيننا؟ قال: فقد نهى لرسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، لضرب ليوط إلا في حد. قال: ففي حد أضربك وقود، أنت أول من فعل ~~بالعرجي، وهو ابن عمي وابن أمير المؤمنين عثمان؛ وكان محمد قد أخذه وقيده ~~وأقامه للناس وجلده وسجنه إلى أن مات بعد تسع سنين لهجاء العرجي إياه، ثم ~~أمر به الوليد فجلد هو وأخوه إبراهيم، ثم أوثقهما حيددا وأمر أن يبعث بهما ~~إلى يوسف بن عمر وهو على العراق، فلما قدم بهما عليه عذلهما حتى ماتا. وفي ~~هذه السنة عزل الوليد سعيد بن إبراهيم عن قضاء المدينة وولاه يحيى ابن سعيد ~~الأنصاري. وفيها خرجت الروم إلى زبطرة، وهو حصن قديم كان افتتحه حبيب بن ~~مسلمة القهري، فأخربته الروم الآن، فبنى بناء غير محكم، فعاد الروم وأخربوه ~~أيام مروان بن محمد الحمار، ثم بناه الرشيدوشحنه بالرجال، فلما كانت خلافة ~~المأمون طرقه الروم فشعثوه، فأمر المأمون برمته وتحصينه، ثم قصده الروم ~~أيام المعتصم، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. فإنما سقت خبره هاهنا لأني ~~لم أعلم تواريخ حوادثه. وفيها اغزا الوليد أخاه الغمر بن يزيد، وأمر على ~~يجوش البحر الأسود ابن بلال المحاذي وسيره إلى قبرس ليخبر أهلها بين المسير ~~إلى الشام أو إلى الروم، فختارة طائفه جوار المسلمين، فسيرهم إلى الشام، ~~واختار أخرون الروم، وسيرهم إليهم. وفيها قدم سليمان بن كثير ومالك بن ~~الهيثم ولاهز بن قريظ وقحطبه بن شبيب مكه، فلقوا، في قول بعض أهل السير، ~~محمد بن عبد الله ابن عباس فأخبروه بقصة أبي مسلم وما رأوه منه، فقال: أحر ~~هو أم عبد؟ قالوا: أما عيسى فيزعم أنه عبد، وأما هو فيزعم ms1829 انه حر. قال: ~~فشتروه واعتقوه وأعطوا محمد بن علي مائتي ألف درهم وكسوه ثلاثين ألف درهم. ~~فقال لهم: ما أظنكم تلقوني بعد عامي هذا، فإن حدث بي حدث فصاحبكم ابني ~~ابنراهيم فإني أثق به وأوصيكم به خيرا. فرجعوا من عنده. وقال بعضهم: في هذه ~~السنة توفي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في شهر ذي العقده وهو ابن ثلاث ~~وسبعين سنة، وكان بين موته وموت أبيه سبع سنين. وحج بالنالس هذه السنة يوسف ~~بن محمد بن يوسف. وفيها غزا النعمان ابن يزيد بن عبد الملك الصائفه. ~~PageV02P0440 # في هذه السنة مات أبو حازم الأعرج، وقيل سنة أربعين، وقيل سنة أربع ~~وأربيعين ومائة. وفي أخر أيام هشام بن هشام بن عبد الملك توفي سماك بن حرب. ~~وفي هذه السنة توفي القاسم بن أبي بزه، وأسم أبي بزه يسار، وهو من ~~المشهورين بالقراءة. وأشعث بن أبي الشعثاء سليم بن أسو المحاربي. وسيد بن ~~أبي أنيسه الجزري، مولى بن كلاب وقيل مولى يزيد بن الخطاب، وقيل مولى غني، ~~وكان عمره ستا وأربعين سنه، وكان فقيها عابدا، وكان له أخ أسمه يحيى، كان ~~ضعيفا بالحديث. وفي أيام هشام مات العرجي الشاعر في حبس محمد بن هشام ~~المخزومي، عامل هشام بن عبد الملك على المدينة ومكة، وكان سبب حبسه أنه ~~هجاه فتتبعه حتى بلغه أنه أخذ مولى فضربه وقتله وأمر عبيدة أن يطأوا امرأة ~~المولى المقتلول، فاخذه محمد فضربه فأقامه للناس فحبسه تسع سنين فمات في ~~السجن العرجي بفتح العين المهملة، وسكون الراء، وأخره جيم وكان عمال ~~الأمصار من تقدم ذكرهم. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة # ### || AUT ذكر قتل خالد بن عبد الله القسري # في هذه السنة قتل خالد بن عبد الله، وقد تقدم ذكر عزله عن العراق ~~وخرسان، وكان عمله خمس عشرة سنة فيما قيل، ولما عزله هشام قدم عليه يوسف ~~واسطا فحبسه فيها، ثمسار يوسف إلى الحيرة وأخذ خالدا فحبسه بها تمام ثمانية ~~عسر شهرا مع أخيه إسماعيل وابن يزيد ms1830 بن خالجوابن أخيه المنذر بن إسد، ~~اتستأ1ن يوسف هشاما في تعذيبهفأذن له مر واحدة، وأقسم لئن هلك ~~ليقتلنه،فعذبه يوسف ثم رده إلى حبسه. وقيل: بل عذبه عذابا كثيرا،وكتب هشام ~~إلى يوسف يأمره بأطلاقه في شوال سنة احد وعشرين،وخرج زيد فقتل، فكتب يوسف ~~بن عمر: إن بني هاشم قد كانوا هلكوا جوعا فكانت عمة أحدهم قوت عياله ، فلما ~~ولي خالد الغراق أعطاهم الاموال، فتاقت أنفسهم للخلافة، وما خرج زيدإلا عن ~~رأي خالد. فقال هشام:كذب يوسف! وضرب رسوله وقال: لسنا نتهم خالدا في طاعة. ~~وسمع خالد فسار حتى نزل دمشق وسار إلى الصائفة. وكان على دمشق يومئذ كلثوم ~~بن عياض القشيرى، وكان يبغض خالدا. فظهر في دور دمشقحريق كل ليلة يفعله رجل ~~من أهل العراق القشيري، وكان يبغض خالدا، فظهر دور دمشق حريق كل ليلة بفعله ~~رجل من أهل العراق يقال له ابن العمرس، فإذا وقع الحريق يسرقون، وكان أولاد ~~خالد وإخوته بالساحل لحدث كان من الروم، فكتب كلثوم إلى هشام يخبره أم ~~موالي خالد يريدون الوثوب على بيت المال وأنهم يحرقون البلد كل ليلة هذا ~~الفعل. فكتب إليه هشام يأمره أن يحبس آل خالد الصغير منهم والكبر ومواليهم، ~~فأنفذ وأحضر أولاد خالد وإخوته من الساحل في الجوامع ومعهم مواليهم، وحبس ~~بنات خالد والنساء والصبيان، ثم ظهر علي بن العمرس ومن كان معه، فكتب ~~الوليد بن عبد الرحمن عامل الخراج إلى هشام يخبره بأخذ ابن العمرس وأصحابه ~~بأسمائهم وقبائلهم، ولم يذكر فيهم أحدا من موالي خالد. فكتب هشام إلى كلثوم ~~يشتمه ويأمره باطلاق آل خالد، فأطلقهم فترك الموالي رجاء أن يشفع فيهم خالد ~~إذ قدم من الصائفة. ثم قدم خالد فنزل منزله في دمشق فأذن للناس، فقام بناته ~~يحتجبن، فقال: لا تحتجبن فإن هشاما كل يوم يسوقكن إلى الحبس، فدخل الناس، ~~فقام أولاده يسترون النساء، فقال خالد: خرجت غازيا سامعا مطيعا فخلفت في ~~عقبي وأخذ حرمي وأهل بيتي فحبسوا مع أهل الجرائم كما يفعل بالمشركين، فما ~~منع عصابة منكم أن تقولوا علام ms1831 حبس حرم هذا السامع المطيع؟ أخفتم أن تقتلوا ~~جميعا؟ أخافكم الله ثم قال! ثم قال: مالي ولهشام؟ ليكفن عني أو أولا دعونى ~~إلى عراقي الهوى، شامي الدار، حجاز الأصل، يعني محمد ابن علي بن عبد الله ~~بن عباس، وقد أذنت لكم أن تبلغوا هشاما، فلما بلغه قال: قد خرف أبوالهيثم. ~~وتتابعت كتب يوسف بن عمر إلى هشام يطلب منه يزيد بن خالد بن عبد الله، ~~فأرسل هشام إلى كلثوم يأمره بإنفاذ يزيد بن خالد بن عبد الله إلى يوسف ابن ~~عمر، فطلبه، فهرب، فستدعى خالدا فحضر عنده، فحبسه، فسمع هشام فكتب إلى ~~كلثوم يلومه ويأمره بتخليته، فأطلقه. PageV02P0441 # وكان هشام إذا أراد أمرا أمر الأبرش الكلبي فكتب به إلى خالد، فكتب إليه ~~اللأبرش: إنه بلغ أمير المؤمنين أن رجلا قال لك يا خالد إن لأحبك لعشر ~~خصال: إن الله كريم وأنت كريم، والله جواد وأنت جواد، والله رحيم وانت ~~رحيم، حتى عدا عشرا، وأمير المؤمنين يقسم بالله لأن تحقق ذلك عنده ليقتلنك. ~~فكتب إليه خالد: إن ذلك المجلس كان أكثر أهلا من أن يجوز لأحد من أهل البغي ~~والفجور أن يحرف ماكان فيه، وإنما قال لي: يا خالد إني لأحبك لعشر خصال: إن ~~الله الكريم يحب كل كريم، والله يحبك فأنا أحبك، حتى عد عشر خصال، ولكن ~~أعظم من ذلك قيام ابن شقي الحميري إلى أمير المؤمنين وقوله: يا أمير ~~المؤمنين خليفتك في أهلك أكرم عليك أم رسولك في حاجتك؟ فقال: بل خليفتي في ~~أهلي. فقال: ابن شقي: فأنت خليفة الله وحمد رسوله، وضلال رجل من بجيلة، ~~يعني نفسه، أهون على العامة من ضلاض أمير المؤمنينز فلما قرأ هشام كتابه ~~قال: خرف أبو الهيثم! فأقام خلاد بدمشق حتى هلك هشاموقام الوليد، فكتب إليه ~~الوليد: ما حال الخمسين ألف ألف التي علم؟ فاقدم على أمير المؤمنين، فقدم ~~عليه، فأرسل إليه الوليد وهو واقف بباب الساردق فال: يقول أمير المؤمنين ~~أين ابنك يزيد؟ فقال: كان هرب من هشام وكنا نر اه عند أمير ms1832 المؤمنين حتى ~~استخلفه الله، فملا لم نره ظنناه ببلاد قومه من السراة. ورجع الرسول وقال: ~~لا ولكنك خلفته طالبا للفتنة. فقال: قد علم أمير المؤمنين أنا أهل بين ~~طاعة. فجع الرسول فقال: يقول لك أمير المؤمنين لتأتين به أو لأرهقن نفسك. ~~فرفع خالد صوته وقال: قل له: هذا أردت، والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما ~~عنه. فأمر الوليد بضربه، فضرب، فلم يتكلم، فحبسه حتى قدم يوسف بن عمر من ~~العراق بالأموال فاشتراه من الوليد بخمسين ألف ألف، فأرسل الوليد إلى خالد: ~~إن يوسف يشتريك بخمسين ألف ألف، فإن كنت تضمنها وإلا دفعتك إليه. فقال ~~خالد: ما عهدت العرب تباع، والله لو سألتني أن أضمن عودا ما ضمنته. فدفعه ~~إلى يوسف، فنزع ثيابه وألبسه عباءة وحمله في محمل بغير وطاء وعذبه عذابا ~~شديدا، وهو لا يكلمه كلمة، ثم حمله إلى الكوفة فعذبه ثم وضع المضرسة على ~~صدره فقتله من الليل ودفنه من وقته بالحيرة في عباءته التي كان فيها، وذلك ~~في المحرم سنة ست وعشرين. وقيل: بل أمر يوسف فوضع على رجليه عود وقام عليه ~~الرجال حتى تكسرت قدماه وما تكلم ولا عبس. وكانت أنم خالد نصرانية رومية، ~~ابتنى بها أبوه في بعض أعيادهم فأولدها خالدا وأسدا ولم تسلم، وبنى لها ~~خالد بيعة، فذمه الناس والشعراء؛ فمن ذلك قول الفرزدق: ألا قطع الرحمن ظهر ~~مطية ... أتتنا تهادى من دمشق بخالد فكيف يؤم الناس من كانت امه ... تدين ~~بأن الله ليس بواجد بنى بيعة فيها النصارى لأمه ... ويهدم من كفر منار ~~المساجد وكان خالد قد أمر بهدم منار المسجد لأنه بلغه أن شارعا قال: ليتين ~~في المؤذنين حياتي ... إنهم يبصرون من في السطوح فيشيرون أو تشير إليهم ... ~~بالهوى كل ذات دل مليح فلما سمع هذا السعر أمر بهدمها، ولما بلغه أن الناس ~~يذمونه لبنائه البيعة لأمه قام يعتذر إليهم فقال: لعن الله دينهم إن كان ~~شرا من دينكم. وكان يقول: إن خليفة الرجل في أهله أفضل من رسوله في حاجته، ~~يعني ms1833 أن الخليفة هشاما من رسول الله، صلى اللهعليه وسلم ، نبرأ إلى الله من ~~هذه المقالة. ### || AUT ذكر قتل الوليد بن يزيد # ### || AUT ابن عبد الملك # في هذه السنة قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك يزيد بن الوليد بن عبد ~~الملك الذي يقال له الناقص، في جمادى الآخرة PageV02P0442 # وكان سبب قتله ما تقدم ذكره من خلاعته ومجانته، فلما ولي الخلافة لم يزد ~~من الذي كان فيه من اللهو واللذة والركوب للصيد وشرب النبيذ ومنادمة الفاق ~~إلا تماديا، فثقل ذلك على رعيته وجنده وكرهوا أمره، وكان أعظمه ما جنى على ~~نفسه إفساده بني هميه هشام والوليد، فإنه أخذ سليمان بن هشام فضربه مائة ~~سوط وحلق رأسه ولحيته وغربه إلى عمان من أرض الشام فحبسه بها، فلم يزل ~~محبوسا حتى قتل الوليد، فأخذ جارية كانت لآل الوليد، فكلمه عثمان بن الوليد ~~في ردها، فقال: لا أردها. فقال: إذن تكثر الواهل حول عسكرك! وحبس الأفقم ~~يزيد بن هشام وفرق بين روح بن الوليد وبين امرأته وحبس عدة من ولد الليد، ~~فرماه بنو هاشم وبنو الوليد بالكفر وغشيان أمهات أولاد أبيه وقالوا: قد ~~اتخذ مائة جامعة لبني أمية. وكان أشدهم فيه يزيد بن الوليد، وكان الناس إلى ~~قوله أميل لأنه كان يظهر النسك ويتواضع، وكان قد نهاه سعيد بن بيهس بن صهيب ~~علن البيعة لابنيه الحكم وعثمان لصغرهما، فحبسه حتى مات في الحبس. واراد ~~خالد بن عبد الله القسري على البيعة لابنيه فأبى، فغضب عليه، فقيل له: ى ~~تخالف أمي المؤمنين. فقال: كيف أبايع من لا أصلي خلفه ولا أقبل شهادته؟ ~~قالوا: فنقبل شهادة الوليد مع فسقه! قال: أمير المؤمنين غائب عني وإنما هي ~~أخبار الناس. ففسدت المانية عليه وفسدت عليه قضاعة، وهم واليمن أكثر جند ~~أهل الشام، فاتى حريث وشبيب بن أبي مالك الغساني ومنصور بن جمهور الكلبي ~~وابن عمه حبال بن عمرو ويعقوب بن عبد الرحمن وحميد بن منصور اللخمي والأصبغ ~~بن ذؤالة والطفيل بن حارثة والسري بن زياد إلى خالد بن ms1834 عبد الله القسري ~~فدعوه إلى أمرهم، فلم يجبهم. وأراد الوليد الحج فخاف خالد أن يقتلوه في ~~الطريق فنهاه عن الحج، فقال: ولم؟ فأخبره فحبسه وأمر أن يطالب بأموال ~~العراق، ثم ستقدم يوسف ابن عمر من العاق وطلب منه أن يحضر معه الأموال، ~~وأراد عزله وتولية عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف. فقدم يوسف بأموال ~~لم يحمل من العراق مثلها، فلقيه حسان النبطي فأخبره أن الوليد يريد أن يولي ~~عبد الملك بن محمد، وأشار عليه أن يحمل الرش إلى وزرائه، ففرق فيهم خمسمائة ~~ألف، وقال له حسان: اكتب على لسان خليفتك بالعراق كتابا: إني كتبت إليك ولا ~~أملك إلا القصر، وادخل على الوليد والكتاب معك مختوم واشتر منه خالدا، ~~ففعل؛ فأمره الوليد بالعود إلى العراق، واشترى منه خالدا القسري بخمسين ألف ~~ألف فدفعه إليه، فأخذه معه في محمل بغر وطاء إلى العراق. فقال بعض أهل ~~اليمن شعرا على لسان الوليد يحرض عليه، وقيل: إنها للوليد يوبخ اليمن على ~~ترك نصر خالد: ألم تهتج فتذكر الوصالا ... وحبلا كان متصلا عزالا بلى ~~فالدمع منك إلى انسجام ... كماء المزن ينسجل انسجالا فدع عنك اذكارك آل ~~سعدى ... فنحن الأكثرون حصى ومالا ونحن المالكون الناس قسرا ... نسومهم ~~المذلة والنكالا وطئنا الأشعرين بعز قيس ... فيا لك وطأة لن تستقالا وهذا ~~خالد فينا أسير ... ألا منعوده إن كانوا رجالا عظيمهم وسيدهم قديما ... ~~جعلنا المخزيات له ظلالا فلو كانت قبائل ذات عز ... لما ذهبت صنائعه ضلالا ~~ولا تركوه مسلوبا أسيرا ... يعالج من سلاسلنا الثقالا وكندة والسكون فما ~~استقاموا ... ولا برحت خيولهم الرحالا بها سمنا البرية كل خسف ... وهدما ~~السهولة والجبالا ولكن الوقائع ضعضعتهم ... وجذتهم وردتهم شلالا فما زالوا ~~لنا بلدا عبيدا ... نسومهم المذلة والسفالا فأصبحت الغداة علي تاج ... لملك ~~الناس ما يبغي انتقالا فعظم ذلك عليهم وسعوا في قتله وادادوا حنقا؛ وقال ~~حمزة بن بيض في الوليد: وصلت سماء الضر بالضر بعدما ... زعمت سماء الضر ~~سماء الضر عنا ستقلع فليت هشاما كان حيا يسومنا ... وكنا كما كنا ms1835 نرجي ~~ونطمع وقال أيضا: PageV02P0443 # يا وليد الخنا تركت الطريقا ... واضحا وارتكبت فجا عميقا وتماديت واعتديت ~~وأسرف ... ت وأغريت وانبعثت فسوقا أبدا هات ثم هات وهاتي ... ثم هاتي حتى ~~تخر صعيفا أنت سكران ما تفيق فما تر ... تق فتقا وقد فتقت فتوقا فأتت ~~اليمانية يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأرادوه على البيعة، فشاور عمر بن ~~يزيد الحكمي، فقال له: لا يبايعك الناس على هذا وشاور أخاك العباس فإن ~~بايعك لم يخالفك أحد، وإن أبى كان الناس له أطوع، فإن أبيت إلا المضي على ~~رأيك فأظهر أن أخاك العباس قد بايعك. وكان الشام وبيا، فخرجوا إلى البوادي، ~~وكان العباس بالقسطل ويزيد بالبادية أيضا بينهما أميال يسيرة، فأتى يزيد ~~أخاه العباس فاستشاره، فنهاه عن ذلك، فرجع وبايع الناس سرا وبث دعاته، ~~فدعوا الناس، ثم عاود أخاه العباس فاستشاره ودعاه إلى نفسه، فزيره وقال: إن ~~عدت لمثل هذا لأشدنك وثاقا وأحملتك إلى أمير المؤمنين. فخرج من عنده. فقال ~~العباس: إني لأظنه أشأم مولود في بني مروان. وبلغ الخبر مروان بن محمد ~~بأرمينية، فكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان يأمره أن ينهى الناس ويكفهم ~~ويحذرهم الفتنة ويخوفهم خروج الأمر عنهم، فأعظم سعيد ذلك وبعث بالكتاب إلى ~~العباس بن الوليد، فاستدعى العابس يزيد وتهدده، فكتمه يزيد أمره، فصدقه، ~~وقال العباس لأخيه بشر بن الوليد: إني أظن أن الله قد أذن في هلاككم يا بني ~~مروان؛ ثم تمثل: إني أعيذكم بالله من فتن ... مثل الجبال تسامى ثم تنفع إن ~~البرية قد ملت سياستكمفاستمكوا بعمود الدين وارتدعوا لا تلحمن ذئاب الناس ~~أنفسكمإن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا لا تبقرن بأيديكم بطونكم ... فثم لا ~~حسرة تغني ولا جزع فلما اجتمع ليزيد أمره وهو متبد أقبل إلى دمشق، وبينه ~~وبين دمشق أربع ليال، متنكرا في سبعة نفر على حمير، فنزلوا بجرود على مرحلة ~~من دمشق، ثم سار فدخل دمشق وقد بايع له أكثر لأهلها سرا، وبايع أهل المزة، ~~وكان على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج، ms1836 فخاف الوباء فخرج منها فنزل ~~قطنا واستخلف ابنه على دمشق، وعلى شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله ~~السلمي، فاجمع يزيد على الظهور، فقيل للعامل: إن يزيد خارج، فلم يصدق. ~~وراسل يزيد أصحابه بعد المغرب ليلة الجمعة، فكمنوا عند باب الفراديس حتى ~~أذن العشاء فدخلوا فصلوا وللمسجد حرس قد وكلوا بإخراج الناس منه بالليل، ~~فلما صلى الله عليه وسلم الناس أخرجهم الحرس، وتباطأ أصحاب يزيد حتى لم يبق ~~في المسجد غير الحرس وأصحاب يزيد، فأخذوا الحرس، ومضى يزيد ابن عنبسة إلى ~~يزيد بن الوليد فأعلمه وأخذ بيده فقال: قم يا أمير المؤمنين وأبشر بنصر ~~الله وعونه. فقالم وأقبل في اثني عشر رجلا، فلما كان عند سوق الحمر لقوا ~~أربعين رجلا من أصحابهم ولقيهم زهاء مائتي رجل، فمضوا إلى المسجد فدخلوه ~~وأخذوا باب المقصورة فضربوه فقالوا: رسل الوليد، ففتح لهم الباب خادم، ~~فأخذوه ودخلوا أبا العاج وهو سكران، وأخذوا خزان بيت المال، وأرسل إلى كل ~~من كان يحذره فأخذ، وقبض على محمد بن عبيدة، وهو على بعلبك، وأرسل بني عذرة ~~إلى محمد بن عبد الملك بن محمد بن الحجاج فأخذوه. وكان بالمسجد سلاح كثير ~~فأخذوه، فلما أصبحوا جاء أهل المزة وتابع الناس وجاءت السكاسك وأقبل أهل ~~داريا ويعقوب بن محمد بن هانئ العبسي وأقبل عيسى بن شيب التغلبي في أهل ~~دومة وحرستا، وأقبل حميد ابن حبيب النخعي في أهل دير مروان والأرزة وسطرا، ~~وأقبل أهل جرش وأهل الحديثة ودير زكا، وأقبل ربعي بن هاشم الحارثي في ~~الجماعة من بني عذرة وسلامان، وأقبلت جهينة ومن والاهم. ثم وجه يزيد بن ~~الوليد بن عبد الملك عبد الرحمن بن مصاد في مائتي فارس ليأخذوا عبد الملك ~~ابن محمد بن الحجاج بن يوسف من قصره، فأخذوه بأمان، وأصاب عبد الرحمن خرجين ~~في كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار، فقيل له: خذ أحد هذين الخرجين. فقال: ~~لا تتحدث العرب عني أني أول من خان في هذا الأمر. ثم جهز يزيد جيشا وسيرهم ~~إلى الوليد بن يزيد ms1837 بن عبد الملك وجعل عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد ~~الملك. PageV02P0444 # وكان يزيد لما ظهر بدمشق سار مولى للوليد إلى فأعلمه الخبر وهو بالأغدف ~~من عمان، فضربه الوليد وحبسه وسير أبا محمد عبد الله بن يزيد بن معاوية إلى ~~دمشق، فسار بعض الطريق فأقام، فأرسل إليه يزيد بن الوليد عبد الرحمن ابن ~~مساد، فسأله أبو محمد ثم بايع ليزيد بن الوليد. ولما أتى الخبر إلى الوليد ~~قال له يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية: سر حتى تنزل حمص فإنها حصينة، ووجه ~~الخيول إلى يزيد فيقتل أو يؤسر. فقال عبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاص: ~~ما ينبغي للخليفة أن يدع عسكره ونساءه قبل أن يقاتل، والله يؤيد أمير ~~المؤمنين وينصره. فقال يزيد بن خالد: وما نخلف على حرمه، وإنما أتاه عبد ~~العزيز وهو ابن عمهن. فأخذ بقول ابن عنسبة وسار حتى أتى البخراء قصر ~~النعمان بن بشير، وسار معه من ولد الضحاك بن قيس أربعون رجلا فقالوا له: ~~ليس لنا سلاح، فلو أمرت لنا بسلاح. فما أعطاهم شيئا. ونازله عبد العزيز، ~~وكتب العابس بن الوليد بن عبد الملك إلى الوليد: إني آتيك. فقالالوليد: ~~أخرجوا سريرا، فأخرجوه، فجلس عليه وانتظر العباس. فقاتلهم علد العزيز ومعه ~~منصور ابن جمهور، فبعث إليهم عبد العزرز زياد بن حصين الكلبي يدعوهم إلى ~~كتاب الله وسنة نبيه، فقتله أصحاب الوليد، واقتتلوا قتالا شدؤدا، وكان ~~الوليد قد أخرج لواء مروان بن الحكم الذي كان عقده بالحابية. وبلغ عبد ~~العزيز مسير العباس إلى الوليد، فأرسل منصور بن جمهور إلى طريقه فأخذه قهرا ~~وأتي به عبد العزيز فقال له: بايع لأخيك يزيد. فبايع ووقف، ونصبوا راية ~~وقالوا: هذه راية العباس قد بايع لأمير المؤمنين يزيد. فقال العباس: غنا ~~لله، خدعة من خدع الشيطان، وهلك بنو مروان. فتفرق الناس عن الوليد وأتوا ~~العباس وعبد العزيز. وأرسل الوليد إلى عبد العزيز يبذل له خمسين ألف دينار ~~وولاية حمص ما بقي ويؤمنه من كل حدث على أن ينصرف عن ms1838 قتاله. فابى ولم يجبه. ~~فظاهر الوليد بين درعين، وأتوه بفرسيه السندي والراية فقاتلهم قتالا شديدا، ~~فناداهم رجل: اقتلو عدو الله قتلة قوم لوظ! ارجموه بالحجارة! فلما سمع ذلك ~~دخل القصر وأغلق عليه الباب وقال: دعوا لي سلمى والطلاء وقينية ... وكأسا ~~ألاحسبي بذلك مالا إذ ما صفا عيشي برملة عالج ... وعانقت سلمى ما أريد ~~بدالا خذوا ملككم لا ثبت الله ملككم ... ثباتا يساوي ما حييت عقالا وخلوا ~~عناني قبل عير وما جرى ... ولا تحسدوني أن أموت هزالا فلما دخل القصر وأغلق ~~الباب أحاط به عبد العزيز، قدنا الوليد من الباب وقال: أما فيكم رجل شريف ~~له حسب وحياء أكلمه؟ قال يزيد بن عنبسة السكسكي: كلمني. قال: يا أخا ~~السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع المؤن عنكم؟ ألم أعط فقراءكم؟ ألم ~~أخدم زمنا لكم؟ فقال: إنا ما ننقم عليك في أنفسنا إنما ننقم عليك في انتهاك ~~ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر الله! قال: ~~حسبك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت، وإن فيما أحل الله سعة عما ~~ذكرت. ورجع إلى الدار وجلس وأخذ مصحفا فنشره يقرأ فيه وقال: يوم كيوم ~~عثمان. فصعدوا على الحائط، وكان أول من علاه يزيد بن عنبسة، فنزل إليه فأخذ ~~بيده وهو يريد أن يحبسه ويؤامر فيه، فنزل من الحائط عشرة، منهم: منصور بن ~~جمهور، وعبد السلام اللخمي، فضربه عبد السلام على رأسه، وضربه السندي بن ~~زياد بن أبي كبشة في وجهه واحتزوا رأسه ويروه إلى يزيد. فأتاه الرأس وهو ~~يتغدى، فسجد، وحكى له يزيد بن عنبسة ما قاله للوليد، قال آخر كلامه: الله ~~لا يرتق فتقكم ولا يلم شعثكم ولا تجمتع كلمتكم، فأمر يزيد بنصب رأسه. فقال ~~له يزيد بن فروة مولى بني مرة: إنما تنصب رؤوس الخوارج وهذا ابن عمك وخلفة ~~ولا آمن إن نصبته أن ترق له قلوب الناس ويغضب له أهل بيته. فلم يسمع منه ~~ونصبه على رمح فطاف به بدمشق، ثم أمر به أن يدفع إلى ms1839 أخيه سليمان بن يزيد، ~~فلما نظر إليه سليمان قال: بعدا له! أشهد أنه كان شروبا للخمر ما جنا ~~فاسقا. ولقد أرادني في نفسي الفاسق. وكان سليمان ممن سعى في أمره. ~~PageV02P0445 # وكان مع الوليد مالك بن أبي السمح المغني وعمرو الوادي المغني أيضاص، ~~فلما تفرق عن الوليد أصحابه وحصر قال مالك لعمرو: اذهب بنا. فقال عمرو: ليس ~~هذا من الوفاء، نحن لا يعرض لنا لأنا لسنا ممن يقاتل. فقال مالك: والله لئن ~~ظفروا بك وبي لا يقتل أحد قبلي وقبلك فيوضع رأسه بين رأسينا وقال للناس: ~~انظروا من كان معه في هذه الحال، فلا يعيبونه بشيء أشد من هذا. فهربا. وكان ~~قتله لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين، وكانت مدة خلافته سنة ~~وثلاثة أشهر، وقيل سنة وشهرين واثنين وعشرين يوما، وكان عمره اثنتين ~~وأربعين سنة، وقيل: قتل وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وقيل إحدى وأربعين ينة، ~~وقيل ست وأربعين سنة. ### || AUT ذكرنسب الوليد وبعض سيرته # هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص ابن عبد ~~شمس بن عبد مناف الأموي، يكنى أبا العباس، وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف ~~الثقفي، وهي بنت أخي الحجاج بن يوسف، وأم أبيه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن ~~أبي سفيان، وأمها أم كلثوم بنت عبد الله ابن عامر بن كريز، وأم حكيم ~~البيضاء بنت عبد المطلب؛ فلذلك يقول الوليد: نبي لهدى خالي ومن بك خاله ... ~~نبي الهدى يقهر به من بفاخره وكان من فتيان بني أمية وظرفائهم وشجعانهم ~~وأجوادهم وأشدائهم، منهمكا في اللهو والشرقب وسماع الغناء فظهر ذلك من أمره ~~فقتل. ومن جيد شعره ما قاله لما بلغه أن هشاما يردي خلعه: كفرت يدا من منعم ~~لو شكرتها ... جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن وقد تقدمت الأبيات الأربعة، ~~وأشعاره حسنة في الغزل والعتاب ووصف الخمر وغي ذلك، وقد أخذ الشعراء معانيه ~~في وصف الخمر فسرقوها وأدخلوها في أشعارهم وخاصة أبو نواس فإنه أكثرهم أخذا ~~لها. قال ms1840 الوليد: المحبة للغناء تزيد في الشهرة، وتهدم المروءة، وتنوب عن ~~الخمر، وتفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء، فإن ~~الغناء رقية الزنا، وإني لأقول ذلك علي وإنه أحب إلي من كل لذة، وأشهى إلى ~~نفسي من الماء إلى ذي الغلة، ولكن الحق أحق أن يتبع. قيل: إن يزيد بن منبه ~~مولى ثقيف مدح الوليد وهنأه بالخلافة، فأمر أن تعد الأبيات ويعطى بكل بيت ~~ألف درهم، فعدت فكانت خمسين بيتا فأعطي خمسين أف درهم، وهو أول خليفة عد ~~السعر وأعطى بكل بيت ألف درهم. ومما شهر عنه أنه فتح المصحف فخرج: ~~واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ابراهيم:15، فألقاه ورماه بالسهام وقال: ~~تهددني بجبار عنيد ... فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر ... ~~فقل يا رب مزقني الوليد فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى قتل. ومن حسن ~~الكلام ما قاله الوليد لما مات مسلمة بن عبد الملك، فإن هشاما قعد للعزاء، ~~فأتاه الوليد وهو نشوان يجر مطرف خز عليه، فوقف على هشام فقال: يا أمير ~~المؤمنين، إن عقبى من بقي لحوق من مضى، وقد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن رمى، ~~واحتل الثغر فهوى، وعلى أثر من سلف يمضي من خلف، " وتزودوا فإن خير الزاد ~~التقوى " البقر:197. فأعرض هشام ولم يحر جوابا، وسكت القوم فلم ينطقوا. وقد ~~نزه قوم الوليد مما قيل فيه وأنكروه ونفوه عنه وقالوا: إنه قيل عنه والصق ~~به وليس بصحيح. قال المدائن: دخل ابن للغمر بن يزيد أخي الوليد على الرشيد، ~~فقال له: ممن أنت؟ قال: من قريش. قال: من أيها؟ فأمسك، فقال: قل وأنت آمن ~~ولو أنك مروان. فقال: أنا ابن الغمر بن يزيد. فقال: رحم الله عمك الوليد ~~ولعن يزيد الناقص، فإنه قتل خليفة مجمعا عليه! ارفع حوائجك. فرفعها فقضاها. ~~وقال شبيب بن شبية: كنا جلوسا عند المهدي فذكروا الوليد، فقال المهدي: كان ~~زنديقا، فقام أبو علاثة الفقيه فقال: يا أمير المؤمنين إن الله، عز وجل، ~~أعدل من ان ms1841 يولي خلافة النبوة وأمر الأمة زنديقا، لقد أخبرني من كان يشهده ~~في ملاعبه وشربه عنه بمروءة في طهارته وصلاته، فكان إذا حضرت الصلاة يطرح ~~الثياب التي عليه المطايب المصبغة ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ويؤتى بثياب نظاف ~~بيض فيلبسها ويصلي فيها، فإذا فرع عاد إلى تلك الثياب فلبسها واشتغل بشر به ~~ولهوه، فهذا فعال من لا يؤمن بالله! فقال المهدي: بارك الله عليك يا أبا علاثة! ### || AUT ذكر بيعة يزيد بن الوليد الناقص # PageV02P0446 # في هذ1ه السنة بويع يزيد بن اوليد الذي يقال له الناقص، وإنما سمي الناقص ~~لأنه نقص الزيادة التي كان الوليد زادها في عطيات الناس، وهي عشرة عشرة، ~~ورد العطاء إلى ما كان أيام هشام، وقيل: أول من سماه بهذا الاسم مروان بن ~~محمد. ولما قتل الوليد خطب يزيد الناس فذمه وذكر إلحاده وأنه قتله لفعله ~~الخبيث وقال: أيها الناس إن لكم علي أن لا أضع حجرا على حجر ولا لبنة ولا ~~أكتر نهرا ولا أكثر مالا ولا أعطيه زوجة وولدا ولا أنقل مالا عن بلد حتى ~~أسد ثغره وخصاصة أهله بما يغنيهم، فما فضل نقلته إلى البلد الذي يليه، ولا ~~أجمركم في ثغوركم فأفتنكم، ولا أغلق بابي دونكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم، ~~ولكم أعطياتكم كل سمنة وأرزاقكم في كل شهر حتى يكون أقصاكم كأدناكم، فإن ~~وفيت لكم بما قلت فعليكم السمع والطاعة وحسن الوزارة، وإن لم أف فلكم أن ~~تخلعوني إلا أن أتوب، وإن علمتم أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ~~ما أعطيكم وأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يبايعه. أيها الناس لا طاعة ~~لمخلوق في معصية الخالق. ### || AUT ذكر اضطراب أمر بني أمية # في هذه النسة اضطرب أمر بني أمية وهاجت الفتنة، فكان من ذلك وثوب سلمان ~~بن هشام بن عبد الملك بعد قتل الوليد بعمان، وكان قد حبسه الوليد بها، فخرج ~~من الحبس وأخذ ما كان بها من الأموال وأقبل إلى دمشق وجعل يلعن الوليد ~~ويعبه بالكفر. ### || AUT ذكر خلاف أهل حمص # لما ms1842 قتل الوليد أغلق أهل حمص أبوابها وأقاموا النوائح والبواكي عليه، ~~وقيل لهم: إن العباس بن الوليد بن عبد الملك أعان عبد العزيز على قتله، ~~فهدموا داره وأنهبوها وسلبوا حرمه وطلبوه، فسار إلى أخيه يزيد، فكاتبوا ~~الأجناد ودعوهم إلى الطلب بدم الوليد، فأجا بوهم واتفقوا أن لا يطيعوا ~~يزيد، وأمروا عليهم معاوية بن يزيد بن الحصين بن نمير، ووافقهم مروان بن ~~عبد الله بن عبد الملك على ذلك. فراسلهم يزيد فلم يسمعوا وجرحوا رسله. فسير ~~إليهم أخاه مسرورا في جمع كثير، فنزلواحوارين، ثم قدم على يزيد سليمان بن ~~هشام، فرد عليه يزيد ما كان الوليد أخذه من أموالهم وسيره إلى أخيه مسرور ~~ومن معه وأمرهم بالسمع والطاعة له. وكان أهل حمص يريدون المسير إلى دمشق، ~~فقال لهم مروان بن عبد الملك: أرى أن تسيروا إلى هذا الجيش فتقاتلوهم فإن ~~ظفرتم بهم كان من بعدهم أهون عليكم، ولست أرى المسير إلى دمشق وترك هؤلاء ~~خلفكم. فقال: السمط ابن ثابت: إنما يريد خلافكم وهو ممايل ليزيد والقدرية. ~~فقتلوه وقتلوا ابنه وولوا أبا محمد السفياني وتركوا عسكر سليمان ذات اليسار ~~وساروا إلى دمشق. فخرج سليمان مجدا فلحقهم بالسليمانية، مرزعة كانت لسليمان ~~بن عبد اللك خلف عذراء، وأرسل يزيد بن الوليد عبد العزيز بن الحجاج في ~~ثلاثة آلاف إلى ثنية العقاب، وأرسل هشام بن مصاد في ألف وخمسمائةإلى عقبة ~~السلامية، وأمرهم أن يمد بعضهم بعضا. ولحقهم سليمان ومن معه على تعب، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت ميمنة سليمان ويمسرته وقثبت هو في القلب، ثم ~~حمل أصحابه على أهل حمص حتى ردوهم إلى موضعهم وحمل بعضهم على بعض مرارا. ~~فبينا هم كذلك إذ أقبل عبد العزيزي بن الحجاج من ثنية العقاب فحمل ععلى أهل ~~حمص حتى دخل عسكرهم وقتل فيه من عرض له، فانهزموا، ونادى يزيد بن خالد بن ~~عبد الله القسري: الله الله في قومك! فكف الناس، ودعاهم سليمان بن هشام إلى ~~بيعة يزيد بن الوليد، وأخذ أبو محمد افيانس أسيرا، ويزيد بن خالد بن زيد ms1843 بن ~~معاوية أيضا، فاتي بهما سليمان، فسيرهما إلى يزيد فحبسهما، واجتمع أمر أهل ~~دمشق ليزيد بن الوليد، وبايعه أهل حمص، فأعطاهم يزيد العطاء وأجاز الأشراف؛ ~~واستعمل عليهم يزيد بن الوليد معاوية بن الحصين. ### || AUT ذكر خلاف أهل فلسطين # وفي هذه السنة وثب أهل فلسطين على عاملهم سعيد بن عبد الملك فطردوه، ~~وكان قد استعمله عليهم الوليد، وأحضروا يزيد بن سليمان بن عبد الملك فجعلوه ~~عليهم وقالوا له:إن أمير المؤمنين قد قتل فتول أمرنا. فةليهم ودعا الناس ~~إلى قتال يزيد، فأجابوه. وكان ولد سليمان ينزلولون فلسطين، وبلغ أهل الأردن ~~أمر أهل فلسطين فولوا عليهم محمد بن عبد الملك واجتمعوا معهم على قتال يزيد ~~بن الوليد، وكان أمر أهل فلسكين إلى سعيد بن روح وضبعان بن روح. ~~PageV02P0447 # وبلغ خبرهم يزيد بن الوليد فسير إليهم سليمان بن هشام بن عبد الملك في ~~أهل دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السفياني، وكانت عدتهم أربعة وثمانين ~~ألفا، وأرسل يزيد بن الوليد إلى سعيد وضبعان ابني روح فوعدهما وبذلل لهما ~~الولاية والمال، فرحلا في أهل فلسطين ويقي أهل الأردن، فأرسل سليمان خمسة ~~آلاف فنهبوا القرى وساروا إلى طبرية، فقال أهل طبرية: ما نقين والجنود تجوس ~~منازلنا وتحكم في أهلينا، فانتهبوا يزيد بن سليمان ومحمد ابن عبد الملك ~~وأخذوا دوابهما وسلاحهما ولحقوا بمنازلهم. فملا تفرق أهل فلسطين والأردن ~~سار سليمان حتى أتى الصنبرة وأتاه أهل الأردن فبايعوا يزيد بن الوليد، وسار ~~إلى طبرية فصلى بهم الجمعة، وبايع من بها، وسار إلى الرملة فأخذ البيعة على ~~من بها، واستعمل ضبعان بن روح على فلسطين وإبراهيم بن الوليد بن عبد الملك ~~على الأردن. ### || AUT ذكر عزل يوسف بن عمر على العراق # ولما قتل الوليد استعمل يزيد على العراق منصور بن جمهور، وكان قد ندب ~~قبله إلى ولاية العراق عبد العزيز بن هارون بن عبد الله بن دحية بن خليفة ~~الكلبي، فقال: لو كان معي جبند لقبلت. فتركه وزاستعمل منصورا، ولم يكن ~~منصور من أهل الدين وإنما صار مع يزيد ms1844 لرأيه في الغيلانية وحمية لقتل يوسف ~~خالدا القسري، فشهد لذلك قتل الوليد وقال له لما ولاه العراق اتق الله ~~واعلم اني إنما قتلت الوليد لفسقه ولما أظهر من الجور، فلا تركب مثل ما ~~قتلناه عليه. ولما بلغ يوسف بن عمر قتل الوليد عمد إلى من بحضرته من ~~اليمانية فسجنهم ثم جعل يخلوا بالرجل بعد الرجل من المضرية فيقول:: ما عندك ~~إن اضطراب الحيل؟ فيقول المضري: أنا رجل من أهل الشام أبايع من بايعوا ~~وأفعل ما فعلوا. فلم ير عندهم ما يجب فأطلق الميانية. وأقبل منصور، فملا ~~كان بعين التمر كتب إلى من بالحيرة من قواد أهل الشام يخبرهم بقتل الوليد ~~وتأميره على العراق يوأمرهم بأخذ يوسف وعماله، وبعث الكتب كلها إلى سليمان ~~بن سليم بن كيسان ليفرقها على القواد، فحبس الكتب وحمل كتابه فأقراه يوسف ~~بن عمر، فتحير في أمره وقال لسليمان: ما الرأي؟ قال: ليس لك إمام تقاتل أهل ~~الشام معك، ولا آمن عليك منصورا، وما الرأي إلا أن تلحق بشامك. قال: فكيف ~~الحيلة؟ قال: تظهر الطاعة ليزيد وتدعو له في خطبتك، فإذا قرب منصور تستخفي ~~عندي وتدعه والعمل. ثم مضى سليمان إلى عمرو بن محمد ابن سعيد بن العاص ~~فأخبره بأمره وسأله أن يؤدي يوسف بن عمر عنده، ففعل، فانتقل يوسف إليه، ~~قال: فلم ي رجل كان له مثل عتوه خاف خوفه. وقدم منصور الكوفة فخطبهم وذم ~~الوليد ويوسف، وقامت الخطباء فذموهما معه، فاتى عمرو بن محمد إلى يوسف ~~فأخبره، فجعل لا يذكر رجلا ممن ذكره بسوء إلا قال: له علي أن أضربه كذا ~~وكذا سوطا! فجعل عمرو يتعجب من طمعه في الولاية وتهدده الناس. وسار يوسف من ~~الكوفة سرا إلى الشام فنزل البلقاء، فملا بلغ خبره ابن الوليد وجه إليه ~~خمسين فارسا، فعرض رجل من بين نيمر ليوسف فقال: يا بن عمر أنت والله مقتول ~~فأطعني وامنع. قالك لا. قال: فدعني أقتلك أنا ولا تقتلك هذه اليمانية ~~فتغيظنا بقتلك. قال: ما لي فيما عرضت جنان. قال: فأنت ms1845 أعلم.فطلبه المسيرون ~~لأخذه فلم يروه، فهدوا ابنا له، فقال: إنه انطلق إلى مزرعة له؛ فساروافي ~~طلبه، فلما أحس بهم هرب وترك نعليه، ففتشوا عنه فوجدوه بين نسوة قد ألقين ~~عليه قطيفة خز وجلسن على حواشيها حاسرات، فجروا برجله وأخذه وأقبلوا به إلى ~~يزيد، فوثب عليه بعض الحرس فأخذ بلحيته ونتف بعضها، وكان من أعظم الناس ~~لحية وأصغرهم قامة، فلما أدخل على يزيد قبض على لحية نفسه، وهي إلى سرته، ~~فجعل يقوزل: يا أمير المؤمنين نتف والله لحيتي فما أبقى فيها شعرة! فأمر به ~~فحبس بالخضراء، فأتاه إنسان فقال له: أما تخاف أن يطلع عليك بعض من قد وترت ~~فيلقي عليك حجرا فيقتلك؟ فقال: ما فطنت لهذا. فأرسل إلى يزيد يطلب منه أن ~~يحول إلى حبس غير الخضراء وإن كان أضيق منه. فعجب من حمقه، فنقله وحبسه مع ~~ابني الوليد، فبقي في الحبس ولاية يزيد وشهرين وعشرة أيام من ولاية ~~إبراهيم، فلما قرب مروان من دمشق ولى قتلهم يزيد بن خالد القسري مولى لأبيه ~~خالد يقال له أبو الأسد. PageV02P0448 # ودخل منصور بن جمهور لأيام خلت من رجب فأخذ بيوت الأموال وأخرج العطاء ~~والأرزاق وأطلق من كان في السجون من العمال وأهل الخراج وبايع ليزيد ~~بالعراق وأقام بقية رجب وشعبان ورمضان وانصرف لأيام بقين منه. ### || AUT ذكر امتناع نصر بن سيار على منصور # وفي هذه السنة امتنع نصر بن سيار بخراسان من تسليم عمله لعامل منصور ابن ~~جمهور وكان يزيد ولاها منصوا مع العراق، وذد ذكرنا فيما تقدم ما كان من ~~كتاب يوسف بن عرمإلى نصر لامسير إلهي ومسير نصر وتباطئه وما معه من ~~الهدايا، فاتاه قتل الوليد، فرجع نصر ورد تلك الهديايا واعتق الرقيق وقيم ~~حسان الجواري في ولده وخاصته، وقسم تلك الآنية في عوام الناس، ووجه العمال ~~وأمرهم بحسن السيرة، وايتعمل منصور أخاه منظرا على الري وخراسان فلم يمكنه ~~نصر من ذلك وحفظ نفسه والبلاد منه ومن أخيه. ### || AUT ذكر الحرب بين أهل اليمامة وعاملهم # لما قتل الوليد بن يزيد ms1846 كان على الميامة علي بن المهاجر، واستعمله عليها ~~يوسف بن عمر، فقال له المهيربن سلمى بن هلال، احد بني الدؤل بن حنيفة: اترك ~~لنما بلادنا، فأبى، فجمع له المهير وسار إليه وهو في قصره بقاع هجر، ~~فالتقوا بالقاع، فانهزم علي حتى دخل قصره، ثم هرب إلى المدينة، وقتل ~~الميهير ناسا من أصحابه، وكان يحيى بن أبي حفص نهى ابن المهاجر عن القتال ~~فعصاه، فقال: بذلت نصيحتي لبني كلاب ... فلم تقبل مشاورتي ونصحي فدالبني ~~حنيفة من سواهم ... فإنهم فوارس كل فتح وقال شقيق بن عمرو السدوسي : إذا ~~أنت سالمت المهير ورهطة ... أمنت من الأعداء والخوف والذعر فتى راح يوم ~~القاع روحة ماجد ... أراد بها حسن السماع مع الآجر وهذا يوم القاع. وتأمر ~~المهير على اليمامة، ثم إنه مات واستخلف على اليمامة عبد الله بن النعمان ~~أحد بني قيس بن ثعلبة بن الدؤل، فاستعمل عبد الله بن النعمان المندلث ابن ~~أدريس الحنفي على الفلج وهي قرية من قرى بني عامر بن صعصعة، وقيل: هي لبني ~~نميم، فجحمع له بنو كعب بن ربيعة بن عامر ومعهم بنو عقيل وأبو الفلج ~~المندلث وقاتلهم، فقتل المندلث وأكثر أصحابه ولم يقتل من أصحابه بني عامر ~~كثير أحد، وقتل يومئذ يزيد بن الطثرية، وهي أمه نسبت إلى طثر بن عمر بن ~~وائل، وهو يزيد بن المنتشر، فرثاه أخوه ثور بن الطثرية: أرى الأثل من نحو ~~العقيق مجاوري ... مقيما وقد غالت يزيد غوائله وقد كان يحمي المحجرين بسفه ~~... ويبلغ أقصى حجرة الحي نائله وهو يوم الفلج الأول فلما بلغ عبد الله بن ~~النعمان قتل المندلث جمع ألفا من حنيفة وعغيرها وغزا الفلج، فلما تصاف ~~الناس انهزم أبو لطيفة بن مسلم العقيلي، فقال الراجز: فر أبو لطيفة المنافق ~~... والجفونيان وفر طارق لما أحاطت بهم الوارق طارق بن عبد الله القشيري، ~~والجفونيان من بني قشير. وتحللت بنو جعدة البراذع وولوا فقتل أكثرهم، وقطعت ~~يد زياد بن حيان الجعدي فقال: أنشد كفا ذهبت وساعدا ... أنشدها ولا أراني ~~واجدا ثم قتل. وقال ms1847 بعض الربعيين. سمونا لكعب بالصفائح والقنا ... والخيل ~~شعثا تنحني في الشكائم فما غاب قرن الشمس حتى رأيتنما ... نسوق بني كعب ~~كسوق البهائم بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وطعن كأفواه المزاد الثواجم ~~وهذا اليوم هو يوم الفلج الثاني. PageV02P0449 # ثم إن بني عقيل وقشيرا وجعدة ونميرا تجمعوا وعليهم أبو سهلة النميري ~~فتلوا من لقوا من بني حنيفة بمعدن الصخراء وسلبوا نساءهم، وكفت بنو نمير عن ~~النساء. ثم إن عمر بن الوازع الحنفي لما رأى ما فعل عبد الله بن العنعمان ~~يوم لفلج الثاني قال: لست بدون عبد الله وغيرهممن يغير، وهذه فترة يؤمن ~~فيها عقوبة السلطان. فجمع خيله وأتى الشريف وبث خليه، فاغارت وأغار هو، ~~فملئت يداه من الغنائم وأقبل ومن معه حتى أتى النشاش، وأقبلت بنو عامر وقد ~~حشدت، فلم يشعر عمر بن الوازع إلا برعاء الإبل، فجمع النساء في فسطاط وجعل ~~عليهن حرسا ولقي القوم فقاتلهم فانهزم هو ومن معه وهرب عمر بن الوازع فلحق ~~باليمامة، وتساقط من بني حنيفة خلق كثير في القلب من العطش وشدة الحر، ~~ورجعت بنو عامر بالأسرى والنساء، وقال القحيف: وبالنشاش يوم طار فيه ... ~~لنا ذكر وعد لنا فعال وقال أيضا: فداء خالتي لبني عقيل ... وكعب حين تزدحم ~~الجدود هم تركوا على النشاس صرعى ... بضرب ثم أهونه شديد وكفت قيس يوم ~~النشاش عن السلب، فجاءت علكل فسلبتهم؛ وهذا يوم النشاش، ولم يكن لحنيفة ~~بعده جمع، غير أن عبيد الله بن مسلم الحنفي جمع جمعا وأغار على ماء لقشير ~~يقال له حلبان، فقال الشاعر: لقد لاقت قشير يوم لاقت ... عبيد الله إحدى ~~المنكرات لقد لاقت على حلبان ليثا ... هزبرا لا ينام على الترات فإن تربونا ~~بالسياط فإننا ... ضربناكم بالمرهفات الصوارم وإن تحلقوةا منا الرؤوس فإننا ~~... قطعنا رؤوسا منكم بالغلاصم ثم سكنت البلاد ولم يزل عبيد الله بن مسلم ~~الحنفي مستخفيا حتى قدم السري بن عبد الله الهاشمي واليا على اليمامة لبني ~~العابس، فدل عليه، فقتله؛ فقال نوح بن جرير الخطفى: فلولا السري الهاشمي ~~وسيفه ... أعاد عبيد ms1848 الله شرا على عكل ### || AUT ذكر عزل منصور عن العراق # ### || AUT وولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز # في هذه السنة عزل زيد بن الوليد بن عبد الملك منصور بن حمهور عن العراق ~~وستعمل عليه بعده عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وقال له لما ولاه: سر إلى ~~العراق فإن أهله بميلون إلى أبيك. فقدم إلى العراق وقدم بين يديه رسلا إلى ~~من بالعراق من فواد الشام، وخاف أن لا يسلم إليه منصور العمل. فانقاد له ~~أهل الشام، وسلم إليه منصور العمل وانصرف إلى الشام ففرق عبد الله العمال ~~وأعطى الناس أرزاقهم وأعطياتهم. فنازعه قواد أهل الشام وقالوا: تقسم على ~~هؤلاء فيئنا وهم عدونا؟ فقال لأهل العراق: إني أريد أن أرد فيئكم عليكم، ~~وعلمت أنكم أحق به فنازعني هؤلاء. فاجتمع أعهل الكوفة بالجبانة، فأرسل ~~إليهم أهل الشام يعتذرون، وثار غوغاء الناس من الفريقين فأصيب منهم رهط لم ~~يعرفوا. واستعمل عبد اللله بن عمر على شرطته عمر بن الغضبان القبعثري، وعلى ~~خراج السواد والمحاسابت أيضا. ### || AUT ذكر الاختلاف بين أهل خراسان # وفي هذه السنة وقع الاختلاف بخراسان بين النزارية واليمانية وأظهر ~~الكرماني الخلافلنصر بن سيار. وكان السبب في ذلك أن نصرا رأى الفتنة قد ~~ثارت فرفع حاصل بيت المال وأعطى الناس بعض أعطياتهم ورقا وذهبا من الآنية ~~التي كان اتخذها اللوليد، فطلب الناس منه العطاء وهو يخطب، فقال نصر: إياي ~~والمعصية! عليكم بالطاعة والجماعة! فوثب أهل السوق إلى أسواقهم، فغضب نصر ~~وقال: ما لكم عندي عطاء. ثم قال: كأني بكم وقد تبع من تحت أرجلكم شر لا ~~يطاق، وكأني بكم مطرحين في الأسواق كالجزر المنحورة، إنه لم تطل ولاية رجل ~~إلا ملوها، وأنتم يا أهل خراسان مسلحة في نحور العدو، فإياكم أن يختلف فيكم ~~سفيان، وإنكمترشون أمرا تريدون به الفتنة، ولا أبقى الله عليكم! لقد نشرتكم ~~وطيويتكم، وطويتكم ونشرتكم فما عندي منكم عشرة! وإني وإياكم كما قيل: ~~استمسكوا أصحابنا نحدو بكم ... فقد عرفنا خيركم وشركم فاتقوا الله! فوالله ~~لئن ms1849 اختلف فيكم سفيان ليتمنيني أحكم أنه ينخلع من ماله وولده! يا أهل ~~خراسان إنكم قد غمطتم الجماعة، وركنتم إلى الفرقة! ثم تمثل بقول النابغة ~~الذبياني: فإن يغلب شقاؤكم عليكم ... فإني في صلاحكم سعيت PageV02P0450 # وقدم على نصر عهده على خراسان من عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فقال ~~الكرماني لأصحابه: الناس في فتنة فانظروا لأموركم رجلا. وإنما سمي الكرماني ~~لأنه ولد بكرمان، واسمه جديع بن علي الأزدي المعني؛ فقالوا له: أنت لنا. ~~وقالت المضرية لنصر: إن الكرماني يفسد عليك الأمور فأرسل إله فاقتله أو ~~أحبسه. قال: لا ولكن لي أولاد ذكرور وإناث فأزوج بني من بناته وبناتي من ~~بينه. قالوا: لا قال: فأبعث إيه بمائة ألف درهم وهو بخيل ولا يعططي أصحابه ~~شيئا منها فيتفرقون عنه قالوا: لا، لا، هذه قوة له؛ ولم يزالوا به حتى ~~قالوا له: إن الكرماني لو لم يقدر على السلطان والملك إلا بالنصرانية ~~واليهودية لتنصر وتهود. وكان نصر والكرماني متصافيينم، وكان الكرماني قد ~~أحسن إلى نصر في ولاية أسد بن عبد الله، فلما ولي نصر عزل الكرماني عن ~~الرياسة وولاها غيره، فتباعد ما بينهما. فلما أكثروا على نصر في أمر ~~الكرماني متصافيين، وكان الكرماني عزم على حبسه، فأرسل صاحب حرسه ليأتيه ~~به، فأرادت الأزد أن تخلصه من يده، فمنعهم من ذلك وسار مع صاحب حرسه ليأتيه ~~به، فأرادت الأزد أن تخلصه من يده، فمنعهم من ذلك وسار مع صاحب الحرس إلى ~~نصر وهو يضحك، فلما دخل عليه قال له نصر: يا كرماني ألم يأتني كتاب يوسف بن ~~عمر بقتلك فراجعته وقلت شيخ خراسان وفارسها فحقنت دمك؟ قال: بلى. قال: ألم ~~أغرم عنك ما كان لزمك من الغرم وقسمته في أعطيات الناس؟ قال: بلى. قال: ألم ~~ارئس ابنك عليا على كره من قومك؟قال: بلى. قال: فبدلت ذلك إجماعا على ~~الفتنة! قال الكرماني: لم يقل الأمير شيئا إلا وقد كان أكثر منه، وأنا لذلك ~~شاكر، وقد كان مني أيام أسد ما قد علمت فليتأن الأمير فلست أحب ms1850 الفتنة. ~~فقال سالم ابن أحوز: اضرب عنقه أيا الأمير! فقال عصمة بن عبد الله الأسدي ~~للكرماني: إنك نريد التفنة وما لا تناله. فقال المقدام وقدامة ابنا بعد ~~الرحمن بن نعيم العامري: لجلساء فرعون خير منكم ؟إذ قالوا: أرجه وأخاه ~~الأعراف:111، والله لا يقتل المكرماني بقولكما! فأمر بضربه وحبس في القهندز ~~لثلاث بقين من شهر رمضان سنة ست وعشرين ومائة. فتكلمت الأزد، فقال نصر: إني ~~حلفت أن أحبسه ولا يناله مني سوء، فإن خشيتم عليه فاختاروا رجلا يكون معه. ~~فاختناروا يزيد النحوي، فكان معه. فجاء رجل من اهل نسف فقال لآل الكرماني: ~~ما تجعلون لي إن أخرجته؟ قالوا: كل ما سألت. فأتى مجرى الماء في القهندز ~~فوسعه وقال لولد الكرماني: اكتبوا إلى أبيكم يستعد الليلة للخروج. فكتبوا ~~إليه، فأدخلوا الكتاب في الطعام، فتعشى الكرماني ويزيد التحوي وخضر بن حكيم ~~وخرجا من عنده، ودخل الكرماني السرب فانطوت على بطنه حية فلم تضره وخرج من ~~السرب، وركب فرسه البشير والقيد في رجله فأتوا به عبد الملك بن حرملة، ~~فأطلق عنه. وقيل: بل خلص الكرماني مولى له رأى خرقا في القهندز فوسعه ~~وأخرجه، فلم يصلف الصبح حتى اجتمع معه زهاء ألف، ولم يرتفع النهار حتى ~~بلغوا ثلاثة آلاف، وكانت الأزد قد بايعوا عبد الملك بن حرملة على كتاب الله ~~وسنة رسوله، فملا خرج الكرماني قدمه عبد الملك. فلما هرب الكرماني عسكر نصر ~~بباب مرو الروذ وخطب الناس فنال من الكرماني، فقال:ولد بكرمان فكان ~~كرمانيا، ثم سقط إلى هراة فصار هرويا، والساقط بين الفراشين لا أصل ثابت ~~ولا فرع نابت؛ ثم ذكر الأزد فقال: إن يستوسقوا فهم أذل قوم، وإن يأبوا فهم ~~كا قال الأخطل: ضفادع في ظلماء ليل تجاوبنت ... فدل عليها صوتها حية البحر ~~ثم ندم على ما فرط منه فقال: اذكروا الله فإنه حير لا شر فيه. ثم اجمع إلى ~~نصر بشر كثير، فوجه سالم بن أحوز في المجففة إلى الككرماني، فسفر الناس بين ~~نصر والكرماني وسألوا نصرا أن يؤمنه ولا يحبسه، وجاء ms1851 الكرماني فوضع يده في ~~يد نصر، فأمره بلزوم بيه. ثم بلغ الكرماني عن نصر شيء فخرج إلى قرية له، ~~فخرج نصر فعسكر بباب مرو، فكلموه فيه فآمنه، وكان رأي نصؤ إخراجه من ~~خراسان، فقال له سالم بن أحوز: إن أخرجته نوهت باسمه؛ وقال الناس: إنما ~~أخرجه لأنه هابه. فقال نصر: إن الذي أتخوفه منه إذا خرج أيسر مما أتخوفه ~~منه وهو مقيم، والرجل إذا نفي عن بلده صغر أمره. فأبوا عليه، فآمنه وأعطى ~~أصحابه عشرة عشرة، وأتى الكرماني نصرا فآمنه. PageV02P0451 # لما عزل ابن جمهور عن العراق وولي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز في شوال ~~سنة ست وعشرين خطب نصر وذكر ابن جمهور وقال: قد علمت أنه لم يكن من عمال ~~العراق وقد عزله الله واستعمل الطيب ابن الطيب. فغضب الكرماني لابن جمهور ~~وعاد في جمع الرجال واتخاذ السلاح، فكان يحضر الجمعة في ألف وخمسمائة وأكثر ~~وأقل فيصلي خارج المقصورة، ثم يدخل فيسلم على نصر ولا يجلس. ثم ترك إتيان ~~نصر وأظهر الخلاف، فأرسل إليه نصر مع سالم بن أحوز يقول له: إن والله أردت ~~بحبسك سوءا ولكن خفت فسادا من الناس فأتني. فقال: لولا أنك في منزلي ~~لقتلتك، ارجع إلى ابن الأقطع وأبلغه ما شئت من خي أو شر. فرجع إلى نصر ~~فأخبره، فلم يول يرسل إليه مرة بعد أخرى، فكان آخر ما قال له الكرماني: إني ~~لا آمن أن يحملك قوم على غير ما تريد فتركب منا ما لا بقية بعده، فإن شئت ~~خرجت عنك لا من هيبة لك، ولكن أكره أن أشأم أهل هذه البلدة،وأسفك الدماء ~~فيها. فتهيأ للخروج إلى جرجان. المعني بفتح الميم، وسكون العين المهلملة، ~~وبعدها نون: قبيلة من الأزد. ### || AUT ذكر خبر الحارث بن سريج وأمانه # وفي هذه السنة أومن الحارث بن سريج وهو ببلاد الترك، وكان مقامه عندهم ~~اثنتي عشرة سنة، وأمر بالعود إلى خراسان. وكان السبب في ذلك أن الفتنة لما ~~وقعت بخراسان بين نصر والكرماني خاف نصر قدوم الحارث عليه ms1852 في أصحابه والترك ~~فيكون أشد عليه من الكرماني وغيره، وطمع أن يناصحه، فأرسل مقاتل بن حيان ~~النبطي وغيره ليردوه عن بلاد الترك. وسار خالد بن زياد الترمذي وخالد بن ~~عمرو مولى بني عامر إلى يزيد بن الوليد فأخذا للحارث منه أمانا،فكتب له ~~أمانه، وأمر نصر أن يرد عليه ما أخذ له، وأمر عبد الله بن عمر بن عبد ~~العزيز عامل الكوفة بذلك أيضا فأخذا الأمان وسارا إلى الكوفة ثم إلى ~~خراسان، فأرسل نصر إليه، فلقيه الرسول وقد رجع مع مقاتل بن حيان وأصحابه، ~~فوصل إلى نصر وقام بمرو الروذ، ورد نصر عليه ما أخذ له. وكان عوده سنة سبع ~~وعشرين ومائة. ### || AUT ذكر شيعة بني العباس # في هذه السنة وجه إبارهيم بن محمد الإمام أبا هاشم بكير بن ماهان إلى ~~خراسان، وبعث معه بالسيرة والوصية، فقدم مرو وجمع النقباء والدعاة، فنعى ~~إليهم محمد بن علي ودعاهم إلى ابنه إباهيم ودفع إليهم كتابه، فقلبوه ودفعوا ~~إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة، فقدم بها بكير على إبراهيم. ### || AUT ذكر بيعة إبراهيم بن الوليد بالعهد # وفي هذه السنة أمر يزيد بن الوليد بالبيعة لأخيه إبراهيم ومن بعده لعبد ~~العزيز بن الحجاج بن عبد الملك. وكان السبب في ذلك أن يزيد مرض سنة ست ~~وعشرين ومائة، فقيل له ليبايع لهما، ولم تزل القدرية ببزيد حتى أمر بالبيعة لهما. ### || AUT ذكر مخالفة مروان بن محمد # وفي هذه السنة أظهر مروان بن محمد الخلاف ليزيد بن الوليد. وكان السبب ~~في ذلك أن الوليد لما قتل كان عبد الملك بن مروان بن محمد مع الغمر يزيد ~~أخي الوليد بحران بعد انصرافه من الصائفة، وكان على الجزيرة عبدة بن الرياح ~~الغساني عاملا للوليد، فلما قتل الوليد سار عبدة عنها إلى الشام، فوثب عبد ~~الملك بن موران بن محمد على حران والجزيرة فضبطهما وكتب إلى أبيه بأرمينية ~~يعلمه بذلك ويشير عليه بتعجيل السير.فتهيأ مروان للمسير وأنفذ إلى الثغور ~~من يضبطها وبحفظها، وأظهر أن يطلب بدم الوليد، وسار ومعه ms1853 الجنود ومعه ثابت ~~بن نعيم الجذامي من أهل فلسطين. وسبب صحبته له أن هشاما كان قد حبسه، وسبب ~~حبسه أن هشاما أرسله إلى إفيقية لما قتلوا عامله كملثوم بن عياض فأفسد ~~الجند، فحبسه هشام، وقدم مروان على هشام في بعض وفاداته فشفع فيه فأطلقه ~~فاستصبحه معه. PageV02P0452 # فلما سار مروان مسيره هذا أمر ثابت بن نعيم من مع مروان من أهل الشام ~~بالانضمام إليه ومفارقة مروان ليعودوا إلى الشام، فأجابوه إلى ذلك، فاجتمع ~~معه ضعف من مع مروان وباتوا يتحارسون، فلما أصبحوا اصطفوا للقتال، فامر ~~مروان منادين بنادون بين الصفين: يا أهل الشام ما دعاكم إلى هذا؟ ألم أحسن ~~فيكم السيرة؟ فأجابوه بأنا كنا نطيعك بطاعة الخليفة، وقد قتل وبايع أهل ~~الشام يزيد فرضينا بولاية ثابت ليسير بنا إلى أجنادنا. فنادوهم: كذبتم ~~فإنكم لا تريدون ما قلتم، وإنما تريدون أن تغصبوا من مررتم به من أهل الذمة ~~أموالهم! وما بيني وبينكم إلا السيف حتى تنقادوا إلي فأسير بكم إلى الغزاة ~~ثم أترككم تلحقون بأجنادك. فانقادوا له، فأخذ ثابت بن نعيم وأولاده وحبسهم ~~وضبط الجند حتى بلغ حران وسيرهم إلى الشام ودعا أهل الجزيرة إلى العرض فعرض ~~نيفا وعشرين أفا وتجهز للمسير إلى يزيد، وكاتبه يزيد ليبايع له ويوليه ما ~~كان عبد الملك بن موران ولى أباه محمد بن مروان من الجزيرة وأرمينية ~~والموصل وأذربيجان، فبايع له مروان وأعطاه يزيد ولاية ما ذكر له . ### || AUT ذكر وفاة يزيد بن الوليد # ### || AUT ابن عبد الملك # وفي هذه السنة توفي يزيد بن الوليد لعشر بقين من ذي الحجة، وكانت خلافته ~~ستة أشهر وليلتين، وقيلك كانت ستة أشهر واثني عشر يوما، وقيل: خمسة أشهر ~~واثني عشر يوما، وكان موته بدمشق، وكان عمره ستا وأربعين سنة، وقيل: سبعا ~~وثلاثين سنة؛ وكانت أمه أم ولد اسها شاهفرند بنت فيوز بن يزدجرد بن شهريار ~~بن كسرى، وهو القائل: أنا ابن كسرى وأبي مروان ... وقيصر جدي وجدي خاقان ~~إنما جعل قيصر وخاقان جديه لأن أم فيروز بن يزجرد ابنة ms1854 كسرى شيرويه بن ~~كسرى، وأمها ابنة قيصر، وأم شيرويه ابنة خاقان ملك الترك. وكان آخر ما تكلم ~~به: وحسرتاه وأسفاه! ونقش خاتمه: العظمة لله. وهو أول من خرج بالسلاح يوم ~~العيد، خرج بين صفين عليهم السلاح. قيل: إنه كان قدريا، وكان أسمر طويلا ~~صغير الرأس جملا. ### || AUT ذكر خلافة إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك # فلما مات يزيد بن الوليد قام بالأمر بعده أخوه إبراهيم، غير أنه لم يتم ~~له الأمر، فكان يسلم عليه تارة بالخلافة وتارة بالإمارة وتارة لا يسلم عليه ~~بواحدة منهما، فمكث أربعة أشهر، وقيل: سبعين يوما، ثم سار إليه مروان ابن ~~محمد فخلعه، على ما نذكره، ثم لم يزل حيا حتى أصيب سنة اثنتين وثلاثين ~~ومائة، وكنيته أبو إسحاق؛ أمه أم ولد. ### || AUT ذكر استيلاء عبد الرحمن بن حبيب على أفريقية # كان عبد الرحمن بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع قد انهزم لما قتل أبوه ~~وكلثوم بن عياض سنة اثنتين وعشرين ومائة، وسار إلى الاندلس، وقد ذكرناه، ~~وأراد أن يتغلب عليها، فلم يمكنه ذلك، فلما ولي حنظلة بن صفوان إفريقية، ~~على ما ذكرناه، وجه أبا الخطار إلى الأندلس أميرا، فأيس حينئذ عبد الرحمن ~~مما كان يرجوه فعاد إلى إفريقية وهو خائف من أبي الخطار، وخرج بتوني من ~~إفريقية في جمادى الولى سنة ست وعشرين وقد ولي الوليد ابن يززيد بن عبد ~~الملك الخلافة بالشام، فدعا الناس إلى نفسه، فأجابوه، فسار بهم إلى ~~القيروان، فأراد من بها قتاله فمنعهم حنظلة، وكان لا يرى القتال إلا لكافر ~~أو خارجي، وأرسل إليه حنظلة رسالة مع جماعة من أعيان القيروان رؤساء ~~القبائل يدعوه إلى مراجعة الطاعة، فقبضهم وأخذهم إلى القيروان وقال: إن رمى ~~أحد من أهل القيروان بحجر قتلت من عندي أجمعين،فلم يقالتله أحد. فخرج حنظلة ~~إلى الشام، واستولى عبد الرحمن على القيروان سنة سبع وعشرين ومائة وسائر ~~إفريقية. ولمكا خرج حنظلة إلى الشام دعا على أهل إفريقية وعبد الرحمن، ~~فاستجيب له فيهم، فوقع الوبأ والطاعون سبع سنين لم ms1855 يفارقهم إلا في أوقات ~~متفرقة، وثار بعبد الرحمن جماعة من العرب والبربر ثم قتل بعد ذلك. فممن خرج ~~عليه عروة بن الوليد الصدفي واستولى على تونس، وقام أبو عطاف عمران بن عطاف ~~الأزدي فنزل بطيفاس، وثارت البرر بالجبال، وخرج عليه ثابت الصنهاجي بباجة ~~فأخذها. PageV02P0453 # فأحضر عبد الرحمن أخاه إلياس وجعل معه ستمائة فارس وقال له: سر حتى تجتاز ~~بعسكر أبي عطاف الأزدي، فإذا رآك عسكره فارقهم وسر عنهم كأنك تريد تونس إلى ~~قتلا عروة بن الوليد بها، فإذا أتيت موضع كذا فقف فيه حتى يأتيك فلان ~~بكتابي فافعل بما فيه. فسار إلياس ودعا عبد الرحمن إنسانا، وهو الرجل الذي ~~قال لأخيه إلياس عنه، وأعطاه كتابا وقال له: امض حتى تدخل عسكر أبي عطاف، ~~فإذا أشرف عليهم إلياس ورأيتهم يدهعون السلاح والحخيل فإذا فارقهم إلياس ~~ووضعوا السلاح عنهم وأمنوا فسر إليه وأوصل كتابي إليه فمضى الرجل ودخل عسكر ~~أبي عطاف، وقاربهم إلياس فتحركوا للركوب، ثم فارقهم إلياس نحو تونس فسكنوا ~~وقالوا: قد دخل بين فكي أسد، نحن من هاهنا وأهل تونس من هناك، وأمنوا ~~وصمموا العزم على المير خلفه. فلما أمنوا سار ذلك الرجل إلى إلياس فأوصل ~~إليه كتاب أخيه عبد الرحمن، فإذا فيه: إن قد أمنوك فسر إليهم وهم في ~~غفلتهم. فعاد إلياس إليهم وهم غارون فلم يلحقوا يلبسون سلاحهم حتى دهمهم ~~فقتلهم وقتل أبا عطاف أميرهم سنة ثلاثين ومائة، وأرسل إلى أخيه عبد الرحمن ~~يبشره بذلك، فكتب إليه عبد الرحمن يأمره بالمسير إلى أهل تونس ويقول: إنهم ~~إذا رأوك ظنوك أبا عطاف فأمنوك فظفرت بهم. فسار إليهم، فكان كما قال عبد ~~الرحمن، ووصل إليها وصاحبها عروة ابن الوليد في الحمامفلم يلحق يلبس ثيابه ~~حتى غشيه إلياس فالتحف بمنشفة ينشف بها بدنه وركب فريه عريانا وهرب، فصاح ~~به إلياس: سا فارس العر! فعاد إليه فضربه إلياس واحتضنه عروة فسقطا إلى ~~الأرض،وكاد عروة يظهر على إلاس فأتاه مولى لإلياس فقتله واحتز رأسه وسيره ~~إلى عبد الرحمن وأقام إلياس بتونس وخرج عليه ms1856 رجلان بطرابلس اسمهما عبد ~~الجبار والحارث وقتلا من أهل البلد جماعة كثيرة، فسار إليهم عبد الرحمن سنة ~~إحدى وثلاثين ومائة وقاتلهما فقتلا، وكانا يدينان بمذهب الإباضية من ~~الخوارج. وجند عبد الرحمن في قتال البربر، وعمر عبد الرحمن سور طرابلس سنى ~~اثنتين وثلاثين ومائة، ثم إنه عاد إلى القيروان وغزا تلمسان وبها جمع كثير ~~من البربر فظفر بهم، وذلك سنة خمس وثلاثين، وسير جيشا إلى صقلية فظفروا ~~وغنموا عنيمة كثيرة، وبعث جيا آخر إلى سردانية فغنموا وقتلوا في الروم، ~~ودوخ المغرب جميعه ولم ينهزم له عسكر. وقتل مروان بن محمد وزالت دولة بني ~~أمية وعبد الرحمن بإفريقية، فخطب للخلفاء العابسيين وأطاع السفاح. ثم قدم ~~عليه جماعة من بني أمية فتزوج هو وإخوته منهم، وكان في من قدم عليه منهم: ~~العاص وعبد المؤمن ابنا الوليد ابن يزيد بن عبد الملك، وكانت ابنة عمهما ~~تحت إلياس أخي عبد الرحمن، فبلغ عبد الرحمن عنهما السعي في الفساد عليه ~~فقلهما، فقالت ابنة عمهما لزوجها إلياس: إن أخاك قد قتل أختانك ولم يراقبك ~~فيهم وتهاون بك، وأنت سيفه الذي يضرب به، وكلما فتحت له فتحا كتب إلى ~~الخلفاء: إن ابني حبيبا فتحه، وقد جعل له العهد بعده وعزلك عنه. ولم تزل ~~تغريه به. فتحرك لقولها وأعمل الحيلة على أخيه. ثم إن السفاح توفي وولي ~~الخلافة بعده المنصور، فأقر عبد الرحمن على إفريقية، وأرسل إليه خلعة سوداء ~~أول خلافته فلبسها، وهي أو سواد دخل إفريقية. فأرسل إليه عبد الرحمن هدية ~~وكتب يقول: إن إفريقية اليوم إسلامية كلها وقد انقطع السبي منها والمال، ~~فلا تطلب مني مالا. فغضب المنصور وأرسل إليه يتهدده، فخلع المنصو بإفريقية ~~ومزق خلعته وهو على المنبر وكان خلع المنصور مما أعان أخاه إلياس عليه. ~~فاتفق جماعة من وجوه القيروان معه على أن يقتلوا عبد الرحمن ويولوه ويعيد ~~الدعاء للمنصور. فبلغ عبد الرحمن غامر أخاه إلياس بالمسير إلى تونس، فتجهز ~~ودخل إليه يودعه ومعه أخوه عبد الوارث، فلما دخلا على عبد الرحمن قتلاه. ~~وكان قتله ms1857 في ذي الحجة سنة سبع وثلاثين ومائة، وكانت إمارته على إفريقية ~~عشر ينين وسبعة أشهر. PageV02P0454 # ولما قتل ضبط إلياس أبواب الدار ليأخذ ابنه حبيبا، فم يظفر به، وهرب حبيب ~~إلى تونس واجتمع بعمه عمران بن حبيب وأخبره بقتل أبيه؛ وسار إلياس إليهما، ~~واقتتلوا قتالا يسيرا، ثم اصطلحوا على أن يكون لحبيب قفصة وقسطيلة ونفزاوة، ~~ويكون لعمران تونس وصطفورة والجزيرة، ويكون سائر إفريقية لإلياس؛ وكان هذا ~~الصلح سنة ثمان وثلاثين ومائة، فلما اصطلحوا سار حبيب بن عبد الرحمن إلى ~~عمله، ومضى إلياس مع أخيه عمران إلى تونس فغدر بعمران أخيه وقتله وانخذ ~~تونس وقتل بها حماعة من أشراف العرب وعا إلى القيروان. فلما استقر بها بعث ~~بطاعته إلى المنصور مع وفد، منهم عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قاضي إفريقية. ~~ثم سار حبيب إلى تونس فملكها، فسار إليه إلياس واقتتلوا قتالا ضعيفا، فلما ~~جنهم الليل ترك حبيب خيامه وسار جريدة إلى القيروان فدخلها وأخرج من في ~~السجن وكثر جمعه. ورجع إلياس في طلبه ففارقه أكثر أصحابه وقصدوا حبيبا، ~~فعظم جيشه، وخرج إليه فاتقيا فغدر أصحاب إلياس، وبرز حبيب بين الصفين، فقال ~~له: ما لنا نقتل صنائعنا وموالينا؟ ولكن ابرز أنت إلي فأينا قتل صاحبه ~~استراح منه. فتوقف إلياس ثم برز إليه فاقتلا قتالا شديدا تكسر فيه رمحاهما ~~ثم سفاهما، ثم إن حبيبا عطف عليه فقتله ودخل القيروان وكان ذلك سنة ثمان ~~وثلاثين ومائة. وهرب إخوة إلياس إلى بطن من البربر يقال لهم ورفجومة ~~فاعصموا بهم، فسار إليهم حبيب فقاتلهم فهزموه، فسار إلى قابس، وقوي أمر ~~ورفجومة حينئذ وأقبلت البربر إليهم والخوارج، وكان مقدم ورفجومة رجلا اسمه ~~عاصم ابن جميل وكان قد ادعى النبوة والكهانة، فبدل الدين وزاد في الصلاة ~~واسقط ذكر النبي، صلى الله عليه وسلم ، من الأذان، فجهز عاصم من عنده من ~~العرب على قصد القيروان وأتاه رسل جماعة من أهل القيروان يدعونه إليهم ~~وأخذوا عليه العهود والمواثيق بالحماية والصيانة والدعاء للمنصور، فسار ~~إليهم عاصم في البربر والعب، فملا قاربوا ms1858 القيوان خرج من بها لقتالهم ~~فاقتتلوا، وانهزم أهل القيروان، ودخل عاصم ومن معه القيروان، فاستحلت ~~ورفجومة المحرمات وسبوا النساء والصبيان وربطوا دوابهم في الجامع وأفسدوا ~~فيه. ثم سار عاصم يطلب حبيبا وهو بقابس فأدركه واقتتلوا، وانهزم حبيب إلى ~~جبل أوراس فاحتمى به، وقام بنصره من به، ولحق به عاصم فالتقوا واقتتلوا، ~~فانهزم عاصم وقتل وهو وأكثر أصحابه، وسار حبيب إلى القيروان، فخرج إليه عبد ~~الملك بن أبي الجعد وقد قام بأمر ورفجومة بعد قتل عاصم، فاقتل هو وحبيب، ~~فانهزم حبيب وقتل هو جماعة من أصحابه في المرحم سنة أربعين ومائة. وكانت ~~إمارة عبد الرحمن بن حبيب على إفريقية عشر سنين وأشهرا، وإمارة أخيه إلاس ~~سنة وستة أشهر، وإمارة بنه حبيب ثلاث سنين. ### || AUT ذكر إخراج ورفجومة من القيروان # ولما قتل حبيب بن عبد الرحمن عاد عبد الملك بن أبي الجعد إلى القيروان ~~وفعل ما كان يفعله عاصم من الفساد والظلم وقلة الدين وغير ذلك، ففارق ~~القيروان أهلها. فاتفق أن رجلا من الإباضية دخل القيروان الحجاة له فرأى ~~ناسا من الورفجومين قد أخذوا امرأة قهرا والناس ينظرون فأدخلوها الجامع، ~~فترك الإباضي حاجته وقصد أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري فأعلمه ~~ذلك، فخرج أبو الخطاب وهو يقول: بيتك اللهم بيتك!فاجتمع إليه أصحابه من كل ~~مكان وقصدوا طرابلس الغرب، واجتمع عليه الناس من الإباضية والخوارج وغيرهم، ~~وسير إليهم عبد الملك، مقدم ورفجومة، جيشا فهزموه وساروا إلى القيروان، ~~فخرجت إليهم ورفجومة واقتتلوا واشتد القتال، فانهزم أهل القيروان الذين مع ~~ورفجومة وخذلوهم، فتبعهم ورفجومة في الهزيمة وكثر القتل فيهم وقتل عبد ~~الملك الورفجومي، وتبعهم أبو الخطاب بقتلهم حتى أسرف فيهم، وعاد إلى طرابلس ~~واستخلف على القيروان عبد الرحمن بن رستم الفارسي. وكان قتل ورفجومة في صفر ~~سنة إحدى وأربعين. PageV02P0455 # ثم أإن جماعة كثيرة من المسودة سيرهم محمد بن الأشعث الخزاعي، لأأمير مصر ~~للمنصور،إلى طرابلس لقتال أبي الخطاب، وعليهم أبو الأحوص عمر بن الأحوص ~~العجلي، فخرج إليهم أبو الخطاب وقاتلهم وهزمهم ينة اثنتين وأربعين، فعادوا ms1859 ~~إلى مصر، واستولى أبو الخطاب على سائر إفريقية. فسير إليه المنصور محمد بن ~~الأشعث الخزاعي أميرا على إفريقية، فسار من مصر سنة ثلاث وأربعين فوصل ~~إليها في خمسين ألفا، ووجه مع الأغلب بن سالم التميمي، وبلغ أبا الخطاب ~~مسيره فجمع أصحابه من كل ناحية، فكثر جمعه وخافه ابن الأشعث لكثرة جموعه. ~~فتنازعت زناته وهوارة بسبب قتيل من زناته، فاتهمت زناته أبا الخطاب بالميل ~~إليهم، ففارقه جماعة منهم، فقوي جنان ابن الأشعث وسار سيرا رويدا، ثم أظهر ~~أن المنصور قد أمره بالعود، وعاد إلى ورائه ثلاثة أيام سيرا بطيئا، قوصلت ~~عيون أبي الخطاب وأخبرته بعوده، فتفرق عنه كثير من أصحابه وأمن الباقون، ~~فعاد الأشعث وشجعان هسكره مجدا فصبح أبا الخطاب وهو غير متأهب للحرب، ~~فوضعوا السيوف في الخوارج، واشتد القتال، فقتل أبو الخطاب وعامة أصحابه في ~~صفر سنة أربع وأربعين ومائة. وظن ابن الأشعث أن مادة الخوارج قد انقطعت، ~~وإذا هم قد أطل عليهم أبو هريرة الزناتي في ستة عشر ألفا، فلقيهم ابن ~~الأشعث وقتلهم جمعا سنة أربع وأربعين، وكتب إلى المنصور بظفره، ورتب الولاة ~~في الأعمال كلها، وبني سور القيروان فيها، وتم سنة ست وأربعين، وضبط ~~إفريقية، وأمعن في طلب كل من خالفه من البربر وغيرهم، فسير جيشا إلى زويلة ~~ووران،فافتتح وران وقتل من بها من الإباضية، وافتتح زويلة وقتل مقدمهم عبد ~~الله بن سنان الإباضي وأجلى الباقين. فلما رأى البربر وغيرهم من أهل العبث ~~والخلاف على الأمراء ذلك خافوه خوفا شديدا وأذعنوا له بالطاعة. فثار عليه ~~رجل من جنده يقال له هاشم بن الشاحج بقمونية وتبعه كث4ير من الجند، فسير ~~إليه ابن الأشعث قائدا في عسكر ، فقتله هاشم وانهزم أصحابه، وجعل المضرية ~~من قواد ابن الأشعث يأمرون أصحابهم باللحاق بهاشم كراهية لأبن الأشعث لأنه ~~تعصب عليهم، فبعث إليهابن الأشعث جيشا آخر، فاقتتلوا وانهزم هاشم ولحق ~~بتاهرت وجمع اطغام البربر، فبلغت عدة عسكره عشرين ألفا، فسار بهم إلى ~~تهوذة، فسير إليه ابن الأشعث جيشا فانهزم هاشم وقتلوا كثيرا من أصحابه ms1860 ~~البربر وغيرهم، فسار إلى ناحية كرابلس. وقدم رسول من المنصور إلى هشام ~~يلومه على مفارقة الطاعة، قال: ما خلفت ولكني دعوت للمهدي بعد أمير ~~المؤمنين، وأنكر ابن الأشعث ذلك وأراد قتلي. فقال له لرسول: فإن كنت على ~~الطاعة فمد عنقك. فضربه بالسيف فقتله سنة سبع وأربعين في صفر، وبذلك الأمان ~~لأصحاب هاشم جميعهم فعادوا. وتبعهم ابن الأشعث بعد ذلك فقتلهم، فغضب ~~المضرية واجتمعت على داوته وخلافه، واسجتمع رأيهم على إخاجه. فملا رأى ذلك ~~سار عنهم، ولقيته رسل المنصور بالبر والإكرام، فقدم عليه، واستعمل المضرسة ~~على إفريقية بعده عيسى بن موسى الخراساني. وكان بعد مسير ابن الأشعث تأمير ~~الهخاساني ثلاثة أشهر، واستعمل المنصور الأغلب التميمي، على ما نذكره، في ~~ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة وإنما أوردنا هذه الحوادث متتابعة لتعلق ~~بعضها على ما شرطناه، وقد ذكرنا كل حادثة في أي سنة كانت فحصل الغرضان. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف ين محمد بن يوسف عن المدينة ~~واستعمل عبد العزيز بن عمرو بن عثمان، فقدمها في ذي القعدة من السنة. وحج ~~بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وقيل: عمر بن عبد الله بن عبد ~~الملك. وكان العامل على العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وعلى قضاء ~~الكوفة ابن أبي ليلى، وعلى البصرة المسور بن عمر بن عباد، وعلى قضائها عامر ~~بن عبيدة، وعلى خراسان نصر بن سيار الكناني. وفيها كاتب مروان بن محمد بن ~~مروان بن الحكم أمير الجزيرة الغمر ابن يزيد الغمر ابن يزيد بن عبد الملك ~~يحثه على الطلب بدم أخيه الوليد ويعده المساعدة له وإنجاذه على ذلك. ~~PageV02P0456 # وفيها مات سعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سنة سبع وعشرين ~~وسعيد بن أبي سعيد المقبري. ومالك بن دينار الزاهد، وقيل مات سنة سبع ~~وعشرين، وقيل سنة ستين. وفيها توفي عبد الرحمن بن القاسم ابنم محمد بن أبي ~~بكر الصديق، وقيل سنة إحدى وثلاثين. وف إمارة يوسف ابن ms1861 عمر على العراق توفي ~~أبو جمرة الضبعي صاحب ابن عباس. جمرة بالجيم والراء المهملة. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائة # ### || AUT ذكر مسير مروان إلى الشام # ### || AUT وخلع إبراهيم # وفي هذه السنة سار مروان إلى الشام لمحاربة إبراهيم بن الوليد. وكان ~~السبب في ذلك ما قد ذكرنا بعضه من مسير مروان بعد مقتل الوليد وإنكاره قتله ~~وغلبته على الجزيرة ثم مبايتعته لزيد بن الوليد بعدما ولاه يزيد من عمل ~~أبيه. فلما مات يزيد بن الوليد سار مروان في جنود الجزيرة وخلف ابنه عبد ~~الملك في جمع عظيم بالرقة، فلما انتهى مروان إلى قنسرين لقي بها بشر ابن ~~الوليد، وكان ولاه يزيد قنسرين، ومعه أخوه مسرور بن الوليد، فتصافوا، ~~ودعاهم مروان إلى بيعته، فمال إلية يزيد بن عمر بن هبيرة في القيسية ~~واسلموا بشرا وأخاه مسرورا، فأخذهما مروان فحبسهما، وسار ومعه أهل قنسرين ~~متوجها إلى حمص. وكان أهل حمص قد امتنعوا حين مات ييد من بيعة إلبراهيم ~~وعبد العزيز، فوجه ه إليهم إبراهيم بعد العزيز وجند أهل دمشق فحاصرهم في ~~مدينتهم، وأسرع مروان السير، فلما دنا من حمص رحل عبد العزيز عنها وخرج ~~أهلها إلى مروان فايعوه وساروا معه. ووجه إبرايهم بن الوليد الجنود من دمشق ~~مع سليمان بن هشام، فنزل عين الجر في مائة وعشرين ألفا، ونزلها مروان في ~~ثمانين ألا، فدعاهم مروان إلى الكف عن قتلاله وإكطلاق ابني الوليد الحكم ~~وعثمان من السجن وضمن لهم أنه لا يطلب أحدا من قتلة الوليد. فلم يجيبوه ~~وجدوا في قتاله، فاققتلوا ما بين ارتفاع النهار إلى العصر، وكثر القتل ~~بينهم. وكان مروان ذا رأي وكيدة، فأرسل ثلاثة آلاف فارس، فساروا خلف عسكره ~~وقطعوا نهرا كان هناك وقصدوا عسكر إبراهيم ليغيروا فيه، فمل يشعر سليمان ~~ومن معه وهم مشغلون بالقتال إلا بالخيل والبارقة والتكبير في عسكرهم من ~~خلفهم، فلما رأوا ذلك انهزموا ووضع أهل حمص السلاح فيهم لحنقهم عليهم ~~فقتلوا منهم سبعة عشر ألفا، وكف أهل الجزيرة وأهل قنسرين عن قتلهم وأتوا ms1862 ~~مروان من أسرائهم بمثل القتلى واكثر، فأخذ مروان عليهمم البيعة الولدي ~~الوليد وخلى عنهم ولم يقتل منهم إلا رجلين، أحدهما يزيد بن العقار والوليد ~~بن مصاد الكلبيان، وكانا ممن وليب قتل الوليد، فإنه حبسهما فهلكا في حبسه. ~~وهرب يزيد بن عبد الله القسري فيمن هرب مع سليمان إلى دمشق واجتمعاوا مع ~~إباهيم وبعد العزيز بن الحجاج، فقال بعضهم لبعض: إن بقي ولدا الويد حتى ~~يخرجهما مروان ويصير الأمر إليهما لم يستبقيا أحدا من قتله أبيهما والرأي ~~قتلهما، فرأى ذلك يزيد بن خالد، لإأمر أبا الأسد مولى خالد يقتلهما، وأخرج ~~يوسف بن عمر فضرب رقبته، وأرادوا قتل أبي محمد السفياني فدخل بيتا من بيوت ~~السجن وأغلقه فلم يقدروا على فتحه، فأرادوا إحراقه له يؤتوا بنار حتى قيل ~~دخلت خيل مروان المدينة، فهربوا وهرب إبراهيم واختفى، وانهب سليمان ما في ~~بيت المال فقسمه في أصحابه وخرج من المدينة. ### || AUT ذكر بيعة مروان بن محمد بن مروان # وفي هذه السنة بويع بدمشق لمروان بالخلافة. وكان سبب ذلك أنه لما دخل ~~دمشق وهرب إبراهيم بن الوليد وسليمان ثار من بدمشق من موالي الوليد دار عبد ~~العزيز بن الحجاج بن عبد الملك فقتلوه ونبشوا قبر يزيد بن الوليد فصلبوه ~~على باب الجابية، وأتي مروان بالغلامين الحكم وعثمان ابني الوليد نقتولين، ~~وبيوسف بن عمر، فدفنهم، وأتي بأبي محمد السفياني في قوده فسلم عليه ~~بالخلافة، ومروان يسلم عليه يومئذ بالإمرة، فقال له مروان: مه! فقال: إنهما ~~جعلاها لك بعدهما؛ وأنشده شعرا قاله الحكم في السجن، وكانا بلغا وولد ~~لأحدهما، وهو الحكم، فقال الحكم: ألا من مبلغ مروان عين ... وعمي الغمر طال ~~به حنينا بأني قد ظلمت وصار قومي ... على قتل الوليد مشايعينا أيذهب كلهم ~~بدمي ومالي ... فلا غشا أصبت ولا سمينا PageV02P0457 # ومروان بأرض بني نزار ... كليث4 الغاب مفترس عينا أتنكث بيعتي من أجل أمي ~~... فقد بايعتم قبلي هجينا فإن أهلك أنا وولي عهدي ... فمروان أمير ~~المؤمنينا ثم قال: اسط يدك أبايعك. وسمعه من مع مروان، وكان أول ms1863 من بايعه ~~معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير ورؤوس أهل حمص والناس بعده، فلما استقر له ~~الأمر رجع إلى منزله بحران وطلب منه الأمان لإبراهيم بن الوليد وسليمان بن ~~هشام، فآمنهما، فقدما عليه، وكان سليمان بتدمر بمن معه من إخوته وأهل بيته ~~ومواليه الذكوانية فبايعوا مروان بن محمد. ### || AUT ذكر ظهور عبد الله بن معاوية # ### || AUT ابن عبد الله بن جعفر # وفي هذه السنة ظهر عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ~~بالكوفة ودعا إلى نفسه. وكان سبب ذلك أنه قدم على عبد الله بن عمر بن عبد ~~العزيز إلى الكوفة فأكرمه وأجازه وأجرى عليه وعلى إخوته كل يوم ثلاثمائة ~~درهم، فكانوا كذلك حتى هلك يزيد بن الوليد، وبايع الناس أخاه إبراهيم بن ~~الوليد وبعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فلما بلغ خبر بيعتهما عبد ~~الله بن عمر بالكوفة بايع الناس وزاد في العطاء وكتب بيعتهما إلى الآفاق، ~~فجاءته البيعة، ثم بلغه امناع مروان بن محمد من البيعة ومسيره إليهما إلى ~~الشام، فحبس عبد الله بن معاوية عنده وزاده فيما كان يجري عليه وأعده ~~لمروان بن محمد إن هو ظفر بإبراهيم بن الوليد ليبايع له وقاتل به مروان، ~~فماج الناس. وورد مروان الشام بإبراهيم، فانهزم إسماعيل بن عبد الله القسري ~~إلى الكوفة مسرعا، وافتعل كتابا على لسان إبراهيم بإمرة الكوفة، وجمع ~~الميانية وأعلمهم ذلك، فأحابوه، وامتنع بعبد الله بن عمر عليه وقاتله. فلما ~~رأى الأمر كذلك خاف أن يظهر أمره فيفتضح وقتل فقال لأصحابه: إني أكره سفك ~~الدماء فكفوا أيديكم، فكفوا. وظهر أمر إبراهيم وهربه، ووقعت العصبية بين ~~الناس، وكان سبببها أن عبد الله بن عمر كان أعطى مضر وربيعة عطايا كثيرة ~~ولم يعط جعفر بن نافع بن القعقاع بن شور الذهلي وعثمان بن الخببيري من تميم ~~اللات بن ثعلبة شيئا، وهما من ربيعة، فكانا مغضب لهما ثمامة بن حوشب بن ~~رويم السيباني، وخرجوا من عند عبد الله بن عمرو هو بالحيرة ms1864 إلى الكوفة ~~فنادوا: ياآل ربيعة! فاجتمعت ربيعة وتنمروا. وبلغ الخبر عبد الله بن عمر ~~لإأرسل إليهم أخاه عاصما، فأتاهم وهم بدير هند، فألقى نفسه بينهم وقال: هذه ~~يدي لكم فاحكموا. فاستحيوا ورجعوا وعظموا عاصما وشكروه، فلما كان المساء ~~أرسل عبد الله بن عمر إلى عمر بن الغضبان بن القبعثرى بمائة ألف، فقسمها في ~~قومه بين همام بن مرة بن ذهل السيباني، وإلى ثمامة بن حوشب بمائة ألف قسمها ~~في قومه، وارسل إلى جعفر بن نافع بمال، وإلى عثمان الخبيري بمال. فلما رأت ~~الشيعة ضعف عبد الله بن عمر طمعوا فيه ودعوا إلى عبد الله بن معاوية ~~واجتمعوا في المسجد وقاروا واتوا عبد الله بن معاوية وأخرجوه من داره ~~وأدخلوه القصر ومنعوا عاصم بن عمر بن الغضبان، ومنصور ابن جمهور،وإسماعيل ~~بن عد الله القسري أخو خالد، وأقام أياما يبايعه الناس، وأتته البيعة من ~~المدائن وفم النيل، واجتمع إليه الناس، فخرج إلى عبد الله بن عمر بالحيرة، ~~فقيل لابن عمر: قد أقبل ابن معاوية في الخلق، فأكرق مليا، وأناه رئيس ~~خبازيه فأعلمه بإدراك الطعام، فأمره بإحضاره، فأحضره، فأكل هو ومن معه وهو ~~غير مكترث والناس يتوقعون أن يهجم عليهم ابن معاوية، وفرغ من طعامه وأخرج ~~المال ففرقه في قواده، ثم دعا مولى له كان يتبرك به ويتفاءل باسمه، كان ~~اسمه إما ميمونا وغما رياحا أو فتحا أو اسما يتبرك به، فأعطاه اللواء وقال ~~له: امض به إلى موضع كذا فاركزه وادع أصحابك وأقم حتى أتيك. ففعل. وخرج عبد ~~الله فإذا الأرض بيضاء من أصحاب ابن معاوية، فأمر ابن عمر مناديا فنادى: من ~~جاء برأس فله خمسائة. فأتي برؤوس كثيرة وهو يعطي ما ضمن PageV02P0458 # وبز رجل من أهل السام، فبرز إليه القاسم بن عبد الغفار العجلي، فسأله ~~الشامي فعرفه فقال: قد ظننت أنه لا يخرج إلي رجل من بكر بن وائل، والله ما ~~أريد قتالك ولكن أحببت أن ألقي إليك حديثا، أخبرك أنه ليس معكم رجل من أهل ~~اليمن، لا إسماعيل ولا منصور ms1865 ولا غيرهما إلا وقد كاتب ابن عمر وكاتبه مضر، ~~وما أرى لكم باربيعة كتابا ولا رسولا، وأنا رحجل من قيس، فإن أردتم الكتاب ~~ألغته ونحن غدا بإزائكم فإنهم اليوم لا يقاتلونكم. فبلغ الخبر ابن معاوية ~~فأخبره عمر بن الغضبان، فأشار عليه أن يستوثق من إسماعيل ومنصور وغيرهما، ~~فلم يفعل. وأصبح الناس من الغد غادين على القتال، فحمل عمر بن الغضبان على ~~ميمنة ابن عمر فانكشفوا، ومضى إسماعيل ومنصور من فورهما إلى الحيرة، فانهزم ~~أصحاب ابن معاوية إلى الكوفة وابن معاوية معهم فدخلوا القصر، وبقي من ~~بالميسرة من ربيعة ومضر ومن بازائهم من أصحاب ابن عمر، فقال لعمر بن ~~الغضبان: ما كنا نأمن عليكم ما صنع الناس بكم، فانصرفوا. فقال ابن الغضبان: ~~لا أبرح حتى أقتل. فأخذ أصحابه بعنان درابته فأدخلوه الكوفة، فما أمسوا قال ~~لهم ابن معاوية: يا معشر ربيعة، قد رأيتم ما صنع الناس بنا، وقد أعلقنا ~~دماءنا في أعناقكم، فإن قاتلتم قتالنا معكم، وإن كنتم ترون الناس يخذلوننا ~~وإياكم فخذوا لنا ولكم أمانا فقال له عمر بن الغضبان: ما نقاتل معكم وما ~~نأخذ لكم أمانا كما نأخذ لأنفسنا. فأقاموا في القصر والزيدية على أفواه ~~السكك يقاتلون أصحاب ابن عمر أياما. ثم إن ربيعة أخذت أمانا لابن معاوية ~~ولأنفسهم وللزيدية ليذهبوا حيث شاؤوا، وسار ابن معاوية من الكوفة فنزل ~~المدائن، فأتاه قوم من أهل الكوفة، فخرج بهم فغلب على حلوان والجبال وهمذان ~~وأصبهان والري، وخرج إليه عبيد أهل الكوفة. وكان شاعرا مجيدا، فمن قوله: ~~ولا تركبن الصنيع ال1ذي ... تلوم أخاك على مثله ولا يعجبنك قول امرئ ... ~~يخالف مكا قال في فعله ### || AUT ذكر رجوع الحارث بن السريج إلى مرو # وفي هذه السنة رجع الحارث إلى مرو، وكان مقيما عند المشركين مدة، وقد ~~تقدم سبب عودة؛ وكان قدومه مرو في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين، فلقيه ~~الناس بكشمهين، فلما لقيهم قال: ما قرت عبيني منذ خرجت إلى يومي هذا، وما ~~قرة عبيني إلا أن يطاع الله. ولقيه نصر وأنزل وأجرى ms1866 عليه كل يوم خمسين ~~مرهما، فكان يقتصر على لون واحد، وأطلق نصر أهله وأولاده، وعرض عليه نصر أن ~~يوليه ويعطيه مائة ألف دينار، فلم يقبل وأرسل إلى نصر: إني لست من الدنيا ~~واللذات في شيء، وإنما أسألك كتاب الله والعمل بالسنة، وأن تستعمل أهل ~~الخير، فإن فعلت ساعدتك على عدوك. وأرسل الحارث إلى الكرماني: إن أعطاني ~~نصر العمل بالكتاب وما سالته عضدته وقمت بأمر الله، وإن لم يفعل أعنتك إن ~~ضمنت الي ضمنت لي القيام بالعدل والسنة. ودعا بني تميم إلى نفسه، فأجابه ~~منهم ومن غيرهم جمع كثير، واجتمع إليه ثلاثة آلاف، وقال لنصر: إنما خرجت من ~~هذه البلدة منذ ثلاث عشرة سنة إنكارا للجور وأنت تريديني عليه. ### || AUT ذكر انتقاض أهل حمص # وفي هذه السنة انتقض أهل حمص على مروان. وكان سبب ذلك أن مروان لما عاد ~~إلى حرآن بعد فراغه من أهل الشام أقام ثلاثة أشهر، فانتقض عليه أهل حمص، ~~وكان الذي دعاهم إلى ذلك ثابت ابن نعيم وراسلهم، وأرسل أهل حمص إلى من ~~بتدمر من مكلب فأتاهم الأصبغ بن ذؤالة الكلبي وأولاده ومعاوية السككي، وكان ~~فارس أهل الشام، وغيرهما في نحو من ألف من فسانهم، فدخلوا ليلة الفطر، فجد ~~مروان في السير إليه ومعه إبراهيم المخلوع وسلمان بن هشام، وكان قد آمنهما، ~~وكان يكرمهما، فبلغهما بعد افطر بيومين وقد سد أهللها أبوابها، فأحدق ~~بالمدينة ووقف بإزاء باب من أبوابها، فنادى مناديه الذين عند الباب: ما ~~دعاكم إلى النكث؟ قالوا إنا على طاعتك لم ننكث. قال: فافتحوا الباب. ~~فافتحوا الباب، فدخله عمر بن الوضاح في الوضاحية، وهم نحو من ثلاثة آلاف، ~~فقالتلهم من في البلد، فكثرتهم خيل مروان، فخرج بها من بها من باب تدمر، ~~فقاتلهم من عليه من أصحاب مروان فقتل عامة من خرج منه وأفلت الأصنع بن ~~ذؤالة وابنه فرافصة، وقتل مروان جماعة من أسرائهم، وصاب خمسائة من القتلى ~~خحول المدينة، وهدم من سوها نحو غلوة. PageV02P0459 # وقيل: إن فتح حمص وهدم سورها كان في سنة ثمان ms1867 وعشرين. ### || AUT ذكر خلاف أهل الغوطة # في هذه السنة خالف أهل الغوطة وولوا عليهم يزيد بن خالد القسري وحصروا ~~دمشق، وأميرهم زامل بن عمرو، فوجه إليهم مروان من حمص أبا الورد بن لكوثر ~~بن زفر بن الحارث، وعمر بن الوضاح في عشرة آلاف، فلما دنوا من المدينة ~~حملوا عليهم، وخرج عليهم، من بالمدينة، فانهزموا، واستباح أهل مروان عسكرهم ~~وأحرقوا المزة وقرى من اليمانية، وأخذ يزيد بن خالد فقتل، وبعث زامل برأسه ~~إلى مروان بحمص. وممن قتل في هذه الحرب عمر بن هانئ العبسي مع يزيد، وكان ~~عابدا ككثير المجاهة. ### || AUT ذكر خلاف أهل فلسطين # وفيها خرج ثابت بن نعيم بعد أهل حمص والغوطة، وكان خروجه في أهل فلسطين، ~~وانتقض على مروان أيضا وأتى طبرية فحاصرها وعليها الوليد ابن معاوية بن ~~مروان بن الحكم ابن أخير عبد الملك، فقالتله أهلها أياما. فكتب مروان بن ~~محمد إلى أبي الورد يأمره بالمسير إليهم،فما قرب منهم خرج أهل طبرية على ~~ثابت فهزموه واستباحوا عسكره، وانصرف إلى فلسطين منهزما، وتبعه أبو الورد ~~فالتقوا واقتتلوا، فهزمه أبو الرود ثانية وتفرق أصحابه واسر ثلاثة من ~~أولاده وبعث بهم إلى مروان، وتغيب ثابت وولده رفاعة. واستعمل مروان على ~~فلسطين الماحن بن عبد العزيز الكناني، فظفر بثابت وبعثه إلى مروان موثقا ~~بعد شهرين، فأمر به وبأولاده الثلاثة فقطعت لأيديهم وأرجلهم وحموا إلى دمشق ~~فألقوا على باب المسجد، ثم صلبهم على أبواب دمشق. وكان مروان بدير أيوب ~~فبايع لابنيه عبيد الله وعبد الله وزوجهما ابنتي هشام بن عبد الملك وجمع ~~كذلك بين أمية، واستقام له الشسام ما خلا تدمر، فسار إليها فنزل القسطل، ~~وبينه وبين تدمر أيام، وكانوا قد عوروا المياه، فاستعمل المزاد والقرب ~~والإبل، وكلمه الأبرش بن الوليد وسلميان ابن هشام وغيرهما وسألوه أن يرسل ~~إلهم، فأذن لهم في ذلك، وسار الأبرش وخوفهم وحذرهم، فأجابوا إلى الطاعة، ~~وهرب نفر منهم إلى البر ممن لم يثق بمروان، ورجع الأبرش إلى مروان ومعه من ~~أطاع بعد أن هدم سورها. وكان مروان ms1868 قد سير يزيد بن عمر بن هبيرة بين يديه ~~إلى العراق لقتال الضحاك الخارجي، وضرب على أهل الشام بعثا وأمرهم باللحاق ~~بيزيد، وسار مروان إلى الرضصافة، فاستأذنه سليمان بن هشام لقيم أياما ليقوى ~~من معه ويستريح ظهره. فأذن له؛ وتقدم مروان إلى قرقيسيا وبها ابن هبيرة ~~ليقدمخ إلى الضحاك، فرجع عشرة آلاف ممن كان مروان قد أخذه من أهل الشام ~~لقتال الضحاك، فأقاموا بالرصافة ودعوا سليمان إلى خلع مروان، فأجابهم. ### || AUT ذكر خلع سليمان بن هشام # ### || AUT ابن عبد الملك مروان بن محمد # وفي هذه السنة خلع سليمان بن هشام بن عبد الملك مروان بن محمد وحاربه. ~~وكان السبب في ذلك ما ذكرنا من قدوم الجنود عليه وتحسيتهم له خلع مروان، ~~وقالوا له: أنت أرضى عند الناس من مروان وأولى بالخلافة. فأجابهم إلى ذلك ~~وسار بإخوته ومواليه معهم فعسكر بقنسرين، وكانب أهل الشام، فاتوه من كل ~~وجه، وبلغ الخبر مروان فرجع إليهمن قرقيسيا وكتب إلى ابن هبيرة يأمره ~~بالمقام، واجتاز مروان في رجوعه بحصن الكامل وفيه جماعة من موالي سليمان ~~وأولاد هشام فتحصنوا منه، فأرسل إليهم: إني أحذركم أت تعرضوا لأحد ممن ~~يتبعين من جندي بأذى، فإن فعلتم فلا أمان لكم عندي. فأرسلوا إليه: إنا ~~نستكف. ومضى مروان، فجعلوا يغيرون على من يتبعه من أخريات الناس، وبلغه ذلك ~~فتغيظ عليهم. واجتمع إلى سليمان نحو من سبعين ألفا من أهل الشام والذكوانية ~~وغيرهم، وعسكر بقرية خساف من أرض قنسرين، وأتاه مروان فواقعه عند وصوله، ~~فاشتد بينهم القتال، وانهزم سليمان ومن معه، وابتعهم خيل مروان تقتل وتأسر، ~~واستباحوا هعسكرهم، ووقف مروان موقفا ووقف ابناه موقفين، ووقف كوثر صاحب ~~شرطته موقفا، وأمرهم أن لا يؤتوا بأسير إلا قتلوه إلا عبدا مملوكا. فأحصي ~~من قتلاهم يومئذ نيف على ثلاثين ألق قيل، وقتل إبراهيم بن سليمان وأكثر ~~ولده، وخالد بن هشام المخزومي خال هشام ابن عبد الملك، وادعى كثير من ~~الأسراء للجند أنهم عبيد، فكف عن قتلهم وأمر ببيعهم فيمن يزيد مع من أصيب ~~من ms1869 عسكرهم. PageV02P0460 # ومضى سليمان حتى أنتهى إلى حمص، وانضم إليه من أفلت ممن كان معه، فعسكر ~~بها وبنى ما كان مروان أمر بهدمه من حيطانهم. وسار مروان إلى حصن الكامل ~~حنقا على من فيه فحصرهم وأنزلهم على حكمه، فمثل بهم وأخذهم أهل الرقة ~~فداووا جراحاتهم، فهلك بعضهم وبقي أكثرهم، وكانت عدتهم نحوا من ثلاثمائة. ~~ثم سار إلى سليمان ومن معه، فقال بعضهم لبعض: حتى متى نتهزم من مروان؟ ~~فتبايع سبعمائة من فرسانهم على الموت وساروا بأجمعهم مجمعين على أن يبيتوه ~~إن أصابوا منه غرة. وبلغه خبرهم فتحرز منهم فتحرز منهم وزحف إليهم في ~~الخنادق على احتراس وتعبية، فلم يمكنهم أن يتبعوه، فكمنوا في زيتون على ~~طريقه فخرجوا عليه وهويسير على تعبية فوضعوا السلاح فيمن معه، وانتدب لهم ~~ونادى خيوله، فرجعت إليه، فقتلوه من لدن ارتفاع النهار إلى بعد العصر، ~~وانهزم أصحاب سليمان، وقتل منهم نحو من ستة آلاف فلما بلغ سليمان هزيمتهم ~~حخلف أخاه سعيدا بحمص إلى تدمر فأقام بها، ونزل مروان على حمص فحصر أهلها ~~عشرة أشهر ونصب عليهم نيفا وثمانين منجنيقا يرمى بها الليل والنهار، وهم ~~يخرجون إليه كل يوم فيقاتلونه، وربما بيتوا نواحي عسكره. فملا تتابع عليهم ~~البلاء طلبوا الأمان على أن يمكنوه من سعيدبن هشام وابنيه عثمان ومروان ومن ~~رجل كان يسمى السكسي كان يغير على عسكره ومن رجل حبشي كان يشتم مروان، وكان ~~يشد في ذكره ذكر حمار ثم يقول: يا بني سليم يا أولاد كذا وكذا هذا لواؤكم. ~~فأجابهم إلى ذلك، فاستوثق من سعيد وابنيه وقتل السكسكي وسلم الحبشي إلى بني ~~سليم فقطعوا ذكره وأنفه ومثلوا به. فلما فرغ من حمص سارنحو الضحاك الخارجي. ~~وقيل: إن سليمان بن هشام لما انهزم بخساف أقبل هاربا حتى صار إلى عبد الله ~~بن عمر بن عبد العزيز بالعراق فخرج معه إلى الضحاك فبايعه وحرض على مروان؛ ~~فقال بعض شعرائهم: ألم تر الله أظهر دينه ... وصلت قريش خلف بكر بن وائل ~~فلما رأى النضر بن سعيد الحرشي، وكان قد ms1870 ولي العراق، على ما نذكره إن شاء ~~الله، ذلك علم أنه لا طاقة له بعبد الله بن عمر، فسار إلى مروان، فلما كان ~~بالقادسية خرج إليه ابن ملجان، خليفة الضحاك بالكوفة، فقاتله، فقتله النضر، ~~واستعمل الضحاك على الكوفة المثنى بن عمران العائذي. ثم سار الضحاك في ذي ~~القعدة إلى الموصل، وأقبل ابن هبيرة حتى نزل بعين التمر، فسار إليه المثنى ~~بن عمران فاتتلوا أياما، فقتل المثنى وعدة من قواد الضحاك وانهزمت الخوارج ~~ومعهم منصور بن جمهور وأتوا الكوفة فجمعوا من بها منهم وساروا نحو ابن ~~هبيرة فلقوه، فقاتلهم أياما وانهزمت الخوارج، وأتى ابن هبيرة إلى الككوفة ~~وسار إلى واسط، ولما بلغ الضحاك ما لقي أصحابه أرسل عبيدة بن سوار التغلبي ~~إليهم فنزل الصراة، فرجع ابن هبيرة إلهم فالتقوا بالصراة؛ وسيرد خبر خروج ~~الضحاك بعدها إن شار الله تعالى. الحرشي بفتح الحاء المهملة، وبالشين المعجمة. ### || AUT ذكر خروج الضحاك محكما # وفي هذه السنة خرج الضحاك بن قيس الشيباني محكما ودخل الكوفة. وكان سبب ~~ذلك أن الوليد حين قتل خرج بالجزية حوري يقال له سعيد بن بهدل الشيباني في ~~مائتي من أهل الجزيرة فيهم الضحاك، فاغتنم قتل الوليد واشتغال مروان بالشام ~~فخرج بأرض كفرتوثا، وخرج بسطام البيهي، وهو مفارق لرأيه، في مثل عدتهم من ~~ربيعة، فسار كل واحد منهما إلى صاحبه، فلما تقاربا أرسل سعيد بن بهدل ~~الخيبري، وهو أحد قواده في مائة وخمسين فارسا، فأتاهم وهم غارون، فقتلوا ~~فيهم وقتلوا بسطاما وجميع من معه إلا أربعة عشر رجلا، ثم مضى سعيد بن بهدل ~~إلى العراق لما بلغه أن الاختلاف بها، فمات سعيد بن بهدل في الطريق واستخلف ~~الضحاك بن قيس، فبايعه الشراة، فأتى أرض الموصل ثم شهرزو، واجتمعت إليه ~~الصفرية حتى صار في أربعة آلاف. PageV02P0461 # وهلك يزيد بن الوليد وعامله على العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ~~ومروان بالحيرة، فكتب مروان إلى النضر بن سعد الحرشي وهو أحد قواد ابن عمر ~~بولاية العراق، فلم يسلم ابن عمر إليه العمل، ms1871 فشخص النضر إلى الكوفة وبقي ~~ابن عمر بالحيرة، فتحاربا أربعة أشهر، وأمد مروان النضر بابن الغزيل، ~~واجتمعت المضرية مع النضر عصيبة لمروزان حيث طلب بدم الوليد، وكانت أم ~~الوليد قيسية من مضر، وكان أهل اليمن مع ابن عمر عصيبة له حيث كانوا مع ~~يزيد في قتل الوليد حين أسلم خالدا القسري إلى يوسف فقتله.فلما سمع الضحاك ~~باختلافهم أقبل نحوهم وقصد العراق سنة سبع وعشرين، فأرسل ابن عمر إلى ~~النضر: إن هذا لا يريد غيري وغيرك فهلم نجتمع عليه. فتعاقدا عليه واجتماعا ~~بالكوفة وكان كل منهما يصلي بأصحابه. وأقبل الضحاك فنزل بالنخيلة في رجب ~~واستراح، ثم اتعدوا للقتال يوم الخميس من غد يوم نزلوه فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، فكشفوا ابن عمر وقتلوا أخاه عاصما وجعفر ابن العابس الكندي أخا عبيد ~~الله، ودخل ابن عمر خندقه وبقي الخوارج عليهم إلى الليل ثم انصرفوا ثم ~~اقتتلوا يوم الجمعة، فانهزم أصحاب ابن عمر فدخلوا خنادقهم، فلما أصبحوا يوم ~~السبت تسلل أصحابه نحو واسط ورأوا قوما لم يروا أشد بأسا منهم. وكان ممن ~~لحق بواسط النضر بن سعيد الحرشي، وإسماعيل بن عبد الله القسري أخو خالد، ~~ومنصور بن جمهور، والأصبغ بن ذؤالة، وغيرهم من الوجوه، وبقي ابن عمر فيمن ~~عنده من أصحابه لم يبرح، فقال له أصحابه: قد هرب الناس فعلام تقيم؟ فبقي ~~يومين لا يرى إلا هاربا، فرحل عند ذلك إلى واسط واستولى الضحاك على الكوفة ~~ودخلها، ولم يأمنه عبيد الله بن العباس الكندي على نفسه فصار مع الضحاك ~~وبايعه وصار في عسكره؛ فقال أبو عطاء السندي له يعيره باتباعه الضحاك وقد ~~قتل أخاه: فقل لعبيد الله لو كان جعفر ... هو الحي لم يجنح وأنت قتيل ولم ~~يتبع المراق والثار فيهم ... وفي كفه عضب الذباب صقيل إلى معشر ردوا أخالك ~~وأكفروا ... أباك فماذا بعد ذاك تقول فلما بلغ عبيد الله هذا البيت من قول ~~أبي عطاء قال: أقوةل عض بيظر أمك: فلا وصلتك الرحم من ذي قرابة ... وطالب ~~وتر والذليل ذليل تركت أخا شيبان يسلب ms1872 بزه ... ونجاك خوار العنان مطول ووصل ~~ابن عمر إلى واسط فنزل بدار الحجاج بن يوسف. وعادت الحرب بين عبد الله ~~والنضر إلى ما كانت عليه قبل الضحاك إلى النضر يطلب أن يسلم إليه ابن عمر ~~ولاية العراق بعهد مروان له، وابن عمر يمتنع، وسار الضحاك من الكوفة إلى ~~واسط واستخلف ملجان الشيباني، ونزل الضحاك باب المضمار. فلما رأى ذلك ابن ~~عمر والنضر تركا الحر بينهما واتفقا على قتل الضحاك، فلم يزالوا على ذلك ~~شعبان وشهر رمضان وشوال والقتال بينهم متواصل. ثم إن منصور بن جمهور قال ~~لابن عمر: ما رأيت مثل هؤلاء! فلم تحاربهم وتشغلهم عن مروان؟ أعطهم الرضا ~~واجعلهم بينك وبين مروان فإنهم يرجعون عنا إليه ويوسعونه شرا،فإن ظفروا به ~~كان ما أردت وكنت عندهم آمنا، وإن ظفر بهم وأردت خلافه وقتاله قاتلته وأنت ~~مستريح. فقال ابن عمر: لا عجل حتى ننظر. فلحق بهم منصور، وناداهم: إني أريد ~~أن أسلم وأسمع كلام الله وهي حجتهم؛ فدخل إليهم وبايعهم. ثم إن عبد الله بن ~~عمر بن العزيز خرج إليهم في شوال فصالحهم وبايع الضحاك ومعه سليمان بن هشام ~~بن عبد الملك. ### || AUT ذكر خلع أبي الخطار أمير الأندلس وإمارة ثوابة # وفي هذه السنة خلع أهل الأندلس أبا الخطار الحسام بن ضرار أميرهم. وسبب ~~ذلك أنه لما قددم الأندلس أميرا أظهر العصبية لليمانية على المضربة، فاتفق ~~ف بعض الأيام أنه اختصم رجل من كنانة ورجل من غسان، فاستعان الكناني ~~بالصميل بن حاتم بن ذي الجوشن الضبابي، فكلم فيه أبا الخطار، فاسغلظ له أبو ~~الخطار، فأجابه الصميل، فامر به فأقيم وضرب قفاه، فمالت عمامته، فملا خرج ~~قيل له: نرى عمامتك مالت! فقال: إن كان لي قوم فسيقيمونها. PageV02P0462 # وكان الصميل من أشراف مضر، فلما دخل الأندلس مع بلج شرف فيها بنفسه ~~وأوليته. فلما جرى له ما ذكرناه جمع قومه وأعلمهم، فقالوا له: نحن تبع لك. ~~أريد أن أخرج أبا الخطار من الأندلس. فقال له بعض أصحابه: افعل واستعن بمن ~~شئت ولا تسعن بأبي ms1873 عطاء القيسي، وكان من أشراف قيس، وكان ينظر الصميل في ~~الرياسة وبجسده. وقال له غيره: الرأي أنك تأتي أبا عطاء وتشد أمرك به فإنه ~~تحركه الحمية وينصرك، وإن تركته مال إلى أبي الخطار وأعانه عليك ليبلغ فيك ~~ما يريد، والرأي أيضا أن تستعين عليه بأهل اليمن فضلا عن معد. ففعل ذلك ~~وسار من ليلته إلى أبي عطاء، وكان يسكن مدينة إستجة، فعظمه أبو عطاء وسأله ~~عن سبب قدومه، فاعلمه يكلمه حتى قام فركب فرسه ولبس سلاحه وقال له: انهض ~~الآن حيث شئت فأنا معك، وأمر أهله وأصحابه باتباعه، فساروا إلى مرو، وبها ~~ثوابة بن سلامة الحداني، وكان مطاعا في قومه، وكان أبو الخطار قد اسعمله ~~على إشبيليةوغيرها، ثم عزله ففسد عليه، فدعاه الصميل إلى نصره ووعده أنه ~~إذا أخرجوا أبا الخطار صار أميرا، فاجاب إلى نصره ودعا قومه فإجابوه فساروا ~~إلى شدونة. وسار إيهم أبو الخطار من قرطبة واستخلف بها إنسانا، فالتقوا ~~واقتتلوا في رجب من هذه السنة، وصبر الفريقان ثم وقعت الهزيمة على أبي ~~الخطار وقتل أصحابه أشد قتل واسر أبو الخطار وكان بقرطبة أمية بنعبد الملك ~~ابن قطن، فاخرج منها خليفة أبي الخطار وانتهت ما وجد لهما فيها. ولما انهزم ~~أبو الخطار سار ثوابة بن سلامة والصميل إلى قرطبة فملكاها، واستقر ثوابة في ~~الإمارة فثار به عبد الرحمن بن حسان الكلبي وأخرج أبا الخطار من السجن، ~~فاستجاش اليمانية، فاجتمع له خلق كثير، وأقبل بهم إلى قرطبة، وخرج إليه ~~ثوابة فيمن معه من اليمانية والمضربة مع الصميل. فلما تقاتل الطائفتان نادى ~~رجل من مضر: يا معشر اليمانية! ما بالك تتعرضون للحرب على أبي الخطار وقد ~~جعلنا الأمير منكم؟ يعني ثوابة، فإنه من اليمن، وول أن الأمير منا لقد كنتم ~~تعتذرون في قتالهم لنا، وما تقول هذا إلا تحرجا من الدماء ورغبة في العافية ~~للعامة. فملا سمع الناس كلامه قالا: صد والله، الأمير منا فلما بالنا ~~نقالتل قومنا؟ فتركوا القتال وافترق الناس، فهرب أبو الخطار فلحق باجة، ~~ورجع ثوابة إلى ms1874 قرطبة، فسمي ذلك العسكر عسكر العافية ### || AUT ذكر شيعة بني العباس # في هذه السنة توجه سليمان بن كثير ولا هز بن قريظ وقجطبة إلى مكة فلقوا ~~إبارهيم بن محمد الإمام بها وأوصلوا إلى مولى له عشريمن ألف دينار ومائتي ~~أف درهم وسمكا ومتاعا كثيرا، وكان معهم أبو سملم، فقال سليمان لإبراهيم: ~~هذا مولاك. وفيها كتب بكير بن ماهان إلى إبراهيم الإمام أنه في الموت وأنه ~~قد استخلف أبا سلمة حفص بن سليمان، وهو رضى للأمر، فكتب إبراهيم لأبي سلمة ~~يأمره بالقايم بأمر أصحابه وكتب إلى أهل خراسان يخبرهم أنه قد أسند أمرهم ~~إليه، ومضى أبو سلمة إلى خراسان، فصدقوه وقبلةوا أمره ودفعوا إليه ما اجتمع ~~عندهم من نفقات الشيعة وخمس أموالهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وهو عامل مروان ~~علاى مكةوالمدينة والطائف، وكان العامل على العراق النضر بن الحرشي، وكان ~~من أمره وأمر ابن عمر والضحاك الخارجي ما ذكرناه. وكان بخراسان نصر بن ~~سيار، وبها من ينازعه فيها المركاني والحارث بن سريج. وفيها مات سويد بن ~~غفلة، وقيل سنة إحدى وثلاثين، وقيل سنة اثنتين وثلاثين، وعمره مائة وعشرون ~~سنة، وعبد الكريم بن مالك الجزري، وقيل غير ذلك، وفيها مات أبو حصين عثمان ~~بن حصين الأسدي الكوفي؛ حصين بفتح الححاء، وكسر الصاد. وفيها مات أبو إسحاق ~~عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني، وقيل سنتة ثمان وعشرين، وعمره مائة ~~سنمة؛ السبيعي بفتح السين، وكسر الباء. وفيها توفي عبد الله بن دينار، وقيل ~~سنة ست وثلاثين. وفيها مات محمد ابن واسع الأزدي البصري، وكنيته أبو بكر. ~~وداود بن أبي هند، واسم أبي هند يدينار مولى بني قشير أبو محمد. وفيها توفي ~~أبو بحر عبد الله بن إسحاق مولى الخضر، وكان إماما في النحو واللغة، تعلم ~~ذلك من يحيى بن النعمان، وكان يعيب الفرزدق في شعره وينسبه إلى للحن، فهجاه ~~الفرزدق يقول: PageV02P0463 # فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا فقال ms1875 له أبو ~~عبد الله : لقد لحنت أيضا في قولك مواليا، ينبغي أن تقول: مولى موال ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائة # ### || AUT ذكر قتل الحارث سريج # ### || AUT وغلبه الكرماني على مرو # قد تقدم ذكر أمان يزيد بن الوليد للحارث بن سريج وعوده من بلاد المشركين ~~إلى بلاد الإسلام وا كان وبين نصر من الاختلاف. فلما ولي ابن هبيرة العراق ~~كتب إلى نصر بعهده على خراسان فبايع لمروان بن محمد، فقال الحارث: إنما ~~آمنتني يزيد ولم يؤمني مروان، ولا يجيز مروان أمان يزيد، فلا أمنه. فخاف ~~نصرا.فأرسل إليه نصر يدعوه إلى الجماعة وينهاه عن الفرقة وإكماع العدو، فلم ~~يجبه إلى ما أراد وخرج فعسكر، وأرسل إلى نصر: اجعل الأمر شورى، فأبى نصر، ~~وأمر الحارث جهم بن صفوان، رأس الجهمية، وهو مولى راسب، أن يقرأ سيرته وما ~~يدعوه إليه على الناس. فلما سمعوا ذلك كثروا وكثر جماع، وأرسل الحارث إلى ~~نصر ليعزل سالم بن أحوز عن شرطته وبغير عماله ويقر الأمر بينهما أن يختاروا ~~رجالا يسمون لهم قوما يعملون بكتاب الله، فاختار نصر مقاتل بن سليمان ~~ومقاتل ابن حيان، واختار الحارث المغيرة بن شعبة الجهضمي ومعاذ بن جبلة، ~~وأمر نصر كابه أن يكتب ما يرضي هؤلاء الأربعة من السنن وما يختارونه من ~~العمال فيوليهم ثغر سمر قند وطخارستان، وكان الحارث يظهر أنه صاحب الرايات ~~الود. فأرسل إليه نصر: إن كنت تزعم أنكم تهدمون سور دمشق وتزيلون ملك بني ~~أمية فخذ مني خمسمائة رأس ومائتي بعير واحمل من الأموال ماشئت وآلة الحرب ~~وسر، فلعمري لئن كنت صاحب ما ذكرت إني لفي يدك، وغن كنت لست ذلك فقد أهلكت ~~عشيرتك. فقال الحارث: قد علمت أن هذا حق ولكن لا يبايعني عليه من صحبني. ~~فقال نصر: فقد ظهر أنهم ليسوا على رأيك، فاذكر الله في عشرين الفا من ربعة ~~واليمن يهلكون فيما بينكم. وعرض عليه نصر أن يوليه ما وراء النهر ويعطيه ~~ثلاثمائة ألف، فلم يقبل، فقال له نصر:فابدأ بالكرماني فإن قتلته فأنا في ms1876 ~~طاعتك. فلم يقبل. ثم تراضيا بأن جكما جهم بن صفوان ومقاتل بن حيان، فحكما ~~بأن يعتزل نصر وأن يكون الأمر شورى، فلم يقبل نصر. فخالفه الحارث واتهم نصر ~~قوما من أصحابه أنهم كاتبوا الحارث فاعتذروا إليه فقبل عذرهم. وقدم عليه ~~جمع من أهل خراسان حين سمعوا بالفتنة، منهم: عاصم بن عمير الصريمي، وأبو ~~الذيال الناجي، ومسلم بن عبد الرحمن وغيرهم، وأمر الحارث أن تقرأ سيرته في ~~الأسواق والمساجد وعلى باب نصر، فقرئت، فأتاه حلق كثير، وقرأها رجل على باب ~~نصر، فضربه غلمان نصر، فنابذهم الحارث وتجهزوا للحرب، ودل رجل من أهل مرو ~~الحارث على نقب في سورها،فمضى الحارث إليه فنقبه ودخل المدينة من ناحية باب ~~بالين، فقاتلهم جهم ابن مسعود الناجي فقتل جهم وانهبوا منزل سالم بن أحوز ~~وقتلوا من كان يحرس باب بالين، وذلك يوم الاثنين لليلتين بقيتا من جمادى ~~الآخرة. وعدل الحارث في سكة السعد فرأى أعين مولى حيان، فقاتله فقتل أعين. ~~وكب سالم حين أصبح وأمر مناديا فنادى: من جاء برأس فله ثلاثمائة. فلم تطلع ~~الشمس حتى انهزم وقاتلهم الليل كله، وأتى سالم عسك الحارث فقتل كاتبه، ~~واسمه يزيد بن داوود، وقتل الرجل الذي دل الحارث على النقب. وأرسل نصر إلى ~~الكرماني فأتاه على عهد وعنده جماعة، فوقع بين سالم بن أحوز ومقدام بن نعيم ~~كلام، فأغلظ كل واحد منهما لصاحبه، فأعان كل واحد منهما نفر من الحاضرين، ~~فخاف الكرماني أن يكون مكرا من نصر فقام وتعلقوا به فلم يجلس وركب فرسه ~~ورجع وقال: أراد نصر الغدر بي. PageV02P0464 # وأسر يومئذ جهم بن صفوان، وكان مع الكرماني، فقتل، وأرسل الحارث ابنه ~~حاتما إلى الكرماني، فقال له محمد بن المثنى: هما عدواك دعهما يضربان. فلما ~~كان الغد ركب الكرماني إلى باب ميدان يزيد فقاتل أصحاب نصر، وأقبل الكرماني ~~إلى باب حرب بن عامر ووجه أصحابه إلى نصر بوم الأربعاء فترموا ثم تحاجزوا، ~~ولم يكن بينهم يوم الخميس قتال، والتقوا يوم الجمعة فانهزمت الأزد وصلوا ~~إلى الكرماني، فأخذ الللواء بيده ms1877 فقاتل به، وانهزم أصحاب نصر وأخذوا لهم ~~ثمانين فرسا، وصرع تميم بن نصر وأخذوا له برذونين، وسقط سالم بن أحوز فحمل ~~إلى عسكر نصر. فلما كان بعض. فلما كان بعض الليل خرج نصر من مرو، وقتل عصمة ~~بن عبد الله الأسدي، فكان يحمي أصحاب نصر، واقتتلوا ثلاثة أيام، فانهزم ~~أصحاب الكرماني في آخر يوم، وهم الأزدوربيعة، فنادى الخليل بن غزوان: يا ~~معشر ربيعة واليمن قد دخل الحارث السوق وقتل ابن الأقطع! يعني بن سيار، ففت ~~في أعضاد المضرية، وهم أصحاب نصر، فانهزموا، وترجل تميم بن نصر فقاتل. فلما ~~هزمت اليمانية مضرا أرسل الحارث إلى نصر: إن اليمانية يعيرونني بانهزامكم ~~وأنا كاف، فاجعل حماة أصحابك بإزاء الكرماني. فأخذ عليه نصر العهود بذلك. ~~وقدم على نصر عبد الحكيم بن سعد العودي وأبو جعفر عيسى ابن جرز من مكة، ~~فقال نصر لعبد الحكيم العودي، وهم بطن من الأزد: أما ترى ما فعل سفهاء ~~قومك؟ فقال: بل سفهاء قومك طالت ولايتها بولايتك وصيرت الولاية لقومك دون ~~ربيعة واليمن فبطروا، وفي ربيعة واليمن علماء وسفهاء، فغلب السفهاء ~~العلماء. فقال أبو جعفر عيس لنصر: أيها الأمير حسبك من الولاية وهذه ~~الأمور، فإنه قد أظلك أمر عظيم، سيقوم رجل مجهول النسب يظهر السواد ويدعو ~~إلى دولة تكون فيغلب على الأمر وأنتم تنظرون. فقال نصر: ما أشبه أن يكون ~~كما تقول لقلة الوفاء وسء ذات البين! فقال: إن الحارث مقتول مصلوب، وما ~~الكرماني من ذلك ببعيد. فلما خرج نصر من مروغلب عليها الكرماني وخطب الناس ~~فآمنهم وهدم الدور ونهب الأموال، فأنكر الحارث عليه ذلك، فهم الكرماني به ~~ثم تركه. واعتزل بشر بن جرموز الضبي في خمسة آلاف وقال للحارث: إنما قاتلت ~~معك طلب العدل، فأما إذا أنت مع الكرماني فما تقاتل إلا ليقال غلب الحارث، ~~وهؤلاء يقاتلون عصبية، فلست مقاتلا معك، فنحن الفئة العادلة لا نقاتل إلا ~~من يقاتلنا. وأتى الحارث أتى السور فثلم فيه ثلمة ودخل البلد، وأتى ~~الكرماني يدعوه إلى أن يكون الأمر سورى، فأبى الكرماني، ms1878 فانتقل الحارث عنه ~~وأقاموا أياما. ثم إن الحارث أتى السور فثلم فيه ثلمة ودخل البلد، وأتى ~~الكرماني فاقتتلوا فاشتد القتال بينهم، فانهزم الحارث وقتلوا مابين اثلمة ~~وعسكرهم والحارث على بغل، فانزل عنه وركب فرسا وبقي في مائة، فقتل عند شجرة ~~زيتون أو غبيراء، وقتل أخوه سوادة وغيرهما. وقيل: كان سبب قتله أن الكرماني ~~خرج إلى بشر بن جرموز، الذي ذكرنا اعتزاله، ومعه الحارث بن سريج، فأقام ~~الكرماني أياما بينه وبين عسكر بشر فرسخان، ثم قرب منه ليقاتله، فندم ~~الحارث على اتباع الكرماني وقال: لا تعجل إلى قتالهم فأنا أردهم عليك. فخرج ~~في عشرةفوارس، فاتى عسكر بشر فأقام معهم، وخرج المضرية أصحاب الحارثمن عسكر ~~الكرماني إليه، فلم يبق مع الكرماني مضري غير سلمة بن أبي عبد الله: فإنه ~~قال: لم أر الحارث من عسكر الكرماني إليه، فلم يبق مع الكرماني مضري غي ~~سلمة بن أبي عبد الله: فإنه قال: لم أر الحارث إلا غادرا. وغير المهلب بن ~~إياس فإنه قال: لم أر الحارث قط إلا في خيل تطرد، فقاتلهم الكرماني مرارا ~~يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم مرة لهؤلاء ومرة لهؤلاء. ثم إن الحارث ارتحل ~~بعد أيام فنقب سور مرو ودخلها وتبعه الكرماني فدخلها أيضا، فقالت المضرية ~~للحارث: تركنا الخنادق فهو يومنا وقد فررت غير مرة فترجل. فقال: أنا لكم ~~فارسا خير مني لكم راجلا. فقالوا: لا نرضى إلا أن تترجل، وترجل فاقتتلوا هم ~~والكرماني، فقتل الحارث وأخوه وبشر بن جرموز وعدة من فرسان تميم وانهزم ~~الباقون وصفت مرو لليمن،هدموا دور المضرية فقال نصر بن سيار للحارث حين ~~قتل، شعر. يا مدخل الذل على قومه ... بعدا وسحقا لك من هالك شؤمك أردى مضرا ~~كلها ... وحز من قومك بالحارك PageV02P0465 # ما كانت الأزد وأشياعها ... تطمع في عمرو ولا مالك ولا بني سعد إذا ~~ألجموا ... كل طمر لونه حالك عمرو ومالك وسعد بطون من تميم. وقيلك بل قال ~~هذه الأبيات نصر لعثمان بن صدقة وقالت أم كثير الضبية، شعر: لابارك الله في ~~أنثى وعذبها ... تزوجت ms1879 مضريا آخر الدهر أبلغ رجال تميم قول موجعة ... ~~أحللتموها بدار الذل والفقر إن أنتم لم تكروا بعد جولتكم ... حتى تعبدوا ~~رجال الأزد في الظهر إني استحيت لكم من بعد طاعتكم ... هذا المزوني يجبيكم على قهر ### || AUT ذكر شيعة بني العباس # وفي هذه السنة وجه إبراهيم الإمام أبا مسلم الخراساني، واسمه عبد الرحمن ~~بن مسلم، إلى خراسان، وعمره تسع عشرة سنة، وكتب إلى أصحابه: غني قد أمرته ~~بأمري فاسمعوا له وأطيعوا، فإني قد أمرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك. ~~فأتاهم، فلم يقبلوا قوله وخرجوا من قابل فالتقوا بمكة عند إبراهيم، فأعلمه ~~أبو سملم أنهم لم ينفذوا كتابه وأمره. فقال إبراهيم قد عرضت هذا الأمر على ~~غير واحد وأبوه علي. وكان قد عرضه على سليمان بن كثير، فقال: لا ألي على ~~اثنين أبدا. ثم عرضه على إبراهيم بن سلمة فأبى، فأعلمهم أنه قد أجمع رأيه ~~على أبي مسلم، وأمرهم بالسمع والطاعة له، ثم قال له: إنك رجل منا أهل ~~البيت، احفظ وصيتي، انظر هذا الحي من اليمن فالزمهم واسكن بين أظهرهم، فإن ~~الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم، فاتهم ربيعة في أمرهم، وأما مضر فإنهم ~~العدو القريب الدار، واقتل من شككت فيه، وإن استطعت أن لا تدع بخراسان من ~~يتكلم بلعربية فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله، ولا تخالف ~~هذا الشيخ، يعني سليمان بن كثير، ولا تعصه، وإذا أشكل عليك أمر فاكتف به ~~مني. وسيرد من خبر أبي مسلم غير هذا إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر قتل الضحاك الخارجي # قد ذكرنا محاصرة الضحاك بن قيس الخارجي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ~~بواسط، فلما طال عليه الحصار أشير عليه بأن يدفعه عن نفسه إلى مروان، فارسل ~~ابن عمر إليه: إن مقامكم على ليس يسيء، هذا مروان فسيروا إليه فإن قتلته ~~فأنا معك. فصالحه وخرج إليه وصلى خلفه، فانصرف إلى الكوفة، وأقام ابن عمر ~~بواسط، وكاتب أهل الموصل الضحاك ليقدم عليهم لمكنوه منها، فسار في جماعة ms1880 من ~~جنوده بعد عشرين شهرا حتى انتهى إليها، وعليها يومئذ لمروان رجل من بني ~~شيبان يقال له القطران بن أكمة، ففتح أهل الموصل البلد، فدخله الضجحاك ~~وقاتلهم القطران ومن معه من أهله وهم عدة يسيرة حتى قتلوا، واستولى الضحاك ~~على الموصل وكورها. وبلغ مروان خبره وهو محاصر حمص مشتغل بقتال أهلها، فكتب ~~إلى ابنه عبد الله، وهو خليفته بالجزيرة، يأمره أن يسير إلى نصيبين في من ~~معه يمنع الضحاك عن توسط الجزيرة، فسار إليها في سبعة آلاف أو ثمانية آلاف، ~~وسار الضحاك إلى نصيبين فحصر عبد الله فيها، وكان مع الضحاك ما زيدي على ~~مائة ألف، ووجه قائدين من قواده إلى الرقة في أربعة آلاف أو خمسة آلاف، ~~فقاتله من بها، فوجه إلهيم مروان من رحلهم عنها ثم إن مروان سار إلى الضحاك ~~فالتقوا بنواحي كفرتوثا من أعمال مارين فقاتله يومه أجمع فملا كان عند ~~لمساء ترجل الضحاك ومعه من ذوي الثبات وأرباب البصائر نحو من ستة آلاف، ولم ~~يعلم أكثر أهل عسكره بما كان، فأحدقت بهم خيول مروان وألحوا عليهم في ~~القتال حتى قتلوهم عند العتمة، وانصرف من بقي من أصحاب الضحاك عند العتمة ~~إلى عسكرهم ولم يعلموا بقتل الضحاك ولم يعلم به مروان أيضا. وجاء بعض من ~~عاينه إلى أصحابه فأخبرهم، فبكوا وناحوا عليه، وخرج قائد من قواده إلى ~~مروان فأخبره، فأرسل معه النيران والشمع فطافوا عليه فوجدوه قتيلا وفي وجهه ~~وفي رأسه أكثر من عشرين ضربة، فكبروا، فعرف عسكر الضحاك أنهم قد علموا ~~بقتله، وبعث مروان رأسه إلى مدائن الجزيرة فطيف به فيها. وقيل: إن الضحاك ~~والخيبري إنما قتلا سنة تسع وعشرين. ### || AUT ذكر قتل الخيبري وولاية شيبان # ولما قتل الضحاك أصبح أهل عسكره فبايعوا الخيبري واقاموا يومئذ وغادوه ~~القتال من بعد الغد وصافوه وصافهم، وكان سليمان بن شهشام بن عبد الملك مع ~~الخيبري، وكان قبله مع الضحاك. وقد ذكرنا سبب قدومه. PageV02P0466 # وقيل: بل قدم على الضحاك وهو بنصيبين في أكثر من ثلاثة آلاف من أهل بيته ms1881 ~~ومواليه، فتزوج أخت شيبان الحروري الذي بويع بعد قتل الخيبري، فحمل الخيبري ~~على مروان في نحو من أربعمائة فارس من الشراة، فهزم مروان، وهو في القلب، ~~وخرج مروان من العسكر منهزما، ودخل الخيبري ومن معه عسكره ينادون بشعارهم ~~ويقتلون من أدركوا حتى انتهوا إلى خيمة مروان نفسه فقطعوا أطنابها، وجلس ~~الخيبري على فرشه. وميمنة مروان وعليها ابنه عبد الله ثابتة، وميسرته ~~ثابتة، وعليها إسحاق بن مسلم العقيلي، فملا رأى أهل العسكر قلة من مع ~~الخيبري ثار إليه عبيدهم بهمد الخيم فتلوا الخيبري وأصحابه جميعا في خيمة ~~مروان وحولها. وبلغ مروان الخبر وقد جاز العسكر بخمسة أميال أو ستة منهزما، ~~فانصرف إلى عسكره ورد خيوله عن مواقعها وبات ليلته في عسكره، وانصرف أهل ~~عسكر الخيبري فولوا عليهم شيبان وبايعوه، فقاتلهم مروان بعد ذلم بالكراديس ~~وأبطل الصف منذ يومئذ ### || AUT ذكر خبر أبي حمزة الخارجي مع طالب الحق # كان اسم أبي حمزة الخارجي المختار بن عوف الأزدي السلمي البصري، وكان ~~أول مرة أنه كان من الخوارج الإباضية، يوافي كل سنة مكة يدعو الناس إلى ~~خلاف مروان بن محمد، فلم يزل كذلك حتى وافى عبد الله بن يحيى المعروف بطالب ~~الحق في آخر سنة ثمان وعشرين، فقال له: يا رجل أسمع كلاما حسنا وأراك تدعوا ~~إلى حق، فانطلق معي فإني رجل مطاع في قومه. فخرج حتى ورد حضرموت، فبايعه أو ~~حمزة على الخلافة ودعا إلى خلاف مروان وآل مروان. وكان أبو حمزة اجتاز مرة ~~بمعدن بني سليم، والعامل عليه كثير بن عبد الله ، فسمع كلام أبي حمزة فجلده ~~أربعين سوطا، فلما ملك أبو حمزة المدينة وافتتحها تغيب كثير حتى كان من ~~أمرهما ما كان. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سير مروان يزيد بن هبيرة إلى العراق لقتال من به من ~~الخوارج في قول. وحج بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، ~~وهو عامل مكة والمدينة. وكان بالعراق عمال الضحاك الخارجي وعبد الله بن عمر ~~بن عبد العزيز، ms1882 وعلى قضاء البصرة ثمامة بن عبد الله بن أنس، وبخراسان نصر ~~بن سيار والفتنة بها قائمة. وفيه مات عاصم بن أبي النجود صاحب القراءات. ~~ويعقوب بت عتبة بن المغيرة بن الأخنس الثقفي المدني. وفيها توفي جابر بن ~~يزيد الجعفي، وكان من غلاة الشيعة يقول بالرجعة..وفيها مات محمد بن مسلم بن ~~تدروس أبو الزبير المكي. وجامع بن شداد. وأبو قبيل المعافري واسمه حيي بن ~~هانئ المضرب؛ قبيل بفتح القاف، وكسر الباء الموحدة. وسعيد بن مسروق الثوري ~~والد سفيان، وكان ثقة في الحديث. ### | AUT ثمم دخلت سنة تسع وعشرين ومائة # ### || AUT ذكر شيبان الحروري إلى أن قتل # وهو شيبان بن عبد العزيز أبو الدلف اليشكري. وكان سبب هلاكه أن الخوارج ~~لما بايعوه يعد قتل الخيبري أقام يقاتل مروان، وتفرق عن شيبان كثير من ~~أصحاب الطمع، فبقي في نحو أربعين ألفا، فأشار عليهم سليمان بن هشام أن ~~ينصرفوا إلى الموصل فيجعلوها ظهرهم، فارتحلوا وتبعهم مروان حتى انتهوا إلى ~~الموصل، فعسكروا شرقي دجلة وعقدوا جسورا عليها من عسكرهم إلى المدينة، ~~فكانت ميرتهم ومرافقهم منها، وخندق مروان بإزائهم، وكان الخوارج قد نزلوا ~~بالكار ومروان بخصة، وكان أهل الموصل يقاتلون مع الخوارج، فأقام مروان ستة ~~أشهر يقاتلهلم، وقيل تسعة أشهر. وأتي مروان بابن أخ لسليمان بن هشام يقال ~~له أمية بن معاوية بن هشام، وكان مع عمه سليمان في عسكر شيبان أسيرا، فقطع ~~يديه وضرب عنقه، وعمه ينظر إليه. وكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة ~~يأمره بالمسير من قرقيسيا بجميع من معه إلى العراق، وعلى الكوفة المثنى بن ~~عمران العائذي، عائذة قريش، وهو خليفة للخوارج بالعراق، فلقي ابن هبيرة ~~بعين التمر فاقتتلوا قتالا شديدا وانصرفت الخوارج ثم اجتمعوا بالكوفة ~~بالنخيلة، فهزمهم ابن هبيرة. ثم اجتمعوا بالبصرة، فأرسل سيبان إليهم عبيدة ~~بن سوار في خيل عظيمة، فالتقوا بالبصرة، فانهزمت الخوارج وقتل عبيدة، ~~واستباح ابن هبيرة عسكرهم فلم يكن لهم همة بالعراق، واستولى ابن هبيرة على ~~العراق. PageV02P0467 # وكان منصور بن جمهور مع الخوارج فانهزم وغلب علا ms1883 الماهين وعلى الجبل ~~أجمع، وسار ابن هبيرة إلى واسط فأخذ ابن عمر فحبسه، ووجه نباتة بن حنظلة ~~إلى سليمان بن حبيب، وهو على كور الأهواز، فسمع سليمان الخبر فأرسل إلى ~~نباتة داو بن حاتم، فالتقوا بالمرتان على شاطئ دجيل، فانهزم الناس وقتل ~~داود بن حاتم. وكتب مروان إلى ابن هبيرة لما استولى على العراق يأمره ~~بإرسال عامر بن ضبارة المي إليه فسيره في سبعة آلاف أو ثمانية آلاف، فبلغ ~~شيبان خبره فأرسل الجون بن كلاب الخارجي في جمع، فلقوا عامرا بالسن فهزموه ~~ومن معه، فجدخل السن وتحصن فيه، وجعل مروان يمده بالجنود على طريق البر حتى ~~ينتهوا إلى السن، فكثر جمع عامر. وكان منصور بن جمهور يمد شيبان من الجبل ~~بالأموال، فلما كثر من مع عامر نهض إلى الجون والخوارج فقاتلهم فهزمهم، ~~وقتل الجون، وسار ابن ضبارة مصعدا إلى الموصل. فلما انتهى خبر قتل الجون ~~إلى سيبان ومسير عامر نحوه كره أن يقيم بين العسكرين فارتحل بمن معه من ~~الخوارج، وقدم عامر على مروان بالموصل، فسيره في جمع كثير في أثر شيبان، ~~فإن أقام أقام، وإن سار سار، وأن لا يبداه قتال، فإن قاتله شيبان قاتله، ~~وإن أمسك أمسك عنه، وإن ارتحل ابتعه. فكان على ذلك حتى مر على الجبل وخرج ~~على بيضاء فارس وبها عبد الله بن معاوية بن حبيب بن حعفر في جموعكثيرة، فلم ~~يتهيأ الأمر بينهما، فسار حتى نزل ججيرفت من كرمان، وأقبل عامر بن ضبارة ~~حتى نزل بإزاء ابن معاوية أياما، ثم ناهضه وقاتله، فانهزم ابن معاوية فلحق ~~بهراة، وسار ابن ضبارة بمن معه فلقي شيبان بجيرفت فاقتلوا قتالا شديدا ~~فانهزمت الخوارج واستبيح عسكرهم، ومضى شيبان إلى سجستان فهلك بها، وذلك في ~~سنة ثلاثين ومائة. وقيل: بل كان قتال مروان وسيبان على الموصل مقدار شهر ثم ~~انهزم شيبان حتى لحق بفارس وعامر بن ضبارة يتبعه، وسار شيبان إلى جزيرة ابن ~~كاوان، ثم خرج منها إلى عمان، فقتله جلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندي ~~الأزدي سنة ms1884 أربع وثلاثين ومائة؛ ونذكره هناك إن شاء الله تعالى. وركب ~~سليمان ومن معه من أهله ومواليه السفن إلى السند. ولما ولي السفاح الخلافة ~~حضر عنده سليمان، فأكرمه وأعطاه يده فقلبها فلما رأى ذلك سديف مولى السفاح ~~أقبل عليه وقال: لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داء دويا فضع ~~السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فو ظهرها أمويا فأقبل عليه سليمان، وقال: ~~قتلتني أيها الشيخ! وقام السفاح فدخل، فأخذ سليمان فقتل. وانصرف مروان بعد ~~مسير شيبان عن الموصل إلى منزله بحران فأقام بها حتى سار إلى الزاب. ### || AUT ذكر إظهار الدعوة العباسية بخراسان # وفي هذه السنة شخص أبو سملم الخراساني من خراسان إلى إبراهيم الإمام، ~~وكان يختلف منه إلى خراسان ويعود إليه. فلما كانت هذه السنة كتب إبراهيم ~~إلى أبي مسلم يستدعيه ليسأله عن أخبار الناس، فسار نحوه في النصف من مادى ~~الآخرة مع سبعين نفسا من النقباء، فلما صاروا بالدنانقان من أرض خاسان عرض ~~له كامل، فسأله عن مقصده، فقال: الحج، ثم خلا به أبو مسلم فدعاه فأجابه؛ ثم ~~سار أبو مسلم إلى نسا، وعاملهم سليمان بن قيس السلمي لنصر بن سيار، فلما ~~قرب منها ارسل الفضل بن سليمان الطوسي إلى أسيد بن عبد الله الخزاعي ليعلمه ~~قدومه، فدخل قرية من قرى نسا فلقي رجلا من الشيعة فسأله عن أسيد، فانتهره ~~وقال له: إنه كان في هذه القرية شا، سعى إلى العامل برجلين قيل إنهما ~~داعيان؛ فأخذهما وأخذ الأحجم بن عبد الله وغيلان بن فضالة وغالب بن سعيد ~~وهاجر ابن عثمان، فانصرف الفضل إلى أبي مسلم وأخبره، فتنكب الطريق، وأرسل ~~طرخان الحمال يستدعي أسيدا ومن قدر عليه من الشيعة، فدعا له أسيدا، فأتاه، ~~فسأله عن الأخبار، فقال: قدم الأزهر بن شعيب وعبد الملك بن سعد بكتب الإمام ~~إليك فخلفا الكتب عندي وخرجا فأخذوا فلا أدري من سعى بهما. قال: فأين ~~الكتب؟ فأتاه بها. ثم سار حتى أتى قومس وعليها بن بديل العجلي، فأتاهم بيهس ~~فقال: أينتريدون؟ قالوا: ms1885 الحج، وأتاه هو بقومس كتاب إبراهيم الإمام إليه ~~وإلى سليمان بن كثير يقول لأبي مسلم فيه: إني قد بعثت إليك براية النصر، ~~فارجع من حيث لقيك كتابي ووجه إلي قحطبة بما معك يوافني به في الموسم. ~~PageV02P0468 # فامصرف أبو مسلم إلى خراسان ووجه قحطبة إلى الإمام بما معه من الأموال ~~والعروض، فلما كانوا بنيسابور عرض لهم صاحب المسلحة فسألهم عن حالهم، ~~فقالوا: اردنا الحج فبلغنا عن الطريق شيء خفناه. فأمر المفضل بن السرقي ~~السلمي بإزعاجهم، فخلا به أبو مسلم وعرض عليه أمرهم فأجابه، وأقام عندهم ~~حتى ارتحلوا على مهل. فقدم أبو مسلم مرو فدفه كتاب الإمام إلى سليمان بن ~~كثير يأمره فيه بإظهار الدعوة، فنصبوا أبا مسلم وقالوا: رجل من أهل البيت، ~~ودعوا إلى طاعة بني العباس، وأرسلوا إلى من قرب منهم أو بعد ممن أجابهم، ~~فأمروه بإظهار أمرهم والدعاء إليهم. فنزل أبو مسلم قرية من قرى مرو يقال ~~لها فنين على أبي الحكم عيسى ابن أعين النقيب، ووجه منها أبا داود النقيب ~~ومعه عمرو بن أعين إلى طخارستنا فما دون بلخ فأمرهما بإظهار الدعوة في شهر ~~رمضان، وكان نزلوه في هذهالقرية في شعبان ووجه نصر بن صبيح التميمي وشريك ~~إلى الطالقان. ووجه الجهم بن عطية إلى العلاء بن حريث بخوارزم بإظهار ~~الدعوة في رمضان لخمس بقين منه، فإن أعجلهم عدوهم دون الوقت بالأذى ~~والمكروه فقد حل لهم أن يدفعوا عن أنفسهم ويجردوا السيوف ويجاهدوا أعداء ~~الله، ومن شغله منهم عدوهم عن الوقت فلا حرج عليهم أن يظهروا بعد الوقت. ثم ~~تحول أبو مسلم من عند أبي الحكم فنزل قرية سفيذنج، فنزل على سليمان بن كثير ~~الخزاعي لليلتين خلتا من رمضان، والكرماني وسيبان يقاتلان نصر بن سيار، فبص ~~ملمسم دعاته في الناس وأظهر أمره، فأتاه في ليلة واحدة أهل ستين قرية، فما ~~كان ليلة الخميس لخمس بقين من رمضان من السنة عقد اللواء الذي بعث به ~~الإمام الذي يدعى الظل على رمح طوله أربعة عشر ذراعا، وعقد الراية التي بعث ~~بها ms1886 إليه، وهي التي تدعى السحاب، على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعا، وهو يتلو: ~~" أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير " الحج:39، ~~ولبسوا السواد هو وسليمان بن كثير وإخوة سليمان ومواليه ومن كان أجاب ~~الدعوة من أهل سفيذنج، وأوقدوا النيران لليلتهم لسيعتهم من سكان ربع خرقا، ~~وكانت علامتهم، فتجمعوا إليه حين أصبحوا معدين، وتأول الظل والسحاب أن ~~السحاب يطبق الأرض وأن الأرض كما لا تخلو من الظل كذلك لا تخلو من خليفة ~~عباسي إلى آخر الدهر. وقدم على أبي مسلم الدعاة بمن أجاب الدعوة، فكان أول ~~من قدم عليه أهل التقادم مع أبي الوضاح في تسعمائة راجل وأربعة فرسان، ومن ~~أهل هرمز قره ججماعة، وقدم أهل التقادم مع أبي القاسم محرز بن إبراهيم ~~الجوباني في ألف وثلاثمائة راجل وستة عشر فارسا، فيهم من الدعاة أبو العباس ~~المروزي. فجعل أهل التقادم يكبرون من ناحيتهم ويجيبهم أهل التقادم ~~بالتكبير، فدخلوا عسكر أبي مسلم بسفيذنج بعد ظهوره بيومين. وحصن أبو سملم ~~حصن سفيذنج ورمه وسد دروبها. فلما حضر عيد الفطر أمر أبو مسلم سليمان بن ~~كثير أن يصلي به وبالشيعة، ونصب له منبرا بالعسكر، وأمره أن يبدأ بالصلاة ~~قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، وكان بنو أمية يبدأون بالخطبة قبل الصلاة ~~وبالأذان والإقامة، وأمر أبو سملم أيضا سليمان بن كثير بست تكبيرات تباعا، ~~ثم يقرأ ويركع بالسابعة ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعا، ثم ~~يقرأ ويركع بالسادسة ويفتح الخطبة بالتكبير ثم يختمها بالقرآن. وكان بنو ~~أمية يكبرون في الولى أربع تكبيرات يوم العيد وفي الثانية ثلاث تكبيرات. ~~فلما قضى سليمان الصلاة انصرف أبو سملم والشيعة إلى طعام قد اعده لهم، ~~فأكلوا مستبشرين. وكان أبو مسلم وهو في الخندق إذا كتب ألى نصر بن سيار ~~كتابا يكتب: للأمير نصر، فلما قوي أبو مسلم بمن اجتمع إليه بدأ بنفسه، فكتب ~~إلى نصر: أما بعد فإن الله تباركت أسماؤه عير أقواما في القرآن فقال: " ~~وأقسموا بالله جهد أيمانهم لن جاءهم نذير ليكونن أهدى ms1887 من إحدى الأمم، فلما ~~جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكر السيئ، ولا يحيق ~~المرك السييء إلا بأهله، فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله ~~تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا غافر:42 - 43.فتعاظم نصر الكتاب وكسر له ~~إحدى عينيه وقال: هذا كتاب ما له جواب. PageV02P0469 # وكان من الأحداث وأبو مسلم بسفيذنج أن نصرا وجه مولى له يقال له يزيد ~~لمحاربة أبي مسلم بعد ثمانية عشر شهرا من ظهوره، فوجه إليه أبو مسلم مالك ~~بن لهيثم الخزاعي، فالتقوا بقرية ألين، فدعاهم مالك إلى الرضا من آل رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم ، فاستكبروا عن ذلك، فقاتلهم مالك، وهو في نحو ~~مائتين من أول النهار إلى العصر؛ وقدم على أبي مسلم صالح بن سليمان الضبي ~~وإبراهيم بن زيد وزياد بن عيسى، فسيرهم إلى مالك، فقوي بهم، وكان قدومهم ~~إليه مع العصر، فقال مولى نصر: إن تركنا هؤلاء الليلة أتتهم أمدادهم، ~~فاحملوا على القوم. فحملوا عليهم، واشتد القتال، فحمل عبد الله الطائي على ~~مولى نصر فأسره وانهزم أصحابه، فأرسل الطائي بأسيره إلى أبي مسلم ومعه رؤوس ~~القتلى، فنصب الرؤوس وأحسن إلى يزيد مولى نصر وعالجه حتى اندمت جراحه، وقال ~~له: إن شئت أن تقيم معنا فقد أرشدك الله، وإن كرهت فارجع إى مولاك سالما ~~وأعطنا عهد الله أنك لا تحاربنا ولا تكذب علينا وأن تقول فينا ما رأيت. ~~فرجع إلى مولاه. وقال أبو سملم: إن هذا سيرد عنكم أهل الورع والصلاح فما ~~نحن عندهم على الإسلام، وكذلك كان عندهم يرجفون عليهم بعبادة الأوثان ~~واستحلال الدماء والأموال والفروج. فملا قدم يزيد على نصر قال: لا مرحبا! ~~فوالله ما ساتبقاك القوم إلا ليتخذوك حجة علينا. فقال: يزيد: هو والله ما ~~ظننت، وقد استحلفوني أن لا أكذب عليهم، وأنا أقول: إنهم والله يصلون الصلاة ~~لمواقيتها بأذان وإقامة، ويتلون القرآن، ويذكرون الله كثيرا، ويدعون إلى ~~ولاية رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، وما أحسب أمرهم إلا سعلو، ولولا أنك ~~مولاي لما رجعت ms1888 إليك ولأقمت معهم. فهذه أول حرب كانت بينهم. وفي هذه السنة ~~غلب خازم بن خزيمة على مرو الروذ وقتل عامل نصر بن سيار. وكان سبب ذلك أنه ~~لما أراد الخروج بمرو الروذ، وهو من شيعة بني العباس، منعه بنو تميم، فقال: ~~إنما أنا رجل منكم أريد أن أغلب على مرو، فإن ظفرت فهي لكم، وإن قتلت فقد ~~كفيتم أمري. فكفوا عنه، فعسكر بقرية يقال لها كنج رستاق، وقدم عليه من عند ~~أبي مسلم النضر بن صيح، فلما أمسى خازم بيت أهل مرو فقتل بشر بن جعفر ~~السعدي عامل نصر بن سيار عليها في أول ذي القعدة وبعث بالفتح إلى أبي مسلم ~~مع ابنه خزيمة بن خازم. وقد قيل في أمر أبي مسلم غير ما ذكرنا، والذي قيل: ~~إن إبراهيم الإمام زوج أبا مسلم لما توجه إلى خراسان ابنة أبي النجم وساق ~~عنه صداقها، وكتب إلى البقاء بالسمع والطاعة، وكان أبو مسلم من أهل خطرنية ~~من سواد الكوفة، وكان قخهرمانا لإدريس بن معقل العجلي، فصار أمره ومنتهى ~~ولائه لمحمد ابن علي، قم لابنه إبراهيم بن محمد، ثم للأئمة من ولد محمد، ~~فقدم خراسان وهو حديث السن، فلم يقبله سليمان بن كثير وخاف أن لا يقوى على ~~أمرهم فرد. وكان أبو دواد خالد بن إبراهيم غائبا خلف نهر بلخ، فلما رجع إلى ~~مرو أقرأوه كتاب الإمام إبراهيم، فسأل عن أبي مسلم، فأخبره أن سليمان بن ~~كثير رده،فجمع النقباء وقال لهم: أتاكم كتاب الإمام فيمن بعثه إليكم ~~فرددتموه، فما حجتكم؟ فقال سليمان: حداثة سنة وتخوفا أن لا يقدر على هذا ~~الأمر فخفنا على من دعونا وعلى أنفسنا. فقال: أو داود: هل فيكم أحد ينكر أن ~~الله تعالى أبعث، صلى الله عليه وسلم، واصفاه وبعثه إلى جميع خلقه؟ وقالوا: ~~لا. قال أفتشكون أن الله أنزل عليه كتابه فيه حلاله وحرامه وشرائعه وأنباؤه ~~وأخبر بما كان قبله وبما يكون بعده؟ قالوا:لا. قال: أفتشكون أن الله قبضه ~~إليه بعد أن أدى ما عليه من رسالة ربه؟ ms1889 قالوا.لا. قال: أفتظنون أن العلم ~~الذي أنزل إليه رفع معه أو خلفه؟ قالوا: بل خلفه؟ قالوا: بل خلفه. قال: ~~أفتظنون خلفه عند غير عترته وأهل بيته الأقرب فالأقرب؟ قالوا: لا. قال: ~~أفتشكون أن أهل هذا البيت معدن العلم وأصحاب ميراث رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، الذي علمه الله؟ قالوا: اللهم لا. قال: فأراكم قد شككتم في ~~أمركم ورددتم عليهم علمهم، ولو لم يعلموا أن هذا الرجل الذي ينبغي له أن ~~يقوم بأمرهم لم يبعثوه إليكم. وهو لا يتهم في نصرتهم وموالاتهم والقيام ~~بحقهم. فبعثوا إلى أبي مسلم فردوه من قومس بقول أبي دواد وولوه أمرهم ~~وأطاعوه، فلم تزل في نفس أبي مسلم على سليمان بن كثير، ولم يزل يعرفها لأبي ~~داود. PageV02P0470 # وبث الدعاة في أقطار خراسان، فدخل الناس أفواجا وكثروا، وفشت الدعاة ~~بخراسان كلها، وكتب إليه إبراهيم الإمام أن يوافيه في موسم سنة تسع وعشرين ~~ليأمره بأمره في إظهار دعوته وأن يقدم معه قحطبة بن شبيب ويجمل إليه ما ~~اجتمع عنده من الأموال. ففعل ذلك وسار في جماعة من النقباء والشيعة، فلقيه ~~كتاب الإمام يأمره بالرجوع إلى خراسان وإظهار الدعوة بها؛ وذكر قريبا مما ~~تقدم من تسيير المال مع قحطبة وأن قحطبة سار فنزل بنواحي جرجان، فاستدعى ~~خالد بن برمك وأبا عون فقدما عليه ومعهما ما اجتمع عندهما من مال الشيعة، ~~فأخذ منهما وسار نحو إبراهيم الإمام. ### || AUT ذكر مقتل الكرماني # قد ذكرنا مقتل الحارث بن سريج وأن الكرماني قتله؛ ولما قتله خلصت له مرو ~~وتنحى نصر عنها، فأرسل نصر إليه سالم بن أحوز في رابطته وفرسانه، فوجد يحيى ~~بن نعيم الشيباني واقفا في ألف رجل من ربيعة، ومحمد بن المثنى في سبعمائة ~~من فرسان الأزد، وابن الحسن بن الشيخ في ألف من فتيانهم، والجرمي السعدي في ~~ألف من أبناء اليمن. فقال سالم لمحمد بن المثنى: يا محمد قل لهذا الملاح ~~ليخرج إلينا؛ يعني الكرماني. فقال محمد: يا ابن الفاعلة لأبي علي تقول هذا! ~~واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم سالم ms1890 بن أحوز وقتل من أصحابه زيادة على مائة، ~~ومن أصحاب الكرماني زيادة على عشرين. فلما قدم أصحاب نصر عليه منهزمين قال ~~له عصمة بن عبد الله الأسدي: يا نصر شأمت العرب! فأما إذ فعلت فشمر عن ساق. ~~فوجه عصمة في جمع، فوقف موقف سالم فنادى يا محمد بن المثنى! لتعلمن أن ~~السمك لا يأكل اللخم واللخم دابة من دواب الماء تشبه السبع يأكل السمك فقال ~~له محمد: يا بن الفاعلة قف لنا إذا! وأمر محمد السعدي، فخرج إليه في أهل ~~اليمن فاقتلوا قتالا شديدا، وانهزم عصمة حتى أنى نصرا وقد قتل من أصحابه ~~أربعمائة. ثم أرسل نصر مالك بن عمرو التميمي في اصحابه، فنادى: يابن المثنى ~~ابز إلي! فبرز إليه، فضربه مالك على حبل عاتقه فلم يصنع شيئا، وضربه محمد ~~بعمود فشدخ رأسه، والتحم القتال فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزم أصحاب نصر ~~وقد قتل منهم سبعمائة، ومن أصحاب الكرماني ثلاثمائة، ولم يزل الشر بينهم ~~حتى خرجوا إلى الخندقين فاقتتلوا قتالا شديدا. فلما استيقن أبو مسلم أن كلا ~~الفريقين قد أثخن صاحبه وأنه لا مدد لهم جعل يكتب إلى سيبان ثم يقول ~~للرسول: اجعل طريقك على مضر فإنهم سأخذون كتبك، فكانوا يأخذونها فيقرأون ~~فيها: إني رأيت أهل اليمن لا وفاء لهم ولا خير فيهم فلا تثقن بهم ولا تطئن ~~إليهم، فإني أرجو أن يريك الله في اليمانية ما تحب، ولئن بقيت لا أدع لها ~~شرعا ولا ظفرا. ويرسل رسولا آخر بكتاب فيه ذكر مضر بمثل ذلك ويأمر الرسول ~~أن يجعل طريقه على اليمانية، حتى صار هوى الفريقي معه، ثم جعل يكتب إلى نصر ~~ابن سيار وإلى الكرماني: إن الإمام أوصاني بكم ولست أعدو رأيه فيكم. وكتب ~~إلى الكور بإظهار الأمر؛ فكان أول من سود أسد بن عبد الله الخزاعي بنسا، ~~ومقاتل بن حكيم، وابن غزوان، ونادوا: يا محمد! يا منصور! وسود أهل أبيورد ~~وأهل مرو الزوذ وقرى مرو. وأقبل أبو مسلم حتى نزل بين خندق الكرماني وخندق ~~نصر، وهابه الفريقان، وبعث إلى ms1891 الكرماني: إني معك. فقبل ذلك الكرماني، ~~فانضم أبو مسلم إليه، فاشتد ذلك على نصر بن سيار، فأرسل إلى الكرماني، ويحك ~~لا تغتر! فوالله إني لخائف عليك وعلى أصحابك منه، فادخل مرو ونكتب كتابا ~~بيننا بالصلح. وهو يريد أن يفرق بين وين أبي مسلم. فدخل الكرماني منزله، ~~واقام أبو مسلم في العسكر، وخرج لنكتب بيننا ذلك الكتاب. فأبصر نصر منه ~~غرة، فوجه إليه ابن الحارث بن سريج في نحو من ثلاثمائة فارس في الرحبة، ~~فالتقوا بها طويلا ثم إن لكرماني طعن في خاصرته فخر عن دابته وحماه أصحابه ~~حتى جاءهم ما لا قبل لهم به، فقتل نصر ابن سيار الكرماني وصلبه وصلب معه ~~سمكة. PageV02P0471 # وأقبل ابنه علي وقد جمع جمعا كثير، فصار إلى أبي مسلم واستصحبه معه ~~فقاتلوا نصر بن سيار حتى أخرجوه من دار الإمارة، فمال إلى بعض دور مرو ~~وأقبل أبو مسلم حتى دخل مرو، وأتاه علي بن الكرماني وأعلمه أنه مع وسلم ~~عليه بالإمرة وقال له: مرني بأمرك بإني مساعدك على ماتريد. فقال: أقم على ~~ما أنت عليه حتى آمرك بأمري. ولما نزل أبو مسلم بين خندق الكرماني ونصر ~~ورأى نصر قوته كتب إلى مروان بن محمد يعلمه حال أبي مسلم وخروجه وكثرة من ~~معه، فإنه يدعوا إلى إبراهيم بن محمد،وكتب بأبيات، شعر: أرى بين الرماد ~~وميض نار ... وأخشى أن يكون له ضرام فإن الناس بالعودين تذكى ... وإن الحرب ~~مبدأها كلام فقلت من التعجب ليت شعري ... أأقاظ أمية أم نيام نصر: أما ~~صاحبكم فقد أعلمكم أنه لا نصر عنده. فكتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يستمده، ~~وكتب له بأبيات، شعر: أبلغ يزيد وخير القول صدقه ... وقد تيقنت أن لا خير ~~في الكذب أن خراسان أرض قد رأيت بها ... بيضا لو أفرج قد حدثت بالعجب فراخ ~~عامين إلا أنها كبرت ... لما يطرن وقد سربلن بالزغب ألا تدارك بخيل الله ~~معلمة ... الهبن نيران حرب إيما لهب فقال يزيد: لاتكثر فليس له عندي رجل. ~~فلما قرأ مروان كتاب نصر تصادف ms1892 وصول كتابه وصول رسول لأبي مسلم إلى ~~إبراهيم، وقد عاد من عند إبراهيم ومعه جواب أبي مسلم يلعنه إبراهيم ويسبه ~~حيث لم ينتهز الفرصة من نصر والكرماني إذ أمكناه، ويأمر أن لا يدع بخراسان ~~متكلما بالعربية إلا قتله. فلما قرأ الكتاب كتب إلى عامله بالبلقاء ليسير ~~إلى الحميمة وليأخذ إبراهيم بن محمد فيشده وثاقا ويبعث به إلى، ففعل ذلك، ~~فأخذه مروان وحبسه. ### || AUT ذكر تعاقد أهل خراسان على أبي مسلم # وفي هذه السنة تعاقدت عامة قبائل العرب بخراسان على قتال أبي مسلم وفيها ~~تحول أبو مسلم من معسكره بسفيذنج إلى الماخوان. وكان سبب ذلك أن أبا مسلم ~~لما ظهر أمره سارع إليه الناس، وجعل أهل مرو يأتونه ولا يعرض لهم نصر ولا ~~يمنعهم، وكان الكرماني وشيبان لا يكرهان أمر أبي مسلم لأنه دعا إلى خلع ~~مروان، وأبو مسلم في خباء ليس له حرس ولا حجاب، وعظم أمره عند الناس ~~وقالوا: ظهر رجل من بني هشام له حلم ووقار وسكينة. فانطلق فتية من أهل مرو ~~نساك يطلبون الفقه إلى أبي مسلم فسألوه عن نسبه، فقال: خيري حخير لكم من ~~نسبي؛ وسألوه أشياء من الفقه فقال: أمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر خير ~~لكم من هذا، ونحن إلى عونكم أحوج منا إلى مسألتكم فاعفونا. فقالوا: ما نعرف ~~لك نسبا ولا نظنك تبقى إلا قليلا حتى تقتل، وما بينك وبين ذلك إلا أن يتفرع ~~أحد هذين الأميرين. فقال أبو مسلم: أنا أقتلهما إن شاء الله. فأتوا نصرا ~~فأخبروه، فقال: جزاكم الله خيرا، مثلكم من يفتقد هذا ويعرفه. وأتوا شيبان ~~فأعلمه فأرسل إليه نصر: إنا قد أشجى بعضنا بعضا، فأكفف عني حتى أقاتله، وإن ~~شئت فجامعني إلى حربه حتى أقتله أو انفيه ثم نعود إلى أمرنا الذي نحن عليه. ~~فهم شيبان أن يفعل ذلك، فأتى الخبر أبا مسلم، فكتب إلى علي بن الكرماني: ~~إنك موتور قتل أبوك، ونحن تعلم أنك لست على راي شيبان، وإنما تقتل لثأرك. ~~فامتنع شيبان من صلح نصر. فدخل على شيبان ms1893 فثناه عن رأيه، فأرسل نصر إلى ~~شيبان: إنك لمغرور، والله ليفاقمن هذا الأمر حتى يستصغرني في جنبه كل كبير؛ ~~وقال شعرا يخاطب به ربيعة واليمن ويحثهم على الاتفاق معه على حرب أبي مسلم: ~~أبلغ ربيعة في مرو وفي يمن ... أن اغضبوا قبل أن لا ينفع الغضب ما بالكم ~~تنشبون الحرب بينكم ... كأن أهل الحجى عن رأيكم غيب وتتركون عدوا قد أحاط ~~بكم ... ممن تأشب لا دين ولا حسب لا عرب مثلكم في الناس نعرفهم ... ولا ~~صريح موال إن هم نسبوا من كان يسألني عن أصل دينهم ... فإن دينهم أن تهلك ~~العرب قوم يقولون قولا ما سمعت به ... عن النبي ولا جاءت به الكتب ~~PageV02P0472 # فبينا هم كذلك إذ بعث أبو مسلم النضر بن نعيم الضبي إلى هراة وعليها عيسى ~~بن عقيل بن معقل الليثي، فطرده عنها، فقدم على نصر منهزما وغلب النضر على ~~هراة. فقال يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيباني لابن الكرماني وشيبان: اختاروا ~~إما أنكم تهلكون أنتم قبل مضر أو مضر قبلكم. قالوا: وكيف ذلك؟ قال: إن هذا ~~الرجل إنما ظهر أمره منذ شه وقد صار في عسكره مثل عسكركم. قالوا: فما ~~الرأي؟ قال: صالحوا نصرا، فإنكم إن صالحتموه قاتلوا نصرا وتركوكم لأن الأمر ~~في مضر، وإن لم تصالحوا نصرا صالحوه وقاتوكم، فقدموا مضر قبلكم ولو سعة من ~~نهار فتقر أعينكم بقتلهم. فأرسل شيبان إلى نصر يدعوه إلى الموادعة، فأجابه ~~وأرسل سالم بن أحوز بكتاب الموادعة، فأتى شيبان وعنده ابن الكرماني: يا ~~أعور! ما أخلقك أن تكون الأعور الذي يكون هلاك مضر على يده! ثم توادعوا سنة ~~وكتبوا كتابا. فبلغ ذلك أبا مسلم فكتب إلى شيبان: إنا نوادعك أشهرا فوادعنا ~~ثلاثة أشهر. فقال ابن الكرماني: إني ما صالحت نصرا إنما صالحه شيبان، وأنا ~~لذلك كاره، وأنا موتور بقتله أبي ولا أدع قتاله. فعاود القتال، ولم تعنه ~~شيبان وقال: لا يحل الغدر. فأرسل ابن الكرماني إلى أبي مسلم يستنصره، فأقبل ~~حتى نزل الماخوان، وكان مقامه بسفيذنج اثنين وأربعين يوما، ولما ms1894 نزل ~~الماخوان حفر بها خندقا وجعل للخندق بابين فعسكر به، واستعمل على الشرط أبا ~~نصر مالك بن الهيثم، وعلى الحرس أبا إسحاق خالد بن عثمان، وعلى ديوان الجند ~~كامل ابن مظفر أبا صالح، وعلى الرسائل أسلم بن صبيح، وعلى القضاء قاسم ابن ~~مجاشع النقيب، وكان القاسم يصلي بأبي مسلم فيقص القصص بعد العصر فيذكر فضل ~~بني هاشم ومعايب بني أمية. ولما نزل أبو مسلم الماخوان أرسل إلى ابن ~~الكرماني: إني معك على نصر. فقال ابن الكرماني: إني أحب أن يلقاني أبو ~~مسلم. فأتاه أبو مسلم فأقام غنده يومين ثم رجع إلى الماخوان، وذلك لخمس ~~خلون من المحرم سنة ثلاثين ومائة. وكان أول عامل استعمله أبو مسلم على شيء ~~من العمل داود بن كرار، فرد أبو مسلم العبيد عنه واحتفر لهم خندقا في قرية ~~شوال وولى الخندق داود بن كرار، فلما اجتمعت للعبيد جماعة وجههم إلى موسى ~~بن كعب بأبيورد. وأمر أبو مسلم كامل بن مظفر أن يعرض الجند ويكتب أسمائهم ~~وأسماء آبائهم ونسبتهم إلى القرى، ويجعل ذلك في دفتر، فبلغت عدتهم سبعة ~~آلاف رجل، ثم إن القبائل من ربيعة ومضر واليمن توادعوا على وضع الحرب وأن ~~تجتمع كلمتهم على محربة أبي مسلم. وبلغ أبا مسلم الخبر معظم عليه وناظر ~~فإذا الماخوان سافلة الماء، فتخوف أن يقطع نصر عنه الماء فتحول إلى آلين، ~~وكان مقامه بالماخوان أربعة أشهر، فنزل آلين وخندق بها. وعسكر نصر بن سيار ~~على نهر عياض، وجعل عاصم بن عمرو ببلاش جرد، وأبا الذيال بطوسان، فأنزل أبو ~~الذيال جنده على أهلها، وكان عامة أهلها مع أبي مسلم في الخندق، فآذوا أهل ~~طوسان وعسفوهم وسير إليهم أبو مسلم جندا، فلقوا أبا الذيال فهزموه وأسروا ~~من أصحابه نحوا من ثلاثين رجلا، فكساهم أبو مسلم وداوى جراحهم وأطلقهم. ~~ولما استقر بأبي مسلم معسكره بآلين أمر محرز بن إبراهيم أن يسير في جماعة ~~ويخندق بجيرنج ويجتمع عنده جمع من الشيعة ليقطع مادة نصر من مرو الروذ وبلخ ~~وطخارستان، ففعل ذلك، واجتمع عنده ms1895 نحو من ألف رجل، فقطع المادة عن نصر. ### || AUT ذكر غلبة عبد الله بن معاوية على فارس وقتله # وفي هذه السنة غلب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعقر على فارس ~~وكورها، وقد تقدم ذكر ظهوره بالكوفة وانهزامه وخروجه من الكوفة نحو ~~المدائن. فلما وصل إليها أتاه ناس من أهل الكوفة وغيرها، فسار إلى الجبال ~~وغلب عليها وعلى حلوان وقومس وأصبهان والري، وخرج إليه عبيد أهل الكوفة ~~وأقام بأصبهان. PageV02P0473 # وكان محرب بن موسى مولى بني يشكرعظيم القدر بفارس، فجاء إلى دار الإمارة ~~بإصطخر فطرد عامل بن عمر عنها وبايع الناس لعبد الله بن معاوية،وخرج محارب ~~إلى كرمان فأغار عليها، وانضم إلى محارب قواد من أهل الشام، فسار إلى مسلم ~~بن المسيب، وهو عامل ابن عمر بشيراز، فقتله في سنة ثمان وعشرين، ثم خرج ~~محارب إلى اصبهان إلى عبد الله بن معاوية فحوله إلى اصطخر، فأقام بها، ~~وأتاه الناس بنو هاشم وغيرهم، وجبا المال وبعث العمال، وكان معه منصور بن ~~جمهوروسليمان بن هشام بن عبد الملك، وأتاه شيبان بن عبد العزيز الخارجي، ~~على ما تقدم، وأتاه أبو جعفر المنصور، وأتاه عبد الله وعيسى ابنا علي بن ~~عبد الله بن عباس. ولما قدم ابن هبيرة على العراق أرسل نباتة بن حنظلة ~~الكلابي إلى عبد الله ابن معاوية، وبلغ سليمان ابن حبيب أن ابن هبيرة ~~استعمل نبلتة على الأهواز فسرح داود بن حاتم، فأقام بكرخ دينار يمنع نباتة ~~من الأهواز، فقاتله فقتل داود وهرب سليمان من الأهواز إلى سابور، وفيها ~~الأكراد قد غلبوا عليها، فقاتلهم سليمان وطردهم عن سابور وكتب إلى ابن ~~معاوية بالبيعة. ثم إن محارب بن موسى اليشكري نافر ابن معاوية وفارقه وجمع ~~جمعا فأتى سابور فقاتله يزيد بن معاوية أخو عبد الله، فانهزم محارب وأتى ~~كرمان فأقام بها حتى قدم محمد بن الأشعث فصار معه، ثم نافره فقتله ابن ~~الأشعث وأربعة وعشرين ابنا له، ولم يزل عبد الله بن معاوية باصطخرحتى أتاه ~~ابن ضبارة مع داود بن يزيد ms1896 بن عمر بن هبيرة، وسير ابن هبيرة أيضا معن بن ~~زائدة من وجه آخر، فقاتلهم معن عند مرو شاذان؛ ومعن يقول: ليس أمير القوم ~~بالخب الخدع ... فر من الموت وفي الموت وقع وانهزم ابن معاوية فكف معن ~~عنهم، وقتل في المعركة رجل من آل أبي لهب، وكان يقال: يقتل رجل من بني هاشم ~~بمرو الشاذان، وأسروا أسرى كثيرة، فقتل ابن ضبارة منهم عدة كثيرة، وهرب ~~منصور بن جمهور إلى السند، وعبد الرحمن بن يزيد إلى عمان، وعمرو بن سهل بن ~~عبد العزيز بن مروان إلى مصر،وبعث ببقية الأسرى إلى ابن هبيرة فأطلقهم، ~~ومضى ابن معاوية إلى خراسان. فسار معن بن زائدة يطلب منصور بن جمهور فلم ~~يدركه، فرجع. وكان ابن معاوية من الخوارج وغيرهم خلق كثير، فأسر منهم ~~أربعون ألفا، فيهم: عبد الله بن علب بن عبد الله بن عباس، فسبه ابن ضبارة ~~وقال له: ما جاء بك إلى ابن معاوية وقد عرفت خلافة لأمير المؤمنين؟ فقال: ~~كان علي دين فأتيته. فسفع فيه حرب بن قطن الهلالي وقال: هو ابن أختنا، ~~فوهبه له. فعاب عبد الله بن معاوية ورمى أصحابه باللواط، فسبره ابن ضبارة ~~إلى ابن هبيرة ليخبره أخبار ابن معاوية، وسار في طلب عبد الله بن معاوية ~~إلى شيراز فحصره، فخرج عبد الله بن معاوية منها هاربا ومعه أخواه الحسن ~~ويزيد ابنا معاوية وجماعة من أصحابه، وسلك المفازة على كومان، وقصد خراسان ~~طمعا في أبي مسلم لأنه يدعو إلى الرضاء من آل محمد وقد استولى على خراسان، ~~فوصل إلى نواحي هراة وعليها أبو نصر مالك بن الهيثم الخزاعي، فأرسل إلى ابن ~~معاوية يسأله عن قدومه، فقال: بلغني أنكم تدعون إلى الرضاء من آل محمد ~~فأتيتكم. فأرسل إليه مالك: انتسب نعرفك. فانتسب له، فقال: أما عبد الله ~~وجعفر فمن أسماء آل رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، وأما معاوية فلا نعرفة ~~في أسمائهم، فقال: إن جدي كان عند معاوية لما ولد له أبي، فطلب إليه أن ~~يسمي إبنه باسمه ففعل، ms1897 فأرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم. فأرسل إليه مالك: ~~لقد اشتريتم الإسم الخبيث بالثمن اليسير ولا نرى لك حقا فيما تدعو إليه. ثم ~~أرسل إلى أبي مسلم يعرفه خبره، فأمره بالقبض عليه وعلى من معه، فقبض عليهم ~~وحبسهم، ثم ورد عليه كتاب أبي مسلم يأمره بإطلاق الحسن ويزيد ابني معاوية ~~وقتل هبد الله بن معاوية، فأمر من وضع فراشا على وجهه فمات، فأخرج فصلي ~~عليه ودفن؛ وفبره بهراة معروف يزار، رحمه الله. ### || AUT ذكر أبي حمزة الخارجي وطالب الحق # PageV02P0474 # وفي هذه السنة قدم أبو حمزة وبلج بن عقبة الأزدي الخارجي من الحج من فبل ~~عبد الله بن يحيى الحضرمي طالب الحق محكما للخلاف على مروان بن محمد، ~~فبينما الناس بعرفة ما شعروا إلا وقد طلعت عليهم أعلام وعمائم سود على رؤوس ~~الرماح وهم سبعمائة، ففزع الناس حين رأوهم وسألوهم عن حالهم، فأخبروهم ~~بخلافهم مروان وآل مروان. فراسلهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وهو ~~يومئذ على مكة والمدينة، وطلب منهم هدنة، فقالوا: نحن بحجنا أضن وعليه أشح. ~~فصالحهم على أنهم جميعا آمنون بعضهم من بعض حتى ينفر الناس النفر الأخير، ~~فوقفوا بعرفة على حدة. فدفع بالناس عبد الواحد فنزل بمنى في منزل السلطان، ~~ونزل أبو حمزة بقرن الثعالب. فأرسل عبد الواحد إلى أبي حمزة الخارجي عبد ~~الله بن الحسن بن الحسن بن علي، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد ~~الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبيد الله بن عمرو بن حفص بن عاصم ~~بن عمر بن الخطاب، وربيعة بن أبي عبد الرحمن في رجال أمثالهم، فدخلوا على ~~أبي حمزة وعليه إزار قطن غليظ، فتقدمهم إليه عبد الله بن الحسن ومحمد بن ~~عبد الله فنسبهما فانتسبا إليه، فعبس في وجههما وأظهر الكراهة لهما ثم سأل ~~عبد الرحمن بن القاسم وعبيد الله بن عمر فانتسبا له، فهش إليهما وتبسم في ~~وجوههما وقال: والله ما خرجنا إلا لنسير بسيرة أبويكما. فقال له عبد الله ~~بن الحسن: والله ms1898 ما خرجنا لتفضل بين آبائنا، ولكن بعثنا إليك الأمير ~~برسالة، وهذا ربيعة يخبركما. فلما ذكر له ربيعة نقض العهد قال أبو حمزة: ~~معاذ الله أن ننقض العهد أو نخيس به، لا والله لا أفعل ولو قطعت رقبتي هذه ~~ولكن تنقضي الهدنة بيننا وبينكم. فرجعوا إلى عبد الواحد فأبلغوه. فلما كان ~~النفر الأول نفر عبد الواحد فيه ووخلى مكة، فدخلها أبو حمزة بغير قتال؛ ~~فقال بعضهم في عبد الواحد: زار الحجيج عصابة قد خالفوا ... دين الإله ففر ~~عبد الواحد ترك الحلائل والإمارة هاربا ... ومضى يخبط كالبعير الشارد ثم ~~مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة فضرب على أهلها البعث وزادهم في العطاء ~~عشرة عشرة، واستعمل عليهم عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، ~~فخرجوا، فلما كانوا بالحرة تلقتهم جزر منحورة فمضوا. ### || AUT ذكر ولاية يوسف بن عبد الرحمن الفهري بالأندلس # وفي هذه السنة توفي ثوابة بن سلامة أمير الأندلس، وكانت ولايته سنتين ~~وشهورا، فلما توفي اختلف الناس، فالمضرية أرادت أن يكون الأمير منهم، ~~واليمانية أرادت كذلك أن يكون الأمير منهم، فبقوا بغير أمير، فخاف الصميل ~~الفتنة فأشار بأن يكون الوالي من قريش، فرضوا كلهم بذلك، فاختار لهم يوسف ~~بن عبد الرحمن الفهري، وكان يومئذ بإلبيرة، فكتبوا إليه بما اجتمع عليه ~~الناس من تأميره، فامتنع. فقالوا له: إن لم تفعل وقعت الفتنة ويكون إثم ذلك ~~عليك. فأجاب حينئذ وسار إلى قرطبة فدخلها وأطاعه الناس. فلما انتهى إلى أبي ~~الخطار موت ثوابة وولاية يوسف فقال: إنما أراد الصميل أن يصير الأمر إلى ~~مضر؛ وسعى في الناس حتى ثارت الفتنة بين اليمن ومضر. فلما رأى يوسف ذلك ~~فارق قصر الإمارة بقرطبة وعاد إلى منزله، وسال أبو الخطار إلى شقندة، ~~فاجتمعت إليه اليمانية، واجتمعت المضرية إلى الصميل وتزاحفوا واقتتلوا ~~أياما كثيرة قتالا لم يكن بالأتدلس أعظم منه، ثم أجلت الحرب عن هزيمة ~~اليمانية، ومضى أبو الخطار منهزما فاستتر في رحى كانت للصميل، فدل عليه، ~~فأخذه الصميل وقتله، ورجع يوسف بن عبد الرحمن إاى القصر، ms1899 وازجاد الصميل ~~شرفا، وكان اسم الإمارة ليوسفوالحكم إلى الصميل. ثم خرج على يوسف بن عبد ~~الرحمن ابن علقمة اللخمي بمدينة أربونة، فلم يلبث إلا قليلا حتى قتل وحمل ~~رأسه إلى يوسف. وخرج عليه عذره المعروف بالذمي؛ فإنما قيل له ذلك لأنه ~~استعان بأهل الذمة؛ فوجه إليه بوسف عامر بن عمرو، وهو الذي تنسب إليه مفبرة ~~عامر من أبواب قرطبة، فلم يظفر به وعاد مفلولا، فسار إليه يوسف بن عبد ~~الرحمن فقاتله فقتله واستباح عسكره. وقد وردت هذه الحادثة من حهة أخرى ~~وفيها بعض الخلاف، وسنذكرهاسنة تسع وثلاثين ومائة عند دخول عبد الرحمن ~~الأموي الأندلس. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV02P0475 # وحج بالناس عبد الواحد، وهو كان العامل على مكة والمدينة والطائف. وكان ~~على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم ~~المحاربي، وعلى البصرة عباد بن منصور، وكان على خراسان نصر بن سيار والفتنة ~~بها. وفيها مات سالم أبو نصر. وفيها مات يحيى بن يعمر العدوي بخراسان، وكان ~~قد تعلم النحو من أبي الأسود الدؤلي، وكان من فصحاء التابعين. وفيها مات ~~أبو الزناد بن عبد الله بن ذكوان. وفيها مات وهب بن كيسان. ويحيى بن أبي ~~كثير اليمامي أبو نصر. وسعيد بن أبي صالح. وأبي اسحاق الشيباني. والحارث بن ~~عبد الرحمن. ورقبة بن مصقلة الكوفي. ومنصور بن زادان مولى عبد الرحمن بن ~~أبي عقيل الثقفي، وشهد جنازته المسلمون واليهود والنصارى والمجوش لإتفاقهم ~~على صلاحه، وقيل: مات سنة إحدى وثلاثين. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاثين ومائة # ### || AUT ذكر دخول أبي مسلم مرو والبيعة بها # وفي هذه السنة دخل أبو مسلم مرو في ربيع الآخر، وقيل في جمادى الأولى. ~~وكان السبب في ذلك في اتفاق ابن الكرماني معه. إن ابن الكرماني ومن معه ~~وسائر القبائل بخراسان لما عاقدوا نصرا على أبي مسلم غظم عليه وجمع أصحابه ~~لحربهم، فكان سليمان بن كثير بإزاء ابن الكرماني، فقال له سليمان: إن أبا ~~مسلم يقول لك: أما تأنف من مصالحة نصر وقد قتل بالأمس ms1900 أباك وصلبه؟ وما كنت ~~أحسبك تجامع نصرا في مسجد تصليان فيه! فأحفظه هذا الكلام، فرجع عن رأيه ~~وانتقض صلح العرب. فلما انتقض صلحهم بعث نصر إلى أبي مسلم يلتمس منه أن ~~يدخل مع مضر، وبعث أصحاب ابن الكرماني،وهم ربيعة واليمن، إلى أبي مسلم بمثل ~~ذلك،فراسلوه بذلك أياما، فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين حتى ~~يختار أحدهما، ففعلوا، وأمر أبو مسلم الشيعة أن تختار ربيعة واليمن، فإن ~~الشيطان في مضر، وهم أصحاب مروان وعماله وقتلة يحيى بن زيد. فقدم الوفدان، ~~فجلس أبو مسلم ولأجلسهم وجمع عنده من الشيعة سبعين رجلا فقال لهم ليختاروا ~~أحد الفريقين. فقام سليمان بن كثير من الشيعة فتكلم، وكان خطيبا مفوها، ~~فاختارابن الكرماني وأصحابه، ثم قام أبو منصور طلحة ابن زريق النقيب ~~فاختارهم أيضا، ثم قام مرثد بن شقيق السلمي فقال: إن مضر قتلة آل النبي، ~~صلى الله عليه وسلم ، وأعوان بني أمية وشيعة مروان الجعدي وعماله ودماؤنا ~~في أعناقهم وأموالنا في أيديهم، ونصر بن سيار عامل مروان يتعد أموره ويدعو ~~له على منبره ويسميه أمير المؤمنين، ونحن نبرأ إلى الله، عز وجل، من أن ~~يكون نصر على هدى، وقد اخترنا علي بن الكرماني وأصحابه. فقالالسبعون: القول ~~ما مرثد بن شفيق. فنهض وفد وقد نصر عليهم الكآبة والذلة، ورجع وفد ابن ~~الكرماني منصورين. ورجع أبو مسلم من آلين إلى الماخوان وأمر الشيعة أن ~~يبنوا المساكن فقد أغناهم الله من اجتماع كلمة العرب عليهم. ثم أرسل إلى ~~أبي مسلم علي بن الكرماني ليدخل مدينة مرو من ناحيته وليدخل هو وعشيرته من ~~الناحية الأخرى، فأرسل إليه أبو مسلم: إني لست آمن أن تجتمع يدك ويد نصر ~~على محاربتي، ولكن ادخل أنت وأنشب الحرب مع أصحاب نصر. PageV02P0476 # فدخل ابن الكرماني فأنشب الحرب، وبعث أبو مسلم شبل بن طهمان النقيب في ~~خيل فدخلوها، ونزل شبل بقصر بخاراخذاه، وبعث إلى أبي مسلم ليدخل إليهم، ~~فسار من الماخوان وعلى مقدمته أسيد بن عبد الله الخزاعي، وعلى ميمنته مالك ~~بن الهيثم الخزاعي، ms1901 وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع التميمي. فدخل مرو ~~والفريقان يقتتلان، فأمرهما بالكف وهو يتلو من كتاب الله عز وجل: " ودخل ~~المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا ~~من عدوه " القصص:15 الآية. ومضى أبو مسلم إلى قصر الإمارة، وأرسل إلى ~~الفريقين أن كفوا ولينصرف كل فريق إلى عسكره، ففعلوا وصفت مرو لأبي مسلم، ~~فأمر بأخذ البيعة من الجند، وكان الذي يأخذها أبو منصور طلحة بن رزيق، وكان ~~أحد النقباء عالما بحجج الهاشمية ومعايب الأموية. وكان النقباء اثنني عشر ~~رجلا اختارهم محمد بن علي من السبعين الذين كانوا استجابوا له حين بعث ~~رسوله إى خراسان سنة ثلاث ومائة أو أربع ومائة، ووصف له من العدل صفة، وكان ~~منهم من خزاعة: سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، وزياد بن صالح، وطلحة بن ~~زريق، وعمرو بن أعين؛ ومن طيء: قحطبة بن شبيب بن خالد ابن معدان؛ ومن تميم: ~~موسى بن كعب أبو عيينة، ولاهز بن قريط، والقاسم ابن مجاشع،وأسلم بن سلام؛ ~~ومن بكر بن وائل: أبو داود بن إبراهيم الشيباني، وأبو علي الهروي، ويقال ~~شبل بن طهمان مكان عمرو بن أعين، وعيسى بن كعب، وأبو النجم إسماعيل بن ~~عمران مكان أبي علي الهروي، وهو ختن أبي مسلم؛ ولم يكن في النقباء أحد ~~والده حتى غير أبي منصور طلحة ابنرريق بن سعد، وهو أبو زينب الخزاعي، وكان ~~قد شهد حرب ابن الأشعث وصحب المهلب وغزامة. وكان أبو مسلم يشاوره في الأمور ~~ويسأله عنها وعما شهد من الحروب. وكانت البيعة: أبا يعكم على كتاب الله ~~وسنة رسوله محمد، صلى الله عليه وسلم ، والطاعة للرضا من أهل بيت رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم ، وعليكم بذلك عهد الله وميثاقه والطلاق والعتاق ~~والمشي إلى بيت الله الحرام، وعلى أن لا تسألوا رزقا ولا طعما حتى يبتدئكم ~~به ولا تكم. رزيق بتقديم الراء على الزاي. ### || AUT ذكر هرب نصر بن سيار من مرو # ثم أرسل أبو مسلم لاهز بن قريظ في جماعة ms1902 إلى نصر بن سيار يدعوه إلى كتاب ~~الله عز وجل، والرضاء من آل محمد، فلما رأى ما جاءه من اليمانية والربيعية ~~والعجم وأنه لا طاقة له بهم أظهر قبول ما أتاه به وأنه يأتيه ويبايعه، وجعل ~~يرشيهم لما هم من الغدر والهرب، إلى أن أمسوا، وأمر أصحابه أن يخرجوا من ~~ليلتهم إلى مكان يأمنون فيه، فقال له سالم بن احوز: لا يتهيأ لنا الخروج ~~الليلة ولكننا نخرج القابلة. فلما كان الغد عبأ مسلم أصحابه وكتائبه إلى ~~بعد الظهر وأعاد إلى نصر لاهز بن قريط وجماعة معه، فدخلوا على نصر، فقال: ~~ما أسرع ما عدتم! فقال له لاهز بن قريط: لا بد لك من ذلك. فقال نصر: إذا ~~كان لابد من ذلك فإني أتوضأ وأخرج إليه، وأرسل إلى أبي مسلم، فغن كان هذا ~~رأيه وأمره أتيته، وأتهيأ إلى أن يجيء رسولي. فقام نصر، فلما قام قرأ لاهز ~~بن قريظ: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين القصص:20. ~~فدخل نصر منزله وأعلمهم أنه ينتظر انصراف رسوله من عند أبي مسلم. فلما جنه ~~الليل خرج من خلف حجرته ومعه تميم ابنه والحكم بن نميلة النميري وامرأته ~~المزبانة وانطلقوا هرابا، فلما استبطأ لاهز وأصحابه دخلوا منزله فوجدوه قد ~~هرب. فلما بلغ ذلك أبا مسلم سار إلى معسكر نصر وأخذ ثقات أصحابه وصناديدهم ~~فكتفهم وكان فيهم سالم بن أحوز صاحب شرطة نصر، والبختري كاتبه، وابنان له، ~~ويونس بن عبدويه، وحمد بن قطن، ومجاهد بن يحيى بن حضين، وغيرهم، فاستوثق ~~منهم بالحدي، وكانوا في الحبس عنده، وسار أبو سملم وابن الكماني في طلب نصر ~~ليلتهما، فأدركا امرأته قد خلفها وسار، فرجع أو مسلم وابن الكرماني إلى ~~مرو، وسار نصر: ما الذي ارتاب به نصر حتى هرب؟ قالوا: لا ندري. قال: فهل ~~تكلم أحد منكم بشيء؟ قالوا تلا لاهز هذه الآية: إن الملأ يأتمرون بك. قال: ~~هذا الذي دعاه إلى الهرب. قم قال: يا لاهز تدغل في الدين! ثم قتله. واستشار ~~أبو مسلم أبا ms1903 طلحة في أصحاب نصر فقال: اجعل سوطك السيف وسجنك القبر. فقتلهم ~~أبو مسلم، وكان عدتهم أربعة وعشرين رجلا. PageV02P0477 # وأما نصر فإنه سار من سرخس إلى طوس فأقام بها خمسة عشر يوما، وبسرخس ~~يوما، ثم سار إلى نيسابور فأقام بها، ودخل ابن الكرماني مرو مع أبي مسلم ~~وتابعه على رأي وعاقده عليه يحيى بن حضين بضم الحاء المهملة، وفتح الصاد ~~المعجمة، وآخره نون. ### || AUT ذكر قتل شيبان الحروري # وفي هذه السنة قتل شيبان بن سلمة الحروري. وكان سبب قتله أنه كان هو ~~وعلي بن الكرماني مجتمعين على قتال نصر لمخالفة شيبان نصرا لأنه من عمال ~~مروان، وشيبان يرى رأي الخوارج، وخالفة ابن الكرماني نصرا لأن نصرا قتل ~~أباه الكرماني، وأن نصرا مضري وابن الكرماني يماني، وبين الفريقين من ~~العصبية ما هو مشهور، فلما صالح ابن الكرماني أبا مسلم على ما تقدم وفارق ~~شيبان تنحى شيبان عن مرو إذ علم أنه لا يقوى لحربهما، وقد هرب نصر إلى ~~سرخس. ولما استقام الأمر لأبي مسلم أرسل إلى شيبان يدعوه إلى البيعة، فقال ~~شيبان: أنا أدعوك إلى بيعتي. فأرسل إليه أبو مسلم: إن لم تدخل في أمرنا ~~فارتحل عن منزلك الذي أنت به. فأرسل شيبان إلى ابن الكرماني يستنصره، فأبى ~~، فسار شيبان إلى سرخس واجتمع إله جمع كثير من بكر بن وائل، فأرسل إليه أبو ~~مسلم تسعة من الأزد يدعوه ويسأله أن يكف، فأخذ الرسل فسحبنهم. فكتب أبو ~~مسلم إلى بسام بن إبرايهم مولى بني ليث بأبيورد يأمره أن يسير إلى سيبان ~~فيقاتله، فسار إليه فقاتله، فانهزم شيبان واتبعه بسام حتى دخل المدينة فقتل ~~شيبان وعدة من بكر بن وائل. فقيل لأيب مسلم: إن بساما ارتد ثانية وهويقتل ~~البريء السقيم؛ فاستقدمه، قدم عليه، واستخلف على عسكره رجلا. فلما قتل ~~شيبان مر رجل من بكر بن وائل برسل أبي ملم فقتلهم. وقيل: إن أبا مسلم وجه ~~إلى سشيبان عسكرا من عنده عليهم خزيمة بن خازم وبسام بن إبراهيم. ### || AUT ذكر قتل ابني الكرماني # وفي هذه ms1904 السنة قتل أبو مسلم عليا وعثمان ابني الكرماني. وكان سبب ذلك أن ~~أبا مسلم كان وجه موسى بن كعب إلى أبيورد فافتتحها وكتب إلى أبي مسلم بذلك، ~~ووجه أبا داود إلى بلخ، وبها زياد بن عبد الرحمن القشيري، فلما بلغه قصد ~~أبي دواد بلخ خرج في أهل بلخ وترمذ وغيرهما من كور طخارستان إلى الجوزجان، ~~فلما دنا أبو داودمنهم انصرفوا منهزمين إلى ترمذ، ودخل أبو داود مدينة بلخ، ~~فكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، ووجه مكانه يحيى بن نعيم أبا ~~الميلاء على بلخ، فلما قدم يحيى مدينة بلخ كاتبه زياد بن عبد الرحمن أن ~~يرجع وتصير أيديهم واحدة، فأجابه، فرجع زياد ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم ~~الباهلي وعيسى بن زرعة السلمي وأهل بلخ وترمذ وملوكطخارستنا ما وراء النهر ~~ودونه فنزلوا على فرسخ من بلخ وخرج إليهم يحيى بن نعيم بمن معه، فصارت ~~كلمتهم واحدة مضر وربيعة واليمن ومن معهم من العجم على قتال المسودة، ~~وجعلوا الولاية عليهم لمقاتل بن حيان النبطي كراهة أن يكون من واحد من ~~الفرق الثلاثة. وأمر أبو مسلم أبا داود بالعود، فاقبل بمن معه حتى اجتمعوا ~~على نهر السرجتان، وكان زياد وأصحابه قد وجهوا أبا سعيد اقرشي مسلحة لئلا ~~يأتيهم أصحاب أبي داود من خلفهم، وكانت أعلام أبي داود سودا، فلما اقتتل ~~أبو داود وزياد وأصحابهما امر أبو سعيد أصحبه أن يأتوا زيادا وأصحابه، ~~فأتوهم من خلفهم، فلما رأى زياد ومن معه أعلام أبي سعيجد وراياته سودا ظنوه ~~كمينا لأبي داود فانهزموا، وتبعهم أو داود، فوقع عامة أصحاب زياد في نهر ~~السرجنان وقتل عامة رجالهم المتخلفين، ونزل أبو داود معسكرهم وحوى ما فيه. ~~ومضى زياد ويحيى ومن معهما إى ترمذ، واستصفى أبو داود أموال من قتل ومن هرب ~~واستقامت له بلخ. وكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، ووجه النضر بن ~~صبيح المري على بلخ. وقدم أبو داود على أبي مسلم واتفقا على أن يفرقا بين ~~علي وعثمان ابني الكرماني، فبعث أبو مسلم عثمان ms1905 عاملا على بلخ، فلمكا قدمها ~~استخلف الفرافصة بن ظهير العبسي على بلخ. PageV02P0478 # وأقبلت المضريه من ترمذ عليهم مسلم بن عبد الرحمن بالباهلي، فالتقوا هم ~~وأصحاب عثمان فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب عثمان، وغلب مسلم على ~~بلخ، وبلغ عثمان والنضر بن صبيح الخبر وهما بمرو الروذ، فأقبلا نحوهم، فهرب ~~أصحاب عبد الرحمن من ليلتهم، فلم يمعن النضر في طلبهم رجاء أن يفوتوا، ~~ولقيهم أصحاب عثمان فاقتتلوا قتالا شديدا، ولم يكن النضر معهم، فانهزم ~~أصحاب عثمان وقتل منهم خلق كثير. ورجع أبو داود من مرو إلى بلخ، وسار أبو ~~مسلم ومعه علي بن الكرماني إلى نيسابور، واتفق رأي أبي مسلم ورأي أبي داود ~~على أن يقتل أبو مسلم عليا وقتل أبو داود عثمان، فملا قدم أو داود بلخ بعث ~~عثمان عاململا على الجبل فيمن معه من أهل مرو، فلما خرج من بلخ تبعه أبو ~~داود فأخذه وأصحابه فحبسهم جميعا، ثم ضرب أعناقهم صبرا، وقتل أبو مسلم في ~~ذلك اليوم علي بن الكرماني، وقد كان أبو مسلم أمره أن يسمي له خاصته ~~ليوليهم ويأمر لهم بجوائز وكسورات، فسماهم له، فقتلهم جميعا. ### || AUT ذكر قدوم قحطبة إلى نيسابور # لما قتل شيبان الخارجي وابنا الكرماني، على ما تقدم، وهرب نصر بن سيار ~~من مرو، وغلب أبو مسلم على خراسان، وبعث العمال على البلاد، فاستعمل سباغ ~~بن النعمان الأزدي على سمر قند، وأبا داود خالد بن إبراهيم على طخارستان، ~~ومحمد بن الأشعث على الطبسين، وجعل مالك بن اليثم على شرطه، ووجه قحطبة إلى ~~طوس ومعه عدة من القواد، منهم: أبو عون عبد الملك بن يزيد، خالد بن برمك، ~~وعثمان بن نهيك، وخازم ابن خزيمة، وغيرهم؛ فلقي قطبة من بطوس فهزمهم، وكان ~~من مات منهم في الزحام أكثر ممن قتل، فبلغ عدة القتلى بضعة عشر ألفا. ووجه ~~أبو مسلم القاسم بن مجاشع إلى نيسابور على طريق المحجة، وكتب إلى قحطبة ~~يأمره بقتال تميم بن نصر بن سيار والنابئ بن سويد لجأ إلهما من أهل خاسان، ~~وكان أصحاب ms1906 شيبان بن سلمة الخارجي قد لحقوا بنصر، ووجه أبو مسلم علي بن ~~معقل في عشرة آلاف رجل إلى تمسم بن نصر، وأمره أن يكون مع قحطبة، واسر ~~قحطبة إلى السوذقان، وهو معسكر تميم بن نصر والنابئ، وقد عبأ أصحابه وزحف ~~إليهم، فدعاهم إلى ككتاب الله، عز وجل، وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم ، ~~وإلى الرضاء من آل محمد، فلم يجيبوه، فقاتلهم قتالا شديدا، فقتل تميم بن ~~نصر في المعركة، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة واستبيح عسكرهم، وكان عدة من ~~معه ثلاثين ألفا، وهرب النابئ ومن معه، وبلغ الخبر نصر بن سيار بنيسابور ~~بقتل ابنه. ولما استولى قحطبة على عسكرهم سير ألى خالد بن برمك ما قبض فيه، ~~وسار هو إلى نيسابور، وبلغ ذلك نصر بن سيار فهرب منها فيمن معه فنزل قومس، ~~وتفرق عنه أصحابه فسار إلى نباتة بن حنظلة بجرجان، وقدم قحطبة نيسابور ~~بجنوده فأقام بها رمضان وشوال. ### || AUT ذكر قتل نباته بن حنظلة # وفي هذه السنة قتل نباتة بن حنظلة عامل يزيد بن هبيرة على جرجان، وكان ~~يزيد بن هبيرة بعثه إلى نصر، فأتى فارس وأصبهان ثم سار إلى الري ومضى إلى ~~جرجان، وكان نصر بقومس على ما تقدم، فقيل له: إن قومس لا تحملنا، فسار إلى ~~جرجان فنزلها مع نباتة وخندقوا عليهم. واقبل قحطبة إلى جرجان في ذي القعدة، ~~فقال قحطبة: يا أهل خراسان أتدرون إلى من تسيرون ومن تقاتلون؟ إنما تقتلون ~~بقيه قوم حرقوا بيت الله تعالى! وكان الحسن بن قحطبة على مقدمة أبيه، فوجه ~~جمعا إلى مسلحة نباتة وعليها رجل يقال له ذويب، فبيتوهم فقتلوا ذؤيبا ~~وسبعين رجلا من أصحابه فرجعوا إلى الحسن. PageV02P0479 # وقدم قحطبة فنزل بإزاء نباتة وأهل الشام في عدة لم ير الناس مثلها، فلما ~~رآهم أهل خراسان هابوهم حتى تكلموا بذلك وأظهروه، فبلغ قحطبة قولهم، فقام ~~فيهم فقال: يا أهل خراسان هابوهم حتى تكلموا بذلك وأظهروه، فبلغ قحطبة ~~قولهم، فقام فيهم فقال: يا أهل خراسان هذه البلاد كانت لآبائكم، وكانوا ~~ينصرون على ms1907 عدوهم لعلهم وحسن سيرتهم حتى بدلوا وظلموا فسخط الله، عز وجل، ~~عليهم فانتزع سالكانهم وسلط عليهم أذل أمة كانت في الأرض عندهم، فغلبوهم ~~على بلادهم، وكانوا بذلك يحكمون بالعدل ويوفون بالعهد ونصرون المظلوم، ثم ~~بدلوا وغيروا وجاروا في الحكم وأخافوا أهل البر والتقوى من عترة رسول الله ~~فسلطكم عليهم لنتقم منهم بكم لتكونوا أشد عقوبة لأنكم طلبتموهم بالثأر، ~~وعقد عهد إلي الإمام أنكم تقلقونمهم في مثل هذه العدة فينصركم الله، عز ~~وجل، عليهم فتهزمونهم وتقتلونهم. فالتقوا في مستهل ذي الحجة سنة ثلاثين ~~ومائة يوم الجمعة، فقال لهم قحطبة قبل التال: إن الإمام أخبرنا أنكم تنصرون ~~على عدوكم هذا اليوم من هذا الشهر، وكان على ميمنته ابنه الحسن، فاقتتلوا ~~قتالا شديدا، فقتل بناتة، وانهزم أهل الشام فقتل منهم عشرة آلاف، وبعث إلى ~~أيب مسلم برأس نباتة وابنه حية. ### || AUT ذكر وقعة أبي حمزة الخارجي بقديد # في هذه السنة لسبع بقين من صفر كانت الوقعة بقديد بين أهل المدينة وأبي ~~حمزة الخارجي. قد ذكرنا أن عبد الواحد بن سليمان ضرب البعث على أهل المدينة ~~واستعمل عليهم عبد العزيز بن عبد الله، فخرجوا، فلما كانوا بالحرة لقيتهم ~~جزر منحورة فتقدموا، فلما كانوا بالعقيق تعلق لواؤهم بسمرة فانكسر الرمح، ~~فتشاءم الناس بالخروج وأتاهم رسل أبي حمزة يقولون: إننا والله مالنا ~~بقتالكم حاجة، دعونا نمض إلى عونا. فابى أهل المدينة ولم يجيبوه إلى ذلك ~~وساروا حتى نزلوا قديدا، وكانوا مترفين ليسوا بأصحاب حرب، فلم يشعروا إلا ~~وقد خرج عليهم أصحاب أبي حمزة من الفضاض فقتلوهم وكانت المقتلة بقريش، ~~وفيهم كانت الشوكة، فأصيب منهم عدد كثير؛ وقدم المنهزمون المدينة فكانت ~~المرأة تقيم النوائح على حميمها ومعها النساء، فما تبرح النساء حتى تأتيهن ~~الأخبار عن رجالهن فيخرجن امرأة امرأة كل واحدة منهن تذهب لقتل رجلها فلا ~~تبقى عندها امرأة لكثرة من قتل. وقيل: إن خزاعة دلت أبا حمزة على أصحاب ~~قديد، وقيل: كان عدة القتلى سبعمائة. ### || AUT ذكر دخول أبي حمزة المدينة # وفي هذه السنة دخل أبو ms1908 حمزة المدينة ثالث عشر صفر، ومضى عبد الواحد منها ~~إلى الشام، وكان أبو حمزة قد أعذر إليهم وقال لهم: ما لنا بقتالكم حاجة، ~~دعونا نمض إلى عدونا. فأبى أهل المدينة، فلقيهم فقتل منهم خلقا كثيرا، ودخل ~~المدينة فرقي المنبر وخطبهم وقال لهم: يا أهل المدينة! مررت بكم زمان ~~الأحول، يعني هشام بن عبد الملك، وقد أصاب ثماركم عاهة فكتبتم إليه تسألونه ~~أن يضع عنكم خراجكم ففعل، فزاد الغني غنى الفقير فقرا، فقلتم له: جزاك الله ~~خيرا، فلا جزاكم الله خيرا، فلا جزاكم الله خيرا ولا جزاه خيرا! واعلموا يا ~~أهل المدينة أنا لم نخرج من ديانا أشرا ولا بطرا ولا عبثا ولا الدولة ملك ~~نريد ان نخوض فيه ولا لثأر قديم نيل منا، ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد ~~عطلت، وعنف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت، ~~وسمعنا داعيا يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعي الله، ومن لا ~~يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض الأحقاق:2 - 32، فاقبلنا من قبائل شتى ~~ونحن قليلون متسضعفون في الأرض فآوانا الله وأيدنا بنصره فأصبحنا بنعمته ~~إخوانا، ثم لقينا رجالكم بقديد فدعوناهم إلى طاعة الرحمن وحم القرآن فدعونا ~~إلى طاعة الشيطان فيهم بجرانه، وغلت بدمائهم مراجلة وصدق عليهم ظنه، وأقبل ~~أنصار الله، عز وجل، عصائب وكتائب بكل مهند ذي رونق، فدارت رحانا واستدارت ~~رحاهم بضرب يرتاب به المبطلون، وأنتم يا أهل المدينة إن تنصروا مروان وآل ~~مروان يسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ويشف صدور قوم مؤمنين ~~التوبة:14. يا أهل المدينة أو لكم خير أول وآخركم شر آخر! يا أهل المدينة ~~أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله، عز وجل، في كتابه على القوي والضعيف ~~فجاء تاع ليس له فيها سهم فأخذها لنفسه مكابرا محاربا ربه. PageV02P0480 # يا اهل المدينة بلغني أنكم تنقصون أصحابي! قلتم شباب أحداث وأعراب حفاة! ~~ويحكم! وهل كان أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، إلا شبابا أحداثا ~~وأعرابا حفاة؟ هم والله مكتهلون في شبابهم، غضة ms1909 عن الشر أعينهم، ثقيلة عن ~~الباطل أقدامهم. وأحسن السيرة مع أهل المدينة واستمال حتى سمعوه يقول: من ~~زنى فهو كافر، ومن سرق فهو كافر، ومن شك في كفرهما فهو كافر. وأقام أبو ~~حمزة بالمدينة ثلاثة أشهر. ### || AUT ذكر قتل أبي حمزة الخارجي # ثم إن أبا حمزة ودع أهل المدينة وقال لهم: يا أهل المدينة إنا خارجون ~~إلى مروان، فإن نظفر نعدل في إخوانكم ونحملكم على سنة نبيكم، وإن يكن ما ~~تتمنون فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون الشعراء:227. ثم سار نحو ~~الشام،وكان مروان قد انتخب من عسكره أربعة آلاف فارس واستعمل عليهم عبد ~~الملك بن محمد بن عطسة السعدي، سعد هوازن، وأمره أن يجد السير، وأمره أن ~~يقاتل الخوارج، فإن هو ظفر بهم يسير حتى يبلغ اليمن ويقالتل عبد الله بنم ~~حيحى طالب الحق. فاسر ابن عطية فالتقى أبا حمزة بوادي القرى، فقال أبو حمزة ~~لأصحابه: لا تقاتلوهم حتى تختبروهم. فصاحوا بهم: ما تقولون في القرآن ~~والعمل به؟ فقال ابن عطية: نضعه في جوف الجوالق. فقال: فما تقولون في مال ~~اليتيم؟ قال ابن عطية: نأكل ماله ونفجر بأمه، في أشياء سألوه عنها. فملا ~~سمعوا كلامه قاتلوه حتى أمسوا وصاحوا: ويحك يا بن عطية! إن الله قد جعل ~~الليل سكنا فاسكن. فأبى وقاتلهم حتى قتلهم، وانهزم أصحاب أبي حمزة، من لم ~~يقتل، وأتوا المدينة، فلقيهم فقتلهم، وسار ابن عطية إلى المدينة فأقام ~~شهرا. وفيمن قتل مع أبي حمزة عبد العزيز القارئ المدني المعروف بيشكست ~~النحوي، وكان من أهل المدينة، يكتم مذهب الخوارج، فلما دخل أبو حمزة ~~المدينة انضم إليه، فملا قتل الخوارج قتل معهم. ### || AUT ذكر قتل عبد الله بن يحيى # ولما أقام ابن عطية بالمدينة شهرا سار نحو اليمن واستخلف على المدينة ~~الوليد ابن عروة بن محمد بن عطية، واستخلف على مكة رجلا من أهل الشام، وقصد ~~اليمن، وبلغ عبد الله بن يحيى طالب الحق مسيره وهو بصنعاء، فاقبل إليه بمن ~~معه، فالتقى هو وابن عطية فاقتتلوا، فقتل ابن يحيى ms1910 وحمل رأسه إلى مروان ~~بالشام، ومضى ان عطية إلى صنعاء. ### || AUT ذكر قتل ابن عطية # ولما سار ابن عطية إلى صنعاء دخلها وأقام بها، فكتب إليه مروان يأمره أن ~~يسرع إليه السير ليحج بالناس؛ فسار في اثني عشر رجلا بعهد مروان على الحج ~~ومعه أربعون ألفا، وسار وخلف عسكره وخيله بصنعاء، ونزل الجرف، فأتاه ابنا ~~جهانة المراديان في جمع كثير وقالوا له ولأصحابه: أنتم لصوص! فأخرج ابن ~~عطية عهده على الحج وقال: هذا عهد أمير المؤمنين بالحج، وأنا ابن عطية. ~~قالوا: هذا باطل، فانتم لصوص. فقاتلهم ابن عطية قتالا شديدا حتى قتل. ### || AUT ذكر إيقاع قحطبة بأهل جرجان # وفي هذه السنة قتل قحطبة بن شبيب من أهل جرجان ما يزيد على ثلاثين ألفا. ~~وسبب ذلك أنه بلغه عنهم بعد قتل نباتة بن حنظلة أنهم يريدون الخروج عليه، ~~فبما بلغه ذلك دخل إليهم واستقرر منهم فقتل منهم من ذكرنا، وسار نصر، وكان ~~بقومس، حتى نزل خوار الري، وكاتب ابن هبيرة يستمده، وهو بواسط، مع ناس من ~~وجوه أهل خراسان، وعظم الأمر عليه وقال له: غني قد كذبت أهل خراسان حتى ما ~~أحد منهم يصدقني، فأمدني بعشرة آلاف قبل أن تمدني بمائة ألف لا تغني شيئا. ~~فحبس ابن هبيرة ليعلموه أمر الناس قبلنا ورسأللته المدد فاحتبس رسلي ولم ~~يمدني بأحد، وإنما أنا بمنزلة من أخرج من بيته إلى حجرته، ثم أخرج من حجرته ~~إلى داره، ثم من داره إلى فناء داره، فإن أدركه من يعينه فعسى أن يعود إلى ~~داره وتبقى له، وإن أخرج إلى الطريق فلا دار له ولا فناء. فكتب مروان إلى ~~ابن هبيرة يأمره أن يمد نصرا، وكتب إلى نصر يعلمه ذلك، وجهز ابن هبيرة جيشا ~~كثيفا وجعل عليم ابن غطيف وسيرهم إلى نصر. ### || AUT ذكر عدة حوادث # غزا الصائفة هذه السنة الوليد بن هشام فنزل العمق وبنى حصن مرعش. وفيها ~~وقع الطاعون بالبصرة. PageV02P0481 # وحج بالناس هذه السنة محمد بن عبد الملك بن مروان، وكان هو أمير مكة ~~والمدينة ms1911 والطائف، وكان بالعراق يزيد بن عمر بن هبيرة، وكان على قضاء ~~الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربي، وعلى قضاء البصرة عبادة بن منصور، وكان ~~الأمير بخرايان نصر بن سيار، والأمر بخراسان على ما وصفت. قلت: قد ذكر أبو ~~جعفر ها هنا أن محمد بن عبد الملك حج بالناس، وكان أمير مكة والمدينة، وذكر ~~فيما تقدم أن عروة بن الوليد كان على المدينة، وذكر في آخر سنة إحدى ~~وثلاثين أن عروة أيضا كان على المدينة ومكة والطائف وأنه حج بالناس تلك ~~السنة. في هذه النة مات أبو جعفر بن القعقاع القرئ مولى عبد الله بن عباس ~~المخزومي بالمدينة، وقيل: سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بقديد. وفيها ~~توفي أيوب بن أبي تميمة السختياني، وقيل: سنة تسع وعشرين، وعمره ثلاث وستون ~~سنة. وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، وقيل: سنة اثنتين ومائة، ~~وقيل: سنة أربع وثلاثين ومائة، ويكنى ابا نجيح. وفيها توفي محمد بن مخرمة ~~بن سليمان وله سبعون سنة. وأبو وجرة السعدي يزيد بن عيد. وأبو الحويرث. ~~ويزيد بن أبي ملك الهمداني. ويزيد ابن رومان. وعكرمة بن عبد الرحمن بن ~~الحارث بن هشام. وعبد العزيز ابن رفيع بضم الراء المهملة، وفتح الفاء، ~~وبالعين المهملة وهو أبو عبيد الله المكي الفقيه، وكان قد قارب مائة سنة، ~~وكان لا يثبت معه امرأة لكثرة نكاحه. وإسماعيل بن أبي حكيم كاتب عمر بن ~~العزيز. ويزيد بن أبان، وهو المعروف بيزيد الرشك، وكان قساما بالبصرة. وحفص ~~بن سليمان بن المغيرة، وكان مولده سنة ثمانين، يروى قراءة عاصم عنه ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائة # ### || AUT ذكر موت نصر بن سيار # وفي هذه السنة مات نصر بن سيار بساوة قرب الري. وكان سبب مسيره إليها أن ~~نصرا سار بعد قتل نباته إلى خوار الري، وأميرها أبو بكر العقيلي، ووجه ~~قحطبة ابنه الحسن إلى نصر في المحرم من سنة إحدى وثلاثين ومائة، ثم وجه أبا ~~كامل وأبا القاسم محرز بن إبراهيم وأبا العابس المروزي إلى ms1912 الحسن ابنه، ~~فلما كانوا قريبا من الحسن انحاز أبو كامل وترك عسكره وأتى نصرا فصار معه ~~وأعلمه مكان الجند الذين فارقهم. فوجه إليهم نصر جندا، فهرب جند قحطبة منهم ~~وخلفوا شيئا من متاعهم، فأخذه أصحاب نصر، فبعث نصر إلى أبن هبيرة، فعرض له ~~ابن غطيف بالري فأخذ الكتاب من رسول نصر المتاع وبعث به إلى ابن هبيرة، ~~فغضب نصر وقال: أما واله لأدعن ابن هبيرة فليعرفن أنه ليس بشيء ولا ابنه. ~~وكان ابن غطيف في ثلاثة آلاف قد سيره ابن هبيرة إلى نصر، فأقام بالري فلم ~~يأت نصرا، وسار نصر حتى نزل الري وعليها حبيب بن يزيد النهشلي، فلما قدمها ~~نصر سار ابن غطيف منها إلى همذان، وفيها مالك ابن أدهم بن محرز الباهلي، ~~فعدل ابن غطيف عنها إلى أصبهان إلى عامر ابن ضبارة؛ فلما قدم نصر الري أقام ~~بها يومين ثم مرض، وكان يحمل حملا، فلما بلغ ساوة مات، فلما مات بها دخل ~~أصحابه همذان. وكانت وفاته لمضي اثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول، وكان ~~عمره خمسا وثمانين سنة، وقيل: إن نصرا لما سار من خوار الري متوجها نحو ~~الري لم يدخل الري ولكنه سلك المفازة التي بين الري وهمذان فمات بها. ### || AUT ذكر دخول قحطبة الري # ولما مات نصر بن سيار بعث الحسن بن قحطبة خزيمة بن خازم إلى سمنان، ~~وأقبل قحطبة من جرجان وقدم أمامه زياد بن زرارة القشيري، وكان قد ندم على ~~ابتاع أبي مسلم، فانخذل عن قحطبة فأخذ طريق أصبهان يريد أن يأتي عامر بن ~~ضبارة، فوجه قحطبة المسيب بن زهيرة الضبي، فلحقه من غد بعد العصر فقاتله، ~~فانهزم زياد وقتل عامة من معه، ورجع المسيب بن زهير إلى قحطبة. ثم سار ~~قحطبة إلى قومس، وبها ابنه الحسن، وقدم خزيمة بن خازم سمنان، فقدم قحطبة ~~ابنه الحسن إلى الري. وبلغ حبيب بن بديل النهشلي ومن معه من أهل الشام مير ~~الحسن، فخرجوا عن الري، ودخل الحسن في صفر فأقام حتى قدم أبوه، ولما قدم ms1913 ~~قحطبة الري كتب إلى أبي مسلم يعلمه بذلك. PageV02P0482 # ولما استقر أمر بني العباس بالري هرب أكثر أهلها لميلهم إلى بني أمية ~~لأنهم كانوا سفيانية، فأمر أبو مسلم بأخذ أملاكهم وأموالهم، ولما عادوا من ~~الحج أقاموا بالكوفة سنة اثنتين وثلاثين ومائة ثم كتبوا إلى السفاح يتظلمون ~~من أبي مسلم، فأمر برد أملاكهم فأعاد أبو مسلم الجواب يعرف حالهم وأنهم أشد ~~الأعداء، فلم يسمع قوله وعزم على أبي مسلم برد أملاكهم، ففعل. ولما دخل ~~قحطبة الري وأقام بها أخذ أمره بالحزم والاحتياط والحفظ وضبظ الطرق، وكان ~~لا يسلكها أحد إلا بجواز منه، فأقام بالري، وبلغه أن بدستبى قوما من ~~الخوارج وصعاليك تجمعوا بها، فوجه إليهم أبا عون في عسكر كثيف، فنازلهم ~~ودعاهم إلى كتاب الله وسنة رسوله وإلى الرضاء من آل رسول الله،صلى الله ~~عليه وسلم ، فلم يجيبوه، فقالتلهم قتالا شديدا حتى ظفر بهم؛ فتحصن عدة منهم ~~حتى آمنهم أبو عون، فخرجوا إليه، وأقام معه بعضهم وتفرق بعضهم. وكتب أبو ~~مسلم إلى أصبهبذ طبرستان يدعوه إلى الطاعة وأداء الخراج، فأجابه إلى ذلك؛ ~~وكتب إلى المصمغان صاحب دنباوند بمثل ذلك، فأجابه: إنما أنت خارجي وإن أمرك ~~سنقضي. فغضب أبو مسلم وكتب إلى موسى بن كعب، وهو بالري، يأمره بالمسير إليه ~~وقتاله إلى أن يذعن بالطاعة، فسار إليه وراسله، فامتنع من الطاعة وأداء ~~الخراج، فأقام موسى ولم يتمكن من المصمغان لضيق بلاده، وكان المصمغان يرسل ~~إليه كل يوم عدة كثيرة من الديلم يقاتله في عسكره، وأخذ عليه الكرق، ومنع ~~الميرة، وكثرت في أصاب موسى الجراح والقتل. فملا رأى أنه لا يبلغ غرضا عاد ~~إلى الري، ولم يزيل المصمغان ممتنعا إلى أيام المنصور، فأغزاه جيشا كثيفا ~~عليهم حماد بن عمرو، ففتح دنباوند على يده. ولما ورد كتاب قحطبة على أبي ~~مسلم بنزوله الري ارتحل أبو مسلم، فيما ذكر، عن مرو فنزل نيسابور. وأما ~~قحطبة فإنه سير ابنه الحسن بعد نزووله الري بثلاث ليال إلى همذان، فلما ~~توجه إليها سار عنها مالك بن أدهم ومن كان ms1914 بها من أهل الشام وأهل خراسان ~~إلى نهاوند فأقام بها، وفارقه ناس كثير، ودخل الحسن همذان وسار منها إلى ~~نهاوند فنزل على أربعة فراسخ في المدينة وحصرهم. ### || AUT ذكر قتل عامر بن ضبارة ودخول قحطبة أصبهان # وكان سبب قتله أن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر لما هزمه ابن ~~ضبارة مضى هاربا نحو خراسان وسلك إليها طريق كرمان وسار عامر في أثره. وبلغ ~~ابن هبيرة مقتل نباتة بن حنظلة بجرجان، فلما بلغه خبره كتب إلى ابن ضبارة ~~وإلى ابنه داود بن يزيد بن عمر بن هيرة أن يسيرا إلى قحطبة، وكانا بكرمان، ~~فسارا في خمسين ألفا، فنزلوا باصبهان، وكان يقال لعسكر ابن ضبارة عسكر ~~العساكر. فبعث قحطبة إليهم جماعة من القواد، وعليهم جمعا مقاتل بن حكيم ~~العكي، فساروا حتى نزلوا قم. وبلغابن ضبارة نزلو الحسن بن قحطبة بنهاوند ~~فسار ليعين من بها منأصحاب مروان، فأرسل العكي من قم إلى قحطبة يعلمه يعلمه ~~بذلك، فأقبل قحطبة من الري حتى لحق مقاتل بن حكيم العكي، ثم سار فالتقوا هم ~~وابن ضبارة ودواد بن يزيد بن هبيرة؛ وكان عسكر قحطبة عشرين ألفا، فيهم خالد ~~ابن برمك! وكان عسكر ابن ضبارة مائة ألف، وقيل خمسين ومائة ألف؛ فأم قحطبة ~~بمصحف فنصب على رمح، ونادى: يا اهل الشام! إنا ندعوكم إلى ما في هذا ~~المصحف! فشتموه وأفحشوه في القول. فأرسل قحطبة إلى أصحابه يأمرهم بالحملة، ~~فحمل عليهم العكي، وتهايج الناس، ولم يكن بينهم كثير قتال، حتى انهزم أهل ~~الشام وقتلوا قتلا ذريعا، وانهزم ابن ضبارة حتى دخل عسكره وتبعه قحطبة، ~~فنزل ابن ضبارة ونادى: إلي إلي! فانهزم الناس عنه وانهزم داود بن هبيرة، ~~فسأل عن ابن ضبارة فقيل: انهزم. فقال: لعن الله شرنا منقلبا! وقاتل حتى ~~قتل. وأصابوا عسكره وأخذوا منه ما لا يعلم قدره من السلاح والمتاع والرقيق ~~والخيل وما رئي عسكر قط كان فيه من أصناف الأشياء ما في هذا العسكر كأنه ~~مدينة. وكان فيه من البرابط والطنابير والمزامير والخمر ms1915 ما لا يحصى. وأرسل ~~قحطبة بالظفر إلى ابنه الحسن وهو بنهاوند، وكانت الوقعة بنواحي أصبهان في رجب. ### || AUT ذكر محاربة قحطبة أهل نهاوند ودخولها # PageV02P0483 # ولما قتل ابن ضبارة كتب قحطبة بذلك إلى ابنه الحسن وهو يحاصر نهاوند، ~~فلما أتاه الكتاب كبر هو وجنده ونادوا بقتله، فقال عاصم بن عمير السعدي: ما ~~نادى هؤلاء بقتله إلا وهو حق! فاخرجوا إلى الحسن بن قحطبة فإنكم لا تقومون ~~له فتذهبون حيث شئتم قبل أن يأتيه أبوه أ مدد من عنده. فقالت الرجالة: ~~تخرجون وأنتم فرسان على خيول وتتركونا؟ وقال له مالك بن أدهم الباهلي: لا ~~أبرح حتى يقدم علي قحطبة. وأقام قحطبة على أصبهان عشرين يوما، ثم سار فقدم ~~على ابنه بنهاوند فحصرهم ثلاثة أشهر: شعبان ورمضان وشوال، ووضع عليهم ~~المجانيق، وأرسل إلى من بنهاوند من أهل خراسان يدعوهم إليه وأعطاهم الأمان، ~~فأبو ذلك. ثم أرسل إلى أهل الشام بمثل ذلك فأجابوه وقبلوا أمانه وبعثوا ~~إليه يسألونه أن يشغل عنهم أهل المدينة بالقتال ليفتحوا له الباب الذي ~~يليهم، ففعل ذ1لك قحطبة وقاتلهم، ففتح أهل الشام الباب، فخرجوا، فلما رأى ~~أهر خراسان ذلك سألوهم عن خروجهم، فقالوا: أخذنا الأمان لنا ولكم. فخرج ~~رؤساء أهل خراسان، فدفع قحطبة كل رجل منهم إلى قائد من قواده ثم أمر فنودي: ~~من كان بيده أسير ممن خرج إلينا فليضرب عنقه وييأتنا برأسه! ففعلوا ذلك؛ ~~فلم يبق أحد ممن كان قد هرب من أبي مسلم إلا قتل إلا أهل الشام، فإنه وفي ~~لهم وخلى سبيلهم وأخذ عليهم أن لا يملئوا عليه عدوا، ولم يقتل منهم أحدا ~~وكان ممن قتل من أهل خراسان: أبو كامل، وحاتم بن لحارث بن سريج، وابن نصر ~~بن سيار، وعاصم بن عمير، وعلي بن عقيل، وبيهس. ولما حاصر قحطبة نهاوند أرسل ~~ابنه الحسن إلى مرج القلعة، فقدم الحسن خازم بن خزيمة إلى حلوان وعليها عبد ~~الله بن العلاء الكندي، فهرب من حوان وخلاها. ### || AUT ذكر فتح شهرزور # ثم إن قحطبة وجه أبا عون عبد الملك ms1916 بن يزيد الخراساني ومالك بن طرافة ~~الخراساني في أربعة آلاف إلى شهرزور وبها عثمان بن سفيان على مقدمة عبد ~~الله بن مروان بن محمد، فنزلوا على فرسخين من شهرزور في الغشرين من ذي ~~الحجة وقاتلوا عثمان بعد يوم وليلة من نزولهم، فانهزم أصحاب عثمان وقتل، ~~وأقام أبو عون في بلاد الموصل. وقيل: إن عثمان لم يقتل ولكنه هرب إلى عبد ~~الله بن مروان، وغنم أبو عون عسكره وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة؛ وسير قحطبة ~~العساكر إلى أبي عون فاجتمع معه ثلاثون ألفا. ولما بلغ خبر أبي عون مروان ~~بن محمد، وهو بحران، سار منها ومعه جنود أهل الشام والجزيرة والموصل، وحشر ~~معه بنو أمية أبناءهم، وأقبل نحو أبي عون حتى نزل الزاب الأكبر. وأقام أبو ~~عون بشعرزور بقية ذي الحجة والمحرم من سننة اثنتين وثلاثين ومائة، وفرض بها ~~بخمسة آلاف. ### || AUT ذكر مسير قحطبة إلى ابن هبيرة بالعراق # ولما قدم على يزيد بن عمر بن هبيرة امير العراق بانه داود منهزما من ~~حلوان خرج يزيد نحو قحطبة في عدد كثير لا يحصى ومعه حوثرة بن سهيل الباهلي، ~~وكان مروان أمد به ابن هبيرة، وسار ابن هبيرة حتى نزل بحلولاء الوقيعة ~~واحتفر الخندق الذي كانت العجم احتفرته أيام وقعة جلولاء، وأقام به وارتحل ~~ابن هبيرة راحعا إلى الدسكرة، وأقبل قحطبة حتى نزل قرماسين، ثم سار إلى ~~حلوان،ثم إلى خانقين، وأتى عكبراء وعبر دجلة ومضى حتى نزل دمما دون ~~الأنبار، وارتحل ابن هبيرة بمن معه منصرفا مبادرا إلى الكوفة لقحطبة، وقدم ~~حوثرة في خمسة عشر ألفا إلى الكوفة. وقيل: إن حوثرة لم يفارق ابن هبيرة. ~~وأرسل قحطبة طائفة من أصحابه إلى الأنبار وغيرها وأمرهم بإحدار ما فيها من ~~السفن إلى دمما ليعبورا الفرات، فحملوا إليه كل سفينة هناك، فقطع قحطبة ~~الفرات من دمما حتى صار في غربيه، ثم سا يريد الكوفة حتى أنتهى إلى الموضع ~~الذي فيه ابن هبيرة، وخرجت السنة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج الناس الوليد بن عروة بن محمد ms1917 بن عطية السعدي، وهو ابن أخي عبد ~~الملك بن محمد الذي قتل أبا حمزة، وكان هو على الحجاز. ولما بلغ الوليد قتل ~~عمه عبد الملك مضى إلى الذين قتلوه فقتل منهم مقتلة عظيمة وبقر بطون نسائهم ~~وقتل الصبيان وحرق من قدر عليه منهم. وكان على العراق يزيد بن عمر بن ~~هبيرة، وعلى قضاء الكوفة الحجاج ابن عاصم المحاربي، وعلى قضاء البصرة عباد ~~بن منصور الناجي. PageV02P0484 # وفيها توفي منصور بن المعمر السلمي أبو عتاب الكوفي. وفيها قتل أبو مسلم ~~الخراساني جبلة بن أبي داود العتكي مولاهم أخا عبد العزيز بن دواد، ويكنى أبا مروان. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائة # ### || AUT ذكر هلاك قحطبة وهزيمة ابن هبيرة # وفي هذه السنة هلك قحطبة بن شبيب. وكان سبب ذلك أن قحطبة لما عبر الفرات ~~وصار في غربيه، وذلك في المحرم لثمان مضين منه، كان ابن هبيرة قد عسكر على ~~فم الفرات من أرض الفلوجة العليا على رأس ثلاثة وعشرين فرسخا من الكوفة، ~~وقد اجتمع إليه فل ابن ضبارة، فأمده مروان بحوثرة الباهلي، فقال حوثرة ~~وغيره لابن هبيرة: إن قحطبة قد مضى يريد الكوفة فاقصد أنت خراسان ودعه ~~ومروان فإنك تكسره وبالحري أن يتبعك، قال: ما كان ليتبعني ويدع الكوفة، ~~ولكن الرأي أن أبادره إلى الكوفة؛ فعبر دجلة من المدائن يرير الكوفة، ~~فاستعمل على مقدمته حوثرة وأمره بالمسير إلى الكوفة، والفريقان يسيران على ~~جانبي الفرات. وقال قحطبة: إن الإمام أخبرني أن لي في هذا المكان وقعة يكون ~~النصر فيها لنا. ونزل قحطبة الجبارية، وقد دلوه على مخاضة، فعبر منها وقال ~~حوثرة ومحمد بن نباتة، فانهزم أهل الشام وفقدوا قحطبة، فقال أصحابه: من كان ~~عنده عهد من قحطبة فليخبرنا به. فقال مقاتل بن مالك العتكي: سمعت قحطبة ~~يقول: إن حدث بي حدث فالحسن ابني أمير الناس. فبايع الناس حميد بن قحطة ~~لأخيه الحسن، وكان قد سيره أبوه في سرية فأرسلوا إليه فأحضروه وسلموا إليه ~~الأمر. ولما فقدوا قحطبة بحثوا عنه فوجدوه في جدول وحرب ms1918 بن سالم بن أحوز ~~قتيلين، فظنوا أنكل واحد منهما قتل صاحبه. وقيل: إن معن بن زائدة ضرب قحطبة ~~لما عبر الفرات على حبل عاتقة فسقط في الماء فأخرجوه، فقال: شدوا يدي إذ ~~أنا مت وألقوني في الماء لئلا يعلم الناس بقتلي. وقاتل أهل خراسان فانهزم ~~محمد بن نباتة وأهل الشام، ومات قحطبة، وقال قبل موته: إذا قدمتم الكوفة ~~فوزير آل محمد أبو سلمة الخلال فسلموا هذا المر إليه. وقيل: بل غرق قحطبة. ~~ولما انهزم ابن نباتة وحوثرة لحقوا بابن هبيرة، فانهزم ابن هبيرة بهزيمتهم، ~~ولحقوا بواسط وتركوا عسكرهم وما فيه من الأموال والسلاح وغير ذلك. ولما قام ~~الحسن بن قحطبة بالأمر أمر بإحصاء ما في العسكر. وقيل: إن حوثرة كان ~~بالكوفة فبلغه هزيمة ابن هيرة فسار إليه فيمن معه. ### || AUT ذكر خروج محمد بن خالد بالكوفة مسودا # وفي هذه السنة خرج محمد بن خالد عبد الله القسري بالكوفة وسود قبل أن ~~يدخلها الحسن بن قحطبة وأخرج عنها عامل ابن هبيرة ثم دخلها الحسن. وكان من ~~خبره أن محمدا خرج بالكوفة ليلة عاشوراء مسودا وعلى الكوفة زياد بن صالح ~~الحارثي، وعلى شرطة عبد الرحمن بن بشير العجلي، وسا محمد إلى القصر، فارتحل ~~زياد ومن معه من اهل الشام، ودخل محمد القصر، وسمع حوثرة الخبر فسار نحو ~~الكوفة، فتفرق عن محمد عامة من معه لما بلغهم الخبر وبقي في نفر يسير من ~~أهل الشام ومن اليمانيين من كان هرب من مروان، وكان معه مواليه وارسل أبو ~~سلمة الخلال، ولم يظهر بعد، إلى محمد يأمره بالخروج من القصر تخوفا عليه من ~~حوثرة ومن معه، ولم يبلغ أحدا من الفريقين هلاك قحطبة، فأبى محمد أن يخرج، ~~وبلغ حوثرة تفرق أصحاب محمد عنه فتهيأ للمسير نحوه. فبينا محمد في القصر إذ ~~أتاه بعض طلائعه فقال له: قد جاءت خيل من أهل الشام، فوجه إليهم عدة من ~~مواليه، فناداهم الشاميون: نحن بجيلة وفينا مليح ابن خالد البجلي جئنا ~~لندخل في طاعة الأمير، فدخلوا؛ ثم جاءت خيل ms1919 أعظم من تلك فيها جهم بن الأصفح ~~الكناني؛ ثم جاءت خيل أعظم منها مع رجل من آل بحدل؛ فلما رأى تلك حوثرة من ~~صنع أصحابه ارتحل نحو واسط. وكتب محمد بن خالد من ليلته إلى قحطبة، وهو لا ~~يعلم بهلاكه، يعلم أنه قد ظفر بالكوفة. فقدم القاصد على الحسن بن قحطبة، ~~فلما دفع إليه كتاب محمد بن خالد قرأه على الناس ثم ارتحل نحو الكوفة يوم ~~الجمعة ويم السبت والأحد وصبحه الحسن يوم الأثنين. PageV02P0485 # وقد قيل: إن الحسن بن قحطبة أقبل نحو الكوفة بعد هزيمة ابن هبيرة وعليها ~~عبد الرحمن بن بشير العجلي فهرب عنها، فسود محمد بن خالد وخرج في أحد عشر ~~رجلا وبايع الناس، ودخلها الحسن من الغد، فلما دخلها الجسن هو وأصحابه أتوا ~~أبا سلمة، وهو في بني سلمة، فاستخرجوه، فعسكر بالنخيلة يومين قثم ارتحل إلى ~~حمام أعين، ووجه الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هيرة، وبايع الناس أبا ~~سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع، وكان يقال له وزير آل محمد، واستعمل محمد ~~بن خالد بن عبد الله على الكوفة، وكان يقال له الأمير، حتى ظهرأبو العباس ~~السفاح. ووجه حميد بن قحطبة إلى المدائن في قواد، وبعث المسيب بن زهير ~~وخالدب بن برمك إلى دير قنى، وبعث المهلبي وشراحيل إلى عين التمر، وبسام بن ~~إبراهيم بن بسام إلى الأهواز، وبها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة. فلما أتى ~~بسام الأهواز خرج عنها عبد الواحد إلى البصرة بعد أن قاتله وهزمه بسام، ~~وبعث إلى البصرة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب عاملا عليها، فقدمها ~~وكان عليها سلم بن قتيبة الباهلي عاملا لابن هبيرة، وقد لحق به عبد الواحد ~~بن هبيرة، كما تقدم ذكره. فأرسل سفيان بن معاوية إلى سلم يأمره بالتحول من ~~دار الإمارة ويعلمه ما أتاه من رأي أبي سلمة، وامتنع وجمع معه قيسا ومضر ~~ومن بالبصرة من بني أمية، وجمع سفيان جميع اليمانية وحلفاءهم من ربيعة ~~وغيرهم، وأتاهم قائد من قواد ابن هبيرة كل ms1920 بعثه مددا لسلم في ألفي رجل من ~~كلب، فأتى سلم سوق الإبل ووجه الخيول في سكك البصة ونادى: من جاء برأس فله ~~خمسمائة، ومن جاء بأسير فله ألف درهم. ومضى معاوية بن سفيان بن معاوية في ~~ربيعة وخاصته، فلقيه خيل تميم، فقل معاوية وأتي برأسه إلى سلم، فأعطى قاتله ~~عشرة آلاف، وانكسر سفيان بقتل ابنه فانهزم، وقدم على سلم بعد ذلك أربعة ~~آلاف من عند مروان فأرادوا نهب من بقي من الأزد، فقالتلهم قتالا شيدا، ~~وكثرت القتلى بينهم، وانهزمت الأزد، ونهبت دورهم، وسبيت نساؤهم، وهدموا ~~البيوت ثلاثة أيام، ولم يزل سلم بالبصرة حتى أتاه قتل ابن هبيرة، فشخص ~~عنها، واجتمع من بالبصرة من ولد الحارث بن عبيد المطلب إلى محمد بن جعفر ~~فولوه أمرهم، فوليهم أياما يسيرة حتى قدم البصرة أبو مالك عبد الله بن أسيد ~~الخزاعي من قبل أبي مسلم. فلما قدم أبو العابس ولا ها سفيان بن معاوية. ~~وكان حرب سفيان وسلم بالبصرة في صفر. وفيها عزل مروان عن المدينة الوليد بن ~~عروة واستعمل أخاه يوسف بن عروة في شهر ربيع الأول. انقضت الدولة الأموية. ### || AUT ذكر ابتداء الدولة العباسية # ### || AUT وبيعة أبي العباس # في هذه السنة بويع أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن ~~عباس بالخلافة في شهر ربيع الأول، وقيل: في ربيع الآخر لثلاث عشرة مضت منه، ~~وقيل في جمادى الأولى. وكان بدء ذلك وأوله أن رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم ، أعلم العباس بن عبد المطلب أن الخلافة تؤول إلى ولده، فلم يزل ولده ~~يتوقعون ذلك ويتحدثون به بينهم. ثم إن إبا هاشم بن الحنفية خرج إلى الشام ~~فلقي محمد بن علي بن عبد الله ابن عابس فقال له: يا ابن عم إن عندي علما ~~أنبذه إليك فلا تطلعن عليه أحدا، إن هذا الأمر الذي يرتجيه الناس فيكم. ~~قال: قد علمت فلا يسمعنه منكم أحد. وقد تقدم في خبر ابن الأشعث قول خالد بن ~~يزيد بن معاوية لعبد الملك ابن ms1921 مروان: أما إذ كان الفتق من سجستان فليس ~~عليك منه بأس، إنما كنا نتخوف لو كان من خراسان. وقال محمد بن علي بن عبد ~~الله: لنا ثلاثة أوقات: موت الطاغية يزيد ابن معاوية، ورأس المائة، وفتق ~~إفريقية، فعند ذلك يدعو لنا دعاة ثم تقبل أنصارنا من المشرق حتى ترد خيلهم ~~المغرب ويستخرجوا ما كنز الجبارون. فلما قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية ~~ونقضت البربر بعث محمد بن علي إلى خراسان داعيا وأمره أن يدعوه إلى ارضا ~~ولا يسمي أحدا؛ وقد ذكرنا فيما تقدم خبر الدعاة وخبر أبي مسلم وقبض مروان ~~على إبراهيم بن محمد، وكان مروان لما أرسل المقبوض عليه وصف للرسول صفة أبي ~~العابس، لأنه كان يجد في الكتب: إن من هذه صفته يقتلهم وسلبهم ملكهم! ~~وقالله ليأتيه بإبراهيم بن محمد. PageV02P0486 # فقدم الرسول فأخذ أبا العباس بالصفة، فلما ظهر إبراهيم وأمن قيل للرسول: ~~إنما أمرت بإبراهيم وهذا عبد الله. فترك أبا العباس وأخذ إبراهيم فانطلق به ~~إلى مروان، فلما رآه قال: ليس هذه الصفة التي وصفت لك. فقالوا: قد رأينا ~~الصفة التي وصفت وإنما سميت إبراهيم فهذا إبراهيم. فأمر به فحبس وأعاد ~~الرسل في طلب أبي العابس فلم يروه. وكان سبب مسيره من الحميمة أن إبراهيم ~~لما أخذه الرسول نعى نفسه إلى أهل بيته وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه ~~أبي العباس عبد الله بن محمد وبالسمع له وبالطاعة، وأوصى إلى أبي العابس ~~وجعله الخليفة بعده فسار ابو العابس ومن معه من أهل بيته، منهم: أخوه أبو ~~جعفر المنصور، وعبد الوهاب ومحمد ابنا أخيه إبراهيم، وأعمامه داود وعيسى ~~وصالح وإسماعيل وعبد الله وعبد الصمد بنو علي بن عبد الله بن عباس، وابن ~~عمه داود، وابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي، ويحيى بن جعفر بن تمام ~~ابن عباس، حتى قدموا الكوفة في صفر، موسى بن محمد بن علي، ويحيى بن جعفر بن ~~تمام ابن عباس، حتى قدموا الكوفة في صفر، وشيعتهم من أهل خراسان، بظاهر ~~الكوفة بحمام ms1922 أعين، فأنزلهم أبو سلمة الخلال دار الوليد بن سعد مولى بني ~~هاشم في بني داود وكتم أمرهم نحوا من أربعين ليلة من جميع القواد والشيعة. ~~وأراد فيما ذكر أن يحول الأمر إلى آل أبي طالب لما بلغه الخبر عن موت ~~إبراهيم الإمام، فقال له أبو الجهم: ما فعل الإمام؟ قال: لم يقدم بعد فألح ~~عليه. فقال: ليس هذا وقت خروجه لأن واسطا لم تفتح بعد. وكان أبو سلمة إذ ~~سئل عن الإمام يقول: لا تعجلوا. فلم يزل ذلك من امره حتى دخل أو حميد محمد ~~بن إبراهيم الحميري من حمام أعين يريد الكناسة، فلقي خادما لإبراهيم الإمام ~~ياقل له سابق الخوارزمي، فعرفه، فقال له: ما فعل إبراهيم الإمام؟ فأخبره أن ~~مروان قتله، وأن إبرايم أوصى إلى أخيه أيب العباس واستخلفه من بعده، وأنه ~~قدم الكوفة ومعه عامة أهل بيته، فسأله أبو حميد أن ينطلق به إليهم، فقال له ~~سابق: الموعد بيني وبينك غدا في هذا الموضع؛ وكره سابق أن يدله عليهم إلا ~~بإذنهم. فرجع أبو حميد إلى أبي الجهم فأخبره وهو في عسكر أبي سلمة، فأمره ~~أن يلطف للقائهم، فرجع أبو حميد من الغد إلى الموضع الذي واعد فيه سابقا ~~فلقيه، فانطلق به إلى أبي العابس وأهل بيته، فملا دخل عليهم سأل أبو حميد ~~من الخليفة منهم. فقال داود بن علي: هذا إمامكم وخليفتكم. وأشار إلى أبي ~~العباس، فسلم عليه بالخلافة وقبل يديه ورجليه وقال: مرنا بأمرك وعزاة ~~بإبراهيم الإمام. ثم رجع وصحبه إبارهيم بن سلمة، رجل كان يخدم بني العباس، ~~إلى أبي الجهم فأخبره عن منزلهم وأن الإمام أرسل إلى أبي سلمة يسأله مائة ~~دينار يعطيها الجمال كراء الجمال التي حملتهم، فلم يبعث بها إليهم، فمشى ~~أبو الجهم وأبو حميد وإبراهيم بن سلمة إلى موسى بن كعبوقصوا عليه القصة، ~~وبعثوا إلى الإمام؛ فمضى موسى ابن كعب، وأبو الجهم، وعبد الحميد ابن ربعي، ~~وسلمة بن محمد، وإبارهيم بن سلمة، وعبد الله الطائي، وإسحاق ابن إبارهيم، ~~وشرا حيل، وعبد الله بن ms1923 بسام، وأبو حميد محمد بن إبراهيم، وسليمان بن ~~الأسود، ومحمد بن الحصين إلى الإمام أبي العباس. وبلغ ذلك أبا سلمة فسأل ~~عنهم، فقيل: غنهم دخلوا الكوفة في حاجة لهم؛ وأتى القوم أبا العابس، فقال: ~~وأيكم عبد الله بن محمد بن الحارثية؟ فقالوا: هذا، فسلموا عليه بالخلافة ~~وعزوه في إبراهيم، ورجع موسى بن كعب وأبو الجهم، وأمر أبو الجهم الباقين ~~فتخلفوا عند الإمام، فأرسل أبو سلمة إلى أبي الجهم: أين كنت؟ قال: ركبت إلى ~~إمامي، فركب أو سلمة إلى الإمام، فأرسل أبو الجهم إلى أبي حميد: إن أبا ~~سلمة قد أتاكم فلا يدخلن على الإمام إلا وحده. فلما انتهى إليهم أبو سلمة ~~منعوه أن يدخل معه أحد، فدخل وحده فسلم بالخلافة على أبي العباس. فقال له ~~أبو حميد: على رغم أنفك يا ماص بظر أمه! فقال له أبو العباس: مه! وأمر أبا ~~سلمة بالعود إلى معسكره، فعاد. PageV02P0487 # وأصبح الناس يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول فلبسوا ~~السلاح واصطفوا لخروج أبي العباس وأتوا بالدواب، فكرب برذونا أبلق، وركب من ~~معه من أهل بيته فدخلوا دار الإمارة، ثم خرج إلى المسجد فخطب وصلى بالناس، ~~ثم صعد المنبر حين بويع له بالخلافة فقام في أعلاه، وصعد عمه داود بن علي ~~فقام دونه، فتكلم أبو العباس فقال: الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه ~~وكرمه وشرفه وعظمه واختاره لنا فأيده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه ~~والقوامبه والذابين عنه والناصرين له، فألزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحق بها ~~وأهلها، وخصنا برحم رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، وقرابته، وأنشأنا من ~~آبائنا، وأنبتنا من شجرته، واستقنا من نبعته، جعله من أنفسنا عزيزا عليه ما ~~عنتنا حريصا علنا بالمؤمنين رؤوفا رحيما، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع ~~الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابا يتلى عليهم، تبارك وتعالى فيما ~~أنزل من محكم كتابه: " إما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا " الأحزاب:23؛ وقال: " وأنذر عشيرتك الأقربين " الشعراء:214؛ وقال: ~~" ما أفاء الله على رسوله من أهل ms1924 القرى فلله ولرسول ولذي القربى " الحشر:7؛ ~~وقال: " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى " الأنفال:41؛ فأعلمه جل ثناؤه فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودتنا، ~~وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا تكرمة لنا وفضلا علينا، والله ذو الفضل ~~العظيم. وزعمت السبئية الضلال أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة ~~منا، فشاهت وجوههم! ولم أيها الناس وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتها، ~~وبصرهم بعد جهالتهم، وأنفذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق، ودحض الباطل، ~~وأصلح بنا منهم ما كان فاسدا، ورفع بنا الخسيسة، وتمم بنا النقيصة، وجمع ~~الفرقة حتى عاد الناس بعد العداوة أهل التعاطف والبر والمواساة في دنياهم، ~~وإخوانا على سرر متقالبلين في آخرتهم، فتح الله ذلك منة ومنحة لمحمد، صلى ~~الله عليه وسلم .فلما قبضه الله إليه قام بالأمر من بعده أصحابه وأمرهم ~~شورى بينهم فحووا مواريث الأمم فعدلوا فيها ووضعوها مواضعها وأعطوها أهلها ~~وخرجوا خماصا منها. ثم وثب بنو حرب وبنو مروان فانبذوها وتداولوها فجاروا ~~فيها واستأثروا بها وظلموا أهلها بما ملأ الله لهم حينا حتى آسفوه، فلما ~~آسفوه انتقم منهم بأيدينا ورد علينا حقنا وتدارك بنا أمتنا وولي نصرنا ~~والقايم بأمرنا ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح ~~بنا. وإني لأرجو أن لا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير، ولا الفساد من حيث ~~جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله. يا أهل الكوفة أنتم محل ~~محبتنا ومنزل مودتنا، أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك ولم يثنكم عنه تحامل ~~أهل الجور عليكم حتى أدركتم زماننا، وأتاكم الله بدولتنا، فأنتم أسعد الناس ~~بنا وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا فأنا السفاح ~~المبيح، والثائر المنيح. وكان موعوكا فاشتد عليه الوعك. فجلس على المنبر ~~وقام عمه داود على مراقي المنبر فقال: الحمد الله، شكرا للذي أهلك عدونا ~~وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محم، صلى الله عليه وسلم . أيها الناس الآن ~~أقشعت حنادس الدينا، وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضها وسماؤها، وطلعت الشمس من ~~طلعها، وبزغ ms1925 القمر من مبزغه، وأخذ القوس باريها، وعاد السهم إلى منزعه، ~~ورجع الحق إلى نصابه في أهل بيت نبيكم، أهل الرأفة والرحمة بكم والعطف ~~عليكم. PageV02P0488 # أيها الناس! إنا والله ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثر لجينا ولا ~~عقيانا، ولا نحفر نهرا، ولا نبني قصرا؛ وإنما أخرجتنا الأنفة من ابتزاهم ~~حقنا، والغضب لبني عمنا، وما كرهنا من أموركم، فلقد كانت أموركم ترمضنا ~~ونحن على فرشنا، ويشتد علنا سوء سيرة بني أمية فيكم واستنزالهم لكم ~~واستئثارهم بفيئكم وصداقتكم ومغانمكم عليكم، لكم ذمة الله، تبارك وتعالى، ~~وذمة رسوله، صلى الله عليه وسلم، وذمة العابس، رحمه الله، علينا أن نحكم ~~فيكم بما أنزل الله، ونعمل فيكم بكتاب الله، ونسير في العامة والخاصة بسيرة ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تبا لبني حرب بن أمية وبني مروان! آثروا في ~~مدتهم العاجلة على الآجلة، والدار الفانية على الدار الباقية، فركبوا ~~الآثام، وظلموا الأنام، وانتهكوا المحارم، وغشوا بالجرائم، وجاروا باستدراج ~~الله وأمنا لمكر الله، فأتاهم بأس الله بياتا وهم نائمون، فأصبحوا أحاديث، ~~ومزقوا كل ممزق، فبعدا لقوم الظالمين، وأدلنا الله من مروان، وقد غرة بالله ~~الغرور، أرسل لعدو الله في عنانه حتى عثر في فضل خاصمه، أظن عدو الله أن لن ~~نقدر عليه فنادى حزبه وجمع مكايده ورمى بكتائبه، فوجد أمامه ووراء وعن ~~يمينه وشماله من مكر الله وبأسه ونقمته ما امات باطله، وحا ضلاله، وجعل ~~دائرة السوء به، وأحيا شر فنا وعزنا ورد إلينا حقنا وإرثنا. أيها الناس! إن ~~أمير المؤمنين، نصره الله نصرا عزيزا، إنما عاد إلى المنبر بعد الصلاة لنه ~~كاره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام شدة الوعك، ~~فاعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية، فقد بدلكم الله بمروان عدو الرحمن ~~وخليفة الشيطان، المتبع السفلة الذين أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها بإبدال ~~الدين وانتهاك حريم المسلمين، الشاب المتكهل المتمهل المقتدي بسلفه الأبرار ~~الأخيار الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها بمعالم الهدى ومناهج التقوى. فعج ~~الناس له بالدعاء، ثم قال. يا أهل الكوفة! ms1926 إنا والله ما زلنا مظلومين ~~مقهورين على حقنا حتى أباح الله شيعنا أهل خراسان، فأحيا بهم حقنا، وأبلج ~~بهم حجتنا، وأظهر بهم دولتنا، وأراكم الله بهم ما لستم تنتظرون، فأظهر فيكم ~~الخليفة من هاشم وبيض به وجوهكم، وأدالكم على أهل الشام، ونقل إليكم الله ~~بشكر، والزموا طاعتنا، ولا تخدعوا عن أنفسكم، فإن الأمر أمركم، وإن لكل أهل ~~بين مصرا وإنكم مصرنا، وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد؛ وأشار بيده إلى ~~أبي العابس السفاح. واعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا حتى نسلمه إلى ~~عيسى بن مريم، عليه السلام، والحمد لله على ما أبلانا وأولانا. ثم نزل أبو ~~العباس وداود بن علي أمامه حتى دخل القصر وأجلس أخاه أبا جعفر المنصور يأخذ ~~البيعة على الناس في المسجد، فلم يزل يأخذها عليهم حتى صلى بهم العصر ثم ~~المغرب وجنهم الليل فدخل. وقيل: إن داود بن علي لما تكلم قال في آخر كلامه: ~~أيها الناس إن والله ما كان بينكم وبين رسول الله،صلى الله عليه وسلم ، ~~خليفة إلا علي ابن أبي طالب وأمير المؤمنين الذي خلفي. ثم نزل. وخرج أبو ~~العباس يعسكر بحمام أعين في عسكر أبي سلمة ونزل معه في حجرته بينهما ستر ~~وحاجب السفاح يومئذ عبد الله بن بسام. واستخلف على الكوفة وأرضها عمه داود ~~بن علي، وبعث عمه عبد الله بن علي إلى أبي عون بن يزيد بشهرزور، وبعث ابن ~~أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قحطبة، وهو يومئذ يحاصر ابن هبيرة بواسط، ~~وبعث يحيى ابن جعفر بن تمام بن عباس إلى حميد بن قحطبة بالمدائن، وبعث أبا ~~اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن إبراهيم بن ~~بسام بالأهواز، وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن الطواف. وأقام ~~السفاح بالعسكر أشهرا ثم ارتحل فنزل المدينة الهاشمية بقصر الإمارة، وكان ~~تنكر لأبي سلمة قبل تحوله حتى عرف ذلك. PageV02P0489 # وقد قيل: إن داود بن علي وابنه موسى لم يكونا بالشام عند مسير ms1927 بنب العباس ~~إلى العراق، إنما كانا بالعاق أو بغيره فخرجا يريدان الشام، فلقيهما أبو ~~العابس قصتهم وأنهم يريدون الكوفة ليظهروا بها ويظهروا أمرهم. فقال له ~~داود: يا أبا العباس تأتي الكوفة وشخ بني أمية مروان بن محمد بحران مطل على ~~العراق في أهل الشام والجزيرة، وشيخ العرب يزيد بن هيرة بالعراق في جند ~~العرب! وقال: يا عمي من أحب الحياةذل؛ ثم تمثل بقول الأعشى: فما ميتة إن ~~متها غير عاجز ... بعار إذا ما غالت النفس غولها فالتفت داود إلى ابنة موسى ~~فقال: صدق والله ابن عمك، فارجع بنا معه نعش أعزاء أو نمت كرماء. فرجعوا ~~جميعا. فكان عيسى بن موسى يقول إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة: ~~إن نفرا أربعة عشر رجلا خرجوا من دارهم وأهلهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة ~~همتهم، كبيرة أنفسهم، شديدة قلوبهم. ### || AUT ذكر هزيمة مروان بالزاب # قد ذكرنا أن قحطبة أرسل أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزدي إلى شهرزور، ~~وأنه قتل عثمان بن سفيان وأقام بناحية الموصل، وأن مروان ابن محمد سار إليه ~~من حران حتى بلغ الزاب وحفر خندقا وكان في عشرين ومائة ألف، وسار أبو عون ~~إلى الزاب، فوجه أبو سلمة إلى أبي عون عيينة بن موسى، والمنهال بن فتان، ~~وإسحاق بن طلحة، كل واحد في ثلاثة آلاف. فلما ظهر أبو العباس بعث سلمة بن ~~محمد في ألفين، وعبد الله الطائي في ألف وخمسائة، وعبد الحيمد بن ربعي ~~الطائي في ألفين، ووداس بن نضلة في خمسائة إلى أبي عون، ثم قال: من يسير ~~إلى مروان من أهل بيتي؟ فقال: عبد الله بن علي: أنا. فسيره إلى أبي عون، ~~فقدم عليه، فتحول أبو عون عن سرادقة وخلاه له وما فيه. فلما كان لليلتين ~~خلتا من جمادى الآخرة سنممة اثنتين ومائة سأل عبد الله بن علي عن مخاضة فدل ~~عليها بالزاب، فامر عيينه بن موسى، فعبر في خمسة آلاف، فانتهى إلى عسكر ~~مروان، فقاتلهم حتى أمسوا، ورجع إلى عبد الله بن علي. وأصبح مروان ms1928 فعقد ~~الجسر وعبر عليه، فنهاه وزراؤه عن ذلك، فلم يقبل وسير ابنه عبد الله، فنزل ~~أسفل من عسكر علد الله بن علي، فبعث عبد الله ابن علي المخارق في أربعة ~~آلاف نحو عبد الله بن مروان، فسرح إليه ابن موران الوليد بن معاوية بن ~~مروان بن الحكم، فالتقيا، فانهزم أصحاب المخارق وثبت هو فأسر هو وجماعة ~~وسيرهم إلى مروان مع رؤوس القتلى، فقال مروان: أدخلوا علي رجلا من الأسرى. ~~فاتوه بالمخارق، وكان نحيفا. فقال: أنت المخارق؟ قال: لا، أنا عبد من عبيد ~~أهل العسكر. قال: فتعرف المخارق؟ قال: نعم. قال: فنظر هل تراه في هذه ~~الرؤوس. فنظر إلى رأس منها فقال: هو هذا. فخلى سبيله، فقال رجل مع مروان ~~حين نظر المخارق وهو لا يعرفه: لعن الله أبا مسلم حين جاءنا بهؤلاء يقاتلنا ~~بهم. وقيل: إن المخارق لما نظر إلى الرؤوس قال: ما أرى رأسه فيها ولا أراه ~~إلا قد ذهب. فخلى سبيله. ولما بلغت الهزيمة عبد الله بن علي أرسل إلى طريق ~~المنهزمين من يمنعهم من دخول العسكر لئلا ينكر قومهم،وأشار عليه أبو عون أن ~~يبادر مروان بالقتال قبل أن يظهر أمر المخارق فيفت ذلك في أعضاد الناس، ~~فنادى فيهم بلبس السلاح والخروج إلى الحرب، فركبوا، واستخلف على عسكره محمد ~~ابن صول وسار نحو مروان، وجعل على ميمنته أبا عون، وعلى ميسرته الوليد ابن ~~معاوية، وكان عسكره عشرين ألفا، وقيل: اثني عشر ألفا وقيل غير ذلك. فلما ~~التقى العسكران قال مروان لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: عن زالت اليوم ~~الشمس ولم يقاتلونا كنا الذين ندفعها إلى المسيح، عليه السلام، وإن قاتلونا ~~فأقبل الزوال فإنا لله وإنا إليه راجعون. PageV02P0490 # وأرسل مروان إلى عبد الله يسأله الموادعة، فقال عبد الله: كذب ابن زريق، ~~لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله. فقال مروان لأهل الشام: قفوا ~~لا نبدأهم بالقتال، وجعل ينظر إلى الشمس، فحمل الوليد بن معاوية بن مروان ~~بن الحكم، وهو ختن مروان بن محمد على ابنته، ms1929 فغضب وشتمه، وقاتل ابن معاوية ~~أبا عون، فانحاز أبو عون إلى عبد الله بن علي، فقال لموسى ابن كعب: يا عبد ~~الله مر الناس فلينزلوا. فنودي: الأرض فنزل الناس وأشرعوا الرماح وجثوا على ~~الركب فقاتلوهم، وجعل أهل الشام يتأخرون كأنهم يدفعون، ومشى عبد الله بن ~~علي قدما وهو يقول: يار رب حتى متى نقتل فيك؟ ونادى: يا أهل خراسان! يال ~~لثارات إبراهيم! يا محمد! يا منصور! واشتد بينهم القتال. فقال مروان ~~لقضاعة: انزلوا. فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا. فأرسل إلى السكاسك أن ~~احملوا. فقالوا: قل لبني عامر فليحملوا. فأرسل إلى السكون أن احملوا، ~~فالوا: قل لغطفان فليحملوا. فقال لصاحب شرطته: انزل. فقال: والله ما كنت ~~لأحعل نفسي غرضا. قال: أما والله لأسؤنك! فقال: وددت والله أنك قدرت على ~~ذلك. وكان مروان ذلك اليوم لا يدبر شيئا إلا كان فيه الخلل، فأمر بالأموال ~~فأخرجت، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا فهذه الأموال لكم. فجعل ناس من الناس ~~يصيبون من ذلك، فقيل له: إن الناس قد مالوا على هذا المال ولا نأمنهم أن ~~يذهبوا به. فأرسل إلى ابنه عبد الله: أن سر في أصحابك إلى قوم عسكرك فاقتل ~~من أخذ من المال وامنعهم. فكان ممن غرق يومئذ: إبراهيم بن الوليد بن عبد ~~الملك بن المخلوع، فاستخرجوه في الغرقى، فقرأ عبد الله: " وإذا فرقنا بكم ~~البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون " وقيل بل قتله عبد الله بن ~~علي بالشام. وقتل في هذه الوقعة يعيد بن هشام بن عبد الملك. وقيل: بل قتله ~~عبد الله بالشام. وأقام عبد الله بن علي غي عسكره سبعة أيام، فقال رجل من ~~ولد سعيد اب العاص يعير مروان: لج الفرار بمروان فقلت له: ... عاد الظلوم ~~ظليما همه الهرب أين الفرار وترك الملك إذ ذهبت ... عنك الهوينا فلا دين ~~ولا حسب فراشة الحلم فرعون العقاب وإن ... تطلب نداه فكلب دونه كلب وكتب ~~يومئذ عبد الله بن علي إلى السفاح بالفتح، وحوى عسكر مروان بما فيه فوجد ~~سلاحا كثيرا وأموالا، ولم ms1930 يجد فيه امرأة إلا جارية كانت لعبد الله بن ~~مروان. فلما أتى الكتاب السفاح صلى ركعتين وأمر لمن شهد الوقعة بخمسمائة ~~خمسمائة دينار، ورفع أرزاقهم إلى ثمانين. وكانت هزيمة مروان بالزاب يوم ~~السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة؛ وكان فيمن قتل معه يحيى بن ~~معاوية بن هشام بن عبد الملك، وهو أخو عبد الرحمن صاحب الأندلس، فلما تقدم ~~إلى القتال رأى عبد الله ابن علي فتى عليه أبهة الشرف ياقتل مستقتلا ~~فناداه: يا فتى لك المان ولو كنت مروان بن محمد! فقال: إن لم أكنه فلست ~~بدونه. قال: فلك الأمان ولو كنت من كنت. فأطرق ثم قال: أذل الحياة وكره ~~الممات ... وكلا أراه طعاما وبيلا فإن لم يكن غير إحداهما ... فسير إلى ~~الموت سيرا جميلا ثم قاتل حتى قتل؛ فإذا هو مسلمة بن عبد الملك. ### || AUT ذكر قتل إبراهيم بن محمد بن علي الإمام # قد ذكرنا سبب حبسه. واختلف الناس في موته، فقيل: إن مروان حبسه بحران، ~~وحبس سعيد بن هشام بن عبد الملك وابنيه عثمان ومروان، وعبد الله بن عمر بن ~~عبد العزيز، والعباس بن الوليد بن عبد الملكل، وأبا محمد السفياني، هلك ~~منهم في وباء وقع بحران العابس بن الوليد، وإبارهيم بن محمد ابن علي ~~الإمام، وعبد الله بن عمر. فلما كان قبل هزيمة مروان من الزاب بجمعة خرج ~~سعيد بن هشام وابن عمه ومن معه من المحبوسين فقتلوا صاحب السجن وخرجوا، ~~فقتلهم أهل حران ومن فيها من الغوغاء، وكان فيمن قتله أهل حران شراحيل بن ~~مسلمة ابن عبد الملك، وعبد الملك بن بشر التغلبي، وبطريق أرمينية الرابعة ~~واسمه كوشان، وتخلف أبو محمد السفياني في الحبس فلم يخرج فيمن خرج ومعه ~~غيره لم يستحلوا الخروج من الحبس، فقدم مروان منهزما من الزاب فجاء فخلى ~~عنهم. وقيل: إن مروان هدم على إبراهيم بيتا فقتله. PageV02P0491 # وقد قيل: إن شراحيل بن مسلمة بن عبد الملك كان محبوسا مع إبارهيم فكانا ~~يتزاوران، فصار بينهما مودة، فأتى رسول من شراحيل إلى ms1931 إبراهيم يوما بلبن ~~فقال: يقول لك أخوك إني شربت من هذا اللبن فاستطبته فأحببت أن تشرب منه؛ ~~فشرب منه فتكسر جسده من ساعته، وكان يوما يزور في شراحيل فأبطأ عليه فأرسل ~~إليه شراحيل: إنك قد أبطأت فما حبسك؟ فأعاد إبراهيم: إني لما شربت اللبن ~~الذي أرسلت به قد أسهلني. فاتاه شراحيل فقال: والله الذي لا إله إلا هو ما ~~شربت اليوم لبنا ولا أرسلت به إليك! فإنا لله وإنا إليه راجعون! احتيل ~~والله عليك. فبات أبراهيم ليلته وأصبح ميتا؛ فقال إبراهيم ابن هرثمة يرثيه ~~يرثيه: قد كنت أحسبني جلدا فضعضعني ... قبر بحران فيه عصمة الدين فيه ~~الإمام وخير الناس كلهم ... بين الصفائح والأحجار والطين فيه الإمام الذي ~~عمت مصيبته ... وعيلت كل ذي مال ومسكين فلا عفا الله عن مروان مظلمة ... ~~لكن عفا الله عمن قال آمين وكان إبراهيم خيرأ فاضلا كريما، قدم المدينة مرة ~~ففرق في أهلها مالا جليلا، وبعث إلى عبد الله بن الحسن بن الحسن بخمسمائة ~~دينار، وبعث إلى جعفر بن محمد بألف دينار، فبعث إلى جماعة العلويين بمال ~~كثير، فأتاه الحسين بن زيد بن علي وهو صغير فأجلسه في حجرة قال: من أنت؟ ~~قال: أنا الحسين بن زيد بن علي. فبكى حتى بل رداءه وأمر وكيله بإحضار ما ~~بقي من المال، فأحضر أربعمائة دينار، فسلمها إليه وقال: لو كان عندنا شيء ~~آخر لسلمته إليك، وسير معه بعض مواليه إلى أمه رابطة بنت عبد الملك بن محمد ~~بن الحنفية يعتذر إليها. وكان مولده سنة اثنتين وثمانين، وأمه أم ولد ~~بربرية اسمها سلمى. وكان ينبغي أن يقدم ذكر قتله على هزيمة مروان، وإنما ~~قدمنا ذلك لتتبع الحادثة بعضها بعضا. ### || AUT ذكر قتل مروان بن محمد بن الحكم # وفي هذه السنة قتل مروان بن محمد، وكان قتله ببوصير، من أعمال مصر، ~~لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وكان مروان لما هزمه عبد ~~الله بن علي بالزاب أتى مدينة الموصل وعليها هشام بن عمرو التغلبي وبشر بن ~~خزيمة ms1932 الأسدي فقطعا الجسر! فناداهم أهل الشام: هذا أمير المؤمنين مروان! ~~فقالوا: كذبتم، أمير المؤمنين لا يفر! وسبه أهل الموصل، وقالوا: ياجعدي! يا ~~معطل الحمد لله الذي أزال سلطانكم وذهب بدولتكم! الحمد لله الذي أتانا بأهل ~~بيت نبينا! فلما سمع ذلك سار إلى بلد فعبر دجلة وأتى حران، وبها ابن أخيه ~~أبان بن يزيد بن محمد بن مروان عامله عليها، فأقام بها نيفا وعشرين يوما. ~~وسار عبد الله بن علي حتى أتى الموصل فدخلها وعزل عنها هشاما واستعمل عليها ~~محمد بن صول، ثم سار في أثر مروان بن محمد، فلما دنا منه عبد الله حمل ~~مروان أهله وعياله ومضى منهزما وخلف بمدينة حران ابن أخيه أبان بن يويد ~~وتحته أم عثمان ابنة مروان. وقدم عبد الله بن علي حران، فلقيه أبان مسودا ~~مبايعا له، فبايعه ودخل في طاعته، فآمنه ومن كان بحران والجزيرة. ومضى ~~مروان إلى حمص، فلقيه أهلها بالسمع والطاعة، فأقام بها يومين أو ثلاثة ثم ~~سار منها. فلما رأوا قلة ممن معه طمعوا فيه وقالوا: مرعوب منهزم؛ فاتبعوه ~~بعدما رحل عنهم فلحقوه على أميال. فلما رأى غبرة الخيل كمن لهم، فلما ~~جاوزوا الكمين صافهم مروان فيمن معه وناشدهم، فأبوا إلا قتاله، فقاتلهم ~~وأتاهم الكمين من خلفهم، فانهزم أهل حمص وقتلوا حتى انتهوا إلى قريب ~~المدينة. وأتى مروان دمشق وعليها الوليد بن معاوية بن مروان، فخلفه بها ~~وقال: قاتلهم حتى يجتمع أهل الشام. ومضى مروان حتى أتى فلسطيم فنزل نهر أبي ~~فطرس، وقد غلب على فلسطين الحكم بن ضبعان الجذامي، فأرسل مروان إلى عبد ~~الله بن يزيد بن روح بن زنباع الجذامي فأجاره، وكان بيت المال في يد الحكم. ~~PageV02P0492 # وكان السفاح قد كتب إلى عبد الله بن علي يأمره باتباع مروان، فسار حتى ~~أتى الموصل، فتلقاه من بها مسودين وفتحوا له المدينة؛ ثم سار إلى حران، ~~فتلقاه أبان بن يزيد مسودا، كما تقدم، فآمنه وهدم عبد الله الدار التي حبس ~~فيها إبراهيم. ثم سار من حران إلى منبج، وقد سودوا، ms1933 فأقام بها، أياما، ثم ~~سار إلى بعلبك فأقام يومين، ثم سار فنزل مزة دمشق، وهي قرية من قرى الغوطة؛ ~~وقدم عليه أخوه صالح بن علي مددا فنزل مرج عذراء في ثمانية آلاف؛ ثم تقدم ~~بعبد الله فنزل على الباب الشرقي، ونزل صالح على باب الجابية، ونزل أبو عون ~~على باب كيسان، ونزل بسام بن إبراهيم على باب الصغير، ونزل حميد بن قحطبة ~~على باب توما، وعبد الصمد ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب ~~الفراديس، وفي دمشق الوليد بن معاوية، فحصروه ودخلوها عنوة يوم الأربعاء ~~لخمس مضين من رمضان سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وكان أول من صعد سور المدينة ~~من باب شرقي عبد الله الطائي، ومن ناحية باب الصغير بسام بن إبراهيم، ~~فقاتلوا بها ثلاث ساعات، وقتل الوليد ابن معاوية فيمن قتل. وأقام عبد الله ~~بن علي في دمشق خمسة عشر يوما، ثم سار يريد فلسطين، فلقيه أهل الأردن وقد ~~سودوا، وأتى أبي فطرس وقد ذهب مروان، فأقام عبد الله بفلسطين، ونزل ~~بالمدينة يحيى بن جعفر الهاشمي، فأتاه كتاب السفاح يأمره بإرسال صالح بن ~~علي في طلب مروان. فسار صالح من نهر أي فطرس في ذي القعدة سنة اثنتين ~~وثلاثين ومائة ومعه ابن فتان وعامر بن إسماعيل، فقدم صالح أبا عون وعامر بن ~~إسماعيل الحارثي، فساروا حتى بلغوا العريش. فأحرق مروان ما كان حوله من علف ~~وطعام. وسار صالح فنزل النيل، ثم سار حتى أتى الصعيد، وبلغه أن خيلا لمروان ~~يحرقون الأعلاف فوجه إليهم فأخذوا وقدم بهم على صالح وهو بالفسطاط، وسار ~~فنزل موضعا يقال له ذات السلاسل، وقدم أبو عون عامر ابن إسماعيل الحارثي ~~وشعبة بن كثير المازني في خيل أهل الموصل فلقوا خيلا لمروان فهزمهم وأسروا ~~منهم رجالا فقتلوابعضا واستحيوا بعضا، فسألوهم عن مروان فأخبروهم بمكانه ~~على أن يؤمنوهم، وساروا فوجدوه نازلا في كنيسة في بوصير، فوافوه ليلا، وكان ~~أصحاب أبي عون قليلين، فقال لهم عامر بن إسماعيل: إن أصبحنا وأوا قلتنا ~~أهلكونا ولم ينج منا أحد. ms1934 وكسر جفن سيفه وفعل أصحابه مثله وحملوا على أصحاب ~~مروان فانهزموا، وحمل رجل من أهل الكحوفة كان يبيع الرمان فاحتز رأسه، ~~فأخذه عامر فبعث به إلى أبي عون، وبعثه أبو عون إلى صالح. فلما وصل إليه ~~أمر أن يقص لسانه، فانقطع لسانه، فأخذه هر، فقال صالح: ماذا ترينا الأيام ~~من العجائب والعبر! هذا لسان مروان قد أخذه هر؛ وقال شاعر: قد فتح الله ~~مصرا عنوة لكم ... وأهلك الفاجر الجعدي إذ ظلما فلاك مقوله هر يجرره ... ~~وكان ربك من ذي الكفر منتقما وسيره صالح إلى أبي العباس السفاح. وكان قتله ~~لليلتين بقيتا من ذي الحجة، ورجع صالح إلى الشام وخلف أبا عون بمصر وسلم ~~إليه السلاح والأموال والرقيق. ولما وصل الرأس إلى السفاح كان بالكوفة، ~~فلما رآه سجد ثم رفع رأسه فقال: الحمد الله الذي أظهرني عليك وأظفرني بك ~~ولم يبق ثأري قبلك وقبل رهطك أعداء الدين! وتمثل: لو يشربون دمي لم يرو ~~شاربهم ... ولا دماؤهم للغيظ ترويني ولما قتل مروان هرب ابناه عبد الله ~~وعبيد الله إلى أرض الحبشة، فلقوا من الحبشة بلاء، قاتلهم الحبشة فقتل عبيد ~~الله ونجا عبد الله وعدة ممن معه، فبقي إلى خلافة المهدي، فاخذه نصر بن ~~محمد بن الشعث، عامل فلسطين، فبعث به إلى المهدي. ولما قتل مروان قصد عامر ~~الكنيسة التي فيها حرم مروان، وكان قد وكل بهن خادما وأمره أن يقتلهن بعده، ~~فأخذه عامر وأخذ نساء مروان وبناته فسيرهن إلى صالح بن علي بن عبد الله بن ~~عباس. فلما دخلن عليه تكلمت ابنة مروان الكبرى فقالت: يا عم أمير المؤمنين! ~~حفظ الله لك من أمرك ما تحب حفظه، نحن بناتك وبنات أخيك وابن عمكفليسعنا من ~~عفوكم ما وسعكم من جورنا. PageV02P0493 # قال: والله لا استبقي منكم واحدا! ألم يقتل أبوك ابن أخي إبراهيم الإمام؟ ~~ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين وصلبه في الكوفة؟ ألم ~~يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زيد وصلبه بخراسان؟ أل يقتل ابن زياد الدعي ~~مسلم ms1935 بن عقيل؟ ألم يقتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي وأهل بيته؟ ألم يخرج ~~إليه بحرم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سبايا فوقفهن موقف السبي؟ ألم ~~يحمل رأس الحسين وقد قرع دماغه؟ فما الذي يحملني على الإبقاء عليكن؟! قالت: ~~فليسعنا عفوكم! فقال: أما هذا فنعم، وإن أحببت زوجتك ابني الفضل! فقالت: ~~وأي عز خير من هذا! بل تلحقنا بحران. فحملهن إليها، فلما دخلنها ورأين ~~منازل مروان رفعن أصواتهن بالبكاء. قيل: كان يوما بكير بن ما هان مع أصحابه ~~قبل أني قتل مروان يتحدث إذ مر به عامر بن إسماعيل وهو لا يعرفه فأتى دجلة ~~واستقى من مائها ثم رجع، فدعاه بكير فقال: ما اسمك يا فتى؟ قال: عامر بن ~~إسماعيل بن الحارث. قال: فكن من بني مسلية. قال: فأنا منهم. قال: أنت والله ~~تقتل مروان! فكان هذا القول هو الذي قوى طوع عامر في قتل مروان. ولما قتل ~~مروان كان عمره اثنتين وستين سنة، وقيل: تسعا وستين سنة؛ وكانت ولايته من ~~حين بويع إلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشهر وستة عشر يوما؛ وكان يكنى أبا عبد ~~الملك؛ وكانت أمه أم ولد كردية، كانت لإبراهيم بن الأشتر، أخذها محمد بن ~~مروان يوم قتل إبراهيم فولدت مروان فلهذا قال عبد الله بن عياش المشرف ~~للسفاح: الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة وابن أمة النخع ابن عم رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، ابن عبد المطلب. وكان مروان يلقب بالحمار ~~والجعدي لأنه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن والقدر ~~وغير ذلك، وقيل: إن الجعد كان زنديقا، وعظمه ميمون بن مهران فقال: لشاه ~~قباذ أحب إلي مما تدين به. فقال له: قتلك الله، وهو قاتلك، وشهد عليه ~~ميمون، وطلبه هشام فظفر به وسيره إلى خالد القسري فقتله، فكان الناس يذمون ~~مروان بنسبته إليه. وكان مروان أبيض أشهل شديد الشهلة، ضخم الهامة، كث ~~اللحية أبيضها، ربعة؛ وكان شجاعا حازما إلا أن مدته انقضت فلم ينفعه حزمه ~~ولا شجاعته. عياش ms1936 بالياء تحتها نقطتان، والشين المعجمة. ### || AUT ذكر من قتل من بني أمية # دخل سديف على السفاح وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وقد أكرمه، فقال ~~سديف: لا يغرنك ما ترى من الرجال ... إن تحت الضلوع داء دويا فضع السيف ~~وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا فقال سليمان: قتلتني يا شيخ! ~~ودخل السفاح، وأخذ سليمان فقتل. ودخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على ~~عبد الله بن علي وعنده من بني أمية نحو تسعين رجلا على الطعام، فأقبل عليه ~~شبل فقال: أصبح الملك ثابت الآساس ... بالبهاليل من بني العابس طلبوا وتر ~~هاشم فشفوها ... بعد ميل من الزمان وياس لا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن ~~كل رقلة وغراس ذلها أظهر التودد منها ... وبها منكم كحر المواسي ولقد غاظني ~~وغاظ سوائي ... قربهم من تنمارق وكراسي أنزلوها بحيث أنزلها الل ... ه بدار ~~الهوان والإتعاس والقتل الذي بحران أضحى ... ثاويا بين غربة وتناس فأمر بها ~~عبد الله فضربوا بالعمد حتى قتلوا، وبسط عليهم الأنطاع فأكل الطعام عليها ~~وهو يسمع أنين بعهم حتى ماتوا جيمعا، وأمر عبد الله ابن علي بنبش قبور بني ~~أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان، فلم يجدوا فيه إلا خيطا مثل ~~الهباء، ونبش قبر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فوجدوا فيه حطاما كأنه ~~الرماد، ونبش قبر عبد الملك فإنه وجد صحيحا لم يبل منه إلا أرنبة أنفه، ~~فضربه بالسياط وصلبه وحرقه وذراه في الريح. PageV02P0494 # وتتبع بني امية من أولاد الخلفاء وغيرهم فأخذهم، ولم يفلت منهم إلا رضيع ~~أو من هرب إلى الأندلس، فقتلهم بنهر أبي فطرس، وكان فيمن قتل: محمد بن عبد ~~الملك بن مروان، والغمر بن يزيد بن عبد الملك، وعبد الواحد بن سليمان بن ~~عبد الملك، وسعيد بن عبد الملك، وقيل: غنه مات قبل ذلك، وأبو عبيدة بن ~~الوليد بن عبد الملك، وقيل: إن إبراهيم بن يزيد المخلوع قتل معهم، واستصفى ~~كل شيء لهم من مال وغي ذلك؛ فلما فرغ منهم قال: بني ms1937 أمية قد أفنيت جمعكم ~~... فكيف لي منكم بالأول الماضي يطيب النفس أن النار تجمعكم ... عوضتم منم ~~لظاها شر معتاض منيتم، لا أقال الله عثرتكم، ... بليث غاب إلى الأعداء نهاض ~~إن كان غيظي منكم لفوت فلقد ... منيت منكم بما ربي به راض وقيل: إن سديفا ~~أنشد هذا الشعر للسفاح ومعه كانت الحادثة، هو الذي قتلهم. وقتل سليمان بن ~~علي بن عبد الله بن عباس بالبصرة أيضا جماعة من بني أمية عليهم الثياب ~~الموشية المرتفعة وأمر بهم فجروا بأرجلهم فألقوا على الطريق فأكلتهم ~~الكلاب. فلما رأى بنو أمية ذلك اشتد خوفهم وتشتت شملهم واختفى من قدر على ~~الاختفاء وكان ممن اختفى منهم عمرو بن معاوية بن عمرو بن سفيان بن عتبة بن ~~أبي سفيان. قال: وكنت لا اتي مكانا إلا عرفت فيه،فضاقت على الأرض، فقدمت ~~على سليمان بن علي، وهو لا يعرفني، فقلت: لفظتني البلاد إليك، ودلني فضلك ~~عليك، فإما قتلتني فاسترحت، وإما رددتني سالما فامنت. فقال: ومن أنت؟ ~~فعرفته نفسي، فقال: مرحبا بك، ما حاجتك؟ فقتل: إن الحرم اللواتي أنت أولى ~~الناس بهن وأقربهم إليهن قد خفن لخوفنا ومن خاف خيف عليه. قال: فبكى كثيرا ~~ثم قال: يحقن الله دمك ويوفر مالك ويحفظ حرمك. ثم كتب إلى السفاح: يا أمير ~~الؤمنين إنه قد وفد وافد من بني أمية علينا، وإنا قتلناهم على عقوقهم لا ~~على أرحامهم، فإننا يجمعنا وإياهم عبد مناف والرحم تبل ولا تقتل وترفع ولا ~~توضع، فإن رأى أمير المؤمنين أن يهبهم لي فليفعل، وإن فعل فليجعل كتابا ~~عاما إلى البلدان نشكر الله تعالى على نعمه عندنا وإحسانه إلينا. فأجابه ~~إلى ما سأل، فكان هذا أول أمان بني أمية. ### || AUT ذكر خلع حبيب بن مرة المري # وفي هذه السنة بيض حبيب بن مرة المري وخلع هو ومن معه من أهل البثنية ~~وحوران، وكان خلعهم قبل خلع أبي الورد، فسار إليه عبد الله وقاتله دفعات، ~~وكان حبيب من قواد مروان وفرسانه. وكان سبب تبييضه الخوف على نفسه وقومه، ~~فبايعته قيس ms1938 وغيرهم ممن يليهم. فلما بلغ عبد الله خروج أبي الورد ةتبييضه ~~دعا حبيبا إلى الصلح، فصالحه وآمنه ومن معه وسار نحو أبي الورد. ### || AUT ذكر خلع أبي الورد وأهل دمشق # وفيها خلع أبو الورد مجزاة بن الكوثرة بن زفر بن الحارث الكلابي، وكان ~~من أصحاب مروان وقواده. وكان سبب ذلك أن مروان لما انهزم قام أبو الورد ~~بقنسرين، فقدمها عبد الله بن علي فبايعه أبو الورد ودخل فيما دخل فيه جنده، ~~وكان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاورين له ببالس والناعورة، فقدم بالس قائد ~~من قواد عبد الله بن علي فبعث بولد مسلمة ونسائهم، فشكا بعضهم ذلك إلى أبي ~~الورد، فخرج من مزرعة له يقال لها خساف فقتل ذلك القائد ومن معه وأظهر ~~التبييض والخلع لعبد الله، ودعا أهل قنسرين إلى ذلك، فبيضوا أجمعهم، ~~والسفاح يومئذ بالحيرة، وعبد الله بن علي مشتغل بحرب حبيب بن مرة المري ~~بأرض البلقاء وحوران والبثنية، على ماذكرناه. PageV02P0495 # فلما بلغ عبد الله بييض أهل قنسرين وخلعهم صالح حبيب بن مرة وسار نحو ~~قنسرين للقاء أبي الورد، فمر بدمشق فخلف بها أبا غانم عبد الحميد بن ربعي ~~الطائي في أربعة آلاف، وكان بدمشق أهل عبد الله وأمهات أولاده وثقله، فلما ~~قدم حمص انتقض له أهل دمشق وبيضوا وقاموا مع عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة ~~الأزدي فلقوا أبا غانم ومن معه فهزموه وقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة ~~وانتهبوا ما كان عبد الله خلف من ثقله ولم يعرضوا لأهله واجتمعوا على ~~الخلاف. وسار عبد الله، وكان قد اجتمع مع أبي الورد جماعة من أهل قنسرين ~~وكاتبوا من يليهم من أهل حمص وتدمر، فقدم منهم ألوف عليهم أبو محمد بن عبد ~~الله بن يزيد بن معاوية، ودعوا إليه، وقالوا: هذا السفياني الذي كان يذكر، ~~وهم في نحو من أربعين ألفا، فعسكروا بمرج الأخرم، ودنا منهم عبد الله بن ~~علي ووجه إليهم أخاه عبد الصمد بن علي في عشرة آلاف، وكان أبو الورد هو ~~المدبر لعسكر قنسرين وصاحب القتال، ms1939 فناهضهم القتال، وكثر القتل في ~~الفريقين، وانكشف عبد الصمد ومن معه، وقتل منهم ألوف ولحق بأخيه عبد الله. ~~فأقبلى عبد الله معه وجماعة القواد فالتقوا ثانية بمرج الأخرم فاقتتلوا ~~قتالا شديدا، وثبت عبد الله، فانهزم أصحاب أبي الورد وثبت هو في نحو من ~~خمسمائة من قومه وأصحابه فقتلوا جميعا، وهرب أبو محمد ومن معه حتى لحقوا ~~بتدمر، وآمن عبد الله أهل قنسرين وسودوا وبايعوه ودخلوا في طاعته. ثم انصرف ~~راجعا إلى أهل دمشق لما كان من تبييضهم عليه، فلما دنا منهم هرب الناس ولم ~~يكن منهم قتال، وآمن عبد الله أهلها وبايعوه ولم يأخذهم بما كان منهم. ولم ~~يزل أبو محمد السفياني متغيبا هاربا ولحق بأرض الحجاز وبقي كذلك إلى أيام ~~المنصور، فبلغ زياد بن هبد الله الحارثي عامل المنصور مكانه، فبعث إليه ~~خيلا فقاتلوه فقتلوه وأحذوا ابنين له أسيرين، فبعث زياد برأس أبي محمد بن ~~عبد الله السفياني وبابنيه، فأطلقهما المنصور وآمنهما. وقيل: إن حرب عبد ~~الله وأبي الورد كانت سلخ ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين ومائة. ### || AUT ذكر تبييض أهل الجزيرة وخلعهم # وفي هذه السنة بيض أهل الجزيرة وخلعوا أبا العباس السفاح وساروا إلى ~~حران وبها موسى بن كعب في ثلاثة آلاف من جند السفاح فحاصروه بها وليس على ~~أهل الجزيرة رأس يجمعهم، فقدم عليهم إسحاق بن مسلم العقيلي من أرمينية، ~~وكان سار عنها حين بلغه هزيمة مروان، فاجتمع عليه أهل الجزيرة وحاصر موسى ~~بن كعب نحوا من الشهرين. ووجه أبو العباس السفاح أخاه أبا جعفر فيمن كان ~~معه من الجنود بواسط محاصرين ابن هبيرة، فسار فاجتاز بقرقيسيا والرقة، ~~وأهلهما قد تبيضوا، وسار نحو حران، فرحل إسحاق بن مسلم إلى الرهاء، وذلك ~~سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وخرج موسى بن كعب من حران فلقي أبا جعفر. ووجه ~~إسحاق بن مسلم أخاه بكار بن مسلم إلى ربيعة بدارا ومادرين، ورئيس ربيعة ~~يومئذ رجل من الحرورية يقال له بريكة، فعمد إليهم أبو جعفر فلقيهم، فقاتلوه ~~قتالا شديدا، وقتل بريكة في المعركة، ms1940 وانصرف بكار إلى أخيه إسحاق بالرهاء، ~~فخلفه إسحاق بها وسار إلى سميساط في عظم عسكره،وأقبل أبو جعفر إلى الرهاء، ~~وكان بينهم وبين بكار وقعات. وكتب السفاح إلى عبد الله بن علي يأمره أن ~~يسير في جنوده إلى سمياط، فسار حتى نزل بإزاء إسحاق بسمياط، وإسحاق في ستين ~~ألفا وبينهم الفرات، وأقبل أبو جعفر من الرهاء وحاصر إسحاق بسميساط سبعة ~~أشهر، وكان إسحاق يقول: في عنقي بيعة، فأنا لا ادعها حتى أعلم أن صاحبها ~~مات أوقتل. فأرسله إليه أبو جعفر: إن مروان قد قتل. فقالك حتى أتيقن. فلما ~~تيقن قتله طلب الصلح والأمان، فكتبوا إلى السفاح بذلك وأمرهم أن يؤمنوه ومن ~~معه، فكتبوا بينهم كتابا بذلك، وخرج إسحاق إلى أبي جعفر، وكان عنده من آثر ~~صحابته، واستقام أهل الجزيرة والشام، وولى أبو العباس أخاه أبا جعفر ~~الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، فلم يزل عليها حتى استخلف. وقد قيل: إن عبد ~~الله بن علي هو الذي آمن إسحاق بن مسلم. ### || AUT ذكر قتل أبي سلمة الخلال وسليمان بن كثير # PageV02P0496 # قد ذكرنا ما كان من أبي سلمة في أمر أبي العباس السفاح ومن كان معه من ~~بني هاشم عند قدومهم الكوفة بحيث صار عندهم متهما، وتغير السفاح عليه وهو ~~بعسكره بحمام أعين، ثم تحول عنه إلى المدينة الهاشمية فنزل قصر الإمارة بها ~~وهو متكر لأبي سلمة.وكتب إلى أبي مسلم يعلمه رأيه فيه وما كان هم به من ~~الغش، وكتب إليه أبو مسلم: إن كان أمير المؤمنين اطلع على ذلك منه فليقتله. ~~فقال داود بن علي للسفاح: لا تفعل يا أمير المؤمنين فيحتج بها أبو مسلم ~~عليك واهل خراسان الذين معك أصحابه، وحاله فيهم حاله، ولكن اكتب إلى أبي ~~مسلم فليبعث إليه من يقتله. فكتب إليه، فبعث أبو مسلم مرار بن أنس ال2ضبي ~~لقتله، فقدم على السفاح فأعلمه بسبب قدومه، فأمر السفاح مناديا فنادى: إن ~~أمير المؤمنين قد رضي عن أبي سلمة ودعاه فكساه، ثم دخل عليه بعد ذلك ليلة ~~فلم يزل عنده حتى ذهب عامل ms1941 الليل، ثم انصرف إلى منزله وحده، فعرض له مرار ~~ابن أنس ومن معه من أعوانه فقتلوه وقالوا: قتله الخوارج، ثم أخرج من الغد ~~فصلى عليه يحيى بن محمد بن علي ودفن بالمدينة الهاشمية عند الكوفة، فقال ~~سليمان بن المهاجر البجلي. إن الوزير وزير آل محمد ... وأدى فمن يشناك صار ~~وزيرا وكان يقال لأبي سلمة: وزير آل محمد، ولأبي مسلم، فملا قدم على أبي ~~مسلم سايره عبيد الله بن الحسن الأعرج وسلميان بن كثير، فقال سليمان بن ~~كثير لعبيد الله: يا هذا إنا كنا نرجو أن يتم أمركم، فإذا شئتم فادعونا إلى ~~ما تريدون. فظن عبيد الله أنه دسيس من أبي مسلم، فأتى أبا مسلم فأخبره وخاف ~~أن يعلمه أن يقتله، فاحضر أبو مسلم سليمان بن كثير وقال له: احفظ قوزل ~~الإمام لي من اتهمته فاقتله؟ قال: نعم. قال: فإني اتهمتك. قال: أنشدك الله! ~~قال: لا تناشدني، فانت منطو على غش الإمام، وأمر بضرب عنقه. ورجع أبو جعفر ~~إلى السفاح فقال: لست خليفة ولا أمرك بشيء إن تركت أبا مسلم ولم تقتله. ~~قال: وكيف؟ قال: والله ما يصنع إلا ما أراد. قال أبو العباس: فاكتمها. وقد ~~قيل: إن أبا جعفر إنما سار إلى أبي مسلم قبل أن يقتل أبو سلمة. وكان سبب ~~ذلك أن السفاح لما ظهر تذاكروا ما صنع أبو سلمة فقال بعض من هناك: لعل ما ~~صنع كان من رأي أبي مسلم. فقال السفاح: لئن كان هذا عن رأيه إنا لنعرفن ~~بلاء إلا أن يدفعه الله عنا. وأرسل أخاه أبا جعفر إلى أبي مسلم ليعلم رأيه. ~~فسار إليه وأعلمه ما كان من أبي سلمة فأرسل مرار بن أنس فقتله. ### || AUT ذكر محاصرة ابن هبيرة بواسط # قد ذكرنا ما كان من أمر يزيد بن هليرة والجيش الذين لقوه من أهل خاسان ~~مع قحطبة، ثم مع ابنة الحسن، وانهزامه إلى واسط وتحصنه بها، وكان لما انهزم ~~قد وكل بالأثال قوما، فذهبوا بها، فقال له حوثرة: أين تذهب وقد قتل صاحبهم؟ ~~يعني ms1942 قحطبة، امض إلى الكوفة ومعك جند كثير، فقاتلهم حتى تقتل أو تظفر. قال: ~~بل نأتي واسطا فننظر. قال: مكا تريد على أن تمكنه من نفسك وتقتل. وقال يحيى ~~بن حضين: غنك لو تأتي مروان بشيء أحل إليه من هذه الجنود، فالزم الفارت حتى ~~تأتيه، وأياك وواسطا فتصير في حصار ولي بعد الحصر إلا القتل. لإابى. وكان ~~يخاف مروان لأنه كان يكتب إليه بالأمر فيخالفه، فخاف أن يقتله، فأتى واسطا ~~فتحصن بها؛ وسير أبو سلمة إليه الحسن بن قحطبة فحصره، وأول وقعة كانت بينهم ~~يوم الأربعاء. قال أهل الشام لابن هيرة: ايذن لنا في قتالهم. فأذن لهم، ~~فخرجوا وخرج ابن هبيرة وعلى ميمنته ابنه داود، فالتقوا وعلى ميمنة الحسن ~~خازم بن خزيمة، فحمل خازم على ابن هبيرة، فانهزم هو ومن معه وغص الباب ~~بالناس، ورمى أصحابه بالعرادات، ورجع أهل الشام، فكر عليهم الحسن واضطرهم ~~إلى دجلة، فغرق منهم ناس كثير، فتلقوهم بالسفن وتحاجزوا، فمكثوا سبعة أيام ~~ثم خرجوا إليهم فاقتتلوا وانهزم أهل الشام هزيمة قبيحة، فدخلوا المدينة، ~~فمكثوا ما شاء الله لا يقاتلون إلا رميا. PageV02P0497 # وبلغ ابن هبيرة، وهو في الحصار، أن أبا أمية التغلبي قد سود فأخذه وحبسه، ~~فتكلم ناس من ربيعة في ذلك ومعن بن زائدة السيباني وأخذوا ثلاثة من فزارة ~~رهط ابن هبيرة فحبسوهم. وشتموا ابن هبيرة وقالوا: لا نترك ما في أيدينا حتى ~~يترك ابن هبيرة صاحبنا، وابى أبن هبيرة أن يطلقه، فاعتزل معن وعبد الرحمن ~~بن بشير العجلي فيمن معهما. فقيل لابن هبيرة: هؤلاء فرسانك قد أفسدتهم، وإن ~~تماديت في ذلك كانوا أشد عليك ممن حصرك. فدعا أبا أمية فكساه وخلى سبيله، ~~فاصطلحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه. وقدم أبو نصر مالك بن الهيثم من ناحية ~~سجستان إلى الحسن، فأوفد الحسن وفدا إلى السفاح بقدوم أبي نصر عليه، وجعل ~~على الوفد غيلان بن عبد الله الخزاعي، وكان غيلان واجدا على الحسن لأنه ~~سرحه إلى روح بن حاتم مددا له، فلما قدم على السفاح وقال: أشهد أنط ms1943 أمير ~~المؤمنين، وأنك حبل الله المتين، وأنك إمام المتقين. قال: حاجتك يا غيلان؟ ~~قال: أستغفرك. قال: غفر الله لك. قال غيلان: يا أمير المؤمنين من علينا ~~برجل من أهل بيتك ننظر إلى وجهه وتقر عيننا به. فبعث أخاه أبا جعفر لقتال ~~ابن هبيرة عند رجوعه من خراسان. وكتب إلى الحسن: إن العسكر عسكرك، والقواد ~~قوادك، ولكن أحببت أن يكون أخي حاضرا، فاسمع له وأطع وأحسن موازرته. وكتب ~~إلى مالك بن الهيثم بمثل ذلك.وكان الحسن هو المدبر لأمر ذلك العسكر. فلما ~~قدم أبو جعفر المنصور على الحسن تحول الحسن عن خيمته وأنزله فيها، وجلعل ~~الحسن على حرس المنصور عثمان بن نهيك. وقاتلهم مالك بن الهيثم يوما فانهزم ~~أهل الشام إلى خنادقهم وقد كمن لهم معن وأبو يحيى الجذامي. فملا جازهم ~~أصحاب مالك خرجوا عليهم فقاتلوهم حتى جاء الليل، وابن هبيرة على برج ~~الخلالين، فاقتتلوا ما شاء الله من الليل، وسرح ابن هبيرة إلى معن يأمره ~~بالآنصاف، فانصرف، فمكثوا أياما، وخرج أهل واسط أيضا مع معن ومحمد بن ~~نباتة، فقاتلهم أصحاب الحسن فهزموهم إلى دجلة حتى تساقطو فيها ورجعوا وقد ~~قتل ولد مالك بن الهيثم، فملا رآه أبوه قتيلا قال: لعن الله الحياة بعدك! ~~ثم حملوا على أهل واسط فقاتلوهم حتى المدينة. وكان مالك يملأ السفن حطبا ثم ~~يضرمها نارا لتحرق ما مرت به، فكان ابن هبية يجر تلك السفن بكلاليب، فمكثوا ~~كذلك أحد عشر شهرا. فلما طال عليم الحصار طلبوا لصلح، ولم يطلبوه حتى جاءهم ~~خبر قتل مروان، أتاهم به إسماعيل بن عبد الله القسري وقال لهم: علام تقتلون ~~أنفسكم وقد قتل مروان؟ وتجنى أصحاب ابن هبيرة عليه، فقالت اليمانية: لا ~~نعين مروان زآثاره فينا آثاره. وقالت النزارية: لا تقاتل حتى تقاتل معنا ~~اليمانية، وكان يقاتل معه صعاليك الناس وفتيانهم. وهم ابن هبيرة بأن يدعو ~~إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي، فكتب إليه، فأبطأ جوابه، وكاتب ~~السفاح اليمانية من أصحاب ابن هبيرة وأطمعهم، فخرج إليه زياد بن صالح ms1944 وزياد ~~بن عبد الله الحارثيان ووعدا ابن هبيرة أن يصلحا له ناحية ابن العباس، فلم ~~يفعلا، وجرت السفراء بين أبي جعفر وابن هبيرة حتى جعل له أمانا وكتب به ~~كتابا مكث ابن هبية يشاور فيه العلماء أربعين يوما حتى رضيه فأنفذه إلى أبي ~~جعفر، فأنفذه أبو جعفر إلى أخيه السفاح فأمره بأمضائه. وكان رأي أبي جعفر ~~الوفاء له بما أعطاه، وكان السفاح لا يقطع أمرا دون أبي مسلم، وكان أبو ~~الجهم عينا لأبي مسلم على السفاح، فكتب السفاح إلى أبي مسلم يخبره أمر ابن ~~هبية، فكتب أبو مسلم إليه: إن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارةفسد، ولا ~~واله لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة. ولما تم الكتاب خرج ابن هبيرة إلى أبي ~~جعفر في ألف وثلاثمائة من الخارية وأراد أن يدخل على دابته، فقام إليه ~~الحاجب سلام بن سليم فقال: مرحبا بك أبا خالد، انزل راشدا! وقد أطاف بحجرة ~~المنصور عشرة آلاف من أهل خراسان، فنزل، ودعا له بوسادة ليجلس عليها، وأدخل ~~القواد ثم أذن لابن هبيرة وحده، فدخل وحادثه ساعة ثم قام ثم مكث يأتيه يوما ~~ويتركه يوما، فكان يأتيه في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل. فقيل لأبيجعفر: ~~إن ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر وما نقص من سلطانه شيء. فأمره أبو ~~جعفر أن لا يأتي إلا في حاشيته فكان يأتي في ثلاثين، ثم صار يأتي في ثلاثة ~~أو أربعة. PageV02P0498 # وكلم ابن هبيرة المنصور يوما، فقال له ابن هبيرة: يا هناه! أو: يا أيها ~~المرء! ثم رجع فقال: أيها الأمير إن عهدي بكلام الناس بمثل ما خاطبتك به ~~لقريب فسبقني لساني إلى ما لم أرده. فألح السفاح على أبي جعفر يأمره بقتل ~~ابن هبيرة وهو يراجعه حتى كتب إليه: والله لتقتلنه أو لأرسلن إليه من يخرجه ~~من حجرتك ثم يتولى قتله. فعزم على قتله، فبعث خازم بن خزيمة والهيثم بن ~~شعبة بن ظهير وأمرهما بختم بيوت الأموال، ثم بعث إلى وجوه من مع ابن هبيرة ~~من القيسية والمضرية فأحضرهم، فأقبل ms1945 محمد بن نباتة وحوثرة بن سهيل في اثني ~~وعشرين رجلا، فخرج سلام بن سليم فقال: أين ابن نباته وحوثرة؟ فدخلا وقد ~~أجلس أبوز جعفر عثمان بن نهيك وغيره في مائة في حجة دون حجرته، فنزعت ~~سيوفهما وكتفا، واستدعى رجلين رجلين يفعل بهما مثل ذلك، قال بعضهم: ~~أعطينمونا عهد الله ثم غدرتم بنا! إنا لنرجو ان يدرككم الله! وجعل ابن ~~نباتة يضرط فيلحية نفسه وقال: كأني كنت أنظر إلى هذا. وانطلق خازم والهيثم ~~بن شعبة في نحو من مائة إلى ابن هبيرة فقالوا: نريد حمل المال. فقال ~~لحاجبه: دلهم على الخزائن. فأقاموا عند كل بيت نفرا، وأقبلوا نحوه وعنده ~~ابنه داود وعدة من مواليه وبني له صغير في حجرة. فلما أقبلوا نحوه قام ~~حاجبه في وجوههم، فضربه الهيثم بن شعبة على حبل عاتقه فصرعه، وقاتل ابنه ~~داود، وأقبل هو إليه ونحى ابنه من حجرة فال: دونكم هذا الصبي، وخر ساجا ~~فقتل؛ وحملت رؤوسهم إلى أبي جعفر، ونادى بالأمان للناس إلا الحكم بن عبد ~~الملك بن بشر، وخاد بن سلمة المخزومي، وعمر، بن ذر، فاستأمن زياد بن عبد ~~الله لابن ذر، فأمنه، وهرب الحكم، وآمن أبو جعفر خالدا فقتله السفاح ولم ~~يجز أمان أبي جعفر ، فقال أبو العطاء السندي يرثي ابن هبيرة. ألا إن عينا ~~لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود عشية قام النائحات وصفقت ... ~~أكف بأيدي مأتم وخدود فإن تمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود ~~وفود فإنك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب بعيد ### || AUT ذكر قتل عمال أبي سلمة بفارس # وفي هذه السنة وجه أبو مسلم الخراساني محمد بن الأشعث على فارس وأمره أن ~~يقتل عمال أبي سلمة، ففعل ذلك، فوجه السفاح عمه عيسى ابن علي إلى فارس، ~~وعليها محمد بن الأشعث، فأراد محمد قتل عيسى، فقيل له: إن هذا لا يسوغ لك. ~~فقال: بلى أمرني أبو مسلم أن لايقدم أحد علي يدعي الولاية من غيره إلا ضربت ~~عنقه؛ ثم ترك عيسى خوفا ms1946 من عاقبة قتله واستحلف عبيسى بالأيمان المحرجة أن ~~لا يعلو منبرا ولا يتقلد سيفا إلا في جهاد، فلم يل عيسى بعد ذلك ولاية ولا ~~تقلد سيفا إلا في غزو، ثم وجه السفاح بعد ذلك إسماعيل بن علي واليا على فارس. ### || AUT ذكر ولاية يحيى بن محمد الموصل وما قيل فيها # وفي هذه السنة استعمل السفاح أخاه يحيى بن محمد على الموصل عوض محمد بن ~~صول. وكان سبب ذلك أن أهل الموصل امتنعوا من طاعة محمد بن صول، وقالوا: يلي ~~علينا مولى الخثعم، وأخرجوه عنهم. فكتب إلى السفاح بذلك واستعمل عليهم أخاه ~~يحيى بن محمد وسيره إليها في اثني عشر ألف رجل، فنزل قصر الإمارة مجانب ~~مسجد الجامع، ولم يظهر لأهل الموصل شيئا ينكرونه ولم يعترض فيما يفعلونه، ~~ثم دعاهم فقتل منهم أثني عشر رجلا، فنفر أهل البلد وحملوا السلاح، فأعطاهم ~~الأمان، وأمر فنودي: من دخل الجامع فهو آمن؛ فأتاه الناس يهرعون إليه، ~~فأقام يحيى الرجال على أبواب الجمع، فقتلوا الناس قتلا ذريعا أسرفوا فيه، ~~فقيل: إنه قتل فيه أحد عشر ألفا ممن له خاتم وممن ليس له خاتم خلقا كثيرا. ~~PageV02P0499 # فلما كان الليل سمع يحيى صراخ النساء اللاتي قتل رجالهن، فسأل عن ذلك ~~الصوت فأخبر به، فقال: إذا كان الغد فاقتلوا النساء والصبيان. ففعلوا ذلك، ~~وقتل منهم ثلاثة أيام، وكان في عسكره قائد معه أربعة آلاف زنجي، فأخذوا ~~النساء قهرا.فلما فرغ يحيى من قتل أهل الموصل في اليوم الثالث ركب اليوم ~~الرابع وبين يديه الحراب والسيوف المسلولة، فاعترضته امرأة وأخذت بعنان ~~دابته، فأراد أصحابه قتلها فنهاهم عن ذلك، فقالت: له:ألست من بني هشام؟ أست ~~ابن عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم ؟ أما تأنف للعربيات المسلمات أن ~~ينكحهن الزنج؟ فأمسك عن جوابها وسير معها من يبلغها مأمنها، وقد عمل كلامها ~~فيه. فلما كان الغد جمع الزنج للعطاء، فاجتمعوا، فأمر بهم فتلوا عن آخرهم. ~~وقيل: كان السبب في قتل أهل الموصل ما ظهر منهم من محبة بني أمية وكراهة ~~بني العباس، ms1947 وأن امرأة غسلت رأسها وألقت الخطمي من السطح فوقع على رأس بعض ~~الخراسانية فظنها فعلت ذلك تعمدا، فهاجم الدار، وقتل أهلها، فثار أهل البلد ~~وقتلوه، وثارت الفتنة وفيمن قتل معروف بن أبي معروف، وكان زاهدا عابدا، وقد ~~أدرك كثيرا من الصحابة ز ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها وجه السفاح أخاه المنصور واليا على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية، ~~وفيها عزل عمه داود بن علي عن الكوفة وسوادها وولاه المدينة ومكة واليمن ~~واليمامة،وولى موضعه من عمل الكوفة ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد، فاستقضى ~~عيسى على الكوفة ابن أبي ليلى. وكان العامل على البصرة هذه السنة سفيان بن ~~عينة المهلبي، وعلى قضائها الحجاج بن أرطاة، وعلى السند منصور بن جمهور، ~~وعلى فارس محمد بن الأشعث، وعلى الجزيرة وأرمينية وأذربيجان أبو جعفر بن ~~محمد بن علي، وعلى الموصل يحيى بن محمد بن علي، وعلى الشام عبد الله بن ~~علي، وعلى مصر أبو عون عبد لملك بن يزيد، وعلى خراسان والجبال أبو مسلم، ~~وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك. وحج بالناس هذه السنة داود بن علي. وفيها ~~قتل يحيى بن معاوية بن هشام بن عبد الملك مع مروان بن محمد بالزاب، ويحيى ~~أخو عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس. وفيها قتل يونس ابن مغيرة بن حلين ~~بدمشق لما دخلها عبد الله بن علي، وكان عمره عشرين ومائة سنة، قتله رجلان ~~من خراسان ولم يعرفاه، فلما عرفاه بكيا عليه، وقيل: بل عضته دابة من دوابه ~~فقتلته، وكان ضريرا. وفيها مات صفوان بن سليم مولى حميد بن عبد الحمن. ~~وفيها توفي محمد بن أبي كبر نب محمد بن عمرو بن حزم بالمدينة، وكان قاضيها. ~~وفيها مات همام بن منبه. وعبد الله ابن عوف. وسعيد بن سليمان بن زيد بن ~~ثابت الأنصاري. وخبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن يسار الأنصاري، وهو خال ~~عبيد الله بن عمر العمري؛ خبيب بضم الخاء المعجمة، وفتح الحاء والراء ~~المهملتين. وفيها توفي عبد الله بن طاووس بن كيسان الهمداني من عباد ms1948 أهل ~~اليمن وفقهائهم. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة # ### || AUT ذكر ملك الروم ملطية # في هذه السنة أقبل قسطنطين، ملك الروم، إلى ملطية وكمخ، فنازل كمخ، ~~فأرسل أهلها إلى أهل ملطية يسنجدونهم، فسار إليهم منها ثمانمائة مقاتل، ~~فقاتلهم الروم، فانهزم المسلمون، ونازل الروم ملطسة وحصروها، والجزيرة ~~يومئذ مفتونة بما ذكرناه، وعاملها موسى بن كعب بحران. فأرسل قسطنطين إلى ~~أهل ملطية: إني لم أحصركم إلا على علم من المسلمين واختلافهم، فلكم الأمان ~~وعودون إلى بلاد المسلمين حتى أحترث ملطية. فلم يجيبوه إلى ذلك، فنصب ~~المجانيق، فأذعنوا وسلموا البلاد على المان وانتقلوا إلى بلاد الإسلام ~~وحملوا ما أمكنهم حمله، وما لم قدروا على حمله ألقوه في الآبار والمجاري. ~~فلما ساروا عنها أخربها الروم ورحلوا عنها عائدين، وتفرق أهلها في بلاد ~~الجزيرة، وسار ملك الروم إلى قاليقلا فنزل مرج الخصي، وأرسل كوشان الأرمني ~~فحصرها، فنقب إخوان من الأرمن من أهل المدينة ردما كان في سورها، فدخل ~~كوشان ومن معه المدينة وغلبوا عليها وقتلوا رجالها وسبوا النساء وساق ~~القائم إلى ملك الروم. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وجه السفاح عمه سليمان بن علي واليا على البصرة واعمالها ~~وكور دجلة والبحرين وعمان ومهر جانقذق، واستعمل عمه إسماعيل بن علي على ~~الأهواز. PageV02P0500 # وفيها قتل داود بن علي من ظفر به من بني أمية بمكة والمدينة، ولما أراد ~~قتلهم قال له عبد الله بن الحسن بن الحسن: يا أخي إذا قتلت هؤلاء فمن تباهي ~~بملكه؟ أما يكفيك أن يروك غاديا ورائحا فيما يذلهم ويسؤهم؟ فلم يقبل منه ~~وقتلهم. وفيها مات داود بن علي بالمدينة في شهر ربيع الأول، واستخلف حين ~~حضرته الوفاة ابنه موسى، ولما بلغت السفاح وفاته استعمل على مكة والمدينة ~~والطائف واليمامة خاله زياد بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، ووجه محمد ~~ابن يزيد بن عبد الله بن عبد المدان على اليمن. فلما قدم زياد المدينة وجه ~~إبراهيم بن حسان السلمي ، وهي أبو حماد الأبرص بن المثنى، وإلى يزيد بن ms1949 عمر ~~ابن هيرة، وهو باليمامة، فقتله وقتل أصحابه. وفيها توجه محمد بن الأشعث إلى ~~إفريقية فقاتل أهلها قتالا شديدا حتى فتحها. وفيها خرج شريك بن شيخ المهري ~~ببخارى على أبي مسلم ونقم عليه وقال: ما على هذا اتبعنا آل محمد، أن نسفك ~~الدماء وأن يعمل بغير الحق! وتبعه على رأيه أكثر من ثلاثين ألفا، فوجه إليه ~~أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعي فقاتله، وقتله زياد. وفيها توجه أبو داود ~~خالد بن إبراهيم إلى الختل فدخلها، ولم يمتنع عليه حبيش بن الشبل ملكها بل ~~تحصن منه هو وأناس من الدهاقين، فلما ألح عليه أبو داود خرج من الحصن هو ~~ومن معه من دهاقينه وشاكريته حتى انتهوا إلى أرض فرغانة، ثم دخلوا بلد ~~الترك وانتهوا إلى ملك الصين، وأخذ أبو داود من ظفر به منهم فبعث بهم إلى ~~أبي مسلم. وفيها قتل عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب بالموصل، قتله سليمان ~~الذي يقال له الأسود بأمان كتبه له. وفيها وجه صالح بن علي سعيد بن عبد ~~الله ليغزو الصائفة وراء الدروب.وفيها عزل يحيى بن محمد على الموصل واستعمل ~~مكانه إسماعيل بن علي.وإنما عزل يحيى لقتله أهل الموصل وسوء أثره فيهم. وحج ~~بالناس هذه السنة زياد بن عبيد الله الحارثي. وكان العمال من ذكرنا إلا ~~الحجاز واليمن والموصل فقد ذكرنا من استعمل عليها. وفيها تخالف إخشيد ~~فرغانة وملك الشاش، فاستمد إخشيد ملك الصين فأمده بمائة ألف مقاتل، فحصروا ~~ملك الشاش، فنزل على حكم ملك الصين، فلم يتعرض له ولأصحابه بما يسؤهم، وبلغ ~~الخبر أبا مسلم فوجه إلى حربهم زياد بن صالح، فالتقوا على نهر طراز فظفر ~~بهم المسلمون وقتلوا منهم زهاء خمسين ألفا وأسروا نحو عشرين ألفا وهرب ~~الباقون إلى الصين؛ وكانت الوقعة فذ ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين. وفيها توفي ~~موان بن أبي سعيد. وابن المعلى الزرقي الأنصاري. وعلي ابن بذيمة مولى جابر ~~بن سمرة السوائي. بذيمة بفتح الباء الموحدة، وكسر الذال المعجمة. ### || AUT ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائة # ### || AUT ذكر ms1950 خلع بسام بن إبراهيم # وفي هذه السنة خلع بسام بن إبراهيم بن بسام، وكان من فرسان أهل خراسان ~~وسار من عسكر السفاح هو وجماعة على رأية سا إلى المدائن، فوجه إليهم السفاح ~~خازم بن خزيمة، فاقتتلوا، فانهزم بسام وأصحابه وقتل أكثرهم وقتل كل من لحقه ~~منهزما؛ ثم انصرف فمر بذات المطامير، وبها أخوال السفاح من بين عبد المدان، ~~وهم خمسة وثلاثون رجلا، ومن غيرهم ثمانية عشر رجلا، ومن مواليهم سبعة عشر، ~~فلم سلم عليهم، فلما جازهم شتموه، وكان في قلبه عليهم لما بلغه من حال ~~المغيرة، فقالوا: مر بنا رجل مجتاز لا نعرفه فأقام في قريتنا ليلة ثم خرج ~~عنا. فقال لهم: أنتم أخوال أمير المؤمنين يأتيكم عدوه ويأمن في قريتكم! ~~فهلا اجتمعتم فأخذتموه! فأغلظوا له في الجواب، فأمر بهم فضربت أعناقهم ~~جميعا وهدم دورهم ونهب أموالهم ثم انصرف. PageV03P0001 # فبلغ ذلك اليمانية فاجتمعوا، ودخل زياد بن عبيد الله الحارثي معهم على ~~السفاح، فقالوا له: إن خازما اجترأ عليك واستخف بحقك وقتل أخوالك الذين ~~قطعوا البلاد وأتوك معتزين بك طالبين معروفك حتى صاروا في جوارك، قتلهم ~~خازم وهدم دورهم ونهب أموالهم بلا حث احدثوه. فهم بقتل خازم فبلغ ذلك موسى ~~بن كعب وأبا الجهم بن عطية، فدخلا على السفاح وقالا: يا امير المؤمنين ~~بلغنا ما كان من هؤلاء وأنك هممت بقتل خازم، وإنا نعيذك بالله من ذلك، فإن ~~له طاعة وسابقة وهو يحتمل له ما صنع، فإن شيعتكم من أهل خراسان قد آثروكم ~~على الأقارب والأولاد وقتلوا من خالفكم، وأنت أحق من تغمد إساءة مسيئهم، ~~فإن كنت لا بد مجمعا على قتله فلا تتولى ذلك بنفسك وابعثه لأمر إن قتل فيه ~~كنت قد بلغت الذي تريد، وإن ظفر كان ظفره لك. وأشاوا عليه بتوجيهه إلى من ~~بعمان من الخوارج وإلى الخوارج الذين يجزيرة بركاوان مع شيبان بن عبد ~~العزيز اليشكري، فامر السفاح بتوجيهه مع سبعمائة رجل، وكتب إلى سليمان بن ~~علي، وهو على البصرة، بحملهم إلى جزيرة بركاوان وعمان، فسار خازم. ms1951 ### || AUT ذكر أمر الخوارج وقتل شيبان بن عبد العزيز # فلما سار خازم إلى البصرة في الجند الذين معه، وكان قد انتخب من أهله ~~وعشيرته ومواليه من أهل مرو الروذ من يثق به، فلما وصل البصرة حملهم سليمان ~~في السفن وانضم إليه بالبصرة أيضا عدة من بين تميم، فساروا في البحر حتى ~~أرسوا بجزيرة بركاوان، فوجه خازم فضله بن نعيم النهشلي في خمسمائة إلى ~~سشيبان، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فركب شيبان وأصحابه السفن وساروا ~~إلى عمان، وهم صفرية. فلما صاروا إلى عمان قاتلهم الجلندى وأصحابه، وهم ~~إباضية، واشتد القتال بينهم، فقتل شيبان ومن معه؛ وقد تقدم سنة تسع وعشرين ~~ومائة قتل شيبان على هذا السياق. ثم سار خازم في البحر بمن معه حتى أرسوا ~~إلى ساحل عمان، فخرجوا إلى الصحراء، فلقيهم الجلندى وأصحابه واقتتلوا قتالا ~~شديدا،فقتل يومئذ من الخوارج تسعمائة وأحرق منهم نحو من تسعين رجلا، ثم ~~التقوا بعد سبعة أيام من مقدم خازم على رأي أشار به بعض أصحاب خازم، أشار ~~عليه أن يأمر أصحابه فيجعلوا على أطراف أسنتهم المشقة ويرووها بانفط ~~ويشعلوا فيها النيران ثم يمشوا بها حتى يضرموها في بيوت أصحاب الجلندى، ~~وكانت من خشب، فلما فعل ذلك وأضرمت بيوتهم بالنيران اشتغلوا بها وبمن فيها ~~من أولادهم وأهاليهم، فحمل عليهم خازم وأصحابه فوضعوا فيهم السيف فقتلوهم ~~وقتلوا الجلندى فيمن قتل، وبلغ عدة القتلى عشرة آلاف، وبعث برؤوسهم إلى ~~البصرة، فأرسلها سليمان إلى السفاح،و أقام خازم بعد ذلك أشهرا حتى استقدمه ~~السفاح فقدم. ### || AUT ذكر غزوة كش # وفي هذه السنة غزا أبو داود خالد بن إبراهيم أهل كش فقتل الاخريد ملكها، ~~وهو سامع مطيع، وقتل أصحابه وأخذ منهم من الأواني الصينية المنقوشة المذهبة ~~ما لم ير مثلها، ومن السروج ومتاع الصين كله من الديباج والطرف شيئا كثيرا ~~فحمله إلى أبي مسلم وهو بسمرقند، وقتل عدة من دهاقينهم، واستحيا طاران أخا ~~الأخريد وملكه على كش؛ وانصرف أبو مسلم إلى مرو بعد أن قتل في أهل الصغد ~~وبخارى؛ وأمر ببناء سور ms1952 سمرقند، واستخلف زياد ابن صالح عليها وعلى بخارى، ~~ورجع أبو داود إلى بلخ. ### || AUT ذكر حال منصور بن جمهور # وفي هذه السنة وجه السفاح موسى بن كعب إلى السند لقتال منصور بن ~~جمهور،فسار واستخلف مكانه على شرط السفاح المسيب بن زهير، وقدم موسى السند ~~قلقي منصورا في اثني عشر ألفا، فانهزم منصور ومن معه ومضى فمات عطشا في ~~الرمال، وقد قيل أصابه بطنه فمات. وسمع خليفته على السند بهزيمته فرحل ~~بعيال منصور وثقله فدخل بهم بلاد الخزر. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها توفي محمد بن يزيد بن عبد الله وهو على اليمن، فاستعمل السفاح ~~مكانه علي بن الربيع بن عبد الله. وفيها تحول السفاح من الحيرة إلى الأنبار ~~في ذي الحجة. وفيها ضرب المنار من الكوفة إلى مكة والأميال. وحج بالناس هذه ~~السنة عيسى بن موسى وهو على الكوفة. PageV03P0002 # وكان على قضاء الكوفة ابن أبي ليلى، وعلى المدينة ومكة والطائف واليمامة ~~زياد بن عيد الله، وعلى اليمن علي بن الربيع الحارثي، وعلى البصرة وأعمالها ~~وكور دجلة وعمان سليمان بن علي، وعلى فلسطين صالح ابن علي، وعلى مصر أبو ~~عون، وعلى الموصل إسماعيل بن علي، وعلى أمينية يزيد بن أسيد، وعلى أذربيجان ~~محمد بن صول، وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك، وعلى الجزيرة أبو جعفر ~~المنصور. وكان عامله على أذربيجان وأرمينية من ذكرنا، وعلى الشام عبد الله ~~بن علي. وفيها توفي محمد بن إسماعيل بن سعد بن أبي وقاص. وسعد بن عمر ابن ~~سليم الزرقي. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائة # ### || AUT ذكر خروج زياد بن صالح # في هذه السنة خرج زياد بن صالح وراء النهر، فسار أبو مسلم من مرو مستعدا ~~للقائه، وبعث أبو داود خالد بن إبراهيم نصر بن راشد إلى ترمذ مخافة أن يبعث ~~زياد بن صالح إلى حصن والسفن فيأخذها، ففعل ذلك نصر وأقام بها، فخرج عليه ~~ناس من الطالقان مع رجل يكنى أبا إسحاق فقتلوا نصرا. فلما بلغ ذلك أبا داود ~~بعث عيسى بن ماهان ms1953 في تتبع قتله نصر، فتبعهم فقتلهم. ومضى أبو مسلم مسرعا ~~حتى انتهى إلى آمل ومعه سباع بن النعمان الأزدي، وهو الذي كان قد أرسله ~~السفاح إلى زياد بن صالح وأمره إن رأى فرصة أن يثبت على أبي مسلم فيقتله. ~~فأخبر أبو مسلم بذلك، فحبس سباعا ببآمل، وعبر أبو سملم إلى بخارى، فلما ~~نزلها أتاه عدة من قواد زياد قد خلعوا زيادا فأخبروا أبا مسلم أن سباع بان ~~النعمان هو الذي أفسد زيادا، فكتب إلى عامله بآمل أن يقتله، ولما أسلم ~~زيادا قواده ولحقوا بأبي مسلم لجأ إلى دهقان هناك فقتله وحمل رأسه إلى أبي ~~مسلم. وتأخر أو داود عن أبي مسلم لحال أهل الطالقان، فكتب إليه أبو مسلم ~~يخبره بقتل زياد، فأتى كش وأرسل عيسى بن ماهان إلى بسام وبعث جندا إلى ساعر ~~فطلبوا الصلح، فأجيبوا إلى ذلك. وأما بسام فلم يصل عيسى إلى شيء منه، وكتب ~~عيسى إلى كامل بن مظفر صاحب أبي مسلم يعتب أبا داودوينسبه إلى العصبية، ~~فبعث أبو مسلم بالكتب إلى أب داود، وكتب إليه: إن هذه كتب العلج الذي صيرته ~~عدل نفسك فشأنك به. فكتب أبو داود إلى عيسى يستدعيه، فلما حضر عنده حبسه ~~وضربه ثم أخرجه، فوثب عليه الجند فقتلوه، ورجع أبو مسلم إلى مرو. ### || AUT ذكر غزو جزيرة صقلية # وفي هذه السنة غزا عبد الله بن حبيب جزيرة صقلية وغنم بها وسبى وظفر بها ~~ما لم يظفره أحد قبله بعد ان غزا تلمسان، واشتغل ولاة إفريقية بالفتنة مع ~~البربر، فأمن الصقلية وعمرها الروم من جميع الجهات وعمروا فيها الحصون ~~والمعاقل وصاروا يخرجون كل عام مراكب تطوف بالجزيرة وتذب عنها، وربما ~~طارقوا تجارا من المسلمين فيأخذونهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة سليمان بن علي، وهو على البصرة وأعمالها، وكان ~~العمال من تقدم ذكرهم. وفيها مات أبو خازم الأعرج، وقيل: سنة أربعين، وقيل ~~سنة أربع وأربعين. وفيها مات عطاء بن عبد الله مولى المطلب، وقيل: مولى ~~المهلب، وقيل: هو عطاء بن ميسرة، ms1954 ويكنى أبا عثمان الخراساني، وقيل سنة أربع ~~وثلاثين. وفيها مات يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بتن عباس بفارس، وكان ~~أميرا عليها، وكان قبل ذلك أميرا على الموصل. وفيها توفي ثور بن زيد ~~الدئلي، وكان ثقة. وزياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ~~المخزومي، وكان من البطال. عياش بالياء المثناة من تحت، وبالشين المعجمة. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائة # ### || AUT ذكر حج أبي جعفر وأبي مسلم # وفي هذه السنة كتب أبو مسلم إلى السفاح يسأذنه في القدوم عليه والحج، ~~وكان مذ ملك خراسان لم يفارقها إلى هذه السنة. فكتب إليه السفاح يأمره ~~بالقدوم عليه في خمسمائة من الجند، فكتب أبو مسلم إليه: إني قد وترت الناس ~~ولست آمن على نفسي. فكتب إليه: أن أقبل في ألف، فإنما أنت في سلطان أهلك ~~ودولتك وطريق مكة لا يتحمل العسكر. PageV03P0003 # فسار في ثمانية آلاف فرقهم فيما بين نيسابور والري، وقدم بالأموال ~~والخزائن فخلفها بالري، وجمع أيضا أموال الجبل، وقدم في ألف، فأمر السفاح ~~القواد وسائر الناس أن يتلقوه، فدخل أبو سملم على السفاح، فأكرمه وأعظمه، ~~ثم استأذن السفاح في الحج، فاذن له وقال: لولا أن لأبا جعفر، يعني أخاه ~~المنصور، يريد الحج لا ستعملتك على الموسم؛ وأنزله قريبا منه. وكان ما بين ~~أبي جعفر وأبي مسلم متباعدا لأن السفاح كان بعث أبا جعفر إلى خراسان بعدما ~~صفت الأمور له ومعه عهد أبي مسلم بخراسان وبالبيعة للسفاح وأبي جعفر ~~المنصور من بعده، فبايع لهما أبو مسلم وأهل خراسان، وكان أبو مسلم قد استخف ~~بأبي جعفر؛ فلما رجع أخبر السفاح ما كان من أمر أبي مسلم، فلما قدم أبو ~~سملم هذه المرة قال أبو جعفر للسفاح: أطعني وأتقل أبا مسلم، فوالله إن في ~~رأسه لغدرة. فقال: قد عرفت بلاءه وما كان منه. فقال أبو جعفر: إنما كان ~~بدولتنا، والله لو بعثت سنورا لقام مقامه وبلغ ما بلغ. فقال: كيف نقتله؟ ~~قال: إذا دخل عليك وحادثته ضربته ms1955 أنا من خلفه ضربة قتلته بها. قال: فكيف ~~بأصحابه؟ قال: أبو جعفر: لو قتل لتفرقوا وذلوا. فأمره بقتله، وخرج أبو ~~جعفر. ثم ندم السفاح على ذلك فأمر أبا جعفر بالكف عنه. وكان أبو جعفر قبل ~~ذلك بحران وسار منها إلى الأنبار وبها السفاح، واستخلف على حران مقاتل بن ~~حكيم العكي. وحج أبو جعف وأبو مسلم، وكان أبو جعفر على الموسم. وفيها مات ~~زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب. ### || AUT ذكر موت السفاح # في هذه السنة مات السفاح بالأنبار لثلاث عشرة مضت من ذي الحجة، وقيل: ~~لاثنتي عشرة مضت منه، بالجدري؛ وكان له يوم مات ثلاث وثلاثون سنة، وقيل: ست ~~وثلاثون، وقيل: ثمان وعشرون سنة. وكانت ولايته من لدن قتل مروان إلى أن ~~توفي أربع سنين؟. ومن لدن بويع له بالخلافة إلى أن مات أربع سنين وثماينة ~~أشهر، وقيل: وتسعة أشهر، منها ثمانية أشهر يقاتل مروان وكان جعدا، طويلا، ~~أبيض، أقنى الأنف، حسن الوجه واللحية. وأمه ريطة بنت عبد الله بن عبد ~~المدان الحارثي، وكان وزيره أبا الجهم بن عطية. وصلى عليه عمه عيسى بن علي ~~ودفنه بالأنبار العتيقة في قصره. وخلف تسع جباب، وأربعة أقمصة فيهما وشمس ~~في الناس، ولا يوجد، وهما: يا آل مروان إن الله مهلككم ... ومبدل بكم خوفا ~~وتشريدا لا عمر الله من إنشائكم أحدا ... وبثكم في بلاد الخوف تطريدا قال: ~~فعلت ذلك فدخلت قلوبهم مخافة. قال جعفر بن يحيى: نظر السفاح يوما في ~~المرآة، وكان أجمل الناس وجها، فقال: أللهم إني لا أقول كما قال سليمان بن ~~عبد الملك: أنا الملك الشاب، ولكني أقول: اللهم عمرني طويلا في طاعتك ممتعا ~~بالعافية. فما استتم كلامه حتى سمع غلاما يقول لغلام آخر: الأجل بيني وبينك ~~شهران وخمسة أيام. فتطير من كلامه وقال: حسببي الله ولا قوة إلا بالله، ~~عليك توكلت، وبك أستعين. فما مضت الأيام حتى أخذته الحمى واتصل مرضه فمات ~~بعد شهرين وخمسة ايام. ### || AUT ذكر خلافة المنصور # وفي هذه السنة عقد السفاح عبد الله بن ms1956 محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ~~لأخيه أبي جعفر عبد الله بن محمد بالخلافة من بعده وجعله ولي عهد المسلمين، ~~ومن بعد أبي جعفر ولد أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي، وجعل العهد في ثوب ~~وختمة بخاتمه وخواتيم أهل بيته ودفعه إلى عيسى بن موسى. فلما توفي السفاح ~~كان أبو جعفر بمكة، فأخذ البيعة لأبي جعفر عيسى ابن موسى وكتب إليه يعلمه ~~وفاة السفاح والبيعة له، فلقيه الرسول بمنزل صفية فقال: صفت لنا إن شاء ~~الله. وكتب إلى أبي مسلم يستدعيه، وكان أبو جعفر قد تقدم، فأقبل أبو مسلم ~~إلليه. فلما جلس وألقى إليه كتابه قرأه وبكى واسترجع ونظر إلى أبي جعفر وقد ~~جزع جزعا شديدا فقال: ما هذا الجزع وقد أتتك الخلافة؟ قال: أتخوف شر عمي ~~عبد الله بن علي وشغبه علي. قال: لا تخفه فأنا أكفيكه إن شاء الله، وإنما ~~عامة جنده ومن معه أهل خراسان وهم لا يعصونني. فسري عنه. وبايع له أبو مسلم ~~والناس، وأقبلا حتى قدما الكوفة. PageV03P0004 # وقيل: إن أبا سملم هو الذي كان تقدم على أبي جعفر فعرف الخبر قبله فكب ~~إليه: عافاك الله ومتع بك، إنه أتاني أمر أقطعني وبلغ مني مبلغا لم يبلغه ~~مني شيء قط، وفاة أمير المؤمنين، فنسأل الله أن يعظم أجرك ويحسن الخلافة ~~عليك، وإنه ليس من أهلك أحد أشد تعظيما لحقك وأصفى نصيحة لك وحرصا على ما ~~يسرك مني. ثم مكث يومين وكتب إلى أبي جعفر ببيعنه، وإنما أراد ترهيب أبي ~~جعفر. قال: ورد أبو جعفر زياد بن عبيد الله إلى مكة، وكان عاملا عليها وعلى ~~المدينة للسفاح؛ وقيل: كان قد عزله قبل موته عن مكة وولاها العباس بن عبد ~~الله بن معبد بن العباس. ولما بلغ عيسى بن موسى الناس لأبي جعفر أرسل إلى ~~عبد الله بن علي بالشام يخبره بوفاة السفاح وبيعة المنصور ويأمره بأخذ ~~البيعة للمنصور، وكان قد قدم قبل ذلك على السفاح فجعله على الصائفة وسير ~~معه أهل الشام وخراسان، ms1957 فسار حتى بلغ دلوك ولم يدرك فأتاه موت السفاح، فعاد ~~بمن معه من الجيوش وقد بايع لنفسه. ### || AUT ذكر الفتنة بالأندلس # وفي هذه السنة خرج في الأندلس الحباب بن رواحة بن عبد الله الزهري ودعا ~~إلى نفسه واجتمع إليه جمع من اليمانية، فسار إلى الصميل وهو أمير قرطبة، ~~فحصره بها وضيق عليه، فاستمد الصميل يوسف الفهري أمير الأندلس، فلم يفعل ~~لتالي الغلاء والجوع على الأندلس ولأن يوسف قد كره الصميل واختار هلاكه ~~ليستريح منه. وثار بها أيضا عامر العبدري وجمع جمعا واجتمع مع الحباب على ~~الصميل وقاما بدعوة بني العباس. فلما اشتد الحصار على الصميل كتب إلى قومه ~~يستمدهم، فسارعوا إلى نصرته واجتمعوا وساروا إليه، فلما سمع الحباب بقربهم ~~سار الصميل عن سرقسطة وفارقها، فعاد الحباب ؟إليها وملكها، واستعمل يوسف ~~الفهري الصميل على طيلطلة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # كان على الكوفة عيسى بن موسى، وعلى الشام عبد الله بن علي، وعلى مصر ~~صالح بن علي، وعلى البصرة سليمان بن علي، وعلى المدينة زياد بن عبيد الله ~~الحارثي، وعلى مكة العباس بن عبد الله بن معبد. وفيها مات ربيعة بن أبي عبد ~~الرحمن، وهو ربيعة الرأي، وقيل: مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل: سنة ~~اثنتين وأربعين ومائة. وفيها مات عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن ~~حزم. وفيها توفي عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي الفرسي، وإنما قيل له ~~الفرسي، بالفاء، نسبة إلى فرس له. وعطاء بن السائب أبو زيد الثقفي. وعروة ~~بن وريم. وفي هذه السنة قدم أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين من مكة فدخل ~~الكوفة فصلى بأهلها الجمعة وخطبهم وسار إلى الأنبار فأقام بها وجمع إليه ~~أطرافه، وكان عيسى بن موسى قد أحرز بيوت الأموال والخزائن والدواوين حتى ~~قدم عليه أبو جعفر، فسلم الأمر إليه. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة # ### || AUT ذكر خروج عبد الله بن علي وهزيمته # قد ذكرنا مسير عبد الله بن علي إلى الصائفة في الجنود، وموت السفاح، ~~وإرسال عيسى ms1958 بن موسى إلى عمه عبد الله بن علي يخبره بموته ويأمره بالبيعة ~~لأبي جعفر المنصور، وكان السفاح قد أمر بذلك قبل وفاته. فلما قدم الرسول ~~على عبد الله بذلك لحقه بدلوك، وهي بأفواه الدروب، فأمر مناديا فنادى: ~~الصلاة جامعة! فاجتمعوا عليه، فقرأ عليهم الكتاب بوفاة السفاح ودعا الناس ~~إلى نفسه، وأعلمهم أن السفاح حين أراد أن يوجه الجنود إلى مروان بن محمد ~~دعا بني أبيه فأرادهم على المسي إليه فقال: من انتدب منكم فسار إليه فهو ~~ولي عهدي، فلم ينتدب له غيري، وعلى هذا خرجت من عنده وقتلت من قتلت، وشهد ~~له أبو غانم لطائي وخفاف المروروذي وغيرهما من القواد، فبايعوه، وفيهم حميد ~~بن قحطبة وغيرهم من أهل خراسان والشام والجزيرة، إلا أن حميدا فارقه، على ~~ما نذكره. ثم سار عبد الله حتى نزل حران، وبها مقاتل العكي قد استخلفه أبو ~~جعفر لما سار إلى مكة، فتحصن منه مقاتل، فحصره أربعين يوما. وكان أبو مسلم ~~قد عاد من الحج مع المنصو، كما ذكرناه، فقال للمنصور: إن شئت جمعت ثيابي في ~~منطقتي وخدمتك، وإن شئت أتيت خراسان فأمددتك بالجنود، وإن شئت سرت إلى حرب ~~عبد الله بن علي. فأمره بالمسير لحرب عبد الله، فسار أبو مسلم في الجنود ~~نحو عبد الله، فلم يتخلف عنه أحد، وكان قد لحقه حميد بن قحطبة فسار معه، ~~وجعل على مقدمته مالك بن الهيثم الخزاعي. PageV03P0005 # فلما بلغ عبد الله، وهو يحاصر حران، إقبال أبي مسلم خشي أن يهجم عليه ~~عطاء العتكل أمانا، فنزل إليه فيمن معه وأقام معه أيايما، ثم وجهه إلى ~~عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدي بالقرقة ومعه ابناه وكتب معه كتابا. ~~فلما قدموا على عثمان دفع العتكي الكتاب إليه، فقتل العتكي واحتبس ابنيه، ~~فلما هزم عبد الله قتلهما. وكان عبد الله بن علي قد خشي أن لا يناصحه أهل ~~خراسان فقتل منهم نحوا من يبعة عشر ألفا واستعمل حميد بن قحطبة على حلب، ~~وكتب معه كتابا إلى زفر بن عاصم عاملها يأمره ms1959 بقتل حميد إذا قدم عليه، فسار ~~حميد والكتاب معه، فلما كان ببعض الطريق قال: إن ذهابي بكتاب لا أعلم ما ~~فيه لغرر. فقرأه، فلما رأى ما فيه أعلم خاصته ما في هذا الكتاب وقال: من ~~أراد المسير معي منكم فليسر. فاتبعه ناس كثير منهم، وسار على الرصافة إلى ~~العراق. فأمر المنصور محمد بن صول بالمسير إلى عبد الله بن علي ليمكر به، ~~فلما أتاه قال له: إني سمعت أبا العباس يقول الخليفة بعدي عمر عبد الله. ~~فقال له: كذبت، لإنما وضعك أبزو جعفر. فضرب عنقه. ومحمد بن صول هو جد ~~إبرايهمبن العباس الكاتب الصولي. ثم أقبل عبد الله بن علي حتى نزل نصيبين ~~وخندق عليه، وقدم أبو مسلم فيمن معه، وكان المنصور قد كتب إلى الحسن بن ~~قحطبة، وكان خليفته بأرمينية، يأمره أن يوافي أبا مسلم، فقدم على أبي مسلم ~~بالموصل، وأقبل أبو مسلم فنزل ناحية نصيبين فأخذ طريق الشام، ولم يعرض لعبد ~~الله، وكتب إليه: إني لم أومر بقتالك ولكن أمير المؤمنين ولاني الشام فأنا ~~أريدها. فقال من كان مع عبد الله من أهل الشام لعبد الله: كيف نقيم معك ~~وهذا يأتي بلادنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا ويسبي ذرارينا؟ ولكن نخرج ~~إلى بلادنا فمنعه ونقاتله. فقال لهم عبد الله: إنه والله ما يريد الشام وما ~~توجه إلا لقتالكم، وإن أقمتم ليأتينكم. فأبوا إلا المير إلى الشام، وأبو ~~مسلم قريب منهم، فارتحل عبد الله نحو الشام، وتحول أبو مسلم فنزل في معسكر ~~عبد الله بن علي في موضعه وعور ما حوله من المياه وألقى فيها الجيف. وبلغ ~~عبد الله ذلك فقال لأصحابه: ألم أقل لكم؟ورجع فنزل في موضع سعكر أبي مسلم ~~الذي كان به، فاقتتلوا خمسة أشهر وأهل الشام أكثر فرسانا وأكمل عدة، وعلى ~~ميمنة عبد الله بكار بن سلم العقيلي، وعلى ميسرته حبيب ابن سويد الأسدي، ~~وعلى الخيل عبد الصمد بن علي أخو عبد الله، وعلى ميمنة أبي مسلم الحسن بن ~~قحطبة، وعلى ميسرته خازم بن خيزمة، ms1960 فاقتتلوا شهرا. ثم إن أصحاب عبد الله ~~حملوا على ععسكر أبي مسمل فأزالوهم عن مواضعهم ورجعوا، ثم حمل عليهم عبد ~~الصمد بن علي في خيل مجردة فقتل منهم ثمانية عشر رجلا ورجع في أصحابه، ثم ~~تجمعوا وحملوا ثانية على أصحاب أبي مسلم فأزالوا صفهم وجالوا جولة، فقيل ~~لأبي مسلم: لو حولت دابتك إلى هذا التل ليراك الناس فيجعوا فإنهم قد ~~انهزموا. فقال: إن أهل الحجى لا يعطفون دوابهم على هذه الحال. وأمر مناديا ~~فنادى: يا أهل خراسان ارجعوا فإن العافية لمن اتقى.فتراجع الناس.وارتجز أبو ~~مسلم يومئذ فقال: من كان ينوي أهله فلا رجع ... فر من الموت وفي الموت وقع ~~وكان قد عمل لأبي مسلم عريش، كان يجلس عليه إذا التقى الناس فينظر إلى ~~القتال، فإن رأى خللا في الجيش سده وأمر مقدم تلك الناحية بالاحتياط وبما ~~يفعل، فلا تزال رسله تختلف إليهم حتى ينصرف الناس بعضهم عن بعض. ~~PageV03P0006 # فلما كان يوم الثلاثاء والأربعاء لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة ست ~~وثلاثين التقوا فاقتتلوا، فمكر بهم أبو مسلم، وأمر الحسن بن قحطبة أن يعبيء ~~الميمنة أكثرها إلى الميسرة وليترك في الميمنة حماعة أصحابه وأشداءهم، فلما ~~رأى ذلك أهل الشام أعروا ميسرتهم وانضموا إلى ميممنتهم بإزاء ميسرة أبي ~~مسلم، وأمر أبو سملم أهل القلب أن يحملوا مع من بقي في ميمنته على ميسرة ~~أهل الشام فحملوا عليهم فحطموهم، وجال القلب والميمنة وركبهم أصحاب أبي ~~مسلم، فانهزم أصحاب عبد الله، فقال عبد الله بن علي لابن سراقة الأزدي: يا ~~ابن سراقة ما ترى؟ قال: أرى أن تصبر وتقاتل حتى تموت، فإن الفرار قبيح ~~بمثلك وقد عبنته على مروان. قال: فإني أتي العاق. قال:فأنا معك. فانهزموا ~~وتركوا عسكرهم، فحواه أبو سملم وكتب بذلك إلى المنصور، فأرسل أبا الخصيب ~~مولاه يحصي ما أصابوا من العسكر، فغضب أبو مسلم. ومضى عبد الله وعبد الصمد ~~ابنا علي، فأما عبد الصمد فقدم الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى فأمنه ~~المنصور، وقيل: بل أقام عبد الصمد بن علي بالرصافة ms1961 حتى قدمها جمهور بن مرار ~~العجلي في خيول أرسلها المنصور، فأخذه فبعث به إلى المنصور موثقا مع أبي ~~الخصيب فأطلقه؛ وأما عبد الله بن علي فأتى أخاه سليمان بن علي بالبصرة ~~فأقام عنده زمانا متواريا. ثم إن أبا مسلم آمن الناس بعد الهزيمة وأمر ~~بالكف عنهم. ### || AUT ذكر قتل أبي مسلم الخراساني # وفي هذه السنة قتل أبو مسلم الخراساني، قتله المنصور. وكان سبب ذلك أن ~~أبا مسلم كتب إلى السفاح يستأذنه في الحج، على ما تقدم، وكتب السفاح إلى ~~المنصور وهو على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان: إن أبا مسلم كتب يستأذنني في ~~الحج وقد أذنت له وهو يريد أن يسألني أن أوليه الموسم، فاكتب إلي تستأذنني ~~في الحج فآذن لك، فإنك إن كنت بمكة لم يطمع أن يتقدمك. فكتب المنصور إلى ~~أخيه السفاح بستأذنه في الحج، فأذن له، فقدم الأنبار، فقال أبو مسلم: أما ~~وجد أبو جعفر عاما يحج فيه غير هذا؟ وحقدها عليه، وحجا معا، فكان أبو مسلم ~~يكسو الأعراب ويصلح الآبار والطريق، وكان الذكر له، وكان الأعراب يقولون: ~~هذا المكذوب عليه. فلما قدم مكة ورأى أهل اليمن قال: أي جند هؤلاء لو لقيهم ~~رجل ظريف اللسان غزير الدمعة! فلما صدر الناس عن الموسم تقدم أبو مسلم في ~~الطريق على أبي جعفر، فأتاه خبر وفاة السفاح، فكتب إلى أبي جعفر يعزيه عن ~~أخيه ولم يهنئه بالخلافة ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع. فغضب أبو جعفر وكتب ~~إليه كتابا غليظا، فلما أتاه الكتاب كتب إليه يهنئه بالخلافة. وتقدم أبو ~~مسلم فأتى الأنبار فدعا عيسى ابن موسى إلى أن يبايع له، فأتى عيسى، وقدم ~~أبو جعفر وخلع عبد الله بن علي،فسير المنصور أبا مسلم إلى قتاله، كما تقدم ~~مكانا، مع الحسن بن قحطبة، فأرسل الحسن إلى أبي أيوب وزير المنصور: إني قد ~~رأيت بأبي مسلم، أنه يأتيه كتاب أمير المؤمنين فيقرأه ثم يلقي الكتاب من ~~يده إلى مالك بن الهيثم فيقرأه ويضحكان استهزاء، فلما ألقيت الرسالة إلى ~~أبي أيوب ضحك وقال: نحن ms1962 لأي مسلم أشد تهمة منا لعبد الله بن علي، إلا أنا ~~نرجو واحدة، نعلم أن أهل خراسان لا يحبون عبد الله وقد قتل منهم من قتل. ~~وكان قتل منهم سبعة عشرألفا. فلما انهزم عبد الله وجمع أبو مسلم ما غنم من ~~عسكره بعث أبو جعفر أبا الخطيب إلى أبي مسلم ليكتب له ما أصاب من الأموال، ~~فأراد أبو مسلم قتله، فتكلم فيه فخلى سبيله وقال: أنا أمين على الدماء خائن ~~في الأموال. وشتم المنصور، فرجع أبو الخطيب إلا المنصور فأخبره، فخاف أن ~~يمضي أبو مسلم إلى خراسان، فكتب إليه: إني قد وليتك مصر والشام فهي خير لك ~~من خراسان، فوجه إلى مصر من أحببت وأقم بالشام فتكون بقرب أمير المؤمنين، ~~فإن أحب لقاءك أتيته من قريب. فلما أتاه الكتاب غضب وقال: يوليني الشام ~~ومصر وخراسان لي! فكتب الرسول إلى المنصور بذلك. وأقبل أبو مسلم من الجزيرة ~~مجمعا على الخلاف، وخرج عن وجهه يريد خراسان. PageV03P0007 # فسار المنصور من الأنبار إلى المدائن وكتب إلى أبي مسلم في المسير إله، ~~فكتب إليه أبو مسلم وهو بالزاب: إنه لم يبق لأمير المؤمنين، أكرمه الله، ~~عدوا إلا أمكنه الله منه، وقد كنا نروي عن ملوك آل ساسان أن أخوف مايكون ~~الوزراء إذا سكنت الدهماء، فنحن نافرون عن قربك، حريصون على الوفاء لك ما ~~وفيت، حريون بالسمع والطاعة غير أنها من بعيد حيث يقارنها السلامة، فإن ~~أرضاك ذلك فإنا كأحسن عبيدك، وإن أبيت إلا أن تعطي نفسك إرادتها نق2ضت ما ~~أبرمت من عهدك ضنا بنفسي. فلما وصل الكاب إلى المنصور كتب إلى أبي مسمل: قد ~~فهمت كتابك وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغششة ملوكهم الذين يتمنون ~~اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم، فإنما راحتهم في انتشار نظام الجماعة، ~~فلم سويت نفسك بهم؟ فأنت في طاعتك وما صحتك واضلاعك بما حملت من أعباء هذا ~~الأمر على ما أنت به، ليس مع الشرطة التي أوجبت منك سمعا ولا طاعة، وحمل ~~إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة لتسكن إليها ms1963 إن أصغيت وأسأل الله أن ~~يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك، فإنه لم يجد بابا يفسد به نيتك أوكد عنده ~~وأقرب من الباب الذي فتحه عليك. وقيل: بل كتب إليه أبو مسمل: أما بعد فإني ~~اتخذت رجلا إماما ودليلا على ما افترض الله على خلقه، وكان في محله العلم ~~نازلا، وفي قرابته من رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، قريبا، فاستجهلني ~~بالقرآن فحرفه عن مواضعه طمعا في قليل قد نعاه الله إلى خلقه، فكان كالذي ~~دلى بغرور وأمرني أن أجرد السيف وأرفع الرحمة، ولا أقبل المعذرة ولا أقيل ~~العشرة، ففعلت توطئة لسلطانكم حتى عرفكم الله من كان يحملكم ثم استنقذنب ~~الله بالتوبة، فإن يعف عني فقدما عرف به ونسب إليه، وإن يعاقبني فيما قدمت ~~يدياي وما الله بظلام للعبيد. وخرج أبو مسلم مراغما مشاقا، وسار المنصور من ~~الأنبار إلى المدائن، وأخذ أبو مسلم طريق حلوان، فقال المنصور لعمه عيسى بن ~~علي ومن حضر من بني هاشم: اكتبوا إلى أبي مسلم. فكتبوا إليه يعظمون أمره ~~ويشكرونه وسألونه أن يتم على ما كان منه وعليه من الطاعة ويحذرونه عاقبة ~~البغي ويأمرونه بالرجوع إلى المنصور. وبعث المنصور الكتاب مع أبي حميد ~~المروروذي وقال له: كلم أبا مسمل بألين ما تكلم به أحدا، منه وأعلمه أني ~~رافعه وصانع به ما لم يصنعه به أحد إن هو صلح وراجع ما أحب، فإن أبي أن ~~يرجع فقل له: يقول لك أمير المؤمنين لست من العباس وإني بريء من محمد إن ~~مضيت مشاقا ولم تأتني إن وكلت أمرك إلى أحد سواي، وإن لم أل طلبك وقتالك ~~بنفسي، ولو خضت البحر لخضته، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت ~~قبل ذلك؛ ولا تقولن هذا الكلام حتى تيأس من رجوعه ولا تطمع منه خير. فسار ~~أبو حميد فقدم على أبي مسلم بحلوان فدفع إليه الكتاب وقال له: إن الناس ~~يبلغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله وخلاف ما عليه رأيه منك حسدا وبغا، ~~يريدون إزالة النعمة وتغييرها، فلا تفسد ms1964 ما كان منك. وكلمه وقال: يا أبا ~~مسلم إنك لم تزل أمير آل محمد يعرفك بذلك الناس، وما ذخر الله لك من الأجر ~~عنده في ذلك أعظم مما أنت فيه من ديناك، فلا تحبط أجرك ولا يستهوينك ~~الشيطان. فقال له أبو مسلم: متى كنت تكلمني بهذا الكلام؟ فقال: إنك دعوتنا ~~إلى هذا الأمر وإلى طاعة أهل بيت النبي، صلى الله عليه وسلم، بني العباس، ~~وأمرتنا من خالف ذلك فدعوتنا من أرضين متفرقة وأسباب مختلفة، فجمعنا الله ~~على طاعتهم وألف ما بين قلوبنا بمحبتهم وأعزنا بنصرنا لهم، ولم نلق منهم ~~رجلا إلا بما قذف الله في قلوبنا حتى أتيناهم في بلادهم ببصائر نافذة، ~~وطاعة خالصة، أفتريد حين بلغنا غاية منانا ومنتهى أملنا أن تفسد أمرنا ~~وتفرق كلمتنا؟ زقد قلت لنا من خالفكم فاقتلوه وغن خالفتكم فاقتلوني! فأقبل ~~أبو مسلم على أبي نصر مالك بن الهيثم فقال: أما تسمع ما يقول لي هذا؟ ما ~~كان بكلامه يا مالك! قال: لا تسمع قوله ولا يهولنك هذا منه، فلعمري ما هذا ~~كلامه ولما بعد هذا أشد منه، فامض لأمرك ولا ترجع، فوالله لئن أتيته ~~ليقتلنك، ولقد وقع في نفسه منك شيء لا يأمنك أبدا. PageV03P0008 # فقال: قوموا، فنهضوا، فأرسل أبو مسلم إلى نيزك فعرض عليه الكتب وما ~~قالوا، فقال: ما أرى أن تأتيه وأرى أن تأتي الري فتقيم بها فيصير ما بين ~~خراسان والري لك، وهم جندك لا يخالفك أحد، فإن استقام لك استقمت له، وإن ~~أبى كنت في جنك وكانت خراسان وراءك ورأيت رأيك. فدعا أبا حميد فقال: ارجع ~~إلى صاحبك فيس من رأيي أن آتيه. قال: قد عزمت على خلافه؟ قال: نعم. قال: لا ~~تفعل! قال: لا أعود إليه أبدا. فلما يئس من رجوعه معه قال له ما أمره به ~~أبو جعفر، فوجم طويلا ثم قال: قم. فكسره ذلك القول ورعبه. وكان أبو جعفر ~~المنصور قد كتب إلى أبي داود خليفة أبي مسلم بخراسان حين اتهم أبا سملم: إن ~~لك إمرة خراسان ما ms1965 بقيت. فكتب أبو داود إلى أبي مسلم: إنا لم نخرج لمكعصية ~~خلفاء الله وأهل بيت نبيه، صلى الله عليه وسلم ، فلا تخالفن إمامك ولا ~~ترجعن إلا بإذنه. فوافاه كتابه على تلك الحال، فزاده رعبا وهما، فأرسل إلى ~~أبي حميد فقال له: إني كنت عازما على المضي إلى خراسان ثم رأيت أن أوجه أبا ~~إسحاق إلى أمير المؤمنين فيأتيني برأيه، فإنه ممن أثق به. فوجهه، فلما قدم ~~تلقاه بنو هاشم بكل ما يحب، وقال له المنصور: اصرفه عن وجهه ولك ولاية ~~خراسان؛ وأجازه. فرج أبو إسحاق وقال لأبي مسلم: ما أنكرت شيئا، رأيتهم ~~معظمين لحقك يرون لك ما يرون لأنفسهم. وأشار عليه أن يرجع إلى أمير ~~المؤمنين فيعتذر إليه مما كان منه، فأجمع على ذلك. فقال له نيزك: قد أحمعت ~~على الرجوع؟ قال: نعم؛ وتمثل: ما للرجال مع القضاء محالة ... ذهب القضاء ~~بحيلة الأقوام قال: إذا عزمت على هذا فخار الله لك. احفظ عني واحدة، إذا ~~دخلت عليه فاقتله ثم بايع من شئت، فإن الناس لا يخالفونك. وكتب أبو مسلم ~~إلى المنصور يخبره أنه منصرف إليه، وسار نحوه، واستخلف أبا نصر على عسكره، ~~وقال له: أقم حتى يأتيك كتابي، فغن أتاك مختوما بنصف خاتم فأنا كتبته، وإن ~~أتاك بالخاتم كله فم أختمه. وقدم المدائن في ثلاثة آلاف رجل وخلف الناس ~~بحلوان. ولما ورد كتاب أبي مسلم على المنصور قرأه وألقاه إلى أبي أيوب ~~وزيره، فقرأه وقال له المنصور: والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنه. فخاف أبو ~~أيوب من أصحاب أبي مسلم أن يقتلوا المنصور ويقتلوه معه، فدعا سلمة بن سعيد ~~بن جابر وقال له: هل عندك شكر؟ فقال: نعم. قال: إن وليتك ولاية تصيب منها ~~مثل ما يصيب صاحب العراق تدخل معك أخي حاتما - وأراد بإدخال أخيه معه أن ~~يطمع ولا ينكر - وتجعل له النصف؟ قال: نعم. قال له: إن كسكركانت عام أول ~~كذا وكذا ومنها العام أصعاف ذلك، فإن دفعتهاإليك بما كانت أو بالأمانة أصبت ~~ما يضيق به ذرعا. قال: ms1966 كيف لي بهذا المال؟ قال له أبو أيوب: تأتي أبا مسلم ~~فتلقاه وتكلمه أن يجعل هذا فيما يرفع من حوائجه، فإن أمير المؤمنين يريد أن ~~يوليه إذا قدم ما وراء بابه ويريح نفسه، قال: فكيف لي أن يأذن لي أمير ~~المؤمنين في لقائه؟ فاستأذن له أبو أيوب في ذلك، فأذن له المنصور وأمره أن ~~يبلغ سلامه وشوقه إلى أبي مسلم، فلقيه سلمة بالطريق وأخبره الخبر وطابت ~~نفسه، وكان قبل ذلك كئيا حزينا، ولم يزل مسرورا حتى قدم. فلما دنا أبو مسلم ~~من المنصور أمر الناس بتلقيه، فتلقاه بنو هاشم والناس، ثم قدم فدخل على ~~المنصور فقبل يده، وأمره أن ينصرف ويروح نفسه لثلاثة ويدخل الحمام، فانصرف. ~~فلما كان الغد دعا المنصور عثمان بن نهيك وأربعة من الحرس، منهم: شبيب بن ~~واج وأبو حنيفة حرب بن قيس، فأمرهم بقتل أبي مسلم إذا صفق بيديه، وتركهم ~~خلف الرواق. PageV03P0009 # وأرسل إلى أبي مسلم يستدعيه، وكان عنده عيسى بن موسى يتغدى، فدخل على ~~المنصور، فقال له المنصور: أخبرني عن نصلين أصبتهما مع عبد الله بن علي. ~~قال: هذا أحدهما. قال أرينيه. فانتضاه وناوله إياه، فوضعه المنصور تحت ~~فراشه وأقبل عليه يعاتبه وقال له: أخبرني عن كتابك إلى السفاح تنهاه عن ~~الموات، أردت أن تعلمنا الدين؟ قال: ظننت أخذه لا يحل، فلما أتاني كتابه ~~علمت أن وأهل بيته معدن العلم. قال: فاخبرني عن تقدمك إياي بطريق مكة.قال: ~~كرهت اجتماعنا على الماء فيضر ذلك بالناس فتقدمتك للرفق. قال: فقولك لمن ~~أشار عليك بالانصراف إلي بطريق مكة حين أتاك موت أبي العباس إلى أن تقدم ~~فنرى رأينا، ومضيت فلا أنت أقمت حتى ألحقك ولا أنت رجعت إلي! قال: منعني من ~~ذلك ما أخبرتك من طلب الرفق بالناس، وقلت تقدم الكوفة وليس عليك من خلاف. ~~قالك فجارية عبد الله أردت أن تتخذها؟ قال: لا، ولكني خفت أن تضيع فحملتها ~~في قبة ووكلت بها من يحفظها. قال: فمراغمتك وخروجك إلى خراسان؟ قال: خفت أن ~~يكون قد دخلك مني شيء ms1967 فقلت آتي خراسان فأكتب إليك بعذري فأذهب ما في نفسك. ~~قال: فالمال الذي جمعته بخراسان؟ قال: أنفقه بالجند تقوية لهم واستصلاحا. ~~قال: ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك وتخطب عمتي آمنة ابنة علي وتزعم أنك ابن ~~سليط بن عبد الله بن عباس؟ لقد ارتقيت، لا أم لك، مرتقى صعبا. ثم قال: وما ~~الذي دعاك إلى قتل سليمان بن كثير مع أثره في دعوتنا وهو أحد فتياننا قبل ~~أن يدخلك في هذا الأمر؟ قال: أراد الخلاف وعصاني فقتلته. فلما طال عتاب ~~المنصور قال: لا يقال هذا لي بعد بلائي وما كان مني. قال: يابن الخبيثة! ~~والله لو كانت أمة مكانك لأجزأت، إنما عملت في دولتنا ويريحنا، فلو كان ذلك ~~إليك ما قطعت فتيلا. فأخذ أبو مسلم بيده يقبلها ويعتذر إليه، فقال له ~~المنصور: ما رايت كاليوم! والله ما زدتني إلا غضبا! قال أبو مسلم: دع هذا ~~فقد أصبحت ما أخاف إلا الله تعالى. فغضب المنصور وشتمه وصفق بيده على ~~الأخرى، فخرج عليه الحرس، فضربه عثمان بن نهبك فقطع حمائل سيفه، فقال: ~~استبقني لعدوك يا أمير المؤمنين! فقال: لا أبقاني الله إذا، أعدوا أعدى لي ~~منك؟ وأخذه الحرس بسيوفهم حتى قتلوه وهو يصيح العفو، فقال المنصور: يا بن ~~اللخناء العفو والسيوف قد اعتورتك! فقتلوه في شعبان لخمس بقين منه. فقال ~~المنصور: زعمت أن الدين لا يقتضى ... فاستوف بالكيل أبا مجرم سقيت كأسا كنت ~~تسقي بها ... أمر في الحلق من العلقم وكان أبو مسلم قد قتل في دولته ستمائة ~~ألف صبرا. فلما تقل أبو مسلم دخل أبو لجهم على المنصور فرأى أبا مسلم قتيلا ~~فقال: ألا أراد الناس؟ قال: بلى فمر بمتاع يحمل إلى رواق آخر. وخرج أبو ~~الجهم فقال: انصرفوا فإن الأمير يريد القائلة عند أمير المؤمنين. ورأوا ~~المتاع ينقل فظنوه صادقا فانصرفوا، وأمر لهم المنصور بالجوائز، فأعطى أبا ~~إسحاق مائة ألف. ودخل عيسى بن موسى على المنصور بعد قتل أبي مسلم فقال: يا ~~أمير المؤمنين أين أبو مسلم؟ فقال: قد كان هاهنا. ms1968 فقال عيسى: عرفت نصيحته ~~وطاعته وري الإمام إبراهيم كان فيه. فقال: يا أحمق والله ما أعلم في الأرض ~~عدوا أعدى لك منه! ها هوذا في البساط. فقال عيسى: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون. وكان لعيسى فيه رأي. فقال له المنصور: خلع الله قلبك! وهل كان لكم ~~ملك أو سلطان أو أمر أو نهي مع أبي مسلم؟ ثم دعا المنصور بجعفر بن حنظلة ~~فدخل عليه، فقال: ما تقول في أمر أبي مسلم؟ قال: يا أمير المؤمنين إن كنت ~~أخذت من رأسه شعرة فاقتل ثم اقتل. فقال له المنصور: وفقك الله! فلما نظر ~~إلى أبي مسلم مقتولا قال: يا أمير المؤمنين عد من هذا اليوم لخلافتك. ثم ~~دعا المنصور بأبي إسحاق، فلما دخل عليه قال له: أنت المانع عدو الله على ما ~~أجمع عليه! وقد كان بلغه أنه أشار عليه بإتيان خراسان، قال: فكف أبو إسحاق ~~وجعل يلتفت يمينا وشمالا خوفا من أبي مسلم، فقال له المنصور: تكلم بما أردت ~~فقد قتل الله الفاسق، وأمر بإخراجه. فلما رآه أبو إسحاق خر ساجدا لله فأطال ~~ورفع رأسه وهو يقول: الحمد لله الذي آمنني بك اليوم! والله أمنته يوما ~~واحدا، وما جئته يوما قط إلا وقد أوصيت وتكفنت وتحنطت. ثم رفع ثيابه ~~الظاهرة فإذا تحتها كتان حدد وقد تحنط. PageV03P0010 # فلما رأى أبو جعفر حاله رحمه وقال له: استقبل طاعة خليفتك وأحمد الله ~~الذي أراحك من الفاسق هذا. ثم قال له: فرق عني هذه الجماعة. ثم كتب المنصور ~~بعد قتل أبي مسلم إلى أبي نصر مالك بن الهيثم عن لسان أبي مسلم يأمره بحمل ~~ثقله وما خلف عنده وأني قدم، وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم، فلما رأى الخاتم ~~تاما علم أن أبا مسلم لم يكتب، فقال: فعلتموها! وانحدر إلى همذان وهو يريد ~~خراسان. فكتب المنصور لأبي نصر عهده على شهرزور، وكتب إلى زهير بن التركي، ~~وهو على همذان: إن مر بك أبو نصر فاحبسه. فسبق الكتاب إلى زهير وأبو نصر ~~بهمذان، فقال له زهير: قد ms1969 صنعت لك طعاما فلو أكرمتني بدخول منزلي. فحضر ~~عنده، فأخذه زهير فحبسه. وكتب أبو جعفر إلى زهير كتابا يأمره بقتل أبي نصر، ~~وقدم صاحب العهد على أبي نصر بعهده على شهرزور، فخلى زهير سبيله لهواه فيه، ~~فخرج ثم وصل بعد يوم الكتاب إلى زهير بقتل أبي نصر، فقال: جاءني كتاب بعهده ~~فخليت سبيله. وقدم أبو نصر على المنصور فقال له: أشرت على أبي مسلم بالمضي ~~إلى خراسان؟ قال: نعم، كانت له عندي أياد فنصحت له، وإن اصطنعني أمير ~~المؤمنين نصحت له وشكرت. فعفا عنه. فلما كان يوم الراوندية قام أبو نصر على ~~باب القصر وقال: أنا البواب اليوم لا يدخل أحد وأنا حي. فسأل عنه المنصور ~~فأخبر به، فعلم أنه قد نصح له. وقيل: إن زهيرا أبا نصر إلى المنصور مقيدا، ~~فمن عليه واستعمله على الموصل. ولما قتل المنصور أبا مسلم خطب الناس فقال: ~~أيها الناس لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تمشوا في ظلمة ~~الباطل بعد سعيكم في ضياء الحق، وإن أبا مسلم أحسن مبتدأ وأساء معقبا، وأخذ ~~من الناس بنا أكثر مما أعطانا، ورجح قبيح باطنه على حسن ظاهره، وعلمنا من ~~خبث سريرته وفساد نيته ما لو علمه اللائم لنا فيه لعذرنا في قتله وعنفنا في ~~إمهالنا، وما ال ينقض بيعته ويخفر ذمته حتى أحل لنا عقوبته وأباحنا دمه، ~~فحكمنا فيه حكمه لنما في غيره ممن شق العصا، ولم يمنعنا الحق من إمضاء الحق ~~فيه؛ وما أحسن ما قال النابغة الذبياني للنعمان - يعني ابن المنذر - فمن ~~أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أطاعك وادلله على الرشد ومن عصاك فعاقبه ~~معاقبة ... تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد ثم نزل. وكان أبو مسلم قد سمع ~~الحديث من عكرمة، وأبي الزبير المكي، وثابت الناتي، ومحمد بن علي بن عبد ~~الله بن عباس، والسدير؛ وروى عنه إبراهيم ابن ميمون الصائغ، وعبد الله بن ~~المبارك، وغيرهما. خطب يوما فقام إليه رجل فقال: ما هذا السواد الذي أرى ~~عليك؟ فقال: حدثني أبو البير ms1970 عن جبابر بن عبد الله أن النبي، صلى الله عليه ~~وسلم ، دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه عمامة سوداء، وهذه وثياب الدولة، يا ~~غلام اضرب عنقه. قيل لعبد الله بن المبارك: أبو مسلم كان خيرا أو الحجاج؟ ~~قال: لا أقول إن أبا مسلم كان خيرا من أحد، ولكن الحجاج كان شرا منه. وكان ~~أبو مسلم نازكا شجاعا ذا رأي وعقل وتدبير وحزم ومروءة، وقيل له: بم نلت ما ~~أنت فيه من القهر للأعداء؟ فقال: ارتديت الصبر وآثرت الكتمان وحالفت الحزان ~~والأشجان وشامخت المقادير والأحكام حتى بلغت غاية همتي وأدركت نهاية بغيتي؛ ~~ثم قال: قد نلت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني ساسان إذ حشدوا ~~ما زلت أضربهم بالسيف فانتبهوا ... من رقدة لم ينمها قبلهم أحد طفقت أسعى ~~عليهم في ديارهم ... والقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا ومن رعى غنما في أرض ~~مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد وقيل: إن أبا مسلم ورد نيسابور على ~~حمار بإكاف وليس معه أدمي، فقصد في بعض الليالي دارا لفاذوسيان فدق عليه ~~الباب، ففزع أصحابه وخرجوا إليه، فقال لهم: قولوا للدهقان إن أبا مسلم ~~بالباب يطلب منك ألف درهم ودابة. فقالوا للدهقان ذلك، فقال الدهقان: في أي ~~زي هو وأي عدة؟ فأخبروه أنه وحده في أدون زي، فسكت ساعة ثم دعا بألف درهم ~~ودابة من خواص دوابه وأذن له وقال: يا أبا مسلم قد أسعفناك بما طلبت، وإن ~~عرضت حاجة أخرى فنحن بين يديك. فقال: ما نضيع لك ما فعلته. PageV03P0011 # فلما ملك له بعض أقاربه: إن فتحت نيسابور أخذت كل ما تريده من مال ~~الفاذوسيان دهقانها المجوسي. فقال أبو مسلم: له عندنا يد. فلما ملك نيسابور ~~أتته هدايا الفاذوسيان، فقيل له: لا تقبلها واطلب منه الأموال. فقال: له ~~عندي يد. ولم يتعرض له ولا لأحد من أصحابه وأمواله. وهذا يدل على علو همة ~~وكمال مروءة. وفي هذه السنة استعمل المنصور أبا داود على خراسان وكتب إليه بعهده. ### || AUT ذكر خروج سنباد بخراسان # وفي هذه ms1971 السنة خرج ينباذ بخراسان يطلب بدم أبي مسلم، وكان مجوسيا من قرى ~~نيسابور يقال لها أهروانه؛ كان ظهوره غضبا لقتل أبي ملم لأنه كان من ~~صنائعه، وكثر أتباعه، وكان عامتهممن أهل الجبال، وغلب على نيسابور وقومس ~~والري، وتسمى فيوز أصبهبذ،. فلما صار بالري أخذ خزائن أبي مسلم، وكان أبو ~~مسلم خلفها بالري حين شخص إلى أبي العباس، وسبى الحرم، ونهب الأموال ولم ~~يعرض للتجار، وكان يظهر أنه يقصد الكعبة ويهدمها. فوجه إليه المنصور جمهور ~~بن مرار العجلي في عشرة آلاف فارس، فالتقوا بين همذان والري على طرف ~~المفازة، وعزم جمهور على مطاولته، فلما التقوا قدم سنباذ السبايا من النساء ~~المسلمات على الجمال، فلما رأين عسكر المسلمين قمن في المحامل ونادين: ~~وامحمداه! ذهب الإسلام! ووقعت الريح في أثوابهن فنفرت الإبل وعادت على عسكر ~~سنباذ، فتفرق العسكر وكان ذلك سبب الهزيمة، وتبع المسلمون الإبل ووضعوا ~~السيوف في المجوس ومن معهم فقتلوهم كيف شاؤوا، وكان عدد القتلى نحوا من ~~ستين ألفا، وسبى ذراريهم ونساءهم، ثم قتل سنباذ بين طبرستان وقومس. وكان ~~بين مخرج سنباذ وقتله سبعون ليلة، وكان سبب قتله أنه قصد طبرستان ملتجئا ~~إلى صاحبها، فأرسل إلى طريقه عاملا له اسمه طوس، فتكبر عليه سنباذ، فضرب ~~طوس عنقه وكتب إلى المنصور بقتله وأخذ ما معه من الأموال؛ وكتب المنصور إلى ~~صاحب طبرستان يطلب منه الأموال، فأنكرها، فسير الجنود إليه، فهرب إلى الديلم. ### || AUT ذكر خروج ملبد بن حرملة # وفي هذه السنة خرج ملبد بن حرملة السيباني، فحكم بناحية الجزيرة، فسارت ~~إليه روابط الجزيرة، وهو في نحو ألف فارس، فقاتلهم وهزمهم وقتل منهم. ثم ~~سار إليه يزيد بن حاتم المهلبي، فهزمه ملبد وأخذ جارية له كان يطأها، فوجه ~~إليه المنصور مولاه مهلهل بن صفوان في ألفين من نخبة الجند، فهزمهم ملبد ~~واستباح عسكرهم. ثم وجه إليه نزارا قائدا من قواد خراسان، فقتله ملبد ~~وانهزم أصحابه. ثم وجه إليه زياد بن مشكان في جمع كثير، فلقيهم ملبد ~~فهزمهم. ثم وجه إليه صالح بن صبيح ms1972 في جيش كثيف وخيل كثيرة وعدة، فهزمهم ~~ملبد. ثم سار إليه حميد بن قحطبة وهو على الجزيرة يومئذ، فلقيه ملبد فهزمه، ~~وتحصن منه حميد بن قحطبة وأعطاه مائة ألف درهم على أن يكف عنه. وقيل: إن ~~خروج ملبد كان ينة ثمان وثلاثين ومائة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # ولم يكن للناس هذه السنة صائفة لشغل السلطان بحرب سنباذ. وحج بالناس هذه ~~السنة إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس وهو على الموصل، وكان على ~~المدينة زياد بن عبد الله، وعلى مكة العباس بن عبد الله ابن معبد. ومات ~~العباس عند انقضاء الموسم، فضم إسماعيل عمله إلى زياد ابن عبيد الله وأقره ~~المنصور عليه. وكان على الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سليمان ~~بن علي، وعلى قضائها عمر بن عامر السلمي، وعلى خراسان أبو داود خالد بن ~~إليراهيم، وعلى مصر صالح بن علي، وعلى الجزيرة حميد بن قحطبة، وعلى الموصل ~~إسماعيل بن علي بن عبد الله، وهي على ما كانت عليه من الأجتدال. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائة # ### || AUT ذكر خلع جمهور بن مرار العجلي # وفيها خلع جمهور بن مرار المنصور بالري. وكان سبب ذلك أن جمهورا لما هرم ~~سنباذ حوى ما في عسكره، وكان فيه خزائن أبي مسلم، فلم يوجهها إلى المنصور، ~~فخاف فخلع ووجه إليه المنصوةر محمد بن الأشعث في جيش عظيم نحو الري، ~~ففارقها جمهور نحو أصبهان، ودخل محمد الري، وملك جمهور أصبهان، فأرسل إليه ~~محمد عسكرا، وبقي في الري، فأشار على جمهور بعض أصحابه أن يسير في نخبة ~~عسكره نحو محمد فإنه في قلة، فإن ظفر لم يكن لمن بعده بقية، فسار إليه ~~مجدا. PageV03P0012 # وبلغ خبره محمدا، فحذر واحتاط، وأتاه عسكر من خراسان فقوي بهم، فالتقوا ~~بقصر الفيروزان بين الري وأصبهان فاقتتلوا قتالا عظيما، ومع جمهور نخبة ~~فرسان العجم، فهزم جمهور وقتل من أصحابه خلق كثير، وهرب جمهور فلحق ~~بأذربيجان، ثم إنه بعد ذلك قتل بإسباذروا قتله أصحابه وحملوا رأسه إلى المنصور. ### || AUT ذكر ms1973 قتل ملبد الخارجي # قد ذكرنا خروجه في السنة قبلها، وتحصن حميد منه، ولما بلغ المنصور ظفر ~~ملبد، وتحصن حميد منه، وجه إليه عبد العزيز بن عبد الرحمن أخا عبد الجبار ~~وضم زياد بن مشكان، فأكمن له ملبد مائة فارس، فلما لقبه عبد العزيز خرج ~~عليه الكمين فهزموه وقتلوه عامة أصحابه. فوجه إليه خازم بن خزيمة في نحو ~~ثمانية آلاف من المروروذية، فسار خازم حتى نزل الموصل، وبعث إلى ملبد بعض ~~أصحابه، وعبر ملبد دجلة من بلد وسار نحو خازم، وسار إليه خازم وعلى مقدمته ~~وطلائعه فضلة بن نعيم بن خازم بن عبد الله النهشلي، وعلى ميمنته زهير بن ~~محمد العامري، وعلى ميسرته أبو حماد الأبرص، وخازم في القلب، فلم يزل يساير ~~ملبدا وأصحابه إلى الليل وتواقفوا ليلتهم، فلما كان الغد سار ملبد نحو كورة ~~حزة، وخازم في أثره وتركوا خندقهم، وكان خازم قد خندق على أصحابه بالحسك، ~~فلما خرجوا منه حمل عليهم نملبد وأصحابه. فلما رأى ذلك خازم ألقى الحسك بين ~~يديه ويدي أصحابه، فحملوا على ميمنة خازم فطووها، ثم حملوا على الميسرة ~~وطووها، ثم انتهوا إلى القلب وفيه خازم، فنادى خازم في أصحابه: الأرض! ~~فنزلوا ونزل ملبد وأصحابه وعقروا عامة دوابهم، ثم اضطربوا بالسيوف حتى ~~تقطعت. وأمر خازم فضلة بن نعيم أن إذا سطع الغبار ولم يبصر بعضنا بعضا ~~فارجع إلى خيلك وخيل أصحابك فاركبوها ثم ارموهم بنشاب؛ ففعل ذلك، ~~وتراجعأصحاب خازم من الميمنة إلى الميسرة ثم رشقوا ملبدا وأصحابه بالنشاب، ~~فقتل ملبد في ثمانمائة رجل ممن ترجل، وقتل منهم قبل أن يترجلوا زهاء ~~ثلاثمائة وهرب الباقون، وتبعهم فضلة فقتل منهم مائة وخمسين رجلا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خرج قسطنطين ملك الروم إلى بلد الإسلام فدخل ملطية عنوة ~~وقهرا وغلب أهلها وهدم سورها وعفا عمن فيها من المقاتلة والذرية. وفيها غزا ~~العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الصائفة مع صالح بن علي وعيسى ~~بن علي، وقيل: كانت سنة تسع وثلاثين، فبنى صالح ms1974 ما كان ملك الروم أخربنه من ~~سور ملطية. وفيها بايع عبد الله بن علي للمنصور وهو مقيم بالبصرة مع أخيه ~~سليمان ابن علي. وفيها وسع المنصور المسجد الحرام. وحج الناس هذه السنة ~~الفضل بن صالح بن علي، وكان على المدينة ومكة والطائف زياد بن عبيد الله ~~الحارثي، وعلى الكوفة وسوادها عيسى بن موسى، وعلى البصرة سليمان بن علي، ~~وعلى قضائها سوار بن عبد الله، وعلى خراسان أو داود خالد بن ابراهيم، وعلى ~~مصر صالح بن علي. وفيها توفي السواد بن رفاعة بن أبي مالك القرطبي. وسعيد ~~بن جمهان أبو حفص الأسلمي، يروي عن سفينة حديث الخلافة ثلاثون . ويونس بن ~~عبيد البصري، وق5يل توفي سنة تسع وثلاثين ومائة. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة # ### || AUT ذكر غزو الروم والفداء معهم # في هذه السنة فرغ صالح بن علي والعباس بن محمد من عمارة ما أخربه الروم ~~من ملطية، ثم غزوا الصائفة من درب الحدث فوغلا في أرض الروم، وغزا مع صالح ~~أختاه أم عيسى ولبابة بنتا علي، وكانتا نذرتا إن زال ملك بني أمية أن ~~تجاهدا في سبيل الله. وغزا من درب ملطية جعفر بن حنظلة المرهاني. وفي هذه ~~السنة كان الفداء بين المنصور وملك الروم، فاستفدى المنصور أسرى قاليقلا ~~وغيرهم من الروم، وبناها وعخمرها ورد إليها، وندب إليها جندا من أهل ~~الجزيرة وغيرهم، فأقاموا بها وحموها، ولم يكن بعد ذلك صائفة فيما قيل إلا ~~سنة ست وأربعين، لاشتغال المنصور بابني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، ~~إلا أن بعضهم قال: إن الحسن بن قحطبة غزا الصائفة مع عبد الوهاب بن إبراهيم ~~الإمام في سنة أربعين، وأقبل قسطنتين ملك الروم في مائة ألف فبلغ جيحان ~~فسمع كثرة المسلمين فأحجم عنهم، ثم لم يكن بعدها صائفة إلى سنة ست وأربعين. ### || AUT ذكر دخول عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس # قد ذكرنا في سنة اثنتين وتسعين فتح الأندلس وعزل موسى بن نصير عنها. ~~PageV03P0013 # فلما عزل عنها وسار إلى اشام استخلف عليها ms1975 ابنه عبد العزيز وضبططها وحمى ~~ثغورها وافتتح في ولايته مدائن كثيرة، وكان خيرا فاضلا، وبقي أميرا إلى سنة ~~سبع وتسعين، وقيل: ثمان وتسعين، فقتل بها. وقد تقدم سبب قتله. فلما قتل بقي ~~أهل الأندلس ستة أشهر لا يجمعهم وال، ثم اتفقوا على أيوب بن حبيب اللخمي، ~~وهو ابن أخت موسى بن نصير، فكان يصلي بهم لصلاحه، وتحول إلى قرطبة وجعلها ~~دار إمارة في أول سنة تسع وتسعين، وقيل سنة ثمان وتسعين. ثم إن سليمان بن ~~عبد الملك استعمل بعده الحر بن عبد الرحمن الثقفي، فقدمها سنة ثمان وتسعين، ~~فأقام واليا عليها سنتين وتسعة أشهر. فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة ~~استعمل على الأندلس السمح بن مالك الخولاني وأمره أن يميز أرضها ويخرج منها ~~ما كان عنوة ويأخذ منه الخمس ويكتب إليه بصفة الأندلس، وكان رأيه إقفال ~~أهلها منها لانقاطاعهم عن المسلمين. فقدمها السمح سنة مائة في رمضان وفعل ~~ما أمره عمر، وقتل عند انصرافه من دار الحرب سنة اثنتين ومائة، وكان قد بدا ~~لعمر في نقل أهلها عنها وتركهم، ودعا لأهلها. ثم وليها بعد السمح عنبسة بن ~~سحيم الكلبي سنة ثلاثة ومائة، توفي في شعبان سنة سبع ومائة عند انصرافه من ~~غزوة الإفرنج. ثم وليها بعده يحيى بن سلمى الكلبيفي ذي القعدة سنة سبع، ~~فبقي عليها واليا سنتين وستة أشهر، ثم دخل الأندلس حذيفة بن الأبرص الأشجعي ~~سنة عشر ومائة فبقي واليا عليها ستة أشهر، ثم عزل. ثم وليها عثمان بن أبي ~~نسعة الخثعمي، فقدمها سنة عشر ومائة وعزل آخر سنة عشر ومائة أيضا، وكانت ~~ولايته خمسة أشهر. ثم وليها الهيثم بن عبيد الكناني، فقدمها في المرحم سنة ~~إحدى عشرة ومائة، فأقام والياص عليها عشرة أشهر وأياما ثم توفي في ذي ~~الحجة، فقدم أهل الأندلس على أنفسهم محمد بن عبد الله الأشجعي، وكانت ~~ولايته شهرين، وولي بعده عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي في صفر سنة اثنتي ~~عشرة ومائة، واستشهد في أرض العدو في رمضان سنة أربع عشرة ومائة. ms1976 ثم وليها ~~عبد الملك بن قطن الفهري، فأقام عليها سنتين وعزل. ثم وليها بعده عقبة بن ~~الحجاج السلولي، دخلها سنة ست عشرة ومائة، فوليها خمس سنين، وثار أهل ~~الأندلس به فخلعوه فولوه بعده عبد الملك بن قطن، وهي ولايته الثانية، وقد ~~ذكر بعض مؤرخي الأندلس أنه توفي، فولى أهل الأندلس عبد الملك. ثم وليها بلج ~~نب بشر القشيري، بايعه أصحابه، فهرب عبد الملك ولحق بداره، وهرب ابناه قطن ~~وأمية فلحق أحدهما بماردة والآخر بسرقسطة، ثم ثارت اليمن على بلج وسألوه ~~قتل عبد الملك بن قطن، فلما خشي فسادهم أمر به فقتل وصلب، وكان عمره تسعين ~~سنة، فلما بلغ ابنيه قتله حشدا من ماردة إلى أربونة، فاجتمع إليهما مائة ~~ألف، وزحفوا إلى بلج ومن معه بقرطبة، فخرج إليهم بلج فلقيهم فيمن معه من ~~أهل الشام بقرب قرطبة فهزمهما، ورجع إلى قرطبة فمات بعد أيام يسيرة. وكان ~~سبب قدوم بلج الأندلس أنه كان مع همه كلثوم بن عياض في وقعة البربر سنة ~~ثلاث وعشرين، وقد تقدم ذكرها، فلما قتل عمه سار إلى الأندلس، فاجازه عبد ~~الملك بن قطن إليها، وكان سبب قتله. ثم ولى أهل الشام على الأندلس مكانه ~~ثعلبة بن سلامة العاملي فأقام إلى أن قدم أبو الخطار واليا على الأندلس سنة ~~خمس وعشرين ومائة، فدان له أهل الأندلس، وأقبل إليه ثعلبة وابن أبي نسعة ~~وابنا عبد الملك فآمنهم وأحسن إليهم واستقام أمره، وكان شجاعا ذا رأي وكرم، ~~وكثر أهل الشام عنده، فلم تحملهم قرطبة، ففرقهم في البلاد، فانزل أهل دمشق ~~إلبيرة لشبهها بها سوماها دمشق، وأنزل أهل حمص إسبيلية وسماها حمص، وأنزل ~~أهل قنسرين بجيان وسماها قنسرين، وأنزل أهل الأردن برية وسماها الأردن، ~~وأنزل أهل فلسطين بشذونة وسماها فلسطين، وأنزل أهل مصر بتدمير وسماها مصر ~~لشبهها بها، ثم تعصب ليمانية، وكان ذلك سببا لتألب الصميل بن حاتم عليه مع ~~مضر وحربه وخلعه. وقامت هذه الفتنة سنة سبع وعشرين ومائة. PageV03P0014 # وكان الصميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن قد قدم ms1977 الأندلس في أمداد الشام ~~فرأس بها، فأراد أبو الخطار أن يضع منه فأمر به يوما وعنده الجند فشتم ~~وأهين، فخرج وعمامته مائلة، فقال له بعض الحجاب: ما بال عمامتك مائلة؟ ~~فقال: إن كان لي قوم فسيقيمونها، وبعث إلى قومه فشكا إليهم ما لقي. فقالوا: ~~نحن لك تبع، وكتبوا إلى ثوابة بن سلامة الجذامي، وهو من أهل فلسطين، فوفد ~~عليهم وأجابهم وتبعهم لخم وجذام. فبلغ ذلك إلى أبي الخطار فسار إليهم، ~~فقاتلوه فانهزم أصحابه وأسر أبو الخطار ودخل ثوابة قصر قرطبة وأبو الخطار ~~في قيوده، فولي ثوابة الأندلس سنتين ثم توفي، فأراد أهل اليمن إهادة أبي ~~الخطار، وامتنعت مضر ورأسهم الصميل، فافترقت الكلمة، فأقامت الأندلس أربعة ~~أشهر بغي أميرز وقد تقدم أبسط من هذا سنة سبع وعسرين ومائة. فلما بقوا بغير ~~أمير قدموا عبد الرحمن بن كثير اللخمي للأحكام. فلما تفاقم الأمر اتفق ~~رأيهم على يوسف بت عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة الفهري، فوليها يوسف ~~سنة تسع وعشرين،فاستقر الأمر أن يلي سنة ثم يرد الأمر إلى اليمن فيولون من ~~أحبوا من قومهم. فلما انقضت السنة أقبل أهل اليمن بأسهم يريدون أن يولوا ~~رجلا منهم، فبيتهم الصميل فقتل منهم خلقا كثيرا، فهي وقعة شقندة المشهورة، ~~وفيها قتل أبو الخطار واقتتلوا بالرماح حتى تقطعت وبالسيوف حتى تكسرت، ثم ~~تجاذبوا بالشعور، وكان ذلك سنة ثلاثين، واجتمع الناس على يوسف ولم يعترضه ~~أحد. وقد قيل غير ما ذكرنا، وقد تقدم ذكره سنة سبع وعشرين ومائة. ثم توالى ~~القحط على الأندلس وجلا أهلها عنها وتضعضعت إلى سنة ست وثلاثين ومائة، ~~وفيها اجتمع تميم بن معبد الفعري وعامر العبدري بمدينة سرقسطة، وحاربهما ~~الصميل، ثم سار إليهما يوسف الفهري فحاربهما فقتلهما، وبقي يوسف على ~~الأندلس إلى أن غلب عليها عبد الرحمن بن معاوية ابن هشام. هذا ما ذكرناه من ~~ولاة الأندلس على الاختصار، وقد تقدم أبسط من هذا متفرقا، وإنما أوردناه ~~هاهنا متتابعا ليتصل بعض أخبار الأندلس ببعض لأنها وردت متفرقة. ونرجع إلى ~~ذكر عبور عبد ms1978 الرحمن بن معاوية بن هشام إليها. وأما سبب مسير عبد الرحمن ~~إلى الغرب فإنه يحكى عنه أنه لما ظهرت الدولة العابسية وقتل من بنني أمية ~~من قتل ومن شيعتهم فر منهم من نجا في الأرض، وكان عبد الرحمن بن معاوية ~~بذات الزيتون، ففر منها إلى فلسطين وأقام هو مولاه بدر يتجسس الأخبار، فحكي ~~عنه أنه قال: لما أعطينا الأمان ثم نكث بنا بنهر أبي فطرس وأبيحت دماؤنا ~~أتانا الخبر وكنت منتبذا من الناس، فرجعت إلى منزلي أيسا ونظرت فيما يصلحني ~~وأهلي وخرجت خائفا حتى صرت إلى قرية على الفرات ذات شجر وغياض، فبينا أنا ~~ذات يوم بها وولدي سليمان يلعب بين يدي، وهو يومئذ ابن أربع سنين، فخرج عني ~~ثم دخل الصبي من باب البيت باكيا فزعا فتعلق بي، وجعلت أدفعه وهو يتعلق بي، ~~فخرجت لأنظر وإذ بالخوف قد نزل بالقرية، وإذا بالرايات السود منحطة عليها، ~~وأخ لي حديث السن يقول ليك النجاء النجاء! فهذه رايات المسودة! فأخذت ~~دنانير معي ونجوت بنفي وأخي وأعلمت أخوتي بمتوجهي فأمرتهن أن يلحقنني مولاي ~~بدارا، وأحاطت الخيل بالقرية فلم يجدوا لي أثرا، فأتيت رجلا من معارفي ~~وأمته فاشترى لي دواب وما يصلحني، فدل علي عبد له العامل، فأقبل في خيله ~~يطلبني، فخرجنا على أرجلنا خهرابا والخيل تبصرنا فدخلنا في بساتين على ~~الفرات فسبقنا الخيل إلى الفرات فسبحنا. فأما أنا فنجوت والخيل ينادوننا ~~بالأمان ولا أرجع. وأما أخي فإنه عجز عن السباحة في نصف الفرات فرجع إليهم ~~بالأمان وأخذوه فقتلوه وأنا أنظر إليه، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فاحتملت فيه ~~ثكلا ومضيت لوجهي فتواريت في غيضة أشبة حتى انقطع الطلب عني، وخرجت فقصدت ~~المغرب فبلغت إفريقية. ثم إن أخته أم الأصبغ ألحقته بدرا مولاه ومعه نفقة ~~له وجوهر، فلما بلغ إفريقية لج عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة الفهري، ~~قيل هو والد يوسف أمير الأندلس، وكان عبد الرحمن عامل إفريقية في طلبه، ~~واشتد عليه، فهرب منه فأتى مكناسة، وهم قبيل من البربر، فلقي عندهم ms1979 شدة ~~يطول ذكرها ثم هرب من عندهم فأتى نفراوة، وهم أخواله، وبدر معه. ~~PageV03P0015 # وقيل: أتى قوما من الزناتيين فأحسنوا قبوله واطمأن فيهم وأخذ في تدبير ~~المكاتبة إلى الأمويين من اهل الأندلس يعلمهم بقدومه ويدعوهم إلى نفسه، ~~ووجه بدرا مولاه إليهم، وأمي الأندلس حينئذ يوسف بن عبد الرحمن الفهري. ~~فسار بدر إليهم وأعلمهم حال عبد الرحمن ودعاهم إليه، فأجابوه ووجهوا له ~~مركبا فيه ثمامة بن علقمة، ووهب بن الأصفر، وساكر بن أبي الأشمط، فوصلوا ~~إليه وأبلغوه طاعتهم له وأخذوه ورجعوا إلى الأندلس، فأرسى في المنكب في شهر ~~ربيع الأول سنة ثمان وثلاثيثن ومائة، فأتاه جماعة من رؤسائهم من أهل ~~إشبيلية، وكانت أيضا نفوس أهل اليمن حنقة على الصميل ويوف الفهري، فأتوه. ~~ثم انتقل إلى كورة رية فبايعه إبراهيم ابن شجرة عاملها. ثم أتى إشبيلية ~~فبايعه أبو الصباح يحيى بن يحيى، ونهد إلى قرطبة. فبلغ خبره إلى يوسف وكان ~~غائبا عن قرطبة بنواحي طليطلة، فاتاه الخبر وهو راجع إلى قرطبة، فسار عبد ~~الرحمن نحو قرطبة. فلما أتى قرطبة تراسل هو ويوسف في الصلح، فخادعه ~~نحويومين، أحدهما يوم عرفة ولم يشك أحد من أصحاب يوسف أن الصلح قد ابرم، ~~وأقبل على إعداد الطعام لياكله الناس على السماط يوم الأضحى، وعبد الرحمن ~~مرتب خيله ورجله، وعبر النهر في أصحابه ليلا، ونشب القتال ليلة الأضحى، ~~وصبر الفريقان ألى أن ارتفع النهار، وركب عبد الرحمن على بغل لئلا يظن ~~النماس أنه يهرب، فلما رأوه كذلك سكنت نفوسهم، وأسرع القتل في أصحاب يوسف ~~وانهزم، وبقي الصميل يقاتل مع عصابة من عشيرته ثم انهزموا، فظفر عبد ~~الرحمن، ولما انهزم يوسف أتى ماردة، وأتى عبيد الرحمن قرطبة فأخرج حشم يوسف ~~من القصر على عودة ودخله بعد ذلك. ثم سار في طلب يوسف، فلما أحس به يوسف ~~خالفه إلى قرطية فدخلها وملك قصرها فأخذ جميع أهله وماله ولحق بمدينة ~~إلبيرة، وكان الصميل لحق بمدينة شوذر. وورد عبد الرحمن الخبر فرجع إلى ~~قرطبة طمعا في لحاقه بها، فلما لم يجده عزم ms1980 على النهوض إليه، فسار إلى ~~إلبيرة، وكان الصميل قد لحق بيوسف وتجمع لهما هناك جمع، فتراسلوا في الصلح، ~~فاصطلحوا على أن ينزل يوسف بأمان هو ومن معه وأن يسكن مع عبد الرحمن ~~بقرطبة، ورهنه يوسف ابنيه: أبا الأسود محمدا، وعبد الرحمن؛ وسار يوسف مع ~~عبد الرحمن، فلما دخل قرطبة تمثل: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا ~~نحن فيهم سوقة نتنصف واستقر عبد الرحمن بقرطبة ونى القصر والمسجد الجامع ~~وأنفق فيه ثمانين ألف دينار، ومات قبل تمامه، وبني مساجد الجماعات، ووافاه ~~جماعة من أهل بيته، وكان يدعو للمنصور. وقد ذكر أبو جعفر أن دخول عبد ~~الرحمن كان سنة تسع وثلاثين، وقيل: سنة ثمان وثلاثين، على ما ذكرنا. وهذا ~~القدر كاف في ذكر دخوله الأندلس لئلا نخرج عن الذي قصدنا له من الأختصار. ### || AUT ذكر حبس عبد الله بن علي # ولما عزل سليمان عن البصرة اختفى أخوه عبد الله بن علي ومن معه من ~~أصحابه خوفا من المنصور، فبلغ ذلك المنصور فأرسل إلى سليمان وعيسى ابني علي ~~بن عبد الله بن عباس في إشخاص عبد الله وأعطاهما الأمان لعبد الله وعزم ~~عليهما أن يفعلا. فخرج سليمان وعيسى بعبد الله وقواده ومواليه حتى قدموا ~~على المنصور في ذي الحجة، فلما قدموا عليه أذن لسليمان وعيسى فدخلا عليه ~~وأعلماه حضور عبد الله وسالاه الإذن له، فأحابهما إلى ذلك وسغلهما بالحديث، ~~وكان قد هيأ لعبد الله مكانا في قصره، فأمر به أن يصرف إليه بعد دخول ~~سليمان وعيسى، ففعل به ذلك، ثم نهض المنصور وقال لسليمان وعيسى: خذا عبد ~~الله معكما. فلما خرجا لم يجدا عبد الله، فعلما أنه قد حبس، فرجعا إلى ~~المنصور فمنعا عنه وأخذت عند ذلك سيوف من حضر من أصحابه وحبسوا. وقد كان ~~خفاف بن منصور حذرم ذلك، وندم على مجيئه معهم، وقال: إن أطعمتموني شددنا ~~شدة واحدة على أبي جعفر، فوالله لا يحول بين وبيننا حائل حتى نأتي عليه! ~~ولا يعرض لنا أحد إلا قتلناه وننجو بأنفسنا! فعصوه. فلما أخذت ms1981 سيوفهم ~~وحبسوا جعل خفاف يضرط في لحية نفسه ويتفل في وجوه أصحابه؛ ثم أمر المنصور ~~بقتل بعضهم بحضرته وبعث الباقين إلى أبي داود خالد بن إباهيم بخراسان ~~فقتلهم بها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # عزل سليمان بن علي عن إمارة البصرة، وقيل: سنة أربعين، واستعمل عليها ~~سفيان بن معاوية في رمضان. PageV03P0016 # وحج بالناس هذه السنة العباس بن محمد بن علي، وكان على مكة والمدينة ~~والطائفة زياد بن عبيد الله الحارثي، وعلى الكوفة عيسى بن موسى، وعلى ~~البصرة سفيان بن معاوية، وعلى قضائها سوار بن عبد الله، وعلى خراسان أبو ~~داود. وفيها مات عبد ربه سعيد بن قيس الأنصاري وقيل: سنة إحدى وأربعين. ~~وفيها مات العلاء بن عبد الرحمن مولى الخرقة، ومحمد بن عبد الله بن عبد ~~الرحمن ابي صعصعة المازني، ويزيد بن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي، ~~وكان موته بالإسكندرية. ### | AUT ثم دخلت سنة أربعين ومائة # ### || AUT ذكر هلاك أبي داود عامل خراسان # ### || AUT وولاية عبد الجبار # وفي هذه السنة هلك أبو داود خالد بن إبراهيم الذهلي عامل خراسان. وكان ~~سبب هلاكه أن ناسا من الجند ثاروا به وهو بكشماهن ووصلوا إلى المنزل الذي ~~هو فيه، فأشرف عليهم من الحائط ليلا فوطئ حرف آجرة خارجة وجعل ينادي أصحابه ~~ليعرفوا صوته، فانكسرت الآجرة تحته عند الصبح فسقط على الأرض فانكسر ظهره ~~فمات عند صلاة العصر، فقالم عصام صاحب شرطته بعده حتى قدم عليه عبد الجبا ~~بن عبد الرحمن الأزدي عاملا على خراسان، فملا قدمها أخذ جماعة من القواد ~~أتهمهم بالدعاء إلى ولد علي بن أبي طالب، منهم: مجاشع بن حريث الأنصاري ~~عامر بخارى، وأبو المغيرة خالد بن كثير مولى بني تميم عامل قوهستان، ~~والحريش بن محمد الدهلي، وهو ابن عم أبي داود، فقاتلهم وحبس جماعة غيرهم ~~وألح على عمال أبي داود في استخراج ما عندهم من الأموال. ### || AUT ذكر قتل يوسف الفهري # في هذه السنة نكث يوسف الفهري الذي كان أمير الأندلس، عهد عبد الرحمن ~~الأموي. وكان سبب ذلك أن ms1982 عبد الرحمن كان يضع عليه من يهينه وينازعه في ~~أملاكه، فإذا أظهر حجة الشريعة لا يعمل بها، ففطن لما يراد منه فقصد ما ردة ~~واجتمع عليه عشرون ألفا، فسار نحو عبد الرحمن، وخرج عبد الرحمن من قرطبة ~~نحوه إلى حصن المدور. ثم إن يوسف رأى أن يسير إلى عبد الملك بن عمر بن ~~مروان، وكان واليا على إشبيلية وإلى ابنه عمر بن عبد الملك، وكان على ~~المدور، فسار نحوها؛ وخرجا إليه فلقياه، فاققتلا قتالا شديدا، فصبر ~~الفريقان وانهزم أصحاب يوسف وقتل منهم خلق كثير وهرب يوسف وبقي مترددا في ~~البلاد، فقتله بعض أصحابه في رجب من سنة اثنتين وأربعين بنواحي طليطلة وحمل ~~رأسه إلى عبد الرحمن، فنصبه بقرطبة وقتل ابنه عبد الرحمن بن يوسف الذي كان ~~عنده رهينة، ونصب رأسه مع رأس أبيه، وبقي أبو الأسود بن يوسف عند عبد ~~الرحمن الأموي رهينة، وسأتي ذكره. وأما الصميل فإنه لما فر يوسف من قرطبة ~~لم يهرب معه، فدعاه الأمير عبد الرحن وسأله عنه، فقال: لم يعلمني بأمره ولا ~~أعرف خبره، فقال: لا بد أن تخبر. فقال: لو كان تحت قديم ما رفعتهما عنه؛ ~~فسجنه مع ابني يوسف. فلما هربا من السجن أنف من الهرب والفرار فبقي في ~~السجن، ثم أدخل إليه بعد ذلك مشيخة مضر فوجدوه ميتا وعنده كأس ونقل فقالوا: ~~يا أبا جوشن قد علمنا أنك ما شربت ولكن سقيت! ودفع إلى أهله فدفنوه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة هلك أذفنش ملك جليقية وملك بعده ابنه تدويلية، وكان أشجع ~~من أبيه وأحسن سياسة للملك وضبطا له؛ وكان ملك أبيه ثماني عشرة سنة. ولما ~~ملك ابنه قوي أمره وعظم سلكانه وأخرج المسلمين من ثغور البلاد وملك مدينة ~~لك وبرطقال وشلمنقة وشمورة وأيلة وشقويبة وفشتيالة؛ وكل هذه من الأندلس. ~~وفيها سير المنصور عبد الوهاب، ابن أخيه إبراهيم الإمام، والحسن بن قحطبة ~~في سبعين ألفا من المقاتلة إلى ملطية، فنزلوا عليها وعمروا ما كان خربه ~~الروم منها ففرغوا من العمارة في ms1983 ستة أشهر، وكان للحسن في ذلك أثر عظيم، ~~وأسكنها المنصور أربعة آلاف من الجند وأكثر فيها من السلاح والذخائر وبنى ~~حصن قلوذية. ولما سمع ملك الروم بمسير عبد الوهاب والحسن إلى ملطية سار ~~إليهم في مائة ألف مقاتل فنزل جيحان، فبلغه كثرة المسملين فعاد عنهم. ولما ~~عمرت ملطية عاد غليها من كان باقيامن أهلها. وفيها حج المنصور بعمارة مدينة ~~المصيصة على يد جبرائيل بن يحيى، وكان سورها قد تشعث من الزلازل وأهلها ~~قليل، فبنى السور وسماها المعمورة، وبنى بها مسجدا دامعا، وفرض فيها لألف ~~رجل، وأسكنها كثيرا من أهلها. PageV03P0017 # وفيها توفي سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة. وعمرو بن يحيى بن أبي حسن ~~الأنصاري. وعمارة بن غزية الأنصاري. وعمارة بن غزية الأنصاري، وكان ثقة. ~~وأبو العلاء أيوب القصاب. وأبو جعفر محمد بن عبد الله الإسكانفي، وهومتكلمي ~~المعتزل، وأئمتهم، وله طائفة تنسب إليه. وأسماء بن عبيد بن مخارق، والد ~~حويزة بن أسماء. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائة # ### || AUT ذكر خروج الراوندية # وفي هذه السنة كان خرروج الراوندية على المنصور؛ وهم قوم من أهل خراسان ~~على رأي أبي مسملم صاحب الدعوة، يقولون بتناسخ الأرواح، يزعمون أن روح آدم ~~في عثمان بن نهيك، وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو المنصور، وأن جبرائيل ~~هو الهيثم نب معاوية. فلما ظهروا وأوا قصر المنصور فقالزا: هذا قصر المنصور ~~فقالوا: هذا قصر ربنا. فاخذ المنصور رؤساءهم فحبس منهم مائتين، فغضب ~~أصحابهم وأخذوا نعاشل وحملو السرير، وليس في النعش أحد، ومروا به حتى صاروا ~~على باب السجن فرموا بالنعش، وحملوا على الناس ودخلوا السجن وأخرجوا ~~أصحابهم،وقصدوا نحو المنصور، وهم يومئذ ستمائة رجل، فتنادى الناس وغلقت ~~أبواب المدينة فلم يدخل أحد؛ فخرج المنصور من القصر ماشيا، ولم يكن في ~~القصر دابة، فجعل بعد ذلك اليوم يرتبط دابه معه في القصر. فلما خرج المنصور ~~أتي بدابة فركبها وهويريدهم، وتكاثروا عليه حتى كادوا يقتلونه وجاء معن بن ~~زائدة الشيباني، وكان مستترا من المنصور بقتاله مع ابن هبيرة، كما ms1984 ذكرناه ~~والمنصور شديد الطلب له وقد بذل بلاء حسنا، وكان المنصور راكبا على بغلة ~~ولجامها بيد الربيع حاجبه، فأتى معن وقال: تنح فأنا أحق بهذا اللجام منك في ~~هذا الوقت وأعظم غناء. فقال المنصور: صدق فادفعه إليه. فلم يزل يقاتل حتى ~~كشفت الحال وظفر بالرواندية. فقال له المنصور: من أنت؟ قال: طلبتك يا أمير ~~المؤمنين معن بن زائدة. فقال: آمنك بالله على نفسك ومالك وأهلك، مثلك ~~يصطنع. وجاء أبو نصر مالك بن الهيثم فوقف على باب المنصور وقال: أنا اليوم ~~بواب. ونودي في أهل السوق فرموهم وقاتلوهم وفتح باب المدينة فدخل الناس، ~~فجاء خازم بن خزيمة فحمل عليهم حتى ألجأهم إلى الحائط، ثم حملوا عليه ~~فكشفوه مرتين، فقال خازم للهيثم بن شعبة: إذا كروا علينا فاستبقهم إلى ~~الحائط، فإذا رجعوا فاقتلهم. فحملوا على خازم، فاطرد لهم وصار الهيثم من ~~ورائهم فقتلوا جميعا. وجاءهم يومئذ عثمان بن نهيك فكلمهم، فرموه بسهم عند ~~رجوعه فوقع بين كتفيه فمرض أياما ومات منها، فصلى عليه المنصور وجعل على ~~حرسه بعده عيسى بن نهيك، فكان على الحرس حتى مات، فجعل على الحرس أبو ~~العباس الطوسي، وكان ذلك كله بالمدينة الهاشمية بالكوفة. فلما صلى المنصور ~~الظهر دعا بالعشاء وأحضر معنا ورفع منزلته وقال لعمه عيسى بن علي بن عبد ~~الله بن عابس: يا أبا العباس أسمعت بأشد رجل؟ قال: نعم. قال: لو رأيت اليوم ~~معنا لعلمت أنه منهم. فقال معن: والله يا أمير المؤمنين لقد أتيتك وإني ~~لوجل القلب، فلما رأيت ما عندك من الاستهانة بهم وشدة الإقدام عليهم رأيت ~~ما لم أره من خلق في حرب فشد ذلك من قلبي وحملني على ما رأيت مني. وقيل: ~~كان معن متخفيا من المنصور لما كان منه من قتاله مع ابن هبيرة، كما ذكرناه، ~~وكان اختفاؤه عند أبي الخصيب حاجب المنصور، وكان على أن يطلب الأمان، فلما ~~خرجت الراوندية جاء معن فوقف بالباب، فسأل المنصور أبا الخطيب: من بالباب؟ ~~فقال: معن بن زائدة. فقال المنصور: رجل من العرب ms1985 شديد النفس علم بالحرب ~~كريم الحسب، أدخله، فلما دخل قال: أيه يا معن! ما الرأي؟ قال: الرأي أن ~~تنادي في الناس فتأمرهم لهم بالأموال. PageV03P0018 # فقال: واين الناس والأموالل؟ ومنة تقدم على أن يعرض نفسه لهؤلاء العلوج! ~~لم تصنع شيئا يا معن! الرأي أن اخرج فأقف للناس، فإذا رأوني قاتلوا ~~وتراجعوا إلي، وإن أقمت تهاونوا وتخاذلو: فأخذ معن بيده وقال: لا أمير ~~المؤمنين إذا، والله تقتل الساعة، فأنشدك الله في نفسك! فقال له أبو الخطيب ~~مثلها، فجذب ثوبه مهما وركب دابته وخرج ومعن آخذ بلجام دابته وأبو الخصيب ~~مع ركابه، وأتاه رجل فقتله معن حتى قتل أربعة في تلك الحالة، حتى اجتمع ~~إليه الناس فلم يكن إلا ساعة حتى أفنوهم، ثم تغيب معن، فسأل المنصور عنه ~~أبا الخطيب فقال: لا أعلم مكانه. فقال المنصور: ايظن معن أن لا أغفر ذنبه ~~بعد بلائه؟ أعطه الأمان وأدخله علي فأدخله إليه، فأمر له بعشرة آلاف درهم، ~~ثم ولاه اليمن. ### || AUT ذكر خلع عبد الجبار بخراسان وسمير المهدي إليه # في هذه السنة خلع عبد الجبار بن عبد الرحمن عامل خراسان للمنصور. وسبب ~~ذلك أن عبد الجبار لما استعمله المنصور على خراسان عمد إلى القواد فقتل ~~بعضهم وحبس بعضهم، فبلغ ذلك المنصور وأتاه من بعضهم كتاب: قد نغل الأديم. ~~فال لأبي أيوزب: إن عبد الجبار قد أفنى شيعتنا، وما فعل ذلك إلا وهو يريد ~~أن يخلع. فقال له: اكتب إليه أنك تريد غزو الروم فليوجه إليك الجنود من ~~خاسان وعليهم فرسانهم ووجوههم، فغذا خرجوا منها فابعث إليه من شئت فلا ~~تمنع. فكتب المنصور إليه بذلك، وأجابه: إن الترك قد جاشت وإن فرقت الجنود ~~ذهبت خراسان. فألقى الكتاب إلى أبي أيوب وقال له: ما ترى؟ قال: قد أمكنك من ~~قياده، اكتب إليه: إن خراسان أهم إلي من غيرها وأنا موجه إليك الجنود، ثم ~~وجه إليه الجنود ليكونوا بخراسان، فإن هم بخلع أخذوا بعنقه. فلما ورد ~~الكتاب بهذا على عبد الجبار أجابه: إن خراسان لم تكن قط أسوأ ms1986 حالا منها في ~~هذا العام، وإن دخلها الجنود هلكوا لضيق ما هم فيه من الغلاء. فلما أتاه ~~الكتاب أقلاه إلى أبي أيوبن فقال له اظبو أيوب: قد أبدى صفحته وقد خلع فلا ~~تناظره. ووجه المنصور ابنه لمهدي وأمره بنزول الري، فسار إليها المهدي، ~~ووجه خازم بن خزيمة بين يديه لحرب عبد الجبار، وسار المهدي فنزل نيسابور، ~~فلما لغ ذلك أهل مرو الورذ ساروا إلى عبد الجبار وحاربوه وقاتلوه قتالا ~~شديدا، فانهزم منهم لجأ إى معطنة فتوارى فيها، فعبر إليه المجشر بن مزاحم، ~~من أهل مرو الروذ، فاخذه أسيرا، فلما قدم خازم أتاه به فألبسه جبة صوف ~~وحمله على بعير وجعل وجهه مما يلي عجز البعير وحمله إلى المنصور ومعه ولده ~~وأصحابه، فبسط عليهم العذاب حتى استخرج منهم الأموال، ثم أمر فقطعت يدا عبد ~~الجبار ورجلاه وضرب عنقه، وأمر بتسيير ولده إلى دهلك، وهي جزيرة باليمن، ~~فلم يزالوا بها حتى أغار عليهم الهند فسبوهم فيمن سبوا ثم فودوا بعد ذلك. ~~وكان ممن نجا منهم عبد الرحمن بن عبد الجبار، صحب الخلفاء ومات أيام الرشيد ~~سنة سبعين ومائة. قيل: وكان أمر عبد الجبار اثنتين وأربعين في ربيع الأول، ~~وقيل:س نة أربعين. ### || AUT ذكر فتح طبرستان # ولما ظفر المهدي بعبد الجبار بغير تعب ولا مباشرة قتل كره المنصور أن ~~تبطل تلك النفقات التي أنفق على المهدي، فكتب إليه أن يغزو طبرستان وينزل ~~الري ويجه أبا الخصيب وخازم بن خزيمة والجنود إلى الأصبهبذ، وكان الأصبهبذ ~~يومئذ محاربا للمصمغان، ملك دنباوند، معسكرا بإزائه، فلما بلغه دخول الجنود ~~بلاده ودخول أبي الخصيب سارية قال المصمغان للأصبهبذ: متى قهروك صاروا إلي؛ ~~فاجتمعا على حرب المسلمين. فانصرفالأصبهبذ إلى بلاده فحارب المسلمين، فطالت ~~تلك الحروب، فوجه المنصور عمر بن العلاء إلى طبرستان؛ وهو الذي يقول فيه ~~بشار: إذا أيقظتك حروب العدى ... فنبه لها عمرا ثم نم PageV03P0019 # وكان علما ببلاد طبرستان، فأخذ الجنود وقصد الرويان وفتحها، وأخذ قلعة ~~الطاق وما فيها، وطالت الحرب، فألح خازم على القتال ففتح طبرستان وقتل ms1987 منهم ~~فأكثر، وسار الأصبهبذ إلى قلعته فطلب الأمان على أن يسلم القلعة بما فها من ~~الذخائر، وكتب المهدي بذلك إلى المنصور، فوجه المنصور صالحا صاحب المصلى، ~~فأحصوا ما في الحصن وانصرفوا، ودخل الأصبهبذ بلاد جيلان من الديلم فمات ~~بها، وأخذت ابنته، وهي أم إبراهيم بن العباس بن محمد، وقصدت الجنود بلد ~~المصمغان فظفروا به وبالبحيرة، أم منصور بن المهدي. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل زياد بن عبيد الله الحارثي عن مكة والمدنة والطائف، ~~واستعمل على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسري في رجب، وعلى الطائف ~~ومكة الهيثم بن معاوية العتكي من أهل خراسان. وفيها نوفي موسى بن كعب وهو ~~على شرط المنصور وعلى مصر والهند، وخليفته على الهند عيينة أبنه، وكان قد ~~عزل موسى عن مصر ووليها محمد ابن الأشعث ثم عزل ووليها نوفل بن محمد بن ~~الفارت. وحج بالناس هذه السنة صالح بن علي بن عبد الله بن عباس وهو على ~~الشام، وعلى الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة سفيان بن معاوية، وعلى ~~خراسان المهدي، وخليفته بها السري بن عبد الله، وعلى الموصل إسماعيل بن ~~علي. وفيها مات سعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد الأنصاري. وأبان بن تغلب القارئ. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائة # ### || AUT ذكر خلع عيينة بن موسى بن كعب # في هذه السنة خلع عيينة بن موسى بالسند وكان عاملا عليها. وسبب خلعه أن ~~أباه كان استخلف المسيب بن زهير على الشرط، فلما مات موسى أقام المسيب على ~~ماكان يلي من الشرط، وخاف أن يحضر المنصور عيينة فيوليه ما كان إلى أبيه، ~~فكتب إليه ببيت شعر، ولم ينسب الكتاب إلى نفسه: فأرضك أرضك إن تأتينا ... ~~تنم نومة ليس فيها حلم فخلع الطاعة. فلما بلغ الخبر ؟إلى المنصور سار ~~بعسكره حتى نزل على جسر البصرة ووجه عمر بن حفص بن أبي صفراء والعتكي عاملا ~~على السند والهند، فحاربه عيينة، فسار حتى ورد السند فغلب عليها. ### || AUT ذكر نكث الأصبهبذ ms1988 # في هذه السنة نكث الأصبهبذ بطربرستان العهد بينه وبين المسلخمين وقتل من ~~كان ببلاده منهم، فلما انتهى الخبر إلى المنصور سير مولاه أبا الخصيب وخازم ~~بن خزيمة وروح بن حاتم فأقاموا على الحصن يحاصرونه وهو فيه، فلما طال عليهم ~~المقام احتال أو الخصيب في ذلك فقال لأصحابه: اضربوني واحلقوا رأسي ولحيتي. ~~ففعلوا ذلك به. ولحق بالأصبهبذ فقال له: فعل بي هذا تهمة منهم لي أن يكون ~~هواي معك؛ وأخبره أنه معه وأنه دليل على عورة عسكرهم. فقبل ذلك الأصبهبذ ~~وجعله في خاصته وألطفه. وكان باب حصنهم من حجر يلقى إلقاء، ترفعه الرجال ~~وتضعه عند فتحه وإغلاقه، وكان الأصبهبذ يوكل به ثقات أصحابه نوبا بينهم، ~~فلما وثق الأصبعبذ بأبي الخصيب وكله بالباب، فتولى فتحه وإغلاقه حتى أنس ~~به. ثم كتب أبو الخصيب إلى روح وخازم وألقى الكتاب في سهم وأعلمهم أنه قد ~~ظفر بالحيلة، وواعدهم ليلة في فتح الباب، فلما كان تلك الليلة فتح لهم، ~~فقتلوا من في الحصن من المقاتلة وسبوا الذرية وأخذوا شكلة، أم إباهيم بن ~~المهدي. وكان مع الأصبهببذ سم فشربه فمات. وقد قيل: إن ذلك سنة ثلاث ~~وأربعين ومائة. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها مات سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس وهو على البصرة في جمادى ~~الآخرة وعمره تسع وخمسون سنة، وصلى عليه أخوه عبد الصمد. وفيها عزل نوفل بن ~~الفرات عن مصر ووليها حميد بن قحطبة. وحج بالناس إسماعيل بن علي بن عبد ~~الله، وكان العمال من تقدم ذكرهم. وولى المنصور بالجزيرة والثغر والعواصم ~~أخاه العباس بن محمد، وعزل المنصور عمه إسماعيل بن علي عن الموصل واستعمل ~~عليها مالك ابن الهيثم الخزاعي جد أحمد بن نصير الذي قتله الواثق، وكان خير ~~أمير. فيها مات يحيى بن سعيد الأنصاري أبو سعيد قاضي المدينة، وقيل سنة ~~ثلاث، وقيل سنة أربع وأربعين. وفيها مات موسى بن عقبة مولى آل الزبير. ~~وفيها توفي أيضا عاصم بن سليمان الأحول، وقيل سنة ثلاث وأربعين. وفيها مات ~~حميد بن أبي ms1989 حميد طرخان، وقيل مهران مولى طلحة بن عبد الله الخزاعي، وهو ~~حميد الطويل، يروي عن أنس بن مالك، وعمره خمس وسبعون سنة. PageV03P0020 ### | AUT ثم دخلت ستة ثلاث وأربعين ومائة # في هذه السنة ثار الديلم بالمسلمين فتلوا منهم مقتلة عظيمة، فبلغ ذلك ~~المنصور فندب الناس إلى قتال الديلم وجهادهم. وفيها عزل الهيثم بن معاوية ~~عن مكة والطائف، وولي ذلك السري بن عبد الله بن الحارث بن العباس، وكان على ~~اليمامة، فسار إلى مكة واستعمل المنصور على اليمامة قثم بن عباس بن عبد ~~الله. وفيها عزل حميد بن قحطبة عن مصر، واستعمل عليها نوفل بن الفرات، ثم ~~عزل نوفل واستعمل عليها يزيد بن حاتم. وحج بالناس هذه السنة عيسى بن موسى ~~بن محمد بن علي بن عبد الله، وكان إليه ولاية الكوفة. وفيهاثار بالأندلس ~~رزق بن النعمان الغساني على عبد الرحمن، وكان رزق على الجزيرة الخضراء، ~~فاجتمع إليه خلق عظيم، فسار إلى شذونة فملكها ودخل مدينة إسبيلية، وعاجله ~~عبد الرحمن فحصره فيها وضيق على من بها، فتقربوا إليه بتسلمي رزق إليه ~~فقتله فأمنهم ورجع عنهم. وفيها مات عبد الرحمن بن عطاء صاحب الشارعة، وهي ~~نخل. وسليمان ابن طرخان التيمي. واشعث بن سوار. ومجالد بن سعيد. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائة # في هذه السنة سير أبو جعفر الناس من الكوفة والبصرة والحزيرة والموصل ~~إلى غزو الديلم وساتعمل عليهم محمد بن أبي العباس السفاح. وفيها رجع المهدي ~~من خراسان إلى العراق ونى بريطة ابنة عمه السفاح. وفيها حج المنصور واستعمل ~~على عسكره والميرة خازم بن خزيمة. ### || AUT ذكر استعمال رياح المري على المدينة # ### || AUT وأمر محمد بن عبد الله بن الحسن # وفيها استعمل المنصور على المدينة رياح بن عثمان المري وعزل محمد بن ~~خالد بن عبد الله القسري عنها. وكان سبب عزله وعزل زياد قبله أن المنصور ~~أهمه أمر محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن بت الحسن علي بن أبي طالب ~~وتخلفهما عن الحضور عنده مع من حضره من بني هاشم ms1990 عام حج أيام السفاح سنة ست ~~وثلاثين، وذكر أن محمد بن عبد الله كان يزعم أن المنصور ممن بايعه ليلة ~~تشاور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة حين اضطرب أمر مروان بن محمد، ~~فلما حج المنصور سنة ست وثلاثين سأل عنهما، فقال له زياد بن عبيد الله ~~الحارثي: ما يهمك من أمرهما؟ أنا آتيك بهما. وكان معه بمكة فرده المنصور ~~إلى المدينة. فلما استخلف المنصور لم يكن همه إلا أمر محمد والمسألة عنه ~~وما يريد، فدعا بني هاشم رجلا رجلا يسأله سرا عنه، فكلهم يقول: قد علم أنك ~~عرفته يطلب هذا الأمر فهو يخافك على نفسه وهو لا يريد لك خلافا، وما أشبه ~~هذا الكلام، إلا الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب فإنه أخبره خبره ~~وقال له: والله ما آمن وثوبه عليك، فغنه لا ينام عنك؛ فأيقظ بكلامه من لاي ~~نام، فكان موسى بن عبد الله بن الحسن يقول بعد ذلك: اللهم اطلب حسن بن زيد ~~بدمائنا. ثم ألح المنصور على عبد الله بن الحسن في إحضار ابنه محمد سنة حج، ~~فقال عبد الله لسليمان بن علي بن عبد الله بن عباس: يا أخي بيننا من الصهر ~~والرحم ما تعلم، فما ترى؟ فقال سليمان: والله لكأنني أنظر إلى أخي عبد الله ~~بن علي حين حال الستر بينه وبيننا وهويشير إلينا: هذا الذي فعلتم بي؛ فلو ~~كان عافيا عفا عن عمه. فقبل عبد الله رأي سليمان وعلم أنه قد صدقه ولم يظهر ~~ابنه. ثم إن المنصور اشترى رقيا من رقيق الأعراب وأعطى الرجل منهم البعير ~~والرجل البعيرين والرجل الذود وفرقهم في طلب محمد في ظهر المدينة، وكان ~~الرجل منهم يرد الماء كالمار وكالضال يسألون عنه، وبعث المنصور عينا آخر ~~وكتب معه كتابا على ألسن الشيعة إلى محمد يذكرون طاعتهم ومسارعتهم وبعث معه ~~بمال وألطاف، وقدم الرجل المدينة فدخل على عبد الله بن الحسن ابن الحسن ~~فسأله عن ابنه محمد، فذكر له، فكتم له خبره، فتردد الرجل ms1991 إليه وألح في ~~المسألة، فذكر أنه في جبل جهينة، فقال له: امرر بعلي ابن الرجل الصالح الذي ~~يدعى الأعر وهو بذي الأبر فهور يرشدك؛ فأتاه فأرشده. PageV03P0021 # وكان للمنصور كاتب على سره يتشيع، فكتب إلى عبد الله بن الحسن يخبره بذلك ~~العين، فلما قدم الكاتب ارتاعوا له وبعثوا أبا هبار إلى محمد وإلى علي بن ~~الحسن يحذرهما الرجل، فخرج أبو هبار فنزل بعلي بن الحسن وأخبره، ثم سار إلى ~~محمد بن عبد الله في موضعه الذي هو به، فإذا هو جالس في كهف ومعه جماعة من ~~أصحابه، وذلك العين معهم أعلاهم صوتا وأشدهم انبساطا، فلما رأى أبا هبار ~~خافه، فقال أبو هبار لمحمد: لي حاجة. فقالم معه، فأخبره الخبر، قال: فما ~~الرأي ؟ قال: أرى إحى ثلاث. قال: تدعني أقتل هذا لارجل. قال: ما أنا مقارف ~~دما إلا كرها.قال: أثقله حديدا وتنقله معك حيث تنقلب. قال: وهل لنا فرار مع ~~الخوف والإعجال؟ قال: نشدهونودعه عند بعض أهلك من جهينة. قال: هذه إذا. ~~فرجعا فلم يريا الرجل.فقال محمد: أين الرجل؟ قالوا تركوه مهملا وتوارى بهذا ~~الطريق يتوضأ، فطلبوه ولم يجدوه فكأن الأرض التأمت عليه؛ وسعى على قدميه ~~حتى اتصل بالطريق، فمر به الأعراب معهم حمولة إلى المدينة، فقال لعضهم: فرغ ~~هذه الغرارة وأدخلنيها أكن عدلا لصاحبتها ولك كذا وكذا. ففعل وحمله حتى ~~أقدمه المدينة. ثم قدم على المنصور وأخبره خبره كله ونسي اسم أبي هبار ~~وكنيته وقال: وبار. فكتب أبو جعفر في طلب وبار المري، فحمل إليه رجل اسمه ~~وبر، فسأله عن قصة محمد فحلف له أنه لا يعرف من ذلك شيئا، فأمر به وضرب ~~سبعمائة سوط وحبس حتى مات المنصور. ثم إنه أحضر عقبة بن سلم الأزدي فقال: ~~أريدك لأمر أنا به معني لم أزل أرتاد له رجلا عسى أن تكونه، زإن كفيتنيه ~~رفعتك. فقال: أرجو أن أصدق ظن أمير المؤمنين في. قال: فأخف سخصك واستر أمرك ~~وأتني يوم كذا فيوقت كذا. فأتاه ذلك الوقت. فقال له : إن بني عمنا هؤلاء قد ms1992 ~~أبوا إلا كيدا لملكنا واعتيالا له، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم ~~ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف من ألطافب بلادهم ، فاخرج بكسى وألطاف ~~وعين حتى تأتيهم متنكرا بكتاب تكتبه عن أهل هذه القرية ثم لعلم حالهم، فإن ~~كانوا نزعوا عن رأيهم فأحبب والله بهم وأقرب، وإن كانو على رأيهم عملت ذلك ~~وكنت على حذر، فاشخص حتى تلقى عبد الله بهم وأقرب، وإن كانوا على رأيهم ~~علملت ذلك وكنت على حذر، فاشخص حتى تلقى عبد الله بن الحسن متخشعا ~~ومنتقشفا، فإن جبهك، وهو فاعل، فاصبر وعادوه حتى يأنس ويلين لك ناحيته، ~~فإذا أظهر لك ما قبله فاعجل علي. فشخص حتى قدم على عبد الله فلقيه بالكتاب، ~~فأكره وهره وقال: ما أعرف هؤلاء القوم.فلم يزل يتردد إليه حتى قبل كتابه ~~وألطافه وأنس به، فسأله عقبة الجواب. فقال: أما الكتاب فإني لا أكتب إلى ~~أحد ولكن أنت كتابي إليهم فأقرئهم السلام وأعالمهم أنني خارج لوقت كذا ~~وكذا. ورجع عقبة إلى المنصور فأعلمه الخبر، فانسأ المنصور الحج وقال لعقبة: ~~إذا لقيني بنو الحسن فيهم عبد الله بن الحسن فأنا مكرمه ورافع محلته وداع ~~بالغداء، فإذا فرغنا من طعامنا فلحظتك فامثل بين يديه قائما، فإنه سيصرف ~~عنك بصره، قاستدر حتى ترمز ظهره بإبهام رجلك حتى يملأ عينه منك ثم حسبك ~~وإياك أن راك ما دام يأكل. فخرج إلى الحج، فلما لقيه بنو الحسن أجلس عبد ~~الله إلى جانبه ثم دعا بالغداء فأصابوا منه، ثم رفع فأقبل على عبد الله بن ~~الحسن فقال له: قد علمت ما أعطيتني من العهود والمواثيق ألا تبغيني بسوء ~~ولا تكيد لي سلطانا؟ قال: فأنا على ذلك يا أمير المؤمنين. فلحظ المنصور ~~عقبة بن سلم فاستدار حتى وقف بين يدي عبد الله فأعرض عنه، فاستدار حتى قام ~~وراء ظهره فغمزه بإصبعه، فرفع رأسه فملأ عينه منه، فوثب حتى قعد بين يدي ~~المنصور فقال: أقلني يا أمير المؤمنين أقالك الله! قال: لا أقالني الله إن ~~أقلتك! ثم أمر بحبسه. وكان محمد قد ms1993 قدم قبل ذلك البصرة فنزلها في نبي راسب ~~يدعو إلى نفسه، وقيل: نزل على عبد الله بن شيبان أحد بني مرة بن عبيد، قم ~~خرج منها، فبلغ المنصور مقدمة البصرة، فسار إليها مجدا فنزل عند الجسر ~~الأكبر، فلقيه عمرو بن عبيد فقال له: يا أبا عمان هل بالبصرة أحد نخافه على ~~أمرنا؟ قال: لا. قال: فأقتصر على قولك وأنصرف. قال: نعم. PageV03P0022 # وكان محمد قد سار عنها قبل مقدم المنصور، فرجع المنصور واشتد الخوف على ~~محمد وإبراهيم ابني عبد الله فخرجا حتى تيا عدن، ثم سار إلى السند ثم إلى ~~الكوفة ثم إلى المدينة. وكان المنصور قد حج سنة أربعين ومائة فقسم أموالا ~~عظيمة في آل أبي طالب، فلم يظهر محمد وإبراهيم، فسأل أباهما عبد الله ~~عنهما، فقال: لا علم لي بهم، فتغالظا، فأمصه أبو جعفر المنصور حتى قال له: ~~امصص كذا وكذا من أمك! فقال: يا أبا جعفر بأي أمهاتي تمصني؟ أبفاطمة بنت ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ أم بفاطمة بنت الحسن بن علي؟ أم بأم إسحاق ~~بنت طلحة؟ أم بخديجة بنت خويلد؟ قال: لا بواحدة منهن ولكن بالجرباء بنت ~~قسامة بن زيهر! وهي امرأة من طيء، فقال المسيب بن زيهر: يا أمير المؤمنين ~~دعني أضرب عنق ابن الفاعلة! فقام زياد بن عبيد الله فألقى عليه رداءه وقال: ~~هبه لي يا أمير المؤمنين فأستخرج لك ابنيه؛ فتخلصه منه. وكان محمد وإبراهيم ~~ابنا عبد الله قد تغيبا حين حج المنصور سنة أربعين ومائة عن المدينة، وحج ~~أيضا فاجتمعوا بمكة وأرادوا اغيتال المنصور، فقال لهم الأشتر عبد الله بن ~~محمد: أنا أكفيكموه! فقال محمد: لا والله لا أقتله أبدا غيلة أدعوه. فنقض ~~ما كانوا أجمعوا عليه. وكان قد دخل علهم قائد من قواد المنصور من أهل ~~خراسان اسمه خالد بن حسان يدعى أبا العساكر على ألف رجل، فنمى الخبر إلى ~~المنصور فطلب، فلم يظفر به، فظفر بأصحابه فقتلهم، وأما القائد فإنه لحق ~~بمحمد بن عبد الله بن محمد. ثم إن المنصور ms1994 حث زياد بن عبيد الله على طلب ~~محمد وإبراهيم، فضمن له ذلك ووعده به، فقدم محمد المدينة قدمة، فبلغ ذلك ~~زيادا فتلطف له وأعطاه الأمان على أن يظهر وجهه للناس، فوعده محمد ذلك، ~~فركب زياد مع المساء وواعد محمدا سوق الظهر، وركب محمد، فتصايح الناس: يا ~~أهل المدينة المهدي المهدي ! فوقف هو وزياد، فقال زياد: يا أيها الناس هذا ~~محمد بن عبد الله بن الحسن؛ ثم قال له: الحق بأي بلاد الله شئت. فتوارى ~~محمد. وسمع المنصور الخبر فأرسل أبا الأزهر في جمادى الآخرة سنة إحدى ~~وأربعين ومائة إلى المدينة، فأمره أن يستعمل على المدينة عبد العزيز بن ~~المطلب وأن يقبض على زياد وأصحابه ويسير بهم إليه، فقدم أبو الأزهر المدينة ~~ففعل ما أمره وأخذ زيادا وأصحابه وسار نحو المنصور، وخلف زياد في بيت مال ~~المدينة ثمانين ألف دينار، فسجنهم المنصور ثم من عليهم بعد ذلك. واستعمل ~~المنصور على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسري، وأمره بطلب محمد بن ~~عبد الله وبسط يده في النفقة في طلبه. فقدم المدينة في رجب سنة إحدى ~~وأربعين، فأخذ المال ورفع في محاسبته أموالا كثيرة أنفقها في طلب محمد، ~~فاستبطأه أبو جعفر واتهمه، فكتب إليه يأمره بكشف المدينة وأعراضها، فطاف ~~ببيوت الناس فلم يجد محمدا. فلما رأى المنصور ما قد أخرج من الأموال ولم ~~يظفر بمحمد استشار أبا العلاء، رجلا من قيس عيلان، في أمر محمد بن عبد الله ~~وأخيه، فقال: أرى أن تستعمل رجلا من ولد الزبير أو طلحة فإنهم يطلبونهما ~~بذحل ويخرجونهما إليك. فقال: قاتلك الله ما أجود ما رأيت ! والله ما خفي ~~علي هذا، ولكني أعاهد الله لا أنتقم من بني عمي وأهل بيتي بعدوي وعدوهم، ~~ولكني أبعث عليهم صعلوكا من العرب يفعل بهم ما قلت. فاستشار يزيد بن يزيد ~~السلمي وقال له: دلني على فتى مقل من قيس أغنيه وأشرفه وأمكنه من سيد ~~اليمن، يعني ابن القسري، قال: هو رياح بن عثمان بن حيان المري، فسيره أميرا ~~على ms1995 المدينة في رمضان سنة أربع وأربعين. PageV03P0023 # وقيل: إن رياحا ضمن للمنصور أن يخرج محمدا وإبراهيم ابني عبد الله إن ~~استعمله على المدينة، فاستعمله عليها، فسار حتى دخلها، فلما دخل دار مروان، ~~وهي التي كان ينزلها الأمراء، قال لحاجب كان له يقال له أبو البختري: هذه ~~دار مروان ؟ قال: نعم. قال: أما إنها محلال مظعان ونحن أول من يظعن منها. ~~فلما تفرق الناس عنه قال لحاجبه: يا أبا البختري خذ بيدي ندخل على هذا ~~الشيخ، يعني عبد الله بن الحسن؛ فدخلا عليه، وقال رياح: أيها الشيخ إن أمير ~~المؤمنين والله ما استعملني لرحم قريبة ولا ليد سلفت إليه، والله لا لعبت ~~في كما لعبت بزياد وابن القسري، والله لأزهقن نفسك أو لتأتيني بابنيك محمد ~~وإبراهيم ! فرفع رأسه إليه وقال: نعم، أما والله إنك لأزيرق قيس المذبوح ~~فيها كما تذبح الشاة ! قال أبو البختري: فانصرف والله رياح آخذا بيدي أجد ~~برد يده وإن رجليه لتخطان الأرض مما كلمه. قال: فقلت له: إن هذا ما اطلع ~~على الغيب. قال: إيها ويلك ! فوالله ما قال إلا ما سمع. فذبح كما تذبح ~~الشاة. ثم إنه دعا بالقسري وسأله عن الأموال، فضربه وسجنه وأخذ كاتبه زراعا ~~وعاقبه فأكثر، وطلب إليه أن يذكر ما أخذ محمد بن خالد من الأموال، وهو لا ~~يجيبه، فلما طال عليه العذاب أجابه إلى ذلك، فقال له رياح: احضر الرفيعة ~~وقت اجتماع الناس، ففعل ذلك، فلما اجتمع الناس أحضره فقال: أيها الناس إن ~~الأمير أمرني أن أرفع على ابن خالد، وقد كتبت كتابا لأنجو به وإنا لنشهدكم ~~أن كل ما فيه باطل. فأمر رياح فضرب مائة سوط ورد إلى السجن. وجد رياح في ~~طلب محمد، فأخبر أنه في شعب من شعاب رضوى، جبل جهينة، وهو في عمل ينبع، ~~فأمر عامله في طلب محمد، فهرب منه راجلا فأفلت وله ابن صغير ولد في خوفه ~~وهو مع جارية له فسقط من الجبل فتقطع، فقال محمد: منخرق السربال يشكو الوجى ~~... تنكبه أطراف مرو حداد شرده ms1996 الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حر الجلاد ~~قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد وبينا رياح يسير في ~~الحرة إذ لقي محمدا، فعدل محمد إلى بئر هناك فجعل يستقي، فقال رياح: قاتله ~~الله أعرابيا ما أحسن ذراعه ! ### || AUT ذكر حبس أولاد الحسن # قد ذكرنا قبل أن المنصور حبسهم، وقد قيل أيضا إن رياحا هو الذي حبسهم. ~~قال علي بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي: حضرنا باب رياح في المقصورة، ~~فقال الآذن: من كان ها هنا من بني الحسين فليدخل. فدخلوا من باب المقصورة ~~وخرجوا من باب مروان. ثم قال: من ها هنا من بني الحسن فليدخل. فدخلوا من ~~باب المقصورة ودخل الحدادون من بني مروان، فدعا بالقيود فقيدهم وحبسهم، ~~وكانوا: عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، والحسن وإبراهيم ابني الحسن بن ~~الحسن، وجعفر بن الحسن بن الحسن، وسليمان وعبد الله ابني داود بن الحسن بن ~~الحسن، ومحمد وإسماعيل وإسحاق بني إبراهيم بن الحسن بن الحسن، وعباس بن ~~الحسن بن الحسن بن علي، وموسى ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن. فلما حبسهم ~~لم يكن فيهم علي بن الحسن بن الحسن بن علي العابد. فلما كان الغد بعد الصبح ~~إذ قد أقبل رجل متلفف، فقال له رياح: مرحبا بك، ما حاجتك ؟ قال: جئتك ~~لتحبسني مع قومي، فإذا هو علي بن الحسن بن الحسن، فحبسه معهم. وكان محمد قد ~~أرسل ابنه عليا إلى مصر يدعو إليه، فبلغ خبره عامل مصر، وقيل: إنه على ~~الوثوب بك والقيام عليك بمن شايعه، فقبضه وأرسله إلى المنصور، فاعترف له ~~وسمى أصحاب أبيه، وكان فيمن سمى عبد الرحمن بن أبي الوالي، وأبو حنين، ~~فضربهما المنصور وحبسهما وحبس عليا، فبقي محبوسا إلى أن مات. وكتب المنصور ~~إلى رياح أن يحبس معهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان المعروف ~~بالديباج، وكان أخا عبد الله بن الحسن بن الحسن، لأن أمهما جميعا فاطمة بنت ~~الحسين بن ms1997 علي، فأخذه معهم. PageV03P0024 # وقيل: إن المنصور حبس عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي وحده وترك باقي ~~أولاد الحسن، فلم يزل محبوسا، فبقي الحسن بن الحسن بن الحسن قد نصل خضابه ~~حزنا على أخيه عبد الله، وكان المنصور يقول: ما فعلت الحادة ؟ ومر الحسن بن ~~الحسن بن الحسن على إبراهيم بن الحسن وهو يعلف إبلا له فقال: أتعلف إبلك ~~وعبد الله محبوس ! يا غلام أطلق عقلها ! فأطلقها ثم صاح في أدبارها فلم ~~يوجد منها بعير. فلما طال حبس عبد الله بن الحسن قال عبد العزيز بن سعيد ~~للمنصور: أتطمع في خروج محمد وإبراهيم وبنو الحسن مخلون ؟ والله للواحد ~~منهم أهيب في صدور الناس من الأسد ! فكان ذلك سبب حبس الباقين. ### || AUT ذكر حملهم إلى العراق # ولما حج المنصور سنة أربع وأربعين ومائة أرسل محمد بن عمران بن إبراهيم ~~بن محمد بن طلحة، ومالك بن أنس إلى بني الحسن، وهم في الحبس، يسألهم أن ~~يدفعوا إليه محمدا وإبراهيم ابني عبد الله، فدخلا عليهم وعبد الله قائم ~~يصلي، فأبلغاهم الرسالة، فقال الحسن بن الحسن أخو عبد الله: هذا عمل ابني ~~المشومة ! أما والله ما هذا عن رأينا ولا عن ملاء منا ولنا فيه حكم. فقال ~~له أخوه إبراهيم: علام تؤذي أخاك في ابنيه وتؤذي ابن أخيك في أمه ؟ ثم فرغ ~~عبد الله من صلاته فأبلغاه الرسالة، فقال: لا والله لا أريد عليكما حرفا، ~~إن أحب أن يأذن لي فألقاه فليفعل. فانطلق الرسولان فأبلغا المنصور، فقال: ~~أيسخر بي، لا والله لا ترى عينه عيني حتى يأتيني بابنيه. وكان عبد الله لا ~~يحدث أحدا قط إلا قلبه عن رأيه. ثم سار المنصور لوجهه، فلما حج ورجع لم ~~يدخل المدينة ومضى إلى الربذة، فخرج إليه رياح إلى الربذة فرده إلى المدينة ~~وأمره بإشخاص بني الحسن إليه ومعهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أخو ~~بني الحسن لأمهم، فرجع رياح فأخذهم وسار بهم إلى الربذة، وجعلت القيود ~~والسلاسل في أرجلهم وأعناقهم، وجعلهم في ms1998 محامل بغير وطاء؛ ولما خرج بهم ~~رياح من المدينة وقف جعفر بن محمد من وراء ستر يراهم ولا يرونه وهو يبكي ~~ودموعه تجري على لحيته وهو يدعو الله، ثم قال: والله لا يحفظ الله حرميه ~~بعد هؤلاء. ولما ساروا كان محمد وإبراهيم ابنا عبد الله يأتيان كهيئة ~~الأعراب فيسايران أباهما ويستأذنانه بالخروج، ويقول: لا تعجلا حتى يمكنكما ~~ذلك. وقال لهما: إن منعكما أبو جعفر، يعني المنصور، أن تعيشا كريمين فلا ~~يمنعكما أن تموتا كريمين. فلما وصلوا إلى الربذة أدخل محمد بن عبد الله ~~العثماني على المنصور وعليه قميص وإزار رقيق، فلما وقف بين يديه قال: إيها ~~يا ديوث ! قال محمد: سبحان الله ! لقد عرفتني بغير ذلك صغيرا وكبيرا ! قال: ~~فممن حملت ابنتك رقية ؟ وكانت تحت إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، وقد ~~أعطيتني الأيمان أن لا تغشني ولا تمالئ علي عدوا، أنت ترى ابنتك حاملا ~~وزوجها غائب وأنت بين أن تكون حانثا أو ديوثا ! وايم الله إني لأهم برجمها ~~! قال محمد: أما أيماني فهي علي إن كنت دخلت لك في أمر غش علمته، وأما ما ~~رميت به هذه الجارية فإن الله قد أكرمها بولادة رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، إياها، ولكني ظننت حين ظهر حمله أن زوجها ألم بها على حين غفلة. ~~فاغتاظ المنصور من كلامه وأمر بشق ثيابه عن إزاره، فحكي أن عورته قد كشفت، ~~ثم أمر به فضرب خمسين ومائة سوط، فبلغت منه كل مبلغ والمنصور يفتري عليه لا ~~يكنى، فأصاب سوط منها وجهه، فقال: ويحك اكفف عن وجهي ! فإن له حرمة برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأغرى المنصور فقال للجلاد: الرأس الرأس ! فضرب ~~على رأسه نحوا من ثلاثين سوطا وأصاب إحدى عينيه سوط فسالت، ثم أخرج وكأنه ~~زنجي من الضرب، وكان من أحسن الناس، وكان يسمى الديباج لحسنه. فلما أخرج ~~وثب إليه مولى له فقال: ألا أطرح ركاني عليك ؟ قال: بلى جزيت خيرا ! والله ~~إن لشفوف إزاري أشد علي من الضرب. وكان سبب أخذه أن ms1999 رياحا قال للمنصور: يا ~~أمير المؤمنين أما أهل خراسان فشيعتك، وأما أهل العراق فشيعة آل أبي طالب، ~~وأما أهل الشام فوالله ما علي عندهم إلا كافر، ولكن محمد بن عبد الله ~~العثماني لو دعا أهل الشام ما تخلف عنه منهم أحد. فوقعت في نفس المنصور، ~~فأمر به فأخذ معهم، وكان حسن الرأي فيه قبل ذلك. PageV03P0025 # ثم إن أبا عون كتب إلى المنصور: إن أهل خراسان قد تغاشوا عني وطال عليهم ~~أمر محمد بن عبد الله. فأمر المنصور بمحمد بن عبد الله بن عمر العثماني ~~فقتل، وأرسل رأسه إلى خراسان، وأرسل معه من يحلف أنه رأس محمد بن عبد الله ~~وأن أمه فاطمة بنت سول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما قتل قال أخوه عبد ~~الله بن الحسن: إنا لله وإنا إليه راجعون ! إن كنا لنأمن به في سلطانهم ثم ~~قد قتل منا في سلطاننا ! ثم إن المنصور أخذهم وسار بهم من الربذة فمر بهم ~~على بغلة شقراء، فناداه عبد الله بن الحسن: يا أبا جعفر ما هكذا فعلنا ~~بأسرائكم يوم بدر ! فأخسأه أبو جعفر وثقل عليه ومضى، فلما قدموا إلى الكوفة ~~قال عبد الله لمن معه: أما ترون في هذه القرية من يمنعنا من هذا الطاغية ؟ ~~قال: فلقيه الحسن وعلي ابنا أخيه مشتملين على سيفين فقالا له: قد جئناك يا ~~بن رسول الله فمرنا بالذي تريد. قال: قد قضيتما ما عليكما ولن تغنيا في ~~هؤلاء شيئا، فانصرفا. ثم إن المنصور أودعهم بقصر ابن هبيرة شرقي الكوفة، ~~وأحضر المنصور محمد بن إبراهيم بن الحسن، وكان أحسن الناس صورة، فقال له: ~~أنت الديباج الأصغر ؟ قال: نعم. قال: لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحدا ! ثم أمر ~~به فبني عليه أسطوانة وهو حي فمات فيها. وكان إبراهيم بن الحسن أول من مات ~~منهم، ثم عبد الله بن الحسن فدفن قريبا من حيث مات، فإن يكن في القبر الذي ~~يزعم الناس أنه قبره وإلا فهو قريب منه. ثم مات علي بن الحسن. وقيل: إن ~~المنصور أمر ms2000 بهم فقتلوا، وقيل: بل أمر بهم فسقوا السم، وقيل: وضع المنصور ~~على عبد الله من قال له إن ابنه محمدا قد خرج فقتل فانصدع قلبه فمات، والله ~~أعلم. ولم ينج منهم إلا سليمان وعبد الله ابنا داود بن الحسن بن الحسن بن ~~علي، وإسحاق وإسماعيل ابنا إبراهيم بن الحسن بن الحسن، وجعفر بن الحسن، ~~وانقضى أمرهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # كان على مكة هذه السنة السري بن عبد الله، وعلى المدينة رياح بن عثمان، ~~وعلى الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة سفيان بن معاوية، وعلى مصر يزيد بن ~~حاتم بن قتيبة بن المهلب بن أبي صفرة، وهو الذي قال فيه يزيد ابن ثابت ~~يمدحه ويهجو يزيد بن أسيد السلمي: لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد ~~سليم والأغر بن حاتم في أبيات كثيرة. وكان ممدحا جوادا. وفيها ثار هشام بن ~~عذرة الفهري، وهو من بني عمرو، ويوسف بن عبد الرحمن الفهري بطليطلة على ~~الأمير عبد الرحمن الأموي، فاتبعه من فيها، فاسر إليه عبد الرحمن فحاصره ~~وشدد عليه الحصار، فمال إلى الصلح وأعطاه ابنه أفلح رهينة، فأخذه عبد ~~الرحمن ورجع إلى قرطبة، فرجع هشام وخلع عبد الرحمن، فعاد إليه عبد الرحمن ~~وحاصره ونصب عليه المجانيق، فلم يؤثر فيها لحصانتها، فقتل أفلح ابنه ورمى ~~رأسه في المنجنيق ورحل إلى قرطبة ولم يظفر بهشام. وفيها مات عبد الله بن ~~شبرمة. وعمرو بن عبيد المعتزلي، وكان زاهدا. وبريد بن أبي مريم مولى سهل بن ~~الحنظلية. وعقيل بن خالد الأيلي صاحب الزهري، وكان موته بمصر فجأة. ومحمد ~~بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي أبو الحسن المدني. وهاشم بن هاشم بن عتبة ~~بن أبي وقاص المدني. بريد بضم الباء الموحدة، وفتح الراء المهملة. وعقيل ~~بضم العين المهملة، وفتح القاف. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائة # ### || AUT ذكر ظهور محمد بن عبد الله بن الحسن # في هذه السنة كان ظهور محمد بن عبد الله نب الحسن بن الحسن بن علي بن ~~أبي طالب بالمدينة لليلتين ms2001 بقيتا من جمادى الآخرة، وقيل: رابع عشر شهر ~~رمضان. وقد ذكرنا فيما تقدم أخباره وتبعته وحمل المنصور أهله إلى العراق. ~~فلما حملهم وسار بهم رد رياحا إلى المدينة أميرا عليها، فألح في طلب محمد ~~وضيق عليه وطلبه حتى سقط ابنه فمات، وأرهقه الطلب يوما فتدلى في بئر ~~بالمدينة يناول أصحابه الماء وانغمس في الماء إلى حلقه، وكان بدنه لا يخفى ~~لعظمه، وبلغ رياحا خبر محمد وأنه بالمذار، فركب نحوه في جنده، فتنحى محمد ~~عن طريقه واختفى في دار الجهنية، فحيث لم يره رياح رجع إلى دار مروان. وكان ~~الذي أعلم رياحا سليمان بن عبد الله بن أبي سبرة. PageV03P0026 # فلما اشتد الطلب بمحمد خرج قبل وقته الذي واعد أخاه إبراهيم على الخروج ~~فيه، وقيل: بل خرج محمد لميعاده مع أخيه، وإنما أخوه تأخر لجدري لحقه، وكان ~~عبيد الله بن عمرو بن أبي ذئب وعبد الحميد بن جعفر يقولان لمحمد بن عبد ~~الله: ما تنتظر بالخروج ! فوالله ما على هذه الأمة أشأم منك. اخرج ولو ~~وحدك. فتحرك بذلك أيضا ؟! وأتى رياحا الخبر أن محمدا خارج الليلة، فأحضر ~~محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد قاضي المدينة، والعباس بن عبد الله بن ~~الحارث بن العباس وغيرهما عنده، صمت طويلا ثم قال لهم: يا أهل المدينة أمير ~~المؤمنين يطلب محمدا في شرق الأرض وغربها وهو بين أظهركم، وأقسم بالله لئن ~~خرج لأقتلنكم أجمعين ! وقال لمحمد بن عمران: أنت قاضي أمير المؤمنين فادع ~~عشيرتك فأرسل تجمع بني زهرة، فأرسل فجاؤوا في جمع كثير فأجلسهم بالباب، ~~فأرسل فأخذ نفرا من العلويين وغيرهم، فيهم: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، ~~والحسين بن علي بن الحسين بن علي، والحسن بن علي بن الحسن بن علي بن الحسين ~~بن علي، ورجال من قريش فيهم إسماعيل بن أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد ~~بن المغيرة وابنه خالد. فبينما هم عنده إذ ظهر محمد، فسمعوا التكبير، فقال ~~ابن مسلم بن عقبة المري: أطعني في هؤلاء واضرب أعناقهم. فقال ms2002 له الحسين بن ~~علي ابن الحسين بن علي: والله ما ذاك إليك، إنا لعلى السمع والطاعة. وأقبل ~~محمد من المذار في مائة وخمسين رجلا، فأتى في بني سلمة بهؤلاء تفاؤلا ~~بالسلامة، وقصد السجن فكسر بابه وأخرج من فيه، وكان فيهم محمد بن خالد بن ~~عبد الله القسري، وابن أخي النذير بن يزيد ورزام، فأخرجهم وجعل على الرجالة ~~خوات بن بكير بن خوات بن جبير، وأتى دار الإمارة وهو يقول لأصحابه: لا ~~تقتلوا إلا يقتلوا. فامتنع منهم رياح، فدخلوا من باب المقصورة وأخذوا رياحا ~~أسيرا وأخاه عباسا وابن مسلم بن عقبة المري فحبسهم في دار الإمارة، ثم خرج ~~إلى المسجد فصعد المنبر فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ~~فإنه قد كان من أمر هذا الطاغية عدو الله أبي جعفر ما لم يخف عليكم، من ~~بنائه القبة الخضراء التي بناها معاندة لله في ملكه وتصغيرا للكعبة الحرام، ~~وإنما أخذ الله فرعون حين قال: " أنا ربكم الأعلى " النازعات: 24، وإن أحق ~~الناس بالقيام في هذا الدين أبناء المهاجرين والأنصار المواسين، اللهم إنهم ~~قد أحلوا حرامك وحرموا حلالك، وآمنوا من أخفت وأخافوا من آمنت ! اللهم ~~فاحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا ! أيها الناس إني والله ما ~~خرجت من بين أظهركم وأنتم عندي أهل قوة ولا شدة، ولكني اخترتكم لنفسي ! ~~والله ما جئت هذه وفي الأرض مصر يعبد الله فيه إلا وقد أخذ لي فيه البيعة ! ~~وكان المنصور يكتب إلى محمد على ألسن قواده يدعونه إلى الظهور ويخبرونه ~~أنهم معه، فكان محمد يقول: لو التقيانا مال إلي القواد كلهم. واستولى محمد ~~على المدينة واستعمل عليها عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير وعلى قضائها ~~عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزومي، وعلى بيت السلاح عبد العزيز ~~الداروردي، وعلى الشرط أبا القلمس عثمان بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، ~~وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة؛ ~~وقيل: كان على شرطه عبد الحميد ms2003 بن جعفر فعزله. وأرسل محمد إلى محمد بن عبد ~~العزيز: إني كنت لأظنك ستنصرنا وتقوم معنا. فاعتذر إليه وقال: أفعل؛ ثم ~~انسل منه وأتى مكة. ولم يتخلف عن محمد أحد من وجوه الناس إلا نفر، منهم: ~~الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام، وعبد الله بن المنذر بن ~~المغيرة بن عبد الله بن خالد، وأبو سلمة ابن عبيد الله بن عبيد الله بن ~~عمر، وحبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير. وكان أهل المدينة قد استفتوا ~~مالك بن أنس في الخروج مع محمد وقالوا: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر، ~~فقال: إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين. فأسرع الناس إلى محمد ولزم ~~مالك بيته. فأرسل محمد إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وكان ~~شيخا كبيرا، فدعاه إلى بيعته، فقال: يا بن أخي أنت والله مقتول فكيف أبايعك ~~؟ فارتدع الناس عنه قليلا. PageV03P0027 # وكان بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر قد أسرعوا إلى محمد، فأتت حمادة بنت ~~معاوية إلى إسماعيل بن عبد الله وقالت له: يا عم إن إخوتي قد أسرعوا إلى ~~ابن خالهم، وإنك إن قلت هذه المقالة ثبطت الناس عنه فيقتل ابن خالي وإخوتي. ~~فأبى إسماعيل إلا النهي عنه، فيقال: إن حمادة عدت عليه فقتلته، فأراد محمد ~~الصلاة عليه فمنعه عبد الله بن إسماعيل وقال: أتأمر بقتل أبي وتصلي عليه ؟ ~~فنحاه الحرس وصلى عليه محمد. ولما ظهر محمد كان محمد بن خالد القسري ~~بالمدينة في حبس رياح فأطلقه. وقال ابن خالد: فلما سمعت دعوته التي دعا ~~إليها على المنبر قلت: هذه دعوة حق، والله لأبلين لله فيها بلاء حسنا. ~~فقلت: يا أمير المؤمنين إنك قد خرجت بهذا البلد، والله لو وقف على نقب من ~~أنقابه أحد لمات أهله جوعا وعطشا، فانهض معي فإنما هي عشر حتى أضربه بمائة ~~ألف سيف. فأبى علي، فبينا أنا عنده إذ قال: ما وجدنا من خير المتاع شيئا ~~أجود من شيء وجدناه عند أبن أبي ms2004 فروة ختن أبي الخصيب، وكان انتهبه، قال: ~~فقلت: ألا أراك قد أبصرت خير المتاع ! فكتبت إلى المنصور فأخبرته بقلة من ~~معه، فأخذني محمد فحبسني حتى أطلقني عيسى بن موسى بعد قتله بأيام. وكان رجل ~~منآل أويس بن أبي سرح العامري، عامر بن لؤي، اسمه الحسين بن صخر بالمدينة ~~لما ظهر محمد، فسار من ساعته إلى المنصور فبلغه في تسعة أيام، فقدم ليلا ~~فقام على أبواب المدينة فصاح حتى علموا به وأدخلوه، فقال الربيع: ما حاجتك ~~هذه الساعة وأمير المؤمنين نائم؟ قال: لا بد لي منه. فدخل الربيع على ~~المنصور فأخبره خبره وأنه قد طلب مشافهته، فأذن له، فدخل عليه فقال: يا ~~أمير المؤمنين خرج محمد بن عبد الله بالمدينة ! قال: قتلته والله إن كنت ~~صادقا، أخبرني من معه. فسمى له نن معه من وجوه أهل المدينة وأهل بيته. قال: ~~أنت رأيته وعاينته ؟ قال: أنا رأيته وعاينته وكلمته على منبر رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، جالسا، فأدخله أبو جعفر بيتا، فلما أصبح جاء رسول ~~لسعيد بن دينار غلام عيسي بن موسى يلي أمواله بالمدينة فأخبره بأمر محمد، ~~وتواترت عليه أخباره، فأخرج الأويسي، فقال: لأوطئن الرجال عقبيك ولأعيننك ! ~~فأمر له بتسعة آلاف درهم لكل ليلة ألف درهم. وأشفق من محمد فقال له الحارثي ~~المنجم: يا أمير المؤمنين ما يجزعك منه ؟ والله لو ملك الأرض ما لبث إلا ~~تسعين يوما. فأرسل المنصور إلى عمه عبد الله بن علي، وهو محبوس: إن هذا ~~الرجل قد خرج فإن كان عندك رأي فأشر به علينا، وكان ذا رأي عندهم، فقال: إن ~~المحبوس محبوس الرأي. فأرسل إليه المنصور: لو جاءني حتى يضرب بابي ما ~~أخرجتك، وأنا خير لك منه، وهو ملك أهل بيتك. فأعاد عليه عبد الله: ارتحل ~~الساعة حتى تأتي الكوفة فاجثم على أكبادهم، فإنهم شيعة أهل هذا البيت ~~وأنصارهم، ثم احففها بالمسالح، فمن خرج منها إلى وجه من الوجوه أو أتاها من ~~وجه من الوجوه فاضرب عنقه، وابعث إلى سلم بن قتيبة ينحدر إليك، ms2005 وكان بالري، ~~واكتب إلى أهل الشام فمرهم أن يحملوا إليك من أهل البأس والنجدة ما حمل ~~البريد فأحسن جوائزهم ووجههم مع سلم. ففعل. وقيل: أرسل المنصور إلى عبد ~~الله مع إخوته يستشيرونه في أمر محمد، وقال لهم: لا يعلم عبد الله أني ~~أرسلتكم إليه. فلما دخلوا عليه قال: لأمر ما جئتم، ما جاء بكم جميعا وقد ~~هجرتموني مذ دهر ؟ قالوا: إنا استأذنا أمير المؤمنين فأذن لنا. قال: ليس ~~هذا بشيء، فما الخبر؟ قالوا: خرج محمد بن عبد الله. قال: فما ترون ابن ~~سلامة صانعا ؟ يعني المنصور. قالوا: لا ندري والله. قال: إن البخل قد قتله، ~~فمروه فليخرج الأموال وليعط الأجناد، فإن غلب فما أسرع ما يعود إليه ماله، ~~وإن غلب لم يقدم صاحبه على دينار ولا درهم. ولما ورد الخبر على المنصور ~~بخروج محمد كان المنصور قد خط مدينة بغداد بالقصب، فسار إلى الكوفة ومعه ~~عبد الله بن الربيع بن عبيد الله بن المدان، فقال له المنصور: إن محمدا قد ~~خرج بالمدينة. فقال عبد الله: هلك وأهلك، خرج في غير عدد ولا رجال. ~~PageV03P0028 # حدثني سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومي قال: كنت مع مروان يوم الزاب واقفا ~~فقال لي مروان: من هذا الذي يقاتلني ؟ قلت: عبد الله بن علي ابن عبد الله ~~بن عباس. قال: وددت والله أن علي بن أبي طالب يقاتلني مكانه، إن عليا وولده ~~لا حظ لهم في هذا الأمر، وهل هو إلا رجل من بني هاشم وابن رسول الله معه ~~ريح الشام ونصر الشام ؟ يا بن جعدة أتدري ما حملني أن عقدت لعبد الله وعبيد ~~الله بعدي وتركت عبد الملك وهو أكبر من عبدي الله ؟ قال ابن جعدة: لا. قال: ~~وجدت الذي يلي هذا الأمر عبد الله وعبيد الله، وكان عبيد الله أقرب إلى عبد ~~الله من عبد الملك، فعقدت له، فاستحلفه المنصور على صحة ذلك، فحلف له، فسري ~~عنه. ولما بلغ المنصور خبر ظهور محمد قال لأبي أيوب وعبد الملك: هل من رجل ~~تعرفانه بالرأي ms2006 يجمع رأيه إلى رأينا ؟ قالا: بالكوفة بديل بن يحيى، وكان ~~السفاح يشاوره، فأرسل إليه وقال له: إن محمدا قد ظهر بالمدينة. قال: فاشحن ~~الأهواز بالجنود. قال: إنه ظهر بالمدينة ! قال: قد فهمت وإنما الأهواز ~~الباب الذي تؤتون منه. فلما ظهر إبراهيم بالبصرة قال له المنصور ذلك، قال: ~~فعاجله بالجنود واشغل الأهواز عليه. وشاور المنصور أيضا جعفر بن حنظلة ~~البهراني عند ظهور محمد، فقال: وجه الجنود إلى البصرة. قال: انصرف حتى أرسل ~~إليك. فلما صار إبراهيم إلى البصرة أرسل إليه فقال له ذلك، فقال: إني خفت ~~بادرة الجنود. قال: وكيف خفت البصرة ؟ قال: لأن محمدا ظهر بالمدينة وليسوا ~~أهل الحرب، بحسبهم أن يقيموا شأن أنفسهم، وأهل الكوفة تحت قدمك، وأهل الشام ~~أعداء آل أبي طالب، فلم يبق إلا البصرة. ثم إن المنصور كتب إلى محمد: بسم ~~الله الرحمن الرحيم " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من ~~الأرض " المائدة: 33 - 34 الآيتين؛ ولك عهد الله وميثاقه وذمة رسوله أن ~~أؤمنك وجميع ولدك وإخوتك وأهل بيتك ومن اتبعكم على دمائكم وأموالكم، وأسوغك ~~ما أصبت من دم أو مال، وأعطيك ألف ألف درهم وما سألت من الحوائج، وأنزلك من ~~البلاد حيث شئت، وأن أطلق من في حبسي من أهل بيتك، وأن أؤمن كل من جاءك ~~وبايعك واتبعك أو دخل في شيء من أمرك ثم لا أتبع أحدا منهم بشيء كان منه ~~أبدا، فإن أردت أن تتوثق لنفسك فوجه إلي من أحببت يأخذ لك من الأمان والعهد ~~والميثاق ما تتوثق به، والسلام. فكتب إليه محمد: " طسم تلك آيات الكتاب ~~المبين نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون " إلى: " يحذرون " ~~القصص: 1 - 5 وأنا أعرض عليك من الأمان مثل ما عرضت علي، فإن الحق حقنا ~~وإنما ادعيتم هذا الأمر بنا وخرجتم له بشيعتنا وحظيتم بفضله، فإن أبانا ~~عليا كان الوصي وكان الإمام، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء ؟ ثم ms2007 قد علمت ~~أنه لم يطلب الأمر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا، لسنا من ~~أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء، وليس يمت أحد من بني هاشم بمثل ~~الذي نمت به من القرابة والسابقة والفضل، وإنا بنو أم رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، فاطمة بنت عمرو في الجاهلية، وبنو بنته فاطمة في الإسلام دونكم. ~~إن الله اختارنا واختار لنا، فوالدنا من النبيين محمد أفضلهم، ومن السلف ~~أولهم إسلاما علي، ومن الأزواج أفضلهن خديجة الطاهرة وأول من صلى إلى ~~القبلة، ومن البنات خيرهن فاطمة سيدة نساء العالمين وأهل الجنة، ومن ~~المولودين في الإسلام حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة، وإن هاشما ولد عليا ~~مرتين، وإن عبد المطلب ولد حسنا مرتين، وإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~ولدني مرتين من قبل حسن وحسين، وإني أوسط بني هاشم نسبا وأصرحهم أبا، لم ~~تعرق في العجم، ولم تنازع في أمهات الأولاد، فما زال الله يختار لي الآباء ~~والأمهات في الجاهلية والإسلام حتى اختار لي في الأشرار، فأنا ابن أرفع ~~الناس درجة في الجنة، وأهونهم عذابا في النار، ولك الله علي إن دخلت في ~~طاعتي وأجبت دعوتي أن أؤمنك على نفسك ومالك وعلى كل أمر أحدثته إلا حدا من ~~حدود الله أو حقا لمسلم أو معاهد، فقد علمت ما يلزمني من ذلك. PageV03P0029 # وأنا أولى بالأمر منك وأوفى بالعهد، لأنك أعطيتني من الأمان والعهد ما ~~أعطيته رجالا قبلي، فأي الأمانات تعطيني ؟ أمان ابن هبيرة أم أمان عمك عبد ~~الله بن علي أم أمان أبي مسلم ؟ فلما ورد كتابه على المنصور قال له أبو ~~أيوب المورياني: دعني أجبه عليه. قال: لا إذا تقارعنا على الأحساب، فدعني ~~وإياه. ثم كتب إليه المنصور: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فقد بلغني ~~كلامك وقرأت كتابك، فإذا جل فخرك بقرابة النساء لتضل به الجفاة والغوغاء، ~~ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبة والأولياء، ولأن الله ~~جعل العم أبا، وبدأ به في كتابه على الوالدة الدنيا، ولو كان ms2008 اختيار الله ~~لهن على قدر قرابتهن كانت آمنة أقربهن رحما، وأعظمهن حقا، وأول من يدخل ~~الجنة، ولكن اختيار الله لخلقه على علمه فيما مضى منهم واصطفائه لهم. وأما ~~ما ذكرت من فاطمة أم أبي طالب وولادتها فإن الله لم يرزق أحدا من ولدها ~~الإسلام لا بنتا ولا ابنا، ولو أن رجلا رزق الإسلام بالقرابة رزقه عبد الله ~~ولكان أولاهم بكل خير في الدنيا والآخرة، ولكن الأمر لله يختار لدينه من ~~يشاء، قال الله تعالى: " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو ~~أعلم بالمهتدين " القصص: 56. ولقد بعث الله محمدا، صلى الله عليه وسلم، وله ~~عمومة أربعة، فأنزل الله، عز وجل: " وأنذر عشيرتك الأقربين " الشعراء: 214 ~~فأنذرهم ودعاهم، فأجاب اثنان، أحدهما أبي، وأبي اثنان، أحدهما أبوك، فقطع ~~الله ولايتهما منه ولم يجعل بينه وبينهما إلا ولا ذمة ولا ميراثا. وزعمت أن ~~ابن أخف أهل النار عذابا وابن خير الأشرار، وليس في الكفر بالله صغير ولا ~~في عذاب الله خفيف ولا يسير، وليس في الشر خيار، ولا ينبغي لمؤمن يؤمن ~~بالله أن يفخر بالنار، وسترد فتعلم " وسيعلم الذين ظلموا " الآية الشعراء: ~~227. وأما أمر حسن وأن عبد المطلب ولده مرتين وأن النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، ولدك مرتين، فخير الأولين والآخرين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~لم يلده إلا مرة، ولا عبد المطلب إلا مرة. وزعمت أنك أوسط بني هاشم وأصرحهم ~~أما وأبا، وأنه لم يلدك العجم ولم تعرف فيك أمهات الأولاد، فقد رأيتك فخرت ~~على بني هاشم طرا، فانظر، ويحك، أين أنت من الله غدا ! فإنك قد تعديت طورك ~~وفخرت على من هو خير منك نفسا وأبا وأولادا وأخا إبراهيم بن رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، وما خيار بني أبيك خاصة وأهل الفضل منهم إلا بنو أمهات ~~الأولاد، ما ولد فيكم بعد وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أفضل من علي ~~بن الحسين، وهو لأم ولد، ولهو خير من جدك حسن بن حسين، وما كان فيكم ms2009 بعده ~~مثل محمد ابن علي، وجدته أم ولد، ولهو خير من أبيك، ولا مثل ابنه جعفر ~~وجدته أم ولد، وهو خير منك. وأما قولك إنكم بنو رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، فإن الله تعالى يقول في كتابه: " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم " ~~الأحزاب: 40 ولكنكم بنو بنته، وإنها لقرابة قريبة ولكنها لا يجوز لها ~~الميراث ولا ترث الولاية، ولا يجوز لها الإمامة، فكيف تورث بها ؟ ولقد ~~طلبها أبوك بكل وجه فأخرج فاطمة نهارا ومرضها سرا ودفنها ليلا، فأبى الناس ~~إلا الشيخين، ولقد جاءت السنة التي لا اختلاف فيها من المسلمين أن الجد أبا ~~الأم والخال والخالة لا يورثون. وأما ما فخرت به من علي وسابقته فقد حضرت ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الوفاة فأمر غيره بالصلاة ثم أخذ الناس ~~رجلا بعد رجل فلم يأخذوه، وكان في الستة فتركوه كلهم دفعا له عنها ولم يروا ~~له حقا فيها. PageV03P0030 # وأما عبد الرحمن فقدم عليه عثمان وهو له متهم، وقاتله طلحة والزبير، وأبي ~~سعد بيعته فأغلق بابه دونه، ثم بايع معاوية بعده، ثم طلبها بكل وجه وقاتل ~~عليها وتفرق عنه أصحابه وشك فيه شيعته قبل الحكومة، ثم حكم حكمين رضي بهما ~~وأعطاهما عهد الله وميثاقه فاجتمعا على خلعه، ثم كان حسن فباعها من معاوية ~~بخرق ودراهم ولحق بالحجاز وأسلم شيعته بيد معاوية ودفع الأمر إلى غير أهله ~~وأخذ مالا من غير ولاية ولا حله، فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه وأخذتم ~~ثمنه، ثم خرج عمك حسين على ابن مرجانة فكان الناس معه عليه حتى قتلوه وأتوا ~~برأسه إليه، ثم خرجتم على بني أمية فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل ~~وأحرقوكم بالنيران ونفوكم من البلدان حتى قتل يحيى بن زيد بخراسان وقتلوا ~~رجالكم وأسروا الصبية والنساء وحملوهم بلا وطاء في المحامل كالسبي المجلوب ~~إلى الشام حتى خرجنا عليهم فطلبنا بثأركم وأدركنا بدمائكم وأورثناكم أرضهم ~~وديارهم وسنينا سلفكم وفضلناه، فاتخذت ذلك عينا حجة وظننت أنا إنما ذكرنا ~~أباك للتقدمة منا له ms2010 على حمزة والعباس وجعفر، وليس ذلك كما ظننت، ولكن خرج ~~هؤلاء من الدنيا سالمين متسلما منهم مجتمعا عليهم بالفضل، وابتلي أبوك ~~بالقتال والحرب، وكانت بنو أمية تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلاة المكتوبة، ~~فاحتججنا له وذكرناهم فضله وعنفناهم وظلمناهم بما نالوا منه. فلقد علمت أن ~~مكرمتنا في الجاهلية سقاية الحاج الأعظم وولاية زمزم، فصارت للعباس من بين ~~إخوته، فنازعنا فيها أبوك فقضى لنا عليه عمر، فلم نزل نليها في الجاهلية ~~والإسلام، ولقد قحط أهل المدينة فلم يتوسل عمر إلى ربه ولم يتقرب إليه إلا ~~بأبينا حتى يغيثهم الله وسقاهم الغيث وأبوك حاضر لم يتوسل به، ولقد علمت ~~أنه لم يبق أحد من بني عبد المطلب بعد النبي، صلى الله عليه وسلم، غيره ~~فكانت وراثة من عمومته، ثم طلب هذا الأمر غير واحد من بني هاشم فلم ينله ~~إلا ولده، فالسقاية سقايته، وميراث النبي له، والخلافة في ولده، فلم يبق ~~شرف ولا فضل في جاهلية ولا إسلام في الدنيا والآخرة إلا والعباس وارثه ~~مورثه. وأما ما ذكرت من بدر فإن الإسلام جاء والعباس يمون أبا طالب وعياله ~~وينفق عليهم للأزمة التي أصابته، ولولا أن العباس أخرج إلى بدر كارها لمات ~~طالب وعقيل جوعا وللحسا جفان عتبة وشيبة، ولكنه كان من المطعمين فأذهب عنكم ~~العار والسبة وكفاكم النفقة والمؤونة، ثم فدى عقيلا يوم بدر، فكيف تفخر ~~علينا وقد علناكم في الكفر وفديناكم وجزنا عليكم مكارم الآباء وورثنا دونكم ~~خاتم الأنبياء وطلبنا بثأركم فأدركنا منه ما عجزتم عنه، ولم تدركوا لأنفسكم ~~! والسلام عليكم ورحمة الله. فكان محمد قد استعمل محمد بن الحسن بن معاوية ~~بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب على مكة، والقاسم بن إسحاق على اليمن، ~~وموسى بن عبد الله على الشام؛ فأما محمد بن الحسن والقاسم فسارا إلى مكة، ~~فخرج إليهما السري ابن عبد الله عامل المنصور على مكة فلقيهما ببطن أذاخر ~~فهزماه. ودخل محمد مكة وأقام بها يسيرا، فأتاه كتاب محمد بن عبد الله يأمره ~~بالمسير إليه فيمن ms2011 معه ويخبره بمسير عيسى بن موسى إليه ليحاربه، فسار إليه ~~من مكة هو والقاسم، فبلغه بنواحي قديد قتل محمد، فهرب هو وأصحابه وتفرقوا، ~~فلحق محمد بن الحسن بإبراهيم فأقام عنده حتى قتل إبراهيم واختفى القاسم ~~بالمدينة حتى أخذت له ابنة عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر، ~~امرأة عيسى، الأمان له ولإخوته معاوية وغيره. وأما موسى بن عبد الله فسار ~~نحو الشام ومعه رزام مولى محمد بن خالد القسري، فانسل منه رزام وسار إلى ~~المنصور برسالة من مولاه محمد القسري، فظهر محمد بن عبد الله على ذلك، فحبس ~~محمدا القسري، ووصل موسى إلى الشام فرأى منهم سوء رد عليه وغلظة، فكتب إلى ~~محمد: أخبرك أني لقيت الشام وأهله، فكان أحسنهم قولا الذي قال: والله لقد ~~مللنا البلاء وضقنا حتى ما فينا لهذا الأمر موضع ولا لنا به حاجة، ومنهم ~~طائفة تحلف لئن أصبحنا من ليلتنا وأمسينا من غد ليرفعن أمرنا، فكتبت إليك ~~وقد غيبت وجهي وخفت على نفسي. ثم رجع إلى المدينة. PageV03P0031 # وقيل: أتى البصرة وأرسل صاحبا له يشتري له طعاما، فاشتراه وجاء به على ~~حمال أسود فأدخله الدار التي سكنها وخرج، فلم يكن بأسرع من أن كبست الدار ~~وأخذ موسى وابنه عبد الله وغلامه، فأخذوا وحملوا إلى محمد ابن سليمان بن ~~علي بن عبد الله بن عباس، فلما رأى موسى قال: لا قرب الله قرابتكم ولا حيا ~~وجوهكم ! تركت البلاد كلها إلا بلدا أنا فيه، فإن وصلت أرحامكم أغضبت أمير ~~المؤمنين، وإن أطعته قطعت أرحامكم. ثم أرسلهم إلى المنصور، فأمر فضرب موسى ~~وابنه كل واحد خمسمائة سوط، فلم يتأوهوا. فقال المنصور: أعذرت أهل الباطل ~~في صبرهم، فما بال هؤلاء ؟ فقال موسى: أهل الحق أولى بالصبر. ثم أخرجهم ~~وأمر بهم فسجنوا. خبيب بن ثابت بالخاء المعجمة المضمومة، وببائين موحدتين ~~وبينهما ياء مثناة من تحتها. ### || AUT ذكر مسير عيسى بن موسى إلى محمد بن عبد الله وقتله # ثم إن المنصور أحضر ابن أخيه عيسى بن موسى بن ms2012 محمد بن علي بن عبد الله ~~بن عباس وأمره بالمسير إلى المدينة لقتال محمد. فقال: شاور عمومتك يا أمير ~~المؤمنين. ثم قال: فأين قول ابن هرثمة: نزور أمرأ لا يمحض القوم سره ... ~~ولا ينتجي الأدنين عما يحاول إذا ما أتى شيئا مضى كالذي أتى ... وإن قال ~~إني فاعل فهو فاعل فقال المنصور: امض أيها الرجل، فوالله ما يراد غيري ~~وغيرك، وما هو إلا أن تشخص أنت أو أشخص أنا. فسار وسير معه الجنود. وقال ~~المنصور لما سار عيسى: لا أبالي أيهما قتل صاحبه. وبعث معه محمد بن أبي ~~العباس السفاح، وكثير بن حصين العبدي، وابن قحطبة، وهزارمرد وغيرهم، وقال ~~له حين ودعه: يا عيسى إني أبعثك إلى ما بين هذين، وأشار إلى جنبيه، فإن ~~ظفرت بالرجل فأعمد سيفك وابذل الأمان، وإن تغيب فضمنهم إياه فإنهم يعرفون ~~مذابه، ومن لقيك من آل أبي طالب فاكتب إلي باسمه، ومن لم يلقك فاقبض ماله. ~~وكان جعفر الصادق تغيب عنه فقبض ماله، فلما قدم المنصور المدينة قال له ~~جعفر في معنى ماله، فقال: قبضه مهديكم. فلما وصل عيسى إلى فيد كتب إلى ~~الناس في خرق حرير، منهم: عبد العزيز بن المطلب المخزومي، وعبيد الله بن ~~محمد بن صفوان الجمحي، وكتب إلى عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي ~~طالب يأمره بالخروج من المدينة فيمن أطاعه، فخرج هو وعمر بن محمد بن عمر، ~~وأبو عقيل محمد بن عبد الله بن عقيل، وأبو عيسى. ولما بلغ محمدا قرب عيسى ~~من المدينة استشار أصحابه في الخروج من المدينة أو المقام بها، فأشار بعضهم ~~بالخروج عنها، وأشار بعضهم بالمقام بها لقول رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم: رأيتني في درع حصينة فأولتها المدينة فأقام ثم استشارهم في حفر خندق ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال له جابر بن أنس، رئيس سليم: يا أمير ~~المؤمنين نحن أخوالك وجيرانك وفينا السلاح والكراع، فلا تخندق الخندق، فإن ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خندق خندقه لما الله ms2013 أعلم به، وإن خندقته ~~لم يحسن القتال رجالة ولم توجه لنا الخيل بين الأزقة، وإن الذين تخندق ~~دونهم هم الذين يحول الخندق دونهم. فقال أحد بني شجاع: خندق، خندق رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، فاقتد به، وتريد أنت أن تدع أثر رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، لرأيك ! قال: إنه والله يا بن شجاع ما شيء أثقل عليك وعلى ~~أصحابك من لقائهم، وما شيء أحب من مناجزتهم. فقال محمد: إنما اتبعنا في ~~الخندق أثر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلا يردني أحد عنه فلست بتاركه. ~~وأمر به فحفر، وبدأ هو فحفر بنفسه الخندق الذي حفره رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، للأحزاب. وسار عيسى حتى نزل الأعوص، وكان محمد قد جمع الناس ~~وأخذ عليهم الميثاق وحصرهم فلا يخرجون، وخطبهم محمد بن عبد الله فقال لهم: ~~إن عدو الله عدوكم قد نزل الأعوص، وإن أحق الناس بالقيام بهذا الأمر لأبناء ~~المهاجرين والأنصار، ألا وإنا قد جمعناكم وأخذنا عليكم الميثاق، وعدوكم عدد ~~كثير والنصر من الله والأمر بيده، وإنه قد بدا لي أن آذن لكم، فمن أحب منكم ~~أن يقيم أقام، ومن أحب أن يظعن ظعن. فخرج عالم كثير، وخرج ناس من أهل ~~المدينة بذراريهم وأهليهم إلى الأعراض والجبال، وبقي محمد في شرذمة يسيرة، ~~فأمر أبا القلمس برد من قدر عليه، فأعجزه كثير منهم، فتركهم. PageV03P0032 # وكان المنصور قد أرسل ابن الأصم مع عيسى ينزله المنازل، فلما قدموا نزلوا ~~على ميل من المدينة، فقال ابن الأصم: إن الخيل لا عمل لها مع الرجالة، وإني ~~أخاف إن كشفوكم كشفة أن يدخلوا عسكركم. فتأخروا إلى سقاية سليمان بن عبد ~~الملك بالجرف، وهي على أربعة أميال من المدينة، وقال: لا يهرول الراجل أكثر ~~من ميلين أو ثلاثة حتى تأخذه الخيل. وأرسل عيسى خمسمائة رجل إلى بطحاء ابن ~~أزهر على ستة أميال من المدينة، فأقاموا بها، وقال: أخاف أن ينهزم محمد ~~فيأتي مكة فيرده هؤلاء؛ فأقاموا بها حتى قتل. وأرسل عيسى إلى محمد يخبره أن ms2014 ~~المنصور قد آمنه وأهله، فأعاد الجواب: يا هذا إن لك برسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، قرابة قريبة، وإني أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل ~~بطاعته، وأحذرك نقمته وعذابه، وإني والله ما أنا منصرف عن هذا الأمر حتى ~~ألقى الله عليه، وإياك أن يقتلك من يدعوك إلى الله فتكون شر قتيل، أو تقتله ~~فيكون أعظم لوزرك. فلما بلغته الرسالة قال عيسى: ليس بيننا وبينه إلا ~~القتال. وقال محمد للرسول: علام تقتلونني وإنما رجل فر من أن يقتل ؟ قال: ~~القوم يدعونك إلى الأمان، فإن أبيت إلا قتالهم قاتلوك على ما قاتل عليه خير ~~آبائك علي طلحة والزبير على نثك بيعتهم وكيد ملكه. فلما سمع المنصور قوله ~~قال: ما سرني أنه قال غير ذلك. ونزل عيسى بالجرف لإثنتي عشرة من رمضان يوم ~~السبت، فأقام السبت والأحد وغدا يوم الاثنين فوقف على سلع فنظر إلى المدينة ~~ومن فيها فنادى: يا أهل المدينة إن الله حرم دماء بعضنا على بعض فهلموا إلى ~~الأمان ! فمن قام تحت رايتنا فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ومن دخل ~~المسجد فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن خرج من المدينة فهو آمن، خلوا ~~بيننا وبين صاحبنا فإما لنا وإما له ! فشتموه. وانصرف من يومه، وعاد من ~~الغد وقد فرق القواد من سائر جهات المدينة وأخلى ناحية مسجد أبي الجراح، ~~وهو على بطحان، فإنه أخلى تلك الناحية لخروج من ينهزم، وبرز محمد في ~~أصحابه، وكانت رايته مع عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، وكان شعاره: أحد ~~أحد. فبرز أبو القلمس، وهو من أصحاب محمد، فبرز إليه أخو أسد واقتتلوا ~~طويلا، فقتله أبو القلمس، وبرز إليه آخر فقتله، فقال حين ضربه: خذها وأنا ~~ابن الفاروق. فقال رجل من أصحاب عيسى: قتلت خيرا من ألف فاروق. وقاتل محمد ~~بن عبد الله يومئذ قتالا عظيما فقتل بيده سبعين رجلا، وأمر عيسى حميد بن ~~قحطبة فتقدم في مائة كلهم راجل سواه فزحفوا حتى بلغوا جدارا دون الخندق ~~عليه ناس ms2015 من أصحاب محمد، فهدم حميد الحائط وانتهى إلى الخندق ونصب عليه ~~أبوابا وعبر هو وأصحابه عليها فجازوا الخندق وقاتلوا من ورائه أشد قتال من ~~بكرة إلى العصر، وأمر عيسى أصحابه فألقوا الحقائب وغيرها في الخندق وجعل ~~الأبواب عليها وجازت الخيل فاقتتلوا قتالا شديدا، فانصرف محمد قبل الظهر ~~فاغتسل وتحنط ثم رجع، فقال له عبد الله بن جعفر: بأبي أنت وأمي؛ والله ما ~~لك بما ترى طاقة ! فلو أتيت الحسن ابن معاوية بمكة فإن جل أصحابك. فقال: لو ~~خرجت لقتل أهل المدينة، والله لا أرجع حتى أقتل أو أقتل، وأنت مني في سعة ~~فاذهب حيث شئت. فمشى معه قليلا ثم رجع عنه، وتفرق عنه جل أصحابه حتى بقي في ~~ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا، فقال لبعض أصحابه: نحن اليوم بعدة أهل بدر. ~~وصلى محمد الظهر والعصر، وكان معه عيسى بن خضير وهو يناشده إلا ذهبت إلى ~~البصرة أو غيرها، ومحمد يقول: والله لا تبتلون بي مرتين، ولكن اذهب أنت حيث ~~شئت. فقال ابن خضير: واين المذهب عنك ؟ ثم مضى فأحرق الديوان الذي فيه ~~أسماء من بايعه، وقتل رياح بن عثمان وأخاه عباس بن عثمان وقتل ابن مسلم بن ~~عقبة المري ومضى إلى محمد بن القسري وهو محبوس ليقتله، فعلم به فردم ~~الأبواب دونه، فلم يقدر عليه ورجع إلى محمد فقاتل بين يديه حتى قتل. وتقدم ~~حميد بن قحطبة وتقدم محمد، فلما صار ينظر مسيل سلع عرقب فرسه وعرقب بنو ~~شجاع الخميسيون دوابهم ولم يبق أحد إلا كسر جفن سيفه، فقال لهم محمد: قد ~~بايعتموني ولست بارحا حتى أقتل، فمن أحب أن ينصرف فقد أذنت له. ~~PageV03P0033 # واشتد القتال فهزموا أصحاب عيسى مرتين وثلاثا، وقال يزيد بن معاوية بن ~~عباس بن جعفر: ويل امه فتحا لو كان له رجال ! فصعد نفر من أصحاب عيسى على ~~جبل سلع وانحدروا منه إلى المدينة، وأمرت أسماء بنت حسن بن عبد الله بن ~~عبيد الله بن عباس بخمار أسود فرفع على منارة محمد رسول الله، صلى الله ~~عليه ms2016 وسلم، فقال أصحاب محمد: دخلت المدينة، فهربوا، فقال يزيد: لكل قوم جبل ~~يعصمهم، ولنا جبل لا نؤتى إلا منه، يعني سلعا. وفتح بنو أبو عمرو الغفاريون ~~طريقا في بني غفار لأصحاب عيسى ودخلوا منه أيضا وجاؤوا من وراء أصحاب محمد، ~~ونادى محمد حميد بن قحطبة: ابرز إلي فأنا محمد بن عبد الله. فقال حميد: قد ~~عرفتك وأنت الشريف ابن الشريف الكريم ابن الكريم، لا والله لا أبرز إليك ~~وبين يدي من هؤلاء الأغمار أحد، فإذا فرغت منهم فسأبرز إليك. وجعل حميد ~~يدعو ابن خضير إلى الأمان ويشح به على الموت، وابن خضير يحمل على الناس ~~راجلا لا يصغي إلى أمانه وهو يأخذه بين يديه، فضربه رجل من أصحاب عيسى على ~~أليته فخلها، فرجع إلى أصحابه فشدها بثوب ثم عاد إلى القتال، فضربه إنسان ~~على عينه فغاص السيف وسقط، فابتدروه فقتلوه واحتزوا رأسه وكأنه باذنجانة ~~مفلقة من كثرة الجراح فيه. فلما قتل تقدم محمد فقاتل على جيفته، فجعل يهذ ~~الناس هذا، وكان أشبه الناس بقتال حمزة. ولم يزل يقاتل حتى ضربه رجل دون ~~شحمة أذنه اليمنى فبرك لركبته وجعل يذب عن نفسه ويقول: ويحكم ابن نبيكم ~~مجرح مظلوم ! فطعنه ابن قحطبة في صدره فصرعه، ثم نزل إليه فاحتز رأسه وأتى ~~به عيسى، وهو لا يعرف من كثرة الدماء. وقيل: إن عيسى اتهم بن قحطبة، وكان ~~في الخيل، فقال له: ما أراك تبالغ. فقال له: أتتهمني ؟ فوالله لأضربن محمدا ~~حين أراه بالسيف أو أقتل دونه. قال: فمر به وهو مقتول فضربه ليبر يمينه. ~~وقيل: بل رمي بسهم وهو يقاتل فوقف إلى جدار فتحاماه الناس، فلما وجد الموت ~~تحامل على سيفه فكسره، وهو ذو الفقار سيف علي، وقيل: بل أعطاه رجلا من ~~التجار كان معه وله عليه أربعمائة دينار وقال: خذه فإنك لا تلقى أحدا من آل ~~أبي طالب إلا أخذه وأعطاك حقك؛ فلم يزل عنده حتى ولي جعفر بن سليمان ~~المدينة فأخبر به، فأخذ السيف منه وأعطاه أربعمائة دينار ولم يزل معه ms2017 حتى ~~أخذه منه المهدي، ثم صار إلى الهادي، فجربه على كلب فانقطع السيف، وقيل: بل ~~بقي إلى أيام الرشيد، وكان يتقلده وكان به ثماني عشرة فقارة. ولما أتي عيسى ~~برأس محمد قال لأصحابه: ما تقولون فيه ؟ فوقعوا فيه، فقال بعضهم: كذبتم، ما ~~لهذا قاتلناه، ولكنه خالف أمير المؤمنين وشق عصا المسلمين وإن كان لصواما ~~قواما ! فسكتوا. فأرسل عيسى الرأس إلى المنصور مع محمد بن أبي الكرام بن ~~عبد الله بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وبالبشارة مع القاسم بن ~~الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فأرسل مع رؤوس بني شجاع، فأمر ~~المنصور فطيف برأس محمد في الكوفة وسيره إلى الآفاق؛ ولما رأى المنصور رؤوس ~~بني شجاع قال: هكذا فليكن الناس، طلبت محمدا فاشتمل عليه هؤلاء ثم نقلوه ~~وانتقلوا معه، ثم قاتلوا معه حتى قتلوا. وكان قتل محمد وأصحابه يوم ~~الاثنينبعد العصر لأربع عشرة خلت من شهر رمضان. وكان المنصور قد بلغه أن ~~عيسى قد هزم فقال: كلا، أين لعب أصحابنا وصبياننا بها على المنابر ومشورة ~~النساء ؟ ما أنى لذلك بعد ! ثم بلغه أن محمدا هرب فقال: كلا، إنا أهل بيت ~~لا نفر. فجاءته بعد ذلك الرؤوس. ولما وصل رأس محمد إلى المنصور كان الحسن ~~بن زيد بن الحسن بن علي عنده، فلما رأى الرأس عظيم عليه فتجلد خوفا من ~~المنصور، وقال لنقيب المنصور: أهو ؟ قال: هو فلذهم، وقال: لوددت أنا ~~الركانة إلى طاعته وأنه لم يكن فعل ولا قال وإلا فأم موسى طالق، وكانت غاية ~~أيمانه، ولكنه أراد قتله، وكانت نفسه أكرم علينا من نفسه، فبصق بعض الغلمان ~~في وجهه، فأمر المنصور بأنفه فكسر عقوبة له. ولما ورد الخبر بقتل محمد على ~~أخيه إبراهيم بالبصرة كان يوم العيد، فخرج فصلى بالناس ونعاه على المنبر ~~وأظهر الجزع عليه، وتمثل على المنبر: يا با المنازل يا خير الفوارس من ... ~~يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا الله يعلم أني لو خشيتهم ... وأوجس القلب من ~~خوف ms2018 لهم فزعا PageV03P0034 # لم يقتلوه ولم أسلم أخي أبدا ... حتى نموت جميعا أو نعيش معا ولما قتل ~~محمد أرسل عيسى ألوية فنصبت في مواضع بالمدينة ونادى مناديه: من دخل تحت ~~لواء منها فهو آمن. وأخذ أصحاب محمد فصلبهم ما بين ثنية الوداع إلى دار عمر ~~بن عبد العزيز صفين ووكل بخشبة ابن خضير من يحفظها، فاحتمله قوم من الليل ~~فواروه سرا وبقي الآخرون ثلاثا، فأمر بهم عيسى، فألقوا على مقابر اليهود، ~~ثم ألقوا بعد ذلك في خندق في أصل ذباب، فأرسلت زينب بنت عبد الله أخت محمد ~~وابنة فاطمة إلى عيسى: إنكم قد قتلتموه وقضيتم حاجتكم منه، فلو أذنتم لنا ~~في دفنه ؟ فأذن لها، فدفن بالبقيع. وقطع المنصور الميرة في البحر إلى ~~المدينة ثم أذن فيها المهدي. ### || AUT ذكر بعض المشهورين ممن كان معه # وكان فيمن معه من بني هاشم أخوه موسى بن عبد الله، وحسين وعلي ابنا زيد ~~بن علي بن الحسين بن علي. ولما بلغ المنصور ابني زيد أعانا محمدا عليه قال: ~~عجبا لهما قد خرجا علي وقد قتلنا قاتل أبيهما كما قتله، وصلبناه كما صلبه، ~~وأحرقناه كما أحرقه ! وكان معه حمزة بن عبد الله بن محمد بن الحسين وعلي ~~وزيد ابنا الحسن ابن زيد بن علي بن أي طالب، وكان أبوهما مع المنصور، ~~والحسن ويزيد وصالح بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والقاسم ~~بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر، والمرجى علي بن جعفر بن إسحاق بن علي بن عبد ~~الله بن جعفر، وكان أبوه مع المنصور، ومن غيرهم: محمد بن عبد الله بن عمرو ~~ابن سعيد بن العباس، ومحمد بن عجلان، وعبد الله بن عمر بن حفص ابن عاصم، ~~أخذ أسيرا فأتي به المنصور، فقال له: أنت الخارج علي ؟ قال: لم أجد إلا ذلك ~~أو الكفر بما أنزل الله على محمد. وكان معه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن ~~أبي سبرة، وعبد الواحد إبن أبي عون مولى الأزد، وعبد الله بن ms2019 جعفر بن عبد ~~الرحمن بن المسور بن مخرمة، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وعبد الحميد بن ~~جعفر، وعبد الله بن عطاء بن يعقوب مولى بني سباع، وإبراهيم وإسحاق وربيعة ~~وجعفر وعبد الله وعطاء ويعقوب وعثمان وعبد العزيز بنو عبد الله بن عطاء، ~~وعيسى ابن خضير، وعثمان بن خضير، وعثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، هرب ~~بعد قتل محمد فأتى البصرة، فأخذ منها وأتي به المنصور، فقال له: هيه يا ~~عثمان ! أنت الخارج علي مع محمد ؟ قال: بايعته أنا وأنت بمكة فوفيت ببيعتي ~~وغدرت بيعتك ! قال: يا ابن اللخناء ! قال: ذاك من قامت عنه الإماء ! يعني ~~المنصور، فأمر به فقتل. وكان مع محمد عبد العزيز بن عبيد الله بن عبد الله ~~بن عمر بن الخطاب، وأخذ أسيرا، فأطلقه المنصور؛ وعبد العزيز بن إبراهيم بن ~~عبد الله بن مطيع، وعلي بن عبد المطلب بن عبد الله بن حنطب، وإبراهيم بن ~~جعفر بن مصعب بن الزبير، وهشام بن عمارة بن الوليد بن عدي بن الخيار، وعبد ~~الله ابن يزيد بن هرمز، وغيرهم ممن تقدم ذكرهم. ### || AUT ذكر صفة محمد والأخبار بقتله # كان محمد أسمر شديد السمرة، وكان المنصور يسميه محمما، وكان سمينا شجاعا ~~كثير الصوم والصلاة، شديد القوة، وكان يخطب على المنبر، فاعترض في حلقه ~~بلغم فتنحنح فذهب ثم عاد فتنحنح فذهب ثم عاد فتنحنح فنظر فلم ير موضعا يبصق ~~فيه فرمى بنخامته في سقف المسجد فألصقها فيه. وسئل جعفر الصادق عن أمر محمد ~~فقال: فتنة يقتل فيها محمد ويقتل أخوه لأبيه وأمه بالعراق وحوافر فرسه في ~~ماء. فلما قتل محمد قبض عيسى أموال بني الحسن كلها وأموال جعفر، فلقي جعفر ~~المنصور فقال له: رد علي قطيعتي من أبي زياد. قال: إياي تكلم بهذا ؟ والله ~~لأزهقن نفسك ! قال: فلا تعجل علي، قد بلغت ثلاثا وستين سنة وفيها مات أبي ~~وجدي وعلي بن أبي طالب، وعلي كذا وكذا إن ربتك بشيء، وإن بقيت بعدك إن ربت ~~الذي يقوم بعدك. فرق له المنصور ولم ms2020 يرد عليه قطيعته، فردها المهدي على ~~ولده. وقال محمد لعبد الله بن عامر الأسلمي: تغشانا سحابة فإن أمطرتنا ~~ظفرنا وإن تجاوزتنا إليهم فانظر إلى دمي عند أحجار الزيت. قال: فوالله لقد ~~أظلتنا سحابة فلم تمطرنا، وتجاوزنا إلى عيسى وأصحابه فظفروا وقتلوا محمدا ~~ورأيت دمه عند أحجار الزيت. وكان قتله يوم الاثنين لأربع عشرة خلت من رمضان ~~سنة خمس وأربعين ومائة. وكان يلقب المهدي والنفس الزكية. PageV03P0035 # ومما رثي به هو وأخوه قول عبد الله بن مصعب بن ثابت: يا صاحبي دعا ~~الملامة واعلما ... أن لست في هذا بألوم منكما وقفا بقبر للنبي فسلما ... ~~لا بأس أن تقفا به وتسلما قبر تضمن خير أهل زمانه ... حسبا وطيب سجية ~~وتكرما رجل نفى بالعدل جور بلادنا ... وعفا عظيمات الأمور وأنعما لم يجتنب ~~قصد السبيل ولم يجر ... عنه ولم يفتح بفاحشة فما لو أعظم الحدثان شيئا قبله ~~... بعد النبي به لكنت المعظما أو كان أمتع بالسلامة قبله ... أحدا لكان ~~قصاره أن يسلما ضحوا بإبراهيم خير ضحية ... فتصرمت أيامه فتصرما بطلا يخوض ~~بنفسه غمراته ... لا طائشا رعشا ولا مستسلما حتى مضت فيه السيوف وربما ... ~~كانت حتوفهم السيوف وربما أضحى بنو حسن أبيح حريمهم ... فينا وأصبح نهبهم ~~متقسما ونساؤهم في دورهن نوائح ... سجع الحمام إذا الحمام ترنما يتوسلون ~~بقتله ويرونه ... شرفا لهم عند الإمام ومغنما والله لو شهد النبي محمد ... ~~صلى الاله على النبي وسلما إشراع أمته الأسنة لابنه ... حتى تقطر من ظباتهم ~~دما حقا لأيقن أنهم قد ضيعوا ... تلك القرابة واستحلوا المحرما ولما قتل ~~محمد قام عيسى بالمدينة أياما ثم سار عنها صبح تسع عشرة خلت من رمضان يريد ~~مكة معتمرا، واستخلف على المدينة كثير بن حصين، فأقام بها شهرا ثم استعمل ~~المنصور عليه عبد الله بن الربيع الحارثي. ### || AUT ذكر وثوب السودان بالمدينة # وفيها ثار السودان بالمدينة على عاملها عبد الله بن الربيع الحارثي فهرب ~~منهم. وسبن ذلك أن المنصور استعمل عبد الله بن الربيع على المدينة وقدمها ~~لخمس بقين من شوال، فنازع جنده التجار ms2021 في بعض ما يشترونه منهم، فشكا ذلك ~~التجار إلى ابن الربيع، فانتهرهم وشتمهم، فتزايد طمع الجند فيهم فعدوا على ~~رجل صيرفي فنازعوه كيسه، فاستعان بالناس فخلص ماله منهم، وشكا أهل المدينة ~~ذلك منهم، فلم ينكره ابن الربيع، ثم جاء رجل من الجند فاشترى من جزار لحما ~~يوم جمعة ولم يعطه ثمنه وشهر عليه السيف، فضربه الجزار بشفرة في خاصرته ~~فقتله، واجتمع الجزارون وتنادى السودان على الجند وهم يروحون إلى الجمعة ~~فقتلوهم بالعمد، ونفخوا في بوق لهم، فسمعه السودان من العالية والسافلة ~~فأقبلوا واجتمعوا، وكان رؤساؤهم ثلاثة نفر: وثيق، ويعقل، وزمعة، ولم يزالوا ~~على ذلك من قتل الجند حتى أمسوا. فلما كان الغد قصدوا ابن الربيع فهرب منهم ~~وأتى بطن نخل على ليلتين من المدينة فنزل به، فانتهبوا طعاما للمنصور وزيتا ~~وقسبا فباعوا حمل الدقيق بدرهمين، وراوية الزيت بأربعة دراهم. وسار سليمان ~~بن مليح ذلك اليوم إلى المنصور فأخبره. PageV03P0036 # وكان أبو بكر بن أبي سبرة في الحبس قد أخذ مع محمد بن عبد الله فضرب وحبس ~~مقيدا، فلما كان من السودان ما كان خرج في حديده من الحبس فأتى المسجد ~~فأرسل إلى محمد بن عمران ومحمد بن عبد العزيز وغيرهما فأحضرهم عنده فقال: ~~أنشدكم الله وهذه البلية التي وقعت ! فوالله إن ثبتت علينا عند أمير ~~المؤمنين بعد الفعلة الأولى إنه لهلاك البلد وأهله والعبيد في السوق ~~بأجمعهم، فاذهبوا إليهم فكلموهم في الرجعة والعود إلى رأيكم فإنهم أخرجتهم ~~الحمية. فذهبوا إلى العبيد فكلموهم، فقالوا: مرحبا بموالينا، والله ما قمنا ~~إلا أنفة مما عمل بكم، فأمرنا إليكم؛ فأقبلوا بهم إلى المسجد، فخطبهم ابن ~~أبي سبرة وحثهم على الطاعة، فتراجعوا، ولم يصل الناس يومئذ جمعة؛ فلما كان ~~وقت العشاء الآخرة لم يجب المؤذن أحد إلى الصلاة بهم، فقدم الأصبغ ابن ~~سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، فلما وقف للصلاة واستوت الصفوف أقبل ~~عليهم بوجهه ونادى بأعلى صوته: أنا فلان بن فلان أصلي بالناس على طاعة أمير ~~المؤمنين، يقول ذلك مرتين وثلاثا، ثم ms2022 تقدم فصلى بهم، فلما كان الغد قال لهم ~~ابن أبي سبرة: إنكم قد كان منكم بالأمس ما قد علمتم ونهبتم طعام أمير ~~المؤمنين، فلا يبقين عند أحد منه شيء إلا رده؛ فردوه؛ ورجع ابن الربيع من ~~بطن نخل فقطع يد وثيق ويعقل وغيرهما. ### || AUT ذكر بناء مدينة بغداد # فيها ابتدأ المنصور في بناء مدينة بغداد. وسبب ذلك أنه كان قد ابتنى ~~الهاشمية بنواحي الكوفة، فلما ثارت الراوندية فيها كره سكانها لذلك ولجوار ~~أهل الكوفة أيضا، فإنه كان لا يأمن أهلها على نفسه، وكانوا قد أفسدوا جنده. ~~فخرج بنفسه يرتاد له موضعا يسكنه هو وجنده، فانحدر إلى جرجرايا، ثم أصعد ~~إلى الموصل وسار نحو الجبل في طلب منزل يبني به. وكان قد تخلف بعض جنده ~~بالمدائن لرمد لحقه، فسأله الطبيب الذي يعالجه عن سبب حركة المنصور، ~~فأخبره، فقال: إنا نجد في كتاب عندنا أن رجلا يدعى مقلاصا يبني مدينة بين ~~دجلة والصلاة تدعى الزوراء، فإذا أسسها وبنى بعضها أتاه فتق من الحجاز فقطع ~~بناءها وأصلح ذلك الفتق، ثم أتاه فتق من البصرة أعظم منه فلا يلبث الفتقان ~~أن يلتئما ثم يعود إلى بنائها فيتمه، ثم يعمر عمرا طويلا ويبقى الملك في ~~عقبه. فقدم ذلك الجندي إلى عسكر المنصور وهو بنواحي الجبل فأخبره الخبر، ~~فرجع وقال: إني أنا والله كنت أدعى مقلاصا وأنا صبي ثم زال عني، وسار حتى ~~نزل الدير الذي حذاء قصره المعروف بالخلد، ودعا بصاحب الدير وبالبطريق صاحب ~~رحا البطريق وصاحب بغداد وصاحب المخرم وصاحب بستان النفس وصاحب العتيقة ~~فسألهم عن مواضعهم وكيف هي في الحر والبرد والأمطار والوحول والبق والهوام، ~~فأخبره كل منهم بما عنده، ووقع اختيارهم على صاحب بغداد، فأحضره وشاوره. ~~فقال: يا أمير المؤمنين سألتني عن هذه الأمكنة وما تختار منها، وإني أرى أن ~~تنزل أربعة طساسيج في الجانب الغربي طسوجين وهما بقطريل وبادوريا، وفي ~~الجانب الشرقي طسوجين وهما نهر بوق وكلواذى، فيكون بين نخل وقرب ماء، وإن ~~أجدب طسوج وتأخرت عمارته كان في الطسوج الآخر ms2023 العمارات، وأنت يا أمير ~~المؤمنين على الصراة تجيئك الميرة في السفن من الشام والرقة، والغرب في ~~طوائف مصر، وتجيئك الميرة من الصين والهند والبصرة وواسط وديار بكر والروم ~~والموصل وغيرها في دجلة، وتجيئك الميرة من أرمينية وما اتصل بها في تامرا ~~حتى يتصل بالزاب، فأنت بين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر أو قنطرة، ~~فإذا قطعت الجسر وأخربت بالقنطرة لم يصل إليك، ودجلة والفرات والصراة خنادق ~~هذه المدينة، وأنت متوسط للبصرة والكوفة وواسط والموصل والسواد، وأنت قريب ~~من البر والبحر والجبل. فازداد المنصور عزما على النزول في ذلك الموضع. ~~وقيل: إن المنصور لما أراد أن يبني مدينته بغداد رأى راهبا فناداه، فأجابه، ~~فقال: هل تجدون في كتبكم أنه يبني ها هنا مدينة ؟ قال: نعم يبنيها مقلاص. ~~قال: فأنا كنت أدعى مقلاصا في حداثتي. قال: فإذا أنت صاحبها. PageV03P0037 # فابتدأ المنصور بعملها سنة خمس وأربعين، وكتب إلى الشام والجبل والكوفة ~~وواسط والبصرة في معنى إنفاذ الصناع والفعلة، وأمر باختيار قوم من ذوي ~~الفضل والعدالة والفقه، وأمر باختيار قوم من ذوي الأمانة والمعرفة ~~بالهندسة، فكان ممن أحضر لذلك الحجاج بن أرطاة، وأبو حنيفة، وأمر فخطت ~~المدينة وحفر الأساس وضرب اللبن وطبخ الآجر، فكان أول ما ابتدأ به منها أنه ~~أمر بخطها بالرماد، فدخلها من أبوابها وفصلانها وطاقاتها ورحابها وهي ~~مخطوطة بالرماد، ثم أمر أن يجعل على الرماد حب القطن ويشعل بالنار، ففعلوا، ~~فنظر إليها وهي تشتعل ففهمها وعرف رسمها وأمر أن يحفر الأساس على ذلك ~~الرسم، ووكل بها أربعة من القواد، كل قائد بربع، ووكل أبا حنيفة بعدد الآجر ~~واللبن، وكان قبل ذلك قد أراد أبا حنيفة أن يتولى القضاء والمظالم، فلم ~~يجب، فحلف المنصور أنه لا يقلع عنه أو يعمل له. فأجابه إلى أن ينظر في ~~عمارة بغداد ويعد اللبن والآجر بالقصب، وهو أول من فعل ذلك. وجعل المنصور ~~عرض أساس السور من أسفله خمسين ذراعا، ومن أعلاه عشرين ذراعا، وجعل في ~~البناء القصب والخشب، ووضع بيده أول لبنة، وقال: ms2024 بسم الله والحمد لله ~~والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. ثم قال: ابنوا على ~~بركة الله. فلما بلغ السور مقدار قامة جاء الخبر بظهور محمد بن عبد الله، ~~فقطع البناء ثم أقام بالكوفة حتى فرغ من حرب محمد وأخيه إبراهيم ثم رجع إلى ~~بغداد فأتم وأقطع فيها القطائع لأصحابه. وكان المنصور قد أعد جميع ما يحتاج ~~إليه من بناء المدينة من خشب وساج وغير ذلك، واستخلف حين يشخص إلى الكوفة ~~على إصلاح ما أعد أسلم مولاه، فبلغه أن إبراهيم قد هزم عسكر المنصور، فأحرق ~~ما كان خلفه عليه المنصور، فبلغ المنصور ذلك فكتب إليه يلومه، فكتب إليه ~~أسلم يخبره أنه خاف أن يظفر بهم إبراهيم فيأخذه، فلم يقل له شيئا. وسنذكر ~~كيفية بنائها في سنة ست وأربعين إن شاء الله. ؟؟؟ ### || AUT ذكر ظهور إبراهيم بن عبد الله بن الحسن أخي محمد # فيها كان ظهور إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو ~~أخو محمد، المقدم ذكره، وكان قبل ظهوره قد طلب أشد الطلب، فحكت جارية له ~~أنه لم تقرهم أرض خمس سنين، مرة بفارس ومرة بكرمان ومرة بالجبل ومرة ~~بالحجاز ومرة باليمن ومرة بالشام، ثم إنه قدم الموصل وقدمها المنصور في ~~طلبه، فحكى إبراهيم قال: اضطرني الطلب بالموصل حتى جلست على مائدة المنصور ~~ثم خرجت وقد كف الطلب؛ وكان قوم من أهل العسكر يتشيعون فكتبوا إلى إبراهيم ~~يسألونه القدوم إليهم ليثبوا بالمنصور، فقدم عسكر أبي جعفر وهو ببغداد وقد ~~خطها، وكانت له مرآة ينظر فيها فيرى عدوه من صديقه، فنظر فيها فقال: يا ~~مسيب قد رأيت إبراهيم في عسكري وما في الأرض أعدى لي منه، فانظر أي رجل ~~يكون. ثم إن المنصور أمر ببناء قنطرة الصراة العتيقة، فخرج إبراهيم ينظر ~~إليها مع الناس، فوقعت عليه عين المنصور، فجلس إبراهيم وذهب في الناس فأتى ~~قاميا فلجأ إليه، فأصعده غرفة له، وجد المنصور في طلبه ووضع الرصد بكل ~~مكان، فنشب إبراهيم مكانه، فقال له صاحبه ms2025 سفيان بن حيان القمي: قد نزل بنا ~~ما ترى ولا بد من المخاطرة. قال: فأنت وذاك. فأقبل سفيان إلى الربيع فسأله ~~الإذن على المنصور، فأدخله عليه، فلما رآه شتمه، فقال: يا أمير المؤمنين ~~أنا أهل لما تقول، غير أني أتيتك تائبا ولك عند كل ما تحب، وأنا آتيك ~~بإبراهيم بن عبد الله، إني قد بلوتهم فلم أجد فيهم خيرا، فاكتب لي جوازا ~~ولغلام معي يحملني على البريد ووجه معي جندا. فكتب له جوازا ودفع إليه جندا ~~وقال: هذا ألف دينار فاستعن بها. قال: لا حاجة لي فيها، وأخذ منها ثلاثمائة ~~دينار وأقبل والجند معه فدخل البيت، وعلى إبراهيم جبة صوف وقباء كأقبية ~~الغلمان، فصاح به، فوثب وجعل يأمره وينهاه، وسار على البريد. وقيل: لم يركب ~~البريد. PageV03P0038 # وسار حتى قدم المدائن، فمنعه صاحب القنطرة بها، فدفع جوازه إليه، فلما ~~جازها قال له الموكل بالقنطرة: ما هذا غلام وإنه لإبراهيم بن عبد الله، ~~اذهب راشدا، فأطلقهما، فركبا سفينة حتى قدما البصرة، فجعل يأتي بالجند ~~الدار لها بابان فيقعد البعض منهم على أحد البابين ويقول: لا تبرحوا حتى ~~آتيكم، فيخرج من الباب الآخر ويتركهم، حتى فرق الجند عن نفسه وبقى وحده. ~~وبلغ الخبر سفيان بن معاوية أمير البصرة، فأرسل إليهم فجمعهم، وطلب القمي ~~فأعجزه، وكان إبراهيم قد قدم الاهواز قبل ذلك واختفى عند الحسن ابن خبيب، ~~وكان محمد بن الحصين يطلبه، فقال يوما: إن أمير المؤمنين كتب إلي يخبرني أن ~~المنجمين أخبروه أن إبراهيم نازل بالأهواز في جزيرة بين نهرين، وقد طلبته ~~في الجزيرة وليس هناك، وقد عزم أن أطلبه غدا بالمدينة، لعل أمير المؤمنين ~~يعني بقوله بين نهرين بين دجيل والمسرقان. فرجع الحسن بن خبيب إلى إبراهيم ~~فأخبره وأخرجه إلى ظاهر البلد، ولم يطلبه محمد ذلك اليوم. فلما كان آخر ~~النهار خرج الحسن إلى إبراهيم فأدخله البلد، وهما على حمارين، وقت العشاء ~~الآخرة، فلقيه أوائل خيل ابن الحصين، فنزل إبراهيم عن حماره كأنه يبول، ~~فسأل ابن الحصين الحسن بن خبيب عن مجيئه، ms2026 فقال: من عند بعض أهلي. فمضى ~~وتركه. ورجع الحسن إلى إبراهيم فأركبه وأدخله إلى منزله، فقال له إبراهيم: ~~والله لقد بلت دما. قال: فأتيت الموضع فرأيته قد بال دما. ثم إن إبراهيم ~~قدم البصرة، فقيل: قدمه سنة خمس وأربعين بعد ظهور أخيه محمد بالمدينة، ~~وقيل: قدمها سنة ثلاث وأربعين ومائة، وكان الذي أقدمه وتولى كراه، في قول ~~بعضهم، يحيى بن زياد بن حيان النبطي وأنزله في داره في بني ليث، وقيل: نزل ~~في دار أبي فروة، ودعا الناس إلى بيعة أخيه؛ وكان أول من بايعه نميلة بن ~~مرة العبشمي، وعفو الله بن سفيان، وعبد الواحد بن زياد، وعمرو بن سلمة ~~الهجيمي، وعبد الله بن يحيى بن حصين الرقاشي، وندبوا الناس، فأجابهم ~~المغيرة بن الفزع وأشباه له، وأجابه أيضا عيسى بن يونس، ومعاذ بن معاذ، ~~وعباد بن العوام، وإسحاق بن يوسف الأزرق، ومعاوية بن هشيم بن بشير، وجماعة ~~كثيرة من الفقهاء وأهل العلم، حتى أحصى ديوانه أربعة آلاف. وشهر أمره، ~~فقالوا له: لو تحولت إلى وسط البصرة أتاك الناس وهم مستريحون. فتحول فنزل ~~دار أبي مروان مولى بني سليم في مقبرة بني يشكر، وكان سفيان بن معاوية قد ~~مالأ على أمره. ولما ظهر أخوه محمد كتب إليه يأمره بالظهور، فوجم لذلك ~~واغتم، فجعل بعض أصحابه يسهل عليه ذلك وقال له: قد اجتمع لك أمرك فتخرج إلى ~~السجن فتكسره من الليل فتصبح وقد اجتمع لك عالم من الناس. وطابت نفسه، وكان ~~المنصور بظاهر الكوفة، كما تقدم، في قلة من العساكر، وقد أرسل ثلاثة من ~~القواد إلى سفيان بن معاوية بالبصرة مددا ليكونوا عونا له على إبراهيم إن ~~ظهر. فلما أراد إبراهيم الظهور أرسل إلى سفيان فأعلمه، فجمع القواد عنده، ~~وظهر إبراهيم أول شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة فغنم دواب أولئك الجند ~~وصلى بالناس الصبح في الجامع وقصد دار الإمارة وبها سفيان متحصنا في جماعة ~~فحصره، وطلب سفيان منه الأمان فآمنه إبراهيم ودخل الدار ففرشوا له حصيرا، ~~فهبت الريح فقلبته قبل أن ms2027 يجلس، فتطير الناس بذلك، فقال إبراهيم: إنا لا ~~نتطير. وجلس عليه مقلوبا وحبس القواد وحبس أيضا سفيان ابن معاوية في القصر ~~وقيده بقيد ليعلم المنصور أنه محبوس. وبلغ جعفرا ومحمدا ابني سليمان بن علي ~~ظهور إبراهيم، فأتيا في ستمائة رجل، فأرسل إليهما إبراهيم المضاء بن القاسم ~~الجزري في خمسين رجلا، فهزمهما، ونادى منادي إبراهيم: لا يتبع مهزوم ولا ~~يذفف على جريح. ومضى إبراهيم بنفسه إلى باب زينب بنت سليمان بن علي بن عبد ~~الله بن عباس، وإليها ينسب الزينبيون من العباسيين، فنادى بالأمان وأن لا ~~يعرض لهم أحد، فصفت له البصرة، ووجد في بيت مالها ألفي ألف درهم، فقوي بذلك ~~وفرض لأصحابه لكل رجل خمسين خمسين. PageV03P0039 # فلما استقرت له البصرة أرسل المغيرة إلى الأهواز، فبلغها في مائتي رجل، ~~وكان بها محمد بن الحصين عاملا للمنصور، فخرج إليه في أربعة آلاف فالتقوا، ~~فانهزم ابن الحصين ودخل المغيرة الأهواز، وقيل: إنما وجه المغيرة بعد مسيره ~~إلى باخمرى، وسير إبراهيم إلى فارس عمرو بن شداد، فقدمها وبها إسماعيل وعبد ~~الصمد ابنا علي بن عبد الله بن عباس، فبلغهما دنو عمرو وهما بإصطخر، فقصدا ~~دار ابجرد فتحصنا بها، فصارت فارس في يد عمرو، وأرسل إبراهيم مروان بن سعيد ~~العجلي في سبعة عشر ألفا إلى واسط، وبها هارون بن حميد الإيادي من قبل ~~المنصور، فملكها العجلي، وأرسل المنصور لحربه عامر بن إسماعيل المسلي في ~~خمسة آلاف، وقيل: في عشرين ألفا، فكانت بينهم وقعات ثم تهادنوا على ترك ~~الحرب حتى ينظروا ما يكون من إبراهيم والمنصور، فلما قتل إبراهيم هرب مروان ~~ابن سعيد عنهما فاختفى حتى مات. فلم يزل إبراهيم بالبصرة يفرق العمال ~~والجيوش حتى أتاه نعي أخيه محمد قبل عيد الفطر بثلاثة أيام، فخرج بالناس ~~يوم العيد وفيه الانكسار فصلى بهم وأخبرهم بقتل محمد، فازدادوا في قتال ~~المنصور بصيرة، وأصبح من الغد فعسكر واستخلف على البصرة نميلة وخلف ابنه حسنا معه. ### || AUT ذكر مسير إبراهيم وقتله # ثم إن إبراهيم عزم على المسير، فأشار أصحابه البصريون ms2028 أن تقيم وترسل ~~الجنود، فيكون إذا انهزم لك جند أمددتهم بغيرهم فخيف مكانك واتقاك عدوك ~~وجبيت الأموال وثبت وطأتك. فقال من عنده من أهل الكوفة: إن بالكوفة أقواما ~~لو رأوك ماتوا دونك، وإن لم يروك قعدت بهم أسباب شتى. فسار على البصرة إلى ~~الكوفة. وكان المنصور لما بلغه ظهور إبراهيم في قلة من العسكر قال: والله ~~ما أدري كيف أصنع ! ما في عسكري إلا ألفا رجل، فرقت جندي: مع المهدي بالري ~~ثلاثون ألفا، ومع محمد بن الأشعث بإفريقية أربعون ألفا، والباقون مع عيسى ~~بن موسى، والله لئن سلمت من هذه لا يفارق عسكري ثلاثون ألفا. ثم كتب إلى ~~عيسى بن موسى يأمره بالعود مسرعا، فأتاه الكتاب وقد أحرم بعمرة، فتركها ~~وعاد. وكتب إلى سلم بن قتيبة فقدم عليه من الري، فقال له المنصور: اعمد إلى ~~إبراهيم ولا يروعنك جمعه، فوالله إنهما جملا بني هاشم المقتولان ! فثق بما ~~أقول. وضم إليه غيره من القواد. وكتب إلى المهدي يأمره بإنفاذ خزيمة بن ~~خازم إلى الأهواز، فسيره في أربعة آلاف فارس، فوصلها وقاتل المغيرة، فرجع ~~المغيرة إلى البصرة، واستباح خزيمة الأهواز ثلاثا. وتوالت على المنصور ~~الفتوق من البصرة والأهواز وفارس وواسط والمدائن والسواد، وإلى جانبه أهل ~~الكوفة في مائة ألف مقاتل ينتظرون به صيحة، فلما توالت الأخبار عليه بذلك ~~أنشد: وجعلت نفسي للرماح دريئة ... إن الرئيس لمثل ذاك فعول ثم إنه رمى كل ~~ناحية بحجرها، وبقي المنصور على مصلاه خمسين يوما ينام عليه، وجلس عليه ~~وعليه جبة ملونة قد اتسخ جيبها لا غيرها ولا هجر المصلى، إلا أنه كان إذا ~~ظهر للناس لبس السواد فإذا فارقهم رجع إلى هيئته. وأهديت إليه امرأتان من ~~المدينة، إحداهما فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، والأخرى أم ~~الكريم ابنة عبد الله من ولد خالد بن أسيد، فلم ينظر إليهما، فقيل له: ~~إنهما قد ساءت ظنونهما. فقال: ليست هذه أيام نساء ولا سبيل إليهما حتى أنظر ~~رأس إبراهيم لي أو رأسي له. قال الحجاج ms2029 بن قتيبة: لما تتابعت الفتوق على ~~المنصور دخلت مسلما عليه وقد أتاه خبر البصرة والأهواز وفارس، وعساكر ~~إبراهيم قد عظمت، وبالكوفة مائة ألف سيف بإزاء عسكره ينتظر صيحة واحدة ~~فيثبون به، فرأيته أحوذيا مشمرا قد قام إلى ما نزل به من النوائب يعركها ~~فقام بها ولم تقعد به نفسه، وإنه كما قال الأول: نفس عصام سودت عصاما ... ~~وعلمته الكر والإقداما وصيرته ملكا هماما ثم وجه المنصور إلى إبراهيم عيسى ~~بن موسى في خمسة عشر ألفا، وعلى مقدمته حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف، وقال ~~له لما ودعه: إن هؤلاء الخبثاء، يعني المنجمين، يزعمون أنك إذا لاقيت ~~إبراهيم يجول أصحابك جولة حتى تلقاه ثم يرجعون إليك وتكون العاقبة لك. ~~PageV03P0040 # ولما سار إبراهيم عن البصرة مشى ليلته في عسكره سرا فسمع أصوات الطنابير، ~~ثم فعل ذلك مرة أخرى فسمعها أيضا، فقال: ما أطمع في نصر عسكر فيه مثل هذا ! ~~وسمع ينشد في طريقه أبيات القطامي: أمور لو يدبرها حليم ... إذا لنهى وهيب ~~ما استطاعا ومعصية الشقيق عليك مما ... يزيدك مرة منه استماعا وخير الأمر ~~ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا ولكن الأديم إذا تفرى ... بلى ~~وتعيبا غلب الصناعا فعلموا أنه نادم على مسيره. وكان ديوانه قد أحصى مائة ~~ألف، وقيل: كان معه في طريقه عشرة آلاف، وقيل له في طريقه ليأخذ غير الوجه ~~الذي فيه عيسى ويقصد الكوفة فإن المنصور لا يقوم له وينضاف أهل الكوفة إليه ~~ولا يبقى للمنصور مرجع دون حلوان، فلم يفعل. فقيل له ليبيت عيسى. فقال: ~~أكره البيات إلا بعد الإنذار. وقال بعض أهل الكوفة ليأمره بالمسير إليها ~~ليدعو إليه الناس وقال: أدعوهم سرا ثم أجهر، فإذا سمع المنصور الهيعة ~~بأرجاء الكوفة لم يرد وجهه شيء دون حلوان. فاستشار بشيرا الرحال فقال: لو ~~وثقنا بالذي تقول لكان رأيا، ولكنا لا نأمن أن تجيئك منهم طائفة فيرسل ~~إليهم المنصور الخيل فيأخذ البريء والصغير والمرأة فيكون ذلك تعرضا للمأثم. ~~فقال الكوفي: كأنكم خرجتم لقتال المنصور وأنتم تتقون قتل الضعيف ms2030 والمرأة ~~والصغير ! أولم يكن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يبعث سراياه ليقاتل ~~ويكون نحو هذا ؟ فقال بشير: أولئك كفار وهؤلاء مسلمون. وابتع إبراهيم رأيه ~~وسرا حتى نزل باخمرى، وهي من الكوفة على ستة عشر فرسخا، مقابل عيسى بن ~~موسى، فأرسل إليه سلم بن قتيبة: إنك قد أصحرت ومثلك أنفس به عن الموت، ~~فخندق على نفسك حتى لا تؤتى إلا من مأتى واحد، فإن أنت لم تفعل فقد أغرى ~~أبو جعفر عسكره، فتخفف في طائفة حتى تأتيه فتأخذه بقفاه. فدعا إبراهيم ~~أصحابه وعرض عليهم ذلك؛ فقالوا: نخندق على أنفسنا ونحن الظاهرون عليهم ! لا ~~والله لا نفعل. قال: فنأتي أبا جعفر. قالوا: ولم وهو في أيدينا متى أردناه ~~؟ فقال إبراهيم للرسول: أتسمع ؟ فارجع راشدا. ثم إنهم تصافوا، فصف إبراهيم ~~أصحابه صفا واحدا، فأشار عليه بعض أصحابه بأن يجعلهم كراديس، فإذا انهزم ~~كردوس ثبت كردوس، فإن الصف إذا انهزم بعضه تداعى سائره. فقال الباقون: لا ~~نصف إلا صف أهل الإسلام، يعني قول الله تعالى: " إن الله يحب الذين يقاتلون ~~في سبيله صفا " الآية الصف: 4. فاقتتل الناس قتالا شديدا وانهزم حميد بن ~~قحطبة وانهزم الناس معه، فعرض لهم عيسى يناشدهم الله والطاعة فلا يلوون ~~عليه. فأقبل حميد منهزما، فقال له عيسى: الله الله والطاعة ! فقال: لا طاعة ~~في الهزيمة ! ومر الناس فلم يبق مع عيسى إلا نفر يسير، فقيل له: لو تنحيت ~~عن مكانك حتى تؤوب إليك الناس فتكر بهم. فقال: لا أزول عن مكاني هذا أبدا ~~حتى أقتل أو يفتح الله على يدي، والله لا ينظر أهل بيتي إلى وجهي أبدا وقد ~~انهزمت عن عدوهم ! وجعل يقول لمن يمر به: أقريء أهل بيتي السلام وقل لهم لم ~~أجد فدا أفديكم به أعز من نفسي وقد بذلتها دونكم ! فبيناهم على ذلك لا يلوي ~~أحد على أحد إذ أتى جعفر ومحمد ابنا سليمان ابن علي من ظهور أصحاب إبراهيم، ~~ولا يشعر باقي أصحابه الذين يتبعون المنهزمين حتى نظر بعضهم فرأى القتال من ~~ورائهم فعطفوا ms2031 نحوه، ورجع أصحاب المنصور يتبعونهم، فكانت الهزيمة على أصحاب ~~إبراهيم، فلولا جعفر ومحمد لتمت الهزيمة، وكان من صنع الله للمنصور أن ~~أصحابه لقيهم نهر في طريقهم فلم يقدروا على الوثوب ولم يجدوا مخاضة، فعادوا ~~بأجمعهم، وكان أصحاب إبراهيم قد مخروا الماء ليكون قتالهم من وجه واحد، ~~فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار، وثبت إبراهيم في نفر من أصحابه يبلغون ~~ستمائة، وقيل أربعمائة، وقاتلهم حميد وجعل يرسل بالرؤوس إلى عيسى، وجاء ~~إبراهيم سهم عائر فوقع في حلقه فنحره، فتنحى عن موقفه وقال: أنزلوني، ~~فأنزلوه عن مركبه وهو يقول: " وكان أمر الله قدرا مقدورا " الأحزاب: 38، ~~أردنا أمرا وأراد الله غيره. PageV03P0041 # واجتمع عليه أصحابه وخاصته يحمونه ويقاتلون دونه، فقال حميد بن قحطبة ~~لأصحابه: شدوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم وتعلموا ما اجتمعوا ~~عليه؛ فشدوا عليهم فقاتلوهم أشد قتال حتى أفرجوهم عن إبراهيم ووصلوا إليه ~~وحزوا رأسه فأتوا به عيسى، فأراه ابن أبي الكزام الجعفري فقال: نعم هذا ~~رأسه. فنزل عيسى إلى الأرض فسجد وبعث برأسه إلى المنصور. وكان قتله يوم ~~الأثنين لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائة، وكان عمره ~~ثمانيا وأربعين سنة، ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاثة أشهر إلا خمسة أيام. ~~وقيل: كان سبب انهزام أصحابه أنهم لما هزموا أصحاب المنصور وتبعوهم ونادى ~~منادي إبراهيم: ألا لا تتبعوا مدبرا ! فرجعوا، فلما رآهم أصحاب المنصور ~~راجعين ظنوهم منهزمين فعطفوا في آثارهم، وكانت الهزيمة. وبلغ المنصور الخبر ~~بهزيمة أصحابه أولا فعزم على إتيان الري، فأتاه نوبخت المنجم وقال: يا أمير ~~المؤمنين الظفر لك وسيقتل إبراهيم ! فلم يقبل منه. فبينما هو كذلك إذ جاءه ~~الخبر بقتل إبراهيم، فتمثل: فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا ~~بالإياب المسافر فأقطع المنصور نوبخت ألفي جريب بنهر حويزة. وحمل رأس ~~إبراهيم إلى المنصور فوضع بين يديه، فلما رآه بكى حتى خرجت دموعه على خد ~~إبراهيم ثم قال: أما والله إني كنت لهذا كارها ! ولكنك ابتليت بي وابتليت ~~بك ! ثم جلس مجلسا ms2032 عاما وأذن للناس. فكان الداخل يدخل فيتناول إبراهيم ~~ويسيء القول فيه ويذكر فيه القبيح التماسا لرضاء المنصور، والمنصور ممسك ~~متغير لونه، حتى دخل جعفر بن حنظلة الدارمي فوقف فسلم ثم قال: أعظم الله ~~أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك، وغفر له ما فرط فيه من حقك ! فأسفر لون ~~المنصور وأقبل عليه وقال: يا أبا خالد مرحبا ها هنا ! فعلم الناس أن ذلك ~~يرضيه، فقاتلوا مثل قوله. وقيل: لما وضع الرأس بصق في وجهه رجل من الحرس، ~~فأمر به المنصور فضرب بالعمد فهشمت أنفه ووجهه، وضرب حتى خمد، وأمر به ~~فجروا رجله فألقوه خارج الباب. وقي: ونظر المنصور إلى سفيان بن معاوية بعد ~~مدة راكبا فقال: لله العجب كيف يفلتني ابن الفاعلة ! انقضى أمر إبراهيم رضي الله عنه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها خرجت الترك والخزر بباب الأبواب فقتلوا من المسلمين بأرمينية ~~جماعة كثيرة. وحج بالناس هذه السنة السري بن عبد الله بن الحارث بن العباس، ~~وكان على مكة، وكان على المدينة عبد الله بن الربيع، وعلى الكوفة عيسى بن ~~موسى، وعلى البصرة سلم بن قتيبة الباهلي، وعلى قضائها عباد بن منصور، وعلى ~~مصر يزيد بن حاتم. وفيها عزل المنصور مالك بن الهيثم عن الموصل بابنه جعفر ~~بن أبي جعفر المنصور وسير معه حرب بن عبد الله، وهو من أكابر قواده، وهو ~~صاحب الحربية ببغداد، وبنى بأسفل الموصل قصرا وسكنه، فهو يعرف إلى اليوم ~~بقصر حرب، وفيه ولدت زبيدة بنت جعفر زوجة الرشيد، وعنده يومنا هذا قرية ~~كانت ملكا لنا فبنينا فيها رباطا للصوفية وقفنا القرية عليه، قد جمعت كثيرا ~~من هذا الكتاب في هذه القرية في دار لنا بها، وهي من أنزه المواضع وأحسنها، ~~وأثر القصر باق بها إلى الآن. سبحان من لا يزول ولا تغيره الدهور. وفيها ~~مات عمرو بن ميمون بن مهران. والحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب، وكان ~~موته في حبس المنصور، لأنه أخذه من المدينة، كما ذكرناه، وهو عم محمد ~~وإبراهيم. وفيها مات ms2033 عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، ويحيى بن الحارث ~~الذماري، وله سبعون سنة. وإسماعيل بن أبي خالد البجلي، وحبيب بن الشهيد ~~مولى الأزد، وكنيته أبو شهيد. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائة # ### || AUT ذكر انتقال المنصور إلى بغداد # ### || AUT وكيفية بنائها # وفيها، في صفر، تحول المنصور من مدينة ابن هبيرة إلى بغداد وبنى ~~مدينتها، وقد ذكرنا في سنة خمس وأربعين ومائة السبب الباعث للمنصور على ~~بناء مدينة بغداد، ونذكر الآن بناءها. PageV03P0042 # ولما عزم المنصور على بناء بغداد شاور أصحابه، وكان فيهم خالد بن برمك، ~~فأشار أيضا بذلك، وهو خطها، فاستشاره في نقض المدائن وإيوان كسرى ونقل ~~نقضها إلى بغداد، فقال: لا أرى ذلك، لأنه علم من أعلام الإسلام يستدل به ~~الناظر على أنه لم يكن ليزال مثل أصحابه عنه بأمر الدنيا، وإنما هو على أمر ~~دين، ومع هذا ففيه مصلى علي بن أبي طالب. قال المنصور: لا، أبيت يا خالد ~~إلا الميل إلى أصحابك العجم ! وأمر بنقض القصر الأبيض، فنقضت ناحية منه ~~وحمل نقضه، فنظر، فكان مقدار ما يلزمهم له أكثر من ثمن الحديد. فدعا خالد ~~بن برمك فأعلمه ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين قد كنت أرى أن لا تفعل، فأما ~~إذ فعلت فإني أرى أن تهدم لئلا يقال إنك عجزت عن هدم ما بناه غيرك. فأعرض ~~عنه وترك هدمه. ونقل أبواب مدينة واسط فجعلها على بغداد، وبابا جيء به من ~~الشام، وبابا آخر جيء به من الكوفة كان عمله خالد بن عبد الله القسري؛ وجعل ~~المدينة مدورة لئلا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض، وعمل لها ~~سورين، السور الداخل أعلى من الخارج، وبنى قصره في وسطها، والمسجد الجامع ~~بجانب القصر، وكان الحجاج بن أرطأة هو الذي خط المسجد وقبلته غير مستقيمة ~~يحتاج المصلي أن ينحرف إلى باب البصرة لأنه وضع بعد القصر، وكان القصر غير ~~مستقيم على القبلة. وكان اللبن الذي يبنى به ذراعا في ذراع، ووزن بعضها لما ~~نقض، وكان وزن لبنة منه مائة رطل ms2034 وستة عشر رطلا، وكانت مقاصير جماعة من ~~قواد المنصور وكتابه تشرع أبوابها إلى رحبة الجامع، فطلب إليه عمه عيسى ابن ~~علي أن يأذن له في الركوب من باب الرحبة إلى القصر لضعفه، فلم يأذن له، ~~قال: فاحسبني راوية، فأمر الناس بإخراج أبوابهم من الرحبة إلى فصلان ~~الطاقات. وكانت الأسواق في المدينة، فجاء رسول الله لملك الروم، فأمر ~~الربيع فطاف به في المدينة، فقال: كيف رأيت ؟ قال: رأيت بناء حسنا إلا أني ~~رأيت أعداءك معك وهم السوقة. فلما عاد الرسول عنه أمر بإخراجهم إلى ناحية ~~الكرخ. وقيل: إنما أخرجهم لأن الغرباء يطرقونها ويبيتون فيها وربما كان ~~فيهم الجاسوس. وقيل: إن المنصور كان يتبع من خرج مع إبراهيم بن عبد الله، ~~وكان أبو زكرياء يحيى بن عبد الله، محتسب بغداد، له مع إبراهيم ميل، فجمع ~~جماعة من السفلة فشغبوا على المنصور، فسكنهم وأخذ أبا زكرياء فقتله وأخرج ~~الأسواق، فكلم في بقال، فأمر أن يجعل في كل ربع بقال يبيع البقل والخل حسب. ~~وجعل الطريق أربعين ذراعا. وكان مقدار النفقة على بنائها وبناء المسجد ~~والقصر والأسواق والفصلان والخنادق وأبوابها أربعة آلاف ألف وثمانمائة ~~وثلاثة درهما. وكان الأستاذ من البنائين يعمل يومه بقيراط فضة، والروزكاري ~~بحبتين، وحاسب القواد عند الفراغ منها فألزم كلا منهم بما بقي عنده فأخذه، ~~حتى إن خالد بن الصلت بقي عليه خمسة عشر درهما فحبسه وأخذها منه. ### || AUT ذكر خروج العلاء بالأندلس # وفيها سار العلاء بن مغيث اليحصبي من إفريقية إلى مدينة بناحية من ~~الأندلس ولبس السواد وقام بالدولة العباسية وخطب للمنصور، واجتمع إليه خلق ~~كثير، فخرج إليه الأمير عبد الرحمن الأموي، فالتقيا بنواحي إشبيلية، ثم ~~تحاربا أياما، فانهزم العلاء وأصحابه، وقتل منهم في المعركة سبعة آلاف، ~~وقتل العلاء، وأمر بعض التجار بحمل رأسه ورؤوس جماعة من مشاهير أصحابه إلى ~~القيروان وإلقائها بالسوق سرا، ففعل ذلك، ثم حمل منها شيء إلى مكة، فوصلت ~~وكان بها المنصور، وكان مع الرؤوس لواء أسود وكتاب كتبه المنصور للعلاء. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في ms2035 هذه السنة عزل سلم بن قتيبة عن البصرة. وكان سبب عزله أن المنصور كتب ~~إليه يأمره بهدم دور من خرج مع إبراهيم وبعقر نخلهم؛ فكتب سلم: بأي ذلك ~~أبدأ، بالدور أم بالنخل ؟ فأنكر المنصور ذلك عليه وعزله واستعمل محمد بن ~~سليمان، فعاث بالبصرة وهدم دار أبي مروان، ودار عون بن مالك، ودار عبد ~~الواحد بن زياد وغيرهم. وغزا الصائفة هذه السنة جعفر بن حنظلة البهراني. ~~وفيها عزل عن المدينة عبد الله بن الربيع الحارثي، وولي مكانه جعفر بن ~~سليمان، فقدمها في ربيع الأول. وفيها عزل عن مكة السري بن عبد الله ووليها ~~عبد الصمد بن علي. وحج بالناس هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام. ~~PageV03P0043 # وفيها مات هشام بن عروة بن الزبير، وقيل سنة سبع وأربعين في شعبان. وعوف ~~الأعرابي. وطلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التميمي الكوفي. وفيها غزا ~~مالك بن عبد الله الخثعمي، الذي يقال له مالك الصوائف، وهو من أهل فلسطين، ~~بلاد الروم فغنم غنائم كثيرة ثم قفل، فلما كان من درب الحدث على خمسة عشر ~~ميلا بموضع يدعى الرهوة نزل بها ثلاثا وباع الغنائم وقسم سهام الغنيمة، ~~فسميت تلك الرهوة رهوة مالك. وفيها توفي ابن السائب الكلبي النسابة. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة # ### || AUT ذكر قتل حرب بن عبد الله # فيها أغار أسترخان الخوارزمي في جمع من الترك على المسلمين بناحية ~~أرمينية وسبى من المسلمين وأهل الذمة خلقا ودخلوا تفليس، وكان حرب مقيما ~~بالموصل في ألفين من الجند لمكان الخوارج الذين بالجزية، وسير المنصور إلى ~~محاربة الترك جبرائيل بن يحيى وحرب بن عبد الله، فقاتلوهم، فهزم جبرائيل ~~وقتل حرب، وقتل من أصحاب جبرائيل خلق كثير. ### || AUT ذكر البيعة للمهدي وخلع عيسى بن موسى # وفيها خلع عيسى بن موسى بن محمد بن علي من ولاية العهد وبويع للمهدي ~~محمد بن المنصور. وقد اختلف في السبب الذي خلع لأجله نفسه، فقيل: إن عيسى ~~لم يزل على ولاية العهد وإمارة الكوفة ومن أيام السفاح إلى ms2036 الآن، فلما كبر ~~المهدي وعزم المنصور على البيعة له كلم عيسى بن موسى في ذلك، وكان يكرمه ~~ويجلسه عن يمينه ويجلس المهدي عن يساره، فلما قال له المنصور في معنى خلع ~~نفسه وتقديم المهدي عليه أبى وقال: يا أمير المؤمنين كيف بالأيمان علي وعلى ~~المسلمين من العتق والطلاق وغير ذلك ؟ ليس إلى الخلع سبيل ! فتغير المنصور ~~عليه وباعده بعض المباعدة وصار يأذن للمهدي قبله، وكان يجلس عن يمينه في ~~مجلس عيسى ثم يؤذن لعيسى فيدخل فيجلس إلى جانب المهدي، ولم يجلس عن يسار ~~المنصور، فاغتاظ منه ثم صار يأذن للمهدي ولعمه عيسى بن علي، ثم لعبد الصمد ~~بن علي، ثم لعيسى بن موسى، وربما قدم وأخر، إلا أنه يبدأ بالإذن للمهدي على ~~كل حال. وتوهم عيسى أنه يقدم إذنهم لحاجة له إليهم، وعيسى صامت لا يشكو، ثم ~~صار حال عيسى إلى أعظم من ذلك، فكان يكون في المجلس معه بعض ولده فيسمع ~~الحفر في أصل الحائط وينثر عليه التراب وينظر إلى الخشبة من السقف قد حفر ~~عن أحد طرفيها لتقلع فيسقط التراب على قلنسوته وثيابه فيأمر من معه من ولده ~~بالتحول ويقوم هو يصلي ثم يؤذن له فيدخل بهيئته والتراب على رأسه وثيابه لا ~~ينفضه، فيقول له المنصور: يا عيسى ما يدخل علي أحد بمثل هيئتك من كثرة ~~الغبار والتراب ! أفكل هذا من الشارع ؟ فيقول: أحسب ذلك يا أمير المؤمنين، ~~ولا يشكو شيئا. وكان المنصور يرسل إليه عمه عيسى بن علي في ذلك، فكان عيسى ~~بن موسى لا يؤثره ويتهمه. فقيل: إن المنصور أمر أن يسقى عيسى بن موسى بعض ~~ما يتلفه فوجد الماء في بطنه فاستأذن في العود إلى بيته بالكوفة، فأذن له، ~~فمرض من ذلك واشتد مرضه ثم عوفي بعد أن أشفى. وقال عيسى بن علي للمنصور: إن ~~ابن موسى إنما يتربص بالخلافة لابنه موسى فابنه الذي يمنعه، فقال له: خوفه ~~وتهدده، فكلمه عيسى بن علي في ذلك وخوفه، فخاف موسى بن عيسى وأتى العباس بن ~~محمد فقال: ms2037 يا عم إني أرى ما يسام أبي من إخراج هذا الأمر عن عنقه وهو يؤذى ~~بصنوف الأذى والمكروه، فهو يهدد مرة، ويؤخر إذن مرة، ويهدم عليه الحيطان ~~مرة، وتدس إليه الحتوف مرة، وأبي لا يعطي على ذلك شيئا ولا يكون ذلك أبدا، ~~ولكن ها هنا طريق لعله يعطي عليها وإلا فلا، قال: وما هو ؟ قال: يقبل عليه ~~أمير المؤمنين وأنا شاهد فيقول له: إني أعلم أنك لا تبخل بهذا الأمر عن ~~المهدي لنفسك لكبر سنك وأنه لا تطول مدتك فيه، وإنما تبخل به لإبنك، ~~أفتراني أدع ابنك يبقى بعدك حتى يلي على ابني ؟ كلا والله لا يكون ذلك ~~أبدا، ولأثبن على ابنك تنظر حتى تيأس منه. فإن فعل ذلك فلعله أن يجيب إلى ~~ما يراد منه. PageV03P0044 # فجاء العباس إلى المنصور وأخبره بذلك، فلما اجتمعوا عنده قال ذلك، وكان ~~عيسى بن علي حاضرا، فقام ليبول، فأمر عيسى بن موسى ابنه موسى ليقوم معه ~~يجمع عليه ثيابه، فقام معه، فقال له عيسى بن علي: بأبي أنت وبأبي أب ولدك ! ~~والله إني لأعلم أنه لا خير في هذا الأمر بعدكما، وإنكما لأحق به، ولكن ~~المرء مغرى بما تعجل، فقال موسى في نفسه: امكنني هذا والله من مقاتله وهو ~~الذي يغري بأبي، والله لأقتلنه ! فلما رجعا قال موسى لأبيه ذلك سرا، ~~فاستأذنه في أن يقول للمنصور ما سمع منه، فقال له أبوه: أف لهذا رأيا ~~ومذهبا ! ائتمنك عمك على مقالة أراد أن يسرك بها فجعلتها سببا لمكروهه، لا ~~يسمعن هذا أحد، ارجع إلى مكانك. فلما رجع إلى مكانه أمر المنصور الربيع ~~فقام إلى موسى فخنقه بحمائله، وموسى يصيح: الله الله في دمي يا أمير ~~المؤمنين ! وما يبالي عيسى أن تقتلني وله بضعة عشر ذكرا، والمنصور يقول: يا ~~ربيع أزهق نفسه، والربيع يوهم أنه يريد تلفه وهو يرفق به وموسى يصيح. فلما ~~رأى ذلك أبوه قال: والله يا أمير المؤمنين ما كنت أظن أن الأمر يبلغ منك ~~هذا كله ! فاكفف عنه، فها أنا ذا أشهدك ms2038 أن نسائي طوالق ومماليكي أحرار وما ~~أملك في سبيل الله تصرف ذلك في من رأيت يا أمير المؤمنين ! وهذه يدي ~~بالبيعة للمهدي. فبايعه للمهدي. ثم جعل عيسى بن موسى بعد المهدي. فقال بعض ~~أهل الكوفة: هذا الذي كان غدا فصار بعد غد. وقيل: إن المنصور وضع الجند ~~وكانوا يسمعون عيسى بن موسى ما يكره، فشكا ذلك من فعلهم، فنهاهم المنصور ~~عنه، وكانوا يكفون ثم يعودون، ثم إنهما تكاتبا مكاتبات أغضبت المنصور، وعاد ~~الجند معه لأشد ما كانوا، منهم: أسد بن المرزبان، وعقبة بن سلم، ونصر بن ~~حرب بن عبد الله، وغيرهم، فكانوا يمنعون من الدخول عليه ويسمعونه، فشكاهم ~~إلى المنصور، فقال له: يا بن أخي أنا والله أخافهم عليك وعلى نفسي، فإنهم ~~يحبون هذا الفتى، فلو قدمته بين يديك لكفوا. فأجاب عيسى إلى ذلك. وقيل: إن ~~المنصور استشار خالد بن برمك في ذلك وبعثه إلى عيسى، فأخذ معه ثلاثين من ~~كبار شيعة المنصور ممن يختارهم وقال لعيسى في أمر البيعة، فامتنع، فرجعوا ~~إلى المنصور وشهدوا على عيسى أنه خلع نفسه فبايع للمهدي، وجاء عيسى فأنكر ~~ذلك فلم يسمع منه، وشكر لخالد صنيعه. وقيل: بل اشترى المنصور منه ذلك بمال ~~قدره أحد عشر ألف ألف درهم له ولأولاده وأشهد على نفسه بالخلع. وكانت مدة ~~ولاية عيسى بن موسى الكوفة ثلاث عشرة سنة، وعزله المنصور واستعمل محمد بن ~~سليمان بن علي عليها ليؤذي عيسى ويستخف به، فلم يفعل ولم يزل معظما له مبجلا. ### || AUT ذكر موت عبد الله بن علي # وكان المنصور قد أحضر عيسى بن موسى بعد أن خلع نفسه وسلم إليه عمه عبد ~~الله بن علي وأمره بقتله، وقال له: إن الخلافة صائرة إليك بعد المهدي فاضرب ~~عنقه، وإياك أن تضعف فتنقض علي أمري الذي دبرته؛ ثم مضى إلى مكة وكتب إلى ~~عيسى من الطريق يستعلم منه ما فعل في الأمر الذي أمره، فكتب عيسى في ~~الجواب: قد أنفذت ما أمرت به؛ فلم يشك أنه قتله. وكان عيسى حين أخذ ms2039 عبد ~~الله من عند المنصور دعا كاتبه يونس بن فروة وأخبره الخبر، فقال: أراد أن ~~تقتله ثم يقتله لأنه أمر بقتله سرا ثم يدعيه عليك علانية، فلا تقتله ولا ~~تدفعه إليه سرا أبدا واكتم أمره. ففعل ذلك عيسى. فلما قدم المنصور وضع على ~~أعمامه من يحركهم على الشفاعة في أخيهم عبد الله، ففعلوا وشفعوا، فشفعهم ~~وقال لعيسى: إني كنت دفعت إليك عمي وعمك عبد الله ليكون في منزلك، وقد ~~كلمني عمومتك فيه، وقد صفحت عنه فأتنا به. PageV03P0045 # قال: يا أمير المؤمنين أل تأمرني بقتله ؟ فقتلته ! قال: ما أمرتك ! قال: ~~بلى أمرتني. قال: ما أمرتك إلا بحبسه وقد كذبت ! ثم قال المنصور لعمومته: ~~إن هذا قد أقر لكم بقتل أخيكم، قالوا: فادفعه إلينا نقيده به. فسلمه إليهم، ~~وخرجوا به إلى الرحبة، واجتمع الناس وشهر الأمر، وقام أحدهم ليقتله، فقال ~~له عيسى: أفاعل أنت ؟ قال: إي والله ! قال: ردوني إلى أمير المؤمنين. فردوه ~~إليه. فقال له: إنما أردت بقتله أن تقتلني. هذا عك حي سوي. قال: ائتنا به. ~~فأتاه به. قال: يدخل حتى أرى رأيي؛ ثم انصرفوا، ثم أمر به فجعل في بيت ~~أساسه ملح وأجرى الماء في أساسه فسقط عليه، فمات فدفن في مقابر باب الشام، ~~فكان أول من دفن فيها؛ وكان عمره اثنتين وخمسين سنة. قيل: ركب المنصور يوما ~~ومعه ابن عياش المنتوف، فقال له المنصور: تعرف ثلاثة خلفاء أسماؤهم على ~~العين قتلت ثلاثة خوارج مبدأ أسمائهم على العين ؟ قال: لا أعرف إلا ما يقول ~~العامة: إن عليا قتل عثمان، وكذبوا؛ وعبد الملك قتل عبد الرحمن بن الأشعث؛ ~~وعبد الله بن الزبير قتل عمرو ابن سعيد؛ وعبد الله بن علي سقط عليه البيت. ~~فقال المنصور: إذا سقط عليه فما ذنبي أنا ؟ قال: ما قلت إن لك ذنبا. قوله: ~~ابن الزبير قتل عمرو بن سعيد ليس بصحيح، إنما قتله عبد الملك. عياش بالياء ~~المثناة من تحت، والشين المعجمة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ولى المنصور محمدا ابن أخيه أبي ms2040 العباس السفاح، البصرة، ~~فاستعفى منها، فأعفاه، فانصرف إلى بغداد واستخلف بها نخبة بن سالم، فأقره ~~المنصور عليها، فلما رجع إلى بغداد مات بها. وحج بالناس هذه السنة المنصور، ~~وكان عامله على مكة والطائف عمه عبد الصمد بن علي، وعلى المدينة جعفر بن ~~سليمان، وعلى مصر يزيد بن حاتم المهلبي. وفيها أغزى عبد الرحمن الأموي صاحب ~~الأندلس مولاه بدرا، وتمام ابن علقمة طليطلة، وبها هاشم بن عذرة، وضيقا ~~عليه، ثم أسراه هو وحياة ابن الوليد اليحصبي وعثمان بن حمزة بن عبيد الله ~~بن عمر بن الخطاب، وأتيا بهم إلى عبد الرحمن في جباب صوف وقد حلقت رؤوسهم ~~ولحاهم وقد أركبوا الحير وهم في السلاسل، ثم صلبوا بقرطبة. وفيها قدم رسول ~~عبد الرحمن الذي أرسله إلى الشام في إحضار ولده الأكبر سليمان فحضر وسليمان ~~معه، وكان قد ولد لعبد الرحمن بالأندلس ولد هشام، فقدمه الأمير عبد الرحمن ~~على سليمان، فحصل بينهما حقد وغل أوجبا ما نذكره فيما بعد. وفيها تناثرت ~~النجوم. وفيها مات أشعث بن عبد الملك الحمراني البصري. وهشام بن حسان مولى ~~لعتيك، وقيل: مات سنة ثمان وأربعين. وعبد الرحمن بن زبيد بن الحارث اليامي ~~أبو الأشعث الكوفي. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة # ### || AUT ذكر خروج حسان بن مجالد # وفيها خرج حسان بن مجالد بن يحيى بن مالك بن الأجدع الهمداني. ومالك هذا ~~هو أخو مسروق بن الأجدع. وكان خروجه بنواحي الموصل بقرية تسمى بافخارى قريب ~~من الموصل على دجلة، فخرج إليه عسكر الموصل، وعليها الصقر بن نجدة، وكان قد ~~وليها بعد حرب بن عبد الله، فالتقوا واقتتلوا وانهزم عسكر الموصل على ~~الجسر، وأحرق الخوارج أصحاب حسان السوق هناك ونهبوه. ثم إن حسان سار إلى ~~الرقة ومنها إلى البحر ودخل إلى بلد السند، وكانت الخوارج من أهل عمان ~~يدخلونهم ويدعونهم، فاستأذنهم في المصير إليهم، فلم يجيبوه، فعاد إلى ~~الموصل، فخرج إليه الصقر أيضا والحسن بن صالح بن حسان الهمداني وبلال ~~القيسي، فالتقوا فانهزم الصقر وأسر الحسن بن صالح وبلال، ms2041 فقتل حسان بلالا ~~واستبقى الحسن لأنه من همدان، ففارقه بعض أصحابه لهذا. وكان حسان قد أخذ ~~رأي الخوارج عن خاله حفص بن أشيم، وكان من علماء الخوارج وفقهائهم. ~~PageV03P0046 # ولما بلغ المنصور خروج حسان قال: خارجي من همدان ؟ قالوا: إنه ابن أخت ~~حفص بن أشيم. فقال: فمن هناك ؟ وإنما انكر المنصور ذلك لأن عامة همدان شيعة ~~لعلي، وعزم المنصور على إنفاذ الجيوش إلى الموصل والفتك بأهلها، فأحضر أبا ~~حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وقال لهم: إن أهل الموصل شرطوا إلي أنهم ~~لا يخرجون علي، فإن فعلوا حلت دماؤهم وأموالهم، وقد خرجوا. فسكت أبو حنيفة ~~وتكلم الرجلان وقالا: رعيتك، فإن عفوت فأهل ذلك أنت، وإن عاقبت فبما ~~يستحقون. فقال لأبي حنيفة: أراك سكت يا شيخ ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ~~أباحوك ما لا يملكون أرأيت لو أن امرأة أباحت فرجها بغير عقد نكاح وملك ~~يمين أكان يجوز أن توطأ ؟ قال: لا ! وكف عن أهل الموصل وأمر أبا حنيفة ~~وصاحبيه بالعود إلى الكوفة. ### || AUT ذكر استعمال خالد بن برمك # وفيها استعمل المنصور على الموصل خالد بن برمك وسبب ذلك أنه بلغه انتشار ~~الأكراد بولايتها وإفسادهم، فقال: من لها ؟ فقالوا: المسيب بن زهير، فأشار ~~عمارة بن غمرة بخالد بن برمك، فولاه وسيره إليها وأحسن الناس وقهر المفسدين ~~وكفهم، وهابه أهل البلد هيبة شديدة مع إحسانه إليهم. وفيها ولد الفضل بن ~~يحيى بن خالد بن برمك لسبع بقين من ذي الحجة قبل أن يولد الرشيد بن المهدي ~~بسبعة أيام، فأرضعته الخيزران أم الرشيد بلبن ابنها، فكان الفضل بن يحيى ~~أخا الرشيد من الرضاعة؛ ولذلك يقول سلم الخاسر: أصبح الفضل والخليفة هارو ~~... ن رضيعي لبان خير النساء وقال أبو الجنوب: كفى لك فضلا أن أفضل خرة ... ~~غذتك بثدي والخليفة واحد ### || AUT ذكر ولاية الأغلب بن سالم إفريقية # لما بلغ المنصور خروج محمد بن الأشعث من إفريقية بعث إلى الأغلب ابن ~~سالم بن عقال بن خفاجة التميمي عهدا بولاية إفريقية. وكان هذا الأغلب ممن ~~قام مع أبي ms2042 مسلم الخراساني وقدم إفريقية مع محمد بن الأشعث؛ فلما أتاه ~~العهد القيروان في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين ومائة وأخرج جماعة من ~~قواد المضرية وسكن الناس. وخرج عليه أبو قرة في جمع كثير من البربر، فسار ~~إليه الأغلب، فهرب أبو قرة من غير قتال، وسار الأغلب يريد طنجة، فاشتد ذلك ~~على الجند وكرهوا المسير وتسللوا عنه إلى القيروان، فلم يبق معه إلا نفر ~~يسي. وكان الحسن بن حرب الكندي بمدينة تونس، وكاتب الجند ودعاهم إلى نفسه، ~~فأجابوه، فسار حتى دخل القيروان من غير مانع. وبلغ الأغلب الخبر فعاد مجدا، ~~فقال له بعض أصحابه: ليس من الرأي أن تعدل إلى لقاء العدو في هذه العدة ~~القليلة، ولكن الرأي أن تعدل إلى قابس، فإن أكثر من معه يجيء إليك لأنهم ~~كرهوا المسير إلى طنجة لا غير وتقوى بهم وتقاتل عدوك. ففعل ذلك وكثر جمعه ~~وسار إلى الحسن بن حرب فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم الحسن وقتل من أصحابه ~~جمع كثير، ومضى الحسن إلى تونس في جمادى الآخرة سنة خمسين ومائة، ودخل ~~الأغلب القيروان. وحشد الحسن وجمع فصار في عدة عظيمة، فقصد الأغلب، فخرج ~~إليه الأغلب من القيروان، فالتقوا واقتتلوا، فأصاب الأغلب سهم فقتله، وثبت ~~أصحابه، فتقدم عليهم المخارق بن غفار، فحمل المخارق على الحسن، وكان في ~~ميمنة الأغلب، فهزمه، فمضى منهزما إلى تونس في شعبان سنة خمسين ومائة، وولي ~~المخارق إفريقية في رمضان، ووجه الخيل في طلب الحسن، فهرب الحسن من تونس ~~إلى كنايه فأقام شهرين، ثم رجع إلى تونس، فخرج إليه من بها من الجند ~~فقتلوه. وقد قيل: إن الحسن قتل بعد قتل الأغلب، لأن أصحاب الأغلب ثبتوا بعد ~~قتله في المعركة، فقتل الحسن بن حرب أيضا وولى أصحابه منهزمين، وصلب الحسن، ~~ودفن الأغلب وسمي الشهيد، وكانت هذه الوقعة في شعبان سنة خمسين ومائة. ### || AUT ذكر الفتن بالأندلس # في هذه السنة خرج سعيد اليحصبي المعروف بالمطري بالأندلس بمدينة لبلة. ~~PageV03P0047 # وسبب ذلك أنه سكر يوما فتذكر من قتل من أصحابه اليمانية مع العلاء، ms2043 وقد ~~ذكرناه، فعقد لواء، فلما صحا رآه معقودا فسأل عنه فأخبر به، فأراد حله ثم ~~قال: ما كنت لأعقد لواء ثم أحله بغير شيء ؟! وشرع في الخلاف، فاجتمعت ~~اليمانية إليه وقصد إشبيلية وتغلب عليها وكثر جمعه، فبادره عبد الرحمن صاحب ~~الأندلس في جموعه، فامتنع المطري في قلعة زعواق لإحدى عشرة ليلة خلت من ~~ربيع الأول، فحصره عبد الرحمن فيها وضيق عليه ومنع أهل الخلاف من الوصول ~~إليه. وكان قد وافقه على الخلاف غياث بن علقمة اللخمي، وكان بمدينة شذونة، ~~وقد انضاف إليه جماعة من رؤساء القبائل يريدون إمداد الطري، وهم في جمع ~~كثير. فلما سمع عبد الرحمن ذلك سير إليهم بدرا مولاه في جيش، فحال بينهم ~~وبين الوصول إلى المطري، فطال الحصار عليه وقلت رجاله بالقتل، ففارقه ~~بعضهم، فخرج يوما من القلعة وقاتل فقتل وحمل رأسه إلى عبد الرحمن. فقدم أهل ~~القلعة عليهم خليفة بن مروان، فدام الحصار عليهم، فأرسل أهلها يطلبون ~~الأمان من عبد الرحمن ليسلموا إليه خليفة، فأجابهم إلى ذلك وآمنهم، فسلموا ~~إليه الحصن وخليفة، فخرب الحصن وقتل خليفة ومن معه، ثم انتقل إلى غياث، ~~وكان موافقا للمطري على الخلاف، فحصرهم وضيق عليهم، فطلبوا الأمان فآمنهم ~~إلا نفرا كان يعرف كراهتهم لدولته، فإنه قبض عليهم، وعاد إلى قرطبة، فلما ~~عاد إليها خرج عليه عبد الله بن خراشة الأسدي بكورة جيان، فاجتمعت إليه ~~جموع، فأغار على قرطبة، فسير إليه عبد الرحمن جيشا، فتفرق جمعه، فطلب ~~الأمان، فبذله له عبد الرحمن ووفى له. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها عسكر صالح بن علي بدابق ولم يغز. وحج بالناس أبو جعفر المنصور، ~~وكان ولاة الأمصار من تقدم ذكرهم. وفيها مات سليمان بن مهران الأعمش، وكان ~~مولده سنة ستين. وفيها مات جعفر بن محمد الصادق وقبره بالمدينة يزال، وهو ~~وأبوه وجده في قبر واحد مع الحسن بن علي بن أبي طالب. وفيها مات زكرياء بن ~~أبي زائدة. وأبو أمية عمرو بن الحارث بن يعقوب مولى قيس بن سعد بن عبادة، ~~وقيل غير ذلك، ms2044 وكان مولده سنة تسعين. وعبد الله بن يزيد مولى الأسود بن ~~سفيان، ويقال مولى تميم، وهو ثقة. ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي. ~~ومحمد ابن الوليد الزبيدي. ومحمد بن عجلان المدني. وعوام بن حوشب بن يزيد ~~ابن رويم الشيباني الواسطي. ويحيى بن أبي عمرو السيباني، من أهل الرملة. ~~سيبان بالسين المهملة، ثم بالياء المثناة من تحت، ثم بالباء الموحدة: بطن من حمير. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائة # وفيها غزا العباس بن محمد الصائفة أرض الروم ومعه الحسن بن قحطبة ومحمد ~~بن الأشعث، فمات محمد في الطريق. وفيها استتم المنصور بناء سور بغداد ~~وخندقها وفرغ من جميع أمورها وسار إلى حديثة الموصل ثم عاد. وحج بالناس ~~محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. وفيها عزل عبد الصمد ~~بن علي على مكة في قول بعضهم، واستعمل محمد بن إبراهيم. وكان عمال الأمصار ~~من تقدم ذكرهم سوى مكة والطائف. وفيها أغزى عبد الرحمن صاحب الأندلس بدرا ~~مولاه إلى بلاد العدو فجاوز إليه وأخذ جزيتها. وكان أبو الصباح حي بن يحيى ~~على إشبيلية فعزله فدعا إلى الخلاف، فأنفذ إليه عبد الرحمن وخدعه حتى حضر ~~عنده فقتله. وفيها مات سلم بن قتيبة الباهلي بالري، وكان مشهورا عظيم ~~القدر. وكهمس بن الحسن أبو الحسن التميمي البصري. وفيها توفي عيسى بن عمر ~~الثقفي النحوي المشهور، وعنه أخذ الخليل النحو، وله فيه تصنيف. ### | AUT ثم دخلت سنة خمسين ومائة # ### || AUT ذكر خروج أستاذ سيس # وفيها خرج أستاذ سيس في أهل هراة وباذغيس وسجستان وغيرها من خراسان، ~~وكان فيما قيل في ثلاثمائة ألف مقاتل، فغلبوا على عامة خراسان، وساروا حتى ~~التقوا هم وأهل مرو الروذ، فخرج إليهم الأجشم المروروذي في أهل مرو الروذ ~~فقاتلوه قتالا شديدا، فقتل الأجشم وكثر القتل في أصحابه وهزم عدة من ~~القواد، منهم: معاذ بن مسلم، وجبرائيل بن يحيى، وحماد ابن عمرو، وأبو النجم ~~السجستاني، وداود بن كرار. PageV03P0048 # ووجه المنصور، وهو بالرذان، خازم بن خزيمة إلى ms2045 المهدي، فولاه المهدي ~~محاربة أستاذ سيس وضم إليه القواد. فسار خازم وأخذ معه من انهزم وجعلهم في ~~أخريات الناس يكثر بهم من معه، وكان معه من هذه الطبقة اثنان وعشرون ألفا. ~~ثم انتخب منهم ستة آلاف رجل وضمهم إلى اثني عشر ألفا كانوا معه من ~~المنتخبين، وكان بكار بن سلم فيمن انتخب، وتعبأ للقتال، فجعل الهيثم بن ~~شعبة بن ظهير على ميمنته، ونهار بن حصين السعدي على ميسرته، وبكار بن سلم ~~العقيلي في مقدمته، وكان لواؤه مع الزبرقان. فمكر بهم وراوغهم في أن ينقلهم ~~من موضع إلى موضع وخندق إلى خندق حتى قطعهم، وكان أكثرهم رجالة، ثم سار ~~خازم إلى موضع فنزله وخندق عليه وعلى جميع أصحابه، وجعل له أربعة أبواب، ~~وجعلى على كل باب ألفا من أصحابه الذين انتخب. وأتى أصحاب أستاذ سيس ومعهم ~~الفؤوس والمرور والزبل ليطموا الخندق، فأتوا الخندق من الباب الذي عليه ~~بكار بن سلم، فحملوا على أصحاب بكار حملة هزموهم بها، فرمى بكار بنفسه، ~~فترجل على باب الخندق وقال لأصحابه: لا يؤتى المسلمون من ناحيتنا. فترجل ~~معه من أهله وعشيرته نحو من خمسين رجلا وقاتلوهم حتى ردوهم من بابهم، ثم ~~أقبل إلى الباب الذي عليه خازم رجل من أصحاب أستاذ سيس من أهل سجستان اسمه ~~الحريش، وهو الذي كان يدبر أمره، فلما رآه خازم مقبلا بعث إلى الهيثم بن ~~شعبة، وكان في الميمنة، يأمره أن يخرج من الباب الذي عليه بكار، فإن من ~~بإزائه قد شغلوا عنهم، ويسير حتى يغيب عن أبصارهم، ثم يرجع من خلف العدو، ~~وقد كانوا يتوقعون قدوم أبي عون بن سلم بن قتيبة من طخارستان. وبعث خازم ~~إلى بكار: إذا رأيت رايات الهيثم قد جاءت كبروا وقولوا: قد جاء أهل ~~طخارستان. ففعل ذلك الهيثم، وخرج خازم في القلب على الحريش وشغلهم بالقتال ~~وصبر بعضهم لبعض. فبينا هم على ذلك نظروا إلى أعلام الهيثم فتنادوا بينهم: ~~جاء أهل طخارستان، فلما نظروا إليها حمل عليهم أصحاب خازم فكشفوهم، ولقيهم ~~أصحاب الهيثم فطعنوهم بالرماح ms2046 ورموهم بالنشاب. وخرج عليهم نهار بن حصين من ~~ناحية الميسرة وبكار بن سلم وأصحابه من ناحيتهم فهزموهم ووضعوا فيهم ~~السيوف، فقتلهم المسلمون فأكثروا، وكان عدد من قتل سبعين ألفا، وأسروا ~~أربعة عشر ألفا، ونجا أستاذ سيس إلى جبل في نفر يسير، فحصرهم خازم وقتل ~~الأسرى، ووافاه أبو عون وعمرو ابن سلم ومن معهما، فنزل أستاذ سيس على حكم ~~أبي عون، فحكم أن يوثق أستاذ سيس وبنوه وأهل بيته بالحديد، وأن يعتق ~~الباقون وهم ثلاثون ألفا، فأمضى خازم حكمه وكسا كل رجل ثوبين، وكتب إلى ~~المهدي بذلك، فكتب المهدي إلى المنصور. وقيل: إن خروج أستاذ سيس كان سنة ~~خمسين، وكانت هزيمته سنة إحدى وخمسين ومائة. وقد قيل: إن أستاذ سيس ادعى ~~النبوة وأظهر أصحابه الفسق وقطع السبيل. وقيل: إنه جد المأمون أبو أمه ~~مراجل، وابنه غالب خال المأمون، وهو الذي قتل ذا الرياستين الفضل بن سهل ~~لمواطأة من المأمون، وسيرد ذكره إن شاء الله. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل المنصور جعفر بن سليمان عن المدينة وولاها الحسن ابن ~~زيد بن الحسن بن الحسن بن علي. وفيها خرج بالأندلس غياث بن المسير الأسدي ~~بنائحة فجمع العمال لعبد الرحمن جمعا كثيرا وسار إلى إياث، فواقعه، فانهزم ~~غياث ومن معه وقتل غياث وبعث برأسه إلى عبد الرحمن بقرطبة وفيها مات جعفر ~~بن أبي جعفر المنصور، وصلى عليه أبوه، ودفن ليلا في مقابر قريش، ولم يكن ~~للناس في هذه السنة صائفة. وحج بالناس عبد الصمد بن علي، وكان هو العامل ~~على مكة في قول بعضهم، وقال بعضهم: بل كان العامل محمد بن إبراهيم. وكان ~~على الكوفة محمد بن سليمان بن علي، وعلى البصرة عقبة بن سلم، وعلى قضائها ~~سوار، وعلى مصر يزيد بن حاتم. وفي هذه السنة مات الإمام الأعظم أو حنيفة ~~النعمان بن ثابت. ومعمر ابن راشد. PageV03P0049 # وعمر بن ذر، وقيل: مات عمر سنة خمس وخمسين ومائة، وكان من الصالحين، يقول ~~بالإرجاء. وفي سنة خمسين مات عبد الملك بن عبد العزيز ms2047 بن جريج. ومحمد بن ~~إسحاق بن يسار صاحب المغازي، وقيل: مات سنة إحدى وخمسين. وفيها مات مقاتل ~~بن سليمان البلخي المفسر، وكان ضعيفا في الحديث. وأبو جناب الكلبي. وعثمان ~~بن الأسود. وسعيد ابن أبي عروبة، واسم أبي عروبة مهران مولى بني يشكر، ~~كنيته أبو النضر. يسار بالياء تحتها نقطتان، وبالسين يسار المهملة. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة # فيها أغارت الكرك على جدة. ### || AUT ذكر عزل عمر بن حفص عن السند # ### || AUT وولاية هشام بن عمرو # وفيها عزل المنصور بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة المعروف ~~بهزارمرد، يعني ألف رجل، عن السند، واستعمل عليها هشام بن عمرو التغلبي، ~~واستعمل عمر بن حفص على إفريقية. وكان سبب عزله عن السند أنه كان عليها لما ~~ظهر محمد وإبراهيم ابنا عبد الله بن الحسن، فوجه محمد ابنه عبد الله ~~المعروف بالأشتر إلى البصرة، فاشترى منها خيلا عتاقا ليكون سبب وصولهم إلى ~~عمر بن حفص لأنه كان فيمن بايعه من قواد المنصور، وكان يتشيع، وساروا في ~~البحر إلى السند، فأمرهم عمر أن يحضروا خيلهم، فقال له بعضهم: إنا جئناك ~~بما هو خير من الخيل وبما لك فيه خير الدنيا والآخرة فأعطنا الأمان إما ~~قبلت منا وإما سترت وأمسكت عن إيذائنا حتى نخرج عن بلادك راجعين. فآمنه. ~~فذكر له حالهم وحال عبد الله بن محمد بن عبد الله أرسله أبوه إليه، فرحب ~~بهم وبايعهم وأنزل الأشتر عنده مختفيا، ودعا كبراء أهل البلد وقواده وأهل ~~بيته إلى البيعة، فأجابوه، فقطع ألويتهم البيض وهيأ لبسه من البياض ليخطب ~~فيه وتهيأ لذلك يوم الخميس، فوصله مركب لطيف فيه رسول من امرأة عمر ابن حفص ~~تخبره بقتل محمد بن عبد الله، فدخل على الأشتر فأخبره وعزاه، فقال له ~~الأشتر: إن أمري قد ظهر ودمي في عنقك. قال عمر: قد رأيت رأيا، ها هنا من ~~ملوك السند عظيم الشأن كثير المملكة، وهو على شوكة، أشد الناس تعظيما لرسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، وهو وفي، أرسل ms2048 إليه فاعقد بينك وبينه عقدافأوجهك ~~إليه فلست ترام معه. ففعل ذلك، وسار إليه الأشتر، فأكرمه وأظهر بره، وتشللت ~~إليه الزيدية حتى اجتمع معه أربعمائة إنسان من أهل البصائر، فكان يركب فيهم ~~ويتصيد في هيئة الملوك وآلاتهم. فلما انتهى ذلك إلى المنصور بلغ منه وكتب ~~إلى عمر بن حفص يخبره ما بلغه، فقرأ الكتاب على أهله وقال لهم: إن أقررت ~~بالقصة عزلني، وإن صرت إليه قتلني، وإن امتنعت حاربني. فقال له رجل منهم : ~~ألق الذنب علي وخذني وقيدني، فإنه سيكتب في حملي إليه، فاحملن فإنه لا يقدم ~~علي لمكانك في السند وحال أهل بيتك بالبصرة. فقال عمر: أخاف عليك خلاف ما ~~تظن. قال: إن قتلت فنفسي فدا لنفسك. فقيده وحبسه وكتب إلى المنصور بأمره، ~~فكتب إليه المنصور يأمره بحمله، فلما صار إليه رب عنقه. ثم استعمل على ~~السند هشام بن عمرو التغلبي؛ وكان سبب استعماله أن المنصور كان تفكر فيمن ~~يوليه السند، فبينا هو راكب والمنصور ينظر إليه إذ غاب يسيرا ثم عاد ~~فاستأذن على المنصور، فأدخله، فقال: إني لما انصرفت من الموكب لقيتني أختي ~~فلانة، فرأيت من جمالها وعقلها ودينها ما رضيتها لأمير المؤمنين. فأطرق ثم ~~قال: اخرج يأتك أمري. فلما خرج قال المنصور لحاجبه الربيع: لولا قول جرير: ~~لا تطلبن خؤولة في تغلب ... فالزنج أكرم منهم أخوالا لتزوجت إليه قل له لو ~~كان لنا حاجة في النكاح لقبلت، فجزاك الله خيرا وقد وليتك السند. فتجهز ~~إليها، وأمره أن يكاتب ذلك الملك بتسليم عبد الله، فإن سلمه وإلا حاربه، ~~وكتب إلى عمر بن حفص بولايته إفريقية. PageV03P0050 # فسار هشام إلى السند فملكها، وسار عمر إلى إفريقية فوليها، فلما صار هشام ~~بالسند كره أخذ عبد الله الأشتر وأقبل يري الناس أنه يكاتب ذلك الملك، ~~واتصلت الأخبار بالمنصور بذلك، فجعل يكتب إليه يستحثه، فبينا هو كذلك إذ ~~خرجت خارجة ببلاد السند، فوجه هشام أخاه سفنجا، فخرج في جيشه وطريقه بجنبات ~~ذلك الملك، فبينا هو يسير إذا غبرة قد ارتفعت، فظن أنهم مقدمة العدو ms2049 الذي ~~يقصده، قفوجه طلائعه، فزحفت إليه، فقالوا: هذا عبد الله بن محمد العلوي ~~يتنزه على شاطئ مهران. فمضى يريده، فقال نصحاؤه: هذا ابن رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، وقد تركه أخوك متعمدا فخافه أن يبوء بدمه، فلم يقصده، ~~فقال: ما كنت لأدع أخذه ولا أدع أحدا يحظى بأخذه أو قتله عند المنصور. وكان ~~عبد الله في عشرة، فقصده فقاتله عبد الله وقاتل أصحابه حتى قتل وقتلوا ~~جميعا، فلم يفلت منهم مخبر، وسقط عبد الله بين القتلى فلم يشعر به. وقيل: ~~إن أصحابه قذفوه في مهران حتى لا يحمل رأسه، فكتب هشام بذلك إلى المنصور، ~~فكتب إليه إليه المنصور يشكره ويأمره بمحاربة ذلك الملك، فحاربه حتى ظفر به ~~وقتله وغلب على مملكته. وكان عبد الله قد اتخذ سراري فأولد واحدة منهن ~~ولدا، وهو محمد ابن عبد الله الذي يقال له ابن الأشتر، فأخذ هشام السراري ~~والولد معهن فسيرهن إلى المنصور، فسير المنصور والولد إلى عامله بالمدينة ~~وكتب معه بصحة نسبه وتسليمه إلى أهله. ### || AUT ذكر ولاية أبي جعفر عمر بن حفص إفريقية # وفي هذه السنة استعمل المنصور على إفريقية أبا جعفر عمر بن حفص من ولد ~~قبيصة بن أبي صفرة أخي المهلب، وإنما نسب إلي بيت المهلب لشهرته. وكان سبب ~~مسيره إليها أن المنصور لما بلغه قتل الأغلب بن سالم خاف على إفريقية، فوجه ~~إليها عمر واليا، فقدم القيروان في صفر سنة إحدى وخمسين ومائة في خمسمائة ~~فارس، فاجتمع وجوه البلد فوصلهم وأحسن إليهم وأقام والأمور مستقيمة ثلاث ~~سنين. فسار إلى الزاب لبناء مدينة طبنة بأمر المنصور، واستخلف على القيروان ~~حبيب بن حبيب المهلبي، فخلت إفريقية من الجند، فتار بها البربر، فخرج إليهم ~~حبيب فقتل، واجتمع البربر بطرابلس وولوا عليهم أبا حاتم الإباضي واسمه ~~يعقوب بن حبيب مولى كندة، وكان عامل عمر بن حفص على طرابلس الجنيد بن بشار ~~الأسادي، وكتب إلى عمر يستمده، فأمده بعسكر، فالتقوا وقاتلوا أبا حاتم ~~الإباضي، فهمزمهم، فساروا إلى قابس، وحصرهم أبو حاتم وعمر مقيم ms2050 بالزاب على ~~عمارة طبنة، وانتقضت إفريقية من كل ناحية ومضوا إلى طبنة فأحاطوا بها في ~~اثني عشر عسكرا، منهم: أبو قرة الصفري في أربعين ألفا، وعبد الرحمن بن رستم ~~في خمسة عشر ألفا، وأبو حاتم في عسكر كثير، وعاصم السدراتي الإباضي في ستة ~~آلاف، والمسعود الزناتي الإباضي في عشرة آلاف فارس، وغير من ذكرنا. فلما ~~رأى عمر بن حفص إحاطتهم به عزم على الخروج إلى قتالهم، فمنعه أصحابه ~~وقالوا: إن أصبت تلف العرب. فعدل إلى إعمال الحيلة، فأرسل إلى أبي قرة مقدم ~~الصفرية يبذل له ستين ألف درهم ليرجع عنه، فقال: بعد أن سلم علي بالخلافة ~~أربعين سنة أبيع حربكم بعرض قليل من الدنيا ؟ فلم يجبهم إلى ذلك. فأرسل إلى ~~أخي أبي قرة فدفع إليه أربعة آلاف درهم وثيابا عل أن يعمل في صرف أخيه ~~الصفرية، فأجابهم وارتحل من ليلته وتبعه العسكر منصرفين إلى بلادهم، فاضطر ~~أبو قرة إلى أتباعهم. فلما سارت الصفرية سير عمر جيشا إلى ابن رستم وهو في ~~تهوذا، قبيلة من البربر، فقاتلوه، فانهزم ابن رستم إلى تاهرت، فضعف أمر ~~الإباضية عن مقاومة عمر، فساروا عن طبنة إلى القيروان، فحصرها أبو حاتم ~~وعمر بطبنة يصلح أمورها ويحفظها ممن يجاوره من الخوارج، فلما علم ضيق الحال ~~بالقيروان سار إليها. ولما سار عمر بن حفص إلى القيروان استخلف على طبنة ~~عسكرا. فلما سمع أبو قرة بمسير عمر بن حفص سار هو إلى طبنة فحصرها، فخرج ~~إليه من بها من العساكر وقاتلوه، فانهزم منهم وقتل من عسكره خلق كثير. ~~PageV03P0051 # وأما أبو حاتم فإنه لما حصر القيروان كثر جمعه ولازم حصارها وليس في بيت ~~مالها دينار ولا في أهرائها شيء من الطعام، فدام الحصار ثمانية أشهر، وكان ~~الجند يخرجون فيقاتلون الخوارج طرفي النهار حتى جهدهم الجوع وأكلوا دوابهم ~~وكلابهم ولحق كثير من أهلها بالبربر ولم يبق غير دخول الخوارج إليها، ~~فأتاهم الخبر بوصول عمر بن حف من طبنة، فنزل الهريش، وهو في سبعمائة فارس، ~~فزحف الخوارد إليه بأجمعهم وتركوا القيروان، فلما ms2051 فارقوها سار عمر إلى ~~تونس، فتبعه البربر، فعاد إلى القيروان مجدا وأدخل إليها ما يحتاج من طعام ~~ودواب وحطب وغير ذلك، ووصل أبو حاتم والبربر إليه فحصروه، فطال الحصار حتى ~~أكلوا دوابهم، وفي ك يوم يكون بينهم قتال وحرب، فلما ضاق الأمر بعمر وبمن ~~معه قال لهم: الرأي أن أخرج من الحصار وأغير على بلاد البربر وأحمل إليكم ~~الميرة. قالوا: إنا نخاف بعدك، قال: فأرسل فلانا وفلانا يفعلان ذلك، ~~فأجابوه، فلما قال للرجلين قالا: لا نتركك في الحصار ونسير عنك. فعزم على ~~إلقاء نفسه إلى الموت، فأتى الخبر أن المنصور قد سير إيه يزيد ابن حاتم بن ~~قتيبة بن المهلب في ستين ألف مقاتل، وأشار عليه من عنده بالتوقف عن القتال ~~إلى أن يصل العسكر، فلم يفعل وخرج وقاتل، فقتل منتصف ذي الحجة سنة أربع ~~وخمسين ومائة، وقام بأمر الناس حميد بن صخر، وهو أخو عمر لأمه، فوادع أبا ~~حاتم وصالحه على أن حميدا ومن معه لا يخلعون المنصور ولا ينازعهم أبو حاتم ~~في سوادهم وسلاحهم، وأجابهم إلى ذلك وفتحت له القيروان، وخرج أكثر الجند ~~إلى طبنة، وأحرق أبو حاتم أبواب القيروان وثلم سورها. وبلغه وصول يزيد بن ~~حاتم فسار إلى طرابلس وأمر صاحبه بالقيروان بأخذ سلاح الجند وأن يفرق ~~بينهم، فخالف بعض أصحابه وقالوا: لا نغدر بهم، وكان المقدم على المخالفيين ~~عمر بن عثمان الفهري، وقام في القيروان وقتل أصحاب أبي حاتم، فعاد أبو ~~حاتم، فهرب عمر بن عثمان من بين يديه إلى تونس، وعاد أبو حاتم إلى طرابلس ~~لقتال يزيد بن حاتم. فقيل: كان بين الخوارج والجنود من لدن عمر بن حفص إلى ~~انقضاء أمرهم ثلاثمائة وخمس وسبعون وقعة. ### || AUT ذكر ولاية يزيد بن حاتم إفريقية وقتال الخوارج # لما بلغ المنصور ما حل بعمر بن حفص من الخوارج جهز يزيد بن حاتم ابن ~~قبيصة بن أي صفرة في ستين ألف فارس وسيره إلى إفريقية، فوصلها سنة أربع ~~وخمسين ومائة. فلما قاربها سار إليه بعض جندها واجتمعوا به وساروا ms2052 معه إلى ~~طرابلس، فسار أبو حاتم الخارجي إلى جبال نفوسة، وسير يزيد طائفة من العسكر ~~إلى قابس، فلقيهم أبو حاتم فهزمهم، فعادوا إلى يزيد، ونزل أبو حاتم في مكان ~~وعر وخندق على عسكره، وعبأ يزيد أصحابه وسار إليه، فالتقوا في ربيع الأول ~~سنة خمس وخمسين، فاقتتلوا أشد قتال، فانهزمت البربر وقتل أبو حاتم وأهل ~~نجدته، وطلبهم يزيد في كل سهل وجبل فقتلهم قتلا ذريعا، وكان عدة من قتل في ~~المعركة ثلاثين ألفا. وجعل آل المهلب يقتلون الخوارج ويقولون: يا لثارات ~~عمر بن حفص ! وأقام شهرا يقتل الخوارج، ثم رحل إلى القيروان. فكان عبد ~~الرحمن بن حبيب بن عبد الرحمن الفهري مع أبي حاتم، فهرب إلى كتامة، فسير ~~إليهم يزيد بن حاتم جيشا فحصروا البربر وظفروا بهم وقتلوا منهم خلقا كثيرا، ~~وهرب عبد الرحمن وقتل جميع من كان معه وصفت إفريقية، وأحسن يزيد السيرة ~~وآمن الناس إلى أن انتقضت ورفجومة سنة أربع وستين ومائة بأرض الزاب وعليها ~~أيوب الهواري، فسير إليهم عسكرا كثيرا، واستعمل عليهم يزيد بن مجزاء ~~المهلبي، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم يزيد وقتل كثير من أصحابه، وقتل المخارق ~~بن غفار صاحب الزاب، فولي مكانه المهلب بن يزيد المهلبي وأمدهم يزيد بن ~~حاتم بجمع كثير، واستخمل عليهم العلاء بن سعيد المهلبي، وانضم إليهم ~~المنهزمون ولقوا ورفجومة واقتتلوا، واشتد القتال، فانهزمت البربر وأيوب ~~وقتلوا بكل مكان حتى أتي على آخرهم، ولم يقتل من الجند أحد. ثم مات يزيد في ~~رمضان سنة سبعين ومائة، وكانت ولايته خمس عشرة سنة وثلاثة أشهر، واستخلف ~~ابنه داود على إفريقية. ### || AUT ذكر بناء الرصافة للمهدي # PageV03P0052 # وفي هذه السنة قدم المهدي من خراسان في شوال، فقدم عيه أهل بيته من الشام ~~والكوفة والبصرة وغيرها فهنأوه بمقدمه، وفأجازهم وحملهم وكساهم، وفعل بهم ~~المنصور مثل ذلك، وبنى له الرصافة. وكان سبب بنائها أن بعض الجند شغبوا على ~~المنصور وحاربوه على باب الذهب، فدخل عليه قثم بن العباس، وهو شيخهم، وله ~~الحرمة والتقدم عندهم، فقال له المنصور: أما ترى ما نحن ms2053 فيه من التياث ~~الجند علينا ؟ وقد خفت أن تجتمع كلمتهم فيخرج هذا الأمر من أيدينا، فما ترى ~~؟ قال: يا أمير المؤمنينعندي رأي إن اظهرته لك فسد، وإن تركتني أمضيه وصلحت ~~خلافتك وهابك جندك. قال له: أفتمضي في خلافتي شيئا لا أعلمه ؟ فقال له: إن ~~كنت عندك متهما فلا تشاورني، وإن كنت مأمونا عليها فدعني أفعل رأيي. قال له ~~المنصور: فأمضه. فانصرف قثم إلى منزله، فدعا غلاما له فقال له: إذا كان غدا ~~فتقدمن واجلس في دار أمير المؤمنين، فإذا رأيتني قد دخلت وتوسطت أصحاب ~~المراتب فخذ بعنان بغلتي فاستحلفني بحق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وبحق العباس وبحق أمير المؤمنين إلا ما وقفت لك وسمعت مسألتك وأجبتك عنها، ~~فإني سأنتهرك وأغلظ لك القول فلا تخف وعاود المسألة، فإني سأضربك فعاود وقل ~~لي: أي الحيين أشرف، اليمن أم مضر ؟ فإذا أجبتك فاترك البغلة وأنت حر. ففعل ~~الغلام ما أمره، وفعل قثم به ما قاله، ثم قال: مضر أشرف لأن منها رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، وفيها كتاب الله، وفيها بيت الله، ومنها خليفة ~~الله. فامتعضت لذلك اليمن إذ لم يذكر لهم شيئا من شرفها، وقال بعض قوادهم: ~~ليس الأمر كذلك مطلقا بغير فضيلة لليمن؛ ثم قال لغلام له: قم إلى بغلة ~~الشيخ فاكبحها. ففعل حتى كاد يقعيها، فامتعضت مضر وقالوا: أيفعل هذا بشيخنا ~~؟ فأمر بعضهم غلامه فضرب يد ذلك الغلام فقطعها، فنفر الحيان. ودخل قثم على ~~المنصور فافترق الجند، فصارت مضر فرقة، وربيعة فرقة، والخراسانية فرقة. ~~فقال قثم للمنصور: قد فرقت بين جندك وجعلتهم أحزابا كل حزب منهم يخاف أن ~~يحدث عليك حدثا فتضربه بالحزب الآخر، وقد بقي عليك في التدبير بقية، وهي أن ~~تعبر بابنك فتنزله في ذلك الجانب وتحول معه قطعة من جيشك فيصير ذلك بلدا ~~وهذا بلدا، فإن فسد عليك أولئك ضربتهم بهؤلاء، وإن فسد عليك هؤلاء ضربتهم ~~بأولئك، وإن فسد عيك بعض القبائل ضربتهم بالقبيلة الأخرى. فقبل رأيه ~~واستقام ملكه وبنى الرصافة، وتولى صالح صاحب ms2054 المصلى ذلك. ### || AUT ذكر قتل سليمان بن حكيم العبدي # في هذه السنة سار عقبة بن سلم من البصرة - واستخلف عليها نافع بن عقبة - ~~إلى البحرين، فقتل سليمان بن حكيم وسبى أهل البحرين وأنفذ بعض السبي ~~والأسارى إلى المنصور، فقتل بعضهم ووهب الباقين للمهدي، فأطلقهم وكساهم، ثم ~~عزل عقبة عن البصرة لأنه لم يستقص على أهل البحرين. وزعم بعضهم أن المنصور ~~استعمل معن بن زائدة الشيباني على سجستان هذه السنة. وحج بالنس هذه السنة ~~محمد بن إبراهيم الإمام، وكان هو العامل بمكة والطائف؛ وعلى المدينة الحسن ~~بن زيد، وعلى البضرة جابر بن توبة الكلابي، وعلى الكوفة محمد بن سليمان، ~~وعلى مصر يزيد بن حاتم. ### || AUT ذكر ابتداء أمر شقنا وخروجه بالأندلس # وفيها ثار في الشرق من الأندلس رجل من بربر مكناسة كان يعلم الصبيان، ~~وكان اسمه شقنا بن عبد الواحد، وكانت أمه تسمى فاطمة، وادعى أنه من ولد ~~فاطمة، عليها السلام، ثم من ولد الحسين، عليه السلام، وتسمى بعبد الله بن ~~محمد، وسكن شنت برية، واجتمع عليه خلق كثير من البربر، وعظم أمره، وسار إلى ~~عبد الرحمن الأموي فلم يقف له وراغ في الجبال، فكان إذا أمن انبسط، وإذا ~~خاف صعد الجبال بحيث يصعب طلبه. فاستعمل عبد الرحمن على طليطلة حبيب بن عبد ~~الملك، فاستعمل حبيب على شنت برية سليمان بن عثمان بن مروان بن أبان بن ~~عثمان بن عفان وأمره بطلب شقنا. فنزل شقنا إلى شنت برية وأخذ سليمان فقتله، ~~واشتد أمره، وطار ذكره وغلب على ناحية قورية وأفسد في الأرض. PageV03P0053 # فعاد عبد الرحمن الأموي فغزاه في سنة اثنتين وخمسين ومائة بنفسه، فلم ~~يثبت له فأعياه أمره، فعاد عنه وسير إليه سنة ثلاث وخمسين بدرا مولاه، فهرب ~~شقنا وأخلى حصنه شطران، ثم غزاه عبد الرحمن الأموي بنفسه سنة أربع وخمسين ~~ومائة، فلم يثبت له شقنا، ثم سير إليه سنة خمس وخمسين أبا عثمان عبيد الله ~~بن عثمان، فخدعه شقنا وأفسد عليه جنده، فهرب عبيد الله، وغنم شقنا عسكره ~~وقتل جماعة ms2055 من بني أمية كانوا في العسكر. وفي سنة خمس وخمسين أيضا سار شقنا ~~بعد أن غنم عسكر عبيد الله إلى حصن الهواريين المعروف بمدائن، وبه عامل ~~لعبد الرحمن، فمكر به شقنا حتى خرج إليه، فقتله شقنا وأخذ خيله وسلاحه ~~وجميع ما كان معه. ### || AUT ذكر قتل معن بن زائدة # في هذه السنة قتل معن بن زائدة الشيباني بسجستان، وكان المنصور قد ~~استعمله عليها، فلما وصلها أرسل إلى رتبيل يأمره بحمل القرار الذي عليه كل ~~سنة، فبعث إليه عروضا وزاد في ثمنها، فغضب معن وسار إلى الرخج وعلى مقدمته ~~ابن أخيه مزيد بن زائدة، فوجد رتبيل قد خرج عنها إلى زابلستان ليصيف بها، ~~ففتحها وأصاب سبيا كثيرا، وكان في السبي فرج الرخجي، وهو صبي، وأبوه زياد، ~~فرأى معن غبارا ساطعا أثارته حمر الوحش، فظن أنه جيش أثبل نحوه ليخلص السبي ~~والأسرى، فأمر بوضع السيف فيهم، فقتل منهم عدة كثيرة، ثم ظهر له أمر الغبار ~~فأمسك. فخاف معن الشتاء وهجومه فانصرف إلى بست، وأنكر قوم من الخوارج سرته ~~فاندسوا مع فعلة كانوا يبنون فيء منزله، فلما بلغوا التسقيف أخفوا سيوفهم ~~في القصب ثم دخلوا عليه بيته وهو يحتجم ففتكوا به، وشق بعضهم بطنه بخنجر ~~كان معه، وقال أحدهم لما ضربه: أنا الغلام الطاقي ! والطاق رستاق بقرب ~~زرنج، فقتلهم يزيد بن مزيد، فلم ينج منهم أحد. ثم إن يزيد قام بأمر سجستان ~~واشتدت على العرب والعجم من أهلها وطأته، فاحتال بعض العرب فكتب على لسانه ~~إلى المنصور كتابا يخبره فيه أن كتب المهدي إليه قد خيرته وأدهشته، ويسأل ~~أن يعفيه من معاملته، فأغضب ذلك المنصور وشتمه وأقر المهدي كتابه، فعزله ~~وأمر بحبسه وبيع كل شيء له، ثم إنه كلم فيه فأشخص إلى مدينة السلام، فلم ~~يزل بها مجفوا حتى لقيه الخوارج على الجسر فقاتلهم، فتحرك أمره قليلا، ثم ~~وجه إلى يوسف البرم بخراسان فلم يزل في ارتفاع إلى أن مات. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا الصائفة عبد الوهاب بن إبراهيم ms2056 الإمام. وفيها استعمل ~~المنصور على الموصل إسماعيل بن خالد بن عبد الله القسري. وفيها مات عبد ~~الله بن عون، وكان مولده سنة ست وستين. وفيها ومات أسيد بن عبد الله في ذي ~~الحجة، وهو أمير خراسان، وحنظلة بن أبي سفيان الجمحي. وعلي بن صالح بن حبي ~~أخو الحسن بن صالح، وكانا تقيين، فيهما تشيع. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائة # وفيها غزا حميد بن قحطبة كابل، وكان قد استعمله المنصور على خراسان سنة ~~إحدى وخمسين. وغزا الصائفة عبد الوهاب بن إبراهيم، وقيل أخوه محمد بن ~~إبراهيم الإمام، ولم يدرب. وفيها عزل المنصور جابر بن توبة عن البصرة ~~واستعمل عليها يزيد بن منصور. وفيها قتل المنصور هاشم بن الأساجيج، وكان قد ~~خالف وعصى بإفريقية، فحمل إليه فقتله. وحج بالناس هذه السنة المنصور. وفيها ~~عزل يزيد بن حاتم عن مصر واستعمل عليها محمد بن سعيد، وكان عمال الأمصار ~~سوى ما ذكرنا الذين تقدم ذكرهم. وفيها مات محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد ~~الله بن شهاب، وهو ابن أخي محمد بن شهاب الزهري، روي عنه عمه. وفيها مات ~~يونس بن يزيد الأيلي، روى عنه الزهري أيضا. وفيها مات طلحة بن عمرو ~~الحضرمي. وإبراهيم بن أبي عبلة، واسم أبي عبلة شمر بن يقظان بن عامر ~~العقيلي. الأيلي بفتح الهمزة، وبالياء تحتها نقطتان. والعقيلي بضم العين، ~~وفتح القاف. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائة # فيها عاد المنصور من مكة إلى البصرة فجهز جيشا في البحر إلى الكرك الذين ~~تقدم ذكر إغارتهم على جدة. وفيها قبض المنصور على أبي أيوب المورياني وعلى ~~أخيه وبني أخيه، وكانت منازلهم المناذر، وكان قد سعى به كاتبه أبان بن ~~صدقة. PageV03P0054 # وقيل: كان سبب قبضه أن المنصور في دولة بني أمية ورد على الموصل وأقام ~~بها مستترا وتزوج امرأة من الأزد، فحملت منه، ثم فارق الموصل وأعطاها تذكرة ~~وقال لها: إذا سمعت بدولة لبني هاشم فأرسلي هذه التذكرة إلى صاحب الأمر فهو ~~يعرفها، فوضعت المرأة ولدا سمته ms2057 جعفرا، فنشأ وتعلم الكتابة وما يحتاج إليه ~~الكاتب. وولي المنصور الخلافة، فقدم جعفر إلى بغداد واتصل بأبي أيوب فجعله ~~كاتبا بالديوان، فطلب المنصور يوما من أبي أيوب كاتبا يكتب له شيئا، فأرسل ~~جعفرا إليه، فلما رآه المنصور مال إليه وأحبه، فلما أمره بالكتابة رآه ~~حاذقا ماهرا، فسأله من أين هو ومن أبوه، فذكر فله الحال وأراه التذكرة، ~~وكانت معه، فعرفه المنصور وصار يطلبه كل وقت بحجة الكتابة، فخافه أبو أيوب. ~~ثم إن المنصور أحضره يوما وأعطاه مالا وأمر أن يصعد إلى الموصل ويحضر ~~والدته، فسار من بغداد، وكان أبو أيوب قد وضع عليه العيون يأتونه بأخباره، ~~فلما علم مسيره سير وراءه من اغتاله في الطريق فقتله، فلما أبطأ على ~~المنصور أرسل إلى أمه بالموصل من يسألها عنه، فذكرت له أنها لا علم لها به ~~إلا أنه ببغداد يكتب في ديوان الخليفة، فلما علم المنصور ذلك أرسل من يقص ~~أثره، فانتهى إلى موضع وانقطع خبره، فعلم أنه قتل هناك، وكشف الخبر فرأى أن ~~قتله من يد أبي أيوب، فنكبه وفعل به ما فعل. وقبض المنصور أيضا على عباد ~~مولاه، وعلى هرثمة بن أعين بخراسان وأحضرا مقيدين لتعصبهما لعيسى بن موسى. ~~وفيها أخذ المنصور الناس بتلبيس القلانس الطوال المفرطة الطول، فقال أبو ~~دلامة: وكنا نرجي من إمام زيادة ... فزاد الإمام المصطفى في القلانس وفيها ~~توفي عبيد ابن بنت ابن أبي ليلى قاضي الكوفة، فاستقضي مكانه شريك بن عبد ~~الله النخعي. وفيها غزا الصائفة معيوف بن يحيى الحجوري فوصل إلى حصن من ~~حصون الروم ليلا وأهله نيام، فسبى وأسر من كان فيه، ثم قصد اللاذقية الخراب ~~فسبى منها ستة آلاف رأس سوى الرجال البالغين. وحج بالناس هذه السنة المهدي، ~~وكان أمير مكة محمد بن إبراهيم، وأمير المدينة الحسن بن زيد، وأمير مصر ~~محمد بن سعيد، وكن يزيد بن منصور على اليمن في قول بعضهم، وعلى الموصل ~~إسماعيل بن خالد بن عبد الله ابن خالد. وفيها مات هشام بن الغاز بن ربيعة ~~الجرشي، وقيل: ms2058 سنة ست وخمسين، وقيل: تسع وخمسين. والحسن بن عمارة. وعبد ~~الرحمن بن يزيد بن جابر. وثور بن يزيد. وعبد الحميد بن جعفر بن عبد الله ~~الأنصاري. والضحاك ابن عثمان بن عبد الله بن خالد بن خزام من ولد أخي حكيم ~~بن حزام. وفطر ابن خليفة الكوفي. فطر بالفاء والراء المهملة. والجرشي بضم ~~الجيم، وبالشين المعجمة. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة # في هذه السنة سار المنصور إلى الشام وبيت المقدس وسير يزيد بن حاتم ابن ~~قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة إلى إفريقية في خمسين ألفا لحرب الخوارج الذين ~~قتلوا عمر بن حفص، وأراد المنصور بناء الرافق فمنعه أهل الرقة، فهم ~~لمحاربتهم. وسقطت في هذه السنة الصاعقة فقتلت بالمسجد الحرام خمسة نفر. ~~وفيها هلك أبو أيوب المورياني، وأخوه خالد، وأمر المنصور بقطع أيدي بني ~~أخيه وأرجلهم وضرب أعناقهم. وفيها استعمل على البصرة عبد الملك بن ظبيان ~~النميري، وغزا الصائفة زفر بن عاصم الهلالي فبلغ الفرات. وحج بالناس محمد ~~بن إبراهيم وهو على مكة. وكان على إفريقية يزيد بن حاتم، وكان العمال من ~~تقدم ذكرهم. وفيها مات أو عمرو بن العلاء، وقيل: مات سنة سبع وخمسين، وكان ~~عمره ستا وثمانين سنة. ومحمد بن عبد الله الشعيثي النصري بالنون. وفيها مات ~~عثمان بن عطاء. وجعفر بن برقان الجزري. وأشعب الطامع. وعلي بن صالح بن حبي. ~~وعمر بن إسحاق بن يسار أخو محمد بن إسحاق. ووهيب بن الورد المكي الزاهد. ~~وقرة بن خالد أبو خالد السدوسي البصري وهشام الدستوائي، وهو هشام بن أبي ~~عبد الله البصري. الشعيثي بضم السين المعجمة، وفي آخره ثاء مثلثة. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة # فيها دخل يزيد بن حاتم إفريقية، وقتل أبا حاتم، وملك القيروان وسائر ~~الغرب. وقد تقدم ذكر مسيره ورحوبه مستقصى. PageV03P0055 # وفيها سير المنصور المهدي لبناء الرافقة، فسار إليها، فبناها على بناء ~~مدينة بغداد، وعمل للكوفة والبصرة سورا وخندقا، وجعل ما أنفق فيه من ~~الأموال على أهلها. ولما أراد المنصور معرفة عددهم أمر ms2059 أن يقسم فيهم خمسة ~~دراهم خمسة دراهم، فلما علم عددهم، أمر بجبايتهم أربعين درهما لكل واحد، ~~فقال الشاعر: يا لقومي ما لقينا ... من أمير المؤمنينا قسم الخمسة فينا ... ~~وجبانا الأربعينا وفيها طلب ملك الروم الصلح إلى المنصور على أن يؤدي إليه ~~الجزية. وفيها غزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمي. وعزل عبد الملك بن أيوب بن ~~ظبيان عن البصرة، واستعمل عليها الهيثم بن معاوية العتكي. ### || AUT ذكر عزل العباس بن محمد عن الجزيرة # ### || AUT واستعمال موسى بن كعب # وفيها عزل المنصور أخاه العباس بن محمد عن الجزيرة، وغضب عليه، وغرمه ~~مالا فلم يزل ساخطا عليه، حتى غضب على عمه إسماعيل بن علي، فشفع فيه عمومة ~~المنصور، وضيقوا عليه، حتى رضي عنه، فقال عيسى بن موسى للمنصور: يا أمير ~~المؤمنين، أرى آل علي بن عبد الله، وإن كانت نعمك عليهم سابغة، فإنهم ~~يرجعون إلى الحسد لنا، فمن ذلك أنك غضبت على إسماعيل بن علي، منذ أيام ~~فضيقوا عليك، حتى رضيت عنه، وأنت غضبان على أخيك العباس منذ كذا وكذا، فما ~~كلمك فيه أحد منهم؛ فرضي عنه. وكان المنصور قد استعمل العباس على الجزيرة ~~بعد يزيد بين أسيد، فشكا يزيد منه وقال: إنه أساء عزلي، وشتم عرضي. فقال له ~~المنصور: أجمع بني إحساني وإساءته يعتدلا. فقال له يزيد بن أسيد: إذا كان ~~إحسانكم جزاء لإساءتكم كانت طاعتنا تفضلا منا عليكم. ولما عزل المنصور أخاه ~~عن الجزيرة استمل عليها موسى بن كعب. ### || AUT ذكر عزل محمد بن سليمان عن الكوفة واستعمال عمرو بن زهير # وفيها عزل محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس عن الكوفة، ~~واستعمل عليها عمرو بن زهير الضبي أخا المسيب بن زهير؛ وقيل: إنما عزل سنة ~~ثلاث وخمسين، وكان عزله لأسباب بلغته عنه، منها أنه قتل عبد الكريم بن أبي ~~العوجاء، وكان قد حبسه على الزندقة، وهو خال معن بن زائدة الشيباني، فكثر ~~شفعاؤه عند المنصور، ولم يتكلم فيه إلا ظنين منهم، فكتب إلى محمد بن سليمان ~~بالكف ms2060 عنه إلى أن يأتيه رأيه. وكان ابن أبي العوجاء قد أرسل إلى محمد بن ~~سليمان يسأله أن يؤخره ثلاثة أيام، ويعطيه مائة ألف، فلما ذكر لمحمد أمر ~~بقتله، فلما أيقن أنه مقتول قال: والله لقد وضعت أربعة آلاف حديث حللت فيها ~~الحرام، وحرمت فيها الحلال، والله لقد فطرتكم يوم صومكم، وصومتكم يوم ~~فطركم؛ فقتل. وورد كتاب المنصور إلى محمد يأمره بالكف عنه، فوصل وقد قتله، ~~فلما بلغ قتله المنصور غضب، وقال: والله لقد هممت أن أقيده به ! ثم أحضر ~~عمه عيسى بن علي وقال له: هذا عملك؛ أنت أشرت بتولية هذا الغلام الغر؛ قتل ~~فلانا بغير أمري، وقد كتبت بعزله، وتهدده؛ فقال له عيسى: إن محمدا إنما ~~قتله على الزندقة، فإن كان أصاب فهو لك، وإن أخطأ فعليه، ولئن عزلته على ~~أثر ذلك ليذهبن بالثناء والذكر، ولترجعن بالمقالة من العامة عليك؛ فمزق الكتاب. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أنكرت الخوارج الصفرية المجتمعة بمدينة سجلماسة على أميرهم ~~عيسى بن جرير أشياء، فشدوه وثاقا، وجعلوه على رأس الجبل، فلم يزل كذلك حتى ~~مات، وقدموا على أنفسهم أبا القاسم سمكو بن واسول المكناسي جد مدرار. وفيها ~~ولد أبو سنان الفقيه المالكي بمدينة القيروان من إفريقية. وفيها عزل الحسن ~~بن زيد بن الحسن بن علي عن المدينة، واستعمل عليها عمه عبد الصمد بن علي، ~~وكان على مكة والطائف محمد بن إبراهيم؛ وعلى الكوفة عمرو بن زهير؛ وعلى ~~البصرة الهيثم بن معاوية؛ وعلى مصر محمد بن سعيد؛ وعلى إفريقية يزيد بن ~~حاتم؛ وعلى الموصل خالد بن برمك، وقيل: موسى بن كعب بن سفيان الخثعمي. وفي ~~هذه السنة مات مسعر بن كدام الكوفي الهلالي. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة # ### | AUT ذكر عصيان أهل إشبيلية على عبد الرحمن الأموي # PageV03P0056 # في هذه السنة سار عبد الرحمن الأموي، صاحب الأندلس، إلى حرب شقنا، وقصد ~~حصن شيطران، فحصره وضيق عليه، فهرب إلى المفازة كعادته، وكان قد استخلف على ~~قرطبة ابنه سليمان، فأتاه كتابه يخبره بخروج أهل ms2061 إشبيلية مع عبد الغفار ~~وحيوة بن ملابس عن طاعته، وعصيانهم عليه، واتفق من بها من اليمانية معهما، ~~فرجع عبد الرحمن ولم يدخل قرطبة، وهاله ما سمع من اجتماعهم وكثرتهم، فقدم ~~ابن عمه عبد الملك بن عمر، وكان شهاب آل مروان، وبقي عبد الرحمن خلفه ~~كالمدد له. فلما قارب عبد الملك أهل إشبيلية قدم ابنه أمية ليعرف حالهم، ~~فرآهم مستيقظين، فرجع إلى أبيه، فلامه أبوه على إظهار الوهن، وضرب عنقه، ~~وجمع أهل بيته وخاصته، وقال لهم: طردنا من المشرق إلى أقصى هذا الصقع، ~~ونحسد على لقمة تبقي الرمق؛ اكسروا جفون السيوف، فالموت أولى أو الظفر. ~~ففعلوا، وحمل بين أيديهم، فهزم اليمانية وأهل إشبيلية، فلم تقم بعدها ~~لليمانية قائمة، وجرح عبد الملك. وبلغ الخبر إلى عبد الرحمن، فأتاه وجرحه ~~يجري دما، وسيفه يقطر دما، وقد لصقت يده بقائم سيفه، فقبله بين عينيه، ~~وجزاه خيرا، وقال: يا إبن عم قد أنكحت ابني وولي عهدي هشاما ابنتك فلانة، ~~وأعطيتها كذا وكذا، وأعطيتك كذا، وأولادك كذا، وأقطعتك وإياهم، ووليتكم ~~الوزارة. وهذا عبد الملك هو الذي ألزم عبد الرحمن بقطع خطبة المنصور، وقال ~~له: تقطعها وإلا قتلت نفسي ! وكان قد خطب له عشرة أشهر، فقطعها. وكان عبد ~~الغفار وحيوة بن ملابس قد سلما من القتل. فلما كانت سنة سبع وخمسين ومائة ~~سار عبد الرحمن إلى إشبيلية، فقتل خلقا كثيرا ممن كان مع عبد الغفار وحيوة ~~ورجع. وبسبب هذه الوقعة وغش العرب مال عبد الرحمن إلى اقتناء العبيد. ### || AUT ذكر الفتنة بإفريقية مع الخوارج # قد ذكرنا هرب عبد الرحمن بن حبيب، الذي كان أبوه أمير إفريقية، مع ~~الخوارج، واتصاله بكتامة، فسير يزيد بن حاتم أمير إفريقية العسكر في أثره، ~~وقاتلوا كتامة. فلما كانت هذه السنة سير يزيد عسكرا آخر مددا للذين يقاتلون ~~عبد الرحمن، فاشتد الحصار على عبد الرحمن، فمضى هاربا، وفارق مكانه، فعادت ~~العساكر عنه. ثم ثار في هذه السنة على يزيد بن حاتم أبو يحيى بن فانوس ~~الهواري بناحية طرابلس، فاجتمع عليه كثر من البربر، ms2062 وكان عسكر ليزيد بن ~~حاتم مع عامل البلد، فخرج العامل والجيش معه، فالتقوا على شاطئ البحر من ~~أرض هوارة، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أبو يحيى بن فانوس وقتل عامة ~~أصحابه، وسكن الناس بإفريقية وصفت ليزيد بن حاتم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ظفر الهيثم بن معاوية، عامل البصرة، بعمرو بن شداد الذي ~~كان عامل إبراهيم بن عبد الله على فارس؛ وسبب ظفره به أنه ضرب غلاما له، ~~فأتى الهيثم، فدله عليه، فأخذه، فقتله، وصلبه بالمربد. وفيها عزل الهيثم عن ~~البصرة، واستعمل سوار القاضي على الصلاة مع القضاء، واستعمل سعيد بن دعلج ~~على شرط البصرة وأحداثها، ولما وصل الهيثم إلى بغداد مات بها، وصلى عليه ~~المنصور. وفيها غزا الصائفة زفر بن عاصم الهلالي؛ وحج بالناس العباس بن ~~محمد بن علي، وكان على مكة محمد بن إبراهيم الإمام، وعلى الكوفة عمرو بن ~~زهير، وعلى الأحداث والجوالي والشرط بالبصرة سعيد بن دعلج، وعلى الصلاة ~~والقضاء سوار بن عبد الله، وعلى كور دجلة والأهواز وفارس عمارة بن حمزة، ~~وعلى كرمان والسند هشام بن عمرو، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد ~~بن سعيد. وفيها سخط عبد الرحمن الأموي على مولاه بدر لفرط إدلاله عليه، ولم ~~يرع حق خدمته وطول صحبته، وصدق مناصحته، فأخذ ماله، وسلبه نعمته، ونفاه إلى ~~الثغر، فبقي به إلى أن هلك. وفيها مات عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، قاضي ~~إفريقية وقد تكلم الناس في حديثه. وفيها توفي حمزة بن حبيب الزيات المقرئ، ~~أحد القراء السبعة. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة # في هذه السنة بني المنصور قصره الذي يدعى الخلد. وفيها حول المنصور ~~الأسواق إلى الكرخ وغيره، وقد تقدم سبب ذلك. واستعمل سعيد بن دعلج على ~~البحرين، فأنفذ إليها ابنه تميما؛ وعرض المنصور جنده في السلاح، وجلس لذلك، ~~وخرج هو لابسا درعا وبيضة. PageV03P0057 # وفيها مات عامر بن إسماعيل المسلي، وصلى عليه المنصور، وتوفي سوار بن عبد ~~الله، قاضي البصرة، واستعمل مكانه عبيد الله بن الحسن بن ms2063 الحصين العنبري؛ ~~وعزل محمد بن سليمان الكاتب عن مصر، واستعمل مولاه مطر، واستعمل معبد بن ~~الخليل على السند وعزل هشام بن عمرو. وغزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمي، ~~فوجه سنانا مولى البطال إلى حصن، فسبى وغنم؛ وقيل: إنما غزا الصائفة زفر بن ~~عاصم. وحج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ~~وكان على مكة، وقيل كان عليها عبد الصمد بن علي، وعلى الأمصار من ذكرنا. ~~وفيها قتل المنصور يحيى بن زكرياء المحتسب، وكان يطعن على المنصور، ويجمع ~~الجماعات فيما قيل. وفيها مات عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام، وقيل: سنة ~~ثمان وخمسين: وفي سنة سبع وخمسين مات الأوزاعي الفقيه، وإسمه عبد الرحمن بن ~~عمرو، وله سبعون سنة؛ ومصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، جد ~~الزبير بن بكار. وفيها أخرج سليمان بن يقظان الكلبي قارله ملك الإفرنج إلى ~~بلاد المسلمين، من الأندلس، ولقيه بالطريق، وسار معه إلى سرقسطة، فسبقه ~~إليها الحسين بن يحيى الأنصاري من ولد سعد بن عبادة، وامتنع بها، فاتهم ~~قارله ملك الإفرنج سليمان، فقبض عليه، وأخذه معه إلى بلاده، فلما أبعد من ~~بلاد المسلمين واطمأن هجم عليه مطروح وعيشون ابنا سليمان في أصحابهما، ~~فاستنقذا أباهما، ورجعا به إلى سرقسطة، ودخلوا مع الحسين، ووافقوا على خلاف ~~عبد الرحمن. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة # ### || AUT ذكر عزل موسى عن الموصل # ### || AUT وولاية خالد بن برمك # في هذه السنة عزل المنصور موسى بن كعب عن الموصل، وكان قد بلغه عنه ما ~~أسخطه عليه، فأمر ابنه المهدي أن يسير إلى الرقة، وأظهر أنه يريد بيت ~~المقدس، وأمره أن يجعل طريقه على الموصل، فإذا صار بالبلد أخذ موسى وقيده ~~واستعمل خالد بن برمك. وكان المنصور قد ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف ~~درهم، وأجله ثلاثة أيام، فإن أحضر المال وإلا قتله؛ فقال لابنه يحيى: يا ~~بني الق إخواننا عمارة بن حمزة، ومباركا التركي، وصالحا صاحب المصلى وغيرهم ~~وأعلمهم حالنا. قال يحيى: ms2064 فأتيتهم، فمنهم من منعني من الدخول عليه ووجه ~~المال، ومنهم من تجهمني بالرد ووجه المال سرا إلي، قال: فأتيت عمارة بن ~~حمزة ووجهه إلى الحائط، فما أقبل به علي، فسلمت، فرد ردا ضعيفا، وقال: كيف ~~أبوك ؟ فعرفته الحال، وطلبت قرض مائة ألف، فقال: إن أمكنني شيء فسيأتيك، ~~فانصرفت وأنا ألعنه من تيهه، وحدثت أبي بحديثه، وإذ قد أنفذ المال، قال: ~~فجمعنا في يومين ألفي ألف وسبعمائة ألف، وبقي ثلاثمائة ألف تبطل الجميع ~~بتعذرها. قال: فعبرت على الجسر وأنا مهموم، فوثب إلي زاجر فقال: فرخ الطائر ~~أخبرك، فطويت، فلحقني، وأخذ بلجام دابتي، وقال لي: أنت مهموم، والله لتفرحن ~~ولتمرن غدا في هذا الموضع واللواء بين يديك. فعجبت من قوله، فقال: إن كان ~~ذلك فلي عليك خمسة آلاف درهم. فقلت: نعم ؟! وأنا أستبعد ذلك. وورد على ~~المنصور انتقاض الموصل والجزيرة، وانتشار الأكراد بها، فقال: من لها ؟ فقال ~~المسيب بن زهير: عندي رأي أعلم أنك لا تقبله مني، وأعلم أنك ترده علي، ~~ولكني لا أدع نصحك. قال: قل ! قلت: ما لها مثل خالد بن برمك. قال: فكيف ~~يصلح لنا بعد ما فعلنا ؟ قال: إنما قومته بذلك، وأنا الضامن له. قال: ~~فليحضرني غدا، فأحضره، فصفح له عن الثلاثمائة ألف الباقية، وعقد له، وعقد ~~لابنه يحيى على أذربيجان، فاجتاز يحيى بالزاجر، فأخذه معه، وأعطاه خمسين ~~ألف درهم، وأنفذ خالد إلى عمارة بالمائة ألف التي أخذها منه مع ابنه يحيى، ~~فقال له: صيرفيا كنت لأبيك ؟ قم عني، لا قمت ! فعاد بالمال، وسار مع المهدي ~~فعزل موسى بن كعب وولاهما. فلم يزل خالد على الموصل وابنه يحيى على ~~أذربيجان إلى أن توفي المنصور، فذكر أحمد بن محمد بن سوار الموصلي قال: ما ~~هبناه أميرا قط هيبتنا خالدا، من غير أن يشتد علينا، ولكن هيبة كانت له في صدورنا. ### || AUT ذكر موت المنصور ووصيته # وفي هذه السنة توفي المنصور لست خلوان من ذي الحجة ببئر ميمون، وكان على ~~ما قيل قد هتف به هاتف من قصره، فسمعه يقول: ms2065 أما ورب السكون والحرك ... إن ~~المنايا كثيرة الشرك PageV03P0058 # عليك، يا نفس، إن أسأت، وإن ... أحسنت بالقصد، كل ذاك لك ما اختلف الليل ~~والنهار، ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك إلا تنقل السلطان عن ملك ... ~~إذا انتهى ملكه إلى ملك حتى يصيرا به إلى ملك ... ما عز سلطانه بمشترك ذاك ~~بديع السماء والأرض وال ... مرسي الجبال المسخر الفلك فقال المنصور: هذا ~~أوان أجلي. قال الطبري: وقد حكى عبد العزيز بن مسلم أنه قال: دخلت على ~~المنصور يوما أسلم عليه، فإذا هو باهت لا يحير جوابا، فوثبت لما أرى منه ~~لأنصرف، فقال لي بعد ساعة: إني رأيت في المنام كأن رجلا ينشدني هذه ~~الأبيات: أأخي خفض من مناكا ... فكأن يومك قد أتاكا ولقد أراك الدهر من ... ~~تصريفه ما قد أراكا فإذا أردت الناقص العب ... د الذليل، فأنت ذاكا ملكت ما ~~ملكته، ... والأمر فيه إلى سواكا هذا الذي ترى من قلقي وغمي لما سمعت ~~ورأيت؛ فقلت: خيرا رأيت يا أمير المؤمنين؛ فلم يلبث أن خرج إلى مكة، فلما ~~سار من بغداد ليحج نزل قصر عبدويه، فانقض في مقامه هنالك كوكب لثلاث بقين ~~من شوال، بعد إضاءة الفجر، فبقي أثره بينا إلى طلوع الشمس، فأحضر المهدي ~~وكان قد صحبه ليودعه، فوصاه بالمال والسلطان، يفعل ذلك كل يوم من أيام ~~مقامه، بكرة وعشية، فلما كان اليوم الذي ارتحل فيه قال له: إني لم أدع شيئا ~~إلا وقد تقدمت إليك فيه، وسأوصيك بخصال ما أظنك تفعل واحدة منها. وكان له ~~سفط فيه دفاتر علمه، وعليه قفل لا يفتحه غيره، فقال للمهدي: انظر إلى هذا ~~السفط فاحتفظ به، فإن فيه علم آبائك، ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، ~~فإن أحزنك أمر فانظر في الدفتر الكبير، فإن أصبت فيه ما تريد، وإلا ففي ~~الثاني والثالث، حتى بلغ سبعة، فإن ثقل عليك، فالكراسة الصغيرة، فأنك واجد ~~فيها ما تريد، وما أظنك تفعل. وانظر هذه المدينة، وإياك أن تستبدل بها ~~غيرها، وقد جمعت لك فيها من الأموال ما ms2066 إن كسر عليك الخراج عشر سنين كفاك ~~لأرزاق الجند، والنفقات، والذرية، ومصلحة البعوث، فاحتفظ بها، فإنك لا تزال ~~عزيزا ما دام بيت مالك عامرا، وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل بيتك أن تظهر ~~كرامتهم، وتحسن إليهم، وتقدمهم، وتوطئ الناس أعقابهم، وتوليهم المنابر، فإن ~~عزك عزهم، وذكرهم لك، وما أظنك تفعل. وانظر مواليك فأحسن إليهم، وقربهم، ~~واستكثر منهم، فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك، وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل ~~خراسان خيرا، فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم ودماءهم في دولتك، ~~ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم، أن تحسن إليهم، وتتجاوز عن مسيئهم، وتكافئهم ~~عما كان منهم، وتخلف من مات منهم في أهله وولده، وما أظنك تفعل. وأياك أن ~~تبني مدينة الشرقية، فأنك لا تتم بناءها، وأظنك ستفعل. وإياك أن تستعين ~~برجل من بني سليم، وأظنك ستفعل. وإياك إن تدخل النساء في أمرك، وأظنك ~~ستفعل. وقيل: قال له: إني ولدت في ذي الحجة ووليت في ذي الحجة، وقد هجس في ~~نفسي أني أموت في ذي الحجة من هذه السنة، وإنما حداني على الحج ذلك، فأتق ~~الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي، يجعل لك فيما كربك وحزنك فرجا ~~ومخرجا، ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب. يا بني احفظ محمدا، ~~صلى الله عليه وسلم، في أمته، يحفظك الله ويحفظ عليك أمورك، وإياك والدم ~~الحرام، فإنه حوب عند الله عظيم، وعار في الدنيا لازم مقيم، والزم الحدود، ~~فإن فيها خلاصك في الآجل وصلاحك في العاجل، ولا تعتد فيها فتبور، فإن الله ~~تعالى لو علم أن شيئا أصلح منها لدينه وأزجر عن معاصيه لأمر به في كتابه. ~~PageV03P0059 # وأعلم أن من شدة غضب الله لسلطانه أنه أمر في كتابه بتضعيف العذاب ~~والعقاب على من سعي في الأرض فسادا مع ما ذخر له من العذاب العظيم، فقال: " ~~إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا " المائدة: 33 الآية. فالسلطان، يا بني، حبل الله المتين، وعروته ~~الوثقى، ودينه القيم، فاحفظه، ms2067 وحصنه، وذب عنه، وأوقع بالملحدين فيه، واقمع ~~المارقين منه، واقتل الخارجين عنه بالعقاب، ولا تجاوز ما أمر الله به في ~~محكم القرآن، واحكم بالعدل، ولا تشطط، فإن ذلك أقطع للشغب، وأحسم للعدو، ~~وأنجع في الدواء. وعف عن الفيء، فليس بك إليه حاجة مع ما خلفه الله لك، ~~وافتتح عملك بصلة الرحم وبر القرابة، وإياك والأثرة والتبذير لأموال ~~الرعية، واشحن الثغور، واضبط الأطراف، وأمن السبل، وسكن العامة، وأدخل ~~المرافق عليهم، وادفع المكاره عنهم، وأعد الأموال، واخزنها، وإياك ~~والتبذير، فأن النوائب غير مأمونة، وهي من شيم الزمان. وأعد الكراع والرجال ~~والجند ما استطعت؛ وإياك وتأخير عمل اليوم إلى الغد، فتتدارك عليك الأمور ~~وتضيع، جد في إحكام الأمور النازلات لأوقاتها أولا فأولا واجتهد وشمر فيها؛ ~~وأعد رجالا بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار، ورجالا بالنهار لمعرفة ما يكون ~~بالليل، وباشر الأمور بنفسك، ولا تضجر، ولا تكسل، واستعمل حسن الظن بربك، ~~وأسئ الظن بعمالك وكتابك، وخذ نفسك بالتيقظ، وتفقد من تثبت على بابك، وسهل ~~إذنك للناس، وانظر في أمر النزاع إليك، ووكل بهم عينا غير نائمة، ونفسا غير ~~لاهية، ولا تنم، فإن أباك لم ينم منذ ولي الخلافة، ولا دخل عينه الغمض إلا ~~وقلبه مستيقظ. هذه وصيتي إليك، والله خليفتي عليك. ثم ودعه وبكى كل واحد ~~منهما إلى صاحبه، ثم سار إلى الكوفة، وجمع بين الحج والعمرة، وساق الهدي، ~~وأشعره، وقلده لأيام خلت من ذي القعدة. فلما سار منازل من الكوفة عرض له ~~وجعه الذي مات به، وهو القيام، فلما اشتد وجعه جعل يقول للربيع: بادرني حرم ~~ربي هاربا من ذنوبي؛ وكان الربيع عديله؛ ووصاه بما أراد، فلما وصل إلى بئر ~~ميمون مات بها مع السحر لست خلون من ذي الحجة، ولم يحضره عند وفاته إلا ~~خدمة، والربيع مولاه، فكتم الربيع موته، ومنع من البكاء عليه، ثم أصبح، ~~فحضر أهل بيته كما كانوا يحضرون، وكان أول من دعا عمه عيسى بن علي، فمكث ~~ساعة، ثم أذن لأبن أخيه عيسى بن موسى، وكان فيما خلا يقدم ms2068 على عيسى بن علي، ~~ثم أذن للأكابر وذوي الأسنان منهم، ثم لعامتهم، فبايعهم الربيع للمهدي، ~~ولعيسى بن موسى بعده على يدي موسى الهادي بن المهدي. فلما فرغ من بيعه بني ~~هاشم بايع القواد، وبايع عامة الناس، وسار العباس بن محمد ومحمد بن سليمان ~~إلى مكة ليبايعا الناس، فبايعوا بين الركن والمقام، واشتغلوا بتجهيز ~~المنصور، ففرغوا منه العصر، وكفن، وغطي وجهه وبدنه، وجعل رأسه مكشوفا لأجل ~~إحرامه، وصلى عليه عيسى بن موسى، وقيل إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن ~~عبد الله بن عباس، ودفنت في مقبرة المعلاة، وحفروا له مائة قبر ليغموا على ~~الناس، ودفن في غيرها، ونزل في قبره عيسى بن علي، وعيسى بن محمد، والعباس ~~بن محمد، والربيع والريان مولياه، ويقطين، وكان عمره ثلاثا وستين سنة، وقيل ~~أربعا وستين، وقيل ثمانيا وستين سنة، فكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة ~~إلا أربعة وعشرين يوما، وقيل إلا ثلاثة أيام، وقيل إلا يومين؛ وقيل في ~~موته: إنه لما نزل آخر منزل بطريق مكة نظر في صدر البيت، فإذا فيه: بسم ~~الله الرحمن الرحيم. أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك، وأمر الله لا بد ~~واقع أبا جعفر هل كاهن أو منجم ... لك اليوم من حر المنية مانع فأحضر متولي ~~المنازل، وقال له: ألم آمرك أن لا يدخل المنازل أحد الناس ؟ قال: والله ما ~~دخلها أحد منذ فرغ. فقال: اقرأ ما في صدر البيت ! فقال: ما أرى شيئا، فأحضر ~~غيره، فلم ير شيئا، فأملى البيتين، ثم قال لحاجبه: اقرأ آية، فقرأ: " ~~وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " الشعراء: 227، فأمر به فضرب، ورحل ~~من المنزل تطيرا، فسقط عن دابته، فاندق ظهره ومات، فدفن ببئر ميمون، ~~والصحيح ما تقدم. ### || AUT ذكر صفة المنصور وأولاده # PageV03P0060 # كان أسمر نحيفا، خفيف العارضين، ولد بالحميمة من أرض الشراة. وأما أولاده ~~فالمهدي محمد، وجعفر الأكبر، وأمهما أروى بنت منصور أخت يزيد بن منصور ~~الحميري، وكانت تكنى أم موسى؛ ومات جعفر قبل المنصور؛ ومنهم سليمان؛ وعيسى، ~~ويعقوب، أمهم فاطمة بنت ms2069 محمد من ولد طلحة بن عبيد الله، وجعفر الأصغر، أمه ~~أم ولد، كردية، وكان يقال له: ابن الكردية؛ وصالح المسكين، أمه أم ولد ~~رومية؛ والقاسم، مات قبل المنصور وله عشر سنين، أمه أم ولد تعرف بأم ~~القاسم، ولها بباب الشام بستان يعرف ببستان أم القاسم؛ والعالية، أمها ~~امرأة من بني أمية. ### || AUT ذكر بعض سيرة المنصور # قال سلام الأبرش: كنت أخدم المنصور داخلا في منزله، وكان من أحسن الناس ~~خلقا، ما لم يخرج إلى الناس، وأشد احتمالا لما يكون من عبث الصبيان، فإذا ~~لبس ثوبه اربد لونه، واحمرت عيناه فيخرج منه ما يكون. وقال لي يوما: يا بني ~~! إذا رأيتني قد لبست ثيابي، أو رجعت من مجلسي فلا يدنون مني منكم أحد ~~مخافة أن أغره بشيء. قال: ولم ير في دار المنصور لهو، ولا شيء يشبه اللهو ~~واللعب والعبث، إلا مرة واحدة، رؤي بعض أولاده وقد ركب راحلة، وهو صبي، ~~وتنكب قوسا في هيئة الغلام الأعرابي، بين جوالقين فيهما مقل ومساويل وما ~~يهديه الأعراب، فعجب الناس من ذلك، وأنكروه، فعبر إلى المهدي بالرصافة ~~فأهداه له، فقبله وملأ الجوالقين دراهم، فعاد بينهما، فعلم أنه ضرب من عبث ~~الملوك. قال حماد التركي: كنت واقفا على رأس المنصور، فسمع جلبة، فقال: ~~انظر ما هذا ! فذهبت، فإذا خادم له قد جلس حوله الجواري، وهو يضرب لهن ~~بالطنبور، وهن يضحكن، فأخبرته، فقال: وأي شيء الطنبور ؟ فوصفته له، فقال: ~~ما يدريك أنت ما الطنبور ؟ قلت: رأيته بخراسان. فقام ومشى إليهن، فلما ~~رأينه تفرقن، فأمر بالخادم فضرب رأسه بالطنبور، حتى تكسر الطنبور، وأخرج ~~الخادم فباعه. قال: وكان المنصور قد استعمل معن بن زائدة على اليمن، لما ~~بلغه من الاختلاف هناك، فسار إليه وأصلحه. وقصده الناس من أقطار الأرض ~~لاشتهار جوده، ففرق فيهم الأموال، فسخط عليه المنصور، فأرسل إليه معن بن ~~زائدة وفدا من قومه، فيهم مجاعة بن الأزهر، وسيرهم إلى المنصور ليزيلوا ~~غيظه وغضبه، فلما دخل على المنصور ابتدأ مجاعة بحمد الله والثناء عليه، ~~وذكر النبي، صلى ms2070 الله عليه وسلم، فأطنب في ذلك حتى عجب القوم، ثم ذكر ~~المنصور وما شرفه الله به، وذكر بعد ذلك صاحبه. فلما انقضى كلامه قال: أما ~~ما ذكرت من حمد الله، فالله أجل من أن تبلغه الصفات؛ وأما ما ذكرت من ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، فقد فضله الله تعالى بأكثر مما قلت؛ وأما ما ~~وصفت به أمير المؤمنين، فإنه فضله الله بذلك، وهو معينه على طاعته، إن شاء ~~الله تعالى؛ وأما ما ذكرت من صاحبك، فكذبت ولؤمت؛ إخرج، فلا يقبل ما ذكرته. ~~فلما صاروا بآخر الأبواب أمر برده مع أصحابه، فقال: ما قلت ؟ فأعاده عليه، ~~فأخرجوا، ثم أمر بهم، فأوقفوا، ثم التفت إلى من حضر من مضر، فقال: هل ~~تعرفون فيكم مثل هذا ؟ والله لقد تكلم حتى حسدته، وما منعني أن أتم على رده ~~إلا أن يقال حسده لأنه من ربيعة، وما رأيت مثله رجلا أربط جأشا، ولا أظهر ~~بيانا؛ رده يا غلام. فلما صار بين يديه قال: اقصد لحاجتك ! قال: يا أمير ~~المؤمنين، معن بن زائدة عبدك، وسيفك، وسهمك، رميت به عدوك، فضرب، وطعن، ~~ورمى حتى سهل ما حزن، وذل ما صعب، واستوى ما كان معوجا من اليمن، فأصبحوا ~~من خول أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، فإن كان في نفس أمير المؤمنين هنة ~~من ساع، أو واش، فأمير المؤمنين أولى بالفضل على عبده، ومن أفنى عمره في ~~طاعته. فقبل عذره وأمر بصرفهم إليه، فلما قرأ معن الكتاب بالرضا، قبل ما ~~بين عينيه، وشكر أصحابه، وأجازهم على أقدارهم، وأمرهم بالرحيل إلى المنصور، ~~فقال مجاعة: آليت في مجلس من وائل قسما ... ألا أبيعك يا معن بأطماع يا معن ~~! إنك أوليتني نعما ... عمت لحيما وخصت آل مجاع فلا أزال إليك الدهر منقطعا ~~... حتى يشيد بهلكي هتفه الناعي وكان من نعم معن على مجاعة أنه قضى له ثلاث ~~حوائج منها: أنه كان يتعشق جارية من أهل PageV03P0061 # بيت معن، اسمها زهراء، فطلبها، فلم يجبه لفقره، فطلبها من معن، فأحضر ~~أباها، فزوجه إياها على عشرة ms2071 آلاف درهم، وأمهرها من عنده. ومنها: أنه طلب ~~منه حائطا بعينه، فاشتراه له. ومنها أنه استوهب منه شيئا، فوهب له ثلاثين ~~ألف درهم تمام مائة ألف. قيل: وكان المنصور يقول: ما أحوجني أن يكون على ~~بابي أربعة نفر لا يكون على بابي أعف منهم، هم أركان الدولة ولا يصلح الملك ~~إلا بهم، أما أحدهم: فقاض لا تأخذه في الله لومة لائم؛ والآخر صاحب شرطة ~~ينصف الضعيف من القوي؛ والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعية. ثم عض ~~على إصبعه السبابة ثلاث مرات، يقول في كل مرة: آه آه. قيل: ما هو يا أمير ~~المؤمنين ؟ قال: صاحب بريد يكتب خبر هؤلاء على الصحة. وقيل: دعا المنصور ~~بعامل قد كسر خراجه، فقال له: أد ما عليك ! فقال: والله ما أملك شيئا. وأذن ~~مؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله ! فقال: يا أمير المؤمنين هب ما علي لله ~~وشهادة أن لا إله إلا الله. فخلى سبيله. وقيل: وأتي بعامل، فحبسه وطالبه، ~~فقال العامل: عبدك يا أمير المؤمنين؛ فقال: بئس العبد أنت! فقال: لكنك نعم ~~المولى. قال: أما لك فلا. قيل: وأتي بخارجي قد هزم له جيوشا، فأراد ضرب ~~رقبته، ثم ازدراه فقال: يا ابن الفاعلة ! مثلك يهزم الجيوش ؟ فقال له: ويلك ~~وسوأة لك، أمس بيني وبينك السيف، واليوم القذف والسب، وما كان يؤمنك أن أرد ~~عليك وقد يئست من الحياة فلا تستقيلها أبدا ؟ فاستحيا منه المنصور وأطلقه. ~~قيل: وكان شغل المنصور، في صدر نهاره، بالأمر والنهي، والولايات، والعزل، ~~وشحن الثغور والأطراف، وأمن السبل، والنظر في الخراج والنفقات، ومصلحة معاش ~~الرعية، والتلطف بسكونهم وهديهم، فإذا صلى العصر جلس لأهل بيته؛ فإذا صلى ~~العشاء الآخرة جلس ينظر فيما ورد من كتب الثغور والأطراف والآفاق، وشاور ~~سماره؛ فإذا مضى ثلث الليل قام إلى فراشه، وانصرف سماره؛ وإذا مضى الثلث ~~الثاني قام فتوضأ وصلى، حتى يطلع الفجر، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل ~~فيجلس في إيوانه. قيل: وقال للمهدي: لا تبرم أمرا حتى تفكر فيه، فإن فكر ms2072 ~~العاقل مرآته تريه حسنه وسيئه. يا بني ! لا يصلح السلطان إلا بالتقوى، ولا ~~تصلح رعيته إلا بالطاعة، ولا تعمر البلاد بمثل العدل، وأقدر الناس على ~~العفو أقدرهم على العقوبة، وأعجز الناس من ظلم من هو دونه، واعتبر عمل ~~صاحبك وعلمه باختياره. يا أبا عبد الله ! لا تجلس مجلسا إلا ومعك من أهل ~~العلم من يحدثك؛ ومن أحب أن يحمد أحسن السيرة، ومن أبغض الحمد أساءها، وما ~~أبغض الحمد أحد إلا استذم، وما استذم إلا كره. يا أبا عبد الله ! ليس ~~العاقل الذي يحتال للأمر الذي غشيه، بل العاقل الذي يحتال للأمر حتى لا يقع ~~فيه. وقال للمهدي يوما: كم راية عندك ؟ قال: لا أدري. قال: إنا لله أنت ~~لأمر الخلافة أشد تضييعا، ولكن قد جمعت لك ما لا يضرك معه ما ضيعت، فاتق ~~الله فيما خولك. قيل: وقال إسحاق بن عيسى: لم يكن أحد من بني العباس يتكلم ~~فيبلغ حاجته على البديهة، غير المنصور، وأخيه العباس بن محمد، وعمهما داود ~~بن علي؛ قيل: وخطب المنصور يوما، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأؤمن ~~به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فاعترضه إنسان ~~فقال: أيها الإنسان أذكرك من ذكرت به ! فقطع الخطبة، ثم قال: سمعا، سمعا ~~لمن حفظ عن الله، وأعوذ بالله أن أكون جبارا عنيدا، أو تأخذني العزة ~~بالإثم، لقد ضللت، إذا، وما أنا من المهتدين. وأنت أيها القاتل، فوالله ما ~~أردت بهذا القول الله، ولكنك أردت أن يقال قام، فقال، فعوقب، فصبر، وأهون ~~بها، ويلك، لقد هممت، واغتنمها إذ عفوت، وإياك، وإياكم معاشر المسلمين ~~أختها، فإن الحكمة علينا نزلت، ومن عندنا فصلت، فردوا الأمر إلى أهله، ~~توردوه موارده، وتصدروه مصادره. ثم عاد إلى خطبته، كأنما يقرأها، فقال: ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. PageV03P0062 # وقال عبد الله بن صاعد: خطب المنصور بمكة، بعد بناء بغداد، فكان مما قال: ~~ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ~~الأنبياء: 105. أمر مبرم، وقول عدل، وقضاء ms2073 فصل، والحمد لله الذي أفلج حجته، ~~وبعدا للقوم الظالمين الذين اتخذوا الكعبة غرضا، والفيء إرثا وجعلوا القرآن ~~عضين، لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون النحل: 34، فكم من بئر معطلة، وقصر ~~مشيد، أهملهم الله حين بدلوا السنة، وأهملوا العبرة، وعندوا، واعتدوا، ~~واستكبروا وخاب كل جبار عنيد؛ فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا. قال: ~~وكتب إليه رجل يشكو بعض عماله، فوقع إلى العامل في الرقعة: إن آثرت العدل ~~صحبتك السلامة؛ وإن آثر الجور فما أقربك من الندامة، فأنصف هذا المتظلم من ~~الظلامة. قيل: وكتب إلى المنصور صاحب أرمينية يخبره أن الجند قد شغبوا ~~عليه، ونهبوا ما في بيت المال، فوقع في كتابه: اعتزل عملنا مذموما مدحورا، ~~فلو عقلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينهبوا. وهذا وما تقدم من كلامه ووصاياه ~~يدل على فصاحته وبلاغته، وقد تقدم له أيضا من الكتب وغيرها ما يدل على أنه ~~كان واحد زمانه، إلا أنه كان يبخل، ومما نقل عنه من ذلك قول الوضين بن ~~عطاء: استزارني المنصور، وكان بيني وبينه خلة قبل الخلافة، فخلونا يوما، ~~فقال: يا أبا عبد الله ! ما لك ؟ قلت: الخبر الذي تعرفه. قال: وما عيالك ؟ ~~قلت: ثلاث بنات، والمرأة، وخادم لهن. فقال: أربع في بيتك ؟ قلت: نعم ! ~~فرددها، حتى ظننت أنه سيعينني، ثم قال: أنت أيسر العرب، أربعة مغازل يدرن ~~في بيتك. قيل: رفع غلام لأبي عطاء الخراساني أن له عشرة آلاف درهم، فأخذها ~~منه وقال: هذا مالي. قال: من أين يكون مالك، ووالله ما وليتك عملا قط، ولا ~~بيني وبينك رحم ولا قرابة ! قال: بلى! كنت تزوجت امرأة لعيينة ابن موسى بن ~~كعب، فورثتك مالا، وكان قد عصى بالسند، وهو وال على السند، وأخذ مالي فهذا ~~المال من ذاك. وقيل لجعفر الصادق: إن المنصور يكثر من لبس جبة هروية، وإنه ~~يرقع قميصه. فقال جعفر: الحمد لله الذي لطف به، حتى ابتلاه بفقر نفسه في ~~ملكه. قيل: وكان المنصور إذا عزل عاملا أخذ ماله وتركه في بيت مال ms2074 مفرد ~~سماه بيت مال المظالم، وكتب عليه اسم صاحبه، وقال للمهدي: قد هيأت لك شيئا ~~فإذا أنا مت فادع من أخذت ماله فاردده عليه، فإنك تستحمد بذلك إليهم وإلى ~~العامة؛ ففعل المهدي ذلك. وله في ضد ذلك أشياء كثيرة. قيل: وذكر زيد مولى ~~عيسى بن نهيك قال: دعاني المنصور، بعد موت مولاي، فسألني: كم خلق من مال ؟ ~~قلت: ألف دينار، وأنفقته امرأته في مأتمه. قال: كم خلف من البنات ؟ قلت: ~~ستا؛ فأطرق، ثم رفع رأسه وقال: اغد إلى المهدي، فغدوت إليه، فأعطاني مائة ~~ألف وثمانين ألف دينار، لكل واحدة منهن ثلاثين ألفا، ثم دعاني المنصور ~~فقال: عد علي بأكفائهن حتى أزوجهن، ففعلت، فزوجهن، وأمر أن تحمل إليهن ~~صدقاتهن من ماله، لكل واحدة منهن ثلاثون ألف درهم، وأمرني أن أشتري بمالهن ~~ضياعا لهن يكون معاشهن منها. قيل: وفرق المنصور على جماعة من أهل بيته في ~~يوم واحد، عشرة آلاف ألف درهم، وأمر لجماعة من أعمامه منهم: سليمان، وعيسى، ~~وصالح، وإسماعيل، لكل رجل منهم بألف ألف، وهو أول من وصل بها. وله في ذلك ~~أيضا أخبار كثيرة، وأما غير ذلك، قال يزيد بن عمر بن هبيرة: ما رأيت رجلا ~~قط في حرب، ولا سمعت به في سلم أنكر، ولا أمكر، ولا أشد تيقظا من المنصور. ~~لقد حصرني تسعة أشهر، ومعي فرسان العرب، فجهدنا بكل الجهد أن ننال من عسكره ~~شيئا نكسره به، فما تهيأ، ولقد حصرني وما في رأسي شعرة بيضاء، فخرجت إليه ~~وما في رأسي شعرة سوداء. PageV03P0063 # وقيل: وأرسل ابن هبيرة إلى المنصور، وهو محاصره، يدعوه إلى المبارزة، ~~فكتب إليه: إنك متعد طورك، جار في عنان غيك، يعدك الله ما هو مصدقه، ويمنيك ~~الشيطان ما هو مكذبه، ويقرب ما الله مباعده، فرويدا يتم الكتاب أجله، وقد ~~ضربت مثلي ومثلك: بلغني أن أسدا لقي خنزيرا، فقال له الخنزير: قاتلني ! ~~فقال الأسد: إنما أنت خنزير، ولست بكفؤ لي ولا نظير، ومتى قاتتك فقتلتك قيل ~~لي: قتل خنزيرا، فلا أعتقد فخرا، ولا ذكرا؛ وإن ms2075 نالني منك شيء كان سبة علي. ~~فقال الخنزير: إن لم تفعل أعلمت السباع أنك نكلت عني؛ فقال الأسد: احتمال ~~عار كذبك علي أيسر من لطخ شرابي بدمك. قيل: وكان المنصور أول من علم الخيش، ~~فإن الأكاسرة كانوا يطينون كل يوم بيتا يسكنونه في الصيف، وكذلك بنو أمية. ~~قيل: وأتي برجل من بني أمية، فقال: إني أسألك عن أشياء، فاصدقني ولك ~~الأمان. قال: نعم ! قال: من أين أتي بنو أمية ؟ قال: من تضييع الأخبار. ~~قال: فأي الأموال وجدوها أنفع ؟ قال: الجوهر. قال: فعند من وجدوا الوفاء ؟ ~~قال: عند مواليهم؛ فأراد المنصور أن يستعين في الأخبار بأهل بيته، فقال: ~~اضع منهم، فاستعان بمواليه. ### || AUT ذكر خلافة المهدي والبيعة له # ذكر علي بن محمد النوفلي عن أبيه قال: خرجت من البصرة حاجا، فاجتمعت ~~بالمنصور بذات عرق، فكنت أسلم عليه كلما ركب، وقد أشفى على الموت، فلما صار ~~ببئر ميمون نزل به، ودخلنا مكة، فقضيت عمرتي، وكنت أختلف إلى المنصور، فلما ~~كان في الليلة التي مات فيها، ولم نعلم، صليت الصبح بمكة، وركبت أنا ومحمد ~~بن عون بن عبد الله بن الحارث، وكان من مشايخ بني هاشم وسادتهم، فلما صرنا ~~بالأبطح لقينا العباس بن محمد ومحمد بن سليمان في خيل إلى مكة، فسلمنا ~~عليهما ومضينا، فقلت لمحمد: أحسب الرجل قد مات، فكان كذلك. ثم أتينا ~~العسكر، فإذا موسى بن المهدي قد صدر عند عمود السرادق، والقاسم بن المنصور ~~في ناحية من السرداق، وقد كان قبل ذلك يسير بين المنصور وبين صاحب الشرطة، ~~ورفع الناس إليه القصص، فلما رأيته علمت أن المنصور قد مات. وأقبل الحسن بن ~~زيد العلوي، وجاء الناس حتى ملؤوا السرداق، وسمعنا همسا من بكاء، وخرج أبو ~~العنبر، خادم المنصور، مشقق الأقبية، وعلى رأسه التراب، وصاح: واأمير ~~المؤمنيناه ! فما بقي أحد إلا قام، ثم تقدموا ليدخلوا إليه، فمنعهم الخدم، ~~وقال ابن عياش المنتوف: سبحان الله ! أما شهدتم موت خليفة قط ؟ اجلسوا، ~~فجلسوا، وقام القاسم فشق ثيابه، ووضع التراب على رأسه، وموسى على ms2076 حاله. ثم ~~خرج الربيع وفي يده قرطاس، ففتحه، فقرأه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، من عبد الله المنصور، أمير المؤمنين، إلى من خلف من بني هاشم، ~~وشيعته من أهلب خراسان، وعامة المسلمين، ثم بكى، وبكى الناس، ثم قال: قد ~~أمكنكم البكاء، فأنصتوا، رحمكم الله؛ ثم قرأ: أما بعد، فإني كتبت كتابي ~~هذا، وأنا حي في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، أقرأ ~~عليكم السلام وأسأل الله أن لا يفتنكم بعدي ولا يلبسكم شيعا، ولا يذيق ~~بعضكم بأس بعض. ثم أخذ في وصيتهم بالمهدي، وإذكارهم البيعة له، وحثهم على ~~الوفاء بعهده، ثم تناول يد الحسن، بن زيد وقال: قم فبايع ! فقام إلى موسى ~~فبايعه، ثم بايعه الناس الأول فالأول، ثم أدخل بنو هاشم على المنصور وهو في ~~أكفانه، مكشوف الرأس، فحملناه، حتى أتينا به مكة ثلاثة أميال، فكأني أنظر ~~إليه والريح تحرك شعر صدغيه، وذلك أنه كان وفر شعره للحلق، وقد نصل خضابه، ~~حتى أتينا به حفرته. وكان أول شيء ارتفع به علي بن عيسى بن ماهان أن عيسى ~~بن موسى أبى البيعة، فقال علي بن عيسى بن ماهان: والله لتبايعن أو لأضربن ~~عنقك ! فبايع؛ ثم وجه موسى بن المهدي والربيع إلى المهدي بخبر وفاة ~~المنصور، وبالبيعة له مع منارة مولى المنصور، وبعثا أيضا بالقضيب، وبردة ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، وبخاتم الخلافة، وخرجوا من مكة، فقدم الخبر على ~~المهدي مع منارة، منتصف ذي الحجة، فبايعه أهل بغداد. PageV03P0064 # وقيل: إن الربيع كتم موت المنصور، وألبسه، وسنده، وجعل على وجهه كلة ~~خفيفة يرى شخصه منها، ولا يفهم أمره، وأدنى أهله منه، ثم قرب منه الربيع ~~كأنه يخاطبه، ثم رجع إليهم، وأمرهم عنه بتجديد البيعة للمهدي، فبايعوا، ثم ~~أخرجهم، وخرج إليهم باكيا مشقق الجيب، لاطما رأسه. فلما بلغ ذلك المهدي ~~أنكره على الربيع، وقال: أما منعتك جلالة أمير المؤمنين أن فعلت به ما فعلت ~~؟ وقيل ضربه، ولم يصح ضربه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل المنصور ms2077 المسب بن زهير عن شرطته، وحبسه مقيدا، وسبب ~~ذلك أنه ضرب أبان بن بشير الكاتب بالسياط، حتى قتله، لأنه كان شريك أخيه ~~عمرو بن زهير في ولاية الكوفة، واستعمل على شرطته الحكم بن يوسف، صاحب ~~الحراب، ثم كلم المهدي أباه في المسيب. فرضي عنه، وأعاده إلى شرطته. وفيها ~~استعمل المنصور نصر بن حرب بن عبد الله على فارس. وفيها عاد المهدي من ~~الرقة في شهر رمضان. وفيها غزا الصائفة معيوف بن يحيى من درب الحدث، فلقي ~~العدو، فاقتتلوا، ثم تحاجزوا. وفيها حبس محمد بن إبراهيم الإمام، وهو أمير ~~مكة، جماعة أمر المنصور بحبسهم، وهم رجل من آل علي بن أبي طالب كان بمكة، ~~وابن جريح، وعباد بن كثير، وسفيان الثوري، ثم أطلقهم من الحبس بغير أمر ~~المنصور، فغضب. وكان سبب إطلاقهم أنه أنكر، وقال: عمدت إلى ذي رحم فحبسته، ~~يعني بعض ولد علي، وإلى نفر من أعلام المسلمين فحبستهم، وتقدم أمير ~~المؤمنين، فلعله يأمر بقتلهم، فيشد سلطانه، وأهلك فأطلقهم، وتحلل منهم، ~~فلما قارب المنصور مكة أرسل إليه محمد بن إبراهيم بهدايا فردها عليه. وفيها ~~شخص المنصور من بغداد إلى مكة، فمات في الطريق قبل أن يبلغها. وفي هذه ~~السنة غزا عبد الرحمن، صاحب الأندلس، مدينة قورية، وقصد البربر الذين كانوا ~~أسلموا عامله إلى شقنا فقتل منهم خلقا من أعيانهم، واتبع شقنا، حتى جاوز ~~القصر الأبيض والدرب، ففاته. وفيها مات أورالي ملك جليقية، وكان ملكه ست ~~سنين، وملك بعده شيالون. وفيها توفي مالك بن مغول، الفقيه البجلي بالكوفة؛ ~~وحيوة بن شريح بن مسلم الحضرمي المصري، وكان العامل على مكة والطائف ~~إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله، وعلى المدينة عبد الصمد بن ~~علي، وعلى الكوفة عمرو بن زهير الضبي، وقيل إسماعيل بن إسماعيل الثقفي، ~~وعلى قضائها شريك بن عبد الله النخغي، وعلى خراجها ثابت بن موسى، وعلى ~~خراسان حميد بن قحطبة، وعلى قضاء بغداد عبد الله بن محمد بن صفوان، وعلى ~~الشرطة بها عمر بن عبد الرحمن أخو ms2078 عبد الجبار بن عبد الرحمن، وقيل موسى بن ~~كعب، وعلى خراج البصرة وأرضها عمارة بن حمزة، وعلى قضائها والصلاة عبيد ~~الله بن الحسن العنبري. وأصاب الناس هذه السنة وباء عظيم. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة # ### | AUT ذكر الحسن بن إبراهيم بن عبد الله # في هذه السنة حول المهدي الحسن بن إبراهمي بن عبد الله بن الحسن بن ~~الحسن بن علي من محبسه. وسبب ذلك أنه كان محبوسا مع يعقوب بن داود في موضع ~~واحد، فلما أطلق يعقوب وبقي هو ساء ظنه، فالتمس مخرجا، فأرسل إلى بعض من ~~يثق إليه، فحفر سربا إلى الموضع الذي هو فيه، فبلغ ذلك يعقوب فأتى ابن ~~علاثة القاضي، وكان قد اتصل به، فقال: عندي نصيحة للمهدي، وطبب إليه إيصاله ~~إلى أبي عبيد الله وزيره، ليرفعها إليه، فأحضره عنده، فلما سأله عن نصيحته، ~~سأله عن إيصاله إلى المهدي ليعلمه بها، فأوصله إليه، فاستخلاه، فأعلمه ~~المهدي ثقته بوزيره وابن علاثة، فلم يقل شيئا، حتى قاما، فأخبرهخبر الحسن، ~~فأنفذ من يثق به، فأتاه بتحقيق الحال، فأمر بتحويل الحسن، فحول، ثم احتيل ~~له فيما بعد، فهرب وطلب، فلم يظفر به، فأحضر المهدي يعقوب وسأله عنه، ~~فأخبره أنه لا يعلم مكانه، وأنه إن أعطاه الأمان أتاه به فآمنه وضمن له ~~الإحسان، فقال له: اترك طلبه، فإن ذلك يوحشه، فترك طلبه، ثم إن يعقوب تقدم ~~عند المهدي، فأحضر الحسن بن إبراهيم عنده. ### | AUT ذكر تقدم يعقوب عند المهدي # PageV03P0065 # قد تقد ذكر وصوله إليه، فلما أحضره المهدي عنده في أمر الحسن بن إبراهيم، ~~كما تقدم، قال له: يا أمير المؤمنين ! إنك قد بسطت عدلك لرعيتك، وأنصفتهم، ~~وأحسنت إليهم، فعظم رجاؤهم، وقد بقيت أشياء لو ذكرتها لك لم تدع النظر ~~فيها، وأشياء خلف بابك تعمل فيها ولا تعلم بها، فإن جعلت إلي السبيل إليك ~~رفعتها. فأمر بذلك. فكان يدخل عليه كلما أراد، ويرفع إليه النصائح في ~~الأمور الحسنة الجميلة، من أمر الثغور، وبناء الحصون، وتقوية الغزاة وتزويج ~~العزاب، وفكاك الأسرى والمحبوسين، ms2079 والقضاء علن الغارمين، والصدقة على ~~المتعففين، فحظي عنده بذلك، وعلت منزلته، حتى سقطت منزلة أبي عبيد الله، ~~وحبس، وكتب المهدي توقيعا بأنه قد اتخذه أخا في الله ووصله بمائة ألف. ### || AUT ذكر ظهور المقنع بخراسان # وفي هذه السنة قبل موت حميد بن قحطبة، ظهر المقنع بخراسان، وكان رجلا ~~أعور، قصيرا، من أهل مرو، ويسمى حكيما، وكان اتخذ وجها من ذهب فجعله على ~~وجهه لئلا يرى، فسمي المقنع وادعى الألوهية، ولم يظهر ذلك إلى جميع أصحابه، ~~وكان يقول: إن الله خلق آدم، فتحول في صورته، ثم في صورة نوح، وهكذا هلم ~~جرا إلى أبي مسلم الخراساني، ثم تحول إلى هاشم، وهاشم، في دعواه، هو ~~المقنع، ويقول بالتناسخ؛ وتابعه خلق من ضلال الناس وكانوا يسجدون له من أي ~~النواحي كانوا، وكانوا يقولون في الحرب: يا هاشم أعنا. واجتمع إليه خلق ~~كثير، وتحصنوا في قلعة بسنام، وسنجردة، وهي من رساتيق كش، وظهرت المبيظة ~~ببخارى والصغد معاونين له، وأعانه كفار الأتراك، وأغاروا على أموال ~~المسلمين. وكان يعتقد أن أبا مسلم أفضل من النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان ~~ينكر قتل يحيى بن زيد، وادعى أنه يقتل قاتليه. واجتمعوا بكش، وغلبوا على ~~بعض قصورها، وعلى قلعة نواكث، وحاربهم أبو النعمان، والجنيد، وليه بن نصر، ~~مرة بعد مرة، وقتلوا حسان بن تميم بن نصر بن سيار، ومحمد بن نصر وغيرهما. ~~وأنفذ إليهم جبرائيل بن يحيى وأخاه يزيد، فاشتغلوا بالمبيضة الذين كانوا ~~ببخارى، فقاتلوهم أربعة أشهر في مدينة بومجكث، ونقبها عليهم، فقتل منهم ~~سبعمائة، وقتل الحكم، ولحق منهزموهم بالمقنع، وتبعهم جبرائيل، وحاربهم؛ ثم ~~سير المهدي أبا عون لمحاربة المقنع، فلم يبالغ في قتاله، واستعمل معاذ بن مسلم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل المهدي إسماعيل عن الكوفة، واستعمل عليها إسحاق بن ~~الصباح الكندي ثم الأشعثي، وقيل عيسى بن لقمان بن محمد بن حاطب الجمحي. ~~وفيها عزل سعيد بن دعلج عن أحداث البصرة، وعبيد الله بن الحسن عن الصلاة، ~~واستعمل مكانهما عبد الملك بن أيوب بن ms2080 ظبيان النميري، وأمره بإنصاف من تظلم ~~من سعيد بن دعلج، ثم صرفت الأحداث فيها إلى عمارة بن حمزة فولاها المسور بن ~~عبد الله الباهلي. وفيها عزل قثم بن العباس عن اليمامة، فوصل كتاب عزله وقد ~~مات واستعمل مكانه بشر بن المنذر البجلي. وفيها عزل الهيثم بن سعيد بن ~~الجزيرة، واستعمل عليها الفضل بن صالح. وفيها أعتنف المهدي الخيزران أم ~~ولده، وتزوجها وتزوج أم عبد الله بنت صالح بن علي أخت الفضل وعبد الملك. ~~وفيها احترقت السفن عند قصر عيسى ببغداد بما فيها واحترق ناس كثير. وفيها ~~عزل مطر مولى المنصور عن مصر، واستعمل عليها أبو ضمرة محمد بن سليمان. ~~وفيها غزا العباس بن محمد الصائفة الرومية، وعلى المقدمة الحسن الوصيف، ~~فبلغوا أنقرة، وفتحوا مدينة للروم، ومطمورة، ولم يصب من المسلمين أحد ~~ورجعوا سالمين. وفيها عزل عبد الصمد بن علي علن المدينة، واستعمل عليها ~~محمد بن عبد الله الكثيري. ثم عزله واستعمل مكانه محمد بن عبيد الله بن ~~محمد بن عبد الرحمن بن صفوان الجمحي. وفيها بني المهدي سور الرصافة ~~ومسجدها، وحفر خندقها. وفيها توفي معبد بن الخليل بالسند، وهو عامل المهدي ~~عليها، واستعمل مكانه روح بن حاتم، أشار به أبو عبيد الله وزير المهدي. ~~وفيها أطلق المهدي من كان في حبوس المنصور، إلا من كان عنده تبعة من دم أو ~~مال، أو من يسعى في الأرض بالفساد. وكان فيمن أطلق يعقوب بن داود، مولى بني ~~سليم. وفيها توفي حميد بن قحطبة وهو على خراسان، واستعمل المهدي بعده عليها ~~أبا عون عبد الملك بن يزيد. PageV03P0066 # وحج بالناس هذه السنة يزيد بن منصور خال المهدي، عند قدومه من اليمن، ~~وكان المهدي قد كتب إليه بالقدوم عليه وتوليته الموسم. وكان أمير المدينة ~~عبد الله بن صفوان الجمحي، وعلى أحداث الكوفة إسحاق بن الصباح الكندي، وعلى ~~خراجها ثابت بن موسى، وعلى قضائها شريك ، وعلى صلاة البصرة عبد الملك بني ~~أيوب، وعلى أحداثها عمارة بن حمزة، وعلى قضائها عبيد الله بن الحسن، وعلى ~~كور دجلة ms2081 وكور الأهواز وكور فارس عمارة بن حمزة، وعلى السند بسطام بن عمرو، ~~وعلى اليمن رجاء بن روح، وعلى اليمامة بشر بن المندر، وعلى خراسان أبو عون ~~عبد الملك بن يزيد، وكان حميد بن قحطبة قد مات فيها، فول المهدي أبا عون. ~~وكان على الجزيرة الفضل بن صالح، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم، وعلى مصر أبو ~~ضمرة محمد بن سليمان. وفيها كان شقنا قد انتشر في نواحي شنت برية، فسير ~~إليه عبد الرحمن، صاحب الأندلس، جيشا، ففارق مكانه، وصعد الجبال كعادته ~~فعاد الجيش عنه. وفيها مات محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، الفقيه، ~~بالكوفة، وهو مدني، وعمره تسع وسبعون سنة. وفيها توفي عبد العزيز بن أبي ~~رواد مولى المغيرة بني المهلب، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني، ~~ومخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج المصري، وحسين بن واقد مولى ابن عامر، ~~وكان على قضاء مرو، وكان يشتري الشيء من السوق فيحمله إلى عياله. ### | AUT ثم دخلت سنة ستين ومائة # ### | AUT ذكر خروج يوسف البرم. # في هذه السنة خرج يوسف بن إبراهيم، المعروف بالبرم، بخراسان، منكرا هو ~~ومن معه على المهدي سيرته التي يسر بها، واجتمع معه بشر كثير، فتوجه إليه ~~يزيد بن مزيد الشيباني، وهو ابن أخي معن بن زائدة، فلقه، فاقتتلا، حتى صارا ~~إلى المعانقة، فأسره يزيد بن مزبد وبعث به إلى المهدي، وبعث معه وجوه ~~أصحابه، فلما بلغوا النهروان حمل يوسف على بعير، قد حول وجهه إلى ذنبه، ~~وأصحابه مثله، فأدخلوهم الرصافة على تلك الحال، وقطعت يدا يوسف ورجلاه، ~~وقتل هو وأصحابه، وصلبوا على الجسر. وقد قيل إنه كان حروريا، وتغلب على ~~بوشنج وعليها مصعب بن زريق، جد طاهر بن الحسين، فهرب منه، وتغلب أيضا على ~~مرو الروذ والطالقان والجوزجان، وقد كان من جملة أصحابه أبو معاذ الفريابي، فقبض معه. ### || AUT ذكر بيعة موسى الهادي # كان جماعة من بني هامش وشيعة المهدي قد خاضوا في خلع عيسى بن موسى من ~~ولاية العهد، والبيعة لموسى الهادي بن المهدي، ms2082 فلما علم المهدي بذلك سره، ~~وكتب إلى عيسى بن موسى بالقدوم عليه، وهو بقرية الرحبة، من أعمال الكوفة، ~~فأحس عيسى بالذي يراد منه، فامتنع من القدوم، فاستعمل المهدي على الكوفة ~~روح بن حاتم، للإضرار به، فلم يجد روح إلى الإضرار به سبيلا، لأنه كان لا ~~يقرب البلد إلا كل جمعة أو يوم عيد. وألح المهدي عليه وقال له: إنك لم ~~تجبني إلى أن تنخلع من ولاية العهد لموسى وهارون استحللت منك، بمعصيتك، ما ~~يستحل من أهل المعاصي، وإن أجبتني عوضتك منها ما هو أجدى عليك وأعجل نفعا؛ ~~فلم يقدم عليه، وخيف انتفاضه، فوجه إليه المهدي عمه العباس بن محمد برسالة ~~وكتاب يستدعيه، فلم يحضر معه، فلما عاد والعباس، وجه المهدي إليه أبا هريرة ~~محمد بن فروخ القائد في ألف من أصحابه ذوي البصائر في التشيع للمهدي، وجعل ~~مع كل واحد منهم طبلا، وأمرهم أن يضربوا طبولهم جميعا عند قدومهم إليه، ~~فوصلوا سحرا، وضربوا طبولهم، فارتاع عيسى روعا شديدا، ودخل عليه أبو هريرة، ~~وأمره بالشخوص معه فاعتل بالشكوى، فلم يقبل منه وأخذه معه. فلما قدم عيسى ~~بن موسى نزل دار محمد بن سليمان في عسكر المهدي، فأقام أياما يختلف إلى ~~المهدي ولا يكلم بشيء، ولا يرى مكروها، فحضر الدار يوما قبل جلوس المهدي ~~فجلس في مقصورة للربيع، وقد اجتمع شيعة رؤساء المهدي على خلعه، فثاروا به ~~وهو في المقصورة، فأغلق الباب دونهم، فضربوا الباب بالعمد، حتى هشموه، ~~وشتموا عيسى أقبح الشتم، وأظهر المهدي إنكارا لما فعلوه، فلم يرجعوا، فبقوا ~~في ذلك أياما إلى أن كاشفه أكابر أهل بيته، وكان أشدهم عليه محمد بن ~~سليمان. PageV03P0067 # وألح عليه المهدي، فأبى، وذكر أن عليه إيمانا في أهله وماله، فأحضر له من ~~القضاة والفقهاء عدة، منهم: محمد بن عبد الله بن علاثة، ومسلم بن خالد ~~الزنجي، فأفتوه بما رأوا، فأجاب إلى خلع نفسه لأربع بقين من المحرم، وبايع ~~للمهدي ولابنه موسى الهادي. ثم جلس المهدي من الغد، وأحضر أهل بيته، وأخذ ~~بيعتهم، ثم خرج إلى ms2083 الجامع، وعيسى معه، فخطب الناس، وأعلمهم بخلع عيسى ~~والبيعة للهادي، ودعاهم إلى البيعة، فسارع الناس إليها، وأشهد على عيسى ~~بالخلع، فقال بعض الشعراء: ؟كره الموت أبو موسى وقد كان في الموت نجاة وكرم ~~خلع الملك وأضحى ملبسا ... ثوب لؤم ما ترى منه القدم الرحبة بضم الراء قرية ~~عند الكوفة، وصبح بضم الصاد المهملة، وكسر الباء الموحدة. ### || AUT ذكر فتح مدينة باربد # كان المهدي قد سير، سنة تسع وخمسين ومائة، جيشا في البحر، وعليهم عبد ~~الملك بن شهاب المسمعي إلى بلاد الهند في جمع كثير من الجند والمتطوعة، ~~وفيهم الربيع بن صبيح، فساروا حتى نزلوا على باربد، فلما نازلوها حصروها من ~~نواحيها، وحرص الناس بعضهم بعضا على الجهاد، وضايقوا أهلها، ففتحها الله ~~عليهم هذه السنة عنوة واحتمى أهلها بالبد الذي لهم، فأحرقه المسلمون عليهم، ~~فاحترق بعضهم، وقتل الباقون، واستشهد من المسلمين بضعة وعشرون رجلا، ~~وأفاءها الله عليهم، فهاج عليهم البحر، فأقاموا إلى أن يطيب، فأصابهم مرض ~~في أفواههم، فمات منهم نحو من ألف رجل فيهمالربيع بن صبيح، ثم رجعوا. فلما ~~بلغوا ساحلا من فارس يقال له بحر حمران عصفت بهم الريح ليلا، فانكسر عامة ~~مراكبهم، فغرق البعض، ونجا البعض. قيل: وفيها جعل أبان بن صدقة كاتبا ~~لهارون الرشيد ووزيرا له. وفيها عزل أبو عون عن خراسان عن سخطة، واستعمل ~~عليها معاذ بن مسلم. وفيها غزا ثمامة بن العبس الصائفة، وغزا الغمر بن ~~العباس الخثعمي بحر الشام. ### || AUT ذكر رد نسب آل أبي بكرة وآل زياد # وفي هذه السنة أمر المهدي برد نسب آل أبي بكر من ثقيف إلى ولاء رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم. وسبب ذلك أن رجلا منهم رفع ظلامته إلى المهدي، ~~وتقرب إليه فيها بولاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال له المهدي: إن ~~هذا نسب ما يقرون به إلا عند الحاجة، والاضطرار إلى التقرب إلينا. فقال له: ~~من جحد ذلك، يا أمير المؤمنين، فإنا سنقر، وأنا أسألك أن تردني ومعشر آل ~~أبي بكرة إلى نسبنا من ms2084 ولاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتأمر بآل زياد ~~فيخرجوا من نسبهم الذي ألحقوا به، ورغبوا عن قضاء رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم: إن الولد للفراش، وللعاهر الحجر، ويردوا إلى عبيد في موالي ثقيف. ~~فأمر المهدي برد آل أبي بكرة إلى ولاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكتب ~~فيه إلى محمد بن موسى بذلك، وأن من أقر منهم بذلك ترك ماله بيده، ومن أباه ~~اصطفى ماله. فعرضهم، فأجابوا جميعا إلا ثلاثة نفر، وكذلك أيضا أمر برد نسب ~~آل زياد إلى عبيد وأخرجهم من قريش. فكان الذي حمل المهدي على ذلك، مع الذي ~~ذكرناه، أن رجلا من آل زياد قدم عليه يقال له الصغدي بن سلم بن حرب بن ~~زياد، فقال له المهدي: من أنت ؟ فقال: ابن عمك. فقال: أي بني عمي أنت ؟ ~~فذكر نسبه، فقال المهدي: يا ابن سمية الزانية ! متى كنت ابن عمي ؟ وغضب ~~وأمر به، فوجئ في عنقه وأخرج، وسأل عن استلحاق زياد، ثم كتب إلى العامل ~~بالبصرة بإخراج آل زياد من ديوان قريش والعرب، وردهم إلى ثقيف، وكتب في ذلك ~~كتابا بالغا، يذكر فيه استلحاق زياد، ومخالفة حكم رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، فيه، فأسقطوا من ديوان قريش، ثم إنهم بعد ذلك رشوا العمال، حتى ردهم ~~إلى ما كانوا عليه، فقال خالد النجار: إن زيادا ونافعا وأبا ... بكرة عندي ~~من أعجب العجب ذا قرشي كما يقول وذا ... مولى وهذا بزعمه عربي ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة توفي عبد الله بن صفوان الجمحي، أمير المدينة، واستعمل ~~عليها مكانه محمد بن عبد الله الكثيري، ثم عزل واستعمل مكانه زفر بن عاصم ~~الهلالي، وجعل على القضاء عبد الله بن محمد بن عمران الطلحي. وفيها خرج عبد ~~السلام الخارجي بنواحي الموصل PageV03P0068 # وفيها عزل بسطام بن عمرو عن لسند، واستعمل عليها روح بن حاتم؛ وحج ~~بالناس، هذه السنة، المهدي، واستخلف على بغداد ابنه موسى وخاله يزيد بن ~~منصور، واستصحب معه جماعة من أهل بيته، وابنه هارون ms2085 الرشيد، وكان معه يعقوب ~~بن داود، فأتاه بمكة بالحسن بن إبراهيم بن عبد الله العلوي الذي كان استأمن ~~له، فوصله المهدي وأقطعه. وفيها نزع المهدي كسوة الكعبة وكساها كسوة جديدة، ~~وكان سبب نزعها أن حجبة الكعبة ذكروا له أنهم يخافون على الكعبة أن تتهدم ~~لكثرة ما عليها من الكسوة، فنزعها، وكانت كسوة هشام بن عبد الملك من ~~الديباج الثخين، وما قبلها من عمل اليمن؛ وقسم مالا عظيما، وكان معه من ~~العراق ثلاثون ألف ألف درهم، ووصل إليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار، ومن ~~اليمن مائتا ألف دينار، ففرق ذلك كله، وفرق مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب، ~~ووسع مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأخذ خمسمائة من الأنصار يكونون ~~حرسا له بالعراق، وأقطعهم بالعراق، وأجرى عليهم الأرزاق. وحمل إليه محمد بن ~~سليمان الثلج إلى مكة، وكان أول خليفة حمل إليه الثلج إلى مكة، ورد المهدي ~~على أهل بيته وغيرهم وظائفهم التي كانت مقبوضة عنهم. وكان لي البصرة، وكور ~~دجلة، والبحرين، وعمان، وكور الأهواز، وفارس، محمد بن سليمان، وعلى خراسان ~~معاذ بن مسلم، وباقي الأمصار على ما تقدم ذكره. وفيها أرسل عبد الرحمن ~~الأموي بالأندلس أبا عثمان عبيد الله بن عثمان، وتمام بن علقمة، إلى شقنا، ~~فحاصراه شهورا بحصن شبطران، وأعياهما أمره، فقفلا عنه، ثم إن شقنا، بعد ~~عودهما عنه، خرج من شبطران إلى قرية من قرى شنت برية راكبا على بغلته التي ~~تسمى الخلاصة، فاغتاله أبو معن وأبو خزيم، وهما من أصحابه، فقتلاه، ولحقا ~~بعبد الرحمن، ومعهما رأسه، فاستراح الناس من شره. وفيها مات داود بن نصير ~~الطائي الزاهد، وكان من أصحاب أبي حنيفة؛ وعبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة ~~بن عبد الله بن مسعود المسعودي أيضا، وشعبة بن الحجاج أبو بسطام، وكان عمره ~~سبعا وسبعين سنة؛ وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وقيل توفي سنة ~~أربع وستين. وفيها توفي الربيع بن مالك بن أبي عامر، عم مالك بن أنس ~~الفقيه، كنيته أبو مالك، وكانوا أربعة إخوة، ms2086 أكبرهم أنس والد مالك، ثم أويس ~~جد إسماعيل بن أويس، ثم نافع، ثم الربيع. وفيها توفي خليفة بن خياط العصفري ~~الليثي، وهو جد خليفة بن خياط. خياط بالخاء المعجمة، وبالياء المثناة من ~~تحت وفيها توفي الخليل بن أحمد البصري الفرهودي النحوي، الإمام المشهور في ~~النحو، أستاذ سيبويه. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة # ### | AUT ذكر هلاك المقنع # في هذه السنة سار معاذ بن مسلم وجماعة من القواد والعساكر إلى المقنع، ~~وعلى مقدمته سعيد الحرشي، وأتاه عقبة بن مسلم من زم، فاجتمع به بالطواويس، ~~وأوقعوا بأصحاب المقنع، فهزموهم، فقصد المنهزمون إلى المقنع بسنام فعمل ~~خندقها وحصنها، وأتاهم معاذ فحاربهم، فجرى بينه وبين الحرشي نفرة، فكتب ~~الحرشي إلى المهدي في معاذ، ويضمن له الكفاية إن أفرده بحرب المقنع، فأجابه ~~المهدي إلى ذلك، فانفرد الحرشي بحربه، وأمده معاذ بابنه رجاء في جيش، وبكل ~~ما التمسه منه، وطال الحصار على المقنع، فطلب أصحابه الأمان سرا منه، ~~فأجابهم الحرشي إلى ذلك، فخرج نحو ثلاثين ألفا، وبقي معه زهاء ألفين من ~~أرباب البصائر. وتحول رجاء بن معاذ وغيره فنزلوا خندق المقنع في أصل ~~القلعة، وضايقوه. فلما أيقن بالهلاك جمع نساءه وأهله، وسقاهم السم، فأتى ~~عليهم، وأمر أن يحرق هو بالنار لئلا يقدر على جثته؛ وقيل: بل أحرق كل ما في ~~قلعته من دابة وثوب وغير ذلك، ثم قال: من أحب أن يرتفع معي إلى السماء ~~فليلق نفسه معي في هذه النار ! وألقى بنفسه مع أهله، ونسائه، وخواصه، ~~فاحترقوا، ودخل العسكر القلعة، فوجدوها خالية خاوية. وكان ذلك مما زاد في ~~افتتان من بقي من أصحابه، والذين يسمون المبيضة بما وراء النهر من أصحابه، ~~إلا أنهم يسرون اعتقادهم؛ وقيل: بل شرب هو أيضا من السم، فمات، فأنفذ ~~الحرشي رأسه إلى المهدي، فوصل إليه وهو بحلب سنة ثلاث وستين ومائة، في غزواته. ؟ ### || AUT ذكر تغير حال أبي عبيد الله # PageV03P0069 # في هذه السنة تغيرت حال أبي عبيد الله وزير المهدي، وقد ذكرنا فيما تقدم ~~سبب اتصاله به أيام المنصور، ms2087 ومسيره معه إلى خراسان؛ فحكى الفضل بن الربيع ~~أن الموالي كانوا يقعون في أبي عبيد الله عند المهدي ويحرضونه عليه؛ وكانت ~~كتب أبي عبيد الله ترد على المنصور بما يفعل، ويعرضها على الربيع، ويكتب ~~الكتب إلى المهدي بالوصاة به، وترك القول فيه. ثم إن الربيع حج مع المنصور ~~حين مات، وفعل في بيعه المهدي ما ذكرناه، فلما قدم جاء إلى باب أبي عبيد ~~الله، قبل المهدي، وقبل أن يأتي أهله، فقال له ابنه الفضل: تترك أمير ~~المؤمنين ومنزلك وتأتيه ! قال: هو صاحب الرجل، وينبغي أن نعامله غير ما كنا ~~نعامله به، ونترك ذكر نصرتنا له. فوقف على بابه من المغرب إلى أن صليت ~~العشاء الآخرة، ثم أذن له، فدخل فلم يقم له وكان متكئا، فلم يجلس، ولا أقبل ~~عليه، وأراد الربيع أن يذكر له ما كان منه في أمر البيعة، فقال: قد بلغنا ~~أمركم؛ فأوغر صدر الربيع، فلما خرج من عنده قال له ابنه الفضل: لقد بلغ فعل ~~هذا بك ما فعل، وكان الرأي أن لا تأتيه، وحيث أتيته وحجبك أن تعود، وحيث ~~دخلت عليه فلم يقم لك أن تعود. فقال لابنه: أنت أحمق حيث تقول: كان ينبغي ~~أن لا تجيء، وحيث جئت وحجبت أن تعود، ولما دخلت فلم يقم لك كان ينبغي أن ~~تعود؛ ولم يكن الصواب إلا ما عملته، ولكن والله، وأكد اليمين، لأخلعن جاهي، ~~ولأنفقن مالي حتى أبلغ مكروهه. وسعى في أمره، فلم يجد عليه طريقا لاحتياطه ~~في أمر دينه وأعماله، فأتاه من قبل ابنه محمد، فلم يزل يحتال ويدس إلى ~~المهدي، ويتهمه ببعض حرمه، وبأنه زنديق، حتى استحكمت التهمة عند المهدي ~~بابنه، فأمر به فأحضر، وأخرج أبوه، ثم قال له: يا محمد ! اقرأ، فلم يحسن ~~يقرأ شيئا، فقال لأبيه: ألم تعلمني أن ابنك يحفظ القرآن ؟ قال: بلى ولكنه ~~فارقني منذ سنين، وقد نسي. قال: فقم فتقرب إلى الله بدمه، فقام ليقتل ولده، ~~فعثر فوقع، فقال العباس بن محمد: إن رأيت أن يعفي الشيخ، فافعل. فأمر بابنه ms2088 ~~فضربت عنقه، وقال له الربيع: يا أمير المؤمنين ! تقتل ابنه وتثق إليه ! لا ~~ينبغي ذلك. فاستوحش منه، وكان من أمره ما نذكره. ### || AUT ذكر عبور الصقلبي إلى الأندلس وقتله # وفي هذه السنة، وقيل سنة ستين، عبر عبد الرحمن بن حبيب الفهري، المعروف ~~بالصقلبي، وإنما سمي به لطوله وزرقته وشقرته، من إفريقية إلى الأندلس ~~محاربا لهم، ليدخلوا في الطاعة للدولة العباسية، وكان عبوره في ساحل تدمير، ~~وكاتب سليمان بن يقظان بالدخول في أمره، ومحاربة عبد الرحمن الأموي، ~~والدعاء إلى طاعة المهدي. وكان سليمان ببرشلونة، فلم يجبه، فاغتاظ عليه، ~~وقصد بلده فيمن معه من البربر، فهزمه سليمان، فعاد الصقلبي إلى تدمير، وسار ~~عبد الرحمن الأموي نحوه في العدد والعدة، وأحرق السفن تضييقا على الصقلبي ~~في الهرب، فقصد الصقلبي جبلا منيعا بناحية بلنسية، فبذل الأموي ألف دينار ~~لمن أتاه برأسه، فاغتاله رجل من البربر، فقتله، وحمل رأسه إلى عبد الرحمن، ~~فأعطاه ألف دينار، وكان قتله سنة اثنتين وستين ومائة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها ظفر نصر بن محمد بن الأشعث بعبد الله بن مروان بالشام، فأخذه، ~~وقدم به على المهدي، فحبسه في المطبق، وجاء عمرو بن سهلة الأشعري، فادعى أن ~~عبد الله قتل أباه، وحاكمه عند عافية القاضي فتوجه الحكم على عبد الله فجاء ~~عبد العزيز بن مسلم العقيلي إلى القاضي فقال: زعم عمرو بن سهلة أن عبد الله ~~قتل أباه، وكذب، والله، ما قتل أباه غيري؛ أنا قتلته بأمر مروان، وعبد الله ~~بريء من دمه؛ فترك عبد الله، ولم يعرض المهدي لعبد العزيز، لأنه قتله بأمر ~~مروان. وفيها غزا الصائفة ثمامة بن الوليد، فنزل بدابق، وجاشت الروم مع ~~ميخائيل في ثمانين ألفا، فأتى عمق مرعش، فقتل، وسبى، وغنم، وأتى مرعش ~~فحاصرها، فقاتلهم، فقتل من المسلمين عدة كثيرة. وكان عيسى بن علي مرابطا ~~بحصن مرعش فانصرف الروم إلى جيحان، وبلغ الخبر المهدي، فعظم عليه، وتجهز ~~لغزو الروم، على ما سنذكره سنة اثنتين وستين ومائة، فلم يكن للمسلمين صائفة ~~من أجل ذلك. PageV03P0070 # وفيها أمر ms2089 المهدي ببناء القصور بطريق مكة، أوسع من القصور التي بناها ~~السفاح من القادسية إلى زبالة، وأمر باتخاذ المصانع في كل منهل منها، ~~وبتجديد الأميال والبرك، وبحفر الركايا، وولي ذلك يقطين بن موسى، وأمر ~~بالزيادة في مسجد البصرة، وتقصير المنابر في البلاد، وجعلها بمقدار منبر ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى اليوم. وفيها أمر المهدي يعقوب بن داود ~~بتوجيه الأمناء في جميع الآفاق، ففعل، فكان لا ينفذ المهدي كتابا إلى عامل ~~فيجوز حتى يكتب يعقوب إلى أمينه بإنفاذ ذلك. وفيها غزا الغمر بن العباس في ~~البحر. وفيها ولي نصر بن محمد بن الأشعث السند مكان روح بن حاتم، ثم عزل ~~بعبد الملك بن شهاب، فبقي عبد الملك ثمانية عشر يوما ثم عزل وأعيد نصر من ~~الطريق. وفيها استقضى المهدي عافية القاضي مع ابن علاثة بالرصافة. وفيها ~~عزل الفضل بن صالح عن الجزيرة، واستعمل عليها عبد الصمد بن علي، واستعمل ~~عيسى بن لقمان على مصر، ويزيد بن منصور على سواد الكوفة، وحسان الشروي على ~~الموصل، وبسطام بن عمرو التغلبي على أذربيجان. وفيها توفي نصر بن مالك من ~~فالج أصابه، وولى المهدي بعده شرطته حمزة بن مالك، وصرف أبان بن صدقة عن ~~هارون الرشيد، وجعل مع موسى الهادي، وجعل مع هارون يحيى بن خالد بن برمك. ~~وفيها عزل محمد بن سليمان أبو ضمرة عن مصر في ذي الحجة، ووليها سلمة بن ~~رجاء؛ وحج بالناس موسى الهادي وهو ولي عهد؛ وكان عامل مكة والطائف واليمامة ~~جعفر بن سليمان؛ وعامل اليمن علي بن سليمان؛ وكان على سواد الكوفة يزيد بن ~~منصور، وعلى أحداثها إسحاق بن منصور. وفيها توفي سفيان الثوري، وكان مولده ~~سنة سبع وتسعين؛ وزائدة بن قدامه أبو الصلت الثقفي الكوفي؛ وإبراهيم بن ~~أدهم بن منصور أبو إسحاق الزاهد، وكان مولده ببلخ، وانتقل إلى الشام فأقام ~~به مرابطا، وهو من بكر بن وائل، ذكره أبو حاتم البستي. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائة # ### || AUT ذكر قتل عبد السلام الخارجي # وفي هذه السنة قتل ms2090 عبد السلام بن هاشم اليشكري بقنسرين، وكان قد خرج ~~بالجزيرة، فاشتدت شوكته، وكثر أتباعه، فلقيه عدة من قواد المهدي فيهم: عيسى ~~بن موسى، القائد، فقتله في عدة ممن معه، وهزم جماعة من القواد فيهم شبيب بن ~~واج المروروذي، فندب المهدي إلى شبيب ألف فارس، وأعطى كل رجل منهم ألف درهم ~~معونة، فوافوا شبيبا فخرج بهم في طلب عبد السلام، فهرب منه، فأدركه ~~بقنسرين، فقاتله، فقتله بها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وضع المهدي ديوان الأزمة، وولى عليها عمرو بن مربع مولاه، ~~وأجرى المهدي على المجذمين وأهل السجون الأرزاق في جميع الآفاق. وفيها خرجت ~~الروم إلى الحدث، فهدموا سورها؛ وغزا الصائفة السحن بن قحطبة في ثمانين ألف ~~مرتزق سوى المتطوعة، فبلغ حمة أذرولية، وأكثر التحريق والتخريب في بلاد ~~الروم، ولم يفتح حصنا، ولا لقي جمعا، وسمته الروم التنين، وقالوا: إنما أتى ~~الحمة ليغتسل من مائها للوضوح الذي به، ورجع الناس سالمين: وفيها غزا يزيد ~~بن أسيد السلمي من ناحية قاليقلا، فغنم، وافتتح ثلاثة حصون، وسبى. وفيها ~~عزل علي بن سليمان عن اليمن، واستعمل مكانه عبد الله بن سليمان، وعزل سلمة ~~بن رجاء عن مصر، ووليها عيسى بن لقمان في المحرم، وعزل عنها في جمادي ~~الآخرة، ووليها واضح مولى المهدي، ثم عزل في ذي القعدة، ووليها يحيى ~~الحرشي. وفيها خرجت المحمرة بجرجان، عليهم رجل اسمه عبد القهار، فغلب ~~عليها، وقتل بشرا كثيرا، فغزاه عمر بن العلاء من طبرستان، فقتله عمر ~~وأصحابه، وكان العمال من تقدم ذكرهم، فكانت لجزيرة مع عبد الصمد بن علي، ~~وطبرستان والرويان مع سعيد بن دعلج، وجرجان مع مهلهل بن صفوان. وفيها أرسل ~~عبد الرحمن، صاحب الأندلس، شهيد بن عيسى إلى دحية الغساني، وكان عاصيا في ~~بعض حصون إلبيرة، فقتله، وسير بدرا مولاه إلى إبراهيم بن شجرة البرلسي، ~~وكان قد عصى، فقتله، وسير أيضا ثمامة بن علقمة إلى العباس البربري، وهو في ~~جمع من البربر، وقد أظهر العصيان، فقتله أيضا وفرق جموعه. PageV03P0071 # وفيها سير جيشا مع حبيب ms2091 بن عبد الملك القرشي إلى القائد السلمي، وكان حسن ~~المنزلة عند عبد الرحمن أمير الأندلس، فشرب ليلة، وقصد باب القنطرة ليفتحه ~~على سكر منه، فمنعه الحرس، فعاد، فلما صحا خاف، فهرب إلى طليطلة، فاجتمع ~~إليه كثير ممن يريد الخلاف والشر، فعاجله عبد الرحمن بإنفاذ الجيوش إليه، ~~فنازله في موضع قد تحصن فيه، وحصره، ثم إن السلمي طلب البراز، فبرز إليه ~~مملوك أسود، فاختلفا ضربتين فوقعا صريعين، ثم ماتا جميعا. وفيها توفي عبد ~~الرحمن بن زياد بن أنعم، قاضي إفريقية، وقد جاوز تسعين سنة، وسبب موته أنه ~~أكل عند يزيد بن حاتم سمكا، ثم شرب لبنا، وكان يحيى بن ماسوية الطبيب ~~حاضرا، فقال: إن كان الطب صحيحا، مات الشيخ الليلة، فتوفي من ليلته تلك، ~~والله أعلم. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة # ### || AUT ذكر غزو الروم # في هذه السنة تجهز المهدي لغزو الروم، فخرج وعسكر بالبردان، وجمع ~~الأجناد من خراسان وغيرها، وسار عنها، وكان قد توفي عيسى بن علي بن عبد ~~الله بن عباس في جمادى الآخرة، وسار المهدي من الغد، واستخلف على بغداد ~~ابنه موسى الهادي، واستصحب معه ابنه هارون الرشيد، وسار على الموصل ~~والجزيرة، وعزل عنها عبد الصمد بن علي في مسيرة ذلك. ولما حاذى قصر مسلمة ~~بن عبد الملك قال العباس بن محمد بن علي للمهدي: إن لمسلمة في أعناقنا منة، ~~كان محمد بن علي مر به، فأعطاه أربعة آلاف دينار، وقال له: إذا نفدت فلا ~~تحتشمنا ! فأحضر المهدي ولد مسلمة ومواليه، وأمر لهم بعشرين ألف دينار، ~~وأجرى عليهم الأرزاق، وعبر الفرات إلى حلب، وأرسل، وهو بحلب، فجمع من بتلك ~~الناحية من الزنادقة، فجمعوا، فقتلهم، وقطع كتبهم بالسكاكين، وسار عنها ~~مشيعا لابنه هارون الرشيد، حتى جاز الدرب وبلغ جيحان، فسار هارون، ومعه ~~عيسى بن موسى، وعبد الملك بن صالح، والربيع، والحسن بن قحطبة، والحسن ~~وسليمان ابنا برمك، ويحيى بن خالد بن برمك، وكان إليه أمر العسكر، ~~والنفقات، والكتابة وغير ذلك، فساروا فنزلوا على حصن سمالوا، فحصره هارون ms2092 ~~ثمانية وثلاثين يوما ونصب عليه المجانيق، ففتحه الله عليهم بالأمان، ووفى ~~لهم، وفتحوا فتوحا كثيرة. ولما عاد المهدي من الغزاة زار بيت المقدس، ومعه ~~يزيد بن منصور والعباس بن محمد بن علي والفضل بن صالح بن علي وعلي بن ~~سليمان بن علي، وقفل المسلمون سالمين، إلا من قتل منهم؛ وعزل المهدي ~~إبراهيم بن صالح عن فلسطين، ثم رده. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة ولى المهدي ابنه هارون المغرب كله، وأذربيجان، وأرمينية، ~~وجعل كاتبه على الخراج ثابت بن موسى، وعلى رسائله يحيى بن خالد بن برمك. ~~وفيها عزل زفر بن عاصم عن الجزيرة، واستعمل عليها عبد الله بن صالح. وفيها ~~عزل المهدي معاذ بن مسلم عن خراسان واستعمل عليها المسيب بن زهير الضبي، ~~وعزل يحيى الحرشي عن أصبهن، وولى مكانه الحكم بن سعيد، وعزل سعيد بن دعلج ~~عن طبرستان والرويان، وولاهما عمر بن العلاء، وعزل مهلهل بن صفوان عن ~~جرجان، وولاها هشام بن سعيد. وكان على مكة والمدينة والطائف واليمامة جعفر ~~بن سليمان؛ وكان على الكوفة إسحاق بن الصباح؛ وعلى البصرة وفارس والبحرين ~~والأهواز محمد بن سليمان؛ وعلى السند نصر بن محمد بن الأشعث؛ وعلى الموصل ~~محمد بن الفضل. وحج بالناس هذه السنة علي بن المهدي. وفيها أظهر عبد الرحمن ~~الأموي، صاحب الأندلس، التجهز للخروج إلى الشام بزعمه لمحو الدولة ~~العباسية، وأخذ ثأره منهم، فعصى عليه سليمان بن يقظان، والحسين بن يحيى بن ~~سعيد بن سعد بن عثمان الأنصاري بسرقسطة، واشتد أمرهما، فترك ما كان عزم ~~عليه. وفيها مات موسى بن علي بن رباح اللخمي بضم العين مصغرا ورباح بالباء ~~الموحدة. وفيها مات إبرهيم بن طهمان، وكان عالما فاضلا، وكان مرجئا من أهل ~~نيسابور، ومات بمكة. وفيها توفي أبو الأشهب جعفر بن حيان بالبصرة. وفيها ~~توفي بكار بن شريح، قاضي الموصل بها، وكان فاضلا، وولي القضاء بها أبو مكرز ~~الفهري، واسمه يحيى بن عبد الله بن كرز. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة # PageV03P0072 # في هذه السنة غزا عبد ms2093 الكبير بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن ~~الخطاب من درب الحدث، فأتاه ميخائيل البطريق، وطاراذ الأرمني البطريق في ~~تسعين ألفا، فخاف عبد الكبير، ومنع الناس من القتال، ورجع بهم، فأراد ~~المهدي قتله، فشفع فيه فحبسه. وفيها عزل المهدي محمد بن سليمان عن البصرة، ~~وسائر أعماله، واستعمل صالح بن داود مكانه. وفيها سار المهدي ليحج، فلما ~~بلغ العقبة ورأى قلة الماء خاف أن الماء لا يحمل الناس، وأخذته أيضا حمى، ~~فرجع، وسير أخاه صالحا ليحج بالناس، ولحق الناس عطش شديد حتى كادوا يهلكون، ~~وغضب المهدي على يقطين لأنه صاحب المصانع. وفيها عزل عبد الله بن سليمان عن ~~اليمن عن سخطة، ووجه من يستقبله، ويفتش متاعه، ويحصي ما معه، واستعمل على ~~اليمن منصور بن يزيد بن منصور، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم، وكان العمال من ~~تقدم ذكرهم، وعلى الموصل محمد بن الفضل. وفيها سار عبد الرحمن الأموي إلى ~~سرقسطة، بعد أن كان قد سير إليها ثعلبة بن عبيد في عسكر كثيف، وكان سليمان ~~بن يقظان، والحسين ابن يحيى قد اجتمعا على خلع طاعة عبد الرحمن، كما ذكرنا، ~~وهما بها، فقاتلهما ثعلبة قتالا شديدا، وفي بعض الأيام عاد إلى مخيمه، ~~فاغتنم سليمان غرته، فخرج إليه، وقبض عليه، وأخذه، وتفرق عسكره، واستدعى ~~سليمان قارله ملك الإفرنج، ووعده بتسليم البلد وثعلبة إليه، فلما وصل إليه ~~لم يصبحبيده غير ثعلبة، فأخذه وعاد إلى بلاده، وهو يظن أنه يأخذ به عظيم ~~الفداء، فأهمله عبد الرحمن مدة، ثم وضع من طلبه من الفرج، فأطلقوه. فلما ~~كان هذه السنة سار عبد الرحمن إلى سرقسطة، وفرق أولاده في الجهات ليدفعوا ~~كل مخالف، ثم يجتمعون بسرقسطة، فسبقهم عبد الرحمن إليها، وكان الحسين بن ~~يحيى قد قتل سليمان بن يقظان، وانفرد بسرقسطة، فوافاه عبد الرحمن على أثر ~~ذلك، فضيق على أهلها تضييقا شديدا. وأتاه أولاده من النواحي، ومعهم كل من ~~كان خالفهم، وأخبروه عن طاعة غيرهم، فرغب الحسين في الصلح، وأذعن للطاعة، ~~فأجابه عبد الرحمن، وصالحه، وأخذ ابنه سعيدا ms2094 رهينة، ورجع عنه، وغزا بلاد ~~الفرنج، فدوخها، ونهب وسبى وبلغ قلهرة، وفتح مدينة فكيرة، وهدم قلاع تلك ~~الناحية، وسار إلى بلاد البشكنس، ونزل على حصن مثمين الأقرع، فافتتحه، ثم ~~تقدم إلى ملدوثون بن اطلال، وحصر قلعته، وقصد الناس جبلها، وقاتلوهم فيها، ~~فملكوها عنوة وخربها ثم رجع إلى قرطبة. وفيها ثارت قتنة بين بربر بلنسية ~~وبربر شنت برية من الأندلس، وجرى بينهم حروب كثيرة قتل فيها خلق كثيرة من ~~الطائفتين، وكانت وقائعهم مشهورة. وفيها مات شيبان بن عبد الرحمن أبو ~~معاوية التميمي النحوي البصري؛ وعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ~~الماجشون؛ وعيسى بن علي بن عبد الله بن عباس عم المنصور، وقيل: مات سنة ~~ثلاث وستين، وكان عمره ثمانيا وسبعين سنة، وقيل ثمانين سنة؛ وسعيد بن عبد ~~العزيز الدمشقي، وسلام بن مسكين النمري الأزدين أبو روح؛ والمبارك بن فضالة ~~بن أبي أمية القرشي، مولى عمر بن الخطاب. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة # ### || AUT ذكر غزو الروم # في هذه السنة سير المهدي ابنه الرشيد لغزو الروم صائفة، في جمادى ~~الآخرة، في خمسة وتسعين ألفا وتسعمائة وثلاثة وتسعين رجلا، ومعه الربيع، ~~فوغل هارون في بلاد الروم، ولقيه عسكر لقيظا قومس القوامسة، فبارزه يزيد بن ~~مزيد الشيباني فأثخنه يزيد وانهزمت الروم، وغلب يزيد على عسكرهم. وساروا ~~إلى الدمستق، وهو صاحب المسالح، فحمل لهم مائة ألف دينار وثلاثة وتسعين ~~ألفا وأربعمائة وخمسين دينارا، ومن الورق أحدا وعشرين ألف ألف درهم وأربعة ~~عشر ألفا وثمانمائة درهم. وسار الرشيد حتى بلغ خليج القسطنطينية، وصاحب ~~الروم يومئذ عطسة امرأة أليون، وذلك أن ابنها كان صغيرا قد هلك أبوه وهو في ~~حجرها، فجرى الصلح بينها وبين الرشيد على الفدية، وأن تقيم له الأدلاء ~~والأسواق في الطريق، وذلك أنه دخل مدخلا ضيقا مخوفا، فأجابته إلى ذلك، ~~ومقدار الفدية سبعون ألف دينار كل سنة، ورجع عنها. PageV03P0073 # وكانت الهدنة ثلاث سنين، وكان مقدار ما غنم المسلمون إلى أن اصطلحوا خمسة ~~آلاف رأس سبي وستمائة وثلاثة وأربعين رأسا؛ ومن ms2095 الدواب الذلل بأدواتها ~~عشرين ألف رأس، وذبح من البقر مائة ألف رأس، وقتل من الروم، في الوقائع، ~~أربعة وخمسون ألفا، وقتل من الأسارى صبرا ألفان وتسعون أسيرا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل خلف بن عبد الله عن الري، ووليها عيسى مولى جعفر. وحج ~~بالناس هذه السنة صالح بن المنصور، وكان العمال من تقدم ذكرهم، غير أن ~~البصرة كان على أحداثها والصلاة بها روح بن حاتم؛ وكان على كور دجلة ~~والبحرين، وعمان وكسكر، والأهواز، وفارس، وكرمان المعلى مولى المهدي، وكان ~~على الموصل أحمد بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس. وفيها غدر الحسين ~~بن يحيى بسرقسطة، فنكث مع عبد الرحمن، فسير إليه عبد الرحمن غالب بن ثمامة ~~بن علقمة في جند كثيف، فاقتتلوا، فأسر جماعة من أصحاب الحسين فيهم ابنه ~~يحيى، فسيرهم إلى الأمير عبد الرحمن، فقتلهم، وأقام ثمامة بن علقمة على ~~الحسين يحصره؛ ثم إن الأمير عبد الرحمن سار سنة ست وستين ومائة إلى سرقسطة ~~بنفسه، فحصرها، وضايقها، ونصب عليها المجانيق ستة وثلاثين منجنيقا، فملكها ~~عنوة، وقتل الحسين أقبح قتلة، ونفى أهل سرقسطة منها ليمين تقدمت منه، ثم ~~ردهم إليها. وفيها مات يزيد بن منصور بن عبد الله بن يزيد بن شهر بن مثوب، ~~وهو من ولد شهر ذي الجناح الحميري، خال المهدي، وقد كان ولي اليمن والبصرة ~~والحج. وفيها توفي فتح بن الوشاح الموصلي الزاهد. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وستين ومائة # في هذه السنة أخذ المهدي البيعة لولده هارون الرشيد بولاية العهد، بعد ~~أخيه موسى الهادي، ولقبه الرشيد. وفيها عزل عبيد الله بن الحسن العنبري عن ~~قضاء البصرة، واستقضي خالد بن طليق بن عمران بن حصين، فاستعفى أهل البصرة منه. ### || AUT ذكر القبض على يعقوب بن داود # وفي هذه السنة سخط المهدي على وزيره يعقوب بن داود طهمان؛ وكان أول ~~أمرهم أن داود بن طهمان، وهو أبو يعقوب، كان يكتب لنصر بن سيار، هو وإخوته، ~~فلما كان أيام يحيى بن زيد كان داود ms2096 يعلمه ما يسمعه من نصر، فلما طلب أبو ~~مسلم الخراساني بدم يحيى بن زيد أتاه داود، لما كان بينه وبين يحيى، فآمنه ~~أبو مسلم في نفسه، وأخذ ماله الذي استفاد أيام نصر. فلما مات داود خرج ~~أولاده أهل أدب وعلم، ولم يكن لهم عند بني العباس منزلة، فلم يطمعوا في ~~خدمتهم لحال أبيهم من كتابة نصر، وأظهروا مقالة الزيدية، ودنوا من آل ~~الحسين، وطمعوا أن تكون لهم دولة، فكان داود يصحب إبراهيم بن عبد الله بن ~~الحسن أحيانا، وخرج معه هو وعدة من إخوته، فلما قتل إبراهيم طلبهم المنصور، ~~فأخذ يعقوب وعليا وحبسهما، فلما توفي المنصور أطلقهما المهدي مع من أطلقه، ~~وكان معهما الحسن بن إبراهيم، فاتصل إلى المهدي بسببه، كما تقدم ذكره، ~~وقيل: اتصل به بالسعاية بآل علي، ولم يزل أمره يرتفع، حتى استوزره. وكان ~~المهدي يقول: وصف لي يعقوب في منامي، فقيل لي: استوزره، فلما رأيته رأيت ~~الخلقة التي وصفت لي، فاتخذته وزيرا، فلما ولي الوزارة أرسل إلى الزيدية، ~~فجمعهم وولاهم أمور الخلافة في المشرق والمغرب، ولذلك قال بشار بن برد: بني ~~أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقبو بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم ~~فالتمسوا ... خليفة الله بين الناي والعود فحسده موالي المهدي، وسعوا به، ~~وقيل له: إن الشرق والغرب في يد يعقوب وأصحابه، وإنما يكفيه أن يكتب إليهم ~~فيثوروا في يوم واحد فيأخذوا الدنيا لإسحاق بن الفضل. فملأ ذلك قلب المهدي، ~~ولما بني المهدي عيساباذ أتاه خادم من خدمه فقال له: إن أحمد بن إسماعيل بن ~~علي قال لي: أبنى متنزها أنفق عليه خمسين ألف ألف من بيت المال ؟ فحفظها ~~المهدي، ونسي أحمد بن إسماعيل، وظن أن يعقوب قالها، فبينما يعقوب بين يديه ~~إذ لببه فضرب به الأرض، وقال: ألست القائل كيت وكيت ؟ فقال: والله ما قتله ~~ولا سمعته ! قال: وكان السعاة يسعون بيعقوب ليلا، ويتفرقون وهم يعتقدون أنه ~~يقبضه بكرة، فإذا أصبح غدا عليه، فإذا نظر إليه تبسم وسأله عن مبيته. ~~PageV03P0074 # وكان المهدي مستهترا بالنساء، ms2097 فيخوض يعقوب معه في ذلك فيفترقان عن رضى؛ ~~ثم إنه كان ليعقوب برذون كان يركبه، فخرج يوما من عند المهدي وعليه طيلسان ~~يتقعقع من كثرة دقة، والبرذون مع الغلام، وقد نام الغلام، فركب يعقوب، ~~وأراد تسوية الطيلسان، فنفر من قعقعته، فسقط، فدنا من دابته، فرفسه، فانسكر ~~ساقه، فانقطع عن الركوب، فعاده المهدي من الغد، ثم انقطع عنه، فتمكن السعاة ~~منه، فأظهر المهدي السخط عليه، ثم أمر به فسجن في سجن نصر، وأخذ عماله ~~وأصحابه فحبسوا. وقال يعقوب بن داود: بعث إلي المهدي يوما، فدخلت عليه وهو ~~في مجلس مفروش بفرش مورد على بستان فيه شجر، ورؤوس الشجر مع صحن المجلس، ~~وقد اكتسى ذلك الشجر بالأزهار من الخوخ والتفاح، فما رأيت شيئا أحسن منه، ~~وعنده جارية عليها نحو ذلك الفرش ما رأيت أحسن منها، فقال لي: يا يعقوب ! ~~كيف ترى مجلسنا هذا ؟ قلت: على غاية الحسن، فمتع الله أمير المؤمنين به؛ ~~قال: هو لك بما فيه وهذه الجارية ليتم سرورك به؛ قال: فدعوت له، ثم قال لي: ~~يا يعقوب، ولي إليك حاجة أحب أن تضمن لي قضاءها؛ قلت: الأمر لأمير ~~المؤمنين، وعلي السمع والطاعة؛ فاستحلفني بالله وبرأسه، فحلفت لأعملن بما ~~قال، فقال: هذا فلان بن فلان من ولد علي بن أبي طالب، وأحب أن تكفيني ~~مؤونته وتريحني منه وتعجل ذلك؛ قلت: أفعل؛ فأخذته وأخذت الجارية وجميع ما ~~في المجلس، وأمر لي بمائة ألف درهم، فلشدة سروري بالجارية صيرتها في مجلس ~~بيني وبينها ستر، وأدخلت العلوي إلي وسألته عن حاله، فأخبرني، وإذا هو أعقل ~~الناس وأحسنهم إبانة عن نفسه؛ ثم قال: ويحك يا يعقوب، تلقى الله بدمي، وأنا ~~رجل من ولد فاطمة بنت محمد، صلى الله عليه وسلم ! قتل: لا والله، فهل فيك ~~أنت خير ؟ قال: إن فعلت خيرا شكرت، ولك عندي دعاء واستغفار. فقلت: أي الطرق ~~أحب إليك ؟ قال: كذا وكذا، فأرسلت إلى من يثق إليه العلوي، فأخذه وأعطيته ~~مالا، وأرسلت الجارية إلى المهدي تعلمه الحال، فأرسل إلى الطريق، فأخذ ~~العلوي ms2098 وصاحبه والمال. فلما كان الغد استحضرني المهدي وسألني عن العلوي، ~~فأخبرته أني قتلته، فاستحلفني بالله وبرأسه، فحلفت له، فقال: يا غلام أخرج ~~إلينا ما في هذا البيت، فأخرج العلوي وصاحبه والمال، فبقيت متحيرا، وامتنع ~~مني الكلام فما أدري ما أقول، فقال المهدي: قد حل لي دمك، ولكن احبسوه في ~~المطبق ولا أذكر به. فحبست في المطبق، واتخذ لي فيه بئر، فدليت فيها، فبقيت ~~مدة لا أعرف عددها، وأصبت ببصري. قال: فإني لكذلك إذ دعي بي، وقيل لي: سلم ~~على أمير المؤمنين ! فسلمت؛ قال: أي أمير المؤمنين أنا ؟ قلت: المهدي، قال ~~رحم الله المهدي. قلت: فالهادي، قال: رحم الله الهادي. قلت: فالرشيد، قال: ~~نعم ! سل حاجتك. قلت: المقام بمكة، فما بقي في مستمتع لشيء ولا بلاغ، فأذن ~~لي، فسرت إلى مكة، قال: فلم تطل أيامه بها حتى مات. وكان يعقوب قد ضجر ~~بموضعه قبل حبسه، وكان أصحاب المهدي يشربون عنده، فكان يعقوب ينهاه عن ذلك، ~~ويعظه، ويقول: ليس على هذا استوزرتني، ولا عليه صحبتك، أبعد الصلوات الخمس ~~في المسجد الجامع يشرب عندك النبيذ ؟ فضيق على المهدي حتى قيل: فدع عنك ~~يعقوب بن داود جانبا ... وأقبل على صهباء طيبة النشر وقال يعقوب يوما ~~للمهدي في أمر أراده: هذا، والله، السرف ! فقال المهدي: ويحك يا يعقوب، ~~إنما يحسن السرف بأهل الشرف، ولولا السرف لم يعرف المكثرون من المقلين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة سار المهدي إلى جرجان، وجعل على قضائه أبا يوسف يعقوب بن ~~إبراهيم وفيها أمر المهدي بإقامة البريد بين مكة والمدينة واليمن، ببغال ~~وإبل، ولم يكن هنالك بريد قبل ذلك. وفيها اضطربت خراسان على المسيب بن ~~زهير، فولاها الفضل بن سليمان الطوسي أبا العباس، وأضاف إليه سجستان، ~~فاستخلف على سجستان تميم بن سعيد بن دعلج. وفيها أخذ المهدي داود بن روح بن ~~حاتم، وإسماعيل بن مجالد، ومحمد بن أبي أيوب المكي، ومحمد بن طيفور، في ~~الزندقة، فاستتابهم، وخلى سبيلهم، وبعث داود إلى أبيه، وهو على البصرة، ~~وأمره بتأديبه. وفيها ms2099 استعمل إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله ~~على المدينة، وكان على مكة والطائف عبيد الله بن قثم. PageV03P0075 # وفيها عزل منصور بن يزيد بن منصور عن اليمن، واستعمل مكانه عبد الله بن ~~سليمان الربعي. وفيها أطلق المهدي عبد الصمد بن علي من حبسه؛ وحج بالناس ~~إبراهيم بن يحيى، وكان على الكوفة هاشم بن سعيد، وعلى البصرة روح بن حاتم؛ ~~وعلى قضائها خالد بن طليق؛ وعلى كور دجلة، وكسكر، وأعمال البصرة والبحرين، ~~والأهواز، وفارس، وكرمان، المعلى مولى المهدي؛ وعلى مصر إبراهيم بن صالح؛ ~~وعلى إفريقية يزيد بن حاتم؛ وعلى طبرستان، والرويان، وجرجان يحيى الحرشي؛ ~~وعلى دنباوند وقومس فراشة مولى المهدي؛ وعلى الري سعد مولاه؛ وعلى الموصل ~~أحمد بن إسماعيل الهاشمي، وقيل موسى بن كعب الخثعمي؛ وعلى قضائها علي بن ~~مسهر بن عمير، ولم يكن في هذه السنة صائفة، للهدنة التي كانت فيها. وفيها ~~قتل بشار بن برد الشاعر الأعمى على الزندقة، وكان خلق ممسوح العينين. وفيها ~~توفي الجراح بن مليح الرؤاسي، وهو والد وكيع. وفيها توفي المبارك بن فضالة، ~~وحماد بن سلمة البصري. وفيها قتل عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس ابن أخيه ~~المغيرة بن الوليد بن معاوية بن هشام، وهذيل بن الصميل، وسمرة بن جبلة، ~~لأنهم اجتمعوا على خلعه مع العلاء بن حميد القشيري، فتقرب بهم. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة # في هذه السنة سار موسى الهادي إلى جرجان في جمع كثير وجهاز لم يتجهز أحد ~~بمثله لمحاربة ونداد هرمز، وشروين، صاحبي طبرستان، وجعل المهدي على رسائل ~~موسى أبان بن صدقة، ومحمد بن جميل على جنده، ونفيعا مولى المنصور على ~~حجابته، وعلي بن عيسى بن ماهان على حرسه، فسير الهادي الجنود إليهما، وأمر ~~عليهم يزيد بن مزيد، فحاصرهما. وفيها توفي عيسى بن موسى بالكوفة، فأشهد روح ~~بن حاتم على وفاته القاضي وجماعة من الوجوه، ودفن، وكان عمره خمسا وستين ~~سنة، ومدة ولايته العهد ثلاثا وعشرين سنة، وقد تقدم ذكر ولايته العهد وعزله ~~عنه. وفيها جد المهدي ms2100 في طلب الزنادقة، فأخذ يزيد بن الفيض، فأقر، فحبس، ~~فهرب، فلم يقدر عليه. وكان المتولي لأمر الزنادقة الكلوذاني. وفيها عزل ~~المهدي أبا عبيد الله معاوية بن عبيد الله عن ديوان الرسائل وولاه الربيع. ~~وفيها كان الوباء ببغداد والبصرة، وفشا في الناس سعال شديد. وفيها توفي ~~أبان بن صدقة، كاتب الهادي، فوجه المهدي مكانه أبا خالد الأحول. وفيها أمر ~~المهدي بالزيادة في المسجد الحرام، ومسجد النبي، صلى الله عليه وسلم، فدخلت ~~فيه دور كثيرة، وكان المتولي لبنائه يقطين بن موسى، فبقي البناء فيه إلى أن ~~توفي المهدي، وكذلك أمر بالزيادة في المسجد الجامع بالموصل، ورأيت لوحا فيه ~~ذكر ذلك، وهو في حائط الجامع، سنة ثلاث وستمائة وهو باق. وفيها عزل يحيى ~~الحرشي عن طبرستان والرويان، وما كان إليه، ووليه عمر بن العلاء، وولي ~~جرجان فراشة مولى المهدي. وفيها أظلمت الدنيا لثلاث مضين من ذي الحجة، حتى ~~تعالى النهار، ولم يكن صائفة، للهدنة، وحج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد ~~بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو على المدينة، ثم توفي بعد فراغه من الحج ~~بأيام، وتولى مكانه إسحاق بن عيسى بن علي. وفيها طعن عقبة بن سلم الهنائي، ~~اغتاله رجل بخنجر، فمات ببغداد. وكان على اليمن سليمان بن يزيد الحارثي، ~~وعلى اليمامة عبد الله بن مصعب الزبيري؛ وكان على البصرة محمد بن سليمان، ~~وعلى قضائها عمر بن عثمان التيمي؛ وعلى الموصل أحمد بن إسماعيل الهاشمي، ~~وقيل موسى بن كعب، وباقي الأمصار كما تقدم. وفي هذه السنة توفي جعفر الأحمر ~~أبو شيبة؛ والحسن بن صالح بن حبي وكان شيعيا عابدا؛ وسعيد بن عبد الله بن ~~عامر التنوخي؛ وحماد ابن سلمة؛ وعبد العزيز بن مسلم. وفيها أفسد العرب في ~~بادية البصرة بين اليمامة والبحرين، وقطعوا الطريق، وانتهكوا المحارم، ~~وتركوا الصلاة، فأرسل المهدي إليهم جيشا، فقاتلهم، واشتد القتال، وصبر ~~العرب، فظفروا، وقتلوا عامة العسكر المنفذ إليهم، فقويت شوكتهم وزاد شرهم. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة # في هذه السنة، في رمضان، نقض ms2101 الروم الصلح الذي كان بينهم وبين المسلمين، ~~وكان من أوله إلى أن نقضوه اثنان وثلاثون شهرا، فوجه علي بن سليمان، وهو ~~على الجزيرة وقنسرين، يزيد بن البدر بن البطال في خيل، فغنموا وظفروا. ### || AUT ذكر الخوارج بالموصل # PageV03P0076 # وفيها خرج بأرض الموصل خارجي اسمه ياسين من بني تميم، فخرج إليه عسكر ~~الموصل، فهزمهم، وغلب على أكثر ديار ربيعة والجزيرة، وكان يميل إلى مقالة ~~صالح بن مسرح الخارجي، فوجه إليه المهدي أبا هريرة محمد بن فروخ القائد ~~وهرثمة بن أعين مولى بني ضبة، فحارباه، فصبر لهما، حتى قتل وعدة من أصحابه، ~~وانهزم الباقون. ### || AUT ذكر مخالفة أبي الأسود بالأندلس # في هذه السنة ثار أبو الأسود محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الفهري ~~بالأندلس، وكان من حديثه: أنه كان في سجن عبد الرحمن بقرطبة من حين هرب ~~أبوه، وقتل أخوه عبد الرحمن، على ما تقدم، وحبس أبو الأسود، وتعامى في ~~الحبس، فصار يحاكي العميان، ولا يطرف عينه لشيء، وبقي دهرا طويلا، حتى صح ~~عند الأمير عبد الرحمن الأموي ذلك. وكان في أقصى السجن سرداب يفضي إلى ~~النهر الأعظم يخرج منه المسجونون، فيقضون حوائجهم من غسل وغيره، وكان ~~الموكلون يهملون أبا الأسود لعماه، فإذا رجع من النهر يقول: من يدل الأعمى ~~على موضعه ؟ وكان مولى له يحادثه على شاطئ النهر، ولا ينكر عليه، فواعده أن ~~يأتيه بخيل يحمله عليها، فخرج يوما ومولاه ينتظره، فعبر النهر سباحة، وركب ~~الخيل، ولحق بطليطلة، فاجتمع له خلق كثير، فرجع بهم إلى قتال عبد الرحمن ~~الأموي، فالتقيا على الوادي الأحمر بقسطلونة، واشتد القتال، ثم انهزم أبو ~~الأسود، وقتل من أصحابه أربعة آلاف سوى من تردى في النهر، واتبعه الأموي ~~يقتل من لحق، حتى جاوز قلعة الرباح، ثم جمع، وعاد إلى قتال الأموي، في سنة ~~تسع وستين، فلما أحس بمقدمة الأموي انهزم أصحابه، وهو معهم، فأخذ عياله، ~~وقتل أكثر رجاله، وبقي إلى سنة سبعين، فهلك بقرية من أعمال طليطلة. وقام ~~بعده أخوه قاسم، وجمع جمعا، فغزاه الأمير، فجاء إليه بغير ms2102 أمان فقتله. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها هلك شيلون ملك جليقية، فولوا مكانه اذفونش، فوثب عليه مورقاط، ~~فقتله، فاختل أمرهم، فدخل عليهم نائب عبد الرحمن بطليطلة في عساكره، فقتل، ~~وغنم، وسبى ثم عاد سالما. وفيها توفي أبو القاسم بن واسول مقدم الخوارج ~~الصفرية بسجلماسة فجاءة في صلاة العشاء الآخرة، وكان إمارته اثنتي عشرة سنة ~~وشهرا، وولي بعده ابنه إلياس. وفيها سير المهدي سعيدا الحرشي في أربعين ~~ألفا إلى طبرستان. وفيها مات عمر الكلوذاني، صاحب الزنادقة، وولي مكانه ~~محمد بن عيسى بن حمدوية، فقتل من الزنادقة خلقا كثيرا. وحج بالناس علي بن ~~المهدي الذي يقال له ابن ريطة. وفيها توفي يحيى بن سلمة بن كهيل، وعبيد ~~الله بن الحسن العنبري، قاضي البصرة، ومندل بن علي، ومحمد بن عبد الله بن ~~علاثة بن علقمة القاضي، والحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان ~~قد استعمله المنصور على المدينة خمس سنين، ثم عزله، وحبسه ببغداد، وأخذ ~~ماله. فلما ولي المهدي أخرجه ورد عليه ماله، وكان جوادا إلا أنه كان منحرفا ~~عن أهل بيته، مائلا إلى المنصور. وفيها توفي بشر بن الربيع، وعبثر بن ~~القاسم، عبثر بفتح العين المهملة، وبالباء الموحدة، والثاء المثلثة. ### | AUT المجلد الرابع # ### | AUT حوادث سنة تسع وستين ومائة # ### || AUT ذكر موت المهدي # في هذه السنة مات المهدي أبوعبد الله محمد بن عبد الله المنصور ~~بماسبذان، وسبب خروجه إليها أنه قد عزم على خلع ابنه موسى الهادي والبيعة ~~للرشيد بولاية العهد وتقديمه على الهادي، فبعث إليه، وهوبجرجان، في المعنى، ~~فلم يفعل. فبعث إليه في القدوم عليه، فضرب الرسول، وامتنع من القدوم عليه، ~~فسار المهدي يريده، فلما بلغ ماسبذان أكل طعامأن ثم قال إني داخل إلى البهو ~~أنام، فلا توقظوني، حتى أكون أنا الذي أنتبه، فدخله، فنام ونام أصحابه، ~~فاستيقظوا ببكائه، فأتوه مسرعين، فقال: وقف على الباب رجل فقال: كأني بهذا ~~القصر قد باد أهله ... وأوحش منه ربعه ومنازله وصار عميد القوم من بعد بهجة ~~... وملك إلى قبر علية ms2103 جناد له فلم يبق إلا ذكره وحديثه ... تنادي عليه ~~معولات حلائله فبقي بعد ذلك عشرة أيام ومات. وقد اختلف في سبب موته فقيل ~~إنه كان يتصيد، فطردت الكلاب ظبيأن وتبعته، فدخل باب خربة، ودخلت الكلاب ~~خلفه، ثم تبعها فرس المهدي، فدخلها فدق الباب ظهره، فمات من ساعته. ~~PageV03P0077 # وقيل: بل بعثت جارية من جواريه إلى ضرة لها بإناء فيه سم، فدعا به المهدي ~~فأكل منه، فخافت الجارية أن تقول إنه مسموم، فمات من ساعته. وقيل: بل عمدت ~~حسنة جارية له إلى كمثرى فأهدته إلى جارية أخرى كان المهدي يتخطاهأن وسمت ~~منه كمثراة هي أحسن الكمثرى، فاجتاز بالمهدي، فدعا به وكان يحب الكمثرى، ~~فأخذ تلك الكمثرى المسمومة، فأكلهأن فلما وصلت إلى جوفه صاح: جوفي جوفي! ~~فسمعت صوته، فجاءت تلطم وجهها وتبكي وتقول: أردت أن أنفرد بك، فقتلتك! فمات ~~من يومه، ورجعت حسنة وعلى قبتها المسوح، فقال أبوالعتاهية في ذلك: رحن في ~~الوشي وأقبل ... ن عليهن المسوح كل نطاح من الدن ... يات له يوم نطوح لست ~~بالباقي ولوعم ... رت ما عمر نوح فعلى نفسك نح إن ... كنت لا بد تنوح وكان ~~موته في المحرم لثمان بقين منه، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا؛ وقيل عشر ~~سنين وأربعين يومأن وتوفي وهوابن ثلاث وأربعين سنة، ودفن تحت جوزة كان يجلس ~~تحتهأن وصلى عليه ابنه الرشيد؛ وكان أبيض طويلأن وقيل أسمر بإحدى عينيه نكتة بياض. ### || AUT ذكر بعض سيرته # كان المهدي، إذا جلس للمظالم، قال: أدخلوا علي القضاة، فلولم يكن ردي ~~المظالم إلا للحياء منهم لكفى. وسعتب المهدي على بعض القواد غير مرة وقال ~~له في آخر ذلك: إلى متى تذنب؟ قال: إلى إبد نسيء ويبقيك الله، فتعفوعنا. ~~فاستحيا منه ورضي عنه. وقال مسور بن مساور: ظلمني وكيل المهدي، وغصبني ضيعة ~~لي، فكتب إلى المهدي أتظلم، فوصلت الرقعة وعنده عمه العباس، ومحمد بن ~~علاثة، وعافية القاضي، فاستدناني المهدي، وسألني عن حالي، فذكرته، فقال: ~~أترضى بأحد هذين؟ قلت: نعم! فاستدناني حتى التزقت بالفراش، وحاكمني، فقال ~~له القاضي: أطلقها ms2104 له يا أمير المؤمنين! قال: قد فعلت؛ فقال عمه العباس: ~~والله لهذا المجلس أحب إلي من عشرين ألف ألف درهم. وخرج المهدي متنزهأن ~~ومعه عمر بن ربيع مولاه، فانقطعا في الصيد من العسكر، وأصاب المهدي جوع، ~~فقال: هل من شيء؟ فقيل له: نرى كوخأن فقصدوه، فإذا فيه نبطي، وعنده مبقلة، ~~فسلموا عليه، فرد السلام، فقالوا: هل من طعام؟ فقال: عندي ربيثاء، وهونوع ~~من الصحناة، وعندي خبز شعير. فقال المهدي: إن كان عندك زيت، فقد أكملت. ~~قال: نعم،وكراث؛ فأتاهما بذلك، فأكلا حتى شبعا. فقال المهدي لعمر بن ربيع: ~~قل في هذا شعرا؛ فقال: إن من يطعم الربيثاء بالزي ... ت وخبز الشعير ~~بالكراث لحقيق بصفعة أوبثنيتي ... ن لسوء الصنيع أوبثلاث فقال المهدي: بئس ~~ما قلت! إمنا هو: لحقيق ببدرة أوبثنيتي ... ن لحسن الصنيع أوبثلاث قال: ~~ووافهم العسكر، والخزائن، والخدم، فأمر للنبطي بثلاث بدر وسأنصرف. وقال ~~الحسن الوصيف: أصابتنا ريح شديدة أيام المهدي ، حتى ظننا أنها أسوقنا إلى ~~المحشر، فخرجت أطلب المهدي، فوجدته واضعا خده على الأرض وهويقول: اللهم ~~احفظ محمدا في أمته! اللهم لا تشمت بنا أعداءنا من الأمم! اللهم إن كنت ~~أخذت هذا العالم بذنبي، فهذه ناصيتي بين يديك. قال: فما لبثنا إلا يسيرا ~~حتى انكشفت الريح وزال عنا ما كنا فيه. ولما حضرت القاسم بن مجاشع التميمي ~~الروزي الوفاة أوصى إلى المهدي، فكتب: (شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولوا العلم) آل عمران: 18 الآية؛ ثم كتب: والقاسم يشهد بذلك، ~~ويشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن علي بن أبي طالب وصي رسول الله ووارث ~~الإمامة من بعده. فعرضت الوصية على المهدي بعد موته، فلما بلغ إلى هذا ~~الموضع رمي بهأن ولم ينظر فيها. وقال الربيع: رأيت المهدي يصلي في بهوله في ~~ليلة مقمرة، فما أدري أهو احسن أم البهو أم القمر أم ثيابه، فقرأ: (فهل ~~عسيتهم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) محمد 22. قال: فتمم ~~صلاته، ثم التفت وقال: يا ربيع! قلت لبيك! قال: علي بموسى؛ ms2105 فقلت في نفسي: ~~من موسى؟ ابنه أم موسى بن جعفر، وكان محبوسا عندي؟ فجعلت أفكر، فقلت: ما ~~هوإلا موسى ابن جعفر، فأحضرته، فقطع صلاته، ثم قال: يا موسى! إني قرأت هذه ~~الآية، فخفت أن أكون قد قطعت رحمك، فوثق لي أنك لا تخرج علي. قال: نعم، ~~فوثق له فخلاه. PageV03P0078 # وقال محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: ~~رأيت فيما يرى النائم، في آخر سلطان بني أمية، كأني دخلت مسجد رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، فرفعت رأسي، فنظرت في الكتاب الذي في المسجد ~~بالفسيفساء، فإذا فيه: مما أمر به أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، وإذ ~~قائل يقول: يمحوهذا الكتاب ويكتب مكانه اسمه رجل من بني هاشم يقال له محمد. ~~قلت: فأنا من بني هاشم، واسمي محمد، فابن من؟ قال: ابن عبد الله. قال: قلت: ~~فأنا ابن عبد اله، فابن من؟ قال: ابن محمد، قلت: فأنا ابن محمد، فابن من؟ ~~قال: ابن علي. قلت: فأنا ابن علي، فابن من؟ قال: ابن عبد الله. قلت: فأنا ~~ابن عبد الله، فابن من؟ قال: ابن عباس، فلولم يبلغ العباس ما شككت أني صاحب ~~الأمر. قال: فتحدثت بها ذلك الزمان، ونحن لا نعرف المهدي، حتى ولي المهدي، ~~فدخل مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرفع رأسه، فرأى اسم الوليد، ~~فقال: أرى اسم الوليد إلى اليوم؛ فدعا بكرسي، فألقي في صحن المسجد، وقال: ~~ما أنا ببارح حتى يمحى ويكتب اسمي مكانه؛ ففعل ذلك، وهوجالس. وخرج المهدي ~~يطوف بالبيت ليلأن فسمع أعرابية تقول: قومي مقترون، نبت عنهم العيون، ~~وفدحتهم الديون، وعضتهم السنون؛ بادت رجالهم، وذهبت أموالهم، وكثرت عيالهم؛ ~~أبناء سبيل وأنضاء طريق؛ وصية الله، ووصية الرسول، فهل من آمر لي بخير، ~~كلأه الله في سفره، وخلفه في أهله! قال: فأمر لها بخمسمائة درهم. وقال ~~المهدي: ما توسل أحد إلي بوسيلة هي أقرب من تذكيري يدا سلفت مني إليه ~~أتبعها أختهأن وأحسن ربهأن فإن منع الأواخر يقطع ms2106 شكر الأوائل. وكان بشار بن ~~برد قد هجا صالح بن داود، أخا يعقوب، حين ولي البصرة فقال: هم حملوا فوق ~~المنابر صالحا ... خاك فضجت من أخيك المنابر فبلغ يعقوب هجاؤه، فدخل على ~~المهدي فقال له: إن هذا الأعمى المشرك قد هجا أمير المؤمنين. قال: وما قال؟ ~~قال: يعفيني أمير المؤمنين من إنشاده. فأبى أن يعفيه. فأنشده: خليفة يزني ~~بعماته ... يلعب بالدبوق والصولجان أبدلنا الله به غيرة ... ودس موسى في حر ~~الخيزران فوجه في حمله، فخاف يعقوب أن يقدم على المهدي فيمدحه فيعفوعنه، ~~فوجه إليه من يلقيه في البطيحة في الحمارة. وماتت الياقوتة بنت المهدي، ~~وكان معجبا بها لا يطيق الصبر عنهأن حتى إنه كان يلبسها لبسة الغلمان، ~~ويركبها معه، فلما ماتت وجد عليهأن وأمر أن لا يحجب عنه أحد، فدخل الناس ~~يعزونه وأجمعوا على أنهم لم يسمعوا تعزية أبلغ ولا أوجر من تعزية شبيب بن ~~سيبة، فإنه قال: يا أمير المؤمنين! ما عند الله خير منك، وثواب الله خير لك ~~منهأن وأنا أسأل الله أن لا يحزنك، ولا يفتنك، وأن يعطيك على ما رزئت أجرأن ~~ويعقبك صبرأن ولا يجهد لك بلاء، ولا ينزع منك نعمة، وأحق ما صبر عليه مالا ~~سبيل إلى ردة. ### || AUT ذكر خلافة الهادي # وبويع لابنه موسى الهادي في اليوم الذي مات فيه المهدي، وهومقيم بجرجان، ~~يحارب أهل طبرستان؛ ولما توفي المهدي كان الرشيد معه بماسبذان، فأتاه ~~الموالي والقواد، وقالوا له: إن علم الجند بوفاة المهدي لم تأمن الشغب، ~~والرأي أن تنادي فيهم بالرجوع، حتى تواريه ببغداد. فقال هارون: ادعوا إلي ~~أبي يحيى بن خالد، وكان يحيى يتولى ما كان إلى الرشيد من أعمال المغرب، من ~~الأنبار إلى إفريقية، فاستدعي يحيى إلى الرشيد، فقال: ما تقول فيما رأى ~~هؤلاء؟ وأخيره الخبر. قال: لا أرى ذلك، لأن هذا لا يخفي، ولا آمن، إذا علم ~~الجند، أن يتعلقوا بمحمله، ويقولوا: لا نخلي حتى نعطى لثلاث سنين وأكثر، ~~ويتحكموا ويشتطوأن ولكني أرى أن يوارى، رحمه الله، هاهنأن وتوجه نصيرا إلى ms2107 ~~أمير المؤمنين الهادي الخاتم والقضيب، والتعزية، والتهنئة، فإن الناس لا ~~ينكرون خروجه، إذ هوعلى بريد الناحية، وأن تأمر لمن تبعك من الجند بجوائز ~~مائتين مائتين، وتنادي فيهم بالرجوع فلا تكون لهم همة سوى أهلهم. ففعل ذلك، ~~فلما قبض الجند الدراهم تنادوا: بغداد بغداد! وأسرعوا إليهأن فلما بلغوها ~~وعلموا خبر المهدي أتوا باب الربيع، وأحرقوه، وأخرجوا من كان في الحبوس، ~~وطالبوا بالأرزاق. PageV03P0079 # فلما قدم الرشيد بغداد أرسلت الخيزران إلى الربيع وإلى يحيى بن خالد ~~تستدعيهما لتشاورهما في ذلك، فأما الربيع فدخل عليها؛ وأما يحيى فامتنع لما ~~يعلم من غيرة الهادي؛ وجمع الأموال حتى أعطى الجند لسنتين فسكتوا. وكتب ~~الهادي إلى الربيع كتابا يتهدده بالقتل؛ وكتب إلى يحيى يشكره، ويأمره بأن ~~يقوم بأمر الرشيد. وكان الربيع يود يحيى ويثق به. فاستشاره فيما يفعل خوفا ~~من الهادي، فأشار عليه بأن يرسل ولده الفضل إلى طريق الهادي بالهدايا ~~والتحف، ويعتذر إليه، ففعل، ورضي الهادي عنه. وكان الربيع قد أوصى إلى يحيى ~~بن خالد، وأخذت البيعة للهادي ببغداد، وكتب الرشيد إلى الآفاق بوفاة ~~المهدي، واخذ البيعة للهادي، وسار نصير الوصيف إلى الهادي بجرجان، فعلم ~~بوفاة المهدي والبيعة له، فنادى الرحيل وركل على البريد مجدأن فبلغ بغداد ~~في عشرين يومأن ولما قدمها استوزر الربيع. وفي هذه السنة أيضا هلك الربيع. ~~وفيها اشتد طلب المهدي للزنادقة، فقتل منهم جماعة علي بن يقطين، وقتل أيضا ~~يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب؛ ~~وكان سبب قتله أنه أتى به إلى المهدي، فأقر بالزندقة، فقال: لوكان ما تقول ~~حقا لكنت حقيقا أن تتعصب لمحمد، ولولا محمد من كنت! أما والله لولا أني ~~جعلت على نفسي أن لا أقتل هاشميا لقتلتك. قم قال للهادي: أقسمت عليك إن ~~وليت هذا الأمر لتقتلنه! ثم حبسه، فلما مات المهدي قتله الهادي؛ وكذلك أيضا ~~كان عهده إليه بقتل ولد لداود بن علي بن عبد الله بن عباس كان زنديقأن فمات ~~في الحبس قبل المهدي. ولما قتل يعقوب ms2108 أدخل أولاده على الهادي، فأقرت ابنته ~~فاطمة أنها حبلى من أبيهأن فخوفت، فماتت من الفزع. ### || AUT ذكر ظهور الحسين بن علي بن الحسن # وفي هذه السنة ظهر الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ~~بالمدينة، وهوالمقتول بفخ عند مكة. وكان سبب ذلك أن الهادي استعمل على ~~المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فلما وليها أخذ ~~أبا الزفت الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن، ومسلم بن جندب، الشاعر ~~الهذلي، وعمر بن سلام، مولى آل عمر، على شراب لهم، فأمر بهم، فضربوا جميعأن ~~وجعل في أعناقهم حبال، وطيف بهم في المدينة، فجاء الحسين بن علي إلى العمري ~~وقال له: قد ضربتهم ولم يكن لك أن تضربهم لأن أهل العراق لا يرون به بأسأن ~~فلم تطوف بهم؟ فأمر بهم فردوأن وحبسهم. ثم إن الحسين بن علي، ويحيى بن عبد ~~الله بن الحسن، كفلا الحسن بن محمد، فأخرجه العمري من الحبس، وكان قد ضمن ~~بعض آل أبي طالب بعضأن وكانوا يعرضون، فغاب الحسن بن محمد عن العرض يومين، ~~فأحضر الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله، وسألهما عنه، وأغلظ لهمأن فحلف له ~~يحيى أنه لا ينام حتى يأتيه به، أويدق عليه باب داره، حتى يعلم أنه جاءه ~~به. فلما خرجا قال له الحسين: سبحان الله! ما دعاك إلى هذا؟ ومن أين تجد ~~حسنا؟ حلفت له بشيء لا تقدر عليه. فقال: والله لا منت حتى أضرب عليه باب ~~داره بالسيف. فقال له الحسين: إن هذا ينقض ما كان بيننا وبين أصحابنا في ~~الميعاد. وكانوا قد تواعدوا على ألا يظهروا بمنى وبمكة في الوسم، فقال ~~يحيى: قد كان ذلك؛ فانطلقا وعملا في ذلك في ليلتهم، وخرجوا آخر الليل، وجاء ~~يحيى حتى ضرب على العمري باب داره، فلم يجده، وجاؤوا فاقتحموا المسجد وقت ~~الصبح. فلما صلى الحسين الصبح أتاه الناس، فبايعوه على كتاب الله وسنة نبيه ~~للمرتضى من آل محمد؛ وجاء خالد البريدي في ms2109 مائتين من الجند، وجاء العمري، ~~ووزير بن إسحاق الأزرق، ومحمد بن واقد الشروي، ومعهم ناس كثير، فدنا خالد ~~منهم، فقام إليه يحيى وإدريس ابنا عبد الله بن الحسن، فضربه يحيى على أنفه ~~فقطعه، ودار له إدريس من خلفه، فضربه فصرعه، ثم قتلاه، فانهزم أصحابه ودخل ~~العمري في المسودة، فحمل عليهم أصحاب الحسين، فهزمزهم من المسجد، وانتهبوا ~~بيت المال، وكان فيه بضعة عشر ألف دينار، وقيل سبعون ألفأن وتفرق الناس ~~وأغلق أهل المدينة أبوابهم. PageV03P0080 # فلما كان الغد اجتمع عليهم شيعة بني العباس فقاتلوهم، وفشت الجراحات في ~~الفريقين، واقتتلوا إلى الظهر، ثم افترقوا؛ ثم إن مباركا التركي أتى شيعة ~~بني العباس من الغد، وكان قدم حاجأن فقاتل معهم، فاقتتلوا أشد قتال إلى ~~منتصف النهار، ثم تفرقوأن ورجع أصحاب الحسين إلى المسجد، وواعد مبارك الناس ~~الرواح إلى القتال؛ فلما غفلوا عنه ركب رواحله وانطلق، وراح الناس فلم ~~يجدوه، فقاتلوا شيئا من قتال إلى المغرب، ثم تفرقوا. وقيل إن مباركا أرسل ~~إلى الحسين يقول له: والله لأن أسقط من السماء فتخطفني الطير أيسر علي من ~~أن تشوكك شوكة، أوأقطع من رأسك شعرة، ولكن لا بد من الأعذار، فتبيتني، فإلي ~~منهزم عنك. فوجه إليه الحسن، وخرج إليه في نفر، فلما دنوا من عسكره صاحوا ~~وكبروأن فانهزم هو وأصحابه. وأقام الحسين وأصحابه أياما يتجهزون، فكان ~~مقامهم بالمدينة أحد عشر يومأن ثم خرجوا لست بقين من ذي القعدة، فلما خرجوا ~~عاد الناس إلى المسجد، فوجدوا فيه العظام التي كانوا يأكلون وآثارهم، فدعوا ~~عليهم. ولما فارق المدينة قال: يا أهل المدينة! لا خلف الله عليكم بخير. ~~فقالوا: بل أنت لا خلف الله عليك ولا ردك علينا! وكان أصحابه يحدثون في ~~المسجد، فغسله أهل المدينة. ولما أتى الحسين مكة أمر فنودي: أيما عبد أتانا ~~فهوحر. فأتاه العبيد. فانتهى الخبر إلى الهادي، وكان قد حج تلك السنة رجال ~~من أهل بيته، منهم: سليمان بن المنصور، ومحمد بن سليمان بن علي، والعباس بن ~~محمد بن علي، وموسى وإسماعيل ابنا عيسى بن ms2110 موسى، فكتب الهادي إلى محمد بن ~~سليمان بتوليته على الحرب، وكان قد سار بجماعة وسلاح من البصرة لخوف ~~الطريق، فاجتمعوا بذي طوى، وكانوا قد احرموا بعمرة، فلما قدموا مكة طاقوا ~~وسعوأن وحلوا من العمرة، وعسكروا بذي طوى، وأنضم إليه من حج من شيعتهم ~~ومواليهم وقوادهم. ثم إنهم اقتتلوا يوم التروية، فانهزم أصحاب الحسين، وقتل ~~منهم، وجرح، وانصرف محمد بن سليمان ومن معه إلى مكة، ولا يعلمون ما حال ~~الحسين، فلما بلغوا ذا طوى لحقهم رجل من أهل خراسان يقول: البشرى، البشرى، ~~هذا رأس الحسين! فأخرجه، وبجبهته ضربة طولى، وعلى قفاه ضربة أخرى، وكانوا ~~قد نادوا الأمان، فجاء الحسن بن محمد بن عبد الله، أبوالزفت، فوقف خلف محمد ~~بن سليمان، والعباس بن محمد، فأخذه موسى بن عيسى، وعبد الله بن العباس بن ~~محمد، فقتلاه، فغضب محمد بن سليمان غضبا شديدأن وأخذ رؤوس القتلى، فكانت ~~مائة رأس ونيفأن وفيها رأس الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن ~~علي، وأخذت أخت الحسين، فتركت عند زينب بنت سليمان؛ وغضب على موسى بن عيسى ~~كيف قتل الحسن بن محمد، وقبض أمواله، فلم تزل بيده حتى مات؛ وغضب على مبارك ~~التركي، وأخذ ماله، وجعله سائس الدواب، فبقي كذلك حتى مات المهدي. وأفلت من ~~المنهزمين إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، فأتى مصر وعلى ~~بريدها واضح مولى صالح بن المنصور، وكان شيعيا لعلي، فحمله على البريد إلى ~~أرض المغرب، فوقع بأرض طنجة، بمدينة وليلة، فاستجاب له من بها من البربر. ~~فضرب الهادي عنق واضح وصلبه. وقيل: إن الرشيد هوالذي قتله. وإن الرشيد دس ~~إلى إدريس الشماخ اليمامي، مولى المهدي، فأتاه وأظهر أنه من شيعتهم. وعظمه، ~~وآثره على نفسه، فمال إليه إدريس، وأنزله عنده، ثم إن إدريس شكا إليه مرضا ~~في أسنانه، فوصف له دواء، وجعل فيه سمأن وأمره أن يستن به عند طلوع الفجر، ~~فأخذه منه وهرب الشماخ؛ ثم استعمل إدريس الدواء، فمات منه، فولى الرشيد ~~الشماخ بريد مصر. ms2111 ولما مات إدريس بن عبد الله خلف مكانه إبنه إدريس وأعقب ~~بهأن وملكوهأن ونازعوا بني أمية في إمارة الأندلس، على ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى. وحملت الرؤوس إلى الهادي، فلما وضع رأس الحسين بين يدي الهادي ~~قال: كأنكم قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت! إن أقل ما أجزيكم به أن أحرمكم ~~جوائزكم، فلم يعطهم شيئا. وكان الحسين شجاعأن كريمأن قدم على المهدي، ~~فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرقها في الناس ببغداد والكوفة، وخرج من الكوفة ~~لا يملك ما يلبسه إلا فروا ليس تحته قميص. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV03P0081 # وغزا الصائفة هذه السنة معيوف بن يحيى من درب الراهب، وقد كانت الروم قبل ~~ذلك جاؤوا مع بطريقهم إلى الحدث، فهرب الوالي وأهل السوق، فدخلها الروم، ~~فقصدهم معيوف فبلغ مدينة أشنة، فغمن وسبى. وحج بالناس هذه السنة سليمان بن ~~منصور؛ وكان على المدينة عمر بن عبد العزيز العمري؛ وعلى مكة والطائف عبيد ~~الله بن قثم؛ وعلى اليمن إبراهيم بن سلم بن قتيبة؛ وعلى اليمامة والبحرين ~~سويد بن أبي سويد القائد الخراساني؛ وعلى عمان الحسن بن نسيم الحواري؛ وعلى ~~الكوفة موسى بن عيسى؛ وعلى البصرة محمد بن سليمان، وعلى جرجان الحجاج مولى ~~الهادي؛ وعلى قومس زياد بن حسان؛ وعلى طبرستان والرويان صالح بن شيخ بن ~~عميرة الأسدي؛ وعلى أصبهان طيفور مولى الهادي؛ وعلى الموصل هاشم ين سعيد بن ~~خالد، فأساء السيرة في أهلهأن فعزله الهادي وولاها عبد الملك بن صالح ~~الهاشمي. وفيها خرج الجزيرة حمزة بن مالك الخزاعي، وعلى خراجها منصور ين ~~زياد، فسير جيشا إلى الخارجي، فالتقوا بباعربايأن من بلد الموصل، فهزمهم ~~الخارجي وغمن أموالهم، وقوي أمره، في رجلان، وصحباه، ثم اغتالاه فقتلاه. ~~وفيها مات مطيع بن إياس الليثي الكناني الشاعر؛ وأبوعبيد الله معاوية بن ~~عبد الله بن بشار الأشعري، مولاهم، وكان وزير المهدي، وقيل مات سنة سبعين ~~ومائة. وفيها توفي نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المقرئ، صاحب القراءة، ~~أحد القراء السبعة؛ والربيع بن يونس، صاحب المنصور، مولاه. ### | AUT حوادث ms2112 سنة سبعين ومائة # ### || AUT ذكر ما جرى للهادي في خلع الرشيد # كان الهادي قد جد في خلع الرشيد والبيعة لابنه جعفر، وكان السبب في ذلك ~~أن الهادي لما عزم على خلعه ذكر لقواده، فأجابه إليه يزيد بن مزيد ~~الشيباني، وعبد الله بن مالك، وعلي بن عيسى وغيرهم، فخلعوا هارون، وبايعوا ~~لجعفر، ووضعوا الشيعة، فتكلموا في ذلك، وتنقصوا بالرشيد في مجلس الجماعة، ~~وقالوا لا نرضى به، وصعب أمرهم، وأمر الهادي أن لا يسار بين يدي هارون ~~بالحربة، فاجتنبه الناس، وتركوا السلام عليه. وكان يحيى بن خالد بن برمك ~~يتولى أمور الرشيد بأمر الهادي، فقيل للهادي: ليس عليك من أخيك خلاف إمنا ~~يحيى يفسده؛ فبعث إليه، وتهدده، ورماه بالكفر، ثم إنه استدعاه ليلة، فخاف، ~~وأوصى، وتحنط، وحضر عنده، فقال له: يا يحيى! مالي وما لك؟ قال: ما يكون من ~~العبد إلى مولاه إلا طاعته. قال: لم تدخل بيني وبين أخي وتفسده علي؟ قال: ~~من أنا حتى أدخل بينكما؟ إمنا صيرني المهدي معه، ثم أمرتني أنت بالقيام ~~بأمره، فانتهيت إلى أمرك. فسكن غضبه. وقد كان هارون طاب نفسا بالخلع، فمنعه ~~يحيى عنه. فلما أحضره الهادي، وقال له في ذلك، قال يحيى: يا أمير المؤمنين! ~~إنك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على ~~بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر بعده، كان ذلك أوكد للبيعة. قال: صدقت، وسكت عنه. ~~فعاد أولئك الذين بايعوه من القواد والشيعة، فحملوه على معاودة الرشيد ~~بالخلع، فاحضر يحيى وحبسه، فكتب إليه: إن عندي نصيحة؛ فأحضره، فقال له: يا ~~أمير المؤمنين! أرأيت إن كان الأمر الذي لا يبلغه، ونسأل الله أن يقدمنا ~~قبله، يعني موت الهادي، أتظن الناس يسلمون الخلافة لجعفر، وهولم يبلغ ~~الحنث، أويرضون به لصلاتهم، وحجهم، وغزوهم؟ قال: ما أظن ذلك! قال: يا أمير ~~المؤمنين! أفنأمن أن يسموإليها أكابر أهلك، مثل فلان، ويطمع فيها غرهم، ~~فتخرج من ولد أبيك؟ والله لوأن هذا الأمر لم يعقده المهدي لأخيك، لقد كان ~~ينبغي أن تعقده أنت له، فكيف ms2113 بأن تحله عنه وقد عقده المهدي له! ولكني أرى ~~أن تقر الأمر على أخيك، فإذا بلغ جعفر أتيته بالرشيد، فخلع نفسه له وبايعه. ~~فقبل قوله، وقال: نبهتني على أمر لم أنتبه له. وأطلقه. PageV03P0082 # ثم إن أولئك القواد عاودوا القول فيه، فأرسل الهادي إلى الرشيد في ذلك، ~~وضيق عليه؛ فقال له يحيى: استأذنه في الصيد، فإذا خرجت فأبعد، ودافع ~~الأيام! ففعل ذلك وأذن له، فمضى إلى قصر بني مقاتل، فأقام أربعين يومأن ~~فأنكر الهادي أمره، وخافه، فكتب إليه بالعود، فتعلل عليه، فأظهر الهادي ~~شتمه، وبسط مواليه وقواده فيه ألسنتهم؛ فلما طال الأمر عاد الرشيد، وقد كان ~~الهادي في أول خلافته جلس، وعنده نفر من قواده، وعنده الرشيد، وهوينظر ~~إليه، ثم قال له: يا هارون! كأني بك وأنت تحدث نفسك بتمام الرؤيأن ودون ذلك ~~خرط القتاد. فقال له هارون: يا موسى إنك إن تجبرت وضعت، وإن تواضعت رفعت، ~~وإن ظلمت قتلت وإن أنصفت سلمت، وإني لأرجوأن يفضي الأمر إلي، فأنصف من ~~ظلمت، وأصل من قطعت، وأجعل أولادك أعلى من أولادي، وأزوجهم بناتي، وأبلغ ما ~~تحب من حق الإمام المهدي. فقال له الهادي: ذلك الظن بأنك يا أبا جعفر، ادن ~~مني! فدنا منه، وقبل يده، ثم أرد العود إلى مكانه، فقال: لا والشيخ الجليل، ~~والملك النبيل، اعني المنصور، لا جلست إلا معي؛ فأجلسه في صدر مجلسه، ثم ~~أمر أن يحمل إليه ألف ألف دينار، وأن يعمل إليه نصف الخراج، وقال لإبراهيم ~~الحراني: اعرض عليه ما في الخزائن من مالنأن وما أخذ من أهل بيت اللعنة، ~~يعني بني أمية، فيأخذ منه ما أراد، فليأخذ منه ما أراد. ففعل ذلك. فقام ~~عنه. وسئل الرشيد عن الرؤيأن فقال: قال المهدي: رأيت في منامي كأني دفعت ~~إلى موسى وإلى هارون قضيبأن فأورق من قضيب موسى أعلاه، وأوراق قضيب هارون ~~من أوله إلى آخره، فعبرت لهما أنهما يملكان معأن فأما موسى فقتل أيامه، ~~وأما هارون فيبلغ آخر ما عاش خليفة، وتكون أيامه أحسن أيام، ودهره أحسن ~~دهر؛ فكان ms2114 كذلك. وذكر أن الهادي خرج إلى حديثه الموصل، فمرض بهأن واشتد ~~مرضه، وانصرف، وكتب إلى جميع عماله شرقا وغربا بالقدوم إليه، فلما ثقل أجمع ~~القواد الذين كانوا بايعوا جعفرأن وتآمروا في قتل يحيى بن خالد، وقالوا: إن ~~صار الأمر إليه قتلنأن وعزموا على ذلك، ثم قالوا: لعل الهادي يفيق، فما ~~عذرنا عنده؟ فأمسكوأن ولما اشتد مرض الهادي أرسلت الخيزران إلى يحيى تأمره ~~بالاستعداد، فأحضر يحيى كتابأن فكتبوا الكتب من الرشيد إلى العمال بوفاة ~~الهادي، وأنه قد ولاهم ما كان ويكون، فلما مات الهادي سيرت الكتب. وقيل إن ~~يحيى كان محبوسا. وكان الهادي قد عزم على قتله تلك الليلة، وإن هرثمة بن ~~أعين هوالذي أقعد الرشيد، على ما سنذكره. ولما مات الهادي قالت الخيزران: ~~قد كنا نتحدث أنه يموت في هذه الليلة خليفة، ويملك خليفة، ويولد خليفة، ~~فمات الهادي، وولي الرشيد، وولد المأمون، وكانت الخيزران قد أخذت العلم من ~~الأوزاعي؛ وكان موت الهادي بعيساباذ. ### || AUT ذكر وفاة الهادي # وفي هذه السنة توفي الهادي موسى بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله بن ~~علي بن عبد الله بن عباس في شهر ربيع الأول. واختلف في سبب وفاته، فقيل كان ~~سببها قرحة كانت في جوفه؛ وقيل مرض بحديثه الموصل، وعاد مريضا فتوفي، على ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى. وقيل إن وفاته كانت من قبل جوار لأمه الخيزران ~~كانت أمرتهن بقتله، وكان سبب أمرها بذلك أنه لما ولي الخلافة كانت تستبد ~~بالأمور دونه، وتسلك به مسلك المهدي، حتى مضى أربعة أشهر، فانثال الناس إلى ~~بابهأن وكانت المواكب تغدو وتروح إلى بابهأن فكلمته يوما في أمر لم يجد إلى ~~إجابتها سبيلأن فقالت: لا بد من إجابتي إليه، فإنني قد ضمنت هذه الحاجة ~~لعبد الله بن مالك. فغضب الهادي وقال: ويلي على ابن الفاعلة! قد علمت أنه ~~صاحبها والله لا قضيتها لك. قالت: إذا والله لا أسألك حاجة أبدا؛ قال: لا ~~أبالي والله، وغضبت فقامت مغضبة، فقال: مكانك والله، وإلا أنا نفي من ~~قرابتي من ms2115 رسول الله صلى الله عليه وسلم، لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من ~~قوادي وخاصتي لأضربن عنقه، ولأقبضن ماله. ما هذه المواكب التي تغدو وتروح ~~إلى بابك؟ أما لك مغزل يشغلك، أومصحف يذكرك، أوبيت يصونك؟ إياك! وإياك! لا ~~تفتحي بابك لمسلم ولا ذمي. فانصرفت وهي لا تعقل، فلم تنطق عنده بعدها. ثم ~~إنه قال لأصحابه: أيما خير أنا أم أنتم، وأمي أم أمهاتكم؟ قالوا: بل أنت ~~وأمك خير. قال: فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه، فيقال: فعلت أم فلان، ~~وصنعت؟ PageV03P0083 # قالوا: لا نحب ذلك. قال: فما بالكم تأتون أمي، فتتحدثون بحديثها؟ فلما ~~سمعوا ذلك انقطعوا عنها. ثم بعث بأرز، وقال: قد استطبتهأن فكلي منها. فقيل ~~لها: أمسكي حتى تنظري! فجاؤوا بكلب، فأطعموه، فسقط لحمه لوقته، فأرسل ~~إليها: كيف رأيت الأرز؟ قالت: طيبا. قال: ما أكلت منهأن ولوأكلت منها ~~لاسترحت منك، متى أفلح خليفة له أم! وقيل: كان سبب أمرها بذلك أن الهادي ~~لما جد في خلع الرشيد والبيعة لابنه جعفر خافت الخيزران على الرشيد، فوضعت ~~جواريها عليه لما مرض، فقتلنه بالغم والجلوس على وجهه، فمات، فأرسلت إلى ~~يحيى بن خالد تعلمه بموته. ### || AUT ذكر وفاته ومبلغ سنه # ### || AUT وصفته وأولاده # كانت وفاته ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول، وقيل لأربع عشرة خلت من ~~ربيع الأول؛ وقيل لست عشرة منه؛ وقيل كانت خلافته سنة وثلاثة أشهر؛ وقيل ~~كان أربعة عشر شهرا؛ وكان عمره ستا وعشرين سنة، وقيل ثلاثا وعشرين سنة، ~~وصلى عليه الرشيد. وكانت كنيته أبا محمد، وأمه الخيزران، أم ولد، ودفن ~~بعيساباذ الكبرى في بستانه. وكان طويلأن جسيما أبيض، مشربا حمرة، وكانت ~~بشفته العليا نقص وتقلص. وكان المهدي قد وكل به خادما يقول له: موسى أطبق، ~~فيضم شفته، فلقب: موسى أطبق. وكان له من الأولاد تسعة: سبعة ذكور، وابنتان، ~~فمن الذكور جعفر، وهوالذي كان يريد البيعة له، والعباس، وعبد الله، وإسحاق، ~~وإسماعيل، وسليمان، وموسى بن موسى الأعمى، كلهم لأمهات أولاد، والابنتان أم ~~عيسى كانت عند المأمون، وأم العباس وكانت ms2116 تلقب نونة. ### || AUT ذكر بعض سيرته # تأخر الهادي عن المظالم ثلاثة أيام، فقال له الحراني: يا أمير المؤمنين! ~~إن العامة لا تحتمل هذا. فقال لعلي بن صالح: إيذن للناس علي بالجفلى لا ~~بالنقري، فخرج من عنده ولم يفهم قوله، ولم يجسر على مراجعته، فأحضر ~~أعرابيأن فسأله عن ذلك، فقال: الجفلى أن تأذن لعامة الناس، فأذن لهم، فدخل ~~الناس عن آخرهم، ونظر في أمورهم إلى الليل، فلما تقوض المجلس له علي بن ~~صالح ما جرى له، وسأله مجازاه الأعرابي، فأمر له بمائة ألف درهم؛ فقال علي: ~~يا أمير المؤمنين! إنه أعرابي، ويغنيه عشرة آلاف. فقال: يا علي أجود أنأن ~~وتبخل أنت! وقيل: خرج يوما إلى عيادة أمه الخيزران، وكانت مريضة، فقال له ~~عمر بن ربيع: يا أمير المؤمنين! ألا أدلك على ما هوأنفع لك من هذا؟ تنظر في ~~المظالم. فرجع إلى دار المظالم، وأذن للناس، وأرسل إلى أمه يتعرف أخبارها. ~~وقيل: كان عبد الله بن مالك يتولى شرطة المهدي؛ قال: فكان المهدي يأمرني ~~بضرب ندماء الهادي ومغنيه، وحبسهم صيانة له عنهم، فكنت أفعل، وكان الهادي ~~يرسل إلي بالتخفيف عنهم، ولا أفعل، فلما ولي الهادي أيقنت بالتلف، ~~فاستحضرني يومأن فدخلت إليه متحنطا متكفنا وهوعلى كرسي، والسيف والنطع بين ~~يديه، فسلمت، فقال: لا سلم الله عليك! أتذكر يوم بعثت إليك في أمر الحراني ~~وضربه، فلم تجبني، وفي فلا وفلان، فعدد ندماءه؛ فلم تلتفت إلى قولي. قلت: ~~نعم! أفتأذن في ذكر الحجة؟ قال: نعم. قلت: نشدتك الله أيسرك أنك وليتني ما ~~ولاني المهدي وأمرتني بما أمر فبعث إلي بعض بنيك بما يخالف أمرك، فاتبعت ~~أمره وخالفت أمرك؟ قال: لا! قلت: فكذلك أنا لك، وكذا كنت لأبيك. فاستدناني، ~~فقبلت يده، ثم أمر لي بالخلع، وقال: وليتك ما كنت تتولاه، فامض راشدا! فصرت ~~إلى منزلي مفكرا في أمري وأمره، وقلت: حدث يشرب، والقوم الذين عصيته في ~~أمرهم ندماؤه، ووزراؤه، وكتابه، فكأني بهم حين يغلب عليه الشراب قد أزالوه ~~عن رأيه. قال: فإني لجالس، وعندي بنية لي، ms2117 والكانون بين يدي، ورقاق أشطره ~~بكامخ، وأسخنه، وأطعم الصبية، وآكل، وإذا بوقع الحوافر، فظننت أن الدنيا قد ~~زلزلت لوقعهأن ولكثرة الضوضاء، فقلت: هذا ما كنت أخافه. وإذا الباب قد فتح، ~~وإذا الخدم قد دخلوأن وإذا الهادي في وسطهم على دابته، فلما رأيته وثبت، ~~فقبلت يده ورجله، وحافر دابته، فقال لي: يا أبا عبد الله! إني فكرت في ~~أمرك، فقلت يسبق إلى وهمك أنني، إذا شربت وحولي أعداؤك، أزالوا حسن رأيي ~~فيك، فيقلقك ذلك، فصرت إلى منزلك لأونسك، وأعلمك أن ما كان عندي لك من ~~الحقد قد زال، فهات وأطعمني مما كنت تأكل لتعلم أني قد تحرمت بطعامك، فيزول ~~خوفك. PageV03P0084 # فأدنيت إليه من ذلك الرقاق والكامخ، فأكل، ثم قال: هاتوا الزلة التي ~~أزللتها لعبد الله من مجلسي، فأدخلت إلي أربعمائة بغل موقرة دراهم وغيرهأن ~~فقال: هذه لك، فاستعن بها على أمرك، واحفظ هذه البغال عندك لعلي أحتاج ~~إليها لبعض أسفاري؛ ثم انصرف. قيل: وكان يعقوب بن داود يقول: ما لعربي ولا ~~لعجمي عندي ما لعلي بن عيسى بن ماهان، فأنه دخل إلي الحبس، وقال لي: أمرني ~~أمير المؤمنين الهادي أن أضربك مائة سوط. فأقبل يضع السوط على يدي ومنكبي ~~يمسني به مسا إلى أن عد مائة سوط، ثم خرج، فقال: ، فقال له الهادي: ما صنعت ~~به؟ قال: صنعت الذي أمرتني به، وقد مات الرجل. فقال الهادي: إنا لله وإنا ~~إليه راجعون، فضحتني، والله، عند الناس، يقولون: قتل يعقوب بن داود؛ فلما ~~رأى شدة جزعه قال: هو، والله، حي يا أمير المؤمنين. قال: الحمد لله على ~~ذلك. وقيل: كان إبراهيم بن سلم بن قتيبة من الهادي بمنزلة عظيمة، فمات له ~~ولد، فأتاه الهادي يعزيه، فقال له: يا إبراهيم! سرك وهو عدو وفتنة، وحزنك ~~وهو صلاة ورحمة. فقال: يا أمير المؤمنين! ما بقي مني جزء فيه حزن، إلا وقد ~~امتلأ عزاء فلما مات إبراهيم صارت منزلته لسعيد بن سلم. قيل: كان علي بن ~~الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ms2118 الذي يلقب الجزري قد تزوج رقية ~~بنت عمروالعثمانية، وكانت قبله تحت المهدي، فبلغ ذلك الهادي، فأرسل إليه، ~~وحمل إليه، وقال له: أعياك النساء إلا امرأة أمير المؤمنين؟ قال: ما حرم ~~الله على خلقه إلا نساء جدي، صلى الله عليه وسلم، فأما غيرهن فلأن ولا ~~كرامة، فشجه بمحضرة كانت في يده، وجلده خمسمائة سوط، وأراده أن يطلقهأن فلم ~~يفعل، وكان قد غشي عليه من الضرب، وكان في يده خاتم نفيس، فأهوى بعض الخدم ~~على الخاتم ليأخذه، فقبض على يده فوقهأن فصاح؛ وأتي الهادي، فأراه يده، ~~فغضب، وقال: تفعل هذا بخادمي مع استخفافك بأبي وقولك لي ما قلت؟ قال: سله، ~~واستحلفه أن يصدقك؛ ففعل. فأخبره الخادم وصدقه، فقال: أحسن الله، أشهد أنه ~~ابن عمي، ولولم يفعل ذلك لانتفيت منه. وأمر بإطلاقه. قيل: وكان المهدي قد ~~قال للهادي يومأن وقد قدم إليه زنديق، فقتله، وأمر بصلبه: يا بني، إذا صار ~~الأمر إليك فتجرد لهذه العصابة، يعني أصحاب ماني، فإنها تدعوالناس إلى ظاهر ~~حسن كاجتناب الفواحش، والزهد في الدنيأن والعمل للآخرة، ثم تخرجها من هذا ~~إلى تحريم اللحوم، ومس الماء الطهور، وترك قتل الهوام تحرجأن ثم تخرجها إلى ~~عبادة اثنين: أحدهما النور، والآخر الظلمة، ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات ~~والبنات، والاغتسال بالبول، وسرقة الأطفال من الطرق، لتنقذهم من ضلال ~~الظلمة إلى هداية النور، فارفع فيها الخشب وجرد السيف فيهأن وتقرب بأمرها ~~إلى الله، فإني رأيت جدي العباس، رضي الله عنه، في المنام قلدني سيفين لقتل ~~أصحاب الاثنين. فلما ولي الهادي قال: لأقتلن هذه الفرقة. وأمر أن يهيأ له ~~ألف جذع. فمات بعد هذا القول بشهرين. قيل: وكان عيسى بن دأب من أكثر أهل ~~الحجاز أدبأن وأعذبهم ألفاظأن وكان قد حظي عند الهادي حظوة لم تكن لأحد ~~قبله، وكان يدعوله بما يتكئ عليه في مجلسه، وما كان يفعل ذلك بغيره، وكان ~~يقول له: ما استطلت بك يوما ولا ليلأن ولا غبت عن عيني إلا تمنيت أن لا أرى ~~غيرك؛ وأمر له بثلاثين ألف دينار ms2119 في دفعة واحدة، فلما أصبح ابن دأب أرسل ~~قهرمانه إلى الحاجب في قبضهأن فقال الحاجب: هذا ليس إلي، فانطلق إلى صاحب ~~التوقيع، وإلى الديوان، فعاد إلى ابن دأب فأخبره، فقال: اتركها. فبيمنا ~~الهادي في مستشرف له ببغداد رأى دأب وليس معه إلا غلام واحد، فقال للحراني: ~~ألا ترى ابن دأب ما غير حاله، وقد وصلناه ليرى أثرنا عليه؟ فقال: إن أمرتني ~~عرضت له بالحال. فقال: لأن هوأعلم بحاله. ودخل ابن دأب، وأخذ في حديثه، ~~فعرض له الهادي بشيء وقال: أرى ثوبك غسيلأن وهذا شتاء يحتاج فيه إلى ~~الجديد. فقال: باعي قصير! فقال: وكيف، وقد صرفنا إليك ما فيه صلاح شأنك؟ ~~فقال: ما وصل إلي شيء. فدعا صاحب بيت مال الخاصة فقال: عجل الساعة ثلاثين ~~ألف دينار؛ فأحضرت وحملت بين يديه. ### || AUT ذكر خلافة الرشيد بن المهدي # PageV03P0085 # وفي هذه السنة بويع للرشيد هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن ~~عبد الله بن عباس بالخلافة في الليلة التي مات فيها الهادي، وكان عمره، حين ~~ولي، اثنتين وعشرين سنة، وأمه الخيزران أم ولد، يمانية، جرشية؛ وكان مولده ~~بالري في آخر ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة؛ وقيل: ولد مستهل محرم سنة ~~تسع وأربعين. وكان مولد الفضل بن يحيى البرمكي قبله بسبعة أيام، وأرضعت أم ~~ابن يحيى الرشيد، وأرضعت الخيزران الفضل بلبان الرشيد. ولما مات الهادي كان ~~يحيى بن خالد البرمكي محبوسأن في قول بعضهم، وكان الهادي عازما على قتله، ~~فجاء هرثمة بن أعين إلى الرشيد فأخرجه وأجلسه للخلافة، فأرسل الرشيد إلى ~~يحيى، فأخرجه من الحبس، واستوزره، وأمر بإنشاء الكتب إلى الأطراف بجلوسه ~~للخلافة وموت الهادي. وقيل: لما مات الهادي جاء يحيى بن خالد إلى الرشيد، ~~وهونائم في فراشه، فقال له: قم يا أمير المؤمنين! فقال: كم تروعني إعجابا ~~منك بخلافتي، فكيف يكون حالي مع الهادي إن بلغه هذا؟ فأعلمه بموته، وأعطاه ~~خاتمه، فبيمنا هويكلمه إذ أتاه رسول آخر يبشره بمولود، فسماه عبد الله، ~~وهوالمأمون؛ ولبس ثيابه وخرج، فصلى على ms2120 الهادي بعيساباذ، وقتل أبا عصمة ~~وسار إلى بغداد. وكان سبب قتل أبي عصمة أن الرشيد كان سائرا هو وجعفر بن ~~الهادي، فبلغا قنطرة من قناطر عيساباذ، فقال له أبوعصمة: مكانك حتى يجوز ~~ولي العهد! فقال الرشيد: السمع والطاعة للأمير! ووقف حتى جاز جعفر، فكان ~~هذا سبب قتله. ولما وصل الرشيد إلى بغداد، وبلغ الجسر، دعا الغواصين، وقال: ~~كان المهدي قد وهب لي خاتما شراؤه مائة ألف دينار، يسمى الجبل، فأتاني رسول ~~الهادي يطلب الخاتم وأنا هاهنأن فألقيته في الماء؛ فغاصوا عليه وأخرجوه، ~~فسر به. ولما مات الهادي هجم خزيمة بن حازم تلك الليلة على جعفر بن الهادي ~~فأخذه من فراشه، وقال له: لتخلعنها أولأضربن عنقك؛ فأجاب إلى الخلع وركب من ~~الغد خزيمة، وأظهر جعفرا للناس فأشهدهم بالخلع، وأحل الناس من بيعتهم، فحظي بها خزيمة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها ولد الأمين، واسمه محمد، في شوال، فكان المأمون أكبر منه. وفيها ~~استوزر الرشيد يحيى بن خالد، وقال له: قد قلدتك أمر الرعية، فاحكم فيها بما ~~ترى، واعزل من رأيت، واستعمل من رأيت، ودفع إليه خاتمه. فقال إبراهيم ~~الموصلي في ذلك: ألم تر أن الشمس كانت سقيمة ... فلما ولي هارون أشرق نورها ~~بيمن أمين الله هارون ذي الندي ... فهارون واليها ويحيى وزيرها وكان يحيى ~~يصدر عن أمر الخيزران أم الرشيد. وفيها توفي يزيد بن حاتم المهلبي، والي ~~إفريقية، واستخلف عليها ابنه داود، وانتقضت جبال باجة، وخرج فيها الإباضية، ~~فسير إليهم داود جيشأن فظفر بهم الإباضية، وهزمزهم، فجهز إليهم جيشا آخر، ~~فهزمت الإباضية، فتبعهم الجيش، فقتلوا منهم، فأكثروأن وبقي داود أميرا إلى ~~أن استعمل الرشيد عمهم روح بن حاتم المهلبي أميرا على إفريقية؛ وكانت إمارة ~~داود تسعة أشهر. وفيها عزل الرشيد عمر بن عبد العزيز العمري عن المدينة، ~~على ساكنها السلام، واستعمل عليها إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد الله بن ~~عباس. وفيها ظهر من كان مستخفيأن منهم طباطبا العلوي، وهوإبراهيم بن ~~إسماعيل، وعلي بن الحسين بن إبراهيم بن عبد الله بن ms2121 الحسن، وبقي نفر من ~~الزنادقة لم يظهروأن منهم: يونس بن فروة، ويزيد بن الفيض. وفيها عزل الرشيد ~~الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين، وجعلها حيزا واحدأن وسميت العواصم، وأمر ~~بعمارة طرسوس على يدي فرج الخادم التركي ونزلها الناس. وحج بالناس الرشيد، ~~وقسم بالحرمين عطاء كثيرا؛ وقيل إنه غزا الصائفة بنفسه، وغزا الصائفة ~~سليمان بن عبد الله البكائي. وكان على مكة والطائف عبد الله بن قثم؛ وعلى ~~الكوفة موسى بن عيسى؛ وعلى البصرة والبحرين واليمامة وعمان والأهواز وفارس ~~محمد بن سليمان بن علي؛ وكان على خراسان الفضل بن سليمان الطوسي، وعلى ~~الموصل عبد الملك. وفيها أوقع عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس ببرابر نفزة، ~~فأذلهم وقتل فيهم. وفيها أمر عبد الرحمن ببناء جامع قرطبة، وكان موضعه ~~كنيسة، وأخرج عليه مائة ألف دينار. ### | AUT حوادث سنة إحدى وسبعين ومائة # ### || AUT ذكر وفاة عبد الرحمن الأموي # PageV03P0086 # وفيها مات عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، صاحب الأندلس، في ~~ربيع الآخر، وقيل سنة اثنتين وسبعين ومائة، وهوأصح، وكان مولده بأرض دمشق، ~~وفيها بالعلياء من ناحية تدمر، سنة ثلاث عشرة ومائة، وكان موته بقرطبة، ~~وصلى عليه ابنه عبد الله، وكان عهد إلى ابنه هشام، وكان هشام بمدينة ماردة ~~واليا عليهأن وكان ابنه سليمان بن عبد الرحمن، وهوالأكبر، بطليطلة واليا ~~عليهأن فلم يحضرا موت أبيهمأن وحضره عبد الله المعروف بالبلنسي، وأخذ ~~البيعة لأخيه هشام، وكتب إليه بنعي أبيه وبالإمارة، فسار إلى قرطبة. وكانت ~~دولة عبد الرحمن ثلاثا وثلاثين سنة واشهرأن وكانت كنيته أبا المطرف، وقيل: ~~أبا سليمان، وقيل: أبا زيد، وكان له من الولد: أحد عشر ذكرأن وتسع بنات، ~~وكانت أمه بربرية من سبي إفريقية. وكان أصهب، خفيف العارضين، طويل القامة، ~~نحيف الجسم، أعور، له ضفيرتان، وكان فصيحا لسنأن شاعرأن حليمأن عالمأن ~~حازمأن سريع النهضة في طلب الخارجين عليه، لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى ~~دعة، ولا يكل الأمور إلى غيره، ولا ينفرد في الأمور برأيه، شجاعا مقداما ~~بعيد الغور، شديد الحذر، سخيأن جوادأن يكثر ms2122 لبس البياض، وكان يقاس بالمنصور ~~في حزمه وشدته، وضبط المملكة. وبنى الرصافة بقرطبة تشبها بجده هشام حيث بنى ~~الرصافة بالشام، ولما سكنها رأى فيها نخلة منفردة، فقال: تبدت لنا وسط ~~الرصافة نخلة ... تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل فقلت: شبيهي في التغرب ~~والنوى ... وطول التنائي عن بني وعن أهلي نشأت بأرض أنت فيها غريبة ... ~~فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي سقتك غوادي المزن من صوبها الذي ... يسح ~~ويستمري السماكين بالوبل وقصده بنوأمية من المشرق، فمن المشهورين: عبد ~~الملك بن عمر بن مروان، وهوقعدد بني أمية، وهوالذي كان سبب قطع الدعوة ~~العباسية بالأندلس، على ما تقدم، وكان معه أحد عشر ولدا له. ### || AUT ذكر إمارة ابنه هشام # كان عبد الرحمن قد عهد إلى ابنه هشام، ولم يكن أكبر ولده، فإن سليمان ~~كان أكبر منه، وإمنا كان يتوسم فيه الشهامة، والاضطلاع بهذا الأمر، فلهذا ~~عهد إليه. ولما توفي أبوه كان هوبماردة متوليا لهأن وناظرا في أمرهأن وكان ~~أخوه سليمان، وهوأكبر منه، بمدينة طليطلة، وكان يروم الأمر لنفسه، ويحسد ~~أخاه هشاما على تقديم والده له عليه، وأضمر له الغش والعصيان؛ وكان أخوه ~~عبد الله المعروف بالبلنسي حاضرا بقرطبة عند والده. فلما توفي جدد عبد الله ~~البيعة لأخيه هشام، بعد أن صلى على والده، وكتب إلى أخيه هشام يعرفه موت ~~والده، والبيعة له، فسار من ساعته إلى قرطبة، فدخلها في ستة أيام، واستولى ~~على الملك، وخرج عبد الله إلى داره، مظهرا لطاعته، وفي نفسه غير هذأن ~~وسنذكر ما كان منه إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكرالصحصح الخارجي # وفيها خرج الصحصح الخارجي بالجزيرة، وكان عليها أبوهريرة، فوجه عسكرا ~~إلى الصحصح، فلقوه، فهزمهم، وسار الصحصح إلى الموصل فلقيه عسكرها بباجرمى، ~~فقتل منهم كثيرأن ورجع إلى الجزيرة، فغلب على ديار ربيعة، فسير الرشيد إليه ~~جيشا فلقوه بدورين، فقتلوه، وعزل الرشيد أبا هريرة عن الجزيرة. ### || AUT ذكر قتل روح بن صالح # وفيها استعمل الرشيد على صدقات بني تغلب روح بن صالح الهمداني، وهومن ~~قواد الموصل، فجرى بينه وبين تغلب ms2123 خلاف، فجمع جمعأن وقصدهم، فبلغهم الخبر، ~~فاجتمعوأن وساروا إلى روح، فبيتوه، فقتل هو وجماعة من أصحابه، فسمع حاتم بن ~~صالح، وهوبالسكير، فجمع جمعا كثيرأن وسار إلى تغلب، فبيتهم، وقتل منهم خلقا ~~كثيرأن وأسر مثلهم. وفيها عزل الرشيد بن الملك بن صالح الهاشمي عن الموصل، ~~واستعمل عليها إسحاق بن محمد. ### || AUT ذكر استعمال روح بن حاتم على إفريقية # وفيها استعمل الرشيد على إفريقية روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي ~~صفرة، لما بلغه وفاة أخيه يزيد بن حاتم بهأن على ما ذكرناه، فقدمها في رجب، ~~وكان داود بن يزيد أخيه على إفريقية، فلما وصل عمه روح ساد داود إلى ~~الرشيد، فاستعمله. قال روح: كنت عاملا في فلسطين، فأحضرني الرشيد، فوصلت ~~وقد بلغه موت أخي يزيد، فقال: أحسن الله عزاءك في أخيك، وقد وليتك مكانه ~~لتحفظ صنائعه ومواليه. PageV03P0087 # فسار إليهأن ولم تزل البلاد معه آمنة، ساكنة من فتنة، لأن أخاه يزيد كان ~~قد أكثر القتل في الخوارج بإفريقية فذلوا. ثم توفي روح بالقيروان، ودفن إلى ~~جانب قبر أخيه يزيد، وكانت وفاته في رمضان سنة أربع وسبعين ومائة؛ ولما ~~استعمل المنصور يزيد بن حاتم على إفريقية، استعمل أخاه روحا على السند فقيل ~~له: يا أمير المؤمنين لقد باعدت ما بين قبريهما؛ فتوفي يزيد بالقيروان، ثم ~~وليها روح، فتوفي بها ودفن إلى جانب أخيه يزيد. وكان روح أشهر بالشرق من ~~يزيد، ويزيد أشهر بالغرب من روح لطول مدة ولايته، وكثرة خروجه فيها ~~والخارجين عليه. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها قدم أبوالعباس الفضل بن سليمان الطوسي من خراسان، واستعمل الرشيد ~~عليها جعفر بن محمد بن الأشعث، فلما قدم خراسان سير ابنه العباس إلى كابل، ~~فقاتل أهلها حتى افتتحهأن ثم افتتح سانهار، وغمن ما كان بها. وفيها قتل ~~الرشيد أبا هريرة محمد بن فروخ، وكان على الجزيرة، فوجه إليه الرشيد أبا ~~حنيفة حرب بن قيس، فأحضره إلى بغداد وقتله. وفيها أمر الرشيد بإخراج ~~الطالبيين من بغداد إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، ms2124 خلا العباس بن ~~الحسن بن عبد الله بن علي بن أبي طالب. وفيها خرج الفضل بن سعيد الحروري ~~فقتله أبوخالد المروروذي. وفيها قدم روح بن حاتم إفريقية. وحج بالناس هذه ~~السنة عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس. ### | AUT حوادث سنة اثنتين وسبعين ومائة # ### || AUT ذكر خروج سليمان وعبد الله على هشام # في هذه السنة، وقيل سنة ثلاث وسبعين ومائة، وهوالصحيح، خرج سليمان وعبد ~~الله ابنا عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، أمير الأندلس، عن طاعة أخيهما ~~هشام بالأندلس، وكان هشام قد ملك بعد أبيه، كما ذكرناه، فلما استقر له ~~الملك كان معه أخوه عبد الله المعروف بالبلنسي، وكان هشام يؤثره ويبره ~~ويقدمه، فلم يرض عبد الله إلا بالمشاركة في أمره. ثم إنه خاف من أخيه هشام، ~~فمضى هاربا إلى أخيه سليمان، وهوبطليطلة، فلما خرج من قرطبة أخرج هشام جمعا ~~في أثره ليردوه فلم يلحقوه، فجمع هشام عساكره، وسار إلى طليطلة، فحضر أخويه ~~بهأن وكان سليمان قد جمع وحشد خلقا كبيرأن فلما حصرهما هشام سار سليمان من ~~طليطلة وترك ابنه وأخاه عبد الله يحفظان البلد، وسار هوإلى قرطبة ليملكهأن ~~فعلم هشام الحال، فلم يتحرك، ولا فارق طليطلة بل أقام يحصرها. وسار سليمان، ~~فوصل إلى شقندة، فدخلهأن وخرج إليه أهل قرطبة مقاتلين ودافعين عن أنفسهم. ~~ثم إن هشاما سير في أثره ابنه عميد الملك، في قطعة من الجيش، فلما قاربه ~~مضى سليمان هاربأن فقصد مدينة ماردة، فخرج إليه الوالي بها لهشام، فحاربه، ~~فانهزم سليمان، وبقي هشام على طليطلة شهرين وأياما محاصرا لها ثم عاد عنهأن ~~وقد قطع أشجارها وسار إلى قرطبة، فأتاه أخوه عبد الله بغير أمان، فأكرمه ~~وأحسن إليه. فلما دخلت سنة أربع وسبعين سير هشام ابنه معاوية في جيش كثيف ~~إلى تدمير، وبها سليمان، فحاربه، وخربوا أعمال تدمير، ودوخوا أهلها ومن ~~بهأن وبلغوا البحر، فخرج سليمان من تدمير هاربأن فلجأ إلى البرابر بناحية ~~بلنسية، فاعتصم بتلك الناحية الوعرة المسلك، فعاد معاوية إلى قرطبة. ثم أن ~~الحال استقر ms2125 بين هشام وسليمان أن يأخذ سليمان أهله وأولاده وأمواله ويفارق ~~الأندلس، وأعطاه هشام ستين ألف دينار مصالحة عن تركة أبيه عبد الرحمن، فسار ~~إلى بلد البرابر فأقام به. ### || AUT ذكر خروج جماعة على هشام أيضا # وفيها خرج بالأندلس أيضا سعيد بن الحسين بن يحيى الأنصاري بشاغنت، من ~~أقاليم طرطوشة، في شرق الأندلس؛ وكان قد التجأ إليها حين قتل أبوه، كما ~~تقدم، ودعا إلى اليمانية، وتعصب لهم، فاجتمع لهم خلق كثير وملك مدينة ~~طرطوشة، وأخرج عامله يوسف القيسي، فعارضه موسى بن فرتون، وقام بدعوة هشام، ~~ووافقته مضر، فاقتتلأن فانهزم سعيد وقتل، وسار موسى إلى سرقسطة فملكهأن ~~فخرج عليه مولى للحسين بن يحيى اسمه جحدر في جمع كثير فقاتله وقتل موسى. ~~وخرج أيضا مطروح بن سليمان بن يقظان بمدينة برشلونة، وخرج معه جمع كثير، ~~فملك مدينة سرقسطة ومدينة وشقه، وتغلب على تلك الناحية، وقوي أمره، وكان ~~هشام مشغولا بمحاربة أخويه سليمان وعبد الله. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV03P0088 # وفيها عزل الرشيد إسحاق بن محمد عن الموصل، واستعمل سعيد بن سلم الباهلي، ~~وعزل الرشيد يزيد بن مزيد بن زائدة، وهوابن أخي معن بن زائدة، عن أرمينية، ~~واستعمل عليها أخاه عبيد الله بن المهدي. وفيها غزا الصائفة إسحاق بن ~~سليمان بن علي. وفيها وضع الرشيد على أهل السواد العشر الذي كان يؤخذ منهم ~~بعد النصف. وحج بالناس يعقوب بن المنصور. وفيها مات الفضل بن صالح بن علي ~~بن عبد الله بن عباس، وهوأخوعبد الملك؛ وتوفي سليمان بن بلال مولى ابن أبي ~~عتيق؛ وتوفي أبويزيد رباح بن يزيد اللخمي الزاهد، بمدينة القيروان، وكان ~~مجاب الدعوة. ### | AUT حوادث سنة ثلاث وسبعين ومائة # فيها توفي محمد بن سليمان بن علي بالبصرة، فأرسل الرشيد من قبض تركته، ~~وكانت عظيمة من المال والمتاع، والدواب، فحملوا منه ما يصلح للخلافة، ~~وتركوا مال لا يصلح. وكان من جملة ما أخذوا ستون ألف ألف، فلما قدموا بذلك ~~عليه أطلق منه للندماء والمغنين شيئا كبيرأن ورفع الباقي إلى خزانته. وكان ~~سبب أخذ الرشيد ms2126 تركته أن أخاه جعفر بن سليمان كان يسعى به إلى الرشيد حسدا ~~له، ويقول: إنه لا مال له، ولا ضيعة إلا وقد أخذ أكثر من ثمنها ليتقوى به ~~على ما تحدث به نفسه، يعني الخلافة، وإن أمواله حل طلق لأمير المؤمنين؛ ~~وكان الرشيد يأمر بالاحتفاظ بكتبه، فلما توفي محمد بن سليمان أخرجت كتبه ~~إلى جعفر أخيه، واحتج عليه بهأن ولم يكن له أخ لأبيه وأمه غير جعفر، فأقر ~~بهأن فلهذا قبضت أمواله. وفيها ماتت الخيزران أم الرشيد، فحمل الرشيد ~~جنازتهأن ودفنها في مقابر قريش، ولما فرغ من دفنها أعطى الخاتم الفضل بن ~~الربيع، وأخذه من جعفر بن يحيى بن خالد. وفيها استقدم الرشيد جعفر بن محمد ~~بن الأشعث من خراسان، واستعمل عليها ابنه العباس بن جعفر؛ وحج بالناس ~~الرشيد، أحرم من بغداد. وفيها مات مورقاط ملك جليقية، من بلاد الأندلس، ~~وولي بعده برمند بن قلورية القس، ثم تبرأ من الملك، وترهب، وجعل ابن أخيه ~~في الملك، وكان ملك ابن أخيه سنة خمس وسبعين ومائة. وفيها توفي سلام بن أبي ~~مطيع بتشديد اللام؛ وجريرية بن أسماء بن عبيد البصري؛ ومروان بن معاوية بن ~~الحارث بن أسماء الفزاري، أبوعبد الله، وكان موته بمكة فجاءة. ### | AUT حوادث سنة أربع وسبعين ومائة # وفيها استعمل الرشيد إسحاق بن سليمان على السند ومكران. وفيها استقضى ~~الرشيد يوسف بن أبي يوسف، وأبوه حي. وفيها هلك روح بن حاتم، وسار الرشيد آل ~~الجودي، ونزل بقردي وبازبدى من أعمال جزيرة ابن عمر، فابتنى بها قصرا. وغزا ~~الصائفة عبد الملك بن صالح. وحج بالناس الرشيد، فقسم في الناس مالا كثيرا. ~~وفيها عزل علي بن مسهر عن قضاء الموصل، وولي القضاء بها إسماعيل بن زياد الدولابي. ### | AUT حوادث سنة خمس وسبعين ومائة # في هذه السنة عقد الرشيد لابنه محمد بن زبيدة بولاية العهد، ولقبه ~~الأمين، وأخذ له البيعة وعمره خمس سنين. وكان سبب البيعة أن خاله عيسى بن ~~جعفر بن المنصور جاء إلى الفضل بن يحيى بن خالد، فسأله في ذلك، ms2127 وقال له: ~~إنه ولدك، وخلافته لك. فوعده بذلك، وسعى فيهأن حتى بايع الناس له بولاية ~~العهد. وفيها عزل الرشيد عن خراسان العباس بن جعفر، وولاها خالدا الغطريف ~~بن عطاء. وغزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ أقريطية؛ وقيل ~~غزاها عبد الملك نفسه، فأصابهم برد شديد سقط منه كثير من أيدي الجند ~~وأرجلهم. وفيها سار يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن ين علي إلى الديلم، ~~فتحرك هناك؛ وحج بالناس هذه السنة هارون الرشيد. ### || AUT ذكر ظفر هشام بأخويه ومطروح # وفيها فرغ هشام بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، من أخويه سليمان وعبد ~~الله، وأجلاهما عن الأندلس، فلما خلا سره منهما انتدب لمطروح ابن سليمان بن ~~يقظان، فسير إليه جيشا كثيفأن وجعل عليهم أبا عثمان عبيد الله بن عثمان، ~~فساروا إلى مطروح، وهوبسرقسطة، فحصروه بهأن فلم يظفروا به، فرجع أبوعثمان ~~عنه، ونزل بحصن طرسونة، بالقرب من سرقسطة، وبث سراياه على أهل سرقسطة ~~يغيرون ويمنعون عنهم الميرة. PageV03P0089 # ثم إن مطروحا خرج في بعض الأيام، آخر النهار، يتصيد، فأرسل البازي على ~~طائر، فاقتنصه، فنزل مطروح ليذبحه بيده، ومعه صاحبان له قد انفرد بهما عن ~~أصحابه، فقتلاه واحتزا رأسه وأتيا به أبا عثمان، فسار إلى سرقسطة، فكاتبه ~~أهلها بالطاعة، فقبل منهم، وسار إليها فنزلهأن وأرسل رأس مطروح إلى هشام. ### || AUT ذكر غزاة هشام بالأندلس # ثم إن أبا عثمان لما فرغ من مطروح أخذ الجيش، وسار بهم إلى بلاد الفرنج، ~~فقصد ألية، والقلاع، فلقيه العدو، فظفر بهم، وقتل منهم خلقا كثيرأن وفتح ~~الله عليه. وفيها سير هشام أيضا يوسف بن بخت في جيش إلى جليقية، فلقي ملكهم ~~وهوبرمند الكبير، فاقتتلوا قتالا شديدأن وانهزمت الجلالقة، وقتل منهم عالم ~~كثير. وفيها انقاد أهل طليطلة إلى طاعة الأمير فآمنهم. وفيها سجن هشام أيضا ~~ابنه عبد الملك لشيء بلغه عنه، فبقي مسجونا حياة أبيه وبعض ولاية أخيه، ~~فتوفي محبوسا سنة ثمان وتسعين ومائة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها خرج بخراسان حصين الخارجي، وهومن موالي قيس بن ms2128 ثعلبة، من أهل أوق، ~~وكان على سجستان عثمان بن عمارة، فأرسل جيشأن فلقيهم حصين، فهزمهم، ثم أتى ~~خراسان وقصد باذغيس، وبوشنج، وهراة، وكتب الرشيد إلى الغطريف في طلبه، فسير ~~إليه الغطريف داود بن يزيد في اثني عشر ألفأن فلقيهم حصين في ستمائة، ~~فهزمهم، وقتل منهم خلقا كثيرا. ثم سار في خراسان إلى أن قتل سنة سبع وسبعين ~~ومائة. وفيها مات الليث بن سعد الفقيه بمصر؛ ومحمد بن إسحاق بن إبراهيم ~~أبوالعنبس الشعر. وفيها توفي المسيب بن زهير بن عمر بن مسلم الضبي، وقيل ~~سنة ست وسبعين، وكان على شرط المنصور والمهدي، وولاه المهدي خراسان. وفيها ~~ولد إدريس بن إدريس بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. ### | AUT حوادث سنة ست وسبعين ومائة # ### || AUT ذكر ظهور يحيى بن عبد الله بالديلم # في هذه السنة ظهر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بالديلم واشتدت ~~شوكته، وكثر جموعه، وأتاه الناس من الأمصار، فاغتم الرشيد لذلك، فندب إليه ~~الفضل بن يحيى في خمسين ألفأن وولاه جرجان وطبرستان والري وغيرهمأن وحمل ~~معه الأموال، فكاتب يحيى بن عبد الله، ولطف به، وحذره، وأشار عليه، وبسط ~~أمله. ونزل الفضل بالطالقان، بمكان يقال له أشب، ووالى كتبه إلى يحيى، ~~وكاتب صاحب الديلم، وبذل له ألف ألف درهم على أن يسهل له خروج يحيى بن عبد ~~الله، فأجاب يحيى إلى الصلح، على أن يكتب له الرشيد أمانا بخطه يشهد عليه ~~فيه القضاة، والفقهاء، وجلة بني هاشم، ومشايخهم، منهم: عبد الصمد بن علي، ~~فأجابه الرشيد إلى ذلك، وسر به، وعظمت منزلة الفضل عنده وسير الأمان مع ~~هدايا وتحف، فقدم يحيى مع الفضل بغداد، فلقيه الرشيد بكل ما احب، وأمر له ~~بمال كثير. ثم أن الرشيد حبسه، فمات في الحبس، وكان الرشيد قد عرض كتاب ~~أمان يحيى على محمد بن الحسن الفقيه، وعلى أبي البختري القاضي، فقال محمد: ~~الأمان صحيح، فحاجه الرشيد، فقال محمد: وما يصنع بالأمان لوكان محاربأن ثم ~~ولي وكان آمنا؟ وقال أبوالبختري: هذا أمان ms2129 منتقض من وجه كذا؛ فمزقه الرشيد. ### || AUT ذكر ولاية عمر بن مهران مصر # وفيها عزل الرشيد موسى بن عيسى عن مصر، ورد أمرها إلى جعفر بن يحيى بن ~~خالد، فاستعمل عليها جعفر عمر بن مهران. وكان سبب عزله أن الرشيد بلغه أن ~~موسى عازم على الخلع، فقال: والله لا أعزله إلا بأخس من على بابي! فأمر ~~جعفر، فأحضر عمر بن مهران، وكان أحول، مشوة الخلق، وكان لباسه خسيسأن وكان ~~يردف غلامه خلفه، فلما قال له الرشيد: أتسير إلى مصر أميرا؟ قال: أتولاها ~~على شرائط، إحداها أن يكون إذني إلى نفسي، إذا أصلحت البلاد انصرفت، فأجابه ~~إلى ذلك. فسار، فلما وصل إليها أتى دار موسى فجلس في أخريات الناس، فلما ~~تفرقوا قال: ألك حاجة؟ قال: نعم! ثم دفع إليه الكتب، فلما قرأها قال: هل ~~يقدم أبوحفص، أبقاه الله؟ قال: أنا أبوحفص. قال موسى: لعن الله فرعون حيث ~~قال: (أليس لي ملك مصر؟) الزخرف: 51 ثم سلم له العمل، فقدم عمر إلى كاتبه ~~أن لا يقبل هدية إلا ما يدخل في الكيس، فبعث الناس بهداياهم، فلم يقبل ~~دابة، ولا جارية، ولم يقبل إلا المال والثياب، فأخذهأن وكتب عليها أسماء ~~أصحابهأن وتركها. PageV03P0090 # وكان أهل مصر قد اعتادوا المطل بالخراج، وكسره، فبدأ عمر برجل منهم ~~فطالبه بالخراج، فلواه، فأقسم أن لا يؤديه إلا بمدينة السلام، فبذل الخراج، ~~فلم يقبله منه، وحمله إلى بغداد فأدى الخراج بها؛ فلم يمطله أحد، فأخذ ~~النجم الأول، والنجم الثاني؛ فلما كان النجم الثالث وقعت المطاولة والمطل ~~وشكوا الضيق، فأحضر تلك الهدايا وحسبها لأربابهأن وأمرهم بتعجيل الباقي، ~~فأسرعوا في ذلك، فاستوفي خراج مصر عن آخره، ولم يفعل ذلك غيره، ثم انصرف إلى بغداد. ### || AUT ذكر الفتنة بدمشق # وفي هذه السنة هاجت الفتنة بدمشق بين المضرية واليمانية، وكان رأس ~~المضرية أبوالهيذام، واسمه عامر بن عمارة بن خريم الناعم بن عمروبن الحارث ~~بن خارجه بن سنان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد ~~بن ms2130 ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان المري، أحد فرسان العرب المشهورين. وكان ~~سبب الفتنة أن عاملا للرشيد بسجستان قتل أخا لأبي الهيذام، فخرج أبوالهيذام ~~بالشام، وجمع جمعا عظيمأن وقال يرثي أخاه: سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا ~~... فإن بها ما يدرك الطالب الوترا ولسنا كمن ينعي أخاه بغيره ... يعصرها ~~من ماء مقلته عصرا وإنا أناس ما تفيض دموعنا ... على هالك منا وإن قصم ~~الظهرا ولكنني أشفي الفؤاد بغارة ... ألهب في قطري كتائبها جمرا وقيل إن ~~هذه الأبيات لغيره والصحيح أنها له، ثم إن الرشيد احتال عليه بأخ له كتب ~~إليه فأرغبه، ثم شد عليه فكتفه، وأتى به الرشيد فمن عليه وأطلقه. وقيل: كان ~~أول ما هاجت الفتنة في الشام أن رجلا من بني القين خرج بطعام له يطحنه في ~~الرحا بالبقاء، فمر بحائط رجل من لخم أوجذام، وفيه بطيخ وقثاء، فتناول منه، ~~فشتمه صاحبه، وتضاربأن وسار القيني؛ فجمع صاحب البطيخ قوما من أهل اليمن ~~ليضربوه إذا عاد، فلما عاد ضربوه وأعانه قوم آخرون، فقتل رجل من اليمانية، ~~وطلبوا بدمه، فاجتمعوا لذلك. وكان على دمشق حينئذ عبد الصمد بن علي، فلما ~~خاف الناس أن يتفاقم ذلك أجتمع أهل الفضل والرؤساء ليصلحوا بينهم، فأتوا ~~بني القين فكلموهم، فأجابوهم إلى ما طلبوأن فأتوا اليمانية فكلموهم، ~~فقالوا: انصرفوا عنا حتى ننظر؛ ثم ساروأن فبيتوا بني القين، فقتلوا منهم ~~ستمائة، وقيل ثلاثمائة، فاستنجدت القين قضاعة وسليحأن فلم ينجدوهم، ~~فاستنجدت قيسا فأجابوهم، وساروا معهم إلى الصواليك من أرض البلقاء، فقتلوا ~~من اليمانية ثمامنائة، وكثر القتال بينهم فالتقوا مرات. وعزل عبد الصمد عن ~~دمشق، واستعمل عليها إبراهيم بن صالح بن علي، فدام ذلك الشر بينهم ~~نحوسنتين، والتقوا بالبثنية، فقتل من اليمانية نحوثماني مائة، ثم اصطلحوا ~~بعد شر طويل. ووفد إبراهيم بن صالح على الرشيد، وكان ميله مع اليمانية، ~~فوقع في قيس عند الرشيد، فاعتذر عنهم عبد الواحد بن بشر النصري من بني نصر، ~~فقبل عذرهم، ورجعوأن واستخلف إبراهيم بن صالح على دمشق ابنه إسحاق، وكان ~~ميله أيضا مع ms2131 اليمانية، فأخذ جماعة من قيس، فحبسهم، وضربهم وحلق لحاهم، ~~فنفر الناس، ووثبت غسان برجل من ولد قيس بن العبسي فقتلوه، فجاء أخوه إلى ~~ناس من الزواقيل بحوران، فاستنجدهم فأنجدوه وقتلوا من اليمانية نفرا. ثم ~~ثارت اليمانية بكليب بن عمروبن الجنيد بن عبد الرحمن، وعنده ضيف له، ~~فقتلوه، فجاءت أم الغلام بثيابه إلى أبي الهيذام، فألقتها بين يديه، فقال: ~~انصرفي حتى ننظر، فإني لا أخبط خبط العشواء، حتى يأتي الأمير ونرفع إليه ~~دماءنأن فإن نظر فيها وإلا فأمير المؤمنين ينظر فيها. ثم أرسل إسحاق فأحضر ~~أبا الهيذام، فحضر، فلم يأذن له؛ ثم إن أناسا من الزواقيل قتلوا رجلا من ~~اليمانية، وقتلت اليمانية رجلا من سليم، ونهبت أهل تلفياثأن وهم جيران ~~محارب، فجاءت محارب إلى أهل الهيذام، فركب معهم إلى إسحاق في ذلك، فوعدهم ~~الجميل فرضي، فلما انصرف أرسل إسحاق إلى اليمانية يغريهم بأبي الهيذام، ~~فاجتمعوأن وأتوا أبا الهيذام من باب الجابية، فخرج إليهم في نفر يسير، ~~فهزمهم، واستولى على دمشق، وأخرج أهل السجون عامة. PageV03P0091 # ثم إن أهل اليمانية استجمعت، واستنجدت كلبأن وغيرهم، فأمدوهم، وبلغ الخبر ~~أبا الهيذام، فأرسل إلى المضرية، فأتته الأمداد وهويقاتل اليمانية عند باب ~~تومأن فانهزمت اليمانية. ثم إن اليمانية أتت قرية لقيس عند دمشق، فأرسل ~~أبوالهيذام إليهم الزواقيل، فقاتلوهم، فانهزمت اليمانية أيضأن ثم لقيهم جمع ~~آخر، فانهزموا أيضأن ثم أتاهم الصريخ: أدركوا باب تومأن فأتوه، فقاتلوا ~~اليمانية، فانهزمت أيضأن فهزموهم في يوم واحد أربع مرات، ثم رجعوا إلى أبي ~~الهيذام. ثم أرسل إسحاق إلى أبي الهيذام يأمره بالكف، ففعل، وأرسل إلى ~~اليمانية: قد كففته عنكم، فدونكم الرجل فهوغار؛ فأتوه من باب شرقي متسللين، ~~فأتى الصريخ أبا الهيذام، فركب في فوارس من أهله، فقاتلهم، فهزمهم. ثم بلغه ~~خبر جمع آخر لهم على باب تومأن فأتاهم، فهزمهم أيضا؛ ثم جمعت اليمانية أهل ~~الأردن والخولان وكلبا غيرهم، وأتى الخبر أبا الهيذام، فأرسل من يأتيه ~~بخبرهم، فلم يقف لهم على خبر في ذلك، وجاؤوا من جهة أخرى كان آمنا منها ~~لبناء فيها. ms2132 فلما انتصف النهار ولم ير شيئا فرق أصحابه، فدخلوا المدينة، ~~ودخلها معهم، وخلف طليعة، فلما رآه إسحاق قد دخل أرسل إلى ذلك البناء ~~فهدمه، وأمر اليمانية بالعبور، ففعلوأن فجاءت الطليعة إلى أبي الهيذام، ~~فأخبروه الخبر، وهوعند باب الصغير، ودخلت اليمانية المدينة وحملوا على أبي ~~الهيذام، فلم يبرح، وأمر بعض أصحابه أن يأتي اليمانية من ورائهم، ففعلوأن ~~فلما رأتهم اليمانية تنادوا: الكمين الكمين، وانهزموأن وأخذ منهم سلاحا ~~وخيلا. فلما كان مستهل صفر جمع إسحاق الجنود، فعسكروا عند قصر الحجاج، ~~وأعلم أبوالهيذام أصحابه، فجاءته القين وغيرهم، واجتمعت اليمن إلى إسحاق، ~~فالتقى بعض العسكر فاقتتلوأن فانهزمت اليمانية وقتل منهم، ونهب أصحاب أبي ~~الهيذام بعض داريأن وأحرقوا فيها ورجعوأن وأغار هؤلاء، فنهبوا وأحرقوأن ~~واقتتلوا غير مرة، فانهزمت اليمانية أيضا. فأرسلت ابنة الضحاك بن رمل ~~السكسكي، وهي يمانية، إلى أبي الهيذام تطلب منه الأمان، فأجابهأن وكتب لها؛ ~~ونهب القرى التي لليمانية بنواحي دمشق وأحرقهأن فلما رأت اليمانية ذلك أرسل ~~إليه ابن خارجة الحرشي وابن عزة الخشني، وأتاه الأوزاع والأوصاب، ومقرأن ~~وأهل كفر سوسية، والحميريون، وغيرهم يطلبون الأمان، فآمنهم، فسكن الناس ~~وأمنوا. وفرق أبوالهيذام أصحابه، وبقي في نفر يسير من أهل دمشق، فطمع فيه ~~إسحاق، فبذل الأموال للجنود ليواقع أبا الهيذام، فأرسل العذافر السكسكي في ~~جمع إلى أبي الهيذام، فقاتلوهم، فانهزم العذافر. ودامت الحرب بين أبي ~~الهيذام وبين الجنود من الظهر إلى المساء؛ وحملت خيل أبي الهيذام على ~~الجند، فجالوا ثم تراجعوا وانصرفوأن وقد جرح منهم أربعمائة، ولم يقتل منهم ~~أحد، وذلك نصف صفر. فلما كان الغد لم يقتتلوا إلى المساء، فلما كان آخر ~~النهار تقدم إسحاق في الجند، فقاتلهم عامة الليل، وهم بالمدينة، واستمد ~~أبوالهيذام أصحابه، وأصبحوا من الغد فاقتتلوا والجند في اثني عشر ألفأن ~~وجاءتهم اليمانية، وخرج أبوالهيذام من المدينة، فقال لأصحابه، وهم قليلون: ~~أنزلوأن فنزلوأن وقاتلوهم على باب الجابية، حتى أزالوهم عنه. ثم إن جمعا من ~~أهل حمص أغاروا على قرية لأبي الهيذام، فأرسل طائفة من أصحابه إليهم، ~~فقاتلوهم، فانهزم أهل حمص، وقتل ms2133 منهم بشر كثير، وأحرقوا قرى في الغوطة ~~لليمانية، وأحرقوا داريأن ثم بقوا نيفا وسبعين يوما لم تكن حرب. فقدم ~~السندي، مستهل ربيع الآخر، في الجنود من عند الرشيد فأتته اليمانية تغريه ~~بأبي الهيذام، وأرسل أبوالهيذام إليه يخبره أنه على الطاعة، فأقبل حتى دخل ~~دمشق، وإسحاق بدار الحجاج، فلما كان الغد أرسل السندي قائدا في ثلاثة آلاف، ~~وأخرج إليهم أبوالهيذام ألفأن فلما رآهم القائد رجع إلى السندي، فقال: أعط ~~هؤلاء ما أرادوأن فقد رأيت قوما الموت أحب إليهم من الحياة؛ فصالح ~~أبوالهيذام، وأمن أهل دمشق والناس. وسار أبوالهيذام إلى حوران، وأقام ~~السندي بدمشق ثلاثة أيام، وقدم موسى بن عيسى واليا عليهأن فلما دخلها أقام ~~بها عشرين يومأن واغتمن غرة أبي الهيذام فأرسل من يأتيه به، فكبسوا داره، ~~فخرج هو وابنه خريم وعبد له، فقاتلوهم، ونجا منهم وانهزم الجند. ~~PageV03P0092 # وسمعت خيل أبي الهيذام، فجاءته من كل ناحية، وقصد بصرى، وقاتل جنود موسى ~~بطرف اللجاة، فقتل منهم، وانهزموأن ومضى أبوالهيذام، فلما أصبح أتاه خمسة ~~فوارس فكلموه، فأوصى أصحابه بما أراد، وتركهم ومضى، وذلك لعشر بقين من ~~رمضان سنة سبع وسبعين ومائة. وكان أولئك النفر قد أتوه من عند أخيه يأمره ~~بالكف، ففعل، ومضى معهم، وأمر أصحابه بالتفرق، وكان آخر الفتنة، ومات ~~أبوالهيذام سنة اثنتين وثمانين ومائة. هذا ما أردنا ذكره على سبيل ~~الاختصار. خريم بضم الخاء المعجمة، وفتح الراء. وحارثة بالحاء المهملة، ~~والثاء المثلثة. ونشبه بضم النون، وسكون الشين المعجمة وبعدها باء موحدة. ~~وبغيض بالباء الموحدة، وكسر الغين المعجمة، وآخره ضاد معجمة، وريث بالراء، ~~والياء تحتها نقطتان، وآخره ثاء مثلثة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا عبد الملك بن عبد الواحد بجيش صاحب الأندلس، بلاد ~~الفرنج، فبلغ ألية، والقلاع، فغمن، وسلم. وفيها استعمل هشام ابنه الحكم على ~~طليطلة، وسيره إليهأن فضبطهأن وأقام بهأن وولد له بها ابنه عبد الرحمن بن ~~الحكم، وهوالذي ولي الأندلس بعد أبيه. وفيها استعمل الرشيد على الموصل ~~الحاكم بن سليمان. وفيها خرج الفضل الخارجي بنواحي نصيبين، فأخذ ms2134 من أهلها ~~مالأن وسار إلى دارا وآمد وارزن، فأخذ منهم مالأن وكذلك فعل بخلاط، ثم رجع ~~إلى نصيبين، وأتى الموصل، فخرج إليه عسكرهأن فهزمهم على الزاب، ثم عادوا ~~لقتاله، فقتل الفضل وأصحابه. وفيها مات الفرج بن فضالة، وصالح بن بشر المري ~~القارئ، وكان ضعيفا في الحديث. وفيها توفي عبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن ~~محمد بن عمروبن حزم أبوطاهر الأنصاري، وكان قاضيا ببغداد. وفيها توفي نعيم ~~بن ميسرة النحوي الكوفي، وأبوالأحوص، وأبوعوانة، واسمه الوضاح مولى يزيد بن ~~عطاء الليثي، وكان مولده سنة اثنتين وتسعين. ### | AUT حوادث سنة سبع وسبعين ومائة # ### || AUT ذكر غزو الفرنج بالأندلس # وفيها سير هشام، صاحب الأندلس، جيشا كثيفأن واستعمل عليهم عبد الملك بن ~~عبد الواحد بن مغيث، فدخلوا بلاد العدو، فبلغوا أربونة، وجرندة، فبدأ ~~بجرندة، وكان بها حامية الفرنج، فقتل رجالهأن وهدم أسوارها وأبراجهأن وأشرف ~~على فتحهأن فرحل عنها إلى أربونة ففعل مثل ذلك، وأوغل في بلادهم، ووطئ أرض ~~شرطانية، فاستباح حريمهأن وقتل مقاتليها وجاس البلاد شهورا يخرب الحصون، ~~ويحرق ويغمن، قد أجفل العدومن بين يديه هاربأن وأوغل في بلادهم، ورجع سالما ~~معه من الغنائم ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وهي من أشهر مغازي المسلمين بالأندلس. ### || AUT ذكر استعمال الفضل بن روح بن حاتم على إفريقية # وفي هذه السنة، وهي سنة سبع وتسعين، استعمل الرشيد على إفريقية الفضل بن ~~روح بن حاتم، وكان الرشيد لما توفي روح استعمل بعده حبيب بن نصر المهلبي، ~~فسار الفضل إلى باب الرشيد، وخطب ولاية إفريقية، فولاه، فعاد إليهأن فقدم ~~في المحرم سنة سبع وسبعين ومائة، فاستعمل على مدينة تونس ابن أخيه المغيرة ~~بن بشر بن روح، وكان غارأن فاستخف بالجند. وكان الفضل أيضا قد أوحشهم، ~~وأساء السيرة معهم، بسبب ميلهم إلى نصر بن حبيب الوالي قبله، فاجتمع من ~~بتونس، وكتبوا إلى الفضل يستعفون من ابن أخيه، فلم يجبهم عن كتابهم، ~~فاجتمعوا على ترك طاعته، فقال لهم قائد من الخراسانية يقال له محمد بن ~~الفارسي: كل جماعة لا ms2135 رئيس لها فهي إلى الهلاك أقرب، فانظروا رجلا يدبر ~~أمركم. قالوا: صدقت؛ فاتفقوا على تقديم قائد منهم يقال له عبد الله بن ~~الجارود يعرف بعبدويه الأنباري، فقدموه عليهم، وبايعوه على السمع والطاعة، ~~وأخرجوا المغيرة عنهم، وكتبوا إلى الفضل يقولون: إنا لن نخرج يدا عن طاعة، ~~ولكنه أساء السيرة، فأخرجناه، فول علينا من نرضاه. PageV03P0093 # فاستعمل عليهم ابن عمه عبد الله بن يزيد بن حاتم وسيره إليهم. فلما كان ~~على مرحلة من تونس أرسل إليه ابن الجارود جماعة لينظروا في أي شيء قدم ولا ~~يحدثوا حدثا إلا بأمره، فساروا إليه، وقال بعضهم لبعض: إن الفضل يخدعكم ~~بولاية هذأن ثم ينتقم منكم بإخراجكم أخاه؛ فعدوا على عبد الله بن يزيد ~~فقتلوه، وأخذوا من معه من القواد أسارى، فأضطر حينئذ عبد الله بن الجارود ~~ومن معه إلى القيام والجد في إزالة الفضل، فتولى ابن الفارسي الأمر، وصار ~~يكتب إلى كل قائد بإفريقية ومتولي مدينة يقول له: إنا نظرنا في صنيع الفضل ~~في بلاد أمير المؤمنين، وسوء سيرته، فلم يسعنا إلا الخروج عليه لنخرجه عنأن ~~ثم نظرنا فلم نجد أحدا أولى بنصيحة أمير المؤمنين، لبعد صوته، وعطفه على ~~جنده منك، فرأينا أن نجعل نفوسنا دونك، فإن ظفرنا جعلناك أميرنأن وكتبنا ~~إلى أمير المؤمنين نسأله ولايتك، وإن كانت الأخرى لم يعلم أحد إننا إردناك، ~~والسلام. فأفسد بهذا كافة الجند على الفضل، وكثر الجمع عندهم، فسير إليهم ~~الفضل عسكرا كثيرأن فخرجوا إليه، فقاتلوه، فانهزم عسكره وعاد إلى القيروان ~~منهزمأن وتبعهم أصحاب ابن الجارود، فحاصروا القيروان يومهم ذلك، ثم فتح أهل ~~القيروان الأبواب، ودخل ابن الجارود وعسكره في جمادي الآخرة سنة ثمان ~~وسبعين ومائة، وأخرج الفضل من القيروان، ووكل به وبمن معه من أهله أن ~~يوصلهم إلى قابس، فساروا يومهم، ثم ردهم ابن الجارود، وقتل الفضل بن روح بن ~~حاتم. فلما قتل الفضل غضب جماعة من الجند، واجتمعوا على قتال ابن الجارود، ~~فسير إليهم عسكرأن فانهزم عسكره، وعاد إليه بعد قتال شديد واستولى أولئك ~~الجند على القيروان، وكان ms2136 ابن الجارود بمدينة تونس، فسار إليهم وقد تفرقوا ~~بعد دخول القيروان، فوصل إليهم ابن الجارود، فلقوه واقتتلوأن فهزمهم ابن ~~الجارود وقتل جماعة من أعيانهم، فانهزموأن فلحقوا بالأربس، وقدموا عليهم ~~العلاء بن سعيد والي بلد الزاب وساروا إلى القيروان. ### || AUT ذكر ولاية هرثمة بن أعين بلاد إفريقية # اتفق وصول يحيى بن موسى من عند الرشيد لما قصد العلاء ومن معه القيروان؛ ~~وكان سبب وصوله أن الرشيد بلغه ما صنع ابن الجارود، وإفساده إفريقية، فوجه ~~هرثمة بن أعين ومعه يحيى بن موسى، لمحله عند أهل خراسان، وأمر أن يتقدم ~~يحيى، ويلطف بابن الجارود ويستعمله ليعاود الطاعة قبل وصول هرثمة، فقدم ~~يحيى القيروان، فجرى بينه وبين ابن الجارود كلام كثير، ودفع إليه كتاب ~~الرشيد، فقال: أنا على السمع والطاعة، وقد قرب مني العلاء بن سعيد ومعه ~~البربر، فإن تركت القيروان وثب البربر فملكوهأن فأكون قد ضيعت بلاد أمير ~~المؤمنين، ولكني أخرج إلى العلاء فإن ظفر بي فشأنكم والثغور، وإن ظفرت به ~~انتظرت قدوم هرثمة فأسلم البلاد إليه، وأسير إلى أمير المؤمنين. وكان قصده ~~المغالطة، فإن ظفر بالعلاء منع هرثمة عن البلاد، فعلم يحيى ذلك، وخلا بابن ~~الفارسي، وعاتبه على ترك الطاعة، فاعتذر، وحلف أنه عليهأن وبذل من نفسه ~~المساعدة على ابن الجارود، فسعى ابن الفارسي في إفساد حاله، واستمال جماعة ~~من أجناده، فأجابوه، وكثر جمعه، وخرج إلى قتال ابن الجارود، فقال ابن ~~الجارود لرجل من أصحابه اسمه طالب: إذا تواقفنا فإنني سأدعوا ابن الفارسي ~~لأعاتبه فأقصده أنت وهوغافل فاقتله! فأجابه إلى ذلك، وتواقف العسكران، ودعا ~~ابن الجارود محمد بن الفارسي وكلمه، وحمل طالب عليه وهوغافل فقتله، وانهزم ~~أصحابه، وتوجه يحيى بن موسى إلى هرثمة بطرابلس. وأما العلاء بن سعيد فإنه ~~لما علم الناس بقرب هرثمة منهم كثر جمعه، وأقبلوا إليه من كل ناحية، وسار ~~إلى ابن الجارود، فعلم ابن الجارود أنه لا قوة له به، فكتب إلى يحيى بن ~~موسى يستدعيه ليسلم إليه القيروان، فسار إليه في جند طرابلس في المحرم سنة ~~تسع ms2137 وسبعين ومائة، فلما وصل قابسا تلقاه عامة الجند، وخرج ابن الجارود من ~~القيروان مستهل صفر، وكانت ولايته سبعة أشهر. PageV03P0094 # وأقبل العلاء بن سعيد ويحيى بن موسى يستبقان إلى القيروان، كل منهما يريد ~~أن يكون الذكر له فسبقه العلاء ودخلهأن وقتل جماعة من أصحاب ابن الجارود، ~~وسار إلى هرثمة وسار ابن الجارود أيضا إلى هرثمة، فسيره هرثمة إلى الرشيد، ~~وكتب إليه يعلمه أن العلاء كان سبب خروجه، فكتب الرشيد يأمره بإرسال العلاء ~~إليه، فسيره، فلما وصل لقيه صلة كثيرة من الرشيد وخلع، فلم يلبث بمصر إلا ~~قليلا حتى توفي. وأما ابن الجارود فاعتقل ببغداد، وسار هرثمة إلى القيروان، ~~فقدمها في ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، فآمن الناس وسكنهم، وبنى القصر ~~الكبير بالمنستير سنة ثمانين ومائة، وبنى سور مدينة طرابلس مما يلي البحر. ~~وكان إبراهيم بن الأغلب بولاية الزاب، فأكثر الهدية إلى هرثمة ولاطفه، ~~فولاه هرثمة ناحية من الزاب فحسن أثره فيها. ثم إن عياض بن وهب الهواري ~~وكليب بن جميع الكلبي جمعا جموعأن وأراد قتال هرثمة، فسير إليهما يحيى بن ~~موسى في جيش كثير، ففرق جموعهمأن وقتل كثيرا من أصحابهمأن وعاد إلى ~~القيروان. ولما رأى هرثمة ما بإفريقية من الاختلاف واصل كتبه إلى الرشيد ~~يستعفي، فأمره بالقدوم عليه إلى العراق، فسار عن إفريقية في رمضان سنة إحدى ~~وثمانين ومائة، فكانت ولايته سنتين ونصفا. ### || AUT ذكر الفتنة بالموصل # وفيها خالف العطاف بن سفيان الأزدي على الرشيد، وكان من فرسان أهل ~~الموصل، واجتمع عليه أربعة آلاف رجل، وجبي الخراج، وكان عامل الرشيد على ~~الموصل محمد بن العباس الهاشمي، وقيل عبد الملك بن صالح، والعطاف غالب على ~~الأمر كله، وهويجبي الخراج، وأقام على هذا سنتين، حتى خرج الرشيد إلى ~~الموصل فهدم سورها بسببه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل الرشيد جعفر بن يحيى عن مصر، واستعمل عليها إسحاق بن ~~سليمان، وعزل حمزة بن مالك عن خراسان، واستعمل عليها الفضل بن يحيى البرمكي ~~مضافا إلى ما كان إليه من الأعمال، وهي الري ms2138 وسجستان وغيرهما. وفيها غزا ~~الصائفة عبد الرزاق بن عبد الحميد التغلبي. وفيهأن في المحرم، هاجت ريح ~~شديدة وظلمة، ثم عادت مرة ثانية في صفر. وحج بالناس الرشيد. وفيها توفي عبد ~~الواحد بن زيد، وقيل سنة ثمان وسبعين. وفيها توفي شريك بن عبد الله النخعي، ~~وجعفر بن سليمان. ### | AUT حوادث سنة ثمان وسبعين ومائة # ### || AUT ذكر الفتنة بمصر # وفي هذه السنة وثبت الحوفية بمصر على عاملهم إسحاق بن سليمان، وقاتلوه، ~~وأمده الرشيد بهرثمة بن أعين، وكان عامل فلسطين، فقاتلوا الحوفية، وهم من ~~قيس وقضاعة، فأذعنوا بالطاعة، وأدوا ما عليهم للسلطان، فعزل الرشيد إسحاق ~~عن مصر، واستعمل عليها هرثمة مقدار شهر، ثم عزله واستعمل عليها عبد الملك بن صالح. ### || AUT ذكر خروج الوليد بن طريف الخارجي # وفيها خرج الوليد بن طريف التغلبي بالجزيرة، ففتك بإبراهيم بن خازم ابن ~~خزيمة بنصيبين، ثم قويت شوكة الوليد، فدخل إلى أرمينية، وحصر خلاط عشرين ~~يومأن فافتدوا منه أنفسهم بثلاثين ألفا. ثم سار إلى أذربيجان، ثم إلى حلوان ~~وأرض السواد، ثم عبر إلى غرب دجلة، وقصد مدينة بلد، فافتدوا منه بمائة ألف، ~~وعاث في أرض الجزيرة فسير إليه الرشيد يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني، ~~وهوابن معن بن زائدة، فقال الوليد: ستعلم يا يزيد إذا التقينا ... بشط ~~الزاب أي فتى يكون فجعل يزيد يخاتله ويماكره، وكانت البرامكة منحرفة عن ~~يزيد فقالوا للرشيد: إمنا يتجافى يزيد عن الوليد للرحم، لأنهما كلاهما من ~~وائل، وهونوا أمر الوليد، فكتب إليه الرشيد كتاب مغضب، وقال له: لووجهت أحد ~~الخدم لقام بأكثر مما تقوم به، ولكنك مداهن، متعصب، وأقسم بالله إن أخرت ~~مناجزته لأوجهن إليك من يحمل رأسك؛ فلقي الرشيد عشية خميس في شهر رمضان سنة ~~تسع وسبعين، فيقال: جهد عطشا حتى رمى بخاتمه في فيه، وجعل يلوكه ويقول: ~~اللهم إنها شدة شديدة، فاسترها! وقال لأصحابه: فداكم أبي وأمي إمنا هي ~~الخوارج، ولهم حملة، فاثبتوأن فإذا انقضت حملتهم فاحملوا عليهم فإنهم إذا ~~انهزموا لم يرجعوا. PageV03P0095 # فكان كما قال، حملوا عليهم حملة، فثبت ms2139 يزيد ومن معه من عشيرته، ثم حمل ~~عليهم فانكشفوأن فيقال: إن أسد بن يزيد كان شبيها بأبيه جدا لا يفصل بينهما ~~إلا ضربة في وجه يزيد تأخذ من قصاص شعره، منحرفة على جبهته، فكان أسد يتمنى ~~مثلهأن فهوت إليه ضربة، فأخرج وجهه من الترس، فأصابته في ذلك الموضع، فيقال ~~لوخطت على ضربة أبيه ما عدا. واتبع الوليد بن طريف، فلحقه، فاحتز رأسه، ~~فقال بعض الشعراء: وائل بعضهم يقتل بعضا ... لا يغل الحديد إلا الحديد فلما ~~قتل الوليد صبحتهم أخته ليلى بنت طريف، مستعد، عليها الدرع، فجعلت تحمل على ~~الناس، فعرفت، فقال يزيد: دعوها! ثم خرج إليها فضرب بالرمح قطاة فرسهأن ثم ~~قال: اعزبي، عزب الله عليك، فقد فضحت العشيرة؛ فاستحيت وانصرفت وهي تقول ~~ترثي الوليد: بتل تباثا رسم قبر كأنه ... على علم فوق الجبال منيف تضمن ~~جودا حاتميا ونائلا ... وسورة مقدام وقلب حصيف ألا قاتل الله الجثى كيف ~~أضمرت ... فتى كان بالمعروف غير عفيف فإن يك أرداه يزيد بن مزيد ... فيا رب ~~خيل فضها وصفوف ألا يا لقومي للنوائب والردى ... ودهر ملح بالكرام عنيف ~~وللبدر من بين الكواكب قد هوى ... وللشمس همت بعده بكسوف فيا شجر الخابور ~~ما لك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ~~... ولا المال إلا من قنا وسيوف ولا الخيل إلا كل جرداء شطبة ... وكل حصان ~~باليدين عروف فلا تجزعا يا ابني طريف فإنني ... أرى الموت نزالا بكل شريف ~~فقدناك فقدان الربيع فليتنا ... فديناك من دهمائنا بألوف وقال مسلم بن ~~الوليد في قتل ورفق يزيد في قتاله من قصيدة هذه الأبيات: يفتر عند افترار ~~الحرب مبتسما ... إذا تغير وجه الفارس البطل موف على مهج في يوم ذي رهج ... ~~كأنه أجل يسعى إلى أمل ينال بالرفق ما يعيا الرجال به ... كالموت مستعجلا ~~يأتي على مهل وهي حسنة جدا. ### || AUT ذكر غزو الفرنج والجلالقة بالأندلس # فيها سير هشام صاحب الأندلس عسكرا مع عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث ~~إلى بلاد ms2140 الفرنج، فغزا الية والقالع، فغمن وسلم. وسير أيضا جيشا آخر مع ~~أخيه عبد الملك بن عبد الواحد إلى بلاد الجلالقة، فخرب دار ملكهم أدفنش ~~وكنائسه، وغمن. فلما قفل المسلمون ضل الدليل بهم، فنالهم مشقة شديدة، ومات ~~منهم بشر كثير، ونفقت دوابهم، وتلفت آلاتهم، ثم سلموا وعادوا. ### || AUT ذكر فتنة تاكرنا # وفيها هاجت فتنة تاكرنا بالأندلس، وخلع بربرها الطاعة، وأظهروا الفساد، ~~وأغاروا على البلاد، وقطعوا الطريق، فسير هشام إليهم جندا كثيفا عليهم عبد ~~القادر بن أبان بن عبد الله، مولى معاوية بن أبي سفيان، فقصدوها وتابعوا ~~قتال من فيها إلى أن أبادوهم قتلا وسبيأن وفر من بقي منهم فدخل في سائر ~~القبائل، وبقيت كورة تاكرنا وجبالها خالية من الناس سبع سنين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها غزا الصائفة معاوية بن زفر بن عاصم، وغزا الشاتية سليمان بن راشد، ~~ومعه البند بطريق صقلية. وحج بالناس هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد بن ~~علي. وفيها فوض الرشيد أمور دولته كلها إلى يحيى بن خالد البرمكي. وفيها ~~وصل الفضل بن يحيى إلى خراسان، وغزا ما وراء النهر من بخارى، فحضر عنده ~~صاحب أشروسنة، وكان ممتنعا؛ وبنى الفضل بخراسان المساجد والرباطات. وفيها ~~توفي عبد الوارث بن سعيد، والمفضل بن يونس، وجعفر بن سليمان الضبعي. ### | AUT حوادث سنة تسع وسبعين ومائة # ### || AUT ذكر غزو الفرنج بالأندلس # PageV03P0096 # وفيها سير هشام صاحب الأندلس جيشا كثيفا عليهم عبد الملك بن عبد الواحد ~~بن مغيث، إلى جليقية، فساروا حتى انتهوا إلى استرقة، وكان أذفونش، ملك ~~الجلالقة، قد جمع وحشد، وأمده ملك البشكنس، وهم جيرانه، ومن يليهم من ~~المجوس، وأهل تلك النواحي، فصار في جمع عظيم، فأقدم عليه عبد الملك، فرجع ~~أذفونش هيبة له، وتبعهم عبد الملك يقفوأثرهم، ويهلك كل من تخلف منهم، فدوخ ~~بلادهم، وأوغل فيهأن وأقام فيها يغمن، ويقتل، ويخرب، وهتك حريم أذفونش، ~~ورجع سالما. وكان قد سير هشام جيشا آخر من ناحية أخرى، فدخلوا أيضا على ~~ميعاد من عبد الملك، فأخربوأن ونهبوأن وغمنوأن فلما أرادوا الخروج من ms2141 بلاد ~~العدواعترضهم عسكر للفرنج فنال منهم، وقتل نفرا من المسلمين ثم تخلصوأن ~~وسلموأن وعادوا سالمين سوى من قتل منهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها عاد الفضل بن يحيى من خراسان، فاستعمل الرشيد منصور بن يزيد بن ~~منصور الحميري، خال المهدي؛ واعتمر الرشيد في شهر رمضان، شكرا لله تعالى ~~على قتل الوليد بن طريف، وعاد إلى المدينة فأقام بها إلى وقت الحج، وحج ~~بالناس، ومشى من مكة إلى منى ثم إلى عرفات، وشهد المشاعر كلها ماشيأن ورجع ~~على طريق البصرة. وفيها خرج بخراسان حمزة بن أترك السجستاني. وفيها توفي ~~حماد بن زيد درهم الأظدي، ولاهم أبوإسماعيل، ومالك بن أنس الأصبحي، الإمام ~~أستاذ الشافعي. وفيها توفي مسلم بن خالد الزنجي أبوعبد الله الفقيه المكي، ~~وصحبه الشافعي قبل مالك، وأخذ عنه الفقه، وإمنا قيل له الزنجي لأنه كان ~~أبيض مشربا بحمرة، وعباد بن عباد بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة المهلبي ~~البصري، وأبوالأحوص سلام بن سليم الحنفي سلام بتشديد اللام. ### | AUT حوادث سنة ثمانين ومائة # ### || AUT ذكر وفاة هشام # وفيها مات هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، ~~صاحب الأندلس، في صفر، وكانت إمارته سبع سنين وسبعة أشهر وثمانية أيام، ~~وقيل تسعة أشهر، وقيل سبعة أشهر، وكان عمره تسعا وثلاثين سنة وأربعة أشهر، ~~وكنيته أبوالوليد؛ وكانت أمه أم ولد. كان أبيض أشهل، مشربا بحمرة، بعينيه ~~حول، وخلف خمسة بنين؛ وكان عاملا حازمأن ذا رأي وشجاعة وعدل، خيرأن محبا ~~لأهل الخير والصلاح، شديدا على الأعداء، راغبا في الجهاد. ومن أحسن عمله ~~أنه أخرج مصدقا يأخذ الصدقة على كتاب الله وسنة نبيه أيام ولايته، وهوالذي ~~تمم بناء الجامع بمدينة قرطبة، وكان أبوه قد مات قبل فراغه منه، وبنى عدة ~~مساجد معه، وبلغ من عز الإسلام في أيامه وذل الكفر أن رجلا مات في أيامه، ~~فأوصى أن يفك أسير من مسلمين من تركته، فطلب ذلك، فلم يوجد في دار الكفار ~~أسير يشتري ويفك لضعف العدو وقوة المسلمين. ومناقبه كثيرة ms2142 قد ذكرها أهل ~~الأندلس كثيرأن وبالغوا حتى قالوا كان يشبه في سيرته بعمر بن عبد العزيز، رحمه الله. ### || AUT ذكر ولاية ابنه الحكم ولقبه المنتصر # ولما مات استخلف بعده ابنه الحكم، وكان الحكم صارمأن حازمأن وهوأول من ~~استكثر من المماليك بالأندلس، وارتبط الخيل ببابه، وتشبه بالجبابرة. وكان ~~يباشر الأمور بنفسه، وكان فصيحأن شاعرأن ولما ولي خرج عليه عماه سليمان ~~وعبد الله، وكان في بر العدوة الغربية، فعبر عبد الله البلنسي إلى الأندلس، ~~فتولى بلنسية، وتبعه أخوه سليمان، وكان بطنجة، وأقبلا يؤلبان الناس على ~~الحكم، ويثيران الفتنة، فتحاربوا مدة والظفر للحكم. ثم إن الحكم ظفر بعمه ~~سليمان، فقتله سنة أربع وثمانين ومائة، وأما عبد الله فأقام ببلنسية، وقد ~~كف عن الفتنة، وخاف، فراسل الحكم في الصلح، فأجابه إلى ذلك، فوقع الصلح ~~بينهما سنة ست وثمانين، وزوج أولاد عبد الله بأخواته، وسكنت الفتنة. ولما ~~اشتغل الحكم بالفتنة مع عميه اغتمن الفرنج الفرصة، فقصدوا بلاد الإسلام، ~~وأخذوا مدينة برشلونة واتخذوها دارأن ونقلوا أصحابهم إليهأن وتأخرت عساكر ~~المسلمين عنهأن وكان أخذها سنة خمس وثمانين ومائة. ### || AUT ذكر غزو الفرنج بالأندلس # PageV03P0097 # في هذه السنة سير الحكم، صاحب الأندلس، جيشا مع عبد الكريم بن مغيث إلى ~~بلاد الفرنج، فدخل البلاد، وبث السرايا ينهبون، ويقتلون، ويحرقون البلاد، ~~وسير سرية، فجازوا خليجا من البحر كان الماء قد جزر عنه، وكان الفرنج قد ~~جعلوا أموالهم وأهليهم وراء ذلك الخليج، ظنا منهم أن أحدا لا يقدر أن يعبر ~~إليهم، فجاءهم ما لم يكن في حسابهم، فغمن المسلمون جميع مالهم، وأسروا ~~الرجال وقتلوا منهم فأكثروأن وسبوا الحريم، وعادوا سالمين إلى عبد الكريم. ~~وسير طائفة أخرى، فخربوا كثيرا من بلاد فرنسية، وغمن أموال أهلهأن وأسروا ~~الرجال، فأخبره بعض الأسرى أن جماعة من ملوك الفرنج قد سبقوا المسلمين إلى ~~واد وعر المسلك على طريقهم، فجمع عبد الكريم عساكره، وسار على تعبئة، وجد ~~السير، فلم يشعر الكفار إلا وقد خالطهم المسلمون، فوضعوا السيف فيهم، ~~فانهزموا وغنم ما معهم، وعاد سالما هو ومن معه. ### || AUT ms2143 ذكر ولاية علي بن عيسى خراسان # وفيها عزل الرشيد منصور بن يزيد عن خراسان، واستعمل عليها علي بن عيسى ~~بن ماهان، فوليها عشر سنين، وفي ولايته خرج حمزة بن أترك الخارجي أيضأن ~~فجاء إلى بوشنج، فخرج إليه عمرويه بن يزيد الأزدي، وكان على هراة، في ستة ~~آلاف، فقاتله، فهزمه حمزة، وقتل من أصحابه جماعة، ومات عمرويه في الزحام، ~~فوجه علي بن عيسى ابنه الحسين في عشرة آلاف، فلم يحارب حمزة، فعزله، وسير ~~عوضه ابنه عيسى بن علي فقاتل حمزة، فهزمه حمزة، فرده أبوه إليه أيضأن ~~فقاتله بباخرز، وكان حمزة بنيسابور، فانهزم حمزة، وبقي أصحابه، وبقي في ~~أربعين رجلأن فقصد قهستان. وأرسل عيسى أصحابه إلى أوق وجوين، فقتلوا من بها ~~من الخوارج، وقصد القرى التي كان أهلها يعينون حمزة، فأحرقهأن وقتل من ~~فيهأن حتى وصل إلى زرنج، فقتل ثلاثين ألفا ورجع، وخلف بزرنج عبد الله بن ~~العباس النسفي، فجبى الأموال وسار بهأن فلقيه حمزة بأسفزار، فقاتله، فصبر ~~له عبد الله ومن معه من الصغد، فانهزم حمزة، وقتل كثير من أصحابه، وجرح في ~~وجهه، واختفى هو ومن سلم من أصحابه في الكروم، ثم خرج وسار في القرى يقتل، ~~ولا يبقي على أحد. وكان علي بن عيسى قد استعمل طاهر بن الحسين على بوشنج، ~~فسار إليه حمزة، وانتهى إلى مكتب فيه ثلاثون غلاما؛ فقتلهم؛ وقتل معلمهم، ~~وبلغ طاهرا الخبر، فأتى قرية فيها قعد الخوارج، وهم الذين لا يقاتلون، ولا ~~ديوان لهم، فقتلهم طاهر، وأخذ أموالهم؛ وكان يشد الرجل منهم في شجرتين، ثم ~~يجمعهمأن ثم يرسلهمأن فتأخذ كل شجرة نصفه، فكتب القعد إلى حمزة بالكف، فكف ~~وواعدهم، وأمن الناس مدة، وكانت بينه وبين أصحاب علي بن عيسى حروب كثيرة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها سار جعفر بن يحيى بن خالد إلى الشام للعصبية التي بها ومعه القواد ~~والعساكر والسلاح والأموال، فسكن الفتنة، وأطفأ النائرة، وعاد الناس إلى ~~الأمن والسكون. وفيها أخذ الرشيد الخاتم من جعفر بن عيسى، فدفعه إلى أبيه ~~يحيى بن خالد. وفيها ms2144 ولى جعفرا خرسان وسجستان، ثم عزله عنها بعد عشرين ~~ليلة، واستعمل عليها عيسى بن جعفر، وولى جعفر بن يحيى الحرس. وفيها هدم ~~الرشيد سور الموصل بسبب العطاف بن سفيان الأزدي، سار إليها بنفسه، وهدم ~~سورهأن وأقسم ليقتلن من لقي من أهلهأن فأفتاه القاضي أبويوسف، ومنعه من ~~ذلك؛ وكان العطاف قد سار عنها نحوأرمينية فلم يظفر به الرشيد، ومضى إلى ~~الرقة فاتخذها وطنا. وفيها عزل هرثمة بن أعين عن إفريقية، واستقدمه إلى ~~بغداد واستخلفه جعفر بن يحيى على الحرس. وفيها كانت بمصر زلزلة عظيمة سقط ~~منها رأس منارة الاسكندرية. وفيها خرج حراشة الشيباني بالجزيرة، فقتله مسلم ~~بن بكار العقيلي. وفيها خرجت المحمرة بجرجان. وفيها عزل الفضل بن يحيى عن ~~طبرستان، والرويان، ووليها عبد الله بن خازم، وولي سعيد بن سلم الجزيرة، ~~وغزا الصائفة محمد بن معاوية بن زفر بن عاصم. وفيها سار الرشيد إلى الحيرة، ~~وابتنى بها المنازل، فأقطع أصحابه القطائع فثار بهم أهل الكوفة، وأساؤوا ~~مجاورته، فعاد إلى بغداد. وحج بالناس هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى بن ~~محمد بن علي. وفيها استعمل الرشيد على الموصل يحيى بن سعيد الحرشي، فأساء ~~السيرة في أهلهأن وظلمهم، وطالبهم بخراج سنين مضت، فجلا أكثر أهل البلد. ~~PageV03P0098 # وفي هذه السنة توفي المبارك بن سعيد الثوري أخوسفيان؛ وسلمه الأحمر؛ ~~وسعيد بن خيثم، وأبوعبيدة عبد الوارث بن سعيد؛ وعبد العزيز بن أبي حازم، ~~وتوفي وهوساجد؛ وأبوضمرة أنس عن عياض الليثي المدني. وفيها أمر الرشيد ~~ببناء مدينة عين زربة وحصنها. وسير إليها جندا من أهل خراسان وغيرهم، ~~فأقطعهم بها المنازل. ### | AUT حوادث سنة إحدى وثمانين ومائة # ### || AUT ذكر ولاية محمد بن مقاتل إفريقية # وفي هذه السنة استعمل الرشيد على إفريقية محمد بن مقاتل بن حكيم العكي، ~~لما استعفى منها هرثمة بن أعين، على ما ذكرناه، سنة سبع وسبعين ومائة؛ وكان ~~محمد هذا رضيع الرشيد، فقدم القيروان أول رمضان، فتسلمهأن وعاد هرثمة إلى ~~الرشيد؛ فلما استقر فيها لم يكن بالمحمود السيرة، فاختلف الجند عليه، ~~واتفقوا على تقديم ms2145 مخلد بن مرة الأزدي، واجتمع كثير من الجند والبربر ~~وغيرهم، فسير إليه محمد بن مقاتل جيشأن فقاتلوه، فانهزم مخلد واختفى في ~~مسجد، فأخذ وذبح. وخرج عليه بتونس تمام بن تميم التميمي في جمع كثير، ~~وساروا إلى القيروان في رمضان سنة ثلاث وثمانين، وخرج إليه محمد بن مقاتل ~~العكي في الذين معه، فاقتتلوا بمنية الخيل، فانهزم ابن العكي إلى القيروان ~~وسار تمام فدخل القيروان وأمن ابن العكي، على أن يخرج عن إفريقية، فسار في ~~رمضان إلى طرابلس. فجمع إبراهيم بن الأغلب التميمي جمعا كثيرأن وسار إلى ~~القيروان منكرا لما فعله تمام، فلما قاربها سار عنها إلى تونس، ودخل ~~إبراهيم إلى القيروان، وكتب إلى محمد بن مقاتل يعلمه الخبر، جمعا وسار إلى ~~القيروان، ظنا منه أن الناس يكرهون محمدا ويساعدونه عليه. فلما وصل قال ابن ~~الأغلب لمحمد: إن تماما انهزم مني وأنا في قلة، فلما وصلت إلى البلاد تجدد ~~له طمع لعلمه أن الجند يخذلونك، والرأي أن أسير أنا ومن معي من أصحابي ~~فنقاتله؛ ففعل ذلك، وسار إليه فقاتله، فانهزم تمام، وقتل جماعة من أصحابه، ~~ولحق بمدينة تونس، فسار إبراهيم ابن الأغلب إليه ليحصره، فطلب منه الأمان فأمنه. ### || AUT ذكر ولاية إبراهيم بن الأغلب إفريقية # لما استقر الأمر لمحمد بن مقاتل ببلاد إفريقية، وأطاعة تمام، كره أهل ~~البلاد ذلك، وحملوا إبراهيم بن الأغلب على أن كتب إلى الرشيد يطلب منه ~~ولاية إفريقية، فكتب إليه في ذلك، وكان على ديار مصر، كل سنة مائة ألف ~~دينار تحمل إلى إفريقية معونة، فنزل إبراهيم عن ذلك، وبذل أن يحمل كل سنة ~~أربعين ألف دينار، فأحضر الرشيد ثقاته واستشارهم فيمن يوليه إفريقية، وذكر ~~لهم كراهة أهلها ولاية محمد بن مقاتل، فأشار هرثمة بإبراهيم بن الأغلب، ~~وذكر له ما رآه من عقله ودينه وكفايته، وأنه قام بحفظ إفريقية على ابن ~~مقاتل، فولاه الرشيد في المحرم سنة أربع وثمانين ومائة، فانقمع الشر، وضبط ~~الأمر، وسير تمامأن وكل من يتوثب الولاة، إلى الرشيد، فسكنت البلاد، وابتنى ~~مدينة سماها العباسية ms2146 بقرب القيروان، وانتقل إليها بأهله وعبيده. وخرج ~~عليه، سنة ست وثمانين ومائة، رجل من أبناء العرب بمدينة تونس، اسمه حمديس، ~~فنزع السواد، وكثر جمعه، فبعث إليه ابن الأغلب عمران بن مخلد في عساكر ~~كثيرة، وأمره أن لا يبقي على أحد منهم إن ظفر بهم. فسار عمران، والتقوا ~~واقتتلوأن وصار أصحاب حمديس يقولون: بغداد! بغداد! وصبر الفريقان، فانهزم ~~حمديس ومن معه، وأخذهم السيف، فقتل منهم عشرة آلاف رجل، ودخل عمران تونس. ~~ثم بلغ ابن الأغلب أن إدريس بن إدريس العلوي قد كثر جمعه بأقاصي المغرب، ~~فأراد قصده، فنهاه أصحابه وقالوا: اتركه ما تركك؛ فأعمل الحيلة، وكاتب ~~القيم بأمره من المغاربة، واسمه بهلول بن عبد الواحد، وأهدى إليه، ولم يزل ~~به حتى فارق إدريس وأطاع إبراهيم، وتفرق جمع إدريس، فكتب إلى إبراهيم ~~يستعطفه، ويسأله الكف عن ناحيته، ويذكر له قرابته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فكف عنه. ثم إن عمران بن مخلد، المقدم ذكره، وكان من بطانة ~~إبراهيم بن الأغلب، وينزل معه في قصره، ركب يوما مع إبراهيم وجعل يحدثه، ~~فلم يفهم من حديثه شيئا لاشتغال قلبه بمهم كان له، فاستعاد الحديث من عمران ~~فغضب وفارق إبراهيم، وجمع جمعا كثيرأن وثار عليه، فنزل بين القيروان ~~والعباسية، وصارت القيروان وأكثر بلاد إفريقية معه. PageV03P0099 # فخندق إبراهيم على العباسية، وامتنع فيهأن ودامت الحرب بينهما سنة كاملة، ~~فسمع الرشيد الخبر، فأنفذ إلى إبراهيم خزانة مال، فلما صارت إليه الأموال ~~أمر مناديا ينادي: من كان من جند أمير المؤمنين فليحضر لأخذ العطاء. ففارق ~~عمران أصحابه وتفرقوا عنه، فوثب عليهم أصحاب إبراهيم، فانهزموأن فنادى ~~إبراهيم بالأمان والحضور لقبض العطاء، فحضروا فأعطاهم، وقلع أبواب القيروان ~~وهدم في سورها. وأما عمران، فسار حتى لحق بالزاب، فأقام به حتى مات ~~إبراهيم، وولى بعده ابنه عبد الله فأمن عمران، فحضر عنده، وأسكنه معه، فقيل ~~لعبد الله: أن هذا ثأر بأبيك، ولا نأمنه عليك؛ فقتله. ولما انهزم عمران سكن ~~الشر بإفريقية، وأمن الناس، فبقي كذلك إلى أن توفي إبراهيم في شوال ms2147 سنة ست ~~وتسعين ومائة وعمره ست وخمسون سنة، وإمارته اثنتا عشرة سنة وأربعة أشهر ~~وعشرة أيام. ### || AUT ذكر ولاية عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب إفريقية # ولما توفي إبراهيم بن الأغلب ولي بعده ابنه عبد الله، وكان عبد الله ~~غائبا بطرابلس قد حصره البربر، على ما نذكره سنة ست وتسعين ومائة، فعهد ~~إليه أبوه بالإمارة، وأمر ابنه زيادة الله بن إبراهيم أن يبايع لأخيه عبد ~~الله بالإمارة، فكتب إلى أخيه بموت أبيه، وبالإمارة، ففارق طرابلس، ووصل ~~إلى القيروان، فاستقامت الأمور، ولم يكن في أيامه شر، ولا حرب، وسكن الناس ~~فعمرت البلاد وتوفي في ذي الحجة سنة إحدى ومائتين. ### || AUT ذكر من خالف بالأندلس على صاحبها # وفي هذه السنة خالف بهلول بن مرزوق، المعروف بأبي الحجاج في ناحية الثغر ~~من بلاد الأندلس، ودخل سرقسطة وملكهأن فقدم على بهلول فيها عبد الله بن عبد ~~الرحمن، عم صاحبها الحكم، ويعرف بالبلنسي، وكان متوجها إلى الفرنج. وخالف ~~فيها عبيدة بن حميد بطليطلة، وأمر الحكم القائد عمروس بن يوسف، وهوبمدينة ~~طلبيرة، أن يحارب أهل طليطلة فكان يكثر قتالهم، وضيق عليهم؛ ثم إن عمروس بن ~~يوسف كاتب رجالا من أهل طليطلة يعرفون ببني مخشي، واستمالهم، فوثبوا على ~~عبيدة بن حميد وقتلوه، وحملوا رأسه إلى عمروس، فسير الرأس إلى الحكم، وأنزل ~~بني مخشي عنده، وكان بينهم وبين البربر الذين بمدينة طلبيرة ذحول، فتسور ~~البربر عليهم فقتلوهم، فسير عمروس رؤوسهم مع رأس عبيدة إلى الحكم وأخبره ~~الخبر.... من باب آخر، فمن دخل منهم عدل به إلى موضع آخر فقتلوه، حتى قتل ~~منهم سبع مائة رجل، فاستقامت تلك الناحية. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها غزا الرشيد أرض الروم، فافتتح حصن الصفصاف وفيها غزا عبد الملك بن ~~صالح أرض الروم، فبلغ أنقرة، وافتتح مطمورة. وفيها توفي حمزة بن مالك. ~~وفيها غلبت المحمرة على خراسان. وفيها أحدث الرشيد في صدر كتبه الصلاة على ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وحج بالناس الرشيد. وفي هذه السنة كان ~~الفداء بين الروم والمسلمين، وهوأول ms2148 فداء كان أيام بني العباس، وكان القاسم ~~بن الرشيد هوالمتولي له، وكان الملك فغفور، ففرح بذلك الناس، ففودي بكل ~~أسير في بلاد الروم، وكان الفداء باللامس، على جانب البحر، بينه وبين طرسوس ~~اثنا عشر فرسخأن وحضر ثلاثون ألفا من المرتزقة مع أبي سليمان، فخرج الخادم، ~~متولي طرسوس، وخلق كثيرا من أهل الثغور، وغيرهم من العلماء والأعيان، وكان ~~عدة الأسرى ثلاثة آلاف وسبعمائة، وقيل أكثر من ذلك. وفيها توفي الحسن بن ~~قحطبة، وهومن قواد المنصور، هو وأبوه، وكان عمره أربعا وثمانين سنة؛ وعبد ~~الله بن المبارك المروزي، توفي في رمضان بهيت وعمره ثلاث وستون سنة؛ وعلي ~~بن حمزة أبوالحسن الأزدي، المعروف بالكسائي المقرئ، النحوي، بالري، وقيل ~~مات سنة ثلاث وثمانين. وفيها توفي مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة ~~الشاعر، وكان مولده سنة خمس ومائة. وفيها توفي أبويوسف القاضي، واسمه يعقوب ~~بن إبراهيم، وهوأكبر أصحاب أبي حنيفة. وفيها توفي يعقوب بن داود بن عمر بن ~~طهمان، مولى عبد الله بن خازم السلمي، وكان يعقوب وزير المهدي، وهاشم بن ~~البريد؛ ويزيد ابن زريع؛ وحفص بن ميسرة الصنعني من صنعاء دمشق. البريد بفتح ~~الباء الموحدة، وكسر الراء، وبالياء تحتها نقطتان. ### | AUT حوادث سنة اثنتين وثمانين ومائة # PageV03P0100 # في هذه السنة بايع الرشيد لعبد الله المأمون بولاية العهد بعد الأمين، ~~وولاه خراسان وما يتصل بها إلى همذان، ولقبه المأمون، وسلمه إلى جعفر بن ~~يحيى. وهذا من العجائب، فإن الرشيد قد رأى ما صنع أبوه وجده المنصور بعيسى ~~بن موسى، حتى خلع نفسه من ولاية العهد، وما صنع أخوه الهادي ليخلع نفسه من ~~العهد، فلولم يعاجله الموت لخلعه، ثم هويبايع للمأمون بعد الأمين، وحبك ~~الشيء يعمي ويصم. وفيها حملت ابنة خاقان ملك الخزر إلى الفضل بن يحيى، ~~فماتت ببرذعة فرجع من معها إلى أبيها فأخبروه أنها قتلت غيلة، فتجهز إلى ~~بلاد الإسلام. وغزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح، فبلغ أفسوس، ~~مدينة أصحاب الكهف. وفيها سملت الروم عيني ملكهم قسطنطين بن أليون، وأقروا ms2149 ~~أمه ريني وتلقب عطسة. وحج بالناس موسى بن عيسى بن موسى، وكان على الموصل ~~هرثمة بن أعين. وفيها جاز سليمان بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، إلى بلاد ~~الأندلس من الشرق، وتعرض لحرب بن أخيه الحكم بن هشام بن عبد الرحمن، صاحب ~~البلاد، فسار إليه الحكم في جيوش كثيرة، وقد اجتمع إلى سليمان كثير من أهل ~~الشقاق ومن يريد الفتنة، فالتقيا واقتتلأن واشتدت الحرب، فانهزم سليمان ~~واتبعه عسكر الحكم، وعادت الحرب بينهم ثانية في ذي الحجة، فانهزم فيها ~~سليمان، واعتصم بالوعر والجبال، فعاد الحكم. ثم عاد سليمان فجمع برابر، ~~وأقبل إلى جانب إستجة، فسار إليهم الحكم، فالتقوا واقتتلوا سنة ثلاث ~~وثمانين ومائة، واشتد القتال، فانهزم سليمان، واحتمى بقرية، فحصره الحكم، ~~وعاد سليمان منهزما إلى ناحية قريش. وفيها كان بقرطبة سيل عظيم، فغرق كثير ~~من ربضها القبلي، وخرب كثير منه، ويلغ السيل شقندة. وفي هذه السنة مات جعفر ~~الطيالسي المحدث، وعمار بن محمد ابن أخت سفيان الثوري، وعبد العزيز بن محمد ~~بن أبي عبيد الدراوردي، مولى جهينة، وكان أبوه من دار ابجرد، فاستثقلوا ~~نسبته إليها فقالوا دراوردي. وفيها توفي دراج أبوالسمح واسمه عبد الله بن ~~السمح، وقيل عبد الرحمن بن السمح بن أسامة التجيبي، المصري، وكان مولده سنة ~~خمس وعشرين ومائة؛ وعفيف بن سالم الموصلي. ### | AUT حوادث سنة ثلاث وثمانين ومائة # ### || AUT ذكر غزو الخزر بلاد الإسلام # وفيها خرج الخزر بسبب ابنة خاقان من باب الأبواب، فأوقعوا بالمسلمين ~~وأهل الذمة، وسبوا أكثر من مائة ألف رأس، وانتهكوا أمرا عظيما لم يسمع ~~بمثله في الأرض؛ فولى الرشيد أرمينية يزيد بن مزيد مضافا إلى أذربيجان، ~~ووجهه إليهم، وأنزل خزيمة بن خازم نصيبين ردءا لأهل أرمينية. وقيل إن سبب ~~خروجهم أن سعيد بن سلم قتل المنجم السلمي فدخل ابنه بلاد الخزر، واستجاشهم ~~على سعيد، فخرجوا ودخلوا أرمينية من الثلمة، فانهزم سعيد، وأقاموا نحوسبعين ~~يومأن فوجه الرشيد خزيمة بن خازم، ويزيد بن مزيد، فأصلحا ما أفسد سعيد، ~~وأخرجا الخزر وسدا الثلمة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها ms2150 استقدم الرشيد علي بن عيسى من خراسان، ثم رده عليها من قبل ابنه ~~المأمون وأمره بحرب أبي الخصيب. وفيها خرج بنسا من خراسان أبوالخصيب وهيب ~~بن عبد الله النسائي. وحج بالناس العباس بن الهادي. وفيها مات موسى بن جعفر ~~بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ببغداد في حبس الرشيد. وكان ~~سبب حبسه أن الرشيد اعتمر في شهر رمضان من سنة تسع وسبعين ومائة، فلما عاد ~~إلى المدينة، على ساكنها السلام، دخل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~يزوره، ومعه الناس، فلما انتهى إلى القبر وقف فقال: السلام عليك يا رسول ~~الله، يا ابن عم، افتخارا على من حوله، فدنا موسى بن جعفر فقال: السلام ~~عليك يا أبه، فتغير وجه الرشيد وقال: هذا الفخر يا أبا الحسن جدا؛ ثم أخذه ~~معه إلى العراق، فحبسه عند السندي بن شاهك، وتولت حبسه أخت السندي بن شاهك، ~~وكانت تتدين، فحكت عنه أنه كان إذا صلى العتمة حمد الله ومجده ودعاه إلى أن ~~يزول الليل، ثم يقوم فيصلي، حتى يصلي الصبح، ثم يذكر الله تعالى حتى تطلع ~~الشمس، ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى، ثم يرقد، ويستيقظ قبل الزوال، ثم يتوضأ ~~ويصلي، حتى يصلي العصر، ثم يذكر الله، حتى يصلي المغرب، ثم يصلي ما بين ~~المغرب والعتمة، فكان هذا دأبه إلى أن مات. PageV03P0101 # وكانت إذا رأته قالت: خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل الصالح! وكان يلقب ~~الكاظم لأنه كان يحسن إلى من يسيء إليه، كان هذا عادته أبدأن ولما كان ~~محبوسا بعث إلى الرشيد برسالة أنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا ينقضي ~~عنك معه يوم من الرخاء، حتى ينقضيا جميعا إلى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه ~~المبطلون. وفيها كانت بالأندلس فتنة وحرب بين قائد كبير يقال له أبوعمران ~~وبين بهلول بن مرزوق، وهومن أعيان الأندلس، وكان عبد الله البلنسي مع أبي ~~عمران، فانهزم أصحاب بهلول، وقتل كثير منهم. وفيها توفي يونس بن حبيب ~~النحوي المشهور، أخذ العلم عن ms2151 أبي عمروبن العلاء وغيره، وكان عمره قد زاد ~~على مائة سنة. وفيها مات موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله ~~بن عباس؛ ومحمد بن صبيح أبوالعباس المذكر، المعروف بابن السماك؛ وهشيم بن ~~بشير الواسطي توفي في شعبان، وكان ثقة إلا أنه كان يصحف؛ ويحيى بن زكرياء ~~بن أبي زائدة، قاضي المدائن بهأن وكان عمره ثلاثا وستين سنة؛ ويوسف بن ~~يعقوب بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون. صبيح بفتح الصاد المهملة، وكسر ~~الباء الموحدة. وبشير بفتح الباء الموحدة، وكسر الشين المعجمة. ### | AUT حوادث سنة أربع وثمانين ومائة # وفيها ولى الرشيد حمادا البربري اليمن ومكة وولى داود بن يزيد بن حاتم ~~المهلبي السند، ويحيى الحرشي الجبل ومهرويه الرازي طبرستان، وقام بأمر ~~إفريقية إبراهيم بن الأغلب، فولاه إياها الرشيد. وفيها خرج أبوعمروالشاري، ~~فوجه إليه زهيرا القصاب فقتله بشهرزور. وفيها طلب أبوالخصيب الأمان فأمنه ~~علي بن عيسى بن ماهان. وحج بالناس إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن ~~علي؛ وكان على الموصل وأعمالها يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني. وفيها سار ~~عبد الله بن عبد الرحمن البلنسي إلى مدينة أشقة من الأندلس، فنزل بها مع ~~أبي عمران، ومع العرب، فسار إليهم بهلول بن مرزوق، وحاصرهم فيهأن فتفرق ~~العرب عنهم، ودخل بهلول مدينة أشقة، وسار عبد الله إلى مدينة بلنسية فأقام ~~بها. وفيها توفي المعافى بن عمران الموصلي، الأزدي، وقيل سنة خمس وثمانين. ~~وفيها توفي عبد الله بن عبد العزيز بن عمر بن الخطاب الذي يقال له العابد؛ ~~وعبد السلام بن شعيب بن الحجاب الأزدي، وعبد الأعلى بن عبد الله الشامي ~~المصري من بني شامة بن لؤي؛ وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي أبومحمد. ### | AUT حوادث سنة خمس وثمانين ومائة # في هذه السنة قتل أهل طبرستان مهرويه الرازي، وهو واليها، فولى الرشيد ~~مكانه عبد الله بن سعيد الحرشي. وفيها قتل عبد الرحمن الأنباري أبان بن ~~قحطبة الخارجي بمرج القلعة. وفيها عاث حمزة الخارجي بباذغيس، فقتل عيسى بن ms2152 ~~علي بن عيسى من أصحابه عشرة آلاف، وبلغ عيسى كابل وزابلستان. وفيها غدر ~~أبوالخصيب ثانية، وغلب على أبيورد، وطوس، ونيسابور، وحصر مرو، ثم انهزم ~~عنها وعاد إلى سرخس، وعاد أمره قويا. وفيها استأذن جعفر بن يحيى في الحج ~~والمجاورة، فأذن له، فخرج في شعبان واعتمر في رمضان وأقام بجدة مرابطا إلى ~~أن حج. وفيها جمع الحكم صاحب الأندلس عساكره، وسار إلى عمه سليمان بن عبد ~~الرحمن، وهوبناحية فريش، فقاتله، فانهزم سليمان، وقصد ماردة، فتبعه طائفة ~~من عسكر الحكم فأسروه فلما حضر عند الحكم قتله، وبعث برأسه إلى قرطبة، وكتب ~~إلى أولاد سليمان وهم بسرقسطة كتاب أمان، واستدعاهم، فحضروا عنده بقرطبة. ~~وفيها وقعت في المسجد الحرام صاعقة قتلت رجلين. وحج بالناس فيها منصور بن ~~محمد بن عبد الله بن محمد بن علي. وفيها مات عبد الصمد بن علي بن عبد الله ~~بن عباس، ولم يكن سقط له سن، وقيل كانت أسنانه قطعة واحدة من أسفل وقطعة ~~واحدة من فوق، وهوقعدد بني عبد مناف لأنه كان في القرب إلى عبد مناف بمنزلة ~~يزيد بن معاوية، وبين موتهما ما يزيد على مائة وعشرين سنة. وفيها ملك ~~الفرنج، لعنهم الله، مدينة برشلونة بالأندلس، وأخذوها من المسلمين، ونقلوا ~~حماة ثغورهم إليهأن وتأخر المسلمون إلى ورائهم. وكان سبب ملكهم إياها ~~اشتغال الحكم صاحب الأندلس بمحاربة عمية عبد الله وسليمان على ما تقدم. ~~وفيها سار الرشيد من الرقة إلى بغداد على طريق الموصل. وفيها مات يقطين بن ~~موسى ببغداد. PageV03P0102 # وفيها أيضا توفي يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني، وهوابن أخي معن بن ~~زائدة، بمدينة برذعة، وولي مكانه أسد بن يزيد، وكان يزيد ممدحأن جوادأن ~~كريمأن شجاعأن وأكثر الشعراء مراثيه، ومن أحسن ما قيل في المرائي ما قاله ~~أبومحمد التميمي رثاء له، فأثبته لجودته: أحقا أنه أودى يزيد ... تبين أيها ~~الناعي المشيد أتدري من نعيت وكيف فاهت ... به شفتاك كان بها الصعيد أحامي ~~المجد والإسلام أودى ... فما للأرض ويحك لا تميد تأمل هل ترى الإسلام مالت ~~... دعائمه وهل ms2153 شاب الوليد وهل مالت سيوف بني نزار ... وهل وضعت عن الخيل ~~اللبود وهل تسقي البلاد عشار مزن ... بدرتها وهل يخضر عود أما هدت لمصرعه ~~نزار ... بلى! وتقوض المجد المشيد وحل ضريحه إذ حل فيه ... طريف المجد ~~والحسب التليد أما والله ما تنفك عيني ... عليك بدمعها أبدا تجود فإن تجمد ~~دموع لئيم قوم ... فليس لدمع ذي حسب جمود أبعد يزيد تختزن البواكي ... ~~دموعأن أويصان لها خدود لتبكك قبة الإسلام لما ... وهت أطنابها ووهى العمود ~~ويبكك شاعر لم يبق دهر ... له نسبا وقد كسد القصيد فمن يدعوالإمام لكل خطب ~~... ينوب وكل معضلة تؤود ومن يحمي الخميس إذا تعايا ... بحيلة نفسه البطل ~~النجيد فإن يهلك يزيد فكل حي ... فريس للمنية أوطريد ألم تعجب له! إن ~~المنايا ... فتكن به وهن له جنود قصدن له وكن يحدن عنه ... إذا ما الحرب شب ~~لها وقود لقد عزى ربيعة أن يوما ... عليها مثل يومك لا يعود وكان الرشيد ~~إذا سمع هذه المرثية بكى، وكان يستجيدها ويستحسنها. وفيها توفي محمد بن ~~إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ببغداد؛ وعبد الله بن ~~مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير؛ والمغيرة بن عبد الرحمن بن الحرث بن ~~عياش المخزومي، ويعرف بالحزامي، وكان مولده سنة أربع وعشرين ومائة؛ وحجاج ~~الصواف، وهوأبن أبي عثمان ميسرة. عياش بالشين المعجمة، والياء المثناة من ~~تحت، الحزامي بالحاء المهملة، والزاي. ### | AUT حوادث سنة ست وثمانين ومائة # ### || AUT ذكر اتفاق الحكم وعمه عبد الله # في هذه السنة اتفق الحكم بن هشام بن عبد الرحمن، أمير الأندلس، وعمه عبد ~~الله بن عبد الرحمن البلنسي. وسبب ذلك أن عبد الله لما سمع بقتل أخيه ~~سليمان عظم عليه، وخاف على نفسه، ولزم بلنسية ولم يفارقهأن ولم يتحرك ~~لإثارة فتنة، وأرسل إلى الحكم يطلب المسالمة، والدخول في طاعته، وقيل بل ~~الحكم أرسل إليه رسلأن وكتب إليه يعرض عليه المسالمة، ويؤمنه، وبذل له ~~الأرزاق الواسعة، ولأولاده، فأجاب عبد الله إلى الاتفاق، واستقرت القاعدة ~~بينهم على يد ms2154 يحيى بن يحيى، صاحب مالك، وغيره من العلماء؛ وزوج الحكم ~~أخواته من أولاد عمه عبد الله، وسار إليه عبد الله، فأكرمه الحكم، وعظم ~~محله، وأجرى له ولأولاده الأرزاق الواسعة والصلات السنية. وقيل إن المراسلة ~~في الصلح كانت هذه السنة، واستقر الصلح سنة سبع وثمانين ومائة. ### || AUT ذكر حج الرشيد وأمر كتاب ولاية العهد # في هذه السنة حج بالناس هارون الرشيد، سار إلى مكة من الأنبار، فبدأ ~~بالمدينة، فأعطى فيها ثلاثة أعطية، هوعطاء، ومحمد الأمين عطاء، وعبد الله ~~المأمون عطاء، وسار إلى مكة فأعطى أهلهأن فبلغ ألف ألف دينار وخمسين ألف ~~دينار. وكان الرشيد قد ولى الأمين العراق والشام، وإلى آخر المغرب، وضم إلى ~~المأمون من همذان إلى آخر المشرق، ثم بايع لابنه القاسم بولاية العهد بعد ~~المأمون، ولقبه المؤتمن، وضم إليه الجزيرة والثغور والعواصم، وكان في حجر ~~عبد الملك بن صالح، وجعل خلعه وإثباته إلى المأمون. PageV03P0103 # ولما وصل الرشيد إلى مكة، ومعه أولاده، الفقهاء والقضاة والقواد، كتب ~~كتابا أشهد فيه على محمد الأمين، وأشهد فيه من حضر بالوفاء للمأمون، وكتب ~~كتابا للمأمون أشهدهم عليه فيه بالوفاء للأمين، وعلق الكتابين في الكعبة، ~~وجدد العهود عليهما في الكعبة؛ ولما فعل الرشيد ذلك قال الناس قد ألقى ~~بينهم شرا وحربا، وخافوا عاقبة ذلك، فكان ما خافواه. ثم إن الرشيد في سنة ~~تسع وثمانين شخص إلى قرماسين ومعه المأمون، وأشهد على نفسه من عنده من ~~القضاة والفقهاء أن جميع ما في عسكره من الأموال والخزائن والسلاح والكراع ~~وغير ذلك للمأمون، وجدد له البيعة عليهم، وأرسل إلى بغداد فجدد له البيعة ~~على محمد الأمين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سار علي بن عيسى بن ماهان من مروإلى نسا لحرب أبي الخصيب، ~~فحاربه فقتله وسبى نساءه وذراريه، واستقامت خراسان. وفيها توفي خالد بن ~~الحارث، وبشر بن المفضل، وأبوإسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري. وفيها مات عبد ~~الله بن صالح بن عبد الله بن عباس بسلمية في ربيع الأول. وفيها توفي علي بن ~~عباس بن محمد ms2155 بن علي بن عبد الله بن عباس في رجب وعمره خمس وستون سنة وستة ~~أشهر، وهوابن أخي السفاح والمنصور. وفيها توفي عمر بن يونس منصرفة من الحج ~~باليمامة. وفيها توفي عباد بن عباد بن العوام الفقيه ببغداد؛ وتوفي شقران ~~بن علي الزاهد بالأندلس، وكان فقيها. وفيها توفي راشد مولى عيسى بن عبد ~~الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان قد دخل المغرب مع إدريس ~~بن عبد الله بن الحسن؛ وقام بعده بأمر البربر أبوخالد يزيد بن إلياس. ### | AUT حوادث سنة سبع وثمانين ومائة # ### || AUT ذكر إيقاع الرشيد بالبرامكة # وفي هذه السنة أوقع الرشيد بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى. وكان سبب ذلك ~~أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهدي، وكان يحضرهما ~~إذا جلس للشرب، فقال لجعفر: أزوجكها ليحل لك النظر إليها ولا تقربهأن فإني ~~لا أطيق الصبر عنها؛ فأجابه إلى ذلك، فزوجها منه، وكانا يحضران معه، ثم ~~يقوم عنهمأن وهما شابان، فجامعها جعفر، فحملت منه، فولدت له غلامأن فخافت ~~الرشيد، فسيرته مع حواضن له إلى مكة، فأعطته الجواهر والنفقات. ثم إن عباسة ~~وقع بينها وبين بعض جواريها شر، فأنهت أمرها وأمر الصبي إلى الرشيد، فحج ~~هارون هذه السنة، وبحث عن الأمر، فعلمه، وكان جعفر يصنع للرشيد طعاما ~~بعسفان، إذا حج، فصنع ذلك، ودعاه فلم يحضر عنده، فكان ذلك أول تغير أمرهم. ~~وقيل: كان سبب ذلك أن الرشيد دفع يحيى بن عبد اله بن الحسن بن الحسن بن علي ~~إلى جعفر بن يحيى بن خالد، فحبسه، ثم دعا به ليلة، وسأله عن بعض أمره، فقال ~~له: اتق الله في أمري، ولا تتعرض أن يكون غدا خصمك محمد، صلى الله عليه ~~وسلم، فوالله ما أحدثت حدثأن ولا آويت محدثا. فرق له، وقال: اذهب حيث شئت ~~من بلاد الله. قال: فكيف أذهب ولا آمن أن أؤخذ؟ فوجه معه من أداه إلى ~~مأمنه. وبلغ الخبر الفضل بن الربيع من عين كانت له من خواص جعفر، فرفعه ms2156 إلى ~~الرشيد، فقال: ما أنت وهذا؟ فعله عن أمري. ثم أحضر جعفرا للطعام، فجعل ~~يلقمه ويحادثه، ثم سأله عن يحيى، فقال: هوبحاله في الحبس. فقال: بحياتي؟ ~~ففطن جعفر، فقال: لا وحياتك!، وقص عليه أمره، وقال: علمت أنه لا مكروه ~~عنده. فقال: نعم ما فعلت! ما عدوت ما في نفسي. فلما قام عنه قال: قتلني ~~الله إن لم أقتلك! فكان من أمره ما كان. وقيل: كان من الأسباب أن جعفرا ~~ابتنى دارا غرم عليها عشرين ألف ألف درهم، فرفع ذلك إلى الرشيد، وقيل هذه ~~غرامته على دار، فما ظنك بنفقاته وصلاته وغير ذلك؟ فاستعظمه. وكان من ~~الأسباب أيضا ما لا تعده العامة سببأن وهوأقوى الأسباب، ما سمع من يحيى بن ~~خالد وهويقول، وقد تعلق بأستار الكعبة في حجته هذه: اللهم إن كان رضاك أن ~~تسلبني نعمك عندي فاسلبني! اللهم إن كان رضاك أن تسلبني مالي وأهلي وولدي ~~فاسلبني، إلا الفضل؛ ثم ولى، فلما كان عند باب المسجد رجع، فقال مثل ذلك، ~~وجعل يقول: اللهم إنه سمج بمثلي أن يستثني عليك، اللهم والفضل. ~~PageV03P0104 # وسمع أيضا يقول في ذلك المقام: اللهم إن ذنوبي جمة عظيمة لا يحصيها غيرك. ~~اللهم إن كنت تعاقبني فاجعل عقوبتي بذلك في الدنيأن وإن أحاط ذلك بسمعي ~~وبصري وولدي ومالي، حتى يبلغ رضاك، ولا تجعل عقوبتي في الآخرة، فاستجيب له. ~~فلما انصرفوا من الحج ونزلوا الأنبار، ونزل الرشيد العمر نكبهم. وكان أول ~~ما ظهر من فساد حالهم أن علي بن عيسى بن ماهان سعى بموسى بن يحيى بن خالد، ~~واتهمه في أمر خراسان، وأعلم الرشيد أنه يكاتبهم ليسير إليهم، ويخرجهم عن ~~الطاعة، فحبسه ثم أطلقه. وكان يحيى بن خالد يدخل على الرشيد بغير إذن، فدخل ~~عليه يوما وعنده جبرئيل بن يختيشوع الطبيب، فسلم، فرد الرشيد ردا ضعيفأن ثم ~~أقبل الرشيد على جبرئيل، فقال: أيدخل عليك منزلك أحد بغير إذن؟ قال: لا! ~~قال: فما بالنا يدخل علينا بغير إذن؟ فقال يحيى: يا أمير المؤمنين ما ~~ابتدأت ذلك الساعة، ولكن أمير ms2157 المؤمنين خصني به، حتى إن كنت لأدخل وهوفي ~~فراشه مجردأن وما علمت أن أمير المؤمنين كره ما كان يحب، فإذا قد علمت فإني ~~سأكون عنده في الطبقة التي تجعلني فيها؛ فاستحيا هارون، وقال: ما أردت ما ~~تكره. وكان يحيى إذا دخل على الرشيد قام له الغلمان، فقال الرشيد لمسرور: ~~مر الغلمان لا يقومون ليحيى إذا دخل الدار، فدخلها فلم يقومونأن فتغير ~~لونه، وكانوا بعد ذلك إذا رأوه أعرضوا عنه. فلما رجع الرشيد من الحج نزل ~~العمر الذي عند الأنبار، سلخ المحرم، وأرسل مسرورا الخادم ومعه جماعة من ~~الجند إلى جعفر ليلأن وعنده ابن بختيشوع المتطبب، وأبوزكار المغني، وهوفي ~~لهوه وأبوزكار يغني: فلا تبعد، فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أويغادي ~~وكل ذخيرة لا بد يوما ... وإن كرمت تصير إلى نفاد قال مسرور: فقلت له: يا ~~أبا الفضل، الذي جئت له هو والله ذاك، قد طرقك، أجب أمير المؤمنين، فوقع ~~على رجلي يقبلهأن وقال: حتى ادخل فأوصي، فقلت: أما الدخول فلا سبيل إليه، ~~وأما الوصية فاصنع ما شئت. فأوصى بما أراد، وأعتق مماليكه. وأتتني رسل ~~الرشيد تستحثني، فمضيت به إليه، فأعلمته وهوفي فراشه، فقال: ائتني برأسه، ~~فأتيت جعفرا فأخبرته، فقال: الله الله! والله ما أمرك بما أمرك به إلا ~~وهوسكران، فدافع حتى أصبح، أوراجعه في ثانية. فعدت لأراجعه، فلما سمع حسي ~~قال: يا ماص بظر أمه، ائتني برأسه! فرجعت إليه فأخبرته، فقال: آمره. فرجعت، ~~فحذفني بعمود كان في يده، وقال: نفيت من المهدي، إن لم تأتني برأسه ~~لأقتلنك! قال: فخرجت فقتلته وحملت رأسه إليه، وأمر بتوجيه من أحاط بيحيى ~~وولده وجميع أسبابه، وحول الفضل بن يحيى ليلأن فحبس في بعض منازل الرشيد، ~~وحبس يحيى في منزله، وأخذ مالهم من مال، وضياع، ومتاع، وغير ذلك، وأرسل من ~~ليلته إلى سائر البلاد في قبض أموالهم ووكلائهم ورقيقهم وأسبابهم وكل ما ~~لهم. فلما أصبح أرسل جيفة جعفر إلى بغداد، وأمر أن ينصب رأسه على جسر، ~~ويقطع بدنه قطعتين، تنصب كل قطعة على جسر؛ ولم ms2158 يعرض الرشيد لمحمد بن خالد ~~بن برمك وولده وأسبابه، لأنه علم براءته مما دخل فيه أهله؛ وقيل كان يسعى ~~بهم؛ ثم حبس يحيى وبنيه الفضل ومحمدا وموسى محبسا سهلأن ولم يفرق بينهم ~~وبين عدة من خدمهم، ولا ما يحتاجون إليه من جارية وغيرها. ولم تزل حالهم ~~سهلة حتى قبض الرشيد على عبد الملك بن صالح، فعمهم بسخطه، وجدد له ولهم ~~التهمة عند الرشيد، فضيق عليهم. ولما قتل جعفر بن يحيى قيل لأبيه: قتل ~~الرشيد ابنك! قال: كذلك يقتل ابنه؛ قيل: وقد أخرب ديارك؛ قال: كذلك تخرب ~~دياره؛ فلما بلغ ذلك الرشيد قال: قد خفت أن يكون ما قاله لأنه ما قال شيئا ~~إلا ورأيت تأويله. قال سلام الأبرش: دخلت على يحيى بن خالد وقت قبضه، وقد ~~هتكت الستور، وجمع المتاع، فقال: هكذا تقوم القيامة؛ قال: فحدثت الرشيد ~~فأطرق مفكرا. وكان قتل جعفر ليلة السبت مستهل صفر، وكان عمره سبعا وثلاثين ~~سنة، وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة، ولما نكبوا قال الرقاشي، وقيل ~~أبونواس: الآن استرحنا واستراحت ركابنا ... وأمسك من يحدو ومن كان يحتدي ~~فقل للمطايا قد أمنت من السرى ... وطي الفيافي فدفدا بعد فدفد وقل للمنايا: ~~قد ظفرت بجعفر ... ولن تظفري من بعده بمسود PageV03P0105 # وقل للعطايا بعد فضل تعطلي ... وقل للرزايا كل يوم تجددي ودونك سيفا ~~برمكيا مهندا ... أصيب بسيف هاشمي مهند وقال يحيى بن خالد لما نكب: الدنيا ~~دول، والمال عارية، ولنا بمن قبلنا أسوة، وفينا لمن بعده عبرة. ووقع يحيى ~~على قصة محبوس: العدوان أربقه، والتوبة تطلقه. وقال جعفر بن يحيى: الحظ سمط ~~الحكمة به تفصل شذورها وينظم منثورها. قال ثمامة: قلت لجعفر، ما البيان؟ ~~قال: أن يكون الاسم محيطا بمعناك، مخبرا عن مغزاك، مخرجا من الشركة، غير ~~مستعان عليه بالفكرة. ### || AUT ذكر القبض على عبد الملك بن صالح # وفي هذه السنة غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن ~~عباس. وكان سبب ذلك أنه لوكان له ولد اسمه عبد الرحمن، وبه كان ms2159 يكنى، وكان ~~من رحال الناس، فسعى بأبيه هو وقمامة كاتب أبيه وقالا للرشيد: إنه يطلب ~~الخلافة، ويطمع فيها؛ فأخذه، وحبسه عند الفضل بن الربيع، وأحضره يومأن حين ~~سخط عليه، وقال له: أكفرا بالنعمة، وجحودا لجليل المنة والتكرمة؟ فقال: يا ~~أمير المؤمنين! لقد بؤت إذا بالندم، وتعرضت لاستحلال النقم، وما ذاك إلا ~~بغي حاسدنأن فنسي فيك مودة القرابة وتقديم الولاية؛ إنك، يا أمير المؤمنين، ~~خليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على أمته، وأمينه على عترته، لك ~~عليها فرض الطاعة، وأداء النصيحة، ولها عليك العدل في حكمهأن والغفران ~~لذنوبهأن والتثبت في حادثها. فقال له الرشيد: أتضع لي من لسانك، وترفع لي ~~من جنانك؟ هنا كاتبك قمامة يخبر بغلك وفساد نيتك، فاسمع كلامه. فقال عبد ~~الملك: أعطاك ما ليس في عقده، ولعله لا يقدر أن يعضهني أويبهتني بما لم ~~يعرفه مني. فأحضر قمامة فقال له الرشيد: تكلم غير هائب ولا خائف! فقال: ~~أقول إنه عازم على الغدر بك والخلاف عليك. فقال عبد الملك: كيف لا يكذب علي ~~من خلفي من يبهتني في وجهي؟ فقال الرشيد: فهذا ابنك عبد الرحمن يخبرني ~~بعتوك، وفساد نيتك، ولوأردت أن أحتج عليك لم أجد أعدل من هذين الاثنين لك، ~~فلم تدفعهما عنك؟ فقال عبد الملك: هومأمور، أوعاق مجبور، فإن كان مأمورا ~~فمعذور، وإن كان عاقا ففاجر كفور، أخبر الله، عز وجل، بعداوته، وحذر منه ~~بقوله: (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) التغابن: 14 فنهض ~~الرشيد وهويقول: ما أمرك إلا قد وضح، ولكني لا أعجل، حتى أعلم الذي يرضي ~~الله، عز وجل، فيك، فإنه الحكم بيني وبينك. فقال عبد الملك: رضيت بالله ~~حكمأن وبأمير المؤمنين حاكمأن فإني أعلم أنه لن يؤثر هواه على رضى ربه. ~~وأحضر الرشيد يوما آخر، فكان مما قال له: أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك ~~من خليلك من مراد ثم قال: أما والله لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع، ~~وعارضها قد بلع، وكأني بالوعيد قد أورى زنادا يسطع، فأقلع عن براجم بلا ~~معاصم، ورؤوس ms2160 بلا غلاصم، فمهلا مهلا بني هاشم، فبي والله سهل لكم الوعر، ~~وصفا لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور أزمتهأن فنذار لكم نذار قبل حلول داهية ~~خبوط باليد لبوط بالرجل. فقال بعد الملك: اتق الله، يا أمير المؤمنين، فيما ~~ولاك من رعيته التي استرعاك، ولا تجعل الكفر مكان الشكر، ولا العقاب موضع ~~الثواب، فقد نخلت لك النصيحة، ومحضت لك الطاعة، وشددت أواخي ملكك بأثقل من ~~ركني يلملم، وتركت عدوك مشتغلأن فالله،! فالله في ذي رحمك أن تقطعه بعد أن ~~وصلته، بظن أوضح الكتاب بعضهه، أوببغي باغ ينهس اللحم، ويلغ الدم، فقد ~~والله سهلت لك الوعور، وذللت لك الأمور، وجمعت على طاعتك القلوب في الصدور، ~~فكم ليل تمام فيك كابدته، ومقام ضيق لك قمته، كنت فيه كما قال أخوبني جعفر ~~بن كلاب، يعني لبيدا: ومقام ضيق فرجته ... ببناني ولسان وجدل لويقوم الفيل ~~أوفياله ... زل عن مثل مقامي وزحل فقال له الرشيد: والله لولا إبقائي على ~~بني هاشم لضربت عنقك؛ ثم أعاده إلى محبسه. PageV03P0106 # فدخل عبد الله بن مالك على الرشيد، وكان على شرطته، فقال له: والله ~~العظيم، يا أمير المؤمنين، ما علمت عبد الملك إلا ناصحأن فعلام حبسته؟ ~~فقال: بلغني عنه أوحشني ولم آمنه أن يضرب بين ابني هذين، يعني الأمين ~~والمأمون، فإن كنت ترى أن نطلقه من الحبس أطلقناه. فقال: أما إذا حبسته، ~~فلست أرى في قرب المدة أن تطلقه، ولكن تحبسه محبسا كريما. قال: فإني أفعل؛ ~~فأمر الفضل بن الربيع أن يمضي إليه، وينظر ما يحتاج إليه فيوظفه له، ففعل. ~~ولم يزل عبد الملك محبوسأن حتى مات الرشيد، فأخرجه الأمين واستعمله على ~~الشام، فأقام بالرقة، وجعل لمحمد الأمين عهد الله لئن قتل وهوحي لا يعطي ~~المأمون طاعة أبدأن فمات قبل الأمين؛ وكان ما قال للأمين: إن خفت فالجأ إلي ~~فوالله لأصوننك. وقال الرشيد يوما لعبد الملك: ما أنت لصالح! قال: فلمن ~~أنا؟ قال: لمروان الجعدي. قال: ما أبالي أي الفلحين غلب علي. وأرسل الرشيد ~~يوما إلى يحيى بن خالد بن برمك: ms2161 إن عبد الملك أراد الخروج علي ومنازعتي في ~~الملك. وعلمت ذلك، فأعلمني ما عندك فيه، فإنك إن صدقتني أعدتك إلى حالك. ~~فقال: والله ما اطلعت من عبد الملك على شيء من هذأن ولواطلعت عليه لكنت ~~صاحبه دونك، لأن ملكك كان ملكي، وسلطانك كان سلطاني، والخير والشر كان فيه ~~علي ولي، وكيف يطمع عبد الملك في ذلك مني، وهل كان إذا فعلت به ذلك، يفعل ~~معي أكثر من فعلك؟ وأعيذك بالله أن تظن بي هذا الظن، ولكنه كان رجلا محتملا ~~يسرني أن يكون في اهلك مثله، فوليته لما حمدت أثره ومذهبه، وملت إليه لأدبه ~~واحتماله. فلما أتاه الرسول بهذا أعاده عليه فقال له: إن أنت لم تقر عليه ~~قتلت الفضل ابنك. فقال له: أنت مسلط علينأن فافعل ما أردت، فأخذ الرسول ~~الفضل فأقامه، فودع أباه وقال له: ألست راضيا عني؟ قال: بلى، فرضي الله ~~عنك، ففرق بينهما ثلاثة أيام، فلما لم يجد عندهما في ذلك شيئا جمعهما. ### || AUT ذكر غزو الروم # وفي هذه السنة دخل القاسم بن الرشيد أرض الروم في شعبان، فأناخ على قرة، ~~وحصرها، ووجه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث، فحصر حصن سنان، حتى جهد ~~أهلهأن فبعث إليه الروم ثلاثمائة وعشرين أسيرا من المسلمين على أن يرحل ~~عنهم، فأجابهم ورحل عنهم صلحا. ومات علي بن عيسى في هذه الغزاة بأرض الروم، ~~وكان يملك الروم حينئذ امرأة اسمها ريني، فخلعتها الروم وملكت نقفور، وتزعم ~~الروم إنه من أولاد جغنة بن غسان، وكان، قبل أن يملك، يلي ديوان الخراج، ~~وماتت ريني بعد خمسة أشهر من خلعها. فلما استوثقت الروم لنقفور كتب إلى ~~الرشيد: من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد فإن الملكة التي ~~كانت قبلي أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مكان البيدق، فحملت إليك من ~~أموالها ما كنت حقيقا بحمل أضعافها إليهأن لكن ذلك ضعف النساء، وحمقهن، ~~فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل لك من أموالهأن وافتد نفسك بما تقع به ~~المصادرة لك، وإلا فالسيف ms2162 بيننا وبينك. فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه ~~الغضب، حتى لم يقدر أحد أن ينظر إليه دون أن يخاطبه، وتفرق جلساؤه، فدعا ~~بدواة، وكتب على ظهر الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير ~~المؤمنين إلى نقفور كلب الروم؛ قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما ~~تراه دون ما تسمعه، والسلام. ثم سار من يومه حتى نزل على هرقلة ففتح وغمن ~~وأحرق وخرب، فسأله نقفور المصالحة على خراج يحمله كل سنة، فأجابه في ذلك. ~~فلما رجع من غزوته وصار بالرقة نقض نقفور العهد، وكان البرد شديدأن فأمن ~~رجعة الرشيد إليه، فلما جاء الخبر بنقضه ما جسر أحد على إخبار الرشيد، خوفا ~~على أنفسهم من العود في مثل ذلك البرد، وإشفاقا من الرشيد، فاحتيل له بشاعر ~~من أهل جنده، وهوأبومحمد عبد الله بن يوسف، وقيل هوالحجاج بن يوسف التميمي، ~~فقال أبياتا منها: نقض الذي أعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور أبشر ~~أمير المؤمنين فإنه ... فتح أتاك به الإله كبير فتح يزيد على الفتوح يؤمنا ~~... بالنصر فيه لواؤك المنصور PageV03P0107 # في أبيات غيرها. فلما سمع الرشيد ذلك قال: أوقد فعل ذلك نقفور؟ وعلم أن ~~الوزراء قد احتالوا له في ذلك، فرجع إلى بلاد الروم في أشد زمان وأعظم ~~كلفة، حتى بلغ بلادهم، فأقام بها حتى شفي واشتفى وبلغ ما أراد. وقيل: كان ~~فعل نقفور وهذه الأبيات سببا لسير الرشيد وفتح هرقلة، على ما نذكره سنة ~~تسعين ومائة إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر قتل إبراهيم بن عثمان بن نهيك # وفيها قتل الرشيد إبراهيم بن عثمان بن نهيك، وسبب قتله أنه كان كثيرا ما ~~يذكر جعفر بن يحيى والبرامكة، ويبكي عليهم إلى أن خرج من البكاء إلى حد ~~طالبي الثأر، فكان إذا شرب النبيذ مع جواريه أخذ سيفه، ويقول: واجعفراه! ~~واسيداه! والله لأقتلن قاتلك ولأثأرن بدمك. فلما كثر هذا منه جاء ابنه ~~فأعلم الرشيد هوخصي كان لإبراهيم، فأحضر إبراهيم وسقاه نبيذا فلما أخذ منه ~~النبيذ قال له: إني قد ندمت على قتل جعفر بن ms2163 يحيى، ووددت أني خرجت من ملكي ~~وأنه كان بقي لي، فما وجدت طعم النوم مذ فارقته. فلما سمعها إبراهيم أسبل ~~دموعه وقال: رحم الله أبا الفضل! والله يا سيدي لقد أخطأت في قتله، وأوطئت ~~العشوة في أمره، وأين يوجد في الدنيا مثله؟ فقال الرشيد: قم! عليك لعنة ~~الله يا ابن اللخناء؛ فقام وما يعقل ما يطأن فما كان بين هذا وبين أن دخل ~~عليه ابنه فضربه بالسيف إلا ليال قلائل. ### || AUT ذكر ملك الفرنج مدينة تطيلة بالأندلس # في هذه السنة ملك الفرنج مدينة تطيلة بالأندلس؛ وسبب ذلك أن الحكم صاحب ~~الأندلس استعمل على ثغور الأندلس قائدا كبيرا من أجناده، اسمه عمروس بن ~~يوسف، فاستعمل ابنه يوسف على تطيلة، وكان قد انهزم من الحكم أهل البيت من ~~الأندلس أولوقوة وبأس، لأنهم خرجوا عن طاعته، فالتحقوا بالمشركين، فقوي ~~أمرهم، واشتدت شوكتهم، وتقدموا إلى مدينة تطيلة فحصروهأن وملكوها من ~~المسلمين، فأسروا أميرها يوسف بن عمروس، وسجنوه بصخرة قيس. واستقر عمروس بن ~~يوسف بمدينة سرقسطة ليحفظها من الكفار، وجمع العساكر، وسيرها مع ابن عم له، ~~فلقي المشركين، وقاتلهم، ففض جمعهم، وهزمهم، وقتل أكثرهم، ونجا الباقون ~~منكوبين، وسار الجيش إلى صخرة قيس، فحصروها وافتتحوهأن ولم يقدر المشركون ~~على منعها منهم، لما نالهم من الوهن بالهزيمة؛ ولما فتحها المسلمون خلصوا ~~يوسف بن عمروس أمير الثغر، وسيروه إلى أبيه؛ وعظم أمر عمروس عند المشركين، ~~وبعد صوته فيهم، وأقام في الثغر أميرا عليه. ### || AUT ذكر إيقاع الحكم بأهل قرطبة # كان الحكم في صدر ولايته تظاهر بشرب الخمر والانهماك في اللذات، وكانت ~~قرطبة دار علم، وبها فضلاء في العلم والورع، منهم: يحيى بن يحيى الليثي، ~~راوي موطإ مالك عنه، وغيره، فثار أهل قرطبة، وأنكروا فعله، ورجموه ~~بالحجارة، وأرداوا قتله، فامتنع منهم بمن حضر من الجند وسكن الحال. ثم بعد ~~أيام اجتمع وجوه أهل قرطبة وفقهاؤهأن وحضروا عند محمد بن القاسم القرشي ~~المرواني، عم هشام بن حمزة، وأخذوا له البيعة على أهل البلد، وعرفوه أن ~~الناس قد ارتضوه كافة، فاستنظر ms2164 ليلة ليرى رأيه، ويستخير الله، سبحانه ~~وتعالى، فانصرفوأن فحضر عند الحكم، وأطلعه على الحال، وأعلمه أنه على ~~بيعته، فطلب الحكم تصحيح الحال عنده، فأخذ معه بعض ثقات الحكم، وأجلسه في ~~قبة في داره، وأخفى أمره، وحضر عنده القوم يستعملون منه هل تقلد أمرهم أم ~~لأن فأراهم المخافة على نفسه، وعظم الخطب عليهم، وسألهم تعداد أسمائهم ومن ~~معهم، فذكروا له جميع من معهم من أعيان البلد، وصاحب الحكم يكتب أسماءهم؛ ~~فقال لهم محمد بن القاسم: يكون هذا الأمر يوم الجمعة، إن شاء الله، في ~~المسجد الجامع. ومشى إلى الحكم مع صاحبه، فأعلماه جلية الحال، وكان ذلك يوم ~~الخميس، فما أتى عليه الليل حتى حبس الجماعة المذكورين عن آخرهم، ثم أمر ~~بهم، بعد أيام، فصلبوا عند قصره، وكانوا اثنين وسبعين رجلأن منهم: أخويحيى ~~بن يحيى، وابن أبي كعب، وكان يومهم يوما شنيعأن فتمكنت عداوة الناس للحكم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة هاجت العصبية بالشام بين المضرية واليمانية، فأرسل الرشيد ~~فأصلح بينهم. وفيها زلزلت المصيصة، فانهدم سورهأن ونضب ماؤها ساعة من ~~الليل. وفيها خرج عبد السلام بآمد، فحكم، فقتله يحيى بن سعيد العقيلي. ~~PageV03P0108 # وفيها أغزى الرشيد ابنه القاسم الصائفة، فوهبه لله، وجعله قربانا له ~~وولاه العواصم. وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن العباس بن محمد بن علي. ~~وفيها توفي الفضيل بن عياض الزاهد، وكان مولده بسمرقند، وانتقل إلى مكة ~~فمات بها. وفيها توفي المعمر بن سليمان بن طرخان التيمي أبومحمد البصري. ~~وكان مولده سنة ست أوسبع ومائة؛ وعمر بن عبيد الطنافسي الكوفي. وفيها توفي ~~أبومسلم معاذ الهراء النحوي، وقيل كنيته أبوعلي، وعند أخذ الكسائي النحو، ~~وولد أيام يزيد بن عبد الملك. ### | AUT حوادث سنة ثمان وثمانين ومائة # في هذه السنة غزا إبراهيم بن جبرئيل الصائفة، فدخل أرض الروم من درب ~~الصفصاف، فخرج إليه نقفور ملك الروم، فأتاه من ورائه أمر صرفه عنه، ولقي ~~جمعا من المسلمين، فجرح ثلاث جراحات، وقتل من الروم، فيما قيل، أربعون ألفا ~~وسبعمائة. وفيها رابط القاسم ms2165 بن الرشيد بدابق. وحج بالناس فيها الرشيد، ~~فقسم أموالا كثيرة، وهي آخر حجة حجها في قول بعضهم. وفيها توفي جرير بن عبد ~~الحميد الضبي الرازي وله ثمان وسبعون سنة. وفيها توفي العباس بن الأحنف ~~الشاعر، وقيل سنة ثلاثة وتسعين، ومات أبوه الأحنف سنة خمسين ومائة. وفيها ~~توفي شهيد بن عيسى بالأندلس وعمره ثلاث وتسعون سنة؛ وكان دخوله الأندلس مع ~~عبد الرحمن بن معاوية. شهيد بضم الشين المعجمة، وفتح الهاء. ### | AUT حوادث سنة تسع وثمانين ومائة # ### || AUT ذكر مسير هارون الرشيد إلى الري # وفي هذه السنة سار الرشيد إلى الري؛ وسبب ذلك أن الرشيد لما استعمل علي ~~بن عيسى بن ماهان على خراسان ظلم أهلهأن وأساء السيرة فيهم، فكتب كبراء ~~أهلها وأشرافها إلى الرشيد يشكون سوء سيرته وظلمه، واستخفافه بهم، وأخذ ~~أموالهم. وقيل للرشيد: إن علي بن عيسى قد أجمع على الخلاف، فسار إلى الري ~~في جمادى الأولى، ومعه ابناه عبد الله المأمون والقاسم، وكان قد جعله ولي ~~عهد بعد المأمون، وجعل أمره إلى المأمون إن شاء أقره، وإن شاء خلعه، وأحضر ~~القضاة والشهود وأشهدهم أن جميع ما في عسكره في الأموال والخزائن والسلاح ~~والكراع وغير ذلك للمأمون وليس له فيه شيء. وأقام الرشيد بالري أربعة أشهر ~~حتى أتاه علي بن عيسى من خراسان، فلما قدم عليه أهدى له الهدايا الكثيرة، ~~والأموال العظيمة، وأهدى لجميع من معه من أهل بيته، وولده، وكتابه، وقواده ~~من الطرف والجواهر، وغير ذلك، ورأى الرشيد خلاف ما كان يظن فرده إلى ~~خراسان. ولما أقام الرشيد بالري سير حسينا الخادم إلى طبرستان، وكتب معه ~~أمانا لشروين أبي قارن، وأمانا لوندا هرمز، جد مازيار، وأمانا لمرزبان بن ~~جستان صاحب الديلم، فقدم جستان ووندا هرمز، فأكرمهما، وأحسن إليهما، وضمن ~~وندا هرمز السمع والطاعة، وأداء الخراج عن شروين. ورجع الرشيد إلى العراق، ~~ودخل بغداد في آخر ذي الحجة. فلما مر بالجسر أمر بإحراق جثة جعفر بن يحيى، ~~ولم ينزل بغداد، ومضى من فوره إلى الرقة، ولما جاز بغداد قال: والله ms2166 إني ~~لأطوي مدينة ما وضع بشرق ولا غرب مدينة أيمن ولا أيسر منهأن وإنها لدار ~~مملكة بني العباس ما بقوأن وحافظوا عليهأن ولا رأى أحد من آبائي سوءا ولا ~~نكبة منهأن ولنعم الدار هي، ولكني أريد المناخ على ناحية أهل الشقاق ~~والنفاق، والبغض لأئمة الهدى، والحب لشجرة اللعنة بني أمية مع ما فيها من ~~المارقة، والمتلصصة ومخيفي السبيل، ولولا ذلك ما فارقت بغداد ما حييت. فقال ~~العباس بن الأحنف في طي الرشيد بغداد: ما أنحنا حتى ارتحلنا فمانف ... رق ~~بين المناخ والارتحال ساءلونا عن حالنا إذ قدمنا ... فقرنا وداعهم بالسؤال ### || AUT ذكر الفتنة بطرابلس الغرب # في هذه السنة كثر شغب أهل طرابلس الغرب على ولاتهم، وكان إبراهيم بن ~~الأغلب، أمير إفريقية، قد استعمل عليهم عدة ولاة، فكانوا يشكون من ولاتهم، ~~فيعزلهم، ويولي غيرهم، فاستعمل عليهم هذه السنة سفيان بن المضاء، وهي ~~ولايته الرابعة، فاتفق أهل البلد على إخراجه عنهم، وإعادته إلى القيروان، ~~فزحفوا إليه، فأخذ سلاحه، وقاتلهم هو وجماعة ممن معه، فأخرجوه من داره، ~~فدخل المسجد الجامع، فقاتلهم فيه، فقتلوا أصحابه، ثم أمنوه، فخرج عنهم في ~~شعبان من هذه السنة، فكانت ولايته سبعا وعشرين يوما. PageV03P0109 # واستعمل الجند الذين بطرابلس على البلد وأهله إبراهيم بن سفيان التميمي. ~~ثم وقع بين الأبناء بطرابلس أيضا وبين قوم يعرفون ببني أبي كنانة وبني يوسف ~~حروب كثيرة، وقتال، حتى فسدت طرابلس، فبلغ ذلك إبراهيم بن الأغلب، فأرسل ~~جمعا من الجند، وأمرهم أن يحضروا الأبناء وبني أبي كنانة، وبني يوسف، ~~فأحضروهم عنده بالقيروان في ذي الحجة، فلما قدموا عليه سألوه العفوعنهم في ~~الذي فعلوه، فعفا عنهم، فعادوا إلى بلدهم. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها كان الفداء بين المسلمين والروم، فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودي ~~به. وحج بالناس العباس بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. وفيها ~~ولى الرشيد عبد الله بن مالك طبرستان والري ودنباوند وقومس وهمذان، ~~وهومتوجه إلى الري، فقال أبوالعتاهية في مسيره إليهأن وكان الرشيد ولد بها: ms2167 ~~إن أمين الله في خلقه ... حن به البر إلى مولده ليصلح الري وأقطارها ... ~~ويمطر الخير بها من يده وفيها مات محمد بن الحسن الشيباني الفقيه، صاحب أبي ~~حنيفة، وحميد بن عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي أبوعوف، وسابق بن عبد الله ~~الموصلي، وكان من الصالحين البكائين من خشية الله تعالى. ### | AUT حوادث سنة تسعين ومائة # ### || AUT ذكر خلع رافع بن الليث بن نصر # وفي هذه السنة ظهر رافع بن الليث بن نصر بما وراء النهر مخالفا للرشيد ~~بسمرقند. وكان سبب ذلك أن يحيى بن الأشعث بن يحيى الطائي تزوج ابنة لعمه ~~أبي النعمان، وكانت ذات يسار ولسان، ثم تركها بسمرقند، وأقام ببغداد، واتخذ ~~السراري، فلما طال ذلك عليهأن أرادت التخلص منه، وبلغ رافعا خبرهأن فطمع ~~فيها وفي مالهأن فدس إليها من قال لها: إنه لا سبيل إلى الخلاص من زوجها ~~إلا أن تشهد عليها قوما أنها أشركت بالله، ثم تتوب، فينفسخ نكاحهأن وتحل ~~للأزواج، ففعلت ذلك، وتزوجها رافع. فبلغ الخبر يحيى بن الأشعث، فشكا إلى ~~الرشيد، فكتب إلى علي بن عيسى بن ماهان يأمره أن يفرق بينهمأن وأن يعاقب ~~رافعأن ويجلده الحد، ويقيده ويطوف به في سمرقند على حمار ليكون عظة لغيره، ~~ففعل به ذلك، ولم يحده، وطلقها رافع وحبس بسمرقند، فهرب من الحبس، فلحق ~~بعلي بن عيسى ببلخ، فأراد ضرب عنقه، فشفع فيه عيسى بن علي بن عيسى، وأمره ~~بالانصراف إلى سمرقند، فرجع إليهأن ووثب بعامل علي بن عيسى عليها، فقتله، ~~واستولى عليها فوجه إليه ابنه، فلقيه، فهزمه رافع، فأخذ علي بن عيسى في جمع ~~الرجال والتأهب لمحاربته، وانقضت السنة. ### || AUT ذكر فتح هرقلة # في هذه السنة فتح الرشيد هرقلة، وأخربها؛ وكان سبب مسيره إليها ما ~~ذكرناه سنة سبع وثمانين ومائة، من غدر نقفور، وكان فتحها في شوال، وكان ~~حصرها ثلاثين يومأن وسبى أهلهأن وكان قد دخل البلاد في مائة ألف وخمسة ~~وثلاثين ألفا من المرتزقة، سوى الأتباع والمتطوعة، ومن لا ديوان له، وأناخ ~~عبد الله بن مالك على ذي ms2168 الكلاع، ووجه داود بن عيسى بن موسى سائرا في أرض ~~الروم في سبعين ألفا يخرب وينهب، ففتح الله عليه، وفتح شراحيل بن معن بن ~~زائدة حصن الصقالبة ودلسة، وافتتح يزيد بن مخلد الصفصاف وملقونية، واستعمل ~~حميد بن معيوف على سواحل الشام ومصر، فبلغ قبرس، فهدم واحرق وسبى من أهلها ~~سبعة عشر ألفا فأقدمهم الرافقة، فبيعوا بهأن وبلغ فداء أسقف قبرس ألفي ~~دينار. ثم سار الرشيد إلى طوانة، فنزل بهأن ثم رحل عنهأن وخلف عليها عقبة ~~بن جعفر. وبعث نقفور بالخراج والجزية عن رأسه أربعة دنانير، وعن رأس ولده ~~دينارين، وعن بطارقته كذلك، وكتب نقفور إلى الرشيد في جارية من سبي هرقلة ~~كان خطبها لولده، فأرسلها إليه. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # وخرج في هذه السنة خارجي من ناحية عبد القيس، يقال له سيف بن بكير، فوجه ~~إليه الرشيد محمد بن يزيد ين مزيد، فقتله بعين النورة. وفيها نقض أهل قبرس ~~العهد، فعزاهم معيوف بن يحيى، فسبى أهلها. وحج بالناس عيسى بن موسى الهادي. ~~PageV03P0110 # وفيها اسلم الفضل بن سهل على يد المأمون، وقيل بل أسلم أبوه سهل على يد ~~المهدي، وكان محبوسأن وقيل أسلم الفضل وأخوه الحسن على يد يحيى بن خالد، ~~فاختاره يحيى لخدمة المأمون، فلهذا كان الفضل يرعى البرامكة، ويثني عليهم، ~~ولقب بذي الرئاستين لأنه تقلد الوزارة والسيف، وكان يتشيع، وهوالذي أشار ~~على المامون بالعهد لعلي بن موسى الرضي، عليه السلام. وكان على الموصل هذه ~~السنة خالد بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، ولما دخل الموصل أنكسر ~~لواؤه في باب المدينة، فتطير منه، وكان معه أبوالشيص الشاعر، فقال في ذلك: ~~ما كان منكسر اللواء لطيرة ... تخشى ولا أمر يكون مويلا لكن هذا الرمح أضعف ~~ركنه ... صغر الولاية فاستقل الموصلا فسري عن خالد وفيها غزا الرشيد ~~الصائفة، واستخلف المأمون بالرقة، وفوض إليه الأمور، وكتب إليه الآفاق ~~بذلك، ودفع إليه خاتم المنصور تيمنا به، ونقشه: الله ثقتي آمنت به. وفيها ~~خرجت الروم إلى عين زربي، والكنيسة السوداء وأغاروأن فاستنقذ ms2169 أهل المصيصة ~~ما كان معهم من الغنيمة. وفيها توفي أسد بن عمروبن عامر أبوالمنذر البجلي ~~الكوفي، صاحب أبي حنيفة. وفيها توفي يحيى بن خالد بن برمك محبوسا بالرافقة ~~في المحرم وعمره سبعون سنة، وعمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي البصري. ### | AUT حوادث سنة إحدى وتسعين ومائة # ### || AUT ذكر الفتنة من أهل طليطلة # ### || AUT وهو وقعة الحفرة # في هذه السنة أوقع الأمير الحكم بن هشام الأموي، صاحب الأندلس، بأهل ~~طليطلة، فقتل منهم ما يزيد على خمسة آلاف رجل من أعيان أهلها. وسبب ذلك أن ~~أهل طليطلة كانوا قد طمعوا في الأمراء، وخلعوهم مرة بعد أخرى، وقويت نفوسهم ~~بحصانة بلدهم وكثرة أموالهم، فلم يكونوا يطيعون أمراءهم طاعة مرضية، فلما ~~أعيا الحكم شأنهم أعمل الحيلة في الظفر بهم، فاستعان في ذلك بعمروس بن يوسف ~~المعروف بالمولد، وكان قد ظهر في هذا الوقت بالثغر الأعلى، فأظهر طاعة ~~الحكم، ودعا إليه، فاطمأن إليه بهذا السبب، وكان من أهل مدينة وشقة، ~~فاستحضره فحضر عنده، فأكرمه الحكم، وبالغ في إكرامه، وأطلعه على عزمه في ~~أهل طليطلة وواطأه على التدبير عليهم، فولاه طليطلة، وكتب إلى أهلها يقول: ~~إني قد اخترت لكم فلانأن وهومنكم، لتطمئن قلوبكم إليه، وأعفيتكم ممن تكرهون ~~من عمالنا وموالينأن ولتعرفوا جميل رأينا فيكم. فمضى عمروس إليهم، ودخل ~~طليطلة، فأنس به أهلهأن واطمأنوا إليه، وأحسن عشرتهم، وكان أول ما عمل ~~عليهم من الحيلة أن أظهر لهم موافقتهم على بغض بني أمية، وخلع طاعتهم، ~~فمالوا إليه، ووثقوا بما يفعله؛ ثم قال لهم: إن سبب الشر بينكم وبين أصحاب ~~الأمير إمنا هواختلاطهم بكم، وقد رأيت أن أبني بناء أعتزل فيه أنا وأصحاب ~~السلطان رفقا بكم؛ فأجابوه إلى ذلك، فبنى في وسط البلد ما أراد. فلما مضى ~~لذلك مدة كتب الأمير الحكم إلى عامل له على الثغر الأعلى سرا يأمره أن يرسل ~~إليه يستغيث من جيوش الكفرة، وطلب النجدة والعساكر، ففعل العامل ذلك فحشد ~~الحكم الجيوش من كل ناحية، واستعمل عليهم ابنه عبد الرحمن لدخولهأن فأتاه، ~~وهوعندهأن ms2170 الخبر من ذلك العامل أن عساكر الكفرة قد تفرقت، وكفى الله شرهأن ~~فتفرق العسكر، وعزم عبد الرحمن على العود إلى قرطبة، فقال عمروس عند ذلك ~~لأهل طليطلة: قد ترون نزول ولد الحكم إلى جانبي، وإنه يلزمني الخروج إليه ~~وقضاء حقه، فإن نشطتم لذلك وإلا سرت إليه وحدي؛ فخرج معه وجوه أهل طليطلة، ~~فأكرمهم عبد الرحمن، وأحسن إليهم. وكان الحكم قد أرسل مع ولده خادما له، ~~ومعه كتاب لطيف إلى عمروس، فأتاه الخادم، وصاحه، وسلم الكتاب إليه من غير ~~أن يحادثه، فلما قرأ عمروس الكتاب رأى فيه كيف تكون الحيلة على أهل طليطلة، ~~فأشار إلى أعيان أهلها بأن يسألوا عبد الرحمن الدخول إليهم ليرى هو وأهل ~~عسكره كثرتهم، ومنعتهم، وقوتهم، فظنوه ينصحهم، ففعلوا ذلك، وأدخلوا عبد ~~الرحمن البلد، ونزل مع عمروس في داره، وأتاه أهل طليطلة أرسالا يسلمون ~~عليه. وأشاع عمروس أن عبد الرحمن يريد أن يتخذ لهم وليمة عظيمة، وشرع في ~~الاستعداد لذلك، وواعدهم يوما ذكره، وقرر معهم أن يدخلون من باب، ويخرجون ~~من آخر ليقل الزحام، ففعلوا ذلك. PageV03P0111 # فلما كان اليوم المذكور أتاه الناس أفواجأن فكان كلما دخل فوج، أخذوا ~~وحملوا إلى جماعة من الجند على حفرة كبيرة في ذلك القصر، فضربت رقابهم ~~عليها؛ فلما تعالى النهار أتى بعضهم فلم ير أحدأن فقال: أين الناس؟ فقيل: ~~إنهم يدخلون من هذا الباب، ويخرجون من الباب الآخر، فقال: ما لقيني منهم ~~أحد، وعلم الحال، وصاح، وأعلم الناس هلاك أصحابهم، فكان سبب نجاة من بقي ~~منهم، فذلت رقابهم بعدهأن وحسنت طاعتهم بقية أيام الحكم وأيام ولده عبد ~~الرحمن، ثم انجبرت مصيبتهم، وكثروأن فلما هلك عبد الرحمن وولي ابنه محمد ~~عاجلوه بالخلع على ما نذكره. ### || AUT ذكر عصيان أهل ماردة على الحكم وما فعله بأهل قرطبة # وفيها عصى أصبغ بن عبد اله، ووافقه أهل مدينة ماردة من الأندلس، على ~~الحكم، وأخرجوا عامله، واتصل الخبر بالحكم، فسار إليها وحاصرهأن فبيمنا ~~هومجد في الحصار أتاه الخبر عن أهل قرطبة أنهم أعلنوا العصيان له، فرجع ~~مبادرأن ms2171 فوصل إلى قرطبة في ثلاثة أيام، وكشف عن الذين أثاروا الفتنة، ~~فصلبهم منكسين، وضرب أعناق جماعة، فارتدع الباقون بذلك، واشتدت كراهيتهم ~~له. ولم يزل أهل مادرة تارة يطيعون، ومرة يعصون إلى سنة اثنتين وتسعين، ~~فضعف أمر أصبغ لأن الحكم تابع إرسال الجيوش إليه، واستمال جماعة من أعيان ~~أهل ماردة وثقاته من أصحابه، فمالوا إليه، وفارقوا اصبغ، حتى أخوه، فتحير ~~أصبغ، وضعفت نفسه، فأرسل يطلب الأمان فأمنه الحكم، ففارق ماردة، وحضر عند ~~الحكم، وأقام عنده بقرطبة. ### || AUT ذكر غزو الفرنج بالأندلس # في هذه السنة تجهز لذريق ملك الفرنج بالأندلس، وجمع جموعه ليسير إلى ~~مدينة طرطوشة ليحصرهأن فبلغ ذلك الحكم، فجمع العساكر وسيرها مع ولده عبد ~~الرحمن فاجتمعوا في جيش عظيم، وتبعهم كثير من المتطوعة، فساروأن فلقوا ~~الفرنج في أطراف بلادهم قبل أن ينالوا من بلاد المسلمين شيئأن فاقتتلوا ~~وبذل كل من الطائفتين جهده، واستنفد وسعه، فأنزل الله تعالى نصره على ~~المسلمين، فانهزم الكفار، وكثر القتل فيهم، والأسر، ونهبت أموالهم ~~وأثقالهم، وعاد المسلمون ظافرين غامنين. ### || AUT ذكر عصيان حزم على الحكم # في هذه السنة خالف حزم بن وهب بناحية باجة، ووافقه غيره، وقصدوا لشبونة، ~~وكان الحكم يسمي حزمأن في كتبه، النبطي، فلما سمع الحكم خبره سير إليه ابنه ~~هشاما في جمع كثير، فأذله ومن معه، وقطع الأشجار وضيق عليهم، حتى أذعنوا ~~لطلب الأمان فأمنه. ### || AUT ذكر عزل علي بن عيسى بن ماهان عن خراسان وولاية هرثمة # وفيها عزل الرشيد علي بن عيسى بن ماهان عن خراسان؛ وكان سبب ذلك ما ~~ذكرناه من قتل ابنه عيسى، فلما قتل جزع عليه أبوه، فخرج عن بلخ إلى ~~مرومخافة عليها أن يسير إليها رافع بن الليث ليأخذهأن وكان ابنه عيسى قد ~~دفن في بستان، في داره ببلخ، أموالا عظيمة قيل كانت ثلاثين ألف ألف، ولم ~~يعلم بها أبوه ولم يطلع عليها إلا جارية له، فلما سار علي بن عيسى إلى ~~مروأطلعت الجارية على ذلك بعض الخدم، وتحدث به الناس، واجتمعوأن ودخلوا ~~البستان، ونهبوا المال، وبلغ الرشيد ms2172 الخبر، فقال: خرج عن بلخ عن غير أمري، ~~وخلف مثل هذا المال، وهويزعن أنه قد باع حلي نسائه، فيما أنفق على محاربة ~~رافع! فعزله، واستعمل هرثمة بن أعين. وكان قد نقم الرشيد عليه ما كان يبلغه ~~من سوء سيرته وإهانته أعيان الناس واستخفافه بهم، فمن ذلك أنه دخل عليه ~~يوما الحسين بن مصعب والد طاهر بن الحسين، وهشام بن فرخسرو، فسلما عليه، ~~فقال للحسين: لا سلم الله عليك يا ملحد بن الملحد، والله إني لأعرف ما أنت ~~عليه من عداوة الإسلام، والطعن في الدين، ولم أنتظر بقتلك إلا أمر الخليفة، ~~ألست المرجف بي في منزلي هذا بعد أن ثملت من الحزم، وزعمت أنك جاءتك كتب من ~~بغداد بعزلي؟ اخرج إلى سخط الله لعنك الله، فعن قريب ما يكون منهأن فاعتذر ~~إليه، فلم يقبل عذره، وأمر بإخراجه فأخرج. وقال لهشام بن فرخسرو: صارت دارك ~~دار الندوة، يجتمع إليك السفهاء تطعن على الولادة، سفك الله دمي إن لم أسفك ~~دمك! فاعتذر إليه، فلم يعذره فأخرجه. PageV03P0112 # فأما الحسين فسار إلى الرشيد، فاستجار به وشكا إليه فأجاره؛ وأما هشام ~~فإنه قال لبنت له: إني أخاف الأمير على دمي وأنا مفض إليك بأمر إن أنت ~~أظهرته قتلت، وإن أنت كتمته سلمت. قالت: وما هو؟ قال: قد عزمت على أن أظهر ~~أن الفالج قد أصابني، فإذا كان في السحر، فاجمعي جواريك، واقصدي فراشي ~~وحركيني، فإذا رأيت حركتي تقلت فصيحي أنت وجواريك، واجمعي إخواتك فأعلميهم ~~علتي، ففعلت ما أمرهأن وكانت عاقلة، فأقام مطروحا على فراشه حينا إلى أن ~~جاء هرثمة واليأن فركب إلى لقائه، فرآه علي بن عيسى بن ماهان، فقال: إلى ~~أين؟ فقال: أتلقى الأمير أبا حاتم. قال: ألم تكن عليلا؟ فقال: وهب الله ~~العافية، وعزل الطاغية في ليلة واحدة، فعلى هذا تكون ولاية هرثمة ظاهرة. ~~وقيل: بل كانت ولايته سرأن لم يطلع الرشيد عليها أحدأن فقيل: إنه لما أراد ~~عزل علي بن عيسى استدعى هرثمة، وأسر إليه ذلك، وقال له: إن علي بن عيسى قد ms2173 ~~كتب يستمدني بالعساكر والأموال، فأظهر للناس أنك تسير إليه نجدة له. وكتب ~~له الرشيد كتابا بولايته بخط يده، وأمر أن يكتبوا له إلي علي بن عيسى بأنه ~~قد سير هرثمة نجدة له. فسار هرثمة ولا يعلم بأمره أحد، حتى ورد نيسابور، ~~فلما وردها استعمل أصحابه على كورهأن وسار مجدا يسبق الخبر، فأتى مرو ~~والتقاه علي بن عيسى، فاحترمه هرثمة، وعظمه، حتى دخل البلد، ثم قبض عليه ~~وعلى أهله وأصحابه وأتباعه وأخذ أمواله فبلغت ثمانين ألف ألف؛ وكانت خزائنه ~~وأثاثه على ألف وخمسمائة بعير، فأخذ الرشيد ذلك كله؛ وكان وصول هرثمة إلى ~~خراسان سنة اثنتين وتسعين، فلما فرغ هرثمة من أخذ أموالهم أقامهم لمطالبة ~~الناس، وكتب إلى الرشيد بذلك، وسير علي بن عيسى إليه على بعير بغير وطاء ولا غطاء. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها خرج خارجي يقال له ثروان بن سيف بناحية حولايأن وتنقل في السواد، ~~فوجه إليه طوق بن مالك، فهزمه طوق، وجرحه وقتل عامة أصحابه. وفيها خرج ~~أبوالنداء بالشام، فسير الرشيد في طلبه يحيى بن معاذ، وعقد له على الشام. ~~وفيها ظفر حماد البربري بهيصم اليماني. وفيها أرسل أهل نسف إلى رافع بن ~~الليث يسألونه أن يوجه إليهم من يعينهم على قتل عيسى بن علي بن عيسى، وعلي ~~بن عيسى، فأرسل إليهم جمعأن فقتلوا عيسى وحده في ذي القعدة. وفيها غزا يزيد ~~بن مخلد الهبيري أرض الروم في عشرة آلاف، فأخذت الروم عليه المضيق، فقتلوه ~~وخمسين رجلأن وسلم الباقون، وكان ذلك على مرحلتين من طرسوس. وفيها استعمل ~~الرشيد على الصائفة هرثمة بن أعين قبل أن يوليه خراسان، وضم إليه ثلاثين ~~ألفا من أهل خراسان، ورتب الرشيد بدرب الحدث عبد الله بن مالك، وبمرعش سعيد ~~بن سلم بن قتيبة، فأغارت الروم عليهأن فأصابوا من المسلمين، وانصرفوأن ولم ~~يتحرك سعيد من موضعه؛ وبعث محمد بن يزيد بن مزيد إلى طرسوس. وأقام الرشيد ~~بدرب الحدث ثلاثة أيام من رمضان، وعاد إلى الرقة، وأمر الرشيد بهدم الكنائس ~~بالثغور، وأخذ أهل الذمة بمخالفة ms2174 هيئة المسلمين في لباسهم، وركوبهم، وأمر ~~هرثمة ببناء طرسوس وتمصيرهأن ففعل، وتولى ذلك فرج الخادم بأمر الرشيد، وسير ~~إليها جندا من أهل خراسان ثلاثة آلاف، ثم أشخص إليهم ألفا من أهل المصيصة، ~~وألفا من أهل أنطاكية، وتم بناؤها سنة اثنتين وتسعين ومائة، وبنى مسجدها. ~~وحج بالناس هذه السنة الفضل بن العباس بن محمد بن علي، وكان أميرا على مكة؛ ~~وكان على الموصل محمد بن الفضل بن سليمان. وفيها توفي الفضل بن موسى ~~السيناني أبوعبد الله المروزي، مولى بني قطيعة، وكان مولده سنة خمس عشرة ~~ومائة. السيناين بكسر السين المهملة، وبالياء المثناة من تحت، وبالنون قبل ~~الألف، ثم بنون بعده، منسوب إلى سينان وهي قرية من قرى مرو. ### | AUT حوادث سنة اثنتين وتسعين ومائة # ### || AUT ذكر مسير الرشيد إلى خراسان # PageV03P0113 # فيها سار الرشيد من الرقة إلى بغداد يريد خراسان لحرب رافع بن الليث، ~~وكان مريضا واستخلف على الرقة ابنه القاسم، وضم إليه خزيمة بن خازم، وسار ~~من بغداد إلى النهروان لخمس خلون من شعبان، واستخلف على بغداد ابنه الأمين، ~~وأمر المأمون بالمقام ببغداد. فقال الفضل بن سهل للمأمون، حين أراد الرشيد ~~المسير إلى خراسان: لست تدري ما يحدث بالرشيد، وخراسان ولايتك ومحمد الأمين ~~المقدم عليك، وإن أحسن ما يصنع بك أن يخلعك، وهوابن زبيدة وأخواله بنوهاشم، ~~وزبيدة وأموالهأن فاطلب إلى أمير المؤمنين أن تسير معه؛ فطلب إليه ذلك، ~~فأجابه بعد امتناع. فلما سار الرشيد سايره الصباح الطبري، فقال له: يا صباح ~~لا أظنك تراني أبدأن فدعا؛ فقال: ما أظنك تدري ما أجد. قال الصباح: لا ~~والله؛ فعدل عن الطريق، واستظل بشجرة، وأمر خواصه بالبعد، فكشف عن بطنه. ~~فإذا عليه عصابة حرير، فقال: هذه علة أكتمها الناس كلهم، ولكل واحد من ولدي ~~علي رقيب، فمسرور رقيب المأمون، وجبرائيل بن بختيشوع رقيب الأمين، وما منهم ~~أحد إلا وهويحصي أنفاسي، ويستطيل دهري، وإن أردت أن تعلم ذلك، فالساعة ~~أدعوبدابة فيأتوني بدابة أعجف قطوف لتزيد بي علتي، فاكتم علي ذلك. فدعا له ~~بالبقاء، ثم طلب ms2175 الرشيد دابة، فجاؤوا بها على ما وصف، فنظر إلى الصباح وركبها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها تحركت الخرمية بناحية أذربيجان، فوجه إليهم الرشيد عبد الله بن ~~مالك في عشرة آلاف، فقتل وسبى وأسر، ووافه بقرماسين، فأمره بقتل الأسرى، ~~وبيع السبي. وفيها قدم يحيى بن معاذ على الرشيد بأبي النداء، فقتله. وفيها ~~فارق جماعة من القواد رافع بن الليث، وصاروا إلى هرثمة، منهم عجيف بن عنبسة ~~وغيره. وفيها استعمل الرشيد على الثغور ثابت بن نصر بن مالك، فافتتح ~~مطمورة. وفيها كان الفداء بالبذندون. وفيها خرج ثروان الحروري بطف البصرة، ~~فقاتل عامل السلطان بها. وفيها مات عيسى بن جعفر بن المنصور بالدسكرة، ~~وهويريد اللحاق بالرشيد. وفيها قتل الرشيد الهيصم الكناني وحج بالناس هذه ~~السنة العباس بن عبد الله بن جعفر بن المنصور. وفيها كان وصول هرثمة إلى ~~خراسان، كما تقدم، وحصر هرثمة رافع بن الليث بسمرقند، وضايقه، واستقدم طاهر ~~بن الحسين فحضر عنده وخلت خراسان لحمزة الخارجي، حتى دخلهأن وصار يقتل، ~~ويجمع الأموال، ويحملها إليه عمال هراة وسجستان، فخرج إليه عبد الرحمن ~~النيسابوري، فاجتمع إليه نحوعشرين ألفأن فسار إلى حمزة فقاتله قتالا شديدا ~~فقتل من أصحاب حمزة خلقأن وسار خلفه حتى بلغ هراة، وكان ذلك سنة أربع ~~وتسعين، فكتب إليه المأمون، فرده وأدام هرثمة على حصار سمرقند حتى فتحهأن ~~على ما نذكره إن شاء الله تعالى؛ وقتل رافع بن الليث وجماعة من أقربائه، ~~واستعمل على ما وراء النهر بن يحيى، فعاد، وكان قتله رافعا سنة خمس وتسعين. ~~وفي هذه السنة توفي عبد الله بن إدريس بن يزيد الأودي الكوفي، ويوسف بن أبي ~~يوسف القاضي. وفيها كان الفداء الثاني بين المسلمين والروم، وكان القيم به ~~ثابت بن نصر بن مالك الخزاعي، وكان عدة الأسرى من المسلمين ألفين وخمسمائة أسير. ### | AUT حوادث سنة ثلاث وتسعين ومائة # ### || AUT ذكر موت الفضل بن يحيى # في هذه السنة مات الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في الحبس بالرقة، وكانت ~~علته أنه أصابه ثقل في لسانه وشقه، ms2176 فعولج أشهرأن فبرأن وكان يقول: ما أحب ~~أن يموت الرشيد لأن أمري قريب من أمره. فلما صح من علته، وتحدث، عادته ~~العلة، واشتدت عليه، وانعقد لسانه وطرفه، فمات في المحرم، وصلى عليه إخوانه ~~في القصر الذي كانوا فيه، ثم أخرج فصلى عليه الناس، وجزع الناس عليه. وكان ~~موته قبل الرشيد بخمسة أشهر وهوابن خمس وأربعين سنة؛ وكان من محاسن الدنيا ~~لم ير في العالم مثله؛ ولاشتهار أخباره، وأخبار أهله، وحسن سيرتهم لم ~~نذكرها. وفيها مات سعيد الطبري المعروف بالجوهري. وفيها كانت وقعة بين ~~هرثمة وأصحاب رافع كان الظفر لهرثمة، وافتتح بخاري، وأسر بشيرا أخاص رافع، ~~فبعث به إلى الرشيد. ### || AUT ذكر موت الرشيد # وفي هذه السنة مات الرشيد أول جمادى الآخرة لثلاث خلون منه، وكانت قد ~~اشتدت علته بالطريق بجرجان، فسار إلى طوس فمات بها. PageV03P0114 # قال جبرائيل بن بختيشوع: كنت مع الرشيد بالرقة، وكنت أول من يدخل عليه في ~~كل غداة، أتعرف حاله في ليلته، ثم يحدثني وينبسط إلي، ويسألني عن أخبار ~~العامة، فدخلت عليه يومأن فسلمت عليه، فلم يكد يرفع طرفه، ورأيته عابسا ~~مفكرا مهمومأن فوقفت مليا من النهار، وهوعلى تلك الحال، فلما طال ذلك أقدمت ~~فسألته عن حاله، وما سببه؟ فقال: إن فكري وهمي لرؤيا رأيتها في ليلتي هذه ~~قد أفزعتني، وملأت صدري. فقلت: فرجت عني، يا أمير المؤمنين؛ ثم قبلت يده ~~ورجله، وقلت: الرؤيا إمنا تكون لخاطر أوبخارات ردية، وتهاويل السوداء، وهي ~~أضغاث أحلام. قال: فإني أقصها عليك، رأيت كأني جالس على سريري هذأن إذ بدت ~~من تحتي ذراع أعرفهأن وكف أعرفهأن لا أفهم اسم صاحبهأن وفي الكف تربة ~~حمراء. فقال لي قائل اسمعه ولا أرى شخصه: هذه التربة التي تدفن فيها؛ فقلت: ~~وأين هذه التربة؟ قال: طوس، وغابت اليد، وانقطع الكلام. فقلت: أحسبك لما ~~أخذت مضجعك فكرت في خراسان، وما ورد عليك منهأن وانتقاض بعضهأن فذلك الفكر ~~أوجب هذه الرؤيا. فقال: كان ذلك؛ فأمرته باللهو والانبساط، ففعل، ونسينا ~~الرؤيأن وطالت الأيام، ثم سار إلى خراسان لحرب ms2177 رافع، فلما صار ببعض الطريق ~~ابتدأت به العلة، فلم تزل تزيد، حتى دخلنا طوس، فبينا هويمرض في بستان في ~~ذلك القصر الذي هوفيه، إذ ذكر تلك الرؤيأن فوثب متحاملا يقوم ويسقط، ~~فاجتمعنا إليه نسأله، فقال: أتذكر رؤياي بالرقة في طوس؟ ثم رفع رأسه إلى ~~مسرور فقال: جئني من تربة هذا البستان! فأتاه بها في كفه حاسرا عن ذراعه، ~~فلما نظر إليه قال: هذه والله الذراع التي رأيتها في منامي، وهذه الكف ~~بعينهأن وهذه التربة الحمراء ما خرمت شيئا؛ وأقبل على البكاء والنحيب، ثم ~~مات بعد ثلاثة أيام. قال أبوجعفر: لما سار الرشيد عن بغداد إلى خراسان بلغ ~~جرجان في صفر، وقد اشتدت علته، فسير ابنه المأمون إلى مرو، وسير معه من ~~القواد عبد الله بن مالك، ويحيى بن معاذ، وأسد بن يزيد، والعباس بن جعفر بن ~~محمد بن الأشعث، والسندي الحرشي، ونعيم بن حازم، وسار الرشيد إلى طوس واشتد ~~به الوجع، حتى ضعف عن الحركة، فلما أثقل أرجف به الناس، فبلغه ذلك، فأمر ~~بمركوب ليركبه ليراه الناس، فأتي بفرس فلم يقدر على النهوض، فأتي ببرذون ~~فلم يطق النهوض، فأتي بحمار فلم ينهض، فقال: ردوني! صدق والله الناس. ووصل ~~إليه، وهو بطوس، بشير بن الليث أخو رافع أسيرأن فقال الرشيد: والله لو لم ~~يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت اقتلوه. ثم دعا بقصاب، فأمر به، ~~ففصل أعضاءه، فلما فرغ منه أغمي عليه، وتفرق الناس عنه. فلما أيس من نفسه ~~أمر بقبره، فحفر في موضع من الدار التي كان فيها، وأنزل إليه قومأن فقرأوا ~~فيه القرآن حتى ختموأن وهوفي محفة على شفير القبر، يقول: ابن آدم تصير إلى ~~هذا؛ وكان يقول في تلك الحال: واسوأتاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقال الهيثم بن عدي: لما حضرت الرشيد الوفاة غشي عليه، ففتح عينيه منها ~~فرأى الفضل بن الربيع على رأسه، فقال: يا فضل: أحين دنا ما كنت أرجو دنوه ~~... رمتني عيون الناس من كل جاني فأصبحت مرحوما وكنت ms2178 محسدا ... فصبرا لي ~~مكروه أمن العواقب سأبكي على الوصل الذي كان بيننا ... وأندب أيام السرور ~~الذواهب قال سهل بن صاعد: كنت عند الرشيد وهو يجود بنفسه، فدعا بملحفة ~~غليظة، فاجتبى بهأن وجعل يقاسي ما يقاسي، فنهضت، فقال: اقعد، فقعدت طويلا ~~لا يكلمني ولا أكلمه، فنهضت، فقال: أين سهل؟ فقلت: ما يتسع قلبي يا أمير ~~المؤمنين، يعاني من المرض ما يعاني، فلواضطجعت، يا أمير المؤمنين، فضحك ضحك ~~صحيح، ثم قال: يا سهل! اذكر في هذه الحال قول الشاعر: وإني من قوم كرام ~~يزيدهم ... شماسا وصبرا شدة الحدثان ثم مات، وصلى عليه ابنه صالح، وحضر ~~وفاته الفضل بن الربيع، وإسماعيل بن صبيح، ومسرور وحسين ورشيد. وكانت ~~خلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يومأن وقيل ملك ثلاثا وعشرين ~~سنة وشهرا وستة عشر يومأن وكان عمره سبعا وأربعين سنة وخمسة أشهر وخمسة ~~أيام، وكان جميلأن وسيما أبيض، جعدا قد وخطه الشيب؛ قال: وكان في بيت المال ~~لما توفي تسعمائة ألف ألف ونيف. PageV03P0115 ### || AUT ذكر ولاة الأمصار أيام الرشيد # ### || AUT ولاة المدينة # إسحاق بن عيسى بن علي، عبد الملك صالح بن علي، محمد بن عبد الله، موسى ~~بن عيسى بن موسى، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، علي بن عيسى بن موسى، محمد ~~بن إبراهيم، عبد الله بن مصعب، بكار بن عبد اله بن مصعب، محمد بن علي، ~~أبوالبختري وهب بن منبه. ### || AUT ولاة مكة # العباس بن محمد بن إبراهيم، سليمان بن جعفر بن سليمان، موسى بن عيسى بن ~~موسى، عبد الله بن محمد بن إبراهيم، عبد الله بن قثم بن العباس، عبيد الله ~~بن قثم، عبد الله بن محمد بن عمران، عبيد الله بن محمد بن إبراهيم، العباس ~~بن موسى بن عيسى، علي بن موسى بن عيسى، محمد بن عبد الله العثماني، حماد ~~البربري، سليمان بن جعفر بن سليمان، الفضل بن العباس بن محمد، أحمد بن ~~إسماعيل بن علي. ### || AUT ولاة الكوفة # موسى بن عيسى بن موسى، محمد بن إبراهيم، عبيد الله بن محمد ms2179 بن إبراهيم، ~~يعقوب بن أبي جعفر، موسى بن عيسى بن موسى، العباس بن عيسى بن موسى، إسحاق ~~بن الصباح الكندي، موسى بن عيسى بن موسى، العباس بن عيسى بن موسى، موسى بن ~~عيسى بن موسى، جعفر بن أبي جعفر. ### || AUT ولاة البصرة # محمد بن سليمان بن علي، سليمان بن أبي جعفر، عيسى بن جعفر بن أبي جعفر، ~~خزيمة بن خازم، عيسى بن جعفر، جرير بن يزيد، جعفر بن سليمان، جعفر بن أبي ~~جعفر، عبد الصمد بن علي، مالك بن علي الخزاعي، إسحاق بن سليمان بن علي، ~~سليمان بن أبي جعفر، عيسى بن جعفر، الحسن بن جميل مولى أمير المؤمنين، عيسى ~~بن جعفر بن أبي جعفر، جرير بن يزيد، عبد الصمد بن علي، إسحاق بن عيسى بن علي. ### || AUT ولاة خراسان # أبو العباس الطوسي، جعفر بن محمد بن الأشعث، العباس بن جعفر، الغطريف بن ~~عطاب، سليمان بن راشد على الخراج، حمزة بن مالك، الفضل بن يحيى بن خالد، ~~منصور بن يزيد بن منصور، جعفر بن يحيى، وخليفته بها علي بن عيسى بن ماهان، ~~هرثمة بن أعين، العباس بن جعفر للمأمون بهأن علي بن الحسن بن قحطبة. ### || AUT ذكر نسائه وأولاده # قيل: تزوج زبيدة، وهي أم جعفر بنت جعفر بن المنصور، وأعرس بها سنة خمس ~~وستين ومائة، فولدت محمدا الأمين، وماتت سنة ست وعشرين ومائتين. وتزوج أمه ~~العزيز أم ولد الهادي، فولدت له علي بن الرشيد. وتزوج أم محمد بنت صالح ~~المسكين. وتزوج العباسة بنت سليمان بن المنصور. وتزوج عزيزة ابنة خاله ~~الغطريف. وتزوج العثمانية، وهيس ابنة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن ~~عمروبن عثمان بن عفان، وجدة أبيها فاطمة بنت الحسين بن علي. ومات الرشيد عن ~~أربع مهائر: زبيدة، وأم محمد بنت صالح، وعباسة، والعثمانية. وكان قد ولد له ~~من الذكور: محمد الأمين من زبيدة، وعبد الله المأمون، لأم ولد اسمها مراجل، ~~والقاسم المؤتمن، وأبوإسحاق محمد المعتصم، وصالح، وأبوعيسى محمد، وأبويعقوب ~~محمد، وأبوالعباس محمد، وأبوسليمان محمد، وأبوعلي محمد، وأبومحمد، ms2180 وهواسمه، ~~وأبوأحمد محمد، كلهم لأمهات أولاد. وله من البنات سكينة، وأم حبيب، وأروى، ~~وأم الحسن، وأم محمد، وهي حمدونة، وفاطمة، وأم أبيهأن وأم أبيهأن وأم سلمة، ~~وخديجة، وأم القاسم، ورملة، وأم جعفر، وأم علي، والعالية، وريطة، كلهن ~~لأمهات أولاد. ### || AUT ذكر بعض سيرته # قيل: كان الرشيد يصلي كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيأن إلا من مرض، ~~وكان يتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم بعد زكاته، وكان إذا حج حج معه ~~مائة من الفقهاء وأبنائهم، فإذا لم يحج أحج ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة، ~~والكسوة الطاهرة. وكان يطلب العمل بآثار المنصور، إلا في بذل المال، فإنه ~~لم ير خليفة قبله كان أعطى منه للمال، وكان لا يضيع عنده إحسان محسن، ولا ~~يؤخر ذلك. وكان يحب الشعر الشعراء، ويميل إلى أهل الأدب والفقه، ويكره ~~المراء في الدين، وكان يحب المديح، لا سيما من شاعر فصيح، ويجزل العطاء ~~عليه، ولما مدحه مروان بن أبي حفصة بقصيدته التي منها: وسدت بهارون الثغور ~~فأحكمت ... به من أمور المسلمين المرائر أعطاه خمسة آلاف دينارن وخلعة، ~~وعشرة من الرقيق الرومي، وبرذون من خاص مركبه. PageV03P0116 # وقيل: كان مع الرشيد ابن أبي مريم المديني، وكان مضحاكا فكهأن يعرف أخبار ~~أهل الحجاز، وألقاب الأشراف، ومكايد المجان فكان الرشيد لا يصبر عنه، ~~وأسكنه في قصره، فجاء ذات ليلة وهونائم، فقام الرشيد إلى صلاة الفجر، فكشف ~~اللحاف عنه وقال: كيف أصبحت؟ فقال: ما أصبحت بعد، اذهب إلى عملك. قال: قم ~~إلى الصلاة! قال: هذا وقت صلاة أبي الجارود، وأنا من أصحاب أبي يوسف. فمضى ~~الرشيد يصلي، وقام ابن أبي مريم وأتى الرشيد فرآه يقرأ في الصلاة: (وما لي ~~لا أعبد الذي فطرني) يس: 22 فقال: ما أدري والله! فما تمالك الرشيد أن ضحك، ~~ثم قال له وهومغضب: في الصلاة أيضا! قال: وما صنعت؟ قال: قطعت علي صلاتي. ~~قال: والله ما فعلت، إمنا سمعت منك كلاما غمني حين قلت: : وما لي لا أعبد ~~الذي فطرني؟ ( فقلت: لا أدري: فعاد الرشيد ms2181 فضحك ثم قال له: إياك والقرآن ~~والدين ولك ما شئت بعدهما. وقيل: استعمل يحيى بن خالد رجلا على بعض أعمال ~~الخراج، فدخل على الرشيد يودعه، وعنده يحيى وجعفر، فقال لهما الرشيد: ~~أوصياه! فقال يحيى: وقر واعمر! وقال جعفر: أنصف وانتصف! فقال الرشيد: اعدل ~~وأحسن. وقيل: حج الرشيد مرة، فدخل الكعبة، فرآه بعض الحجبة وهوواقف على ~~أصابعه يقول: يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمير الصامتين، فإن لكل ~~مسأله منك ردا حاضرأن وجوابا عتيدأن ولكل صامت منك علم محيط، ناطق بمواعيدك ~~الصادقة، وأياديك الفاضلة، ورحمتك الواسعة، صل على محمد، وعلى آل محمد، ~~واغفر لنا ذنوبنأن وكفر عنا سيئاتنا يا من لا تضره الذنوب، ولا تخفى عليه ~~العيوب، ولا تنقصه مغفرة الخطايأن يا من كبس الأرض على الماء، وسد الهواء ~~بالسماء، واختار لنفسه أحسن الأسماء، صل على محمد وعلى آل محمد، وخر لي في ~~جميع أموري يا من خشعت له الأصوات، بأنواع اللغات، يسألونه الحاجات، إن من ~~حاجتي إليك أن تغفر لي ذنوبي، إذا توفيتني وصيرت في لحدي، وتفرق عني أهلي ~~وولدي، اللهم لك الحمد حمدا يفضل كل حمد كفضلك على جميع الخلق؛ اللهم! صل ~~على محمد، وعلى آل محمد، صلاة تكون له رضى وصل عليه صلاة تكون له ذخرا ~~وأجزه عنا الجزاء لا أوفى؛ اللهم: أحينا سعداء، وتوفنا شهداء، واجعلنا ~~سعداء مرزوقين، ولا تجعلنا أشقياء مرجومين. وقيل دخل ابن السماك على ~~الرشيد، فبيمنا هوعنده إذ طلب ماء، فلما أراد شربه قال له ابن السماك: ~~مهلأن يا أمير المؤمنين، بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لومنعت ~~هذه الشربة بكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي. قال: اشرب؛ فلما شرب قال: ~~أسألك بقرابتك من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لومنعت خروجها من بدنك ~~بماذا كنت تشتريها؟ قال: بجميع ملكي. قال: إن ملكا لا يساوي شربة ماء وخروج ~~بولة لجدير أن لا ينافس فيه! فبكى الرشيد. وقيل: كان الفضيل بن عياض يقول: ~~ما من نفس أشد علي موتا من هارون الرشيد، ولوددت ms2182 أن الله زاد من عمري في ~~عمره؛ فعظم ذلك على أصحابه؛ فلما مات، وظهرت الفتن، وكان من المأمون ما حمل ~~الناس عليه من القول بخلق القرآن، قالوا: الشيخ أعلم بما تكلم به. وقال ~~محمد بن منصور البغدادي: لما حبس الرشيد أبا العتاهية جعل عليه عينا يأتيه ~~بما يقول: فرآه يوما قد كتب على الحائط: أما والله إن الظلم لؤم ... وما ~~زال المسيء هوالظلوم إلى ديان يوم الدين بمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم ~~فأخبر بذلك الرشيد، فبكى، وأحضره، واستحله، وأعطاه ألف دينار. وقال ~~الأصمعي: صنع الرشيد يوما طعاما كثيرا وزخرف مجالسه، وأحضر أبا العتاهية، ~~فقال له: صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا؛ فقال: عش ما بدا لك سالما ~~... في ظل شاهقة القصور فقال: أحسنت! ثم قال: ماذا؟ فقال: يسعى عليك بما ~~اشتهي ... ت لدى الرواح وفي البكور فقال: أحسنت! ثم ماذا؟ فقال: فإذا ~~النفوس تقعقعت ... في ظل حشرجة الصدور فهناك تعلم موقنا ... ما كنت إلا في ~~غرور فبكى الرشيد. وقال الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير المؤمنين لتسره ~~فحزنته. فقال: دعه، فإنه رآنا في عمي، فكره أن يزيدنا. ### || AUT خلافة الأمين # PageV03P0117 # وفي هذه السنة بويع الأمين بالخلافة في عسكر الرشيد، صبيحة الليلة التي ~~توفي فيها؛ وكان المأمون حينئذ بمرو، فكتب حمويه مولى المهدي، صاحب البريد، ~~إلى نائبه ببغداد، وهوسلام بن مسلم، يعلمه بوفاة الرشيد، فدخل أبومسلم على ~~الأمين فعزاهن وهنأه بالخلافة، فكان أول الناس فعل ذلك. وكتب صالح بن ~~الرشيد إلى أخيه الأمين يخبره بوفاة الرشيد، مع رجاء الخادم، وأرسل معه ~~الخاتم، والقضيب، والبردة، فلما وصل رجاء انتقل الأمين من قصره بالخلد إلى ~~قصر الخلافة، وصلى بالناس الجمعة، ثم صعد المنبر فنعى الرشيد وعزى نفسه ~~والناس، ووعدهم الخير، وأمن الأبيض والأسود، وفرق في الجند الذين ببغداد ~~رزق أربعة وعشرين شهرأن ودعا إلى البيعة، فبايعه جلة أهل بيته، وكل عم ~~ابنه، وأمر سليمان بن المنصور بأخذ البيعة على القواد وغيرهم، وأمر السندي ~~أيضا بمبايعة من عداهم. ### || AUT ذكر ابتداء ms2183 الاختلاف بين الأمين والمأمون # في هذه السنة ابتدأ الاختلاف بين الأمين والمأمون ابني الرشيد. وكان سبب ~~ذلك أن الرشيد لما سار إلى خراسان، وأخذ البيعة للمأمون على جميع من في ~~عسكره من القواد وغيرهم، وأقر له بجميع ما معه من الأموال وغيرهأن على ما ~~سبق ذكره، عظم على الأمين ذلك، ثم بلغه شدة مرض الرشيد، فأرسل بكر بن ~~المعتمر، وكتب معه كتبأن وجعلها في قوائم صناديق المطبخ، وكانت منقورة، ~~وألبسها جلود البقر، وقال: لا تظهرن أمير المؤمنين، ولا غيره، على ذلك، ~~ولوقتلت، فإذا مات فادفع إلى كل إنسان منهم ما معك. فلما قدم بكر بن ~~المعتمر طوس بلغ هارون قدومه، فدعا به، وسأله عن سبب قدومه، فقال: بعثني ~~الأمين لآتيه بخبرك؛ قال: فهل معك كتاب؟ قال: لا؛ فأمر بما معه ففتش، فلم ~~يصيبوا شيئأن فأمر به فضرب، فلم يقر بشيء، فحبسه، وقيده، ثم أمر الفضل بن ~~الربيع بتقريره، فإن أقر وإلا ضرب عنقه؛ فقرره، فلم يقر بشيء، ثم غشي على ~~الرشيد، فصاح النساء، فأمسك الفضل على قتله، وحضر عند الرشيد، فأفاق ~~وهوضعيف قد شغل عن بكر وغيره ثم مات. وكان بكر قد كتب إلى الفضل يسأله أن ~~لا يعجل في أمره بشيء، فإن عنده أشياء يحتاج إلى عملهأن فأحضره الفضل، ~~وأعلمه بموت الرشيد، وسأله عما عنده، فخاف أن يكون الرشيد حيأن فلما تيقن ~~موته أخرج الكتب التي معه، وهي كتاب إلى أخيه المأمون يأمره بترك الجزع، ~~وأخذ البيعة على الناس لهما ولأخيهما المؤتمن، ولم يكن المأمون حاضرأن كان ~~بمرو؛ وكتاب إلى أخيه صالح يأمره بتسيير العسكر وأصحاب ما فيه، وأن يتصرف ~~هوومن معه برأي الفضل؛ وكتاب إلى الفضل يأمره بالحفظ ولا احتياط على ما معه ~~من الحرم والأموال وغير ذلك، وأقر كل من كان له عمل على عمله، كصاحب الشرطة ~~والحرس والحجابة. فلما قرأوا الكتب تشاوروا هم والقواد في اللحاق بالأمين، ~~فقال الفضل بن الربيع: لا أدع ملكا حاضرا لآخر ما أدري ما يكون من أمره. ~~وأمر الناس بالرحيل، فرحلوا ms2184 محبة منهم لأهلهم ووطنهم، وتركوا العهود التي ~~كانت أخذت عليهم للمأمون. فلما بلغ المأمون ذلك جمع من عنده من قواد أبيه، ~~وهم: عبد الله بن مالك، ويحيى بن معاذ، وشبيب بن حميد بن قحطبة، والعلاء ~~مولى هارون، وهوعلى حجابته، والعباس بن المسيب بن زهير، وهوعلى شرطته، ~~وأيوب بن أبي سمير، وهوعلى كتابته، وعبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح، ~~وذوالرياستين، وهوأعظمهم عنده قدرأن وأخصهم به، واستشارهم، فأشاروا أن ~~يلحقهم في ألفي فارس جريدة، فيردهم، فخلا به ذوالرياستين، وقال: إن فعلت ما ~~أشار به هؤلاء جعلوك هدية إلى أخيك، ولكن الرأي أن تكتب إليهم كتابا وتوجه ~~رسولا يذكرهم البيعة، ويسألهم الوفاء، ويحذرهم الحنث وما فيه دنيا وآخرة. ~~ففعل ذلك؛ ووجه سهل بن صاعد، ونوفلا الخادم، ومعهما كتاب، فلحقا الجند ~~والفضل بنيسابور، فأوصلا إلى الفضل كتابه، فقال: إمنا أنا واحد من الجند؛ ~~وشد عبد الرحمن بن جبلة الأنباري على سهل بالرمح ليطعنه، فأمره على جنبه، ~~وقال له: قل لصاحبك: لوكنت حاضرا لوضعته في فيك. وسب المأمون. PageV03P0118 # فرجعا إليه بالخبر، فقال ذوالرياستين: أعداء استرحت منعهم، ولكن أفهم عني ~~أن هذه الدولة لم تكن قط أعز منها أيام المنصور. فخرج عليه المقنع وهويدعي ~~الربوبية، وقيل طلب بدم أبي مسلم، فضعضع العسكر بخروجه بخراسان، وخرج بعده ~~يوسف البرم، وهوعند المسلمين كافر، فتضعضعوا أيضا له، فأخبرني أنت، أيها ~~الأمير، كيف رأيت الناس عندما ورد عليهم خبر رافع؟ قال: رأيتهم اضطربوا ~~اضطرابا شديدا. قال: فكيف بك وأنت نازل في أخوالك وبيعتك في أعناقهم؛ كيف ~~يكون اضطراب أهل بغداد؟ اصبر، وأنا أضمن لك الخلافة. قال المأمون: قد فعلت، ~~وجعلت الأمر إليك، فقم به. قال ذوالرياستين: والله لأصدقنك، إن عبد الله بن ~~مالك ومن معه من القواد إن قاموا لك بالأمر كانوا أنفع مني برياستهم ~~المشهورة، وبما عندهم من القوة على الحرب، فمن قام بالأمر كنت خادما له، ~~حتى تبلغ أملك وترى رأيك. وقام ذوالرياستين وأتاهم في منازلهم، وذكرهم ما ~~يجب عليهم من الوفاء، قال: فكأني جئتهم بجيفة على ms2185 طبق. فقال بعضهم: هذا لا ~~يحل، اخرج! وقال بعضهم: من الذي يدخل بين أمير المؤمنين وأخيه؟ فجئت ~~وأخبرته، فقال: قم بالأمر! قال: قلت له: قرأت القرآن، وسمعت الأحاديث، ~~وتفقهت في الدين، فأرى أن تبعث إلى من بحضرتك من الفقهاء، فتدعوهم إلى الحق ~~والعمل به وإحياء السنة، وتقعد على الصوف، وترد المظالم. ففعل ذلك جميعه، ~~وأكرمه القواد والملوك، وأبناء الملوك، وكان يقول للتميمي: نقيمك مقام موسى ~~بن كعب؛ وللربعي: نقيمك مقام أبي داود، وخالد بن إبراهيم؛ ولليماني: نقيمك ~~مقام قحطبة، ومالك بن الهيثم؛ وكل هؤلاء نقباء الدولة العباسية. ووضع عن ~~خراسان ربع الخراج، فحسن ذلك عند أهلهأن وقالوا: ابن أختنأن وابن عم نبينان ~~وأما الأمين، فلما سكن الناس ببغداد أمر ببناء ميدان حول قصر المنصور، بعد ~~بيعته بيوم، للوالجة واللعب؛ فقال شاعرهم: بنى أمين الله ميدانا ... وصير ~~الساحة بستانا وكانت الغزلان فيه بانا ... يهدي إليه فيه غزلانا وأقام ~~المأمون يتولى ما كان بيده من خراسان والري، وأهدى إلى الأمين، وكتب إليه وعظمه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة دخل هرثمة بن أعين حائط سمرقند، فأرسل رافع بن الليث إلى ~~الترك، فأتوه، وصار هرثمة بين رافع والترك، ثم إن الترك انصرفوأن فضعف ~~رافع. وفيها قدمت زبيدة امرأة الرشيد من الرقة إلى بغداد، فلقيها ابنها ~~الأمين بالأنبار، ومعه جمع من بغداد من الوجوه، وكان معه أخوه ابن الرشيد. ~~وفيها قتل نقفور ملك الروم في حرب برجان، وكان ملك سبع سنين، وملك بعده ~~ابنه استبراق، وكان مجروحأن فبقي شهرين، ومات فملك بعده ميخائيل بن جورجس، ~~ختنه على أخته. وفيها عزل الأمين أخاه القاسم المؤتمن عن الجزيرة، وأقره ~~على قنسرين والعواصم، واستعمل على الجزيرة خزيمة بن خازم. وحج بالناس هذه ~~السنة داود بن عيسى بن موسى بن محمد، وهوأمير مكة. وفيها توفي صقلاب بن ~~زياد الأندلسي وهومن أصحاب مالك، وكان فقيها زاهدا. وفي هذه السنة مات ~~مروان بن معاوية الفزازي، وقيل سنة أربع وتسعين ومائة، في ذي الحجة. وفيها ~~توفي إسماعيل بن علية، وأبوبكر ms2186 بن عياش، وله ست وتسعون سنة، عياش بالياء ~~المثناة من تحت، والشين المعجمة. ### | AUT حوادث سنة أربع وتسعين ومائة # ### || AUT ذكر خلاف أهل حمص على الأمين # في هذه السنة خالف أهل حمص على الأمين، وعلى عامهم إسحاق بن سليمان، ~~فانتقل عنهم إلى سلمية، فعزله الأمين واستعمل مكانه عبد الله بن سعيد ~~الحرشي، فقتل عدة من وجوههم، وحبس عدة، وألقى النار في نواحيهأن فسألوا ~~الأمان فأجابهم، ثم هاجوا بعد ذلك فقتل عدة منهم. ### || AUT ذكر ظهور الخلاف بين الأمين والمأمون # وفي هذه السنة أمر الأمين بالدعاء على المنابر لابنه موسى. وكان السبب ~~في ذلك أن الفضل بن الربيع لما قدم العراق من طوس، ونكث عهد المأمون، أفكر ~~في أمره، وعلم أن المأمون إن أفضت إليه الخلافة، وهوحي، لم يبق عليه، فسعى ~~في إغراء الأمين، وحثه على خلع المأمون والبيعة لابنه موسى بولاية العهد، ~~ولم يكن ذلك في عزم محمد الأمين، فلم يزل الفضل يصغر عنده أمر المأمون، ~~ويزين له خلعه، وقال له: ما تنتظر بعبد الله والقاسم، فإن البيعة كانت لك ~~قبلهمأن وإمنا أدخلا فيها بعدك. PageV03P0119 # ووافقه على هذا علي بن عيسى بن ماهان، والسندي وغيرهمأن فرجع الأمين إلى ~~قولهم. ثم إنه أحضر عبد الله بن خازم، فلم يزل في مناظرته حتى انقضى الليل، ~~وكان مما قال عبد الله: أنشدك الله، يا أمير المؤمنين، أن تكون أول الخلفاء ~~نكث عهدهن ونقض ميثاقه، ورد رأي الخليفة قبله؛ فقال: اسكت! فعبد الملك كان ~~أفضل منك رأيأن وأكمل نظرأن يقول: لا يجتمع فحلان في أجمة. ثم جمع القواد ~~عليهم خلع المأمون، فأبوا ذلك، وربما ساعده قوم حتى بلغ إلى خزيمة بن خازم ~~فقال: يا أمير المؤمنين! لم ينصحك من كذبك، ولم يغشك من صدقك، لا تجرئ ~~القواد على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك، ~~فإن الغادر مخذول، والناكث مغلول. فأقبل الأمين على علي بن عيسى بن ماهان، ~~فتبسم، وقال: لكن شيخ الدعوة، ونائب هذه الدولة لا يخالف على إمامه، ولا ms2187 ~~يوهن طاعته. ثم رفعه إلى موضع لم يرفعه إليه قبلهأن لأنه كان هووالفضل بن ~~الربيع يعينانه على الخلع؛ ولج الأمين في خلع المأمون، حتى إنه قال يوما ~~للفضل بن الربيع: يا فضل! أحياة مع عبد الله؟ لا بد من خلعه؛ والفضل يعده، ~~وهويقول: فمتى ذلك؟ إذا غلب خراسان وما فيها؛ فأول ما فعله أن كتب إلى جميع ~~العمال بالدعاء لابنه موسى بالإمرة، بعد الدعاء للمأمون وللمؤتمن. فلما بلغ ~~ذلك المأمون، مع عزل المؤتمن عما كان بيده، أسقط اسم الأمين من الطراز، ~~وقطع البريد عنه. وكان رافع بن الليث بن نصر بن سيار، لما بلغه حسن سيرة ~~المأمون، طلب الأمان، فأجابه إلى ذلك، فحضر عند المأمون، وأقام هرثمة ~~بسمرقند، ومعه طاهر بن الحسين، ثم قدم هرثمة على المأمون، فأكرمه، وولاه ~~الحرس، فأنكر ذلك كله الأمين؛ فكان مما وتر عليه أن كتب إلى العباس بن عبد ~~الله بن مالك، وهوعامل المأمون على الري، يأمره أن ينفذ بغرائب غروس الري؛ ~~يريد امتحانه، فبعث إليه بما أمره، وكتم ذلك عن المأمون وذي الرياستين، ~~فبلغ المأمون، فعزله بالحسن بن علي المأموني. ثم وجه الأمين إلى المأمون ~~أربعة أنفس، وهم: العباس بن موسى بن عيسى بن محمد بن علي، وعيسى بن جعفر بن ~~المنصور، وصالح صاحب المصلى، ومحمد بن عيسى بن نهيك، ويطلب إليه أن يقدم ~~ابنه موسى على نفسه ويحضر عنده، فقد استوحش لبعده؛ فبلغ الخبر المأمون فكتب ~~إلى عماله بالري، ونيسابور وغيرهمأن يأمرهم بإظهار العدة والقوة، ففعلوا ~~ذلك، وقدم الرسل على المأمون، وأبلغوه الرسالة؛ وكان ابن ماهان أشار بذلك، ~~وأخبر الأمين أن أهل خراسان معه. فلما سمع المأمون هذه الرسالة استشار ~~الفضل بن سهل فقال له: أحضر هشاما والد علي وأحمد ابني هشام، واستشره، ~~فأحضره، واستشاره، فقال له: إمنا أخذت البيعة علينا على أن لا تخرج من ~~خراسان، فمتى فعل محمد ذلك، فلا بيعة له في اعناقنأن والسلام عليك، يا أمير ~~المؤمنين، ورحمة الله وبركاته، ومتى هممت بالمسير إليه تعلقت بك بيميني، ~~فإذا قطعت ms2188 تعلقت بيساري، فإذا قطعت تعلقت بلساني، فإذا ضربت عنقي كنت أديت ~~ما علي. فقوي عزم المأمون على الامتناع، فأحضر العباس، وأعلمه أنه لا يحضر، ~~وأنه لا يقدم موسى على نفسه؛ فقال العباس بن موسى: ما عليك أيها الامير من ~~ذلك، فهذا جدي عيسى بن موسى قد خلع فما ضره؛ فصاح به ذوالرياستين: اسكت! إن ~~جدك كان أسيرا في أيديهم، وهذا بين أخواله وشيعته. ثم قاموأن فخلا ~~ذوالرياستين بالعباس بن موسى واستماله، ووعده إمرة الموسم، ومواضع من مصر، ~~فأجاب إلى بيعه المأمون، وسمي المأمون، ذلك الوقت، بالإمام، فكان العباس ~~يكتب إليهم بالاخبار من بغداد.ورجع الرسل إلى الامين، فأخبروه بامتناع ~~المأمون، وألح الفضل وعلي بن عيسى على الأمين في خلع المأمون والبيعة لابنه ~~موسى بن الأمين؛ وكان الأمين قد كتب إلى المأمون يطلب منه أن ينزل عن بعض ~~كور خراسان، وأن يكون له عنده صاحب البريد يكاتبه بالأخبار، فاستشار ~~المأمون خواصه وقواده، فأشاروا باحتمال هذا الشر، والإجابة إليه، خوفا من ~~شر هون أعظم منه. PageV03P0120 # فقال لهم الحسن بن سهل: أتعلمون أن الأمين طلب ما ليس له؟ قالوا: نعم! ~~ويحتمل ذلك لضرر منعه؛ قال: فهل تثقون بكفه بعد إجابته، فلا يطلب غيرها؟ ~~قالوا: لا! قال: فإن طلب غيرهأن فما ترون؟ قالوا: مننعه، فهذا خلاف ما ~~سمعناه من قول الحكماء، قال: استصلح عاقبة أمرك باحتمال ما عرض من مكروهه ~~في يومك، ولا تلتمس هدنة يومك بإخطار أدخلته على نفسك في غدك. فقال المأمون ~~لذي الرياستين: ما تقول أنت؟ فقال: أسعدك الله، هل تؤمن أن يكون الأمين ~~طالبك بفضل قوتك ليستظهر بها عليك؟ بل إمنا أشار الحكماء بحمل ثقل ترجون به ~~صلاح العاقبة. فقال المأمون: بأيثار دعة الاجل صار إلى فساد العاقبة في ~~دنياه وآخرته؛ فامتنع المأمون من إجابته إلى ما طلب؛ وأنفذ المأمون ثقته ~~إلى الحد، فلا يمكن أحدا من العبور إلى بلاده إلا مع ثقة من ناحيته، فحضر ~~أهل خراسان أن يستمالوا برغبة أورهبة، وضبط الطرق بثقات أصحابه، فلم يمكنوا ~~من دخول خراسان ms2189 إلا من عرفوه، وأتى بجواز، أوكان تاجرا معروفأن وفتشت ~~الكتب. وقيل: لما اراد الأمين أن يكتب إلى المأمون يطلب بعض كور خراسان، ~~قال له إسماعيل بن صبيح: يا أمير المؤمنين! إن هذا مما يقوي التهمة، وينبه ~~على الحذر، ولكن أكتب إليه فأعلمه حاجتك، وما تحب من قربه والاستعانة به ~~على ما ولاك الله، وتسأله القدوم عليك، لترجع إلى رأيه فيما تفعل. فكتب ~~إليه بذلك، وسير الكتاب مع نفر، وأمرهم أن يبلغوا الجهد في إحضاره، وسير ~~معهم الهدايا الكثيرة؛ فلما حضر الرسل عنده، وقرأ الكتاب أشاروا عليه ~~بإجابة الأمين، وأعلموه ما في إجابته من المصلحة العامة والخاصة؛ فأحضر ذا ~~الرياستين، وأقرأه الكتاب، واستشاره، فأشار عليه بملازمة خراسان، وخوفه من ~~القرب من الأمين؛ فقال: لا يمكنني مخالفته وأكثر القواد والاموال معه، ~~والناس مائلون إلى الدرهم، والدينار لا يرغبون في حفظ عهد ولا أمانة، ولست ~~في قوة حتى أمتنع، وقد فارق جيغويه الطاعة، والتوى خاقان ملك التبت، وملك ~~الكابل قد استعد للغارة على ما يليه، وملك اتردبنده قد منع الضريبة، ومالي ~~بواحد من هذه الأمور بد، ولا أرى إلا تخلية ما أنا فيه، واللحاق بخاقان ملك ~~الترك، والاستجارة به لعلي آمن على نفسي. فقال ذوالرياستين: إن عاقبة الغدر ~~شديدة وتبعة البغي غير مأمونة، ورب مقهور قد عاد قاهرأن وليس النصر بالكثرة ~~والقلة، والموت أيسر من الذل والضيم، وما أرى أن تصير إلى أخيك متجردا من ~~قوادك وجندك، كالرأس الذي فارق بدنه، فتكون عنده كبعض رعيته، يجري عليك ~~حكمه من غير أن تبلي عذرا في قتال، واكتب إلى جيغويه وخاقان، فولهما ~~بلادهمأن وابعث إلى ملك كابل ببعض هدايا خراسان، ووادعه، واترك لملك ~~اترابنده ضريبته، ثم اجمع أطرافك، وضم جندك، وأضرب الخيل بالخيل، والرجال ~~بالرجال، فإن ظفرت وإلا لحقت بخاقان. فعرف المأمون صدقه، ففعل ما أشار به، ~~فرضي أولئك الملوك العصاة، وضم جنده، وجمعهم عنده، وكتب إلى الأمين: أما ~~بعد، فقد وصل إلي كتاب أمير المؤمنين، وإمنا أنا عامل من عماله، وعون من ~~اعوانه، أمرني ms2190 الرشيد بلزوم هذا الثغر ومكايدة من كايد أهله من عدوأمير ~~المؤمنين، ولعمري إن مقامي به أرد على أمير المؤمنين، أعظم غناء عنه ~~المسلمين من الشخوص إلى أمير المؤمنين، فإن كنت مغتبطا بقربه، مسرورا ~~بمشاهدة نعمة الله عنده، فإن رأى أمير المؤمنين أن يقرني على عملي ويعفيني ~~من الشخوص إليه فعل إن شاء الله. والسلام. فلما قرأ الأمين كتاب المأمون ~~علم أنه لا يتابعه على ما يريده؛ فكتب إليه يسأله أن ينزل عن بعض كور ~~خراسان، كما تقدم ذكره، فلما امتنع المأمون أيضا من إجابته إلى ما طلب، ~~أرسل جمعا ليناظروه في منع ما طلب منه، فلما وصلوا إلى الري منعوأن ووجدوا ~~تدبيره محكمأن وحفظوا في حال سفرهم وإقامتهم من أن يخبروا ويستخبروأن ~~وكانوا معدين لوضع الأخبار في العامة، فلم يمكنهم ذلك؛ فلما رجعوا أخبروا ~~الأمين بما رأوا. PageV03P0121 # وقيل إن الأمين لما عزم على خلع المأمون، وزين له ذلك الفضل وابن ماهان، ~~دعا يحيى بن سليم، وشاوره في ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين! كيف تفعل ذلك مع ~~ما قد أكد الرشيد من بيعته، وأخذ الشرائط والأيمان في الكتاب الذي كتبه؟ ~~فقال الأمين: إن رأي الرشيد كان فلتة شبهها عليه جعفر بن يحيى، فلا ينفعنا ~~ما نحن فيه إلا بخلعه وقلعه واحتشاشه. فقال يحيى: إذا كان رأي أمير ~~المؤمنين خلعه، فلا تجاهره فيستنكر الناس ذلك، ولكن تستدعي الجند بعد ~~الجند، والقائد بعد القائد، وتؤنسهما بالألطاف والهدايأن وتفرق ثقاته ومن ~~معه، وترغبهم بالأموال، فإذا وهنت قوته، واستفرغت رجاله، أمرته بالقدوم ~~عليك، فإن قدم صار إلى الذي تريد منه، وإن أبى كنت قد تناولته وقد كل حده ~~وانقطع عزه. فقال الأمين: أنت مهذار خطيب، ولست بذي رأي مصيب، قم فالحق ~~بمدادك وأقلامك. وكان ذوالرياستين الفضل بن سهل قد اتخذ قوما يثق بهم ~~ببغداد، يكاتبونه بالاخبار، وكان الفضل بن الربيع قد حفظ الطرق، وكان أحد ~~أولئك النفر إذا كاتب ذا الرياستين بما تجدد ببغداد، سير الكتاب مع امرأة، ~~وجعله في عود اكفاف، وتسير كالمجتازة من ms2191 قرية إلى قرية، فلما ألح الفضل بن ~~الربيع في خلع المأمون أجابه الأمين إلى ذلك وبايع لولده موسى في صفر، وقيل ~~في ربيع الأول، سنة خمس وتسعين ومائة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، ~~وسماه الناطق بالحق، ونهى عن ذكر المأمون والمؤتمن على المنابر، وأرسل إلى ~~الكعبة بعض الحجبة، فأتاه بالكتابين اللذين وضعهما الرشيد في الكعبة بيعة ~~الأمين والمأمون، فأحضرهما عنده فمزقهما الفضل. فلما أتت الأخبار إلى ~~المأمون بذلك قال لذي الرياستين: هذه أمور أخبر الرأي عنهأن وكفانا أن نكون ~~مع الحق. فكان أول ما دبره ذوالرياستين، حين بلغه ترك الدعاء للمأمون وصح ~~عنده، أن جمع الأجناد الذين كان اتخذهم بجنبات الري مع الاجناد الذين كانوا ~~بهأن وأمدهم بالأقوات وغيرها؛ وكانت البلاد عندهم قد أجدبت، فأكثر عندهم ما ~~يريدونه، حتى صاروا في أرغد عيش، وأقاموا بالحد لا يتجاوزونه، ثم أرسل ~~إليهم طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن أسعد أبا العباس الخزاعي أميرا ~~فيمن من قواده وأجناده، فسار مجدا حتى ورد الري، فنزلهأنفوضع المسالح ~~والمواصل، فقال بعض شعراء خراسان: رمى أهل العراق ومن عليها ... إمام العدل ~~والملك الرشيد بأحزم من نشا رأيا وحزما ... وكيدا نافذا مما يكيد بداهية ~~تأدى خنفقيق ... يشيب لهول صولتها الوليد فأما الأمين فإنه وجه عصمة بن ~~حماد بن سالم إلى همذان في ألف رجل، وأمره أن يوجه مقدمته إلى ساوة، ويقيم ~~بهمذان؛ وجعل الفضل بن الربيع، وعلي بن عيسى يبعثان الأمين ويغريانه بحرب ~~المأمون. ولما بايع الأمين لولده موسى جعله في حجر علي بن عيسى، وجعل على ~~شرطه محمد بن عيسى بن نهيك، وعلى حرسه عثمان بن عيسى بن نهيك، وعلى رسائله ~~علي بن صالح صاحب المصلى. ### || AUT ذكر خلاف أهل تونس على ابن الأغلب # في هذه السنة عصى عمران بن مجالد الربيعي، وقريش بن التونسي بتونس على ~~إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية واجتمع فيها خلق كثير، وحصر إبراهيم بن ~~الأغلب بالقصر، وجمع من أطاعه، وخالف عليه أيضا أهل القيروان في جمادى ~~الآخرة، فكانت ms2192 بينهم وقعة وحرب قتل فيها جماعة من رجال ابن الأغلب. وقدم ~~عمران بن مجالد فيمن معه، فدخل القيروان عاشر رجب، وقدم قريش من تونس غليه، ~~فكانت بينهم وبين ابن الأغلب وقعة في رجب، فانهزم أصحاب ابن الأغلب، ثم ~~التقوا في العشرين منه فانهزموا ثانية أيضأن ثم التقوا ثالثة فيه أيضأن ~~فكان الظفر بن الأغلب، وأرسل عمران بن مجالد إلى أسد بن الفرات الفقيه ~~ليخرج معهم، فامتنع، فاعاد الرسول يقول له: تخرج معنأن وإلا أرسلت إليك من ~~يجر برجلك؛ فقال أسد للرسول: قل له: واله إن خرجت لأقولن لناس إن القاتل ~~والمقتول في النار. فتركه. ### || AUT ذكر عصيان أهل ماردة وغزو الحكم بلاد الفرنج # في هذه السنة عاود أهل ماردة الخلاف على الحكم بن هشام، أمير الأندلس، ~~وعصوا عليه، فسار بنفسه إليهم، وقاتلهم، ولم تزل سراياه وجيوشه تتردد ~~وتقاتلهم هذه السنة، وسنة خمس، وسنة ست وتسعين ومائة. PageV03P0122 # وطمع الفرنج في ثغور المسلمين، وقصدوها بالغارة، والقتل، والنهب والسبي، ~~وكان الحكم مشغولا بأهل ماردة، فلم يتفرغ للفرنج، فأتاه الخبر بشدة الأمر ~~على أهل الثغر، وما بلغ العدومنهم، وسمع أن امرأة مسلمة أخذت سبية، فنادت: ~~واغوثاه، يا حكم! فعظم الأمر عليه، وجمع عسكره واستعد وحشد وسار إلى بلد ~~الفرنج سنة ست وتسعين ومائة، وأثخن في بلادهم، وافتتح عدة حصون، وخرب ~~البلاد، ونهبهأن وقتل الرجال، وسبى الحريم، ونهب الأموال، وقصد الناحية ~~التي كانت بها تلك المرأة، فأمر لهم من الأسرى بما يفادون به أسراهم، وبالغ ~~في الوصية في تخليص تلك المرأة فتخلصت من الأسر، وقتل باقي الأسرى؛ فلما ~~فرغ من غزاته قال لأهل الثغور: هل أغاثكم الحكم؟ فقالوا: نعم، ودعوا له، ~~واثنوا عليه خيرأن وعاد إلى قرطبة مظفرا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها وثبت الروم على ملكهم ميخائيل، فهرب، وترهب، وكان ملك نحوسنتين، ~~وملك بعده أليون القائد. وكان على الموصل إبراهيم بن العباس استعمله ~~الأمين. وفي هذه السنة قتل شقيق اللخي في غزاة كولان من بلاد الترك. وفيها ~~مات الوليد بن مسلم صاحب الأوزاعي، وقيل ms2193 سنة خمس وتسعين ومائة، وكان مولده ~~سنة عشر ومائة. وفيها مات حفص بن غياث النخعي، قاضي الكوفة، وكان مولده سنة ~~سبع عشرة ومائة. غياث بالغين المعجمة. وفيها توفي عبد الوهاب بن عبد المجيد ~~الثقفي، وكان مولده سنة ست عشرة ومائة، وكان قد اختلط في آخر عمره، وكان ~~حديثه صحيحا إلى أن اختلط. وفيها توفي سيبويه النحوي، واسمه عمروبن عثمان ~~بن قنبر أبوبشير، وقيل: كان توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة، وقيل: كان عمره ~~قد زاد على أربعين سنة، وقيل كان عمره اثنتين وثلاثين سنة. وفيها توفي يحيى ~~بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص وعمره أربع وسبعون سنة. ### | AUT حوادث سنة خمس وتسعين ومائة # ### || AUT ذكر قطع خطبة المأمون # في هذه السنة أمر الأمين بإسقاط ما كان ضرب لأخيه المأمون من الدراهم ~~والدنانير بخراسان، في سنة أربع وتسعين ومائة، لأنها لم يكن عليها اسم ~~الأمين، وأمر فدعي لموسى بن أمين على المنابر، ولقبه الناطق بالحق، وقطع ~~ذكر المأمون لقول بعضهم، وكان موسى طفلا صغيرأن ولابنه الآخر عبد الله، ~~ولقبه القائم بالحق. ### || AUT ذكر محاربة علي بن عيسى وطاهر # ثم إن الامين أمر علي بن عيسى بن ماهان بالمسير لحرب المأمون. وكان سبب ~~مسيره، دون غيره، أن ذا الرياستين كان له عين عند الفضل بن الربيع يرجع إلى ~~قوله ورأيه، فكتب ذوالرياستين إلى ذلك الرجل يأمره أن يشير بإنفاذ ابن ~~ماهان لحربهم، وكان مقصوده أن ابن ماهان لما ولي خراسان أيام الرشيد، أساء ~~السيرة في أهلهأن فظلمهم، فعزله الرشيد لذلك، ونفر أهل خراسان عنه، ~~وأبغضوه، فأراد ذوالرياستين أن يزداد أهل خراسان جدا في محاربة الأمين ~~وأصحابه. ففعل ذلك الرجل ما أمر به ذوالرياستين، فأمر الأمين ابن ماهان ~~بالمسير. وقيل: كان سببه أن عليا قال للأمين إن أهل خراسان كتبوا إليه ~~يذكرون أنه إن قصدهم هوأطاعوه، وانقادوا له، وإن كان غيره، فلا! فأمره ~~بالمسير، وأقطعه كور الجبل كلها: نهاوند، وهمذان، وقم، وأصبهان وغير ذلك، ~~وولاه حربها وخراجهأن وأعطاه الاموال، وحكمه في الخزائن، ms2194 وجهز معه خمسين ~~ألف فارس،وكتب إلى أبي دلف القاسم بن إدريس بن عيسى العجلي، وهلال بن عبد ~~الله الحضرمي بالانضمام إليه، وأمده بالأموال والرجال شيئا بعد شيء. فلما ~~عزم على المسير من بغداد ركب إلى باب زبيدة أم الأمين ليودعهأن فقالت له: ~~يا علي! إن أمير المؤمنين وإن كان ولدي وإليه انتهت شفقتي، فإني على عبد ~~الله منعطفة، مشفقة، لما يحدث عليه من مكروه، وأذى، وإمنا ابني ملك نافس ~~أخاه في سلطانه وغاره على ما في يده، والكريم يأكل لحمه، ويميقه غيره، ~~فاعرف لعبد الله حق ولادته، وأخوته، ولا تجبهه بالكلام، فإنك لست به بنظير، ~~ولاتقتسره اقتسار العبيد ولا توهنه بقيد، ولاغل، ولا تمنع عنه جارية، ولا ~~خادمأن ولا تعنف عليه في السير، ولا تساوه في المسير، ولاتركب قبله، وخذ ~~بركابه، وإن شتملك فاحتمل منه. ثم دفعت إليه قيدا من فضة، وقالت: إن صار ~~إليك فقيده بهذا القيد! فقال لها: سأفعل مثل ما أمرت. PageV03P0123 # ثم خرج علي بن عيسى في شعبان، وركب الأمين يشيعه، ومعه القواد والجنود، ~~وذكر مشايخ بغداد أنهم لم يروا عسكرا أكثر رجالأن وأفره كراعا. وأتم عدة ~~وسلاحا من عسكره، ووصاه الأمين، وأمره إن قاتله المأمون أن يحرص على أسره. ~~ثم سار فلقيه القوافل عند حلولاء، فسألهم، فقالوا له: إن طاهرا مقيم بالري ~~يعرض أصحابه، ويرم آلته، والأمداد تأتيه من خراسان، ووهويستعد للقتال، ~~فيقول: إمنا طاهر شوكة من أغصاني، وما مثل طاهر يتولى الجيوش؛ ثم قال ~~لأصحابه: ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصف، إلا أن ~~يبلغه عبورنا عقبة همذان، فإن السخال لا تقوى على النطاح، والبغال لا صبر ~~لها على لقاء الأسد، وإن أقام تعرض لحد السيف وأسنة الرماح، وإذا قاربنا ~~الري ودنونا منهم فت ذلك على أعضادهم. ثم أنفذ الكتب إلى ملوك الديلم ~~وطبرستان، وما ولاها من الملوك، يعدهم الصلات، وأهدى لهم التيجان والأسورة ~~وغيرهأن وأمرهم أن يقطعوا طريق خراسان، فأجابوه إلى ذلك؛ وسار حتى أتى أول ~~أعمال الري، وهوقليل الاحتيال، فقال ms2195 له جماعة من أصحابه: لوأركبت العيون ~~وعملت خندقا لأصحابك، وبعثت الطلائع لأمنت البيات، وفعلت الرأي، فقال: مثل ~~طاهر لا يستعد له، وإن حاله يؤول إلى أمرين: إما أن يتحصن بالري فيبيته ~~أهلهأن فيكفونا أمره، وغما أن يرجع ويتركهأن إذا قربت خيلنا منه، فقالوا ~~له: لوكان عزمه تركها والرجوع لفعل، فإننا قد قربنا منه فلم يفعل. ولما صار ~~بينه وبين الري عشرة فراسخ استشار طاهر أصحابه، وأشاروا عليه ان يقيم ~~بالري، ويدافع القتال إلى أن يأتيه من خراسان المدد، وقائد يتولى الأمور ~~دونه، وقالوا له: إن مقامك بمدينة الري أرفق بأصحابك، وأقدر لهم على ~~الميرة، وأكن من البرد، وتعتصم بالبيوت، وتقدر على المماطلة؛ فقال طاهر: إن ~~الرأي ليس ما رأيتم، إن أهل الري لعلي هائبون، ومن سطوته مشفقون، ومعه من ~~أعراب البوادي وصعاليك الجبال والقرايا كثير، ولست آمن، إن أقمت بالري، أن ~~يثب أهلها بنا خوفا من علي، وما الرأي إلا نسير إليه، فإن ظفرناوإلا عولنا ~~عليهأن فقاتلناه فيها إلى أن يأتينا مدد. فنادى طاهر في أصحابه فخرج من ~~الري في أقل من أربعة آلاف فارس، وعسكر على خمسة فراسخ، فأتاه أحمد بن ~~هشام، وكان على شرطة طاهر، فقال له: إن أتانا علي بن عيسى فقال أنا عامل ~~امير المؤمنين، وأقررنا له بذلك، فليس لنا أن نحاربه؛ فقال طاهر: لم يأتيني ~~في ذلك شيء. فقال: دعني وما أريد، فقال: افعل! فصعد المنبر، فخلع محمدأن ~~ودعا للمأمون بالخلافة، وساروا عنهأن وقال له بعض أصحابه: إن جندك قد هابوا ~~هذا الجيش، فلوأخرت القتال إلى أن يشامهم أصحابك، ويأنسوا بهم، ويعرفوا وجه ~~المأخذ في قتالهم، قال: إني لا أوتي من قلة تجربة وحزم، إن أصحابي قليل، ~~والقوم عظيم سوادهم، كثر عددهم، فإن أخرت القتال اطلعوا على قلتنأن ~~واستمالوا من معي برهبة أورغبة، فيخذلني أهل الصبر والحفاظ، ولكن ألف ~~الرجال بالرجال، وأقحم الخيل على الخيل، وأعتمد على الطاعة والوفاء، وأصبر ~~صبر محتسب للخير، حريص على الفوز بالشهادة، فإن نصرنا الله فذلك الذي نريده ~~ونرجوه، وإن ms2196 يكن الأخرى فلست بأول من قاتل وقتل، وما عند الله أجزل وأفضل. ~~وقال علي لأصحابه: بادروهم، فإنهم قليلون، ولووجدوا حرارة السيوف، وطعن ~~الرماح لم يصبروا عليها. وعبى جنده ميمنة وميسرة وقلبأن وعبى عشر رايات مع ~~كل راية مائة رجل، وقدمها راية راية، وجعل بين كل رايتين غلوة سهم، وأرم ~~أمراءها إذا قاتلت الراية الأولى وطال قتالهم أن تتقدم التي تليهأن وتتأخر ~~حتى تستريح، وجعل أصحاب الجواشن أيام الريات، ووقف في شجعان أصحابه. ~~PageV03P0124 # وعبى طاهر أصحابه كراديس، وسار بهم يحرضهم، ويوصيهم، ويرجيهم، وهرب من ~~اصحاب طاهر نفر إلى علي، فجلد بعضهم، وأهان الباقي، فكان ذلك مما ألب ~~الباقين على قتاله، وزحف الناس بعضهم إلى بعض؛ فقال أحمد بن هشام لطاهر: ~~ألا تذكر علي بن عيسى البيعة التي أخذها هوعلينا للمأمون خاصة، معاشر أهل ~~خراسان؟ قال: أفعل، فأخذ البيعة فعلقها على رمح، وقام بين الصفين، وطلب ~~الأمان فأمنه علي بن عيسى، فقال له: ألا تتقي الله، عز وجل، أليس هذه نسخة ~~البيعة التي أخذتها أنت خاصة؟ اتق الله، فقد بلغت باب قبرك! فقال علي: من ~~أتاني به فله ألف درهم؛ فشتمه أصحاب أحمد، وخرج من أصحاب علي رجل يقال له ~~حاتم الطائي، فحمل عليه طاهر، وأخذ السيف بيديه وضربه، فصرعه فلذلك سمي ~~طاهر ذا اليمينين. ووثب أهل الري فاغلقوا باب المدينة، فقال طاهر لأصحابه: ~~اشتغلوا بمن أمامكم عمن خلفكم، فإنه لا ينجيكم إلا الجد والصدق؛ ثم اقتتلوا ~~قتالا شديدأن وجملت ميمنة علي على ميسرة طاهر، فانهزمت هزيمة منكرة، ~~وميسرته على ميمنة طاهر، فأزالتها أيضا من موضعهأن فقال طاهر: اجعلوا جدكم ~~وبأسكم على القلب، واحملوا حملة خارجية، فإنكم متى فضضتم منها راية واحدة ~~رجعت أوائلها إلى أواخرها؛ فصبر أصحابه صبرا صادقا وحملوا على اول رايات ~~القلب، فهزموهم، وأكثروا فيهم القتل، ورجعت الريات بعضها على بعض، فانتفضت ~~ميمنة علي. ورأى ميمنة طاهر وميسرته ما فعل أصحابهم، فرجعوا على من ~~بإزائهم، فهزموهم وانتهت الهزيمة إلى علي، فجعل ينادي أصحابه: أين أصحاب ~~الخواص، والجوائز، والأسورة، والأكاليل، ms2197 إلى الكرة بعد الفرة! فرماه رجل من ~~أصحاب طاهر بسهم. فقتله، قيل كان داود سياه، وحمل رأسه إلى طاهر، وشدت يداه ~~على رجليه، وحمل على خشبة إلى طاهر، فأمر به فألقي في بئر، فأعتق طاهر من ~~كان عنده من غلمانه شكرا لله تعالى، وتمت الهزيمة، ووضع أصحاب طاهر فيهم ~~السيوف، وتبعوهم فرسخين واقعوهم فيها اثنتي عشرة مرة في كل ذلك ينهزم عسكر ~~الأمين، وأصحاب طاهر يقتلون ويأسرون حتى حال الليل بينهم وغمنوا غنيمة ~~عظيمة. ونادى طاهر: من ألقى سلاحه فهوآمن. وطرحوا أسلحتهم ونزلوا عن ~~دوابهم، ورجع طاهر إلى الري، وكتب إلى المأمون وذي الرياستين: بسم اله ~~الرحمن الرحيم، كتابي إلى أمير المؤمنين، ورأس علي بن عيسى بين يدي، وخاتمه ~~في إصبعي، وجنده مصرفون تحت أمري، والسلام؛ فورد الكتاب مع البريد في ثلاث ~~أيام، وبينهما نحومن خمسين ومائتي فرسخ، فدخل ذوالرياستين على المأمون، ~~فهنأه بالفتح، وأمر الناس فدخلوا عليه،فسلموا عليه بالخلافة، ثم وصل رأس ~~علي بعد الكتاب بيومين، فطيف به في خراسان. ولما وصل الكتاب بالفتح كان ~~المأمون قد جهز هرثمة في جيش كثير ليسيره نجدة لطاهر، فأتاه الخبر بالفتح. ~~وأما الأمين فإنه أتاه نعي علي بن عيسى وهويصطاد السمك، فقال للذي أخبره: ~~ويلك دعني، فإن كوثرا قد اصطاد سمكتين، وأنا ما صدت شيئا بعد. ثم بعث الفضل ~~إلى نوفل الخادم، وهووكيل المأمون على ملكه بالسواد، والناظر في أمر أولاده ~~ببغداد، وكان للمأمون معه ألف ألف درهم كان قد وصله بها الرشيد، فأخذ جميع ~~ما عنده، وقبض ضياعة وغلاته، فقال بعض شعراء بغداد في ذلك: أضاع الخلافة غش ~~الوزير ... وفسق الأمير وجهل المشير ففضل وزير، وبكر مشير ... يريدان ما ~~فيه حتف الأمير وما ذاك إلا طريق غرور ... وشر المستلك طرق الغرور في عدة ~~أبيات تركتها لما فيها من القذف الفاحش، ولقد عجبت لأبي جعفر حيث ذكرها مع ~~ورعه، وندم الأمين على نكثه وغدره، ومشى القواد بعضهم إلى بعض في النصف من ~~شوال، فاتفقوا على طلب الأرزاق والشغب، ففعلوا ذلك، ففرق فيهم ms2198 مالا كثيرأن ~~بعد أن قاتلهم عبد الله بن خازم، فمنعه الأمين. ### || AUT ذكر توجيه عبد الرحمن بن جبلة # لما اتصل بالأمين قتل علي بن عيسى، وهزيمة عسكره، وجه عبد الرحمن بن ~~جبلة الأنباري في عشرين ألف رجل نحو همذان، واستعمله عليهأن وعلى كل من ~~يفتحه في أرض خراسان، وأمره بالجد، وأمده بالأموال، فسار حتى نزل همذان، ~~وحصنها وروم سورها. PageV03P0125 # وأتاه طاهر إلى همذان، فخرج إليه عبد الرحمن على تعبئة، فاقتتلوا قتالا ~~شديدأن وصبر الفريقان، وكثر القتل والجراح فيهم، ثم انهزم عبد الرحمن، ودخل ~~همذان، فأقام بها أيامأن حتى قوي أصحابه، واندمل جراحهم، ثم خرج إلى طاهر، ~~فلما رآهم قال لأصحابه: إن عبد الرحمن يريد أن يتراءى لكم، فإذا قربتم منه ~~قاتلكم، فإن هزمتموه ودخل المدينة قاتلكم على خندقهأن وإن هزمكم الستع له ~~المجال، ولكن قفوا قريبا من عسكرنا وخندقنأن فإن قرب منا قاتلناه. فوقفوا ~~فظن عبد الرحمن أن الهيبة منعتهم، فتقدم إليهم، فاقتتلوا قتالا شديدأن وصبر ~~الفريقان، وكثر القتل في أصحاب عبد الرحمن، وجعل يطوف عليهم، ويحرضهم، ~~ويأمرهم بالصبر، ثم إن رجلا من أصحاب طاهر حمل على صاحب علم عبد الرحمن، ~~فقتله، وزحمهم أصحاب طاهر، فانهزموأن ووضع فيهم أصحاب طاهر السيوف ~~يقتلونهم، حتى انتهوا إلى المدينة، وأقام طاهر على بابها محاصرا لهأن فاشتد ~~بهم الحصار، وضجر أهل المدينة، فخاف عبد الرحمن أن يثب به أهل المدينة مع ~~ما فيه من أصحابه من الجهد، فأرسل إلى طاهر يطلب الأمان لنفسه ولمن معه، ~~فأمنه، فخرج عن همذان. ### || AUT ذكر استيلاء طاهر على أعمال الجبل # لما نزل طاهر بباب همذان، وحصر عبد الرحمن بهأن تخوف أن يأتيه كثير بن ~~قادرة من ورائه، وكان بقزوين، فأمر أصحابه بالقيام، وسار في ألف فارس ~~نحوقزوين، فلما سمع به كثير بن قادرة، وكان في جيش كثيف، هرب من بين يديه ~~وأخلى قزوين، وجعل طاهر فيها جندأن واستعمل عليها رجلا من أصحابه، وأمره أن ~~يمنع من أراد دخولهأن واستولى على سائر أعمال الجبل معها. ### || AUT ذكر قتل عبد ms2199 الرحمن بن جبلة # في هذه السنة قتل عبد الرحمن بن جبلة الأنباري؛ وكان سبب قتله أنه لما ~~خرج في أمان طاهر أقام يري طاهرا وأصحابه أنه مسالم لهم، راض بأمانهم، ثم ~~اغترهم، وهم آمنون، فركب في أصحابه، وهجم على طاهر وأصحابه، ولم يشعروأن ~~فثبت له رجالة طاهر، وقاتلوه حتى أخذت الفرسان أهبتهأن أشد قتال رآه الناس، ~~حتى تقطعت السيوف، وتكسرت الرماح، وانهزم عبد الرحمن، وبقي في نفر من ~~أصحابه، فقاتل، وأصحابه يقولون له: قد أمكنك الهرب فاهرب! فقال: لا يرى ~~أمير المؤمنين وجهي منهزما أبدا! ولم يزل يقاتل حتى قتل. وانتهى من انهزم ~~من أصحابه إلى عبد الله وأحمد ابني الحرشي، وكانا في جيش عظيم، بقصر ~~اللصوص، قد سيره الأمين معونة لعبد الرحمن، فلما بلغ المنهزمون إليهما ~~انهزما أيضا في جندهما من غير قتال، حتى دخلوا بغداد، وخلت البلاد لطاهر، ~~فأقبل يحوزها بلدة بلدة، وكورة كورة، حتى انتهى إلى شلاشان من قرى خلوان، ~~فخندق بهأن وحصن عسكره وجمع أصحابه. ### || AUT ذكر خروج السفياني # في هذه السنة خرج السفياني، وهوعلي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن ~~معاوية، وأمه نفيسة بنت عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، وكان ~~يقول: أنا من شيخي صفين، يعني عليا ومعاوية، وكان يلقب بأبي المعيطر، لأنه ~~قال يوما لجلسائه: أي شيء كنية الحرذون؟ قالوا: لا ندري. قال: ~~هوأبوالمعيطر، فلقبوه به. ولما خرج دعا لنفسه بالخلافة في ذي الحجة، وقوي ~~على سليمان بن المنصور، عامل دمشق، فأخرجه عنهأن وأعانه الخطاب بن وجه ~~الفلس، مولى بني أمية، وكان قد تغلب على صيدا؛ ولما خرج سير إليه الأمين ~~الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان، فبلغ الرقة، ولم يسر إلى دمشق. وكان عمر ~~أبي المعيطر، حين خرج، تسعين سنة، وكان الناس قد أخذوا عنه علما كثيرأن ~~وكان حسن السيرة،فلما خرج ظلم وأساء السيرة، فتركوا ما نقلوا عنه. وكان ~~أكبر أصحابه من كلب، وكتب إلى محمد بن صالح بن بيهس الكلابي يدعوه إلى ~~طاعته، ويتهدده إن ms2200 لم يفعل، فلم يجبه إلى ذلك، فأقبل السفياني على قصد ~~القيسية، فكتبوا إلى محمد بن صالح، فأقبل إليهم في ثلاثمائة فارس من الضباب ~~ومواليه، واتصل الخبر بالسفياني، فوجه إليه يزيد بن هشام في اثني عشر ألفأن ~~فالتقوأن فانهزم يزيد ومن معه، وقتل منهم إلى أن دخلوا أبواب دمشق زيادة ~~على ألفي رجل، وأسر ثلاثة آلاف، فأطلقهم ابن بيهس، وحلق رؤوسهم ولحاهم. ~~PageV03P0126 # وضعف السفياني، وحصر بدمشق، ثم جمع جمعأن وجعل ابنه القاسم، وخرجوا إلى ~~ابن بيهس فالتقوأن فقتل القاسم وانهزم أصحاب السفياني، وبعث رأسه إلى ~~الأمين، ثم جمع جمعا آخر، وسيرهم مع مولاه المعتمر، فلقيهم ابن بيهس، فقتل ~~المعتمر، وانهزم اصحابه، فوهن أمر أبي المعتمر، وطمع فيه قيس. ثم مرض ابن ~~بيهس، فجمع رؤساء بني منير، فقال لهم: ترون ما أصابني من علتي هذه، فارفقوا ~~ببني مروان، وعليكم بمسلمة بن يعقوب بن علي بن محمد بن سعيد بن مسلمة بن ~~عبد الملك، فإنه ركيك، وهوابن أختكم، وأعلموه أنكم لا تتبعون بني أبي ~~سفيان، وبايعوه بالخلافة، وكيدوا به السفياني. وعاد ابن بيهس إلى حوران، ~~واجتمعت منير على مسلمة، وبذلوا له البيعة، فقبل منهم، وجمع مواليه، ودخل ~~على السفياني، فقبض عليه، وقيده، وقبض على رؤساء بني أمية فبايعوه، وأدنى ~~قيسأن وجعلهم خاصته، فلما عوفي ابن بيهس عاد إلى دمشق فحصرهأن فسلمها إليه ~~القيسية وهرب مسلمة والسفياني في ثياب النساء إلى المزة، وكان ذلك في ~~المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، ودخل ابن بيهس دمشق، وغلب عليهأن وبقي بها ~~إلى أنه قدم عبد الله بن طاهر دمشق، ودخل إلى مصر، وعاد إلى دمشق، فأخذ ابن ~~بيهس معه إلى العراق، فمات بها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وكان العامل على مكة والمدينة لمحمد الأمين داود بن عيسى بن موسى، ~~وهوالذي حج بالناس سنة ثلاث وتسعين أيضا؛ وكان على الكوفة العباس بن الهادي ~~للأمين، وعلى البصرة له أيضا منصور بن المهدي. وفيها مات محمد بن خازم، ~~أبومعاوية الضرير، وكان يتشيع، وهوثقة في الحديث. وفيها توفي أبونواس الحسن ~~بن ms2201 هانئ الشاعر المشهور، وكان عمره تسعا وخمسين سنة، ودفن بالشونيزي ~~ببغداد؛ ومحمد بن فضل بن غزوان بن جرير الضبي مولاهم؛ ويوسف بن أسباط أبويعقوب. ### | AUT حوادث سنة ست وتسعين ومائة # ### || AUT ذكر توجيه الأمين الجيوش إلى طاهر # ### || AUT وعودهم من غير قتال # في هذه السنة سير الأمين أسد بن يزيد بن مزيد، وسير معه عمه أحمد بن ~~مزيد، وعبد الله بن حميد بن قحطبة، إلى حلوان لحرب طاهر. وكان سبب ذلك ما ~~ذكره أسد قال: إنه لما قتل عبد الرحمن أرسل إلي الفضل بن الربيع يستدعيني، ~~فجئته، ودخلت عليه وهوقاعد بيده رقعة قد قرأهأن وقد احمرت عيناه، فاشتد ~~غضبه، وهويقول: ينام نوم الظربان وينتبه انتباه الذئب، همه بطنه، يخاتل ~~الرعاة والكلاب ترصده، لا يفكر في زوال نعمة، ولا يروي في إمضاء رأي، قد ~~ألهاه كأسه، وشغله قدحه، فهويجري في لهوه، والأيام توضع في هلاكه، قد شمر ~~له عبد الله عن ساق، وفوق له أصوب أسهمه، يرميه على بعد الدار بالحتف ~~النافذ، والموت القاصد، وقد عبى له المنايا على ظهور الخيل، وناط له البلاء ~~في أسنة الرماح وشفار السيوف؛ ثم استرجع وتمثل بشعر البعيث: ومجدولة جدل ~~العنان خريدة ... لها شعر جعد ووجه مقسم وثغر نقي اللون عذب مذاقه ... يضيء ~~له الظلماء ساعة تبسم وثديان كالحقين والبطن ضامر ... خميص وجهم ناره تتضرم ~~لهوت بها ليل التمام ابن خالد ... أمية بهد المركلين عثمثم طواه طراد الخيل ~~في كل غارة ... لها عارض فيه الأسنة ترزم يقارع تراك ابن خاقان ليله ... ~~إلى أن يرى الإصباح ما يتلعثم فيصبح كم طول الطراد وجسمه ... نحيل وأضحي في ~~النعيم أصمم أباكرها صهباء كالمسك ريحها ... لها أرج في دنها حين يرسم ~~فشتان ما بيني وبين ابن خالد ... أمية في الرزق الذي الله يقسم ~~PageV03P0127 # ثم التفت إلي فقال: أبا الحارث! أنا وإياك نجري إلى غارية إن قصرنا عنها ~~ذممنأن وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنأن وإمنا نحن شعب من أصل إن قوي قوينأن ~~وإن ضعف ضعفنأن إن هذا الرجل قد ألقى ms2202 بيده القاء الأموالوكعاء، يشاور ~~النساء، ويعتزم على الرؤيأن وقد أمكن ما معه من أهل اللهووالجسارة، فهم ~~يعدونه الظفر، ويمنونه عقب الأيام، والهلاك اسرع إليه من السيل إلى قيعان ~~الوحل، وقد خشيت، والله، أن نهلك بهلاكه، ونعطب بعطبه، وأنت فارس العرب ~~وابن فارسهأن وقد فزع إليك في هذاالأمر ولقاء هذاالرجل، وأطعمه فيما قبلك ~~أمران: أحدهما صدق الطاعة، وفضل النصيحة، والثاني نقيبتك وشدة بأسك، وقد ~~أمرني بإزاحة علل ما عليك، وبسط يدك فيما أحبت، عنير أن الاقتصاد رأس ~~النصيحة، ومفتاح اليمن والبركة، فأنجز حوائجك، وعجل المبادرة إلى عدوك، ~~فإني أرجوأن يوليك اله هذاالفتح، ويلم بك شعث هذه الخلافة والدولة. فقلت: ~~أنا لطاعة أمير المؤمنين وطاعتك مقدم ولكل ما دخل فيه الوهن على عدوه وعدوك ~~حريص، غير أن المحارب لا يعمل بالغدر، ولا يفتح أمره بالتقصير والخلل، ~~وإمنا ملاك المحارب الجنود، وملاك الجنود المال، والذي أسأل أن يؤمر ~~لأصحابي برزق سنة، وتحمل معهم أرزاق سنة، ويخص أهل الغناء والبلاء، وأبدل ~~من فيهم من الضعفى، وأحمل ألف رجل من معي على الخيل، ولا أسأل عن محاسبة ما ~~افتتحت من المدن والكور. فقال: أشططت، ولا بد من مناظرة أمير المؤمنين. ثم ~~ركب، وركبت معه، فدخل قبلي على الأمين، وأذن لي فدخلت، فما كان إلا كلمتان ~~حتى غضب وأمر بحبسي. وقيل: إنه طلب أن يدفع ولدي المأمون، فإن أطاعه، وإلا ~~قتلهمأن فقال الأمين: أنت أعرابي مجنون، أدعوك إلى ولاية أعنة العرب ~~والعجم، وأطعمك خراج كور الجبال إلى خراسان، وأرفع منزلتك على نظرائك من ~~أبناء القواد والملوك، وتدعوني إلى قتل ولدي، وسفك دماء أهل بيتي! إن هذا ~~للخرق والتخليط. وكان ببغداد ابنان للمأمون مع أمهما أم عيسى ابنة الهادي، ~~وقد طلبهما المأمون من أخيه في حال السلام، فمنعهما من المال الذي كان له، ~~فلما حبس أسدا قال: هل في أهل بيته من يقوم مقامه، فإني أكره أن أفسدهم مع ~~نباهتهم، وما تقدم من طاعتهم ونصيحتهم. قالوا: نعم عمه أحمد بن مزيد، ~~وهوأحسنهم طريقة، له بأس ونجدة، وبصر ms2203 بسياسة الحرب، فأنفذ إليه أحضره، فأتى ~~الفضل، فدخل عليه وعنده عبد الله بن حميد بن قحطبة، وهويريده على المسير ~~إلى طاهر وعبد الله يشط. قال أحمد: فلما رآني الفضل رحب بي، ورفعني إلى صدر ~~المجلس، ثم أقبل على عبد الله يداعبه ثم قال: إنا وجدنا لكم إذ رث حبلكم ~~... من آل شيبان أما دونكم وأبا الأكثرون إذا عد الحصى عددا ... والأقربون ~~إلينا منكم نسبا فقال عبد الله: أقسم لكذلك، وفيهم سد الخلل، ونكء العدو، ~~ودفع معرة أهل المعصية عن أهل الطاعة. فقال له الفضل: إن أمير المؤمنين ~~أجرى ذكرك، فوصفتك له، فأحب اصطناعك والتنويه باسمك، وأن يرفعك إلى منزلة ~~لم يبلغها أحد من أهل بيتك. ثم مضى ومضيت معه إلى الأمين، فدخلنا عليه، ~~فقال لي في حبس أسد، واعتذر إلي، وأمرني بالمسير إلى حرب طاهر، فقلت: سأبذل ~~في طاعة أمير المؤمنين مهجتي، وأبلغ في جهاد عدوه أفضل ما أمله عندي ورجاه ~~من غنائي وكفايتي، إن شاء الله تعالى. فأمر الفضل بأن يمكنه من العساكر ~~بأخذ منهم من أراد،وأمره بالجد في المسير والتجهز، فأخذ من العسكر عشرين ~~ألف فارس، وسار معه عبد الله بن حميد بن قحطبة في عشرين ألفا، وسار بهم إلى ~~حلوان، وشفع في أسد ابن أخيه، فأطلقه، وأقام أحمد وعبد الله بخانقين، وأقام ~~طاهر بموضعه، ودس الجواسيس والعيون، وكانوا يرجفون في عسكر أحمد وعبد الله ~~أن الأمين قد وضع العطاء لأصحابه، وأمر لهم بالأرزاق الوافرة، ولم يزل ~~يحتال في وقوع الاختلاف بينهم، حتى اختلفوأن وانتقض أمرهم، وقاتل بعضهم ~~بعضأن ورجعوا عن خانقين من غير أن يلقوا طاهرأن وتقدم طاهر، فنزل حلوان، ~~فلما نزلها لم يلبث إلا يسيرا حتى أتاه هرثمة في جيش من عند المأمون، ومعه ~~كتاب طاهر، يأمره بتسليم ما حوى من المدن والكور إلى هرثمة، ويتوجه هوإلى ~~الأهواز، ففعل ذلك، وأقام هرثمة بحلوان، وحصنهأن وسار طاهر إلى الأهواز. ### || AUT ذكر الفضل بن سهل # PageV03P0128 # في هذه السنة خطب للمأمون بإمرة المؤمنين، ورفع منزلة الفضل بن سهل. وسبب ms2204 ~~ذلك أنه لما أتاه خبر قتل ابن ماهان وعبد الرحمن بن جبلة، وصح عنده الخبر ~~بذلك، أمر أن يخطب له، ويخاطب بأمير المؤمنين، ودعا الفضل بن سهل وعقد له ~~على المشرق من جبل همذان إلى التبت طولأن ومن بحر فارس إلى بحر الديلم ~~وجرجان عرضأن وجعل له عمالة ثلاثة آلاف درهم، وعقد له لواء على سنان ذي ~~شعبتين ولقبه ذا الرياستين، رياسة الحرب، والقلم، وحمل اللواء علي بن هشام، ~~وحمل القلم نعيم بن حازم، وولي الحسن بن سهل ديوان الخراج. ### || AUT ذكر عبد الملك بن صالح بن علي وموته # قد ذكرنا قبض الرشيد على عبد الملك بن صالح، وحبسه إياه، فلم يزل محبوسا ~~حتى مات الرشيد، فأخرجه الأمين من الحبس في ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين ~~ومائة،وأحسن إليه، فشكر عبد الملك ذلك له. فلما كان من طاهر ما كان دخل عبد ~~الملك على الأمين، فال له: يا أمير المؤمنين! أرى الناس قد طمعوا فيك، ~~وجندك قد أعيتهم الهوام، وأضعفتهم الحروب، وامتلأت قلوبهم هيبة لعدوهم، فإن ~~سيرتهم إلى طاهر غلب بقليل من معه كثيرهم، وهزم بقوة نيته ضعف نصائحهم ~~ونياتهم، وأهل الشام قوم قد ضرستهم الحرب، وأدبتهم الشدائد، وكلهم منقاد ~~إلي متنازع إلى طاعتي، وإن وجهني أمير المؤمنين اتخذت له منهم جندا يعظم ~~نكايتهم في عدوه؛ فولاه الأمين الشام والجزيرة وقواه بمال ورجال، وسيره ~~سيرا حثيثا. فسار حتى نزل الرقة، وكاتب رؤساء أهل الشام، وأهل القوة، ~~والجلد، والبأس، فأتوه رئيسا بعد رئيس، وجماعة بعد جماعة، فأكرمهم، ومناهم، ~~وخلع عليهم، وكثر جمعه، فمرض واشتد مرضه. ثم إن بعض جنود خراسان المقيمين ~~في عسكر الشام رأى دابة كانت أخذت منه في وقعة سليمان بن أبي جعفر تحت بعض ~~الزواقيل من أهل الشام أيضأن فتعلق بهأن واجتمع جماعة من الزواقيل والجند، ~~فتضاربوأن واجتمعت الأبناء، وتألبوأن وأتوا الزواقيل وهوغارون، فوضعوا فيهم ~~السيوف، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وتنادى الزواقيل، فركبوا خيولهم، ونشبت ~~الحرب بينهم. وبلغ ذلك عبد الملك، فوجه إليهم يأمرهم بالكف، لم يفعلوأن ~~واقتتلوا يومهم ms2205 ذلك قتالا شديدأن وأكثرت الأبناء القتل في الزواقيل، فأخبر ~~عبد الملك بذلك، وكان مريضا مدنفأن فضرب بيده على يد، وقال: واذلاه! تستضام ~~العرب في دورها وبالدها! فغضب من كان أمسك عن الشر من الأبناء، وتفاقم ~~الأمر، وقام بأمر الأبناء الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان، وأصبح الزواقيل ~~فاجتمعوا بالرقة، واجتمع الأبناء وأهل خراسان بالرافقة، وقام رجل من أهل ~~حمص فقال: يا أهل حمص! أهون من العطف، والموت أهون من الذل، إنكم قد بعدتم ~~عن بلادكم، ترجون الكثرة بعد القلة، والعزة بعد الذلة، الا في الشر وقعتم، ~~وفي حومة الموت أنختم؛ إن المنايا في شوارب المسودة وقلانسهم، النفير ~~النفير، قبل أن ينقطع السبيل، وينزل لاأمر الجليل، ويفوت المطلب، ويعسر ~~المهرب. وقام رجل من كلب في غرز ناقته، فقال نحوا من ذلك، ثم قال: ألا وإني ~~سائر، فمت أراد الانصراف فلينصرف معي! ثم سار فسار معه عامة أهل الشام، ~~وأخرقت الزواقيل ما كان التجار قد جمعوه من الأعلاف، وأقبل نصر بن شبث ~~العثيلي، ثم حمل وأصحابه، فقاتل قتالا شديدأن وصبر الجند لهم، وكان أكثر ~~القتل في الزواقيل لكثير بن قادرة، وأبي الفيل، وداود بن موسى بن عيسى ~~الخراساني، وانهزمت الزواقيل، وكان على حاميتهم يومئذ نصر بن شبث، وعمروبن ~~عبد العزيز السلمي، والعباس بن زفر الكلابي، ثم توفي عبد الملك بن صالح ~~بالرقة في هذه السنة. ### || AUT ذكر خلع الأمين والمبايعة للمأمون # ### || AUT وعود الأمين إلى الخلاف # فلما مات عبد الملك بن صالح نادى الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان في ~~الجند، فجعل الرجالة في السفن، وسار الفرسان على الظهر في رجب، فلما قدم ~~بغداد لقيه القواد وأهل بغداد، وعملت له القباب، ودخل منزله؛ فلما كان جوف ~~الليل بعث إليه الأمين يأمره بالركوب إليه، فقال للرسول: ما أنا بمغن، ولا ~~مسامر، ولا مضحك، ولا وليت له عملا ولا مالأنفلأي شيء يريدني هذه ~~الساعة.انصرف، فإءذا أصبحت غدوت إليه، إن شاء الله. PageV03P0129 # وأصبح الحسين، فوافى باب الجسر، واجتمع الناس فقال: بيا معشر الأبناء! ms2206 إن ~~خلافة الله لا تجاوز بالبطر، ونعمته لا تستصحب بالتجبر، وإن محمداص يريد أن ~~يوقع أديانكم، وينقل عزكم إلى غيركم، وهوصاحب الزواقيل،وبالله إن طالت به ~~مدة ليرجعن وبال ذلك عليكم، فاقطعوا أثره قبل أن يقطع آثاركم، وضعوا عزه ~~قبل أن يضع عزكم، فوالله لا ينصره ناصر منكم إلا خذلب، وما عند الله، عز ~~وجل، لأحد هوادة، ولا يراقب على الاستخفاف بعهوده، والحنث بإيمانه. ثم أمر ~~الناس بعبور الجسر، فعبروأن وصاروا إلى سكة باب خراسان؛ وتسرعن خيول الأمين ~~إلى الحسين، فقاتلوه قتالا شديدأن فانهزم أصحاب الأمين وتفرقوأن فخلع ~~الحسين الأمين يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب، وأخذ البيعة للمأمون ~~من الغد يوم الاثنين. فلما كان يوم الثلاثاء وثب العباس بن موسى بن عيسى بن ~~بالأمين، فأخرجه من قصر الخلد، وحبسه بقصر المنصور، وأخرج أمه زبيدة أيضأن ~~فجعلها مع ابنها؛ فلما كان يوم الأربعاء طالب الناس الحسين بالأرزاق وماجوا ~~بعضهم في بعض، فقام محمد بن خالد بباب الشام، فقال: أيها الناس! والله ما ~~أدري بأي سبب يأمر الحسين بن علي علينأن ويتولى هذاالأمر دوننا؟ ما ~~هوبأكبرنا سنأن وما هوبأكبرنا حسبأن ولا بأعظمنا منزلة وغنى، وإني أولكم ~~أنقض عهده، وأظهر الإنكار لفعله، فمن كان على رأيي فليعتزل معي. وقال أسد ~~الحربي: يا معشر الحربية! هذا يوم له ما بعده، إنكم قد منتم فطال نومكم، ~~وتأخرتم فتقدم عليكم غيركم، وقد ذهب أقوام بخلع الأمين، فاذهبوا أنتم بذكر ~~فكه وإطلاقه. وأقبل شيخ على فرس فقال: أيها الناس! هل تعتدون على محمد بقطع ~~أرزاقهم؟ قالوا: لا! قال: فهل قصر بأحد من رؤسائكم، وعزل أحدا من قوادكم؟ ~~قالوا: لا! قال: فما بالكم خذلتموه، وأعنتم عدوه على أسره؟ وايم الله ما ~~قتل قوم خليفتهم إلا سلط الله عليهم السيف؛ انهضوا إلى خليفتكم فقاتلوا عنه ~~من أراد خلعه. فنهضوأن وتبعهمأهل الأرباض، فقاتلوا الحسين قتالا شديدأن ~~فأسر الحسين بن علي، ودخل أسد الحربي على الأمين، فكسر قيوده وأقعده في ~~مجلس الخلافة. ورأى الأمين أقواما ليس عليهم لباس الجند، ms2207 وأمرهم بأخذ ~~السلاح، فانتعبته الغوغاء، ونهبوا غيره، وحمل إليه الحسين أسيرأن فلامه، ~~فأعتذر له الحسين، فأطلقه، وأمره بجمع الجند، ومحاربة أصحاب المأمون، وخلع ~~عليه، وولاه ما وراء بابه، وأمره بالمسير إلى حلوان، فوقفالحسين بباب ~~الجسر، والناس يهنئونه، فلما خف عنه الناس قطع الجسر وهرب، فنادى الأمين في ~~الجند يطلبه، فركبوا كلهم، فأدركوه بمسجد كوثر على فرسخ من بغداد، فقاتلهم ~~فعثر به فرسه، فسقط عنه، فقتل وأخذوا رأسه. وقيل إن الأمين كان استوزره ~~وسلم إليه خاتمه، وجدد الجند البيعة للامين، بعد قتل الحسين بيوم، وكان ~~قتله خامس عشر رجب، فلما قتل الحسين بن علي هرب الفضل بن الربيع واختفى. ### || AUT ذكر ما فعله طاهر بالاهواز # لما نزل طاهر بشلاشان وجه الحسين بن عمر الرستمي إلى الأهواز وأمره ~~بالحذر، فلما توجه أتت طاهرا عيونه، فأخبروه أن محمد بن يزيدابن حاتم ~~المهلبي، وكان عاملا للأمين على الأهواز، قد توجه في جمع عظيم يريد جند ~~يسابور ليحمي الأهواز من أصحاب طاهر، فدعا طاهر عدة من أصحابه، منهم: محمد ~~بن طالوت، ومحمد بن العلاء، والعباس بن بخار أخذاه وغيرهم، وأمرهم أن يجدوا ~~السير، حتى يتصل أولهم بآخر أصحاب الرستمي فإن احتاج إلى مدد أمدوه. ~~PageV03P0130 # فساروا حتى شارفوا الأهواز ولم يلقوا أحدا. وبلغ خبرهم محمد بن يزيد، ~~فسار حتى نزل عسكر مكرم، وصير العمران والماء وراء ظهره، وتخوف طاهر أن ~~يعجل إلى أصحابه، فأمدهم بقريش بن شبل، وتوجه هوبنفسه، حتى كان قريبا منهم، ~~وسير الحسين بن علي المأموني إلى قريش والرستمي، فسارت تلك العساكر حتى ~~أشرفوا على محمد بن يزيد بعسكر مكرم، فاستشار أصحابه في المطاولة ~~والمناجزة، فأشاروا عليه بالرجوع إلى لاأهواز والتحصن بهأن وأن يستدعي ~~الجند من البصرة وقومه الأزد، ففعل ذلك، فسير طاهر وراءه قريش بن شبل، ~~وأمره بمبادرته قبل أن يتحصن بالأهواز، فسبقه محمد بن يزيد، ووصل بعده بيوم ~~قريش، فاقتتلوا قتالا شديدأن فالتفت محمد إلى من معه من مواليه، وكان ~~أصحابه قد رجعوا عنه، فقال لمواليه: ما رأيكم؟ إني أرى من معي ms2208 قد انهزم، ~~ولست آمن خذلانهم ولا أرجورجعتهم، وقد عزمت على النزول والقتال بنفسي، حتى ~~يقضي الله بما أحب، فمن أراد الانصراف فلينصرف، فوالله لئن تبقوا أحب إلي ~~من أن تموتوا. فقالوا: والله ما أنصفناك إذاص أن تكون قد أعتقتنا من الرق، ~~ورفعتنا من الضعة، وأغنيتنا بعد القلة، ثم نخذلك على هذه الحال، فلعن الله ~~الدنيا والعيش بعدك! ثم نزلوا فعرقبوا دوابهم، وحملوا على أصحاب قريش حملة ~~منكرة، فاكثروا فيهم القتل، وقتل محمد بن يزيد المهلبي، واستولى طاهر على ~~الأهواز وأعمالهأن واستعمل العمال على اليمامة والبحرين وعمان، وقال بعض ~~المهالبة، وجرح في تلك الوقعة عدة جراحات، وقطعت يده: فلما لمت نفسي غير ~~أني لم أطق ... حراكأن وأني كنت بالضرب مثخنا ولوسلمت كفاي قاتلت دونه ... ~~وضاربت عنه الطاهري الملعنا فتى لا يرى أن يخذل السيف في الوغى ... إذا ~~ادرع الهيجاء في النقع واكتنى ولما دخل ابن أبي عيينة المهلبي على طاهر ~~ومدحه، فحين انتهى إلى قوله: ما ساء ظني إلا بواحدة ... في الصدر محصورة عن ~~الكلم تبسم طاهر، ثم قال: أما والله ساءني من ذلك ما ساءك، وأمني ما ألمك، ~~ولقد كنت كارها لما كان، غير أن الحتف واقع، والمنايا نازلة، ولا بد من قطع ~~الأواصر والشكر للأقارب في تأكيد الخلافة، والقيام بحق الطاعة؛ فظن من حضر ~~أنه أراد محمد بن يزيد بن حاتم. ### || AUT ذكر استيلاء طاهر على واسط # ثم سار طاهر من الأهواز إلى واسط وبها السندي بن يحيى الحرشي، والهيثم ~~بن شعبة، خليفة خزيمة بن خازم، فجعل طاهر كلما تقدم نحوهم تقوضت المسالح ~~والعمال بين يديه، حتى أتى واسطا فهرب السندي والهيثم بن شعبة عنهأن ~~واستولى طاهر على واسط، ووجه قائدا من قواده إلى الكوفة عليها العباس بن ~~موسى الهادي، فلما بلغه الخبر خلع الأمين، وبايع المأمون، وكتب بذلك إلى ~~طاهر. ونزلت خيل طاهر فم النيل، وغلب على ما بين واسط والكوفة، وكتب ~~المنصور بن المهدي، وكان عاملا لأمين على البصرة، إلى طاهر ببيعته وطاعته، ~~وأتته بيعة المطلب بن ms2209 عبد الله بن مالك بالموصل للمأمون، وخلع الأمين، وكان ~~هذا جميعه في رجب من هذه السنة، فأقرهم طاهر على أعمالهم وولى داود بن عيسى ~~بن موسى بن محمد بن علي الهاشمي مكة والمدينة واستعمل يزيد بن جرير بن يزيد ~~بن خالد بن عبد الله القسري البجلي على اليمن، ووجه الحارث بن هشام وداود ~~بن موسى إلى قصر ابن هبيرة وأقام طاهر بجرجرايا. فلما بلغ الأمين خبر عامله ~~بالكوفة، وخلعه، والبيعة للمأمون، وجه محمد بن سليمان القائد، ومحمد بن ~~حماد البربري، وأمرهما أن يبيتا الحارث بن هشام وداود بالقصر، فبلغ الحارث ~~الخير، فركب هووداود، فعبرا في مخاضة في سوراء إليهم، فاوقعا بهم وقعة ~~شديدة فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم أهل بغداد. ووجه الأمين أيضا الفضل بن ~~موسى بن عيسى الهاشمي عاملا على الكوفة في خيل، فبلغ طاهرا الخبر، فوجه ~~محمد بن العلاء في جيش إلى طريقه، فلقي الفضل بقرية الأعراب، فبعث إليه ~~الفضل: إني سامع مطيع، وإمنا كان مخرجي كيدا مني لمحمد الامين، فقال له ابن ~~العلاء: لست أعرف ما تقول، فإن أردت طاهرا فارجع وراءك، فهوأسهل الطريق، ~~فرجع الفضل، فقال محمد بن العلاء: كونوا على حذر، فلا آمن مكره. ~~PageV03P0131 # ثم إن الفضل رجع إلى ابن العلاء، وهويظن أنه على غير أهبة، فرآه متيقظا ~~حذرأن فاقتتلوا قتالاشديدا كأشد ما يكون من القتال، فانهزم الفضل وأصحابه. ### || AUT ذكر استيلاء طاهر على المدائن # ### || AUT ونزوله بصرصر # ثم إن طاهرا سار إلى المدائن، وبها جيش كثير للأمين، عليهم البرمكي قد ~~تحصن بهأن والمدد ياتيه كل يوم والخلع، والصلات، فلما قرب طاهر منه وجه ~~قريش بن شبل، والحسين بن علي المأموني فقي مقدمته، فلما سمع أصحاب البرمكي ~~طبول طاهر أسرجوا وركبوأن وأخذ البرمكي في التعبية، فكان كلما سوى صفا ~~انتقض، واضطرب، وانضم أولهم إلى آخرهم، فقال: اللهم إنا نعوذ بك في ~~الخذلان! ثم قال لصاحب ساقته: خل سبيل الناس، فلا خير عندهم؛ فركب بعضهم ~~بعضا نحوبغداد فنزل طاهر بالمدائن، واستولى على تلك النواحي، ثم سار إلى ms2210 ~~صرصر، فعقد بها جسرا ونزلها. ### || AUT ذكر البيعة للمأمون بمكة والمدينة # وفي هذه السنة خلع داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي الأمين، ~~وهوعامله على مكة والمدينة، وبايع للمأمون. وكان سبب ذلك أنه لما بلغه ما ~~كان من الأمين والمأمون وما فعل طاهر، وكان الأمين قد كتب إلى داود بن عيسى ~~يامره بخلع المأمون، وبعث أخذ الكتابين من الكعبة، كما تقدم، فلما فعل ذلك ~~جمع داود وجوه الناس ومن كان شهد من الكتابين، وكان داود أحدهم، فقال لهم: ~~قد علمتم ما أخذ الرشيد علينا وعليكم من العهد والميثاق، عند بيت الله ~~الحرام، لا بنيه، لنكونن مع المظلوم منهما على الظالم ومع المغدور به على ~~الغادر، وقد راينا ورأيتم أن محمدا قد بدأ بالظلم والبغي والغدر والنكث على ~~أخويه المأمون والمؤتمن وخلعهما عاصيا لله، وبايع لابنه، طفل صغير، رضيع لم ~~يفطم، وأخذ الكتابين من الكعبة، فحرقهما ظالمأن فقد رأيت خلعه، والبيعة ~~للمأمون، إذ كان مظلوماص مبغيا عليه. فأجابوه إلى ذلك، فنادى في شعاب مكة، ~~فاجتمع الناس فخطبهم بين الركن والمقام، وخلع محمدأن وبايع للمأمون، وكتب ~~إلى ابنه سليمان، وهوعامله على المدينة، يأمره أن يفعل مثل ما فعل، فخلع ~~سليمان الأمين، وبايع للمأمون. فلما أتاه الخبر بذلك سار من مكة على طريق ~~البصرة، ثم إلى فارس، ثم إلى كرمان، حتى صار إلى المأمون بمرو، فأخبره ~~بذلك، فسر المأمون بذلك سرورا شديدأن وتيمن ببركة مكة والمدينة. وكانت ~~البيعة بهما في رجب سة ست وتسعين ومائة، واستعمل داود على مكة والمدينة، وز ~~أضاف إليه ولاية عك، وأعطاه خمسمائة ألف درهم معونة، وسير معه ابن أخيه ~~العباس بن موسى بن عيسى بن موسى، وجعله على الموسم، فسارا حتى أتيا طاهرا ~~ببغداد، فأكرمهما وقربهمأن ووجه معهما يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد ~~الله القسري البجلي عاملا على اليمن، وبعث معه خيلا كثيفة، فلما قدم اليمن ~~دعا أهلها إلى خلع الأمين والبيعة للمأمون، ووعدهم العدل والإحسان وأخبرهم ~~بسيرة المأمون، فأجابوه إلى ما ms2211 طلب، وخلعوا محمدا وبايعوه للمأمون، وكتب ~~بذلك إلى طاهر وإلى المأمون، وسار فيهم أحسن سيرة وأظهر العدل. ### || AUT ذكر ما فعله الأمين # وفي هذه السنة عقد محمد الأمين، في رجب وشعبان، نحوا من أبعمائة لواء ~~لقواد شتى، وأمر عليهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك، وأمرهم بالمسير إلى ~~هرثمة بن أعين، فساروا إليه، فالتقوا بنواحي النهروان في رمضان فانهزموأن ~~وأسر علي بن محمد بن عيسى فسيره هرثمة إلى المأمون، ورحل هرثمة فنزل النهروان. ### || AUT ذكر وثوب الجند بطاهر والأمين # ### || AUT ونزوله ببغداد # PageV03P0132 # وأقام طاهر بصرصر مشمرا في محاربة الأمين وكان لا يأتيه جيش إلا هزمه، ~~وبذل الأمين الأموال، فاشتد ذلك على أصحاب طاهر، فسار إليه منهم نحوخمسة ~~آلاف، فسر بهم الأمين، وعدهم، ومناهم، وفرق فيهم مالا عظيمأن وعلف لحاهم ~~بالغالية، فسموا قواد الغالية، وقود جماعة من الحربية، ووجههم إلى دسكرة ~~الملك والنهروان، فلم يكن بينهم قتال كثير،وندب جماعة من قواد بغداد، وجههم ~~إلى الياسرية، والكوثرية، وفرق الجواسيس في اصحاب طاهر، ودس إلى رؤساء ~~الجند، فاطعمهم، ورغبهم، فشغبوا على طاهر، واستأمن كثير منهم إلى الأمين، ~~فانضموا إلى عسكره، وساروا حتى أتوا صرصرأن فعبأ طاهر أصحابه كراديس، وسار ~~فيهم يمنيهم، ويحرضهم، ويعدهم النصر، ثم تقدم، فاقتتلوا مليا من النهار، ثم ~~انهزم أصحاب الأمين، وغمن عسكر طاهر ما كان لهم من السلاح والدواب وغير ~~ذلك. وبلغ ذلك لاأمين فأخرج الأموال وفرقهأن وجمع أهل الأرباض، وقود منهم ~~جماعة، وفرق فيهم الاموال، وأعطى كل قائد منهم قارورة غالية، ولم يفرق في ~~أجناد القواد وأصحابهم شيئا. فبلغ ذلك طاهرأن فراسلهم، ووعدهم، واستمالهم، ~~وأغرى أصاغرهم بأكابرهم، فشغبوا على الأمين في ذي الحجة، فصعب الأمر عليه، ~~فأشار عليه أصحابه باستمالتهم والإحسان إليهم، فلم يفعل، وأمر بقتالهم ~~جماعة من المستأمنة والمحدثين، فقاتلوهم، وراسلهم طاهر، وراسلوه، وأخذ ~~رهائنهم على بذل الطاعة، وأعطاهم الاموال. ثم تقدم، فصار إلى موضع البستان ~~الذي على باب الأنبار، في ذي الحجة، فنزل بقواده وأصحابه ونزل من استأمن ~~إليه من جند الأمين في البستان والأرباص، ms2212 وأضعف للقواد، ~~وأبنائهم،والخواص،العطاء، ونقب أهل السجون السجون، وخرجوا منهأن وفتن الناس ~~وساءت حالهم، وثب الشطار على أهل الصلاح، ولم يتغير بعسكر طاهر حال لتفقده ~~حالهم، وأخذه على أيدي السفهاء، وغادى القتال، ورواحه، حتى تواكل الفريقان ~~وخربت الديار. وحج بالناس هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى، ودعا ~~للمأمون بالخلافة، وهوأول موسم دعي له فيه بالخلافة. ### || AUT ذكر الفتنة بإفريقية مع أهل طرابلس # في هذه السنة ثار أبوعصام ومن وافقه على إبراهيم بن الأغلب، أمير ~~إفريقية، فحاربهم إبراهيم، فظفر بهم. وفيها استعمل ابن الأغلب ابنه عبدالله ~~على طرابلس الغرب، فلما قدم إليها ثار عليه الجند، فحضروه في داره، ثم ~~اصطلحوا على أن يخرج عنهم، فخرج عنهم، فلم يبعد عن البلد حتى اجتمع إليه ~~كثير من الناس، ووضع العطاء، فأتاه البربر من كل ناحية، وكان يعطي الفارس ~~كل يوم أربعة دراهم، ويعطي الراجل في اليوم درهمين، فاجتمع له عدد كثير، ~~فزحف بهم إلى طرابلس، فخرج إليه الجند، فاقتتلوأن فانهزم جند طرابلس، ودخل ~~عبد الله المدينة، وأمن الناس وأقام بها؛ ثم عوزله أبوه، واستعمل بعده ~~سفيان ابن المضاء، فثارت هوارة بطرابلس، فخرج الجند إليهم، والتقوا ~~واقتتلوأن فهزم الجند إلى المدينة، فتبعهم هوارة، فخرج الجند هاربين إلى ~~لاأمير إبراهيم ابن الأغلب، ودخلوا المدينة فهدموا أسوارها. وبلغ ذلك ~~إببراهيم ابن الأغلب، فسير إليها ابنه أبا العباس عبد الله في ثلاثة عشر ~~ألف فارس، فاقتتل هووالبربر، فانهزم البربر، وقتل كثير منهم، ودخل طرابلس ~~وبنى سورها. وبلغ خبر هزيمة البربر إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، ~~وجمع البربر، وحرضهم، وأقبل بهم إلى طرابلس، وهم جمع عظيم، غضبا للبربر ~~ونصرة لهم، فنزلوا على طرابلس، وحصروها. فسد أبوالعباس عبد الله بن إبراهيم ~~باب زناتة، وكان يقاتل من باب هوارة، ولم يزل كذلك إلى أن توفي أبوه ~~إبراهيم بن الأغلب، وعهد بالإمارة لولده عبد الله، فأخذ أخوه زيادة الله بن ~~إبراهيم له العهود على الجند، سير الكتاب إلى أخيه عبد الله، يخبره بموت ~~أبيه، وبالإمارة له، ms2213 فأخذ البربر الرسول والكتاب، ودفعوه إلى عبد الوهاب بن ~~عبد الرحمن بن رستم، فأمر بأن ينادي عبد الله بن إبراهيم بموت أبيه، ~~فصالحهم على أن يكون البلد والبحر لعبد الله، وما كان خارجا عن ذلك يكون ~~لعبد الوهاب، وسار عبد الله إلى القيروان، فلقيه الناس، وتسلم الأمر، وكانت ~~أيامه أيام سكون ودعة. ### | AUT حوادث سنة سبع وتسعين ومائة # ### || AUT ذكر حصار بغداد # PageV03P0133 # في هذه السنة حاصر طاهر، وهرثمة، وزهير بن المسيب الأمين محمدا ببغداد، ~~فنزل زهير بن المسيب الضبي برقة كلواذى، ونصب المجانيق والعرادات، وحفر ~~الخنادق، وكان يخرج في الإيام عند اشتغال الجند بحرب طاهر، فيرمي ~~بالعرادات، ويعشر أموال التجار، فشكا الناس منه إلى طاهر، فنزل هرثمة نهر ~~بين، وعمل عليه خندقا وسورأن ونزل عبيد الله بن الوضاح بالشماسية، ونزل ~~طاهر البستان الذي بباب الأنبار. فلما نزله شق ذلك على الأمين، وتفرق ما ~~كان بيده من الأموال، فأمر ببيع ما في الخزائن من الأمتعة، وضرب آنية الذهب ~~والفضة ليفرقها في أصحابه، وأمر بإحراق الحربية، فرميت بالنفط والنيران ~~وقتل بها خلق كثير. واستأمن إلى طاهر سعيد بن مالك بن قادم، فولاه الأسواق، ~~وشاطئ دجلة وما اتصل به، وأمره بحفر الخنادق، وبناء الحيطان في كل ما غلب ~~عليه من الدروب، وأمده بالاموال والرجال، فكثر الخراب ببغداد والهدم، فدرست ~~المنازل؛ ووكل الأمين عليا افراهمرد بقصر صالح، وقصر سليمان بن المنصور إلى ~~دجلة، فألح في إحراق الدور والدروب، والرمي بالمجانيق، وفعل طاهر مثل ذلك، ~~فأرسل إلى أهل الأرباض من طريق الأنبار وباب الكوفة وما يليهأن فكلما أجابه ~~أهل ناحية خندق عليهم، ومن أبى إجابته قاتله، وأحرق منزله؛ ووحشت بغداد، ~~وهربت، فقال حسين الخليع: أتسرع الرحلة إغذاذا ... عن جانبي بغداد أم ماذا؟ ~~أما ترى الفتنة قد ألفت ... إلى أولي الفتنة شذاذا وانتقضت بغداد عمرانها ~~... عن رأي لا ذاك ولا هذا هدما وحرقا قد أباد أهلها ... عقوبة لاذت بمن ~~لاذا ما احسن الحالات إن لم تعد ... بغداد في القلة بغدادا وسمى طاهر ~~الأرباض التي خالفه أهلهأن ms2214 ومدينة المنصور، وأسواق الكرخ والخلد، دار ~~النكث، وقبض ضياع من لم يخرج إليه من بني هاشم والقواد وغيرهم، وأخذ ~~اموالهم، فذلوأن وانكسروأن وذل الأجناد، وضعفوا عن القتال، إلا باعة ~~الطريق، والعراة، وأهل السجون، والأوباش، والطرارين، وأهل السوق، فكانوا ~~ينهبون أموال الناس. وكان طاهر لا يفتري في قتالهم، فاستأمن إليه على ~~أفراهمرد، الموكل بقصر صالح، فأمنه، وسير إليه جندا كثيفأن فسلم إليه ما ~~كان بيده من تلك الناحية، في جمادى الآخرة؛ واستأمن إليه محمد بن عيسى، ~~صاحب شرطة الأمين، وكان مجدا في نصرة الأمين، فلما استأمن هذان إلى طاهر ~~أشفى الأمين على الهلاك وأقبلت الغواة من العيارين، وباعة الطريق، ~~والأجناد، فاقتتلوا داخل قصر صالح قتالا عظيمأن قتل فيه من أصحاب طاهر ~~جماعة كثيرة، ومن قواده جماعة، ولم تكن وقعة قبلها ولا بعدها اشد على طاهر ~~منها. ثمخ إن طاهرا كاتب القواد الهاشميين وغيرهم، بعد أن أخذ ضياعهم، ~~ودعاهم إلى الأمان والبيعة للمأمون، فأجابه جماعة منهم: عبد الله بن حميد ~~قحطبة وإخوته، وولد الحسن بن قحطبة، ويحيى بن علي بن ماهان، ومحمد بن أبي ~~العباس الطائي، وكاتبه غيرهم، وصارت قلوبهم معه. وأقبل الأمين بعد وقعة ~~صالح على الأكل والشرب، ووكل الأمر إلى محمد بن عيسى بن نهيك،وإلى الهرش، ~~فكان من معهما من الغوغاء والفساق يسلبون من قدروا عليه، وكان منهم ما لم ~~يبلغنا مثله. فلما طال ذلك بالناس خرج من بغداد من كانت به قوة، وكان أحدهم ~~إذا خرج أمن على ماله ونفسه، وكان مثلهم كما قال الله: (فضرب بهم بسور له ~~باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) الحديد: 13 وخرج عنهم قوم ~~بعلة الحج، ففي ذلك يقول شاعرهم: أظهروا الحج وما ينوونه ... بل من الهرش ~~يريدون الهرب كم أناس أصبحوا في غبطة ... وكل الهرش عليهم بالعطب وقال بعض ~~فتيان بغداد: بكيت دما على بغداد لما ... فقدت غضارة العيش الأنيق تبدلنا ~~هموما من سرور ... ومن سعة تبدلنا بضيق اصابتنا من الحساد عين ... فأفنت ~~أهلها بالمنجنيق فقوم أحرقوا بالنار قسرا ... ونائحة ms2215 تنوح على غريق وصائحة ~~تنادي: واصباحا ... وباكية لفقدان الشقيق وحوراء المدامع ذات دل ... مضمخة ~~المجاسد بالخلوق PageV03P0134 # تفر من الحريق إلى انتهاب ... ووالدها يفر إلى الحريق وسالبة الغزالة ~~مقلتيها ... مضاحكها كلألاء البروق حيارى هكذا ومفكرات ... عليهن القلائد ~~في الحلوق ينادين الشفيق ولا شفيق ... وقد فقد الشفيق من الشفيق ومغترب ~~قريب الدار ملقى ... بلا رأس بقارعة الطريق توسط من قتالهم جميعا ... فما ~~يدرون من أي الفريق فما ولد يقيم على أبيه ... وقد فر الصديق عن الصديق ~~ومهما أنس من شيء تولى ... فإني ذاكر دار الرقيق وقال الجرمي قصيدة طويلة ~~نحومائة وخمسين بيتا أتى فيها على جميع الحوادث ببغداد، في هذه الحرب، ~~تركتها لطولها. وذكر أن قائدا من أهل خراسان، من أصحاب طاهر، من اهل النجدة ~~والبأس، خرج يوما إلى القتال، فنظر إلى قوم عراة لا سلاح معهم، فقال ~~لأصحابه: ما يقاتلنا إلا من نرى استهانة بأمرهم، واحتقارا لهم، فقيل له: ~~نعم! هؤلاء هم الآفة؛فقال لهم: أف لكم حين تنهزمون من هؤلاء، وأنتم في ~~السلاح والعدة والقوة، وفيكم الشجاعة، وما عسى يبلغ كيد هؤلاء ولا سلاح ~~معهم، ولا جنة تقيهم! وتقدم إلى بعضهم، وفي يديه بارية مقيرة، وتحت إبطه ~~مخلاة فيها حجارة، فجعل الخراساني كلما رمي بسهم استتر منه العيار فوقع في ~~باريته، أوقريبا منهأن فياخذه، ويتركه معه، وصاح: دانق، أي ثمن النشابة ~~دانق قد أحرزه، فلم يزالا كذلك حتى فنيت سهام الخراساني، ثم حمل عليه ~~العيار، ورمة بحجر من مخلاته في مقلاع،فما أخطأ عينه، ثم آخر، فكاد يصرعه، ~~فانهزم وهويقول: ليس هؤلاء بناس. فلما سمع طاهر خبره ضحك منه، فلما طال ذلك ~~على طاهر، وقتل من أصحابه في قصر صالح من قتل، أمر بالهدم والإحراق، فهدم ~~دور من خالفه من بين دجلة ودار الرقيق، وباب الشام، وباب الكوفة، إلى ~~الصراة وربض حميد، ونهر كرخابأن فكان أصحابه إذا هدموا دارا أخذ أصحاب ~~الأمين أبوابها وسقوفهأن فيكونون أشد على أهلهأن فقال شاعر منهم: لنا كل ~~يوم ثلمة لا نسدها ... يزيدون فيما يطلبون وننقص إذا ms2216 هدموا دارا أخذنا ~~سقوفها ... ونحن لأخرى غيرها نتربص فإن حرصوا يوما على الشر جهدهم ... ~~فغوغاؤنا منهم على الشر أحرص فقد ضيقوا من أرضنا كل واسع ... وصار لهم أهل ~~بها وتعرص يثيرون بالطبل القنيص، فإن بدا ... لهم وجه صيد من قريب تقنصوا ~~لقد أفسدوا شرق البلاد وغربها ... علينا فما ندري إلى أين نشخص إذا حضروا ~~قالوا بما يعرفونه ... وإن لم يروا شيئا قبيحا تخرصوا وما قتل الأبطال مثل ~~مجرب ... رسول المنايا ليلة يتلصص فيأبيات غيرهأن فلما رأى طاهر أن هذا ~~جميعه لا يحفلون به، أمر بمنع التجار عنهم، ومنع من حمل الأقوات وغيرهأن ~~وشدد في ذلك، وصرف السفن التي يحمل فيها إلى الفرات، فاشتد ذلك عليهم، وغلت ~~الأسعار، وصاروا في اشد حصار؛ فأمر الأمين ببيع الاموال، وأخذهأن ووكل بها ~~بعض أصحابه، فكان يهجم على الناس في منازلهم ليلاص ونهارأن فاشتد ذلك على ~~الناس، وأخذوا بالتهمة والظنة. ثم كان بينهم وقعة بدرب الحجارة، قتل فيها ~~من اصحاب طاهر خلق كثير، ووقعة بالشماسية خرج فيها حاتم بن الصقر في ~~العيارين وغيرهم إلى عبيد الله بن الوضاح، فاوقعوا به، وهولا يعلم، فانهزم ~~عنهم، وغعلبوه على الشماسية، فأتاه هرثمة يعينه، فأسره بعض أصحاب الأمين، ~~وهولا يعرفه، فقاتل عليه بعض أصحابه، حتى خلصه، وانهزم أصحاب هرثمة، فلم ~~يرجعوا يومين. فلما بلغ طاهرا ما صنعوا عقد جسرا فوقالشماسية، وعبر أصحابه ~~إليهم، فقاتلوا أشد قتال، حتى ردوا أصحاب الأمين، وأعاد أصحاب عبيد الله بن ~~الوضاح إلى مراكزهم، وأحرق منازل الأمين بالخيزرانية، وكانت النفقة عليها ~~بلغت عشرين ألف ألف درهم، وقتل من العيارين كثير، فضعف أمر الأمين، فأيقن ~~بالهلاك، وهرب منه عبد الله بن خازم بن خزيمة إلى المدائن، خوفا من الأمين، ~~لأنه اتهمه، وتحامل عليه السفلة والغوغاء، فأقام بهأن وقيل بل كاتبه طاهر، ~~وحذره قبض ضياعه وأمواله. PageV03P0135 # ثم إن الهرش خرج ومعه لفيفة وجماعة إلى جزيرة العباس، وكانت ناحية لم ~~يقاتل فيهأن فخرج إليه وبعض أصحاب طاهر، فقاتلوه، فقوي عليهم، فأمدهم طاهر ~~بجند آخر، فأوقعوا بالهرش وأصحابه وقعة ms2217 شديدة، فقرق منهم بشر كثير. وضجر ~~الأمين وخاف حتى قال يوما: وددت أن الله قتل الفريقين جميعا فأراح الناس ~~منهم، فما منهم إلا عدولي، أما هؤلاء فيريدون مالي، وأما أولئك فيريدون ~~نفسي؛ وضعف أمره، وانتشر جنده، وأيقن بظفر طاهر به. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بتوجيه طاهر إياه على ~~الموسم بأمر أمير المؤمنين المأمون. وفيها سار المؤتمن بن الرشيد، ومنصور ~~بن المهدي إلى المأمون بخراسان، فوجه المأمون أخاه المؤتمن إلى جرجان. ~~وفيها كان بالأندلس غلاء شديد، وكان الناس يطوون الأيام، ويتعللون بما يضبط ~~النفس. وفيها مات وكيع بن الجراح الرؤاسي بفيد، وقد عاد عن الحج؛ وبقية ابن ~~الوليد الحمصي، وكان مولده سنة عشر ومائة؛ ومحمد بن مليح بن سليمان ~~الأسلمي؛ ومعاذ بن معاذ أبوالمثنى العنبري وله سبع وسبعون سنة. ### | AUT حوادث سنة ثمان وتسعين ومائة # ### || AUT ذكر استيلاء طاهر على بغداد # في هذه السنة لحق خزيمة بن خازم بطاهر، وفارق الأمين، ودخل هرثمة إلى ~~الجانب الشرقي. وكان سبب ذلك أن طاهرا أرسل إلى خزيمة أن انفصل الأمر بيني ~~وبين محمد، ولم يكن لك في نصرتي، ألا أقصر في أمرك! فأجابه بالطاعة، وقال ~~له: لوكنت أنت النازل الجانب الشرقي في مكان هرثمة لحمل نفسه إليه، وأخبره ~~قلة ثقته بهرثمة، إلا أن يضمن له القيام دونه لخوفه من العامة، فكتب طاهر ~~إلى هرثمة يعجزه، ويلومه، ويقول: جمعت الأجناد، وأتلفت الأموال، وقد وقفت ~~وقوف المحجم عمن بإزائك، فاستعد للدخول إليهم، فقد أحكمت الأمر على دفع ~~العسكر، وقطع الجسور، وأرجوأن لا يختلف عليك اثنان. فأجابه هرثمة بالسمع ~~والطاعة، فكتب طاهر إلى خزيمة بذلك، وكتب إلى محمد بن علي بن عيسى بن ماهان ~~بمثل ذلك؛ فلما كان ليلة الأربعاء لثمان بقين من المحرم، وثب خزيمة ومحمد ~~بن علي بن عيسى على جسر دجلة فقطعاه، وخلعا محمد الأمين، وسكن أهل عسكر ~~المهدي، ولم يدخل هرثمة حتى مضى إليه نفر من القواد وحلفوا له أنه لا يرى ~~منهم مكروهأن ms2218 فدخل إليهم، فقال الحسين الخليع في ذلك. علينا جميعا من خزيمة ~~منة ... بما أخمد الرحمن نائرة الحرب تولى أمور المسلمين بنفسه ... فذب ~~وحامى عنهم أشرف الذب ولولا أبوالعباس ما انفك دهرنا ... ينيب على عتب ~~ويعدوعلى عتب خزيمة لم يذكر له مثل هذه ... إذ اضطربت شرق البلاد مع الغرب ~~أناخ بجسري دجلة القطع والقنا ... شوارع والأرواح في راحة الغضب وهي عدة ~~أبيات، فلما كان الغد تقدم طاهر إلى المدينة والكرخ، فقاتل هناك قتالا ~~شديدأن فهزم الناس، حتى الحقهم بالكرخ، وقاتلهم فيه، فهزمهم، فمروا لا ~~يلوون على شيء، فدخلها طاهر بالسيف، وأمر مناديه، فنادى: من لزم بيته ~~فهوآمن؛ ووضع بسوق الكرخ وقصر الوضاح جندا على قدر حاجته، وقصد إلى مدينة ~~المنصور، وأحاط بهأن وبقصر زبيدة، وقصر الخلد، من باب الجسر إلى باب ~~خراسان، وباب الشام، وباب الكوفة، وباب البصرة، وشاطئ الصراة إلى مصبها في ~~دجلة. وثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر والهرش، والأفارقة، فنصب المجانيق ~~بإزاء قصر زبيدة، وقصر الخلد؛ وأخذ الامين أمه وأولاده إلى مدينة المنصور، ~~وتفرق عنه عامة جنده وخصيانه وجواريه في الطريق، لا يلوي أحد على احد، ~~وتفرق السفلة والغوغاء، وتحصن محمد بمدينة المنصور، وحصره طاهر، وأخذ عليه ~~الأبواب. وبلغ خبر هذه الوقعة عمر الوراق، فقال لمخبره: ناولني قدحا؛ ثم ~~تمثل: خذها فللخمرة أسماء ... لها دواء ولها داء يصلحها الماء إذا اصفقت ~~... يوما وقد يفسدها الماء وقائل كانت لهم وقعة ... في يومنا هذا وأشياء ~~قلت له: أنت امرؤ جاهل ... فيك عن الخيرات إبطاء إشرب ودعنا من أحاديثم ... ~~يصطلح الناس إذا شاؤوا PageV03P0136 # وحكى إبراهيم بن المهدي أنه كان مع الأمين لما حصره طاهر، قال: فخرج ~~الأمين ذات ليلة يريد أن يتفرج من الضيف الذي هوفيه، فصار إلى قصر له ~~بناحية الخلد، ثم أرسل إلي فحضرت عنده، فقال: ترى طيب هذه الليلة، وحسن ~~القمر في السماء، وضوءه في الماء على شاطئدجلة، فهل لك في الشرب؟ فقلت: ~~شأنك؛ فشرب رطلأن وسقاني آخر، ثم غنيته ما كنت أعلم أنه يحبه، فقال لي: ms2219 ما ~~تقول فيمن ضرب عليك؟ ما أحوجني إليه! فدعا بجارية متقدمة عنده، اسمها ضعف، ~~فتطيرت من اسمهأن ونحن في تلك الحال، فقال لها: غني، فغنت بشعر الجعدي: ~~كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأيسر جرما منك ضرج بالدم فاشتد ذلك عليه، ~~وتطير منه، وقال: غني غير ذلك، فغنت: أبكي فراقكم عيني فأرقها إن التفرق ~~للأحباب بكاء ما زال يعدوعليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عداء ~~فقال لها: لعنك الله! أما تعرفين من الغناء غير هذا؟ فقال: ما تغنيت إلا ما ~~ظننت أنك تحبه، ثم غنت آخر: أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة ~~الشرك ما اختلف الليل والنهار وما ... دارت نجوم السماء في الفلك إلا لنقل ~~السلطان عن ملك ... قد زال سلطانه إلى ملك وملك ذي العرش دائم أبدا ... ليس ~~بفان ولا بمشترك فقال لها: قومي، غضب الله عليك ولعنك فقامت، وكان له قدح ~~من بلور، حسن الصنعة، كان يسميه رب رياح، وكان موضوعا بين يديه، فعثرت ~~الجارية به، فكسرته، فقال: ويحك يا إبراهيم! ما ترى ما جاءت به هذه ~~الجارية، ثم ما كان من سر القدح؟ والله ما أظن أمري إلا وقد قرب! فقلت: ~~يديم الله ملكك، ويعز سلطانك، ويكبت عدوك! فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتا ~~من دجلة: (قضي الأمر الذي فيه تسفيان) يوسف: 41. فقال: يا إبراهيم أما سمعت ~~ما سمعت؟ قلت: ما سمعت شيئأن وكنت قد سمعت: قال تسمع حسنأن فدنوت من الشط، ~~فلم أر شيئا ، ثم عاودنا الحديث، فعاد الصوت بمثله، فقام من مجلسه مغتما ~~إلى مجلسه بالمدينة، فما مضى إلا ليلة أوليلتان حتى قتل. ### || AUT ذكر قتل الأمين # لما دخل محمد إلى مدينة المنصور، واستولى طاهر على أسواق الكرخ وغيرهأن ~~كما تقدم، وقر بالمدينة، علم قواده وأصحابه أنهم ليس لهم فيها عدة الحصر، ~~وخافوا أن يظفر بهم طاهر، فأتاه محمد بن حاتم بن الصقر، ومحمد بن إبراهيم ~~بن الأغلب الإفريقي، وغيرهمأن فقالوا: قد آلت حالنا إلى ما ترى، وقد رأينا ~~رأيا نعرضه عليك، فانظر واعزم ms2220 عليه، فإنا نرجوأن يجعل الله فيه الخيرة. ~~قال: وما هو؟ قالوا: قد تفرق عنك الناس، وأحاط بك عدوك، وقد بقي معك من ~~خيلك سبعة آلاف فرس من خيارهأن فنرى أن نختار ممن عرفناه بمحبتك من الأبناء ~~سبعة آلاف، فتحملهم على هذه الخيل، وتخرج ليلا على باب من هذه الأبواب؛ فإن ~~الليل لأهله، ولن يثبت لنا أحد إن شاء الله، فنخرج، حتى نلحق بالجزيرة ~~والشام، فنفرض الفروض، ونجبي الخراج، ونصير في مملكة واسعة وملك جديد، ~~فينصاع إليك الناس، وينقطع عن طلبك الجند ويحدث الله أمورا. فقال لهم: نعم ~~ما رأيتم! وعزم على ذلك، وبلغ الخبر إلى طاهر، فكتب إلى سليمان بن المنصور، ~~ومحمد بن عيسى بن نهيك، والسندي بن شاهك: والله لئن لم تردوه عن هذا الرأي ~~لا تركت لكم ضيعة إلا قبضتهأن ولا يكون لي همة إلا أنفسكم. فدخلوا على ~~الأمين، قد بلغنا الذي عزمت عليه، فنحن نذكرك الله في نفسك، إن هؤلاء ~~صعاليك، وقد بلغ بهم الحصار إلى ما ترى، فهم يرون أن لا أمان لهم عند أخيك، ~~وعند طاهر، لجدهم في الحرب، ولسنا نأمن إذا خرجت معهم أن يأخذوك أسيرأن أ ~~يأخذوا رأسك، فيتقربوا بك ويجعلوك سبب أمانهم، وضربوا فيه الأمثال؛ فرجع ~~إلى قولهم، وأجاب إلى طلب الأمان والخروج، فقالوا له: إمنا غايتك السلامة، ~~واللهو، وأخوك يتركك حيث أحببت، ويجعل لك فيه كل ما يصلحك، وكل ما تحب ~~وتهوى، وليس عليك منه بأس ولا مكروه. فركن إلى ذلك، وأجاب إلى الخروج إلى ~~هرثمة بن أعين. PageV03P0137 # فدخل عليه أولئك النفر الذين أشاروا بقصد الشام، وقالوا: إذا لم تقبل ما ~~أشرنا به عليك، وهوالصواب، وقبلت من هؤلاء المداهنين، فالخروج إلى طاهر خير ~~لك من الخروج إلى هرثمة؛ فقال: أنا أكره طاهرأن لأني رأيت في منامي كأني ~~قائم على حائط من آجر شاهق في السماء عريض الأساس، لم أر مثله في الطول ~~والعرض، وعلي سوادي، ومنطقي، وسيفي، وكان طاهر في أصل ذلك الحائط، فما زال ~~يضربه حتى سقط، وسقطت، وطارت قلنسوتي ms2221 عن رأسي، فأنا أتطير منه، وأكرهه ~~وهرثمة مولانأن وهوبمنزلة الوالد، وأنا أشد أنسا به وثقة إليه. فأرسل يطلب ~~الأمان، فأجابه هرثمة إلى ذلك، وحلف له أنه يقاتل دونه إن هم المأمون ~~بقتله، فلما علم ذلك طاهر اشتد عليه، وأبى أن يدعه يخرج إلى هرثمة، وقال: ~~هوفي جندي والجانب الذي أنا فيه، وأنا أحرجته، بالحصار، حتى طلب الأمان، ~~فلا أرضى أن يخرج إلى هرثمة فيكون له الفتح دوني. فلما بلغ ذلك هرثمة ~~والقواد اجتمعوا في منزل خزيمة بن خازم، وحضر طاهر وقواده، وحضر سليمان بن ~~المنصور، والسندي، ومحمد بن عيسى بن نهيك، وأداروا الرأي بينهم، وأخبروا ~~طاهرا أنه لا يخرج إليه أبدأن وأنه إن لم يجب إلى ما سأل لم يؤمن إلا أن ~~يكون الأمر مثله أيام الحسين بن علي بن عيسى ماهان. وقالوا: أنه إن يخرج ~~إلى هرثمة بدنه، ويدفع إليك الخاتم والقضيب، والبردة وذلك هوالخلافة، ~~فاغتمن هذا الأمر ولا تفسده! فأجاب إلى ذلك رضي به. ثم إن الهرش لما علم ~~بالخبر أراد التقرب إلى طاهر، فأخبره أن الذي جرى بينهم مكر، وأن الخاتم ~~والقضيب والبردة تحمل مع الأمين إلى هرثمة، فاغتاظ منه، وجعل حول قصر أم ~~الأمين، وقصور الخلد، قوما معهم العتل، ولم يعلم بهم أحد؛ فلما تهيأ الأمين ~~للخروج إلى هرثمة، عطش قبل خروجه عطشا شديدا فطلب له في خزانة الشراب ماء، ~~فلم يوجد، فلما أمسى، ليلة الأحد، لخمس بقين من محرم سنة ثمان وتسعين ~~ومائة، خرج بعد العشاء الآخرة إلى صحن الدار، وعليه ثياب بيض، وطيلسان ~~أسود، فأرسل إليه هرثمة: وافيت للميعاد لأحملك، ولكني أرى أن لا تخرج ~~الليلة، فإني قد رأيت على الشط أمرا قد رابني، وأخاف أن أغلب، وتؤخذ من ~~يدي، وتذهب نفسك ونفسي، فأقم الليلة، حتى أستعد وآتيك الليلة القابلة، فإن ~~حوربت حاربت دونك. فقال الأمين للرسول: ارجع إليه، وقل له لا يبرح، فإني ~~خارج إليه الساعة لا محالة، ولست أقيم إلى غد. وقلق، وقال: قد تفرق عني ~~الناس من الموالي والحرس وغيرهم، ولا ms2222 آمن إن انتهى الخبر إلى طاهر أن يدخل ~~علي فيأخذني؛ ثم دعا بابنيه، فضمهما إليه، وقبلهمأن وبكى، وقال: أستودعكما ~~الله، عز وجل، ودمعت عيناه، فمسح دموعه بكمه، ثم جاء راكبا إلى الشط، فإذا ~~حراقة هرثمة، فصعد إليها. فذكر احمد بن سلام، صاحب المظالم، قال: كنت مه ~~هرثمة في الحراقة، فلما دخلها الأمين قمنا له، وجثا هرثمة على ركبتيه، ~~واعتذر إليه من نقرس به، ثم احتضنه، وضمه إليه، وجعله إلى حجره، وجعل يقبل ~~يديه ورجليه وعينيه، وأمر هرثمة بالحراقة أن تدفع، إذ شد علينا أصحاب طاهر ~~في الزواريق، وعطعطوأن ونقبوا الحراقة، ورموهم بالآجر والنشاب، فدخل الماء ~~إلى الحراقة، فغرقت، وسقط هرثمة إلى الماء، وسقطنأن فتعلق الملاح بشعر ~~هرثمة فأخرجه، وأما الأمين فإنه لما سقط إلى الماء شق ثيابه وخرج إلى الشط، ~~فأخذني رجل من أصحاب طاهر، وأتى بي رجلا من أصحاب طاهر، وأعلمه أني من ~~الذين خرجوا إلى الحراقة، فسألني من أنا؟ فقلت أنا أحمد بن سلام، صاحب ~~المظالم، مولى أمير المؤمنين، قال: كذبت، فاصدقني! قلت: قد صدقتك. قال: فما ~~فعل المخلوع؟ رأيته وقد شق ثيابه؛ فركب، وأخذني معه أعدوأن وفي عنقي حبل، ~~فعجزت عن العدو، فأمر بضرب عنقي، فاشتريت نفسي منه بعشرة آلاف درهم، فتركني ~~في بيت، حتى يقبض المال، وفي البيت بواري وحصر مدرجة ووسادتان. فلما ذهب من ~~الليل ساعة، وإذا قد فتحوا الباب، وأدخلوا الأمين، وهوعريان، وعليه سراويل، ~~وعمامة، وعلى كتفه خرقة خلقة، فتركوه معي، فاسترجعت وبكيت فيما بيني وبين ~~نفسي؛ فسألني عن اسمي فعرفته، فقال: يا أحمد! ما فعل أخي؟ قلت: حي هو. قال: ~~قبح الله بريدهم، كان يقول: قد مات شبه المعتذر من محاربته؛ فقلت: بل قبح ~~اله وزراءك؛ فقال: ما تراهم يصنعون بي، أيقتلونني أم يفون لي بأمانهم؟ ~~فقلت: بل يفون لك. PageV03P0138 # وجعل يضم الخرقة على كتفه، فنزعت مبطنة كانت علي، وقلت: ألق هذه عليك! ~~فقال: دعني، فهذا من اله، عز وجل، في مثل هذا الموضع خير كثير. فبيمنا نحن ~~كذلك، إذا دخل علينا رجل، ms2223 فنظر في وجوهنأن فاستثبتهأن فلما عرفته انصرف، ~~وإذا هومحمد بن حميد الطاهري، فلما رأيته علمت أن الأمين مقتول؛ فلما انتصف ~~الليل فتح الباب، ودخل الدار قوم من العجم معهم السيوف مسلولة، فلما رآهم ~~قام قائمأن وجعل يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهبت، والله، نفسي في ~~سبيل الله، أما من مغيث، أما من أحد من الأبناء؟ وجاؤوأن حتى وقفوا على باب ~~البيت الذي نحن فيه، وجعل بعضهم يقول لبعض: تقدم، ويدفع بعضهم بعضأن وأخذ ~~الأمين بيده وسادة، وجعل يقول: ويحكم! أنا ابن عم رسول الله، أنا ابن ~~هارون، أنا أخوالمأمون، الله الله في دمي. فدخل عليه رجل منهم فضربه بالسيف ~~ضربة وقعت في مقدم رأسه، وضربه الأمين بالوسادة على وجهه، وأراد أن يأخذ ~~السيف منه، فصاح: قتلني! قتلني! فدخل منهم جماعة فنخسه واحد منهم بالسيف في ~~خاصرته، فركبوه، فذبحوه ذبحا من قفاه، وأخذوا رأسه، ومضوا به إلى طاهر، ~~وتركوا جثته. فلما كان السحر أخذوا جثته، فأدرجوها في جل وحملوهأن فنصب ~~طاهر الرأس على برج، وخرج أهل بغداد للنظر، وطاهر يقول: هذا رأس المخلوع ~~محمد. فلما قتل ندم بغداد وجند طاهر على قتله، لما كانوا يأخذون من ~~الأموال، وبعث طاهر برأس محمد إلى أخيه المأمون مع ابن عمه محمد بن الحسين ~~بن مصعب، وكتب معه بالفتح، فلما وصل أخذ الرأس ذوالرياستين فأدخله على ترس، ~~فلما رآه المأمون سجد، وبعث معه طاهر بالبردة والقضيب والخاتم. ولما بلغ ~~أهل المدينة أن طاهرا أمر مولاه قريشا فقتله، قال شيخ من أهل المدينة: ~~سبحان الله! كنا نروي أنه يقتله قريش، فذهبنا إلى القبيلة فوافق الاسم ~~الاسم. ولما قتل الأمين نودي في الناس بالأمان، فأمن الناس كلهم، ودخل طاهر ~~المدينة يوم الجمعة، فصلى بالناس، وخطب للمأمون، وذم الأمين، وكتب إلى ~~المعتصم، وقيل إلى ابن المهدي: أما بعد فإنه عزيز علي أن أكتب إلى رجل من ~~أهل بيت الخلافة بغير التأمير، ولكنه بلغني أنك تميل بالرأي، وتصغي بالهوى ~~إلى الناكث المخلوع، فإن كان كذلك، فكثير ما كتبت ms2224 إليك، وإن كان غير ذلك، ~~فالسلام عليك، أيها الأمير، ورحمة الله وبركاته. ولما قتل الأمين قال ~~إبراهيم بن المهدي يرثيه: عوجا بمعنى الطلل الداثر ... بالخلد ذات الصخر ~~والآجر والمرمر المنسوب يطلى به ... والباب باب الذهب الناضر عوجا بها ~~فاستيقنا عندها ... على يقين قدرة القادر وأبلغا عني مقالا إلى ... المولى ~~على المأمور والآمر قولا له يابن أبي الناصر ... طهر بلاد الله من طاهر لم ~~يكفه أن حز أوداجه ... ذبح الهدايا بمدى الجازر حتى أتى سيحب أوداجه في ~~شطن، هذا مدى السائر قد برد الموت على جنبه ... فطرفه منكسر الناظر فلما ~~بلغ المأمون قوله اشتد عليه. ### || AUT ذكر صفة الأمين وعمره وولايته # قيل إن محمدا ولي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ~~ثلاث وتسعين ومائة، وقتل ليلة الأحد لست بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ~~ومائة؛ وكنيته أبوموسى، وقيل أبوعبد الله. وهوابن الرشيد هارون بن أبي عبد ~~الله المهدي بن أبي جعفر المنصور، وأمه زبيدة ابنة جعفر الأكبر ابن ~~المنصور؛ وكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام، وقيل كانت ~~ولايته النصف من جمادى الآخرة، وكان عمره ثمانيا وعشرين سنة. وكان سبطأن ~~أنزع، صغير العينين، أقنى، جميلأن طويلأن عظيم الكراديس، بعيد ما بين ~~المنكبين، وكان مولده بالرصافة. ولما وصل خبر قتله إلى المأمون أذن للقواد، ~~وقرأ الفضل بن سهل الكتاب عليهم، فهنأوه بالظفر ودعوا له. وكتب إلأى طاهر ~~وهرثمة بخلع القاسم المؤتمن من ولاية العهد، فخلعاه في شهر ربيع الأول من ~~هذه السنة. وأكثر الشعراء في مراثي الأمين وهجائه، تركنا أكثره لأنه خارج ~~عن التاريخ، ففما قيل في مراثيه قول الحسين بن الضحاك، وكان من ندمائه، ~~وكان لا يصدق بقتله، ويطمع في رجوعه: PageV03P0139 # يا خير أسرته وإن زعموا ... إني عليك لمثبت أسف الله يعلم أن لي كبدا ... ~~حري عليك ومقلة تكف ولئن شجبت لما رزئت به ... إني لأضمر فوق ما أصف هلا ~~بقيت لسد فاقتنا ... أبدا وكان لغيرك التلف فلقد خلفت خلائفا سلفوا ... ~~ولسوف يعوز بعدك الخلف لا ms2225 بات رهطك بعد هفوتهم ... إني لرهطك بعدها شنف ~~هتكوا بحرمتك التي هتكت ... حرم الرسول ودونها السجف ونبت أقاربك التي خذلت ~~... وجميعها بالذل معترف تركوا حريم أبيهم نفلا ... والمحصنات صوارخ هتف ~~أبدت مخلخلها على دهش ... أبكارهن ورنت النصف سلبت معاجزهن واختلست ... ذات ~~النقاب ونوزع الشنف فكأنهن خلال منتهب ... در تكشف دونه الصدف سلك تخوف ~~نظموقدر ... فوهي وصرف الدهر مختلف هيهات بعدك أن يدوم لنا ... عز وأن يبقى ~~لنا شرف أفبعد عهد الله تقتله ... والقتل بعد أمانه سرف فستعرفون غدا ~~بعاقبة ... عز الإله فأوردوا وقفوا يا من تخون نومه أرق ... هدت الشجون ~~وقلبه لهف قد كنت لي أملا غنيت به ... فمضى وحل محله الأسف مرج النظام وعاد ~~منكرنا ... عرفا وأنكر بعده العرف والشمل منتشر لفقدك والدن ... يا سدى ~~والباب منكشف وقال خزيمة بن الحسن يرثيه على لسان أمه زبيدة، وتخاطب ~~المأمون، وكنية زبيدة أم جعفر: لخير إمام قام من خير عنصر ... وأفضل سام ~~فوق أعواد منبر لوارث علم الأولين وفهمهم ... وللملك المأمون من أم جعفر ~~كتبت وعيني مستهل دموعها ... إليك ابن عمي من جفوني ومحجري وقد مسني ضر وذل ~~كآبة ... وأرق عيني يابن عمي تفكري وهمت لما لا قيت بعد مصابه ... فأمري ~~عظيم منكر جد منكر سأشكوالذي لاقيته بعد فقده ... إليك شكاة المستضيمالمقتر ~~وأرجولما قد مر بي مذ فقدته ... فأنت لبثي خير رب مغير أتى طاهر لا طهر ~~الله طاهرا ... فما طاهر فيما أتى بمطهر فأخرجني مكشوفة الوجه حاسرا ... ~~وأنهب أموالي وأخرب أدوري يعز على هارون ما قد لقيته ... وما مر بي من ناقص ~~الخلق اعور فإن كان ما أبدى بأمر أمرته ... صبرت لأمر من قدير مقدر تذكر ~~أمير المؤمنين قرابتي ... فديتك من ذي حرمة متذكر فلما قرأها المأمون بكى، ~~وقال: أنأن والله، الطالب بثأر أخي، قتل الله قتلته. ولقد أسرف الحسين بن ~~الضحاك في مراثي الأمين، وذم المأمون، فلهذا حجبه المأمون عنه، ولم يسمع ~~مديحه مدة، ثم أحضره يومأن فقال له: أخبرني! هل رأيت يوم قتل أخي هاشمية ~~قتلت وهتكت؟ قال: ms2226 لا! قال: فما قولك: ومما شجا قلبي وكفكف عبرتي ... محارم ~~من آل النبي استحلت ومعتوكة بالخلد عنها سجوفها ... كعاب كقرن الشمس حين ~~تبدت إذا خفرتها روعة من منازع ... لها المرط عاذت بالخشوع ورنت وسرب ظباء ~~من ذؤابة هاشم ... هتفن بدعوى خير حي وميت أرد يدا مني إذا ما ذكرته ... ~~على كبد حرى وقلب مفتت فلا بات ليل الشامتين بغبطة ... ولا بلغت آمالها ما ~~تمنت فقال: يا أمير المؤمنين! لوعة غلبتني، وروعة فاجأتني، ونعمة سلبتها ~~بعد أن غمرتني، وإحسان شكرته فانطفقني، وسيد فقدته فأقلقني، فإن عاقبت ~~فبحقك، وإن عفوت فبفضلك. فدمعت عين المأمون وقال: قد عفوت عنك، وأمرت ~~بإدرار أرزاقك عليك، وعطائك ما فاتك متمما وجعلت عقوبة ذنبك امتناعي من ~~استخدامك. ثم إن المأمون رضي عنه وسمع مديحه، ومما قيل في هجائه: ~~PageV03P0140 # لم نبكيك، لماذا؟ للطرب ... يا أبا موسى، وترويج العب ولترك الخمس في ~~أوقاتها ... حرصا منك على ماء العنب وشنيف أنا لا أبكي له ... وعلى كوثر لا ~~أخشى العطب لم تكن تعرف ما حد الرضى ... لا ولا تعرف ما حد الغضب لم تكن ~~تصلح للملك ولم ... تعطك الطاعة بالملك العرب لم نبكيك؟ لما عرضتنا ... ~~للمجانيق وطورا للسلب في عذاب وحصار مجهد ... سدد الطرق، فلا وجه الطلب ~~زعموا أنك حي حاشر ... كل من قد قال هذا فكذب ليته قد قاله في وجدة ... من ~~جميع ذاهب حيث ذهب أوجب الله علينا قتله ... وإذا ما أوجب الأمر وجب كان ~~والله علينا فتنة ... غضب الله عليه وكتب وقيل فيه غير ذلك تركنا ذكره خوف الإطالة. ### || AUT ذكر بعض سيرة الأمين # لما ملك الأمين وكاتبه المأمون، وأعطاه بيعته، طلب الخصيان وأباعهم ~~وغالى فيهم، فصيرهم لخلوته ليله ونهاره،وقوام طعامه وشرابه، وأمره ونهيه، ~~وفرض لهم فرضا سماهم الجرادية، وفرضا من الحبشان سماهم الغرابية، ورفض ~~النساء الحرائر والإماء، حتى رمي بهن، وقيل فيه الأشعار، فمما قيل فيه: ألا ~~أيها المثوى بطوس ... عزيبا ما نفادي بالنفوس لقد أبقيت للخصيان هقلا تحمل ~~منهم شوم البسوس فأما نوفل فالشأن فيه ... وفي ms2227 بدر، فيا لك من جليس وما ~~للمعصمي شيء لديه ... إذا ذكروا بذي سهم خسيس وما حسن الصغير أخس حالا ... ~~لديه عند مخترق الكؤوس لهم من عمره شطر وشطر ... يعاقر فيه شرب الخندريس ~~وما للغانيات لديه حظ ... سوى التقطيب بالوجه العبوس إذا كان الرئيس كذا ~~سقيما ... فكيف صلاحنا بعد الرئيس فلوعلم المقيم بدار طوس ... لغز على ~~المقيم بدار طوس ثم وجه إلأى جمع البلدان في طلب الملهين، وضمهم إليه، ~~وأجرى عليهم الأرزاق، واحتجب عن أخويه وأهل بيته، واستخف بهم وبقواده، وقسم ~~ما في بيوت الأموال، وما بحضرته من الجواهر في خصيانه، وجلسائه، ومدثيه، ~~وأمر ببناء مجالس لمنزهاته، ومواضع خلواته ولهوه ولعبه، وعمل خمس حراقات في ~~دجلة على صورة الأسد، والفيل، والعقاب، والحية، والفرس، وأنفق في عملها ~~مالا عظيمأن فقال أبونواس في ذلك: سخر الله للأمين مطايا ... لم تسخر لصاحب ~~المحراب فإذا ما ركابه سرن برا ... سار في الماء راكبا ليث غاب عجب الناس ~~إذا رأوك على صو ... رة ليث تمر مر السحاب سبحوا إذا رأوك سرت عليه ... كيف ~~لوأبصروك فوق العقاب ذات زور ومنسر وجناحي ... ن اشق العباب بعد العباب ~~تسبق الطير في السماء إذا ما ... استعجلوها بحية وذهاب قال الكوثر: أمر ~~الأمين أن يفرش له على دكان في الخلد يومأن ففرش عليها بساط زرعي، ومنارق، ~~وفرش مثله، وهيئ من آنية الذهب والفضة والجواهر أمر عظيم، وأمر قيمة جواريه ~~أن تهيئ له مائة جارية صانعة، فتصعد إليه عشرا عشرا بأيديهن العيدان، يغنين ~~بصوت واحد، فأصعدت إليه عشرا فاندفعن يغنين بصوت واحد: هم قتلوه كي يكونوا ~~مكانة ... فكما غدرت يوما بكسرى مرازبة فسبهن وطردهن، ثم أمرها فأصعدت عشرا ~~غيرهن فغنينه: من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار ففعل ~~مثل ما فعله، وأطرق طويلأن ثم قال: أصعدي عشرأن فأصعدتهن فغنين: كليب لعمري ~~كان أكثر ناصرا ... وأيسر جرما منك ضرج بالدم فقام من مجلسه، وأمر بهدم ~~الدكان، تطيرا مما كان. قيل وذكر محمد الأمين عند الفضل بن سهل بخراسان، ~~فقال: كيف لا ms2228 يستحل قتل محمد وشاعره يقول في مجلسه: ألا فاسقني خمرا وقل لي ~~هي الخمر ... ولا تسقني سرا فقد أمكن الجهر PageV03P0141 # فبلغت القصة الأمين، فحبس أبا نواس؛ ولم نجد في سيرته ما يستحسن ذكره من ~~حلم، أومعدله، أوتجربة، حتى نذكرهأن وهذا القدر كاف. ### || AUT ذكر وثوب الجند بطاهر # وفي هذه السنة وثب الجند بطاهر بعد مقتل الأمين بخمسة أيام. وكان سبب ~~ذلك أنهم طلبوا منه مالأن فلم يكن معه شيء، فثاروا به، فضاق بهم الأمر، وظن ~~أن ذلك من مواطأة من الجند وأهل الأرباض، وأنهم معهم عليه، ولم يكن تحرك من ~~أهل الأرباض أحد، فخشي على نفسه، فهرب، ونهبوا بعض متاعه، ومضى إلى عقرقوف. ~~وكان لما قتل الأمين أمر بحفظ الأبواب، وحول زبيدة أم الأمين وولديه موسى ~~وعبد الله معهأن وحملهم في حراقة إلى همينيا على الزاب الأعلى، ثم أمر بحمل ~~موسى وعبد الله إلى عمهما المأمون بخراسان. فلما ثار به الجند نادوا موسى ~~يا منصور، وبقوا كذلك يومهم، ومن الغد، فصوب الناس إخراج طاهر ولدي الأمين؛ ~~ولما هرب طاهر إلى عقرقوف خرج معه جماعة من القواد وتعبأ لقتال الجند، وأهل ~~الأرباض ببغداد؛ فلما بلغ ذلك القواد المتخلفين عنه والأعيان من أهل ~~المدينة خرجوا واعتذروأن وأحالوا على السفهاء والأحداث، وسألوه الصفح عنهم، ~~وقبول عذرهم. فقال طاهر: ما خرجت عنكم إلا لوضع السيف فيكم، وأقسم بالله ~~العظيم، عز وجل، لئن عدتم لمثلها لأعودن إلى رأيي فيكم، ولأخرجن إلى ~~مكروهكم! فكسرهم بذلك، وأمر لهم برزق أربعة أشهر. وخرج إليه جماعة من مشيخة ~~أهل بغداد، وعميرة أبوشيخ بن عميرة الأسدي، فحلفوا له أنه لم يتحرك من أهل ~~بغداد ولا من الأبناء أحد، وضمنوا منه من وراءهم، فسكن غضبه، وعفا عنهم، ~~ووضعت الحرب أوزارهأن واستوسق الناس في المشرق والمغرب على طاعة المأمون ~~والانقياد لخلافته. عميرة بفتح العين وكسر الميم. ### || AUT ذكر خلاف نصر بن شبث العقيلي على المأمون # في هذه السنة أظهر نصر بن سيار بن شبث العقيلي الخلاف على المأمون؛ وكان ~~نصر من بني ms2229 عقثيل يسكن كيسوم، ناحية شمالي حلب، وكان في عنقه بيعة للأمين، ~~وله فيه هوى؛ فلما قتل الأمين أظهر نصر الغضب لذلك، وتغلب على ما جاوره من ~~البلاد، وملك سميساط، واجتمع عليه خلق كثير من الأعراب، وأهل الطمع، وقويت ~~نفسه، وعبر الفرات إلى الجانب الشرقي، وحدثته نفسه بالتغلب عليه، فلما رأى ~~الناس ذلك منه كثرت جموعه وزادت عما كانت، وكان من أمره ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى. شبث بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة والثاء المثلثة. ### || AUT ذكر ولاية الحسن بن سهل العراق وغيره من البلاد # وفي هذه السنة استعمل المأمون الحسن بن سهل، أخا الفضل، على كل ما كان ~~افتتحه طاهر من كور الجبال، والعراق ، وفارس، والأهواز، والحجاز، واليمن، ~~بعد أن قتل الأمين، وكتب إلى طاهر بتسليم ذلك إليه، فقدم الحسن بين يديه ~~علي بن أبي طاهر سعيد، فدافعه طاهر بتسليم الخراج إليه، حتى وفى الجند ~~أرزاقهم، وسلم إليه العمل. وقدم الحسن سنة تسع وتسعين ومائة، وفرق العمال، ~~وأمر طاهرا أن يسير إلى الرقة لمحاربة نصر بن شبث العقيلي، وولاه الموصل ~~والجزيرة والشام والمغرب، فسار طاهر إلى قتال نصر بن شبث، وأرسل إليه يدعوه ~~إلى الطاعة، وترك الخلاف، فلم يجبه إلى ذلك، فتقدم إليه طاهر، والتقوا ~~بنواحي كيسوم، واقتتلوا قتالا شديدا أبلى فيه نصر بلاء عظيمأن وكان الظفر ~~له، وعاد طاهر شبه المهزوم إلى الرقة. وكان قصارى أمر طاهر حفظ تلك ~~النواحي؛ وكتب المأمون إلى هرثمة يأمره بالمسير إلى خراسان، وحج بالناس ~~العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد. ### || AUT ذكر وقعة الربض بقرطبة # في هذه السنة كانت بقرطبة الوقعة المعروفة بالربض؛ وسببها أن الحكم ابن ~~هشام الأموي، صاحبهأن كان كثير التشاغيل باللهو، والصيد، والشرب، وغير ذلك ~~مما يجانسه؛ وكان قد قتل جماعة من أعيان قرطبة، فكرهه أهلهأن وصاروا ~~يتعرضون لجنده بالأذى والسب، إلى أن بلغ الأمر بالغوغاء أنهم كانوا ينادون ~~عند انقضاء الأذان: الصلاة يا مخمور، الصلاة؛ وشافهه بعضهم بالقول وصفقوا ~~عليه بالأكف؛ فشرع في تحصين قرطبة ms2230 وعمارة أسوارهأن وحفر خنادقهأن وارتبط ~~الخيل على بابه، واستكثر المماليك، ورتب جمعا لا يفارقون باب قصره بالسلاح، ~~فزاد ذلك في حقد أهل قرطبة، وتيقنوا أنه يفعل ذلك للانتقام منهم. ~~PageV03P0142 # ثم وضع عليهم عشر الأطعمة، كل سنة، من غير حرص، فكرهوا ذلك، ثم عمد إلى ~~عشرة من رؤساء سفهائهم، فقتلهم، وصلبهم، فهاج لذلك أهل الربض، وانضاف إلى ~~ذلك أن مملوكا له سلم سيفا إلى صقيل ليصقله، فمطله، فأخذ المملوك السيف، ~~فلم يزل يضرب الصقيل به إلى أن قتله، وذلك في رمضان من هذه السنة. فكان أول ~~من شهر السلاح أهل الربض، واجتمع أهل الربض جميعهم بالسلاح، واجتمع الجند ~~والأمويون والعبيد بالقصر، وفرق الحكم الخيل والأسلحة، وجعل أصحابه كتائب، ~~ووقع القتال بين الطائفتين، فغلبهم أهل الربض، وأحاطوا بقصره، فنزل الحكم ~~من أعلى القصر، ولبس سلاحه، وركب وحرض الناس، فقاتلوا بين يديه قتالا ~~شديدا. ثم أمر ابن عمه عبيد الله، فثلم في السور ثلمة، وخرج منها ومعه قطعة ~~من الجيش، وأتى أهل الربض من وراء ظهورهم، ولم يعلموا بهم، فأضرموا النار ~~في الربض، وانهزم أهله، وقتلوا مقتلة عظيمة، وأخرجوا من وجدوا في المنازل ~~والدور، فأسروهم، فانتقى من الأسرى ثلاثمائة من وجوههم، فقتلهم، وصلبهم ~~منكسين، وأقام النهب والقتل والحريق والخراب في أرباض قرطبة ثلاثة أيام. ثم ~~استشار الحكم عبد الكريم بن عبد الواحد بن عبد المغيث، ولم يكن عنده من ~~يوازيه في قربه، فأشار عليه بالصفح عنهم، والعفو، وأشار غيره بالقتل، فقبل ~~قوله، وأمر فنودي بالأمان، على أنه من بقي من أهل الربض بعد ثلاثة أيام ~~قتلناه وصلبناه؛ فخرج من بقي بعد ذلك منهم مستخفيأن وتحملوا على الصعب ~~والذلول خارجين من حضرة قرطبة بنسائهم وأولادهم، وما خف من أموالهم، وقعد ~~لهم الجند والفسقة بالمراصد ينهبون، ومن امتنع عليهم قتلوه. فلما انقضت ~~الأيام الثلاثة أمر الحكم بكف الأيدي عن حرم الناس، وجمعهن إلى مكان، وأمر ~~بهدم الربض القبلي. وكان بزيع مولى أمية ابن الأمير عبد الرحمن بن معاوية ~~بن شهام محبوسا في حبس الدم بقرطبة، ms2231 في رجليه قيد ثقيل، فلما رأى أهل قرطبة ~~قد غلبوا الجند سأل الحرس أن يفرجوا له، فأخذوا عليه العهود إن سلم أن يعود ~~إليهم، وأطلقوه، فخرج فقاتل قتالا شديدا لم يكن في الجيش مثله، فلما انهزم ~~أهل الربض عاد إلى السجن، فانتهى خبره إلى الحكم، فأطلقه وأحسن إليه، وقد ~~ذكر بعضهم هذه الوقعة سنة اثنتين ومائتين. ### || AUT ذكر الوقعة بالموصل المعروفة بالميدان # وفيها كانت الوقعة المعروفة بالميدان بالموصل بين اليمانية والنزارية ~~وكان سببها أن عثمان بن نعيم البجمي صار إلى ديار مضر، فشكا الأزد واليمن، ~~وقال: إنهم يتهضموننأن ويغلبوننا على حقوقنأن واستنصرهم، فسار معه إلى ~~الموصل ما يقارب عشرين ألفأن فأرسل إليهم علي بن الحسن الهمداني، وهوحينئذ ~~متغلب على الموصل، فسألهم على حالهم، فاخبروه، فأجابهم إلى ما يريدون، فلم ~~يقبل عثمان ذلك، فخرج إليهم علي من البلد في نحوأربعة آلاف رجل، فالتقوا ~~واقتتلوا قتالا شديدأن عدة وقائع، فكانت الهزيمة على النزارية، وظفر بهم ~~علي وقتل منهم خلقا كثيرا وعاد إلى البلد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة خرج الحسن الهرش في جماعة من سفلة الناس معه خلق كثير من ~~الأعراب ودعا إلى الرضى من آل محمد، وأتى النيل، فجبى الأموال ونهب القرى. ~~وفيها مات سفيان بن عيينة الهلالي بمكة، وكان مولده سنة تسع ومائة. وفيها ~~توفي عبد الرحمن بن المهدي وعمره ثلاث وستون سنة؛ ويحيى بن سعيد القطان في ~~صفر، ومولده سنة عشرين ومائة. ### | AUT حوادث سنة تسع وتسعين ومائة # ### || AUT ذكر ظهور ابن طباطبا العلوي # وفيها ظهر أبوعبد الله محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن ~~بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، لعشر خلون من جمادى الآخرة، ~~بالكوفة، يدعوإلى الرضى من آل محمد، صلى الله عليه وسلم، والعمل بالكتاب ~~والسنة، وهوالذي يعرف بابن طباطبأن وكان القيم بأمره في الحرب أبوالسرايا ~~السري بن منصور، وكان يذكر انه من ولد هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود ~~الشيباني. PageV03P0143 # وكان سبب خروجه أن المأمون لما صرف ms2232 طاهرا عما كان إليه من الأعمال التي ~~افتتحهأن ووجه الحسن بن سهل إليهأن تحدث الناس بالعراق أن الفضل ابن سهل قد ~~غلب على المأمون، وأنه أنزله قصرا حجبه فيه عن أهل بيته وقواده، وأنه يستبد ~~بالأمر دونه، فغضب لذلك بنوهاشم ووجوه الناس، واجترأوا على الحسن بن سهل، ~~وهاجت الفتن في الأمصار، فكان أول من ظهر ابن طباطبا بالكوفة. وقيل كان سبب ~~اجتماع ابن طباطبا بأبي السرايا أن أبا السرايا كان يكري الحمير، ثم قوي ~~حاله، فجمع نفرأن فقتل رجلا من بني تميم بالجزيرة، وأخذ ما معه، فطلب، ~~فاختفى، وعبر الفرات إلى الجانب الشامي، فكان يقطع الطريق في تلك النواحي، ~~ثم لحق بيزيد بن مزيد الشيباني بأرمينية، ومعه ثلاثون فارسأن فقوده، فجعل ~~يقاتل معه الخرمية، وأثر فيهم، وفتك وأخذ منهم غلامه أبا الشوك. فلما عزل ~~أسد عن أرمينية صار أبوالسرايا إلى أحمد بن مزيد، فوجهه أحمد طليعة إلى ~~عسكر هرثمة في فتنة الأمين والمأمون، وكانت شجاعته قد اشتهرت، فراسله هرثمة ~~يستميله، فمال إليه، فانتقل إلى عسكره، وقصده العرب من الجزيرة، واستخرج ~~لهم الأرزاق من هرثمة فصار معه نحوألفي فارس وراجل، فصار يخاطب بالأمير. ~~فلما قتل الأمين نقصه هرثمة من أرزاقه وأرزاق أصحابه، فاستأذنه في الحج، ~~فأذن له، وأعطاه عشرين ألف درهم، ففرقها في أصحابه ومضى، وقال لهم: اتبعوني ~~متفرقين، ففعلوأن فاجتمع معه منهم نحومن مائتي فارس، فسار بهم إلى عين ~~التمر، وحصر عاملهأن وأخذ ما معه من المال وفرقه في أصحابه. وسار ، فلقي ~~عاملا آخر ومعه مال، على ثلاثة بغال، فأخذها وسار، فلحقه عسكر كان قد سيره ~~هرثمة خلفه، فعاد إليهم، وقاتلهم، فهزمهم، ودخل البرية، وقسم المال بين ~~أصحابه، وانتشر جنده، فحلق به من تخلف عنه من أصحابه وغيرهم، فكثر جمعه، ~~فسار نحودقوقأن وعليها أبوضرغامة العجلي، في سبع مائة فارس، فخرج إليه، ~~فلقيه، فاقتتلوأن فانهزم أبوضرغامة، ودخل قصر دقوقأن فحضره أبوالسرايأن ~~وأخرجه من القصر بالأمان وأخذ ما عنده من الأموال. وسار إلى الأنبار، ~~وعليها إبراهيم الشروي، مولى المنصور، فقتله أبوالسرايأن وأخذ ms2233 ما فيها وسار ~~عنها؛ ثم عاد غليها بعد إدراك الغلال، فاحتوى عليهأن ثم ضجر من طول السرى ~~في البلاد، فقصد الرقة، فمر بطوق بن مالك التغلبي وهويحارب القيسية، فأعانه ~~عليهم، وأقام معه أربعة أشهر يقاتل على غير طمع إلا للعصبية للربعية على ~~المضرية، فظفر طوق واقادت له قيس. وسار عنه أبوالسرايا إلى الرقة، فلما ~~وصلها لقيه محمد بن إبراهيم المعروف بابن طباطبأن فبايعه، وقال له: انحدر ~~أنت في الماء، وأسير أنا على البر، حتى نوافي الكوفة؛ فدخلاهأن وابتدأ ~~أبوالسرايا بقصر العباس ابن موسى بن عيسى فأخذ ما فيه من الأموال والجواهر، ~~وكان عظيما لا يحصى، وبايعهم أهل الكوفة. وقيل كان سبب خروجه أن أبا ~~السرايا كان من رجال هرثمة، فمطله بأرزاقه، فغضب، ومضى إلى الكوفة فبايع ~~ابن طباطبأن وأخذ الكوفة، واستوسق له أهلهأن وأتاه الناس من نواحي الكوفة ~~والأعراب، فبايعوه، وكان العامل عليها للحسن بن سهل سليمان بن المنصور، ~~فلامه الحسن، ووجه زهير بن المسيب الضبي إلى الكوفة في عشرة آلاف فارس ~~وراجل، فخرج إليه ابن طباطبا وأبوالسرايأن فواقعوه في قرية شاهي، فهزموه، ~~واستباحوا عسكره، وكانت الوقعة سلخ جمادى الآخرة. فلما كان الغد، مستهل ~~رجب، مات محمد بن إبراهيم بن طباطبا فجأة، سمه أبوالسرايا؛ وكان سبب ذلك ~~أنه لما غمن ما في عسكره زهير منع عنه أبا السرايأن وكان الناس له مطيعين، ~~فعلم أبوالسرايا أنه لا حكم له معه، فسمه فمات، وأخذ مكانه غلاما أمرد يقال ~~له محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، ~~فكان الحكم إلى أبي السرايا. ورجع زهير إلى قصر ابن هبيرة، فأقام به، ووجه ~~الحسن بن سهل عبدوس بن محمد بن أبي خالد المرورذي، في أربعة آلاف فارس، ~~فخرج إليه أبوالسرايأن فلقيه بالجامع لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب، فقتل ~~عبدوسأن ولم يفلت من أصحابه أحد، كانوا بين قتيل وأسير. PageV03P0144 # وانتشر الطالبيون في البلاد، وضرب أبوطالب الدراهم بالكوفة وسير جيوشه ~~إلى البصرة، وواسط، ونواحيهمأن فولى البصرة العباس ms2234 بن محمد بن عيسى بن محمد ~~الجعفري؛ وولى مكة الحسين بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي الذي يقال له ~~الأفطس، وجعل إليه الموسم؛ وولى اليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر؛ وولى فارس ~~إسماعيل بن موسى بن جعفر؛ وولى الأهواز زيد بن موسى بن جعفر، فسار إلى ~~البصرة، وغلب عليهأن وأخرج عنها العباس بن محمد الجعفري، ووليها مع ~~الأهواز، ووجه أبوالسرايا محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن علي ~~إلى المدائن، وأمره أن يأتي بغداد من الجانب الشرقي، فأتى المدائن، وأقام ~~بها وسير عسكره إلى ديالى. وكان بواسط عبد الله بن سعيد الحرشي واليا عليها ~~من قبل الحسن بن سهل، فانهزم من أصحاب أبي السرايا إلى بغداد، فلما رأى ~~الحسن أن أصحابه لا يلبثون لأصحاب أبي السرايأن أرسل إلى هرثمة يستدعيه ~~لمحاربة أبي السرايأن وكان قد سار إلى خراسان مغاضبا للحسن، فحضر بعد ~~امتناع، وسار إلى الكوفة في شعبان، وسير الحسن إلى المدائن وواسط علي بن ~~سعيد، فبلغ الخبر أبا السرايا وهوبقصر ابن هبيرة، فوجه جيشا إلى المدائن، ~~فدخلها أصحابه في رمضان، وتقدم حتى نزل بنهر صرصر، وجاء هرثمة فعسكر ~~بإزائه، بينهما النهر، وسار علي بن سعيد في شوال إلى المدائن، فقاتل بها ~~أصحاب أبي السرايأن فهزمهم واستولى على المدائن. وبلغ الخبر أبا السرايأن ~~فرجع من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة، فنزل به؛ وسار هرثمة في طلبه فوجد ~~جماعة من أصحابه، فقتلهم، ووجه رؤوسهم إلى الحسن بن سهل، ونازل هرثمة أبا ~~السرايأن فكانت بينهما وقعة قتل فيها جماعة من أصحاب أبي السرايأن فانحاز ~~إلى الكوفة، ووثب ن معه من الطالبيين على دور بني العباس ومواليهم ~~وأتباعهم، فهدموهأن وانتهبوهأن وخربوا ضياعهم، وأخرجوهم من الكوفة، وعملوا ~~أعمالا قبيحة، واستخرجوا الودائع التي كانت لهم عند الناس. وكان هرثمة يخبر ~~الناس أنه يريد الحج، وحبس من قدم للحج من خراسان وغيرها ليكون هوأمير ~~الموسم، ووجه إلى مكة داود بن عيسى بن موسى بن عيسى بن محمد بن علي بن ms2235 عبد ~~الله بن عباس، رضي الله عنهم، وكان الذي وججه أبوالسرايا إلى مكة حسين بن ~~حسن الأفطس بن علي بن علي بن الحسين بن علي، ووجه أيضا إلى المدينة محمد بن ~~سليمان بن داود بن الحسن بن علي، فدخلهأن ولم يقاتله بها أحد. ولما بلغ ~~داود بن عيسى توجيه أبي السرايا حسين بن حسن إلى مكة لإقامة الموسم، جمع ~~أصحاب بني العباس ومواليهم، وكان مسرور الكبير قد حج في مائتي فارس، فتعبأ ~~للحرب، وقال لداود: أقم إلي شخصك، أوبعض ولدك، وأنا أكفيك، فقال: لا أستحل ~~القتال في المحرم، والله لئن دخلوها في هذا الفج لأخرجن من غيره. وانحاز ~~داود إلى ناحية المشاش، وافترق الجمع الذي كان جمعهم، وخاف مسرور أن ~~يقاتلهم، فخرج في أثر داود راجعا إلى العراق، وبقي الناس بعرفة، فصلى بهم ~~رجل من عرض الناس بغير خطبة، ودافعوا من عرفه بغير إمام. وكان حسين بن حسن ~~بشرف يخاف دخول مكة، حتى خرج إليه قوم أخبروه أن مكة قد خلت من بني العباس، ~~فدخلها في عشرة أنفس، فطافوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، ومضوا إلى عرفة، ~~فوقفوا ليلا ثم رجعوا إلى مزدلفة، فصلى بالناس الصبح، وأقام بمنى أيام ~~الحج، وبقي بمكة إلى أن انقضت السنة، وكذلك أيضا أقام محمد بن سليمان ~~بالمدينة، حتى انقضت السنة. وأما هرثمة فإنه نزل بقرية شاهي، ورد الحاج، ~~واستدعى منصور بن المهدي إليه، وكاتب رؤساء أهل الكوفة. وأما علي بن سعيد ~~فإنه توجه من المدائن إلى واسط، فأخذهأن وتوجه إلى البصرة، فلم يقدر على ~~أخذها هذه السنة. ### || AUT ذكر قوة نصر بن شبث العقيلي # وفيها قوي أمر نصر بن شبث العقيلي، وكثر جمعه، وحصر حران، وأتاه نفر من ~~شيعة الطالبيين، فقالوا له: قد وترت بني العباس، وقتلت رجالهم، وأعلقت عنهم ~~العرب، فلوبايعت لخليفة كان أقوى لأمرك. PageV03P0145 # فقال: من أي الناس؟ فقالوا: نبايع لبعض آل علي بن أبي طالب؛ فقال: أبايع ~~بعض أولاد السوداوات فيقول إنه لوخلقني ورزقني؟ قالوا: فنبايع لبعض بني ~~أمية؛ فقال: أولئك قد ms2236 أدبر أمرهم، والمدبر لا يقبل أبدأن ولوسلك علي رجل ~~مدبر لأعداني إدباره، وإمنا هواي في بني العباس، وإمنا حاربتهم محاماة على ~~العرب لأنهم يقدمون عليهم العجم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي الحسين بن مصعب بن زريق أبوطاهر بن الحسين بخراسان، ~~وكان طاهر بالرقة، وحضر المأمون جنازته، ونزل الفضل بن سهل قبره، ووجه ~~المأمون يعزيه بأبيه. وفيها توفي أبوعون معاوية بن أحمد الصمادحي، مولى آل ~~جعفر بن أبي طالب، الفقيه المغربي الزاهد. وفيها توفي سهل بن شاذويه ~~أبوهارون، وعبد الله بن منير الهمداني الكوفي، وكنيته أبوهاشم، وهووالد ~~محمد بن عبد الله بن منير شيخ البخاري ومسلم. ### | AUT حوادث سنة مائتين # ### || AUT ذكر هرب أبي السرايا # في هذه السنة هرب أبوالسرايا من الكوفة، وكان قد حصره فيها ومن معه ~~هرثمة، وجعل يلازم قتالهم، حتى ضجروأن وتركوا القتال؛ فلما رأى ذلك ~~أبوالسرايأن تهيأ للخروج من الكوفة، فخرج في ثمامنائة فارس، ومعه محمد بن ~~محمد بن زيد، ودخلها هرثمة فأمن أهلهأن ولم يتعرض إليهم؛ وكان هربه سادس ~~عشر المحرم، وأتى القادسية وسار منها إلى السوس بخوزستان فلقي مالا قد حمل ~~من الأهواز، فأخذه، وقسمه بين أصحابه. وأتاه الحسن بن علي المأموني، فأمره ~~بالخروج من عمله، فكره قتاله فأبى أبوالسرايا إلا قتاله، فقاتله، فهزمه ~~المأموني وجرحه، وتفرق أصحابه، وسار هوومحمد بن محمد وأبوالشوك نحومنزل أبي ~~السرايا برأس عين، فلما انتهوا إلى جلولاء ظفر بهم حماد الكندغوش، فأخذهم، ~~وأتى بهم الحسن بن سهل، وهوبالنهروان، فقتل أبا السرايأن وبعث رأسه إلى ~~المأمون، ونصبت جثته على جسر بغداد، وسير محمد بن محمد إلى المأمون. وأما ~~هرثمة فإنه أقام بالكوفة يوما واحدا وعاد، واستخلف بها غسان بن أبي الفرج ~~أبا إبراهيم بن غسان، صاحب حرس والي خراسان. وسار علي بن سعيد إلى البصرة، ~~فأخذها من العلويين. وكان بها زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن ~~بن علي، عليه السلام، وهوالذيث يسمى زيد النار، وإمنا سمي بها لكثرة ما ~~أحرق بالبصرة من دور ms2237 العباسيين وأتباعهم، وكان إذا أتى رجل من المسودة ~~أحرقه؛ وأخذ أموالا كثيرة من أموال التجار سوى أموال بني العباس؛ فلما وصل ~~علي إلى البصرة استأمنه زيد فأمنه، وأخذه، وبعث إلى مكة، والمدينة، واليمن ~~جيشأن فأمرهم بمحاربة من بها من العلويين، وكان بين خروج أبي السرايا وقتله عشرة أشهر. ### || AUT ذكر ظهور إبراهيم بن موسى # في هذه السنة ظهر إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد، وكان بمكة، فلما ~~بلغه خبر أبي السرايا وما كان منه سار إلى اليمن، وبها إسحاق بن موسى بن ~~عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أملا للمأمون، فلما بلغه ~~قرب إبراهيم من صنعاء، سار منها نحومكة فأتى المشاش، فعسكر بهأن واجتمع بها ~~إليه جماعة من أهل مكة هربوا من العلويين، واستولى إبراهيم على اليمن، وكان ~~يسمى الجزار لكثرة من قتل باليمن، وسبى، وأخذ الأموال. ### || AUT ذكر ما فعله الحسين بن الحسن الأفطس بمكة والبيعة لمحمد بن جعفر # وفي هذه السنة، في المحرم، نزع الحسين كسوة الكعبة، وكساها كسوة أخرى، ~~أنفذها السرايا من الكوفة، من القز، وتتبع ودائع بني العباس وأتباعهم، ~~وأخذهأن وأخذ أموال الناس بحجة الودائع، فهرب الناس منه، وتطرق أصحابه إلى ~~قلع شبابيك الحرم، وأخذ ما على الأساطين من الذهب، وهونزر حقير، وأخذ ما في ~~خزانة الكعبة، فقسمه مع كسوتها على أصحابه. فلما بلغه قتل أبي السرايأن ~~ورأى تغير الناس لسوء سيرته وسيرة أصحابه، أتى هووأصحابه إلى محمد بن جعفر ~~بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، عليه السلام، وكان شيخا محببا للناس، ~~مفارقا لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة، وكان يروي العلم عن أبيه ~~جعفر، رضي الله عنه، وكان الناس يكتبون عنه، وكان يظهر زهدأن فلما أتوه ~~قالوا له: تعلم منزلتك من الناس، فهلم نبايع لك بالخلافة، فإن فعلت لم ~~يختلف عليك رجلان. PageV03P0146 # فامتنع من ذلك، فلم يزل به ابنه علي والحسين بن الحسن الأفطس، حتى غلباه ~~على رأيه، وأجابهم، وأقاموه في ربيع الأول، ms2238 فبايعوه بالخلافة، وجمعوا له ~~الناس، فبايعوه طوعا وكرهأن وسموه أمير المؤمنين، فبقي شهورا وليس له من ~~الأمر شيء، وابنه علي والحسين بن الحسن وجماعتهم أسوأ ما كانوا سيرة وأقبح ~~فعلا؛ فوثب الحسين بن الحسن على امرأة من بني فهر كانت جميلة، وأرادها على ~~نفسهأن فامتنعت منه، فأخاف زوجهأن وهومن بني مخزوم، حتى توارى عنه، ثم كسر ~~باب دارهأن وأخذها إليه مدة ثم هربت منه. ووثب علي بن محمد بن جعفر على ~~غلام أمرد، وهوابن قاضي مكة، يقال له إسحاق بن محمد، وكان جميلأن فأخذه ~~قهرأن فلما رأى ذلك من أهل مكة ومن بها من المجاورين اجتمعوا بالحرم، ~~واجتمع معهم جمع كثير، فأتوا محمد بن جعفر، فقالوا له: لنخلعنك، أولنقتلنك، ~~أولتردن غلينا هذا الغلام! فأغلق بابه وكلمهم من شباك، وطلب منهم الأمان ~~ليركب إلى ابنه ويأخذ الغلام، وحلف لهم أنه لم يعلم بذلك، فأمنوه، فركب إلى ~~ابنه وأخذ الغلام منه وسلمه إلى أهله. ولم يلبثوا إلا يسيرا حتى قدم إسحاق ~~بن موسى العباسي من اليمن فنزل المشاش واجتمع الطالبيون إلى محمد بن جعفر، ~~وأعلموه، وحفروا خندقأن وجمعوا الناس من الأعراب وغيرهم، فقاتلهم إسحاق، ثم ~~كره القتال، فسار نحوالعراق، فلقيه الجند الذين أنفذهم هرثمة، إلى مكة، ~~ومعهم الجلودي ورجاء بن جميل، فقالوا لإسحاق: ارجع معنأن ونحن نكفيك ~~القتال، فرجع معهم، فقاتلوا الطالبيين، فهزموهم، فأرسل محمد بن جعفر يطلب ~~الأمان، فأمنوه، ودخل العباسيون مكة في جمادى الآخرة وتفرق الطالبيون من ~~مكة. وأما محمد بن جعفر فسار نحوالجحفة، فأدركه بعض موالي بني العباس، فأخذ ~~جميع ما معه، وأعطاه دريهمات يتوصل بهأن فسار نحوبلاد جهينة، فجمع بهأن ~~وقاتل هارون بن المسيب والي المدينة، عند الشجرة وغيرهأن عدة دفعات، فانهزم ~~محمد، وفقئت عينه بنشابة، وقتل من أصحابه بشر كثير، ورجع إلى موضعه. فلما ~~انقضى الموسم طلب الأمان من الجلودي، ومن رجاء بن جميل وهوابن عمة الفضل بن ~~سهل، فأمنه، وضمن له رجاء عن المأمون وعن الفضل الوفاء بالأمان، فقبل ذلك، ~~فأتى مكة لعشر بقين من ذي ms2239 الحجة، فخطب الناس، وقال: إنني بلغني أن المأمون ~~مات، وكانت له في عنقي بيعة، وكانت فتنة عمت الأرض، فبايعني الناس، ثم إنه ~~صح عندي أن المأمون حي صحيح، وأنا أستغفر الله من البيعة، وقد خلعت نفسي ن ~~البيعة التي بايعتموني عليهأن كما خلعت خاتمي هذا من إصبعي، فلا بيعة لي في ~~رقابكم. ثم نزل وسار سنة إحدى ومائتين إلى العراق، فسيره الحسن بن سهل إلى ~~المأمون بمرو، فلما سار المأمون إلى العراق صحبه، فمات بجرجان، على ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر ما فعله إبراهيم بن موسى # وفي هذه السنة وجه إبراهيم بن موسى بن جعفر من اليمن رجلا من ولد عقيل ~~بن أبي طالب في جند ليحج بالناس، فسار العقيلي حتى أتى بستان ابن عامر، ~~فبلغه أن أبا إسحاق المعتصم قد حج في جماعة من القواد، فيهم حمدويه بن علي ~~بن عيسى بن ماهان، وقد استعمله الحسن بن سهل على اليمن، فعلم العقيلي أنه ~~لا يقوى بهم، فأقام ببستان ابن عامر، فاجتاز قافلة من الحاج، ومعهم كسوة ~~الكعبة وطيبهأن فأخذ أموال التجار، وكسوة الكعبة وطيبهأن وقدم الحجاج مكة ~~عراة منهوبين. فاستشار المعتصم أصحابه، فقال الجلودي: أنا أكفيك ذلك، ~~فانتخب مائة رجل، وسار بهم إلى العقيلي، فصبحهم، فقاتلهم، فانهزموأن واسر ~~أكثرهم، وأخذ كسوة الكعبة، وأموال التجار، إلا ما كان مع من هرب قبل ذلك، ~~فرده وأخذ الأسرى، فضرب كل واحد منهم عشرة أسواط، وأطلقهم، فرجعوا إلى ~~اليمن يستطعمون الناس، فهلك أكثرهم في الطريق. ### || AUT ذكر مسير هرثمة إلى المأمون وقتله # لما فرغ هرثمة من أبي السرايا رجع فلم يأت الحسن بن سهل، وكان بالمدائن، ~~بل سار على عقرقوف حتى أتى البردان، والنهروان، وأتى خراسان، فأتته كتب ~~المأمون في غير موضع أن يأتي إلى الشام والحجاز، فأبى، وقال: لا أرجع حتى ~~ألقى أمير المؤمنين، إدلالا منه عليه، ولما يعرف من نصيحته له ولآبائه، ~~وأراد أن يعرف المأمون ما يدبر عليه الفضل ابن سهل، وما يكتم عنه من ~~الأخبار، وأنه ms2240 لا يدعه حتى يرده إلى بغداد ليتوسط سلطانه. PageV03P0147 # فعلم الفضل بذلك، فقال للمأمون: إن هرثمة قد أثقل عليك البلاد والعباد، ~~ودس أبا السرايأن وهومن جنده، ولوأراد لم يفعل ذلك، وقد كتب إليه أمير ~~المؤمنين عدة كتب ليرجع إلى الشام والحجاز، فلم يفعل وقد جاء مشاقا يظهر ~~القول الشديد فإن أطلق هذا كان مفسدة لغيره. فتغير قلب المأمون، وأبطأ ~~هرثمة إلى ذي القعدة، فلما بلغ مروخشي أن يكتم قدومه عن المأمون، فأمر ~~بالطبول فضربت لكي يسمعها المأمون، فسمعها فقال: ما هذا؟ قالوا: هرثمة قد ~~أقبل يرعد ويبرق، فظن هرثمة أن قوله المقبول، فأمر المأمون بإدخاله، فلما ~~دخل عليه قال له المأمون: مالأت أهل الكوفة العلويين، ووضعت أبا السرايأن ~~ولوشئت أن تأخذهم جميعا لفعلت. فذهب هرثمة يتكلم ويعتذر، فلم يقبل منه، ~~فأمر به فديس بطنه، وضرب أنفه، وسحب من بين يديه، وقد أمر الفضل الأعوان ~~بالتشديد عليه، فحبس فمكث في الحبس أياما ثم دس إليه من قتله، وقالوا مات. ### || AUT ذكر وثوب الحربية ببغداد # وفيها كان الشغب ببغداد بين الحربية والحسن بن سهل، وكان سبب ذلك أن ~~الحسن بن سهل كان بالمدائن حين شخص هرثمة إلى المأمون، فلما اتصل ببغداد، ~~وسمع ما صنعه المأمون بهرثمة، بعث الحسن بن سهل إلى علي بن هشام، وهووالي ~~بغداد من قبله، أن ماطل الجند من الحربية أرزاقهم ولا تعطهم. وكانت الحربية ~~قبل ذلك حين خرج هرثمة إلى خراسان قد وثبوأن وقالوا: لا نرضى حتى نطرد ~~الحسن وعماله عن بغداد، فطردوهم، وصيروا إسحاق بن موسى الهادي خليفة ~~المأمون ببغداد، واجتمع أهل الجانبين على ذلك ورضوا به. فدس الحسن إليهم، ~~وكاتب قوادهم حتى يبعثوا من جانب عسكر المهدي، فحول الحربية إسحاق إليهم، ~~وأنزلوه على دجيل، وجاء زهير بن المسيب، فنزل في عسكر المهدي، وبعث الحسن ~~علي بن هشام في الجانب الآخر هوومحمد بن أبي خالد، ودخلوا بغداد ليلا في ~~شعبان، وقاتل الحربية ثلاثة أيام على قنطرة الصراة، ثم وعدهم رزق ستة اشهر، ~~إذا أدركت الغلة، فسألوه تعجيل خمسين ms2241 درهما لكل رجل منهم ينفقونها في ~~رمضان، فأجابهم إلى ذلك. وجعل يعطيهم فلم يتم العطاء حتى أتاهم خبر زيد بن ~~موسى من البصرة، المعروف بزيد النار، وكان هرب من الحبس، وكان عند علي بن ~~سعيد، فخرج بناحية الأنبار هووأخوأبي السرايا في ذي القعدة سنة مائتين، ~~فبعثوا إليه فأتي به إلى علي بن هشام، وهرب علي بن شهام بعد جمعة من ~~الحربية، ونزل بصرصر لأنه لن يف لهم بإعطاء الخمسين إلى أن جاء الأضحى، ~~وبلغهم خبر هرثمة وأخرجوه. وكان القيم بأمر هرثمة محمد بن أبي خالد لأن علي ~~بن هشام كان يستخف به، فغضب من ذلك، وتحول إلى الرحبية، فلم يقربهم علي، ~~فهرب إلى صرصر، ثم هزموه من صرصر. وقيل كان السبب في شغب الأبناء أن الحسن ~~بن سهل جلد عبد الله بن علي بن ماهان الحد، فغضب الأبناء، وخرجوا. ### || AUT ذكر الفتنة بالموصل # وفيها وقعت الفتنة بالموصل بين بني سامة وبني ثعلبة، فاستجارت ثعلبة ~~بمحمد بن الحسين الهمداني، وهوأخوعلي بن الحسين، أمير البلد، فأمرهم ~~بالخروج إلى البرية، ففعلوأن فتبعهم بنوسامة في ألف رجل إلى العوجاء، ~~وحصروهم فيهأن فبلغ الخبر عليا ومحمدا ابني الحسين، فأرسلا الرجال إليهم، ~~واقتتلوا قتالا شديدأن فقتل من بني سامة جماعة، وأسر جماعة منهم، ومن بني ~~تغلب، وكانوا معهم فحبسوا في البلد. ثم إن أحمد بن عمروبن الخطاب العدوي ~~التغلبي أتى محمدأن وطلب إليه المسالمة، فأجابه إلى ذلك، وصلح الأمر، وسكنت الفتنة. ### || AUT ذكر الغزاة إلى الفرنج # وفي هذه السنة جهز الحكم أمير الأندلس جيشا مع عبد الكريم بن مغيث إلى ~~بلاد الفرنج بالأندلس، فسار بالعساكر حتى دخل بأرضهم، وتوسط بلادهم، ~~فخربهأن ونهبها وهدم عدة من حصونهأن كلما أهلك موضعا وصل إلى غيره، فاستنفد ~~خزائن ملوكهم. فلما رأى ملكهم فعل المسلمين ببلادهم كاتب ملوك جميع تلك ~~النواحي مستنصرا بهم، فاجتمعت إليه النصرانية من كل أوب، فأقبل في جموع ~~عظيمة بإزاء عسكر المسلمين، بينهم نهر، فاقتتلوا قتالا شديدا عدة أيام، ~~المسلمون يريدون يعبرون النهر، وهم يمنعون المسلمين من ms2242 ذلك. PageV03P0148 # فلما رأى المسلمون ذلك تأخروا عن النهر، فعبر المشركون إليهم، فاقتتلوا ~~أعظم قتال، فانهزم المشركون إلى النهر، فأخذهم السيف والأسر، فمن عبر النهر ~~سلم، وأسر جماعة من كنودهم وملوكهم وقماصتهم، وعاد الفرنج ولزموا جانب ~~النهر، يمنعون المسلمين من جوازه، فبقوا كذلك ثلاثة عشر يومأن يقتتلون كل ~~يوم، فجاءت الأمطار، وزاد النهر، وتعذر جوازه، فقفل عبد الكريم عنهم سابع ذي الحجة. ### || AUT ذكر خروج البربر بناحية مورور # وفي هذه السنة خرج خارجي من البربر بناحية مورور، من الأندلس، ومعه ~~جماعة، فوصل كتاب العامل إلى الحكم بخبره، فأخفى الحكم خبره، واستدعى من ~~ساعته قائدا من قواده، فأخبره بذلك سرأن وقال له: سر من ساعتك إلى هذا ~~الخارجي فأتني برأسه، وإلا فرأسك عوضه، وأنا قاعد مكاني هذا إلى أن تعود. ~~فسار القائد إلى الخارجي، فلما قاربه سأله عنه، فأخبر عنه باحتياط كثير، ~~واحتراز شديد، ثم ذكر قول الحكم: إن قتلته، وإلا فرأسك عوضه، فحمل نفسه على ~~سبيل المخاطرة فأعمل الحيلة، حتى دخل عليه، وقتله، وأحضر رأسه عند الحكم، ~~فرآه بمكانه ذلك لم يتغير منه، وكانت غيبته أربعة أيام. فلما رأى أحسن إلى ~~ذلك القائد، ووصله وأعلى محله. مورور بفتح الميم وسكون الواووضم الراء ~~وسكون الواوالثانية وآخره راء ثانية. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وجه المأمون رجاء بن أبي الضحاك علي بن موسى بن جعفر بن ~~محمد، وأحصي في هذه السنة ولد العباس فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا ما بين ذكر ~~وأنثى، وفي هذه السنة قتلت الروم ملكها أليون وكان ملكه سبع سنين وستة أشهر ~~وملكوا عليهم ميخائيل بن جورجيش ثانية، وفيها خالف علي بن أبي سعيد على ~~الحسن بن سهل فبعث المأمون إليه بسراج الخادم وقال له: إن وضع يده في يد ~~الحسن بن سهل أوشخص إلي بمرووإلا فاضرب عنقه، فسار إليه سراج فأطاع وتوجه ~~إلى المأمون بمرومع هرثمة، وفيها قتل المأمون يحيى بن عامر بن إسماعيل لأنه ~~قال له يا أمير الكافرين، وحج بالناس هذه السنة المعتصم، وفيها توفي القاضي ms2243 ~~أبوالبختري وهب بن وهب، ومعروف الكرخي الزاهد، وصفوان بن عيسى الفقيه، ~~والمعافى بن داود الموصلي وكان فاضلا عابدا. ### | AUT حوادث سنة إحدى ومائتين # ### || AUT ذكر ولاية منصور بن المهدي ببغداد # وفي هذه السنة أراد أهل بغداد أن يبايعوا المنصور بن المهدي بالخلافة، ~~فامتنع عن ذلك، فأرادوه على الإمرة عليهم، على أن يدعوللمأمون بالخلافة، ~~فأجابهم إليه. وكان سبب ذلك ما ذكرناه قبل من إخراج أهل بغداد علي بن هشام ~~من بغداد. فلما اتصل إخراجه من بغداد بالحسن بن سهل سار من المدائن إلى ~~واسط تبعه محمد ابن أبي خالد بن الهندوان، مخالفا له، وقد تولى القيام بأمر ~~الناس، وولى سعيد بن الحسن بن قحطبة الجانب الغربي، ونصر بن حمزة بن مالك ~~الجانب الشرقي. وكان ببغداد منصور بن المهدي، والفضل بن الربيع، وخزيمة بن ~~خازم؛ وقدم عيسى بن محمد بن أبي خالد من أرقة من عند طاهر، في هذه الأيام، ~~فوافق أباه على قتال الحسن بن سهل، فمضيا ومن معهما إلى قرية أبي قريش قريب ~~واسط، ولقيهما في طريقهما عساكر الحسن، في غير موضع، فهزماهم. ولما انتهى ~~محمد إلى دير العاقول أقام به ثلاثأن وزهير بن المسيب مقيم بإسكاف بني ~~الجنيد، عاملا للحسن على جوخي، وهويكاتب قواد بغداد، فركب إليه محمد، وأخذه ~~أسيرأن وأخذ كل ماله، وسيره أسيرا إلى بغداد، وحبسه عند أبيه جعفر. ثم تقدم ~~محمد إلى واسط، ووجه محمد ابنه هارون من دير العاقول إلى النيل، وبها نائب ~~للحسن، فهزمه هارون، وتبعه إلى الكوفة. ثم سار المنهزمون من الكوفة إلى ~~الحسن بواسط، ورجع هارون إلى أبيه وقد استولى على النيل، وسار محمد وهارون ~~نحوواسط، فسار الحسن عنهأن ونزل خلفها. وكان الفضل بن الربيع مختفيا كما ~~تقدم إلى الآن، فلما رأى أن محمدا قد بلغ واسطا طلب منه الأمان فأمنه، ~~وظهر، وسار محمد إلى الحسن على تعبئة فوجه إليه الحسن قواده وجنده، ~~فاقتتلوا قتالا شديدأن فانهزم أصحاب محمد بعد العصر، وثبت محمد حتى جرح ~~جراحات شديدة، وانهزموا هزيمة قبيحة، وقتل منهم ms2244 خلق كثير، وغمنوا مالهم، ~~وذلك لسبع بقين من شهر ربيع الأول. PageV03P0149 # ونزل محمد بفم الصلح، وأتاهم الحسن، فاقتتلوأن فلما جنهم الليل رحل محمد ~~وأصحابه، فنزلوا المنازل، فأتاهم الحسن، فاقتتلوأن فلما جنهم الليل ~~ارتحلوأن حتى أتوا جبل، فأقاموا بهأن ووجه محمد ابنه عيسى إلى عرنايا، ~~فأقام بهأن محمد بجرجرايأن فاشتدت جراحات محمد فحمله ابنه أبوزنبيل إلى ~~بغداد، وخلف عسكره لست خون من ربيع الآخر، ومات محمد بن أبي خالد في داره ~~سرا. وأتى أبوزنبيل خزيمة بن خازم، فأعلمه حال أبيه، وأعلم خزيمة ذلك ~~الناس، وقرأ عليهم كتاب عيسى بن محمد إليه، يبذل فيه القيام بأمر الحرب ~~مقام أبيه، فرضوا به، وصار مكان أبيه؛ وقتل أبوزنبيل زهير بن المسيب من ~~ليلته، ذبحه ذبحأن وعلق رأسه في عسكر أبيه. وبلغ الحسن بن سهل موت محمد، ~~فسار إلى المبارك، فأقام به، وبعث في جمادى الآخرة جيشا له، فالتقوا بأبي ~~زنبيل بفم الصراط، فهزموه، وانحاز إلى أخيه هارون بالنيل، فتقدم جيش الحسن ~~إليهم، فلقوهم، فاقتتلوا ساعة، وانهزم هارون وأصحابه، فأتوا المدائن، ونهب ~~أصحاب الحسن النيل، ثلاثة أيام، وما حولها من القرى. وكان بنوهاشم والقواد، ~~حين مات محمد بن أبي خالد، قالوا: نصير بعضنا خليفة ونخلع المأمون؛ فأتاهم ~~خبر هارون وهزيمته، فجدوا في ذلك، وأرادوا منصور بن المهدي على الخلافة ~~فأبى، فجعلوه خليفة للمأمون ببغداد والعراق، وقالوا: لا نرضى بالمجوسي بن ~~المجوسي الحسن بن سهل. وقيل إن عيسى لما ساعده أهل بغداد على حرب السحن بن ~~سهل علم الحسن أنه لا طاقة له به، فبهث إليه، وبذل المصاهرة ومائة ألف ~~دينار، والأمان له ولأهل بيته، ولأهل بغداد، وولاية أي النواحي احب، فطلب ~~كتاب المأمون بخطه، وكتب عيسى إلى أهل بغداد: إني مشغول بالحرب عن جباية ~~الخراج، فولوا رجلا من بني هاشم، فولوا منصور بن المهدي، وقال: أنا خليفة ~~أمير المؤمنين المأمون حتى يقدم، أويولي من أحب، فرضي به الناس. وعسكر ~~منصور بكلواذي، بعث غسان بن عباد بن أبي الفرج إلى ناحية الكوفة، فنزل بقصر ~~ابن هبيرة، ms2245 فلم يشعر غسان إلا وقد أحاط به حميد الطوسي، فأخذه أسيرأن وقتل ~~من أصحابه، وذلك لأربع خلون من رجب. وسير منصور بن المهدي محمد بن يقطين في ~~عسكر إلى حميد، فسار حتى أتى كوثى، فلم يشعر بشيء حتى هجم عليه حميد، وكان ~~بالنيل، فقاتله قتالا شديدا وانهزم ابن يقطين، وقتل من أصحابه، وأسر، وغرق ~~بشر كثير، ونهب حميد ما حول كوثى من القرى، ورجع حميد إلى النيل، وابن ~~يقطين أقام بنهر صرصر؛ وأحصى عيسى بن محمد بن أبي خالد من في عسكره، وكانوا ~~مائة ألف وخمسة وعشرين ألفا بين فارس وراجل، فأعطى الفارس أربعين درهما ~~والراجل عشرين درهما. ### || AUT ذكر أمر المتطوعة بالمعروف # وفي هذه السنة تجردت المتطوعة للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وكان ~~سبب ذلك أن فساق بغداد والشطار آذوا الناس أذى شديدأن وأظهروا الفسق، ~~وقطعوا الطريق، وأخذوا النساء والصبيان علانية، وكانوا يأخذون ولد الرجل ~~وأهله، فلا يقدر أن يمتنع منهم، وكانوا يطلبون من الرجل أن يقرضهم، ~~أويصلهم، فلا يقدر على الامتناع، وكانوا ينهبون القرى لا سلطان يمنعهم، ولا ~~يقدر عليهم، لأنه كان يغريهم، وهم بطانته، وكانوا يمسكون المجتازين في ~~الطريق، ولا يعدي عليهم أحد، وكان الناس معهم في بلاء عظيم. وآخر أمرهم ~~أنهم خرجوا إلى قطربل، وانتهبوها علانية، وأخذوا العين والمتاع والدواب، ~~فباعوها ببغداد ظاهرأن واستعدى أهلها السلطان، فلم يعدهم، وكان ذلك آخر ~~شعبان. فلما رأى الناس ذلك قام صلحاء كل ربض ودرب، ومسى بعضهم إلى بعض، ~~وقالوا: إمنا في الدرب الفاسق والفاسقان إلى العشرة، وأنتم أكثر منهم، ~~فلواجتمعتم لقمعتم هؤلاء الفساق، ولعجزوا عن الذي يفعلونه؛ فقام رجل يقال ~~له خالد الدريوش، فدعا جيرانه وأهل محلته، على أن يعاونوه على الأمر ~~المعروف والنهي عن المنكر، فأجابوه إلى ذلك، فشد على من يليه من الفساق ~~والشطار، فمنعهم، وامتنعوا عليه، وأرادوا قتاله، فقاتلهم، فهزمهم وضرب من ~~أخذه من الفساق، وحبسهم، ورفعهم إلى السلطان إلا أنه كان لا يرى أن يغير ~~على السلطان شيئا. PageV03P0150 # ثم قام بعده رجل من الحربية يقال ms2246 له سهل بن سلامة الأنصاري من أهل ~~خراسان، ويكنى أبا حاتم، فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ~~والعمل بالكتاب والسنة، وعلق مصحفا في عنقه، وأمر أهل محلته ونهاهم، فقبلوا ~~منه، ودعا الناس جميعا الشريف والوضيع من بني هاشم وغيرهم، فأتاهم خلق عظيم ~~فبايعوه على ذلك، وعلى القتال معه لمن خالفه، وطاف ببغداد وأسواقها؛ وكان ~~قيام سهل لأربع خلون من رمضان وقيام الدريوش قبله بيومين أوثلاثة. وبلغ خبر ~~قيامهم إلى منصور بن المهي وعيسى بن محمد بن أبي خالد، فكسرهما ذلك، لأن ~~أكثر أصحابهما كان الشطار ومن لا خير فيه؛ ودخل منصور بغداد، وكان عيسى ~~يكاتب الحسن بن سهل في الأمان، فأجابه الحسن إلى الأمان ولأهل بغداد، وأن ~~يعطي جنده وأهل بغداد رزق ستة أشهر إذا أدركت الغلة، ورحل عيسى، فدخل بغداد ~~لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال وتفرقت العساكر، فرضي أهل بغداد بما صالح ~~عليه، وبقي سهل على ما كان عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ### || AUT ذكر البيعة لعلي بن موسى عليه السلام بولاية العهد # في هذه السنة جعل المأمون علي بن موسى الرضي بن جعفر بن محمد بن علي بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، ولي عهد المسلمين والخليفة من ~~بعده، ولقبه الرضي من آل محمد، صلى الله عليه وسلم، وأمر جنده بطرح السواد ~~ولبس الثياب الخضر، وكتب بذلك إلى الآفاق، وكتب الحسن بن سهل إلى عيسى بن ~~محمد بن أبي خالد بعد عوده إلى بغداد يعلمه أن المأمون قد جعل علي بم مسوى ~~ولي عهده من بعده. وذلك أنه نظر في بني العباس وبني علي، فلم يجد أحدا أفضل ~~ولا أروع ولا أعلم منه، وأنه سماه الرضي من آل محمد، صلى الله عليه وسلم، ~~وأمره بطرح السواد ولبس الخضرة، وذلك لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ~~ومائتين، وأمر عيسى بن محمدا أن يأمر من عنده من أصحابه، والجند، والقواد، ~~وبني هاشم بالبيعة له، ولبس الخضرة، ويأخذ أهل بغداد جميعا بذلك؛ ms2247 الخلافة ~~من ولد العباس، وإمنا هذا من الفضل بن سهل، فمكثوا كذلك أيامأن وتكلم بعضهم ~~وقالوا: نولي بعضنأن ونخلع المأمون، فكان أشدهم فيه منصور وإبراهيم ابنا المهدي. ### || AUT ذكر الباعث على البيعة لإبراهيم بن المهدي # وفي هذه السنة في ذي الحجة خاض الناس في البيعة لإبراهيم بن المهدي ~~بالخلافة وخلع المأمون ببغداد. وكان سبب ذلك ما ذكرناه من إنكار الناس ~~لولاية الحسن بن سهل والبيعة لعلي بن موسى، فأظهر العباسيون ببغداد أنهم ~~كانوا قد بايعوا لإبراهيم بن المهدي، لخمس بقين من ذي الحجة، ووضعوا يوم ~~الجمعة رجلا يقول: إنا نريد أن ندعوللمأمون، ومن بعده لإبراهيم، ووضعوا من ~~يجيبه بأننا لا نرضى إلا أن تبايعوا لإبراهيم بن المهدي بالخلافة، ومن بعده ~~لإسحاق بن موسى الهادي، وتخلعوا المأمون، ففعلوا ما أمروهم به، فلم يصل ~~الناس جمعة، وتفرقوأن وكان ذلك لليلتين بقيتا من ذي الحجة من السنة. ### || AUT ذكر فتح جبال طبرستان والديلم # في هذه السنة افتتح عبد الله بن خرداذبة والي طبرستان البلاذر، والشيزر، ~~من بلاد الديلم، وافتتح جبال طبرستان، فأنزل شهريار بن شروين عنهأن وأشخص ~~مازيار بن قارن إلى المأمون، واسر أبا ليلى ملك الديلم. ### || AUT ذكر ابتداء بابك الخرمي # وفيها تحرك بابك الخرمي في الجاويدانية، أصحاب جاويدان بن سهل، صاحب ~~البذ، وادعى أن روح جاويدان دخلت فيه، وأخذ في العيث والفساد، وتفسير ~~جاويدان الدائم الباقي، ومعنى خرم فرج، وهي مقالات المجوس، والرجل منهم ~~ينكح أمه، وأخته، وابنته، ولهذا يسمونه دين الفرج، ويعتقدون مذهب التناسخ، ~~وأن الأرواح تنتقل من حيوان إلى غيره. ### || AUT ذكر ولاية زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب إفريقية # وفي هذه السنة سادس في ذي الحجة توفي أبوالعباس عبد الله بن إبراهيم بن ~~الأغلب، أمير إفريقية، وكانت إمارته خمس سنين ونحوشهرين. PageV03P0151 # وكان سبب موته أنه حدد على كل فدان في عمله ثمانية عشر دينارا كل سنة، ~~فضاق الناس لذلك وشكا بعضهم إلى بعض، فتقدم إليه رجل من الصالحين، اسمه حفص ~~بن عمر الجزري، مع رجال من الصالحين، فنهوه ms2248 عن ذلك، ووعظوه، وخوفوه العذاب ~~في الآخرة، وسوء الذكر في الدنيأن وزوال النعمة، فإن الله تعالى اسمه وجل ~~ثناؤه (لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد بقوم فلا مرد له، ~~ومالهم من دونه من وال) الرعد: 11. فلم يجبهم أبوالعباس عبد اله بن إبراهيم ~~بن الأغلب أمير إفريقية المذكور إلى ما طلبوأن فخرجوا من عنده إلى ~~القيروان، فقال لهم حفص: لوأننا نتوضأ للصلة ونصلي، ونسأل الله تعالى أن ~~يخف عن الناس؟ ففعلوا ذلك، فما لبث إلا خمسة أيام حتى خرجت قرجة تحت أذنه، ~~فلم ينشب أن مات منهأن وكان من أجمل زمانه، ولما مات ولي بعده أخوه زيادة ~~الله بن إبراهيم، وبقي أميرا رخي البال وادعأن والدنيا عنده آمنة. ثم جهز ~~جيشا في أسطول البحر، وكان مراكب كثيرة، إلى مدينة سردانية، وهي للروم، ~~فعطب بعضهأن بعد أن غمنوا من الروم، وقتلوا كثيرأن فلما عاد من سلم منهم ~~أحسن إليهم زيادة الله ووصلهم. فلما كان سنة سبع ومائتين خرج عليه زياد بن ~~سهل المعروف باب الصقلبية، وجمع جمعا كثيرأن وحصر مدينة باجة، فسير إليه ~~زياد الله العساكر، فأنالوه عنهأن وقتلوا من وافقه على المخالفة. وفي سنة ~~ثمان ومائتين نقل إلى زيادة الله أن منصور بن نصير الطنبذي يريد المخالفة ~~عليه بتونس، وهويسعى في ذلك، ويكاتب الجند، فلما تحققه سير إليه قائدا اسمه ~~محمد بن حمزة في ثلاث مائة فارس، وأمره أن يخفي خبره، ويجد السير إلى تونس، ~~فلا يشعر به منصور حنى يأخذه فيحمله إليه. فسار محمد ودخل تونس، فلم يجد ~~منصورا بهأن كان قد توجه إلى قصره بطنبذة، فأرسل إليه محمد قاضي تونس، ومعه ~~أربعون شيخأن يقبحون له الخلاف، وينهونه عنه، ويأمرونه بالطاعة، فساروا ~~إليه واجتمعوا به وذكروا له ذلك؛ فقال منصور: ما خالفت طاعة الأمير، وأنا ~~سائر معكم إلى محمد، ومن معه إلى الأمير، ولكن أقيموا معي يومنا هذأن حتى ~~نعمل له ولمن معه ضيافة. فأقاموا عنده، وسير منصور لمحمد ولمن معه الإقامة ~~الحسنة الكثيرة من الغمن ms2249 والبقر وغير ذلك من أنواع ما يؤكل، فكتب إليه ~~يقول: إنني صائر إليك مع القاضي والجماعة؛ فركن محمد إلى ذلك، وأمر بالغمن ~~فذبحت، وأكل هوومن معه، وشربوا الخمر. فلما أمسى منصور سجن القاضي ومن معه ~~وسار مجدا فيمن عنده من أصحابه سرا إلى تونس فدخلوا دار الصناعة، وفيها ~~محمدا وأصحابه، فأمر بالطبول فضربت، وكبر وهووأصحابه، فوثب محمد وأصحابه ~~إلى سلاحهم، وقد عمل فيهم الشراب، وأحاط بهم منصور ومن معه، وأقبلت العامة ~~من كل مكان، فرجوهم بالحجارة، واقتتلوا عامة الليل، فقتل من كان مع محمد، ~~ولم يسلم منهم إلا من نجا إلى البحر فسبح حتى تخلص وذلك في صفر. وأصبح ~~منصور، فاجتمع عليه الجند وقالوا: نحن لا نثق بك، ولا نأمن أن يخليك زيادة ~~الله، ويستميلك بدنياه، فتميل إليه، فإن أحببت أن نكون معك فاقتل أحدا من ~~أهله ممن عندك، فأحضر إسماعيل بن سفيان بن سالم بن عقال، وهومن أهل زيادة ~~الله، فكان هوالعامل على تونس، فلما حضر أمر بقتله. فلما سمع زيادة الله ~~الخبر سير جيشا كثيفأن واستعمل عليهم غلبون، واسمه الأغلب بن عبد الله بن ~~الأغلب، وهووزير زيادة الله، إلى منصور الطنبذي، فلما ودعهم زيادة الله ~~تهددهم بالقتل إن انهزموا؛ فلما وصلوا إلى تونس خرج إليهم منصور، فقاتلهم، ~~فانهزم جيش زيادة الله عاشر ربيع الأول، فقال القواد الذين فيه لغلبون: لا ~~نأمن زيادة الله على أنفسنأن فإن أخذت لنا أمانا حضرنا عنده، وفارقوه ~~واستولوا على عدة مدن، فأخذوهأن منها: باجة، والجزيرة، وصطفورة ومسر ~~والأربس وغيرهأن فاضطربت إفريقية، واجتمع الجند كلهم إلى منصور؛ أطاعوه ~~لسوء سيرة زيادة الله معهم. فلما كثر جمع منصور سار إلى القيروان فحصرها في ~~جمادى الأولى، وخندق على نفسه، وكان بينه وبين زيادة الله وقائع كثيرة؛ ~~وعمر منصور سور القيروان فوالاه أهلهأن فبقي الحصار عليه أربعون يوما. ~~PageV03P0152 # ثم إن زيادة اله عبأ أصحابه، وجمعهم، وسار معهم الفارس والراجل، فكانوا ~~خلقا كثيرأن فلما رآهم منصور راعه ما رأى وهاله، ولم يكن يعرف ذلك من زيادة ~~الله، لما ms2250 كان فيه من الوهن، فزحف المنصور إليه بنفسه أيضأن فالتقوأن ~~واقتلوا قتالا شديدأن وانهزم منصور ومن معه، ومضوا هاربين، وقتل منهم خلق ~~كثير، وذلك منتصف جمادى الآخرة، وأمر زيادة الله أن ينتقم من أهل القيروان ~~بما جنوه من مساعدة منصور والقتال معه، بما تقدم أولا من مساعدة عمران بن ~~مجالد لما قاتل أباه إبراهيم بن الأغلب، فمنعه أهل العلم والدين، فكف عنهم، ~~وخرب سور القيروان. ولما نهزم منصور فارقه كثير من أصحابه الذين صاروا معه، ~~منهم: عامر بن نافع، وعبد السلام بن المفرج، إلى البلاد التي تغلبوا عليها؛ ~~ثم إن زيادة الله سير جيشأن سنة تسع ومائتين، وإلى مدينة سبيبة، واستعمل ~~عليهم محمد بن عبد الله بن الأغلب، وكان بها جمع من الجند الذين صاروا مع ~~منصور، عليهم عمر بن نافع، فالتقوا في العشرين من المحرم، واقتتلوأن فانهزم ~~ابن الأغلب، وعاد هوومن معه إلى القيروان، فعظم الأمر على زيادة الله، وجمع ~~الرجال، وبذل الأموال. وكان عيال الجند الذين مع منصور بالقيروان، فلم يعرض ~~لهم زيادة الله، فقال الجند لمنصور: الرأي أن تحتال في نقل العيال من ~~القيروان لنأمن عليهم، فسار بهم منصور إلى القيروان، وحصر زيادة الله ستى ~~عشر يومأن ولم يكن منهم قتال، وأخرج الجند نساءهم وأولادهم من القيروان، ~~وانصرف منصور إلى تونس، ولم يبق بيد زيادة الله من إفريقية كلها إلا قابس، ~~والساحل، ونفزاوة، وطرابلس، فإنهم تمسكوا بطاعته وأرسل الجند إلى زيادة ~~الله: أن ارحل عنأن وخل إفريقية، ولك الأمان على نفسك، ومالك، ومن ضمه ~~قصرك؛ فضاق به وغمه الأمر، فقال له سفيان بن سوادة: مكني من عسكرك لأختار ~~منهم مائتي فارس وأسير بهم إلى نفزاوة، فقد بلغني أن عامر بن نافع يريد ~~قصدهم، فإن ظفرت كان الذي تحب، وإن تكن الأخرى عملت برأيك، فأمره بذلك فأخذ ~~مائتي فارس وسار إلى نفزاوة، فدعا برابرها إلى نصرته، فأجابوه، وسارعوا ~~إليه، وأقبل عامر بن نافع في العسكر إليهم، فالتقوأن واقتتلوأن فانهزم عامر ~~ومن معه، وكثر القتل فيهم، ورجع عامر إلى ms2251 قسطيلية، فجبى أموالها ليلا ~~ونهارا في ثلاثة أيام، وساروا عنهأن واستخلف عليها من يضبطهأن فهرب منها ~~أيضا خوفا من أهلهأن فأرسل أهل قسطيلية إلى ابن سوادة، وسألوه أن يجيء ~~إليهم، فسار إليهم، وملك قسطيلية وضبطها. وقد قيل إن هذه الحوادث المذكورة ~~سنة ثمان وتسع ومائتين إمنا كانت سنة تسع وعشر ومائتين. طنبذة بضم الطاء ~~المهملة وسكون النون وضم الباء الموحدة وبذال معجمة وآخره هاء وصطفورة بفتح ~~الصاد وسكون الطاء وضم الفاء وسكون الواووآخره هاء، وسبيبة بفتح السين ~~المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء تحتها نقطتان وفتح الباء الثانية ~~الموحدة وآخره هاء، ونفزاوة بالنون والفاء الساكنة وفتح الزاي وبعد الألف واوثم هاء. ### || AUT ذكر ما فتحه زيادة الله بن الأغلب من جزيرة صقلية وما كان فيها من الحروب # إلى أن توفي في سنة اثنتي عشرة ومائتين جهز زيادة الله جيشا في البحر، ~~وسيرهم إلى جزيرة صقلية، واستعمل عليهم أسد بن الفرات، قاضي القيروان، ~~وهومن أصحاب مالك، وهومصنف الأسدية في الفقه على مذهب مالك؛ فلما وصلوا ~~إليها ملكوا كثيرا منها. وكان سبب إنفاذ الجيش أن ملك الروم بالقسطنطينية ~~استعمل على جزيرة صقلية بطريقا اسمه قسطنطين سنة إحدى عشرة ومائتين، فلما ~~وصل إليها استعمل على جيش الأسطول إنسانا روميا اسمه فيمي، كان حازمأن ~~شجاعأن فغزا إفريقية، وأخذ من سواحلها تجارأن ونهب، وبقي هناك مديدة. ~~PageV03P0153 # ثم إن ملك الروم كتب إلى قسطنطين يأمره بالقبض على فيمي، مقدم الأسطول، ~~وتعذيبه، فبلغ الخبر إلى فيمي، فأعلم أصحابه، فغضبوا له، وأعانوه على ~~المخالفة، فسار في مراكبه إلى صقلية، واستولى على مدينة سرقوسة، فسار إليه ~~قسطنطين فالتقوأن واقتتلوأن فانهزم قسطنطين إلى مدينة قطانية، فسير إليه ~~فيمي جيشأن فهرب منهم، فاخذ وقتل، وخوطب فيمي بالملك، واستعمل على ناحية من ~~الجزيرة رجلا اسمه بالطه، فخالف على فيمي، وعصى، واتفق هووابن عم له اسمه ~~ميخائيل، وهووالي مدينة بلرم،وجمعا عسكرا كثيرأن فقاتلا فيمي، وانهزم، ~~فاستولى بلاطه على مدينة سرقوسة. وركب فيمي ومن معه في مراكبهم إلى ~~إفريقية، وأرسل إلى الأمير زيادة الله ms2252 يستنجده، ويعده بملك جزيرة صقلية، ~~فسير معه جيشا في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومائتين، فوصلوا إلى مدينة ~~مارز من صقلية، فساروا إلى بلاطه الذي قاتل فيمي، فلقيهم جمع الروم، ~~فانهزمت الروم، وغمن المسلمون أموالهم ودوابهم، وهرب بلاطه إلى قلورية، ~~فقتل لها. واستولى المسلمون على عدة حصون من الجزيرة ووصلوا إلى قلعة تعرف ~~بقلعة الكراث وقد اجتمع إليها خلق كثير، فخدعوا القاضي أسد بن الفرات أمير ~~المسلمين، وذلوا له، فلما رآهم فيمي مال إليهم، وراسلهم أن يثبتوأن ويحفظوا ~~بلدهم، فبذلوا لأسد الجزية، وسألوه أن لا يقرب منهم، فأجابهم إلى ذلك، ~~وتأخر عنهم أيامأن فاستعدوا للحصار، ودفعوا إليهم ما يحتاجون إليه، ~~فامتنعوا عليه، وناصبهم الحرب، وبث السرايا في كل ناحية، فغمنوا شيئا ~~كثيرأن وافتتحوا عمرانا كثيرا حول سرقوسة، وحاصروا سرقوسة برا وبحرأن ~~ولحقته الأمداد من إفريقية، فسار إليهم والي بلرم في عساكر كثيرة، فخندق ~~المسلمون عليهم، وحفروا خارج الخندق حفرا كثيرة، فحمل الروم عليهم، فسقط في ~~تلك الحفر كثير منهم، فقتلوا. ز ضيق المسلمون على سرقوسة، فوصل أسطول من ~~القسطنطينية فيه جمع كثير، وكان قد حل بالمسلمين وباء شديد سنة ثلاث عشرة ~~ومائتين، هلك فيه كثير منهم، وهلك فيه أميرهم أسد بن الفرات، وولي الأمر ~~على المسلمين بعده محمد بن أبي الجواري، فلما رأى المسلمون شدة الوباء ~~ووصول الروم، تحملوا في مراكبهم ليسيروأن فوقف الروم في مراكبهم على باب ~~المرسي، فمنعوا المسلمين من الخروج. فلما رأى المسلمون ذلك أحرقوا مراكبهم، ~~وعادوأن ورحلوا إلى مدينة ميناو، فحصروها ثلاثة أيام، وتسموا الحصن، فسار ~~طائفة منهم إلى حصن جرجنت، فقاتلوا أهله، وملكوه، وسكنوا فيه، واشتدت نفوس ~~المسلمين بهذا الفتح وفرحوا. ثم ساروا إلى مدينة قصريانة ومعهم فيمي، فخرج ~~أهلها إليه، فقبلوا الأرض بين يديه، وأجابوا إلى أن يملكوه عليهم، وخدعوه، ~~ثم قتلوه. ووصل جيش كثير من القسطنطينية مددا لمن في الجزيرة، فتصافوا هم ~~والمسلمون، فانهزم الروم، وقتل منهم خلق كثير، ودخل من سلم قصريانة، وتوفي ~~محمد بن أبي الجواري أمير المسلمين، وولي بعده زهير ms2253 ابن غوث. ثن إن سرية ~~المسلمين سارت للغنيمة، فخرج عليها طائفة من الروم، فاقتتلوأن وانهزم ~~المسلمون، وعادوا من الغد، ومعهم جمع العسكر، فخرج إليهم الروم، وقد ~~اجتمعوا وحشدوأن وتصافوا مرة ثاينة، فانهزم المسلمون أيضأن وقتل منهم ~~نحوألف قتيل، وعادوا إلى معسكرهم، وخندقوا عليهم، فحصرهم الروم، ودام ~~القتال بينهم، فضاقت الأقوات على المسلمين، فعزموا على بيات الروم، فعلموا ~~بهم، ففارقوا الخيم، وكانوا بالقرب منهأن فلما خرج المسلمون لم يروا أحدا. ~~وأقبل عليهم الروم من كل ناحية، فأكثروا القتل فيهم، وانهزم الباقون، ~~فدخلوا ميناو، ودام الحصار عليهم، حتى أكلوا الدواب والكلاب. فلما سمع من ~~مدينة جرجنت من المسلمين ما هم عليه هدموا المدينة، وساروا إلى مازر، ولم ~~يقدروا على نصرة إخوانهم، ودام الحال كذلك إلى أن دخلت سنة أربع عشرة ~~ومائتين، وقد اشرف المسلمون على الهلاك، وإذ قد أقبل أسطول كثير من ~~الأندلس، خرجوا غزاة، ووصل في ذلك الوقت مراكب كثيرة من إفريقية مددا ~~للمسلمين، فبلغت عدة الجميع ثلاثمائة مركب، فنزلوا إلى الجزيرة، فانهزم ~~الروم عن حصار المسلمين، وفرج الله عنهم، وسار المسلمون إلى مدينة بلرم، ~~فحصروهأن وضيقوا على من بهأن فطلب صاحبها الأمان لنفسه ولأهله ولماله، ~~فأجيب إلى ذلك، وسار في البحر إلى بلاد الروم. PageV03P0154 # ودخل المسلمون البلد في رجب سنة ست عشرة ومائتين، فلم يروا فيه إلا أقل ~~من ثلاثة آلاف إنسان، وكان فيه، لما حصروه، سبعون ألفأن وماتوا كلهم؛ وجرى ~~بين المسلمين: أهل إفريقية، وأهل الأندلس، خلف ونزاع، ثم اتفقوأن وبقي ~~المسلمون إلى سنة تسع عشرة ومائتين، وسار المسلمون إلى مدينة قصريانة، فخرج ~~من فيها من الروم، فاقتتلوا أشد قتال، ففتح اله على المسلمين وانهزم الروم ~~إلى معسكرهم؛ ثم رجعوا في الربيع، فقاتلوهم، فنصر المسلمون أيضأن ثم ساروا ~~سنة عشرين ومائتين وأميرهم محمد بن عبد الله إلى قصريانة، فقاتلهم الروم، ~~فانهزموأن وأسرت امرأة لبطريقهم وابنه، وغمنوا ما كان في عسكرهم وعادوا إلى ~~بلرم. ثم سير محمد بن عبد الله عسكرا إلى ناحية طبرمين، عليهم محمد بن ~~سالم، فغمن غنائم ms2254 كثيرة، ثم عدا عليه بعض عسكره، فقتلوه، ولحقوا بالروم، ~~فأرسل زيادة الله من إفريقية الفضل بن يعقوب عوضا منه، فسار في سرية إلى ~~ناحية سرقوسة، فأصابوا غنائم كثيرة وعادوا؛ ثم سارت سرية كبيرة، فغمنت ~~وعادت، فعرض لهم البطريق ملك الروم بصقلية، وجمع كثير، فتحصنوا من الروم في ~~أرض وعر، وشجر كثيف، فلم يتمكن من قتالهم، وواقفهم إلى العصر، فلما رأى ~~أنهم لا يقاتلونهم عاد عنهم، فتفرق أصحابه وتركوا التعبئة. فلما رأى ~~المسلمون ذلك حملوا عليهم حملة صادقة، فانهزم الروم وطعن البطريق، وجرح عدة ~~جراحات، وسقط عن فرسه، فأتاه حماة أصحابه، واستنقذوه جريحأن وحملوه، وغمن ~~المسلمون ما معهم من سلاح ومتاع ودواب فكانت وقعة عظيمة. وسير زيادة الله ~~من إفريقية إلى صقلية أبا الأغلب إبراهيم بن عبد الله أميرا عليهأن فخرج ~~إليهأن فوصل إليها منتصف رمضان، فبعث أسطولأن فلقوا جمعا للروم في أسطول، ~~فغمن المسلمون ما فيه، فضرب أبوالأغلب رقاب كل من فيه. وبعث أسطولا آخر إلى ~~قوصرة، فظفر بحراقة فيها رجال من الروم، ورجل متنصر من أهل إفريقية، فأتى ~~بهم فضرب رقابهم. وسارت سرية أخرى إلى جيل النار والحصون التي في تلك ~~الناحية، فأحرقوا الزرع وغمنوا وأكثروا القتل. ثم سير أبوالأغلب سنة إحدى ~~وعشرين ومائتين سرية إلى جبل النار أيضأن فغمنوا غنائم عظيمة، حتى بيع ~~الرقيق بأبخس الأثمان، وعادوا سالمين، وفيها جهز أسطولأن فساروا ~~نحوالجزائر، فغمنوا غنائم عظيمة، وفتحوا مدنا ومعاقل، وعادوا سالمين، وفيها ~~سير أبوالأغلب أيضا سرية إلى قسطلياسة فغمنوا وسبوأن ولقيهم العدو، فكانت ~~بينهم حرب استظهر فيها الروم، وسير سرية إلى مدينة قصريانة، فخرج إليهم ~~العدو، فاقتتلوأن فانهزم المسلمون، وأصيب منهم جماعة. ثم كانت وقعة أخرى ~~بين الروم والمسلمين، فانهزم الروم، وغمن المسلمون منهم تسعة مراكب كبار ~~برجالها وشلندس، فلما جاء الشتاء وأظلم الليل رأى رجل من المسلمين غرة من ~~أهل قصريانة، فقرب منه، ورأى طريقأن فدخل منه، ولم يعلم به أحد، ثم انصرف ~~إلى العسكر، فأخبرهم فجاؤوا معه، فدخلوا من ذلك الموضع وكبروأن وملكوا ~~ربضه، وتحصن المشركون ms2255 منهم بحصنة، فطلبوا الأمان فأمنوهم، وغمن المسلمون ~~غنائم كثيرة، وعادوا إلى بلرم. وفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين وصل كثير من ~~الروم في البحر إلى صقلية، وكان المسلمون يحاصرون جفلوذى، وقد طال حصارهأن ~~فلما وصل الروم رحل المسلمون عنهأن وجرى بينهم وبين الروم الواصلين حروب ~~كثيرة، ثم وصل الخبر بوفاة زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، أمير إفريقية، ~~فوهن المسلمون ثم تشجعوات، وضبطوا أنفسهم. سرقوسة بسين مفتوحة وقاف ~~وواووسين ثانية، وبلرم بفتح الباء الموحدة واللام وتسكين الراء وبعدها ميم، ~~وميناوبميم وياء تحتها نقطتان ونون وبعد الألف واو، وجرجنت بجيم وراء وجيم ~~ثانية مفتوحة ونون وتاء فوقها نقطتان، وقصريانة بالقاف والصاد المهملة ~~والراء والياء تحتها نقطتان وبعد الألف نون مشددة وهاء. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة مات محمد بن محمد صاحب أبي السرايا. وفيها أصاب أهل خراسان ~~وأصبهان والري مجاعة شديدة، وكثر الموت فيهم؛ وحج بالناس هذه السنة إسحاق ~~بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. ### | AUT حوادث سنة اثنتين ومائتين # ### || AUT ذكر بيعة إبراهيم بن المهدي # PageV03P0155 # في هذه السنة بايع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي بالخلافة، ولقبوه ~~المبارك، وكانت بيعته أول يوم من المحرم، وقيل خامسه، وخلعوا المأمون، ~~وبايعه سائر بني هاشم، فكان المتولي لأخذ البيعة المطلب بن عبد الله بن ~~مالك، فكان الذي سعى في هذا الأمر السندي، وصالح صاحب المصلى، ونصير ~~الوصيف، وغيرهم، غضبا على المأمون حين أراد إخراج الخلافة من ولد العباس، ~~ولتركه لباس آبائه من السواد. فلما فرغ من البيعة وعد الجند رزق ستة أشهر، ~~ودافعهم بهأن فشغبوا عليه، فأعطاهم لكل رجل مائتي درهم، وكتب لبعضهم إلى ~~السواد بقية مالهم حنطة وشعيرأن فخرجوا في قبضهأن فانتهبوا الجميع، وأخذوا ~~نصيب السلطان وأهل السواد، واستولى إبراهيم على الكوفة والسواد جميعه، ~~وعسكر بالمدائن، واستعمل على الجانب الغربي من بغداد العباس بن موسى الهادي ~~وعلى الجانب الشرقي منها إسحاق بن موسى الهادي. وخرج عليه مهي بن علوان ~~الحروري، وغلب على طساسيج ms2256 نهر بوق والراذانين، فوجه إليه إبراهيم أبا إسحاق ~~بن الرشيد، وهوالمعتصم، في جماعة من القواد، فلقوه، فاقتتلوا، فطعن رجل من ~~أصحابه ابن الرشيد، فحامى عنه غلام تركي يقال له: اشناس، وهزم مهدي إلى ~~حولايا. وقيل كان خروج مهدي سنة ثالث ومائتين. ### || AUT ذكر استيلاء إبراهيم على قصر ابن هبيرة # وكان بقصر ابن هبيرة حميد بن عبد الحميد عاملا للحسن بن سهل، ومعه من ~~القواد سعيد بن الساجور، وأبوالبط، وغسان بن أبي الفرج، ومحمد بن إبراهيم ~~الإفريقي وغيرهم، فكاتبوا إبراهيم على أن يأخذوا له قصر ابن هبيرة، وكانوا ~~قد تحرفوا عن حميد، وكتبوا إلى الحسن بن سهل يخبرونه أن حميدا يكاتب ~~إبراهيم، وكان حميد يكتب فيهم بمثل ذلك، فكتب الحسن إلى حميد يستدعيه إليه، ~~فلم يفعل، خاف أن يسير إليه، فيأخذ هؤلاء القواد ماله وعسكره، ويسلمونه إلى ~~إبراهيم، فلما ألح الحسن عليه بالكتب سار إليه في ربيع الآخر، وكتب أولئك ~~القواد إلى إبراهيم لينفذ إليهم عيسى بن محمد بن أبي خالد، فوجهه إليهم، ~~فانهبوا ما في عسكر حميد فكان مما أخذوا له مائة بدرة، وأخذ ابن حميد جواري ~~أبيه، وسار إليه وهوبعسكر الحسن، ودخل عيسى القصر، وتسلمه لعشر خلون من ~~ربيع الآخر، فقال حميد للحسن: ألم أعلمك؟ لكنك خدعت. وعاد إلى الكوفة،فاخذ ~~أمواله، واستعمل عليها العباس بن مسوى بن جعفر العلوي، وأمره أن يدعولأخيه ~~علي بن موسى بعد المأمون، وأعانه بمائة ألف درهم، وقال له: قاتل عن أخيك، ~~فإن أهل الكوفة يجيبونك إلى ذلك وأنا معك. فلما كان الليل خرج حميد إلى ~~الحسن، وكان الحسن قد وجه حكيما الحارثي إلى النيل، فسار إليه عيسى بن ~~محمد، فاقتتلوأن فانهزم حكيم، فدخل عيسى النيل، ووجه إبراهيم إلى الكوفة ~~سعيدأن وأبا البط، لقتال العباس بن موسى، وكان العباس قد دعا أهل الكوفة، ~~فأجابه بعضهم. وأما الغلاة من الشيعة فإنهم قالوا: إن كنت تدعونا لأخيك ~~وحده، فنحن معك، وأما المأمون فلا حاجة لنا فيه؛ فقال: إمنا أدعوللمأمون، ~~وبعده لأخي، فقعدوا عنه. فلما أتاه سعيد وأبوالبط ms2257 ونزلوا قرية شاهي بعث ~~إليهم العباس ابن عمه علي بن محمد بن جعفر، وهوابن الذي بويع له بمكة، وبعث ~~معهم جماعة منهم أخوأبي السرايأن فاقتتلوا ساعة، فانهزم علي بن محمد العلوي ~~وأهل الكوفة، ونزل سعيد وأصحابه الحيرة، وكان ذلك ثاني جمادى الأولى؛ ثم ~~تقدموأن فقاتلوا أهل الكوفة، وخرج إلى شيعة بني العباس ومواليهم، فاقتتلوا ~~إلى الليل، وكان شعارهم: يا أبا إبراهيم، يا منصور، لا طاعة للمأمون، ~~وعليهم السواد، وعلى أهل الكوفة الخضرة. فلما كان الغد اقتتلوأن وكان كل ~~فريق منهم إذا غلب على شيء أحرقه ونهبه؛ فلما رأى ذلك رؤساء أهل الكوفة ~~خرجوا إلى سعيد فسألوه الأمان للعباس وأصحابه، فأمنهم على أ ن يخرجوا من ~~الكوفة، فأجابوه إلى ذلك، ثم أتوا العباس فأعلموه ذلك، فقبل منهم، وتحول عن ~~داره، فشغب أصحاب العباس بن موسى على من بقي من أصحاب سعيد، وقاتلوهم، ~~فانهزم أصحاب سعيد إلى الخندق، ونهب أصحاب العباس دور عيسى بن موسى، ~~وأحرقوأن وقتلوا من ظفروا به. PageV03P0156 # فأرسل العباسيون إلى سعيد، وهوبالحيرة، يخبرونه أن العباس بن موسى قد رجع ~~عن الأمان، فركب سعيد وأصحابه، وأتوا الكوفة عتمة، فقتلوا من ظفروا به ممن ~~انتهب، وأحرقوا ما معهم من النهب، فمكثوا عامة الليل، فخرج إليهم رؤساء ~~الكوفة، فأعلموهم أن هذا فعل الغوغاء، وأن العباس لم يرجع عن الأمان، ~~فانصرفوا عنهم. فلما كان الغد دخلها سعيد وأبوالبط، ونادوا بالأمان، ولم ~~يعرضوا إلى أحد، وولوا على الكوفة الفضل بن محمد بن الصباح الكندي، ثم ~~عزلوه لميله إلى أهل بلده؛ واستعملوا مكانه غسان بن أبي الفرج، ثم عزلوه ~~بعد ما قتل أبا عبد الله أخا أبي السرايأن واستعملوا الهول ابن أخي سعيد، ~~فلم يول عليها حتى قدمها حميد بن عبد الحميد فهرب الهول. وأمر إبراهيم بن ~~المهدي عيسى بن محمد أن يسير إلى ناحية واسط على طريق النيل، وأمر ابن ~~عائشة الهاشمي، ونعيم بن حازم أن يسرا جميعأن ولحق بهما سعيد، وأبوالبط، ~~والإفريقي، وعسكروا جميعا بالصيادة، قرب واسط، عليهم جميعا عيسى بن محمد، ~~فكانوا ms2258 يركبون، ويأتون عسكر الحسن بواسط، فلا يخرج إليهم منهم أحد، وهم ~~متحصنون بالمدينة. ثم إن الحسن أمر أصحابه بالخروج إليهم، فخرجوا إليهم ~~لأربع بقين من رجب، فاقتتلوا قتالا شديدا إلى الظهر، وانهزم عيسى وأصحابه، ~~حتى بلغوا طرنايا والنيل، وغمنوا عسكر عيسى وما فيه. ### || AUT ذكر الظفر بسهل بن سلامة # وفي هد السنة ظفر إبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطوع، فحبسه، ~~وعاقبه. وكان سبب ظفره به أن سهلا كان مقيما ببغداد يدعوإلى الأمر المعروف ~~والنهي عن المنكر، فاجتمع إليه أهل بغداد، فلما انهزم عيسى أقبل هوومن معه ~~نحوسهل بن سلامة، لأنه كان يذكرهم بأقبح أعمالهم، ويسميهم الفساق، فقاتلوه ~~أيامأن حتى صاروا إلى الدروب، وأعطوا أصحابه الدراهم الكثيرة، حتى تنحوا عن ~~الدروب، فأجابوا إلى ذلك. فلما كان السبت لخمس بقين من شعبان، قصدوه من كل ~~وجه، وخذله أهل الدروب لأجل الدراهم التي أخذوهأن حتى وصل عيسى وأصحابه إلى ~~منزل سهل، فاختفى منه، واختلط بالنظارة، فلم يروه في منزله، فجعلوا عليه ~~العيون، فلما كان الليل أخذوه، وأتوا به إسحاق بن الهادي، فكلمه، فقال: ~~إمنا كانت دعوتي عباسية، وإمنا كنت أدعوإلى العمل بالكتاب والسنة، وأنا على ~~ما كنت عليه أدعوكم إليه الساعة؛ فقالوا له: اخرج إلى الناس فقل لهم إن ما ~~كنت أدعوكم إليه باطل، فخرج فقال: أيها الناس! قد علمتم ما كنت أدعوكم إليه ~~من العمل بالكتاب والسنة، وأنا أدعوكم إليه الساعة: فضربوه، وقيدوه، ~~وشتموه، وسيروه إلى إبراهيم بن المهدي بالمدائن، فلما دخل عليه كلمه به ~~إسحاق بن الهادي، فضربه، وحبسه، وأظهر أنه قتل خوفا من الناس، لئلا يعلموا ~~مكانه فيخرجوه، وكان ما بين خروجه وقبضة اثنا عشر شهرا. ### || AUT ذكر مسير المأمون إلى العراق # ### || AUT وقتل ذي الرياستين # وفي هذه السنة سار المأمون من مروإلى العراق، واستخلف على خراسان غسان ~~بن عبادة. وكان سبب مسيره أن علي بن موسى الرضي أخبر المأمون بما الناس فيه ~~من الفتنة والقتال، مذ قتل الأمين، وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من ~~أخبار، وأن ms2259 أهل بيته والناس قد نقموا عليه أشياء وأنهم يقولون: مسحور، ~~مجنون، وأنهم قد بايعوا إبراهيم بن المهدي بالخلافة. فقال له المأمون: لم ~~يبايعوه بالخلافة، وإمنا صيروه أميرا يقوم بأمرهم على ما أخبر به الفضل، ~~فأعلمه أن الفضل قد كذبه، وأن الحرب قائمة بين الحسن بن سهل وإبراهيم، ~~والناس ينقمون عليك مكانه، ومكان أخيه الفضل، ومكاني، ومكان بيعتك لي من ~~بعدك. فقال: ومن يعلم هذا؟ قال: يحيى بن معاذ، وعبد العزيز بن عمران ~~وغيرهما من وجوه العسكر؛ فأمر بإدخالهم، فدخلوأن فسألهم عما اخبره به علي ~~بن موسى، ولم يخبروه حتى يجعل لهم الأمان من الفضل أن لا يعرض إليهم. ~~PageV03P0157 # فضمن لهم ذلك، وكتب لهم خطه به، فأخبروه بالبيعة لإبراهيم بن المهدي، وأن ~~أهل بغداد قد سموه الخليفة السني وأنهم يتهمون المأمون بالرفض لمكان علي بن ~~موسى منه، وأعلموه بما فيه الناس، وبما موه عليه الفضل من أمر هرثمة، وأن ~~هرثمة إمنا جاءه لينصحه، فقتله الفضل، وإن لم يتدارك أمره خرجت الخلافة من ~~يده، وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما يعلمه، فأخرج من الأمر كله، ~~وجعل في زاوية من الأرض بالرقة لا يستعان به في شيء، حتى ضعف أمره، وشغب ~~عليه جنده، وأنه لوكان ببغداد لضبط الملك، وأن الدنيا قد تفتقت من أقطارهأن ~~وسألوا المأمون الخروج إلى بغداد، فإن أهلها لورأوك لأطاعوك. فلما تحقق ذلك ~~أمر بالرحيل، فعلم الفضل بالحال، فبغتهم، حتى ضرب بعضهم، وحبس بعضهم، ونتف ~~لحى بعضهم، فقال علي بن موسى للمأمون في أمرهم، فقال: أنا أدراي، ثم ارتحل، ~~فلما أتى سرخس وثب قوم بالفضل بن سهل، فقتلوه في الحمام، وكان قتله لليلتين ~~خلتا من شعيان، وكان الذين قتلوه أربعة نفر أحدهم غالب المسعودي الأسود، ~~وقسطنطين الرومي، وفرج الديلمي، وموفق الصقلبي، وكان عمره ستين سنة، وهربوا ~~فجعل المأمون لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار، فجاء بهم العباس بن الهيثم ~~الدينوري، فقالوا للمأمون: أنت أمرتنا بقتله، فأمر بهم فضربت رقابهم. وقيل ~~إن المأمون لما سألهم، فمنهم من قال: ms2260 إن علي بن أبي سعيد ابن أخت الفضل بن ~~سهل وضعهم عليه؛ ومنهم من أنكر ذلك فقتلهم؛ ثم أحضر عبد العزيز ين عمران، ~~وعليا وموسى، وخلقأن فسألهم، فأنكروا أن يكونوا علموا بشيء من ذلك، فلم ~~يقبل منهم، وقتلهم، وبعث برؤوسهم إلى الحسن ين سهل، وأعلمه ما دخل عليه من ~~المصيبة بقتل الفضل، وأنه قد صيره مكانه، فوصله الخبر في رمضان. ورحل ~~المأمون إلى العراق، فكان إبراهيم بن المهدي وعيسى وغيرهما بالمدائن، وكان ~~أبوالبط وسعيد بالنيل يراوحون القتال ويغادونه، وكان المطلب بن عبد اله بن ~~مالك قد عاد من المدائن، فاعتل بأنه مريض، فأتى بغداد وجعل يدعوفي السر إلى ~~المأمون، على أن منصور بن المهدي خليفة المأمون، ويخلعون إبراهيم، فأجابه ~~منصور بن المهدي، وخزيمة بن خازم، وغيرهما من القواد، وكتب المطلب إلى علي ~~بن هشام وحميد أن يتقدمأن فينزل حميد نهر صرصر، وينزل علي النهروان. فلما ~~علم إبراهيم بن المهدي بذلك عاد عن المدائن نحوبغداد، فنزل زندورد منتصف ~~صفر وبعث إلى المطلب ومنصور وخزيمة يدعوهم، فاعتلوا عليه، فلما رأى ذلك بعث ~~عيسى إليهم، فأما منصور وخزيمة فأعطوا بأيديهما؛ وأما المطلب فمنعه مواليه ~~وأصحابه، فنادى منادي إبراهيم: من أراد النهب فليأت دار المطلب، فلما كان ~~وقت الظهر وصلوا إلى داره فنهبوهأن ونهبوا دور أهله، ولم يظفروا به، وذلك ~~لثلاث عشرة بقيت من صفر، فلما بلغ حميدا وعلي بن هشام الخبر أخذ حميد ~~المدائن ونزلهأن وقطع الجسر، وأقاموا بهأن وندم إبراهيم حيث صنع بالمطلب ما ~~صنع، ثم لم يظفر به. ### || AUT ذكر قتل علي بن الحسن الهمداني # في هذه السنة قتل علي بن الحسين الهمداني وأخوه أحمد وجماعة من أهل ~~بيته، وكان متغلبا على الموصل. وسبب قتله أنه خرج ومعه جماعة من قومه ومن ~~الأزد، فلما نظر إلى رستاق نينوى والمرج قال: نعم البلاد لإنسان واحد! فقال ~~بعض الأزد: فما نصنع نحن؟ قال: تلحقون بعمان؛ فانتشر الخبر. ثم إن عليا اخذ ~~رجلا من الأزد يقال له عون بن جبلة، فبنى عليه حائطأن فمات ms2261 فيه، وظهر خبره، ~~فركبت الأزد، وعليهم السيد بن أنس، فاقتتلوأن واستنصر علي بن الحسين بخارجي ~~يقال له مهدي بن علوان، فأتاه، فدخل البلد، وصلى بالناس، ودعا لنفسه، ~~واشتدت الحرب، وكانت أخيرا على علي بن الحسين وأصحابه، فخرجوا عن البلد إلى ~~الحديثة، فتبعهم الأزد إليهأن فقتلوا عليا وأخاه أحمد وجماعة من أهلهمأن ~~وسار أخوهما محمد إلى بغداد، فنجا وعادت الأزد إلى الموصل، وغلب السيد ~~عليها وخطب للمأمون وأطاعه. الهمداني ها هنا نسبة إلى همدان بسكون الميم ~~وبالدال المهملة، وهي قبيلة من اليمن. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل. PageV03P0158 # وفيها أيضا زوج المأمون ابنته أم حبيب من علي بن موسى الرضي، وزوج ابنته ~~أم الفضل من محمد بن علي الرضي بن موسى؛ وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن ~~موسى بن جعفر ودعا لأخيه، بعد المأمون، بولاية العهد، ومضى إلى اليمن، وكان ~~حمدويه بن علي بن عيسى بن ماهان قد غلب على اليمن. وفيها في ربيع الآخر ~~ظهرت حمرة في السماء ليلة السبت رابع عشر ربيع الآخر، وبقيت إلى آخر الليل، ~~وذهبت الحمرة، وبقي عمرودان أحمران إلى الصبح. وفيها توفي أبومحمد يحيى بن ~~المبارك بن المغيرة العدوي اليزيدي المقرئ صاحب أبي عمروبن العلاء، وإمنا ~~قيل اليزيدي لأنه صحب يزيد بن منصور خال المهدي وكان يعلم ولده. وفيها توفي ~~سهل ذي الرياستين، بعد قتل ابنه بستة اشهر، وعاشت أمه حتى أدركت عرس بوران ~~ابنة ابنها. ### | AUT حوادث سنة ثلاث ومائتين # ### || AUT ذكر موت علي بن موسى الرضي # في هذه السنة مات علي بن موسى الرضي، عليه السلام؛ وكان سبب موته أنه ~~أكل عنبا فأكثر منه، فمات فجأة، وذلك في آخر صفر، وكان موته بمدينة طوس، ~~فصلى المأمون عليه، ودفنه عند قبر أبيه الرشيد. وكان المأمون لما قدمها قد ~~أقام عند قبر أبيه؛ وقيل إن المأمون سمه في عنب، وكان علي يحب العنب، وهذا ~~عندي بعيد. فلما توفي كتب المأمون إلى الحسن ين سهل يعلمه موت علي، وما دخل ms2262 ~~عليه من المصيبة بموته، وكتب إلى أهل بغداد، وبني العباس والموالي يعلمهم ~~موته، وأنهم إمنا نقموا ببيعته، وقد مات، ويسألهم الدخول في طاعته، فكتبوا ~~إليه أغلظ جواب. وكان مولد علي بن موسى بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة. ### || AUT ذكر قبض إبراهيم بن المهدي على عيسى بن محمد # وفي هذه السنة، في آخر شوال، حبس إبراهيم بن المهدي عيسى بن محمد بن أبي ~~خالد. وسبب ذلك أن عيسى كان يكاتب حميدأن والحسن بن سهل، وكان يظهر ~~لإبراهيم الطاعة، وكان كلما قال له إبراهيم ليخرج إلى قتال أحمد يعتذر بأن ~~الجند يريدون أرزاقهم، ومرة يقول: حتى تدرك الغلة، فلما توثق عيسى بما ~~يريد، فارقهم على أن يدفع إليهم إبراهيم بن المهدي يوم الجمعة سلخ شوال. ~~وبلغ الخبر إبراهيم، أبلغه هارون بن محمد أخوعيسى، وجاء عيسى إلى باب ~~الجسر، فقال للناس: إني قد سألت حميدا ألا يدخل عملي، ولا أدخل عمله، ثم ~~أمر بحفر خندق بباب الجسر، وباب الشام. وبلغ إبراهيم قوله وفعله، وكان عيسى ~~قد سأله إبراهيم أن يصلي الجمعة بالمدينة، فأجابه إلى ذلك، فلما تكلم عيسى ~~بما تكلم، حذر إبراهيم، وأرسل إلى عيسى يستدعيه، فاعتل عليه، فتابع الرسل ~~بذلك، فحضر عنده بالرصافة، فلما دخل عليه عاتبه ساعة، وعيسى يعتذر إليه، ~~وينكر بعضه، فأمر به إبراهيم فضرب، وحبس، وأخذ عدة من قواده وأهله، فحبسهم ~~ونجا بعضهم، وفيمن نجا خليفته العباس. ومشى بعض أهله إلى بعض، وحرضوا الناس ~~على إبراهيم، وكان أشدهم العباس خليفة عيسى، وكان هورأسهم، فاجتمعوأن ~~وطردوا عامل إبراهيم على الجسر، والكرخ وغيره، وظهر الفساق والشطار، وكتب ~~العباس إلى حميد يسأله أن يقدم عليهم حتى يسلموا إليه بغداد. ### || AUT ذكر خلع إبراهيم بن المهدي # وفي هذه السنة خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي، وكان سبب ذلك ما ذكرناه ~~من قبضة على عيسى بن محمد، على ما تقدم، فلما كاتب أصحابه، ومنهم العباس، ~~حميدا بالقدوم عليهم، سار حتى أتى نهر صرصر فنزل عنده. وخرج إليه العباس ~~وقواد أهل بغداد، فلقوه، وكانوا قد ms2263 شرطوا عليه أن يعطي كل جندي خمسين ~~درهمأن فأجابهم إلى ذلك، ووعدهم أن يصنع لهم العطاء يوم السبت في الياسرية ~~على أن يدعوللمأمون بالخلافة يوم الجمعة، ويخلعوا إبراهيم، فأجابوه إلى ~~ذلك. ولما بلغ إبراهيم الخبر أخرج عيسى ومن معه من إخوته من الحبس، وسأله ~~أن يرجع إلى منزله، ويكفيه أمر هذا الجانب، فأبى عليه. فلما كان يوم الجمعة ~~أحضر العباس بن محمد أبي رجاء الفقيه، فصلى بالناس الجمعة، ودعا للمأمون ~~بالخلافة، وجاء حميد إلى الياسرية، فعرض جند بغداد، وأعطاهم الخمسين التي ~~وعدهم فسألوه أن ينقصهم عشرة عشرة لما تشاءموا به من علي بن هشام حين ~~أعطاهم الخمسين وقطع العطاء عنهم، فقال حميد: بل أزيدكم عشرة وأعطيكم ستين ~~درهما لكل رجل. PageV03P0159 # فلما بلغ ذلك إبراهيم دعا عيسى وسأله أن يقاتل حميدأن فأجابه إلى ذلك، ~~فخلى سبيله، وأخذ منه كفلاء، وكلم عيسى الجند، ووعدهم أن يعطيهم مثل ما ~~أعطاهم حميد، فأبوا ذلك، فعبر إليهم عيسى وقواد الجانب الشرقي، ووعد الجند ~~أن يزيدهم على الستين، فشتموه وأصحابه، وقالوا: لا نريد إبراهيم، فقاتلهم ~~ساعة، ثم ألقى نفسه في وسطهم، حتى أخذوه شبه الأسير، فأخذه بعض قواده، فأتى ~~به منزله، ورجع الباقون إلى إبراهيم، فأخبروه الخبر، فاغتم لذلك. وكان ~~المطلب بن عبد الله بن مالك قد اختفى من إبراهيم، كما ذكرنأن فلما قدم حميد ~~أراد العبور إليه، فعلموا به، فأخذوه، وأحضروه عند إبراهيم، فحبسه ثلاثة ~~أيام، ثم خلى عنه لليلة خلت من ذي الحجة. ### || AUT ذكر اختفاء إبراهيم بن المهدي # وفي هذه السنة اختفى إبراهيم بن المهدي؛ وكان سبب ذلك أن حميدا تحول ~~فنزل عند أرحاء عبد اله بن مالك، فلما رأى أصحاب إبراهيم وقواده ذلك تسللوا ~~إليه، فصار عامتهم عنده، وأخذوا له المدائن. فلما رأى إبراهيم فعلهم أخرج ~~جميع من بقي عنده حتى يقاتلوأن فالتقوا على جسر نهر ديالى، فاقتتلوأن ~~فهزمهم حميد وتبعهم أصحابه، حتى دخلوا بغداد، وذلك سلخ ذي العقدة. فلما كان ~~الأضحى اختفى الفضل بن الربيع، ثم تحول إلى حميد، وجعل الهاشميون ms2264 والقواد ~~يأتون حميدا واحدا بعد واحد، فلما رأى ذلك إبراهيم سقط في يديه، وشق عليه؛ ~~وكاتب المطلب حميدا ليسلم إليه ذلك الجانب، وكان سعيد بن الساجور، وأبوالبط ~~وغيرهمأن يكاتبون علي بن هشام على أن يأخذوا له إبراهيم فلما علم إبراهيم ~~بأمرهم، وما اجتمع عليه قوم من أصحابه جعل يداريهم، فلما جنه الليل اختفى ~~ليلة الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة. وبعث المطلب إلى حميد يعلمه ~~أنه قد أحد بدار إبراهيم، وكتب ابن الساجور إلى علي بن هشام، فركب حميد من ~~ساعته من أرحاء عبد الله، فأتى باب الجسر، وجاء علي بن هشام حتى نزل نهر ~~بين، ثم تقدم إلى مسجد كوثر، وأقبل حميد إلى دار إبراهيم فطلبوه فلم يجدوه ~~فيها؛ فلم يزل إبراهيم متواريا حتى جاء المأمون، وبعد ما قدم، حتى كان من ~~أمره ما كان. وكانت أيام إبراهيم سنة وأحد عشر شهرا واثني عشر يومأن وكان ~~بعده علي بن هشام على شرقي بغداد، وحميد على غربيهأن وكان إبراهيم قد أطلق ~~سهل بن سلامة من الحبس، وكان الناس يظنونه قد قتل، فكان يدعوفي مسجد ~~الرصافة إلى ما كان عليه، فإذا جاء الليل يرد إلى حبسه، ثم إنه أطلقه، وخلى ~~سبيله لليلة خلت من ذي الحجة، فذهب، فاختفى، ثم ظهر بعد هرب إبراهيم، فقربه ~~حميد، وأحسن إليه، ورده إلى أهله، فلما جاء المأمون أجازه ووصله. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة انكسفت الشمس لليلتين بقيتا من ذي الحجة، حتى ذهب ضوءهأن ~~وغاب أكثر من ثلثيها. ووصل المأمون إلى همدان في آخر ذي الحجة؛ وحج بالناس ~~سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي؛ وكانت بخراسان زلازل عظيمة، ودامت ~~مقدرا سبعين يومأن وكان معظمها ببلخ، والجوزجان، والفارياب، والطالقان، وما ~~وراء النهر، فخربت البلاد، وتهدمت الدور، وهلك فيها خلق كثير. وفيها غلبت ~~السوداء على الحسن بن سهل فتغير عقله حتى شد في الحديد وحبس، وكتب القواد ~~إلى المأمون بذلك فجعل على عسكره دينار بن عبد الله، وأرسل إليهم يعرفهم ~~أنه واصل. ms2265 وفيها ظهر بالأندلس رجل يعرف بالولد، وخالف على صاحبهأن فسير ~~إليه جيشا فحصروه بمدينة باجة، وكان استولى عليهأن فضيقوا عليه، فملكوها ~~وقيد. وفيها ولي أسد بن الفرات الفقيه القضاء بالقيروان. وفيها توفي محمد ~~بن جعفر الصادق بجرجان، وصلى على المأمون، وهوالذي بايعه الناس بالخلافة ~~بالحجاز. وفيها توفي خزيمة بن خازم التميمي في شعبان، وهومن القواد ~~المشهورين وقد تقدم من أخباره ما يعرف به محله؛ ويحيى بن آدم بن سليمان؛ ~~وأبوأحمد الزبيري؛ ومحمد بن بشير العبدي الفقيه بالكوفة؛ والنضر بن شميل ~~اللغوي المحدث وكان ثقة. ### | AUT حوادث سنة أربع ومائتين # ### || AUT ذكر قدوم المأمون بغداد # في هذه السنة قدم المأمون بغداد، وانقطعت الفتن، وكان قد أقام بجرجان ~~شهرأن وجعل يقيم بالمنزل اليوم واليومين والثلاثة؛ وأقام بالنهروان ثمانية ~~أيام، فخرج إليه أهل بيته والقواد، ووجوه الناس، وسلموا عليه. PageV03P0160 # وكان قد كتب إلى طاهر، وهوبالرقة، ليوافيه بالنهروان، فأتاه بهأن ودخل ~~بغداد منتصف صفر، ولباسه ولباس أصحابه الخضرة، فلما قدم بغداد نزل الرصافة، ~~ثم تحول ونزل قصره على شاطئ دجلة، وأمر القواد أن يقيموا في معسكرهم. وكان ~~الناس يدخلون عليه في الثياب الخضر، وكانوا يخرقون كل ملبوس يرونه من ~~السواد على إنسان، فمكثوا بذلك ثمانية أيام، فتكلم بنوالعباس وقواد أهل ~~خراسان، وقيل إنه أمر طاهر بن الحسين أن يسأله حوائجه، فكان أول حاجة سأله ~~أن يلبس السواد، فأجابه إلى ذلك، وجلس للناس، وأحضر سوادا فلبسه، ودعا ~~بخلعة سوداء فألبسها طاهرأن وخلع على قواده السواد، فعاد الناس إليه، وذلك ~~لسبع بقين من صفر. ولما كن سائرا قال له أحمد بن أبي خالد الأحول: يا أمير ~~المؤمنين، فكرت في هجومنا على أهل بغداد وليس معنا إلا خمسون ألف درهم مع ~~فتنة غلبت قلوب الناس، فكيف يكون حالنا إذا هاج هائج، أوتحرك متحرك؟ فقال: ~~يا أحمد صدقت، ولكن أخبرك أن الناس على طبقات ثلاث في هذه المدينة: ظالم، ~~ومظلوم، ولا ظالم ولا مظلوم، فأما الظالم فلا يتوقع إلا عفونا؛ وأما ~~المظلوم فلا يتوقع إلا أن ينتصف بنا؛ ms2266 وأما الذي ليس بظالم ولا مظلوم فبيته ~~يسعه؛ وكان الأمر على ما قال. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها أمر المأمون بمقاسمة أهل السواد على الخمسين، وكانوا يقاسمون على ~~النصف، واتخذ القفير الملحم، وهوعشرة مكاكيك بالمكوك الهاروني، كيلا مرسلا. ~~وفيها واقع يحيى بن معاذ بابك، فلم يظفر واحد منهما بصاحبه؛ وولى المأمون ~~أبا عيسى أخاه الكوفة، وصالحا أخاه البصرة، واستعمل عبيد الله ابن الحسين ~~بن عبيد الله بن العباس بن أبي طالب على الحرمين؛ وحج بالناس عبيد الله بن ~~الحسن. وفيها انحدر السيد بن أنس الأزدي من الموصل إلى المأمون فتظلم منه ~~محمد بن الحسن بن صالح الهمداني، وذكر أنه قتل إخوته وأهل بيته، فأحضره ~~المأمون، فلما حضر قال: أنت السيد؟ قال: أنت السيد، يا أمير المؤمنين، وأنا ~~ابن أنس، فاستحسن ذلك، فقال: أنت قتلت إخوة هذا؟ قال: نعم، ولوكان معهم ~~لقتلته لأنهم أدخلوا الخارجي بلدك، وأعلوه على منبرك، وأبطلوا دعوتك، فعفا ~~عنه، واستعمله على الموصل، وكان على القضاء بها الحسن بن موسى الأشيب. وفي ~~هذه السنة مات الإمام محمد بن إدريس الشافعي، رضي الله عنه، وكان مولده سنة ~~خمسين ومائة؛ والحسن بن زياد اللؤلؤي الفقيه، أحد أصحاب أبي حنيفة، ~~وأبوداود سليمان بن داود الطيالسي، صاحب المسند، ومولده سنة ثلاث وثلاثين ~~ومائة، وهشام بن محمد السائب الكلبي النسابة، وقيل مات سنة ست ومائتين. ~~وفيها توفي محمد بن عبيد أبي أمية، المعروف بالطنافسي، وقيل سنة خمس ومائتين. ### | AUT حوادث سنة خمس ومائتين # ### || AUT ذكر ولاية طاهر خراسان # وفي هذه السنة استعمل المأمون طاهر بن الحسين على المشرق، من مدينة ~~السلام إلى أقصى عمل المشرق، وكان قبل ذلك يتولى الشرط بجانبي بغداد ومعاون ~~السواد. وكان سبب ولايته خراسان أن طاهرا دخل على المأمون وهويشرب النبيذ، ~~وحسين الخادم يسقيه، فلما دخل طاهر سقاه رطلين، وأمره بالجلوس، فقال: ليس ~~لصاحب الشرطة أن يجلس عند سيده، فقال المأمون: ذلك في مجلس العامة، وأما في ~~مجلس الخاصة فله ذلك؛ فبكى المأمون وتغرغرت عيناه بالدموع، فقال طاهر: يا ms2267 ~~أمير المؤمنين! لم تبكي، لا أبكى الله عينك؟ والله لقد دانت لكل البلاد، ~~وأذعن لك العباد، وصرت إلى المحبة في كل أمرك! قال: أبكي لأمر ذكره ذل، ~~وستره حزن، ولن يخلوأحد من شجن. وانصرف طاهر، فدعا هارون بن جيعونة وقال ~~له: إن أهل خراسان يتعصب بعضهم لبعض، فخذ معك ثلاثمائة ألف درهم، فأعط ~~حسينا الخادم مائتي ألف، وكاتبه محمد بن هارون مائة ألف، وسله أن يسأل ~~المأمون لم بكى؟ ففعل ذلك، فلما تغدى المأمون قال: اسقني يا حسين، قال: لا ~~والله، حتى تقول لي لم بكيت حين دخل عليك طاهر، قال: وكيف عنيت بهذا الأمر، ~~حتى سألتني عنه؟ قال: لغمي لذلك. قال: هوأمر إن خرج من رأسك قتلتك، قال: يا ~~سيدي ومتى أخرجت لك سرا؟ قال: إني ذكرت محمدا أخي، وما ناله من الذل، ~~فخنقتني العبرة، فاسترحت إلى الإفاضة، ولن يفوت طاهرا مني ما يكره. ~~PageV03P0161 # فأخبر حسين طاهرا بذلك، فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد، فقال له: إن ~~الثناء مني ليس برخيص، وإن المعروف عندي ليس بضائع، فغيبني عن عينه! فقال ~~له: سأفعل ذلك. وركب أحمد إلى المأمون، فلما دخل عليه قال له: ما منت ~~البارحة. قال: ولم؟ قال: لأنك وليت غسان خراسان، وهوومن معه أكلة رأس، ~~وأخاف أن تخرج عليه خارجة من الترك فتهلكه؛ فقال: لقد فكرت فيما فكرت فيه، ~~فمن ترى؟ قال: طاهر بن الحسين. قال: ويلك! هووالله خالع؛ قال: أنا الضامن ~~له؛ قال: فوله، فدعا طاهرا من ساعته، فعقد له، فشخص في يومه، فنزل ظاهر ~~البلد، فأقام شهرأن فحمل إليه عشرة آلاف ألف درهم التي تحمل لصاحب خراسان، ~~وسار عن بغداد لليلة بقيت من ذي العقدة. وقيل كان سبب ولايته أن عبد الرحمن ~~المطوعي جمع جموعا كثيرة بنيسابور ليقاتل بهم الحرورية بغير أمر والي ~~خراسان، فتخوفوا أن يكون ذلك لأصل عمل عليه، وكان غسان بن عباد يتولى ~~خراسان من قبل الحسن ين سهل، وسبب ذلك أن الحسن ندبه لمحاربة نصر بن شبث، ~~قال: حاربت خليفة، وسقت ms2268 الخلافة إلى خليفة، وأومر بمثل هذا؟ إمنا كان ينبغي ~~أن يتوجه إليه قائد من قوادي، وصارمه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها قدم عبد الله بن طاهر بن الحسين بغداد من الرقة، وكان أبوه ~~استخلفه بهأن وأمره بقتال نصر بن شبث، فلما قدم إلى بغداد جعله المأمون على ~~الشرطة بعد مسير أبيه، وولى المأمون يحيى بن معاذ الجزيرة، وولى عيسى بن ~~محمد بن أبي خالد أرمينية وأذربيجان ومحاربة بابك. وفيها مات السري بن ~~الحكم بمصر، وكان واليها. وفيها مات داود بن يزيد عامل السند، فولاها ~~المأمون بشير بن داود على أن يحمل كل سنة ألف ألف درهم. وفيها مات ولي ~~المأمون عيسى بن يزيد الجلوذي محاربة الزط، وحج بالناس عبيد الله بن الحسن ~~أمير مكة والمدينة. وفيها زادت دجلة زيادة عظيمة، فتهدمت المنازل ببغداد، ~~وكثر الخراب بها. وفي هذه السنة توفي يزيد بن هارون الواسطي، ومولده سنة ~~تسع عشرة ومائة؛ والحجاج بن محمد الأعور الفقيه؛ وشبابة بن سوار الفزاري ~~الفقيه وعبد الله بن نافع الصائغ؛ ومحاضر بن الموزع؛ وأبويحيى إبراهيم بن ~~موسى الزيات الموصلي، سمع هشام بن عروة وغيره. ### | AUT حوادث سنة ست ومائتين # ### || AUT ذكر ولاية عبد الله بن طاهر الرقة # وفي هذه السنة ولى المأمون عبد الله بن طاهر من الرقة إلى مصر، وأمره ~~بحرب نصر بن شبث. وكان سبب ذلك أن يحيى بن معاذ الذي كان المأمون ولاة ~~الجزيرة مات في هذه السنة، واستخلف ابنه أحمد، فاستعمل المأمون عبد الله ~~مكانه، فلما أراد توليته أحضره وقال له: يا عبد الله أستخير الله، تعالى، ~~منذ شهر وأكثر، وأرجوأن يكون قد خار لي، ورأيت الرجل يصف ابنه لرأيه فيه، ~~ورأيتك فوق ما قال أبوك فيك، وقد مات يحيى، واستخلف ابنه، وليس بشيء، وقد ~~رأيت توليتك مصر ومحاربة نصر بن شبث. فقال: السمع والطاعة، وأرجوأن يجعل ~~الله لأمير المؤمنين الخيرة وللمسلمين؛ فعقد له، وقيل كانت ولايته سنة خمس ~~ومائتين، وقيل سبع ومائتين. ولما سار استخلف على الشرطة إسحاق بن إبراهيم ~~بن ms2269 الحسين بن مصعب، وهوابن عمه، ولما استعمله المأمون كتب إليه أبوه طاهر ~~كتابا فيه كل ما يحتاج إليه الأمراء من الآداب والسياسة وغير ذلك، وقد اثبت ~~منه أحسنه لما فيه من الآداب والحث على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، لأنه ~~لا يستغني عنه أحد من ملك وسوقة، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، ~~فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له، وخشيته، ومراقبته، عز وجل، ومزايلة ~~سخطه، وحفظ رعيتك في الليل والنهار، والزم ما ألبسك من العافية بالذكر ~~لمعادك، وما أنت صائر إليه، وموقوف عليه، ومسؤول عنه، والعمل في ذلك كله ~~بما يعصمك الله، عز وجل، وينجيك يوم القيامة من عقابه، وأليم عذابه، فإن ~~الله سبحانه وتعالى، قد أحسن إليك وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من ~~عباده، وألزمك العدل عليهم، والقيام بحقه وحدوده فيهم، والذب عنهم، والدفع ~~عن حريمهم وبيضتهم، والحقن لدمائهم، والأمن لسبيلهم، وإدخال الراحة عليهم، ~~ومؤاخذك بما فرض عليك، وموقفك عليه، ومسائلك عنه، ومثيبك عليه بما قدمت ~~وأخرت، ففرغ لذلك فهمك، وعقلك، ونظرك، ولا يشغلك عنه شاغل، وإنه رأس أمرك، ~~وملاك شأنك، وأول ما يوفقك الله، عز وجل، به لرشدك. PageV03P0162 # وليكن أول ما تلزم نفسك، وتنسب إليه أفعالك، المواظبة على ما افترض الله، ~~عز وجل، عليك من الصلوات الخمس، والجماعة عليها بالناس، فأت بها في ~~مواقيتها على سننها وفي إسباغ الوضوء لها وافتتاح ذكر الله، عز وجل، فيهأن ~~وترتل في قراءتك، وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك، وليصدق فيه رأيك، ونيتك، ~~واحضض عليها جماعة من معك، وتحت يد، وادأب عليها فإنهأن كما قال الله، عز ~~وجل: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) العنكبوت: 45 ثم أتبع ذلك بالأخذ ~~بسنن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمثابرة على خلافته، واقتفاء آثار ~~السلف الصالح من بعده، وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخاره الله، عز ~~وجل، وتقواه، ولزوم ما أنزل الله، عز وجل، في كتابه من أمره ونهيه، وحلاله ~~وحرامه، وإتمام ما جاءت به الآثار عن رسول الله، صلى الله عليه ms2270 وسلم، ثم قم ~~فيه بما يحق الله، عز وجل، عليك، ولا تمل من العدل في ما أحببت أوكرهت ~~لقريب من الناس، أوبعيد. وآثر الفقه وأهله والدين وحملته، وكتاب الله، عز ~~وجل، والعاملين به، فإن أفضل ما تزين به المرء الفقه في الدين، والطلب له، ~~والحث عليه، والمعرفة بما يتقرب به إلى الله عز وجل، فإنه الدليل على الخير ~~كله، والقائد له، والآمر به، والناهي عن المعاصي والموبقات كلهأن ومع توفيق ~~الله، عز وجل، يزداد العبد معرفة لله، عز وجل، وإجلالا له، ذكرا للدرجات ~~العلى في المعاد مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك، والهيبة لسلطانك، ~~والأنسة بك، والثقة بعدلك. وعليك بالاقتصاد في الأمور كلهأن فليس شيء أبين ~~نفعأن ولا أخص أمنأن ولا أجمع فضلا منه، والقصد داعية إلى الرشد، والرشد ~~دليل على التوفيق، والتوفيق قائد إلى السعادة، وقوام الدين والسنن الهادية ~~بالاقتصاد، وأثره في دنياك كلهأن ولا تقصر في طلب الآخرة، والأجر، والأعمال ~~الصالحة، والسنن المعروفة، ومعالم الرشد، ولا غاية للاستكثار في البر ~~والسعي له، إذا كان يطلب به وجه الله، تعالى، ومرضاته ومرافقة أوليائه في ~~دار كرامته. واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز، ويحصن من الذنوب، ~~وأنه لن تحوط لنفسك ومن يليك، ولا تستصلح أمورك بأفضل منه، فأته واهتد به ~~تتم أمورك، وتزد مقدرتك، وتصلح خاصتك وعامتك. وأحسن الظن بالله، عز وجل، ~~تستقم لك رعيتك، والتمس الوسيلة إليه في الأمور كلها تستدم النعمة عليك. ~~ولا تتهمن أحدا من الناس فيما توليه من عملك، قبل أن تكشف أمره، فإن إيقاع ~~التهم بالبداء، والظنون السيئة بهم مأثم، فاجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك، ~~واطرد عنك سوء الظن بهم، وارفضه فيهم يغنك ذلك على اصطناعهم ورياضتهم، ولا ~~يجدن عدوالله الشيطان في أمرك مغمزأن فإنه إمنا يكتفي بالقليل من وهنك، ~~ويدخل عليك من الغم في سوء الظن ما ينغصك لذاذة عيشك. واعلم أنك تجد بحسن ~~الظن قوة وراحة، وتكتفي به ما أحببت كفايته من أمورك، وتدعوبه الناس إلى ~~محبتك والاستقامة ms2271 في الأمور كلها لك، ولا يمنعنك حسن الظن بأصحابك، والرأفة ~~برعيتك، أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك، ولتكن المباشرة لأمور ~~الأولياء، والحياطة للرعية، والنظر فيما يقيمها ويصلحهأن والنظر في ~~حوائجهم، وحمل مؤوناتهم آثر عندك مما سوى ذلك، فإنه أقوم للدين وأحيا ~~للسنة. واخلص نيتك في جميع هذأن وتفرد بتقويم نفسك، تفرد من يعلم أنه مسؤول ~~عما صنع، ومجزي بما أحسن، ومأخوذ بما أساء، فإن الله، عز وجل، جعل الدين ~~حرزا وعزأن ورفع من اتبعه وعززه، فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين، وطريقة ~~الهدى. وأقم حدود الله، عز وجل، في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم، وما ~~استحقوه، ولا تعطل ذلك، ولا تهاون به، ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة، فإن في ~~تريطك في ذلك ما يفسد عليك حسن ظنك، واعتزم على أمرك في ذلك بالسنن ~~المعروفة، وجانب البدع والشبهات يسلم لك دينك وتقم لك مروءتك. وإذا عاهدت ~~عهدا فف به، وإذا وعدت خيرا فأنجزه، واقبل الحسنة، وادفع بهأن وأغمض عن عيب ~~كل ذي عيب من رعيتك، واشدد لسانك عن قول الكذب والزور، وأبغض أهله، وأقص ~~أهل المنيمة، فإن أول فساد أمورك، في عاجلها وآجلهأن تقريب الكذوب، والجرأة ~~على الكذب، لأن الكذب رأس المآثم، والزور والمنيمة خاتمتهأن لأن المنيمة لا ~~يسلم صاحبها وقائلهأن ولا يسلم له صاحب، ولا يستتم لمطيعها أمر. ~~PageV03P0163 # وأحب أهل الصلاح والصدق، وأعن الإشراف بالحق، وآس الضعفاء، وصل الرحم، ~~وابتغ بذلك وجه الله، تعالى، وإعزاز أمره، والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة، ~~واجتنب سوء الأهواء والجور، واصرف عنهما رأيك، وأظهر براءتك في ذلك رعيتك، ~~وأنعم بالعدل سياستهم، وقم بالحق فيهم وبالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل ~~الهدى. واملك نفسك عند الغضب، وآثر الوقار والحلم، وإياك والحدة، والطيرة، ~~والغرور فيما أنت بسبيله، وإياك أن تقول: أنا مسلط أفعل ما أشاء، فإن ذلك ~~سريع فيك إلى نقص الرأي وقلة اليقين بالله، عز وجل. وأخلص لله وحده، لا ~~شريك له، النية فيه، واليقين به، واعلم أن الملك لله، سبحانه وتعالى، يؤتيه ~~من يشاء وينزعه ms2272 ممن يشاء، ولن تجد تغير النعمة، وحلول النقمة إلى أحد أسرع ~~منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان، والمبسوط لهم في الدولة، إذا كفروا ~~نعم الله، عز وجل، وإحسانه، واستطاعوا بما آتاهم الله، عز وجل، من فضله. ~~ودع عنك شره نفسك، ولتكن ذخائرك وكنوزك، التي تذخر وتكنز، البر، والتقوى، ~~والمعدلة، واستصلاح الرعية، وعمارة بلدهم، والتفقد لأمورهم، والحفظ ~~لدمائهم، والإغاثة لملهوفهم؛ واعلم أن الأموال إذا كنزت، وذخرت في الخزائن ~~لا تمنو، وإذا كانت في صلاح الرعية، وإعطاء حقوقهم، وكف مؤونة عنهم، سمت، ~~وزكت، ومنت، وصلحت به العامة، وتزينت به الولاية، وطاب به الزمان، واعتقد ~~فيه العز والمنعة، فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله، ~~ووفر منه على أولياء أمير المؤمنين، فتلك حقوقهم، وأوف رعيتك من ذلك حصصهم، ~~وتعهد ما يصلح أمورهم ومعاشهم، فإنك إن فعلت ذلك قرت النعمة عليك، واستوبت ~~المزيد من الله، عز وجل، وكنت بذلك على جباية خراجك وجمع أموال رعيتك، ~~وعملك أقدر، وكان الجميع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس لطاعتك، وأطيب ~~نفسا بكل ما أردت، واجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب، ولتعظم حسنتك ~~فيه، وإمنا يبقى من المال ما أنفق في سبيل الله، واعرف للشاكرين شكرهم، ~~وأثبهم عليه. وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة، فتهاون بما يحق ~~عليك، فإن التهاون بورث التفريط، والتفريط يورث البوار، وليكن عملك له، عز ~~وجل، وارج الثواب فيه، فإن الله، سبحانه، قد أسبغ عليك نعمته، وأسبغ لديك ~~فضله؛ واعتصم بالشكر، وعليه فاعتمد، يزدك الله خيرا وإحسانأن فغن الله، عز ~~وجل، يثيب بقدر شكر الشاكرين وسيرة المحسنين. ولا تحقرن دينأن ولا تمالئن ~~حاسدأن ولا ترحمن فاجرأن ولا تصلن كفورأن ولا تدهنن عدوا. ولا تصدقن منامأن ~~ولا تأمنن غدارأن ولا توالين فاسقأن ولا تبتغين عاديا، ولا تحمدن مرائيأن ~~ولا تحقرن إنسانأن ولا تردن سائلا فقيرأن ولا تحبن باطلأن ولا تلاحظن ~~مضحكأن ولا تخلفن وعدأن ولا ترهقن فاجرا فجر، ولا تركبن سفهأن ولاتظهرن ~~غضبأن ولا تمشين مرحأن ولا تفرطن في ms2273 طلب الآخرة، ولا تدفع الأيام عتابا، ~~ولا تغمضن عن ظالم رهبة منه، أومحاباة، ولا تطلبن ثواب الآخرة في الدنيا. ~~وأكثر مشاورة الفقهاء، واستعمل نفسك بالحلم، وخذ عن أهل التجارب وذوي ~~العقل، والرأي، والحكمة، ولاتدخلن في مشورتك أهل الذمة والنحل، ولاتسمعن ~~لهم قولأن فإن ضررهم أكثر من منفعتهم، وليس شيء أسرع فسادا لما استقبلت فيه ~~أمر رعيتك من الشح، واعلم أنك إذا كنت حريصا كنت كثير الأخذ، قليل العطية، ~~وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلأن فإن رعيتك إمنا تعقد على محبتك ~~بالكف عن أموالهم، وترك الجور عليهم، ويدوم صفاء أوليائك بالإفضال عليهم، ~~وحسن العطية لهم، واجتنب الشح، والعم أنه أول ما عصى الإنسان به ربه، وأن ~~العاصي بمنزلة خزي، وهوقول الله، عز وجل: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون) الحشر: 9 واجعل للمسلمين كلهم من بينك حظا ونصيبأن وأيقن أن ~~الجود من أفضل أعمال العباد، فاعدده لنفسك خلقأن وسهل طريق الجود بالحق، ~~وارض به عملا ومذهبأن وتفقد أمور الجند في دواوينهم، ومكاتبهم، وأدرر عليهم ~~أرزاقهم، ووسع عليهم في معايشهم يذهب الله، عز وجل، بذلك فاقتهم، فيقوي لك ~~أمرهم، وتزيد به قلوبهم في طاعتك في أمرك خلوصا وانشراحا. PageV03P0164 # وحسب ذي السلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته رحمة في عدله، ~~وحيطته، وإنصافه، وعنايته، وشفقته، وبره، وتوسيعه، فزايل مكروه إحدى ~~البليتين باستشعار فضيلة الباب الآخر، ولزوم العمل به تلق، إن شاء الله ~~تعالى، نجاحا وفلاحا. واعلم أن القضاء بالعدل من الله تعالى بالمكان الذي ~~ليس يعدل به شيء من الأمور لأنه ميزان الله الذي يعدل عليه أحوال الناس في ~~الأرض، وبإقامة العدل في القضاء والعمل، تصلح أحوال الرعية، وتأمن السبل، ~~وينتصف المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم، وتحسن المعيشة، ويؤدي حق الطاعة، ~~ويرزق الله العافية والسلامة، ويقوم الدين، وتجري السنن والشرائع على ~~مجاريها. واشتد في أمر الله، عز وجل، وتورع عن النطف، وامض لإقامة الحدود، ~~وأقلل العجلة، وابعد عن الضجر والقلق، واقنع بالقسم، وانتفع بتجربتك، ~~وانتبه في صمتك، من رعيتك ms2274 محاباة، ولا محاماة، ولا لوم لائم، وتثبت، وتأن، ~~وراقب، وانظر الحق على نفسك، فتدبر، وتفكر، واعتبر، وتواضع لربك، وارؤف ~~بجميع الرعية، وسلط الحق على نفسك. ولا تسرعن إلى سفك دم، فإن الدماء من ~~الله، عز وجل، بمكان عظيم، انتهاكا لها بغير حقها؛ وانظر هذا الخراج الذي ~~استقامت عليه الرعية، وجعله الله للإسلام عزا ورفعة، ولأهله توسعة ومنعة، ~~ولعدوه وعدوهم كبتا وغيظأن ولأهل الكفر من معانديهم ذلا وصغارأن فوزعه بين ~~أصحابك بالحق، والعدل، والتسوية، والعموم فيه، ولا ترفعن منه شيئا عن شريف ~~لشرفه، ولا عن غني لغناه، ولا عن كاتب، ولا عن أحد من خاصتك وحاشيتك، ولا ~~تأخذن منه فوق الاحتمال له، ولا تكلف أمرا فيه شطط، واحمل الناس كلهم على ~~مر الحق، فإن ذلك أجمع لألفتهم وألزم لرضاء العامة. واعلم أنك جعلت، ~~بولايتك، خازنأن وحافظأن وراعيأن وإمنا سمي أهل عملك رعيتك لأنك راعيهم، ~~وقيمهم، تأخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم وتنفذه في قوام أمرهم ~~وصلاحهم، وتقويم أودهم، فاستعمل عليهم ذوي الرأي والتدبير، والتجربة ~~والخبرة بالعمل، والعلم بالسياسة والعفاف، ووسع عليهم في الرزق، فإن ذلك من ~~الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت، وأسند إليك، ولا يشغلك عنه شاغل، ولا يصرفك ~~عنه صارف، فإنك متى آثرته، وقمت فيه بالواجب، استدعيت به زيادة النعمة من ~~ربك، وحسن الأحدوثة في عملك، وأحرزت به المحبة من رعيتك، وأعنت على الصلاح، ~~ودرت الخيرات في بلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر الخصب في كورك، وكثر ~~خراجك، وتوفرت أموالك، وقويت بذلك على ارتباط جندك، وإرضاء العامة، بإفاضة ~~العطاء فيهم من نفسك، وكنت محمود السياسة مرضي العدل في ذلك عند عدوك، وكنت ~~في أمورك كلها ذا عدل، وآلة، وقوة، وعدة، فنافس في ذلك ولا تقدم عليه شيئا ~~تحمد مغبة أمرك، إن شاء الله تعالى. واجعل في كل كورة من عملك أمينا يخبرك ~~أخبار عمالك، ويكتب إليك بسيرتهم وأعمالهم، حتى كأنك مع كل عامل في عمله ~~معاين لأموره كلهأن فإن أردت أن تأمرهم بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ~~ذلك، ms2275 فإن رأيت السلامة فيه، والعافية، ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح، ~~والصنع، فأمضه، وإلا فتوقف عنه، وراجع أهل البصر والعلم به، ثم خذ فيه ~~عدته، فإنه ربما نظر الرجل في أمر من أموره قدره وأتاه على ما يهوى، فأغواه ~~ذلك، وأعجبه، فإن لم ينظر في عواقبه أهلكه، ونقض عليه أمره، فاستعمل الحزم ~~في كل ما أردت، وباشره بعد عون الله، عز وجل، بالقوة، وأكثر استخارة ربك في ~~جميع أمورك، وافرغ من عمل يومك، ولا تؤخره لغدك، واكثر مباشرته بنفسك، فإن ~~لغد أمورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت. واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب ~~بما فيه، وإذا أخرت عمله اجتمع عليك أمور يومين، فيشغلك ذلك، حتى تعرض عنه، ~~وإذا أمضيت لكل يوم عمله، أرحت نفسك وبدنك، وأحكمت أمور سلطانك. وانظر ~~أحرار الناس وذوي السن منهم ممن تستيقن صفاء طويتهم، وشهدت مودتهم لك، ~~ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على أمرك، فاستخلصهم وأحسن إليهم. PageV03P0165 # وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة، فاحتمل مؤونتهم، وأصلح ~~حالهم حتى لا يجدوا لخلتهم مسأن وأفرد نفسك بالنظر في أمور الفقراء ~~والمساكين، ومن لا يقدر على رفع مظلمة إليك، والمحتقر الذي لا علم له بطلب ~~حقه، فسل عنه أحفى مسألة، ووكل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك، ومرهم برفع ~~حوائجهم وحالاتهم إليك لتنظر فيها بما يصلح الله به أمرهم. وتعاهد ذوي ~~البأساء وأيتامهم، وأراملهم، وأجعل لهم أرزاقا من بيت المال اقتداء بأمير ~~المؤمنين، أعزه الله، في العطف عليهم، والصلة لهم، ليصلح الله بذلك عيشهم، ~~ويرزقك به بركة وزيادة، وأجر للأضراب من بيت المال، وقدم حملة القرآن منهم، ~~والحافظين لأكثره في الجرائد على غيرهم، وانصب لمرضى المسلمين دورا تؤويهم، ~~وقواما يرفقن بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد ذلك ~~إلى سرف في بيت المال. واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيهم لم ~~يرضهم ذلك، ولم تطل أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم، طمعا في نيل ~~الزيادة، وفضل الرفق منهم، وربما تبرم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد ms2276 ~~عليه، ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به من مؤونة ومشقة، وليس من يرغب في ~~العدل، ويعرف محاسن أموره في العاجل وفضل ثواب الآجل كالذي يستثقل بما ~~يقربه إلى اله تعالى ويلتمس رحمته. وأكثر الإذن للناس عليك، وابرز لهم ~~وجهك، وسكن لهم حواسك، واخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بشرك، ولن لهم في ~~المسألة والنطق، واعطف عليهم بجودك وفضلك. وإذا أعطيت فأعط بسماحة، وطيب ~~نفس، والتماس للصنيعة والأجر من غير تكدير ولا امتنان، فإن العطية على ذلك ~~تجارة مربحة، إن شاء الله تعالى. واعتبر بما ترى من أمور الدنيأن ومن مضى ~~قبلك من أهل السلطان والرئاسة في القرون الخالية، والأمم البائدة، ثم اعتصم ~~في أحوالك كلها بأمر الله، والوقوف عند محبته والعمل بشريعته وسننه، وإقامة ~~دينه، وكتابه، واجتنب ما فارق ذلك وخالف ما دعا إلى سخط الله، عز وجل. ~~واعرف ما يجمع عمالك من الأموال، وينفقون منهأن ولا تجمع حرامأن ولا تنفق ~~إسرافا. وأكثر مجالسة العلماء، ومشاورتهم، ومخالطتهم، وليكن هواك أتباع ~~السنن وإقامتهأن وإيثار مكارم الأمور، ومعاليهأن وليكن أكرم دخلائك وخاصتك ~~عليك من إذا رأى عيبا لم تمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك في سرك، وإعلامك ما ~~فيه من النقص، فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك، وانظر عمالك الذين بحضرتك، ~~وكتابك، فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتا يدخل فيه عليك بكتبه ومؤامرته، ~~وما عنده من حوائج عمالك وأمور كورك ورعيتك، ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك ~~سمعك، وبصرك، وفهمك، وعقلك، وكرر النظر فيه والتدبر له، فما كان موافقا ~~للحق والحزم فأمضه، واستخر الله، عز وجل، فيه، وما كان مخالفا لذلك فاصرفه ~~إلى التثبت فيه والمسألة عنه. ولا تمتن على رعيتك، ولا غيرهم، بمعروف تأتيه ~~إليهم، ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة، والعون في أمور أمير ~~المؤمنين، ولا تضعن المعروف إلا على ذلك؛ وتفهم كتابي إليك، وأكثر النظر ~~فيه والعمل به، واستعن بالله على جميع أمورك، وأسخره، فإن الله، عز وجل، مع ~~الصلاح وأهله، وليكن أعظم سيرتك، وأفضل ms2277 عيشك ما كان لله، عز وجل، رضى، ~~ولدينه نظامأن ولأهله عزا وتمكينأن ولذمة وللملة عدلا وصلاحا؛ وأنا أسأل ~~الله أن يحسن عونك، وتوفيقك، ورشدك، وكلاءتك، والسلام. فلما رأى الناس هذا ~~الكتاب تنازعوه، وكتبوه، وشاع أمره، وبلغ المأمون خبره فدعا به فقرئ عليه، ~~فقال: ما بقى أبوالطيب يعني طاهرا شيئا من أمر الدنيا والدين، والتدبير، ~~والرأي، والسياسة، وإصلاح الملك والرعية، وحفظ السلطان وطاعة الخلفاء، ~~وتقويم الخلافة، إلا وقد أحكمه وأوصى به. وأمر المأمون فكتب به إلى جميع ~~العمال في النواحي؛ فسار عبد الله إلى عمله، فاتبع ما أمر به، وعهد إليه، ~~وسار بسيرته. ### || AUT ذكر موت الحكم بن هشام # PageV03P0166 # وفي هذه السنة مات الحكم بن هشام بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، لأربع ~~بقين من ذي الحجة، وكانت بيعته في صفر سنة ثمانين ومائة، وكان عمره اثنتين ~~وخمسين سنة، وكنيته أبوالعاص، وهولأم ولد، وكان طويلا أسمر، نحيفأن وكان له ~~تسعة عشر ذكرأن وله شعر جيد، وهوأول من جند بالأندلس الأجناد المرتزقين، ~~وجمع الأسلحة والعدد، واستكثر من الحشم والحواشي، وارتبط الخيول على بابه، ~~وشابه الجبابرة في أحواله، واتخذ المماليك، وجعلهم في المرتزقة، فبلغت ~~عدتهم خمسة آلاف مملوك، وكانوا يسمون الخرس لعجمة ألسنتهم، وكانوا يوما على ~~باب قصره. وكان يطلع على الأمور بنفسه، ما قرب منها وبعد، وكان له نفر من ~~ثقات أصحابه بطالعونه بأحوال الناس، فيرد عنهم المظالم، وينصف المظلوم، ~~وكان شجاعأن مقدامأن مهيبا وهوالذي وطأ لعقبه الملك بالأندلس، وكان يقرب ~~الفقهاء وأهل العلم. ### || AUT ذكر ولاية ابنه عبد الرحمن # لما مات الحكم بن هشام قام بالملك بعده ابنه عبد الرحمن ويكنى أبا ~~المطرف، واسم أمه حلاوة، وكان بكن والده، ولد بطليطلة، أيام كان أبوه الحكم ~~يتولاها لأبيه هشام، ولد لسبعة أشهر وجد ذلك بخط أبيه. وكان جسيمأن وسيمأن ~~حسن الوجه، فلما ولي خرج عليه عم أبيه عبد الله البلنسي، وطمع بموت الحكم، ~~وخرج من بلنسية يريد قرطبة، فتجهز له عبد الرحمن، فلما بلغ ذلك عبد الله ~~خاف، وضعفت نفسه، فرجع إلى بلنسية، ms2278 ثم مات في أثناء ذلك سريعا ووقى الله ~~ذلك الطرف شره. فلما مات نقل عبد الرحمن أولاده وأهله إليه بقرطبة، وخلصت ~~الإمارة بالأندلس لولد هشام بن عبد الرحمن. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها عزل الحسن بن موسى الأشيب عن قضاء الموصل، فانحدر إلى بغداد، ~~وتولى القضاء بها علي بن أبي طالب الموصلي. وفيها ولى المأمون داود بن ~~ماسحور محاربة الزط، وأعمال البصرة، وكور دجلة، واليمامة، والبحرين. وفيها ~~كان المد عظيما غرق فيه السواد، وكسكر، وقطيعة أم جعفر، وهلك فيه من الغلات ~~كثير. وفيها نكب بابك الخرمي عيسى بن محمد بن أبي خالد؛ وحج بالناس هذه ~~السنة عبيد الله بن الحسن العلوي، وهوأمير الحرمين. وفيها غزا المسلمون من ~~إفريقية جزيرة سردانية، فغمنوأن وأصابوا من الكفار، وأصيب منهم، ثم عادوا. ~~وفيها توفي الهيثم بن عدي الطائي الإخباري، وكان عابدأن ضعيفا في الحديث؛ ~~وعبد الله بن عمروبن عثمان بن أمية الموصلي، وهومن أصحاب سفيان الثوري. ~~وفيها توفي محمد بن المستنير، والمعروف بقطرب، النحوي، أخذ النحومن سيبويه. ~~وفيها توفي أبوعمروإسحاق بن مرار الشيباني اللغوي. مرار بكسر الميم وبراءين مخففتين. ### | AUT حوادث سنة سبع ومائتين # ### || AUT ذكر خروج عبد الرحمن بن أحمد باليمن # في هذه السنة خرج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر ابن ~~علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، ببلاد عك، في اليمن، يدعوإلى الرضي من آل ~~محمد، صلى الله عليه وسلم. وكان سبب خروجه أن العمال باليمن أساؤوا السيرة ~~فيهم، فبايعوا عبد الرحمن هذا؛ فلما بلغ المأمون ذلك وجه إليه دينار بن عبد ~~الله في عسكر كثيف، وكتب معه بأمانه، فحضر دينار الموسم، وحج. ثم سار إلى ~~اليمن، فبعث إلى عبد الرحمن بأمانه، فقبله، ودخل في طاعة المأمون، ووضع يده ~~في يد دينار، فخرج به إلى المأمون عند ذلك الطالبيين من الدخول عليه، ~~وأمرهم بلبس السواد، وذلك لليلتين بقيتا من ذي العقدة. ### || AUT ذكر وفاة طاهر بن الحسين # وفي هذه السنة، في جمادى الأولى، مات طاهر بن ms2279 الحسين من حمى أصابته، ~~وإنه وجد في فراشه ميتا. وقال كلثوم بن ثابت بن أبي سعيد: كنت على بريد ~~خراسان، فلما كان سنة سبع ومائتين حضرت الجمعة، فصعد طاهر المنبر، فخطب، ~~فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له، وقال: اللهم أصلح أمة محمد ~~بما أصلحت به أولياءك، واكفنا مؤونة من بغى علينأن وحشد فيهأن بلم الشعث، ~~وحقن الدماء، وإصلاح ذات البين. PageV03P0167 # قال: فقلت في نفسي: أنا أول مقتول لأني لا أكتم الخبر. قال: فانصرفت، ~~فاغتسلت غسل الموتى، وتكفنت، وكتبت إلى المأمون، فلما كان العصر دعاني، ~~وحدث به حادث في جفن عينه، وسقط ميتأن فخرج إلي ابنه طلحة، قال: هل كتبت ~~بما كان؟ قلت: نعم! قال: فاكتب بوفاته! فكتبت بوفاته، وبقيام طلحة بأمر ~~الجيش، فوردت الخريطة على المأمون بخلعه، فدعا احمد بن أبي خالد، فقال: سر ~~فأت بطاهر كما زعمت وضمنت، فقال: أبيت الليلة؟ فقال: لأن فلم يزل حتى أذن ~~له في المبيت. ووافت الخريطة الأخرى ليلا بموته، فدعاه، فقال: قد مات طاهر، ~~فمن ترى؟ قال: ابنه طلحة؛ قال: اكتب بتوليته! فكتب بذلك، فأقام طلحة واليا ~~على خراسان في أيام المأمون سبع سنين، ثم توفي، وولى عبد الله خراسان. ولما ~~ورد موت طاهر على المأمون قال: لليدين وللفم؛ الحمد لله الذي قدمه وأخرنا! ~~وكان طاهر أعور وفيه يقول بعضهم: يا ذا اليمينين وعين واحدة ... نقصان عين ~~ويمين زائدة يعني أن لقبه كان ذا اليمينين، وكانت كنيته أبا الطيب، وقد قيل ~~إن طاهرا لما مات انتهب الجند بعض خزائنه، فقام بأمرهم سلام الأبرش الخصي، ~~وأعطاهم رزق ستة أشهر. وقيل استعمل المأمون على عمله جميعه ابنه عبد اله بن ~~طاهر، فسير إلى خراسان أخاه طلحة، وكان عبد الله بالرقة على حرب نصر بن ~~شبث، فلما توجه طلحة إلى خراسان سير المأمون إليه أحمد بن أبي خالد ليقوم ~~بأمره، فعبر أحمد إلى ما وراء النهر، وافتتح أشروسنة، واسر كاوس بن صارخره، ~~وابنه الفضل، وبعث بهما إلى المأمون، وهب طلحة لأحمد ابن أبي ms2280 خالد ثلاثة ~~آلاف ألف درهم، وعروضا بألفي ألف درهم، ووهب لإبراهيم بن العباس كاتب أحمد ~~خمسمائة ألف درهم. ### || AUT ذكر ما كان بالأندلس في هذه السنة # وفي هذه السنة وقع عبد الرحمن بن الحكم، صاحب الأندلس، بجند البصراة ~~وأهلهأن وهي الوقعة المعروفة بوقعة بالس. وكان سببها أن الحكم كان قد بلغه ~~عن عامل اسمه ربيع أنه ظلم الأبناء أهل الذمة، فقبض عليه، وصلبه قبل وفاته، ~~فلما توفي وولي ابنه عبد الرحمن سمع الناس بصلب ربيع، فأقبلوا إلى قرطبة من ~~النواحي يطلبون الأموال التي كان ظلمهم بهأن ظنا بهأن ظنا منهم أنها ترد ~~إليهم، وكان أهل إلبيرة أكثرهم طلبا وإلحاحا فيه، وتألبوأن فبعث إليهم عبد ~~الرحمن من يفرقهم ويسكتهم، فلم يقبلوأن ودفعوا ن أتاهم، فخرج إليهم جمع من ~~الجند، وأصحاب عبد الرحمن، فقاتلوهم، فانهزم جند إلبيرة ومن معهم، وقتلوا ~~قتلا ذريعأن ونجا الباقون منهزمين، ثم طلبوا بعد ذلك، فقتلوا كثيرا منهم. ~~وفيها ثارت بمدينة تدمير فتنة من المضرية واليمانية، فاقتتلوا بلورقة، وكان ~~بينهم وقعة تعرف بيوم المضارة، قتل منهم ثلاثة آلاف رجل، ودامت الحرب بينهم ~~سبع سنين، فوكل بكفهم، ومنعهم، يحيى بن عبد الله بن خالد، وسيره في جميع ~~الجيش، فكانوا إذا أحسوا بقرب يحيى تفرقوا وتركوا القتال، وإذا عاد عنهم ~~رجعوا إلى الفتنة والقتال حتى عيي أمرهم. وفيها كان بالأندلس مجاعة شديدة ~~ذهب فيها خلق كثير، وبلغ المد في بعض البلاد ثلاثين دينارا. تدمير بالتاء ~~فوقها نقطتان والدال المهملة والياء تحتها نقطتان ثم راء. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها غلا السعر بالعراق، حتى بلغ القفيز من الحنطة بالهاروني أربعين ~~درهما إلى الخمسين. وفيها ولي محمد بن حفص طبرستان، والرويان، ودنباوند؛ ~~وحج بالناس أبوعيسى بن الرشيد. وفيها أمر المأمون السيد بن أنس، والي ~~الموصل، بقصد بني شيبان وغيرهم من العرب لإفسادهم في البلاد، فسار إليهم، ~~وكبسهم بالدسكرة، فقتلهم ونهب أموالهم وعاد. وفيها توفي وهب بن جرير ~~الفقيه، وعمر بن حبيب العدوي القاضي، وعبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد، ~~وعبد العزيز ms2281 بن أبان القرشي، قاضي واسط، وجعفر بن عون بن جعفر بن عمروبن ~~حريث المخزومي الفقيه، وبشر بن عمر الزاهد الفقيه، وكثير بن هشام، وأزهر بن ~~سعيد السمان، وأبوالنضر هشام بن القاسم الكناني. وفيها توفي محمد بن عمر بن ~~واقد الواقدي، وكان عمره ثمانيا وسبعين سنة، وكان عالما بالمغازي واختلاف ~~العلماء، وكان يضعف في الحديث. وفيها توفي محمد بن أبي رجاء القاضي، وهومن ~~أصحاب أبي يوسف صاحب أبي حنيفة. PageV03P0168 # وفيها توفي محمد بن أبي عبد الله بن عبد الأعلى المعروف بابن كناسة، ~~وهوابن أخت إبراهيم بن أدهم، وكان عالما بالعربية والشعر وأيام الناس. ~~وفيها توفي يحيى بن زياد،أبوزكرياء الفراء النحوي الكوفي، وأبوغامن ~~الموصلي، وزيد بن علي بن أبي خداش الموصلي، وهومن أصحاب المعافي، كثير ~~الرواية عنه. ### | AUT حوادث سنة ثمان ومائتين # في هذه السنة سار الحسن بن الحسين بن مصعب من خراسان إلى كرمان، فعصى ~~بهأن فسار إليه أحمد بن أبي خالد، فأخذه، وأتى به المأمون فعفا عنه. وفيها ~~استقضي إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، وفيها عزل محمد بن عبد الرحمن ~~المخزومي عن قضاء عسكر المهدي، ووليه بشر بن الوليد الكندي، فقال بعضهم: يا ~~أيها الرجل الموحد ربه ... قاضيك بشر بن الوليد حمار ينفي شهادة من يدين ~~بما به ... نطق الكتاب وجاءت الآثار ويعد عدلا من يقول بأنه ... شيخ يحيط ~~بجسمه الأقطار وفيها مات موسى بن الأمين، والفضل بن الربيع في ذي العقدة، ~~وحج بالناس صالح بن الرشيد. وفيها هلك أليسع بن أبي القاسم، صاحب سجلماسة، ~~فولى أهلها على أنفسهم أخاه المنتصر بن أبي القاسم واسول، المعروف بمدرار، ~~وقد تقدم ذكرهم. وفيها سير عبد الرحمن بن الحكم صاحب الأندلس جيشا إلى بلاد ~~المشركين، واستعمل عليه عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث، فساروا إلى ألبة ~~والقلاع، فنهبوا بلاد ألبة وأحرقوهأن وحصروا عدة من الحصون، ففتحوا بعضهأن ~~وصالحه بعضها على مال وإطلاق الأسرى من المسلمين، فغمن أموالا جليلة القدر، ~~واستنفذوا من أسارى المسلمين وسبيهم كثيرأن فكان ذلك في جمادى الآخرة، ~~وعادوا ms2282 سالمين. وفيها توفي عبد الله بن عبد الرحمن الأموي المعروف بالبلنسي ~~صاحب بلنسية من الأندلس، وقد تقدم من أخباره مع أخبار أبن أخيه الحكم ابن ~~هشام كثير. وفيها توفي عبد الله بن أبي بكر بن حبيب السهمي الباهلي، ويونس ~~ابن محمد المؤد، والقاسم ابن الرشيد، وسعيد بن تمام بالبصرة، وعبد الله بن ~~جعفر بن سليمان بن علي، والحسن بن موسى الأشيب، وقد كان سار ليتولى قضاء ~~طبرستان، فمات بالري. وتوفي علي بن المبارك الأحمر النحوي، صاحب الكسائي، ~~وقيل توفي في سنة ست وثمانين ومائة. ### | AUT حوادث سنة تسع ومائتين # ### || AUT ذكر الصفر بنصر بن شبث # وفي هذه السنة حصر عبد الله بن طاهر نصر بن شبث بكيسوم، وضيق عليه، حتى ~~طلب الأمان، فقال محمد بن جعفر العامري: قال المأمون لثمامة بن أشرس: ألا ~~تدلني على رجل من أهل الجزيرة له عقل وبيان يؤدي عني ما أوجبه إلى نصر؟ ~~قال: بلى يا أمير المؤمنين، محمد بن جعفر العامري؛ فأمر بإحضاري، فحضرت ~~فكلمني بكلام أمرني أن أبلغه نصرأن وهوبكفر عزون، بسروج، فأبلغته نصرأن ~~فأذعن، وشرط شروطا منها أن لا يطأ بساطه، فلم يجبه المأمون إلى ذلك، وقال: ~~ما باله ينفر مني؟ قلت: لجرمه، وما تقدم من ذنبه. قال: أفتراه أعظم جرما من ~~الفضل بن الربيع، ومن عيسى بن محمد ابن أبي خالد؟ أما الفضل فأخذ قوادي، ~~وأموالي، وسلاحي، وجميع ما أوصى به الرشيد لي، فذهب به إلى محمد أخي، ~~وتركني بمروفريدا وحيدأن وسلمني، وأفسد علي أخي حتى كان من أمره ما كان، ~~فكان أشد علي من كل شيء. وأما عيسى بن أبي خالد فإنه طرد خليفتي من مدينتي ~~ومدينة آبائي، وذهب بخراجي وفيئي، وأخرب داري، وأقعد إبراهيم خليفة دوني. ~~قال قلت: يا أمير المؤمنين! أتأذن لي في الكلام؟ قال: تكلم. قال قلت: أما ~~الفضل بن الربيع فإنه صنيعكم ومولاكم، وحال سلفه حالهم، فترجع إليه بضروب ~~كلها تردك إليه. وأما عيسى فرجل من دولتك وسابقته من مضى من سلفه معروفة ~~يرجع عليه بذلك. ms2283 وأما نصر فرجل لم يكن له يد قط فيحتمل كهؤلاء لمن مضى من ~~سلفه وإمنا كانوا من جند بني أمية. قال: إنه كما تقول، ولست أقلع عنه حتى ~~يطأ بساطي. PageV03P0169 # قال: فأبلغت نصرا ذلك، فصاح بالخيل، فجالت إليه، فقال: ويلي عليه، هولم ~~يقوعلى أربعمائة ضفدع تحت جناحه، يعني الزط، يقوي علي بحلبة العرب؟ فجاده ~~عبد الله بن طاهر القتال، وضيق عليه، فطلب الأمان، فأجابه إليه، وتحول من ~~معسكره إلى الرقة وصار إلى عبد الله، وكانت مدة حصاره ومحاربته خمس سنين، ~~فلما خرج إليه أخرب عبد الله حصن كيسوم، وسير نصرا إلى المأمون وفصل إليه ~~في صفر سنة عشر ومائتين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها ولى المأمون علي بن صدقة المعروف بزريق، على أرمينية، وأذربيجان، ~~وأمره بمحاربة بابك، وأقام بأمره أحمد بن الجنيد الإسكافي، فأسره بابك، ~~فولى إبراهيم بن الليث بن الفضل أذربيجان. وحج بالناس صالح بن العباس بن ~~محمد بن علي. وفيها مات ميخائيل بن جورجيس ملك الروم، وكان ملكه تسع سنين، ~~وملك ابنه توفيل. وفيها خرج منصور بن نصير بإفريقية عن طاعة الأمير زيادة ~~الله. وكان منه ما ذكرناه سنة اثنتين ومائتين. وفيها توفي أبوعبيدة معمر بن ~~المثنى اللغوي، وقيل سنة عشر، وكان يميل إلى مقالة الخوارج، وكان عمره ~~ثلاثا وتسعين سنة، وقيل مات سنة ثلاث عشرة وعمره ثمان وتسعون سنة. وفيها ~~توفي يعلي بن عبيد الطيالسي أبويوسف، والفضل بن عبد الحميد الموصلي المحدث. ### | AUT حوادث سنة عشر ومائتين # ### || AUT ذكر ظفر المأمون بابن عائشة # وفيها ظفر المأمون بإبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم، الإمام ~~المعروف بابن عائشة، ومحمد بن إبراهيم الإفريقي، ومالك بن شاهي ومن كان ~~معهم ممن كان يسعى في البيعة لإبراهيم بن المهدي. وكان الذي أطلعه عليهم ~~وعلى صنيعهم عمران القطربلي، وكانوا اتعدوا أن يقطعوا الجسر إذا خرج الجند ~~يتلقون نصر بن شبث فمن عليهم عمران، فاخذوا في صفر، ودخل نصر بن شبث بغداد ~~ولم يلقه أحد من الجند، فأخذ ابن عائشة، فأقيم على ms2284 باب المأمون ثلاثة أيام ~~في الشمس، ثم ضربه بالسياط، وحبسه وضرب مالك بن شاهي وأصحابه، فكتبوا ~~للمأمون بأسماء من دخل معهم في هذا الأمر من سائر الناس فلم يعرض لهم ~~المأمون، وقال: لا آمن أن يكون هؤلاء قذفوا قوما برآء. ثم إنه قتل ابن ~~عائشة وابن شاهي ورجلين من أصحابهما، وكان سبب قتلهم أن المأمون بلغن أنهم ~~يريدون أن ينقبوا السجن، وكانوا قبل ذلك بيوم قد سدوا باب السجن، فلم يدعوا ~~أحدا يدخل عليهم، فلما بلغ المأمون خبرهم ركب إليهم بنفسه، فأخذهم، فقتلهم ~~صبرأن وصلب ابن عائشة، وهوأول عباسي صلب في الإسلام؛ ثم أنزل وكفن وصلى ~~عليه ودفن في مقابر قريش. ### || AUT ذكر الظفر بإبراهيم بن المهدي # وفي هذه السنة، في ربيع الأول، أخذ إبراهيم بن المهدي، وهومتنقب مع ~~امرأتين، وهوفي زي امرأة، أخذه حارس أسود ليلأن فقال: من أين أنتن، وأين ~~تردن هذا الوقت؟ فأعطاه إبراهيم خاتم ياقوت كان في يده له قدر عظيم ~~ليخليهن، ولا يسألهن، فلما نظر الحارس إلى الخاتم استرابهن، وقال: خاتم رجل ~~له شأن، ورفعهن إلى صاحب المسلحة، فأمرهن أن يسفرن، فامتنع إبراهيم، فجذبه، ~~فبدت لحيته، فدفعه إلى صاحب الجسر، فعرفه، فذهب به إلى باب المأمون وأعلمه ~~به، فأمر بالاحتفاظ به إلى بكرة. فلما كان الغد أقعد إبراهيم في دار ~~المأمون والمقنعة التي تقنع بها في عنقه، والملحفة على صدره ليراه بنوهاشم ~~والناس، ويعلموا كيف أخذ، ثم حوله إلى أحمد بن أبي خالد، فحبسه عنده؛ ثم ~~أخرجه معه، لما سار إلى فم الصلح، إلى الحسن بن سهل، فشفع فيه الحسن، وقيل ~~ابنته بوران. وقيل إن إبراهيم لما أخذ حمل إلى دار أبي إسحاق المعتصم، وكان ~~المعتصم عند المأمون، فحمل رديفا لفرح التركي، فلما دخل على المأمون قال: ~~هيه يا إبراهيم! فقال: يا أمير المؤمنين! ولي الثأر محكم في القصاص ~~والعفوأقرب للتقوى، ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الشقاء، أمكن ~~عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب، كما جعل كل ms2285 ذي ذنب ~~دونك، فإن تعاقب فبحقك، وإن تعف فبفضلك. قال: بل أعفو، يا إبراهيم، فكبر ~~وسجد؛ وقيل بل كتب إبراهيم هذا الكلام إلى المأمون وهومتخف، فوقع المأمون ~~في رقعته: القدرة تذهب الحفيظة، والندم توبة، وبينهما عفوالله، عز وجل، ~~وهوأكبر ما يسأله، فقال إبراهيم يمدح المأمون: يا خير من رقلت يمانية به ~~... بعد النبي آيس أوطامع PageV03P0170 # وأبر من عبد الإله على التقى ... غيبا وأقوله بحق صادع عسل الفوارع ما ~~أطعت فإن تهج ... فالصاب يمزج بالسمام الناقع متيقظا حذرا وما تخشى العدى ~~... نبهان من وسنان ليل الهاجع ملئت قلوب الناس منك مخافة ... وتبيت تكلؤهم ~~بقلب خاشع بأبي وأمي فدية وأبيهما ... من كل معضلة وذنب واقع ما ألين الكنف ~~الذي بواتني ... وطنا وأمرع ربعه للراتع للصالحات أخا جعلت وللتقي ... وأبا ~~رؤوفا للفقير القانع نفسي فداؤك إذ تضل معاذري ... وألوذ منك بفضل حلم واسع ~~أملا لفضلك، والفواضل شيمة ... رفعت بناءك للمحل اليافع فبذلت أفضل ما يضيق ~~ببذله ... وسع النفوس من الفعال البارع وعفوت عمن لم يكن عن مثله ... ~~عفوولم يشفع إليك بشافع إلا العلوعن العقوبة بعدما ... ظفرت يداك بمستكين ~~خاضع فرجمت أطفالا كأفراخ القطا ... وعويل عانسة كقوس النازع وعطفت آمرة ~~علي كما وهى ... بعد انهياض الوثي عظم الظالع الله يعلم ما أقول كأنها ... ~~جهد الألية من حنيف راكع ما إن عصيتك والغواة تقودني أسبابها إلا بنية طائع ~~حتى إذا علقت حبائل شقوتي ... بردى إلى حفر المهالك هائع لم أدر أن المثل ~~جرمي غافرا ... فوقفت أنظر أي حتف صارعي رد الحياة علي بعد ذهابها ... ورع ~~الإمام القادر المتواضع أحياك من ولاك أفضل مدة ... ورمى عدوك في الوتين ~~بقاطع كم من يد لك لم تحدثني بها ... نفسي إذا آلت إلي مطامعي أسديتها عفوا ~~إلى هنيئة ... وشكرت مصطنعا لأكرم صانع إلا يسيرا عندما أوليتني ... ~~وهوالكبير لدي غير الضائع إن أنت جدت بها علي تكن لها ... أهلا وإن تمنع ~~فأكرم مانع إن الذي قسم الخلافة حازها ... من صلب آدم للإمام السابع جمع ~~القلوب عليك جامع أمرها ... وحوى رداؤك ms2286 كل خير جامع فذكر أن المأمون قال، ~~حين أنشده هذه القصيدة: أقول كما قال يوسف لإخوته: (لا تثريب عليكم اليوم ~~يغفر الله لكم وهوأرحم الراحمين) يوسف: 92. ### || AUT ذكر بناء المأمون ببوران # وفي هذه السنة بنى المأمون ببوران ابنه الحسن بن سهل بن رمضان، وكان ~~المأمون سار من بغداد إلى فم الصلح إلى معسكر الحسن بن سهل، فنزله، وزفت ~~إليه بوران، فلما دخل إليه المأمون كان عندها حمدونة بنت الرشيد وأم جعفر ~~زبيدة أم الأمين، وجدتها أم الفضل، والحسن بن سهل. فلما دخل نثرت عليه ~~جدتها ألف لؤلؤة من أنفس ما يكون، فأمر المأمون بجمعه، فجمع فأعطاه بوران ~~وقال: سلي حوائجك، فأمسكت، فقالت جدتها: سلي سيدك، فقد أمرك، فسألته الرضى ~~عن إبراهيم بن المهدي، فقال: قد فعلت؛ وسألته الإذن لأم جعفر في الحج، فأذن ~~لهأن وألبستها أم جعفر البدلة اللؤلؤية الأموية، وابتنى بها في ليلته وأوقد ~~في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون منا. وأقام المأمون عند الحسن سبعة ~~عشر يوما، يعد له كل يوم ولجميع من معه ما يحتاج إليه، وخلع الحسن على ~~القواد على مراتبهم، وحملهم، ووصلهم، وكان مبلغ ما لزمه خمسين ألف ألف ~~درهم، وكتب الحسن أسماء ضياعه في رقاع، ونثرها على القواد فمن وقعت بيده ~~رقعة منها فيها اسم ضيعة بعث فتسلمها. ### || AUT ذكر مسير عبد الله بن طاهر إلى مصر # في هذه السنة سار عبد الله بن طاهر إلى مصر، وافتتحهأن واستأمن إليه ~~عبيد الله بن السري. PageV03P0171 # وكان سبب مسيره أن عبيد الله قد كان تغلب على مصر، وخلع الطاعة، وخرج من ~~الأندلس، فتغلبوا على الاسكندرية، واشتغل عبد الله بن طاهر عنهم بمحاربة ~~نصر بن شبث، فلما فرغ منه سار نحومصر، فلما قرب منها على مرحلة قدم قائدا ~~من قواده إليها لينظر موضعا يعسكر فيه، وكان ابن السري قد خندق على مصر ~~خندقأن فاتصل الخبر به من وصول القائد إلى ما قرب منه، فخرج إليه في ~~أصحابه، فالتقى هووالقائد، فاقتتلوا قتالا شديدأن وكان القائد في قلة، ms2287 فجال ~~أصحابه، وسير بريدا إلى عبد الله بن طاهر بخبره، فحمل عبد الله الرجال على ~~البغال، وجنبوا الخيل، وأسرعوا السير، فلحقوا بالقائد وهويقاتل ابن السري، ~~فلما رأى ابن السري ذلك لم يصبر بين أيديهم، وانهزم عنهم، وتساقط أكثر ~~أصحابه في الخندق، فمن هلك منهم بسقوط بعضهم على بعض كان أكثر من قتله ~~الجند بالسيف. ودخل ابن السري مصر، وأغلق الباب عليه وعلى أصحابه، وحاصره ~~عبد الله، فلم يعد ابن الرسي يخرج غليه، وأنفذ إليه ألف وصيف ووصيفة مع كل ~~واحد منهم ألف دينار، فسيرهم ليلأن فردهم ابن طاهر وكتب إليه: لوقبلت هديتك ~~نهارا لقبلتها ليلا (بل أنتم بهديتكم تفرحون، ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود ~~لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون) النمل: 36 - 37. قال: ~~فحينئذ طلب الأمان. وقيل: كان سنة إحدى عشرة. وذكر أحمد بن حفص بن أبي ~~الشماس قال: خرجنا مع عبد الله بن طاهر إلى مصر، حتى إذا كنا بين الرملة ~~ودمشق إذ نحن بأعرابي قد اعترض، فإذا شيخ على بعير له، فسلم علينأن فرددنا ~~عليه السلام، قال: وكنت أنأن وإسحاق بن إبراهيم الرافقي، وإسحاق بن أبي ~~ربعي، ونحن نساير الأمير، وكنا أفره منه دابة، وأجود كسوة، قال: فجعل ~~الأعرابي ينظر إلى وجوهنأن قال فقلت: يا شيخ قد ألححت في النظر، أعرفت شيئا ~~أنكرته؟ قال: لا والله، ما عرفتكم قبل يومي هذأن ولكني رجل حسن الفراسة في ~~الناس، قال: فأشرت إلى إسحاق بن أبي ربعي، وقلت: ما تقول في هذا؟ فقال: أرى ~~كاتبا داهي الكتابة بين ... عليه، وتأديب العراق منير له حركات قد يشاهدن ~~أنه ... عليم بتسيط الخراج بصير ونظر إلى إسحاق بن إبراهيم الرافقي، فقال: ~~ومظهر نسك ما عليه ضميره ... يحب الهدايا بالرجال مكور إخال به جبنا وبخلا ~~وشيمة ... تخبر عنه أنه لوزير ثم نظر إلي وقال: وهذا نديم للأمير ومؤنس ... ~~يكون له بالقرب منه سرور وأحسبه للشعر والعلم راويا ... فبعض نديم مرة ~~وسمير ثم نظر إلى الأمير، وقال: وهذا الأمير المرتجى سيب كفه ... فما إن ms2288 له ~~في العالمين نظير عليه رداء من جمال وهيبة ... ووجه بإدراك النجاح بشير لقد ~~عظم الإسلام منه يدي يد ... فقد عاش معروف ومات نكير إلا إمنا عبد الإله ~~ابن طاهر ... لنا والد بر بنأن وأمير قال: فوقع ذلك من عبد الله أحسن موقع، ~~وأعجبه، وأمر الشيخ بخمسمائة دينار، وأمره أن يصحبه. ### || AUT ذكر فتح عبد الله الإسكندرية # وفي هذه السنة أخرج عبد الله من كان تغلب على الإسكندرية من أهل الأندلس ~~بأمان، وكانوا قد أقلوا في مراكب من الأندلس في جمع، والناس في فتنة بن ~~السري وغيره، فأرسلوا بالإسكندرية، ورئيسهم يدعى أبا حفص، فلم يوالوا بها ~~حتى قدم ابن طاهر، فأرسل يؤذنهم بالحرب إن هم لم يدخلوا في الطاعة، ~~فأجابوه، وسألوه الأمان على أن يرتحلوا عنها إلى بعض أطراف الروم التي ليست ~~من بلاد الإسلام، فأعطاهم الأمان على ذلك، فرحلوأن ونزلوا بجزيرة إقريطش، ~~واستوطنوهأن وأقاموا بهأن فأعقبوا وتناسلوا. قال يونس بن عبد الأعلى: أقبل ~~إلينا فتى حدث من المشرق، يعني ابن طاهر، والدنيا عندنا مفتونة قد غلب على ~~كل ناحية من بلادنا غالب، والناس في بلاء، فأصلح الدنيأن وأمن البرئ، وأخاف ~~السقيم، واستوسقت له الرعية بالطاعة. ### || AUT ذكر خلع أهل قم # PageV03P0172 # في هذه السنة خلع أهل قم المأمون، ومنعوا الخراج؛ فكان سببه أن المأمون ~~لما سار من خراسان إلى العراق أقام بالري عدة أيام واسقط عنهم شيئا من ~~خارجهم، فطمع أهل قم أن يصنع بهم كذلك، فكتبوا إليه يسألونه الحطيطة، وكان ~~خراجهم ألفي ألف درهم، فلم يبهم المأمون إلى ما سألوأن فامتنعوا من أدائه، ~~فوجه المأمون إليهم علي بن هشام، وعجيف بن عنبسة، فحارباهم فظفرا بهم، وقتل ~~يحيى بن عمران، وهدم سور المدينة، وجباها على سبعة آلاف ألف ردهم، وكانوا ~~يتظلمون من ألفي ألف. ### || AUT ذكر ما كان بالأندلس من الحوادث # وفي هذه السنة سير عبد الرحمن بن الحكم سرية كبيرة إلى بلاد الفرنج ~~واستعمل عليها عبيد اله المعروف بابن البلنسي، فسار ودخل بلاد العدو، وتردد ~~فيها بالغارات، والسبي، والقتل، ms2289 والأسر، ولقي الجيوش الأعداء في ربيع ~~الأول، فاقتتلوأن فانهزم المشركون، وكثر القتل فيهم، وكان فتحا عظيما. ~~وفيها افتتح عسكر، سيره عبد الرحمن أيضأن حصن القلعة من أرض العدو، وتردد ~~فيها بالغارات منتصف شهر رمضان. وفيها أمر عبد الرحمن ببناء المسجد الجامع ~~بجيان. وفيها أخذ عبد الرحمن رهائن أبي الشماخ محمد بن إبراهيم مقدم ~~اليمانية بتدمير، ليسكن الفتنة بين المضرية واليمانية، فلم ينزجروأن ودامت ~~الفتنة، فلما رأى عبد الرحمن ذلك أمر العامل بتدمير أن ينقل منها ويجعل ~~مرسية منزلا ينزله العمال، ففعل ذلك، وصارت مرسية هي قاعدة تلك البلاد من ~~ذلك الوقت؛ ودامت الفتنة بينهم إلى سنة ثلاث عشرة ومائتين، فسير عبد الرحمن ~~إليهم جيشأن فأذعن أبوالشماخ، وأطاع عبد الرحمن، وسار إليه، وصار من جملة ~~قواده وأصحابه، وانقطعت الفتنة من ناحية تدمير. ### || AUT ذكر عدة حوادث # مات في هذه السنة شهريار بن شروين صاحب جبال طبرستان، وصار في موضعه ~~ابنه سابور. فقاتله مازيار بن قارن، فأسره وقتله، وصارت الجبال في يد ~~مازيار. وحج بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد، وهووالي مكة. ~~وفيها توفيت علية بنت المهدي، مولدها سنة ستين ومائة، وكان زوجها موسى بن ~~عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فولدت منه. ### | AUT حوادث سنة إحدى عشرة ومائتين # في هذه السنة أدخل عبيد الله بن السري بغداد، وأنزل مدينة المنصور، ~~وأقام ابن طاهر بمصر واليا عليها وعلى الشام والجزيرة، وقال للمأمون بعض ~~إخوته إن عبد الله بن طاهر يميل إلى ولد علي بن أبي طالب، وكذا كان أبوه ~~قبله، فأنكر المأمون ذلك، فعاوده أخوه، فوضع المأمون رجلا قال له: امش في ~~هيئة القراء والنساك إلى مصر، فادع جماعة من كبرائها إلى القاسم بن إبراهيم ~~بن طباطبأن ثم صار إلى عبد الله بن طاهر غادعه إليه، واذكر له مناقبه، ~~ورغبه فيه وابحث عن باطنه وأتني بما تسمع. ففعل الرجل ذلك فاستجاب له جماعة ~~من أعيانه، فقعد بباب عبد الله بن طاهر، فلما ركب ms2290 قام إليه فأعطاه رقعة، ~~فلما عاد إلى منزله أحضره، قال: قد فهمت ما في رقعتك فهات ما عندك! فقال: ~~ولي أمانك؟ قال: نعم! فدعاه إلى القاسم، وذكر فضله وزهده وعلمه. فقال عبد ~~الله: أتنصفني؟ قال: نعم! قال: هل يجب شكر الله على العباد؟ قال: نعم! قال: ~~فتجيء إلي وأنا في هذه الحال لي خاتم في المشرق جائز، وخاتم في المغرب ~~جائز، وفيما بينهما أمري مطاع، ثم ما ألتفت عن يميني ولا شمالي، وورائي ~~وأمامي إلا رأيت نعمة لرجل أنعمها علي، ومنة ختم بها رقبتي، ويدا لائحة ~~بيضاء ابتدأني بها تفضلا وكرمأن تدعوني إلى أن أكفر بهذه النعم، وهذا ~~الإحسان، وتقول: اغدر بمن كان أولى لهذا وأحرى، واسع في إزالة خيط عنقه، ~~وسفك دمه، تراك لودعوتني إلى الجنة عيانا أكان الله يحب أن أغدر به، وأكفر ~~إحسانه، وأنكث بيعته؟ فسكت الرجل، فقال له عبد الله: ما أخاف عليك إلا ~~نفسك، فارحل عن هذا البلد، فإن السلطان الأعظم إن بلغه ذلك كنت الجاني على ~~نفسك ونفس غيرك. فلما أيس منه جاء إلى المأمون فأخبره، فاستبشر، وقال: ذلك ~~غرس يدي، وألف أدبي، وترب تلقيحي، ولم يظهر ذلك، ولا علمه ابن طاهر إلا بعد ~~موت المأمون، وكان هذا القائل للمأمون المعتصم، فإنه كان منحرفا عن عبد الله. ### || AUT ذكر قتل السيد بن أنس # PageV03P0173 # وفيها قتل السيد بن أنس الأزدي أمير الموصل، وسبب قتله أن زريق ابن علي ~~بن صدقة الإزدي الموصلي كان قد تغلب على الجبال ما بين الموصل وأذربيجان، ~~وجرى بينه وبين السيد حروب كثيرة، فلما كان هذه السنة جمع زريق جمعا كثيرأن ~~قيل: كانوا أربعين ألفأن وسيرهم إلى الموصل لحرب السيد، فخرج إليهم في ~~أربعة آلاف، فالتقوا بسوق الأحد، فحين رآهم السيد حمل عليهم وحده، وهذه ~~كانت عادته أن يحمل وحده بنفسه، وحمل عليه رجل من أصحاب زريق، فاقتتلأن ~~فقتل كل واحد منهما صاحبه لم يقتل غيرهما. وكان هذا الرجل قد حلف بالطلاق ~~إن رأى السيد أن يحمل عليه فيقتله أويقتل دونه، ms2291 لأنه كان له على زريق كل ~~سنة مائة ألف درهم، فقيل له: بأي سبب تأخذ هذا المال؟ فقال: لأنني متى رأيت ~~السيد قتلته، وحلف على ذلك فوفى به. فلما بلغ المأمون قتله غضب لذلك، وولى ~~محمد بن حميد الطوسي حرب زريق وبابك الخرمي، واستعمله على الموصل. ### || AUT ذكر الفتنة بين عامر ومنصور # ### || AUT وقتل منصور بإفريقية # وفي هذه السنة وقع الاختلاف بين عامر بن نافع وبين منصور بن نصر ~~بإفريقية، وسبب ذلك أن منصورا كان كثير الحسد... وسار بهم من تونس إلى ~~منصور وهوبقصره بطنبذ، فحصره، حتى فني ما كان عنده من الماء، فراسله منصور، ~~وطلب منه الأمان على أن يركب سفينة ويتوجه إلى المشرق، فأجابه إلى ذلك، ~~فخرج منصور أول الليل مختفيا يريد الأربس، فلما أصبح عامر ولم ير لمنصور ~~أثرا طلبه حتى أدركه، فاقتتلوا وانهزم منصور، ودخل الأربس فتحصن بهأن وحصره ~~عامر، ونصب عليه منجنيقا. فلما اشتد الحصار على أهل الأربس قالوا لمنصور: ~~إما أن تخرج عنأن وإلا سلمناك إلى عامر، فقد أضر بنا الحصار؛ فاستمهلهم حتى ~~يصلح أمره، فأمهلوه، وأرسل إلى عبد السلام بن المفرج، وهومن قواد الجيش، ~~يسأله الاجتماع به، فأتاه، فكلمه منصور من فوق السور، واعتذر، وطلب منه أن ~~يأخذ له أمانا من عامر حتى يسير إلى المشرق، فأجابه عبد السلام إلى ذلك، ~~واستعطف له عامرأن فأمنه على أن يسير إلى تونس، ويأخذ أهله وحاشيته ويسير ~~بهم إلى الشرق. فخرج إليه، فسيره مع خيل إلى تونس، وأرم رسوله سرا أن يسير ~~به إلى مدينة جربة، ويسجنه بهأن ففعل ذلك، وسجن معه أخاه حمدون. فلما علم ~~عبد السلام ذلك عظم عليه، وكتب عامر إلى أخيه، وهوعامله على جربة، يأمره ~~بقتل منصور وأخيه حمدون، ولا يراجع فيهمأن فحضر عندهمأن وأقرأهما الكتاب، ~~فطلب منصور منه دواتة وقرطاسا ليكتب وصيته، فأمر له بذلك، فلم يقدر أن ~~يكتب، وقال: فاز المقتول بخير الدنيا والآخرة، ثم قتلهمأن وبعث برأسيهما ~~إلى أخيه، واستقامت الأمور لعامر بن نافع، ورجع عبد السلام بن المفرج ms2292 إلى ~~مدينة باجه، وبقي عامر بن نافع بمدينة تونس وتوفي سلخ ربيع الآخر سنة أربع ~~عشرة ومائتين؛ فلما وصل خبره إلى زيادة اله قال: الآن وضعت الحرب أوزارهأن ~~وأرسل بنوه إلى زيادة الله يطلبون الأمان، فأمنهم، وأحسن إليهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها قدم عبد الله بن طاهر مدينة السلام، فتلقاه العباس بن المأمون، ~~والمعتصم، وسائر الناس. وفيها مات موسى بن حفص فولي ابنه طبرستان، وولي ~~حاجب ن صالح السند، فهزمه بشر بن داود، فانحاز إلى كرمان. وفيها أمر ~~المأمون مناديأن فنادى: برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير، أوفضله على أحد من ~~أصحاب رسول الله، صلى الله عليه ولم. وفيها مات أبوالعتاهية الشاعر، وحج ~~بالناس صالح بن العباس وهووالي مكة. وفيها خرج بأعمال تاكرنا من الأندلس ~~طوريل، فقصد جماعة من الجند قد نزلوا ببعض قرى تاكرنا ممتازين، فقتلهم، ~~واخذ دوابهم وسلاحهم وما معهم، فسار إليه عاملهأن وفيها مات الأخفش النحوي ~~البصري. وفيها مات طلق بن غنام النخعي، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، وعبد ~~الرحيم بن عبد الرحمن بن محمد المحاربي. وفيها توفي عبد الرزاق بن همام ~~الصنعاني المحدث، وهومن مشايخ أحمد بن حنبل، وكان يتشيع. وفيها توفي عبد ~~الله بن داود الخربي البصري، وكان يسكن الخريبة بالبصرة، فنسب إليها. ### | AUT حوادث سنة اثنتي عشرة ومائتين # ### || AUT ذكر استيلاء محمد بن حميد على الموصل # PageV03P0174 # في هذه السنة وجه المأمون محمد بن حميد الطوسي إلى بابك الخرمي لمحاربته، ~~وأمره أن يجعل طريقه على الموصل ليصلح أمرهأن ويحارب زريق ابن علي، فسار ~~محمد إلى الموصل، ومعه جيشه، وجمع ما فيها من الرجال من اليمن وربيعة، وسار ~~لحرب زريق، ومعه محمد بن السيد بن أنس الأزدي، فبلغ الخبر إلى زريق، فسار ~~نحوهم، فالتقوا في الزاب، فراسله محمد بن حميد يدعوه إلى الطاعة، فامتنع، ~~فناجزه محمد، واقتتلوا واشتد قتال الأزدي مع محمد بن السيد طلبا بثأر ~~السيد، فانهزم زريق وأصحابه، ثم أرسل يطلب الأمان، فأمنه محمد، فنزل إليه، ~~فسيره إلى المأمون. وكتب المأمون إلى محمد يأمره ms2293 بأخذ جميع مال زريق من قرى ~~ورستاق، ومال، وغيره، فأخذ ذلك لنفسه، فجمع محمد أولاد زريق وأخوته، ~~وأخبرهم بما أمر به المأمون فأطاعوا لذلك فقال لهم: إن أمير المؤمنين قد ~~أمرني به، وقد قبلت ما حباني منه، ورددته عليكم، فشكروه على ذلك. ثم سار ~~إلى أذربيجان، واستخلف على الموصل محمد بن السيد، وقصد المخالفين المتغلبين ~~على أذربيجان فأخذهم، منهم يعلي بن مرة ونظراؤه، وسيرهم إلى المأمون وسار ~~نحوبابك الخرمي لمحاربته. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خلع أحمد بن محمد العمري، المعروف بالأحمر العين، المأمون ~~باليمن، فاستعمل المأمون على اليمن محمد بن عبد الحميد المعروف بأبي الرازي ~~وسيره إليها. وفيها أظهر المأمون القول بخلق القرآن، وتفضيل علي بن أبي ~~طالب على جميع الصحابة، وقال هوأفضل الناس، بعد رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وذلك في ربيع الأول. وحج بالناس عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن ~~محمد. وفيها كانت باليمن زلزلة شديدة، فكان أشدها بعدن، فتهدمت المنازل، ~~وخربت القرى، وهلك فيها خلق كثير. وفيها سير عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشا ~~إلى بلد المشركين، فوصلوا إلى برشلونة، ثم ساروا إلى جرندة، وقاتل أهلها في ~~ربيع الأول، فأقام الجيش شهرين ينهبون ويخربون. وفيها كانت سيول عظيمة، ~~وأمطار متتابعة بالأندلس، فخربت أكثر الأسوار بمدائن ثغر الأندلس، وخربت ~~قنطرة سرقسطة، ثم جددت عمارتها وأحكمت. برشلونة بالباء الموحدة والراء ~~والشين المعجمة واللام والواووالنون والهاء. وفيها توفي محمد بن يوسف بن ~~واقد بن عبد اله الضبي، المعروف بالفريابي، وهومن مشايخ البخاري. ### | AUT حوادث سنة ثلاث عشرة ومائتين # وفيها ولى المأمون ابنه العباس الجزيرة، والثغور والعواصم؛ وولى أخاه ~~أبا إسحاق المعتصم الشام ومصر، وأمر لكل واحد منهما ولعبد الله بن طاهر ~~بخمسمائة ألف درهم، فقيل: لم يفرق في يوم من المال مثل ذلك. وفي هذه السنة ~~خلع عبد السلام وابن جليس المأمون بمصر في القيسية واليمانية، وظهرا بها، ~~ثم وثبا بعامل المعتصم، وهوابن عميرة بن الوليد الباذغيسي، فقتلاه في ربيع ~~الأول سنة أربع عشرة ومائتين، ms2294 فسار المعتصم إلى مصر،وقاتلهمأن فقتلهما ~~وافتتح مصر، فاستقامت أمورهأن واستعمل عليها عماله. وفيها مات طلحة بن طاهر ~~بخراسان. وفيها استعمل المأمون غسان بن عباد على السند، وسبب ذلك أن بشر بن ~~داود خالف المأمون، وجبى الخراج فلم يحمل منه شيئا، فعزم على تولية غسان، ~~فقال لأصحابه: أخبروني عن غسان، فإني أريده لأمر عظيم، فأطنبوا في مدحه، ~~فنظر المأمون إلى أحمد بن يوسف، وهوساكت، فقال: ما تقول يا أحمد؟ فقال: يا ~~أمير المؤمنين! ذلك رجل محاسنه أكثر من مساوئه لا يصرف به إلى طبقة إلا ~~انتصف منهم، فمهما تخوفت عليه فإنه لن يأتي أمرا يعتذر منه، فأطني فيه، ~~فقال: لقد مدحته على سوء رأيك فيه؛ قال: لأني كما قال الشاعر: كفى شكرا لما ~~أسديت أني ... صدقتك في الصديق وفي عداتي قال: فأعجب المأمون من كلامه ~~وأدبه. وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن ~~علي. وفيها قتل أهل ماردة من الأندلس عاملهم، فثارت الفتنة عندهم، فسير ~~إليهم عبد الرحمن جيشأن فحصرهم، وفسد زرعهم وأشجارهم، فعاودوا الطاعة، ~~وأخذت رهائنهم، وعاد الجيش بعد أن خربوا سور المدينة. ثم أرسل عبد الرحمن ~~إليهم بنقل حجارة السور إلى النهر لئلا يطمع أهلها في عمارته، فلما رأوا ~~ذلك عادوا إلى العصيان، وأسروا العامل عليهم، وجددوا بناء السور وأتقنوه. ~~PageV03P0175 # فلما دخلت سنة أربع عشرة سار عبد الرحمن، صاحب الأندلس، في جيوشه إلى ~~ماردة، ومعه رهائن أهلهأن فلما بارزها راسله أهلهأن وافتكوا رهائنهم باعامل ~~الذي أسروه وغيره، وحصرهم، وأفسد بلدهم ورحل عنهم. ثم سير إليهم جيشا سنة ~~سبع عشرة ومائتين، فحصروهأن وضيقوا عليهأن ودام الحصار، ثم رحلوا عنهم. ~~فلما دخلت سنة ثماني عشرة سير إليها جيشأن ففتحهأن وفارقها أهل الشر ~~والفساد، وكان من أهلها إنسان اسمه محمود بن عبد الجبار الماردي، فحصره عبد ~~الرحمن بن الحكم في جمع كثير من الجند، وصدقوه القتال، فهزموه وقتلوا كثيرا ~~من رجاله، وتبعتهم الخيل في الجبل، فأفنوهم قتلا وأسرا وتشريدا. ومضى محمود ~~بن عبد الجبار الماردي ms2295 فيمن سلم معه من أصحابه إلى منت سالوط، فسير إليه ~~عبد الرحمن جيشا سنة عشرين ومائتين، فمضوا هاربين عنه إلى حلقب في ربيع ~~الآخر منهأن فأرسل سرية في طلبهم، فقاتلهم محمود، فهزمهم، وغمن ما معهم، ~~ومضوا لوجهتهم، فلقيهم جمع من أصحاب عبد ارحمن مصادفة، فقاتلوهم ثم كف ~~بعضهم عن بعض، وساروأن فلقيهم سرية أخرى، فقاتلوهم، فانهزمت السرية، وغمن ~~محمود ما فيها. وسار حتى أتى مدينة مينة، فهجم عليها وملكهأن وأخذ ما فيها ~~من دواب، وطعام، وفارقوهأن فوصلوا إلى بلاد المشركين، فاستولوا على قلعة ~~لهم، فأقاموا بها خمسة أعوام ثلاثة أشهر، فحصرهم أذفونس ملك الفرنج، فملك ~~الحصن، وقتل محمودا ومن معه، وذلك سنة خمس وعشرين ومائتين في رجب، وانصرف ~~من فيها. وفيها توفي إبراهيم الموصلي المغني، وهوإبراهيم بن ماهان، والد ~~إسحاق بن إبراهيم وكان كوفيأن وسار إلى الموصل، فلما عاد قيل له الموصلي، ~~فلزمه؛ وعلي بن جبلة بن مسلم أبوالحسن الشاعر، وكان مولده سنة ستين ومائة، ~~وكان قد أضر، ومحمد بن عرعرة بن البوند؛ وأبوعبد الرحمن المقرئ المحدث؛ ~~وعبد الله بن موسى العبسي الفقيه، وكان شيعيأن وهومن مشايخ البخاري في ~~صحيحه. البوند بكسر الباء الموحدة والواووتسكين النون وآخره دال مهملة ### | AUT حوادث سنة أربع عشرة ومائتين # ### || AUT ذكر قتل محمد الطوسي # فيها قتل محمد بن حميد الطوسي، قتله بابك الخرمي، وسبب ذلك أنه لما فرغ ~~من أمر المتغلبين على طريقه إلى بابك سار نحوه وقد جمع العساكر، والآلات، ~~والميرة، فاجتمع معه عالم كثير من المتطوعة من سائر الأمصار، فسلك المضايق ~~إلى بابك، وكان كلما جاوز مضيقا أوعقبة ترك عليه من يحفظه من أصحابه إلى أن ~~نزل بهشتادسر، وحفر خندقأن وشاور في دخول بلد بابك، فأشاروا عليه بدخوله من ~~وجه ذكروه له، فقبل رأيهم، وعبى أصحابه، وجعل على القلب محمد بن يوسف بن ~~عبد الرحمن الطائي، المعروف بأبي سعيد، وعلى الميمنة السعدي بن أسرم وعلى ~~الميسرة العباس بن عبد الجبار اليقطيني، ووقف محمد ن حميد خلفهم في جماعة ~~ينظر إليهم، ويأمرهم بسد ms2296 خل إن رآه، فكان بابك يشرف عليهم من الجبل، وقد ~~كمن لهم الرجال تحت كل صخرة. فلما تقدم أصحاب محمد، وصعدوا في الجبل مقدار ~~ثلاثة فراسخ، خرج عليهم الكمناء وانحدر بابك إليهم فيمن معه، وانهزم الناس، ~~فأمرهم أبوسعيد ومحمد بن حميد بالصبر، فلم يفعلوأن ومروا على وجوههم، ~~والقتل يأخذهم، وصبر محمد بن حميد مكانه، وفر من كان معه غير رجل واحد، ~~وسارا يطلبان الخلاص، فرأى جماعة وقتالأن فقصدهم، فرأى الخرمية يقاتلون ~~طائفة من أصحابه، فحين رآه الخرمية قصدوه لما رأوا من حسن هيئته، فقاتلهم، ~~وقاتلوه، وضربوا فرسه بزراق، فسقط إلى الأرض، وأكبوا على محمد بن حميد ~~فقتلوه. وكان محمد ممدحا جوادأن فرثاه الشعراء وأكثروأن منهم الطائي، فلما ~~وصل خبر قتله إلى المأمون عظم ذلك عنده، واستعمل عبد الله بن طاهر على قتال ~~بابك فسار نحوه. ### || AUT ذكر حال أبي دلف مع المأمون # كان أبودلف من أصحاب محمد الأمين، وسار علي مع بن عيسى ابن ماهان إلى ~~حرب طاهر بن الحسين، فلما قتل علي عاد أبودلف إلى همذان، فراسله طاهر ~~بستميله، ويدعوه إلى بيعة المأمون، فلم يفعل، وقال: إن في عنقي بيعة لا أجد ~~إلى فسخها سبيلأن ولكني سأقيم مكاني لا أكون مع أحد الفريقين إن كففت عني، ~~فأجابه إلى ذلك، فأقام بكرج. PageV03P0176 # فلما خرج المأمون إلى الري راسل أبا دلف يدعوه إليه، فسار نحوه مجدا. ~~وهوخائف، شديد الوجل، فقال له أهله وقومه وأصحابه: أنت سيد العرب، وكلها ~~تطيعك، فإن كنت خائفا فأقم، ونحن مننعك، فلم يفعل، وسار وهويقول: أجود ~~بنفسي دون قومي دافعا ... لما نابهم قدما وأغشى الدواهيا وأقتحم الأمر ~~المخوف اقتحامه ... لأدرك مجدا أوأعاود ثاويا وهي أبيات حسنة؛ فلما وصل إلى ~~المأمون أكرمه، وأحسن إليه وأمنه، وأعلى منزلته. ### || AUT ذكر استعمال عبد الله بن طاهر على خراسان # في هذه السنة استعمل المأمون عبد الله بن طاهر على خراسان فسار إليها. ~~وكان سبب مسيره إليها أن أخاه طلحة لما مات ولي خراسان علي بن طاهر، خليفة ~~لأخيه عبد الله، وكان ms2297 عبد الله بالدينور يجهز العساكر إلى بابك، وأوقع ~~الخوارج بخراسان بأهل قرية الحمراء من نيسابور، فأكثروا فيهم القتل، واتصل ~~ذلك المأمون، فأمر عبد الله بن طاهر بالمسير إلى خراسان، فسار إليهأن فلما ~~قدم نيسابور كان أهلها قد قحطوأن فمطروا قبل وصوله إليها بيوم واحد، فلما ~~دخلها قام إليه رجل بزبز فقال: قد قحط الناس في زمانهم ... حتى إذا جئت جئت ~~بالدرر غيثان في ساعة لنا قدما ... فمرحبا بالأمير والمطر فأحضره عبد اله ~~وقال له: أشاعر أنت؟ قال: لا! ولكني سمعتها بالرقة فحفظتهأن فأحسن إليه، ~~وجعل إليه أن لا يشتري له شيء من الثياب إلا بأمره. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خرج بلال الغساني الشاري، فوجه إليه المأمون ابنه العباس ~~في جماعة من القواد، فقتل بلال. وفيها قتل أبوالرازي باليمن. وفيها تحرك ~~جعفر بن داود القمي، فظفر به عزيز مولى عبد الله بن طاهر، وكان هرب من مصر ~~فرد إليها. وفيها ولى علي بن هشام الجبل، وقم، وأصبهان، وأذربيجان. وفيها ~~توفي إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب، ~~عليه السلام، بالمغرب، وقام بعده ابنه محمد بأمر مدينة فاس، فولى أخاه ~~القاسم البصرة وطنجة وما يليهما. واستعمل باقي إخوته على مدن البربرة. ~~وفيها سار عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس إلى مدينة باجة، وكانت عاصية ~~عليه من حين فتنة منصور إلى الآن، فملكها عنوة. وفيها خالف هاشم الضراب ~~بمدينة طليطلة، من الأندلس، على صاحبها عبد الرحمن، وكان هاشم من خرج من ~~طليطلة لما أوقع الحكم بأهلهأن فسار إلى قرطبة، فلما كان الآن سار إلى ~~طليطلة، فاجتمع إليه أهل الشر وغيرهم فسار بهم إلى وادي نحوييه وأغار على ~~البربر وغيرهم، فطار اسمه، واشتدت شوكته، واجتمع له جمع عظيم، وأوقع بأهل ~~شنت برية. وكان بينه وبين البربر وقعات كثيرة، فسير إليه عبد الرحمن هذه ~~السنة جيشأن فقاتلوه، فلم تستظهر إحدى الطائفتين على الأخرى، وبقي هشام ~~كذلك، وغلب على عدة مواضع، وجاوز بركة العجوز، وأخذت غارة ms2298 خيله، فسير إليه ~~عبد ارحمن جيشا كثيفا سنة ست عشرة ومائتين، فلقيهم هاشم بالقرب من حصن ~~سمسطا بمجاورة رورية، فاشتدت الحرب بينهم، ودامت عدة أيام، ثم انهزم هاشم، ~~وقتل هووكثير ممن معه من أهل الطمع والشر وطالبي الفتن، وكفى الله الناس ~~شرهم. وحج بالناس إسحاق بن العباس بن محمد. وفيها توفي أبوهاشم النبيل ~~واسمه الضحاك بن محمد الشيباني، وهوإمام في الحديث. وفيها توفي أبوأحمد ~~حسين بن محمد البغدادي. ### | AUT حوادث سنة خمس عشرة ومائتين # ### || AUT ذكر غزوة المأمون إلى الروم # في هذه السنة سار المأمون إلى الوم في المحرم، فلما سار استخلف على ~~بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وولاه مع ذلك السواد، وحلوان، وكور دجلة، ~~فلما صار المأمون بتكريت قدم عليه محمد بن علي بن موسى ابن جعفر بن محمد بن ~~علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، فلقيه بهأن فأجاره، وأمره ~~بالدخول بابنته أم الفضل، وكان زوجها منه، فأدخلت عليه، فلما كان أيام الحج ~~سار بأهله إلى المدينة فأقام بها. PageV03P0177 # وسار المأمون على طريق الموصل، حتى صار إلى منبج، ثم إلى دابق، ثم إلى ~~أنطاكية، ثم إلى المصيصة وطرسوس، ودخل منها إلى بلاد الروم في جمادى ~~الأولى، ودخل ابنه العباس من ملطية، فأقام المأمون على حصن قرة حتى افتتحه ~~عنوة، وهدمه لأربع بقين من جمادى الأولى، وقيل إن أهله طلبوا الأمان فأمنهم ~~المأمون، وفتح قبله حصن ماجدة بالأمان، ووجه أشناس إلى حصن سندس، فأتاه ~~برئيسه، ووجه عجيفأن وجعفرا الخياط إلى صاحب حصن سناذ، فسمع وأطاع. وفيها ~~عاد المعتصم من مصر، فلقي المأمون قبل دخوله الموصل، ولقيه منويل، وعباس بن ~~المأمون برأس عين. وفيها توجه المأمون بعد خروجه من بلاد الروم إلى دمشق؛ ~~وحج بالناس عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد. وفيها توفي قبيصة بن ~~عقبة السوائي، وأبويعقوب إسحاق بن الطباخ الفقيه، وعلي بن الحسن بن شقيق ~~صاحب ابن المبارك، وثابت بن محمد الكندي العابد المحدث، وهوذة بن خليفة بن ~~عبد اله بن ms2299 عبيد الله بن أبي بكرة أبوالأشهب، وأبوجعفر محمد بن الحارث ~~الموصلي، وأبوسليمان الداراني الزاهد توفي بداريأن ومكي بن إبراهيم التيمي ~~البلخي ببلخ، وهومن مشايخ البخاري في صحيحه، وقد قارب مائة سنة، وأبوزيد ~~سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري اللغوي النحوي، وكان عمره ثلاثا وتسعين سنة. ~~وفيها توفي عبد الملك بن قريب بن عبد الملك أبوسعيد الأصمعي اللغوي البصري، ~~وقيل سنة ست عشرة، ومحمد بن عبد اله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك ~~الأنصاري قاضي البصرة ### | AUT حوادث سنة ست عشرة ومائتين # ### || AUT ذكر فتح هرقلة # في هذه السنة عاد المأمون إلى بلاد الروم؛ وسبب ذلك أنه بلغه أن ملك ~~الروم قتل ألفا وستمائة من أهل طرسوس والمصيصة، فسار حتى دخل أرض الروم في ~~جمادى الأولى، فأقام إلى منتصف شعبان. وقيل كان سبب دخوله إليها أن ملك ~~الروم كتب إليه وبدا بنفسه، فسار إليه، ولم يقرأ كتابه، فلما دخل أرض الروم ~~أناخ على أنطيغوأن فخرجوا على صلح؛ ثم سار إلى هرقلة، فخرج أهلها على صلح، ~~ووجه أخاه إبا إسحاق المعتصم، فافتتح ثلاثين حصنأن ومطمورة، ووجه يحيى بن ~~أكثم من طوانة، فأغار، وقتل، وأحرق ، فأصاب سبيأن ورجع؛ ثم سار المأمون إلى ~~كيسوم، فأقام بها يومين، ثم ارتحل إلى دمشق. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها ظهر عبدوس الفهري بمصر، فوثب على عمال المعتصم، فقتل بعضهم في ~~شعبان، فسار المأمون من دمشق إلى مصر منتصف ذي الحجة. وفيها قدم الأفشين من ~~برقة، فأقام بمصر. وفيها كتب المأمون إلى أسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ ~~الجند بالتكبير إذا صلوأن فبدأ بذلك منتصف رمضان، فقاموا قيامأن وكبروا ~~ثلاثأن ثم فعلوا ذلك في كل صلاة مكتوبة. وفيها غضب المأمون على علي بن هاشم ~~ووجه عجيفا وأحمد بن هاشم، وأمر بقبض أمواله وسلاحه. وفيها ماتت أم جعفر ~~زبيدة أم الأمين ببغداد. وفيها تقدم غسان بن عباد من السند، ومعه بشر بن ~~داود، مستأمنأن وأصلح السند واستعمل عليها عمران بن موسى العتكي. وفيها هرب ~~جعفر بن داود ms2300 القمي إلى قم وخلع الطاعة بهأن وحج بالناس، في قول بعضهم، ~~سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي بن عبد الله ابن عباس؛ وقيل حج بهم ~~عبد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهم، ~~وكان المأمون ولاه اليمن، وجعل إليه ولاية كل بلد يدخله، فسار من دمشق، ~~فقدم بغداد فصلى بالناس يوم الفطر، وسار عنهأن فحج بالناس. وفيها توفي ~~أبومسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني بغداد، ومحمد ابن عباد بن عباد بن حبيب ~~بن المهلب المهلبي، أمير البصرة هأن ويحيى ابن يعلي المحاربي، وإسماعيل بن ~~جعفر بن سليمان بن علي. ### | AUT حوادث سنة سبع عشرة ومائتين # في هذه السنة ظفر الأفشين بالفرما من أرض مصر، ونزل أهلها بأمان على حكم ~~المأمون، ووصل المأمون إلى مصر في المحرم من هذه السنة، فأتي بعبدوس ~~الفهري، فضرب عنقه، وعاد إلى الشام. PageV03P0178 # وفيها قتل المأمون علي بن هشام، وكان سبب ذلك أن المأمون كان استعمله على ~~أذربيجان وغيرهأن كما تقدم ذكره، فبلغه ظلمه، وأخذه الأموال، وقتله الرجال، ~~فوجه إليه عجيف بن عنبسة، فثار به علي بن هشام، وأراد قتله وإلحاق ببابك، ~~وظفر به عجيف، وقدم به على المأمون، فقتله، وقتل أخاه حبيبا في جمادى ~~الأولى، وطيف برأس علي في العراق، وخراسان، والشام، ومصر، ثم ألقي في ~~البحر. وفيها عاد المأمون إلى بلاد الروم، فأناخ على لؤلؤة مائة يوم، ثم ~~رحل عنهأن وترك عليها عجيفأن فخدعه أهلهأن وأسروه، فبقي عندهم ثمانية أيام، ~~وأخرجوه، وجاء توفيل ملك الروم فأحاط بعجيف فيه، فبعث إليه الجنود، فارتحل ~~توفيل قبل موافاتهم، وخرج أهل لؤلؤة إلى عجيف بأمان، وأرسل ملك الروم يطلب ~~المهادنة فلم يتم ذلك. وفيها سار المأمون إلى سلغوس. وفيها بعث علي بن عيسى ~~القمي إلى جعفر بن داود القمي، فقتل، وحج بالناس سليمان بن عبد الله بن ~~سليمان بن علي. وفيها توفي الحجاج بن المنهال بالبصرة، وسريج بن النعمان. ~~سريج بالسين المهملة والجيم. وسعدان بن بشر الموصلي يروي ms2301 عن الثوري. وفيها ~~توفي الخليل بن أبي رافع الموصلي، وكان عالما عابدأن وأبوه جعفر بن محمد بن ~~أبي يزيد الموصلي، وكان فاضلا. ### | AUT حوادث سنة ثماني عشرة ومائتين # ### || AUT ذكر المحنة بالقرآن المجيد # وفي هذه السنة كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم في امتحان القضاة ~~والشهود والمحدثين بالقرآن، فمن أقر أنه مخلوق محدث خلي سبيله، ومن أبى ~~أعلمه به ليأمره فيه برأيه؛ وطول كتابه بإقامة الدليل على خلق القرآن وترك ~~الاستعانة بمن امتنع عن القول بذلك، وكان الكتاب في ربيع الأول، وأمره ~~بإنفاذ سبعة نفر منهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبومسلم مستملي يزيد بن ~~هارون، ويحيى بن معين، وأبوخيثمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل ~~بن أبي مسعود، وأحمد بن الدورقي، فأشخصوا إليه، فسألهم، وامتنحهم عن ~~القرآن، فأجابوا جميعا: إن القرآن مخلوق، فأعادهم إلى بغداد، فأحضرهم إسحاق ~~بن إبراهيم داره، وشهر قولهم بحضرة المشايخ من أهل الحديث، فأقروا بذلك، ~~فخلى سبيلهم. وورد كتاب المأمون بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم بامتحان ~~القضاة والفقهاء، فأحضر إسحاق بن إبراهيم أبا حسان الزيادي، وبشر بن الوليد ~~الكندي، وعلي بن أبي مقاتل، والفضل بن غامن، والذيال بن الهيثم، وسجادة، ~~والقواريري، وأحمد بن حنبل، وقتيبة، وسعدويه الواسطي، وعلي ابن جعد، وإسحاق ~~بن أبي إسرائيل، وابن الهرش، وابن علية الأكبر، ويحيى بن عبد الرحمن ~~العمري، وشيخا آخر من ولد عمر بن الخطاب كان قاضي الرقة، وأبا نصر التمار، ~~وأبا معمر القطيعي، وحمد بن حاتم ابن ميمون، ومحمد بن نوح المضروب، وابن ~~الفرخان، وجماعة منهم: النضر بن شميل، وابن علي بن عاصم، وأبوالعوام ~~البزار، وابن شجاع، وعبد الرحمن بن إسحاق، فأدخلوا جميعا على إسحاق، فقرأ ~~عليهم كتاب المأمون مرتين، حتى فهموه، ثم قال لبشر بن الوليد: مات تقول في ~~القرآن؟ فقال: قد عرفت مقاتلي أمير المؤمنين غير مرة، قال: فقد تجدد من ~~كتاب المؤمنين ما ترى؛ فقال: أقول القرآن كلام الله. قال: لم أسألك عن هذأن ~~أمخلوق هو؟ قال: الله خالق كل شيء، قال: فالقرآن ms2302 شيء؟ قال: نعم؛ قال: ~~فمخلوق هو؟ قال: ليس بخالق. قال: ليس أسألك عن هذأن أمخلوق هو؟ قال: ما ~~أحسن غير ما قلت لك، وقد استعهدت أمير المؤمنين ألا أتكلم فيه، وليس عندي ~~غير ما قلت لك. فأخذ إسحاق رقعة، فقرأها عليه، ووقفه عليهأن فقال: أشهد أن ~~لا إله إلا الله أحدا فردا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا يشهه شيء من ~~خلقه في معنى من المعاني، ووجه من الوجوه. قال: نعم؛ وقال للكاتب: أكتب ما ~~قال. ثم قال لعلي بن أبي مقاتل: ما تقول؟ قال: سمعت كلامي لأمير المؤمنين ~~في هذا غير مرة، وما عندي غيره، فامتحنه بالرقعة، فأقر بما فيهأن ثم قال ~~له: القرآن مخلوق؟ قال: القرآن كلام الله. قال: لم أسألك عن هذا قال: ~~القرآن كلام الله، فإن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا. فقال ~~للكاتب: أكتب مقالته. ثم قال للديال نحوا من مقالته لعلي بن أبي مقاتل، ~~فقال مثل ذلك. PageV03P0179 # ثم قال لأبي حسان الزيادي: ما عندك؟ قال: سل عما شئت؛ فقرأ عليه الرقعة، ~~فأقر بما فيهأن ثم قال: ومن لم يقل هذا الول فهوكافر، فقال: القرآن مخلوق ~~هو؟ قال: القرآن كلام الله، والله خالق كل شيء، وأمير المؤمنين أمامنأن وبه ~~سمعنا عامة العلم، وقد سمع ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، وقد قلده الله ~~أمرنأن فصار يقيم حجنأن وصلاتنأن ونؤدي إليه زكاة أموالنأن ونجاهد معه، ~~ونرى إمامته فإن أمرنا ائتمرنا وإن نهانا انتهينا. قال: فالقرآن مخلوق؟ ~~فأعاد مقالته. قال إسحاق: فإن هذه مقالة أمير المؤمنين. قال: قد تكون ~~مقالته ولا يأمر بها للناس، وإن خبرتني أن أمير المؤمنين أمرك أن أقول قلت ~~ما أمرتني به. فإنك الثقة فيما أبلغتني عنه. قال: ما أمرني أن أبلغك شيئا. ~~قال أبوحسان: وما عندي إلا السمع والطاعة، فامرني أأتمر، قال: ما أمرني أن ~~آمركم وإمنا أمرني أن أمتحنكم. ثم قال لأحمد بن حنبل: ما تقول في القرآن؟ ~~قال: كلام الله. قال: أمخلوق هو؟ قال: كلام الله ما ms2303 أزيد عليهأن فامتحنه ~~بما في الرقعة، لما أتى إلى ليس كمثله شيء قرأ: (وهوالسميع البصير) الشورى: ~~11، وأمسك عن: ولا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من ~~الوجوه، فاعترض عليه ابن البكاء الأصغر فقال: أصلحك الله! إنه يقول: سميع ~~من أذن وبصير من عين، فقال إسحاق لأحمد: ما معنى قولك: سميع بصير؟ قال: ~~هوكما وصف نفسه. قال: فما معناه؟ قال: لا أدري أهوكما وصف نفسه. ثم دعا بهم ~~رجلا رجلا كلهم يقول القرآن كلام الله إلا قتيبة وعبيد الله بن محمد بن ~~الحسن وابن علية الأكبر وابن البكاء وعبد المنعم بن إدريس ابن بنت، ووهب بن ~~منبه، والمظفر بن مرجي، ورجلا من ولد عمر بن الخطاب قاضي الرقة، وابن ~~الأحمر، فأما ابن البكاء الأكبر فإنه قال: القرآن مجعول لقول الله، عز وجل: ~~(إنا جعلناه قرآنا عربيا) الزخرف: 3 والقرآن محدث لقوله تعالى: (ما يأتيهم ~~من ذكر من ربهم محدث) الأنبياء: 2. قال إسحاق: فالمجعول مخلوق، قال: نعم. ~~قال: والقرآن مخلوق؟ قال: لا أقول مخلوق، ولكنه مجعول، فكتب مقالته، ~~ومقالات القوم رجلا رجلأن ووجهت إلى المأمون، فأجاب المأمون يذمهم، ويذكر ~~كلا منهم، ويعيبه ويقع فيه بشيء، وأمره أن يحضر بشر بن الوليد وإبراهيم بن ~~المهدي ويمتحنهمأن فإن أجابأن وإلا فاضرب أعناقهمأن وأما من سواهمأن فإن ~~أجاب إلى القول بخلق القرآن، وإلا حملهم موثقين بالحديد إلى عسكره مع نفر ~~يحفظونهم. فأحضرهم إسحاق، وأعلمهم بما أمر به المأمون، فأجاب القوم أجمعون ~~إلا أربعة نفر، وهم أحمد بن حنبل، وسجادة، والقواريري، ومحمد ابن نوح ~~المضروب، فأمر بهم إسحاق فشدوا في الحديد، فلما كان الغد دعاهم في الحديد، ~~فأعاد عليهم المحنة، فأجابه سجادة والقواريري فأطلقهما وأصر أحمد بن حنبل، ~~ومحمد بن نوح على قولهمأن فشدا في الحديد، ووجها إلى طرسوس، وكتب إلى ~~المأمون بتأويل القوم فيما أجابوا إليه، فأجابه المأمون: إنني بلغني عن بشر ~~بن الوليد بتأويل الآية التي أنزلها الله تعالى في عمار بن ياسر: (إلا من ~~أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) النحل: ms2304 106، وقد أخطأ التأويل إنما عنى الله ~~سبحانه وتعالى هذه الآية من كان معتقدا للإيمان، مطهرا للشرك، فأما من كان ~~معتقدا للشرك، مظهرا للإيمان، فليس هذا له. فأشخصهم جميعا إلى طرسوس ~~ليقيموا بها إلى أن يخرج أمير المؤمنين من بلاد الروم، فأحضرهم إسحاق، ~~وسيرهم جميعا إلى العسكر، وهم: أبوحسان الزيادي، وبشر بن الوليد، والفضل بن ~~غامن، وعلي بن مقاتل، والذيال بن الهيثم، ويحيى بن عبد الرحمن العمري، وعلي ~~بن الجعد، وأبوالعوام، وسجادة، والقواريري، وابن الحسن بن علي بن عاصم، ~~وإسحاق بن أبي إسرائيل، والنصر بن شميل، وأبونصر التمار، وسعدويه الواسطي، ~~ومحمد بن حاتم بن ميمون، وأبومعمر بن الهرش، وابن الفرخان، وأحمد بن شجاع، ~~وأبوهارون بن البكاء، فلما صاروا إلى الرقة بلغهم موت المأمون فرجعوا إلى بغداد. ### || AUT ذكر مرض المأمون ووصيته # وفي هذه السنة مرض المأمون مرضه الذي مات فيه لثلاث عشرة خلت من جمادى ~~الآخرة. PageV03P0180 # وكان سبب مرضه ا ذكره سعد بن العلاف القارئ قال: دعاني المأمون يومأن ~~فوجدته جالسا على جانب البذندون، والمعتصم عن يمنينه، وهما قد دليا أرجلهما ~~في الماء، فأمرني أن أضع رجلي في الماء، وقال: ذقه! فهل رأيت أعذب منه، ~~أوأصفى صفاء، أوأشد بردا؟ ففعلت، وقلت: يا أمير المؤمنين! ما رأيت مثله قط، ~~فقال: أي شيء يطيب أن يؤكل ويشرب عليه هذا الماء؟ فقلت: أمير المؤمنين ~~أعلم؛ فقال: الرطب الأزاذ. فبيمنا هويقول هذا إذ سمع وقع لجم البريد، ~~فالتفت، فإذا بغال البريد عليها الحقائب فيها الألطاف، فقال لخادم له: انظر ~~إن كان في هذه الألطاف رطب أزاذ فأت به! فمضى، ومعه سلتان فيهما آزاذ كأمنا ~~جني تلك الساعة، فاظهر شكرا لله تعالى، وتعجبنا جميعأن وأكلنأن وشربنا من ~~ذلك الماء، فما قام أحد منا إلا وهومحموم، وكانت منية المأمون من تلك ~~العلة، ولم يزل المعتصم مريضا حتى دخل العراق، وبقيت أنا مريضا مدة. فلما ~~مرض المأمون أمر أن يكتب إلى البلاد الكتب من عبد الله المأمون أمير ~~المؤمنين، وأخيه الخليفة من بعده أبي إسحاق بن هارون الرشيد؛ ms2305 وأوصى إلى ~~المعتصم بحضرة ابنه العباس، وبحضرة الفقهاء، والقضاة، والقواد، وكانت ~~وصيته، بعد الشهادة، والإقرار بالوحدانية، والبعث، والجنة، والصلاة على ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، والأنبياء: إني مقر مذنب، أرجو، وأخاف إلا أني ~~إذا ذكرت عفوالله رجوت، وإذا مت فوهوني، وغمضوني، وأسبغوا وضوئي وطهوري، ~~وأجيدوا كفني، ثم أكثروا حمد الله على الإسلام، ومعرفة حقه عليكم في محمد، ~~صلى الله عليه وسلم، إذ جعلنا من أمته المرحومة، ثم أضجعوني على سريري، ثم ~~عجلوا بي، وليصل علي أقربكم نسبا وأكبركم سنأن وليكبر خمسأن ثم احملوني، ~~وابلغوا بي حفرتي، ولينزل بي أقربكم قرابة، وأودكم محبة. وأكثروا من حمد ~~الله وذكره، ثم ضعوني على شقي الأيمن، واستقبلوا بي القبلة، ثم حلوا كفني ~~عن رأسي ورجلي، ثم سدوا الحد باللبن، وأحثوا ترابا علي واخرجوا عني، وخلوني ~~وعملي، وكلكم لا يغني عني شيئأن ولا يدفع عني مكروهأن ثم قفوا بأجمعكم، ~~فقولوا خيرا إن علمتم، وأمسكوا عن ذكر شر إن كنتم عرفتم، فإني مأخوذ من ~~بينكم بما تقولون، ولا تدعوا باكية عندي فإن المعول عليه يعذب، رحم الله ~~عبدا اتعظ، وفكر فيما حتم الله على خلقه من الفناء، وقضى عليهم من الموت ~~الذي لا بد منه، فالحمد لله الذي توحد بالبقاء، وقضى على جميع خلقه الفناء. ~~ثم لينظر فيه ما كنت من عز الخلافة، هل عني ذلك شيئا إذ جاء أمر الله؟ لا ~~والله، ولكن أضعف علي به الحساب، قيا ليت عبد الله بن هارون لم يكن بشرأن ~~بل ليته لم يكن خلقا. يا أبا إسحاق ادن منين واتعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك ~~في القرآن والإسلام، واعمل في الخلافة، إذا طوقكها الله، عمل المريد لله ~~الخائف من عقابه وعذابه، ولا تغتر بالله ومهلته وكأن قد نزل بك الموت، ولا ~~تغفل أمر الرعية والعوام، فإن الملك بهم ويتعهدك لهم، الله الله فيهم، وفي ~~غيرهم من المسلمين، ولا ينتهين إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة إلا ~~قدمته، وآثرته على غيره من هواك. وخذ من أقويائهم لضعفائهم، ولا تحمل ms2306 عليهم ~~في شيء، وأنصف بعضهم من بعض بالحق بينهم، وقربهم، وتأن بهم، وعجل الرحلة ~~عني، والقدوم إلى دار ملكك بالعراق، وأنظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم، ~~فلا تغفل عنهم في كل وقت، والخرمية فأغرهم ذا حزامة، وصرامة وجلد، وأمنه ~~بالأموال والجنود، فإن طالت مدتهم فتجرد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك، ~~واعمل في ذلك عمل مقدم النية فيه، راجيا ثواب الله عليه. PageV03P0181 # ثم دعا المعتصم، بعد ساعة، حين اشتد الوجع، وأحس بمجيء أمر الله، فقال: ~~يا أبا إسحاق! عليك عهد الله وميثاقه، وذمة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~لتقومن بحق الله في عباده، ولتؤثرن طاعة الله على معصيته، إذ أنا نقلتها من ~~غيرك إليك، قال: اللهم نعم! قال: هؤلاء بن عمك من ولد أمير المؤمنين علي، ~~لوات الله عليه، فأحسن صحبتهم، وتجاوز عن مسيئهم، واقبل من محسبنهم، ولا ~~تغفل صلاتهم في كل سنة عند محلهأن فغن حقوقهم تجب من وجوه شتى، اتقوا الله ~~ربكم حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، اتقوا الله، واعملوا له، اتقوا ~~الله في أموركم كلهأن أستودعكم الله ونفسي، وأستغفر الله ما سلف مني إنه ~~كان غفارا فإنه ليعلم كيف ندمي على ذنوبي، فعليه توكلت من عظيمهأن وإليه ~~أنيب، ولا قوة إلا بالله، حسبي الله ونعم الوكيل. وصلى الله على محمد نبي ~~الهدى والرحمة. ### || AUT ذكر وفاة المأمون وعمره وصفته # وفي هذه السنة توفي المأمون لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب، فلما اشتد ~~مرضه، وحضره الموت، كان عنده من يلقنه، فعرض عليه الشهادة، وعنده ابن ~~ماسويه الطبيب، فقال لذلك الرجل: دعه، فإنه لا يفرق في هذه الحال بين ربه ~~وماني؛ ففتح المأمون عينيه، وأراد أن يبطش به، فعجز عن ذلك، وأراد الكلام، ~~فعجز عنه، ثم إنه تكلم فقال: يا من لا يموت ارحم من يموت، ثم توفي من ~~ساعته. ولما توفي حمله ابنه العباس، وأخوه المعتصم إلى طرسوس، فدفناه بدار ~~خاقان خادم الرشيد، وصلى عليه المعتصم ووكلوا به حرسا من أبناء أهل طرسوس، ~~وغيرهم، مائة ms2307 رجل، وأجري على كل رجل منهم تسعون درهما. وكانت خلافته عشرين ~~سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوما ، سمى سنين كان دعي له فيها بمكة، وأخوه ~~الأمين محصور ببغداد، وكان مولده للنصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة، ~~وكانت كنيته أبا العباس، وكان ربعة، أبيض، جميلأن طويل اللحية رقيقهأن قد ~~وخطها الشيب؛ وقيل كان أسمر تعلوه صفرة، أجنى، أعين، ضيق البلجة، بخده خال أسود. ### || AUT ذكر بعض سيرته وأخباره # وقال محمد بن صالح السرخسي: تعرض رجل للمأمون، بالشام مرارأن وقال: يا ~~أمير المؤمنين! انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم خراسان! فقال له: أكثرت علي؛ ~~والله ما أنزلت قيسا من ظهور خيولها إلا وأنا أرى أنه لم يبق في بيت مالي ~~درهم واحد، يعني فتنة ابن شبث العامري؛ وأما اليمن فوالله ما أحببتهأن ولا ~~أحبتني قط؛ وأما قضاعة فساداتها تنتظر السفياني، حتى تكون من أشياعه، وأما ~~ربيعة فساخطة على ربها مذ بعث الله نبيه من مضر، ولم يخرج اثنان إلا وخرج ~~أحدهما شاريا، أعزب فعل الله بك. وذكر سعيد بن زياد أنه لما دخل على ~~المأمون بدمشق قال له: أرني الكتاب الذي كتبه رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، قال: فأريته، قال فقال: إني لأشتهي أن أدري ايش هذا الغشاء على هذا ~~الخاتم؟ قال: فقال له المعتصم: حل العقد حتى تدري ما هو! وقال: ما أشك أن ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، عقد هذا العقد، وما كنت لأحل عقدة عقدها رسول ~~الله، صلى اله عليه وسلم، ثم قال للواثق: خذه وضعه على عينيك، لعل الله أن ~~يشفيك! وجعل المأمون يضعه على عينيه ويبكي. وقال العيشي صاحب إسحاق بن ~~إبراهيم: كنت مع المأمون بدمشق، وكان قد قل المال عنده، حتى أضاق، وشكا ذلك ~~إلى المعتصم، فقال له: يا أمير المؤمنين! كأنك بالمال وقد وافاك بعد جمعه، ~~وكان قد حمل إليه ثلاثون ألف ألف درهم من خراج ما يتولاه له، فلما ورد عليه ~~المال قال المأمون ليحيى بن أكثم: اخرج بنا ننظر هذا المال، ms2308 فخرجا ينظرانه، ~~وكان قد هيئ بأحسن هيئة، وحليت أباعره، فنظر المأمون إلى شيء حسن، واستكثر ~~ذلك واستبشر به، والناس ينظرون ويعجبون، فقال المأمون: يا أبا محمد، ننصرف ~~بالمال، وأصحابنا يرجعون خائبين، إن هذا للؤم! ثم دعا محمد بن يزداد، فقال ~~له: وقع لآل فلان بألف ألف، ولآل فلان بمثلهأن ولآل فلان بمثلهأن فما زال ~~كذلك حتى فرق أربعة وعشرين ألف ألف، ورجله في الركاب، ثم قال: ادفع الباقي ~~إلى المعلي يعطيه جندنا. قال العيشي: فقمت نصب عينيه أنظر إليهمأن فلما ~~رآني كذلك قال: وقع لهذا بخمسين ألفا ، فقبضتها. PageV03P0182 # وذكر عن محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان أنه كان بالبصرة رجل من بني تميم ~~بن سعد، وكان شاعرا ظريفا خبيثا منكرأن وكنت آنس به، واستحليه، فقالت له: ~~أنت شاعر وأنت ظريف، والمأمون أجود من السحاب الحافل، فما يمنعك منه؟ فقال: ~~ما عندي ما يحملني. فقلت: أنا أعطيك راحلة ونفقة، فأعطيته راحلة نجيبة، ~~وثلاثمائة درهم، فعمل أرجوزة ليست بالطويلة، ثم سار إلى المأمون. قال: فجئت ~~إليه وهوبسلغوس، قال: فلبست ثيابي، وأنا أروم بالعسكر، وإذا بكهل على بغل ~~فاره، فتلقاني مواجهة، وأنا أردد نشيد أرجوزتي، فقال: السلام عليك. فقلت: ~~عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قال: قف، إن شئت! فوقفت فتضوعت منه رائحة ~~المسك والعنبر، فقال: ما أولك؟ قلت: رجل من مضر. قال: ونحن من مضر، ثم قال: ~~ماذا؟ قلت: من بني تميم، قال: وما بعد تميم؟ قلت: من بني سعد، قال: وما ~~أقدمك؟ قلت: قصدت هذا الملك الذي ما سمعت بمثله أندى رائحة، ولا أوسع راحة، ~~قال: فما الذي قصدته به؟ قلت: شعر طيب يلذ على الأفواه ويحلوفي آذان ~~السامعين، قال: فأنشدنيه! فغضبت: وقلت: يا ركيك، أخبرتك أني قصدت الخليفة ~~بمديح تقول: أنشدنيه؟ فتغافل عنها وألغى عن جوابهأن فقال: فما الذي تأمل ~~منه؟ قلت: إن كان على ما ذكر لي، فألف دينار، قال: أنا أعطيك ألف دينار، إن ~~رأيت الشعر جيدأن والكلام عذبأن وأضع عنك العناء، وطول الترداد حتى تصل إلى ~~الخليفة، ms2309 وبينك عشرة آلاف رامح ونابل، قلت: فلي عليك الله أن تفعل! قال: ~~نعم، لك الله علي أن أفعل، فأنشدته: مأمون يا ذا المنزلة الشريفة ... وصاحب ~~المرتبة المنيفة وقائد الكتيبة الكثيفة ... هل لك في أرجوزة ظريفه أظرف من ~~فقه أبي حنيفة ... لا والذي أنت له خليفة ما ظلمت في أرضنا ضعيفه ... ~~أميرنا مؤنته خفيفه وما اجتبى سوى الوظيفه ... فالذئب والنعجة في سقيفه ~~واللص والتاجر في قطيفه قال: فوالله ما عدا أن بلغت ها هنأن فإذا زهاء عشرة ~~آلاف فارس، قد سدوا الأفق، يقولون: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة ~~الله وبركاته. قال: فأخذتني رعدة، فنظر إلي بتلك الحال، فقال: لا بأس عليك ~~أي أخي، قلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، من جعل الكاف مكان القاف ~~من العرب؟ قال: جمير؛ قلت: لعن الله حمير، ولعن من استعمل هذه اللغة بعد ~~اليوم. وضحك المأمون، وقال لخادم معه: أعطه ما معك، فأخرج كيسا فيه ثلاثة ~~آلاف دينار، فأخذتها ومضيت. ومعنى سؤاله عن وضع الكاف موضع القاف أنه أراد ~~أن يقول يا رقيق، فقال: يا ركيك. وقال عمارة بن عقيل: أنشدت المأمون قصيدة ~~مائة بيت، فأبتدئ بصدر البيت، فيبادرني إلى قافيته كما قفيته، قلت: والله، ~~يا أمير المؤمنين، ما سمعها مني أحد قط؛ فقال: هكذا ينبغي أن يكون، ثم قال ~~لي: أما أبلغك أن عمر بن أبي ربيعة أنشد عبد الله بن عباس قصيدته التي يقول ~~فيها: يشط عداذا وجيراننا، فقال ابن عباس: وللدار بعد غد أبعد حتى انشده ~~القصيدة يقفيها ابن عباس، ثم قال: أنا ابن ذاك. وذكر أن المأمون قال: بعثتك ~~مرتادا ففزت بنظرة ... وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا فناجيت من أهوى وكنت ~~مباعدا ... فيا ليت شعري عن دنوك ما أغنى أرى أثرا منه بعينيك بينا ... لقد ~~أخذت عيناك من عينه حسنا قيل: وإمنا أخذ المأمون هذا المعنى من العباس بن ~~الأحنف، فإنه أخرج هذا المعنى، فقال: إن تشق عيني بها فقد سعدت ... عين ~~رسولي وفزت بالخبر وكلما جاءني الرسول لها ... رددت ms2310 عمدا في عينه نظري خذ ~~مقلتي يا رسول عارية ... فانظر بها واحتكم على بصري PageV03P0183 # قيل: وشكا اليزيدي يوما إلى المأمون دينا لحقه، فقال: ما عندي في هذه ~~الأيام ما إن أعطيناك بلغت به ما تريد، فقال: يا أمير المؤمنين، إن غرمائي ~~قد أرهقوني؛ قال: انظر لنفسك أمرا تنال به نفعأن قال: إن لك ندماء، فيهم من ~~حركته نلت به نفعا. قال: أفعل، قال: إذا حضروا عندك فمر فلانا الخادم يوصل ~~رقعتي إليك، فإذا قرأتها فأرسل إلي: دخولك في هذا الوقت متعذر، ولكن اختر ~~لنفسك من أحببت؛ قال: أفعل، فلما علم اليزيدي جلوس المأمون مع ندمائه، ~~وتيقن أنهم قد أخذ الشراب منهم، أتى الباب، فدخل، فدفع إلى الخادم رقعته، ~~فإذا فيها: يا خير إخواني وأصحابي! ... هذا الطفيلي على الباب خبر أن القوم ~~في لذة ... يصبوإليها كل أواب فصيروني واحدا منكم ... أواخرجوا لي بعض ~~أترابي فقرأها المأمون عليهم، وقالوا: ما ينبغي أن يدخل علينا على مثل هذه ~~الحال، فأرسل إليه المأمون: دخولك في هذا الوقت متعذر، فاختر لنفسك من ~~أحببت! فقال: ما أريد إلا عبد الله بن طاهر، فقال له المأمون: قد اختارك ~~فصر إليه! قال: يا أمير المؤمنين، وأكون شريك الطفيلي؟ فقال: ما يمكن رد ~~أبي محمد عن أمرين، فإن أحببت أن تخرج إليه، وإلا فافتد نفسك منه! فقال: ~~علي عشرة آلاف، قال: لا يقنعه، فما زال يزيد عشرة عشرة، والمأمون يقول لا ~~يقنعه، حتى بلغ مائة ألف، فقال له المأمون: فعجله، فكتب بها إلى وكيله، ~~ووجه معه رسولأن وأرسل إلي المأمون: قبض هذه الدراهم في هذه الساعة أصلح من ~~منادمته، وأنفع لك. وقال عمارة بن عقيل: قال لي عبد اله بن أبي السمط: ~~أعلمت أن المأمون لا يبصر الشعر؟ قلت: ومن يكون أعلم منه؟ فوالله إنا ~~لننشده أول البيت فيسبقنا إلى آخره. قال: إني أنشدته بيتا أجدت فيه، فلم ~~يتحرك له، قلت: وما هو؟ قال: أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا ... بالدين ~~والناس بالدنيا مشاغيل قال فقلت: والله ما صنعت شيئأن ms2311 وهل زدت على أن جعلته ~~عجوزا في محرابهأن فمن الذي يقوم بأمر الدنيأن إذا تشاغل عنهأن وهوالمطوق ~~بها؟ هلا قلت كما قال جدي جرير في عبد العزيز بن الوليد: فلا هوفي الدنيا ~~يضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله فقال: الآن علمت أني قد ~~أخطأت. قال أبوالعباس أحمد بن عبد الله ابن عمار: كان المأمون شديد الميل ~~إلى العلويين والإحسان إليهم، وخبره مشهور معهم، وكان يفعل ذلك طبعا لا ~~تكلفأن فمن ذلك أنه توفي في أيامه يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين ~~العلوي، فحضر الصلاة عليه بنفسه، ورأى الناس عليه من الحزن والكآبة ما ~~تعجبوا منه، ثم إن ولدا لزينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، وهي ~~ابنة عم المنصور، توفي بعده، فأرسل له المأمون كفنأن وسيره صالحا ليصلي ~~عليه، ويعزي أمه، فإنها كانت عند العباسيين بمنزلة عظيمة، فأتاهأن وعزاها ~~عنه، واعتذر عن تخلفه عن الصلاة عليه، فظهر غضبهأن وقالت لابن ابنها: تقدم ~~فصل علي أبيك، وتمثلت: سبكناه ونحسبه لجينا ... فأبدى الكير عن خبث الحديد ~~ثم قالت لصالح: قل له، يابن مراجل: أما لوكان يحيى بن الحسين ابن زيد لوضعت ~~ذيلك على فيك وعدوت خلف جنازته. ### || AUT ذكر خلافة المعتصم # هوأبوإسحاق محمد بن هارون الرشيد، بويع له بالخلافة بعد موت المأمون، ~~ولما بويع له شغب الجند، ونادوا باسم العباس بن المأمون، فأرسل إليه ~~المعتصم، فأحضره، فبايعه، ثم خرج إلى الجند، فقال: ما هذا الحب البارد؟ قد ~~بايعت عمي، فسكتوأن وأمر المعتصم بخراب ما كان المأمون أمر ببنائه من طوانة ~~مما نذكره في عدة حوادث، وحمل ما أطاق من السلاح والآلة التي بهأن وأحرق ~~الباقي، وأعاد الناس الذين بها إلى البلاد التي لهم، وانصرف إلى بغداد، ~~ومعه العباس بن المأمون، فقدمها مستهل شهر رمضان. ### || AUT ذكر خلاف فضل على زيادة الله # PageV03P0184 # وفي هذه السنة وجه زيادة الله بن الأغلب، صاحب إفريقية، جيشا لمحاربة فضل ~~بن أبي العنبر بالجزيرة، وكان مخالفا لزيادة الله، فاستمد فضل ms2312 بعد السلام ~~بن المفرج الربعي، وكان أيضا مخالفا من عهد منصور، كما ذكرنأن فسار إليه، ~~فالتقوا مع عسكر زيادة الله، وجرى بين الطائفتين قتال شديد عند مدينة ~~اليهود بالجزيرة، فقتل عبد السلام، وحمل رأسه إلى زيادة الله. وسار فضل بن ~~أبي العنبر إلى مدينة تونس، فدخلهأن وامتنع بهأن فسير زيادة الله إليه ~~جيشأن فحصروا فضلا بهأن وضيقوا عليه حتى فتحوها منه، وقتل وقت دخول العسكر ~~كثير من أهلهأن منهم: عباس بن الوليد، الفقيه، وكان دخل في بيته لم يقاتل، ~~فدخل عليه بعض الجند، فأخذ سيفه وخرج وهويصيح: الجهاد، فقتل، وبقي ملقى في ~~خربة سبعة أيام لم يقربه ذوناب ولا مخلب، وكان قد سمع الحديث من ابن عيينة ~~وغيره، وكان من الصالحين، وهرب كثير من أهل تونس لما ملكت، ثم آمنهم زيادة ~~الله، فعادوا إليها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عاد المأمون إلى سلغوس، ووجه ابنه العباس إلى طوانة، وأمره ~~ببنائهأن وكان قد وجه الفعلة، فابتدأوا في بنائها ميلا بعد ميل، وجعل سورها ~~على ثلاثة فراسخ، وجعل لها أربعة أبواب، وجعل على كل باب حصنأن وكتب إلى ~~البلدان ليفرضوا على كل بلد جماعة ينتقلون إلى طوانة، وأجرى لهم لكل فارس ~~مائة درهم، ولكل راجل أربعين درهم. وفيها توفي بشر بن غياث المريسي، وكان ~~يقول بخلق القرآن والإرجاء وغيرهما من البدع. وفيها دخل كثير من أهل ~~الجبال، وهمذان، وأصبهان، وماسبذان، وغيرهأن في دين الخرمية، وتجمعوأن ~~فعسكروا في عمل همذان، فوجه إليهم المعتصم العساكر، وكان فيهم إسحاق بن ~~إبراهيم بن مصعب، وعقد له على الجبال في شوال، فسار إليهم، فأوقع بهم في ~~أعمال همذان، فقتل منهم ستين ألفأن وهرب الباقون إلى بلد الروم، وقرئ كتابه ~~بالفتح يوم التروية، وحج بالناس هذه السنة صالح بن العباس بن محمد. ### | AUT حوادث سنة تسع عشرة ومائتين # ### || AUT ذكر خلاف محمد بن القاسم العلوي # في هذه السنة ظهر محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب، عليه السلام، بالطالقان ms2313 من خراسان، يدعوإلى الرضي من آل محمد، صلى ~~الله عليه وسلم. وكان ابتداء أمره أنه كان ملازما مسجد النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، حسن السيرة، فأتاه إنسان من خراسان اسمه أبومحمد كان مجاورأن ~~فلما رآه أعجبه طريقه، فقال له: أنت أحق بالإمامة من كل أحد، وحسن له ذلك، ~~وبايعه، وصار الخراساني يأتيه بالنفر بعد النفر من حجاج خراسان يبايعونه، ~~فعل ذلك مدة. فلما رأى كثرة من بايعه من خراسان سارا جميعا إلى الجوزجان، ~~واختفى هناك، وجعل أبومحمد يدعوالناس إليه، فعظم أصحابه، وحمله أبومحمد على ~~إظهار أمره، فأظهره بالطالقان، فاجتمع إليه بها ناس كثير، وكانت بينه وبين ~~قواد عبد الله بن طاهر وقعات بناحية الطالقان وجبالهأن فانهزم هووأصحابه، ~~وخرج هاربا يريد بعض كور خراسان، وكان أهلها كاتبوه. فلما صار بنسأن وبها ~~والد بعض من معه فلما بصر به سأله عن الخبر فأخبره، فمضى الأب إلى عامل ~~نسأن فأخبره بأمر محمد بن القاسم، فأعطاه العامل عشرة آلاف درهم على ~~دلالته، وجاء العامل إلى محمد، فأخذه واستوثق منه، وبعثه إلى عبد الله بن ~~طاهر، فسيره إلى المعتصم، فورد إليه منتصف شهر ربيع الأول، فحبس عند مسرور ~~الخادم الكبير، وأجرى عليه الطعام، ووكل به قوما يحفظونه، فلما كان ليلة ~~الفطر اشتغل الناس بالعيد، فهرب من الحبس، دلي إليه حبل من كوة كانت في ~~أعلى البيت يدخل عليه منها الضوء، فلما أصبحوا أتوه بالطعام، فلم يروه، ~~فجعلوا لمن دل عليه مائة ألف، فلم يعرف له خبر. ### || AUT ذكر محاربة الزط # PageV03P0185 # وفيها وجه المعتصم عجيف بن عنبسة في جمادى الآخرة لحرب الزط الذين كانوا ~~غلبوا على طريق البصرة، وعاثوأن وأخذوا الغلات من البيادر بكسكر وما يليها ~~من البصرة، وأخافوا السبيل، ورتب عجيف الخيل في كل سكة من سكك البريد، تركض ~~بالأخبار، فكان يأتي بالأخبار من عجيف في يوم، فسار حتى نزل تحت واسط، ~~وأقام على نهر يقال له بردودأن حتى سدة وأنهارا أخر كانوا يخرجون منها ~~ويدخلون، وأخذ عليهم الطرق، ثم حاربهم، فأسر منهم في معركة ms2314 واحدة خمسمائة ~~رجل، وقتل في المعركة ثلاثمائة رجل، فضرب أعناق الأسرى، وبعث الرؤوس إلى ~~باب المعتصم. ثم أقام عجيف بإزاء الزط خمسة عشر يومأن فظفر منهم فيها بخلق ~~كثير، وكان رئيس الزط رجل يقال له محمد بن عثمان، وكان صاحب أمره إنسان ~~يقال له سماق، ثم استوطن عجيف وأقام بإزائهم سبعة أشهر. ### || AUT ذكر محاصرة طليطلة # في هذه السنة سير عبد الرحمن بن الحكم الأموي، صاحب الأندلس، جيشا مع ~~أمية بن الحكم إلى مدينة طليطلة، فحصرهأن وكانوا قد خالفوا الحكم، وخرجوا ~~عن الطاعة، واشتد في حصرهم، وقطع أشجارهم، وأهلك زروعهم، فلم يذعنوا إلى ~~الطاعة، فرحل عنهم، وأنزل بقلعة رباح جيشا عليهم ميسرة، المعروف بفتى أبي ~~أيوب، فلما أبعدوا منه خرج جمع كثير من أهل طليطلة، لعلهم يجدون فرصة وغفلة ~~من ميسرة فينالوا منه ومن أصحابه غرضأن وكان ميسرة قد بلغه الخبر، فجعل ~~الكمين في مواضع، فلما وصل أهل طليطلة إلى قلعة رباح، للغارة خرج الكمين ~~عليهم من جوانبهم، ووضعوا السيف فيهم، وأكثروا القتل، وعاد من سلم منهم ~~منهزما إلى طليطلة، وجمعت رؤوس القتلى، وحملت إلى ميسرة، فلما رأى كثرتها ~~عظمت عليه، وارتاع لذلك، ووجد في نفسه غما شديدأن فمات بعد أيام يسيرة. ~~وفيها أيضا كان بطليطلة فتنة كبيرة، تعرف بملحمة العراس، قتل من أهلها كثير. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها أحضر المعتصم أحمد بن حنبل، وامتحنه بالقرآن، فلم يجب إلى القول ~~بخلقه، فأمر به، فجلد جلدا عظيما حتى غاب عقله، وتقطع جلده، وحبس مقيدا. ~~وفيها قدم إسحاق بن إبراهيم إلى بغداد في جمادى الأولى، ومعه من أسرى ~~الخرمية خلق كثير، وقيل إنه قتل منهم نحومائة ألف سوى النساء والصبيان. ~~وفيها توفي أبونعيم الفضل بن دكين الملائي، مولى طلحة، بن عبد الله التيمي، ~~في شعبان، وهومن مشايخ البخاري ومسلم، كان مولده سنة ثلاثين ومائة، وكان ~~شيعيا؛ وله طائفة تنسب إليه يقال لها الدكينية. ### | AUT حوادث سنة عشرين ومائتين # ### || AUT ذكر ظفر عجيف بالزط # وفي هذه السنة دخل عجيف بالزط بغداد، بعد ms2315 أن ضيق عليهم، وقاتلهم، وطلبوا ~~منه الأمان، فأمنهم، فخرجوا إليه في ذي الحجة سنة تسع عشرة ومائتين، وكانت ~~عدتهم مع النساء والصبيان سبعة وعشرين ألفأن والمقاتلة منهم اثنا عشر ألفأن ~~فلما خرجوا إليه جعلهم في السفن، وعبأهم في سفنهم على هيئتهم في الحرب معهم ~~البوقات، حتى دخل بهم بغداد يوم عاشوراء من هذه السنة. وخرج المعتصم إلى ~~الشماسية في سفينة يقال لها الزو، حتى يمر به الزط على تعبئتهم وهم ينفخون ~~في البوقات، وأعطى عجيف أصحابه كل رجل دينارين دينارين، وأقام الزط في ~~سفنهم ثلاثة أيام، ثم نقلوا إلى الجانب الشرقي، وسلموا إلى بشر بن السميدع، ~~فذهب بهم إلى خانقين، ثم نقلوا إلى الثغر، إلى عبن زربة و، فأغارت الروم ~~عليهم، فاجتاحوهم، فلم يفلت منهم أحد. ### || AUT ذكر مسير الأفشين لحرب بابك الخرمي # وفي هذه السنة عقد المعتصم للأفشين حيدر بن كاوس على الجبال، ووجهه لحرب ~~بابك فسار إلي. وكان ابتداء خروج بابك سنة إحدى ومائتين، فكانت مدينته ~~البذ، وهزم من جيوش السلطان عدة، وقتل من قواده جماعة، فلما أفضى الأمر إلى ~~المعتصم، وجه أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل، وأمره أن يبني الحصون التي ~~أخربها بابك فيما بين زنجان وأردبيل، ويجعل فيها الرجال تحفظ الطرق لمن ~~يجلب الميرة إلى أردبيل، فتوجه أبوسعيد لذلك، وبنى الحصون. ووجه بابك سرية ~~في بعض غزاته، فأغارت على بعض النواحي ورجعت منصرفة؛ وبلغ ذلك أبا سعيد، ~~فجمع الناس، وخرج في طلب السرية، فاعترضها في بعض الطرق، فاقتتلوا قتالا ~~شديدأن فقتل أبوسعيد من أصحاب بابك جماعة، وأسر جماعة، واستذ ما كانوا ~~أخذوه، وسير الرؤوس والأسرى إلى المعتصم، فكانت هذه أول هزيمة على أصحاب ~~بابك. PageV03P0186 # ثم كانت الأخرى لمحمد بن البعيث، وذلك أن محمدا كان في قلعة له حصينة ~~تسمى الشاهي، كان ابن البعيث قد أخذها من ابن الرواد، وهي من كورة ~~أذربيجان، وله حصن آخر من أذربيجان يسمى تبريز، وكان مصالحا لبابك، تنزل ~~سراياته عنده، فيضيفهم حتى أنسوا به؛ ثم إن بابك وجه قائدا ms2316 اسمه عصمة من ~~أصبهبذيته في سرية، فنزل بابن البعيث، فأنزل له الضيافة على عادتهأن ~~واستدعاه له في خاصته ووجوه أصحابه، فصعد فغذاهم، وسقاهم الخمر حتى سكروأن ~~ثم وثب على عصمة، فاستوثق منه، وقتل من كان معه من أصحابه، وأمره أن يسمي ~~رجلا رجلا من أصحابه، فكان يدعوالرجل باسمه، فيصعد، فيضرب عنقه، حتى علموا ~~بذلك بهربوأن وسير عصمة إلى المعتصم، فسأل المعتصم عصمة عن بلاد بابك، ~~فأعلمه طرقه ووجوه القتال فيهأن ثم ترك عصمة محبوسأن فبقي إلى أيام الواثق. ~~ثم أن الأفشين سار إلى بلاد بابك، فنزل برزند، وعسكر بهأن وضبط الطرق ~~والحصون فيما بينه وبين أردبيل، وأنزل محمد بن يوسف بموضع يقال له خش، فحفر ~~خندقا وأنزل الهيثم الغنوي برستاق أرشق، فأصلح حصنه، وحفر خندقه؛ وأنزل ~~علويه الأعور، من قواد الأبناء، في حصن النهر مما يلي أردبيل، فكانت ~~والقوافل تخرج من أردبيل ومعها من يحيمها، حتى تنزل بحصن النهر، ثم يسيرها ~~صاحب حصن النهر إلى الهيثم الغنوي، فيلقاه الهيثم بمن جاء إليه من ناحية في ~~موضع معروف لا يتعداه أحدهم إذا وصل إليه، فإذا لقيه أخذ ما معه، وسلم إليه ~~ما معه، ثم يسير الهيثم بمن معه إلى أصحاب أبي سعيد، فيلقونه بمنتصف ~~الطريق، ومعهم من خرج من العسكر، فيتسلمون ما مع الهيثم ويسلمون إليه ما ~~معهم، وإذا سبق أحدهم إلى المنتصف لا يتعداه، ويسير أبوسعيد بمن معه إلى ~~عسكر الأفشين فيلقاه صاحب سيارة الأفشين، فيتسلمهم منه، ويسلم إليه من صحبه ~~من العسكر، فلم يزل الأمر على هذا. وكانوا إذا ظفروا بأحد من الجواسيس ~~حملوه إلى الأفشين، فكان يحسن إليهم، ويهب لهم، ويسألهم عن الذي يعطيهم ~~بابك، فيضعفه لهم، ويقول لهم: كونوا جواسيس لنأن فكان ينتفع بهم. ### || AUT ذكر وقعة الأفشين مع بابك # وفيها كانت وقعة الأفشين مع بابك، قتل من أصحاب بابك خلق كثير. وكان ~~سببها أن المعتصم وجه بغا الكبير إلى الأفشين، ومعه مال للجند، والنفقات، ~~فوصل أردبيل، فبلغ بابك الخبر، فتهيأ هووأصحابه ليقطعوا عليه قبل وصوله إلى ms2317 ~~الأفشين، فجاء جاسوس إلى الأفشين، فأخبره بذلك، فلما صح الخبر عند الأفشين ~~كتب بغا أن يظهر أنه يريد الرحيل، ويحمل المال على الإبل، ويسير نحوه، حتى ~~يبلغ حصن النهر، فيحبس الذي معه، حتى يجوز من صحبه من القافلة، فإذا جازوا ~~رجع بالمال إلى أردبيل. ففعل بغا ذلك، وسارت القافلة، وجاءت جواسيس بابك ~~إليه، فأخبروه أن المال قد سار فبلغ النهر، وركب الأفشين في اليوم الذي ~~واعد فيه بغأن عند العصر، من برزند، فوافى خش مع غروب الشمس، فنزل خارج ~~خندق أبي سعيد، فلما أصبح ركب سرأن ولم يضرب طبلأن ولم ينشر غلمأن وأمر ~~الناس بالسكوت وجد في السير، ورحلت القافلة التي كانت توجهت ذلك اليوم من ~~النهر إلى ناحية الهيثم، وتعبى بابك في أصحابه، وسار على طريق النهر، ~~وهويظن أن المال يصادفه، فخرجت خيل بابك على القافلة، ومعها صاحب النهر، ~~فقاتلهم صاحب النهر، فقتلوه، وقتلوا من كان معه من الجند، وأخذوا جميع ما ~~كان معهم، وعلموا أن المال قد فاتهم، وأخذوا علمه ولباس أصحابه، فلبسوها ~~وتنكروا ليأخذوا الهيثم الغنوي ومن معه أيضأن ولا يعلمون بخروج الأفشين، ~~وجاؤوا كأنهم أصحاب النهر، فلم يعرفوا الموضع الذي يقف فيه علم صاحب النهر، ~~فلم يعرفوا الموضع الذي يقف فيه علم صاحب النهر، فوقفوا في غيره. ~~PageV03P0187 # وجاء الهيثم فوقف في موضعه وأنكر ما رأى، فوجه ابن عم له، فقال له: اذهب ~~إلى هذا البغيض فقل له لأي شيء وقوفك، فجاء إليهم فأنكرهم، فرجع إليه ~~فأخبره، فأنفذ جماعة غيره، فأنكروهم أيضأن وأخبروه أن بابك قد قتل علويه، ~~صاحب النهر، وأصحابه، وأخذ أعلامهم ولباسهم، فرحل الهيثم راجعأن ونجى ~~القافلة التي كانت معه، وبقي هووأصحابه في أعقابهم حامية لهم حتى وصلت ~~القافلة إلى الحصن، وهوأرشق، وسير رجلين من أصحابه إلى الأفشين وإلى أبي ~~سعيد يعرفهما الخبر، فخرجا يركضان، ودخل الهيثم الحصن، ونزل بابك عليه، ~~ووضع له كرسي بحيال الحصن، وأرسل إلى الهيثم أن خل الحصن وانصرف، فأبى ~~الهيثم ذلك، فحاربه بابك وهويشرب الخمر على عادته والحرب مشتبكة. وسار ms2318 ~~الفارسان، فلقيا الأفشين على أقل من فرسخ، فقال لصاحب مقدمته: أرى فارسين ~~يركضان ركضا شديدأن ثم قال: اضربوا الطبل، وانشروا الأعلام، واركضوا نحوهما ~~وصيحوا لبيكما لبيكما! ففعلوا ذلك، وأجرى الناس خيلهم طلقا واحدأن حتى ~~لحقوا بابك وهوجالس، فلم يطق أن يركب، حتى وافته الخيل، فاشتبكت الحرب، فلم ~~يفلت من رجاله بابك أحد، وأفلت هوفي نفر يسير من خيالته، ودخل موقان وقد ~~تقطع عنه أصحابه، ورجع عنه الأفشين إلى برزند. وأقام بابك بموقان، وأرسل ~~إلى البذ، فجاءه عسكر، فرحل بهم من موقان، حتى دخل البذ، ولم يزل الأفشين ~~معسكرا ببرزند، فلما كان في بعض الأيام مرت قافلة، فخرج عليها أصبهنذ بابك، ~~فأخذها وقتل من فيهأن فقحط عسكر الأفشين لذلك، فكتب الأفشين إلى صاحب مراغة ~~بحمل الميرة وتعجيلهأن فوجه إليه قافلة عظيمة، فيها قريب من ألف ثور، سوى ~~غيرها من الدواب، تحمل الميرة، ومعها جند يسيرون بهأن فخرج عليهم سرية ~~لبابك، فأخذوها عن آخرهأن وأصاب العسكر ضيق شديد، فكتب الأفشين إلى صاحب ~~شيروان يأمره أن يحمل إليه طعامأن فحمل إليه طعاما كثيرأن وأغاث الناس، ~~وقدم بغا على الأفشين بما معه. ### || AUT ذكر بناء سامرا # وفي هذه السنة خرج المعتصم إلى سامرا لبنائهأن وكان سبب ذلك أنه قال: ~~إني أتخوف هؤلاء الحربية أن يصيحوا صيحة فيقتلوا غلماني، فأريد أن أكون ~~فوقهم، فإن رابني منهم شيء أتيتهم في البر والماء، حتى آتي عليهم، فخرج ~~إليهأن فأعجبه مكانها. وقيل كان سبب ذلك أن المعتصم كان قد أكثر من الغلمان ~~الأتراك، فكانوا لا يزالون يرون الواحد بعد الواحد قتيلأن وذلك أنهم كانوا ~~جفاة، يركبون الدواب، فيركضونها إلى الشوارع، فيصدمون الرجل والمرأة ~~والصبي، فيأخذهم الأبناء عن دوابهم، ويضربونهم، وربما هلك أحدهم فتأذى بهم ~~الناس. ثم إن المعتصم ركب يوم عيد، فقام إليه شيخ فقال له: يا أبا إسحاق! ~~فأراد الجند ضربه، فمنعهم وقال: يا شيخ ما لك، ما لك؟ قال: لا جزاك الله عن ~~الجوار خيرأن جاورتنا وجئت بهؤلاء العلوج من غلمانك الأتراك، فأسكنتهم ~~بيننأن فأيتمت صبياننأن ms2319 وأرملت بهم نسواننأن وقتلت رجالنا؛ والمعتصم يسمع ~~ذلك، فدخل منزله، ولم ير راكبا إلى مثل ذلك اليوم، فخرج، فصلى بالناس ~~العيد، ولم يدخل بغداد، بل سار إلى ناحية القاطول، ولم يرجع بغداد. قال ~~مسرور الكبير: سألني المعتصم أين كان الرشيد يتنزه إذا ضجر ببغداد، قلت: ~~بالقاطول، وكان قد بنى هناك مدينة آثارها وسورها قائم، وكان قد خاف من ~~الجند ما خاف المعتصم، فلما وثب أهل الشام بالشام وعصوا خرج إلى الرقة ~~فأقام بهأن وبقيت مدينة القاطول لم تستتم. ولما خرج المعتصم إلى القاطول ~~استخلف ببغداد ابنه الواثق، وكان المعتصم قد اصطنع قوما من أهل الحوف بمصر، ~~واستخدمهم، وسماهم المغاربة، وجمع قوما من أهل الخوف بمصر، واستخدمهم، ~~وسماهم المغاربة، وجمع خلقا من سمرقند، وأشروسنة، وفرغانة، وسماهم ~~الفراغنة، فكانوا من أصحابه، وبقوا بعده. وكان ابتداء العمارة بسامرا سنة ~~إحدى وعشرين ومائتين. ### || AUT ذكر قبض الفضل بن مروان # وكان الفضل بن مروان من البردان، وكان حسن الخط، فاتصل بيحيى الجرمقاني، ~~كاتب المعتصم، قبل خلافته، فكان يكتب بين يديه، فلما هلك الجرمقاني، صار ~~موضعه، وسار مع المعتصم إلى الشام، ومصر، فأخذ من الأموال الكثير، فلما صار ~~المعتصم خليفة كان اسمها له، وكان معناها لفضل، واستولى على الدواوين كلهأن ~~وكنز الأموال. PageV03P0188 # وكان المعتصم يأمره بإعطاء المغني والنديم، فلا ينفذ الفضل ذلك، فثقل على ~~المعتصم، وكان له مضحك اسمه إبراهيم، يعرف بالهفتي، فأمر له المعتصم بمال، ~~وتقدم إلى الفضل بإعطائه، فلم يعطه شيئأن فبينا الهفتي يوما عند المعتصم، ~~يمشي معه في بستان له، وكان الهفتي يصحبه قبل الخلافة، ويقول له فيما ~~يداعيه: والله لا تفلح أبدا؛ وكان مربوعا بدينأن وكان المعتصم خفيف اللحم، ~~فكان يسبقه، ويلتفت إليه ويقول: ما لك لا تسرع المشي؟ فلما أكثر عليه من ~~ذلك قال الهفتي مداعبا له: كنت أراني أماشي خليفة، واليوم أراني أماشي ~~فيجا، والله لا أفلحت أبدا! فضحك المعتصم وقل: وهل بقي من الفلاح شيء لم ~~أدركه بعد الخلافة؟ فقال: أتظن أنك أفلحت؟ لا والله، ما لك من الخلافة ms2320 إلا ~~اسمهأن ما يتجاوز أمرك أذنيك، إمنا الخليفة الفضل؛ فقال: وأي أمر لي لم ~~ينفذ؟ فقال الهفتي: أمرت لي بكذا وكذا منذ شهرين، فما أعطيت حبه، فحقدها ~~على الفضل. فقيل أول ما أحدثه في أمره زماما في نفقات الخاصة، وفي الخراج، ~~وجميع الأعمال، ثم نكبه وأهل بيته في صفر، وأمرهم بعمل حسابهم، وصير مكانه ~~محمد بن عبد الملك الزيات، فنفى الفضل إلى قرية في طريق الموصل تعرف بالسن، ~~وصار محمد وزيرا وكاتبا. وكان الفضل شرس الأخلاق، ضيق العطن، كريه اللقاء، ~~بخيلأن مستطيلا، فلما نكب ثشمت به الناس، حتى قال بعضهم فيه: لبيك على ~~الفضل بن مروان نفسه ... فليس له باك من الناس يعرف لقد صحب الدنيا منوعا ~~لخيرها ... وفارقها وهوالظلوم المعنف إلى النار فليذهب، ومن كان مثله ... ~~على أي شيء فاتنا منه نأسف؟ ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سير عبد الرحمن ملك الأندلس جيشا إلى طليطلة، فقاتلوهأن ~~فلم يظفروا بها. وحج بالناس صالح بن العباس بن محمد. وفيها توفي سليمان بن ~~داود بن علي بن عبد الله بن عباس أبوأيوب الهاشمي، وعفان بن مسلم أبوعثمان ~~الصفار البصري، وكان موته ببغداد وله خمس وثمانون سنة، وهومن مشايخ ~~البخاري؛ وتوفي فتح الموصلي الزاهد، وكان من الأولياء والأجواد؛ ومحمد بن ~~علي بن موسى بن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي، عليه السلام، توفي ~~ببغداد، وكان قدمها ومعه امرأته أم الفضل ابنة المأمون، فدفن بها عند جده ~~موسى بن جعفر، وهوأحد الأئمة عند الإمامية، وصلى على الواثق، وكان عمره ~~خمسا وعشرين سنة، وكانت وفاته في ذي الحجة، وقيل في سبب موته غير ذلك. ### | AUT حوادث سنة إحدى وعشرين ومائتين # ### || AUT ذكر محاربة بابك في هذه السنة # في هذه السنة واقه بابك بغا الكبير، فهزمه، وواقعه الافشين، فهزم بابك. ~~وكان سبب ذلك أن بغا الكبير كان قد قدم بالمال الذي كان معه إلى الأفشين، ~~ففرقه في أصحابه، وتجهز بعد النيروز، ووجه إلى بغا في عسكر ليدور حول ~~هشتادسر، وينزل في ms2321 خندق محمد بن حميد، ويحفره، ويحكمه، فسار بغا إلى ~~الخندق، ورحل الأفشين من برزند، ورحل أبوسعيد من خش يريدان بابك، فتوافوا ~~بمكان يقال له: دروذ، فحفر الأفشين خندقأن وبنى عليه سورأن وكان بينه وبين ~~البذ ستة أميال. ثم أن بغا تجهز بغير أمر الأفشين، وجمل معه الزاد، ودار ~~حول هشتادسر، حتى دخل قرية البذ، فنزلها فأقام بها؛ ثم وجه ألف رجل في ~~علاقة له، فخرج عليهم بعض عساكر بابك، فأخذ العلافة، وقتل كل من كان قاتله، ~~وأسر من قدر عليه وأخذ بعضهم، فأرسل منهم رجلين إلى الأفشين يعلمانه ما نزل ~~بهم. ورجع بغا إلى خندق محمد بن حميد تشبيها بالمنهزم، وكتب إلى الأفشين ~~يعلمه ذلك، ويسأله المدد، فوجه إليه الأفشين أخاه الفضل، وأحمد بنالخليل بن ~~هشام، وابن جوشن، وجناحا الأعور، صاحب شرطة الحسن ابن سهل، وأحد الأخوين ~~قرابة الفضل بن سهل، فأتوا بغأن وكتب الأفشين إلى بغا يعلمه أن يغزوبابك في ~~يوم عينة له، ويأمره أن يغزوفي ذلك اليوم بعينه فيحاربه من الوجهين، فخرج ~~الأفشين ذلك اليوم من دروذ يريد بابك، وخرج بغا من خندقه، فخرج إلى ~~هشتادسر، فلم يكن للناس صبر لشدة البرد والريح، فانصرف إلى عسكره، فعسكر ~~على دعوة، وهاجت ريح باردة ومطر شديد، فرجع بغا إلى عسكره، وواقعهم الافشين ~~من الغد، بعد رجوع بغأن فهزم أصحاب بابك، وأخذ عسكره وخيمته وامرأة كانت ~~معه، ونزل الأفشين في معسكر بابك. PageV03P0189 # ثم تجهز بغا من الغد، وصعد إلى هشتادسر، فأصاب العسكر الذي كان مقيما ~~بإزائه قد انصرف إلى بابك، فأصاب من أثاثهم ورحلهم شيئا، وانحدر من هشتادسر ~~يريد البذ، وعلى مقدمته داود سياه، فأرسل إليه بغا: إن المساء قد أدركنأن ~~وقد تعب الرجالة، وتوسطنا المكان الذي قد نعرفه، فانظر جبلا حصينا حتى ~~نعسكر فيه ليلتنا هذه؛ فصعد بهم إلى جبل أشرفوا منه على عسكر الأفشين، ~~فقال: نبيت ها هنا إلى غدوة، وننحدر إلى الكافر إنه شاء الله تعالى. فجاءهم ~~تلك الليلة سحب وبرد، وثلج كثير، فأصبحوا ولا يقدر أحد منهم ms2322 أن ينزل فيأخذ ~~ماء، ولا يسقي دابته من شدة البرد، واشتد عليه الثلج والضباب، فلما كان ~~اليوم الثالث قال الناس لبغا: قد فني ما معنا من الزاد، وقد أضر بنا البرد، ~~فانزل على أي حالة إما راجعين وإما إلى الكافر. وكان بابك في أيام الضباب ~~والثلج قد بيت الأفشين وبعض عساكره، وانصرف الأفشين إلى عسكره، فضرب بغا ~~الطبل، وانحدر يريد البذ، ولا يعلم بما تم على الأفشين بل يظنه في موضع ~~عسكره، فلما نزل إلى بطن الوادي رأى السماء منجلية، والدنيا طيبة، غير رأس ~~الجيل الذي كان عليه، فعبأ أصحابه، وتقدم إلى البذ، حتى صار بحيث يلزق جبل ~~البذ، ولم يبق بينه وبين أن يشرف على أبيات البذ إلا صعود نصف ميل. وكان ~~على مقدمته جماعة فيهم غلام لابن البعيث، له قرابة بالبذ، فلقيهم طلائع ~~بابك، فعرف بعضهم الغلام، فسأله عم له عمن معه من أهله، فأخبره، فقال له: ~~ارجع وقل لمن تعنى به يتنح، فإنا قد هزمنا الأفشين، ومضى إلى خندقه، ~~وتهيأنا لكم عسكرين، فعجل الانصراف لعلك تفلت. فرجع الغلام فأخبر ابن ~~البعيث، فأخبر بغا بذلك، فشاور أصحابه، فقال بعضهم: هذا باطل، هذه خدعة. ~~وقال بعضهم: هذا رأس جبل ينظر إلى عسكر الأفشين، فصعد بغأن ومعه نفر، إلى ~~راس الجبل، فلم يروا عسكر الأفشين، فتيقن أنه مضى، وتشاوروأن فرأوا أن ~~ينصرف الناس قبل أن يجيئهم الليل، فانصرفوأن وجدوا في السير، ولم يقصد ~~الطريق الذي دخل منه لكثرة مضايقه، بل أخذ طريقا يدور حول هشتادسر ليس فيه ~~غير مضيق واحد، فطرح الرجالة سلاحهم في الطريق، وخافوأن وصار بغا وجماعة ~~القواد في الساقة، وطلائع بابك تتبعهم، وهم قدر عشرة فرسان، فشاور بغا ~~أصحابه، وقال: لا آمن أن يكون هؤلاء مشغلة لنا عن المسير، وتقدم أصحابهم ~~ليأخذوا المضيق علينأن فقال له الفضل: إن هؤلاء أصحاب الليل، فأسرع السير، ~~ولا تنزل حتى تجاوز المضيق. وقال غيره: إن العسكر قد تقطع، وقد رموا ~~سلاحهم، وقد بقي المال والسلاح على البغال ليس معه أحد، ولا ms2323 نأمن أن يؤخذ، ~~ويؤخذ الأسير الذي معهم. وكان ابن جويدان معهم أسيرا يريدون أن يفادوا به، ~~فعسكر على رأس جبل حصين، ونزل الناس وقد كلوا وتعبوأن وفنيت أزوادهم، ~~فباتوا يتحارسون من ناحية المصعد، فأتاهم بابك من الناحية الأخرى، فكبسوا ~~بغا والعسكر، وخرج بغا راجلأن فرأى دابة فركبهأن وجرح الفضل بن كاوس، وقتل ~~جناح السكري وابن جوشن، واخذ الأخوين قرابة الفضل بن سهل ونجا بغا والناس ~~ولم تتبعهم الخرمية، وأخذوا المال والسلاح والأسير، فوصل الناس معسكرهم ~~منقطعين إلى خندقهم، فأقام بغا به خمسة عشر يومأن وكتب إليه الأفشين يأمره ~~بالرجوع إلى مراغة، وأن يرسل إليه المدد، فمضى بغا إلى مراغة، وفرق الأفشين ~~الناس في مشاتيهم تلك السنة، حتى جاء الربيع. وفيها قتل طرخان، وهومن أكبر ~~قواد بابك، وكان سبب قتله أنه طلب من بابك إذنا حتى يشتي في قريته، وهي ~~بناحية مراغة، وكان الأفشين يرصده، فلما علم خبره أرسل إلى ترك مولى إسحاق ~~بن إبراهيم، وهوبمراغة، يأمره أن يسري إليه في قريته حتى يقتله، أويأخذه ~~أسيرأن ففعل ترك ذلك وأسرى إليه وقتله، وأخذ رأسه فبعثه إلى الأفشين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة قدم صول أرتكين وأهل بلاده في القيود، فنزعت فسودهم، وحمل ~~الدواب نحومائتين. وفيها غضب الأفشين على رجاء الحضاري، وبعث به مقيدأن وحج ~~بالناس هذه السنة محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي ابن عبد ~~الله، وهووالي مكة. الحضاري بكسر الحاء المهملة وبالضاد المعجمة وبعد الألف ~~راء وياء. وفيها توفي القاضي أحمد بن محرز، قاضي القيروان، وكان من العلماء ~~العاملين، الزاهدين في الدنيا. PageV03P0190 # وفيها توفي آدم بن أبي إلياس العسقلاني، وهومن مشايخ البخاري في صحيحه، ~~وعيسى بن أبان بن صدقة أبوموسى، قاضي البصرة، وهومن أصحاب أبي الحسن ~~الشيباني، صاحب أبي حنيفة، وعبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي صاحب مالك، ~~وعبد الكبير بن المعافى بن عمران وكان فاضلأن والعباس بن سليم بن جميل ~~الأزدي الموصلي. ### | AUT حوادث سنة اثنتين وعشرين ومائتين # ### || AUT ذكر محاربة ms2324 بابك أيضا # في هذه السنة وجه المعتصم إلى الأفشين جعفرا الخياط مددا له، ووجه إليه ~~إيتاخ ومعه ثلاثون ألف ألف درهم للجند ولنفقات، فأوصل ذلك إلى الأفشين ~~وعاد. وفيها كانت وقعة بين أصحاب الأفشين وقائد لبابك اسمه آذين، وكان ~~سببها أن الشتاء لما انقضى سنة إحدى وعشرين ومائتين، وجاء الربيع، ودخلت ~~سنة اثنتين وعشرين، رحل الأفشين عند إمكان الزمان، فصار إلى موضع يقال له ~~كلان روذ وتفسيره نهر كبير فاحتفر عنده خندقأن وكتب إلى أبي سعيد ليرحل من ~~برزند إلى طرف رستاق كلان روذ، وبينهما قدر ثلاثة أميال، فأقام الأفشين ~~بكلان روذ خمسة أيام، فأتاه من أخبره أن قائدا لبابك اسمه آذين قد عسكر ~~بإزائه، وأنه قد صير عياله في خيل، فقال له بابك: ليجعلهم في الحصن، فقال: ~~لا أتحصن من اليهود، يعني المسلمين، والله لا أدخلتهم حصنا أبدا. فوجه ~~الأفشين ظفر بن العلاء السعدي في جماعة من الفرسان والرجالة، فساروا ~~ليلتهم، فوصلوا إلى مضيق لا يسلكه إلا الواحد بعد الواحد، وأكثر الناس ~~قادوا دوابهم، وتسلقوا في الحبل، وأخذوا عيال آذين وبعض ولده. وبلغ الخبر ~~آذين، وكان الأفشين قد خاف أن يؤخذ عليهم الطريق، فأمرهم أن يجعلوا على رأس ~~كل جبل رجالا معهم الأعلام السود، فإن رأوا شيئا يخافونه حركوا الأعلام، ~~ففعلوا ذلك، فلما أخذوا عيال آذين ورجعوا إلى بعض الطريق قبل المضيق، أتاهم ~~آذين في أصحابه، فحاربوهم فقتل منهم قتلى، واستنقذوا بعض النساء، فنظر ~~الرجال المرتبون برؤوس الجبال، فحركوا الأعلام، وكان آذين قد أنفذ من يمسك ~~عليهم المضيق، فلما رأى الافشين تحريك العلم الذي بإزائه سير جماعة من ~~الجند مع مظفر بن كيذر، فأسرع نحوهم، ووجه أبا سعيد بعدهم وبخارااخذاه، ~~فلما نظر إليهم رجالة آذين الذين على المضيق تركوه، وقصدوا أصحابهم، فنجا ~~ظفر ابن العلاء ومن معه، ومعهم بعض عيال آذين. ### || AUT ذكر فتح البذ وأسر بابك # وفي هذه السنة فتحت البذ، مدينة بابك، ودخلها المسلمون وخربوهأن ~~واستباحوهأن وذلك لعشر بقين من شهر رمضان. وكان سبب ذلك أن الأفشين ms2325 لما عزم ~~على الدنومن البذ، والرحيل من كلان روذ، جعل يتقدم قليلا قليلا خلاف ما ~~تقدم، وكتب إليه المعتصم يأمره أن يجعل الناس نوائب، يقفون على ظهور الخيل ~~نوبا في الليل، مخافة البيات، فضج الناس من التعب، وقالوا: بيننا وبين ~~العدوأربعة فراسخ، ونحن نفعل أفعالا كأن العدوبإزائنأن قد استحيينا من ~~الناس، اقدم بنأن فإما لنا وإما علينا. فقال: أعلم أن قولكم حق. ولكن أمير ~~المؤمنين أمرني بهذا. فلم يلبث أن جاءه كتاب المعتصم يأمره أن يفعل كما كان ~~يفعل، فلم يزل كذلك أيامأن ثم انحدر حتى نزل روذ الروذ، وتقدم حتى شارف ~~الموضع الذي كانت به الوقعة في العام الماضي، فوجد عليه كردوسا من الخرمية، ~~فلم يحاربهم، ولم يزل إلى الظهر، ثم رجع إلى معسكره فمكث يومين، ثم عاد في ~~أكثر من الذين كانوا معهم، ولم يقاتلهم، وأقام الأفشين بروذ الروذ، وأمر ~~الكوهبانية وهم أصحاب الأخبار أن ينظروا له في رؤوس الجبال مواضع يتحصن ~~فيها الرجالة. فاختاروا له ثلاثة أجبل كان عليها حصون فخربت، فاخذ معه ~~الفعلة، وسار نحوهذه الجبال، وأخذ معه الكعك والسويق، وأمر الفعلة بنقل ~~الحجارة، وسد الطريق إلى تلك الجبال، حتى صارت كالحصون، وأمر بحفر خندق على ~~كل طريق وراء تلك الحجارة، ولم يترك مسلكا إلى الجبال منها إلا مسلكا ~~واحدأن ففرغ من الذي أراد من حفر الخنادق في عشرة أيام، وهووالناس يحرسون ~~الفعلة والرجالة ليلا ونهارا. فلما فرغ منها ادخل الرجالة إليهأن وأنفذ ~~إليه بابك رسولا ومعه قثاء، وبطيخ، وخيار، ويعلمه أنه قد تعب وشقي من أكل ~~الكعك، وأننا في عيش رغد. فقبل ذلك منه، وقال: قد عرفت ما أراد أخي، وأصعد ~~الرسول، فأراه ما عمل، وأطاف به خنادقه كلهأن وقال اذهب فعرفه ما رأيت. ~~PageV03P0191 # وكان جماعة من الخرمية يأتون إلى قرب خندق الأفشين فيصيحون، فلم يترك ~~الأفشين أحدا يخرج إليهم، فعلوا ذلك ثلاثة أيام؛ ثم إن الأفشين كمن لهم ~~كمينأن فلما جاؤوا ثاروا عليهم، فهربوا ولم يعودوا. وعبأ الأفشين أصحابه، ~~وأمر كلا منهم بلزوم موضعه، ms2326 وكان يركب، والناس في مواقفهم، فكان يصلي الصبح ~~بغلس، ثم يضرب ويسير زحفأن وكانت علامته في المسير والوقوف ضرب الطبول ~~لكثرة الناس، ومسيرهم في الجبال والأودية على مصافهم، فإذا سار ضربهأن وإذا ~~وقف أمسك عن ضربهأن فيقف الناس جميعأن ويسيرون جميعا. وكان يسير قليلا ~~قليلا كلما جاءه كوهباني بخبر سار، أووقف؛ وكان إذا أراد أن يتقدم إلى ~~المكان الذي كانت به الوقعة عام أول، خلف بخارااخذاه على رأس العقبة في ألف ~~فارس، وستمائة راجل، يحفظون الطريق لئلا يأخذه الخرمية عليهم. وكان بابك ~~إذا أحس بمجيئهم وجه جمعا من أصحابه، فيكمنون في واد تحت تلك العقبة، تحت ~~بخارااخذاه، واجتهد الأفشين أن يعرف مكان كمين بابك، فلم يعلم بهم، وكان ~~يأمر أبا سعيد أن يعر الوادي في كردوس، ويأمر جعفرا الخياط أن يعبر في ~~كردوس، ويأمر أحمد بن الخليل بن هشام أن يعبر في كردوس آخر، فيصير في ذلك ~~الجانب ثلاثة كراديس في طرف أبياتهم؛ وكان بابك يخرج عسكره فيقف بإزاء هذه ~~الكراديس، لئلا يتقدم منهم أحد إلى باب البذ. وكان يفرق عساكره كمينأن ولم ~~يبق إلا في نفر يسير. وكان الأفشين يجلس على تل مشرف ينظر إلى قصر بابك، ~~والناس كراديس، فمن كان معه من هذا الجانب من الوادي نزل عن دابته، ومن كان ~~من ذلك الجانب مع أبي سعيد وجعفر وأحمد بن الخليل لم ينزل القرية من العدو؛ ~~وكان بابك وأصحابه يشربون الخمر، ويضربون بالسرنائي، فإذا صلى الأفشين ~~الظهر رجع إلى خندقه بروذ الروذ، فكان يرجع أولا أقربهم إلى العدو، ثم الذي ~~يليه، ثم الذي يليه، فكان آخر من يرجع بخاراخذاه لأنه كان أبعدهم عن العدو، ~~فإذا رجعوا صاح بهم الخرمية. فلما كان في بعض الأيام الخرمية من المطاولة، ~~وانصرف الأفشين كعادته، وعادت الكراديس التي بذلك الجانب من الوادي؛ ولم ~~يبق إلا جعفر الخياط، ففتح الخرمية باب البذ، وخرج منهم جماعة على أصحاب ~~جعفر، وارتفعت الصيحة فتقدم جعفر بنفسه، فرد أولئك الخرمية إلى باب البذ، ~~ووقعت الصيحة في العسكر، فرجع ms2327 الأفشين فرأى جعفرا وأصحابه يقاتلون، وخرج من ~~الفريقين جماعة، وجلس الأفشين في مكانه، وهويتلظى على جعفر، ويقول: أفسد ~~علي تعبيتي. وارتفعت الصيحة، فكان مع أبي دلف قوم من المتطوعة، فعبروا إلى ~~جعفر بغير أمر الأفشين، وتعلقوا بالبذ، وأثروا فيه أثرأن وكادوا يصعدونه ~~فيدخلون البذ، ووجه جعفر إلى الأفشين أن أمدني بخمس مائة راجل من الناشبة، ~~فإني أرجوأن أدخل البذ إن شاء الله تعالى؛ فبعث إليه الأفشين: إنك أفسدت ~~علي أمري، فتخلص قليلا قليلأن وخلص أصحابك وانصرف؛ وارتفعت الصيحة من ~~المتطوعة، حتى تعلقوا بالبذ، وظن الكمناء الذين لبابك أن الحرب قد اشتبكت، ~~فوثب بعضهم من تحت بخاراخذاه، ووثب بعضهم من ناحية أخرى، فتحركت الكمناء من ~~الخرمية، والناس على رؤوسهم، فلم يزل منهم أحد، فقال الأفشين: الحمد لله ~~الذي بين مواضع هؤلاء. ورجع جعفر وأصحابه والمتطوعة، فجاء جعفر إلى ~~الأفشين، فأنكر عليه حيث لم يمده، وجرى بينهما نفرة شديدة، وجاء رجل من ~~المتطوعة، ومعه صخرة، فقال للأفشين: أتردنا وهذا الحجر أخذته من السور؟ ~~فقال: إذا انصرفت عرفت من على طريقك، يعني الكمين الذي عند بخارااخذاه. ~~وقال لجعفر: لوثار هذا الكمين الذي تحتك كيف كنت ترى هؤلاء المتطوعة؟ ~~PageV03P0192 # ثم رجع هووأصحابه على عادتهم، فلما رأى هؤلاء الكمين الذي عند بخاراخذاه ~~علموا ما كان وراءهم، فإن بخاراخذاه لوتحرك نحوالقتال، لملكوا ذلك الموضع، ~~وهلك المسلمون عن آخرهم؛ فأقام الأفشين بخندقه أيامأن فشكا المتطوعة إليه ~~ضيق العلوفة، والزاد، والنفقة، فقال: من صبر فليصبر، ومن لا فالطريق واسع ~~فلينصرف، وفي جند أمير المؤمنين كفاية. فانصرف المتطوعة يقولون: لوترك ~~الأفشين جعفرا وتركنا لأخذنا البذ، لكنه يشتهي المطاولة، فبلغه ذلك وما ~~تتناوله المتطوعة بألسنتهم حتى قال بعضهم: إني رأيت رسول الله في المنام ~~قال لي: قل للإفشين إن أنت حاربت هذا وجددت في أمره وإلا أمرت الجبال أن ~~ترجمك بالحجارة، فتحدث الناس بذلك فبلغ الأفشين، فأحضره وسأله عن المنام، ~~فقصه عليه فقال: الله يعلم نيتي وما أريد بهذا الخلق، وإن الله لوأمر ~~الجبال برجم أحد لرجم هذا الكافر فكفانا ms2328 مؤونته. فقال رجل من المتطوعة: ~~أيها الأمير لا تحرمنا شهادة إن كانت حضرت، وإمنا قصدنا ثواب الله ووجهه، ~~فدعنا وحدنا حتى نتقدم بعد أن يكون بإذنك لعل اله أن يفتح علينا. فقال ~~الأفشين: إني أرى نياتكم حاضرة، وأحسب هذا الأمر يريده الله تعالى، وهوخير ~~إن شاء الله، وقد نشطتم ونشط الناس، وكان هذا رأيي وقد حدث الساعة لما سمعت ~~من كلامكم، اعزموا على بركة الله أي يوم أردتم حتى نناهضه، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم. فخرجوا مستبشرين فتأخر من أراد الانصراف ووعد ~~الأفشين الناس ليوم ذكره لهم، وأمر الناس بالتجهز وحمل المال والزاد ~~والماء، وجعل المحامل على البغال تحمل الجرحى، وزحف بالناس ذلك اليوم وجعل ~~بخاراخذاه بمكانه على العقبة، وجلس الأفشين بالمكان الذي كان يجلس فيه، ~~وقال لأبي دلف: قل للمتطوعة أي ناحية أسهل عليكم فاقتصروا عليها. فقال ~~لجعفر: العسكر كله بين يديك والنشابة والنفاطون، فإن أردت فخذ منهم ما تريد ~~واعزم على بركة الله، وتقدم من أي موضع تريد. فسار إلى الموضع الذي كان به ~~ذلك اليوم، وقال لأبي سعيد: قف عندي أنت وأصحابك، وقال لجعفر: قف أنت ها ~~هنأن لمكان عينه له، فإن أراد جعفر رجالا أوفرسانا أمددناه. وتقدم جعفر ~~والمتطوعة فقاتلوا وتعلقوا بسور البذ، وضرب جعفر باب البذ ووقف عنده يقاتل ~~عليه، ووجه الأفشين غليه وإلى المتطوعة بالأموال لتفرق فيهم ويعطي من تقدم، ~~وأمدهم بالفعلة معهم الفؤوس، وبعث إليهم بالمياه لئلا يعطشوا وبالكعك ~~والسويق، فاشتبكت الحرب على الباب طويلا ففتحت الخرمية الباب وخرجوا على ~~أصحاب جعفر فنحوهم عن الباب وشدوا على المتطوعة من الناحية الأخرى، فطرحوهم ~~عن السور، ورموهم بالصخر، وأثروا فيهم، وضعفوا عن الحرب، وأخذ جعفر من ~~أصحابه نحومائة رجل، فوقفوا خلف تراسهم متحاجزين لا يقدم أحد على الآخر، ~~فلم يزالوا كذلك حتى صليب الظهر فتحاجزوا. وبعث الأفشين الرجالة الذين ~~كانوا عنده نحوالمطوعة، وبعث إلى جعفر بعضهم، خوفا أن يطمع العدو، فقال ~~جعفر: لست أوتي من قلة ولكني لا أرى للحرب موضعا يتقدمون ms2329 فيه، فأمره ~~بالانصراف فانصرف. وحمل الأفشين الجرحى ومن به من الحجارة فحملوا في ~~المحامل على البغال وانصرفوا عنهم، وأيس الناس من الفتح تلك السنة وانصرف ~~أكثر المطوعة. ثم إن الأفشين تجهز بعد جمعتين، فلما كان جوف الليل بعث ~~الرجالة الناشبة، وهم ألف رجل، وأعطى كل واحد منهم شكوة وكعكأن وأعطاهم ~~أعلاما غير مركبة وبعث معهم أدلاء، فساروا في جبال منكرة صعبة في غير طريق، ~~حتى صاروا خلف التل الذي يقف آذين عليه وهوجبل شاهق وأمرهم أن لا يعلم بهم ~~أحد، حتى إذا رأوا أعلام الأفشين وصلوا الغداة ورأوا الوقعة ركبوا تلك ~~الأعلام في الرماح وضربوا الطبول وانحدروا من فوق الجبل، ورموا بالنشاب ~~والصخر على الخرمية، وإن هم لم يروا الأعلام لم يتحركوا حتى يأتيهم خبره. ~~ففعلوا ذلك فوصلوا إلى رأس الجييل عند السحر، فلما كان في بعض الليل وجه ~~الأفشين إلى الجند، وأمرهم بالتجهز للحرب. PageV03P0193 # فلما كان في بعض الليل وجه بشيرا التركي وقوادا من الفراعنه كانوا معه، ~~فأمرهم أن يسيروا حتى يصيروا تحت التل الذي عليه آذين، وكان يعلم أن بابك ~~يكمن تحت ذلك الجبل، فساروا ليلأن ولا يعلم بهم أكثر أهل العسكر، ثم ركب ~~هووالعسكر مع السحر، فصلى الغداة، وضرب الطبل، وركب فأتى الموضع الذي كان ~~يقف فيه، فقعد على عادته، وأمر بخاراخذاه أن يقف مع جعفر الخياط وأبي سعيد ~~وأحمد بن الخليل بن هشام، ونزل الموضع الذي كان يقف فيه، فأنكر الناس ذلك، ~~وأمرهم أن يقربوا من التل الذي عليه آذين فيحدقوا به، وكان قبل ينهاهم عنه. ~~ومضى الناس مع هؤلاء القواد الأربعة، فكان جعفر مما يلي الباب، وإلى جانبه ~~أبوسعيد، وإلى جانب أبي سعيد بخاراخذاه وكان أحمد مما يلي بخاراخذاه، ~~فصاروا جميعا حول التل وارتفعت الضجة من أسفل الوادي، فوثب كمين بابك ببشير ~~التركي والفراعنة، فحاربوهم، وسمع أهل العسكر صيحتهم، فأرادوا الحركة، فأمر ~~الأفشين مناديا ينادي فيهم أن بشيرا قد أثار كمينأن فلا يتحركن أحد، ~~فسكنوأن ولما سمع الرجال الذين كان سيرهم حتى صاروا في أعلى ms2330 الجيل ضجة ~~العسكر ركبوا الأعلام على الرماح، فنظر الناس إلى الأعلام تنحدر من الجبل ~~على خيل آذين، فوجه آذين إليهم بعض أصحابه. وحمل جعفر وأصحابه على آذين ~~وأصحابه، حتى صعدوا إليه، فحملوا عليه حملة منكرة، فانحدر إلى الوادي، وحمل ~~عليه جماعة من أصحاب أبي سعيد، فإذا تحت دوابهم آبار محفورة، فتساقطت ~~الفرسان فيهأن فوجه الأفشين الفعلة يطمون تلك الآبار، ففعلوأن وحمل الناس ~~عليهم حملة شديدة. وكان آذين قد جعل فوق الجبل عجلا عليها صخر، فلما حمل ~~الناس عليه دفعتلك العجل عليهم، فأفرج الناس منها حتى تدحرجت، ثم حمل الناس ~~من كل وجه، فلما نظر بابك إلى أصحابه قد أحدق بهم خرج من طرف البذ، ممايلي ~~الأفشين، فأقبل نحوه، فقيل للأفشين: إن هذا بابك يريدك، فتقدم إليه، حتى ~~سمع كلامه، وكلام أصحابه، والحرب مشتبكة في ناحية آذين، فقال: أريد الأمان ~~من أمير المؤمنين، فقال له الأفشين: قد عرضت هذا عليك، وهولك مبذول متى ~~شئت، فقال: قد شئت الآن على أن تؤخرني حتى أحمل عيالي وأتجهز، فقال له ~~الأفشين: أنا أنصحك، خروجك اليوم خير من غد، قال: قد قبلت هذا، قال ~~الأفشين: فابعث بالرهائن! فقال: نعم، أما فلان وفلان فهم على ذلك التل، فمر ~~أصحابك بالتوقف. فجاء رسول الأفشين ليرد الناس، فقيل له إن أعلام الفراغنة ~~قد دخلت البذ، وصعدوا بها القصور، فركب وصاح بالناس، فدخل، ودخلوا وصعد ~~الناس بالأعلام فوق قصور بابك، وكان قد كمن في قصوره، وهي أربعة، ستمائة ~~رجل، فخرجوا على الناس، فقاتلوهم، ومر بابك، حتى دخل الوادي الذي يلي ~~هشتادسر، واشتغل الأفشين ومن معه بالحرب على أبواب القصور، فأحضر النفاطين ~~فأحرقوهأن وهدم الناس القصور، فقتلوا الخرمية عن آخرهم، وأخذ الأفشين أولاد ~~بابك وعيالاته، وبقي هناك حي أدركه المساء، فأمر الناس بالانصراف، فرجعوا ~~إلى الخندق بروذ الروذ. وأما بابك فإنه سار فيمن معه، وكانوا قد عادوا إلى ~~البذ، بعد رجوع الأفشين، فأخذوا ما أمكنهم من الطعام والأموال، ولما كان ~~الغد رجع الأفشين إلى البذ، وأمر بهدم القصور وإحراقهأن ففعلوأن ms2331 فلم يدع ~~منها بيتأن وكتب إلى ملوك أرمينية وبطارقتهم، يعلمهم ان بابك قد هرب وعدة ~~معه، وهومار بكم، وأمرهم بحفظ نواحيهم، ولا يمر بهم أحد إلا أخذوه، حتى ~~يعرفوه. وجاءت جواسيس الأفشين إليه فأعلموه بموضع بابك، وكان في واد كثير ~~الشجر والعشب، طرفه بأذربيجان، وطرفه الآخر بأرمينية، ولم يمكن الخيل ~~نزوله، ولا يرى من يستخفي فيه لكثرة شجره ومياهه، ويسمى هذا الوادي عيضة؛ ~~فوجه الأفشين إلى كل موضع فيه طريق إلى الوادي جماعة من أصحابه يحفظونه، ~~وكانوا خمس عشرة جماعة. وورد كتاب المعتصم فيه أمان بابك، فدعا الأفشين من ~~كان استأمن إليه من أصحابه، فأعلمهم ذلك، وأمرهم بالمسير إليه بالكتاب، ~~وفيهم ابنه، فلم يجسر أحد منهم خوفا منه، فقال إنه يفرح بهذا الأمان، ~~فقالوا: نحن أعرف به منك، فقام رجلان فقالا: اضمن لنا أنك تجري على ~~عيالاتنأن فضمن لهمأن فسارا بالكتاب، فلما رأياه أعلماه ما قدما له، فقتل ~~أحدهما وأمر الآخر أن يعود بالكتاب إلى الأفشين. PageV03P0194 # وكان ابنه قد كتب إليه معهما كتابأن فقال لذلك الرجل: قل لابن الفاعلة: ~~لوكنت ابني للحقت بي ولكنك لست ابني ولأن تعيش يوما واحدا وأنت رئيس خير من ~~أن تعيش أربعين سنة عبدا ذليلا! وقعد في موضعه فلم يزل في تلك الغيضة حتى ~~فني زادهن وخرج من بعض تلك الطرق، وكان من عليه من الجند قد تنحوا قريبا ~~منه، وتركوا عليه أربعة نفر يحرسونه. فبيمنا هم ذات يوم، نصف النهار، إذ ~~خرج بابك وأصحابه، فلم ير العسكر، ولا أولئك الذيم يحرسون المكان، فطن أن ~~ليس هناك أحد، فخرج هووعبد الله أخوه، ومعاوية، وأمه، وامرأة أخرى، وساروا ~~يريدون أرمينية، فرآهم الحراس، فأرسلوا إلى أصحابهم: إننا قد رأينا فرسانا ~~لا ندري من هم، وكان أبوالساج هوالمقدم عليهم، فركب الناس وساروا نحوهم، ~~فرأوا بابك وأصحابه قد نزلوا على ماء يتغذون، فلما رأى العساكر ركب هوومن ~~معه، فنجا هو، وأخذ معاوية، وأم بابك والمرأة الأخرى، فأرسلهم أبوالساج إلى ~~الأفشين. وسار بابك في جبال أرمينية مستخفيأن فاحتاج إلى طعام، ms2332 وكان بطارقة ~~أرمينية قد تحفظوا بنواحيهم، وأوصوا أن لا يجتاز بهم أحد إلا أخذوه حتى ~~يعرفوه، وأصاب بابك الجوع، فرأى حراثا في بعض الأودية، فقال لغلامه: انزل ~~إلى هذا الحراث، وخذ معك دنانير ودراهم، فغ، كان خبز فاشتر منه. وكان ~~للحراث شريك قد ذهب لحاجة، فنزل الغلام إلى الحراث ليأخذ منه الطعام، فرآه ~~رفيق الحراث، فظن أنه يأخذ ما معه غصبأن فعدا إلى المسلحة، وأعلمهم أن رجلا ~~عليه سيف وسلاح قد أخذ خبز شريكه، فركب صاحب المسلحة، وكان في جبال ابن ~~سنباط، فوجه إلى سهل بن سنباط بالخبر، فركب في جماعة فوافى الحراث والغلام ~~عنده، فسأل عنه فأخبره الحراث خبره، فأخبره الغلام عن مولاه، ودله عليه، ~~فلما رأى وجه بابك عرفه فترجل له، واخذ يده فقبلهأن وقال: أين تريد؟ قال: ~~بلاد الروم، قال: لا تجد أحدا أعرف بحقك مني، وليس بيني وبين السلطان عمل، ~~وكل من ها هنا من البطارقة إمنا هم أهل بيتك، قد صار لك منهم أولاد، وذلك ~~أن بابك كان إذا علم أن عند بعضهم من النساء امرأة جميلة طلبهأن فإن بعث ~~بها إليه، وإلا أسرى إليه فأخذها ونهب ماله وعاد، فخدعه ابن سنباط، حتى صار ~~إلى حصنه. وأرسل بابك أخاه عبد الله إلى حصن اصطفانوس، فأرسل ابن سنباط إلى ~~الأفشين يعلمه بذلك، فكتب إليه الأفشين يعده ويمنيه، ووجه إليه أبا سعيد ~~وبورماره، وأمرهما بطاعته، وأمرهما ابن سنباط بالمقام في مكان سماه، وقال: ~~لا تبرحا حتى يأتيكما رسولي، فيكون العمل بما يقول لكما. ثم إنه قال لبابك: ~~قد ضجرت من هذا الحصن، فلونزلت إلى لاصيد، ففعل، فلما نزل من الحصن أرسل ~~ابن سنباط إلى أبي سعيد وبورماره، فأمرهما أن يوافياه: أحدهما من جانب واد ~~هناك، والثاني من الجانب الآخر، ففعلأن فلم يحب أن يدفعه إليهما. فبيمنا ~~بابك وابن سنباط يتصيدان إذ خرج عليهما أبوسعيد وبورماره في أصحابهمأن وعلى ~~بابك دراعة بيضاء، فأخذوهمأن وأمروا بابك بالنزول، فقال: من أنتم؟ فقال: ~~أنا أبوسعيد، وهذا فلان، فنزل ثم قال لابن ms2333 سنباط القبيح، وشتمه، وقال: إمنا ~~بعتني لليهود بشيء يسير، لوأردت المال لأعطيتك أكثر مما يعطيك هؤلاء؛ ~~فأركبه أبوسعيد، وساروا به إلى الأفشين، فلما قرب من العسكر صعد الأفشين ~~وجلس ينظر إليه، وصف عسكره صفين، وأمر بإنزال بابك عن دابته، ومشى بين ~~الصفين، وأدخله الأفشين بيتأن ووكل به من يحفظه، وسير معه سهل بن سنباط ~~ابنه معاوية، فأمر له الأفشين بمائة ألف درهم، وأمر لسهل بألف ألف درهم، ~~ومنطقة مغرقة بالجواهر وتاج البطرقة. وأرسل الأفشين إلى عيسى بن يونس بن ~~اصطفانوس يطلب منه عبد الله أخا بابك، فأنفذه إليه، فحبسه مع أخيه، وكتب ~~إلى المعتصم بذلك، فأمره بالقدوم بهما عليه. وكان وصول بابك إلى الأفشين ~~ببرزند لعشر خلون من شوال، وكان الافشين قد أخذ نساء كثيرة وصبيانا كثيرا ~~ذكروا أن بابك أسرهم، وأنهم أحرارا من العرب والدهاقين، فأمر بهم فجعلوا في ~~حظيرة كبيرة، وأمرهم أن يكتبوا إلى أوليائكم، فكل من جاء يعرف امرأة، ~~أوصبيأن أوجارية، وأقام شاهدين أخذه، فأخذ الناس منهم خلقا كثيرأن وبقي كثير منهم. ### || AUT ذكر استيلاء عبد الرحمن على طليطلة # PageV03P0195 # قد ذكرنا عصيان أهل طليطلة على عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأموي، صاحب ~~الأندلس، وإنفاذ الجيوش إلى محاصرتها مرة بعد مرة، فلما كان سنة إحدى ~~وعشرين وائتين خرج جماعة من أهلها إلى قلعة رباح، وبها عسكر لعبد الرحمن، ~~فاجتمعوا كلهم على حصر كليكلة، وضيقوا عليهأن وعلى أهلهأن وقطعوا عنهم باقي ~~مرافقهم واشتدوا في محاصرتهم، فبقوا كذلك إلى أن دخلت سنة اثنتين وعشرين. ~~فسير عبد الرحمن أخاه الوليد بن الحكم إليها أيضأن فرأى أهلها وقد بلغ بهم ~~الجهد كل مبلغ، واشتد عليهم طول الحصار، وضعفوا عن القتال والدفع، فافتتحها ~~قهرا وعنوة يوم السبت لثمان خلون من رجب، وأمر بتجديد القصر على باب الحصن ~~الذي كان هدم أيام الحكم، وأقام بها إلى آخر شعبان من سنة ثلاث وعشرين ~~ومائتين، حتى استقرت قواعد أهلها وسكنوا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة محمد بن داود. وفيها ظهر عن يسار ms2334 القبلة كوكب، ~~فبقي يرى نحوا من أربعين ليلة، وله شبه الذنب، وكان أول ما طلع نحوالمغرب، ~~ثم رثي بعد ذلك نحوالمشرق، وكان طويلا جدأن فهال الناس ذلك، وعظم عليهم. ~~ذكره ابن أبي أسامة في تاريخه وهومن الثقات الأثبات. وفيها توفي يحيى بن ~~صالح أبوزكرياء الوحاظي، وهودمشقي، وقيل حمصي. وفيها توفي أبوهشام محمد بن ~~علي بن أبي خداش الموصلي؛ وكان كثير الرواية من المعافى بن عمران. ### | AUT حوادث سنة ثلاث وعشرين ومائتين # ### || AUT ذكر قدوم الأفشين ببابك # في هذه السنة قدم الأفشين إلى سامرأن ومعه بابك الخرمي وأخوه عبد الله، ~~في صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وكان المعتصم يوجه إلى الأفشين في كل يوم، ~~من حين سار من برزند إلى أن وافى سامرأن خلعة وفرسأن فلما صار الأفشين ~~بقناطر حذيفة تلقاه هارون الواثق بن المعتصم، وأهل بيت المعتصم، وأنزل ~~الأفشين بابك عنده في قصره بالمطيرة، فأتاه أحمد بن أبي دؤاد متنكرأن فنظر ~~إلى بابك وكلمه، ورجع إلى المعتصم فوصفه له، فأتاه المعتصم أيضا متنكرا ~~فرآه. فلما كان الغد قعد المعتصم واصطف الناس من باب العامة إلى المطيرة، ~~فشهره المعتصم، وأمر أن يركب على الفيل، فركب عليه، واستشرفه الناس إلى باب ~~العامة، فقال محمد بن عبد الملك الزيات: قد خضب الفيل كعاداته ... يحمل ~~شيطان خراسان والفيل لا تخضب أعضاؤه ... إلا لذي شأن من الشأن ثم أدخل دار ~~المعتصم، فأمر بإحضار سياف بابك، فحضر، فأمره المعتصم أن يقطع يديه ورجليه، ~~فقطعهأن فسقط، فأمره بذبحه، ففعل، وشق بطنه، وأنفذ رأسه إلى خراسان، وصلب ~~بدنه بسامرأن وأمر بحمل أخيه عبد الله إلى أسحاق بن إبراهيم ببغداد، وأمره ~~أن يفعل به ما فعل بأخيه بابك، فعمل به ذلك، وضرب عنقه، وصلبه في الجانب ~~الشرقي بين الجسرين. قيل فكان الذي أخرج الأفشين من المال مدة مقامه بإزاء ~~بابك، سوى الأرزاق والأنزال والمعارف، في كل يوم يركب فيه عشرة آلاف درهم، ~~وفي كل يوم لا يركب فيه خمسة آلاف، فكان جميع من قتل بابك في عشرين سنة ~~مائتي ms2335 ألف وخمسة وخمسين ألفا وخمس مائة إنسان، وغلب من القواد يحيى بن ~~معاذ، وعيسى بن محمد بن أبي خالد، وأحمد بن الجنيد فأسره، وزريق بن علي بن ~~صدقة، ومحمد بن حميد الطوسي، وإبراهيم بن الليث. وكان الذين أسروا مع بابك ~~ثلاثة آلاف وثلاثمائة وتسعة أناسي، واستنقذ ممن كان في يده من المسلمات ~~وأولادهن سبعة آلاف وستمائة إنسان، وصار في يد الأفشين من بني بابك سبعة ~~عشر رجلأن ومن البنات والنساء ثلاث وعشرون امرأة. ولما وصل الأفشين توجه ~~المعتصم وألبسه وشاحين بالجوهر، ووصله بعشرين ألف ألف درهم وعشرة آلاف ألف ~~يفرقها في عسكره، وعقد له على السند، وأدخل عليه الشعراء يمدحونه. ### || AUT ذكر خروج الروم إلى زبطرة # وفي هذه السنة خرج توفيل بن ميخائيل ملك الروم إلى بلاد الإسلام، وأوقع ~~بأهل زبطرة وغيرها. وكان سبب ذلك أن بابك لما ضيق الأفشين عليه، وأشرف على ~~الهلاك، كتب إلى ملك الروم توفيل يعلمه أن المعتصم قد وجه عساكره ومقاتليه ~~إليه، حتى وجه خياطه، يعني جعفر بن دينار الخياط، وطباخة، يعني إيتاخ، ولم ~~يبق على بابه أحد، فإن أردت الخروج إليه فليس في وجهك أحد يمنعك. ~~PageV03P0196 # وظن بابك أن ملك الروم إن تحرك يكشف عنه بعض ما هوفيه بإنفاذ العساكر إلى ~~مقاتلة الروم، فخرج توفيل في مائة ألف، وقيل أكثر، منهم من الجند نيف ~~وسبعون ألفأن وبقيتهم أتباع، ومعهم من المحمرة الذين كانوا خرجوا بالجبال ~~فلحقوا بالروم حين قاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب جماعة، فبلغ زبطرة، ~~فقتل من بها من الرجال، وسبى الذؤية والنساء، وأغار على أهل ملطية وغيرها ~~من حصون المسلمين، وسبى المسلمات، ومثل بمن صار في يده من المسلمين وسمل ~~أعينهم، وقطع أنوفهم وآذانهم، فخرج إليهم أهل الثغور من الشام والجزيرة، ~~إلا من لم يكن له دابة ولا سلاح. ### || AUT ذكر فتح عمورية # لما خرج ملك الروم، وفعل في بلاد الإسلام ما فعل، بلغ الخبر إلى ~~المعتصم، فلما بلغه ذلك استعظمه، وكبر لديه، وبلغه أن امرأة هاشمية صاحت، ~~وهي أسيرة في ms2336 أيدي الروم: وامعتصماه! فأجابها وهوجالس على سريره: لبيك ~~لبيك! ونهض من ساعته، وصاح في قصره: النفير النفير، ثم ركب دابته، وسمط ~~خلفه شكالأن وسكة حديد، وحقيبة فيها زاده، فلم يمكنه المسير إلا بعد ~~التعبئة، وجمع العساكر، فجلس في دار العامة، وأحضر قاضي بغداد وهوعبد ~~الرحمن بن إسحاق، وشعبه بن سهل، ومعهما ثلاثمائة وثمانية وعشرون رجلا من ~~أهل العدالة، فأشهدهم على ما وقف من الضياع، فجعل ثلثا لولده، وثلثا لله ~~تعالى، وثلثا لمواليه. ثم سار فعسكر بغربي دجلة لليلتين خلتا من جمادى ~~الأولى، ووجه عجيف بن عنبسة، وعمر الفرغاني، ومحمد كوتاه، وجماعة من القواد ~~إلى زبطرة معونة لأهلهأن فوجدوا ملك الروم قد انصرف عنها إلى بلاده، بعدما ~~فعل ما ذكرناه، فوقفوا حتى تراجع الناس إلى قراهم واطمأنوا. فلما ظفر ~~المعتصم ببابك قال: أي بلاد الروم أمنع وأحصن؟ فقيل: عمورية لم يعرض لها ~~أحد منذ كان الإسلام، وهي عين النصرانية، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية. ~~فسار المعتصم من سر من رأى، وقيل كان مسيره سنة اثنتين وعشرين، وقيل سنة ~~أربع وعشرين، وتجهز جهازا لم يتجهزه خليفة قبله قط من السلاح، والعدد، ~~والآلة، وحياض الأدم، والروايأن والقرب، وغير ذلك، وجعل على مقدمته أشناس، ~~ويتلوه محمد ابن إبراهيم بن مصعب، وعلى ميمنته إيتاخ، وعلى ميسرته جعفر بن ~~دينار ابن عبد الله الخياط، وعلى القلب عجيف بن عنبسة، فلما دخل بلاد الروم ~~نزل على نهر السن، وهوعلى سلوقية، قريبا من البحر، وبينه وبين طرسوس مسيرة ~~يوم، وعليه يكون الفداء. وأمضى المعتصم الأفشين إلى سروج، وأمره بالدخول من ~~درب الحدث، وسمى له يوما يكون دخوله فيه، ويما يكون اجتماعهم فيه، وسير ~~أشناس من درب طرسوس، وأمره بانتظاره بالصفصاف، فكان مسير أشناس لثمان بقين ~~من رجب، وقدم المعتصم وصيفا في أثر أشناس ورحل المعتصم لست بقين من رجب. ~~فلما صار أشناس بمرج أسقف ورد عليه كتاب المعتصم من المطامير يعلمه أن ملك ~~الروم بين يديه، وأنه يريد أن يكسبهم، ويأمر بالمقام إلى أن يصل إليه، ~~فأقام ثلاثة ms2337 أيام، فورد عليه كتاب المعتصم يأمره أن يوجه قائدا من قواده في ~~سرية يلتمسون رجلا من الروم يسألونه عن خبر الملك، فوجه أشناس عمر الفرغاني ~~في مائتي فارس، فدخل حتى بلغ أنقرة، وفرق أصحابه في طلب رجل رومي، فأتوه ~~بجماعة بعضهم من عسكر املك، وبعضهم من السواد، فأحضرهم عند أشناس، فسألهم ~~عن الخبر، فأخبروه أن الملك مقيم أكثر من ثلاثين يوما ينتظر مقدمة المعتصم ~~ليواقعهم، فأتاه الخبر أن عسكرا عظيما قد دخل بالدهم من ناحية الأرمنياق، ~~يعني عسكر الأفشين؛ قالوا: فلما أخبر استخلف ابن خاله على عسكره، وسار يريد ~~ناحية الأفشين، فوجه أشناس بهم إلى المعتصم، فأخبروه الخبر، فكتب المعتصم ~~كتابا إلى الأفشين يعلمه أن ملك الروم قد توجه إليه، ويأمره أن يقيم مكانه، ~~خوفا عليه من الروم، إلى أن يرد عليه كتابه، وضمن لمن يوصل كتابه إلى ~~الأفشين عشرة آلاف درهم. فسارت الرسل بالكتاب إلى الأفشين، فلم يروه لأنه ~~أوغل في بلاد الروم، وكتب المعتصم إلى أشناس يأمره بالتقدم، فتقدم المعتصم ~~من ورائه، فلما رحل أشناس نزل المعتصم مكانه، حتى صار بينه وبين أنقرة ثلاث ~~مراحل، فضاق عسكر المعتصم ضيقا شديدا من الماء والعلف. PageV03P0197 # وكان أشناس قد أسر في طريقه عدة أسرى، فضرب أعناقهم، حتى بقي منهم شيخ ~~كبير، فقال له: ما تنتفع لقتلي، وأنت وعسكرك في ضيق، وها هنا قوم قد هربوا ~~من أنقرة خوفا منكم، وهم بالقرب منأن معهم الطعام والشير وغيرهمأن فوجه معي ~~قوما لأسلمهم إليهم، وخل سبيلي! فسير معه خمسمائة فارس، ودفع الشيخ إلى ~~مالك بن كيدر، وقال له: متى أراك هذا الشيخ سبيا كثيرأن أوغنيمة كثيرة، فخل ~~سبيله. فسار بهم الشيخ فأوردهم على واد وحشيش، فأمرجوا دوابهم، وشربوأن ~~وأكلوأن وساروا حتى خرجوا من الغيضة، وسار بهم الشيخ حتى أتى جبال، فنزله ~~ليلأن فلما أصبحوا قال الشيخ: وجهوا رجلين يصعدان هذا الجبل، فينظران ما ~~فوق، فيأخذان من أدركا! فصعد أربعة، فاخذوا رجلا وامرأة، فسألهما الشيخ عن ~~أهل أنقرة، وهم في طرف ملاحة، فلما رأوا العسكر ms2338 أدخلوا النساء والصبيان ~~الملاحة، وقاتلوهم على طرفهأن وغمن المسلمون منهم وأخذوا من الروم عدة أسرى ~~وفيهم من فيه جراحات عتق متقدمة، فسألوهم عن تلك الجراحات، فقالوا: كنا في ~~وقعة الملك مع الأفشين، وذلك أن الملك لما كان معسكرا أتاه الخبر بوصول ~~الأفشين في عسكر ضخم من ناحية الأرمنياق، واستخلف على عسكره بعض أقربائه، ~~وسار إليهم، فواقعناهم صلاة الغداة، فهزمناهم وقتلنا رجالتهم كلهم، وتقطعت ~~عساكرنا في طلبهم. فلما كان الظهر رجع فرسانهم فقالتونا قتالا شديدا حتى ~~فرقوا عسكرنا واختلطوا بنأن فلم ندر أين الملك، وانهزمنا منهم، ورجعنا إلى ~~معسكر الملك الذي خلقه، فوجدنا العسكر قد انتقض، وأصروا عن قرابة الملك. ~~فلما كان الغد جاء الملك في جماعة يسيرة فرأى عسكره قد اختل، وأخذ الذي كان ~~استخلفه عليهم، فضرب عنقه، وكتب إلى المدن والحصون أن لا يأخذوا أحدا انصرف ~~من العسكر إلا ضربوه بالسياط، وردوه إلى مكان سماه لهم الملك، ليجتمع إليه ~~الناس، يلقى المسلمين، وإن الملك وجه خصيا له إلى أنقرة ليحفظ أهلهأن فرآهم ~~قد أجلوا عنهأن فكتب إلى الملك بذلك، فأمره بالمسير إلى عمورية، فرجع مالك ~~بن كيدر بما معهم من الغنيمة والأسرى إلى عسكر أشناس، وغمنوا في طريقهم ~~بقرأن وغمنا كثيرأن وأطلق الشيخ، فلما بلغ مالك بن كيدر عسكر أشناس أخبره ~~بما سمع، فأعلم المعتصم بذلك، فسر به. فلما كان بعد ثلاثة أيام جاء البشير ~~من ناحية الأفشين بخبر السلامة، وكانت الوقعة لخمس بقين من شعبان، فلما كان ~~الغد قدم الأفشين على المعتصم وهوبأنقرة، فأقاموا ثلاثة أيام، ثم جعل ~~المعتصم العسكر ثلاثة عساكر: عسكر فيه أشناس في الميسرة، والمعتصم في ~~القلب، وعسكر الأفشين في الميمنة، وبين كل عسكر وعسكر فرسخان، وأمر كل عسكر ~~أن يكون له ميمنة وميسرة، وأمرهم أن يحرقوا القرى، ويخربوهأن ويأخذوا من ~~لحقوا فيهأن ثم ترجع كل طائفة إلى صاحبهأن يفعلون ذلك في ما بين أنقرة ~~وعمورية، وبينهما سبع مرحل، ففعلوا ذلك حتى وافوا عمورية. وكان أول من ~~وردها أشناس، ثم المعتصم، ثم الأفشين، فداروا حولهأن ms2339 وقسمها بين القواد، ~~وجعل لكل واحد منهم أبراجا منها على قدر أصحابه، وكان رجل من المسلمين قد ~~أسره الروم بعمورية فتنصر، فلما رأى المسلمين خرج عليهم، فأخبر المعتصم أن ~~موضعا من المدينة وقع سوره في سيل أتاه، فكتب الملك إلى عامل عمورية ~~ليعمره، فتوانى، فلما خرج الملك من القسطنطينية خاف العامل أن يرى السور ~~خرابأن فبنى وجهه حجرا حجرأن وعمل الشرف على جسر خشب، فرأى المعتصم ذلك ~~المكان، فأمر بضرب خيمته هناك، ونصب المجانيق على ذلك الموضع، فانفرج السور ~~من ذلك الموضع. PageV03P0198 # فلما رأى الروم ذلك جعلوا عليه خشبا كبارا كل عود يلزق الآخر، وكان ~~المنجنيق يكسر الخشب، فجعلوا عليه براذع، فلما ألحت المجانيق على ذلك ~~الموضع تصدع السور، وكتب الخصي، وبطريق عمورية، واسمه ناطس، كتابا إلى ملك ~~الروم يعلمه أمر السور، وسيره مع رجلين، فأخذهما المسلمون، وسألهما ~~المعتصم، وفتشهمأن فرأى الكتاب وفيه أن العسكر قد أحاط بالمدينة، وقد كان ~~دخوله إليها خطأن وأن ناطس عازم على أن يركب في خاصته ليلأن ويحمل على ~~العسكر كائنا ما كان، حتى يخلص ويسير إلى الملك؛ فلما قرأ المعتصم الكتاب ~~أمر لهما ببدرة، وهي عشرة آلاف درهم، وخلع، فأسلمأن فأمر بهمأن فطافا حول ~~عمورية، وأن يقفا مقابل البرج الذي فيه ناطس، فوقفا وعليهما الخلع، ~~والأموال بين أيديهمأن فعرفهما ناطس ومن معه من الروم، فشتموهما. وأمر ~~المعتصم بالاحتياط في الحراسة ليلا ونهارأن فلم يزالوا كذلك حتى انهدم ~~السور ما بين برجين من ذلك الموضع، وكان المعتصم أمر أن يطم خندق عمورية ~~بجلود الغمن المملوءة ترابا فطموه، وعمل دبابات كبارا تسع كل دبابة عشرة ~~رجال ليدحرجوها على الجلود إلى السور، فدحرجوا واحدة منهأن فلما صارت في ~~نصف الخندق تعلقت بتلك الجلود، فما تخلص من فيها إلا بعد شدة وجهد، وعمل ~~سلاليم ومنجنيقات. فلما كان الغد من يوم انهدم السور قاتلهم على الثلمة، ~~فكان أول من بدأ بالحرب أشناس وأصحابه، وكان الموضع ضيقأن فلم يمكنهم الحرب ~~فيه، فأمدهم المعتصم بالمنجنيقات التي حول السور، فجمع بعضها إلى ms2340 بعض حول ~~الثلمنة، وأمر أن يرمي ذلك الموضع. وكانت الحرب في اليوم الثاني على ~~الأفشين وأصحابه، وأجادوا الحرب، وتقدموأن والمعتصم على دابته بإزاء ~~الثلمة، وأشناس، والأفشين، وخواص القواد معه، فقال المعتصم: ما أحسن ما كان ~~الحرب اليوم! وقال عمر الفرغاني: الحرب اليوم أجود منها أمس، فأمسك أشناس. ~~فلما انتصف النهار، وانصرف المعتصم والناس، وقرب أشناس من مضربه، ترجل له ~~القواد، كما مانوا يفعلون، وفيهم الفرغاني، وأحمد ابن الخليل بن هشام، فقال ~~لهم أشناس: يا أولاد الزنا! ايش تمشون بين يدي، كان ينبغي أن تقاتلوا أمس ~~حيث تقفون بين يدي أمير المؤمنين، فتقلون الحرب اليوم أجود منها أمس؛ كان ~~يقاتل أمس غيركم، انصرفوا إلى مضاربكم، فلما انصرف الفرغاني، وأحمد بن ~~الخليل، قال أحدهما للأخر: إلا ترى إلى هذا العبد ابن الفاعلة، يعني أشناس، ~~ما صنع اليوم؟ أليس الدخول إلى الروم أهون من هذا؟ فقال الفرغاني لأحمد، ~~وكان عنده علم من العباس بن المأمون: سيكفيك الله أمره عن قريب، فألح أحمد ~~عليه، فأخبره، فأشار عليه أن يأتي العباس فيكون في أصحابه، فقال أحمد: هذا ~~أمر أظنه لا يتم، قال الفرغاني: قد تم، وأرشده إلى الحارث السمرقندي فأتاه، ~~فرفع الحارث خبره إلى العباس، فكره العباس أن يعلم بشيء من أمره، فأمسكوه ~~عنه. فلما كان اليوم الثالث كان الحرب على أصحاب المعتصم، ومعهم المغاربة ~~والأتراك، وكان القيم بذلك إيتاخ، فقاتلوأن وأحسنوأن واستع لهم هدم السور، ~~فلم تزل الحرب كذلك حتى كثرت الجراحات في الروم. وكان بطارقة الروم قد ~~اقتسموا أبراج السور، وكان البطريق الموكل بهذه الناحية وندوأن وتفسيره ~~ثور، فقاتل ذلك اليوم قتالا شديدأن وفي الأيام قبله، ولم يمده ناطس، ولا ~~غيره بأحد، فلما كان الليل مشى وندوا إلى الروم فقال: إن الحرب علي وعلى ~~أصحابي، ولم يبق معي أحد إلا جرح، فصيروا أصحابكم على الثلمة يرمون قليلأن ~~وإلا ذهبت المدينة؛ فلم يمدوه بأحد وقالوا: لا مندك ولا تمدنأن فعزم ~~هووأصحابه على الخروج إلى المعتصم يسألونه الأمان على الذرية، ويسلمون إليه ~~الحصن بما فيه. ms2341 PageV03P0199 # فلما أصبح وكل أصحابه بجانبي الثلمة وأمرهم أن لا يحاربوأن وقال: أريد ~~الخروج إلى المعتصم، فخرج إليه فصار بين يديه، والناس يتقدمون إلى الثلمة، ~~وقد أمسك الروم عن القتال، حتى وصلوا إلى السور، والروم يقولون: لا تخشوأن ~~وهم يتقدمون، ووندوا جالس عند المعتصم، فأركبه فرسأن وتقدم الناس حتى صاروا ~~في الثلمة وعبد الوهاب بن علي بين يدي المعتصم يومئ إلى المسلمين بالدخول، ~~فدخل الناس المدينة، فالتفت وندوا وضرب بيده على لحيته، فقال له المعتصم: ~~ما لك؟ قال: جئت أسمع كلامك، فغدرت بي، قال المعتصم: كل شيء تريده فهولك، ~~ولست أخالفك؛ قال: ايش تخالفني، وقد دخل الناس المدينة. وصار طائفة كبيرة ن ~~الروم إلى كنيسة كبيرة لهم، فأحرقها المسلمون عليهم، فهلكوا كلهم؛ وكان ~~ناطس فر برجه، حوله أصحابه، فركب المعتصم ووقف مقابل ناطس، فقيل له: يا ~~ناطس! هذا أمير المؤمنين، وظهر من البرج وعليه سيف، فنحاه عنه، ونزل حتى ~~وقف بين يديه، فضربه سوطأن وسار المعتصم إلى مضربه، وقال: هاتوه! فمشى ~~قليلأن فأمر المعتصم بحمله، وأخذ السيف الروم، وأقبل الناس بالأسرى والسبي ~~من كل وجه، فأمر المعتصم أن يعزل منهم أهل اشرف، ونقل من سواهم، وأمر ببيع ~~المغامن في عدة مواضع، فبيع منها في أكثر من خمسة أيام، وأمر الباقي فأحرق. ~~وكان لا ينادي على شيء أكثر من ثلاثة أصوات ثم يوجب بيعه، طلبا للسرعة؛ ~~وكان ينادي على الرقيق خمسة خمسة وعشرة عشرة، طلبا للسرعة، ولما كان، في ~~بعض الأيام، بيع المغامن، وهوالذي كان عجيف وعد الناس أن يثور فيه بالمعتصم ~~على ما نذكره، وثب الناس على المغامن، فركب المعتصم، والسيف في يده، وسار ~~ركضا نحوهم، فتنحوا عنهأن وكفوا عن النهب، فرجع إلى مضربه، وأمر بعمورية ~~فهدمت وأحرقت، وكان نزوله عليها لست خلون من شهر رمضان، وأقام عليها خمسة ~~وخمسين يوما، وفرق الأسرى على القواد، وسار نحوطرسوس. ### || AUT ذكر حبس العباس بن المأمون # في هذه السنة حبس المعتصم العباس بن المأمون، وأمر بلعنه. وكان سبب ذلك ~~أن عجيف بن عنبسة لما ms2342 وجهه المعتصم إلى بلاد الروم لما كان ملك الروم ~~بزبطرة، مع عمر الفرغاني ومحمد كوتاه، لم يطلق يد عجيف في النفقات، كما ~~أطلقت يد الأفشين، واستقصر المعتصم أمر عجيف وأفعاله، وظهر ذلك لعجيف. فوبخ ~~العباس بن المأمون على ما تقدم من فعله عند وفاة المامون، حتى بايع ~~المعتصم، وشجعه على أن يتلافى ما كان منه. فقبل العباس قوله، ودس رجلا يقال ~~له الحراث السمرقندي، قرابة عبيد الله بن الوضاح، وكان العباس يأنس به، ~~وكان الحارث أديبا له عقل ومداراة، فجعله العباس رسوله، وسفره إلى القواد، ~~وكان يدور في العسكر، حتى استمال له جماعة من القواد، وبايعوه، وجماعة من ~~خواص المعتصم، وقال لكل من بايعه: إذا أظهرنا أمرنا فليثب كل منكم بالقائد ~~الذي هومعه، فوكل من بايعه من خواص المعتصم بقتله. ومن بايعه من خاصة ~~الأفشين بقتله، ومن بايعه من خاصة أشناس بقتله، وكذلك غيرهم، فضمنوا له ~~ذلك. فلما دخل الردب، وهم يريدون أنقرة وعمورية، دخل الأفشين من ناحية ~~ملطية، فأشار عجيف على العباس أن يثب بالمعتصم في الدرب، وهوفي قلة من ~~الناس، فيقتله ويرجع إلى بغداد، فإن الناس يفرحون بانصرافهم إلى بغداد من ~~الغزو، فأبى العباس ذلك، وقال: لا أفسد هذه الغزاة، حتى دخلوا بلاد الروم، ~~وافتتحوا عمورية، فقال عجيف للعباس: يا نائم! قد فتحت عمورية، والرجل مكن، ~~تضع قوما ينهبون بعض الغنائم، فإذا بلغه ذلك ركب في سرعة، فتأمر بقتله ~~هناك؛ فأبى عليه، وقال: انتظر حتى يصير إلى الدروب، ويخلوكما كان أول مرة، ~~وهوأمر ممكن منه ها هنا. وكان عجيف قد أمر من ينهب المتاع، ففعلوأن وركب ~~المعتصم، وجاء ركضأن وسكن الناس، ولم يطلق العباس أحدا من أولئك الذين ~~واعدهم، وكرهوا قتله بغير أمر العباس. وكان الفرغاني قد بلغه الخبر ذلك ~~اليوم، وله قرابة غلام أمرد من خاصة المعتصم، فجاء الغلام إلى ولد عمر ~~الفرغاني، وشرب عندهم تلك الليلة، فأخبرهم خبر ركوب المعتصم، وأنه كان معه، ~~وأمره أن يسل سيفه ويضرب كل من لقيه، فسمع عمر ذلك من الغلام، ms2343 فأشفق عليه ~~من أن يصاب، فقال: يا بني! أقلل من المقام عند أمير المؤمنين، والزم خيمتك، ~~وإن سمعت صيحة وشغبا فلا تبرح فإنك غلام غر، ولا تعرف العساكر، فعرف مقالة ~~عمر. PageV03P0200 # وارتحل المعتصم إلى الثغور، ووجه الأفشين ابن الأقطع، وأمره أن يغير على ~~بعض المواضع، ويوافيه في الطريق، فمضى وأغار، وعاد إلى العسكر في بعض ~~المنازل ومعه الغنائم، فنزل بعسكر الأفشين، وكان كل عسكر على حدة، فتوجه ~~عمر الفرغاني، وأحمد بن الخليل من عسكر أشناس إلى عسكر الأفشين ليشتريا من ~~السبي شيئأن فلقيهما الأفشين فترجلأن وسلما عليه، وتوجها إلى الغنيمة، ~~فرآهما صاحب أشناس، فأعلمه بهمأن فأرسل أشناس إليهما بعض أصحابه لينظر ما ~~يصنعان، فجاء فرآهما وهما ينتظران بيع السبي، فرجع فأخبر أشناس الخبر، فقال ~~أشناس لحاجبه: قل لهما يلزما العسكر، وهوخير لهمأن فاغتما لذلك، واتفقا على ~~أن يذهبا إلى صاحب خبر العسكر، فيستعفياه من أشناس، فأتياه وقالا: نحن عبيد ~~أمير المؤمنين، فضمنا إلى من شاء، فإن هذا الرجل يستخف بنأن قد شتمنأن ~~وتوعدنأن نحن نخاف أن يقدم علينا فليضمنا أمير المؤمنين إلى من أراد. فأنهى ~~ذلك إلى المعتصم، واتفق الرحيل، وسار أشناس والأفشين مع المعتصم، فقال ~~لأشناس: أحسن أدب عمر وأحمد، فإنهما قد حمقا أنفسهما! فجاء أشناس إلى ~~عسكره، فأخذهمأن وحبسهمأن وحملهما على بغل، حتى صارا بالصفصاف، فجاء ذلك ~~الغلام، وحكى للمعتصم ما سمع من عمر الفرغاني في تلك الليلة، فأنفذ المعتصم ~~بغأن وأخذ عمر من عند أشناس، وسأله عن الذي قاله لغلام، فأنكر ذلك، وقال: ~~إنه كان سكران، ولم يعلم ما قلت، فدفعه إلى إيتاخ؛ وسار المعتصم، فأنفذ ~~أحمد بن الخليل إلى أشناس يقول له: إن عندي نصيحة لأمير المؤمنين، فبعث ~~إليه يسأله عنهأن فقال: لا أخبر بها إلا أمير المؤمنين، فحلف أشناس: إن ~~هولم يخبرني بهذه النصيحة لأضربنه بالسياط حتى يموت. فلما سمع ذلك أحمد حضر ~~عند أشناس، وأخبره خبر العباس بن المأمون، والقواد، والحارث السمرقندي، ~~فأنفذ أشناس، وأخذ الحارث وقيده وسيره إلى المعتصم، وكان قد تقدم، فلما ms2344 دخل ~~على المعتصم أخبره بالحال جميعه، وبجميع من بايعهم من القواد وغيرهم، ~~فأطلقه المعتصم، وخلع عليه، ولم يصدق على أولئك القواد لكثرتهم. وأحضر ~~المعتصم العباس بن المأمون وسقاه حتى سكر، وحلفه أن لا يكتمه من أمره شيئأن ~~فشرح له أمره كله مثل ما شرح الحارث، فأخذه وقيده وسلمه إلى الأفشين، فحبسه ~~عنده. وتتبع المعتصم أولئك القواد، وكانوا يحملون في الطريق على بغال بلا ~~وطاء، وأخذ أيضا الشاه بن سهل، وهومن أهل خراسان، فقال له المعتصم: يابن ~~الزاني! أحسنت إليك فلم تشكر؛ فقال: ابن الزانية هذأن وأومأ إلى العباس، ~~وكان حاضرأن لوتركني ما كنت الساعة تقدر أن تجلس هذا المجلس، وتقول هذا ~~الكلام! فأمر به فضربت عنقه، وهوأول من قتل منهم، ودفع العباس إلى الأفشين. ~~فلما نزل منبج طلب العباس بن المأمون الطعام، فقدم إليه طعام كثير، فأكل ~~ومنع الماء، وأدرج في مسح، فمات بمنبج، وصلى عليه بعض إخوته. وأما عمر ~~الفرغاني فلما وصل المعتصم إلى نصيبين حفر له بئرأن وألقاه فيها وطمها ~~عليه. وأما عجيف فمات بباعيناثا من بلد الموصل، وقيل بل أطعم طعاما كثيرأن ~~ومنع الماء، حتى مات بباعيناثا. وتتبع جميعهم، فلم يمض عليهم إلا أيام ~~قلائل حتى ماتوا جميعا، ووصل المعتصم إلى سامرا سالمأن فسمى العباس يومئذ ~~اللعين، وأخذ أولاد المأمون من سندس، فحبسهم في داره حتى ماتوا بعد. ومن ~~أحسن ما يذكر أن محمد بن علي الإسكافي كان يتولى إقطاع عجيف، فرفع أهله ~~عليه إلى عجيف، فأخذه، وأراد قتله، فبال في ثيابه خوفا من عجيف، ثم شفع ~~فيه، فقيده وحبسه، ثم سار إلى الروم، وأخذه المعتصم، كما ذكرنأن وأطلق من ~~كان في حبسه، وكانوا جماعة نهم الإسكافي، ثم استعلم على نواح بالجزيرة، ومن ~~جملتها باعيناثا. قال: فخرجت يوما إلى تل باعيناثأن فاحتجت إلى الوضوء، ~~فجئت إلى تل فلبت عليه، ثم توضأت ونزلت، وشيخ باعيناثا ينتظرني، فقال لي: ~~في هذا التل قبر عجيف، وأرانيه، فإذا أنا قد بلت عليه، وكان بين الأمرين ~~سنة لا تزيد يوما ولا تنقص ms2345 يوما. ### || AUT ذكر وفاة زيادة الله بن الأغلب وابتداء ولاية أخيه الأغلب # PageV03P0201 # في هذه السنة رابع عشر رجب توفي زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، أمير ~~إفريقية، وكان عمره إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية أيام، وكانت إمارته ~~إحدى وعشرين سنة وسبعة أشهر، وولي بعده أخوه أبوعفان الأغلب بن إبراهيم بن ~~الأغلب، فأحسن إلى الجند، وأزال مظالم كثيرة، وزاد العمال في أرزاقهم، وكف ~~أيديهم عن الرعية، وقطع النبيذ والخمر عن القيروان، وسير سرية سنة أربع ~~وعشرين ومائتين إلى صقلية فغمنت وسلمت. وفي سنة خمس وعشرين ومائتين استأمن ~~عدة حصون من جزيرة صقلية إلى المسلمين، منها: حصن البلوط، وابلاطنو، ~~وقرلون، ومرو، وسار أسطول المسلمين إلى قلورية ففتحهأن ولقوا أسطول صاحب ~~القسطنطيية، فهزموه بعد قتال، فعاد الأسطول إلى القسطنطينية مهزومأن فكان ~~فتحا عظيما. وفي سنة ست وعشرين ومائتين سارت سرية للمسلمين بصقلية إلى قصر ~~يانة، فغمنت، وأحرقت وسبت، فلم يخرج إليها أحد، فسارت إلى حصن الغيران، ~~وهوأربعون غارأن فغمنت جميعهأن وتوفي الأمير أبوعفان فيها على ما نذكره إن ~~شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # ورح في هذه السنة، في شوال، إسحاق بن إبراهيم، جرحه خادم له، وحج بالناس ~~هذه السنة محمد بن داود. وفي هذه السنة سير عبد الرحمن بن الحكم صاحب ~~الأندلس جيشا إلى ألبة، والقلاع، فنزلوا حصن الغرات، وحصوره، وغمنوا ما ~~فيه، وقتلوا أهله، وسبوا النساء والذؤية وعادوا. ### | AUT حوادث سنة أربع وعشرين ومائتين # ### || AUT ذكر مخالفة مازيار بطبرستان # في هذه السنة أظهر مازيار بن قارن بن هرمز الخلاف على المعتصم بطبرستان، ~~وعصى وقاتل عساكره. وكان سببه أن مازيار كان منافرا عبد الله بن طاهر لا ~~يحمل إليه خراجه، وكان المعتصم يأمره بحمله إلى عبد الله، فيقول: لا أحمله ~~إلا إليك، وكان المعتصم ينفذ من يقبضه من أصحاب مازيار بهمذان، ويسلمه إلى ~~وكيل عبد الله بن طاهر يرده إلى خراسان. وعظم الشر بين مازيار وعبد الله، ~~وكان عبد الله يكتب إلى المعتصم، حتى استوحش من مازيار، فلما ظفر الأفشين ms2346 ~~ببابك، وعظم محله عند المعتصم، طمع في ولاية خراسان، فكتب إلى مزيار ~~يستميله، ويظهر له المودة، ويعلمه أن المعتصم قد وعده ولاية خراسان، ورجا ~~أنه إذا خالف مازيار سيره المعتصم إلى حربه، وولاه خراسان، فحمل ذلك مازيار ~~على الخلاف، وترك الطاعة، ومنع جبال طبرستان، فكتب المعتصم إلى عبد الله بن ~~طاهر يأمره بمحاربته، وكتب الأفشين إلى مازيار يأمره بمحاربة عبد الله، ~~وأعمله أنه يكون له عند المعتصم كما يجب، ولا يشك الأفشين أن مازيار يقوم ~~في مقابلة ابن طاهر، وأن المعتصم يحتاج إلى إنفاذه وإنفاذ عساكر غيره. فلما ~~خالف دعا الناس إلى البيعة، فبايعوه كرهأن واخذ الرهائن فحبسهم، وأمر أكرة ~~الضياع بانتهاب أربابها. وكان مازيار أيضا يكاتب بابك، واهتم مازيار بجمع ~~الأموال من تعجيل الخراج وغيره، وفجبى في شهرين ما كان يؤخذ في سنة، ثم أمر ~~قائدا له يقال له سرخاستان، فأخذ أهل آمل، وأهل سارية جميعهم، فنقلهم إلى ~~جبل على النصف ما بين سارية وآمل، يقال له هرمزاباذ، فحبسهم فيه، وكانت ~~عدتهم عشرين ألفأن فلما فعل ذلك تمكن من أمره، وأمر بتخريب سور آمل، وسور ~~سارية، وسور طميس، فخربت الأسوار. وبني سرخاستان سورا من طميس إلى البحر، ~~مقدار ثلاثة أميال، كانت الأكاسرة بنته لتمنع الترك من الغارة على طبرستان، ~~وجعل له خندقأن ففزع أهل جرجان، وخافوأن فهرب بعضهم إلى نيسابور، فأنفذ عبد ~~الله ابن طاهر عمه الحسن بن الحسين بن مصعب في جيش كثيف لحفظ جرجان، وأمره ~~أن ينزل على الخندق الذي عمله سرخاستان، فسار حتى نزله، وصار بينه وبين ~~سرخاستان صاحب الخندق، ووجه أيضا ابن طاهر حيان بن جبلة في أربعة آلاف إلى ~~قومس، فعسكر على حد جبال شروين، ووجه المعتصم من عنده محمد بن إبراهيم بن ~~مصعب أخا إسحاق بن إبراهيم، ومعه الحسن ابن قارن الطبري، ومن كان عنده من ~~الطبرية، ووجه المنصور بن الحسن صاحب دنباوند إلى الري ليدخل طبرستان من ~~ناحية الري، ووجه أبا الساج إلى اللارز ودنباوند. PageV03P0202 # فلما أحدقت الخيل بمازيار من كل جانب ms2347 كان أصحاب سرخاستان يتحدثون مع ~~أصحاب الحسن بن الحسين، حتى استأنس بعضهم ببعض، فتوامر بعض أصحاب الحسن في ~~دخول السور، فدخلوه إلى أصحاب سرخاستان على غفلة من الحسن، ونظر الناس ~~بعضهم إلى بعض، فثاروأن وبلغ الخبر إلى الحسن، فجعل يصيح بالقوم، ويمنعهم ~~خوفا عليهم، فلم يقفوأن ونصبوا علمه على معسكر سرخاستان؛ وانتهى الخبر إلى ~~سرخاستان، وهوفي الحمام، فهرب في غلالة، وحيث رأى الحسن أن أصحابه قد دخلوا ~~السور قال: اللهم إنهم عصوني وأطاعوك، فانصرهم. وتبعهم أصحابه حتى دخلوا ~~إلى الدرب من غير مانع، واستولوا على عسكر سرخاستان، وأسر أخوه شهريار، ~~ورجع الناس عن الطلب لما أدركهم الليل، فقتل الحسن شهريار، وسار سرخاستان ~~حافيا فجهده العطش، فنزل عن دابته، وشدهأن فبصر به رجل من أصحابه، وغلام ~~اسمه جعفر، وقال سرخاستان: يا جعفر! تسقني ماء، فقد هلكت عطشا؛ فقال: ليس ~~عندي ما أسقيك فيه. قال جعف: واجتمع إلي عدة من أصحابي، فقلت لهم: هذا ~~الشيطان قد أهلكنأن فلم لا نتقرب إلى السلطان به، ونأخذ لأنفسنا الأمان؟ ~~فثاورناه، وكتفناه، فقال لهم: خذوا مني مائة ألف درهم واتركوني، فإن العرب ~~لا تعطيكم شيئا؛ فقالوا: أحضرها! فقال: سيروا معي إلى المنزل لتقبضوهأن ~~وأعطيكم المواثيق على الوفاء، فلم يفعلوأن وساروا به نحوعسكر المعتصم، ~~ولقيتهم خيل الحسن بن الحسين، فضربوهم، وأخذوه منهم، وأتوا به الحسن، فأمر ~~به فقتل. وكان عند سرخاستان رجل من أهل العراق يقال له أبوشاس يقول الشعر، ~~وهوملازم له ليتعلم منه أخلاق العرب، فلما هجم عسكر العرب على سرخاستان ~~انتهبوا جميع ما لأبي شاس، وخرج، واخذ جرة فيها ماء، واخذ قدحأن وصاح: ~~الماء للسبيل، وهرب، فمر بمضرب كاتب الحسن، فعرفه أصحابه، فادخلوه إليه، ~~فأكرمه وأحسن إليه، وقال له: قل شعرا تمدح به الأمير، فقال: والله ما بقي ~~في صدري شيء من كتاب الله من الخوف، فكيف أحسن الشعر؟ ووجه الحسن برأس ~~سرخاستان إلى عبد الله بن طاهر؛ وكان حيان بن جبلة مولى عبد الله بن طاهر ~~قد أقبل مع الحسن، كما ذكرنأن وهوبناحية طميس، ms2348 وكاتب قارن بن شهريار، ~~وهوابن أخي مازيار، ورغبه في المملكة، وضمن له أن يملكه على جبال أبيه ~~وجده، وكان قارن من قواد مازيار، وقد أنفذه مازيار مع أخيه عبد الله بن ~~قارن، ومعه عدة من قواده، فلما استماله حيان ضمن له قارن أن يسلم إليه ~~الجبال ومدينة سارية إلى حدود جرجان، على هذا الشرط، وكتب بذلك حيان إلى ~~عبد الله بن طاهر، فأجابه إلى كل ما سأل، وأمر حيان أن لا يوغل حتى يستدل ~~على صدق قارن، وهوأخومازيار، ودعا جميع قواده إلى طعامه، فلما وضعوا سلاحهم ~~واطمأنوا أحدق بهم أصحابه في السلاح، وكتفهم ووجه بهم إلى حيان، فلما صاروا ~~إليه استوثق منهم، وركب في اصحبه حتى دخل جبال قارن. وبلغ الخبر مازيار ~~فاغتم لذلك، فقال له القوهيار: في حبسك عشرون ألفا من بين حائك، وإسكاف، ~~وحداد، وقد شغلت نفسك بهم، وإمنا أتيت من مأمنك وأهل بيتك، فما تصنع بهؤلاء ~~المحبسين عندك؟ قال: فأطلق مازيار جميع من في حبسه، ودعا جماعة من أعيان ~~أصحابه، وقال لهم: إن بيوتكم في السهل، وأخاف أن يؤخذ حرمكم وأموالكم، ~~فانطلقوا وخذوا لأنفسكم أمانا ففعلوا ذلك. ولما بلغ أهل سارية أخذ سرخاستان ~~ودخول حيان جبل شروين وثبوا على عامل مازيار بسارية، فهرب منهمن وفتح الناس ~~السجن، وأخرجوا من فيه؛ وأتى حيان إلى مدينة سارية، وبلغ قوهيار أخا مازيار ~~الخبر، فأرسل إلى حيان مع محمد بن موسى بن حفص يطلب الأمان، وأن يملك على ~~جبال أبيه وجده ليسلم إليه مازيار، فحضر عند حيان ومعه أحمد ابن الصقر، ~~وأبلغاه الرسالة، فأجاب إلى ذلك. فلما رجعا رأى حيان تحت أحمد فرسا حسنأن ~~فأرسل إليه وأخذه منه، فغضب أحمد من ذلك وقال: هذا الحائك العبد يفعل بشيخ ~~مثلي ما فعل! ثم كتب إلى قوهيار: ويحك! لم تغلط في أمرك وتترك مثل الحسن ~~ابن الحسين عم الأمير عبد الله بن طاهر، وتدخل في أمان هذا العبد الحائك، ~~وتدفع إليه أخاك، وتضع قدرك، وتحقد عليك الحسن بتركك إياه، وبميلك إلى عبد ~~من ms2349 عبيده؟ PageV03P0203 # فكتب إليه قوهيار: أراني قد غلطت في أول الأمر، وعدت الرجل أن أصير إليه ~~بعد غد، ولا آمن إن خالفته أن يناهضني ويستبيح دمي ومنزلي وأموالي، وإن ~~قاتلته، فقتلت من أصحابه، وجرت الدماء فسد كل ما عملناه، ووقعت الشحناء. ~~فكتب إليه أحمد: إذا كان يوم الميعاد فابعث إليه رجلا من أهلك، وأكتب إليه ~~أنه قد عرضت علة منعتني عن الحركة، وأنك تتعالج ثلاثة أيام، فإن عوفيت، ~~وإلا سرت إليك في محمل، وسنحمله نحن على قبول ذلك، فأجابه إليه، وكتب أحمد ~~بن الصقر، ومحمد بن موسى بن حفص إلى الحسن بن الحسين وهوبطميس: أن اقدم ~~علينا لندفع إليك مازيار والخيل، وإلا فاتك؛ ووجها الكتاب إليه مع من ~~يستحثه. فلما وصل الكتاب ركب من ساعته، وسار مسيرة ثلاثة أيام في ليلة، ~~وانتهى إلى سارية، فلما أصبح تقدم إلى خرماباذ، وهوالموعد بين قوهيار ~~وحيان، وسمع حيان وقع طبول الحسن، وفتلقاه على فرسخ، فقال له الحسن: ما ~~تصنع ها هنا؟ ولم توجه إلى هذا الموضع؟ وقد فتحت جبال شروين وتركتهأن فما ~~يؤمنك أن يغدر أهلهأن فينتقض جميع مات عملنا؟ ارجع إليهم حتى لا يمكنهم ~~الغدر إن هموا به. فقال حيان: أريد أن أحمل أثقالي وآخذ أصحابي؛ فقال له ~~الحسن: سر أنت، فأنا باعث بأثقالك وأصحابك. فخرج حيان من فوره، كما أمره، ~~وأتاه كتاب عبد الله بن طاهر أن يعسكر بكور، وهي من جبال وندادهرمز، وهي ~~أحصنهأن وكانت أموال مازيار بهأن فأمر عبد الله أن لا يمنع قارن مما يريد ~~من الأموال والجبال، فاحتمل قارن مما كان بها وبغيرها من أموال مازيار ~~وسرخستان، وانتقض على حيان ما كان عمله بسبب شرهه إلى ذلك الفرس، وتوفي بعد ~~ذلك حيان، فوجه عبد الله مكانه عمه محمد بن الحسين ين مصعب، وسار الحسن بن ~~الحسين إلى خرماباذ، فأتاه محمد بن موسى بن حفص، وأحمد بن الصقر، فشكرهما ~~وكتب إلى قوهيار، فأتاه، فأحسن إليه الحسن، وأكرمه، وأجابه إلى جميع ما طلب ~~إليه منه لنفسه وتواعدوا يوما يحضر مازيار ms2350 عنده. ورجع قوهيار إلى مازيار، ~~فأعلمه أنه قد أخذ له الأمان، واستوثق له. وركب الحسن يوم الميعاد وقت ~~الظهر، ومعه ثلاثة غلمان أتراك، وأخذ إبراهيم بن مهران يدله على الطريق إلى ~~أرم، فلما قاربها خاف إبراهيم، وقال: هذا موضع لا يسلكه إلا ألف فارس، فصاح ~~به: امض! قال: فمضيت وأنا طائش العقل، حتى وافينا ارم، فقال: أين طريق ~~هرمزباذ قلت: على هذا الجيل في هذا الطريق، فقال: سر إليها فقلت: الله الله ~~في نفسك وفينأن وفي هذا الخلق الذين معك، فصاح: امض يا ابن اللخناء! فقلت: ~~اضرب عنقي أحب إلي من أن يقبلني مازيار، ويلزمني الأمير عبد الله الذني. ~~فانتهرني حتى ظننت أنه يبطش بي، فسرت وأنا خائف فأتينا هرمزباذ مع اصفرار ~~الشمس، فنزل فجلس ونحن صيام. وكانت الخيل قد تقطعت لأنه ركب بغير علم ~~الناس، فعلموا بعد مسيره. قال: وصلينا المغرب، وأقبل الليل، وإذ بفرسان بين ~~أيديهم الشمع مشتعلأن مقبلين من طريق لبورة، فقال الحسن: أين طريق لبورة؟ ~~فقلت: أرى عليه فرسانا ونيرانأن وأنا داهش لا أقف على حقيقة الأمر، حتى ~~قربت النيران، فنظرت، فإذا المازيار مع القوهيار، فنزلأن وتقدم مازيار فسلم ~~على الحسن، فلم يرد عليه السلام، وقال لرجلين من أصحابه: خذاه إليكمأن ~~فأخذاه، فلما كان السحر وجه السن مازيار معهما إلى سارية، وسار الحسن إلى ~~هرمزاباذ، فأحرق قصر مازيار، وانهب ماله وسار إلى خرماباذ، وأخذ إخوة ~~مازيار فحبسوا هنالك، ووكلوا بهم، وسار إلى مدينة سارية، فأقام بهأن وحبس ~~ماززيا. ووصل محمد بن إبراهيم بن مصعب إلى الحسن بن الحسين، فسار به ~~ليناظره في معنى المال الذي لمازيار وأهله، فكتب إلى عبد الله بن طاهر، ~~فأمر الحسن بتسليم مازيار وأهله إلى محمد بن إبراهيم ليسير بهم إلى ~~المعتصم، وأمره أن يستقصي على أموالهم ويحرزهأن فاحضر مازيار وسأله عن ~~أمواله، فذكر أنها عند خزانة، وضمن قوهيار ذلك، وأشهد على نفسه، وقال ~~مازيار: اشهدوا علي أن جميع ما أخذت من أموالي ستة وتسعون ألف دينار، وسبع ~~عشرة قطعة زمرد، وست ms2351 عشرة قطعة ياقوت، وثمانية أحمال من ألوان الثياب، ~~وتاج، وسيف مذهب مجوهر، وخنجر من ذهب مكلل بالجوهر، وحق كبير مملوء جوهر، ~~قيمته ثمانية عشر ألف ألف ردهم، وقد سلمت ذلك إلى خازن عبد الله بن طاهر، ~~وصاحب خبره على العسكر. PageV03P0204 # وكان مازيار قد استخلف هذا ليوصله إلى الحسن بن الحسين ليظهر للناس ~~والمعتصم أنه أمنه على نفسه، وماله، وولده، وأنه جعل له جبال أبيه، فامتنع ~~الحسن من قبوله، وكان أعف الناس. فلما كان الغد أنفذ الحسن مازيار إلى ~~المعتصم مع يعقوب بن المنصور، ثم أمر الحسن قوهيار أن يأخذ بغاله ليحمل ~~عليها مال مازيار، فأخذهأن وأراد الحسن أن ينفذ معه جيشأن فقال: لا حاجة لي ~~بهم. وسار هووغلمانه، فلما فتح الخزائن، وأخرج الأموال وعبأها ليحملهأن وثب ~~عليها مماليك المرزبان، وكانوا ديالمة، وقالوا: غدرت بصاحبنأن وأسلمته إلى ~~العرب، وجئت لتحمل أمواله! وكانوا ألفا ومائتين، فأخذوه، وقيدوه، فلما جنهم ~~الليل قتلوه، وانتهبوا الأموال والبغال؛ فانتهى الخبر إلى الحسن ابن ~~الحسين، فوجه جيشأن ووجه قارن جيشأن فأخذ أصحاب قارن منهم عدة منهم ابن عم ~~مازيار يقال له: شهريار بن المصمغان، وكان هويحرضهم، فوجهه قارن إلى عبد ~~الله بن طاهر فمات بقومس. وعلم محمد بن إبراهيم خبرهم، فأرسل في أثرهم، ~~فاخذوأن وبعث بهم إلى مدينة سارية. وقيل: إن السبب في أخذ مازيار كان ابن ~~عم له اسمه قوهيار كان له جبال طبرستان وكان لمازيار السهل؛ وجبال طبرستان ~~ثلاثة أجبل: جبل وندادهرمز، وجبل أخيه ونداسنجان، والثالجبل شروين بن ~~سرخاب، فقوي مازيار، وبعث إلى ابن عمه قوهيار، وقيل هوأخوه فألومه بابه، ~~وإلى الجيل واليا من قبله له دري، فلما خالف مازيار واحتاج إلى الرجال دعا ~~قوهيار، وقال له: أنت أعرف بجبلك من غيرك، وأظهره على أمر الأفشين، ~~ومكاتبته، وأمره بالعود إلى جبله، وحفظه، وأمر الدري بالمجيء إليه، فأتاه ~~فضم إليه العساكر، ووجهه إلى محاربة الحسن بن الحسين، عم عبد الله بن طاهر. ~~وظن مازيار أنه قد استوثق من الجبل بقوهيار، وتوثق من المواضع المخوفة بدري ~~وعساكره، ms2352 واجتمعت العساكر عليه، كما تقدم ذكره، وقربت منه. وكان مازيار، في ~~مدينته، في نفر يسير، فدعا قوهيار الحقد الذي في قلبه على مازيار وما صنع ~~به إلى أن كاتب الحسن بن الحسين، وأعلمه جميع ما في عسكره ومكاتبه الافشين، ~~فأنفذ الحسن كتاب قوهيار إلى عبد الله بن طاهر، فأنفذه عبد الله إلى ~~المعتصم، وكاتب عبد الله والحسن قوهيار، وضمنا له جميع ما يريد، وأن يعيد ~~إليه جبله، وما كان بيده لا ينازعه فيه أحد، فرضي بذلك، وواعدهم يوما يسلم ~~فيه الجبل. فلما جاء الميعاد تقدم الحسن فحارب دري، وأرسل عبد الله بن طاهر ~~جيشا كثيفأن فوافوا قوهيار، فسلم إليهم الجبل، فدخلوه، ودري يحارب الحسن ~~ومازيار في قصره، فلم يشعر مازيار إلا والخيل على باب قصره، فأخذوه أسيرا. ~~وقيل إن مازيار كان يتصيد، فأخذوه وقصدوا به نحودري وهويقاتل، فلم يشعر ~~هووأصحابه إلا وعسكر عبد الله من ورائهم، ومعهم مازيار، فاندفع دري وعسكره، ~~واتبعوه، وقتلوه، وأخذوا رأسه وحملوه إلى عبد الله بن طاهر، وحملوا إليه ~~مازيار، فوعده عبد الله بن طاهر إن هوأظهره على كتب الأفشين أن يسأل فيه ~~المعتصم ليصفح عنه، فأقر مازيار بذلك، وأظهر الكتب عند عبد الله بن طاهر، ~~فسيرها إلى إسحاق بن إبراهيم، وسير مازيار، وأمره أن لا يسلمها إلا من يده ~~إلى يد المعتصم، ففعل إسحاق ذلك، فسأل المعتصم مازيار عن الكتب، فأنكرهأن ~~فضربه حتى مات، وصلبه إلى جانب بابك. وقيل إن مخالفة مازيار كانت سنة خمس ~~وعشرين، والأول أصح، لأن قتله كان في سنة خمس وعشرين، وقيل إنه اعترف ~~بالكتب على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عصيان منكجور قرابة الأفشين # لما فرغ الأفشين من بابك وعاد إلى سامرأن استعمل على أذربيجان، وكان في ~~عمله منكجور، وهومن أقاربه، فوجد في بعض قرى بابك مالا عظيمأن ولم يعلم به ~~المعتصم، ولا الأفشين، فكتب صاحب البريد إلى المعتصم، وكتب منكجور يكذبه، ~~فتناظرأن فهم منكجور ليقتله، فمنعه أهل أردبيل، فقاتلهم منكجور. وبلغ ذلك ~~المعتصم، فأمر الأفشين بعزل ms2353 منكجور، فوجه قائدا في عسكر ضخم، فلما بلغ ~~منكجور الخبر خلع الطاعة، وجمع الصعاليك، وخرج من أردبيل، فواقعه القائد، ~~فهزمه، وسار إلى حصن من حصون أذربيجان التي كان بابك خربهأن فبناه، وأصلحه، ~~وتحصن فيه، فبقي به شهرا. PageV03P0205 # ثم وثب به أصحابه، فأسلمه إلى ذلك القائد، فقدم به إلى سامرأن فحبسه ~~المعتصم، واتهم الأفشين في أمره؛ وكان قدومه سنة خمس وعشرين ومائتين؛ وقيل ~~إن ذلك القائد الذي أنفذ إلى منكجور كان بغا الكبير، وإن منكجور خرج إليه بأمان. ### || AUT ذكر ولاية عبد الله الموصل وقتله # في هذه السنة عصى بأعمال الموصل إنسان من مقدمي الأكراد اسمه جعفر ابن ~~فهرجس، وتبعه خلق كثير من الأكراد وغيرهم ممن يريد الفساد، فاستعمل المعتصم ~~عبد الله بن السيد بن أنس الأزدي على الموصل، وأمره بقتال جعفر، فسار عبد ~~الله إلى الموصل، وكان جعفر بما نعيس قد استولى عليهأن فتوجه عبد الله ~~إليه، وقاتله وأخرجه ما نعيس. فقصد جبل داسن، وامتنع بموضع عال فيه لا ~~يرام، والطريق إليه ضيق، فقصد عبد الله إلى هناك، وتوغل في تلك المضايق، ~~حتى وصل إليه وقاتله، فاستظهر جعفر ومن معه من الأكراد على عبد الله ~~لمعرفتهم بتلك المواضع وقوتهم على القتال بها رجالة، فانهزم عبد الله وقتل ~~أكثر من معه. وممن ظهر منهم إنسان اسمه رباح حمل على الأكراد، فخرق صفهم، ~~وطعن فيهم، وقتل، وصار وراء ظهورهم، وشغلهم عن أصحابه، حتى نجا منهم من ~~أمكنه النجاة، فتكاثر الأكراد عليه، ألقى نفسه من رأس الجبل على فرسه، وكان ~~تحته نهر، فسقط الفرس في الماء وجاء رباح. وكان فيمن أسره جعفر رجلان ~~أحدهما اسمه إسماعيل والآخر إسحاق ابن أنس، وهم عم عبد الله بن السيد، وكان ~~إسحاق صهر جعفر، فقدمهما جعفر إليه، فظن إسماعيل أنه يقتله، ولا يقتل إسحاق ~~للصهر الذي بينهمأن فقال: يا إسحاق أوصيك بأولادي؛ فقال له إسحاق: أتظن أنك ~~تقتل وأبقى بعدك؟ ثم التفت إلى جعفر فقال: أسألك أن تقتلني قبله لتطيب ~~نفسه؛ فبدأ به فقتله، وقتل إسماعيل بعده. ms2354 فلما بلغ ذلك المعتصم أمر إيتاخ ~~بالمسير إلى جعفر وقتاله، فتجهز، وسار إلى الموصل سنة خمس وعشرين، وقصد جبل ~~داسن، وجعل طريقه على سوق الأحد، فالتقاه جعفر، فقاتله قتالا شديدأن فقتل ~~جعفر، وتفرق أصحابه، فانكشف شره وأذاه عن الناس. وقيل إن جعفرا شرب سما كان ~~معه فمات، وأوقع إيتاخ بالأكراد، فأكثر القتل فيهم، واستباح أموالهم، وحشر ~~الأسرى والنساء والأموال إلى تكريت. وقيل: إن إيقاع إيتاخ بجعفر كان سنة ست ~~وعشرين، والله أعلم. ### || AUT ذكر غزاة المسلمين بالأندلس # وفي هذه السنة سير عبد الرحمن عبد الله المعروف ابن البلنسي إلا بلاد ~~العدو، فوصلوا إلى ألبة والقلاع، فخرج المشركون إليه في جمعهم، وكان بينهم ~~حرب شديدة، وقتال عظيم، فانهزم المشركون وقتل منهم ما لا يحصى، وجمعت ~~الرؤوس أكداسأن حتى كان الفارس لا يرى من يقابله. وفيها خرج لذريق في ~~عسكره، وأراد الغارة على مدينة سالم من الأندلس، فسار إليه فوتون بن موسى ~~في عسكر رار، فلقيه وقاتله، فانهزم لذريق وكثر القتل في عسكره، وسار فرتون ~~إلى الحصن الذي كان بناه أهل ألبة بإزاء ثغور المسلمين، فحصره، وافتتحه وهدمه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة تولى جعفر بن دينار اليمن. وفيها تزوج الحسين بن الأفشين ~~أتراجة ابنة أشناس، ودخل بها في قصر المعتصم في جمادى الآخرة، وأحضر عرسها ~~عامة أهل سامرأن وكانوا يغلفون العامة بالغالية، وهي في تيغار من فضة. ~~وفيها امتنع محمد بن عبد الله الورثاني بورثان، ثم عاود الطاعة، وقدم على ~~المعتصم بأمان سنة خمس وعشرين ومائتين. وفيها مات ناطس الرومي وصلب بسامرا. ~~وفيها مات إبراهيم بن المهدي في رمضان، وصلى عليه المعتصم؛ وحج بالناس محمد ~~بن داود. وفيها وقع بإفريقية فتنة كان فيها حرب بين عيسى بن ريعان الأزدي ~~وبين لواتة وزواغة ومكناسة، فكانت الحرب بين قفصة وقسطيلية، فقتلهم عيسى عن ~~آخرهم. وفيها اجتمع أهل سجلماسة مع مدرار بن أليسع على تقديم ميمون بن ~~مدرار في الإمارة على سجلماسة وإخراج أخيه المعروف بابن تقية، فلما استقر ~~الأمر لميمون أخرج ms2355 أباه وأمه إلى بعض قرى سجلماسة. وفيها فتح نوح بن أسد ~~كاسان وأورشت، بما وراء النهر، وكانتا قد نقضتا الصلح، وافتتح أيضا ~~اسبيجاب، وبنى حوله سورا يحيط بكروم أهله ومزارعهم. وفيها مات أبوعبيد ~~القاسم بن سلام الإمام اللغوي، وكان عمره سبعا وستين سنة كانت وفاته بمكة. ~~سلام بتشديد اللام. ### | AUT حوادث سنة خمس وعشرين ومائتين # ### || AUT ذكر وصول مازيار إلى سامرا # PageV03P0206 # في هذه السنة كان وصول مازيار إلى سامرأن فخرج إسحاق بن إبراهيم فأخذه من ~~الدسكرة، وأدخله سامرا على بغل بأكاف، لانه امتنع من ركوب الفيل، فأمر ~~المعتصم أن يجمع بينه وبين الأفشين. وكان الأفشين قد حبس قبل ذلك بيوم، ~~فأقر مازيار أن الأفشين كان يكاتبه، ويحسن له الخلاف والمعصية، فأمر برد ~~الأفشين إلى محبسه وضرب مازيار أربعمائة وخمسين سوطأن وطلب ماء للشرب، ~~فسقي، فمات من ساعته. وقيل ما تقدم ذكره، وقد تقدم من اعتراف مازيار بكتب ~~الأفشين في غير موضع ما يخالف هذأن وسببه اختلاف الناقلين. ### || AUT ذكر غضب المعتصم على الأفشين وحبسه # وفي هذه السنة غضب المعتصم على الأفشين وحبسه. وكان سبب ذلك أن الأفشين ~~كان أيام محاربة بابك لا تأتيه هدية من أهل أرمينية وأذربيجان إلا وجه بها ~~إلى اشروسنة، فيجتاز بذلك بعبد الله بن طاهر، فيكتب عبد الله إلى المعتصم ~~يعرفه الخبر، فكتب إليه المعتصم يأمره بإعلامه بجميع ما يوجه به الأفشين، ~~ففعل ذلك عبد الله ذلك، فكان الأفشين كلما اجتمع عنده مال يجعله على أوساط ~~أصحابه في الهمايين ويسيره إلى أشروسنة. فأنفذ مرة مالا كثيرأن فبلغ أصحابه ~~إلى نيسابور، فوجه عبد الله بن طاهر، ففتشهم، فوجد المال في أوساطهم، فقال: ~~من أين لكم هذا المال؟ فقالوا: للأفشين؛ فقال: كذبتم، لوأراد أخي الأفشين ~~أن يرسل مثل هذه الهدايا والأموال لكتب يعلمني ذلك الأمر بتسييره، وإمنا ~~أنتم لصوص. وأخذ عبد الله المال فأعطاه الجند، وكتب إلى الأفشين يذكره له ~~ما قال القوم، وقال: أنا أنكر أن تكون وجهت بمثل هذا المال ولم تعلمني، وقد ~~أعطيته الجند عوض ms2356 المال الذي يوجهه أمير المؤمنين، فغن كان المال لك كما ~~زعموا فإذا جاء المال من عند أمير المؤمنين رددته عليك، وإن يكن غير هذأن ~~فأمير المؤمنين أحق بهذا المال، وإمنا دفعته إلى الجند لأني أريد أن أوجههم ~~إلى بلاد الترك. فكتب إليه الأفشين: إن مالي ومال أمير المؤمنين واحد، ~~وسأله إطلاق القوم، فأطلقهم، فكان ذلك سبب الوحشة بينهما. وجعل عبد الله ~~يتتبعه، وكان الأفشين يسمع من المعتصم ما يدل على أنه يريد عزل عبد الله عن ~~خراسان، فطمع في ولايتهأن فكاتب مازيار يحسن له الخلاف ظنا منه أنه إذا ~~خالف عزل المعتصم عبد الله عن خراسان واستعمله عليهأن وأمره بمحاربة ~~مازيار، فكان من أمر مازيار ما تقدم؛ وكان من عصيان منكجور ما ذكرناه أيضأن ~~فتحقق المعتصم أمر الأفشين، فتغير عليه. وأحس الأفشين بذلك، فلم يدر ما ~~يصنع، فعزم على أن يهيئ أطوافا في قصره، ويحتال في يوم شغل المعتصم وقواده ~~أن يأخذ طريق الموصل، ويعبر الزاب على تلك الأطواف، ويصير إلى أرمينية، ~~وكانت ولاية أرمينية إليه، ثم يصير إلى بلاد الخزر، ثم يدور في بلاد الترك، ~~ويرجع إلى أشروسنة، أويستميل الخزر على المسلمين، فلم يمكنه ذلك، فعزم على ~~أن يعمل طعاما كثيرأن ويدعوالمعتصم والقواد، ويعمل فيه سمأن فإن لم يجيء ~~المعتصم عمل ذلك بالقواد مثل أشناس وإيتاخ وغيرهمأن يوم تشاغل المعتصم، ~~فإذا خرجوا من عنده سار في أول الليل، فكان في تهيئة ذلك. فكان قواده ~~ينوبون في دار المعتصم، كما يفعل القواد، فكان أواجن الأشروسني قد جرى بينه ~~وبين من قد اطلع على أمر الأفشين حديث، فقال أواجن: لا يتم هذا الأمر، فذهب ~~ذلك الرجل إلى الأفشين فأعلمه، فتهدد أواجن، فسمعه بعض من يميل إلى أواجن ~~من خدم الأفشين، فأتاه ذلك الخادم فأعلمه الحال بعد عوده من النوبة، فخاف ~~على نفسه، فخرج إلى دار المعتصم، فقال لإيتاخ: إن لأمير المؤمنين عندي ~~نصيحة؛ قال قد نام أمير المؤمنين، فقال أواجن: لا يمكنني أن أصبر إلى غد، ~~فدق إيتاخ الباب على بعض ms2357 من يخبر المعتصم بذلك، فقال المعتصم: قل له ينصرف ~~الليلة إلى غد! فقال: إن انصرفت ذهبت نفسي، فأرسل المعتصم إلى إيتاخ: بيته ~~عندك الليلة. PageV03P0207 # فبيته عنده، فلما أصبح الصباح بكر به على باب المعصم، فأخبره بجميع ما ~~كان عنده، فأمر المعتصم بإحضار الأفشين، فجاء في سواده، فأمر بأخذ سواده ~~وحبسه في الجوسق، وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر في الاحتيال على ~~الحسين بن الأفشين، وكان الحسين قد كثرت كتبه إلى عبد الله، فشكا من ونوح ~~بن الأسد الأمير بما وراء النهر، وتحامله على ضياعه، وناحيته، فكتب عبد ~~الله إلى نوح يعلمه ما كتب به المعتصم في أمر الحسين، ويأمره أن يجمع ~~أصحابه ويتأهب، فإذا قدم عليه الحسين بكتاب ولايته فخذه، واستوثق منه، ~~واحمله إلي. وكتب عبد الله إلى الحسين يعلمه أنه قد عزل نوحأن وأنه قد ولاه ~~ناحيته، ووجه إليه بكتاب عزل نوح وولايته، فخرج ابن الأفشين في قله من ~~أصحابه وسلاحه، حتى ورد على نوح، وهويظن أنه والي الناحية، فأخذ نوح وقيده، ~~ووجهه إلى عبد الله بن طاهر، فوجه به عبد الله إلى المعتصم، فأمر المعتصم ~~بإحضار الأفشين ليقابل على ما قيل عنه، فاحضر عند محمد بن عبد الملك ~~الزيات، وزير المعتصم، وعنده ابن أبي دؤاد وإسحاق بن إبراهيم، وغيرهما من ~~الأعيان، وكان المناظر له ابن الزيات، فأمر بإحضار مازيار، والموبذ، ~~والمرزبان بن بركش، وهوأحد ملوك السغد، ورجلين من أهل السغد، فدعا محمد بن ~~عبد الملك بالرجلين، وعليهما ثياب رثة، فقال لهما: ما شأنكمأن فكشفا عن ~~ظهورهمأن وهي عارية من اللحم، فقال للأفشين: أتعرف هؤلاء؟ قال: نعم، هذا ~~مؤذن وهذا إمام بنيا مسجدا بأشروسنة، فضربت كل واحد منهما ألف سوط، وذلك أن ~~بيني وبين ملك السغد عهدا وشرطا أن أترك كل قوم على دينهم، فوثب هذان على ~~بيت كان فيه أصنام أهل أشروسنة، فأخرجا الأصنام وجعلاه مسجدأن فضربتهما على ~~هذا. قال ابن الزيات: ما كتاب عندك قد حليته بالذهب والجوهر فيه الكفر ~~بالله تعالى؟ قال: كتاب ورثته عن ms2358 أبي فيه من آداب العجم وكفرهم فكنت آخذ ~~الآداب وأترك الكفر، ووجدته محلى، فلم أحتج إلى أخذ الحلية منه، وما ظننت ~~أن هذا يخرج من الإسلام. ثم تقدم الموبذ فقال: إن هذا يأكل لحم المخنوقة، ~~ويحملني على أكلهأن ويزعم أنها رطب من المذبوحة. وقال لي يوما: قد دخلت ~~لهؤلاء القوم في كل شيء أكرهه، حتى أكلت الزيت، وركبت الجمل، والبغل، غير ~~أني هذه الغاية لم تسقط عني شعرة، يعني أخذ شعر العانة، ولم أختتن. فقال ~~الأفشين: أخبروني عن هذه أثقة هوفي دينه؟ وكان مجوسيأن وإمنا أسلم أيام ~~المتوكل، فقالوا: لا! فقال: فما معنى قبول شهادته؟ ثم قال لموبذ: أليس كنت ~~أدخلك علي وأطلعك على سري؟ قال: بلى! قال: لست بالثقة في دينك، ولا بالكريم ~~في عهدك، إذا أفشيت سرا أسررته إليك. ثم تقدم المرزبان فقال: كيف يكتب إليك ~~أهل بلدك؟ قال: لا أقول! قال: أليس يكتبون بكذا بالاشروسنية؟ قال: بلى! ~~قال: أليس تفسيره بالعربية: إلى إله الآلهة من عبده فلان بن فلان؟ قال: ~~بلى! قال: محمد بن عبد الملك الزيات: المسلمون لا يحتملون هذأن فما أبقيت ~~لفرعون قال: هذه كانت عادتهم لأبي وجدي ولي قبل أن أدخل في الإسلام، فكرهت ~~أن أضع نفسي دونهم فتفسد علي طاعتهم. ثم تقدم مازيار قالوا للأفشين: هل ~~كاتبت هذا؟ قال: لا! قالوا لمازيار: هل كتب إليك؟ قال: نعم، كتب أخوه إلى ~~أخي قوهيار أنه لم يكن ينصر هذا الدين الأبيض غيري وغيرك، فأما بابك فإنه ~~لمقته قتل نفسه، ولقد جهدت أن أصرف عنه الموت، فأبى لحمقه إلا أن أوقعه، ~~فإن خالفت لم يكن للقوم من يرمونك به غيري، ومعي الفرسان، وأهل النجدة، فإن ~~وجهت إليك لم يبق أحد يحاربنا إلا ثلاثة: العرب، والمغاربة، والأتراك ~~والعربي بمنزلة الكلب اطرح له كسرة واضرب رأسه، والمغاربة أكلة راس، ~~والأتراك، فإمنا هي ساعة حتى تنفد سهامهم، ثم تجول الخيل عليهم جولة فتأتي ~~على آخرهم، ويعود الدين إلى ما يزل عليه أيام العجم. فقال الأفشين: هذا ~~يدعي أن أخي ms2359 كتب إلى أخيه: لا يجب علي، ولوكتبت هذا الكتاب إليه لأستميله ~~إلي ويثق بي، ثم آخذه بقفاه، وأحظى به عند الخليفة، كما حظي عبد الله بن ~~طاهر، فزجره ابن أبي دؤاد، فقال الأفشين: يا أبا عبد الله أنت ترفع طيلسانك ~~فلا تضعه حتى يقاتل جماعة. PageV03P0208 # فقال له ابن أبي دؤاد: أمطهر أنت؟ قال: لا! قال: فما منعك من ذلك وبه ~~تمام الإسلام، والطهور من النجاسة؟ فقال: أوليس في الإسلام استعمال التقية؟ ~~قال: بلى! قال: خفت أن أقطع ذلك العضومن جسدي فأموت؛ فقال: أنت تطعن ~~بالرمح، وتضرب بالسيف، فلا يمنعك ذلك أن يكون ذلك في الحرب، وتجزع من قطع ~~قلفة؟ قال: تلك ضرورة تصيبني فأصبر عليهأن وهذا شيء استجلبه. فقال ابن أبي ~~دؤاد: قد بان لكم أمره، فقال لبغا الكبير: عليك به! فضرب بيده على منطقته، ~~فجذبهأن واخذ بمجامع القباء عند عنقه، ورده إلى محبسه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غضب المعتصم على جعفر بن دينار لأجل وثوبه على من كان معه ~~من الأصحاب، وحبسه عند أشناس خمسة عشر يومأن ثم رضي عنه، وعزله عن اليمن، ~~واستعمل عليها إيتاخ. وفيها عزل الأفشين عن الحرس، وولاه إسحاق بن يحيى بن ~~معاذ. وفيها سار عبد الرحمن صاحب الأندلس في جيش كثير إلى بلاد المشركين في ~~شعبان، فدخل بلاد جليقية، فافتتح منها عدة حصون، وجال في أرضهم يخرب، ~~ويغمن، ويقتل، ويسبي، وأطال المقام في هذه الغزاة، ثم عاد إلى قرطبة. وحج ~~بالناس في هذه السنة محمد بن داود. وفيها توفي أبودلف العجلي، واسمه القاسم ~~بن عيسى، وأبوعمرو الجرمي النحوي، واسمه صالح بن إسحاق، وكان من الصالحين. ~~وفيها توفي أبوالحسن علي بن محمد بن عبد الله المدائني وله ثلاث وتسعون ~~سنة، وله كتب في المغازي وأيام العرب، وكان بصريأن فأقام بالمدائن فنسب إليها. ### | AUT حوادث سنة ست وعشرين ومائتين # فيها وثب علي بن إسحاق بن يحيى بن معاذ وكان على المعونة بدمشق من قبل ~~صول أرتكين علي بن رجاء، وكان على الخراج، فقتله ms2360 وأظهر الوسواس، ثم تكلم ~~فيه أحمد بن أبي دؤاد، فأطلق من محبسه. وفيها مات محمد بن عبد الله بن طاهر ~~فصلى عليه المعتصم. ### || AUT ذكر موت الأفشين # وفيها مات الأفشين، وكان قد أنفذ إلى المعتصم يطلب أن ينفذ إليه من يثق ~~به، وأنفذ إليه حمدون بن إسماعيل، فأخذ يعتذر عما قيل فيه، وقال: قل لأمير ~~المؤمنين إمنا مثلي ومثلك كرجل ربي عجلا حتى أسمنه، وكبر، وكان له أصحاب ~~يشتهون أن يأكلوا من لحمه، فعرضوا بذبحه، فلم يجبهم، فاتفقوا جميعا على أن ~~قالوا: لم تربي هذا الأسد، فإنه إذا كبر رجع إلى جنسه! فقال لهم: إمنا ~~هوعجل؛ فقالوا: هذا أسد، فسل من شئت. وتقدموا إلى جميع من يعرفونه، وقالوا ~~لهم: إن سألكم عن العجل فقولوا له: إنه أسد، وكلما سأل إنسانا قال: هوسبع، ~~فأمر بالعجل فذبح، ولكني أنا ذلك العجل كيف أقدر أن أكون أسدا؟ الله الله ~~في أمري. قال حمدون: فقمت عنه، وبين يديه طبق فيه فاكهة قد أرسله المعتصم ~~مع ابنه الواثق، وهوعلى حاله، فلم ألبث إلا قليلا حتى قيل إنه يموت، أوقد ~~مات، فحمل إلى دار أيتاخ، فمات بها وأخرجوه، وصلبوه على باب العامة ليراه ~~الناس، ثم ألقي وأحرق بالنار، وكان موته في شعبان. قال حمدون: وسألته هل ~~هومطهر أم لا؟ فقال: إلى مثل هذا الموضع إمنا قال لي هذأن والناس مجتمعون، ~~ليفضحني إن قلت نعم، قال: تكشف؛ والموت كان احب إلي من أن أتكشف بين يدي ~~الناس، ولكن إن شئت أتكشف بين يديك حتى تراني؛ فقلت عنه، إلا القليل، حتى ~~مات. قال: ولما أخذ ماله رأى في داره بيت تمثال إنسان من خشب عليه حلية ~~كثيرة وجوهر، وفي أذنيه حجران مشتبكان، عليهما ذهب، فاخذ بعض من كان مع ~~سليمان أحد الحجرين وظنه جوهرأن وكان ذلك ليلأن فلما أصبح نزع عنه الذهب، ~~ووجده شيئا شبيها بالصدف يسمى الحبرون، ووجدوا أصناما وغير ذلك، والأطواف ~~الخشب التي كان أعدهأن ووجدوا له كتابا كتب المجوس، وكتبا غيره فيها ديانته. ### || AUT ذكر ms2361 وفاة الأغلب # ### || AUT وولاية أبي العباس محمد بن الأغلب إفريقية وما كان منه. # في هذه السنة، في ربيع الآخر، توفي الأغلب بن إبراهيم يوم الخميس لسبع ~~بقين من ربيع الآخر من هذه السنة، وكانت ولايته سنتين وسبعة أشهر وسبعة ~~أيام. ولما توفي ولي أبوالعباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب بلاد ~~إفريقية بعد وفاة والده، ودانت له إفريقية، وابتنى مدينة بقرب تاهرت سماها ~~العباسية في سنة تسع وثلاثين ومائتين، فاحرقها أفلح بن عبد الوهاب الإباضي، ~~وكتب إلى الأموي، صاحب الأندلس، يعلمه ذلك، فبعث إليه الأموي مائة ألف درهم ~~جزاء له على فعله. PageV03P0209 # وتوفي محمد بن الأغلب يوم الاثنين غرة المحرم من سنة اثنتين وأربعين ~~ومائتين، وكانت ولايته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وعشرة أيام. ### || AUT ذكر ولاية ابنه أبي إبراهيم أحمد # لما توفي أبوالعباس محمد بن الأغلب ولي الأمر بعده أبو إبراهيم أحمد، ~~وأحسن السيرة مع الرعية، واكثر العطاء للجند، وبنى بأرض إفريقية عشرة آلاف ~~حصن بالحجارة والكلس، وأبواب الحديد، واشترى العبيد، ولم يكن في أيامه تأثر ~~يزعجه؛ ثم توفي، رحمه الله، يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة سنة ~~تسع وأربعين ومائتين، وكانت ولايته سبع سنين وعشرة أشهر واثني عشر يوما، ~~وكان عمره ثمانيا وعشرين سنة. ### || AUT ذكر ولاية أخيه أبي محمد زيادة الله # ولما توفي أحمد ولي أخوه زيادة الله وجرى على سنن سلفه، ولم تطل أيامه، ~~فتوفي يوم السبت لإحدى عشرة بقيت من ذي القعدة سنة خمسين ومائتين، وكانت ~~ولايته سنة واحدة وستة أيام. ### || AUT ذكر ولاية محمد بن أحمد بن الأغلب # ولما توفي زيادة الله ولي بعده أبوعبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن ~~الأغلب، وجرى على سنن أسلافه، وكان أدبيأن عاقلأن حسن السيرة، غير أن جزيرة ~~صقلية تغلب الروم على مواضع منها؛ وبنى أيضا حصونا ومحارس على ساحل البحر. ~~وبالمغرب أرض تعرف بالأرض الكبيرة بينها وبين برقة مسيرة خمسة عشر يومأن ~~وبها مدينة على ساحل البحر تدعى بارة، وكان أهلها نصارى ليسوبروم، ms2362 فغزاها ~~حياة مولى الأغلب، فلم يقدر عليهأن ثم غزاها خلفون البربري، ويقال إنه مولى ~~لربيعة، ففتحها في خلافة المتوكل، وقام بعده رجل يسمى المفرج بن سالم، ففتح ~~أربعة وعشرين حصنأن واستولى عليهأن فكتب إلى والي مصر يعلمه خبره، وأنه لا ~~يرى لنفسه ومن معه من المسلمين صالة إلا بأن يعقد له الإمام على ناحيته، ~~ويوليه إياهأن ليخرج من حد المتغلبين، وبنى مسجدا جامعا. ثم إن أصحابه ~~شغبوا عليه، ثم قتلوه، ثم توفي أبوعبد الله محمد، رحمه الله، سنة إحدى ~~وستين ومائتين، إنما ذكرنا ولاية هؤلاء متتابعة لقلة ما لكل واحد منهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة زلزلت الأهواز زلزلة شديدة، خمسة أيام، وكان مع الزلزلة ~~ريح شديدة، فخرج الناس عن منازلهم، وخرب كثير منها. وفيها حج بالناس محمد ~~بن داود، أمره أشناس بذلك، وكان أشناس حاجأن وقد جعل إليه ولاية كل بلد ~~يدخله، وخطب له على منابر مكة والمدينة وغيرهما من البلاد التي اجتاز بها ~~بالإمرة إلى أن عاد إلى سامرا. وفيها توفي أبوالهذيل محمد بن الهذيل بن عبد ~~الله بن العلاف البصري، شيخ المعتزلة في زمانه، وزاد عمره على مائة سنة، ~~وله مسائل في الأصول قبيحة تفرد بها؛ ويحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن ~~التميمي الحنظلي النيسابوري أبوزكرياء، وتوفي في صفر بنيسابور؛ وسليمان بن ~~حرب الواشجي القاضي، وأبوالهيثم الرازي النحوي، وكان عالما بنحوالكوفيين. ### | AUT حوادث سنة سبع وعشرين مائتين # ### || AUT ذكر خروج المبرقع # في هذه السنة خرج أبوحرب المبرقع اليماني بفلسطين، وخالف على المعتصم. ~~وكان سبب خروجه أن بعض الجند أراد النزول في داره وهوغائب، فمنعه بعض ~~نسائه، فضربها الجندي بسوط، فأصاب ذراعهأن فأثر فيهأن فلما رجع إلى نزله ~~شكت إليه ما فعل لها الجندي، فأخذ سيفه وسار نحوه فقتله، ثم هرب، وألبس ~~وجهه برقعأن وقصد بعض جبال الأردن، فأقام به، وكان يظهر بالنهار متبرقعأن ~~فإذا جاءه أحد ذكره، وأمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويذكر ~~الخليفة وما يأتي، ويعيبه، فاستجاب له قوم من فلاحي ms2363 تلك الناحية. وكان يزعم ~~أنه أموي، فقال أصحابه: هذا السفياني، فلما كثر أتباعه من هذه الصفة دعا ~~أهل البيوتات، فاستجاب له جماعة من رؤساء اليمانية، منهم رجل يقال له ابن ~~بيهس كان مطاعا في أهل اليمن، ورجلان من أهل دمشق. واتصل الخبر بالمعتصم في ~~مرضه الذي مات فيه، فسير إليه رجاء بن أيوب الحضاري في زهاء ألف رجل من ~~الجند، فرآه في عالم كثير يبلغون مائة ألف، فكره رجاء مواقعته، وعسكر في ~~مقابلته، حتى كان أوان الزراعة وعمل الأرض، فانصرف من كان مع المبرقع إلى ~~عملهم، وبقي في زهاء ألف أوألفين. PageV03P0210 # وتوفي المعتصم وولي الوارثق، وثارت الفتنة بدمشق على ما نذكره، فأمر ~~الواثق رجاء بقتال من أراد الفتنة والعود إلى المبرقع، ففعل ذلك، وعاد إلى ~~المبرقع، فناجزه رجاء، فالتقى العسكران، فقال رجاء لأصحابه: ما أرى في ~~عسكره رجلا له شجاعة غيره، وإنه سيظهر لأصحابه ما عنده، فإذا حمل عليكم ~~فأفرجوا له، فما لبث أن حمل المبرقع، فأفرج له أصحاب رجاء، حتى جاوزهم، ثم ~~رجع فأفرجوا له، حتى أتى أصحابه، ثم حمل مرة أخرى، فلما أراد الرجوع أحاطوا ~~به وأخذوه أسيرا. وقيل: كان خروجه سنة ست وعشرين ومائتين، وإنه خرج بنواحي ~~الرملة، وصار في خمسين ألفأن فوجه المعتصم رجاء الحضاري، فقاتله، وأخذ ابن ~~بيهس أسيرأن وقتل من أصحاب المبرقع نحوا من عشرين ألفأن وأسر المبرقع وحمله إلى سامرا. ### || AUT ذكر وفاة المعتصم # وفي هذه السنة توفي المعتصم أبوإسحاق محمد بن هارون الرشيد بن محمد ~~المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، يوم ~~الخميس لثماني عشرة مضت من ربيع الأول، وكان بدء عليته أنه احتجم أول يوم ~~في المحرم، واعتل عندها. قال زنام الزامر: أفاق المعتصم في علته التي مات ~~فيهأن فركب في الزلال في دجلة، وأنا معه، فمر بإزاء منازله، فقال: يا زنام ~~ازمر لي: يا منزلا لم تبل أطلاله ... حاشا لأطلالك أن تبلى لم أبك أطلالك ~~لكنني ... بكيت عيشي فيك إذ ولى والعيش ms2364 أولى ما بكاه الفتى ... لا بد ~~للمخزون أن يسلى قال: فما زلت أزمر له هذا الصوت، وأكرره، وقد تناول منديلا ~~بين يديه، فما زال يبكي فيه، وينتحب، حتى رجع إلى منزله. ولما احتضر ~~المعتصم جعل يقول: ذهبت الحيل، ليست حيلة، حتى صمت، ثم مات ودفن بسامرا. ~~وكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر ويومين، وكان مولده سنة تسع وسبعين ~~ومائة، وقيل: سنة ثمانين ومائة، في الشهر الثامن، وهوثامن الخلفاء والثامن ~~من ولد العباس، ومات عن ثمانية بنين وثماني بنات وملك ثماني سنينوثمانية ~~أشهر، فعلى القول الأول يكون عمره سبعا وأربعين سنة وشهرين وثمانية عشر ~~يومأن وعلى القول الثاني يكون عمره سبعا وأربعين سنة وسبعة أشهر. وكان ~~أبيض، أصهب الحية، طويلهأن مربوعأن مشرب اللون حمرة، حسن العينين، وكان ~~مولده بالخلدقار؛ وقال محمد بن عبد الملك الزيات يرثيه: قد قلت إذ غيبوك ~~واصطفقت ... عليك أيد بالترب والطين اذهب فنعم الحفيظ كنت على ال ... دنيا ~~ونعم المعين لدين لا يخبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون وكانت أمه ~~ماردة من مولدات الكوفة، وكانت أمها صغدية، وكان أبوها نشأ بالبندنيجين. ### || AUT ذكر بعض سيرته # ذكر عن أحمد بن أبي دؤاد أنه ذكر المعتصم فأسهب في ذكره، وأكثر في وصفه، ~~وذكر من طيب أعراقه، وسعة أخلاقه، وكريم عشرته، قال: وقال يومأن ونحن ~~بعمورية: ما تقول في البسريا عبد الله؟ فقلت: يا أمير المؤمنين نحن ببلاد ~~الروم، والبسر بالعراق؛ فقال: قد جاؤوا منه بشيء من بغداد، وعلمت أنك ~~تشتهيه؛ ثم أحضره، فمد يده، فأخذ العذق فارغأن قال: وكنت أزامله كثيرا في ~~سفره ذلك. ذكر باقي الخبر قال: وأخذت لأهل الشاش منه ألفي درهم لعمل بهر ~~كان لهم اندفن في صدر الإسلام، فأضر بهم. وقال غيره: إنه كان لا يبالي إذا ~~غضب من قتل، وما فعل، ولم يكن له لذة في تزيين البناء، ولم يكن بالنفقة ~~أسمح منه بها في الحرب. قال أحمد بن سليمان بن أبي شيخ: قدم الزبير بن بكار ~~العراق هاربا من العلويين، لأنه ms2365 كان ينال منهم، فتهددوه، فهرب منهم، وقدم ~~على عمه مصعب بن عبد الله بن الزبير، وشكا إليه حاله، وخوفه من العلويين، ~~وسأله إنهاء حاله إلى المعتصم، فلم يجد عنده ما أراد، وأنكر عليه حاله ~~ولامه. قال أحمد: فشكا ذلك إلي وسألني مخاطبة عمه في أمره، فقلت له في ذلك، ~~وأنكرت عليه إعراضه عنه، فقال لي: إن الزبير فيه جهل وتسرع فأشر عليه أن ~~يستعطف العلويين، ويزيل ما في نفوسهم منه، أما رأيت المأمون ورفقه بهم، ~~وعفوه عنهم، وميله إليهم؟ قلت: بلى؛ فهذا أمير المؤمنين، والله، على مثل ~~ذلك، أوفوقه، ولا أقدر أذكرهم عنده بقبيح، فقل له ذلك حتى يرجع عن الذي ~~هوعليه من ذمهم. PageV03P0211 # قال إسحاق بن إبراهيم المصعبي، دعاني المعتصم يومأن فدخلت عليه، فقال: ~~أحببت أن أضرب معك بالصوالجة، فلعبنا بها ساعة، ثم نزل وأخذ بيدي منشي إلى ~~أن صار إلى حجرة الحمام، فقال: خذ ثيابي، فأخذتهأن ثم أمرني بنزع ثيابي، ~~ففعلت: ودخلت، وليس معنا غلام، فقمت إليه فخدمته، ودلكته، وتولى المعتصم ~~مني مثل ذلك فاستعفيته، فأبى علي، ثم خرجنأن ومشى وأنا معه، حتى صار إلى ~~مجلسه، فنام، وأمرني فمنت حذاءه بعد الامتناع، ثم قال لي: يا إسحاق إن في ~~قلبي أمرا أنا مفكر فيه منذ مدة طويلة، وإمنا بسطتك في هذا الوقت لأفشيه ~~إليك؛ فقلت: قل يا أمير المؤمنين، فإمنا أنا عبدك وابن عبدك. قال: نظرت إلى ~~أخي المأمون وقد اصطنع أربعة، فلم يفلح أحد منهم، قلت: ومن الذين اصطنعهم ~~المأمون؟ قال: طاهر بن الحسين، فقد رأيت وسمعت، وابنه عبد الله بن طاهر، ~~فهوالرجل الذي لم ير مثله، وأنت، فأنت والله الرجل الذي لا يعتاض السلطان ~~عنك أبدان وأخوك محمد بن إبراهيم؟ وأنا فاصطنعت الأفشين، فقد رأيت إلى ما ~~صار أمره، وأشناس ففشل، وإيتاخ فلا شيء، ووصيفا فلا معنى فيه. فقلت: أجيب ~~على أمان من غضبك؟ قال: نعم! قلت له: يا أمير المؤمنين، نظر أخوك إلى ~~الأصول فاستعملهأن فأنجبت، واستعمل أمير المؤمنين فروعأن فلم تنجب إذ لا ~~أصول ms2366 لها. فقال: يا أبا إسحاق، لمقاساة ما مر بي طول هذه المدة أيسر علي من ~~هذا الجواب. وقال ابن دؤاد: تصدق المعتصم، ووهب على ديد مائة ألف ألف درهم. ~~وحكي أن المعتصم قد انقطع عن أصحابه في يوم مطر، فبيمنا هويسير رحله إذ رأى ~~شيخا معه حمار عليه حمل شوك، وقد زلق الحمار، وسقط، والشيخ قائم ينتظر من ~~يمر به فعينه على حمله، فسأله المعتصم عن حاله، فأخبره، فنزل عن دابته ~~ليخلص الحمار عن الوحل، ويرفع عليه حمله، فقال له الشيخ: بأبي أنت وأمي لا ~~تبلل ثيابك وطيبك! فقال: لا عليك، ثم إنه خلص الحمار، وجعل الشوك عليه، ~~وغسل يديه ثم ركب، فقال الشيخ: غفر الله لك يا شاب! ثم لحقه أصحابه، فأمر ~~له بأربعة آلاف درهم، ووكل معه من يسير إلى بيته. ### || AUT ذكر خلافة الواثق بالله # وفيها بويع الواثق بالله هارون بن المعتصم في اليوم الذي توفي فيه أبوه، ~~وذلك يوم الخميس لثماني عشرة مضت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، ~~وكان يكنى أبا جعفر، وأمه أم ولد رومية، تسى قراطيس. وفيها هلك توفيل ملك ~~الروم، وكان ملكه اثنتي عشرة سنة، وملكت بعده امرأته تدورة، وابنها ميخائيل ~~بن توفيل صبي، وحج بالناس جعفر ابن المعتصم، وحجت معه أم الواثق، فماتت ~~بالحيرة في ذي الحجة، ودفنت بالكوفة. ### || AUT ذكر الفتنة بدمشق # لما مات المعتصم ثارت القيسية بدمشق وعاثوأن وأفسدوأن وحصروا أميرهم، ~~فبعث الواثق إليهم رجاء بن أيوب الحضاري، وكانوا معسكرين بمرج راهط، فنزل ~~رجاء بدير مران، ودعاهم إلى الطاعة، فلم يرجعوأن فواعدهم الحرب بدومة يوم ~~الاثنين. فلما كان يوم الأحد، وقد تفرقت، سار رجاء إليهم، فوافاهم وقد سار ~~بعضهم إلى دومة، وعضهم في جوائجه، فقاتلهم، وقتل منهم نحوألف وخمسمائة، ~~وقتل من أصحابه نحوثلاثمائة وهرب مقدمهم ابن بيهس وصلح أمر دمشق. وسار رجاء ~~إلى فلسطين إلى قتال أبي حرب المبرقع الخارج بهأن فقاتله، فانهزم المبرقع ~~واخذ أسيرا على ما ذكرناه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها توفي بشر بن الحارث ms2367 الزاهد المعروف بالحافي في ربيع الأول، وعبد ~~الرحمن بن عبيد الله بن محمد بن عمر بن موسى بن عبيد الله ابن معمر التيمي، ~~المعروف بابن عائشة البصري، وإمنا قيل له ابن عائشة لأنه من ولد عائشة بنت ~~طلحة، وتوفي أبوه عبيد الله بعده لسنة؛ وإسماعيل ابن أبي أويس، ومولده سنة ~~تسع وثلاثين ومائة؛ واحمد بن عبد الله بن يونس، وأبوالوليد الطيالسي، ~~والهيثم بن خارجة. وفيها سير عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشا إلى أرض العدو، ~~فلما كان بين أربونة وشرطانية تجمعت الروم عليهم، وأحاطوا بالعسكر، ~~وقاتلوهم الليل كله، فلما أصبحوا أنزل الله تعالى نصره على المسلمين وهزم ~~عدوهم، وأبلى موسى بن موسى في هذه العدوة بالء عظيمأن وكان على مقدمة ~~العسكر، وجرى بينه وبين جرير بن موفق، وهومن أكابر الدولة أيضأن شر فكان ~~سببا لخروج موسى عن طاعة عبد الرحمن. وفيها توفي أذفونس ملك الروم ~~بالأندلس، وكانت إمارته اثنتين وستين سنة. PageV03P0212 # وفيها توفي محمد بن عبد الله بن حسان اليحصبي الفقيه المالكي، وهومن أهل ~~إفريقية. شرطانية بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وفتح الطاء المهملة ~~وبعدها نون ثم ياء تحتانية ثم هاء. ### | AUT حوادث سنة ثمان وعشرين ومائتين # ### || AUT ذكر غزوات المسلمين في جزيرة صقلية # في هذه السنة سار الفضل بن جعفر الهمداني في البحر، فنزل مرسي مسيني، ~~وبث السرايأن فغمنوا غنايم كثيرة، واستأمن إليه أهل نابل وصاروا معه، وقاتل ~~الفضل مدة سنتين واشتد القتال، فلم يقدر على أخذهأن فمضى طايفة من العسكر، ~~واستداروا خلف جبل مطل على المدينة فصعدوا إليه، ونزلوا إلى المدينة وأهل ~~البلد مشغولون بقتال جعفر ومن معه، فلما رأى أهل البلد أن المسلمين دخلوا ~~عليهم من خلفهم، انهزموا وفتح البلد. وفيها فتحت مدينة مسكان. وفي سنة تسع ~~وعشرين ومائتين خرج أبوالأغلب العباس بن الفضل في سرية، فبلغ شرة فقاتله ~~أهلها قتالا شديدأن فانهزمت الروم، وقتل منها ما يزيد على عشرة آلاف رجل، ~~واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر، ولم يكن بصقلية قبلها مثلها. وفي سنة ~~اثنتين وثلاثين ومائتين حصر ms2368 الفضل بن جعفر مدينة لنتيني فأخبر الفضل أن أهل ~~لنتيني كاتبوا البطريق الذي بصقلية لينصرهم، فأجابهم، وقال لهم: إن العلامة ~~عند وصولي أن توقد النار ثلاث ليال على الجبل الفلاني، فإذا رأيتم ذلك، ففي ~~اليوم الرابع أصل إليكم، فنجتمع أنا وأنتم على المسلمين بغتة. فأرسل الفضل ~~من أوقد النار على ذلك الجبل ثلاث ليال، فلما رأى أهل لنتيني الار أخذوا في ~~أمرهم، وأعد الفضل ما ينبغي أن يستعد به وكمن الكمناء، وأمر الذين يحاصرون ~~المدينة أن ينهزموا إلى جهة الكمين، فإذا خرج أهلها عليهم قاتلوهم، فإذا ~~جاوزوا الكمين عطفوا عليهم. فلما كان اليوم الرابع خرج أهل لنتيني، وقاتلوا ~~المسلمين وهم ينتظرون وصول البطريق، فانهزم المسلمون، واستجروا الروم حتى ~~جاوزوا الكمين، ولم يبق بالبلد أحد إلا خرج؛ فلما جاوزوا الكمين عاد ~~المسلمون عليهم، وخرج الكمين من خلفهم، ووضعوا فيهم السيف، فلم ينج منهم ~~إلا لقليل، فسألوا الأمان على أنفسهم وأموالهم ليسلموا المدينة، فأجابهم ~~المسلمون إلى ذلك وأمنوهم فسلموا المدينة. وفيها أقام المسلمون بمدينة ~~طارنت من أرض أنكبردة وسكنوها. وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وصل عشر ~~شلنديات من الروم، فأرسوا بمرسى الطين، وخرجوا ليغيروأن فضلوا الطريق، ~~فرجعوا خائبين، وركبوا البحر راجعين، فغرق منها سبع قطع. وفي سنة أربع ~~وثلاثين صالح أهل رغوس، وسلموا المدينة إلى المسلمين بما فيهأن فهدمها ~~المسلمون، واخذوا منها ما أمكن حمله. وفي سنة خمس وثلاثين سار طائفة من ~~المسلمين إلى مدينة قصريانة، فغمنوا وسلبوا ونهبوا واحرقوا وقتلوا في ~~أهلهأن وكان الأمير على صقلية للمسلمين محمد بن عبد الله بن الأغلب، فتوفي ~~في رجب من سنة ست وثلاثين ومائتين، فكان مقيما بمدينة بلرم لم يخرج منهأن ~~وإمنا كان يخرج الجيوش والسرايا فتفتح، فتغمن، فكانت إمارته عليها تسع عشرة ~~سنة، والله سبحانه أعلم. ### || AUT ذكر الحرب بين موسى بن موسى والحارث بن يزيغ # في هذه السنة كانت حرب بين موسى بن موسى عامل تطيلة وبين عسكر عبد ~~الرحمن أمير الأندلس، والمقدم عليهم الحارث بن يزيغ. وسبب ذلك أن موسى بن ms2369 ~~موسى كان من أعيان قواد عبد الرحمن، وهوالعامل على مدينة تطيلة، فجرى بينه ~~وبين القواد تحاسد سنة سبع وعشرين، وقد ذكرناه، فعصى موسى بن موسى على عبد ~~الرحمن، فسير إليه جيشأن واستعمل عليهم الحارث بن يزيغ والقواد، فاقتتلوا ~~عند برجة، فقتل كثير من أصحاب موسى، وقتل ابن عم له، وعاد الحارث إلى ~~سرقسطة، فسير موسى ابنه ألب بن موسى إلى برجة، فعاد الحارث إليهأن وحصرها ~~فملكهأن وقتل ابن موسى، وتقدم إلى أبيه فطلبه، فحضر، فصالحه موسى على أن ~~يخرج عنهأن فانتقل موسى إلى أزبيط. وبقي الحارث يتطلبه أيامأن ثم سار إلى ~~أزبيط، فحصر موسى بهأن فأرسل موسى إلى غرسية، وهومن ملوك الأندلسيين ~~المشركين، واتفقا على الحارث، واجتمعا وجعلا له كماين في طريقه، واتخذ له ~~الخيل والرجال بموضع يقال له بلمسة على نهر هناك، فلما جاء الحارث النهر ~~خرج الكمناء عليه، وأحدقوا به، وجرى معه قتال شديد، وكانت وقعة عظيمة، ~~وأصابه ضربة في وجهه فلقت عينه، ثم أسر في هذه الوقعة. PageV03P0213 # فلما سمع عبد الرحمن خبر هذه الوقعة عظم عليه، فجهز عسكرا كبيرأن واستعمل ~~عليه ابنه محمد، وسيره إلى موسى في شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومائتين، ~~وتقدم محمد إلى بنبلونة، فأوقع عندها بجمع كثير من المشركين، وقتل فيها ~~غرسية وكثير من المشركين. ثم عاد موسى إلى الخلاف على عبد الرحمن، فجهز ~~جيشا كبيرا وسيرهم إلى موسى، فلما رأى ذلك طلب المسالمة، فأجيب إليهأن ~~وأعطى ابنه إسماعيل رهينة، وولاه عبد الرحمن مدينة تطيلة، فسار موسى إليها ~~فوصلهأن وأخرج كل من يخافه، واستقر فيها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أعطى الواثق أشناس تاجا ووشاحين. وفيها مات أبوتمام حبيب ~~بن أوس الطائي الشاعر. وفيها غلا السعر بطريق مكة، فبلغ الخبز كل رطل ~~بدرهم، وراوية الماء بأربعين درهمأن وأصاب الناس في الموقف حر شديد، ثم ~~أصابهم مطر فيه برد، واشتد البرد عليهم بعد ساعة من ذلك الحر وسقطت قطعة من ~~الجبل عند جمرة العقبة، فقتلت عدة ن الحجاج. وحج بالناس محمد ms2370 بن داود. ~~وفيها توفي عبد الملك بن مالك بن عبد العزيز أبونصر التمار الزاهد، وكان ~~عمره إحدى وتسعين سنة، وكان قد أضر، ومحمد بن عبد الله بن عمر ابن معاوية ~~بن عمروبن عتبة بن أبي سفيان العتبي الأموي البصري أبوعبد الرحمن، وكان ~~عالما بالأخبار والآداب، وأبوسليمان داود الأشقر السمسار المحدث. ### | AUT حوادث سنة تسع وعشرين ومائتين # في هذه السنة حبس الواثق الكتاب، وألزمهم أموالا عظيمة، وأخذ من أحمد بن ~~إسرائيل ثمانين ألف دينار بعد أن ضربه، ومن سليمان بن وهب كاتب إيتاخ أربع ~~مائة ألف دينار، ومن الحسن بن وهب أربعة عشر ألف دينار، ومن إبراهيم بن ~~رياح وكتابه مائة ألف دينار، ومن أحمد بن الخصيب وكتابه ألف ألف دينار، ومن ~~نجاح ستين ألف دينار، ومن أبي الوزير مائة ألف وأربعين ألف دينار. وكان سبب ~~ذلك أنه جلس ليلة مع أصحابه، فسألهم عن سبب نكبة البرامكة، فحكى له عرود بن ~~عبد العزيز الأنصاري أن جارية لعدول الخياط أراد الرشيد شراءهأن فاشتراها ~~بمائة ألف دينار، وأرسل إلى يحيى ابن خالد أن يعطيه ذلك، فقال يحيى: هذا ~~مفتاح سوء، إذا أخذ ثمن جارية بمائة ألف دينار، فهوأحرى أن يطلب المال على ~~قدر ذلك، فأرسل يحيى إليه: إنني لا أقدر على هذا المال؛ فغضب الرشيد، ~~وأعاد: لا بد منهأن فأرسل يحيى قيمتها دراهم، فأمر أن تجعل على طريق الرشيد ~~ليستكثرهأن ففعل ذلك، فاجتاز الرشيد بهأن فسأل عنهأن فقيل: هذا ثمن ~~الجارية، فاستكثرها فأمر برد الجارية، وقال لخادم له: اضمم إليك هذا المال، ~~واجعل لي بيت مال لأضم إليه ما أريد، وسماه بيت مال العروس، واخذ في ~~التفتيش عن الأموال، فوجد البرامكة قد فرطوا فيها. وكان يحضر عنده مع سماره ~~رجل يعرف بأبي العود له أدب، فأمر ليلة له بثلاثين ألف درهم، فمطله بها ~~يحيى، فاحتال أبوالعود في تحريض الرشيد على البرامكة وكان قد شاع تغير ~~الرشيد عليهم، فبيمنا هوليلة عند الرشيد يحدثه، وساق الحديث إلى أن أنشده ~~قول عمر بن أبي ربيعة: وعدت ms2371 هند، وما كانت تعد ... ليت هندا أنجزتنا ما تعد ~~واستبدت مرة واحدة ... إمنا العاجز من لا يستبد فقال الرشيد: أجل إمنا ~~العاجز من لا يستبد. وكان يحيى قد اتخذ من خدام الرشيد خادما يأتيه ~~بأخباره، فعرفه ذلك، فأحضر أبا العود، وأعطاه ثلاثين ألف درهم، ومن عنده ~~عشرين ألف درهم، وأرسل إلى ابنيه الفضل وجعفر، فأعطاه كل واحد منهما عشرين ~~ألفا؛ وجد الرشيد في أمرهم حتى أخذهم، فقال الواثق: صدق والله جدي، إمنا ~~العاجز من لا يستبد، وأخذ في ذكر الخيانة وما يستحق أهلهأن فلم يمض غير ~~أسبوع حتى نكبهم. وفيها ولي شيرياسبان لإيتاخ اليمن، وسار إليها. وفيها ~~تولى محمد بن صالح بن العباس المدينة، وحج بالناس محمد بن داود. وفيها توفي ~~خلف بن هشام البزار المقرئ في جمادى الأولى. البزار بالزاي المعجمة والراء المهملة. ### | AUT حوادث سنة ثلاثين ومائتين # ### || AUT ذكر مسير بغا إلى الأعراب # وفي هذه السنة وجه الواثق بغا الكبير إلى الأعراب الذين أغاروا بنواحي ~~المدينة. PageV03P0214 # وكان سبب ذلك أن بني سليم كانت تفسد حول المدينة بالشر، ويأخذون مهما ~~أرادوا من الأسواق بالحجاز بأي سعر أرادوأن وزاد الأمر بهم إلى أن وقعوا ~~بناس من بني كنانة وباهلة، فأصاوهم، وقتلوا بعضهم في جمادى الآخرة من سنة ~~ثلاثين ومائتين، فوجه محمد بن صالح عامل المدينة إليهم حماد بن جرير ~~الطبري، وكان مسلحة لأهل المدينة، في مائتي فارس، وأضاف إليهم جندا غيرهم، ~~وتبعهم متطوعة، فسار إليهم حماد، فلقيهم بالرويثة، فاقتتلوا قتالا شديدأن ~~فانهزمت سودان المدينة بالناس، وثبت حماد وأصحابه، وقريش والأنصار، وقاتلوا ~~قتالا عظيمأن فقتل حماد وعامة أصحابه وعدد صالح من قريش والأنصار، وأخذ ~~بنوسليم الكراع، والسلاح، والثياب، فطعموأن ونهبوا القرى والمناهل ما بين ~~مكة والمدينة، وانقطع الطريق. فوجه إليهم الواثق بغا الكبير أبا موسى في ~~جمع من الجند، فقدم المدينة في شعبان، فلقيهم ببعض مياه الحرة من رواء ~~السوارقية قريتهم التي يأوون إليهأن وبها حصون، فقتل بغا منهم نحوا من ~~خمسين رجلأن وأسر مثلهم، وانهزم الباقون، وأقام بغا بالسوارقية، ودعاهم ms2372 إلى ~~الأمان على حكم الواثق، فأتوه متفرقين، فجمعهم، وترك من يعرف بالفساد، وهم ~~زهاء ألف رجل، وخلى سبيل الباقين، وعاد بالأسرى إلى المدينة في ذي العقدة ~~سنة ثلاثين، فحبسهم ثم سار إلى مكة. فلما قضى حجه سار إلى ذات عرق بعد ~~انقضاء الموسم ،وعرض على بني هلال مثل الذي عرض على بني سليم، فأقبلوأن ~~وأخذ من المفسدين نحوا من ثلاثمائة رجل، وأطلق الباقين، ورجع إلى المدينة، فحبسهم. ### || AUT ذكر وفاة عبد الله بن طاهر # وفيها مات عبد الله بن طاهر بنيسابور في ربيع الأول، وهوأمير خراسان، ~~وكان إليه الحرب، والشرطة، والسواد، والري، وطبرستان، وكرمان، وخراسان، وما ~~يتصل بها؛ وكان خراج هذه الأعمال، يوم مات، ثمانية وأربعين ألف ألف درهم، ~~وكان عمره ثمانيا وأربعين سنة، وكذلك عمر والده طاهر، واستعمل الواثق على ~~أعماله كلها ابنه طاهر بن عبد الله. ### || AUT ذكر شيء من سيرة عبد الله بن طاهر # لما ولي عبد الله خراسان استناب بنيسابور محمد بن حميد الطاهري، فبنى ~~دارا وخرج بحائطها في الطريق، فلما قدمها عبد الله جمع الناس، وسألهم عن ~~سيرة محمد، فسكتوأن فقال بعض الحاضرين: سكوتهم يدل على سوء سيرته، فعزله ~~عنهم، وأمره بهدم ما بنى في الطريق. وكان يقول: ينبغي أن يبذل العلم لأهله ~~وغير أهله، فإن العلم أمنع لنفسه من أن يصير إلى غير أهله. وكان يقول: سمن ~~الكيس، ونيل الذكر لا يجتمعان أبدا. وكان له جلساء منهم الفضل بن محمد بن ~~منصور، فاستحضرهم يومأن فحضروأن وتأخر الفضل، ثم حضر، فقال له: أبطأت عني، ~~فقال: كان عندي أصحاب حوائج وأردت دخول الحمام، فأمره عبد الله بدخول ~~حمامه، وأحضر عبد الله الرقاع التي في حقه، فوقع فيها كلها بالإجابة، ~~وأعادهأن ولم يعلم الفضل. وخرج من الحمام، واشتغلوا يومهم، وبكر أصحاب رقاع ~~إليه، فاعتذر إليهم، فقال بعضهم: أريد رقعتي، فأخرجها ونظر فيهأن فرأى خط ~~عبد الله فيهأن فنظر في الجميع، فرأى خطه فيهأن فقال لأصحابه: خذوا رقاعكم، ~~فقد قضيت حاجاتكم، واشكروا الأمير دوني، فما كان لي فيها ms2373 سبب. وكان عبد ~~الله أديبا شاعرأن فمن شعره: إسم من أهواه اسم حسن ... فإذا صحفته فهوحسن ~~فإذا أسقطت منه فاءه، ... كان نعتا لهواه المختزن فإذا أسقطت منه ياءه، ... ~~صار فيه بعض أسباب الفتن فإذا أسقطت منه راءه، ... صار شيئا يعتري عند ~~الوسن فإذا أسقطت منه طاءه، ... صار منه عيش سكان المدين فسروا هذا فلن ~~يعرفه ... غير من يسبح في بحر الفطن وهذا الاسم هواسم طريف غلامه. وكان من ~~أكثر الناس بذلا للمال مع علم، ومعرفة، وتجربة، واكثر الشعراء في مراثيه، ~~فمن أحسن ما قيل فيه، في ولاية أبيه طاهر، قول أبي الغمر الطبري: فأيامك ~~الأعياد صارت مآتما ... وساعاتك الغضبات صارت خواشعا على أننا لم نفتقدك ~~بطاهر ... وإن كان خطبا يقلق القلب راتعا وما كنت إلا الشمس غابت وأطلعت ~~... على إثرها بدرا على الناس طالعا PageV03P0215 # وما كنت إلا الطود زال مكانه ... وأثبت في مثواه ركنا مدافعا فلولا التقى ~~قلنا تناسختما معا ... بديعي معان يفضلان البدائعا ### || AUT ذكر خروج المشركين إلى بلاد المسلمين بالأندلس # في هذه السنة خرج المجوس من أقاصي بلاد الأندلس في البحر إلى بلاد ~~المسلمين، وكان ظهورهم في ذي الحجة سنة تسع وعشرين، عند أشبونة، فأقاموا ~~ثلاثة عشر يومأن بينهم وبين المسلمين بها وقائع، ثم ساروا إلى قادس ثم إلى ~~شدونة، فكان بينهم وبين المسلمين بها وقائع. ثم ساروا إلى إشبيلية ثامن ~~المحرم، فنزلوا على اثني عشر فرسخا منهأن فخرج إليهم كثير من المسلمين، ~~فالتقوأن فانهزم المسلمون ثاني عشر المحرم، وقتل كثير منهم، ثم نزلوا على ~~ميلين من إشبيلية، فخرج أهلها إليهم، وقاتلوهم، فانهزم المسلمون رابع عشر ~~المحرم، وكثر القتل والأسر فيهم، ولم ترفع المجوس السيف عن أحد، ولا عن ~~دابة، ودخلوا حاجز إشبيلية وأقاموا به يوما وليلة وعادوا إلى مراكبهم. ~~وأقام عسكر عبد الرحمن؛ صاحب البلاد، مع عدة من القواد، فتبادر إليهم ~~المجوس، فثبت المسلمون، وقاتلوهم، فقتل من المشركين سبعون رجلا وانهزموأن ~~حتى دخلوا مراكبهم، وأحجم المسلمون عنهم؛ فسمع عبد الرحمن، فسير جيشا آخر ~~غيرهم، فقاتلوا المجوس قتالا ms2374 شديدأن فرجع المجوس عنهم، فتبعهم العسكر ثاني ~~ربيع الأول، وقاتلوهم، وأتاهم المدد من كل ناحية، ونهضوا لقتال المجوس من ~~كل جانب، فخرج إليهم المجوس وقاتلوهم، فكاد المسلمون ينهزمون، ثم ثبتوأن ~~فترجل كثير منهم فانهزم المجوس، وقتل نحوخمس مائة رجل، وأخذوا منهم أربعة ~~مراكب، فأخذوا ما فيهأن واحرقوهأن وبقوا أياما لا يصلون إلى المجوس، لأنهم ~~في مراكبهم. ثم خرج المجوس إلى لبلة، فأصابوا سبيا؛ ثم نزل المجوس إلى ~~جزيرة قريب قوريس، فنزلوهان وقسموا ما كان معهم من الغنيمة، فحمي المسلمون، ~~ودخلوا إليهم في النهر، فقتلوا من المجوس رجلين، ثم رحل المجوس، فطرقوا ~~شدونة فغمنوا طعمة وسبيأن وأقاموا يومين. ثم وصلت مراكب لعبد الرحمن، صاحب ~~الأندلس، إلى إشبيلية، فلما أحس بها المجوس لحقوا بلبلة، فأغاروأن وسبوأن ~~ثم لحقوا بأكشونية. ثم مضوا إلى باجة، ثم انتقلوا إلى مدينة أشبونة، ثم ~~ساروأن فانقطع خبرهم عن البلاد فسكن الناس. وقد ذكر بعض مؤرخي العرب سنة ست ~~وأربعين خروج المجوس إلى إشبيلية أيضأن وهي شبيهة بهذه ثم فلا أعلمه أهي ~~هذه وقد اختلفوا في وقتها أم هي غيرهأن وما أقرب أن تكون هي هي، وقد ذكرتها ~~هناك لان في كل واحدة منهما شيئا ليس في الأخرى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة مات محمد بن سعد بن منيع أبوعبد الله، كاتب الواقدي، صاحب ~~الطبقات، ومحمد بن يزداد بن سويد المروزي، كاتب المأمون، وعلي بن الجعد ~~أبوالحسن الجوهري، وكان عمره ستا وتسعين سنة، وهومن مشايخ البخاري، وكان ~~يتشيع. وفيها مات أشناس التركي، بعد موت عبد الله بن طاهر بتسعة أيام، وحج ~~هذه السنة إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وإليه أحداث الموسم، وحج بالناس هذه ~~السنة محمد بن داود. ### | AUT حوادث سنة إحدى وثلاثين ومائتين # ### || AUT ذكر ما فعله بغا بالأعراب # في هذه السنة قتل أهل المدينة من كان في حبس بغا من بني سليم وبني هلال. ~~وكان سبب ذلك أن بغا لما حبس من أخذه من بني سليم وبني سليم وبني هلال ~~بالمدينة، وهم ألف وثلاثمائة، ms2375 وكان سار عن المدينة إلى بني مرة، فنقبت ~~الأسرى الحبس ليخرجوأن فرأت امراة النقب، فصرخت بأهل المدينة، فجاؤوأن ~~فوجدوهم قد قتلوا المتوكلين، وأخذوا سلاحهم، فاجتمع عليهم أهل المدينة، ~~ومنعوهم الخروج، وباتوا حول الدار، فقاتلوهم، فلما كان الغد قتلهم أهل ~~المدينة، وقتل سودان المدينة كل من لقوه بها من الأعراب ممن يريد المبرة، ~~فلما قدم بغا وعلم بقتلهم شق ذلك عليه. وقيل إن السجان كان قد ارتشي منهم ~~ليفتح لهم الباب، فجعلوا قبل ميعاده، وكانوا يرتجزون: الموت خير للفتى من ~~العار ... قد اخذ البواب ألف دينار وكان سبب غيبة بغا عنهم أن فزارة ومرة ~~تغلبوا على فدك، فلما قاربهم أرسل إليهم رجلا من قواده يعرض عليهم الأمان، ~~ويأتيه بأخبارهم، فلما أتاهم الفزاري حذرهم سطوته، فهربوأن وخلوا فدك، ~~وقصدوا الشام. PageV03P0216 # وأقام بغا بحيفا، وهي من حد عمل الشام مما يلي الحجاز، نحوا من أربعين ~~ليلة، ثم رجع إلى المدينة بمن ظفر به من بني مرة وفزارة. وفيها سار إلى بغا ~~من بطون غطفان، وفزارة، وأشجع، وثعلبة، جماعة، وكان أرسل إليهم، فلما أتوه ~~استحلفهم الأيمان المؤكدة أن لا يتخلفوا عنه متى دعاهم، فحلفوأن ثم سار إلى ~~ضرية لطلب بني كلاب، فأتاه منهم نحومن ثلاثة آلاف رجل، فحبس من أهل الفساد ~~نحوا من ألف رجل، وخلى سائرهم، ثم قدم بهم المدينة في شهر روضان سنة إحدى ~~وثلاثين ومائتين، فحبسهم، ثم سار إلى مكة فحج، ثم رجع إلى المدينة. ### || AUT ذكر أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي # وفي هذه السنة تحرك ببغداد قوم مع احمد بن نصر بن مالك بن الهيثم ~~الخزاعي، وجده مالك أحد نقباء بني العباس، وقد تقدم ذكره. وكان سبب هذه ~~الحركة أن أحمد بن نصر كان يغشاه أصحاب الحديث كابن معين، وابن الدورقي، ~~وأبي زهير، وكان يخالف من يقول القرآن مخلوق، ويطلق لسانه فيه، مع غلظة ~~بالواثق، وكان يقول، إذا ذكر الواثق: فعل هذا الخنزير، وقال هذا الكافر، ~~وفشا ذلك؛ فكان يغشاه رجل يعرف بأبي هارون الشداخ وآخر يقال له طالب، ms2376 ~~وغيرهمأن ودعوا الناس إليه، فبايعوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~وفرق أبوهارون وطالب في الناس مالا فأعطيا كل رجل دينارأن واتعدوا ليلة ~~الخميس لثلاث خلت من شعبان ليضربوا الطبل فيهأن ويثوروا على السلطان. وكان ~~أحدهما في الجانب الشرقي من بغداد والآخر في الجانب الغربي، فاتفق أن ممن ~~بايعهم رجلين من بني الأشرس شربا نبيذا ليلة الأربعاء، قبل الموعد بليلة، ~~فلما اخذ منهم ضربوا الطبل فلم يجبهم أحد. وكان إسحاق بن إبراهيم صاحب ~~الشرطة غائبا عن بغداد، وخليفته أخوه محمد بن إبراهيم، فأرسل إليهم محمد ~~يسألهم عن قصتهم، فلم يظهر أحد، فدل على رجل يكون في الحمام مصاب العين، ~~يعرف بعيسى الأعور، فأحضره وقرره، فأقر على بني الأشرس، وعلى أحمد بن نصر، ~~وغيرهمأن فأخذ بعض من سمي، وفيهم طالب، وأبوهارون، ورأى في منزل بني الأشرس ~~علمين أخضرين، ثم أخذ خادما لأحمد بن نصر، فقرره، فأقر بمثل ما قال عيسى، ~~فأرسل إلى أحمد بن نصر فأخذه وهوفي الحمام، وحمل إليه، وفتش بيته، فلم يوجد ~~فيه سلاح، ولا شيء من الآلات، فسيرهم محمد بن إبراهيم إلى الواثق مقيدين ~~على أكف بغال ليس تحتهم وطاء إلى سامرا. فلما علم الواثق بوصولهم جلس لهم ~~مجلسا عاما فيه أحمد بن أبي دؤاد، وكان كارها لقتل احمد بن نصر، فلما حضر ~~أحمد عند الواثق، لم يذكر له شيئا من فعله والخروج عليه، ولكنه قال له: ما ~~تقول في القرآن؟ قال: كلام الله، وكان أحمد قد استقتل، فتطيب، وتنور؛ وقال ~~الواثق: أمخلوق هو؟ قال: كلام الله. قال: فما تقول في ربك أتراه يوم ~~القيامة؟ قال: يا أمير المؤمنين! قد جاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، أنه قال: ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر، قال: لا تضامون ~~في رؤيته، فنحن على الخبر، وحدثني سفيان بحديث رفعه: أن قبل ابن آدم المؤمن ~~بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يدعو: ~~يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك. قال إسحاق ms2377 بن إبراهيم: انظر ما ~~يقول. قال: أنت أمرتني بذلك، فخاف إسحاق وقال: أنا أمرتك؟ قال: نعم، أمرتني ~~أن أنصح له، ونصيحتي له أن لا يخالف حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون فيه؟ فقال عبد الرحمن بن إسحاق، وكان ~~قاضيا على الجانب الغربي: وعزك يا أمير المؤمنين هوحلال الدم. وقال بعض ~~أصحاب ابن أبي دؤاد: اسقني دمه، وقال ابن أبي دؤاد: هوكافر يستتاب لعل به ~~عاهة ونقص عقل، كأنه كره أن يقتل بسببه، فقال الواثق: إذا رأيتموني قد قمت ~~إليه فلا يقومن أحد، فإني أحتسب خطاي إليه. ودعا بالصمصامة سيف عمروبن معدي ~~كرب الزبيدي، ومشى إليه، وهوفي وسط الدار على نطع، فضربه على حبل عاتقه، ثم ~~ضربه خر على رأسه، ثم ضرب سيما الدمشقي رقبته، وحز رأسه، وطعنه الواثق بطرف ~~الصمصامة في بطنه، وحمل حتى صلب عند بابك، وحمل رأسه إلى بغداد فنصب بهأن ~~وأقيم عليه الحرس، وكتب في أذنه رقعة: هذا رأس الكافر، المشرك الضال، احمد ~~بن نصر؛ وتتبع أصحابه، فجعلوا في الحبوس. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV03P0217 # في هذه السنة أراد الواثق الحج، فوجه عمر بن فرج لإصلاح الطريق، فرجع ~~وأخبره بقلة الماء فبدا له. وفيها ولى جعفر بن دينار اليمن، فسار في شعبان، ~~وحج في طريقه، وكان معه أربعة آلاف فارس وألفا رجل. وفيها نقب اللصوص بيت ~~المال الذي في دار العامة، وأخذوا اثنين وأربعين ألف درهم وشيئا يسيرا من ~~الدنانير، ثم تتبعوا وأخذوا بعد ذلك. وفيها خرج محمد بن عبد الله الخارجي ~~التغلبي في ثلاثة عشر رجلا في ديار ربيعة، فخرج إليه غامن بن أبي مسلم بن ~~أحمد الطوسي، وكان على حرب الموصل، في مثل عدته، فقتل من الخوارج أربعة، ~~وأخذ محمد بن عبد الله أسيرأن فبعث به إلى سامرا فحبس. وفيها قدم وصيف ~~التركي من ناحية أصبهان، والجبال، وفارس، وكان قد سار في طلب الأكراد لأنهم ~~كانوا قد أفسدوا بهذه النواحي، وقدم معه نحومن خمس مائة نفس فيهم غلمان ~~صغار، ms2378 فحبسوأن وأجيز بخمسة وسبعين ألف دينار وقلد سيفا. وفيها سار جيش ~~للمسلمين إلى بلاد المشركين، فقصدوا جليقية وقتلوأن وأسروأن وسبوأن وغمنوأن ~~ووصلوا إلى مدينة ليون، فحصروها ورموها بالمجانيق، فخاف أهلهأن فتركوها بما ~~فيها وخرجوا هاربين، فغمن المسلمون منهم ما أرادوأن وأخربوا الباقي، ولم ~~يقدروا على هدم سورهأن فتركوها ومضوأن لأن عرضه سبعة عشر ذراعأن وقد ثلموا ~~فيه ثلما كثيرة. وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم، واجتمع المسلمون ~~فيها على نهر اللامس، على مسيرة يوم من طرسوس، واشترى الواثق من بغداد ~~وغيرها من الروم، وعقد الواثق لأحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي على ~~الثغور والعواصم، وأمره بحضور الفداء هووخاقان الخادم، وأمرهما أن يمتحنا ~~أسرى المسلمين، فمن قال: القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة، فودي ~~به، وأعطي دينارأن ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم. فلما كان في عاشوراء ~~سنة إحدى وثلاثين اجتمع المسلمون ومن معهم من الأسرى على النهر، وأتت الروم ~~ومن معهم من الأسرى، وكان النهر بين الطائفتين، فكان المسلمون يطلقون ~~الأسير فيطلق الروم من المسلمين فيلتقيان في وسط النهر، ويأتي هذا أصحابه، ~~فإذا وصل الأسير إلى المسلمين كبروأن وإذا وصل الأسير إلى الروم صاحوأن حتى ~~فرغوأن وكان عدة أسرى المسلمين أربعة آلاف وأربع مائة وستين نفسأن والنساء ~~والصبيان ثماني مائة، وأهل ذمة المسلمين مائة نفس، وكان النهر مخاضة تعبره ~~الأسرى، وقيل بل كان عليه جسر. ولما فرغوا من الفداء غزا أحمد بن سعيد بن ~~سلم الباهلي شاتيأن فأصاب الناس ثلج ومطر، فمات منهم مائتا نفس، وأسر ~~نحوهم، وغرق بالبدندون خلق كثير، فوجد الواثق على أحمد، وكان قد جاء إلى ~~أحمد بطريق من الروم، فقال وجوه الناس لأحمد: إن عسكرا فيه سبعة آلاف لا ~~تتخوف عليه، فإن كنت كذلك فواجه القوم واطرق بلادهم، ففعل، وغمن نحوا من ~~ألف بقرة وعشرة آلاف شاة وخرج، فعزله الواثق، واستعمل مكانه نصر بن حمزة ~~الخزاعي في جمادى الأولى. وفيها مات الحسن بن الحسين بطبرستان. وفيها كان ~~بإفريقية حرب بين ms2379 أحمد بن الأغلب وأخيه محمد بن الأغلب، وكان مع أحمد ~~جماعة، فهجموا على محمد في قصره، وأغلق أصحاب محمد ابن الأغلب الباب، ~~واقتتلوا ثم كفوا عن القتال، واصطلحوأن وعظم أمر محمد، ونقل الدواوين إليه، ~~ولم يبق لمحمد من الإمارة إلا اسمهأن ومعناها لأحمد أخيه، فبقي كذلك إلى ~~سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، فاتفق مع محمد من بني عمه ومواليه جماعة، قاتل ~~أخاه أحمد فظفر به ونفاه إلى الشرق، واستقام أمر محمد بإفريقية، وما ت أخوه ~~أحمد بالعراق. وفيها مات أبوعبد الله محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي ~~الرواية في شعبان وهوابن ثمانين سنة. وفيها ماتت أم أبيها بنت موسى بن ~~جعفر، أخت علي الرضأن عليه السلام. وفيها مات مخارق المغني، وأبونصر أحمد ~~بن حاتم رواية الأصمعي، وعمروبن أبي عمروالشيباني، ومحمد بن سعدان النحوي ~~الضرير توفي في ذي الحجة. PageV03P0218 # وفيها توفي إبراهيم بن عرعرة، وعاصم بن علي بن عصم بن صهيب الواسطي، ~~ومحمد بن سلام بن عبد الله الجمحي البصري، وكان عالما بالأخبار وأيام ~~الناس، سلام بالتشديد؛ وعاصم بن عمروبن علي بن مقدم أبوبشر المقدمي، ~~وأبويعقوب يوسف بن يحيى البويطي الفقيه، صاحب الشافعي، وكان قد حبس في محنة ~~الناس بخلق القرآن، فلم يجب، وكان من الصالحين، وهارون بن معروف البغدادي ~~وكان حافظا للحديث. ### | AUT حوادث سنة اثنتين وثلاثين ومائتين # ### || AUT ذكر الحرب مع بني نمير # في هذه السنة سار بغا الكبير إلى بني نمير، فأوقع بهم. وكان سبب ذلك أن ~~عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير الخطفي امتدح الواثق بقصيدة، فدخل عليه، ~~وأنشده، فأمر له بثلاثين ألف درهم، فأخبر الواثق بإفساد بني منير في الراض، ~~وإغارتهم على الأنس وعلى اليمامة وما قرب منها؛ وكتب الواثق إلى بغا يأمره ~~بحربهم وهوبالمدينة، فسار نحواليمامة، فلقي من بني منير جماعة بالريف ~~فحاربهم، فقتل منهم نيفا وخمسين رجلأن وأسر أربعين رجلا. ثم سار حتى نزل ~~مرأة، وأرسل إليهم يدعوهم إلى السمع والطاعة، فامتنعوأن وسار بعضهم إلى ~~نحوجبال السود، وهي خلف اليمامة، وبث بغا سراياه فيهم، ms2380 فأصابت منهم، ثم سار ~~بجماعة من معه، وهم نحومن ألف رجل، سوى من تخلف في العسكر من الضعفاء ~~والأتباع، فلقيهم وقد جمعوا لهم وهم نحومن ثلاثة آلاف بموضع يقال له روضة ~~الأمان على مرحلة من أضاخ، فهزموا مقدمته، وكشفوا ميسرته، وقتلوا من أصحابه ~~نحوا من مائة رجل وعشرين رجلا وعقروا من إبل عسكره نحوسبع مائة بعير، ومائة ~~دابة، وانتهبوا الأثقال، وبعض الأموال، ثم أدركهم الليل، وجعل بغا يدعوهم ~~إلى الطاعة. فلما طلع الصبح ورأوا قلة من مع بغا عبأوأن وجعلوا رجالتهم ~~أمامهم، ونعمهم ومواشيهم وراءهم، وحملوا على بغأن فهزموه، حتى بلغ معسكره، ~~وأيقن من معه بالهلكة. وكان بغا قد أرسل من أصحابه مائتي فارس إلى طائفة ~~منهم، فبينا هوقد أشرف على العطب، إذ وصل أصحابه إليه منصرفين من وجوههم، ~~فلما نظر بنومنير ورأوهم قد أقبلوا من خلفهم ولوا هاربين، وأسلموا رجالتهم، ~~وأموالهم، فلم يفلت من الرجالة إلا اليسير، وأما الفرسان فنجوا على خيلهم. ~~وقيل إن الهزيمة كانت على بغا مذ غدوة إلى انتصاف النهار، ثم تشاغلوا ~~بالنهب، فرجع إلى بغا من كان انهزم من أصحابه، فرجع بهم، فهزم بني منير، ~~وقتل فيهم من زوال الشمس إلى آخر وت العصر زهاء ألف وخمس مائة راجل، وأقام ~~بوقع الوقعة، فأرسل أمراء العرب يطلبون الأمان، فأمنهم، فأتوه فقيدهم، ~~وأخذهم معه إلى البصرة، وكانت الوقعة في جمادى الآخرة. ثم قدم واجب ~~الأشروسني على بغا في سبع مائة مقاتل، مددا له، فسيره بغا في آثارهم، حتى ~~بلغ تبالة من أعمال اليمن، ورجع، وكان بغا قد كتب إلى صالح أمير المدينة ~~ليوافيه ببغداد بمن عنده من فزارة، ومرة، وثعلبة، وكلاب، ففعل، فلقيه ~~ببغداد، فسارا جميعأن وقدم بغا سامرا بمن بقي معه منهم، سوى من هرب وقتل في ~~الحروب يزيدون على ألفي رجل، ومائتي رجل من منير، وكلاب، ومرة، وفزارة، ~~وثعلبة، وطيء. ### || AUT ذكر موت أبي جعفر الواثق # في هذه السنة توفي الواثق بالله أبوجعفر هارون بن محمد المعتصم في ذي ~~الحجة لست بقين منه، وكانت علته ms2381 الاستسقاء، وعولج بالإقعاد في تنور مسخن، ~~فوجد لذلك خفة، فأمرهم من الغد بالزيادة في إسخانه، ففعل ذلك، وقعد فيه ~~اكثر من اليوم الأول، فحمي عليه، فأخرج منه في محفة، وحضر عنده احمد بن أبي ~~دؤاد، ومحمد بن عبد الملك الزيات، وعمر بن فرج، فمات فيهأن فلم يشعروا ~~بموته، حتى ضرب بوجهه المحفة، فعلموا. وقيل إن أحمد بن أبي دؤاد حضره عند ~~موته، وغمضه، وقيل إنه لما حضر الوفاة جعل يردد هذين البيتين: الموت فيه ~~جميع الناس مشترك ... لا سوقة منهم تبقى ولا ملك ما ضر أهل قليل في تفاقرهم ~~... وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا وأمر بالبسط فطويت، وألصق خده بالأرض، ~~وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه، ارحم من زال ملكه. PageV03P0219 # وقال احمد بن محمد الواثقي: كنت فيمن يمرض الواثق، فلحقه غشية، وأنا ~~وجماعة من أصحابه قيام، فقلنا: لوعرفنا خبره، فتقدمت إليه، فلما صرت عند ~~رأسه فتح عينيه فكدت أموت من الخوف، فرجعت إلى خلف، وتعلقت قنبعة سيفي في ~~عتبة المجلس، فاندقت، وسلمت من جراحه، ووقفت في موقفي. ثم إن الواثق مات، ~~وسجيناه، وجاء الفراشون وأخذوا ما تحته في المجلس، ورفعوه لأنه مكتوب ~~عليهم، واشتغلوا بأخذ البيعة، وجلست على باب المجلس لحفظ الميت وورددت ~~الباب، فسمعت حسأن ففتحت الباب، وإذا جرذ قد دخل من بستان هناك، فأكل إحدى ~~عيني الواثق، فقلت: لا إله إلا الله، هذه العين التي فتحها من ساعة، فاندق ~~سيفي هيبة لها صارت طعمة لدابة ضعيفة. وجاؤوا فغسلوه، فسألني أحمد بن أبي ~~دؤاد عن عينه، فأخرته بالقصة من أولها إلى آخرها فعجب منها. ولما مات صلى ~~عليه أحمد، وأنزله في قبره، وقيل صلى عليه أخوه المتوكل، ودفن بالهاروني ~~بطريق مكة. وكان مولده بطريق مكة، وأمه أم ولد اسمها قراطيس، ولما اشتد ~~مرضه أحضر المنجمين منهم الحسن بن سهل، فنظروا في مولده، فقدروا له أن يعيش ~~خمسين سنة، مستأنفة من ذلك اليوم، فلم يعش بعد قولهم إلا عشرة أيام ومات. ~~وكان أبيض، مشربا بحمرة، جميلأن ربعة، حسن ms2382 الجسم، قائم العين اليسرى، فيها ~~نكتة بياض، وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام، وكان عمره اثنتين ~~وثلاثين سنة، وقيل ستا وثلاثين سنة. ### || AUT ذكر بعض سيرة الواثق بالله # لما توفي المعتصم، وجلس الواثق في الخلافة أحسن إلى الناس، واشتمل على ~~العلويين، وبالغ في إكرامهم والإحسان إليهم، والتعهد لهم بالأموال، وفرق في ~~أهل الحرمين أموالا لا تحصى، حتى إنه لم يوجد في أيامه بالحرمين سائل. ولما ~~توفي الواثق كان أهل المدينة تخرج من نسائهم كل ليلة إلى البقيع، فيبكين ~~عليه، ويندبنه، ففعلوا ذلك بينهم مناوبة حزنا عليه، لما كان يكثر من ~~الإحسان إليهم؛ وأطلق في خلافته أعشار سفن البحر، وكان مالا عظيما. قال ~~الحسين بن الضحاك: شهدت الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام، أول مجلس جلسه، ~~فغنته جارية إبراهيم بن المهدي: ما درى الحاملون، يوم استقلوا ... نعشه، ~~للثواء أم للبقاء فليقل فيك باكياتك ما شئ ... ن صباحأن وعند كل مساء فبكى، ~~وبكينا معه حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه، قال: ثم تغنى بعضهم فقال: ~~ودع هريرة إن الركب مرتحل، ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل فازداد الواثق ~~بكاء، وقال: ما سمعت كاليوم تعزية بأب وتغنى نفسي؛ ثم تفرق أهل المجلس. ~~قال: وقال أحمد بن عبد الوهاب في الواثق: أبت دار الأحبة أن تبينا ... أجدك ~~ما رأيت بها معينا تقطع حسرة من حب ليلى ... نفوس ما أثبن ولا جزينا فصنعت ~~فيه علم جارية صالح بن عبد الوهاب، فغناه زرزر الكبير للواثق، فسأله: لمن ~~هذا؟ فقال: لعلم، فأحضر صالحا وطلب منه شراءهأن فأهداها له، فعوضه خمسة ~~آلاف دينار، فمطله بها ابن الزيات، فأعادت الصوت، فقال الواثق: بارك الله ~~عليك، وعلى من رباك! فقالت: وما ينفع من رباني؟ أمرت له بشيء فلم يصل إليه! ~~فكتب إلى ابن الزيات يأمره بإيصال المال إليه، وأضعفه له، فدفع إليه عشرة ~~آلاف دينار، وترك صالح عمل السلطان، واتجر في المال. وقال أبوعثمان المازني ~~النحوي: استحضرني الواثق من البصرة، فلما حضرت عنده قال: من خلفت بالبصرة؟ ms2383 ~~قلت: أختا لي صغيرة. قال: فما قالت المسكينة؟ قلت: ما قالت ابنة الأعشى: ~~تقول ابنتي، حين جد الرحيل ... أرانا سواء ومن قد يتم فيا أبتا لا تزل ~~عندنا ... فإنا نخاف بأن تخترم أرانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع ~~منا الرحم قال: فما رددت عليها؟ قلت: ما قال جرير لابنته: ثقي بالله ليس له ~~شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح فضحك، وأمر له بجائزة سنية. ### || AUT ذكر خلافة المتوكل # وفي هذه السنة بويع المتوكل على الله جعفر بن المعتصم، بعد موت الواثق. ~~PageV03P0220 # وسب خلافته أنه مات الواثق حضر الدار أحمد بن أبي دؤاد وإيتاخ ووصيف وعمر ~~بن فرج وابن الزيات وأبوالوزير أحمد بن خالد، وعزموا على البيعة لمحمد بن ~~الواثق، وهوغلام أمرد، قصير، فألبسوه دراعة سوداء وقلنسوة، فإذا هوقصير، ~~فقال وصيف: أما تتقون الله؟ تولون هذا الخلافة! فتناظروا فيمن تولونه. ~~فذكروا عدة، ثم أحضر المتوكل، فلما حضر ألبسه أحمد بن أبي دؤاد الطويلة، ~~وعممه وقبل بين عينيه، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، ورحمة الله ~~وبركاته! ثم غسل الواثق، وصلي عليه ودفن. وكان عمر المتوكل، يوم بويع، ستا ~~وعشرين سنة، ووضع العطاء للجند لثمانية أشهر، وأراد ابن الزيات أن يلقبه ~~المنتصر، فقال أحمد بن أبي دؤاد: قد رأيت لقبا أرجوأن يكون موافقأن ~~وهوالمتوكل على الله، فأمر بإمضائه، فكتب به إلى الآفاق. وقيل بل رأى ~~المتوكل في منامه، قبل أن يستخلف، كأن سكرا ينزل عليه من السماء، مكتوب ~~عليه المتوكل على الله، فقصها على أصحابه، فقالوا: هي والله الخلافة؛ فبلغ ~~ذلك الواثق، فحبسه وضيق عليه، وحج بالناس محمد ابن داود. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أصاب الحجاج في العود عطش عظيم، فبلغت الشربة عدة دنانير، ~~ومات منهم خلق كثير. وفيها غدر موسى بالأندلس، وخالف على عبد الرحمن بن ~~الحكم أمير الأندلس، بعد أن كان قد وافقه، وأطاعه؛ وسير إليه عبد الرحمن ~~جيشا مع ابنه محمد. وفيها كان بالأندلس مجاعة شديدة، وقحط عظيم، وكان ~~ابتداؤه سنة اثنتين وثلاثين، فهلك فيه خلق ms2384 كثير من الآدميين والدواب، ويبست ~~الأشجار، ولم يزرع الناس شيئأن فخرج الناس هذه السنة يستسقون، فسقوأن ~~وزرعوا وزال عن الناس القحط. وفيها ولي إبراهيم بن محمد بن مصعب بلاد فارس. ~~وفيها غرق كثير من الموصل وهلك فيها خلق قيل كانوا نحومائة ألف إنسان، وكان ~~سبب ذلك أن المطر جاء بها عظيما لم يسمع بمثله بحيث أن بعض أهلها جعل سطلا ~~عمقه ذراع في سعة ذراع، فامتلأ ثلاث دفعات في نحوساعة، وزادت دجلة زيادة ~~عظيمة فركب الماء الربض الأسفل، وشاطئ نهر سوق الأربعاء، فدخل كثيرا من ~~الأسواق، فقيل إن أمير الموصل، وهوغامن بن حميد الطوسي، كفن ثلاثين ألفأن ~~وبقي تحت الهدم خلق كثير لم يحملوا سوى من حمله الماء. وفيها أمر الواثق ~~بترك أعشار سفن البحر. وفيها توفي الحكم بن موسى، ومحمد بن عامر القرشي ~~مصنف الصوانيف وغيرهأن ويحيى بن يحيى الغساني الدمشقي، وقيل سنة ثلاث ~~وثلاثين، وقيل غير ذلك، وأبوالحسن علي بن المغيرة الأثرم النحوي اللغوي، ~~وأخذ العلم عن أبي عبيدة والأصمعي. وفيها توفي عمروالناقد. ### | AUT حوادث سنة ثلاث وثلاثين ومائتين # ### || AUT ذكر القبض على محمد بن عبد الملك # وفي هذه السنة قبض المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات وحبسه لسبع ~~خلون من صفر. وكان سببه أن الواثق استوزر محمد بن عبد الملك، وفوض الأمور ~~كلها إليه، وكان الواثق قد غضب على أخيه جعفر المتوكل، ووكل عليه من يحفظه ~~ويأتيه بأخباره، فأتى المتوكل إلى محمد بن عبد الملك يسأله أن يكلم الواثق ~~ليرضى عنه، فوقف بين يديه لا يكلمه، ثم أشار عليه بالقعود فقعد، فلما فرغ ~~من الكتب التي بين يديه التفت إليه كالمتهدد وقال: ما جاء بك؟ قال: جئت ~~أسأل أمير المؤمنين الرضى عني، فقال لمن حوله: انظروأن يغضب أخيه ثم يسألني ~~أن أسترضيه له! اذهب، فإذا صلحت رضي عنك. فقام من عنده حزينأن فأتى أحمد بن ~~أبي دؤاد، فقام إليه أحمد، واستقبله على باب البيت، وقبله، وقال: ما حاجتك؟ ~~جعلت فداك! قال: جئت لتسترضي أمير المؤمنين لي؛ ms2385 قال: أفعل، ونعمة عين ~~وكرامة! فكلم أحمد الواثق به، فوعده ولم يرض عنه، ثم كلمه فيه ثانية فرضى ~~عنه وكساه. ولما خرج المتوكل من عند ابن الزيات كتب إلى الواثق: إن جعفرا ~~أتاني في زي المخنثين، له شعر بقفاه، يسألني أن أسأل أمير المؤمنين الرضى ~~عنه؛ فكتب إليه الواثق: ابعث إليه فأحضره ومر من يجز شعر قفاه فيضرب به ~~وجهه. PageV03P0221 # قال المتوكل: لما أتاني رسوله لبست سوادا جديدأن وأتيته رجاء أن يكون قد ~~أتاه الرضى عني، فاستدعى حجامأن فأخذ شعري على السواد الجديد ثم ضرب به ~~وجهي؛ فلما ولي الخلافة المتوكل أمهل حتى كان صفر، فأمر إيتاخ بأخذ الزيات ~~وتعذيبه، فاستحضر، فركب يظن أن الخليفة يستدعيه، فلما حاذى منزل إيتاخ عدل ~~به إليه، فخاف، فأدخله حجرة، ووكل عليه، وأرسل إلى منازله من أصحابه من هجم ~~عليهأن وأخذ كل ما فيهأن واستضفى أمواله وأملاكه في جميع البلاد. وكان شديد ~~الجزع، كثير البكاء والفكر، ثم سوهر، وكان ينخس بمسلة لئلا ينام، ثم ترك ~~فنام يوما وليلة، ثم جعل في تنور عمله هو، وعذب ه ابن أسماط المصري، وأخذ ~~ماله، فكان من خشب فيه مسامير من حديد أطرافها إلى داخل التنور، وتمنع من ~~يكون فيه من الحركة، وكان ضيقا بحيث أن الإنسان كان يمد يديه إلى فوق رأسه ~~ليقدر على دخوله لضيقه، ولا يقدر من يكون فيه يجلس، فبقي أيامأن فمات. وكان ~~حبسه لسبع خلون من صفر وموته لإحدى عشرة بقيت من ربيع الأول، واختلف في سبب ~~موته، فقيل كما ذكرناه، وقيل بل ضرب فمات وهويضرب، وقيل مات بغر ضرب، ~~وهوأصح. فلما مات حضره ابناه سليمان وعبيد الله، وكانا محبوسين، وطرح على ~~الباب في قميصه الذي حبس فيه، فقالا: الحمد لله الذي أراح من هذا الفاسق! ~~وغسلاه على الباب ودفناه، فقيل إن الكلاب نبشته وأكلت لحمه. قال: وسمع ~~قبلموته يقول لنفسه: يا محمد لم تقنعك النعمة، والدواب، والدار النظيفة، ~~والكسوة الفاخرة، وأنت في عافية، حتى طلبت الوزارة، ذق ما عملت بنفسك. ثم ~~سكت ms2386 عن ذلك، وكان لا يزيد على التشهد، وذكر الله عز وجل. وكان ابن الزيات ~~صديقا لإبراهيم الصولي، فلما ولي الوزارة صادره بألف ألف وخمس مائة ألف ~~درهم، فقال الصولي: وكنت أخي برخاء الزمان ... فلما نبا صرت حربا عوانا ~~وكنت أذم إليك الزمان ... فأصبحت منك أذم الزمانا وكنت أعدك للنائبات ... ~~فها أنا أطلب منك الأمانا وقال أيضا: أصبحت من رأي أبي جعفر ... في هيئة ~~تنذر بالصيلم من غير ما ذنب ولكنها ... عداوة الزنديق للمسلم ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة حبس عمر بن الفرج الرخجي، وكان سبب ذلك أن المتوكل أتاه ~~لما كان أخوه الواثق ساخطا عليه، ومعه صك ليختمه عمر له ليقبض أرزاقه من ~~بيت المال، فلقيه عمر بالخيبة، وأخذ صكه فرمى به إلى صحن المسجد، وكان حبسه ~~في شهر رمضان، وأخذ ماله، وأثاث بيته، وأصحابه، ثم صولح على أحد عشر ألف ~~ألف على أن يرد عليه ما حيز من ضياع الأهواز حسب، فكان قد ألبس في حبسه حبة ~~صوف. قال علي بن الجهم يهجوه: جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما ... تيه الملوك ~~وأفعال الصعاليك أردت شكرا بلا بر ومرزئة ... لقد سلكت سبيلا غير مسلوك ~~وفيها غضب المتوكل على سليمان بن إبراهيم بن الجنيد النصراني كاتب سمانه، ~~وضربه، وأخذ ماله، وغضب أيضا على أبي الوزير، وأخذ ماله ومال أخيه وكتبه. ~~وفيها أيضا عزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، وولاه يحيى بن خاقان ~~الخراساني مولى الأزد، وولى إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول ديوان زمام ~~النفقات. وفيها ولى المتوكل ابنه المنتصر الحرمين واليمن والطائف في رمضان. ~~وفيها فلج أحمد بن دؤاد في جمادى الآخرة. وفيها وثق ميخائيل بن توفيل بأمه ~~تدورة، فألزمها الدير، وقتل اللقط لأنه كان اتهمها به، فكان ملكها ست سنين، ~~وحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود. وفيها عزل محمد بن الأغلب أمير ~~إفريقية عامله على الزاب، واسمه سالم ابن غلبون، فأقبل يريد القيروان، فلما ~~صار بقلعة يلبسير أضمر الخلاف وسار إلى الأربس، فمنعه أهلها ms2387 من الدخول ~~إليهأن فسار إلى باجة، فدخلهأن واحتمى بهأن فسير إليه ابن الأغلب جيشا ~~عليهم خفاجة بن سفيان، فنزل عليه وقاتله، فهرب سالم ليلأن فاتبعه خفاجة، ~~فلحقه وقتله، وحمل رأسه إلى ابن الأغلب؛ وكان أزهر بن سالم عند ابن الأغلب ~~محبوسا فقتله. وفيها توفي يحيى بن معين البغدادي بالمدينة، وكان مولده سنة ~~ثمان وخمسين ومائة، وهوصاحب الجرح والتعديل؛ ومحمد بن سماعة القاضي، صاحب ~~محمد بن الحسن، وقد بلغ مائة سنة وهوصحيح الحواس. PageV03P0222 ### | AUT حوادث سنة أربع وثلاثين ومائتين # ### || AUT ذكر هرب محمد بن البعيث # في هذه السنة هرب محمد بن البعيث بن الجليس؛ وكان سبب هربه أنه جيء به ~~أسيرا من أذربيجان إلى سامرأن وكان له رجل يخدمه يسمى خليفة، وكان المتوكل ~~مريضأن فاخبر خليفة ابن البعيث أن المتوكل مات، فهربا إلى موضعه من ~~أذربيجان، وهومرند، وقيل كان له قلعة شاهي، وقلعة يكدر. وقيل إن ابن البعيث ~~كان في حبس إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فتكلم فيه بغا الشرابي، فاخذ منه ~~الكفلاء نحوا من ثلاثين كفيلا منهم محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني ~~فكان يتردد بسامرأن فهرب إلى مرند، وجمع بها الطعام، وهي مدينة حصينة، ~~وفيها عيون ماء ولها بساتين كثيرة داخل البلد. وأتاه من أراد الفتنة من ~~ربيعة وغيرهم، فصار في نحومن ألفين ومائتي رجل، وكان الوالي بأذربيجان محمد ~~بن حاتم بن هرثمة، فقصر في طلبه فولى المتوكل حمدويه بن علي بن الفضل ~~السعدي أذربيجان وسيره على البريد، وجمع الناس، وسار إلى ابن البعيث، فحصره ~~في مرند، فلما طالت مدة الحصار بعث المتوكل التركي في مائتي فارس من ~~الأتراك، فلم يصنع شيئأن فوجه إليه المتوكل عمر بن سيسيل بن كال في تسع ~~مائة فارس، فلم يغن شيئا؛ فوجه بغا الشرابي في ألفي فارس. وكان حمدويه وابن ~~سيسيل وزيرك قد قطعوا من الشجر الذي حول مرند نحومائة ألف شجرة، ونصبوا ~~عليها عشرين منجنيقأن ونصب ابن البعيث عليهم مثل ذلك، فلم يقدروا على ~~الدنومن سور المدينة، فقتل من أصحاب ms2388 المتوكل في حربه، في ثمانية أشهر، ~~نحومن مائة رجل، وجرح نحوأربع مائة، وأصاب أصحابه مثل ذلك، وكان حمدريه ~~وعمر وزيرك يغادونه القتال ويراوحونه، وكان أصحابه يتدلون بالحبال من السور ~~معهم الرماح، فيقاتلون، فإذا حمل عليهم أصحاب الخليفة تجاروا إلى السور، ~~وحموا نفوسهم، فكانوا يفتحون الباب، فيخرجون فيقاتلون، ثم يرجعون. ولما قرب ~~بغا الشرابي من مرند بعث عيسى بن الشيخ بن الشليل، ومعه أمان لوجوه أصحاب ~~ابن البعيث أن ينزلوأن وأمان للابن البعيث أن ينزل على حكم المتوكل، فنزل ~~من أصحابه خلق كثير بالأمان، ثم فتحوا باب المدينة، فدخل أصحاب المتوكل، ~~وخرج ابن البعيث هاربأن فلحقه قوم من الجند، فأخذوه أسيرأن وانتهب الجند ~~منزله ومنازل أصحابه، وبعض منازل أهل المدينة، ثم نودي بالأمان، وأخذوا ~~لابن البعيث أختين وثلاث بنات وعدة من السراري، ثم وافاهم بغا الشرابي من ~~غد، فأمر فنودي بالمنع من النهب، وكتب بالفتح لنفسه، وأخ ابن البعيث إليه. ### || AUT ذكر إيتاخ وما صار إليه أمره # كان إيتاخ غلاما حوريا، طباخا لسلام الأبرش، فاشتراه منه المعتصم في سنة ~~تسع وتسعين ومائة، وكان فيه شجاعة، فرفعه المعتصم والواثق وضم إليه أعمالا ~~كثيرة منها المعونة بسامرا مع إسحاق بن إبراهيم. وكان المعتصم، إذا أراد ~~قتل أحد، فعند إيتاخ يقتل، وبيده، فحبس منهم أولا المأمون بن سندس، وابن ~~الزيات، وصالح بن عجيف وغيرهم؛ وكان مع المتوكل في مرتبته، وإليه الجيش، ~~والمغاربة، والأتراك، والأموال، والبريد، والحجابة، ودار الخلافة. فلما ~~تمكن المتوكل من الخلافة شرب فعربد على إيتاخ، فهم إيتاخ بقتله، فلما أصبح ~~المتوكل قيل له، فاعتذر إليه، وقال: أنت أبي، وأنت ربيتني؛ ثم وضع عليه من ~~يحسن له الحج، فاستأذن فيه المتوكل، فأذن له، وصيره أمير كل بلد يدله، وخلع ~~عليه، وسار العسكر جميعه بين يديه، فلما فارق جعلت الحجابة إلى وصيف في ذي ~~العقدة، وقيل إن هذه القصة كانت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. ### || AUT ذكر الخلف بإفريقية # في هذه السنة خرج عمروبن سليم التجيبي المعروف بالقويع على محمد ابن ~~الأغلب أمير إفريقية، فسير ms2389 إليه جيشا، فحصره بمدينة تونس هذه السنة، فلم ~~يبلغوا منه غرضأن فعادوا عنه. فلما دخلت سنة خمس وثلاثين سير إليه ابن ~~الأغلب جيشا، فالتقوا بالقرب من تونس، ففارق جيش ابن الإلب جمع كثير، ~~وقصدوا القويع فصاروا معه، فانهزم جيش ابن الأغلب وقوي القويع؛ فلما دخلت ~~سنة ست وثلاثين سير محمد بن الأغلب إليه جيشأن فاقتتلوأن فانهزم القويع، ~~وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وأدرك القويع إنسان، فضرب عنقه، ودخل جيش ابن ~~الأغلب مدينة تونس بالسيف في جمادى الأولى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV03P0223 # حج بالناس هذه السنة محمد بن داود بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن ~~عباس. وفيها توفي جعفر بن مبشر بن أحمد الثقفي المتكلم، أحد المعتزلة ~~البغداديين، وله مقالة يتفرد بها. وفيها توفي أبوخيثمة زهير بن حرب في ~~شعبان، وكان حافظا للحديث؛ وأبوأيوب سليمان بن داود بن بشر المقرئ البصري ~~المعروف بالشاذكوني بأصبهان. وفيها توفي علي بن عبد الله بن جعفر المعروف ~~المديني الحافظ، وقيل سنة خمس وثلاثين ومائتين، وهوإمام ثقة، وكان والده ~~ضعيفا في الحديث؛ وإسحاق ابن إسماعيل الطالقاني، ويحيى بن أيوب المقابري، ~~وأبوبكر بن أبي شيبة، وأبوالربيع الزهراني. ### | AUT حوادث سنة خمس وثلاثين ومائتين # ### || AUT ذكر قتل إيتاخ # قد ذكرنا ما كان منه مع المتوكل وسبب حجه؛ فلما عاد من مكة كتب المتوكل ~~إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد يأمره بحبسه، وأنفذ المتوكل كسوة وهدايا إلى ~~طريق إيتاخ، فلما قرب إيتاخ من بغداد خرج إسحاق بن إبراهيم إلى لقائه، وكان ~~إيتاخ أراد المسير على الأنبار إلى سامرأن فكتب إليه إسحاق: إن أمير ~~المؤمنين قد أمر أن تدخل بغداد، وأن يلقاك بنوهاشم، ووجوه الناس، وأن تقعد ~~لهم في دار خزيمة بن خازم، وتأمر لهم بالجوائز. فجاء إلى بغداد، فلقيه ~~إسحاق بن إبراهيم، فلما رآه إسحاق أراد النزول له، فحلف عليه إيتاخ أن لا ~~يفعل، وكان في ثلاثمائة من غلمانه وأصحابه، فلما صار بباب دار خزيمة وقف ~~إسحاق، وقال له: أصلح الله الأمير؛ ليدخل! فدخل إيتاخ، ووقف ms2390 إسحاق على ~~الباب، فمنع أصحابه من الدخول عليه، ووكل بالأبواب، وأقام عليه الحرس، فحين ~~رأى إيتاخ ذلك قال: قد فعلوهأن ولولم يفعلوا ذلك ببغداد ما قدروا عليه؛ ~~وأخذوا معه ولديه منصورأن ومظفرأن وكاتبيه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد، ~~فحبسوا ببغداد أيضا. وأرسل إيتاخ إلى إسحاق: قد علمت ما أمرني به المعتصم ~~والواثق في أمرك، وكنت أدافع عنك، فليشفعني ذلك عندك في ولدي، فأما أنا فقد ~~مر بي شدة ورخاء، فما أبالي ما أكلت وما شربت، وأما هذان الغلامان فلم ~~يعرفا البؤس، فاجعل لهما طعاما يصلحهما. ففعل إسحاق ذلك، وقيد إيتاخ، وجعل ~~في عنقه ثمانين رطلأن فمات في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين ومائتين، وأشهد ~~إسحاق جماعة من الأعيان أنه لا ضرب به ولا اثر. وقيل كان سبب موته أنهم ~~أطعموه ومنعوه الماء حتى مات عطشا؛ وأما ولداه فإنهما بقيا محبوسين حياة ~~المتوكل، فلما ولي المنتصر أخرجهمأن فأما مظفر فبقي بعد أن خرج من السجن ~~ثلاثة أشهر ومات، وأما منصور فعاش بعده. ### || AUT ذكر أسر ابن البعيث وموته # في هذه السنة قدم بغا الشرابي بابن البعيث في شوال، وبخليفته أبي الأغر، ~~وبأخويه صقر وخالد، وكاتبه العلاء، وجماعة من أصحابه، فلما قربوا من سامرا ~~حملوا على الجمال ليراهم الناس، فلما أحضر ابن البعيث بين يدي المتوكل أمر ~~بضرب عنقه، فجاء السياف، وسبه المتوكل، وقال: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال: ~~الشقوة، وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه، وإن لي فيك لظنين أسبقهما ~~إلى قلبي أولاهما بك، وهوالعفو؛ ثم قال بلا فصل: أبى الناس إلا أنك اليوم ~~قاتلي ... إمام الهدى والصفح بالمرء أجمل وهل أنا إلا جبلة من خطيئة ... ~~وعفوك من نور النبوة يجبل فإنك خير السابقين إلى العلى ... ولا شك أن خير ~~الفعالين تفعل فقال المتوكل لبعض أصحابه: إن عنده لأدبأن فقال: بل يفعل ~~أمير المؤمنين ويمن عليه، فأمر برده، فحبس مقيدأن وقيل إن المعتز شفع فيه ~~إلى أبيه فأطلقه، وكان ابن البعيث قد قال حين هرب: كم قد قضيت ms2391 أمورا كان ~~أهملها ... غيري وقد أخذ الإفلاس بالكظم لا تعذليني فما لي ليس ينفعني ... ~~إليك عني جرى المقدار بالقلم سأتلف المال في عسر وفي يسر ... إن الجواد ~~الذي يعطي على العدم ومات ابن البعيث بعد دخوله سامرا بشهر، قيل كان قد جعل ~~في عنقه مائة رطل، لم يزل على وجهه حتى مات، وجعل بنوه: جليس، وصقر، ~~والبعيث، في عداد الشاكرية مع عبيد الله بن يحيى بن خاقان. ### || AUT ذكر البيعة لأولاد المتوكل بولاية العهد # PageV03P0224 # في هذه السنة عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة بولاية العهد وهم: محمد، ~~ولقبه المنتصر بالله، وأبوعبد اله محمد؛ وقيل طلحة، وقيل الزبير، ولقبه ~~المعتز بالله، وإبراهيم، ولقبه المؤيد بالله، وعقد لكل واحد منهم لواءين: ~~أحدهما أسود ووهولواء العهد، والآخر أبيض وهولواء العمل، فأعطى كل واحد ~~منهم ما نذكره. فأما المنتصر فأقطعه إفريقية والمغرب كله، والعواصم، ~~وقنسرين، والثغور جميعهأن الشامية والجزرية، وديار مضر، وديار ربيعة، ~~والموصل، وهيت، وعانة، والأنبار، والخابور، وكور باجرمى، وكور دجلة، ~~وطساسيج السواد جميعهأن والحرمين، واليمن، وحضر موت، واليمامة، والبحرين، ~~والسند، ومكران، وقندابيل، وفرج بيت الذهب، وكور الأهواز، والمستغلات ~~سامرأن وماه الكوفة، وماه البصرة، وماسبذان، ومهرجانقذق، وشهرزور، ~~والصامغان، وأصبهان، وقم، وققاشان، والجبل جميعه، وصدقات العرب بالبصرة. ~~وأما المعتز فأقطعه خراسان وما يضاف إليهأن وطبرستان، والري، وأرمينية، ~~وأذربيجان، وكور فارس، ثم أضاف إليه في سنة أربعين خزن الأموال في جميع ~~الآفاق، ودور الضرب، وأمر أن يضرب اسمه على الدراهم. وأما المؤيد فأقطعه ~~جند حمص وجند دمشق، وجند فلسطين. ### || AUT ذكر ظهور رجل ادعى النبوة # وفيها ظهر بسامرا رجل يقال له محمود بن الفرج النيسابوري، فزعم أنه نبي، ~~وأنه ذوالقرنين، وتبعه سبعة وعشرون رجلأن وخرج من أصحابه من بغداد رجلان ~~بباب العامة، وآخران بالجانب الغربي، فأتي به وبأصحابه المتوكل، فأمر به ~~فضرب ضربا شديدأن وحمل إلى باب العامة، فأكذب نفسه، وأمر أصحابه أن يضربه ~~كل رجل منهم عشر صفعات، ففعلوأن واخذوا له مصحفا فيخ كلام قد جمعه، وذكر ~~أنه قرآن، وأن جبرائيل نزل له، ثم مات ms2392 من الضرب في ذي الحجة وحبس أصحابه، ~~وكان فيهم شيخ يزعم أنه نبي، وأن الوحي يأتيه. ### || AUT ذكر ما كان بالأندلس من الحوادث # وفي هذه السنة خرج عباس بن وليد المعروف بالطبلي، بنواحي تدمير، لمحاربة ~~جمع اجتمعوا وقدموا على أنفسهم رجلا اسمه محمد بن عيسى بن سابق، فوطئ عباس ~~بلدهم، وأوقع بهم، وأصلحهم وعاد. وفيها ثار أهل تاكرنا ومن يليهم من ~~البربر، فسار إليهم جيش عبد الرحمن، صاحب الأندلس، فقاتلهم؛ وأوقع بهم، ~~وأعظم النكاية فيهم. وفيها سير عبد ارحمن ابنه المنذر في جيش كثيف ~~لغزوالروم، فبلغوا ألبه. وفيها كان سيل عظيم في رجب، في بلاد الأندلس، فخرب ~~جسر استجبة، وخرب الأرحاء، وغرق نهر إشبيلية ست عشرة قرية، وخرب نهر تاجة ~~ثماني عشرة قرية، وصار عرضه ثلاثين ميلأن وكان هذا حدثا عظيما وقع في جميع ~~البلاد في شهر واحد. وفيها هلك ردمير بن أذفونس في رجب، وكانت ولايته ~~ثمانية أعوام. وفيها هلك أبوالسول الشاعر سعيد بن يعمر بن علي بسرقسطة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة أمر المتوكل أهل الذمة بلبس الطيالسة العسلية، وشد ~~الزنانير، وركوب السروج بالركب الخشب، وعمل كرتين في مخر السروج، وعمل ~~رقعتين على لباس مماليكهم مخالفتين لون الثوب، كل واحدة منهما قدر أربع ~~أصابع، ولون كل واحدة منهما غير لون الأخرى، ومن خرج من نسائهم تلبس إزارا ~~عسليأن ومنعهم من لباس المناطق، وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من ~~منازلهم، وأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب، ونهى أن يستعان بهم ~~في أعمال السلطان، ولا يعلمهم مسلم، وأن يظهروا في شعانينهم صليبأن وأن ~~يستعملوه في الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، وكتب في ذلك إلى الآفاق. ~~وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب المصعبي، وهوابن أخي طاهر ~~بن الحسين، وكان صاحب الشرطة ببغداد أيام المأمون، والمعتصم والواثق، ~~والمتوكل، ولما مرض أرسل إليه المتوكل ابنه المعتز مع جماعة من القواد ~~يعودونه، وجزع المتوكل لموته. وفيها مات الحسن بن سهل، كان شرب دواء، فأفرط ms2393 ~~عليه، فحبس الطبع، فمات، وكان موته، وموت إسحاق بن إبراهيم في ذي الحجة في ~~يوم واحد؛ وقيل مات الحسن في سنة ست وثلاثين. ة فيها في ذي الحجة تغير ماء ~~دجلة إلى الصفرة ثلاثة أيام، ففزع الناس، ثم صار في لون ماء المدود. وفيها ~~أتى المتوكل يحيى بن عمر بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب، عليه السلام. وكان قد جمع ببعض النواحي، فاخذ، وحبس، وضرب، وحج ~~بالناس هذه السنة محمد بن داود. PageV03P0225 # وفيها مات إسحاق بن إبراهيم الموصلي، صاحب الألحان والغناء، وكان فيه علم ~~وأدب، وله شعر جيد؛ وعبيد اله بن عمر بن ميسرة الجشمي القواريري في ذي ~~الحجة؛ وإسماعيل بن علية ومنصور بن أبي مزاحم؛ وسريج بن يونس أبوالحرث. ~~سريج بالسين المهملة والجيم. ### | AUT حوادث سنة ست وثلاثين ومائتين # ### || AUT ذكر مقتل محمد بن إبراهيم # في هذه السنة قتل محمد بن إبراهيم بن مصعب أخوإسحاق بن إبراهيم. وكان ~~سبب ذلك أن إسحاق أرسل ولده محمد بن إسحاق بن إبراهيم إلى باب الخليفة ~~ليكون نائبا عنه ببابه، فلما مات إسحاق عقد المعتز لابنه محمد بن إسحاق على ~~فارس، وعقد له المنتصر على اليمامة والبحرين وطريق مكة في المحرم من هذه ~~السنة، وضم إليه المتوكل أعمال أبيه كلهأن وحمل إلى المتوكل وأولاده من ~~الجواهر التي كانت لأبيه، والأشياء النفسية، كثيرا. وكان عمه محمد بن ~~إبراهيم على فارس، فلما بلغه ما صنع المتوكل وأولاده بابن أخيه ساءه ذلك، ~~وتنكر للخليفة ولابن أخيه؛ فشكا محمد بن إسحاق ذلك إلى المتوكل، فأطلقه في ~~عمه ليفعل به ما يشاء، فعزله عن فارس، واستعمل مكانه ابن عمه الحسين بن ~~إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب، وأمره بقتل عمه محمد بن إبراهيم. فلما سار ~~الحسين إلى فارس أهدى إلى عمه يوم النيروز هدايأن وفيها حلوى فأكل محمد ~~منهأن وأدخله الحسين بيتأن ووكل عليه، فطلب الماء ليشرب فمنع منه، فمات بعد يومين. ### || AUT ذكر ما فعله المتوكل بمشهد الحسين # ### || AUT ابن علي ms2394 بن أبي طالب عليه السلام # في هذه السنة أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي، عليه السلام، وهدم ما ~~حوله من المنازل والدور، وأن يبذر ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من ~~إتيانه، فنادى عامل صاحب الشرطة بالناس في تلك الناحية: من وجدناه عند ~~قبره، بعد ثلاثة، حبسناه في المطبق! فهرب الناس، وتركوا زيارته، وحرث وزرع. ~~وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب، عليه السلام، ولأهل بيته، وكان ~~يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى عليا وأهله بأخذ المال والدم؛ وكان من جملة ~~ندمائه عبادة المخنث، وكان يشد على بطنه، تحت ثيابه، مخدة، ويكشف رأسه، ~~وهوأصلع، ويرقص بين يدي المتوكل، والمغنون يغنون: قد أقبل الأصلع البطين، ~~خليفة المسلمين. يحكي بذلك عليأن عليه السلام، والتوكل يشرب، ويضحك، ففعل ~~ذلك يومأن والمنتصر حاضر، فأومأ إلى عبادة يتهدده، فسكت خوفا منه، فقال ~~المتوكل: ما حالك؟ فقام واخبره، فقال المنتصر: يا أمير المؤمنين إن الذي ~~يحكيه هذا الكاتب، ويضحك منه الناس، هوابن عمك، وشيخ أهل بيتك، وبه فخرك، ~~فكل أنت لحمه، إذا شئت، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه! فقال المتوكل ~~للمغنين: غنوا جميعا: غار الفتى لابن عمه ... رأس الفتى في حر أمه فكان هذا ~~من الأسباب التي استحل بها المنتصر قتل المتوكل. وقيل إن المتوكل كان يبغض ~~من تقدمه من الخلفاء: المأمون، والمعتصم، والواثق في محبة علي وأهل بيته؛ ~~وإمنا كان ينادمه ويجالسه جماعة ن اشتهروا بالنصب، والبغض لعلي، منهم: علي ~~بن الجهم، الشاعر الشامي، من بني شامة ابن لؤي؛ وعمر بن فرح الرخجي؛ ~~وأبوالسمط من ولد مروان بن أبي حفصة، من موالي بني أمية؛ وعبد الله بن محمد ~~بن داود الهاشمي المعروف بابن أترجة. وكانوا يخوفونه من العلويين، ويشيرون ~~عليه بإبعادهم، والإعراض عنهم، والإساءة إليهم، ثم حسنوا له الوقيعة في ~~أسلافهم الذين يعتقد الناس علومنزلتهم في الدين، ولم يبرحوا به حتى ظهر منه ~~ما كان، فغطت هذه السيئة جميع حسناته، وكان من أحسن الناس سيرة، ومنع الناس ~~من القول بخلق القرآن إلى ms2395 غير ذلك من المحاسن. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة استكتب المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان. وفيها حج ~~المنتصر بالله، وحجت معه جدته أم المتوكل. وفيها هلك أبوسعيد محمد بن يوسف ~~الروزي فجأة، وكان عقد له على أرمينية، وأذربيجان، فلبس أحد خفيه، ومد ~~الآخر ليلبسه، فمات، فولى المتوكل ابنه يوسف ما كان إلى أبيه من الحرب؛ ~~وولاه خراج الناحية، فسار إليها وضبطها، وحج بالناس هذه السنة المنتصر. ~~وفيها خرج حبيبة البربري بالأندلس بجبال الجزيرة، واجتمع إليه جمع كثير، ~~فأغاروأن واستطالوأن فسار إليهم جيش من عبد الرحمن، فقاتلهم، فهزمهم، ~~فتفرقوا. PageV03P0226 # وفيها غزا جيش بالأندلس بلاد برشلونة، فقتلوا من أهلهأن فأكثروأن وأسروا ~~جما غفيرأن وغمنوأن وعادوا سالمين. وفيها توفي هدبة بن خالد، وسنان الأبلي، ~~وإبراهيم بن محمد الشافعي. وفيها توفي مصعب بن عبد اله بن مصعب بن ثابت بن ~~عبد الله بن الزبير ابن العوام أبوعبد الله المدني، وكان عمره ثمانين سنة، ~~وهوعم الزبير بن بكار، وكان عالما فقيهأن إلا أنه كان منحرفا عن علي، عليه ~~السلام. وفيها أيضا توفي منصور بن المهدي، ومحمد بن إسحاق بن محمد المخزومي ~~المسيبي البغدادي، وكان ثقة. وفيها توفي جعفر بن حرب الهمذاني أحد أئمة ~~المعتزلة البغداديين، وعمره تسع وخمسون سنة، وأخذ الكلام عن ابن أبي الهذيل ~~العلاف البصري. ### | AUT حوادث سنة سبع وثلاثين ومائتين # ### || AUT ذكر وثوب أهل أرمينية بعاملهم # في هذه السنة وثب أهل أرمينية بعاملهم يوسف بن محمد فقتلوه. وكان سبب ~~ذلك أن يوسف لما سار إلى أرمينية خرج إليه بطريق له بقراط بن أشوط، ويقال ~~له بطريق البطارقة، يطلب الأمان، فأخذه يوسف وابنه نعمة، فسيرهما إلى باب ~~الخليفة، فاجتمع بطارقة أرمينية مع ابن أخي بقراط بن أشوط، وتحالفوا عن قتل ~~يوسف، ووافقهم على ذلك موسى بن زرارة، وهوصهر بقراط على ابنته، فأتى الخبر ~~يوسف، ونهاه أصحابه عن المقام بمكانه، فلم يقبل، فلما جاء الشتاء، ونزل ~~الثلج، مكثوا حتى سكن الثلج، ثم أتوه وهوبمدينة طرون، فحصروه بهأن فخرج ~~إليهم من ms2396 المدينة فقاتلهم، فقتلوه وكل من قاتل معه، وأما من لم يقاتل معه ~~فقالوا له: انزع ثيابك، وانج بنفسك عريانأن ففعلوأن ومشوا حفاة عراة، فهلك ~~أكثرهم من البرد، وسقطت أصابع كثير منهم، ونجوأن وكان ذلك في رمضان. وكان ~~يوسف قبل ذلك قد فرق أصحابه في رساتيق عمله، فوجه إلى كل طائفة منهم طائفة ~~من البطارقة، فقتلوهم في يوم واحد. فلما بلغ المتوكل وجه بغا الكبير إليهم، ~~طالبا بدم يوسف، فسار إليهم على الموصل والجزيرة، فبدأ بأرزن، وبها موسى بن ~~زرارة، وله إخوة: إسماعيل، وسليمان، وحمد، وعيسى، ومحمد، وهارون، فحمل بغا ~~موسى بن زرارة إلى المتوكل، وأباح قتلة يوسف، فقتل منهم زهاء ثلاثين ألفأن ~~وسبى منهم خلقا كثيرأن فباعهم وسار إلى بلاد الباق، فأسر أشوط بن حمزة أبا ~~العباس، صاحب الباق، والباق من كورة البسفرجان، ثم سار إلى مدينة دبيل من ~~أرمينية فأقام بها شهرأن ثم سار إلى تفليس فحصرها. ### || AUT ذكر غضب المتوكل على ابن أبي دؤاد وولاية ابن أكثم القضاء # وفيها غضب المتوكل على احمد بن أبي دؤاد، وقبض ضياعه وأملاكه، وحبس ابنه ~~أبا الوليد، وسائر أولاده، فحمل أبوالوليد مائة ألف وعشرين ألف دينار، ~~وجواهر قيمتها عشرون ألف دينار، ثم صولح بعد ذلك على ستة عشر ألف ألف درهم، ~~وأشهد عليهم جميعا ببيع أملاكهم. وكان أبوهم أحمد بن أبي دؤاد قد فلج، ~~وأحضر المتوكل يحيى بن أكثم من بغداد إلى سامرأن ورضي عنه، وولاه قضاء ~~القضاة، ثم ولاه المظالم، فولى يحيى بن أكثم قضاء الشرقية حيان بن بشر، ~~وولى سوار بن عبد الله العنبري قضاء الجانب الغربي، وكلاهما أعور، فقال ~~الجماز: رأيت من الكبائر قاضيين ... هما أحدوثة في الخافقين هما اقتسما ~~العمى نصفين قدرا ... كما اقتسما قضاء الجانبين وتحسب منهما من هز رأسا ... ~~لينظر في مواريث ودين كأنك قد وضعت عليه دنا ... فتحت بزالة من فرد عين هما ~~فأل الزمان بهلك يحيى ... إذا افتتح القضاء بأعورين ### || AUT ذكر ولاية العباس بن الفضل صقلية # ### || AUT وما فتح فيها # قد ذكرنا سنة ms2397 ثمان وعشرين ومائتين أن محمد بن عبد الله، أمير صقلية، ~~توفي سنة ست وثلاثين ومائتين، فلما مات اجتمع المسلمون بها على ولاية ~~العباس بن الفضل بن يعقوب، فولوه أمرهم، فكتبوا بذلك إلى محمد بن الأغلب ~~أمير إفريقية فأرسل إليه عهدا بولايته، فكان العباس إلى أن وصل عهده يغير، ~~ويرسل السرايأن وتأتيه الغنائم. فلما قدم إليه عهده بولايته خرج بنفسه وعلى ~~مقدمته عمه رباح، فأرسل في سرية إلى قلعة أبي ثور، فغمن، وأسر وعاد، فقتل ~~الأسرى، وتوجه إلى مدينة قصريانة، فنهب، وأحرق، وخرب ليخرج إليه البطريق، ~~فلم يفعل، فعاد العباس. PageV03P0227 # وفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين خرج حتى بلغ قصريانة ومعه جمع عظيم، فغمن، ~~وخرب، وأتى قطانية، وسرقوسة، ونوطس، ورغوس، فغمن من جميع هذه البلاد، وخرب ~~وأحرق، ونزل على بثيرة، وحصرها خمسة أشهر، فصالحه أهلها على خمسة آلاف رأس. ~~وفي سنة اثنتين وأربعين سار العباس في جيش كثيف، ففتح حصونا خمسة؛ وفي سنة ~~ثلاث وأربعين سار إلى قصريانة، فخرج أهلهأن فلقوه، فهزمهم، وقتل فيهم ~~فأكثر، وقصد سرقوسة وطبرمين وغيرهمأن فنهب، وخرب، واحرق، ونزل على القصر ~~الجديد وحصره، وضيق على من به من الروم، فبذلوا له خمسة عشر ألف دينار، فلم ~~يقبل منهم، وأطال الحصر، فسلموا إليه الحصن على شرط أن يطلق مائتي نفس، ~~فأجابهم إلى ذلك، وملكه، وباع كل من فيه سوى مائتي نفس، وهدم الحصن. ### || AUT ذكر فتح قصريانة # في سنة أربع وأربعين ومائتين فتح المسلمون مدينة قصريانة، وهي المدينة ~~التي بها دار الملك بصقلية، وكان الملك قبلها يسكن سرقوسة، فلما ملك ~~المسلمون بعض الجزيرة نقل دار الملك إلى قصريانة لحصانتها. وسبب فتحها أن ~~العباس سار في جيوش المسلمين إلى مدينة قصريانة، وسرقوسة، وسير جيشا في ~~البحر، فلقيهم أربعون شلندي للروم، فاقتتلوا أشد قتال، فانهزم الروم، واخذ ~~منهم المسلمون عشر شلنديات برجالهأن وعاد العباس إلى مدينته. فلما كان ~~الشتاء سير سرية، فبلغت قصريانة، فنهبوأن وخربوأن وعادوا ومعهم رجل كان له ~~عند الروم قد ومنزلة، فأمر العباس بقتله، فقال: استبقني، ولك عندي ms2398 نصيحة! ~~قال: وما هي؟ قال: أملكك قصريانة، والطريق في ذلك أن القوم في هذا الشتاء ~~وهذه الثلوج آمنون من قصدكم إليهم، فهم غير محترسين، ترسل معي طائفة من ~~عسكركم حتى أدخلكم المدينة. فانتخب العباس ألفي فارس أنجاد أبطال، وسار إلى ~~أن قاربهأن وكمن هناك مستترأن وسير عمه رباحا في شجعانهم، فساروا مستخفين ~~في الليل، والرومي معهم مقيد بين يدي رباح، فأراهم الموضع الذي ينبغي أن ~~يملك منه، فنصبوا السلاليم، وصعدوا الجبل، ثم وصلوا إلى سور المدينة، قريبا ~~من الصبح، والحرس نيام، فدخلوا من نحوباب صغير فيه، يدخل منه الماء وتلقى ~~فيه الأقذار، فدخل المسلمون كلهم، فوضعوا السيف في الروم، وفتحوا الأبواب. ~~وجاء العباس في باقي العسكر، فدخلوا المدينة وصلوا الصبح يوم الخميس منتصف ~~شوال، وبنى فيها في الحال مسجدأن ونصب فيه منبرأن وخطب فيه يوم الجمعة، ~~وقتل من وجد فيها ن المقاتلة، وأخذوا ما فيها من بنات البطارقة بحليهن، ~~وأبناء الملوك، وأصابوا فيها ما يعجز الوصف عنه، وذل الشرك يومئذ بصقلية ~~ذلا عظيما. ولما سمع الروم أرسل ملكهم بطريقا من القسطنطينية في ثلاثمائة ~~شلندي وعسكر كثير، فوصلوا إلى سرقوسة، فخرج إليهم العباس من المدينة، ولقي ~~الروم، وقاتلهم، فهزمهم، فركبوا في مراكبهم هاربين، وغمن المسلمون منهم ~~مائة شلندي، وكثر القتل فيهم، ولم يصب من المسلمين ذلك اليوم غير ثلاثة نفر ~~بالنشاب. وفي سنة ست وأربعين ومائتين نكث كثير من قالع صقلية وهي: وسطر، ~~وابلأن وابلاطنوأن وقلعة عبد المؤمن، وقلعة البلوط، وقلعة أبي ثور، وغيرها ~~من القالع، فخرج العباس إليهم، فلقيهم عساكر الروم، فاقتتلوأن فانهزم ~~الروم، وقتل منهم كثير. وسار إلى قلعة عبد المؤمن وقلعة ابلاطنوأن فحصرهأن ~~فأتاه الخبر بأن كثيرا من عساكر الروم قد وصلت، فرحل إليهم، فالتقوا ~~بجفلودى، وجرى بينهم قتال شديد، فانهزمت الروم، وعادوا إلى سرقوسة، وعاد ~~العباس إلى المدينة، وعمر قصريانة، وحصنهأن وشحنها بالعساكر. وفي سنك سبع ~~وأربعين ومائتين سار العباس إلى سرقوسة، فغمن وسار إلى غيران قرقنة، فاعتل ~~ذلك اليوم، ومات بعد ثلاثة أيام، ثالث جمادى الآخرة، ms2399 فدفن هناك فنبشه ~~الروم، وأحرقوه، وكانت ولايته إحدى عشرة سنة، وأدام الجهاد شتاء وصيفأن ~~وغزا أرض قلورية وانكبردة وأسكنها المسلمين. ### || AUT ذكر ابتداء أمر يعقوب بن الليث # وفيها تغلب إنسان من أهل بست، اسمه صالح بن النضر الكناني، على سجستان، ~~ومعه يعقوب بن الليث، فعاد طاهر بن عبد الله بن طاهر أمير خراسان واستنقذها ~~من يده. PageV03P0228 # ثم ظهر بها إنسان اسمه درهم بن الحسين، من المتطوعة، فتغلب عليهأن وكان ~~غير ضابط لعسكره، وكان يعقوب بن الليث هوقائد عسكره، فلما رأى أصحاب درهم ~~ضعفه وعجزه، اجتمعوا على يعقوب بن الليث، وملكوه أمرهم، لما رأوا من ~~تدبيره، وحسن سياسته، وقيامه بأمورهم، فلما تبين ذلك لدرهم لم ينازعه في ~~الأمر، وسلمه إليه، واعتزل عنه، فاستبد يعقوب بالأمر، وضبط البلاد، وقويت ~~شوكته وقصدته العساكر من كل ناحية، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ولي عبيد بن إسحاق بن إبراهيم بغداد ومعاون السواد. وفيها ~~قدم محمد بن عبد الله بن طاهر من خراسان في ربيع الأول فولي الحربة، ~~والشرطة، وخلافة المتوكل ببغداد، وأعمال السواد وأقام بها. وفيها عزل ~~أبوالوليد محمد بن أحمد بن أبي دؤاد عن المظالم، وولاها محمد بن يعقوب ~~المعروف بابن الربيع. وفيها أمر المتوكل جثة أحمد بن نصر الخزاعي، ودفعه ~~إلى أوليائه، فحمل إلى بغداد، وضم رأسه إلى بدنه، وغسل، وكفن، ودفن، واجتمع ~~عليه من العامة ما لا يحصى يتمسحون به؛ وكان المتوكل لما ولي نهى عن الجدال ~~في القرآن وغيره، وكتب إلى الآفاق بذلك. وغزا الصائفة في هذه السنة علي بن ~~يحيى ارمني، وحج بالناس فيها علي بن عيسى بن جعفر بن المنصور وكن والي مكة. ~~وفيها قام رجل بالأندلس بناحية الثغور وادعى النبوة، وتأول القرآن على غير ~~تأويله، فتبعه قوم من الغوغاء، فكان من شرائعه أنه كان ينهى عن قص الشعر ~~وتقليم الأظافر، فبعث إليه عامل ذلك البلد، فأتي به، وكان أول ما خاطبه به ~~من دعاه إلى أتباعه، فأمره ms2400 العامل بالتوبة، فامتنع فصلبه. وفيها سارت جيوش ~~المسلمين إلى بلاد المشركين، فكانت بينهم وقعة عظيمة كان الظفر فيها ~~للمسلمين، وهي الوقعة المعروفة بوقعة البيضاء، وهي مشهورة بالأندلس. وفيها ~~توفي العباس بن الوليد المديني بالبصرة، وعبد الأعلى بن حماد النرسي وعبيد ~~الله بن معاذ العنبري. النرسي بالنون والراء والسين المهملة. ### | AUT حوادث سنة ثمان وثلاثين ومائتين # ### || AUT ذكر ما فعله بغا بتفليس # قد ذكرنا مسير بغا إلى تفليس ومحاصرتها؛ وكان بغا لما سار إليها وجه ~~زيرك التركي، فجاز نهر الكر، وهونهر كبير، ومدينة تفليس على حافته، وصغدبيل ~~على جانبه الشرقي، فلما عبر النهر نزل بميدان تفليس، ووجه بغا أيضا أبا ~~العباس الوارثي النصراني إلى أهل أرمينية عربها وعجمهأن فأتى تفليس مما يلي ~~باب المرفص، فخرج إسحاق بن إسماعيل مولى بني أمية من تفليس إلى زيرك، فقابل ~~عند الميدان، ووقف بغا على تل مشرف ينظر ما يصنع زيرك وأبوالعباس، فدعا بغا ~~النفاطين، فضربوا المدينة بالنار، فاحرقوها وهي من خشب الصنوبر. وأقبل ~~إسحاق بن إسماعيل إلى المدينة، فرأى قد أحرقت قصره وجواريه وأحاطت به، ~~فأتاه الأتراك، والمغاربة، فأخذوه أسيرا وأخذوا ابنه عمرأن فأتوا بهما بغأن ~~فأمر بإسحاق فضربت عنقه، وصلبت جثته على نهر الكر، وكان شيخا محدورأن ضخم ~~الرأس، أحول، واحترق بالمدينة نحوخمسين ألف إنسان، وأسروا من سلم من النار، ~~وسلبوا الموتى. وأخذ أهل إسحاق ما سلم من ماله بصغدبيل، وهي مدينة حصينة ~~حذاء تفليس بناها كسرى أنوشروان، وحصنها إسحاق، وجعل أمواله فيها مع امرأته ~~ابنه صاحب السرير. ثم إن بغا وجه زيرك إلى قلعة الحرزمان، وهي بين برذعة ~~وتفليس، في جماعة من جنده ففتحهأن واخذ بطريقها أسيرا؛ ثم سار بغا إلى عيسى ~~ابن يوسف، وهوفي قلعة كبيش، في كورة البيلقان، ففتحها وأخذه فحمله، وحمل ~~معه أبا العباس الوارثي، واسمه سنباط بن أشوط، وحمل معاوية بن سهل بن سنباط ~~بطريق أران. ### || AUT ذكر مسير الروم إلى ديار مصر # في هذه السنة جاء ثلاثمائة مركب للروم مع ثلاثة رؤساء فأناخ أحدهم في ~~مائة مركب ms2401 بدمياط، وبينها وبين الشط شبيه بالبحيرة، يكون ماؤها إلى صدر ~~الرجل، فمن جازها إلى الأرض أمن من مراكب البحر، فجازه قوم فسلموأن وغرق ~~كثير من نساء وصبيان، ومن كان به قوة سار إلى مصر. PageV03P0229 # وكان على معونة مصر عنبسة بن إسحاق الضبي، فلما حضر العيد أمر الجند ~~الذين بدمياط أن يحضروا مصر، فساروا منهأن فاتفق وصول الروم وهي فارغة من ~~الجند فنهبوأن وأحرقوأن وسبوأن وأحرقوا جامعهأن وأخذوا ما بها من سلاح ~~ومتاع، وقند، وغير ذلك، وسبوا من النساء المسلمات والذميات نحوستمائة ~~امرأة، وأوقروا سفنهم من ذلك. وكان عنبسة قد حبس بن الأكشف بدمياط، فكسر ~~قيده، وخرج يقاتلهم، وتبعه جماعة، وقتل من الروم جماعة، وسارت الروم إلى ~~أشنوم تنيس، وكان عليه سور وبابان من حديد قد عمله المعتصم، فنهبوا ما فيه ~~من سلاح، وأخذوا البابين، ورجعوا ولم يعرض لهم أحد. ### || AUT ذكر وفاة عبد الرحمن بن الحكم # ### || AUT وولاية ابنه محمد # وفيها توفي عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية ابن ~~هشام الأموي، صاحب الأندلس، في ربيع الآخر، وكان مولده سنة ست وسبعين ~~ومائة، وولايته إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر. وكان أسمر طويلأن أقنى، ~~أعين، عظيم اللحية، مخضبا بالحناء، وخلف خمسة وأربعين ولدا ذكورأن وكان ~~أديبأن شاعرأن وهومعدود في جملة من عشق جواريه، وكان يعشق جارية له اسمها ~~طروب، وشهر بهأن وكان عالما بعلوم الشريعة وغيرها من علوم الفلاسفة وغيرهم ~~أيامه أيام عافية وسكون، وكثرت الأموال عنده، وكان بعيد الهمة واخترع ~~قصورأن ومنتزهات كثيرة، وبنى الطرق، وزاد في الجامع بقرطبة رواقين، وتوفي ~~قبل أن يستتم زخرفته، وأتمه ابنه، وبنى جوامع كثيرة بالأندلس. ولما مات ملك ~~ابنه محمد، فجرى على سيرة والده، وأتم بناء الجامع بقرطبة، وأمه تسمى بهتر، ~~وولد له مائة ولد كلهم ذكور، وهوأول من أقام أبهة الملك بالأندلس، ورتب ~~رسوم المملكة، وعلا عن التبذل للعامة، فكان يشبه بالوليد بن عبد الملك في ~~أبهة الملك، وهوأول من جلب الماء العذب إلى قرطبة، وأدخله إليهأن وجعل لفصل ms2402 ~~الماء مصنعا كبيرا يرده الناس. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سار المتوكل نحوالمدائن، فدخل بغداد، وسار منها إلى ~~المدائن، وغزا الصائفة على علي بن يحيى الأرمني. وفيها مات إسحاق بن ~~إبراهيم الحنظلي، المعروف بابن راهويه، وكان إماما عالمأن وجرى له مع ~~الشافعي مناظرة في بيوت مكة، وكان عمره سبعا وسبعين سنة؛ ومحمد بن بكار المحدث. ### | AUT حوادث سنة تسع وثلاثين ومائتين # في هذه السنة أمر المتوكل بأخذ أهل الذمة بلبس ذراعين عسليتين على ~~الأقبية والدراريع، وبالاقتصار في مراكبهم على ركوب البغال والحمير دون ~~الخيل والبراذين. فيها نفى المتوكل علي بن الجهم إلى خراسان. وفيها أمر ~~المتوكل بهدم البيع المحدثة في الإسلام. وفيها سير محمد بن عبد الرحمن جيشا ~~مع أخيه الحكم إلى قلعة رباح، وكان أهل طليطلة قد خربوا سورهأن وقتلوا ~~كثيرا من أهلهأن وأصلح الحكم سورهأن وأعاد من فارقها من أهلها إليهأن وأصلح ~~حالهأن وتقدم إلى طليطلة فأفسد في نواحيها وشعثهأن وسير محمد أيضا جيشا آخر ~~إلى طليطلة، فلما قاربوها خرجت عليهم الجنود من المكامن، فانهزم العسكر، ~~وأصيب أكثر من فيه. وفيها مات أبوالوليد محمد بن أحمد بن أبي دؤاد القاضي ~~ببغداد في ذي الحجة، وغزا الصائفة علي بن يحيى الأرمني. وفيها حج جعفر بن ~~دينار على الأحداث بطريق مكة والموسم، وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن ~~محمد بن داود بن عيسى بن موسى وكان والي مكة. وفيها اتفق الشعانين للنصارى ~~ويوم النيروز، وذلك يوم الأحد لعشرين ليلة خلت من ذي القعدة، فزعمت النصارى ~~أنهما لم يجتمعا في الإسلام قط. وفيها توفي محمود بن غيلان المروزي ~~أبوأحمد، وهومن مشايخ البخاري ومسلم والترمذي. ### | AUT حوادث سنة أربعين ومائتين # ### || AUT ذكر وثوب أهل حمص بعاملهم # في هذه السنة وثب أهل حمص بعاملهم أبي المغيث موسى بن إبراهيم الرافعي، ~~وكان قتل رجلا من رؤسائهم، فقتلوا جماعة من أصحابه، وأخرجوه، وأخرجوا عامل ~~الخراج، فبعث المتوكل إليهم عتاب بن عتاب، ومحمد بن عبدويه الأنباري، وقال ~~لعتاب: قل لهم إن أمير المؤمنين ms2403 قد بدلكم بعاملكم، فإن أطاعوا فول عليهم ~~محمد بن عبدويه، فإن أبوا فأقم وأعلمني، حتى أمدك برجال وفرسان. فساروا ~~إليهم، فوصلوا في ربيع الآخر، فرضوا بمحمد بن عبدويه، فعمل فيهم الأعاجيب، ~~حتى أحوجهم إلى محاربته، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. PageV03P0230 ### || AUT ذكر الحرب بين المسلمين والفرنج بالأندلس # وفي هذه السنة، في المحرم، كان بين المسلمين والفرنج حرب شديدة. وسبب ~~ذلك أن أهل طليطلة كانوا على ما ذكرنا من الخلاف على محمد ابن عبد الرحمن، ~~صاحب الأندلس، وعلى أبيه من قبله، فلما كان الآن سار محمد في جيوشه إلى ~~طليطلة، فلما سمع أهلها بذلك أرسلوا إلى ملك جليقية يستمدونه وإلى ملك ~~بشكنس فأمداهم بالعساكر الكثيرة. فلما سمع محمد بذلك، وكان قد قارب طليطلة، ~~عبأ أصحابه، وقد كمن لهم الكمناء بناحية وادي سليط، وتقدم هوإليهم في قلة ~~من العسكر، فلما رأى أهل طليطلة ذلك أعلموا الفرنج بقلة عددهم، فسارعوا إلى ~~قتالهم، وطمعوا فيهم، فلما تراءى الجمعان، وانتشب القتال، خرجت الكمناء من ~~كل جهة على المشركين، وأهل طليطلة، فقتل منهم ما لا يحصى، وجمع من الرؤوس ~~ثمانية آلاف رأس فرقت في البلاد، فذكر أهل طليطلة أن عدة القتلى من ~~الطائفتين عشرون ألف قتيل، وبقيت القتلى على وادي سليط دهرا طويلا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل يحيى بن أكثم عن القضاء، وقبض منه ما مبلغه خمسة ~~وسبعون ألف دينار، وأربعة آلاف جريت بالبصرة. وفيها جعفر بن عبد الواحد بن ~~جعفر بن سليمان بن علي قضاء القضاة؛ وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن محمد ~~بن داود، وكان على أحداث الموسم جعفر بن دينار. وفيها توفي القاضي أبوعبد ~~الله بن أبي دؤاد في المحرم بعد ابنه أبي الوليد بعشرين يومأن وكان داعية ~~إلى القول بخلق القرآن وغيره من مذاهب المعتزلة، وأخذ ذلك عن بشر المريسي، ~~وأخذه بشر من الجهم بن صفوان، وأخذه جهم من الجعد بن أدهم، وأخذه الجعد من ~~أبان بن سمعان، وأخذه أبان من طالوت ابن أخت لبيد ms2404 الأعصم وختنه، وأخذه ~~طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان ~~لبيد يقول بخلق التوراة، وأول من صنف في ذلك طالوت، وكان زنديقأن فأفشى ~~الزندقة. وفيها توفي قتيبة بن سعيد بن حميد أبورجاء الثقفي وله تسعون سنة، ~~وهوخراساني من مشايخ البخاري، ومسلم، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من الأئمة، ~~وتوفي أبوثور إبراهيم بن خالد البغدادي الكلبي الفقيه، وهومن أصحاب ~~الشافعي، وأبوعثمان محمد بن الشفعي، وكان قاضي الجزيرة جميعها، وروى عن ~~أبيه، وعن ابن عنبسة، وقيل مات بعد سنة أربعين. وكان للشافعي ولد آخر اسمه ~~محمد مات بمصر سنة إحدى وثلاثين ومائتين. ؟ ### | AUT حوادث سنة إحدى وأربعين ومائتين # ### || AUT ذكر وثوب أهل حمص بعاملهم # في هذه السنة وثب أهل حمص بعاملهم محمد بن عبدويه، وأعانهم عليه قوم من ~~نصارى حمص، فكتب إلى المتوكل، فكتب إليه يأمره بمناهضتهم، وأمده بجند من ~~دمشق والرملة، فظفر بهم، فضرب منهم رجلين من رؤسائهم حتى ماتا وصلبهما على ~~باب حمص وسير ثمانية رجال المتوكل بإخراج النصارى منهأن وهدم كنائسهم، ~~وبإدخال البيعة التي إلى جانب الجامع إلى الجامع، ففعل ذلك. ؟؟ ### || AUT ذكر الفداء بين المسلمين والروم # وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم، بعد أن قتلت تدورة، ملكة الروم، ~~من أسرى المسلمين اثني عشر ألفأن فإنها عرضت النصرانية على الأسرى، فمن ~~تنصر جعلته أسوة من قبله من المنتصرة، ومن أبى قتلته، وأرسلت تطلب المفاداة ~~لمن بقي منهم، فأرسل المتوكل شنيفا الخادم القضاء من يقوم مقامه، فأذن له ~~فحضره واستخلف على القضاء ابن أبي الشوارب، وهوشاب، ووقع الفداء على نهر ~~اللامس، فكان أسرى المسلمين من الرجال سبع مائة وخمسة وثمانين رجلأن ومن ~~النساء مائة وخمسا وعشرين امرأة. وفيها جعل المتوكل كل كورة شمشاط عشرية ~~وكانت خراجية. ### || AUT ذكر غارات البجاة بمصر # وفيها أغارت البجاة على أرض مصر، وكانت قبل ذلك لا تغور بلاد الإسلام ~~لهدنة قديمة، وقد ذكرناها فيما مضى، وفي بلادهم معادن يقاسمون المسلمين ~~عليهأن ويؤدون إلى عمال مصر نحوالخمس. PageV03P0231 # فلما كانت أيام ms2405 المتوكل امتنعت عن أداء ذلك، فكتب صاحب البريد بمصر ~~بخبرهم، وأنهم قتلوا عدة من المسلمين ممن يعمل في المعادن، فهرب المسلمون ~~منها خوفا على أنفسهم، فأنكر المتوكل ذلك، فشاور في أمرهم، فذكر له أنهم ~~أهل بادية، أصحاب إبل وماشية، وأن الوصول إلى بلادهم صعب لأنها مفاوز، وبين ~~أرض الإسلام وبينها مسيرة شهر في أرض قفر وجبال وعرة، وأن كل من يدخلها من ~~الجيوش يحتاج إلى أن يتزود لمدة يتوهم أنه يقيمها إلى أن يخرج إلى بلاد ~~الإسلام، فإن جاوز تلك المدة هلك، وأخذتهم البجاة باليد، وأن أرضهم لا ترد ~~على سلطان شيئا. فأمسك المتوكل عنهم، فطمعوا وزاد شرهم حتى خاف أهل الصعيد ~~على أنفسهم منهم، فولى المتوكل محمد بن عبد الله القمي محاربتهم، وولاه ~~معونة تلك الكور، وهي قفط والأقصر وأسنا وأرمنت وأسوان، وأمره بمحاربة ~~البجاة، وكتب إلى عبسنة بن إسحاق الضبي، عامل حرب مصر، بإزاحة علته وإعطائه ~~من الجند ما يحتاج إليه، ففعل ذلك. وسار محمد إلى أرض البجاة وتبعه ممن ~~يعمل في المعادن والمتطوعة عالم كثير، فبلغت عدتهم نحوا من عشرين ألفا بين ~~فارس وراجل، ووجه إلى القلزم، فحمل في البحر سبعة مراكب موقورة بالدقيق، ~~والزيت، والتمر، والشعير، والسويق، وأمر أصحابه أن يوافوه بها في ساحل ~~البحر مما يلي بلاد البجاة، وسار حتى جاوز المعادن التي يعمل فيها الذهب، ~~وسار إلى حصونهم وقلاعهم، وخرج إليه ملكهم، واسمه علي بابأن في جيش كثير ~~أضعاف من مع القمي، فكانت البجاة على الإبل، وهي إبل فرة تشبه المهاري، ~~فتحاربوا أيامأن ولم يصدقهم علي بابا القتال لتطول الأيام، وتفنى أزواد ~~المسلمين وعلوفاتهم، فيأخذهم بغير حرب، فأقبلت تلك المراكب التي فيها ~~الأقوات في البحر، ففرق القمي ما كان فيها في أصحابه فامتنعوا فيها. فلما ~~رأى علي بابا ذلك صدقهم القتال، وجمع لهم، فالتقوا قتالا شديدأن وكانت ~~إبلهم ذعرة تنفر من كل شيء، فلما رأى القمي ذلك جمع كل جرس في عسكره وجعلها ~~في أعناق خيله، ثم حملوا على البجاة، فنفرت إبلهم لأصوات الأجراس، ms2406 فحملتهم ~~على الجبال والأودية، وتبعهم المسلمون قتلا وأسرأن حتى أدركهم الليل، وذلك ~~أول سنة إحدى وأربعين ومائتين، ثم رجع إلى معسكره ولم يقدر على إحصاء ~~القتلى لكثرتهم. ثم إن ملكهم علي بابا طلب الأمان فأمنه على أن يرد مملكته ~~وبلاده، فأدى إليهم الخراج للمدة التي كان منعهأن وهي أربع سنين، وسار مع ~~القمي إلى المتوكل، واستخلف على مملكته ابنه بغش، فلما وصل إلى المتوكل خلع ~~عليه وعلى أصحابه، وكسا جمله رحلا كليحا وجلال ديباج، وولى المتوكل البجاة ~~طريق مصر، ما بين مصر ومكة، سعدا الخادم الإيتاخي، فولى الإيتاخي محمدا ~~القمي، فرجع إليها ومعه علي بابا وهوعلى دينه، وكان معه صمن من حجارة كهيئة ~~الصبي يسجد له. ؟ ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها مطر الناس بسامرا مطرا شديدا في آب. وقيل فيها: إنه أنهي إلى ~~المتوكل أن عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم، صاحب خان عاصم ببغداد، يشتم أبا ~~بكر، وعمر، وعائشة، وحفصة، فكتب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر أن يضربه ~~بالسياط، فإذا مات ورمى به في دجلة، ففعل ذلك وألقي في دجلة. وفيها وقع بها ~~الصدام فنفقت الدواب والبقر. وفيها أغارت الروم على عين زربة، فأخذت من كان ~~أسيرا من الزط مع نسائهم وذراريهم ودوابهم. وفيها اكثر محمد، صاحب الأندلس، ~~من الرجال بقلعة رباح، وتلك النواحي، ليقفوا على أهل طليطلة، وسير الجيوش ~~إلى غزوالفرنج إلى موسى، فدخلوا بلادهم ووصلوا إلى ألبة والقلاع، وافتتحوا ~~بعض حصونها وعادوا. ومات في هذه السنة يعقوب بن إبراهيم، المعروف بقوصرة، ~~صاحب بريد مصر والغرب، وحج بالناس عبد الله بن محمد بن داود، وحج جعفر ابن ~~دينار، وهووالي الطريق وأحداث الموسم. وفيها كثر انقضاض النجوم، فكانت ~~كثيرة لا تحصى، فبقيت ليلة من العشاء الآخرة إلى الصبح. وفيها كانت بالري ~~زلزلة شديدة هدمت المساكن، ومات تحتها خلق كثير لا يحصون، وبقيت تتردد فيها ~~أربعين يوما. وفيها خرجت ريح من بلاد الترك، فقتلت خلقا كثيرأن وكان يصيبهم ~~بردها فيزكمون، فبلغت سرخس، ونيسابور، وهمذان، والري، فانتهت إلى ms2407 حلوان. ~~وفيها توفي الإمام أحمد بن حنبل الشيباني الفقيه المحدث في شهر ربيع الأول. ~~PageV03P0232 # ؟ ### | AUT حوادث سنة اثنتين وأربعين ومائتين # في هذه السنة كانت زلازل هائلة بقومس ورساتيقها في شعبان، فتهدمت الدور، ~~وهلك تحت الهدم بشر كثير، قيل كانت عدتهم خمسة وأربعين ألفا وستة وتسعين ~~نفسأن وكان أكثر ذلك بالدامغان، وكان بالشام، وفارس، وخراسان في هذه السنة ~~زلازل، وأصوات منكرة، وكان باليمن مثل ذلك مع خسف. وفيها خرجت الروم من ~~ناحية سميساط بعد خروج علي بن يحيى الأرمني من الصائفة حتى قاربوا آمد، ~~وخرجوا من الثغور والجزرية فانتهبوأن وأسروا نحوا من عشرة آلاف، وكان ~~دخولهم من ناحية أرين قرية قريباس ثم رجعوا فخرج قريباس، وعمر بن عبد الله ~~الأقطع، وقوم من المتطوعة في آثارهم، فلم يلحقوهم، فكتب المتوكل إلى علي بن ~~يحيى الأرمني أن يسير إلى بلادهم شاتيا. وفيها قتل المتوكل رجلا عطارأن ~~وكان نصرانيا فأسلم، فمكث مسلما سنين كثيرة، ثم ارتد، واستتيب، فأبى الرجوع ~~إلى الإسلام، فقتل وأحرق. وفيها سير محمد بن عبد الرحمن بالأندلس جيشا إلى ~~بلد المشركين، فدخلوا إلى برشلونة، وحارب قلاعها وجازها إلى ما وراء ~~أعمالهأن فغمنوا كثيرأن وافتتحوا حصنا من أعمال برشلونة يسمى طراجة، وهومن ~~آخر حصون برشلونة. وفيها مات أبوالعباس محمد بن الأغلب، أمير إفريقية، عاشر ~~المحرم، كان عمره ستا وثلاثين سنة، وولي بعده ابنه أبوإبراهيم أحمد بن محمد ~~بن الأغلب، وقد ذكرنا ذلك سنة ست وعشرين ومائتين. وفيها مات أبوحسان ~~الزيادي قاضي الشرقية، ومات الحسن بن علي بن الجعد، قاضي مدينة المنصور، ~~وحج بالناس عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، وهوعلى مكة؛ وحج ~~جعفر بن دينار على الطريق وأحداث الموسم؛ وتوفي القاضي يح بن أكثم التميمي ~~بالربذة عائدا من الحج؛ ومحمد بن مقاتل الرازي، وأبوحصين يحيى بن سليم ~~الرازي المحدث. ؟ ### | AUT حوادث سنة ثلاث وأربعين ومائتين # وفي هذه السنة سار المتوكل إلى دمشق في ذي القعدة على طريق الموصل، فضحى ~~ببلد فقال يزيد بن محمد المهلبي: أظن الشام تشمت بالعراق ms2408 ... إذا عزم ~~الإمام على انطلاق فإن يدع العراق وساكينه ... فقد تبلى المليحة بالطلاق ~~وفيها مات إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول الصولي، وكان أديبا شاعرأن ~~فولي ديوان الضياع الحسن بن مخلد الجراح، خليفة إبراهيم. ومات عاصم بن ~~منجور، وحج بالناس عبد الصمد بن موسى؛ وحج جعفر بن دينار وهووالي الطريق ~~وأحداث الموسم. وفيها خرج أهل طليطلة بجمعهم إلى كلبيرة وعليها مسعود بن ~~عبد الله العريف، فخرج إليهم فيمن معه ن الجنود، فلقيهم، فقاتلهم، فانهزم ~~أهل طليطلة، وقتل أكثرهم، وحمل إلى قرطبة سبع مائة رأس. وفيها توفي شهيد بن ~~عيسى بن شهيد الأندلسي، وكان من العلماء. وفيها توفي يعقوب بن إسحاق بن ~~يوسف المعروف بابن السكيت، النحوي الغوي، وقيل سنة أربع، وقيل خمس، وقيل ست ~~وأربعين؛ والحارث ابن أسد المحاسبي أبوعبد الله الزاهد، وكان قد هجره ~~الإمام أحمد بن حنبل لأجل الكلام، فاختفى لتعصب العامة لأحمد، فلم يصل عليه ~~إلا أربعة نفر. ### | AUT حوادث سنة أربع وأربعين ومائتين # في هذه السنة دخل المتوكل مدينة دمشق في صفر، وعزم على المقام بهأن ونقل ~~دواوين الملك إليهأن وأمر بالبناء بهأن ثم استوبأ البلد وذلك بان هواءه ~~بارد ندي، والماء ثقيل، والريح تهب فيها مع العصر فلا تزال تشتد حتى يمضي ~~عامة الليل، وهي كثيرة البراغيث؛ وغلت الأسعار، وحال الثلج بين السابلة ~~والميرة، فرجع إلى سامرأن وكان مقامه بدمشق شهرين وأيامأن فلما كان بها وجه ~~بغا الكبير لغزوالروم، فغزا الصائفة فافتتح صملة. وفيها عقد المتوكل لأبي ~~الساج على طريق مكة مكان جعفر بن دينار، وقيل عقد له سنة اثنتين وأربعين ~~وهوالصواب. وفيها أتى المتوكل بحربة كانت للنبي، صلى اله عليه وسلم، وتسمى ~~العنزة، فكانت لنجاشي، فأهداها للزبير بن العوام، وأهداها الزبير للنبي، ~~صلى الله عليه وسلم، وهي التي كانت تركز بين يدي النبي، صلى اله عليه وسلم، ~~في العيدين، فكان يحملها بين يديه صاحب الشرطة. وفيها غضب المتوكل على ~~بختيشوع الطبيب، وقبض ماله، ونفاه إلى البحرين. وفيها اتفق عبد الأضحى ~~والشعانين لنصارى، وعبد ms2409 الفطر لليهود، في يوم واحد، وحج بالناس فيها عبد ~~الصمد بن موسى. PageV03P0233 # وفيها توفي إسحاق بم موسى بن عبد الله بن موسى الأنصاري؛ وعلي بن حجر ~~السعدي المروزي وهما إمامان في الحديث؛ ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب؛ ~~ومحمد بن عبد الله بن أبي عثمان بن عبد الله بن خالد بن أسيد ابن أبي العيص ~~بن أمية القاضي في جمادى الأولى. أسيد بفتح الهمزة. ### | AUT حوادث سنة خمس وأربعين ومائتين # في هذه السنة أمر المتوكل ببناء الماخورة، وسماها الجعفرية، وأقطع ~~القواد وأصحابه فيهأن وجد في بنائهأن وأنفق عليها فيما قل أكثر من ألفي ألف ~~دينار، وجمع فيها القراء، فقرأوأن وحضرها أصحاب الملاهي، فوهب أكثر من ألفي ~~ألف درهم، وكان يسميها هووأصحابه المتوكلية، وبنى فيها قصرا سماه لؤلؤة لم ~~ير مثله في علوه، وحفر لها نهرا يسقي ما حولهأن فقتل المتوكل، فبطل حفر ~~النهر، وأخربت الجعفرية. وفيها زلزلت بلاد المغرب، فخربت الحصون، والمنازل، ~~والقناطر، ففرق المتوكل ثلاثة آلاف ألف درهم فيمن أصيب بمنزله، وزلزل عسكر ~~المهدي، والمدائن، وزلزلت أنطاكية فقتل بها خلق كثير، فسقط منها ألف وخمس ~~مائة دار، وسقطج من سورها نيف وتسعون برجأن وسمعوا أصواتا هائلة لا يحسنون ~~وصفهأن وتقطع جبلها الأقرع وسقط في البحر. وهاج البحر ذلك اليوم، وارتفع ~~منه دخان أسود مظلم منتن، وغار منها نهر على فرسخ لا يدري أين ذهب، وسمع ~~أهل سيس، فيما قيل، صيحة دائمة هائلة، فمات منها خلق كثير، فتزلزلت ديار ~~الجزيرة، والثغور، وطرسوس وأدنة، وزلزلت الشام، فلم يسمع من أهل اللاذقية ~~إلا اليسير، وهلك أهل جبلة. وفيها غارت مسنيات عين مكة، فبلغ ثمن القربة ~~ثمانين درهمأن فبعث المتوكل، مالأن وأنفق عليها. وفيها مات إسحاق بن أبي ~~إسرائيل، وهلال الرازي. وفيها هلك نجاح بن سلمة، وكان سبب هلاكه أنه كان ~~على ديوان التوقيع، وتتبع العمال، وكان على الضياع، فكان جميع العمال ~~يتوقونه، ويقضون حوائجه، وكان المتوكل ربما نادمه، وكان الحسن بن مخلد، ~~وموسى بن عبد الملك قد انقطعا إلى عبيد الله ms2410 بن يحيى بن خاقان، وزير ~~المتوكل، وكان الحسن على ديوان الضياع، وموسى على ديوان الخراج، فكتب نجاح ~~بن سلمة فيهما رقعة إلى المتوكل أنهما خانا وقصرا وأنه يستخرج منها أربعين ~~ألف ألف؛ فقال له المتوكل: بكر غدا حتى أدفعهما إليك. فغدا وقد رتب أصحابه ~~لأخذهمأن فلقيه عبيد الله بن يحيى الوزير، فقال له: أنا أشير عليك ~~بمصالحتهمأن وتكتب رقعة أنك كنت شاربأن وتكلمت ناسيأن وأنا أصلح بينكمأن ~~وأصلح الحال عند أمير المؤمنين، ولم يزل يخدعه حتى كتب خطه بذلك. فلما كتب ~~خطه صرفه، واحضر الحسن وموسى، وعرفهما الحال، وأمرهما أن يكتبا في نجاح ~~وأصحابه بألفي ألف دينار، ففعلأن وأخذ الرقعتين وأدخلهما على المتوكل، ~~وقال: قد رجع نجاح عما قال، وهذه رقعة موسى والحسن ويتقبلان بما كتبأن ~~فتأخذ ما ضمنا عليه، ثم تعطف عليهما فتأخذ منهما قريبا منه. فسر المتوكل ~~بذلك، وأمر بدفعه إليهمأن فأخذاه وأولاده، فأقروا بنحومائة أربعين ألف ~~دينار سوى الغلات، والغرس، والضياع، وغير ذلك، فقبض ذلك أجمع، وضرب، ثم ~~عصرت خصيتاه حتى مات، وأقر أولاده بعد الضرب بسبعين ألف دينار، سوى ما لهما ~~من ملك وغيره، فأخذ الجميع وأخذ من وكلائه في جميع البلاد مال جزيل. وفيها ~~أغارت الروم على سميساط، فقتلوأن وسبوأن وأسردوأن خلقا كثيرأن وغزا علي بن ~~يحيى الأرمني الصائفة، ومنع أهل لؤلؤة رئيسهم من الصعود إليهأن فبعث إليهم ~~ملك الروم بطريقا يضمن لكل رجل منهم ألف دينار على أن يسلموا إليه لؤلؤة، ~~فأصعدوا البطريق إليهم، ثم أعطوا أرزاقهم الفائتة وما أرادوأن فسلموا لؤلؤة ~~والبطريق إلى بلكاجور، فسيره إلى المتوكل فبذل ملك الروم في فدائه ألف ~~مسلم. وحج بالناس محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام ~~يعرف بالزيني وهووالي مكة. وكان نيروز المتوكل الذي أرفق أهل الخراج ~~بتأخيره إياه عنهم لإحدى عشرة خلت من شهر ربيع الأول، ولسبع خلت من حزيران، ~~ولثمان وعشرين من أردبيهشت، فقال البحتري: إن يوم النيروز عاد إلى العه ... ~~د الذي كان سنه أردشير ### || AUT ذكر خروج الكفار ms2411 بالأندلس # ### || AUT إلى بلاد الإسلام # PageV03P0234 # في هذه السنة خرج المجوس من بلاد الأندلس، في مراكب، إلى بلاد الإسلام، ~~فأمر محمد بن عبد الرحمن، صاحب بلاد الإسلام، بإخراج العساكر إلى قتالهم، ~~وأحرقت المسجد الجامع، ثم جازت إلى العدوة، فحلت بناكور، ثم عادت إلى ~~الأندلس، فانهزم أهل تدمير، ودخلوا حصن أريوالة. ثم تقدموا إلى حائط ~~إفرنجة، وأغاروأن وأصابوا من النهب والسبي كثيرا ثم انصرفوأن فلقيتهم مراكب ~~محمد، فقاتلوهم، فأحرقوا مركبين من مراكب الكفار، وأخذوا مركبين آخرين، ~~فغمنوا ما فيهمأن فحمي الكفرة عند ذلك، وجدوا في القتال، فاستشهد جماعة من ~~المسلمين، ومضت مراكب المجوس حتى وصلت إلى مدينة بنبلونة، فأصابوا صاحبها ~~غرسية الفرنجي، فاقتدى نفسه منهم بتسعين ألف دينار. وفيها غزا عامل طرسونة ~~إلى بنبلونة، فافتتح حصن بيلسان وسبى أهله، ثم كانت على المسلمين في اليوم ~~الثاني وقعة استشهد فيها جماعة. ### || AUT ذكر الحرب بين البربر وابن الأغلب بإفريقية # في هذه السنة كانت بين البربر وعسكر أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب ~~وقعة عظيمة في جمادى الآخرة. وسببها أن بربر لهان امتنعوا على عامل طرابلس ~~من أداء عشورهم وصدقاتهم، وحاربوه فهزموه، فقصد لبدة فحصنهأن وسار إلى ~~طرابلس، فسير إليه أحمد بن محمد الأمير جيشا مع أخيه زيادة الله، فانهزم ~~البربر، وقتل منهم خلق كثير، وسير زيادة الله الخيل في آثارهم، فقتل من ~~أدرك منهم، وأسر جماعة، فضربت أعناقهم، وأحرق ما كان في عسكرهم، فأذعن ~~البربر بعدهأن وأعطوا الرهن، وأدوا طاعتهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي يعقوب بن إسحاق النحوي المعروف بابن السكيت، وكان سبب ~~موته أنه اتصل بالمتوكل، فقال له: أيما أحب إليك المعتز والمؤيد، أوالحسن ~~والحسين؟ فتنقص ابنيه، وذكر الحسن والحسين، عليهما السلام، بما همل أهل له، ~~فأمر الأتراك فداسوا بطنه، فحمل إلى داره فمات. وفيها توفي ذوالنون المصري ~~في ذي العقدة؛ وأبوتراب النخشبي الصوفي، نهشته السباع فمات بالبادية؛ ~~وأبوعلي الحسين بن علي، المعروف بالكرابيسي، صاحب الشافعي، وقيل مات سنة ~~ثمان وأربعين؛ وسوار بن عبد الله القاضي العنبري، ms2412 وكان قد عمي. ### | AUT حوادث سنة ست وأربعين ومائتين # وفيها غزا عمرو بن عبد الله الأقطع الصائفة، فأخرج سبعة عشر ألف راس، ~~وغزا قريباس، وأخرج خمسة آلاف رأس، وغزا الفضل ابن قارن بحرا في عشرين ~~مركبأن فافتتح حصن أنطاكية، وغزا بلكاجور، فغمن، وسبى، وغزا علي بن يحيى ~~الأرمني، فأخرج خمسة آلاف رأس، ومن الدواب، والرمك، والحمير، ونحوا من عشرة ~~آلاف رأس. وفيها تحول المتوكل إلى الجعفرية. وفيها كان الفداء على يد علي ~~بن يحيى الأرمني، ففودي بألفين وثلاثمائة وسبعة وستين نفسا. وفيها مطر أهل ~~بغداد نيفا وعشرين يومأن حتى نبت العشب فوق الاجاجير؛ وصلى المتوكل صلاة ~~الفطر بالجعفرية، وورد الخبر أن سكة بناحية بلخ تعرف بسكة الدهاقين مطرت ~~دما عبيطا؛ وحج بالناس هذه السنة محمد بن سليمان الزينبي، وضحى أهل سامرا ~~يوم الاثنين على الرؤية، وأهل مكة يوم الثلاثاء. وفيها سار محمد بن عبد ~~الرحمن، صاحب الأندلس، في جيوش عظيمة، وأهبة كثيرة إلى بلد بنبلونة فوطئ ~~بلادهأن ودوخهأن وخربهأن ونهبهأن وقتل فيها فأكثر، وافتتح حصن فيروس، وحصن ~~فالحسن، وحصن القشتل، وأصاب فيه فرتون بن غرسية، فحبسه بقرطبة عشرين سنة، ~~ثم أطلقه إلى بلده، وكان عمره لما مات ستا وتسعين سنة، وكان مقام محمد ~~بنبلونة اثنين وثلاثين يوما. وفيها توفي دعبل بن علي الخزاعي الشاع وكان ~~مولده سنة ثمان وأربعين ومائة، وكان يتشيع. وفيها توفي السري بن معاذ ~~الشيباني بالري، وكان أميرا عليهأن حسن السيرة، من أهل الفضل؛ وتوفي أحمد ~~بن إبراهيم الدورقي ببغداد، ومحمد بن سليمان الأسدي الملقب بكوين. ### | AUT حوادث سنة سبع وأربعين ومائتين # ### || AUT ذكر مقتل المتوكل # وفي هذه السنة قتل المتوكل، وكان سبب قتله أنه أمر بإنشاء الكتب بقبض ~~ضياع وصيف بأصبهان والجبل، وإقطاعها الفتح بن خاقان، فكتبت وصارت إلى ~~الخاتم، فبلغ ذلك وصيفأن وكان المتوكل أراد أن يصلي بالناس أول جمعة في ~~رمضان، وشاع في الناس، واجتمعوا لذلك، وخرج بنوهاشم من بغداد لرفع القصص ~~وكلامه إذا ركب. PageV03P0235 # فلما كان يوم الجمعة، وأراد الركوب للصلاة، قال له ms2413 عبيد الله بن يحيى ~~والفتح بن خاقان: إن الناس قد كثروا من أهل بيتك ون غيرهم، فبعض متظلم، ~~وبعض طالب حاجة، وأمير المؤمنين يشكوضيق الصدر، وعلة به، فإن رأى أمير ~~المؤمنين أن يأمر بعض ولاة العهود بالصلاة، ونكون معه، فليفعل. فأمر ~~المنتصر بالصلاة، فلما نهض للركوب قالا له: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن ~~تأمر المعتز بالصالة، فقد اجتمع الناس لتشرفه بذلك، وقد بلغ الله به؛ وكان ~~قد ولد للمعتز قبل ذلك ولد، فأمر المعتز، فركب فصلى بالناس، وأقام المنتصر ~~في داره بالجعفرية، فزاد ذلك في إغرائه. فلما فرغ المعتز من خطبيه قام إليه ~~عبيد الله والفتح بن خاقان فقبلا يديه ورجليه، فلا فرغ من الصلاة انصرف ~~ومعه الناس في موكب الخلافة، حتى دخل على أبيه، فأثنوا عليه عنده، فسره ~~ذلك. فلما كان عيد الفطر قال: مروا المنتصر يصلي بالناس! فقال له عبيد ~~الله: قد كان الناس يتطلعون إلى رؤية أمير المؤمنين، واحتشدوا لذلك؛ فلم ~~يركب؛ ولا يأمن إن هولم يركب اليوم، أن يرجف الناس بعلته، فإذا رأى أمير ~~المؤمنين أن يسر الأولياء، ويكبت الأعداء بركوبه فليفعل. فركب وقد وصف له ~~الناس نحوأربعة أميال، وترجلوا بين يديه، فصلى، ورجع، فأخذ حفنة من التراب، ~~فوضعها على رأسه وقال: إني رأيت كثرة هذا الجمع، ورأيتهم تحت يدي، فأحببت ~~أن أتراضع لله؛ فلما كان اليوم الثالث افتصد، واشتهى لحم جزور، فأكله، وكان ~~قد حضر عنده ابن الحفصي وغيره، فأكلوا بين يديه. قال: ولم يكن يوم أسر من ~~ذلك اليوم، ودعا الندماء والمغنين، فحضروأن وأهدت له أم المعتز مطرف خز ~~أخضر، لم ير الناس مثله، فنظر إليه، فأطال، وأكثر تعجبه منه، وأمر فقطع ~~نصفين ورده عليهأن وقال لرسولها: والله إن نفسي لتحدثني أني لا ألبسه، وما ~~احب أن يلبسه أحد بعدي، ولهذا أمرت بشقه. قال فقلنا: نعيذك بالله أن تقول ~~مثل هذا؛ قال: وأخذ في الشرب واللهو. ولج بأن يقول: أنا والله مفارقكم عن ~~قليل! ولم يزل في لهوه وسروره إلى الليل. وكان قد ms2414 عزم هوالفتح أن يفتكا ~~بكرة غد بالمنتصر ووصيف وبغا وغيرهم من قواد الأتراك، وقد كان المنتصر واعد ~~الأتراك ووصيفا وغيره على قتل المتوكل. وكثر عبث المتوكل، قبل ذلك بيوم، ~~بابنه المنتصر، مرة يشتمه، ومرة يسقيه فوق طاقته، ومرة يأمر بصفعه، ومرة ~~يتهدده بالقتل، ثم قال للفتح: برئت من الله ومن قرابتي من رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، إن لم تلطمه يعني المنتصر فقام إليه فلطمه مرتين، ثم أمر ~~يده على قفاه، ثم قال لمن حضره: اشهدوا علي جميعا أني قد خلعت المستعجل ~~يعني المنتصر ثم التفت إليه فقال: سميتك المنتصر، فسماك الناس، لحمقك، ~~المنتظر، ثم صرت الآن المستعجل. فقال المنتصر: لوأمرت بضرب عنقي كان أسهل ~~علي مما تفعله بي؛ فقال: اسقوه، ثم أمر بالعشاء فأحضر، وذلك في جوف الليل، ~~فخرج المنتصر من عنده، وأمر بنانا غلام أحمد بن يحيى أن يلحقه، وأخذ بيد ~~زرافة الحاجب، وقال له: امض معي! فقال: إن أمير المؤمنين لم يمن، فقال: إنه ~~قد أخذ منه النبيذ، والساعة يخرج بغا والندماء، وقد أحببت أن تجعل أمر ولدك ~~إلي، فإن أوتامش سألني أن أزوج ولده من ابنتك، وابنك من ابنته؛ فقال: نحن ~~عبيدك فمر بأمرك! فسار معه إلى حجرة هناك، وأكلا طعامأن فسمعا الضجة ~~والصراخ، فقامأن وإذا بغا قد لقي المنتصر، فقال المنتصر: ما هذا؟ فقال: خير ~~يا أمير المؤمنين، قال: ما تقول ويلك؟ قال: أعظم الله أجرك في سيدنا أمير ~~المؤمنين، كان عبا لله دعاه فأجابه. فجلس المنتصر، وأمر بباب البيت الذي ~~قتل فيه المتوك فأغلق، وأغلقت الأبواب كلهأن وبعث إلى وصيف يأمره بإحضار ~~المعتز والمؤيد عن رسالة المتوكل. PageV03P0236 # وأما كيفية قتل المتوكل، فإنه لما خرج المنتصر دعا المتوكل بالمائدة، ~~وكان بغا الصغير المعروف بالشرابي قائما عند الستر، وذلك اليوم كان نوبة ~~بغا الكبير، وكان خليفته في الدار ابنه موسى، وموسى هوابن خالة المتوكل، ~~وكان أبوه يومئذ بسميساط، فدخل بغا الصغير إلى المجلس، فأمر الندماء ~~بالانصراف إلى حجرهم، فقال له الفتح: ليس هذا وقت انصرافهم، ms2415 وأمير المؤمنين ~~لم يرتفع؛ فقال بغا: إن أمير المؤمنين أمرني أنه إذا جاوز السبعة لا أترك ~~أحدأن وقد شرب أربعة عشر رطلأن وحرم أمير المؤمنين خلف الستارة. وأخرجهم، ~~فلم يبق إلا الفتح وعثعث، وأربعة من خدم الخاصة، وأبوأحمد بن المتوكل، ~~وهوأخوالمؤيد لأمه. وكان بغا الشرابي أغلق الأبواب كلهأن إلا باب الشط، ~~ومنه دخل القوم الذين قتلوه، فبصر بهم أبوأحمد، فقال: ما هذا يا سفل! وإذا ~~سيوف مسللة، فلما سمع المتوكل صوت أي أحمد رفع رأسه، فرآهم فقال: ما هذا يا ~~بغا؟ فقال: هؤلاء رجال النوبة؛ فرجعوا إلى ورائهم عند كلامه، ولم يكن واجن ~~وأصحابه وولد وصيف حضروا معهم، فقال لهم بغا: يا سفل! أنتم مقتولون لا ~~محالة، فموتوا كراما! فرجعوأن فابتدره بغلون فضربه على كتفه وأذنه فقده، ~~فقال: مهلا! قطع الله يدك، وأراد الوثوب به، واستقبله بيده، فضربها ~~فأبانهأن وشاركه باغر، فقال الفتح: ويلكم! أمير المؤمنين... ورمى بنفسه على ~~المتوكل، فبعجوه بسيوفهم، فصاح: الموت! وتنحى، فقتلوه. وكانوا قالوا لوصيف ~~ليحضر معهم، وقالوا: إنا نخاف؛ فقال: لا بأس عليكم، فقالوا له: أرسل معنا ~~بعض ولدك، فأرسل معهم خمسة من ولده: صالحأن وأحمد، وعبد الله، ونصرأن وعبيد ~~الله. وقيل إن القوم لما دخلوا نظر إليهم عثعث، فقال للمتوكل: قد فرغنا من ~~الأسد، والحيات، والعقارب، وصرنا إلى السيوف، وذلك أنه ربما أسلى الحية ~~والعقرب والأسد، فلما ذكر عثعث السيوف قال: يا ويلك! أي سيوف؟ فما استتم ~~كلامه حتى دخلوا عليه وقتلوه، وقتلوا الفتح، وخرجوا إلى المنتصر، فسلموا ~~عليه بالخلافة، وقالوا: مات أمير المؤمنين، وقاموا علي رأس زرافة بالسيوف، ~~وقالوا: بايع، فبايع. وأرسل المنتصر إلى وصيف: إن الفتح قد قتل أبي فقتلته، ~~فاحضر في وجوه أصحابك! فحضر هووأصحابه، فبايعوا. وكان عبيد الله بن يحيى في ~~حجرته ينفذ الأمور ولا يعلم، وبين يديه جعفر بن حامد، إذ كلع عليه بعض ~~الخدم فقال: ما يحسبك والدار سيف واحد؟ فأمر جعفرا بالنظر، فخرج، وعاد ~~وأخبره أن المتوكل والفتح قتلأن فخرج فيمن عنده من خدمه وخاصته، فأخبر أن ms2416 ~~الأبواب مغلقة، وأخذ نحوالشط، فإذا أبوابه مغلقة، فأمر بكسر ثلاثة أبواب، ~~وخرج إلى الشط، وركب في زورق، فأتى منزل المعتز، فسأل عنه، فلم يصادفه، ~~فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قتل نفسه وقتلني. واجتمع إلى عبيد الله ~~أصحابه غداة يوم الأربعاء، من الأبناء، والعجم، والأرمن والزواقيل، وغيرهم، ~~فكانوا زهاء عشرة آلاف، وقيل كانوا ثلاثة عشر ألفأن وقيل ما بين خمسة آلاف ~~إلى عشرة آلاف، فقالوا: ما اصطنعتنا إلا لهذا اليوم، فمرنا بأمرك، وأذن لنا ~~منل على اللوم ونقتل المنتصر ومن معه! فأبى ذلك، وقال: المعتز في أيديهم. ~~وذكر عن علي بن يحيى المنجم أنه قال: كنت أقرأ على المتوكل، قبل قتله ~~بأيام، كتابا من كتب الملاحم، فوقفت على موضع فيه أن الخليفة العاشر يقتل ~~في مجلسه، فتوقفت عن قراءته، فقال: مالك؟ فقلت: خير! قال: لا بد من أن ~~تقرأه، فقرأته، وحدث عن ذكر الخلفاء، فقال: ليت شعري من هذا الشقي المقتول؟ ~~قال أبوالوارث، قاضي نصيبين: رأيت في النوم آتيا وهويقول: يا نائم العين في ~~جثمان يقظان ... ما بال عينك لا تبكي بتهتان أما رأيت صروف الدهر ما فعلت ~~... بالهاشمي وبالفتح بن خاقان؟ فأتى البريد بعد أيام بقتلهما. وكان قتله ~~ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال، وقيل ليلة الخميس؛ وكانت خلافته أربع ~~عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام، وكان مولده بفم الصلح في شوال سنة ست ~~ومائتين، وكان عمره نحوأربعين سنة. وكان أسمر، حسن العينين، نحيفأن خفيف ~~العارضين، ورثاه الشعراء فأكثروأن ومما قيل فيه قول علي بن الجهم: عبيد ~~أمير المؤمنين قتله ... وأعظم آفات الملوك عبيدها PageV03P0237 # بني هاشم صبرأن فكل مصيبة ... سيبلى على وجه الزمان جديدها ### || AUT ذكر بعض سيرته # ذكر أن أبا الشمط مروان بن أبي الجنوب قال: أنشدت المتوكل شعرا ذكرت فيه ~~الرافضة فعقد لي على البحرين واليمامة، وخلع علي أربع خلع، وخلع علي ~~المنتصر، وأمر لي المتوكل بثلاثة آلاف دينار، فنثرت علي، وأمر ابنه المنتصر ~~وسعدا الإيتاخي أن يلقطاها لي، ففعلأن والشعر الذي قلته: ملك الخليفة جعفر ~~... لدين ms2417 والدنيا سلامه لكم تراث محمد ... وبعد لكم تشفى الظلامة ~~يرجوالتراث بنوالبنا ... ت وما لهم فيها قلامه والصهر ليس بوارث ... والبنت ~~لا ترث الإمامه ما للذين تنحلوا ... ميراثكم إلا الندامة أخذ الوراثة أهلها ~~... فعلام لومكم علامه لوكان حقكم لما ... قامت على الأنس الثيامه ليس ~~التراث لغيركم ... لا والإله، ولا كرامه أصبحت بين محبكم ... والمبغضين لكم ~~علامه ثم نثر علي، بعد ذلك، لشعر قلته في هذا المعنى عشرة آلاف درهم. وقال ~~يحيى بن أكثم: حضرت المتوكل، فجرى بيني وبينه ذكر المأمون، فقلت بتفضيله، ~~وتقريظه، ووصف محاسنه وعلمه ومعرفته قولا كثيرأن لم يقع لموافقة من حضر، ~~فقال المتوكل: كيف كان يقول في القرآن؟ فقلت: كان يقول: ما مع القرآن حاجة ~~إلى علم فرض، ولا مع السنة وحشة إلى فعل أحد، ولا مع البيان والأفهام حجة ~~لتعلم، ولا بعد الجحود للبرهان والحق إلا السيف، لظهور الحجة. فقال ~~المتوكل: لم أرد منك ما ذهبت إليه، فقال يحيى: القول بالمحاسن في المغيب ~~فريضة على ذي نعمة. قال: فا كان يقول خلال حديثه، فإن أمير المؤمنين ~~المعتصم بالله، رحمه اله، كان يقوله وقد أنسيته؛ قال كان يقول: اللهم إني ~~أحمدك على النعم التي لا يحصيها غيرك، وأستغفرك من الذنوب التي لا يحيط بها ~~إلا عفوك. قال: فما كان يقول إذا استحسن شيئأن أوبشر بشيء؟ فقد نسيناه؛ قال ~~يحيى: كان يقول إن ذكر آلاء الله وكثرتهأن وتعداد نعمه، والحديث بها فرض من ~~الله على أهلهأن وطاعة لأمره فيهأن وشكر له عليهأن فلا حمد لله العظيم ~~الآلاء السابغ النعماء بما هوأهله ومستوجبه من محامده القاضية حقه، البالغة ~~شكره، المانعة غيره، الموجبة مزيده على ما لا يحصيه تعدادنأن ولا يحيط به ~~ذكرنا من ترادف منته، وتتابع فضله، ودوام طوله، حمد من يعلم أن ذلك منه، ~~والشكر له عليه، فقال المتوكل: صدقت، هذا هوالكلام بعينه. وقدم في هذه ~~السنة محمد بن عبد الله بن طاهر من مكة في صفر فشكا ما ناله من الغم بما ~~وقع من الخلاف في يوم النحر، ms2418 فأمر المتوكل بإنفاذ خريطة من الباب إلى أهل ~~الموسم برؤية هلال ذي الحجة، وأمر أن يقام على المشعر الحرام، وسائر ~~المشاعر، الشمع مكان الزيت والنفط. وفيها ماتت أم المتوكل في شهر ربيع ~~الآخر، وصلى عليها المنتصر، ودفنت عند المسجد الجامع، وكان موتها قبل ~~المتوكل بستة أشهر. ### || AUT ذكر بيعة المنتصر # قد ذكرنا قتل المتوكل، ومن بايع المنتصر أبا جعفر محمد بن جعفر المتوكل ~~تلك الليلة، فلما أصبح يوم الأربعاء حضر الناس الجعفرية من القواد، ~~والكتاب، والوجوه، والشاكرية، والجند، وغيرهم، فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب ~~كتابا يخبر فيه عن المنتصر أن الفتح بن خاقان قتل المتوكل فقتله به، فبايع ~~الناس، وحضر عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فبايع وانصرف. قيل وذكر عن أبي ~~عثمان سعيد الصغير أنه قال: لما كانت الليلة التي قتل فيها المتوكل، كنا في ~~الدار مع المنتصر، فكان كلما خرج الفتح خرج معه، وإذا رجع قام لقيامه، وإذا ~~ركب أخذ بركابه، وسوى عليه ثيابه في سرجه. PageV03P0238 # وكان اتصل بنا الخبر أن عبيد الله بن يحيى قد أعد قوما في طريق المنتصر، ~~ليغتالوه عند انصرافه، وكان المتوكل قد أسمعه، وأحفظه، ووثب عليه، وانصرف ~~غضبان، وانصرفنا معه إلى داره؛ وكان واعد الأتراك على قتل المتوكل إذا ثمل ~~من النبيذ، قال: فلم ألبث أن جاءني رسوله أن احضر، فقد جاءت رسل أمير ~~المؤمنين إلى الأمير ليركب. قال: فوقع في نفسي ما كنا سمعنا من اغتيال ~~المنتصر، فركبت في سلاح وعدة، وجئت باب المنتصر، فإذا هم يموجون، وإذا واجن ~~قد جاءه فأخبره أنهم قد فرغوا من المتوكل، فركب فلحقته في بعض الطريق وأما ~~مرعوب، فرأى ما بي، فقال: ليس عليك بأس؛ أمير المؤمنين قد شرق بقدح شربه ~~فمات، رحمه الله تعالى. فشق علي، ومضينا ومعنا أحمد بن الخصيب وجماعة من ~~القواد حتى دخلنا القصر، ووكل بالأبواب، فقلت له: يا أمير المؤمنين! لا ~~ينبغي أن تفارقك مواليك في هذا الوقت. قال: أجل، وكن أنت خلف ظهري، فأحطنا ~~به، وبايعه من حضر، وكل من ms2419 جاء يوقف، حتى جاء سعيد الكبير، فأرسله خلف ~~المؤيد، قال لي: امض أنت إلى المعتز حتى يحضر، فأرسلني، فمضيت وأنا آيس من ~~نفسي، ومعي غلامان لي، فلما صرت إلى باب المعتز لم أجد به أحدا من الحرس ~~والبوابين، فصرت إلى الباب الكبير، فدققته دقا عنيفأن فأجبت بعد مدة: من ~~أنت؟ فقلت: رسول أمير المؤمنين المنتصر؛ فمضى الرسول، وأبطأن وخفت، وضاقت ~~علي الأرض، ثم فتح الباب، وخرج بيدون الخادم، وأغلق الباب، ثم سألني عن ~~الخبر، فأخبرته أن المتوكل شرق بكأس شربه، فمات من ساعته، وأن الناس قد ~~اجتمعوأن وبايعوا المنتصر، وقد أرسلني لأحضر الأمير المعتز ليبايع. فدخل، ~~ثم خرج، فادخلني على المعتز، فقال لي: ويلك ما الخبر؟ فأخبرته، وعزيته ~~وبكيت وقلت: تحضر، وتكون في أول من يبايع، وتأخذ بقلب أخيك، فقال: حتى ~~يصبح، فما زلت به أنا وبيدون حتى ركب، وسرنا وأنا أحدثه، فسألني عن عبيد ~~الله بن يحيى، فقلت: هويأخذ البيعة على الناس، والفتح قد بايع، فأيس، ~~وأتينا باب الخير، ففتح لنأن وصرنا إلى المنتصر، فلما رآه قربه، وعانقه، ~~وعزاه، وأخذ البيعة عليه. ثم وافى سعيد الكبير بالمؤيد، ففعل به مثل ذلك، ~~فأصبح الناس، وأمر المنتصر بدفن المتوكل والفتح. ولما أصبح الناس شاع الخبر ~~في الماخورة، وهي المدينة التي كان بناها المتوكل، وفي أهل سامرأن بقتل ~~المتوكل، فتوافى الجند والشاكرية بباب العامة وبالجعفرية، وغيرهم من ~~الغوغاء والعامة، وكثر الناس، وتسامعوأن وركب بعضهم بعضأن وتكلموا في أمر ~~البيعة، فخرج إليهم عتاب بن عتاب، وقيل زرافة، فوعدهم عن أمير المؤمنين ~~المنتصر، فأسمعوه، فدخل عليه فأعلمه، فخرج المنتصر وبين يديه جماعة من ~~المغاربة، فصاح بهم وقال: خذوهم! فدفعوهم إلى الأبواب، فازدحم الناس وركب ~~بعضهم بعضأن فتفرقوا وقد مات منهم ستى أنفس. ### || AUT ذكر ولاية خفاجة بن سفيان صقلية # ### || AUT وابنه محمد وغزواتهما # قد ذكرنا سنة ست وثلاثين ومائتين أن أمير صقلية العباس توفي سنة سبع ~~وأربعين، فلما توفي ولى الناس عليهم ابنه عبد الله بن العباس، وكتبوا إلى ~~الأمير بإفريقية بذلك، وأخرج عبد ms2420 اله السرايأن ففتح قلاعا متعددة منها: جبل ~~أبي مالك وقلعة الأرمنين وقلعة المشارعة، فبقي كذلك خمسة أشهر. ووصل من ~~إفريقية خفاجة بن سفيان أميرا على صقلية، فوصل في جمادى الأولى سنة ثمان ~~وأربعين ومائتين، فأول سرية أخرجها سرية فيها ولده محمود، فقصد سرقوسة ~~فغمن، وخرب وأحرق، وخرجوا إليه فقاتلهم فظفر، وعاد فاستأمن إليه أهل رغوس؛ ~~وقد جاء سنة اثنتين وخمسين أن أهل رغوس استأمنوا فيهأن على ما نذكره، ولا ~~نعلم أهذا اختلاف من المؤرخين أم هما غزاتان، ويكون أهلها قد غدروا بعد هذه ~~الدفعة، والله أعلم. وفي سنة خمسين ومائتين فتحت مدينة نوطس، وسبب ذلك أن ~~بعض أهلها أخبر المسلمين بموضع دخلوا منه إلى البلد في المحرم، فغمنوا منها ~~أموالا جليلة، ثم فتحوا شكلة بعد حصار. وفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين سار ~~خفاجة إلى سرقوسة، ثم إلى جبل النار، فأتاه رسل أهل طبرمين يطلبون الأمان، ~~فأرسل إليهم امرأته وولده في ذلك، فتم الأمر، ثم غدروأن فأرسل خفاجة محمدا ~~في جيش إليهأن ففتحها وسبى أهلها. PageV03P0239 # وفيها أيضا سار خفاجة إلى رغوس، فطلب أهلها الأمان ليطلق رجل من أهلها ~~بأموالهم، ودوابهم، ويغمن الباقي، ففعل وأخذ جميع ما في الحصن من مال، ~~ورقيق، ودواب، وغير ذلك، وهادنه أهل الغيران وغيرهم، وافتتح حصونا كثيرة، ~~ثم مرض، فعاد إلى بلرم. وفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين سار خفاجة من بلرم إلى ~~مدينة سرقوسة وقطانية، وخرب بلادهأن وأهلك زروعهأن وعاد وسارت سراياه إلى ~~أرض صقلية، فغمنوا غنائم كثيرة. وفي سنة أربع وخمسين ومائتين ار خفاجة في ~~العشرين من ربيع الأول، وسير ابنه محمدا على الحراقات، وسر سرية إلى سرقوسة ~~فغمنوأن وأتاهم الخبر أن بطريقا قد سار من القسطنطينية في جمع كثير، وغمن ~~المسلمون منهم غنائم كثيرة؛ ورحل خفاجة إلى سرقوسة فأفسد زرعهأن وغمن منهأن ~~وعاد إلى بلرم، وسير ابنه محمدا في البحر، مستهل رجب، إلى مدينة غيطة، ~~فحصرهأن وبث العساكر في نواحيهأن فغمن وشحن مراكبه بالغنائم، وانصرف إلى ~~بلرم في شوال. وفي سنة خمس وخمسين ومائتين سير ms2421 خفاجة ابنه محمدا إلى مدينة ~~طبرمين، وهي من أحسن مدن صقلية، فسار في صفر إليهأن وكان قد أتاهم من وعدهم ~~أن يدخلهم إليها من طريق يعرفه، فسيره مع ولده، فلما قربوا منها تأخر محمد، ~~وتقدم بعض عساكره رجالة مع الدليل، فأدخلهم المدينة، وملكوا بابها وسورهأن ~~وشرعوا في السبي والغنائم، وتأخر محمد بن خفاجة فيمن معه من العسكر عن ~~الوقت الذي وعدهم أنه يأتيهم فيه، فلما تأخر ظنوا أن العدوقد أوقع بهم ~~فمنعهم من السبي، فخرجوا عنها منهزمين، ووصل محمد إلى باب المدينة ومن معه ~~من العسكر، فرأى المسلمين قد خرجوا منهأن فعاد راجعا. وفيها في ربيه الأول ~~خرج خفاجة وسار إلى مرسة، وسير ابنه في جماعة كثيرة إلى سرقوسة، فلقيه ~~العدوفي جمع كثير فاقتتلوأن فوهن المسلمون، وقتل منهم، ورجعوا إلى خفاجة، ~~فسار إلى سرقوسة فحصرهأن وأقام عليهأن وضيق على أهلهأن وأفسد بلادهأن وأهلك ~~زرعهم، وعاد عنها يريد بلرم، فنزل بوادي الطين وسار منه ليلأن فاغتاله رجل ~~من عسكره، فطعنه طعنة فقتله، وذلك مستهل رجب، وهرب الذي قتله إلى سرقوسة، ~~وحمل خفاجة إلى بلرم، فدفن بها وولى الناس عليهم بعده ابنه محمدا وكتبوا ~~بذلك إلى الأمير محمد بن أحمد، أمير إفريقية، فأقره على الولاية، وسير له ~~العهد والخلع. ### || AUT ذكر ولاية ابنه محمد # لما قتل خفاجة استعمل الناس ابنه محمدأن وأقره بن أحمد بن الأغلب، صاحب ~~القيروان، على ولايته، فسير جيشا في سنة ست وخمسين ومائتين إلى مالطة، وكان ~~الروم يحاصرونهأن فلما سمع الروم بمسيرهم رحلوا عنها. وفي سنة سبع وخمسين ~~ومائتين في رجب قتل الأمير محمد، قتله خدمه الخصيان وهربوأن فطلبهم الناس ~~فأدركوهم فقتلوهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها ولي المنتصر أبا عمرة أحمد بن سعيد، مولى بني هاشم، بعد البيعة له ~~بيوم، المظالم، فقال الشاعر: يا ضيعة الإسلام لما ولي ... مظالم الناس ~~أبوعمرة صير مأمونا على أمة ... وليس مأمونا على بعره وحج بالناس محمد بن ~~سليمان الزينبي، واستعمل على دمشق عيسى بن محمد النوشري. وفيها سار جيش ~~للمسلمين بالأندلس ms2422 إلى مدينة برشلونة، وهي للفرنج، فأوقعوا بأهلهأن فراسل ~~صاحبها ملك الفرنج يستمده، فأرسل إليه جيشا كثيفأن وأرسل المسلمون يستمدون، ~~فأتاهم المدد، فنازلوا برشلونة، وقاتلوا قتالا شديدا فملكوا أرباضهأن ~~وبرجين من أبراج المدينة، فقتل من المشركين بها خلق كثير، وسلم المسلمون، ~~وعادوا وقد غمنوا. وفيها توفي أبوعثمان بكر بن محمد المازني النحوي، الإمام ~~في العربية. ### | AUT حوادث سنة ثمان وأربعين ومائتين # ### || AUT ذكر غزاة وصيف الروم # في هذه السنة أغزى المنتصر وصيفا التركي إلى بلاد الروم؛ وكان سبب ذلك ~~أنه كان بينه وبين أحمد بن الخصيب شحناء وتباغض، فحرض أحمد ابن الخصيب ~~المنتصر على وصيف، وأشار عليه بإخراجه من عسكره للغزاة، فأمر المنتصر ~~بإحضار وصيف، فلما حضر قال له: قد أتانا عن طاغية الروم أنه أقبل يريد ~~الثغر، وهذا أمر لا يمكن الإمساك عنه، ولست آمنة أن يهلك كل ما مر به من ~~بلاد الإسلام، وسقتل ويسبي، فإما شخصت أنت، وإما شخصت أنا. PageV03P0240 # فقال: بل أشخص أنأن يا أمير المؤمنين. فقال لأحمد بن الخصيب: انظر إلى ما ~~يحتاج إليه وصيف فأتمه له. فقال: نعم، يا أمير المؤمنين! قال: ما نعم؟ قم ~~الساعة! وقال لوصيف: مر كاتبك أن يوافقه على ما يحتاج إليه ويلزمه حتى يفرغ ~~منه. فقاما. ولم يزل أحمد بن الخصيب في جهازه، حتى خرج، وانتخب له الرجال، ~~فكان معه اثنا عشر ألف رجل، وكان على مقدمته مزاحم بن خاقان، أخوالفتح، ~~وكتب المنتصر إلى محمد بن عبد الله بن طاهر ببغداد يعلمه ذلك، ويأمره أن ~~ينتدب الناس إلى الغزاة ويرغبهم فيهأن وأمر وصيفا أن يوافي ثغر ملطية، وجعل ~~على نفقات العسكر، والمغامن، والمقاسم أبا الوليد الحريري البجلي؛ ولما سار ~~وصيف كتب إليه المنتصر يأمره بالمقام بالثغر أربع سنين يغزوفي أوقات ~~الغزومنها إلى أن يأتيه رأيه. ### || AUT ذكر خلع المعتز والمؤيد # وفي هذه السنة خلع المعتز والمؤيد ابنا المتوكل من ولاية العهد؛ وكان ~~سبب خلعهما أن المنتصر لما استقامت له الأمور، قال أحمد بن الخصيب لوصيف ~~وبغا: إنا لا نأمن الحدثان، ms2423 وأن يموت أمير المؤمنين، فيلي المعتز الخلافة، ~~فيبيد خضراءنأن ولا يبقي منا باقية؛ والآن الرأي أن نعمل في خلع المعتز ~~والمؤيد. فجد الأتراك في ذلك، وألحوا على المنتصر، وقالوا: نخلعهما من ~~الخلافة، ونبايع لابنك عبد الوهاب؛ فلم يزالوا به حتى أجابهم، وأحضر المعتز ~~والمؤيد، بعد أربعين يوما من خلافته، وجعلا في دار، فقال المعتز للمؤيد: يا ~~أخي، قد أحضرنا للخلع؛ فقال: لا أظنه يفعل ذلك. فبيمنا هما كذلك إذ جاءت ~~الرسل بالخلع، فقال المؤيد: السمع والطاعة؛ فقال المعتز: ما كنت لأفعل، فإن ~~أردتم القتل فشأنكم؛ فأعلموا المنتصر، ثم عادوا بغلظة وشدة، وأخذوا المعتز ~~بعنف، وأدخلوه بيتأن وأغلقوه عليه الباب، فلما رأى المؤيد ذلك قال لهم ~~بجرأة واستطالة: ما هذا يا كلاب؟ قد ضربتم على دمائنأن تثبون على مولاكم ~~هذا الوثوب، دعوني وإياه حتى أكلمه! فسكتوا عنه، وأذنوا له في الاجتماع به ~~بعد إذن من المنتصر بذلك. فدخل عليه المؤيد وقال: يا جاهل تراهم نالوا من ~~أبيك، وهوهو، ما نالوأن ثم تمتنع عليهم؟ اخلع ويلك، لا تراجعهم! فقال: وكيف ~~أخلع وقد جرى في الآفاق؟ فقال: هذا ال أمر قتل أباك، وهويقتلك، وإن كان في ~~سابق علم الله أن تلي لتلين. فقال: أفعل. فخرج المؤيد وقال: قد أجاب إلى ~~الخلع، فمضوأن وأعلموا المنتصر، وعادوا فشكروه، ومعهم كاتب، فجلس، فقال ~~للمعتز: اكتب بخطك خلعك! فامتنع، فقال المؤيد لكاتب: هات قرطاسك! أملل علي ~~ما شئت، فأملى عليه كتابا إلى المنتصر يعلمه فيه ضعفه عن هذا الأمر، وأن لا ~~يحل له أن يتقلده، وكره أن يأثم المتوكل بسببه، إذ لم يكن موضعا له، ويسأله ~~الخلع، ويعلمه أنه قد خلع نفسه، وأحل الناس من بيعته، فكتب ذلك، وقال ~~للمعتز: اكتب! فأبى، فقال: اكتب ويلك فكتب وخرج الكاتب عنهمأن ثم دعاهمأن ~~فدخلا على المنتصر، فأجلسهما وقال: هذا كتابكما؟ فقالا: نعم يا أمير ~~المؤمنين. فقال لهمأن والأتراك وقوف: أتراني خلعتكما طعما في أن أعيش حتى ~~يكبر ولدي وأبايع له؟ والله ما طمعت في ذلك ساعة قط، وإذا لم ms2424 يكن لي في ذلك ~~طمع فوالله لأن يليها بنوأبي أحب إلي من أن يليها بنوعمي، ولكن هؤلاء، ~~وأومأ إلى سائر الموالي ممن هوقائم عنده وقاعد، أحلوا علي في خلعكمأن فخفت ~~إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة فيأتي عليكمأن فما ترياني صانعا إذن؟ ~~أقتله! فوالله ما تفي دماؤهم كلهم بدم بعضكم. فكانت إجابتهم إلى ما سألوا ~~أسه علي. فقبلا يده وضمهمأن ثم أشهدا على أنفسهما القضاة، وبني هاشم، ~~والقواد، ووجوه الناس، وغيرهم، بالخلع؟، وكتب بذلك المنتصر إلى محمد ابن ~~عبد الله بن طاهر وإلى غيره. ### || AUT ذكر موت المنتصر # في هذه السنة توفي المنتصر في يوم الأحد لخمس خلون من ربيع الآخر وقيل ~~يوم السبت وكنيته أبوجعفر أحمد بن المتوكل على الله، وقيل كنيته أبوالعباس، ~~وقيل أبوعبد الله. وكانت علته الذبحة في حلقه أخذته يوم الخميس لخمس بقين ~~من شهر ربيع الأول؛ وقيل كانت علته من ورم في معدته، ثم صعد إلى فؤاده ~~فمات، وكانت علته ثلاثة أيام. PageV03P0241 # وقيل إنه وجد حرارة، فدعا بعض أطبائه، ففصده بمبضع مسموم، فمات منه، ~~وانصرف الطبيب إلى منزله وقد وجد حرارة، فدعا تلميذا ليفصده، ووضع مباضعه ~~بين يديه ليستخير أجودهأن فاختار ذلك المبضع المسموم، وقد نسيه الطبيب، ~~ففصده به، فلما فرغ نظر إليه فعرفه، فأيقن بالهلاك، ووصى من ساعته. وقيل ~~إنه كان وجد في رأسه علة، فقطر ابن الطيفوري في أذنه دهنأن فورم رأسه، ~~فمات. وقيل: بل سمه ابن الطيفوري في محاجمه فمات. وقيل: كان كثير من الناس ~~حين أفضت الخلافة إليه إلى أن مات يقولون: إمنا مدة حياته ستى اشهر، مدة ~~شيرويه بن كسرى، قاتل أبيه؛ يقوله الخاصة والعامة. وقيل إن المنتصر كان ~~نائما في بعض الأيام، فانتبه وهويبكي وينتحب، فسمعه عبد الله بن عمر ~~البازيار، فأتاه، فسأله عن سبب بكائه، فقال: كنت نائمأن فرأيت فيما يرى ~~النائم كأن المتوكل قد جاءني فقال: ويحك يا محمد! قتلتني، وظلمتني، وغبنتني ~~خلافتي، والله لا متعت بها بعدي إلا أياما يسيرة، ثم مصيرك إلى النار؛ فقال ms2425 ~~عبد الله: هذه رؤيأن وهي تصدق وتكذب، بل يعمرك الله، ويسرك، ادع بالنبيذ ~~وخذ في اللهولا تعبأ بها. ففعل ذلك ولم يزل منكسرا إلى أن توفي. قال بعضهم: ~~وذكر أن المنتصر كان شاور في قتل أبيه جماعة من الفقهاء، وأعلمهم بمذاهبه، ~~وحكى عنه أمورا قبيحة كرهت ذكرهأن فأشاروا بقتله، فكان كما ذكرنا بعضه. ~~وكان عمره خمسا وعشرين سنة وستة أشهر، وقيل أربعا وعشرين سنة، وكانت خلافته ~~ستة أشهر ويومين، وقيل كانت ستة أشهر سواء، وكانت وفاته بسامرأن فلما حضرته ~~الوفاة أنشد: وما فرحت نفسي بدنيا أخذتها ... ولكن إلى الرب الكريم أصير ~~وصلى عليه أحمد بن محمد بن المعتصم بسامرأن وبها كان مولده، وكان أعين، ~~أقنى، ققصيرأن مهيبأن وهوأول خليفة من بني العباس عرف قبره، وذلك أن أمه ~~طلبت إظهار قبره، وكانت أمه أم ولد رومية. ### || AUT ذكر بعض سيرته # كان المنتصر عظيم الحلم، راجح العقل، غزير المعروف، راغبا في الخير، ~~جوادأن كثير الإنصاف، حسن العشرة، وأمر الناس بزيارة قبر علي والحسين ~~عليهما السلام، فأمن العلويين، وكانوا خائفين أيام أبيه، وأطلق وقوفهم، ~~وأمر برد فدك إلى ولد الحسين والحسن ابني علي بن أبي طالب، عليه السلام. ~~وذكر أن المنتصر لما ولي الخلافة كان أول ما أحدث أن عزل صالح ابن علي عن ~~المدينة واستعمل عليها علي بن الحسين بن إسماعيل بن العباس ابن محمد. قال ~~علي: فلما دخلت أودعه قال لي: يا علي! إني أوجهك إلى لحمي ودمي، ومد ساعده ~~وقال: إلى هذا أوجه بك، فانظر كيف تكون للقوم، وكيف تعاملهم، يعني إلى آل ~~أبي طالب. فقال: أرجوأن أمتثل أمر أمير المؤمنين، إن شاء الله تعالى، فقال: ~~إذا تسعد عندي. ومن كلامه: والله ما عز ذوباطل ولوطلع القمر من جبينه، ولا ~~ذل ذوحق ولوأصفق العالم عليه. ### || AUT ذكر خلافة المستعين # وفي هذه السنة بويع أحمد بن محمد بن المعتصم بالخلافة؛ وكان سبب ذلك أن ~~المنتصر لما توفي اجتمع الموالي على الهارونية من الغد، وفيها بغا الكبير، ~~وبغا الصغير، وأتامش، وغيرهم، فاستخلفوا ms2426 قواد الأتراك، والمغاربة، ~~والشروسنية على أن يرضوا بمن رضي به بغا الكبير، وبغا الصغير، وأتامش، وذلك ~~بتدبير أحمد بن الخصيب، فحلفوأن وتشاوروأن وكرهوا أن يتولى الخلافة أحد من ~~ولد المتوكل لئلا يغتالهم، واجتمعوا على أحمد بن محمد بن المعتصم، وقالوا: ~~لا تخرج الخلافة من ولد مولانا المعتصم، فبايعوه ليلة الاثنين لست خلون من ~~ربيع الآخر وهوابن ثمان وعشرين سنة، ويكنى أبا العباس، فاستكتب أحمد بن ~~الخصيب، واستوزر أتامش. فلما كان يوم الاثنين سار المستعين إلى دار العامة ~~في زي الخلافة، وحمل إبراهيم بن إسحاق بين يديه الحربة، وصف واجن الأشروسني ~~أصحابه صفين، وقام هووعدة من وجوه أصحابه، وحضر الدار أصحاب المراتب من ~~العباسيين والطالبيين وغيرهم. PageV03P0242 # فبينا هم كذلك إذ جاءت صيحة من ناحية الشارع والسوق، وإذا نحومن خمسين ~~فارسا ذكروا أنهم من أصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر، ومعهم غيرهم من أخلاط ~~الناس والغوغاء والسوقة، فشهروا السلاح، وصاحوا: نفير، يا منصور! وشدوا على ~~أصحاب الأشروسني فتضعضعوأن وانضم بعضهم إلى بعض، وتحرك من على باب العامة ~~من المبيضة والشاكرية، وكثروأن فحمل عليهم المغاربة، وبعض الأشروسنية، ~~فهزمزهم حتى أدخلوهم درب زرافة، ثم نشبت الحرب بينهم، فقتل جماعة، وانصرف ~~الأتراك بعد ثلاث ساعات وقد بايعوا المستعين هم ومن حضر من الهاشميين ~~وغيرهم. ودخل الغوغاء والمنتهبة دار العامة، فانتهبوا الخزانة التي فيها ~~السلاح، والدروع، والجواشن، والسيوف، والتراس، وغير ذلك، وكان الذين نهبوا ~~ذلك الغوغاء، وأصحاب الحمامات، وغلمان أصحاب الباقلي، وأصحاب الفقاع، ~~فأتاهم بغا الكبير في جماعة فأجلوهم عن الخزانة، وقتلوا منهم عدة، وكثر ~~القتل من الفريقين، وتحرك أهل السجن بسامرأن وهرب منهم جماعة، ثم وضع ~~العطاء على البيعة، وبعث بكتاب البيعة إلى محمد بن عبد اله بن طاهر، فبايع ~~له هووالناس ببغداد. ذكر ابن مسكويه في كتاب تجارب الأمم أن المستعين ~~أخوالمتوكل لأبيه، وليس هوكذلك، إمنا هوولد أخيه محمد بن المعتصم، والله أعلم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها ورد على المستعين وفاة طاهر بن عبد الله بن طاهر بخراسان في رجب، ~~فعقد المستعين ms2427 لابنه محمد بن طاهر على خراسان، فلمحمد بن عبد الله بن طاهر ~~على العراق، وجعل إليه الحرمين، والشرطة، ومعاون السواد، وأفرد به. وفيها ~~مات بغا الكبير، فعقد لابنه موسى على أعمال أبيه كلهأن وولى ديوان البريد. ~~وفيها وجه أبوجور التركي إلى أبي العمود الثعلبي، فقتله بكفرتوثي لخمس بقين ~~من ربيع الآخر. وفيها خرج عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى الحج، فوجه خلفه ~~رسول ينفيه إلى برقة، ويمنعه من الحج. وفيها أتباع المستعين من المعتز ~~والمؤيد جميع مالهما وأشهدا عليهما القضاة والفقهاء، وكان الشراء باسم ~~الحسن بن المخلد للمستعين، وترك للمعتز ما يتحصل منه في السنة عشرون ألف ~~دينار، وللمؤيد ما يتحصل منه في السنة خمسة آلاف دينار، وجعلا في حجرة في ~~الجوسق، ووكل بهمأن وكان الأتراك حين شغب الغوغاء أرادوا قتلهمأن فمنعهم ~~أحمد بن الخصيب وقال: لا ذنب لهأن ولكن احبسوهمأن فحبسوهما. وفيها غضب ~~الموالي على أحمد بن الخصيب في جمادى الآخرة، واستصفى ماله ومال ولده، ونفي ~~إلى إقريطش. وفيها صرف علي بن يحيى الأرمني عن الثغور الشامية، وعقد له على ~~أرمينية وأذربيجان في شهر رمضان. وفيها شغب أهل حمص على كيدر عاملهم ~~فأخرجوه، فزجه إليهم المستعين الفضل بن قارن، فأخذهم، فقتل منهم خلقا ~~كثيرأن وحمل منهم مائة من أعيانهم إلى سامرا. وفيها غزا الصائفة وصيف، وكان ~~مقيما بالثغر الشامي، فدخل بلاد الروم، فافتتح حصن فرورية. وفيها عقد ~~المستعين لأتامش على مصر والمغرب، واتخذه وزيرا. وفيها عقد لبغا الشرابي ~~على حلوان وماسبذان ومهر جانقذق، وجعل المستعين شاهك الخادم على داره ~~وكراعه، وحرمه، وحراسه، وخاص أموره، وقدمه وأتامش على جميع الناس. وحج ~~بالناس هذه السنة محمد بن سليمان الزينبي. وفيها حكم محمد بن عمروأيام ~~المنتصر. وخرج بناحية الموصل خارجي، فوجه إليه المنتصر إسحاق بن ثابت ~~الفرغاني، فأسره مع عدة من أصحابه، فقتلوا وصلبوا. وفيها تحرك يعقوب بن ~~الليث الصفار من سجستان نحوهراة. وفيها توفي عبد الرحمن بن عدويه أبومحمد ~~الرافعي الزاهد، وكان مستجاب الدعوة، وهومن أهل إفريقية. وفيها سارت سرية ms2428 ~~في الأندلس إلى ذي تروجة، وكان المشركون قد تطاولوا إلى ذلك الجانب فلقيتهم ~~السرية، فأصابوا من المشركين، وقتلوا كثيرا منهم. وفيها كان بصقلية سرايا ~~للمسلمين، فغمنت وعادت، ولم يكن حرب بينهم تذكر. وفيها توفي أبوكريب محمد ~~بن العلاء الهمذاني الكوفي في جمادى الآخرة، وكان من مشايخ البخاري ومسلم، ~~ومحمد بن حميد الرازي المحدث. ### | AUT حوادث سنة تسع وأربعين ومائتين # ### || AUT ذكر غزو الروم # ### || AUT وقتل علي بن يحيى الأرمني # PageV03P0243 # في هذه السنة غزا جعفر بن دينار الصائفة، فافتتح حصنأن ومطامير، واستأذنه ~~عمر بن عبيد الله الأقطع في المسير إلى بلاد الروم، فأذن له، فسار في خلق ~~كثير من أهل ملطية، فلقيه الملك ف جمع عظيم من الروم بمرج الأسقف، فحاربه ~~محاربة شديدة قتل فيها من الفريقين خلق كثير. ثم أحاطت به الروم، وهم خمسون ~~ألفأن وقتل عمر وممن معه ألفان من المسلمين في منتصف رجب، فلما قتل عمر بن ~~عبيد اله خرج الروم إلى الثغور الجزرية، وكلبوا عليها وعلى أموال المسلمين ~~وحرمهم، فبلغ ذلك علي ابن يحيى وهوقافل من أرمينية إلى ميافارقين في جماعة ~~من أهلهأن ومن أهل السلسلة، فنفر إليهم، فقتل في نحومن أربع مائة رجل وذلك ~~في شهر رمضان. ### || AUT ذكر الفتنة ببغداد # وفيها شغب الجند والشاكرية ببغداد، وكان سبب ذلك أن الخبر لما اتصل بهم ~~وبسامرا وما قرب منها بقتل عمر بن عبيد الله وعلي بن يحيى، وكانا من شجعان ~~الإسلام، شديدا بأسهمأن عظيما غناؤهما عن المسلمين في الثغور، شق ذلك عليهم ~~مع قرب مقتل أحدهما من الآخر، وما لحقهم من استعظامهم قتل الأتراك لمتوكل، ~~واستيلائهم على أمور المسلمين يقتلون من يريدون من الخلفاء، ويستخلفون من ~~أحبوا من غير ديانة، ولا نظر للمسلمين. فاجتمعت العامة ببغداد الصراخ، ~~والنداء بالنفير، وانضم إليها الأبناء، والشاكرية تظهر أنها تطلب الأرزاق، ~~وكان ذلك أول صفر، فتحوا السجون، وأخرجوا من فيهأن وأحرقوا أحد الجسرين ~~وقطعوا الآخر، وانتهبوا دار بشر وإبراهيم ابني هارون، كاتبي محمد بن عبد ~~الله، ثم أخرج أهل اليسار من ms2429 بغداد وسامرا أموالا كثيرة، ففرقوها فيمن نهض ~~إلى الثغور، وأقبلت العامة من نواحي الجبال، وفارس، والأهواز، وغيرها ~~لغزوالروم، فلم يأمر الخليفة في ذلك بشيء ولم يوجه عسكره. ### || AUT ذكر الفتنة بسامرا # وفيها في ربيه الأول وثب نفر من الناس لا يدري من هم بسامرأن ففتحوا ~~السجن، وأخرجوا من فيه، فبعث في طلبهم جماعة من الموالي، فوثب العامة بهم ~~فهزموهم، فركب بغا وأتامش ووصيف وعامة الأتراك، فقتلوا من العامة جماعة، ~~فرمي وصيف بحجر، فأمر بإحراق ذلك المكان، وانتهبت المغاربة، ثم سكن ذلك آخر النهار. ### || AUT ذكر قتل أتامش # في هذه السنة قتل أتامش وكاتبه شجاع؛ وكان سبب ذلك أن المستعين أطلق يد ~~والدته، ويد أتامش، وشاهك الخادم في بيوت الأموال، وباحهم فعل ما أرادوأن ~~فكانت الأموال التي ترد من الآفاق يصير معظمها إلى هؤلاء الثلاثة؛ فأخذ ~~أتامش أكثر ما في بيوت الأموال، وكان في حجره العباس بن المستعين، وكان ما ~~فضل من هؤلاء الثلاثة أخذه أتامش للعباس فصرفه في نفقاته، وكانت الموالي ~~تنظر إلى الأموال تؤخذ وهم في ضيقة، ووصيف وبغا بمعزل من ذلك، فأغريا ~~الموالي بأتامش، وأحكما أمره، فاجتمعت الأتراك والفراعنة عليه، وخرج إليه ~~منهم أهل الدور والكرخ، فعسكروا في ربيع الآخر، وزحفوا إليه وهوفي الجوسق ~~مع المستعين، وبلغه الخبر، فأراد الهرب، فلم يمكنه، واستجار بالمستعين فلم ~~يجره، فأقاموا على ذلك يومين ثم دخلوا الجوسق، وأخذوا أتامش فقتلوه، وقتلوا ~~كاتبه شجاعأن ونهبت دور أتامش، فأخذوا منه أموالا جمة وغير ذلك. فلما قتل ~~استوزر المستعين أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وعزل الفضل بن مروان ~~عن ديوان الخراج، وولاه عيسى بن فرخانشاه، وولي وصيف الأهواز، وبغا الصغير ~~فلسطين، ثم غضب بغا الصغير على أبي صالح، فهرب إلى بغداد، فاستوزر المستعين ~~محمد بن الفضل الجرجرائي، فجعل على ديوان الرسائل سعيد بن حميد، فقال ~~الحمدوني: لبس السيف سعيد بعدما ... كان ذا طمرين لا توبة له إن لله لأيات، ~~وذا ... آية له فينا منزله ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها قتل علي بن ms2430 الجهم بن بدر الشاعر بقرب حلب، كان توجه إلى الثغر، ~~فلقيه خيل لكلب، فقتلوه واخذوا ما معه، فقال وهوفي السياق: أزيد في الليل ~~ليل ... أم سال في الصبح سيل ذكرت أهل دجيل ... وأين مني دجيل وكان منزله ~~بشارع دجيل. وفيها عزل جعفر بن عبد الواحد عن القضاء، ووليه جعفر بن محمد ~~ابن عثمان البرجمي الكوفي، وقيل كان ذلك سنة خمسين ومائتين. PageV03P0244 # وفيها أصاب أهل الري زلزلة شديدة ورجفة هدمت الدور، ومات خلق من أهلهأن ~~وهرب الباقون فنزلوا ظاهر المدينة، وحج بالناس هذه السنة عبد الصمد بن موسى ~~بن محمد بن إبراهيم الإمام، وهووالي مكة. وفيها سير محمد، صاحب الأندلس، ~~جيشا مع ابنه إلى المدينة ألبة والقلاع من بلد الفرنج، فجالت الخيل في ذلك ~~الثغر، وغمنت، وافتتحت بها حصونا منيعة. وفيها توفي أبوإبراهيم أحمد بن ~~محمد بن الأغلب، صاحب إفريقية، ثالث عشر ذي القعدة، فلما مات ولى أخوه ~~زيادة الله بن محمد بن الأغلب، فلما ولى زيادة الله أرسل إلى خفاجة بن ~~سفيان، أمير صقلية، يعرفه موت أخيه، وأمره أن يقيم على ولايته. ### | AUT حوادث سنة خمسين ومائتين # ### || AUT ذكر ظهور يحيى بن عمر الطالبي # ### || AUT ومقتله # في هذه السنة ظهر يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب المكنى بأبي الحسين، عليه السلام، بالكوفة، ~~وكانت أمه فاطمة بنت الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر ~~ابن أبي طالب، رضي الله عنهم. وكان سبب ذلك أن أبا الحسين نالته ضيقة، ~~ولزمه دين ضاق به ذرعأن فلقي عمر بن فرج، وهويتولى أمر الطالبيين، عند ~~مقدمه من خراسان، أيام المتوكل، فكلمه في صلته، فأغلظ له عمر القول، وحبسه، ~~فلم يزل محبوسا حتى كفله أهله، فأطلق، فسار إلى بغداد، فأقام بها بحال ~~سيئة، ثم رجع إلى سامرأن فلقي وصيفا في رزق يجري له، فأغلظ له وصيف وقال: ~~لأي شيء يجري على مثلك. فانصرف عنه إلى الكوفة، وبها أيوب بن الحسن ms2431 بن موسى ~~بن جعفر بن سليمان الهاشمي، عامل محمد بن عبد الله بن طاهر، فجمع أبوالحسين ~~جمعا كثيرا من الأعراب وأهل الكوفة وأتى الفلوجة، فكتب صاحب البريد بخبره ~~إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، فكتب محمد إلى أيوب وعبد الله بن محمود ~~السرخسي، عامله على معاون السواد، يأمرهما بالاجتماع على محاربة يحيى ابن ~~عمر، فمضى يحيى بن عمر إلى بيت مال الكوفة يأخذ الذي فيه، وكان فيما قيل ~~ألفي دينار وسبعين ألف درهم، وأظهر أمره بالكوفة، وفتح السجون واخرج من ~~فيهأن وأخرج العمال عنهأن فلقيه عبد الله بن محمود السرخسي فيمن معه، فضربه ~~يحيى بن عمر ضربة على وجهه أثخنه بهأن فانهزم عبد الله، واخذ أصحاب يحيى ما ~~كان معهم من الدواب والمال. وخرج يحيى إلى سواد الكوفة، وتبعه جماعة من ~~الزيدية، وجماعة من أهل تلك النواحي إلى ظهر واسط، وأقام بالبستان، فكثر ~~جمعه، فوجه محمد بن عبد الله إلى محاربته الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن ~~الحسين بن مصعب في جمع من أهل النجدة والقوة، فسار إليه، فنزل في وجهه لم ~~يقدم عليه، فسار يحيى والحسين في أثره، حتى نزل الكوفة ولقيه عبد الرحمن ~~ابن الخطاب المعروف بوجه الفلس، قبل دخولهأن فقاتله، وانهزم عبد الرحمن إلى ~~ناحية شاهي، ووافاه الحسين، فنزلا بشاهي. واجتمعت الزيدية إلى يحيى بن عمر، ~~ودعا بالكوفة إلى الرضي من آل محمد، فاجتمع الناس إليه وأحبوه، وتولاه ~~العامة من أهل بغداد، ولا يعلم أنهم يولون أحدا من بيته سواه، وبايعه جماعة ~~من أهل الكوفة ممن له تدبير وبصيرة في تشيعهم، ودخل فيهم أخلاط لا ديانة ~~لهم. وأقام الحسين بن إسماعيل بشاهي، واستراح، واتصلت بهم الأمداد، وأقام ~~يحيى بالكوفة يعد العدد، ويصلح السلاح، فأشار عليه جماعة من الزيدية، من لا ~~علم لهم بالحرب، لمعالجة الحسين بن إسماعيل، وألحوا عليه، فزحف إليه ليلة ~~الاثنين عشرة خلت من رجب، ومعه الهيضم العجلي وغيره، ورجالة من أهل الكوفة ~~ليس لهم علم ولا شجاعة، وأسروا ليلتهم، وصبحوا الحسين وهومستريح، فثاروا ms2432 ~~بهم في الغلس، وحمل عليهم أصحاب الحسين فانهزموأن ووضعوا فيهم السيف، وكان ~~أول أسير الهيضم العجلي، وانهزم رجالة أهل الكوفة، وأكثرهم بغير سلاح، ~~فداستهم الخيل. PageV03P0245 # وانكشف العسكر عن يحيى بن عمر، وعليه جزشن، قد تقطر به فرسه، فوقف عليه ~~ابن لخالد بن عمران، فقال له: خير، فلم يعرفه، وظنه رجلا من أهل خراسان لما ~~رأى عليه الجوشن، فأمر رجلأن فنزل إليه، فاخذ رأسه، وعرفه رجل كان معه، ~~وسير الرأس إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، وادعى قتله غير واحد، فسير محمد ~~الرأس إلى المستعين، فنصب بسارما لحظة، ثم حطه، ورده إلى بغداد لينصب بهأن ~~فلم يقدر محمد على ذلك لكثرة من اجتمع من الاس، فخاف أن يأخذوه فم ينصبه، ~~وجعله في صندوق في بيت السلاح. ووجه الحسين بن إسماعيل برؤوس من قتل، ~~وبالأسرى، فحبسوا ببغداد، وكتب محمد بن عبد الله يسأل العفوعنهم، فأمر ~~بتخليتهم، وأن تدفن الرؤوس ولا تنصب، ففعل ذلك. ولما وصل الخبر بقتل يحيى ~~جلس محمد بن عبد الله يهنأ بذلك، فدخل عليه داود بن الهيثم أبوهاشم ~~الجعفري، فقال: أيها الأمير! إنك لتهنأ بقتل رجل لوكان رسول الله، صلى اله ~~عليه وسلم، حيا ليعزي به. فما رد عليه محمد شيئأن فخرج داود وهويقول: يا ~~بني طاهر كلوه وبيئا ... إن لحم النبي غير مري إن وترا يكون طالبه الل ... ~~ه لوتر نجاحه بالحري وأكثر الشعراء مراثي يحيى لما كان عليه من حسن السيرة ~~والديانة، فمن ذلك قول بعضهم: بكت الخيل شجوها بعد يحيى ... وبكاه المهند ~~المصقول وبكته العراق شرقا وغربا ... وبكاه الكتاب والتنزيل والمصلى والبيت ~~والركن والحج ... ر جميعا له عليه عويل كيف لم تسقط السماء علينا ... يوم ~~قالوا: أبوالحسين قتيل وبنات النبي يبدين شجوا ... موجعات دموعهن همول قطعت ~~وجهه سيوف الأعادي ... بأبي وجهه الوسيم، الجميل إن يحيى أبقى بقلبي غليلا ~~... سوف يودي بالجسم ذاك الغليل قتله مذكر لقتل علي ... وحسين، ويوم أوذي ~~الرسول صلوات الإله وقفا عليهم ... ما بكى موجع وحن ثكول ### || AUT ذكر ظهور الحسن بن ms2433 زيد العلوي # وفيها ظهر الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسن بن الحسين ~~بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، بطبرستان. وكان سبب ظهوره أن محمد بن عبد ~~الله بن طاهر لما ظفر بيحيى بن عمر أقطعه المستعين من ضواحي السلطان ~~بطبرستان قطائع منها قطيعة قرب ثغر الديلم، وهما كلار وشالوس، وكان ~~بحذائهما أرض يحتطب منها أهل تلك الناحية، وترعى فيها مواشيهم، ليس لأحد ~~عليها ملك، إمنا هي موات، وهي ذات غياض، وأشجار، وكلأن فوجه محمد بن عبد ~~الله نائبه لحيازة ما أقطع، واسمه جابر بن هارون النصراني، وعامل طبرستان ~~يومئذ سليمان ابن عبد الله بن طاهر بن عبد الله بن طاهر خليفة محمد بن طاهر ~~بن عبد الله بن طاهر، وكان الغالب على أمر سليمان محمد بن أوس البلخي، وقد ~~فرق محمد هذا أولاده في مدن طبرستان، وهم أحداث سفهاء، فتأذى بهم الرعية ~~وشكوا منهم، ومن أبيهم، ومن سليمان سوء السيرة. ثم إن محمد بن أوس دخل بلاد ~~الديلم، وهم مسالمون لأهل طبرستان، فسبى منهم وقتل، فساء ذلك أهل طبرستان، ~~فلما قدم جابر بن هارون لحيازة ما أقطعه محمد بن عبد الله، عمد فحاز فيه ما ~~اتصل به من ارض موات يرتفق بها الناس، وفيها حاز كلار وشالوس. وكان في تلك ~~الناحية يومئذ أخوان لهما بأس ونجدة يضبطنها ممن رامها من الديلم، مذكوران ~~بإطعام الطعام والإفضال، يقال لأحدهما محمد، وللآخر جعفر، وهما ابنا رستم، ~~فأنكر ما فعل جابر من حيازة الموات، وكانا مطاعين في تلك الناحية، فاستنهضا ~~من أطاعهما لمنع جابر من حيازة ذلك الموات، فخافهما جابر، فهرب منهمأن فلحق ~~بسليمان بن عبد الله، وخاف محمد وجعفر ومن معهما من عامل طبرستان، فراسلوا ~~جيرانهم من الديلم يذكرونهم العهد الذي بينهم ويتعذرون فيما فعله محمد بن ~~أوس بهم من السبي والقتل، فاتفقوا على المعاونة والمساعدة على حرب سليمان ~~بن عبد الله وغيره. PageV03P0246 # ثم أرسل ابنا رستم ومن وافقهما إلى رجل من الطالبيين اسمه محمد بن ~~إبراهيم، ms2434 كان بطبرستان، يدعونه إلى البيعة له، فامتنع عليهم، وقال: لكني ~~أدلكم على رجل منا هوأقوم بهذا الأمر مني، فدلهم على الحسن بن زيد، ~~وهوبالري، فوجهوا إليه، عن رسالة محمد بن إبراهيم، يدعونه إلى طبرستان، ~~فشخص إليهأن فأتاهم وقد صارت كلمة الديلم وأهل كلار وشالوس والرويان على ~~بيعته، فبايعوه كلهم، وطردوا عمال ابن أوس عنهم، فلحقوا بسليمان ابن عبد ~~الله، وانضم إلى الحسن بن زيد أيضا جبال طبرستان كأصمغان، وقادوسيان، وليث ~~بن قتاد، وجماعة من أهل السفح. ثم تقدم الحسن ومن معه نحومدينة آمل، وهي ~~أقرب المدن إليهم، واقبل ابن أوس من سارية ليدفعه عنهأن فاقتتلوا قتالا ~~شديدأن وخالف الحسن بن زيد في جماعة إلى آمل فدخلها. فلما سمع ابن أوس ~~الخبر، وهومشغول بحرب من يقاتله من أصحاب الحسن بن زيد، لم يكن له همة إلا ~~النجاء بنفسه، فهرب، ولحق بسليمان إلى سارية، فلا استولى الحسن على آمل كثر ~~جمعه، وأتاه كل طالب نهب وفتنة، وأقام بآمل أيامأن ثم سار نحوسارية لحرب ~~سليمان بن عبد الله فخرج إليه سليمان، فالتقوا خارج مدينة سارية، ونشبت ~~الحرب بينهم، فسار بعض قواد الحسن نحوسارية فدخلهأن فلما سمع سليمان الخبر ~~انهزم هوومن معه، وترك أهله وعياله وثقله وكل ما له بسارية، واستولى الحسن ~~وأصحابه على ذلك جميعه، فأما الحرم والأولاد فجعلهم الحسن في مركب وسيرهم ~~إلى سليمان بجرجان، وأما المال فكان قد نهب وتفرق. وقيل إن سليمان انهزم ~~اختيارا لأن الطاهرية كلها كانت تتشيع، فلما أقبل الحسن بن زيد إلى طبرستان ~~تأثم سليمان من قتاله لشدته في التشيع، وقال: نبئت خيل ابن زيد أقبلت حينا ~~... تريدنا لتحسينا الأمرينا يا قوم إن كانت الأنباء صادقة ... فالويل لي ~~ولجميع الطاهريينا أما أنا فإذا اصطفت كتائبنا ... أكون من بينهم رأس ~~الموالينا فالعذر عند رسول الله منبسط ... إذا احتسبت دماء الفاطميينا فلما ~~التقوا انهزم سليمان؛ فلما اجتمعت طبرستان للحسن وجه إلى الري جندا مع رجل ~~من أهله، يقال له الحسن بن يزيد أيضأن فملكهأن وطرد عنها عامل الطاهرية، ~~فاستخلف ms2435 بها رجلا من العلويين يقال له محمد بن جعفر، وانصرف عنها. وورد ~~الخبر على المستعين، ومدير أمره يومئذ وصيف، وكاتبه أحمد بن صالح بن ~~شيرزاد، فوجه إسماعيل بن فراشة في جند إلى همذان، وأمره بالمقام بها ليمنع ~~خيل الحسن عنهأن وأما ما عداها فإلى محمد بن عبد الله بن طاهر وعليه الذب ~~عنه. فلما استقر محمد بن جعفر الطالبي بالري ظهرت أمور كرهها أهل الري، ~~ووجه محمد بن طاهر بن عبد الله قائدا من عنده يقال له محم ين ميكال في جمع ~~من الجند إلى الري، ووهوأخوه الشاه بن ميكال، فالتقى هوومحمد بن جعفر ~~الطالبي خارج الري، فأسر محمد بن جعفر، وانهزم جيشه، ودخل ابن ميكال الري، ~~فأقام بهأن فوجه الحسن بن زيد عسكرا عليه قائد يقال له واجن، فلما صار إلى ~~الري خرج إليه محمد بن ميكال، فالتقوأن فاقتتلوأن فانهزم ابن ميكال، والتجأ ~~إلى الري معتصما بهأن فاتبعه واجن وأصحابه حتى قتلوه، وصارت الري إلى أصحاب ~~الحسن بن زيد. فلما كان هذه السنة يوم عرفة ظهر بالري أحمد بن عيسى بن حسين ~~الصغير ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي اله عنه، وإدريس ابن ~~موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي ~~طالب، فصلى أحمد بن عيسى بأهل الري صلاة العيد، ودعا للرضى من آل محمد، ~~فحاربه محمد بن علي بن طاهر فانهزم محمد بن علي وسار إلى قزوين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها غضب المستعين على جعفر بن عبد الواحد لأنه بعث إلى الشاكرية، فزعم ~~وصيف أنه أفسدهم، فنفي إلى البصرة في ربيع الأول. وفيها أسقطت مرتبة من ~~كانت له مرتبة في دار العامة من بني أمية كأبي الشوارب والعثمانيين، وأخرج ~~الحسن بن الأفشين من الحبس. وفيها عقد لجعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى ~~المعروف ببشاشات على مكة. PageV03P0247 # وفيها وثب أهل حمص، وقوم من كلب، بعاملهم، وهوالفضل بن قارن أخومازيار بن ~~قارن، فقتلوه، فوجه المستعين ms2436 إلى حمص موسى بن بغا في رمضان، فلقيه أهلها ~~فيما بين حمص والرستن، وحاربوه، فهزمهم، وافتتح حمص، وقتل من أهلها مقتلة ~~عظيمة، وأحرقها وأسر جماعة من أهلها الأعيان. وفيها مات جعفر بن أحمد بن ~~عمار القاضي وأحمد بن عبد الكريم الحوراني التيمي، قاضي البصرة. وفيها ولي ~~أحمد بن الوزير قضاء سامرا. وفيها وثب الشاكرية والجند بفارس بعبد الله بن ~~إسحاق بن إبراهيم، فانتبهوا منزله، وقتلوا محمد بن الحسن بن قارن، وهرب عبد ~~الله بن إسحاق. وفيها وجه محمد بن طاهر بفيلين وأصنام أتي بها من كابل، وحج ~~بالناس جعفر بن الفضل بشاشات، وهووالي مكة. وفيها توفي زيادة الله بن محمد ~~بن الأغلب، أمير إفريقية، وكانت ولايته سنة واحدة وستة أيام فلما مات ملك ~~بعده ابن أخيه محمد بن أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب. وفيها توفي ~~محمد بن الفضل الجرجرائي، وزير المتوكل، والفضل بن مروان، وزير المعتصم، ~~وكان موته بسر من رأى؛ والخليع الشاعر الحسين ابن الضحاك، وكان مولده سنة ~~اثنتين وستين ومائة، وهومشهور الأخبار والأشعار. وفيها توفي الحارث بن ~~مسكين قاضي مصر في ربيع الأول، وهومن ولد أبي بكر الثقفي؛ ونصر بن علي بن ~~نصر بن علي الجهضمي الحافظ. وفيها توفي أبوحاتم سهل بن محمد السختياني ~~اللغوي، روى عن أبي زيد، والأصمعي، وأبي عبيدة، وقيل توفي سنة خمسين، والله ~~تعالى بالغيب أعلم. ### | AUT حوادث سنة إحدى وخمسين ومائتين # ### || AUT ذكر قتل باغر التركي # وفي هذه السنة قتل باغر التركي، قتله وصيف وبغا. وكان سبب ذلك أن باغرا ~~كان أحد قتلة المتوكل، فزيد في أرزاقه، فأقطع قطائع، فكان مما أقطع قرى ~~بسواد الكوفة، فتضمنها رجل من أهل باروسما بألفي دينار، فوثب رجل من أهل ~~تلك الناحية، يقال له ابن مارمة، بوكيل لباغر، وتناوله، فحبس ابن مارمة، ~~وقيد، ثم تخلص، وسار إلى سامرأن فلقي دليل بن يعقوب النصراني، وهويومئذ ~~صاحب أمر بغا الشرابي والحاكم في الدولة، وكان ابن مارمة صديقا له، وكان ~~باغر أحد قواد بغأن فمنعه دليل من ظلم ms2437 أحمد بن مارمة، فانتصف له منه، فغضب ~~باغر وباين دليلا. وكان باغر شجاعا يتقيه بغا وغيره، فحضر عند بغا في ذي ~~الحجة من سنة خمسين وهوسكران، وبغا في الحمام، فدخل إليه وقال: من قتل ~~دليلا يقتل له؛ فقال له بغا: لوأردت ولدي ما منعتك منه. ولكن اصبر. فإن ~~أمور الخلافة بيد دليل، وأقيم غيره، ثم افعل به ما تريد. وأرسل بغا إلى ~~دليل يأمره ألا يركب، وعرفه الخبر، وأقام في كتابته غيره، وتوهم باغر أنه ~~قد عزله، فسكن بغر، ثم أصلح بينهما بغأن وباغر يتهدده، ولزم باغر خدمه ~~المستعين، فقيل ذلك للمستعين. فلما كان يوم نوبة بغا في منزله قال ~~المستعين: أي شيء كان إلى إيتاخ من الخدمة؟ فأخبره وصيف، فقال: ينبغي أن ~~تجعل هذه الأعمال إلى باغر. وسمع دليل ذلك، فركب إلى بغا فقال له: أنت في ~~بيتك، وهم في تدبير عزلك، فإذا عزلت قتلت. فركب بغا إلى دار الخليفة في ~~يومه، وقال لوصيف: أردت أن تعزلني؟ فحلف أنه ما علم ما أراد الخليفة، ~~فتعاقدا على تنحية باغر من الدار والحيلة عليه، فأرجفا له أنه يؤمر، ويخلع ~~عليه، ويكون موضع بغا ووصيف؛ فأحس باغر ومن معه بالشر، فجمع إليه الجماعة ~~الذين كانوا بايعوه على قتل المتوكل، ومعهم غيرهم، فجدد العهد عليهم في قتل ~~المستعين وبغا ووصيف، وقال: نبايع على ابن المعتصم، أوابن الواثق، ويكون ~~الأمر لنا كما هولهذين، فأجابوه إلى ذلك. وانتهى الخبر إلى المستعين، فبعث ~~إلى بغا ووصيف، وقال لهما: أنتما جعلتماني خليفة، ثم تريدان قتلي؟ فحلفا ~~أنهما ما علما بذلك، فأعلمهما الخبر، فاتفق رأيهم باغر ورجلين من الأتراك ~~معه، وحبسهم، فأحضروا باغرا فأقبل في عدة، فعدل به إلى حمام وحبس فيه. وبلغ ~~الخبر الأتراك، فوثبوا إلى اصطبل الخليفة، فانتهبوه وركبوا ما فيه، وحصروا ~~الجوسق بالسلاح، فأمر بغا ووصيف بقتل باغر فقتل. ### || AUT ذكر مسير المستعين إلى بغداد # PageV03P0248 # فلما قتل باغر وانتهى خبر قتله إلى الأتراك المشغبين أقاموا على ما هم ~~عليه، فانحدر المستعين وبغا ووصيف وشاهك الخادم ms2438 واحمد بن صالح بن شيرزاد ~~ودليل إلى بغداد في حراقة؛ فركب جماعة من قواد الأتراك إلى هؤلاء المشغبين ~~فسألوهم الانصراف، فلم يفعلوأن فلا علموا بانحدار المستعين وبغا ووصيف ~~ندموأن ثم قصدوا دار دليل، ودور أهله وجيرانه، فنهبوهأن حتى صاروا إلى أخذ ~~الخشب وعليق الدواب؛ فلما قدموا بغداد مرض ابن مارمة، فعاده دليل وقال له: ~~ما سبب علتك؟ قال: انتقض عقر القيد؛ فقال دليل: لئن عقرك القيد لقد نقضت ~~الخلافة، وبغيت الفتنة؛ ومات ابن مارمة في تلك الأيام، وقال بعض الشعراء في ~~ذلك: لعمري لئن قتلوا باغرا ... لقد هاج باغر حربا طحونا وفر الخليفة ~~والقائدا ... ن بالليل يلتمسان السفينا وصاحوا بميسان ملاحهم، ... فوافاهم ~~يسبق الناظرينا فألزمهم بطن حراقة ... وصوت مجاذيفهم سائرينا وما كان ثدر ~~ابن مارمة ... فتكسب فيه الحروب الديونا ولكن دليل سعى سية ... فأخزى الإله ~~بها العالمينا فحل ببغداد قبل الشروق ... فحل بها منه ما يكرهونا فليت ~~السفينة لم تأتنا ... وغرقها الله والراكبينا وأقبلت الترك والمعربون ... ~~وجاء الفراغنة الدارعينا تسير كراديسهم في السلاح ... يرجون خيلاص ورجلا ~~بنينا فقام بحربهم عالم ... بأمر الحروب تولاه حينا فجدد سورا على الجانبي ~~... ن حتى أطاحهم أجمعينا وأحكم أبوابها المصمتات ... تفت النفوس وتحمي ~~العرينا ومنع الأتراك الناس من الانحدار إلى بغداد، وأخذوا ملاحا قد أكرى ~~سفينته، فضربوه، وصلبوه على دقلهأن فامتنع أصحاب السفن من الانحدار إلا ~~سرا. وكان وصول المستعين إلى بغداد لخمس خلون من المحرم من هذه السنة، فنزل ~~على محمد بن عبد الله بن طاهر في داره، ثم وافى بغداد القواد، سوى جعفر ~~الخياط، وسليمان بن يحيى بن معاذ، وقدمها جلة الكتاب والعمال وبني هاشم، ~~وجماعة من أصحاب بغا ووصيف. ### || AUT ذكر البيعة للمعتز بالله # وفي هذه السنة بويع للمعتز بالله، وكان سبب البيعة أنه لما استقر ~~المستعين ببغداد أتاه ماعة من قواد الأتراك المشغبين، فدخلوا عليه، وألقوا ~~أنفسهم بين يديه، وجعلوا مناطقهم في أعناقهم تذللا وخضوعأن وسألوه الصفح ~~عنهم والرضا. قال لهم: أنتم أهل بغي وفساد، واستقلال للنعم، ألم ترفعوا إلي ~~في ms2439 أولادكم فألحقهم بكم، وهم نحومن ألفي غلام، وفي بناتكم فأمرت بتصييرهن ~~في عداد المتزوجات، وهن نحومن أربعة آلاف، وغير ذلك كله أجبتكم إليه، ~~وأدررت عليكم الأرزاق، فعملتم آنية الذهب والفضة، ومنعت نفسي لذتها وشهوتها ~~إرادة لصلاحكم ورضاكم، وأنتم تزدادون بغيا وفسادا؛ فعادوا وتضرعوأن وسألوه ~~العفو، فقال المستعين: قد عفوت عنكم ورضيت. فقال له أحدهم واسمه بابي بك: ~~فإن كنت قد رضيت فقم فاركب معنا إلى سامرأن فإن الأتراك ينتظرونك. فأمر ~~محمد بن عبد الله بعض أصحابه فقام إليه فضربه! وقال محمد: هكذا يقال لأمير ~~المؤمنين قم فاركب معنا! فضحك المستعين وقال: قوم عجم لا يعرفون حدود ~~الكلام؛ وقال لهم المستعين: ترجعون إلى سامرأن فإن أرزاقكم دارة عليكم، ~~وأنظر أنا في أمري. فانصرفوا آيسين منه، وأغضبهم ما كان من محمد بن عبد ~~الله إلى بابي بك، وأخبروا من وراءهم خبرهم، وزادوأن وحرفوا تحريضا لهم على ~~خلعه، فاجتمع رأيهم على إخراج المعتز، وكان هووالمؤيد في حبس الجوسق، ~~وعليهما من يحفظهمأن فأخرجوا المعتز من الحبس، وأخذوا من شعره، وكان قد ~~كثر، وبايعوا له بالخلافة، وأمر للناس برزق عشرة أشهر للبيعة، فلم يتم ~~المال، فأعطوا شهرين لقلة المال عندهم. PageV03P0249 # وكان المستعين خلف بيت المال بسامرا فيه نحوخمس مائة ألف دينار، وفي بيت ~~مال أم المستعين قيمة ألف ألف دينار، وفي بيت مال العباس قيمة ستمائة ألف ~~دينار. وكان فيمن أحضر للبيعة أبوأحمد بن الرشيد وبه نقرس، في محقة محمولأن ~~فأمر بالبيعة فامتنع، وقال للمعتز: خرجت إلينا طائعأن فخلعتها ووزعمت أنك ~~لا تقوم بها؛ فقال المعتز: أكرهت على ذلك، وخفت السيف. فقال أبوأحمد: ما ~~علمنا أنك أكرهت، وقد بايعنا هذا الرجل، فنريد أن تطلق نساءنأن وتخرج عن ~~أموالنأن ولا ندري ما يكون إن تركتني على أمري حتى يجتمع الناس، وإلا فهذا ~~السيف. فتركه المعتز. وكان ممن بايع إبراهيم الديرج، وعتاب بن عتاب، فأما ~~عتاب فهرب إلى بغداد، وأما عتاب فهرب إلى بغداد، وأما الديرج فأقر على ~~الشرط، واستعمل على الدواوين وبيت المال والكتابة وغير ذلك. ms2440 ولما اتصل ~~بمحمد بن عبد الله خبر بيعة المعتز وتوجيه العمال أمر بقطع الميرة عن أهل ~~سامرأن وكتب إلى مالك بن طوق في المسير إلى بغداد هووأهل بيته وجنده، وكتب ~~إلى نجوبة بن قيس وهوعلى الأنبار في الاحتشاد والجمع، وإلى سليمان ين عمران ~~الموصلي في منع السفن والميرة عن سامرأن فأخذت سفينة بغداد فيها أرز وغيره، ~~فهرب الملاح وبقيت السفينة حتى غرقت. وأمر المستعين محمد بن عبد الله ~~بتحصين بغداد، فتقدم في ذلك، فأدير عليها السور من دجلة من باب الشماسية ~~إلى سوق الثلاثاء، حتى أورده دجلة، وأمر حفر الخنادق من الجانبين جميعأن ~~وجعل على كل باب قائدأن فبلغت النفقة على ذلك جميعه ثلاثمائة ألف وثلاثين ~~ألف دينار؛ ونصب على الأبواب المنجنيقات والعرادات وشحن الأسوار، وفرض فرضا ~~للعيارين وجعل عليهم عريفا اسمه يبنونه، وعمل لهم تراسا من البواري ~~المقيرة، وأعطاهم المخالي ليجعلوا فيها الحجارة للرمي، وفرض أيضا لقوم من ~~خراسان قدموا حجاجا فسئلوا المعونة فأعانوا. وكتب المستعين إلى عمال الخراج ~~بكل بلدة أن يكون حملهم الخراج والأموال إلى بغداد، لا يحمل منها إلى سامرا ~~شيء، وكتب إلى الأتراك، والجند الذين بسامرا شيء، وكتب إلى الأتراك، والجند ~~الذين بسامرأن يأمرهم بنقض بيعة المعتز، ومراجعة الوفاء له، ويذكرهم أياديه ~~عندهم، وينهاهم عن المعصية والنكث. ثم جرت بين المعتز ومحمد بن عبد الله ~~مكاتبات ومراسلات يدعوالمعتز محمدا إلى المبايعة ويذكره ما كان المتوكل أخذ ~~له عليه من البيعة بعد المنتصر، ومحمد يدعوالمعتز إلى الرجوع إلى طاعة ~~المستعين، واحتج كل واحد منهما على صاحبه. وأمر محمد بكسر القناطر، وشق ~~المياه بسطوح الأنبار وبادوريا ليقطع الأتراك عن الأنبار، وكتب المستعين ~~والمعتز إلى موسى بن بغأن كل واحد منهما يدعوه إلى نفسه، وكان بأطراف ~~الشام، كان خرج لقتال أهل حمص، فانصرف إلى المعتز، وصار معه، وقدم عبد الله ~~بن بغا الصغير من سامرا إلى المستعين، وكان قد تلف بعد أبيه، فاعتذر، وقال ~~لأبيه: إمنا قدمت لأموت تحت ركابك. فأقام ببغداد أيامأن ثم هرب إلى سامرأن ~~فاعتذر ms2441 إلى المعتز، وقال: إمنا سرت إلى بغداد لأعلم أخبارهم وآتيك بها. ~~فقبله المعتز، ورده إلى خدمته. وورد الحسن بن الأفشين بغداد، فخلع عليه ~~المستعين، وضم إليه جميعا من الأشروسنية وغيرهم. ### || AUT ذكر حصار المستعين ببغداد # ثم إن المعتز عقد لأخيه أبي احمد بن المتوكل، وهوالموفق، لسبع بقين من ~~المحرم، على حرب المستعين، ومحمد بن عبد الله، وولاه ذلك، وضم إليه الجيش، ~~وجعل إليه الأمور كلهأن وجعل التدبير إلى كلباتكين التركي، فسار في خمسين ~~ألفا من الأتراك والفراعنة، وألفين من المغاربة فلما بلغ عكبرا صلى بهأن ~~وخطب للمعتز، وكتب بذلك إلى المعتز، فذكر أهل عكبرا أنهم كانوا على خوف ~~شديد من مسير محمد بن عبد الله إليهم، ومحاربتهم، فانتهبوا القرى ما بين ~~عكبرا وبغداد، فخربت الضياع، واخذ الناس في الطريق. ولما وصل أبوأحمد إلى ~~عكبرا هرب إليه جماعة كبيرة من أصحاب بغا الصغير، ووصل أبوأحمد وعسكره باب ~~الشماسية لسبع خلون من صفر، فقال بعض البصريين، يعرف بباذنجانة: يا بني ~~طاهر أتتكم جنود ال ... له والموت بينها مشهور وجيوش إمامهم أبوأح ... مد ~~نعم المولى ونعم النصير PageV03P0250 # ولما نزل أبوأحمد بباب الشماسية ولى المستعين باب الشماسية الحسين ابن ~~إسماعيل، وجعل من هناك من القواد تحت بده، فلم يزل هناك مدة الحرب إلى أن ~~ساروا إلى الأنبار؛ فلما كان عاشر صفر وافت طلائع الأتراك إلى باب ~~الشماسية، فوقفوا بالقرب منه، فوجه محمد بن عبد الله الحسين بن إسماعيل، ~~والشاه بن ميكال، وبندار الطبري، فيمن معهم، وعزم على الركوب لقتالهم، ~~فأتاه الشاه فأعلمه أن الأتراك لما عاينوا الأعلام والرايات قد أقبلت نحوهم ~~رجعوا إلى معسكرهم، فترك محمد الركوب. فلما كان الغد عزم محمد على توجيه ~~الجيوش إلى القفص ليعرضهم هناك، وليرهب الأتراك، وركب ومعه وصيف وبغا في ~~الدروع، ومضى معه الفقهاء والقضاة، وبعث إليهم يدعوهم إلى الرجوع عما هم ~~عليه من الطغيان والعصيان، ويبذل هم الأمان على أن يكون المعتز ولي العهد ~~بعد المستعين، فلم يجيبوأن ومضى نحوباب قطربل، فنزل على شاطئ دجلة هوووصيف ~~وبغأن ms2442 ولم يمكنه التقدم لكثرة الناس فانصرف. فلما كان من الغد أتاه رسل وجه ~~الفلس، وغيره من القواد، يعلمونه أن الترك قد دنوأن وضربوا مضربهم برقة ~~الشماسية، وأرسل إليهم: لا تبدأوهم بقتال، وإن قاتلوكم فلا تقاتلوهم، ~~وادفعوهم اليوم؛ فوافى باب الشماسية منهم اثنا عشر فارسا فرموا بالسهام، ~~ولم يقاتلهم أحد، فلما طال مقامهم رماهم المنجنيقي بحجر، فقتل منهم رجلأن ~~فأخذوه ورجعوا. وقدم عبيد الله بن سليمان خليفة وصيف التركي من مكة في ~~ثلاثمائة رجل، فخلع عليه محمد بن عبد الله، ووافى الأتراك في هذا اليوم باب ~~الشماسية، فخرج الحسين بن إسماعيل ومن معه من القواد لمحاربتهم، فاقتتلوا ~~وقتل من الفريقين، وجرح، وكانوا في القتلى والجرحى على السواء، وانهزم أهل ~~بغداد، وثبت أصحاب الواري ثم انصرفوأن وأحضر الأتراك منجنيقا فغلبهم عليه ~~العامة، فأخذوه. ثم سار جماعة من الأتراك إلى ناحية النهروان، فوجه محمد بن ~~عبد الله قائدين من أصحابه في جماعة، وأمرهما بالمقام بتلك الناحية، وحفظها ~~من الأتراك، فسار إليهم الأتراك، فقاتلوهم، فانهزم أصحاب محمد إلى بغداد، ~~وأخذت دوابهم، فدخلوا بغداد منهزمين، وجه الارك برؤوس القتلى إلى سامرأن ~~واستولوا على طريق خراسان، وانقطع الطريق عن بغداد. ووجه المعتز عسكرا في ~~الجانب الغربي فساروا إلى بغداد، وجازوا قطربل، فضربوا عسكرهم هناك، وذلك ~~لاثنتي عشرة خلت من صفر؛ فلما كان من الغد وجه محمد بن عبد الله عسكرا ~~إليهم، فلقيهم الشاه بن ميكال، فتحاربوأن فانهزم أصحاب المعتز، خرج عليهم ~~كمين لمحمد بن عبد الله، فانهزموا ووضع أصحاب محمد فيهم السيف، فقتلوهم ~~أكثر قتل، ولم يفلت منهم إلا القليل، ونهب عسكرهم جميعه، ومن سلم من القتل ~~ألقى نفسه في دجلة ليعبر إلى عسكر أبي أحمد، فأخذه أصحاب السفن، وحملوا ~~الأسرى والرؤوس في الزواريق، فنصب بعضها ببغداد. وأمر محمد لمن أبلى في هذا ~~اليوم بالأسورة، والخلع، والأموال، وطلبت المنهزمة، فبلغ بعضهم أوانأن ~~وبعضهم بلغ سامرأن وكان عسكر المعتز أربعة آلاف، فقتل منهم ألفان، وغرق ~~منهم جماعة، وأسر جماعة، فخلع محمد على جميع القواد، على كل قائد ms2443 أربع خلع، ~~وطوقا وسوارا من ذهب، وكان عود أهل بغداد عنهم مع المغرب، وكان أكثر العمل ~~في هذا اليوم للعيارين. وركب محمد بن عبد الله بن طاهر لأثنتي عشرة بقيت من ~~صفر إلى الشماسية، فأمر بهدم ما وراء سورها من الدور، والحوانيت، ~~والبساتين، من باب الشماسية إلى ثلاثة أبواب، ليتسع على من يحارب. وقدم مال ~~من فارس والأهواز مع منكجور الاشروسني، فوجه أبوأحمد الأتراك لأخذه، فوجه ~~محمد بن عبد الله جماعة لحفظ المال، فعدلوا بع عن الأتراك، فقدموا به ~~بغداد، فلما علم الأتراك بذلك عدلوا نحوالنهروان، فقتلوا واحرقوا سفن اجسر، ~~وهي عشرون سفينة، ورجعوا إلى سامرا. PageV03P0251 # وقدم محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد، وكان المستعين قلده إمرة الثغور ~~الجزرية، كان بمدينة بلد ينتظر الجنود وأمال ليسير إلى الثغور، فلما كان من ~~أمر المستعين والأتراك ما ذكرنأن سار من بلد إلى بغداد على طريق الرقة في ~~أصحابه وخاصته، وهم زهاء أربع مائة، فخلع عليه محمد بن عبد الله خمس خلع، ~~ثم وجهه في جيش كثيف لمحاربة أيوب بن أحمد، فأخذ على طريق الفرات، فحاربه ~~في نفر يسير، فهزم محمد وصار إلى ضيعته بالسواد، فلما سمع محمد بهزيمته ~~قال: لا يفلح أحد من العرب إلا أن يكون معه نبي ينصره الله به. وكانت ~~للأتراك وقعة بباب الشماسية، فقاتلوا عليه قتالا شديدأن حتى كشفوا من عليه ~~ورموا ه المنجنيق بالنار والنفط، فلم يحرقه، ثم كثر الجند على الباب، ~~فأزالهم عن موقفهم بعد قتلى وجرحى؛ ووجه محمد العرادات في السفن فرموهم بها ~~رميا شديدأن فقتلوا منهم نحومائة؛ وكان بعض المغاربة قد صار إلى السور، ~~فرمى بكلاب، فتعلق به، فأخذه الموكلون بالسور ورفعوه فقتلوه، وألقوا رأسه ~~إلى الأتراك، فرجعوا إلى معسكرهم. وأراد بعض الموكلين بالسور أن يصيح: يا ~~مستعين، يا منصور، فصاح: يا معتز، يا منصور، فظنوه من المغاربة فقتلوه. ~~وتقدم الأتراك، في بعض الأيام، إلى باب الشماسية، فرمي الدرغمان، مقدم ~~المغاربة، بحجر منجنيق فقتله، وكان شجاعأن وكان بعض المغاربة يجيء فيكشف ~~أسته، ويصيح، ms2444 ويضرط، ثم يرجع، فرماه بعض أصحاب محمد، بسهم في دبره، فجرح من ~~خلفه فخر ميتا. واجتمعت العامة بسامرا ونهبوا سوقي الجوهريين والصيارفة ~~وغيرهمأن فشكا التجار ذلك إلى إبراهيم المؤيد، فقال لهم: كان ينبغي أن ~~تحولوا متاعكم إلى منازلكم. ولم يصنع شيئأن ولا أنكر ذلك. وقدم لثمان بقين ~~من صفر جماعة من أهل الثغور يشكون بلكاجور، ويزعمون أن بيعة المعتز وردت ~~عليه، فدعا الناس إلى بيعته، واخذ الناس بذلك، فمن امتنع ضربه وحبسه، وأنهم ~~امتنعوا وهربوأن فقال وصيف: ما أظنه إلا ظن أن المستعين مات وقام المعتز، ~~فقالوا: ما فعله إلا عن عمد؛ فورد كتاب بلكاجور لأربع بقين من صفر يذكر أنه ~~كان بايع المعتز، فلما ورد كتاب المستعين بصحة الأمر جدد له البيعة، وأنه ~~على السمع والطاعة، فأراد موسى بن بغا أن يسير إلى المستعين، فامتنع أصحابه ~~الأتراك من موافقته على ذلك، وحاربوه، فقتل بينهم قتلى. وقدم من البصرة عشر ~~سفائن بحرية، في كل سفينة خمسة وأربعون رجلا ما بين نفاط وغيره، فمرت إلى ~~ناحية الشماسية، فرمى من فيها بالنيران إلى عسكر أبي أحمد، فانتقلوا إلى ~~موضع لا ينالهم شيء من النار. ولليلة بقيت من صفر تقدم الأتراك إلى أبواب ~~بغداد، فقاتلوا عليهأن فقتل من الفريقين جماعة كثيرة، ودام القتال إلى ~~العصر. وفي ربيع الأول محمد بن عبد الله كافركونات وفرقها على العيارين، ~~فخرجوا بها إلى أبواب بغداد، وقتلوا من الأتراك نحوا من خمسين رجلأن ولأربع ~~عشرة خلت من ربيع الأول قدم مزاحم بن خاقان من ناحية الرقة، فتلقاه الناس ~~ومعه زهاء ألف رجل، فلما وصل خلع عليه سبع خلع، وقلد سيفا. ووجه المعتز ~~عسكرا يبلغون ثلاثة آلاف، فعسكروا بإزاء عسكر أبيأحمد بباب قطربل، وركب ~~محمد بن عبد الله في عسكره، وخرج من النظارة خلق كثير، فحاذى عسكر أبي ~~أحمد، فكانت بينهم في الماء جولة، وقتل من أصحاب أبي أحمد أكثر من خمسين ~~رجلأن ومضى النظارة فجازوا العسكر بنصف فرسخ، فعبرت إليهم سفن لأبي أحمد، ~~فنالت منهم، ورجع محمد بن ms2445 عبد الله، وأمر ابن أبي عون برد الناس، فأمرهم ~~بالعود، فاغلظوا له، فشتمهم وشتموه، وضرب رجلا منهم فقتله، فحملت عليه ~~العامة، فانكشف من بين أيديهم، فأخذ أصحاب أبي أحمد أربع سفائن، وأحرقوا ~~سفينة فيها عرادة لأهل بغداد. وسار العامة إلى دار ابن أبي عون لينهبوهأن ~~وقالوا مايل الأتراك، فانهزم أصحابه، وكلموا محمدا في صرفه، ومنعهم من أخذ ~~ماله. PageV03P0252 # ولإحدى عشرة خلت من ربيع الأول وصل عسكر المعتز الذي سيره إلى مقابل عسكر ~~أخيه أبي أحمد عند عكبرأن فأخرج إليهم ابن طاهر عسكرأن فمضوا حتى بلغوا ~~قطربل وبها كمين الأتراك، فأوقع بهم، ونشبت الحرب بينهم، وقتل بينهم جماعة، ~~واندفع أصحاب محمد قليلا إلى باب قطربل، والأتراك معهم، فخرج الناس إليهم، ~~فدفعوا الأتراك حتى نحوهم، ثم رجعوا إلى أهل بغداد فقتلوا منهم خلقا كثيرأن ~~وقتل من الأتراك أيضا خلق كثير، ثم تقدم الأتراك إلى باب القطيعة، فنقبوا ~~السور، فقتل أهل بغداد أول خارج منه، وكان القتل ذلك اليوم أكثره في ~~الأتراك، والجراح بالسهام في أهل بغداد. وندب عبد الله بن عبد الله بن طاهر ~~الناس، فخرجوا معه، وأمر الموكل بباب قطربل ألا يدع منهمزما يدخله، ونشبت ~~الحرب، فانهزم أصحاب عبد الله، وثبت أسد بن داود حتى قتل، وكان إغلاق الباب ~~على المنهزمين أشد من الأتراك، فأخذوا منهم الأسرى، وقتلوا فأكثروأن وحملوا ~~الأسرى والرؤوس إلى سامرأن فلما قربوا منها غطوا رؤوس الأسرى، فلما رآهم ~~أهل سامرا بكوا وضجوأن وارتفعت أصواتهم، وأصوات نسائهم، فبلغ ذلك المعتز ~~فكره أن تغلظ قلوب الناس عليه، فأمر لكل أسير بدينار، وأمر بالرؤوس فدفنت. ~~وقدم أبوالساج من طريق مكة لأربع بقين من ربيع الأول، فخلع عليه؛ وفي سلخ ~~ربيع الأول جاء نفر من الأتراك إلى باب الشماسية، ومعهم كتاب من المعتز إلى ~~محمد بن عبد الله، فاستأذنه أصحابه في أخذه، فأذن لهم، فإذا فيه تذكير محمد ~~بما يجب عليه من حفظ العهد القديم، وأن الواجب كان عله أن يكون أول أول من ~~يسعى في أمره ويؤكد خلافته. فما رد ms2446 عليه محمد جواب الكتاب، وكانت وقعة ~~بينهم لسبع خلون من ربيع الآخر، قتل من الأتراك سبع مائة ون أصحاب محمد ~~ثلاثمائة. وفي منتصف ربيع الآخر أمر أبوالساج، وعلي بن فراشة، وعلي بن حفص، ~~بالمسير إلى المدائن، فقال أبوالساج لمحمد بن عبد الله: إن كنت تريد الجد ~~مع هؤلاء القوم فلا تفرق قوادك، واجمعهم، حتى تهزم هذا العسكر المقيم ~~بإزائك، فإذا فرغت منهم فما أقدرك على من بعدهم؛ فقال: إن لي تدبيرأن ويكفي ~~اله إن شاء الله؛ فقال أبوالساج: السمع والطاعة وسار إلى المدائن وحفر ~~خندقهأن وأمده محمد بثلاثة آلاف فارس وألفي راجل، وكتب المعتز إلى أخيه أبي ~~أحمد يلومه لتقصير في قتال أهل بغداد، فكتب إليه في الجواب: لأمر المنايا ~~علينا طريق ... وللدهر فينا اتساع وضيق وأيامنا عبرة للأنام ... فمنها ~~البكور ومنها الطروق ومنها هنات تشيب الوليد ... ويخذل فيها الصديق الصدوق ~~وفتنة دين لها ذروة ... تفوق العيون، وبحر عميق قتال متين وسيف عتيد ... ~~وخوف شديد، وحصن وثيق وطول صياح لداعي الصباح ال ... سلاح السلاح فما ~~يستفيق فهذا طريح وهذا جريح ... وهذا حريق وهذا غريق وهذا قتيل وهذا تليل ~~... وآخر يشدخه المنجنيق هناك اغتصاب وثم انتهاب ... ودور خراب وكانت تروق ~~إذا ما شرعنا إلى مسلك ... وجدناه قد سد عنا الطريق فيا لله نبلغ ما نرتجي ~~... وبالله ندفع ما لا نطيق وهذه الأبيات لعلي بن أمية في فتنة الأمين والمأمون. ### || AUT ذكر حال الأنبار # وسير محمد بن عبد اله إلى الأنبار نجومة بن قيس، فأقام بهأن وجمع بها ~~نحوا من ألفي رجل، وأمده محمد بن عبد الله بألف وخمس ومائة، وشق الماء من ~~الفرات إلى خندقهأن ففاض على الصحارى، فصار بطيحة واحدة وقطع القناطر، وسير ~~المعتز جندا مع علي الإسحاقي نحوالأنبار، فوصلوا ساعة وصلها مدد محمد وقد ~~نزلوا ظاهرهأن فاقتتلوا أشد قتال، فانهزم مدد محمد بن عبد الله، ورجعوا في ~~الطريق الذي جاءوا فيه إلى بغداد. PageV03P0253 # وكان نجوبة بالأنبار لم يخرج منهأن فلما بلغه هزيمة مدده، ومسير الأتراك ~~إليه، عبر إلى الجانب ms2447 الغربي، وقطع الجسر وسار نحوبغداد، فاختار محمد ابن ~~عبد الله إنفاذ الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم إلى الأنبار في جماعة من ~~القواد والجند، فجهزهم، وأخرج لهم رزق أربعة أشهر، وخرج الجند، وعرضهم ~~الحسين، وسار عن بغداد يوم الخميس لسبع بقين من جمادى الأولى، وتبعه الناس، ~~والقواد، وبنوهاشم إلى الياسرية. وكان أهل الأنبار لما دخلها الأتراك قد ~~أمنوهم، ففتحوا دكاكينهم، وأسواقهم، ووافاهم سفن من الرقة تحمل الدقيق ~~والزيت وغير ذلك، فانتهبها الأتراك وحملوها إلى منازلهم بسامرأن ووجهوا ~~بالأسرى وبالرؤوس معها. وسار الحسين حتى نزل دممأن ووافته طلائع الأتراك ~~فوق دممأن فصف أصحابه مقابل الأتراك، بينهما نهر، وكان عسكره عشرة آلاف ~~رجل، وكان الأتراك فوق دممأن فصف أصحابه؛ وكان الأتراك زهاء ألف رجل، ~~فتراموا بالسهام، فجرح بينهم عدد، وعاد الأتراك إلى الأنبار، وتقدم الحسين ~~فنزل بمكان يعرف بالقطيعة، واسع يحمل العسكر، فأقام فيه يومه، ثم عزم على ~~الرحيل إلى قرب الأنبار، فأشار عليه القواد أن ينزل عسكره بهذا المكان ~~بالقطيعة لسعته وحصانته، ويسير هووجنده جريدة، فإن كان الأمر له كان قادرا ~~على نقل عسكره، وإن كان عليه رجع إلى عسكره وعاود عدوه، فلم يقبل منهم وسار ~~من مكانه. فلما بلغ المكان الذي يريد النزول به أمر الناس بالنزول، فأتت ~~الأتراك جواسيسهم، وأعلموهم بمسيره وضيق مكانه، فأتاهم الأتراك والناس ~~يحطون أثقالهم، فثار أهل العسكر وقاتلوهم فقتل بينهم قتلى من الفريقين، ~~وحمل أصحاب الحسين عليهم فكشفوهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم خلق ~~كثير. وكان الأتراك قد كمنوا لهم كمينأن فخرج الكمين على بقية العسكر، فلم ~~يكن لهم ملجأ إلا الفرات، وغرق من أصحابه خلق كثير، وقتل جماعة وأسر جماعة. ~~وأما الفرسان فهربوا لا يلوون على شيء، والقواد ينادونهم: الرجعة، فلم يرجع ~~أحد، فخافوا على نفوسهم، فرجعوا يحمون أصحابهم، وأخذ الأتراك عسكر الحسين ~~بما فيه من الأموال والخلع التي كانت معه، وسلم ما كان معه من سلاح في ~~السفن، لأن الملاحين حذروا السفن، فسلم ما معهم من سلاح وغير ذلك، ووصل ~~المنهزمون إلى الياسرية ms2448 لست خلون من جمادى الآخرة، ولقي الحسين رجل من ~~التجار ممن ذهبت أموالهم، فقال: الحمد لله الذي بيض وجهك، أصعدت في اثني ~~عشر يومأن وانصرفت في يوم أحد! فتغافل عنه. ولما اتصل خبر الهزيمة بمحمد بن ~~عبد الله بن طاهر منع المنهزمين من دخول بغداد، ونادى: من وجدناه ببغداد من ~~عسكر الحسين، بعد ثلاثة أيام، ضرب ثلاثمائة سوط، وأسقط من الديوان؛ فخرج ~~الناس إلى الحسين بالياسرية، وأخرج إليهم ابن عبد الله جندا آخر، وأعطاهم ~~الأرزاق، وأمر بعض الناس ليعلم من قتل، ومن غرق، ومن سلم، ففعلوا ذلك. ~~وأتاهم كتاب بعض عيونهم من الأنبار يخبرهم أن القتلى كانت من الترك أكثر من ~~مائتين، والجرحى نحوأربع مائة، وأن جميع من أسره الأتراك مائتان وعشرون ~~رجلأن وأنه عد رؤوس القتلى فكانت سبعين رأسأن وكانوا أخذوا جماعة من أهل ~~الأسواق فأطلقوهم؛ فرحل الحسين لأثنتي عشرة بقيت من جمادى الآخرة، وسار حتى ~~عبر نهر أربق، فلما كان السبت لثمان خلون من رجب أتاه إنسان فأعلمه أن ~~الأتراك يريدون العبور إليه في عدة مخاضات، فضربه، ووكل بمواضع المخاض رجلا ~~من قواده يقال له الحسين ابن علي بن يحيى الأرمني في مائتي رجل، فأتى ~~الأتراك المخاضة، فرأوا الموكل بهأن فتركوها إلى مخاضة أخرى، فقاتلوهم، ~~وصبر الحسين بن عي وبعث إلى الحسين بن إسماعيل أن الأتراك قد وافوا ~~المخاضو، فقيل للرسول: الأمير نائم، فأرسل آخر، فقيل له: الأمير في المخرج، ~~فأرسل آخر، فقيل له: الأمير قد عاد فنام، فعبر الأتراك، فقعد الحسين بن علي ~~في زورق وانحدر، وهرب أصحابه منهزمين، وقتل الأتراك منهم وأسروا نحومائتين، ~~وانحدرت عامة السفن فسلمت، وضع الأتراك السيف، وغرق خلق كثير من الناس، ~~فوصل المنهزمون بغداد نصف الليل، ووافى بقيتهم في النهار، واستولى الأتراك ~~على أثقالهم وأموالهم، وقتل عدة من قواد الحسين، فقال الهندواني في الحسين: ~~يا أحزم الناس رايا في تخلفه ... عن القتال خلطت الصفوبالكدر PageV03P0254 # لما رأيت سيوف الترك مصلتة ... علمت ما في سيوف الترك من قدر فصرت مضجرا ~~ذلا ومنقصة ... والنجع يذهب ms2449 بين العجز والضجر ولحق فيها جماعة من الكتاب ~~والقواد وبني هاشم بالمعتز، فمن بني هاشم علي ومحمد ابنا الواثق وغيرهما، ~~ثم كانت بينهم عدة وقعات، وقتل فيها من الفريقين جماعة، ودخل الأتراك في ~~بعض تلك الحروب إلى بغداد، ثم تكاثر الناس عليهم فأخرجوهم منها. وجرى بين ~~أبي الساج وجماعة من الأتراك وقعة فهزمهم أبوالساج، ثم واقعوا أخرى فتخلى ~~عنه بعض أصحابه فانهزم، ودخل الأتراك المدائن؛ وخرجت الأتراك الذين ~~بالأنبار في سواد بغداد من الجانب الغربي، حتى بلغوا صرصر وقصر ابن هبيرة. ~~وفي ذي القعدة كانت وقعة عظيمة، خرج محمد بن عبد الله بن طاهر في جميع ~~القواد والعسكر، ونصب له قبة وجلس فيهأن واقتتل الناس قتالا شديدأن فانهزمت ~~الأتراك، ودخل أهل بغداد عسكرهم، وقتلوا منهم خلقا كثيرأن وهربوا على ~~وجوههم لا يلوون على شيء، فكلما جيء برأس يقول بغا: ذهبت الموالي، وساء ذلك ~~من مع بغا ووصيف من الأتراك. ووقف أبوأحمد بن المتوكل يرد الأتراك، ويخبرهم ~~أنهم إن لم يرجعوا لم يبق لهم بقية، وتبعهم أهل بغداد إلى سامرأن فتراجعوا ~~إليه، وإن بعض أهل بغداد رجعوا عن المنهزمين، فرأى أصحابهم أعلامهم، فظنوها ~~أعلام الأتراك قد عادت، فانهزموا نحوبغداد مزدحمين، وتراجع الأتراك إلى ~~عسكرهم، ولما علموا بهزيمة أهل بغداد، فتحملوا عليهم. وفي ذي الحجة وجه ~~أبوأحمد خمس سفائن مملوءة طعاما ودقيقا إلى ابن طاهر؛ وفي ذي الحجة علم ~~الناس بما عليه ابن طاهر من خلع المستعين والبيعة للمعتز، ووجه قواده إلى ~~أبي أحمد، فبايعوه للمعتز، وكانت العامة تظن أن الصلح جرى على أن الخليفة ~~المستعين والمعتز ولي عهده. وفي ذي الحجة أيضا خرج رشيد بن كاوس ~~أخوالأفشين، وكان موكلا بباب السلامة، إلى الأتراك، وسار معهم إلى أبي ~~أحمد، ثم عاد إلى أبواب بغداد يقول للناس: إن أمير المؤمنين المعتز، وأبا ~~أحمد يقرآن عليكم السلام، ويقولان: من أطاعنا وصلناه، ومن أبى فهوأعلم. ~~فشتمه الناس، وعلموا بما عليه محمد بن عبد الله بن طاهر، فعبرت العامة إلى ~~الجزيرة التي حذاء داره، فشتموه أقبح ms2450 شتم، ثم ساروا إلى باب داره ففعلوا به ~~مثل ذلك، وقاتلوه من على بابه حتى كشفوهم، ودخلوا دهليز داره، وأرادوا ~~إحراق داره فلم يجدوا نارأن وبات منهم بالجزيرة جماعة يشتمونه وهويسمع، ~~فلما ذكروا اسم أمه ضحك وقال: ما أدري كيف عرفوه وقد كان أكثر جواري أبي لا ~~يعرفون اسمها. فما كان الغد فعلوا مثل ذلك، فسار محمد إلى المستعين وسأله ~~أن يطلع إليهم ويسكنهم، ففعل، وقال لهم: أن محمدا لم يخلع ولم أتهمه، وعدهم ~~أن يصلي بهم الجمعة، فانصرفوا. ثم ترددت الرسل بين محمد بن عبد الله وبين ~~أبي أحمد مع حماد بن إسحاق بن حماد بن يزيد، وثار قوم من رجالة الجند، ~~وكثير من العامة، فطلب الجند أرزاقهم، وشكت العانة سوء الحال، وغلاء السعر، ~~وقالوا: إما خرجت فقابلت، وإما تركتنا؛ فوعدهم الخروج، أوفتح باب الصلح، ثم ~~جعل على الجسور وبالجزيرة وباب داره الرجال والخيل، فحضر الجزيرة بشر كثير، ~~فطردوا من كان بهأن وقاتلوا الناس. وأرسل محمد بن عبد الله إلى الجند يعدهم ~~رزق شهرين، وأمرهم بالنزول، فأبوا وقالوا: لا نفعل حتى نعلم نحن والعامة ~~على أي شيء نحن، فخرج إليهم بنفسه، فقالوا له: إن العامة قد اتهموك في خلع ~~المستعين، والبيعة للمعتز، وتوجيهك القواد بعد القواد، ويخافون دخل الأتراك ~~والمغاربة إليهم، فإن يفعلوا بهم كما عملوا في المدائن والأنبار، فهم ~~يخافون على أنفسهم وأولادهم وأموالهم، وسألوا إخراج الخليفة إليهم ليروه ~~ويكذبوا ما بلغهم، فلما رأى محمد ذلك سأل المستعين الخروج إليهم، فخرج إلى ~~دار العامة، ودخل إليهم جماعة من الأنس، فنظروا إليه وخرجوا فأعلموا الناس ~~الخبر، فلم ينتفعوا بذلك، فأمر المستعين بإلاق الأبواب، وصعد سطح دار ~~العامة، ومحمد بن عبد الله معه، فرآه وعليه الناس وعليه البردة وبيده ~~القضيب، فكلم الناس، وأقسم عليهم بحق البردة إلا انصرفوا فإنه آمن لا بأس ~~عليه من محمد، فسألوه الركوب معهم والخروج من دار محمد لأنهم لا يأمنونه ~~عليه، فوعدهم ذلك. PageV03P0255 # فلما رأى ابن طاهر فعلهم عزم على النقلة عن بغداد إلى المدائن، ms2451 فأتاه ~~وجوه الناس، وسألوه الصفح، واعتذروا بأن ذلك فعل الغوغاء والسفهاء، فرد ~~عليهم ردا جميلأن وانتقل السمتعين عن داره في ذي الحجة، وأقام بدار رزق ~~الخادم بالرصافة، وسار بين يديه محمد بن عبد الله بالحرية، فلما كان من ~~الغد اجتمع الناس بالرصافة فأمروا القواد وبني هاشم بالمسير إلى دار محمد ~~بن عبد الله والعود معه إذا ركب، ففعلوه ذلك، فركب محمد في جمع وتعبئة، ~~ووقف للناس وعاتبهم، وحلف أنه ما يريد للمستعين، ولا لولي له، ولا لأحد من ~~الناس سوءأن وأنه ما يريد إلا إصلاح أحوالهم، حتى بكى الناس ودعوا له. وسار ~~إلى المستعين، وكان ابن طاهر مجدا في أمر المستعين، حتى غيره عبيد الله بن ~~يحيى بن خاقان، وقال له: إن هذا الذي تنصره، وتجد في أمره من أشد الناس ~~نفاقأن وأخبثهم دينأن والله لقد أمر وصيفا وبغا بقتلك، فاستعظما ذلك ولم ~~يفعلاه، وإن كنت شاكا في قولي فسل تخبره، وإن من ظاهر نفاقه أنه كان بسامرا ~~لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاته، فلما صار إليك جهر بها مراءاة ~~لك، وترك نصرة وليك، وصهرك، وتربيتك، ونحوذلك من كلام كلمه به، فقال محمد: ~~أخزى الله هذأن ما يصلح لدين ولا لدنيا! ثم ظاهر عبيد الله بن يحيى بأحمد ~~بن إسرائيل، والحسن بن مخلد. فلما كان يوم الأضحى صلى المستعين بالناس، ثم ~~حضر محمد بن عبد الله عند المستعين وعنده الفقهاء والقضاة، فقال له: قد كنت ~~فارقتني على أن تنفذ أمري في كل ما أعزم عليه، وخطك عندي بذلك؛ فقال ~~للمستعين: أحضر الرقعة، فاحضرهأن فإذا فيها ذكر الصلح، وليس فيها ذكر ~~الخلع، فقال: نعم أمض الصلح، فخرج محمد إلى ظاهر باب الشماسية، فضرب به ~~مضرب فنزل إليه ومعه جماعة من أصحابه، وجاء أبوأحمد في سميرية، فصعد إليه، ~~فتناظرا طويلأن ثم خرجأن فجاء ابن طاهر إلى المستعين فأخبره أنه بذل له ~~خمسين ألف دينار، ويقطع عليه ثلاثين ألف دينار، وعلى أن يكون مقامه ~~بالمدينة، يتردد منها إلى مكة، ويخلع نفسه ms2452 من الخلافة وأن يعطي بغا ولاية ~~الحجاز جميعه، ويولى وصيف الجبل وماوالاه، وكون ثلث ما يجبى من المال لمحمد ~~بن عبد الله وجند بغداد، والثلثان للموالي والأتراك، فامتنع المستعين من ~~الإجابة إلى الخلع، وظن أن وصيفا وبغا معه يكاشفانه، فقال: النطع والسيف؛ ~~فقال له ابن طاهر: أما أنا فأقعد ولا بد لك من خلعها طائعا أومكرها! فأجاب ~~إلى الخلع. وكان سبب إجابته إلى الخلع أن محمدا وبغا ووصيفا لما ناظروه في ~~الخلع أغلظ عليهم فقال وصيف: أنت أمرتنا بقتل باغر، فصرنا إلى ما نحن فيه، ~~وأنت أمرتنا بقتل أتامش، وقلت أن محمدا ليس بناصح؛ وما زالوا يفزعونه؛ وقال ~~محمد: وقد قلت لي إن أمرنا لا يصلح إلا باستراحتنا من هذين الاثنين؛ فلما ~~رأى ذلك أذعن بالخلع، وكتب بما أراد لنفسه من الشروط، وذلك لإحدى عشرة خلت ~~من ذي الحجة، وجمع محمد الفقهاء والقضاة، وأدخلهم على المستعين، وأشهدهم ~~عليه أنه قد صير أمره إلى محمد ابن عبد اله، ثم أخذ منه جوهر الخلافة. وبعث ~~ابن طاهر إلى قواده ليوافوه، ومع كل قائد عشرة نفر من وجوه أصحابه، فأتوه ~~فمناهم، وقال لهم: ما أردت بما فعلت إلا صلاحكم وحقن الدماء. وأمرهم ~~بالخروج إلى المعتز في الشروط التي شرطها المستعين لنفسه ولقواده، يوقع ~~المعتز عليها بخطة، ثم أخرجهم إلى المعتز، فمضوا إليه، فأجاب إلى ما طلبوا، ~~ووقع عليه خطة، وشهدوا على إقراره، وخلع عليهم، ووجه معهم من يأخذ البيعة ~~على المستعين، وحمل إلى المستعين أمه وعياله، عدما فتشوأن وأخذوا ما معهم. ~~وكان دخل الرسل بغداد من عند المعتز لست خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين. ### || AUT ذكر غزو الفرنج بالأندلس # PageV03P0256 # في هذه السنة سير محمد بن عبد الرحمن الأموي، صحب الأندلس، جيشا مع ابنه ~~المنذر إلى بلاد المشركين في جمادى الآخرة، فساروأن وقصدوا الملاحة، وكانت ~~أموال لذريق بناحية ألبة والقلاع، فلما عم المسلمون بلدهم بالخراب والنهب، ~~جمع لذريق عساكره، وسار يريدهم، فالتقوا بموضع يقال له فج المركوين، وبه ~~تعرف هذه الغزاة، فاقتتلوأن ms2453 فانهزم المشركون، إلا انهم لم يبعدوأن واجتمعوا ~~بهضبة بالقرب من موضع المعركة، فتتبعهم المسلمون، وحملوا عليهم، واشتد ~~القتال، فولى الفرنج منهزمين لا يلوون على شيء، وتبعهم المسلمون يقتلون ~~ويأسرون. وكانت هذه الوقعة ثاني عشر رجب، وكان عدد ما اخذ من رؤوس المشركين ~~ألفين وأربع مائة واثنتين وتسعين رأسا، وكان فتحا عظيما وعاد المسلمون. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة رجع سليمان بن محمد، صرفه عبد الله بن طاهر، إلى طبرستان ~~من جرجان بجمع كثير، وخيل وسلاح، فتنحى الحسن بن زيد عن طبرستان، ولحق ~~بالديلم، ودخلها سليمان، وقصد سارية، وأتاه ابنان لقارن بن شهريار، وأتاه ~~أهل آمل وغيرهم، منيبين مظهرين الندم، يسألون الصفح، فلقيهم بما أرادوأن ~~ونهى أصحابه عن القتل والنهب والأذى. وورد كتاب أسد بن جندان إلى محمد بن ~~عبد الله يخبره أنه لقي علي ابن عبد الله الطالبي المسمى بالمرعشي، فيمن ~~معه من رؤساء الجبل، فهزمه ودخل مدينة آمل، وفيها ظهر بأرمينية رجلان، ~~فقاتلهما العلاء بن أحمد عامل بغا الشرابي، فهزمهمأن فصعدا قلعة هناك، ~~فحصرهمأن ونصب عليها المجانيق، فهزما منهأن وخفي أمرهما عليه وملك القلعة. ~~وفيها حارب عيسى بن الشيخ الموفق الخارجي فهزمه وأسر الموفق. وفيها ورد ~~كتاب محمد بن طاهر بن عبد الله بخبر الطالبي الذي ظهر بالري، وما أعد له من ~~العساكر المسيرة إليه، وظفر به، واسمه محمد بن جعفر، فأخذه أسيرأن ثم سار ~~إلى الري بعد أسر محمد بن جعفر بن أحمد بن عيسى ابن الحسين الصغير ابن علي ~~بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، وإدريس بن موسى بن عبد الله بن ~~موسى بن عبد اله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عليه السلام. وفيها ~~انهزم الحسن بن زيد من محمد بن طاهر، وكان لقيه في ثلاثين ألفأن وقتل من ~~أصحابه أعيان الحسن ثلاثمائة رجل وأربعون رجلا. وفيها خرج إسماعيل بن يوسف ~~العلوي ابن أخت موسى بن عبد الله الحسني. وفيها كانت وقعة بين محمد بن خالد ~~بن يزيد، ms2454 وأحمد المولد، وأيوب ابن أحمد بالسلير من أرض بني تغلب، فقتل ~~بينهما جماعة كثيرة، فانهزم محمد ونهب متاعه. وفيها غزا بلكاجور الروم، ~~ففتح مطمورة، وغمن غنيمة كثيرة، وأسر جماعة من الروم. وفيها ظهر بالكوفة ~~رجل من الطالبيين اسمه الحسين بن أحمد بن حمزة ابن عبد الله بن الحسين بن ~~علي بن أبي طالب، عليه السلام، واستخلف بها محمد بن جعفر بن حسن بن جعفر بن ~~الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، يكنى أبا أحمد، فوجه إليه ~~المستعين مزاحم بن خاقان، وكان العلوي بسواد الكوفة في جماعة من بني أسد ~~ومن الزيدية، وأجلى عنها عامل الخليفة وهوأحمد بن نصير بن حمزة بن مالك ~~الخزاعي إلى قصر ابن هبيرة، واجتمع مزاحم وهشام بن أبي دلف العجلي، فسار ~~مزاحم إلى الكوفة، فحمل أهل الكوفة العلوية على قتالهمأن وعدهم النصرة، ~~فتقدم مزاحم وقاتلهم، وكان قد سير قائدا معه جماعة، فأتى أهل الكوفة من ~~ورائهم، فأطبقوا عليهم، فلم يفلت منهم واحد، ودخل الكوفة، فرماه أهلها ~~بالحجارة، فأحرقها بالنار، فاحترق منها سبعة أسواق حتى خرجت النار إلى ~~السبيع، ثم هجم على الدار التي فيها العلوي، فهرب، وأقام مزاحم بالكوفة، ~~فأتاه كتاب المعتز يدعوه إليه، فسار إليه. وفيها ظهر إنسان علوي بناحية ~~نينوى من أرض العراق، فلقيه هشام بن أبي دلف في شهر رمضان، فقتل من أصحاب ~~العلوي جماعة وهرب فدخلالكوفة. وفيها ظهر الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن ~~محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، المعروف بالكركي، ~~بناحية قزوين، وزنجان، فطرد عمال طاهر عنها. وفيها قطعت بنوعقيل طريق جدة، ~~فحاربهم جعفر بشاشات فقتل من أهل مكة نحوثلاثمائة رجل، فغلت الأسعار بمكة، ~~وأغارت الأعراب على القرى. PageV03P0257 # وفيها ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ابن ~~علي بن أبي طالب بمكة، فهرب جعفر بشاشات، وانتهب إسماعيل منزله ومنازل ~~أصحاب السلطان، وقتل الجند وجماعة من أهل مكة، واخذ ما كان حمل لإصلاح ~~القبر من ms2455 المال وما في الكعبة وخزائنها من الذهب والفضة وغير ذلك، وأخذ ~~كسوة الكعبة، وأخذ من الناس نحوا من مائتي ألف دينار، وخرج منها بعد أن ~~نهبهأن وأحرق بعضها في ربيع الأول بعد خمسين يوما وسار إلى المدينة، فتوارى ~~عاملهأن ثم رجع إسماعيل إلى مكة في رجب فحصرهم حتى تماوت أهلها جوعا وعطشأن ~~وبلغ الخبز ثلاث أوراق بدرهم، واللحم رطل بأربعة دراهم، وشربة ماء بثلاثة ~~دراهم، ولقي أهل مكة منه كل بلاء. ثم سار إلى جدة بعد مقام سبعة وخمسين ~~يوما فحبس عن الناس الطعام واخذ الأموال التي للتجار وأصحاب المراكب، ثم ~~وافى إسماعيل عرفة وبها محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور الملقب بكعب ~~البقر، وعيسى بن محمد المخزومي صاحب جيش مكة، كان المعتز وجههما إليهأن ~~بعرفة ليلا ولا نهارأن ووقف إسماعيل وأصحابه، ثم رجع إلى جدة فأفنى ~~أموالها. وفيها مات سري السقطي الزاهد، وإسحاق بن منصور بن بهرام أبويعقوب ~~الكوشج، الحافظ النيسابوري، توفي في جمادى الأولى، وله مسند يروى عنه. ### | AUT حوادث سنة اثنتين وخمسين ومائتين # ### || AUT ذكر خلع المستعين # في هذه السنة خلع المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم نفسه من الخلافة، ~~وبايع للمعتز بالله بن المتوكل، وخطب للمعتز ببغداد يوم الجمعة لأربع خلون ~~من المحرم، وأخذ له البيعة على كل من بها من الجند. وكان ابن طاهر قد دخل ~~على المستعين ومعه سير بن حميد، وقد كتب شروط الأمان، فقال له: يا أمير ~~المؤمنين! قد كتب سعيد كتاب الشروط، فأكده غاية التوكيد، فنقرأه عليك ~~لتسمعه. فقال المستعين: لا حاجة لي إلى توكيدهأن فما القوم بأعلم بالله ~~منكن ولقد أكدت على نفسك قبلهم فكان ما علمت. فما رد عليه محمد شيئا. فلما ~~بايع المستعين للمعتز، وأشهد عليه بذلك، نقل من الرصافة إلى قصر الحسن بن ~~سهل بالمحرم ومعه عياله وأهله جميعأن ووكل بهم، وأخذ منه البردة، والقضيب، ~~والخاتم، ووجه مع عبد الله بن طاهر، ومنع المستعين من الخروج إلى مكة، ~~فاختار المقام بالبصرة، فقيل له: إن البصرة وبية، ms2456 فقال: هي أوبأ أوترك ~~الخلافة! ولست خلون من المحرم دخل بغداد أكثر من مائتي سفينة فيها صنوف ~~التجارات وغمن كثير. وفيها سير المستعين إلى واسط، واستوزر المعتز أحمد بن ~~أبي إسرائيل، وخلع عليه، ورجع أبوأحمد إلى سامرا لاثنتي عشرة خلت من ~~المحرم، فقال بعض الشعراء في خلع المستعين: خلع الخليفة أحمد بن محمد ... ~~وسيقتل التالي له أويخلع ويزول ملك بني أبيه ولا يرى ... أحد تملك منهم ~~يستمتع إيها بني العباس إن سبيلكم ... في قتل أعبدكم سبيل مهيع رقعتم ~~دنياكم فتمزقت ... بكم الحياة تمزقا لا يرقع وقال الشعراء في خلعه ~~كالبحتري، ومحمد بن مروان بن أبي الجنوب وغيرهما فأكثروا. وفيها لسبع بقين ~~من المحرم انصرف أبوالساج ديوداد بن ديودست إلى بغداد، فقلده محمد ين عبد ~~الله معاون ما سقى الفرات من السواد، فسير نوابه إليها لطرد الأتراك ~~والمغاربة عنهأن ثم سار أبوالساج إلى الكوفة. ### || AUT ذكر حال وصيف وبغا # وفيها كتب المعتز إلى محمد بن عبد الله في إسقاط اسم وصيف وبغا ومن ~~معهما من الدواوين؛ وكان محمد بن أبي عون، وهوأحد قواد محمد بن عبد الله، ~~قد وعد أبا أحمد أن يقتل بغا ووصيفأن فعقد له المعتز على اليمامة، ~~والبحرين، والبصرة، فكتب قوم من أصحاب بغا ووصيف إليهما بذلك، وحذروهما ~~محمد بن عبد الله، فركبا إلى محمد، وعرفاه ما ضمنه ابن أبي عون من قتلهمأن ~~وقال بغا: إن القوم قد غدروأن وخالفوا ما فارقونا عليه، والله لوأرادوا أن ~~يقتلونا ما قدروا عليه. PageV03P0258 # فكفه وصيف وقال: نحن نقعد في بيوتنا حتى يجيء من يقتلنا! ورجعا إلى ~~منازلهما وجمعا جندهما ووجه وصيف أخته سعاد إلى المؤيد، وكان في حجرهأن ~~فكلم المؤيد المعتز في الرضاء عنه، فرضي عن وصيف، وكتب إليه بذلك؛ وتلكم ~~أبوأحمد بن المتوكل في بغأن فكتب إليه بالرضاء عنه، وهما ببغداد، ثم تكلم ~~الأتراك إحضارهما إلى سامرأن فكتب إليهما بذلك، وكتب إلى محمد بن عبد الله ~~ليمنعهما من ذلك، فأتاهما كتاب إحضارهمأن فأرسلاه إلى محمد بن عبد الله ~~يستأذنانه، وخرج ms2457 وصيف وبغا وفرسانهما وأولادهما في نحوأربع مائة إنسان، ~~وخلفا الثقل والعيال، فوجه ابن طاهر إلى باب الشماسية من يمنعهم، فمضوا إلى ~~باب خراسان، وخرجوا منه، ووصلا سامرأن ورجعا إلى منزلهما من الخدمة، وخلع ~~عليهمأن وعقد لهما على أعمالهمأن ورد البريد إلى موسى بن بغا الكبير. ### || AUT ذكر الفتنة بين جند بغداد ومحمد بن عبد الله # وفي هذه السنة كانت وقعة بين جند بغداد وأصحاب محمد بن عبد الله بن ~~طاهر. وكان سبب ذلك أن الشاكرية وأصحاب الفروض اجتمعوا إلى دار محمد يطلبون ~~أرزاقهم في رمضان، فقال لهم: إني كتبت إلى أمير المؤمنين في إطلاق أرزاقكم، ~~فكتب في الجواب: إن كنت تريد الجند لنفسك فأعطهم أرزاقهم، وإن كنت تريدهم ~~لنا فلا حاجة لنا فيهم؛ فشغبوا عليه، واخرج لهم ألفي دينار، ففرقت فيهم، ~~فسكتوا. ثم اجتمعوا في رمضان أيضا، ومعهم الأعلام والطبول، وضربوا الخيام ~~على باب حرب، وعلى باب الشماسية وغيرهمأن وبنوا بيوتا من بواري وقصب، ~~وباتوا ليلتهم، فلما أصبحوا كثر جمعهم، واحضر محمد أصحابه، فباتوا في داره، ~~وشحن داره بالرجال، واجتمع إلى أولئك المشغبين خلق كثير، بباب حرب، بالسلاح ~~والأعلام والطبول، ورئيسهم أبوالقاسم عبدون بن الموفق، وكان من نواب عبيد ~~الله بن يحيى بن خاقان، فحثهم على طلب أرزاقهم وفائتهم. فلما كان يوم ~~الجمعة أرادوا أن يمنعوا الخطيب من الدعاء لمعتز، فعلم الخطيب ذلك، فاعتذر ~~بمرض لحقه، ولم يخطب، فمضوا يريدون الجسر، فوجه إليهم ابن طاهر عدة من ~~قواده في جماعة من الفرسان والرجال، فاقتتلوأن فقتل بينهم قتلى، ودفعوا ~~أصحاب ابن طاهر عن الجسر؛ فلما رأى الذين بالجانب الشرقي أن أصحابهم أزالوا ~~أصحاب ابن طاهر عن الجسر حملوا يريدون العبور إلى أصحابهم، وكان ابن طاهر ~~قد أعد سفينة فيها شوك وقصب، فألقى فيها النار، وأرسلها إلى الجسر الأعلى ~~فأحرقت سفنه، وقطعته، وصارت إلى الجسر الآخر، فأدركها أهل الجانب الغربي، ~~فغرقوهأن عبر من في الجانب الشرقي إلى الغربي، ودفعوا أصحاب ابن طاهر إلى ~~باب داره، وقتل بينهم نحوعشرة أنفس، ونهب العامة مجلس ms2458 الشرط، وأخذوا منه ~~شيئا كثيرا من أصناف المتاع. ولما رأى ابن طاهر أن الجند قد ظهروا على ~~أصحابه أمر بالحوانيت التي على باب الجسر أن تحرق، فاحترق للتجار متاع ~~كثير، فحالت النار بين الفريقين، ورجع الجند إلى معسكرهم بباب حرب، وجمع ~~ابن طاهر عامة أصحابه، وعبأهم تعبئة الحرب خوفا من رجعة الجند، فلم يمن لهم ~~عودة. فأتاه في بعض الأيام رجلان من الجند، فدلاه على عورة القوم، فأمر ~~لهما بمائتي دينار، وأمر الشاه بن ميكال وغيره من القواد في جماعة بالمسير ~~إليهم، فسار إلى تلك الناحية، وكان أبوالقاسم، وابن الخليل، وهما المقدمان ~~على الجند، قد خافا مضي ذينك الرجلين، وقد تفرق الناس عنهمأن فسار كل واحد ~~منهما إلى ناحية؛ وأما ابن الخليل فإنه لقي الشاه بن ميكال ومن معه، فصاح ~~بهم، وصاح ه أصحاب محمد، وصار في وسطهم، فقتل؛ وأما أبوالقاسم فإنه اختفى، ~~فدل عليه فأخذ وحمل إلى ابن طاهر، وتفرق الجند من باب حرب، ورجعوا منازلهم، ~~وقيد أبوالقاسم وضرب ضربا مبرحأن فمات منه في رمضان. ### || AUT ذكر خلع المؤيد وموته # في رجب خلع المعتز أخاه المؤيد من ولاية العهد بعده؛ وكان سببه أن ~~العلاء بن أحمد، عامل أرمينية، بعث إلى المؤيد بخمسة آلاف دينار ليصلح بها ~~أمره، فبعث عيسى بن فرخانشاه إليها فأخذهأن فأعزى المؤيد الأتراك بعيسى، ~~وخالفهم المغاربة، فبعث المعتز إلى المؤيد وأبي احمد، فأخذهما وحبسهمأن ~~وقيد المؤيد، وأدر العطاء للأتراك والمغاربة. وقيل إنه ضربه أربعين مقرعة، ~~وخلعه بسامرأن وأخذ خطه بخلع نفسه، وكانت وفاته أيضا في رجب لثمان بقين من ~~الشهر. PageV03P0259 # وكان سبب موته أن امرأة من نساء الأتراك أعلمت محمد بن راشد أن الأتراك ~~يريدون إخراج المؤيد من الحبس، فأنهى ذلك إلى المعتز، فذكر موسى ابن بغا ~~عنه فقال: ما أرادوه، إمنا أرادوا أن يخرجوا أبا أحمد بن المتوكل لأنسهم به ~~وكان في الحرب التي كانت؛ فلما كان من الغد دعا بالقضاة والفقهاء والوجوه، ~~فأخرج المؤيد إليهم ميتا لا أثر به، ولا جرح، وحمل إلى أمه، ms2459 ومعه كفنه، ~~وأمرت بدفنه، فقيل إنه أدرج في لحاف سمور ومسك طرفاه حتى مات؛ وقيل إنه ~~أقعد في الثلج، وجعل على رأسه منه كثير، فجمد بردا؛ ولما مات المؤيد نقل ~~أخوه أبوأحمد إلى محبسه، وكانا لأب وأم. ### || AUT ذكر قتل المستعين # ولما أراد قتل المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم، كتب إلى محمد ابن عبد ~~الله يأمره بتسليم المستعين إلى سيما الخادم، فكتب محمد إلى الموكلين ~~بالمستعين بواسط في تسليمه إليه، وأرسل أحمد بن طولون في تسليمه، فأخذه ~~أحمد وسار به إلى القاطول، فسلمه إلى سعيد بن صالح، فأدخله سعيد منزله، ~~وضربه حتى مات. وقيل: بل جعل في رجله حجرا وألقاه في دجلة، وقيل: كان قد ~~حمل معه داية له تعادله، فلما أخذه سعيد ضربه بالسيف، فصاح، وصاحت دايته، ~~ثم قتل وقتلت المرأة معه، وحمل رأسه إلى المعتز، وهويلعب بالشطرنج، فقيل: ~~هذا رأس المخلوع! فقال: ضعوه حتى أفرغ من الدست فلما فرغ نظر إليه، وأمر ~~بدفنه، وأمر لسعيد بخمسين ألف درهم، وولاه معونة البصرة. ### || AUT ذكر الفتنة بين الأتراك والمغاربة # وفي هذه السنة مستهل رجب كانت الفتنة بين الأتراك والمغاربة. وسببها أن ~~الأتراك وثبوا بعيسى بن فرخانشاه، فضربوه، واخذوا دابته، واجتمعت المغاربة ~~مع محمد بن راشد، ونصر بن سعد، وغلبوا الأتراك على الجوسق، وأخرجوهم منه، ~~وقالوا لهم: كل يوم تقتلون خليفة، وتخلعون آخر، وتعملون وزيرا. وصار الجوسق ~~وبيت المال في أيدي المغاربة، وأخذوا الدواب التي كان تركها الأتراك، ~~فاجتمع الأتراك وأرسلوا إلى من بالكرخ والدور منهم، فاجتمعوا وتلاقوا هم ~~والمغاربة، وأعان الغوغاء والشاكرية المغاربة، فضعف الأتراك وانقادوأن ~~فأصلح جعفر بن عبد الواحد بينهم؛ على أن يحدثوا شيئأن وكل موضع يكون فيه ~~رجل من الفريقين يكون فيه رجل من الفريق الآخر؛ فمكثوا مديدة، ثم اجتمع ~~الأتراك وقالوا: نطلب هذين الرأسين، فإن ظفرنا بهما فلا أحد ينطق. فبلغ ~~الخبر باجتماع الأتراك إلى محمد بن راشد ونصر بن سعد، فخرجا إلى منزل محمد ~~بن غرون ليكونا عنده حتى يسكن الأتراك ثم يرجعا إلى ms2460 جمعهمأن فغمز بهما إلى ~~الأتراك، فأخذوهما فقتلوهمأن فبلغ ذلك المعتز، فأراد قتل ابن غرون، فكلم ~~فيه فنفاه إلى بغداد. ### || AUT ذكر خروج مساور بالبوازيج # في هذه السنة في رجب خرج مساور بن عبد الحميد بن مساور الشاري البجلي ~~الموصلي بالبوازيج، وإلى جده ينسب فندق مساور بالموصل. وكان سبب خروجه أن ~~شرطة الموصل، وكان يتولاها لبني عمران، وأمراء الموصل، لزموا إنسانا اسمه ~~حسين بن بكير، فأخذ ابنا لمساور هذا اسمه حوثرة، فحبسه بالحديثة، وكان ~~حوثرة جميلأن فكان حسين هذا يخرجه من الحبس ليلا ويحضره عنده، ويرده إلى ~~الحبس نهارأن فكتب حوثرة إلى أبيه مساور، وهوبالبوازيج، يقول له: أنا ~~بالنهار محبوس وبالليل عروس، فغضب لذلك، وقلق، وخرج، وبايعه جماعة، وقصد ~~الحديثة، فاختفى حسين بن بكير، وأخرج مساور ابنه حوثرة من الحبس، وكثر جمعه ~~من الأكراد والأعراب، وسار إلى الموصل فنزل بالجانب الشرقي. وكان الوالي ~~عليها عقبة بن محمد بن جعفر بن محمد بن الأشعث بن أهبان الخزاعي، وأهبان ~~يقال إنه مكلم الذئب، وله صحبة، فوافقه عقبة من الجانب الغربي، فعبر دجلة ~~رجلان ن أهل الموصل إلى مساور، فقاتلأن فقتلا وعاد مساور، وكره القتال؛ ~~وكان حوثرة بن مساور معهم فسمع يقول: أنا الغلام البجلي الشاري ... أخرجني ~~جوركم من داري ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة حمل محمد بن علي بن خلف العطار، وجماعة من الطالبيين، إلى ~~سامرأن فيهم: أبوأحمد محمد بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن ~~علي بن أبي طالب، وأبوهاشم داود بن القاسم الجعفري في شعبان. PageV03P0260 # وكان سبب ذلك أن رجلا من الطالبيين سار من بغداد في جماعة من الشاكرية ~~إلى ناحية الكوفة، وكانت من أعمال أبي الساج، وكان مقيما ببغداد، فأمر محمد ~~بن عبد الله بالمسير إلى الكوفة، فقدم بين يديه خليفته عبد الرحمن إلى ~~الكوفة، فلما صار إليها رمي بالحجارة، وظنوه جاء لحرب العلوي، فقال: لست ~~بعامل، إمنا أنا رجل وجهت لحرب الأعراب؛ فكفوا عنه. وكان أبوأحمد الطالبي ~~المذكور قد ولاه المعتز الكوفة، بعدما ms2461 هزم مزاحم ابن خاقان العلوي الذي كان ~~وجه لقتاله بهأن وقد تقدم ذكره، فعاث أبوأحمد فيهأن وآذى الناس، وأخذ ~~أموالهم وضياعهم، فلما أقام عبد الرحمن بالكوفة لاطفه واستماله، حتى خالطه ~~أبوأحمد، وآكله وشاربه، حتى سار به ثم خرج متنزها إلى بستان، فأمسى وقد عبأ ~~له عبد الرحمن أصحابه، فقيده وسيره إلى بغداد في ربيع الآخر، ووجدت مع ابن ~~أخ لمحمد بن علي بن خلف العطار كتب من الحسن بن زيد، فكتب بخبره إلى ~~المعتز، فكتب إلى محمد بن عبد الله حمله وحمل الطالبيين المذكورين إلى ~~سامرأن فحملوا جميعا. وفيها ولي الحسين بن أبي الشوارب قضاء القضاة. وفيها ~~توجه أوالساج إلى طريق خراسان من قبل محمد بن عبد الله. وفيها عقد لعيسى بن ~~الشيخ على الرملة وأوفد خليفته أبا المغرا إليهأن وعيسى هذا شيباني، ~~وهوعيسى بن الشيخ بن السليل، من ولد جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان، واستولى ~~على فلسطين جميعهأن فلما كان من الأتراك بالعراق ما ذكرناه تغلب على دمشق ~~وأعمالهأن وقطع ما كان يحمل من الشام إلى الخليفة، واستبد بالأموال. وفيها ~~كتب وصيف إلى عبد العزيز بن أبي دلف العجلي بتوليته الجبل، وبعث إليه بخلع، ~~فتولى ذلك من قبله. وفيها قتل محمد بن عمروالشاري بديار ربيعة، قتله خليفة ~~لأيوب بن أحمد في ذي القعدة. وفيها أغار جستان صاحب الديلم مع أحمد بن عيسى ~~بن أحمد العلوي، والحسين بن أحمد الكوكبي، على الري فقتلوا وسبوأن وكان بها ~~عبد الله بن عزيز، فهرب منهأن فصالحهم أهل الري على ألفي ألف درهم، ~~فارتحلوا عنهأن وعاد ابن عزيز فأخذ أحمد بن عيسى وبعث به إلى نيسابور. ~~وفيها مات إسماعيل بن يوسف الطالبي الذي كان فعل بمكة ما فعل. وفيها حج ~~بالناس محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور. وفيها سير محمد بن عبد الرحمن ~~صاحب الأندلس جيشا إلى بلاد العدو، فقصدوا ألبة، والقلاع، ومدينة مانة ~~وقتلوا من أهلها عددا كثيرأن ثم قفل الجيش سالمين. وفيها توفي محمد بن بشار ~~بندار، وأبوموسى محمد ms2462 بن المثنى الزمن البصريان، وهما مشايخ البخاري، ~~ومسلم، في الصحيح، وكان مولد بندار سنة سبع وستين ومائة. ### | AUT حوادث سنة ثلاث وخمسين ومائتين # ### || AUT ذكر أخذ كرج من ابن أبي دلف # فيها عقد المعتز لموسى بن بغا الكبير في رجب على الجبل، فسار على مقدمته ~~مفلح، فلقيه عبد العزيز بن أبي دلف خارج همذان، فتحاربأن وكان مع عبد ~~العزيز أكثر من عشرين ألفا من الصعاليك وغيرهم، فانهزم عبد العزيز وقتل ~~أصحابه. فلما كان في رمضان سار مفلح نحوكرج، وجعل له كمينين، ووجه عبد ~~العزيز عسكرا فيه أربعة آلاف، فقاتلهم مفلح، وخرج الكمينان على أصحاب عبد ~~العزيز، فانهزموأن وقتلوأن وأسروأن وأقبل عبد العزيز ليعين أصحابه، فانهزم ~~بانهزامهم، وترك كرج، ومضى إلى قلعة له يقال لها زر، فتحصن بهأن ودخل مفلح ~~كرج فأخذ أهل عبد العزيز وفيهم والدته. ### || AUT ذكر قتل وصيف # وفيها قتل وصيف؛ وكان سبب قتله أن الأتراك والفراعنة والأشروسنية شغبوأن ~~وطلبوا أرزاقهم لأربعة أشهر، فخرج إليهم بغا ووصيف وسيمأن فكلمهم وصيف فقال ~~لهم: خذوا التراب، ليس عندنا مال. قال بغا: نعم! نسأل أمير المؤمنين ~~ونتناظر في دار أشناس. فدخلوا دار أشناس. ومضى سيما وبغا إلى المعتز، وبقي ~~وصيف في أيديهم، فوثب عليه بعضهم فضربه بالسيف، ووجأه آخر بسكين، ثم ضربوه ~~بالطبرزينات حتى قتلوه، وأخذوا رأسه ونصبوه على محراك تنور؛ وجعل المعتز ما ~~كان إلى وصيف إلى بغا الشرابي، وهوبغا الصغير، وألبسه التاج الوشاحين. ### || AUT ذكر قتل بندار الطبري # PageV03P0261 # وفيها قتل بندار الطبري، وكان سب قتله أن مساور بن عبد الحميد الموصلي ~~الخارجي لما خرج بالبوازيج، كما ذكرنأن وكان طريق خراسان إلى بندار، ومظفر ~~بن سيسل، وكانا بالدسكرة، أتى الخبر إلى بندار بمسير مساور إلى كرخ جدان، ~~فقال المظفر في المسير إليه؛ فقال للمظفر: قد أمسينأن وغدا العيد، فإذا ~~قضينا العيد سرنا إليه. فسار ندار طمعا في أن يكون الظفر له، فسار ليلأن ~~حتى أشرف على عسكر مساور، فأشار عليه بعض أصحابه أن يبيتهم، فأبى وقال: حتى ~~أراهم ويروني، فأحس ms2463 به الخوارج، فركبوأن واقتتلوا. وكان مع بندار ثلاثمائة ~~فارس، ومع الخوارج سبع مائة، فاشتد القتال بينهم، وحمل الخوارج حملة ~~اقتطعوا من أصحاب بندار أكثر من مائة، فصبروا لهم، وقاتلوهم، حتى قتلوا ~~جميعأن فانهزم بندار وأصحابه، وجعل الخوارج يقطعونهم قطعة بعد قطعة، ~~فقتلوهم. وأمعن بندار في الهرب، فطلبوه، فلحقوه، فقتلوه، ونصبوا رأسه ونجا ~~من أصحابه نحومن خمسين رجلا وقتل مائة. وأتى الخبر إلى المظفر، فرحل ~~نحوبغداد، وسار مساور نحوحلوان، فقاتله أهلهأن فقتل منهم أربع مائة إنسان، ~~وقتلوا من أصحابه جماعة، وقتل عدة من حجاج خراسان كانوا بحلوان، وأعانوا ~~أهلهأن ثم انصرفوا عنه. وقال ابن مساور في ذلك: فجعت العراق بندارها ... ~~وحزت البلاد بأقطارها وحلوان صبحتها غارة ... فقبلت أغرار غرارها وعقبة ~~بالموصل أحجرته ... وطوقته الذل في كارها ### || AUT ذكر موت محمد بن عبد الله بن طاهر # وفي ليلة أربع عشرة من ذي الحجة انخسف القمر جميعه؛ ومع انتهاء خسوفه ~~مات محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، وكانت علته التي مات بها قروحا ~~أصابته في حلقه ورأسه فذبحته، وكانت تدخل فيها الفتايل. ولما اشتد مرضه كتب ~~إلى عماله وأصحابه بتفويض ما إليه من الولاية إلى أخيه عبيد الله بن طاهر، ~~فلما مات تنازع ابنه وأخوه عبيد الله الصلاة عليه، فصلى عليه ابنه، وتنازع ~~عبيد الله وأصحاب طاهر، حتى سلوا السيوف، ورموا بالحجارة، ومالت العامة مع ~~أصحاب طاهر، وعبر عبيد الله إلى داره بالجانب الشرقي، فعبر معه القواد ~~لاستخلاف محمد، فكان أوصاه على أعماله، ثم وه المعتز بعد ذلك الخلع إلى ~~عبيد الله، فأمر عبيد الله للذي أتاه بالخلع بخمسين ألف درهم. ### || AUT ذكر الفتنة بأعمال الموصل # ي هذه السنة كانت حرب بين سليمان بن عمران الأزدي وبين عنزة. وسببها أن ~~سليمان اشترى ناحية من المرج، فطلب منه إنسان من عنزة اسمه برهونة الشفعة، ~~فلم يجبه إليهأن فسار برهونة إلى عنزة، وهم بين الزابين، فاستجار بهم وببني ~~شيبان، واجتمع معه جمع كثير، ونهبوا الأعمال فأسرفوا. وجمع سليمان لهم ~~بالموصل، وسار إليهم، فعبر ms2464 الزاب، وكانت بينهم حرب شديدة، وقتل فيها كثير، ~~وكان الظفر لسليمان، فقتل منهم بباب شمعون مقتلة عظيمة، وأدخل من رؤوسهم ~~إلى الموصل أكثر من مائتي رأس، فقال حفص بن عمروالباهلي قصيدة يذكر فيها ~~الوقعة أولها: شهدت مواقفنا نزار فأحمدت ... كرات كل سميدع قمقمام جاؤوا ~~وجئنا لا نفيتم صلنا ... ضربا يطيح جماجم الأجسام وهي طويلة. وفيها كان ~~أيضا بأعمال الموصل فتنة وحرب قتل فيها الحباب بن بكير التليدي؛ وسبب ذلك ~~أن محمد بن عبد الله بن السيد بن أنس التليدي الأزدي كان اشترى قريتين كان ~~رهنهما محمد بن علي التليدي عنده، وكره صاحبهما أن يشتريهمأن فشكا ذلك إلى ~~الحباب بن بكير، فقال الحباب له: ائتني بكتاب من بغا لأمنع عنهما؛ وأعطاه ~~دواب ونفقة، وانحدر إلى سر من رأى، وأحضر كتابا من بغا إلى الحباب يأمره ~~بكف يد محمد بن عبد الله بن السيد عن القريتين، ففعل ذلك، وأرسل إليهما من ~~منع محمدأن فجرت بينهم مراسلات واصطلحوا. فبيمنا محمد بن عبد الله بن السيد ~~والحباب بالبستان على شراب لهمأن ومعهما قينة، قال لها الحباب غني بهذا ~~الشعر: متى تجمع القلب الزكي وصارما ... وأنفا حميا تجتنبك المظالم كذبتم ~~وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة ما دام للسيف قائم ولا صلح حتى تقرع ~~البيض بالقنا ... ويضرب بالبيض الخفاف الجماجم PageV03P0262 # وافترقا وقد حقد كل واحد منهما على صاحبه، وأعاد الحباب التوكيل ~~بالقريتين، فجمع محمد جمعأن وترددت الرسل في الصلح، وأجابا إلى ذلك، وفرق ~~محمد جمعه، فأبلغ محمد أن الحباب قال: لوكان مع محمد أربعة لما أجاب إلى ~~الصلح، فغضب لذلك، وجمع جمعا كثيرأن وسار مبادرا إلى الحباب، فخرج إليه ~~الحباب غير مستعد، فاقتتلوا فقتل الحباب ومعه ابن له وجمع من أصحابه، وكان ~~ذلك في ذي القعدة من هذه السنة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها نفي أبو أحمد بن المتوكل إلى البصرة، ثم رد إلى بغداد، فانزل في ~~الجانب الشرقي بقصر دينار، ونفي أيضا علي بن المعتصم إلى واسط، ثم رد إلى ~~بغداد. وفيها مات مزاحم بن ms2465 خاقان بمصر في ذي الحجة؛ وحج بالناس عبد الله ~~ابن محمد بن سليمان الزينبي. وفيها غزا محمد بن معاذ من ناحية ملطية، ~~فانهزم وأسر. وفيها التقى موسى بن بغا والكوكبي العلوي عند قزوين، فانهزم ~~الكوكبي ولحق بالديلم، وكان سبب الهزيمة أنهم اصطفوا لقتال جعل أصحاب ~~الكوكبي تروسهم في وجوههم، فيتقون بها سهام أصحاب موسى، فلما رأى موسى أن ~~سهام أصحابه لا تصل إليهم مع فعلهم، أمر بما معه من النفط أن يصب في الأرض، ~~ثم أمر أصحابه بالاستطراد لهم، ففعلوا ذلك، فظن الكوكبي وأصحابه أنهم قد ~~انهزموأن فتبعهم، فلما توسطوا النفط أمر موسى بالنار فألقيت فيه، فالتهب من ~~تحت أقدامهم، فجعلت تحرقهم، فانهزموأن فتبعهم موسى، ودخل قزوين. وفيها في ~~ذي الحجة لقي مساور الخارجي عسكرا لخليفة مقدمهم حطرمس بناحية جلولاء، ~~فهزمه مساور. وفيها سار جيش المسلمين من الأندلس إلى بلاد المشركين، ~~فافتتحوا حصون جرنيق، وحاصروا فوتب وغلب على اكثر أسوارها. ### || AUT ذكر ابتداء دولة يعقوب الصفار وملكه هراة وبوشنج # وكان يعقوب بن الليث وأخوه عمرويعملان الصفر بسجستان، ويظهران الزهد ~~والتقشف. وكان في أيامهما رجل من أهل سجستان يظهر التطوع بقتال الخوارج، ~~يقال له: صالح المطوعي، فصحبه يعقوب، وقاتل معه، فحظي عنده، فجعله صالح ~~مقام الخليفة عنه، ثم هلك صالح، وقام مقامه إنسان آخر اسمه درهم، فصار ~~يعقوب مع درهم كما كان مع صالح قبله. ثم إن صاحب خراسان احتال لدرهم لما ~~عظم شأنه وكثر أتباعه، حتى ظفر به وحمله إلى بغداد فحبسه بهأن ثم أطلق، ~~وخدم الخليفة بغداد. وعظم أمر يعقوب بعد اخذ درهم، وصار متولي أمر المتطوعة ~~مكان درهم، وقام بحاربة الشراة، فظفر بهم، وأكثر القتل فيهم، حتى كاد ~~يفنيهم، وخرب قراهم، وأطاعه أصحابه بمكره، وحسن حاله، ورأيه، طاعة لم ~~يطيعوها أحدا كان قبله، واشتدت شوكته، فغلب على سجستان، وأظهر التمسك بطاعة ~~الخليفة، وكاتبه، وصدر عن أمره، وأظهر أنه هوأمره بقتال أتباعه، فخرج عن حد ~~طلب الشراة، وصار يتناول أصحاب أمير خراسان للخليفة. ثم سار من سجستان إلى ~~هراة، ms2466 من خراسان، هذه السنة، ليملكهأن وكان أمير خراسان محمد بن طاهر بن ~~عبد الله بن طاهر بن الحسين، وعامله على هراة محمد بن أوس الأنباري، فخرج ~~منها لمحاربة يعقوب في تعبئة حسنة، وبأس شديد، وزي جميل، فتحاربا واقتتلا ~~قتالا شديدأن فانهزم ابن أوس، وملك يعقوب هراة وبوشنج، وصارت المدينتان في ~~يده، فعظم أمره حينئذ، وهابه أمير خراسان وغيره من أصحاب الأطراف. ### | AUT حوادث سنة أربع وخمسين ومائتين # ### || AUT ذكر مقتل بغا الشرابي # وفيها قتل بغا الشرابي؛ وكان سبب قتله أنه كان يحرض المعتز على المسير ~~إلى بغداد، والمعتز يأبى ذلك ويكرهه، فاتفق أن بغا اشتغل بتزويج ابنته من ~~صالح بن وصيف، فركب المعتز ومعه أحمد بن إسرائيل إلى كرخ سامرأن إلى ~~بابكيال التركي ومن معه من المنحرفين عن بغا. وكان سبب انحرافه عنه أنهما ~~كانا على شراب لهمأن فعربد أحدهما على الآخر، فاختفى بابكيال من بغأن فلما ~~أتاه المعتز اجتمع معه أهل الكرخ وأهل الدور ثم أقبلوا مع المعتز إلى ~~الجوسق بسامرأن وبلغ ذلك بغأن فخرج في غلمانه وهم زهاء خمس مائة إنسان من ~~ولده وقواده، فسار إلى السن، فشكا أصحابه بعضهم إلى بعض ما هم فيه من ~~العسف، وأنهم خرجوا بغير مضارب ولا ما يلبسونه في البرد، وأنهم في شتاء، ~~فأتاه بعض أصحابه وأخبره بقولهم، فقال: دعني حتى أنظر الليلة. PageV03P0263 # فلما جن عليه الليل ركب في زورق، ومعه خادمان، وشيء من المال الذي صحبه، ~~وكان قد صحه تسع عشرة بدرة دنانير، ومائة بدرة دراهم، ولم يحمل معه سلاحأن ~~ولا سكينأن ولا شيئأن ولم يعلم به أحد من عسكره. وكان المعتز في غيبة بغأن ~~لا ينام إلا في ثيابه وعليه السلاح، فسار بغا إلى الجسر في الثلث الأول من ~~الليل، فبعث الموكلون بالجسر ينظرون من هو، فصاح بالغلام فرجع، وخرج بغا في ~~البستان الخاقاني، فلحقه عدة من الموكلين، فوقف لهم بغا وقال: أنا بغأن إما ~~أن تذهبوا معي إلى صالح بن وصيف، وإما أن تصيروا معي حتى أحسن إليكم. فتوكل ms2467 ~~به بعضهم، وأرسلوا إلى المعتز بالخبر، فأمر بقتله، فقتل، وحمل رأسه إلى ~~المعتز، ونصب بسامرأن وبغداد، وأحرقت المغاربة جسده، وكان أراد أن يختفي ~~عند صالح بن وصيف، فإذا اشتغل الناس بالعيد، وكان قد قرب، وخرج هووصالح ~~ووثبوا بالمعتز. ### || AUT ذكر ابتداء حال أحمد بن طولون # كانت ديار مصر قد أقطعها بابكيال، وهومن أكابر قواد الأتراك، وكان مقيما ~~بالحضرة، واستخلف بها من ينوب عنه بها. وكان طولون والد أحمد بن طولون أيضا ~~من الأتراك، وقد نشأ هو، بعد والده، على طريقة مستقيمة، وسيرة حسنة، فالتمس ~~بابكيال من يستخلفه بمصير، فأشير عليه بأحمد بن طولون، لما ظهر عنه من حسن ~~السيرة، فولاه وسيره إليها. وكان بها ابن المدبر على الخراج، وقد تحكم في ~~البلد، فلما قدمها أحمد كف يد ابن المدبر، واستولى على البلد؛ وكان بابكيال ~~قد استعمل أحمد بن طولون على مصر وحدها سوى باقي الأعمال كالإسكندرية ~~وغيرهأن فلما قتل المهدي بابكيال وصارت مصر لياركوج التركي، وكان بينه وبين ~~أحمد ابن طولون مودة متأكدة استعمله على ديار مصر جميعها، فقوي أمره، وعلا ~~شأنه ودامت أيامه، ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذوالفضل العظيم) ~~الحديد: 21. ### || AUT ذكر وقعة بين مساور الخارجي وبين عسكر الموصل # كان مساور بن عبد الحميد قد استولى على اكثر أعمال الموصل وقوي أمره، ~~فجمع له الحسن بن أيوب بن أمد بن عمر بن الخطاب العدوي التغلبي، وكان خليفة ~~أبيه بالموصل، عسكرا كثيرا منهم حمدان بن حمدون، جد الأمراء الحمدانية، ~~وغيره، وسار إلى مساور وعبر إليه نهر الزاب، فتأخر عنه مساور عن موضعه، ~~ونزل بموضع يقال له وادي الذيات، وهوواد عميق، فسار الحسن في طلبه، فالتقوا ~~في جمادى الأولى، واقتتلوأن واشتد القتال، فانهزم عسكر الموصل، وكثر القتل ~~فيهم، وسقط كثير منهم في الوادي فهلك فيه أكثر من القتلى، ونجا الحسن فوصل ~~إلى حزة من أعمال إربل اليوم، ونجا محمد بن علي بن السيد، فظن الخوارج أنه ~~الحسن فتبعوه، وكان فارسا شجاعأن فقاتلهم، فقتل، واشتد أمر مساور وعظم شأنه ms2468 ~~وخافه الناس. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي أبوأحمد بن الرشيد، وهوعم الواثق والمتوكل، وعم أبي ~~المنتصر والمستعين والمعتز، وكان معه من الخلفاء إخوته الأمين، والمأمون، ~~والمعتصم، وابنا أخيه الواثق والمتوكل ابنا المعصتم، وأبناء ابني أخيه، وهم ~~المنتصر، والمستعين، والمعتز. وفيها في جمادى الآخرة توفي علي بن محمد بن ~~علي بن موسى بن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي أبي طالب، عليه ~~السلام، بسامرأن وهوأحد من يعتقد الإمامية إمامته، وصلى عليه أبوأحمد بن ~~المتوكل، وكان مولده سنة اثنتي عشرة ومائتين. وفيها عقد صالح بن وصيف ~~لديوداد على ديار مصر، وقنسرين والعواصم. وفيها أوقع مفلح بأهل قم، فقتل ~~منهم مقتلة عظيمة. وفيها عاود أهل ماردة من بلاد الخلاف على محمد بن محمد ~~بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، وسبب ذلك أنهم خالفوا قديما على أبيه، فظفر ~~بهم، وتفرق كثير من أهلهأن فلما كان الآن تجمع إليها من كان فارقها، فعادوا ~~إلى الخلاف والعصيان، فسار محمد إليهم، وحصرهم، وضيق عليهم، فانقادوا إلى ~~التسليم والطاعة، فنقلهم وأموالهم إلى قرطبة، وهدم سور ماردة، وحصن بها ~~الموضع الذي كان يسكنه العمال دون غيرهم. وفيها هلك أردون بن ردمير، صاحب ~~جليقية من الأندلس، وولي مكانه أدفونش، وهوابن اثنتي عشرة سنة. وفيها انكسف ~~القمر كسوفا كليا لم يبق منه شيء ظاهر. وفيها كان ببلاد قحط شديد، تتابع ~~عليهم من سنة إحدى وخمسين إلى سنة خمس وخمسين، وكشف الله عنهم. ~~PageV03P0264 # وفيها وصل دلف بن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي إلى الأهواز، وجند ~~يسابور، وتستر فجبى بها مائتي ألف دينار، ثم انصرف، وكان والده أمره بذلك. ~~وفي رمضان سار نوشرى إلى مساور الشاري، فلقيه، فهزمه، وقتل من أصحابه جماعة ~~كثيرة. وحج بالناس علي بن الحسين بن إسماعيل بن عباس بن محمد. وفيها توفي ~~أبوالوليد بن عبد الملك بن قطن النحوي القيرواني بهأن وكان إماما في ~~النحوواللغة، وإماما بالعربية، قيل مات خمس وخمسين وهوأصح. ### | AUT حوادث سنة خمس وخمسين ومائتين # ### | AUT ذكر استيلاء يعقوب بن ms2469 الليث الصفار على كرمان # وفيها استولى يعقوب بن الليث الصفار على كرمان؛ وسبب ذلك أن علي ابن ~~الحسين بن شبل كان على فارس، فكتب إلى المعتز يطلب كرمان، ويذكر عجز ~~الطاهرية، وأن يعقوب قد غلبهم على سجستان، وكان علي بن الحسين قد تباطأ ~~بحمل خراج فارس، فكتب إليه المعتز بولاية كرمان، وكتب إلى يعقوب ابن الليث ~~بولايتها أيضأن يلتمس إغراء كل واحد منهما بصاحبه ليسقط مؤونة الهالك عنه، ~~وينفرد بالآخر. وكان كل واحد منهما يظهر طاعة لا حقيقة لهأن والمعتز يعلم ~~ذلك منهمأن فأرسل علي بن الحسين طوق بن المغلس إلى كرمان، وسار يعقوب ~~إليهأن فسبقه طوق واستولى عليهأن وأقبل يعقوب حتى بقي بينه وبين كرمان ~~مرحلة، فأقام بها شهرين لا يتقدم إلى طوق، ولا طوق يخرج إليه، فلما طال ذلك ~~عليه أظهر الارتحال إلى سجستان، فارتحل مرحلتين، وبلغ طوقا ارتحاله فظن أنه ~~قد بدا له في حربه، وترك كرمان، فوضع آلة الحرب، وقعد للأكل والشرب ~~والملاهي. واتصل يعقوب إقبال طوق على الشرب، فكر راجعأن فطوى المرحلتين في ~~يوم واحد، فلم يشعر طوق إلا بغبرة عسكره، فقال: ما هذا؟ فقيل: غبرة ~~المواشي، فلم يكن بأسرع من موافاة يعقوب، فأحاط به وأصحابه، فذهب أصحابه ~~يريدون المناهضة والدفع عن أنفسهم، فقال يعقوب لأصحابه: أفرجوا لقوم! فمروا ~~هاربين، وخلوا كل ما لهم، وأسر يعقوب طوقا. وكان علي بن الحسين قد سير مع ~~طوق في صناديق قيودا ليقيد بها من يأخذه من أصحاب يعقوب، وفي صناديق أطوقه ~~وأسورة ليعطيها أهل البلاء من أصحاب نفسه، فلما غمن يعقوب عسكرهم رأى ذلك، ~~فقال: ما هذا ياطوق؟ فأخبره، فأخذ الاطوقة والأسورة فأعطاها أصحابه، وأخذ ~~القيود والأغلال فقيد بها أصحاب علي! ولما أخرج يد طوق ليضع فيها الغل رآها ~~يعقوب وعليها عصابة، فسأله عنهأن فقال: أصابتني حرارة فقصدتها. فأمر بنزع ~~خف نفسه، فتساقط منه كسر خبز يابسة، فقال: يا طوق! هذا خفي لم أنزعه منذ ~~شهرين من رجلي، وخبزي في خفي منه آكل، وأنت جالس في الشرب؟ ثم ms2470 دخل كرمان ~~وملكها مع سجستان. ### | AUT ذكر ملك يعقوب فارس # وفيهأن رابع جمادى الأولى، ملك يعقوب بن الليث فارس، ولما بلغ علي بن ~~الحسين بن شبل بفارس ما فعله يعقوب بطوق أيقن بمجيئه إليه، وكان علي ~~بشيراز، فجمع جيشه وسار إلى مضيق خارج شيراز، من أحد جانبيه جبل لا يسلك، ~~ومن الجانب الآخر بهر لا يخاض، فأقام على رأس المضيق، وهوضيق ممره لا يسلكه ~~إلا واحد بعد واحد، وهوعلى طرف البر، وقال: إن يعقوب لا يقدر على الجواز ~~إلينا فرجع. وأقبل يعقوب حتى دنا من ذلك المضيق فنزل على ميل منه، وسار ~~وحده ومعه رجل آخر فنظر إلى ذلك المضيق والعسكر وأصحاب علي بن الحسين ~~يسبونه وهوساكت، ثم رجع إلى أصحابه؛ فلما كان الغد الظهر سار بأصحابه حتى ~~صار إلى طرف المضيق ممايلي كرمان، فأمر أصحابه بالنزول وحط الأثقال، ~~ففعلوأن وركبوا دوابهم عريأن واخذ كلبا كان معه فألقاه في الماء، فجعل يسبح ~~إلى جانب عسكر علي بن الحسين، وكان علي بن الحسين وأصحابه قد ركبوا ينظرون ~~إلى فعله، ويضحكون منه. وألقى يعقوب نفسه وأصحابه في الماء على خيلهم، ~~وبأيديهم الرماح، يسيرون خلف الكلب، فلما رأى علي بن الحسين أن يعقوب قد ~~قطع عامة النهر تحير في أمره، وانتقض عليه تدبيره، وخرج أصحابه يعقوب من ~~وراء أصحاب علي، فلما خرج أوائلهم هرب أصحابه إلى مدينة شيراز، لأنهم كانوا ~~يصيرون، إذا خرج يعقوب وأصحابه، بين جيش يعقوب والمضيق، ولا يجدون ملجأن ~~فانهزموأن فسقط علي بن الحسين عن دابته، كبا به الفرس، فاخذ أسيرأن وأتي به ~~إلى يعقوب، فقيده فلما أصبح نهب أصحاب دار علي ودور أصحابه، وأخذ ما في ~~بيوت الأموال وبي الخراج ورجع إلى سجستان. PageV03P0265 # وقيل إنه جرى بين يعقوب الصفار وبين علي بن الحسين، بعد عبوره النهر، حرب ~~شديدة، وذلك أن عليا كان قد جمع عنده جمعا جمعا كثيرا من الموالي والأكراد ~~وغيرهم، بلغت عدتهم خمسة عشر ألفا بين فارس وراجل، فعبأ أصحابه ميمنة ~~وميسرة، وقلبا ووقف هوفي القلب وأقبل ms2471 الصفار فعبر النهر، فلما صار مع علي ~~على أرض واحدة حمل هووعسكره حملة واحدة على عسكر علي، فثبتوا لهم، ثم حمل ~~ثانية لهم عن مواقفهم، وصدقهم في الحرب، فانهزموا على وجوههم لا يلوي أحد ~~على أحد. وتبعهم علي يصيح بهم، ويناشدهم الله ليرجعوأن أوليقفوأن فلم يلتفت ~~إليه أحد وقتل الرجالة قتلا ذريعأن وأقبل المنهزمون إلى باب شيراز مع ~~العصر، فازدحموا في الأبواب، فتفرقوا في نواحي فارس، وبلغ بعضهم في هزيمته ~~إلى الأهواز. فلما رأى الصفار ما لقوا من القتل أمر بالكف عنهم، ولولا ذلك ~~لقتلوا عن آخرهم. وكان القتل خمسة آلاف قتي، وأصاب علي بن الحسين ثلاث ~~جراحات، ثم أخذ أسيرا لما عرفوه، ودخل الصفار إلى شيراز، وطاف بالمدينة، ~~ونادى بالأمان فأطمأن الناس، وعذب عليا بأنواع العذاب، وأخذ من أمواله ألف ~~بدرة، وقيل أربع مائة بدرة، ومن السلاح والأفراس، وغير ذلك ما لا يحد، وكتب ~~إلى الخليفة بطاعته، وأهدى له هدية جليلة منها عشرة بيزان بيض، وباز أبلق ~~صيني، ومائة من مسك وغيرها من الطرائف، وعاد إلى سجستان ومعه علي، وطوق، ~~تحت الأستظهار، فلما فارق بلاد فارس أرسل الخليفة عمالة إليها. ### || AUT ذكر خلع المعتز وموته # وفيهأن في يوم الأربعاء لثلاث، بقين من رجب، خلع المعتز، لليلتين خلتا ~~من شعبان ظهر موته. وكان سبب خلعه أن الأتراك لما فعلوا بالكتاب ما ذكرناه، ~~ولم يحصل منهم مال، ساروا إلى المعتز يطلبون أرزاقهم، وقالوا: أعطنا ~~أرزاقنا حتى نقتل صالح بن وصيف، فلم يكن عنده ما يعطيهم، فزلوا معه إلى ~~خمسين ألف دينار، فأرسل المعتز إلى أمه يسألها أن تعطيه مالا ليعطيهم، ~~فأرسلت إليه: ما عندي شيء. فلما رأى الأتراك أنهم لا يحصل لهم من المعتز ~~شيء، ولا من أمه، وليس في بيت المال شيء، اتفقت كلمتهم، وكلمة المغاربة، ~~والفراغنة، على خلع المعتز، فساروا إليه وصاحوأن فدخل إليه صالح، ومحمد بن ~~بغا المعروف بأبي نصر، وبابكيال في السلاح، فجلسوا على بابه، وبعثوا إليه ~~أن اخرج إلينأن فقال: قد شربت أمس دواء، وقد أفرط ms2472 في العمل، فإن كان أمر لا ~~بد منه فليدخل بعضكم! وهويظن أن أمره واقف على حاله، فدخل إليه جماعة منهم، ~~فجروه برجله إلى باب الحجرة، وضربوه بالدبابيس، وخرقوا قميصه، وأقاموه في ~~الشمس في الدار فكان برفع رجلا ويضع أخرى لشدة الحر، وكان بعضهم يلطمه ~~وهويتقي بيده، وأدخلوه حجرة، وأحضروا ابن أبي الشوارب وجماعة أشهدوهم على ~~خلعه، وشهدوا على صالح بن وصيف أن للمعتز وأمه وولده وأخته الأمان. وكانت ~~أمه قد اتخذت في دارها سربأن فخرجت منه هي وأخت المعتز، وكانوا أخذوا عليها ~~الطريق، ومنعوا أحدا يجوز إليهأن وسلموا المعتز إلى من يعذبه، فمنعه الطعام ~~والشراب ثلاثة أيام، فطلب حسوة من ماء البئر، فمنعوه، ثم أدخلوه سردابأن ~~وجصصوا عليه فمات، فلما مات اشهدوا على موته بني هاشم والقواد، وأنه لا أثر ~~فيه، ودفنوه مع المنتصر. PageV03P0266 # وكانت خلافته من لدن بويع إلى أن خلع أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين ~~يوما، وكان عمره كله أربعا وعشرين سنة؛ وكان أبيض، أسود الشعر، كثيفه، حسن ~~العينين والوجه، أحمر الوجنتين، حسن الجسم طويلا؛ وكان مولده بسر من رأى، ~~وكان فصيحأن فمن كلامه لما سار المستعين إلى بغداد، وقد أحضر جماعة للرأي، ~~فقال لهم: أما تنظرون إلى هذه العصابة التي ذاع نفاقها؟ الهمج، العصاة، ~~الأوغاد الذين لا مسكة بهم، ولا اختيار لهم، ولا تمييز معهم، قد زين لهم ~~تقم الخطأ سوء أعمالهم، فهم الأقلون وإن كثروأن والمذمومون إذا ذكروأن وقد ~~علمت أنه لا يصلح لقود الجيوش، وسد الثقور، وإبرام الأمور، وتدبير ~~الأقاليم، إلا رجل قد تكاملت فيه خصال أربع: حزم يتقي به عند موارد الأمور ~~حقائق مصادرهأن وعلم يحجزه عن التهور والتعزير في الأشياء إلا مع إمكان ~~فرصتهأن وشجاعة لا تفضها الملمات مع تواتر حوائجهأن وجود يهون تبذير ~~الأموال عند سؤالهأن وسرعة مكافأة الإحسان، إلى صالح الأعوان، وثقل الوطأة ~~على أهل الزيغ والعدوان، والاستعداد لحوادث إذ لا تؤمن حوادث الزمان. وأما ~~الاثنتان فإسقاط الحجاب عن الرعية، والحكم بين القوي والضعيف بالسوية. وأما ~~الواحد فالتيقظ للأمور، وقد ms2473 اخترت لهم رجلا من موالي أحدهم شديد الشكيمة، ~~ماضي العزيمة، لا تبطره السراء، ولا تدهشه الضراء، ولا يهاب ما وراءه، ولا ~~يهوله ما يلقاه، فهوكالحريش في أصل الإسلام إن حرك حمل، وإن نهش قتل؛ عدته ~~عتيدة، ونعمته شديدة، يلقى الجيش في النفر القليل العديد، بقلب أشد من ~~الحديد؛ طالب للثأر لا تفله العساكر، باسل البأس، ومقتضب الأنفاس، لا يعوزه ~~ما طلب، ولا يفوته من هرب؛ واري الزناد مضطلع العماد، لا تشرهه الرغائب، ~~ولا تعجزه النوائب، وإن ولي كفى، وإن قال وفى؛ وإن نازل فبطل، وإن قال فعل؛ ~~ظله لوليه ظليل، وبأسه في الهياج عليه دليل، يفوق من ساماه، ويعجز من ~~ناواه، ويتعب من جاراه، وينعش من والاه. ### || AUT ذكر خلافة المهتدي # وفي يوم الأربعاء لليلة بقيت من رجب بويع لمحمد بن الواثق، ولقب ~~بالمهتدي بالله؛ وكان يكنى أب عبد الله، وأمه رومية، وكانت تسمى قرب، ولم ~~يقبل بيعة أحد، فأتي بالمعتز فخلع نفسه، وأقر بالعجز عما أسند إليه، ~~وبالرغبة في تسليمها إلى ابن الواثق، فبايعه الخاصة والعامة. ### || AUT ذكر الشغب ببغداد # وفي هذه السنة شغبت العامة ببغداد سلخ رجب، ووثبوا بسليمان بن عبد الله. ~~وكان سببه أن كتاب المهتدي ورد سلخ رجب إلى سليمان يأمره بأخذ البيعة له؛ ~~وكان أبوأحمد بن المتوكل ببغداد، وكان المعتز قد سيره إليهأن كما تقدم، ~~فأرسل سليمان إليه، فأخذه إلى داره. وسمع من ببغداد من الجند والعامة بأمر ~~المعتز، فاجتمعوا إلى باب دار سليمان، فقاتلهم أصحابه، وقيل لهم: ما يرد ~~علينا من سامرا خبر، فانصرفوا. ورجعوا الغد، وهويوم الجمعة، على ذلك، وخطب ~~للمعتز ببغداد، فانصرفوأن وبكروا يوم السبت، فهجموا على دار سليمان، ونادوا ~~باسم أبي أحمد، ودعوا إلى بيعته، وسألوا سليمان أن يريهم أبا أحمد، فأظهره ~~لهم، ووعدهم أن يصير إلى محتهم إن تأخر عنهم ما يحبون، فانصرفوا بعد أن ~~أكدوا عليه في حفظ أبي أحمد. ثم أرسل إليهم من سامرا مال ففرق فيهم، فرضوأن ~~وبايعوا للمهتدي لسبع خلون من شعبان وسكنت الفتنة. ### || AUT ذكر ms2474 ظهور قبيحة أم المعتز # قد ذكرنا استتارها عند قتل ابنها؛ وكان السبب في هربها وظهورها أنها ~~كانت قد واطأت النفر من الكتاب الذين أوقع بهم صالح على الفتك بصالح، فلما ~~أوقع بهم، وعذبهم، علمت أنهم لا يكتمون عنه شيئأن فأيقنت بالهلاك، فعملت في ~~الخلاص، وأخرجت ما في الخزائن إلى خارج الجوسق من الأموال، والجواهر، ~~وغيرهأن فأودعته، واحتالت، فحفرت سربا في حجرة لها إلى موضع يفوت التفتيش، ~~فلما خرجت الحادثة على المعتز بادرت فخرجت في ذلك السرب، فلما فرغوا من ~~المعتز طلبوها فلم يجدوهأن ورأوا السرب فخرجوا منه، فلم يقفوا على خبرهأن ~~وبحثوا عنها فلم يظفروا بها. PageV03P0267 # ثم إنها فكرت فرأت أن ابنها قتل، وأن الذي تختفي عنده يطمع في مالها وفي ~~نفسهأن ويتقرب بها إلى صالح، فأرسلت امرأة عطارة إلى صالح ابن وصيف، فتوسطت ~~الحال بينهمأن وظهرت في رمضان، وكانت لها أموال ببغداد، فأحضرتهأن وهي ~~مقدار خمسمائة ألف دينار، وظفروا لها بخزائن تحت الأرض فيها أموال كثيرة، ~~ومن جملتها دار تحت الأرض، وجدوا فيها ألف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار، ~~ووجدوأن في سفط، قدر مكوك زمرد لم ير الناس مثله؛ وفي سفط آخر مقدار مكوك ~~من اللؤلؤ الكبار؛ وفي سفط مقدار كيلجة من الياقوت الأحمر الذي لم يوجد ~~مثله، فحمل الجميع إلى صالح، فسبهأن وقال: عرضت ابنها للقتل في خمسين ألف ~~دينار، وعندها هذه الأموال كلها!. ثم سارت قبيحة إلى مكه، فسعت وهي ~~تدعوبصوت عال على صالح ابن وصيف، وتقول: اللهم أخز صالحا كما هتك ستري، ~~وقتل ولدي، وشتت شملي، وأخذ مالي، وغربني عن بلدي، وركب الفاحشة مني وأقامت ~~بمكة. وكان المتوكل سماها قبيحة لحسنها وجمالهأن كما يسمى الأسود كافورا. ~~قال: وكانت أم المهتدي قد ماتت قبل استخلافه، وكانت تحت المستعين، فلما قتل ~~جعلها المعتز في قصر الرصافة، فماتت، فلما ولي المهتدي قال: أما أنا فليس ~~لي أم أحتاج لها غلة عشرة آلاف دينار في كل سنة لجواريهأن وخدمهأن ~~والمتصلين بهأن وما أريد إلا القوت لنفسي وولدي، وما أريد فضلا ms2475 إلا لإخوتي، ~~فإن الضائقة قد مستهم. ### || AUT ذكر قتل أحمد بن إسرائيل وأبي نوح # وفيها قتل أحمد بن إسرائيل، وكان صالح قد عذبه بعد أن أخذه وأخذ ماله، ~~ومال الحسن بن مخلد، ثم أمر بضربه وضرب أبي نوح ضرب التلف، كل واحد منهما ~~خمس مائة سوط، فماتا ودفنأن وبقي الحسن بن مخلد في الحبس. ولما بلغ المهتدي ~~ضربهما قال: أما عقوبة إلا السوط والقتل، أما يكفي الحبس؟ إنا لله وإنا ~~إليه راجعون! يكرر ذلك مرارا. ذكر ولاية سليمان بن عبد الله بن طاهر بغداد ~~وشغب الجند والعامة بها وفي رمضان وثب عامة بغداد وجندها بمحمد بن أوس ~~البلخي. وكان السبب في ذلك أن محمد بن أوس قدم من خراسان مع سليمان بن عبد ~~الله بن طاهر على الجيش القادمين من خراسان، وعلى الصعاليك الذين معهم، ولم ~~تكن أسماؤهم في ديوان العراق؛ وكانت العادة أن يقام لمن يقدم من خراسان ~~بالعراق ما كان لهم بخراسان، ويكون وجه ذلك من دخل ضياع ورثة طاهر بن ~~الحسين، ويكتب إلى خراسان ليعطي الورثة من بيت المال عوضه. فلما سمع عبيد ~~الله بن عبد الله بقدوم سليمان إلى العراق، ومصير الأمر إليه، أخذ ما في ~~بيت مال الورثة، وأخذ نجوما لم تحل، وسار، فأقام بالجويب، في شرقي دجلة، ثم ~~انتقل إلى غربيها؛ فقدم سليمان فرأى بيت مال الورثة فارغأن فضاقت عليه ~~الدنيأن وأعطى أصحابه من أموال جند بغداد، وتحرك الجند والشاكرية في كلب ~~الأرزاق. وكان الذين قدموا مع محمد بن أوس من خراسان قد اساؤوا مجاورة أهل ~~بغداد، وجاهروا بالفاحشة، وتعرضوا للحرم والغلمان بالقهر، فامتلأوا عليهم ~~غيظا وحنقأن فاتفق العامة مع الجند، وثاروأن وأتوا سجن بغداد، عند باب ~~الشام، فكسروا بابه، وأطلقوا من فيه، وجرت حرب بين القادمين مع ابن أوس ~~وبين أهل بغداد، فعبر ابن أوس وأصحابه وأولاده إلى الجزيرة، وتصايح الناس: ~~من أراد النهب فيلحق بنا! فقيل إنه عبر إلى الجزيرة من العامة أكثر من مائة ~~ألف نفس، وأتاهم الجند في السلاح، فهرب ms2476 ابن أوس إلى منزله، فتبعه الناس، ~~فتحاربوا نصف نهار حربا شديدة، وجرح ابن أوس، وانهزم هووأصحابه، وتبعه ~~الناس حتى أخرجوهم من باب الشماسية، وانتهبوا منزله وجميع ما كان فيه، ~~فقيل: كان قيمة ذلك ألفي ألف درهم، وأخذوا له من الأمتعة ما لا حد عليه، ~~ونهب أهل بغداد منازل الصعاليك من أصحابه. فأرسل سليمان بن عبد الله إلى ~~ابن أوس يأمره بالمسير إلى خراسان، ويعلمه أنه لا طريق له إلى العود إلى ~~بغداد، فرحل إلى النهروان، فنهب وأفسد، ثم أتى بابكيال التركي، كتب إليه ~~ولاة طريق خراسان في ذي القعدة، وكان مساور بن عبد الحميد قد استخلف رجلا ~~اسمه موسى بالدسكرة ونواحيهأن في ثلاثمائة رجل، وإليه ما بين حلوان والسوس ~~على طريق خراسان وبطن جوخى. PageV03P0268 # وفيها أمر المهتدي بإخراج القيان والمغنين من سامرأن ونفاهم عنهأن وأمر ~~أيضا بقتل السباع التي كانت بدار السلطان، وطرد الكلاب؛ ورد المظالم، وجلس ~~للعامة، ولما ولي كانت الدينا كلها بالفتن منسوخة. ### || AUT ذكر استيلاء مفلح على طبرستان وعوده عنها # في هذه السنة سار مفلح إلى طبرستان، فحارب الحسن بن زيد العلوي، فانهزم ~~الحسن ولحق بالديلم، ودخل مفلح البلد، وأحرق منازل الحسن، وسار إلى الديلم ~~في طلبه، ثم عاد عن طبرستان بعد أن دخلهأن وهزم الحسن ابن زيد العلوي، وعاد ~~موسى بن بغا من الري. وسبب ذلك أن قبيحة أم المعتز لما رأت اضطراب الأتراك ~~كتبت إلى موسى تسأله القدوم عليهم، وأملت أن يصل قبل أن يفرط في ولدها ~~فارط، فعزم موسى على الانصراف، وكتب إلى مفلح يأمره بالانصراف عن طبرستان ~~إليه بالري، فورد كتابه إلى مفلح وهوقد توجه إلى أرض الديلم في طلب الحسن ~~بن زيد العلوي، فلما أتاه الكتاب رجع، فأتاه من كان هرب من الحسن من أهل ~~طبرستان، ورجوا العود إلى بيوتهم، وقالوا له: ما سبب عودك؟ فأخبرهم بكتاب ~~الأمير إليه بعزم عليه، ولم يتهيأ لموسى المسير عن الري حتى أتاه خبر ~~المعتز والبيعة للمعتدي، فبايعوا المهتدي. ثم إن الموالي الذين مع موسى ~~بلغهم ms2477 ما أخذ صالح بن وصيف من أموال الكتاب وأسلاب المعتز، فحسدوا المقيمين ~~بسامرأن فدعوا موسى بن بغا بالانصراف، وقدم عليهم مفلح وهوبالري فسار ~~نحوسامرأن فكتب إليه المهتدي يأمره بالعود إلى الري ولزوم ذلك الثغر، فلم ~~يفعل، فأرسل إليه رجلين من بني هاشم يعرفانه ضيق الأموال عنده، ويحذرانه ~~غلبة العلويين على ما يجعله خلفه، لم يسمع ذلك. وكان صالح بن وصيف يعظم على ~~المهتدي انصرافه، وينسبه إلى المعصية والخلاف، ويتبرأ إلى المهتدي من فعله، ~~ولما أتى الرسل موسى ضج الموالي، وكادوا أن يثبتوا بالرسل، ورد موسى الجواب ~~يعتذر بتخلف من معه عن الرجوع إلى قوله دون ورود باب أمير المؤمنين، ويحتج ~~بما عاين الرسل، وأنه إن تخلف عنهم قتلوه، وسير مع الرسل جماعة من أصحابه، ~~فقدموا سامرا سنة ست وخمسين ومائتين. ### || AUT ذكر استيلاء مساور على الموصل # لما انهزم عسكر الموصل من مساور الخارجي، كما ذكرناه، قوي أمره، وكثر ~~أتباعه، فسار من موضعه وقصد الموصل، فنزل بظاهرها عند الدير الأعلى، فاستتر ~~أمير البلد منه، وهوعبد الله بن سليمان، لضعفه عن مقاتلته، ولم يدفعه أهل ~~الموصل لميلهم إلى الخلاف، فوجه مساور جمعا إلى دار عبد الله أمير البلد، ~~فأحرقهأن ودخل مساور الموصل بغير حرب، فلم يعرض لأحد. وحضرت الجمعة، فدخل ~~المسجد الجامع، وحضر الناس، أومن حضر منهم، فصعد المنبر وخطب عليه، فقال في ~~خطبته: اللهم أصلحنأن وأصلح ولاتنا! ولما دخل في الصلاة جعل إبهاميه في ~~أذنيه، ثم كبر ست تكبيرات، ثم قرأ بعد ذلك، ولما خطب جعل على درج المنبر من ~~أصحابه من يحرسه بالسيوف، وكذلك في الصلاة، لأنه خاف من أهل الموصل؛ ثم ~~فارق الموصل، ولم يقدم على المقام بها لكثرة أهلهأن وسار إلى الحديثة لأنه ~~كان اتخذها دار هجرته. ### || AUT ذكر أول خروج صاحب الزنج # وفي شوال خرج في فرات البصرة رجل، وزعم أنه علي بن محمد بن أمد بن عيسى ~~بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، وجمع الزنج ~~الذين كانوا سيكنون السباخ، ms2478 وعبر دجلة، فنزل الديناري. قال أبوجعفر: وكان ~~اسمه، فيما ذكر، علي بن محمد بن عبد الرحيم، ونسبه في عبد القيس، وأمه ابنة ~~علي بن رحيب بن محمد بن حكيم من بني أسد بن خزيمة من قرى الري، وكن يقول: ~~جدي محمد بن حكيم من أهل الكوفة أحد الخارجين على هشام بن عبد الملك مع زيد ~~بن علي بن الحسين، فلما قتل زيد هرب فلحق بالري، فجاء إلى قرية ورزنين ~~وأقام بها. وإن أبا أبيه عبد الرحيم رجل من عبد القيس، كان مولده ~~بالطالقان، وقدم العراق، واشترى جارية سندية، وأولدها محمدا أباه، وكان ~~متصلا قبل بجماعة من حشاية المنتصر، منهم غامن الشطرنجي، وسعيد الصغير، ~~وكان معاشه منهم ومن أصحاب السلطان، وكان يمدحهم ويستميحهم بشعره، منهم، ~~ومن غيرهم. PageV03P0269 # ثم إنه شخص من سامرا سنة تسع وأربعين ومائتين إلى البحرين، فادعى بها أنه ~~علي بن عبد الله بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي ~~بن أبي طالب، ودعا الناس بهجر إلى طاعته، فاتبعه جماعة كثيرة من أهلها ومن ~~غيرهم، فجرى بين الطائفتين عصبية قتل فيها جماعة. وكان أهل البحرين قد ~~أحلوه بمحل نبي، وجبى الخراج، ونفذ فيهم حكمه، وقاتلوا أصحاب السلطان ~~بسببه، فوتر منهم جماعة، فتنكروا به، فانتقل عنهم إلى الإحساء، ونزل على ~~قوم من بني سعد بن تميم يقال لهم: بنوالشماس، وأقام فيهم، وفي صحبته جماعة ~~من البحرين منهم: يحيى ابن محمد الأزرق البحراني، وسليمان بن جامع، وهوقائد ~~جيشه. وكان ينتقل بالبادية، فذكر عنه أنه قال: أوتيت في تلك الأيام ~~بالبادية آيات من آيات إمامتي ظاهرة للناس، منها أني لقنت سورا من القرآن، ~~فجرى بها لساني في ساعة، وحفظتها في دفعة واحدة، منها: سبحان، والكهف، ~~وصاد، ومنها أني فكرت في الموضع الذي أقصده حيث أتيت في البلاد، فأظلتني ~~غمامة، وخوطبت منهأن فقيل لي: اقصد البصرة. وقيل عنه إنه قال لأهل البادية: ~~إنه يحيا به عمر العلوي، أبوالحسن، المقتول بناحية الكوفة، فخدع أهلهأن ~~فأتاه منهم جماعة كثيرة، ms2479 فزحف بهم إلى الردم، من البحرين، كانت بينهم وقعة ~~عظيمة، وكانت الهزيمة عليه وعلى أصحابه، قتلوا قتلا كثيرأن فتفرقت العرب ~~عنه. فلما تفرقت عنه سار فنزل البصرة في بني ضبيعة، فاتبعه منهم جماعة ~~كبيرة منهم: علي بن أبان المهلبي، وكان قدومه البصرة سنة أربع وخمسين ~~ومائتين، ومحمد بن رجاء الحضاري عاملهأن ووافق ذلك فتنة أهل البصرة ~~بالبلالية، والسعدية. وطمع في إحدى الطائفتين أن تميل إليه، فأرسل إليهم ~~يدعوهم، فلم يجبه أحد من أهل البلد، وطلبه ابن رجاء، فهرب، فحبس جماعة ممن ~~كانوا يميلون إليه، منهم: ابنه، وزوجته، وابنة له، وجارية حامل منه. وسار ~~يريد بغداد، ومعه من أصحابه محمد بن سلم، ويحيى بن محمد، وسليمان بن جامع، ~~ومرقس القريعي؛ فلما صار بالبطيحة نذر بهم رجل كان يلي أمرهأن اسمه عمير بن ~~عمار، فحملهم إلى محمد بن أبي عون، عامل واسط، فخلص منه هووأصحابه، فدخل ~~بغداد، فأقام بها حولأن فانتسب إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن زسد، فزعم بها ~~أنه ظهر له آيات عرف بها ما في ضمائر أصحابه، وما يفعل كل واحد منهم، ~~فاستمال جماعة من أهل بغداد منهم: جعفر بن محمد الصوحاني من ولد يزيد بن ~~صوحان، ومحمد بن القاسم، ومشرق، ورقيق، غلاما يحيى بن عبد الرحمن، فسمى ~~مشرقا حمزة، وكناه أبا أحمد، وسمى رقيقا جعفرأن وكناه أبا الفضل. وعزل محمد ~~بن رجاء عن البصرة، فوثب رؤساء والسعدية، فأخرجوا من في الحبوس، فخلص أهله ~~فيهم؛ فلما بلغه خلاص أهله رجع إلى البصرة، وكان رجوعه في رمضان سنة خمس ~~وخمسين ومائتين، ومعه علي بن أبان، ويحيى بن محمد، وسليمان، ومشرق، ورقيق، ~~فوافوا البصرة، فنزل بقصر القرشي على نهر يعرف بعمود ابن المنجم، واظهر أنه ~~وكيل لولد الواثق في بيع السباخ، فأقام هنالك. وذكر ريحان أحد غلمان ~~السورجيين، وهوأول من صحبه منهم، أنه قال: كنت موكلا بغلمان مولاي أنقل لهم ~~الدقيق، فأخذني أصحابه، فساروا بي إليه، وأرموني أن أسلم عليه بالإمرة، ~~ففعلت، فسألني عن الموضع الذي جئت منه، فأخبرته، وسألني ms2480 عن أخبار البصرة، ~~فقلت: لا علم لي؛ وسألني عن غلمان السورجيين، وعن أحوالهم، وما يجري لهم، ~~فأعلمته فدعاني إلى ما هوعليه، فأجبته، فقال: احتل فيمن قدرت عليه من ~~الغلمان، وأقبل بهم إلي، ووعدني أن يقودني على من آتيه به، واستحلفني أن لا ~~أعلم أحدا بموضعه، وأن أرجع إليه، وخلى سبيلي. PageV03P0270 # وعدت إليه من الغداة، وقد أتاه جماعة من غلمان الدباشين، فكتب في حريرة: ~~(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) التوبة: 111؛ ~~وجعلها في رأس مردي، وما زال يدعوغلمان أهل البصرة، ويقبلون إليه للخلاص من ~~الرق والتعب، فاجتمع عنده منهم خلق كثير، فخطبهم، ووعدهم أن يقودهم ويملكهم ~~الأموال، وحلف لهم بالإيمان أن لا يغدر بهم، ولا يخذلهم، ولا يدع شيئا من ~~الإحسان إلا أتى به إليهم؛ فأتاه مواليهم، وبذلوا له على كل عبد خمسة ~~دنانير ليسلم إليه عبده، بطح أصحابهم، وأمر كل من عنده من العبيد؛ فضربوا ~~مواليهم، أووكيلهم، كل سيد خمسمائة سوط، ثم أطلقهم فمضوا نحوالبصرة. ثم ركب ~~في سفن هناك، فعبر دجيلا إلى نهر ميمون، فأقام هناك، ولم يزل هذا دأبه ~~يتجمع إليه السودان إلى يوم الفطر، فخطبهم، وصلى بهم، وذكرهم ما كانوا فيه ~~من الشقاء وسوء الحال، وأن الله تعالى أبعدهم من ذلك، وأنه يريد أن يرفع ~~أقدارهم، ويملكهم العبيد والأموال. فلما كان بعد يومين رأى أصحابه الحميري، ~~فقاتلوه حتى أخرجوه من دجلة، واستأمن إلى صاحب الزنج رجل من رؤساء الزنج ~~يكنى بأبي صالح، ويعرف بالقصير، في ثلاثمائة من الزنج، فلما كثروا جعل ~~القواد فيهم منهم، وقال لهم: كل من أتى منكم برجل فهومضموم إليه. وكان ابن ~~أبي عون قد نقل من واسط إلى ولاية الأبلة وكور دجلة، وسار قائد الزنج إلى ~~المحمدية، فلما نزلها وافاه أصحاب ابن أبي عون، فصاح الزنج: السلاح، ~~وقاموأن وكان فيهم فتح الحجام، فقام واخذ طبقا كان بين يديه، فلقيه رجل من ~~لاسورجيين يقال له بلبل، فلما رآه فتح حمل عليه، وحذفه بالطبق الذي بيده، ~~فرمى سلاحه وولى هاربأن وانهزم ms2481 صحابه، وكانوا أربعة آلاف، وقتل منهم جماعة، ~~ومات بعضهم عطشأن وأسر منهم، وأمر بضرب أعناقهم. ثم سار إلى القادسية، ~~فنهبها أصحابه بأمره، وما زال يتردد إلى أنهار البصرة، فوجد بعض السودان ~~دارا لبعض بني هاشم، وفيها سلاح بالسيب، فانتهبوه، فصار معهم ما يقاتلون ~~به، فأتاه، وهوبالسيب، جماعة من أهل البصرة يقاتلونه، فوجه يحيى بن محمد في ~~خمسمائة رجل، فلقوا البصريين، فانهزم البصريون منهم، وأخذوا سلاحهم، ثم ~~قاتل طائفة أخرى عند قرية تعرف بقرية اليهود، فهزمهم أيضأن وأثبت أصحابه في ~~الصحراء. ثم أسرى إلى الجعفرية، فوضع في أهلها السيف، فقتل أكثرهم، وأتى ~~منهم بأسرى فأطلقهم، ولقي جيشا كبيرا للبصريين مع رئيس اسمه عقيل، فهزمهم، ~~وقتل منهم خلقا كثيرأن وكان معهم سفن، فهبت عليها ريح فألقتها إلى الشط، ~~فنزل الزنج وقتلوا من وجدوا فيهأن وغمنوا ما فيهأن وكان مع الرئيس سفن، ~~فركبها ونجأن فأنفذ صاحب الزنج فأخذها ونهب ما فيهأن ثم نهب القرية ~~المعروفة بالمهلبية وأحرقهأن وأفسد في الأرض وعاث. ثم ليه قائد من قواد ~~الأتراك يقال له: أبوهلال في أربعة آلاف مقاتل على نهر الريان، فاقتتلوأن ~~وحمل السودان عليه حملة صادقة، فقتلوا صاحب علمه، فانهزم هووأصحابه، وتبعهم ~~السودان، فقتلوا من أصحاب أبي هلال أكثر من ألف وخمس مائة رجل، وأخذوا منهم ~~أسرى فأمر بقتلهم. ثم إنه أتاه من أخبره أن الزينبي قد أعد له الخيول، ~~والمتطوعة، والبلالية، والسعدية، وهم خلق كثير، وقد أعدوا الحبال من ~~يأخذونه من السودان، والمقدم عليهم أبومنصور، وهوأحد موالي الهاشميين، ~~فأرسل علي ابن أبان في مائة أسود ليأتيه بخبرهم، فلقي طائفة منهم، فهزمهم، ~~وصار من معهم من العبيد إلى علي بن أبان. وأرسل طائفة أخرى من أصحابه، ~~فأتوا إلى موضع فيه ألف وتسع مائة سفينة، ومعها من يحفظهأن فلما أرادوا ~~الزنج هربوا عنهأن فأخذ الزنج السفن وأتوا بها إلى صاحبهم، فلما أتوه قعد ~~على نشز من الأرض. PageV03P0271 # وكان في السفن قوم حجاج أرادوا أن يسلكوا طريق البصرة، فناظرهم، فصدقوه ~~على قوله، وقالوا له: لوكان معنا فضل نفقة ms2482 لأقمنا معك؛ فأطلقهم، وأرسل ~~طليعة تأتيه بخبر ذلك العسكر، فأتاه خبرهم أنهم قد أتوه في خلق كثير، فأمر ~~محمد بن سالم، وعلي بن أبان أن يقعدا لهم بالنخل، وقعد هوعلى جبل مشرف، فلم ~~يلبث أن طلعت الأعلام والرجال، فأمر الزنج فكبروأن وحملوا عليهم، وحملت ~~الخيول، فتراجع الزنج حتى بلغوا الجبل الذي هوعليه، ثم حملوأن فثبتوا لهم، ~~وقتل من الزنج فتح الحجام، وصدق الزنج الحملة، فأخذوهم بين أيديهم، وخرج ~~محمد بن سالم وعلي بن أبان، وحملوا عليهم فقتلوا منهم، وانهزم الناس، ~~وذهبوا كل وذهب، وتبعهم السودان إلى نهر بيان، فوقعوا في الوحل، فقتلهم ~~السودان، وغرق كثير منهم. وأتى الخبر إلى الزنوج بأن لهم كمينا فساروا ~~إليه، فإذا الكمين في أكثر من ألف من المغاربة، فقاتلهم قتالا شديدأن ثم ~~حمل السودان عليهم، فقتلوهم أجمعين واخذوا سلاحهم. ثم وجه أصحابه فرأوا ~~مائتي سفينة فيها دقيق فأخذوه، ومتاعا فنهبوه، ونهب المعلي بن أيوب ثم سار، ~~فرأى مسلحة الزينبي فقاتلوه، فقاتلهم، فقتلهم أجمعين، فكانوا مائتين؛ ثم ~~سار فنهب قرية ميزران، ورأى فيها جمعا من الزنج ففرقهم على قواده؛ ثم سار، ~~فلقيه ستمائة فارس مع سليمان ابن أخي الزينبي، ولم يقاتله، فأرسل من ينهب، ~~فأتوه بغمن وبقر، فذبحوا وأكلوأن وفرق أصحابه في انتهاب ما هناك. ثم إن ~~صاحب الزنج سار يريد البصرة، حتى إذا قابل النهر المعروف بالرياحي أتاه قوم ~~من السودان فأعلموه أنهم رأوا في الرياحي بارقة، فلم يلبث إلا يسيرا حتى ~~نادى السودان: السلاح السلاح، وأمر علي بن أبان بالعبور إليهم، فعبر في ~~ثلاثمائة رجل، وقال له: إن احتجت إلى مدد فاستمدني، فلما مضى علي صاح ~~الزنج: السلاح السلاح، لحركة رأوها في جهة أخرى، فوجه محمد بن سالم، فرأى ~~جمعأن فقاتلهم من وقت الظهر إلى آخر وقت العصر، ثم حمل الزنوج حملة صادقة، ~~فهزموهم، وقتلوا من أهل البصرة والأعراب زهاء خمس مائة، ورجعوا إلى صاحبهم. ~~ثم أقبل علي بن أبان في أصحابه، وقد هزموا من بإزائهم، وقتلوا منهم، ومعه ~~رأس ابن أبي الليث البلالي ms2483 القواريري من أعيان البلالية، ثم سار من الغد عن ~~ذلك المكان، ونهى أصحابه عن دخول البصرة، فتسرع بعضهم، فلقيهم أهل البصرة ~~في جمع عظيم، وانتهى الخبر إليه فوجه محمد بن سالم، وعلي بن أبان، ومشرقأن ~~وخلقا كثيرأن وجاء هويسايرهم فلقوا البصريين، فأرسل إلى أصحابه ليتأخر عن ~~المكان الذي هم فيه، فتراجعوأن فأكب عليهم أهل البصرة فانهزموأن وذلك عند ~~العصر، ووقع الزنوج في نهر كبير، ونهر شيطان، وقتل منهم جماعة، وغرق جماعة، ~~وتفرق الباقون، وتخلف صاحبهم عنهم، وبقي في نفر يسير، فنجاه الله تعالى. ثم ~~لقيهم وهم متحيرون لفقده، وسأل عن أصحابه، فإذا ليس معه إلا خمس مائة رجل، ~~فأمر بالنفخ في البوق الذي يجتمعون لصوته، فلم يأته أحد، وكان أهل البصرة ~~قد انتهبوا السفن التي كانت للزنوج، وبها متاعهم، فلما أصبح رأى أصحابه في ~~ألف رجل، وأرسل محمد بن سالم إلى أهل البصرة يعظهم، ويعلمهم ما الذي دعاه ~~إلى الخروج، فقتلوه. فلما كان يوم الاثنين لأربع خلون من ذي القعدة جمع أهل ~~البصرة وحشدوا لما رأوا من ظهورهم عليه، وانتدب لذلك رجل يعرف بحماز ~~لاساجي، وكان من غزاة البحر، وله علم في ركوب السفن، فجمع المتطوعة، ورماة ~~الأهداف، وأهل المسجد الجامع، ومن خف معه من البلالية والسعدية، ومن أحب ~~النظر من غيرهم، وشحن ثلاثة مراكب، وشذوات مقابلة، وجعلوا يزدحمون، ومضى ~~جمهور الناس رجالة، منهم من معه سلاح، ومنهم نظارة، فدخلت المراكب في المد، ~~والرجالة على شاطئ النهر. PageV03P0272 # فلما علم صاحب الزنج بذلك وجه طائفة من أصحابه مع زريق الأصبهاني، في ~~شرقي النهر، كمينأن وطائفة مع شبل، وحسين الحمامي، في غريبة، كمينأن وأمر ~~علي بن أبان أن يلقى أهل البصرة، وأن يستتر هوومن معه يتراسهم، ولا يقاتل ~~حتى تظهر أصحابه، وتقدم إلى الكمينين، إذ جاوزهم أهل البصرة، أن يخرجوأن ~~ويصيحوا بالناس، وبقي هوفي نفر يسير من أصحابه، وقد هاله ما رأى من كثرة ~~الجمع، فسار أصحابه إليهم، وظهر الكمينان من جانبي النهر ومن وراء السفن، ~~والرجالة، فضربوا من ولى من الرجالة ms2484 والنظارة، فغرقت طائفة، وقتلت طائفة، ~~وهرب الباقون إلى الشط، فأدركهم السيف، فمن ثبت ومن ألقى نفسه في الماء ~~غرق، فهلك أكثر ذلك الجمع، فلم ينج إلى الشريد، وكثر المفقودون من أهل ~~البصرة، وعلا العويل من نسائهم، وهذا يوم البيداء الذي أعظمه الناس. وكان ~~فيمن قتل جماعة من بني هاشم وغيرهم في خلق كثير لا يحصى، وجمعت للخبيث ~~الرؤوس، فأتاه جماعة من أولياء المقتولين، فأعطاهم ما عرفوأن وجمع الرؤوس ~~التي لم تطلب، وجعلها في خزينة، فأطلقها فوافت البصرة، فجاء الناس واخذوا ~~كل ما عرفوه منهأن وقوي بعد هذا اليوم، وتمكن الرعب في قلوب أهل البصرة ~~منه، وأمسكوا عن حربه. وكتب الناس إلى الخليفة بخبر ما كان، فوجه إليهم ~~جعلان التركي مددأن وأمر أبا الأحوص الباهلي بالمسير إلى الأبلة واليأن ~~وأمده بقائد من الأتراك يقال له جريح؛ وأما الخبيث صاحب الزنج فإنه انصرف ~~بأصحابه إلى سبخة من آخر النهار، وهي سبخة أبي قرة، وبث أصحابه يمينا ~~وشمالا للغارة والنهب، فهذا ما كان منه في هذه السنة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كانت وقعة بين عسكر الخليفة وبين مساور الشاري، فانهزم ~~عسكر الخليفة. وفيها مات المعلى بن أيوب. وفيها ولي سليمان بن عبد الله بن ~~طاهر بغداد والسواد في ربيع الأول، وكان قدومه من خراسان فيه أيضأن فسار ~~إلى المعتز، فخلع عليه، وسار إلى بغداد، فقال ابن الرومي: من عذيري من ~~الخلائق ضلوا ... في سليمان عن سواء السبيل عوضوه، بعد الهزيمة، بغدا ... د ~~كأن قد أتى بفتح جليل من يخوض الردى إذا كان من ف ... ر أثابوه بالجزاء ~~الجميل يعني هزيمة سليمان من الحسن بن زيد العلوي. وفيها أخذ صالح بن وصيف ~~أحمد بن إسرائيل، والحسن بن مخلد، وأبا نوح عيسى بن إبراهيم، فقيدهم، ~~وطالبهم بالأموال. وكان سببه أن الأتراك طلبوا أرزاقهم، فقال صالح للمعتز: ~~هؤلاء يطلبون أرزاقهم، وليس في بيت المال شيء، وقد ذهب هؤلاء الكتاب ~~بالأموال، وكان أحمد وزير المعتز، والحسين وزير أم المعتز، وقال له أحمد بن ~~إسرائيل: ms2485 يا عاصي ابن العاصي، فتراجعا الكلام، فسقط صالح مغشيا عليه، فرش ~~على وجهه الماء. وبلغ ذلك أصحابه، وهم بالباب، فصاحوا صيحة واحدة، واخترطوا ~~سيوفهم، ودخلوا على المعتز، فدخل وتركهم، وأخذ صالح أحمد بن إسرائيل، وابن ~~مخلد، وعيسى، فأثقلهم بالحديد، وحملهم إلى داره، فقال المعتز لصالح: قبل أن ~~يحملهم: هب لي أحمد، فإنه كاتبي، فلم يفعل، ثم ضربهم، واخذ خطوطهم بمال ~~جزيل قسط عليهم، ولم يحصل منهم شيء، وقام جعفر بن حمود بالأمر والنهي. ~~وفيهأن في رجب، ظهر عيسى بن جعفر وعلي بن زيد الحسنيان بالكوفة، فقتلا بها ~~عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى. وفيهأن في ذي القعدة، حبس الحسن بن محمد ~~بن أبي الشوارب القاضي، وولي عبد الرحمن بن نائل قضاء سامرا في ذي الحجة؛ ~~وحج بالناس علي بن الحسين بن العباس بن محمد بن علي بن عبد اله بن العباس. ~~وفيها ظهر بمصر إنسان علوي ذكر أنه أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن ~~طباطبا، وكان ظهوره بين الرقة والإسكندرية، وسار إلى الصعيد، وكثر أتباعه، ~~وادعى الخلافة، فسير إليه أحمد بن طولون جيشأن فقاتلوه، وانهزم أصحابه عنه، ~~وثبت هوفقتل، وحمل رأسه إلى مصر. وفيها توجه خفاجة بن سفيان أمير صقلية في ~~رجب، وولي بعده ابنه ممد، وتقدم ذكر ذلك سنة سبع وأربعين ومائتين؛ ولما ولي ~~محمد سير عمه عبد الله بن سفيان إلى سرقوسة فأهلك زرعها وعاد. وفيها توفي ~~أبوأحمد عمر بن شمر بن حمدويه الهروي اللغوي، وكان إماما في الأشعار، وروى ~~عن ابن الأعرابي والرياشي وغيرهما. PageV03P0273 # وفيها توفي محمد بن كرام بن عراف بن خزانة بن البراء، صاحب المقالة ~~المشهورة في التشبيه، وكان موته بالشام، وهومن سجستان. وفيها توفي الزبير ~~بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قاضي مكة، وكان ~~سقط من سطح، فمكث يومين ومات وكان عمره أربعا وثمانين سنة؛ وعبد الله بن ~~عبد الرحمن الدارمي، صاحب المسند، توفي في ذي الحجة وعمره خمس وسبعون سنة، ms2486 ~~وأبوعمران عمروبن بحر الجاحظ، وهومن متكلمي المعتزلة، وعلي بن المثنى بن ~~يحيى بن عيسى الموصلي والد أبي يعلي، صاحب المسند. وفيها توفي محمد سحنون ~~الفقيه المالكي القيرواني بها. ### | AUT حوادث سنة ست وخمسين ومائتين # ### | AUT ذكر وصول موسى بن بغا إلى سامرا واختفاء صالح # وفيها في قاني عشر المحرم دخل موسى بن بغا إلى سامرا وقد عبأ أصحابه، ~~واختفى صالح بن وصيف، وسار موسى إلى الجوسق، والمهتدي جالس للمظالم، فأعلم ~~بمكان موسى، فأمسك ساعة عن الإذن له، ثم أذن له ولمن معه، فدخلوأن ~~فتناظروأن وأقاموا المهتدي من مجلسه، وحملوه على دابة من دواب الشاكرية، ~~وانتهبوا ما كان في الجوسق، وأدخلوا المهتدي دار ياجور. وكان سبب أخذه أن ~~بعضهم قال: إمنا سبب هذه المطاولة حيلة عليكم حتى يكسبكم صالح بجيشه؛ ~~فخافوا من ذلك، فأخذوه، فلما أخذوه قال لموسى بن بغا: اتق الله، ويحك، فإنك ~~قد ركبت أمرا عظيما؛ فقال له موسى: وتربة المتوكل ما نريد إلا خيرا؛ ~~ولوأراد به خيرا لقال وتربة المعتصم والواثق؛ ثم أخذوا عليه العهود أن لا ~~يمايل صالحأن ولا يضمر لهم إلا مثل ما يظهر؛ ثم جددوا له البيعة، ثم ~~أصبحوأن وأرسلوا إلى صالح ليحضر ويطالبوه بدماء الكتاب، والأموال التي ~~للمعتز وأسلابه، فوعدهم؛ فلما كان الليل رأى أن أصحابه قد تفرقوا ولم يبق ~~إلا بعضهم، فهرب واختفى. ### | AUT ذكر قتل صالح بن وصيف # وفيها قتل صالح بن وصيف لثمان بقين من صفر؛ وكان سبه أن المهتدي لما كان ~~لثلاث بقين من المحرم أظهر كتابا زعم أن امرأة دفعته إلى سيما الشرابي، ~~وقالت: إن فيه نصيحة، وإن منزلها بمكان كذأن فإن طلبوني فأنا فيه. وطلبت ~~المرأة فلم توجد، وقيل إنه لم يدر من ألقى الكتاب. ودعا المهتدي القواد، ~~وسليمان بن وه، فأراهم الكتاب، فزعم سليمان أنه خط صالح، فقرأه على القواد، ~~فإذا أنه مستخف بسارمأن وإمنا استتر طلبا للسلامة وإبقاء الموالي، وطلبا ~~لانقطاع الفتن، وذكر ما صار إليه من أموال الكتاب، وأم المعتز، وجهة ~~خروجهأن ويدل فيه على ms2487 قوة نفسه؛ فلما فرغوا من قراءته وصله المهتدي بالحث ~~على الصلح، والاتفاق، والنهي عن التباغض والتباين، فاتهمه الأتراك بأنه ~~يعرف مكان صالح ويميل إليه، وطال الكلام بينهم في ذلك. فلما كان الغد ~~اجتمعوا بدار موسى من بغا داخل الجوسق، واتفقوا على خلع المهتدي، فقال لهم ~~بابكيال: إنكم قتلتم ابن المتوكل، وهوحسن الوجه، سخي الكف، فاضل النفس، ~~وتريدون قتل هذأن وهومسلم يصوم ولا يشرب النبيذ، من غير ذنب! والله لئن ~~قتلتم هذا لأحقن بخراسان لأشيع أمركم هناك. فاتصل الخبر بالمهتدي، فتحول من ~~مجلسه متقلدا سيفأن وقد لبس ثيابا نظافا وتطيب، ثم أمر بإدخالهم عليه، ~~فدخلوا فقال لهم: بلغني ما أنتم عليه، ولست كمن تقدمني، مثل المستعين أمر ~~بإدخالهم عليه، فدخلوا فقال لهم: بلغني ما أنتم عليه، ولست كمن تقدمني، مثل ~~المستعين والمعتز، والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنط، وقد أوصيت إلى أخي ~~بولدي، وهذا سيفي والله لأضربن بهخ ما استمسك قائمة بيدي، والله لئن سقط ~~منس شعرة ليهلكن وليذهبن أكثركم. كم هذا الخلاف على الخلفاء، والإقدام، ~~والجرأة على اله! سواء عليكم من قصد الإبقاء عليكم، ومن كان إذا بلغه هذا ~~منكم دعا بالنبيذ فشربه مسرورا بمكروهكم، حتى تعلموا أنه وصل إلى شيء من ~~دنياكم، أما إنكم لتعلمون أن بعض المتصلين بكم أيسر من جماعة من أهلي وولدي ~~سوأة لكم، يقولون: إني أعلم بمكان صالح، وهل هوإلا رجل من الموالي؟ فكيف ~~الإقامة معه إذا ساء رأيكم فيه؟ وإذا أبرمتم الصلح فيه كان ذلك ما أنفذه ~~لجميعكم، وإن أبيتم فشأنكم، واطلبوا صالحأن وأما أنا فما أعلم مكانه. ~~PageV03P0274 # قالوا: فاحلف لنا على ذلك! قال: أما اليمين فنعم، ولكنها تكون بحضرة بني ~~هاشم والقضاة غدا إذا صليت الجمعة، ثم قال لبابكيال ولمحمد بن بغا: قد ~~حضرتما ما عمله صالح في أموال الكتاب وأم المعتز، فإن أخذ منه شيئا فقد ~~أخذتما مثله. فأحفظهما ذلك؛ ثم أرادوا خلعه، وإمنا منعهم خوف الاضطراب وقلة ~~الأموال، فأتاهم مال من فارس عشرة آلاف ألف درهم وخمس مائة ألف درهم، ms2488 فلما ~~كان سلخ المحرم اتشر الخبر في العامة أن القوم قد اتفقوا على خلع المهتدي ~~والفتك به، وأنهم قد أهقوه، وكتبوا الرقاع ورموها في الطريق والمساجد، ~~مكتوب فيها: يا معشر المسلمين ادعوا الله لخليفتكم العدل، الرضأن المضاهي ~~لعمر بن الخطاب، أن ينصره على عدوه، ويكفيه مؤونة ظالمه، وتتم النعمة عليه، ~~وعلى هذه الأمة ببقائه، فإن الأتراك قد أخذوه بأن يخلع نفسه، وهويعذب منذ ~~أيام، وصلى الله على محمد. فلما كان يوم الأربعاء لأربع خلون من صفر تحرك ~~الموالي بالكرخ والدور، وبعثوا إلى المهتدي، وسألوه أن يرسل إليهم بعض ~~إخوته ليحملوه رسالة، فوجه إليهم أخاه أبا القاسم عبد الله، فذكروا له أنهم ~~سامعون مطيعون، وأنهم بلغهم أن موسى، وبابكيال، وجماعة معهمأن يريدونه على ~~الخلع، وأنهم يبذلون دماءهم دون ذلك وما هم دون ذلك، وشكوا تأخر أرزاقهم، ~~وما صار من الأقطاع، والزيادات، والرسوم إلى قوادهم التي قد أجحفت بالخراج ~~والضياع، وما قد اخذوا النساء والدخلاء، فكتبوا بذلك كتابأن فحمله إلى ~~المهتدي وكتب جوابه بخطه: قد فهمت كتابكم، وسرني ما ذكرتم من طاعتكم، فأحسن ~~الله جزاءكم، وأما ما ذكرتم من خلتكم وحاجتكم فعزيز علي ذلك، ولوددت، ~~والله، أن صلاحكم يهيأ بأن لا آكل ولا اشرب ولا أطعم ولدي إلا القوت، ولا ~~أكسوه إلا ستر العورة، وأنتم تعلمون ما صار إلي من الأموال، وأما ما ذكرتم ~~من الإقطاعات وغيرها فأنا أنظر في ذلك وأصرفه إلى محبتكم إن شاء الله ~~تعالى. فقرأوا الكتاب وكتبوأن بعد الدعاء، يسألون أن يرد الأمور في الخاص ~~والعام إلى أمير المؤمنين، لا يعترض عليه معترض، وأن يرد رسومهم إلى ما ~~كانت عليه أيام المستعين، وهوأن يكون على كل تسعة عريف، وعلى كل خمسين ~~خليفة، وعلى كل مائة قائد، وأن يسقط النساء والزيادات، ولا يدخل مولى في ~~ماله ولا غيره، وأن يوضع لهم العطاء كل شهرين، وأن تبطل الإقطاعات؛ وذكروا ~~أنهم سائرون إلى بابه ليقضي حوائجهم، وإن بلغهم أن أحدا اعترض عليه أخذوا ~~رأسه، وإن سقط من رأس أمير المؤمنين شعرة ms2489 قتلوا بها موسى بن بغا وبابكيال ~~وياجور وغيرهم. وأرسلوا الكتاب مع أبي القاسم، وتحولوا إلى سامرأن فاضطرب ~~القواد جدا؛ وقد كان المهتدي قعد للمظالم، وعنده الفقهاء والقضاة، وقام ~~القواد في مراتبهم، فدخل أبوالقاسم إليه بالكتاب، فقرأه للقواد قراءة ~~ظاهرة، وفيهم موسى، وكتب جوابه بخطه، فأجابهم إلى ما سألوأن ودفعه إلى أبي ~~القاسم، فقال أبوالقاسم لموسى بن بغا وبابكيال ومحمد بن بغا: وجهوا معي ~~رسلا يعتذرون إليهم عنكم؛ فوجهوا معه رسلأن فوصلوا إلى الأتراك، وهم زهاء ~~ألف فارس، وثلاثة آلاف راجل، وذلك لخمس خلون من صفر، فأوصل الكتاب، وقال: ~~إن أمير المؤمنين قد أجابكم إلى ما سألتم، وقال لهم: هؤلاء رسل القواد ~~إليكم، ويعتذرون من شيء إن كان بلغكم عنهم، وهم يقولون إمنا أنتم إخوة، ~~وأنتم منا وغلينأن واعتذر عنهم. فكتبوا إلى المهتدي يطلبون خمسة توقيعات، ~~توقيعا بخط الزيادات، وتوقيعا برد الإقطاعات، وتوقيعا بإخراج الموالي ~~البرانيين من الخاصة إلى البرانيين، وتوقيعا برد الرسوم إلى ما كانت عليه ~~أيام المستعين، وتوقيعا برد البلاجي، ثم يجعل أمير المؤمنين الجيش إلى أحد ~~إخوته أوغيرهم ممن يرى ليرفع إليه أمورهم، ولا يكون رجلا من الموالي، وأن ~~يحاسب صالح بن وصيف، وموسى بن بغا عما عندهما من الأموال ويجعل لهم العطاء ~~كل شهرين، لا يرضيهم إلا ذلك، ودفعوا الكتاب إلى أبي القاسم وكتبوا كتابا ~~آخر إلى القواد موسى وغيره ذكروا فيه أنهم كتبوا إلى أمير المؤمنين بما ~~كتبوأن وأنه لا يمنعهم شيئا مما طلبوا إلا أن يعترضوا عليه، وأنهم إن فعلوا ~~ذلك لم يوافقوهم، وأن أمير المؤمنين إن شاكه شوكة، وأخذ من رأسه شعرة، ~~وأخذوا رؤوسهم جميعأن ولا يقنعهم إلا أن يظهر صالح، ويجتمع هووموسى ابن بغا ~~حتى ينظر أين الأموال. PageV03P0275 # فلما قرأ المهتدي التوقيعات الخمسة على ما سألوأن وسيرها إليهم مع أبي ~~القاسم وقت المغرب، وكتب إليهم بإجابتهم إلى ما طلبوأن وكتب إليهم موسى بن ~~بغا كذلك، وأذن في ظهور صالح، وذكر أنه أخوه وابن عمه، وانه ما أراد ما ~~يكرهون، فلما قرأوا الكتابين قالوا: ms2490 قد أمسينأن وغدا نعرفكم رأينأن ~~فافترقوا. فلما كان الغد ركب موسى من دار الخليفة، ومعه من عسكره ألف وخمس ~~مائة رجل، فوقف على طريقهم، وأتاهم أبوالقاسم، فلم يعقل منهم جوابا إلا كل ~~طائفة يقولون شيئأن فلما طال الكلام انصرف أبوالقاسم، فاجتاز بموسى بن بغا ~~وهوفي أصحابه، فانصرف معه. ثم أمر المعتدي محمد بن بغا أن يسير إليهم مع ~~أخيه أبي القاسم، فسار في خمس مائة فارس، ورجع موسى إلى مكانه بكرة، وتقدم ~~أبوالقاسم ومحمد بن بغا فواعدهم عن المهتدي، وأعطياهم توقيعا فيه أمان صالح ~~بن وصيف، موكدا غاية التوكيد، فطلبوا أن يكون موسى في مرتبة بغا الكبير، ~~وصالح في مرتبة أبيه، ويكون الجيش في يد من هوفي يده، وأن يظهر صالح ابن ~~وصيف، ويوضع لهم العطاء، ثم اختلفوأن فقال قوم: قد رضينا؛ وقال قوم: لم ~~نرض؛ فانصرف أبوالقاسم ومحمد بن بغاعبى ذلك، وتفرق الناس إلى الكرخ والدور ~~وسامرا. فلما كان الغد ركب بنووصيف في جماعة معهم، وتنادوا: السلاح، ونهبوا ~~دواب العامة، وعسكروا بسامرأن وتعلقوا بأبي القاسم، وقالوا: نريد صالحا! ~~وبلغ ذلك المهتدي، فقال لموسى: يطلبون صالحا مني كأني أنا أخفيته، إن كان ~~عندهم فينبغي لهم أن يظهروه. ثم ركب موسى ومن معه من القواد، فاجتمع الناس ~~إليه، فبلغ عسكره أربعة آلاف فارس، وعسكروأن وتفرق الأتراك ومن معهم، ولم ~~يكن لكرخيين ولا للدوريين في هذا اليوم حركة، وجد موسى ومن معه في طلب ابن ~~وصيف، واتهموا جماعة به، فلم يكن عندهم، ثم إن غلاما دخل دارا وطلب ماء ~~لشربه، فسمع قائلا يقول: أيها الأمير تنح، فإن غلاما يطلب ماء، فسمع الغلام ~~الكلام، فجاء إلى عيار فأخبره، فاخذ معه ثلاثة نفر، وجاء إلى صالح، وبيده ~~مرآة ومشط، وهويسرح لحيته، فأخذه، فتضرع إليه، فقال: لا يمكنني تركك ولكني ~~أمر بك على ديار أهلك وقوادك وأصحابك، فإن اعترضك منهم اثنان أطلقتك. فأخرج ~~حافيا ليس على رأسه شيء، والعامة تعدوخلفه، وهوعلى برذون بأكاف، فأتوا به ~~نحوالجوسق، فضربه بعض أصحاب موسى على عاتقه، ثم قتلوه، وأخذوا ms2491 رأسه، وتركوا ~~جثته، ووافوا به دار المهتدي قبل المغرب، فقالوا له في ذلك، فقال: واروه، ~~ثم حمل رأسه وطيف به على قناة، ونودي عليه: هذا جزاء من قتل مولاه. ولما ~~قتل أنزل رأس بغا الصغير، وسلم إلى أهله ليدفنوه، لما قتل صالح قال السلولي ~~لموسى بن بغا: ونلت وترك من فرعون حين طغى ... وحيث إذ جئت يا موسى على قدر ~~ثلاثة كلهم باغ أخوحسد ... برميك بالظلم والعدوان عن وتر وصيف في الكرخ ~~ممثول به، وبغا ... بالجسر محترق بالنار والشرر وصالح بن وصيف بعد منعفر ~~... بالحير جثته والروح في سقر ### || AUT ذكر اختلاف الخوارج على مساور # في هذه السنة خالف إنسان من الخوارج اسمه عبيدة من بني زهير العمروي على ~~مساور. وسبب ذلك أنه خالفه في توبة المخطئ، فقال مساور: نقبل توبته؛ وقال ~~عبيدة: لا نقبل، فجمع عبيدة جمعا كثيرا وسار إلى مساور، وتقدم إليه مساور ~~من الحديثة، فالتقوا بنواحي جهينة، بالقرب من الموصل، في جمادى الأولى سنة ~~سبع وخمسين، واقتتلوا أشد قتال، فترجل من عنده، ومعه جماعة من أصحابه، ~~وعرقبوا دوابهم، فقتل عبيدة وانهزم جمعه، فقتل أكثرهم، واستولى مساور على ~~كثير من العراق، ومنع الأموال عن الخليفة، فضاقت على الجند أرزاقهم، ~~فاضطرهم ذلك إلى أن سار إليه موسى بن بغا وبابكيال وغيرهما في عسكر عظيم، ~~فوصلوا إلى السن فأقاموا به، ثم عادوا إلى سامرأن لما نذكره من خلع ~~المهتدي. فلما ولي المعتمد الخلافة سير مفلحا إلى قتال مساور في عسكر كبير، ~~حسن العدة، فلما قارب الحديثة فارقها مساور وقصد جبلين يقال لأحدهما زيني، ~~وللآخر عامر، وهما بالقرب من الحديثة، فتبعه مفلح، فعطف عليه مساور وهوفي ~~أربعة آلاف فارس، فاقتتل هوومفلح. PageV03P0276 # وكان مساور قد انصرف عن حرب عبيدة وقد جمع كثيرا من أصحابه، فلقوا مفلحا ~~بجبل زيني، فلم يصل مفلح منه إلى ما يريده، فصعد رأس الجبل فاحتمى به، ونزل ~~مفلح في أصل الجبل، وجرى بينهما وقعات كثيرة، ثم أصبحوا يومأن وطلبوا ~~مساورأن فلم يجدوه، وكان قد نزل ليلا من غير ms2492 الوجه الذي فيه مفلخ، لما أيس ~~من الظفر لضعف أصحابه من الجراح، فحيث لم يره مفلح سار إلى الموصل، فسار ~~إلى ديار ربيعة سنجار، ونصيبين، والخابور، فنظر في أمرها ثم عاد إلى ~~الموصل، فاحسن السيرة في أهلهأن ورجع عنها في رجب متأهبا للقاء مساور. فلما ~~قارب الحديثة فارقها مساور، وكان قد عاد إليها عند غيبة مفلح، فتبعه مفلح، ~~فكان مساور يرحل عن المنزل، فينزله مفلح، فلما طال الأمر على مفلح وتوغل في ~~الجبال والشعاب والمضايق وراء مساور، ولحق الجيش الذي معه مشقة ونصب، عاد ~~عنه، فتبعه مساور يقفوأثره، ويأخذ كل من ينقطع عن ساقه العسكر، فرجع إليه ~~طائفة منهم فقاتلوه، ثم عادوا ولحقوا مفلحأن ووصلوا الحديثة، فأقام بها ~~مفلح أيامأن وانحدر أول شهر رمضان إلى سامرأن فاستولى حينئذ مساور على ~~البلاد، وجبى خراجهأن وقويت شوكته، واشتد أمره. ### || AUT ذكر خلع المهتدي وموته # في رجب، الخامس عشر منه خلع المهتدي، وتوفي لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه. ~~وكان السبب في ذلك أن أهل الكرخ والدور من الأتراك، الذين تقدم ذكرهم، ~~تحركوا في أول رجب لطلب أرزاقهم، فوجه المهتدي إليهم أخاه أبا القاسم، ~~وكيغلغ وغيرهمأن فسكنوهم، فرجعوأن وبلغ أبا نصر محمد بن بغا أن المهتدي قال ~~للأتراك: إن الأموال عند محمد وموسى ابني بغأن فهرب إلى أخيه وهوبالسن ~~مقابل مساور الشاري، فكتب المهتدي إليه أربعة كتب يعطيه الأمان، فرجع ~~هووأخوه حيسون، فحبسهمأن ومعهما كيغلغ، وطولب أبونصر محمد بن بغا بالأموال، ~~فقبض من وكيله خمسة عشر ألف دينار، وقتل لثلاث خلون من رجب، ورمي به من بئر ~~فأنتن، فأخرجوه إلى منزله، وصلى عليه الحسن بن المأمون. وكتب المهتدي إلى ~~موسى بن بغأن لما حبس أخاه، أن يسلم العسكر إلى بابكيال ويرجع إليه، وكتب ~~إلى بابكيال أن يتسلم العسكر، ويقوم بحرب مساور الشاري، وقتل موسى بن بغا ~~ومفلح، فسار بابكيال بالكتاب إلى موسى، فقرأه عليه وقال: لست أفرح بهذأن ~~فإنه تدبير علينا جميعنأن فما ترى؟ فقال موسى: أرى أن تسير إلى سامرأن ~~وتخبره أنك في ms2493 طاعته ونصرته علي وعلى مفلح، فهويطمئن إليك، ثم تدبر في ~~قتله. فأقبل إلى سامرأن فوصلها ومعه ياركوج، وأسارتكين، وسيما الطويل، ~~وغيرهم، فدخلوا دار الخلافة لاثنتي عشرة مضت من رجب، فحبس بابكيال وصرف ~~الباقين، فاجتمع أصحاب بابكيال وغيرهم من الأتراك، وقالوا: لم حبس قائدنأن ~~ولم قتل أبونصر بن بغا؟ وكان عند المهتدي صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور، ~~فشاوره فيه، فقال له: إنه لم يبلغ أحد من آبائك ما بلغته من الشجاعة، وقد ~~كان أبومسلم أعظم شأنا عند أهل خراسان من هذا عند أصحابه، وقد كان فيهم من ~~يعبده، فما كان إلا طرح رأسه حتى سكتوأن فلوفعلت مثل ذلك سكنوا. فركب ~~المهتدي، وقد جمع له جميع المغاربة، والفراغنة، فصير في الميمنة مسرورا ~~البلخي، وفي الميسرة ياركوج، ووقف هوفي القلب مع أسارتكين وطبايغوأن ~~وغيرهما من القواد، فأمر بقتل بابكيال، وألقى رأسه إليهم عتاب بن عتاب، ~~فحملوا على عتاب فقتلوه، وعطفت ميمنة المهتدي وميسرته بمن فيها من الأتراك، ~~فصاروا مع إخوانهم الأتراك، فانهزم الباقون عن المهتدي، وقتل جماعة من ~~الفريقين، فقيل: قتل سبع مائة وثمانون رجلأن وقيل: قتل من الأتراك نحوأربعة ~~آلاف، وقيل: ألفان، وقيل: ألف. PageV03P0277 # وقتل من أصحاب المهتدي خلق كثير، وولى منهزمأن وبيده السيف وهوينادي: يا ~~معشر المسلمين! أنا أمير المؤمنين، قاتلوا عن خليفتكم! فلم يجبه أحد من ~~العامة إلى ذلك، فسار إلى باب السجن، فأطلق من فيه وهويظن أنهم يعينونه، ~~فهربوا ولم يعنه أحد، فسار إلى دار احمد بن جميل، صاحب الشرطة، فدخلها وهم ~~في أثره، فدخلوا عليه وأخرجوه، وساروا به إلى الجوسق على بغل، فحبس عند ~~أحمد بن خاقان، وقبل المهتدي يده، فيما قيل، مرارا عديدة، وجرى بينهم ~~وبينه، وهومحبوس، كلام كثير أرادوه فيه على الخلع، فأبى واستسلم للقتل، ~~فقالوا: إنه كتب بخطة رقعة لموسى بن بغأن وبابكيال، وجماعة من القواد، أنه ~~لا يغدر بهم، ولا يغتالهم، ولا يفتك بهم، ولا يهم بذلك، وانه متى فعل ذلك ~~فهم في حل من بيعته، والأمر إليهم يقعدون من شاءوا. فاستحلوا ms2494 بذلك تقضي ~~أمره، فداسوا خصيتيه، وصفقوه فمات، وأشهدوا على موته أنه سليم به أثر، ودفن ~~بمقبرة المنتصر. وقيل: كان سبب خلعه وموته أن أهل الكرخ والدور اجتمعوا ~~وطلبوا أن يدخلوا إلى المهتدي، ويكلموه حاجاتهم، فدخلوا الدار، وفيها ~~أبونصر محمد بن بغا وغيره من القواد، فخرج أبونصر منهأن ودخل أهل الكرخ ~~والدور، وشكوا حالهم إلى المهتدي، وهم في أربعة آلاف، وطلبوا منه أن يعزل ~~منهم أمراءهم، وأن يصير الأمر إلى أخوته، وأن يأخذ القواد وكتابهم بالمال ~~الذي صار إليهم، فوعدهم بإجابتهم إلى ما سألوه، فأقاموا يومهم في الدار، ~~فحمل المهتدي إليهم ما يأكلون. وسار محمد بن بغا إلى المحمدية، وأصبحوا من ~~الغد يطلبون ما سألوه،فقيل لهم: إن هذا أمر صعب، وإخراج الأمر عن يد هؤلاء ~~القواد ليس بسهل، فكيف إذا جمع إليه مطالبتهم بالأموال؟ فانظروا في أموركم، ~~فإن كنتم تصبرون على هذا الأمر إلى أن نبلغ غايته، وإلا فأمير المؤمنين ~~يحسن لكم النظر؛ فأبوا إلا ما سألوه، فدعوا إلى أيمان البيعة على أن يقيموا ~~على هذا القول، وأن يقاتلوا من قاتلهم، وينصحوا أمير المؤمنين، فأجابوا إلى ~~ذلك، فأخذت عليهم أيمان البيعة. ثم كتبوا إلى أبي نصر عن أنفسهم، وعن ~~المهتدي ينكرون خروجه عن الدار بغير سبب، وأنهم إمنا قصدوا ليشكوا حالهم، ~~ولما رأوا الدار فارغة أقاموا فيهأن فرجع فحضر عند المهتدي، فقبل رجله ويده ~~ووقف، فسأله عن الأموال وما يقوله الأتراك، فقال: وما أنا والأموال؟ قال: ~~وهل هي إلا عندك وعند أخيك وأصحابكما؟ ثم أخذوا بيد محمد وحبسوه، وكتبوا ~~إلى موسى بن بغا ومفلح بالانصراف إلى سامرأن وتسليم العسكر إلى قواد ~~ذكروهم، وكتبوا إلى الأتراك الصغار في تسلم العسكر منهمأن وكروا ما جرى ~~لهم، وقالوا: إن أجاب موسى ومفلح إلى ما أمرا به من الإقبال إلى سامرا ~~وتسليم العسكر، وإلا فشدوهما وثاقأن واحملوهما إلى الباب. وأجرى المهتدي ~~على من أخذت عليه البيعة كل رجل درهمين، فلما وصلت الكتب إلى عسكر موسى ~~أخذها موسى، وقرئت عليه وعلى الناس، وأخذوا عليهم البيعة بالنصرة ms2495 لهم، ~~وساروا نحوسامرأن فنزلوا عند قنطرة الرقيق لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب، ~~وخرج المهتدي وعرض الناس. وعاد من يومه، وأصبح الناس من الغد وقد دخل من ~~أصحاب موسى زهاء ألف فارس، منهم كوبكين وغيره، وعاد وخرج المهتدي فصف ~~أصحابه، وفيهم من أتى من أصحاب موسى، وترددت الرسل بينهم وبين موسى يريد أن ~~يولي ناحية ينصرف إليها وأصحاب المهتدي يريدون أن تجيء إليهم ليناظرهم على ~~الأموال، فلم يتفقوا على شيء. وانصرف عن موسى خلق كثير من أصحابه، فعدل ~~هوومفلح يريدان طريق خراسان، وأقبل بابكيال وجماعة من القواد، فوصلوا إلى ~~المهتدي، فسلموأن وأمرهم بالانصراف، وحبس بابكيال وقتله، ولم يتحرك أحد، ~~ولا تغير شيء إلا تغيرا يسيرأن وكان ذلك يوم السبت. PageV03P0278 # فلما كان الأحد أنكر الأتراك مساواة الفراغنة لهم في الدار، ودخولهم ~~معهم، ورفع أن الفراغنة إمنا تم لهم ما بعدم رؤساء الأتراك، فخرجوا من ~~الدار بأجمعهم، وبقيت الدار على الفراغنة، والمغاربة، فأنكر الأتراك ذلك، ~~وأضافوا إليه طلب بابكيال، فقال المهتدي للفراغنة والمغاربة ما جرى من ~~الأتراك، وقال لهم: إن كنتم تظنون فيكم قوة فما أكره قربكم، وإلا أرضيناهم ~~من قبل تفاقم الأمر! فذكروا أنهم يقومون به، فخرج بهم المهتدي وهم في ستة ~~آلاف، منهم من الأتراك نحوألف وهم أصحاب صالح بن وصيف، وكان الأتراك في ~~عشرة آلاف، فلما التقوا انهزم أصحاب صالح، وخرج عليهم كمين للأتراك، فانهزم ~~أصحاب المهتدي؛ وذكر نحوما تقدم إلا أنه قال إنهم لما رأوا المهتدي بدار ~~أحمد بن جميل قاتلهم، فأخرجوه، وكان به أثر طعنة، فلما رأى الجراح ألقى ~~بيده إليهم، وأرادوه على الخلع، فأبى أن يجيبهم، فمات يوم الأربعاء وأظهروه ~~لناس يوم الخميس، وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد. وكانوا قد خلعوا أصابع ~~يديه ورجليه من كعبيه، وفعلوا به غير شيء حتى مات؛ وطلبوا محمد بن بغأن ~~فوجدوه ميتأن فكسروا على قبره ألف سيف. وكانت مدة خلافة المهتدي أحد عشر ~~شهرا وخمس عشرة ليلة، وكان عمره ثمانيا وثلاثين سنة، وكان واسع الجبهة، ~~أسمر، رقيقأن أشهل، جهم ms2496 الوجه، عريض البطن، عريض المنكبين، قصيرأن وطويل ~~اللحية، ومولده بالقاطول. ### || AUT ذكر بعض سيرة المهتدي # كان المهتدي بالله من احسن الخلفاء مذهبأن وأجملهم طريقة، وأظهرهم ورعأن ~~وأكثرهم قال عبد اله بن إبراهيم الإسكافي: جلس المهتدي للمظالم، فاستعداه ~~رجل على ابن له، فأمر بإحضاره، فأحضر وأقامه إلى جانب خصمه ليحكم بينهمأن ~~فقال الرجل للمهتدي: والله يا أمير المؤمنين ما أنت إلا كما قيل: حكمتموه ~~فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر لا يقبلا الرشوة في حكمه ... ولا ~~يبالي غبن الخاسر فقال المهتدي: أما أنت أيها الرجل فأحسن اله مقالتك، وأما ~~أنا فما جلست حتى قرأت: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) الأنبياء: 47؛ ~~الآية؛ قال: فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم. قال أبوالعباس بن هاشم بن ~~القاسم الهاشمي: كنت عند المهتدي بعض عشايا شهر رمضان، فقمت لأنصرف، فأمرني ~~بالجلوس، فجلست حتى صلى المهتدي بنا المغرب، وأمر بالطعام فاحضر، واحضر طبق ~~خلاف عليه رغيفان، وفي إناء ملح، وفي آخر زيت، وفي آخر خل، فدعاني إلى ~~الأكل، وأكلت مقتصرا ظنا مني أنه يحضر طعاما جيدأن فلما رأى أكلي كذلك قال: ~~أما كنت صائما؟ قلت: بلى. قال: أفلست تريد الصوم غدا؟ قلت: وكيف لا وهوشهر ~~رمضان؟ فقال: كل واستوف عشاءك، فليس ها هنا غير ما ترى. فعجبت من قوله، ~~وقلت: ولم يا أمير المؤمنين؟ قد أسبغ اله عليك النعمة ووسع رزقه فقال: إن ~~الأمر على ما وصفت، والحمد لله، ولكني فكرت في انه من بني أمية عمر بن عبد ~~العزيز، فعزت لبني هاشم أن لا يكون في خلفائهم مثله وأخذت نفسي بما رأيت. ~~قال إبراهيم بن مخلد بن محمد بن عرفة عن بعض الهاشميين: إن المهتدي وجدوا ~~له سفطا فيه جبة صوف، وكساء، وبرنس كان يلبسه بالليل ويصلي فيه، ويقول: أما ~~يستحي بنوالعباس أن لا يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز؟ وكان قد اطرح ~~الملاهي، وحرم الغناء والشراب، ومنع أصحاب السلطان عن الظلم، رحمه الله ~~تعالى ورضي عنه. ### || AUT ذكر خلافة المعتمد على الله # لما ms2497 أخذ المهتدي بالله وحبس أحضر أبوالعباس أحمد بن المتوكل، وهوالمعروف ~~بابن قتيان، وكان محبوسا بالجوسق، فبايعه الناس، فبايعه الأتراك، وكتبوا ~~بذلك إلى موسى بن بغا وهوبخانقين، فحضر إلى سامرا فبايعه، ولقب المعتمد على ~~الله؛ ثم إن المهتدى مات ثاني يوم بيعة المعتمد، وسكن الناس، واستوزر عبيد ~~الله بن يحيى بن خاقان. ### || AUT ذكر أخبار صاحب الزنج # في هذه السنة سير جعلان لحرب صاحب الزنج بالبصرة، فلما وصل إلى البصرة ~~نزل بمكان بينه وبين صاحب الزنج فرسخ، وخندق عليه وإلى أصحابه، وأقام ستة ~~اشهر في خندقه، وجعل يوجه الزينبي وبني هاشم ومن خف لحربهم هذا اليوم الذي ~~تواعدهم جعلان للقائه، فلم يكن بينهم إلا الرمي بالحجارة والنشاب، ولا يجد ~~جعلان إلى لقائه سبيلأن لضيق المكان عن مجال الخيل، وكان أكثر أصحاب جعلان ~~خيالة. PageV03P0279 # فلما طال مقامه في خندقه أرسل صاحب الزنج أصحابه إلى مسالك الخندق، ~~فبيتوا جعلان، وقتلوا من أصحابه جماعة، وخاف الباقون خوفا شديدا. وكان ~~الزينبي قد جمع البلالية والسعدية ووجه بهم من مكانين، وقاتلوا الخبيث، ~~فظفر بهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، فترك جعلان خندقه وانصرف إلى البصرة، ~~وظهر عجزه للسلطان، فصرفه عن حرب الزنج، وأمر سعيدا الحاجب بمحاربتهم. ~~وتحول صاحب الزنج، بعد ذلك، من السبخة التي كان فيهأن ونزل بنهر أبي ~~الخصيب، وأخذ أربعة وعشرين مركبا من مراكب البرح، وأخذوا منها أموالا كثيرة ~~لا تحصى، وقتل من فيهأن ونهبها أصحابه ثلاثة أيام، وأخذه لنفسه بعد ذلك من النهب. ### || AUT ذكر دخول الزنج الأبلة # وفيها دخل الزنج الأبلة، فقتلوا فيها خلقا كثيرا وأحرقوها. وكان سبب ذلك ~~أن جعلان لما تنحى عن خندقه إلى البصرة ألح شنا صاحب الزنج بالغارات على ~~الأبلة، وجعلت سراياه تضرب إلى ناحية نهر معقل، ولم يزل يحارب إلى يوم ~~الأربعاء لخمس بقين من رجب، فافتتحها وقتل أبوالأحوص وعبيد الله بن حميد بن ~~الطوسي، وأضرمها نارأن وكانت مبنية بالساج، فأسرعت النار فيهأن وقتل من ~~أهلها خلق كثير، وحووا الأموال العظيمة، وكان ما أحرقت النار أكثر من الذي ms2498 نهب. ### || AUT ذكر أخذ الزنج عبادان # وفيها أرسل أهل عبادان إلى صاحب الزنج فسلموا إليه حصنهم. وكان الذي ~~حملهم على ذلك أنه لما فعل بأهل الأبلة ما فعل خاف أهل عبادان على أنفسهم، ~~وأهليهم، وأموالهم، فكتبوا إليه يطلبون الأمان على أن يسلموا إليه البلد، ~~فأمنهم وسلموه إليه، فأنفذ أصحابه إليهم، وأخذوا ما فيه من العبيد والسلاح، ~~ففرقه في أصحابه. ### || AUT ذكر أخذهم الأهواز # ولما فرغ العلوي البصري من الأبلة وعبادان طمع في الأهواز، فاستنهض ~~أصحابه نحوجبى، فلم يلبث أهلها، وهربوا منهم، فدخلها الزنج، وقتلوا من رأوا ~~بهأن وأحرقوا ونهبوأن وأخربوا ما وراءها إلى الأهواز، فلما بلغوا الأهواز ~~هرب من فيها من الجند ومن أهلهأن ولم يبق إلا القليل، فدخلوها وأخربوها؛ ~~وكان بها إبراهيم بن المدبر، متولي الخراج، فأخذوه أسيرا بعد أن جرح، ونهب ~~جميع ماله، وذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان، فلما فعل ذلك بالأهواز، ~~وعبادان، والأبلة، خافه أهل البصرة، وانتقل كثير من أهلها في البلدان. ### || AUT ذكر عزل عيسى بن الشيخ عن الشام وولايته أرمينية # لما استولى ابن الشيخ على دمشق، وقطع الحمل عن بغداد، اتفق أن ابن ~~المدبر حمل مالا من مصر إلى بغداد، مقدار سبعمائة ألف دينار، فأخذها عيسى ~~بن الشيخ. فأرسل من بغداد إليه حسين الخادم يطالبه بالمال، فذكر أنه أخرجه ~~على الجند، فأعطاه حسين عهده على أرمينية ليقيم الدعوة للمعتمد، وكان قد ~~امتنع من ذلك، فأخذ العهد، وأقام الدعوة للمعتمد، ولبس السواد، ظنا منه أن ~~الشام تكون بيده. فأنفذ المعتمد أماجور، وقلده دمشق وأعمالهأن فسار إليها ~~في ألف رجل، فلما قرب منها أنهض عيسى إليه ولده منصورا في عشرين ألف مقاتل، ~~فلما التقوا انهزم عسكر منصور وقتل منصور، فوهن عيسى، وسار إلى أرمينية على ~~طريق الساحل وولي أماجور دمشق. ### || AUT ذكر ابن الصوفي العلوي وخروجه بمصر # وفيها ظهر بصعيد مصر إنسان علوي، وذكر أنه إبراهيم بن محمد بن يحيى بن ~~عبد الله بن محمد بن بن أبي طالب، عليه السلام، ويعرف بابن الصوفي، وملك ms2499 ~~مدينة أسنأن ونهبهأن وعم شره البلاد. فسير إليه أحمد بن طولون جيشأن فهزمه ~~العلوي، وأسر المقدم على الجيش، فقطع يديه ورجليه وصلبه؛ فسير إليه ابن ~~طولون جيشا آخر فالتقوا بنواحي إخميم، فاقتتلوا قتالا شديدأن فانهزم ~~العلوي، وقتل كثير من رجاله، وسار هوحتى دخل الواحات، وسيرد ذكره سنة تسع ~~وخمسين ومائتين، إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر ظهور علي بن زيد على الكوفة وخروجه عنها # في هذه السنة ظهر علي بن يزيد العلوي بالكوفة، واستولى عليها، وأزال ~~عنها نائب الخليفة، واستقر بها. فسير إليه الشاه بن ميكال في جيش كثيف، ~~فالتقوا واقتتلوأن فانهزم الشاه، وقتل جماعة كثيرة من أصحابه، ونجا الشاه. ~~PageV03P0280 # ثم وجه المعتمد إلى محاربته كيجور التركي، وأمره أن يدعوه إلى الطاعة، ~~ويبذل له الأمان، فسار كيجور فنزل بشاهي، وأرسل إلى علي بن زيد يدعوه إلى ~~الطاعة، وبذل له الأمان، فطلب علي أمورا لم يجبه إليها كيجور، فتنحى علي بن ~~زيد عن الكوفة إلى القادسية، فعسكر بهأن ودخل كيجور إلى الكوفة ثالث شوال ~~من السنة، ومضى علي بن زيد إلى خفان، ودخل بلاد بني أسد، وكان قد صاهرهم، ~~وأقام هناك، ثم سار إلى حنبلاء. وبلغ كيجور خبره، فأسرى إليه من الكوفة سلخ ~~ذي الحجة من السنة، فواقعه، فانهزم علي بن زيد، وطلبه كيجور ففاته، وقتل ~~نفرا من أصحابه، وأسر آخرين، وعاد كيجور إلى الكوفة؛ فلما استقامت أمورها ~~عاد إلى سر من رأى أمر الخليفة، فوجه إليه الخليفة نفرا من القواد، فقتلوه ~~بعكبرا في ربيع الأول سنة سبع وخمسين ومائتين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها تقدم سعيد بن صالح الحاجب لحرب صاحب الزنج من قبل السلطان. وفيها ~~تحارب مساور الخارجي وأصحاب موسى بن بغا بناحية خانقين، وكان مساور في جمع ~~كثير، وكان أصحاب موسى بن بغا نحومائتين، فالتقوا بمساور، وقتلوا من أصحابه ~~جماعة كثيرة. وفيها وثب محمد بن واصل بن إبراهيم التميمي، وهومن أهل فارس، ~~ورجل من أكرادها يقال له أحمد بن الليث، بالحارث بن سيمأن عامل فارس، ~~فحارباه وقتلاه، وغلب ms2500 محمد بن واصل على فارس. وفيها وجه مفلح لحرب مساور. ~~وفيها غلب الحسن بن زيد الطالبي على الري في رمضان، فسار موسى ابن بغا إلى ~~الري في شوال وشيعه المعتمد. وفيها توفي الإمام أبوعبد الله محمد بن ~~إسماعيل بن إبراهيم البخاري الجعفي صاحب المسند الصحيح، وكان مولده سنة ~~أربع وتسعين ومائة. ### | AUT حوادث سنة سبع وخمسين ومائتين # ### | AUT ذكر عود أبي أحمد الموفق من مكة إلى سر من رأى # لما اشتد أمر الزنج، وعظم شرهم، وأفسدوا في البلاد، أرسل المعتمد على ~~الله إلى أخيه أبي أحمد الموفق، فأحضره من مكة، فلما حضر عقد له على ~~الكوفة، وطريق مكة، والحرمين، واليمن، ثم عقد له على بغداد، والسواد، ~~وواسط، وكور دجلة، والبصرة، والأهواز، وفارس، وأمر أن يعقد لياركوج على ~~البصرة، وكور دجلة، والبحرين، واليمامة، مكان سعيد ابن صالح، فاستعمل ~~ياركوج منصور بن جعفر الخياط على البصرة، وكور دجلة إلى ما يلي الأهواز. ### || AUT ذكر انهزام الزنج من سعيد الحاجب # وفيها في رجب أوقع سعيد الحاجب بجماعة من الزنج، فهزمهم، واستنقذ ما ~~معهم من النساء، والنهب، وجرح سعيد عدة جراحات. وبلغه الخبر بمع آخر منهم، ~~فسار إليهم، فلقيهم، فهزمهم أيضأن واستنقذ ما معهم، فكانت المرأة من تلك ~~الناحية تأخذ الزنجي فتأتي به عسكر سعيد، فلا يمتنع عليها. وعسكر سعيد ~~بهطة، ثم عبر إلى غرب دجلة، فأوقع بصاحب الزنج عدة وقعات، ثم عاد إلى ~~معسكره بهطة، فأقام إلى باقي رجب، وعامة شعيان. ### || AUT ذكر خلاص ابن المدبر من الزنج # وفيها تخلص إبراهيم بن محمد بن المدبر من حبس الزنج، وكان سبب خلاصه أنه ~~كان محبوسا في بيت يحيى بن محمد البحراني، ووكل به رجلين، منزلهما ملاصق ~~المنزل الذي فيه إبراهيم، فضمن لهما مالأن ورغبهمأن فعملا سربا إلى البيت ~~الذي فيه إبراهيم، فخرج هووابن أخ له يقال له أبوغالب ورجل هاشمي. ### || AUT ذكر انهزام سعيد من الزنج # ### || AUT وولاية منصور بن جعفر البصرة # وفيها أوقع العلوي صاحب الزنج بسعيد، وكان سير إليه جيشأن فأوقعوا به ms2501 ~~ليلأن وأصابوا مقتلة من أصحاب سعيد، فقتلوا خلقا كثيرأن وأحرقوا عسكره، ~~فضعف هوومن معه، فأمر بالمسير إلى باب الخليفة. ونزل بفراج بالبصرة، فسار ~~سعيد عن البصرة، وأقام بها بفراج يحمي أهلهأن فرد السلطان أمرها إلى منصور ~~بن جعفر الخياط، بعد سعيد الحاجب، وكان منصور يبذرق السفن، ويحميهأن وسيرها ~~إلى البصرة، فضاقت الميرة على الزنج، فجمع منصور الذا فأكثر منهأن وسار ~~نحوصاحب الزنج، فكمن له صاحب الزنج، فلما أقبل خرجوا عليه، فقتلوا في ~~أصحابه مقتلة عظيمة، وغرق منهم خلق كثير، وحملوا من رؤوس أصحابه إلى ~~البحراني ومن معه من الزنوج بنهر معقل. ### || AUT ذكر انهزام جيش الزنج بالأهواز # وفيها أرسل صاحب الزنج جيشا مع علي بن أبان لقطع قنطرة أربك، فلقيهم ~~إبراهيم بن سيما منصرفا من فارس، فأوقع بجيش العلوي فهزمهم، وقتل منهم، ~~وجرح علي بن أبان. PageV03P0281 # ثم إن إبراهيم سار قاصدا نهر جي، فأمر كاتبه شاهين بن بسطام بالمسير على ~~طريق آخر ليوافيه بنهر جي، بعد الوقعة مع علي بن أبان، وكان علي بن أبان قد ~~سار من الوقعة فنزل بالخيزرانية، فأتاه رجل فأخبره بإقبال شاهين إليه، فسار ~~نحوه، فاتقيا وقت العصر بموضع بين جي ونهر موسى، واقتتلوا قتالا شديدأن ثم ~~صدمهم الزنج صدمة صادقة فهزموهم، وقتلوا شاهين وابن عم له، وقتل معه خلق ~~كثير. فلما فرغ الزنج منهم أتاهم الخبر بقرب إبراهيم بن سيما منهم، فسار ~~علي نحوه، فوافاه وقت العشاء الآخرة، فأوقع بإبراهيم دفعة أخرى شديدة قتل ~~فيها جمعا كثيرا. قال علي بن أبان: وكان أصحابي قد تفرقوا بعد الوقعة مع ~~شاهين، ولم يشهد معي حرب إبراهيم غير خمسين رجلأن وانصرف علي إلى جي. ### || AUT ذكر أخذ الزنج البصرة وتخريبها # لما سار سعيد عن البصرة ضم السلطان عمله إلى المنصور بن جعفر الخياط، ~~وكان منه ما ذكرنأن ولم يعد منصور لقتاله، واقتصر على تخفير القيروانات ~~والسفن، فامتنع أهل البصرة، فعظم ذلك على العلوي، فتقدم إلى علي بن أبان ~~بالخيزرانية ليشغل منصورا عن تسيير القيروانات، فكان بنواحي جي ~~والخيزرانية، ms2502 وشغل منصورأن فعاد أهل البصرة إلى الضيق، وألح أصحاب الخبيث ~~عليهم بالحرب صباحا ومساء. فلما كان في شوال أزمع لخبيث على جمع أصحابه ~~لدخول البصرة، والجد في إخرابها لضعف أهلها وتفرقهم، وخراب ما حولهم من ~~القرى، ثم أمر محمد ن يزيد الدارمي، وهوأحد من صحبه بالبحرين، أن يخرج إلى ~~الأعراب ليجمعهم، فأتاه منهم خلق كثير، فأناخوا بالقندل، ووجه إليهم العلوي ~~سليمان بن موسى الشعراني، وأمرهم بتطرق البصرة والإيقاع بها ليتمرن الأعراب ~~على ذلك، ثم أنهض علي بن أبان، وضم إليه طائفة من الأعراب، وأمره بإتيان ~~البصرة من ناحية بني سعيد، وأمر يحيى بن محمد البحراني بإتيانها مما يلي ~~نهر عدي، وضم إليه سائر الأعراب. فكان أول من واقع أهل البصرة علي بن أبان، ~~وبفراج يومئذ بالبصرة، في جماعة من الجند، فأقام يقاتلهم يومين ومال الناس ~~نحوه. وأقبل يحيى بن محمد فيمن معه نحوالجسر، فدخل علي بن أبان وقت صلاة ~~الجمعة لثلاث عشرة بقيت من شوال، فأقام يقتل ويحرق يوم الجمعة، وليلة ~~السبت، ويوم السبت، وغادي يحيى البصرة يوم الأحد، فتلقاه بفراج وبرية في ~~جمع فردوه، فرجع يومه ذلك. ثم غاداهم اليوم الآخر، فدخل وقد تفرق الجند، ~~وهرب برية، وانحاز بفراج ومن معه، ولقيه إبراهيم بن يحيى المهلبي، فاستأمنه ~~لأهل البصرة، فأمنهم، فنادى منادي إبراهيم: من أراد الأمان فليحضر دار ~~إبراهيم، فحضر أهل البصرة قاطبة، حتى ملأوا الرحاب، فلما رأى اجتماعهم ~~انتهز الفرصة لئلا يتفرقوأن فغدر بهم، وأمر أصحابه بقتلهم، فكان السيف يعمل ~~فيهم، وأصواتهم مرتفعة بالشهادة، فقتل ذلك الجمع كله، ولم يسلم إلا النادر ~~منهم، ثم انصرف يومه ذلك إلى الحربية. ودخل علي بن أبان الجامع فأحرقه، ~~وأحرقت البصرة في عدة مواضع، منها المربد، وزهران، وغيرهمأن واتسع الحريق ~~من الجبل إلى الجبل، وعظم الخطب، وعمها القتل والنهب والإحراق، وقتلوا كل ~~من رأوا بهأن فمن كان من أهل اليسار أخذوا ماله وقتلوه، ومن كان فقيرا ~~قتلوه لوقته، وبقوا كذلك عدة أيام. ثم أمر يحيى أن ينادي بالأمان ليظهروأن ~~فلم يظهر أحد؛ ms2503 ثم انتهى الخبر إلى الخبيث، فصرف علي بن أبان عنهأن وأقر ~~يحيى عليها لموافقته هواه في كثرة القتل، وصرف عليا لإبقائه على أهلهأن ~~فهرب الناس على وجوههم وصرف الخبيث جيشه عن البصرة. فلما أخبر البصرة إلى ~~يحيى بن زيد، وذلك لمصير جماعة من العلويين إليه، وكان فيهم علي بن محمد بن ~~أحمد بن عيسى بن زيد وجماعة من نسائهم، فترك الانتساب إلى عيسى بن زيد ~~وانتسب إلى يحيى بن زيد، قال القاسم بن الحسن النوفلي: كذب، إن يحيى لم ~~يعقب غير بنت ماتت وهي ترضع. ### || AUT ذكر مسير المولد لحرب الزنج # PageV03P0282 # وفيهأن في ذي القعدة، أمر المعتمد أحمد المولد بالمسير إلى البصرة لحرب ~~الزنج، فسار فنزل الأبلة، وجاء برية فنزل البصرة، واجتمع إليه من أهلها خلق ~~كثير، فسير العلوي إلى حرب المولد يحيى بن محمد، فسار غليه فقاتله عشرة ~~أيام، ثم وطن المولد نفسه على المقام، فكتب العلوي إلى يحيى يأمره بتبييت ~~المولد، ووجه إليه الشذا مع أبي الليث الأصفهاني، فبيته، ونهض المولد ~~فقاتله تلك الليلة، ومن الغد إلى العصر، ثم انهزم عنه. ودخل الزنج عسكره ~~فغمنوا ما فيه، فاتبعه إلى الجامدة، فأوقع بأهلهأن ونهب تلك القرى جيمعهأن ~~وسفك ما قدر عليه من الدماء، ثم رجع إلى نهر معقل. ### || AUT ذكر قصد يعقوب فارس وملكه بلخ وغيرها # وفي هذه السنة سار يعقوب بن الليث إلى فارس، فأرسل إليه المعتمد ينكر ~~ذلك عليه، فكتب إليه الموفق بولاية بخ، وطخارستان، وسجستان، والسند، فقبل ~~ذلك وعاد، وسار إلى بلخ وطخارستان، فلما وصل إلى بلخ نزل بظاهرهأن وخرب ~~نوشاد، وهي أبنية كان بناها داود بن العباس ابن ماجور خارج بلخ. ثم سار ~~يعقوب من بلخ إلى كابل، واستولى عليهأن وقبض على زنبيل، وأرسل رسولا إلى ~~الخليفة، ومعه هدية جليلة المقدار، وفيها أصنام أخذها من كابل وتلك البلاد، ~~وسار إلى بست فأقام بها سنة. وسبب إقامته أنه أراد الرحيل، فرأى بعض قواده ~~قد حمل بعض أثقاله، فغضب وقال: أترحلون قبلي؟ وأقام سنة، ثم رجع إلى ms2504 ~~سجستان، ثم عاد إلى هراة، وحاصر مدينة كروخ حتى أخذهأن ثم سار إلى بوشنج، ~~وقبض على الحسين بن طاهر بن الحسين الكبير، وأنفذ إليه محمد بن طاهر ابن ~~عبد الله، فسأله إطلاقه وهم عم أبيه الحسين بن طاهر، فلم يفعل، وبقي في يده. ### || AUT ذكر ملك الحسن بن زيد العلوي جرجان # وفي هذه السنة قصد الحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان جرجان واستولى ~~عليهأن وكان محمد بن طاهر، أمير خراسان، لما بلغه ذلك من عزم الحسن على قصد ~~جرجان قد جهز العساكر فأنفق عليها أموالا كثيرة، وسيرها إلى جرجان لحفظهأن ~~فلما قصدها الحسن لم يقوموا له، وظفر بهم، وملك البلد، وقتل كثيرا من ~~العساكر، وغمن هووأصحابه ما عندهم. وضعف حينئذ محمد بن طاهر، وانتقض عليه ~~كثير من الأعمال التي كان يجيء خراجها إليه، فلم يبق في يده إلا بعض ~~خراسان، وأكثر ذلك مفتون بالمتغلبين في نواحيهأن والشراة الذين يعيثون في ~~عمله، فلا يمكنه دفعهم، فكان ذلك سبب تغلب يعقوب الصفار على خراسان، كما ~~نذكره سنة تسع وستين ومائتين، إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها أخذ أحمد المولد سعد بن أحمد بن سعد الباهلي، وكان قد تغلب على ~~البطائح، وأفسد الطريق، وحمل إلى سامرأن فضرب سبع مائة سوط فمات، وصلب ~~ميتا. وحج بالناس الفضل بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن ~~علي. وفيها وثب بسيل المعروف بالصقلبي، وإمنا قيل له الصقلبي، وهومن بيت ~~المملكة، لأن أمه صقلبية، على ميخائيل بن توفيل ملك الروم، فقتله؛ وكان ملك ~~ميخائيل أربعا وعشرين سنة، وملك بسيل الروم. وفيها أقطع المعتمد مصر ~~وأعمالها لياركوج التركي، فأقر عليها أحمد بن طولون. وفيها فارق عبد العزيز ~~بن أبي دلف الري من غير خوف، وأخلاهأن فأرسل إليها الحسن بن زيد العلوي، ~~صاحب طبرستان، القاسم بن علي بن القاسم بن علي العلوي، المعروف بدليس، فغلب ~~عليهأن فأساء السية في أهلها جدأن وقلعوا أبواب المدينة، وكانت من حديد، ~~وسيرها إلى الحسن بن زيد، وبقي ms2505 كذلك نحوثلاث سنين. وفيها خرج علي بن مساور ~~الخارجي، وخارجي آخر اسمه طوق من بني زهير، فاجتمع إليه أربعة آلاف، فسار ~~إلى أذرمة، فحاربه أهلهأن فظفر بهم، فدخلها بالسيف، وأخذ جارية بكرا بجعلها ~~فيئأن وافتضها في المسجد، فجمع عليه الحسن بن أيوب بن أحمد العلوي جمعا ~~كثيرأن فحاربه فقتله، وقطع رأسه وأنفذه إلى سامرا. وفيها قتل محمد بن ~~خفاجة، أمير صقلية، قتله خدمه نهارأن وكتموا قتله، فلم يعرف إلا من الغد، ~~وكان الخدم الذين قتلوه قد هربوأن فطلبوا فأخذوأن وقتل بعضهم، ولما قتل ~~استعمل محمد بن أحمد بن الأغلب على صقلية أحمد بن يعقوب بن المضاء بن سلمة ~~فلم تطل أيامه، ومات سنة ثمان وخمسين ومائتين. وفيها توفي الحسن بن عمر ~~العبدي، وكان مولده سنة خمسين ومائة بسر من رأى. PageV03P0283 # وفيها توفي أبوالفضل العباس بن الفرج الرياشي اللغوي، من كبارهم، وروى عن ~~الأصمعي وغيره. وفيها توفي محمد بن الخطاب الموصلي، وكان من أهل العلم والزهد. ### | AUT حوادث سنة ثمان وخمسين ومائتين # ### || AUT ذكر قتل منصور بن جعفر الخياط # في هذه السنة قتل منصور بن جعفر الخياط، وكان سبب قتله أن اللوي البصري ~~لما فرغ من أمر البصرة أمر علي بن أبان بالمسير إلى جي لحرب منصور ابن ~~جعفر، وهويلي يومئذ الأهواز، وأقام بإزائه شهرأن وكان منصور في قلة من ~~الرجال، فأتى عسكر علي وهوبالخيزرانية. ثم إن الخبيث، صاحب الزنج، وجه إلى ~~علي باثنتي عشرة شذاة مشحونة بجلة أصحابه، وولى أمرهم أبا الليث الأصبهاني، ~~وأمره بطاعة علي، فلما صار إلى خالفه، واستبد عليه، وجاء منصور كما كان ~~يجيء للحرب، فتقدم إليه أبوالليث، عن غير إذن علي، فظفر به منصور وبالشذوات ~~التي معه،، وقتل فيها من البيض والزنج خلقا كثيرأن وأفلت أبوالليث، ورجع ~~إلى الخبيث. ثم إن عليا وجه طلائع يأتونه بخبر منصور، وأسرى إلى وال كان ~~لمنصور كرنبأن فقتله وقتل أكثر أصحابه، وغمن ما كان معهم ورجع. وبلغ الخبر ~~منصورأن فأسرى إلى الخيزرانية، وخرج إليه علي، فتحاربوا إلى الظهر، ثم ~~انهزم ms2506 منصور، وتفرق عنه أصحابه، وانقطع عنهم، وأدركته طائفة من الزنج، فحمل ~~عليهم، وقاتلهم حتى تكسر رمحه، وفني نشبه، ثم حمل حصانه ليعبر النهر، فوقع ~~في النهر، ولم يعبره. وكان سبب وقوعه أن بعض الزنج رآه حين أراد أن يعبر ~~النهر، فألقى نفسه في النهر قبل منصور وتلقى الفرس حين وثبت فنكص، فلما سقط ~~في النهر قتله الأسور، وأخذ سلبه، وقتل معه أخوه خلف بن جعفر وغيره، فولي ~~ياركوج ما كان إلى منصور بن جعفر من العمل. ### || AUT ذكر مسير أبي أحمد إلى الزنج وقتل مفلح # وفيهأن في ربيع الأول، عقد المعتمد لأخيه أبي أحمد على ديار مصر، ~~وقنسرين، والواصم، وخلع عليه وعلى مفلح في ربيع الآخر، وسيرهما إلى حرب ~~الزنج بالبصرة، وركب المعتمد معه يشيعه، وسار نحوالبصرة، ونازل العلوي ~~وقاتله. وكان سبب تسييره ما فعله بالبصرة، واكبر الناس ذلك، وتجهزوا إليه ~~وساروا في عدة حسنة كاملة، وصحبه من سوقة بغداد خلق كثير. وكان علي بن أبان ~~يجي، على ما ذكرنأن وسار يحيى بن محمد البحراني إلى نهر العباس، ومعه أكثر ~~الزنوج، فبقي صاحبهم في قلة من الناس، وأصحابه يغادون البصرة ويراوحونها ~~لنقل ما نالوه منها؛ فلما نزل عسكر أبي أحمد بنهر معقل، احتفل من فيه من ~~الزنوج إلى صاحبهم مرعوبين، وأخبروه بعظم الجيش وأنهم لم يرد عليهم مثله، ~~وأحضر رئيسين من أصحابه، فسألهما عن قائد الجيش فلم يعرفاه، فجزع، وارتاع. ~~ثم أرسل إلى علي بن أبان يأمره بالمسير إليه فيمن معه، فلما كان يوم ~~الأربعاء لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى أباه بعض قواده، فأخبره بمجيء ~~العسكر وتقدمهم، وأنهم ليس في وجوههم من يرده من الزنوج، وكذبه، وسبه، وأمر ~~فنودي في الزنوج بالخروج إلى الحرب، فخرجوأن فرأوا مفلحا قد أتاهم في عسكر ~~لحربهم، فقاتلهم، فبيمنا مفلح يقاتلهم إذ أتاه سهم غرب لا يعرف من رمي به، ~~فأصابه، فرجع وانهزم أصحابه، وقتلوا فيهم قتلا ذريعأن وحملوا الرؤوس إلى ~~العلوي، واقتسم الزنج لحوم القتلى. فأتي بالأسرى، فسألهم عن قائد الجيش، ~~فأخبروه أنه ms2507 أبواحمد، ومات مفلح من ذلك السهم، فلم يلبث العلوي إلا يسيرا ~~حتى وافاه علي بن أبان. ثم إن أبا احمد رحل نحوالأبلة ليجمع ما فرقته ~~الهزيمة، ثم سار إلى نهر أبي الأسد، ولما علم الخبيث كيف قتل مفلح، ولم ير ~~أحدا يدعي قتله، زعم أنه هوالذي قتله، وكذب فإنه لم يحضره. ### || AUT ذكر قتل يحيى بن محمد البحراني # وفيها اسر يحيى بن محمد البحراني قائد صاحب الزنج، وكان سبب ذلك أنه لما ~~سار نحونهر العباس لقيه عسكر أصعجور، عامل الأهواز بعد منصور، وقاتلهم، ~~وكان أكثر منهم عددأن فنال ذلك العسكر من الزنج بالنشاب، وجرحوهم، فعبر ~~يحيى النهر إليهم، فانحازوا عنه، وغمن سفنا كانت مع العسكر، فيها الميرة، ~~وساروا بها إلى عسكر صاحب الزنج على غير الوجه الذي فيه علي بن أبان، ~~لتحاسد كان بينه وبين يحيى. PageV03P0284 # ووجه يحيى طلائعه إلى دجلة، فلقيهم جيش أبي أحمد الموفق سائرين إلى نهر ~~أبي الأسد، فرجعوا إلى علي، فأخبروه لمجيء الجيش، فرجع من الطريق الذي ~~سلكه، وسلك نهر العباس، وعلى فم النهر شذوات لحمية من عسكر الخليفة، فلما ~~رآهم يحيى راعه ذلك، وخاف أصحابه فنزلوا السفن وعبروا النهر، ولقي يحيى ومن ~~معه بضعة عشر رجلأن فقاتلهم هووذلك النفر اليسير، فرموهم بالسهام، فجرح ~~ثلاث جراحات؛ فلما جرح تفرق أصحابه عنه، ولم يعرف حتى يؤخذ، فرجع حتى دخل ~~بعض السفن وهومثخن بالجراح. وأخذ أصحاب السلطان الغنائم، وأخذوا السفن، ~~وعبروا إلى سفن كانت للزنج فأحرقوهأن ووتفرق لزنج عن يحيى بقية نهارهم، ~~فلما رأى تفرقهم ركب سميرية، واخذ معه طبيبا لأجل الجراح، وسار فيهأن فرأى ~~الملاحون سميريات السلطان، فخافوأن فألقوا يحيى ومن معه على الأرض، فمشى ~~وهومثقل، وقام الطبيب الذي معه فأتى أصحاب السلطان فأخبرهم خبره، فأخذوه ~~وحملوه إلى أبي أحمد، فحمله أبوأحمد إلى سامرأن فقطعت يداه ورجلاه ثم قتل، ~~فجزع الخبيث والزنوج عليه جزعا كبيرأن وقال لهم: لما قتل يحيى اشتد جزعي ~~عليه، فخوطبت أن قتله كان خيرا لك، إنه كان شرها. ### || AUT ذكر عود أبي أحمد ms2508 إلى واسط # وفيها انحاز أبوأحمد من موضعه إلى واسط؛ وكان سبب ذلك أنه لما سار إلى ~~نهر أبي الأسد كثرت الأمراض في أصحابه، وكثر فيهم الموت، فرجع إلى باذاورد ~~فأقام به، وأمر بتجديد الآلات، وإعطاء الجند أرزاقهم، وإصلاح المسيريات ~~والشذأن وشحنها بالقواد، وعاد إلى عسكر صاحب الزنج، وأمر جماعة من قواده ~~بقصد مواضع سماها من نهر أبي الخصيب وغيره، وبقي معه جماعة، فمال أكثر ~~الخلق، حين التقى الناس ونشبت الحرب، إلى نهر أبي الخصيب، وبقي أبوأحمد في ~~قلة من أصحابه، فلم يزل عن موضعه خوفا أن يطمع الزنج. ولما رأى الزنج قلة ~~من معه طمعوا فيه، وكثروا عليه، واشتدت الحرب عنده، وكثر القتل والجراح، ~~وأحرق أصحاب أبي أحمد منازل الزنوج، واستنقذوا من النساء جمعا كثيرأن ثم ~~ألقى الزنج جدهم نحوه، فلما رأى أبوأحمد ذلك علم أن الحزم في الحاجزة، فأمر ~~أصحابه بالرجوع إلى سفنهم على مهل وتؤدة. واقتطع الزنج طائفة من أصحابه، ~~فقاتلوهم، فقتلوا من الزنج خلقا كثيرأن ثم قتلوا جميعهم، وحملت رؤوسهم إلى ~~قائد الزنج، وهي مائة رأس وعشرة أرؤس، فزاد ذلك في عتوه. ونزل أوأحمد في ~~عسكره بباذاورد، فأقام يعبئ أصحابه للرجوع إلى الزنج، فوقعت نار في أطراف ~~عسكره، في يوم ريح عاصف، فاحترق كثير منه، فرحل منها إلى واسط، فلما نزل ~~واسط تفرق عنه عامة أصحابه، فسار منها إلى سامرأن واستخلف على واسط، لحرب ~~العلوي، محمد بن المولد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها وقع الوباء في كور دجلة، فهلك منها كثير ببغداد، وواسط، وسامرأن ~~وغيرها. وفيها قتل سرسجارس ببلاد الروم مع جماعة كثيرة من أصحابه. وفيها ~~كانت هدة عظيمة هائلة بالصيمرة، ثم سمع من ذلك اليوم هدة أعظم من الأولى، ~~فانهدم اكثر المدينة، وتساقطت الحيطان، وهلك من أهلها زهاء عشرين ألفا. ~~وفيها مات ياركوج التركي في رمضان، وصلى عليه أبوعيسى بن المتوكل، وكان ~~صاحب مصر ومقطعها ودعي له فيها أحمد بن طولون، فلما توفي استقل أحمد بمصر. ~~وفيها كانت وقعة بين أصحاب موسى بن بغا وأصحاب الحسن ms2509 بن زيد العلوي، فانهزم ~~أصحاب الحسن. وفيها أسر مسرور البلخي جماعة من أصحاب مساور الشاري، وسار ~~مسرور إلى البوازيج، فلقي مساور هناك، فكان فيها بينهما وقعة اسر فيها من ~~أصحاب مسرور جماعة، ثم انصرف في ذي الحجة إلى سامرأن واستخلف على عسكره ~~بحديثة الموصل جعلان. وفيها رجع أكثر الناس من القرعاء خوف العطش، وسلم من ~~سار إلى مكة؛ وحج بالناس الفضل بن إسحاق بن الحسن. وفيها أوقع بأعراب ~~بتكريت كانوا أعانوا مساورا الشاري. وفيها أوقع مسرور البلخي بالأكراد ~~اليعقوبية، فهزمهم وأصاب فيها. وفيها صار محمد بن واصل في طاعة السلطان، ~~وسلم فارس إلى محمد بن الحسن بن أبي الفياض. وفيها أسر جماعة من الزنج كان ~~فيهم قاض كان لهم بعبادان، فحملوا إلى سامرأن فضربت أعناقهم. وفيها توفي ~~محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد الدهلي النيسابوري، وله مع البخاري حادثة ~~ظلمه بها حسدا له، ليس هذا مكان ذكرها. PageV03P0285 # وفيها توفي يحيى بن معاذ الرازي الواعظ في جمادى الأولى، وكان عابدا ~~صالحا صحب أبا يزيد وغيره. ### | AUT حوادث سنة تسع وخمسين ومائتين # ### || AUT ذكر دخول الزنج الأهواز # وفيهأن في رجب، دخلت الزنج الأهواز، وكان سببه أن العلوي أنفذ علي بن ~~أبان المعلبي، وضم إليه الجيش الذي كان مع يحيى بن محمد البحراني، وسليمان ~~بن موسى الشعراني، وسيره إلى الأهواز. وكان المتولي لها بعد منصور بن جعفر ~~رجل يقال له أصعجور، فبلغه خبر الزنج، فخرج إليهم، والتقى العسكران بدشت ~~ميسان، فانهزم أصعجور، وقتل معه ثيرك، وجرح خلق كثير من أصحابه، وغرق ~~أصعجور، وأسر خلق كثير، فيهم الحسن بن هرثمة، والحسن بن جعفر، وحملت الرؤوس ~~والأعلام والأسرى إلى الخبيث، فأمر بحبس الأسرى، ودخل الزنج الأهواز، ~~فأقاموا يفسدون فيهأن ويعيثون إلى أن قدم موسى بن بغا. ### || AUT ذكر مسير موسى بن بغا لحرب الزنج # وفيهأن في ذي القعدة، أمر المعتمد موسى بن بغا بالمسير إلى حرب صاحب ~~الزنج، فسير إلى الأهواز عبد الرحمن بن مفلح، وإلى البصرة إسحاق بن ~~كنداجيق، وإلى باذاورد إبراهيم ms2510 بن سيمأن وأمرهم بمحاربة صاحب الزنج. فلما ~~ولي عبد الرحمن الأهواز سار إلى محاربة علي بن أبان، فتواقعأن فانهزم عبد ~~الرحمن؛ ثم استعد، وعاد إلى علي فأوقع به وقعة عظيمة قتل فيها من الزنج ~~قتلا ذريعأن وأسر خلقا كثيرأن وانهزم علي بن أبان والزنج، ثم أراد ردهم فلم ~~يرجعوا من الخوف الذي دخلهم من عبد الرحمن؛ فلما رأى ذلك أذن لهم ~~بالانصراف، فانصرفوا إلى مدينة صاحبهم. ووافى عبد الرحمن حصن مهدي ليعسكر ~~به، فوجه إليه صاحب الزنج علي بن أبان، فواقعه، فلم يقدر عليه، ومضى يريد ~~الموضع المعروف بالدكة، وكان إبراهيم بن سيما بالباذاورد، فواقعه علي بن ~~أبان، فهزمه علي بن أبان، ثم واقعه ثانية، فهزمه إبراهيم، فمضى علي في ~~الليل ومعه الأدلاء في الآجام، حتى انتهى إلى نهر يحيى. وانتهى خبره إلى ~~عبد الرحمن، فوجه إليه طاشتمر في جمع من الموالي، فلم يصل إليه لامتناعه ~~بالقصب والحلافي، فأضرمها عليه نارأن فخرجوا منها هاربين، فأسر منهم أسرى، ~~وانصرف أصحاب عبد الرحمن بالأسرى والظفر. ثم سار عبد الرحمن نحوعلي بن أبان ~~بمكان نزل فيه، فكتب علي إلى صاحب الزنج يستمده، فأمده بثلاث عشرة شذاة، ~~ووافاه عبد الرحمن، فتواقعا يومهمأن فلما كان الليل انتخب علي من أصحابه ~~جماعة ممن يثق بهم وسار، وترك عسكره ليخفي أمره، وأتى عبد الرحمن من ورائه ~~فبيته، فنال منه شيئا يسيرأن وانحاز عبد الرحمن، فأخذ علي منهم أربع شذوات، ~~وأتى عبد الرحمن دولاب فأقام به. وسار طاشتمر إلى علي فوافاه وقاتله، ~~فانهزم علي إلى نهر السدرة، وكتب يستمد عبد الرحمن، فأخبره بانهزام علي ~~عنه، فأتاه عبد الرحمن، وواقع عليا نهر السدرة وقعة عظيمة، فانهزم علي إلى ~~الخبيث، وعسكر عبد الرحمن بلنبان، فكان هووإبراهيم بن سيما يتناوبان المسير ~~إلى عسكر الخبيث فيوقعان به، وإسحاق بن كنداجيق بالبصرة، وقد قطع الميرة عن ~~الزنج، فكان صاحبهم يجمع أصحابه يوم محاربة عبد الرحمن وإبراهيم، فإذا ~~انقضت الحرب سير طائفة منهم إلى البصرة يقاتل بهم إسحاق، فأقاموا كذلك بضعة ~~عشر شهرا إلى ms2511 أن صرف موسى بن بغا عن حرب الزنج، ووليها مسرور البلخي، ~~فانتهى الخبر بذلك إلى الخبيث. ### || AUT ذكر ملك يعقوب نيسابور # وفيهأن في شوال، دخل يعقوب بن الليث نيسابور، وكان سبب مسيره إليها أن ~~عبد الله السجزي كان ينازع يعقوب بسجستان، فلما قوي عليه يعقوب هرب منه إلى ~~محمد بن طاهر، فأرسل يعقوب يطلب من ابن طاهر أن يسلمه إليه فلم يفعل، فسار ~~نحوه إلى نيسابور، فلما قرب منهأن وأراد دخولهأن وجه محمد بن طاهر يستأذنه ~~في تلقيه، فلم يأذن له،! فبعث بعمومته وأهل بيته فتلقوه. ثم دخل نيسابور في ~~شوال، فركب محمد بن طاهر، فدخل إليه في مضربه، فساءله، ثم وبخه على تفريطه ~~في عمله، وقبض على محمد بن طاهر وأهل بيته، واستعمل على نيسابور، وأرسل إلى ~~الخليفة يذكر تفريط محمد ابن طاهر في عمله، وأن أهل خراسان سألوه المسير ~~إليهم، ويذكر غلبة العلويين على طبرستان، وبالغ في هذا المعنى، فأنكر عليه ~~ذلك، وأمر بالاقتصار على ما أسند إليه، وإلا يسلك معه مسلك المخالفين. ~~PageV03P0286 # وقيل كان سبب ملك يعقوب نيسابور ما ذكرناه سنة سبع وخمسين من ضعف محمد بن ~~طاهر أمير خراسان، فلما تحقق يعقوب ذلك، وأنه لا يقدر على الدفع، سار إلى ~~نيسابور، وكتب إلى محمد بن طاهر يعلمه أنه قد عزم على قصد طبرستان ليمضي ما ~~أمره الخليفة في الحسن بن زيد المتغلب عليهأن وأنه لا يعرض لشيء من عمله، ~~ولا لأحد من أسبابه. وكان بعض خاصة محمد بن طاهر وبعض أهله لما رأوا إدبار ~~أمره مالوا إلى يعقوب، فكاتبوه، واستدعوه، وهونوا على محمد أمر يعقوب من ~~نيسابور، فأعلمه أنه لا خوف عليه منه، وثبطوه عن التحرز منه، فركن محمد إلى ~~قولهم، حتى قرب يعقوب من نيسابور، فوجه إليه قائدا من قواده يطيب قلبه، ~~وأمره بمنعه عن الأنتزاح عن نيسابور إن أراد ذلك. ثم وصل يعقوب إلى نيسابور ~~رابع شوال وأرسل أخاه عمروبن الليث إلى محمد بن طاهر، فأحضره عنده، فقبض ~~عليه وقيده، وعنفه على إهماله عمله، ms2512 وعجزه عن حفظه، ثم قبض على جميع أهل ~~بيته، وكانوا نحوا من مائة وستين رجلأن وحملهم إلى سجستان، واستولى على ~~خراسان، ورتب في الأعمال نوابه. وكانت ولاية محمد بن طاهر إحدى عشرة سنة ~~وشهرين وعشرة أيام. ### || AUT ذكر ظهور ابن الصوفي بمصر ثانيا # وفيها عاد ابن الصوفي العلوي فظهر بمصر، وقد ذكرنا سنة ست وخمسين ظهوره ~~وهربه إلى الواحات، فأحم نفسه، ودعا الناس إلى نفسه، فتبعه خلق كثير، وسار ~~بهم إلى الأشمونين، فوجه إليه جيش عليهم قائد يعرف باب أبي الغيث، فوجده قد ~~أصعد إلى لقاء أبي عبد الرحمن العمري، وسنذكر بعد هذا. فلما وصل العلوي إلى ~~العمري اتقيأن فكان بينهما قتال شديد، أجلت الوقعة عن انهزام العلوي، فولى ~~منهزما إلى أسوان، فعاث فيهأن وقطع كثيرا من نخلها. فسير إليه ابن طولون ~~جيشا، وأمرهم بطلبه أين كان، فسار الجيش في طلبه، فولى هاربا إلى عيذاب، ~~وعبر البحر إلى مكة، وتفرق أصحابه، فلما وصل إلى مكة بلغ خبره إلى واليهأن ~~فقبض عليه وحبسه، ثم سيره إلى ابن طولون، فلما وصل إلى مصر أمر به فطيف به ~~في البلد، ثم سجنه مدة وأطلقه، ثم رجع إلى المدينة فأقام بها إلى أن مات. ### || AUT ذكر حال أبي عبد الرحمن العمري # قد تقدم ذكر أبي عبد الرحمن العمري، واسمه عبد الحميد بن عبد العزيز بن ~~عبد الله بن عمر بن الخطاب. وكان سبب ظهوره بمصر أن البجاة أقبلت يوم ~~العيد، فنهبوا وقتلوا وعادوا غامنين، وفعلوا ذلك مرات، فخرج هذا العمري ~~غضبا لله وللمسلمين، وكمن لهم في طريقهم، فلما عادوا خرج يحصي، وتابع عليهم ~~الغارات حتى أدوا إليه الجزية، ولم يفعلوها قبل ذلك. واشتدت شوكة العمري، ~~وكثر أتباعه؛ فلما بلغ خبره ابن طولون سير إليه جيشا كثيفأن فلما التقوا ~~تقدم العمري وقال لمقدم الجيش: إن ابن طولون لا يعرف خبري، لا شك، على ~~حقيقته، فإني لم أخرج للفساد، ولم يتأذ بي مسلم ولا ذمي، وإمنا خرجت طلبا ~~للجهاد، فاكتب إلى الأمير أحمد عرفه كيف حالي، ms2513 فإن أمرك بالانصراف فانصرف، ~~وإلا إن أمرك بغير ذلك كنت معذورا. فلم يجبه إلى ذلك، وقاتله، فانهزم جيش ~~ابن طولون، فلما وصلوا إليه أخبروه بحال العمري فقال: كنتم أنهيتم حاله ~~إلي، فإنه نصر عليكم ببغيكم. وتركه. فلما كان بعد مدة وثب على العمري ~~غلامان له فقتلاه، وحملا رأسه إلى أحمد بن طولون، فلما حضرا عنده سألهما عن ~~سبب قتله، فقالا: أردنا التقرب إليك بذلك، فقتلهمأن وأمر برأس العمري فغسل، ~~وكفن، ودفن. ### || AUT ذكر ما كان هذه السنة بالأندلس # في هذه السنة سار محمد بن عبد الرحمن الأموي، صاحب الأندلس، إلى طليطلة ~~فنازلها وحصرهأن وكان أهلها قد خالفوا عليه، وطلبوا الأمان فأمنهم، وأخذ ~~رهائنهم. وفيها خرج أهل طليطلة إلى حصن سكيان، وكان فيه سبع مائة رجل من ~~البربر، وكان أهل طليطلة في عشرة آلاف، فلما التحمت بينهم الحرب انهزم أحد ~~مقدمي أهلهأن وهوعبد الرحمن بن حبيب، فتبعه أهل طليطلة في الهزيمة، وإمنا ~~انهزم لعداوة كانت بينه وبين مقدم آخر اسمه طريشة من أهل طليطلة، فأراد أن ~~يوهنه بذلك، فلما انهزموا قتلوا البرقيل. وفيها عاد عمروبن عمروس إلى طاعة ~~محمد بن عبد الرحمن، وكان مخالفا عليه عدة سنين، فولاه مدينة أمشقة وحصر ~~محمد حصون بني موسى ثم تقدم إلى بنبلونة فوطئ أرضها وعاد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV03P0287 # وفيها سارت سرية للمسلمين إلى مدينة سرقوسة، فصالحها أهلها على أن أطلقوا ~~الأسرى الذين كانوا عندهم من المسلمين، ثلاثمائة وستين أسيرأن فلما أطلقوهم ~~عادت عنهم. وفيها قتل كيجور، وكان سبب قتله أنه كان على الكوفة، فسار عنها ~~إلى سامرا بغير إذن، فأمر بالرجوع فأبى، فحمل إليه مال ليفرقه في أصحابه ~~فلم يقنع به، وسار حتى أتى عكبرأن فوجه إليه من سامرا عدة من القواد ~~فقتلوه، وحملوا رأسه إلى سامرا. وفيها غلب يعقوب بن الليث عن بلخ، فأقام ~~بقهستان، وولى عماله هراة، وبوشنج، وباذغيس، وانصرف إلى سجستان. وفيها فارق ~~عبد الله السجزي، وحاصر نيسابور وبها محمد ابن طاهر قبل أن يملكها يعقوب بن ~~الليث فوجه محمد ms2514 بن طاهر إليه الرسل والفقهاء، فاختلفوا بينهمأن ثم ولاه ~~الطبسين، وقهستان؛ وفيها غلب الحسن بن زيد على قومس ودخلها أصحابه. وفيها ~~كانت وقعة بين محمد بن الفضل بن بين ووهوسوذان بن جستان الديلمي، وانهزم ~~وهسوذان. وفيها نزلت الروم على سميساط، ثم نزلوا على ملطية وقاتلهم أهلهأن ~~فانهزمت الروم، وقتل بطريق البطارقة. وحج بالناس العباس بن إبراهيم بن محمد ~~بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس المعروف ببرية. ~~وفيها مات محمد بن يحيى بن موسى أبوعبد الله بن أبي زكرياء الأسفرايني ~~المعروف بابن حيويه، ومحمد بن عمروس بن يونس بن عمران بن دينار الكوفي ~~الثعلبي، وكان شيعيا ضعيف الحديث. وفيها توفي أبوالحسن بن علي بن حرب ~~الطائي الموصلي، وكان محدثا وممن روى عنه أبوه علي بن حرب. ### | AUT حوادث سنة ستين ومائتين # ### || AUT ذكر دخول يعقوب طبرستان # وفيها واقع يعقوب بن الليث الحسن بن زيد العلوي، فهزمه، ودخل طبرستان. ~~وكان سبب ذلك أن عبد الله السجزي كان ينازع يعقوب الرئاسة بسجستان، فقهره ~~يعقوب، فهرب منه عبد الله إلى نيسابور، فلما سار يعقوب إلى نيسابور، كما ~~ذكرنأن هرب عبد الله إلى الحسن بن زيد بطبرستان، فسار يعقوب في أثره، فلقيه ~~الحسن بن زيد بقرية سارية. وكان يعقوب قد أرسل إلى الحسن يسأله أن يبعث ~~إليه عبد الله ويرجع عنه، فإنه إمنا جاء لذلك لا لحربه، فلم يسلمه الحسن، ~~فحاربه يعقوب، فانهزم الحسن، ومضى نحوالسر وأرض الديلم، ودخل يعقوب سارية، ~~وآمل، وجبى أهلها خراج سنة، ثم سار في طلب الحسن، فسار إلى بعض جبال ~~طبرستان، وتتابعت عليه الأمطار نحوا من أربعين يومأن فلم يتخلص إلا بمشقة ~~شديدة، وهلك عامة ما معه من الظهر. ثم أراد الدخول خلف الحسن، فوقف على ~~الطريق الذي يريد أن يسكه، وأمر أصحابه بالوقوف، ثم تقدم وحده، وتأمل ~~الطريق، ثم رجع إليهم فأمرهم بالانصراف، وقال لهم: إنه لم يكن طريق غير ~~هذأن وإلا لا طريق إليه. وكان نساء أهل تلك الناحية قلن لرجال: ms2515 دعوه يدخل، ~~فإنه إن دخل كفيناكم أمره، وعلينا أسره لكم. فلما خرج من طبرستان عرض ~~رجاله، ففقد منهم أربعون ألفأن وذهب أكثر ما كان معه من الخيل، والإبل ~~،والبغال والأثقال، وكتب إلى الخليفة بما فعله مع الحسن من الهزيمة، وسار ~~إلى الري في طلب عبد الله لأنه كان قد سار إليها بعد هزيمة الحسن، فلما ~~قاربها يعقوب كتب إلى الصلاني واليها يخيره بين تسليم عبد الله إليه وينصرف ~~عنه، وبين المحاربة، فسلم إليه عبد الله فرحل عنه، وقتل عبد الله. ### || AUT ذكر الفتنة بالموصل وإخراج عاملهم # كان الخليفة المعتمد على الله قد استعمل على الموصل أساتكين، وهومن ~~أكابر قواد الأتراك، فسير إليها ابنه أذكوتكين في جمادى الأولى سنة تسع ~~وخمسين ومائتين؛ فلما كان يوم النيروز من هذه السنة، وهوالثالث عشر من ~~نيسان، غيره المعتضد بالله، ودعا أذكوتكين ووجوه أهل الموصل إلى قبة في ~~الميدان، وأحضر أنواع الملاهي، وأكثر الخمر، شرب ظاهرأن وتجاهر أصحابه ~~بالفسوق، وفعل المنكرات، وأساء السيرة في الناس. PageV03P0288 # وكان تلك السنة بدرد شديد أهلك الأشجار، والثمار، والحنطة، والشعير، ~~وطالب الناس بالخراج على الغلات التي هلكت، فاشتد ذلك عليهم، وكان لا يسمع ~~بفرس جيد عند أحد إلا أخذه، وأهل الموصل صابرون، إلى أن وثب رجل من أصحابه ~~على امرأة فأخذها في الطريق، فامتنعت، واستغاثت، فقام رجل اسمه إدريس ~~الحميري، وهومن أهل القرآن والصلاح، فخلصها من يده، فعاد الجندي أذكوتكين ~~فشكا من أرجل، فأحضره وضربه ضربا شديدا من غير أن يكشف الأمر، فاجتمع وجوه ~~الموصل إلى الجامع وقالوا: قد ضربنا على أخذ الأموال، وشتم الأعراض، وإبطال ~~السنن والعسف، وقد أفضى الأمر إلى أخذ الحريم، فاجمع رأيهم على إخراجه، ~~والشكوى منه إلى الخليفة. وبلغه الخبر، فركب إليهم في جنده، وأخذ معه ~~النفاطين، فخرجوا إليه وقاتلوه قتالا شديدأن حتى أخرجوه عن الموصل، ونهبوا ~~داره، وأصابه حجر فأثخنه، ومضى من يومه إلى بلده، وسار منه إلى سامرا. ~~واجتمع الناس إلى يحيى بن سليمان، وقلدوه أمرهم، ففعل، فبقي كذلك إلى أن ~~انقضت سنة ستين؛ ms2516 فلما دخلت سنة إحدى وستين كتب أساتكين إلى الهيثم بن عبد ~~الله بن المعمر التغلبي، ثم العدوي، في أن يتقلد الموصل، وأرسل إليه الخلع ~~والواء وكان بديار ربيعة، فجمع جموعا كثيرة، وسار إلى الموصل، ونزل بالجانب ~~الشرقي، وبينه وبين البلد دجلة، فقاتلوه، فعبر إلى الجانب الغربي وزحف إلى ~~باب البلد، فخرج إليه يحيى بن ليمان في أهل الموصل، فقاتلوه فقتل بينهم ~~قتلى كثيرة، وكثرت الجراحات وعاد الهيثم عنهم. فاستعمل أساتكين على الموصل ~~إسحاق بن أيوب التغلبي فخرج في جمع يبلغون عشرين ألفأن منهم حمدان بن حمدون ~~التغلبي وغيره، فنزل عند الدير الأعلى، فقاتله أهل الموصل ومنعوه، فبقوا ~~كذلك مدة، فمرض يحيى بن سليمان الأمير، فطمع إسحاق في البلد، وجد في الحرب ~~فانطشف الناس بين يديه، فدخل إسحاق البلد، ووصل إلى سوق الأربعاء، وأحرق ~~سوق الحشيش، فخرج بعض العدول، اسمه زياد بن عبد الواحد. وعلق في عنقه ~~مصحفأن واستغاث بالمسلمين فأجابوه، وعادوا إلى الحرب، وحملوا إلى إسحاق ~~وأصحابه، وأخرجوهم من المدينة. وبلغ يحيى بن سليمان الخبر، فأمر فحمل في ~~محفة، وجعل أمام الصف، فلما رآه أهل الموصل قويت نفوسهم، واشتد قتالهم، ولم ~~يزل الأمر كذلك وإسحاق يراسل أهل الموصل، وبعدهم الأمان وحسن السيرة، ~~فأجابوه إلى أن يدخل البلد، ويقيم بالربض الأعلى، فدخل وأقام سبعة أيام. ثم ~~وقع بين بعض أصحابه وبين قوم من أهل الموصل شر، فرجعوا إلى الحرب، وأخرجوه ~~عنهأن واستقر يحيى بن سليمان بالموصل. ### || AUT ذكر الحرب بين أهل طليطلة وهوارة # وفي هذه السنة ظهر موسى بن ذي النون الهواري بشنت برية، وأغار على أهل ~~طليطلة، ودخل حصن وليد من شنت برية، فخرج أهل طليطلة إليه في نحوعشرين ~~ألفأن فلما التقوا بموسى واقتتلوا انهزم محمد بن طريشة في أصحابه، وهومن ~~أهل طليطلة، فتبعه أهل طليطلة في الهزيمة، وانهزم معهم مطرف بن عبد الرحمن، ~~فعمل ذلك محمد مكافأة لمطرف حين انهزم بالناس في العام الماضي، فقتل أهل ~~طليطلة خلق كثير، وقوي موسى ابن ذي النون، وهابه من حاذره. ### || AUT ذكر ms2517 عدة حوادث # في هذه السنة قتل رجل من أصحاب مساور الشاري محمد بن هارون ابن المعمر، ~~رآه وهويريد سامرأن فقتله، وحمل رأسه إلى مساور، فطلبت ربيعة بثأره، فندب ~~مسرور البلخي وغيره إلى أخذ الطرق على مساور. وفيها اشتد الغلاء في عامة ~~بلاد الإسلام، فانجلى من أهل مكة كثير، ورحل عنها عاملهأن وهوبرية، وبلغ ~~الكر الحنطة ببغداد عشرين ومائة دينار، ودام ذلك شهورا. وفيها قتلت الأعراب ~~منجورا والي حمص، واستعمل عليها بكتمر. وفيها قتل العلاء بن أحمد الأزدي ~~عامل أذربيجان، وكان سبب قتله أنه فلج، فاستعمل الخليفة مكانه أبا الرديني ~~عمر بن علي، فلما قاربها خرج إليه العلاء، فتحاربأن فقتل العلاء، وانهزم ~~أصحابه، وأخذ أبوالرديني ما خلفه العلاء وكان مبلغه ألفي ألف وسبع مائة ألف ~~درهم. وحج بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل المعروف ببرية، وهوأمير مكة. ~~PageV03P0289 # وفيها ظهر بمصر إنسان يكنى أبا روح، واسمه سكن، وكان من أصحاب ابن ~~الصوفي، واجتمع له جماعة، فقطع الطريق، وأخاف السبيل، فوجه إليه ابن طولون ~~جيشأن فوقف أبوروح في أرض كثيرة الشقوق، وقد كان بها قمح فحصد، وبقي من ~~تبنه على الأرض ما يستر الشقوق، وقد ألفوا المشي على مثل هذه الأرض. فلما ~~جاءهم الجيش لقوهم، ثم انهزم أصحاب أبي روح، فتبعهم عسكر ابن طولون، فوقعت ~~حوافر خيولهم في تلك الشقوق، فسقط كثير من فرسانها عنهأن وتراجع أصحاب أبي ~~روح عليهم، فقتلوهم شر قتلة وانهزم الباقون أسوأ هزيمة. فسير أحمد جيشا إلى ~~طريقهم إلى الواحات، وجيشا في طلبه، فلقيه الجيش الذي في طلبه وقد تحصن في ~~مثل تلك الأرض فحذرها عسكر أحمد، فحين بطلت حيلهم انهزموأن وتبعهم العسكر ، ~~فلما خرجوا إلى طريق الواحات رأى أبوروح الطريق قد ملكت عليه، فراسل يطلب ~~الأمان، فبذل له، وبطلت الحرب، وكفي المسلمون شره. وفيها توفي علي بن محمد ~~العلوي الخماني، وكان يسكن الخمان، فنسب إليها. وفيها قتل علي بن يزيد صاحب ~~الكوفة، قتله صاحب الزنج. وفيها كان بإفريقية وبلاد المغرب والأندلس غلاء ~~شديد، وعم غيرها من البلاد، وتبعه ms2518 وباء وطاعون عظيم هلك فيه كثير من الناس. ~~وفيها توفي محمد بن إبراهيم بن عبدوس، الفيه المالكي، صاحب المجموعة في ~~الفقه؛ وهومن أهل إفريقية. وفيها مات مالك بن طوق التغلبي بالرحبة، ~~وهوبناهأن وإليه تنسب. وفيها توفي الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن ~~جعفر بن محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، ~~وهوأبومحمد العلوي العسكري، وهوأحد الأئمة الاثني عشر، على مذهب الإمامية، ~~وهووالد محمد الذي يعتقدونه المنتظر بسرداب سامرأن وكان مولده سنة اثنتين ~~وثلاثين ومائتين. وفيها توفي أبوعلي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، ~~الفقيه الشافعي، وهومن أصحاب الشافعي البغداذيين. وفيها توفي حسين بن إسحاق ~~الحكيم البيب. وهوالذي نقل كتب الحكماء اليونانيين إلى العربية، وكان عالما بها. ### | AUT حوادث سنة إحدى وستين ومائتين # ### | AUT ذكر الحرب بين محمد بن واصل وابن مفلح # وفيها تحارب ابن واصل وعبد الرحمن بن مفلح وطاشتمر. وكان سبب ذلك أن ابن ~~واصل كان قتل الحارث بن سيمأن وتغلب على فارس، فأضاف المعتمد فارس إلى موسى ~~بن بغأن والأهواز، والبصرة، والبحرين، واليمامة، مع ما كان إليه؛ فوجه موسى ~~عبد الرحمن بن مفلح، وهوشاب عمره إحدى وعشرون سنة، إلى الأهواز، وولاه ~~إياها مع فارس، وأضاف إليه طاشتمر؛ فلما علم ذلك ابن واصل، وأن ابن مفلح قد ~~سار نحوه من الأهواز، زحف إليه من فارس، فالتقيا إليه من فارس، فالتقيا ~~برامهرمز. وانضم أبوداود الصعلوك إلى ابن واصل، فاقتتلوأن فانهزم عبد ~~الرحمن واخذ أسيرأن وقتل طاشتمر، واطلم عسكرهمأن وغمن ما فيه من الأموال ~~والعدة وغير ذلك. وأرسل الخليفة إلى ابن واصل في إطلاق عبد الرحمن، فلم ~~يفعل، وقتله وأظهر أنه مات، وسار ابن واصل من رامهرمز، من بعد هذه الوقعة، ~~مظهرا أنه يريد واسط لحرب موسى بن بغأن فانتهى إلى الأهواز وفيها إبراهيم ~~بن سيما في جمع كثير، فلما رأى موسى شدة الأمر بهذه الناحية، وكثرة ~~المتغلبين عليهأن وأنه يعجز عنهم، سأل أن يعفى، فأجيب إلى ذلك. ### | AUT ذكر ولاية أبي ms2519 الساج الأهواز # وفيها ولي أبوالساج الأهواز، بعد مسير عبد الرحمن عنها إلى فارس، وأمر ~~بمحاربة الزنج، فسير صهره عبد الرحمن لمحاربة الزنج، فلقيه علي ابن أبان ~~بناحية دولاب، فقتل عبد الرحمن، وانحاز أبوالساج إلى ناحية عسكر مكرم، ودخل ~~الزنج الأهواز، فقتلوا أهلهأن وسبوا وأحرقوا. ثم انصرف أبوالساج عما كان ~~إليه من الأهواز، وحرب الزنج، وولاها إبراهيم بن سيمأن فلم يزل بها حتى ~~انصرف عنها مع موسى بن بغا. وفيها ولي محمد بن أوس البلخي طريق خراسان. ### || AUT ذكر عود الصفار إلى فارس # ### || AUT والحرب بينه وبين ابن واصل # لما كان من الوقعة بين عبد الرحمن بن مفلح وبين ابن واصل ما ذكرناه، ~~اتصل خبرهما إلى يعقوب الصفار وهوبسجستان، فتجدد طمعه في ملك بلاد فارس، ~~وأخذ الأموال والخزائن والسلاح التي غمنها ابن واصل من ابن مفلح، فسار ~~مجدا. PageV03P0290 # وبلغ ابن واصل خبر قربه منه وانه نزل البيضاء من أرض فارس، وهوبالأهواز، ~~فعاد عنها لا يلوي علي شيء، وأرسل خاله أب بلال مرداسا إلى الصفار، فوصل ~~إليه، وضمن له طاعة ابن واصل، فأرسل يعقوب الصفار إلى ابن واصل كتبا ورسلا ~~في المعنى، فحبسهم ابن واصل، وسار يطلب الصفار والرسل معه يريد أن يخفي ~~خبره، وأن يصل إلى الصفار بغتة لم يعلم به. فينال منه غرضه، ويوقع به. فسار ~~في يوم شديد الحر، في ارض صعبة المسلك، وهويظن أن خبره قد خفي عن الصفار، ~~فلما كان الظهر تعبت دوابهم، فنزلوا ليستريحوأن فمات من أصحاب ابن واصل من ~~الرجالة كثير جوعا وعطشأن وبلغ خبرهم الصفار، فجمع أصحابه وأعلمهم الخبر ~~وسار، وقال لأبي بلال: إن ابن واصل قد غدر بنأن وحسبنا الله ونعم الوكيل! ~~ومضى الصفار إلى ابن واصل، فلما قاربهم وعلموا به انخذلوا وضعفت نفوسهم عن ~~مقاومته ومقاتلته، ولم يتقدموا خطوة، فلما صار بين الفريقين رمية سهم انهزم ~~أصحاب ابن واصل من غير قتال، وتبعهم عسكر الصفار، وأخذوا منهم جميع ما ~~غمنوه من ابن مفلح، واستولى على بلاد فارس، ورتب بها أصحابه وأصلح أحوالها. ms2520 ~~ومضى ابن واصل منهزمأن فأخذ أمواله من قلعته، وكانت أربعين ألف ألف درهم، ~~وأوقع يعقوب بأهل زم لأنهم أعانوا ابن واصل، وحدث نفسه بالاستيلاء على ~~الأهواز وغيرها. ### || AUT ذكر تجهز أبي أحمد للمسير إلى البصرة # وفيهأن في شوال، جلس المعتمد في دار العامة، فولى ابنه جعفرا العهد، ~~ولقبه المفوض إلى الله، وضم إليه موسى بن بغأن فولاه إفريقية، ومصر، ~~والشام، والجزيرة، والموصل، وأرمينية، وطريق خراسان ومهرجانقذق، وولى أخاه ~~أبا أحمد العهد بعد جعفر، ولقبه الناصر لدين الله الموفق، وولاه المشرق، ~~وبغداد، والسواد، والكوفة، وطريق مكة والمدينة، واليمن، وكسكر، وكور دجلة، ~~والأهواز، وفارس، وأصبهان، وقم، وكرج، ودينور، والري، وزنجان، والسند، وعقد ~~لكل واحد منهما لواءين: أسود وأبيض، وشرط إن حدث به الموت، وجعفر لم يبلغ، ~~أن يكون الأمر للموفق، ثم لجعفر بعده، وأخذت البيعة بذلك. فعقد جعفر لموسى ~~على المغرب، وأمر الموفق أن يسير إلى حرب الزنج؛ فولى الموفق الأهواز ~~والبصرة وكور دجلة مسرورا البلخي، وسيره في مقدمته في ذي الحجة. وعزم على ~~المسير بعده، فحدث من أمر يعقوب الصفار ما منعه عن المسير، وسنذكر أول سنة ~~اثنتين وستين ومائتين. وفيها فارق محمد بن زيدويه يعقوب بن الليث، وسار إلى ~~أبي الساج، وأقام معه بالأهواز، وخلع عليه المعتمد وسأل أن يوجه الحسين بن ~~طاهر بن عبد الله بن طاهر إلى خراسان. وحج بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن ~~الحسن بن إسماعيل بن العباس ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس؛ ومات ~~الحسن بن أبي الشوارب بمكة بعدما حج. ### || AUT ذكر ولاية نصر بن أحمد الساماني # ### || AUT ما وراء النهر # في هذه السنة استعمل نصر بن أحمد بن أسد بن سامان خداه بن جثمان ابن ~~طمغاث بن نوشرد بن بهرام جوبين بن بهرام خشنش؛ وكان بهرام خشنش من الري، ~~فجعله كسرى هرمز بن أنوشروان مرزبان أذربيجان، وقد تقدم ذكر بهرام جوبين ~~عند ذكر كسرى هرمز. ولما ولي المأمون خراسان، واصطلح أولاد أسد بن سامان، ~~وهم: نوح، وأحمد، ويحيى، وإلياس، بنوأسد ms2521 بن سامان، قربهم ورفع منهم ~~واستعملهم ورعى حق سلفهم؛ فلما رجع المأمون إلى العراق استخلف على خراسان ~~غسان بن عباد، فولى غسان نوح بن أسد، في سنة أربع ومائتين، سمرقند، وأحمد ~~بن أسد فرغانة، ويحيى بن أسد الشاش وأشروسنة، وإلياس بن أسد هراة. فلما ولي ~~طاهر بن الحسين خراسان ولاهم هذه الأعمال، ثم توفي نوح ابن أسد، وأقر طاهر ~~بن عبد الله أخويه على عمله: يحيى، وأحمد، وكان أحمد بن أسد عفيف الطعمة، ~~مرضي السيرة، لا يأخذ رشوة، ولا أحد من أصحابه، ففيه قيل، أوفي ابنه نصر: ~~ثوى ثلاثين حولا في ولايته ... فجاع يوم ثوى في قبره حشمه وكان إلياس يلي ~~هراة، وله بها عقب وآثار كثيرة، فاستقدمه عبد الله ابن طاهر، وكان رسمه ~~فيمن يستقدمه أن يعد أيامه، فأبطأ إلياس، فكتب إليه بالمقام حيث يلقاه ~~كتابه، فبلغه الكتاب وقد سار عن بوشنج، فأقام بها سنة تأديبا له، ثم أذن له ~~في القدوم عليه. PageV03P0291 # فلما مات إلياس بهراة أقر عبد الله ابنه أبا إسحاق محمد بن إلياس على ~~عمله، فأقام بهراة، وكان لأحمد بن أسد سبعة بنين، وهم: نصر، وأبويوسف ~~يعقوب، وأبوزكرياء يحيى، وأبوالأشعث أسد، وإسماعيل، وإسحاق وأبوغامن حميد، ~~ولما توفي أحمد بن أسد استخلف ابنه نصرا على أعماله بسمرقند وما وراءهأن ~~فبقي عاملا عليها إلى آخر أيام الطاهرية، وبعد زوال أمرهم إلى أن مضى ~~لسبيله. وكان إسماعيل بن أحمد يخدم أخاه نصرأن فولاه نصر بخارى سنة إحدى ~~وستين ومائتين. ومعنى قول أبي جعفر: وفي سنة إحدى وستين ولي نصر بن أحمد ما ~~وراء النهر، أنه تولاه من جانب الخليفة، وإمنا كان يتولاه، من قبل، من عمال ~~خراسان، وإلا فالقوم تولوا قبل هذا التاريخ. وكان سبب استعماله إسماعيل إنه ~~لما استولى يعقوب بن الليث على خراسان أنفذ نصر جيشا إلى شط جيحون ليأمن ~~عبور يعقوب، فقتلوا مقدمهم، ورجعوا إلى بخارى، فخافهم أحمد بن عمر، نائب ~~نصر، على نفسه، فتغيب عنهم، فأمروا عليهم أبا هاشم محمد بن المبشر بن رافع ~~بن ms2522 الليث بن نصر بن سيار، ثم عزلوه وولوا أحمد بن محمد بن ليث والد أبي عبد ~~الله بن جنيد، ثم صرفوه وولوا الحسن بن محمد من ولد عبدة بن حديد؛ ثم ~~صرفوه، وبقيت بخارى بغير أمير، فكتب رئيسها وفقيهها أبوعبد الله بن أبي حفص ~~إلى نصر يسأله توجيه من يضبط بخارى، فوجه أخاه إسماعيل، ثم إن إسماعيل كاتب ~~رافع بن هرثمة حين ولي خراسان، فتعاقدا على التعاون والتعاضد، فطلب منه ~~إسماعيل أعمال خوارزم فولاه إياها. وكان إسماعيل يؤامره في المكاتبة، ثم ~~سعت السعاة بين نصر وإسماعيل فأفسدوا ما بينهمأن فقصده نصر سنة اثنتين ~~وسبعين ومائتين، فأرسل إسماعيل حمويه بن علي إلى رافع بن هرثمة يستنجده، ~~فسار إليه في جيش كثيف، فوافى بخارى، قال حمويه: ففكرت في نفسي، وقلت: إن ~~ظفر إسماعيل بأخيه فما يؤمنني أن يقبض رافع على إسماعيل، ويتغلب على ما ~~وراء النهر؟ وإن لم يفعل ذلك، ووفى لإسماعيل، فلا يزال إسماعيل معترفا فقيد ~~رافع وجريحه، ويحتاج أن يتصرف على أمره ونهيه، فاجتمعت برافع خلوة، وقلت ~~له: نصيحتك واجبة علي، وقد ظهر لي من نصر وإسماعيل ما كان خفيا عني، ولست ~~آمنهما عليك، والراي أن لا تشاهد الحرب، وتحملهما على الصلح؛ فقبل ذلك، ~~فتصالحأن وانصرف عنهما. قال لحمويه: ثم إنني أعلمت إسماعيل، بعد ذلك، الحال ~~كيف كان، فعذر رافعا في إلزامه بالصلح، واستصوب فعل حمويه، وبقي نصر ~~وإسماعيل مدة، ثم عادت السعاة، فسد ما بينهمأن حتى تحاربا سنة خمس وسبعين ~~ومائتين، فظفر إسماعيل بأخيه نصر؛ فلما حمل إليه ترجل له إسماعيل، وقبل ~~يديه، ورده من موضعه إلى سمرقند، وتصرف على النيابة عنه ببخارى. وكان ~~إسماعيل خيرأن يحب أهل العلم والدين، ويكرمهم، وببركتهم دام ملكه وملك حكى ~~أبوالفضل محمد بن عبد الله البلعمي قال: سمعت الأمير أبا إبراهيم إسماعيل ~~بن أحمد يقول: كنت بسمرقند، فجلست يوما لمظالم، وجلس أخي إسحاق إلى جانبي، ~~فدخل أبوعبد الله محمد بن نصر الفقيه الشافعي، فقمت له إجلالا لعلمه ودينه، ~~فلما خرج عاتبني أخي إسحاق، ms2523 وقال: أنت أمير خراسان، يدخل عليك رجل من رعيتك ~~فتقوم له، فتذهب السياسة بهذا. قال: فبت تلك الليلة، فرأيت النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، في المنام وكأني واقف وأخي إسحاق، فأقبل رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، فأخذ بعضدي فقال لي: يا إسماعيل! ثبت ملكك وملك بيتك لإجلالك ~~لمحمد ابن نصر. ثم التفت إلى إسحاق وقال: ذهب ملك إسحاق وملك بيته ~~باستخفافه بمحمد بن نصر. وكان محمد بن نصر هذا من العلماء بالفقه على مذهب ~~الشافعي، العاملين بعلمه، المصنفين فيه، وسافر إلى البلاد في طلب العلم، ~~وأخذ العلم بمصر من أصحاب الشافعي يونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان، ~~ومحمد بن عبد الله بن الحكم، وصحب الحارث المحاسبي واخذ عنه علم المعاملة، ~~وبرز فيه أيضا. ### || AUT ذكر عصيان أهل برقة # وفي هذه السنة عصى أهل برقة على أحمد بن طولون، وأخرجوا أميرهم محمد بن ~~الفرج الفرغاني، فبعث ابن طولون جيشا عليهم غلامه لؤلؤ، وأمره بالرفق بهم، ~~واستعمال اللين، فإن انقادوا وإلا السيف. PageV03P0292 # فسار العسكر حتى نزلوا على برقة، وحصروا أهلهأن وفعلوا ما أمرهم من ~~اللين، فطمع أهل برقة، وخرجوا يوما على بعض العسكر، وهم نازلون على باب ~~البلد، فأوقعوا بهم وقتلوا منهم. فأرسل لؤلؤ إلى صاحبه أحمد يعرفه الخبر، ~~فأمره بالجد في قتالهم، فنصب عليهم المجانيق، ووجد في قتالهم، وطلبوا ~~الأمان، فأمنهم، ففتحوا له الباب، فدخل البلد، وقبض على جماعة من رؤسائهم، ~~وضربهم بالسياط، وقطع أيدي بعضهم، وأخذ معه جماعة منهم وعاد إلى مصر، ~~واستعمل على برقة عاملا. ولما وصل لؤلؤ إلى مصر خلع عليه أحمد خلعة فيها ~~طوقان، فوضعها في رقبته، وطيف بالأسرى في البلد. ### || AUT ذكر ولاية إبراهيم بن أحمد إفريقية # في هذه السنة توفي محمد بن أحمد بن الأغلب، صاحب إفريقية، سادس جمادى ~~الأولى، وكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وستة عشر يوما. ولما حضره الموت ~~عقد لابنه عقال العهد واستخلف أخاه إبراهيم لئلا ينازعه، وأشهد عليه آل ~~الأغلب ومشايخ القيروان، وأمره أن يتولى الأمر إلى أن ms2524 يكبر ولده، فلما مات ~~أهل القيروان إبراهيم وسألوه أن يتولى أمرهم، لحسن سيرته وعدله، فلم يفعل، ~~ثم أجاب، وانتقل إلى قصر الإمارة، وباشر الأمور، وقام بها قياما مرضيا. ~~وكان عادلأن حازما في أموره، أمن البلاد، وقتل أهل البغي والفساد، وكان ~~يجلس لعدل في جامع القيروان يوم الخميس والاثنين، يسمع شكوى الخصوم، وبصبر ~~عليهم، ووينصف بينهم. وكان القوافل والتجار يسيرون في الطرق آمنين. وبنى ~~الحصون والمحارس على سواحل البحر، حتى كان يوقد النار من سبتة فيصل الخبر ~~إلى الإسكندرية في الليلة الواحدة، وبني على سوسة سورأن وعزم على الحج، فرد ~~المظالم، وأظهر الزهد والنسك، وعلم أنه إن جعل طريقه إلى مكة على مصر منعه ~~صاحبها ابن طولون، فتجري بينهما حرب، فيقتل المسلمون، فجعل طريقه على جزيرة ~~صقلية ليجمع بين الحج والجهاد، ويفتح ما بقي من حصونهأن فاخرج جميع ما ~~أذخره من المال والسلاح وغير ذلك، وسار إلى سوسة فدخلها وعليه فرومرقع في ~~زي الزهاد، أول سنة تسع وثمانين ومائتين، وسار منهأن في الأسطول، إلى ~~صقلية. وسار إلى مدينة فملكها سلخ رجب، وأظهر العدل، وأحسن إلى الرعية، ~~وسار إلى طبرمين، فاستعد أهلها لقتاله، فلما وصل خرجوا إليه والتقوأن فقرأ ~~القارئ: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) الفتح: 1 فقال الأمير اقرأ: (هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم) الحج: 19؛ فقرأ فقال: اللهم إني أختصم أنا والكفار إليك ~~في هذا اليوم! وحمل، ومعه أهل البصائر، فهزم الكفار، وقتلهم المسلمون كيف ~~شاءوأن ودخلوا معهم المدينة عنوة، فركب بعض من بها من الروم مراكب فهربوا ~~فيها. والتجأ بعضهم إلى الحصن وأحاط بهم المسلمون وقاتلوهم، فاستنزلوهم ~~قهرأن وغمنوا أموالهم، وسبوا ذراريهم، وذلك لسبع بقين من شعبان، وأمر بقتل ~~المقاتلة، وبيع السبي والغنيمة. ولما اتصل الخبر بفتح طبرمين إلى ملك الروم ~~عظم عليه، وبقي سبعة أيام لا يلبس التاج، وقال: لا يلبس التاج محزون. ~~وتحركت الروم، وعزموا على المسير إلى صقلية لمنعها من المسلمين، فبلغهم أنه ~~سائر إلى القسطنطينية، فترك الملك ها عسكرا عظيمأن وسير جيشا كثيرا إلى ~~صقلية. وأما ms2525 الأمير إبراهيم فإنه لما ملك طبرمين بث السرايا في مدن صقلية ~~التي بيد الروم، وبعث سرية إلى ميقش، وسرية إلى دمشق، فوجدوا أهلها قد ~~أجلوا عنهأن فغمنوا ما وجدوا بها. وبعث طائفة إلى رمطة، وطائفة إلى الياج، ~~فأذعن القوم جميعا إلى أداء الجزية، فلم يجبهم الرسل منها يطلبون الأمان ~~فلم يجبهم. وكان قد ابتدأ به المرض، وهوعلة الذرب، فنزلت العساكر على ~~المدينة، فلم يجدوا في قتالها لغيبة الأمير عنهم، فإنه نزل منفردا لشدة ~~مرضه، وامتنع منه النوم، وحدث به الفواق، وتوفي ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة ~~بقيت من ذي القعدة سنة تسع وثمانين ومائتين، فاجتمع أهل الري من العسكر أن ~~يولوا أمرهم أبا مضر بن أبي العباس عبد الله ليحفظ العساكر، والأموال، ~~والخزائن، إلى أن يصل إلى ابنه بإفريقية، وجعلوا الأمير إبراهيم في تابوت، ~~وحملوه إلى إفريقية، ودفنوه بالقيروان، رحمه الله. PageV03P0293 # وكانت ولايته خمسا وعشرين سنة، وكان عاقلأن حسن السيرة، محبا لخير ~~والإحسان، تصدق بجميع ما يملك، ووقف أملاكه جميعها؛ وكان له فطنة عظيمة ~~بإظهار خفايا العملات، فمن ذلك أن تاجرا من أهل القيروان كانت له امرأة ~~جميلة صالحة عفيفة، فاتصل خبرها بوزير الأمير إبراهيم، فأرسل إليهأن فلم ~~تجبه، فاشتد غرامه بهأن وشكا حاله إلى عجوز كانت تغشاه، وكانت أيضا لها من ~~الأمير منزلة، ومن والدته منزلة كبيرة، وهي موصوفة عندهم بالصلاح، يتبركون ~~بهأن ويسألونها الدعاء، فقالت للوزير: أنا أتلطف بهأن وأجمع بينكما. وراحت ~~إلى بيت المرأة، فقرعت الباب وقالت: قد أصاب ثوبي نجاسة أريد تطهيرها؛ ~~فخرجت المرأة ولقيتها فرحبت بهأن وأدخلتهأن وطهرت ثوبهأن وقامت العجوز ~~تصلي، فعرضت المرأة عليها الطعام، فقالت: إني صائمة، ولا بد من التردد ~~إليك؛ ثم صارت تغشاهأن ثم قالت لها: عندي يتيمة أريد أن أحملها إلى زوجهأن ~~فإن خفت عليك إعارة حليك أجملها به فعلت. وأحضرت جميع حليها وسلمته إياهأن ~~فأخذته العجوز وانرفت، وغابت أيامأن وجاءت إليهأن فقالت لها: أين الحلى؟ ~~فقالت: هوعند الوزير، عبرت عليه وهومعي فأخذه مني، وقال لا يسلمه إلا إليك، ~~فتنازعتأن ms2526 وخرجت العجوز، وجاء التاجر زوج المرأة، فأخبرته الخبر، فحضر دار ~~الأمير إبراهيم وأخبره الخبر، فدخل الأمير إلى والدته، وسألها عن العجوز، ~~فقالت: هي تدعولك؛ فأمر بإحضارها ليتبرك بهأن فأحضرتها والدته، فلما رآها ~~أكرمها وأقبل عليهأن وانبسط معها. ثم إنه أخذ خاتما من إصبعها وجعل يقبله ~~ويعبث به، ثم إنه أحضر خصيا له وقال له: انطلق إلى بيت العجوز، وقل لابنتها ~~تسلم الحق الذي فيه الحلي، وصفته كذأن وهوكذا وكذأن وهذا الخاتم علامة ~~منها. فمضى الخادم وأحضر الحق، فقال لعجوز: ما هذا؟ فلما رأت الحق سقط في ~~يدهأن وقتلهأن ودفنها في الدار، وأعطى الحق لصاحبه، وأضاف إليه شيئا آخر، ~~وقال له: أما الوزير فإن انتقمت منه الآن ينكشف الأمر، ولكن سأجعل له ذنبا ~~آخذه به؛ فتركه مدة يسيرة، وجعل له جرما آخذه به فقتله. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة استعمل المعتمد على الله، الخليفة على أذربيجان، محمد بن ~~عمر ابن علي بن مرا الطائي الموصلي، فسار إليهأن وجمع معه جموعا كثيرة من ~~خوارج وغيرهم، وكان على أذربيجان العلاء بن أحمد الأزدي، وهومفلوج، فخرج في ~~محفة ليمنع محمد بن عمر، فقاتله، فانهزم عسكر العلاء، وأخذ أسيرأن واستولى ~~محمد بن عمر بن علي على قلعة العلاء، وأخذ منها ثلاثة آلاف ألف درهم، ومات ~~العلاء في يده. وفيها استعمل المعتمد على الله على الموصل الخضر بن أحمد بن ~~عمر بن الخطاب التغلبي الموصلي. وفيها رجع الحسن بن زيد إلى طبرستان، وأحرق ~~شالوس لممالأة أهلها ليعقوب، وأقطع ضياعهم للديالمة. وفيها أمر المعتمد ~~بجمع حاج خرسان، والري، وطبرستان، وجرجان، وأعلمهم أنه لم يول يعقوب ~~خراسان، ولم يكن دخوله خراسان وأسره محمد ابن طاهر بأمره. وفيها قتل مساور ~~الشاري يحيى بن جعفر الذي كان يلي خراسان، فسار مساور البلخي في طلبه، ~~وتبعه أبوأحمد، وهوالموفق بن المتوكل، فسار من بين أيديهما فلم يدركاه. ~~وفيها هرب ابن مروان الجليقي من قرطبة، فقصد قلعة الحنش، فملكها وامتنع ~~بهأن فسار إليه محمد، صاحب الأندلس، فحصره ثلاثة أشهر، فضاق به ms2527 الأمر، حتى ~~أكل دوابه، فطلب الأمان، فأمنه محمد، فأمنه محمد، فسار إلى مدينة بطليوس. ~~وفيها عصى أهل تاكرنا مع أسد بن الحارث بن رافع، فغزاهم جيش محمد، صاحب ~~الأندلس، وقاتلهم، فعادوا إلى الطاعة. وفيها توفي أبوهاشم داود بن سليمان ~~الجعفري؛ والحسن بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قاضي القضاة، وكان ~~موته في رمضان؛ وأبوالحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، صاحب الصحيح؛ وعبد ~~العزيز بن حيان الموصلي، وكان كثير الحديث؛ والنضر بن الحسن الفقيه الحنفي، ~~وكان من الموصل أيضا. ### | AUT حوادث سنة اثنتين وستين ومائتين # ### || AUT ذكر الحرب بين الموفق والصفار # PageV03P0294 # في هذه السنة، في المحرم، سار الصفار من فارس إلى الأهواز، فلما بلغ ~~المعتمد إقباله أرسل إليه إسماعيل بن إسحاق وبفراج، وأطلق من كان في حبسه ~~من أصحاب يعقوب، فإنه كان حبسهم لما أخذ يعقوب محمد بن طاهر بن الحسين. عاد ~~إسماعيل برسالة من عند يعقوب، فجلس أبوأحمد ببغداد، وكان قد أخر مسيره إلى ~~الزنج لما بلغه من خبر يعقوب، وأحضر التجار، وأخبرهم بتولية يعقوب خراسان، ~~وجرجان، وطبرستان، والري، وفارس، والشرطة ببغداد، وكان بمحضر من درهم، صاحب ~~يعقوب، كان يعقوب قد أرسله يطلب لنفسه ما ذكرنأن وأعاده أبوأحمد إلى يعقوب، ~~ومعه عمر بن سيمأن بما أضيف إليه من الولايات. فعاد الرسل من عند يعقوب ~~يقولون: إنه لا يرضيه ما كتب به دون أن يسير إلى باب المعتمد! وارتحل يعقوب ~~من عسكر مكرم، وسار إليه أبوالساج، وصار معه، فأكرمه، وأحسن إليه ووصله. ~~فلما سمع المعتمد رسالة يعقوب خرج من سامرا ف عساكره، وسار إلى بغداد، ثم ~~إلى الزعفرانية، فنزلهأن وقدم أخاه الموفق، وسار يعقوب من عسكر مكرم إلى ~~واسط، فدخلها لست بقين من جمادى الآخرة، وارتحل المعتمد من الزعفرانية إلى ~~سبب بني كومأن فوافاه هناك مسرور البلخي عائدا من الوجه الذي كان فيه، سار ~~يعقوب من واسط إلى دير العاقول؛ وسير المعتمد أخاه الموفق في العساكر ~~لمحاربة يعقوب، فجعل الموفق على ميمنته موسى بن بغأن وعلى ميسرته مسرورا ~~البلخي، وقام ms2528 هوفي القلب. والتقيا، فحملت ميسرة يعقوب على ميمنة الموفق ~~فهزمتهأن وقتلت منها جماعة من قوادهم، منهم إبراهيم بن سيما وغيره، ثم ~~تراجع المنهزمون، وكشف أبوأحمد الموفق رأسه وقال: أنا الغلام الهاشمي! ~~وحمل، وحمل معه سائر عسكره على عسكر يعقوب، قثبتوأن وتحاربوا حربا شديدة، ~~وقتل من أصحاب يعقوب جماعة منهم الحسن الدرهمي، وأصابت يعقوب ثلاثة أسهم في ~~حلقه ويديه، ولم تزل الحرب إلى آخر وقت العصر، ثم وافى با أحمد الموفق ~~الديراني، ومحمد بن أوس، فاجتمع جميع من بقي في عسكره، وقد ظهر من أصحاب ~~يعقوب كراهة للقتال معه، إذ رأوا الخليفة يقاتله، فحملوا على يعقوب ومن قد ~~ثبت معه للقتال، فانهزم أصحاب يعقوب، وثبت يعقوب في خاصة أصحابه، حتى مضوأن ~~وفارقوا موضع الحرب، وتبعهم أصحاب الموفق، فغمنوا ما في عسكرهم، وكان فيه ~~من الدواب والبغال أكثر من عشرة آلاف، ومن الأموال ما يكل عن حمله، ومن حرب ~~المسك أمر عظيم، وتخلص محمد بن طاهر، وكان مثقلا بالحديد، وخلع عليه ~~الموفق، وولاه الشرطة ببغداد بعد ذلك. وسار يعقوب من الهزيمة إلى خوزستان، ~~فنزل جند يسابور، وراسله العلوي البصري يحثه على الرجوع إلى بغداد، ويعده ~~الاسعدة، فقال لكاتبه: اكتب إليه: (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) ~~الكافرون: 2، السورة، وسير الكتاب إليه. وكانت الوقعة لإحدى عشرة خلت من ~~رجب؛ وكتب المعتمد إلى ابن واصل بتوليته فارس، وكان قد سار إليها وجمع ~~جماعة فغلب عليهأن فسير إليه يعقوب عسكرا عظيما عليهم ابن عزيز ين السري ~~إلى فارس، واستولى عليهأن ورجع المعتمد إلى سامرا. وأما أبوأحمد الموفق ~~فإنه سار إلى واسط ليتبع الصفار، وأمر أصحابه بالتجهز لذلك، فأصابه مرض، ~~فعاد إلى بغداد ومعه مسرور، وقبض ما لأبي الساج من الضياع والمنازل، ~~وأقطعها مسرورا البلخي، وقدم محمد بن طاهر بغداد. ### || AUT ذكر أخبار الفرنج # وفيها نفذ قائد الزنج جيوشه إلى ناحية البطيحة ودست ميسان. وكان سبب ذلك ~~أن تلك النواحي، لما خلت من العساكر السلطانية بسبب عود مسرور لحرب يعقوب، ~~بث الزنج سارياه فيهأن ms2529 تنهب، وتخرب. وأتته الأخبار بخلو البطيحة من جند ~~السلطان، فأمر سليمان بن جامع وجماعة من أصحابه بالمسير إلى الحوانيت، ~~وسليمان بن موسى بالمسير إلى القادسية. وقدم ابن التركي في ثالثين شذاة ~~يريد عسكر الزنج، فنهب، وأحرق، فكتب الخبيث إلى سليمان بن موسى يأمره بمنعه ~~من العبور، فأخذ سليمان عليه الطريق، فقاتلهم شهرا حتى تخلص، وانحاز إلى ~~سليمان بن جامع من مذكوري البلالية، وأنجادهم، جمع كثير في خمسين ومائة ~~سميرية، وكان مسرور قد وجه قبل مسيره عن واسط إلى المعتمد جماعة من أصحابه ~~إلى سليمان في شذوات فظفر بهم سليمان، وهزمهم، وأخذ منهم سبع شذوات وقتل من ~~اسر منهم. PageV03P0295 # وأشار الباهليون على سليمان أن يتحصن في عقر، ما وراء طهثأن والأدغال ~~التي فيها وكرهوا خروجه عنهم لموافقته في فعله، وخافوا السلطان، فسار إليه، ~~فنزل بقرية مروان، بالجانب الشرقي من نهر طهثأن وجمع إليه رؤساء الباهليين، ~~وكتب إلى الخبيث يعلمه بما صنع، فكتب إليه يصوب رأيه، ويأمره بإنفاذ ما ~~عنده ممنيرة ونعم، فأنفذ ذلك إليه. وورد على سليمان أن أغرتمش وحشيشا قد ~~أقبلا في الخيل والرجال، والسميريات والذأن يريدون حربه، فجزع جزعا شديدا؛ ~~فلما أشرفوا عليه ورآهم أخذ جمعا من أصحابه وسار راجلأن واستدبر أغرتمش، ~~وجد أغرتمش في المسير إلى عسكر سليمان، وكان سليمان قد أمر الذي استخلفه من ~~جيشه أن لا يظهر منهم أحد لأصحاب أغرتمش، وأن يخفوا أنفسهم ما قدروا إلى أن ~~يسمعوا أصوات طبولهم، فإذا سمعوها خرجوا عليه. وأقبل أغرتمش إليهم، فجزع ~~أصحاب سليمان جزعا عظيمأن فتفرقوأن ونهضت شرذمة منهم، فواقعوهم، وشغلوهم عن ~~دخول العسكر، وعاد سليمان من خلفهم، وضرب طبوله، وألقوأنفسهم في الماء ~~للعبور إليهم، فانهزم أغرتمش وظهر من كان من السودان بطهثأن ووضعوا السيوف ~~فيهم وقتل حشيش، وانهزم أغرتمش، وتبعه الزنوج إلى عسكره، فنالوا حاجاتهم ~~منه، واخذوا منهم شذوات فيها مال وغيره، فعاد أغرتمش فانتزعها من أيديهم، ~~فعاد سليمان وقد ظفر وغمن، وكتب إلى صاحب الزنج بالخبر، وسير إليه رأس ~~حشيش، فسيره إلى علي بن أبان، وهوبنواحي ms2530 الأهواز، وسير سليمان سرية، فظفروا ~~بإحدى عشرة شذاة، وقتلوا أصحابها. ### || AUT ذكر وقعة للزنج عظيمة انهزموا فيها # وفيها كانت وقعة للزنوج مع أحمد بن ليثويه، وكان سبها أن مسرورا اللبلخي ~~وجه أحمد بن ليثويه إلى كور الأهواز، فنزل السوس، وكان يعقوب الصفار قد قلد ~~محمد بن عبيد الله بن هزارمرد الكردي كور الأهواز، فكاتب محمد قائد الزنج ~~يطعمه في الميل إليه، وأوهمه أنه يتولى له كور الأهواز. وكان محمد يكاتبه ~~قديمأن وعزم على مداراة الصفار، وقائد الزنج، حتى يستقيم له الأمر فيهأن ~~فكاتبه صاحب الزنج يجيبه إلى ما طلب على أن يكون علي بن أبان المتولي ~~لليلاد، ومحمد بن عبيد الله يخلفه عليهأن فقبل محمد ذلك، فوجه إليه علي بن ~~أبان جيشا كثيرأن وأمدهم محمد بن عبيد الله، فساروا نحوالسوس، فمنعهم أحمد ~~بن ليثويه ومن معه من جند الخليفة عنهأن وقاتلهم فقتل منهم خلقا كثيرأن ~~وأسر جماعة. وسار أحمد حتى نزل جندي سابور، وسار علي بن أبان من الأهواز ~~ممدا محمد بن عبيد الله على أحمد بن ليثويه، فلقيه محمد في جيش كثير من ~~الأكراد والصعاليك، ودخل محمد تستر، فانتهى إلى أحمد بن ليثويه الخبر ~~بتضافرهما على قتاله، فخرج عن جند يسابور إلى السوس. وكان محمد قد وعد علي ~~بن أبان أن يخطب لصاحبه قائد الزنج، يوم الجمعة، على منبر تستر، فلما كان ~~يوم الجمعة خطب للمعتمد وللصفار، فلما علم علي بن أبان ذلك انصرف إلى ~~الأهواز، وهدم قنطرة كانت هناك لئلا تلحقه الخيل، فانتهى أصحاب علي إلى ~~عسكر مكرم فنهبوهأن وكانت داخلة في سلم الخبيث، فغدروا بها وساروا إلى ~~الأهواز. فلما علم أحمد ذلك أقبل إلى تستر، فواقع محمد بن عبيد الله ومن ~~معه، فانهزم محمد بن عبيد الله، ودخل أحمد تستر، وأتت الأخبار علي بن أبان ~~بأن أحمد على قصدك، فسار إلى لقائه ومحاربته، فالتقيأن واقتتل العسكران، ~~فاستأمن إلى أحمد جماعة من الأعراب الذين مع علي بن أبان، فانهزم باقي ~~أصحاب علي، وثبت معه جماعة يسيرة، واشتد القتال، ms2531 وترجل علي بن أبان وباشر ~~القتال راجلأن فعرفه بعض أصحاب أحمد فأنذر الناس به، فلما عرفوه انصرف ~~هاربأن وألقى نفسه في المسرقان، فأتاه بعض أصحابه بسميرية، فركب فيها ونجا ~~مجروحأن وقتل من أبطال أصحابه جماعة كثيرة. ### || AUT ذكر أخبار أحمد بن عبد الله الخجستاني # PageV03P0296 # كان أحمد بن عبد اله الخجستاني من خجستان، وهي من جبال هراة، من أعمال ~~باذغيس، وكان من أصحاب محمد بن طاهر، فلما استولى يعقوب بن الليث على ~~نيسابور، على ما ذكرناه، ضم أحمد إليه وإلى أخيه علي بن الليث، وكان ~~ينوشركب ثلاثة أخوة: إبراهيم، وأبوحفص يعمر، وأبوطلحة منصور، أبومسلم، وكان ~~أسنهم إبراهيم، وكان قد أبلى بين يدي يعقوب عند مواقعة الحسن بن زيد ~~بجرجان، فقدمه، فدخل عليه يوما نيسابور، وهويوم فيه برد شديد، فخلع عليه ~~يعقوب وبر سمور كان على كتفه، فحسده عليه الخجستاني فقال له: إن يعقوب يريد ~~الغدر بك، لأنه لا يخلع على أحد من خاصته خلعة إلا غدر به. فغم ذلك ~~إبراهيم، وقال: كيف الحيلة في الخلاص؟ قال: الحيلة أن نهرب جميعا إلى أخيك ~~يعمر، فإني خائف عليه أيضا. وكان يعمر قد حاصر أبا داود الناهجوزي ببلخ، ~~ومعه نحومن خمسة آلاف رجل، فاتفقا على الخروج ليلتهم، فسبقه إبراهيم إلى ~~الموعد، فانتظره ساعة فلم يره، فسار نحوسرخس، وذهب الخجستاني إلى يعقوب ~~فأعلمه، فأرسله في أثره، فلحقوه بسرخس فقتلوه، ومال يعقوب إلى الخجستاني. ~~فلما أراد يعقوب العود إلى سجستان استخلف على نيسابور عزيز بن السري، وولى ~~أخاه عمروبن الليث هراة، فاستخلف عمروعليها طاهر ابن حفص الباذغيسى، وسار ~~يعقوب إلى سجستان سنة إحدى وستين ومائتين، وأحب الخجستاني التخلف لما كان ~~يحدث به نفسه، فقال لعلي بن الليث: إن خويك قد اقتسما خراسان، ولي سلك بها ~~من يقوم بشغلك، فيجب أن تردني إليها لأقوم بأمورك؛ فاستأذن أخاه يعقوب في ~~ذلك، فأذن له، فلما حضر أحمد يودع يعقوب أحسن له القول، وردة وخلع عليه، ~~فلما ولى عنه قال يعقوب: اشهد أن قفاه قفا مستعص، وأن هذا آخر عهدنا ms2532 ~~بطاعته. فلما فارقهم جمع نحوا من مائة رجل فورد بهم بشت نيسابور، فحارب ~~عاملهأن وأخرجه عنهأن وجباهأن ثم خرج إلى قومس، فقتل ببسطام مقتلة عظيمة، ~~وتغلب عليها وذلك سنة وستين ومائتين. وسار إلى نيسابور، وبها عزيز بن ~~السري، فهرب عزيز، وأخذ أحمد أثقاله، واستولى على نيسابور يدعوإلى ~~الطاهرية، وذلك أول سنة اثنتين وستين ومائتين، وكتب إلى رافع بن هرثمة ~~يستقدمه، فقدم عليه، فجعله صاحب جيشه، وكتب إلى يعمر بن شركب، وهويحاصر ~~بلخ، يستقدمه ليتفقا على تلك البلاد، فلم يثق إليه لفعله بأخيه، وسار يعمر ~~إلى هراة، فحارب طاهر بن حفص فقتله، واستولى على أعمال طاهر، فسار إليه ~~أحمد، فكانت بينهما مناوشات. وكان أبوطلحة بن شركب غلاما من أحسن الغلمان، ~~وكان عبد الله ابن بلال يميل إليه، وهوأحد قواد يعمر، فراسل الخجستاني، ~~وأعلمه أنه يعمل ضيافة ليعمر وقواده، ويدعوهم إليه يوما ذكره، ويأمره ~~بالنهوض إليهم فيه، فإنه يساعده، وشرط عليه أن يسلم إليه أبا طلحة، فأجابه ~~أحمد إلى ذلك، فصنع ابن بلال طعامأن ودعا يعمر وأصحابه، وكبسهم أحمد، وقبض ~~على يعمر، وسيره إلى نائبه بنيسابور فقتله، واجتمع إلى أبي طلحة جماعة من ~~أصحاب أخيه فقتلوا ابن بلال وساروا إلى نيسابور وكان بها الحسين بن طاهر ~~أخومحمد بن طاهر قد وردها من أصبهان، طمعا أن يخطب لهم أحمد كما كان يظهره ~~من نفسه، فلم يفعل، فخطب له أبوطلحة بهأن وأقام معه، فسار إليه الخجستاني ~~من هراة في اثني عشر ألف عنان، فأقام على ثلاث مراحل من نيسابور، ووجه أخاه ~~العباس إليهأن فخرج إليه أبوطلحة، فقاتله، فقتل العباس وانهزم أصحابه. فلما ~~بلغ خبرهم إلى أحمد عاد إلى هراة، ولم يعلمه لأخيه خبرأن فبذل الأموال لمن ~~يأتيه بخبره، فلم يقدم أحد على ذلك، وأجابه رافع بن هرثمة إليه، فاستأمن ~~إلى أبي طلحة فأمنه وقربه ووثق إليه، وتحقق رافع خبر العباس، فأنهاه إلى ~~أخيه أحمد، وأنفذه أبوطلحة إلى بيهق وبست ليجبي أموالها لنفسه، وضم إليه ~~قائدين، فجبى رافع الأموال، وقبض على القائدين، وسار إلى الخجستاني، ms2533 إلى ~~قرية من قرى خواف، فنزلها وبها حلي بن يحيى الخارجي، فنزل ناحية عنه. فبلغ ~~الخبر إلى أبي لحة، فركب كجدأن فوصل إليهم ليلأن فأوقع بحلي وأصحابه، ~~وهويظنه رافعأن وهرب رافع سالمأن وعلم أبوطلحة بحال حلي بعد حرب شديدة، فكف ~~عنه، وأحسن إليه وإلى أصحابه. PageV03P0297 # ثم وجه أبوطلحة جيشا إلى جرجان، وبها ثابت بن الحسن بن زيد، ومعه الديلم، ~~وكان على جيش أبي طلحة إسحاق الشاري، فحاربوا الديلم بجرجان، وقتلوا منهم ~~مقتلة عظيمة، وأجلوهم عنهأن وذلك في رجب سنة ثلاث وستين ومائتين. ثم عصى ~~إسحاق على أبي طلحة، فسار إليه أبوطلحة، واشتغل في طريقه باللهو والصيد، ~~فكبسه إسحاق وقتل أصحابه، وانهزم أبوطلحة إلى نيسابور، فاستضعفه أهلهأن ~~فأخرجوه منهأن فنزل على فرسخ عنهأن وجمع جمعا وحاربهم، ثم افتعل كتابا عن ~~أهل نيسابور إلى إسحاق، يستقدمونه إليهم، ويعدونه المساعدة على أبي طلحة، ~~فاغتر إسحاق بذلك، وكتب أبوطلحة عن إسحاق كتابا إلى أهل نيسابور يعدهم أنه ~~يساعدهم على أب يطلحة، ويأمرهم بحفظ الدروب، وترك مقاربة البلد إلى أن ~~يوافيهم، فاغتروا بذلك، وظنوه كتابه، ففعلوا ما أمرهم. وسار إسحاق مجدأن ~~فلما قارب نيسابور لقيه أبوطلحة، فغافصه، فطعنه أبوطلحة، فألقاه عن فرسه في ~~بئر هناك، فلم يعلم له خبر، وانهزم أصحابه، ودخل بعضهم إلى نيسابور، وضيق ~~عليهم أوطلحة، فكاتبوا الخجستاني واستقدموه من هراة، فأتاهم في يومين ~~وليلتين، وورد عليهم ليلأن ففتحوا له الأبواب، ودخلها وسار عنها أبوطلحة ~~إلى الحسن بن زيد، فأمده بجنود، فعاد إلى نيسابور، فلم يظفر بشي، فسار إلى ~~بلخ، وحصر أبا داود الناهجوزي، واجتمع معه خلق كثير، وذلك سنة خمس، وقيل ست ~~وستين ومائتين. وسار الخجستاني إلى محاربة الحسن بن زيد لمساعدته أبا طلحة، ~~فاستعان الحسن بأهل جرجان، فأعانوه، فحاربهم الخجستاني فهزمهم، وأغار ~~عليهم، وجباهم أربعة آلاف ألف درهم، وذلك في رمضان سنة خمس وستين. واتفق أن ~~يعقوب بن الليث توفي سنة خمس وستين أيضا، وولي مكانه أخوه عمرو، فعاد إلى ~~سجستان وقصد هراة فعاد الخجستاني من جرجان إلى نيسابور، ووافاه عمروبن ms2534 ~~الليث، فاقتتلأن وانهزم عمروورجع إلى هراة، وأقام أحمد بنيسابور، وكان ~~كيكان، وهويحيى بن محمد بن يحيى الذهلي، وجماعة من المتطوعة والفقهاء ~~بنيسابور يميلون إلى عمرولتولية السلطان إياه، فرأى الخجستاني أن يوقع ~~بينهم ليشتغل بعضهم ببعض، وأحضر منهم جماعة من الفقهاء القائلين بمذاهب أهل ~~العراق، فأحسن إليهم، وقربهم، وأكرمهم، وأظهروا الخلاف على كيكان، ونابذوه. ~~وكان كيكان يقول بمذهب أهل المدينة، فكفي شرهم، وسار إلى هراة فحصر بها ~~عمروبن الليث سنة سبع وستين، فلم يظفر بشيء، فسار نحوسجستان فحصر في طريقه ~~رمل سي فلم يظفر بشيء منهأن فاحتال حتى استمال رجلا قطانا كانت داره إلى ~~جانب السور، ووعده أن ينقب من العسكر إلى داره، ويخرج أصحابه إلى البلد، ~~فاستأمن رجلان إلى البلد من أصحاب الخجستاني وذكرا الخبر لصاحبه، فأخذ ~~القطان وأخربت داره، وبطل ما كان الخجستاني عزم عليه. وكان خليفة الخجستاني ~~بنيساور قد أساء السيرة، وقوى العيارين وأهل الفساد، فاجتمع الناس إلى ~~كيكان، فثار على نائبه، وأعانهم عمروبن الليث بجنده، فقبضوا على خليفة ~~الخجستاني، وأقام أصحاب عمروبنيسابور، فبلغ الخبر إلى أحمد، فوافى نيسابور، ~~فخرج عنها كيكان وغيره، فردهم أصحاب أحمد الخجستاني، فقتل منهم جماعة، وغيب ~~كيكان، فلم يظهر إلا بعد مدة ميتأن وقد بنى عليه حائطا فمات فيه. وأقام ~~أحمد بنيسابور تمام سنة سبع وستين ومائتين؛ ثم إن عمرا أبا طلحة، وهويحاصر ~~بلخ، يستقدمه إلى هراة، فأتاه، فأكرمه، وأعطاه مالا عظيمأن ووعده وتركه ~~بخراسان، وعاد إلى سجستان؛ فسار أحمد إلى سرخس، وبها عامل عمرو، فأتاه ~~أبوطلحة، فقاتله، فانهزم أبوطلحة ومر على وجه، وسار أحمد خلفه، فلحقه بخلم ~~فحاربه، فهزمه أيضأن وسار نحوسجستان، وأقام أحمد بطخارستان. وكان ناسرار ~~عباس القطان قد أتى طلحة، فسار نحونيسابور، فأعانه أهلهأن فاخذوا والدة ~~الخجستاني وما كان معها؛ وأقام بنيسابور، ولحق به أبوطلحة، فمنعه أهل ~~نيسابور من دخولها. واتصل الخبر بالخجستاني وهوبطايكان من طخارستان، فسار ~~مجدا نحونيسابور. PageV03P0298 # ولما أيس الطاهرية من الخجستاني، وكان أحمد بن محمد بن طاهر بخوارزم ~~واليا عليهأن أنفذ أبا العباس النوفلي في خمسة آلاف ms2535 رجل ليخرج أحمد من ~~نيسابور، فبلغ خبره أحمد، فأرسل إليه ينهاه عن سفك الدماء، فأخذ النوفلي ~~الرسل، فأمر بضربهم، وحلق لحاهم، وأراد قتلهم، فبيمنا هم يطلبون الجلادين، ~~والحجامين ليحلقوا لحاهم، أتاهم الخبر بقرب جيش أحمد منهم، فاشتغلوأن ~~وتركوا الرسل، فهربوا إلى أحمد وأعلموه الخبر، فعبأ أصحابه، وحملوا على ~~النوفلي حملة رجل واحد، فاكثروا فيهم القتل، وقبضوا على النوفلي، وأحضروه ~~عنده، فقال له: إن الرسل لتختلف إلى بلاد الكفار، فلا تتعرض لهم، أفلا ~~استحيت أن تأمر في رسلي بما أمرت؟ فقال النوفلي: أخطأت؛ فقال: لكني سأصيب ~~في أمرك! ثم أمر به فقتل. وبلغه أن إبراهيم بن محمد بن طلحة بمروقد جبى ~~أهلها في سنتين خمسة عشر خراجأن فسار إليه في أبيورد في يوم وليلة، فأخذه ~~من على فراشه، وأقام بمرو، فجبى خراجهأن ثم ولاها موسى البلخي، ثم وافاها ~~الحسين بن طاهر، فأحسن فيهم السيرة، ووصل إليه نحوعشرين ألف ألف درهم. ### || AUT ذكر قتل الخجستاني # لما كان الخجستاني بطخارستان وافاه خبر أخذ والدته من نيسابور، وسار ~~مجدأن فلما قارب هراة أتاه غلام لأبي طلحة، يعرف بينال ده هزار، مستأمنا ~~فأتاه خبره قبل وصوله، وكان للخجستاني غلام اسمه رامجور على خزائنه، فقال ~~له كالممازح له: إن سيدك ينال ده هزار قد استأمن إلي، كما علمت، فانظر كيف ~~يكون برك به. فحقدها عليه رامجور، وخاف أن يقدم ذلك الغلام عليه، ويطلب ~~الفرصة ليقتله. وكان لأحمد غلام يدعى قتلغ، وهوعلى شرابه، فسقاه يومأن فرأى ~~في الكوز شيئأن فأمر به فقلعت إحدى عينيه، فتواطأ قتلغ ورامجور على قتله، ~~فشرب يوما بنيسابور عند وصوله من طايكان، فسكر ونام، فتفرق عنه أصحابه، ~~فقتله رامجور وقتلغ، وكان قتله في شوال سنة ثمان وستين ومائتين، وأخذ ~~رامجور خاتمه فأرسله إلى الإصطبل يأمرهم بإسراج عدة دواب، ففعلوأن فسير ~~عليها جماعة إلى أبي طلحة وهوبجرجان يعلمه الحال، ويأمره بالقدوم، ثم أغلق ~~رامجور الباب على أحمد واختفى. وبكر القواد إلى باب أحمد، فوجدوا باب حجرته ~~مغلقأن فانتظروه ساعة طويلة، فرابهم الأمر، ففتحوا الباب ms2536 فرأوه مقتولأن ~~فبحثوا عن الحال، وأخبرهم صاحب الاصطبل خبر رامجور في إنفاذ الخاتم، فطلبوه ~~فلم يجدوه، ثم وجدوه بعد مدة. وكان سبب إطلاعهم عليه أن صبيا من أهل تلك ~~الدار التي هوبها طلب نارأن فقيل له: ما تعلمون بالنار في اليوم الحار؟ ~~فقيل: نتخذ طعاما للقائد؛ قيل: ومن القائد؟ قال: رامجور؛ فأنهوا خبره إلى ~~بعض القواد، فأخذوه وقتلوه. واجتمع أصحاب أحمد بعد قتله على رافع بن هرثمة، ~~وسنذكر أخبار رافع سنة صمان وستين ومائتين. وكان أحمد بن عبد الله، لما عاد ~~من طايكان بعد قتل والدته، نصب رمحا طويلا في صحن داره وقال: يحتاج أهل ~~نيسابور أن يضعوا الدر حتى يغمروا هذا الرمح. فخافوا منه، واستخفى جمع من ~~الرؤساء والتجار، وفزع الناس إلى الدعاء، وسألوا أبا عثمان وغيره من أصحاب ~~أبي حفص الزاهد أن يتضرعوا إلى اله تعالى ليفرج عنهم، وفعلوأن فتداركهم ~~الله برحمته، فقتل تلك الليلة، وفرج الله عنهم. وكان أحمد كريمأن جوادأن ~~شجاعأن حسن العشرة، كثير البر لإخوانه الذين صحبوه قبل إمارته، والإحسان ~~إليهم، ولم يتغير لهم عما كان يفعله من التواضع والآداب. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها ولي القضاء علي بن محمد بن أبي الشوارب. وفيها سار الحسين بن طاهر ~~بن عبد الله بن طاهر إلى الجبل في صفر. وفيها مات الصلاني والي الري ووليها ~~كيغلغ. وفيها نهب ابن زيدويه الطبيب؛ ومات صلح بن علي بن يعقوب بن المنصور، ~~وولي إسماعيل بن إسحاق قضاء الجانب الشرقي من بغداد، فصار له قضاء ~~الجانبين. وفيها تنافر أبوأحمد الموفق وأحمد بن طولون، أمير ديار مصر، وصار ~~به بينهما وحشة مستحكمة، وتطلب الموفق من يتولى الديار المصرية، فلم يجد ~~أحدا لأن ابن طولون كانت خدمه وهداياه متصلة إلى القواد بالعراق وأرباب ~~المناصب، فلهذا لم يجد من يتولاهأن فكتب إلى ابن طولون يهدده بالعزل، ~~فأجابه جوابا فيه بعض الغلظة، فسير إليه الموفق موسى بن بغا في جيش كثيف، ~~فسار إلى الرقة. PageV03P0299 # وبلغ الخبر ابن طولون، فحصن الديار المصرية، وأقام ابن بغا عشرة ms2537 أشهر ~~بالرقة، لم يمكنه المسير لقلة الأموال معه، وطالبه الأجناد بالعطاء، فلم ~~يكن معه ما يعطيهم، فاختلفوا عليه، وثاروا بوزيره عبد الله بن سليمان، ~~فاستتر، واضطر ابن بغا إلى العود إلى العراق، وكفى اله أحمد بن طولون شرة ~~فتصدق بأموال كثيرة. وفيها قتل محمد بن عتاب وكان سائرا إلى السيبين، وهي ~~في ولايته، فقتله الأعراب. وفيها قتل القطان صاحب مفلح، وكان عاملا ~~بالموصل، فانصرف عنهأن فقتل بالرقة. وفيها عقد لكفتمر علي بن الحسين بن دود ~~على طريق مكة. وفيها وقع بين الخياطين والجزارين بمكة قتال يوم التروية، ~~حتى خاف الناس أن يبطل الحج، ثم تحاجزوا إلى أن يحج الناس، وقد قتل منهم ~~سبعة عشر رجلا؛ وحج بالناس الفضل بن إسحاق بن العباس بن محمد. وفيها سير ~~محمد صاحب الأندلس ابنه المنذر في جيش إلى الجليقي، وكان بمدينة بطليوس، ~~فلا سمع خبرهم فارقهأن ودخل حصن كركر، فحوصر فيه، وكثر القتل في أصحابه في ~~شوال. وفيها مات عمروبن شبه المنيري الأخباري، وكان مولده سنة ثلاث وسبعين ومائة. ### | AUT حوادث سنة ثلاث وستين ومائتين # ### || AUT ذكر وقعة الزنج # لما انهزم علي بن أبان جريحأن كما ذكرناه، وعاد إلى الأهواز لم يقم بهأن ~~ومضى إلى عسكر صاحبه يداوي جراحه، واستخلف على عسكره بالأهواز، فلما برأ ~~جرحه عاد إلى الأهواز، ووجه أخاه الخليل بن أبان في جيش كثيف إلى احمد بن ~~ليثويه، وكان أحمد بعسكر مكرم، فكمن لهم أحمد، وخرج إلى قتالهم، فالتقى ~~الجمعان، واقتتلوا أشد قتال، وخرج الكمين على الزنج فانهزموأن وتفرقوأن ~~وقتلوأن ووصل المنهزمون إلى علي بن أبان، فوجه مسلحة إلى المسرقان، فوجه ~~إليهم أحمد ثلاثين فارسا من أصحابه، من أعيانهم، فقتلهم الزنج جميعهم. ### || AUT ذكر استيلاء يعقوب على الأهواز وغيرها # وفيها أقبل يعقوب بن الليث من فارس، فلما بلغ النوبندجان انصرف أحمد بن ~~الليث عن تستر، فلما بلغ يعقوب جند يسابور ونزلهأن ارتحل عن تلك الناحية كل ~~من بها من عسكر الخليفة، ووجه إلى الأهواز رجلا من أصحابه يقال له الخضر بن ms2538 ~~العنبر، فلما قاربها خرج عنها علي بن أبان ومن معه من الزنج، فنزل نهر ~~السدرة، ودخل الخضر الأهواز، وجعل أصحابه وأصحاب علي بن أبان بعضهم على ~~بعض، ويصيب بعضهم من بعض، إلى أن استعد علي بن أبان وسار إلى الأهواز، ~~فأوقع بالخضر ومن معه وقعة قتل فيها ن أصحاب الخضر خلقا كثيرأن وأصاب ~~الغنائم الكثيرة، وهرب الخضر ومن معه إلى عسكر مكرم. وأقام علي بالأهواز ~~ليستخرج ما كان فيها، ورجع إلى نهر لاسدرة، وسير طائفة إلى دورق، وأوقعوا ~~بمن كان هناك من أصحاب يعقوب، وأنفذ يعقوب إلى الخضر مددأن وأمره بالكف عن ~~قتال الزنج والاقتصار على المقام بالأهواز، فلم يجبهم علي إلى ذلك دون نقل ~~طعام كان هناك، فأجابه يعقوب إليه، فقتله، وترك العلف الذي كان بالأهواز ~~وكف بعضهم عن بعض. ### || AUT ذكر ملك الروم لؤلؤة # وفيها سلمت الصقالبة لؤلؤة إلى الروم؛ وكان سبب ذلك أن أحمد بن طولون قد ~~أدمن الغزوبطرسوس قبل أن يلي مصر، فلما ولي مصر كان يؤثر أن يلي طرسوس ~~ليغزومنها أميرأن فكتب إلى أبي أحمد الموفق يطلب ولايتهأن فلم يجبه إلى ~~ذلك، واستعمل عليها محمد بن هارون التغلبي، فركب في سفينة في دجلة فألقتها ~~الريح إلى الشاطئ، فأخذه أصحاب مساور الشاري فقتلوه، واستعمل عوضه محمد بن ~~علي الأرمني، وأضيف إليه أنطاكية، فوثب به أهل طرسوس فقتلوه، فاستعمل عليها ~~أرخوز بن يولغ بن طرخان التركي، فسار إليهأن وكان غرا جاهلأن فأساء السيرة، ~~وأخر عن أهل لؤلؤة أرزاقهم وميرتهم، فضجوا من ذلك، وكتبوا إلى أهل طرسوس ~~يشكون منه ويقولون: إن لم ترسلوا إلينا أرزاقنا وميرتنا وإلا سلمنا القلعة ~~إلى الروم. فأعظم ذلك أهل طرسوس وجمعوا من بينهم خمسة عشر ألف دينار ~~ليحملوها إليهم، فأخذها أرخوز ليحملها إلى أهل لؤلؤة، فأخذها لنفسه. فلما ~~أبطأ عليهم المال سلموا القلعة إلى الروم، فقامت على أهل طرسوس القيامة، ~~لأنها كانت شبحا في حلق العدو، ولم يكن يخرج للروم في بر أوبحر إلا رأوه ~~وأنذروا به؛ واتصل الخبر بالمعتمد، فقلدها أحمد بن ms2539 طولون واستعمل عليها من ~~يقوم بغزوالروم ويحفظ ذلك الثغر. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV03P0300 # وفي هذه السنة مات مساور الشاري، وكان قد رحل من البوازيج يريد لقاء عسكر ~~قد سار إليه من عند الخليفة، فكتب أصحابه إلى محمد بن خرزاد وهوبشهرزور ~~ليولوه أمرهم فامتنع، وكان كثير العبادة، فبايعوا أيوب ابن حيان الوارقي ~~البجلي، فأرسل إليهم محمد بن خرزاد ليذكر لهم أنه نظر في أمره، فلم يسعه ~~إهمال الأمر لأن مساورا عهد إليه، فقالوا له: قد بايعنا هذا الرجل ولا نغدر ~~به؛ فسار إليهم فيمن بايعه فقاتلهم، فقتل أيوب بن حيان، فبايعوا بعده محمد ~~بن عبد اله بن يحيى الوارقي المعروف بالغلام، فقتل أيضأن فبايع أصحابه ~~هارون بن عبد الله البجلي، فكثر أتباعه، وعاد عنه ابن خرزاد، واستولى هارون ~~على أعمال الموصل، وجبى خراجه. وفيها كانت وقعة بين موسى والأعراب، فوجه ~~الموفق ابنه أبا العباس المعتضد في جماعة من قواده في طلب الأعراب. وفيها ~~وثب الديراني ابن أوس، فكبسه ليلأن فتفرق عسكره، ونهبه، ومضى ابن أوس إلى ~~واسط. وفيها ظفر أصحاب يعقوب بن الليث بمحمد بن واصل، فأسروه. وفيها مات ~~عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وزير المعتمد، سقط بالميدان من صدمة خادم له، ~~فسال دماغه من منخريه وأذنه، فمات لوقته، وصلى عليه الموفق، ومشى في ~~جنازته، واستوزر من الغد الحسن بن مخلد، فقدم موسى بن بغا سامرأن فاختفى ~~الحسن، واستوزر مكانه سليمان بن وهب، ودفعت دار عبيد الله إلى كيغلغ. وفيها ~~أخرج أخوشركب الحسين بن طاهر عن نيسابور، وغلب عليهأن وأخذ أهله بإعطائه ~~ثلث أموالهم، وسار الحسين إلى مرووبها ابن خوارزم شاه يدعولمحمد بن طاهر. ~~وفيها سير محمد، صاحب الأندلس، ابنه المنذر في جيش كثير، وجعل طريقه على ~~ماردة فلما جاز ماردة إلى أرض العدوتبعه تسع مائة فارس من العسكر، فخرج ~~عليهم جمع كثر من المشركين قد استظهر، فاقتتلوا قتالا كثيرا صبروا فيه، ~~وقتل من المشركين عدد كثير، ثم استظهر ابن الجليقي ومن معه من المشركين على ~~التسعمئة، فوضعوا السيف فيهم ms2540 فقتلوهم عن آخرهم، وأكرمهم الله بالشهادة. ~~وفيها ابتدأ إبراهيم أمير إفريقية ببناء مدينة رقادة. وفيها توفي أحمد بن ~~حرب الطائي الموصلي أخوعلي بن حرب، توفي بآذنة من بلد الثغر. ### | AUT حوادث سنة أربع وستين ومائتين # ### || AUT ذكر اسر عبد الله بن كاوس # في هذه السنة أسرت الروم عبد اله بن رشيد بن كاوس. وكان سبب ذلك أنه دخل ~~بلد الروم في أربعة آلاف من الأهل الثغور الشامية، فغمن وقتل، فلما رحل عن ~~الساندون خرج عليه بطريق سلوقية، وبطريق قرة كوكب، وخرشنة، فأحدقوا ~~بالمسلمين، فنزل المسلمون وعرقبوا دوابهم وقاتلوأن فقتلوا إلا خمس مائة، ~~فإنهم حملوا حملة رجل واحد، ونجوا على دوابهم، وقتل الروم من قتلوأن وأسروا ~~عبد الله بن رشيد بعد شربات أصابته، وحمل على ملك الروم. ### || AUT ذكر أخبار الزنج هذه السنة ودخولهم واسط # قد ذكرنا سنة اثنتين وستين ومائتين مسير سليمان بن جامع إلى البطائح، ~~وما كان منه مع أغرتمش، فلما أوقع به كتب إلى صاحبه يستأذنه في المسير إليه ~~ليحدث به عهدأن ويصلح أمور منزله، فأذن له في ذلك، فأشار عليه الحياتي أن ~~يتطرق إلى عسكر تكين البخاري، وهوبيزدود، فقبل قوله، وسار إلى تكين، فلما ~~كان على فرسخ منه قال له الحياتي: الرأي أن تقيم أنت عاهنأن وأمضي أنا في ~~السميريات، وأجر القوم إليك، فيأتونك وقد تعبوأن فتنال منهم حاجتك. ففعل ~~سليمان ذلك، وجعل بعض أصحابه كمينأن ومضى الحياتي إلى تكين، فقالته ساعة، ~~ثم تطارد لهم، فتبعوه، فأرسل إلى سليمان يعلمه ذلك، وقال لأصحابه، وهوبين ~~يدي أصحاب تكين شبه المنهزم، ليسمع أصحاب تكين قوله فيطمعوا فيه: غررتموني ~~وأهلكتموني، وكنت نهيتكم عن الدخول ها هنأن فأبيتم، ولا أرانا ننجومنه. ~~وطمع أصحاب تكين وجدوا في طلبه، وجعلوا ينادون: بلبل في قفص، فما زالوا ~~كذلك حتى جازوا موضع الكمين، وقاربوا عسكر سليمان، وقد كمن أيضا خلف جدر ~~هناك، فخرج سليمان إليهم في أصحابه فقاتلهم، وخرج الكمين من خلفهم، وعطف ~~الحياتي على من في النهر، فاشتد القتال فانهزم أصحاب تكين من الوجوه ms2541 كلهأن ~~وركبهم الزنج يقتلونهم ويسلبونهم أكثر من ثلاثة فراسخ، وعادوا عنهم. ~~PageV03P0301 # فلما كان الليل عاد الزنج إليهم وهم في معسكرهم، فكبسوهم، فقالتهم تكين ~~وأصحابه، فانكشف سليمان، ثم عبأ أصحابه، فأمر طائفة أن تأتيهم من جهة ذكرها ~~لهم، وطائفة في الماء، وأتى هوفي الباقين، فقصدوا تكين من جهاته كلهأن لم ~~يقف من أصحابه أحد، وانهزموأن وتركوا عسكرهم، فغمن الونج ما فيه، وعادوا ~~بالغنيمة، واستخلف سليمان الحياتي على عسكره، وسار إلى صاحبه، وكان ذلك سنة ~~ثلاث وستين ومائتين. فلا سار سليمان إلى الخبيث خرج الحياتي بالعسكر الذي ~~خلفه سليمان معه إلى مازوران لطلب الميرة، فاعترضه جعلان، فقاتلهن فانهزم ~~الحياتي، وأخذت سفنه، وأتته الأخبار أن منجورا ومحمد بن علي حبيب اليشكري ~~قد بلغا الحجاجية، فكتب إلى صاحبه بذلك، فسير إليه سليمان، فوصل إلى طهثا ~~مجدأن وأظهر أنه يريد قصد جعلان، وقدم الحياتي، وأمره أن يأتي جعلان ويقف ~~بحيث يراه ولا يقاتله. ثم سار سليمان نحومحمد بن علي بن حبيب مجدأن فأوقع ~~به وقعة عظيمة، وغمن غنائم كثيرة، وقتل أخا لمحمد بن علي ورجع، وكان ذلك في ~~رجب من هذه السنة أيضا. ثم سار في شعبان إلى قرية حسان وبها قائد يقال له ~~حسن بن خمارتكين، فأوقع به، فهزمه، ونهب القرية واحرقها وعاد. ثم سار في ~~شعبان أيضا إلى مواضع، فنهبها وعاد؛ ثم سار في رمضان واظهر أنه يريد جعلان ~~لمازوران، فبلغت الأخبار إلى جعلان بذلك، فضبط عسكره، فتركه سليمان وعدل ~~إليه فأرقع به وهوغار، وغمن منه ست شذوات، ثم أرسل الحياتي في جماعة ~~لينتهب، فصادفهم جعلان، فأخذ سفنهم، وغمن منهم، فأتاه سليمان في البر، ~~فهزمه، واستنقذ سفنهم، وغمن شيئا آخر وعاد. ثم سار سليمان إلى الرصافة في ~~ذي القعدة، فأوقع بمطر بن جامع وهوبهأن فغمن غنائم كثيرة، وأحرق الرصافة ~~واستباحهأن وحمل أعلاما وانحدر إلى مدينة الخبيث، وأقام ليعيد هناك بمنزلة، ~~فسار مطر إلى الحجاجية، فأوقع بأهلهأن وأسر جماعة، وكان بها قاض لسليمان، ~~فأسره مطر وحمله إلى واسط، وسار مطر إلى قريب طهثا ورجع، ms2542 فكتب الحياتي إلى ~~سليمان بذلك، فسار نحوه فوافاه لليلتين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، ثم صرف ~~جعلان ووافى أحمد لن ليثويه بالشديدية. ومضى سليمان إلى نهر أبان، وبه قائد ~~من قواد أحمد، فأوقع به فقتله، ثم سار سليمان إلى تكين في خمس شذوات سنة ~~أربع وستين، فواقعه تكين بالشديدية. وكان أحمد بن ليثويه حينئذ قد سار إلى ~~الكوفة وجنبلاء، فظهر تكين على سليمان، وأخذ الشذوات بما فيهأن وكان بها ~~صناديد سليمان وقواده فقتلهم؛ ثم إن أحمد عاد إلى الشديدية، وضبط تلك ~~الأعمال، حتى وافاه محمد بن المولد، وقد ولاه الموفق مدينة واسط، فكتب ~~سليمان إلى الخبيث يستمده، فأمده بالخليل بن أبان في زهاء ألف وخمسمائة ~~فارس، فلما أتاه المدد قصد إلى محاربة محمد بن المولد، ودخل سليمان مدينة ~~واسط، فقتل فها خلقا كثيرأن ونهب وأحرق، وكان بها إلى ابن منكجور البخاري، ~~فقاتله يومه إلى العصر، ثم قتل، وانصرف سليمان عن واسط إلى جنبلاء ليعيث ~~ويخرب، فأقام هناك تسعين ليلة، وعسكرهم بنهر الأمير. ### || AUT ذكر وزارة سليمان بن وهب للخليفة ووزارة الحسن بن مخلد وعزله # وفيها خرج سليمان بن وهب من بغداد إلى سامرا وشيعه الموفق والقواد، فلما ~~صار إلى سامرا غضب عليه المعتمد وحبسه وقيده وانتهب داره، واستوزر الحسن بن ~~مخلد في ذي القعدة، فسار الموفق من بغداد إلى سامرا ومعه عبيد الله بن ~~سليمان بن وهب، فلما قرب من سامرا تحول المعتمد إلى الجانب الغربي فعسكر به ~~مغاضبا للموفق، واختلفت الرسل بينه وبين الموفق واتفقأن وخلع على الموف ~~ومسرور وكيغلغ وأحمد بن موسى بن بغا وأطلق سليمان بن وهب وعاد إلى الجوسق، ~~وهرب الحسن بن مخلد وأحمد ين صالح بن شيرزاد فكتب بقبض أموالهما وقبض أحمد ~~بن أبي الاصبع، وهرب القواد الذين كانوا بسامرا مع المعتمد خوفا من الموفق، ~~فوصلووا إلى الموصل وجبوا الخراج. ### || AUT ذكر وفاة أماجور وملك ابن طولون الشام وطرسوس وقتل سيما الطويل # PageV03P0302 # وفي هذه السنة توفي أماجور مقطع دمشق، وولي ابنه مكانه، فتجهز ابن ms2543 طولون ~~ليسير إلى الشام فيملكه، فكتب إلى ابن أماجور له أن الخليفة قد أقطعه الشام ~~والثغور، فأجابه بالسمع والطاعة، وسار أحمد، واستخلف بمصر ابنه العباس، ~~فلقيه ابن أماجور بالرملة فأقره عليهأن وسار إلى دمشق فملكها وأقر أماجور ~~على أقطاعهم، وسار إلى حمص فملكهأن وكذلك حماة، وحلب. وراسل سيما الطويل ~~بأنطاكية يدعوه إلى طاعته ليقره على ولايته، فامتنع، فعاوده فلم يطعه، فسار ~~إليه أحمد بن طولون، فحصره بأنطاكية، وكان سيء السيرة مع أهل البلد، ~~فكاتبوا أحمد بن طولون، ودلوه على عورة البلد، فنصب عليه المجانيق وقاتله، ~~فملك البلد عنوة، والحصن الذي له، وركب سيما وقاتل قتالا شديدا حتى قتل ولم ~~يعلم به أحد، فاجتاز به بعض قواده فرآه قتيلأن فحمل رأسه إلى أحمد، فساءه ~~قتله. ورحل عن أنطاكية إلى طرسوس، فدخلها وعزم على المقام بهأن وملازمة ~~الغزاة، فعلا السعر بهأن وضاقت عنه وعن عساكره، فركب أهلها إليه بالمخيم ~~وقالوا له: قد ضيقت بلدنأن وأغليت أسعارنأن فإما أقمت في عدد يسير، وإما ~~ارتحلت عنا؛ وأغلظوا له القول، وشغبوا عليه، فقال أحمد لأصحابه: لتنهزموا ~~من الطرسوسيين، وترحلوا عنت البلد، ليظهر للناس وخاصة العدوأن ابن طولون ~~على بعد صيته وكثرة عساكره لم يقدر على أهل طرسوس؛ وانهزم عنهم ليكون أهيب ~~هم في قلب العدووعاد إلى الشام. فأتاه خبر ولده العباس، وهوالذي استخلفه ~~بمصر، أنه قد عصى عليه، وأخذ الأموال وسار إلى برقة مشاقا لأبيه، فلم يكترث ~~لذلك، ولم ينزعج له، وثبت، وقضى أشغاله، وحفظ أطراف بلاده، وترك بحران ~~عسكرأن وبالرقة عسكرا مع غلامه لؤلؤ، وكان حران لمحمد بن أتامش، وكان ~~شجاعأن فأخرجه عنها وهزمه هزيمة قبيحة. واتصل خبره بأخيه موسى بن أتامش، ~~وكان شجاعا بطلأن فجمع عسكرا كثيرا وسار نحوحران، وبها عسكر ابن طولون، ~~ومقدمهم أحمد ابن جيعويه، فلما اتصل به خبر مسير موسى أقلقه ذلك وأزعجه، ~~ففطن له رجل من الأعراب يقال له أبوالأغر، فقال له: أيها الأمير أراك مفكرا ~~منذ أتاك خبر ابن أتامش، وما هذا محله، فإنه طياش قلق، ولوشاء الأمير ms2544 أن ~~آتيه به أسيرا لفعلت. فغاظه قوله وقال: قد شئت أن تأتي به أسيرا؛ قال: ~~فاضمم إلي عشرين رجلا أختارهم؛ قال: افعل، فاختار عشرين رجلا وسار بهم إلى ~~عسكر موسى، فلما قاربهم كمن بعضهم، وجعل بينه وبينهم علامة إذا سمعوها ~~ظهروا. ثم دخل العسكر في الباقين في زي الأعراب، وقارب مضارب موسى، وقصد ~~خيلا مربوطة فأطلقهأن وصاح هووأصحابه فيها فنفرت، وصاح هوومن معه من ~~الأعراب، وأصحاب موسى غارون، وقد تفرق بعضهم في حوائجهم، وانزعج العسكر، ~~وركبوأن وركب موسى، فانهزم أبوالأغر من بين يديه، فتبعه حتى أخرجه من ~~العسكر، وجاز به الكمين، فنادى أبوالأغر بالعلامة التي بينهم، فثاروا من ~~النواحي، وعطف أبوالأغر على موسى فأسروه، فأخذوه وساروا حتى وصلوا إلى ابن ~~جيعويه، فعجب الناس من ذلك، وحاروأن فسيره ابن جيعويه إلى ابن طولون، ~~فاعتقله وعاد إلى مصر، وكان ذلك في سنة خمسين وستين ومائتين. ### || AUT ذكر الفتنة ببلاد الصين # وفي هذه السنة ظهر ببلاد الصين إنسان لا يعرف، فجمع جمعا كثرا من أهل ~~الفساد والعامة، فأهمل الملك أمره استصغارا لشأنه، فقوي، وظهر حاله وكثف ~~جمعه؛ وقصده أهل الشر من كل ناحية، فأغار على البلاد وأخربهأن ونزل على ~~مدينة خانقوا وحصرهأن وهي حصينة، ولها نهر عظيم، وبها عالم كثير من ~~المسلمين، والنصارى، واليهود، والمجوس، وغيرهم من أهل الصين، فلما حصر ~~البلد اجتمعت عساكر الملك وقصدته، فهزمهأن وافتتح المدينة عنوة، وبذل ~~السيف، فقتل منهم ما لا يحصى كثرة. ثم سار إلى المدينة التي فيها الملك، ~~وأراد حصرهأن فالتقاه ملك الصين، ودامت الحرب بينهم نحوسنة، ثم انهزم ~~الملك، وتبعه الخارجي إلى أن تحصن منه في مدينة من أطراف بلاده، واستولى ~~الخارجي على أكثر البلاد والخزائن، وعلم أنه لا بقاء له في الملك إذ ليس ~~هومن أهله، فأخرب البلاد، ونهب الأموال، وسفك الدماء. PageV03P0303 # فكاتب ملك الصين ملوك الهند يستمدهم، فأمدوه بالعساكر، فسار إلى الخارجي، ~~فالتقوا واقتتلوا نحوسنة أيضأن وصبر الفريقان، ثم إن الخارجي عدم، فقيل إنه ~~قتل، ون قيل بل غرق، وظفر الملك بأصحابه وعاد ms2545 إلى مملكته، ولقب ملوك الصين ~~يعفور، ومعناه ابن السماء تعظيما لشأنه؛ وتفرق الملك عليه، وتغلبت كل طائفة ~~على طرف من البلاد، وصار الصين على ما كن عليه ملوك الطوائف يظهرون له ~~الطاعة، وقنع منهم بذلك، وبقي على ذلك مدة طويلة. ### || AUT ذكر ملك المسلمين مدينة سرقوسة # وفي هذه السنة، رابع عشر رمضان، ملك المسلمون سرقوسة، وهي من أعظم ~~صقلية. وكان سبب ملكها أن جعفر بن محمد أمير صقلية غزاهأن فأفسد زرعهأن ~~وزرع قطانية، وطبرمين، ورمطة، وغيرها من بلاد صقلية التي بيد الروم، ونازل ~~سرقوسة، وحصرها برا وبحرا وملك بعض أرباضها ووصلت مراكب الروم نجدة لهأن ~~فسير إليها أسطولأن فأصابوهأن فتمكنوا حينئذ من حصرهأن فأقام العسكر محاصرا ~~لها تسعة اشهر، وفتحت، وقتل من أهلها عدة ألوف، وأصيب فيها من الغنائم ما ~~لم يصب بمدينة أخرى، ولم ينج من رجالها إلا الشاذ الفذ. وأقاموا فيها بعد ~~فتحها بشهرين، ثم هدموهأن ثم وصل بعد هدمها من القسطنطينية أسطول، فالتقوا ~~هم والمسلمون، فظفر بهم المسلمون، وأخذوا منهم أربع قطع، فقتلوا من فيهأن ~~وانصرف المسلمون إلى بلدهم آخر ذي القعدة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سير محمد بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، ابنه المنذر في جيش ~~إلى مدينة بنبلونة، وجعل طريقه على سرقسطة، فقاتل أهلهأن ثم انتقل إلى ~~تطيلة، وجال مع مواضع بني موسى، ثم دخل بنبلونة، فخرب كثيرا من حصونها ~~وأذهب زروعها وعاد سالما. وفيها سار جمع من العرب إلى مدينة جليقية، فكان ~~بينهم وقعة عظيمة قتل فيها من الطائفتين كثير. وفيها فرغ إبراهيم بن محمد ~~بن الأغلب، صاحب إفريقية، من بناء رقادة، وكان ابتداء عمارتها سنة ثلاث ~~وستين ومائتين، ولما فرغت انتقل إبراهيم إليها. وفيها وجه يعقوب بن الليث ~~إلى الصيمرة، مقدمة إليهأن واخذوا صعون فأحضروه عنده، فمات. وفيها ماتت ~~قبيحة أم المعتز. وفيها وقع الطاعون بخراسان جميعها وقومس، فأفنى خلقا ~~كثيرا؛ وحج بالناس هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى الهاشمي. ~~وفيها توفي أبوزرعة الرازي، واسمه عبيد الله ms2546 بن عبد الكريم، وكان حافظا ~~للحديث ثقة؛ ومحمد بن إسماعيل بن عليه، وكان موته بدمشق. وفيها مات ~~أبوإبراهيم المزني، صاحب الشافعي، وكان موته بمصر؛ وعلي بن حرب الطائي، ~~وكان إماما في الحديث. ### | AUT حوادث سنة خمس وستين ومائتين # ### || AUT ذكر أخبار الزنج # في هذه السنة كانت وقعة بين أحمد بن ليثويه وبين سليمان بن جامع والزنج ~~بناحية جنبلاء. وكان سببها أن سليمان كتب إلى الخبيث يخبره بحال نهر يسمى ~~الزهري، ويسأله أن يأذن في عمله، فإنه متى أنفذه تهيأ له حمل ما في جنبلاء ~~وسواد الكوفة، فأنفذ إليه نكرويه لذلك، وأمره بمساعدته، والنفقة على عمل ~~النهر، فمضى سليمان فيمن معه وأقام بالشريطة نحوا من شهر، وشرعوا في عمل ~~النهر. وكان أصحاب سليمان، في أثناء ذلك، يتطرقون ما حولهم، فواقعه أحمد ~~ابن ليثويه، وهوعامل الموفق بجنبلاء، فقتل من الزنوج نيفا وأربعين قائدأن ~~ومن عامتهم ما لا يحصى كثرة، وأحرق سفنهم، فمضى سليمان مهزوما إلى طهثا. ~~وفيها سار جماعة من الزنوج في ثلاثين سميرية إلى جبل، فأخذوا أربع سفن فيها ~~طعام وانصرفوا. وفيها دخل الزنج النعمانية فأحرقوهأن وسبوأن وساروا إلى ~~جرجرايأن ودخل أهل السواد بغداد. ### || AUT ذكر استعمال مسرور البلخي على الأهواز وانهزام الزنج منه # وفيها استعمل الموفق مسرورا البلخي على كور الأهواز، فولى مسرور ذلك ~~تكين البخاري، فسار إليها تكين، وكان علي بن أبان والزنج قد احاطوا بتستر، ~~فخاف أهلهأن وعزموا على تسليمها إليهم، فوافاهم في تلك الحال تكين البخاري، ~~فواقع علي بن أبان قبل أن ينزع ثيابه، فانهزم علي والزنج، وقتل منهم كثير، ~~وتفرقوأن ونزل تيكن بتستر؛ وهذه الوقعة تعرف بوقعة باب كورك، وهي مشهورة. ~~PageV03P0304 # ثم إن عليا قدم عليه جماعة من قواد الزنج، فأمرهم بالمقام بقنطرة فارس، ~~فهرب منهم غلام رومي إلى تكين، وأخبره بمقامهم بالقنطرة، وتشاغلهم بالنبيذ، ~~وتفرقهم في جمع الطعام، فسار تكين إليهم ليلأن فأوقع بهم، وقتل من قوادهم ~~جماعة، فانهزم الباقون. وسار تكين إلى علي بن أبان، فلم يقف له علي، وانهزم ~~غلام له يعرف بجعفرويه، ms2547 ورجع علي إلى الأهواز، ورجع تكين إلى تستر، وكتب ~~علي إلى تكين يسأله الكف عن قتل غلامه، فحبسه، ثم تراسل علي وتكين وتهاديأن ~~فبلغ الخبر مسرورا بميل تكين إلى الزنج، فسار حتى وافى تكين وقبض عليه، ~~وحبسه عند إبراهيم بن جعلان، حتى مات وتفرق أصحاب تكين، ففرقة سارت إلى ~~الزنج، وفرقة إلى محمد بن عبيد الله الكردي، فبلغ ذلك مسرورأن فأمنهم، ~~فجاءه منهم الباقون؛ وكان بعض ما ذكرناه من أمر مسرور سنة خمس وستين، وبعضه ~~سنة ست وستين ومائتين. ### || AUT ذكر عصيان العباس بن طولون على أبيه # وفيها عصى العباس بن أحمد بن طولون على أبيه؛ وسبب ذلك أن أباه كان قد ~~خرج إلى الشام، واستخلف انه العباس، كما ذكرناه، فلما أبعد عن مصر حسن ~~للعباس جماعة كانوا عنده أخذ الأموال والانشراح إلى برقة، ففعل ذلك، وأتى ~~برقة في ربيع الأول. وبلغ لخبر أباه، فعاد إلى مصر، وأرسل إلى ابنه ولاطفه ~~واستعطفه، فلم يرجع إليه، وخاف من معه فأشاروا عليه بقصد إفريقية، فسار ~~إليهأن وكاتب وجوه البربر، فأتاه بعضهم، وامتنع بعضهم، وكتب إلى إبراهيم بن ~~الأغلب يقول: إن أمير المؤمنين قد قلدني أمر إفريقية وأعمالها؛ ورحل، حتى ~~أتى حصن لبدة، ففتحه أهله له، فعاملهم أسوأ معاملة، ونهبهم، فمضى أهل الحصن ~~إلى إلياس بن منصور النفوسي، رئيس الإباضية هناك، فاستعانوا به، فغضب لذلك، ~~وسار إلى العباس ليقاتله. وكان إبراهيم بن الأغلب قد أرسل إلى عامل طرابلس ~~جيشأن وأمره بقتال العباس، فالتقوأن واقتتلوا قتالا شديدا قاتل العباس فيه ~~بيده، فلما كان الغد وافاهم إلياس بن منصور الإباضي في اثني عشر ألفا من ~~الإباضية، فاجتمع هووعامل طرابلس على قتال العباس، فقتل من أصحابه خلق ~~كثير، وانهزم أقبح هزيمة، وكاد يؤسر، فخلصه مولى له، ونهبوا سواده واكثر ما ~~حمله من مصر، وعاد إلى برقة أقبح عود. وشاع بمصر أن العباس انهزم، فاغتم ~~والده حتى ظهر عليه، وسير إليه العساكر لما علم سلامته، فقاتلوه قتالا صبر ~~فيه الفريقان، فانهزم العباس ومن معه، وكثر القتلى في ms2548 أصحابه، وأخذ العباس ~~أسيرا، وحمل إلى أبيه، فحبسه في حجرة في داره إلى أن قدم باقي الأسرى من ~~أصحابه، فلما قدموا أحضرهم أحمد عنده، والعباس معهم، فأمره أبوه أن يقطع ~~أيدي أعيانهم وأرجلهم، ففعل، فلما فرغ منه وبخه وذمه وقال له: هكذا يكون ~~الرئيس والمقدم؟ كان الأحسن أنك كنت ألقيت نفسك بين يدي، وسألت الصفح عنك ~~وعنهم، فكان أعلى لمحلك، وكنت قضيت حقوقهم فيما ساعدوك وفارقوا أوطانهم ~~لأجلك، ثم أمر به فضرب مائة مقرعة، ودموعه تجري على خديه رقة لولده، ثم رده ~~إلى الحجرة واعتقله وذلك سنة ثمان وستين ومائتين. ### || AUT ذكر موت يعقوب وولاية أخيه عمرو # وفيها مات يعقوب بن الليث الصفار تاسع شوال بجند يسابور من كور الأهواز، ~~وكانت علته القولنج، فأمره الأطباء بالاحتقان بالدواء، فلم يفعل، واختار ~~الموت. وكان المعتمد قد أنفذ إليه رسولا وكتابا يستميله ويترضاه، ويقلده ~~أعمال فارس، فوصل الرسول ويعقوب مريض، فجلس له، وجعل عنده سيفأن ورغيفا من ~~الخبز الخشكار، ومعه بصل، وأحضر الرسول، فأدى الرسالة، فقال له: قل للخليفة ~~إنني عليل، فإن مت فقد استرحت منك واسترحت مني، وإن عوفيت فليس بيني وبينك ~~إلا هذا السيف، حتى آخذ بثأري، أوتكسرني وتعقرني، وأعود إلى هذا الخبز ~~والبصل؛ وأعاد الرسول، فلم يلبث يعقوب أن مات. وكان الحسن بن زيد العلوي ~~يسمى يعقوب بن الليث السندان لثباته؛ وكان يعقوب قد افتتح الرخج، وقتل ~~ملكهأن وأسلم أهلها على يده، وكانت مملكته واسعة الحدود، وكان اسم ملكها ~~كتير، وكان يحمل على سرير من ذهب يحمله اثنا عشر رجلأن وابتنى على جبل عال ~~بيتأن وسماه مكة، وكان يدعي الإلهية، فقتله يعقوب، وافتتح الخلجية وزابل ~~وغير ذلك، ولم أعلم أي سنة كان ذلك حتى اذكره فيها. PageV03P0305 # وكان يعقوب عاقلأن حازما: من عاشرته أربعين يوما فلم تعرف أخلاقه، فلا ~~تعرفها في أربعين سنة؛ وقد تقدم من سيرته ما يدل على عقله. ولما مات قام ~~بالأمر بعد أخوه عمروبن الليث، وكتب إلى الخليفة بطاعته، فولاه الموفق ~~خراسان، وفارس، وأصبهان، وسجستان، والسند، وكرمان، ms2549 والشرطة ببغداد، وأشهد ~~بذلك، وسيره إليه مع الخلع. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة وثب القاسم بن مهاة بدلف بن عبد العزيز بن أبي دلف ~~بأصبهان، فقتله، ووثب جماعة من أصحاب أبي دلف بالقاسم، فقتلوه وريسوا عليهم ~~أحمد بن عبد العزيز. وفيها لحق محمد المولد بيعقوب بن الليث، فأكرمه يعقوب، ~~وأحسن إليه. فأمر الخليفة بقبض أمواله وعقاره. وفيها قتلت الأعراب جعلان، ~~المعروف بالعيار، بدممأن وكان خرج يسير قافلة فقتلوه، فوجه في طلبهم، فلم ~~يلحقوا. وفيها حبس الموفق سليمان بن وهب، وابنه عبيد اله، وعدة من ~~أصحابهمأن وقبض أموالهم وضياعهم، خلا أحمد بن سليمان، ثم صالح سليمان وابنه ~~عبيد الله على تسع مائة ألف دينار، وجعلا في موضع يصل إليهما من أرادوأن ~~وعسكر موسى بن أتامش، وإسحاق بن كنداجيق، والفضل بن موسى بن بغأن وعبروا ~~جسر بغداد، ومنعهم الموفق، فلم يرجعوأن ونزلوا صرصر، فاستكتب أبوأحمد ~~الموفق صاعد بن مخلد، فمضى إلى أولئك القواد فردهم من صرصر فخلع عليهم. ~~وفيها خرج خمسة بطارقة من الروم إلى أذنة فقتلوا وأسروا، وكان أرجوز والي ~~الثغور، فعزل عنهأن فأقام مرابطأن وأسروا نحوا من أربع مائة، وقتلوا نحوا ~~من ألف وأربع مائة، وذلك في جمادى الأولى. وفيها غلب أحمد بن عبد الله ~~الخجستاني على نيسابور، وسار الحسين ابن طاهر بن عبد الله إلى مرو، وهوعامل ~~أخيه محمد بن طاهر، وأخربت طوس. وفيها استوزر أبوالصقر إسماعيل بن بلبل. ~~وفيها وثب جماعة من الأعراب، من بني أسد، على علي ين مسرور البلخي قبل ~~وصوله إلى المغيثة بطريق مكة، وكان الموفق ولاه الطريق. وفها بعث ملك الروم ~~إلى أحمد بن طولون عبد الله بن رشيد بن كاوس وعدة أسرى، وأنفذ معهم عدة ~~مصاحف منه هدية إليه، وحج بالناس هارون ابن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى ~~الهاشمي. وفيها كانت موافاة أبي المغيرة عيسى بن محمد المخزومي إلى مكة ~~لصاحب الزنج. وفيها توفي أبوبكر أحمد بن منصور الزنادي وعمره ثلاث وثمانون ~~سنة؛ وإبراهيم بن هاني أبوإسحاق النيسابوري، وكان ms2550 من الأبدال قد صحب أحمد ~~بن حنبل؛ وعلي بن حرب بن محمد الطائي الموصلي ومولده سنة خمس وسبعين ومائة ~~وقيل غير ذلك، وقد تقدم؛ وعلي بن موفق الزاهد. وفيها قتل أبوالفضل العباس ~~بن الفرج الرياشي، قتله الزنج بالبصرة، أخذ العلم عن أبي عبيدة والأصمعي. ### | AUT حوادث سنة ست وستين ومائتين # ### || AUT ذكر أخبار الزنج مع أغرتمش # في هذه السنة ولي أغرتمش ما كان يتولاه تكين البخاري من أعمال الأهواز، ~~فدخل تستر في رمضان، ومعه أبأن ومطر بن جامع، وقتل مطر ابن جامع جعفرويه ~~غلام علي بن أبان، وجماعة معه كانوا مأسورين، وساروا إلى عسكر مكرم، وأتاهم ~~الزنج هناك مع علي بن أبان، فاقتتلوأن فلما رأوا كثرة الزنج قطعوا الجسر ~~وتحاجزوأن ورجع علي إلى الأهواز، وأقام أخوه الخليل بالمسرقان في جماعة ~~كثيرة من الزنج. وسار أغرتمش ومن معه نحوالخليل ليعبروا إليه من قنطرة ~~أربك، فكتب إلى أخيه علي، فوافاه في النهر، وأخاف أصحابه الذين خلفهم ~~بالأهواز، فارتحلوا إلى نهر السدرة، وتحارب علي وأغرتمش يومهم، ثم انصرف ~~علي إلى الأهواز، فلم يجد أصحابه الذي خلفهم بالأهواز، فوجه من يردهم من ~~نهر السدرة، فعسر عليهم ذلك، فتبعهم وأقام معهم، ورجع أغرتمش فنزل عسكر ~~مكرم، واستعد علي لقتالهم. وبلغ ذلك أغرتمش ومن معه من عسكر الخليفة، ~~فساروا إليه، فكمن لهم علي وقدم الخليل إلى قتالهم، فاقتتلوأن فكان أول ~~النهار لأصحاب الخليفة، ثم خرج عليهم الكمين، فانهزموا وأسر مطر بن جامع ~~وعدة من القواد، فقتله علي بغلامه جعفرويه، وعاد إلى الأهواز، وأرسل رؤوس ~~القتلى إلى الخبيث العلوي. وكان علي وأغرتمش بعد ذلك في حروبهم على السواء، ~~وصرف صاحب الزنج أكثر جنوده إلى علي بن أبان؛ فلما رأى ذلك أغرتمش وادعه، ~~وجعل علي يغي على النواحي، فمن ذلك أنه أغار على قرية بيروذ فهبهأن ووجه ~~الغنائم إلى صاحبه. ### || AUT ذكر دخول الزنج رامهرمز # PageV03P0306 # وفيها دخل علي بن أبان والزنج رامهرمز؛ وسبب ذلك أن محمد بن عبيد الله ~~كان يخاف علي بن أبان لما في نفس علي ms2551 منه، لما ذكرناه، فكتب إلى انكلاي بن ~~العلوي وسأله أن يسأل أباه ليرفع يد علي عنه ويضمه إلى نفسه، فزاد ذلك غيظ ~~علي منه، وكتب إلى الخبيث بالإيقاع بمحمد، ويجعل ذلك الطريق إلى مطالبته ~~بالخراج، فأذن له، فكتب إلى محمد يطلب منه حمل الخراج، فمطله ودافعه، فسار ~~إليه علي وهوبرامهرمز، فهرب محمد عنهأن ودخلها علي والزنج فاستباحهأن ولحق ~~بأقصى معاقله، وانصرف علي غامنا. وخاف محمد فكتب إليه يطلب المسالمة، ~~فأجابه إلى ذلك على مال يؤديه إليه، فحمل إليه مائتي ألف درهم، فأنفذها إلى ~~صاحب الزنج، وأمسك عن محمد بن عبيد الله وأعماله. ### || AUT وقعة أكراد داربان والزنج # وفيها كانت وقعة للزنج انهزموا فيهأن وكان سببها أن محمد بن عبيد الله ~~كتب إلى علي بن أبان، بعد الصلح، يسأله المعونة على الأكراد الدارنان، على ~~أن يجعل له ولأصحابه غنائمهم، فكتب علي إلى صاحبه يستأذنه، فكتب إليه أن ~~وجه إليه جيشأن وأقم أنت، ولا تنفذ أحدا حتى تستوثق منه بالرهائن ولا يأمن ~~غزوه والطلب ثاره. فكتب عل إلى محمد يطلب منه اليمين والرهائن، فبذل له ~~اليمين، ومطله بالرهائن، فلحرص علي على الغنائم أنفذ إليه جيشأن فسير محمد ~~معهم طائفة من أصحابه إلى الأكراد، فخرج إليهم الأكراد فقاتلوهم، ونشبت ~~الحرب، فتخلى أصحاب محمد عن الزنج، فانهزموا وقتلت الأكراد منهم خلقا ~~كثيرا. وكان محمد قد أعد لهم من يتعرضهم إذا انهزموأن فصادفوهم، وأوقعوا ~~بهم، وسلبوهم، وأخذوا دوابهم، ورجعوا بأسوأ حال، فكتب علي إلى الخبيث بذلك ~~فعنفه وقال: ضيعت أمري في ترك الرهائن؛ وكتب إلى محمد يتهدده، فخاف محمد ~~وكتب يخضع ويذل، ورد بعض الدواب وقال: إنني كبست من كانت عندهم، وخلصت هذه ~~منهم. فأظهر الخبيث الغضب عليه، فأرسل محمد إلى بهبود، ومحمد بن يحيى ~~الكرماني، وكانا أقرب الناس إلى علي، فضمن لهما مالا إن أصلحا له عليا ~~وصاحبه، ففعلا ذلك، فأجابهما الخبيث إلى الرضى عن محمد على أن يخطب له على ~~منابر بلاده، وأعلما محمدا ذلك، فأجابهما إلى كل ما طلبأن وجعل يراوغ في ms2552 ~~الدعاء له على المنابر. ثم إن عليا استعد لمتوث، وسار إليهأن فلم يظفر بهأن ~~فرجع، وعمل السلاليم والآلات التي يصعد بها إلى السور، واستعد لقصدهأن فعرف ~~ذلك مسرور البلخي، وهويومئذ بكور الأهواز، فلما سار علي إليها سار إليه ~~مسرور، فوافاه قبل المغرب وهونازل عليهأن فلما عاين الزنج أوائل خيل مسرور ~~انهزموا أقبح هزيمة، وتركوا جميع ما كانوا أعدوه، وقتل منهم خلق كثير، ~~وانصرف علي مهزومأن فلم يلبث إلا يسيرا حتى أتته الأخبار بإقبال الموفق، ~~ولم يكن لعلي بعد متوث وقعة، حتى فتحت سوق الخميس وطهثا على الموفق، فكتب ~~إليه صاحبه يأمره بالعود إليه، ويستحثه حثا شديدا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ولى عمروبن الليث عبيد الله بن عبد اله بن طاهر خلافته على ~~الشرطة ببغداد وسر من رأى في صفر، وخلع عليه الموفق، وعمروابن الليث. ~~وفيهأن في صفر، غلب اساتكين على الشرطة وهي الآن من أعمال سجستان، وعلى ~~الري، وأخرج منهاخطلنخجور العامل عليهأن ثم مضى إلى قزوين وعليها أخو ~~كيغلغ، فصالحه، ودخل اساتكين قزوين، ثم رجع إلى الري. وفيها وردت سرية من ~~سرايا الروم إلى تل يسهى، من ديار ربيعة، فأسرت نحوا من مائتين وخمسين ~~إنسانأن ومثلت بالمسلمين، فنفر إليهم أهل الموصل ونصيين، فرجعت الروم. ~~وفيها مات أبوالساج بجند يسابور، منصرفا من عسكر عمروبن الليث إلى بغداد؛ ~~ومات قبله سليمان بن عبد اله بن طاهر، وولى عمروبن الليث فيها أحمد بن عبد ~~العزيز بن أبي دلف أصبهان؛ وولى محمد ابن أبي الساج طريق مكة والحرمين. ~~وفيها فارق إسحاق بن كنداج أحمد بن موسى بن بغأن وكان سبب ذلك أن أحمد لما ~~سار إلى الجزيرة، وولي موسى بن اتامش ديار ربيعة، أنكر ذلك إسحاق بن كنداج، ~~وفارق عسكره، وسار إلى بلد، فأوقع بالأكراد اليعقوبية فهزمهم، وأخذ ~~أموالهم، ثم لقي ابن مساور الخارجي فقتله، وسار إلى الموصل فقاطع أهلها على ~~مال قد أعدوه. PageV03P0307 # وكان قائد كبير بمعلثايا، اسمه علي بن داود، وهوالمخاطب له عن أهل ~~الموصل، والمدافع، فسار ابن كنداج ms2553 إليه، فلما بلغه الخبر فارق معلثايأن ~~وعبر دجلة، ومعه حمدان بن حمدون، إلى إسحاق بن أيوب بن أحمد التغلبي ~~العدوي، فاجتمعوا كلهم فبلغت عدتهم نحوخمسة عشر ألفأن وسمع ابن كنداج ~~باجتماعهم، فعبر إلى بلد، وعبر دجلة إليه وهوفي ثلاثة آلاف، وسار إلى نهر ~~أيوب، فالتقوا بكراثا وهي التي تعرف اليوم بتل موسى وتصافوا للحرب، فأرسل ~~مقدم ميسرة ابن أيوب إلى ابن كنداج يقول له: إنني في الميسرة، فاحمل علي ~~لأنهزم؛ ففعل ذلك، فانهزمت ميسرة ابن أيوب، وتبعها الباقون، فسار حمدان بن ~~حمدون، وعلي بن داود إلى نيسابور وأخذ ابن أيوب نحونصيبين، فاتبعه ابن ~~كنداج، فسار ابن أيوب عن نصيبين إلى آمد، واستولى ابن كنداج على نصيبين ~~وديار ربيعة، واستجار ابن أيوب بعيسى بن الشيخ الشيباني، وهوبآمد، فأنجده، ~~وطلب النجدة من أبي المعز بن موسى بن زرارة، وهوبأزرن، فأنجده أيضأن وعاد ~~ابن كنداج إلى الموصل، ووصل إليه من الخليفة المعتمد عهد بولاية الموصل، ~~فعاد إليهأن فأرسل إليه ابن الشيخ وابن زرارة وغيرهما بذلوا له مائتي ألف ~~دينار ليقرهم على أعمالهم، فلم يجبهم، فاجتمعوا على حربه، فلما رأى ذلك ~~أجابهم إلى ما طلبوا وعاد عنهم وقصدوا بلادهم. وفيها أمر محمد بن عبد ~~الرحمن بإنشاء مراكب بنهر قرطبة، وحملها إلى البحر المحيط، وكان سبب عملها ~~أنه قيل له إن جليقية ليس لها مانع من جهة البحر المحيط، وإن ملكها من هناك ~~سهل، فأمر بعمل المراكب، فلما فرغت، وكملت برجالها وعدتها، سيرها إلى البحر ~~المحيط، فلما دخلته المراكب تقطعت، ولم يجتمع منها مركبان، ولم يرجع منها ~~إلا اليسير. وفيها التقى أسطول المسلمين وأسطول الروم عند صقلية، فجرى ~~بينهم قتال شديد، فظفر الروم بالمسلمين، وأخذوا مراكبهم، وانهزم من سلم ~~منهم إلى مدينة بلرم بصقلية. وفيها مكان بإفريقية غلاء شديد وقحط عظيم، ~~كادت الأقوات تعدم. وفيها قتل أهل حمص عاملهم عيسى الكرخي. وفيها أسرى لؤلؤ ~~غلام أحمد بن طولون من رابية بني تميم إلى موسى بن أتامش، وهوبرأس عين، ~~فأخذه أسيرأن وسيره إلى الرقة، ثم لقي ms2554 لؤلؤ أحمد بن موسى بن أتامش ومن معه ~~من الأعراب، فانهزم لؤلؤ، ورجع الأعراب إلى عسكر أحمد لينهبوه، فطف عليهم ~~لؤلؤ وأصحابه، فانهزموأن فبلغت هزيمتهم قرقيسيأن ثم ساروا إلى بغداد ~~وسامرأن وقد ذكرت فيما تقدم أن الذي أسر موسى غير لؤلؤ على ما ذكره ~~مؤرخومصر. وفيها كانت بين أحمد بن عبد العزيز وبكتمر رقعة، فانهزم بكتمر، ~~وسار إلى بغداد. وفيها أوقع الخجستاني بالحسن بن زيد بجرجان، وهوغار، فلحق ~~بآمل، وغلب الخجستاني على جرجان وأطراف طبرستان، وكان الحسن لما سار عن ~~طبرستان إلى جرجان استخلف بسارية الحسن بن محمد بن جعفر بن عبد الله ابن ~~حسين الأصغر العقيقي، فلما انهزم الحسن ين زيد أظهر العقيقي بسارية أنه ~~قتل، ودعا إلى البيعة لنفسه، فبايعه قوم، ووافاه الحسن بن زيد، فحاربه، ثم ~~ظفر به فقتله. وفيها كانت وقعة بين الخجستاني وعمروبن الليث انهزم فيها ~~عمرو، ودخل الخجستاني نيسابور، وأخرج منها عامل عمروومن كان يميل إليه. ~~وفيها كانت فتنة بالمدينة ونواحيها بين العلويين والجعفريين. وفيها وثب ~~الأعراب على كسوة الكعبة فانتهبوهأن وصار بعضها إلى صاحب الزنج، وأصاب ~~الحجاج فيها شدة شديدة. وفيها خرجت الروم على ديار ربيعة، فاستنفر الأنس، ~~فنفروا في برد شديد لا يمكن فيه دخول الدرب. وفيها غزت سيما خليفة أحمد بن ~~طولون على الثغور الشامية في ثلاثمائة رجل من أهل طرسوس، فخرج عليهم نحومن ~~أربعة آلاف من بلاد هرقلة، فاقتتلوا قتالا شديدأن وقتل المسلمون خلقا كثيرا ~~من العدو، وأصيب من المسلمين جماعة. وفيها كانت بمدينة النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، حرب بين العلويين والجعفريين، وغلا السعر بها حتى تعذرت ~~الأقوات، وعم الغلاء سائر البلاد من الحجاز، والعراق، والموصل، والجزيرة، ~~والشام، وغير ذلك، إلا أنه لم يبلغ الشدة التي بالمدينة. PageV03P0308 # وفيها كان الناس في البلاد التي تحت حكم الخليفة جميعها في شدة عظيمة ~~بتغلب القواد وأمراء الأجناد على الأمر وقلة المراقبة والأمن من إنكار ما ~~يأتونه ويفعلونه، لاشتغال الموفق بقتال صاحب الزنج، ولعجز الخليفة المعتمد، ~~واشتغاله بغير ذلك. وفيها اشتد الحر في ms2555 تشرين الثاني، ثم اشتد فيه البرد ~~حتى جمد الماء. وفيها قدم محمد بن أبي الساج مكة، فحاربه المخزومي فهزمه ~~محمد، واستباح ماله، وذلك يوم التروية. وفيها سار كيغلغ إلى الجبل وبكتمر ~~راجعا إلى الدينور. وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن ~~موسى بن عيسى الهاشمي. وفيها توفي محمد بن شجاع أبوبكر الثلجي، وكان من ~~أصحاب الحسن ابن زياد اللؤلؤي صاحب أبي حنيفة، الثلجي بالثاء المعجمة بثلاث ~~والجيم. وفيها توفي صالح بن أحمد بن حنبل، وكان مولده سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. ### | AUT حوادث سنة سبع وستين ومائتين # ### || AUT ذكر أخبار الزنج # وفيها غلب أبوالعباس بن الموفق على عامة ما كان بيد سليمان بن جامع ~~والزنج من أعمال دجلة، وأبوالعباس هذا هوالذي صار خليفة بعد المعتمد، فلقي ~~المعتضد بالله. وكان سبب مسيره أن الزنج لما دخلوا واسط، وعملوا بأهلها ما ~~ذكرنأن بلغ ذلك الموفق، فأمر ابنه بتعجيل المسير بين يديه إليهم، فسار في ~~ربيع الآخر سنة ست وستين ومائتين، وشيعه أبوه، وسير معه عشرة آلاف من ~~الرجالة والخيالة في العدة الكاملة، وأخذ معه الشذوات، والسميريات، ~~والمعابر للرجالة، فسار حتى وافى إلى دير العاقول. وكان على مقدمته في ~~الشذوات نصير، المعروف بأبي حمزة، فكتب إليه نصير يخبره أن سليمان بن جامع ~~قد وافى بخيلة ورجله في شذوات وسميريات، والحياتي على مقدمته، حتى نزل ~~الجزيرة بحضرة بردرويا، وأن سليمان بن موسى الشعراني قد وافى نهر أبا بخيله ~~ورجله في سميريات، فركب أبوالعباس حتى وافى الصلح، ووجه طلائعه ليعرف ~~أخبارهم، فعادوا وأعلموه بموافاة الزنج وجيشهم، وأن أولهم بالصلح، وآخرهم ~~ببستان موسى بن بغأن أسفل واسط. وكان سبب جمع الزنج وحشدهم أنهم قالوا: إن ~~أبا العباس فتى حدث، غر بالحرب، والرأي لنا أن نرميه بحدنا كله، ونجبهه في ~~أول مرة نلقاه في إزالته، فلعل ذلك يروعه فينصرف عنا؛ فجمعوأن وحشدوأن فلما ~~علم أبوالعباس قربهم عدل عن سنن الطريق، واعترض في مسيره، ولقي أصحابه ~~أوائل الزنج، فتطاردوا لهم، حتى طمعوا فيهم، واغتروا وابتعوهم، ms2556 وجعلوا ~~يقولون: اطلبوا أميرا للحرب، فإن أميركم قد اشتغل بالصيد. فلما قربوا منه ~~خرج عليهم فيمن معه من الخيل والرجل، وصاح بنصير: إلى أين تتأخر عن هذه ~~الأكلب! فرجع نصير، وركب أبوالعباس سميرية وحف به أصحابه من جميع الجهات، ~~فانهزمت الزنج، وكثر القتل فيهم، وتبعوهم إلى أن وصلوا قرية عبد الله، وهي ~~على ستة فراسخ من الموضع الذي لقوهم به، وأخذوا منهم خمس شذوات، وعدة ~~سميريات، وأسر جماعة، واستأمن جماعة، فكان هذا أول الفتح، فسار سليمان بن ~~جامع إلى نهر الأمير، وسار سليمان بن موسى الشعراني إلى سوق الخميس، وانحدر ~~أبوالعباس فأقام بالعمر وهوعلى فرسخ من واسط، وأصلح شذواته، وجعل يراوح ~~القوم القتال ويغاديهم. ثم إن سليمان استعد وحشد، وجعل أصحابه في ثلاثة ~~أوجه، قالوا: إنه حدث، غر يغرر بنفسه، وكمنوا كناء، فبلغ الخبر أبا العباس، ~~فحذروا وأقبلوا وقد كمنوا الكمناء ليغتر بأتباعهم فيخرج الكمين عليه، فمنع ~~أبوالعباس أصحابه أن يتبعوهم، فلما علموا أن كيدهم لم يتم خرج سليمان في ~~الشذوات والسميريات، فأمر أبوالعباس نصيرا أن يبرز إليهم، وركب هوشذاة من ~~شذواته سماها الغزال، ومعه جماعة من خاصته، وأمر الخيالة بالمسير بإزائه ~~على شاطئ النهر إلى أن ينقطع، فعبروا دوابهم، ونشبت الحرب بين الفريقين، ~~فوقعت الهزيمة على الزنج، وغمن أبوالعباس منهم أربع عشرة شذاة، وأفلت ~~سليمان والحياتي بعد أن أشفيا على الهلاك، وبلغوا طهثا وأسلموا ما كان ~~معهم. ورجع أبوالعباس إلى معسكره، وأمر بإصلاح ما أخذ منهم من الشذوات ~~والسميريات، وأقام الزنج عشرين يوما لا يظهر منهم أحد، وجعلوا على طريق ~~الخيل آبارأن وجعلوا فيها سفافيد حديد، وجعلوا على رؤوسهم البواري والتراب ~~ليسقط فيها المجتازون، فاتفق أنه سقط فيها رجل من الفراغنة، ففطنوا لهأن ~~وتركوا ذلك الطريق. PageV03P0309 # واستمد سليمان صاحب الزنج، فأمده بأربعين سميرية بآلاتها ومقاتليهأن ~~فعادوا للتعرض للحرب، فلم يكونوا يثبتون لأبي العباس؛ ثم سير إليهم عدة ~~سميريات، فأخذها الزنج، فبلغه الخبر وهويتغذى، فركب في سميرية، ولم ينتظر ~~أصحابه، وتبعه منهم من خف، فأدرك الزنج، فانهزموأن وألقوا أنفسهم في ms2557 الماء، ~~فاستنقذ سميرياته ومن كان فيهأن وأخذ منهم إحدى وثلاثين سميرية؛ ورمى ~~أبوالعباس، يومئذ، عن قوس حتى دميت إبهامه؛ فلما رجع أمر لمن معه بالخلع، ~~وأمر بإصلاح السميريات المأخوذة من الزنج. ثم إن أبا العباس رأى أن يتوغل ~~في مازروان حتى يصير إلى الحجاجية ونهر الأمير، ويعرف ما هناك، فقدم نصيرا ~~في أول السميريات وركب أبوالعباس في سميرية ومعه محمد بن شعيب، ودخل ~~مازوران وهويظن أن نصيرا أمامه، فلم يقف له على خبر، وكان قد سار على غير ~~طريق أبي العباس، وخرج من مع أبي العباس من الملاحين إلى غمن رأوها ~~ليأخذوهأن فبقي هوومحمد بن شعيب، فأتاهما جمع من الزنج من جانبي النهر، ~~فقاتلهم أبون العباس بالنشاب، ووافاه زيرك في باقي الشذوات، فسلم أبوالعباس ~~وعاد إلى عسكره. ورجع نصير وجمع سليمان بن جامع أصحابه بطهشا وتحصن ~~الشعراني وأصحابه بسوق الخميس، وجعلوا يحملون الغلات إليهأن وكذلك اجتمع ~~بالصينية جمع كثير، فوجه أبوالعباس جماعة من قواده على الخيل إلى ناحية ~~الصينية، وأمرهم بالمسير في البر، وإذا عرض لهم نهر عبروه، وركب هوفي ~~الشذوات والسميريات، فلما أبصرت الزنج الخيل خافوأن ولجأوا إلى الماء ~~والسفن، فلم يلبثوا أن وافتهم الشذا مع أبي العباس، فلم يجدوا ملجأن ~~فاستسلموأن فقتل منهم فريق، وأسر فريق، وألقى نفسه في الماء فريق، وأخذ ~~أصحاب أبي العباس سفنهم وهي مملوءة أرزأن وأخذ الصينية، وأزاح الزنج عنهأن ~~فانحازوا إلى طهثا وسوق الخميس. وكان قد رأى أبوالعباس كركيأن فرماه بسهم، ~~فسقط في عسكر الزنج، فعرف الزنج السهم فزاد ذلك في خوفهم، ورجع أبوالعباس ~~إلى عسكره وقد فتح الصينية. وبلغه أن جيشا عظيما للزنج مع ثابت بن أبي دلف ~~ولؤلؤ الزنجيين، فسار إليهم، وأوقع بهم وقعة عظيمة وقت السحر، فقتل منهم ~~خلقا كثيرأن منهم لؤلؤ، واسر ثابتأن فمن عليه، وجعله مع بعض قواده، واستنقذ ~~من النساء خلقا كثيرأن فأمر بإطلاقهن وردهن إلى أهلهن، وأخذ كل ما كان ~~الزنج جمعوه، وأمر أصحابه أن يستريحوا لمسير إلى سوق الخميس، وأمر نصيرا ~~بتعبئة أصحابه للمسير، فقال ms2558 له: إن نهر سوق الخميس ضيق، فأقم أنت ونسير ~~نحن؛ فأبى عليه، فقال له محمد بن شعيب: إن كنت لا بد فاعلا فلا تكثر من ~~الشذأن ولا من الرجال، فإن النهر ضيق. فسار إليه، ونصير بين يديه، إلى فم ~~نهر مساور، فوقف أبوالعباس، وتقدمه نصير في خمس عشرة شذاة في نهر براطق، ~~وهوالذي يؤدي إلى مدينة الشعراني التي سماها المنيعة في سوق الخميس، فلما ~~غاب عنه نصير خرج جماعة كبيرة في البر على أبي العباس، فمنعوه من الوصول ~~إلى المدينة، وقاتلوه قتالا شديدا من أول النهار إلى الظهر، وخفي عليه خبر ~~نصير، وجعل الزنج يقولون: قد قتلنا نصيرا. واغتم أبوالعباس لذلك، وأمر محمد ~~بن شعيب يتعرف خبره، فسار، فرآه عند عسكر الزنج وقد أحرقه وأضرم النار في ~~مدينتهم، وهويقاتلهم قتالا شديدأن فعاد إلى أبي العباس فاخبره، فسر بذلك. ~~وأسر نصير من الزنج جماعة كثيرة، ورجع حتى وافى أبا العباس فأخبره، ووقف ~~أبوالعباس يقاتلهم، فرجعوا عنه، وكمن بعض شذواته، وأمر أن يظهر واحدة منهأن ~~فطمعوا فيها وتبعوها حتى أدركوها فعلقوا بسكانهأن فخرجت عليهم السفن ~~المكمنة وفيها أبوالعباس، فانهزم الزنج، وغمن أبوالعباس منهم ست سميريات، ~~وانهزموا لا يلوون على شيء من الخوف، ورجع إلى عسكره سالمأن وخلع على ~~الملاحين وأحسن إليهم. ### || AUT ذكر وصول الموفق إلى قتال الزنج # ### || AUT وفتح المنيعة # وفيها في صفر سار الموفق عن بغداد إلى واسط لحرب الزنج؛ وكان سبب تأخره ~~عن ابنه أبي العباس هذه المدة انه يجمع ويحشد الفرسان والرجالة، ويستكثر من ~~العدة التي يقوى بها على حرب الزنج، ويسد الجهات التي يخاف فيها لئلا يبقى ~~له ما يشغل قلبه. PageV03P0310 # إلا أن الخبيث رئيس الزنج قد أرسل إلى علي بن أبان المهلبي يأمره ~~بالاجتماع مع سليمان بن جامع على حرب أبي العباس، فخاف وهنا يتطرق إلى ابنه ~~أبي العباس، فسار عن بغداد في صفر، فوصل إلى واسط في ربيع الأول، فلقيه ~~ابنه، واخبره بحال جنده وقواده، فخلع عليه وعليهم، ورجع أبوالعباس إلى ~~معسكره بالعمر، ثم نزل ms2559 الموفق على نهر شداد بإزاء قرية عبد الله، وأمر ابنه ~~أن يسير لما معه من آلات الحرب إلى فوهة نهر مساور، فرحل في نخبة أصحابه، ~~ورحل الموفق بعده، فنزل فوهة نهر مساور فأقام يومين. ثم رحل إلى المدينة ~~التي سماها صاحب الزنج المنيعة من سوق الخميس يوم الثلاثاء لثمان خلون من ~~ربيع الآخر من هذه السنة، وسلك بالسفن في نهر مساور، وسارت الخيل بإزائه ~~شرقي نهر مساور، حتى جاوزوا براطق الذي يوصل إلى المنيعة، وأمر بتعبير ~~الخيل، وتصييرها من الجانبين، وأمر ابنه العباس بالتقدم بالشذا بعامة ~~الجيش، ففعل، فلقيه الزنج، فحاربوه حربا شديدة، ووافاهم أبوأحمد الموفق ~~والخيل من جانبي النهر، فلما رأوا ذلك انهزموا وتفرقوأن وعلا أصحاب أبي ~~العباس السور، ووضعوا السيوف فيمن لقيهم، ودخلوا المدينة فقتلوا فيها خلقا ~~كثيرأن وأسروا عالما عظيمأن وغمنوا ما كان فيهأن وهرب الشعراني ومن معه، ~~وتبعه أصحاب الموفق إلى البطائح، فغرق منهم خلق كثير، ولجأ الباقون إلى ~~الآجام. ورجع أبوأحمد إلى معسكره من يومه، وقد استنقذ من المسلمات زهاء ~~خمسة آلاف امرأة سوى من ظفر به من الزنجيات، وأمر أبوأحمد بحفظ النساء ~~وحملهم إلى واسط ليدفعن إلى أهلهن، ثم بكر إلى المدينة، فأمر الناس بأخذ ما ~~فيهأن فأخذ جميعه، وأمر بهدم سورهأن وطم خندقهأن وإحراق ما بقي بها من ~~السفن، وأخذوا من الطعام، والشعير، والأرز، وغير ذلك، ما لأحد عليه، فأمر ~~ببيع ذلك وصرفه إلى الجند. ولما انهزم سليمان ولحق بالمزار، وكتب إلى ~~الخائن، صاحب الزنج، بذلك، فورد الكتاب عليه وهويتحدث، فانحل بطنه، فقام ~~إلى الخلاء دفعات، وكتب إلى سليمان بن جامع يحذره مثل الذي نزل بالشعراني، ~~ويأمره بالتيقظ. وأقام الموفق بنهر مساور يومين يتعرف أخبار الشعراني ~~وسليمان ابن جامع، فأتاه من أخبره أن سليمان بن جامع بالحوانيت فسار حتى ~~وافى الصينينة، وأمر ابنه العباس بالتقدم بالشذا والسميريات إلى الجوانيت ~~مختفيأن فسار أبوالعباس إليهأن فلم ير سليمان بهأن ورأى هناك جميعا من ~~الزنج مع قائدين لهم خلفهم سليمان بن جامع هناك لحفظ غلات كثيرة ms2560 لهم فيهأن ~~فحاربهم أبوالعباس، ودامت الحرب إلى أن حجز بينهم الليل، واستأمن إلى أبي ~~العباس رجل، فسأله عن سليمان بن جامع، وأخبره أنه مقيم بطهثأن بمدينته التي ~~سماها المنصورة، فعاد أبوالعباس إلى أبيه بالخبر، فأمره بالمسير إليه، فسار ~~حتى نزل بردودأن فأقام بها لإصلاح ما يحتاج إليه، واستكثر من الآلات اليت ~~يسد بها الأنهار، ويصلح بها الطرق لخيل، وخلف ببردودا بفراج التركي. ### || AUT ذكر استيلاء الموفق على طهثا # لما فرغ الموفق من الذي يحتاج إليه سار عن بردودا إلى كهثا لعشر بقين من ~~ربيع الآخر سنة سبع وستين ومائتين، وكان مسيره على الظهر في خيله، وانحدرت ~~السفن والآلات، فنزل بقرية الجوزية، وعقد جسرأن ثم غدا فعبر خيله عليه، ثم ~~عبر بعد ذلك، فسار حتى نزل معسكرا على ميلين من طهثأن فأقام هنالك يومين. ~~ومطرت السماء مطرا شديدأن فشغل عن القتال، ثم ركب لينظر موضعا للحرب، ~~فانتهى إلى قريب من سور مدينة سليمان بطهثأن وهي التي سماها المنصورة، ~~فتلقاه خلق كثير، وخرج عليهم كمناء من مواضع شتى، واشتدت الحرب، وترجل ~~جماعة من الفرسان، وقاتلوا حتى خرجوا عن المضيق الذي كانوا فيه، واسروا من ~~غلمان الموفق جماعة. ورمي أبوالعباس بن الموفق أحمد بن هندي الحيامي بسهم ~~خالط دماغه، فسقط وحمل إلى العلوي، صاحب الزنج، فلم يلبث أن مات، فحضره ~~الخبيث، وصلى عليه، وعظمت لديه المصيبة بموته، إذ كان أعظم أصحابه غناء ~~عنه. PageV03P0311 # وانصر ف الموفق إلى عسكره وقت المغرب وأمر أصحابه بالتحاس ليلتهم والتأهب ~~للحرب، فلما أصبحوا وذلك يوم السبت لثلاث بقين من ربيع الآخر، عبأ الموفق ~~أصحابه، وجعلهم كتائب يتلوبعضهم بعضأن فرسانا ورجالة، وأمر بالشذا ~~والسميريات أن يسار بها إلى النهر الذي يشق مدينة سليمان، وهوالنهر المعروف ~~بنهر المنذر، ورتب أصحابه في المواضع التي يخاف منهأن ثم نزل فصلى أربع ~~ركعات، وابتهل إلى الله تعالى في النصر، ثم لبس سلاحه، وأمر ابنه أب العباس ~~أن يتقدم إلى السور، فتقدم إليه، فرأى خندقأن فأحجم الناس عنه، فحرضهم ~~قوادهم وترجلوا معهم، فاقتحموه وعبروه، ms2561 وانتهوا إلى الزنج وهم على سورهم. ~~فلما رأى الزنج تسرعهم إليه ولوا منهزمين، واتبعهم أصحاب أبي العباس، ~~فدخلوا المدينة، وكان الزنج قد حصنوها بخمسة خنادق، وجعلوا أمام كل خندق ~~سورأن فجعلوا يقفون عند كل سور وخندق، فكشفهم أصحاب أبي العباس، ودخلت ~~الشذا والسميريات المدينة من النهر، فجعلت تغرق كل ما مرت له به من سميرية ~~وشذاة، وقتلوا من بجانبي النهر وأسروا حتى أجلوهم عن المدينة وعما اتصل ~~بهأن وكان مقدار العمارة فيها فرسخا. وحوى الموفق ذلك كله، وأفلت سليمان بن ~~جامع ونفر من أصحابه، وكثر القتل فيهم والأسر، واستنقذ أبوأحمد من نساء أهل ~~واسط، والكوفة، والقرى، وغيرهأن وصبيانهم أكثر من عشرين ألفا، فأمر أبوأحمد ~~بحملهم إلى واسط، ودفعهم إلى أهليهم، وأخذ ما كان فيها من الذخائر ~~والأموال، وأمر بصرفه إلى الأجناد، وأسر من نساء سليمان وأولاده عدة، وتخلص ~~من كان أخذ من أصحاب الموفق، ونجا جمع كثير إلى الآجام فأمر أصحابه برجل ~~منهم جعلأن فكان إذا أتي بالواحد منهم عفا عنه وضمه إلى قواده وغلمانه، لما ~~كان دبره من استمالتهم. وأرسل في طلب سليمان بن جامع، حتى بلغوا دجلة ~~العوراء، فلم يظفروا به، وأمر زيرك بالمقام بطهثا ليتراجع إلى تلك الناحية ~~أهلها ويأمنوا. ### || AUT ذكر مسير الموفق إلى الأهواز وإجلاء الزنج عنها # فلما فرغ أبوأحمد الموفق من المنصورة رحل نحوالأهواز لإصلاحها وإجلاء ~~الزنج عنهأن فأمر ابنه العباس أن يتقدمه، فأمر بإصلاح الطريق للجيوش، ~~واستخلف على من ترك من عسكره بواسطة ابنه هارون، ولحقه زيرك فأخبره بعود ~~أهل طهثا إليهأن وأمن الناس، فأمره الموفق بالانحدار في الشذا والسميريات ~~مع نصير، وتتبع المنهزمين، والإيقاع بهم وبمن ظفروا به من الزنج، حتى ينتهي ~~إلى مدينة الخبيث بنهر أبي الخصيب، وسار. وارتحل الموفق مستهل جمادى الآخرة ~~من واسط حتى أتى السوس، وأمر مسرورا بالقدوم عليه، وهوعامله هناك، فأتاه. ~~وكان الخبيث لما بلغه ما عمل الموفق بسليمان بن جامع والزنج خاف أن يأتيه ~~وهوعلى حال تفرق أصحابه عنه، وكتب إلى علي بن أبان بالقدوم إليه، ms2562 وكان ~~بالأهواز في ثلاثين ألفأن فترك جميع ما كان عنده من طعام ودواب وأغنام وغير ~~ذلك، واستخلف عليه محمد بن يحيى الكرنبائي، فلم يقم، وابتع عليا. وكتب صابح ~~الزنج أيضا إلى بهبود بن عبد الوهاب، وهوبالفيدم والباسيان، وما اتصل بهمأن ~~يأمره بالقدوم عليه، فترك ما كان عنده من الذخائر وسار نحوه، فحوى ذلك ~~جميعه الموفق، وقوي به على حرب الخبيث. ولما سار علي بن أبان عن الأهواز ~~تخلف بها جمع من أصحابه، زهاء ألف رجل، فأرسلوا إلى الموفق يطلبون الأمان ~~فأمنهم، فقدموا عليه، فأجرى عليهم الأرزاق، ثم رحل عن السوس إلى جند ~~يسابور، وتستر ، وجبى الأموال، ووجه إلى محمد بن عبيد الله الكردي، وكان ~~خائفا منه، فأمنه وعفا عنه، فطلب منه الأموال والعساكر، فحضر عنده فأحسن ~~إليه. ثم رحل إلى عسكر مكرم ووافى الأهواز، ثم رحل عنها إلى نهر المبارك من ~~فرات البصرة، وكتب إلى ابنه هارون ليوافيه بجميع الجيش إلى نهر المبارك، ~~فلقيه الجيش بالمبارك منتصف رجب. PageV03P0312 # وكان زيرك ونصيرا لما خلفهما الموفق ليتتبعا الزنج انحدرا حتى وافيا ~~الأبلة، فاستأمن إليهما رجل أخبرهما أن الخبيث قد أنفذ إليهما عددا كثيرا ~~في الشذا والسميريات إلى دجلة ليمنع عنها من يريدهأن فإنهم يريدون عسكر ~~نصير، وكان عسكره بنهر المرأة، فرجع نصير إلى عسكره من الأبلة لما بلغه ذك، ~~وسار زيرك من طريق آخر، لأنه قدر أن الزنج يأتون عسكر نصير من ذلك الوجه، ~~فكان ذلك، فلقيهم في طريقهم، فظفر بهم، وانهزموا منه، وكانوا قد جعلوا ~~كمينأن فدل زيرك عليه، فتوغل حتى أتاه، فقتل من الكمناء جماعة واسر جماعة. ~~وكان ممن ظفر به مقدم الزنج، وهوأبوعيسى محمد بن إبراهيم البصري، وهومن ~~أكابر قوادهم، وأخذ منهم ما يزيد على ثلاثين سميرية، فجزع لذلك جميع الزنج، ~~فاستأمن إلى نصير منهم زهاء ألفي رجل، فكتب بذلك إلى الموفق، فأمره بقبولهم ~~والإقبال إليه بالنهر المبارك، فوافاه هناك. وأمر الموفق ابنه أبا العباس ~~بالمسير إلى محاربة العلوي بنهر أبي الخصيب، فسار إليه، فحاربه من بكرة إلى ~~الظهر ms2563 فاستأمن إليه قائد من قواد العلوي ومعه جماعة، فكسر ذلك الخبيث، وعاد ~~أبوالعباس بالظفر، وكتب الموفق إلى العلوي كتابا يدعوه إلى التوبة والإنابة ~~إلى الله تعالى مما ركب من سفك الدماء، وانتهاك المحارم، وإخراب البلدان، ~~واستحلال الفروج والأموال، وادعاء النبوة والرسالة، ويبذل له الأمان، فوصل ~~الكتاب إليه، فقرأه، ولم يكتب جوابه. ### || AUT ذكر محاصرة مدينة صاحب الزنج # لما أنفذ الموفق الكتاب إلى العلوي، ولم يرد جوابه، عرض عسكره، وأصلح ~~آلاته، ورتب قواده، ثم سار هووابنه العباس في العشرين من رجب إلى مدينة ~~الخبيث التي سماها المختارة، وأشرف عليهأن وتأملها ورأى حصانتها بالأسوار ~~والخنادق، وغور الطريق إليهأن وما أعد من المجانيق والعرادات والقسي وسائر ~~الآلات على سورهأن مما لم ير مثله لمن تقدم من منازعي السلطان، ورأى من ~~كثرة عدد المقاتلة ما استعظمه. فلما عاين الزنج أصحاب الموفق ارتفعت ~~أصواتهم حتى ارتجت الأرض، فأمر الموفق ابنه بالتقدم إلى سور المدينة والرمي ~~لمن عليه بالسهام، فتقدم حتى ألصق شذواته بمسناة قصر الخبيث، فكثر الزنج ~~وأصحابهم على أبي العباس ومن معه، وتتابعت سهامهم وحجارة مجانيقهم ~~ومقاليعهم، ورمى عوامهم بالحجارة عن أيديهم، حتى ما يقع الطرف إلا على سهم ~~أوحجر. وثبت أبوالعباس، فرأى العلوي من صبره وثبات أصحابه ما لم ير مثله من ~~أحد حاربهم، ثم أمرهم الموفق بالرجوع ففعلوأن واستأمن إلى الموفق مقاتلة في ~~سميريتين، فأمنهم، فخلع على من فيهما من المقاتلة والملاحين على أقدارهم ~~ووصلهم وأمر بإدنائهم إلى موضع يراهم فيه نظراؤهم، وكان ذلك من أنجع ~~المكايد، فلما رآهم الباقون رغبوا في الأمان، وتنافسوا فيه، وابتدروا إليه، ~~فصار إلى الموفق عدد كثير ذلك اليوم من أصحاب السميريات، فعمهم بالخلع ~~والصلات. فلما رأى صاحب الزنج ذلك أمر برد أصحاب السميريات إلى نهر أبي ~~الخصيب، ووكل بفوهة النهر من يمنعهم من الخروج، وأمر بهبود وهومن أشرس ~~قواده، أن يخرج في الشذوات، فخرج وبرز إليه أبوالعباس في شذواته، وقاتله، ~~واشتدت الحرب، فانهزم بهبود إلى فناء قصر الخبيث، وأصابته طعنتان، وجرح ~~بالسهام، وأوهنت أعضاؤه بالحجارة، فأولجوه ms2564 نهر أبي الخصيب وقد أشفى على ~~الموت، فقتل ممن كان معه قائد ذوبأس يقال له عميرة، وظفر أبوالعباس بشذاة ~~فقتل أهلهأن وهوومن معه سالمين، فاستأمن إلى أبي العباس أهل شذاة منهم، ~~فأمنهم، وأحسن إليهم، وخلع عليهم. ورجع الموفق ومن معه إلى عسكره بالنهر ~~المبارك، واستأمن إليه عند منصرفه خلق كثير، فأمنهم، وخلع عليهم، ووصلهم، ~~وأثبت أسماءهم مع أبي العباس، وأقام في عسكره يومين، ثم نقل عسكره لست بقين ~~من رجب إلى نهر جطى فنزله، وأقام به إلى منتصف شعبان لم يقاتل. ~~PageV03P0313 # ثم ركب منتصف شعبان ف يالخيل والرجال وأعد الشذا والسميريات، وكان من معه ~~من الجند والمتطوعة زهاء خمسين ألفأن وكان من مع الخبيث أكثر من ثلاثمائة ~~ألف إنسان، كلهم ممن يقاتل بسيف، أورمح، أوقوس، أومقلاع، أومنجنيق، وأضعفهم ~~رماة الحجارة من أيديهم، وهم النظارة، والنساء تشركهم في ذلك، فأقام ~~أبوأحمد ذلك اليوم، ونودي بالأمان للناس كافة إلا الخبيث، وكتب الأمان في ~~رقاع، ورماها في السهام، ووعد فيها الإحسان، فمالت قلوب أصحاب الخبيث، ~~واستأمن ذلك اليوم خلق كثير، فخلع عليهم ووصلهم، ولم يكن ذلك اليوم حرب. ثم ~~رحل من نهر جطى من الغد، فعسكر قرب مدينة الخبيث، ورتب قواده وأجناده، وعين ~~لكل طائفة موضعا يحافظون عليه ويضبطونه، وكتب الموفق إلى البلاد في عمل ~~السميريات، والشذوات، والزواريق، والإكثار منها ليضبط بها الأنهار، ليقطع ~~الميرة عن الخبيث، وأسس في منزلته مدينة سماها الموفقية، وكتب إلى عماله في ~~النواحي بحمل الأموال والميرة في البر والبحر إلى مدينته، وأمرهم بإنفاذ من ~~يصلح للإثبات في الديوان، وأقام ينتظر ذلك شهرأن فوردت عليه الميرة ~~متتابعة، وجهز التجار صنوف التجارات إلى الموفقية، واتخذت فيها الأسواق، ~~ووردتها مراكب البحر، وبنى الموفق بها المسجد الجامع، وأمر الناس بالصلاة ~~فيه، فجمعت هذه المدينة من المرافق، وسيق إليها من صنوف الأشياء ما لم يكن ~~في مصر من الأمصار القديمة، وحملت الأموال، وأدرت الأرزاق. وعبرت طائفة من ~~الزنج، فنهبوا أطراف عسكر نصير، وأوقعوا به، فأمر الموفق نصيرا بجمع عسكره ~~وضبطهم، وأمر الموفق ابنه ms2565 أبا العباس بالمسر إلى طائفة من الزنج كانوا خارج ~~المدينة، فقاتلهم، فقتل منهم خلقا كثيرأن وغمن ما كان معهم، فصار إليه ~~طائفة منهم في الأمان، فأمنهم، وخلع عليهم ووصلهم، وأقام أبوأحمد يكايد ~~الخبيث ببذل الأموال لمن صار إليه، ومحاصرة الباقين، والتضييق عليهم. وكانت ~~قافلة قد أتت من الأهواز، وأسرى إليها بهبود في سميريات فأخذهأن وعظم ذلك ~~على الموفق، وغرم لأهلها ما أخذ منهم، وأمر بترتيب الشذوات على مخارج ~~الأنهار، وقلد ابنه أبا العباس الشذأن وحفظ الأنهار بها من البحر إلى ~~المكان الذي هم به. وفي رمضان عبر طائفة من أصحاب الخبيث يريدون الإيقاع ~~بنصير، فنذر بهم الناس، فخرجوا إليهم فردوهم خائبين، وظفروا بصندل الزنجي، ~~وكان يكشف رؤوس المسلمات، ويقلبهن تقليب الإماء، فلما أتي به أمر الموفق أن ~~يرمي بالسهام ثم قتله. واستأمن إلى الموفق من الزنج خلق كثير، فبلغت عدة من ~~استأمن إليه في آخر رمضان خمسين ألفا. وفي شوال انتخب صاحب الزنج من عسكر ه ~~خمسة آلاف من شجعانهم وقوادهم، وأمر علي بن أبان المهلبي بالعبور لكبس عسكر ~~الموفق، فكان فيهم أكثر من مائتي قائد، فعبروا ليلأن واختفوا في آخر النخل، ~~وأمرهم، إذا ظهر أصحابهم، وقاتلوا الموفق من بين يديه، ظهروأن وحملوا على ~~عسكره وهم غارون، مشاغيل بحرب من أمامهم، فاستأمن منهم إنسان من الملاحين، ~~فاخبر الموفق، فسير ابنه أبا العباس لقتالهم وضبط الطرق التي يسلكونهأن ~~فقاتلوا قتالا شديدأن وأسر أكثرهم، وغرق منهم خلق كثير، وقتل بعضهم، ونجا ~~بعضهم، فأمر أبوالعباس أن يحمل الأسرى والرؤوس والسميريات ويعبر بهم على ~~مدينة الخبيث، ففعلوا ذلك. وبلغ الموفق أن الخبيث قال لأصحابه: إن الأسرى ~~من المستأمنة، وإن الرؤوس تمويه عليهم، فأمر بإلقاء الرؤوس في منجنيق ~~إليهم، فلما رأوها عرفوهأن فأظهروا الجزع والبكاء، وظهر لهم كذب الخبيث. ~~وفيها أمر الخبيث باتخاذ شذوات، فعملت له، فكانت له خمسون شذاة، فقسمها بين ~~ثلاثة من قواده وأمرهم بالتعرض لعسكر الموفق؛ وكان شذوات الموفق يومئذ ~~قليلة لأنه لم يصل إليه ما أمر بعمله، والتي كانت عنده منها ms2566 فرقها على ~~أفواه الأنهار لقطع الميرة عن الخبيث، فخافهم أصحاب الموفق، فورد عليهم ~~شذوات كان الموفق أمر بعملهأن فسير ابنه أبا العباس ليوردها خوفا عليهم من ~~الزنج، فلما أقبل بها رآها الزنج فعارضوها بشذواتهم، فقصدهم غلام لأبي ~~العباس ليمنعهم، وقاتلهم، فانكشفوا بين يديه، وتبعهم حتى أدخلهم نهر أبي ~~الخصيب، وانقطع عن أصحابه، فعطفوا عليه، فأخذوه ومن معه بعد حرب شديدة، ~~فقتلوأن وسلمت الشذوات مع أبي العباس، وأصلحهأن ورتب فيها من يقاتل. ~~PageV03P0314 # ثم أقبلت شذوات العلوي على عاداتهأن فخرج إليهم أبوالعباس في أصحابه، ~~فقاتلهم فهزمهم، وظفر منهم بعدة شذوات، فقتل منهم من ظفر به فيهأن فمنع ~~الخبيث أصحابه من الخروج عن فناء قصره، وقطع أبوالعباس الميرة عنهم، فاشتد ~~جزع الزنج، وطلب جماعة من وجوه أصحابه الأمان، فأمنوأن وكان منهم محمد بن ~~الحرث القمي، وكان إليه ضبط السور مما يلي عسكر الموفق، فخرج ليلأن فأمنه ~~الموفق، ووصله بصلات كثيرة له ولمن خرج معه، وحمله على عدة دواب بآلاتها ~~وحليتهأن وأراد إخراج زوجته فلم يقدر، فأخذها الخبيث فباعها؛ ومنهم أحمد ~~اليربوعي، وكان من أشجع رجال العلوي، وغيرهمأن فخلع عليهم، ووصلهم بصلات ~~كثيرة. ولما انقطعت الميرة والمواد عن العلوي أمر شبلا وأبوالبذي، وهما من ~~رؤساء قواده يثق بهم، بالخروج إلى البطيحة في عشرة آلاف من ثلاثة وجوه ~~للغارة على المسلمين، وقطع الميرة عن الموفق، فسر الموفق إليهم زيرك في جمع ~~من أصحابه، فلقيهم بنهر ابن عمر، فرأى كثرتهم، فراعه ذلك، ثم استخار الله ~~تعالى في قتالهم، فحمل عليهم وقاتلهم، فقذف الله تعالى الرعب في قلوبهم ~~فانهزموأن ووضع فيهم السيف، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم مثل ذلك، ~~وأسر خلقا كثيرأن وأخذ من سفنهم ما أمكنه أخذه، وغرق ما أمكنه تغريقه، وكان ~~ما أخذه من سفنهم نحوأربع مائة سفينة، وأقبل بالأسارى والرؤوس إلى مدينة الموفق. ### || AUT ذكر عبور الموفق مدينة صاحب الزنج # وفيها عبر الموفق إلى مدينة الخبيث لست بقين من ذي الحجة، وكان سبب ذلك ~~أن جماعة من قواد الخبيث لما رأوا ما حل ms2567 بهم من البلاء من قبل من يظهر ~~منهم، وشدة الحصار على من لزم المدينة، وحال من خرج بالأمان، جعلوا يهربون ~~من كل وجه، ويخرجون إلى الموفق بالأمان. فلما رأى الخبيث ذلك جعل على الطرق ~~التي يمكنهم الهرب منها من يحفظها؛ فأرسل جماعة من القواد إلى الموفق ~~يطلبون الأمان، وأن يوجه لمحاربة الخبيث جيشا ليجدوا طريقا إلى المصير ~~إليه، فأمر ابنه أبا العباس بالمسير إلى النهر الغربي، وبه علي بن أبان ~~يحميه، فنهض أبوالعباس ومعه الشذوات، والسميريات، والمعابر، فقصده، وتحارب ~~هووعلي بن أبان واشتدت الحرب، واستظهر أبوالعباس على الزنج، وأمد الخبيث ~~أصحابه بسليمان بن جامع في جمع كثير، فاتصلت الحرب من بكرة إلى العصر، وكان ~~الظفر لأبي العباس، وصار إليه القوم الذين كانوا طلبوا الأمان. واجتاز ~~أبوالعباس بمدينة الخبيث عند نهر الأتراك، فرأى قلة الزنج هناك، فطمع فيهم، ~~فقصدهم أصحابه وقد انصرف أكثرهم إلى الموفقية، فدخلوا ذلك المسلك، وصعد ~~جماعة منهم السور وعليه فريق من الزنج، فقتلوهم، وسمع العلوي فجهز أصحابه ~~لحربهم، فلما رأى أبوالعباس اجتماعهم وحشدهم لحربه مع قلة أصحابه، رحل ~~فأرسل إلى الموفق يستمده، فأتاه من خف من الغلمان، فظهروا على الزنج ~~فهزموهم. وكان سليمان بن جامع لما رأى ظهور أبي العباس سار في النهر مصعدا ~~في جمع كبير، ثم أتى أصحاب أبي العباس من خلفهم، وهم يحاربون من بإزائهم، ~~وخففت طبوله، فانكشف أصحاب أبي العباس، ورجع عليهم من كان انهزم عنهم من ~~الزنج، فأصيب جماعة من غلمان الموفق وغيرهم، فأخذ الزنج عدة أعلام، وحامى ~~أبوالعباس عن أصحابه، فسلم أكثرها ثم انصرف. وطمع الزنج بهذه الوقعة، وشدت ~~قلوبهم، فأجمع الموفق على العبور إلى مدينتهم بجيوشه أجمع، وأمر الناس ~~بالتأهب، وجمع المعابر والسفن وفرقها عليهم، وعبر يوم الأربعاء لست بقين من ~~ذي الحجة، وفرق أصحابه على المدينة ليضطر الخبيث إلى تفرقة أصحابه، وقصد ~~الموفق إلى ركن من أركان المدينة، وهوأحصن ما فيهأن وقد أنزله الخبيث ابنه، ~~وهوانكلاي، وسليمان ابن جامع، وعلي بن أبان وغيرهم، وعليه من المجانيق ~~والآلات للقتال ما ms2568 لا حد له. PageV03P0315 # فلما التقى الجمعان أمر الموفق غلمانه بالدنومن ذلك الركن، وبينهم وبين ~~ذلك السور نهر الأتراك، وهونهر عريض كثير الماء، فأحجموا عنه، فصاح بهم ~~الموفق، وحرضهم على العبور، فعبروا سباحة، والزنج ترميهم بالمجانيق، ~~والمقاليع، والحجارة، والسهام، فصبروا حتى جاوزوا النهر وانتهوا إلى السور ~~ولم يكن عبر معهم من الفعلة من كان أعد لهدم السور، فتولى الغلمان تشعيث ~~السور بما كان معهم من السلاح، وسهل اله تعالى ذلك، وكان معهم بعض ~~السلاليم، فصعدوا على ذلك الركن، ونصبوا علما من أعلام الموفق، فانهزم ~~الزنج عنه، وأسلموه بعد قتال شديد، وقتل من الفريقين خلق كثير؛ ولما علا ~~أصحاب الموفق السور أحرقوا ما عليه من منجنيق وقوس وغير ذلك. وكان ~~أبوالعباس قصد ناحية أخرى، فمضى علي بن أبان إلى مقاتلته، فهزمه أبوالعباس، ~~وقتل جمعا كثيرا من أصحابه ونجا علي، ووصل أصحاب أبي العباس إلى السور، ~~فثلموا فيه ثلمة ودخلوه، فلقيهم سليمان ابن جامع، فقاتلهم حتى درهم إلى ~~مواضعهم؛ ثم أن الفعلة وافوا السور فهدموه في عدة مواضع، فعملوا على الخندق ~~جسرأن فعبر عليه الناس من ناحية الموفق، فانهزم الزنج عن سور باب كانوا قد ~~اعتصموا به، وانهزم الناس معهم، وأصحاب الموفق يقتلونهم، حتى انتهوا إلى ~~نهر ابن سمعان، وقد صارت دار ابن سمعان في أيدي أصحاب الموفق، فأحرقوهأن ~~وقاتلهم الزنج هناك، ثم انهزموا حتى بلغوا ميدان الخبيث، فركب في جمع من ~~أصحابه، فانهزم أصحابه عنه، وقرب منه بعض رجالة الموفق، فضرب وجه فقرسه ~~بترسه، وكان ذلك مع مغيب الشمس، فأمر الموفق الناس بالجوع، فرجعوا ومعهم من ~~رؤوس أصحاب الخبيث شيء كثير. وكان قد استأمن إلى أبي العباس أول النهار نفر ~~من قواد الخبيث، فتوقف عليهم حتى حملهم في السفن، وأظلم الليل، وهبت ريح ~~عاصف، وقوي الجزر، فلصق أكثر السفن بالطين، فخرج جماعة من الزنج فنالوا ~~منهأن وقتلوا فيها نفرأن وكان بهبود بإزاء مسرور البلخي، فأوقع بأصحاب ~~مسرور، وقتل منهم جماعة، وأسر جماعة، فكسر ذلك من نشاط أصحاب الموفق. وكان ~~بعض أصحاب الخبيث ms2569 قد انهزم على وجهه نحونهر الأمير، والقندل، وعبادان، وهرب ~~جماعة من الأعراب إلى البصرة، وأرسلوا يطلبون الأمان فأمنهم الموفق، وخلع ~~عليهم وأجرى الأرزاق عليهم، وكان ممن رغب في الأمان من قواد الفاجر ريحان ~~بن صالح المغربي، وكان من رؤساء أصحابه، أرسل يطلب الأمان، وأن يرسل جماعة ~~إلى مكان ذكره ليخرج إليهم، ففعل الموفق، فصار إليه فخلع عليه، واحسن إليه ~~ووصله، وضمه إلى أبى العباس، واستأمن من بعده جماعة من أصحابه؛ وكان خروج ~~ريحان لليلة بقيت من ذي الحجة من السنة. ### || AUT ذكر الحرب بين الخوارج ببلد الموصل # في هذه السنة كان بين هارون الخارجي وين محمد بن خرزاد، وهومن الخوارج ~~أيضا وقعة ببعدرى من أعمال الموصل. وسبب ذلك أنا قد ذكرنأن سنة ثلاث وستين ~~ومائتين، الحرب الحادثة بين هارون ومحمد بعد موت مساور، فلما كان إلى جمع ~~محمد بن خرزاد أصحابه وسار إلى هارون محاربا له، فنزل واسط، وهي محلة ~~بالقرب من الموصل، وكان يركب البقر لئلا يفر من القتال، ويلبس الصوف ~~الغليظ، ويرفع ثيابه، وكان كثير العبادة والنسك، ويجلس على الأرض ليس بينها ~~وبينه حائل. فلما نزل واسط خرج إليه وجوه أهل الموصل وكان هارون بمعلثايا ~~يجمع لحرب محمد، فلما سمع بنزول محمد عند الموصل سار إليه ورحل ابن خرزاد ~~نحوه، فالتقوا بالقرب من قرية شمرخ، واقتتلوا قتالا شديدا كان فيه مبارزة ~~وحملات كثيرة، فانهزم هارون، وقتل من أصحابه نحومائتي رجل، منهم جماعة من ~~الفرسان المشهورين، ومضى هارون منهزمأن فعبر دجلة إلى العرب قاصدا بني ~~تغلب، فنصروه واجتمعوا إليه، ورجع ابن خرزاد من حيث أقبل، وعاد هارون إلى ~~الحديثة، فاجتمع عليه خلق كثير، وكاتب أصحاب ابن خرزاد، واستمالهم، فأتاه ~~منهم الكثير، ولم يبق مع ابن خرزاد إلا عشيرته من الشمردلية، وهم من أهل ~~شهرزور، وإمنا فارقه أصحابه لأنه كان خشن العيش، وهوببلد شهرزور، وهوبلد ~~كثير الأعداء، من الأكراد وغيرهم. PageV03P0316 # وكان هارون ببلد الموصل قد صلح حاله وحال أصحابه، فلما رأى أصحاب ابن ~~خرزاد ذلك مالوا إليه وقصدوه، وواقع ابن ms2570 خرزاد بنواحي شهرزور الأكراد ~~الجلالية وغيرهم، فقتل، وتفرد هارون بالرئاسة على الخوارج، وقوي وكثر ~~أتباعه، وغلبوا على القرى والرساتيق، وجعلوا على دجلة من يأخذ الزكاة من ~~الأموال المنحدرة والمصعدة، وبثوا نوابهم في الرساتيق يأخذون الأعشار من الغلات. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ابتدر ابن حفصون بالأندلس بالخلاف على محمد بن عبد الرحمن، ~~صاحب الأندلس، بناحية رية، فخرج إليه جيش من تلك الناحية مع عاملهأن ~~فقاتله، فانهزم صاحب الأندلس، وقوي أمر عمر بن حفصون، وشاع ذكره، وأتاه من ~~يريد الشر والفساد، فسير محمد، صاحب الأندلس، عاملا آخر في جيش، فصالحه ~~عمر، فطلب الهامل كل من كان له أثر في مساعدة عمر، فأهلكه، وفيهم من أبعده، ~~فاستقامت تلك الناحية. وفيها كانت زلزلة عظيمة بالشام، ومصر، وبلاد ~~الجزيرة، وإفريقية، والأندلس، وكان قبلها هدة عظيمة قوية. وفيها ولي جزيرة ~~صقلية الحسن بن العباس، فبث السرايا إلى كل ناحية، وخرج إلى قطانية فأفسد ~~زرعها وزرع طبرمين، وقطع أشجارهأن وسار إلى بقارة فأفسد زرعهأن وانصرف إلى ~~بلرم، وأخرجت الروم سرايا فأصابوا من المسلمين كثيرأن وذلك أيام الحسن بن ~~العباس. وفيها حبس السلطان محمد بن عبد الله بن طاهر وعدة من أهل بيته، بعد ~~ظفر الخجستاني بعمر بن الليث، وكان عمرواتهمه بمكاتبة الخجستاني والحسين بن ~~طاهر، حيث كان يذكر أنه على منابر خراسان. وفيها كانت بين كيغلغ التركي ~~وبين أصحاب أحمد بن عبد العزيز ابن أبي دلف حرب انهزم فيها أصحاب أحمد، ~~وسار كيغلغ إلى همذان، فوافاه أحمد بن عبد العزيز فيمن اجتمع إليه من ~~أصحابه، فانهزم كيغلغ وانحاز إلى الصيمرة. وفيها في ربيع الآخر أم حبيب بنت ~~الرشيد. وفيها كانت وقعة بين إسحاق بن كنداجيق، وإسحاق بن أيوب، وعيسى ابن ~~الشيخ، وأبي المغر، وحمدان بن حمدون، ومن اجتمع إليهم من ربيعة، وتغلب، ~~وبكر، واليمن، فهزمهم ابن كنداجيق إلى نصيبين، وتبعهم إلى آمد، وخلف على ~~آمد من حصر عيسى، فكانت بينهم وقعات عند آمد. وفيها دخل الخجستاني نيسابور، ~~وانهزم عمروبن الليث وأصحابه، فأساء السيرة في ms2571 أهلهأن وهدم دور معاذ بن ~~مسلم، وضرب من قدر عليه منهم وترك ذكر محمد بن طاهر، ودعا للمعتمد ولنفسه. ~~وفيها في شوال كانت لأصحاب أبي الساج وقعة بالهيصم العجلي قتلوا فيها ~~مقدمته، وغمنوا عسكره. وفيها أقبل بن عبد اله الخجستاني يريد العراق، فبلغ ~~سمنان، وتحصن منه أهل الري، فرجع إلى خراسان. وفيها رجع حلق ثير من الحجاج ~~من طريق مكة لشدة الحر، ومضى خلق كثير، فمات منهم عالم عظيم من الحر ~~والعطش، وذاك كله في البيداء، وأوقعت فزارة فيها بالتجار، فأخذ فيما قيل ~~سبع مائة حمل بز. وفيها نفي الطباع من سامرأن وفيها ضرب الخجستاني لنفسه ~~دنانير ودراهم. وحج بالناس هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى ~~الهاشمي. وفيها توفي محمد بن حماد بن بكر بن حماد أبوبكر المقرئ، صاحب خلف ~~بن هشام، في ربيع الآخر، ببغداد. ### | AUT حوادث سنة ثمان وستين ومائتين # ### || AUT ذكر أخبار الزنج # في هذه السنة في المحرم خرج إلى الموفق من قواد الخبيث جعفر بن إبراهيم ~~المعروف بالسحان، وكان من ثقات الخبيث، فاتاع لذلك، وخلع عليه الموفق، ~~وأحسن إليه، وحمله في سميرية إلى إزاء قصر الخبيث، فكلم الناس من أصحابه، ~~وأخبرهم أنهم في غرور، وأعلمهم بما وقف عليه من كذب الخبيث وفجوره، فاستأمن ~~في ذلك اليوم خلق كثير من قواد الزنج وغيرهم، فاحسن إليهم الموفق، وتتابع ~~الناس في طلب الأمان. ثم أقام الموفق لا يحارب ليريح أصحابه إلى شهر ربيع ~~الآخر، فلما انتصف ربيع الآخر قصد الموفق إلى مدينة الخبيث، وفرق قواده على ~~جهاتهأن وجعل مع كل طائفة منهم من النقابين جماعة لهدم السور، وتدم إلى ~~جميعهم أن لا يزيدوا على هدم السور، ولا يدخلوا المدينة، وتقدم إلى الرماة ~~أن يحموا بالسهام من يهدم السور وينقبه، فتقدموا إلى المدينة من جهاتها ~~وقابلوهأن فوصلوا إلى السور، وثلموه في مواضع كثيرة. PageV03P0317 # ودخل أصحاب الموفق من جميع تلك الثلم، وجاء أصحاب الخبيث يحاربونهم، ~~فهزمهم أصحاب الموفق وتبعوهم حتى أوغلوا في طلبهم، فاختلفت بهم طرق ~~المدينة، فبلغوا ms2572 أبعد من الموضع الذي وصلوا إليه في المرة الأولى، وأحرقوأن ~~وأسروأن وتراجع الزنج عليهم، وخرج الكمناء من مواضع يعرفونها ويجهلها ~~الآخرون، فتحيروأن ودافعوا عن أنفسهم، وتراجعوا نحودجلة بعد أن قتل منهم ~~جماعة، وأخذ الزنج أسلابهم. ورجع الموفق إلى مدينته، وأمر بجمعهم، فلامهم ~~على مخالفة أمره، والإفساد عليه من رأيه وتدبيره، وأمر بإحصاء من فقد، وأقر ~~ما كان لهم من رزق على أولادهم وأهليهم، فحسن ذلك عندهم وزاد في صحة نياتهم. ### || AUT ذكر الوقعة بين المعتضد والأعراب # وفي هذه السنة أوقع أبوالعباس أحمد بن الموفق، وهوالمعتضد بالله، بقوم ~~من الأعراب كانوا يحملون الميرة إلى عسكر الخبيث، فقتل منهم جماعة، وأسر ~~الباقين، وغمن ما كان معهم، وأرسل إلى البصرة من أقام بها لأجل قطع الميرة. ~~وسير الموفق رشيقأن مولى أبي العباس، فأوقع بقوم من بني تميم كانوا يجلبون ~~الميرة إلى الخبيث، فقتل أكثرهم، وأسر جماعة منهم، فحمل الأسرى والرؤوس إلى ~~الموفقية، فأمر بهم الموفق، فوقفوا بإزاء عسكر الزنج، وكان فيهم رجل يسفر ~~بين صاحب الزنج والأعراب بجلب الميرة، فقطعت يده ورجله، وألقي في عسكر ~~الخبيث، وأمر بضرب أعناق الأسارى، وانقطعت الميرة بذلك عن الخبيث بالكلية، ~~فأضر بهم الحصار، وأضعف أبدانهم، فكان يسال الأسير والمستأمن عن عهده ~~بالخبز فيقول: عهدي ه منذ زمان طويل. فلما وصلوا إلى هذا الحال رأى الموفق ~~أن يتابع عليهم الحرب ليزيدهم ضرا وجهدأن فكثر المستأمنون في هذا الوقت، ~~وخرج كثير من أصحاب الخبيث، فتفرقوا في القرى والأنهار البعيدة في طلب ~~القوت، فبلغ ذلك الموفق، فأمر جماعة من قواد غلمانه السودان بقصد تلك ~~المواضع ودعوة من بها إليه، فمن أبى قتلوه، فقتلوا نهم خلقا كثيرا وأتاه ~~أكثر منهم. فلما كثر المستأمنون عند الموفق عرضهم، فمن كان ذا قوة وجلد ~~أحسن إليه وخلطهم بغلمانه، ومن كان منهم ضعيفأن أوشيخأن أوجريحا قد أزمنته ~~الجراحة كساه، وأعطاه دراهم، وأمر به أن يحمل إلى عسكر الخبيث فيلقى هناك، ~~ويؤمر بذكر ما رأى من إحسان الموفق إلى من صار إليه، وأن ذلك رأيه فيهم، ms2573 ~~فتهيأ له بذلك ما أراد من استمالة أصحاب الخبيث. وجعل الموفق وابنه ~~أبوالعباس يلازمان قتال الخبيث تارة هذا وتارة هذأن وجرح أبوالعباس ثم برأ. ~~وكان من جملة من قتل من أعيان قواد الخبيث: بهبود بن عبد الوهاب، وكان كثير ~~الخروج في السميريات، وكان ينصب عليها أعلاما تشبه أعلام الموفق، فإذا رأى ~~من يستضعفه أخذه وأخذ من ذلك مالا جزيلأن فواقعه في بعض خرجاته أبوالعباس، ~~فأفلت بعد أن أشفى على الهلاك، ثم إنه خرج مرة أخرى فرأى سميرية فيها بعض ~~أصحاب أبي العباس، فقصدها طامعا في أخذهأن فحاربه أهلهأن فطعنه غلام من ~~غلمان أبي العباس في بطنه فسقط في الماء، فأخذه أصحابه، فحملوه إلى عسكر ~~الخبيث، فمات قبل وصوله، فأراح الله المسلمين من شره. وكان قتله من أعظم ~~الفتوح، وعظمت الفجيعة على الخبيث وأصحابه، واشتد جزعهم عليه، وبلغ الخبر ~~الموفق بقتله، فأحضر ذلك الغلام، فوصله، وكساه، وطوقه، وزاد في أرزاقه، ~~وفعل بكل من كان معه في تلك السميرية نحوذلك؛ ثم ظفر الموفق بالدوابني وكان ~~ممايلا لصاحب الزنج. ### || AUT ذكر أخبار رافع بن هرثمة # لما قتل أحمد بن عبد الله الخجستاني، على ما ذكرناه، وكان قتله هذه ~~السنة، اتفق أصحابه على رافع بن هرثمة فولوه أمرهم. وكان رافع هذا من أصحاب ~~محمد بن طاهر بن عبد اله بن طاهر، فلما استولى يعقوب بن الليث على نيسابور، ~~وأزال الطاهرية، صار رافع في جملته، فلما عاد يعقوب إلى سجستان صحبه رافع؛ ~~وكان طويل الحية، كريه الوجه، قليل الطلاقة، فدخل يوما على يعقوب، فلما خرج ~~من عنده قال: أنا لا أميل إلى هذا الرجل، فليلحق بما شاء من البلاد؛ فقيل ~~له ذلك، ففارقه وعاد إلى منزله بتامين، وهي من باذغيس، وأقام به إلى أن ~~استقدمه الخجستاني، على ما ذكرناه، وجعله صاحب جيشه. PageV03P0318 # فلما قتل الخجستاني اجتمع الجيش عليه، وهوبهراة، فأمروه كما ذكرناه، وسار ~~رافع من هراة إلى نيسابور، وكان أبوطلحة بن شركب قد وردها من جرجان، فحصره ~~فيها رافع وقطع الميرة عنه وعن نيسابور، فاشتد ms2574 الغلاء بها ففارقها أبوطلحة، ~~ودخلها رافع فأقام بها وذلك سنة تسع وستين ومائتين، فسار أبوطلحة إلى مرو، ~~وولى محمد بن مهتدي هراة، وخطب لمحمد ابن طاهر بمرووهراة، فقصده عمروبن ~~الليث، فحاربه، فهزمه، واستخلف عمروبمرومحمد بن سهل بن هاشم، وعاد عنهأن ~~وخرج شركب إلى بيكند، واستعان بإسماعيل بن أحمد الساماني، فأمده بعسكره، ~~فعاد إلى مرو، فأخرج عنها محمد بن سهل، وأغار على أهل البلد، وخطب لعمروبن ~~الليث، وذلك في شعبان سنة إحدى وسبعين. وقلد الموفق تلك السنة أعمال خراسان ~~محمد بن طاهر، وكان ببغداد، فاستخلف محمد على أعماله رافع بن هرثمة، ما خلا ~~ما وراء النهر فإنه أقر عليه نصر بن أحمد، ووردت كتب الموفق إلى خراسان ~~بذلك، وبعزل عمروبن الليث ولعنه، فسار رافع إلى هراة وبها محمد بن مهتدي، ~~خليفة أبي طلحة شركب، فقتله يوسف بن معبد وأقام بهراة، فلما وافاه رافع ~~استأمن إله يوسف فأمنه، وعفا عنه، فاستعمل على هراة مهدي بن محسن، فاستمد ~~رافع إسماعيل بن أحمد، فسار إليه بنفسه في أربعة آلاف فارس، واستقدم رافع ~~أيضا علي بن الحسين المروروذي، فقدم عليه، فساروا بأجمعهم إلى شركب، ~~وهوبمرو، فحاربوه فهزموه، وعاد إسماعيل إلى محازل وذلك سنة اثنتين وسبعين ~~ومائتين، فسار شركب إلى هراة، فطابقه مهدي وخالف رافعأن فقصدهما رافع ~~فهزمهما. وأما شركب فإنه لحق بعمروبن الليث؛ وأما مهدي فإنه اختفى في سرب، ~~فدل عليه رافع، فأخذه وقال له: تبا لك يا قليل الوفاء! ثم عفا عنه وخلى ~~سبيله، وسار رافع إلى خوارزم سنة اثنتين وسبعين فجبى أموالها ورجع إلى نيسابور. ### || AUT ذكر الحوادث بالأندلس وبإفريقية # في هذه السنة سير محمد بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، جيشا مع ابنه ~~المنذر إلى المخالفين عليه، فقصد مدينة سرقسطة، فأهلك زرعهأن وخرب بلدهأن ~~وافتتح حصن روطة، فأخذ منه عبد الواحد الروطي، وهومن أشجع أهل زمانه، وتقدم ~~إلى دير تروجة، وبلد محمد بن مركب بن موسى، فهتكا بالغارة، وقصد مدينة ~~لاردة وقرطاجنة فكان فيها إسماعيل بن موسى، فحاربه، فأذعن إسماعيل بالطاعة، ~~وترك الخلاف ms2575 وأعطى رهائنه على ذلك، وقصد مدينة أنقرة وهي للمشركين، فافتتح ~~هنالك حصونا وعاد. وفيها أوقع إبراهيم بن أحمد بن الأغلب بأهل بلد الزاب، ~~وكان قد حضر وجوههم عنده، فأحسن إليهم، ووصلهم، وكساهم، وحملهم، ثم قتل ~~أكثرهم، حتى الأطفال، وحملهم على العجل إلى حفرة فألقاهم فيها. وفيها سارت ~~سرية بصقلية مقدمها رجل يعرف بأبي الثور، فلقيهم جيش الروم، فأصيب المسلمون ~~كلهم غير سبعة نفر، وعزل الحسن بن العباس عن صقلية، ووليها محمد بن الفضل، ~~فبث السرايا في كل ناحية من صقلية وخرج هوفي حشد وجمع عظيم، فسار إلى مدينة ~~قطانية فأهلك زرعهأن ثم رحل إلى أصحاب الشلندية فقاتلهم، فأصاب فيهم فأكثر ~~القتل، ثم رحل إلى طبرمين فافسد زرعهأن ثم رحل فلقي عساكر الروم، فاقتتلوأن ~~فانهزم الروم، وقتل أكثرهم فكانت عدة القتلى ثلاثة آلاف قتيل، ووصلت رؤوسهم ~~إلى بلرم. ثم سار المسلمون إلى قلعة كان الروم بنوها عن قريب، وسموها مدينة ~~الملك، فملكها المسلمون عنوة، وقتلوا مقاتليهأن وسبوا من فيها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها سار عمروبن الليث إلى فارس لحرب عاملها محمد بن الليث عليهأن فهزمه ~~عمرو، واستباح عسكره، ونجا محمد، ودخل عمرواصطخر فنهبها وأصحابه، ووجه في ~~طلب محمد، فظفر به، وأخذه أسيرأن ثم سار إلى شيراز فأقام بها. وفيها زلزلت ~~بغداد في ربيع الأول، ووقع بها أربع صواعق. وفيها زحف العباس بن أحمد بن ~~طولون لحرب أبيه فخرج إليه أبوه إلى الاسكندرية، فظفر به، ورده إلى مصر، ~~فرجع معه إليهأن وقد تقدم خبره سابقا. وفيها أوقع أخوشركب بالخجستاني واخذ ~~أمه. وفيها وثب ابن شبث بن الحسين، فأسر عمر بن سيما عامل حلوان. ~~PageV03P0319 # وفيها انصرف أحمد بن أبي الأصبع من عند عمروبن الليث، وكان عمروقد أنفذه ~~إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، فقدم معه بمال، فأرسل عمروإلى الموفق ~~من المال ثلاثمائة ألف دينار، وخمسين مناص مسكأن وخمسين منا عنبرأن ومائتي ~~من عود، وثلثمائة ثوب وشي، وآنية ذهب وفضة، ودواب، وغلمانا بقيمة مائتي ألف ~~دينار. وفها ولي كيغلغ الخليل بن ms2576 رمال حلوان، فنالهم بالمكاره بسبب عمر ابن ~~سيمأن وأخذهم بجزيرة ابن شبث، وضمنوا له خلاص عمر وإصلاح ابن شبث. وفيها ~~كانت وقعة بين أذكوتكين بن أساتكين وبين أحمد بن عبد العزيز ابن أبي دلف، ~~فهزمه أذكوتكين، وغلبه على قم. وفيها وجه عمروبن الليث قائدا بأمر أبي احمد ~~إلى محمد بن عبيد الله الكردي، فأسره القائد وحمله إليه. وفيها في ذي ~~القعدة، خرج بالشام رجل من ولد عبد الملك بن صالح الهاشمي يقال له بكار بين ~~سلمية وحلب وحمص، فدعا لأبي أحمد، فحاربه ابن عباس الكلابي، فانهزم ~~الكلابي، فوجه إليه لؤلؤ صاحب ابن طولون قائدا يقال له يوذر في عسكر، فرجع ~~وليس معه كبير أمر. وفيها اظهر لؤلؤ الخلاف على مولاه أحمد بن طولون. وفيها ~~قتل أحمد بن عبد الله الخجستاني في ذي الحجة، قتله غلام له. وفيها قتل ~~أصحاب أبي الساج محمد بن علي بن حبيب اليشكري بالقرية، بناحية واسط، ونصب ~~رأسه ببغداد. وفيها حارب محمد بن كيجور علي بن الحسين كفتمر، فأسر ككفتمر، ~~ثم أطلقه، وذلك في ذي الحجة. وفيها سار أبوالمغيرة المخزومي إلى مكة، ~~وعاملها هارون بن محمد الهاشمي، فجمع هارون جمعا احتمى بهم، فسار المخزومي ~~إلى مشاش فغور ماءهأن وإلى جدة فنهب الطعام، وأحرق بيوت أهلهأن فصار الخبز ~~بمكة: أوقيتان بدرهم. وفيها خرج ملك الروم المعروف بابن الصقلبية، فنازل ~~ملطية، فأعانهم أهل مرعش والحدث، فانهزم ملك الروم. وغزا الصائفة، من ناحية ~~الثغور الشامية، الفرغاني، عامل ابن طولون، فقتل من الروم بضعة عشر ألفا، ~~وغمن الناس، فبلغ السهم أربعين دينارا. وحج بالناس فيها هارون بن محمد بن ~~إسحاق الهاشمي، وابن أبي الساج على الأحداث والطريق. وفيها مات محمد بن عبد ~~الله بين عبد الحكم، والبصري، الفقيه المالكي، وكان قد صحب الشافعي، وأخذ عنه العلم. ### | AUT حوادث سنة تسع وستين ومائتين # ### || AUT ذكر أخبار الزنج # وفي هذه السنة رمي الموفق بسهم في صدره؛ وكان سبب ذلك أن بهبود لما هلك ~~طمع العلوي في ما له من الأموال، وكان قد ms2577 صح عنده أن ملكه قد حوى مائتي ألف ~~دينار، وجوهرأن وفضه، فطلب ذلك، واخذ أهله وأصحابه فضربهم، وهدم أبنيته ~~طمعا في المال، فلم يجد شيئأن فكان فعله مما أفسد قلوب أصحابه عليه، ودعاهم ~~إلى الهرب منه، فأمر الموفق بالنداء بالأمان في أصحاب بهبود، فسارعوا إليه ~~فألحقهم في العطاء بمن تقدم. ورأى الموفق ما كان يتعذر عليه من العبور إلى ~~الزنج في الأوقات التي تهب فيها الرياح لتحرك الأمواج، فعزم على أن يوسع ~~لنفسه ولأصحابه موضعا في الجانب الغربي، فأمر بقطع النخل وإصلاح المكان وأن ~~يعمل له الخنادق والسور ليأمن البيات، وجعل حماية العمالين فيه نوبا على ~~قواده. فعلم صاحب الزنج وأصحابه أن الموفق إذا جاورهم قرب على من يريد ~~اللحاق به المسافة مع ما يدخل قلوب أصحابه من الخوف، وانتقاض تدبيره عليه، ~~فاهتموا بمنع الموفق من ذلك وبذل الجهد فيه، وقاتلوا أشد قتال، فاتفق أن ~~الريح عصفت في بعض تلك الأيام وقائد من القواد هناك، فانتهز الخبيث الفرصة ~~في إنفاذ هذا القائد وانقطاع المدد عنه، فسير إليه جميع أصحابه، فقاتلوه، ~~فهزموه، وقتلوا كثيرا من أصحابه، ولم تجد الشذوات التي لأصحاب الموفق سبيلا ~~إلى القرب منهم خوفامن الزنج أن تلقيها على الحجارة فتنكسر، فغلب الزنج ~~عليهم، وأكثروا القتل والأسر، ومن سلم منهم ألقى نفسه في الشذوات وعبروا ~~إلى الموفقية، فعظم ذلك على الناس. PageV03P0320 # ونظر الموفق فرأى أن نزلوه بالجانب الغربي لا يأمن عليه حيلة الزنج ~~وصاحبهم، وانتهاز فرصة، لكثرة الأدغال، وصعوبة المسالك، وأن الزنج أعرق ~~بتلك المضايق وأجرأ عليها من أصحابه، فترك ذلك، وجعل قصده إلى هدم سور ~~الفاسق وتوسعة الطريق والمسالك، فأمر بهدم السور من ناحية النهر المعروف ~~بمنكي، وباشر الحرب بنفسه، واشتد القتال، وكثر القتل والجراح من الجانبين، ~~ودام ذلك أياما عدة. وكان أصحاب الموفق لا يستطيعون الولوج لقنطرتين كانتا ~~في نهر منكي، كان الزنج يعبرون عليهما وقت القتال، فيأتون أصحاب الموفق من ~~وراء ظهورهم فينالون منهم، فعمل الحيلة في إزالتهمأن فأمر أصحابه بقصدهما ~~عند اشتغال الزنج وغفلتهم عن ms2578 حراستهمأن وأمرهم أن يعدوا الفؤوس والمناشير، ~~وما يحتاجون إليه من الآلات، فقصدوا القنطرة الأولى نصف النهار، فأتاهم ~~الزنج لمنعهم، فاقتتلوأن فانهزم الزنج، وكان مقدمهم أبوالندى، فأصابه سهم ~~في صدره فقتله، وقطع أصحاب الموفق القنطرتين ورجعوا. وألح الموفق على ~~الخبيث بالحرب، وهدم أصحابه من السور ما أمكنهم، ودخلوا المدينة وقاتلوا ~~فيهأن وانتهوا إلى داري ابن سمعان وسليمان بن جامع، فهدموهما ونهبوا ما ~~فيهمأن وانتهوا إلى سويقة للخبيث، سماها الميمونة، فهدمت وأخربت، وهدموا ~~دار الحياتي، وانتهبوا ما كان فيها من خزائن الفاسق، وتقدموا إلى الجامع ~~ليهدموه، فاشتدت محاماة الزنج عنه، فلم يصل إليه أصحاب الموفق لأنه كان قد ~~خلص مع الخبيث نخبة أصحابه وأرباب البصائر، فكان أحدهم يقتل، أويجرح، ~~فيجذبه الذي إلى جنبه ويقف مكانه. فلما رأى الموفق ذلك أمر أبا العباس بقصد ~~الجامع مع أحد أركانه بشجعان أصحابه، وأضاف إليهم الفعلة للهدم، ونصب ~~السلاليم، فعل ذلك، وقاتل عليه أشد قتال، فوصلوا إليه، فهدموه، فاخذ منبره، ~~فأتي به الموفق؛ ثم عاد الموفق لهدم السور فأكثر منه، وأخذ أصحابه دواوين ~~الخبيث وبعض خزائنه، فظهر للموفق أمارات الفتح، فإنهم لعلى ذلك إذ وصل سهم ~~إلى الموفق فأصابه في صدره، رماه به رومي كان مع صاحب الزنج، اسمه قرطاس، ~~وذلك لخمس بقين من جمادى الأولى، فستر الموفق ذلك، وعاد إلى مدينته وبات، ~~ثم عاد إلى الحرب على ما به من ألم الجراح ليشتد بذلك قلوب أصحابه، فزاد ف ~~علته، وعظم أمرهأن حتى خيف عليه. واضطرب العسكر والرعية وخافوأن فخرج من ~~مدينته جماعة، وأتاه الخبر، وهوفي هذه الحال، بحادث في سلطانه، فأشار عليه ~~أصحابه وثقاته بأن يعود إلى بغداد ويخلف من يقوم مقامه، فأبى ذلك، وخاف أن ~~يستقيم من حال الخبيث ما فسد، واحتجب عن الناس مدة، ثم برأ من علته، وظهر ~~لهم، ونهض لحرب الخبيث، وكان ظهوره في شعبان من هذه السنة. ### || AUT ذكر إحراق قصر صاحب الزنج # لما صح الموفق من جراحه عاد إلى ما كان عليه من محاربة العلوي، وكان قد ~~أعاد بناء ms2579 بعض الثلم في السور، فأمر الموفق بهدم ذلك، وهدم ما يتصل به. ~~وركب في بعض العشايأن وكان القتال، ذلك اليوم، متصلا مما يلي نهر منكي، ~~والزنج مجتمعون فيه قد شغلوا بتلك الجهة، وظنوا أنهم لا يأتون إلا منهأن ~~فأتى الموفق ومعه الفعلة، وقرب من نهر منكي وقاتلهم، فلما اشتدت الحرب أمر ~~الذين بالشذوات بالمسير إلى أسفل نهر أبي الخصيب، وهوفارغ من المقاتلة ~~والرجالة، فقدم أصحاب الموفق، وأخرجوا الفعلة، فهدموا السور من تلك ~~الناحية، وصعد المقاتلة فقتلوا في النهر مقتلة عظيمة، وانتهوا إلى قصور من ~~قصور الزنج فأحرقوهأن وانتهبوا ما فيهأن واستنقذوا عددا كثيرا من النساء ~~اللواتي كن فيهأن وغمنوا منها. وانصرف الموفق، عند غروب الشمس، بالظفر ~~والسلامة، وبكر إلى حربهم، وهدم السور، فأسرع الهدم حتى اتصل بدار الكلابي ~~وهي متصلة بدار الخبيث، فلما أعيت الخبيث الحبل أشار عليه علي بن أبان ~~بإجراء الماء على السباخ، وأن يحفر خنادق في مواضع عدة يمنعهم عن دخول ~~المدينة، ففعل ذلك؛ فرأى الموفق أن يجعل قصده لطم الخنادق، والأنهار، ~~والمواضع المغورة فدام ذلك، فحامى عنه الخبثاء، ودامت الحرب، ووصل إلى ~~الفريقين من القتل والجراح أمر عظيم، وذلك لتقارب ما بين الفريقين. ~~PageV03P0321 # فلما رأى شدة الأمر من هذه الناحية قصد لإحراق دار الخبيث، والهجوم عليها ~~من دجلة، فكان يعوق عن ذلك كثرة ما أعد الخبيث لها من المقاتلة والحماة عن ~~داره، فكانت الشذا إذا قربت من قصره رميت من فوق القصر بالسهام، والحجارة ~~من المنجنيق والمقالع، وأذيب الرصاص وأفرغ عليهم، فتعذر إحراقها لذلك، فأمر ~~الموفق أن تسقف الشذا بالأخشاب، ويعمل عليها الجبس ويطلى بالأدوية التي ~~تمنع النار من إحراقهأن ففرغ منهأن ورتب فيها أنجاد أحابه، ومن النفاطين ~~جمعا كثيرا. واستأمن إلى الموفق محمد بن سمعان، كاتب الخبيث، وكان أوثق ~~أصحابه في نفسه، وكان سبب اسئمانه أن الخبيث أطلعه إلى انه عازم على الخلاص ~~وحده بغير أهل ولا مال، فلما رأى ذلك من عزمه أرسل يطلب الأمان، فأمنه ~~الموفق وأحسن إليه، وقيل: كان سبب خروجه أنه ms2580 كان كارها لصحبة الخبيث، مطلعا ~~على كفره وسوء باطنه، ولم يمكنه التخلص منه إلى الآن ففارقه، وكان خروجه ~~عاشر شعبان. فلما كان الغد بكر الموفق إلى محاربة الخبثاء، فأمر أبا العباس ~~بقصد دار محمد الكرنابي، وهي بإزاء دار الخبيث، وإحراقها وما يليها من ~~منازل قواد الزنج، ليشغلهم بذلك عن حماية دار الخبيث، وأمر المرتبين في ~~الشذا المطلية بقصد دار الخبيث وإحراقهأن ففعلوا ذلك، وألصقوا شذواتهم بسور ~~قصره، وحاربهم الفجرة أشد حرب، ونضحوهم بالنيران، فلم تعمل شيئأن واحرق من ~~القصر الرواشين والأبنية الخارجة، وعملت النار فيهأن وسلم الذين كانوا في ~~الشذا مما كان الخبثاء يرسلونه عليهم بالظلال التي كانت في الشذأن وكان ذلك ~~سببا لتمكينهم من قصره. وأمر الموفق الذين في الشذا بالرجوع، فرجعوأن فأخرج ~~من كان فيها ورتب غيرهم، وانتظر إقبال المد وعلوه، فلما أقبل عادت الشذا ~~إلى قصره، وأحرقوا بيوتا منه كانت تشرع على دجلة، فأضرمت النار فيهأن ~~واتصلت، وقويت، فأعجلت الخبيث ومن كان معه عن التوقف على شيء مما كان له من ~~الأموال والذخائر وغير ذلك، فخرج هاربأن وتركه كله. وعلا غلمان الموفق قصره ~~مع أصحابهم، فانتهبوا ما لم تأت النار عليه من الذهب والفضة والحلي وغير ~~ذلك، واستنقذوا جماعة ن النساء اللواتي كان الخبيث يأنس بهن ممن كان ~~استرقهن، ودخلوا دوره ودور ابنه انكلاي، فاحرقوها جميعأن وفرح الناس بذلك، ~~وتحاربوا هم وأصحاب الخبيث على باب قصره، فكثر القتل في أصحابه، والجراح ~~والأسر، وفعل أبوالعباس في دار الكرنابي من النهب والهدم والإحراق مثل ذلك، ~~وقطع أبوالعباس، يومئذ، سلسلة عظيمة كان الخبيث قطع بها نهر أبي الخصيب ~~ليمنع الشذا من دخوله، فحازها أبوالعباس وأخذها معه. وعاد الموفق بالناس مع ~~المغرب مظفرأن وأصيب الفاسق في ماله ونفسه وولده، ومن كان عنده من نساء ~~المسلمين، مثل الذي أصاب المسلمين منه من الذعر والجلاء وتشتت الشمل ~~والمصيبة، وجرح ابنه انكلاي في بطنه جراحة أشفى منها على الهلاك. ### || AUT ذكر غرق نصير # وفي يوم الأحد لعشر بقين من شعبان غرق أبوحمزة نصير، وهوصاحب ms2581 الشذوات. ~~وكان سبب غرقه أن الموفق بكر إلى القتال، وأمر نصيرا بقصد قنطرة كان الخبيث ~~عملها في نهر أبي الخصيب، دون الجسرين اللذين كان اتخذهما على النهر، وفرق ~~أصحابه من الجهات، فعجل نصير فدخل نهر أبي الخصيب، في أول المد، في عدة من ~~شذواته، فحملها الماء فألصقها بالقنطرة، ودخلت عدة من شذوات الموفق مع ~~غلمانه ممن لم يأمرهم بالدخول، فصكت شذوات نصير، وصك بعضها بعضأن ولم يبق ~~للملاحين فيها عمل. ورأى الزنج ذلك فاجتمعوا على جانبي النهر، وألقى ~~الملاحون أنفسهم في الماء خوفا من الزنج، ودخل الزنج الشذوات، فقتلوا بعض ~~المقاتلة، وغرق أكثرهم، وصابرهم نصير، حتى خاف الأسر، فقذف نفسه في الماء ~~فغرق، وأقام الموفق يومه يحاربهم، وينهبهم، ويحرق منازلهم، ولم يزل يومه ~~مستعليا عليهم. وكان سليمان بن جامع ذلك اليوم من أشد الناس قتالا لأصحاب ~~الموفق، وثبت مكانه، حتى خرج عليه كمين للموفق، فانهزم أصحابه، وجرح سليمان ~~جراحة في ساقه، وسقط لوجهه في موضع كان فيه حريق، وفيه بعض الجمر، فاحترق ~~بعض جسده، وحمله أصحابه بعد أن كاد يؤسر؛ وانصرف الموفق سالما ظافرا؛ وأصاب ~~الموفق المفاصل، فبقي به شهر شعبان، وشهر رمضان، وأياما من شوال، وأمسك عن ~~حرب الزنج، ثم برأ وتماثل فأمر بإعداد آلة الحرب. PageV03P0322 ### || AUT ذكر إحراق قنطرة العلوي صاحب الزنج # ولما اشتغل الموفق بعلته أعاد الخبيث القنطرة التي غرق عندها نصير، وزاد ~~فيها واحكمهأن ونصب دونها أدقال ساج، وألبسها الحديد، وسكر أمام ذلك سكرا ~~من حجارة ليضيق المدخل على الشذأن وتحتد جربة الماء في النهر، فندب الموفق ~~أصحابه، وسير طائفة في شرقي نهر أبي الخصيب، وطائفة غربيه، وأرسل معهما ~~النجارين والفعلة لقطع القنطرة وما جعل أمامهأن وأمر بسفن مملوءة من القصب ~~أن يصب عليها النفط، وتدخل النهر، ويلقى فيها النار ليحترق الجسر، وفرق ~~جنده على الخبثاء ليمنعوهم عن معاونة من عند القنطرة. فسار الناس إلى ما ~~أمرهم به عاشر شوال، وتقدمت الطائفتان إلى الجسر، فلقيهما انكلاي ابن ~~الخبيث، وعلي بن أبان، وسليمان بن جامع، واشتبكت الحرب ms2582 ودامت، وحامى أولئك ~~عن القنطرة لعلمهم بما عليهم في قطعها من المضرة، وأن الوصول إلى الجسرين ~~العظيمين اللذين يأتي ذكرهما بسهل. ودامت الحرب على القنطرة إلى العصر، ثم ~~إن غلمان الموفق أزالوا الخبثاء عنهأن وقطعها النجارون ونقضوها وما كان عمل ~~من الأدقال الساج، وكان قطعها قد تعذر عليهم، فادخلوا تلك السفن التي فيها ~~القصب والنفط وأضرموها نارأن فوافت القنطرة، فاحرقوهأن فوصل النجارون بذلك ~~إلى ما أرادوأن وأمكن أصحاب الشذا دخول النهر، فدخلوا وقتلوا الزنج حتى ~~أجلوهم عن مواقفهم إلى الجسر الأول الذي يتلوهذه القنطرة، وقتل من الزنج ~~خلق كثير واستأمن بشر كثير، ووصل أصحاب الموفق إلى الجسر المغرب، فكره أن ~~يدركهم الليل، فأمرهم بالرجوع فرجعوأن وكتب إلى البلدان أن يقرأ على ~~المنابر أن يؤتى المحسن على قدر إحسانه ليزدادوا جدا في حرب عدوه، وأخرب من ~~الغد برجين من حجارة كانوا عملوهما ليمنعوا الشذا من الخروج منه إذا دخلته، ~~فلما أخربهما سهل له ما أراد من دخول النهر والخروج منه. ### || AUT ذكر انتقال صاحب الزنج # ### || AUT إلى الجانب الشرقي وإحراق سوقه # لما أحرقت دوره ومساكن أصحابه، ونهبت أموالهم، وانتقوا إلى الجانب ~~الشرقي من نهر أبي الخصيب، وجمع عياله حوله، ونقل أسواقه إليه، فضعف أمره ~~بذلك ضعفا شديدا ظهر للناس، فامتنعوا من جلب الميرة إليه، فانقطعت عنه كل ~~مادة، وبلغ الرطل من خبز البر عشرة دراهم، فأكلوا الشعير وأصناف الحبوب. ثم ~~لم يزل الأمر بهم إلى أن كان أحدهم يأكل صاحبه إذا انفرد به، والقوي يأكل ~~الضعيف، ثم أكلوا أولادهم. ورأى الموفق أن يخرب الجانب الشرقي كما اخرب ~~الغربي، فأمر أصحابه بقصد دار الهمداني ومعهم الفعلة، وكان هذا الوضع محصنا ~~بجمع كثير، وعليه عرادات ومنجنيقات وقسي، فاشتبكت الحرب، وكثرت القتلى، ~~فانتصر أصحاب الموفق عليهم، وقتلوهم وهزموهم، وانتهوا إلى الدار، فتعذر ~~عليهم الصعود إليها لعلوسورهأن فلم تبلغه السلاليم الطوال، فرمى بعض غلمان ~~الموفق بكلاليب كانت معهم، فعلقوها في أعلام الخبيث وجذبوهأن فتساقطت ~~الأعلام منكوسة، فلم يشك المقاتلة عن الدار في أن أصحاب الموفق ms2583 قد ملكوهأن ~~فانهزموا لا يلوي أحد منهم على صاحبه، فأخذها أصحاب الموفق، وصعد النفاطون ~~وأحرقوها وأم كان عليها من المجانيق والعرادات، ونهبوا ما كان فيها من ~~المتاع والأثاث، وأحرقوا ما كان حولها من الدور، واستنقذوا ما كان فيها من ~~النساء، وكن عالما كثيرا من المسلمات، فحملن إلى الموفقية، وأمر الموفق ~~بالإحسان إليهن. واستأمن يومئذ من أصحاب الخبيث، وخاصته الذين يلون خدمته، ~~جماعة كثيرة، فأمنهم الموفق، وأحسن إليهم، ودلت جماعة من المستأمنة الموفق ~~على سوق عظيمة كانت للخبيث، متصلة بالجسر الأول، تسمى المباركة، وأعلموه إن ~~أحرقها لم يبق لهم سوى غيرهأن وخرج عنهم تجارهم الذين كان بهم قوامهم، فعزم ~~الموفق على إحراقهأن وأمر أصحابه بقصد السوق من جانبيها، فقصدوهأن وأقبلت ~~الزنج إليهم، فتحاربوا أشد حرب تكون، واتصلت أصحاب الموفق إلى طرف من أطراف ~~السوق وألقوا فيه النار فاحترق واتصلت النار. وكان الناس يقتتلون، والنار ~~محيطة بهم، واتصلت النار بظلال السوق فاحترقت وسقطت على المقاتلة، واحترق ~~بعضهم، فكانت هذه حالهم إلى مغيب الشمس، ثم تحاجزوأن ورجع أصحاب الموفق إلى ~~عسكرهم، وانتقل تجار السوق إلى أعلى المدينة، وكانوا قد نقلوا معظم أمتعتهم ~~وأموالهم من هذه السوق خوفا من مثل هذه. PageV03P0323 # ثم إن الخبيث فعل بالجانب الشرقي من حفر الخنادق، وتغوير الطرق، مثل ما ~~كان فعل بالجانب الغربي، بعد هذه الرقعة، واحتفر خندقا عريضا حصن به منازل ~~أصحابه التي على النهر الغربي، فرأى الموفق أن يخرب باقي السور إلى النهر ~~الغربي، فعل ذلك بعد حرب طويلة في مدة بعيدة. وكان للخبيث في الجانب الغربي ~~جمع من الزنج قد تحصنوا بالسور وهومنيع، وهم أشجع أصحابه، فكانوا يحامون ~~عنه، وكانوا يخرجون على أصحاب الموفق، عند محاربتهم، على حرى كور وما يليه. ~~وأمر الموفق أن يقصد هذا الموضع، ويخرب سوره، ويخرج من فيه، فأمر أبا ~~العباس والقواد بالتأهب لذلك، وتقدم إليهم، وأمر بالشذا أن تقرب من السور، ~~ونشبت الحرب، ودامت إلى بعد الظهر، وهدم مواضع، وأحرق ما كان عليه من ~~العرادات، وتحاجز الفريقان، وهما على السواء سوى ms2584 هدم السور، وإحراق عرادات ~~كانت عليه، فنال الفريقين من الجراح أمر عظيم. وعاد الموفق، فوصل أهل ~~البلاد والمجروحين على قدر بلائهم، وهكذا كان عمله ف محاربته، وأقام الموفق ~~بعد هذه الوقعة أيامأن ثم رأى معاودة هذا الموضع لما رأى من صحانته وشجاعة ~~من فيه وأنه لا يقدر على ما بينه وبين حرى كور إلا بعد إزالة هؤلاء، فأعد ~~الآلات، ورتب أصحابه، وقصده وقاتل من فيه، وأدخلت الشذوات النهر واشتدت ~~الحرب ودامت. وأمد الخبيث أصحابه بالمهلبي وسليمان بن جامع في جيشهمأن ~~فحملوا على أصحاب الموفق حتى ألحقوهم بسفنهم، وقتلوا منهم جماعة، فرجع ~~الموفق ولم يبلغ منهم ما أراد، وتبين له أنه كان ينبغي أن يقاتلهم من عدة ~~وجوه لتخف وطأتهم على من يقصد هذا الموضع، ففعل ذلك، وفرق أصحابه على جهات ~~أصحاب الخبيث، وسار هوإلى جهة النهر الغربي، وقاتل من فيه. وطمع الزنج بما ~~تقدم من تلك الوقعة، فصدقهم أصحاب الموفق القتال، فهزموهم، فولوا منهزمين ~~وتركوا حصنهم في أيدي أصحاب الموفق، فهدموه، وغمنوا ما فيه، وأسروأن وقتلوا ~~خلقا لا يحصى، وخلصوا من هذا الحصن خلقا كثيرا من النساء والصبيان، ورجع ~~الموفق إلى عسكره بما أراد. ### || AUT ذكر استيلاء الموفق على مدينة صاحب الزنج الغربية # لم اهدم الموفق دور الخبيث أمر بإصلاح المسالك لتتسع على المقاتلة ~~الطريق للحرب، ثم رأى قلع الجسر الأول الذي على نهر أبي الخصيب، لما في ذلك ~~من منع معاوية بعضهم بعضأن وأمر بسفينة كبيرة أن تملأ قصبا ويجعل فيه ~~النفط، ويوضع في وسطها دقل طويل يمنعها من مجاوزة الجسر إذا التصقت به، ثم ~~أرسلها عند غفلة الزنج وقوة المد، فوافت الجسر، وعلم بها الزنج، فأتوها ~~وطموها بالحجارة والتراب، ونزل بعضهم في الماء فنقبها فغرقت، وكان قد احترق ~~من الجسر شيء يسير فأطفأها الزنج. فعند ذلك اهتم الموفق بالجسر، فندب ~~أصحابه، وأعد النفاطين والفعلة والفؤوس، وأمرهم بقصده من غربي وشرقيه، وركب ~~الموفق في أصحابه، وقصد فوهة نهر أبى الخصيب، وذلك منتصف شوال سنة تسع ~~وستين، فسبق الطائفة التي ms2585 في غرب النهر، فهزم الموكلين على الجسر، وهما ~~سليمان بن جامع وانكلاي، ولد الخبيث، وأحرقوه. وأتى بعد ذلك الطائفة ~~الأخرى، ففعلوا بالجانب الشرقي مثل ذلك، وأحرقوا الجسر، وتجاوزوه إلى جانب ~~حظيرة كانت تعمل فيها سميريات الخبيث وآلاته، واحترق ذلك عن آخره، إلا شيئا ~~يسيرا من الشذوات والسميريات كانت في النهر، وقصدوا سجنا للخبيث، فقاتلهم ~~الزنج عليه ساعة من النهار، ثم غلبهم أصحاب الموفق عليه، فأطلقوا من فيه، ~~وأحرقوا كل ما مروا به إلى دار مصلح، وهومن قدماء أصحابه، فدخلوهأن فنهبوها ~~وما فيهأن وسبوا نساءه وولده، واستنقذوا خلقا كثيرأن وعاد الموفق وأصحابه ~~سالمين. وانحاز الخبيث وأصحابه من هذا الجانب إلى الجانب الشرقي من نهر أبي ~~الخصيب، واستولى الموفق على الجانب الغربي، غير طريق يسير على الجسر ~~الثاني، فاصلحوا الطرق، فزاد ذلك في رعب الخبيث وأصحابه، فاجتمع كثير من ~~أصحابه وقواده، وأصحابه الذين كان يرى أنهم لا يفارقونه، على طلب الأمان، ~~فبذل لهم، فخرجوا أرسالأن فأحسن الموفق إليهم، وألحقهم بأمثالهم. ~~PageV03P0324 # ثم إن الموفق أحب أن يتمرن أصحابه بسلوك النهر ليحرق الجسر الثاني، فكان ~~يأمرهم بإدخال الشذا فيه وإحراق ما على جانبه من المنازل، فهرب إليه بعض ~~الأيام قائد للزنج، ومعه قاض كان لهم، ومنبر، ففت ذلك في أعضاد الخبثاء، ثم ~~إن الخبيث وكل بالجسر الثاني من يحفظه، وشحنه بالرجال، فأمر الموفق بعض ~~أصحابه بإحراق ما عند الجسر من سفن، ففعلوا حتى أحرقوهأن فزاد ذلك في ~~احتياط الخبيث، وفي حراسته للجسر لئلا يحرق ويستولي الموفق على الجانب ~~الغربي فيهلك. وكان قد تخلف من أصحابه جمع في منازلهم المقاربة للجسر ~~الثاني، وكان أصحاب الموفق يأتونهم ويقفون على الطريق الخفية، فلما عرفوا ~~ذلك عزموا على إحراق الجسر الثاني، فأمر الموفق ابنه أبا العباس والقواد ~~بالتجهز لذلك، وأمرهم أن يأتوا من عدة جهات ليوافوا الجسر، وأعد معهم ~~الفؤوس والنفط والآلات؛ ودخل هوفي النهر بالشذوات، ومعه أنجاد غلمانه، ~~ومعهم الآلات أيضأن واشتبكت الحرب في الجانبين جميعا بين الفريقين، واشتد ~~القتال. وكان في الجانب الغربي بإزاء أبي العباس ms2586 ومن معه انكلاي ابن الخبيث ~~وسليمان بن جامع، وفي الجانب الشرقي بإزاء راشد مولى الموفق، ومن معه، ~~الخبيث، والمهلبي في باقي الجيش، فدامت الحرب مقدار ثلاث ساعات، ثم انهزم ~~الخبثاء لا يلوون على شيء، وأخذت السيوف منهم، ودخل أصحاب الشذا النهر، ~~ودنوا من الجسر فقاتلوا من يحميه بالسهام، وأضرموا نارا. وكان من المنهزمين ~~سليمان وانكلاي، وكانا قد أثخنا بالجراح، فوافيا الجسر والنار فيه، فحالت ~~بينهما وبين العبور، وألقيا أنفسهما في النهر ومن معهمأن فغرق منهم خلق ~~كثير، وأفلت انكلاي وسليمان بعد أن أشفيا على الهلاك، وقطع الجسر وأحرق، ~~وتفرق الجيش في مدينة الخبيث في الجانبين، فأحرقوا من دورهم وقصورهم ~~وأسواقهم شيئا كثيرأن واستنقذوا من النساء والصبيان ما لا يحصى، ودخلوا ~~الدار التي كان الخبيث سكنها بعد إحراق قصره، وأحرقوها ونهبوا ما كان فيها ~~مما كان سلم معه، وهرب الخبيث ولم يقف ذلك اليوم على مواضع أمواله. واستنقذ ~~في هذا اليوم نسوة من العلويات كن محبسات في موضع قريب من داره التي كان ~~يسكنهأن فأحسن الموفق إليهن، وحملهن، وفتح سجنا كان له واخرج منه خلقا ~~كثيرا ممن كان يحارب الخبيث، ففك الموفق عنهم الحديد، واخرج ذلك اليوم كل ~~ما كان في نهر أبي الخصيب من شذأن ومراكب بحرية، وسفن صغار وكبار، وحراقات ~~وغير ذلك من أصناف السفن إلى دجلة، فأباحها الموفق أصحابه مع ما فيها من ~~السلب، وكانت له قيمة عظيمة. وأرسل انلكلاي ابن الخبيث يطلب الأمان، وسأل ~~أشياء فأجابه الموفق إليهأن فعلم أبوه بذلك فعذله، وورده عما عزم عليه، ~~فعاد إلى الحرب ومباشرة القتال. ووجه سليمان بن موسى الشعراني، وهوأحد ~~رؤساء الخبيث، يطلب الأمان، فلم يجبه الموفق إلى ذلك، لما كان قد تقدم منه ~~من سفك الدماء والفساد، فاتصل به أن جماعة من رؤساء أصحاب الخبيث قد ~~استوحشوا المنعة، فأجابه إلى الأمان، فأرسل الشذا إلى موضع ذكره، فخرج ~~هووأخوه وأهله وجماعة من قواده، فأرسل الخبيث من يمنعهم عن ذلك، فقاتلهم، ~~ووصل إلى الموفق، فزاد في الإحسان إليه وخلع عليه وعلى ms2587 من معه، وأمر ~~بإظهاره لأصحاب الخبيث ليزدادوا ثقة، فلم يبرح من مكانه، حتى استأمن جماعة ~~من قواد الزنج منهم شبل بن سالم، فأجابه الموفق، وأرسل إليه شذوات، فركب ~~فيها هووعياله وولده وجماعة من قواده، فلقيهم قوم من الزنج، فقاتلهم ونجا ~~ووصل إلى الموفق، فأحسن إليه ووصله بصلة جليلة، وهومن قدماء أصحاب الخبيث، ~~فعظم ذلك عليه وعلى أوليائه لما رأوا من رغبة رؤسائهم في الأمان. ولما رأى ~~الموفق مناصحة شبل، وجودة فهمه، أمره أن يكفيه بعض الأمور، فسار ليلا في ~~جمع من الزنج، ولم يخالطهم غيرهم، إلى عسكر الخبيث يعرف مكانهم، وأوقع بهم، ~~وأسر منهم وقتل وعاد، فأحسن إليه الموفق وإلى أصحابه. وصار الزنج بعد هذه ~~الوقعة لا ينامون الليل، ولا يزالون يتحارسون للرعب الذي دخلهم، وأقام ~~الموفق ينفذ السرايا إلى الخبيث ويكيده، ويحول بينه وبين القوت، وأصحاب ~~الموفق يتدربون في سلوك تلك المضايق التي في أرضه ويوسعونها. ### || AUT ذكر استيلاء الموفق على مدينة الخبيث الشرقية # PageV03P0325 # لما علم الموفق أن أصحابه قد تمرنوا على سلوك تلك الأرض وعرفوهأن صمم ~~العزم على العبور إلى محاربة الخبيث من الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب، ~~فجلس مجلسا عامأن وأحضر قواد المستأمنة وفرسانهم، فوقفوا بحيث يسمعون ~~كلامه، ثم كلمهم فعرفهم ما كانوا عليه من الضلالة والجهل، وانتهاك المحارم، ~~ومعصية الله عز وجل، وأن ذلك قد أحل له دمائهم، وأنه غفر لهم زلتهم ووصلهم، ~~وأن ذلك يوجب عليهم حقه وطاعته، وأنهم لن يرضوا ربهم وسلطانهم بأكثر من ~~الجد في مجاهدة الخبيث، وأنهم ليعرفون مسالك العسكر، ومضايق مدينته، ~~ومعاقلها التي أعدهأن فهم أولى أن يجتهدوا في الولوج على الخبيث، والوغول ~~إلى حصونه، حتى يمكنهم الله منه، فإذا فعلوا ذلك فلهم الإحسان والمزيد، ومن ~~قصر منهم فقد أسقط منزلته وحاله. فارتفعت أصواتهم بالدعاء له، والاعتراف ~~بإحسانه، وبما هم عليه من المناصحة والطاعة، وأنهم يبذلون دماءهم في كل ما ~~يقربهم منه، وسألوه أن يفردهم ناحية ليظهر من نكايتهم في العدوما يعرف به ~~إخلاصهم وطاعتهم، فأجابهم إلى ذلك، وأثنى عليهم ms2588 ووعدهم، وكتب في جمع السفن ~~والمعابر من دجلة والبطيحة ونواحيها ليضيفها إلى ما في عسكره، إذ كان ما ~~عنده يقصر عن الجيش لكثرته، وأحصى ما في الشذأن والسميريات، وأنواع السفن، ~~فكانوا زهاء عشرة آلاف ملاح ممن يجري عليه الرزق من بيت المال مشاهرة، سوى ~~سفن أهل العسكر التي يحمل فيها الميرة، ويركبها الناس في حوائجهم، وسوى ما ~~كان لكل قائد من السميريات، والحربيات، والزواريق. فلما تكاملت السفن تقدم ~~إلى ابنه أبي العباس، وقواده بقصد مدينة الخبيث الشرقية من جهاتهأن فسير ~~ابنه أبا العباس إلى ناحية دار المهلبي، أسفل العسكر، وكان قد شحنها ~~بالرجال والمقاتلين، وأمر جميع أصحابه بقصد دار الخبيث وإحراقهأن فإن عجزوا ~~عنها اجتمعوا على دار المهلبي، وسار هوفي الشذأن وهي مائة وخمسون قطعة، ~~فيها أنجاد غلمانه، وانتخب من الفرسان والرجالة عشرة آلاف، وأمرهم أن ~~يسيروا على جانبي النهر معه إذا سار، وأن يقفوا معه إذا وقف، ليتصرفوا ~~بأمره. وبكر الموفق لقتال الفاسقين يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي القعدة ~~سنة تسع وستين ومائتين، وكانوا قد تقدموا إليهم يوم الاثنين وواقعوهم، ~~وتقدم كل طائفة إلى الجهة التي أمرهم بهأن فلقيهم الزنج، واشتدت الحرب، ~~وكثر القتل والجراح في الفريقين، وحامى الفسقة عن الذي اقتصروا عليه من ~~مدينتهم واستماتوأن وصبروأن فنصر الله أصحاب الموفق، فانهزم الزنج، وقتل ~~منهم خلق كثير، وأسر من أنجادهم وشجعانهم جمع كثير، فأمر الموفق فضربت ~~أعناق الأسرى في المعركة، وقصد بجمعه الدار التي يسكنها الخبيث، وكان قد ~~لجأ إليهأن وجمع أبطال أصحابه للمدافعة عنهأن فلم يغنوا عنها شيئأن ~~وانهزموا عنها وأسلموهأن ودخلها أصحاب الموفق وفيها بقايا ما كان سلم ~~للخبيث من ماله وولده وأثاثه، فنهبوا ذلك أجمع، وأخذوا حرمه وأولاده، ~~وكانوا عشرين ما بين صبية وصبي، وسار الخبيث هاربا نحودار المهلبي لا يلوي ~~على أهل وال مال، وأحرقت داره، وأتي الموفق بأهل الخبيث وأولاده، فسيرهم ~~إلى بغداد. وكان أصحاب أبي العباس قد قصدوا دار المهلبي، وقد لجأ إليها خلق ~~كثير من المنهزمين، فغلبوهم عليهأن واشتغلوا بنهبهأن وأخذوا ms2589 ما فيها من حرم ~~المسلمين وأولادهم، وجعل من ظفر منهم بشيء حمله إلى سفينته، فعلوا في الدار ~~ونواحيهأن فلما رآهم الزنج كذلك رجعوا إليهم فقتلوا فيهم مقتلة يسيرة. وكان ~~جماعة من غلمان الموفق الذي قصدوا دار الخبيث تشغلوا بحمل الغنائم إلى ~~السفن أيضأن فأطمع ذلك الزنج فيهم، فأكبوا عليهم فكشفوهم، واتبعوا آثارهم، ~~وثبت جماعة من أبطال الموفق، فردوا الزنج حتى تراجع الناس إلى مواقفهم، ~~ودامت الحرب إلى العصر، فأمر الموفق غلمانه بصدق الحملة عليهم، ففعلوأن ~~فانهزم الخبيث وأصحابه، وأخذتهم السيوف حتى انتهوا إلى داره أيضأن فرأى ~~الموفق عند ذلك أن يصرف أصحابه إلى إحسانهم، فردهم وقد غمنوأن واستنقذوا ~~جمعا من النساء المأسورات كن يخرجن ذلك اليوم أرسالا فيحملن إلى الموفقية. ~~PageV03P0326 # وكان أبوالعباس قد أرسل في ذلك اليوم قائدأن فأحرق ثم بيادر كانت ذخيرة ~~للخبيث، وكان ذلك مما أضعف به الخبيث وأصحابه، ثم وصل إلى الموفق كتاب لؤلؤ ~~غلام ابن طولون في القدوم عليه، فأمره بذلك، وأخر القتال إلى أن يحضر. ### || AUT ذكر خلاف لؤلؤ على مولاه أحمد بن طولون # وفيها خالف لؤلؤ أحمد بن طولون، صاحب مصر، على مولاه أحمد بن طولون، وفي ~~يده حمص، وقنسرين، وحلب، وديار مصر، من الجزيرة، وسار إلى بالس فنهبهأن ~~وكاتب الموفق في المسير إليه، واشترط شروطأن فأجابه أبوأحمد إليهأن وكان ~~بالرقة، فسار إلى الموفق فنزل قرقيسيأن وبها ابن صفوان العقيلي، فحاربه، ~~وأخذها منه، وسلمها إلى أحمد بن مالك ابن طوق، وسار إلى الموفق، فوصل إليه ~~وهويقاتل الخبيث العلوي. ### || AUT ذكر مسير المعتمد إلى الشام # ### || AUT وعوده من الطريق # وفيها سار المعتمد نحو مصر، وكان سبب ذلك أنه لم يكن له من الخلافة غير ~~اسمهأن ولا ينفذ له توقيع لا في قليل ولا في كثير، وكان الحكم كله لموفق، ~~والأموال تجبى إليه، فضجر المعتمد من ذلك، وأنف منه، فكتب إلى أحمد بن ~~طولون يشكوإليه حاله سرا من أخيه الموفق، فأشار عليه أحمد باللحاق به بمصر، ~~ووعده النصرة، وسير عسكرا إلى الرقة ينتظر وصول المعتمد إليهم، ms2590 فاغتمن ~~المعتمد غيبة الموفق عنه، فسار في جمادى الأولى ومعه جماعة من القواد، ~~فأقام بالكحيل يتصيد. فلما سار إلى عمل إسحاق بن كنداجيق، وكان عامل الموصل ~~وعامة الجزيرة، وثب ابن كنداجيق بمن مع المعتمد من القواد، فقبضهم، وهم ~~نيزك، وأحمد بن خاقان، وخطارمش، فقيدهم، وأخذ أموالهم ودوابهم، وكان قد كتب ~~إليه صاعد بن مخلد وزير الموفق عن الموفق، وكان سبب وصوله إلى قبضهم انه ~~أظهر أنه معهم في طاعة المعتمد، إذ هوالخليفة، ولقيهم لما صاروا إلى عمله،، ~~وسار معهم عدة مراحل، فلما قارب عمل ابن طولون ارتحل الأتباع والغلمان ~~الذين مع المعتمد، وقواد، ولم يترك ابن كنداجيق أصحابه يرحلون، ثم خلا ~~بالقواد عند المعتمد، وقال لهم: إنكم قاربتم عمل ابن طولون والأمر أمره، ~~وتصيرون من جنده، وتحت يده، أفترضون بذلك، وقد علمتم أنه كواحد منكم؟ وجرت ~~بينهم في ذلك مناظرة، حتى تعالى النهار، ولم يرحل المعتمد ومن معه، فقال ~~ابن كنداجيق: قوموا بنا نتناظر في غير حضرة أمير المؤمنين؛ فأخذ بأيديهم ~~إلى خيمته لأن مضاربهم كانت قد سارت، فلما دخلوا خيمته قبض عليهم وقيدهم، ~~وأخذ سائر من مع المعتمد من القواد فقيدهم، فلما فرغ من أمورهم مضى إلى ~~المعتمد فعذله في مسيره من دار ملكه وملك آبائه، وفراق أخيه الموفق إلى ~~الحال التي هوبها من حرب من يريد قتله، وقتل أهل بيته، وزوال ملكهم، ثم ~~حمله والذين كانوا معه حتى أدخلهم سامرا. ### || AUT ذكر الحرب بين عسكر ابن طولون وعسكر الموفق بمكة # وفيها كانت وقعة بمكة بين جيش لأحمد بن طولون وبين عسكر الموفق في ذي ~~القعدة. وكان سببها أن أحمد بن طولون سير جيشا مع قائدين إلى مكة، فوصلوا ~~إليهأن وجمعوا الحناطين، والجزارين، وفرقوا فيهم مالا؛ وكان عامل مكة هارون ~~بن محمد إذ ذاك ببستان ابن عامر قد فارقها خوفا منهم، فوافى مكة جعفر ~~الناعمودي في ذي الحجة في عسكر، وتلقاه هارون بن محمد في جماعة، فقوي بهم ~~جعفر، والتقوا هم وأصحاب ابن طولون فاقتتلوأن وأعان أهل خراسان جعفرأن ms2591 فقتل ~~من أصحاب ابن طولون مائتي رجل، وانهزم الباقون وسلبوا وأخذت أموالهم، واخذ ~~جعفر من القائدين نحومائتي ألف دينار، وأمن المصريين، والجزارين، ~~والحناطين، وقرئ كتاب المسجد الجامع بلعن ابن طولون، وسلم الناس وأموال التجار. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في المحرم من هذه السنة قطع الأعراب الطريق على قافلة من الحاج بين ثور ~~وسميراء، فسلبوهم، وساقوا نحوا من خمسة آلاف بعير بأحمالها وأناسا كثيرا. ~~وفيها انخسف القمر، وغاب منخسفأن وانكسفت الشمس فيه أيضا آخر النهار، وغابت ~~منكسفة، فاجتمع في المحرم كسوفان. PageV03P0327 # وفيهأن وفي صفر، وثبت العامة ببغداد بإبراهيم الخليجي، فانتهبوا داره، ~~وكان سبب ذلك أن غلاما له رمى امرأة بسهم فقتلهأن فاستعدى السلطان عليه، ~~فامتنع، ورمى غلمانه الناس، فقتلوا جماعة، وجرحوأن فثارت بهم العامة فقتلوا ~~فيهم رجلين من أصحاب السلطان، ونهبوا منزله ودواببه، وخرج هاربأن فجمع محمد ~~بن عبيد اله بن عبد الله بن طاهر، وكان نائب أبيه، دواب إبراهيم، وما أخذ ~~له، فرده عليه. وفيها وجه إلى أبي الساج جيش انصرف من مكة، فسيره إلى جدة، ~~فأخذ للمخزومي مركبين فيهما مال وسلاح. وفيها وثب خلف صاحب أحمد بن طولون ~~بالثغور الشامية وعامله عليها بازمار الخادم، مولى مفلح بن خاقان، فحبسه، ~~فوثب به جماعة فاستنقذوا بازمار، وهرب خلف، وتركوا الدعاء لابن طولون، فسار ~~إليهم ابن طولون، ونزل أذنة، فاعتصم أهل طرسوس بهأن ومعهم بازمار، فرجع ~~عنهم ابن طولون إلى حمص، ثم إلى دمشق، فأقام بها. وفيها قام رافع هرثمة بما ~~كان الخجستاني غلب غليه من مدن خراسان، فاجتبى عدة من كور خراسان خراجها ~~لبضع عشرة سنة، فأفقر أهلها وأخربها. وفيها كانت وقعة بين الحسنيين ~~والحسينيين بالحجاز، والجعفريين، فقتل من الجعفريين ثمانية نفر، وخلصوا ~~الفضل بن العباس العباسي عامل المدينة. وفيهأن في جمادى الآخرة، عقد هارون ~~بن الموفق لابن أبي الساج على الأنبار وطريق الفرات والرحبة، وولى محمد بن ~~احمد الكوفة وسوادهأن فلقي محمد الهيصم العجلي، فانهزم الهيصم. وفيها توفي ~~عيسى بن الشيخ بن الشليل الشيباني، ويده أرمينية، وديار بكر. وفيها لعن ms2592 ~~المعتمد أحمد بن طولون في دار العامة بلعنه على المنابر، وولى إسحاق بن ~~كنداجيق على أعمال ابن طولون، وفوض إليه من باب الشماسية إلى إفريقية، وولى ~~شرطة الخاصة. وكان سبب هذا اللعن أن ابن طولون قطع خطبة الموفق، وأسقط اسمه ~~من الطرز، فتقدم الموفق إلى المعتمد بلعنه، ففعل مكرهأن لأن هوى المعتمد ~~كان مع ابن طولون. وفيها كانت وقعة بين ابن أبي الساج والأعراب، فهزموه، ثم ~~بيتهم فقتل منهم وأسر، ووجه بالرؤوس والأسرى إلى بغداد. وفيهأن في شوال، ~~دخل ابن أبي الساج رحبة مالك بن طوق، بعد أن قاتله أهلها فغلبهم وقتلهم، ~~وهرب أحمد بن مالك بن طوق إلى الشام، ثم سار ابن أبي الساج إلى قرقيسيا ~~فدخلها. وحج بالناس هارون بن محمد ابن إسحاق الهاشمي. وفيها خرج محمد بن ~~الفضل أمير صقلية في عسكر إلى ناحية رمطة، وبلغ العسكر إلى قطانية، فقتل ~~كثيرا من الروم، وسبى وغمن، ثم انصرف إلى بلرم في ذي الحجة. وفيها توفي ~~أحمد بن مخالد، مولى المعتصم، وهومن دعاة المعتزلة، وأخذ الكلام عن جعفر بن ~~مبشر. وفيها توفي سليمان بن حفص بن أبي عصفور الإفريقي، وكان معتزليا يقول ~~بخلق القرآن، وأراد أهل القيروان، فسلم لذلك، وصحب بشرا المريسي، وأب ~~الهذيل وغيرهما من المعتزلة. ### | AUT حوادث سنة سبعين ومائتين # ### || AUT ذكر قتل الخبيث صاحب الزنج # قد ذكرنا من حرب الزنج، وعود الموفق عنهم مؤيدا بالظفر، فلما عاد من ~~قتالهم إلى مدينة الموفقية عزم على مناجزة الخبثاء، فأتاه كتاب لؤلؤ غلام ~~ابن طولون يستأذنه في المسير إليه، فأذن له وترك القتال ينتظره ليحضر ~~القتال، فوصل إليه ثالث المحرم من هذه السنة في جيش عظيم، فأكرمه الموفق، ~~وأنزله وخلع عليه وعلى أصحابه ووصلهم، واحسن إليهم، وأمر لهم بالأرزاق على ~~قدر مراتبهم، وأضعف ما كان لهم، ثم تقدم إلى لؤلؤ بالتأهب لحرب الخبثاء. ~~وكان الخبيث لما غلب على نهر أبي الخصيب، وقطعت القناطر والجسور التي عليه، ~~أحدث سكرا في النهر وجانبيه، وجعل في وسط النهر بابا ضيقا لتحتد جرية ms2593 الماء ~~فيه، فتمتنع الشذا من دخوله في الجزر، ويتعذر خروجها منه في المد، فرأى ~~الموفق أن جريه لا يتهيأ إلا بقلع هذا السكر، فحاول ذلك، فاشتدت محاماة ~~الخبثاء عليه، وجعلوا يزيدون كل يوم فيه، وهومتوسط دورهم، والمروية تسهل ~~عليهم، وتعظم على من أراد قلعه، فشرع في محاربتهم بفريق بعد فريق من أصحاب ~~لؤلؤ ليتمرنوا على قتالهم، ويقفوا على المسالك والطرق في مدينتهم، فأمر ~~لؤلؤا أن يحضر في جماعة من أصحابه للحرب على هذا السكر، ففعل، فرأى الموفق ~~من شجاعة لؤلؤ وإقدامه وشجاعة أصحابه ما سره، فأمر لؤلؤا بصرفهم إشفاقا ~~عليهم، ووصلهم الموفق وأحسن إليهم. PageV03P0328 # وألح على هذا السكر، وكان يحارب المحامين عليه وأصحابه وأصحاب لؤلؤ ~~وغيرهم، والفعلة يعملون في قلعة، ويحارب الخبيث وأصحابه في عدة وجوه، فيحرق ~~مساكنهم، ويقتل مقاتليهم، واستأمن إليه الجماعة، وكان قد بقي لخبيث وأصحابه ~~بقية من أرضين بناحية النهر الغربي، لهم فيها مزارع وحصون وقنطرتان، وبه ~~جماعة يحفظونه، فسار إليهم أبوالعباس، وفرق أصحابه من جهاتهم، وجعل كمينأن ~~ثم أوقع بهم فانهزموأن فكلما قصدوا جهة خرج عليهم من يقاتلهم فيهأن فقتلوا ~~عن آخرهم لم يسلم منهم إلا الشريد، فأخذوا من أسلحتهم ما أثقلهم حمله، وقطع ~~القنطرتين، ولم يزل الموفق يقاتلهم على سكرهم، حتى تهيأ له فيه ما أحبه في ~~خرقه. فلما فرغ منه عزم على لقاء الخبيث، فأمر بإصلاح السفن والآلات للماء ~~والظهر، وتقدم إلى أبي العباس ابنه أن يأتي الخبيث من ناحية دار المهلبي، ~~وفرق العساكر من جميع جهاته، وأضاف المستأمنة إلى شبل، وأمره بالجد في قتال ~~الخبيث، وأمر الناس أن لا يزحف أحد حتى يحرك علما أسود كان نصبه على دار ~~الكرماني وحتى ينفخ في بوق بعيد الصوت. وكان عبوره يوم الاثنين لثلاث بقين ~~من المحرم، فعجل بعض الناس، وزحف نحوهم، فلقيه الزنج، فقتلوه منهم، وردوهم ~~إلى مواقفهم، ولم يعلم سائر العسكر بذلك لكثرتهم، وبعد المسافة فيما بين ~~بعضهم وبعض، وأمر الموفق بتحريك العلم الأسود، والنفخ في البوق، فزحف الناس ~~في البر والماء يتلوبعضهم بعضأن ms2594 فلقيهم الزنج وقد حشدوا واجترأوأن بما تهيأ ~~لهم، على من كان يسرع إليهم، فلقيهم الجيش بنيات صادقة، وبصائر نافذة، ~~واشتد القتال، وقتل من الفريقين جمع كثير، فانهزم أصحاب الخبيث، وتبعهم ~~أصحاب الموفق يقتلون ويأسرون، واختلط بهم ذلك اليوم أصحاب الموفق، فقتل ~~منهم ما لا يحصى عددأن وغرق منهم مثل ذلك، وحوى الموفق المدينة بأسرهأن ~~فغمنها أصحابه، واستنقذوا من كان بقي من الأسرى من الرجال، والنساء، ~~والصبيان، وظفروا بجميع عيال علي بن أبان المهلبي، وبأخويه: الخليل، ومحمد ~~وأولادهمأن وعبر بهم إلى المدينة الموفقية. ومضى الخبيث في أصحابه، ومعه ~~ابنه انكلاي، وسليمان بن جامع، وقواد من الزنج وغيرهم، هاربين، عامدين إلى ~~موضع كان الخبيث قد أعده ملجأ إذا غلب على مدينته، وذلك المكان على النهر ~~المعروف بالسفياني، وكان أصحاب الموفق قد اشتغلوا بالنهب والإحراق، وتقدم ~~الموفق في الشذا نحونهر السفياني، ومعه لؤلؤ وأصحابه، فظن أصحاب الموفق أنه ~~رجع إلى مدينتهم الموفقية، فانصرفوا إلى سفنهم بما قد حووأن وانتهى الموفق ~~ومن معه إلى عسكر الخبيث وهم منهزمون، واتبعهم لؤلؤ في أصحابه، حتى عبر ~~السفياني فاقتحم لؤلؤ بفرسه، وابتعه أصحابه، حتى انتهى إلى النهر المعروف ~~بالفربري فوصل إليه لؤلؤ وأصحابه فأوقعوا به وبمن معه، فهزمهم حتى عبر نهر ~~السفياني، ولؤلؤ في أثرهم، فاعتصموا بجبل وراءه، وانفرد لؤلؤ وأصحابه ~~بأتباعهم إلى هذا المكان في آخر النهار، فأمر الموفق بالانصراف فعاد مشكورا ~~محمودا لفعله، فحمله الموفق معه، وجدد له من البر والكرامة ورفعة المنزلة ~~ما كان مستحقا له، ورجع الموفق فلم ير أحدا من أصحابه بمدينة الزنج، فرجع ~~إلى مدينته واستبشر الناس بالفتح وهزيمة الزنج وصاحبهم. وكان الموفق قد غضب ~~على أصحابه بمخالفتهم أمره، وتركهم الوقوف حيث أمرهم، فجمعهم جميعأن ووبخهم ~~على ذلك، وأغلظ لهم، فاعتذروا بما ظنوه من انصرافه، وانهم لم يعلموا ~~بمسيره، ولوعلموا ذلك لأسرعوا نحوه، ثم تعاقدوا وتحالفوا بمكانهم على أن لا ~~ينصرف منهم أحد إذا توجهوا نحوالخبيث حتى يظفروا به، فإن أعياهم أقاموا ~~بمكانه حتى يحكم الله بينهم وبينه. وسألوا الموفق أن ms2595 يرد السفن التي يعبرون ~~فيها إلى الخبيث، لينقطع الناس عن الرجوع، فشكرهم وأثنى عليهم وأمرهم ~~بالتأهب. وأقام الموفق بعد ذلك إلى الجمعة يصلح ما يحتاج الناس إليه، وأمر ~~الناس عشية الجمعة بالمسير إلى حرب الخبثاء بكرة السبت، وطاف عليهم هوبنفسه ~~يعرف كل قائد مركزه، والمكان الذي يقصده، وغدا الموفق يوم السبت لليلتين ~~خلتا من صفر، فعبر بالناس، وأمر برد السفن، فردت وسار يقدمهم إلى المكان ~~الذي قدر أن يلقاهم فيه. PageV03P0329 # وكان الخبيث وأصحابه قد رجعوا إلى مدينتهم بعد انصراف الجيش عنهم، وأملوا ~~أن تتطاول بهم الأيام وتندفع عنهم المناجزة، فوجد الموفق المتسرعين من ~~فرسان غلمانه والرجالة قد سبقوا الجيش فأوقعوا بالخبيث وأصحابه وقعة هزموهم ~~بهأن وتفرقوا لا يلوي بعضهم على بعض، وتبعهم أصحاب الموفق يقتلون ويأسرون ~~من لحقوا منهم، وانقطع الخبيث في جماعة من حماة أصحابه وفيهم المهلبي، ~~وفارقه ابنه انكلاي، وسليمان بن جامع، فقصد كل فريق منهم جمعا كثيفا من ~~الجيش. وكان أبوالعباس قد تقدم، فلقي المنهزمين في الموضع المعروف بعسكر ~~ريحان، فوضع أصحابه فيهم السلاح، ولقيهم طائفة أخرى، فأوقعوا بهم أيضأن ~~وقتلوا منهم جماعة، وأسروا سليمان بن جامع، فأتوا به الموفق من غير عهد ولا ~~عقد، فاستبشر الناس بأسره، وكثر التكبير، وأيقنوا بالفتح، إذ كان أكثر ~~أصحاب الخبيث غناء عنه وأسر من بعده إبراهيم بن جعفر الهمداني وكان أحد ~~أمراء جيوشه، فأمر الموفق بالاستيثاق منهم، وجعلهم في شذاة لأبي العباس. ثم ~~إن الزنج الذين انفردوا مع الخبيث حملوا على الناس حملة أزالوهم عن ~~مواقفهم، فقتروأن فأحس الموفق بفتورهم، فجد في طلب الخبيث وأمعن، فتبعه ~~أصحابه، وانتهى الموفق إلى آخر نهر أبي الخصيب، فلقيه البشير بقتل الخبيث، ~~وأتاه بشير آخر ومعه كف ذكر أنها كفه، فقوي الخبر عنده، ثم أتاه غلام من ~~أصحاب لؤلؤ يركض ومعه رأس الخبيث، فأدناه منه، وعرضه على جماعة من ~~المستأمنة فعرفوه، فخر لله ساجدأن وسجد معه الناس، وأمر الموفق برفع رأسه ~~على قناة، فتأمله الناس، فعرفوه، وكثر الضجيج بالتحميد. وكان مع الخبيث، ~~لما أحيط ms2596 به، المهلبي وحده، فولى عنه هاربأن وقصد نهر الأمير فألقى نفسه ~~فيه يريد النجاة؛ وكان انكلاي قد فارق أباه قبل ذلك وسار نحوالديناري. ورجع ~~الموفق ورأس الخبيث بين يديه، وسليمان معه، وأصحابه إلى مدينته، وأتاه من ~~الزنج عالم كبير يطلبون الأمان فأمنهم، وانتهى إليه خبر انكلاي والمهلبي، ~~ومكانهمأن ومن معهما من مقدمي الزنج، فبث الموفق أصحابه في طلبهم، وأمرهم ~~بالتضييق عليهم، فلما أيقنوا أن لا ملجأ أعطوا بأيديهم، فظفر بهم وبمن ~~معهم، وكانوا زهاء خمسة آلاف، فأمر بالاستيثاق من المهلبي وانكلاي، وكان ~~ممن هرب قرطاس الرومي الذي رمى الموفق بالسهم في صدره، فانتهى إلى رامهرمز، ~~فعرفه رجل، فدل عليه عامل البلد، فأخذه وسيره إلى الموفق فقتله أبوالعباس. ~~وفيها استأمن درمويه الزنجي إلى أبي أحمد، وكان درمويه من أنجاد الزنج ~~وأبطالهم، وكان الخبيث قد وجهه قبل هلاكه بمدة إلى موضع كثير الشجر ~~والأدغال والآجام، متصل بالبطيخة، وكان هوومن معه يقطعون هنالك على السابلة ~~في زواريق خفاف، فإذا طلبوا دخلوا الأنهار الصغار الضيقة واعتصموا ~~بالأدغال، وإذا تعذر عليهم مسلك لضيقه حملوا سفنهم ولجأوا إلى الأمكنة ~~الوسيعة، ويعبرون على قرى البطيحة، ويقطعون الطريق، فظفر بجماعة من عسكر ~~الموفق معهم نساء قد عادوا إلى منازلهم، فقتل الرجال، وأخذ النساء، فسألهن ~~عن الخبر، فأخبرهن بقتل الخبيث وأسر أصحابه وقواده، ومصير كثير منهم إلى ~~الموفق بالأمان، وإحسانه إليهم، فسقط في يده، ولم ير لنفسه ملجأ إلا طلب ~~الأمان والصفح عن جرمه، فأرسل يطلب الأمان، فأجابه الموفق إليه، فخرج وجميع ~~من معه، حتى وافى عسكر الموفق، فأحسن إليهم وأمنهم. فلما اطمأن درمويه أظهر ~~ما كان في يده من الأموال والأمتعة، وردها إلى أربابها ظاهرأن فعلم بذلك ~~حسن نيته، فازداد إحسان الموفق إليه، وأمر أن يكتب إلى أمصار المسلمين ~~بالنداء في أهل النواحي التي دخلها الزنج بالرجوع إلى أوطانهم، فسار الناس ~~إلى ذلك؛ وأقام الموفق بالمدينة الموفقية ليأمن الناس بمقامه، وولى البصرة، ~~والأبلة، وكور دجلة، رجلا من قواده قد حمد مذهبه، وعلم حسن سيرته، يقال له ~~العباس بن ms2597 تركس، وأمره بالمقام بالبصرة، وولى قضاء البصرة والأبلة وكور ~~دجلة محمد بن حماد. وقدم ابنه أبا العباس إلى بغداد، ومعه راس الخبيث ليراه ~~الناس، فبلغها لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة. ~~PageV03P0330 # وكان خروج صاحب الزنج يوم الأربعاء لأربع بقين من شهر رمضان سنة خمس ~~وخمسين ومائتين، وقتل يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين، ~~وكانت أيامه أربع عشرة سنة وأربعة اشهر وستة أيام، وقيل في أمر الموفق ~~وأصحاب الزنج أشعار كثيرة، فمن ذلك قول يحيى بن محمد الأسلمي: أقول وقد جاء ~~البشير بوقعة ... أعزت من الإسلام ما كان واهيا جزى الله خير الناس للناس ~~بعدما ... أبيح حماهم خير ما كان جازيا تفرد، إذ لم ينصر الله ناصر ... ~~بتجديد دين كان أصبح باليا وتجديد ملك قد وهى بعد عزه ... واخذ يثارات تبين ~~الأعاديا ورد عمارات أزيلت وأخربت ... ليرجع فيء قد تخرم وافيا وترجع أمصار ~~أبيحت وأحرقت ... مرارا فقد أمست قواء عوافيا ويشفي صدور المسلمينبوقعة ... ~~يقر بها منها العيون البواكيا ويتلى كتاب الله في كل مسجد ... ويلقى دعاء ~~الطالبيين خاسيا فأعرض عن جناته ونعيمه ... وعن لذة الدنيا وأصبح عاريا وهي ~~قصيدة طويلة، وقال غيره في هذا المعنى أيضا شعرا كثيرا؛ وقد انقضى أمر الزنج. ### || AUT ذكر الظفر بالروم # وفي هذه السنة خرجت الروم في مائة ألف، فنزلوا على قلمية، وهي على ستة ~~أميال من طرسوس، فخرج إليهم بازمار ليلا فبيتهم في ربيع الأول، فقتل منهم، ~~فيما يقال، سبعين ألفأن وقتل مقدمهم، وهوبطريق البطارقة، وقتل أيضا بطريق ~~الفنادين، وبطريق الباطليق، وأفلت بطريق قرة وبه عدة جراحات، وأخذ لهم سبعة ~~صلبان من ذهب وفضة؛ وصليبهم الأعظم من ذهب مكلل بالجوهر؛ وأخذ خمسة عشر ألف ~~دابة، ومن السروج وغير ذلك، وسيوفا محلاة، وأربع كراسي من ذهب، ومائتي كرسي ~~من فضة، وآنية كثيرة، ونحوا من عشرة آلاف علم ديباج، وديباجا كثيرا وبزيون وغير ذلك. ### || AUT ذكر وفاة الحسن بن زيد وولاية أخيه محمد # وفيها توفي الحسن بن زيد العلوي، صاحب ms2598 طبرستان، في رجب، وكانت ولايته ~~تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام، وولي مكانه أخوه محمد ابن زيد. وكان ~~الحسن جوادا امتدحه رجل فأعطاه عشرة آلاف درهم، وكان متواضعا لله تعالى. ~~حكي عنه أنه مدحه شاعر فقال: اله فرد، وابن زيد فرد، فقال: بفيك الحجر، يا ~~كذاب، هلا قلت الله فرد، وابن زيد عبد! ثم نزل عن مكانه، وخر ساجدا له ~~تعالى، وألصق خده بالتراب، وحرم الشاعر. وكان عالما بالفقه والعربية، مدحه ~~شاعر فقال: لا تقل بشرى، ولكن بشريان ... عزة الداعي ويوم المهرجان فقال ~~له: كان الواجب أن تفتتح الأبيات بغير لأن فإن الشاعر المجيد يتخير لأول ~~القصيدة ما يعجب السامع، ويتبرك به، ولواتدأت بالمصراع الثاني لكان أحسن؛ ~~فقال له الشاعر: ليس في الدنيا كلمة أجل من قول: لا إله إلا الله، وأولها ~~لا فقال: أصبت! وأجازه. وحكي عنه أنه غنى عنده مغن بأبيات الفضل بن العباس ~~في عتبة بن أبي لهب التي أولها: وأنا الأخضر من يعرفني؟ أخضر الجلدة من بيت ~~العرب فلما وصل إلى قوله: برسول الله وابني عمه ... وبعباس بن عبد المطلب ~~غير البيت فقال: لا بعباس بن عبد المطلب، فغضب الحسن وقال: يا ابن اللخناء، ~~تهجوبني عمنا بين يدي، وتحرف ما مدحوا به؟ لئن فعلتها مرة ثانية لأجعلنها آخر غنائك. ### || AUT ذكر وفاة أحمد بن طولون # ### || AUT وولاية ابنه خمارويه # في هذه السنة توفي احمد بن طولون، صاحب مصر، والشام، والثغور الشامية. ~~وكان سبب موته أن نائبه بطرسوس وثب عليه بازمار الخادم، وقبض عليه، وعصى ~~على أحمد، وأظهر الخلاف، فجمع أحمد العساكر وسار إليه، فلما وصل أذنة كاتبه ~~وراسله يستميله، فلم يلتفت إلى رسالته، فسار إليه احمد، ونازله وحصره، فخرق ~~بازمار نهر البلد على منزلة العسكر، فكاد الناس يهلكون، فرحل أحمد مغيظا ~~حنفا وكان الزمان شتاء، وأرسل إلى بازمار: إنني لم أرحل إلا خوفا أن تنخرق ~~حرمة هذا الثغر فيطمع فيه العدو. فلما عاد إلى أنطاكية أكل لبن الجواميس، ~~فأكثر منه، فأصابه منه هيضة، واتصلت حتى ms2599 صار منها ذرب، وكان الأطبار ~~يعالجونه، وهويأكل سرأن فلم ينجح الدواء، فتوفي رحمه الله. PageV03P0331 # وكانت إمارته نحوست وعشرين سنة، وكان عاقلا حازمأن كثير المعروف والصدقة، ~~متدينأن يحب العلماء وأهل الدين، وعمل كثيرا من أعمال البر ومصالح ~~المسلمين، وهوالذي بنى قلعة يافأن وكانت المدينة بغير قلعة، وكان يميل إلى ~~مذهب الشافعي، ويكرم أصحابه. وولي بعده ابنه خمارويه، وأطاعه القواد، وعصى ~~عليه نائب أبيه بدمشق، فسير إليه العساكر فأجلوه، وساروا من دمشق إلى شيزر. ### || AUT ذكر مسير إسحاق بن كنداجيق إلى الشام # لما توفي احمد بن طولون كان إسحاق بن كنداجيق على الموصل والجزيرة، فطمع ~~هووابن أبي الساج في الشام، واستصغرا أولاد أحمد، وكاتبا الموفق بالله في ~~ذلك، واستمداه، فأمرهما بقصد البلاد، ووعدهما إنفاذ الجيوش، فجمعأن وقصدا ~~ما يجاورهما من البلاد، فاستوليا عليه وأعانهما النائب بدمشق لأحمد بن ~~طولون، ووعدهما الانحياز إليهمأن فتراجع من بالشام من نواب أحمد بانطاكية، ~~وخلب وحمص، وعصى متولي دمشق، واستولى إسحاق على ذلك. وبلغ الخبر إلى أبي ~~الجيش خمارويه بن أحمد، فسير الجيوش إلى الشام فملكوا دمشق، وهرب النائب ~~الذي كان بها؛ وسار عسكر خمارويه من دمشق إلى شيزر لقتال إسحاق بن كنداجيق ~~وابن أبي الساج، فطاولهم إسحاق ينتظر المدد من العراق، وهجم الشتاء على ~~الطائفتين، وأضر بأصحاب ابن طولون، فتفرقوا في المنازل بشيزر. ووصل العسكر ~~العراقي إلى كنداجيق وعليهم أبوالعباس أحمد بن الموفق وهوالمعتضد بالله، ~~فلما وصل سار مجدا إلى عسكر خمارويه بشيزر، فلم يشعروا حتى كبسهم في ~~المساكن، ووضع السيف فيهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وسار من سلم إلى دمشق ~~على أقبح صورة، فسار المعتضد إليهم، فجلوا عن دمشق إلى الرملة، وملك ~~هودمشق، ودخلها في شعبان سنة إحدى وسبعين ومائتين، وأقام عسكر ابن طولون ~~بالرملة، فأرسلوا إلى خمارويه يعرفونه بالحال، فخرج من مصر في عساكره قاصدا إلى الشام. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيهأن في جمادى الأولى، توفي هارون بن الموفق ببغداد. وفيها كان فداء ~~أهل سندية على يد بازمار. وفيهأن في شعبان، شغب أصحاب أبي ms2600 العباس بن الموفق ~~على صاعد بن مخلد، وهووزير الموفق، وطلبوا الأرزاق، وقاتلهم أصحاب صاعد، ~~وكان بينهم حرب شديدة قتل فيها جماعة، وأسر من أصحاب أبي العباس جماعة، ولم ~~يكن أبوالعباس حاضرأن كان قد خرج متصيدأن ودامت الحرب إلى بعد المغرب، ثم ~~كف بعضهم عن بعض، ثم وضع العطاء من الغد، واصطلحوا. وفيها كانت وقعة بين ~~إسحاق بن كنداجيق وبين ابن دعباش وكان ابن دعباش بالرقة عاملا عليهأن وعلى ~~الثغور والعواصم، لابن طولون، وابن كنداجيق على الموصل للخليفة. وفيها ~~ابتدأ إسماعيل بن موسى بناء مدينة لاردة من الأندلس، وكان مخالفا لمحمد ~~صاحب الأندلس، ثم صالحه في العام الماضي، فلما سمع صاحب برشلونة الفرنجي ~~جمع وحشد وسار يريد منعه من ذلك، فسمع به إسماعيل، فقصده وقاتله، فانهزم ~~المشركون، وقتل أكثرهم، وبقي أكثر القتلى في تلك الأرض دهرا طويلا. وفيها ~~توفي محمد بن إسحاق بن جعفر الصاغاني الحافظ، ومحمد بن مسلم بن عثمان، ~~المعروف بابن واره الرازي، وكان إماما في الحديث، وله فيه مصنفات. وفيها ~~توفي داود بن علي الاصبهاني الفقيه، إمام أصحاب الظاهر، وكان مولده سنة ~~اثنتين ومائتين. وفيها توفي مصعب بن أحمد بن مصعب أبواحمد الصوفي الزاهد، ~~وهومن أقران الجنيد. وفيها مات ملك الروم، وهوابن الصقلبية، وحج بالناس ~~هارون بن محمد بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد ~~الله ابن العباس. وفيها توفي خالد بن أحمد بن خالد السدوسي الذهلي الذي كان ~~أمير خراسان ببغداد، وكان قد قصد الحج فقبض عليه الخليفة المعتمد وحبسه، ~~فمات بالحبس، وهوالذي أخرج البخاري، صاحب الصحيح، من بخارى، وخبره معه ~~مشهور، فدعا عليه البخاري فأدركته الدعوة. ### | AUT حوادث سنة إحدى وسبعين ومائتين # ### || AUT ذكر خلاف محمد وعلي العلويين # في هذه السنة دخل محمد وعلي ابنا الحسين بن جعفر بن موسى بن جعفر ابن ~~محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المدينة، وقتلا جماعة من أهلهأن ~~وأخذا من قوم مالأن ولم يصل أهل المدينة في مسجد رسول ms2601 الله، صلى اله عليه ~~وسلم، لا جمعة، ولا جماعة، فقال الفضل بن العباس العلوي في ذلك: ~~PageV03P0332 # أخربت دار هجرة المصطفى الب ... ر فأبكى خراببها المسلمينا عين فأبكي ~~مقام جبريل والقب ... ر فبكي والمنبر الميمونا وعلى المسجد الذي اسه التق ~~... وى، خلاء امسى من العابدينا وعلى طيبة التي بارك الل ... ه عليها بخاتم المرسلينا ### || AUT ذكر عزل عمرو بن الليث عن خراسان # وفيها ادخل المعتمد إليه حاج خراسان، وأعلمهم أنه قد عزل عمروبن الليث ~~عما كان قلده، ولعنه بحضرتهم، وأخبرهم أنه قلد خراسان محمد ابن طاهر، وأمر ~~أيضا بلعن عمروعلى المنابر، فلعن، فسار صاعد بن مخلد إلى فارس لحرب عمرو، ~~فاستخلف محمد بن طاهر رافع بن هرثمة على خراسان، فلم يغير السامانية عما ~~وراء النهر. ### || AUT ذكر وقعة الطواحين # وفي هذه السنة كانت وقعة الطواحين بين أبي العباس المعتضد وبين خماريه ~~ابن أحمد بن طولون. وسبب ذلك أن المعتضد سار من دمشق، بعد أن ملكهأن ~~نحوالرملة إلى عساكر خمارويه، فأتاه الخبر بوصول خمارويه إلى عساكره، وكثرة ~~من معه من الجموع، فهم بالعود، فلم يمكنه من معه من أصحاب خمارويه الذين ~~صاروا معه؛ وكان المعتضد قد أوحش ابن كنداجيق، وابن أبي الساج، ونسبهما إلى ~~الجبن، حيث انتظراه ليصل إليهمأن ففسدت نياتهما معه. ولما وصل خمارويه إلى ~~الرملة نزل على الماء الذي عليه الطواحين، فملكه، فنسبت الوقعة إليه؛ ووصل ~~المعتضد وقد عبأ أصحابه، وكذلك أيضا فعل خمارويه، وجعل له كمينا عليهم ~~سعيدا الأيسر، وحملت ميسرة المعتضد على ميمنة خمارويه، فانهزمت، فلما رأى ~~ذلك خمارويه، ولم يكن رأى مصافا قبله، ولى منهزما في نفر من الأحداث الذين ~~لا علم لهم بالحرب، ولم يقف دون مصر. ونزل المعتضد إلى خيام خمارويه، وهولا ~~يشك في تمام النصر، فخرج الذين عليهم سعيد الأيسر، وانضاف إليه من بقي من ~~جيش خمارويه، ونادوا بشعارهم، وحملوا على عسكر المعتضد وهم مشغولون بنهب ~~السواد، ووضع المصريون السيف فيهم، وظن المعتضد أن خمارويه قد عاد، فركب ~~فانهزم ولم يلوعلى شيء، فوصل إلى ms2602 دمشق، ولم يفتح له أهلها بابهأن فمضى ~~منهزما حتى بلغ طرسوس، وبقي العسكران يضطربان بالسيوف، وليس لواحد منهما ~~أمير. وطلب سعيد الأيسر خمارويه فلم يجده، فأقام أخاه أبا العشائر، وتمت ~~الهزيمة على العراقيين، وقتل منهم خلق كثير وأسر كثير. وقال سعيد لعساكر: ~~إن هذا أخوصاحبكم، وهذه الأموال تنفق فيكم؛ ووضع العطاء، فاشتغل الجند عن ~~الشغب بالأموال، وسيرت البشارة إلى مصر، ففرح خمارويه بالظفر، وخجل ~~للهزيمة، غير أنه أكثر الصدقة، وفعل مع الأسرى فعلة لم يسبق إلى مثلها أحد ~~قبله، فقال لأصحابه: إن هؤلاء أضيافكم فأكرموهم؛ ثم أحضرهم بعد ذلك وقال ~~لهم: من اختار المقام عندي فله الإكرام والمواساة، ومن أراد الرجوع جهزناه ~~وسيرناه؛ فمنهم من قام ومنهم من سار مكرما؛ وعادت عساكر خمارويه إلى الشام ~~أجمع، فاستقر ملك خمارويه له. ### || AUT ذكر الحرب بين عسكر الخليفة وعمرو الصفار # في هذه السنة عاشر ربيع الأول كانت وقعة بين عساكر الخليفة وفيها أحمد ~~بن عبد العزيز بن أبي دلف، وبين عمروبن الليث الصفار، ودامت الحرب من أول ~~النهار إلى الظهر، فانهزم عمرووعساكره وكانوا خمسة عشر ألفا بين فارس ~~وراجل، وجرح الدرهمي مقدم جيش عمروبن الليث، وقتل مائة رجل من حماتهم، واسر ~~ثلاثة آلاف أسير، واستأمن منهم ألف رجل، وغمنوا من معسكر عمرومن الدواب ~~والبقر والحمير ثلاثين ألف رأس، وما سوى ذلك فخارج عن الحد. ### || AUT ذكر حروب الأندلس وإفريقية # في هذه السنة سير محمد، صاحب الأندلس، جيشا مع ابنه المنذر إلى مدينة ~~بطليوس، فزال عنها ابن مروان الجليقي، وكان مخالفأن كما ذكرنأن وقصد حصن ~~أشير غوة فتحصن به، فأحرق المنذر بطليوس، وسير محمد أيضا جيشا مع هاشم بن ~~عبد العزيز إلى مدينة سرقسطة، وبها محمد بن لب بن موسى، فملكها هاشم واخرج ~~منها محمدأن وكان معه عمروبن حفصون الذي ذكرنا خروجه على صاحب الأندلس ~~فصالحه. فلما عادوا إلى قرطبة هرب عمر بن حفصون، وقصد بربشتر مخالفأن فاهتم ~~صاحب الأندلس به، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها سارت سرية ~~للمسلمين عظيمة ms2603 بصقلية إلى رمطة، فخربت وغمنت وسبت، وأسرت كثيرا وعادت. ~~PageV03P0333 # وتوفي أمير صقلية، وهوالحسين بن أحمد، فولي بعد سوادة بن محمد ابن خفاجة ~~التميمي، وقدم إليهأن فسار عسكر كبير إلى مدينة قطانية فأهلك ما فيهأن وسار ~~إلى طبرمين فقاتل أهلهأن وأفسد زرعهأن وتقدم فيهأن فأتاه رسول بطريق الروم ~~يطلب الهدنة والمفاداة، فهادنه ثلاثة أشره، وفاداه ثلاثمائة أسير من ~~المسلمين، فرجع سوادة إلى بلرم. ### | AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عقد لأحمد بن محمد الطائي على المدينة وطريق مكة، فوثب ~~يوسف بن أبي الساج، وهووالي مكة، على بدر غلام الطائي، وكان أميرا على ~~الحاج، فحاربه وأسره، فثار الجند والحاج بيوسف، فقاتلوه، واستنقذوا بدرأن ~~وأسروا يوسف وحملوه إلى بغداد، وكانت الحرب بينهم على أبواب المسجد الحرام. ~~وفيها خربت العامة الدير العتيق الذي نهر عيسى وانتهبوا ما فيه، وقلعوا ~~أبوابه، فسار إليهم الحسين بن إسماعيل، صاحب شرطة بغداد من قبل محمد بن ~~طاهر، فمنعهم من هدم ما بقي منه، وكن يتردد هووالعامة إليه أيامأن حتى كاد ~~أن يكون بينهم حرب، ثمبني ما هدم بعد أيام، وكانت إعادة بنائه عبدون أخي ~~صاعد بن مخلد. وحج بالناس هارون بن إسحاق. وفيها توفي عبد الرحمن بن محمد ~~بن منصور البصري. ### | AUT حوادث سنة اثنتين وسبعين ومائتين # ### | AUT ذكر الحرب بين اذكوتكين ومحمد بن زيد العلوي # في هذه السنة، منتصف جمادى الأولى، كانت حرب شديدة بين أذكوتكين وبين ~~محمد بن زيد العلوي، صاحب طبرستان، ثم سار أذكوتكين من قزوين إلى الري ومعه ~~أربعة آلاف فارس، وكان مع محمد بن زيد من الديلم والطبرية والخراسانية عالم ~~كبير، فاقتتلوأن فانهزم عسكر محمد بن زيد وتفرقوأن وقتل منهم ستة آلاف وأسر ~~ألفان، وغمن أذكوتكين وعسكره من أثقالهم وأموالهم ودوابهم شيئا لم يروا ~~مثله، ودخل أذكوتكين الري فأقام بهأن وأخذ من أهلها مائة ألف ألف دينار، ~~وفرق عماله في أعمال الري. ### | AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها وقع بين أبي العباس بن الموفق وبين بازمار بطرسوس، فثار أهل طرسوس ~~بأبي ms2604 العباس فأخرجوه، فسار إلى بغداد في النصف من المحرم. وفيها توفي ~~سليمان بن وهب في جيش الموفق في صفر. وفيها خرج خارجي بطريق خراسان، وسار ~~إلى دسكرة الملك فقتل. وفيها دخل حمدان بن حمدون، وهارون الشاري مدينة ~~الموصل، وصلى بهم الشاري في جامعها. وفيها نقب المطبق من داخله، وأخرج منه ~~الدوباني العلوي، وفتيان معه، فركبوا دواب أعدت لهم وهربوأن فأغفلت أبواب ~~بغداد، فأخذ الدوباني ومن معه، فأمر الموفق، وهوبواسط، أن تقطع يده ورجله ~~من خلاف، فقطع. وفيها قدم صاعد بن مخلد ن فارس إلى واسط، فأمر الموفق جميع ~~القواد أن يستقبلوه، فاستقبلوه وترجلوا له، وقبلوا يده، وهولا يكلمهم كبرا ~~وتيهأن ثم قبض الموفق عليه وعلى جميع أهله وأصحابه، ونهب منازلهم بعد أيام، ~~وكان قبضه في رجب، وقبض ابناه أبوعيسى وصالح، وأخوه عبدون ببغداد، واستكب ~~مكانه أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، واقتصر به على الكتابة دون غيرها. وفيها ~~نزل بنوشيبان ومن معهم بين الزانين من أعمال الموصل، وعاثوا في البلد ~~وأفسدوأن وجمع هارون الخارجي على قصدهم، وكتب إلى حمدان ابن حمدون التغلبي ~~في المجيء إليه، إلى الموصل، فسار هارون نحوالموصل، وسار حمدان ومن معه ~~إليه، فعبروا إليه بالجانب الشرقي من دجلة، وساروا جميعا إلى نهر الخازر، ~~وقاربوا حلل بني شيبان، فواقعته طليعة لبني شيبان على طليعة هارون، فانهزمت ~~طليعة هارون، وانهزم هارون، وجلا أهل نينوى عنهأن إلا من تحصن بالقصور. ~~وفيها زلزلت مصر، في جمادى الآخرة، زلزلة شديدة أخربت الدور والمسجد ~~الجامع، وأحصي بهأن في يوم واحد، ألف جنازة. وفيها غلا السعر ببغداد، وكان ~~سببه أن أهل سامرا منعوا من انحدار السفن بالطعام ومنع الطائي أرباب الضياع ~~من الدياس ليغلوا الأسعار، ومنع أهل بغداد عن سامرا الزيت والصابون وغير ~~ذلك، واجتمعت العامة ووثبوا بالطائي، فجمع أصحابه وقاتلهم، فجرح بينهم ~~جماعة، وركب محمد بن طاهر وسكن الناس، وصرفهم عنه. وفيها توفي إسماعيل بن ~~برية الهاشمي في شوال! وعبيد الله بن عبد الله الهاشمي. PageV03P0334 # وفيها تحركت الزنج بواسط، وصاحوا: انكلاي، يا منصور، وكان ms2605 هووالمهلبي ~~وسليمان بن جامع، وجماعة من قوادهم في حبس الموفق ببغداد، وكتب الموفق ~~بقتلهم، فقتلوأن وأرسلت رؤوسهم إليه، وصلبت أبدانهم ببغداد. وفيها صلح أمر ~~مدينة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتراجع الناس إليها. وفيها غزا ~~الصائفة بازمار، وحج بالناس هارون بن محمد بن إسحاق. وفيها سير صاحب ~~الأندلس إلى ابن مروان الجليقي، وهوبحصن أشير غرة، فحصروه وضيقوا عليه، ~~وسير جيشا آخر إلى محاربة عمر بن حفصون بحصن بربشتر. وفيها انقضت الهدنة ~~بين سوادة أمير صقلية والروم، فأخرج سوادة السرايا إلى بلد الروم بصقلية، ~~فغمنت وعادت. وفيها قدم من القسطنطينية، بطريق، يقال له انجفور، في عسكر ~~كبير، فنزل على مدينة سبرينة فحصرهأن وضيق على من بها من المسلمين، فسلموها ~~على أمان ولحقوا بأرض صقلية، ثم وجه انجفور عسكرا إلى مدينة منتيه، ~~فحصروهأن حتى سلمها أهلها بأمان إلى بلرم من صقلية. وفيها مات أبوبكر محمد ~~بن صالح بن عبد الرحمن الأمناطي ، المعروف بكنجلة، وهومن أصحاب يحيى بن ~~معين، وهولقبه. وفيها توفي أحمد بن عبد الجبار بن محمد بن عطارد العطاردي ~~التميمي، وهويروي مغازي ابن إسحاق عن يونس عن ابن إسحاق، ومن طريقه سمعناه. ~~وفيها توفي إبراهيم بن الوليد بن الخشخاش. وفيها توفي شعيب بن بكار الكاتب، ~~وله حديث عن أبي عاصم النبيل. ### | AUT حوادث سنة ثلاث وسبعين ومائتين # ### | AUT ذكر اختلاف بين ابن أبي الساج وابن كنداج والخطبة بالجزيرة لابن طولون # في هذه السنة فسد الحال بين محمد بن أبي الساج وإسحاق بن كنداج، وكانا ~~متفقين في الجزيرة. وسبب ذلك أن ابن أبي الساج نافر إسحاق في الأعمال، ~~وأراد التقدم، وامتنع عليه إسحاق، فأرسل ابن أبي الساج إلى خمارويه بن احمد ~~بن طولون، صاحب مصر، وأطاعه، وصار معه وخطب له بأعماله، وهي قنسرين، وسير ~~ولده ديوداد إلى خمارويه رهينة، فأرسل إليه خمارويه مالا جزيلا له ولقواده. ~~وسار خمارويه إلى الشام، فاجتمع هووابن أبي الساج ببالس، وعبر ابن أبي ~~الساج الفرات إلى الرقة، فلقيه ابن كنداج، وجرى بينهما حرب انهزم فيها ابن ms2606 ~~كنداج، واستولى ابن أبي الساج على ما كان لابن كنداج، وعبر خمارويه الفرات ~~ونزل الرافقة، ومضى إسحاق منهزما إلى قلعة ماردين، فحصره ابن أبي الساج، ~~وسار عنها إلى سنجار، فأوقع بقوم من الأعراب، وسار ابن كنداج من ماردين ~~نحوالموصل، فلقيه ابن أبي الساج ببرقعيد، فكمن كمينأن فخرجوا على ابن كنداج ~~وقت القتال، فانهزم عنهأن وعاد إلى ماردين فكان فيها؛ وقوي ابن أبي الساج، ~~وظهر أمره، واستولى على الجزيرة والموصل، وخطب لخمارويه فيها ثم لنفسه بعده. ### | AUT ذكر وقعة بين عسكر ابن أبي الساج والشراة # لما استولى ابن أبي الساج على الموصل أرسل طائفة من عسكره مع غلامه فتح، ~~وكان شجاعا مقدما عنده، إلى المرج من أعمال الموصل، فساروا إليهأن وجبوا ~~الخراج منها. وكان اليعقوبية الشراة بالقرب منه، فأرسل إليهم فهادنهم، ~~وقال: إمنا مقامي بالمرج مدة يسيرة ثم أرحل عنه. فسكنوا إلى قوله وتفرقوأن ~~فنزل بعضهم بالقرب من سوق الأحد، فأسرى إليهم فتح في السحر، فكبسهم وأخذ ~~أموالهم، وانهزم الرجال عنه. وكان باقي اليعقوبية قد خرجوا إلى أصحابهم ~~الذين أوقع بهم فتح من غير أن يعلموا بالوقعة، فلقيهم المنهزمون من ~~أصحابهم، فاجتمعوأن وعادوا إلى فتح فقاتلوه، وحملوا حملة رجل واحد، فهزموه ~~وقتلوا من أصحابه ثماني مائة رجل، وكان أصحابه ألف رجل، فأفلت في نحومائة ~~رجل، وتفرق مائة في القرى واختفوأن وعادوا إلى الموصل متفرقين، وأقاموا بها. ### || AUT ذكر وفاة محمد بن عبد الرحمن # ### || AUT وولاية ابنه المنذر # في هذه السنة توفي محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأموي، صاحب ~~الأندلس، لخ صفر، وكان عمره نحوا من خمس وستين سنة، وكانت ولايته أربعا ~~وثلاثين سنة وأحد عشر شهرا، وكان أبيض، مشربا بحمرة، ربعة، أوقص، يخضب ~~بالحناء والكتم، وخلف ثلاثة وثلاثين ولدا ذكورأن وكان ذكيأن فطنا بالأمور ~~المشتبهة متعانيا منها. ولما مات ولي بعده ابنه المنذر بن محمد، بويع له ~~بعد موت أبيه لثلاث ليال، وأطاعه الناس، وأحسن إليهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV03P0335 # وفيها أيضا وقعة بالرقة في جمادى الأولى بين ms2607 إسحاق بن كنداجيق وبين محمد ~~بن أبي الساج، فانهزم إسحاق، ثم كانت بينهما وقعة أخرى في ذي الحجة فانهزم ~~إسحاق أيضا. وفي هذه السنة وثب أولاد ملك الروم على أبيهم فقتلوه، وملك ~~أحدهم بعده. وفيها قبض الموفق على لؤلؤ غلام ابن طولون الذي كان قدم عليه ~~بالأمان حين كان يقاتل الزنج بالبصرة، ولما قبضه قيده، وضيق عليه، وأخذ منه ~~أربع مائة ألف دينار، فكان لؤلؤ يقول: ليس لي ذنب إلا كثرة مالي؛ ولم تنزل ~~أموره في إدبار إلى أن افتقر ولم يبق له شيء، ثم عاد إلى مصر في آخر أيام ~~هارون بن خمارويه، فريدا وحيدأن بغلام واحد، فكان هذا ثمرة العقل السخيف ~~وكفر الإحسان. وحج بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق. وفيها ثار السودان ~~بمصر، وحصروا صاحب الشرطة، فسمع خمارويه ابن أحمد بن طولون الخبر، فركب، ~~وفي يده سيف مسلول، وقصد دار صاحب الشرطة، وقتل كل من لقيه من السودان، ~~فانهزموا منه، وأكثر القتل فيهم، وسكنت مصر وأمن الناس. وفيها مات أبوداود ~~سليمان بن الأشعث السجستاني، صاحب كتاب السنن، ومحمد بن زيد بن ماجة ~~القزويني، وله أيضا كتاب السنن، وكان عاقلأن إماما عالما؛ وتوفي الفتح بن ~~شحرق أبوداود الكشي الصوفي، وكان موته ببغداد، وهومن أصحاب الأحوال ~~الشريفة؛ وتوفي حنبل بن إسحاق. ### | AUT حوادث سنة أربع وسبعين ومائتين # ### | AUT ذكر الحرب بين عسكر عمرو بن الليث وبين عسكر الموفق # في هذه السنة سار الموفق إلى فارس لحرب عمروبن الليث الصفار، فبلغ الخبر ~~إلى عمرو، فسير العباس بن إسحاق في جمع كبير من العسكر إلى سيراف، وأنفذ ~~ابنه محمد بن عمروإلى أرجان، وسير أبا طلحة شركب، صاحب جيشه، على مقدمته، ~~فاستأمن أبوطلحة إلى الموفق، وسمع عمروذلك، فتوقف عن قصد الموفق. ثم إن أبا ~~طلحة عزم على العود إلى عمرو، فبلغ الموفق خبره فقبض عليه بقرب شيراز، وجعل ~~ماله لابنه المعتضد أبي العباس، وسار يطلب عمرأن فعاد عمروإلى كرمان، ومنها ~~إلى سجستان على المفازة، فتوفي ابنه محمد بالمفازة، ولم يقدر الموفق ms2608 على ~~اخذ كرمان وسجستان من عمروفعاد عنه. ### | AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا بازمار، فأوغل في أرض الروم فأوقع فيها بكثير من ~~أهلهأن وقتل وغمن، وسبى وأسر، وعاد سالما إلى طرسوس. وفيها دخل صديق ~~الفرغاني دور سامرا فنهبهأن وأخذ أموال التجار منها وأفسد؛ وكان صديق هذا ~~يحفر الطريق ويحميه، ثم صار يقطعه. وحج بالناس هارون بن محمد. وفيها توفي ~~أبوالعباس بن الكبش بن المتوكل، وكان قد حبسه أخوه المعتمد ثم أطلقه. وفيها ~~توفي الحسن بن مكر، وعلي بن عبد الحميد الواسطي. وفيها جمع إسحاق بن كنداج ~~جمعا كثيرا وسار نحوالشام، فبلغ الخبر خمارويه، فسار إليه وقد عبر الفرات، ~~فالتقيأن وجرى بين الطائفتين قتال شديد، انهزم فيه إسحاق هزيمة عظيمة لم ~~يرده شيء، حتى عبر الفرات وتحصن بهأن وسار خمارويه إلى الفرات، فعمل جسرأن ~~فلما علم إسحاق بذلك سار من هناك إلى قلاع له قد أعدها وحصنهأن وأرسل إلى ~~خماريه يخضع له، ويبذل له الطاعة في جميع ولايته، وهي الجزيرة وما والاهأن ~~فأجابه إلى ذلك. وصالحه ابن أبي الساج، وجمع جمعا كثيرأن وسار نحوالشام ~~قاصدا منازعة خمارويه حيث كان أبعد إلى مصر، فبلغ الخبر خمارويه، فخرج عن ~~مصر في عساكره، فالتقيا في البثينة من أعمال دمشق، فاقتتلا قتالا عظيمأن ~~فانهزم ابن أبي الساج، وعاد منهزما حتى عبر الفرات، فأحضر خمارويه ولد ابن ~~أبي الساج، وكان رهينة عنده، فخلع عليه، وسيره إلى أبيه، وعاد إلى مصر. ### | AUT حوادث سنة خمس وسبعين ومائتين # ### | AUT ذكر الاختلاف بين خمارويه وابن أبي الساج # قد ذكرنا اتفاق ابن أبي الساج وخمارويه بن طولون، وطاعة ابن أبي الساج ~~له، فلما كان الآن خالف ابن أبي الساج على خمارويه، فسمع خمارويه الخبر، ~~فسار عن مصر في عساكره نحوالشام، فقدم إليه آخر سنة أربع وسبعين، فسار أبن ~~أبي الساج إليه، فالتقوا عند ثنية العقاب بقرب دمشق، واقتتلوا في المحرم من ~~هذه السنة، وكان القتال بينهمأن فانهزمت ميمنة خمارويه وأحاط باقي عسكره ~~بابن أبي الساج ومن معه، فمضى ms2609 منهزما واستبح معسكره، وأخذت الأثقال والدواب ~~وجميع ما فيه. PageV03P0336 # وكان قد خلف بحمص شيئا كثيرأن فسير إليه خمارويه قائدا في طائفة من ~~العسكر جريدة، فسبقوا ابن أبي الساج إليهأن ومنعوه من دخولها والاعتصام ~~بهأن واستولوا على ما له فيهأن فمضى ابن أبي الساج منهزما إلى حلب، ثم منها ~~إلى الرقة، فتبعه خمارويه، ففارق الرقة، فعبر خمارويه الفرات، وسار في أثر ~~ابن أبي الساج، فوصل خمارويه إلى مدينة بلد، وكان قد سبقه ابن أبي الساج ~~إلى الموصل. فلما سمع ابن أبي الساج بوصوله إلى بلد سار عن الموصل إلى ~~الحديثة، وأقام خمارويه ببلد، وعمل له سريرا طويل الأرجل، فكأنه يجلس عليه ~~في دجلة، هكذا ذكر أبوزكرياء يزيد بن إياس الأزدي الموصلي صاحب تاريخ ~~الموصل: أن خمارويه وصل إلى بلد؛ وكان إماما فاضلا عالما بما يقول وهويشاهد الحال. ### | AUT ذكر الحرب بين ابن كنداج وابن أبي الساج # لما انهزم ابن كنداج من ابن أبي الساج، كما ذكرناه، أقام إلى أن انهزم ~~ابن أبي الساج من خمارويه، فلما وافى خمارويه بلدا أقام بهأن وسير مع إسحاق ~~بن كنداج جيشا كثيرأن وجماعة من القواد، ورحل يطلب ابن أبي الساج، فمضى بين ~~يديه وابن كنداج يتبعه إلى تكريت، فعبر ابن أبي الساج دجلة، وأقام ابن ~~كنداج، وجمع السفن ليعمل جسرا يعبر عليه، وكان يجري بين الطائفتين مراماة. ~~وكان ابن أبي الساج في نحوألفي فارس، وابن كنداج في شعرين ألفأن فلما رأى ~~ابن أبي الساج اجتماع السفن سار عن تكريت إلى الموصل ليلأن فوصل إليها في ~~اليوم الرابع، فنزل بظاهرها عن الدير الأعلى، وسار ابن كنداج يتبعه، فوصل ~~إلى العزيق، فلما سمع ابن أبي الساج خبره سار إليه، فالتقوأن واقتتلوا عند ~~قصر حرب، فاشتد القتال بينهم، وصبر محمد بن أبي الساج صبرا عظيمأن لأنه كان ~~في قلة، فنصره الله، وانهزم ابن كنداج وجميع عسكره، ومضى منهزما. وكان أعظم ~~الأسباب في هزيمته بغيه، فإنه لما قيل له: إن ابن أبي الساج قد أقبل نحوك ~~من الموصل ليقاتلك، ms2610 قال: أستقبل الكلب! فعد الناس هذا بغيا وخافوا منه، ~~فلما انهزم، وسار إلى القة، تبعه محمد إليهأن وكتب إلى أبي أحمد الموفق ~~يعرفه ما كان فيه، ويستأذنه في عبور الفرات إلى الشام، بلاد خمارويه، فكتب ~~إليه الموفق يشكره، ويأمره بالتوقف إلى أن تصله الإمداد من عنده. وأما ابن ~~كنداج فإنه سار إلى خمارويه، فسير معه جيشأن فوصلوا إلى الفرات، فكان إسحاق ~~بن كنداج، وابن أبي الساج بالرقة، ووكل بالفرات من يمنع من عبورهأن فبقوا ~~كذلك مدة. ثم إن ابن كنداج سير طائفة من عسكره، فعبروا الفرات في غير ذلك ~~الموضع، وساروا فلم تشعر طائفة عسكر ابن أبي الساج، وكانوا طليعة، إلا وقد ~~أوقعوا بهم، فانهزموا من عسكر إسحاق إلى الرقة، فلما رأى ابن أبي الساج ذلك ~~سار عن الرقة إلى الموصل، فلما وصل إليها طلب من أهلها المساعدة بالمال، ~~وقال لهم: ليس بالمضطر مروءة؛ فأقام بها نحوشهر، وانحدر إلى بغداد، فاتصل ~~بأبي أحمد الموفق في ربيع الأول من سنة ست وسبعين ومائتين، فاستصحبه معه ~~إلى الجبل، وخلع عليه، ووصله بمال، وأقام ابن كنداج بديار ربيعة وديار مضر ~~من أرض الجزيرة. ### || AUT ذكر الحرب بين الطائي وفارس العبدي # وفيها ظهر فارس العبدي في جمع، فأخاف السبيل، وسار إلى دور سامرا ونهب، ~~فسار إليه الطائي مقاتلأن فهزمه الطائي، وأخذ سواده، ثم سار الطائي إلى ~~دجلة ليعبرهأن فدخل طيارة له، لأدركه بعض أصحاب فارس، فتعلقوا بكوثل ~~الطيارة، فرمى الطائي نفسه في الماء وسبح، فلما خرج منه نفض لحيته وقال: ~~أيش ظن العبدي؟ أليس أنا أسبح من سمكة؟ ثم نزل الطائي السن والعبدي بإزائه، ~~وقال علي بن بسام في الطائي: قد أقبل الطائي ما أقبلا ... يفتح في الأفعال ~~ما أجملا كأنه من لين ألفاظه ... صبية تمضع جهد البلا وجهد البلا ضرب من ~~النافط يتعلك. وفيها قبض الموفق على الطائي وقيده، وختم على كل شيء له، ~~وكان يلي الكوفة وسوادهأن وطريق خراسان، وسامرأن والشرطة ببغداد، وخراج ~~بادوريأن وقطربل، ومسكن. ### || AUT ذكر قبض الموفق على ابنه ms2611 المعتضد بالله # في هذه السنة، في شوال، قبض الموفق على ابنه المعتضد بالله أبي العباس ~~أحمد. PageV03P0337 # وسبب ذلك أن الموفق دخل إلى واسط ونزل بهأن ثم عاد إلى بغداد، وتخلف ~~المعتمد على اله بالمدائن، وأمر الموفق ابنه أن يسير إلى بعض الوجوه، فقال: ~~لا أخرج إلا إلى الشام لأنها الولاية التي ولانيها أمير المؤمنين. فلما ~~امتنع عليه أمر بإحضاره، فلما حضر أمر بعض خدمه أن يحبسه في حجرة في داره، ~~فلما قام المعتضد تقدم إليه الخادم وأمره بدخول تلك الدار، فدخل ووكل بع ~~فيها. وثار القواد من أصحابه ومن تبعهم وركبوأن واضطربت بغداد لما رأوا ~~السلاح والقواد، فركب الموفق إلى الميدان وقال لهم: ما شأنكم؟ أترون أشفق ~~على ولدي مني، وقد احتجت إلى تقويمه! فانصرفوا. في هذه السنة سار الطائي ~~إلى سامرا بسب صديق، فراسله وأمنه، ودخل سامرا في جماعة من أصحابه، فأخذهم ~~الطائي وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف،وحملهم إلى بغداد. وفيها غزا بازمار في ~~البحر، فغمن من الروم أربعة مراكب. ### || AUT ذكر استيلاء رافع بن هرثمة على جرجان # في هذه السنة سار رافع بن هرثمة إلى جرجان، فأزال عنها محمد بن زيد، ~~وسار محمد إلى استراباذ، فحصره فيها رافع، وأقام عليه نحوسنتين، فغلت ~~الأسعار بحيث لم يوجد ما يؤكل، وبيع وزن درهم ملح بدرهمين فضة، وفارقها ~~محمد بن زيد ليلا في نفر يسير إلى سارية، فسير إليه رافع عسكرأن فتحاربأن ~~وسار محمد عن سارية وعن طبرستان، وذلك في ربيع الأول سنة سبع وسبعين ~~ومائتين، واستأمن رستم بن قارن إلى رافع بطبرستان، فصاهره ابن قوله. وقدم ~~على رافع، وهوبطبرستان، علي بن الليث، وكان قد حبسه أخوه عمروبكرمان، ~~فاحتال حتى تخلص هووابناه المعدل والليث، وأنفذ رافع إلى شالوس محمد بن ~~هارون نائبا عنه، فأتاه بها علي بن كالي مستأمنأن فأتاهما محمد بن زيد ~~وحصرهما بشالوس، وأخذ الطريق عليهمأن فلم يصل منهما إلى رافع خبر، فلما ~~تأخر خبرهما عنه أرسل جاسوسا يأتيه بأخبارهمأن فعاد إليه فأخبره بحصر محمد ~~بن زيد إياهما بشالوس، ms2612 فعظم عليه، وسار إليهمأن فرحل عنهما محمد بن زيد إلى ~~أرض الديلم، فدخل رافع خلفه أرض الديلم فخرقها حتى اتصل بحدود قزوين، وعاد ~~إلى الري، وأقام بها إلى أن توفي الموفق في رجب سنة ست وسبعين ومائتين. ### || AUT ذكر وفاة المنذر بن محمد الأموي # وفيها في المحرم توفي المنذر بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام ~~الأموي، صاحب الأندلس، وقيل في صفر، وكانت ولايته سنة واحدة وأحد عشر شهرا ~~وعشرة أيام، وكان عمره نحوا من ست وأربعين سنة. وكان أسمر طويلا بوجهه أثر ~~جدري، جعدأن كث اللحية، وخلف ستى ذكرو، وكان جوادا يصل الشعراء ويحب الشعر. ~~ولما توفي بويع أخوه عبد اله بن محمد، بويع له يوم موت أخيه، وكنيته ~~أبومحمد، أمه أم ولد اسمها عشار توفيت قبل ابنها بسنة، وفي أيامه امتلأت ~~الأندلس بالفتن، وصار في كل جهة متغلب، ولم تزل كذلك طول ولايته. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها توفي أبوبكر أحمد بن محمد بن الحجاج المروروذي، وهوصاحب أحمد بن ~~حنبل؛ وعبد الله بن يعقوب بن إسحاق العطار الموصلي التميمي، وكان كثير ~~الحديث والرواية، وكان معدلا عند الحكام. وفيها توفي أبوسعيد الحسن بن ~~الحسين بن عبد الله البكري النحوي الغوي المشهور، صاحب التصانيف، وقيل توفي ~~سنة سبعين، والأول أصح. ### | AUT حوادث سنة ست وسبعين ومائتين # في هذه السنة جعلت شرطة بغداد إلى عمروبن الليث، وكتب اسمه على الأعلام ~~والترسة وغيرهأن وكان ذلك في شوال، ثم ترتب في الشرطة عبيد الله بن طاهر من ~~قبل عمرو، ثم أمره بطرح اسم عمروعن الأعلام وغيرها في شوال من هذه السنة. ~~وفيهأن في منتصف شهر ربيع الأول، سار الموفق إلى بلاد الجبل، وسبب مسيره أن ~~الماذرائي، كاتب أذكوتكين، أخبره أن له هناك مالا عظيمأن وأنه إن سار معه ~~أخذه جميعه، فسار إليه، فلم يجد المال، فلما لم يجد شيئا سار إلى الكرج، ثم ~~إلى أصبهان يريد أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، فتنحى أحمد عن البلد بجيشه ~~وعياله، وترك داره ms2613 بفرشها لينزلها الموفق إذا قدم. وفيها استعمل الموفق ~~بالله على أذربيجان ابن أبي الساج، فسار إليهأن فخرج إليه عبد الله بن ~~الحسن الهمداني، صاحب مراغة، ليصدره عنهأن فحاربه، فانهزم عبد الله وحصر، ~~وأخذت منه سنة ثمانين ومائتين، كما نذكره، واستقر ابن أبي الساج لعمله. ~~PageV03P0338 # وفيها توفي محمد بن حماد بن إسحاق بن حماد بن يزيد القاضي. وفيها قتل ~~عامل الموصل لاين كنداج إنسانا من الخوارج اسمه نعيم، فسمع هارون وتقدم ~~الخوارج بذلك وهوبحديثه الموصل، فجمع أصحابه وسار إلى الموصل يريد حرب ~~أهلهأن فنزل شرقي دجلة، فأرسل إليه أعيانهم ومقدموهم يسألونه ما الذي ~~أقدمه؟ فذكر قتل نعيم؛ فقالوا: إمنا قتله عامل السلطان من غير اختيار منأن ~~وطلبوا منه الأمان ليحضروا عنده يعتذرون، ويتبرئون من قتله، فأمنهم، فخرج ~~إليه جماعة من أهل الموصل وأعيانهم، وتبرؤوا من قتله، فرحل عنهم. وفيها عاد ~~حجاج اليمن عن مكة، فنزلوا واديأن فأتاهم السيل فحملهم جميعهم وألقاهم في ~~البحر. وفيها توفي أبوقلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي البصري، وكان يسكن ~~بغداد. وفيها ورد الخبر بانفراج تل من نهر البصرة، يعرف بتل شقيق، عن سبعة ~~أقبر فيها سبعة أبدان صحيحة، والقبور في شبه الحوض من حجر في لون المسن، ~~عليه كتاب لا يدري ما هو، وعليهم أكفان جدد ويفوح منها ريح المسك، أحدهم ~~شاب له جمة وعلى شفتيه بلل كأنه قد شرب ماء، كأنه قد كحل، وبه ضربة في ~~خاصرته. وحج بالناس هارون بن محمد الهاشمي. وفيها توفي أبومحمد عبد اله بن ~~مسلم بن قتيبة، صاحب كتاب: أدب الكاتب، وكتاب المعارف، وهوكوفي، وإمنا قيل ~~له الدينوري لأنه كان قاضيهأن وقيل مات سنة سبعين؛ وأبوسعيد الحسن بن ~~الحسين بن عبد الله اليشكري النحوي الراوية، وكان مولده سنة اثنتي عشرة ~~ومائتين. وفيها توفي محمد بن علي أبوجعفر القصاب الصوفي، وهومن أقران السري ~~وصحبه الجنيد كثيرا. ### | AUT حوادث سنة سبع وسبعين ومائتين # في هذه السنة دعا بازمار بطرسوس لخماريه بن أحمد بن طولون. وسبب ذلك أن ~~خمارويه أنفذ إليه ثلاثين ألف ms2614 دينار، وخمسمائة ثوب، وخمسمائة مطرف، وسلاحا ~~كثيرأن فلما وصل إليه دعا له، ثم وجه إليه بخمسين ألف دينار. وفيهأن في شهر ~~ربيع الآخر، كان بين وصيف خادم ابن أبي الساج والبرابرة أصحاب أبي الصقر ~~قتنة، فاقتتلوأن فقتل بينهم جماعة؛ كان ذلك بباب الشام، فركب أبوالصقر ~~ففرقهم. وفيها ولي يوسف بن يعقوب المظالم، وأمر من ينادي: من كانت له مظلمة ~~قبل الأمير الناصر لدين الله الموفق، أوأحد من الناس، فليحضر. وفيهأن في ~~شعبان، قدم بغداد قائد عظيم من قواد خمارويه بن أحمد بن طولون في جيش عظيم؛ ~~وحج بالناس هارون بن محمد بن عيسى الهاشمي. وفيها توفي أبوجعفر أحمد بن أبي ~~المثنى الموصلي، وكان كثير الحديث، وهومن أهل الصدق والأمانة. وفيها توفي ~~أبوحاتم الرازي، واسمه محمد بن إدريس بن المنذر، وهومن أقران البخاري ~~ومسلم. ومات فيها يعقوب بن سفيان بن حوان السري، وكان يتشيع؛ ويعقوب ابن ~~يوسف بن معقل الأموي، والد أبي العباس الأصم. وفيها توفيت عريب المغنية ~~المأمونية، وقيل إنها ابنة جعفر بن يحيى ابن خالد بن بمك، وكان مولدها سنة ~~إحدى وثمانين ومائة. وفيها توفي أبوسعيد الخراز، واسمه أحمد بن عيسى، وقيل ~~سنة ست وثمانين، والأول أشبه بالصواب. الخراز بالخاء المعجمة والراء والزاي. ### | AUT حوادث سنة ثمان وسبعين ومائتين # ### || AUT ذكر الفتنة ببغداد # فيها كانت الحرب ببغداد بين أصحاب وصيف الخادم والبربر، وأصحاب موسى ابن ~~أخت مفلح، أربعة أيام من المحرم، ثم أصطلحوأن وقد قتل بينهم جماعة، ثم وقع ~~بالجانب الشرقي وقعة بين أصحابه يونس قتل فيها رجل، ثم انصرفوا. ### || AUT ذكر وفاة الموفق # وفيها توفي أبوأحمد الموفق بالله بن المتوكل، وكان قد مرض في بلاد ~~الجبل، فانصرف وقد اشتد به وجع النقرس، فلم يقدر على الركوب، فعمل على سرير ~~عليه قبة، فكان يقعد عليه، وخادم له يبرد رجله بالأشياء الباردة، حتى إنه ~~يضع عليها الثلج، ثم صارت علة برجله، داء الفيل، وهوورم عظيم يكون في ~~الساق، يسيل منه ماء، وكان يحمل سريره أربعون رجلا بالنوبة، فقال لهم يوما: ms2615 ~~قد ضجرتم من حملي، بودي أن أكون كواحد منكم أحمل على رأسي، وآكل، وأنا في ~~عافية. PageV03P0339 # وقال في مرضه: أطبق ديواني على مائة ألف مرتزق، ما أصبح فيهم أسوأ حالا ~~مني؛ فوصل إلى داره لليلتين خلتا من صفر، وشاع موته بعد انصرف أبي الصفر من ~~داره، وكان تقدم بحفظ أبي العباس، فأغلقت عليه أبواب دون أبواب، وقوي ~~الإرجاف بموته، وكان قد اعترته غشية، فوجه أبوالصقر إلى المدائن، فحمل منها ~~المعتمد وأولاده، فجيء بهم إلى داره، ولم يسر أبوالصقر إلى دار الموفق. ~~فلما رأى غلمان الموفق الماثلون إلى أبي العباس والرؤساء من غلمان أبي ~~العباس ما نزل بالموفق، كسورا الأقفال والأبواب المغلقة على أبي العباس، ~~فلما سمع أبوالعباس ذلك ظن أنهم يريدون قتله، وأخذ سيفه بيده، وقال غلام ~~عنده: واله لا يصلون إلي وفي شيء من الروح! فلما وصلوا إليه رأى في أولهم ~~غلامه وصيفا موشكير، فلما رآه ألقي السيف من يده، وعلم أنهم ما يريدون إلا ~~الخير، فأخرجوه وأقعدوه عند أبيه، فلا فتح عينه رآه، فقربه وأدناه إليه. ~~وجمع أبوالصقر عنده القواد والجند، وقطع الجسرين، وحاربه قوم من الجانب ~~الشرقي، فقتل بينهم قتلى، فلما بلغ الناس أن الموفق حي حضر عنده محمد بن ~~أبي الساج، وفارق أبا الصقر، وتسلل القواد والناس عن أبي الصقر؛ فلما رأى ~~أبوالصقر ذلك حضر هووابنه دار الموفق، فما قال له الموفق شيئا مما جرى، ~~فأقام في داره الموفق، فلما رأى المعتمد أنه بقي في الدار نزل هووبنوه ~~وبكتمر، فركبوا زورقا فلقيهم طيار لأبي ليلى بن عبد العزيز بن أبي دلف، ~~فحمله فيه إلى دار علي بن جهشيار. وذكر أعداء أبي الصقر أنه أراد أن يقرب ~~إلى المعتمد بمال الموفق أسبابه، وأشاعوا ذلك عنه عند أصحاب الموفق، فنهبت ~~دار أبي الصقر، حتى أخرجت نساؤه منها حفاة بغير أزر، ونهب ما يجاورها من ~~الدور، وكسرت أبواب السجون وخرج من كان فيها. وخلق الموفق على ابنه أبي ~~العباس، وعلى أبي الصقر، وركبا جميعأن فمضى أبوالعباس إلى منزله، وأبوالصقر ms2616 ~~إلى منزله وقد نهب، فطلب حصيرة يقعد عليها عارية؛ فولى أبوالعباس غلامه ~~بدرا الشرطة، واستخلف محمد بن غامن بن الشاة على الجانب الشرقي. ومات ~~الموفق يوم الأربعاء لثمان بقين من صفر من هذه السنة، ودفن ليلة الخميس ~~بالرصافة، وجلس أبوالعباس للتعزية. وكان الموفق عادلأن حسن السيرة، يجلس ~~لمظالم وعنده القضاة وغيرهم، فينتصف الناس بعضهم من بعض، وكان عالما ~~بالأدب، والنسب، والفقه، وسياسة الملك، وغير ذلك. قال يوما: إن جدي عبد ~~الله بن العباس قال: إن الذباب ليقع على جليسي فيؤذيني ذلك؛ وهذا نهاية ~~الكرم، وأنا والله أرى جلسائي بالعين التي أرى بها إخواني، والله لوتهيأ لي ~~أن أغير أسماءهم لنقلتها من الجلساء إلى الأصدقاء والإخوان. وقال يحيى بن ~~علي: دعا الموفق يوما جلساءه، فسبقتهم وحدي، فلما رآني وحدي أنشد يقول: ~~واستصحب الأصحاب حتى إذا دنوا ... وملوا من الإدلاج جئتكم وحدي فدعوت له، ~~واستحسنت إنشاده في موضعه، وله محاسن كثيرة ليس هذا موضع ذكرها. ### || AUT ذكر البيعة للمعتضد بولاية العهد # لما مات الموفق اجتمع القواد وبايعوا ابنه أبا العباس بولاية العهد بعد ~~المفوض ابن المعتمد، ولقب المعتضد بالله، وخطب له يوم الجمعة بعد المفوض، ~~وذلك لسبع ليال بقين من صفر، واجتمع عليه أصحاب أبيه، وتولى ما كان أبوه ~~يتولاه. وفيها قبض المعتمد على أبي الصقر وأصحابه، وانتهب منازلهم، وطلب ~~بني الفرات فاختفوأن وخلع على عبيد اله بن سليمان بن وهب، وولاه الوزارة، ~~وسير محمد بن أبي الساج إلى واسط ليرد غلامه وصيفا إلى بغداد، فمضى وصيف ~~إلى السوس فعاث بها ونهب الطيب، وأبى الرجوع إلى بغداد. وفيها قتل علي بن ~~الليث أخوالصفار، قتله رافع بن هرثمة، وكان قد يحنق به، وترك أخاه. وفيها ~~غار ماء النيل، فغلت الأسعار بمصر. ### || AUT ذكر ابتداء أمر القرامطة # PageV03P0340 # وفيها تحرك بسواد الكوفة قوم يعرفون بالقرامطة، وكان ابتداء أمرهم، فيما ~~ذكر، أن رجلا منهم قدم من ناحية خوزستان إلى سواد الكوفة، فكان بموضع يقال ~~له النهرين، يظهر الزهد والتقشف، ويسف الخوص، ويأكل من كسب يده، ويكثر ms2617 ~~الصلاة، فأقام على ذلك مدة فكان إذا قعد إليه رجل ذاكره أمر الدين وزهده في ~~الدنيأن وأعلمه أن الصلاة المفروضة على الناس خمسون صلاة في كل يوم وليلة، ~~حتى فشا ذلك عنه بموضعه، ثم أعلمهم أنه يدعوإلى إمام من آل بيت الرسول، فلم ~~يزل على ذلك حتى استجاب له جمع كثير. وأن يقعد إلى بقال هناك: فجاء قوم إلى ~~البقال يطلبون منه رجلا يحفظ عليهم ما صرموا من نخلهم، فدلهم عليه وقال ~~لهم: إن أجابكم إلى حفظ تمركم فإنه بحيث تحبون؛ فكلموه في ذلك؛ فأجابهم على ~~أجرة معلومة، فكان يحفظ لهم، ويصلي اكثر نهاره، ويصوم، ويأخذ عند إفطاره من ~~البقال رطل تمر فيفطر عليه، ويجمع نوى ذلك التمر ويعطيه البقال، فلما حمل ~~التجار تمرهم حاسبوا أجيرهم عند البقال، ودفعوا إليه أجرته، وحاسب الأجير ~~البقال على ما أخذ منه من التمر، وحط ثمن النوى، فسمع أصحاب التمر محاسبته ~~لبقال بثمن النوى فضربوه وقالوا له: ألم ترض بأكل تمرنأن حتى بعت النوى؟ ~~فقال لهم البقال: لا تفعلوا! وقص عليهم القصة، فندموا على ضربه، واستحلوا ~~منه ففعل، وازداد بذلك عند أهل القرية لما وقفوا عليه من زهده. ثم مرض، ~~فمكث على الطريق مطروحأن وكان في القرية رجل أحمر العينين، يحمل على أثوار ~~له، يسمونه كرميته لحمرة عينيه، وهوبالنبطية أحمر العين، فكلم البقال ~~الكرميتة في حمل المريض إلى منزله والعناية به، ففعل، وأقام عنده حتى برأن ~~ودعا أهل تلك الناحية إلى مذهبه، فأجابوه، وكان يأخذ من الرجل إذا أجابه ~~دينارأن ويزعم أنه للإمام، واتخذ منهم اثني عشر نقيبا أمرهم أن يدعوا الناس ~~إلى مذهبهم، وقال: أنتم كحواريي عيسى بن مريم. فاشتغل أهل كور تلك الناحية ~~عن أعمالهم بما رسم لهم من الصلوات. وكان للهيصم في تلك الناحية ضياع، فرأى ~~تقصير الأكرة في عمارتهأن فسأل عن ذلك، فأخبر بخبر الرجل، فأخذه وحبسه، ~~وحلف أن يقتله لما اطلع على مذهبه، وأغلق باب البيت عليه، وجعل مفتاح البيت ~~تحت وسادته، واشتغل بالشرب، فسمع بعض من في الدار ms2618 من الجواري بحبسه، فرقت ~~للرجل، فلما نسام الهيصم أخذت المفتاح وقتحت الباب وأخرجته، ثم أعادت ~~المفتاح إلى مكانه، فلما أصبح الهيصم فتح الباب ليقتله فلم يجده. وشاع ذلك ~~في الناس، فافتتن أهل تلك الناحية، وقالوا: رفع، ثم ظهر في ناحية أخرى، ~~ولقي جماعة من أصحابه وغيرهم، وسألوه عن قصته فقال: لا يمكن أحدا أن ينالني ~~بسوء! فعظم في أعينهم، ثم خاف على نفسه، فخرج إلى ناحية الشام، فلم يوقف له ~~على خبر، وسمي باسم الرجل الذي كان في داره كرميتة صاحب الأنوار؛ ثم خفف ~~فقيل قرمط، هكذا ذكره بعض أصحاب زكرويه عنه. وقيل إن قرمط لقب رجل كان ~~بسواد الكوفة يحمل غلة السواد على أثوار له، واسمه حمدان؛ ثم فشا مذهب ~~القرامطة بسواد الكوفة، ووقف الطائي أحمد بن محمد على أمرهم، فجعل على ~~الرجل منهم في السنة دينارأن فقدم قوم من الكوفة، فرفعوا أمر القرامطة ~~والطائي إلى السلطان، وأخبروه أنهم قد أحدثوا دينا غير دين الإسلام، وأنهم ~~يرون السيف على أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، إلا من بايعهم، فلم يلتفت ~~إليهم ولم يسمع قولهم. وكان فيما حكي عن القرامطة من مذهبهم أنهم جاؤوا ~~بكتاب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم! يقول الفرج بن عثمان، وهومن قرية يقال ~~لها نصرانة، داعية المسيح، وهوعيسى، وهوالكلمة، وهوالمهدي، وهوأحمد بن محمد ~~بن الحنيفة، وهوجبريل؛ وذكر أن المسيح تصور له في جسم إنسان، وقال له: إنك ~~الداعية، وإنك الحجة، وإنك الناقة، وإنك الدابة، وإنك يحيى بن زكرياء، وإنك ~~روح القدس. PageV03P0341 # وعرفه أن الصلاة أربع ركعات: ركعتان قبل طلوع الشمس، وركعتان بعد غروبهأن ~~وأن الأذان في كل صلاة أن يقول المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ~~أشهد أن لا إله إلا الله، مرتين، أشهد أن آدم رسول الله، أشهد أن نوحا رسول ~~الله، أشهد أن إبراهيم رسول الله، أشهد أن موسى رسول الله، أشهد أن عيسى ~~رسول الله؛ أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن أحمد ابن محمد بن الحنيفة ~~رسول اله، وأن يقرا في ms2619 كل ركعة الاستفتاح، وهي من المنزل على أحمد بن محمد ~~بن الحنيفة، والقبلة إلى بيت المقدس، والحج إلى بيت المقدس، وأن الجمعة يوم ~~الاثنين لا يعمل فيه شيء، والسورة: الحمد لله بكلمته، وتعالى باسمه، المتخذ ~~لأوليائه بأوليائه. (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس) البقرة: 189، ~~ظاهرها ليعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام، وباطنها أوليائي الذين ~~عرفوا عبادي سبيلي اتقوني يا أولي الألباب، وأنا الذي لا أسأل عما أفعل، ~~وأنا العليم الحكيم، وأنا الذي أبلوعبادي، وامتحن خلقي، فمن صبر على بلائي، ~~ومحنتي، واختباري ألقيته في جنتي، وأخلدته في نعمتي، ومن زال عن أمري، وكذب ~~رسلي أخذته مهانا في عذابي، وأتممت أجلي، وأظهرت أمري على ألسنة رسلي. وأنا ~~الذي لم يعلوعلي جبار إلا وضعته، ولا عزيز إلا أذللته، وليس الذي أصر على ~~أمري ودام على جهالته، وقالوا: لن نبرح عليه عاكفين، وبه موقنين، أولئك هم ~~الكافرون. ثم يركع، ويقول في ركوعه: سبحان ربي رب العزة وتعالى عما يصف ~~الظالمون، يقولها مرتين فإذا سجد قال: الله أعلى، الله أعلى، الله أعظم، ~~الله أعظم. ومن شريعته أن يصوم يومين في السنة، وهما المهرجان والنيروز، ~~وأن النبيذ حرام، والخمر حلال، ولا غسل من جنابة إلا الوضوء كوضوء الصلاة، ~~وأن من حاربه وجب قتله، ومن لم يحاربه ممن يخالفه أخذ منه الجزية، ولا يؤكل ~~كل ذي ناب، ولا كل ذي مخلب. وكان مسير قرمط إلى سواد الكوفة قبل قتل صاحب ~~الزنج، فسار قومط إليه وقال له: إني على مذهب رأي، ومعي مائة ألف ضارب سيف، ~~فتناظرني، فإن اتفقنا على المذهب ملت إليك بمن معي، وإن تكن الأخرى انصرفت ~~عنك. فتناظرا، فاختلفت رؤاهما، فانصرف قرمط عنه. ### || AUT ذكر غزو الروم ووفاة بازمار # فيهأن في جمادى الآخرة، دخل أحمد العجيفي طرسوس، وغزا مع بازمار ~~الصائفة، فبلغوا شكند، فأصابت بازمار شظية من حجر منجنيق في أضلاعه، فارتحل ~~عنها بعد أن أشرف على أخذهأن فتوفي في الطريق منتصف رجب، وحمل إلى طرسوس ~~فدفن بها. وكان قد أطاع خمارويه بن أحمد ms2620 بن طولون، فلما توفي خلفه ابن ~~عجيف، وكتب إلى خمارويه يخبره بوته، فأقره على ولاية طرسوس، وأمده بالخيل ~~والسلاح والذخائر وغيرهأن ثم عزله، واستعمل عليها ابن عمه محمد بن موسى بن طولون. ### || AUT ذكر الفتنة بطرسوس # وفيها ثار الناس، بطرسوس، بالأمير محمد بن موسى، فقبضوا عليه. وسبب ذلك ~~أن الموفق لما توفي كان له خادما من خواصه يقال له: راغب، فاختار بالجهاد، ~~فسار إلى طرسوس على عزم المقام بهأن فلما وصل إلى الشام سير ما معه من دواب ~~وآلات وخيام وغير ذلك إلى طرسوس، وسار هوجريدة إلى خمارويه ليزوره، ويعرفه ~~عزمه، فلما لقيه بدمشق أكرمه خمارويه، وأحبه، وأنس به، واستحيا راغب أن ~~يطلب منه المسير إلى طرسوس، فطال مقامه عنده، فظن أصحابه أن خمارويه قبض ~~عليه، فأذاعوا ذلك، فاستعظمه الناس، وقالوا: يعمد إلى رجل قصد الجهاد في ~~سبيل الله فيقبض عليه! ثم شغبوا على أميرهم محمد ابن عم خمارويه، وقبضوا ~~عليه، وقالوا: لا يزال في الحبس إلى أن يطلق ابن عمك راغبا؛ ونهبوا داره، ~~وهتكوا حرمه. وبلغ الخبر إلى خمارويه، فأطلع راغبا عليه، وأذن له على في ~~المسير إلى طرسوس، فلما بلغ إليها أطلق أهلها أميرهم، فلما أطلقوه قال لهم: ~~قبح الله جواركم! وسار عنها إلى البيت المقدس، فأقام به، ولما سار عن طرسوس ~~عاد العجيفي إلى ولايتها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها ظهر كوكب ذو جمة، وصارت الجمة ذؤابة. وحج بالناس هذه السنة هارون ~~بن محمد بن إسحاق الهاشمي. وتوفي فيها عبد الكريم الدير عاقولي. وفيها توفي ~~إسحاق بن كنداج، وولي ما كان إليه من أعمال الموصل وديار ربيعة ابنه محمد. ~~وتوفي إدريس بن سليم الفقعسي الموصلي، وكان كثير الحديث والصلاح. ### | AUT حوادث سنة تسع وسبعين ومائتين # PageV03P0342 ### || AUT ذكر خلع جعفر بن المعتمد # ### || AUT وولاية المعتضد # في هذه السنة، في المحرم، خرج المعتمد على الله، وجلس للقواد والقضاة ~~ووجوه الناس، وأعلمهم أنه خلع ابنه المفوض إلى الله جعفرا من ولاية العهد، ~~وجعل ولاية العهد للمعتضد بالله أبي العباس أحمد ms2621 بن الموفق، وشهدوا على ~~المفوض أنه قد تبرأ من العهد، وأسقط اسمه من السكة، والخطبة، والطراز، وغير ~~ذلك، وخطب للمعتضد، وكان يوما مشهودا. فقال يحيى بن علي يهنئ المعتضد: ~~ليهنك عقد أنت فيه المقدم ... حباك به رب بفضلك أعلم فإن كنت قد أصبحت والي ~~عهدنا ... فأنت غدا فينا الإمام المعظم ولا زال من ولاك فينا مبلغا ... ~~مناه، ومن عاداك يشجى ويرغم وكان عمود الدين فيه تأود ... فعاد بهذا العهد ~~وهومقوم وأصبح وجه الملك جذلان ضاحكا ... يضيء لنا منه الذي كان يظلم فدونك ~~فاشدد عقد ما قد حويته ... فإنك دون الناس فيه المحكم وفيها نودي بمدينة ~~السلام أن لا يقعد على الطريق ولا في المسجد الجامع قاض، ولا منجم، ولا ~~زاجر، وحلف الوراقون أن لا يبيعوا كتب الكلام والجدل والفلسفة. وفيها قبض ~~على جراد كاتب أبي الصقر إسماعيل بن بلبل. وفيها انصرف أبوطلحة منصور بن ~~مسلم من شهرزور، وكانتله، فقبض عليه. ### || AUT ذكر الحرب بين الخوارح وأهل الموصل والأعراب # في هذه السنة اجتمعت الخوارج، ومقدمهم هارون، ومعهم متطوعة أهل الموصل ~~وغيرهم، وحمدان بن حمدون التغلبي، على قتال بني شيبان. وسبب ذلك أن جمعا ~~كثيرا من بني شيبان عبروا الزاب، وقصدوا نينوى من أعمال الموصل، للإغارة ~~عليها وعلى البلد، فاجتمع هارون الشاري، وحمدان بن حمدون، وكثير من ~~المتطوعة المواصلة، وأعيان أهلهأن على قتالهم ودفعهم. وكان بنوشيبان نزلوا ~~على باعشيقا، ومعهم هارون بن سليمان، مولى أحمد بن عيسى بن الشيخ الشيباني، ~~صاحب ديار بكر، وكان قد أنفذه محمد ابن إسحاق بن كنداج واليا على الموصل، ~~فلم يمكنه أهلها من المقام عندهم، فطردوه، فقصد بني شيبان معاونا على ~~الخوارج وأهل الموصل، فالتقوأن وتصافوأن واقتتلوأن فانهزمت بنوشيبان، ~~وتبعهم حمدان والخوارج، وملكوا بيوتهم، واشتغلوا بالنهب. وكان الزاب لما ~~عبره بنوشيبان زائدأن فلما انهزموا علموا أن لا ملجأ ولا منجى غير الصبر، ~~فعادوا إلى القتال، والناس مشغولون بالنهب، فأوقعوا بهم، وقتل كثير من أهل ~~الموصل ومن معهم وعاد الظفر للأعراب. وكتب هارون بن سيما إلى محمد بن ms2622 إسحاق ~~بن كنداج يعرفه أن البلد خارج عن يده إن لم يحضر هوبنفسه، فسار في جيش كثيف ~~يريد الموصل، فخافه أهلهأن فانحدر بعضهم إلى بغداد يطلبون إرسال وال إليهم، ~~وإزالة ابن كنداج عنهم، فاجتازوا في طريقهم بالحديثة، وبها محمد بن يحيى ~~المجروح يحفظ الطريق، قد ولاه المعتضد ذلك، وقد وصل إليه عهد بولايته ~~الموصل، فحثوه على تعجيل الير وأن يسبق محمد بن كنداج إليهأن وخوفوه من ابن ~~كنداج إن دخل الموصل قبله، فسار، فسبق محمد إليهأن ووصل محمد بن كنداج إلى ~~بلد، فبلغه دخول المجروح الموصل، فندم على التباطؤ وكتب إلى خمارويه بن ~~طولون يخبره الخبر، فأرسل أبا عبد الله بن الخصاص بهدايا كثيرة إلى ~~المعتضد، ويطلب أمورا، منها إمرة الموصل كما كانت له قبل، فلم يجب إلى ذلك، ~~وأخبره كراهة أهل الموصل من عماله، فأعرض عن ذكرها. وبقي المجروح بالموصل ~~يسيرأن وعزله المعتضد، واستعمل بعده علي ابن داود بن زهراد الكردي، فقال ~~شاعر يقال له العجيني: ما رأى الناس لهذا ال ... دهر مذ كانوا شبيها ذلت ~~الموصل حتى ... أمر الأكراد فيها ### || AUT ذكر وفاة المعتمد # وفيها توفي المعتمد على الله ليلة الاثنين لإحدى عشرة بقيت من رجب ~~ببغداد، وكان قد شرب على الشط في الحسني ببغداد، يوم الأحد، شرابا كثيرأن ~~وتعشى فأكثر، فمات ليلا؛ وأحضر المعتمد القضاة وأعيان الناس، فنظروا إليه، ~~وحمل إلى سامرا فدفن بهأن وكان عمره خمسين سنة وستة أشهر، وكان آسن من ~~الموفق بستة اشهر، وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وستة أشهر. PageV03P0343 # وكان في خلافته محكوما عليه، قد تحكم عليه اخوة أبوأحمد الموفق، وضيق ~~عليه، حتى إنه احتاج، في بعض الأوقات، إلى ثلاثمائة دينار، فلم يجدها ذلك ~~الوقت، فقال: أليس من العجائب أن نثلي ... يرى ما قل ممتنعا عليه وتؤخذ ~~باسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شيء في يديه إليه تحمل الأموال طرا ... ~~ويمنع بعض ما يجبى إليه وكان أول الخلفاء انتقل من سر من رأى، مذ بنيت، ثم ~~لم يعد إليها أحد منهم. ### || AUT ذكر ms2623 خلافة أبي العباس المعتضد # وفي صبيحة الليلة التي مات فيها المعتمد بويع لأبي العباس المعتضد بالله ~~أحمد بن الموفق أبي أحمد طلحة بن المتوكل بالخلافة، فولى غلامه بدرا ~~الشرطة، وعبيد الله بن سليمان الوزارة، ومحمد بن الشاه بن مالك الحرس، ~~ووصله في شوال رسول عمروبن اليث ومعه هدايا كثيرة، وسأله أن يوليه خراسان، ~~فعقد له عليهأن وسير إليه الخلع واللواء والعهد، فنصب الواء في داره ثلاثة أيام. ### || AUT ذكر وفاة نصر الساماني # وفيها مات نصر بن أحمد الساماني، وقام بما كان إليه من العمل بما وراء ~~النهر، أخوه إسماعيل بن أحمد، وكان نصر دينأن عاقلأن له شعر حسن، منه ما ~~قاله في رافع بن هرثمة: أخوك فيك على خبر ومعرفة ... إن الذليل ذليل حيثما ~~كانا لولا زمان خؤون في تصرفه ... ودولة ظلمت ما كنت إنسانا ### || AUT ذكر عزل رافع بن هرثمة من خراسان وقتله # وفيها عزل المعتضد رافع بن هرثمة عن خراسان. وسبب ذلك أن المعتضد كتب ~~إلى رافع بتخلية قرى السلطان بالري، فلم يقبل، فأشار على رافع أصحابه برد ~~القوى لئلا يفسد حاله بكتاب، فلم يقبل أيضأن وكتب المعتضد إلى أحمد بن عبد ~~العزيز بن أبي دلف يأمره بمحاربة رافع وإخراجه عن الري، وكتب إلى عمروبن ~~الليث بتوليته خراسان. ثم إن أحمد بن عبد العزيز لقي رافعا فقاتله، فانهزم ~~رافع عن الري وسار إلى جرجان، ومات أحمد بن عبد العزيز سنة ثمانين ومائتين، ~~فعاد رافع إلى الري، فلاقاه عمرووبكر ابنا عبد العزيز، فاقتتلوا قتالا ~~شديدأن فانهزم عمرووبكر، وقتل من أصحابهما مقتلة عظيمة، ووصلوا إلى أصبهان، ~~وذلك في جمادى الأولى سنة ثمانين. وأقام رافع بالري باقي سنته، ومات علي بن ~~الليث معه في الري، ثم إن عمروبن الليث وافى نيسابور في جمادى الأولى سنة ~~ثمانين واستولى عليها وعلى خراسان، فبلغ الخبر إلى رافع، فجمع أصحابه ~~واستشارهم فيما يفعل، وقال لهم: إن الأعداء قد أحدقوا بنأن ولا آمن أن ~~يتفقوا علينا؛ هذا محمد بن زيد بالديلم ينتظر فرصة لينتهزها؛ وهذا عمروبن ms2624 ~~عبد العزيز قد فعلت به ما فعلت، فهويتربص الدوائر؛ وهذا عمروبن الليث قد ~~وافى خراسان بجموعه؛ وقد رأيت أن أصالح محمد بن زيد وأعيد إليه طبرستان، ~~وأصالح ابن عبد العزيز، ثم أسير إلى عمروفأخرجه عن خراسان، فوافقوه على ~~ذلك، وأرسل إلى ابن عبد العزيز فصالحه، واستقر الأمر بينهما في شعبان سنة ~~ثمانين. ثم سار إلى طبرستان، فوردها في شعبان سنة إحدى وثمانين، وكان قد ~~أقام بجرجان، فأحكم أمورهأن ولما استقر بطبرستان راسل محمد ابن زيد وصالحه، ~~وعده محمد بن زيد أن ينجده بأربعة آلاف رجل من شجعان الديلم، وخطب لمحمد ~~بطبرستان وجرجان في ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين ومائتين. وبلغ خبر ~~مصالحة محمد بن زيد ورافع إلى عمروبن الليث، فأرسل إلى محمد يذكره ما فعل ~~يه، ويحذره منه ومن غدره إن استقام أمره، فعاد عن إنجاده بعسكر. فلما قوي ~~عمروعرف لمحمد ين زيد ذلك، وخلى عليه طبرستان؛ ولما أحكم رافع أمر محمد ين ~~زيد سار إلى خراسان، فورد نيسابور في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين ومائتين، ~~وجرى بينه وبين عمروحرب شديدة انهزم فيها رافع إلى أبيورد، وأخذ عمرومنه ~~المعدل والليث ولدي أخيه علي ابن الليث، وكانا عنده بعد موت أخيه علي. ~~PageV03P0344 # ولما ورد رافع أبيورد أراد المسير إلى هراة أومرو، فعلم عمروبذلك، فاخذ ~~عليه الطريق بسرخس، فلما علم رافع بمسير عمروبن نيسابور سار على مضايق وطرق ~~غامضة غير طريق الجيش إلى نيسابور، فدخلهأن وعاد إليه عمرومن سرخس فحصره ~~فيهأن وتلاقيأن واستأمن بعض قواد رافع إلى عمرو، فانهزم رافع وأصحابه، وسير ~~أخاه محمد بن هرثمة إلى محمد بن زيد يستمده، ويطلب ما وعده من الرجال، فلم ~~يفعل، ولم يمده برجل واحد، وتفرق عن رافع أصحابه وغلمانه، وكان له أربعة ~~آلاف غلام، ولم يملك أحد من ولاة خراسان قبله مثله، وفارقه محمد بن هارون ~~إلى إسماعيل ابن أحمد الساماني ببخارى، وخرج رافع منهزما إلى خوارزم على ~~الجمازات، وحمل ما بقي معه من مال وآلة، وهوفي شرذمة قليلة، وذلك في رمضان ~~سنة ثلاث ms2625 وثمانين ومائتين. فلما بلغ رباط جبوه وجه إليه خوارزمشاه أبا سعيد ~~الدرغاني له الأنزال، ويخدمه إلى خوارزم، فرآه أبوسعيد في قلة من رجاله، ~~وغدر به وقتله لسبع خلون من شوال سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وحمل رأسه إلى ~~عمروبن الليث، وهوبنيساور، وأنفذ عمروالرأس إلى المعتضد بالله، فوصل إليه ~~سنة أربع وثمانين، فنصب ببغداد، وصفت خراسان، إلى شاطئ جيجون، لعمرو. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها قدم الحسين بن عبد الله، المعروف بابن الجصاص، من مصر بهدايا ~~عظيمة من خمارويه، فتزوج المعتضد ابنة خمارويه. وفيها ملك أحمد بن عيسى بن ~~الشيخ قلعة ماردين، وكانت بيد محمد بن إسحاق بن كنداجيق. وحج بالناس هذه ~~السنة هارون بن محمد، وهي آخر حجة حجهأن وأول حجة حجها بالناس، سنة أربع ~~وستين ومائتين إلى هذه السنة. وفيها توفي أبوعيسى محمد بن عيسى بن سورة ~~الترمذي السلمي بترمذ في رجب، وكان إماما حافظا له تصانيف حسنة، منها: ~~الجامع الكبير في الحديث، وهوأحسن الكتب، وكان ضريرا؛ وتوفي إبراهيم بن ~~محمد المدبر في شوال وكان يلي ديوان الضياع. ### | AUT حوادث سنة ثمانين ومائتين # ### || AUT ذكر حبس عبد الله بن المهتدي # في هذه السنة أخذ المعتضد عبد الله بن المهتدي، ومحمد بن الحسين المعروف ~~بشميلة، وكان شميلة هذا مع صاحب الزنج إلى آخر أيامه، ثم لحق بالموفق في ~~الأمان، فأمنه. وكان سبب أخذه إياه أن بعض المستأمنة سعى به إلى المعتضد، ~~وأنه يدعولرجل لا يعرف اسمه، وأنه قد أفسد جماعة من الجند وغيرهم، فأخذه ~~المعتضد فقرره، فلم يقرر بشيء وقال: لوكان الرجل تحت قدمي ما رفعتهما عنه! ~~فأمر به فشد على خشبة من خشب الخيم، ثم أوقدت نار عظيمة، وأدير على النار ~~حتى تقطع جلده، ثم ضربت عنقه، وصلب عند الجسر؛ وحبس عبد الله بن المهتدي ~~إلى أن علم براءته، وأطلقه، وكان المعتضد قثال لشميلة: بلغني أنك تدعوإلى ~~ابن المهتدي؟ فقال: المشهور عني أنني أتولى آل أبي طالب. ### || AUT ذكر قصة المعتضد بني شيبان وصلحة معهم # وفيهأن في أول صفر، سار ms2626 المعتضد من بغداد يريد بني شيبان بالموضع الذي ~~يجتمعون به من أرض الجزيرة، فلما بلغهم قصده جمعوا إليهم أموالهم، وأغار ~~المعتضد على أعراب عند السن، فنهب أموالهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغرق ~~منهم في الزاب مثل ذلك، وعجز الناس عن حمل ما غمنوه، فبيعت الشاة بدرهم، ~~والبعير بخمسة دراهم. وسار إلى الموصل وبلد، فلقيه بنوشيبان يسألونه العفو، ~~ويبذلوا له رهائن، فأجابهم إلى ما طلبوأن وعاد إلى بغداد، وأرسل إلى أحمد ~~بن عيسى بن الشيخ يطلب منه ما أخذه من أموال ابن كنداجيق بآمد، فبعثه إليه ~~ومعه هدايا كثيرة. ### || AUT ذكر خروج محمد بن عبادة على هارون وكلاهما خارجيان # في هذه السنة خرج محمد بن عبادة، ويعرف بأبي جوزة، وهومن بني زهير من ~~أهل قبراثأن من البقعاء، على هارون، وكلاهما من الخوارج، وكان أول أمره ~~فقيرأن وكان هووابنان له يلتقطون الكمأة ويبيعونهأن إلى غير ذلك من ~~الأعمال، ثم إنه جمع جماعة، وحكم، فاجتمع إليه أهل تلك النواحي من الأعراب، ~~وقوي أمره، وأخذ عشر الغلات، وقبض الزكاة، وسار إلى معلثايأن فقاطعه أهلها ~~على خمسمائة دينار، وجبى تلك الأعمال، وعاد وبنى عند سنجار حصنأن وحمل إليه ~~الأمتعة والميرة، وجعل فيه ابنه أبا هلال ومعه مائة وخمسون رجلا من وجوه ~~بني زهير وغيرهم. PageV03P0345 # ووصل خبرهم إلى هارون الشاري فاجتمع رأيه ورأي وجوه أصحابه على قصد الحصن ~~أولأن فإذا فرغوا منه ساروا إلى محمد بن عباده، فجمع أصحابه، فبلغوا مائة ~~راجل وألفا ومائتي فارس، وسار إليه مبادرأن وأحدق به وحصره؛ ومحمد بن عبادة ~~في قيراثا لا يعلم بذلك. وجد هارون في قتال الحصن، وكان معه سلاليم قد ~~أخذهأن وزحف إليه، وكان أصحابه قد منعوا أحدا يخرج رأسه من أعلى السور، ~~فلما رأى من معه من بني تغلب تغلبه على الحصن أعطوا من فيه من بني زهير ~~الأمان بغير أمر هارون، فشق عليه، ولم يقدر على تغيير ذلك، إلا أنه قتل أبا ~~هلال بن محمد بن عبادة ونفرا معه قبل الأمان، وفتحوا الحصن وملكوا ما فيه. ms2627 ~~وساروا إلى محمد، وهوبقبراثأن فلقوه وهوفي أربعة آلاف رجل، فاقتتلوأن ~~فانهزم هارون ومن معه، فوقف بعض أصحابه ونادى رجالا بأسمائهم فاجتمعوا ~~نحوأربعين رجلأن وحملوا على ميمنة محمد بن عبادة، فانهزمت الميمنة، وعادت ~~الحرب، فانهزم محمد ومن معه، ووضعوا السيف فيهم، فقتلوا منهم ألفا وأربع ~~مائة رجل، وحجز بينهم الليل، وجمع هارون مالهم فقسمه بين أصحابه، وانهزم ~~محمد إلى آمد، فأخذه صاحبها أحمد ابن عيسى بن الشيخ، بعد حرب، فظفر به، ~~فأخذه أسيرأن وسيره إلى المعتضد، فسلخ جلده كما يسلخ الشاة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # لما افتتح محمد بن أبي الساج مراغة، بعد حرب شديدة وحصار عظيم، أخذ عبد ~~الله الحسين، بعد أن أمنه وأصحابه، وقيده وحبسه، وقرره بجميع أمواله ثم ~~قتله. وفيها مات أحمد بن ثور عمان وبعث برؤوس جماعة من أهلها. وفيها توفي ~~جعفر بن المعتمد في ربيع الآخر، وكان ينادم المعتضد. وفيها دخل عمروبن ~~الليث نيسابور في جمادى الأولى. وفيها وجه محمد بن أبي الساج ثلاثين نفسا ~~من الخوارج من طريق الموصل فضربت أعناق أكثرهم، وحبس الباقون. وفيها دخل ~~أحمد بن أبا طرسوس للغزاة من قبل خمارويه بن أحمد ابن طولون، ودخل بعده بدر ~~الحمامي، فغزوا جميعا مع العجيفي أمير طرسوس حتى بلغوا البلقسون. وفيها غزا ~~إسماعيل بن أحمد الساماني بلاد الترك، وافتتح مدينة ملكهم، وأسر أباه ~~وامرأته خاتون ونحوا من عشرة آلاف، وقتل منهم خلقا كثيرأن وغمن من الدواب ~~ما لا يعلم عددأن وأصاب الفارس من الغنيمة ألف درهم. وفيها توفي راشد مولى ~~الموفق بالدينور، وحمل إلى بغداد في رمضان. وفي شوال مات مسرور والبلخي. ~~وفيها غارت المياه بالري وطبرستان، حتى بلغ الماء أرطال بدرهم، وغلت ~~الأسعار. وفي شوال انكسف القمر، وأصبح أهل دبيل والدنيا مظلمة، ودامت ~~الظلمة عليهم، فلما كان عند العصر هبت ريح سوداء فدامت إلى ثلث الليل، فلما ~~كان ثلث الليل زلزلوا فخربت المدينة، ولم يبق من منازلهم إلا قدر مائة دار، ~~وزلزلوا بعد ذلك مس مرار، وكان جملة من أخرج من تحت الردم ms2628 مائة ألف وخمسون ~~ألفا كلهم موتى. وحج بالناس هذه السنة أبوبكر محمد بن هارون بن إسحاق ~~المعروف بابن ترنجة. وفيها توفي محمد بن إسماعيل بن يوسف أبوإسماعيل ~~الترمذي في رمضان، وله تصنيف حسنة؛ واحمد بن سيار بن أيوب الفقيه المروزي، ~~وكان زاهدا عالما؛ وأبوجعفر أحمد بن أبي عمران الفقيه الحنفي بمصر. ### | AUT حوادث سنة إحدى وثمانين ومائتين # ### || AUT ذكر مسير المعتضد إلى ما ردين # ### || AUT وملكه إياها # وفيها خرج المعتضد الخرجة الثانية إلى الموصل، قاصدا لحمدان بن حمدون، ~~لأنه بلغه أن حمدان مال إلى هارون الشاري، ودعا له، فلما بلغ الأعراب ~~والأكراد مسير المعتضد تحالفوا أنهم يقتلون على دم واحد، واجتمعوأن وعبوا ~~عسكرهم، وسار المعتضد إليهم في خيله جريدة، فأوقع بهم، وقتل منهم، وغرق ~~منهم في الزاب خلق كثير. وسار المعتضد إلى الموصل يريد قلعة ماردين، وكانت ~~لحمدان بن حمدون، فهرب حمدان منها وخلف ابنه بهأن فنازلها المعتضد، وقاتل ~~من فيها يومه ذلك، فلما كان من الغد ركب المعتضد فصعد إلى باب القلعة، ~~وصاح: يا بن حمدان! فأجابه، فقال: افتح الباب، ففتحه، فقعد المعتضد في ~~الباب، وأمر بنقل ما في القلعة وهدمهأن ثم وجه خلف ابن حمدون، وطلب اشد ~~الطلب، وأخذت أموال له، ثم ظفر به المعتضد بعد عوده إلى بغداد. وفي عوده ~~قصد السنية وبها رجل كردي يقال له شداد، في جيش كثير، قيل كانوا عشرة آلاف ~~رجل، وكان له قلعة، فظفر به المعتضد وهدم قلعته. PageV03P0346 ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها ورد ترك بن العباس، عامل المعتضد على ديار مضر، من الجزيرة إلى ~~بغداد، ومعه نيف وأربعون من أصحاب ابن الأغر، صاحب سميساط، على جمال، عليهم ~~برانس ودراريع حرير، فمضى بهم إلى الحبس، وعاد إلى داره. وفيها كانت وقعة ~~لوصيف خادم ابن أبي الساج لعمر بن عبد العزيز، فهزمه، ثم سار وصيف إلى ~~مولاه محمد بن أبي الساج. وفيها دخل طغج بن جف طرسوس لغزوالصائفة من قبل ~~خمارويه ابن احمد بن طولون فبلغ طرابزون، وفتح بلودية في جمادى الآخرة. ms2629 ~~وفيها مات أحمد بن محمد الطائي بالكوفة في جمادى. وفيها غارت المياه بالري ~~وطبرستان. وفيها سار المعتضد إلى ناحية الجبل، وقصد الدينور، وولى ابنه ~~عليأن وهوالمكتفي، الري، وقزوين، وزنجان، وأبهر، وقم، وهمذان، والدينور، ~~وجعل على كتابته أحمد بن الأصبغ، وقلد عمر بن عبد العزيز ابن أبي دلف ~~أصبهان، ونهاوند، والكرج، وعاد إلى بغداد لأجل غلاء السعر. وفيها استأمن ~~الحسن بن علي كورة، عامل رافع على الري، إلى علي بن المعتضد في زهاء ألف ~~رجل، فوجهه ومن معه إلى أبيه. وفيها دخل الأعراب سامرأن فقتلوا ابن سيما في ~~ذي القعدة. وفيها غزا المسلمون الروم، فدامت الحرب بينهم اثني عشر يومأن ~~فظفر المسلمون وغمنوا غنيمة كثيرة وعادوا. وفيها توفي عبيد الله بن محمد بن ~~عبيد بن أبي الدنيأن صاحب التصانيف الكثيرة المشهورة. ### | AUT حوادث سنة اثنتين وثمانين ومائتين # ### | AUT ذكر النيروز المعتضدي # فيها أمر المعتضد بالكتابة إلى الأعمال كلها جميعها بترك افتتاح الخراج ~~في النيروز العجمي، وتأخير ذلك إلى الحادي عشر من حزيران، وسماه النيروز ~~المعتضدي، وأنشئت الكتب بذلك من الموصل، والمعتضد بهأن وأراد بذلك الترفيه ~~عن الناس، والرفق بهم. ### || AUT ذكر قصد حمدان وانهزامه # ### || AUT وعوده إلى الطاعة # في هذه السنة كتب المعتضد إلى إسحاق بن أيوب، وحمدان بن حمدون، بالمسير ~~إليه، وهوفي الموصل، فبادر إسحاق، وتحصن حمدان بقلاعه، وأودع أمواله وحرمه، ~~فسير المعتضد الجيوش نحوه مع وصيف موشكير، ونصر القشوري، وغيرهمأن فصادفوا ~~الحسن بن علي كورة وأصحابه متحصنين بموضع يعرف بدير الزعفران، من أرض ~~الموصل. وفيها وصل الحسين بن حمدان بن حمدون، فلما رأى الحسين أوائل العسكر ~~طلب الأمان، فأمن، وسير إلى المعتضد، وسلم القلعة، فأمر المعتضد بهدمهأن ~~وسار وصيف في طلب حمدان، وكان بباسورين، فواقعه وصيف، وقتل من أصحابه ~~جماعة، وانهزم حمدان في زورق كان له في دجلة، وحمل معه مالا كان له، وعبر ~~إلى الجانب الغربي من دجلة، فصار في ديار ربيعة. وعبر نفر من الجند، ~~فاقتصوا أثره، حتى أشرفوا على دير قد نزله، فلما رآهم هرب، وترك ms2630 ماله، فأخذ ~~وأتي به المعتضد، وسار أولئك في طلب حمدان، فضاقت عليه الأرض، فقصد خيمة ~~إسحاق بن أيوب، وهومع المعتضد، واستجار به، فأحضره إسحاق عند المعتضد، فأمر ~~بالاحتفاظ به، وتتابع رؤساء الأكراد في طلب الامان، وكان ذلك في المحرم. ### || AUT ذكر انهزام هارون الخارجي من عسكر الموصل # كان المعتضد بالله قد خلف بالموصل نصرا القشوري يجبي الأموال ويعين ~~العمال على جبايتهأن فخرج عامل معلثايا إليها ومعه جماعة من أصحاب نصر، ~~فوقع عليهم طائفة من الخوارج، فاقتتلوا إلى أن أدركهم الليل وفرق بينهم، ~~وقتل من الخوارج إنسان اسمه جعفر، وهومن أعيان أصحاب هارون، فعظم عليه ~~قتله، وأمر أصحابه بالإفساد في البلاد. فكتب نصر القشوري إلى هارون الخارجي ~~كتابا يتهدده بقرب الخليفة، وأنه إن هم به أهلكه وأهلك أصحابه، وأنه لا ~~يغتر بمن سار إلى حربه، فعاد عنه بمكر وخديعة، فكتب إليه هارون كتابا منه: ~~أما ما ذكرت ممن أراد قصدي، ورجع عني، فإنهم لما رأوا جدنا واجتهادنا كانوا ~~بإذن الله فراشا متتابعأن وقصبا أجوف، ومن صبر لنا منهم ما زاد على ~~الاستتار بالحيطان، ونحن على فرسخ منهم، وما غرك إلا ما أصبت به صاحبنأن ~~فظننت أن دمه مطلول أوأن وتره متروك لك، كلا إن الله تعالى من ورائك، وآخذ ~~بناصيتك، ومعين على إدراك الحق منك، ولم تعيرنا بغيرك وتدع أن يكون ذلك ~~إبداء صفحتك، وإظهار عداوتك؟ وإنا كما قيل: فلا توعدونا باللقاء وأبرزوا ~~... إلينا سوادا نلقه بسواد PageV03P0347 # ولعمر الله ما ندعوإلى البراز ثقة بأنفسنأن ولا عن ظن أن الحول والقوة ~~لنأن لكن ثقة بربنأن واعتمادا على جميل عوائده عندنا. وأما ما ذكرت من أمر ~~سلطانك، فإن سلطانك لا يزال منا قريبأن وبحالنا عالمأن فلا قدم أجلا ولا ~~أخره، ولا بسط رزقا ولا قبضه قد بعثنا على مقابلتك، وستعلم عن قريب إن شاء ~~الله تعالى. فعرض نصر كتاب هارون على المعتضد، فجد في قصده، وولى الحسن بن ~~علي كورة الموصل، وأمره بقصد الخوارج، وأمر مقدمي الولايات والأعمال كافة ~~بطاعته، فجمعهم، وسار إلى ms2631 أعمال الموصل، وخندق على نفسه، وأقام إلى أن رفع ~~الناس غلاتهم، ثم سار إلى الخوارج، وعبر الزاب إليهم، فلقيهم قريبا من ~~المغلة، وتصافوا للحرب، فاقتلوا قتالا شديدأن وانكشف الخوارج عنه ليفرقوا ~~جمعيته ثم يعطفوا عليه، فأمر الحسن أصحابه بلزوم مواقفهم، ففعلوأن فرجع ~~الخوارج وحملوا عليهم سبع عشرة حملة، فانكشفت ميمنة الحسن، وقتل من أصحابه، ~~وثبت هو، فحمل الخوارج عليه حملة رجل واحد، فثبت لهم وضرب على رأسه عدة ~~ضربات فلم تؤثر فيه. فلما رأى أصحابه ثباته تراجعوا إليه وصبروأن فانهزم ~~الخوارج أقبح هزيمة وقتل منهم خلق كثير، وفارقوا موضع المعركة، ودخلوا ~~أذربيجان. وأما هارون فإنه تحير في أمره، وقصد البرية، ونزل عند بني تغلب، ~~ثم عاد إلى معلثايأن ثم عاد إلى البرية، ثم رجع عبر دجلة إلى حزة، وعاد إلى ~~البرية. وأما وجوه أصحابه، فإنهم لما رأوا إقبال دولة المعتضد وقوته، وما ~~لحقهم في هذه الوقعة، راسلوا المعتضد يطلبون الأمان فأمنهم، فأتاه كثير ~~منهم، يبلغون ثلاثمائة وستين رجلأن وبقي معه بعضهم يجول بهم في البلاد، إلى ~~أن قتل سنة ثلاث وثمانين على ما نذكره. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في ربيع الأول قبض على تكتمر بن طاشتمر، وقيد وأخذ ماله؛ ~~وكان أميرا على الموصل، واستعمل بعده عليها الحسن بن علي الخراساني، ويعرف ~~بكورة. وفيها قدم ابن الجصاص بابنة خمارويه، زوجة المعتضد، ومعها أحد ~~عمومتها، وكان المعتضد بالموصل. وفيها عاد المعتضد إلى بغداد، وزفت إليه ~~ابنة خمارويه في ربيع الآخر. وفيها سار المعتضد إلى الجبل، فبلغ الكرج، ~~وأخذ أموالا لابن أبي دلف، وكتب إلى عمروبن عبد العزيز يطلب منه جوهرا كان ~~عنده، فوجه به إليه، وتنحى من بين يديه. وفيها أطلق لؤلؤ غلام ابن طولون، ~~وحمل على دواب وبغال. وفيها وجه يوسف بن أبي الساج إلى الصيمرة مددا لفتح ~~القلانسي، غلام الموفق، فهرب يوسف فيمن أطاعه إلى أخيه محمد بمراغة، ولقي ~~مالا للمعتضد فأخذه، فقال في ذلك عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: إمام ~~الهدى أنصاركم آل طاهر ms2632 ... بلا سبب تخفون والدهر يذهب وقد خلطوا شكرا بصبر ~~ورابطوا ... وغيرهم يعطي ويجبي ويهرب وفيها وجه المعتضد وزيره عبيد الله بن ~~سليمان إلى ابنه الري وعاد منها. وفيها وجه محمد بن زيد العلوي من طبرستان ~~إلى محمد بن ورد العطار باثنين وثلاثين ألف دينار ليفرقها على أهل بيته ~~ببغداد، والكوفة، والمدينة، فسعي به إلى المعتضد، فأحضر محمد عنه بدر، وسئل ~~عن ذلك، فأقر أنه يوجه إليه كل سنة مثل ذلك، ففرقه، وأنهى بدر إلى المعتضد ~~ذلك، فقال له المعتضد: أما تذكر الرؤيا التي خبرتك بها؟ قال: لا ، يا أمير ~~المؤمنين؛ قال: رأيت في النوم كأني أريد ناحية انهروان، وأنا في جيشي، إذ ~~مررت برجل واقف على تل يصلي ولا يلتفت إلي، فعجبت، فلما فرغ من صلاته قال ~~لي: أقبل، قأقبلت إليه، فقال لي: أتعرفني؟ قلت: لا! قال: أنا علي بن أبي ~~طالب، خذ هذه فاضرب بها الأرض، بمسحاة بين يديه، فأخذتهأن فضربت بها ضربات، ~~فقال لي: إنه سيلي من ولدك هذا الأمر بعدد الضربات، فأوصهم بولدي خيرا. ~~وأمر بدرا بإطلاق المال والرجل، وأمره أن يكتب إلى صاحبه بطبرستان أن يوجه ~~ما يريد ظاهرأن وأن يفرق ما يأتيه ظاهرأن وتقدم بمعونته على ذلك. وفيها ~~توفي أبوطلحة منصور ين مسلم في حبس المعتضد. وفيها ولدت جارية اسمها شغب ~~للمعتضد ولدا سماه جعفرأن وهوالمقتدر. وفيها قتل خمارويه بن احمد بن طولون، ~~ذبحه بعض خدمه على فراشه في ذي الحجة بدمشق، وقتل من خدمه الذين اتهموا نيف ~~وعشرون نفسا. PageV03P0348 # وكان سبب قتله أنه سعى إليه بعض الناس وقال له إن جواري داره قد اتخذت كل ~~واحدة منهم خصيأن من خصيان داره، لها كالزوج، وقال: إن شئت أن تعلم صحة ذلك ~~فأحضر بعض الجواري فاضربهأن وقررهأن حتى تعلم صحة ذلك. فبعث من وقته إلى ~~نائبه بمصر يأمره بإحضار عدة من الجواري ليعلم الحال منهن، فاجتمع جماعة من ~~الخدم، قرروا بينهم الاتفاق على قتله، خوفا من ظهور ما قيل له، وكانوا ~~خاصته، فذبحوه ليلا وهربوا. فلما ms2633 قتل اجتمع القواد وأجلسوا ابنه جيش بن ~~خمارويه في الإمارة، وكان معه بدمشق، وهوأكبر ولده، فبايعوه ففرقت فيهم ~~الأموال، وكان صبيا غرا. وفيها توفي عثمان بن سعيد بن خالد أبوسعيد الداري، ~~الفقيه الشافعي، أخذ الفقه عن البويطي صاحب الشافعي، والأجرب عن ابن ~~الأعرابي. وفيها توفي أبوحنيفة أحمد بن داود الدينوري اللغوي صاحب كتاب ~~النبات وغيره. وفيها توفي الحارث بن أبي أسامة، وله مسند يروى غالبا في ~~زماننا هذا؛ وأبوالعيناء محمد بن القاسم وكان يروي عن الأصمعي. ### | AUT حوادث سنة ثلاث وثمانين ومائتين # ### || AUT ذكر الظفر بهارون الخارجي # في هذه السنة سار المعتضد إلى الموصل بسبب هارون الشاري وظفر به. وسبب ~~الظفر به أنه وصل إلى تكريت وأقام بهأن وأحضر الحسين بن حمدان التغلبي ~~وسيره في طلب هارون بن عبد الله الخارجي في جماعة من الفرسان والرجالة، ~~فقال له الحسين: إن أنا جئت به فلي ثلاث حوائج عند أمير المؤمنين؛ قال: ~~اذكرها! قال: إحداهن إطلاق أبي، وحاجتان أذكرهما بعد مجيئي به. فقال له ~~المعتضد: لك ذلك. فانتخب ثلاثمائة فارس، وسار بهم، معهم وصيف بن موشكير، ~~فقال به الحسين: تأمره بطاعتي، يا أمير المؤمنين. فأمره بذلك. وسار بهم ~~الحسين حتى انتهى إلى مخاضة في دجلة، فقال الحسين لوصيف ولمن معه: ليقفوا ~~هناك، فإنه ليس له طريق إن هرب غير هذأن فلا تبرحن من هذا الموضع حتى يمر ~~بكم فتمنعوه عن العبور، وأجيء أنأن أويبلغكم أني قتلت. ومضى حسين في طلب ~~هارون، فلقيه، وواقعه وقتل بينهما قتلى، وأنهزم هارون، وأقام وصيف على ~~المخاضة ثلاثة أيام، فقال له أصحابه: قد طال مقامنأن ولسنا نأمن أن يأخذ ~~حسين الشاري، فيكون له الفتح دوننأن والصواب أن منضي في آثارهم، فأطاعهم ~~ومضى. وجاء هارون منهزما إلى موضع المخاضة فعبر، وجاء حسين في أثره، فلم ير ~~وصيفا وأصحابه في الموضع الذي تركهم فيه، ولا عرف لهم خبرأن فعبر في أثر ~~هارون، وجاء إلى حي من أحياء العرب، فسأل عنه، فكتموه، فتهددهم، فاعلموه ~~أنه اجتاز بهم، فتبعه حتى لحقه ms2634 بعد أيام، وهارون في نحومائة رجل، فناشده ~~الشاري ووعده، وأبى حسين إلا محاربته، فحاربه، فألقى الحسين نفسه عليه، ~~فأخذه أسيرا وجاء به إلى المعتضد، فانصرف المعتضد إلى بغداد، فوصلها لثمان ~~بقين من ربيع الأول. وخلع المعتضد على الحسين بن حمدان وطوقه، وخلع على ~~إخوته، وأدخل هارون على الفيل، وأمر المعتضد بحل قيود حمدان بن حمدون ~~والتوسعة عليه والإحسان إليه، ووعد بإطلاقه. ولما أركبوا هارون على الفيل ~~أرادوا أن يلبسوه ديباجا مشهرأن فامتنع وقال: هذا لا يحل؛ فألبسوه كارهأن ~~ولما صلب نادى بأعلى صوته: لا حكم إلا لله، ولوم كره المشركون؛ وكان هارون صفريا. ### || AUT ذكر عصيان دمشق على جيش بن خمارويه وخلاف جنده عليه وقتله # في هذه السنة خرج جماعة من قواد جيش بن خمارويه عليه، وجاهروا ~~بالمخالفة، وقالوا: لا نرضى بك أميرأن فاعتزلنا حتى نولي عمك الإمارة. وكان ~~سبب ذلك أنه لما ولي وكان صبيا قرب الأحداث والسفل، وأخلد إلى استماع ~~أقوالهم، فغيروا نيته على قواده وأصحابه، وصار يقع فيهم ويذمهم، ويظهر ~~العزم على الاستبدال بهم، وأخذ نعمهم وأموالهم؛ فاتفقوا عليه ليقتلوه ~~ويقيموا عمه، فبلغه ذلك، فلم يكتمه بل أطلق لسانه فيهم، ففارقه بعضهم، ~~وخلعه طغج بن جف أمير دمشق. PageV03P0349 # وسار القواد الذين فارقوه إلى بغداد، وهم محمد بن إسحاق بن كنداجيق، ~~وخاقان المفلحي وبدر بن جف، أخوطغج،وغيرهم من قواد مصر، فسلكوا البرية، ~~وتركوا أهاليهم وأموالهم، فتاهوا أيامأن ومات من أصحابهم جماعة من العطش، ~~وخرجوا فوق الكوفة بمرحلتين، وقدموا على المعتضد، فخلع عليهم، واحسن إليهم، ~~وبقي سائر الجنود بمصر على خلافهم ابن خمارويه، فسألهم كاتبه علي بن أحمد ~~الماذرائي أن ينصرفوا يومهم ذلك، فرجعوأن فقتل جيش عمين له، وبكر الجند ~~إليه، فرمى بالراسين إليهم، فهجم الجند عليه فقتلوه ونهبوا داره، ونهبوا ~~مصر وأحرقوهأن وأقعدوا أخاه هارون في الإمرة بعده، فكانت ولايته تسعة أشهر. ### || AUT ذكر حصر الصقالبة القسطنطينية # وفي هذه السنة سارت الصقالبة إلى الروم، فحصروا القسطنطينية، وقتلوا من ~~أهلها خلقا كثيرأن وخربوا البلاد، فلما لم يجد ملك الروم ms2635 منهم خلاصا جمع من ~~عنده من أسارى المسلمين، وأعطاهم السلاح، وسألهم معونته على الصقالبة، ~~ففعلوا وكشفوا الصقالبة وأزاحوهم عن القسطنطينية، ولما رأى ملك الروم ذلك ~~خاف المسلمين على نفسه، فردهم، وأخذ السلاح منهم، وفرقهم في البلاد حذرا من ~~جنايتهم عليه. ### || AUT ذكر الفداء بين المسلمين والروم # في هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم، فكان جملة من فدي به من ~~المسلمين الرجال، والنساء، والصبيان، ألفين وخمسمائة وأربعة أنفس. ### || AUT ذكر الحرب بين عسكر المعتضد وأولاد أبي دلف # وفيها سار عبيد الله بن سليمان إلى عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف ~~بالجبل، فسار عمر إليه بالأمان في شعبان، فأذعن بالطاعة، فخلع عليه وعلى ~~أهل بيته. وكان قبل ذلك قد دخل بكر بن عبد العزيز بالأمان إلى عبيد الله بن ~~سليمان، وبدر، فولياه عمل أخيه على أن يسير إليه فيحاربه، فلما دخل عمر في ~~الأمان قالا لبكر: إن أخاك قد دخل في الطاعة، وإمنا وليناك عمله على أنه ~~عاص، والمعتضد يفعل في أمركما ما يراه، فامضيا إلى بابه. وولي النوشري ~~أصبهان، وأظهر أنه من قبل عمر بن عبد العزيز، فهرب بكر بن عبد العزيز، فكتب ~~عبيد الله إلى المعتضد بذلك، فكتب إلى بدر ليقيم بمكانه إلى أن يعرف حال ~~بكر. وسار الوزير إلى علي بن المعتضد بالري، ولحق بكر بن عبد العزيز ~~بالأهواز، فسير المعتضد إليه وصيف بن موشكير، فسار إليه، فلحقه بحدود فارس، ~~وباتا متقابلين، وارتحل بكر إلى أصبهان ليلأن فلم يتبعه وصيف، بل رجع إلى ~~بغداد، وسار بكر إلى أصبهان، فكتب المعتضد إلى بدر يأمره بطلب بكر وحربه، ~~فأمر بدر عيسى النوشري بذلك، فقال بكر: عني ملامك ليس حين ملام ... هيهات ~~أجدب زائد الأيام ظأرت عنايات الصبا عن مفرقي ... ومضى أوان شراستي وغرامي ~~ألقى الأحبة بالعراق عصيهم ... وبقيت نصب حوادث الأيام وتقاذفت بأخي النوى ~~ورمت به ... رمي العبيد قطيعة الأرحام فلأقرعن صفاة دهر نابهم ... قرعا يهز ~~رواسي الأعلام ولأضربن الهام دون حريمهم ... ضرب القدار نقيعة القدام ~~ولأتركن الواردين حياضهم ms2636 ... بقرارة لمواطئ الأقدام يا بدر إنك لوشهدت ~~مواقفي ... والموت يلحظ والسيوف دوامي لذممت رأيك في إضاعة حرمتي ... ولضاق ~~ذرعك في اطراح ذمامي حركتني بعد السكون وإمنا ... حركت من حصن جبال تهام ~~وعجمتني فعجمت مني من حمى ... خشن المناكب كل يوم زحام قل للأمير أبي محمد ~~الذي ... يجلوبغرته دجى الإظلام أسكنتني ظل العلا فسكنته ... في عيشة رغد ~~وعز نام حتى إذا خليت عني نابني ... نوب أتت وتنكرت أيامي فلأشكرن جميل ما ~~أوليتني ... ما غردت في الأيك ورق حمام هذا أبوحفص يدي وذخيرتي ... ~~للنائبات وعدتي وسنامي ناديته فأجابني وهززته ... فهززت حد الصارم الصمصام ~~PageV03P0350 # من رام أن يغضي الجفون على القذى ... أويستكين يروم غير مرام ويخيم حين ~~يرى الأسنة شرعا ... والبيض مصلتة لضرب الهام ثم إن النوشري انهزم عن بكر، ~~فقال بكر يذكر هربه، ويعير وصيفا بالإحجام عنه، ويتهدد بدرا في أبيات منها: ~~قد أرى النوشري حين التقينا ... من إذا أشرع الرماح يفر جاء في قسطل لهام ~~فصلنا ... صولة دونها الكماة تهر ولواء النوشري آثار نار ... رويت عند ذاك ~~بيض وسمر غر بدرا حلمي وفضل آتاني ... واحتمالي للعبء مما يغر سوف يأتيه من ~~خيولي قب ... لاحقات البطون جون وشقر يتنادون كالسعالي عليها ... من بني ~~وائل اسود تكر لست بكرا إن لم أدعهم حديثا ... ما سرى كوكب وما كر دهر ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أمر المعتضد بالكتابة إلى جميع البلدان أن يرد الفاضل من ~~سهام المواريث إلى ذوي الأرحام، وأبطل ديوان المواريث. وفيهأن في شوال مات ~~علي بن محمد بن أبي الشوارب القاضي، وكانت ولايته لقضاء بمدينة المنصور ستة ~~أشهر. وفيها قدم عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف بغداد، فأمر المعتضد الناس ~~والقواد باستقباله، وقعد له المعتضد، فدخل عليه، وأكرمه وخلع عليه. وفيهأن ~~في رمضان، تحارب عمروبن الليث الصفار ورافع بن هرثمة، فانهزم رافع، وكان ~~سبب ذلك أن عمرا فارق نيسابور، فخالفه إليها رافع وملكها وخطب فيها لمحمد ~~بن زيد العلوي، فرجع عمرومن مروإلى نيسابور فحصرهأن فانهزم رافع منهأن ووجه ms2637 ~~عمروفي طلبه عسكرا فلحقوه بطوس، فانهزم منهم إلى خوارزم، فلحقوه بهأن ~~فقتلوه وأرسلوا رأسه إلى المعتضد، فوصله سنة أربع وثمانين في المحرم، أمر ~~بنصبه ببغداد وخلع على القاصد به. وفيها مات البحتري الشاعر، واسمه الوليد ~~بن عبادة، بمنبج، أوحلب، وكان مولده سنة ست ومائتين. وفيها توفي محمد بن ~~سليمان أبوبكر المعروف بابن الباغندي، وأبوالحسن علي بن العباس بن جريج ~~الشاعر المعروف بابن الرومي، وقيل: توفي سنة أربع وثمانين، وديوانه معروف، ~~رحمه الله تعالى. وفيها توفي سهل بن عبد الله بن يونس بن رفيع السري، ~~ومولده سنة مائتين، وقيل ومائتين. ### | AUT حوادث سنة أربع وثمانين ومائتين # في هذه السنة كان فتنة بطرسوس بين راغب مولى الموفق وبين دميانة. وكان ~~سبب ذلك أن راغبا ترك الدعاء لهارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون، ودعا ~~لبدر مولى المعتضد، واختلف هووأحمد بن طوغان، فلما انصرف أحمد بن طوغان من ~~الفداء سنة ثلاث وثمانين ركب البحر ومضى، ولم يدخل طرسوس، وخلف دميانة بها ~~لقيام بأمرهأن وأمده ابن طوغان، فقوي بذلك، وأنكر ما كان يفعله راغب، فوقعت ~~الفتنة، فظفر بهم راغب، فحمل دميانة إلى بغداد. وفيها أوقع عيسى بن النوشري ~~ببكر بن عبد العزيز بن أبي دلف بنواحي أصبهان، فقتل رجاله، واستباح عسكره، ~~ونجا بكر في نفر يسير من أصحابه، فمضى إلى محمد بن زيد العلوي بطبرستان، ~~وأقام عنده إلى سنة خمس وثمانين ومات، ولما وصل خبر موته إلى المعتضد أعطى ~~القاصد به ألف دينار. وفيهأن في ربيع الأول، قلد أبوعمر يوسف بن يعقوب ~~القضاء بمدينة المنصور مكان علي بن أبي الشوارب. وفيها أخذ خادم نصراني ~~لغالب النصراني وشهد عليه أنه شتم النبي، صلى الله عليه وسلم، فاجتمع أهل ~~بغداد، وصاحوا بالقاسم بن عبيد الله، وطالبوه بإقامة الحد عليه، فلم يفعل، ~~فاجتمعوا على ذلك إلى دار المعتضد، فسئلوا عن حالهم، فذكروه للمعتضد، فأرسل ~~معهم إلى القاضي أبي عمر، فكادوا يقتلونه من كثرة ازدحامهم، فدخل بابا ~~وأغلقه، ولم يكن بعد ذلك للخادم ذكر، ولا للعامة ذكر اجتماع ms2638 في أمره. وفيها ~~قدم قوم من أهل طرسوس على المعتضد يسألونه أن يولي عليهم واليأن وكانوا قد ~~أخرجوا عامل ابن طولون، فسير إليهم المعتضد ابن الإخشيد أميرا. وفيهأن في ~~ربيع الآخر، ظهرت بمصر ظلمة وحمرة في السماء شديدة، حتى كان الرجل ينظر إلى ~~وجه الآخر فيراه أحمد، فمكثوا كذلك من العصر إلى العشاء الآخرة، وخرج الناس ~~من منازلهم يدعون الله تعالى، ويتضرعون إليه. PageV03P0351 # وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء ~~كتاب يقرأ على الناس، وهوكتاب طويل قد أحسن كتابته، إلا أنه قد استدل فيه ~~بأحاديث كثيرة على وجوب لعنه عن النبي، صلى الله عليه وسلم، لا تصح وذكر في ~~الكتاب يزيد وغيره من بني أمية، وعملت به نسخ قرئت بجانبي بغداد، ومنع ~~القضاة والعامة من القعود بالجامعين ورحابهمأن ونهى عن الاجتماع على قاض ~~لمناظرة، أوجدل في أمر الدين، ونهى الذين يسقون الماء في الجامعين أن ~~يترحموا على معاوية أويذكروه، فقال له عبيد الله بن سليمان: إنا نخاف ~~اضطراب العامة وإثارة الفتنة، فلم يسمع منه، وحذره اضطراب العامة، فلم ~~يلتفت، فقال: يا أمير المؤمنين! فما نصنع بالطالبيين الذين يخرجون من كل ~~ناحية، ويميل إليهم خلق كثير من الناس لقرابتهم من رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم؟ فإذا سمع الناس ما في هذا الكتاب من إطرائهم كانوا إليهم أميل، ~~وكانوا هم أبسط ألسنة وأظهر حجة فيهم اليوم. فامسك المعتضد، ولم يأمر في ~~الكتاب بعد ذلك بشيء، وكان عبيد الله من المنحرفة عن علي، عليه السلام. ~~وفيها سير المعتضد إلى عمروبن الليث الخلع والواء بولاية الري وهدايا. ~~وفيها فتحت قرة من بلد الروم على بد راغب مولى الموفق وابن كلوب في رجب. ~~وفيهأن في شعبان، ظهر بدار المعتضد إنسان بيده سيف، فمضى إليه بعض الخدم ~~لينظر ما هو، فضربه بالسيف فجرحه، وهر بالخادم، ودخل الشخص في زرع البستان ~~فتوارى فيه، فطلب باقي ليلته، ومن الغد، فلم يعرف له خبر، فاستوحش المعتضد، ~~وكثر الناس في أمره بالظنون حتى ms2639 قالوا: إنه من الجن، وظهر مرارا كثيرة، حتى ~~وكل المعتضد بسور داره، وأحكمه بالظنون حتى قالوا: ثم أحضر المجانين ~~والمعزمين بسبب ذلك الشخص، فسألهم عنه فقال المعزمون: نحن نعزم على بعض ~~المجانين، فإذا سقط الجني عنه فاخبره خبره؛ فعزموا على امرأة مجنونة فصرعت ~~والمعاضد ينظر إليهم، فلما صرعت أمرهم بالانصراف. وفيها وجه كرامة بن مر من ~~الكوفة بقوم مقيدين ذكر أنهم من القرامطة، فقروا بالضرب فأقروا على أبي ~~هاشم بن صدقة الكاتب أنه منهم، فقبض عليه وحبسه. وفيها وثب الحارث بن عبد ~~العزيز بن أبي دلف المعروف بأبي ليلى بشفيع الخادم فقتله، وكان أخوه عمر بن ~~عبد العزيز قد أخذه وقيده وحبسه في قلعته زر، ووكل به شفيعا الخادم، ومعه ~~جماعة من غلمان عمر، فلما استأمن عمر إلى المعتضد وهرب بكر بقيت القلعة بما ~~فيها من الأموال بيد شفيع، فكلمه أبوليلى في إطلاقه، فلم يفعل، وطلب من ~~غلام كان يخدمه مبردأن فادخله في الطعام، فبرد مسمار قيده. وكان شفيع في كل ~~ليلة يأتي إلى أبي ليلى يفتقده ويمضي ينام وتحت رأسه سيف مسلول، فجاء شفيع ~~في ليلة إليه، فحادثه، فطلب منه أن يشرب معه أقداحأن وقام الخادم لحاجته، ~~فجعل أبوليلى في فراشه ثيابا تشبه إنسانا نائمأن وغطاها باللحاف، وقال ~~لجارية كانت تخدمه: إذا عاد شفيع قولي له هونائم. ومضى أبوليلى فاختفى ظاهر ~~الدار، وقد اخرج قيده من رجله، فلما عاد شفيع قالت له الجارية: هونائم! ~~فأغلق الباب ومشى إلى داره ونام فيها. فخرج أبوليلى وأخذ السيف من عند شفيع ~~وقتله، فوثب الغلمان، فقال لهم أبوليلى: قد قتلت شفيعأن ومن تقدم إلي ~~قتلته، فأنتم آمنون! فخرجوا من الدار، واجتمع الأنس إليه فكلمهم، ووعدهم ~~الإحسان، وأخذ عليهم الإيمان، وجمع الأكراد وغيرهم، وخرج مخالفا على ~~المعتضد، وكان قتل شفيع في ذي القعدة. ولما خرج أبوليلى على اللطان قصده ~~عيسى النوشري، فاقتتلوأن فأصاب أبا ليلى في حلقه سهم فنحره، فسقط عن دابته، ~~وانهزم أصحابه، وحمل رأسه إلى أصبهان ثم إلى بغداد. وفيها كان المنجمون ms2640 ~~يوعدون بغرق أكثر الأقاليم إلا إقليم بابل فإنه يسلم منه اليسير، وأن ذلك ~~يكون بكثرة الأمطار وزيادة الأنهار والعيون، فقحط الناس، وقلت الأمطار، ~~وغارت المياه حتى احتاج الناس إلى الاستسقاء، فاستسقوا ببغداد مرات. ~~PageV03P0352 # وفيها ظهر اختلال حال هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون بمصر، واختلفت ~~القواد، وطمعوأن فانحل النظام، وتفرقت الكلمة، ثم اتفقوا على أن جعلوا مدير ~~دولته أبا جعفر بن أبأن وكان عند والده وجده مقدمأن كبير القدر، فأصلح من ~~الأحوال ما استطاع، وكم جهد الصناع إذ اتسع الخرق، وكان من بدمشق من الجند ~~قد خالفوا على أخيه جيش كما ذكرنأن فلما تولى أبوجعفر الأمور سير جيشا إلى ~~دمشق عليهم بدر الحمامي، والحسين بن أحمد الماذرائي، فأصلحا حالها وقررا ~~أمور الشام، واستعملا على دمشق طغج بن جف واستعملا على سائر الأعمال، ورجعا ~~إلى مصر والأمور فيها اختلال، والقواد قد استولى كل واحد منهم على طائفة من ~~الجند وأخذهم إليه، وهكذا يكون انتقاض الدول، وإذا أراد الله أمرا فلا مرد ~~لحكمه وهوسريع الحساب. وفيها توفي إسحاق بن موسى بن عمران أبويعقوب ~~الاسفرايني، الفقيه الشافعي، والغياثي واسمه عبد العزيز بن معاوية من ولد ~~غياث بن أسيد، بفتح الهمزة وكسر السين. وفيها أيضا توفي أبوعبد الله محمد ~~بن الوضاح بن ربيع الأندلسي، وكان من العلماء المشهورين. ### | AUT حوادث سنة خمس وثمانين ومائتين # فيها قطع صالخ بن مدرك الطائي الطريق على الحاج بالأجفر في المحرم، ~~فحاربه حبي الكبير، وهوأمير القافلة، فلم يقوبه وبمن معه من الأعراب، وظفر ~~بالحج ومن معه بالقافلة، فأخذوا ما كان فيها من الأموال والتجارات، وأخذوا ~~جماعة من النساء، والجواري، والمماليك، فكانت قيمة ما أخذوه ألفي ألف ~~دينار. وفيها ولي عمروبن الليث ما وراء النهر، وعزل إسماعيل بن أحمد. وفيها ~~كان بالكوفة ريح صفراء، فبقيت إلى المغرب ثم اسودت، فتضرع الناس، ثم مطروا ~~مطرا شديدا برعود هائلة وبروق متصلة، ثم سقط بعد ساعة بقرية تعرف بأحمداباذ ~~ونواحيها أحجار بيض وسود مختلة الألوان، في أوساطها طبق، وحمل منها إلى ~~بغداد ms2641 فرآه الناس. وفيها سار فاتك مولى المعتضد إلى الموصل لينظر في ~~أعمالها وأعمال الجزيرة والثغور الشامية والجزرية وإصلاحهأن مضافا إلى ما ~~كان يتقلده من البريد بها. وفيها كان بالبصرة ريح صفراء، ثم عادت خضراء، ثم ~~سوداء، ثم تتابعت الأمطار بما لم يروا مثله، ثم وقع برد كبار، وزن البردة ~~مائة وخمسون درهما فيما قيل. وفيها مات الخليل بن رمال بحلوان. وفيها ولى ~~المعتضدمحمد بن أبي الساج أعمال أذربيجان وأرمينية، وكان قد تغلب عليها ~~وخالف؛ وبعث إليه بخلع. وفيها غزا راغب مولى الموفق في البحر، فغمن مراكب ~~كثيرة، فضرب أعناق ثلاثة آلاف من الروم كانوا فيهأن وأحرق المراكب، وفتح ~~حصونا كثيرة، وعاد سالما ومن معه. وفيها توفي أحمد بن عيسى بن الشيخ، وقام ~~بعده ابنه محمد بآمد وما يليهأن على سبيل التغلب، فسار المعتضد إلى آمد ~~بالعساكر، ومعه ابنه أبومحمد علي المكتفي في ذي الحجة، وجعل طريقه على ~~الموصل، فوصل آمد، وحصرها إلى ربيع الآخر من سنة ست وثمانين ومائيتن، ونصب ~~عليها المجانيق، فأرسل محمد بن أحمد بن عيسى يطلب الأمان لنفسه، ولمن معه، ~~ولأهل البلد، فأمنهم المعتضد، فخرج إليه وسلم البلد، فخلع عليه المعتضد ~~وأكرمه، وهدم سورها. ثم بلغه أن محمد بن الشيخ يريد الهرب، فقبض عليه وعلى ~~آله. وفيها وجه هارون بن خمارويه إلى المعتضد ليسأله أن يقاطعه على ما في ~~يده ويد نوابه من مصر والشام، ويسلم أعمال قنسرين إلى المعتضد، ويحمل كل ~~سنة أربع مائة ألف وخمسين ألف دينار، وفأجابه إلى ذلك، وسار من آمد، ~~واستخلف فيها ابنه المكتفي، ووصل إلى قنسرين والعواصم، فتسلمها من أصحاب ~~هارون، وكان ذلك سنة ست وثمانين ومائيتن. وفيها غزا ابن الأخشيد بأهل ~~طرسوس، فتح اله على يديه، وبلغ إسكندرون؛ وحج بالناس محمد بن عبد الله بن ~~داود الهاشمي. وفيها توفي إبراهيم بن إسحاق الحربي ببغداد، وهومن أعيان ~~المحدثين، وإسحاق بن إبراهيم الديري صاحب عبد الرزاق بصنعاء، وهوآخر من روى ~~عن عبد الرزاق. الدبري بفتح الدال المهملة والباء الموحدة وبعدها راء. ~~وفيها ms2642 توفي أبوالعباس محمد بن يزيد الأزدي اليماني الخوي، المعروف بالمبرد، ~~وكان قد أخذ النحوعن أبي عثمان المازني. ### | AUT حوادث سنة ست وثمانين ومائيتن # PageV03P0353 # وفي هذه السنة وجه محمد بن أبي الساج المعروف بأبي المسافر إلى بغداد ~~برهينة بما ضمن من الطاعة والمناصحة، ومعه هدايا جليلة. وفيها أرسل عمروبن ~~الليث هدية إلى المعتضد من نيسابور، فكانت قيمتها أربعة آلاف درهم. ### || AUT ذكر ابتداء أمر القرامطة بالبحرين # وفيها ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبي سعيد الجنابي بالبحرين، فاجتمع ~~إليه جماعة من الأعراب والقرامطة، وقوي أمره، فقتل ما حوله من أهل القرى، ~~ثم سار إلى القطيف فقتل ممن بهأن واظهر أنه يريد البصرة، فكتب أحمد بن محمد ~~بن يحيى الواثقي، وكان متولي البصرة، إلى المعتضد بذلك، فأمره بعمل سورة ~~على البصرة، وكان مبلغ الخرج عليه أربعة عشر ألف دينار. وكان ابتداء ~~القرامطة بناحية البحرين أن رجلا يعرف بيحيى بن المهدي قصد القطيف فنزل على ~~رجل يعرف بعلي بن المعلي بن حمدان، مولى الزياديين، وكان مغاليا في التشيع، ~~فاظهر له يحيى أنه رسول المهدي، وكان ذلك سنة إحدى وثمانين ومائتين، وذكر ~~أنه خرج إلى شيعته في البلاد يدعوهم إلى أمره، وأن ظهوره قد قرب؛ فوجه علي ~~بن المعلي إلى الشيعة من أهل القطيف فجمعهم، وأقرأهم الكتاب الذي مع يحيى ~~بن المهدي إليهم من المهدي، فأجابوه، وأنهم خارجون معه إذا اظهر أمره، ووجه ~~إلى سائر قرى البحرين بمثل ذلك فأجابوه. وكان فيمن أجابه أبوسعيد الجنابي، ~~وكان يبيع للناس الطعام، ويحسب لهم بيعهم، ثم غاب عنهم يحيى بن المهدي مدة، ~~ثم رجع معه كتاب يزعم أنه من المهدي إلى شيعته؛ فيه: قد عرفني رسولي يحيى ~~بن امهدي مسارعتكم إلى أمري، فليدفع إليه كل منكم ستة دنانير وثلثين؛ ~~ففعلوا ذلك. ثم غاب عنهم وعاد ومعه كتاب فيه: أن ادفعوا إلى يحيى خمس ~~أموالكم، فدفعوا إليه الخمس، وكان يحيى يتردد في قبائل قيس ويورد إليهم ~~كتبا يزعم أنها من المهدي، وأنه ظاهر، فكونوا على أهبة. وحكى إنسان منهم ms2643 ~~يقال له إبراهيم الصائغ أنه كان عند أبي سعيد الجنابي، وأتاه يحيى، فأكلوا ~~طعامأن فلما فرغوا خرج أبوسعيد من بيته، وأمر امرأته أن تدخل إلى يحيى وأن ~~لا تمنعه إن أراد، فانتهى هذا الخبر إلى الوالي، فأخذ يحيى فضربه، وحلق ~~رأسه ولحيته، وهرب أبوسعيد الجنابي إلى جنابأن وسار يحيى بن المهدي إلى بني ~~كلاب وعقيل والخريس، فاجتمعوا معه ومع أبي سعيد، فعظم أمر أبي سعيد وكان ~~منه ما يأتي ذكره. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها سار المعتضد من آمد بعد أن ملكهأن كما ذكرناه، إلى الرقة، فولى ~~ابنه عليا المكتفي قنسرين، والعواصم، والجزيرة، وكاتبه النصراين واسمه ~~الحسين بن عمرو، فكان ينظر في الأموال، فقال الخليع في ذلك: حسين ن ~~عمروعدوالقرآن ... يصنع في العرب ما يصنع يقوم لهيبته المسلمون ... صفوفا ~~لفرد إذا يطلع فإن قيل قد أقبل الجاثليق ... تحفى له ومشى يظلع وفيها توفي ~~ابن الإخشيد أمير طرسوس واستخلف أبا ثابت على طرسوس. وفيها سار إلى الأنبار ~~جماعة أعراب من بني شيبان، وأغاروا على القرى، وقتلوا من لحقوا من الناس، ~~وأخذوا المواشي، فخرج إليهم أحمد بن محمد بن كمشجور متوليهأن فلم يطقهم، ~~فكتب إلى المعتضد بذلك، فأمده بجيش، فأدركوا الأعراب وقاتلوهم، فهزمهم ~~الأعراب وقتلوا فيهم، وغرق أكثرهم وتفرقوأن وعاث الأعراب في تلك الناحية. ~~وبلغ خبر الهزيمة إلى المعتضد، فسير جيشا آخر، فرحل الأعراب إلى عين التمر ~~فأفسدوا وعاثوأن وذلك في شعبان وشهر رمضان، فوجه إليهم عسكرا آخر إلى عين ~~التمر، فسلكوا البرية إلى نواحي الشام، فعاد العسكر إلى بغداد ولم يلقهم. ~~وفيها استدعى المعتضد راغبا مولى الموفق من طرسوس، فقدم عليه وهوبالرقة، ~~فحبسه وأخذ جميع ما كان له، فمات بعد أيام من حبسه، وكان ذلك في شعبان، ~~وقبض على بكنون غلام راغب، وأخذ ما له بطرسوس. وفيها قلد المعتضد ديوان ~~المشرق محمد بن داود بن الجراح، وعزل عنه أحمد بن محمد بن الفرات، وقلد ~~ديوان المغرب علي بن عيسى بن داود ابن الجراح. وفيها توفي أبوجعفر بن ~~إبراهيم الأمناطي، المعروف بمربع، ms2644 صاحب يحيى بن معين، وكان حافظا لحديث؛ ~~ومحمد بن يونس الكريمي البصري. ### | AUT حوادث سنة سبع وثمانين ومائتين # ### || AUT ذكر قتل أبي ثابت أمير طرسوس # ### || AUT وولاية ابن الأعرابي # PageV03P0354 # في هذه السنة اجتمعت الروم، وحشدت في ربيع الآخر، ووافت باب قلمية من ~~طرسوس، فنفر أبوثابت أمير طرسوس بعد كوت ابن الإخشيد، وكان استخلفه عند ~~موته، فبلغ أبوثابت في نفيره إلى نهر الرجان في طلبهم، فاسر أبوثابت، وأصيب ~~الناس معه. وكان ابن كلوب غازيا في ردب السلامة، فلما عاد جمع مشايخ الثغر ~~ليتراضوا بأمير، فأجمعوا رأيهم على ابن الأعرابي، فولوه أمرهم، وذلك في ~~ربيع الآخر من هذه السنة. ### || AUT ذكر ظفر المعتضد بوصيف ومن معه # في هذه السنة هرب وصيف خادم محمد بن أبي الساج من برذعة إلى ملطية من ~~أعمال مولاه، وكتب إلى المعتضد يسأله أن يوليه الثغور، فأخذ رسله وقررهم عن ~~سبب مفارقة وصيف مولاه، فذكروا له أنه فارقه على مواطأة منهما أنه متى ولي ~~وصيف الثغور سار إليه مولاه، وقصدا ديار مصر وتغلبا عليها. فسار المعتضد ~~نحوه، فنزل العين السوداء وأراد الرحيل في طريق المصيصة، فأتته العيون ~~فأخبروه أن وصيفا يريد عين زربة، فسأل أهل المعرفة بذلك الطريق، وسألهم عن ~~أقرب الطرق إلى لقاء وصيف، فأخذوه وساروا به نحوه، وقدم جمعا من عسكره بين ~~يديه، فلقوا وصيفا فقاتلوه، وأخذوه أسيرأن فأحضروه عند المعتضد فحبسه، وأمر ~~فنودي في أصحاب وصيف بالأمان، وأمر العسكر برد ما نهبوه منهم، ففعلوا ذلك. ~~وكانت الوقعة لثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة؛ فلما فرغ منه رحل إلى المصيصة، ~~واحضر رؤساء طرسوس فقبض عليهم لأنهم كاتبوا وصيفأن وأمر بإحراق مراكب طرسوس ~~التي كانوا يغزون فيهأن وجميع آلاتهأن وكان من جملتها نحومن خمسين مركبا ~~قديمة قد أنفق عليها من الأموال ما لا يحصى، ولا يمكن عمل مثلهأن فأضر ذلك ~~المسلمين، وفت في أعضادهم، وأمر الروم أن يغزوا في البحر، وكان إحراقها ~~بإشارة دميانة غلام بازمار لشيء كان في نفسه على أهل طرسوس، واستعمل على ~~أهل الثغور ms2645 الحسن بن علي كورة، وسار المعتضد إلى أنطاكية وحلب وغيرهمأن ~~وعاد إلى بغداد. وفيها توفيت ابنة خمارويه زوج المعتضد. ### || AUT ذكر أمر القرامطة وانهزام العباس الغنوي منهم # في هذه السنة، في ربيع الآخر، عظم أمر القرامطة بالبحرين، وأغاروا على ~~نواحي هجر، وقرب بعضهم من نواحي البصرة، فكتب أحمد الواثقي يسأل المدد، ~~فسير إليه سميريات فيها ثلاثمائة رجل، وأمر المعتضد باختيار رجل ينفذه إلى ~~البصرة، وعزل العباس بن عمرواللغوي عن بلاد فارس، وأقطعه اليمامة والبحرين، ~~وأمره بمحاربة القرامطة وضم إليه زهاء ألفي رجل، فسار إلى البصرة، واجتمع ~~إليه جمع كثير من المتطوعة والجند والخدم. ثم سار إلى أبي سعيد الجنابي، ~~فلقوه مساء، وتناوشوا القتال، وحجز بينهم الليل، فلما كان الليل انصرف عن ~~العباس من كان معه من أعراب بني ضبة وكانوا ثلاثمائة إلى البصرة، وتبعهم ~~مطوعة البصرة، فلما أصبح العباس باكر الحرب، فاقتتلوا قتالا شديدأن ثم حمل ~~نجاح غلام أحمد بن عيسى بن الشيخ من ميسرة العباس في مائة رجل على ميمنة ~~أبي سعيد، فتوغلوا فيهم، فقتلوا عن آخرهم، وحمل الجنابي ومن معه على أصحاب ~~العباس، فانهزموا وأسر العباس، واحتوى الجنابي على ما كان في عسكره، فلما ~~كان من الغد أحضر الجنابي الأسرى فقتلهم جميعا وحرقهم، وكانت الوقعة آخر ~~شعبان. ثم سار الجنابي إلى هجر بعد الوقعة، فدخلها وأمن أهلهأن وانصرف من ~~سلم من المنهزمين، وهم قليل، نحوالبصرة بغير زاد، فخرج إليهم من البصرة ~~نحوأربعمائة رجل على الرواحل، ومعهم الطعام والكسوة والماء، فلقوا بها ~~المنهزمين، فخرج عليهم بنوأسد وأخذوا الرواحل وما عليهأن وقتلوا من سلم من ~~المعركة، فاضطربت البصرة لذلك، وعزم أهلها على الانتقال منهأن فمنعهم ~~الواثقي. وبقي العباس عند الجنابي أياما ثم أطلقه، وقال له: امض إلى صاحبك ~~وعرفه ما رأيت؛ وحمله على رواحل، فوصل إلى بعض السواحل وركب البحر فوافى ~~الأبلة، ثم سار منها إلى بغداد فوصلها في رمضان، فدخل على المعتضد فخلع ~~عليه. بلغني أن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: عجائب الدنيا ثلاث: جيش ~~العباس ms2646 بن عمرو يؤسر وحده، وينجووحده، ويقتل جميع جيشه؛ وجيش عمروبن الصفار ~~يؤسر وحده، ويسلم جميع جيشه؛ وأنا أنزل في بيتي، وتولى ابني أبوالعباس ~~الجسرين ببغداد. PageV03P0355 # ولما أطلق أبوسعيد العباس أعطاه درجا ملصقا وقال له: أوصله إلى المعتضد ~~فإن لي فيه أسرارا. فلما دخل العباس على المعتضد عاتبه المعتضد، فأوصل إليه ~~العباس الكتاب، فقال: والله ليس فيه شيء، وإمنا أراد أن يعلمني أني أنفذتك ~~إليه في العدد الكثير، فردك فردت؛ وفتح الكتاب وإذ ليس فيه شيء. وفيهأن في ~~ذي القعدة، أوقع بدر غلام الطائي بالقرامطة، على غرة منهم، فنواحي ميسن ~~وغيرهمأن وقتل منهم مقتلة، ثم تركهم خوفا أن تخرب السواد، وكانوا فلاحية، ~~وطلب رؤساءهم فقتل من ظفر به منهم. ### || AUT ذكر أسر عمرو الصفار # ### || AUT وملك إسماعيل خراسان # في هذه السنة، في ربيع الأول، أسر عمروبن الليث الصفار؛ وكان سبب ذلك أن ~~عمرا أرسل إلى المعتضد برأس رافع بن هرثمة، وطلب منه أن يوليه ما وراء ~~النهر، فوجه إليه الخلع والواء بذلك، وهوبنيسابور، فوجه لمحاربة إسماعيل بن ~~أحمد الساماني، صاحب ما وراء النهر، محمد بن بشير، وكان خليفته وحاجبه، ~~وأخص أصحابه بخدمته، وأكبرهم عنده، وغيره من قواده إلى آمل، فعبر إليهم ~~إسماعيل جيجون، فحاربهم، فهزمهم، وقتل محمد بن بشير في نحوستة آلاف رجل. ~~وبلغ المنهزمون إلى عمرو، وهو بنيسابور، وعاد إسماعيل إلى بخارى فتجهز ~~عمرولقصد إسماعيل، فأشار عليه أصحابه بإنفاذ الجيوش، ولا يخاطر بنفسه، فلم ~~يقبل منهم، وسار عن نيسابور نحوبلخ، فأرسل إليه إسماعيل: أنك قد وليت دنيا ~~عريضة، وأما في يدي ما وراء النهر، وأنا في يغر، فاقنع بما في يدك، واركني ~~في هذا الثغر. فأبى، فذكر لعمرووأصحابه شدة العبور بنهر بلخ، فقال: لوشئت ~~أن أسكره ببذر الأموال واعبره لفعلت. فسار إسماعيل نحوه وعبر النهر إلى ~~الجانب الغربي، وجاء عمروفنزل بلخ، وأخذ إسماعيل عليه النواحي لكثرة جمعه، ~~وصار عمروكالمحاصر، وندم على ما فعل، وطلب المحاجزة، فأبى إسماعيل عليه، ~~فاقتتلوأن فلم يكن بينهم كثير قتال حتى انهزم عمروفولى هاربأن ومر بأجمة ms2647 في ~~طريقه، فقيل له: إنها أقرب الطرق، فقال لعامة من معه: امضوا في الطريق ~~الواضح؛ وسار هوفي نفر يسير، فدخل الأجمة، فوحلت به دابته فلم يكن له في ~~نفسه حيلة، ومضى من معه ولم يعرجوا عليه، وجاء أصحاب إسماعيل فأخذوه أسيرأن ~~فسيره إسماعيل إلى سمرقند. ولما وصل الخبر إلى المعتضد ذم عمرا ومدح ~~إسماعيل، ثم إن إسماعيل خبير عمرا بين مقامه عنده، أوإنفاذه إلى المعتضد، ~~فاختار المقام عند المعتضد، فسيره إليه، فوصل إلى بغداد سنة ثمان وثمانين ~~ومائتين، فلما وصل ركب على جمل وأدخل بغداد، ثم حبس، فبقي محبوسا حتى قتل ~~سنة تسع وثمانين على ما نذكره. وأرسل المعتضد إلى إسماعيل بالخلع، وولاه ما ~~كان بيد عمرو، وخلع على نائبه بالحضرة المعروف بالمرزباني، واستولى إسماعيل ~~على خراسان وصارت بيده. وكان عمروأعور شديد السمرة، عظيم السياسة، قد منع ~~أصحابه وقواده أن يضرب أحد منهم غلاما إلا بأمره، أويتولى عقوبة الغلام ~~نائبه، أوأحد حجابه، وكان يشتري المماليك الصغار، ويربيهم، ويهبهم لقواده ~~ويجري عليهم الجرايات الحسنة سرأن ليطالعوا بأحوال قواده، ولا ينكتم عنه من ~~أخبارهم شيء، ولم يكونوا يعلمون من ينقل إليه عنهم، فكان أحدهم يحذره ~~وهووحده. حكي عنه أنه كان له عامل بفارس يقال له أبوحصين، فسخط عليه بمرو، ~~وألزمه أن يبيع أملاكه ويوصل ثمنها إليه، ففعل ذلك، ثم طلب منه مائة ألف ~~درهم، فإن أداها في ثلاثة أيام وإلا قتله، فلم يقدر على شيء منهأن فأرسل ~~إلى أبي سعيد الكاتب يطلب منه أن يجتمع به، فأذن له، فاجتمع به، وعرفه ضيق ~~يده وسأله أن يضمنه ليخرج من محبسه ويسعى في تحصيل المبلغ المطلوب منه، ~~ففعل وأخرجه، فلم يفتح عليه بشيء، فعاد إلى أبي سعيد الكاتب، فبلغ خبره ~~عمرأن فقال: والله ما أدري من أيهما أعجب، من أبي سعيد فيما فعل من بذل ~~مائة ألف درهم، أم من أي حصين كيف عاد وقد علم أنه القتل! ثم أمر بإطلاق ما ~~عليه ورده إلى منزله. PageV03P0356 # وحكي عنه أنه كان يحمل أحمالا كثيرة من ms2648 الجرب، ولا يعلم أحد ما مراده، ~~فاتفق في بعض السنين أنه قصد طائفة من العصاة عليه للإيقاع بهم، فسلك طريقا ~~لا تظن العصاة أنهم يؤتون منه، وكان في طريقه واد، فأمر بتلك الجرب فملئت ~~ترابا وحجارأن ونضد بعضها إلى بعض، وجعلها طريقا في الوادي، فعبر أصحابه ~~عليهأن وأتاهم وهم آمنون فأثخن فيهم وبلغ منهم ما أراد. وحكي أيضا أن أكفر ~~حجابه كان اسمه محمد بن بشير، وكان يخلفه في كثير من أموره العظام، فدخل ~~عليه يومأن وأخذ يعدد عليه ذنوبه، فحلف محمد بالله والطلاق والعتق أنه لا ~~يملك إلا خمسين بدرة، وهويحملها إلى الخزانة، ولا يجعل له ذنبا لم يعلمه، ~~فقال عمرو: ما أعقلك من رجل! احملها إلى الخزانة فحملهأن فرضي عنه، وما ~~أقبح هذا من فعل وشره إلى أموال من أذهب عمره في خدمته! ### || AUT ذكر قتل محمد بن زيد العلوي # في هذه السنة قتل محمد بن زيد العلوي، صاحب طبرستان والديلم. وكان سبب ~~قتله أنه لما اتصل به أسر عمروبن الليث الصفار خرج من طبرستان نحوخراسان ~~ظنا منه أن إسماعيل الساماني لا يتجاوز عمله، ولا يقصد خراسان، وانه لا ~~دافع له عنها. فلما سار إلى جرجان أرسل إليه إسماعيل، وقد استولى على ~~خراسان، يقول له: الزم عملك، ولا تتجاوز عمله، ولا تقصد خراسان؛ وترك جرجان ~~له، فأبى ذلك محمد، فندب إليه إسماعيل بن أحمد محمد بن هارون، ومحمد هذا ~~كان يخلف رافع بن هرثمة أيام ولايته خراسان، فجمع محمد جمعا كثيرا من فارس ~~وراجل، وسار نحومحمد بن زيد، فالتقوا على باب جرجان، فاقتتلوا قتالا شديدأن ~~فانهزم محمد بن هارون أولا ثم رجع وقد تفرق أصحاب محمد بن زيد في الطلب، ~~فلما رأوه قد رجع إليهم ولوا هاربين، وقتل منهم بشر كثير، وأصابت ابن زيد ~~ضربات، وأسر ابنه زيد، وغمن ابن هارون عسكره وما فيه، ثم مات محمد بن زيد ~~بعد أيام من جراحاته التي أصابته، فدفن على باب جرجان. وحمل ابنه زيد بن ~~محمد إلى إسماعيل بن احمد، ms2649 فأكرمه ووسع في الإنزال عليه، وأنزله بخارى، ~~وسار محمد ين هارون إلى طبرستان. وكان محمد بن زيد فاضلأن أديبأن شاعرأن ~~عارفأن حسن السيرة، قال أبوعمر الأسترباذي: كنت أورد على محمد بن زيد أخبار ~~العباسيين، فقلت له: إنهم قد لقبوا أنفسهم، فإذا ذكرتهم عندك أسميهم ~~أوألقبهم؟ فقال: الأمر موسع عليك، سمهم ولقبهم بأحسن ألقابهم وأسمائهم، ~~وأحبها إليهم. وقيل: حضر عنده خصمان أحدهما اسمه معاوية والآخر اسمه علي، ~~فقال: الحكم بينكما ظاهر، فقال معاوية: إن تحت هذين الاسمين خبرأن قال ~~محمد: وما هو؟ قال: إن أبي كان من صادقي الشيعة، فسماني معاوية لينفي شر ~~النواصب، وإن أبا هذا كان ناصبيأن فسماع عليا خوفا من العلوية والشيعة، ~~فتبسم إليه محمد، واحسن إليه وقربه. وقيل: استأذن عليه جماعة من أضراء ~~الشيعة وقرائهم، فقال: ادخلوأن فإنه لا يحبنا كل كسير وأعور. ### || AUT ذكر ولاية أبي العباس صقلية # كان إبراهيم ابن الأمير أحمد أمير إفريقية قد استعمل على صقلية أبا مالك ~~أحمد بن عمر بن عبد الله، فاستضعفه، فولى بعده ابنه أبا العباس بن إبراهيم ~~ابن أحمد بن الأغلب، فوصل إليها غرة شعبان من هذه السنة في مائة وعشرين ~~مركبا وأربعين حربي، وحصر طرابلس. واتصل خبره بعسكر المسلمين بمدينة بلرم ~~وهم يقاتلون أهل جرجنت، فعادوا إلى بلرم، وأرسلوا جماعة من شيوخهم إليه ~~بطاعتهم، واعتذروا من قصدهم جرجنت، ووصل إليه جماعة من أهل جرجنت، وشكوا ~~منهم واخبروه أنهم خالفون عليه، وانهم إمنا سيروا مشايخهم خديعة ومكرأن ~~وأنهم لا إيمان لهم ولا عهد؛ وإن شئت أن تعلم مصداق هذا فاطلب إليك منهم ~~فلانا وفلانا. فأرسل إليهم يطلبهم فامتنعوا من الحضور عنده، وخالفوا عليه، ~~واظهروا ذلك، فاعتقل الشيوخ الواصلين إليه منهم، واجتمع أهل بلرم وساروا ~~إليه منتصف شعبان، ومقدمهم مسعود الباجي، وأمير السفهاء منهم ركموية، ~~وصحبهم ثم أسطول في البحر نحوثلاثين قطعة، فهاج البحر على الأسطول، فعطب ~~أكثره، وعاد الباقي إلى بلرم. PageV03P0357 # وأما العسكر الذين في البر فإنهم وصلوا إليه وهوعلى طرابلس، فاقتتلوا أشد ~~قتال، فقتل من الفريقين جماعة ms2650 وافترقوأن ثم عاودوا القتال في الثاني ~~والعشين، فانهزم أهل بلرم وقت العصر وتبعهم أبوالعباس إلى بلرم برا وبحرا ~~فعاودوا قتاله عاشر رمضان من بكرة إلى العصر، فانهزم أهل البلد، ووقع القتل ~~فيهم إلى المغرب، واستعمل أبوالعباس على أرباضهأن ونهبت الأموال، وهرب كثير ~~من الرجال والنساء إلى طبرمين، وهرب ركمويه وأمثاله من رجال الحرب إلى بلاد ~~النصرانية، كالقسطنطينية وغيرهأن وملك أبوالعباس المدينة، ودخلهأن وأمن ~~أهلهأن وأخذ جماعة من وجوه أهلها فوجههم إلى أبيه بإفريقية. ثم رحل إلى ~~طبرمين، فقطع كرومها وقاتلهم، ثم رحل إلى قطانية فحصرهأن فلم ينل منها ~~غرضأن فرجع إلى المدينة وأقام إلى أد دخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين فتجهز ~~للغزو، وطاب الزمان، وعمر الأسطول وسيره أول ربيع الآخر ونزل على دمنش، ~~ونصب عليها المجانيق، وأقام أياما. ثم انصرف إلى مسيني، وجاز في الحربية ~~إلى ريو، وقد اجتمع بها كثير من الروم، فقاتلهم على باب المدينة، وهزمهم، ~~وملك المدينة بالسيف في رجب، وغمن من الذهب والفضة ما لأحد، وشحن المراكب ~~بالدقيق والأمتعة، ورجع إلى مسيني وهدم سورهأن ووجد بها مراكب قد وصلت من ~~القسطنطينية، فأخذ منها ثلاثين مركبا ورجع إلى المدينة، وأقام إلى سنة تسع ~~وثمانين، فأتاه كتاب أبيه إبراهيم يأمره بالعود إلى إفريقية، فرجع إليها ~~جريدة في خمس قطع شواني، وترك العسكر مع ولديه أبي مضر وأبي معد. فلما وصل ~~إلى إفريقية استخلفه أبوه بهأن وسار هوإلى صقلية مجاهدأن عازما على الحج ~~بعد الجهاد، فوصلها في رجب سنة سبع وثمانين ومائتين، وقد ذكرنا خبره سنة ~~إحدى وستين ومائتين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة جمعت طي من قدرت عليه من الأعراب، وخرجوا على قفل الحاج، ~~فواقعوهم بالمعدن، وقاتلوهم يومين بين الخميس والجمعة لثلاث بقين من ذي ~~الحجة، فانهزم العرب وقتل كثير وسلم الحاج. وفيها مات إسحاق بن أيوب بن ~~أحمد بن عمر بن الخطاب العدوي، عدي ربيعة، أمير ديار ربيعة من بلاد ~~الجزيرة، فولي مكانه عبد الله بن الهيثم ابن عبد الله بن المعتمر. وفيها ~~توفيت قطر ms2651 الندى ابنة خمارويه بن احمد بن طولون، صاحب مصر، وهي امرأة ~~المعتضد. وحج بالناس هذه السنة محمد بن عبد الله بن داود. وفيها استعمل ~~المعتضد عيسى النوشري، وهوأمير أصبهان، على بلاد فارس، وأمره بالمسير إليه. ~~وفيها توفي فهد بن أحمد فهد الأزدي الموصلي، وكان من الأعيان؛ وعلي بن عبد ~~العزيز البغوي، توفي صاحب أبي عبيد القاسم ابن سلام، بالتشديد. ### | AUT حوادث سنة ثمان وثمانين ومائتين # في هذه السنة وقع الوباء بأذربيجان فمات منه خلق كثير إلى أن فقد الناس ~~ما يكفنون به الموتى، وكانوا يتركونهم على الطرق غير مكفنين ولا مدفنين. ~~وفيها توفي محمد بن أبي الساج بأذربيجان في الوباء الكثير المذكور، فاجتمع ~~أصحابه، فولوا ابنه ديوداد، واعتزلهم عمه يوسف بن أبي الساج مخالفا لهم، ~~فاجتمع إليه نفر يسير، فأوقع بابن أخيه ديوداد وهوعسكر أبيه فهزمه، وعرض ~~عليه يوسف المقام معه فأبى، وسلك طريق الموصل إلى بغداد، وكان ذلك في ~~رمضان. وفيهأن في صفر، دخل طاهر بن محمد بن عمروبن الليث بلاد فارس في ~~عسكره وأخرجوا عنها عامل الخليفة، فكتب الأمير إسماعيل بن أحمد الساماني ~~إلى طاهر يذكر له أن الخليفة المعتضد قد ولاه سجستان، وأنه سائر إليهأن ~~فعاد طاهر لذلك. وفيها ولى المعتضد مولاه يدرا فارس، وأمره بالشخوص إليها ~~لما بلغه أن طاهرا تغلب عليهأن فسار إليها في جيش عظيم في جمادى الآخرة، ~~فلما قرب من فارس تنحى عنها من كان بها من أصحاب طاهر، فدخلها بدر، وجبى ~~خراجهأن وعاد طاهر إلى سجستان، كما ذكرناه من مراسلة إسماعيل الساماني إليه ~~بأنه يريد يقصد سجستان. وفيها تغلب بعض العلويين على صنعاء، فقصده بنويعفر ~~في جمع كثير فقاتلوه، فهزموه، ونجا هاربا في نحوخمسين فارسأن وأسروا ابنا ~~له، ودخلها بنويعفر، وخطبوا فيها للمعتضد. PageV03P0358 # وفيها سير الحسين بن علي كورة صاحبه نزار بن محمد إلى صائفة الروم، فغزأن ~~وفتح حصونا كثيرة للروم، وعاد ومعه الأسرى، ثم إن الروم ساروا في البر ~~والبحر إلى ناحية كيسوم، فأخذوا من المسلمين أكثر من خمسة عشر ألفا ms2652 وعادوا. ~~وفيها قرب أصحاب أبي سعيد الجنابي من البصرة، فخاف أهلهأن وهموا بالهرب ~~منهم، فمنعهم من ذلك واليهم. وفيهأن في ذي الحجة، قتل وصيف خادم ابن أبي ~~الساج، وصلبت جثته ببغداد، وقيل إنه مات ولم يقتل. وحج بالناس هذه السنة ~~هارون بن محمد المكنى أبا بكر. وفيهأن في ربيع الآخر، توفي عبيد الله بن ~~سليمان الوزير، فعظم موته على المعتضد، وجعل ابنه أبا الحسين بن عبيد الله ~~بعد أبيه في الوزارة. وفيها توفي إبراهيم وبشر بن موسى الأسدي، وهومن ~~الحفاظ للحديث. وفيهأن في صفر، توفي ثابت بن قرة بن سنان الصابي الطبيب ~~المشهور، ومعاذ بن المثنى. ### | AUT حوادث سنة تسع وثمانين ومائتين # ### || AUT ذكر أخبار القرامطة بالشام # في هذه السنة ظهر بالشام رجل من القرامطة، وجمع جموعا من الأعراب، وأتى ~~دمشق، وأميرها طغج بن جف من قبل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون، وكانت ~~بينهما وقعات. وكان ابتداء حال هذا القرمطي أن زكرويه بن مهرويه الذي ذكرنا ~~أنه داعية قرمط هذأن لما رأى أن الجيوش من المعتضد متتابعة إلى من بسواد ~~الكوفة من القرامطة، فإن القتل قد أبادهم، سعي باستغواء من قرب من الكوفة ~~عن الأعراب: أسد وطي وغيرهم، فلم يجبه منهم أحد، فأرسل أولاده إلى كلب بن ~~وبرة فاستعوزهم، فلم يجبهم منهم إلا الفخذ المعروف ببني العليص بن ضمضم بن ~~عدي بن خباب ومواليهم خاصة، فبايعوا في سنة تسع وثمانين ومائتين، بناحية ~~السماوة، ابن زكرويه، المسمى بيحيى، المكنى أبا القاسم، فلقبوه الشيخ، وزعم ~~أنه محمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ~~بن علي بن أبي طالب، وقيل: لم يكن لمحمد بن إسماعيل ولد اسمه عبد الله، ~~وزعم أن له بالبلاد مائة ألف تابع، وأن ناقته التي يركبها مأمورة، فإذا ~~تبعوها في مسيرها نصروأن وأظهر عضدا له ناقصة وذكر أنه ابنه، وأتاه جماعة ~~من بني الأصبع، وسموا الفاطميين، ودانوا بدينه، فقصدهم شبل غلام المعتضد من ~~ناحية الرصافة فاغتروه فقتلوه، وأحرقوا ms2653 مسجد الرصافة، واعترضوا كل قرية ~~اجتازوا بهأن حتى بلغوا هارون بن خمارويه التي قوطع عليها طغج بن جف، ~~فأكثروا القتل بها والغارة، فقاتلهم طغج، فهزموه غير مرة. ### || AUT ذكر أخبار القرامطة بالعراق # وفيها انتشر القرامطة بسواد الكوفة، فوجه المعتضد شبلا غلام أحمد بن ~~محمد الطائي، وظفر بهم، وأخذ رئيسا لهم يعرف بأبي الفوارس، فسيره إلى ~~المعتضد، فأحضره بين يديه وقال له: أخبرني! هل تزعمون أن روح الله تعالى ~~وروح أنبيائه تحل في أجسادكم فتعصمكم من الزلل وتوفقكم لصالح العمل؟ فقال ~~له: يا هذا إن حلت روح الله فينا فيما يضرك؟ وإن حلت روح إبليس فما ينفعك؟ ~~فلا تسأل عما لا يعنيك وسل عما يخصك. فقال: ما تقول فيما يخصني؟ قال أقول: ~~إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما ت وأبوكم العباس حي، فهل طالب ~~بالخلافة أم هل بايعه أحد من الصحابة على ذلك؟ ثم مات أبوبكر فاستخلف عمر، ~~وهويرى موضع العباس، ولم يوص إليه، ثم مات عمر وجعلها شورى في ستة أنفس، ~~ولم يوص إليه، ولا أدخله فيهم، فبماذا تستحقون أنتم الخلافة؟ وقد اتفق ~~الصحابة على دفع جدل عنها. فأمر به المعتضد فعذب، وخلعت عظامه، ثم قطعت ~~يداه ورجلاه، ثم قتل. ### || AUT ذكر وفاة المعتضد # في هذه السنة، في ربيع الآخر، توفي المعتضد بالله أبوالعباس أحمد بن ~~الموفق بن المتوكل ليلة الاثنين لثمان بقين منه، وكان مولده في ذي الحجة من ~~سنة اثنتين وأربعين ومائتين. ولما اشتد مرضه اجتمع القواد منهم يونس ~~الخادم، وموشكير وغيرهمأن وقالوا للوزير القاسم بن عبيد الله ليجدد البيعة ~~للمكتفي، وقالوا: إنا لا نأمن فتنة، فقال: إن هذا المال لأمير المؤمنين ~~ولولده من بعده، وأخاف أن أطلق فيبرأ من علته فينكر علي ذلك. فقال: إن برئ ~~من مرضه فنحن المحتجون، والمناظرون، وإن صار الأمر إلى ولده فلا يلومنأن ~~ونحن نطلب الأمر له. PageV03P0359 # فأطلق المال وجدد عليه البيعة، وأحضر عبد الواحد بن الموفق وأخذ عليه ~~البيعة فوكل به وأحضر ابن المعتز، ومضى ابن المؤيد وعبد العزيز ms2654 بن المعتمد ~~ووكل بهم. فلما توفي أحضر يوسف بن يعقوب وأبا حازم وأبا عمر محمد بن يوسف ~~بن يعقوب، فتولى غسله محمد بن يوسف، وصلى عليه الوزير، ودفن ليلا في دار ~~محمد بن طاهر، وجلس الوزير في دار الخلافة للعزاء. وجدد البيعة للمكتفي. ~~وكانت أم المعتضد، واسمها ضرار، قد توفيت قبل خلافته، وكانت خلافته سبع ~~سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوما؛ وخلف من الولد الذكور: عليا وهوالمكتفي، ~~وجعفرا وهوالمقتدر، وهارون، ومن البنات إحدى عشرة بنتأن وقيل سبع عشرة، ~~ولما حضرته الوفاة أنشد: تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى ... وخذ صفوها ما إن ~~صفت ودع الرنقا ولا تأمن الدهر إن قد أمتنه فلم يبق لي حالا ولم يرع لي حقا ~~قتلت صناديد الرجال ولم أدع ... عدوا ولم أمهل على طغيه خلقا وأخلبت دار ~~الملك من كل نازع ... فشردتهم غربا ومزقتهم شرقا فلما بلغت النجم عزا ورفعة ~~... وصارت راقاب الخلق أجمع لي رقا رماني الردى سهما فأخمد جمرتي ... فها ~~أنا ذا في حفرتي عاجلا ألقي ولم يغن عني ما جمعت ولم أجد ... لذي الملك ~~والأحياء في حسنها رفقا فيا ليت شعري بعد موتي ما ألقى؟ ... إلى نعم الرحمن ~~أم ناره ألقى ### || AUT ذكر صفته وسيرته # كان المعتضد اسمر، نحيف الجسم، معتدل الخلق، قد وخطه الشيب، وكان شهمأن ~~شجاعأن مقدامأن وكان ذا عزم، وكان فيه شح بلغه خبر وصيف خادم ابن أبي الساج ~~وعليه قباء اصفر، فسار من ساعته وظفر بوصيف وعاد، فدخل أنطاكية وعليه ~~القباء، فقال بعض أهلها: الخليفة بغير سواد؛ فقال بعض أصحابه: إنه سار فيه، ~~ولم ينزعه إلى الآن. وكان عفيفا. حكى القاضي إسماعيل بن إسحاق قال: دخلت ~~على المعتضد وعلى رأسه أحداث روم صباح الوجوه، فأطلت النظر إليهم، فلما قمت ~~أمرني بالقعود فجلست، فلما تفرق الناس قال: يا قاضي، والله ما حللت سراويلي ~~على غير حلال قط. وكان مهيبا عند أصحابه يتقون سطوته ويكفون عن الظلم خوفا منه. ### || AUT ذكر خلافة المكتفي بالله # ولما توفي المعتضد كتب الوزير إلى ms2655 أبي محمد علي بن المعتضد، وهوالمكتفي ~~بالله، يعرفه بذلك بأخذ البيعة له، وكان بالرقة، فلما وصله الخبر أخذ ~~البيعة على من عنده من الأجناد، ووضع لهم العطاء وسار إلى بغداد، ووجه إلى ~~النواحي من ديار ربيعة ومضر ونواحي العرب من يحفظهأن ودخل بغداد لثمان خلون ~~من جمادى الأولى، فلما سار إلى منزله أمر بهدم المطامير التي كان أبوه ~~اتخذها لأهل الجرائم. ### || AUT ذكر قتل عمرو بن الليث الصفار # وفي هذا اليوم الذي دخل فيه المكتفي بغداد قتل عمروبن الليث بن الصفار، ~~ودفن من الغد. وكان المعتضد، بعدما امتنع من الكلام، أمر صافيا الخرمي بقتل ~~عمروابن الليث بالإيماء والإشارة، ووضع يده على رقبته وعلى عينه بأن اذبح ~~الأعور، وكان عمروأعور، فلم يفعل ذلك صافي لعلمه بقرب وفاة المعتضد، وكره ~~قتل عمرو، فلما وصل المكتفي بغداد سأل الوزير عنه، فقال، هوحي، فسر بذلك، ~~وأراد الإحسان إليه لأنه كان يكثر من الهدية إليه لما كان بالري، فكره ~~الوزير ذلك، فبعث إليه من قتله. ### || AUT ذكر استيلاء محمد بن هارون على الري # وفي هذه السنة كاتب أهل الري محمد بن هارون الذي كان حارب محمد ابن زيد ~~العلوي، وتولى طبرستان لإسماعيل بن أحمد، وكان محمد بن هارون قد خلع طاعة ~~إسماعيل، فسأله أهل الري المسير إليهم ليسلموها إليه. وكان سبب ذلك أن ~~الوالي عليهم كان قد أساء السيرة فيهم، فسار محمد بن هارون إليهم فحاربه ~~واليها وهوالدتمش التركي، فقتله محمد وقتل ابنين وأخا كيغلغ، وهومن قواد ~~الخليفة، ودخل محمد بن هارون الري، واستولى عليها في رجب. ### || AUT ذكر قتل بدر # PageV03P0360 # وفيها قتل بدر غلام المعتضد؛ وكان سبب ذلك أن القاسم الوزير كان قد هم ~~بنقل الخلافة عن ولده المعتضد بعده، فقال لبدر في ذلك في حياة المعتضد بعد ~~أن استخلفه واستكتمه، فقال بدر: ما كنت لأصرفها عن ولد مولاي وولي نعمتي؛ ~~فلم يمكنه مخالفة بدر، إذ كان صاحب الجيش، وحقدها على بدر، فلما مات ~~المعتضد كان بدر بفارس، فعقد القاسم البيعة لمكتفي، وهوبالرقة. وكان ms2656 ~~المكتفي أيضا مباعدا لبدر في حياة أبيه، وعمل القاسم في هلاك بدر خوفا على ~~نفسه أن يذكر ما كان منه للمكتفي، فوجه المكتفي محمد بن كشتمر برسائل إلى ~~القواد الذين مع بدر يأمرهم بالمسير إليه ومفارقة بدر، ففارقه جماعة منهم ~~العباس بن عمروالغنوي، ومحمد بن إسحاق بن كنداج، وخاقان المفلحي وغيرهم، ~~فاحسن إليهم المكتفي، وسار بدر إلى واسط، فوكل المكتفي بداره، وقبض على ~~أصحابه وقواده وحبسهم، وأمر بمحواسم بدر من التراس والأعلام، وسير الحسين ~~بن علي كورة في جيش إلى واسط. وأرسل إلى بدر يعرض عليه أي النواحي شاء، ~~فأبى ذلك، وقال: لا بد لي من المسير إلى باب مولاي؛ فوجد القاسم مساغا ~~للقول، وخوف المكتفي عائلته، وبلغ بدرا ما فعل بأهله وأصحابه، وأرسل من ~~يأتيه بولده هلال سرأن فعلم الوزير بذلك، فاحتاط عليه، ودعا أبا حازم، قاضي ~~الشرقية، وأمره بالمسير إلى بدر، وتطيب نفسه عن المكتفي، وإعطائه الأمان ~~عنه لنفسه وولده وماله، فقال أبوحازم: أحتاج إلى سماع ذلك من أمير ~~المؤمنين؛ فصرفه ودعا أبا عمر القاضي، وأمره بمثل ذلك فأجابه، وسار ومعه ~~كتاب الأمان، فسار بدر عن واسط نحوبغداد، فأرسل إليه الوزير من قتله، فلما ~~أيقن بالقتل سأل أن يمهل حتى يصلي ركعتين، فصلاهمأن ثم ضربت عنقه يوم ~~الجمعة لست خلون من شهر رمضان، ثم أخذ رأسه وتركت جثته هنالك، فوجه عياله ~~من أخذها سرا وجعلوها في تابوت، فلما كان وقت الحج حملوها إلى مكة، فدفنوها ~~بهأن وكان أوصى بذلك وأعتق قبل أن يقتل كل مملوك كان له. ورجع أبوعمر إلى ~~داره كئيبا حزينا لما كان منه، وقال الناس فيه أشعارأن وتكلموا فيه، ففما ~~قيل فيه: قل لقاضي مدينة المنصور ... بم أحللت أخذ رأس الأمير عند إعطائه ~~المواثيق والعه ... د وعقد الأيمان في منشور أين أيمانك التي شهد الل ... ه ~~على أنها يمين فجو إن كفيك لا تفارق كفي ... ه إلى ، ترى عليل السرير يا ~~قليل الحياء يا أكذب الام ... ة يا شاهدا شهادة زور ليس هذا فعل القضاة ms2657 ولا ~~يح ... سن أمثاله ولاة الجسور أي أمر ركبت في الجمعة الزه ... راء منه في ~~خير هذي الشهور قد مضى من قتلت في رمضا ... ن صائما بعد سجدة التعفير يا ~~بني يوسف بن يعقوب أضحى ... أهل بغداد منكم في غرور بدد الله شملكم وأراني ~~... ذلكم في حياة هذا الوزير فأعدوا الجواب للحكم العد ... ل ومن بعد منكر ~~ونكير أنتم كلكم فدى لأبي حا ... زم المستقيم كل الأمور ### || AUT ذكر ولاية أبي العباس إفريقية # قد ذكرنا سنة إحدى وستين ومائتين أن إبراهيم بن أحمد، أمير إفريقية، عهد ~~إلى ولده أبي العباس عبد الله سنة تسع وثمانين ومائتين، وتوفي فيهأن فلما ~~توفي والده قام بالملك بعده، وكان أديبأن لبيبأن شجاعأن أحد الفرسان ~~المذكورين، مع علمه بالحرب وتصرفها. وكان عاقلأن عالمأن له نظر حسن في ~~الجدل، وفي أيامه عظم أمر أبي عبد الله الشيعي فأرسل أخاه الأحول، ولم يكن ~~أحول، وإمنا لقب بذلك لأنه كان إذا نظر دائما ربما كسر جفنه، فلقب بالأحول، ~~إلى قتال أبي عبد الله الشيعي، فلما بلغه حركته إليهم في جموع كثيرة ~~والتقوا عند كموشة، فقتل بينهم خلق عظيم، وانهزم الأحوال، إلا أنه أقام في ~~مقابلة أبي عبد الله. PageV03P0361 # وكان أبوالعباس أيام أبيه على خوف شديد منه بسوء أخلاقه، واستعمله أبوه ~~على صقلية، ففتح فيها مواضع متعددة، وقد تقدم ذكر ذلك أيام والده، ولما ولي ~~أبوالعباس إفريقية كتب إلى العمال كتابا يقرأ على العامة يعدهم فيه ~~الإحسان، والعدل، والرفق، والجهاد، ففعل ما وعد من نفسه، وأحضر من العلماء ~~ليعينوه على أمر الرعية. وله شعر، فمن ذلك قوله بصقلية، وقد شرب دواء: شربت ~~الدواء على غربة ... بعيدا من الأهل والمنزل وكنت إذا ما شربت الدوا ... ~~أطيب بالمسك والمندل وقد صار شربي بحار الدما ... ونقع العجاجة والقسطل ~~واتصل بأبي العباس عن ولده أبي مضر زيادة الله والي صقلية له اعتكافه على ~~اللهو، وإدمانه شرب الخمر، فعزله وولى محمد بن السرقوسي، وحبس ولده، فلما ~~كان ليلة الأرعاء آخر شعبان من سنة تسعين ms2658 ومائتين قتل أبوالعباس، قتله ~~ثلاثة نفر من خدمه الصقالبة بوضع من ولده، وحملوا رأسه إلى ولده أبي مضر، ~~وهوفي الحبس، فقتل الخدم وصلبهم، وكان هوالذي وضعهم، فكانت إمارته سنة ~~اثنين وخمسين يوما، وكان سكناه وقتله، رحمه الله، بمدينة تونس. وكان كثير ~~العدل، أحضر جماعة كثيرة عنده ليعينوه على العدل، ويعرفوه من أحوال الناس ~~ما يفعل فيه على سبيل الإنصاف، وأمر الحاكم في بلده أن يقضي عليه، وعلى ~~جميع أهله، وخواص أصحابه، ففعل ذلك، ولما قتل ولي ابنه أبومضر، وكان من ~~أمره ما نذكره سنة ست وتسعين ومائتين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، منتصف رمضان، قتل عبد الواحد بن الموفق، وكانت والدته إذا ~~سألت عنه قيل لها إنه في دار المكتفي، فلما مات المكتفي أيست منه، فأقامت ~~عليه مأتما. وفيها كانت وقعة بين أصحاب إسماعيل بن أحمد وبين ابن جستان ~~الديلمي بطبرستان، فانهزم ابن جستان. وفيها لحق إسحاق الفرغاني، وهومن ~~أصحاب بدر، بالبادية، واظهر الخلاف على الخليفة المكتفي، فحاربه أبوالأغر، ~~فهزمه إسحاق، وقتل من أصحابه جماعة. وفيها سير خاقان المفلحي إلى الري في ~~جيش كثيف ليتولاها. وفيها صلى الناس العصر بحمص وبغداد في الصيف، ثم هب ~~هواء من ناحية الشمال، فبرد الوقت، واشتد البرد حتى احتاج الناس إلى النار ~~ولبس الجباب، وجعل البرد يزداد حتى جمد الماء. وفيها كانت وقعة بين إسماعيل ~~بن أحمد وبين محمد بن هارون بالري، فانهزم محمد، ولحق بالديلم مستجيرا بهم، ~~ودخل إسماعيل الري. وفيها زادت دجلة قدر خمسة عشر ذراعا. وفيها خلع المكتفي ~~على هلال بن بدر وغيره من أصحاب أبيه في جمادى الأولى. وفيها هبت ريح عاصف ~~بالبصرة، فقلعت كثيرا من نخلهأن وخسف بموضع منها هلك فيه ستة آلاف نفس، ~~وزلزلت بغداد، في رجب، عدة مرات، فتضرع أهلها في الجامع فكشف عنهم. وفيها ~~مات أبوحمزة بن محمد بن إبراهيم الصوفي، وهومن أقران سري السقطي. ### | AUT حوادث سنة تسعين ومائتين # ### || AUT ذكر أخبار القرامطة # في هذه السنة، في ربيع الآخر، سير طغج بن جف ms2659 جيشا من دمشق إلى القرمطي، ~~عليهم غلام له اسمه بشير، فهزمهم القرمطي وقتل بشيرا. وفيها حصر القرمطي ~~دمشق، وضيق على أهلهأن وقتل أصحاب طغج، ولم يبق منه إلا القليل، واشرف ~~أهلها على الهلكة، فاجتمع جماعة من أهل بغداد، وانهوا ذلك إلى الخليفة ~~فوعدهم النجدة، وأمد المصريون أهل دمشق ببدر وغيره من القواد، فقاتلوا ~~الشيخ مقدم القرامطة، فقتل على باب دمشق، رماه بعض المغاربة بمزراق، وزرقه ~~نفاط بالنار فاحترق، وقتل منهم خلق كثير. وكان هذا القرمطي يزعم أنه إذا ~~أشار بيده إلى جهة من التي فيها محاربوه انهزموا؛ ولما قتل يحيى المعروف ~~بالشيخ، وقتل أصحابه، اجتمع من بقي منهم على أخيه الحسين، وسمى نفسه أحمد، ~~وكناه أبا العباس، ودعا الناس فأجابه أكثر أهل البوادي وغيرهم، فاشتدت ~~شوكته، وأظهر شامة في وجه، وزعم أنها آيته، فسار إلى دمشق، فصالحه أهلها ~~على خراج دفعوه إليه وانصرف عنهم. ثم سار إلى أطراف حمص، فغلب عليهأن وخطب ~~له على منابرها، وتسمي المهدي أمير المؤمنين، وأتاه ابن عمه عيسى بن ~~المهدي، المسمى عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل، فلقبه المدثر، وعهد ~~إليه، وزعم أنه المدثر الذي في القرآن، ولقب غلاما من أهله المطوق، وقلده ~~قتل أسرى المسلمين. PageV03P0362 # ولما أطاعه أهل حمص، وفتحوا له بابها خوفا منه، سار إلى حماه، ومعرة ~~النعمان، وغيرهمأن فقتل أهلهأن وقتل النساء والصبيان، ثم سار إلى بعلبك ~~فقتل عامة أهلهأن ولم يبق منهم إلا اليسير، ثم سار إلى سلمية فمنعه أهلهأن ~~ثم صالحهم وأعطاهم الأمان، ففتحوا له بابهأن فبدأ بمن فيها من بني هاشم، ~~وكانوا جماعة، فقتلهم أجمعين، ثم قتل البهائم، والصبيان بالمكاتب ثم خرج ~~منها وليس بها عين تطرف. وسار فيها حولها من القرى يسبي، ويقتل، ويخيف ~~السبيل، فذكر عن متطبب بباب المحول يدعى أبا الحسين قال: جاءتني امرأة ~~بعدما أدخل القرمطي صاحب الشامة بغداد، وقالت: أريد أن تعالج جرحا في كتفي؛ ~~فقلت: ها هنا امرأة تعالج النساء، فانتظرتهأن فقعدت وهي باكية مكروبة، ~~فسألتها عن قصتها قالت: كان لي ms2660 ولد طالت غيبته عني، فخرجت أطوف عليه البلاد ~~فلم أره، فخرجت من الرقة في طلبه، فوقعت في عسكر القرمطي أطلبه، فرأيته، ~~فشكوت إليه حالي وحال أخواته، فقال: دعيني من هذأن أخبريني ما دينك؟ فقلت: ~~أما تعرف ما ديني؟ فقال: ما كنا فيه باطل، والدين ما نحن فيه اليوم؛ فعجبت ~~من ذلك، وخرج وتركني، ووجه بخبز ولحم، فلم أمسه حتى عاد فأصلحه. وأتاه رجل ~~من أصحابه فسأله عني هل أحسن من أمر النساء شيئأن فقلت: نعم، فأدخلني دارأن ~~فإذا امرأة تطلق، فقعدت بين يديهأن وجعلت أكلمها ولا تكلمني، حتى ولدت ~~غلامأن فأصلحت من شأنه، وتلطفت بها حتى كلمتني، فسألتها عن حالهأن فقالت: ~~أنا امرأة هاشمية، أخذنا هؤلاء أقوام، فذبحوا أبي وأهلي جميعأن وأخذني ~~صاحبهم، فأقمت عنده خمسة أيام، ثم أمر بقتلي، فطلبني منه أربعة أنفس من ~~قواده، فوهبني لهم، وكنت معهم، فوالله ما ادري ممن هذا الولد منهم. قالت: ~~فجاء رجل فقالت لي: هنيه، فهنيته، فأعطاني سبيكة فضة، وجاء آخر وآخر، أهني ~~كل واحد منهم، ويعطيني سبيكة فضة، ثم جاء الرابع ومعه جماعة، فهنيته، ~~فأعطاني ألف درهم، وبتنأن فلما أصبحنا قلت للمرأة: قد وجب حقي عليك فالله ~~الله خلصني! قالت: ممن أخلصك؟ فأخبرتها خبر ابني، فقالت: عليك بالرجل الذي ~~جاء آخر القوم، فأقمت يومي، فلما أمسيت وجاء الرجل قمت له، وقبلت يده ~~ورجله، ووعدته أنني أعود بعد أن أوصل ما معي إلى بناتي؛ فدعا قوما من ~~غلمانه وأمرهم بحملي إلى مكن ذكره، وقال: اتركوها فيه وارجعوا؛ فساروا بين ~~عشرة فراسخ، فلحقنا ابني، فضربني بالسيف فجرحني، ومنعه القوم، وساروا بي ~~إلى المكان الذي سماه لهم صاحبهم، وتركوني وجئت إلى هاهنا. قالت: ولما قدم ~~الأمير بالقرامطة وبالأساري رأيت ابني فيهم على جمل عليه برنس، وهويبكي، ~~فقلت: لا خفف الله عنك ولا خلصك! ثم إن كتب أهل الشام ومصر وصلت إلى ~~المكتفي يشكون ما يلقون من القرمطي من القتل، والسبي، وتخريب البلاد، فأمر ~~الجند بالتأهب، وخرج من بغداد ف برمضان، وسار إلى الشام وجعل ms2661 طريقه على ~~الموصل، وقدم بين يديه أبا الأغر في عشرة آلاف رجل، فنزل قريبا من حلب، ~~فكبسهم القرمطي، صاحب الشامة، فقتل منهم خلقا كثيرأن وسلم أبوالأغر، فدخل ~~حلب في ألف رجل، وكانت هذه الوقعة في رمضان، وسار القرمطي إلى باب حلب، ~~فحاربه أبوالأغر بمن بقي معه، وأهل البلد، فرجع عنهم. وسار المكتفي حتى نزل ~~الرقة، وسير الجيوش إليه، وجعل أمرهم إلى محمد بن سليمان الكاتب. وفيهأن في ~~شوال تحارب القرمطي صاحب الشامة وبدر مولى ابن طولون، فانهزم القرمطي وقتل ~~من أصحابه خلق كثير، ومضى من سلم منهم نحوالبادرية، فوجه المكتفي في أثرهم ~~الحسين بن حمدان وغيره من القواد. وفيها كبس ابن بانوا أمير البحرين حصنا ~~للقرامطة، فظفر بمن فيه، وواقع قرابة أبي سعيد الجنابي، فهزمه ابن بانوأن ~~وكان مقام هذا القرمطي بالقطيف، وهوولي عهد أبي سعيد، ثم إنه وجد بعدما ~~انهزم أصحابه قتيلا فاخذ رأسه وسار ابن بانوا إلى القطيف فافتتحها. ### || AUT ذكر أسر محمد بن هارون # PageV03P0363 # وفيها اخذ محمد بن هارون أسيرا؛ وكان سبب ذلك أن المكتفي أنفذ عهدا إلى ~~إسماعيل بن أحمد الساماني بولاية الري، فسار إليهأن وبها محمد بن هارون، ~~فسار عنها إلى محمد إلى قزوين وزنجاز، ثم عاد إلى طبرستان، فاستعمل إسماعيل ~~ابن احمد على جرجان بارس الكبير، وألزمه بإحضار محمد بن هارون قسرأن ~~أوصلحأن وكاتبه بارس وضمن له إصلاح حاله مع الأمير إسماعيل، فقبل محمد ~~قوله، وانصرف عن جستان الديلمي، وقصد بخارى، فلما بلغ مروقيد بهأن وذلك في ~~شعبان سنة تسعين ومائتين، ثم حمل إلى بخارى فأدخلها على جمل وحبس بها فمات ~~بعد شهرين محبوسا. وكان ابتداء أمره أنه كان خياطأن ثم جمع جمعا من الرعاع ~~وأهل الفساد، فقطع الطريق بمفازة سرخس مدة، ثم استأمن إلى رافع بن هرثمة، ~~وبقي معه إلى أن انهزم عمروالصفار، فاستأمن إلى إسماعيل بن أحمد الساماني، ~~صاحب ما وراء النهر، بعد قتل رافع، فسيره إسماعيل إلى قتال محمد بن زيد، ~~على ما تقدم ذكره، وقد ذكره الخوافي في شعره فقال: ms2662 كان ابن هارون خياطا له ~~إبر ... وراية سامها عشرا بقيراط فانسل في الأرض يبغي الملك في عصب ... زط ~~ونوب وأكراد وأنباط أنى ينال الثريا كف ملتزق ... بالترب عن ذروة العلياء ~~هباط صبرا أميرك إسماعيل منتقم ... منه ومن كل غدار وخياط رأيت عيرا سما ~~جهلا على أسد ... يا عين ويحك ما أشقاك من شاطي ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيهأن في ربيع الآخر، خلع على أبي العشائر أحمد بن نصر وولي طرسوس، ~~وعزل عنها مظفر بن حاج لشكوى أهل الثغور منه. وفيها قوطع طاهر بن محمد بن ~~عمروبن الليث على مال يحمله عن بلاد فارس، وعقد له المكتفي عليها. وفيهأن ~~في جمادى الأولى، هرب القائد أبوسعيد الخوارزمي الذي استأمن إلى الخليفة، ~~وأخذ نحوطريق الموصل، فكتب إلى عبد الله المعروف بغلام نون بتكريت، ~~وهويتولى تلك النواحي، فعارضه عبد الله، واجتمع به، فخدعه أبوسعيد وقتله، ~~وسار نحوشهرزور، واجتمع هووابن الربيع الكردي على عصيان الخليفة. وفيها ~~أراد المكتفي البناء بسامرأن وخرج إليها ومعه الصناع، فقدروا له ما يحتاج، ~~وكان مالا جليلأن وطولوا له مدة الفراغ، فعظم الوزير ذلك عليه، وصرفه إلى ~~بغداد. وحج بالناس هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الواحد ين عبد الله ~~بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. وفيها توفي ~~محمد بن علي بن علوية بن عبد الله الفقيه الشافعي الجرجاني، وكان قد تفقه ~~على المزني صاحب الشافعي؛ وتوفي عبد الله بن أحمد بن حنبل في جمادى الآخرة، ~~وكان مولده سنة ثلاث عشرة ومائتين. ### | AUT حوادث سنة إحدى وتسعين ومائيتن # ### || AUT ذكر أخبار القرامطة وقتل صاحب الشامة # قد ذكرنا مسير المكتفي إلى الرقة، وإرساله الجيوش إلى صاحب الشامة، ~~وتولية حرب صاحب الشامة محمد بن سليمان الكاتب، فلما كانت هذه السنة أمر ~~محمد بن سليمان بمناهضة صاحب الشامة، فسار إليه في عساكر الخليفة، حتى لقوه ~~وأصحابه بمكان بينهم وبين حماة اثنا عشر ميلا لست خلون من المحرم، فقدم ~~القرمطي أصحابه إليهم، وبقي في جماعة ms2663 من أصحابه، معه مال كان جمعه، وسواد ~~عسكره والتحمت الحرب بين أصحاب الخليفة والقرامطة، واشتدت، وانهزمت ~~القرامطة وقتلوا كل قتلة وأسر من رجالهم بشر كثير، وتفرق الباقون في ~~البوادي، وتبعهم أصحاب الخليفة. PageV03P0364 # فلما رأى صاحب الشامة ما نزل بأصحابه حمل أخا له يكنى أبا الفضل مالأن ~~وأمره أن يلحق بالبوادي إلى أن يظهر بمكان فيسير إليه، وركب هووابن عمه ~~المسمى بالمدثر، والمطوق صاحبه، وغلام له رومي، واخذ دليلا وسار يريد ~~الكوفة عرضا في البرية، فانتهى إلى الدالية من أعمال الفرات وقد نفد ما ~~معهم من الزاد والعلف، فوجه بعض أصحابه إلى الدالية المعروفة بابن طوق ~~ليشتري لهم ما يحتاجون إليه، فأنكروا رأيه، فسألوه عن حاله فكتمه، فرفعوه ~~إلى متولي تلك الناحية خليفة أحمد بن محمد بن كشمرد، فسأله عن خبره، فأعلمه ~~أن صاحب الشامة خلف رابية هناك مع ثلاثة نفر، فمضى إليهم وأخذهم، وأحضرهم ~~عند ابن كشمرد، فوجه بهم إلى المكتفي بالرقة، ورجعت الجيوش من الطلب بعد أن ~~قتلوا وأسروأن وكان أكثر الأنس أثرا في الحرب الحسين بن حمدان، وكتب محمد ~~بن سليمان يثني عليه وعلى بني شيبان، فإنهم اصطلحوا الحرب، وهزموا ~~القرامطة، واكثروا القتل فيهم والأسر، حتى لم ينج منهم إلا قليل. وفي يوم ~~الاثنين لأربع بقين من المحرم أدخل صاحب الشامة الرقة ظاهرا على فالج ~~وهوالجمل ذوالسنامين وبين يديه المدثر والمطوق؛ وسار المكتفي إلى بغداد ~~ومعه صاحب الشامة وأصحابه، وخلف العساكر مع محمد بن سليمان، وأدخل القرمطي ~~بغداد على فيل، وأصحابه على الجمل، ثم أمر المكتفي بحبسهم إلى أن يقدم محمد ~~بن سليمان، فقدم بغداد، وقد استقصى في طلب القرامطة، فظفر بجماعة من ~~أعيانهم ورؤوسهم، فأمر المكتفي بقطع أيديهم وأرجلهم، وضرب أعناقهم بعد ذلك، ~~واخرجوا من الحبس، وفعل بهم ذلك، وضرب صاحب الشامة مائتي سوط، وقطعت يداه، ~~وكوي، فغشي عليه، وأخذوا خشبا وجعلوا فيه نارأن ووضعوه على خواصره، فجعل ~~يفتح عينه ويغمضهأن فلما خافوا موته ضربوا عنقه، ورفعوا رأسه على خشبة، ~~فكبر الناس لذلك، ونصب على الجسر. وفيها ms2664 قدم رجل من بني العليص من وجوه ~~القرامط، يسمى إسماعيل ابن النعمان، وكان نجا في جماعة لم ينج من رؤسائهم ~~غيره، فكاتبه المكتفي وبذل له الأمان، فحضر في الأمان هوونيف ومائة وستون ~~نفسأن فأمنوا واحسن إليهم ووصلوا بمال، وصاروا إلى رحبة مالك بن طوق مع ~~القاسم بن سيمأن وهي من عمله، فأقاموا معه مدة، ثم أرادوا الغدر بالقاسم، ~~وعزموا على أن يثبوا بالرحبة يوم الفطر عند اشتغال الناس بالصلاة، وكان قد ~~صار معهم جماعة كبيرة، فعلم بذلك، فقتلهم، فارتدع من كان بقي من موالي بني ~~العيص، وذلوأن وألزموا السماوة، حتى جاءهم كتاب من الخبيث زكرويه يعلمهم ~~أنه مما أوحي إليه أن صاحب الشامة وأخاه المعروف بالشيخ يقتلان، وأن إمامه ~~الذي هوحي يظهر بعدهما ويظفر. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها جاءت أخبار أن حوى وما يليها جاءها سيل فغرق نحومن ثلاثين فرسخأن ~~وغرق خلق كثير، وغرقت المواشي والغلات وخربت القرى، واخرج من الغرقى ألف ~~ومائتا نفس، سوى من لم يلحق منهم. وفيها خلع المكتفي على محمد بن سليمان، ~~كاتب الجيش، وعلى جماعة من القواد، وأمرهم بالمسير إلى الشام ومصر لأخذ ~~الأعمال من هارون بن خمارويه، لما ظهر من عجزه، وذهاب رجاله بقتل القرمطي، ~~فسار عن بغداد في رجب وهوفي عشرة آلاف رجل، وجد في السير. وفيها خرجت الترك ~~في خلق كثير لا يحصون إلى ما وراء النهر، وكان في عسكرهم سبع مائة قبة ~~تركية، ولا يكون إلا للرؤساء منهم، فوجه إليهم إسماعيل بن احمد جيشا كثيرأن ~~وتبعهم من المتطوعة خلق كثير، فساروا نحوالترك، فوصلوا إليهم وهم غارون، ~~فكبسهم المسلمون مع الصبح، فقتلوا منهم خلقا عظيما لا يحصون، وانهزم ~~الباقون، واستبيح عسكرهم، وعاد المسلمون سالمين غامنين. وفيها خرج من الروم ~~عشرة صلبان مع كل صليب عشرة آلاف إلى الثغور، فقصد جماعة منهم إلى الحدث ~~فأغاروا وسبوا واحرقوا. وفيها سار المعروف بغلام زرافة من طرسوس نحوبالد ~~الروم، ففتح مدينة أنطاكية، وهي تعادل القسطنطينية، فتحها بالسيف عنوة، ~~فقتل خمسة آلاف رجل، وأسر مثلهم، واستنقذ ms2665 من الأسارى خمسة آلاف، وأخذ لهم ~~ستين مركبا فحمل فيها ما غمن لهم من الأموال والمتاع والرقيق، وقدر نصيب كل ~~رجل ألف دينار، وهذه المدينة على ساحل البحر، فاستبشر المسلمون بذلك. وحج ~~بالناس الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس. PageV03P0365 # وفيها توفي القاسم بن عبيد الله، وزير الخليفة، في ذي القعدة، وكان عمره ~~اثنتين وثلاثين سنة وسبعة أشهر واثنين وعشرين يوما، ولما مات قال ابن سيار: ~~أمات ليحيأن فما إن حيي، ... وأفنى ليبقى، فما إن بقي ومازال في كل يوم يرى ~~... أمارة حتف وشيك وحي وما زال يسلح من دبره ... إلى أن خزي النفس فيما ~~خري وفيها مات أبوعبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد ين عبد الرحمن ~~الماستواي الفقيه بنيسابور، ومحمد بن الجزوعي، قاضي الموصل ببغداد. وفيها ~~توفي أبوالعباس أحمد بن يحيى الشيباني النحوي، وكان عالما بنحوالكوفيين، ~~وكان موته ببغداد. ### | AUT حوادث سنة اثنتين وتسعين ومائتين # ### || AUT ذكر استيلاء المكتفي على الشام ومصر # ### || AUT وانقراض ملك الطولونية # وفي المحرم منها سار محمد بن سليمان إلى حدود مصر لحرب هارون بن خمارويه ~~بن أحمد بن طولون. وسبب ذلك أن محمد بن سليمان لما تخلف عن المكتفي، وعاد ~~عن محاربة القرامطة، واستقصى محمد في طلبهم، فلما بلغ ما أراد عزم على ~~العود إلى العراق، فأتاه كتاب بدر الحمامي غلام ابن طولون، وكتاب فائق، ~~وهما بدمشق، يدعوانه إلى قصد البلاد بالعساكر بساعداه على أخذهأن فلما عاد ~~إلى بغداد أنهى ذلك إلى المكتفي، فأمره بالعود، وسير معه الجنود، والأموال، ~~ووجه المكتفي دميانة غلام بازمار، وأمره بركوب البحر إلى مصر، ودخول النيل، ~~وقطع المواد عن مصر، ففعل، وضيق عليهم. وزحف إليهم محمد بن سليمان في ~~الجوش، في البر، حتى دنا من مصر وكاتب من بها من القواد، وكان أول من خرج ~~إليه بدر الحمامي، وكان رئيسهم، فكسرهم ذلك، وتتابعه المستأمنة من قواد ~~المصريين، فلما رأى ذلك هارون، في بعض الأيام، عصبية، فاقتتلوأن فخرج هارون ~~يسكنهم، فرماه بعض المغاربة بمرزاق معه فقتله، فلما ms2666 قتل قام عمه شيبان ~~بالأمر من بعده، وبذل المال للجند، فأطلقوه وقاتلوا معه، فأتتهم كتب بدر ~~يدعوهم إلى الأمان، فأجابوه إلى ذلك. فلما علم محمد ين سليمان الخبر سار ~~إلى مصر، فأرسل إليه شيبان يطلب الأمان، فأجابه، فخرج إليه ليلا، ولم يعلم ~~به أحد من الجند، فلما أصبحوا قصدوا داره ولم يجدوه، فبقوا حيارى، ولما وصل ~~محمد مصر دخلهأن واستولى على دور طولون وأموالهم، وأخذهم جميعأن وهم بضعة ~~عشر رجلأن فقيدهم، وحبسهم واستقصى أموالهم، وكان ذلك في صفر، وكتب بالفتح ~~إلى المكتفي، فأمره بإشخاص آل طولون وأسبابهم من مصر والشام إلى بغداد، ولا ~~يترك منهم أحدأن ففعل ذلك، وعاد إلى بغداد، وولى معونة مصر عيسى النوشري. ~~ثم ظهر بمصر إنسان يعرف بالخلنجي، وهومن قوادهم، وكان تخلف عن محمد بن ~~سليمان، فاستمال جماعة، وخالف على السلطان، وكثر جمعه وعجز النوشري عنه، ~~فسار إلى الإسكندرية، ودخل إبراهيم الخلنجي مصر، وكتب النوشري إلى المكتفي ~~بالخبر، فسير إليه الجنود مع فاتك، مولى المعتضد، وبدر الحمامي، فساروا في ~~شوال نحومصر. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها أخذ بالبصرة رجل ذكروا أنه أراد الخروج، وأخذ معه ولده وتسعة ~~وثلاثون رجلأن وحملوا إلى بغداد، فكانوا يبكون، ويستغيثون، ويحلفون انهم ~~برآء، فأمر بهم المكتفي فحبسوا. وفيها أغار أندرونقس الرومي على مرعش ~~ونواحيهأن فنفر أهل المصيصة وأهل طرسوس فأصيب أبوالرجال بن أبي بكار في ~~جماعة من المسلمين، فعزل الخليفة أبا العشائر عن الثغور، واستعمل عليهم ~~رستم بن بردوا. وفيها كان الفداء على ي رستم، فكان جملة من فودي به من ~~المسلمين ألف نفس ومائتي نفس. وحج بالناس الفضل بن عبد الملك بن عبد الله ~~بن عباس بن محمد. وفيها زادت دجلة زيادة مفرطة، حتى تهدمت الدور التي على ~~شاطئها بالعراق. وفيهأن في العشرين من أيار، طلع كوكب له ذنب عظيم جدا في ~~برج الجوزاء. وفيها وقع الحريق ببغداد بباب الطاق من الجانب الشرقي إلى طرق ~~الصفارين، فاحترق ألف دكان مملوءة متاعا للتجار. وفيها توفي أبومسلم ~~إبراهيم بن عبد الله الكجي، ms2667 ويقال الكشي. وفيها توفي القاضي عبد الحميد بن ~~عبد العزيز أبوحازم، قاضي المعتضد بالله، ببغداد، وكان من أفاضل القضاة. ### | AUT حوادث سنة ثلاث وتسعين ومائتين # ### || AUT ذكر أول إمارة بني حمدان بالموصل # ### || AUT وما فعلوه بالأكراد # PageV03P0366 # في هذه السنة ولى المكتفي بالله الموصل وأعمالها أبا الهيجاء عبد الله بن ~~حمدان بن حمدون التغلبي العدوي، فسار إليهأن فقدمها أول المحرم، فأقام بها ~~يومه، وخرج من الغد لعرض الرجال الذين قدموا معه، والذين بالموصل، فأتاه ~~الصريخ من نينوى بأن الأكراد الهذبانية، ومقدمهم محمد بن بلال، قد أغاروا ~~على البلد، وغمنوا كثيرا منه، فسار من وقته وعبر الجسر إلى الجانب الشرقي، ~~فلحق الأكراد بالمعروبة على الخازر، فقاتلوه، فقتل رجل من أصحابه اسمه سيما ~~الحمداني، فعاد عنهم، وكتب إلى الخليفة يستدعي النجدة، فأتته النجدة بعد ~~شهور كثيرة، وقد انقضت سنة ثلاث وتسعين ودخلت سنة أربع وتسعين. ففي ربيع ~~الأول منها سار فيمن معه إلى الهدباينة، وكانوا قد اجتمعوا في خمسة آلاف ~~بيت، فلما رأوا جدة في طلبهم ساروا إلى البابة التي في جبل السلق، وهومضيق ~~في جبل عال مشرف على شهرزور، فامتنعوا وغار مقدمهم محمد بن بلال، وقرب من ~~ابن حمدان، وراسله في أن يطيعه، ويحضر هووأولاده، ويجعلهم عنده يكونون ~~رهينة، ويتركون الفساد، فقبل ابن حمدان ذلك، فرجع محمد ليأتي بمن ذكر، فحث ~~أصحابه على المسير نحوأذربيجان، وغمنا أراد في الذي فعله مع ابن حمدان أن ~~يترك الجد في الطلب ليأخذ أصحابه أهبتهم ويسيروا آمنين. فلما تأخر عود محمد ~~عن ابن حمدان علم مراده، فجرد معه جماعة من جملتهم إخوته سليمان، وداود، ~~وسعيد، وغيرهم ممن يثق به وبشجاعته، وأمر النجدة التي جاءته من الخليفة أن ~~يسيروا معه، فتثبطوأن فتركهم وسار يقفوا أثرهم، فلحقهم وقد تعلقوا بالجبل ~~المعروف بالقنديل، فقتل منهم جماعة، وصعدوا ذروة الجبل، وانصرف ابن حمدان ~~عنهم، ولحق الأكراد بأذربيجان، وأنهى ابن حمدان ما كان من حالهم إلى ~~الخليفة والوزير فأنجدوه بجماعة صالحة وعاد إلى الموصل فجمع رجاله وسار إلى ~~جبل السلق، وفيه ms2668 محمد بن بلال ومعه الأكراد، فدخله ابن حمدان، والجواسيس ~~بين يديه، خوفا من كمين يكون فيه، وتقدم من بين يدي أصحابه، وهم يتبعونه، ~~فلم يتخلف منهم أحد، وجاوزوا الجبل، وقاربوا الأكراد، وسقط عليهم الثلج، ~~واشتد البرد، وقلت الميرة والعلف عندهم، وأقام على ذلك عشرة أيام، وبلغ ~~الحمل التبن ثلاثين درهمأن ثم عدم عندهم وهوصابر. فلما رأى الأكراد صبرهم ~~وأنهم لا حيلة لهم في دفعهم لجأ محمد بن بلال وأولاده ومن لحق به، واستولى ~~ابن حمدان على بيوتهم، وسوادهم، وأهلهم، وأموالهم، وطلبوا الأمان فأمنهم، ~~وأبقى عليهم، وردهم إلى بلد حزة، وورد عليهم أموالهم وأهليهم، ولم يقتل ~~منهم غير رجل واحد، وهوالذي قتل صاحبه سيما الحمداني، وأمنت البلاد معه، ~~واحسن السيرة في أهلها. ثم إن محمد بن بلال طلب الأمان من ابن حمدان فأمنه ~~وحضر عنده، وأقام بالموصل وتتابع الأكراد الحميدية، وأهل جبل داسن إليه ~~بالأمان، فأمنت البلاد واستقامت. ### || AUT ذكر الظفر بالخلنجي # في هذه السنة، في صفر، وصل عسكر المكتفي إلى نواحي مصر، وتقدم أحمد بن ~~كيغلغ في جماعة من القواد، فلقيهم الخلنجي بالقرب من العريش، فهزمهم أقبح ~~هزيمة، فندب جماعة من القواد إليهم ببغداد، وفيهم إبراهيم بن كيغلغ، فخرجوا ~~في ربيع الأول وساروا نحومصر. واتصلت الأخبار بقوة الخلنجي، فبرز المكتفي ~~إلى باب الشماسية ليسير إلى مصر في رجب، فوصل إليه كتاب فاتك في شعبان يذكر ~~أنه والقواد رجعوا إلى الخلنجي، وكانت بينهم حروب كثيرة قتل بينهم فيها خلق ~~كثير، فإن آخر حرب كانت بينهم قتل فيها معظم أصحاب الخلنجي، وانهزم ~~الباقون، وظفروا بهم، وغمنوا عسكرهم، وهرب الخلنجي، فدخل فسطاط مصر، فاستتر ~~بها عند رجل من أهل البلد، فدخلنا المدينة، فدلونا عليه، فأخذناه ومن استتر ~~عنده، وهم في الحبس. فكتب المكتفي إلى فاتك في حمل الخلنجي ومن معه إلى ~~بغداد، وعاد المكتفي بغداد، وأمر برد خزائنه، وكانت قد بلغت تكريت، فوجه ~~فاتك الخلنجي إلى بغداد، فدخلها هوومن معه في شهر رمضان، فأمر المكتفي بحبسهم. ### || AUT ذكر أمر القرامطة # PageV03P0367 # فيها انفذ زكروية ms2669 بن مهرويه، بعد قتل صاحب الشامة، رجلا كان يعلم الصبيان ~~بالرافوفة من الفلوجة يسمى عبد الله بن سعيد، ويكنى أبا غامن، فسمي نصرأن ~~وقيل كان المنفذ ابن زكرويه، فدار على أحياء العرب من كلب وغيرهم يدعوهم ~~إلى رأيه، فلم يقبله منهم أحد، إلا رجلا من بني زياد يسمى مقدام بن الكيال، ~~واستقوى بطوائف من الأصبغيين المنتمين إلى الفواطم، وغيرهم من العليصيين، ~~وصعاليك من سائر بطون كلب، وقصد ناحية الشام، والعامل بدمشق والأردن احمد ~~بن كيغلغ، وهوبمصر يحارب الخلنجي، فاغتمن ذلك عبد الله بن سعيد، وسار إلى ~~بصرى وأذرعات والبثينة، فحارب أهلهأن ثم أمنهم، فلما استسلموا إليه قتل ~~مقاتليهم، وسبى ذراريهم واخذ أموالهم. ثم قصد دمشق، فخرج إليهم نائب ابن ~~كيغلغ، وهوصالح بن الفضل، فهزمه القرامطة، وأثخنوا فيهم، ثم أمنوهم وغدروهم ~~بالأمان، وقتلوا صالحأن وفضوا عسكره، وساروا إلى دمشق، فمنعهم أهلهأن ~~فقصدوا طبرية، وانضاف إليه جماعة من جند دمشق افتتنوا به، فواقعهم يوسف بن ~~إبراهيم بن بغامردي، وهوخليفة أحمد بن كيغلغ بالأردن، فهزموه، وبذلوا له ~~الأمان، وغدروا به، وقتلوه، ونهبوا طبرية، وقتلوا خلقا كثيرا من أهلها ~~وسبوا النساء. فأنفذ الخليفة الحسين بن حمدان وجماعة من القواد في طلبهم، ~~فوردوا دمشق، فلما علم بهم القرامطة رجعوا نحوالسماوة، وتبعهم الحسين في ~~السماوة وهم ينتقلون في المياه ويغورونهأن حتى لجؤوا إلى ماءين يعرف أحدهما ~~بالدمعانة، والآخر بالحبالة، وانقطع ابن حمدان عنهم لعدم الماء، وعاد إلى ~~الرحبة، وأسرى القرامطة مع نصر إلى هيت وأهلها غافلون، فنهبوا ربضهأن ~~وامتنع أهل المدينة بسورهم، ونهبوا السفن، وقتلوا من أهل المدينة مائتي ~~نفس، ونهبوا الأموال والمتاع، وأوقروا ثلاثة آلاف راحلة من الحنطة. وبلغ ~~الخبر إلى المكتفي فسير محمد بن إسحاق بن كنداج، فلم يقيموا لمحمد، ورجعوا ~~إلى الماءين فنهض محمد خلفهم، فوجدهم قد غوروا المياه، فأنفذ إليه من بغداد ~~الأزواد والدواب، وكتب إلى ابن حمدان بالمسير إليهم من جهة الرحبة ليجتمع ~~هوومحمد على الإيقاع بهم، ففعل ذلك. فلما أحس الكبيون بإقبال الجيش إليهم ~~وثبوا بنصر فقتلوه، قتله رجل منهم ms2670 يقال له الذئب ابن القائم، وسار برأسه ~~إلى المكتفي متقربا بذلك، مستأمنأن فأجيب إلى ذلك، وأجيز بجائزة سنية، وأمر ~~بالكف عن قومه. واقتتلت القرامطة بعد نصر حتى صارت بينهم الدماء، وسارت ~~فرقة كرهت أمورهم إلى بني أسد بنواحي عين التمر، واعتذروا إلى الخليفة، ~~فقبل عذرهم، وبقي على المائين بقيتهم ممن له بصيرة في دينه، فكتب الخليفة ~~إلى ابن حمدان يأمره بمعاودتهم، واجتثاث أصلهم، فأرسل إليهم زكرويه ابن ~~مهرويه داعية له يسمى القاسم بن أحمد، ويعرف بأبي محمد، وأعلمهم أن فعل ~~الذئب قد نفره منهم، وأنهم قد ارتدوا عن الدين وأن وقت ظهورهم قد حضر، وقد ~~بايع له من أهل الكوفة أربعون ألفأن وأن يوم موعدهم الذي ذكره الله في شأن ~~موسى، صلى الله عليه وسلم، وعدوه فرعون إذ (قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر ~~الناس ضحى) طه: 59، ويأمرهم أن يخفوا أمرهم، وأن يسيروا حتى يصبحوا الكوفة ~~يوم النحر سنة ثلاث وتسعين ومائتين، فإنهم لا يمنعون منهأن وأنه يظهر لهم، ~~وينجز لهم وعده الذي يعدهم إياه، وأن يحملوا إليه القاسم بن احمد. فامتثلوا ~~رأيه، ووافوا باب الكوفة وقد انصرف عن مصلاهم، وعاملهم إسحاق بن عمران، ~~ووصلوها في ثماني مائة فارس عليهم الدروع، والجواشن، والآلات الحسنة، وقد ~~ضربوا على القاسم بن أحمد قبة، وقالوا هذا أثر رسول الله. ونادوا: يا ~~لثارات الحسين، يعنون الحسين بن زكرويه المصلوب ببغداد، وشعارهم: يا أحمد، ~~يا محمد، يعنون ابني زكرويه المقتولين، فأظهروا الأعلام البيض، وأرادوا ~~استمالة رعاع الناس بالكوفة بذلك، فلم يمل إليهم أحد، فأوقع القرامطة من ~~أهل الكوفة، وقتلوا نحوامن عشرين نفسا. وبادر الناس الكوفة، وأخذوا السلاح، ~~ونهض بهم إسحاق، ودخل مدينة الكوفة القرامطة مائة فارس، فقتل منهم عشرون ~~نفسأن وأخرجوا عنهأن وظهر إسحاق، وحاربهم إلى العصر، ثم انصرفوا ~~نحوالقادسية، وكان فيمن يقاتلهم مع إسحاق جماعة من الطالبية. PageV03P0368 # وكتب إسحاق إلى الخليفة يستمده، فأمده بجماعة من قواده، منهم: وصيف بن ~~صوارتكين التركي، والفضل بن موسى بن بغأن وبشر الخادم الأفشيني، ورائق ~~الحري، مولى أمير المؤمنين، ms2671 وغيرهم من الغلمان الحجرية، فساروا منتصف ذي ~~الحجة حتى قاربوا القادسية فنزلوا بالصوان، فلقيهم زكرويه. وأما القرامطة ~~فإنهم أنفذوا واستخرجوا زكرويه من جب في الأرض كان منقطعا فيه سنين كثيرة، ~~بقرية الدرية، وكان على الجب باب حديد محكم العمل، وكان زكرويه إذا خاف ~~الطلب جعل تنورا هناك على باب الجب، وقامت امرأة تسجره، فلا يفطن إليه، ~~وكان ربما أخفي في بيت خلف باب الدار التي كان بها ساكنأن فإذا انفتح باب ~~الدار انطبق على باب البيت، فيدخل الداخل الدار فلا يرى شيئأن فلما ~~استخرجوه حملوه على أيديهم، وسموه ولي الله، ولما رأوه سجدوا له، وحضر معه ~~جماعة من دعاته وخاصته، وأعلمهم أن القاسم بن أحمد من أعظم الناس عليهم ذمة ~~ومنة، وأنه ردهم إلى الدين بعد خروجهم عنه، وأنهم إن امتثلوا أوامره أنجز ~~موعدهم وبلغوا آمالهم، ورمز لهم رموزا ذكر فيها آيات من القرآن نقلها عن ~~الوجه الذي أنزلت فيه، فاعترف له من رسخ حب الكفر في قلبه أنه رئيسهم ~~وكهفهم، وأيقنوا بالنصر وبلوغ الأمل. وسار بهم وهومحجوب يدعونه ولا ~~يبرزونه، والقاسم يتولى الأمور، وأعلمهم أن أهل السواد قاطبة خارجون إليه، ~~فأقام بسقي الفرات عدة أيام، فلم يصل إليه منهم إلا خمس مائة رجل، ثم وافته ~~الجنود المذكورة من عند الخليفة، فلقيهم زكرويه بالصوان، وقالتهم واشتدت ~~الحرب بينهم، وكانت الهزيمة أول النهار على القرامطة، وكان زكرويه قد كمن ~~لهم كمينا من خلفهم، فلم يشعر أصحاب الخليفة إلا والسيف فيهم من ورائهم، ~~فانهزموا أقبح هزيمة، ووضع القرامطة السيف فيهم، فقتلوهم كيف شاءوأن وغمنوا ~~سوادهم، ولم يسلم من أصحاب الخليفة إلا من دابته قوية، أومن أثخن بالجراح، ~~فوضع نفسه بين القتلى، فتحاملوا بعد ذلك، وأخذ للخليفة في هذا العسكر أكثر ~~من ثلاثمائة جمازة عليها المال والسلاح، وخمس مائة بغل، وقتل من أصحاب ~~الخليفة، سوى الغلمان ألف وخمس مائة رجل، وقوي القرامطة بما غمنوا. ولما ~~ورد خبر هذه الوقعة إلى بغداد أعظمها الخلفة والناس، وندب إلى القرامطة ~~محمد بن إسحاق بن كنداج، وضم ms2672 إليه من الأعراب بني شيبان وغيرهم أكثر من ~~ألفي رجل، وأعطاهم الأرزاق، ورحل زكرويه من مكانه إلى نهر المثنية لنتن القتلى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيهأن في ربيع الآخر، قدم إلى بغداد قائد من أصحاب طاهر بن محمد ابن ~~عمروبن الليث مستأمنأن ويعرف بأبي قابوس. وسبب ذلك أن طاهرا تشاغل باللهو ~~والصيد، ومضى إلى سجستان للصيد والتنزه، فغلب على الأمر بفارس الليث بن علي ~~بن الليث، وسبكرى مولى عمروبن الليث، فوقع بينهما وبين هذا القائد تباعد، ~~ففارقهم، ووصل إلى بغداد، فخلع عليه الخليفة وأحسن إليه، فكتب طاهر بن محمد ~~يسأل رد أبي قابوس، ويذكر أنه جبى المال وأخذه، ويقول له: إما أن ترد إليه، ~~أوتحتسب له بما ذهب معه من المال من جملة القرار الذي عليه، لم يجبه ~~الخليفة إلى ذلك. وفيها صارت الداعية التي للقرامطة باليمن إلى مدينة ~~صنعاء، فحاربه أهلهأن فظفر بهم وقتلهم، فلم يفلت إلا اليسير، وتغلب على ~~سائر مدن اليمن، ثم اجتمع أهل صنعاء وغيرهأن فحاربوا الداعية، فهزموه، ~~فانحاز إلى موضع من نواحي اليمن، وبلغ الخبر الخليفة، فخلع على المظفر بن ~~حاج في شوال، وسيره إلى عمله باليمن، وأقام بها إلى أن مات. وفيها أغارت ~~الروم على قورس، من أعمال حلب، فقاتلهم أهلها قتالا شديدأن ثم انهزموأن ~~وقتلوا أكثرهم، وقتلوا رؤساء بني تميم، ودخل الروم قورس فأحرقوا جامعهأن ~~وساقوا من بقي من أهلها. وفيها فتح إسماعيل بن أحمد الساماني، ملك ما وراء ~~النهر، مواضع من بلاد الترك ومن بلاد الديلم؛ وحج بالناس محمد بن عبد الملك ~~الهاشمي. وفيها توفي نصر بن احمد الحافظ في رمضان، وأبوالعباس عبد الله بن ~~محمد الناشي الشاعر الكاتب الأنباري. ### | AUT حوادث سنة أربع وتسعين ومائتين # ### || AUT ذكر أخبار القرامطة وأخذهم الحاج # PageV03P0369 # في هذه السنة، في المحرم، أرتحل زكرويه من نهر المثنية يريد الحاج، فبلغ ~~السلمان، وأقام ينتظرهم، فبلغت القافلة الأولى واقصة سابع المحرم، فأنذرهم ~~أهلها وأخبروهم بقرب القرامطة، فارتحلوا لساعتهم. وسار القرامطة إلى واقصة، ~~فسألوا أهلها عن الحاج، فأخبروهم أنهم ساروأن ms2673 فاتهمهم زكرويه، فقتل ~~العلافة، وأحرق العلف، وتحصن أهل واقصة في حصنهم، فحصرهم أياما ثم ارتحل ~~عنهم نحوزبالة، وأغار في طريقه على جماعة من بني أسد. ووصلت العساكر ~~المنفذة من بغداد إلى عيون الطف، فبلغهم مسير زكرويه من السلمان، فانصرفوأن ~~وسار علان بن كشمرد جريدة، فنزل واقصة بعد أن جازت القافلة الأولى، ولقي ~~زكرويه القرمطي قافلة الخراسانية بعقبة الشيطان راجعين من مكة، فحاربهم ~~حربا شديدة، فلما رأى شدة حربهم سألهم: هل فيكم نائب للسلطان؟ فقالوا: ما ~~معنا أحد. قال: فلست أريدكم؛ فاطمأنوا وساروأن فلما ساروا أوقع بهم، وقتلهم ~~عن آخرهم، ولم ينج إلا الشريد، وسبوا من الناس ما أرادوأن وقتلوا منهم. ~~ولقي بعض المنهزمين علان بن كشمرد، فأخبروه خبرهم، وقالوا له: ما بينك ~~وبينهم إلا القليل، ولورأوك لقوزويت نفوسهم، فالله الله فيهم! فقال: لا ~~أعرض أصحاب السلطان للقتل. ورجع هووأصحابه. وكتب من نجا من الحجاج من هذه ~~القافلة الثانية إلى رؤساء القافلة الثالثة من الحجاج يعلمونهم ما جرى من ~~القرامطة، ويأمرونهم بالتحذر، والعدول عن الجادة نحوواسط والبصرة، والرجوع ~~إلى فيد والمدينة إلى أن تأتيهم جيوش السلطان، فلم يسمعوأن ولم يقيموا. ~~وسارت القرامطة من العقبة بعد اخذ الحاج، وقد طموا الآبار والبرك بالجيف، ~~والأراب، والحجارة، بواقصة، والثعلبية، والعقبة، وغيرها من المناهل في جميع ~~طريقهم، وأقام بالهيبر ينتظر القافلة الثالثة، فساروا فصادفوه هناك، ~~فقاتلهم زكرويه ثلاثة أيام، وهم على غير ماء، فاستسلموا لشدة العطش، فوضع ~~فيهم السيف وقتلهم عن آخرهم، وجمع القتلى كالتل، وأرسل خلف المنهزمين من ~~يبذل لهم الأمان، فلما رجعوا قتلهم، وأن في القتلى مبارك القمي، وولده ~~أبوالعشائر بن حمدان. وكان نساء القرامطة يطفن بالماء بين القتلى يعرضن ~~عليهم الماء، فمن كلمهن قتلنه، فقيل إن عدة القتلى بلغت عشرين ألفأن ولم ~~ينج إلا من كان بين القتلى فلم يفطن له فنجا بعد ذلك، ومن هرب عند اشتغال ~~القرامطة بالقتل والنهب، فكان من مات من هؤلاء أكثر ممن سلم ومن استعبدوه، ~~وكان مبلغ ما أخذوه من هذه القافلة ألفي ألف دينار. وكان ms2674 في جملة ما أخذوا ~~فيها أموال الطولونية وأسبابهم، فإنهم لما عزموا على الانتقال من مصر إلى ~~بغداد خافوا أن يستصحبوها فتؤخذ منهم، فعملوا الذهب والنقرة سبائك، وجعلوها ~~في حدائج الجمال، وجميع ما لهم من الحلي والجوهر، وسيروا الجميع إلى مكة ~~سرأن وسار من مكة في هذه القافلة فأخذت. وبث زكرويه الطلائع خوفا من عسكر ~~الذي كان بالقادسية، وأقام ينتظر وصول من كان في الحج من عسكر الخليفة ~~وأصحابه، فكانوا بفيد ينتظرون هل تعرض القرامطة لحاج أم لأن فكان معهم ~~جماعة من التجار أرباب الأموال، فلما بلغهم ما صنع القرامطة أقاموا ينتظرون ~~وصول عسكر من عند الخليفة، فسار زكرويه إليهم، وغور الآبار، والمصانع، ~~والمياه إلى فيد، فاحتمى أهل فيد ومن بها من الحجاج بالحصنين اللذين بفيد ~~وحصرهم فيهما القرامطة، وأرسل زكرويه إلى أهل فيد يأمرهم بإخراجهم أوبتسليم ~~الحصنين إليه، وبذل لهم الأمان على ذلك، فلم يجيبوه، فتهددهم بالنهب ~~والقتل، فازداد امتناعهم، وأقام عليهم عدة أيام، ثم سار إلى الساج ثم إلى ~~جعفر أبي موسى. ### || AUT ذكر قتل زكرويه لعنه الله # لما فعل زكرويه بالحجاج ما ذكرناه عظم ذلك على الخليفة خاة، وعلى جميع ~~المسلمين عامة، فجهز المكتفي الجيوش، فلما كان أول ربيع الأول سير وصيف بن ~~صوارتكين مع جماعة من القواد والعساكر إلى القرامطة، فساروا على طريق حفان ~~فلقيهم زكرويه، ومن معه من القرامطة، ثامن ربيع الأول، فاقتتلوا يومهم، ثم ~~حجز الليل، وباتوا يتحارسون، ثم بكروا إلى القتال، فاقتتلوا قتالا شديدأن ~~فقتل من القرامطة مقتلة عظيمة. PageV03P0370 # ووصل عسكر الخليفة إلى عدوالله زكرويه، فضربه بعض الجند وهومول بالسيف ~~على رأسه، فبلغت الضربة دماغه، وأخذه أسيرأن وأخذ خليفته وجماعة من خواصه ~~وأقربائه، وفيهم ابنه وكاتبه، وزوجته، واحتوى الجند على ما في العسكر. وعاش ~~زكرويه خمسة أيام ومات، فسيرت جيفته والأسرى إلى بغداد، وانهزم جماعة من ~~أصحابه إلى الشام، فأوقع بهم الحسين بن حمدان، فتلوهم جميعأن وأخذوا جماعة ~~من النساء والصبيان، وحمل رأس زكرويه إلى خراسان، لئلا ينقطع الحجاج، وأخذ ~~الأعراب رجلين من أصحاب ms2675 زكرويه يعرف أحدهما بالحداد، والآخر بالمنتقم، ~~وهوأخوامرأة زكرويه، كانا قد سارا إليهم يدعوانهم إلى الخروج معهم، فلما ~~أخذوهما سيروهما إلى بغداد، وتتبع الخليفة القرامطة بالعراق، فقتل بعضهم، ~~وحبس بعضهم، وما ت بعضهم في الحبس. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا ابن كيغلغ الروم من طرسوس، فأصاب من الروم أربعة آلاف ~~رأس سبي ودواب ومتاعا؛ ودخل بطريق من بطارقة الروم في الأمان واسلم. وفيها ~~غزا ابن كيغلغ فبلغ شكند، وافتتح الله عليه، وسار إلى الليس، فغمنوا نحوا ~~من خمسين ألف رأس، وقتلوا مقتلة عظيمة من الروم، وانصرفوا سالمين. وكاتب ~~أندرونقس البطريق المكتفي بالله يطلب منه الأمان، وكان على حرب أهل الثغور ~~من قبل ملك الروم، فأعطاه المكتفي ما طلب، فخرج ومعه مائتا أسير من ~~المسلمين كانوا في حصنه، وكان ملك الروم قد أرسل لقبض عليه، فأعطى المسلمين ~~سلاحا وخرجوا معه، فقبضوا على الذي أرسله ملك الروم ليقبض عليه ليلأن ~~فقتلوا ممن معه خلقا كثيرأن وغمنوا ما في عسكرهم، فاجتمعت الروم على ~~أندرونقس ليحاربوه، فسار إليهم جمع من المسلمين ليخلصوه ومن معه من أسرى ~~المسلمين، فبلغوا قونية، فبلغ الخبر إلى الروم، فانصرفوا عنه، وسار جماعة ~~من ذلك العسكر إلى أندرونقس، وهوبحصنه، فخرج ومعه أهله إليهم، وسار معهم ~~إلى بغداد، واخرب المسلمون قونية، فأرسل ملك الروم إلى الخليفة المكتفي ~~فطلب الفداء. وفيها ظهر بالشام رجل يدعي أنه السفياني فأخذ وحمل إلى بغداد ~~فقيل إنه موسوس. وفيها كانت وقعة بين الحسين بن حمدان وبين أعراب من بني ~~كلب، وطي، واليمن، وأسد، وغيرهم. وفيها حاصر أعراب طي وصيف بن صوارتكين ~~بفيد، وقد سيره المكتفي أميرا على الموسم، فحصروه ثلاثة أيام، ثم خرج ~~فواقعهم، فقتل منهم قتلى، ثم انهزمت الأعراب ورحل وصيف بمن معه؛ وحج بالناس ~~هذه السنة الفضل بن عبد الله الهاشمي. وفيها توفي صالح بن محمد الحافظ ~~الملقب بجزرة البغدادي، وأبوعبيد الله محمد بن نصر الروزي، الفقيه الشافعي، ~~وكان موته بسمرقند، وله تصتنيف كثيرة. وفيها قتل محمد بن إسحاق بن إبراهيم ~~المعروف ms2676 بابن راهويه بطريق مكة؛ قتله القرامطة حين أخذوا الحاج. ### | AUT حوادث سنة خمس وتسعين ومائتين # ### || AUT ذكر وفاة إسماعيل بن أحمد الساماني # ### || AUT وولاية ابنه أحمد # في هذه السنة، منتصف صفر، توفي إسماعيل بن أحمد أمير خراسان وما وراء ~~النهر، ببخارى، وكان يلقب بعد موته بالماضي، وولي بعده ابنه أبونصر أحمد، ~~وأرسل إليه المكتفي عهده بالولاية، وعقد لواءه بيده. وكان إسماعيل عاقلأن ~~عادلأن حسن السيرة في رعيته، حليما؛ حكي عنه أنه كان لولده أحمد مؤدب ~~يؤدبه، فمر به الأمير إسماعيل يومأن والمؤدي لا يعلم به، فسمعه وهويسب ~~إبنه، ويقول له: لا بارك الله فيك، ولا فيمن ولدك! فدخل إليه، وقال له: يا ~~هذأن نحن لم نذنب ذنبا لتسبنا، فهل ترى أن تعفينا من سبك، وتخص المذنب ~~بشتمك وذمك؟ فارتاع المؤدب، فخرج إسماعيل عنه، وأمر له بصلة جزء لخوفه منه. ~~وقيل: جرى بين يديه ذكر الأنساب والأخشاب فقال لبعض جلسائه: كن عصاميا ولا ~~تكن عظاميا؛ فلم يفهم مراده، فذر له معنى ذلك. PageV03P0371 # وسأل يوما يحيى بن زكرياء النيسابوري فقال له: ما السبب في أن آل معاذ ~~لما زلت دولتهم بقيت عليهم نعمتهم بخراسان، مع سوء سيرتهم وظلمتهم، وأن آل ~~طاهر لما زالت دولتهم عن خراسان زالت معها نعمتهم مع عدلهم، وحسن سيرتهم، ~~ونظرهم لرعيتهم؟ فقال له يحيى: السبب في ذلك أن آل معاذ لما تغير أمرهم كان ~~الذي ولي البلاد بعدهم آل طاهر في عدلهم، وإنصافهم، واستعفافهم عن أموال ~~الناس، ورغبتهم في اصطناع أهل البيوتات، فقدموا آل معاذ وأكرموهم، وأن آل ~~طاهر لما زالت عنهم كان سلطان بلادهم آل الصفار في ظلمتهم، وغشمهم، ~~ومعاداتهم لأهل البيوتات ومناصبتهم لأهل الشرف والنعم، فأتوا عليهم وأزالوا ~~نعمتهم. فقال إسماعيل: لله درك يا يحيى، فقد شفيت صدري! وأمر له لصلة. ولما ~~ولي بعد أخيه كان يكتب أصحابه وأصدقاءه بما كان يكاتبهم أولأن فقيل له في ~~ذلك، فقال: يجب علينأن إذا زادنا الله رفعة، أن لا ننقص إخواننا بل نزيدهم ~~رفعة، وعلى، وجاهأن ليزيدوا لنا إخلاصا ms2677 وشكرا. ولما ولي بعده أبونصر أحمد، ~~واستوثق أمره، أراد الخروج إلى الري، فاشرا عليه إبراهيم بن زيدويه بالخروج ~~إلى سمرقند والقبض على عمه إسحاق ابن أحمد لئلا يخرج عليه ويشغله، ففعل ~~ذلك، واستدعى عمه إلى بخارى، فحضر فاعتقله بهأن ثم عبر إلى خراسان، فلما ~~ورد نيسابور هرب بارس الكبير من جرجان إلى بغداد، خوفا منه. وكان سبب خوفه ~~أن الأمير إسماعيل كان قد استعمل ابنه أحمد على جرجان لما أخذها من محمد بن ~~زيد، ثم عزله عنهأن واستعمل عليها بارس الكبير، على ما ذكرناه، فاجتمع عند ~~بارس أموال جمة من خراج الري، وطبرستان، وجرجان، فبلغت ثمانين وقرأن فحملها ~~إلى إسماعيل، فلما سارت عنه بلغه خبر موت إسماعيل، فردها واخذهأن فلما سار ~~إليه أحمد خافه، وكتب إلى المكتفي يستأذنه في المصير إليه، فأذن له في ذلك، ~~فسار إليه في رابعة آلاف فارس، فأرسل أحمد خلفه عسكرأن فلم يدركوه، واجتاز ~~الري، فتحصن بها نائب أحمد بن إسماعيل، فسار إلى بغداد، فوصلها وقد مات ~~المكتفي، وولي المقتدر بعده، فأعجبه المقتدر. وكان وصوله بعد حادثة ابن ~~المعتز، فسيره المقتدر في عسكره إلى بني حمدان، وولاه ديار ربيعة، فخافه ~~أصحاب الخليفة أن يتقدم عليهم، فووضعوا عليه غلاما فسمه فمات، واستولى ~~غلامه على ماله، وتزوج امرأته، وكان موته بالموصل. ### || AUT ذكر وفاة المكتفي # في هذه السنة في ذي القعدة توفي أمير المؤمنين المكتفي بالله أبومحمد ~~علي ابن المعتضد بالله أبي العباس احمد بن الموفق بن المتوكل؛ وكانت خلافته ~~ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوما، وكان عمره ثلاثا وثلاثين سنة، وقيل ~~اثنتين وثلاثين سنة؛ وكان ربعا جميلأن رقيق البشرة، حسن الشعر، وافر ~~اللحية، وكنيته أبومحمد، وأمه أم ولد تركية، اسمها جيجك؛ وطال عليه مرضه ~~عدة شهور، ولما مات دفن بدار محمد بن طاهر، رحمه الله. ### || AUT ذكر خلافة المقتدر بالله # وكان السبب في ولاية المقتدر بالله الخلافة، وهوأبوالفضل جعفر بن ~~المعتضد، أن المكتفي لما ثقل في مرضه أفكر الوزير جينئذ، وهوالعباس بن ~~الحسن، فيمن يصلح للخلافة، ms2678 وكان عادته أن يسايره، إذا ركب إلى دار الخلافة، ~~واحد من هؤلاء الأربعة الذين يتولون الدواوين، وهم: أبوعبد الله محمد بن ~~داود بن الجراح، وأبوالحسن محمد بن عبدان، وأبوالحسن علي بن محمد بن ~~الفرات، وأبوالحسن علي بن عيسى، فاستشار الوزير يوما محمد ابن داود بن ~~الجراح في ذلك، فأشار بعبد الله بن المعتز، ووصفه بالعقل والأدب والرأي، ~~واستشار بعده أبا الحسن بن الفرات، فقال: هذا شيء ما جرت به عادتي أشير ~~فيه، وإمنا اشاور في العمال لا في الخلفاء؛ فغضب الوزير وقال: هذه مقاطعة ~~باردة، وليس يخفي عليك الصحيح. PageV03P0372 # وألح عليه، فقال: إن كان رأي الوزير قد استقر على احد يعينه فليفعل؛ فعلم ~~أنه عنى ابن المعتز لأشتهار خبره. فقال الوزير: لا أقنع إلا أن تمحضني ~~النصيحة. فقال ابن الفرات: فليتفق الله الوزير، ولا ينصب إلا من قد عرفه، ~~واطلع على جميع أمواله، ولا ينصب بخيلا فيضيق على الناس ويقطع أرزاقهم، ولا ~~طماعا فيشره في أموالهم، فيصادرهم ويأخذ أموالهم وأملاكهم، ولا قليل الدين ~~فلا يخاف العقوبة والأثام، ويرجوالثواب فيما يفعله، ولا يول من عرف نعمة ~~هذأن وبستان هذأن وضيعة هذأن وفرس هذأن ومن قد بقي الناس ولقوه، وعاملهم ~~وعاملوه، ويتخيل، ويحسب حساب نعم الناس، وعرف وجوه دخلهم وخرجهم. فقال ~~الوزير: صدقت ونصحت، فبمن تشير؟ قال: أصلح الموجود جعفر بن المعتضد؛ قال: ~~ويحك، هوصبي؛ قال ابن الفرات: إلا أنه ابن المعتضد، ولم نأت برجل كامل ~~يباشر الأمور بنفسه، غير محتاج إلينا. ثم إن الوزير استشار علي بن عيسى، ~~فلم يسم أحدأن وقال: لكن ينبغي أن يتقي الله، وينظر من يصلح لدين والدنيا؛ ~~فمالت نفس الوزير ألى ما أشار به ابن الفرات، وانضاف إلى ذلك وصية المكتفي، ~~فإنه أوصى، لما اشتد مرضه، بتقليد أخيه جعفر الخلافة، فلما مات المكتفي نصب ~~الوزير جعفرا للخالفة، وعينه لهأن وأرسل صافيا الحرمي إليه ليحذره من دور ~~آل طاهر بالجانب الغربي وكان يسكنهأن فلما حطه في الحراقة وحدره، وصارت ~~الحراقة مقابل دار الوزير، صاح غلمان الوزير بالملاح ms2679 ليدخل إلى دار الوزير، ~~فظن الحرمي أن الوزير يريد القبض على جعفر، وينصب في الخلافة غيره، فمنع ~~الملاح من ذلك، وسار إلى دار الخلافة، وأخذ له صافي البيعة على الخدم، ~~وحاشية الدار، ولقب نفسه المقتدر بالله، ولحق الوزير به وجماعة الكتاب ~~فبايعوه، ثم جهزوا المكتفي ودفنوه بدار محمد بن طاهر. ولما بويع المقتدر ~~كان في بيت المال، حين بويع، خمسة عشر ألف ألف دينار، فأطلق يد الوزير في ~~بيت المال فأخرج منه حق البيعة. وكان مولده المقتدر ثامن رمضان سنة اثنتين ~~وثمانين ومائتين، وأمه أم ولد يقال لها شغب، فلما بويع استصغره الوزير، ~~وكان عمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة، وكثر كلام الناس فيه، فعزم على خلعه، ~~وتقليد الخلافة أبا عبد الله محمد بن المعتمد على الله وكان حسن السيرة، ~~جميل الوجه والفعل، فراسله في ذلك، واستقر الحال، وانتظر الوزير قدوم بارس ~~حاجب إسماعيل صاحب خراسان، وكان قد أذن له في القدوم، كما ذكرناه، وأراد ~~الوزير أن يستعين به على ذلك، ويتقوى به على غلمان المعتضد، فتأخر بارس. ~~واتفق أنه وقع بين أبي عبد الله بن المعتمد وبين ابن عمرويه، صاحب الشرطة، ~~منازعه في ضيعة مشتركة بينهمأن فاغلظ له ابن عمرويه، فغضب ابن المعتمد غضبا ~~شديدأن أغمي عليه وفلج في المجلس، فحمل إلى ثيته في محفة، فمات في اليوم ~~الثاني، فأراد الوزير البيعة لأبي الحسين بن المتوكل، فمات أيضا بعد خمسة ~~أيام، وتم أمر المقتدر. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كانت وقعة بين نجح بن جاخ وبين الاجناد بمنى، ثاني عشر ذي ~~الحجة، فقتل منهم جماعة، لأنهم طلبوا جائزة بيعة المقتدر بالله، وهرب الناس ~~إلى بستان ابن عامر، وأصحاب الحجاج في عودهم عطش عظيم فمات منهم جماعة. ~~وحكي أن أحدهم كان يبول في كفه تم يشربه. وفيها خرج عبد الله بن إبراهيم ~~المسمعي عن أصبهان إلى قرية من قراها مخالفا للخليفة، واجتمع إليه نحومن ~~عشرة آلاف من الأكراد وغيرهم، فامر بدر الحمامي بالمسير إليه، فسار في خمسة ~~آلاف ms2680 من الجند، وأرسل إليه المنصور بن عبد الله بن منصور الكاتب يخوفه ~~عاقبة الخلاف، فسار إليه وادى إليه الرسالة، فرجع إلى الطاعة، وسار إلى ~~بغداد، واستخلف على عمله باصبهان، فرضي عنه المكتفي بالله. وفيها كانت وقعة ~~للحسين بن موسى على أعراب طي، الذين كانوا حصروا وصيفأن على غرة منهم، فقتل ~~فيهم كثيرأن وأسر. وفيها أوقع الحسن بن أحمد بالأكراد الذين تغلبوا على ~~نواحي الموصل، فظفر بهم، واستباحهم، ونهب أموالهم، وهرب رئيسهم إلى رؤوس ~~الجبال، فلم يدرك. وفيها فتح المظفر بن جاخ بعض ما كان غلب عليه الخارجي ~~باليمن، وخذ رئيسا من رؤساء أصحابه، ويعرف بالحكيمي. PageV03P0373 # وفيها تم الفداء بين المسلمين والروم في ذي القعدة، وكان عدة من فودي به ~~من الرجال والنساء ثلاثة آلاف نفس؛ وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي. ~~وفيها توفي أبوبكر محمد بن إسماعيل بن مهران الجرجاني الإسماعيلي، الفقيه ~~الشافعي المحدث؛ ومحمد بن أحمد بن نصر أبوجعفر الترمذي الفقيه الشافعي، ~~توفي ببغداد؛ وأبوالحسين أحمد بن محمد النوري شيخ الصوفية؛ وتوفي الحسين بن ~~عبد الله بن أحمد أبوعلي الخرقي، الفقيه الحنبلي، يوم الفطر الخرقي بالخاء ~~المعجمة والقاف؛ وعبد الله ابن أبي دارة. ### | AUT المجلد الخامس # ### | AUT بسم الله الرحمن الرحيم # ### | AUT ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائتين # ### || AUT ذكر خلع المقتدر وولاية ابن المعتز # وفي هذه السنة اجتمع القواد، والقضاة، والكتاب، مع الوزير العباس بن ~~الحسن، على خلع المقتدر، والبيعة لابن المعتز، وأرسلوا إلى ابن المعتز في ~~ذلك، فأجابهم على أن لا يكون فيه سفك دم، ولا حرب، فأخبروه باجتماعهم عليه، ~~وأنهم ليس لهم منازع ولا محارب. وكان الرأس في ذلك العباس بن الحسن، ومحمد ~~بن داود بن الجراح، وأبو المثنى أحمد بن يعقوب القاضي؛ ومن القواد الحسين ~~بن حمدان، وبدر الأعجمي، ووصيف بن صوارتكين. ثم إن الوزير رأى أمره صالحا ~~مع المقتدر، وأنه على ما يحب، فبدا له في ذلك، فوثب به الآخرون فقتلوه، ~~وكان الذي تولى قتله منهم الحسين ابن حمدان، وبدر الأعجمي، ووصيف، ولحقوه، ms2681 ~~وهو سائر إلى بستان له، فقتلوه في طريقه، وقتلوا معه فاتكا المعتضدي، وذلك ~~في العشرين من ربيع الأول، وخلع المقتدر من الغد، وبايع الناس لابن المعتز. ~~وركض الحسين بن حمدان إلى الحلبة ظنا منه أن المقتدر يلعب هناك بالكرة، ~~فيقتله، فلم يصادفه، لأنه كان هناك، فبلغه قتل الوزير وفاتك، فركض دابته ~~فدخل الدار، وغلقت الأبواب، فندم الحسين حيث لم يبدأ بالمقتدر. وأحضروا ابن ~~المعتز وبايعوه بالخلافة، وكان الذي يتولى أخذ البيعة له محمد بن سعيد ~~الأزرق، وحضر الناس، والقواد، وأصحاب الدواوين، سوى أبي الحسن بن الفرات، ~~وخواص المقتدر، فإنهم لم يحضروا، ولقب ابن المعتز المرتضي بالله، واستوزر ~~محمد بن داود بن الجراح، وقلد علي بن عيسى الدواوين، وكتبت الكتب إلى ~~البلاد من أمير المؤمنين المرتضي بالله أبي العباس عبدالله بن المعتز ~~بالله، ووجه إلى المقتدر يأمره بالانتقال إلى دار ابن طاهر التي كان مقيما ~~فيها، لينتقل هو إلى دار الخلافة، فأجابه بالسمع والطاعة، وسأل الإمهال إلى ~~الليل. وعاد الحسين بن حمدان بكرة غد إلى دار الخلافة، فقاتله الخدم ~~والغلمان والرجالة من وراء الستور عامة النهار، فانصرف عنهم آخر النهار، ~~فلما جنه الليل سار عن بغداد بأهله وماله وكل ما له إلى الموصل، لا يدرى لم ~~فعل ذلك؛ ولم يكن بقي مع المقتدر من القواد غير مؤنس الخادم، ومؤنس الخازن، ~~وغريب الخال وحاشية الدار. فلما هم المقتدر بالانتقال عن الدار قال بعضهم ~~لبعض: لا نسلم الخلافة من غير أن نبلي عذرا، ونجتهد في دفع ما أصابنا؛ ~~فأجمع رأيهم على أن يصعدوا في الماء إلى الدار التي فيها ابن المعتز بالحرم ~~يقاتلونه، فأخرج لهم المقتدر السلاح والزرديات وغير ذلك، وركبوا السميريات، ~~وأصعدوا في الماء، فلما رآهم من عند ابن المعتز هالهم كثرتهم، واضطربوا، ~~وهربوا على وجوههم من قبل أن يصلوا إليهم، وقال بعضهم لبعض: إن الحسين بن ~~حمدان عرف ما يريد أن يجري فهرب من الليل، وهذه مواطأة بينه وبين المقتدر، ~~وهذا كان سبب هربه. ولما رأى ابن المعتز ذلك ركب ومعه ms2682 وزيره محمد بن داود ~~وهربا، وغلام له ينادي بين يديه: يا معشر العامة، ادعوا لخليفتكم السني ~~البربهاري، وإنما نسبت هذه النسبة لأن الحسين بن القاسم بن عبيد الله ~~البربهاري كان مقدم الحنابلة والسنة من العامة، ولهم فيه اعتقاد عظيم، ~~فأراد استمالتهم بهذا القول. PageV03P0374 # ثم إن المعتز ومن معه ساروا نحو الصحراء، ظنا منهم أن من بايعه من الجند ~~يتبعونه، فلم يلحقه منهم أحد، فكانوا عزموا أن يسيروا إلى سر من رأى بمن ~~يتبعهم من الجند، فيشتد سلطانهم، فلما رأوا أنهم لم يأتهم أحد رجعوا عن ذلك ~~الرأي، واختفى محمد بن داود في داره ونزل ابن المعتز عن دابته، ومعه غلامه ~~يمن، وانحدر إلى دار أبي عبد الله بن الجصاص، فاستجار به، واستتر أكثر من ~~بايع ابن المعتز، ووقعت الفتنة والنهب والقتل ببغداد، وثار العيارون والسفل ~~ينهبون الدور. وكان ابن عمرويه، صاحب الشرطة، ممن بايع ابن المعتز، فلما ~~هرب جمع ابن عمرويه أصحابه، ونادى بشعار المقتدر، يدلس بذلك، فناداه ~~العامة: يا مرائي، يا كذاب ! وقاتلوه، فهرب واستتر، وتفرق أصحابه، فهجاه ~~يحيى بن علي بأبيات منها: بايعوه فلم يكن عند الأن ... وك إلا التغيير ~~والتخبيط رافضيون بايعوا أنصب الأ ... مة هذا لعمري التخليط ثم ولى من زعقة ~~ومحامو ... ومن خلفهم لهم تضريط وقلد المقتدر، تلك الساعة، الشرطة مؤنسا ~~الخازن، وهو غير مؤنس الخادم، وخرج بالعسكر، وقبض على وصيف بن صوارتكين ~~وغيره، فقتلهم، وقبض على القاضي أبي عمر، وعلي بن عيسى، والقاضي محمد ابن ~~خلف وكيع، ثم أطلقهم، وقبض على القاضي المثنى أحمد بن يعقوب، فقتله لأنه ~~قيل له: بايع المقتدر، فقال: لا أبايع صبيا، فذبح. وأرسل المقتدر إلى أبي ~~الحسن بن الفرات، وكان مختفيا، فاحضره واستوزره، وخلع عليه. وكان في هذه ~~الحادثة عجائب منها: أن الناس كلهم أجمعوا على خلع المقتدر والبيعة لأبن ~~المعتز، فلم يتم ذلك، بل كان على العكس من إرادتهم، وكان أمر الله مفعولا. ~~ومنها أن ابن حمدان، على شدة تشيعه وميله إلى علي، عليه السلام، وأهل بيته، ~~يسعى ms2683 في البيعة لابن المعتز على انحرافه عن علي وغلوه في النصب إلى غير ~~ذلك. ثم إن خادما لابن الجصاص، يعرف بسوسن، أخبر صافيا الحرمي بأن ابن ~~المعتز عند مولاه، ومعه جماعة، فكبست دار ابن الجصاص، وأخذ ابن المعتز ~~منها، وحبس إلى الليل، وعصرت خصيتاه حتى مات، ولف في كساء، وسلم إلى أهله. ~~وصودر ابن الجصاص على مال كثير، وأخذ محمد بن داود وزير ابن المعتز، وكان ~~مستترا، فقتل، ونفي علي بن عيسى إلى واسط، فأرسل إلى الوزير ابن الفرات ~~يطلب منه أن يأذن له في المسير إلى مكة، فأذن له في ذلك فسار إليها على ~~طريق البصرة وأقام بها. وصودر القاضي أبو عمر على مائة ألف دينار، وسيرت ~~العساكر من بغداد في طلب الحسين بن حمدان فتبعوه إلى الموصل، ثم إلى بلد ~~فلم يظفروا به، فعادوا إلى بغداد فكتب الوزير إلى أخيه أبي الهيجاء بن ~~حمدان، وهو الأمير على الموصل، يأمره بطلبه، فسار إليه إلى بلد، ففارقها ~~الحسين إلى سنجار، وأخوه في أثره، فدخل البرية فتبعه أخوه عشرة أيام، ~~فادركه، فاقتتلوا، فظفر أبو الهيجاء، وأسر بعض أصحابه، وأخذ منه عشرة آلاف ~~دينار، وعاد عنه إلى الموصل، ثم انحدر إلى بغداد، فلما كان فوق تكريت أدركه ~~أخوه الحسين، فبيته، فقتل منهم قتلى، وانحدر أبو الهيجاء إلى بغداد. وأرسل ~~الحسين إلى ابن الفرات، وزير المقتدر، يسأله الرضى عنه، فشفع فيه إلى ~~المقتدر بالله ليرضى عنه، وعن إبراهيم بن كيغلغ، وابن عمرويه صاحب الشرطة ~~وغيرهم، فرضي عنهم، ودخل الحسين بغداد، فرد عليه أخوه ما أخذ منه، وأقام ~~الحسين ببغداد إلى أن ولي قم فسار إليها، وأخذ الجرائد التي فيها أسماء من ~~أعان على المقتدر، فغرقها في دجلة، وبسط ابن الفرات العدل والإحسان وأخرج ~~الإدرارات للعباسيين والطالبيين، وأرضى القواد بالأموال، ففرق معظم ما كان ~~في بيوت الأموال. ### || AUT ذكر حادثة ينبغي أن يحتاط من مثلها ويفعل فيها مثل فعل صاحبها # PageV03P0375 # كان سليمان بن الحسن بن مخلد متصلا بابن الفرات، وبينهما مودة وصداقة، ~~فوجد الوزير ms2684 كتب البيعة لابن المعتز بخط سليمان، وقلده الأعمال، فسعى ~~سليمان بابن الفرات إلى المقتدر، وكتب بخطه مطالعة تتضمن ذكر أملاك الوزير ~~وضياعه ومستغلاته وما يتعلق بأسبابه، وأخذ الرقعة ليوصلها إلى المقتدر، فلم ~~يتهيأ له ذلك. وحضر دار الوزير وهي معه، وسقطت من كمه، فظفر بها بعض الكتاب ~~فأوصلها إلى الوزير، فلما قرأها قبض على سليمان، وجعله في زورق، وأحضره إلى ~~واسط، ووكل به هناك، وصادره، ثم أراد العفو عنه، فكتب إليه: نظرت، أعزك ~~الله، في حقك علي وجرمك إلي، فرأيت الحق موفيا على الجرم، وتذكرت من سالف ~~خدمتك ما عطفني عليك، وثناني إليك وأعادني لك إلى أفضل ما عهدت، وأجمل ما ~~ألفت؛ وأطلق له عشرة آلاف درهم، وعفا عنه، واستعمله وأكرمه. ### || AUT ذكر ولاية أبي مضر إفريقية وهربه إلى العراق وما كان من أمره # في هذه السنة، مستهل شهر رمضان، ولي أبو مضر زيادة الله بن أبي العباس ~~بن عبدالله إفريقية، بعد قتل أبيه، فعكف على اللذات والشهوات وملازمة ~~الندماء والمضحكين، وأهمل أمور المملكة وأحوال الرعية، وأرسل كتابا يوم ولي ~~إلى عمه الأحول على لسان أبيه يستعجله في القدوم عليه، ويحثه على السرعة، ~~فسار مجدا ولم يعلم بقتل أبي العباس، فلما وصل قتله، وقتل من قدر عليه من ~~أعمامه وإخوته. واشتدت شوكة أبي عبدالله الشيعي في أيامه، وقوي أمره، وكان ~~الأحوال قبالته، فلما قتل صفت له البلاد، ودانت له الأمصار والعباد، فسير ~~إليه زيادة الله جيشا مع إبراهيم بن أبي الأغلب، وهو من بني عمه، بلغت ~~عدتهم أربعين ألفا سوى من انضاف إليه، فهزمه أبو عبدالله الشيعي على ما ~~ذكرناه آنفا؛ فلما اتصل بزيادة الله خبر الهزيمة علم أنه لا مقام له لأن ~~هذا الجمع هو آخر ما انتهت قدرته إليه، فجمع ما عز عليه من أهل ومال وغير ~~ذلك، وعزم على الهرب إلى بلاد الشرق، وأظهر للناس أنه قد جاءه خبر هزيمة ~~أبي عبدالله الشيعي، وأمر بإخراج رجال من الحبس، فقتلهم، وأعلم خاصته حقيقة ~~الحال، وأمرهم بالخروج معه. فأشار ms2685 عليه بعض أهل دولته بأن لا يفعل ولا يترك ~~ملكه. قال له: إن أبا عبدالله لا يجسر عليك، فشتمه، ورد عليه رأيه، وقال: ~~أحب الأشياء إليك أن يأخذني بيدي. وانصرف كل واحد من خاصته وأهله يتجهز ~~للمسير معه، وأخذ ما أمكنه حمله. وكانت دولة آل الأغلب بإفريقية قد طالت ~~مدتها، وكثرت عبيدها وقوي سلطانها، وسار عن إفريقية إلى مصر في سنة ست ~~وتسعين ومائتين، واجتمع معه خلق عظيم، فلم يزل سائرا حتى وصل طرابلس، ~~فدخلها، فأقام بها تسعة عشر يوما، ورأى بها أبا العباس أخا أبي عبدالله ~~الشيعي، وكان محبوسا بالقيروان، حبسه زيادة الله، فهرب إلى طرابلس، فلما ~~رآه أحضره وقرره: هل هو أخو أبي عبدالله ؟ فأنكر وقال: أنا رجل تاجر قيل ~~عني إنني أخو أبي عبدالله فحبستني. فقال له زيادة الله: أنا أطلقك، فإن كنت ~~صادقا في أنك تاجر فلا نأثم فيك، وإن كنت كاذبا، وأنت أخو أبي عبدالله، ~~فليكن للصنيعة عندك موضع، وتحفظنا فيمن خلفناه. وأطلقه. وكان من كبار أهله ~~وأصحابه إبراهيم بن أبي الأغلب، فأراد قتله وقتل رجل آخر كانا قد عرضا ~~أنفسهما على ولاية القيروان، فعلما ذلك، وهربا إلى مصر، وقدما على العامل ~~بها وهو عيسى النوشري، فتحدثا معه، وسعيا بزيادة الله، وقالا له: إنه يمني ~~نفسه بولاية مصر، فوقع ذلك في نفسه، وأراد منعه عن دخول مصر إلا بأمر ~~الخليفة من بغداد، فوصل زيادة الله ليلا، وعبر الجسر إلى الجيزة قهرا، فلما ~~رأى ذلك النوشري لم يمكنه منعه، فأنزله بدار ابن الجصاص، ونزل أصحابه في ~~مواضع كثيرة، فأقام ثمانية أيام، ورحل يريد بغداد، فهرب عنه بعض أصحابه، ~~وفيهم غلام له، وأخذ منه مائة ألف دينار، فأقام عند النوشري، فأسرل النوشري ~~إلى الخليفة، وهو المقتدر بالله، يعرفه حال زيادة الله وحال من تخلف بمصر، ~~فأمره برد من تخلف عنه إليه مع المال، ففعل. PageV03P0376 # وسار زيادة الله حتى بلغ الرقة وكتب إلى الوزير، وهو ابن الفرات، يسأله ~~في الإذن له لدخول بغداد، فأمره بالتوقف، فبقي على ذلك ms2686 سنة، فتفرق عنه ~~أصحابه، وهو مع هذا مدمن الخمر، واستماع الملاهي، وسعي به إلى المقتدر، ~~وقيل له يرد إلى المغرب يطلب بثأره، فكتب إليه بذلك وكتب إلى النوشري ~~بإنجاده بالرجال والعدد والأموال من مصر ليعود إلى المغرب، فعاد إلى مصر، ~~فأمره النوشري بالخروج إلى ذات الحمام ليكون هناك إلى أن يجتمع إليه ما ~~يحتاج إليه من الرجال والمال، ففعل، ومطله، فطال مقامه، وتتابعت به ~~الأمراض، وقيل بل سمه بعض غلمانه، فسقط شعر لحيته، فعاد إلى مصر، وقصد ~~البيت المقدس، فتوفي بالرملة ودفن بها. فسبحان الحي الذي لا يموت، ولا يزول ~~ملكه، ولم يبق بالمغرب من بني الأغلب أحد، وكانت مدة ملكهم مائة سنة واثنتي ~~عشرة سنة، وكانوا يقولون: إننا نخرج إلى مصر والشام، ونربط خيلنا في زيتون ~~فلسطين؛ فكان زيادة الله هو الخارج إلى فلسطين على هذه الحال لا على ما ظنوه. ### || AUT ذكر ابتداء الدولة العلوية بإفريقية # هذه دولة اتسعت أكناف مملكتها، وطالت مدتها، فإنها ملكت إفريقية هذه ~~السنة، وانقرضت دولتهم بمصر سنة سبع وستين وخمسمائة، فنحتاج أن نستقصي ~~ذكرها فنقول: أول من ولي منهم أبو محمد عبيد الله، فقيل هو محمد بن عبد ~~الله بن ميمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ~~ابن أبي طالب، رضي الله عنهم، ومن ينسب هذا النسب يجعله عبد الله بن ميمون ~~القداح الذي ينسب إليه القداحية، وقيل هو عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل ~~الثاني ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن علي بن الحسين بن ~~أبي طالب، رضي الله عنهم. وقد اختلف العلماء في صحة نسبه، فقال هو وأصحابه ~~القائلون بإمامته: إن نسبه صحيح على ما ذكرناه، ولم يرتابوا فيه، وذهب كثير ~~من العلويين العالمين بالأنساب إلى موافقتهم أيضا، ويشهد بصحة هذا القول ما ~~قاله الشريف الرضي: ما مقامي على الهوان وعندي ... مقول صارم، وأنف حمي ~~ألبس الذل في بلاد الأعادي؛ ... وبمصر الخليفة العلوي من أبوه أبي، ومولاه ~~مولا ms2687 ... ي إذا ضامني البعيد القصي لف عرقي بعرقه سيدا النا ... س جميعا: ~~محمد، وعلي إن ذلي بذلك الجو عز ... وأوامي بذلك النقع ري وإنما لم يودعها ~~في بعض ديوانه خوفا، ولا حجة بما كتبه في المحضر المتضمن القدح في أنسابهم، ~~فإن الخوف يحمل على أكثر من هذا، على أنه قد ورد ما يصدق ما ذكرته، وهو أن ~~القادر بالله لما بلغته هذه الأبيات أحضر القاضي أبا بكر بن الباقلاني، ~~فأرسله إلى الشريف أبي أحمد الموسوي، والد الشريف الرضي، يقول له: قد عرفت ~~منزلتك منا، وما لا نزال عليه من الاعتداد بك بصدق الموالاة منك، وما تقدم ~~لك في الدولة من مواقف محمودة، ولا يجوز أن تكون أنت على خليفة ترضاه، ~~ويكون ولدك على ما يضادها، وقد بلغنا أنه قال شعرا، وهو كذا وكذا، فيا ليت ~~شعري على أي مقام ذل أقام، وهو ناظر في النقابة والحج، وهما من أشرف ~~الأعمال، ولو كان بمصر لكان كبعض الرعايا؛ وأطال القول، فحلف أبو أحمد أنه ~~ما علم بذلك. وأحضر ولده وقال له في المعنى فأنكر الشعر، فقال له: اكتب خطك ~~إلى الخليفة بالاعتذار، واذكر فيه أن نسب المصري مدخول، وأنه مدع في نسبه؛ ~~فقال: لا أفعل ! فقال أبوه: تكذبني في قولي ؟ فقال: ما أكذبك، ولكني أخاف ~~من الديلم، أخاف من المصري ومن الدعاة في البلاد؛ فقال أبوه: أتخاف ممن هو ~~بعيد عنك، وتراقبه، وتسخط من هو قريب، وأنت بمرأى منه ومسمع، وهو قادر عليك ~~وعلى أهل بيتك ؟ وتردد القول بينهما، ولم يكتب الرضي خطه، فحرد عليه أبوه ~~وغضب وحلف أنه لا يقيم معه في بلد، فآل الأمر إلى أن حلف الرضي أنه ما قال ~~هذا الشعر واندرجت القصة على هذا. ففي امتناع الرضي من الاعتذار، ومن أن ~~يكتب طعنا في نسبهم مع الخوف، دليل قوي على صحة نسبهم. PageV03P0377 # وسألت أنا جماعة من أعيان العلويين في نسبه، فلم يرتابوا في صحته، وذهب ~~غيرهم إلى أن نسبه مدخول ليس بصحيح، وعدا طائفة منهم إلى أن ms2688 جعلوا نسبه ~~يهوديا، وقد كتب في الأيام القادرية محضر يتضمن القدح في نسبه ونسب أولاده، ~~وكتب فيه جماعة من العلويين وغيرهم أن نسبه إلى أمير المؤمنين علي غير ~~صحيح. فممن كتب فيه من العلويين المرتضى، وأخوه الرضي، وابن البطحاوي، وابن ~~الأزرق العلويان، ومن غيرهم ابن الأكفاني وابن الخرزي، وأبو العباس ~~الأبيوردي، وأبو حامد، والكشفلي، والقدوري، والصيمري، وأبو الفضل النسوي، ~~وأبو جعفر النسفي، وأبو عبدالله بن النعمان، فقيه الشيعة. وزعم القائلون ~~بصحة نسبه أن العلماء ممن كتب في المحضر إنما كتبوا خوفا وتقية، ومن لا علم ~~عنده بالأنساب فلا احتجاج بقوله. وزعم الأمير عبد العزيز، صاحب تاريخ ~~إفريقية والمغرب، أن نسبه معرق في إليهودية، ونقل فيه عن جماعة من العلماء، ~~وقد استقصى ذكر ابتداء دولتهم، وبالغ. وأنا أذكر معنى ما قاله مع البراءة ~~من عهدة طعنه في نسبه، وما عداه فقد أحسن فيما ذكر، قال: لما بعث الله ~~تعالى سيد الأولين والآخرين محمدا، صلى الله عليه وسلم، عظم ذلك على إليهود ~~والنصارى والروم والفرس وقريش، وسائر العرب، لأنه سفه أحلامهم، وعاب ~~أديانهم وآلهتهم، وفرق جمعهم، فاجتمعوا يدا واحدة عليه، فكفاه الله كيدهم، ~~ونصره عليهم، فأسلم منهم من هداه الله تعالى؛ فلما قبض، صلى الله عليه ~~وسلم، نجم النفاق، وارتدت العرب، وظنوا أن الصحابة يضعفون بعده، فجاهد أبو ~~بكر، رضي الله عنه، في سبيل الله، فقتل مسيلمة، ورد الردة، وأذل الكفر، ~~ووطأ جزيرة العرب، وغزا فارس والروم، فلما حضرته الوفاة ظنوا أن بوفاته ~~ينتقص الإسلام، فاستخلف عمر بن الخطاب، فأذل فارس والروم، وغلب على ~~ممالكها، فدس عليه المنافقون أبا لؤلؤة فقتله، ظنا منهم أن بقتله ينطفئ نور ~~الإسلام، فولي بعده عثمان، فزاد في الفتوح، واتسعت مملكة الإسلام، فلما قتل ~~وولي بعده أمير المؤمنين علي قام بالأمر أحسن قيام، فلما يئس أعداء الإسلام ~~من استئصاله بالقوة أخذوا في وضع الأحاديث الكاذبة، وتشكيك ضعفة العقول في ~~دينهم، بأمور قد ضبطها المحدثون، وأفسدوا الصحيح بالتأويل والطعن عليه. ~~فكان أول من فعل ذلك أبو الخطاب محمج ms2689 بن أبي زينب مولى بني أسد، وأبو شاكر ~~ميمون بن ديصان، صاحب كتاب الميزان في نصرة الزندقة، وغيرهما، فألقوا إلى ~~من وثقوا به أن لكل شيء من العبادات باطنا، وأن الله تعالى لم يوجب على ~~أوليائه، ومن عرف الأئمة والأبواب، صلاة، ولا زكاة، ولا غير ذلك، ولا حرم ~~عليهم شيئا، وأباحوا لهم نكاح الأمهات والأخوات، وإنما هذه قيود للعامة ~~ساقطة عن الخاصة. وكانوا يظهرون التشيع لآل النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~ليستروا أمرهم، ويستميلوا العامة، وتفرق أصحابهم في البلاد، وأظهروا الزهد ~~والعبادة، يغرون الناس بذلك وهم على خلافه، فقتل أبو الخطاب وجماعة من ~~أصحابه بالكوفة، وكان أصحابه قالوا له: إنا نخاف الجند؛ فقال لهم: إن ~~أسلحتهم لا تعمل فيكم؛ فلما ابتدأوا في ضرب أعناقهم قال له أصحابه: ألم تقل ~~إن سيوفهم لا تعمل فينا ؟ فقال: إذا كان قد أراد الله فما حيلتي ؟ وتفرقت ~~هذه الطائفة في البلاد وتعلموا الشعبذة، والنارنجيات، والزرق، والنجوم، ~~والكيمياء، فهم يحتالون على كل قوم بما يتفق عليهم وعلى العامة بإظهار ~~الزهد. ونشأ لأبن ديصان ابن يقال له عبدالله القداح، علمه الحيل، وأطلعه ~~على أسرار هذه النحلة، فحذق وتقدم. PageV03P0378 # وكان بنواحي كرخ وأصبهان رجل يعرف بمحمد بن الحسين ويلقب بدندان يتولى ~~تلك المواضع، وله نيابة عظيمة، وكان يبغض العرب، ويجمع مساويهم، فسار إليه ~~القداح، وعرفه من ذلك ما زاد به محله، وأشار عليه أن لا يظهر ما في نفسه، ~~إنما يكتمه، ويظهر التشيع والطعن على الصحابة، فإن الطعن فيهم طعن في ~~الشريعة، فإن بطريقهم وصلت إلى من بعدهم. فاستحسن قوله وأعطاه مالا عظيما ~~ينفقه على الدعاة إلى هذا المذهب، فسيره إلى كور الأهواز، والبصرة، ~~والكوفة، وطالقان، وخراسان، وسلمية، من أرض حمص، وفرقه في دعاته؛ وتوفي ~~القداح، ودندان. وإنما لقب القداح لأنه كان يعالج العيون ويقدحها. فلما ~~توفي القداح قام بعده ابنه أحمد مقامه، وصحبه إنسان يقال له رستم بن الحسين ~~ابن حوشب بن داذان النجار، من أهل الكوفة، فكانا يقصدان المشاهد، وكان ~~باليمن رجل اسمه محمد بن ms2690 الفضل كثير المال والعشيرة من أهل الجند، يتشيع، ~~فجاء إلى مشهد الحسين بن علي يزوره، فرآه أحمد ورستم يبكي كثيرا، فلما خرج ~~اجتمع به أحمد، وطمع فيه لما رأى من بكائه، وألقى إليه مذهبه، فقبله، وسير ~~معه النجار إلى اليمن، وأمره بلزوم العبادة والزهد ودعوة الناس إلى المهدي ~~وأنه خارج في هذا الزمان باليمن، فسار النجار إلى اليمن، ونزل بعدن، بقرب ~~قوم من الشيعة يعرفون ببني موسى، وأخذ في بيع ما معه. وأتاه بنو موسى، ~~وقالوا له: فيم جئت ؟ قال: للتجارة. قالوا: لست بتاجر، وإنما أنت رسول ~~المهدي، وقد بلغنا خبرك، ونحن بنو موسى، ولعلك قد سمعت بنا، فانبسط، ولا ~~تحتشم، فإنا إخوانك. فأظهر أمره، وقوي عزائمهم، وقرب أمر المهدي فأمرهم ~~بالاستكثار من الخيل والسلاح، وأخبرهم أن هذا أوان ظهور المهدي، ومن عندهم ~~يظهر. واتصلت أخباره بالشيعة الذين بالعراق، فساروا إليه فكثر جمعهم، وعظم ~~بأسهم، وأغاروا على من جاورهم، وسبوا، وجبوا الأموال، وأرسل إلى من بالكوفة ~~من ولد عبدالله القداح هدايا عظيمة، وكانوا أنفذوا إلى المغرب رجلين أحدهما ~~يعرف بالحلواني، والآخر يعرف بأبي سفيان، وقالوا لهما: إن المغرب أرض بور، ~~فاذهبا فاحرثا حتى يجيء صاحب البدر؛ فسارا فنزل أحدهما بأرض كتامة ببلد ~~يسمى مرمجنة والآخر بسوق حمار، فمالت قلوب أهل تلك النواحي إليهما، وحملوا ~~إليهما الأموال والتحف، فأقاما سنين كثيرة، وماتا، وكان أحدهما قريب الوفاة من الآخر. ### || AUT ذكر إرسال أبي عبد الله الشيعي إلى المغرب # كان أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكرياء الشيعي من أهل ~~صنعاء، وقد سار إلى ابن حوشب النجار، وصحبه بعدن، وصار من كبار أصحابه، ~~وكان له علم وفهم ودهاء ومكر، فلما أتى خبر وفاة الحلواني وأبي سفيان إلى ~~ابن حوشب قال لأبي عبد الله الشيعي: إن أرض كتامة من المغرب قد حرثها ~~الحلواني وأبو سفيان، وقد ماتا، وليس لها غيرك، فبادر، فإنها موطأة ممهدة ~~لك. فخرج أبو عبدالله إلى مكة، وأعطاه ابن حوشب مالا، وسير معه عبد الله بن ~~أبي ملاحف، ms2691 فلما قدم أبو عبدالله مكة سأل عن حجاج كتامة فأرشد إليهم، ~~فاجتمع به، ولم يعرفهم قصده، وجلس قريبا منهم، فسمعهم يتحدثون بفضائل أهل ~~البيت، فأظهر استحسان ذلك، وحدثهم بما لم يعلموه، فلما أراد القيام سألوه ~~أن يأذن لهم في زيارته والأنبساط معه، فأذن لهم في ذلك، فسألوه أين مقصده، ~~فقال: أريد مصر؛ ففرحوا بصحبته. وكان من رؤساء الكتاميين بمكة رجل اسمه ~~حريث الجميلي، وآخر اسمه موسى بن مكاد، فرحلوا، وهو لا يخبرهم بغرضه، وأظهر ~~لهم العبادة والزهد، فازدادوا فيه رغبة، وخدموه، وكان يسألهم عن بلادهم ~~وأحوالهم وقبائلهم، وعن طاعتهم لسلطان إفريقية، فقالوا: ما له علينا طاعة، ~~وبيننا وبينه عشرة أيام. قال: أفتحملون السلاح ؟ قالوا: هو شغلنا؛ ولم يزل ~~يتعرف أحوالهم، حتى وصلوا إلى مصر، فلما أراد وداعهم قالوا له: أي شيء تطلب ~~بمصر ؟ قال: أطلب التعليم بها، قالوا: إذا كنت تقصد هذا فبلادنا أنفع لك، ~~ونحن أعرف بحقك؛ ولم يزالوا به حتى أجابهم إلى المسير معهم بعد الخضوع ~~والسؤال، فسار معهم. PageV03P0379 # فلما قاربوا بلادهم لقيهم رجال من الشيعة، فأخبروهم بخبره، فرغبوا في ~~نزوله عندهم، واقترعوا فيمن يضيفه منهم ثم رحلوا حتى وصلوا إلى أرض كتامة، ~~منتصف شهر ربيع الأول سنة ثمانين ومائتين، فسأله قوم منهم أن ينزل عندهم ~~حتى يقاتلوا دونه، فقال لهم: أين يكون فج الأخيار ؟ فتعجبوا من ذلك، ولم ~~يكونوا ذكروه له، فقالوا له: عند بني سليان. فقال: إليه نقصد، ثم نأتي كل ~~قوم منكم في ديارهم، ونزورهم في بيوتهم؛ فأرضى بذلك الجميع. وسار إلى جبل ~~يقال له إنكجان، وفيه فج الأخيار، فقال: هذا فج الأخيار، وما سمي إلا بكم، ~~ولقد جاء في الآثار: إن للمهدي هجرة تنبو عن الأوطان، ينصره فيها الأخيار ~~من أهل ذلك الزمان، قوم مشتق اسمهم من الكتمان، فإنهم كتامة، وبخروجكم من ~~هذا الفج يسمى فج الأخيار. فتسامعت القبائل، وصنع من الحيل والمكيدات ~~والنارنجيات ما أذهل عقولهم، وأتاه البربر من كل مكان، وعظم أمره إلى أن ~~تقاتلت كتامة عليه مع قبائل البربر، وسلم من ms2692 القتل مرارا، وهو في كل ذلك لا ~~يذكر اسم المهدي، فاجتمع أهل العلم على مناظرته وقتله، فلم يتركه الكتاميون ~~يناظرهم، وكان اسمه عندهم أبا عبدالله المشرقي. وبلغ خبره إلى إبراهيم بن ~~أحمد بن الأغلب أمير إفريقية، فأرسل إلى عامله على مدينة ميلة يسأله عن ~~أمره، فصغره وذكر له أنه يلبس الخشن، ويأمر بالخير والعبادة، فسكت عنه. ثم ~~إنه قال للكتاميين. أنا صاحب البدر الذي ذكر لكم أبو سفيان والحلواني؛ ~~فازدادت محبتهم له، وتعظيمهم لأمره، وتفرقت كلمة البربر وكتامة بسببه، ~~فأراد بعضهم قتله، فاختفى، ووقع بينهم قتال شديد، واتصل الخبر بإنسان اسمه ~~الحسن بنهارون، وهو من أكابر كتامة، فأخذ أبا عبدالله إليهن ودافع عنه، ~~ومضيا إلى مدينة ناصرون، فأتته القبائل من كل مكان وعظم شأنه، وصارت ~~الرئاسة للحسن بن هارون، وسلم إليه أبو عبدالله أعنة الخيل، وظهر من ~~الاستتار، وشهر الحروب، فكان الظفر له فيها، وغنم الأموال، وانتقل إلى ~~مدينة ناصرون وخندق عليها، فزحفت قبائل البربر إليها، واقتتلوا، ثم ~~اصطلحوا، ثم أعادوا القتال، وكان بينهم وقائع كثيرة، وظفر بهم، وصارت إليه ~~أموالهم، فاستقام له أمر البربر وعامة كتامة. ### || AUT ذكر ملكه مدينة ميلة وانهزامه # فلما تم لأبي عبد الله ذلك زحف إلى مدين ميلة، فجاءه منها رجل اسمه ~~الحسن بن أحمد، فأطلعه على غرة البلد، فقاتل أهله قتالا شديدا، وأخذ ~~الأرباض، فطلبوا منه الأمان فأمنهم، ودخل مدينة ميلة، وبلغ الخبر أمير ~~إفريقية، وهو حينئذ إبراهيم بن أحمد، فنفذ ولده الأحول في اثني عشر ألفا، ~~وتبعه مثلهم، فالتقيا، فاقتتل العسكران، فانهزم أبو عبد الله، وكثر القتل ~~في أصحابه، وتبعه الأحول، وسقط ثلج عظيم حال بينهم، وسار أبو عبد الله إلى ~~جبل إنكجان، فوصل الأحوال إلى مدينة ناصرون، فأحرقها، وأحرق مدينة ميلة، ~~ولم يجد بها أحدا. وبنى أبو عبد الله بإنكجان دار هجرة، فقصدها أصحابه، ~~وعاد الأحول إلى إفريقية، فسار أبو عبد الله بعد رحيلهم، فغنم ما رأى مما ~~تخلف عنهم؛ وأتاه خبر وفاة إبراهيم، فسر به، ثم أتاه خبر قتل أبي العباس ms2693 ~~ولده، وولاية زيادة الله، واشتغاله باللهو اللعب، فاشتد سروره. وكان الحول ~~قد جمع جيشا كثيرا أيام أخيه أبي العباس، ولقي أبا عبد الله، فانهزم ~~الأحول. وبقي الأحول قريبا منه يقاتله ويمنعه من التقدم، فلما ولي أبو مضر ~~زيادة الله إفريقية أحضر الأحول وقتله، كما ذكرناه؛ ولم يكن أحول، وإنما ~~كان يكسر عينه إذا أدام النظر فلقب به، فلما قتل انتشرت حينئذ جيوش أبي ~~عبدالله في البلاد، وصار أبو عبدالله يقول: المهدي يخرج في هذه الأيام، ~~ويملك الأرض، فيا طوبى لمن هاجر إلي وأطاعني ! ويغري الناس بأبي مضر، ~~ويعيبه. وكان كل من عنده زيادة الله من الوزراء شيعة، فلا يسوءهم أن يظفر ~~أبو عبدالله لا سيما مع ما كان يذكر لهم من الكرامات التي للمهدي من إحياء ~~الموتى، ورد الشمس من مغربها، وملكه الأرض بأسرها ! وأبو عبد الله يرسل ~~إليهم، ويسحرهم، ويعدهم. ### || AUT ذكر سبب اتصال المهدي عبيد الله بأبي عبد الله الشيعي ومسيره إلى # سجلماسة PageV03P0380 # لما توفي عبد الله بن ميمون القداح ادعى ولده أنهم من ولد عقيل بن أبي ~~طالب، وهم مع هذا يسترون، ويسرون أمرهم، ويخفون أشخاصهم. وكان ولده أحمد هو ~~المشار إليه منهم، فتوفي وخلف ولده محمدا، وكان هو الذي يكاتبه الدعاة في ~~البلاد، وتوفي محمد وخلف أحمد والحسين، فسار الحسين إلى سلمية من أرض حمص، ~~وله بها ودائع وأموال من ودائع جده عبدالله القداح، ووكلاء، وغلمان، وبقي ~~ببغداد من أولاد القداح أبو الشلغلغ. وكان الحسين يدعي أنه الوصي وصاحب ~~الأمر، والدعاة باليمن والمغرب يكاتبونه ويراسلونه؛ واتفق أنه جرى بحضرته ~~حديث النساء بسلمية، فوصفوا له امرأة رجل يهودي حداد، مات عنها زوجها، وهي ~~في غاية الحسن، فتزوجها، ولها ولد من الحداد يماثلها في الجمال، فأحبها ~~وحسن موقعها معه، وأحب ولدها، وأدبه، وعلمه، فتعلم العلم، وصارت له نفس ~~عظيمة، وهمة كبيرة. فمن العلماء من أهل هذه الدعوة من يقول: إن الإمام الذي ~~كان بسلمية، وهو الحسين، مات ولم يكن له ولد، فعهد إلى ابن إليهودي الحداد، ~~وهو عبيدالله، ms2694 وعرفه أسرار الدعوة من قول وفعل، وأين الدعاة، وأعطاه ~~الأموال والعلامات، وتقدم إلى أصحابه بطاعته وخدمته، وأنه الإمام والوصي، ~~وزوجه ابنة عمه أبي الشلغلغ. وهذا قول أبي القاسم الأبيض العلوي وغيره، ~~وجعل لنفسه نسبا، وهو عبيدالله بن الحسن بن علي بن محمد بن علي ابن موسى بن ~~جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وبعض الناس يقولون، وهم ~~قليل: إن عبيدالله هذا من ولد القداح، وهذه الأقوال فيها ما فيها، فيا ليت ~~شعري ما الذي حمل أبا عبدالله الشيعي وغيره ممن قام بإظهار هذه الدعوة، حتى ~~يخرجوا هذا الأمر من أنفسهم، ويسلموه إلى ولد يهودي، وهل يسامح نفسه بهذا ~~الأمر من يعتقده دينا يثاب عليه ؟ قال: فلما عهد الحسين إلى عبيدالله قال ~~له: إنك ستهاجر بعدي هجرة بعيدة، وتلقى محنا شديدة؛ فتوفي الحسين، وقام ~~بعده عبيدالله، وانتشرت دعوته، وبذل الأموال خلاف من تقدم، وأرسل إليه أبو ~~عبدالله رجالا من كتامة من المغرب ليخبروه بما فتح الله عليه، وأنهم ~~ينتظرونه. وشاع خبره عند الناس أيام المكتفي فطلب، فهرب هو وولده أبو ~~القاسم نزار الذي ولي بعده، وتلقب بالقائم، وهو يومئذ غلام، وخرج معه خاصته ~~وموإليه يريد المغرب، وذلك أيام زيادة الله، فلما انتهى إلى مصر أقام ~~مستترا بزي التجار، وكان عامل مصر حينئذ عيسى النوشري، فأتته الكتب من ~~الخليفة بصفته وحليته، وأمر بالقبض عليه وعلى كل من يشبهه. وكان بعض خاصة ~~عيسى متشيعا، فأخبر المهدي وأشار عليه بالانصراف، فخرج من مصر مع أصحابه، ~~ومعه أموال كثيرة، فأوسع النفقة على من صحبه، فلما وصل الكتاب إلى النوشري ~~فرق الرسل في طلب المهدي وخرج بنفسه فلحقه، فلما رآه لم يشك فيه، فقبض ~~عليه، ونزل ببستان، ووكل به، فلما حضر الطعام دعاه ليأكل، فأعلمه أنه صائم، ~~وفرق له، وقال له: أعلمني بحقيقة حالك حتى أطلقك؛ فخوفه بالله تعالى، وأنكر ~~حاله، ولم يزل يخوفه ويتلطفه فأطلقه، وخلى سبيله، وأراد أن يرسل معه من ~~يوصله إلى رفقته، فقال: لا حاجة بي ms2695 إلى ذلك، ودعا له. وقيل: إنه أعطاه في ~~الباطن مالا حتى أطلقه، فرجع بعض أصحاب النوشري عليه اللوم، فندم على ~~إطلاقه، وأراد إرسال الجيش وراءه ليردوه، وكان المهدي لما لحق أصحابه رأى ~~أبنه أبا القاسم قد ضيع كلبا كان له يصيد به، وهو يبكي عليه، فعرفه عبيده ~~أنهم تركوه في لبستان الذي كانوا فيه، فرجع المهدي بسبب الكلب، حتى دخل ~~البستان ومعه عبيده، فرآهم لنوشري فسأل عنهم فقيل: إنه فلان، وقد عاد بسبب ~~كذا وكذا؛ فقال النوشري لأصحابه: فبحكم الله ! أردتم أن تحملوني على قتل ~~هذا حتى آخذه، فلو كان يطلب ما يقال أو كان مريبا كان يطوي المراحل، ويخفي ~~نفسه، وما كان رجع في طلب كلب؛ وتركه. وجد المهدي في الهرب، فلحقه لصوص ~~بموضع يقال له الطاحونة، فأخذوا بعض متاعه، وكانت عنده كتب وملاحم لآبائه، ~~فأخذت، فعظم أمرها عليه، فيقال إنه لما خرج ابنه أبو القاسم في المرة ~~الأولى إلى الديار المصرية أخذها من ذلك المكان. PageV03P0381 # وانتهى المهدي وولده إلى مدينة طرابلس، وتفرق من صحبه من التجار، وكان في ~~صحبته أبو العباس أخو أبي عبدالله الشيعي، فقدمه المهدي إلى القيروان ببعض ~~ما معه، وأمره أن يلحق بكتامة. فلما وصل أبو العباس إلى القيروان وجد الخبر ~~قد سبقه إلى زيادة الله بخبر المهدي، فسأل عنه رفقته، فأخبروا أنه تخلف ~~بطرابلس، وأن صاحبه أبا العباس بالقيروان، فأخذ أبو العباس، وقرر فأنكر ~~وقال: إنما أنا رجل تاجر صحبت رجلا في القفل؛ فحبسه. وسمع المهدي، فسار إلى ~~قسطيلة، ووصل كتاب زيادة الله إلى عامل طرابلس بأخذه، وكان المهدي قد أهدى ~~له واجتمع به، فكتب العامل يخبره أنه قد سار ولم يدركه، فلما وصل المهدي ~~إلى قسطيلة ترك قصد أبي عبد الله الشيعي، لأن أخاه أبا العباس كان قد أخذ، ~~فعلم أنه إذا قصد أخاه تحققوا الأمر وقتلوه، فتركه وسار إلى سجلماسة، ولما ~~سار من قسطيلة وصل الرسل في طلبه فلم يوجد، ووصل إلى سجلماسة، فأقام بها؛ ~~وفي كل ذلك عليه العيون في طريقه. ms2696 وكان صاحب سجلماسة رجلا أليسع بن مدرار، ~~فأهدى له المهدي، وواصله، فقرب أليسع، وأحبه، فأتاه كتاب زيادة الله يعرفه ~~أنه الرجل الذي يدعو إليه أبو عبد الله الشيعي، فقبض عليه وحبسه، فلم يزل ~~محبوسا حتى أخرجه أبو عبد الله على ما نذكره. ### || AUT ذكر استيلاء أبي عبد الله على إفريقية وهرب زيادة الله أميرها # قد ذكرنا من حال أبي عبد الله ما تقدم، ثم إن زيادة الله لما رأى ~~استيلاء أبى عبد الله على البلاد، وأنه قد فتح مدينة ميلة ومدينة سطيف، ~~وغيرهما، أخذ في جمع العساكر، وبذل الأموال، فاجتمعت إليه عساكر عظيمة، ~~فقدم عليهم إبراهيم بن خنيش وهو من أقاربه، وكان لا يعرف الحرب، فبلغت عدة ~~جيشه أربعين ألفا، وسلم إليه الأموال والعدد، ولم يترك بإفريقية شجاعا إلا ~~أخرجه معه، وسار إليه، فانضاف إليه مثل جيشه، فلما وصل قسطنطينية الهواء، ~~وهي مدينة قديمة حصينة، نزل بها، وأتاه كثير من كتامة الذين لم يطيعوا أبا ~~عبد الله، فقتل في طريقه كثيرا من أصحاب أبي عبدالله، وخاف أبو عبد الله ~~منه، وجميع كتامة، وأقام بقسطنطينية ستة أشهر، وأبو عبدالله متحصن في ~~الجبل. فلما رأى إبراهيم أن أبا عبد الله لا يتقدم إليه بادر وزحف بالعساكر ~~المجتمعة إلى بلد اسمه كرمة، فأخرج إليه أبو عبد الله خيلا اختارها ليختبر ~~نزوله، فوافاها بالموضع المذكور، فلما رأى إبراهيم الخيل قصد إليها بنفسه، ~~ولم يصحبه إليها أحد من جيشه، وكانت أثقال العسكر على ظهور الدواب لم تحط، ~~ونشبت الحرب، واقتتلوا قتالا شديدا. واتصل الخبر بأبي عبدالله، فزحف ~~بالعساكر، فوقعت الهزيمة على إبراهيم ومن معه، فجرح، وعقر فرسه، وتمت ~~الهزيمة على الجيش جميعه، وأسلموا الأثقال بأسرها، فغنمها أبو عبدالله، ~~وقتل منهم خلقا كثيرا، وتم أمر إبراهيم إلى القيروان، فشاشت بلاد إفريقية، ~~وعظم أمر أبي عبد الله، واستقرت دولته، وكتب أبو عبد الله كتابا إلى ~~المهدي، وهو في سجن سجلماسة، يبشره، وسير الكتاب مع بعض ثقاته، فدخل السجن ~~في زي قصاب يبيع اللحم، فاجتمع به وعرفه ذلك. ms2697 وسار أبو عبد الله إلى مدينة ~~طبنة، ونصب عليها الدبابات، ونقب برجا وبدنة، فسقط السور بعد قتال شديد، ~~وملك البلد، فاحتمى المقدمون بحصن البلد، فحصرهم، فطلبوا الأمان، فأمنهم، ~~وأمن أهل البلد، وسار إلى مدينة بلزمة، وكان قد حصرها مرارا كثيرة فلم يظفر ~~بها، فلما حصرها الآن ضيق عليها، وجد في القتال، ونصب عليها الدبابات، ~~ورماها بالنار، فأحرقها، وفتحها بالسيف وقتل الرجال، وهدم الأسوار. ~~PageV03P0382 # واتصلت الأخبار بزيادة الله، فعظم عليه وأخذ في الجمع والحشد، فجمع عسكرا ~~عدتهم اثنا عشر ألفا، وأمر عليهم هارون بن الطبني، فسار، واجتمع معه خلق ~~كثير، وقصد مدينة دار ملوك، وكان أهلها قد أطاعوا أبا عبدالله، فقتل هارون ~~أهلها، وهدم الحصن، ولقيه في طريقه خيل لأبي عبدالله كان قد أرسلها ~~ليختبروا عسكره، فلما رآها العسكر اضطربوا، وصاحوا صيحة عظيمة، وهربوا من ~~غير قتال، فظن أصحاب أبي عبدالله أنها مكيدة، فلما ظهر أنها هزيمة استدركوا ~~الأمر، ووضعوا السيف، فما يحصى من قتلوا، وقتل هارون أمير العسكر، وفتح أبو ~~عبدالله مدينة تيجس صلحا، فاشتد الأمر حينئذ على زيادة الله، وأخرج ~~الأموال، وجيش الجيوش، وخرج بنفسه إلى محاربة أبي عبدالله، فوصل إلى الأربس ~~في سنة خمس وتسعين ومائتين، فقال له وجوه دولته: إنك تغرر بنفسك، فإن يكن ~~عليك لا يبقى لنا ملجأ والرأي أن ترجع إلى مستقر ملكك، وترسل الجيش مع من ~~تثق به، فإن كان الفتح لنا فنصل إليك، وإن كان غير ذلك فتكون ملجأ لنا. ~~ورجع ففعل ذلك، وسير الجيش، وقدم عليه رجلا من بني عمه يقال له إبراهيم بن ~~أبي الأغلب، وكان شجاعان وبلغ أبا عبدالله الخبر، وكان أهل باغاية قد ~~كاتبوه بالطاعة، فسار إليهم، فلما قر منها هرب عاملها إلى الاربس، فدخلها ~~أبو عبدالله، وترك بها جندا، وعاد إلى إنكجان، ووصل الخبر إلى زيادة الله، ~~فزاده غما وحونا، فقال له إنسان كان يضحكه: يا مولانا لقد عملت بيت شعر، ~~فعسى تجعل من يلحنه وتشرب عليه واترك هذا الحزن؛ فقال: ما هو ؟ فقال المضحك ~~للمغنين: غنوا شعرا ms2698 كذا، وقولوا بعد فراغ كل بيت: اشرب واسقينا من القرن ~~يكفينا فلما غنوا طرب زيادة الله، وشرب، وانهمك في الأكل والشرب والشهوات، ~~فلما رأى ذلك أصحابه ساعدوه على مراده. ثم إن أبا عبدالله أخرج إلى مدينة ~~مجانة فافتتحها عنوة، وقتل عاملها، وسير عسكرا آخر إلى مدينة تيفاش، فملكها ~~وأمن أهلها. وقصد جماعة من رؤساء القبائل أبا عبدالله يطلبون منه الأمان ~~فأمنهم، وسار بنفسه إلى مسكيانة ثم إلى تبسة، ثم إلى مدبرة، فوجد فيها أهل ~~قصر الإفريقي ومدينة مرمجنة، ومدينة مجانة، وأخلاطا من الناس قد التجأوا ~~إليها وتحصنوا فيها، وهي حصينة، فنزل عليها، وقاتلها، فأصابه علة الحصى، ~~وكانت تعتاده، فشغل بنفسه، وطلب أهلها الأمان فأمنهم بعض أهل العسكر، ~~ففتحوا الحصن، فدخلها العسكر، ووضعوا السيف، وانتهبوا. وبلغ ذلك أبا ~~عبدالله، فعظم عليه، ورحل، فنزل على القصرين من قمودة وطلب أهلها الأمان ~~فأمنهم، وبلغ إبراهيم بن أبي الأغلب، أمير الجيش الذي سيره زيادة الله، أن ~~أبا عبدالله يريد أنت يقصد زيادة الله برقادة، ولم يكن مع زيادة الله كبير ~~عسكر، فخرج من الأربس ونزل دردمين، وسير أبو عبدالله سرية إلى دردمين، فجرى ~~بينهما وبين أصحاب زيادة الله قتال، فقتل من أصحاب أبي عبدالله جماعة، ~~وانهزم الباقون. واستبطأ أبو عبدالله خبرهم، فسار في جميع عساكره، فلقي ~~أصحابه منهزمين، فلما رأوه قويت قلوبهم، ورجعوا، وكروا على أصحاب إبراهيم، ~~وقتلوا منهم جماعة، وحجز الليل بينهم. ثم سار أبو عبدالله إلى قسطيلة، ~~فحصرها، فقاتله أهلها، ثم طلبوا الأمان فأمنهم، وأخذ ما كان لزيادة الله ~~فيها من الأموال والعدد، ورحل إلى قفصة، فطلب أهلها الأمان فأمنهم، ورجع ~~إلى باغاية، فترك بها جيشا، وعاد إلى جبل إنكجان. فسار إبراهيم بن أبي ~~الأغلب في جيشه إلى باغاية وحصرها، فبلغ الخبر أبا عبدالله، فجمع عسكره ~~وسار مجدا إليها، ووجه اثني عشر ألف فارس، وأمر مقدمهم أن يسير إلى باغاية، ~~فإن كان إبراهيم قد رحل عنها فلا يجاوز فج العرعار، فمضى الجيش، وكان أصحاب ~~أبي عبد الله الذين في باغاية قد قاتلوا ms2699 عسكر إبراهيم قتالا شديدا، فلما ~~رأى صبرهم عجب هو وأصحابه منهم، فأرعب ذلك قلوبهم؛ ثم بلغهم قرب العسكر ~~منهم، فعاد إبراهيم بعساكره، فوصل عسكر أبي عبدالله، فلم ير واحدا، فنهبوا ~~ما وجدوا وعادوا. PageV03P0383 # ورجع إبراهيم إلى الأربس. ولما دخل فصل الربيع، وطاب الزمان، جمع أبو ~~عبدالله عساكره، فبلغت مائتي ألف فارس وراجل، واجتمع من عساكر زيادة الله ~~بالأربس مع إبراهيم ما لا يحصى، وسار أبو عبدالله، أول جمادى الآخرة سنة ست ~~وتسعين ومائتين، فالتقوا، واقتتلوا أشد قتال، وطال زمانه، وظهر أصحاب زيادة ~~الله، فلما رأى ذلك أبو عبدالله اختار من أصحابه ستمائة راجل، وأمرهم أن ~~يأتوا عسكر زيادة الله من خلفهم، فمضوا لما أمرهم في الطريق الذي أمرهم ~~بسلوكه. واتفق أن إبراهيم فعل مثل ذلك، فالتقى الطائفتان، فاقتتلوا في مضيق ~~هناك فانهزم أصحاب إبراهيم، ووقع الصوت في عسكره بكمين أبي عبدالله ~~وانهزموا، وتفرقوا، وهرب كل قوم إلى جهة بلادهم، وهرب إبراهيم وبعض من معه ~~إلى القيروان، وتبعهم أصحاب أبي عبدالله يقتلون ويأسرون، وغنموا الأموال ~~والخيل والعدد، ودخل أصحابه مدينة الأربس فقتلوا بها خلقا عظيما، ودخل كثير ~~من أهلها الجامع فقتل فيه أكثر من ثلاثة آلاف ونهبوا البلد، وكانت الوقعة ~~أواخر جمادى الآخرة، وانصرف أبو عبدالله إلى قمودة. فلما وصل خبر الهزيمة ~~إلى زيادة الله هرب إلى الديار المصرية، وكان من أمره ما تقدم ذكره، ولما ~~هرب زيادة الله هرب أهل مدينة رقادة على وجوههم، في الليل، إلى القصر ~~القديم، وإلى القيروان، وسوسة، ودخل أهل القيروان رقادة ونهبوا ما فيها، ~~وأخذ القوي الضعيف، ونهبت قصور بني الأغلب، وبقي النهب ستة أيام. ووصل ~~إبراهيم بن أبي الأغلب إلى القيروان، فقصد قصر الإمارة، واجتمع إليه أهل ~~القيروان، ونادى مناديه بالأمان، وتسكين الناس، وذكر لهم أحوال زيادة الله، ~~وما كان عليه، حتى أفسد ملكه؛ وصغر أمر أبي عبد الله الشيعي، ووعدهم أن ~~يقاتل عنهم، ويحمي حريمهم وبلدهم، وطلب منهم المساعدة بالسمع والطاعة ~~والأموال، فقالوا: إنما نحن فقهاء، وعامة، وتجار، وما في أموالنا ما يبلغ ms2700 ~~غرضك، وليس لنا بالقتال طاقة؛ فأمرهم بالانصراف، فلما خرجوا من عنده ~~وأعلموا الناس بما قاله صاحوا به: اخرج عنا، فما لك عندنا سمع ولا طاعة ! ~~وشتموه، فخرج عنهم وهم يرجمونه. ولما بلغ أبا عبد الله هرب زيادة الله كان ~~بناحية سبيبة، ورحل فنزل بوادي النمل، وقدم بين يديه عروبة بن يوسف، وحسن ~~بن أبي خنزير، في ألف فارس إلى رقادة، فوجدوا الناس ينهبون ما بقي من ~~الأمتعة والأثاث، فأمنوهم ولم يتعرضوا لأحد، وتركوا لكل واحد ما حمله، فأتى ~~الناس إلى القيروان، فأخبروه الخبر، ففرح أهلها. وخرج الفقهاء ووجوه البلد ~~إلى لقاء أبي عبدالله، فلقوه، وسلموا عليه، وهنأوه بالفتح، فرد عليهم ردا ~~حسنا، وحدثهم، وأعطاهم الأمان، فأعجبهم ذلك وسرهم، وذموا زيادة الله، ~~وذكروا مساوئه، فقال لهم: ما كان إلا قويا، وله منعة، ودولة شامخة، وما قصر ~~في مدافعته، ولكن أمر الله لا يعاند ولا يدافع ! فأمسكوا عن الكلام، ورجعوا ~~إلى القيروان. ودخل رقادة يوم السبت، مستهل رجب من سنة ست وتسعين ومائتين، ~~فنزل ببعض قصورها، وفرق دورها على كتامة، ولم يكن بقي أحد من أهلها فيها، ~~وأمر فنودي بالأمان، فرجع الناس إلى أوطانهم، وأخرج العمال إلى البلاد، ~~وطلب أهل الشر فقتلهم، وأمر أن يجمع ما كان لزيادة الله من الأموال، ~~والسلاح، وغير ذلك، فاجتمع كثير منه، وفيه كثير من الجواري لهن مقدار وحظ ~~من الجمال، فسأل عمن يكفلهن، فذكر له امرأة صالحة كانت لزيادة الله، ~~فأحضرها، وأحسن إليها، وأمر بحفظهن، وأمر لهن بما يصلحهن ولم ينظر إلى ~~واحدة منهن. ولما حضرت الجمعة أمر الخطباء بالقيروان ورقادة، فخطبوا ولم ~~يذكروا أحدا، وأمر بضرب السكة، وأن لا ينقش عليها اسم، ولكنه جعل مكان ~~الاسم من وجه: بلغت حجة الله؛ ومن الوجه الآخر: تفرق أعداء الله؛ ونقش على ~~السلاح: عدة في سبيل الله؛ ووسم الخيل على أفخاذها: الملك لله؛ وأقام على ~~ما كان عليه من لبس الدون الخشن، والقليل من الطعام الغليظ. ### || AUT ذكر مسير أبي عبد الله إلى سجلماسة وظهور المهدي # PageV03P0384 # لما استقرت ms2701 الأمور لأبي عبد الله في رقادة وسائر بلاد أفريقية أتاه أخوه ~~أبو العباس محمد، ففرح به، وكان هو الكبير، فسار أبو عبد الله في رمضان من ~~السنة من رقادة، واستخلف على إفريقية أخاه أبا العباس، وأبا زاكي، وسار في ~~جيوش عظيمة، فاهتز المغرب لخروجه، وخافته زناتة، وزالت القبائل عن طريقه، ~~وجاءته رسلهم ودخلوا في طاعته. فلما قر من سجلماسة، وانتهى خبره إلى أليسع ~~بن مدرار، أمير سجلماسة، أرسل إلى المهدي، وهو في حبسه، على ما ذكرناه، ~~يسأله عن نسبه وحاله، وهل إليه قصد أبو عبد الله ؟ فحلف له المهدي أنه ما ~~رأى أبا عبدالله؛ ولا عرفه، وإنما أنا رجل تاجر؛ فاعتقل في دار وحدة، وكذلك ~~فعل بولده أبي القاسم، وجعل عليهما الحرس، وقرر ولده أيضا، فما حال عن كلام ~~أبيه، وقرر رجلا كانوا معه، وضربهم، فلم يقروا بشيء. وسمع أبو عبد الله ~~ذلك، فشق عليه، فأرسل إلى أليسع يتلطفه، وأنه لم يقصد الحرب، وإنما له حاجة ~~مهمة عنده، ووعده الجميل، فرمى الكتاب، وقتل الرسل، فعاوده بالملاطفة خوفا ~~على المهدي، ولم يذكره له، فقتل الرسول أيضا، فأسرع أبو عبد الله في السير، ~~ونزل عليه، فخرج إليه أليسع، وقاتله يومه ذلك، وافترقوا، فلما جنهم الليل ~~هرب أليسع وأصحابه من أهله وبني عمه، وبات أبو عبدالله ومن معه فيغم عظيم ~~لا يعلمون ما صنع بالمهدي وولده، فلما أصبح خرج إليه أهل البلد، وأعلموه ~~بهرب أليسع، فدخل هو وأصحابه البلد، وأتوا المكان الذي فيه المهدي، ~~فاستخرجه، واستخرج ولده، فكانت في الناس مسرة عظيمة كادت تذهب بعقولهم، ~~فأركبهما، ومشى هو ورؤساء القبائل بين أيديهما، وأبو عبدالله يقول للناس: ~~هذا مولاكم، وهو يبكي من شدة الفرح، حتى وصل إلى فسطاط قد ضرب له، فنزل ~~فيه، وأمر بطلب أليسع، فطلب، فأدرك، فأخذ وضرب بالسياط ثم قتل. فلما ظهر ~~المهدي أقام بسجلماسة أربعين يوما، وسار إلى أفريقية، وأحضر الأموال من ~~إنكجان، فجعلها أحمالا وأخذها معه، ووصل إلى رقادة العشر الأخير من ربيع ~~الآخر من سنة سبع وتسعين ومائتين، ms2702 وزال ملك بني الأغلب، وملك بني مدرار ~~الذين منهم أليسع وكان لهم ثلاثون ومائة سنة منفردين بسجلماسة، وزال ملك ~~بني رستم من تاهرت، ولهم ستون ومائة سنة تفردوا بتاهرت، وملك المهدي جميع ~~ذلك، فلما قرب من رقادة تلقاه أهلها، وأهل القيروان، وأبو عبدالله، ورؤساء ~~كتامة مشاة بين يديه، وولده خلفه، فسلموا عليه، فرد جميلا، وأمرهم ~~بالانصراف، ونزل بقصر من قصور رقادة، وأمر يوم الجمعة بذكر اسمه في الخطبة ~~في البلاد، وتلقب بالمهدي أمير المؤمنين. وجلس بعد الجمعة رجل يعرف ~~بالشريف، ومعه الدعاة، وأحضروا الناس بالعنف والشدة، ودعوهم إلى مذهبهم، ~~فمن أجاب أحسن إليه، ومن أبى حبس، فلم يدخل في مذهبهم إلا بعض الناس، وهم ~~قليل، وقتل كثير ممن لم يوافقهم على قولهم. وعرض عليه أبو عبدالله جواري ~~زيادة الله، فاختار منهن كثيرا لنفسه ولولده أيضا، وفرق ما بقي على وجوه ~~كتامة، وقسم عليهم أعمال إفريقية، ودون الدواوين، وجبى الأموال، واستقرت ~~قدمه، ودانت له أهل البلاد، واستعمل العمال عليها جميعها؛ فاستعمل على ~~جزيرة صقلية الحسن بن أحمد ابن أبي خنزير، فوصل إلى مازر عاشر ذي الحجة سنة ~~سبع وتسعين ومائتين، فولى أخاه على جرجنت، وجعل قاضيا بصقلية إسحاق بن ~~المنهال، وهو أول قاض تولى بها للمهدي العلوي. وبقي ابن أبي خنزير إلى سنة ~~ثمان وتسعين، فسار في عسكره إلى دمنش، فغنم، وسبى، وأحر، وعاد فبقي مدة ~~يسيرة، وأساء السيرة في أهلها، فثاروا به، وأخذوه وحبسوه، وكتبوا إلى ~~المهدي بذلك، واعتذروا، فقبل عذرهم، واستعمل عليهم علي بن عمر البلوي، فوصل ~~آخر ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين. ### || AUT ذكر قتل أبي عبد الله الشيعي وأخيه أبي العباس # في سنة ثمان وتسعين ومائتين قتل أبو عبد الله الشيعي، قتله المهدي عبيد ~~الله. PageV03P0385 # وسبب ذلك أن المهدي لما استقامت له البلاد، ودانت له العباد، وباشر ~~الأمور بنفسه، وكف يد أبي عبد الله، ويد أخيه أبي العباس، داخل أبا العباس ~~الحسد، وعظم عليه الفطام عن الأمر والنهي، والأخذ والعطاء، فأقبل يزري على ~~المهدي في مجلس ms2703 أخيه، ويتكلم فيه، وأخوه ينهاه، ولا يرضى فعله، فلا يزيده ~~ذلك إلا لجاجا. ثم إنه أظهر أبا عبدالله على ما في نفسه، وقال له: ملكت ~~أمرا، فجئت بمن أزالك عنه، وكان الواجب عليه أن لا يسقط حقك. ولم يزل حتى ~~أثر في قلب أخيه، فقال يوما للمهدي: لو كنت تجلس في قصرك، وتتركني مع كتامة ~~آمرهم وأنهاهم، لأني عارف بعاداتهم، لكان أهيب لك في أعين الناس. وكان ~~المهدي سمع شيئا مما يجري بين أبي عبد الله وأخيه، فتحقق ذلك، غير أنه رد ~~ردا لطيفا، فصار أبو العباس يشير إلى المقدمين بشيء من ذلك، فمن رأى منه ~~قبولا كشف له ما في نفسه، وقال: ما جازاكم على ما فعلتم، وذكر لهم الأموال ~~التي أخذها المهدي من إنكجان، وقال: هلا قسمها فيكم ! وكل ذلك يتصل ~~بالمهدي، وهو يتغافل، وأبو عبدالله يداري، ثم صار أبو العباس يقول: إن هذا ~~ليس الذي كنا نعتقد طاعته، وندعو إليه لأن المهدي يختم بالحجة، ويأتي ~~بالآيات الباهرة، فأخذ قوله بقلوب كثير من الناس، منهم إنسان من كتامة يقال ~~له شيخ المشايخ، فواجه المهدي بذلك، وقال: إن كنت المهدي فأظهر لنا آية، ~~فقد شككنا فيك؛ فقتله المهدي، فخافه أبو عبدالله، وعلم أن المهدي قد تغير ~~عليه، فاتفق هو وأخوه ومن معهما على الاجتماع عند أبي زاكي، وعزموا على قتل ~~المهدي واجتمع معهم قبائل كتامة إلا قليلا منهم. وكان معهم رجل يظهر أنه ~~منهم، وينقل ما يجري إلى المهدي، ودخلوا عليه مرارا فلم يجسروا على قتله، ~~فاتفق أنهم اجتمعوا ليلة عند أبي زاكي، فلما أصبحوا لبس أبو عبدالله ثوبه ~~مقلوبا ودخل على المهدي، فرأى ثوبه، فلم يعرفه به، ثم دخل عليه ثلاثة أيام ~~والقميص بحاله، فقال له المهدي: ما هذا الأمر الذي أذهلك عن إصلاح ثوبك ؟ ~~فهو مقلوب منذ ثلاثة أيام فعلمت أنك ما نزعته؛ فقال: ما علمت بذلك إلا ~~ساعتي هذه؛ قال: أين كنت البارحة والليالي قبلها ؟ فسكت أبو عبدالله؛ فقال: ~~أليس بت في دار أبي زاكي ؟ قال: ms2704 بلى. قال: وما الذي أخرجك من دارك ؟ قال: ~~خفت. قال: وهل يخاف الإنسان إلا من عدوه ؟ فعلم أن أمره ظهر للمهدي، فخرج ~~وأخبر أصحابه، وخافوا، وتخلفوا عن الحضور. فذكر ذلك للمهدي، وعنده رجل يقال ~~له ابن القديم، كان من جملة القوم، وعنده أموال كثيرة، من أموال زيادة ~~الله، فقال: يا مولاي إن شئت أتيتك بهم، ومضى فجاء بهم، فعلم المهدي صحة ما ~~قيل عنه، فلاطفهم وفرقهم في البلاد، وجعل أبا زاكي واليا على طرابلس، وكتب ~~إلى عاملها أن يقتله عند وصوله، فلما وصلها قتله عاملها، وأرسل رأسه إلى ~~المهدي، فهرب ابن القديم، فأخذ، فأمر المهدي بقتله فقتل. وأمر المهدي عروبة ~~ورجالا معه أن يرصدوا أبا عبدالله وأخاه أبا العباس، ويقتلوهما، فلما وصلا ~~إلى قرب القصر حمل عروبة على أبي عبدالله، فقال: لا تفعل يا بني ! فقال: ~~الذي أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك؛ فقتل هو وأخوه، وكان قتلهما في اليوم الذي ~~قتل فيه أبو زاكي، فقيل: إن المهدي صلى على أبي عبدالله، وقال: رحمك الله: ~~أبا عبدالله، وجزاك خيرا بجميل سعيك. وثارت فتنة بسبب قتلهما، وجرد ~~أصحابهما السيوف، فركب المهدي وأمن الناس، فسكنوا، ثم تتبعهم حتى قتلهم. ~~وثارت فتنة ثانية بين كتامة وأهل القيروان، قتل فيها خلق كثير، فخرج المهدي ~~وسكن الفتنة، وكف الدعاة عن طلب التشيع من العامة. ولما استقامت الدولة ~~للمهدي عهد إلى ولده أبي القاسم نزار بالخلافة، ورجعت كتامة إلى بلادهم، ~~فأقاموا طفلا وقالوا: هذا هو المهدي، ثم زعموا أنه نبي يوحى إليه، وزعموا ~~أن أبا عبدالله لم يمت، وزحفوا إلى مدينة ميلة، فبلغ ذلك المهدي فأخرج ابنه ~~أبا القاسم، فحصرهم، فقاتلوه فهزمهم واتبعهم حتى أجلاهم إلى البحر، وقتل ~~منهم خلقا عظيما، وقتل الطفل الذي أقاموه. وخالف عليه أهل صقلية مع ابن ~~وهب، فأنفذ إليهم أسطولا، ففتحها وأتى بابن وهب فقتله. PageV03P0386 # وخالف عليه أهل تاهرت، فعزاها، ففتحها، وقتل أهل الخلاف، وقتل جماعة من ~~بني الأغلب برقادة كانوا قد رجعوا إليها بعد وفاة زيادة الله. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها ms2705 سير القاسم بن سيما وجماعة من القواد في طلب الحسين بن حمدان، ~~فساروا حتى بلغوا قرقيسياء والرحبة، فلم يظفروا به، فكتب المقتدر إلى أبي ~~الهيجاء عبد الله بن حمدان، وهو الأمير بالموصل، يأمره بطلب أخيه الحسين، ~~فسار هو والقاسم بن سيما، فالتقوا عند تكريت، فانهزم الحسين، فأرسل أخاه ~~إبراهيم بن حمدان يطلب الأمان، فأجيب إلى ذلك، ودخل بغداد، وخلع عليه، وعقد ~~له على قم وقاشان، فسار غليها وصرف عنها العباس بن عمرو. وفيها وصل بارس ~~غلام إسماعيل الساماني، وقلد ديار ربيعة، وقد تقدم ذكره. وفيها كانت وقعة ~~بين طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث وبين سبكرى غلام عمرو، فأسر طاهرا ووجهه ~~وأخاه يعقوب بن محمد بن عمرو إلى المقتدر مع كاتبه عبد الرحمن بن جعفر ~~الشيرازي، فأدخلا بغداد أسيرين، فحبسا، وكان سبكرى قد تغلب على فارس بغير ~~أمر الخليفة، فلما وصل كاتبه قرر أمره على مال يحمله، وكان وصوله إلى بغداد ~~سنة سبع وتسعين. وفيها خلع على مؤنس المظفر الخادم، وأمر بالمسير إلى غزو ~~الروم، فسار في جمع كثيف، فغزا من ناحية ملطية، ومعه أبو الأغر السلمي، ~~فظفر وغنم وأسر منهم جماعة وعاد. وفيها قلد يوسف بن أبي الساج أعمال ~~أرمينية وأذربيجان، وضمنها بمائة ألف وعشرين ألف دينار، فسار إليها من ~~الدينور. وفيها سقط ببغداد ثلج كثير من بكرة إلى العصر، فصار على الأرض ~~أربع أصابع، وكان معه برد شديد، وجمد الماء والخل والبيض والأدهان، وهلك ~~النخل، وكثير من الشجر؛ وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي. وفيها توفي ~~محمد بن طاهر بن عبدالله بن طاهر. وفيها قتل سوسن حاجب المقتدر، وسبب ذلك ~~أنه كان له أثر في أمر ابن المعتز، فلما بويع ابن المعتز واستحجب غيره لزم ~~المقتدر، فلما استوزر ابن الفرات تفرد بالأمور، فعاداه سوسن، وسعى في فساد ~~حاله، فأعلم ابن الفرات المقتدر بالله بحال سوسن، وأنه كان ممن أعان ابن ~~المعتز فقبض عليه وقتله. وفيها توفي محمد بن داود بن الجراح عم علي بن عيسى ~~الوزير، ms2706 وكان عالما بالكتابة. وفيها توفي عبدالله بن جعفر بن خاقان، وأبو ~~عبد الرحمن الدهكاني. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائتين # ### || AUT ذكر استيلاء الليث على فارس وقتله # في هذه السنة سار الليث بن علي بن الليث من سجستان إلى فارس في جيش ~~وأخذها، واستولى عليها، وهرب سبكرى عنها إلى أرجان، فلما بلغ الخبر المقتدر ~~جهز مؤنسا الخادم وسيره إلى فارس، معونة لسبكرى، فاجتمعا بأرجان. وبلغ خر ~~اجتماعهما الليث، فسار إليهما، فأتاه الخبر بمسير الحسين ابن حمدان من قم ~~إلى البيضاء، معونة لمؤنس، فسير أخاه في بعض جيشه إلى شيراز ليحفظها، ثم ~~سار في بعض جنده في طريق مختصر ليواقع الحسين ابن حمدان، فأخذ به الدليل في ~~طريق الرجالة، فهلك أكثر دوابه، ولقي هو وأصحابه مشقة عظيمة، فقتل الدليل، ~~وعدل عن ذلك الطريق، فأشرف على عسكر مؤنس، فظنه هو وأصحابه أنه عسكره الذي ~~سير مع أخيه إلى شيراز، فكبروا، فثار إليهم مؤنس وسبكرى في جندهما، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم عسكر الليث، وأخذ هو أسيرا. فلما أسره مؤنس ~~قال له أصحابه: إن المصلحة أن نقبض على سبكرى، ونستولي على بلاد فارس، ~~ونكتب إلى الخليفة ليقرها عليك؛ فقال: سأفعل غدا، إذا صار إلينا على عادته، ~~فلما جاء الليل أرسل مؤنس إلى سبكرى سرا يعرفه ما أشار به أصحابه، وأمره ~~بالمسير من ليلته إلى شيراز، ففعل، فلما أصبح مؤنس قال لأصحابه: أرى سبكرى ~~قد تأخر عنا، فتعرفوا خبره؛ فسار إليه بعضهم، وعاد فأخبره أن سبكرى سار من ~~ليلته إلى شيراز، فلام أصحابه، وقالب: من جهتكم بلغه الخبر حتى استوحش؛ ~~وعاد مؤنس ومعه الليث إلى بغداد، وعاد الحسين بن حمدان إلى قم. ### || AUT ذكر أخذ فارس من سبكرى # PageV03P0387 # لما عاد مؤنس عن سبكرى استولى كاتبه عبد الرحمن بن جعفر على الأمور، ~~فحسده أصحاب سبكرى، فنقلوا عنه أنه كاتب الخليفة، وأنه قد حلف أكثر القواد ~~له، فقبض عليه وقيده وحبسه، واستكتب مكانه إسماعيل ابن إبراهيم البمي، ~~فحمله على العصيان ومنع ما كان يحمله إلى الخليفة، ms2707 ففعل ذلك. فكتب عبد ~~الرحمن بن جعفر إلى ابن الفرات، وزير الخليفة، يعرفه ذلك، وأنه لما نهى ~~سبكرى عن العصيان قبض عليه، فكتب ابن الفرات إلى مؤنس، وهو بواسط، يأمره ~~بالعود إلى فارس، ويعجزه حيث لم يقبض على سبكرى، ويحمله مع الليث إلى ~~بغداد؛ فعاد مؤنس إلى الأهواز. وأرسل سبكرى مؤنسا، وهاداه، وسأله أن يتوسط ~~حاله مع الخليفة، فكتب في أمره، وبذل عنه مالا، فلم يستقر بينهم شيء؛ وعلم ~~ابن الفرات أن مؤنسا يميل إلى سبكرى، فأنفذ وصيفا كاتبه، وجماعة من القواد، ~~ومحمد بن جعفر الفريابي، وعول عليه في فتح فارس، وكتب إلى مؤنس يأمره ~~باستصحاب الليث معه إلى بغداد، فعاد مؤنس. وسار محمد بن جعفر إلى فارس، ~~وواقع سبكرى على باب شيراز، فانهزم سبكرى إلى بم وتحصن بها، وتبعه محمد بن ~~جعفر وحصره بها، فخرج إليه سبكرى وحاربه مرة ثانية، فهزمه محمد ونهب ماله ~~ودخل سبكرى مفازة خراسان، فظفر به صاحب خراسان، على ما نذكره، واستولى محمد ~~ابن جعفر على فارس فاستعمل عليها قنبجا خادم الأفشين، والصحيح أن فتح فارس ~~كان سنة ثمان وتسعين. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها وجه المقتدر القاسم بن سيما لغزو الصائفة؛ وحج بالناس الفضل ابن ~~عبد الملك الهاشمي. وفيها توفي عيسى النوشري في شعبان بمصر، بعد موت أبي ~~العباس ابن بسطام بعشرة أيام، ودفن بالبيت المقدس، واستعمل المقتدر مكانه ~~تكين الخادم، وخلع عليه منتصف شهر رمضان. وفيها توفي أبو عبدالله محمد بن ~~سالم، صاحب سهل بن عبد الله التستري. وفيها توفي الفيض بن الخضر، وقيل ابن ~~محمد أبو الفيض الأولاشي الطرسوسي، وأبو بكر محمد بن داود بن علي الأصفهاني ~~الفقيه الظاهري، وموسى بن إسحاق القاضي، والقاضي أبو محمد يوسف بن يعقوب بن ~~حماد وله تسع وثمانون سنة. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائتين # ### || AUT ذكر استيلاء أحمد بن إسماعيل على سجستان # في هذه السنة، في رجب، استولى أبو نصر أحمد بن إسماعيل الساماني على ~~سجستان. وسبب ذلك أنه لما استقر أمره، وثبت ms2708 ملكه، خرج في سنة سبع وتسعين ~~ومائتين إلى الري، وكان يسكن بخارى، ثم سار إلى هراة، فسير منها جيشا في ~~المحرم سنة ثمان وتسعين إلى سجستان، وسير جماعة من أعيان قواده وأمرائه، ~~منهم أحمد بن سهل، ومحمد بن المظفر، وسيمجور الدواتي، وهو والد آل سيمجور ~~ولاة خراسان للسامانية، وسيرد ذكرهم، واستعمل أحمد على هذا الجيش الحسين بن ~~علي المروروذي، فساروا حتى أتوا سجستان، وبها المعدل بن علي بن الليث ~~الصفار وهو صاحبها. فلما بلغ المعدل خبرهم سير أخاه أبا علي محمد بن علي بن ~~الليث إلى بست والرخج ليحمي أموالها، ويرسل منها الميرة إلى سجستان، فسار ~~المير أحمد بن إسماعيل إلى أبي علي ببست، وجاذبه، وأخذه أسيرا، وعاد به إلى ~~هراة. وأما الجيش الذي بسجستان فإنهم حصروا المعدل، وضايقوه، فلما بلغه أن ~~أخاه أبا علي محمدا قد أخذ أسيرا، صالح الحسين بن علي، واستأمن إليه، ~~فاستولى الحسين على سجستان، فاستعمل عليها الأمير أحمد أبا صالح منصور بن ~~إسحاق، وهو ابن عمه، وانصرف الحسين عنها ومعه المعدل إلى بخارى؛ ثم إن ~~سجستان خالف أهلها سنة ثلاثمائة على ما نذكره. ولما استولى السامانية على ~~سجستان بلغهم خبر مسير سبكرى في المفازة من فارس إلى سجستان، فسيروا إليه ~~جيشا، فلقوه وهو وعسكره قد أهلكهم التعب، فأخذوه أسيرا، واستولوا على ~~عسكره، وكتب الأمير أحمد إلى المقتدر بذلك، وبالفتح، فكتب إليه يشكره على ~~ذلك، ويأمره بحمل سبكرى، ومحمد بن علي بن الليث، إلى بغداد، فسيرهما، ~~وأدخلا بغداد مشهورين على فيلين، وأعاد المقتدر رسل أحمد، صاحب خراسان، ~~ومعهم الهدايا والخلع.؟ ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV03P0388 # فيها أطلق الأمير أحمد بن إسماعيل عمه إسحاق بن أحمد من محبسه، وأعاده ~~إلى سمرقند وفرغانة. وفيها توفي محمد بن جعفر الفريابي، وقنبج الخادم أمير ~~فارس، فاستعمل عليها عبد الله بن إبراهيم المسمعي، وأضاف إليه كرمان. وفيها ~~جعلت أم موسى الهاشمية قهرمانة دار المقتدر بالله، فكانت تؤدي الرسائل من ~~المقتدر وأمه إلى الوزير، وإنما ذكرناها لأن لها فيما بعد من الحكم ms2709 في ~~الدولة ما أوجب ذكرها، وإلا كان الإضراب عنها أولى. وفيها غزا القاسم بن ~~سيما الصائفة. وفيها، في رجب، توفي المظفر بن جاخ، أمير اليمن، وحمل إلى ~~مكة ودفن بها، واستعمل الخليفة على اليمن بعده ملاحظا؛ وحج بالناس في هذه ~~السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمي. وفيها، في شعبان، أخذ جماعة ببغداد، قيل ~~إنهم أصحاب رجل يدعي الربوبية، يعرف بمحمد بن بشر. وفيها هبت ريح شديدة ~~حارة صفراء بحديثة الموصل، فمات لشدة حرها جماعة كثيرة. وفيها توفي أبو ~~القاسم جنيد بن محمد الصوفي، وكان إمام الدنيا في زمانه، وأخذ الفقه عن أبي ~~ثور، صاحب الشافعي، والتصوف عن سري السقطي. وفيها توفي أبو برزة الحاسب، ~~واسمه الفضل بن محمد. وفيها توفي القاسم بن العباس أبو محمد المعشري، وإنما ~~قيل له المعشري لأنه ابن بنت أبي معشر نجيح المدني، وكان زاهدا فقيها. ~~وفيها توفي أحمد بن سعيد بن مسعود بن عصام أبو العباس، ومحمد بن إياس والد ~~أبي زكرياء، صاحب تاريخ الموصل، وكان خيرا فاضلا، وهو أزدي. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائتين # ### || AUT ذكر القبض على ابن الفرات # ### || AUT ووزارة الخاقاني # في هذه السنة قبض المقتدر على الوزير أبي الحسن بن الفرات في ذي الحجة، ~~وكان قد ظهر، قبل القبض عليه بمدة يسيرة، ثلاثة كواكب مذنبة، أحدها ظهر آخر ~~رمضان في برج الأسد، والآخر ظهر في ذي القعدة في المشرق، والثالث ظهر في ~~المغرب في ذي القعدة أيضا في برج العقرب. ولما قبض على الوزير وكل بداره، ~~وهتك حرمه، ونهب ماله، ونهبت دور أصحابه ومن يتعلق به، وافتتنت بغداد ~~لقبضه، ولقي الناس شدة ثلاثة أيام، ثم سكنوا. وكانت مدة وزارته هذه السنة، ~~وهي الوزارة الأولى، ثلاث سنين وثمانية أشهر وثلاثة عشر يوما، وقلد أبو علي ~~محمد بن يحيى بن عبيدالله بن يحيى بن خاقان الوزارة، فرتب أصحاب الدواوين؛ ~~وتولى مناظرة ابن الفرات أبو الحسين أحمد بن يحيى بن أبي البغل، وكان أخوه ~~أبو الحسن بن أبي البغل مقيما بأصبهان، فسعى ms2710 أخوه له في الوزارة هو وأم ~~موسى القهرمانة، فأذن المقتدر في حضوره ليتولى الوزارة، فحضر، فلما بلغ ذلك ~~الخاقاني انحلت أموره، فدخل على الخليفة وأخبره بذلك، فأمره بالقبض على أبي ~~الحسن، وأبي الحسين أخيه، فقبض على أبي الحسن وكتب في القبض على أبي ~~الحسين، فقبض أيضا، ثم خاف القهرمانة، فأطلقهما واستعملهما. ثم إن أمور ~~الخاقاني انحلت لأنه كان ضجورا، ضيق الصدر مهملا لقراءة كتب العمال، وجباية ~~الأموال، وكان يتقرب إلى الخاصة والعامة، فمنع خدم السلطان وخواصه أن ~~يخاطبوه بالعبد، وكان إذا رأى جماعة من الملاحين والعامة يصلون جماعة، ينزل ~~ويصلي معهم، وإذا سأله أحد حاجة دق صدره وقال، نعم وكرامة، فسمي: دق صدره، ~~إلا أنه قصر في إطلاق الأموال للفرسان والقواد، فنفروا عنه واتضعت الوزارة ~~بفعله ما تقدم. وكان أولاده قد تحكموا عليه، فكل منهم يسعى لمن يرتشي منه، ~~وكان يولي في الأيام القليلة عدة من العمال، حتى إنه ولى بالكوفة، في مدة ~~عشرين يوما، سبعة من العمال، فاجتمعوا في الطريق، فعرضوا توقيعاتهم، فسار ~~الخير منهم، وعاد الباقون يطلبون ما خدموا به أولاده، فقيل فيه: وزير قد ~~تكامل في الرقاعه ... يولي ثم يعزل بعد ساعه إذا أهل الرشى اجتمعوا لديه ~~... فخير القوم اوفرهم بضاعه وليس يلام في هذا بحال ... لأن الشيخ أفلت من ~~مجاعه PageV03P0389 # ثم زاد الأمر، حتى تحكم أصحابه، فكانوا يطلقون الأموال ويفسدون الأحوال، ~~فانحلت القواعد، وخبثت النيات، واشتغل الخليفة بعزل وزرائه والقبض عليهم، ~~والرجوع إلى قول النساء والخدم، والتصرف على مقتضى آرائهم، فخرجت الممالك، ~~وطمع العمال في الأطراف، وكان ما نذكره فيما بعد. ثم إن الخليفة أحضر الوزر ~~ابن الفرات من محبسه، فجعله عنده في بعض الحجر مكرما، فكان يعرض عليه ~~مطالعات العمال وغير ذلك، وأكرمه، وأحسن إليه، بعد أن أخذ أمواله. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها غزا رستم أمير الثغور الصائفة من ناحية طرسوس، ومعه دميانة، فحصر ~~حصن مليح الأرمني، ثم دخل بلده وأحرقه. وفيها دخل بغداد العظيم والأغبر ~~وهما من قواد زكرويه القرمطي، دخلا بالأمان؛ وحج ms2711 بالناس الفضل بن عبد ~~الملك. وفيها جاء نفر من القرامطة من أصحاب أبي سعيد الجنابي إلى باب ~~البصرة، وكان عليها محمد بن إسحاق بن كنداجيق، وكان وصولهم يوم الجمعة، ~~والناس في الصلاة، فوقع الصوت بمجيء القرامطة، فخرج إليهم الموكلون بحفظ ~~باب البصرة، فرأوا رجلين منهم، فخرجوا إليهما، فقتل القرامطة منهم رجلا ~~وعادوا فخرج إليهم محمد بن إسحاق في جمع، فلم يرهم، فسير في أثرهم جماعة، ~~فأدركوهم، وكانوا نحو ثلاثين رجلان فقاتلوهم، فقتل بينهم جماعة، وعاد ابن ~~كنداجيق وأغلق أبواب البصرة، ظنا منه أن أولئك القرامطة كانوا مقدمة ~~لأصحابهم، وكاتب الوزير ببغداد يعرفه وصول القرامطة ويستمده، فلما أصبح ولم ~~ير للقرامطة أثرا ندم على ما فعل، وسير إليه من بغداد عسكرا مع بعض القواد. ~~وفيها خالف أهل طرابلس الغرب على المهدي، عبيدالله العلوي، فسير إليها ~~عسكرا فحاصرها، فلم يظفر بها، فسير إليها المهدي ابنه أبا القاسم في جمادى ~~الآخرة سنة ثلاثمائة، فحاصرها، وصابرها، واشتد في القتال، فعدمت الأقوات في ~~البلد حتى أكل أهله الميتة. ففتح البلد عنفا، وعفا عن أهله، وأخذ أموالا ~~عظيمة من الذين أثاروا الخلاف وغرم أهل البلد جميع ما أخرجه على عسكره، ~~وأخذ وجوه البلد رهائن عنده، واستعمل عليه عاملا وانصرف. وفيها كانت زلازل ~~بالقيروان لم ير مثلها شدة وعظمة، وثار أهل القيروان، فقتلوا من كتامة نحو ~~ألف رجل. وفيها توفي محمد بن أحمد بن كيسان أبو الحسن النحوي، وكان عالما ~~بنحو البصريين والكوفيين، لأنه أخذه عن ثعلب والمبرد. وفيها توفي محمد بن ~~السري القنطري، وأبو صالح الحافظ، وأبو علي ابن سيبويه، وأبو يعقوب إسحاق ~~بن حنين الطبيب. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاثمائة # ### || AUT ذكر عزل الخاقاني عن الوزارة # ### || AUT ووزارة علي بن عيسى # في هذه السنة ظهر للمقتدر تخليط الخاقاني، وعجزه في الوزارة، فأراد ~~عزله، وإعادة أبي الحسن بن الفرات إلى الوزارة، فمنعه مؤنس الخادم عن ابن ~~الفرات لنفوره عنه لأمور، منها: إنفاذ الجيش إلى فارس مع غيره، وإعادته إلى ~~بغداد، وقد ذكرناه، فقال للمقتدر: متى أعدته ms2712 ظن الناس أنك إنما قبضت عليه ~~شرها في ماله، والمصلحة أن تستدعي علي بن عيسى من مكة وتجعله وزيرا، فهو ~~الكافي الثقة، الصحيح العمل، المتين الدين. PageV03P0390 # فأمر المقتدر بإحضاره، فأنفذ من يحضره، فوصل إلى بغداد أول سنة إحدى ~~وثلاثمائة، وجلس في الوزارة، وقبض على الخاقاني وسلم إليه، فأحسن قبضه، ~~ووسع عليه، وتولى علي بن عيسى، ولازم العمل والنظر في الأمور، ورد المظالم، ~~وأطلق من المكوس شيئا كثيرا بمكة وفارس، وأطلق المواخير والمفسدات بدوبق، ~~وأسقط زيادات كان الخاقاني قد زادها للجند، لأنه عمل الدخل والخرج، فرأى ~~الخرج أكثر، فأسقط أولئك، وأمر بعمارة المساجد والجوامع، وتبييضها وفرشها ~~بالحصر، وإشعال الأضواء فيها، وأجرى للأئمة، والقراء، والمؤذنين، أرزاقا، ~~وأمر بإصلاح البيمارستانات، وعمل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية، وقرر ~~فيها فضلاء الأطباء، وأنصف المظلومين، وأسقط ما زيد في خراج الضياع، ولما ~~عزل الخاقاني أكثر الناس التزوير على خطه بمسامحات وإدرارات، فنظر علي بن ~~عيسى في تلك الخطوط، فأنكرها، وأراد إسقاطها، فخاف ذم الناس، ورأى أن ~~ينفذها إلى الخاقاني ليميز الصحيح من المزور عليه، فيكون الذم له، فلما ~~عرضت تلك الخطوط عليه قال: هذه جميعها خطي وأنا أمرت بها؛ فلما عاد الرسول ~~إلى علي بن عيسى بذلك قال: والله لقد كذب، وقد علم المزور من غيره، ولكنه ~~اعترف بها ليحمده الناس ويذموني؛ وأمر بها فأجيزت. وقال الخاقاني لولده: يا ~~بني هذه ليست خطي، ولكنه أنفذها ألي وقد عرف الصحيح من السقيم، ولكنه أراد ~~أن يأخذ الشوك بأيدينا، ويبغضنا إلى الناس، وقد عكست مقصوده. ### || AUT ذكر خلاف سجستان وعودها إلى طاعة أحمد ابن إسماعيل الساماني # وفي هذه السنة أنفذ الأمير أبو نصر أحمد بن إسماعيل الساماني عسكرا إلى ~~سجستان ليفتحها ثانيا، وكانت قد عصت عليه، وخالف من بها. وسبب ذلك أن محمد ~~بن هرمز، المعروف بالمولى الصندلي، كان خارجي المذهب، وكان قد أقام ببخارى ~~وهو من أهل سجستان، وكان شيخا كبيرا، فجاء يوما إلى الحسين بن علي بن محمد ~~العارض يطلب رزقه، فقال له: إن الأصلح ms2713 لمثلك من الشيوخ أن يلزم رباطا يعبد ~~الله فيه، حتى يوافيه أجله؛ فغاظه ذلك، فانصرف إلى سجستان والوالي عليها ~~منصور بن إسحاق، فاستمال جماعة من الخوارج، ودعا إلى الصفار، وبايع في السر ~~لعمرو بن يعقوب بن محمد بن عمرو بن الليث، وكان رئيسهم محمد بن العباس، ~~المعروف بابن الحفار، وكان شديد القوة، فخرجوا، وقبضوا على منصور بن إسحاق ~~أميرهم وحبسوه في سجن أرك وخطبوا لعمرو بن يعقوب، وسلموا إليه سجستان. فلما ~~بلغ الخبر إلى المير أحمد بن إسماعيل سير الجيوش مع الحسين ابن علي، مرة ~~ثانية إلى زرنج، في سنة ثلاثمائة، فحصرها تسعة أشهر، فصعد يوما محمد بن ~~هرمز الصندلي إلى السور، وقال: ما حاجتكم إلى أذى شيخ لا يصلح إلا للزوم ~~رباط ؟ يذكرهم بما قاله العارض ببخارى؛ واتفق أن الصندلي مات، فاستأمن عمرو ~~بن يعقوب الصفار وابن الحفار إلى الحسين بن علي، وأطلقوا عن منصور بن ~~إسحاق، وكان الحسين بن علي يكرم ابن الحفار ويقربه، فواطأ ابن الحفار جماعة ~~على الفتك بالحسين، فعلم الحسين ذلك، وكان ابن الحفار يدخل على الحسين، لا ~~يحجب عنه، فدخل إليه يما وهو مشتمل على سيف، فأمر الحسين بالقبض عليه، ~~وأخذه معه إلى بخارى. ولما انتهى خبر فتح سجستان إلى المير أحمد استعمل ~~عليها سيمجور الدواتي، وأمر الحسين بالرجوع إليهن فرجع ومعه عمرو بن يعقوب ~~وابن الحفار وغيرهما، وكان عوده في ذي الحجة سنة ثلاثمائة، واستعمل الأمير ~~أحمد منصورا ابن عمه إسحاق على نيسابور وأنفذه إليها، وتوفي ابن الحفار. ### || AUT ذكر طاعة أهل صقلية للمقتدر # ### || AUT وعودهم إلى طاعة المهدي العلوي # قد ذكرنا سنة سبع وتسعين ومائتين استعمال المهدي علي بن عمر على صقلية، ~~فلما وليها كان شيخا لينا، فلم يرض أهل صقلية بسيرته، فعزلوه عنهم، وولوا ~~على أنفسهم أحمد بن قرهب، فلما ولي سير سرية إلى أرض قلورية، فغنموا منها، ~~وأسروا من الروم وعادوا. PageV03P0391 # وأرسل سنة ثلاثمائة ابنه عليا إلى قلعة طبرمين في جيش، وأمره بحصرها، ~~وكان غرضه إذا ملكها أن يجعل بها ms2714 ولده وأمواله وعبيده، فإذا رأى من أهل ~~صقلية ما يكره امتنع بها، فحصرها ابنه ستة أشهر، ثم اختلف العسكر عليه، ~~وكرهوا المقام، فأحرقوا خيمته، وسواد العسكر، وأرادوا قتله، فمنعهم العرب. ~~ودعا أحمد بن قرهب الناس إلى طاعة المقتدر، فأجابوه إلى ذلك، فخطب له ~~بصقلية، وقطع خطبة المهدي، وأخرج ابن قرهب جيشا في البحر إلى ساحل أفريقية، ~~فلقوا هناك أسطول المهدي ومقدمه الحسن بن أبي خنزير، فأحرقوا الأسطول، ~~وقتلوا الحسن، وحملوا رأسه إلى ابن قرهب، وسار الأسطول الصقلي إلى مدينة ~~سفاقس، فخربوها، وساروا إلى طرابلس، فوجدوا فيها القائم بن المهدي، فعادوا. ~~ووصلت الخلع السود والألوية إلى ابن قرهب من المقتدر، ثم أخرج مراكب فيها ~~جيش إلى قلورية، فغنم جيشه، وخربوا وعادوا؛ وسير أيضا اسطولا إلى إفريقية، ~~فخرج عليه أسطول المهدي، فظفروا بالذي لابن قرهب وأخذوه، ولم يستقم بعد ذلك ~~لابن قرهب حال، وأدبر أمره، وطمع فيه الناس، وكانوا يخافونه. وخاف منه أهل ~~جرجنت، وعصوا أمره، وكاتبوا المهدي، فلما رأى ذلك أهل البلاد كاتبوا المهدي ~~أيضا، وكرهوا الفتنة، وثاروا بابن قرهب، وأخذوه أسيرا سنة ثلاثمائة وحبسوه، ~~وأرسلوه إلى المهدي مع جماعة من خاصته، فأمر بقتلهم على قبر ابن أبي خنزير، ~~فقتلوا، واستعمل على صقلية أبا سعيد موسى بن أحمد، وسير معه جماعة كثيرة من ~~شيوخ كتامة، فوصلوا إلى طرابنش. وسبب إرسال العسكر معه أن ابن قرهب كان قد ~~كتب إلى المهدي يقول له: إن أهل صقلية يكثرون الشغب على أمرائهم، ولا ~~يطيعونهم، وينهبون أموالهم، ولا يزول ذلك إلا بعسكر يقهرهم ويزيل الرئاسة ~~عن رؤسائهم، ففعل المهدي ذلك، فلما وصل معه العسكر خاف منه أهل صقلية، ~~فاجتمع عليه أهل جرجنت وأهل المدينة وغيرها، فتحصن منهم أبو سعيد وعمل على ~~نفسه سورا إلى البحر، وصار المرسى معه، فاقتتلوا، فانهزم أهل صقلية، وقتل ~~جماعة من رؤسائهم، وأسر جماعة، وطل أهل المدينة الأمان، فأمنهم إلا رجلين ~~هما أثارا الفتنة، فرضوا بذلك وتسلم الرجلين، وسيرهما إلى المهدي بإفريقية، ~~وتسلم المدينة، وهدم أبوابها، وأتاه كتاب المهدي يأمره بالعفو ms2715 عن العامة. ### || AUT ذكر وفاة عبد الله بن محمد صاحب الأندلس وولاية عبد الرحمن الناصر # وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحاكم بن هشام بن عبد ~~الرحمن بن معاوية الأموي، صاحب الأندلس، في ربيع الأول، وكان عمره اثنتين ~~وأربعين سنة، وكان أبيض، أصهب، أزرق، ربعة، يخضب بالسواد، وكانت ولايته ~~خمسا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا، وخلف أحد عشر ولدا ذكرا، أحدهم محمد ~~المقتول، قتله في حد من الحدود، وهو والد عبد الرحمن الناصر. ولما توفي ولي ~~بعده ابن ابنه هذا محمد، واسمه عبد الرحمن بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن ~~عبد الرحمن بن الحاكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس ابن معاوية ~~بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحاكم الأموي، وأمه أم ولد تسمى مرتة، ~~وكان عمره لما قتل أبوه عشرين يوما. وكانت ولايته من المستطرف لأنه كان ~~شابا، وبالحضرة أعمامه وأعمام أبيه، فلم يختلفوا عليه، وولي الإمارة ~~والبلاد كلها، وقد اختلف عليهم قبله، وامتنع حصون بكورة رية وحصن ببشتر ~~فحاربه، حتى صلحت البلاد بناحيته، وكان من بطليطلة أيضا قد خالفوا، فقاتلهم ~~حتى عادوا إلى الطاعة، ولم يزل يقاتل المخالفين حتى أذعنوا له، وأطاعوه ~~نيفا وعشرين سنة، فاستقامت البلاد، وأمنت في دولته، ومضى لحال سبيله. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل عبد الله بن إبراهيم المسمعي عن فارس وكرمان واستعمل ~~عليها بدر الحمامي، وكان بدر يتقلد أصبهان، واستعمل بعده على أصبهان علي بن ~~وهسوذان الديلمي. وفيها ورد الخبر إلى بغداد، ورسوله من عامل برقة، وهي من ~~عمل مصر وما بعدها بأربعة فراسخ لمصر وما وراء ذلك من عمل المغرب، بخبر ~~خارجي خرج عليهم، وأنهم ظفروا به وبعسكره، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، ووصل ~~على يد الرسول من أنوفهم وآذانهم شيء كثير. PageV03P0392 # وفيها كثرت الأمراض والعلل ببغداد. وفيها كلبت الكلاب والذئاب بالبادية، ~~فأهلكت خلقا كثيرا. وفيها ولي بشر الأفشيني طرسوس. وفيها قلد مؤنس المظفر ~~الحرمين والثغور. وفيها انقضت الكواكب انقضاضا ms2716 كثيرا إلى جهة المشرق. وفيها ~~مات أسكندروس بن لاون ملك الروم، وملك بعده ابنه، واسمه قسطنطين، وعمره ~~اثنتا عشرة سنة. وفيها توفي عبيدالله بن عبدالله بن طاهر بن الحسين، وكان ~~مولده سنة ثلاث وعشرين ومائتين. وفيها توفي أحمد بن علي الحداد، وقيل سنة ~~تسع وتسعين ومائتين، وهو الصحيح. وفيها توفي أحمد بن يعقوب ابن أخي العرق ~~المقرئ، والحسين بن عمر بن أبي الأخوص، وعلي بن طيفور النشوي، وأبو عمر ~~القتات. وفيها، في ربيع الآخر، توفي يحيى بن علي بن يحيى المنجم المعروف بالنديم. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وثلاثمائة # في هذه السنة خلع على الأمر أبي العباس بن المقتدر بالله، وقلد أعمال ~~مصر والمغرب، وعمره أربع سنين، واستخلف له على مصر مؤنس الخادم، وأبو ~~العباس هذا هو الذي ولي الخلافة بعد القاهر بالله، ولقب الراضي بالله. وخلع ~~أيضا على الأمير علي بن المقتدر، وولي الري، ودنباوند، وقزوين، وزنجان، ~~وأبهر. وفيها أحضر بدار عيسى رجل يعرف بالحلاج ويكنى أبا محمد، وكان مشعبذا ~~في قول بعضهم، وصاحب حقيقة في قول بعضهم، ومعه صاحب له، فقيل، إنه يدعي ~~الربوبية، وصلب هو وصاحبه ثلاثة أيام، كل يوم من بكرة إلى انتصاف النهار، ~~ثم يؤمر بهما إلى الحبس، وسنذكر أخباره واختلاف الناس فيه عند صلبه. وفيها، ~~في صفر، عزل أبو الهيجاء عبدالله بن حمدان عن الموصل، وقلد يمن الطولوني ~~المعونة بالموصل، ثم صرف عنها في هذه السنة، واستعمل عليها نحرير الخادم ~~الصغير. وفيها خالف أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان على المقتدر فسير إليه ~~مؤنس المظفر، وعلى مقدمته بني بن نفسي، خرج إلى الموصل منتصف صفر ومعه ~~جماعة من القواد، وخرج مؤنس في ربيع الأول، فلما علم أبو الهيجاء بذلك قصد ~~مؤنسا مستأمنا من تلقاء نفسه، وورد معه إلى بغداد، فخلع المقتدر عليه. ~~وفيها توفي دميانة أمير الثغور وبحر الروم، وقلد مكانه ابن بلك. ### || AUT ذكر قتل الأمير أبي نصر الساماني # ### || AUT وولاية ولده نصر # وفي هذه السنة قتل الأمير أحمد بن إسماعيل بن أحمد ms2717 الساماني صاحب خراسان ~~وما وراء النهر، وكان مولعا بالصيد، فخرج إلى فربر متصيدا، فلما انصرف أمر ~~بإحراق ما اشتمل عليه عسكره، وانصرف، فورد عليه كتاب نائبه بطبرستان، وهو ~~أبو العباس صعلوك، وكان يليها بعد وفاة ابن نوح بها، يخبره بظهور الحسن بن ~~علي العلوي الأطروش بها، وتغلبه عليها، وأنه أخرجه عنها، فغم ذلك أحمد، ~~وعاد إلى معسكره الذي أحرقه فنزل عليه فتطير الناس من ذلك. وكان له أسد ~~يربطه كل ليلة على باب مبيته، فلا يجسر أحد أن يقربه، فأغفلوا إحضار الأسد ~~تلك الليلة، فدخل إليه جماعة من غلمانه، فذبحوه على سريره وهربوا، وكان ~~قتله ليلة الخميس لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثمائة، فحمل إلى ~~بخارى فدفن بها، ولقب حينئذ بالشهيد، وطلب أولئك الغلمان، فأخذ بعضهم فقتل. ~~وولي الأمر بعده ولده أبو الحسن نصر بن أحمد، وهو ابن ثماني سنين، وكانت ~~ولايته ثلاثين سنة وثلاثة وثلاثين يوما، وكان موته في رجب سنة إحدى وثلاثين ~~وثلاثمائة، ولقب بالسعيد، وبايعه أصحاب أبيه ببخارى بعد دفن أبيه، وكان ~~الذي تولى ذلك أحمد بن محمد بن الليث، وكان متولي أمر بخارى، فحمله على ~~عاتقه، وبايع له الناس، ولما حمله خدم أبيه ليظهر للناس خافهم وقال: ~~أتريدون أن تقتلوني كما قتلتم أبي ؟ فقالوا: لا إنما نريد أن تكون موضع ~~أبيك أميرا؛ فسكن روعه. PageV03P0393 # واستصغر الناس نصرا، واستضعفوه، وظنوا أن أمره لا ينتظم مع قوة عم أبيه ~~الأمير إسحاق بن أحمد، وهو شيخ السامانية، وهو صاحب سمرقند، وميل الناس بما ~~وراء النهر سوى بخارى إليه وإلى أولاده، وتولى تدبير دولة السعيد نصر بن ~~أحمد أبو عبدالله محمد بن أحمد الجيهاني، فأمضى الأمور، وضبط المملكة، ~~واتفق هو وحشم نصر بن أحمد على تدبير الأمر فأحكموه، ومع هذا، فإن أصحاب ~~الأطراف طمعوا في البلاد، فخرجوا من النواحي على ما نذكره. فممن خرج عن ~~طاعته سجستان، وعم أبيه إسحاق بن أحمد بن أسد بسمرقند، وابناه منصور وإلياس ~~ابنا إسحاق، ومحمد بن ا لحسين بن مت، وأبو الحسن ms2718 بن يوسف، والحسين بن علي ~~المروروذي، ومحمد بن جيد، وأحمد بن سهل، وليلى بن نعمان، صاحب العلويين ~~بطبرستان، ووقعه سيمجور مع أبي الحسن بن الناصر، وقراتكين، وما كان بن ~~كالي، وخرج عليه إخوته يحى ومنصور وإبراهيم، أولاد أحمد بن إسماعيل، وجعفر ~~بن أبي جعفر، وابن داود، ومحمد بن إلياس، ونصر بن محمد بن مت، ومرداويج ~~ووشمكير ابنا زيار، وكان السعيد مظفرا منصورا عليهم. ### || AUT ذكر أمر سجستان # ولما قتل الأمير أحمد بن إسماعيل خالف أهل سجستان على ولده نصر، وانصرف ~~عنها سيمجور الدواتي، فولاها المقتدر بالله بدرا الكبير، فأنفذ إليها الفضل ~~بن حميد، وأبا يزيد خالد بن محمد المروزي، وكان عبيد الله بن أحمد الجيهاني ~~ببست، والرخج، وسعد الطالقاني بغزنة من جهة السعيد نصر بن أحمد، فقصدهما ~~الفضل خالد، وانكشف عنهما عبيدالله، وقبضا على سعد الطالقاني وأنفذاه إلى ~~بغداد، واستولى الفضل وخالد على غزنة وبست، ثم اعتل الفضل، وانفرد خالد ~~بالأمور، وعصى على الخليفة، فأنفذ إليه دركا أخا نجح الطولوني، فقاتله ~~فهزمه خالد. وسار خالد إلى كرمان، فأنفذ إليه بدر جيشا، فقاتلهم خالد، ~~فجرح، وانهزم أصحابه، وأخذ هو أسيرا، فمات، فحمل رأسه إلى بغداد. ### || AUT ذكر خروج إسحاق بن أحمد وابن إلياس # وفي هذه السنة، وهي إحدى وثلاثمائة، خرج على السعيد نصر بن أحمد ابن ~~إسماعيل عم أبيه إسحاق بن أحمد بن أسد وابنه إلياس، وكان إسحاق بسمرقند لما ~~قتل أحمد بن إسماعيل وولي ابنه نصر بن أحمد، فلما بلغه ذلك عصى بها، وقام ~~ابنه إلياس يأمر الجيش، وقوي أمرهما، فساروا نحو بخارى، فسار إليه حمويه بن ~~علي في عسكر، وكان ذلك في شهر رمضان، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم إسحاق ~~إلى سمرقند، ثم جمع وعاد مرة ثانية، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم إسحاق ~~أيضا، وتبعه حموية إلى سمرقند فملكها قهرا. واختفى إسحاق، وطلبه حموية، ~~ووضع عليه العيون والرصد، فضاق بإسحاق مكانه، فأظهر نفسه، واستأمن إلى ~~حموية فأمنه وحمله إلى بخارى فأقام بها إلى أن مات. وأما ابنه إلياس فإنه ~~سار إلى ms2719 فرغانة، وبقي بها إلى أن خرج ثانيا. ### || AUT ذكر ظهور الحسن بن علي الأطروش # وفيها استولى الحسن بن علي بن الحسن بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن ~~أبي طالب على طبرستان، وكان يلقب بالناصر. وكان سبب ظهوره ما نذكره، وقد ~~ذكرنا فيما تقدم عصيان محمد ابن هارون على أحمد بن إسماعيل، وهربه منه، ~~وغير ذلك، ثم إن الأمير أحمد بن إسماعيل استعمل على طبرستان أبا العباس ~~عبدالله بن محمد بن نوح، فأحسن فيهم السيرة، وعدل فيهم، وأكرم من بها من ~~العلويين، وبالغ في الإحسان إليهم، وراسل رؤساء الديلم، وهاداهم، ~~واستمالهم. وكان الحسن بن علي الأطروش قد دخل الديلم بعد قتل محمد بن زيد، ~~وأقام بينهم نحو ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الإسلام، ويقتصر منهم على العشر، ~~ويدافع عنهم ابن حسان ملكهم، فأسلم منهم خلق كثير، واجتمعوا عليه، وبنى في ~~بلادهم مساجد. وكان للمسلمين بإزائهم ثغور مثل: قزوين، وسالوس، وغيرهما، ~~وكان بمدينة سالوس حصن منيع قديم، فهدمه الأطروش حين أسلم الديلم والجيل؛ ~~ثم إنه جعل يدعوهم إلى الخروج معه إلى طبرستان، فلا يجيبونه إلى ذلك لإحسان ~~ابن نوح، فاتفق أن الأمير أحمد عزل ابن نوح عن طبرستان وولاها سلاما، فلم ~~يحسن سياسة أهلها، وهاج عليه الديلم، فقاتلهم وهزمهم، واستقال عن ولايتها، ~~فعزله الأمير أحمد، وأعاد إليها ابن نوح، فصلحت البلاد معه. PageV03P0394 # ثم إنه مات بها، واستعمل عليها أبو العباس محمد بن إبراهيم صعلوك، فغير ~~رسوم ابن نوح، وأساء السيرة، وقطع عن رؤساء الديلم ما كان يهديه إليهم ابن ~~نوح، فانتهز الحسن بن علي الفرصة، وهيج الديلم عليه ودعاهم إلى الخروج معه، ~~فأجابوه وخرجوا معه، وقصدهم صعلوك، فالتقوا بمكان يسمى نوروز وهو على شاطئ ~~البحر، على يوم من سالوس، فانهزم ابن صعلوك، وقتل من أصحابه نحو أربعة آلاف ~~رجل، وحصر الأطروش الباقين ثم أمنهم على أموالهم وأنفسهم وأهليهم، فخرجوا ~~إليه، فأمنهم وعاد عنهم إلى آمل، وانتهى إليهم الحسن بن القاسم الداعي ~~العلوي، وكان ختن الأطروش، فقتلهم عن آخرهم لأنه ms2720 لم يكن أمنهم، ولا عاهدهم، ~~واستولى الأطروش على طبرستان. وخرج صعلوك إلى الري، وذلك سنة إحدى ~~وثلاثمائة، ثم سار منها إلى بغداد، كان الأطروش قد أسلم على يده من الديلم ~~الذين هم وراء أسفيدروذ إلى ناحية آمل، وهم يذهبون مذهب الشيعة. وكان ~~الأطروش زيدي المذهب، شاعرا مفلقا، ظريفا، علامة، إماما في الفقه والدين، ~~كثير المجون، حسن النادرة. حكي عنه أنه استعمل عبدالله بن المبارك على ~~جرجان، وكان يرمى بالأبنة، فاستعجزه الحسن يوما في شغل له وأنكره عليه، ~~فقال: أيها الأمير ! أنا أحتاج إلى رجال أجلاد يعينونني؛ فقال: قد بلغني ~~ذلك. وكان سبب صممه أنه ضرب على رأسه بسيف في حرب محمد بن زيد فطرش؛ وكان ~~له من الأولاد أبو الحسن، وأبو القاسم، وأبو الحسين، فقال يوما لأبنه أبي ~~الحسن: يا بني ! ها هنا شيء من الغراء نلصق به كاغدا ؟ فقال: لا، إنما ها ~~هنا بالخاء، فحقدها عليه، ولم يوله شيئا، وولى ابنيه أبا القاسم والحسين، ~~وكان أبو الحسن ينكر تركه معزولا، ويقول: أنا أشرف منهما لأن أمي حسنية، ~~وأمهما أمة. وكان أبو الحسن شاعرا، وله مناقضات مع ابن المعتز، ولحق أبو ~~الحسن بابن أبي الساج، فخرج معه يوما متصيدا، فسقط عن دابته فبقي راجلا، ~~فمر به ابن أبي الساج فقال له: اركب معي على دابتي ! فقال: أيها الأمير لا ~~يصلح بطلان على دابة. ### || AUT ذكر القرامطة وقتل الجنابي # في هذه السنة قتل أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي كبير القرامطة، قتله ~~خادم له صقلبي، في الحمام، فلما قتله استدعى رجلا من أكابر رؤسائهم وقال ~~له: السيد يستدعيك؛ فلما دخل قتله، ففعل ذلك بأربعة نفر من رؤسائهم، ~~واستدعى الخامس، فلما دخل فطن لذلك، فأمسك بيد الخادم وصاح، فدخل الناس، ~~وصاح النساء، وجرى بينهم وبين الخادم مناظرات ثم قتلوه. وكان أبو سعيد قد ~~عهد إلى ابنه سعيد، وهو الأكبر، فعجز عن الأمر، فغلبه أخوه الأصغر أبو طاهر ~~سليمان، وكان شهما شجاعا، ويرد من أخباره ما يعلم به محله. ولما قتل أبو ~~سعيد ms2721 كان قد استولى على هجر والإحساء والقطيف والطائف، وسائر بلاد الحرين؛ ~~وكان المقتدر قد كتب إلى أبي سعيد كتابا لينا في معنى من عنده من أسرى ~~المسلمين، ويناظره، ويقيم الدليل على فساد مذهبه، ونفذه مع الرسل، فلما ~~وصلوا إلى البصرة بلغهم خبر موته، فأعلموا الخليفة بذلك، فأمرهم بالمسير ~~إلى ولده، فأتوا أبا طاهر بالكتاب، فأكرم الرسل، وأطلق الأسرى، ونفذهم إلى ~~بغداد، وأجاب عن الكتاب. ### || AUT ذكر مسير جيش المهدي إلى مصر # في هذه السنة جهز المهدي العساكر من إفريقية، وسيرها مع ولده أبي القاسم ~~إلى الديار المصرية، فساروا إلى برقة، واستولوا عليها في ذي الحجة، وساروا ~~إلى مصر، فملك الإسكندرية والفيوم، وصار في يده أكثر البلاد، وضيق على ~~أهلها، فسير إليها المقتدر بالله مؤنسا الخادم في جيش كثيف، فحاربهم ~~وأجلاهم عن مصر، فعادوا إلى المغرب مهزومين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة كثرت الأمراض الدموية بالعراق، ومات بها خلق كثير، ~~وأكثرهم بالحربية، فإنها أغلقت بها دور كثيرة لفناء أهلها. وفيها توفي جعفر ~~بن محمد بن الحسن الفريابي ببغداد، والقاضي أبو عبدالله محمد بن أحمد بن ~~محمد بن أبي بكر المقدمي الثقفي. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثمائة # PageV03P0395 # في هذه السنة أمر علي بن عيسى الوزير بالمسير إلى طرسوس لغزو الصائفة، ~~فسار في ألفي فارس معونة لبشر الخادم والي طرسوس، فلم يتيسر لهم غزو ~~الصائفة، فغزوها شاتية في برد شديد وثلج. وفيها تنحى الحسن بن علي الأطروش ~~العلوي عن آمل، بعد غلبته عليها، كما ذكرناه، وسار إلى سالوس، ووجه إليه ~~صعلوك جيشا من الري، فلقيهم الحسن، وهزمهم، وعاد إلى آمل. وكان الحسن بن ~~علي حسن السيرة، عادلا، ولم ير الناس مثله في عدله، وحسن سيرته، وإقامته ~~الحق، وقد ذكره ابن مسكويه في كتاب تجارب الأمم فقال: الحسن بن علي الداعي، ~~وليس به، إنما الداعي علي بن القاسم، وهو ختن هذا على ما ذكرناه. وفيها قبض ~~المقتدر على أبي عبدالله الحسين بن عبدالله المعروف بابن الجصاص الجوهري، ~~وأخذ ما في بيته ms2722 من صنوف الأموال، وكان قيمته أربعة آلاف ألف دينار، وكان ~~هو يدعي أن قيمة ما أخذ منه عشرون ألف ألف دينار وأكثر من ذلك. ### || AUT ذكر مخالفة منصور بن إسحاق # وفي هذه السنة خالف منصور بن إسحاق بن أحمد بن أسد على الأمير نصر بن ~~أحمد، ووافقه على المخالفة الحسين بن علي المروروذي، ومحمد ابن حيد. وكان ~~سبب ذلك أن الحسين بن علي لما افتتح سجستان، الدفعة الأولى على ما ذكرناه، ~~للأمير أحمد بن إسماعيل طمع أن يتولاها، فوليها منصور بن إسحاق هذا، فخالف ~~أهلها، وحبسوا منصورا، فأنفذ الأمير أحمد عليا أيضا، فافتتحها ثانيا، وطمع ~~أن يتولاها فوليها سيمجور، وقد ذكرنا هذا جميعه. فلما وليها سيمجور استوحش ~~علي لذلك، ونفر منه، وتحدث مع منصور بن إسحاق في الموافقة والتعاضد بعد موت ~~الأمير أحمد، وتكون إمارة خراسان لمنصور، ويكون الحسين بن علي خليفته على ~~أعماله، فاتفقا على ذلك فلما قتل الأمير أحمد بن إسماعيل كان منصور بن ~~إسحاق بنيسابور، والحسين بهراة، فأظهر الحسين العصيان، وسار إلى منصور يحثه ~~على ما كانا اتفقا عليه، فخالف أيضا، وخطب لمنصور بنيسابور فتوجه إليها من ~~بخارى حموية بن علي في عسكر ضخم لمحاربتهما، فاتفق أن منصورا مات، فقيل إن ~~الحسين بن علي سمه، فلما قاربه حموية سار الحسين بن علي عن نيسابور إلى ~~هراة وأقام بها. وكان محمد بن حيد على شرطة بخارى مدة طويلة، فسير من بخارى ~~إلى نيسابور لشغل يقوم به، فوردها، ثم عاد عنها بغير أمر، فكتب إليه من ~~بخارى بالإنكار عليه، فخاف على نفسه، فعدل عن الطريق إلى الحسين بن علي ~~بهراة، فسار الحسين بن علي من هراة إلى نيسابور، واستخلف بهراة أخاه منصور ~~بن علي، واستولى على نيسابور، فسير من بخارى إليه أحمد بن سهل لمحاربته، ~~فابتدأ أحمد بهراء فحصرها وأخذها، واستأمن إله منصور بن علي، وسار أحمد من ~~هراة إلى نيسابور، وكان وصوله إليها في ربيع الأول سنة ست وثلاثمائة، فنازل ~~الحسين، وحصره، وقاتله، فانهزم أصحاب الحسين، وأسر الحسين ms2723 بن علي، وأقام ~~أحمد بن سهل بنيسابور. وكان ينبغي أن نذكر استيلاء أحمد على نيسابور، وأسر ~~الحسين سنة ست وثلاثمائة، لكن رأينا أن نجمع سياق الحادثة لئلا ينسى أولها. ~~وأما ابن حيد فإنه كان بمرو، فلما بلغه استيلاء أحمد بن سهل على نيسابور، ~~وأسره الحسين بن علي، سار إليه، فقبض عليه أحمد وأخذ ماله وسواده، وسيره ~~والحسين بن علي إلى بخارى، فأما ابن حيد فإنه سير إلى خوارزم فمات بها. ~~وأما الحسين بن علي فإنه حبس ببخارى إلى أن خلصه أبو عبدالله الجيهاني، ~~وعاد إلى خدمة الأمير نصر بن أحمد، فبينما هو يوما عنده إذ طلب الأمير نصر ~~ماء، فأتي بماء في كوز غير حسن الصنعة، فقال الحسين بن علي لأحمد بن حموية، ~~وكان حاضرا: ألا يهدي والدك إلى الأمير من نيسابور من هذه الكيزان اللطاف ~~النظاف ؟ فقال أحمد: إنما يهدي أبي إلى الأمير مثلك ومثل أحمد بن سهل، ومثل ~~ليلة الديلمي، لا الكيزان؛ فأطرق الحسين مفحما، وأعجب نصرا قوله. ### || AUT ذكر خبر مصر مع العلوي المهدي # وفيها أنفذ أبو محمد عبيد الله العلوي الملقب بالمهدي جيشا من إفريقية ~~مع قائد من قواده يقال له حباسة إلى الإسكندرية، فغلب عليها. PageV03P0396 # وكان مسيره في البحر، ثم سار منها إلى مصر، فنزل بين مصر والإسكندرية، ~~فبلغ ذلك المقتدر، فأرسل مؤنسا الخادم في عسكر إلى مصر لمحاربة حباسة، ~~وأمده بالسلاح والمال، فسار إليها، فالتقى العسكران في جمادى الأولى، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل من الفريقين جمع كثير، وجرح مثلهم، ثم كان بينهم ~~وقعة أخرى بنحوها، ثم وقعة ثالثة ورابعة، فانهزم فيها المغاربة أصحاب ~~العلوي، وقتلوا، وأسروا، فكان مبلغ القتلى سبعة آلاف مع الأسرى وهرب ~~الباقون. وكانت هذه الوقعة سلخ جمادى الآخرة، وعادوا إلى الغرب، فلما وصلوا ~~إلى الغرب قتل المهدي حباسة. وفيها خالف عروبة بن يوسف الكتامي على المهدي ~~بالقيروان، واجتمع إليه خلق كثير من كتامة والبرابر، فأخرج المهدي إليهم ~~مولاه غالبا، فاقتتلوا قتالا شديدا في محضر القيروان، فقتل عروبة وبنو عمه، ~~وقتل معهم ms2724 عالم لا يحصون، وجمعت رؤوس مقدميهم في قفة وحملت إلى المهدي، ~~فقال: ما أعجب أمور الدنيا ؟؟؟! قد جمعت هذه القفة رؤوس هؤلاء، وقد كان ~~يضيق بعساكرهم فضاء المغرب. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها غزا بشر الخادم والي طرسوس بلاد الروم، ففتح فيها وغنم وسبى، وأسر ~~مائة وخمسين بطريقا، وكان السبي نحوا من ألفي رأس. وفيها أوقع مؤنس الخادم ~~بناحية وادي الذئاب بمن هنالك من الأعراب من بني شيبان، فقتل منهم خلقا ~~كثيرا، ونهب بيوتهم فأصاب فيها من أموال التجار التي كانوا أخذوها بقطع ~~الطريق ما لا يحصى. وفيها في ذي الحجة ماتت بدعة المغنية، مولاة عريب مولى ~~المأمون. وفيها، في ذي الحجة، خرجت الأعراب من الحاجر على الحجاج، فقطعوا ~~عليهم الطريق، وأخذوا من العين وما معهم من الأمتعة والجمال ما أرادوا، ~~وأخذوا مائتين وخمسين امرأة؛ وحج بالناس هذه السنة الفضل بن عبد الملك. ~~وفيها قلد أبو الهيجاء عبدالله بن حمدان الموصل. وفيها مات الشاه بن ميكال. ~~وفيها، في ليلة الأضحى، انقض ثلاثة كواكب كبار اثنان أول الليل وواحد آخره ~~سوى كواكب صغار كثيرة. وإلى آخر هذه السنة انتهى تاريخ أبي جعفر الطبري، ~~رحمه الله، ورأيت في بعض النسخ إلى آخر سنة ثلاث وثلاثمائة، وقيل إن سنة ~~ثلاث هي زيادة فيه، وليس من تاريخ الطبري، والله أعلم. وفيها توفي إسحاق بن ~~أبي حسان الأنماطي، وإبراهيم بن شريك، وأبو عيسى بن القزاز، وأبو العباس ~~البراني، وعلي بن محمد بن نصر بن بسام الشاعر وله نيف وسبعون سنة. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثمائة # ### || AUT ذكر أمر الحسين بن حمدان # في هذه السنة خرج الحسين بن حمدان بالجزيرة عن طاعة المقتدر. وسبب ذلك ~~أن الوزير علي بن عيسى طالبه بمال عليه من ديار ربيعة، وهو يتولاها، ~~فدافعه، فأمره بتسليم البلاد إلى عمال السلطان، فامتنع. وكان مؤنس الخادم ~~غائبا بمصر لمحاربة عسكر المهدي العلوي، صاحب إفريقية، فجهز الوزير رائقا ~~الكبير في جيش وسيره إلى الحسين بن حمدان، وكتب إلى مؤنس يأمره بالمسير إلى ~~ديار ms2725 الجزيرة لقتال الحسين، بعد فراغه من أصحاب العلوي، فسار رائع إلى ~~الحسين بن حمدان. وجمع لهم الحسين نحو عشرين ألف فارس، وسار إليهم فوصل إلى ~~الحبشة وهم قد قاربوها، فلما رأوا كثرة جيشه علموا عجزهم عنه لأنهم كانوا ~~أربعة آلاف فارس، فانحازوا إلى جانب دجلة، ونزلوا بموضع ليس له طريق إلا من ~~وجه واحد، وجاء الحسين فنزل عليهم وحصرهم، ومنع الميرة عنهم من فوق ومن ~~أسفل، فضاقت عليهم الأقوات والعلوفات، فأرسلوا إليه يبذلون له أن يوليه ~~الخليفة ما كان بيده ويعود عنهم، فلم يجب إلى ذلك. ولزم حصارهم، وأدام ~~قتالهم إلى أن عاد مؤنس من الشام، فلما سمع العسكر بقربه قويت نفوسهم وضعفت ~~نفوس الحسين ومن معه، فخرج العسكر إليه ليلا وكبسوه، فانهزم وعاد إلى ديار ~~ربيعة، وسار العسكر فنزلوا على الموصل. وسمع مؤنس خبر الحسين، وجد مؤنس في ~~المسير نحو الحسين، واستصحب معه أحمد بن كيغلغ، فلما قرب منه راسله الحسين ~~يعتذر، وترددت الرسل بينهما، فلم يستقر حال، فرحل مؤنس نحو الحسين حتى نزل ~~بإزاء جزيرة ابن عمر، ورحل الحسين نحو أرمينية مع ثقله وأولاده، وتفرق عسكر ~~الحسين عنه، وصاروا إلى مؤنس. PageV03P0397 # ثم إن مؤنسا جهز جيشا في أثر الحسين، مقدمهم بليق ومعه سيما الجزري، وجنى ~~الصفواني، فتبعوه إلى تل فافان، فرأوها خاوية على عروشها، قد قتل أهلها ~~وأحرقها، فجدوا في أتباعه فأدركوه فقاتلوه، فانهزم من بقي معه من أصحابه، ~~وأسر هو ومعه ابنه عبد الوهاب وجميع أهله وأكثر من صحبه، وقبض أملاكه. وعاد ~~مؤنس إلى بغداد؟؟؟؟؟؟؟ على طريق الموصل والحسين معه، فأركب على جمل هو ~~وابنه وعليهما البرانس، واللبود الطوال، وقمصان من شعر أحمر، وحبس الحسين ~~وابنه عند زيدان القهرمانة، وقبض المقتدر على أبي الهيجاء بن حمدان وعلى ~~جميع إخوته وحبسوا، وكان قد هرب بعض أولاد الحسين بن حمدان، فجمع جمعا ومضى ~~نحو آمد، فأوقع بهم مستحفظها، وقتل ابن الحسين وأنفذ رأسه إلى بغداد. ### || AUT ذكر بناء المهدية # في هذه السنة خرج المهدي بنفسه إلى تونس وقرطاجنة وغيرهما ms2726 يرتاد موضعا ~~على ساحل البحر يتخذ فيه مدينة. وكان يجد في الكتب خروج أبي يزيد على ~~دولته، ومن أجله بنى المهدية، فلم يجد موضعا أحسن ولا أحصن من موضع ~~المهدية، وهي جزيرة متصلة بالبر كهيئة كف متصلة بزند، فبناها وجعلها دار ~~ملكه، وجعل لها سورا محكما وأبوابا عظيمة وزن كل مصراع مائة قنطار. وكان ~~ابتداء بنائها يوم السبت لخمس خلون من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثمائة، فلما ~~ارتفع السور أمر راميا أن يرمي بالقوس سهما إلى ناحية المغرب، فرمى سهمه ~~فانتهى إلى موضع المصلى، فقال: إلى موضع هذا يصل صاحب الحمار، يعني أبا ~~يزيد الخارجي، لأنه كان يركب حمارا. وكان يأمر الصناع بما يعملون، ثم أمر ~~أن ينقر دار صناعة في الجبل تسع مائة شيني، وعليها باب مغلق؛ ونقر في أرضها ~~أهراء للطعام، ومصانع للماء، وبنى فيها القصور والدور، فلما فرغ منها قال: ~~اليوم أمنت على الفاطميات، يعني بناته، وارتحل عنها. ولما رأى إعجاب الناس ~~بها، وبحصانتها، كما يقول: هذا لساعة من نهار، وكان كذلك لأن أبا يزيد وصل ~~إلى موضع السهم، ووقف فيه ساعة، وعاد ولم يظفر. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها أغارت الروم على الثغور الجزرية، وقصدوا حصن نصور، وسبوا من فيه، ~~وجرى على الناس أمر عظيم، وكانت الجنود متشاغلة بأمر الحسين ابن حمدان. ~~وفيها عاد الحجاج وقد لقوا من العطش والخوف شدة، وخرج جماعة من العرب على ~~أبي حامد ورقاء بن محمد المرتب على الثعلبية لحفظ الطريق، فقاتلهم، وظفر ~~بهم، وقتل جماعة منهم، وأسر الباقين وحملهم إلى بغداد، فأمر المقتدر ~~بتسليمهم إلى صاحب الشرطة ليحبسهم، فثارت بهم العامة فقتلوهم وألقوهم في ~~دجلة. وفيها ظهر بالجامدة إنسان زعم أنه علوي فقتل العامل بها ونهبها، وأخذ ~~من دار الخراج أموالا كثيرة، ثم قتل بعد ظهوره بيسير، وقتل معه جماعة من ~~أصحابه، وأسر جماعة. وفيها ظهرت الروم وعليهم الغثيط فأوقعوا بجماعة من ~~مقاتلة طرسوس والغزاة، فقتلوا منهم نحو ستمائة فارس، ولم يكن للمسلمين ~~صائفة. وفيها خرج مليح الأرمني إلى مرعش، ms2727 ! فعاث في بلدها، وأسر جماعة ممن ~~حولها وعاد. وفيها وقع الحريق ببغداد في عدة مواضع، فاحترق كثير منها. ~~وفيها توفي أبو عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب النسائي، صاحب كتاب السنن، ~~بمكة، ودفن بين الصفا والمروة؛ والحسن بن سفيان النسوي. وفيها توفي أبو بكر ~~محمد بن عينونة بنصيبين، وكان يتولى أعمال الخراج والضياع بديار ربيعة، ~~ولما توفي ولي ابنه الحسن مكانه. وفيها توفي أبو علي محمد بن عبد الوهاب ~~الجبائي المعتزلي. وفيها توفي يموت بن المزرع العبدي، وهو ابن أخت الجاحظ، ~~توفي بدمشق. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وثلاثمائة # ### || AUT ذكر عزل ابن وهسوذان عن أصبهان # PageV03P0398 # في هذه السنة، في المحرم، أرسل علي بن وهسوذان، وهو متولي الحر بأصبهان، ~~غلاما كان رباه وتبناه إلى أحمد بن شاه، متولي الخراج، في حاجة فلقيه راكبا ~~فكلمه في حاجة مولاه، ورفع صوته، فشتمه أحمد وقال: يا مؤاجر تكلمني بهذا ~~على الطريق ! وحرد عليه، فعاد إلى مولاه باكيا، وعرفه ذلك، فقال: صدق، لولا ~~أنك مؤاجر لقتلته؛ فعاد الغلام فلقيه وهو راكب فقتله، فأنكر الخليفة ذلك، ~~وصرف علي بن وهسوذان عن أصبهان، وولى مكانه أحمد بن مسرور البلخي، وأقام ~~ابن وهسوذان بنواحي الجبل. ### || AUT ذكر وزارة ابن الفرات الثانية # ### || AUT وعزل علي بن عيسى # في هذه السنة، في ذي الحجة، عزل علي بن عيسى عن الوزارة، وأعيد إليها ~~أبو الحسن علي بن الفرات. وكان سبب ذلك أن أبا الحسن بن الفرات كان محبوسا، ~~وكان المقتدر يشاوره وهو في محبسه، ويرجع إلى قوله؛ وكان علي بن عيسى يمشي ~~أمر الوزارة، ولم يتبع أصحاب ابن الفرات وأسبابه لا غيره، وكان جميل ~~المحضر، قليل الشر، فبلغه أن أبا الحسن بن الفرات قد تحدث له جماعة من ~~أصحاب الخليفة في إعادته إلى الوزارة، فسارع واستعفى من الوزارة، وسأل في ~~ذلك، فأنكر المقتدر عليه، ومنعه من ذلك، فسكن. فلما كان آخر ذي القعدة ~~جاءته أم موسى القهرمانة لتتفق معه على ما يحتاج حرم الدار والحاشية التي ~~للدار من الكسوات ms2728 والنفقات، فوصلت إليه وهو نائم، فقال لها حاجبه: إنه نائم ~~ولا أجسر أن أوقظه، فاجلسي في الدار ساعة حتى يستيقظ؛ فغضبت من هذا وعادت، ~~واستيقظ علي بن عيسى في الحال، فأرسل إليها حاجبه وولده يعتذر، فلم يقبل ~~منه، ودخلت على المقتدر وتحرصت على الوزير عنده وعند أمه، فعزله عن ~~الوزارة، وقبض عليه ثامن ذي القعدة. وأعيد ابن الفرات إلى الوزارة، وضمن ~~على نفسه أن يحمل كل يوم إلى بيت المال ألف دينار وخمسمائة دينار، فقبض على ~~أصحاب الوزير علي بن عيسى وعاد فقبض على الخاقاني الوزير وأصحابه، واعترض ~~العمال وغيرهم، وعاد عليهم بأموال عظيمة ليقوم بما ضمنه. وكان علي بن عيسى ~~قد تعجل بمال من الخراج لينفقه في العيد، فاتسع به ابن الفرات. وكان قد ~~كاتب العمال بالبلاد كفارس، والأهواز، وبلاد الجبل، وغيرها في حمل المال، ~~وحثهم على ذلك غاية الحث، فوصل بعد قبضه، فادعى ابن الفرات الكفاية والنهضة ~~في جمع المال. وكان أبو علي بن مثقلة مستخفيا مذ قبض ابن الفرات إلى الآن، ~~فلما عاد ابن الفرات إلى الوزارة ظهر، فاشخصه ابن الفرات وقربه. ### || AUT ذكر أمر يوسف بن أبي الساج # كان يوسف بن أبي الساج على أذربيجان وأرمينية قد ولي الحرب، والصلاة، ~~والأحكام، وغيرها، منذ أول وزارة ابن الفرات الأولى، وعليه مال يؤديه إلى ~~ديوان الخلافة، فلما عزل ابن الفرات وولي الخاقاني الوزارة، وبعده علي بن ~~عيسى، طمع فأخر حمل بعض المال، فاجتمع له ما قويت به نفسه على الامتناع، ~~وبقي كذلك إلى هذه السنة. فلما بلغه القبض على الوزير علي بن عيسى أظهر أن ~~الخليفة أنفذ له عهدا بالري، وأن الوزير علي بن عيسى سعى له في ذلك، فأنفذه ~~إليه، وجمع العساكر وسار إلى الري وبها محمد بن علي صعلوك يتولى أمرها ~~لصاحب خراسان، وهو الأمير نصر بن أحمد بن إسماعيل الساماني، وكان صعلوك قد ~~تغلب على الري وما يليها، أيام وزارة علي بن عيسى، ثم أرسل إلى ديوان ~~الخلافة فقاطع عليها بمال يحمله، فلما بلغه مسير ms2729 يوسف بن أبي الساج نحوه ~~سار إلى خراسان، فدخل يوسف الري واستولى عليها وعلى قزوين وزنجان وأبهر، ~~فلما بلغ المقتدر فعله، وقوله إن علي بن عيسى أنفذ له العهد واللواء بذلك، ~~أنكره واستعظمه. وكتب يوسف إلى الوزير ابن الفرات يعرفه أن علي بن عيسى ~~أنفذ إليه بعهده على هذه الأماكن، وأنه افتتحها وطرد عنها المتغلبين عليها، ~~ويعتذر بذلك، ويذكر كثرة ما أخرجه، فعظم ذلك على المقتدر، وأمر ابن الفرات ~~أن يسأل علي بن عيسى عن الذي ذكره يوسف، فأحضره وسأله، فأنكر ذلك وقال: ~~سلوا الكتاب وحاشية الخليفة، فإن العهد واللواء لا بد أن يسير بهما بعض خدم ~~الخليفة، أو بعض قواده؛ فعلموا صدقه. PageV03P0399 # وكتب ابن الفرات إلى ابن أبي الساج ينكر عليه تعرضه لهذه البلاد، وكذبه ~~على الوزير علي بن عيسى، وجهز العساكر لمحاربته، وكان مسير العساكر سنة خمس ~~وثلاثمائة. وكان المقدم على العسكر خاقان المفلطحي، ومعه جماعة من القواد ~~كأحمد ابن مسرور البلخي، وسيما الجزري، ونحرير الصغير، فساروا، ولقوا يوسف، ~~واقتتلوا، فهزمهم يوسف، وأسر منهم جماعة، وأدخلهم الري مشهورين على الجمال، ~~فسير الخليفة مؤنسا الخادم في جيش كثيف إلى محاربته، فسار، وانضم إليه ~~العسكر الذي كان مع خاقان، فصرف خاقان عن أعمال الجبل، ووليها نحرير ~~الصغير. وسار مؤنس فأتاه أحمد بن علي، وهو أخو محمد بن علي صعلوك، مستأمنا، ~~فأكرمه ووصله؛ وكتب ابن أبي الساج يسأل الرضى، وأن يقاطع على أعمال الري ~~وما يليها على سبعمائة ألف دينار لبيت المال، سوى ما يحتاج إليه الجند ~~وغيرهم، فلم يجبه المقتدر إلى ذلك، ولو بذل ملء الأرض لما أقره على الري ~~يوما واحدا لإقدامه على التزوير، فلما عرف ابن أبي الساج ذلك سار عن الري ~~بعد أن أخربها، وجبى خراجها في عشرة أيام. وقلد الخليفة الري وقزوين وأبهر ~~وصيفا البكتمري، وطلب ابن أبي الساج أن يقاطع على ما كان بيده من الولاية، ~~فأشار ابن الفرات بأجابته إلى ذلك فعارضه نصر الحاجب، وابن الحواري، وقالا: ~~لا يجوز أن يجاب إلى ذلك إلا ms2730 بعد أن يطأ البساط. ونسب ابن الفرات إلى ~~مواطأة ابن أبي الساج والميل معه، فحصل بينهما وبين ابن الفرات عداوة، ~~فامتنع المقتدر من إجابته إلى ذلك إلى أن يحضر في خدمته بنفسه، فلما رأى ~~يوسف أن دمه على خطر إن حضر لخدمته حارب مؤنسا، فانهزم مؤنس إلى زنجان، ~~وقتل من قواده سيما بن بويه، وأسر جماعة منهم، فيهم هلال بن بدر، فأدخلهم ~~أردبيل مشتهرين على الجمال. وأقام مؤنس بزنجان يجمع العساكر، ويستمد ~~الخليفة، وكاتبه ابن أبي الساج في الصلح، وتراسلا في ذلك، وكتب مؤنس إلى ~~الخليفة، فلم يجبه إلى ذلك، فلما كان في المحرم سنة سبع وثلاثمائة، والوزير ~~يومئذ حامد بن العباس، اجتمع لمؤنس عسكر كبير، فسار إلى يوسف، فتواقعا على ~~باب أردبيل، فانهزم عسكر يوسف، وأسر يوسف وجماعة من أصحابه، وعاد بهم مؤنس ~~إلى بغداد، فدخلها في المحرم أيضا، وأدخل يوسف أيضا بغداد مشتهرا على جمل، ~~وعليه برنس بأذناب الثعالب، فأدخل إلى المقتدر، ثم حبس بدار الخليفة عند ~~زيدان القهرمانة. ولما ظفر مؤنس بابن أبي الساج قلد علي بن وهسوذان أعمال ~~الري، ودنباوند، وقزوين، وأبهر، زنجان، وجعل أموالها لرجاله، وقلد أصبهان، ~~وقم، وقاشان، وساوة لأحمد بن علي بن صعلوك، وسار عن أذربيجان. ### || AUT ذكر حال هذه البلاد بعد مسير مؤنس # لما سار مؤنس عن أذربيجان إلى العراق وثب سبك غلام يوسف بن أبي الساج ~~على بلاد أذربيجان، فملكها، واجتمع إليه عسكر عظيم، فأنفذ إليه مؤنس محمد ~~بن عبيدالله الفارقي، وقلده البلاد، وسار إلى سبك وحاربه، فانهزم الفارقي ~~وسار إلى بغداد، وتمكن سبك من البلاد، ثم كتب إلى الخليفة يسأل أن يقاطع ~~على أذربيجان، فأجيب إلى ذلك، وقرر عليه كل سنة مائتان وعشرون ألف دينار، ~~وأنفذت إليه الخلع والعهد، فلم يقف على ما قرره. ثم وثب أحمد بن مسافر، ~~صاحب الطرم، على ابن أخيه علي بن وهسوذان وهو مقيم بناحية قزوين، فقتله على ~~فراشه، وهرب إلى بلده، فاستعمل مكان علي بن وهسوذان وصيفا البكتمري، وقلد ~~محمد بن سليمان صاحب الجيش ms2731 أعمال الخراج بها. وسار أحمد بن علي بن صعلوك من ~~قم إلى الري، فدخلها، فأنفذ الخليفة ينكر عليه ذلك ويأمره بالعود إلى قم ~~فعاد، ثم إنه أظهر الخلاف، وصرف عمال الخراج عن قم، واستعد للمسير إلى ~~الري، فكوتب نحرير الصغير، وهو على همذان، ليسير هو ووصيف إلى الري لمنع ~~أحمد بن علي عنها فساروا إليها، فلقيهم أحمد بن علي على باب الري، فهزمهم ~~أحمد، وقتل محمد ابن سليمان، واستولى أحمد على الري، وكاتب نصرا الحاجب ~~ليصلح أمره مع الخليفة، ففعل ذلك، وأصلح أمره، وقرر عليه عن الري ودنباوند ~~وقزوين وزنجان وأبهر مائة وستين ألف دينار محمولة كل سنة إلى بغداد، فنزل ~~أحمد عن قم، فاستعمل الخليفة عليها من ينظر فيها. PageV03P0400 ### || AUT ذكر تغلب كثير بن أحمد على سجستان ومحاربته # كان كثير بن أحمد بن شهفور قد تغلب على أعمال سجستان، فكتب الخليفة إلى ~~بدر بن عبدالله الحمامي، وهو متقلد أعمال فارس، يأمره أن يرسل جيشا يحاربون ~~كثيرا، ويؤمر عليهم دردا، ويستعمل على الخراج بها زيد ابن إبراهيم، فجهز ~~بدر جيشا كثيفا وسيرهم، فلما وصلوا قاتلهم كثير، فلم يكن له بهم قوة، وضعف ~~أمره وكادوا يملكون البلد، فبلغ أهل البلد أن زيدا معه قيود وأغلال ~~لأعيانهم، فاجتمعوا مع كثير، وشدوا منه، وقاتلوا معه، فهزموا عسكر الخليفة، ~~وأسروا زيدا، فوجدوا معه القيود والأغلال، فجعلوها في رجليه وعنقه. وكتب ~~كثير إلى الخليفة يتبرأ من ذلك، ويجعل الذنب فيه لأهل البلد، فأرسل الخليفة ~~إلى بدر الحمامي يأمره أن يسير بنفسه إلى قتال كثير، فتجهز بدر، فلما سمع ~~كثير ذلك خاف، فأرسل يطلب المقاطعة على مال يحمله كل سنة، فأجيب إلى ذلك، ~~وقوطع على خمسمائة ألف درهم، وقررت البلاد عليه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في الصيف، خافت العامة ببغداد من حيوان كانوا يسمونه ~~الزبزب، ويقولون إنهم يرونه في الليل على سطوحهم، وإنه يأكل أطفالهم، وربما ~~عض يد الرجل وثدي المرأة فقطعهما وهرب بهما، فكان الناس يتحارسون، ~~ويتزاعقون، ويضربون بالطشوت والصواني وغيرها ليفزعوه، ms2732 فارتجت بغداد لذلك. ~~ثم إن أصحاب السلطان صادوا ليلة حيوانا أبلق بسواد، قصير اليدين والرجلين، ~~فقالوا: هذا هو الزبزب، وصلبوه على الجسر، فسكن الناس، وهذه دابة تسمى ~~طبرة، وأصحاب اللصوص حاجتهم لاشتغال الناس عنهم. وفيها توفي الناصر العلوي، ~~صاحب طبرستان، في شعبان وعمره تسع وسبعون سنة، وبقيت طبرستان في أيدي ~~العلوية إلى أن قتل الداعي، وهو الحسن بن القاسم، سنة ست عشرة وثلاثمائة ~~على ما نذكره. وفيها خالف أبو يزيد خالد بن محمد المادرائي على المقتدر ~~بالله بكرمان، وكان يتولى الخراج، وسار منها إلى شيراز يريد التغلب على ~~فارس، فخرج إله بدر الحمامي فحاربه وقتله، وحمل رأسه إلى بغداد وطيف به. ~~وفيها سار مؤنس المظفر إلى بلاد الروم لغزاة الصائفة، فلما صار بالموصل قلد ~~سبك المفلحي بازبدى وقردى، وقلد عثمان العنزي مدينة بلد، وباعيناثا، ~~وسنجار، وقلد وصيفا البكتمري باقي بلاد ربيعة، وسار مؤنس إلى ملطية وغزا ~~فيها، وكتب إلى أبي القاسم علي بن أحمد ابن بسطام أن يغزو من طرسوس في ~~أهلها، ففعل. وفتح مؤنس حصونا كثيرة من الروم، وأثر آثارا جميلة، وعتب عليه ~~أهل الثغور وقالوا: لو شاء لفعل أكثر من هذا؛ وعاد إلى بغداد، فأكرمه ~~الخليفة وخلع عليه. وفيها توفي يموت بن المزرع العبدي، وهو ابن أخت الجاحظ، ~~وسليمان بن محمد بن أحمد أبو موسى النحوي المعروف بالحامض أخذ العلم عن ~~ثعلب، وكانت وفاته في ذي الحجة، وكان من أصحاب ثعلب، ويوسف ابن الحسين بن ~~علي، أبو يعقوب الرازي، وهو من أصحاب ذي النون المصري، وهو صاحب قصة الفأرة معه. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وثلاثمائة # في هذه السنة، في المحرم، وصل رسولان من ملك الروم إلى المقتدر يطلبان ~~المهادنة والفداء، فأكرما إكراما كثيرا، وأدخلا على الوزير وهو في أكمل ~~أبهة، وقد صف الأجناد بالسلاح والزينة التامة، وأديا الرسالة إليه؛ ثم ~~إنهما دخلا على المقتدر، وقد جلس لهما، واصطف الأجناد بالسلاح والزينة ~~التامة، وأديا الرسالة، فأجابهما المقتدر إلى ما طلب ملك الروم من الفداء، ~~وسير مؤنسا الخادم ليحضر ms2733 الفداء، وجعله أميرا على كل بلد يدخله يتصرف فيه ~~على ما يريد إلى أن يخرج عنه، وسير معه جمعا من الجنود، وأطلق لهم أرزاقا ~~واسعة، وأنفذ معه مائة ألف وعشرين ألف دينار لفداء أسرى المسلمين، وسار ~~مؤنس والرسل، وكان الفداء على يد مؤنس. وفيها أطلق أبو الهيجاء عبدالله بن ~~حمدان، وإخوته، وأهل بيته من الحبس، وكانوا محبوسين بدار الخليفة، وقد تقدم ~~ذكر حبسهم وسببه. وفيها مات العباس بن عمرو الغنوي وكان متقلدا أعمال الحرب ~~بديار مضر، فجعل مكانه وصيف البكتمري، فلم يقدر على ضبط العمل، فعزل، وجعل ~~مكانه جني الصفواني، فضبطه أحسن ضبط. PageV03P0401 # وفي هذه السنة كانت بالبصرة فتنة عظيمة، وسببها أنه كان الحسن ابن الخليل ~~بن رمال متقلدا أعمال الحرب بالبصرة، وأقام بها سنين، وجرت بينه وبين ~~العامة من مضر وربيعة فتن كثيرة، وسكنت، ثم ثارت بينهم فتنة اتصلت، فلم ~~يمكنه الخروج من منزله برحبة بني نمر، واجتمع الجند كلهم معه، وكان لا يوجد ~~أحد منهم في طريق إلا قتل، حتى حوصرت، وغورت القناة التي يجري فيها الماء ~~إلى بني نمير، فاضطر إلى الركوب إلى المسجد الجامع، فقتل من العامة خلقا ~~كثيرا. فلما عجز عن إصلاحهم خرج هو ومعه الأعيان من أهل البصرة إلى واسط، ~~فعزل عنها، واستعمل أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي عليها فبقي نحو سنة وصرف ~~عنها، ووليها سبك المفلحي نيابة عن شفيع المقتدري. وفيها عقد لثمال الخادم ~~على الغزاة في بحر الروم، وسار. وفيها غزا جني الصفواني بلاد الروم، فغنم ~~ونهب وسبى وعاد سالما. وفي هذه السنة مات أبو خليفة المحدث البصري. وفيها، ~~في جمادى الأولى، مات أبو جعفر بن محمد بن عثمان العسكري المعروف بالسمان، ~~ويعرف أيضا بالعمري، رئيس الإمامية، وكان يدعي أنه الباب إلى الإمام ~~المنتظر، وأوصى إلى أبي القاسم بن الحسين بن روح. وفي آخرها توفي أحمد بن ~~محمد بن شريح وكان عالما بمذهب الشافعي. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وثلاثمائة # ### || AUT ذكر عزل ابن الفرات # ### || AUT ووزارة حامد بن العباس # في ms2734 هذه السنة، في جمادى الآخرة، قبض على الوزير أبي الحسن بن الفرات، ~~وكانت مدة وزارته هذه، وهي الثانية، سنة واحدة وخمسة أشهر وتسعة عشر يوما. ~~وكان سبب ذلك أنه أخر إطلاق أرزاق الفرسان، واحتج عليهم بضيق الأموال، ~~وأنها أخرجت في محاربة ابن أبي الساج، وأن الارتفاع نقص بأخذ يوسف أموال ~~الري وأعمالها، فشغب الجند شغبا عظيما، وخرجوا إلى لمصلى، والتمس ابن ~~الفرات من المقتدر إطلاق مائتي ألف دينار من بيت المال الخاص ليضيف إليها ~~مائتي ألف دينار يحصلها، ويصرف الجميع في أرزاق الجند، فاشتد ذلك على ~~المقتدر، وأرسل إليه: إنك ضمنت أنك ترضي جميع الأجناد، وتقوم بجميع النفقات ~~الراتبة على العادة الأولى وتحمل بعد ذلك ما ضمنت أنك تحمله يوما بيوم، ~~فأراك تطلب من بيت المال الخاص؛ فاحتج بقلة الارتفاع، وما أخذه ابن أبي ~~الساج من الارتفاع وما خرج على محاربته؛ فلم يسمع المقتدر حجته وتنكر له ~~عليه. وقيل: كان سبب قبضة أن المقتدر قيل له: إن ابن الفرات يريد إرسال ~~الحسين بن حمدان إلى ابن أبي الساج ليحاربه، وإذا صار عنده اتفقا عليك؛ ثم ~~إن ابن الفرات قال للمقتدر في إرسال الحسين إلى ابن أبي الساج، فقتل ابن ~~حمدان في جمادى الأولى، وقبض على ابن الفرات في جمادى الآخرة. ثم إن بعض ~~العمال ذكر لابن الفرات ما يتحصل لحامد بن العباس من أعمال واسط زيادة على ~~ضمانه، فاستكثره، وأمره أن يكاتبه بذلك، فكاتبه، فخاف حامد أن يؤخذ ويطالب ~~بذلك المال، فكتب إلى نصر الحاجب وإلى والدة المقتدر، وضمن لهما مالا ~~ليتحدثا له في الوزارة، فذكر للمقتدر حاله وسعة نفسه، وكثرة أتباعه، وأنه ~~له أربع مائة مملوك يحملون السلاح؛ واتفق ذلك عند نفرة المقتدر عن ابن ~~الفرات، فأمره بالحضور من واسط، فحضر، وقبض على ابن الفرات وولده المحسن ~~وأصحابهما وأتباعهما. ولما وصل حامد إلى بغداد أقام ثلاثة أيام في دار ~~الخليفة، فكان يتحدث مع الناس، ويضاحكهم، ويقوم لهم، فبان للخدم ولأبي ~~القاسم بن الحواري وحاشية الدار قلة معرفته بالوزارة، وقال ms2735 له حاجبه: يا ~~مولانا ! الوزير يحتاج إلى لبسه، وجلسه، وعبسه؛ فقال له: تعني أن تلبس، ~~وتقعد، فلا تقوم لأحد، ولا تضحك في وجه أحد، ولا تحدث أحدا ؟ قال: نعم. قال ~~حامد: إن الله أعطاني وجها طلقا، وخلقا حسنا، وما كنت بالذي أعبس وجهي، ~~وأقبح خلقي لأجل الوزارة؛ فعابوه عند المقتدر، ونسبوه إلى الجهل بأمور ~~الوزارة، فأمر المقتدر بإطلاق علي بن عيسى من محبسه، وجعله يتولى الدواوين ~~شبه النائب عن حامد، فكان يراجعه في الأمور ويصدر عن رأيه، ثم إنه استبد ~~بالأمر دون حامد، ولم يبق لحامد غير اسم الوزارة ومعناها لعلي، حتى قيل ~~فيهما: هذا وزير بلا سواد ... وذا سواد بلا وزير PageV03P0402 # ثم أن حامدا أحضر ابن الفرات ليقابله على أعماله، ووكل بمناظرته علي ابن ~~أحمد المادرائي ليصحح عليه الأموال، فلم يقدر على إثبات الحجة عليه، فانتدب ~~له حامد، وسبه، ونال منه، وقام إليه فلكمه. وكان حامد سفيها فقال له ابن ~~الفرات: أنت على بساط السلطان، وفي دار المملكة، وليس هذا الموضع مما تعرفه ~~من بيدر تقسمه، أو غلة تستفضل في كيلها، ولا هو مثل أكار تشتمه؛ ثم قال ~~لشفيع اللؤلؤي: قل لأمير المؤمنين عني أن حامدا إنما حمله على الدخول في ~~الوزارة، وليس من أهلها، إنني أوجبت عليه أكثر من ألفي ألف دينار من فضل ~~ضمانه، وألححت في مطالبته بها، فظن أنها تندفع عنه بدخوله في الوزارة، وأنه ~~يضيف إليها غيرها، فاستشاط حامد، وبالغ في شتمه، فأنفذ المقتدر، فأقام ابن ~~الفرات من مجلسه، ورده إلى محبسه، وقال علي بن عيسى، ونصر الحاجب لحامد: قد ~~جنيت علينا وعلى نفسك جناية عظيمة بما فعلته بابن الفرات، وأيقظت منه ~~شيطانا لا ينام. ثم إن ابن الفرات صودر على مال عظيم، وضرب ولده المحسن ~~وأصحابه، وأخذ منهم أموالا جمة. وفي هذه السنة عزل نزال عن شرطة بغداد، ~~وجعل فيها نجح الطولوني، وجعل في الأرباع فقهاء يكون عمل أصحاب الشرطة ~~بفتواهم، فضعفت هيبة السلطنة بذلك، وطمع اللصوص والعيارون، وكثرت الفتن ~~وكبست دور التجار، وأخذت ms2736 بنات الناس في الطريق المنقطعة، وكثر المفسدون. ### || AUT ذكر إرسال المهدي العلوي العساكر إلى مصر # وفي هذه السنة جهز المهدي صاحب إفريقية جيشا كثيفا مع ابنه أبي القاسم، ~~وسيرهم إلى مصر، وهي المرة الثانية، فوصل إلى الإسكندرية في ربيع الآخر سنة ~~سبع وثلاثمائة، فخرج عامل المقتدر عنها، ودخلها القائم، ورحل إلى مصر، فدخل ~~الجيزة، وملك الأشمونين وكثيرا من الصعيد، وكتب إلى أهل مكة يدعوهم إلى ~~الدخول في طاعته فلم يقبلوا منه. ووردت بذلك الأخبار إلى بغداد، فبعث ~~المقتدر بالله مؤنسا الخادم في شعبان، وجد في السير فوصل إلى مصر، وكان ~~بينه وبين القائم عدة وقعات، ووصل من إفريقية ثمانون مركبا نجدة للقائم، ~~فأرست بالإسكندرية، وعليها سليمان الخادم، ويعقوب الكتامي، وكانا شجاعين، ~~فأمر المقتدر بالله أن يسير مراكب طرسوس إليهم، فسار خمسة وعشرون مركبا، ~~وفيها النفط والعدد، ومقدمها أبو اليمن، فالتقت المراكب بالمراكب، واقتتلوا ~~على رشيد، فظفر أصحاب مراكب المقتدر، وأحرقوا كثيرا من مراكب إفريقية، وهلك ~~أكثر أهلها، وأسر منهم كثير، وفي الأسرى سليمان الخادم، ويعقوب، فقتل من ~~الأسرى كثير، وأطلق كثير، ومات سليمان في الحبس بمصر، وحمل يعقوب إلى ~~بغداد، ثم هرب منها وعاد إلى أفريقية. وأما عسكر القائم فكان بينه وبين ~~مؤنس وقعات كثيرة، وكان الظفر لمؤنس فلقب حينئذ بالمظفر. ووقع الوباء في ~~عسكر القائم، والغلاء، فمات منهم كثير من الناس والخيل، فعاد من سلم إلى ~~إفريقية. وسار عسكر مصر في أثرهم، حتى أبعدوا، فوصل القائم إلى المهدية في ~~رجب من السنة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا بشر الأفشيني بلاد الروم، فافتتح عدة حصون، وغنم، ~~وسلم؛ وغزا ثمل في بحر الروم، فغنم، وسبى، وعاد؛ وكان على الموصل أبو أحمد ~~بن حماد الموصلي. وفيها دخل جني الصفواني بلاد الروم، فنهب، وخرب، وأحرق، ~~وفتح وعاد، فقرئت الكتب على المنابر ببغداد بذلك. وفيها وقعت فتنة ببغداد ~~بين العامة والحنابلة، فأخذ الخليفة جماعة منهم وسيرهم إلى البصرة فحبسوا. ~~وفيها أمر المقتدر ببناء بيمارستان، فبني، وأجري عليه النفقات الكثيرة، ~~وكان يسمى ms2737 البيمارستان المقتدري. وفيها توفي القاضي محمد بن خلف بن حيان ~~أبو بكر الضبي المعروف بوكيع، وكان عالما بأخبار الناس وغيرها، وله تصانيف ~~حسنة؛ والقاضي أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج الفقيه الشافعي وله سبع ~~وخمسون سنة. وفيها مات كنيز المغني، وهو مشهور بالحذق في الغناء. كنيز بضم ~~الكاف وفتح النون وآخرها زاي. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وثلاثمائة # في هذه السنة ضمن حامد بن العباس أعمال الخراج، والضياع الخاصة، ~~والعامة، والمستحدثة، والفراتية بسواد بغداد، والكوفة، وواسط، والبصرة، ~~والأهواز، وأصبهان. PageV03P0403 # وسبب ذلك أنه لما رأى أنه قد تعطل عن الأمر والنهب وتفرد به علي ابن عيسى ~~شرع في هذا ليصير له حديث وأمر ونهي، واستأذن المقتدر في الانحدار إلى واسط ~~ليدبر أمر ضمانه الأول، فأذن له في ذلك، فانحدر إليها واسم الوزارة عليه، ~~وعلي بن عيسى يدبر الأمور، وأظهر حامد زيادة ظاهرة في الأموال، وزاد زيادة ~~متوفرة، فسر المقتدر بذلك، وبسط يد حامد في الأعمال، حتى خافه علي بن عيسى. ~~ثم إن السعر تحرك ببغداد، فثارت العامة والخاصة لذلك، واستغاثوا، وكسروا ~~المنابر، وكان حامد يخزن الغلال، وكذلك غيره من القواد، ونهبت عدة من ~~دكاكين الدقاقين، فأمر المقتدر بإحضار حامد بن العباس، فحضر من الأهواز، ~~فعاد الناس إلى شغبهم، فأنفذ حامد لمنعهم، فقاتلوهم، وأحرقوا الجسرين، ~~وأخرجوا المحبسين من السجون، ونهبوا دار صاحب الشرطة، ولم يتركوا له شيئا، ~~فأنفذ المقتدر جيشا مع غريب الخال، فقاتل العامة، فهربوا من بين يديه، ~~ودخلوا الجامع بباب الطاق، فوكل بأبواب الجامع، وأخذ كل من فيه فحبسهم، ~~وضرب بعضهم،، وقطع أيدي من يعرف بالفساد. ثم أمر المقتدر من الغد، فنودي في ~~الناس بالأمان، فسكنت الفتنة، ثم إن حامدا ركب إلى دار المقتدر في الطيار، ~~فرجمه العامة، ثم أمر المقتدر بتسكينهم فسكنوا، وأمر المقتدر بفتح مخازن ~~الحنطة والشعير التي لحامد، ولأم المقتدر، وغيرهما، وبيع ما فيها، فرخصت ~~الأسعار، وسكن الناس، فقال علي بن عيسى للمقتدر: إن سبب غلاء الأسعار إنما ~~هو ضمان حامد لأنه منع من بيع الغلال ms2738 في البيادر وخزنها، فأمر بفسخ الضمان ~~عن حامد، وصرف عماله عن السواد، وأمر علي بن عيسى أن يتولى ذلك، فسكن الناس ~~واطمأنوا؛ وكان أصحاب حامد يقولون إن ذلك الشغب كان بوضع من علي بن عيسى. ### || AUT ذكر أمر أحمد بن سهل # في هذه السنة ظفر الأمير نصر بن أحمد صاحب خراسان وما وراء النهر بأحمد ~~بن سهل، ونحن نذكر حاله من أوله. كان أحمد بن سهل هذا من كبار قواد الأمير ~~إسماعيل بن أحمد، وولده أحمد بن إسماعيل، وولده نصر بن أحمد، وقد تقدم من ~~ذكر تقدمه على الجيوش في الحروب ما يدل على علو منزلته. وهو أحمد بن سهل بن ~~هاشم بن الوليد بن جبلة بن كامكار بن يزدجرد ابن شهريار الملك، وكان كامكار ~~دهقانا بنواحي مرو، وإليه ينسب الورد الكامكاري، وهو الشديد الحمرة، وهو ~~الذي يسمى بالري القصراني، وبالعراق والجزيرة والشام الجوري، ينسب إلى ~~قصران، وهي قرية بالري، وإلى مدينة جور، وهي من مدن فارس. وكان لأحمد إخوة ~~يقال لهم محمد، والفضل، والحسين، قتلوا في عصبية العرب والعجم بمرو، وكان ~~أحمد خليفة عمرو بن الليث على مرو، فقبض عليه عمرو، ونقله إلى سجستان، ~~فحبسه بها، فرأى وهو في السجن كأن يوسف النبي، عليه السلام، على باب السجن، ~~فقال له: ادع الله أن يخلصني ويوليني ! فقال له: قد أذن الله في خلاصك، ~~لكنك لا تلي عملا برأسك. ثم إن أحمد طلب الحمام فأدخل إليه، فأخذ النورة ~~فطلى بها رأسه ولحيته فسقط شعره، وخرج من الحمام ولم يعرفه أحد، فاختفى، ~~فطلبه عمرو فلم يظفر به، ثم خرج من سجستان نحو مرو، فقبض على خليفة عمرو ~~واستولى عليها، واستأمن إلى إسماعيل بن أحمد بخارى، فأكرمه، وقدمه، ورفع ~~قدره، وكان عاقلا كتوما لأسراره. فلما عصى الحسين بن علي سير إليه أحمد، ~~فظفر به على ما ذكرناه، وضمن له الأمير نصر أشياء لم يف له بها، فاستوحش من ~~ذلك، فأتاه يوما بعض أصحاب أبي جعفر صعلوك، فحادثه، فأنشده أحمد بن سهل، ~~وقد ذكر ms2739 حاله، وأنهم لم يفوا له بما وعدوه: ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ~~... يمينك، فانظر أي كفيك تبدل وفي الناس أن رثت حبالك واصل ... وفي الأرض ~~عن دار العلى متحول إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان ~~يعقل وتركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مرحل إذا ~~انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه، آخر الدهر، تقبل PageV03P0404 # قال: فعلمت أنه قد أضمر المخالفة، فلم تمض إلا أيام حتى خالفه بنيسابور ~~واستولى عليها وأسقط خطبة السعيد نصر بن أحمد، وأنفذ رسولا إلى بغداد يخطب ~~له أعمال خراسان. وسار من نيسابور إلى جرجان وبها قراتكين، فحاربه، واستولى ~~عليها، وأخرج قراتكين عنها، ثم عاد إلى خراسان، وقصد مرو فاستولى عليها، ~~وبنى عليها سورا وتحصن بها، فأرسل إليه السعيد نصر الجيوش مع حموية بن علي ~~من بخارى، فوافى مرو الروذ، فأقام بنواحيها ليخرج إليه أحمد بن سهل منها، ~~فلم يفعل. ودخل بعض أصحاب أحمد عليه يوما، وهو يفكر بعد نزول حموية عليه، ~~فقال له صاحبه: لا شك أن الأمير مشغول القلب لهذا الخطب، فما هو رأي الأمير ~~؟ فقال: ليس بي ما تظن، ولكن ذكرت رؤيا رأيتها في حبس سجستان، وذكر قول ~~يوسف الصديق، عليه السلام: إنك لا تلي عملا برأسك. قال: فقلت له: إن القوم ~~يغتنمون سلمك، ويعطونك ما تريد، فإن رأيت أن يتوسط الحال فعلنا؛ فأنشد: ~~سأغسل عني العار بالسيف جالبا ... علي قضاء الله ما كان جالبا ولما رأى ~~حموية أنه لا يخرج إليه من مرو عمل الحيلة في ذلك، فجعل يقول: قد أدخلت ابن ~~سهل في جحر فأر، وسددت عليه وجوه الفرار؛ وأشباه هذا من الكلام ليغضب أحمد ~~فيخرج، فلم يفعل ذلك، فحينئذ أمر حموية جماعة من ثقات قواده، فكاتبوا أحمد ~~بن سهل سرا، وأظهروا له الميل، ودعوه إلى الخروج من مرو ليسلموا إليه ~~حموية، فأجابهم إلى ذلك، لما في نفسه من الغيظ على حموية، فخرج عن مرو نحو ~~حموية، فالتقوا على ms2740 مرحلة من مرو الروذ في رجب سنة سبع وثلاثمائة، فانهزم ~~أصحاب أحمد، وحارب هو إلى أن عجزت دابته، فنزل عنها واستأمن، فأخذوه أسيرا، ~~وأنفذوه إلى بخارى، فمات بها في الحبس في ذي الحجة من سنة سبع وثلاثمائة. ~~وكان الأمير احمد بن إسماعيل بن أحمد يقول: لا ينبغي لأحمد بن سهل أن يغيب ~~عن باب السلطان، فإنه أن غاب عنه أثار شغلا عظيما، كأنه كان يتوسم فيه ما ~~فعل، فهكذا ينبغي أن تكون فراسة الملك. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وقع حريق بالكرخ من بغداد، فاحترق فيه كثير من الدور ~~والناس. وفيها قلد إبراهيم بن حمدان ديار ربيعة، وقلد بني بن نفسي شهرزور، ~~فامتنعت عليه، فاستمد المقتدر، فسير إليه جيشا، فحصرها ولم يفتحها، وقلد ~~القتال بالموصل وأعمالها. وفيها أوقع ثمل متولي الغزو في البحر بمراكب ~~للمهدي العلوي، صاحب إفريقية، وقتل جماعة ممن فيها، وأسر خادما له. وفيها ~~انقض كوكب عظيم فاشتد ضوءه وعظم، وتفرق ثلاث فرق، وسمع عند انقضاضه مثل صوت ~~الرعد الشديد، ولم يكن في السماء غيم. وفيها كانت فتنة بالموصل بين أصحاب ~~الطعام وبين الأساكفة، واحترق سوق الأساكفة وما فيه، وكان الوالي على ~~الموصل وأعمالها العباس بن محمد بن إسحاق بن كنداج، وكان خارجا عن البلد، ~~فسمع بالفتنة، فرجع ليوقع بأهل الموصل، فعزموا على قتاله، وحصنوا البلد، ~~وسدوا الدروب، فلما علم بذلك ترك قتالهم، وأمر الأعراب بتخريب الأعمال، ~~فصاروا يقطعون الطريق على الجسر وفي الميدان، ويقاسمونه، فخرب البلد، فبلغ ~~الخبر إلى الخليفة، فعزله سنة ثمان وثلاثمائة، واستعمل بعده عبدالله بن ~~محمد الفتان، وكان عفيفا، صارما، كف الأعراب عن البلد. وفيها توفي أبو يعلى ~~أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، صاحب المسند بها. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وثلاثمائة # في هذه السنة خلع المقتدر على أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان، وقلد طريق ~~خراسان والدينور، وخلع على أخويه أبي العلاء وأبي السرايا. وفيها وصل رسول ~~أخي صعلوك بالمال، والهدايا، والتحف، ويخبر باستمراره على الطاعة للمقتدر ~~بالله. وفيها توفي ms2741 إبراهيم بن حمدان في المحرم. وفيها قلد بدر الشرابي ~~دقوقا، وعكبرا، وطريق الموصل. وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن سفيان صاحب ~~مسلم بن الحجاج، ومن طريقه يروى صحيح مسلم إلى اليوم. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وثلاثمائة # ### || AUT ذكر قتل ليلى بن النعمان الديلمي # PageV03P0405 # في هذه السنة قتل ليلى بن النعمان الديلمي، وكان ليلى هذا أحد قواد أولاد ~~الأطروش العلوي، وكان إليه ولاية جرجان، وكان قد استعمله عليها الحسن ابن ~~القاسم الداعي سنة ثمان وثلاثمائة، وكان أولاد الأطروش يكاتبونه: المؤيد ~~لدين الله المنتصر لآل رسول الله، صلى الله علية وسلم، ليلى بن النعمان؛ ~~وكان كريما، بذالا للأموال، شجاعا، مقداما على الأهوال. وسار من جرجان إلى ~~الدامغان، فحاربه أهلها، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وعاد إلى جرجان، فابتنى ~~أهل الدامغان حصنا يحميهم، وسار قراتكين إليه بجرجان، فحاربه على نحو عشرة ~~فراسخ من جرجان، فانهزم قراتكين، واستأمن غلامه بارس إلى ليلى ومعه ألف ~~فارس، فأكرمه ليلى، وزوجه أخته، واستأمن إليه أبو القاسم بن حفص ابن أخت ~~أحمد بن سهل، فأكرمه ليلى. ثم إن الأجناد كثروا على ليلى بن النعمان، فضاقت ~~الأموال عليه، فسار نحو نيسابور بأمر الحسن بن القاسم الداعي، وتحريض أبي ~~القاسم بن حفص، وكان بها قراتكين، فوردها في ذي الحجة سنة ثمان وثلاثمائة، ~~وأقام بها الخطبة للداعي، وأنفذ السعيد نصر من بخارى إليه حموية بن علي، ~~فالتقوا بطوس، واقتتلوا، فانهزم أكثر أصحاب حموية بن علي حتى بلغوا مرو، ~~وثبت حموية، ومحمد بن عبدالله البلغمي، وأبو جعفر صعلوك، وخوارزم شاه، ~~وسيمجور الدواتي فاقتتلوا، فانهزم بعض أصحاب ليلى، ومضى ليلى منهزما، فدخل ~~ليلى سكة لم يكن له فيها مخرج، ولحقه بغرا فيها، فلم يقدر ليلى على الهرب، ~~فنزل وتوارى في دار، فقبض عليه بغرا، وأنفذ إلى حمويه فأعلمه بذلك، فأنفذ ~~من قطع رأس ليلى، ونصبه على رمح، فلما رآه أصحابه طلبوا الأمان فأمنوا. ثم ~~قال حموية للجند: قد مكنكم الله من شياطين الجيل والديلم، فأبيدوهم ~~واستريحوا منهم أبد الدهر؛ فلم يفعلوا، وحامى كل ms2742 قائد جماعة، فخرج منهم من ~~خرج بعد ذلك، وكان قتل ليلى في ربيع الأول سنة تسع وثلاثمائة، وحمل رأسه ~~إلى بغداد، وبقي بارس غلام قراتكين بجرجان. وقيل إن حموية لما سار إلى قتال ~~ليلى قيل له: أن ليلى يستبطئك في قصده، فقال: إني البس أحد خفي للحرب ~~العام، والآخر في العام المقبل؛ فبلغ قوله ليلى، فقال: لكني ألبس أحد خفي ~~للحرب قاعدا، والثاني قائما وراكبا، فلما قتل قال حموية: هكذا من تعجل إلى الحرب. ### || AUT ذكر قتل الحسين الحلاج # في هذه السنة قتل الحسين بن منصور الحلاج الصوفي وأحرق، وكان ابتداء ~~حاله أنه كان يظهر الزهد والتصوف، ويظهر الكرامات، ويخرج للناس فاكهة ~~الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، ويمد يده إلى الهواء فيعيدها ~~مملوءة دراهم عليها مكتوب: (قل هو الله أحد)، ويسميها دراهم القدرة، ويخبر ~~الناس بما أكلوه، وما صنعوه في بيوتهم، ويتكلم بما في ضمائرهم، فافتتن به ~~خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول، وبالجملة فإن الناس اختلفوا فيه اختلافهم في ~~المسيح، عليه السلام، فمن قائل أنه حل فيه جزء ألهي، ويدعي فيه الربوبية، ~~ومن قائل أنه ولي الله تعالى، وإن الذي يظهر منه من جملة كرامات الصالحين، ~~ومن قائل إنه مشعبذ، وممخرق، وساحر كذاب، ومتكهن، والجن تطيعه فتأتيه ~~بالفاكهة في غير أوانها. وكان قدم من خراسان إلى العراق وسار إلى مكة فأقام ~~بها سنة في الحجر لا يستظل تحت سقف شتاء ولا صيفا، وكان يصوم الدهر، فإذا ~~جاء العشاء أحضر له القوام كوز ماء، وقرصا، فيشربه، وبعض من القرص ثلاث ~~عضات من جوانبه، فيأكلها ويترك الباقي فيأخذونه، ولا يأكل شيئا آخر إلى ~~الغد آخر النهار. وكان شيخ الصوفية يومئذ بمكة عبدالله المغربي، فأخذ ~~أصحابه ومشى إلى زيارة الحلاج، فلم يجده في الحجر، وقيل له: قد صعد إلى جبل ~~أبي قبيس؛ فصعد إليه، فرآه على صخرة حافيا، مكشوف الرأس، والعرق يجري منه ~~إلى الأرض، فأخذ أصحابه وعاد ولم يكلمه، فقال: هذا يتصبر ويتقوى على قضاء ~~الله، سوف يبتليه الله بما ms2743 يعجز عنه صبره وقدرته؛ وعاد الحسين إلى بغداد. ~~PageV03P0406 # وأما سبب قتله فإنه نقل عنه عند عوده إلى بغداد إلى الوزير حامد ابن ~~العباس أنه أحيا جماعة، وأنه يحيي الموتى، وأن الجن يخدمونه، وأنهم يحضرون ~~عنده ما يشتهي، وأنه قد موه على جماعة من حواشي الخليفة، وأن نصرا الحاجب ~~قد مال إليه وغيره، فالتمس حامد الوزير من المقتدر بالله أن يسلم إليه ~~الحلاج وأصحابه، فدفع عنه نصر الحاجب، فألح الوزير، فأمر المقتدر بتسليمه ~~إليه، فأخذه، وأخذ معه إنسان يعرف بالشمري، وغيره، قيل إنهم يعتقدون أنه ~~إله، فقررهم، فاعترفوا أنهم قد صح عندهم أنه إله، وأنه يحيي الموتى، ~~وقابلوا الحلاج على ذلك، فأنكره وقال: أعوذ بالله أن ادعي الربوبية، أبو ~~النبوة، وإنما أنا رجل أعبد الله، عز وجل! فأحضر حامد القاضي أبا عمرو ~~والقاضي أبا جعفر بن البهلول، وجماعة من وجوه الفقهاء والشهود، فاستفتاهم، ~~فقالوا: لا يفتى في أمره بشيء، إلا أن يصح عندنا ما يوجب قتله، ولا يجوز ~~قبول قول من يدعي عليه ما ادعاه إلا ببينة إقرار. وكان حامد يخرج الحلاج ~~إلى مجلسه، ويستنطقه، فلا يظهر منه ما تكرهه الشريعة المطهرة. وطال الأمر ~~على ذلك وحامد الوزير مجد في أمره، وجرى له معه قصص يطول شرحها، وفي آخرها ~~أن الوزير رأى له كتابا حكى فيه أن الإنسان إذا أراد الحج، ولم يمكنه، أفرد ~~من داره بيتا لا يلحقه شيء من النجاسات، ولا يدخله أحد، فإذا حضرت أيام ~~الحج طاف حوله، وفعل ما يفعله الحاج بمكة، ثم يجمع ثلاثين يتيما، ويعمل ~~أجود طعام يمكنه، ويطعمهم في ذلك البيت، ويخدمهم بنفسه، فإذا فرغوا كساهم، ~~وأعطى كل واحد منهم سبعة دراهم، فإذا فعل ذلك كان كمن حج. فلما قرئ هذا على ~~الوزير قال القاضي أبو عمرو للحلاج: من أين لك هذا ؟ قال: من كتاب الإخلاص ~~للحسن البصري؛ قال له القاضي: كذبت يا حلال الدم ! قد سمعناه بمكة وليس فيه ~~هذا؛ فلما قال له: يا حلال الدم، وسمعها الوزير قال له: اكتب بهذا؛ فدافعه ms2744 ~~أبو عمرو، فألزمه حامد، فكتب بإباحة دمه، وكتب بعده من حضر المجلس. ولما ~~سمع الحلاج ذلك قال: ما يحل لكم دمي واعتقادي الإسلام ومذهبي السنة، ولي ~~فيها كتب موجودة، فالله الله في دمي ! وتفرق الناس. وكتب الوزير إلى ~~الخليفة يستأذنه في قتله، وأرسل الفتاوى إليه، فأذن في قتله، فسلمه الوزير ~~إلى صاحب الشرطة، فضربه ألف سوط فما تأوه، ثم قطع يده، ثم رجله، ثم يده، ثم ~~رجله، ثم قتل وأحرق بالنار، فلما صار رمادا ألقي في دجلة، ونصب الرأس ~~ببغداد، وأرسل إلى خراسان لأنه كان له بها أصحاب، فأقبل بعض أصحابه يقولون: ~~إنه لم يقتل، وإنما ألقي شبه على دابة، وإنه يجيء بعد أربعين يوما؛ وبعضهم ~~يقول: لقيته على حمار بطريق النهروان، وإنه قال لهم: لا تكونوا مثل هؤلاء ~~البقر الذي يظنون أني ضربت وقتلت. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها، في ربيع الأول، وقع حريق كبير في الكرخ، فاحترق فيه بشر كثير. ~~وفيها استعمل المقتدر على حرب الموصل ومعونتها محمد بن نصر الحاجب، في ~~جمادى الأولى، وسار إلها فيه، فلما وصل إليها أوقع بمن خالفه من الأكراد ~~المارانية، فقتل، وأسر، وأرسل إلى بغداد نيفا وثمانين أسيرا، فشهروا. وفيها ~~قلد داود بن حمدان ديار ربيعة. وفيها توفي أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل ~~بن عطاء الآدمي الصوفي من كبار مشايخهم وعمائهم، وأبو إسحاق إبراهيم بن ~~هارون الحراني الطبيب، وأبو محمد عبدالله بن حمدون النديم. ### | AUT ثم دخلت سنة عشر وثلاثمائة # ### || AUT ذكر حرب سيمجور # ### || AUT مع أبي الحسين بن العلوي # قد ذكرنا قتل ليلى بن النعمان، وأن جرجان تخلف بها بارس غلام قراتكين، ~~فلما قتل ليلى بن النعمان عاد قراتكين إلى جرجان، فاستأمن إليه غلامه ارس، ~~فقتله قراتكين، وانصرف عن جرجان، وقدمها أبو الحسين ابن الحسن بن علي ~~الأطروش العلوي، الملقب والده بالناصر، وأقام بها، فأنفذ إليه السعيد نصر ~~بن أحمد سيمجور الدواتي في أربعة آلاف فارس، فنزل على فرسخين من جرجان، ~~وحاصر أبا الحسين نحو شهر من هذه السنة. ms2745 PageV03P0407 # وخرج إليه أبو الحسين في ثمانية آلاف رجل من الديلم، والجرجانية، وصاحب ~~جيشه سرخاب بن وهسوذان ابن عم ما كان بن كالي الديلمي، فتحاربا حربا عظيمة، ~~وكان سيمجور قد جعل كمينا من أصحابه، فأبطأوا عنه، فانهزم سيمجور، ووقع ~~أصحاب أبي الحسين في عسكر سيمجور، واشتغلوا بالنهب والغارة، فخرج عليهم ~~الكمين بعد الظفر، فقتلوا من الديلم والجرجانية نحو أربعة آلاف رجل، وانهزم ~~أبو الحسين، وركب في البحر ثم عاد إلى أستراباذ، واجتمع إليه فل أصحابه. ~~وكان سرخاب قد تبع سيمجور في هزيمته، فلما عاد رأى أصحابه مقتلين مشردين، ~~فسار إلى استراباذ، واستصحب معه عيال أصحابه ومخلفيهم، وأقام بها مع أبي ~~الحسين بن الناصر، ثم سمع سيمجور بظفر أصحابه، فعاد إليهم، وأقام بجرجان، ~~ثم اعتل سرخاب ومات، ورجع ابن الناصر إلى سارية، واستخلف ما كان بن كالي ~~على استراباذ، فاجتمع إليه الديلم، وقدموه، وأمروه على أنفسهم. ثم سار محمد ~~بن عبيد الله البلغمي وسيمجور إلى باب استراباذ، وحاربوا ما كان بن كالي، ~~فلما طال مقامهم اتفقوا معه على أن يخرج عن استراباذ إلى سارية، وبذلوا له ~~على هذا مالا ليظهر للناس أنهم قد افتتحوها، ثم ينصرفون عنها ويعود إليها، ~~ففعل وسار إلى سارية، ثم رحلوا عن استراباذ إلى جرجان، ثم إلى نيسابور، ~~وجعلوا بغرا باستراباذ، فلما ساروا عنها عاد إليها ما كان بن إلى، ففارقها ~~بغرا أليلأ جرجان، وأساء السيرة في أهلها، وخرج إليه ما كان، فرجع بغرا إلى ~~نيسابور، وأقام ما كان بجرجان؛ ونحن نذكر ابتداء حال ما كان، وننقلها عند ~~قتله سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر خروج إلياس بن إسحاق بن أحمد بن أسد الساماني # ثم خرج إلياس بن إسحاق بن أحمد، المقدم ذكره أنه خرج مع أبيه، وانهزم ~~إلى فرغانة، فلما بلغ فرغانة أقام بها إلى أن خرج ثانيا، واستعان عند خروجه ~~بمحمد بن الحسين بن مت، وجمع من الترك، فاجتمع معه ثلاثون ألف عنان، فقصد ~~سمرقند مشاقا للسعيد نصر بن أحمد، فسير إليه نصر أبا عمرو محمد ms2746 بن أسد ~~وغيره في ألفين وخمسمائة رجل، فكمنوا خارج سمرقند يوم ورود إلياس، فلما ~~وردها، واشتغل هو ومن معه بالنزول، خرج الكمين عليه من بين الشجر، ووضعوا ~~السيوف فيهم، فانهزم إلياس وأصحابه، فوصل إلياس إلى فرغانة، ووصل ابن مت ~~إلى اسبيجاب، ومنها إلى ناحية طراز، فكوتب دهقان الناحية التي نزلها، ~~وأطمع، وقبض عليه، وقتلهن وأنفذ رأسه إلى بخارى. وكان ابن مت شجاعا، وكان ~~قد سخر جمالا عند خروجه، فجاء أصحابه يطلبونها منه، فقال: سأردها عليكم ~~ببغداد، يعني أنه لا يرد شيئا من بغداد، ثقة بكثرة جمعه وقوته، فجاءت ~~الأقدار بما لم يكن في الحسا. ثم عاد إلياس فخرج مرة ثالثة، وأعانه أبو ~~الفضل بن أبي يوسف، صاحب الشاش، فسير إليه محمد بن أليسع، فحاربهم، فانهزم ~~إلياس إلى كاشغر، وأسر أبو الفضل، وحمل إلى بخارى فمات بها. وأما إلياس ~~فصاهر دهقان كاشغر طغانتكين، واستقر بها، ثم ولي محمد بن المظفر فرغانة، ~~فرجع إليها إلياس بن إسحاق معاندا، فحاربه محمد ابن المظفر، فهزمه مرة ~~أخرى، فعاد إلى كاشغر، فكاتبه محمد بن المظفر، واستماله، ولطف به، فأمن ~~إلياس إليهن وحضره إلى بخارى، فأكرمه السعيد، وصاهره، وأقام معه. ### || AUT ذكر وفاة محمد بن جرير الطبري # وفي هذه السنة توفي محمد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ، ببغداد، ومولده ~~سنة أربع وعشرين ومائتين، ودفن ليلا بداره، لأن العامة اجتمعت، ومنعت من ~~دفنه نهارا، وادعو عليه الرفض، ثم ادعوا عليه الإلحاد؛ وكان علي بن عيسى ~~يقولك والله لو سئل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد ما عرفوه، ولا فهموه، ~~وهكذا ذكره ابن مسكويه صاحب تجارب الأمم، وحوشي ذلك الإمام عن مثل هذه ~~الأشياء. وأما ما ذكره عن تعصب العامة، فليس الأمر كذلك، وأنما بعض ~~الحنابلة تعصبوا عليه، ووقعوا فيه، فتبعهم غيرهم، ولذلك سبب، وهو أن الطبري ~~جمع كتابا ذكر فيه اختلاف الفقهاء، لم يصنف مثله، ولم يذكر فيه أحمد بن ~~حنبل، فقيل له في ذلك، فقال: لم يكن فقيها، وإنما كان محدثا، فاشتد ذلك على ~~الحنابلة، وكانوا لا ms2747 يحصون كثرة ببغداد، فشغبوا عليه، وقالوا ما أرادوا: ~~PageV03P0408 # حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعية ... فالناس أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء ~~قلن لوجهها ... حسدا وبغيا إنه لدميم وقد ذكرت شيئا من كلام الأئمة في أبي ~~جعفر يعلم منه محله في العلم، والثقة، وحسن الاعتقاد، فمن ذلك ما قاله ~~الإمام أبو بكر الخطيب، بعد أن ذكر من روى الطبري عنه، ومن روى عن الطبري، ~~فقال: وكان أحد أئمة العلماء يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، ~~وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب ~~الله، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن، عالما ~~بالسن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفا بأقاويل الصحابة ~~والتابعين، ومن بعدهم في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، خبيرا بأيام ~~الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك، والكتاب الذي ~~في التفسير لم يصنف مثله، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، وأخبار من ~~أقاويل الفقهاء؛ وتفرد بمسائل حفظت عنه. وقال أبو أحمد الحسين بن علي بن ~~محمد الرازي: أول ما سألني الإمام أبو بكر بن خزيمة قال لي: كتبت عن محمد ~~بن جرير الطبري ؟ قلت: لا ! قال: لم ؟ قلتك لا يظهر، وكانت الحنابلة تمنع ~~من الدخول عليه؛ فقال: بئس ما فعلت ! ليتك لم تكتب عن كل من كتبت عنه؛ ~~وسمعت عن أبي جعفر، وقال حسين: واسمه الحسين بن علي التميمي، عن ابن خزيمة ~~نحو ما تقدم. وقال ابن خزيمة حين طالع كتاب التفسير للطبري: ما أعلم على ~~أديم الأرض أعلم من أبي جعفر، ولقد ظلمته الحنابلة. وقال أبو محمد عبدالله ~~بن أحمد الفرغاني، بعد أن ذكر تصانيفه: وكان أبو جعفر ممن لا يأخذه في الله ~~لومة لائم، ولا يعدل، في علمه وتبيانه، عن حق يلزمه لربه للمسلمين، إلى ~~باطل لرغبة ولا رهبة، مع عظيم ما كان يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل، ~~وحاسد، وملحد. وأما أهل الدين والورع فغير منكرين علمه، وفضله، وزهده، ~~وتركه الدنيا مع إقبالها عليه، وقناعته ms2748 بما كان يرد عليه من قرية خلفها له ~~أبوه بطبرستان يسيرة؛ ومناقبه كثيرة لا يحتمل ها هنا أكثر من هذا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها أطلق المقتدر يوسف بن أبي الساج من الحبس بشفاعة مؤنس الخادم وحمل ~~إليه، ودخل إلى المقتدر، وخلع عليه، ثم عقد له على الري، وقزوين، وأبهر، ~~وزنجان، وأذربيجان، وقرر عليه خمسمائة ألف دينار محمولة كل سنة إلى بيت ~~المال سوى أرزاق العساكر الذين بهذه البلاد. وخلع في هذا اليوم على وصيف ~~البكتمري، وعلى طاهر ويعقوب ابني محمد بن عمرو بن الليث. وتجهز يوسف، وضم ~~إليه المقتدر بالله العساكر مع وصيف البكتمري، وسار عن بغداد في جمادى ~~الآخرة إلى أذربيجان، وأمر أن يجعل طريقه على الموصل، وينظر في أمر ديار ~~ربيعة، فقدم إلى الموصل، ونظر في الأعمال، وسار إلى أذربيجان، فرأى غلامه ~~سبكا قد مات. وفيها قلد نازوك الشرطة ببغداد. وفيها وصلت هدية إلى أبي زبور ~~الحسين بن أحمد الماذرائي من مصر وفيها بغلة، ومعها فلو يتبعها، ويرضع ~~منها، وغلام طويل اللسان، ويلحق لسانه أرنبة أنفه. وفيها قبض المقتدر على ~~أم موسى القهرمانة، وكان سبب ذلك أنها زوجت ابنة أختها من أبي العباس أحمد ~~بن محمد بن إسحاق بن المتوكل على الله، وكان محسنا، له نعمة ظاهرة، ومروءة ~~حسنة، وكان يرشح للخلافة، فلما صاهرته أكثرت من النثار والدعوات، وخسرت ~~أموالا جليلة، فتكلم أعداؤها، وسعوا بها إلى المقتدر، وقالوا إنها قد سعت ~~لأبي العباس في الخلافة، وحلفت له القواد؛ وكثر القول عليها، فقبض عليها، ~~وأخذ منها أموالا عظيمة وجواهر نفيسة. وفيها غزا المسلمون في البر والبحر، ~~فغنموا وسلموا. وفيها كان بالموصل شغب من العامة، وقتلوا خليفة محمد بن نصر ~~الحاجب بها، فتجهز العسكر من بغداد إلى الموصل. وفيها، في جمادى الآخرة، ~~انقض كوكب عظيم له ذنب في المشرق في برج السنبلة، طوله نحو ذراعين. وفيها ~~سار محمد بن نصر الحاجب من الموصل إلى الغزاة على قاليقلا، فغزا الروم من ~~تلك الناحية، ودخل أهل طرسوس ملطية، فظفروا، وبلغوا من ms2749 بلاد الروم والظفر ~~بهم ما لم يظنوه وعادوا. PageV03P0409 # وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن العباس بن محمد بن أبي محمد اليزيدي ~~الأديب، أخذ العلم عن ثعلب والرياشي. وحج بالناس هذه السنة إسحاق عبد الملك الهاشمي. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى عشرة وثلاثمائة # ### || AUT ذكر عزل حامد وولاية ابن الفرات # في هذه السنة، في ربيع الآخر، عزل المقتدر حامد بن العباس عن الوزارة، ~~وعلي بن عيسى عن الدواوين، وخلع على أبي الحسين بن الفرات، وأعيد إلى ~~الوزارة. وكان سبب ذلك أن المقتدر ضجر من استغاثة الأولاد، والحرم، والخدم ~~والحاشية من تأخير أرزاقهم، فإن علي بن عيسى كان يؤخرها، فإذا اجتمع عدة ~~شهور أعطاهم البعض، وأسقط البعض، وحط من أرزاق العمال في كل سنة شهرين، ~~وغيرهم ممن له رزق، فزادت عداوة الناس له. وكان حامد بن العباس قد ضجر من ~~المقام ببغداد، وليس إليه من الأمر شيء غير لبس السواد، وأنف من طراح علي ~~بن عيسى بجانبه، فإنه كان يهينه في توقيعاته بالإطلاق عليه لضامنه بعض ~~الأعمال، وكان يكتب: ليطلق جهبذ الوزير أعزه الله، وليبادر نائب الوزير. ~~وكان إذا شكا إليه بعض نواب حامد يكتب على القصة: إنما عقد الضمان، على ~~النائب الوزيري، عن الحقوق الواجبة السلطانية، فليتقدم إلى عماله بكف الظلم ~~عن الرعية. فاستأذن حامد، وسار إلى واسط لينظر في ضمانه، فأذن له، وجرى بين ~~مفلح الأسود وبين حامد كلام، قال له حامد: لقد هممت أن أشتري مائة خادم ~~أسود، وأسميهم مفلحا، وأهبهم لغلماني؛ فحقده مفلح، وكان خصيصا بالمقتدر، ~~فسعى معه المحسن بن الفرات لوالده بالوزارة، وضمن أموالا جليلة، وكتب على ~~يد رقعة يقول: أن يسلم الوزير، وعلي بن عيسى، وابن الحواري، وشفيع اللؤلؤي، ~~ونصر الحاجب، وأم موسى القهرمانة، والمادرانيون يستخرج منهم سبعة آلاف ألف ~~دينار. وكان المحسن مطلقا، وكان يواصل السعاية بهؤلاء الجماعة، وذكر ابن ~~الفرات للمقتدر ما كان يأخذه ابن الحواري كل سنة من المال، فاستكثره، فقبض ~~على علي بن عيسى في ربيع الآخر، وسلم إلى زيدان القهرمانة، ms2750 فحبسته في ~~الحجرة التي كان ابن الفرات محبوسا فيها، وأطلق ابن الفرات، وخلع عليه، ~~وتولى الوزارة، وخلع على ابنه المحسن، وهذه الوزارة الثالثة لابن الفرات. ~~وكان أبو علي بن مقلة قد سعى بابن الفرات، وكان يتقلد بعض الأعمال أيام ~~حامد، فحضر عند ابن الفرات، وكان ابن الفرات هو الذي قدم ابن مقلة، ورباه، ~~وأحسن إليه، ولما قيل عنه إنه سعى به لم يصدق ذلك، حنى تكرر ذلك منه. ثم إن ~~حامدا صعد من واسط، فسير إليه ابن الفرات من يقبض عليه في الطريق وعلى ~~أصحابه، فقبض على بعض أصحابه، وسمع حامد فهرب واختفى ببغداد؛ ثم إن حامدا ~~لبس زي راهب، وخرج من مكانه الذي اختفى فيه، ومشى إلى نصر الحاجب، فاستأذن ~~عليه، فأذن له، فدخل عليه، وسأله إيصال حاله إلى الخليفة، فاستدعى نصر ~~مفلحا الخادم وقال: هذا يستأذن إلى الخليفة، إذا كان عند حرمه. فلما حضر ~~مفلح فرأى حامدا قال: أهلا بمولانا الوزير؛ أين مماليكك السودان الذين سميت ~~كل واحد منهم مفلحا ؟ فسأله نصر أن لا يؤاخذه، وقال له: حامد يسأل أن يكون ~~محبسه في دار الخليفة، ولا يسلم إلى ابن الفرات. PageV03P0410 # فدخل مفلح، وقال ضد ما قيل له، فأمر المقتدر بتسليمه إلى ابن الفرات، ~~فأرسل إليه، فحبسه في دار حسنة، وأجرى عليه من الطعام، والكسوة، والطيب، ~~وغير ذلك ما كان له وهو وزير، ثم أحضره، وأحضر الفقهاء والعمال، وناظره على ~~ما وصل إليه من المال، وطالبه به، فأقر بجهات تقارب ألف ألف دينار وضمنه ~~المحسن بن أبي الحسن بن الفرات من المقتدر بخمسمائة ألف دينار، فسلمه إليه، ~~فعذبه بأنواع العذاب، وأنفذه إلى واسط مع بعض أصحابه ليبيع ما له بواسط، ~~وأمرهم بأن يسقوه سما، فسقوه سما في بيض مشوي، وكان طلبه، فأصابه إسهال، ~~فلما وصل إلى واسط أفرط الإغيام به، وكان قد تسلمه محمد بن علي البزوفري، ~~فلما رأى حاله أحضر القاضي والشهود ليشهدوا عليه أن ليس له في أمره صنع، ~~فلما حضروا عند حامد قال لهم: إن أصحاب ms2751 المحسن سقوني سما في بيض مشوي، فأنا ~~أموت منه، وليس لمحمد في أمري صنع، لكنه قد أخذ قطعة من أموالي وأمتعتي، ~~وجعل يحشوها في المساور، وتباع المسورة في السوق بمحضر من أمين السلطان ~~بخمسة دراهم، ووضع عليها من يشتريها ويحملها إليه، فيكون فيها أمتعة تساوي ~~ثلاثة آلاف دينار، فاشهدوا على ذلك. وكان صاحب الخبر حاضرا، فكتب ذلك، ~~وسيره، وندم البزوفري على ما فعل، ثم مات حامد في رمضان من هذه السنة، ثم ~~صودر علي بن عيسى بثلاثمائة ألف دينار، فأخذه المحسن بن الفرات ليستوفي منه ~~المال، فعذبه وصفعه فلم يؤد إليه شيئا. وبلغ الخبر الوزير أبا الحسن بن ~~الفرات، فأنكر على ابنه ذلك، لأن عليا كان محسنا إليهم أيام ولايته، وكان ~~قد أعطى المحسن، وقت نكبته، عشرة آلاف درهم، وأدى علي بن عيسى مال ~~المصادرة، وسيره ابن الفرات إلى مكة وكتب إلى أمير مكة ليسيره إلى صنعاء، ~~ثم قبض ابن الفرات على أبي علي بن مقلة، ثم أطلقه؛ وقبض على ابن الحواري، ~~وكان خصيصا بالمقتدر، وسلمه إلى ابنه المحسن، فعذبه عذابا شديدا، وكان ~~المحسن وقحا، سيئ الأدب ظالما، ذا قسوة شديدة، وكان الناس يسمونه الخبيث بن ~~الطيب؛ وسير ابن الحواري إلى الأهواز ليستخرج منه الأموال التي له، فضربه ~~الموكل به حتى مات. وقبض أيضا على الحسين بن أحمد، ومحمد بن علي ~~المادرانيين، وكان الحسين قد تولى مصر والشام، فصادرهما على ألف ألف دينار ~~وسبعمائة ألف دينار، ثم صادر جماعة من الكتاب ونكبهم. ثم إن ابن الفرات خوف ~~المقتدر من مؤنس الخادم، وأشار عليه بأن يسيره عن الحضرة إلى الشام ليكون ~~هنالك، فسمع قوله، وأمره بالمسير، وكان قد عاد من الغزاة، فسأل أن يقيم عدة ~~أيام بقيت من شهر رمضان، فأجيب إلى ذلك، وخرج في يوم شديد المطر. وسبب ذلك ~~أن مؤنسا لما قدم ذكر للمقتدر ما اعتمده ابن الفرات من مصادرات الناس، وما ~~يفعله ابنه من تعذيبهم وضربهم، إلى غير ذلك من أعمالهم، فخافه ابن الفرات، ~~فأبعده عن المقتدر، ثم ms2752 سعى ابن الفرات بنصر الحاجب، وأطمع المقتدر في ماله ~~وكثرته، فالتجأ نصر إلى أم المقتدر، فمنعته من ابن الفرات. ### || AUT ذكر القرامطة # وفيها قصد أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الهجري البصرة، فوصلها ليلا في ~~ألف وسبعمائة رجل، ومعه السلاليم الشعر، فوضعها على السور، وصعد أصحابه ~~ففتحوا الباب، وقتلوا الموكلين به؛ وكان ذلك في ربيع الآخر. وكان على ~~البصرة سبك المفلحي، فلم يشعر بهم إلا في السحر، ولم يعلم أنهم القرامطة بل ~~اعتقد أنهم عرب تجمعوا، فركب إليهم، ولقيهم، فقتلوه ووضعوا السيف في أهل ~~البصرة، وهرب الناس إلى الكلإ وحاربوا القرامطة عشرة أيام، فظفر بهم ~~القرامطة، وقتلوا خلقا كثيرا وطرح الناس أنفسهم في الماء، فغرق أكثرهم. ~~وأقام أبو طاهر سبعة عشر يوما يحمل منها ما يقدر عليه من المال والأمتعة، ~~والنساء والصبيان، فعاد إلى بلده؛ واستعمل المقتدر على البصرة محمد بن ~~عبدالله الفارقي، فانحدر إليها وقد سار الهجري عنها. ### || AUT ذكر استيلاء ابن أبي الساج على الري # PageV03P0411 # في هذه السنة سار يوسف بن أبي الساج من أذربيجان إلى الري، فحاربه أحمد ~~بن علي أخو صعلوك، فانهزم أصحاب احمد وقتل هو في المعركة، وأنفذ رأسه إلى ~~بغداد؛ وكان أحمد بن علي قد فارق أخاه صعلوكا، وسار إلى المقتدر فأقطع الري ~~كما ذكرناه، ثم عصى، وهادن ما كان بن كالي وأولاد الحسن بن علي الأطروش، ~~وهم بطبرستان، وجرجان، وفارق طاعة المقتدر وعصى عليه؛ ووصل رأسه إلى بغداد. ~~وكان ابن الفرات يقع في نصر الحاجب، ويقول للمقتدر أنه هو الذي أمر أحمد بن ~~علي بالعصيان لمودة بينهما. وكان قتل أحمد بن علي آخر ذي القعدة، واستولى ~~ابن أبي الساج على الري، ودخلها في ذي الحجة من السنة، ثم سار عنها في أول ~~سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة إلى همذان، واستخلف بالري غلامه مفلحا، فأخرجه أهل ~~الري عنهم، فلحق يوسف، وعاد يوسف إلى الري في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة ~~وثلاثمائة واستولى عليها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها غزا مؤنس المظفر بلاد الروم، فغنم وفتح ms2753 حصونا، وغزا ثمل أيضا في ~~البحر، فغنم من السبي ألف رأس، ومن الدواب ثمانية آلاف رأس، ومن الغنم ~~مائتي ألف رأس، ومن الذهب والفضة شيئا كثيرا. وفيها ظهر جراد كثير بالعراق، ~~فأضر بالغلات والشجر وعظم. وفيها استعمل بني بن نفيس على حرب أصبهان. وفيها ~~توفي بدر المعتضدي بفارس، وهو أميرها، وولي ابنه محمد مكانه. وفيها توفي ~~أبو محمد أحمد بن محمد بن الحسين الجريري الصوفي، وهو من مشاهير مشايخهم ~~الجريري بضم الجيم؛ وأبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج النحوي، صاحب كتاب ~~معاني القرآن. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة # ### || AUT ذكر حادثة غريبة # في هذه السنة ظهر في دار كان يسكنها المقتدر بالله إنسان أعجمي، وعليه ~~ثياب فاخرة، وتحتها مما يلي بدنه قميص صوف، ومعه مقدحة، وكبريت، ومحبرة، ~~وأقلام، وسكين، وكاغد، وفي كيس سويق، وسكر، وحبل طويل من قنب، يقال إنه دخل ~~مع الصناع، فبقي هناك، فعطش، فخرج يطلب الماء فأخذ، فأحضروه عند ابن ~~الفرات، فسأله عن حاله، فقال: لا أخبر إلا صاحب الدار، فرفق به، فلم يخبره ~~بشيء، وقال: لا أخبر إلا صاحب الدار، فضربوه ليقرروه، فقال: بسم الله بدأتم ~~بالشر ؟ ولزم هذه اللفظة، ثم جعل يقول بالفارسية: ندانم معناه لا أدري، ~~فأمر به فأحرق. وأنكر ابن الفرات على نصر الحاجب هذه الحال حيث هو الحاجب، ~~وعظم الأمر بين يدي المقتدر، ونسبه إلى إنه أخفاه لقتل المقتدر، فقال نصر: ~~لم أقتل أمير المؤمنين وقد رفعني من الثرى إلى الثريا ؟ إنما يسعى في قتله ~~من صادره، وأخذ أمواله، وأطال حبسه هذه السنين، وأخذ ضياعه؛ وصار لابن ~~الفرات بسبب هذا حديث في معنى نصر. ### || AUT ذكر أخذ الحاج # في هذه السنة سار أبو طاهر القرمطي إلى الهبير في عسكر عظيم ليلقى الحاج ~~سنة إحدى عشرة وثلاثمائة في رجوعهم من مكة، فأوقع بقافلة تقدمت معظم الحاج، ~~وكان فيها خلق كثير من أهل بغداد وغيرهم، فنهبهم؛ واتصل الخبر بباقي الحاج ~~وهم بفيد، فأقاموا بها حتى فني زادهم، فارتحلوا مسرعين. وكان أبو الهيجاء ms2754 ~~بن حمدان قد أشار عليهم بالعود إلى وادي القرى، وأنهم لا يقيمون بفيد، ~~فاستطالوا الطريق، ولم يقبلوا منه، وكان إلى أبي الهيجاء طريق الكوفة وكثير ~~الحاج، فلما فني زادهم ساروا على طريق الكوفة، فأوقع بهم القرامطة، ~~وأخذوهم، وأسروا أبا الهيجاء، وأحمد ابن كشمرد، ونحرير، وأحمد بن بدر عم ~~والدة المقتدر، وأخذ أبو طاهر جمال الحجاج جميعها، وما أراد من الأمتعة، ~~والأموال، والنساء، والصبيان، وعاد إلى هجر وترك الحاج في مواضعهم، فمات ~~أكثرهم جوعا، وعطشا، ومن حر الشمس. وكان عمر أبي طاهر حينئذ سبع عشرة سنة، ~~وانقلبت بغداد، واجتمع حرم المأخوذين إلى حرم المنكوبين الذي نكبهم ابن ~~الفرات، وجعلن ينادين: القرمطي الصغير أبو طاهر قتل المسلمين في طريق مكة، ~~والقرمطي الكبير ابن الفرات قد قتل المسلمين ببغداد. PageV03P0412 # وكانت صورة فظيعة شنيعة، وكسر العامة منابر الجوامع، وسودوا المحاريب يوم ~~الجمعة لست خلون من صفر، وضعفت نفس ابن الفرات، وحضر عند المقتدر ليأخذ ~~أمره فيما فعله، وحضر نصر الحاجب المشورة، فانبسط لسانه على ابن الفرات، ~~وقال له: الساعة تقول أي شيء نصنع، وما هو الرأي بعد أن زعزعت أركان ~~الدولة، وعرضتها للزوال في الباطن بالميل مع كل عدو يظهر ومكاتبته، ~~ومهادنته وفي الظاهر بإبعادك مؤنسا ومن معه إلى الرقة، وهم سيوف الدولة، ~~فمن يدفع الآن هذا الرجل أن قصد الحضرة، أنت أو ولدك ؟ وقد ظهر الآن أن ~~مقصودك بإبعاد مؤنس وبالقبض علي وعلى غيري أن تستضعف الدولة وتقوي اعداءها ~~لتشفي غيظ قلبك ممن صادرك وأخذ أموالك، ومن الذي سلم الناس إلى القرمطي ~~غيرك لما يجمع بينكما من التشيع والرفض ؟ وقد ظهر أيضا أن ذلك الرجل العجمي ~~كان من أصحاب القرمطي، وأنت أوصلته. فحلف ابن الفرات أنه ما كاتب القرمطي، ~~ولا هاداه، ولا رأى ذلك الأعجمي إلا تلك الساعة؛ والمقتدر معرض عنه، وأشار ~~نصر على المقتدر أن يحضر مؤنسا ومن معه، ففعل ذلك، وكتب إليه بالحضور فسار ~~إلى ذلك، ونهض ابن الفرات، فركب في طيارة فرجمه العامة حتى كاد يغرق. وتقدم ~~المقتدر إلى ياقوت ms2755 بالمسير إلى الكوفة ليمنعها من القرامطة، فخرج في جمع ~~كثير، ومع ولداه المظفر ومحمد، فخرج على ذلك العسكر مال عظيم، وورد الخبر ~~بعود القرامطة، فعطل مسير ياقوت. ووصل مؤنس المظفر إلى بغداد، ولما رأى ~~المحسن ابن الوزير ابن الفرات انحلال أمورهم، وأخذ كل من كان محبوسا عنده ~~من المصادرين، فقتلهم لأنه كان قد أخذ منهم أموالا جليلة، ولم يوصلها إلى ~~المقتدر، فخاف أن يقروا عليه. ### || AUT ذكر القبض على الوزير ابن الفرات # ### || AUT وولده المحسن # ثم إن الإرجاف كثر على ابن الفرات، فكتب إلى المقتدر يعرفه ذلك، وأن ~~الناس إنما عادوه لنصحه وشفقته، وأخذ حقوقه منهم، فأنفذ المقتدر إليه ~~يسكنه، ويطيب قلبه، فركب هو وولده إلى المقتدر، فأدخلهما إليه، فطيب ~~قلوبهما فخرجا من عنده فمنعهما نصر الحاجب من الخروج ووكل بهما، فدخل مفلح ~~على المقتدر، وأشار عليه بتأخير عزله، فأمر بإطلاقهما، فخرج هو وابنه ~~المحسن، فأما المحسن فإنه اختفى، وأما الوزير فإنه جلس عامة نهاره يمضي ~~الأشغال إلى الليل، ثم بات مفكرا، فلما أصبح سمعه بعض خدمه ينشد: وأصبح لا ~~يدري، وإن كان حازما، ... أقدامه خير له أم وراءه فلما أصبح الغد، وهو ~~الثامن من ربيع الأول، وارتفع النهار أتاه نازوك، وبليق في عدة من الجند، ~~فدخلوا إلى الوزير، وهو عند الحرم، فأخرجوه حافيا مكشوف الرأس، وأخذ إلى ~~دجلة، فألقى عليه بليق طيلسانا غطى به رأسه، وحمل إلى طيار فيه مؤنس ~~المظفر، ومعه هلال بن بدر، فاعتذر إليه ابن الفرات، وألان كلامه، فقال له: ~~أنا الآن الأستاذ، وكنت بالأمس الخائن الساعي في فساد الدولة، وأخرجتني ~~والمطر على رأسي ورؤوس أصحابي، لم تمهلني. ثم سلم إلى شفيع اللؤلؤي، فحبس ~~عنده، وكانت مدة وزارته هذه عشرة أشهر وثمانية عشر يوما، وأخذ أصحابه ~~وأولاده ولم ينج منهم إلا المحسن، فإنه اختفى؛ وصودر ابن الفرات على جملة ~~من المال مبلغها ألف ألف دينار. ### || AUT ذكر وزارة أبي القاسم الخاقاني # ولما تغير حال ابن الفرات سعى عبدالله بن محمد بن عبيد الله بن يحيى ابن ms2756 ~~خاقان أبو القاسم بن أبي علي الخاقاني في الوزارة، وكتب خطه أنه يتكفل ابن ~~الفرات وأصحابه بمصادرة ألفي ألف دينار، وسعى له مؤنس الخادم، وهارون بن ~~غريب الخال، ونصر الحاجب. وكان أبو علي الخاقاني، والد أبي القاسم، مريضا ~~شديد المرض، وقد تغير عليه لكبر سنه، فلم يعلم بشيء من حال ولده؛ وتولى أبو ~~القاسم الوزارة تاسع ربيع الأول، وكان المقتدر يكرهه، فلما سمع ابن الفرات، ~~وهو محبوس، بولايته قال: الخليفة هو الذي نكب لا أنا، يعني أن الوزير عاجز ~~لا يعرف أمر الوزارة. ولما وزر الخاقاني شفع إليه مؤنس الخادم في إعادة علي ~~بن عيسى من صنعاء إلى مكة، فكتب إلى جعفر عامل اليمن في الإذن لعلي بن عيسى ~~في العود إلى مكة، ففعل ذلك، وأذن لعلي في الاطلاع على أعمال مصر والشام. ~~PageV03P0413 # ومات أبو علي الخاقاني في وزارة ولده هذه. ### || AUT ذكر قتل ابن الفرات وولده المحسن # وكان المحسن ابن الوزير ابن الفرات مختفيا، كما ذكرنا، وكان عند حماته ~~حزانة، وهي والدة الفضل بن جعفر بن الفرات، وكانت تأخذه كل يوم إلى ~~المقبرة، وتعود به إلى المنازل التي يثق بأهلها عشاء وهو في زي امرأة، فمضت ~~يوما إلى مقابر قريش، وأدركها الليل، فبعد عليها الطريق، فأشارت عليها ~~امرأة معها أن تقصد امرأة صالحة تعرفها بالخير، تختفي عندها، فأخذت المحسن ~~وقصدت تلك المرأة وقالت لها: معنا صبية بكر نريد بيتا نكون فيه؛ فأمرتهم ~~بالدخول إلى دارها، وسلمت إليهم قبة في الدار، فأدخلن المحسن إليها، وجلست ~~النساء اللائي معه في صفة بين يدي باب القبة، فجاءت جارية سوداء، فرأت ~~المحسن في القبة، فعادت إلى مولاتها، فأخبرتها أن في الدار رجلا، فجاءت ~~صاحبتها، فلما رأته عرفته. وكان المحسن قد أخذ زوجها ليصادره، فلما رأى ~~الناس في داره يجلدون، ويشقون، ويعذبون، مات فجأة، فلما رأت المرأة المحسن ~~وعرفته ركبت في سفينة، وقصدت دار الخليفة وصاحت: معي نصيحة لأمير المؤمنين ~~! فأحضرها نصر الحاجب، فأخبرته بخبر المحسن، فانتهى ذلك إلى المقتدر، فأمر ~~نازوك، صاحب الشرطة، ms2757 أن يسير معها ويحضره، فأخذها معه إلى منزلها، ودخل ~~المنزل، وأخذ المحسن وعاد به إلى المقتدر، فرده إلى دار الوزير، فعذب ~~بأنواع العذاب ليجيب إلى مصادرة يبذلها، فلم يجبهم إلى دينار واحد، وقال: ~~لا أجمع لكم بين نفسي ومالي؛ واشتد العذاب عليه بحيث امتنع عن الطعام فلما ~~علم ذلك المقتدر أمر بحمله مع أبيه إلى دار الخلافة، فقال الوزير أبو ~~القاسم لمؤنس، وهارون بن غريب الخال، ونصر الحاجب: إن ينقل ابن الفرات إلى ~~دار الخلافة بذل أمواله، وأطمع المقتدر في أموالنا، وضمننا منه، وتسلمنا ~~فأهلكنا؛ فوضعوا القواد والجند، حتى قالوا للخليفة: إنه لا بد من قتل ابن ~~الفرات وولده، فإننا لا نأمن على أنفسنا ما داما في الحياة. وترددت الرسائل ~~في ذلك، وأشار مؤنس، وهارون بن غريب، ونصر الحاجب بموافقتهم وإجابتهم إلى ~~ما طلبوا، فأمر نازوك بقتلهما، فذبحهما كما يذبح الغنم. وكان ابن الفرات قد ~~أصبح يوم الأحد صائما، فأتي بطعام فلم يأكله، فأتي أيضا بطعام ليفطر عليه، ~~فلم يفطر، وقال: رأيت أخي العباس في النوم يقول لي: أنت وولدك عندنا يوم ~~الاثنين؛ ولا شك أننا نقتل؛ فقتل ابنه المحسن يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت ~~من ربيع الآخر، وحمل رأسه إلى أبيه، فارتاع لذلك شديدا، ثم عرض أبوه على ~~السيف فقال: ليس إلا السيف، راجعوا في أمري، فإن عندي أموالا جمة، وجواهر ~~كثيرة؛ فقيل له: جل الأمر عن ذلك ! وقتل وكان عمره إحدى وسبعين سنة، وعمر ~~ولده المحسن ثلاثا وثلاثين سنة، فلما قتلا حمل رأساهما إلى المقتدر بالله، ~~فأمر بتغريقهما. وقد كان أبو الحسن بن الفرات يقولك إن المقتدر بالله ~~يقتلني، فصح قوله، فمن ذلك أنه عاد من عنده يوما، وهو مفكر كثير الهم، فقيل ~~له في ذلك، فقال: كنت عند أمير المؤمنين فما خاطبته في شيء من الأشياء إلا ~~قال ل نعم، فقلت له الشيء وضده، ففي كل ذلك يقول نعم؛ فقيل له: هذا لحسن ~~ظنه بك، وثقته بما تقول، واعتماده على شفقتك؛ فقال: لا والله، ولكنه أذن ~~لكل ms2758 قائل، وما يؤمني أن يقال له بقتل الوزير، فيقول نعم؛ والله إنه قاتلي ! ~~ولما قتل ركب هارون بن غريب مسرعا إلى الوزير الخاقاني، وهنأه بقتله، فأغمي ~~عليه، حتى ظن هارون ومن هناك أنه قد مات، وصرخ أهله وأصحابه عليه، فلما ~~أفاق من غشيته لم يفارقه هارون حتى أخذ منه ألفي دينار. وأما أولاده سوى ~~المحسن فإن مؤنسا المظفر شفع في ابنيه عبدالله وأبي نصر، فأطلقا له، فخلع ~~عليهما، ووصلهما بعشرين ألف دينار، وصودر ابنه الحسن على عشرين ألف دينار، ~~وأطلق إلى منزله. وكان الوزير أبو الحسن بن الفرات كريما، ذا رئاسة وكفاية ~~في عمله، حسن السؤال والجواب، ولم يكن له سيئة ألا ولده المحسن. ~~PageV03P0414 # ومن محاسنه أنه جرى ذكر أصحاب الأدب، وطلبة الحديث، وما هم عليه من الفقر ~~والتعفف، فقال: أنا أحق من أعانهم؛ وأطلق لأصحاب الحديث عشرين ألف درهم، ~~وللشعراء عشرين ألف درهم، ولأصحاب الأدب عشرين ألف درهم، وللفقهاء عشرين ~~ألف درهم، وللصوفية عشرين ألف درهم، فذلك مائة ألف درهم. وكان إذا ولي ~~الوزارة ارتفعت أسعار الثلج، والشمع، والسكر، والقراطيس، لكثرة ما كان ~~يستعملها ويخرج من داره للناس، ولم يكن فيه ما يعاب به إلا أن أصحابه كانوا ~~يفعلون ما يريدون، ويظلمون، فلا يمنعهم، فمن ذلك أن بعضهم ظلم امرأة في ملك ~~لها، فكتبت إليه تشكو منه غير مرة، وهو لا يرد لها جوابا، فلقيته يوما، ~~وقالت له: أسألك بالله أن تسمع مني كلمة ! فوقف لها، فقالت: قد كتبت إليك ~~في ظلامتي غير مرة، ولم تجبني، وقد تركتك وكتبتها إلى الله تعالى. فلما كان ~~بعد أيام، ورأى تغير حاله، قال لمن معه من أصحابه: ما أظن إلا جواب رقعة ~~تلك المرأة المظلومة قد خرج؛ فكان كما قال. ### || AUT ذكر دخول القرامطة الكوفة # وفي هذه السنة دخل أبو طاهر القرمطي إلى الكوفة، وكان سبب ذلك أن أبا ~~طاهر أطلق من كان عنده من الأسرى الذين كان أسرهم من الحجاج، وفيهم ابن ~~حمدان وغيره، وأرسل إلى المقتدر يطلب البصرة والأهواز، فلم ms2759 يجبه إلى ذلك، ~~فسار من هجر يريد الحاج. وكان جعفر بن ورقاء الشيباني متقلدا أعمال الكوفة ~~وطريق مكة، فلما سار الحجاج من بغداد سار جعفر بين أيديهم خوفا من أبي ~~طاهر، ومعه ألف رجل من بني شيبان، وسار مع الحجاج من أصحاب السلطان ثمل ~~صاحب البحر، وجني الصفواني، وطريف السبكري وغيرهم، في ستة آلاف رجل، فلقي ~~أبو طاهر القرمطي جعفرا الشيباني، فقاتله جعفر. فبينما هو يقاتله إذ طلع ~~جمع من القرامطة عن يمينه، فانهزم من بين أيديهم، فلقي القافلة الأولى وقد ~~انحدرت من العقبة، فردهم إلى الكوفة ومعهم عسكر الخلفية، وتبعهم أبو طاهر ~~إلى باب الكوفة، فقاتلهم، فانهزم عسكر الخليفة، وقتل منهم، وأسر جنيا ~~الصفواني، وهرب الباقون والحجاج من الكوفة، ودخلها أبو طاهر، وأقام ستة ~~أيام بظاهر الكوفة يدخل البلد نهارا فيقيم في الجامع إلى الليل، ثم يخرج ~~يبيت في عسكره، وحمل منها ما قدر على حمله من الأموال والثياب وغير ذلك، ~~وعاد إلى هجر. ودخل المنهزمون بغداد، فتقدم المقتدر إلى مؤنس المظفر ~~بالخروج إلى الكوفة، فسار إليها، فبلغها وقد عاد القرامطة عنها، فاستخلف ~~عليها ياقوتا، وسار مؤنس إلى واسط خوفا عليها من أبي طاهر، وخاف أهل بغداد، ~~وانتقل الناس إلى الجانب الشرقي؛ ولم يحج في هذه السنة من الناس أحد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خلع المقتدر على نجح الطولوني، وولي أصبهان. وفيها ورد ~~رسول ملك الروم بهدايا كثيرة، ومعه أبو عمر بن عبد الباقي، فطلبا من ~~المقتدر الهدنة وتقرير الفداء، فأجيبا إلى ذلك بعد غزاة الصائفة. وفي هذه ~~السنة خلع على جني الصفواني بعد عوده من ديار مصر. وفيها استعمل سعيد بن ~~حمدان على المعاون والحرب بنهاوند. وفيها دخل المسلمون بلاد الروم، فنهبوا، ~~وسبوا، وعادوا. وفيها ظهر عند الكوفة رجل ادعى أنه محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو رئيس الإسماعيلية، وجمع ~~جمعا عظيما من الأعراب وأهل السواد، واستفحل أمره في شوال، فسير إليه جيش ~~من ms2760 بغداد، فقاتلوه، فظفروا به وانهزم، وقتل كثير من أصحابه. وفيها، في شهر ~~ربيع الأول، توفي محمد بن نصر الحاجب، وقد كان استعمل على الموصل، وتقدم ~~ذلك. وفيها توفي شفيع اللؤلؤي وكان على البريد وغيره من الأعمال، فولي ما ~~كان عليه شفيع المقتدري. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة # ### || AUT ذكر عزل الخاقاني عن الوزارة # ### || AUT ووزارة الخصيبي # في هذه السنة، في شهر رمضان، عزل أبو القاسم الخاقاني عن وزارة الخليفة. ~~PageV03P0415 # وكان سبب ذلك أن أبا العباس الخصيبي علم بمكان امرأة المحسن بن الفرات، ~~فسأل أن يتولى النظر في أمرها، فأذن له المقتدر في ذلك، فاستخلص منها سبع ~~مائة ألف دينار وحملها إلى المقتدر، فصار له معه حديث، فخافه الخاقاني، ~~فوضع من وقع عليه وسعى به، فلم يصغ المقتدر إلى ذلك، فلما علم الخصيبي ~~بالحال كتب إلى المقتدر يذكر معايب الخاقاني وابنه عبد الوهاب وعجزهما، ~~وضياع الأموال، وطمع العمال. ثم إن الخاقاني مرض مرضا شديدا، وطال به، ~~فوقفت الأحوال، وطلب الجند أرزاقهم، وشغبوا، فأرسل المقتدر إليه في ذلك، ~~فلم يقدر على شيء، فحينئذ عزله، واستوزر أبا العباس الخصيبي وخلع عليه، ~~وكان يكتب لأم المقتدر، فلما وزر كتب لها بعده أبو يوسف عبد الرحمن بن ~~محمد، وكان قد تزهد وترك عمل السلطان، ولبس الصوف والفوط، فلما أسند إليه ~~هذا العمل ترك ما كان عليه من الزهد، فسماه الناس المرتد. فلما ولي الخصيبي ~~أقر علي بن عيسى على الإشراف على أعمال مصر والشام، فكان يتردد من مكة ~~إليها في الأوقات، واستعمل العمال في الأعمال، واستعمل أبا جعفر محمد بن ~~القاسم الكرخي بعد إن صادره بثمانية وخمسين ألف دينار على الإشراف على ~~الموصل وديار ربيعة. ### || AUT ذكر ما فتحه أهل صقلية # في هذه السنة سار جيش صقلية مع أميرهم سالم بن راشد وأرسل إليهم المهدي ~~جيشا من إفريقية، فسار إلى أرض انكبردة، ففتحوا غيران وأبرجة، وغنموا غنائم ~~كثيرة، وعاد جيش صقلية، وساروا إلى أرض قلورية، وقصدوا مدينة طارنت، ~~فحصروها وفتحوها بالسيف في شهر ms2761 رمضان ووصلوا إلى مدينة أدرنت، فحصروها، ~~وخربوا منازلها، فأصاب المسلمين مرض شديد كبير، فعادوا، ولم يزل أهل صقلية ~~يغيرون على ما بأيدي الروم من جزيرة صقلية، وقلورية، وينهبون ويخربون. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة فتح إبراهيم المسمعي ناحية القفص، وهي من حدود كرمان، وأسر ~~منهم خمسة آلاف إنسان وحملهم إلى فارس وباعهم. وفيها كثرت الأرطاب ببغداد، ~~حتى عملوا منها التمور، وحملت إلى واسط والبصرة، فنسب أهل بغداد إلى البغي. ~~وفيها كتب ملك الروم إلى أهل الثغور يأمرهم بحمل الخراج إليه، فإن فعلوا، ~~وإلا قصدهم فقتل الرجال، وسبى الذرية، وقال: إنني صح عندي صعف ولاتكم؛ فلم ~~يفعلوا ذلك، فسار إليهم، وأخرب البلاد، ودخل ملطية في سنة أربع عشرة ~~وثلاثمائة، فأخربوها، وسبوا منها، ونهبوا، وأقام فيها ستة عشر يوما. وفيها ~~اعترض القرامطة الحاج بزبالة فقاتلهم أصحاب الخليفة، فانهزموا، ووضع ~~القرامطة على الحاج قطيعة، فأخذوها، وكفوا عنهم، فساروا إلى مكة. وفيها ~~انقض كوكب كبير وقت المغرب، له صوت مثل الرعد الشديد، وضوء عظيم أضاءت له ~~الدنيا. وفيها توفي محمد بن محمد بن سليمان الباغندي في ذي الحجة، وهو من ~~حفاظ المحدثين، وأبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران السراج ~~النيسابوري وعمره تسع وتسعون سنة، وكان من العلماء الصالحين، وعبد الله بن ~~محمد بن عبد العزيز البغوي، توفي ليلة الفطر، وكان عمره مائة سنة وسنتين، ~~وهو ابن بنت أحمد بن منيع. وفيها توفي علي بن محمد بن بشار أبو الحسن الزاهد. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع عشرة وثلاثمائة # ### || AUT ذكر مسير ابن أبي الساج إلى واسط # وفي هذه السنة قلد المقتدر يوسف بن أبي الساج نواحي المشرق، وأذن له في ~~أخذ أموالها وصرفها إلى قواده وأجناده، وأمره بالقدوم إلى بغداد من ~~أذربيجان، والمسير إلى واسط، ليسير إلى هجر لمحاربة أبي طاهر القرمطي، فسار ~~إلى واسط، وكان بها مؤنس المظفر، فلما قاربها يوسف صعد مؤنس إلى بغداد ~~ليقيم بها، وجعل له أموال الخراج بنواحي همذان، وساوة، وقم، وقاشان، وماه ~~البصرة، وماه ms2762 الكوفة، وماسبذان، لينفقها على مائدته، ويستعين بذلك على ~~محاربة القرامطة؛ وكان هذا كله من تدبير الخصيبي. ### || AUT ذكر الحرب بين عبد الله بن حمدان والأكراد والعرب # PageV03P0416 # وفي هذه السنة أفسد الأكراد والعرب بأرض الموصل وطريق خراسان، وكان عبد ~~الله بن حمدان يتولى الجميع وهو ببغداد، وابنه ناصر الدولة بالموصل، فكتب ~~إليه أبوه يأمره بجمع الرجال، والانحدار إلى تكريت، ففعل وسار إليها، فوصل ~~إليها في رمضان، واجتمع بأبيه، وأحضر العرب، وطالبهم بما أحدثوا في عمله ~~بعد أن قتل منهم، ونكل ببعضهم، فردوا على الناس شيئا كثيرا، ورحل بهم إلى ~~شهرزور، فوطئ الأكراد الجلالية فقاتلهم، وانضاف إليهم غيرهم، فاشتدت ~~شوكتهم، ثم إنهم انقادوا إليه لما رأوا قوته، وكفوا عن الفساد والشر. ### || AUT ذكر عزل الخصيبي # ### || AUT ووزارة علي بن عيسى # في هذه السنة، في ذي القعدة، عزل المقتدر أبا العباس الخصيبي عن ~~الوزارة. وكان سبب ذلك أن الخصيبي أضاف إضافة شديدة، ووقفت أمور السلطان ~~لذلك، واضطرب أمر الخصيبي. وكان حين ولي الوزارة قد اشتغل بالشرب كل ليلة؛ ~~وكان يصبح سكران لا قصد فيه لعمل وسماع حديث؛ وكان يترك الكتب الواردة ~~الدواوين لا يقرأها إلا بعد مدة ويهمل الأجوبة عنها، فضاعت الأموال، وفاتت ~~المصالح، ثم إنه لضجره وتبرمه بها وبغيرها من الأشغال، وكل الأمور إلى ~~نوابه، وأهمل الاطلاع عليها، فباعوا مصلحته بمصلحة نفوسهم. فلما صار الأمر ~~إلى هذه الصورة أشار مؤنس المظفر بعزله، وولاية علي ابن عيسى، فقبض عليه، ~~وكانت وزارته سنة وشهرين، وأخذ ابنه وأصحابه فحبسوا، وأرسل المقتدر بالله ~~بالغد إلى دمشق يستدعي علي بن عيسى، وكان بها. وأمر المقتدر أبا القاسم ~~عبيدالله بن محمد الكلوذاني بالنيابة عن علي ابن عيسى إلى أن يحضر، فسار ~~علي بن عيسى إلى بغداد، فقدمها أوائل سنة خمس عشرة، واشتغل بأمور الوزارة، ~~ولازم النظر فيها، فمشت الأمور، واستقامت الأحوال. وكان من أقوم الأسباب في ~~ذلك أن الخصيبي كان قد اجتمع عند رقاع المصادرين، وكفالات من كفل منهم، ~~وضمانات العمال بما ضمنوا من المال بالسواد، والأهواز، وفارس، ms2763 والمغرب، ~~فنظر فيها علي، وأرسل في طلب تلك الأموال، فأقبلت إليه شيئا بعد شيء، فأدى ~~الأرزاق، وأخرج العطاء، وأسقط من الجند من لا يحمل السلاح، ومن أولاد ~~المرتزقة من هو في المهد، فإن آباءهم أثبتوا أسماءهم، ومن أرزاق المغنين، ~~والمساخرة، والندماء، والصفاعنة، وغيرهم، مثل الشيخ الهرم، ومن ليس له ~~سلاح، فإنه أسقطهم، وتولى الأعمال بنفسه ليلا ونهارا، واستعمل العمال في ~~الولايات، واختار الكفاة. وأمر المقتدر بالله بمناظرة أبي العباس الخصيبي، ~~فأحضره، وأحضر الفقهاء والقضاة والكتاب وغيرهم، وكان علي وقورا لا يسفه، ~~فسأله عما صح من الأموال من الخراج، والنواحي، والأصقاع والمصادرات ~~والمتكلفين بها، ومن البواقي القديمة إلى غير ذلك، فقال: لا أعلمه. وسأله ~~عن الإخراجات، والواصل إلى المخزن، فقال: لا أعرفه؛ وقال له: لم أحضرت يوسف ~~بن أبي الساج، وسلمت إليه أعمال المشرق، سوى أصبهان، وكيف تعتقد أنه يقدر ~~هو وأصحابه، وهم قد ألفوا البلاد الباردة الكثيرة المياه، على سلوك البرية ~~القفراء، والصبر على حر بلاد الإحساء والقطيف، ولم لم تجعل معه منفقا يخرج ~~المال على الأجناد ؟ فقال: ظننت أنه يقدر على قتال القرامطة، وامتنع من أن ~~يكون معه منفق. فقال له: كيف استجزت في الدين والمروءة ضرب حرم المصادرين ~~وتسليمهن إلى أصحابك، كامرأة ابن الفرات وغيره، فإن كانوا فعلوا ما لا يجوز ~~ألست أنت السبب في ذلك ؟ ثم سأله عن الحاصل له، وعن إخراجاته، فخلط في ذلك، ~~فقال له: غررت بنفسك، وغررت بأمير المؤمنين، ألا قلت له إنني لا أصلح ~~للوزارة، فقد كان الفرس، إذا أرادوا أن يستوزروا وزيرا، نظروا في تصرفه ~~لنفسه فإن وجدوه حازما، ضابطا، ولوه، وإلا قالوا: من لا يحسن يدبر نفسه فهو ~~من غير ذلك أعجز، وتركوه؛ ثم أعاده إلى محبسه. ### || AUT ذكر استيلاء السامانية على الري # PageV03P0417 # لما استدعى المقتدر يوسف بن أبي الساج إلى واسط كتب إلى السعيد نصر ابن ~~أحمد الساماني بولاية الري، وأمره بقصدها، وأخذها من فاتك، غلام يوسف، فسار ~~نصر بن أحمد إليها، أوائل سنة أربع عشرة وثلاثمائة، فوصل إلى جبل ms2764 قارن، ~~فمنعه أبو نصر الطبري من العبور، فأقام هناك، فراسله، وبذل له ثلاثين ألف ~~دينار حتى مكنه من العبور، فسار حتى قارب الري، فخرج فاتك عنها، واستولى ~~نصر بن أحمد عليها في جمادى الآخرة، وأقام بها شهرين، وولى عليها سيمجور ~~الدواتي وعاد عنها. ثم استعمل عليها محمد بن علي صعلوك، وسار نصر إلى ~~بخارى، ودخل صعلوك الري، فأقام بها إلى أوائل شعبان سنة ست عشرة وثلاثمائة ~~فمرض، فكاتب الحسن الداعي، وما كان بن كالي في القدوم عليه ليسلم الري ~~إليهما، فقدما عليه، فسلم الري إليهما وسار عنها، فلما بلغ الدامغان مات. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة ضمن أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان أعمال الخراج والضياع ~~بالموصل، وقردى، وبازبدى، وما يجري معها. وفيها سار ثمل إلى عمله بالثغور، ~~وكان في بغداد. وفيها، في ربيع الآخر، خرجت الروم إلى ملطية وما يليها مع ~~الدمستق، ومعه مليح الأرمني صاحب الدروب، فنزلوا على ملطية، وحصروها، فصبر ~~أهلها، ففتح الروم أبوابا من الربض، فدخلوا، فقاتلهم أهله، وأخرجوهم منه، ~~ولم يظفروا من المدينة بشيء، وخربوا قرى كثيرة من قراها، ونبشوا الموتى، ~~ومثلوا بهم، ورحلوا عنهم؛ وقصد أهل ملطية بغداد مستغيثين، في جمادى الأولى، ~~فلم يعانوا، فعادوا بغير فائدة، وغزا أهل طرسوس صائفة، فغنموا وعادوا. ~~وفيها جمدت دجلة عند الموصل من بلد إلى الحديثة، حتى عبر عليها الدواب لشدة ~~البرد. وفيها توفي الوزر أبو القاسم الخاقاني، وهرب ابنه عبد الوهاب، ولم ~~يحضر غسل أبيه ولا الصلاة عليه، وكان الوزير قد أطلق من محبسه قبل موته. ~~وفيها توجه أبو طاهر القرمطي نحو مكة،؛ فبلغ خبره إلى أهلها، فنقلوا حرمهم ~~وأموالهم إلى الطائف وغيره خوفا منه. وفيها كتب الكلوذاني إلى الوزير ~~الخصيبي، قبل عزله، بأن أبا طالب النوبندجاني قد صار يجري مجرى أصحاب ~~الأطراف، وأنه قد تغلب على ضياع السلطان، واستغل منها جملة عظيمة، فصودر ~~أبو طالب على مائة ألف دينار. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس عشرة وثلاثمائة # ### || AUT ذكر ابتداء الوحشة بين المقتدر ومؤنس # في ms2765 هذه السنة هاجت الروم، وقصدوا الثغور، ودخلوا سميساط، وغنموا جميع ما ~~فيها من مال وسلاح وغير ذلك، وضربوا في الجامع بالناقوس أوقات الصلوات. ثم ~~إن المسلمين خرجوا في أثر الروم، وقاتلوهم، وغنموا منهم غنيمة عظيمة، فأمر ~~المقتدر بالله بتجهيز العساكر مع مؤنس المظفر، وخلع المقتدر عليه، في ربيع ~~الآخر، ليسير، فلما لم يبق إلا الوداع امتنع مؤنس من دخول دار الخليفة ~~للوداع، واستوحش من المقتدر بالله وظهر ذلك. وكان سببه أن خادما من خدام ~~المقتدر حكى لمؤنس أن المقتدر بالله أمر خواص خدمه أن يحفر واجبا في دار ~~الشجرة، ويغطوه ببراية وتراب، وذكر أنه يجلس فيه لوداع مؤنس، فإذا حضر ~~وقاربها ألقاه الخدم فيها، وخنقوه، وأظهروه ميتا، فامتنع مؤنس من دخول دار ~~الخليفة، وركب إليه جميع الأجناد، وفيهم عبدالله بن حمدان وإخوته، وخلت دار ~~الخليفة، وقالوا لمؤنس: نحن نقاتل بين يديك إلى أن تنبت لك لحية، فوجه إليه ~~المقتدر رقعة بخطة يحلف له على بطلان ما بلغه، فصرف مؤنس الجيش، وكتب ~~الجواب أنه العبد المملوك، وأن الذي أبلغه ذلك قد كان وضعه من يريد إيحاشه ~~من مولاه، وأنه ما استدعى الجند، وإنما هم حضروا، وقد فرقهم. ثم إن مؤنسا ~~قصد دار المقتدر في جمع من القواد، ودخل غليه، وقبل يده، وحلف المقتدر على ~~صفاء نيته له، وودعه وسار إلى الثغر في العشر الآخر من ربيع الآخرة، وخرج ~~لوداعه أبو العباس بن المقتدر، وهو الراضي بالله، والوزير علي بن عيسى. ### || AUT ذكر وصول القرامطة إلى العراق # ### || AUT وقتل يوسف بن أبي الساج # PageV03P0418 # في هذه السنة وردت الأخبار بمسير أبي طاهر القرامطي من هجر نحو الكوفة، ~~ثم وردت الأخبار من الصرة بأنه اجتاز قريبا منهم نحو الكوفة. فكتب المقتدر ~~إلى يوسف بن أبي الساج يعرفه هذا الخبر، ويأمره بالمبادرة إلى الكوفة، فسار ~~إليها عن واسط، آخر شهر رمضان، وقد أعد له بالكوفة الأنزال له ولعسكره، ~~فلما وصلها أبو طاهر الهجري هرب نواب السلطان عنها، واستولى عليها أبو ~~طاهر، وعلى تلك الأنزال والعلوفات، ms2766 وكان فيها مائة كر دقيقا، وألف كر ~~شعيرا، وكان قد فني ما معه من الميرة والعلوفة، فقووا بما أخذوه. ووصل يوسف ~~إلى الكوفة بعد وصول القرمطي بيوم واحد، فحال بينه وبينها، وكان وصوله يوم ~~الجمعة ثامن شوال، فلما وصل إليهم أرسل إليهم يدعوهم إلى طاعة المقتدر، فإن ~~أبوا فموعدهم الحرب يوم الأحد؛ لا طاعة علينا إلا لله تعالى، والموعد بيننا ~~للحرب بكرة غد. فلما كان الغد ابتدأ أوباش العسكر بالشتم ورمي الحجارة، ~~ورأى يوسف قلة القرامطة، فاحتقرهم، وقال: إن هؤلاء الكلاب بعد ساعة في يدي ~~! وتقدم بأن يكتب كتاب الفتح والبشارة بالظفر قبل اللقاء تهاونا بهم. وزحف ~~الناس بعضهم إلى بعض، فسمع أبو طاهر أصوات البوقات والزعقات، فقال لصاحب ~~له: ما هذا ؟ فقال: فشل ! قال: أجل، لم يزد على هذا. فاقتتلوا من ضحوة ~~النهار، يوم السبت، إلى غروب الشمس، وصبر الفريقان، فلما رأى أبو طاهر ذلك ~~باشر الحرب بنفسه، ومعه جماعة يثق بهم، وحمل بهم، فطحن أصحاب يوسف، ودقهم، ~~فانهزموا بين يديه، وأسر يوسف وعددا كثيرا من أصحابه، وكان أسره وقت ~~المغرب، وحملوه إلى عسكرهم، ووكل به أبو طاهر طبيبا يعالج جراحه. وورد ~~الخبر إلى بغداد بذلك، فخاف الخاص والعام من القرامطة خوفا شديدا، وعزموا ~~على الهرب إلى حلوان وهمذان، ودخل المنهزمون بغداد، أكثرهم رجالة، حفاة، ~~عراة، فبرز مؤنس المظفر ليسير إلى الكوفة، فأتاهم الخبر بأن القرامطة قد ~~ساروا إلى عين التمر، فأنفذ من بغداد خمس مائة سميرية فيها المقاتلة ~~لتمنعهم من عبور الفرات، وسير جماعة من الجيش إلى الأنبار لحفظها، ومنع ~~القرامطة من العبور هنالك. ثم إن القرامطة قصدوا الأنبار، فقطع أهلها ~~الجسر، ونزل القرامطة غرب الفرات، وأنفذ أبو طاهر أصحابه إلى الحديثة، ~~فأتوه بسفن، ولم يعلم أهل الأنبار بذلك، وعبر فيها ثلاثمائة رجل من ~~القرامطة، فقاتلوا عسكر الخليفة، فهزموهم، وقتلوا منهم جماعة، واستولى ~~القرامطة على مدينة الأنبار، وعقدوا الجسر، وعبر أبو طاهر جريدة وخلف سواده ~~بالجانب الغربي. ولما ورد الخبر بعبور أبي طاهر إلى الأنبار، خرج نصر ~~الحاجب ms2767 في عسكر جرار، فلحق بمؤنس المظفر، فاجتمعا في نيف وأربعين ألف ~~مقاتل، سوى الغلمان ومن يريد النهب، وكان ممن معه أبو الهيجاء عبدالله بن ~~حمدان، ومن إخوته أبو الوليد، وأبو السرايا في أصحابهم، وساروا حتى بلغوا ~~نهر زبارا، على فرسخين من بغداد، عند عقرقوف، فأشار أبو الهيجاء بن حمدان ~~بقطع القنطرة التي عليه، فقطعوها، وسار أبو طاهر ومن معه نحوهم، فبلغوا نهر ~~زبارا، وفي أوائلهم رجل أسود، فما زال الأسود يدنو من القنطرة، والنشاب ~~يأخذه، ولا يمتنع، حتى أشرف عليها، فرآها مقطوعة، فعاد وهو مثل القنفذ. ~~وأراد القرامطة العبور فلم يمكنهم لأن النهر لم يكن فيه مخاضة، ولما أشرفوا ~~على عسكر الخليفة هرب منهم خلق كثير إلى بغداد من غير أن يلقوهم، فلما رأى ~~ابن حمدان ذلك قال لمؤنس: كيف رأيت ما أشرت به عليكم ؟ فوالله لو عبر ~~القرامطة النهر لأنهزم كل من معك ولأخذوا بغداد؛ ولما رأى القرامطة ذلك ~~عادوا إلى الأنبار، وسير مؤنس المظفر صاحبه بليقا، في ستة آلاف مقاتل، إلى ~~عسكر القرامطة، غربي الفرات، ليغنموه ويخلصوا ابن أبي الساج، فبلغوا إليهم، ~~وقد عبر أبو طاهر الفرات في زورق صياد، وأعطاه ألف دينار، فلما رآه أصحابه ~~قويت قلوبهم، ولما أتاهم عسكر مؤنس كان أبو طاهر عندهم، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، فانهزم عسكر الخليفة. PageV03P0419 # ونظر أبو طاهر إلى ابن أبي الساج وهو قد خرج من الخيمة ينظر ويرجو ~~الخلاص، وقد ناداه أصحابه: أبشر بالفرج ! فلما انهزموا أحضره وقتله، وقتل ~~جميع الأسرى من أصحابه. وسلمت بغداد من نهب العيارين، لأن نازوك كان يطوف ~~هو وأصحابه ليلا ونهارا، ومن وجدوه بعد العتمة قتلوه، فامتنع العيارون، ~~واكترى كثير من أهل بغداد سفنا، ونقلوا إليها أموالهم، وربطوها لينحدروا ~~إلى واسط، وفيهم من نقل متاعه إلى واسط إلى حلوان ليسيروا إلى خراسان. وكان ~~عدة القرامطة ألف رجل وخمسمائة رجل منهم سبعمائة فارس وثمانمائة راجل، وقيل ~~كانوا ألفين وسبعمائة. وقصد القرامطة مدينة هيت، وكان المقتدر قد سير إليها ~~سعيد بن حمدان، وهارون بن غريب، فلما بلغها ms2768 القرامطة رأوا عسكر الخليفة قد ~~سبقهم، فقاتلوهم على السور، فقتلوا من القرامطة جماعة كثيرة، فعادوا عنها. ~~ولما بلغ أهل بغداد عودهم من هيت سكنت قلوبهم؛ ولما علم المقتدر بعدة عسكره ~~وعسكر القرامطة قال: لعن الله نيفا وثمانين ألفا يعجزون عن ألفين وسبعمائة. ~~وجاء إنسان إلى علي بن عيسى، وأخبره أن في جيرانه رجلا من شيراز على مذهب ~~القرامطة يكاتب أبا طاهر بالأخبار، فأحضره، وسأله واعترف، وقال: ما صحبت ~~أبا طاهر إلا لما صح عندي أنه على الحق وأنت وصاحبك كفار تأخذون ما ليس ~~لكم، ولا بد لله من حجة في أرضه، وإمامنا المهدي محمد بن فلان بن فلان بن ~~محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق المقيم ببلاد المغرب، ولسنا كالرافضة ~~والاثني عشرية الذين يقولون بجهلهم إن لهم إماما ينتظرونه، ويكذب بعضهم ~~لبعض فيقول: قد رأيته وسمعته وهو يقرأ، ولا ينكرون بجهلهم وغباوتهم أنه لا ~~يجوز أن يعطى من العمر ما يظنونه، فقال له: قد خالطت عسكرنا وعرفتهم، فمن ~~فيهم على مذهبك ؟ فقال: وأنت بهذا العقل تدبر الوزارة، كيف تطمع مني أنني ~~أسلم قوما مؤمنين إلى قوم كافرين يقتلونهم ؟ لا أفعل ذلك. فأمر به فضرب ~~ضربا شديدا، ومنع الطعام والشراب فمات بعد ثلاثة أيام. وقد كان ابن أبي ~~الساج قبل قتاله القرامطة قد قبض على وزيره محمد ابن خلف النيرماني وجعل ~~مكانه أبا علي الحسن بن هارون، وصادر محمدا على خمسمائة ألف دينار، وكان ~~سبب ذلك أن النيرماني عظم شأنه، وكثر ماله، فحدث نفسه بوزارة الخليفة، فكتب ~~إلى نصر الحاجب يخطب الوزارة، ويسعى بابن أبي الساج، ويقول له: إنه قرمطي ~~يعتقد إمامة العلوي الذي بإفريقية، وإنني ناظرته على ذلك، فلم يرجع عنهن ~~وإنه لا يسير إلى قتال أبي طاهر القرمطي، وإنما يأخذ المال بهذا السبب، ~~ويقوى به على قصد حضرة السلطان، وإزالة الخلافة عن بني العباس؛ وطول في ذلك ~~وعرض. وكان لمحمد بن خلف أعداء قد أساء إليهم من أصحاب ابن أبي الساج فسعوا ~~به، فأعلموا يوسف بن أبي الساج ذلك، ms2769 وأروه كتبا جاءته من بغداد في المعنى ~~من نصر الحاجب، وفيها رموز إلى قواعد قد تقدمت وتقررت، وفيها الوعد له ~~بالوزارة، وعزل علي بن عيسى الوزير، فلما علم ذلك ابن أبي الساج قبض عليه، ~~فلما أسر ابن أبي الساج تخلص من الحبس؛ وكان ابن أبي الساج يسمى الشيخ ~~الكريم لما جمع الله فيه من خلال الكمال والكرم. ### || AUT ذكر استيلاء أسفار على جرجان # في هذه السنة استولى أسفار بن شيرويه الديلمي على جرجان، وكان ابتداء ~~أمره أنه كان من أصحاب ما كان بن كالي الديلمي، وكان سيئ الخلق والعشرة، ~~فأخرجه ما كان من عسكره، فاتصل ببكر بن محمد بن أليسع، وهو بنيسابور، ~~وخدمه، فسيره بكر بن محمد إلى جرجان ليفتحها. PageV03P0420 # وكان ما كان بن كالي، ذلك الوقت، بطبرستان، وأخوه أبو الحسن بن كالي ~~بجرجان، وقد اعتقل أبا علي بن أبي الحسين الأطروش العلوي عنده، فشرب أبو ~~الحسن بن كالي ليلة ومعه أصحابه ففرقهم، وبقي في بيت هو والعلوي، فقام إلى ~~العلوي ليقتله، فظفر به العلوي وقتلهن وخرج من الدار واختفى، فلما أصبح ~~أرسل إلى جماعة من القواد يعرفهم الحال، ففرحوا بقتل أبي الحسن بن كالي، ~~وأخرجوا العلوي، وألبسوه القلنسوة وبايعوه، فأمسى أسيرا، وأصبح أميرا، وجعل ~~مقدم جيشه علي بن خرشيد، ورضي به الجيش، وكاتبوا أسفار بن شيرويه، وعرفوه ~~الحال، واستقدموه إليهم، فاستأذن بكر بن محمد وسار إلى جرجان، واتفق مع علي ~~بن خرشيد، وضبطوا تلك الناحية، فسار إليهم ما كان بن كالي، من طبرستان، في ~~جيشه، فحاربوه وهزموه وأخرجوه عن طبرستان، وأقاموا بها ومعهم العلوي، فلعب ~~يوما بالكرة، فسقط عن دابته فمات. ثم مات علي بن خرشيد صاحب الجيش، وعاد ما ~~كان بن كالي إلى أسفار، فحاربه، فانهزم أسفار منه، ورجع إلى بكر بن محمد بن ~~أليسع، وهو بجرجان، وأقام بها إلى أن توفي بكر بها، فولاها الأمير السعيد ~~نصر بن أحمد أسفار بن شيرويه، وذلك سنة خمس عشرة وثلاثمائة، وأرسل أسفار ~~إلى مرداويج بن زيار الجيلي يستدعيه، فحضر عنده، ms2770 وجعله أمير الجيش، وأحس ~~إليه، وقصدوا طبرستان واستولوا عليها. ونحن نذكر حال ابتداء مرداويج وكيف ~~تقلبت به الأحوال. ### || AUT ذكر الحرب بين المسلمين والروم # في هذه السنة خرجت سرية من طرسوس إلى بلاد الروم، فوقع عليها العدو، ~~فاقتتلوا فاستظهر الروم وأسروا من المسلمين أربعمائة رجل، فقتلوا صبرا. ~~وفيها سار الدمستق في جيش عظيم من الروم إلى مدينة دبيل، وفيها نصر السبكي ~~في عسكر يحميها، وكان مع الدمستق دبابات ومجانيق معه مزراق يزرق بالنار عدة ~~اثنى عشر رجلا، فلا يقر بين يديه أحد من شدة ناره واتصاله، فكان من أشد شيء ~~على المسلمين. وكان الرامي به، مباشر القتال من أشجعهم، فرماه رجل من ~~المسلمين بسهم فقتله، وأراح الله المسلمين من شره. وكان الدمستق يجلس على ~~كرسي عال يشرف على البلد وعلى عسكره، فأمرهم بالقتال على ما يراه، فصبر له ~~أهل البلد، وهو ملازم القتال، حتى وصلوا إلى سور المدينة، فنقبوا فيه نقوبا ~~كثيرة، ودخلوا المدينة، فقاتلهم أهلها ومن فيها من العسكر قتالا شديدا، ~~فانتصر المسلمون، وأخرجوا الروم منها، وقتلوا منهم نحو عشرة آلاف رجل. ~~وفيها، في ذي القعدة، عاد ثمل إلى طرسوس من الغزاة الصائفة سالما هو ومن ~~معه فلقوا جمعا كثيرا من الروم، فاقتتلوا فانتصر المسلمون عليهم وقتلوا من ~~الروم كثيرا، وغنموا ما لا يحصى. وكان من جملة ما غنموا أنهم ذبحوا من ~~الغنم في بلاد الروم ثلاثمائة ألف رأس، سوى ما سلم معهم، ولقيهم رجل يعرف ~~بابن الضحاك، وهو من رؤساء الأكراد، وكان له حصن يعرف بالجعفري، فارتد عن ~~الإسلام وصار إلى ملك الروم فأجزل له العطية، وأمره بالعود إلى حصنه، فلقيه ~~المسلمون، فقاتلوه، فأسروه، وقتلوا كل من معه. ### || AUT ذكر مسير جيش المهدي إلى المغرب # في هذه السنة سير المهدي العلوي، صاحب أفريقية، ابنه أبا القاسم من ~~المهدية إلى المغرب في جيش كثير، في صفر، لسبب محمد بن خرز، الزناتي، وذلك ~~أنه ظفر بعسكر من كتامة، فقتل منهم خلقا كثيرا، فعظم ذلك على المهدي، فسير ~~ولده، فلما خرج ms2771 تفرق الأعداء، وسار حتى وصل إلى ما وراء تاهرت، فلما عاد من ~~سفرته هذه خط برمحه في الأرض صفة مدينة وسماها المحمدية، وهي المسيلة. ~~وكانت خطته لبني كملان، فأخرجهم منها، ونقلهم إلى فحص القيروان، كالمتوقع ~~منهم أمرا، فلذلك أحبذ أن يكونوا قريبا منه، وهم كانوا أصحاب أبي يزيد ~~الخارجي، وانتقل خلق كثير إلى المحمدية، وأمر عاملها أن يكثر من الطعام ~~ويخزنه ويحتفظ به ففعل ذلك، فلم يزل مخزنا إلى أن خرج أبو يزيد ولقيه ~~المنصور، ومن المحمدية كان يمتار ما يريد إذ ليس بالموضع مدينة سواها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV03P0421 # في هذه السنة مات إبراهيم بن المسمعي من حمى حادة، وكان موته ~~بالنوبندجان، فاستعمل المقتدر مكانه على فارس ياقوتا، واستعمل عوضه على ~~كرمان أبا طاهر محمد بن عبد الصمد، وخلع عليهما. وفيها شغب الفرسان ببغداد، ~~وخرجوا إلى المصلى، ونهبوا القصر المعروف بالثريا، وذبحوا ما كان فيه من ~~الوحش، فخرج إليهم مؤنس، وضمن لهم أرزاقهم، فرجعوا إلى منازلهم. وفيها ظفر ~~عبد الرحمن بن محمد بن عبدالله الناصر لدين الله الأموي، صاحب الأندلس، ~~بأهل طليطلة وكان قد حصرها مدة لخلاف كان عليه فيها، فلما ظفر بهم أخرب ~~كثيرا من عماراتها وشعثها، وكانت حينئذ دار إسلام. وفيها قصد الأعراب سواد ~~الكوفة فنهبوه خربوه، ودخلوا الحيرة فنهبوها، فسير إليهم الخليفة جيشا ~~فدفعوهم عن البلاد. وفيها، في ربيع الأول، انقض كوكب عظيم، وصار له صوت ~~شديد على ساعتين بقيتا من النهار. وفيها، في جمادى الآخرة، احترق كثير من ~~الرصافة ووصيف الجوهري ومربعة الخرسي ببغداد. وفيها توفي أبو بكر محمد بن ~~السري، المعروف بابن السراج النحوي، صاحب كتاب الأصول في النحو وقيل توفي ~~سنة ست عشرة. وفيها، في شعبان، توفي أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش فجأة. ### | AUT ثم دخلت سنة ست عشرة وثلاثمائة # ### || AUT ذكر أخبار القرامطة # لما سار القرامطة من الأنبار عاد مؤنس الخادم إلى بغداد، فدخلها ثالث ~~المحرم، وسار أبو طاهر القرمطي إلى الدالية من طريق الفرات، فلم يجد فيها ~~شيئا، فقتل من ms2772 أهلها جماعة، ثم سار إلى الرحبة، فدخلها ثامن المحرم، بعد أن ~~حاربه أهلها، فوضع فيهم السيف بعد أن ظفر بهم، فأمر مؤنس المظفر بالمسير ~~إلى الرقة، فسار إليها في صفر، وجعل طريقه على الموصل، فوصل إليها في ربيع ~~الأول، ونزل بها، وأرسل أهل قرقيسيا يطلبون من أبي طاهر الأمان، فأمنهم ~~وأمرهم أ، لا يظهر أحد منهم بالنهار، فأجابوه إلى ذلك. وسير أبو طاهر سرية ~~إلى الأعراب بالجزيرة، فنهبوهم، وأخذوا أموالهم، فخافه الأعراب خوفا شديدا ~~وهربوا من بين يديه، وقرر عليهم إتاوة على كل رأس دينار يحملونه إلى هجر، ~~ثم أصعد أبو طاهر من الرحبة إلى الرقة، فدخل أصحابه الربض وقتلوا منهم ~~ثلاثين رجلا، وأعان أهل الرقة أهل الربض، وقتلوا من القرامطة جماعة، ~~فقاتلهم ثلاثة أيام، ثم انصرفوا آخر ربيع الآخر. وبثت القرامطة سرية إلى ~~رأس عين، وكفر توثا، فطلب أهلها الأمان، فأمنوهم، وساروا أيضا إلى سنجار، ~~فنهبوا الجبال، ونازلوا سنجار، فطلب أهلها الأمان، فأمنوهم. وكان مؤنس قد ~~وصل إلى الموصل، فبلغه قصد القرامطة إلى الرقة فجد السير إليها، فسار أبو ~~طاهر عنها، وعاد إلى الرحبة، ووصل مؤنس إلى الرقة بعد انصراف القرامطة ~~عنها، ثم إن القرامطة ساروا إلى هيت، وكان أهلها قد أحكموا سورها، فقاتلوه، ~~فعاد عنهم إلى الكوفة؛ فبلغ الخبر إلى بغداد، فأخرج هارون بن غريب، وبني بن ~~نفيس ونصر الحاجب إليها، ووصلت خيل القرمطي إلى قصر ابن هبرة، فقتلوا منه ~~جماعة. ثم إن نصرا الحاجب حم في طريقه حمى حادى، فتجلد وسار، فلما قاربهم ~~القرمطي لم يكن في نصر قوة على النهوض والمحاربة، فاستخلف أحمد بن كيغلغ، ~~واشتد مرض نصر، وأمسك لسانه لشدة مرضهن فردوه إلى بغداد، فمات في الطريق ~~أواخر شهر رمضان، فجعل مكانه على الجيش هارون بن غريب، ورتب ابنه أحمد بن ~~نصر في الحجبة للمقتدر مكان أبيه، فانصرف القرامطة إلى البرية، وعاد هارون ~~إلى بغداد في الجيش، فدخلها لثمان بقين من شوال. ### || AUT ذكر عزل علي بن عيسى # ### || AUT ووزارة أبي علي بن مقلة # في ms2773 هذه السنة عزل علي بن عيسى عن وزارة الخليفة، ورتب فيها أبو علي بن ~~مقلة. وكان سبب ذلك أن عليا لما رأى نقص الارتفاع، واختلال الأعمال بوزارة ~~الخاقاني والخصيبي، وزيادة النفقات، وأن الجند لما عادوا من الأنبار زادهم ~~المقتدر في أرزاقهم مائتي ألف وأربعين ألف دينار في السنة، ورأى أيضا كثرة ~~النفقات للخدم والحرم، لا سيما والدة المقتدر، هاله ذلك، وعظم عليه. ~~PageV03P0422 # ثم إنه رأى نصرا الحاجب يقصده، وينحرف عنه لميل مؤنس إليه، فإن نصرا كان ~~يخالف مؤنسا في جميع ما يشير به، فلما تبين له ذلك استعفى من الوزارة، ~~واحتج بالشيخوخة وقلة النهضة، فأمره المقتدر بالصبر، وقال له: أنت عندي ~~بمنزلة والدي المعتضد؛ فألح عليه في الاستعفاء، فشاور مؤنسا في ذلك، وأعلمه ~~أنه قد سمي للوزارة ثلاثة نفر: الفضل بن جعفر بن الفرات الذي أمه حيرانة، ~~وأخته زوجة المحسن بن الفرات، وأبو علي بن مقلة، ومحمد بن خلف النيرماني ~~الذي كان وزير ابن أبي الساج؛ فقال مؤنس: أم الفضل فقد قتلنا عمه الوزير ~~أبا الحسن، وابن عمه زوج أخته المحسن ابن الوزير، وصادرنا أخته فلا نأمنه؛ ~~وأما ابن مقلة فحدث غر لا تجربة له بالوزارة، ولا يصلح لها؛ وأما محمد بن ~~خلف فجاهل متهور لا يحسن شيئا، والصواب مداراة علي بن عيسى. ثم لقي مؤنس ~~علي بن عيسى، وسكنه، فقال علي: لو كنت مقيما لاستعنت بك، ولكنك سائر إلى ~~الرقة ثم إلى الشام. وبلغ الخبر أبا علي بن مقلة، فجد في السعي، وضمن على ~~نفسه الضمانات، وشاور المقتدر نصرا الحاجب في هؤلاء الثلاثة، فقال: أما ~~الفضل بن الفرات فلا يدفع عن صناعة الكتابة، والمعرفة، والكفاية، ولكنك ~~بالأمس قتلت عمه وابن عمه وصهره، وصادرت اخته وأمه؛ ثم إن بني الفرات ~~يدينون بالرفض، ويعرفون بولاء آل علي وولده، وأما أبو علي بن مقلة فلا هيبة ~~له في قلوب الناس، ولا يرجع إلى كفاية، ولا تجربة، وأشار بمحمد بن خلف ~~لمودة كانت بينهما، فنفر المقتدر من محمد بن خلف لما علمه من ms2774 جهله وتهوره، ~~وواصل ابن مقلة بالهدية إلى نصر الحاجب، فأشار على المقتدر به، فاستوزره. ~~وكان ابن مقلة لما قرب الهجري من الأنبار قد أنفذ صاحبا له معه خمسون ~~طائرا، وأمره بالمقام بالأنبار، وإرسال الأخبار إليه وقتا بوقت، ففعل ذلك، ~~فكانت الأخبار ترد من جهته إلى الخليفة على يد نصر الحاجب، فقال نصر: هذا ~~فعله فيما لا يلزمه، فكيف يكون إذا اصطنعته ! فكان ذلك من أقوى الأسباب في ~~وزارته. وتقدم المقتدر في منتصف ربيع الأول بالقبض على الوزير علي بن عيسى، ~~وأخيه عبد الرحمن، وخلع على أبي علي بن مقلة، وتولى الوزارة، وأعانه عليها ~~أبو عبدالله البريدي لمودة كانت بينهما. ### || AUT ذكر ابتداء حال أبي عبد الله البريدي وإخوته # لما ولي علي بن عيسى الوزارة كان أبو عبد الله بن البريدي قد ضمن ~~الخاصة، وكان أخوه أبو يوسف على سرق، فلما استعمل علي بن عيسى العمال، ~~ورتبهم في الأعمال، قال أبو عبد الله: تقلد مثل هؤلاء على هذه الأعمال ~~الجليلة، وتقتصر بي على ضمان الخاصة بالأهواز، وبأخي أبي يوسف على سرق ! ~~لعن الله من يقنع بهذا منك، فإن لطبلي صوتا سوف يسمع بعد أيام. فلما بلغه ~~اضطراب أمر علي بن عيسى أرسل أخاه أبا الحسين إلى بغداد وأمره أن يخطب له ~~أعمال الأهواز وما يجري معها إذا تجددت وزارة لمن يأخذ الرشى، ويرتفق؛ فلما ~~وزر أبو علي بن مقلة بذل له عشرين ألف دينار على ذلك، فقلد أبا عبد الله ~~الأهواز جميعها، سوى السوس وجنديسابور، وقلد أخاه أبا الحسين الفراتية، ~~وقلد أخاهما أبا يوسف الخاصة والأسافل، على أن يكون المال في ذمة أبي أيوب ~~السمسار إلى أن يتصرفوا في الأعمال. وكتب أبو علي بن مقلة إلى أبي عبد الله ~~في القبض على ابن أبي السلاسل، فسار بنفسه فقبض عليه بتستر، وأخذ منه عشرة ~~آلاف دينار ولم يوصلها، وكان متهورا لا يفكر في عاقبة أمر، وسيرد من أخبراه ~~ما يعلم به دهاؤه، ومكره، وقلة دينه، وتهوره. ثم إن أبا علي بن مقلة ms2775 جعل ~~أبا محمد الحسين بن أحمد الماذرائي مشرفا على أبي عبدالله، فلم يلتفت إليه. ~~البريدي بالباء الموحدة والراء المهملة منسوب إلى البريد، هكذا ذكره الأمي ~~ابن ماكولا، وقد ذكره ابن مسكويه بالياء المعجمة باثنتين من تحت، والزي، ~~وقال: كان جده يخدم يزيد بن منصور الحميري، فنسب إليه، والأول أصح، وما ~~ذكرنا قول ابن مسكويه إلا حتى لا يظن ظان أننا لم نقف عليه، وأخطأنا الصواب. ### || AUT ذكر من ظهر بسواد العراق من القرامطة # PageV03P0423 # لما كان من أمر أبي طاهر القرمطي ما ذكرناه، اجتمع من كان بالسواد ممن ~~يعتقد مذهب القرامطة فيكتم اعتقاده خوفا، فأظهروا اعتقادهم، فاجتمع منهم ~~بسواد واسط أكثر من عشرة آلاف رجل، وولوا أمرهم رجلا يعرف بحريث بن مسعود، ~~واجتمع طائفة أخرى بعين التمر ونواحيها في جمع كثير، وولوا أمرهم إنسانا ~~يسمى عيسى بن موسى، وكانوا يدعون إلى المهدي. وسار عيسى إلى الكوفة، ونزل ~~بظاهرها، وجبى الخراج، وصرف العمال عن السواد. وسار حريث بن مسعود إلى ~~أعمال الموفقي وبنى بها دارا سماها دار الهجرة، واستولى على تلك الناحية، ~~فكانوا ينهبون، ويسبون، ويقتلون، وكان يتقلد الحرب بواسط بني بن نفيس، ~~فقاتلهم، فهزموه، فسير المقتدر بالله إلى حريث ابن مسعود ومن معه هارون بن ~~غريب، وإلى عيسى بن موسى ومن معه بالكوفة صافيا البصري، فأوقع بهم هارون، ~~وأوقع صافي بمن سار إليهم، فانهزمت القرامطة، وأسر منهم كثير، وقتل أكثر ~~ممن أسر، وأخذت أعلامهم، وكانت بيضا، وعليها مكتوب: (ونريد أن نمن على ~~الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) القصص:5 فأدخلت ~~بغداد منكوسة، واضمحل أمر من بالسواد منهم، وكفى الله الناس شرهم. ### || AUT ذكر الحرب بين نازوك وهارون بن غريب # وفيها وقعت الفتنة بين نازوك، صاحب الشرطة، وهارون بن غريب. وسبب ذلك أن ~~ساسة دواب هارون بن غريب وساسة نازوك تغايروا على غلام أمرد، وتضاربوا ~~بالعصى، فحبس نازوك ساسة دواب هارون، بعد أن ضربهم، فسار أصحاب هارون إلى ~~محبس الشرطة، ووثبوا على نائب نازوك به، وانتزعوا أصحابهم من الحبس، فركب ms2776 ~~نازوك، وشكا إلى المقتدر وقال: كلاكما عزيز علي ولست أدخل بينكما؛ فعاد ~~وجمع رجاله، وجمع هارون رجاله، وزحف أصحاب نازوك إلى دار هارون، فأغلق ~~بابه، وبقي بعض أصحابه خارج الدار، فقتل منهم أصحاب نازوك، وجرحوا، ففتح ~~هارون الباب، وخرج أصحابه، فوضعوا السلاح في أصحاب نازوك فقتلوا منهم، ~~وجرحوا، واشتبكت الحرب بينهم، فكف نازوك أصحابه. وأرسل الخليفة إليهما ينكر ~~عليهما ذلك، فكفا، وسكنت الفتنة، واستوحش نازوك، واستدل بذلك على تغير ~~المقتدر، ثم ركب إليه هارون وصالحه، وخرج بأصحابه، ونزل بالبستان النجمي ~~ليبعد عن نازوك، فأكثر الناس الأراجيف وقالوا: قد صار هارون أمير الأمراء؛ ~~فعظم ذلك على أصحاب مؤنس، وكتبوا إليه بذلك، وهو بالرقة، فأسرع العود إلى ~~بغداد فنزل بالشماسية في أعلى بغداد، ولم يلق المقتدر، فصعد إليه الأمير ~~أبو العباس ابن المقتدر، والوزير ابن مقلة، فأبلغاه سلام المقتدر واستيحاشه ~~له، وعاد فاستشعر كل واحد من المقتدر ومؤنس من صاحبه، وأحضر المقتدر هارون ~~ابن غريب، وهو ابن خاله، فجعله معه في داره، فلما علم مؤنس بذلك ازداد ~~نفورا واستيحاشا، وأقبل أبو الهيجاء بن حمدان من بلاد الجبل، فنزل عند مؤنس ~~ومعه عسكر كبير، وصارت المراسلات بين الخليفة ومؤنس تتردد، والأمراء يخرجون ~~إلى مؤنس، وانقضت السنة وهم على ذلك. ### || AUT ذكر قتل الحسن بن القاسم الداعي # في هذه السنة قتل الحسن بن القاسم الداعي العلوي، وقد ذكرنا استيلاء ~~أسفار بن شيرويه الديلمي على طبرستان، ومعه مرداويج، فلما استولوا عليها ~~كان الحسن بن القاسم بالري، واستولى عليها، وأخرج منها أصحاب السعيد نصر بن ~~أحمد، واستولى على قزوين، وزنجان، وأبهر، وقم، وكان معه ما كان بن كالي ~~الديلمي، فسار نحو طبرستان، والتقوا هم وأسفار عند سارية، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، فانهزم الحسن وما كان بن كالي، فلحق الحسن فقتل، وكان انهزام معظم ~~أصحاب الحسن على تعمد منهم للهزيمة. وسبب ذلك أنه كان يأمر أصحابه ~~بالاستقامة، ومنعهم عن ظلم الرعبية، وشرب الخمور، وكانوا يبغضونه لذلك، ثم ~~اتفقوا على أن يستقدموا هروسندان وهو أحد رؤساء الجيل، وكان خال ms2777 مردوايج ~~ووشمكير، ليقدموه عليهم، ويقبضوا على الحسن الداعي، وينصبوا أبا الحسين بن ~~الأطروش، ويخطبوا له. PageV03P0424 # وكان هروسندان مع أحمد الطويل بالدامغان بعد موت صعلوك، فوقف أحمد على ~~ذلك، فكتب إلى الحسن الداعي يعلمه، فأخذ حذره، فلما قدم هروسندان لقيه مع ~~القواد، وأخذهم إلى قصره بجرجان ليأكلوا طعاما، ولم يعلموا أنه قد اطلع على ~~ما عزموا عليه، وكان قد وافق خواص أصحابه على قتلهم، وأمرهم بمنع أصحاب ~~أولئك القواد من الدخول؛ فلما دخلوا داره قابلهم على ما يريدون أن يفعلوه، ~~وما أقدموا عليه من المنكرات التي أحلت له دماءهم، ثم أمر بقتلهم عن آخرهم، ~~وأخبر أصحابهم الذين ببابه بقتلهم، وأمرهم بنهب أموالهم، فاشتغلوا بالنهب، ~~وتركوا أصحابهم، وعظم قتلهم على أقربائهم ونفروا عنه، فلما كانت هذه ~~الحادثة تخلوا عنه حتى قتل. ولما قتل استولى أسفار على بلاد طبرستان، ~~والري، وجرجان، وقزوين، وزنجان، وأبهر، وقم، والكرخ، ودعا لصاحب خراسان، ~~وهو السعيد نصر بن أحمد، وأقام بسارية، واستعمل على آمل هارون بن بهرام، ~~وكان هارون يحتاج أن يخطب فيها لأبي جعفر العلوي، وخاف أسفار ناحية أبي ~~جعفر أن يجدد له فتنة وحربا، فاستدعى هارون إليه، وأمره أن يتزوج إلى أحد ~~أعيان آمل، ويحضر عرسه أبا جعفر وغيره من رؤساء العلويين، ففعل ذلك في يوم ~~ذكره أسفار، ثم سار أسفار من سارية مجدا فوافى آمل وقت الموعد، وهجم على ~~دار هارون على حين غفلة، وقبض على أبي جعفر وغيره من أعيان العلويين، ~~وحملهم إلى بخارى، فاعتقلوا بها إلى أن خلصوا أيام فتنة أبي زكرياء، على ما ~~نذكره. ولما فرغ أسفار من أمر طبرستان سار إلى الري، وبها ما كان بن كالي، ~~فأخذها منه، واستولى عليها، وسار ما كان إلى طبرستان، فأقام هناك. وأحب ~~أسفار أن يستولي على قلعة ألموت، وهي قلعة على جبل شاهق من حدود الديلم، ~~وكانت لسياه جشم بن مالك الديلمي، ومعناه الأسود العين لأنه كان على إحدى ~~عينيه شامة سوداء، فراسله أسفار وهنأه، فقدم عليه، فسأله أن يجعل عياله في ~~قلعة ألموت، ms2778 وولاه قزوين، فأجابه إلى ذلك، فنقلهم إليها، ثم كان يرسل إليهم ~~من يثق به من أصحابه، فلما حصل فيها مائة رجل استدعاه من قزوين فلما حضر ~~عنده قبض عليه، وقتله بعد أيام. وكان أسفار لما اجتاز بسمنان استأمن إليه ~~ابن أمير كان صاحب جبل دنباوند، وامتنع محمد بن جعفر السمناني من النزول ~~إليهن وامتنع بحصن بقرية رأس الكلب، فحقدها عليه أسفار، فلما استولى على ~~الري أنفذ إليه جيشا يحصرونه، وعليهم إنسان يقال له عبد الملك الديلمي، ~~فحصروه، ولم يمكنهم الوصول إليه، فوضع عليه عبد الملك من يشير عليه ~~بمصالحته، ففعل، وأجابه عبد الملك إلى المسألة، ثم وضع عليه من يحسن له أن ~~يضيف عبد الملك، فأضافه، فحضر في جماعة من شجعان أصحابه، فتركهم تحت الحسن، ~~وصعد وحده إلى محمد بن جعفر، فتحادثا ساعة، ثم استخلاه عبد الملك ليشير ~~إليه شيئا، ففعل ذلك، ولم يبق عندهما أحد غير غلام صغير، فوثب عليه عبد ~~الملك فقتله، وكان محمد منقرسا زمنا، وأخرج حبل إبريسم كان قد أعده فشده في ~~نافذة في تلك الغرفة ونزل وتخلص. واستغاث ذلك الغلام، فجاء أصحاب محمد بن ~~جعفر وكسروا الباب، وكان عبد الملك قد أغلقه، فلما دخلوا رأوه مقتولا، ~~فقتلوا به كل من عندهم من الديلم، وحفظوا نفوسهم. وعظمت جيوش أسفار، وجل ~~قدره، فتجبر وعصى على الأمير السعيد، صاحب خراسان، وأراد أن يجعل على رأسه ~~تاجا وينصب بالري سرير ذهب للسلطنة، ويحارب الخليفة، وصاحب خراسان، فسير ~~المقتدر إليه هارون بن غريب في عسكر نحو قزوين، فحاربه أصحاب أسفار بها، ~~فانهزم هارون، وقتل من أصحابه جمع كثير بباب قزوين، وكان أهل قزوين قد ~~ساعدوا أصحاب هارون، فحقدها عليهم أسفار. ثم إن الأمير السعيد، صاحب ~~خراسان، سار من بخارى قاصدا نحو أسفار ليأخذ بلاده، فبلغ نيسابور، فجمع ~~أسفار عسكره وأشار على أسفار وزيره مطرف بن محمد الجرجاني بمراسلة صاحب ~~خراسان، والدخول في طاعته، وبذل المال له، فإن أجاب، وإلا فالحرب بين يديه. ~~PageV03P0425 # وكان في عسكره جماعة من أتراك صاحب خراسان ms2779 قد ساروا معه، فخوفه وزيره ~~منهم، فرجع إلى رأيه وراسله، فأبى أن يجيبه إلى ذلك، وعزم على المسير إليه، ~~فأشار عليه أصحابه أن يقبل الأموال، وإقامة الخطبة له، وخوفوه الحرب وأنه ~~لا يدري لمن النصر، فرجع إلى قولهم، وأجاب أسفار إلى ما طلب، وشرط عليه ~~شروطا من حمل الأموال وغر ذلك، واتفقا، فشرع أسفار بعد إتمام الصلح، وقسط ~~على الري وأعمالها، على كل رجل دينارا، سواء كان من أهل البلاد أم من ~~المجتازين، فحصل له مال عظيم أرضى صاحب خراسان ببعضه، ورجع عنه. فعظم أمر ~~أسفار خلاف ما كان، وزار تجبره، وقصد قزوين لما في نفسه على أهلها، فأوقع ~~بهم وقعة عظيمة أخذ فيها أموالهم، وعذبهم، وقتل كثيرا منهم، وعسفهم عسفا ~~شديدا، وسلط الديلم عليهم، فضاقت الأرض عليهم، وبلغت القلوب الحناجر، وسمع ~~مؤذن الجامع يؤذن، فأمر به فألقي من المنارة إلى الأرض، فاستغاث الناس من ~~شره وظلمه، وخرج أهل قزوين إلى الصحراء: الرجال: والنساء، والولدان يتضرعون ~~ويدعون عليه ويسألون الله كشف ما هم فيه، فبلغه ذلك، فضحك منهم، وشتمهم ~~استهزاء بالدعاء، فلما كان الغد انهزم على ما نذكره. ### || AUT ذكر قتل أسفار # كان في أصحاب أسفار قائد من أكبر قواده يقال له مرداويج بن زيار ~~الديلمي، فأرسله إلى سلار صاحب شميران الطرم يدعوه إلى طاعته، وسلار هذا هو ~~الذي صار ولده فيما بعد صاحب أذربيجان وغيرها، فلما وصل مرداويج إليه ~~تشاكيا ما كان الناس فيه من الجهد والبلاء، فتحالفا، وتعاقدا على قصده، ~~والتساعد على حربه. وكان أسفار قد وصل إلى قزوين، وهو ينتظر وصول مرداويج ~~بجوابه، فكتب مرداويج إلى جماعة من القواد يثق بهم يعرفهم ما اتفق هو وسلار ~~عليه، فأجابوه إلى ذلك؛ وكان الجند قد سئموا أسفار لسوء سيرته، وظلمه، ~~وجوره، وكان في جملة من أجاب إلى مساعدة مرداويج مطرف بن محمد، وزير أسفار، ~~وسار مرداويج وسلار نحو أسفار، وبلغه الخبر، وأن أصحابه قد بايعوا مرداويج، ~~فأحس بالشر، وكان ذلك عقيب حادثته مع أهل قزوين ودعائهم، وثار الجند ~~بأسفار، ms2780 فهرب منهم في جماعة من غلمانه وورد الري، فأراد أن يأخذ من مال كان ~~عند نائبه بها شيئا، فلم يعطه غير خمسة آلاف دينار، وقال له: أنت أمير ولا ~~يعوزك مال؛ فتركه وانصرف إلى خراسان، فأقام بناحية بيهق. وأما مرداويج فإنه ~~عاد من قزوين نحو الري، وكتب إلى ما كان بن كالي، وهو بطبرستان، يستدعيه ~~ليتساعدا ويتعاضدا، فسرى ما كان بن كالي إلى أسفار، وكان قد عسف أهل ~~الناحية التي هو بها، فلما أحس بما كان سار إلى بست، وركب المفازة نحو الري ~~ليقصد قلعة ألموت التي بها أهله وأمواله، فانقطع عنه بعض أصحابه، وقصد ~~مرداويج فأعلمه خبره، فخرج مرداويج من ساعته في أثره، وقدم بعض قواده بين ~~يديه، فلحقه ذلك القائد وقد نزل يستريح، فسلم عليه بالإمرة، فقال له أسفار: ~~لعلكم اتصل بكم خبري وبعثت في طلبي ؟ قال: نعم ؟! فبكى أصحابه، فأنكر عليهم ~~أسفار ذلك، وقال: بمثل هذه القلوب تتجندون ! أما علمتم أن الولايات مقرونة ~~بالبليات ؟ ثم أقبل على ذلك القائد وهو يضحك، وسأله عن قواده الذين أسلموه ~~وخذلوه، فأخبره مرداويج قتلهم، فتهلل وجهه وقال: كانت حياة هؤلاء غصة في ~~حلقي، وقد طابت الآن نفسي، فامض في ما أمرت به، وظن أنه أمر بقتله، فقال: ~~ما أمرت فيك بسوء؛ وحمله إلى مرداويج، فسلمه إلى جماعة أصحابه ليحمله إلى ~~الري، فقال له بعض أصحابه: إن أكثر من معك كانوا أصحاب هذا، فانحرفوا عنه ~~إليك، وقد أوحشت أكثرهم بقتل قوادهم فما يؤمنك أن يرجعوا إليه غدا ويقبضوا ~~عليك ؟ فحينئذ أمر بقتله وانصرف إلى الري. وقيل في قتله: أنه لما عاد نحو ~~قلعة ألموت نزل في واد هناك يستريح، فاتفق أن مرداويج خرج يتصيد، ويسأل عن ~~أخباره، فرأى خيلا يسيرة في واد هناك، فأرسل بعض أصحابه ليأخذ خبرها، فرأوا ~~أسفار بن شيرويه في عدة يسيرة من أصحابه، يريد الحصن ليأخذ ما له فيه ~~ويستعين به على جمع الجيوش، ويعود إلى محاربة مرداويج، فأخذوه ومن معه، ~~وحملوه إلى مرداويج، فلما رآه نزل إليه ms2781 فذبحه. PageV03P0426 # NOTMATCH ### || AUT ذكر ملك مرداويج طبرستان NOTMATCH # واستقر أمر مرداويج في البلاد، وعاد إلى قزوين بعد قتل أسفار، فأحسن إلى ~~أهلها، ووعدهم الجميل. وقيل: بل دخل أسفار إلى رحى، وقد نال منه الجوع، ~~فطلب من الطحان شيئا يأكله، فقدم له خبزا ولبنا، فأكل منه هو وغلام له ليس ~~معه غيره، فأقبل مرداويج إلى تلك الناحية، فأشرف على الرحى فرأى أثر حوافر ~~الدواب، فسأل عنها، فقيل له: قد دخل فارسان إلى هذه الرحى؛ فكبس مرداويج ~~الرحى، فرآه وقتله. ### || AUT ذكر ملك مرداويج # ولما انهزم أسفار من مرداويج ابتدأ في ملك البلاد، ثم إنه ظفر بأسفار ~~فتمكن ملكه وثبت، وتنقل في البلاد يملكها مدينة مدينة، وولاية ولاية، فملك ~~قزوين، ووعدهم الجميل فأحبوه، ثم سار إلى الري فملكها، وملك همذان، وكنكور، ~~والدينور، وبروجرد، وقم، وقاشان، وأصبهان، وجرباذقان وغيرهما. ثم إنه أساء ~~السيرة في أهل أصبهان خاصة، وأخذ الأموال، وهتك المحارم، وطغى، وعمل له ~~سريرا من ذهب يجلس عليه، وسريرا من فضة يجلس عليه أكابر قواده، وإذا جلس ~~على السرير يقف عسكره صفوفا بالعبد منه، ولا يخاطبه أحد ألا الحجاب الذين ~~رتبهم لذلك، وخافه الناس خوفا شديدا. ### || AUT ذكر ملك مرداويج # طبرستان قد ذكرنا اتفاق ما كان بن كالي مع مرداويج، ومساعدته على أسفار، ~~فلما استقر ملك مرداويج، وقوي أمره، وكثرت أمواله وعساكره، طمع في جرجان، ~~وطبرستان، وكانتا مع ما كان بن كالي، فجمع عساكره وسار إلى طبرستان، فثبت ~~له ما كان، فاستظهر عليه مرداويج، واستولى على طبرستان ورتب فيها بلقاسم بن ~~بانجين، وهو اسفهسلار، وعسكره، وكان حازما، شجاعا، جيد الرأي. ثم سار ~~مرداويج نحو جرجان، وكان بها من قبل ما كان شيرزيل ابن سلار، وأبو علي بن ~~تركي، فهربا من مرداويج، وملكها مرداويج، ورتب فيها سرخاب بن باوس، خال ولد ~~بلاسم بن بانجين، خليفة عن بلقاسم، فجمع بلقاسم جرجان، وطبرستان، وعاد ~~مرداويج إلى أصبهان ظافرا غانما. وسار ما كان إلى الديلم واستنجد أبا الفضل ~~الثائر بها، فأكرمه، وسار معه إلى طبرستان فلقيهما ms2782 بلقاسم، وتحاربوا، ~~فانهزم ما كان والثائر، فأما الثائر فقصد الديلم، وأما ما كان فسار إلى ~~نيسابور، فدخل في طاعة السعيد نصر، واستنجده، فأمده بأكثر جيشه، وبالغ في ~~تقويته، ووصل إليه ما كان وأبو علي، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أبو علي ~~وما كان وعادا إلى نيسابور، ثم عاد ما كان بن كالي إلى الدامغان ليتملكها، ~~فسار نحوه بلقاسم فصده عنها، فعاد إلى خراسان، وسنذكر باقي أخبار ما كان فيما بعد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها كان ابتداء أمر أبي يزيد الخارجي بالمغرب، وسنذكر أمره سنة أربع ~~وثلاثين وثلاثمائة مستقصى. وفيها ظهر بسجستان خارجي، وسار في جمع إلى بلاد ~~فارس يريد التغلب عليها، فقتله أصحابه قبل الوصول إليها، وتفرقوا. وفيها ~~صرف أحمد بن صر العشوري عن حجبة الخليفة وقلدها ياقوت، وكان يتولى الحرب ~~بفارس، وهو بها، فاستخلف على الحجبة ابنه أبا الفتح المظفر. وفيها وصل ~~الدمستق في جيش كثير من الروم إلى أرمينية، فحصروا خلاط، فصالحه أهلها، ~~ورحل عنهم بعد أن أخرج لمنبر من الجامع وجعل مكانه صليبا، وفعل ببدليس ~~كذلك، وخافه أهل أرزن وغيرهم، ففارقوا بلادهم، وانحدر أعيانهم إلى بغداد، ~~واستغاثوا إلى الخليفة، فلم يغاثوا. وفيها وصل سبعمائة رجل من الروم ~~والأرمن إلى ملطية ومعهم الفؤوس والمعاول، وأظهروا أنهم يتكسبون بالعمل، ثم ~~ظهر أن مليحا الأرمني، صاحب الدروب، وضعهم ليكونوا بها، فإذا حصرها سلموها ~~إليه، فعلم بهم أهل ملطية، فقتلوهم وأخذوا ما معهم. وفيها، في منتصف ربيع ~~الأول، قلد مؤنس المؤنسي الموصل وأعمالها. وفيها مات أبو بكر بن أبي داود ~~السجستاني، وأبو عوانة يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم الأسفرايني، وله مسند ~~مخرج على صحيح مسلم. وفيها توفي أبو بكر محمد بن السري النحوي المعروف بابن ~~السراج، صاحب كتاب الأصول في النحو. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع عشرة وثلاثمائة # ### || AUT ذكر خلع المقتدر # في هذه السنة خلع المقتدر بالله من الخلافة، وبويع أخوه القاهر بالله ~~محمد ابن المعتضد، فبقي يومين ثم أعيد المقتدر. PageV03P0427 # وكان سبب ذلك ما ذكرنا في السنة التي قبلها ms2783 من استيحاش مؤنس ونزوله ~~بالشماسية، وخرج إليه نازوك، صاحب الشرطة، في عسكره، وحضر عنده أبو الهيجاء ~~بن حمدان في عسكره من بلد الجبل، وبني بن نفيس، وكان المقتدر قد أخذ منه ~~الدينور، فأعادها إليه مؤنس عند مجيئه إليه. وجمع المقتدر عنده، في داره، ~~هارون بن غريب، وأحمد بن كيغلغ، والغلمان الحجرية، والرجالة المصافية، ~~وغيرهم، فلما كان آخر النهار ذلك اليوم انقض أكثر من عند المقتدر، وخرجوا ~~إلى مؤنس، وكان ذلك أوائل المحرم. ثم كتب مؤنس إلى المقتدر رقعة يذكر فيها ~~أن الجيش عاتب منكر للسرف فيما يطلق باسم الخدم والحرم من الأموال والضياع، ~~ولدخولهم في الرأي وتدبير المملكة، ويطالبون بإخراجهم من الدار، وأخذ ما في ~~أيديهم من الأموال والأملاك، وإخراج هارون بن غريب من الدار. فأجابه ~~المقتدر أنه يفعل من ذلك ما يمكنه فعله، ويقتصر على ما لا بد له منه، ~~واستعطفهم، وذكرهم بيعته في أعناقهم مرة بعد أخرى، وخوفهم عاقبة النكث، ~~وأمر هارون بالخروج من بغداد، وأقطعه الثغور الشامية والجزرية، وخرج من ~~بغداد تاسع المحرم من هذه السنة، وراسلهم المقتدر، وذكرهم نعمه عليهم ~~وإحسانه إليهم، وحذرهم كفر إحسانه، والسعي في الشر والفتنة. فلما أجابهم ~~إلى ذلك دخل مؤنس وابن حمدان ونازوك إلى بغداد، وأرجف الناس بأن مؤنسا ومن ~~معه قد عزموا على خلع المقتدر وتولية غيره، فلما كان الثاني عشر من المحرم ~~خرج مؤنس والجيش إلى باب الشماسية، فتشاوروا ساعة، ثم رجعوا إلى دار ~~الخليفة بأسرهم، فلما زحفوا إليها، وقربوا منها، وهرب المظفر بن ياقوت، ~~وسائر الحجاب والخدم وغيرهم، والفراشون، وكل من في الدار؛ وكان الوزير أبو ~~علي بن مقلة حاضرا، فهرب ودخل مؤنس والجيش دار الخليفة، وأخرج المقتدر، ~~ووالدته، وخالته، وخواص جواريه، وأولاده، من دار الخلافة، وحملوا إلى دار ~~مؤنس، فاعتقلوا بها. وبلغ الخبر هارون بن غريب، وهو بقطربل، فدخل بغداد ~~واستتر، ومضى ابن حمدان إلى دار ابن طاهر، فأحضر محمد بن المعتضد، وبايعوه ~~بالخلافة، ولقبوه القاهر بالله، وأحضروا القاضي أبا عمر عند المقتدر ليشهد ~~عليه بالخلع، وعنده ms2784 مؤنس، ونازوك، وابن حمدان، وبني بن نفيس، فقال مؤنس ~~للمقتدر ليخلع نفسه من الخلافة، فأشهد عليه القاضي بالخلع، فقام ابن حمدان ~~وقال للمقتدر: يا سيدي يعز علي أن أراك على هذه الحال، وقد كنت أخافها ~~عليك، وأحذرها، وأنصح لك، وأحذرك عاقبة القبول من الخدم، والنساء، فتؤثر ~~أقوالهم على قولي، وكأني كنت أرى هذا، وبعد، فنحن عبيدك وخدمك. ودمعت عيناه ~~وعينا المقتدر، وشهد الجماعة على المقتدر بالخلع، وأودعوا الكتاب بذلك عند ~~القاضي أبي عمر، فكتمه ولم يظهر عليه أحدا، فلما عاد المقتدر إلى الخلافة ~~سلمه إليه، وأعلمه أنه لم يطلع عليه غيره، فاستحسن ذلك منه، وولاه قضاء ~~القضاة. ولما استقر الأمر للقاهر أخرج مؤنس المظفر علي بن عيسى من الحبس، ~~ورتب أبا علي بن مقلة في الوزارة، وأضاف إلى نازوك مع الشرطة حجبة الخليفة، ~~وكتب إلى البلاد بذلك، وأقطع ابن حمدان، مضافا إلى ما بيده من أعمال طريق ~~خراسان، وحلوان، والدينور، وهمذان، وكنكور، وكرمان، وشاهان، والراذنات، ~~ودقوقا، وخانيجار، ونهاوند، والصيمرة، والسيروان، وماسبذان وغيرها، ونهبت ~~دار الخليفة، ومضى بني بن نفيس إلى تربة لوالدة المقتدر، فأخرج من قبر فيها ~~ستمائة ألف دينار، وحملها إلى دار الخليفة. وكان خلع المقتدر النصف من ~~المحرم، ثم سكن النهب، وانقطعت الفتنة؛ ولما تقلد نازوك حجبة الخليفة أمر ~~الرجالة المصافية بقلع خيامهم من دار الخليفة، وأمر رجاله وأصحابه أن ~~يقيموا بمكان المصافية، فعظم ذلك عليهم، وتقدم إلى خلفاء الحجاب أن لا ~~يمكنوا أحدا من الدخول إلى دار الخليفة، إلا من له مرتبة، فاضطربت الحجبة من ذلك. ### || AUT ذكر عود المقتدر إلى الخلافة # PageV03P0428 # لما كان يوم الاثنين سابع عشر المحرم بكر الناس إلى دار الخليفة لأنه يوم ~~موكب دولة جديدة، فامتلأت الممرات، والمراحات، والرحاب، وشاطئ دجلة من ~~الناس، وحضر الرجالة المصافية في السلاح الشاك، يطالبون بحق البيعة، ورزق ~~سنة، وهم حنقون بما فعل بهم نازوك، ولم يحضر مؤنس المظفر ذلك اليوم. ~~وارتفعت زعقات الرجالة، فسمع بها نازوك، فأشفق أن يجري بينهم وبين أصحابه ~~فتنة وقتال، فتقدم إلى أصحابه، ms2785 وأمرهم أن لا يعرضوا لهم، ولا يقاتلوهم، ~~وزاد شغب الرجالة، وهجموا يريدون الصحن التسعيني، فلم يمنعهم أصحاب نازوك، ~~ودخل من كان على الشط بالسلاح، وقربت زعقاتهم من مجلس القاهر بالله، وعنده ~~أبو علي بن مقلة الوزير، ونازوك، وأبو الهيجاء بن همدان، فقال القاهر ~~لنازوك: اخرج إليهم فسكنهم، وطيب قلوبهم ! فخرج إليهم نازوك وهو مخمور، وقد ~~شرب طول ليلته، فلما رآه الرجالة تقدموا إليه ليشكوا حالهم إليه في معنى ~~أرزاقهم، فلما رآهم بأيديهم السيوف يقصدونه خافهم على نفسه فهرب، فطمعوا ~~فيه، فتبعوه، فانتهى به الهرب إلى باب كان هو سدة أمس، فأدركوه عنده، ~~فقتلوه عند ذلك الباب، وقتلوا قبله خادمه عجيبا، وصاحوا: أي مقتدر، يا ~~منصور ! فهرب كل من كان في الدار من الوزير، والحجاب، وسائر الطبقات وبقيت ~~الدار فارغة، وصلبوا نازوك وعجيبا بحيث يراهما من على شاطئ دجلة. ثم صار ~~الرجالة إلى دار مؤنس يصيحون، ويطالبونه بالمقتدر، وبادر الخدم فأغلقوا ~~أبواب دار الخليفة، وكانوا جميعهم خدم المقتدر، ومماليكه، وصنائعه، وأراد ~~أبو الهيجاء بن حمدان أن يخرج من الدار، فتعلق به القاهر وقال: أنا في ~~ذمامك؛ فقال: والله لا أسلمك أبدا؛ وأخذ بيد القاهر وقال: قم بنا نخرج ~~جميعا، وأدعو أصحابي وعشيرتي فيقاتلون معك ودونك. فقاما ليخرجا، فوجدا ~~الأبواب مغلقة، فتبعهما فائق وجه القصعة يمشي معهما، فأشرف القاهر من سطح، ~~فرأى كثرة الجمع، فنزل هو وابن حمدان وفائق، فقال ابن حمدان للقاهر، قف حتى ~~أعود إليك؛ ونزع سواده وثيابه، وأخذ جبة صوف لغلام هناك، فلبسها ومشى نحو ~~باب النوبى، فرآه مغلقا والناس من ورائه، فعاد إلى القاهر، وتأخر عنهما وجه ~~القصعة ومن معه من الخدم، فأمرهم وجه القصعة بقتلهما أخذا بثأر المقتدر وما ~~صنعا به، فعاد إليهما عشرة من الخدم بالسلاح، فعاد إليهم أبو الهيجاء وسيفه ~~بيده، ونزع الجبة الصوف، وأخذها بيده الأخرى، وحمل عليهم، فانجفلوا بين ~~يديه، وغشيهم، فرموه بالنشاب ضرورة، فعاد عنهم، وانفرد عنه القاهر ومشى إلى ~~آخر البستان فاختفى فيه. ودخل أبو الهيجاء إلى بيت من ساج، وتقدم ms2786 الخدم إلى ~~ذلك البيت، فخرج إليهم أبو الهيجاء، فولوا هاربين، ودخل إليهم بعض أكابر ~~الغلمان الحجرية، ومعه أسودان بسلاح، فقصدوا أبا الهيجاء، فخرج إليهم فرمي ~~بالسهام فسقط، فقصده بعضهم فضربه بالسيف فقطع يده اليمنى، وأخذ رأسه فحمله ~~بعضهم، ومشى وهو معه. وأما الرجالة فإنهم لما انتهوا إلى دار مؤنس وسمع ~~زعقاتهم قال: ما الذي تريدون ؟ فقيل له: نريد المقتدر؛ فأمر بتسليمه إليهم، ~~فلما قيل للمقتدر ليخرج خاف على نفسه أن تكون حيلة عليه، فامتنع، وحمل ~~وأخرج إليهم، فحمله الرجالة على رقابهم حتى أدخلوه دار الخلافة، فلما حصل ~~في الصحن التسعيني اطمأن وقعد، فسأل عن أخيه القاهر، وعن ابن حمدان، فقيل: ~~هما حيان؛ فكتب لهما أمانا بخطه، وأمر خادما بالسرعة بكتاب الأمان لئلا ~~يحدث على أبي الهيجاء حادث، فمضى بالخط إليه، فلقيه الخادم الآخر ومعه ~~رأسه، فعاد معه، فلما رآه المقتدر، وأخبره بقتله، قال: أنا لله وإنا إليه ~~راجعون ! من قتله ؟ فقال الخدم: ما نعرف قاتله؛ وعظم عليه قتله: وقال: ما ~~كان يدخل علي ويسليني، ويذهب عني الغم هذه الأيام غيره. PageV03P0429 # ثم أخذ القاهر وأحضر عند المقتدر، فاستدناه، فأجلسه عنده وقبل جبينه وقال ~~له: يا أخي قد علمت أنه لا ذنب لك، وأنك قهرت، ولو لقبوك بالمقهور لكان ~~أولى من القاهر؛ والقاهر يبكي ويقولك يا أمير المؤمنين ! نفسي، نفسي، اذكر ~~الرحم التي بيني وبينك ! فقال له المقتدر: وحق رسول الله لا جرى عليك سوء ~~مني أبدا، ولا وصل أحد إلى مكروهك وأنا حي ! فسكن، وأخرج رأس نازوك، ورأس ~~أبي الهيجاء، وشهرا، ونودي عليهما: هذا جزاء من عصى مولاه. وأما بني بن ~~نفيس فإنه كان من أشد القوم على المقتدر، فأتاه الخبر برجوعه إلى الخلافة، ~~فركب جوادا وهرب عن بغداد، وغير زيه، وسار حتى بلغ الموصل، وسار منها إلى ~~أرمينية، وسار حتى دخل القسطنطينية وتنصر. وهرب أبو السرايا نصر بن حمدان ~~أخو أبي الهيجاء إلى الموصل، وسكنت الفتنة، وأحضر المقتدر أبا علي بن مقلة، ~~وأعاده إلى وزارته، وكتب إلى البلاد بما تجدد ms2787 له، وأطلق للجند أرزاقهم ~~وزادهم، وباع ما في الخزائن من الأمتعة والجواهر، وأذن في بيع الأملاك من ~~الناس، فبيع ذلك بأرخص الأثمان، ليتم أعطيات الجند. وقد قيل إن مؤنسا ~~المظفر لم يكن مؤثرا لما جرى على المقتدر من لخلع، وإنما وافق الجماعة ~~مغلوبا على رأيه، ولعلمه أنه إن خالفهم لم ينتفع به المقتدر، ووافقهم ~~ليؤمنوه، وسعى مع الغلمان المصافية والحجرية، ووضع قوادهم على أن عملوا ما ~~عملوا، وأعادوا المقتدر إلى الخلافة، وكان هو قد قال للمقتدر، لما كان في ~~داره: ما تريدون أن نصنع ؟ فلهذا أمنه المقتدر، ولما حملوه إلى دار الخلافة ~~من دار مؤنس ورأى فيها كثرة الخلق والاختلاف عاد إلى دار مؤنس لثقته به، ~~واعتماده عليه، ولولا هوى مؤنس مع المقتدر لكان حضر عند القاهر مع الجماعة، ~~فإنه لم يكن معهم كما ذكرناه، ولكان أيضا قتل المقتدر لما طلب من داره ~~ليعاد إلى الخلافة. وأما القاهر فإن المقتدر حبسه عند والدته، فأحسنت إليه، ~~وأكرمته، وسعت عليه النفقة، واشترت له السراري والجواري للخدمة، وبالغت في ~~إكرامه والإحسان إليه بكل طريق. ### || AUT ذكر مسير القرامطة إلى مكة # ### || AUT وما فعلوه بأهلها وبالحجاج وأخذهم الحجر الأسود # حج بالناس في هذه السنة منصور الديلمي، وسار بهم من بغداد إلى مكة، ~~فسلموا في الطريق، فوافاهم أبو طاهر القرمطي بمكة يوم التروية، فنهب هو ~~وأصحابه أموال الحجاج، وقتلوهم حتى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه، وقلع ~~الحجر الأسود ونفذه إلى هجر، فخرج إليه ابن محلب، أمير مكة، في جماعة من ~~الأشراف، فسألوه في أموالهم، فلم يشفعهم، فقاتلوه، فقتلهم أجمعين، وقلع باب ~~البيت، وأصعد رجلا ليقلع الميزاب فسقط فمات، وطرح القتلى في بئر زمزم ودفن ~~الباقين في المسجد الحرام حيث قتلوا بغير كفن، ولا غسل، ولا صلي على أحد ~~منهم، وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكة. فلما بلغ ذلك ~~المهدي أبا محمد عبيدالله العلوي بأفريقية كتب إليه ينكر عليه ذلك، ويلومه، ~~ويلعنه، ويقيم عليه القيامة، ويقول: قد حققت على شيعتنا ودعاة ms2788 دولتنا اسم ~~الكفر والإلحاد بما فعلت، وإن لم ترد على أهل مكة وعلى الحجاج وغيرهم ما ~~أخذت منهم، وترد الحجر الأسود إلى مكانه، وترد كسوة الكعبة، فأنا بريء منك ~~في الدنيا والآخرة. فلما وصله هذا الكتاب أعاد الحجر الأسود على ما نذكره، ~~واستعاد ما أمكنه من الأموال من أهل مكة، فرده، وقال: إن الناس اقتسموا ~~كسوة الكعبة وأوال الحجاج، ولا أقدر على منعهم. ### || AUT ذكر خروج أبي زكرياء وإخوته بخراسان # في هذه السنة خرج أبو زكرياء يحيى، وأبو صالح منصور، وأبو إسحاق ~~إبراهيم، وأولاد أحمد بن إسماعيل الساماني، على أخيهم السعيد نصر ابن أحمد، ~~وقيل كان ذلك سنة ثماني عشرة وهو الصحيح. PageV03P0430 # وكان سبب ذلك أن أخاهم نصرا كان قد حبسهم في القهندز ببخارى، ووكل بهم من ~~يحفظهم، فتخلصوا منه؛ وكان سبب خلاصهم أن رجلا يعرف بأبي بكر الخباز ~~الأصبهاني كان يقول، إذا جرى ذكر السعيد نصر بن أحمد: أن له مني يوما طويلا ~~البلاء والعناء، فكان الناس يضحكون منه، فخرج السعيد إلى نيسابور، واستخلف ~~ببخارى أبا العباس الكوسج، وكانت وظيفة إخوته تحمل إليهم من عند أبي بكر ~~الخباز هذا وهم في السجن، فسعى لهم أبو بكر مع جماعة من أهل العسكر ~~ليخرجوهم، فأجابوه إلى ذلك، وأعلمهم ما سعى لهم فيه. فلما سار السعيد عن ~~بخارى تواعد هؤلاء للاجتماع بباب القهندز يوم جمعة، وكان الرسم أن لا يفتح ~~باب القهندز أيام الجمع إلا بعد العصر، فلما كان الخميس دخل أبو بكر الخباز ~~إلى القهندر قبل الجمعة التي اتعدوا الإجتماع فيها بيوم، فبات فيه، فلما ~~كان الغد، وهو الجمعة، جاء الخباز إلى باب القهندز، وأظهر للبواب زهدا ~~ودينا، وأعطاه خمسة دنانير ليفتح له الباب ليخرجه لئلا تفوته الصلاة، ففتح ~~له الباب، فصاح أبو بكر الخباز بمن وافقه على إخراجهم، وكانوا على الباب، ~~فأجابوه، وقبضوا على البواب، ودخلوا وأخرجوا يحيى، ومنصورا، وإبراهيم بني ~~أحمد بن إسماعيل من الحبس، مع جميع من فيه من الديلم، والعلويين، ~~والعيارين، فاجتمعوا، واجتمع إليهم من كان وافقهم ms2789 من العسكر، ورأسهم شروين ~~الجيلي وغيره من القواد. ثم إنهم عظمت شوكتهم، ونبهوا خزائن السعيد نصر بن ~~أحمد ودوره وقصوره، واختص يحيى بن أحمد أبا بكر الخباز وقدمه وقوده، وكان ~~السعيد إذ ذاك بنيسابور، وكان أبو بكر محمد بن المظفر، صاحب جيش خراسان، ~~بجرجان، فلما خرج يحيى وبلغ خبره السعيد، عاد من نيسابور إلى بخارى، وبلغ ~~الخبز إلى محمد بن المظفر، فراسل ما كان بن كالي، وصاهره، وولاه نيسابور، ~~وأمره بمنعها ممن يقصدها، فسار ما كان إليها، وكان السعيد قد سار من ~~نيسابور إلى بخارى، وكان يحيى وكل بالنهر أبا بكر الخباز، فأخذه السعيد ~~أسيرا، وعبر النهر إلى بخارى فبالغ في تعذيب الخباز، ثم ألقاه في التنور ~~الذي كان يخبز فيه، فاحترق. وسار يحيى من بخارى إلى سمرقند، ثم خرج منها ~~واجتاز بنواحي الصغانيان وبها أبو علي بن أبي بكر محمد بن المظفر، وسار ~~يحيى إلى ترمذ، فعبر النهر إلى بلخ وبها قراتكين، فوافقه قراتكين، وخرجا ~~إلى مرو، ولما ورد محمد بن المظفر بنيسابور كاتبه يحيى، واستماله، فأظهر له ~~محمد الميل إليه، ووعده المسير نحوه، ثم سار عن نيسابور، واستخلف بها ما ~~كان بن كالي، وأظهر أنه يريد مرو، ثم عدل عن الطريق نحو بوشنج وهراة مسرعا ~~في سيره واستولى عليهما. وسار محمد عن هراة نحو الصغانيان على طريق ~~غرشستان، فبلغ خبره يحيى فسير إلى طريقه عسكرا فلقيهم محمد فهزمهم وسار عن ~~غرشستان، واستمد ابنه أبا علي من الصغانيان، فأمده بجيش، وسار محمد بن ~~المظفر إلى بلخ، وبها منصور بن قراتكين، فالتقيا، واقتتلا قتالا شديدا، ~~فانهزم منصور إلى جوزجان، وسار محمد إلى الصغانيان، فاجتمع بولده، وكتب إلى ~~السعيد بخبره، فسره ذلك وولاه بلخ، وطخارستان واستقدمه فولاهما محمد ابنه ~~أبا علي أحمد، وأنفذه إليهما، ولحق محمد بالسعيد، فاجتمع به ببلخ رستاق، ~~وهو في أثر يحيى وهو بهراة. وكان يحيى قد سار إلى نيسابور، وبها ما كان بن ~~كالي، فمنعه عنها، ونزلوا عليها، فلم يظفروا بها، وكان مع يحيى محمد بن ~~إلياس، ms2790 فاستأمن إلى ما كان، واستأمن منصور وإبراهيم أخو يحيى إلى السعيد ~~نصر، فلما قارب السعيد هراة، وبها يحيى وقراتكين، وسارا عن هراة إلى بلخ، ~~فاحتال قراتكين ليصرف السعيد عن نفسه، فأنفذ يحيى من بلخ إلى بخارى، وأقام ~~هو ببلخ، فعطف السعيد إلى بخارى، فلما عبر النهر هرب يحيى من بخارى إلى ~~سمرقند، قم عاد من سمرقند ثانيا، فلم يعاونه قراتكين، فسار إلى نيسابور، ~~وبها محمد بن إلياس قد قوي أمره، وسار عنها ما كان إلى جرجان؛ ووافقه محمد ~~بن إلياس، وخطب له، وأقاموا بنيسابور. PageV03P0431 # وكان السعيد في أثر يحيى لا يمكنه من الاستقرار، فلما بلغهم خبر مجيء ~~السعيد إلى نيسابور تفرقوا، فخرج ابن إلياس إلى كرمان وأقام بها، وخرج ~~قراتكين ومعه يحيى إلى بست والرخج، فأقاما بها، ووصل نصر بن أحمد نيسابور ~~في سنة عشرين وثلاثمائة، فأنفذ إلى قراتكين، وولاه بلخ، وبذل الأمان ليحيى، ~~فجاء إليه، وزالت الفتنة، وانقطع الشر وكان قد دام هذه المدة كلها. وأقام ~~السعيد بنيسابور إلى أن حضر عنده يحيى، فأكرمه، وأحسن إليه، ثم مضى بها ~~لسبيله هو وأخوه أبو صالح منصور، فلما رأى أخوهما إبراهيم ذلك هرب من عند ~~السعيد إلى بغداد، ثم منها إلى الموصل، وسيأتي خبره إن شاء الله تعالى. ~~وأما قراتكين فإنه مات ببست، ونقل إلى أسبيجاب، فدفن بها في رباطه المعروف ~~برباط قراتكين، ولم يملك ضيعة قط، وكان يقول: ينبغي للجندي أن يصحبه كل ما ~~ملك أين سار، حتى لا يعتقله شيء. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، منتصف المحرم، وقعت فتنة بالموصل بين أصحاب الطعام وبين ~~أهل المربعة والبزازين، فظهر أصحاب الطعام عليهم أول النهار، فانضم ~~الأساكفة إلى أهل المربعة والبزازين فاستظهروا بهم، وقهروا أصحاب الطعام ~~وهزموهم وأحرقوا أسواقهم. وتتابعت الفتنة بعد هذه الحادثة واجترأ أهل الشر، ~~وتعاقد أصحاب الخلقان والأساكفة على أصحاب الطعام، واقتتلوا قتالا شديدا ~~دام بينهم، ثم ظفر أصحاب الطعام فهزموا الأساكفة ومن معهم، وأحرقوا سوقهم، ~~وقتلوا منهم، وركب أمير الموصل، وهو الحسن بن عبد الله ms2791 بن حمدان الذي لقب ~~بعد بناصر الدولة ليسكن الناس، فلم يسكنوا ولا كفوا، ثم دخل بينهم ناس من ~~العلماء وأهل الدين، فأصلحوا بينهم. وفيها وقعت فتنة عظيمة ببغداد بين ~~أصحاب أبي بكر المروزي الحنبلي وبين غيرهم من العامة، ودخل كثير من الجند ~~فيها؛ وسبب ذلك أن أصحاب المروزي قالوا في تفسير قوله تعالى: (عسى أن يبعثك ~~ربك مقاما محمودا) الاسراء:79؛ هو أن الله سبحانه يقعد النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، معه على العرش؛ وقالت الطائفة الأخرى: إنما هو الشفاعة، فوقعت ~~الفتنة واقتتلوا، فقتل بينهم قتلى كثيرة. نوفيها ضعفت الثغور الجزرية عن ~~دفع الروم عنهم، منها ملطية وميافارقين وآمد وأرزن وغيرها، وعزموا على طاعة ~~ملك الروم والتسليم إليه لعجز الخليفة المقتدر بالله عن نصرهم، وأرسلوا إلى ~~بغداد يستأذنون في التسليم، ويذكرون عجزهم، ويستمدون العساكر لتمنع عنهم، ~~فلم يحصلوا على فائدة، فعادوا. وفيها قلد القاضي أبو عمر محمد بن يوسف بن ~~يعقوب بن إسحاق ابن حماد بن زيد قضاء القضاة. وفيها قلد ابنا رائق شرطة ~~بغداد مكان نازوك. وفيها مات أحمد بن منيع، وكان مولده سنة أربع عشرة ~~ومائتين. وفيها أقر المقتدر بالله ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء ~~عبدالله بن حمدان على ما بيده من أعمال قردى وبازبدى، وعلى إقطاع أبيه ~~وضياعه. وفيها قلد نحرير الصغير أعمال الموصل، فسار إليها، فمات بها في هذه ~~السنة، ووليها بعده ناصر الدولة الحسن بن عبدالله بن حمدان في المحرم من ~~سنة ثماني عشرة وثلاثمائة. وفيها سار حاج العراق إلى مكة على طريق الشام ~~فوصلوا إلى الموصل أول شهر رمضان، ثم منها إلى الشام، لانقطاع الطريق بسبب ~~القرمطي، وكانت كسوة الكعبة مع ابن عبدوس الجهشياري لأنه كان من أصحاب ~~الوزير. وفيها، في شعبان، ظهر بالموصل خارجي يعرف بابن مطر، وقصد نصيبين، ~~فسار إليها ناصر الدولة بن حمدان، فقاتله، فأسره. وظهر فيها أيضا خارجي ~~اسمه محمد بن صالح بالبوازيج، فسار إليه أبو السرايا نصر بن حمدان، فأخذه ~~أيضا. وفيها التقى مفلح الساجي والدمستق، فاقتتلا، فانهزم الدمستق ms2792 ودخل ~~مفلح وراءه إلى بلاد الروم. وفيها، آخر ذي القعدة، انقض كوكب عظيم، وصار له ~~ضوء عظيم جدا. وفيها هبت ريح شديدة، وحملت رملا أحمر شديد الحمرة، فعم ~~جانبي بغداد، وامتلأت منه البيوت والدروب؛ يشبه رمل طريق مكة. وفيها توفي ~~أبو بكر أحمد بن الحسن بن الفرج بن سقير النجوي، كان عالما بمذهب الكوفيين، ~~وله فيه تصانيف. ### | AUT ثم دخلت سنة ثماني عشرة وثلاثمائة # ### || AUT ذكر هلاك الرجالة المصافية # PageV03P0432 # في هذه السنة، في المحرم، هلك الرجالة المصافية، وأخرجوا من بغداد، بعد ~~ما عظم شرهم، وقوي أمرهم. وكان سبب ذلك أنهم لما أعادوا المقتدر إلى ~~الخلافة، على ما ذكرناه، زاد إدلالهم واستطالتهم، وصاروا يقولون أشياء لا ~~يحتملها الخلفاء، منها أنهم يقولون: من أعان ظالما سلطه الله عليه، ومن ~~يصعد الحمار إلى السطح يقدر يحطه، وأن لم يفعل المقتدر معنا ما نستحقه، ~~قاتلناه بما يستحق، إلى غير ذلك. وكثر شغبهم ومطالبتهم، وأدخلوا في الأرزاق ~~أولادهم، وأهليهم، ومعارفهم، وأثبتوا أسماءهم، فصار لهم في الشهر مائة ألف ~~وثلاثون ألف دينار. واتفق أن شغب الفرسان في طلب أرزاقهم، فقيل لهم: إن بيت ~~المال فارغ وقد انصرف الأموال إلى الرجالة، فثار بهم الفرسان، فاقتتلوا، ~~فقتل من الفرسان جماعة، واحتج المقتدر بقتلهم على الرجالة، وأمر محمد بن ~~ياقوت فركب، وكان قد استعمل على الشرطة؛ فطرد الرجالة عن دار المقتدر، ~~ونودي فيهم بخروجهم عن بغداد، ومن أقام قبض عليه وحبس؛ وهدمت دور زعمائهم، ~~وقبضت أملاكهم، وظفر، بعد النداء، بجماعة منهم، فضربهم، وحلق لحاهم، وشهر ~~بهم. وهاج السودان تعصبا للرجالة، فركب محمد أيضا في الحجرية، وأوقع بهم، ~~وأحرق منازلهم، فاحترق فيها جماعة كثيرة منهم، ومن أولادهم، ومن نسائهم، ~~فخرجوا إلى واسط، واجتمع بها منهم جمع كثير، وتغلبوا عليها، وطرحوا عامل ~~الخليفة، فسار إليهم مؤنس، فأوقع بهم، وأكثر القتل فيهم، فلم تقم لهم بعدها راية. ### || AUT ذكر عزل ناصر الدولة بن حمدان عن الموصل وولاية عميه سعيد ونصر # في هذه السنة، في ربيع الأول، عزل ناصر الدولة الحسن بن عبدالله ms2793 بن ~~حمدان عن الموصل، ووليها عماه سعيد ونصر ابنا حمدان، وولي ناصر الدولة ديار ~~ربيعة، ونصيبين، وسنجار، والخابور، ورأس عين، ومعها، من ديار بكر، ~~ميافارقين وأرزن، ضمن ذلك بمال مبلغه معلوم، فسار إليها، ووصل سعيد إلى ~~الموصل في ربيع الآخر. ### || AUT ذكر عزل ابن مقلة # ### || AUT ووزارة سليمان بن الحسن # وفي هذه السنة عزل الوزير أبو علي محمد بن مقلة من وزارة الخليفة. وكان ~~سبب عزله أن المقتدر كان يتهمه بالميل إلى مؤنس المظفر، وكان المقتدر ~~مستوحشا من مؤنس، ويظهر له الجميل، فاتفق أن مؤنسا خرج إلى أوانا، وعكبرا، ~~فركب ابن مقلة إلى دار المقتدر آخر جمادى الأولى، فقبض عليه. وكان بين محمد ~~بن ياقوت وبين ابن مقلة عداوة، فأنفذ إلى داره بعد أن قبض عليه، وأحرقها ~~ليلا. وأراد المقتدر أن يستوزر الحسين بن القاسم بن عبدالله، وكان مؤنس قد ~~عاد فأنفذ إلى المقتدر مع علي بن عيسى يسأل أن يعاد ابن مقلة، فلم يجب ~~المقتدر إلى ذلك، وأراد قتل ابن مقلة، فرده عن ذلك، فسأل مؤنس أن لا يستوزر ~~الحسين، فتركه، واستوزر سليمان بن الحسن منتصف جمادى الأولى، وأمر المقتدر ~~بالله علي بن عيسى بالاطلاع على الدواوين، وأن لا ينفرد سليمان عنه بشيء، ~~وصودر أبو علي بن مقلة بمائتي ألف دينار، وكانت مدة وزارته سنتين وأربعة ~~أشهر وثلاثة أيام. ### || AUT ذكر القبض على أولاد البريدي # كان أولاد البريدي، وهم أبو عبدالله، وهم أبو عبدالله، وأبو يوسف، وأبو ~~الحسين، قد ضمنوا الأهواز، كما تقدم، فلما عزل الوزير ابن مقلة كتب المقتدر ~~بخط يده إلى أحمد بن نصر القشوري الحاجب يأمره بالقبض عليهم، ففعل، وأودعهم ~~عنده في داره. ففي بعض الأيام سمع ضجة عظيمة، وأصواتا هائلة، فسأل: ما ~~الخبر ؟ فقيل: إن الوزير قد كتب بإطلاق بني البريدي، وأنفذ إليه أبو ~~عبدالله كتابا مزورا يأمره فيه بإطلاقهم، وإعادتهم إلى أعمالهم، فقال لهم ~~أحمد: هذا كتاب الخليفة بخطه، يقول فيه: لا تطلقهم حتى يأتيك كتاب آخر ~~بخطي. ثم ظهر أن الكتاب مزور، ثم ms2794 أنفذ المقتدر فاستحضرهم إلى بغداد، ~~وصودروا على أربعمائة ألف دينار، وكان لا يطمع فيها منهم، وإنما طلب منهم ~~هذا القدر ليجيبوا إلى بعضه، فأجابوا إليه جميعه ليتخلصوا ويعودوا إلى عملهم. ### || AUT ذكر خروج صالح والأغر # PageV03P0433 # وفي هذه السنة، في جمادى الأولى، خرج خارجي من بجيلة، من أهل البوازيج، ~~اسمه صالح بن محمود، وعبر إلى البرية، واجتمع إليه جماعة من بني مالك، وسار ~~إلى سنجار فأخذ من أهلها مالا، فلقيه قوافل، فأخذ عشرها، وخطب بسنجار، فذكر ~~بأمر الله، وحذر، وأطال في هذا، ثم قال: نتولى الشيخين، ونبرأ من الخبيثين، ~~ولا نرى المسح على الخفين. وسار منها إلى الشجاجية، من أرض الموصل، فطالب ~~أهلها وأهل أعمال الفرج بالعشر، وأقام أياما، وانحدر إلى الحديثة، تحت ~~الموصل، فطالب المسمين بزكاة أموالهم، والنصارى بجزية رؤوسهم، فجرى بينهم ~~حرب، فقتل من أصحابه جماعة، ومنعوه من دخولها، فأحرق لهم ست عروب، وعبر إلى ~~الجانب الغربي، وأسر أهل الحديثة ابنا لصالح اسمه محمد، فأخذه نصر بن حمدان ~~بن حمدون، وهو الأمير بالموصل، فأدخله إليها، ثم سار صالح إلى السن، فصالحه ~~أهلها على مال أخذه منهم، وانصرف إلى البوازيج، وسار منها إلى تل خوسا، ~~قرية من أعمال الموصل عند الزاب الأعلى، وكاتب أهل الموصل في أمر ولده، ~~وتهددهم أن لم يردوه إليه، ثم رحل إلى السلامية، فسار إليه نصر بن حمدان ~~لخمس خلون من شعبان من هذه السنة، ففارقها صالح إلى البوازيج، فطلبه نصر، ~~فأدركه بها، فحاربه حربا شديدة قتل فيها من رجال صالح نحو مائة رجل، وقتل ~~من أصحاب نصر جماعة، وأسر صالح ومعه ابنان له، وأدخلوا إلى الموصل، وحملوا ~~إلى بغداد فأدخلوا مشهورين. وفيها، في شعبان، خرد بأرض الموصل خارجي اسمه ~~الأغر بن مطرة الثعلبي، وكان يذكر أنه من ولد عتاب بن كلثوم التغلبي أخي ~~عمرو بن كلثوم الشاعر، وكان خروجه بنواحي رأس العين، وقصد كفر توثا وقد ~~اجتمع معه نحو ألفي رجل، فدخلها ونهبها وقتل فيها. وسار إلى نصيبين، فنزل ~~بالقرب منها، فخرج إليه وإليها ومعه ms2795 جمع من الجند ومن العامة، فقاتلوه، ~~فقتل الشاري منهم مائة رجل، وأسر ألف رجل، فباعهم نفوسهم، وصالحه أهل ~~نصيبين على أربعمائة ألف درهم. وبلغ خبره ناصر الدولة بن حمدان، وهو أمير ~~ديار ربيعة، فسير إليه جيشا، فقاتلوه، فظفروا به وأسروه، وسيره ناتصر ~~الدولة إلى بغداد. ### || AUT ذكر مخالفة جعفر بن أبي جعفر # كان جعفر بن أبي جعفر بن أبي داود مقيما بالختل، واليا عليها للسامانية، ~~فبدت منه أمور نسبت بسببها إلى الإستعصاء، فكوتب أبو علي أحمد بن محمد بن ~~المظفر بقصده، فسار إليه، وحاربه، فقبض عليه، وحمله إلى بخارى، وذلك قبل ~~مخالفة أبي زكرياء يحيى، فلما حمل إلى بخارى حبس فيها، فلما خالف أبو ~~زكرياء يحيى أخرجه من الحبس وصحبه، ثم استأذنه في العود إلى ولاية الختل ~~وجمع الجيوش له بها، فأذن له فسار إليها، وأقام بها، وتمسك بطاعة السعيد ~~نصر بن أحمد، فصلح حاله، وذلك سنة ثماني عشرة وثلاثمائة. الختل بالخاء ~~المعجمة والتاء فوقها نقطتان والخاء مضمومة والتاء مشددة مفتوحة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة شغب الفرسان، وتهددوا بخلع الطاعة، فأحضر المقتدر قوادهم ~~بين يديه، ووعدهم الجميل، وأن يطلق أرزاقهم في الشهر المقبل، فسكنوا، ثم ~~شغب الرجالة، فأطلقت أرزاقهم. وفيها خلع المقتدر على ابنه هارون، وركب معه ~~الوزير، والجيش، وأعطاه ولاية فارس وكرمان وسجستان ومكران. وفيها أيضا خلع ~~على ابنه أبي العباس، وأقطعه بلاد الغرب، ومصر، والشام، وجعل مؤنسا المظفر ~~يخلفه فيها. وفيها صرف ابنا رائق عن الشرطة، وقلدها أبو بكر محمد بن ياقوت. ~~وفيها وقعت فتنة بنصيبين بين أهل باب الروم والباب الشرقي، واقتتلوا قتالا ~~شديدا، وأدخلوا إليهم قوما من العرب والسواد، فقتل بينهم جماعة، وأحرقت ~~المنازل والحوانيت، ونهبت الأموال، ونزل بهم قافلة عظيمة تريد الشام، ~~فنهبوها. وفيها توفي يحيى بن محمد بن صاعد البغدادي وكان عمره تسعين سنة، ~~وهو من فضلاء المحدثين، والقاضي أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي ~~الفقيه الحنفي، وكان عالما بالأدب ونحو الكوفيين، وله شعر حسن. ### | AUT ثم دخلت سنة ms2796 تسع عشرة وثلاثمائة # ### || AUT ذكر تجدد الوحشة بين مؤنس والمقتدر # في هذه السنة تجددت الوحشة بين مؤنس المظفر وبين المقتدر بالله. ~~PageV03P0434 # وكان سببها أن محمد بن ياقوت كان منحرفا على الوزير سليمان، ومائلا إلى ~~الحسين بن القاسم، وكان مؤنس يميل إلى سليمان، بسبب علي بن عيسى، وثقتهم ~~به، وقوي أمر محمد بن ياقوت، وقلد، مع الشرطة، الحسبة، وضم إليه رجالا، ~~فقوي بهم، فعظم ذلك على مؤنس، وسأل المقتدر صرف محمد عن الحسبة، وقال: هذا ~~شغل لا يجوز أن يتولاه غير القضاة والعدول؛ فأجابه المقتدر. وجمع مؤنس إليه ~~أصحابه، فلما فعل ذلك جمع ياقوت وابنه الرجال في دار السلطان، وفي دار محمد ~~بن ياقوت، وقيل لمؤنس: إن محمد بن ياقوت قد عزم على كبس دارك ليلا؛ ولم يزل ~~به أصحابه حتى أخرجوه إلى باب الشماسية فضربوا مضاربهم هناك، وطالب المقتدر ~~بصرف ياقوت عن الحجبة وصرف ابنه عن الشرطة، وإبعادهما عن الحضرة، فأخرجا ~~إلى المدائن. وقلد المقتدر ياقوتا أعمال فارس وكرمان، وقلد ابنه المظفر بن ~~ياقوت أصبهان، وقلد أبا بكر محمد بن ياقوت سجستان، وتقلد ابنا رائق إبراهيم ~~ومحمد مكان ياقوت وولده الحجبة والشرطة، وأقام ياقوت بشيراز مدة. وكان علي ~~بن خلف بن طياب ضامنا أموال الضياع والخراج بها، فتظافرا، وتعاقدا، وقطعا ~~الحمل على المقتدر، إلى أن ملك علي بن بويه الديلمي بلاد فارس سنة اثنتين ~~وعشرين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر قبض الوزير سليمان # ### || AUT ووزارة أبي القاسم الكلوذاني # وفي هذه السنة قبض المقتدر على وزيره سليمان بن الحسن. وكان سبب ذلك أن ~~سليمان ضاقت الأموال عليه إضافة شديدة، وكثرت عليه المطالبات، ووقفت وظائف ~~السلطان، واتصلت رقاع من يرشح نفسه للوزارة بالسعاية به، والضمان بالقيام ~~بالوظائف، وأرزاق الجند، وغير ذلك، فقبض عليه، ونقله إلى داره. وكان ~~المقتدر كثير الشهوة لتقليد الحسين بن القاسم الوزارة، فامتنع مؤنس من ذلك، ~~وأشار بوزارة أبي القاسم الكلوذاني، فاضطر المقتدر إلى ذلك، فاستوزره لثلاث ~~بقين من رجب، فكانت وزارة سليمان سنة واحدة وشهرين، وكانت وزارته غير ~~متمكنة أيضا، ms2797 فإنه كان علي بن عيسى معه على الدواوين وسائر الأمور، وأفرد ~~علي بن عيسى عنه بالنظر في المظالم، واستعمل على ديوان السواد غيره، ~~فانقطعت مواد الوزير، فإنه كان يقيم من قبله من يشتري توقيعات أرزاق جماعة ~~لا يمكنهم مفارقة ما هم عليه بصدده من الخدمة، فكان يعطيهم نصف المبلغ، ~~وكذلك إدرارات الفقهاء وأرباب البيوت إلى غير ذلك. وكان أبو بكر بن قرابة ~~منتميا إلى مفلح الخادم، فأوصله إلى المقتدر، فذكر له أنه يعرف وجوه مرافق ~~الوزراء، فاستعمله عليها ليصلحها للخليفة، فسعى في تحصيل ذلك من العمال، ~~والضمان، والتناء وغيرهم، فأخلق بذلك الخلافة، وفضح الديوان، ووقفت أحوال ~~الناس، فإن الوزراء وأرباب الولايات لا يقومون بأشغال الرعايا والتعب معهم ~~إلا لرفق يحصل لهم، وليس لهم من الدين ما يحملهم على النظر في أحوالهم، ~~فإنه بعيد منهم، فإذا منعوا تلك المرافق تركوا الناس يضطربون، ولا يجدون من ~~يأخذ بأيديهم، ولا يقضي حوائجهم، فإني قد رأيت هذا عيانا في زماننا هذا، ~~وفات به من المصالح العامة والخاصة ما لا يحصى. ### || AUT ذكر الحرب بين هارون وعسكر مرداويج # قد ذكرنا فيما تقدم قتل أسفار وملك مرداويج، وأنه استولى على بلد الجبل ~~والري وغيرهما، وأقبلت الديلم إليه من كل ناحية لبذله وإحسانه إلى جنده، ~~فعظمت جيوشه، وكثرت عساكره، وكثر الخرج عليه، فلم يكفه ما في يده، ففرق ~~نوابه في النواحي المجاورة له. فكان ممن سيره إلى همذان ابن أخت له في جيش ~~كثير، وكان بها أبو عبد الله محمد بن خلف في عسكر الخليفة، فتحاربوا حروبا ~~كثيرة، وأعان أهل همذان عسكر الخليفة، فظفروا بالديلم، وقتل ابن أخت ~~مرداويج، فسار مرداويج من الري إلى همذان، فلما سمع أصحاب الخليفة بمسيره ~~انهزموا من همذان، فجاء إلى همذان، ونزل على باب الأسد، فتحصن منه أهلها، ~~فقاتلهم، فظفر بهم وقتل منهم خلقا كثيرا، وأحرق وسبى، ثم رفع السيف عنهم ~~وأمن بقيتهم. PageV03P0435 # فأنفذ المقتدر هارون بن غريب الخال في عساكر كثيرة إلى محاربته، فالتقوا ~~بنواحي همذان، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم هارون ms2798 وعسكر الخلية، واستولى ~~مرداويج على بلاد الجبل جميعها، وما وراء همذان، وسير قائدا كبيرا من ~~أصحابه يعرف بابن علان القزويني إلى الدينور، ففتحها بالسيف، وقتل كثيرا من ~~أهلها، وبلغت عساكره إلى نواحي حلوان، فغنمت، ونهبت، وقتلت، وسبت الأولاد ~~والنساء، وعادوا إليه. ### || AUT ذكر ما فعله لشكري من المخالفة # كان لشكري الديلمي من أصحاب أسفار، واستأمن إلى الخليفة، فلما انهزم ~~هارون بن غريب من مرداويج سار معه إلى قرميسين، وأقام هارون بها، واستمد ~~المقتدر ليعاود محاربة مرداويج وسير هارون لشكري هذا إلى نهاوند لحمل مال ~~بها إليه، فلما صار لشكري بنهاوند، ورأى غنى أهلها طمع فيهم، وصادرهم على ~~ثلاثة آلاف ألف درهم، واستخرجها في مدة أسبوع، وجند بها جندا، ثم مضى إلى ~~أصبهان هاربا من هارون في الجند الذين انضموا إليه في جمادى الآخرة. وكان ~~الوالي على أصبهان حينئذ أحمد بن كيغلغ، وذلك قبل استيلاء مرداويج عليها، ~~فخرج إليه أحمد فحاربه، فانهزم أحمد هزيمة قبيحة، وملك لشكري أصبهان، ودخل ~~أصحابه إليها، فنزلوا في الدور والخانات وغيرها ولم يدخل لكري معهم؛ ولما ~~انهزم أحمد نجا إلى بعض قرى أصبهان في ثلاثين فارسا، وركب لشكري يطوف بسور ~~أصبهان من ظاهره، فنظر إلى أحمد في جماعته، فسأل عنه فقيل: لا شك أنه من ~~أصحاب أحمد ابن كيغلغ، فسار فيمن معه من أصحابه نحوهم، وكانوا عدة يسيرة، ~~فلما قرب منهم تعارفوا، فاقتتلوا، فقتل لشكري، قتله أحمد بن كيغلغ، ضربه ~~بالسيف على رأسهن فقد المغفر والخوذة، ونزل السيف حتى خالط دماغه، فسقط ~~ميتا. وكان عمر أحمد إذ ذاك قد جاوز السبعين؛ فلما قتل لشكري انهزم من معه، ~~فدخلوا أصبهان، وأعلموا أصحابهم، فهربوا على وجوههم، وتركوا أثقالهم وأكثر ~~رحالهم، ودخل أحمد إلى أصبهان، وكان هذا قبل استيلاء مرداويج على أصبهان؛ ~~وكان هذا من الفتح الظريف، وكان جزاؤه أن صرف عن أصبهان، وولي عليها المظفر بن ياقوت. ### || AUT ذكر ملك مرداويج أصبهان # ثم أنفذ مرداويج طائفة أخرى إلى أصبهان، فملكوها واستولوا عليها، وبنوا ~~له فيها مساكن أحمد بن ms2799 عبد العزيز بن أبي دلف العجلي، والبساتين، فسار ~~مرداويج إليها فنزلها وهو في أربعين ألفا، وقيل خمسين ألفا، وأرسل جمعا آخر ~~إلى الأهواز، فاستولوا عليها وعلى خوزستان، وجبوا أموال هذه البلاد ~~والنواحي، وقسمها في أصحابه، وجمع منها الكثير فاذخره. ثم إنه أرسل إلى ~~المقتدر رسولا يقرر على نفسه مالا على هذه البلاد كلها، ونزل للمقتدر عن ~~همذان وماه الكوفة، فأجابه المقتدر إلى ذلك، وقوطع على مائتي ألف دينار كل سنة. ### || AUT ذكر عزل الكلوذاني ووزارة الحسين بن القاسم # في هذه السنة عزل أبو القاسم الكلوذاني عن وزارة الخليفة ووزر الحسين ~~ابن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب. وكان سبب ذلك أنه كان ببغداد ~~إنسان يعرف بالدانيالي، وكان زراقا، ذكيا محتالا، وكان يعتق الكاغد، ويكتب ~~فيه بخطة ما يشبه الخط العتيق، ويذكر فيه إشارات ورموزا يودعها أسماء أقوام ~~من أرباب الدولة، فيحصل له بذلك رفق كثير. فمن جملة ما فعله أنه وضع في ~~جملة كتاب: ميم ميم ميم، يكون منه كذا وكذا، وأحضره عند مفلح، وقال: هذا ~~كناية عنك، فإنك مفلح مولى المقتدى، وذكر له علامات تدل عليه، فأغناه، ~~فتوصل الحسين بن القاسم معه، حتى جعل اسمه في كتاب وضعه، وعتقه، وذكر فيه ~~علامة وجهه، وما فيه من الآثار، ويقول إنه يزر للخليفة الثامن عشر من خلفاء ~~بني العباس، وتستقيم الأمور على يديه، ويقهر الأعادي، وتتعمر الدنيا في ~~أيامه، وجعل هذا كله في جملة كتاب ذكر فيه حوادث قد وقعت، وأشياء لم تقع ~~بعد، ونسب ذلك إلى دانيال، وعتق الكتاب وأخذه وقرأه على مفلح، فلما رأى ذلك ~~أخذ الكتاب وأحضره عنده المقتدر وقال له: أتعرف في الكتاب من هو بهذه الصفة ~~؟ فقال: ما أعرفه إلا الحسين بن القاسم؛ فقال: صدقت وإن قلبي ليميل إليه، ~~فإن جاءك منه رسول برقعة فاعرضها علي، واكتم حاله ولا تطلع على أمره أحدا. ~~PageV03P0436 # وخرج مفلح إلى الدانيالي فسأله: هل تعرف أحدا من الكتاب بهذه الصفة ؟ ~~فقال: لا أعرف أحدا؛ قال: فمن أين وصل إليك ms2800 هذا الكتاب ؟ فقال: من أبي، وهو ~~ورثه من آبائه، وهو من ملاحم دانيال، عليه السلام؛ فأعاد ذلك على المقتدر، ~~فقبله، فعرف الدانيالي ذلك الحسين بن القاسم، فلما أعلمه كتب رقعة إلى ~~مفلح، فأوصلها إلى المقتدر، ووعده الجميل، وأمره بطلب الوزارة وإصلاح مؤنس ~~الخادم، فكان ذلك من أعظم الأسباب في وزارته مع كثرة الكارهين له. ثم اتفق ~~أن الكلوذاني عمل حسبة بما يحتاج إليه من النفقات، وعليها خط أصحاب ~~الديوان، فبقي محتاجا إلى سبعمائة ألف دينار، وعرضها على المقتدر، وقال: ~~ليس لهذه جهة إلا ما يطلقه أمير المؤمنين لأنفقه، فعظم ذلك على المقتدر. ~~وكتب الحسين بن القاسم لما بلغه ذلك يضمن جميع النفقات، ولا يطالبه بشيء من ~~بيت المال، وضمن أنه يستخرج سوى ذلك ألف ألف دينار يكون في بيت المال، ~~فعرضت رقعته على الكلوذاني فاستقال، وأذن في وزارة الحسين، ومضى الحسين إلى ~~بليق، وضمن له مالا ليصلح له قلب مؤنس، ففعل، فعزل الكلوذاني في رمضان، ~~وتولى الحسين الوزارة لليلتين بقيتا من رمضان أيضا، وكانت ولاية الكلوذاني ~~شهرين وثلاثة أيام، واختص بالحسين بنو البريدي وابن قرابة، وشرط أن لا يطلع ~~معه علي بن عيسى، فأجيب إلى ذلك، وشرع في إخراجه من بغداد، فأجيب إلى ذلك، ~~فأخرج إلى الصافية. ### || AUT ذكر تأكد الوحشة بين مؤنس والمقتدر # في هذه السنة، في ذي الحجة، تجددت الوحشة بين مؤنس والمقتدر، حتى آل ذلك ~~إلى قتل المقتدر. وكان سببها ما ذكرنا أولا في غير موضع، فلما كان الآن بلغ ~~مؤنسا أن الوزير الحسين بن القاسم قد وافق جماعة من القواد في التدبير ~~عليه، فتنكر له مؤنس، وبلغ الحسين أن مؤنسا قد تنكر له، وأنه يريد أن يكبس ~~داره ليلا ويقبض عليه، فتنقل في عدة مواضع، وكان لا يحضر داره إلا بكرة، ثم ~~إنه انتقل إلى داره الخلافة، فطلب مؤنس من المقتدر عزل الحسين ومصادرته، ~~فأجاب إلى عزله ولم يصادره، وأمر الحسين بلزوم بيته، فلم يقنع مؤنس بذلك ~~فبقي في وزارته. وأوقع الحسين عند المقتدر أن مؤنسا ms2801 يريد أخذ ولده أبي ~~العباس، وهو الراضي، من داره بالمخرم، والمسير به إلى الشام، والبيعة له، ~~فرده المقتدر إلى دار الخلافة، فعلم ذلك أبو العباس؛ فلما أفضت الخلافة ~~إليه فعل بالحسين ما نذكره. وكتب الحسن إلى هارون، وهو بدير العاقول، بعد ~~انهزامه من مرداويج، ليتقدمه إلى بغداد، وكتب إلى محمد بن ياقوت، وهو ~~بالأهواز، يأمره بالإسراع إلى بغداد، فزاد استشعار مؤنس، وصح عنده أن ~~الحسين يسعى في التدبير عليه، وسنذكر تمام أمره سنة عشرين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر الحروب بين المسلمين والروم # في هذه السنة، في ربيع الأول، غزا ثمل والي طرسوس بلاد الروم، فعبر ~~نهرا، ونزل عليهم ثلج إلى صدور الخيل، وأتاهم جمع كثير من الروم، فواقعوهم، ~~فنصر الله المسلمين، فقتلوا من الروم ستمائة، وأسروا نحوا من ثلاثة آلاف، ~~وغنموا من الذهب والفضة والديباج وغيره شيئا كثيرا. وفيها في رجب عاد ثمل ~~إلى طرسوس، ودخل بلاد الروم صائفة في جمع كثير من الفارس والراجل، فبلغوا ~~عمورية، وكان قد تجمع إليها كثير من الروم، ففارقوها لما سمعوا خبر ثمل، ~~ودخلها المسلمون، فوجدوا فيها من الأمتعة والطعام شيئا فأخذوه، وأحرقوا ما ~~كانوا عمروه منها، وأوغلوا في بلاد الروم ينهبون، ويقتلون ويخربون، حتى ~~بلغوا أنقرة، وهي التي تسمى الآن أنكورية، وعادوا سالمين لم يلقوا كيدا، ~~فبلغت قيمة السبي مائة ألف دينار وستة وثلاثين ألف دينار، وكان وصولهم إلى ~~طرسوس آخر رمضان. PageV03P0437 # وفيها كاتب ابن الديراني وغيره من الأرمن، وهم بأطراف أرمينية، الروم، ~~وحثوهم على قصد بلاد الإسلام، ووعدوهم النصرة، فسارت الروم في خلق كثير، ~~فخربوا بزكرى وبلاد خلاط وما جاورها، وقتل من المسلمين خلق كثير، وأسروا ~~كثيرا منهم، فبلغ خبرهم مفلحا، غلام يوسف بن أبي الساج، وهو والي أذربيجان، ~~فسار في عسكر كبير، وتبعه كثير من المتطوعة إلى أرمينية، فوصلها في رمضان، ~~وقصد بلد ابن الديراني ومن وافقه لحربه، وقتل أهله، ونهب أموالهم، وتحصن ~~ابن الديراني بقلعة له، وبالغ الناس في كثرة القتلى من الأرمن، حتى قيل ~~إنهم كانوا مائة ألف قتيل، والله ms2802 أعلم. وسارت عساكر الروم إلى سميساط ~~فحصروها، فاستصرخ أهلها بسعيد بن حمدان، وكان المقتدر قد ولاه الموصل وديار ~~ربيعة، وشرط عليه غزو الروم، وأن يستنقذ ملطية منهم، وكان أهلها قد ضعفوا، ~~فصالحوا الروم، وسلموا مفاتيح البلد إليهم، فحكموا على المسلمين، فلما جاء ~~رسول أهل سميساط إلى سعيد بن حمدان تجهز وسار إليهم مسرعا، فوصل وقد كاد ~~الروم يفتحونها، فلما قاربهم هربوا منه، وسار منها إلى ملطية وبها جمع من ~~الروم ومن عسكر مليح الأرمني ومعهم بني بن نفيس، صاحب المقتدر، وكان قد ~~تنصر، وهو مع الروم، فلما أحسوا بإقبال سعيد خرجوا منها، وخافوا أن يأتيهم ~~سعيد في عسكره من خارج المدينة، ويثور أهلها بهم فيهلكوا، ففارقوها. ودخلها ~~سعيد ثم استخلف عليها أميرا، وعاد عنها، فدخل بلد الروم غازيا في شوال، ~~وقدم بين يديه سريتين فقتلتا من الروم خلقا كثيرا قبل دخوله إليها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في شوال، جاء إلى تكريت سيل كبير من المطر نزل في البر، ~~فغرق منها أربعمائة دار ودكان، وارتفع الماء في أسواقها أربعة عشر شبرا، ~~وغرق خلق كثير من الناس ودفن المسلمون والنصارى مجتمعين لا يعرف بعضهم من ~~بعض. وفيها هاجت بالموصل ريح شديد فيها حمرة شديدة، ثم اسودت حتى لا يعرف ~~الإنسان صاحبه، وظن الناس أن القيامة قد قامت، ثم جاء الله تعالى بمطر فكشف ~~ذلك. وفيها توفي أبو القاسم عبدالله بن أحمد بن محمود البلخي في شعبان، وهو ~~من متكلمي المعتزلة البغداديين. ### | AUT ثم دخلت سنة عشرين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر مسير مؤنس إلى الموصل # في هذه السنة، في المحرم، سار مؤنس المظفر إلى الموصل مغاضبا للمقتدر. ~~وسبب مسيره أنه لما صح عنده إرسال الوزير الحسين بن القاسم إلى هارون ابن ~~غريب ومحمد بن ياقوت يستحضرهما، زاد استيحاشه، ثم سمع بأن الحسين قد جمع ~~الرجال والغلمان الحجرية في دار الخليفة، وقد اتفق فيهم، وأن هارون بن غريب ~~قد قرب من بغداد، فأظهر الغضب، وسار نحو الموصل ووجه خادمه بشرى برسالة إلى ms2803 ~~المقتدر، فسأله الحسين عن الرسالة، فقال: لا أذكرها إلا لأمير المؤمنين؛ ~~فأنفذ إليه المقتدر يأمره بذكر ما معه من الرسالة للوزرن فامتنع، وقال: ما ~~أمرني صاحبي بهذا؛ فسبه الوزير، وشتم صاحبه، وأمر بضربه، وصادره بثلاثمائة ~~ألف دينار، وأخذ خطه بها، وحبسه ونهب داره. فلما بلغ مؤنسا ما جرى على ~~خادمه، وهو ينتظر أن يطيب المقتدر قلبه، ويعيده، فلما علم ذلك سار نحو ~~الموصل ومعه جميع قواده، فكتب الحسين إلى القواد والغلمان يأمرهم بالرجوع ~~إلى بغداد، فعاد جماعة، وسار مؤنس نحو الموصل في أصحابه ومماليكه، ومعه من ~~الساجية ثماني مائة رجل، وتقدم الوزير بقبض إقطاع مؤنس وأملاكه وأملاك من ~~معه، وضرب اسمه على الدينار والدرهم، وتمكن من الوزارة، وولى وعزل. وكان ~~فيمن تولى أبو يوسف يعقوب بن محمد البريدي، ولاه الوزر البصرة وجميع ~~أعمالها بمبلغ لا يفي بالنفقات على البصرة وما يتعلق بها، بل فضل لأبي يوسف ~~مقدار ثلاثين ألف دينار أحاله الوزير بها، فلما علم ذلك الفضل بن جعفر بن ~~محمد بن الفرات استدرك على أبي يوسف، وأظهر له الغلط في الضمان، وأنه لا ~~يمضيه، فأجاب إلى أن يقوم بنفقات البصرة، ويحمل إلى بيت المال كل سنة ~~ثمانين ألف دينار، وانتهى ذلك إلى المقتدر، فحسن موقعه عنده، فقصده الوزير، ~~فاستتر، وسعى بالوزير إلى المقتدر إلى أن أفسد حاله. ### || AUT ذكر عزل الحسين عن الوزارة # PageV03P0438 # وفيها عزل الحسين بن القاسم عن الوزارة. وسبب ذلك أنه ضاقت عليه الأموال، ~~وكثرت الإخراجات، فاستسلف في هذه السنة جملة وافرة أخرجها في سنة تسع عشرة، ~~فأنهى هارون بن غريب ذلك إلى المقتدر، فرتب معه الخصيبي، فلما تولى معه نظر ~~في أعماله، فرآه قد عمل حسبة إلى المقتدر ليس فيها عليه وجه، وموه وأظهر ~~ذلك للمقتدر، فأمر بجمع الكتاب وكشف الحال، فحضروا، واعترفوا بصدق الخصيبي ~~بذلك، وقابلوا الوزير بذلك، فقبض عليه في شهر ربيع الآخر، وكانت وزارته ~~سبعة أشهر، واستوزر المقتدر أبا الفتح الفضل بن جعفر، وسلم إليه الحسين، ~~فلم يؤاخذه بإساءته. ### || AUT ذكر استيلاء مؤنس ms2804 على الموصل # قد ذكرنا مسير مؤنس إلى الموصل فلما سمع الحسين الوزير بمسيره كتب إلى ~~سعيد وداود ابني حمدان، وإلى ابن أخيهما ناصر الدولة الحسن بن عبد الله ابن ~~حمدان، يأمرهم بمحاربة مؤنس، وصده عن الموصل. وكان مؤنس كتب في طريقه إلى ~~رؤساء العرب يستدعيهم، ويبذل لهم الأموال والخلع، ويقول لهم: إن الخليفة قد ~~ولاه الموصل وديار ربيعة. واجتمع بنو حمدان على محاربة مؤنس، إلا داود بن ~~حمدان فإنه امتنع من ذلك لإحسان مؤنس إليه، فإنه كان قد أخذه بعد أبيه، ~~ورباه في حجره، أحسن إليه إحسانا عظيما، فلما امتنع من محاربته لم يزل به ~~إخوته حتى وافقهم على ذلك، وذكروا له إساءة الحسين وأبي الهيجاء ابني حمدان ~~إلى المقتدر مرة بعد مرة، وأنهم يريدون أن يغسلوا تلك السيئة، ولما أجابهم ~~قال لهم: والله إنكم لتحملونني على البغي وكفران الإحسان، وما آمن أن ~~يجيئني سهم عائر فيقع في نحري فيقتلني؛ فلما التقوا أتاه سهم كما وصف ~~فقتله. وكان مؤنس إذا قيل له: إن داود عازم على قتالك، ينكره ويقول: كيف ~~يقاتلني وقد أخذته طفلا وربيته في حجري ! ولما قرب مؤنس من الموصل كان في ~~ثمانمائة فارس، واجتمع بنو حمدان في ثلاثين ألفا، والتقوا واقتتلوا، فانهزم ~~بنو حمدان، ولم يقتل منهم غير داود، وكان يلقب بالمجفجف وفيه يقول بعض ~~الشعراء وقد هجا أميرا: لو كنت في ألف ألف كلهم بطل ... مثل المجفجف داود ~~بن حمدان وتحتك الريح تجري حيث تأمرها، ... وفي يمينك سيف غير خوان لكنت ~~أول فرار إلى عدن ... إذا تحرك سيف من خراسان وكان داود هذا من أشجع الناس، ~~ودخل مؤنس الموصل ثالث صفر، واستولى على أموال بني حمدان وديارهم، فخرج ~~إليه كثير من العساكر من بغداد، والشام، ومصر، من أصناف الناس لإحسانه الذي ~~كان إليهم، وعاد إليه ناصر الدولة بن حمدان، فصار معه، وأقام بالموصل تسعة ~~أعر، وعزم على الانحدار إلى بغداد. ### || AUT ذكر قتل المقتدر # لما اجتمعت العساكر على مؤنس بالموصل قالوا له: اذهب بنا إلى الخليفة، ms2805 ~~فإنا أنصفنا، وأجرى أرزاقنا، وإلا قاتلناه؛ فانحدر مؤنس من الموصل في شوال، ~~وبلغ خبره جند بغداد، فشغبوا وطلبوا أرزاقهم، ففرق المقتدر فيهم أموالا ~~كثيرة، إلا أنه لم يسعهم، وأنفذ أبا العلاء سعيد بن حمدان وصافيا البصري في ~~خيل عظيمة إلى سر من رأى، وأنفذ أبا بكر محمد بن ياقوت في ألفي فارس، ومعه ~~الغلمان الحجرية، إلى المعشوق. فلما وصل مؤنس إلى تكريت أنفذ طلائعه، فلما ~~قربوا من المعشوق جعل العسكر الذين مع ابن ياقوت يتسللون ويهربون إلى ~~بغداد، فلما رأى ذلك رجع إلى عكبرا، وسار مؤنس، فتأخر ابن ياقوت وعسكره، ~~وعادوا إلى بغداد، فنزل مؤنس بباب الشماسية ونزل ابن ياقوت وغيره مقابلهم، ~~واجتهد المقتدر بابن خاله هارون بن غريب ليخرج، فلم يفعل، وقال: أخاف من ~~عسكري، فإن بعضهم أصحاب مؤنس، وبعضهم قد انهزم أمس من مرداويج، فأخاف أن ~~يسلموني وينهزموا عني؛ فأنفذ إليه الوزير، فلم يزل به حتى أخرجه، وأشاروا ~~على المقتدر بإخراج المال منه ومن والدته ليرضى الجند، ومتى سمع أصحاب مؤنس ~~بتفريق الأموال تفرقوا عنه واضطر إلى الهرب؛ فقال: لم يبق ولا لوالدتي جهة ~~شيء. PageV03P0439 # وأراد المقتدر أن ينحدر إلى واسط، ويكاتب العساكر من جهة البصرة، ~~والأهواز، وفارس، وكرمان، وغيرها، ويترك بغداد لمؤنس إلى أن يجتمع عليه ~~العساكر، ويعود إلى قتاله، فرده ابن ياقوت عن ذلك، وزين له اللقاء، وقوى ~~نفسه بأن القوم متى رأوه عادوا بأجمعهم إليه، فرجع إلى قوله وهو كاره. ثم ~~أشار عليه بحضور الحرب، فخرج وهو كاره، وبين يديه الفقهاء، والقراء معهم ~~المصاحف مشهورة، وعليه البردة، والناس حوله، فوقف على تل عال بعيد عن ~~المعركة، فأرسل قواد أصحابه يسألونه التقدم مرة بعد أخرى، وهو واقف، فلما ~~ألحوا عليه تقدم من موضعه، فانهزم أصحابه قبل وصوله إليهم، وكان قد أمر ~~فنودي: من جاء بأسير فله عشرة دنانير، ومن جاء برأس فله خمسة دنانير، فلما ~~انهزم أصحابه لقيه علي بن بليق، وهو من أصحاب مؤنس، فترجل وقبل الأرض وقال ~~له: إلى أين تمضي ؟ ارجع، فلعن الله ms2806 من أشار عليك بالحضور ! فأراد الرجوع، ~~فلقيه قوم من المغاربة والبربر، فتركه علي معهم وسار عنه، فشهروا عليه ~~سيوفهم، فقال: ويحكم أنا الخليفة ! فقالوا: قد عرفناك يا سفلة، أنت خليفة ~~إبليس، تبذل في كل رأس خمسة دنانير، وفي كل أسير عشرة دنانير ! وضربه أحدهم ~~بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض وذبحه بعضهم، فقيل إن علي بن بليق غمز ~~بعضهم فقتله. وكان المقتدر ثقيل البدن، عظيم الجثة، فلما قتلوه رفعوا رأسه ~~على خشبة وهم يكبرون ويلعنونه، وأخذوا جميع ما عليه حتى سراويله، وتركوه ~~مكشوف العورة إلى أن مر به رجل من الأكرة، فستره بحشيش، ثم حفر له موضعه، ~~ودفن، وعفي قبره. وكان مؤنس في الراشدية لم يشهد الحرب، فلما حمل رأس ~~المقتدر إليه بكى، ولطم وجهه ورأسه، وقال: يا مفسدون ! ما هكذا أوصيتكم؛ ~~وقال: قتلتموه، وكان هذا آخر أمره، والله لنقتلن كلنا، وأقل ما في الأمر ~~أنكم تظهرون أنكم قتلتموه خطأ، ولم تعرفوه. وتقدم مؤنس إلى الشماسية، وأنفذ ~~إلى دار الخليفة من يمنعها من النهب، ومضى عبد الواحد بن المقتدر، وهارون ~~بن غريب، ومحمد بن ياقوت، وابنا رائق إلى المدائن، وكان ما فعله مؤنس سببا ~~لجرأة أصحاب الأطراف على الخلفاء وطمعهم فيما لم يكن يخطر لهم على بال، ~~وانخرقت الهيبة وضعف أمر الخلافة حتى صار الأمر إلى ما نحكيه. على أن ~~المقتدر أهمل من أحوال الخلافة كثيرا، وحكم فيها النساء والخدم، وفرط في ~~الأموال، وعزل من الوزراء وولى مما أوجب طمع أصحاب الأطراف والنواب، ~~وخروجهم عن الطاعة. وكان جملة ما أخرجه من الأموال، تبذيرا وتضييعا في غير ~~وجه، نيفا وسبعين ألف ألف دينار، سوى ما أنفقه في الوجوه الواجبة؛ وإذا ~~اعتبرت أحوال الخلافة في أيامه وأيام أخيه المكتفي ووالده المعتضد، رأيت ~~بينهم تفاوتا بعيدا، وكانت مدة خلافته أربعا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وستة ~~عشر يوما؛ وكان عمره ثمانيا وثلاثين سنة ونحوا من شهرين. ### || AUT ذكر خلافة القاهر بالله # لما قتل المقتدر بالله عظم قتله على مؤنس، وقال: الرأي أن ننصب ms2807 ولده أبا ~~العباس أحمد في الخلافة، فإنه تربيتي، وهو صبي عاقل، وفيه دين وكرم، ووفاء ~~بما يقول، فإذا جلس في الخلافة سمحت نفس جدته، والدة المقتدر، وإخوته، ~~وغلمان أبيه ببذل الأموال، ولم ينتطح في قتل المقتدر عنزان؛ فاعترض عليه ~~أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختي وقال: بعد الكد والتعب استرحنا من ~~خليفة له أم، وخالة، وخدم يدبرونه، فنعود إلى تلك الحال ! والله لا نرضى ~~إلا برجل كامل، يدبر نفسه، ويدبرنا. وما زال حتى رد مؤنسا عن رأيه، وذكر له ~~أبو منصور محمد بن المعتضد، فأجابه مؤنس إلى ذلك، وكان النوبختي في ذلك ~~كالباحث عن حتفه بظلفه، فإن القاهر قتله، كما نذكره (وعسى أن تحبوا شيئا ~~وهو شر لكم) البقرة: 216. وأمر مؤنس بإحضار محمد بن المعتضد، فبايعوه ~~بالخلافة لليلتين بقيتا من شوال، ولقبوه القاهر بالله، وكان مؤنس كارها ~~لخلافته، والبيعة له، ويقول: إنني عارف بشره، وسوء نيته، ولكن لا حيلة. ~~PageV03P0440 # ولما بويع استحلفه مؤنس لنفسه ولحاجبه بليق، ولعلي بن بليق، وأخذوا خطة ~~بذلك، واستقرت الخلافة له، وبايعه الناس، واستوزر أبا علي بن مقلة، وكان ~~بفارس، فاستقدمه، ووزر له، واستحجب القاهر علي بن بليق، وتشاغل القاهر ~~بالبحث عمن استتر من أولاد المقتدر وحرمه، وبمناظرة والدة المقتدر، وكانت ~~مريضة قد ابتدأ بها الاستسقاء، وقد زاد مرضها بقتل ابنها، ولما سمعت أنه ~~بقي مكشوف العورة جزعت جزعا شديدا، وامتنعت عن المأكول والمشروب حتى كادت ~~تهلك، فوعظها النساء حتى أكلت شيئا يسيرا من الخبز والملح. ثم أحضرها ~~القاهر عنده، وسألها عن مالها، فاعترفت له بما عندها من المصوغ والثياب، ~~ولم تعترف بشيء من المال والجوهر، فضربها أشد ما يكون من الضرب، وعلقها ~~برجلها، وضرب المواضع الغامضة من بدنها، فحلفت أنها لا تملك غير ما أطلعته ~~عليه، وقالت: لو كان عندي مال لما أسلمت ولدي للقتل؛ ولم تعترف بشيء. وصادر ~~جميع حاشية المقتدر وأصحابه، وأخرج القاهر والدة المقتدر لتشهد على نفسها ~~القضاة والعدول بأنها قد حلت أوقافها، ووكلت في بيعها، فامتنعت عن ذلك، ~~وقالت: قد أوقفها ms2808 على أبواب البر والقرب بمكة والمدينة والثغور، وعلى ~~الضعفى والمساكين، ولا أستحل حلها ولا بيعها، وإنما أوكل على بيع أملاكي. ~~فلما علم القاهر بذلك أحضر القاضي والعدول، وأشهدهم على نفسه أنه قد حل ~~وقوفها جميعها، ووكل في بيعها، فبيع ذلك جميعه مع غيره، واشتراه الجند من ~~أرزاقهم؛ وتقدم القاهر بكبس الدور التي سعي إليه أنه اختفى فيها ولد ~~المقتدر، فلم يزل كذلك إلى أن وجدوا منهم أبا العباس الراضي، وهارون، ~~وعليا، والعباس، وإبراهيم، والفضل، فحملوا إلى دار الخليفة، فصودروا على ~~مال كثير، وسلمهم علي بن بليق إلى كاتبه الحسن بن هارون، فأحسن صحبتهم. ~~واستقر أبو علي بن مقلة في الوزارة، وعزل وولى، وقبض على جماعة من العمال، ~~وقبض على بني البريدي، وعزلهم عن أعمالهم وصادرهم. ### || AUT ذكر وصول وشمكير إلى أخيه مرداويج # وفيها أرسل مرداويج إلى أخيه وشمكير، وهو ببلاد جيلان، يستدعيه إليه، ~~وكان الرسول بن الجعد، قال: أرسلني مرداويج، وأمرني بالتلطف لإخراج أخيه ~~وشمكير إليه، فلما وصلت سألت عنه، فدللت عليه، فإذا هو مع جماعة يزرعون ~~الأرز، فلما رأوني قصدوني وهم حفاة عراة، عليهم سراويلات ملونة الخرق، ~~وأكيسة ممزقة، فسلمت عليه، وأبلغته رسالة أخيه، وأعلمته بما ملك من البلاد ~~والأموال وغرها، فضرط بفمه في لحية أخيه وقال: إنه لبس السواد، وخدم ~~المسودة، يعني الخلفاء من بني العباس. فلم أزل أمنيه وأطمعه حتى خرج معي، ~~فلما بلغنا قزوين اجتهدت به ليلبس السواد، فامتنع ثم لبس بعد الجهد. قال: ~~فرأيت من جهله أشياء أستحيي من ذكرها، ثم أعطته السعادة ما كان له في ~~الغيب، فصار من أعرف الملوك بتدبير الممالك وسياسة الرعايا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها توفي القاضي أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل ابن حماد بن ~~زيد، وكان عالما فاضلا حليما، وأبو علي الحسين بن صالح ابن خيران الفقيه ~~الشافعي، وكان عابدا ورعا، أريد على القضاة، فلم يفعل. وفيها توفي أبو نعيم ~~عبد الملك بن محمد بن عدي الفقيه الشافعي الجرجاني، المعروف بالأستراباذي. ### | AUT ثم دخلت ms2809 سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر حال عبد الواحد بن المقتدر # ### || AUT ومن معه # قد ذكرنا هرب عبد الواحد بن المقتدر، وهارون بن غريب، ومفلح، ومحمد بن ~~ياقوت، وابني رائق، بعد قتل المقتدر، إلى المدائن، ثم إنهم انحدروا منها ~~إلى واسط، وأقاموا بها، وخافهم الناس؛ فابتدأ هارون بن غريب وكتب إلى بغداد ~~يطلب الأمان، ويبذل مصادرة ثلاثمائة ألف دينار على أن يطلق له أملاكه، ~~وينزل عن الأملاك التي استأجرها، ويؤدي من أملاكه حقوق بيت المال القديمة؛ ~~فأجابه القاهر ومؤنس إلى ذلك، وكتبا له كتاب أمان وقلد أعمال ماه الكوفة، ~~وماسبذان، ومهرجان قذق، وسار إلى بغداد. وخرج عبد الواحد بن المقتدر من ~~واسط فيمن بقي معه، ومضوا إلى السوس وسوق الأهواعز، وجبوا المال، وطردوا ~~العمال، وأقاموا بالأهواز، فجهز مؤنس إليهم جيشا كثيفا، وجعل عليهم بليقا. ~~PageV03P0441 # وكان الذي حرضهم على إنفاذ الجيش أبو عبدالله البريدي، فإنه كان قد خرج ~~من الحبس فخوفهم عاقبة إهمال عبد الواحد ومن معه، وبذلل مساعدة معجلة خمسية ~~ألف دينار على أن يتولى الأهواز، وعند استقراره بتلك البلاد يعجل باقي ~~المال، وأمر مؤنس بالتجهز، وأنفق ذلك المال، وسار العسكر وفيهم أبو ~~عبدالله. وكان محمد بن ياقوت قد استبد بالأموال والأمر، فنفرت لذلك قلوب من ~~معه من القواد والجند، فلما قرب العسكر من واسط أظهر من معه من القواد ما ~~في نفوسهم، وفارقوه، ولما وصل بليق إلى السوس فارق عبد الواحد ومحمد بن ~~ياقوت الأهواز وسارا إلى تستر، فعمل القراريطي، وكان مع العسكر، فأهل ~~الأهواز ما لم يفعله أحد: نهب أموالهم، وصادرهم جميعهم، ولم يسلم منهم أحد. ~~ونزل عبد الواحد وابن ياقوت بتستر، وفارقهما من معهما من القواد إلى بليق ~~بأمان، وبقي مفلح وسرور الخادم مع عبد الواحد، فقالا لمحمد بن ياقوت: أنت ~~معتصم بهذه المدينة، وبمالك ورجالك، ونحن فلا مال معنا، ولا رجال، ومقامنا ~~معك يضرك ولا ينفعك، وقد عزمنا على أخذ الأمان لنا ولعبد الواحد بن ~~المقتدر؛ فأذن لهما في ذلك، فكتبا إلى بليق فأمنهم، فعبروا إليه ms2810 وبقي محمد ~~بن ياقوت منفردا، فضعفت نفسه، وتحير، فتراسل هو وبليق، واستقر بينهما أنه ~~يخرج إلى بليق على شرط أنه يؤمنه، ويضمن له أمان مؤنس والقاهر، ففعل ذلك ~~وحلف له، وخرج محمد بن ياقوت معه إلى بغداد، واستولى أبو عبدالله البريدي ~~على البلاد، وعسف أهلها، وأخذ أموال التجار، وعمل بأهل البلاد ما لا يعلمه ~~الفرنج، ولم يمنعه أحد عما يريد؛ ولم يكن عنده من الدين ما يزعه عن ذلك، ~~وعاد إخوته إلى أعمالهم؛ ولما عاد عبد الواحد ومحمد بن ياقوت وفي لهم ~~القاهر، وأطلق لعبد الواحد أملاكه، وترك لوالدته المصادرة التي صادرها بها. ### || AUT ذكر استيحاش مؤنس وأصحابه من القاهر # في هذه السنة استوحش مؤنس المظفر وبليق الحاجب وولده علي والوزير أبو ~~علي بن مقلة من القاهر، وضيقوا عليه وعلى أسبابه. وكان سبب ذلك أن محمد بن ~~ياقوت تقدم عند القاهر، وعلت منزلته، وصار يخلو به ويشاورهن فغلظ ذلك على ~~ابن مقلة لعداوة كانت بينه وبين محمد، فألقى إلى مؤنس أن محمدا يسعى به عند ~~القاهر، وأن عيسى الطبيب يسفر بينهما في التدبر عليه، فوجه مؤنس علي بن ~~بليق لإحضار عيسى الطبيب، فوجده بين يدي القاهر، فأخذه وأحضره عند مؤنس، ~~فسيره من ساعته إلى الموصل، واجتمعوا على الإيقاع بمحمد بن ياقوت، وكان في ~~الخيام، فركب علي بن بليق في جنده ليكبسه، فوجده قد اختفى، فنهب أصحابه ~~واستتر محمد بن ياقوت. ووكل علي بن بليق على دار الخليفة أحمد بن زيرك، ~~وأمره بالتضييق على القاهر، وتفتيش كل من يدخل الدار ويخرج منها، وأن يكشف ~~وجوه النساء المنقبات، وإن وجد مع أحد رقعة دفعها إلى مؤنس، ففعل ذلك، وزاد ~~عليه، حتى إنه حمل إلى دار الخليفة لبن، فأدخل يده فيه لئلا يكون فيه رقعة، ~~ونقل بليق من كان بدار القاهر محبوسا إلى داره كوالدة المقتدر وغيرها، وقطع ~~أرزاق حاشيته. فأما والدة المقتدر فإنها كانت قد اشتدت علتها لشدة الضرب ~~الذي ضربها القاهر، فأكرمها علي بن بليق وتركها عند والدته، فماتت في جمادى ms2811 ~~الآخرة، وكانت مكرمة مرفهة، ودفنت بتربتها بالرصافة. وضيق علي بن بليق على ~~القاهر، فعلم لقاهر أن العتاب لا يفيد، وأن ذلك بأري مؤنس وابن مقلة، فأخذ ~~في الحيلة والتدبير على جماعتهم. وكان قد عرف فساد قلب طريق السبكري وبشرى ~~خادم مؤنس لبليق وولده علي، وحسدهما على مراتبهما، فشرع في أغرائهما ببليق ~~وابنه. PageV03P0442 # وعلم أيضا أن مؤنسا وبليقا أكثر اعتمادهما على الساجية، أصحاب يوسف بن ~~أبي الساج وغلمانه المنتقلين إليهما بعده، وكانا قد وعدا الساجية بالموصل ~~مواعيد أخلفاها، فأرسل القاهر إليهم يغريهم بمؤنس وبليق، ويحلف لهم على ~~الوفاء بما أخلفاهم، فتغيرت قلوب الساجية، ثم إنه راسل أبا جعفر محمد بن ~~القاسم بن عبيد الله، وكان من أصحاب ابن مقلة وصاحب مشورته، ووعده الوزارة، ~~فكان يطالعه بالأخبار، وبلغ ابن مقلة أن القاهر قد تغير عليه، وأنه مجتهد ~~في التدبير عليه وعلى مؤنس، وبليق، وابنه علي، والحسن ابن هارون، فأخبرهم ~~ابن مقلة بذلك. ### || AUT ذكر القبض على مؤنس وبليق # في هذه السنة، أول شعبان، قبض القاهر بالله على بليق وابنه، ومؤنس ~~المظفر. وسبب ذلك أنه لما ذكر ابن مقلة لمؤنس وبليق ما هو عليه القاهر من ~~التدبير في استئصالهم خافوه، وحملهم الخوف على الجد في خلعه، واتفق رأيهم ~~على استخلاف أبي أحمد بن المكتفي وعقدوا له الأمر سرا، وحلف له بليق وابنه ~~علي، والوزير أبو علي بن مقلة، والحسن بن هارون، وبايعوه، ثم كشفوا الأمر ~~لمؤنس فقال لهم: لست أشك في شر القاهر وخبثه، ولقد كنت كارها لخلافته، ~~وأشرت بابن المقتدر، فخالفتم وقد بالغتم الآن في الاستهانة به، وما صبر على ~~الهوان إلا من خبث طويته ليدبر عليكم، فلا تعجلوا على أمر حتى تؤنسوه ~~وينبسط إليكم، ثم فتشوا لتعرفوا من مواطأة من القواد ومن الساجية والحجرية، ~~ثم اعملوا على ذلك، فقال علي بن بليق، والحسن بن هارون: ما يحتاج إلى هذا ~~التطويل، فإن الحجبة لنا، والدار في أيدينا، وما يحتاج أن نستعين في القبض ~~عليه بأحد لأنه بمنزلة طائر في قفص. وعملوا على ms2812 معاجلته، فاتفق أن سقط بليق ~~من الدابة، فاعتل ولزم منزله، واتفق ابنه علي وأبو علي بن مقلة وزينا لمؤنس ~~خلع القاهر، هونا عليه الأمر، فأذن لهما، فاتفق رأيهما على أن يظهروا أن ~~أبا طاهر القرمطي قد ورد الكوفة في خلق كثير، وأن علي بن بليق سائر إليه في ~~الجيش ليمنعه عن بغداد، فإذا دخل على القاهر ليودعه ويأخذ أمره فيما يفعل ~~قبض عليه. فلما اتفقا على ذلك جلس ابن مقلة، وعنده الناس، فقال لأبي بكر ~~ابن قرابة: أعلمت أن القرمطي قد دخل الكوفة في ستة آلاف مقاتل بالسلاح ~~التام ؟ قال: لا ! قال ابن مقلة: قد وصلنا كتب النواب بها بذلك؛ فقال ابن ~~قرابة: هذا كذب ومحال، فإن في جوارنا إنسانا من الكوفة، وقد أتاه اليوم ~~كتاب على جناح طائر تاريخه اليوم يخبر فيه بسلامته، فقال له ابن مقلة: ~~سبحان الله، أنتم أعرف منا بالأخبار ؟ فسكت ابن قرابة، وكتب ابن مقلة إلى ~~الخليفة يعرفه ذلك، ويقول له: إني قد جهزت جيشا مع علي بن بليق ليسير يومنا ~~هذا، والعصر يحضر إلى الخدمة ليأمره مولانا بما يراه، فكتب القاهر في جوابه ~~يشكره، ويأذن له في حضور ابن بليق، فجاءت رقعة القاهر وابن مقلة نائم، ~~فتركوها ولم يوصلوها إليه، فلما استيقظ عاد وكتب رقعة أخرى في المعنى، ~~فأنكر القاهر الحال، حيث قد كتب جوابه، وخاف أن يكون هناك مكر. وهو في هذا ~~إذ وصلت رقعة طريق السبكري يذكر أن عنده نصيحة، وأنه قد حضر في زي إمرأة ~~لينهيها إليه، فاجتمع به القاهر، فذكر له جميع ما قد عزموا عليه، وما فعلوه ~~من التدبير ليقبض ابن بليق عليه إذا اجتمع به، وأنهم قد بايعوا أبا أحمد بن ~~المكتفي، فلما سمع القاهر ذلك أخذ حذره، وأنفذ إلى الساجية فأحضرهم ~~متفرقين، وكمنهم في الدهاليز، والممرات، والرواقات، وحضر علي بن بليق بعد ~~العصر، وفي رأسه نبيذ، ومعه عدد يسير من غلمانه بسلاح خفيف، في طيارة، وأمر ~~جماعة من عسكره بالركوب إلى أبواب دار الخليفة، وصعد من الطيارة، ms2813 وطلب ~~الإذن، فلم يأذن له القاهر، فغضب وأساء أدبه، وقال: لا بد من لقائه شاء أو ~~أبى. وكان القاهر قد أحضر الساجية، كما ذكرنا، وهم عنده في الدار، فأمرهم ~~القاهر برده، فخرجوا إليه وشتموه وشتموا أباه، وشهروا سلاحهم وتقدموا إليه ~~جميعهم ففر أصحابه عنه، وألقى نفسه في الطيارة وعبر إلى الجانب الغربي ~~واختفى من ساعته، فبلغ ابن مقلة الخبر، فاستتر واستتر الحسن بن هارون أيضا. ~~PageV03P0443 # فلما سمع طريق الخبر ركب في أصحابه، وعليهم السلاح، وحضروا دار الخليفة، ~~ووقف القاهر، فعظم الأمر حينئذ على ابن بليق وجماعتهم، وأنكر بليق ما جرى ~~على ابنه، وسب الساجية، وقال: لا بد من المضي إلى دار الخليفة، فإن كان ~~الساجية فعلوا هذا بغير تقدم قابلتهم بما يستحقونه، وإن كان بتقدم سألته عن ~~سبب ذلك. فحضر دار الخليفة ومعه جميع القواد الذين بدار مؤنس، فلم يوصله ~~القاهر إليه، وأمر بالقبض عليه وحبسه، وأمر بالقبض على أحمد بن زيرك، صاحب ~~الشرطة، وحصل الجيش كلهم في الدار، فأنقذ القاهر وطيب نفوسهم، ووعدهم ~~الزيادة، وأنه يوقف هؤلاء على ذنوبهم ثم يطلقهم ويحسن إليهم، فعادوا، وراسل ~~القاهر مؤنسا يسأله الحضور عنده ليعرض عليه ما رفع عليهم ليفعل ما يراه، ~~وقال: إنه عندي بمنزلة الوالد، وما أحب أن أعمل شيئا إلا عن رأيه؛ فاعتذر ~~مؤنس عن الحركة، ونهاه أصحابه عن الحضور عنده. فلما كان الغد أحضر القاهر ~~طريفا السبكري وناوله خاتمه وقال له: قد فوضت إلى ولدي عبد الصمد ما كان ~~المقتدر فوضه إلى ابنه محمد، وقلدتك خلافته، ورئاسة الجيش، وإمارة الأمراء، ~~وبيوت الأموال، كما كان ذلك إلى مؤنس، ويجب أن تمضي إليه وتحمله إلى الدار، ~~فإنه ما دام في منزله يجتمع إليه من يريد الشر ولا نأمن تولد شغل، فيكون ها ~~هنا مرفها، ومعه من أصحابه من يخدمه على عادته. فمضى إلى دار مؤنس، وعنده ~~أصحابه في السلاح، وهو قد استولى عليه الكبر والضعف، فسأله أصحاب مؤنس عن ~~الحال، فذكر سوء صنيع بليق وابنه، فكلهم سبهما، وعرفهم ما أخذ لهم ms2814 من ~~الأمان والعهود، فسكتوا، ودخل إلى مؤنس وأشار عليه بالحضور عند القاهر، ~~وحمله عليه، وقال له: إن تأخرت طمع، ولو رآك نائما ما تجاسر أن يوقظك؛ وكان ~~موافقا على مؤنس وأصحابه لما نذكره، فسار مؤنس إليه، فلما دخل الدار قبض ~~القاهر عليه وحبسه ولم يره. قال طريف: لما أعلمت القاهر بمجيء مؤنس ارتعد، ~~وتغيرت أحواله، وزحف من صدر فراشه، فخفته أن أكلمه في معناه، وعلمت أنني قد ~~أخطأت، وندمت، وتيقنت أنني لاحق بالقوم عن قريب، وذكرت قول مؤنس فيه إنه ~~يعرفه بالهوج، والشر، ولإقدام، والجهل؛ وكان أمر الله مقدورا؛ وكانت وزارة ~~ابن مقلة هذه تسعة أشهر وثلاثة أيام. واستوزر القاهر أبا جعفر محمد بن ~~القاسم بن عبيدالله، مستهل شعبان، وخلع عليه، وأنفذ القاهر وختم على دور ~~مؤنس، وبليق وابنه علي، وابن مقلة، وأحمد بن زيرك، والحسن بن هارون، ونقل ~~دوابهم، ووكل بحرمهم، وأنفذ فاستقدم عيسى المتطبب من الموصل، وأمر بنقل ما ~~في دار ابن مقلة وإحراقها، فنهبت وأحرقت، ونهبت دور المتعلقين بهم، وظهر ~~محمد ابن ياقوت وقام بالحجبة، ثم رأى كراهية طريق السبكري والساجية له، ~~فاختفى وهرب إلى أبيه بفارس، فكاتبه القاهر يلومه على عجلته بالهرب، وقلده ~~كور الأهواز. وكان السبب في ميل طريف السبكري، والساجية، والحجرية، إلى ~~القاهر، ومواطأتهم على مؤنس وبليق وابنه ما نذكره، وهو أن طريفا كان قد أخذ ~~قواد مؤنس وأعلاهم منزلة، وكان بليق وابنه ممن يقبل يده ويخدمه، فلما ~~استخلف القاهر بالله تقدم بليق وابنه، وحكما في الدولة كما ذكرناه، وأهمل ~~ابن بليق جانب طريف، وقصده وعطله من أكثر أعماله؛ فلما طالت عطلته استحيا ~~منه بليق، وخاف جانبه، فعزم على استعماله على ديار مصر ليقضي حقه، ويبعده، ~~ومعه أعيان رفقائه ليأمنهم، وقال ذلك للوزير أبي علي بن مقلة، فرآه صوابا، ~~فاعتذر بليق إلى طريق لسبب عطلته، وأعلمه بحديث مصر، فشكره، وشكر الوزير ~~أيضا، فمنع علي بن بليق من إتمامه، وتوليى هو العمل، وأرسل إليه من يخلفه ~~فيه، فصار طريف عدوا يتربص بهم الدوائر. وأما الساجية ms2815 فإنهم كانوا عدة مؤنس ~~وعضده، وساروا معه إلى الموصل، وعادوا معه إلى قتال المقتدر، ووعدهم مؤنس ~~المظفر بالزيادة؛ فلما قتل المقتدر لم يروا لميعاده وفاء، ثناه عنه ابن ~~بليق، وطرحهم ابن بليق أيضا، وأعرض عنهم. PageV03P0444 # وكان من جملتهم خادم أسود اسمه صندل، وكان من أعيانهم، وكان له خادم اسمه ~~مؤتمن، فباعه، فاتصل بالقاهر قبل خلافته، فلما استخلف قدمه وجعله لرسائله، ~~فلما بلي القاهر بابن بليق وسوء معاملته كان كالغريق يتمسك بكل شيء، وكان ~~خبيرا بالدهاء والمكر، فأمر مؤتمنا أن يقصد صندلا الساجي الذي باعه، ويشكو ~~من القاهر، فإن رأى منه ردا لما يقوله أعلمه بحال القاهر وما يقاسي من ابن ~~بليق وابنه، وإن رأى منه خلاف ذلك سكت، فجاء إليه وفعل ما أمره. فلما شكا ~~قال له صندل: وفي أي شيء هو الخليفة حتى يعطيك، ويوسع عليك ؟ إن فرج الله ~~عنه من هذا المفسد احتجت أنا وغيري إليك، ولله علي صوم وصدقة أن ملك ~~الخليفة أمره، واستراح، وأراحنا من هذا الملعون؛ فأعاد المؤتمن الحديث على ~~القاهر، فأرسل على يده هدية جميلة من طيب وغيره، إلى زوجة صندل، وقال له: ~~تحمله إليها، وزوجها غائب عنها، وتقول لها: إن الخليفة قسم فينا شيئا، وهذا ~~من نصيبي أهديته إليكم، ففعل هذا، فقبلته، ثم عاد إليها من الغد وقال: أي ~~شيء قال صندل لما رأى انبساطي عليكم ؟ فقالت: اجتمع هو وفلان وفلان، وذكرت ~~ستة نفر من أعيانهم، ورأوا ما أهديت إلينا فاستعملوا منه ودعوا للخليفة. ~~فبينما هو عندها إذ حضر زوجها، فشكر مؤتمنا، وسأله عن أحوال الخليفة، فأثنى ~~عليه، ووصفه بالكرم، وحسن الأخلاق، وصلابته في الدين، فقال صندل إن ابن ~~بليق نسبه إلى قلة الدين، ويرميه بأشياء قبيحة، فحلف مؤتمن على بطلان ذلكن ~~وأن جميعه كذب. ثم أمر القاهر مؤتمنا أن يقصد زوجة صندل، ويستدعيها إلى ~~قهرمانة القاهر، فتحضر متنكرة على أنها قابلة يأنس بها من عند القاهر، لما ~~كانوا بدار ابن طاهر، وقد حضرت لحاجة بعض أهل الدار إليها، ففعلت ذلك، ~~ودخلت الدار ms2816 وباتت عندهم، فحملها القاهر رسالة إلى زوجها ورفقائه، وكتب ~~إليهم رقعة بخطة يعدهم بالزيادة في الإقطاع والجاري، وأعطاها لنفسها مالا، ~~فعادت إلى زوجها وأخبرته بما كان جميعه، فوصل الخبر إلى ابن بليق أن امرأة ~~من دار ابن طاهر دخلت إلى دار الخليفة، فلهذا منع ابن بليق من دخول امرأة ~~حتى تبصر وتعرف. وكان للساجية قائد كبير اسمه سيما، وكلهم يرجعون إلى قوله، ~~فاتفق صندل ومن معه على إعلام سيما بذلك إذ لا بد لهم منه، وأعلموه برسالة ~~القاهر إليهم، فقال: هذا صواب، والعاقبة فيه جميلة، ولكن لا بد من أن ~~يدخلوا في الأمر بعض هؤلاء القوم، يعني أصحاب بليق ومؤنس، وليكن من ~~أكابرهم، فاتفقوا على طريق السبكري، وقالوا: هو أيضا متسخط؛ فحضروا عنده ~~وشكوا إليه ما هم فيه، وقالوا: لو كان الأستاذ، يعنون مؤنسا، يملك أمره ~~لبلغنا مرادنا، ولكن قد عجز وضعف، واستبد عليه ابن بليق بالأمور؛ فوجدوا ~~عنده من كراهتهم أضعاف ما أرادوا، فأعلموه حينئذ حالهم، فأجابهم إلى ~~موافقتهم، واستحلفهم أنه لا يلحق مؤنسا وبليقا وابنه مكروه وأذى في أنفسهم ~~وأبدانهم وأموالهم، وإنما يلزم بليق وابنه بيوتهم، ويكون مؤنس على مرتبته ~~لا يتغير، فحلفوا على ذلك، وحلف لهم على الموافقة، وطلب خط القاهر بما طلب، ~~فأرسلوا إلى القاهر بما كان، فكتب إليهم بما أرادوا، وزاد بأن قال: إنه ~~يصلي بالناس، ويخطب أيام الجمع، ويحج بهم، ويغزو معهم، ويقعد للناس، ويكشف ~~مظالمهم إلى غير ذلك من حسن السيرة. ثم إن طريفا اجتمع بجماعة من رؤساء ~~الحجرية، وكان ابن بليق قد أبعدهم عن الدار وأقام بها أصحابه، فهم حنقون ~~عليه، فلما أعلمهم طريف الأمر أجابوه إليه، فظهر شيء من هذا الحديث إلى ابن ~~مقلة وابن بليق، ولم يعلموا تفصيله، فاتفقوا على أن يقبضوا على جماعة من ~~قواد الساجية والحجرية، فلم يقدموا عليهم خوف الفتنة. PageV03P0445 # وكان القاهر قد أظهر مرضا من دماميل وغيرها، فاحتجب عن الناس خوفا منهم، ~~فلم يكن يراه أحد إلا خواص خدمه من الأوقات النادرة، فتعذر على ابن مقلة ms2817 ~~وابن بليق الاجتماع به ليبلغوا منه ما يريدون، فوضعا ما ذكرناه من أخبار ~~القرامطة ليظهروا لهم ويفعلوا به ما أرادوا؛ ولما قبض القاهر على مؤنس ~~وجماعته استعمل القاهر على الحجبة سلامة الطولوني، وعلى الشرطة أبا العباس ~~أحمد بن خاقن، واستوزر أبا جعفر محمد بن القاسم ابن عبيدالله، وأمر بالنداء ~~على المستترين، وأباحة مال من أخفاهم وهدم داره، وجد في طلب أحمد بن ~~المكتفي، فظفر به، فبنى عليه حائطا وهو حي فمات، وظفر بعلي بن بليق فقتله. ### || AUT ذكر قتل مؤنس وبليق # ### || AUT وولده علي والنوبختي # وفيها، في شعبان، قتل القاهر مؤنسا المظفر، وبليقا، وعلي بن بليق. وكان ~~سبب قتلهم أن أصحاب مؤنس شغبوا وثاروا، وتبعهم سائر الجند، وأحرقوا روشن ~~دار الوزير أبي جعفر، ونادوا بشعار مؤنس، وقالوا: لا نرضى إلا بإطلاق مؤنس. ~~وكان القاهر قد ظفر بعلي بن بليق، وأفرد كل واحد منهم في منزل، فلما شغب ~~الجند دخل القاهر إلى علي بن بليق، فأمر به فذبح واحتز رأسه، فوضعوه في ~~طشت، ثم مضى القاهر والطشت يحمل بين يديه حتى دخل على بليق فوضع الطشت بين ~~يديه، وفيه رأسه ابنه، فلما رآه بكى، وأخذه يقبله ويترشفه، فأمر به القاهر ~~فذبح أيضا، وجعل رأسه في طشت، وحمل بين يدي القاهر، ومضى حتى دخل على مؤنس ~~فوضعهما بين يديه، فلما رأى الرأسين تشهد واسترجع، ولعن قاتلهما؛ فقال ~~القاهر: جروا برجل الكلب الملعون ! فجروه وذبحوه وجعلوا رأسه في طشت، وأمر ~~فطيف بالرؤوس في جانبي بغداد، ونودي عليها: هذا جزاء من يخون الإمام، ويسعى ~~في فساد دولته؛ ثم أعيدت ونظفت وجعلت في خزانة الرؤوس، كما جرت العادة. ~~وقيل إنه قتل يليقا وابنه مستخف، ثم ظفر بابنه بعد ذلك، فأمر به فضرب، ~~فأقبل ابن بليق على القاهر، وسبه أقبح سب، وأعظم شتم، فأمر به القاهر فقتل، ~~وطيف برأسه في جانبي بغداد، ثم أرسل إلى ابن يعقوب النوبختي، وهو في مجلس ~~وزيره محمد بن القاسم، فأخذه وحبسه؛ ورأى الناس من شدة القاهر ما علموا معه ~~أنهم ms2818 لا يسلمون من يده، وندم كل من أعانه من سبك، والساجية، والحجرية، حيث ~~لم ينفعهم الندم. ### || AUT ذكر وزارة محمد بن القاسم للخليفة # ### || AUT وعزله ووزارة الخصيبي # لما قبض القاهر بالله على مؤنس وبليق وابنه سأل عمن يصلح للوزارة، فدل ~~على أبي جعفر محمد بن القاسم بن عبيدالله، فاستوزره، فبقي وزيرا إلى يوم ~~الثلاثاء ثالث عشر ذي القعدة من السنة، فأرسل القاهر فقبض عليه، وعلى ~~أولاده، وعلى أخيه عبيدالله، وحرمه، وكان مريضا بقولنج، فبقي محبوسا ثمانية ~~عشر يوما، ومات، فحمل إلى منزله، وأطلق أولاده، واستوزر أبا العباس أحمد بن ~~عبيدالله بن سليمان الخصيبي، وكانت وزارة أبي جعفر ثلاثة أشهر واثني عشر يوما. ### || AUT ذكر القبض على طريف السبكري # لما تمكن القاهر، وقبض على مؤنس وأصحابه، وقتلهم، ولم يقف على اليمين ~~والأمان اللذين كتبهما لطريف، وكان القاهر يسمع طريفا ما يكره، ويستخف به، ~~ويعرض له بالأذى، فلما رأى ذلك خافه، وتيقن القبض عليه والقتل، فوصى وفرغ ~~من جميع ما يريده. واشتغل القاهر عنه بقبض من قبض عليه من وزير وغيره، ثم ~~أحضره بعد أن قبض على وزيره أبي جعفر، فقبض عليه، فتيقن القتل أسوة بمن قتل ~~من أصحابه ورفقائه، فبقي محبوسا يتوقع القتل صباحا ومساء إلى أن خلع القاهر. ### || AUT ذكر أخبار خراسان # في هذه السنة سار مرداويج من الري إلى جرجان، وبها أبو بكر محمد ابن ~~المظفر مريضا، فلما قصده مرداويج عاد إلى نيسابور، وكان السعيد نصر بن أحمد ~~بنيسابور، فلما بلغها محمد بن المظفر سار السعيد نحو جرجان، وكاتب محمد بن ~~عبيدالله البلغمي مطرف بن محمد وزير مرداويج، واستماله، فمال إليه، فانتهى ~~الخبر بذلك إلى مرداويج، فقبض على مطرف وقتله. PageV03P0446 # وأرسل محمد بن عبيدالله البلغمي إلى مرداويج يقول له: أنا أعلم أنك لا ~~تستحسن كفر ما يفعله معك الأمير السعيد، وأنك أنما حملك على قصد جرجان ~~وزيرك مطرف ليرى أهلها محله منك، كما فعله أحمد بن أبي ربيعة كاتب عمرو بن ~~الليث، حمل عمرا على قصد بلخ ليشاهد أهلها ms2819 منزلته من عمرو، فكان منه ما ~~بلغك، وأنا لا أرى لك مناصبة ملك يطيف به مائة ألف رجل من غلمانه ومواليه ~~وموالي أبيه، والصواب أنك تترك جرجان له، وتبذل عن الري مالا تصالحه عليه؛ ~~ففعل مرداويج ذلك، وعاد من جرجان، وبذل عن الري مالا، وعاد إليها، وصالحه ~~السعيد عليها. ### || AUT ذكر ولاية محمد بن المظفر على خراسان # ولما فرغ السعيد من أمر جرجان، وأحكمه، استعمل أبا بكر محمد ابن المظفر ~~بن محتاج على جيوش خراسان، ورد إليه تدبير الأمور بنواحي خراسان جميعها، ~~وعاد إلى بخارى مقر عزه، وكرسي ملكه. وكان سبب تقدم محمد بن المظفر أنه كان ~~يوما عند السعيد، وهو يحادثه في بعض مهماته خاليا، فلسعته عقرب في إحدى ~~رجليه عدة لسعات، فلم يتحرك، ولم يظهر عليه أثر ذلك، فلما فرغ من حديثه، ~~وعاد محمد إلى منزله، نزع خفه فرأى العقرب فأخذها. فانتهى خبر ذلك إلى ~~السعيد، فأعجب به وقال: ما عجبت إلا من فراغ بالك لتدبير ما قلته لك، فهلا ~~قمت وأزلتها ! فقال: ما كنت لأقطع حديث الأمير بسبب عقرب، وإذا لم أصبر بين ~~يديك على لسعة عقرب فكيف أصبر، وأنا بعيد منك، على حد سيوف أعداء دولتك إذا ~~دفعتهم عن مملكتك ؟ فعظم محله عنده، وأعطاه مائتي ألف درهم. ### || AUT ذكر ابتداء دولة بني بويه # وهم عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة أبو علي الحسن، ومعز الدولة ~~أبو الحسن أحمد، أولاد أبي شجاع بويه بن فناخسرو بن تمام بن كوهي بن شيرزيل ~~الأصغر بن شير كنده بن شيرزيل الأكبر بن شيران شاه ابن شيرويه بن سشتان شاه ~~بن سيس فيروز بن شيروزيل بن سنباد ابن بهرام جول الملك ابن يزدجرد الملك ~~ابن هرمز الملك ابن شابور الملك ابن شابور ذي الأكتاف، وباقي النسب قد تقدم ~~في أول الكتاب عند ذكر ملوك الفرس؛ هكذا ساق نسبهم الأمير أبو نصر بن ~~ماكولا، رحمه الله. وأما ابن مسكويه فإنه قال إنهم يزعمون أنهم من ولد ~~يزدجرد بن شهريار، آخر ملوك ms2820 الفرس، إلا أن النفس أكثر ثقة بنقل ابن ماكولا ~~لأنه الإمام العالم بهذه الأمور، وهذا نسب عريق في الفرس، ولا شك أنهم ~~نسبوا إلى الديلم حيث طال مقامهم ببلادهم. وأما ابتداء أمرهم، فإن والدهم ~~أبا شجاع بويه كان متوسط الحال، فماتت زوجته وخلفت له ثلاثة بنين، وقد تقدم ~~ذكرهم، فلما ماتت اشتد حزنه عليها، فحكى شهريار بن رستم الديلمي قال: كنت ~~صديقا لأبي شجاع بويه، فدخلت إليه يوما فعذلته على كثرة حزنه، وقلت له: أنت ~~رجل يحتمل الحزن، وهؤلاء المساكين أولادك يهلكهم الحزن، وربما مات أحدهم، ~~فيجدد ذلك من الأحزان ما ينسيك المرأة؛ وسليته بجهدي، وأخذته ففرجته، ~~وأدخلته ومعه أولاده إلى منزلي ليأكلوا طعاما، وشغلته عن حزنه. فبينما هم ~~كذلك اجتاز بنا رجل يقول عن نفسه: أنه منجم، ومعزم، ومعبر للمنامات، ويكتب ~~الرقى والطلسمات، وغير ذلك، فأحضره أبو شجاع وقال له: رأيت في منامي كأنني ~~أبول، فخرج من ذكري نار عظيمة استطالت وعلت حتى كادت تبلغ السماء، ثم ~~انفجرت فصارت ثلاث شعب، وتولد من تلك الشعب عدة شعب، فأضاءت الدنيا بتلك ~~النيران، ورأيت البلاد والعباد خاضعين لتلك النيران. فقال المنجم: هذا منام ~~عظيم لا أفسره إلا بخلعة، وفرس، ومركب؛ فقال أبو شجاع: والله ما أملك إلا ~~الثياب التي على جسدي، فإن أخذتها بقيت عريانا؛ قال المنجم: بعشرة دنانير؛ ~~قال: والله ما أملك دينارا فكيف عشرة ! فأعطاه شيئا، فقال المنجم: اعلم أنه ~~يكون لك ثلاثة أولاد يملكون الأرض ومن عليها، ويعلو ذكرهم في الآفاق كما ~~علت تلك النار، ويولد لهم جماعة ملوك بقدر ما رأيت من تلك الشعب. فقال أبو ~~شجاع: أما تستحي تسخر منا ؟ أنا رجل فقير وأولادي هؤلاء فقراء مساكين كيف ~~يصيرون ملوكا ؟ ؟ PageV03P0447 # فقال المنجم: أخبرني بوقت ميلادهم؛ فأخبره، فجعل يحسب، ثم قبض على يد أبي ~~الحسن علي فقبلها وقال: هذا والله الذي يملك البلاد، ثم هذا من بعده، وقبض ~~على يد أخيه أبي علي الحسن، فاغتاظ منه أبو شجاع، وقال لأولاده: إصفعوا هذا ~~الحكيم، فقد أفرط في السخرية ms2821 بنا ! فصفعوه، وهو يستغيث، ونحن نضحك منه، ثم ~~أمسكوا، فقال لهم: اذكروا لي هذا إذا قصدتكم وأنتم ملوك؛ فضحكنا منه وأعطاه ~~أبو شجاع عشرة دراهم. ثم خرج من بلاد الديلم جماعة تقدم ذكرهم ليملك البلاد ~~منهم ما كان بن كالي، وليلى بن النعمان، وأسفار بن شيرويه، ومرداويج بن ~~زيار، وخرج مع كل واحد منهم خلق كثير من الديلم، وخرج أولاد أبي شجاع في ~~جملة من خرج، وكانوا من جملة قواد ما كان بن كالي، فلما كان من أمر كان ما ~~ذكرناه من الإتفاق ثم الإختلاف، بعد قتل أسفار، واستيلاء مرداويج على ما ~~كان بيد ما كان من طبرستان وجرجان، وعود ما كان مرة أخرى إلى جرجان ~~والدامغان، وعوده إلى نيسابور مهزوما. فلما رأى أولاد بويه ضعفه وعجزه قال ~~له عماد الدولة وركن الدولة: نحن في جماعة، وقد صرنا ثقلا عليك وعيالا، ~~وأنت مضيق، والأصلح لك أن نفارقك لنخفف عنك مؤونتنا، فإذا صلح أمرنا عدنا ~~إليك؛ فأذن لهما، فسارا إلى مرداويج، واقتدى بهما جماعة من قواده ما كان ~~وتبعوهما، فلما صاروا إليه قبلهم أحسن قبول، وخلع على ابني بويه، وأكرمهما، ~~وقلد كلد واحد من قواد ما كان الواصلين إليه ناحية من نواحي الجبل، فأما ~~علي بن بويه فإنه قلده كرج. ### || AUT ذكر سبب تقدم علي بن بويه # كان السبب في ارتفاع علي بن بويه من بينهم، بعد الأقدار، أنه كان سمحا، ~~حليما، شجاعا، فلما قلده مرداويج كرج، وقلد جماعة القواد المستأمنة معه ~~الأعمال، وكتب لهم العهود، ساروا إلى الري، وبها وشمكير بن زيار أخو ~~مرداويج، ومعه الحسين بن محمد الملقب بالعميد، وهو والد أبي الفضل الذي وزر ~~لركن الدولة بن بويه، وكان العميد يومئذ وزير مرداويج. وكان مع عماد الدولة ~~بغلة شهباء من أحسن ما يكون، فعرضها للبيع، فبلغ ثمنها مائتي دينار، فعرضت ~~على العميد فأخذها وأنفذ ثمنها، فلما حمل الثمن إلى عماد الدولة أخذ منه ~~عشرة دنانير ورد الباقي، وجعل معه هدية جميلة. ثم أن مرداويج ندم على ما ~~فعل ms2822 من تولية أولئك القواد البلاد، فكتب إلى أخيه وشمكر وإلى العميد ~~يأمرهما بمنعهم من المسير إلى أعمالهم، وأن كان بعضهم قد خرج فيرد. وكانت ~~الكتب تصل إلى العميد قبل وشمكير، فيقراها ثم يعرضها على وشمكير، فلما وقف ~~العميد على هذا الكتاب أنفذ إلى عماد الدولة يأمره بالمسير من ساعته إلى ~~عمله، ويطوي المنازل، فسار من وقته، وكان المغرب، وأما العميد فلما أصبح ~~عرض الكتاب على وشمكير، فمنع سائر القواد من الخروج من الري، واستعاد ~~التوقيعات التي معهم بالبلاد، وأراد وشمكير أن ينفذ خلف عماد الدولة من ~~يرده، فقال العميد: إنه لا يرجع طوعا، وربما قاتل من يقصده وخرج عن طاعتنا؛ ~~فتركه. وسار عماد الدولة إلى كرج، وأحسن إلى الناس، ولطف بعمال البلاد، ~~فكتبوا إلى مرداويج يشكرونه، ويصفون ضبطه البلد، وسياسته، وافتتح قلاعا ~~كانت للخرمية، وظفر منها بذخائر كثيرة صرفها جميعها إلى استمالة الرجال، ~~والصلات، والهبات، فشاع ذكره، وقصده الناس وأحبوه. وكان مرداويج ذلك الوقت ~~بطبرستان، فلما عاد إلى الري أطلق مالا لجماعة من قواده على كرج، فاستمالهم ~~عماد الدولة، ووصلهم، وأحسن إليهم، حتى مالوا إليه، وأحبوا طاعته. ~~PageV03P0448 # وبلغ ذلك مرداويج، فاستوحش وندم على إنفاذ أولئك القواد إلى الكرج، فكتب ~~إلى عماد الدولة وأولئك يستدعيهم إليه، وتلطف بهم، فدافعه عماد الدولة، ~~واشتغل بأخذ العهود عليهم، وخوفهم من سطوة مرداويج، فأجابوه جميعهم، فجبى ~~مال كرج، واستأمن إليه شيرزاد، وهو من أعيان قواد الديلم، فقويت نفسه بذلك، ~~وسار بهم عن كرج إلى أصبهان، وبها المظفر ابن ياقوت، في نحو من عشرة آلاف ~~مقاتل، وعلى خراجها أبو علي بن رستم، فأرسل عماد الدولة إليهما يستعطفهما، ~~ويستأذنهما في الانحياز إليهما، والدخول في طاعة الخليفة، ليمضي إلى الحضرة ~~ببغداد، فلم يجيباه إلى ذلك، وكان أبو علي أشدهما كراهة، فاتفق للسعادة أن ~~أبا علي مات في تلك الأيام، وبرز ابن ياقوت عن أصبهان ثلاثة فراسخ، وكان في ~~أصحابه جيل وديلم مقدار ستمائة رجل، فاستأمنوا إلى عماد الدولة لما بلغهم ~~من كرمه، فضعف قلب ابن ياقوت، وقوي جنان ms2823 عماد الدولة، فواقعه، واقتتلوا ~~قتالا شديدا، فانهزم ابن ياقوت، واستولى عماد الدولة على أصبهان، وعظم في ~~عيون الناس لأنه كان في تسعمائة رجل هزم بهم ما يقارب عشرة آلاف رجل، وبلغ ~~ذلك الخليفة فاستعظمه، وبلغ خبر هذه الوقعة مرداويج فأقلقه، وخاف على ما ~~بيده من البلاد واغتم لذلك غما شديدا. ### || AUT ذكر استيلاء ابن بويه على أرجان # ### || AUT وغيرها وملك مرداويج أصبهان # لما سار الرسول جهز مرداويج أخاه وشمكير في جيش كثيف ليكبس ابن بويه، ~~وهو مطمئن إلى الرسالة التي تقدمت، فعلم ابن بويه بذلك، فرحل عن أصبهان بعد ~~أن جباها شهرين، توجه إلى أرجان، وبها أبو بكر بن ياقوت، فانهزم أبو بكر من ~~غير قتال، وقصد رامهرمز، واستولى ابن بويه على أرجان في ذي الحجة؛ ولما سار ~~عن أصبهان دخلها وشمكير وعسكر أخيه مرداويج وملكوها، فلما سمع القاهر أرسل ~~إلى مرداويج قبل خلعه ليمنع أخاه عن أصبهان ويسلمها إلى محمد بن ياقوت، ~~ففعل ذلك ووليها محمد. وأما ابن بويه فإنه لما ملك أرجان استخرج منها ~~أموالا فقوي بها، ووردت عليه كتب أبي طالب زيد بن علي النوبندجاني يستدعيه ~~ويشير عليه بالمسير إلى شيراز، ويهون عليه أمر ياقوت وأصحابه، ويعرفه ~~تهوره، واشتغاله بجباية الأموال، وكثرة مؤونته ومؤونة أصحابه، وثقل وطأتهم ~~على الناس، مع فشلهم وجبنهم، فخاف ابن بويه أن يقصد ياقوتا مع كثرة عساكره ~~وأمواله، ويحصل بين ياقوت وولده، فلم يقبل مشورته، ولم يبرح من مكانه، فعاد ~~أبو طالب وكتب إليه يشجعه، ويعلمه أن مرداويج قد كتب إلى ياقوت يطلب ~~مصالحته، فإن تم ذلك اجتمعا على محاربته، ولم يكن له بهما طاقة، ويقول له ~~إن الرأي لمن كان في مثل حاله أن يعاجل من بين يديه، ولا ينتظر بهم ~~الاجتماع والكثرة وأن يحدقوا به من كل جانب، فإنه إذا هزم من بين يديه خافه ~~الباقون ولم يقدموا عليه. ولم يزل أبو طالب يراسله إلى أن سار نحو ~~النوبندجان في ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وقد سبقه إليهما ~~مقدمه ياقوت ms2824 في نحو ألفي فارس من شجعان أصحابه، فلما وافاهم ابن بويه لم ~~يثبتوا له لما لقيهم، وانهزموا إلى كركان، وجاءهم ياقوت في جميع أصحابه إلى ~~هذا الموضع، وتقدم أبو طالب إلى وكلائه بالنوبندجان بخدمة ابن بويه، ~~والقيام بما يحتاج إليه، وتنحى هو عن البلد إلى بعض القرى، حتى لا يعتقد ~~فيه المواطأة له، فكان مبلغ ما خسر عليه في أربعين يوما مقدار مائتي ألف ~~دينار. وأنفذ عماد الدولة أخاه ركن الدولة الحسن إلى كازرون وغيرها من ~~أعمال فارس، فاستخرج منها أموالا جليلة، فأنفذ ياقوت عسكرا إلى كازرون، ~~فواقعهم ركن الدولة، فهزمهم وهو في نفر يسير، وعاد غانما سالما إلى أخيه. ~~ثم أن عماد الدولة انتهى إليه مراسلة مرداويج وأخيه وشمكير إلى ياقوت ~~ومراسلته إليهما، فخاف اجتماعهم؛ فاسر من النوبندجان إلى إصطخر ثم إلى ~~البيضاء وياقوت يتبعه، وانتهى إلى قنطرة على طريق كرمان، فسبقه ياقوت إليها ~~ومنعه من عبورها، واضطر إلى الحرب، وذلك في آخر سنة إحدى وعشرين، ودخلت سنة ~~اثنتين وعشرين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV03P0449 # في هذه السنة اجتمعت بنو ثعلبة إلى بني أسد القاصدين إلى ارض الموصل ومن ~~معهم من طي، فصاروا يدا واحدة على بني مالك ومن معهم من تغلب، وقرب بعضهم ~~من بعض للحرب، فركب ناصر الدولة الحسن بن عبدالله بن حمدان في أهله ورجاله، ~~ومعه أبو الأغر بن سعيد بن حمدان للصلح بينهم، فتكلم أبو الأغر، فطعنه رجل ~~من حزب بني ثعلبة فقتله، فحمل عليهم ناصر الدولة ومن معه، فانهزموا وقتل ~~منهم، وملكت بيوتهم، وأخذ حريمهم وأموالهم ونجوا على ظهور خيولهم، وتبعهم ~~ناصر الدولة إلى الحديثة، فلما وصلوا إليها لقيهم يأنس غلام مؤنس، وقد ولي ~~الموصل، وهو مصعد إليها، فانضم إليه بنو ثعلبة وبنو أسد وعادوا إلى ديار ~~ربيعة. وفيها ورد الخبر إلى بغداد بوفاة تكين الخاصة بمصر، وكان أميرا ~~عليها، فولي مكانه ابنه محمد، وأرسل له القاهر بالله الخلع، شارد الجند ~~بمصر، فقاتلهم محمد وظفر بهم. وفيها أمر علي بن بليق، قبل قبضه، وكاتبه ~~الحسن ms2825 بن هارون بلعن معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد على المنابر ببغداد، ~~فاضطربت العامة، فأراد علي بن بليق أن يقبض على البربهاري رئيس الحنابلة، ~~وكان يثير الفتن هو وأصحابه، فعلم بذلك فهرب، فأخذ جماعة من أعيان أصحابه ~~وحبسوا وجعلوا في زورق وأحدروا إلى عمان. وفيها أمر القاهر بتحريم الخمر ~~والغناء وسائر الأنبذة، ونفى بعض من كان يعرف بذلك إلى البصرة والكوفة؛ ~~وأما الجواري المغنيات فأمر ببيعهن على أنهن سواذج لا يعرفن الغناء، ثم وضع ~~من يشتري له كل حاذقة في صنعه الغناء، فاشترى منهن ما أراد بأرخص الأثمان، ~~وكان القاهر مشتهرا بالغناء والسماع، فجعل ذلك طريقا إلى تحصيل غرضه رخيصا، ~~نعوذ بالله من هذه الأخلاق التي لا يرضاها عامة الناس. وفيها توفي أبو بكر ~~محمد بن الحسن بن دريد اللغوي في شعبان، وأبو هاشم بن أبي علي الجبائي ~~المتكلم المعتزلي في يوم واحد، ودفنا بمقابر الخيزران. وفيها توفي محمد بن ~~يوسف بن مطر الفربري، وكان مولده سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وهو الذي روي ~~صحيح البخاري عنه، وكان قد سمعه عشرات ألوف من البخاري فلم ينتشر إلا عنه، ~~وهو منسوب إلى فربر بالفاء والراءين المهملتين وبينهما باء معجمة موحدة وهي ~~من قرى بخارى. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر استيلاء ابن بويه على شيراز # في هذه السنة ظفر عماد الدولة بن بويه بياقوت، وملك شيراز، وقد ذكرنا ~~مسير عماد الدولة بن بويه إلى القنطرة، وسبق ياقوت إليها، فلما وصلها ابن ~~بويه وصده ياقوت عن عبورها اضطر إلى محاربته، فتحاربا في جمادى الآخرة، ~~وأحضر علي بن بويه أصحابه، ووعدهم أنه يترجل معهم عند الحرب ويقاتل كأحدهم، ~~ومناهم ووعدهم الإحسان. وكان من سعادته أن جماعة من أصحابه استأمنوا إلى ~~ياقوت، فحين رآهم ياقوت أمر بضرب رقابهم، فأيقن من مع ابن بويه أنهم لا ~~أمان لهم عنده، فقاتلوا قتال مستقتل. ثم إن ياقوتا قدم أمام أصحابه رجالة ~~كثيرة يقاتلون بقوارير النفط، فانقلبت الريح في وجوههم، واشتدت، فلما ألقوا ~~النار عادت النار ms2826 عليهم، فعلقت بوجوههم وثيابهم، فاختلطوا وأكب عليهم أصحاب ~~ابن بويه، فقتلوا أكثر الرجالة، وخالطوا الفرسان فانهزموا، فكانت الدائرة ~~على ياقوت وأصحابه. فلما انهزم صعد على نشز مرتفع، ونادى في أصحابه الرجعة، ~~فاجتمع إليه نحو أربعة آلاف فارس، فقال لهم: اثبتوا فإن الديلم يشتغلون ~~بالنهب، ويتفرقون، فنأخذهم، فثبتوا معه، فلما رأى ابن بويه ثباتهم نهى ~~أصحابه عن النهب، وقال: إن عدوكم يرصدكم لتشتغلوا بالنهب، فيعطف عليكم ~~ويكون هلاككم، فاتركوا هذا، وافرغوا من المنهزمين ثم عودوا إليه؛ ففعلوا ~~ذلك، فلما رأى ياقوت أنهم على قصده ولى منهزما، واتبعه أصحاب ابن بويه ~~يقتلون ويأسرون ويغنمون الخيل والسلاح. PageV03P0450 # وكان معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه في ذلك اليوم من أحسن الناس ~~أثرا، وكان صبيا لم تنبت لحيته، وكان عمره تسع عشرة سنة، ثم رجعوا إلى ~~السواد، فغنموا ووجدوا في سواده برانس لبود عليها أذناب الثعالب، ووجدوا ~~قيودا وأغلالا، فسألوا عنها، فقال أصحاب ياقوت: إن هذه أعدت لكم لتجعل ~~عليكم، ويطاف بكم في البلاد؛ فأشار أصحاب ابن بويه أن يفعل بهم مثل ذلك، ~~فامتنع وقال: إنه بغي، ولؤم ظفر، ولقد لقي ياقوت بغيه. ثم أحسن إلى الأسارى ~~وأطلقهم وقال: هذه نعمة والشكر عليها واجب يقتضي المزيد؛ وخير الأسارى بين ~~المقام عنده واللحوق بياقوت، فاختارو المقام عنده فخلع عليهم وأحسن إليهم. ~~وسار من موضع الوقعة حتى نزل بشيراز، ونادى في الناس بالأمان، وبث العدل، ~~وأقام لهم شحنة يمنع من ظلمهم، واستولى على تلك البلاد، وطلب الجند أرزاقهم ~~فلم يكن عنده ما يعطيهم، فكاد ينحل أمره، فقعد في غرفة في دار الإمارة ~~بشيراز يفكر في أمره، فرأي حية خرجت من موضع في سقف تلك الغرفة ودخلت في ~~ثقب هناك، فخاف أن تسقط عليه، فدعا الفراشين، ففتحوا الموضع، فرأوا وراءه ~~بابا فدخلوه إلى غرفة أخرى، وفيها عشرة صناديق مملوءة مالا ومصوغا، وكان ~~فيها ما قيمته خمس مائة ألف دينار، فأنفقها، وثبت ملكه بعد أن كان قد أشرف ~~على الزوال. وحكي أنه أراد أن يفصل ثيابا، فدلوه على ms2827 خياط كان لياقوت، ~~فأحضره، فحضر خائفا، وكان أصم، فقال له عماد الدولة: لا تخف، فإنما أحضرناك ~~لتفصل ثيابا؛ فلم يعلم ما قال، فابتدأ وحلف بالطلاق والبراءة من دين ~~الإسلام أن الصناديق التي عنده لياقوت ما فتحها، فتعجب الأمير من هذا ~~الاتفاق، فأمره بأحضارها، فأحضر ثمانية صناديق فيما مال وثياب قيمته ~~ثلاثمائة ألف دينار، ثم ظهر له من ودائع ياقوت وذخائر يعقوب وعمروا ابني ~~الليث جملة كثيرة، فامتلأت خزائنه وثبت ملكه. فلما تمكن من شيراز وفارس كتب ~~إلى الراضي بالله، وكانت قد أفضت إليه الخلافة، على ما نذكره، وإلى وزيره ~~أبي علي بن مقلة يعرفهما أنه على الطاعة ويطلب منه أن يقاطع على ما بيده من ~~البلاد، وبذلك ألف ألف درهم، فأجيب إلى ذلك، فأنفذوا له الخلع، وشرطوا على ~~الرسول أن لا يسلم إليه الخلع إلا بعد قبض المال. فلما وصل الرسول خرج عماد ~~الدولة إلى لقائه، وطلب منه الخلع واللواء، فذكر له الشرط، فأخذهما منه ~~قهرا، ولبس الخلع، ونشر اللواء بين يديه، ودخل البلد، وغالط الرسول بالمال، ~~فمات الرسول عنده سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وعظم شأنه، وقصده الرجال من ~~الأطراف. ولما سمع مرداويج بما ناله من ابن بويه قام لذلك وقعد وسار إلى ~~أصبهان للتدبير عليه، وكان بها أخوه وشمكير لأنه لما خلع القاهر، وتأخر ~~محمد بن ياقوت عنها، عاد إليها وشمكير بعد أن بقيت تسعة عشر يوما خالية من ~~أمير، فلما وصلها مرداويج رد أخاه وشمكير إلى الري. ### || AUT ذكر استيلاء نصر بن أحمد على كرمان # في هذه السنة خرج أبو علي محمد بن إلياس من ناحية كرمان إلى بلاد فارس، ~~وبلغ إصطخر، فأظهر لياقوت أنه يريد أن يستأمن إليه حيلة ومكرا، فعلم ياقوت ~~مكره، فعاد إلى كرمان، فسير إليه السعيد نصر بن أحمد، صاحب خراسان، ما كان ~~بن كالي في جيش كثيف، فقاتله، فانهزم ابن إلياس، واستولى ما كان على كرمان، ~~نيابة عن صاحب خراسان. وكان محمد بن إلياس هذا من أصحاب نصر بن أحمد، فغضب ~~عليه وحبسه، ms2828 ثم شفع فيه محمد بن عبيدالله البلغمي، فأخرجه، وسيره مع محمد ~~ابن المظفر إلى جرجان، فلما خرج يحى بن أحمد وإخوته ببخارى، على ما ذكرناه، ~~سار محمد بن إلياس إليه فصار معه، فلما أدبر أمره سار محمد من نيسابور إلى ~~كرمان فاستولى عليها إلى هذه الغاية، فأزاله ما كان عنها، فسار إلى ~~الدينور، وأقام مكان بكرمان، فلما عاد عنها، على ما نذكره، رجع إليها محمد بن إلياس. ### || AUT ذكر خلع القاهر بالله # وفيها خلع القاهر بالله في جمادى الأولى. PageV03P0451 # وكان سبب ذلك أن أبا علي بن مقلة كان مستترا من القاهر، والقاهر يتطلبه، ~~وكذلك الحسن بن هارون، فكانا يراسلان قواد الساجية، والحجرية، ويخوفانهم من ~~شره، ويذكران لهم غدره ونكثه مرة بعد أخرى: كقتل مؤنس، وبليق، وابنه علي ~~بعد الأيمان لهم، وكقبضه على طريف السبكري بعد اليمين له، مع نصح طريف له، ~~إلى غير ذلك. وكان ابن مقلة يجتمع بالقواد ليلا، تارة في زي أعمى، وتارة في ~~زي مكد، وتارة في زي إمرأة ويغريهم به. ثم إنه أعطى منجما كان لسيما مائتي ~~دينار، وأعطاه الحسن مائة دينار، وكان يذكر لسيما أن طالعه يقتضي أن ينكبه ~~القاهر ويقتله، وأعطى ابن مقلة أيضا لمعبر كان لسيما يعبر له المنامات، ~~فكان يحذره أيضا من القاهر، ويعبر له على ما يريد، فازداد نفورا من القاهر. ~~ثم إن القاهر شرع في عمر مطامير في الدار، فقيل لسيما ولجماعة قواد الساجية ~~والحجرية: إنما علمها لأجلكم؛ فازداد نفورا، ونقل إلى سيما أن القاهر يريد ~~قتله، فجمع الساجية، وكان هو رئيسهم المقدم عليهم، وأعطاهم السلاح، وأنفذوا ~~إلى الحجرية: إن كنتم موافقين لنا فجيئوا إلينا حتى نحلف بعضنا لبعض، وتكون ~~كلمتنا واحدة، فاجتمعوا جميعهم وتحالفوا على اجتماع الكلمة وقتل من خالف ~~منهم. فاتصل ذلك بالقاهر ووزيره الحصيبي، فأرسل إليهم الوزير: ما الذي ~~حملكم على هذا ؟ فقالوا: قد صح عندنا أن القاهر يريد القبض على سيما، وقد ~~عمل مطامير ليحبس فيها قوادنا ورؤساءنا. فلما كان يوم الأربعاء لست خلون من ~~جمادى ms2829 الأولى اجتمع الساجية والحجرية عند سيما، وتحالفوا على الاجتماع على ~~القبض على القاهر، فقال لهم سيما: قوموا بنا الساعة حتى نمضي هذا العزم، ~~فإنه إن تأخر علم به، واحترز وأهلكنا. وبلغ ذلك الوزير، فأرسل الحاجب سلامة ~~وعيسى الطبيب ليعلماه بذلك، فواجداه نائما قد شرب أكثر ليلته، فلم يقدرا ~~على إعلامه بذلك. وزحف الحجرية والساجية إلى الدار، ووكل سيما بأبوابها من ~~يحفظها، وبقي هو على باب العامة، وهجموا إلى الدار من سائر الأبواب، فلما ~~سمع القاهر الأصوات والجلبة استيقظ مخمورا، وطلب بابا يهرب منه، فقيل له إن ~~الأبواب جميعها مشحونة بالرجال، فهرب إلى سطح حمام، فلما دخل القوم لم ~~يجدوه، فأخذوا الخدم وسألوهم عنه، فدلهم عليه خادم صغير، فقصدوه، فرأوه ~~وبيده السيف، فاجتهدوا به فلم ينزل لهم، فألانوا له القول، وقالوا: نحن ~~عبيدك، وإنما نريد أن نأخذ عليك العهود؛ فلم يقبل منهم وقال: من صعد إلي ~~قتلته ! فأخذ بعضهم سهما وقال: إن نزلت، وإلا وضعته في نحرك ! فنزل حينئذ ~~إليهم، فأخذوه وساروا به إلى الموضع الذي فيه طريف السبكري، ففتحوه وأخرجوه ~~منه وحبسوا القاهر مكانه، ثم سملوه، وهرب وزيره الخصيبي وسلامة حاجبه. وقيل ~~في سبب خلعه وقيام الساجية والحجرية غير ما تقدم، وهو أن القاهر لما تمكن ~~من الخلافة أقبل ينقص الساجية والحجرية على ممر الأيام، ولا يقضي لأكابرهم ~~حاجة، ويلزمهم النوبة في داره، ويؤخر أعطياتهم، ويغلظ لمن يخاطبه منهم في ~~أمر، ويحرمه، فأقبل بعضهم ينذر بعضا، ويتشاكون بينهم، ثم إنه كان يقول ~~لسلامة حاجبه: يا سلامة ! أنت بين يدي كنزل مال يمشي، فأي شيء يبين في مالك ~~لو أعطيتني ألف ألف دينار ؟ فيحمل ذلك منه على الهزل. وكان وزيره الخصيبي ~~أيضا خائفا لما يرى منه، ثم أنه حفر في الدار نحو خمسين مطمورة تحت الأرض، ~~وأحكم أبوابها، فكان يقال: إنه عملها لمقدمي الساجية والحجرية، فازداد ~~نفورهم منه وخوفهم؛ ثم إن جماعة من القرامطة أخذوا بفارس وأرسلوا إلى ~~بغداد، كما تقدم، فحبسوا في تلك المطامير، ثم تقدم سرا بفتح الأبواب عليهم، ms2830 ~~والإحسان إليهم، وعزم على أن يقوى بهم على القبض على مقدمي الحجرية ~~والساجية، وبمن معه من غلمانه. وأنكر الحجرية والساجية حال القرامطة، ~~وكونهم معه في داره محسنا إليهم، وقالوا لوزيره الخصيبي، وحاجبه سلامة، في ~~ذلك، فقالا له، فأخرجهم من الدار، فسلمهم إلى محمد بن ياقوت، وهو على شرطة ~~بغداد، فأنزلهم في دار، وأحسن إليهم، وكان يدخل إليهم من يريد، فعظم ~~استيحاشهم. PageV03P0452 # ثم صار يذمهم في مجلسه، ويظهر كراهتهم، حتى تبينوا ذلك في وجهه وحركاته ~~معهم، فأظهروا أن لبعض قوادهم عرسا، فاجتمعوا بحجته، وقرروا بينهم ما ~~أرادوا، وافترقوا، وأرسلوا إلى سابور خادم والدة لمقتدر، فقالوا له: قد ~~علمت ما فعله بمولاتك، وقد ركبت في موافقته كل عظيم، فإن وافقتنا على ما ~~نحن عليه، وتقدمت إلى الخدم بحفظه، فعفا الله عما سلف منك، وإلا فنحن نبدأ ~~بك؛ فأعلمهم ما عنده من الخوف والكراهة للقاهر، وأنه موافقهم، وكان ابن ~~مقلة مع هذا يصنع عليه ويسعى فيه إلى أن خلع، كما ذكرنا، وكانت خلافته سنة ~~واحدة وستة أشهر وثمانية أيام ### || AUT ذكر خلافة الراضي بالله # هو أبو العباس أحمد بن المقتدر بالله، ولما قبض القاهر سألوا الخدم عن ~~المكان الذي فيه أبو العباس بن المقتدر، فدلوهم عليه، وكان هو ووالدته ~~محبوسين، فقصدوه، وفتحوا عليه ودخلوا فسلموا عليه بالخلافة، وأخرجوه ~~وأجلسوه على سرير القاهر يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى، ولقبوه ~~بالراضي بالله، وبايعه القواد والناس، وأمر بإحضار علي بن عيسى وأخيه عبد ~~الرحمن، وصدر عن رأيهما فيما يفعله، واستشارهما وأراد علي بن عيسى على ~~الوزارة، فامتنع لكبره، وعجزه، وضعفه، وأشار بابن مقلة. ثم إن سيما قال ~~للراضي: إن الوقت لا يحتمل أخلاق علي، وابن مقلة أليق بالوقت؛ فكتب له ~~أمانا وأحضره واستوزره، فلما وزر أحسن إلى كل من أساء إليه، وأحسن سيرته، ~~وقال: عاهدت الله عند استتاري بذلك؛ فوفى به، وأحضر الشهود والقضاة وأرسلهم ~~إلى القاهر ليشهدوا عليه بالخلع، فلم يفعل، فسمل، من ليلته، فبقي أعمى لا ~~يبصر. وأرسل ابن مقلة إلى الخصيبي ms2831 وعيسى المتطبب بالأمان فظهرا وأحسن ~~إليهما واستعمل الخصيبي وولاه؛ واستعمل الراضي بالله على الشرطة بدرا ~~الخرشني، واستعمل ابن مقلة أبا الفضل بن جعفر بن الفرات، في جمادى الأولى، ~~نائبا عنه على سائر العمال بالموصل، وقردى، وبازبدي، وماردين، وطور عبدين، ~~وديار الجزيرة، وديار بكر، وطريق الفرات، والثغور الجزرية والشامية، وأجناد ~~الشام، وديار مصر، يصرف من يرى، ويستعمل من يرى في الخراج، والمعاون، ~~والنفقات، والبريد وغير ذلك. وأرسل إلى محمد بن رائق يستدعيه ليوليه ~~الحجبة، وكان قد استولى على الأهواز وأعمالها، ودفع عنها ابن ياقوت، ولم ~~يبق بيد ابن ياقوت من تلك الولاية إلا السوس، وجنديسابور، وهو يريد المسير ~~إلى أصبهان أميرا عليها، على ما ذكرناه، وكان ذلك آخر أيام القاهر، فلما ~~ولي الراضي، واستحضره، سار إلى واسط، وأرسل محمد بن ياقوت يخطب الحجبة، ~~فأجيب إليها فسار في أثر ابن رائق؛ وبلغ ابن رائق الخبر، فلم يقف، وسار من ~~واسط مصعدا إلى بغداد يسابق ابن ياقوت، فلما وصل إلى المدائن لقيه توقيع ~~الراضي يأمره بترك دخول بغداد، وتقليده الحرب، والمعاون بواسط، مضافا إلى ~~ما بيده من البصرة وغيرها، فعاد منحدرا في دجلة، ولقيه ابن ياقوت مصعدا ~~فيها أيضا، فسلم بعضهم على بعض، وأصعد ابن ياقوت إلى بغداد فتولى الحجبة ~~على ما نذكره. ### || AUT ذكر وفاة المهدي صاحب إفريقية # ### || AUT وولاية ولده القائم # في هذه السنة، في شهر ربيع الأول، توفي المهدي أبو محمد عبيدالله العلوي ~~بالمهدية، واخفى ولده أبو القاسم موته سنة لتدبير كان له، وكان يخاف أن ~~يختلف الناس عليه إذا علموا بموته، وكان عمر المهدي لما توفي ثلاثا وستين ~~سنة، وكانت ولايته منذ دخل رقاده ودعي له بالإمامة إلى أن توفي أربعا ~~وعشرين سنة وشهرا وعشرين يوما. ولما توفي ملك بعده ابنه أبو القاسم محمد، ~~وكان أبوه قد عهد إليه، ولما أظهر وفاة والده كان قد تمكن وفرغ من جميع ما ~~أراده، واتبع سنة أبيه، وثار عليه جماعة، فتمكن منهم؛ وكان من أشدهم رجل ~~يقال له ابن طالوت القرشي، في ms2832 ناحية طرابلس، ويزعم أنه ولد المهدي، فقاموا ~~معه، وزحف إلى مدينة طرابلس، فقاتله أهلها، ثم تبين للبربر كذبه، فقتلوه ~~وحملوا رأسه إلى القائم. PageV03P0453 # وجهز القائم أيضا جيشا كثيفا مع ميسور الفتى إلى المغرب، فانتهى إلى فاس، ~~وإلى تكرور، وهزم خارجيا هناك، وأخذ ولده أسيرا، وسير أيضا جيشا في البحر ~~وقدم عليهم رجلا اسمه يعقوب بن إسحاق إلى بلد الروم، فسبى، وغنم في بلد ~~جنوة؛ وسير جيشا آخر مع خادمه زيدان، وبالغ في النفقة عليهم وتجهيزهم، إلى ~~مصر، فدخلوا الإسكندرية، فأخرج إليهم محمد الإخشيد عسكرا كثيفا، فقاتلهم، ~~وهزموا المغاربة، وقتلوا فيهم، وأسروا، وعاد المغاربة مفلولين. ### || AUT ذكر استيلاء مرداويج على الأهواز # لما بلغ مرداويج استيلاء علي بن بويه على فارس اشتد ذلك عليه، فسار إلى ~~أصبهان للتدبير على ابن بويه، فرأى أن ينفذ عسكرا إلى الأهواز ليستولي ~~عليها، ويسد الطريق على عماد الدولة بن بويه إذا قصده، فلا يبقى له طريق ~~إلى الخليفة، ويقصده هو من ناحية أصبهان، ويقصده عسكره من ناحية الأهواز، ~~فلا يثبت لهم. فسارت عساكر مرداويج في شهر رمضان، حتى بلغت إيذج، فخاف ~~ياقوت أن يحصل بينهم وبين ابن بويه، فسار إلى الأهواز ومعه ابنه المظفر، ~~وكتب إلى الراضي ليقلده أعمال الأهواز، فقلده ذلك، وصار أبو عبدالله ابن ~~البريدي كاتبه مضافا إلى ما بيده من أعمال الخراج بالأهواز، وصار أخوه أبو ~~الحسين يخالف ياقوتا ببغداد. ثم استولى عسكر مرداويج على رامهرمز، أول شوال ~~من هذه السنة، وساروا نحو الأهواز، فوقف لهم ياقوت على قنطرة أربق، فلم ~~يمكنهم من العبور لشدة جرية الماء، فأقاموا بإزائه أربعين يوما، ثم رحلوا ~~فعبروا على الأطواف نهر المسرقان، فبلغ الخبر إلى ياقوت، وقد أتاه مدد من ~~بغداد قبل ذلك بيومين، فسار بهم إلى قرية الريخ، وسار منها إلى واسط، وبها ~~حينئذ محمد بن رائع، فأخلى له غربي واسط، فنزل فيه ياقوت. ولما بلغ عماد ~~الدولة استيلاء مرداويج على الأهواز كاتب نائب مرداويج يستميله، ويطلب منه ~~أن يتوسط الحال بينه وبين مرداويج، ففعل ذلك، ms2833 وسعى فيه، فأجابه مرداويج إلى ~~ذلك على أن يطيعه ويخطب له، فاستقر الحال بينهما، وأهدى له ابن بويه هدية ~~جليلة، وأنفذ أخاه ركن الدولة رهينة، وخطب لمرداويج في بلاده، فرضي مرداويج ~~منه، واتفق أنه قتل على ما نذكره، فقوي أمر ابن بويه. ### || AUT ذكر عود ياقوت إلى الأهواز # ولما وصل ياقوت إلى واسط أقام بها إلى أن قتل مرداويج، ومعه أبو عبد ~~الله البريدي يكتب له، فلما قتل مرداويج عاد ياقوت إلى الأهواز، واستولى ~~على تلك الولاية، ولما وصل ياقوت إلى عسكر مكرم، بعد قتل مرداويج، كانت ~~عساكر ابن بويه قد سبقته، فالتقوا بنواحي أرجان، وكان ابن بويه قد لحق ~~بأصحابه، واشتد قتالهم بين يديه، فانهزم ياقوت، ولم يفلح بعدها. وراسل أبو ~~عبدالله البريدي ابن بويه في الصلح، فأجاب إلى ذلك، وكتب به إلى الراضي، ~~فأجاب إلى ذلك، وقرر بلاد فارس على ابن بويه، واستقر بشيراز، واستقر ياقوت ~~بالأهواز ومعه ابن البريدي. وكان محمد بن ياقوت قد سار إلى بغداد وتولى ~~الحجبة، وخلع الراضي عليه، وتولى مع الحجبة رئاسة الجيش، وأدخل يده في أمر ~~الدواوين، وتقدم إليهم بأن لا يقبلوا توقيعا بولاية ولا عزل وإطلاق إلا إذا ~~كان خطه عليه، وأمرهم بحضور مجلسه، فصبر أبو علي بن مقلة على ذلك، وألزم ~~نفسه بالمصير إلى دار ابن ياقوت، في بعض الأوقات، وبقي كالمتعطل. ولقد كان ~~في هذه الأيام القليلة حوادث عظيمة منها: انصراف وشمكير أخي مرداويج عن ~~أصبهان بكتاب القاهر، بعد أن ملكها، واستعمال القاهر محمد بن ياقوت عليها، ~~وخلع القاهر، وخلافة الراضي، وأمر الحجبة لمحمد ابن رائق، ثم انفساخه، ~~ومسير محمد بن ياقوت من رامهرمز إلى بغداد، وولايته الحجبة، بعد أن كان ~~سائرا إلى أصبهان ليتولاها، وإعادة مرداويج أخاه وشمكير إليها؛ وملك علي بن ~~بويه أرجان؛ هذا جميعه في هذه اللحظة القريبة في سبعين يوما، فتبارك الله ~~الذي بيده الملك والملكوت يصرف الأمور كيف يشاء، لا أله إلا هو. ### || AUT ذكر قتل هارون بن غريب # PageV03P0454 # في هذه السنة قتل هارون ms2834 بن غريب، وكان سبب قتله أنه كان، كما ذكرنا، قد ~~استعمله القاهر على ماه الكوفة، وقصبتها الدينور، وعلى ماسبذان وغيرها، ~~فلما خلع القاهر واستخلف الراضي رأى هارون أنه أحق بالدولة من غيره لقرابته ~~من الراضي، حيث هو ابن خال المقتدر، فكاتب القواد ببغداد يعدهم الإحسان ~~والزيادة في الأرزاق، ثم سار من الدينور إلى خانقين، فعظم ذلك على ابن مقلة ~~وابن ياقوت والحجرية والساجية، واجتمعوا، وشكوه إلى الراضي، فأعلمهم أنه ~~كاره له، وأذن لهم في منعه، فراسلوه أولا، وبذلوا له طريق خراسان زيادة على ~~ما في يده، فلم يقنع به، وتقدم إلى النهروان، وشرع في جباة الأموال، وظلم ~~الناس، وعسفهم، وقويت شوكته. فخرج إليه محمد بن ياقوت في سائر جيوش بغداد، ~~ونزل قريبا منه، ووقعت الطلائع بعضها على بعض، وهرب بعض أصحاب محمد بن ~~ياقوت إلى هارون، وراسله محمد يستميله، ويبذل له، فلم يجب إلى ذلك، وال: لا ~~بد من دخول بغداد. فلما كان يوم الثلاثاء لست بقين من جمادى الآخرة تزاحف ~~العسكران، واشتد القتال، واستظهر أصحاب هارون لكثرتهم، فانهزم أكثر أصحاب ~~ابن ياقوت ونهب أكثر سوادهم، وكثر فيهم الجراح والقتل، فسار محمد بن ياقوت ~~حتى قطع قنطرة نهر بين، فبلغ ذلك هارون، فسار نحو القنطرة منفردا عن ~~أصحابه، طمعا في قتل محمد بن ياقوت، أو أسره، فتقنطر به فرسه، فسقط عنه في ~~ساقية، فلحقه غلام له اسمه يمن، فضربه بالطبرزين حتى أثخنه، وكسر عظامه، ثم ~~نزل إليه فذبحه ثم رفع رأسه وكبر، فانهزم أصحابه وتفرقوا، ودخل بعضهم بغداد ~~سرا، ونهب سواد هارون، وقتل جماعة من قواده وأسر جماعة. وسار محمد إلى موضع ~~جثة هارون، فأمر بحملها إلى مضربه، وأمر بغسله وتكفينه، ثم صلى عليه ودفنه، ~~وأنفذ إلى داره من بحفظها من النهب، ودخل بغداد ورأس هارون بين يديه ورؤوس ~~جماعة من قواده، فنصب ببغداد. ### || AUT ذكر ظهور إنسان ادعى النبوة # في هذه السنة ظهر بباسند، من أعمال الصغانيان، رجل ادعى النبوة، فقصده ~~فوج بعد فوج، واتبعه خلق كثير، وحارب من ms2835 خالفه، فقتل خلقا كثيرا ممن كذبه، ~~فكثر أتباعه من أهل الشاش خصوصا. وكان صاحب حيل ومخاريق، وكان يدخل يده في ~~حوض ملآن ماء، فيخرجها مملوءة دنانير، إلى غير ذلك من المخاريق، فكثر جمعه، ~~فأنفذ إليه أبو علي بن محمد بن المظفر جيشا، فحاربوه، وضيقوا عليه، وهو فوق ~~جبل عال، حتى قبضوا عليه وقتلوه وحملوا رأسه إلى أبي علي، وقتلوا خلقا ~~كثيرا ممن اتبعه وآمن به؛ وكان يدعي أنه متى مات عاد إلى الدنيا، فبقي بتلك ~~الناحية جماعة كثيرة على ما دعاهم إليه مدة طويلة ثم اضمحلوا وفنوا. ### || AUT ذكر قتل الشلمغاني وحكاية مذهبه # وفي هذه السنة قتل أبو جعفر محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي ~~القراقر، وشلمغان التي ينسب إليها قرية بنواحي واسط. وسبب ذلك أنه قد أحدث ~~مذهبا غاليا في التشيع، والتناسخ، وحلول الإلهية فيه، وإلى غير ذلك مما ~~يحكيه، وأظهر ذلك من فعله أبو القاسم الحسين ابن روح، الذي تسميه الإمامية ~~الباب، متداول وزارة حامد بن العباس، ثم اتصل أبو جعفر الشلمغاني بالمحسن ~~بن أبي الحسن بن الفرات في وزارة حامد بن العباس، ثم اتصل أبو جعفر ~~الشلمغاني بالمحسن بن أبي الحسن بن الفرات في وزارة أبيه الثالثة، ثم إنه ~~طلب في زارة الخاقاني، فاستتر وهرب إلى الموصل، فبقي سنين عند ناصر الدولة ~~الحسن بن عبدالله بن حمدان في حياة أبيه عبدالله بن حمدان، ثم انحدر إلى ~~بغداد واستتر، وظهر عنه ببغداد أنه يدعي لنفسه الربوبية، وقيل أنه اتبعه ~~على ذلك الحسين بن القاسم بن عبدالله بن سليمان بن وهب الذي وزر للمقتدر ~~بالله، وأبو جعفر، وأبو علي ابنا بسطام، وإبراهيم ابن محمد بن أبي عون، ~~وابن شبيب الزيات، وأحمد بن محمد بن عبدوس، كانوا يعتقدون ذلك فيه، وظهر ~~ذلك عنهم، وطلبوا أيام وزارة ابن مقلة للمقتدر بالله، لم يوجدوا. ~~PageV03P0455 # فلما كان في شوال سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ظهر الشلمغاني، فقبض عليه ~~الوزير ابن مقلة وسجنه، وكبس داره فوجد فيها رقاعا وكتبا ممن يدعي عليه أنه ~~على ms2836 مذهبه، يخاطبونه بما لا يخاطب به البشر بعضهم بعضا، وفيها خط الحسين بن ~~القاسم، فعرضت الخطوط فعرفها الناس، وعرضت على الشلمغاني فأقر أنها خطوطهم، ~~وأنكر مذهبه، وأظهر الإسلام، وتبرأ مما يقال فيه، وأخذ ابن أبي عون، وابن ~~عبدوس معه، وأحضروا معه عند الخليفة، وأمرا بصفعه فامتنعا، فلما أكرها مد ~~ابن عبدوس يده وصفعه، وأما ابن أبي عون فأنه مد يده إلى لحيته ورأسه، ~~فارتعدت يده، فقبل لحية الشلمغاني ورأسه، ثم قال: ألهي، وسيدي، ورازقي؛ ~~فقال له الراضي: قد زعمت أنك لا تدعي الإلهية، فما هذا ؟ فقال: وما علي من ~~قول ابن أبي عون والله يعلم أنني ما قلت له أنني إله قط ! فقال ابن عبدوس: ~~إنه لم يدع الإلهية وإنما ادعى أنه الباب إلى الإمام المنتظر، مكان ابن ~~روح، وكنت أظن أنه يقول ذلك تقية، ثم أحضروا عدة مرات، ومعهم الفقهاء، ~~والقضاة، والكتاب، والقواد، وفي آخر الأيام أفتى الفقهاء بإباحة دمه، فصلب ~~ابن الشلمغاني، وابن أبي عون، في ذي القعدة فأحرقا بالنار. وكان من مذهبه ~~أنه إله الآلهة يحق الحق، وأنه الأول القديم، الظاهر، الباطن، الرازق، ~~التام، المومأ إليه بكل معنى؛ وكان يقول: إن الله، سبحانه وتعالى، يحل في ~~كل شيء على قدر ما يحتمل، وإنه خلق الضد ليدل على لمضدود، فمن ذلك أنه حل ~~في آدم لما خلقه، وفي إبليسه أيضا، وكلاهما ضد لصاحبه لمضادته إياه في ~~معناه، وأن الدليل على الحق أفضل من الحق، وإن الضد أقرب إلى الشيء من ~~شبهه، وإن الله عز وجل، إذا حل في جسد ناسوتي ظهر من القدرة والمعجزة ما ~~يدل على أنه هو، وإنه لما غاب آدم ظهر اللاهوت في خمسة ناسوتية، كلما غاب ~~منهم واحد ظهر مكانه آخر، وفي خمسة أبالسة أضداد لتلك الخمسة، ثم اجتمعت ~~اللاهوتية في إدريس وإبليسه، وتفرقت بعدهما كما تفرقت بعد آدم، واجتمعت في ~~نوح، عليه السلام، وإبليسه، وتفرقت بعدهما كما تفرقت بعد آدم، واجتمعت في ~~نوح، عليه السلام، وإبليسه، وتفرقت عند غيبتهما، واجتمعت في هود وإبليسه، ms2837 ~~وتفرقت بعدهما، واجتمعت في صالح، عليه السلام، وإبليسه عاقر الناقة، وتفرقت ~~بعدهما، واجتمعت في إبراهيم، عليه السلام، وإبليسه نمرود، وتفرقت لما غاب ~~واجتمعت في هارون وإبليسه فرعون، وتفرقت بعدهما، واجتمعت في سليمان ~~وإبليسه، وتفرقت بعدهما، واجتمعت في عيسى وإبليسه، فلما غابا تفرقت في ~~تلاميذ عيسى وأبالستهم، ثم اجتمعت في علي ابن أبي طالب وإبليسه. ثم أن الله ~~يظهر في كل شيء، وكل معنى، وإنه في كل أحد بالخاطر الذي يخطر بقلبه، فيتصور ~~له ما يغيب عنه، حتى كأنه يشاهده؛ وإن الله اسم لمعنى وأن من احتاج الناس ~~إليه فهو إله، ولهذا المعنى يستوجب كل أحد أن يسمى إلها، وإن كل أحد من ~~أشياعه يقول: إنه رب لمن هو في دون درجته، وإن الرجل منهم يقول: أنا رب ~~لفلان، وفلان رب لفلان، وفلان رب ربي، حتى يقع الانتهاء إلى ابن أبي ~~القراقر فيقول: أنا رب الأرباب، لا ربوبية بعده. ولا ينسبون الحسن والحسين، ~~رضي الله عنهما، إلى علي، كرم الله وجهه، لأن من اجتمعت له الربوبية لا ~~يكون له ولد، ولا والد، وكانوا يسمون موسى ومحمدا، صلى الله عليه وسلم، ~~الخائنين، لأنهم يدعون أن هارون أرسل موسى، وعليا أرسل محمدا، فخاناهما، ~~ويزعمون أن عليا أمهل محمدا عدة سني أصحاب الكهف، فإذا انقضت هذه العدة، ~~وهي ثلاثمائة وخمسون سنة، انتقلت الشريعة؛ ويقولون أن الملائكة كل من ملك ~~نفسه، وعرف الحق، وإن الجنة معرفتهم وانتحال مذهبهم، والنار الجهل بهم، ~~والعدول عن مذهبهم. PageV03P0456 # ويعتقدون ترك الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات، ولا يتناكحون بعقد، ~~ويبيحون الفروج، ويقولون إن محمدا، صلى الله عليه وسلم، بعث إلى كبراء قريش ~~وجبابرة العرب، ونفوسهم أبية، فأمرهم بالسجود، وإن الحكمة الآن أن يمتحن ~~الناس بأباحة فروج نسائهم، وإنه يجوز أن يجامع الإنسان من شاء من ذوي رحمه، ~~وحرم صديقه، وابنه، بعد أن يكون على مذهبه، وإنه لا بد للفاضل منهم أن ينكح ~~المفضول ليولج النور فيه، ومن امتنع من ذلك قلب في الدور الذي يأتي بعد هذا ~~العالم امرأة، إذ ms2838 كان مذهبهم التناسخ، وكانوا يعتقدون أهلاك الطالبيين ~~والعباسيين، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. وما أشبه ~~هذه المقالة بمقالة النصيرية، ولعلها هي هي، فإن النصيرية يعتقدون في ابن ~~الفرات،! ويجعلونه رأسا في مذهبهم. وكان الحسين بن القاسم بالرقة، فأرسل ~~الراضي بالله إليه، فقتل آخر ذي القعدة، وحمل رأسه إلى بغداد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أرسل محمد بن ياقوت حاجب الخليفة رسولا إلى أبي طاهر ~~القرمطي يدعوه إلى طاعة الخلفة، ليقره على ما بيده من البلاد، ويقلده بعد ~~ذلك ما شاء من البلدان، ويحسن إليه، ويلتمس منه أن يكف عن الحاج جميعهم، ~~وأن يرد الحجر الأسود إلى موضعه بمكة، فأجاب أبو طاهر إلى أنه لا يتعرض ~~للحاج، ولا يصيبهم بمكروه، ولم يجب إلى رد الحجر الأسود إلى مكة، وسأل أن ~~يطلق له الميرة من البصرة ليخطب للخليفة في أعمال هجر، فسار الحاج إلى مكة ~~وعاد ولم يتعرض لهم القرامطة. وفيها، في ذي القعدة، عزم محمد بن ياقوت على ~~المسير إلى الأهواز لمحاربة عسكر مرداويج، فتقدم إلى الجند الحجرية ~~والساجية بالتجهز للمسير معه، وبذل مالا يتجهزون به، فامتنعوا وتجمعوا ~~وقصدوا دار محمد بن ياقوت، فأغلظ لهم في الخطاب، فسبوا، ورموا داره ~~بالحجارة، ولما كان الغد قصدوا داره أيضا، وأغلظوا له في الخطاب، وقاتلوا ~~من بادره من أصحابه، فرماهم أصحابه وغلمانه بالنشاب، فانصرفوا وبطلت الحركة ~~إلى الأهواز. وفيها سار جماعة من أصحاب أبي طاهر القرمطي إلى نواحي توج في ~~مراكب وخرجوا منها إلى تلك الأعمال، فلما بعدوا عن المراكب أرسل الوالي في ~~البلاد إلى المراكب وأحرقها، وجمع الناس وحارب القرامطة، فقتل بعضا، وأسر ~~بعضا، فيهم ابن الغمر، وهو من أكابر دعاتهم، وسيرهم إلى بغداد أيام القاهر، ~~فدخلوها مشهورين، وسجنوا، وكان من أمرهم ما ذكرناه في خلع القاهر. وفيها ~~قتل القاهر بالله إسحاق بن إسماعيل النوبختي، وهو الذي أشار باستخلافه، ~~فكان كالباحث عن حتفه بظلفه، وقتل أيضا أبا السرايا بن حمدان، وهو أصغر ولد ~~أبيه؛ وسبب قتلهما أنه أراد ms2839 أن يشتري مغنيتين قبل أن يلي الخلافة، فزادا ~~عليه في ثمنهما، فحقد ذلك عليهما، فلما أراد قتلهما استدعاهما للمنادمة، ~~فتزينا، وتطيبا، وحضرا عنده فأمر بإلقائهما إلى بئر في الدار، وهو حاضر، ~~فتضرعا وبكيا، فلم يلتفت إليهما وألقاهما فيها وطمها عليهما. وفيها أحضر ~~أبو بكر بن مقسم ببغداد في دار سلامة الحاجب، وقيل له إنه قد ابتدع قراءة ~~لم تعرف، وأحضر ابن مجاهد والقضاة والقراء وناظروه، فاعترف بالخطإ وتاب ~~منه، واحترقت كتبه. وفيها سار الدمستق قرقاش في خمسين ألفا من الروم، فنازل ~~ملطية وحصرها مدة طويلة، وهلك أكثر أهلها بالجوع، وضرب خيمتين على إحداهما ~~صليب، وقال: من أراد النصرانية انحاز إلى خيمة الصليب ليرد عليه أهله ~~وماله، ومن أراد الإسلام انحاز إلى الخيمة الأخرى، وله الأمان على نفسه ~~ونبلغه مأمنه؛ فانحاز أكثر المسلمين إلى الخيمة التي عليها الصليب، طمعا في ~~أهليهم وأموالهم، وسير مع الباقين بطريقا يبلغهم مأمنهم، وفتحها بالأمان، ~~مستهل جمادى الآخرة، يوم الأحد، وملكوا سميساط، وخربوا الأعمال، وأكثروا ~~القتل، وفعلوا الأفاعيل الشنيعة، وصار أكثر البلاد في أيديهم. وفيها توفي ~~عبد الملك بن محمد بن عدي أبو نعيم الفقيه الجرجاني الاستراباذي، وأبو علي ~~الروذباري الصوفي، واسمه محمد بن أحمد بن القاسم، وقيل توفي سنة ثلاث ~~وعشرين. PageV03P0457 # وفيها توفي خير بن عبدالله النساج الصوفي من أهل سامرا، وكان من الأبدال، ~~ومحمد بن علي بن جعفر أبو بكر الكناني الصوفي المشهور، وهو من أصحاب ~~الجنيد، وأبي سعيد الخراز الخراز بالخاء المعجمة والراء والزاي. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر قتل مرداويج # في هذه السنة قتل مرداويج الديلمي صاحب بلاد الجبل وغيرها. وكان سبب ~~قتله أنه كان كثير الإساءة للأتراك، وكان يقول أن روح سليمان بن داود، عليه ~~السلام، حلت فيه، وإن الأتراك هم الشياطين والمردة، فإن قهرهم، وإلا ~~أفسدوا؛ فثقلت وطأته عليهم وتمنوا هلاكه. فلما كان ليلة الميلاد من هذه ~~السنة، وهي ليلة الوقود، أمر بأن يجمع الحطب من الجبال والنواحي، وأن يجعل ~~على جانبي الوادي المعروف بزندروذ كالمنابر ms2840 والقباب العظيمة، ويعمل مثل ذلك ~~على الجبل المعروف بكريم كوه المشرف على أصبهان، من أسفله إلى أعلاه، بحيث ~~إذا اشتعلت تلك الأحطاب يصير الجبل كله نارا، وعمل مثل ذلك بجميع الجبال ~~والتلال التي هناك، وأمر فجمع له النفط ومن يلعب به، وعمل من الشموع ما لا ~~يحصى، وصيد له من الغربان والحدإ زيادة على ألفي طائر ليجعل في أرجلها ~~النفط وترسل لتطير بالنار في الهواء، وأمر بعمل سماط عظيم كان من جملة ما ~~فيه: مائة فرس، ومئتان من البقر مشوية، صحاحا، سوى ما شوي من الغنم فإنها ~~كانت ثلاثة آلاف رأس، سوى المطبوخ، وكان فيه من الدجاج وغيره من أنواع ~~الطير زيادة على عشرة آلاف عدد، وعمل من ألوان الحلواء ما لا يحد، وعزم على ~~أن يجمع الناس على ذلك السماط، فإذا فرغوا قام إلى مجلس الشراب ويشعل ~~النيران فيتفرج. فلما كان آخر النهار ركب وحده، وغلمانه رجالة، وطاف ~~بالسماط ونظر إليه وإلى تلك الأحطاب، فاستحقر الجميع لسعة الصحراء، فتضجر ~~وغضب، ولعن من صنعه ودبره، فخافه من حضر، فعاد ونزل ودخل خركاة له فنام، ~~فلم يجسر أحد أن يكلمه. واجتمع الأمراء والقواد وغيرهم، وأرجفوا عليه، فمن ~~قائل أنه غضب لكثرته لأنه كان بخيلا، ومن قائل أنه قد اعتراه جنون؛ وقيل بل ~~أوجعه فؤاده؛ وقيل غير ذلك، وكادت الفتنة تثور. وعرف العميد وزره صورة ~~الحال فأتاه ولم يزل حتى استيقظ وعرفه ما الناس فيه، فخرج وجلس على الطعام، ~~وأكل ثلاث لقم ثم قام ونهب الناس الباقي، ولم يجلس للشراب، وعاد إلى مكانه، ~~وبقي في معسكره بظاهر أصبهان ثلاثة أيام لا يظهر. فلما كان اليوم الرابع ~~تقدم بإسراج الدواب ليعود من منزلته إلى داره بأصبهان، فاجتمع ببابه خلق ~~كثير، وبقيت الدواب مع الغلمان، وكثر صهيلها ولعبها، والغلمان يصيحون بها ~~لتسكن من الشغب، وكانت مزدحمة فارتفع من الجميع أصوات هائلة. وكان مرداويج ~~نائما، فاستيقظ، فصعد فنظر فرأى ذلك، فسأل فعرف الحال، فازداد غضبا، وقال: ~~أما كفى من خرق الحرمة ما فعلوه في ذلك ms2841 الطعام، وما أرجعوا به، حتى انتهى ~~أمري إلى هؤلاء الكلاب ؟ ثم سأل عن أصحاب الدواب، فقيل: أنها للغمان ~~الأتراك، وقد نزلوا إلى خدمتك، فأمر أن تحط السروج عن الدواب وتجعل على ~~ظهور أصحابها الأتراك، ويأخذوا بأرسان الدواب إلى الإسطبلات، ومن امتنع من ~~ذلك ضربه الديلم بالمقارع حتى يطيع، ففعلوا ذلك بهم وكانت صورة قبيحة يأنف ~~منها أحقر الناس. ثم ركب هو بنفسه مع خاصته، وهو يتوعد الأتراك، حتى صار ~~إلى داره قرب العشاء، وكان قد ضرب قبل ذلك جماعة من أكابر الغلمان الأتراك، ~~فحقدوا عليه، وأرادوا قتله، فلم يجدوا أعوانا، فلما جرت هذه الحادثة ~~انتهزوا الفرصة، وقال بعضهم: ما وجه صبرنا على هذا الشيطان ؟ فاتفقوا، ~~وتحالفوا على الفتك به، فدخل الحمام، وكان كورتكين، يحرسه في خلواته ~~وحمامه، فأمره ذلك اليوم أن لا يتبعه، فتأخر عنه مغضبا، وكان هو الذي يجمع ~~الحرس، فلشدة غضبه لم يأمر أحدا أن يحضر حراسته؛ وإذا أراد الله أمرا هيأ ~~أسبابه. PageV03P0458 # وكان له أيضا خادم أسود يتولى خدمته بالحمام، فاستمالوه، فمال إليهم، ~~فقالوا للخادم ألا يحمل معه سلاحا، وكانت العادة أن يحمل معه خنجرا طوله ~~نحو ذراع ملفوفا في منديل، فلما قالوا ذلك للخادم قال: ما أجسر؛ فاتفقوا ~~على أن كسروا حديد الخنجر وتركوا النصاب في الغلاف بغير حديد، فلفوه في ~~المنديل كما جرت العادة لئلا ينكر الحال. فلما دخل مرداويج الحمام فعل ~~الخادم ما قيل له، وجاء خادم آخر، وهو أستاذ داره، فجلس على باب الحمام، ~~فهجم الأتراك إلى الحمام، فقام أستاذ داره ليمنعهم، وصاح بهم، فضربه بعضهم ~~بالسيف فقطع يده، فصاح بالأسود وسقط، وسمع مرداويج الضجة، فبادر إلى الخنجر ~~ليدفع به عن نفسه، فوجده مكسورا، فأخذ سريرا من خشب كان يجلس عليه إذا ~~اغتسل، فترس به باب الحمام من داخل، ودفع الأتراك الباب، فلم يقدروا على ~~فتحه، فصعد بعضهم إلى السطح، وكسروا الجامات، ورموه بالنشاب، فدخل البيت ~~الحار، وجعل يتلطفهم، ويحلف لهم على الإحسان، فلم يلتفتوا إليه، وكسروا باب ~~الحمام ودخلوا عليه فقتلوه. وكان ms2842 الذين ألبوا الناس عليه وشرعوا في قتله ~~توزون، وهو الذي صار أمير العساكر ببغداد وياروق، وابن بغرا، ومحمد بن ينال ~~الترجمان، ووافقهم بجكم، وهو الذي ولي أمر العراق قبل توزون، وسيرد ذكر ذلك ~~إن شاء الله تعالى. فلما قتلوه بادروا فأعلموا أصحابهم، فركبوا ونهبوا قصره ~~وهربوا، ولم يعلم بهم الديلم لأن أكثرهم كانوا قد دخلوا المدينة ليلحق بهم ~~وتخلف الأتراك معه لهذا السبب. فلما علم الديلم والجيل ركبوا في أثرهم، فلم ~~يلحقوا منهم إلا نفرا يسيرا وقفت دوابهم، فقتلوهم، وعادوا لينهبوا الخزائن، ~~فرأوا العميد قد ألقى النار فيها، فلم يصلوا إليها، فبقيت بحالها. ومن عجيب ~~ما يحكى أن العساكر في ذلك اليوم لما رأوا غض مرداويج قعدوا يتذاكرون ما هم ~~فيه معه من الجور، وشدة عتوه، وتمرده عليهم، ودخل بينهم رجل شيخ لا يعرفه ~~منهم أحد، وهو راكب، فقال: قد زاد أمر هذا الكافر، واليوم تكفنونه ويأخذه ~~الله؛ ثم سار، فلحقت الجماعة دهشة، ونظر بعضهم في وجوه بعض، ومر الشيخ، ~~فقالوا: المصلحة أننا نتبعه ونأخذه ونستعيده الحديث، لئلا يسمع مرداويج ما ~~جرى، فلا نلقى منه خيرا؛ فتبعوه فلم يروا أحدا. وكان مرداويج قد تجبر قبل ~~أن يقتل وعتا، وعمل له كرسيا من ذهب يجلس عليه، وعمل كراسي من فضة يجلس ~~عليها أكابر قواده، وكان قد عمل تاجا مرصعا على صفة تاج كسرى، وقد عزم على ~~قصد العراق والاستيلاء عليه، وبناء المدائن ودور كسرى ومساكنه، وأن يخاطب، ~~إذا فعل ذلك، بشاهنشاه، فأتاه أمر الله وهو غافل عنه، واستراح الناس من ~~شره، ونسأل الله تعالى أن يريح الناس من كل ظالم سريعا. ولما قتل مرداويج ~~اجتمع أصحابه الديلم والجيل وتشاوروا، وقالوا: إن بقينا بغير رأس هلكنا؛ ~~فاجتمعوا على طاعة أخيه وشمكير بن زيار، وهو والد قابوس، وكان بالري، ~~فحملوا تابوت مرداويج، وساروا نحو الري، فخرج من بها من أصحابه مع أخيه ~~وشمكير، فالتقوه على أربعة فراسخ مشاة، حفاة، وكان يوما مشهودا. وأما ~~أصحابه الذين كانوا بالأهواز وأعمالها فإنهم لما بلغهم الخبر كتموه، ms2843 وساروا ~~نحو الري، فأطاعوا وشمكير أيضا، واجتمعوا عليه. ولذما قتل مرداويج كان ركن ~~الدولة بن بويه رهينة عنده، كما ذكرناه، فبذل للموكلين مالا فأطلقوه، فخرج ~~إلى الصحراء ليفك قيوده، فأقبلت بغال عليها تبن، وعليها أصحابه وغلمانه، ~~فألقي التبن، وكسر أصحابه قيوده، وركبوا الدواب، ونجوا إلى أخيه عماد ~~الدولة بفارس. ### || AUT ذكر ما فعله الأتراك بعد قتله # لما قتل الأتراك مرداويج هربوا وافترقوا فرقتين، ففرقة سارت إلى عماد ~~لدولة بن بويه مع خجخج الذي سلمه توزون فيما بعد، وسنذكره. PageV03P0459 # وفرقة سارت نحو الجبل مع بجكم، وهي أكثرها، فجبوا خراج الدينور وغيرها، ~~وساروا إلى النهروان، فكاتبوا الراضي في المسير إلى بغداد، فأذن لهم، ~~فدخلوا بغداد، فظن الحجرية أنها حيلة عليهم، فطلبوا رد الأتراك إلى بلد ~~الجبل، فأمرهم ابن مقلة بذلك، وأطلق لهم مالا، فلم يرضوا به، وغضبوا، ~~فكاتبهم ابن رائق، وهو بواسط، وله البصرة أيضا، فاستدعاهم، فمضوا إليه، ~~وقدم عليهم بجكم، وأمره بمكاتبة الأتراك والديلم من أصحاب مرداويج، ~~فكاتبهم، فأتاه منهم عدة وافرة، فأحسن إليهم، وخلع عليهم، وإلى بجكم خاصة، ~~وأمره أن يكتب إلى الناس بجكم الرائقي، فأقام عنده، وكان من أمرهما ما نذكره. ### || AUT ذكر حال وشمكير بعد قتل أخيه # وأما وشمكير فإنه لما قتل أخوه، وقصدته العساكر التي كانت لأخيه، ~~وأطاعته، أقام بالري، فكتب الأمير نصر بن أحمد الساماني إلى أمير جيشه ~~بخراسان، محمد بن المظفر بن محتاج، بالمسير إلى قومس، وكتب إلى ما كان ابن ~~كالي، وهو بكرمان، بالمسير عنها إلى محمد بن المظفر، ليقصدوا جرجان والري. ~~فسار ما كان إلى الدامغان على المفازة، فتوجه إليه بانجين الديلمي، من ~~أصحاب وشمكير، في جيش كثيف، واستمد ما كان محمد بن المظفر، وهو ببسطام، ~~فأمده بجمع كثير أمرهم بترك المحاربة إلى أن يصل إليهم، فخالفوه وحاربوا ~~بانجين، فلم يتعاونوا، وتخاذلوا فهزمهم بانجين، فرجعوا إلى محمد بن المظفر، ~~وخرجوا إلى جرجان، فسار إليهم بانجين ليصدهم عنها، فانصرفوا إلى نيسابور ~~وأقاموا بها وجعلت ولايتها لما كان ابن كالي وأقام بها، وكان ذلك آخر ms2844 سنة ~~ثلاث وعشرين وأول سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. ولما سار ما كان عن كرمان عاد ~~إليها أبو علي محمد بن إلياس فاستولى عليها، وصفت له بعد حروب له مع جنود ~~نصر بكرمان، وكان الظفر له أخيرا، وسنذكر باقي خبرهم سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر القبض على ابني ياقوت # في هذه السنة، في جمادى الأولى، قبض الراضي بالله على محمد والمظفر ابني ~~ياقوت. وكان سبب ذلك أن الوزير أبا علي بن مقلة كان قد قلق لتحكم محمد بن ~~ياقوت في المملكة بأسرها، وأنه هو ليس له حكم في شيء، فسعى به الراضي، ~~وأدام السعاية، فبلغ ما أراده. فلما كان خامس جمادى الأولى ركب جميع القواد ~~إلى دار الخليفة على عادتهم، وحضر الوزير، وأظهر الراضي أنه يريد أن يقلد ~~جماعة من القواد أعمالا، وحضر محمد بن ياقوت للحجبة، ومعه كاتبه أبو إسحاق ~~القراريطي، فخرج الخدم إلى محمد بن ياقوت فاستدعوه إلى الخليفة، فدخل ~~مبادرا، فعدلوا به إلى حجرة هناك، فحبسوه فيها، ثم استدعوا القراريطي فدخل ~~فعدلوا به إلى حجرة أخرى، ثم استدعوا المظفر بن ياقوت من بيته، وكان ~~مخمورا، فحضر، فحبسوه أيضا. وأنفذ الوزير أبو علي بن مقلة إلى دار محمد ~~يحفظها من النهب، وكان ياقوت حينئذ مقيما بواسط، فلما بلغه القبض على ابنيه ~~انحدر يطلب فارس ليحارب ابن بويه، وكتب إلى الراضي يستعطفه، ويسأله إنفاذ ~~ابنيه ليساعداه على حروبه، فاستبد ابن مقلة بالأمر. ### || AUT ذكر حال البريدي # وفيها قوي أمر عبدالله البريدي، وعظم شأنه. وسبب ذلك أنه كان ضامنا ~~أعمال الأهواز، فلما استولى عليها عسكر مرداويج وانهزم ياقوت، كما ذكرنا، ~~عاد البريدي إلى البصرة، وصار يتصرف في أسافل أعمال الأهواز، مضافا إلى ~~كتابة ياقوت، وسار إلى ياقوت فأقام معه بواسط. فلما قبض على ابني ياقوت كتب ~~ابن مقلة إلى ابن البريدي يأمره أن يسكن ياقوتا، ويعرفه أن الجند اجتمعوا ~~وطلبوا القبض على ولديه، فقبضا تسكينا للجند، وأنهما يسيران إلى أبيهما عن ~~قريب، وأن الرأي أن يسير هو لفتح فارس، فسار ms2845 ياقوت من واسط على طريق السوس، ~~وسار البريدي على طريق الماء إلى الأهواز، وكان إلى أخويه أبي الحسين وأبي ~~يوسف ضمان السوس وجنديسابور، وادعيا أن دخل البلاد لسنة اثنتين وعشرين أخذه ~~عسكر مرداويج، وأن دخل سنة ثلاث وعشرين لا يحصل منه شيء لأن نواب مرداويج ~~ظلموا الناس، فلم يبق لهم ما يزرعونه. PageV03P0460 # وكان الأمر بضد ذلك في السنتين، فبلغ ذلك الوزير ابن مقلة، فأنفذ نائبا ~~له ليحقق الحال، فواطأ ابني البريدي، وكتب يصدقهم، فحصل لهم بذلك مال عظيم، ~~وقويت حالهم، وكان مبلغ ما أخذوه أربعة آلاف ألف دينار. وأشار ابن البريدي ~~على ياقوت بالمسير إلى أرجان لفتح فارس، وقام هو بجباية الأموال من البلاد، ~~فحصل منها ما أراد. فلما سار ياقوت إلى فارس في جموعه لقيه ابن بويه بباب ~~أرجان، فانهزم أصحاب ياقوت، وبقي إلى آخرهم، ثم انهزم وسار ابن بويه خلفه ~~إلى رامهرمز، وسار ياقوت إلى عسكر مكرم، وأقام ابن بويه برامهرمز إلى أن ~~وقع الصلح بينهما. ### || AUT ذكر فتنة الحنابلة ببغداد # وفيها عظم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون من دور القواد ~~والعامة، وإن وجدوا نبيذا أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة ~~الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، ومشى الرجال مع النساء والصبيان، فإذا ~~رأوا ذلك سألوه عن الذي معه من هو، فأخبرهم، وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب ~~الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة، فأرهجوا بغداد. فركب بدر الخرشني، وهو صاحب ~~الشرطة، عاشر جمادى الآخرة، ونادى في جانبي بغداد، في أصحاب أبي محمد ~~البربهاري الحنابلة، ألا يجتمع منهم اثنان ولا يتناظروا في مذهبهم ولا يصلي ~~منهم إمام إلا إذا جهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الصبح والعشاءين، ~~فلم يفد فيهم، وزاد شرهم وفتنتهم، واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون ~~المساجد، وكانوا إذا مر بهم شافعي المذهب أغروا به العميان، فيضربونه ~~بعصيهم، حتى يكاد يموت. فخرج توقيع الراضي بما يقرأ على الحنابلة ينكر ~~عليهم فعلهم، ويوبخهم باعتقاد التشبيه وغيره، فمنه تارة أنكم تزعمون أن ~~صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب ms2846 العالمين، وهيئتكم الرذلة على ~~هيئته، وتذكرون الكف والأصابع والرجلين والنعلين المذهبين، والشعر القطط، ~~والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، تبارك الله عما يقول الظالمون ~~والجاحدون، علوا كبيرا، ثم طعنكم على خيار الأئمة، ونسبتكم شيعة آل محمد، ~~صلى الله عليه وسلم، إلى الكفر والضلال، ثم استدعاؤكم المسلمين إلى الدين ~~بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن، وإنكاركم زيارة ~~قبور الأئمة، وتشنيعكم على زوارها بالابتداع، وأنتم مع ذلك تجتمعون على ~~زيارة قبر رجل من العوام ليس بذي شرف، ولا نسب، ولا سبب برسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، وتأمرون بزيارته، وتدعون له معجزات الأنبياء، وكرامات ~~الأولياء، فلعن الله شيطانا زين لكم هذه المنكرات، وما أغواه. وأمير ~~المؤمنين يقسم بالله قسما جهدا إليه يلزمه الوفاء به لئن لم تنتهوا عن ~~مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم ليوسعنكم ضربا وتشريدا، وقتلا وتبديدا، ~~وليستعملن السيف في رقابكم، والنار في منازلكم ومحالكم. ### || AUT ذكر قتل أبي العلاء بن حمدان # وفيها قتل ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن عبدالله بن حمدان عمه أبا ~~العلاء بن حمدان. وسبب ذلك أن أبا العلاء سعيد بن حمدان ضمن الموصل وديار ~~ربيعة سرا، وكان بها ناصر الدولة ابن أخيه أميرا، فسار عن بغداد في خمسين ~~رجلا، وأظهر أنه متوجه ليطلب مال الخليفة من ابن أخيه، فلما وصل إلى الموصل ~~خرج ابن أخيه إلى تلقيه، وقصد مخالفة طريقه، فوصل أبو العلاء، ودخل دار ابن ~~أخيه، وسأل عنه فقيل: إنه خرج إلى لقائك، فقعد ينتظره، فلما علم ناصر ~~الدولة بمقامه في الدار أنفذ جماعة من غلمانه، فقبضوا عليه ثم أنفذ جماعة ~~غيرهم فقتلوه. ### || AUT ذكر مسير ابن مقلة إلى الموصل وما كان بينه وبين ناصر الدولة # لما قتل ناصر الدولة عمه أبا العلاء واتصل خبره بالراضي عظم ذلك عليه ~~وأنكره، وأمر ابن مقلة بالمسير إلى الموصل، فسار إليها في العسكر، في ~~شعبان، فلما قارها رحل عنها ناصر الدولة بن حمدان، ودخل الزوزان، وتبعه ~~الوزير إلى جبل التنين، ثم عاد عنه وأقام بالموصل يجبي ms2847 مالها. PageV03P0461 # ولما طال مقامه بالموصل احتال بعض أصحاب ابن حمدان على ولد الوزير، وكان ~~ينوب عنه في الوزارة ببغداد، فبذل له عشرة آلاف دينار ليكتب إلى أبيه ~~يستدعيه، فكتب إليه يقول إن الأمور بالحضرة قد اختلت، وإن تأخر لم يأمن ~~حدوث ما يبطل به أمرهم، فانزعج الوزير لذلك، واستعمل على الموصل علي بن خلف ~~بن طباب وماكرد الديلمي، وهو من الساجية، وانحدر إلى بغداد منتصف شوال. ~~فلما فارق الموصل عاد إليها ناصر الدولة بن حمدان فاقتتل هو وماكرد ~~الديلمي، فانهزم ابن حمدان، ثم عاد وجمع عسكرا آخر، فالتقوا على نصيبين في ~~ذي الحجة، فانهزم ماكرد إلى الرقة، وانحدر منها إلى بغداد، وانحدر أيضا ابن ~~طباب، واستولى ابن حمدان على الموصل والبلاد، وكتب إلى الخليفة يسأله ~~الصفح، وأن يضمن البلاد، فأجيب إلى ذلك واستقرت البلاد عليه. ### || AUT ذكر فتح جنوة وغيرها # في هذه السنة سير القائم العلوي جيشا من إفريقية في البحر إلى ناحية ~~افرنج، ففتحوا مدينة جنوة ومروا بسردانية فأوقعوا بأهلها، وأحرقوا مراكب ~~كثيرة، ومروا بقرقيسيا فأحرقوا مراكبها وعادوا سالمين. ### || AUT ذكر القرامطة # في هذه السنة خرج الناس إلى الحج، فلما بلغوا القادسية اعترضهم أبو طاهر ~~القرمطي ثاني عشر ذي القعدة، فلم يعرفوه، فقاتله أصحاب الخليفة، وأعانهم ~~الحجاج، ثم التجأوا إلى القادسية، فخرج جماعة من العلويين بالكوفة إلى أبي ~~طاهر، فسألوه أن يكف عن الحجاج، فكف عنه من وشرط عليهم أن يرجعوا إلى ~~بغداد، فرجعوا، ولم يحج بهذه السنة من العراق أحد، وسار أبو طاهر إلى ~~الكوفة فأقام بها عدة أيام ورحل عنها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في المحرم، قلد الراضي بالله ولديه أبا جعفر وأبا الفضل ~~ناحيتي المشرق والمغرب مما بيده، وكتب بذلك إلى البلاد. وفيها، في ليلة ~~الثاني عشر من ذي القعدة، وهي الليلة التي أوقع القرمطي بالحجاج، انقضت ~~الكواكب من أول الليل إلى آخره انقضاضا دائما مسرفا جدا لم يعهد مثله. ~~وفيها مات أبو بكر محمد بن ياقوت، في الحبس، بنفث الدم، فأحضر القاضي ms2848 ~~والشهود، وعرض عليهم، فلم يروا به أثر ضرب ولا خنق، وجذبوا شعره فلم يكن ~~مسموما، فسلم إلى أهله، وأخذوا ماله وأملاكه ومعامليه ووكلاءه وكل من ~~يخالطه. وفيها كان بخراسان غلاء شديد، ومات من أهلها خلق كثير من الجوع، ~~فعجز الناس عن دفنهم، فكانوا يجمعون الغرباء والفقراء في دار إلى أن يتهيأ ~~لهم تكفينهم ودفنهم. وفيها جهز عماد الدولة بن بويه أخاه ركن الدولة الحسن ~~إلى بلاد الجبل، وسير معه العساكر بعد عوده لما قتل مرداويج، فسار إلى ~~أصبهان، فاستولى عليها، وأزال عنها وعن عدة من بلاد الجبل نواب وشمكير، ~~وأقبل وشمكير وجهز العساكر نحوه، وبقي هو ووشمكير يتنازعان تلك البلاد، وهي ~~أصبهان، وهمذان، وقم، وقاجان، وكرج، والري، وكنكور، وقزوين وغيرها. وفيها، ~~في آخر جمادى الآخرة، شغب الجند ببغداد، وقصدوا دار الوزير أبي علي بن مقلة ~~وابنه، وزاد شغبهم، فمنعهم أصحاب ابن مقلة، فاحتال الجند ونقبوا دار الوزير ~~من ظهرها، ودخلوها، وملكوها وهرب الوزير وابنه إلى الجانب الغربي، فلما سمع ~~الساجية بذلك ركبوا إلى دار الوزير، ورفقوا بالجند فردوهم، وعاد الوزير ~~وابنه إلى منازلهما. واتهم الوزير بإثارة هذه الفتنة بعض أصحاب ابن ياقوت، ~~فأمر فنودي أن لا يقيم أحد منهم بمدينة السلام، ثم عاود الجند الشغب حادي ~~عشر ذي الحجة، ونقبوا دار الوزير عدة نقوب، فقاتلهم غلمانه ومنعوهم، فركب ~~صاحب الشرطة، وحفظ السجون حتى لا تفتح، ثم سكنوا من الشغب. وفي هذه السنة ~~أطلق المظفر بن ياقوت من حبس الراضي بالله بشفاعة الوزير ابن مقلة، وحلف ~~للوزير أنه يواليه ولا ينحرف عنه، ولا يسعى له ولا لولده بمكروه، فلم يف له ~~ولا لولده ووافق الحجرية عليه، فجرى في حقه ما يكره. وكان المظفر حقد على ~~الوزير حين قتل أخوه لأنه اتهمه أنه سمه. PageV03P0462 # وفيها أرسل ابن مقلة رسولا إلى محمد بن رائق بواسط، وكان قد قطع الحمل عن ~~الخليفة، فطالبه بارتفاع البلاد واسط والبصرة وما بينهما، فأحسن إلى الرسل ~~وردهم برسالة ظاهرة إلى ابن مقلة مغالطة، وأخرى باطنة إلى الخليفة الراضي ms2849 ~~بالله وحده، مضمونها أنه إن استدعي إلى الحضرة وفوضت إليه الأمور وتدبير ~~الدولة قام بكل ما يحتاج إليه من نفقات الخليفة وأرزاق الجند، فلما سمع ~~الخليفة الرسالة لم يعد إليه جوابها. وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن ~~إبراهيم بن عبدويه بن سدوس الهذلي من ولد عتبة بن مسعود بالكوفة، وهو من ~~نيسابور، وإبراهيم بن محمد بن عرفة المعروف بنفطويه النحوي، وله مصنفات، ~~وهو من ولد المهلب بن أبي صفرة. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر القبض على ابن مقلة # ### || AUT ووزارة عبد الرحمن بن عيسى # لما عاد الرسل من عند ابن رائق بغير مال رأى الوزير أن يسير ابنه، ~~فتجهز، وأظهر أنه يريد الأهواز، فلما كان منتصف جمادى الأولى حضر الوزر دار ~~الراضي لينفذ رسولا إلى ابن رائق يعرفه عزمه على قصد الأهواز لئلا يستوحش ~~لحركته فيحتاط، فلما دخل الدار قبض عليه المظفر بن ياقوت والحجرية، وكان ~~المظفر قد أطلق من محبسه على ما نذكره. ووجهوا إلى الراضي يعرفونه ذلك، ~~فاستحسن فعلهم، واختفى أبو الحسين بن أبي علي بن مقلة وسائر أولاده وحرمه ~~وأصحابه، وطلب الحجرية والساجية من الراضي أن يستوزر وزيرا، فرد الأختيار ~~إليهم، فأشاروا بوزارة علي بن عسى، فأحضره الراضي للوزارة، فامتنع وأشار ~~بأخيه عبد الرحمن فاستوزره، وسلم إليه ابن مقلة فصادره وصرف بدرا الخرشني ~~عن الشرطة، ثم عجز عبد الرحمن عن تمشية الأمور وضاق عليه، فاستعفى من الوزارة. ### || AUT ذكر القبض على عبد الرحمن # ### || AUT ووزارة أبي جعفر الكرخي # لما ظهر عجز عبد الرحمن للراضي، ووقوف الأمور، قبض عليه وعلى أخيه علي ~~بن عيسى، فصادره على مائة ألف دينار، وصادر أخاه عبد الرحمن بسبعين ألف دينار. ### || AUT ذكر قتل ياقوت # وفي هذه السنة قتل ياقوت بعسكر مكرم. وكان سبب قتله ثقته بأبي عبدالله ~~البريدي فخانه، وقابل إحسانه بالإساءة على ما نذكره. وقد ذكرنا أن أبا ~~عبدالله ارتسم بكتابة ياقوت مع ضمان الأهواز، فلما كتب إليه وثق به وعول ~~على ما يقوله، وكان إذا ms2850 قيل له شيء في أمره وخوف من شره يقول: أن أبا ~~عبدالله ليس كما تظنون، لأنه لا يحدث نفسه بالإمرة، وقود العساكر، وإنما ~~غايته الكتابة. فاغتر بهذا منه. وكان، رحمه الله، سليم القلب، حسن ~~الاعتقاد، فلهذا لم يخرج عن طاعة الخليفة حين قبض على ولديه بل دام على ~~الوفاء. فأما حاله مع البريدي، فإنه لما عاد مهزوما من عماد الدولة بن بويه ~~إلى عسكر مكرم كتب إليه أبو عبدالله أن يقيم بعسكر مكرم ليستريح، ويقع ~~التدبير بعد ذلك، وكان بالأهواز، وهو يكره الاجتماع معه في بلد واحد، فسمع ~~ياقوت قوله وأقام، فأرسل إليه أخاه أبا يوسف البريدي يتوجع له ويهنيه ~~بالسلامة، وقرر القاعدة على أن يحمل له أخوه من مال الأهواز خمسين ألف ~~دينار، واحتج بأن عنده من الجند خلقا كثيرا منهم البربر، والشفيعية، ~~والنازوكية، والبليقية، والهارونية. كان ابن مقلة قد ميز هذه الأصناف من ~~عسكر بغداد وسيرهم إلى الأهواز ليخف عليه مؤونتهم، فذكر أبو يوسف أن هؤلاء ~~متى رأوا المال يخرج عنهم إليك شغبوا، ويحتاج أبو عبدالله إلى مفارقة ~~الأهواز، ثم يصير أمرهم إلى أنهم يقصدونك ولا نعلم كيف يكون الحال؛ ثم قال ~~له: إن رجالك مع سوء أثرهم يقنعون بالقليل. فصدقه ياقوت فيما قال، وأخذ ذلك ~~المال وفرقه، وبقي عدة شهور لم يصله منه شيء، إلى أن دخلت سنة أربع وعشرين ~~فضاق الرزق على أصحاب ياقوت، واستغاثوا، وذكروا ما فيه أصحاب البريدي ~~بالأهواز من السعة، وما هم فيه من الضيق. وكان قد اتصل بياقوت طاهر الجيلي، ~~وهو من كبار أصحاب ابن بويه، في ثمانمائة رجل، وهو من أرباب المراتب ~~العالية، وممن يسمو إلى معالي الأمور. PageV03P0463 # وسبب اتصاله به خوفه من ابن بويه أن يقبض عليه خوفا منه، فلما رأى حال ~~ياقوت انصرف عنه إلى غربي تستر، وأراد أن يتغلب على ماه البصرة، وكان معه ~~أبو جعفر الصيمري، وهو كاتبه، فسمع به عماد الدولة بن بويه، فكبسه، فانهزم ~~هو وأصحابه، واستولى ابن بويه على عسكره وغنمه، وأسر الصيمري، فأطلقه ms2851 ~~الخياط وزير عماد الدولة بن بويه، فمضى إلى كرمان، واتصل بالأمير معز ~~الدولة أبي الحسن بن بويه وكان ذلك سبب أقباله. فلما سار طاهر من عند ياقوت ~~ضعفت نفسه، واستطال عليه أصحابه، فخافهم، وراسل البريدي، وعرفه ما هو فيه، ~~وأعلمه أن معوله على ما يدبره به، فأنفذ إليه البريدي يقول: إن عسكرك قد ~~فسدوا، وفيهم من ينبغي أن يخرج، والرأي أن ينفذهم إليه ليستصلحهم، فإنه له ~~أشغال تمنعه أن يحضر عنده، ولبو حضر عنده، والجند مجتمعون، لم يتمكن منه ~~الانتصاف منهم لأنهم يظاهر بعضهم بعضا، وإذا حضروا عنده بالأهواز متفرقين ~~فعل بهم ما أراد ولا يمكنهم خلافه. ففعل ذلك ياقوت، وأنفذ أصحابه إليه، ~~فاختار منهم من أراد لنفسه، ورد من لا خير فيه إلى ياقوت، بعد أن كسرهم ~~وأسقط من أرزاقهم، فقيل ذلك لياقوت، فأشير عليه بمعاجلة البريدي قبل أن ~~يستفحل أمره، فلم يلتفت وقال: إنما جعلتهم عنده عدة لي. وأحسن البريدي إلى ~~من عنده من الجند، فقال أصحاب ياقوت له في ذلك، وطلوا أرزاقهم التي قررها ~~البريدي، فكتب إليه فلم ينفذ شيئا، فراجعه فلم ينفذ شيئا، فسار ياقوت إليه ~~جريدة لئلا يستوحش منه، فلما بلغه ذلك خرج إلى لقائه، وقبل يده وقدمه، ~~وأنزله داره، وقام بين يديه، وقدم بنفسه الطعام ليأكل. وكان قد وضع الجند ~~على إثارة الفتنة، فحضروا الباب وشغبوا واستغاثوا، فسأل ياقوت عن الخبر، ~~فقيل له: إن الجند بالأبواب قد شغبوا، ويقولون قد اصطلح ياقوت والبريدي، ~~ولا بد لنا من قتل ياقوت؛ فقال له البريدي: قد ترى ما دفعنا إليه، فانج ~~بنفسك وإلا قتلنا جميعا ! فخرج من باب آخر خائفا يترقب، ولم يفاتح البريدي ~~بكلمة واحدة، وعاد إلى عسكر مكرم؛ فكتب إليه البريدي يقول له: إن العسكر ~~الذين شغبوا قد اجتهدت في إصلاحهم وعجزت عن ذلك، ولست آمنهم أن يقصدوك، ~~وبين عسكر مكرم والأهواز ثمانية فراسخ، والرأي أن تتأخر إلى تستر لتبعد ~~عنهم، وهي حصينة؛ وكتب له على عامل تستر بخمسين ألف دينار. فسار ياقوت ~~إليها، وكان ms2852 له خادم اسمه مؤنس، فقال: أيها الأمير أن البريدي يحز مفاصلنا ~~ويفعل بنا ما ترى، وأنت مغتر به، وهو الذي وضع الجند بالأهواز حتى فعلوا ~~ذلك، وقد شرع في إبعادك بعد أن أخذ وجوه أصحابك، وقد أطلق لك ما لا يقو ~~بأود أصحابك الذين عندك، وما أعطاك ذلك أيضا إلا حتى تتبلغ به، وتضيق ~~الأرزاق علينا، ويفنى ما لنا من دابة وعدة فننصرف عنك على أقبح حال، فحينئذ ~~يبلغ منك ما يريده، فاحفظ نفسك منه، ولا تأمنه، ولم يثق للجند الحجرية ~~ببغداد شيخ غيرك، وقد كاتبوك، فسر إليهم، فكل من ببغداد يسلم إليك الرئاسة، ~~فإن فعلت، وإلا فسر بنا إلى الأهواز لنطرد البريدي عنها وإن كان أكثر منا، ~~فأنت أمير وهو كاتب. فقال: لا تقل في أبي عبدالله هذا، فلو كان لي أخ ما ~~زاد على محبته. ثم إن ياقوتا ظهر منه ما يدل على ضعفه وعجزه عن البريدي، ~~فضعفت نفوس أصحابه، وصار كل ليلة يمضي منهم طائفة إلى البريدي، فإذا قيل ~~ذلك لياقوت يقول: إلى كاتبي يمضون؛ فلم يزل كذلك حتى بقي ثمانمائة رجل. ثم ~~إن الراضي قبض على المظفر بن ياقوت في جمادى الأولى، وسجنه أسبوعا ثم أطلقه ~~وسيره إلى أبيه، فلما اجتمع به بتستر أشار عليه بالمسير إلى بغداد، فإن ~~دخلها فقد حصل له ما يريد، وإلا سار إلى الموصل وديار ربيعة فاستولى عليها، ~~فلم يسمع منه، ففارقه ولده إلى البريدي، فأكرمه وجعل مؤكلين يحفظونه. ~~PageV03P0464 # ثم إن البريدي خاف من عنده من أصحاب ياقوت أن يعاودوا الميل والعصبية له، ~~وينادوا بشعاره، فيهلك، فأرسل إلى ياقوت يقول له: إن كتاب الخليفة ورد علي ~~يأمرني أن لا أتركك تقيم بهذه البلاد، وما يمكنني مخالفة السلطان، وقد ~~أمرني أن أخيرك إما أن تمضي إلى حضرته في خمسة عشر غلاما، وإما إلى بلاد ~~الجبل ليوليك بعض الأعمال، فإن خرجت طائعا، وإلا أخرجتك قهرا. فلما وصلت ~~الرسالة إلى ياقوت تحير في أمره، واستشار مؤنسا غلامه، فقال له: قد نهيتك ~~عن البريدي وما ms2853 سمعت، وما بقي للرأي وجه؛ فكتب ياقوت يستمهله شهرا ليتأهب، ~~وعلم حينئذ خبث البريدي حيث لا ينفعه علمه. فلما وصل كتاب ياقوت يطلب ~~المهلمة أجابه أنه لا سبيل إلى المهلة، وسير العساكر من الأهواز إليه، ~~فأرسل ياقوت الجواسيس ليأتوه بالأخبار، فظفر البريدي بجاسوس، فأعطاه مالا ~~على أن يعود إلى ياقوت ويخبره أن البريدي وأصحابه قد وافوا عسكر مكرم، ~~ونزلوا في الدور متفرقين مطمئنين، فمضى الجاسوس وأخبر ياقوتا بذلك، فأحضر ~~مؤنسا وقال: قد ظفرنا بعدونا وكافر نعمتنا؛ وأخبره بما قال الجاسوس، وقال: ~~نسير من تستر العتمة، ونصبح عسكر مكرم وهو غارون، فنكبسهم في الدور، فإن ~~وقع البريدي فالله مشكور، وإن هرب اتبعناه. فقال مؤنس: ما أحسن هذا أن صح ~~وأن كان الجاسوس صادقا ! فقال ياقوت: إنه يحبني ويتولاني وهو صادق؛ فسار ~~ياقوت فوصل إلى عسكر مكرم طلوع الشمس، فلم ير للعسكر أثرا، فعبر البلد إلى ~~نهر جارود، وخيم هناك، وبقي يومه ولا يرى لعسكر البريدي أثرا، فقال له ~~مؤنس: إن الجاسوس كذبنا، وأنت تسمع كلام الكاذبين، وإنني خائف عليك. فلما ~~كان بعد العصر أقبلت عساكر البريدي، فنزلوا على فرسخ من ياقوت، وحجز بينهم ~~الليل، وأصبحوا الغد، فكانت بينهم مناوشة، واتعدوا للحرب الغد. وكان ~~البريدي قد سير عسكرا من طريق أخرى ليصيروا وراء ياقوت من حيث لا يشعر، ~~فيكون كمينا يظهر عند القتال فهم ينتظرونه، فلما كان الموعد باكروا القتال، ~~فاقتتلوا من بكرة إلى الظهر، وكان عسكر البريدي قد أشرف على الهزيمة مع ~~كثرتهم، وكان مقدمهم أبا جعفر الحمال. فلما جاء الظهر ظهر الكمين من وراء ~~عسكر ياقوت، فرد إليهم مؤنسا في ثلاثمائة رجل، فقاتلهم وهم في ثلاثة آلاف ~~رجل، فعاد مؤنس منهزما، فحينئذ انهزم أصحاب ياقوت، وكانوا، سوى الثلاثمائة، ~~خمسمائة، فلما رأى ياقوت ذلك نزل عن دابته، وألقى سلاحه، وجلس بقميص إلى ~~جانب جدار رباط. ولو دخل الرباط واستتر فيه لخفي أمره، وكان أدركه الليل، ~~فربما سلم، ولكن الله إذا أراد أمرا هيأ أسبابه، وكان أمر الله قدرا ~~مقدورا. فلما جلس ms2854 مع الحائط غطى وجهه بكمه، ومد يده كأنه يتصدق ويستحيي أن ~~يكشف وجهه، فمر به قوم من البربر من أصحاب البريدي فأنكروه، فأمروه بكشف ~~وجهه فامتنع، فنخسه أحدهم بمزارق معه، فكشف وجهه وقال: أنا ياقوت، فما ~~تريدون مني ؟ احملوني إلى البريدي؛ فاجتمعوا عليه فقتلوه وحملوا رأسه إلى ~~العسكر، وكتب أبو جعفر الحمال كتابا إلى البريدي على جناح طائر يستأذنه في ~~حمل رأسه إلى العسكر، فأعاد الجواب بأعادة الرأس إلى الجثة وتكفينه ودفنه، ~~وأس غلامه مؤنس وغيره من قواده فقتلوا، وأرسل البريدي إلى تستر فحمل ما ~~فيها لياقوت من جوار ومال وغير ذلك، فلم يظهر لياقوت غير اثني عشر ألف ~~دينار، فحمل الجميع إليه، وقبض على المظفر بن ياقوت فبقي في حبس البريدي ~~مدة ثم نفذه إلى بغداد. وتجبر البريدي بعد قتل ياقوت وعصى، وقد أطلنا في ~~ذكر هذه الحادثة وأنما ذكرناها على طولها لما فيها من الأسباب المحرضة على ~~الاحتياط والاحتراز، فإنها من أولها إلى آخرها فيها تجارب وأمور يكثر وقوع مثلها. ### || AUT ذكر عزل أبي جعفر # ### || AUT ووزارة سليمان بن الحسن # لما تولى الوزير أبو جعفر الكرخي، على ما تقدم، رأى قلة الأموال وانقطاع ~~المواد، فازداد عجزا إلى عجزه، وضاق عليه الأمر. PageV03P0465 # وما زالت الإضافة تزيد، وطمع من بين يديه من المعاملين فيما عنده من ~~الأموال، وقطع ابن رائق حمل واسط والبصرة، وقطع البريدي حمل الأهواز ~~وأعمالها، وكان ابن بويه قد تغلب على فارس، فتحير أبو جعفر، وكثرت ~~المطالبات عليه، ونقصت هيبته، واستتر بعد ثلاثة أشهر ونصف من وزارته، فلما ~~استتر استوزر الراضي أبا القاسم سليمان بن الحسن، فكان في الوزارة كأبي ~~جعفر في وقوف الحال وقلة المال. ### || AUT ذكر استيلاء ابن رائق على أمر العراق وتفرق البلاد # لما رأى الراضي وقوف الحال عنده ألجأته الضرورة إلى أن راسل أبا بكر ~~محمد بن رائق، وهو بواسط، يعرض عليه إجابته إلى ما كان بذله من القيام ~~بالنفقات وأرزاق الجند ببغداد، فلما أتاه الرسول بذلك فرح به، وشرع يتجهز ~~للمسير إلى ms2855 بغداد، فأنفذ إليه الراضي الساجية، وقلده إمارة الجيش، وجعله ~~أمير الأمراء، وولاه الخراج والمعاون في جميع البلاد والدواوين، وأمر بأن ~~يخطب له على جميع المنابر، وأنفذ إليه الخلع. وانحدر إليه أصحاب الدواوين ~~والكتاب والحجاب، وتأخر الحجرية عن الانحدار، فلما استقر الذين انحدروا إلى ~~واسط قبض ابن رائق على الساجية سابع ذي الحجة، ونهب رحلهم ومالهم ودوابهم، ~~وأظهر أنه إنما فعل ذلك لتتوفر أرزاقهم على الحجرية، فاستوحش الحجرية من ~~ذلك وقالوا: اليوم لهؤلاء وغدا لنا؛ وخيموا بدار الخليفة، فأصعد ابن رائق ~~إلى بغداد ومعه بجكم، وخلع الخليفة عليه أواخر ذي الحجة، وأتاه الحجرية ~~يسلمون عليه، فأمرهم بقلع خيامهم، فقلعوها وعادوا إلى منازلهم. وبطلت ~~الدواوين من ذلك الوقت، وبطلت الوزارة، فلم يكن الوزير ينظر في شيء من ~~الأمور إنما كان ابن رائق وكاتبه ينظران في الأمور جميعها، وكذلك كل من ~~تولى إمرة الأمراء بعده، وصارت الأموال تحمل إلى خزائنهم فيتصرفون فيها كما ~~يريدون ويطلقون للخليفة ما يريدون، وبطلت بيوت الأموال، وتغلب أصحاب ~~الأطراف، وزالت عنهم الطاعة، ولم يبق للخليفة غير بغداد وأعمالها، والحكم ~~في جميعها لابن رائق ليس للخليفة حكم. وأما باقي الأطراف فكانت البصرة في ~~يد ابن رائق؛ وخوزستان في يد البريدي؛ وفارس في يد عماد الدولة بن بويه؛ ~~وكرمان في يد أبي علي محمد بن إلياس؛ والري وأصبهان والجبل في يد ركن ~~الدولة بن بويه ويد وشمكر أخي مرداوجي يتنازعان عليها؛ والموصل وديار بكر ~~ومضر وربيعة في يد بني حمدان؛ ومصر والشام في يد محمد بن طغج؛ والمغرب ~~وإفريقية في يد أبي القاسم القائم بأمر الله بن المهدي العلوي، وهو الثاني ~~منهم، ويلقب بأمير المؤمنين؛ والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمد الملقب ~~بالناصر الأموي؛ وخراسان وما وراء النهر في يد نصر بن أحمد الساماني؛ ~~وطبرستان وجرجان في يد الديلم؛ والبحرين واليمامة في يد أبي طاهر القرمطي. ### || AUT ذكر مسير معز الدولة بن بويه إلى كرمان وما جرى عليه بها # في هذه السنة سار أبو الحسين أحمد بن بويه، الملقب ms2856 بمعز الدولة، إلى ~~كرمان. وسبب ذلك أن عماد الدولة بن بويه وأخاه ركن الدولة لما تمكنا من ~~بلاد فارس وبلاد الجبل، وبقي أخوهما الأصغر أبو الحسين أحمد بغير ولاية ~~يستبد بها، رأيا أن يسيراه إلى كرمان، ففعلا ذلك، وسار إلى كرمان في عسكر ~~ضخم شجعان،؛ فلما بلغ السيرجان استولى عليها، وجبى أموالها وأنفقها في ~~عسكره. وكان إبراهيم بن سيمجور الدواتي يحاصر محمد بن إلياس بن أليسع بقلعة ~~هناك، بعساكر نصر بن أحمد صاحب خراسان، فلما بلغه إقبال معز الدولة سار عن ~~كرمان إلى خراسان، ونفس عن محمد بن إلياس، فتخلص من القلعة، وسار إلى مدينة ~~بم، وهي على طرف المفازة بين كرمان وسجشستان، فسار إليه أحمد بن بويه، فرحل ~~من مكانه إلى سجستان بغير قتال، فستار أحمد إلى جيرفت، وهي قصبة كرمان، ~~واستخلف على بم بعض أصحابه. PageV03P0466 # فلما قارب جيرفت أتاه رسول علي بن الزنجي المعروف بعلي كلويه، وهو رئيس ~~القفص، والبلوص، وكان هو وأسلافه متغلبين على تلك الناحية، إلا أنهم ~~يجاملون كل سلطان يرد البلاد، ويطيعونه، ويحملون إليه مالا معلوما ولا ~~يطأون بساطه، فبذل لابن بويه ذلك المال، فامتنع أحمد من قبوله إلا بعد ~~جيرفت، فتأخر علي بن كلويه نحو عشرة فراسخ، ونزل بمكان صعب المسلك، ودخل ~~أحمد بن بويه جيرفت واصطلح هو وعلي، وأخذ رهائنه وخطب له. فلما استقر الصلح ~~وانفصل الأمر أشار بعض أصحاب ابن بويه عليه بأن يقصد عليا ويغدر به، ويسري ~~إليه سرا على غفلة، وأطمعه في أمواله، وهون عليه أمره بسكونه إلى الصلح، ~~فأصغى الأمير أبو الحسين أحمد إلى ذلك، لحداثة سنه، وجمع أصحابه وأسرى ~~نحوهم جريدة. وكان علي محترزا ومن معه قد وضعوا العيون على ابن بويه، فساعة ~~تحرك بلغته الأخبار، فجمع أصحابه ورتبهم بمضيق على الطريق، فلما اجتاز بهم ~~ابن بويه ثاروا به ليلا من جوانبه، فقتلوا في أصحابه، وأسروا، ولم يفلت ~~منهم إلا اليسير، ووقعت بالأمير أبي الحسين ضربات كثيرة، ووقعت ضربة منها ~~في يده اليسرى فقطعتها من نصف الذراع، وأصاب ms2857 يده اليمنى ضربة أخرى سقط منها ~~بعض أصابعه، وسقط مثخنا بالجراح بين القتلى، وبلغ الخبر بذلك إلى جيرفت ~~فهرب كل من كان بها من أصحابه. ولما أصبح علي كلويه تتبع القتلى، فرأى ~~الأمير أبا الحسين قد أشرف على التلف، فحمله إلى جيرفت، وأحضر له الأطباء، ~~وبالغ في علاجه، واعتذر إليه، وأنفذ رسله يعتذر إلى أخيه عماد الدولة بن ~~بويه، ويعرفه غدر أخيه، ويبذل من نفسه الطاعة، فأجابه عماد الدولة إلى ما ~~بذله، واستقر بينهما الصلح، وأطلق علي كل من عنده من الأسرى وأحسن إليهم. ~~ووصل الخبر إلى محمد بن إلياس بما جرى على أحمد بن بويه، فسار من سجستان ~~إلى البلد المعروف بجنابة، فتوجه إليه ابن بويه، وواقعه ودامت الحرب بينهما ~~عدة أيام، فانهزم ابن إلياس، وعاد أحمد بن بويه ظافرا، وسار نحو علي كلويه ~~لينتقم منه، فلما قاربه أسرى إليه في أصحابه الرجالة، فكبسوا عسكره ليلا في ~~ليلة شديدة المطر، فأثروا فيهم وقتلوا ونهبوا وعادوا، وبقي ابن بويه باقي ~~ليلته؛ فلما أصبح سار نحوهم، فقتل منهم عددا كثيرا، وانهزم علي كلويه. وكتب ~~ابن بويه إلى أخيه عماد الدولة بما جرى له معه ومع ابن إلياس وهزيمته، ~~فأجابه أخوه يأمره بالوقوف بمكانه ولا يتجاوزه، وأنفذ إليه قائدا من قواده ~~يأمره بالعود إليه إلى فارس، ويلزمه بذلك، فعاد إلى أخيه، وأقام عنده ~~بإصطخر إلى أن قصدهم أبو عبدالله البريدي منهزما من ابن رائق وبجكم، فأطمع ~~عماد الدولة في العراق، وسهل عليه ملكه، فسير معه أخاه معز الدولة أبا ~~الحسين، على ما نذكره سنة ست وعشرين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر استيلاء ما كان على جرجان # وفي هذه السنة استولى ما كان بن كالي على جرجان. وسبب ذلك أننا ذكرنا ~~أولا ما كان لما عاد من جرجان أقام بنيسابور، وأقام بانجين بجرجان، فلما ~~كان بعد ذلك خرج بانجين يلعب بالكرة، فسقط عن دابته فوقع ميتا. وبلغ خبره ~~ما كان بن كالي، وهو بنيسابور، وكان قد استوحش من عارض جيش خراسان، فاحتج ~~على محمد بن ms2858 المظفر صاحب الجيش بخراسان بأن بعض أصحابه قد هرب منه، وأنه قد ~~يخرج في طلبه، فأذن له في ذلك، وسار عن نيسابور إلى أسفرايين، فأنفذ جماعة ~~من عسكره إلى جرجان واستولوا عليها، فأظهر العصيان على محمد بن المظفر، ~~وسار من أسفرايين إلى نيسابور، مغافصة، وبها محمد بن المظفر، فخذل محمدا ~~أصحابه ولم يعاونوه، وكان في قلة من العسكر غير مستعد له، فسار نحو سرخس، ~~وعاد ما كان من نيسابور خوفا من اجتماع العساكر عليه، وكان ذلك في شهر ~~رمضان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر وزراة الفضل بن جعفر للخليفة # وفيها كتب ابن رائق كتابا عن الراضي إلى أبي الفتح الفضل بن جعفر بن ~~الفرات يستدعيه ليجعله وزيرا، وكان يتولى الخراج بمصر والشام؛ وظن ابن رائق ~~أنه إذا استوزره جبى له أموال الشام ومصر، فقدم إلى بغداد، ونفذت له الخلع ~~قبل وصوله، فلقيته بهيت، فلبسها ودخل بغداد، وتولى وزراة الخليفة ووزارة ~~ابن رائق جميعا. PageV03P0467 ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قلد الراضي محمد بن طغج أعمال مصر مضافا إلى ما بيده من ~~الشام، وعزل أحمد بن كيغلغ عن مصر. وفيها انخسف القمر جميعه ليلة الجمعة ~~لأربع عشرة خلت من ربيع الأول، وانخسف جميعه أيضا لأربع عشرة خلت من شوال. ~~وفيها قبض على أبي عبدالله بن عبدوس الجهشياري، وصودر على مائتي ألف دينار. ~~وفيها ولد عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو بن ركن الدولة أبي علي الحسن بن ~~بويه بأصبهان. وفيها توفي أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك، ~~المعروف بجحظه، وله شعر مطبوع، وكان عارفا بفنون شتى من العلوم. وفيها توفي ~~أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد في شعبان، وكان إماما في معرفة ~~القراءات؛ وعبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلس أبو الحسن الفقيه الظاهري، ~~صاحب التصانيف المشهورة. وفيها توفي عبدالله بن محمد بن زياد بن واصل أبو ~~بكر النيسابوري الفقيه الشافعي في ربيع الأول، وكان مولده سنة ثمان وثلاثين ~~ومائتين، وكان ms2859 قد جالس الربيع بن سليمان والمزني ويونس بن عبد الأعلى أصحاب ~~الشافعي، وكان إماما. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وعشرين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر مسير الراضي بالله إلى حرب البريدي # في هذه السنة أشار محمد بن رائق على الراضي بالله بالانحدار معه إلى ~~واسط ليقرب من الأهواز، ويراسل أبا عبدالله بن البريدي، فإن أجاب إلى ما ~~يطلب منه، وإلا قرب قصده عليه، فأجاب الراضي إلى ذلك، وانحدر أول المحرم، ~~فخالف الحجرية وقالوا: هذه حيلة علينا ليعمل بنا مثل ما عمل بالساجية؛ فلم ~~يلتفت ابن رائق إليهم، وانحدر، وتبعه بعضهم، ثم انحدروا بعده، فلما صاروا ~~بواسط اعترضهم ابن رائق، فأسقط أكثرهم، فاضطروا وثاروا، فقاتلهم قتالا ~~شديدا، فانهزم الحجرية، وقتل منهم جماعة. ولما وصل المنهزمون إلى بغداد ركب ~~لؤلؤ صاحب الشرطة ببغداد ولقيهم، فأوقع بهم، فاستتروا، فنهبت دورهم، وقبضت ~~أموالهم وأملاكهم، وقطعت أرزاقهم. فلما فرغ منهم ابن رائق قتل من كان ~~اعتقله من الساجية سوى صافي الخازن، وهارون بن موسى، فلما فرغ أخرج مضاربه ~~ومضار الراضي نحو الأهواز لإجلاء ابن البريدي عنها، فأرسل إليه في معنى ~~تأخير الأموال، وما قد ارتكبه من الاستبداد بها وإفساد الجيوش وتزيين ~~العصيان لهم، إلى غير ذلك من ذكر معايبه، ثم يقول بعد ذلك: وإنه إن حمل ~~الواجب عليه وسلم الجند الذين أفسدهم أقر على عمله، وإن أبى قوبل بما ~~استحقه. فلما سمع الرسالة جدد ضمان الأهواز، كل سنة بثلاثمائة وستين ألف ~~دينار، يحمل كل شهر بقسطه، وأجاب إلى تسليم الجيش إلى من يؤمر بتسليمه إليه ~~ممن يسير به إلى قتال ابن بويه، إذ كانوا كارهين للعود إلى بغداد لضيق ~~الأموال بها واختلاف الكلمة، فكتب الرسل ذلك إلى ابن رائق، فعرضه على ~~الراضي، وشاور فيه أصحابه، فأشار الحسين بن علي النوبختي بأن لا يقبل منه ~~ذلك، فإنه خداع ومكر للقرب منه، ومتى عدتم عنه لم يقف على ما بذله. وأشار ~~أبو بكر بن مقابل بإجابته إلى ما التمس من الضمان، وقال: إنه لا يقوم غيره ~~مقامه، وكان يتعصب ms2860 للبريدي، فسمع قوله وعقد الضمان على البريدي وعاد هو ~~والراضي إلى بغداد، فدخلاها ثامن صفر. فأما المال فما حمل منه دينارا ~~واحدا، وأما الجيش فإن ابن رائق أنفذ جعفر بن ورقاء ليتسلمه منه وليسير بهم ~~إلى فارس، فلما وصل إلى الأهواز لقيه ابن البريدي في الجيش جمعيه، ولما عاد ~~سار الجيش مع البريدي إلى داره واستصحب معه جعفرا وقدم لهم طعاما كثيرا، ~~فأكلوا وانصرفوا، وأقام جعفر عدة أيام. ثم إن جعفرا أمر الجيش فطالبوه بمال ~~يفرقه فيهم ليتجهزوا به إلى فارس، فلم يكن معه شيء، فشتموه وتهددوه بالقتل، ~~فاستتر منهم ولجأ إلى البريدي، وقال له البريدي: ليس العجب ممن أرسلك، ~~وإنما العجب منك كيف جئت بغير شيء، فلو أن الجيش مماليك لما ساروا إلا بمال ~~ترضيهم به؛ ثم أخرجه ليلا وقال: انج بنفسك؛ فسار إلى بغداد خائبا. ~~PageV03P0468 # ثم إن ابن مقاتل شرع مع ابن رائق في عزل الحسين بن علي النوبختي وزيره، ~~وأشار عليه بالاعتضاد بالبريدي، وأن يجعله وزيرا له عوض النوبختي، وبذل له ~~ثلاثين ألف دينار، فلم يجبه إلى ذلك، فلم يزل ابن مقاتل يسعى ويجتهد إلى أن ~~أجابه إليه، فكان من أعظم الأسباب في بلوغ ابن مقاتل غرضه أن النوبختي كان ~~مريضا، فلما تحدث ابن مقاتل مع ابن رائق في عزله امتنع من ذلك، وقال له: ~~علي حق كثير، هو الذي سعى لي حتى بلغت هذه الرتبة، فلا أبتغي به بديلا. ~~فقال ابن مقاتل: فإن النوبختي مريض لا مطمع في عافيته. قال له ابن رائق: ~~فإن الطبيب قد أعلمني أنه قد صلح وأكل الدراج. فقال: إن الطبيب يعلم منزلته ~~منك وأنه وزير الدولة فلا يلقاك في أمره بما تكره، ولكن أحضر ابن أخي ~~النوبختي وصهره علي بن أحمد واسأله عنه سرا، فهو يخبرك بحاله. فقال: أفعل. ~~وكان النوبختي قد استناب ابن أخيه هذا عند ابن رائق ليقوم بخدمته في مرضه، ~~ثم إن مقاتل فارق ابن رائق على هذا، واجتمع بعلي بن أحمد وقال له: قد قررت ~~لك مع ms2861 الأمير ابن رائق الوزارة، فإذا سألك عن عمك فأعلمه أنه على الموت ولا ~~يجيء منه شيء لتتم لك الوزارة. فلما اجتمع ابن رائق بعلي بن أحمد سأله عن ~~عمه، فغشي عليه، ثم لطم برأسه ووجهه وقال: يبقي الله الأمير ويعظم أجره ~~فيه، فلا يعده الأمير إلا في الأموات ! فاسترجع وحوقل وقال: لو فدي بجميع ~~ما أملكه لفعلت. فلما حضر عنده ابن مقاتل قال له ابن رائق: قد كان الحق ~~معك، وقد يئسنا من النوبختي فاكتب إلى البريدي ليرسل من ينوب عنه في ~~وزارتي؛ ففعل وكتب إلى البريدي بإنفاذ أحمد بن علي الكوفي لينوب عنه في ~~وزارة ابن رائق، فأنفذه، فاستولى على الأمور، وتمشى حال البريدي بذلك، فإن ~~النوبختي كان عارفا به لا يتمشى معه محاله. فلما استولى الكوفي وابن مقاتل ~~شرعا في تضمين البصرة من أبي يوسف ابن البريدي، أخي أبي عبدالله، فامتنع ~~ابن رائق من ذلك، فخدعاه إلى أن أجاب إليه، وكان نائب ابن رائق بالبصرة ~~محمد بن يزداد، وقد أساس السيرة وظلم أهلها، فلما ضمنها البريدي حضر عنده ~~بالأهواز جماعة من أعيان أهلها، فوعدهم ومناهم، وذم ابن رائق عندهم بما كان ~~يفعله ابن يزداد، فدعوا له. ثم أنفذ البريدي غلامه إقبالا في ألفي رجل، ~~وأمرهم بالمقام بحصن مهدي إلى أن يأمرهم بما يفعلون، فلما علم ابن يزداد ~~بهم قامت قيامته من ذلك وعلم أن البريدي يريد التغلب على البصرة، وإلا لو ~~كان يريد التصرف في ضمانه لكان يكفيه عامل في جماعته. وأمر البريدي بإسقاط ~~بعض ما كان ابن يزداد يأخذه من أهل البصرة، حتى اطمأنوا، وقاتلوا معه عسكر ~~ابن رائق، ثم عطف عليهم، فعمل بهم أعمالا تمدنوا معها أيام ابن رائق وعدوها أعيادا. ### || AUT ذكر ظهور الوحشة بين ابن رائق والبريدي والحرب بينهما # في هذه السنة أيضا ظهرت الوحشة بين ابن رائق والبريدي، وكان لذلك عدة ~~أسباب منها أن رائق لما عاد من واسط إلى بغداد أمر بظهور من اختفى من ~~الحجريين، فظهروا، فاستخدم منهم نحو ألفي رجل، ms2862 وأمر الباقين بطلب الرزق أين ~~أرادوا، فخرجوا من بغداد، واجتمعوا بطريق خراسان، ثم ساروا إلى أبي عبدالله ~~البريدي فأكرمهم وأحسن إليهم، وذم ابن رائق وعابه، وكتب إلى بغداد يعتذر عن ~~قبولهم، ويقول: إنني خفتهم، فلهذا قبلتهم، وجعلهم طريقا إلى قطع ما استقر ~~عليه من المال، وذكر أنهم اتفقوا مع الجيش الذي عنده ومنعوه من حمل المال ~~الذي استقر عليه، فأنفذ إليه ابن رائق يلزمه بإبعاد الحجرية، فاعتذر ولم ~~يفعل. ومنها أن ابن رائق بلغه ما ذمه به ابن الريدي عند أهل البصرة، فساءه ~~ذلك، وبلغه مقام إقبال في جيشه بحصن مهدي، فعظم عليه، واتهم الكوفي بمحاباة ~~البريدي، وأراد عزله، فمنعه عنه أبو بكر محمد بن مقاتل، وكان مقبول القول ~~عند ابن رائق، فأمر الكوفي أن يكتب إلى البريدي يعاتبه على هذه الأشياء، ~~ويأمره بإعادة عسكره من حصن مهدي، فكتب إليه في ذلك، فأجاب بأن أهل البصرة ~~يخفون القرامطة، وابن يزداد عاجز عن حمايتهم، وقد تمسكوا بأصحابي لخوفهم. ~~PageV03P0469 # وكان أبو طاهر الهجري قد وصل إلى الكوفة في الثالث والعشرين من ربيع ~~الآخر، فخرج ابن رائق في عساكره إلى قصر ابن هبيرة، وأرسل إلى القرمطي، فلم ~~يستقر بينهم أمر، فعاد القرمطي إلى بلده؛ فعاد حينئذ ابن رائق وسار إلى ~~واسط، فبلغ ذلك البريدي، فكتب إلى عسكره بحصن مهدي يأمرهم بدخول البصرة، ~~وقتال من منعهم، وأنفذ إليهم جماعة من الحجرية معونة لهم، فأنفذ ابن يزداد ~~جماعة من عنده ليمنعهم من دخول البصرة، فاقتتلوا بنهر الأمير، فانهزم أصحاب ~~ابن يزداد، فأعادهم، وزاد في عدتهم كل متجند بالبصرة، واقتتلوا ثانيا ~~فانهزموا أيضا. ودخل إقبال وأصحاب البريدي البصرة، وانهزم ابن يزداد إلى ~~الكوفة، وقامت القيامة على ابن رائق، وكتب إلى أبي عبدالله البريدي يتهدده، ~~ويأمره بإعادة أصحابه من البصرة، فاعتذر ولم يفعل، وكان أهل البصرة في أول ~~الأمر يريدون البريدي لسوء سيرة ابن يزداد. ### || AUT ذكر استيلاء بجكم على الأهواز # لما وصل جواب الرسالة من البريدي إلى ابن رائق بالمغالطة عن إعادة جنده ~~من البصرة، استدعى ms2863 بدرا الخرشني وخلع عليه، وأحضر بجكم أيضا وخلع عليه، ~~وسيرهما في جيش، وأمرهم أن يقيموا بالجامدة، فبادر بجكم، ولم يتوقف على بدر ~~ومن معه، وسار إلى السوس. فبلغ ذلك البريدي، فأخرج إليه جيشا كثيفا في ~~ثلاثة آفلا مقاتل، ومقدمهم غلامه محمد المعروف بالحمال، فاقتتلوا بظاهر ~~السوس، وكان مع بجكم مائتان وسبعون رجلا من الأتراك، فانهزم أصحاب البريدي ~~وعادوا إليه، فضرب البريدي محمدا الحمال وقال: انهزمت بثلاثة آلاف من ~~ثلاثمائة ؟ فقال له: أنت ظننت أنك تحارب ياقوتا المدبر، قد جاءك خلاف ما ~~عهدت؛ فقام إليه وجعل يلكمه بيديه. ثم رجع عسكره، وأضاف إليهم من لم يشهد ~~الوقعة، فبلغوا ستة آلاف رجل، وسيرهم مع الحمال أيضا، فالتقوا عند نهر ~~تستر، فبادر بجكم فعبر النهر هو وأصحابه، فلما رآه أصحاب البريدي انهزموا ~~من غير حرب، فلما رآهم أبو عبدالله البريدي ركب هو وإخوته ومن يلزمه في ~~السفن، فأخذ معه ما بقي عنده من المال، وهو ثلاثمائة ألف دينار، فغرقت ~~السفينة بهم، فأخرجهم الغواصون وقد كادوا يغرقون، وأخرج بعض المال، وأخرج ~~باقي المال لبجكم، ووصلوا إلى البصرة، فأقاموا بالأبلة، وأعدوا المراكب ~~للهرب أن انهزم إقبال. وسير أبو عبدالله البريدي غلامه إقبالا إلى مطارا، ~~وسير معه جمعا من فتيان البصرة، فالتقوا بمطارا مع أصحاب ابن رائق، فانهزمت ~~الرائقية، وأسر منهم جماعة، فأطلقهم البريدي، وكتب إلى ابن رائق يستعطفه، ~~وأرسل إليه جماعة من أعيان أهل البصرة، فلم يجبهم، وطلبوا منه أن يحلف لأهل ~~البصرة ليكونوا معه، ويساعدوه، فامتنع وحلف لئن ظفر بها ليحرقنها، ويقتل كل ~~من فيها، فازدادوا بصيرة في قتاله. واطمأن البريديون بعد انهزام عسكر ابن ~~رائق، وأقاموا حينئذ بالبصرة، واستولى بجكم على الأهواز، فلما بلغ ابن رائق ~~هزيمة أصحابه جهز جيشا آخر وسيره إلى البر والماء، فالتقى عسكره الذي على ~~الظهر مع عسكر البريدي، فانهزم الرائقية، وأما العسكر الذي في الماء فإنهم ~~استولوا على الكلاء، فلما رأى ذلك أبو عبدالله البريدي ركب في السفن وهرب ~~إلى جزيرة أوال، وترك أخاه أبا الحسين بالبصرة في ms2864 عسكر يحميها، فخرج أهل ~~البصرة مع أبي الحسين لدفع عسكر ابن رائق عن الكلاء، فقاتلوهم حتى أجلوهم ~~عنه. فلما اتصل ذلك بابن رائق سار بنفسه من واسط إلى البصرة على الظهر، ~~وكتب إلى بجكم ليلحق به، فأتاه فيمن عنده من الجند، فتقدموا وقاتلوا أهل ~~البصرة، فاشتد القتال، وحامى أهل البصرة، وشتموا ابن رائق، فلما رأى بجكم ~~ذلك هاله، وقال لابن رائق: ما الذي عملت بهؤلاء القوم حتى أحوجتهم إلى هذا ~~؟ فقال: والله لا أدري ! وعاد ابن رائق وبجكم إلى معسكرهما. وأما أبو ~~عبدالله البريدي فأنه سار من جزيرة أوال إلى عماد الدولة ابن بويه، واستجار ~~به، وأطمعه في العراق، وهون عليه أمر الخليفة وإبن رائق، فنفذ معه أخاه معز ~~الدولة على ما نذكره. فلما سمع ابن رائق بإقبالهم من فارس إلى الأهواز سير ~~بجكم إليها، فامتنع من المسير إلا أن يكون إليه الحرب والخراج، فأجابه إلى ~~ذلك وسيره إليها. PageV03P0470 # ثم إن جماعة من أصحاب البريدي قصدوا عسكر ابن رائق ليلا، فصاحوا في ~~جوانبه، فانهزموا، فلما رأى ابن رائق ذلك أمر بإحراق سواده وآلاته لئلا ~~يغنمه البريدي، وسار إلى الأهواز جريدة، فأشار جماعة على بجكم بالقبض عليه ~~فلم يفعل، وأقام ابن رائق أياما، وعاد إلى واسط، وكان باقي عسكره قد سبقوه إليها. ### || AUT ذكر الفتنة بين أهل صقلية وأمرائهم # في هذه السنة خالف أهل جرجنت، وهي من بلاد صقلية، على أميرهم سالم بن ~~راشد، وكان استعمله عليهم القائم العلوي، صاحب أفريقية، وكان سيئ السيرة في ~~الناس، فأخرجوا عامله عليهم، فسير إليهم سالم جيشا كثيرا من أهل صقلية ~~وأفريقية، فاقتتلوا أشد قتال، فهزمهم أهل جرجنت، وتبعهم فخرج إليهم سالم، ~~ولقيهم، واشتد القتال بينهم وعظم الخطب، فانهزم أهل جرجنت في شعبان. فلما ~~رأى أهل المدينة خلاف أهل جرجنت خرجوا أيضا على سالم، وخالفوه، وعظم شغبهم ~~عليه، وقاتلوه في ذي القعدة من هذه السنة، فهزمهم، وحصرهم بالمدينة، فأرسل ~~إلى القائم بالمهدية يعرفه أن أهل صقلية قد خرجوا عن طاعته، وخالفوا عليه، ~~ويستمده، فأمده القائم ms2865 بجيش، واستعمل عليهم خليل بن إسحاق، فساروا حتى ~~وصلوا إلى صقلية، فرأى خليل من طاعة أهلها ما سره، وشكوا إليه من ظلم سالم ~~وجوره، وخرج إليه النساء والصبيان يبكون ويشكون، فرق الناس لهم، وبكوا ~~لبكائهم. وجاء أهل البلاد إلى خليل وأهل جرجنت، فلما وصلوا اجتمع بهم سالم، ~~وأعلمهم أن القائم قد أرسل خليلا لينتقم منهم بمن قتلوا من عسكره، فعاودوا ~~الخلاف، فشرع خليل في بناء مدينة على مرسى المدينة، وحصنها، ونقض كثيرا من ~~المدينة، وأخذ أبوابها، وسماها الخالصة. ونال الناس شدة في بناء المدينة، ~~فبلغ ذلك أهل جرجنت، فخافوا، وتحقق عندهم ما قال لهم سالم، وحصنوا مدينتهم ~~واستعدوا للحرب، فسار إليهم خليل في جمادى الأولى سنة ست وعشرين وثلاثمائة، ~~وحصرهم، فخرجوا إليه، والتحم القتال، واشتد الأمر، وبقي محاصرا لهم ثمانية ~~أشهر لا يخلو يوم من قتال، وجاء الشتاء فرحل عنهم في ذي الحجة إلى الخالصة ~~فنزلها. ولما دخلت سنة سبع وعشرين خالف على خليل جميع القلاع وأهل مازر، كل ~~ذلك بسعي أهل جرجنت، وبثوا سراياهم، واستفحل أمرهم، وكاتبوا ملك ~~القسطنطينية يستنجدونه، فأمدهم بالمراكب فيها الرجال والطعام، فكتب خليل ~~إلى القائم يستنجده، فبعث إليه جيشا كثيرا، فخرج خليل بمن معه من أهل صقلية ~~فحصروا قلعة أبي ثور، فملكوها وكذلك أيضا البلوط ملكوها، وحصروا قلعة ~~أبلاطنوا، وأقاموا عليها حتى انقضت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. فلما دخلت ~~سنة ثمان وعشرين رحل خليل عن أبلاطنوا، وحصر جرجنت وأطال الحصار، ثم رحل ~~عنها وترك عليها عسكرا يحاصرها، مقدمهم أبو خلف بن هارون، فدام الحصار إلى ~~سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، فسار كثير من أهلها إلى بلاد الروم، وطلب ~~الباقون الأمان، فأمنهم على أن ينزلوا من القلعة، فلما نزلوا غدر بهم ~~وحملهم إلى المدينة. فلما رأى أهل سائر القلاع ذلك أطاعوا، فلما عادت ~~البلاد الإسلامية إلى طاعته رحل إلى إفريقية في ذي الحجة سنة تسع وعشرين ~~وثلاثمائة، وأخذ معه وجوه أهل جرجنت، وجعلهم في مركب، وأمر بنقبه وهو في ~~لجة البحر فغرقوا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في ms2866 هذه السنة خرجت الفرنج إلى بلاد الأندلس التي للمسلمين، فنهبوا ~~وقتلوا وسبوا، وممن قتل من المشهورين جحاف بن يمن قاضي بلنسية. وفيها توفي ~~عبدالله بن محمد بن سفيان أبو الحسين الجزاز النحوي في ربيع الأول، وكان ~~صحب ثعلبا والمبرد، وله تصانيف في علوم القرآن. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وعشرين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر استيلاء معز الدولة على الأهواز # في هذه السنة سار معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه إلى الأهواز وتلك ~~البلاد، فملكها واستولى عليها. PageV03P0471 # وكان سبب ذلك ما ذكرناه من مسير أبي عبدالله البريدي إلى عماد الدولة، ~~كما سبق، فلما وصل إليه أطمعه في العراق والاستيلاء عليه، فسير معه أخاه ~~معز الدولة إلى الأهواز، وترك أبو عبدالله البريدي، ولديه: أبا الحسن ~~محمدا، وأبا جعفر الفياض عند عماد الدولة بن بويه رهينة وساروا، فبلغ الخبر ~~إلى بجكم بنزولهم أرجان، فسار لحربهم، فانهزم من بين أيديهم. وكان سبب ~~الهزيمة أن المطر اتصل أياما كثيرة، فعطلت أوتار قسي الأتراك، فلم يقدروا ~~على رمي النشاب، فعاد بجكم وأقام بالأهواز، وجعل بعض عسكره بعسكر مكرم، ~~فقاتلوا معز الدولة بها ثلاثة عشر يوما، ثم انهزموا إلى تستر، فاستولى معز ~~الدولة على عسكر مكرم؛ وسار بجكم إلى تستر من الأهواز، وأخذ معه جماعة من ~~أعيان الأهواز، وسار هو وعسكره إلى واسط، وأرسل من الطريق إلى ابن رائق ~~يعلمه الخبر، ويقول له: إن العسكر محتاج إلى المال، فإن كان معك مائتا ألف ~~دينار، فتقيم بواسط حتى نصل إليك، وتنفق فيهم المال، وإن كان المال قليلا ~~فالرأي أنك تعود إلى بغداد لئلا يجري من العسكر شغب. فلما بلغ الخبر إلى ~~ابن رائق عاد من واسط إلى بغداد، ووصل بجكم إلى واسط فأقام بها، واعتقل من ~~معه من الأهوازيين، وطالبهم بخمسين ألف دينار، وكان فيهم أبو زكرياء يحيى ~~بن سعيد السوسي. قال أبو زكرياء: أردت أن أعلم ما في نفس بجكم، فأنفذت إليه ~~أقول: عندي نصيحة، فأحضرني عنده، فقتل: أيها الأمير أنت تحدث نفسك بمملكة ~~الدنيا، وخدمة الخلافة، ms2867 وتدبير الممالك، كيف يجوز أن تعتقل قوما منكوبين قد ~~سلبوا نعمتهم وتطالبهم بمال وهم في بلد غربة، وتأمر بتعذيبهم حين جعل أمس ~~طشت فيه نار على بطن بعضهم ؟ أما تعلم أن هذا إذا سمع عنك استوحش منك الناس ~~وعاداك من لا يعرفك ؟ وقد أنكرت على ابن رائق إيحاشه لأهل البصرة، أتراه ~~أساء إلى جميعهم ؟ لا والله، بل أساء إلى بعضهم، فأبغضوه كلهم، وعوام بغداد ~~لا تحتمل أمثال هذا. وذكرت له فعل مرداويج، فلما سمع ذلك قال: قد صدقتني، ~~ونصحتني؛ ثم أمر بإطلاقهم. ولما استولى ابن بويه والبريدي على عسكر مكرم ~~سار أهل الأهواز إلى البريدي يهنونه، وفيهم طبيب حاذق، وكان البريدي يحم ~~بحمى الربع، فقال لذلك الطبيب: أما ترى يا أبا زكرياء حالي وهذه الحمى ؟ ~~فقال له: خلط، يعني في المأكول، فقال له: أكثر من هذا التخليط، قد رهجت ~~الدنيا. ثم ساروا إلى الأهواز فأقاموا بها خمسة وثلاثين يوما، ثم هرب ~~البريدي من ابن بويه إلى الباسيان، فكاتبه بعتب كثير، ويذكر غدره في هربه. ~~وكان سبب هربه أن ابن بويه طلب عسكره الذين بالبصرة ليسيروا إلى أخيه ركن ~~الدولة بأصبهان، معونة له على حرب وشمكير، فأحضر منهم أربعة آلاف، فلما ~~حضروا قال لمعز الدولة: إن أقاموا وقع بينهم وبين الديلم فتنة، والرأي أن ~~يسيروا إلى السوس ثم يسيروا إلى أصبهان؛ فأذن له في ذلك، ثم طالبه بأن يحضر ~~عسكره الذين بحصن مهدي ليسيرهم في الماء إلى واسط، فخاف البريدي أن يعمل به ~~مثل ما عمل هو بياقوت. وكان الديلم يهينونه ولا يلتفتون إليه، فهرب وأمر ~~جيشه الذي بالسوس فساروا إلى البصرة، وكاتب معز الدولة بالافراج له عن ~~الأهواز حتى يتمكن من ضمانه، فأنه كان قد ضمن الأهواز والبصرة من عماد ~~الدولة بن بويه، كل سنة بثمانية عشر ألف ألف درهم، فرحل عنها إلى عسكر مكرم ~~خوفا من أخيه عماد الدولة لئلا يقول له: كسرت المال؛ فانتقل البريدي إلى ~~بناباذ، وأنفذ خليفته إلى الأهواز، وأنفذ إلى معز الدولة يذكر له حاله ms2868 ~~وخوفه منه، ويطلب أن ينتقل إلى السوس من عسكر مكرم ليبعد عنه ويأمن ~~بالأهواز. فقال له أبو جعفر الصيمري وغيره: إن البريدي يريد أن يفعل بك كما ~~فعل بياقوت، ويفرق أصحابك عنك، ثم يأخذك فيتقرب بك إلى بجكم وابن رائق، ~~ويستعيد أخاك لأجلك؛ فامتنع معز الدولة من ذلك. PageV03P0472 # وعلم بجكم بالحال، فأنفذ جماعة من أصحابه، فاستولوا على السوس ~~وجنديسابور، وبقيت الأهواز بيد البريدي، ولم يبق بيد معز الدولة من كور ~~الأهواز إلا عسكر مكرم، فاشتد الحال عليه، وفارقه بعض جنده، وأرادوا الرجوع ~~إلى فارس، فمنعم أصفهدوست وموسى قياده، وهما من أكابر القواد، وضمنا لهم ~~أرزاقهم ليقيموا شهرا، فأقاموا وكتب إلى أخيه عماد الدولة يعرفه حاله، ~~فأنفذ له جيشا، فقوي بهم، وعاد فاستولى على الأهواز، وهرب البريدي إلى ~~البصرة واستقر فيها فاستقر ابن بويه بالأهواز. وأقام بجكم بواسط طامعا في ~~الاستيلاء على بغداد ومكان ابن رائق، ولا يظهر له شيئا من ذلك، وأنفذ ابن ~~رائق علي بن خلف بن طياب إلى بجكم ليسير مع إلى الأهواز ويخرج منها ابن ~~بويه، فإذا فعل ذلك كانت ولايتها لبجكم والخراج إلى علي بن خلف، فلما وصل ~~علي إلى بجكم بواسط استوزره بجكم، وأقام معه، وأخذ بجكم جميع مال واسط. ~~ولما رأى أبو الفتح الوزير ببغداد إدبار الأمور أطمع ابن رائق في مصر ~~والشام، وصاهره، وعقد بينه وبين ابن طغج عهدا وصهرا، وقال لابن رائق: أنا ~~أجبي إليك مال مصر والشام أن سيرتني إليهما، فأمره بالتجهز للحركة، ففعل ~~وسار أبو الفتح إلى الشام في ربيع الآخر. ### || AUT ذكر الحرب بين بجكم والبريدي والصلح بعد ذلك # لما أقام بجكم بواسط وعظم شأنه خافه ابن رائق لأنه ظن ما فعله بجكم من ~~التغلب على العراق، فراسل أبا عبدالله البريدي وطلب منه الصلح على بجكم، ~~فإذا انهزم تسلم البريدي واسطا وضمنها بستمائة ألف دينار في السنة على أن ~~ينفذ أبو عبدالله عسكرا. فسمع بجكم بذلك، فخاف واستشار أصحابه في الذي ~~يفعله، فأشاروا عليه بأن يبتديء بأبي عبدالله البردي، ms2869 وأن لا يهجم إلى حضرة ~~الخلافة، ولا يكاشف ابن رائق إلا بعد الفراغ من البريدي، فجمع عسكره، وسار ~~إلى البصرة يريد البريدي، فسير أبو عبدالله جيشا بلغت عدتهم عشرة آلاف رجل، ~~عليهم غلامه أبو جعفر محمد الحمال، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم عسكر البريدي، ~~ولم يتبعهم بجكم بل كف عنهم. وكان البريديون بمطارا ينتظرون ما ينكشف من ~~الحال، فلما انهزم عسكرهم خافوا، وضعفت نفوسهم، إلا أنه لما رأى عسكره ~~سالما لم يقتل منهم أحد ولا غرق طاب قلبه. وكانت نية بجكم إذلال البريدي ~~وقطعه عن ابن رائق، ونفسه معلقة بالحضرة، فأرسل ثاني يوم الهزيمة إلى ~~البريدي يعتذر إليه مما جرى، ويقول له: أنت بدأت وتعرضت بي، وقد عفوت عنك ~~وعن أصحابك، ولو تبعتهم لغرق وقتل أكثرهم، وأنا أصالحك على أن أقلدك واسطا ~~إذا ملكت الحضرة، وأصاهرك؛ فسجد البريدي شكرا لله تعالى، وحلف لبجكم ~~وتصالحا، وعاد إلى واسط، وأخذ في التدبير على ابن رائق، والاستيلاء على ~~الحضرة ببغداد. ### || AUT ذكر قطع يد ابن مقلة ولسانه # في هذه السنة، في منتصف شوال، قطعت يد الوزير أبي علي بن مقلة. وكان سبب ~~قطعها أن الوزير أبا الفتح بن جعفر بن الفرات لما عجز عن الوزارة وسار إلى ~~الشام استوزر الخليفة الراضي بالله أبا علي بن مقلة، وليس له من الأمر شيء ~~إنما الأمر جميعه إلى ابن رائق، وكان ابن رائق قبض أموال ابن مقلة وأملاكه، ~~وأملاك ابنه، فخاطبه فلم يردها، فاستمال أصحابه، وسألهم مخاطبته في ردها، ~~فوعدوه، فلم يقضوا حاجته، فلما رأى ذلك سعى بابن رائق، فكاتب بجكم يطمعه في ~~موضع ابن رائق، وكتب إلى وشمكير بمثل ذلك، وهو بالري، وكتب إلى الراضي يشير ~~عليه بالقبض على ابن رائق وأصحابه ويضمن أنه يستخرج منهم ثلاثة آلاف ألف ~~دينار، وأشار عليه باستدعاء بجكم وإقامته مقام ابن رائق، فأطمعه الراضي وهو ~~كاره لما قاله، فعجل ابن مقلة وكتب إلى بجكم يعرفه إجابة الراضي، ويستحثه ~~على الحركة والمجيء إلى بغداد. PageV03P0473 # وطلب ابن مقلة من الراضي أن ينتقل ويقيم ms2870 عنده بدار الخلافة إلى أن يتم ~~على ابن رائق ما اتفقا عليه، فأذن له في ذلك، فحضر متنكرا ليلة من رمضان، ~~وقال: أن القمر تحت الشعاع، وهو يصلح للأسرار؛ فكان عقوبته حيث نظر إلى غير ~~الله أن ذاع سره وشهر أمره، فلما حصل بدار الخليفة لم يوصله الراضي إليه، ~~واعتقله في حجرة، فلما كان الغد أنفذ إلى ابن رائق يعرفه الحال، ويعرض عليه ~~خط ابن مقلة، فشكر الراضي، وما زالت الرسل تتردد بينهما في معنى ابن مقلة ~~إلى منتصف شوال، فأخرج ابن مقلة من محبسه، وقطعت يده ثم عولج فبرأ، فعاد ~~يكاتب الراضي، ويخطب الوزارة، ويذكر أن قطع يده لم يمنعه من عمله، وكان يشد ~~القلم على يده المقطوعة ويكتب. فلما قرب بجكم من بغداد سمع الخدم يتحدثون ~~بذلك، فقال: أن وصل بجكم فهو يخلصني، وأكافئ ابن رائق؛ وصار يدعو على من ~~ظلمه وقطع يده، فوصل خبره إلى الراضي وإلى ابن رائق، فأمرا بقطع لسانه، ثم ~~نقل إلى محبس ضيق، ثم لحقه ذرب في الحبس، ولم يكن عنده من يخدمه، فآل به ~~الحال إلى أن كان يستقي الماء من البئر بيده اليسرى ويمسك الحبل بفيه، ~~ولحقه شقاء شديد إلى أن مات ودفن بدار الخليفة، ثم إن أهله سألوا فيه، فنبش ~~وسلم إليهم، فدفنوه في داره، ثم نبش فنقل إلى دار أخرى. ومن العجب أنه ولي ~~الوزارة ثلاث دفعات، ووزر لثلاثة خلفاء، وسافر ثلاث سفرات: اثنتين منفيا ~~إلى شيراز، وواحدة في وزارته إلى الموصل، ودفن بعد موته ثلاث مرات وخص به ~~من خدمة ثلاثة. ### || AUT ذكر استيلاء بجكم على بغداد # وفي هذه السنة دخل بجكم بغداد، ولقي الراضي، وقلد إمرة الأمراء مكان ابن ~~رائق، ونحن نذكر ابتداء أمر بجكم، وكيف بلغ إلى هذه الحال، فإن بعض أمره قد ~~تقدم، وإذا افترق لم يحصل الغرض منه. كان بجكم هذا من غلمان أبي علي ~~العارض، وكان وزيرا لما كان بن كالي الديلمي، فطلبه منه ما كان، فوهبه له، ~~ثم إنه فارق ما كان ms2871 مع من فارقه من أصحابه والتحق بمرداويج، وكان في جملة ~~من قتله، وسار إلى العراق، واتصل بابن رائق، وسيره إلى الأهواز فاستولى ~~عليها وطرد البريدي عنها. ثم خرج البريدي مع معز الدولة بن بويه من فارس ~~إلى الأهواز، فأخذوها من بجكم، وانتقل بجكم من الأهواز إلى واسط، وقد تقدم ~~ذكر ذلك مفصلا، فلما استقر بواسط تعلقت همته بالاستيلاء على حضرة الخليفة، ~~وهو مع ذلك يظهر التبعية لابن رائق، وكان على أعلامه وتراسه بجكم الرائقي، ~~فلما وصلته كتب ابن مقلة يعرفه أنه قد استقر مع الراضي أن يقلده إمرة ~~الأمراء، طمع في ذلك، وكاشف ابن رائق، ومحا نسبته إليه من أعلامه، وسار من ~~واسط نحو بغداد غرة ذي القعدة. واستعد ابن رائق له، وسأل الراضي أن يكتب ~~إلى بجكم يأمره بالعود إلى واسط، فكتب الراضي إليه، وسير الكتاب، فلما قرأه ~~ألقاه عن يده ورمى به، وسار حتى نزل شرقي نهر ديالي، وكان أصحاب ابن رائق ~~على غربيه، فألقى أصحاب بجكم نفوسهم في الماء فانهزم أصحاب ابن رائق، وعبر ~~أصحاب بجكم وساروا إلى بغداد، وخرج ابن رائق عنها إلى عكبرا ودخل بجكم ~~بغداد ثالث عشر ذي القعدة، ولقي الراضي من الغد، وخلع عليه، وجعله أمير ~~الأمراء، وكتب كتبا عن الراضي إلى القواد الذين مع ابن رائق يأمرهم بالرجوع ~~إلى بغداد، ففارقوه جميعهم وعادوا. فلما رأى ابن رائق ذلك عاد إلى بغداد ~~واستتر، ونزل بجكم بدار مؤنس، واستقر أمره ببغداد، فكانت مدة إمارة أبي بكر ~~بن رائق سنة واحدة وعشرة أشهر وستة عشر يوما، ومن مكر بجكم أنه كان يراسل ~~ابن رائق على لسان أبي زكرياء يحيى بن سعيد السوسي، قال أبو زكرياء: أشرت ~~على بجكم أنه لا يكاشف ابن رائق، فقال: لم أشرت بهذا ؟ فقلت له: أنه قد كان ~~له عليك رئاسة وإمرة، وهو أقوى منك وأكثر عددا، والخليفة معه، والمال عنده ~~كثير؛ فقال: أما كثرة رجاله فهم جوز فارغ، وقد بلوتهم، فما أبالي بهم قلوا ~~أم كثروا؛ وأما كون الخليفة معه، ms2872 فهذا لا يضرني عند أصحابي؛ وأما قلة المال ~~معي فليس الأمر كذلك، وقد وفيت أصحابي مستحقهم، ومعي ما يستظهر به، فكم تظن ~~مبلغه ؟ فقلت: لا أدري ؟! فقال: على كل حال؛ فقلت: مائة ألف درهم؛ فقال: ~~غفر الله لك، معي خمسون ألف دينار لا أحتاج إليها. PageV03P0474 # فلما استولى على بغداد قال لي يوما: أتذكر إذ قلت لك: معي خمسون ألف ~~دينار ؟ والله لم يكن معي غير خمسة آلاف درهم؛ فقلت: هذا يدل على قلة ثقتك ~~بي؛ قال: لا ولكنك كنت رسولي إلى ابن رائق، فإذا علمت قلة المال معي ضعفت ~~نفسك فطمع العدو فينا فأردت أن تمضي إليه بقلب قوي، فتكلمه بما تخلع به ~~قلبه وتضعف نفسه. قال: فعجبت من مكره وعقله. ### || AUT ذكر استيلاء لشكري على أذربيجان وقتله # وفيها تغلب لشكري بن مردى على أذربيجان، ولشكري هذا أعظم من الذي تقدم ~~ذكره، فإن هذا كان خليفة وشمكير على أعمال الجبل، فجمع مالا ورجالا وسار ~~إلى أذربيجان، وبها يومئذ ديسم بن إبراهيم الكردي، وهو من أصحاب ابن أبي ~~الساج، فجمع عسكرا وتحارب هو ولشكري، فانهزم ديسم، ثم عاد وجمع، وتصافا مرة ~~ثانية، فانهزم أيضا واستولى لشكري على بلاده، إلا أردبيل، فإن أهلها ~~امتنعوا بها لحصانتها، ولهم بأس ونجدة، وهي دار المملكة بأذربيجان، فراسلهم ~~لشكري، ووعدهم الإحسان لما كان يبلغهم من سوء سيرة الديلم مع بلاد الجبل ~~همذان وغيرها، فحصرهم وطال الحصار، ثم صعد أصحابه السور ونقبوه أيضا في عدة ~~مواضع ودخلوا البلد. وكان لشكري يدخله نهارا، ويخرج منه ليلا إلى عسكره، ~~فبادر أهل البلد وأصلحوا ثلم السور، وأظهروا العصيان، وعاودوا الحرب، فندم ~~على التفريط وإضاعة الحزم؛ فأرسل أهل أردبيل إلى ديسم يعرفونه الحال ~~ويواعدونه يوما يجيء فيه ليخرجوا فيه إلى قتال لشكري، ويأتي هو من ورائه، ~~ففعل وسار نحوهم، وظهروا يوم الموعد في عدد كثير، وقاتلوا لشكري، وأتاه ~~ديسم من خلف ظهره، فانهزم أقبح هزيمة، وقتل من أصحابه خلق كثير، وانحاز إلى ~~موقان، فأكرمه أصبهبذها ويعرف بابن دولة، وأحسن ضيافته. وجمع ms2873 لشكري وسار ~~نحو ديسم، وساعده ابن دولة، فهرب ديسم وعبر نهر أرس، وعبر بعض أصحاب لشكري ~~إليه، فانهزم ديسم، وقصد وشمكير، وهو بالري، وخوفه من لشكري، وبذل له مالا ~~كل سنة ليسير معه عسكرا، فأجابه إلى ذلك وسير معه عسكرا، وكاتب عسكر لكشري ~~وشمكير يعلمونه بما هم عليه من طاعته، وأنهم متى رأوا عسكره صاروا معه على ~~لشكري، فظفر لشكري بالكتب، فكتم ذلك عنهم، فلما قرب منه عسكر وشمكير جمع ~~أصحابه وأعلمهم ذلك وأنه لا يقوى بهم، وأنه يسير بهم نحو الزوزان، وينهب من ~~على طريقه من الأرمن، ويسير نحو الموصل ويستولي عليها وعلى غيرها، فأجابوه ~~إلى ذلك، فسار بهم إلى أرمينية وأهلها غافلون، فنهب وغنم وسبى، وانتهى إلى ~~الزوزان ومعهم الغنائم؛ فنزل بولاية إنسان أرمني، وبذل له مالا ليكف عنه ~~وعن بلاده، فأجابه إلى ذلك. ثم إن الأرمني كمن كمينا في مضيق هناك، وأمر ~~بعض الأرمن أن ينهب شيئا من أموال لشكري ويسلك ذلك المضيق، ففعلوا، وبلغ ~~إلى لشكري، فركب في خمسة أنفس، فسار وراءهم، فخرج عليه الكمين فقتلوه ومن ~~معه، ولحقه عسكره، فرأوه قتيلا ومن معه، فعادوا وولوا عليهم ابنه لشكرستان، ~~واتفقوا على أن يسيروا على عقبة التنين، وهي تجاوز الجودي، ويحرزوا سوادهم، ~~ويرجعوا إلى بلد الأمني فيدركوا آثارهم، فبلغ ذلك طرم فرتب الرجال على تلك ~~المضايق يرمونهم بالحجارة، ويمنعونهم العبور، فقتلوا منهم خلقا كثيرا وسلم ~~القليل منهم، وفيمن سلم لشكرستان، وسار فيمن معه إلى ناصر الدولة بن حمدان ~~بالموصل، فأقام بعضهم عنده وانحدر بعضهم إلى بغداد. فأما الذين أقاموا ~~بالموصل فسيرهم مع ابن عم أبي عبدالله الحسين بن سعيد بن حمدان إلى ما بيده ~~من أذربيجان لما أقبل نحوه ديسم ليستولي عليه، وكان أبو عبدالله من قبل ابن ~~عمه ناصر الدولة على معاون أذربيجان، فقصده ديسم وقاتله فلم يكن لابن حمدان ~~به طاقة، ففارق أذربيجان واستولى عليها ديسم. ### || AUT ذكر اختلال أمور القرامطة # في هذه السنة فسد حال القرامطة، وقتل بعضهم بعضا. PageV03P0475 # وسبب ذلك أنه كان رجل ms2874 منهم يقال له ابن سنبر، وهو من خواص أبي سعيد ~~القرمطي والمطلعين على سره وكان له عدو من القرامطة اسمه أبو حفص الشريك، ~~فعمد ابن سنبر إلى رجل من أصبهان وقال له: إذا ملكتك أمر القرامطة أريد منك ~~أن تقتل عدوي أبا حفص؛ فأجابه إلى ذلك وعاهده عليه، فأطلعه على أسرار أبي ~~سعيد، وعلامات كان يذكر أنها في صاحبهم الذي يدعون إليه، فحضر عند أولاد ~~أبي سعيد، وذكر لهم ذلك، فقال أبو طاهر: هذا هو الذي يدعون إليه، فحضر عند ~~أولاد أبي سعيد، وذكر لهم ذلك، فقال أبو طاهر: هذا هو الذي يدعو إليه؛ ~~فأطاعوه، ودانوا له، حتى كان يأمر الرجل بقتل أخيه فيقتله، وكان إذا كره ~~رجلا يقول له إنه مريض، يعني أنه قد شك في دينه، ويأمر بقتله. وبلغ أبا ~~طاهر أن الأصبهاني يريد قتله ليتفرد بالملك، فقال لإخوته: لقد أخطأنا في ~~هذا الرجل، وسأكتشف حاله، فقال له: إن لنا مريضا، فانظر إليه ليبرأ، فحضروا ~~وأضجعوا والدته وغطوها بإزار، فلما رآها قال: أن هذا المريض لا يبرأ ~~فاقتلوه ! فقالوا له: كذبت، هذه والدته؛ ثم قتلوه بعد أن قتل منهم خلق كثير ~~من عظمائهم وشجعانهم. وكان هذا سبب تمسكهم بهجر، وترك قصد البلاد، والإفساد فيها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم في ذي القعدة، وكان القيم ~~به ابن ورقاء الشيباني، وكان عدة من فودي من المسلمين ستة آلاف وثلاثمائة ~~من بين ذكر وأنثى، وكان الفداء على نهر البدندون. وفيها ولد الصاحب أبو ~~القاسم إسماعيل بن عباد. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر مسير الراضي وبجكم إلى الموصل # ### || AUT وظهور ابن رائق ومسيره إلى الشام # في هذه السنة، في المحرم، سار الراضي بالله وبجكم إلى الموصل وديار ~~ربيعة. وسبب ذلك أن ناصر الدولة بن حمدان أخر المال الذي عليه من ضمان ~~البلاد التي بيده، فاغتاظ الراضي منه لسبب ذلك، فسار هو وبجكم إلى الموصل، ~~ومعهما قاضي القضاة أبو الحسين عمر بن ms2875 محمد، فلما بلغوا تكريت أقام الراضي ~~بها، وسار بجكم، فلقيه ناصر الدولة بالكحيل على ستة فراسخ من الموصل، ~~فاقتتلوا، واشتد القتال، فانهزم أصحاب ناصر الدولة، وساروا إلى نصيبين، ~~وتبعهم بجكم ولم ينزل بالموصل. فلما بلغ نصيبين سار ابن حمدان إلى آمد، ~~وكتب بجكم إلى الراضي بالفتح، فسار من تكريت في الماء يريد الموصل، وكان مع ~~الراضي جماعة من القرامطة، فانصرفوا عنه إلى بغداد قبل وصول كتاب بجكم، ~~وكان ابن رائق يكاتبهم، فلما بلغوا بغداد ظهر ابن رائق من استتاره واستولى ~~على بغداد، ولم يعرض لدار الخليفة. وبلغ الخبر إلى الراضي، فأصعد من الماء ~~إلى البر، سار إلى الموصل، وكتب إلى بجكم بذلك، فعاد عن نصيبين، فلما بلغ ~~خبر عوده إلى ناصر الدولة سار من آمد إلى نصيبين، فاستولى عليها وعلى ديار ~~ربيعة، فقلق بجكم لذلك، وتسلل أصحابه إلى بغداد، فاحتاج أن يحفظ أصحابه، ~~وقال: قد حصل الخليفة وأمير الأمراء على قصبة الموصل حسب. وأنفذ ابن حمدان ~~قبل أن يتصل به خبر ابن رائق، يطلب الصلح ويعجل خمسمائة ألف درهم، ففرح ~~بجكم بذلك، وأنهاه إلى الراضي، فأجاب إليه، واستقر الصلح بينهم، وانحدر ~~الراضي وبجكم إلى بغداد. وكان قد راسلهم ابن رائق مع أبي جعفر محمد بن يحيى ~~بن شيرزاد يلتمس الصلح، فسار إليهم إلى الموصل وأدى الرسالة إلى بجكم، ~~فأكرمه بجكم وأنزله معه، وأحسن إليه، وقدمه إلى الراضي فأبلغه الرسالة ~~أيضا، فأجابه الراضي وبجكم إلى ما طلب وأرسل في جواب رسالته قاضي القضاة ~~أبا الحسين عمر بن محمد، وقلده طريق الفرات وديار مضر: حران والرها وما ~~جاورها وجند قنسرين والعواصم، فأجاب ابن رائق أيضا إلى هذه القاعدة، وسار ~~عن بغداد إلى ولايته، ودخل الراضي وبجكم بغداد تاسع ربيع الآخر. ### || AUT ذكر وزارة البريدي للخليفة # في هذه السنة مات الوزير أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات بالرملة، ~~وقد ذكرنا سبب مسيره إلى الشام، فكانت وزارته سنة وثمانية أشهر وخمسة ~~وعشرين يوما، ولما سار إلى الشام استناب بالحضرة عبد الله بن علي ms2876 النقري. ~~PageV03P0476 # وكان بجكم قد قبض على وزيره علي بن خلف بن طباب، فاستوزر أبا جعفر محمد ~~بن يحيى بن شيرزاد، فسعى أبو جعفر في الصلح بين بجكم والبريدي، فتم ذلك، ثم ~~ضمن البريدي أعمال واسط بستمائة ألف دينار كل سنة، ثم شرع ابن شيرزاد أيضا، ~~بعد موت أبي الفتح الوزير بالرملة، في تقليد أبي عبدالله البريدي الوزارة؛ ~~فأرسل إليه الراضي في ذلك، فأجاب إليه في رجب، واستناب بالحضرة عبدالله بن ~~علي النقري أيضا كما كان يخلف أبا الفتح. ### || AUT ذكر مخالفة بالبا على الخليفة # كان بجكم قد استناب بعض قواد الأتراك ويعرف ببالبا على الأنبار، فكاتبه ~~يطلب أن يقلد أعمال طريق الفرات بأسرها ليكون في وجه ابن رائق، وهو بالشام، ~~فقلده بجكم ذلك، فسار إلى الرحبة، وكاتب ابن رائق، وخالف على بجكم والراضي، ~~وأقام الدعوة لابن رائق وعظم أمره. فبلغ الخبر إلى بجكم فسير طائفة من ~~عسكره وأمرهم بالجد وأن يطووا المنازل ويسبقوا خبرهم ويكبسوا بالرحبة، ~~ففعلوا ذلك، فوصلوا إلى الرحبة في خمسة أيام، ودخلوها على حين غفلة من ~~بالبا، وهو يأكل الطعام، فلما بلغه الخبر اختفى عند إنسان حائك، ثم ظفروا ~~به فأخذوه وأدخلوه بغداد على جمل ثم حبس، فكان آخر العهد به. ### || AUT ذكر ولاية أبي علي بن محتاج خراسان # في هذه السنة استعمل الأمير السعيد نصر بن أحمد على خراسان وجيوشها أبا ~~علي أحمد بن أبي بكر محمد بن المظفر بن محتاج، وعزل أباه واستقدمه إلى ~~بخارى. وسبب ذلك أن أبا بكر مرض مرضا شديدا طال به، فأنفذ السعيد فأحضر ~~ابنه أبا علي من الصغانيان، واستعمله مكان أبيه، وسيره إلى نيسابور، وكتب ~~إلى أبيه يستدعيه إليه، فسار عن نيسابور، فلقيه ولده على ثلاث مراحل من ~~نيسابور، فعرفه ما يحتاج إلى معرفته، وسار أبو بكر إلى بخارى مريضا، ودخل ~~ولده أبو علي نيسابور أميرا في شهر رمضان من هذه السنة. وكان أبو علي عاقلا ~~شجاعا حازما، فأقام بها ثلاثة أشهر يستعد للمسير إلى جرجان وطبرستان، ~~وسنذكر ذلك سنة ms2877 ثمان وعشرين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر غلبة وشمكير على أصبهان وألموت # وفيها أرسل وشمكير بن زيار أخو مرداويج جيشا كثيفا من الري إلى أصبهان، ~~وبها أبو علي الحسن بن بويه، وهو ركن الدولة، فأزالوه عنها، واستولوا ~~عليها، وخطبوا فيها لوشمكير، ثم سار ركن الدولة إلى بلاد فارس فنزل بظاهر ~~إصطخر، وسار وشمكير إلى قلعة ألموت فملكها وعاد عنها، وسيرد من أخبارهما ~~سنة ثمان وعشرين ما تقف عليه. ### || AUT ذكر الفتنة بالأندلس # وفي هذه السنة عصى أمية بن إسحاق، بمدينة شنترين، على عبد الرحمن الأموي ~~صاحب الأندلس. وسبب ذلك أنه كان له أخ اسمه أحمد، وكان وزيرا لعبد الرحمن، ~~فقتله عبد الرحمن، وكان أمية بشنترين، فلما بلغه ذلك عصى فيها، والتجأ إلى ~~ردمير ملك الجلالقة، ودله على عورات المسلمين، ثم خرج أمية في بعض الأيام ~~يتصيد، فمنعه أصحابه من دخول البلد، فسار إلى ردمير فاستوزره. وغزا عبد ~~الرحمن بلاد الجلالقة، فالتقى هو وردمير هذه السنة، فانهزمت الجلالقة، وقتل ~~منهم خلق كثير، وحصرهم عبد الرحمن. ثم إن الجلالقة خرجوا عليه وظفروا به ~~وبالمسلمين، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأراد اتباعهم، فمنعه أمية وخوفه ~~المسلمين ورغبه في الخزائن والغنيمة. وعاد عبد الرحمن بعد هذه الوقعة فجهز ~~الجيوش إلى بلاد الجلالقة، فألحوا عليهم بالغارات، وقتلوا منهم أضعاف ما ~~قتلوا من المسلمين، ثم إن أمية استأمن إلى عبد الرحمن، فأكرمه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة انكسف القمر جميعه في صفر. وفيها مات عبد الرحمن بن أبي ~~حاتم الرازي صاحب الجرح والتعديل، وعثمان بن الخطاب بن عبدالله أبو الدنيا ~~المعروف بالأشج الذي يقال إنه لقي علي بن أبي طالب، عليه السلام، وقيل إنهم ~~كانوا يسمونه، ويكنونه أبا الحسن آخر أيامه، وله صحيفة تروى عنه ولا تصح، ~~وقد رواها كثير من المحدثين مع علم منهم بضعفها. وفيها توفي محمد بن جعفر ~~بن محمد بن سهل أبو بكر الخرائطي صاحب تصانيف المشهورة، كاعتلال القلوب ~~وغيره، بمدينة يافا. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر استيلاء أبي ms2878 علي على جرجان # PageV03P0477 # في هذه السنة، في المحرم، سار أبو علي بن محتاج في جيش خراسان من نيسابور ~~إلى جرجان، وكان بجرجان ما كان بن كالي قد خلع طاعة الأمير نصر بن أحمد، ~~فوجدهم أبو علي قد غوروا المياه، فعدل عن الطريق إلى غيره، فلم يشعروا به، ~~حتى نزل على فرسخ من جرجان، فحصر ما كان بها، وضيق عليه، وقطع الميرة عن ~~البلد، فاستأمن إليه كثير من أصحاب ما كان، وضاق الحال بمن بقي بجرجان، حتى ~~صار الرجل يقتصر كل يوم على حفنة سمسم، أو كيلة من كسب، أو باقة بقل. ~~واستمد ما كان من وشمكير، وهو بالري، فأمده بقائد من قواده يقال له شيرح بن ~~النعمان، فلما وصل إلى جرجان ورأى الحال شرع في الصلح بين أبي علي وبين ما ~~كان بن كالي ليجعل له طريقا ينجو فيه، ففعل أبو علي ذلك، وهرب ما كان إلى ~~طبرستان، واستولى أبو علي على جرجان في أواخر سنة ثمان وعشرين، واستخلف ~~عليها إبراهيم بن سيمجور الدواتي، بعد أن أصلح حالها، وأقام بها إلى المحرم ~~سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، فسار إلى الري على ما نذكره. ### || AUT ذكر مسير ركن الدولة إلى واسط # في هذه السنة سار ركن الدولة أبو علي الحسن بن بويه إلى واسط. وكان سبب ~~ذلك أن أبا عبدالله البريدي أنفذ جيشا إلى السوس، وقتل قائدا من الديلم؛ ~~فتحصن أبو جعفر الصيمري بقلعة السوس، وكان على خراجها. وكان معز الدولة أبو ~~الحسين أحمد بن بويه بالأهواز، فخاف أن يسير إليه البريدي من البصرة، فكتب ~~إلى أخيه ركن الدولة، وهو بباب إصطخر قد عاد من أصبهان على ما ذكرناه، فلما ~~أتاه كتاب أخيه سار إليه مجدا يطوي المنازل، حتى وصل إلى السوسن ثم سار إلى ~~واسط ليستولي عليها إذ كان قد خرج عن أصبهان، وليس له ملك ليستقل به، فنزل ~~بالجانب الشرقي، وكان البريديون بالجانب الغربي، فاضطرب رجال ابن بويه، ~~فاستأمن منهم مائة رجل إلى البريدي. ثم سار الراضي وبجكم من بغداد ms2879 نحو واسط ~~لحربه، فخاف أن يكثر الجمع عليه ويستأمن رجاله فيهلك، لأنه كان له سنة لم ~~ينفق فيهم مالا، فعاد من واسط إلى الأهواز ثم إلى رامهرمز. ### || AUT ذكر ملك ركن الدولة أصبهان # وفيها عاد ركن الدولة فاستولى على أصبهان؛ سار من رامهرمز فاستولى ~~عليها، وأخرج عنها أصحاب وشمكير، وقتل منهم، واستأسر بضعة عشر قائدا. وكان ~~سبب ذلك أن وشمكير كان قد أنفذ عسكره إلى ما كان نجدة له على ما ذكرناه، ~~فخلت بلاد وشمكير من العساكر، وسار ركن الدولة إلى أصبهان، وبها نفر يسير ~~من العساكر، فهزمهم واستولى عليها، وكاتب هو وأخوه عماد الدولة أبا علي بن ~~محتاج يحرضانه على ما كان ووشمكير، ويعدانه المساعدة عليهما، فصار بينهم بذلك مودة. ### || AUT ذكر مسير بجكم نحو بلاد الجبل # في هذه السنة سار بجكم من بغداد نحو بلاد الجبل، ثم عاد عنها. وكان سبب ~~ذلك أنه صالح هذه السنة أبا عبدالله البريدي، وصاهره، وتزوج ابنته، فأرسل ~~إليه البريدي يشير عليه بأن يسير إلى بلاد الجبل لفتحها والاستيلاء عليها، ~~ويعرفه أنه إذا سار إلى الجبل سار هو إلى الأهواز واستنقذها من يد ابن ~~بويه، فاتفقا على ذلك، وأنفذ إليه بجكم خمسمائة رجل من أصحابه معونة له، ~~وأنفذ إليه صاحبه أبا زكرياء السوسي يحثه على الحركة، ويكون عنده إلى أن ~~يرحل عن واسط إلى الأهواز. وسار بجكم إلى حلوان، وصار أبو زكرياء السوسي ~~يحث ابن البريدي على المسير إلى السوس والأهواز، وهو يدافع الأوقات، وكان ~~عازما على قصد بغداد، إذ أبعد عنها بجكم، ليستولي عليها، وهو يقدم رجلا ~~ويؤخر أخرى، وينتظر به الدوائر من هزيمة أو قتل. وأقام أبو زكرياء عنده نحو ~~شهر يحثه على المسير، وهو يغالطه، فعلم أبو زكرياء مقصوده، فكتب إلى بجكم ~~بذلك، فلحقه الخبر وهو سائر، فركب الجمازات وعاد إلى بغداد، وخلف عسكره ~~وراءه. ووصل الخبر إلى البريدي بدخول بجكم إلى بغداد، فسقط في يده، ثم أتته ~~الأخبار بأن بجكم قد سار نحوه. ### || AUT ذكر استيلاء بجكم على واسط ms2880 # PageV03P0478 # لما عاد بجكم إلى بغداد تجهز للانحدار إلى واسط، وحفظ الطرق لئلا يصل ~~خبره إلى البريدي فيتحرز، وانحدر هو في الماء في العشرين من ذي القعدة، ~~وسير عسكره في البر، وأسقط اسم البريدي من الوزارة، وجعل مكانه أبا القاسم ~~سليمان بن الحسن بن مخلد، وكانت وزارة البريدي سنة واحدة وأربعة أشهر ~~وأربعة عشر يوما، وقبض على ابن شيرزاد لأنه هو كان سبب وصلته بالبريدي، ~~وأخذ منه مائة وخمسين ألف دينار. فمن عجيب الاتفاق أن بجكم كان له كاتب على ~~أمر داره وحاشيته، وهو معه في السفينة عند انحداره إلى واسط، فجاء طائر ~~فسقط على صدر السفينة، فأخذ وأحضر عند بجكم، فوجد على ذنبه كتابا ففتحه، ~~وإذا هو من هذا الكاتب إلى أخ له مع البريدي يخبره بخبر بجكم، وما هو عازم ~~عليه، فألقي الكتاب إليه، فاعترف به إذ لم يمكنه جحده لأنه بخطه، فأمر ~~بقتله، فقتل وألقاه في الماء. ولما بلغ خبر بجكم إلى البريدي سار عن واسط ~~إلى البصرة، ولم يقم بها، فلما وصل إليها بجكم لم يجد بها أحدا، فاستولى ~~عليها، وكان بجكم قد خلف عسكرا ببلد الجبل، فقصدهم الديلم والجيل، فانهزموا ~~وعادوا إلى بغداد. ### || AUT ذكر استيلاء ابن رائق على الشام # في هذه السنة استولى ابن رائق على الشام، وقد ذكرنا مسيره فيما تقدم، ~~فلما دخل الشام قصد مدينة حمص فملكها، ثم سار منها إلى دمشق، وبها بدر بن ~~عبدالله الإخشيدي، المعروف ببدير، واليا عليها للإخشيد، فأخرجه ابن رائق ~~منها وملكها، وسار منها إلى الرملة فملكها. وسار إلى عريش مصر يريد الديار ~~المصرية، فلقيه الإخشيد محمد بن طغج، وحاربه، فانهزم الإخشيد، فاشتغل أصحاب ~~ابن رائق بالنهب، ونزلوا في خيم أصحاب الإخشيد، فخرج عليهم كمين للإخشيد ~~فأوقع بهم وهزمهم وفرقهم، ونجا ابن رائق في سبعين رجلا، ووصل إلى دمشق على ~~أقبح صورة. فسير إليه الإخشيد أخاه أبا نصر بن طغج في جيش كثيف، فلما سمع ~~بهم ابن رائق سار إليهم من دمشق، فالتقوا باللجون رابع ذي الحجة، فانهزم ms2881 ~~عسكر أبي نصر، وقتل هو، فأخذه ابن رائق وكفنه وحمله إلى أخيه الإخشيد، وهو ~~بمصر، وأنفذ معه ابنه مزاحم بن محمد ابن رائق، وكتب إلى الإخشيد كتابا ~~يعزيه عن أخيه، ويعتذر مما جرى ويحلف أنه ما أراد قتله، وأنه قد أنفذ ابنه ~~ليفديه به إن أحب ذلك، فتلقى الإخشيد مزاحما بالجميل، وخلع عليه، ورده إلى ~~أبيه واصطلحا على أن تكون الرملة وما وراءها إلى مصر للإخشيد، وباقي الشام ~~لمحمد بن رائق، ويحمل إليه الإخشيد عن الرملة كل سنة مائة ألف وأربعين ألف دينار. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قتل طريف السبكري. وفيها عزل بجكم وزيره أبا جعفر بن ~~شيرزاد لما ذكرناه، وصادره على مائة وخمسين ألف دينار، واستوزر بعده أبا ~~عبدالله الكوفي. وفيها توفي محمد بن يعقوب، وقتل محمد بن علي أبو جعفر ~~الكليني، وهو من أئمة الإمامية وعلمائهم. الكليني بالياء المعجمة باثنتين ~~من تحت ثم بالنون وهو ممال. وفيها توفي أبو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب ~~المقريء البغدادي المعروف بابن شنبوذ في صفر. وفيها توفي أبو محمد جعفر ~~المرتعش، وهو من أعيان مشايخ الصوفية، وهو نيسابوري سكن بغداد، وقاضي ~~القضاة عمر بن أبي عمر محمد بن يوسف، وكان قد ولي القضاء بعد أبيه. وفيها ~~توفي أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن محمد بن بشار المعروف بابن ~~الأنباري، وهو مصنف كتاب الوقف والابتداء. وفيها في حادي عشر شوال مات ~~الوزير أبو علي بن مقلة في الحبس. وفيها لليلتين بقيتا من شوال توفي الوزير ~~أبو العباس الخصيبي بسكتة لحقته، بينه وبين ابن مقلة سبعة عشر يوما. وفيها ~~مات أبو عبدالله القمي، وزير ركن الدولة بن بويه، فاستوزر بعده أبا الفضل ~~بن العميد، فتمكن منه، فنال ما لم ينله أحد من وزراء بني بويه، وسيرد من ~~أخباره ما يعلم به محله. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وعشرين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر موت الراضي بالله # في هذه السنة مات الراضي بالله أبو العباس أحمد بن المقتدر، منتصف ربيع ~~الأول، ms2882 وكانت خلافته ست سنين وعشرين أشهر وعشرة أيام، وكان عمره اثنتين ~~وثلاثين سنة وشهورا، وكانت علته الاستسقاء، وكان أديبا شاعرا، فمن شعره: ~~يصفر وجهي إذا تأمله ... طرفي ويحمر وجهه خجلا PageV03P0479 # حتى كأن الذي بوجنته ... من دم جسمي إليه قد نقلا وله أيضا يرثي أباه ~~المقتدر: ولو أن حيا كان قبرا لميت ... لصيرت أحشائي لأعظمه قبرا ولو أن ~~عمري كان طوع مشيئتي ... وساعدني التقدير قاسمته العمرا بنفس ثرى ضاجعت في ~~تربه البلى ... لقد ضم منك الغيث والليث والبدرا ومن شعره أيضا: كل صفو إلى ~~كدر ... كل أمن إلى حذر ومصير الشباب لل ... موت فيه أو الكبر در در المشيب ~~من ... واعظ ينذر البشر أيها الآمل الذي ... تاه في لجة الغرر أين من كان ~~قبلها ... درس العين والأثر سيرد المعاد من ... عمره كله خطر رب إني ذخرت ~~عن ... دك أرجوك مدخر إنني مؤمن بما بي ... ن الوحي في السور واعترافي بترك ~~نف ... عي وإيثاري الضرر رب، فاغفر لي الخطي ... ئة يا خير من غفر وكان ~~الراضي أيضا سمحا، يحب محادثة الأدباء والفضلاء، والجلوس معهم. ولما مات ~~أحضر بجكم ندماءه وجلساءه وطمع أن ينتفع بهم، فلم يفهم منهم ما ينتفع به، ~~وكان منهم سنان بن ثابت الصابي الطبيب، فأحضره وشكا إليه غلبة القوة ~~الغضبية عليه، وهو كاره لها، فما زال معه في تقبيح ذلك عنده، وتحسين ضده من ~~الحلم، والعفو، والعدل، وتوصل معه حتى زال أكثر ما كان يجده، وكف عن القتل ~~والعقوبات. وكان الراضي أسمر، أعين، خفيف العارضين، وأمه أم ولد اسمها ~~ظلوم، وختم الخلفاء في أمور عدة، فمنها: أنه آخر خليفة له شعر يدون، وآخر ~~خليفة خطب كثيرا على منبر، وإن كان غيره قد خطب نادرا لا اعتبار به، وكان ~~آخر خليفة جالس الجلساء، ووصل إليه الندماء، وآخر خليفة كانت له نفقته، ~~وجوائزه، وعطاياه، وجراياته، وخزائنه، ومطابخه، ومجالسه، وخدمه، وحجابه، ~~وأموره على ترتيب الخلفاء المتقدمين. ### || AUT ذكر خلافة المتقي لله # لما مات الراضي بالله بقي الأمر في الخلافة موقوفا انتظارا لقدوم ms2883 أبي ~~عبد الله الكوفي، كاتب بجكم، من واسط، وكان بجكم بها. واحتيط على دار ~~الخلافة، فورد كتاب بجكم مع الكوفي يأمر فيه بأن يجتمع مع أبي القاسم ~~سليمان بن الحسن وزير الراضي، كل من تقلد الوزارة، وأصحاب الدواوين، ~~والعلويون، والقضاة، والعباسيون، ووجوه البلد، ويشاورهم الكوفي فيمن ينصب ~~للخلافة ممن يرتضي مذهبه وطريقته، فجمعهم الكوفي واستشارهم، فذكر بعضهم ~~إبراهيم بن المقتدر، وتفرقوا على هذا، فلما كان الغد اتفق الناس عليه، ~~فأحضر في دار الخلافة، وبويع له في العشرين من ربيع الأول، وعرضت عليه ~~ألقاب، فاختار المتقي لله، وبايعه الناس كافة، وسير الخلع واللواء إلى بجكم ~~بواسط. وكان بجكم، بعد موت الراضي وقبل استخلاف المتقي، قد أرسل إلى دار ~~الخلافة فأخذ فرشا وآلات كان يستحسنها، وجعل سلامة الطولوني حاجبه، وأقر ~~سليمان على وزارته، وليس من الوزارة إلا اسمها، وإنما التدبير كله إلى ~~الكوفي كاتب بجكم. ### || AUT ذكر قتل ماكان بن كالي واستيلاء أبي علي بن محتاج على الري # قد ذكرنا مسير أبي علي بن محمد بن المظفر بن محتاج إلى جرجان، وإخراج ما ~~كان عنها، فلما سار عنها ما كان قصد طبرستان وأقام بها، وأقام أبو علي ~~بجرجان يصلح أمرها، ثم استخلف عليها إبراهيم بن سيمجور الدواتي، وسار نحو ~~الري في المحرم من هذه السنة، فوصلها في ربيع الأول، وبها وشمكير بن زيار، ~~أخو مرداويج. وكان عماد الدولة وركن الدولة ابنا بويه يكاتبان أبا علي، ~~ويحثانه على قصد وشمكير، ويعدانه المساعدة، وكان قصدهما أن تؤخذ الري من ~~وشمكير، فإذا أخذها أبو علي لا يمكنه المقام بها لسعة ولايته بخراسان، ~~فيغلبان عليها. PageV03P0480 # وبلغ أمر اتفاقهم إلى وشمكير. وكاتب ما كان بن كالي يستخدمه ويعرفه ~~الحال، فسار ما كان بن كالي من طبرستان إلى الري، وسار أبو علي وأتاه عسكر ~~ركن الدولة بن بويه، فاجتمعوا معه بإسحاقاباذ، والتقوا هم ووشمكير، ووقف ما ~~كان بن كالي في القلب وباشر الحرب بنفسه، وعبأ أبو علي أصحابه كراديس، وأمر ~~من بإزاء القلب أن يلحوا عليهم في القتال، ms2884 ثم يتطاردوا لهم ويستجروهم، ثم ~~وصى من بأزاء الميمنة والميسرة أن يناوشوهم مناوشة بمقدار ما يشغلونهم عن ~~مساعدة من في القلب، ولا يناجزوهم، ففعلوا ذلك. وألح أصحابه على قلب وشمكير ~~بالحر، ثم تطاردوا لهم، فطمع فيهم ما كان ومن معه، فتبعوهم، وفارقوا ~~مواقفهم، فحينئذ أمر أبو علي الكراديس التي بإزاء الميمنة والميسرة أن ~~يتقدم بعضهم، ويأتي من في قلب وشمكير من ورائهم، ففعلوا ذلك، فلما رأى أبو ~~علي أصحابه قد أقبلوا من وراء ما كان ومن معه من أصحابه أمر المتطاردين ~~بالعود والحملة على ما كان وأصحابه، وكانت نفوسهم قد قويت بأصحابهم، فرجعوا ~~وحملوا على أولئك، وأخذهم السيف من بين أيديهم ومن خلفهم فولوا منهزمين. ~~فلما رأى ما كان ذلك ترجل، وأبلى بلاء حسنا، وظهرت منه شجاعة لم ير الناس ~~مثلها، فأتاه سهم غرب، فوقع في جبينه، فنفذ في الخوذة والرأس حتى طلع من ~~قفاه، وسقط ميتا، وهرب وشمكير ومن سلم معه إلى طبرستان، فأقم بها، واستولى ~~أبو علي على الري، وأنفذ رأ ما كان إلى بخارى والسهم فيه، ولم يحمل إلى ~~بغداد حتى قتل بجكم لأن بجكم كان من أصحابه، وجلس للعزاء لما قتل، فلما قتل ~~بجكم حمل الرأس من بخارى إلى بغداد فيه وفي الخوذة، وأنفذ أبو علي الأسرى ~~إلى بخارى أيضا، وكانوا بها حتى دخل وشمكير في طاعة آل سامان، وسار إلى ~~خراسان فاستوهبهم، فأطلقوا له على ما نذكره سنة ثلاثين. ### || AUT ذكر قتل بجكم # وفي هذه السنة قتل بجكم. وكان سبب قتله أن أبا عبدالله البريدي أنفذ ~~جيشا من البصرة إلى مذار، فأنفذ بجكم جيشا إليهم عليهم توزون، فاقتتلوا ~~قتالا شديدا كان أولا على توزون، فكتب إلى بجكم يطلب أن يلحق به، فسار بجكم ~~إليهم من واسط، منتصف رجب، فلقيه كتاب توزون بأنه ظفر بهم وهزمهم، فأراد ~~الرجوع إلى واسط، فأشار عليه بعض أصحابه بأن يتصيد، فقبل منه، وتصيد حتى ~~بلغ نهر جور، فسمع أن هناك أكرادا لهم مال وثروة، فشرهت نفسه إلى أخذه، ~~فقصدهم في ms2885 قلة من أصحابه بغير جنة تقية، فهرب الأكراد من بين يديه، ورمى هو ~~أحدهم فلم يصه، فرمى آخر فأخطأه أيضا، وكان لا يخيب سهمه، فأتاه غلام من ~~الأكراد من خلفه وطعنه في خاصرته، وهو لا يعرفه، فقتله وذلك لأربع بقين من ~~رجب، واختلف عسكره، فمضى الديلم خاصة نحو البريدي، وكانوا ألفا وخمسمائة، ~~فأحسن إليهم، وأضعف أرزاقهم، وأوصلها إليهم دفعة واحدة. وكان البريدي قد ~~عزم على الهرب من البصرة هو وإخوته، وكان بجكم قد راسل أهل البصرة وطيب ~~قلوبهم، فمالوا إليه فأتى البريديين الفرج من حيث لم يحتسبوا، وعاد أتراك ~~بجكم إلى واسط، وكان تكينك محبوسا بها، حبسه بجكم، وأخرجوه من محبسه، فسار ~~بهم إلى بغداد، وأظهروا طاعة المتقي لله. وصار أبو الحسين أحمد بن ميمون ~~يدبر الأمور، واستولى المتقي على دار بجكم، فأخذ ماله منها، وكان قد دفن ~~فيها مالا كثيرا، وكذلك أيضا في الصحراء لأنه خاف أن ينكب فلا يصل إلى ماله ~~في داره. وكان مبلغ ما أخذ من ماله ودفائنه ألف ألف دينار ومائتي ألف ~~دينار، وكانت مدة إمارة بجكم سنتين وثمانية أشهر وتسعة أيام. ### || AUT ذكر إصعاد البريديين إلى بغداد # لما قتل بجكم اجتمعت الديلم على بلسواز بن مالك بن مسافر، فقتله ~~الأتراك، فانحدر الديلم إلى أبي عبدالله البريدي، وكانوا منتخبين ليس فيهم ~~حشو، فقوي بهم، وعظمت شوكته، فأصعده من البصرة إلى واسط في شعبان، فأرسل ~~المتقي لله إليهم يأمرهم أن لا يصعدوا، فقالوا: نحن محتاجون إلى مال، فإن ~~أنفذ لنا منه شيء لم نصعد؛ فأنفذ إليهم مائة ألف وخمسين ألف دينار، فقال ~~الأتراك للمتقي: نحن نقاتل بني البريدي، فأطلق لنا مالا وانصب لنا مقدما؛ ~~فأنفق فيهم مالا، وفي أجناد بغداد القدماء، أربعمائة ألف دينار من المال ~~الذي أخذ لبجكم، وجعل عليهم سلامة الطولوني، وبرزوا مع المتقي لله إلى نهر ~~ديالي يوم الجمعة لثمان بقين من شعبان. PageV03P0481 # وسار البريدي من واسط إلى بغداد، ولم يقف على ما استقر معه، فلما قرب من ~~بغداد اختلف الأتراك البجكمية، واستأمن ms2886 بعضهم إلى البريدي، وبعضهم سار إلى ~~الموصل، واستتر سلامة الطولوني وأبو عبدالله الكوفي، ولم يحصل الخليفة إلا ~~على إخراج المال، وهم أرباب النعم والأموال، بالانتقال من بغداد خوفا من ~~البريدي وظلمه وتهوره. ودخل أبو عبدالله البريدي بغداد ثاني عشر رمضان، ~~ونزل بالشفيعي، ولقيه الوزير أبو الحسين، والقضاة، والكتاب، وأعيان الناس، ~~وكان معه من أنواع السفن ما لا يحصى كثرة، فأنفذ إليه المتقي يهنيه ~~بسلامته، وأنفذ إليه طعاما وغيره عدة ليال، وكان يخاطب بالوزير، وكذلك أبو ~~الحسين بن ميمون وزير الخليفة أيضا، ثم عزل أبو الحسين، وكانت مدة وزارة ~~أبي الحسين ثلاثة وثلاثين يوما، ثم قبض أبو عبدالله البريدي على أبي الحسين ~~وسيره إلى البصرة وحبسه بها إلى أن مات في صفر سنة ثلاثين وثلاثمائة من حمى ~~حادة. ثم أنفذ البريدي إلى المتقي يطل خمسمائة ألف دينار ليفرقها في الجند، ~~فامتنع عليه، فأرسل إليه يتهدده، ويذكره ما جرى على المعتز، والمستعين، ~~والمهتدي، وترددت الرسل، فأنفذ إليه تمام خمسمائة ألف دينار ولم يلق ~~البريدي المتقي لله مدة مقامه ببغداد. ### || AUT ذكر عود البريدي إلى واسط # كان البريدي يأمر الجند بطلب الأموال من الخليفة، فلما أنفذ الخليفة ~~إليه المال المذكور انصرفت أطماع الجند عن الخليفة إلى البردي وعادت مكيدته ~~عليه، فشغب الجند عليه، وكان الديلم قد قدموا على أنفسهم كورتكين الديلمي ~~وقدم الأتراك على أنفسهم تكينك التركي غلام بجكم، وثار الديلم إلى دار ~~البريدي، فأحرقوا دار أخيه أبي الحسين التي كان ينزلها، ونفروا عن البريدي ~~وانضاف تكينك إليهم، وصارت أيديهم واحدة، واتفقوا على قصد البريدي ونهب ما ~~عنده من الأموال، فساروا إلى النجمي ووافقهم العامة، فقطع البريدي الجسر، ~~ووقعت الحرب في الماء ووثب العامة بالجانب الغربي على أصحاب البريدي، فهرب ~~هو وأخوه وابنه أبو القاسم وأصحابه، وانحدروا في الماء إلى واسط، ونهبت ~~داره في النجمي ودور قواده؛ وكان هربه سلخ رمضان، وكانت مدة مقامه أربعة ~~وعشرين يوما. ### || AUT ذكر إمارة كورتكين الديلمي # لما هرب البريدي استولى كورتكين على الأمور ببغداد، ودخل إلى المتقي ms2887 ~~لله، فقلده إمارة الأمراء، وخلع عليه، واستدعى المتقي علي بن عيسى وأخاه ~~عبد الرحمن بن عيسى، فأمر عبد الرحمن فدبر الأمر من غير تسمية بوزارة، ثم ~~إن كورتكين قبض تكينك التركي خامس شوال، وغرقه، وتفرد بالأمر، ثم أن العامة ~~اجتمعوا يوم الجمعة سادس شوال، وتظلموا من الديلم ونزولهم في دورهم، فلم ~~ينكر ذلك، فمنعت العامة الخطيب من الصلاة، واقتتلوا هم والديلم، فقتل من ~~الفريقين جماعة. ### || AUT ذكر عود ابن رائق إلى بغداد # في هذه السنة عاد أبو بكر محمد بن رائق من الشام إلى بغداد، وصار أمير ~~الأمراء. وكان سبب ذلك أن الأتراك البجكمية لما ساروا إلى الموصل لم يروا ~~عند ابن حمدان ما يريدون، فساروا نحو الشام إلى ابن رائق، وكان فيهم من ~~القواد توزون، وخجخج، ونوشتكين، وصيغون، فلما وصلوا إليه أطمعوه في العود ~~إلى العراق، ثم وصلت إليه كتب المتقي يستدعيه، فسار من دمشق في العشرين من ~~رمضان، واستخلف على الشام أبا الحسن أحمد بن علي بن مقاتل، فلما وصل إلى ~~الموصل تنحى عن طريقه ناصر الدولة بن حمدان، فتراسلا، واتفقا على أن ~~يتصالحا، وحمل ابن حمدان إليه مائة ألف دينار، وسار ابن رائق إلى بغداد، ~~فقبض كورتكين على القراريطي الوزير، واستوزر أبا جعفر محمد بن القاسم ~~الكرخي في ذي القعدة، وكانت وزارة القراريطي ثلاثة وأربعين يوما، وبلغ خبر ~~ابن رائق إلى أبي عبدالله البريدي، فسير إخوته إلى واسط فدخلوها، وأخرجوا ~~الديلم عنها، وخطبوا له بواسط، وخرج كورتكين عن بغداد إلى عكبرا، ووصل إليه ~~ابن رائق، فوقعت الحرب بينهم، واتصلت عدة أيام. PageV03P0482 # فلما كان ليلة الخميس لتسع بقين من ذي الحجة سار ابن رائق ليلا من عكبرا ~~هو وجيشه، فأصبح ببغداد، فدخلها من الجانب الغربي هو وجميع جيشه، ونزل في ~~النجمي، وعبر من الغد إلى الخليفة فلقيه، وركب المتقي لله معه في دجلة، ثم ~~عاد ووصل هذا اليوم بعد الظهر كورتكين مع جميع جيشه من الجانب الشرقي، ~~وكانوا يستهزئون بأصحاب ابن رائق ويقولون: أين نزلت هذه القافلة الواصلة ms2888 من ~~الشام ؟ ونزلوا بالجانب الشرقي. ولما دخل كورتكين بغداد أيس ابن رائق من ~~ولايتها فأمر بحمل أثقاله والعود إلى الشام، فرفع الناس أثقالهم، ثم إنه ~~عزم أن يناوشهم شيئا من قتال قبل مسيره، فأمر طائفة من عسكره أن يعبروا ~~دجلة ويأتوا الأتراك من ورائهم، ثم إنه ركب في سميرية، وركب معه عدة من ~~أصحابه في عشرين سميرية، ووقفوا يرمون الأتراك بالنشاب. وصل أصحابه وصاحوا ~~من خلفهم، واجتمعت العامة مع أصحاب ابن رائق يضجون، فظن كورتكين أن العسكر ~~قد جاءه من خلفه ومن بين يديه، فانهزم هو وأصحابه، واختفى هو، ورجمهم ~~العامة بالآجر وغيره. وقوي أمر ابن رائق، وأخذ من استأمن إليه من الديلم ~~فقتلهم عن آخرهم وكانوا نحو أربعمائة، فلم يسلم منهم غير رجل واحد اختفى ~~بين القتلى، وحمل معهم في الجواليق، وألقي في دجلة فسلم وعاش بعد ذلك دهرا؛ ~~وقتل الأسرى من قواد الديلم، وكانوا بضعة عشر رجلا، وخلع المتقي على ابن ~~رائق، وجعله أمير الأمراء، وأمر أبا جعفر الكرخي بلزوم بيته، وكانت وزارته ~~ثلاثة وثلاثين يوما، واستولى أحمد الكوفي على الأمر فدبره، ثم ظفر ابن رائق ~~بكورتكين فحبس بدار الخليفة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كان بالعراق غلاء شديد، فاستسقى الناس في ربيع الأول، ~~فسقوا مطرا قليلا لم يجر منه ميزاب، ثم اشتد الغلاء والوباء، وكثر الموت ~~حتى كان يدفن الجماعة في القبر الواحد ولا يغسلون، ولا يصلى عليهم، ورخص ~~العقار ببغداد والأثاث حتى بيع ما ثمنه دينار بدرهم. وانقضى تشرين الأول، ~~وتشرين الثاني، والكانونان، وشباط، ولم يجيء غير المطرة التي عند ~~الاستسقاء، ثم جاء المطر في آذار ونيسان. وفيها، في شوال، استوزر المتقي ~~لله أبا إسحاق محمد بن أحمد الإسكافي المعروف بالقراريطي، بعد عود بني ~~البريدي من بغداد، وجعل بدرا الخرشني حاجبه، فبقي وزيرا إلى الخامس ~~والعشرين من ذي القعدة، فقبض عليه كورتكين، وكانت وزارته ثلاثة وأربعين ~~يوما، واستوزر بعده أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي، فبقي وزيرا إلى الثامن ~~والعشرين من ذي الحجة من ms2889 هذه السنة، فعزله ابن رائق لما استولى على الأمور ~~ببغداد، فكانت وزارته اثنين وثلاثين يوما، ودبر الأمور أبو عبدالله الكوفي ~~كاتب ابن رائق من غير تسمية بوزارة. وفيها عاد الحجاج إلى العراق، ولم ~~يصلوا إلى المدينة بل سلكوا الجادة بسبب طالبي ظهر بتلك الناحية وقوي أمره. ~~وفيها كثرت الحميات ووجع المفاصل في الناس، ومن عجل الفصاد بريء وإلا طال ~~مرضه. وفي أيام الراضي توفي أبو بشر أخو متى بن يونس الحكيم الفيلسوف، وله ~~تصانيف في شرح كتب أرسطاطاليس. وفيها، في ذي الحجة، مات بختيشوع بن يحيى ~~الطبيب. وفيها مات محمد بن عبدالله البلغمي، وزير السعيد نصر بن أحمد صاحب ~~خراسان، وكان من عقلاء الرجال، وكان نصر قد صرفه عن وزارته سنة ست وعشرين ~~وثلاثمائة، وجعل مكانه محمد بن محمد الجيهاني. وفيها توفي أبو كر محمد بن ~~المظفر بن محتاج ودفن بالصغانيان؛ وأبو محمد الحسن بن علي بن خلف ~~البربهاري، رئيس الحنابلة، توفي مستترا، ودفن في تربة نصر القشوري، وكان ~~عمره ستا وسبعين سنة. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر وزارة البريدي # في هذه السنة وزر أبو عبدالله البريدي للمتقي لله. وكان سبب ذلك أن ابن ~~رائق استوحش من البريدي لأنه أخر حمل المال، وانحدر إلى واسط عاشر المحرم، ~~فهرب بنو البريدي إلى البصرة، وسعى لهم أبو عبدالله الكوفي حتى عادوا ~~وضمنوا بقايا واسط بمائة وتسعين ألف دينار، وضمنوها كل سنة بستمائة ألف ~~دينار. PageV03P0483 # وعاد ابن رائق إلى بغداد، فشغب الجند عليه ثاني ربيع الآخر، وفيهم توزون ~~وغيره من القواد، ورحلوا في العشر الآخر من ربيع الآخر إلى أبي عبدالله ~~البريدي بواسط، فلما وصلوا إليه قوي بهم، فاحتاج ابن رائق إلى مداراته، ~~فكاتب أبا عبدالله البريدي بالوزارة، وأنفذ له الخلع، واستخلف أبا عبدالله ~~بن شيرزاد، ثم وردت الأخبار إلى بغداد بعزم البريدي على الإصعاد إلى بغداد، ~~فأزال ابن رائق اسم الوزارة عنه، وأعاد أبا إسحاق القراريطي، ولعن بني ~~البريدي على المنابر بجانبي بغداد. ### || AUT ذكر استيلاء البريدي على بغداد ms2890 # ### || AUT وإصعاد المتقي إلى الموصل # وسير أبو عبدالله البريدي أخاه أبا الحسين إلى بغداد في جميع الجيش من ~~الأتراك والديلم، وعزم ابن رائق على أن يتحصن بدار الخليفة، فأصلح سورها، ~~ونصب عليه العرادات والمنجنيقات، وعلى دجلة، وانهض العامة، وجند بعضهم، ~~فثاروا في بغداد وأحرقوا ونهبوا، وأخذوا الناس ليلا ونهارا. وخرج المتقي ~~لله وابن رائق إلى نهر ديالي منتصف جمادى الآخرة، ووافاهم أبو الحسين عنده ~~في الماء والبر، واقتتل الناس، وكانت العامة على شاطئ دجلة في الجانبين ~~يقاتلون من في الماء من أصحاب البريدي، وانهزم أهل بغداد، واستولى أصحاب ~~البريدي على دار الخليفة، ودخلوا إليها في الماء وذلك لتسع بقين من جمادى ~~الآخرة، وهرب المتقي وابنه الأمير أبو منصور في نحو عشرين فارسا، ولحق بهما ~~ابن رائق في جيشه، فساروا جميعا نحو الموصل، واستتر الوزير القراريطي، ~~وكانت مدة وزارته الثانية أربعين يوما، وإمارة ابن رائق ستة أشهر، وقتل ~~أصحاب البريدي من وجدوا في دار الخليفة من الحاشية، ونهبوها، ونهبوا دور ~~الحرم. وكثر النهب في بغداد ليلا ونهارا، وأخذوا كورتكين من حبسه، وأنفذه ~~أبو الحسين إلى أخيه بواسط فكان آخر العهد به، ولم يتعرضوا للقاهر بالله، ~~ونزل أبو الحسين بدار مؤنس التي يسكنها ابن رائق وعظم النهب، فأقام أبو ~~الحسين توزون على الشرطة بشرقي بغداد، وجعل نوشتكين على شركة الجانب ~~الغربي، فسكن الناس شيئا يسيرا، وأخذ أبو الحسين البريدي رهائن القواد ~~الذين مع توزون وغيره، وأخذ نساءهم وأولادهم فسيرهم إلى أخيه أبي عبدالله بواسط. ### || AUT ذكر ما فعله البريدي ببغداد # لما استولى على بغداد أخذ أصحابه في النهب والسلب وأخذ الدواب، وجعلوا ~~طلبها طريقا إلى غيرها من الأثاث، وكبست الدور، وأخرج أهلها منها ونزلت، ~~وعظم الأمر، وجعل على كر من الحنطة، والشعير، وأصناف الحبوب، خمسة دنانير، ~~وغلت الأسعار فبيع كر الحنطة بثلاثمائة وستة عشر دينارا، والخبز الخشكوار ~~رطلين بقيراطين صحيح أميري، وحبط أهل الذمة، وأخذ القوي بالضعيف، وورد من ~~الكوفة وسوادها خمسمائة كر من الحنطة والشعير، فأخذه جميعه وادعى أنه ~~للعامل بتلك ms2891 الناحية. ووقعت الفتن بين الناس، فمن ذلك أنه كان معه طائفة من ~~القرامطة، فجرى بينهم وبين الأتراك حرب قتل فيها جماعة، وانهزم القرامطة، ~~وفارقوا بغداد، ووقعت حرب بين الديلم والعامة قتل فيها جماعة من حد نهر ~~طابق إلى القنطرة الجديدة. وفي آخر شعبان زاد البلاء على الناس، فكبسوا ~~منازلهم ليلا ونهارا، واستتر أكثر العمال لعظيم ما طولبوا به مما ليس في ~~السواد، وافترق الناس، فخرج الناس وأصحاب السلطان إلى قرب من بغداد، فحصدوا ~~ما استحصدوا من الحنطة والشعير، وحملوه بسنبله إلى منازلهم، وكان مع ذلك ~~ينهب ويعسف أهل العراق ويظلمهم ظلما لم يسمع بمثله قط، والله المستعان. ~~وإنما ذكرنا هذا الفصل ليعلم الظلمة أن أخبارهم تنقل وتبقى على وجه الدهر، ~~فربما تركوا الظلم لهذا أن لم يتركوه لله سبحانه وتعالى. ### || AUT ذكر قتل ابن رائق # ### || AUT وولاية ابن حمدان إمرة الأمراء # PageV03P0484 # كان المتقي لله قد أنفذ إلى ناصر الدولة بن حمدان يستمده على البريديين، ~~فأرسل أخاه سيف الدولة علي بن عبدالله بن حمدان نجدة له في جيش كثيف، فلقي ~~المتقي وابن رائق بتكريت قد انهزما، فخدم سيف الدولة للمتقي خدمة عظيمة، ~~وسار معه إلى الموصل، ففارقها ناصر الدولة إلى الجانب الشرقي، وتوجه نحو ~~معلثايا، وترددت الرسل بينه وبين ابن رائق، حتى تعاهدا واتفقا، فحضر ناصر ~~الدولة ونزل على دجلة بالجانب الشرقي، فعبر إليه الأمير أبو منصور بن ~~المتقي وابن رائق يسلمان عليه، فنثر الدنانير والدراهم على ولد المتقي، ~~فلما أرادوا الانصراف من عنده ركب ابن المتقي، وأراد ابن رائق الركوب، فقال ~~له ناصر الدولة: تقيم اليوم عندي لنتحدث فيما نفعله؛ فاعتذر ابن رائق بابن ~~المتقي، فألح عليه ابن حمدان، فاستراب به، وجذب كمه من يده فقطعه، وأراد ~~الركوب فشب به الفرس فسقط، فصاح به ابن حمدان بأصحابه: أقتلوه ! فقتلوه، ~~وألقوه في دجلة. وأرسل ابن حمدان إلى المتقي يقول: إنه علم أن ابن رائق ~~أراد أن يغتاله، ففعل به ما فعل؛ فرد عليه المتقي ردا جميلا، وأمره بالمسير ~~إليه، فسار ابن ms2892 حمدان إلى المتقي لله، فخلع عليه، ولقبه ناصر الدولة، وجعله ~~أمير الأمراء، وذلك مستهل شعبان، وخلع على أخيه أبي الحسين علي، ولقبه سيف ~~الدولة. وكان قتل ابن رائق يوم الاثنين لتسع بقين من رجب، ولما قتل ابن ~~رائق سار الإخشيد من مصر إلى دمشق، وكان بها محمد بن يزداد، خليفة ابن ~~رائق، فاستأمن إلى الإخشيد، وسلم إليه دمشق فأقره عليها، ثم نقله عنها إلى ~~مصر وجعله على شرطتها، ويقال إن لابن رائق شعرا منه: يصفر وجهي إذا تأمله ~~... طرفي ويحمر وجهه خجلا حتى كأن الذي بوجنته ... من دم قلبي إليه قد نقلا ~~وقد قيل إنها للراضي بالله وقد تقدم. ### || AUT ذكر عود المتقي إلى بغداد # ### || AUT وهرب البريدي عنها # لما استولى أبو الحسين البريدي على بغداد، وأساء السيرة كما ذكرناه، ~~نفرت عنه قلوب الناس العامة والأجناد، فلما قتل ابن رائق سارع الجند إلى ~~الهرب من البريدي، فهرب خجخج إلى المتقي، وكان قد استعمله البريدي على ~~الراذانات وما يليها، ثم تحالف توزون، ونوشتكين، والأتراك على كبس أبي ~~الحسين البريدي، فغدر نوشتكين فأعلم البريدي الخبر، فاحتاط، وأحضر الديلم ~~عنده، وقصده توزون، فحاربه الديلم، وعلم توزون غدر نوشتكين به، فعاد ومعه ~~جملة وافرة من الأتراك، وسار نحو الموصل خامس رمضان، فقوي بهم ابن حمدان، ~~وعزم على الانحدار إلى بغداد، وتجهز وانحدر هو والمتقي، واستعمل على أعمال ~~الخراج والضياع بديار مضر، وهي الرها وحران والرقة، أبا الحسن علي بن طياب، ~~وسيره من الموصل. وكان على ديار مضر أبو الحسين أحمد بن علي بن مقاتل خليفة ~~لابن رائق، فاقتتلوا، فقتل أبو الحسين بن مقاتل واستولى ابن طياب عليها، ~~فلما قارب المتقي لله وناصر الدولة بن حمدان بغداد هرب أبو الحسين منها إلى ~~واسط، واضطرت العامة ببغداد، ونهب الناس بعضهم بعضا، وكان مقام أبي الحسين ~~ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يوما، ودخل المتقي لله إلى بغداد ومعه بنو حمدان ~~في جيوش كثيرة، واستوزر المتقي أبا إسحاق القراريطي، وقلد توزون شرطة جانبي ~~بغداد، وذلك في شوال. ### || AUT ذكر ms2893 الحرب بين ابن حمدان والبريدي # لما هرب أبو الحسين البريدي إلى واسط، ووصل بنو حمدان والمتقي إلى ~~بغداد، خرج بنو حمدان عن بغداد نحو واسط، وكان أبو الحسين قد سار من واسط ~~إليهم ببغداد، فأقام ناصر الدولة بالمدائن، وسير أخاه سيف الدولة وابن عمه ~~أبا عبدالله الحسين بن سعيد بن حمدان في الجيش إلى قتال أبي الحسين، ~~فالتقوا تحت المدائن بفرسخين، واقتتلوا عدة أيام آخرها رابع ذي الحجة، وكان ~~توزون وخجخج والأتراك مع ابن حمدان، فانهزم سيف الدولة ومن معه إلى ~~المدائن، وبها ناصر الدولة، فردهم وأضاف إليهم من كان عنده من الجيش، ~~فعاودوا القتال، فانهزم أبو الحسين البريدي، وأسر جماعة من أعيان أصحابه، ~~وقتل جماعة، وعاد أبو الحسين البريدي منهزما إلى واسط، ولم يقدر سيف الدولة ~~على اتباعه إليها لما في أصحابه من الوهن والجراح. PageV03P0485 # وكان المتقي قد سير أهله من بغداد إلى سر من رأى، فأعادهم، وكان أعيان ~~الناس قد هربوا من بغداد، فلما انهزم البريدي عادوا إليها، وعاد ناصر ~~الدولة بن حمدان إلى بغداد، فدخلها ثالث عشر ذي الحجة، وبين يديه الأسرى ~~على الجمال، ولما استراح سيف الدولة وأصحابه انحدروا من موضع المعركة إلى ~~واسط، فرأوا البريديين قد انحدروا إلى البصرة، فأقام بواسط ومعه الجيش، ~~وسنذكر من أخباره سنة إحدى وثلاثين. ولما عاد ناصر الدولة إلى بغداد نظر في ~~العيار، فرآه ناقصا، فأمر بإصلاح الدنانير، فضرب دنانير سماها الإبريزية، ~~عيارها خير من غيرها، فكان الدينار بعشرة دراهم، فبيع هذا الدينار بثلاثة عشر درهما. ### || AUT ذكر استيلاء الديلم على أذربيجان # كانت أذربيجان بيد ديسم بن إبراهيم الكردي، وكان قد صحب يوسف ابن أبي ~~الساج، وخدم وتقدم حتى استولى على أذربيجان، وكان يقول بمذهب الشراة هو ~~وأبوه، وكان أبوه من أصحاب هارون الشاري، فلما قتل هارون هرب إلى أذربيجان، ~~وتزوج ابنة رئيس من أكرادها، فولدت له ديسم، فانضم إلى أبي الساج، فارتفع ~~وكبر شأنه، وتقدم إلى أن ملك أذربيجان بعد يوسف بن أبي الساج، وكان معظم ~~جيوشه الأكراد، إلا ms2894 نفرا يسيرا من الديلم، من عسكر وشمكير، أقاموا عنده حين ~~صحبوه إلى أذربيجان. ثم إن الأكراد تقووا، وتحكموا عليه، وتغلبوا على بعض ~~قلاعه وأطراف بلاده، فرأى أن يستظهر عليهم بالديلم، فاستكثر ذلك منهم، وكان ~~فيهم صعلوك بن محمد بن مسافر، وعلي بن الفضل وغيرهما، فأكرمهم ديسم، وأحسن ~~إليهم، وانتزع من الأكراد ما تغلبوا عليه من بلاده، وقبض على جماعة من ~~رؤسائهم. وكان وزيره أبا القاسم علي بن جعفر، وهو من أهل أذربيجان، فسعى به ~~أعداؤه، فأخافه ديسم، فهرب إلى الطرم إلى محمد بن مسافر، فلما وصل إليه رأى ~~ابنيه وهسوذان والمرزبان قد استوحشا منه، واستوليا على بعض قلاعه، وكان سبب ~~وحشتهما سوء معاملته معهما ومع غيرهما، ثم إنهما قبضا على أبيهما محمد بن ~~مسافر، وأخذا أمواله وذخائره، وبقي في حصن آخر وحيدا فريدا بغير مال ولا ~~عدة، فرأى علي بن جعفر الحال فتقرب إلى المرزبان وخدمه وأطمعه في أذربيجان، ~~وضمن له تحصيل أموال كثيرة يعرف هو وجوهها، فقلده وزارته. وكان يجمعهما مع ~~الذي ذكرنا أنهما كانا من الشيعة، فإن علي بن جعفر كان من دعاة الباطنية، ~~والمرزبان مشهور بذلك، وكان ديسم كما ذكرنا يذهب إلى مذهب الخوارج في بغض ~~علي، عليه السلام، فنفر عنه من عنده من الديلم، وابتدأ علي بن جعفر فكاتب ~~من يعلم أنه يستوحش من ديسم يستميله، إلى أن أجابه أكثر أصحابه، وفسدت ~~قلوبهم على ديسم، وخاصة الديلم، وسار المرزبان إلى أذربيجان، وسار ديسم ~~إليه، فلما التقيا للحرب عاد الديلم إلى المرزبان، وتبعهم كثير من الأكراد ~~مستأمنين، فحمل المرزبان على ديسم، فهرب في طائفة يسيرة من أصحابه إلى ~~أرمينية، واعتصم بحاجيق بن الديراني، لمودة بينهما، فأكرمه، واستانف ديسم ~~يؤلف الأكراد، وكان أصحابه يشيرون عليه بإبعاد الديلم لمخالفتهم أياه في ~~الجنس والمذهب، فعصاهم، وملك المرزبان أذربيجان، واستقام أمره إلى أن فسد ~~ما بينه وبين وزيره علي ابن جعفر. وكان سبب الوحشة بينهما أن عليا أساء ~~السيرة مع أصحاب المرزبان، فتضافروا عليه، فأحس بذلك، فاحتال على المرزبان، ~~فأطمعه في ms2895 أموال كثيرة يأخذها له من بلد تبريز، فضم إليه جندا من الديلم ~~وسيرهم إليها، فاستمال أهل البلد، فعرفهم أن المرزبان إنما سيره إليهم ~~ليأخذ أموالهم، وحسن لهم قتل من عندهم من الديلم، ومكاتبة ديسم ليقدم ~~عليهم، فأجابوه إلى ذلك. وكاتب ديسم، ووثب أهل البلد بالديلم فقتلوهم، وسار ~~ديسم فيمن اجتمع إليه من العسكر إلى تبريز، وكان المرزبان قد ساء إلى من ~~استأمن إليه من الأكراد، فلما سمعوا بديسم أنه يريد تبريز ساروا إليه، فلما ~~اتصل ذلك بالمرزبان ندم على إيحاش علي بن جعفر، ثم جمع عسكره وسار إلى ~~تبريز، فتحارب هو وديسم بظاهر تبريز، فانهزم ديسم والأكراد، وعادوا فتحصنوا ~~بتبريز، وحصرهم المرزبان وأخذ في إصلاح علي بن جعفر ومراسلته، وبذل له ~~الأيمان على ما يريده، فأجابه علي: إنني لا أريد من جميع ما بذلته إلى ~~السلامة وترك العمل؛ فأجابه إلى ذلك وحلف له. PageV03P0486 # واشتد الحصار على ديسم، فسار من تبريز إلى أردبيل، وخرج علي ابن جعفر إلى ~~المرزبان، فساروا إلى أردبيل وترك المرزبان على تبريز من يحصرها، وحصر هو ~~ديسم بأردبيل، فلما طال الحصار عليه طلب الصلح، وراسل المرزبان في ذلك، ~~فأجابه إليه، فاصطلحا وتسلم المرزبان أردبيل، فأكرم ديسم وعظمه، ووفى له ~~بما حلف له عليه، ثم إن ديسم خاف على نفسه من المرزبان، فطلب منه أن يسيره ~~إلى قلعته بالطرم فيكون فيها هو وأهله، ويقنع بما يتحصل له منها، ولا يكلفه ~~شيئا آخر، ففعل المرزبان ذلك، وأقام ديسم بقلعته هو وأهله. ### || AUT ذكر استيلاء أبي علي بن محتاج على بلد الجبل وطاعة وشمكير للسامانية # قد ذكرنا سنة تسع وعشرين مسير أبي علي بن محتاج صاحب جيوش خراسان ~~للسامانية إلى الري، وأخذها من وشمكير، ومسير وشمكير إلى طبرستان، وأقام ~~أبو علي بالري، بعد ملكها، تلك الشتوة، وسير العساكر إلى بلد الجبل، ~~فافتتحها، واستولى على زنكان، وأبهر، وقزوين، وقم، وكرج، وهمذان، ونهاوند ~~والدينور إلى حدود حلوان، ورتب فيها العمال، وجبى أموالها. وكان الحسن بن ~~الفيرزان بسارية، فقصده وشمكير وحصره، فسار إلى ms2896 أبي علي واستنجده وأقام ~~وشمكير متحصنا بسارية، فسار إليه أبو علي ومعه الحسن وحصراه بها سنة ثلاثين ~~وضيق عليه، وألح عليه بالقتال كل يوم، وهم في شتاء شات كثير المطر، فسأل ~~وشمكير المواعدة، فصالحه أبو علي، وأخذ رهائنه على لزوم طاعة الأمير نصر بن ~~أحمد الساماني، ورحل عنه إلى جرجان في جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين ~~وثلاثمائة، فأتاه موت الأمير نصر بن أحمد، فسار عنها إلى خراسان. ### || AUT ذكر استيلاء الحسن بن الفيرزان على جرجان # كان الحسن بن الفيرزان عم ما كان بن كالي، وكان قريبا منه في الشجاعة، ~~فلما قتل ما كان راسله وشمكير ليدخل في طاعته، فلم يفعل، وكان بمدينة ~~سارية، وصار يسب وشمكير، وينسبه إلى المواطأة على قتل ما كان، فقصده ~~وشمكير، فسار الحسن من سارية إلى أبي علي صاحب جيوش خراسان، فسار معه أبو ~~علي من الري، فحصر وشمكير بسارية، وأقام يحاصره إلى سنة إحدى وثلاثين، ~~واصطلحا. وعاد أبو علي إلى خراسان، وأخذ ابنا لوشمكير، اسمه سالار، رهينة، ~~وصحبه الحسن بن الفيرزان، وهو كاره للصلح، فبلغه وفاة السعيد نصر بن أحمد ~~صاحب خراسان، فلما سمع الحسن ذلك عزم على الفتك بأبي علي، فثار به وبعسكره، ~~فسلم أبو علي، ونهب الحسن سواده، وأخذ ابن وشمكير، وعاد إلى جرجان فملكها، ~~وملك الدامغان وسمنان، ولما وصل أبو علي إلى نيسابور رأى إبراهيم بن سيمجور ~~الدواتي قد امتنع عليه بها وخالفه، فترددت الرسل بينهم فاصطلحوا. ### || AUT ذكر ملك وشمكير الري # لما انصرف أبو علي إلى خراسان، وجرى عليه من الحسن ما ذكرناه، وعاد إلى ~~جرجان، سار وشمكير من طبرستان إلى الري فملكها واستولى عليها، وراسله الحسن ~~بن الفيرزان يستميله، ورد عليه ابنه سالار الذي كان عند أي علي رهينة، وقصد ~~أن يتقوى به على الخراسانية أن عادوا إليه، فألان له وشمكير الجواب، ولم ~~يصرح بما يخالف قاعدته مع أبي علي. ### || AUT ذكر استيلاء ركن الدولة على الري # لما سمع ركن الدولة وأخوه عماد الدولة ابنا بويه بملك وشمكير الري طمعا ms2897 ~~فيه لأن وشمكير كان قد ضعف، وقلت رجاله وماله بتلك الحادثة مع أبي علي، ~~فسار ركن الدولة الحسن بن بويه إلى الري واقتتل هو وشمكير، فانهزم وشمكير، ~~واستأمن كثير من رجاله إلى ركن الدولة، فسار وشمكير إلى طبرستان، فقصده ~~الحسن بن الفيرزان، فاستأمن إليه كثير من عسكره أيضا، فانهزم وشمكير إلى ~~خراسان. ثم إن الحسن بن الفيرزان راسل ركن الدولة وواصله، فتزوج ركن الدولة ~~بنتا للحسن، فولدت له ولده فخر الدولة عليا. وكان ينبغي أن نذكر هذه ~~الحوادث بعد وفاة السعيد نصر بن أحمد وإنما ذكرناها هاهنا ليتلو بعضها بعضا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة صرف بدر الخرشني عن حجبة الخليفة، وجعل مكانه سلامة ~~الطولوني. وفيها ظهر كوكب، في المحرم، بذنب عظيم في أول برج القوس، وآخر ~~برج العقرب بين الغرب والشمال، وكان رأسه في المغرب وذنبه في المشرق، وكان ~~عظيما منتشر الذنب، وبقي ظاهرا ثلاثة عشر يوما، وسار في القوس والجدي ثم ~~اضمحل. PageV03P0487 # وفيها اشتد الغلاء لا سيما بالعراق، وبيع الخبز أربعة أرطال بقيراطين ~~صحيح أميري، وأكل الضعفاء الميتة، وكثر الوباء والموت جدا. وفيها، في ربيع ~~الآخر، وصل الروم إلى قرب حلب، ونهبوا وخربوا البلاد، وسبوا نحو خمسة عشر ~~ألف إنسان. وفيها دخل الثملي من ناحية طرسوس إلى بلاد الروم، فقتل، وسبى، ~~وغنم وعاد سالما، وقد أسر عدة من بطارقتهم المشهورين. وفيها، في ذي القعدة، ~~قلد المتقي لله بدرا الخرشني طريق الفرات، فسار إلى الإخشيد مستأمنا فقلده ~~بلدة دمشق، فلما كان بعد مدة حم ومات بها. وفيها، في جمادي الآخرة، ولد أبو ~~منصور بويه بن ركن الدولة بن بويه وهو مؤيد الدولة. وفيها توفي أبو بكر ~~محمد بن عبدالله المعروف بالصيرفي، الفقيه الشافعي، وله تصانيف في أصول ~~الفقه وفيها توفي القاضي أبو عبدالله الحسين بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ~~المحاملي، الفقيه الشافعي، وهو من المكثرين في الحديث، وكان مولده سنة خمس ~~وثلاثين ومائتين، وكان على قضاء الكوفة وفارس، فاستعفى من القضاء وألح في ~~ذلك، فأجيب إليه. ms2898 وفيها توفي أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري ~~المتكلم صاحب المذهب المشهور، وكان مولده سنة ستين ومائتين، وهو من ولد أبي ~~موسى الأشعري. وفيها مات محمد بن محمد الجيهاني وزير السعيد نصر بن أحمد ~~تحت الهدم. وفيها توفي محمد بن يوسف بن النضر الهروي، الفقيه الشافعي، وكان ~~مولده سنة تسع وعشرين ومائتين، وأخذ عن الربيع بن سليمان صاحب الشافعي وتعلم منه. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر ظفر ناصر الدولة بعدل البجكمي # في هذه السنة ظفر أبو عبدالله الحسين بن سعيد بن حمدان بعدل حاجب بجكم، ~~وسلمه، وسيره إلى بغداد. وسبب ذلك أن عدلا صار بعد قتل بجكم مع ابن رائق، ~~وسار معه إلى بغداد، وأصعد معه إلى الموصل، فلما قتل ناصر الدولة أبا بكر ~~بن رائق، كما ذكرناه، صار عدل في جملة ناصر الدولة، فسيره ناصر الدولة مع ~~علي ابن خلف بن طياب إلى ديار مضر، والشام الذي كان بيد ابن رائق، وكان ~~بالرحبة من جهة ابن رائق رجل يقال له مسافر بن الحسن، فلما قتل ابن رائق ~~استولى مسافر هذا على الناحية، ومنع منها، وجبى خراجها، فأرسل إليه ابن ~~طياب عدلا في جيش ليخرجه عن الرحبة، فلما سار إليها فارقها مسافر من غير ~~قتال، وملك عدل الحاجب البلد، وكاتب من بغداد من البجكمية، فقصدوه مستخفين، ~~فقوي أمره بهم، واستولى على طريق الفرات، وبعض الخابور. ثم إن مسافرا جمع ~~جمعا من بني نمير وسار إلى قرقيسيا، فأخرج منها أصحاب عدل وملكها، فسار ~~إليها، واستتر عنها، وعزم عدل على قصد الخابور وملكه، فاحتاط أهله منه، ~~واستنصروا ببني نمير، فلما علم ذلك عدل ترك قصدهم. ثم صار يركب كل يوم قبل ~~العصر بساعة في جميع عسكره ويطوف صحاري قرقيسيا إلى آخر النهار، وعيونه ~~تأتيه من أهل الخابور بأنهم يحذرون كلما سمعوا بحركته، ففعل ذلك أربعين ~~يوما، فلما رأى أهل الخابور اتصل ركوبه، وأنه لا يقصدهم، فرقوا جمعهم ~~وأمنوه، فأتته عيونه بذلك على رسمه، فلما تكامل ms2899 رجاله أمرهم بالمسير، وأن ~~يرسلوا غلمانهم في حمل أثقالهم، وسار لوقته فصبح الشمسانية، وهي من أعظم ~~قرى الخابور وأحصنها، فتحصن أهلها منه، فقاتلهم ونقب السور وملكها وقتل ~~فيها، وأخذ من أهلها مالا كثيرا، وأقام بها أياما، ثم سار إلى غيرها، فبقي ~~في الخابور ستة أشهر، فجبى الخراج والأموال العظيمة، واستظهر بها، وقوي ~~أصحابه بما وصل إليهم أيضا، وعاد إلى الرحبة، واتسعت حاله، واشتد أمره، ~~وقصده العساكر من بغداد، فعظم حاله. ثم إنه سار يريد نصيبين لعلمه ببعد ~~ناصر الدولة عن الموصل والبلاد الجزيرية، ولم يمكنه قصد الرقة وحران لأنها ~~كان بها يأنس المؤنسي في عسكر ومعه جمع من بني نمير، فتركها وسار إلى رأس ~~عين، ومنها إلى نصيبين، فاتصل خبره بالحسين بن حمدان، فجمع الجيش وسار إليه ~~إلى نصيبين، فلما قرب منه لقيه عدل في جيشه، فلما التقى العسكران استأمن ~~أصحابه من عدل إلى ابن حمدان، وبقي معه منهم نفر يسير من خاصته، فأسره ابن ~~حمدان، وأسر معه ابنه، فسمل عدلا وسيرهما إلى بغداد، فوصلها في العشرين من ~~شعبان، فشهر هو وابنه فيها. ### || AUT ذكر حال سيف الدولة بواسط # PageV03P0488 # قد ذكرنا مقام سيف الدولة علي بن حمدان بواسط، بعد انحدار البريديين ~~عنها، وكان يريد الانحدار إلى البصرة لأخذها من البريدي، ولا يمكنه لقلة ~~المال عنده، ويكتب إلى أخيه في ذلك، فلا ينفذ إليه شيئا، وكان توزون وخجخج ~~يسيئان الأدب ويتحكمان عليه. ثم إن ناصر الدولة أنفذ إلى أخيه مالا مع أبي ~~عبدالله الكوفي ليفرقه في الأتراك، فأسمعه توزون وخجخج المكروه، وثارا به، ~~فأخذه سيف الدولة وغيبه عنهما وسيره إلى بغداد، وأمر توزون أن يسير إلى ~~الجامدة ويأخذها وينفرد بحاصلها، وأمر خجخج أن يسير إلى مذار ويحفظها ويأخذ ~~حاصلها. وكان سيف الدولة يزهد بالأتراك في العراق، ويحسن لهم قصد الشام معه ~~الاستيلاء عليه وعلى مصر، ويقع في أخيه عندهم، فكانوا يصدقونه في أخيه، ولا ~~يجيبونه إلى المسير إلى الشام معه، ويتسحبون عليه، وهو يجيبهم إلى الذي ~~يريدونه. فلما كان سلخ شعبان ms2900 ثار الأتراك بسيف الدولة فكبسوه ليلا، فهرب من ~~معسكره إلى بغداد، ونهب سواده، وقتل جماعة من أصحابه. وأما ناصر الدولة ~~فإنه لما وصل إليه أبو عبدالله الكوفي وأخبره الخبر برز ليسير إلى الموصل، ~~فركب المتقي إليه، وسأله التوقف عن المسير، فأظهر له الإجابة إلى أن عاد، ~~ثم سار إلى الموصل ونهبت داره، وثار الديلم والأتراك، ودبر الأمر أبو إسحاق ~~القراريطي من غير تسمية بوزارة. وكانت إمارة ناصر الدولة أبي محمد الحسين ~~بن عبدالله بن حمدان ببغداد ثلاثة عشر شهرا وخمسة أيام، ووزارة أبي العباس ~~الأصبهاني أحدا وخمسين يوما؛ ووصل سيف الدولة إلى بغداد. ### || AUT ذكر حال الأتراك بعد إصعاد سيف الدولة # لما هرب سيف الدولة من واسط عاد الأتراك إلى معسكرهم، فوقع الخلاف بين ~~توزون وخجخج، وتنازعا الإمارة، ثم استقر الحال على أن يكون توزون أميرا ~~وخجخج صاحب الجيش، وتصاهرا. وطمع البريدي في واسط، فأصعد إليها، فأمر توزون ~~خجخج بالمسير إلى نهر أبان، وأرسل البريدي إلى توزون يطلب أن يضمنه واسط، ~~فرد ردا جميلا، ولم يفعل. ولما عاد الرسول أتبع توزون بجاسوس يأتيه بخبره ~~مع خجخج، فعاد الجاسوس فأخبر توزون بأن الرسول اجتمع هو وخجخج وطال الحديث ~~بينهما، وأن خجخج يريد أن ينتقل إلى البريدي، فسار توزون إليه جريدة في ~~مائتي غلام يثق بهم، وكبسه في فراشه ليلة الثاني عشر من رمضان، فلما أحس به ~~ركب دابته بقميص، وفي يده لت، ودفع عن نفسه قليلا، ثم أخذ وحمل إلى توزون ~~فحمله إلى واسط، فسلمه وأعماه ثاني يوم وصوله إليها. ### || AUT ذكر عود سيف الدولة إلى بغداد # ### || AUT وهربه عنها # لما هرب سيف الدولة، على ما ذكرنا، لحق بأخيه، فبلغه خلاف توزون وخجخج، ~~فطمع في بغداد، فعاد ونزل بباب حرب، وأرسل إلى المتقي لله يطلب منه مالا ~~ليقاتل توزون إن قصد بغداد، فأنفذ إليه أربع مائة ألف درهم، ففرقها في ~~أصحابه، وظهر من كان مستخفيا ببغداد وخرجوا إليه، وكان وصوله ثالث عشر ~~رمضان. ولما بلغ توزون وصول سيف الدولة إلى بغداد ms2901 خلف بواسط كيغلغ في ~~ثلاثمائة رجل وأصعد إلى بغداد، فلما سمع سيف الدولة بإصعاده رحل من باب حرب ~~فيمن انضم إليه من أجناد بغداد، وفيهم الحسن بن هارون. ### || AUT ذكر إمارة توزون # قد ذكرنا مسير سيف الدولة من بغداد، فلما فارقها دخلها توزون، وكان ~~دخلوها بغداد في الخامس والعشرين من رمضان، فخلع عليه المتقي لله، وجعله ~~أمير الأمراء، وصار أبو جعفر الكرخي ينظر في الأمور كما كان الكوفي ينظر ~~فيها. ولما سار توزون عن واسط أصعد إليها البريدي، فهرب من بها من أصحاب ~~توزون إلى بغداد، ولم يمكن توزون المبادرة إلى واسط إلى أن تستقر الأمور ~~ببغداد، فأقام إلى أن مضى بعض ذي القعدة. وكان توزون قد أسر غلاما عزيزا ~~على سيف الدولة قريبا منه، يقال له ثمال، فأطلقه وأكرمه وأنفذه إليه، فحسن ~~موقع ذلك من بني حمدان، ثم إن توزون انحدر إلى واسط لقصد البريدي، فأتاه ~~أبو جعفر بن شيرزاد هاربا من البريدي، فقبله، وفرح به، وقلد أموره كلها. ### || AUT ذكر مسير صاحب عمان إلى البصرة # في هذه السنة، في ذي الحجة، سار يوسف بن وجيه صاحب عمان في مراكب كثيرة ~~يريد البصرة، وحارب البريدي، فملك الأبلة، وقوي قوة عظيمة، وقار أن يملك ~~البصرة، فأشرف البريدي وإخوته على الهلاك. PageV03P0489 # وكان له ملاح يعرف بالرنادي، فضمن للبريدي هزيمة يوسف، فوعد الإحسان ~~العظيم، وأخذ الملاح زورقين فملأهما سعفا يابسا، ولم يعلم به أحد، وأحدرهما ~~في الليل حتى قارب الأبلة. وكانت مراكب ابن وجيه تشد بعضها إلى بعض في ~~الليل، فتصير كالجسر، فلما انتصف الليل أشعل ذلك الملاح النار في السعف ~~الذي في الزورقين، وأرسلهما مع الجزر والنار فيهما، فأقبلا أسرع من الريح، ~~فوقعا في تلك السفن والمراكب، فاشتعلت واحترقت قلوبها، واحترق من فيها، ~~ونهب الناس منها مالا عظيما، ومضى يوسف بن وجيه هاربا في المحرم سنة اثنتين ~~وثلاثين وثلاثمائة، وأحسن البريدي إلى ذلك الملاح، وفي هذه الفتنة هرب ابن ~~شيرزاد من البريدي وأصعد إلى توزون. ### || AUT ذكر الوحشة بين المتقي لله ms2902 وتوزون # كان محمد بن ينال الترجمان من أكبر قواد توزون، وهو خليفته ببغداد، فلما ~~انحدر توزون إلى واسط سعى بمحمد إليه، وقبح ذكره عنده، فبلغ ذلك محمدا فنفر ~~منه. وكان الوزير أبو الحسين بن مقلة قد ضمن القرى المختصة بتوزون ببغداد، ~~فخسر فيها جملة، فخاف أن يطالب بها، وانضاف إلى ذلك اتصال ابن شيرزاد ~~بتوزون، فخافه الوزير وغيره، وظنوا أن مصيره إلى توزون باتفاق من البريدي، ~~فاتفق الترجمان وابن مقلة، وكتبوا إلى ابن حمدان لينفذ عسكرا يسيرا صحبة ~~المتقي لله إليه، وقالوا للمتقي: قد رأيت ما فعل معك البريدي! بالأمس أخذ ~~منك خمسمائة ألف دينار، وأخرجت على الأجناد مثلها، وقد ضمنك البريدي من ~~توزون بخمسمائة ألف دينار أخرى، زعم أنها في يدك من تركة بجكم، وابن شيرزاد ~~واصل ليتسلمك ويخلعك ويسلمك إلى البريدي؛ فانزعج لذلك، وعزم على الإصعاد ~~إلى ابن حمدان، وورد ابن شيرزاد في ثلاثمائة رجل جريدة. ### || AUT ذكر موت السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل # في هذه السنة توفي السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل، صاحب خراسان وما وراء ~~النهر، في رجب، وكان مرضه السل، فبقي مريضا ثلاثة عشر شهرا، ولم يكن بقي من ~~مشايخ دولتهم أحد، فإنهم كانوا قد سعى بعضهم ببعض، فهلك بعضهم، ومات بعضهم، ~~وكانت ولايته ثلاثين سنة وثلاثين يوما، وكان عمره ثمانيا وثلاثين سنة. وكان ~~حليما، كريما، عاقلا، فمن حلمه أن بعض الخدم سرق جوهرا نفيسا وباعه من بعض ~~التجار بثلاثة عشر ألف درهم، فحضر التاجر عند السعيد وأعلمه أنه قد اشترى ~~جوهرا نفيسا لا يصلح إلا للسلطان، وأحضر الجوهر عنده، فحين رآه عرفه أنه ~~كان له وقد سرق، فسأله عن ثمنه، ومن أين اشتراه، فذكر له الخادم والثمن، ~~فأمر فأحضر ثمنه في الحال، وأربحه ألفي درهم زيادة. ثم إن التاجر سأله في ~~دم الخادم، فقال: لا بد من تأديبه، وأما دمه فهو لك؛ فأحضره وأدبه، ثم ~~أنفذه إلى التاجر وقال: كنا وهبنا لك دمه، فقد أنفذناه إليك؛ فلو أن صاحب ~~الجوهر بعض الرعايا ms2903 لقال: هذا مالي قد عاد إلي وخذ أنت مالك ممن سلمته ~~إليه. وحكي أنه استعرض جنده، وفيهم إنسان اسمه نصر بن أحمد، فلما بلغه ~~العرض سأله عن اسمه فسكت، فأعاد السؤال فلم يجبه، فقال بعض من حضر: اسمه ~~نصر بن أحمد، وإنما سكت إجلالا للأمير؛ فقال السعيد: إذا يوجب حقه، ونزير ~~في رزقه؛ ثم قربه وزاد في أرزاقه. وحكي عنه أنه لما خرج عليه أخوه أبو ~~زكرياء نهب خزائنه وأمواله، فلما عاد السعيد إلى ملكه قيل له عن جماعة ~~انتهبوا ماله، فلم يعرض إليهم، وأخبروه أن بعض السوقة اشترى منها سكينا ~~نفيسا بمائتي درهم، فأرسل إليه وأعطاه مائتي درهم وطلب السكين، فأبى أن ~~يبيعه إلا بألف درهم، فقال: ألا تعجبون من هذا ؟ أرى عنده مالي، فلم ~~أعاقبه، وأعطيته حقه، فاشتط في الطلب؛ ثم أمر برضائه. وحكي أنه طال مرضه ~~فبقي به ثلاثة عشر شهرا، فأقبل على الصلاة والعبادة، وبنى له في قصره بيتا ~~وسماه بيت العبادة، فكان يلبس ثيابا نظافا، ويمشي إليه حافيا، ويصلي فيه، ~~ويدعو ويتضرع، ويجتنب المنكرات والآثام إلى أن مات ودفن عند والده. ### || AUT ذكر ولاية ابنه الأمير نوح بن نصر # لما مات نصر بن أحمد تولى بعده خراسان وما وراء النهر ابنه نوح، واستقر ~~في شعبان من هذه السنة، وبايعه الناس، وحلفوا له، ولقب بالأمير الحميد، ~~وفوض أمره وتدبير مملكته إلى أبي الفضل محمد بن أحمد الحاكم، وصدر عنه ~~رأيه. PageV03P0490 # ولما ولي نوح هرب منه أبو الفضل بن أحمد بن حمويه، وهو من أكابر أصحاب ~~أبيه، وكان سبب ذلك أن السعيد نصرا كان قد ولى ابنه إسماعيل بخارى، وكان ~~أبو الفضل يتولى أمره وخلافته، فأساء السيرة مع نوح وأصحابه، فحقد ذلك ~~عليه، ثم توفي إسماعيل في حياة أبيه. وكان نصر يميل إلى أبي الفضل ويؤثره، ~~فقال له: إذا حدث علي حادث الموت فانج بنفسك، فإني لا آمن نوحا عليك؛ فلما ~~مات الأمير نصر سار أبو الفضل من بخارى وعبر جيحون، وورد آمل، وكاتب أبا ~~علي بن ms2904 محتاج، وهو بنيسابور، يعرفه الحال، وكان بينهما مصاهرة، فكتب إليه ~~أبو علي ينهاه عن الإلمام بناحيته لمصلحة. ثم إن الأمير نوحا أرسل إلى أبي ~~الفضل كتاب أمان بخطه، فعاد إليه فأحسن الفعل معه، وولاه سمرقند، وكان أبو ~~الفضل معرضا عن محمد بن أحمد الحاكم، ولا يلتفت إليه، ويسميه الخياط، فأضمر ~~الحاكم بغضه والإعراض عنه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في المحرم، وصل معز الدولة بن بويه إلى الصرة، فحارب ~~البريديين، وأقام عليهم مدة، ثم استأمن جماعة من قواده إلى البريديين، ~~فاستوحش من الباقين، فانصرف عنهم. وفيها تزوج الأمير أبو منصور بن المتقي ~~بابنة ناصر الدولة بن حمدان، وكان الصداق ألف ألف درهم، والحمل مائة ألف ~~دينار. وفيها قبض ناصر الدولة على الوزير أبي إسحاق القراريطي، ورتب مكانه ~~أبا العباس أحمد بن عبدالله الأصبهاني في رجب، وكان أبو عبدالله الكوفي هو ~~الذي يدبر الأمور، وكانت وزارة القراريطي ثمانية أشهر وستة عشر يوما، وكان ~~ناصر الدولة ينظر في قصص الناس وتقام الحدود بين يديه، ويفعل ما يفعل صاحب ~~الشرطة. وفيها كانت الزلزلة المشهورة بناحية نسا من خراسان، فخربت قرى ~~كثيرة، ومات تحت الهدم عالم عظيم، وكانت عظيمة جدا. وفيها استقدم الأمير ~~نوح محمد بن أحمد النسفي البردهي، وكان قد طعن فيه عنده، فقتله وصلبه، فسرق ~~من الجذع، ولم يعلم من سرقه. وفيها استوزر المتقي لله أبا الحسين بن مقلة، ~~ثامن شهر رمضان، بعد إصعاد ناصر الدولة من بغداد إلى الموصل، وقبل إصعاد ~~أخيه سيف الدولة من واسط إلى بغداد. وفيها أرسل ملك الروم إلى المتقي لله ~~يطلب منديلا زعم أن المسيح مسح به وجهه، فصارت صورة وجهه فيه، وأنه في بيعة ~~الرها. وذكر أنه إن أرسل المنديل أطلق عددا كثيرا من أسارى المسلمين، فأحضر ~~المتقي لله القضاة والفقهاء، واستفتاهم، فاختلفوا، فبعض رأى تسليمه إلى ~~الملك وإطلاق الأسرى، وبعض قال إن هذا المنديل لم يزل من قديم الدهر في ~~بلاد الإسلام لم يطلبه ملك من ملوك الروم، وفي دفعه إليهم غضاضة. ms2905 وكان في ~~الجماعة علي بن عيسى الوزير، فقال: إن خلاص المسلمين من الأسر ومن الضر ~~والضنك الذي هم فيه أولى من حفظ هذا المنديل؛ فأمر الخليفة بتسليمه إليهم، ~~وإطلاق الأسرى، ففعل ذلك، وأرسل إلى الملك من يتسلم الأسرى من بلاد الروم ~~فأطلقوا. وفيها توفي أبو بكر محمد بن إسماعيل الفرغاني الصوفي أستاذ أبي ~~بكر الدقاق، وهو مشهور بين المشايخ. وفيها توفي محمد بن يزداد الشهرزوري، ~~وكان يلي إمرة دمشق لمحمد بن رائق، ثم اتصل بالإخشيد فجعله على شرطته بمصر. ~~وفيها توفي سنان بن ثابت بن قرة، مستهل ذي القعدة، بعلة الذرب، وكان حاذقا ~~في الطب، فلم يغن عنه عند دنو الأجل شيئا. وفيها أيضا مات أبو عبدالله محمد ~~بن عبدوس الجهشياري. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر مسير المتقي إلى الموصل # في هذه السنة أصعد المتقي لله إلى الموصل. وسبب ذلك ما ذكرناه أولا من ~~سعاية ابن مقلة والترجمان مع المتقي بتوزون وابن شيرزاد، ثم إن ابن شيرزاد ~~وصل خامس المحرم إلى بغداد في ثلاث مائة غلام جريدة، فازداد خوف المتقي، ~~وأقام ببغداد يأمر وينهى، ولا يراجع المتقي في شيء. PageV03P0491 # وكان المتقي قد أنفذ يطلب من ناصر الدولة بن حمدان إنفاذ جيش إليه ~~ليصحبوه إلى الموصل، فأنفذهم مع ابن عمه أبي عبدالله الحسين بن سعيد بن ~~حمدان، فلما وصلوا إلى بغداد نزلوا بباب حرب، واستتر ابن شيرزاد، وخرج ~~المتقي إليهم في حرمه، وأهله، ووزيره، وأعيان بغداد، مثل سلامة الطولوني، ~~وأبي زكرياء يحيى بن سعيد السوسي، وأبي محمد المارداني، وأبي إسحاق ~~القراريطي، وأبي عبدالله الموسوي، وثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الطبيب، ~~وأبي نصر محمد بن ينال الترجمان، وغيرهم. ولما سار المتقي من بغداد ظلم ابن ~~شيرزاد الناس وعسفهم وصادرهم وأرسل إلى توزون، وهو بواسط، يخبره بذلك، فلما ~~بلغ توزون الخبر عقد ضمان واسط على البريدي وزوجه ابنته، وسار إلى بغداد، ~~وانحدر سيف الدولة وحده إلى المتقي لله بتكريت، فأرسل المتقي إلى ناصر ~~الدولة يستدعيه ويقول له: ms2906 لم يكن الشرط معك إلا أن تنحدر إلينا؛ فانحدر، ~~فوصل إلى تكريت في الحادي والعشرين من ربيع الآخر، وركب المتقي إليه، فلقيه ~~بنفسه، وأكرمه. وأصعد الخليفة إلى الموصل، وأقام ناصر الدولة بتكريت، وسار ~~توزون نحو تكريت، فالتقى هو وسيف الدولة بن حمدان تحت تكريت بفرسخين، ~~فاقتتلوا ثلاثة أيام، ثم انهزم سيف الدولة يوم الأربعاء لثلاث بقين من ربيع ~~الآخر، وغنم توزون والأعراب سواده وسواد أخيه ناصر الدولة، وعادا من تكريت ~~إلى الموصل ومعهما المتقي لله. وشغب أصحاب توزون فعاد إلى بغداد، وعاد سيف ~~الدولة وانحدر فالتقى هو وتوزون بحربي، في شعبان، فانهزم سيف الدولة مرة ~~ثانية، وتبعه توزون. ولما بلغ سيف الدولة إلى الموصل سار عنها هو وأخوه ~~ناصر الدولة والمتقي لله ومن معهم إلى نصيبين، ودخل توزون الموصل، فسار ~~المتقي إلى الرقة، ولحقه سيف الدولة، وأرسل المتقي إلى توزون يذكر أنه ~~استوحش منه لاتصاله بالبريدي، وأنهما صارا يدا واحدة، فإن آثر رضاه يصالح ~~سيف الدولة وناصر الدولة ليعود إلى بغداد، وتردد أبو عبدالله محمد بن أبي ~~موسى الهاشمي من الموصل إلى توزون في ذلك فتم الصلح، وعقد الضمان على ناصر ~~الدولة لما بيده من البلاد ثلاث سنين، كل سنة بثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف ~~درهم، وعاد توزون إلى بغداد، وأقام المتقي عند بني حمدان بالموصل، ثم ساروا ~~عنها إلى الرقة فأقاموا بها. ### || AUT ذكر وصول معز الدولة إلى واسط وديالي وعوده # وفي هذه السنة بلغ معز الدولة أبا الحسين بن بويه إصعاد توزون إلى ~~الموصل، فسار هو إلى واسط لميعاد من البريديين، وكانوا قد وعدوه أن يمدوه ~~بعسكر في الماء، فأخلفوه. وعاد توزون من الموصل إلى بغداد، وانحدر منها إلى ~~لقاء معز الدولة، والتقوا سابق عشر ذي القعدة بقباب حميد، وطالت الحرب ~~بينهما بضعة عشر يوما، إلا أن أصحاب توزون يتأخرون، والديلم يتقدمون، إلى ~~أن عبر توزون نهر ديالي، ووقف عليه، ومنع الديلم من العبور. وكان مع توزون ~~مقابلة في الماء في دجلة، فكانوا يودون أن الديلم يستولون على ms2907 أطرافهم، ~~فرأى ابن بويه أن يصعد على ديالي ليبعد عن دجلة وقتال من بها، ويتمكن من ~~الماء، فعلم توزون بذلك، فسير بعض أصحابه، وعبروا ديالي وكمنوا، فلما سار ~~معز الدولة مصعدا وسار سواده في أثره خرج الكمين عليه، فحالوا بينهما، ~~ووقعوا في العسكر وهو على غير تعبية. وسمع توزون الصياح، فتعجل، وعبر أكثر ~~أصحابه سباحة، فوقعوا في عسكر ابن بويه يقتلون ويأسرون حتى ملوا، وانهزم ~~ابن بويه ووزيره الصيمري إلى السوس رابع ذي الحجة ولحق به من سلم من عسكره، ~~وكان قد أسر منهم أربعة عشر قائدا منهم ابن الداعي العلوي، واستأمن كثير من ~~الديلم إلى توزون؛ ثم إن توزون عاوده ما كان يأخذه من الصرع، فشغل بنفسه عن ~~معز الدولة وعاد إلى بغداد. ### || AUT ذكر قتل أبي يوسف البريدي # في هذه السنة قتل أبو عبدالله البريدي أخاه أبا يوسف. PageV03P0492 # نوكان سبب قتله أن أبا عبدالله البريدي كان قد نفذ ما عنده من المال في ~~محاربة بني حمدان ومقامهم بواسط، وفي محاربة توزون، فلما رأى جنده قلة ماله ~~مالوا إلى أخيه أبي يوسف لكثرة ماله، فاستقرض أبو عبدالله من أخيه أبي يوسف ~~مرة بعد مرة، وكان يعطيه القليل من المال، ويعيبه ويذكر تضييعه وسوء ~~تدبيره، وجنونه وتهوره، فصح ذلك عند أبي عبدالله، ثم صح عنده أنه يريد ~~القبض عليه أيضا، والاستبداد بالأمر وحده، فاستوحش كل واحد منهما من صاحبه. ~~ثم إن أبا عبدالله أنفذ إلى أخيه جوهرا نفيسا كان بجكم قد وهبه لبنته لما ~~تزوجها البريدي، وكان قد أخذه من دار الخلافة، فأخذه أبو عبدالله منها حين ~~تزوجها، فلما جاءه الرسول وأبلغه ذلك وعرض عليه الجوهر أحضر الجوهريين ~~ليثمنوه، فلما أخذوا في وصفه أنكر عليهم ذلك، وحرد، ونزل في ثمنه إلى خمسين ~~ألف درهم، وأخذ في الوقيعة في أخيه أبي عبدالله وذكر معايبه وما وصل إليه ~~من المال، وأنفذ مع الرسول خمسين ألف درهم، فلما عاد الرسول إلى أبي ~~عبدالله أبلغه ذلك، فدمعت عيناه: ألا قلت له: جنوني وقلة تحصيلي ms2908 أقعدك هذا ~~المقعد وصيرك كقارون ! ثم عدد ما عمله معه من الإحسان. فلما كان بعد أيام ~~أقام غلمانه في طريق مسقف بين داره والشط، وأقبل أخوه أبو يوسف من الشط، ~~فدخل في ذلك الطريق، فثاروا به فقتلوه وهو يصيح: يا أخي، يا أخي، قتلوني ! ~~وأخوه يسمعه ويقول: إلى لعنة الله ! فخرج أخوهما أبو الحسين من داره، وكان ~~بجنب داره أخيه أبي عبدالله، وهو يستغيث: يا أخي قتلته ! فسبه وهدده، فسكت، ~~فلما قتل دفنه وبلغ ذلك الخبر الجند، فثاروا وشغبوا ظنا منهم أنه حي، فأمر ~~به فنبش وألقاه على الطريق، فلما رأوه سكتوا، فأمر به فدفن، وانتقل أبو ~~عبدالله إلى دار أخيه أبي يوسف، فأخذ ما فيها، والجوهر في جملته، ولم يحصل ~~من مال أخيه على طائل، فإن أكثره انكسر على الناس، وذهبت نفس أخيه. ### || AUT ذكر وفاة أبي عبد الله البريدي # وفيها، في شوال، مات أبو عبدالله البريدي بعد أ، قتل أخاه بثمانية أشهر ~~بحمى حادة، واستقر في الأمر بعده أخوه أبو الحسين، فأساء السيرة إلى ~~الأجناد، فثاروا به ليقتلوه ويجعلوا أبا القاسم ابن أخيه أبي عبدالله ~~مكانه، فهرب منهم إلى هجر، واستجار بالقرامطة فأعانوه، وسار معه إخوان لأبي ~~طاهر القرمطي في جيش إلى البصرة فرأوا أبا القاسم قد حفظها، فردهم عنها، ~~فحصروه مدة ثم ضجروا وأصلحوا بينه وبين عمه وعادوا، وخل أبو الحسين البصرة، ~~فتجهز منها، وسار إلى بغداد فدخل علت توزون. ثم طمع يأنس مولى أبي عبدالله ~~البريدي في التقدم، فواطأ قائدا من قواد الديلم على أن تكون الرئاسة ~~بينهما، ويزيلا أبا القاسم مولاه، فاجتمعت الديلم عند ذلك القائد، فأرسل ~~أبو القاسم إليهم يأنس، وهو لا يشعر بالأمر، فلما أتاهم يأنس أشار عليهم ~~بالتوقف، فطمع فيه ذلك القائد الديلمي، وأحب التفرد بالرئاسة، فأمر به فضرب ~~بزوبين في ظهره فجرح، وهرب يأنس واختفى. ثم إن الديلم اختلفت كلمتهم، ~~فتفرقوا، واختفى ذلك القائد، فأخذ ونفي، وأمر أبو القاسم البريدي بمعالجة ~~يأنس، وقد ظهر له حاله، فعولج حتى برأ، ثم قبض ms2909 عليه أبو القاسم بعد نيف ~~وأربعين يوما، وصادره على مائة ألف دينار، وقتله، واستقام أمر أبي القاسم ~~إلى أن أتاه أمر الله على ما نذكره. ### || AUT ذكر مراسلة المتقي توزون في العود # وفيها أرسل المتقي لله إلى توزون يطلب منه العود إلى بغداد. وسبب ذلك ~~أنه رأى من بني حمدان تضجرا به، وإيثار المفارقة، فاضطر إلى مراسلة توزون، ~~فأرسل الحسن بن هارون وأبا عبدالله بن أبي موسى الهاشمي إليه في الصلح، ~~فلقيهما توزون وابن شيرزاد بنهاية الرغبة فيه والحرص عليه، فاستوثقا من ~~توزون وحلفاه للمتقي لله، وأحضر لليمين خلقا كثيرا، من القضاة، والعدول، ~~والعباسيين، والعلويين، وغيرهم من أصناف الناس، وحلف توزون للمتقي والوزير، ~~وكتبوا خطوطهم بذلك، وكان من أمر المتقي لله ما نذكره سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر ملك الروس مدينة بردعة # PageV03P0493 # في هذه السنة خرجت طائفة من الروسية في البحر إلى نواحي أذربيجان، وركبوا ~~في البحر في نهر للكر، وهو نهر كبير، فانتهوا إلى بردعة، فخرج إليهم نائب ~~المرزبان بردعة في جمع الديلم والمطوعة يزيدون على خمسة آلاف رجلن فلقوا ~~الروس، فلم يكن إلا ساعة حتى انهزم المسلمون منهم، وقتل الديلم عن آخرهم، ~~وتبعهم الروس إلى البلد، فهرب من كان له مركوب وترك البلد، فنزله الروس ~~ونادوا فيه بالأمان فأحسنوا السيرة. وأقبت العساكر الإسلامية من كل ناحية ~~فكانت الروس تقاتلهم، فلا يثبت المسلمون لهم، وكان عامة البلد يخرجون ~~ويرجمون الروس بالحجارة، ويصيحون بهم، فينهاهم الروس عن ذلك، فلم ينتهوا، ~~سوى العقلاء فإنهم كفوا أنفسهم وسائر العامة والرعاع لا يضبطون أنفسهم، ~~فلما طال ذلك عليهم نادى مناديهم بخروج أهل البلد منه، وأن لا يقيموا بعد ~~ثلاثة أيام، فخرج من كان له ظهر يحمله، وبقي أكثرهم بعد الأجل، فوضع ~~الروسية فيهم السلاح فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وأسروا بعد القتل بضعة عشر ~~ألف نفس، وجمعوا من بقي بالجامع، وقالوا: اشتروا أنفسكم وإلا قتلناكم؛ وسعى ~~لهم إنسان نصراني، فقرر عن كل رجل عشرين درهما، فلم يقبل منهم إلا عقلاؤهم، ~~فلما رأى الروسية ms2910 انه لا يحصل منهم شيء قتلوهم عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا ~~الشريد، وغنموا أموال أهلها واستعبدوا السبي، واختاروا من النساء من استحسنوها. ### || AUT ذكر مسير المرزبان إليهم والظفر بهم # لما فعل الروس بأهل بردعة ما ذكرناه استعظمه المسلمون، وتنادوا بالنفير، ~~وجمع المرزبان بن محمد الناس واستنفرهم فبلغ عدة من معه ثلاثين ألفا، وسار ~~بهم، فلم يقاوم الروسية، وكان يغاديهم القتال ويراوحهم، فلا يعود إلا ~~مفلولا، فبقوا كذلك أياما كثيرة، وكان الروسية قد توجهوا نحو مراغة، ~~فأكثروا من أكل الفواكه، فأصابهم الوباء، وكثرت الأمراض والموت فيهم. ولما ~~طال الأمر على المرزبان أعمل الحيل، فرأى أن يكمن كمينا، ثم يلقاهم في ~~عسكره، ويتطارد لهم، فإذا خرج الكمين عاد عليهم، فتقدم إلى أصحابه بذلك، ~~ورتب الكمين ثم لقيهم، واقتتلوا، فتطارد لهم المرزبان وأصحابه، وتبعهم ~~الروسية حتى جازوا موضع الكمين، فاستمر الناس على هزيمتهم لا يلوي أحد على ~~أحد. فحكى المرزبان قال: صحت بالناس ليرجعوا، فلم يفعلوا لما تقدم في ~~قلوبهم من هيبة الروسية، فعلمت أنه استمر الناس على الهزيمة قتل الروس ~~أكثرهم، ثم عادوا إلى الكمين ففطنوا بهم، فقتلوهم عن آخرهم. قال: فرجعت ~~وحدي وتبعني أخي وصاحبي، ووطنت نفسي على الشهادة، فحينئذ عاد أكثر الديلم ~~استحياء فرجعوا وقاتلناهم، ونادينا بالكمين بالعلامة بيننا، فخرجوا من ~~ورائهم، وصدقناهم القتال، فقتلنا منهم خلقا كثيرا منهم أميرهم، والتجأ ~~الباقون إلى حصن البلد، ويسمى شهرستان، وكانوا قد نقلوا إليه ميرة كثيرة، ~~وجعلوا معهم السبي والأموال، فحاصرهم المرزبان وصابرهم، فأتاه الخبر بأن ~~أبا عبدالله الحسين بن سعيد بن حمدان قد سار إلى أذربيجان، وأنه واصل إلى ~~سلماس، وكان ابن عمه ناصر الدولة قد سيره ليستولي على أذربيجان، فلما بلغ ~~الخبر إلى المرزبان ترك على الروسية من يحاصرهم وسار إلى ابن حمدان، ~~فاقتتلوا، ثم نزل الثلج، فتفرق أصحاب ابن حمدان لأن أكثرهم أعراب، ثم أتاه ~~كتاب ناصر الدولة يخبره بموت توزون، وأنه يريد الانحدار إلى بغداد، ويأمره ~~بالعود إليه، فرجع. وأما أصحاب المرزبان فأنهم أقاموا يقاتلون الروسية، ~~وزاد الوباء ms2911 على الروسية فكانوا إذا دفنوا الرجل دفنوا معه سلاحه، فاستخرج ~~المسلمون من ذلك شيئا كثيرا بعد انصراف الروس، ثم إنهم خرجوا من الحسن ليلا ~~وقد حملوا على ظهورهم ما أرادوا من الأموال وغيرها، ومضوا إلى الكر، وركبوا ~~في سفنهم ومضوا، وعجز أصحاب المرزبان عن أتباعهم وأخذ ما معهم، فتركوهم ~~وطهر الله البلاد منهم. ### || AUT ذكر خروج ابن أشكام على نوح # وفي هذه السنة خالف عبدالله بن أشكام على الأمير نوح، وامتنع بخوارزم، ~~فسار نوح من بخارى إلى مرو بسببه، وسير إليه جيشا، وجعل عليهم إبراهيم ابن ~~بارس، وساروا نحوه، فمات إبراهيم في الطريق، وكاتب ابن أشكام ملك الترك، ~~وراسله، واحتمى به. PageV03P0494 # وكان لملك الترك ولد في يد نوح، وهو محبوس ببخارى، فراسل نوح أباه في ~~إطلاقه ليقبض على ابن أشكام، فأجابه ملك الترك إلى ذلك، فلما علم ابن أشكام ~~الحال عاد إلى طاعة نوح، وفارق خوارزم، فأحسن إليه نوح وأكرمه وعفا عنه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في رمضان، مات أبو طاهر الهجري رئيس القرامطة، أصابه جدري ~~فمات، وكان له ثلاثة إخوة منهم: أبو القاسم سعيد بن الحسن، وهو الأكبر، ~~وأبو العباس الفضل بن الحسن، وهذا كانا يتفقان مع أبي طاهر على الرأي ~~والتدبير، وكان لهما أخ ثالث لا يجتمع بهما، وهو مشغول بالشرب واللهو. ~~وفيها، في جمادى الأولى، غلت الأسعار في بغداد حتى بيع القفيز الواحد من ~~الدقيق الخشكار بنيف وستين درهما، والخبز الخشكار ثلاثة أرطال بدرهم. وكانت ~~الأمطار كثيرة مسرفة جدا حتى خرجبت المنازل، ومات خلق كثير تحت الهدم، ~~ونقصت قيمة العقار حتى صار ما كان يساوي دينارا يباع بأقل من درهم حقيقة، ~~وما يسقط من الأبنية لا يعاد، وتعطل كثير من الحمامات، والمساجد، والأسواق، ~~لقلة الناس، وتعطل كثير من أتاتين الآجر لقلة البناء، ومن يضطر إليه اجتزأ ~~بالأنقاض، وكثرت الكبسات من اللصوص بالليل والنهار من أصحاب ابن حمدي، ~~وتحارس الناس بالبوقات، وعظم أمر ابن حمدي فأعجز الناس، وأمنه ابن شيرزاد ~~وخلع عليه وشرط معه أن ms2912 يوصله كل شهر خمسة عشر ألف دينار مما يسرقه هو ~~وأصحابه، وكان يستوفيها من ابن حمدي بالروزات، فعظم شره حينئذ وهذا ما لم ~~يسمع بمثله. ثم إن أبا العباس الديلمي، صاحب الشرطة ببغداد، ظفر بابن حمدي ~~فقتله في جمادى الآخرة، فخف عن الناس بعض ما هم فيه. وفيها، في شعبان، هو ~~الواقع في نيسان، ظهر في الجو شيء كثير ستر عين الشمس ببغداد، فتوهمه الناس ~~جرادا لكثرته، ولم يشكوا في ذلك، إلى أن سقط منه شيء على الأرض، فإذا هو ~~حيوان يطير في البساتين وله جناحان قائمان منقوشان، فإذا أخذ الإنسان جناحه ~~بيده بقي أثر ألوان الجناح في يده ويعدم الجناح، ويسميه الصبيان طحان ~~الذريرة. وفيها استولى معز الدولة على واسط، وانحدر من كان من أصحاب ~~البريدي فيها إلى البصرة. وفيها قبض سيف الدولة بن حمدان على محمد بن ينال ~~الترجمان بالرقة وقتله؛ وسبب ذلك أنه قد بلغه أنه قد واطأ المتقي على ~~الإيقاع بسيف الدولة. وفيها عرض لتوزون صرع وهو جالس للسلام، والناس بين ~~يديه، فقام ابن شيرزاد ومد في وجهه ما ستره عن الناس، فصرفهم وقال أنه قد ~~ثار به خمار لحقه. وفيها ثار نافع غلام يوسف بن وجيه صاحب عمان على مولاه ~~يوسف، وملك البلد بعده. وفيها دخل الروم رأس عين في ربيع الأول، فأقاموا ~~بها ثلاثة أيام، ونهبوها، وسبوا من أهلها، وقصدهم الأعراب، فقاتلوهم، ~~ففارقها الروم، وكان الروم في ثمانين ألفا مع الدمستق. وفيها، في ربيع ~~الأول، استعمل ناصر الدولة بن حمدان أبا بكر محمد بن علي ابن مقاتل على ~~طريق الفرات، وديار مضر، وجند قنسرين، والعواصم، وحمص، وأنفذه إليها من ~~الموصل ومعه جماعة من الوقاد، ثم استعمل بعده، في رجب من السنة، ابن عمه ~~أبا عبدالله الحسين بن سعيد بن حمدان على ذلك، فلما وصل إلى الرقة منعه ~~أهلها، فقاتلهم، فظفر بهم، وأحرق من البلد قطعة، وأخذ رؤساء أهلها إلى حلب. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر مسير المتقي إلى بغداد وخلعه ms2913 # كان المتقي لله قد كتب إلى الإخشيد محمد بن طغج متولي مصر يشكو حاله ~~ويستقدمه إليه، فأتاه من مصر، فلما وصل إلى حلب سار عنها أبو عبدالله بن ~~سعيد بن حمدان، وكان ابن مقاتل بها معه، فلما علم برحيله عنها اختفى، فلما ~~قدم الإخشيد إليها ظهر إليه ابن مقاتل، فأكرمه الإخشيد، واستعمله على خراج ~~مصر، وانكسر عليه ما بقي من المصادرة التي صادره بها ناصر الدولة بن حمدان، ~~ومبلغه خمسون ألف دينار. PageV03P0495 # وسار الإخشيد من حلب، فوصل إلى المتقي منتصف محرم، وهو بالرقة، فأكرمه ~~المتقي واحترمه، ووقف الإخشيد وقوف الغلمان، ومشى بين يديه، فأمره المتقي ~~بالركوب فلم يفعل إلى أن نزل المتقي، وحمل إلى المتقي هدايا عظيمة، وإلى ~~الوزير أبي الحسين بن مقلة وسائر الأصحاب، واجتهد بالمتقي ليسير معه إلى ~~مصر والشام، ويكون بين يديه، فلم يفعل، وأشار عليه بالمقام مكانه، ولا يرجع ~~إلى بغداد، وخوفه من توزون، فلم يفعل، وأشار على ابن مقلة أن يسير معه إلى ~~مصر ليحكمه في جميع بلاده، فلم يجبه إلى ذلك، فخوفه أيضا من توزون، فكان ~~ابن مقلة يقول بعد ذلك: نصحني الإخشيد فلم أقبل نصيحته. وكان قد أنفذ رسلا ~~إلى توزون في الصلح، على ما ذكرناه، فحلفوا توزون للخليفة والوزير، فلما ~~حلف كتب الرسل إلى المتقي بذلك، فكتب إليه الناس أيضا بما شاهدوا من تأكيد ~~اليمين، فانحدر المتقي من الرقة في الفرات إلى بغداد لأربع بقين من المحرم، ~~وعاد الإخشيد إلى مصر، فلما وصل المتقي إلى هيت أقام بها، وأنفذ من يجدد من ~~اليمين على توزون، فعاد وحلف، وسار عن بغداد لعشر بقين من صفر ليلتقي ~~المتقي، فالتقاه بالسندية، فنزل توزون وقبل الأرض وقال: ها أنا قد وفيت ~~بيميني والطاعة لك؛ ثم وكل به وبالوزير وبالجماعة، وأنزلهم في مضرب نفسه مع ~~حرم المتقي، ثم كحله فأذهب عينيه، فلما سلمه صاح، وصاح من عنده من الحرم ~~والخدم، وارتجت الدنيا، فأمر توزون بضرب الدبادب لئلا تظهر أصواتهم، فخفيت ~~أصواتهم، وعمي المتقي لله، وانحدر توزون من ms2914 الغد إلى بغداد والجماعة في ~~قبضته. وكانت خلافة المتقي لله ثلاث سنين وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما، ~~وكان أبيض أشهل العينين، وأمه أم ولد اسمها خلوب، وكانت وزارة ابن مقلة سنة ~~واحدة وخمسة أشهر واثني عشر يوما. ### || AUT ذكر خلافة المستكفي بالله # هو المستكفي بالله أبو القاسم عبدالله بن المكتفي بالله علي بن المعتضد ~~بالله أبي العباس أحمد بن أبي أحمد الموفق بن الموكل على الله، يجتمع هو ~~المتقي لله في المعتضد، لما قبض توزون على المتقي لله أحضر المستقي إليه ~~إلى السندية، وبايعه هو وعامة الناس. وكان سبب البيعة له ما حكاه أبو ~~العباس التميمي الرازي، وكان من خواص توزون، قال: كنت أنا السبب في البيعة ~~للمستكفي، وذلك أنني دعاني إبراهيم بن الزوبيندار الديلمي، فمضيت إليه، ~~فذكر لي أنه تزوج إلى قوم وأن امرأة منهم قالت له: إن المتقي هذا قد عاداكم ~~وعاديتموه، وكاشفكم، ولا يصفو قلبه لكم، وها هنا رجل من أولاد الخلفاء من ~~ولد المكتفي - وذكرت عقله، وأدبه، ودينه - تنصبونه للخلافة فيكون صنيعتكم ~~وغرسكم، ويدلكم على أموال جليلة لا يعرفها غيره، وتستريحون من الخوف ~~والحراسة. قال: فعلمت أن هذا أمر لا يتم إلا بك، فدعوتك له؛ فقلت: أريد أن ~~أسمع كلام المرأة؛ فجاءني بها، فرأيت امرأة عاقلة، جزلة، فذكرت لي نحوا من ~~ذلك، فقلت: لا بد أن ألقي الرجل؛ فقالت: تعود غدا إلى ها هنا حتى أجمع ~~بينكما؛ فعدت إليها من الغد، فوجدته قد أخرج من دار ابن طاهر في زي امرأة، ~~فعرفني نفسه، وضمن إظهار ثمانمائة ألف دينار منها مائة ألف لتوزون، وذكر ~~وجوهها وخاطبني خطاب رجل فهم عاقل، ورأيته يتشيع، قال: فأتيت توزون ~~فأخبرته، فوقع كلامي بقلبه وقال: أريد أن أبصر الرجل؛ فقلت: لك ذلك، ولكن ~~اكتم أمرنا من ابن شيرزاد؛ فقال: أفعل؛ وعدت إليهم وأخبرتهم الذي ذكر، ~~ووعدتهم حضور توزون من الغد. فلما كان ليلة الأحد لأربع عشرة خلت من صفر ~~مشيت مع توزون مستخفيين، فاجتمعنا به، وخاطبه توزون وبايعه تلك الليلة، ~~وكتم الأمر، ms2915 فلما وصل المتقي قلت لتوزون لما لقيه: أنت على ذلك العزم ؟ ~~قال: نعم؛ قلت: فافعله الساعة، فإنه إن دخل الدار بعد عليك مرامه؛ فوكل به ~~وسلمه، وجرى ما جرى. وبويع المستكفي بالخلافة يوم خلع المتقي. وأحضر ~~المتقي، فبايعه وأخذ منه البردة والقضيب، وصارت تلك المرأة قهرمانة ~~المستكفي، وسمت نفسها علما، وغلبت على أمره كله. PageV03P0496 # واستوزر المستكفي بالله أبا الفرج محمد بن علي الساري يوم الأربعاء لست ~~بقين من صفر، ولم يكن له إلا اسم الوزارة، والذي يتولى الأمور ابن شيرزاد، ~~وحبس المتقي، وخلع المستكفي بالله على توزون خلعة وتاجا، وطلب المستكفي ~~بالله أبا القاسم الفضل بن المقتدر بالله، وهو الذي ولي الخلافة، ولقب ~~المطيع لله، لأنه كان يعرفه يطلب الخلافة، فاستتر مدة خلافة المستكفي، ~~فهدمت داره التي على دجلة عند دار ابن طاهر، حتى لم يبق منها شيء. ### || AUT ذكر خروج أبي يزيد الخارجي بإفريقية # في هذه السنة اشتدت شوكة أبي يزيد بإفريقية وكثر أتباعه وهزم الجيوش. ~~وكان ابتداء أمره أنه من زناته، واسم والده كنداد من مدينة توزر من ~~قسطيلية، وكان يختلف إلى بلاد السودان لتجارة، فولد له بها أبو يزيد من ~~جارية هوارية، فأتى بها إلى توزر، فنشأ بها، وتعلم القرآن، وخالط جماعة من ~~النكارية، فمالت نفسه إلى مذهبهم، ثم سافر إلى تاهرت فأقام بها يعلم ~~الصبيان إلى أن خرج أبو عبدالله الشيعي إلى سجلماسة في طلب المهدي، فانتقل ~~إلى تقيوس، واشترى ضيعة وأقام يعلم فيها. وكان مذهبه تكفير أهل الملة، ~~واستباحة الأموال والدماء والخروج على السلطان، فابتدأ يحتسب على الناس في ~~أفعالهم ومذاهبهم، فصار له جماعة يعظمونه، وذلك أيام المهدي سنة ست عشرة ~~وثلاثمائة، ولم يزل على ذلك إلى أن اشتدت شوكته، وكثر أتباعه في أيام ~~القائم ولد المهدي، فصار يغير، ويحرق، ويفسد، وزحف إلى بلاد القائم وحاصر ~~باغاية، وهزم الجيوش الكثيرة عليها، ثم حاصر قسطيلية سنة ثلاث وثلاثين ~~وثلاثمائة، وفتح تبسة ومجانة وهدم سورها، وأمن أهلها، ودخل مرمجنة، فلقيه ~~رجل من أهلها، وأهدى له حمارا أشهب ms2916 مليح الصورة، فركبه أبو يزيد من ذلك ~~اليوم. وكان قصيرا أعرج يلس جبة صوف قصيرة، قبيح الصورة، ثم إنه هزم كتامة، ~~وأنفذ طائفة من عسكره إلى سبيبة، ففتحها وصلب عاملها، وسار إلى الأربس، ~~ففتحها وأحرقها ونهبها، وجاء الناس إلى الجامع، فقتلهم فيه، فلما اتصل ذلك ~~بأهل المهدية استعظموه، وقالوا للقائم: الأربس باب إفريقية، ولما أخذت زالت ~~دولة بني الأغلب؛ فقال: لا بد أن يبلغ أبو يزيد المصلى، وهو أقصى غايته. ثم ~~إن القائم أخرج الجيوش لضبط البلاد، فأخرج جيشا إلى رقادة، وجيشا إلى ~~القيروان، وجمع العساكر، فخاف أبو يزيد، وعول على أخذ بلاد إفريقية ~~وإخراجها وقتل أهلها، وسير القائم الجيش الذي اجتمع له مع فتاة ميسور، وسير ~~بعضه مع فتاة بشرى إلى باجة، فلما بلغ أبا يزيد خبر بشرى ترك أثقاله وسار ~~جريدة إليه، فالتقوا باجة، فانهزم عسكر أبي يزيد وبقي في نحو أربعمائة ~~مقاتل، فقال لهم: ميلوا بنا نخالفهم إلى خيامهم؛ ففعلوا ذلك، فانهزم بشرى ~~إلى تونس، وقتل من عسكره كثير من وجوه كتامة وغيرهم، ودخل أبو يزيد باجة ~~فأحرقها ونهبها، وقتلوا الأطفال، وأخذوا النساء، وكتب إلى القبائل يدعوهم ~~إلى نفسه فأتوه، وعمل الأخبية والبنود وآلات الحرب. ولما وصل بشرى إلى تونس ~~جمع الناس وأعطاهم الأموال، فاجتمع إليه خلق كثير، فجهزهم وسيرهم إلى أبي ~~يزيد، وسير إليهم أبو يزيد جيشا، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم أصحاب أبي يزيد، ~~ورجع أصحاب بشرى إلى تونس غانمين، ووقعت فتنة في تونس، ونهب أهلها دار ~~عاملها، فهرب، وكاتبوا أبا يزيد، فأعطاهم الأمان، وولى عليهم رجلا منهم ~~يقال له رحمون، وانتقل إلى فحص أبي صالح، وخافه الناس، فانتقلوا إلى ~~القيروان، وأتاه كثير منهم خوفا ورعبا. وأمر القائم بشرى أن يتجسس أخبار ~~أبي يزيد، فمضى نحوه، وبلغ الخبر إلى أبي يزيد، فسير إليهم طائفة من عسكره، ~~وأمر مقدمهم أن يقتل، ويمثل، وينهب، ليرعب قلوب الناس، ففعل ذلك، والتقى هو ~~وبشرى، فاقتتلوا وانهزم عسكر أبي يزيد، وقتل منهم أربعة آلاف، وأسر ~~خمسمائة، فسيرهم بشرى إلى المهدية في السلاسل ms2917 فقتلهم العامة. ### || AUT ذكر استيلاء أبي يزيد على القيروان # PageV03P0497 # لما انهزم أصحاب أبي يزيد غاظه ذلك، وجمع الجموع، ورحل وسار إلى قتال ~~الكتاميين، فوصل إلى الجزيرة، وتلاقت الطلائع، وجرى بينهم قتال، فانهزمت ~~طلائع الكتاميين، وتبعهم البربر إلى رقادة، ونزل أبو يزيد بالغرب من ~~القيروان في مائة ألف مقاتل، ونزل من الغد شرقي رقادة، وعاملها خليل لا ~~يلتفت إلى أبي يزيد، ولا يبالي به، والناس يأتونه ويخبرونه بقربهم، فأمر أن ~~لا يخرج أحد لقتال، وكان ينتظر وصول ميسور في الجيش الذي معه. فلما علم أبو ~~يزيد ذلك زحف إلى بعض عسكره، فأنشبوا القتال، فجرى بينهم قتال عظيم قتل فيه ~~من أهل القيروان خلق كثير، فانهزموا وخليل لم يخرج معهم، فصاح به الناس، ~~فخرج متكارها من باب تونس، وأقبل أبو يزيد، فانهزم خليل بغير قتال، ودخل ~~القيروان ونزل بداره وأغلق بابها ينتظر وصول ميسور، وفعل كذلك أصحابه، ودخل ~~البربر المدينة فقتلوا وأفسدوا، وقاتل بعض الناس في أطراف البلد. وبعث أبو ~~يزيد رجلا من أصحابه اسمه أيوب الزويلي إلى القيروان بعسكر، فدخلها أواخر ~~صفر، فنهب البلد وقتل، وعمل أعمالا عظيمة، وحصر خليلا في داره، فنزل هو ومن ~~معه بالأمان، فحمل خليل إلى أب يزيد فقتله، وخرج شيوخ أهل القيروان إلى أبي ~~يزيد، وهو برقادة، فسلموا عليه وطلبوا الأمان، فماطلهم، وأصحابه يقتلون ~~وينهبون، فعاودوا الشكوى، وقالوا: خربت المدينة؛ فقال: وما يكون ؟ خربت ~~مكة، والبيت المقدس ! ثم أمر بالأمان، وبقي طائفة من البربر ينهبون، فأتاهم ~~الخبر بوصول ميسور في عساكر عظيمة، فخرج عند ذلك البربر من المدينة خوفا ~~منه. وقارب ميسور مدينة القيروان، واتصل الخبر بالقائم أن بني كملان قد ~~كاتب بعضهم أبا يزيد على أن يمكنوه من ميسور، فكتب إلى ميسور يعرفه ويحذره، ~~ويأمره بطردهم، فرجعوا إلى أبي يزيد وقالوا له: إن عجلت ظفرت به؛ فسار من ~~يومه، فالتقوا، واشتد القتال بينهم، وانهزمت ميسرة أبي يزيد، فلما رأى أبو ~~يزيد ذلك حمل على ميسور، فانهزم أصحاب ميسور، فعطف ميسور فرسه، فكبا به، ~~فسقط عنه، ms2918 وقاتل أصحابه عليه ليمنعوه، فقصده بنو كملان الذين طردهم، فاشتد ~~القتال حينئذ، فقتل ميسور، وحمل رأسه إلى أبي يزيد، وانهزم عامة عسكره، ~~وسير الكتب إلى عامة البلاد يخبر بهذا الظفر، وطيف برأس ميسور بالقيروان. ~~واتصل خبر الهزيمة بالقائم، فخاف هو ومن معه بالمهدية، وانتقل أهلها من ~~أرباضها إلى البلد، فاجتمعوا واحتموا بسوره، فمنعهم القائم، ووعدهم الظفر، ~~فعادوا إلى زويلة، واستعدوا للحصار، وأقام أبو يزيد شهرين وثمانية أيام في ~~خيم ميسور، وهو يبعث السرايا إلى كل ناحية، فيغنمون ويعودون. وأرسل سرية ~~إلى سوسة ففتحوها بالسيف، وقتلوا الرجال، وسبوا النساء، وأحرقوها، وشقوا ~~فروج النساء، وبقروا البطون، حتى لم يبق في أفريقية موضع معمور ولا سقف ~~مرفوع، ومضى جميع من بقي إلى القيروان حفاة عراة، ومن تخلص من السبي مات ~~جوعا وعطشا. وفي آخر ربيع الآخر من سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة أمر القائم ~~بحفر الخنادق حول أرباض المهدية، وكتب إلى زيزي بن مناد، سيد صنهاجة، وإلى ~~سادات كتامة والقبائل يحثهم على الاجتماع بالمهدية وقتال النكار، فتأهبوا ~~للمسير إلى القائم. ### || AUT ذكر حصار أبي يزيد المهدية # لما سمع أبو يزيد بتأهب صنهاجة وكتامة وغيرهم لنصرة القائم، خاف ورحل من ~~ساعته نحو المهدية، فنزل على خمسة عشر ميلا منها، وبث سراياه إلى ناحية ~~المهدية، فانتهبت ما وجدت، وقتلت من أصابت، فاجتمع الناس إلى المهدية، ~~واتفقت كتامة وأصحاب القائم على أن يخرجوا إلى أبي يزيد ليضربوا عليه في ~~معسكره لما سمعوا أن عسكره قد تفرق في الغارة، فخرجوا يوم الخميس لثمان ~~بقين من جمادى الأولى من السنة. PageV03P0498 # وبلغ ذلك أبا يزيد، وقد أتاه ولده فضل بعسكر من القيروان، فوجههم إلى ~~قتال كتامة، وقد عليهم ابنه، فالتقوا على ستة أميال من المهدية واقتتلوا، ~~وبلغ الخبر أبا يزيد، فركب بجميع من بقي معه، فلقي أصحابه منهزمين، وقد قتل ~~كثير منهم، فلما رآه الكتاميون انهزموا من غير قتال وأبو يزيد في أثرهم إلى ~~باب الفتح، واقتحم قوم من البربر فدخلوا باب الفتح، فأشرف أبو يزيد على ~~المهدية ثم رجع ms2919 إلى منزله، ثم تقدم إلى المهدية في جمادى الآخرة، فأتى باب ~~الفتح، ووجه زويلة إلى باب بكر، ثم وقف هو على الخندق المحدث، وبه جماعة من ~~العبيد، فناشبهم أبو يزيد القتال على الخندق، ثم اقتحم أبو يزيد ومن معه ~~البحر، فبلغ الماء صدور الدواب، حتى جاوزوا السور المحدث، فانهزم العبيد، ~~وأبو يزيد في طلبهم. ووصل أبو يزيد إلى باب المهدية، عند المصلى الذي ~~للعيد، وبينه وبين المهدية رمية سهم، وتفرق أصحابه في زويلة ينهبون ~~ويقتلون، وأهلها يطلبون الأمان، والقتال عند باب الفتح بين كتامة والبربر ~~وهم لا يعلمون ما صنع أبو يزيد في ذلك الجانب، فحمل الكتاميون على البربر، ~~فهزموهم، وقتلوا فيهم، وسمع أبو يزيد بذلك، ووصل زيري بن مناد في صنهاجة، ~~فخاف المقام، فقصد باب الفتح ليأتي زيري وكتامة من ورائهم بطبوله وبنوده، ~~فلما رأى أهل الأرباض ذلك ظنوا أن القائم قد خرج بنفسه من المهدية، فكبروا ~~وقويت نفوسهم، واشتد قتالهم، فتحير أبو يزيد، وعرفه أهل تلك الناحية، ~~فمالوا عليه ليقتلوه، فاشتد القتال عنده، فهدم بعض أصحابه حائطا وخرج منه ~~فتخلص، ووصل إلى منزله بعد المغرب، وهم يقاتلون العبيد، فلما رأوه قويت ~~قلوبهم، وانهزم العبيد وافترقوا. ثم رحل أبو يزيد إلى ثرنوطة، وحفر على ~~عسكره خندقا، واجتمع إليه خلق عظيم من إفريقية، والبربر، ونفوسة، والزاب، ~~وأقاصي المغرب، فحصر المهدية حصارا شديدا، ومنع الناس من الدخول إليها ~~والخروج منها، ثم زحف إليها لسبع بقين من جمادى الآخرة من السنة، فجرى قتال ~~عظيم قتل فيه جماعة من وجوه عسكر القائم، واقتحم أبو يزيد بنفسه، حتى وصل ~~إلى قرب الباب، فعرفه بعض العبيد، فقبض على لجامه وصاح: هذا أبو يزيد ~~فاقتلوه ! فأتاه رجل من أصحاب أبي يزيد فقطع يده وخلص أبو يزيد. فلما رأى ~~شدة قتال أصحاب القائم كتب إلى عامل القيروان يأمره بإرسال مقاتلة أهلها ~~إليه، ففعل ذلك، فوصلوا إليه، فزحف بهم آخر رجب، فجرى قتال شديد انهزم فيه ~~أبو يزيد هزيمة منكرة، وقتل فيه جماعة من أصحابه وأكثر أهل القيروان، ms2920 ثم ~~زحف الزحفة الرابعة في العشر الآخر من شوال، فجرى قتال عظيم، وانصرف إلى ~~منزله، وكثر خروج الناس من الجوع والغلاء، ففتح عند ذلك القائم الأهراء ~~التي عملها المهدي وملأها طعاما، وفرق ما فيها على رجاله، وعظم البلاء على ~~الرعية حتى أكلوا الدواب والميتة، وخرج من المهدية أكثر السوقة والتجار، ~~ولم يبق بها سوى الجند، فكان البربر يأخذون من خرج ويقتلونهم ويشقون بطونهم ~~طلبا للذهب. ثم وصلت كتامة فنزلت بقسطنطينة، فخاف أبو يزيد، فسار رجل من ~~عسكره في جمع عظيم من ورفجومة وغيرهم إلى كتامة، فقاتلهم فهزمهم، فتفرقوا، ~~وكان البربر يأتون إلى أبي يزيد من كل ناحية، وينهبون، ويقتلون، ويرجعون ~~إلى منازلهم، حتى أفنوا ما كان في إفريقية فلما لم يبق ما ينهب توقفوا عن ~~المجيء إليه فلم يبق معه سوى أهل أوراس وبني كملان. فلما علم القائم تفرق ~~عساكره أخرج عسكره إليه، وكان بينهم قتال شديد لست خلون من ذي القعدة من ~~سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، ثم صبحوهم من الغد، فلم يخرج إليهم أحد، وكان ~~أبو يزيد قد بعث في طلب الرجال من أوراس، ثم زحفت عساكر القائم إليه، فخرج ~~من خندقه، واقتتلوا، واشتد بينهم القتال، فقتل من أصحاب أبي يزيد جماعة ~~منهم رجل من وجوه أصحابه، فعظم قتله عليه، ودخل خندقه ثم عاود القتال، فهبت ~~ريح شديدة مظلمة، فكان الرجل لا يبصر صاحبه، فانهزم عسكر القائم وقتل منهم ~~جماعة وعاد الحصار على ما كان عليه، وهرب كثير من أهل المهدية إلى جزيرة ~~صقلية، وطرابلس، ومصر، وبلد الروم. PageV03P0499 # وفي آخر ذي القعدة اجتمع عند أي يزيد جموع عظيمة، وتقدم إلى المهدية ~~فقاتل عليها، فتخير الكتاميون منهم مائتي فارس، فحملوا حملة رجل واحد، ~~فقتلوا في أصحابه كثيرا، وأسروا مثلهم، وكادوا يصلون إليه، فقاتل أصحابه ~~دونه وخلصوه، وفرح أهل المهدية، وأخذوا الأسرى في الحبال إلى المهدية، ~~ودخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وهو مقيم على المهدية. وفي المحرم منها ~~ظهر بإفريقية لأجل يدعو الناس إلى نفسه، فأجابه خلق كثير وأطاعوه، وادعى ~~أنه ms2921 عباسي ورد من بغداد ومعه أعلام سود فظفر به بعض أصحاب أبي يزيد وقبض ~~عليه، وسيره إلى أبي يزيد فقتله، ثم إن بعض أصحاب أبي يزيد هرب إلى المهدية ~~بسبب عداوة كانت بينهم وبين أقوام سعوا بهم إليه، فخرجوا من المهدية مع ~~أصحاب القائم فقاتلوا أصحاب أبي يزيد، فظفروا، فتفرق عند ذلك أصحاب أبي ~~يزيد ولم يبق معه غير هوارة وأوراس وبني كملان، وكان اعتماده عليهم. ### || AUT ذكر رحيل أبي يزيد عن المهدية # لما تفرق أصحابه عنه، كما ذكرنا، اجتمع رؤساء من بقي معه وتشاوروا ~~وقالوا: نمضي إلى القيروان، ونجمع البربر من كل ناحية، ونرجع إلى أبي يزيد، ~~فإننا لا نأمن أن يعرف القائم خبرنا فيقصدنا؛ فركبوا ومضوا، ولم يشاوروا ~~أبا يزيد، ومعهم أكثر العسكر، فبعث إليهم أبو يزيد ليردهم، فلم يقبلوا منه، ~~فرحل مسرعا في ثلاثين رجلا، وترك جميع أثقاله، فوصل إلى القيروان سادس صفر، ~~فنزل المصلى، ولم يخرج إليه أحد من أهل القيروان سوى عامله، وخرج الصبيان ~~يلعبون حوله ويضحكون منه. وبلغ القائم رجوعه، فخرج الناس إلى أثقاله، ~~فوجدوا الطعام والخيام وغير ذلك على حاله، فأخذوه وحسنت أحوالهم، واستراحوا ~~من شدة الحصار، ورخصت الأسعار، وأنفذ القائم إلى البلاد عمالا يطردون عمال ~~أبي يزيد عنها، فلما رأى أهل القيروان قلة عسكر أبي يزيد خافوا القائم، ~~فأرادوا أن يقبضوا أب يزيد، ثم هابوه، فكاتبوا القائم يسألونه الأمان، فلم ~~يجبهم. وبلغ أبا يزيد الخبر، فأنكر على عامله بالقيروان اشتغاله بالأكل ~~والشرب وغير ذلك، وأمره أن يخرج العساكر من القيروان للجهاد، ففعل ذلك، ~~وألان لهم القول، وخوفهم القائم، فخرجوا إليه. وتسامع الناس في البلاد ~~بذلك، فأتاه العساكر من كل ناحية، وكان أهل المدائن والقرى لما سمعوا تفرق ~~عساكره عنه أخذوا عماله فمنهم من قتل، ومنهم من أرسل إلى المهدية. وثار أهل ~~سوسة، فقبضوا على جماعة من أصحابه فأرسلوهم إلى القائم، فشكر لهم ذلك، ~~وأرسل إليهم سبعة مراكب من الطعام، فلما اجتمعت عساكر أبي يزيد أرسل الجيوش ~~إلى البلاد وأمرهم بالقتل والسبي والنهب ms2922 والخراب وإحراق المنازل، فوصل ~~عسكره إلى تونس، فدخلوها بالسيف في العشرين من صفر سنة أربع وثلاثين ~~وثلاثمائة، فنهبوا جميع ما فيها، وسبوا النساء والأطفاء، وقتلوا الرجال، ~~وهدموا المساجد، ونجا كثير من الناس إلى البحر فغرق. فسير إليهم القائم ~~عسكرا إلى تونس، فخرج إليهم أصحاب أبي يزيد، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم ~~عسكر القائم هزيمة قبيحة، وحال بينهم الليل، والتجأوا إلى جبل الرصاص، ثم ~~إلى اصطفورة، فتبعهم عسكر أبي يزيد، فلحقوهم واقتتلوا، وصبر عسكر القائم، ~~فانهزم عسكر أبي يزيد وقتل منهم خلق كثير، وقتلوا، حتى دخلوا تونس خامس ~~ربيع الأول وأخرجوا من فيها من أصحاب أبي يزيد بعد أن قتلوا أكثرهم، وأخذ ~~لهم من الطعام شيء كثير. وكان لأبي يزيد ولد اسمه أيوب، فلما بلغه الخبر ~~أخرج معه عسكرا كثيرا، فاجتمع مع من سلم من ذلك الجيش، ورجعوا إلى تونس ~~فقتلوا من عاد إليها وأحرقوا ما بقي فيها، وتوجه إلى باجة فقتل من بها من ~~أصحاب القائم، ودخلها بالسيف وأحرقها، وكان في هذه المدة من القتل والسبي ~~والتخريب ما لا يوصف. واتفق جماعة على قتل أبي يزيد، وأرسلوا إلى القائم ~~فرغبهم ووعدهم، فاتصل الخبر بأبي يزيد فقتلهم، وهجم رجال من البربر في ~~الليل على رجل من أهل القيروان وأخذوا ماله وثلاث بنات أبكار، فلما اصبح ~~واجتمع الناس لصلاة الصبح قام الرجل في الجامع وصاح وذكر ما حل به، فقام ~~الناس معه وصاحوا، فاجتمع الخلق العظيم، ووصلوا إلى أبي يزيد فأسمعوه كلاما ~~غليظا، فاعتذر إليهم ولطف بهم وأمر برد البنات. PageV03P0500 # فلما انصرفوا وجدوا في طريقهم رجلا مقتولا، فسألوا عنه، فقيل إن فضل بن ~~أبي يزيد قتله وأخذ امرأته، وكانت جميلة، فحمل الناس المقتول إلى الجامع ~~وقالوا: لا طاعة إلا للقائم ! وأرداوا الوثوب بأبي يزيد، فاجتمع أصحاب أبي ~~يزيد عنده ولاموه وقالوا: فتحت على نفسك ما لا طاقة لك به لا سيما والقائم ~~قريب منا؛ فجمع أهل القيروان، واعتذر إليهم، وأعطاهم العهود أنه لا يقتل، ~~ولا ينهب، ولا يأخذ الحريم، فأتاه سبي أهل تونس، ms2923 وهم عنده، فوثبوا إليهم ~~وخلصوهم. وكان القائم قد أرسل إلى مقدم من أصحابه يسمى علي بن حمدون يأمره ~~بجمع العساكر ومن قدر عليه من المسيلة، فجمع منها ومن سطيف وغيرها، فاجتمع ~~له خلق كثير، وتبعه بعض بني هراس، فقصد المهدية، فسمع به أيوب بن أبي يزيد، ~~وهو بمدينة باجة، ولم يعلم به علي ن حمدون، فسار إليه أيوب وكبسه واستباح ~~عسكره، وقتل فيهم وغنم أثقالهم، وهرب علي المذكور، ثم سير أيوب جريدة خيل ~~إلى طائفة من عسكر المهدي خرجوا إلى تونس، فساروا واجتمعوا، ووقع بعضهم على ~~بعض فكان بين الفريين قتال عظيم قتل فيه جمع كثير وانهزم عسكر القائم، ثم ~~عادوا ثانية وثالثة، وعزموا على الموت، وحملوا حملة رجل واحد، فانهزم أصحاب ~~أبي زيد وقتلوا قتلا ذريعا، وأخذت أثقالهم وعددهم، وانهزم أيوب وأصحابه إلى ~~القيروان في شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. فعظم ذلك على أبي ~~يزيد، وأراد أن يهرب عن القيروان، فأشار عليه أصحابه بالتوقف وترك العجلة، ~~ثم جمع عسكرا عظيما، وأخرج ابنه أيوب ثانية لقتال علي بن حمدون بمكان يقال ~~له بلطة، وكانوا يقتتلون، فمرة يظفر أيوب، ومرة يظفر علي، وكان علي قد وكل ~~بحراسة المدينة من يثق به، وكان يحرس بابا منها رجل اسمه أحمد، فراسل أيوب ~~في التسليم إليه على مال يأخذه، فأجابه أيوب إلى ما طلب، وقاتل على ذلك ~~الباب، ففتحه أحمد ودخله أصحاب أبي يزيد، فقتلوا من كان بها، وهرب علي إلى ~~بلاد كتامة في ثلاثمائة فارس وأربعمائة راجل، وكتب إلى قبائل كتامة ونقرة ~~ومزاتة وغيرهم، فاجتمعوا وعسكروا على مدينة القسطنطينة. ووجه عسكرا إلى ~~هوارة، فقتلوا هوارة، وغنموا أموالهم، وكان اعتماد أبي يزيد عليهم، فاتصل ~~الخبر بأبي يزيد، فسير إليهم عساكر عظيمة يتبع بعضها بعضا، وكان بينهم حروب ~~كثيرة والفتح والظفر في كلها لعلي وعسكر القائم، وملك مدينة تيجس ومدينة ~~باغاية وأخذهما من أبي يزيد. ### || AUT ذكر محاصرة أبي يزيد سوسة # ### || AUT وانهزامه منها # لما رأى أبو يزيد ما جرى على عسكره من ms2924 الهزيمة جد في أمره، فجمع العساكر ~~وسار إلى سوسة سادس جمادى الآخرة من السنة، وبها جيش كثير للقائم، فحصرها ~~حصرا شديدا، فكان يقاتلها كل يوم، فمرة له، ومرة عليه، وعمل الدبابات ~~والمنجنيقات، فقتل من أقل سوسة خلق كثير وحاصرها إلى أن فوض القائم العهد ~~إلى ولده إسماعيل المنصور في شهر رمضان، وتوفي القائم وملك الملك ابنه ~~المنصور، على ما نذكره، وكتم موت أبيه خوفا من أبي يزيد لقربه، وهو على ~~مدينة سوسة. فلما ولي عمل المراكب، وشحنها بالرجال، وسيرها إلى سوسة، ~~واستعمل عليها رشيقا الكاتب، ويعقوب بن إسحاق، ووصاهما أن لا يقاتلا حتى ~~يأمرهما، ثم سار من الغد يريد سوسة، ولم يعلم أصحابه ذلك، فلما انتصف ~~الطريق علموا فتضرعوا إليه، وسألوه أن يعود ولا يخاطر بنفسه، فعاد وأرسل ~~إلى رشيق ويعقوب بالجد في القتال، فوصلوا إلى سوسة وقد أعد أبو يزيد الحطب ~~لإحراق السور، وعمل دبابة عظيمة، فوصل أسطول المنصور إلى سوسة، واجتمعوا ~~بمن فيها، وخرجوا إلى قتال أبي يزيد، فركب بنفسه، واقتتلوا، واشتدت الحرب، ~~وانهزم بعض أصحاب المنصور حتى دخلوا المدينة، فألقى رشيق النار في الحطب ~~الذي جمعه أبو يزيد، وفي الدبابة، فأظلم الجو بالدخان، واشتعلت النار. فلما ~~رأى ذلك أبو يزيد وأصحابه خافوا، وظنوا أن أصحابه في تلك الناحية قد هلكوا ~~فلهذا تمكن أصحاب المنصور من إحراق الحطب إذ لم ير بعضهم بعضا، فانهزم أبو ~~يزيد وأصحابه، وخرجت عساكر المنصور، فوضعوا السيف فيمن تخلف من البربر، ~~وأحرقوا خيامه. وجد أبو يزيد هاربا حتى دخل القيروان من يومه، وهرب البربر ~~على وجوههم فمن سلم من السيف مات جوعا وعطشا. PageV04P0001 # ولما وصل أبو يزيد إلى القيروان أراد الدخول إليها، فمنعه أهلها، ورجعوا ~~إلى دار عامله، فحصروه، وأرادوا كسر الباب، فنثر الدنانير على رؤوس الناس ~~فاشتغلوا عنه، فخرج إلى أبي يزيد، وأخذ أبو يزيد امرأته أم أيوب، وتبعه ~~أصحابه بعيالاتهم، ورحلوا إلى ناحية سبيبة، وهي على مسافة يومين من ~~القيروان، فنزلوها. ### || AUT ذكر ملك المنصور مدينة القيروان وانهزام أبي يزيد # لما ms2925 بلغ المنصور الخبر سار إلى مدينة سوسة لسبع بقين من شوال من السنة، ~~فنزل خارجا منها، وسر بما فعله أهل القيروان، فكتب إليهم كتابا يؤمنهم فيه، ~~لأنه كان واجدا عليهم لطاعتهم أبا يزيد، وأرسل من ينادي في الناس بالأمان، ~~وطابت نفوسهم، ورحل إليهم، فوصلها يوم الخميس لست بقين من شوال، وخرج إليه ~~أهلها، فأمنهم ووعدهم خيرا. ووجد في القيروان من حرم أبي يزيد وأولاده ~~جماعة، فحملهم إلى المهدية وأجرى عليهم الأرزاق. ثم إن أبا يزيد جمع ~~عساكره، وأرسل سرية إلى القيروان يتخبرون له، فاتصل خبرهم بالمنصور، فسير ~~إليهم سرية، فالتقوا واقتتلوا، وكان أصحاب أبي يزيد قد جعلوا كمينا، ~~فانهزموا، وتبعهم أصحاب المنصور، فخرج الكمين عليهم، فأكثر فيهم القتل ~~والجراح. فلما سمع الناس ذلك سارعوا إلى أبي يزيد، فكثر جمعه، فعاد ونازل ~~القيروان، وكان المنصور قد جعل خندقا على عسكره، ففرق أبو يزيد عسكره ثلاث ~~فرق، وقصد هو بشجعان أصحابه إلى خندق المنصور، فاقتتلوا، وعظم الأمر، وكان ~~الظفر للمنصور، ثم عاودوا القتال، فباشر المنصور القتال بنفسه، وجعل يحمل ~~يمينا وشمالا، والمظلة على رأسه كالعلم، ومعه خمسمائة فارس، وأبو يزيد في ~~مقدار ثلاثين ألفا، فانهزم أصحاب المنصور هزيمة عظيمة حتى دخلوا الخندق ~~ونهبوا، وبقي المنصور في نحو عشرين فارسا. وأقبل أبو يزيد قاصدا إلى ~~المنصور، فلما رآهم شهر سيفه وثبت مكانه وجمل بنفسه على أبي يزيد حتى كاد ~~يقتله، فولى أبو يزيد هاربا، وقتل المنصور من أدرك منهم، وأرسل من يرد ~~عسكره فعادوا، وكانوا قد سلكوا طريق المهدية وسوسة، وتمادى القتال إلى ~~الظهر فقتل منهم خلق كثير وكان يوما من الأيام المشهودة لم يكن في ماضي ~~الأيام مثله. ورأى الناس من شجاعة المنصور ما لم يظنوه، فزادت هيبته في ~~قلوبهم، ورحل أبو يزيد عن القيروان أواخر ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ~~وثلاثمائة، ثم عاد إليها فلم يخرج إليه أحد، ففعل ذلك غير مرة، ونادى ~~المنصور: من أتى برأس أبي يزيد فله عشرة آلاف دينار؛ وأذن الناس في القتال، ~~فجرى قتال شديد، فانهزم ms2926 أصحاب المنصور حتى دخلوا الخندق، ثم رجعت الهزيمة ~~على أبي يزيد، فافترقوا وقد انتصف بعضهم من بعض، وقتل بينهم جمع عظيم، ~~وعادت الحرب مرة لهذا ومرة لهذا، وصار أبو يزيد يرسل السرايا، فيقطع الطريق ~~بين المهدية والقيروان وسوسة. ثم إنه أرسل إلى المنصور يسأله أن يسلم إليه ~~حرمه وعياله الذين خلفهم بالقيروان وأخذهم المنصور، فإن فعل ذلك دخل في ~~طاعته على أن يؤمنه وأصحابه، وحلف له بأغلظ الأيمان على ذلك، فأجابه ~~المنصور إلى ما طلب، وأحضر عياله وسرهم إليه مكرمين، بعد أن وصلهم، وأحسن ~~كسوتهم، وأكرمهم، فلما وصلوا إليه نكث جميع ما عقده، وقال: إنما وجههم خوفا ~~مني، فانقضت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة؛ ودخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، ~~وهم على حالهم في القتال. ففي خامس المحرم منها زحف أبو يزيد، وركب ~~المنصور، وكان بين الفريقين قتال ما سمع بمثله، وحملت البربر على المنصور ~~وحمل عليها، وجعل يضرب فيهم، فانهزموا منه بعد أن قتل خلق كثير، فلما انتصف ~~المحرم عبأ المنصور عسكره، فجعل في الميمنة أهل أفريقية، وكتامة الميسرة، ~~وهو في عبيده وخاصته في القلب، فوقع بينهم قتال شديد، فحمل أبو يزيد على ~~الميمنة فهزمها، ثم حمل على القلب، فبادر إليه المنصور وقال: هذا يوم الفتح ~~إن شاء الله تعالى ! وحمل هو ومن معه حملة رجل واحد، فانهزم أبو يزيد، ~~وأخذت السيوف أصحابه فولوا منهزمين، وأسلموا أثقالهم، وهرب أبو يزيد على ~~وجهه فقتل من أصحابه ما لا يحصى، فكان ما أخذه أطفال أهل القيروان من رؤوس ~~القتلى عشرة آلاف رأس، وسار أبو يزيد إلى تاه مديت. ### || AUT ذكر قتل أبي يزيد # PageV04P0002 # لما تمت على أبي يزيد وأقام المنصور يتجهز للمسير في أثره، ثم رحل، أواخر ~~شهر ربيع الأول من السنة، واستخلف على البلد مذاما الصقلي، فأدرك أبا يزيد ~~وهو محاصر مدينة باغاية لأنه أراد دخولها لما انهزم، فمنع من ذلك، فحصرها، ~~فأدركه المنصور وقد كاد يفتحها، فلما قرب منه هرب أبو يزيد وجعل كلما قصد ~~موضعا يتحصن فيه سبقه المنصور، حتى ms2927 وصل طبنة، فوصلت رسل محمد بن خزر ~~الزناتي، وهو من أعيان أصحاب أبي يزيد، يطلب الأمان، فأمنه المنصور، وأمره ~~أن يرصد أبا يزيد، واستمر الهرب بأبي يزيد حتى وصل إلى جبل البربر ويسمى ~~برزال، وأهله على مذهبه، وسلك الرمال ليختفي أثره، فاجتمع معه خلق كثير، ~~فعاد إلى نواحي مقبرة والمنصور بها، فكمن أبو يزيد أصحابه، فلما وصل عسكر ~~المنصور رآهم فحذروا منهم، فعبأ حينئذ أبو يزد أصحابه، واقتتلوا، فانهزمت ~~ميمنة المنصور، وحمل هو بنفسه ومن معه، فانهزم أبو يزيد إلى جبل سالات، ~~ورحل المنصور في أثره، فدخل مدينة المسيلة، ورحل في أثر أبي يزيد في جبال ~~وعرة، وأودية عميقة خشنة الأرض، فأراد الدخول وراءه المسيلة، ورحل في أثر ~~أبي يزيد في جبال وعرة، وأودية عميقة خشنة الأرض، فأراد الدخول وراءه فعرفه ~~الأدلاء أن هذه الأرض لم يسلكها جيش قط، واشتد الأمر على أهل العسكر، فبلغ ~~عليق كل دابة دينارا ونصفا، وبلغت قربة الماء دينارا، وأن ما وراء ذلك رمال ~~وقفار بلاد السودان، ليس فيها عمارة، وإن أبا يزيد اختار الموت جوعا وعطشا ~~على القتل بالسيف. فلما سمع ذلك رجع إلى بلاد صنهاجة، فوصل إلى موضع يسمى ~~قرية دمره، فاتصل به الأمير زيري بن مناد الصنهاجي الحميري بعساكر صنهاجة، ~~وزيري هذا هو جد بني باديس ملوك أفريقية، كما يأتي ذكره، إن شاء الله ~~تعالى، فأكرمه المنصور وأحسن إليه، ووصل كتاب محمد بن خزر يذكر الموضع الذي ~~فيه أبو يزيد من الرمال. ومرض المنصور مرضا شديدا أشفى منه، فلما أفاق من ~~مرضه رحل إلى المسيلة ثاني رجب، وكان أبو يزيد قد سبقه إليها لما بلغه مرض ~~المنصور، وحصرها، فلما قصده المنصور هرب منه يريد بلاد السودان، فأبى ذلك ~~بنو كملان وهوارة وخدعوه، وصعد إلى جبال كتامة وعجيسة وغيرهم، فتحصن بها ~~واجتمع إليه أهلها، وصاروا ينزلون يتخطفون الناس، فسار المنصور عاشر شعبان ~~إليه، فلم ينزل أبو يزيد، فلما عاد نزل إلى ساقة العسكر، فرجع المنصور، ~~ووقعت الحرب فانهزم أبو يزيد، وأسلم أولاده وأصحابه، ms2928 ولحقه فارسان فعقرا ~~فرسه فسقط عنه، فأركبه بعض أصحابه، ولحقه زيري بن مناد فطعنه فألقاه، وكثر ~~القتال عليه، فخلصه أصحابه وخلصوا معه، وتبعهم أصحاب المنصور، فقتلوا منهم ~~ما يزيد على عشرة آلاف. ثم سار المنصور في أثره أول شهر رمضان، فاقتتلوا ~~أيضا أشد قتال، ولم يقدر أحد الفريقين على الهزيمة لضيق المكان خشونته، ثم ~~انهزم أبو يزيد أيضا، واحترقت أثقاله وما فيها، وطلع أصحابه على رؤوس ~~الجبال يرمون بالصخر، وأحاط القتال بالمنصور وتواخذوا بالأيدي، وكثر القتل ~~حتى ظنوا أنه الفناء، وافترقوا على السواء، والتجأ أبو يزيد إلى قلعة ~~كتامة، وهي منيعة، فاحتمى بها. وفي ذلك اليوم أتى إلى المنصور جند له من ~~كتامة برجل ظهر في أرضهم ادعى البربوبية، فأمر المنصور بقتله، وأقبلت هوارة ~~وأكثر من مع أبي يزيد يطلبون الأمان، فأمنهم المنصور، وسار إلى قلعة كتامة، ~~فحصر أبا يزيد فيها، وفرق جنده حولها، فناشبه أصحاب أبي يزيد القتال، وزحف ~~إليها المنصور غير مرة، ففي آخرها ملك أصحابه بعض القلعة، وألقوا فيها ~~النيران، وانهزم أصحاب أبي يزيد وقتلوا قتلا ذريعا، ودخل أبو يزيد وأولاده ~~وأعيان أصحابه إلى قصر في القلعة، فاجتمعوا فيه، فاحترقت أبوابه وأدركهم ~~القتل، فأمر المنصور بإشعال النار في شعاري الجبل وبين يديه لئلا يهرب أبو ~~يزيد، فصار الليل كالنهار. PageV04P0003 # فلما كان آخر الليل خرج أصحابه وهم يحملونه على أيديهم، وحملوا على الناس ~~حملة منكرة، فأفرجوا لهم، فنجوا به، ونزل من القلعة خلق كثير، فأخذوا، ~~فأخبروا بخروج أبي يزيد، فأمر المنصور بطلبه وقال: ما أظنه ألا قريبا منا؛ ~~فبينما هم كذلك إذ أتى بأبي يزيد، وذلك أن ثلاثة من أصحابه حملوه من ~~المعركة ثم ولوا عنه، وإنما حملوه لقبح عرجه، فذهب لينزل من الوعر، فسقط في ~~مكان صعب، فأدرك فأخذ وحمل إلى المنصور، فسجد شكرا لله تعالى، والناس ~~يكبرون حوله، وبقي عنده إلى سلخ المحرم من سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، فمات ~~من الجراح التي به، فأمر بإدخاله في قفص عمل له، وجعل معه قردين يلعبان ~~عليه، وأمر بسلخ ms2929 جلده وحشاه تبنا، وأمر بالكتب إلى سائر البلاد بالبشارة. ~~ثم خرج عليه عدة خوارج منهم محمد بن خزر، فظفر به المنصور سنة ست وثلاثين ~~وثلاثمائة، وكان يريد نصرة أبي يزيد؛ وخرج أيضا بن أبي يزيد، وأفسد وقطع ~~الطريق، فغدر به بعض أصحابه وقتله، وحمل رأسه إلى المنصور سنة ست وثلاثين ~~أيضا، وعاد المنصور إلى المهدية، فدخلها في شهر رمضان من السنة. ### || AUT ذكر قتل أبي الحسين البريدي وإحراقه # في هذه السنة، في ربيع الأول، قدم أبو الحسين البريدي إلى بغداد مستأمنا ~~إلى توزون، فأمنه، وأنزله أبو جعفر بن شيرزاد إلى جانب داره، وأكرمه، وطلب ~~أن يقوي يده على ابن أخيه، وضمن أنه إذا أخذ البصرة يوصل له مالا كثيرا، ~~فوعدوه النجدة والمساعدة، فأنفذ ابن أخيه من البصرة مالا كثيرا خدم به ~~توزون وابن شيرزاد، فأنفذوا له الخلع وأقروه على عمله. فلما علم أبو الحسين ~~بذلك سعى في أن يكتب لتوزون، ويقبض على ابن شيرزاد، فعلم ابن شيرزاد بذلك، ~~فسعى به إلى أن قبض عليه، وقيد وضرب ضربا عنيفا، وكان أبو عبدالله بن أبي ~~موسى الهاشمي قد أخذ أيام ناصر الدولة فتوى الفقهاء والقضاة بإحلال دمه، ~~فأحضرها وأحضر القضاة والفقهاء في دار الخليفة، وأخرج أبو الحسين، وسئل ~~الفقهاء عن الفتاوى، فاعترفوا أنهم أفتوا بذلك، فأمر بضرب رقبته، فقتل ~~وصلب، ثم أنزل وأحرق، ونهبت داره، وكان هذا آخر أمر البريديين، وكان قتله ~~منتصف ذي الحجة. وفيها نقل المستكفي بالله القاهر بالله من دار الخلافة إلى ~~دار ابن طاهر، وكان قد بلغ به الضر والفقر إلى أن كان ملتفا بقطن جبة، وفي ~~رجله قبقاب خشب. ### || AUT ذكر مسير أبي علي إلى الري وعوده قبل ملكها # لما استقر الأمير نوح في ولايته بما وراء النهر وخراسان أمر أبا علي ابن ~~محتاج أن يسير في عساكر خراسان إلى الري ويستنقذها من يد ركن الدولة ابن ~~بويه، فسار في جمع كثير، فلقيه وشمكير بخراسان وهو يقصد الأمر نوحا، فسيره ~~إليه، وكان نوح حينئذ بمرو، فلما قدم ms2930 عليه أكرمه وأنزله، وبالغ في إكرامه ~~والإحسان إليه. وأما أبو علي فأنه سار نحو الري، فلما نزل ببسطام خالف عليه ~~بعض من معه، وعادوا عنه مع منصور بن قراتكين، وهو من أكابر أصحاب نوح ~~وخواصه، فساروا نحو جرجان، وبها الحسن بن الفيرزان، فصدهم الحسن عنها، ~~فانصرفوا إلى نيسابور، وسار أبو علي نحو الري فيمن بقي معه، فخرج إليه ركن ~~الدولة محاربا، فالتقوا على ثلاثة فراسخ من الري، وكان مع أبي علي جماعة ~~كثيرة من الأكراد، فغدروا به، واستأمنوا إلى ركن الدولة، فانهزم أبو علي، ~~وعاد نحو نيسابور وغنموا بعض أثقاله. ### || AUT ذكر استيلاء وشمكير على جرجان # لما عاد أبو علي إلى نيسابور لقيه وشمكير، وقد سيره الأمير نوح، ومعه ~~جيش فيهم مالك بن شكرتكين، وأرسل إلى أبي علي يأمره بمساعدة وشمكير، فوجه ~~فيمن معه إلى جرجان، وبها الحسن بن الفيرزان، فالتقوا واقتتلوا فانهزم ~~الحسن، واستولى وشمكير على جرجان في صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر استيلاء أبي علي على الري # في هذه السنة سار أبو علي من نيسابور إلى نوح، وهو بمرو، فاجتمع به، ~~فأعاده إلى نيسابور، وأمره بقصد الري، وأمده بجيش كثير، فعاد إلى نيسابور، ~~وسار منها إلى الري في جمادى الآخرة، وبها ركن الدولة، فلما علم ركن الدولة ~~بكثرة جموعه سار عن الري واستولى أبو علي عليها وعلى سائر أعمال الجبال، ~~وأنفذ نوابه إلى الأعمال، وذلك في شهر رمضان من هذه السنة. PageV04P0004 # ثم إن الأمير نوحا سار من مرو إلى نيسابور، فوصل إليها في رجب، وأقام بها ~~خمسين يوما، فوضع أعداء أبي علي جماعة من الغوغاء والعامة، فاجتمعوا ~~واستغاثوا عليه، وشكوا سوء سيرته وسيرة نوابه، فاستعمل الأمير نوح على ~~نيسابور إبراهيم بن سيمجور وعاد عنها إلى بخارى في رمضان، وكان مرادهم بذلك ~~أن يقطعوا طمع أبي علي عن خراسان ليقيم بالري وبلاد الجبل، فاستوحش أبو علي ~~لذلك، فإنه كان يعتقد أنه يحسن إليه بسبب فتح الري وتلك الأعمال، فلما عزل ~~شق ذلك عليه، ووجه أخاه أبا العباس ms2931 الفضل ابن محمد إلى كور الجبال، وولاه ~~همذان، وجعله خليفة على من معه من العساكر، فقصد الفضل نهاوند والدينور ~~وغيرهما واستولى عليها، واستأمن إليه رؤساء الأكراد من تلك الناحية، ~~وأنفذوا إليه رهائنهم. ### || AUT ذكر وصول معز الدولة إلى واسط # ### || AUT وعوده عنها # في هذه السنة، آخر رجب، وصل معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه إلى ~~مدينة واسط، فسمع توزون به، فسار هو والمستكفي بالله من بغداد إلى واسط، ~~فلما سمع معز الدولة بمسيرهم إليه فارقها سادس رمضان، ووصل الخليفة وتوزون ~~إلى واسط، فأرسل أبو القاسم البريدي يضمن البصرة، فأجابه توزون إلى ذلك ~~وضمنه، وسلمها إليه، وعاد الخليفة وتوزون إلى بغداد، فدخلاها ثامن شوال من السنة. ### || AUT ذكر ملك سيف الدولة مدينة حلف وحمص # في هذه السنة سار سيف الدولة علي بن أبي الهيجاء عبدالله بن حمدان إلى ~~حلب، فملكها واستولى عليها، وكان مع المتقي لله بالرقة، فلما عاد المتقي ~~إلى بغداد، وانصرف الإخشيد إلى الشام، بقي يأنس المؤسي بحلب، فقصده سيف ~~الدولة، فلما نازلها فارقها يأنس وسار إلى الإخشيد، فملكها سيف الدولة، ثم ~~سار منها إلى حمص، فلقيه بها عسكر الإخشيد محمد بن طغج، صاحب الشام ومصر، ~~مع مولاه كافور، واقتتلوا، فانهزم عسكر الإخشيد وكافور، وملك سيف الدولة ~~مدينة حمص، وسار إلى دمشق فحصرها، فلم يفتحها أهلها له فرجع. وكان الأخشيد ~~قد خرج من مصر إلى الشام وسار خلف سيف الدولة، فالتقيا بقنسرين، فلم يظفر ~~أحد العسكرين بالآخر، ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة، فلما عاد الإخشيد إلى ~~دمشق رجع سيف الدولة إلى حلب، ولما ملك سيف الدولة حلب سارت الروم إليها، ~~فخرج إليهم، فقاتلهم بالقرب منها، فظفر بهم وقتل منهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، ثامن جمادى الأولى، قبض المستكفي بالله على كاتبه أبي ~~عبدالله بن أبي سليمان وعلى أخيه، واستكتب أبا أحمد الفضل بن عبد الرحمن ~~الشيرازي على خاص أمره، وكان أبو أحمد لما تقلد المستكفي الخلافة بالموصل ~~يكتب لناصر الدولة، فلما بلغه خبر تقلده الخلافة ms2932 انحدر إلى بغداد لأنه كان ~~يخدم المستكفي بالله، ويكتب له، وهو في دار ابن طاهر. وفيها، في رجب، سار ~~توزون ومعه المستكفي بالله من بغداد يريدان الموصل، وقصد ناصر الدولة لأنه ~~كان قد أخر حمل المال الذي عليه من ضمان البلاد واستخدم غلمانا هربوا من ~~توزون، وكان الشرط بينهم أنه لا يقبل أحدا من عسكر توزون. فلما خرج الخليفة ~~وتوزون من بغداد ترددت الرسل في الصلح، وتوسط أبو جعفر بن شيرزاد الأمر، ~~وانقاد ناصر الدولة لحمل المال، وكان أبو القاسم ابن مكرم، كاتب ناصر ~~الدولة، هو الرسول في ذلك، ولما تقرر الصلح عاد المستكفي وتوزون فدخلا ~~بغداد. وفيها في سابع ربيع الآخر قبض المستكفي على وزيره أبي الفرج ~~السرمرائي، وصودر على ثلاثمائة ألف درهم، وكانت مدة وزارته اثنين وأربعين يوما. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر موت توزون وإمارة ابن شيرزاد # في هذه السنة، في المحرم، مات توزون في داره ببغداد، وكانت مدة إمارته ~~سنتين وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما، وكتب له ابن شيرزاد مدة إمارته، غير ~~ثلاثة أيام. PageV04P0005 # ولما مات توزون كان ابن شيرزاد بهيت لتخليص أموالها، فلما بلغه الخبر عزم ~~على عقد الإمارة لناصر الدولة بن حمدان، فاضطربت الأجناد، وعقدوا الرئاسة ~~عليهم لابن شيرزاد، فحضر ونزل بباب حرب مستهل صفر، وخرج عليه الأجناد ~~جميعهم، واجتمعوا عليه، وحلفوا له، ووجه إلى المستكفي بالله ليحلف له، ~~فأجابه إلى ذلك، وحلف له بحضرة القضاة والعدول، ودخل إليه ابن شيرزاد، وعاد ~~مكرما يخاطب بأمير الأمراء، وزاد الأجناد زيادة كثيرة، فضاقت الأموال عليه، ~~فأرسل إلى ناصر الدولة مع أبي عبدالله محمد بن أبي موسى الهاشمي، وهو ~~بالموصل، يطالبه بحمل المال، ويعده برد الرئاسة إليه، وأنفذ له خمسمائة ألف ~~درهم وطعاما كثيرا، ففرقها في عسكره، فلم يؤثر، فقسط الأموال على العمال ~~والكتاب والتجار وغيرهم لأرزاق الجند وظلم الناس ببغداد. وظهر اللصوص، ~~وأخذوا الأموال، وجلا التجار، واستعمل على واسط ينال كوشة، وعلى تكريت ~~اللشكري، فأما ينال فإنه كاتب معز الدولة بن بويه، ms2933 واستقدمه، وصار معه، ~~وأما الفتح اللشكري فإنه سار إلى ناصر الدولة بالموصل، وصار معه، فأقره على تكريت. ### || AUT ذكر استيلاء معز الدولة على بغداد # لما كاتب ينال كوشة معز الدولة بن بويه، وهو بالأهواز، ودخل في طاعته، ~~وسار معز الدولة نحوه، فاضطرب الناس ببغداد، فلما وصل إلى باجسرى اختفى ~~المستكفي بالله وابن شيرزاد، وكانت إمارته ثلاثة أشهر وعشرين يوما، فلما ~~استتر سار الأتراك إلى الموصل، فلما أبعدوا ظهر المستكفي وعاد إلى بغداد ~~إلى دار الخلافة، وقدم أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي، صاحب معز الدولة، ~~إلى بغداد، فاجتمع بابن شيرزاد بالمكان الذي استتر فيه ثم اجتمع بالمستكفي، ~~فأظهر المستكفي السرور بقدوم معز الدولة، وأعلمه أنه إنما استتر من الأتراك ~~ليتفرقوا فيحصل الأمر لمعز الدولة بلا قتال. ووصل معز الدولة إلى بغداد ~~حادي عشر جمادى الأولى، فنزل ببال الشماسية، ودخل من الغد على الخليفة ~~المستكفي وبايعه، وحلف له المستكفي، وسأله معز الدولة أن يأذن لابن شيرزاد ~~بالظهور، وأن يأذن أن يستكتبه، فأجاب إلى ذلك، فظهر ابن شيرزاد، ولقي معز ~~الدولة، فولاه الخراج، وجباية الأموال، وخلع الخليفة، على معز الدولة، ~~ولقبه ذلك اليوم معز الدولة، ولقب أخاه عليا عماد الدولة، ولقب أخاه الحسن ~~ركن الدولة، وأمر أن تضرب ألقابهم وكناهم على الدنانير والدراهم. ونزل معز ~~الدولة بدار مؤنس، ونزل أصحابه في دور الناس، فلحق الناس من ذلك شدة عظيمة، ~~وصار رسما عليهم بعد ذلك، وهو أول من فعله ببغداد، ولم يعرف بها قبله، ~~وأقيم للمستكفي بالله كل يوم خمسة آلاف درهم لنفقاته، وكانت ربما تأخرت ~~عنه، فأقرت له مع ذلك ضياع سلمت إليه تولاها أبو أحمد الشيرازي كاتبه. ### || AUT ذكر خلع المستكفي بالله # وفي هذه السنة خلع المستكفي بالله لثمان بقين من جمادى الآخرة. وكان سبب ~~ذلك أن علما القهرمانة صنعت دعوة عظيمة حضرها جماعة من قواد الديلم ~~والأتراك، فاتهمها معز الدولة أنها فعلت ذلك لتأخذ عليهم البيعة للمستكفي ~~ويزيلوا معز الدولة، فساء ظنه لذلك لما رأى من إقدام علم، وحضر أصفهدوست ms2934 ~~عند معز الدولة، وقال: قد راسلني الخليفة في أن ألقاه متنكرا. فلما مضى ~~اثنان وعشرون يوما من جمادى الآخرة حضر معز الدولة والناس عند الخليفة، ~~وحضر رسول صاحب خراسان، ومعز الدولة جالس، ثم حضر رجلان من نقباء الديلم ~~يصيحان، فتناولا يد المستكفي بالله، فظن أنهما يريدان تقبيلها، فمدها ~~إليهما، فجذباه عن سريره، وجعلا عمامته في حلقه، ونهض معز الدولة، واضطرب ~~الناس، ونهبت الأموال، وساق الديلميان المستكفي بالله ماشيا إلى دار معز ~~الدولة، فاعتقل بها، ونهبت دار الخلافة حتى لم يبق بها شيء وقبض على أبي ~~أحمد الشيرازي كاتب المستكفي، وأخذت علم القهرمانة فقطع لسانها. وكانت مدة ~~خلافة المستكفي سنة واحدة وأربعة أشهر، وما زال مغلوبا على أمره مع توزون ~~وابن شيرزاد، ولما بويع المطيع لله سلم إليه المستكفي، فسلمه وأعماه، وبقي ~~محبوسا إلى أن مات في ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وكان مولده ~~ثالث عشر صفر سنة ست وتسعين ومائتين، وأمه أم ولد اسمها غصن، وكان أبيض، ~~حسن الوجه، قد وخطه الشيب. ### || AUT ذكر خلافة المطيع لله # PageV04P0006 # لما ولي المستكفي بالله الخلافة خافه المطيع، وهو أبو القاسم الفضل بن ~~المقتدر، لأنه كان بينهما منازعة، وكان كل منهما يطلب الخلافة، وهو يسعى ~~فيها، فلما ولي المستكفي خافه واستتر منه، فطلبه المستكفي أشد الطلب، فلم ~~يظفر به، فلما قدم معز الدولة بغداد قيل إن المطيع انتقل إليه، واستتر ~~عنده، وأغراه بالمستكفي حتى قبض عليه وسلمه، فلما قبض المستكفي بويع للمطيع ~~لله بالخلافة يوم الخميس ثاني عشر جمادى الآخرة، ولقب المطيع لله، وأحضر ~~المستكفي عنده، فسلم عليه بالخلافة، وأشهد على نفسه بالخلع. وازداد أمر ~~الخلافة أدبارا، ولم يبق لهم من الأمر شيء البتة، وقد كانوا يراجعون ويؤخذ ~~أمرهم فيما يفعل، والحرمة قائمة بعض الشيء، فلما كان أيام معز الدولة زال ~~ذلك جميعه بحيث أن الخليفة لم يبق له وزير إنما كان له كاتب يدبر إقطاعه ~~وإخراجاته لا غير، وصارت الوزارة لمعز الدولة يستوزر لنفسه من يريد. وكان ~~من أعظم الأسباب في ذلك ms2935 أن الديلم كانوا يتشيعون، ويغالون في التشيع، ~~ويعتقدون أن العباسيين قد غضبوا الخلافة وأخذوها من مستحقيها فلم يكن عندهم ~~باعث ديني يحثهم على الطاعة، حتى لقد بلغني أن معز الدولة استشار جماعة من ~~خواص أصحابه في إخراج الخلافة من العباسيين والبيعة للمعز لدين الله ~~العلوي، أو لغيره من العلويين، فكلهم أشار عليه بذلك ما عدا بعض خواصه فإنه ~~قال: ليس هذا برأي، فإنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل ~~الخلافة، ولو أمرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه، ومتى أجلست بعض العلويين ~~خليفة كان معك من يعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته، فلو أمرهم بقتلك لفعلوه، ~~فأعرض عن ذلك؛ فهذا كان من أعظم الأسباب في زوال أمرهم ونهبهم مع حب الدنيا ~~وطلب التفرد بها. وتسلم معز الدولة العراق بأسره، ولم يبق بيد الخليفة منه ~~شيء البتة، إلا ما أقطعه معز الدولة مما يقوم ببعض حاجته. ### || AUT ذكر الحرب بين ناصر الدولة ومعز الدولة # وفيها، في رجب، سير معز الدولة عسكرا فيهم موسى فيادة وينال كوشة إلى ~~الموصل في مقدمته، فلما نزلوا عكبرا أوقع ينال كوشة بموسى فيادة، ونهب ~~سواده، ومضى هو ومن معه إلى ناصر الدولة، وكان قد خرج من الموصل نحو ~~العراق، ووصل ناصر الدولة إلى سامرا في شعبان، ووقعت الحرب بينه وبين أصحاب ~~معز الدولة بعكبرا. وفي رمضان سار معز الدولة مع المطيع لله إلى عكبرا، ~~فلما سار عن بغداد لحق ابن شيرزاد بناصر الدولة، وعاد إلى بغداد مع عسكر ~~لناصر الدولة، فاستولوا عليها، ودبر ابن شيرزاد الأمور بها نيابة عن ناصر ~~الدولة، وناصر الدولة يحارب معز الدولة، فلما كان عاشر رمضان سار ناصر ~~الدولة من سامرا إلى بغداد فأقام بها، فلما سمع معز الدولة الخبر سار إلى ~~تكريت فنهبها لأنها كانت لناصر الدولة، وعاد الخليفة معه إلى بغداد، فنزلوا ~~بالجانب الغربي، ونزل ناصر الدولة بالجانب الشرقي، ولم يخطب للمطيع ببغداد. ~~ثم وقعت الحرب بينهم ببغداد، وانتشرت أعراب ناصر الدولة بالجانب الغربي، ~~فمنعوا أصحاب معز الدولة من ms2936 الميرة والعلف، فغلت الأسعار على الديلم، حتى ~~بلغ الخبز عندهم كل رطل بدرهم وربع، وكان السعر عند ناصر الدولة رخيصا، ~~كانت تأتيه الميرة في دجلة من الموصل، فكان الخبز عنده كل خمسة أرطال ~~بدرهم. ومنع ناصر الدولة من المعاملة بالدنانير التي عليها اسم المطيع، ~~وضرب دنانير ودراهم على سكة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وعليها اسم المتقي ~~لله، واستعان ابن شيرزاد بالعيارين والعامة على حرب معز الدولة، فكان يركب ~~في الماء، وهم معه، ويقاتل الديلم. وفي بعض الليالي عبر ناصر الدولة في ألف ~~فارس لكبس معز الدولة، فلقيهم أسفهدوست فهزمهم، وكان من أعظم الناس شجاعة، ~~وضاق الأمر بالديلم حتى عزم معز الدولة على العود إلى الأهواز، وقال: نعمل ~~معهم حيلة هذه المرة، فإن أفادت وإلا عدنا؛ فرتب ما معه من المعابر بناحية ~~الثمارين، وأمر وزيره أبا جعفر الصيمري وأسفهدوست بالعبور، ثم أخذ معه باقي ~~العسكر، وأظهر أنه يعبر في قطربل، وسار ليلا ومعه المشاعل على شاطئ دجلة، ~~فسار أكثر عسكر ناصر الدولة بإزائه ليمنعوه من العبور، فتمكن الصيمري ~~وأسفهدوست من العبور، فعبروا وتبعهم أصحابهم. PageV04P0007 # فلما علم معز الدولة بعبور أصحابه عاد إلى مكانه، فعلموا بحيلته، فلقيهم ~~ينال كوشة في جماعة أصحاب ناصر الدولة، فهزموه واضطرب عسكر ناصر الدولة، ~~وملك الديلم الجانب الشرقي، وأعيد الخليفة إلى داره في المحرم سنة خمس ~~وثلاثين وغنم الديلم ونهبوا أموال الناس ببغداد، فكان مقدار ما غنموه ~~ونهبوه من أموال المعروفين دون غيرهم عشرة آلاف ألف دينار، وأمرهم معز ~~الدولة برفع السيف والكف عن النهب وأمن الناس فلم ينتهوا، فأمر وزيره أبا ~~جعفر الصيمري، فركب وقتل، وصلب جماعة وطاف بنفسه فامتنعوا. واستقر معز ~~الدولة ببغداد، وأقام ناصر الدولة بعكبرا، وأرسل في الصلح بغير مشورة من ~~الأتراك التوزونية، فهموا بقتله، فسار عنهم مجدا نحو الموصل، ثم استقر ~~الصلح بينه وبين معز الدولة في المحرم سنة خمس وثلاثين. ### || AUT ذكر وفاة القائم وولاية المنصور # في هذه السنة توفي القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن عبيدالله المهدي ~~العلوي صاحب ms2937 إفريقية لثلاث عشرة مضت من شوال، وقام بالأمر بعده ابنه ~~إسماعيل وتلقب المنصور بالله، وكتم موته خوفا أن يعلم بذلك أبو يزيد، وهو ~~بالقرب منه على سوسة، وأبقى الأمور على حالها، ولم يتسم بالخليفة، ولم يغير ~~السكة، ولا الخطبة، ولا البنود، وبقي على ذلك إلى أن فرغ من أمر أبي يزيد، ~~فلما فرغ منه أظهر موته، وتسمى بالخلافة، وعمل آلات الحرب والمراكب، وكان ~~شهما شجاعا وضبط الملك والبلاد. ### || AUT ذكر إقطاع البلاد وتخريبها # فيها شغب الجند على معز الدولة بن بويه، وأسمعوه المكروه، فضمن لهم ~~إيصال أرزاقهم في مدة ذكرها لهم، فاضطر إلى خبط الناس، وأخذ الأموال من غير ~~وجوهها، وأقطع قواده وأصحابه القرى جميعها التي للسلطان وأصحاب الأملاك، ~~فبطل لذلك أكثر الدواوين، وزالت أيدي العمال، وكانت البلاد قد خربت من ~~الاختلاف، والغلاء، والنهب، فأخذ القواد القرى العامرة، وزادت عمارتها ~~معهم، وتوفر دخلها بسبب الجاه، فلم يمكن معز الدولة العود عليهم بذلك. وأما ~~الأتباع فإن الذي أخذوه ازداد خرابا، فردوه وطلبوا العوض عنه، فعوضوا، وترك ~~الأجناد الاهتمام بمشارب القرى وتسوية طرقها، فهلكت وبطل الكثير منها. وأخذ ~~غلمان المقطعين في ظلم وتحصيل العاجل، فكان أحدهم إذا عجز الحاصل تممه ~~بمصادراتها. ثم إن معز الدولة فوض حماية كل موضع إلى بعض أكابر أصحابه ~~فاتخذه مسكنا وأطمعه، فاجتمع إليهم الإخوة، وصار القواد يدعون الخسارة في ~~الحاصل، فلا يقدر وزيره ولا غيره على تحقيق ذلك، فإن اعترضهم معترض صاروا ~~أعداء له، فتركوا وما يريدون، فازداد طمعهم، ولم يقفوا عند غاية، فتعذر على ~~معز الدولة جمع ذخيرة تكون للنوائب والحوادث، وأكثر من إعطاء غلمانه ~~الأتراك والزيادة لهم في الإقطاع، فحسدهم الديلم وتولد من ذلك الوحشة ~~والمنافرة، فكان من ذلك ما نذكره. ### || AUT ذكر موت الإخشيد # ### || AUT وملك سيف الدولة دمشق # في هذه السنة، في ذي الحجة، مات الإخشيد أبو بكر محمد بن طغج، صاحب ديار ~~مصر، وكان مولده سنة ثمان وستين ومائتين ببغداد، وكان موته بدمشق، وقيل مات ~~سنة خمس وثلاثين، وولي الأمر بعده ابنه ms2938 أبو القاسم أنوجور، فاستولى على ~~الأمر كافور الخادم الأسود، وهو من خدم الإخشيد، وغلب أبا الاسم واستضعفه ~~وتفرد بالولاية؛ وكافور هذا هو الذي مدحه المتنبي ثم هجاه. وكان أبو القاسم ~~صغيرا، وكان كافور أتابكه، فلهذا استضعفه، وحكم عليه، فسار كافور إلى مصر، ~~فقصد سيف الدولة دمشق، فملكها وأقام بها، فاتفق أنه كان يسير هو والشريف ~~العقيلي بنواحي دمشق، فقال سيف الدولة: ما تصلح هذه الغوطة إلا لرجل واحد؛ ~~فقال له العقيلي: هي لأقوام كثيرة؛ فقال سيف الدولة: لئن أخذتها القوانين ~~السلطانية لينبرون منها، فأعلم العقيلي أهل دمشق بذلك، فكاتبوا كافورا ~~يستدعونه، فجاءهم، فأخرجوا سيف الدولة عنهم سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وكان ~~أنوجور مع كافور، فتبعوا سيف الدولة إلى حلب، فخافهم سيف الدولة فعبر إلى ~~الجزيرة، وأقام أنوجور على حلب، ثم استقر الأمر بينهما، وعاد أنوجور إلى ~~مصر وعاد سيف الدولة إلى حلب، وأقام كافور بدمشق يسيرا، وولي عليها بدر ~~الإخشيدي، ويعرف ببدير، وعاد إلى مصر، فبقي بدير على دمشق سنة، ثم وليها ~~أبو المظفر بن طغج وقبض على بدير. ### || AUT ذكر مخالفة أبي علي على الأمير نوح # PageV04P0008 # وفي هذه السنة خالف أبو علي بن محتاج على الأمير نوح، صاحب خراسان وما ~~وراء النهر. وسبب ذلك أن أبا علي لما عاد من مرو إلى نيسابور وتجهز للمسير ~~إلى الري أنفذ إليه الأمير نوح عارضا يستعرض العسكر، فأساء العارض السيرة ~~معهم، وأسقط منهم ونقص، فنفرت قلوبهم، فساروا وهم على ذلك وانضاف إلى ذلك ~~أن نوحا أنفذ معهم من يتولى أعمال الديوان، وجعل إليه الحل والعقد والإطلاق ~~بعد أ، كان جميعه أيام السعيد نصر بن أحمد إلى أبي علي، فنفر قلبه لذلك، ثم ~~إنه عزل عن خراسان واستعمل عليها إبراهيم بن سيمجور كما ذكرناه. ثم إن ~~المتولي أساء إلى الجند في معاملاتهم وحوائجهم وأرزاقهم، فازدادوا نفورا، ~~فشكا بعضهم إلى بعض، وهم إذ ذاك بهمذان، واتفق رأيهم على مكاتبة إبراهيم بن ~~أحمد بن إسماعيل عم نوح، واستقدامه إليهم ومبايعته وتمليكه البلاد. وكان ~~إبراهيم حينئذ ms2939 بالموصل في خدمة ناصرا الدولة، وكان سبب مسيره إليها ما ~~ذكرناه قبل، فلما اتفقوا على ذلك أظهروا عليه أبا علي، فنهاهم عنه، فتوعدوه ~~بالقبض عليه إن خالفهم، فأجابهم إلى ما طلبوا، فكاتبوا إبراهيم وعرفوه ~~حالهم، فسار إليهم في تسعين فارسا، فقدم عليهم في رمضان من هذه السنة، ~~ولقيه أبو علي بهمذان وساروا معه إلى الري في شوال، فلما وصلوا إليها اطلع ~~أبو علي من أخيه الفضل على كتاب كتبه إلى الأمير نوح يطلعه على حالهم، فقبض ~~عليه وعلى ذلك المتولي الذي أساء إلى الجند، وسار إلى نيسابور واستخلف على ~~الري والجبل نوابه. وبلغ الخبر إلى الأمير نوح، فتجهز وسار إلى مرو من ~~بخارى، وكان الأجناد قد ملوا من محمد بن أحمد الحاكم المتولي للأمور، لسوء ~~سيرته، فقالوا لنوح: إن الحاكم أفسد عليك الأمور بخراسان، وأحوج أبا علي ~~إلى العصيان، وأوحش الجنود، وطلبوا تسليمه إليهم، وإلا ساروا إلى عمه ~~إبراهيم وأبي علي، فسلمه إليهم، فقتلوه في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين ~~ولما وصل أبو علي إلى نيسابور كان بها إبراهيم بن سيمجور، ومنصور ابن ~~قراتكين، وغيرهما من القواد، فاستمالهما أبو علي، فمالا إليه وصارا معه، ~~ودخلها في المحرم سنة خمسة وثلاثين ثم ظهر له من منصور ما يكره فقبض عليه. ~~ثم سار أبو علي وإبراهيم من نيسابور في ربيع الأول سنة خمس وثلاثين إلى ~~مرو، وبها الأمير نوح، فهرب الفضل أخو أبي علي من محبسه، احتال على ~~الموكلين به وهرب إلى قوهستان فأقام بها، وسار أبو علي إلى مرو، فلما ~~قاربها أتاه كثير من عسكر نوح، وسار نوح عنها إلى بخارى، واستولى أبو علي ~~على مرو في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وأقام بها أياما، وأتاه أكثر ~~أجناد نوح وسار نحو بخارى، وعبر النهر إليها، ففارقها نوح وسار إلى سمرقند، ~~ودخل أبو علي بخارى في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وخطب فيها ~~لإبراهيم العم، وبايع له الناس. ثم إن أبا علي اطلع من إبراهيم على سوء قد ~~أضمره له، ففارقه ms2940 وسار إلى تركستان، وبقي إبراهيم في بخارى، وفي خلال ذلك ~~أطلق أبو علي منصور بن قراتكين فسار إلى الأمير نوح. ثم إن إبراهيم وافق ~~جماعة في السر على أن يخلع نفسه من الأمر ويرده إلى ولد أخيه الأمير نوح، ~~ويكون هو صاحب جيشه، ويتفق معه على قصد أبي علي، ودعا أهل بخارى إلى ذلك، ~~فأجابوه واجتمعوا وخرجوا إلى أبي علي وقد تفرق عنه أصحابه، وركب إليهم في ~~خيل، فردهم إلى البلد أقبح رد، وأراد إحراق البلد، فشفع إليه مشايخ بخارى، ~~فعفا عنهم وعاد إلى مكانه، واستحضر أبا جعفر محمد بن نصر بن أحمد، وهو أخو ~~الأمير نوح، وعقد له الإمارة وبايع له، وخطب له في النواحي كلها. ثم ظهر ~~لأبي علي فساد نيات جماعة من الجند، فرتب أبا جعفر في البلد، ورتب ما يجب ~~ترتيبه، وخرج عن البلد يظهر المسير إلى سمرقند، ويضمر العود إلى الصغانيان، ~~ومنها إلى نسف، فلما خرج من البلد رد جماعة من الجند والحشم إلى بخارى، ~~وكاتب نوحا بإفراجه عنها. ثم سار إلى الصغانيان في شعبان، ولما فارق أبو ~~علي بخارى خرج إبراهيم وأبو جعفر محمد بن نصر إلى سمرقند مستأمنين إلى نوح، ~~مظهرين الندم على ما كان منهم، فقربهم وقبلهم ووعدهم وعاد إلى بخارى في ~~رمضان، وقتل نوح في تلك الأيام طغان الحاجب، وسمل عمه إبراهيم، وأخويه أبا ~~جعفر محمدا وأحمد، وعادت الجيوش فاجتمعت عليه والأجناد، وأصلح الفساد. ~~PageV04P0009 # وأما الفضل بن محمد أخو أبي علي فإنه لما هرب من أخيه كما ذكرناه ولحق ~~بقوهستان، جمع جمعا كثيرا وسار نحو نيسابور، وبها محمد بن عبد الرزاق من ~~قبل أبي علي، فخرج منها إلى الفضل، فالتقيا وتحاربا، فانهزم الفضل ومعه ~~فارس واحد، فلحق ببخارى فأكرمه الأمير نوح، وأحسن إليه وأقام في خدمته. ### || AUT ذكر استعمال منصور بن قراتكين على خراسان # لما عاد الأمير نوح إلى بخارى، وأصلح البلاد، وكان أبو علي بالصغانيان، ~~وبمرو أبو أحمد محمد بن علي القزويني، فرأى نوح أن يجعل منصور بن قراتكين ~~على ms2941 جيوش خراسان، فولاه ذلك، وسيره إلى مرو، وبها أبو أحمد، وقد غور ~~المناهل ما بين آمل ومرو، ووافق أبا علي ثم تخلى عنه. وسار إليه منصور ~~جريدة في ألفي فارس، فلم يشعر القزويني إلا بنزول منصور بكشماهن على خمسة ~~فراسخ من مرو، واستولى منصور على مرو، واستقبله أبو أحمد القزويني فأكرمه، ~~وسيره إلى بخارى مع ماله وأصحابه، فلما بلغها أكرمه الأمير نوح وأحسن إليه ~~إلا أنه وكل به، فظفر بعض الأيام برقعة قد كتبها القزويني بما أنكره، ~~فأحضره وبكته بذنوبه، ثم قتله. ### || AUT ذكر مصالحة أبي علي مع نوح # ثم إن أبا علي أقام بالصغانيان، فبلغه أن الأمير نوحا قد عزم على تسيير ~~عسكر إليه، فجمع أبو علي الجيوش وخرج إلى بلخ وأقام بها، وأتاه رسول الأمير ~~نوح في الصلح، فأجاب إليه، فأبى عليه جماعة ممن معه من قواد نوح الذين ~~انتقلوا إليه، وقالوا: نحب أن تردنا إلى منازلنا، ثم صالح فخرج أبو علي نحو ~~بخارى، فخرج إليه الأمير نوح في عساكره، وجعل الفضل بن محمد أخا أبي علي ~~صاحب جيشه، فالتقوا بجرجيك في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ~~وتحاربوا قبيل العصر، فاستأمن إسماعيل بن الحسن الداعي إلى نوح، وتفرق ~~العسكر عن أبي علي فانهزم ورجع إلى الصغانيان. ثم بلغه أن الأمير نوحا قد ~~أمر العساكر بالميسر إليه من بخارى وبلخ وغيرهما، وأن صاحب الختل قد تجهز ~~لمساعدة أصحاب أبي علي، فسار أبو علي في جيشه إلى ترمذ، وعبر جيحون، وسار ~~إلى بلخ، فنازلها، واستولى عليها وعلى طخارستان، وجبى مال تلك الناحية. ~~وسار من بخارى عسكر جرار إلى الصغانيان، فأقاموا بنسف ومعهم الفضل بن محمد ~~بن أخو أبي علي، فكتب جماعة من قواد العسكر إلى الأمير نوح بأن الفضل قد ~~اتهموه بالميل إلى أخيه، فأمرهم بالقبض عليه، فقبضوا عليه وسيروه إلى ~~بخارى. وبلغ خبر العسكر إلى أبي علي، وهو بطخارستان، فعاد إلى الصغانيان، ~~ووقعت بينهم حروب، وضيق عليهم أبو علي في العلوفة، فانتقلوا إلى قرية أخرى ~~على فرسخين من ms2942 الصغانيان، فقاتلهم أبو علي في ربيع الأول سنة سبع وثلاثين ~~قتالا شديدا، فقهروه، وسار إلى شومان، وهي على ستة عشر فرسخا من الصغانيان، ~~ودخل عسكر نوح إلى الصغانيان، فأخربوا قصور أبي علي ومساكنه، وتبعوا أبا ~~علي، فعاد إليهم واجتمع إليه الكتيبة، وضيق على عسكر نوح، وأخذ عليهم ~~المسالك، فانقطعت عنهم أخبار بخارى، وأخبارهم عن بخارى، نحو عشرين يوما، ~~فأرسلوا إلى أبي علي يطلبون الصلح، فأجابهم إليه، واتفقوا على إنفاذ ابنه ~~أبي المظفر عبدالله رهينة إلى الأمير نوح، واستقر الصلح بينهما في جمادى ~~الآخرة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة. وسير ابنه إلى بخارى، فأمر نوح ~~باستقباله، فأكرمه وأحسن إليه، وكان قد دخل إليه بعمامة، فخلع عليه ~~القلنسوة، وجعله من ندمائه، وزال الخلف. وكان ينبغي أن نذكر هذه الحوادث في ~~السنين التي هي فيها كانت، وإنما أوردناها متتابعة في هذه السنة لئلا يتفرق ~~ذكرها. هذا الذي ذكره أصحاب التواريخ من الخراسانيين، وقد ذكر العراقيون ~~هذه الحوادث على غير هذه السياقة، وأهل كل بلد أعلم بأحوالهم، ونحن نذكر ما ~~ذكره العراقيون مختصرا، قالوا: إن أبا علي لما سار نحو الري في عساكر ~~خراسان كتب ركن الدولة إلى أخيه عماد الدولة يستمده، فأرسل إليه يأمره ~~بمفارقة الري والوصول إليه لتدبير له في ذلك، ففعل ركن الدولة ذلك. ~~PageV04P0010 # ودخل أبو علي الري، فكتب عماد الدولة إلى نوح سرا يبذل له في الري في كل ~~سنة زيادة على ما بذله أبو علي مائة ألف دينار، ويعجل ضمان سنة، ويبذل من ~~نفسه مساعدته على أبي علي حتى يظفر به وخوفه منه، فاستشار نوح أصحابه، ~~وكانوا يحسدون أبا علي ويعادونه، فأشاروا عليه بإجابته؛ فأرسل نوح إلى ابن ~~بويه من يقرر القاعدة ويقبض المال، فأكرم الرسول ووصله بمال جزيل، وأرسل ~~إلى أبي علي يعلمه خبر هذه الرسالة، وأنه مقيم على عهده ووده، وحذره من غدر ~~الأمير نوح، فأنفذ أبو علي رسوله إلى إبراهيم، وهو بالموصل، يستدعيه ليملكه ~~البلاد، فسار إبراهيم، فلقيه أبو علي بهمذان، وساروا إلى خراسان. وكتب عماد ~~الدولة ms2943 إلى أخيه ركن الدولة يأمره بالمبادرة إلى الري، فعاد إليه، واضطربت ~~خراسان، ورد عماد الدولة رسول نوح بغير مال، وقال: أخاف أن أنفذ المال ~~فيأخذه أبو علي؛ وأرسل إلى نوح يحذره من أبي علي ويعده المساعدة عليه، ~~وأرسل إلى أبي علي يعده بإنفاذ العساكر نجدة له، ويشير عليه بسرعة اللقاء، ~~وإن نوحا سار فالتقى هو وأبو علي بنيسابور، فانهزم نوح وعاد إلى سمرقند، ~~واستولى أبو علي بخارى، وإن أبا علي استوحش من إبراهيم فانقبض عنه. وجمع ~~نوح العساكر وعاد إلى بخارى، وحارب عمه إبراهيم، فلما التقى الصفان عاد ~~جماعة من قواد إبراهيم إلى نوح، وانهزم الباقون، وأخذ إبراهيم أسيرا، فسمل ~~هو وجماعة من أهل بيته، سلمهم نوح. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اصطلح معز الدولة وأبو القاسم البريدي، وضمن أبو القاسم ~~مدينة واسط وأعمالها منه. وفيها اشتد الغلاء ببغداد حتى أكل الناس الميتة، ~~والكلاب، والسنانير، وأخذ بعضهم ومعه صبي قد شواه ليأكله، وأكل الناس خروب ~~الشوك فأكثروا منه، وكانوا يسلقون حبه ويأكلونه، فلحق الناس أمراض وأورام ~~في أحشائهم، وكثر فيهم الموت، حتى عجز الناس عن دفن الموتى، فكانت الكلاب ~~تأكل لحومهم، وانحدر كثير من أهل بغداد إلى البصرة، فمات أكثرهم في الطريق، ~~ومن وصل منهم مات بعد مديدة يسيرة، وبيعت الدور والعقار بالخبز، فلما دخلت ~~الغلات انحل السعر. وفيها توفي علي بن عيسى بن داود بن الجراح الوزير وله ~~تسعون سنة، وقد تقدم من أخباره ما يدل على دينه وكفايته. وفيها توفي أبو ~~القاسم عمر بن الحسين بن عبدالله الخرقي الفقيه الحنبلي ببغداد، وأبو بكر ~~الشبلي الصوفي، توفي في ذي الحجة، ومحمد بن عيسى أبو عبدالله، ويعرف بابن ~~أبي موسى الفقيه الحنفي، في ربيع الأول. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة # في هذه السنة، في المحرم، استقر معز الدولة ببغداد، وأعاد المطيع لله ~~إلى دار الخلافة، بعد أن استوثق منه، وقد تقدم ذلك مفصلا. وفيها اصطلح معز ~~الدولة وناصر الدولة، وكانت الرسل تتردد بينهما بغير علم من ms2944 الأتراك ~~التوزونية، وكان ناصر الدولة نازلا شرقي تكريت، فلما علم الأتراك بذلك ~~ثاروا بناصر الدولة، فهرب منهم وعبر دجلة إلى الجانب الغربي، فنزل على ملهم ~~والقرامطة، فأجاروه، وسيروه ومعه ابن شيرزاد إلى الموصل. ### || AUT ذكر حرب تكين وناصر الدولة # لما هرب ناصر الدولة من الأتراك، ولم يقدروا عليه، اتفقوا على تأمير ~~تكين الشيرازي، وقبضوا على ابن قرابة، وعلى كتاب ناصر الدولة ومن تخلف من ~~أصحابه، وقبض ناصر الدولة على ابن شيرزاد عند وصوله إلى جهينة، ولم يلبث ~~ناصر الدولة بالموصل بل سار إلى نصيبين، ودخل تكين والأتراك إلى الموصل، ~~وساروا في طلبه، فمضى إلى سنجار، فتبعه تكين إليها، فسار ناصر الدولة من ~~سنجار إلى الحديثة، فتبعه تكين. وكان ناصر الدولة قد كتب إلى معز الدولة ~~يستصرخه، فسير الجيوش إليه فسار ناصر الدولة من الحديثة إلى السن، فاجتمع ~~هناك بعسكر معز الدولة، وفيهم وزيره أبو جعفر الصيمري، وساروا بأسرهم إلى ~~الحديثة لقتال تكين، فالتقوا بها، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم تكين ~~والأتراك بعد أن كادوا يستظهرون، فلما انهزموا تبعهم العرب من أصحاب ناصر ~~الدولة، فأدركوهم وأكثروا القتل فيهم، وأسروا تكين الشيرازي وحملوه إلى ~~ناصر الدولة، فسلمه في الوقت فأعماه، وحمله إلى قلعة من قلاعه فسجنه بها. ~~PageV04P0011 # وسار ناصر الدولة والصيمري إلى الموصل، فنزلوا شرقيها، وركب ناصر الدولة ~~إلى خيمة الصيمري، فدخل إليه ثم خرج من عنده إلى الموصل، ولم يعد إليه، ~~فحكي عن ناصر الدولة أنه قال: ندمت حين دخلت خيمته، فبادرت وخرجت. وحكي عن ~~الصيمري أنه قال: لما خرج ناصر الدولة من عندي ندمت حيث لم أقبض عليه؛ ثم ~~تسلم الصيمري بن شيرزاد من ناصر الدولة ألف كر حنطة وشعيرا وغير ذلك. ### || AUT ذكر استيلاء ركن الدولة على الري # لما كان من عساكر خراسان ما ذكرناه من الاختلاف، وعاد أبو علي إلى ~~خراسان، رجع ركن الدولة إلى الري واستولى عليها وعلى سائر أعمال الجبل ~~وأزال عنها الخراسانية، وعظم ملك بني بويه، فأنهم صار بأيديهم أعمال الري، ~~والجبل، وفارس، والأهواز، والعراق، ويحمل ms2945 إليهم ضمان الموصل، وديار بكر، ~~وديار مضر من الجزيرة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اختلف معز الدولة بن بويه وأبو القاسم بن البريدي والي ~~البصرة، فأرسل معز الدولة جيشا إلى واسط، فسير إليهم ابن البريدي جيشا من ~~البصرة في الماء، وعلى الظهر، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم أصحاب البريدي، ~~وأسر من أعيانهم جماعة كثيرة. وفيها كان الفداء بالثغور بين المسلمين ~~والروم على يد نصر الثملي أمير الثغور لسيف الدولة بن حمدان، وكان عدة ~~الأسرى ألفين وأربعمائة أسير وثمانين أسيرا من ذكر وأنثى، وفضل للروم على ~~المسلمين مائتان وثلاثون أسيرا لكثرة من معهم من الأسرى، فوفاهم ذلك سيف ~~الدولة. وفيها، في شعبان، قبض سيف الدولة بن حمدان على أبي إسحاق محمد ~~القراريطي، وكان استكتبه استظهارا على أبي الفرج محمد بن علي السر من رائي، ~~واستكتب أبا عبدالله محمد بن سليمان بن فهد الموصلي. وفيها توفي محمد بن ~~إسماعيل بن بحر أبو عبدالله الفارسي، الفقيه الشافعي، في شوال، ومحمد بن ~~يحيى بن عبدالله بن العباس بن محمد بن صول أبو بكر الصولي، وكان عالما ~~بفنون الآداب والأخبار. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وثلاثين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر استيلاء معز الدولة على البصرة # في هذه السنة سار معز الدولة ومعه المطيع لله إلى البصرة لاستنقاذها من ~~يد أي القاسم عبدالله بن أبي عبدالله البريدي، وسلكوا البرية إليها، فأرسل ~~القرامطة من هجر إلى معز الدولة ينكرون عليه مسيره إلى البرية بغير أمرهم، ~~وهي لهم، فلم يجبهم عن كتابهم، وقال للرسول: قل لهم من أنتم حتى تستأمروا، ~~وليس قصدي من أخذ البصرة غيركم، وستعلمون ما تلقون مني. ولما وصل معز ~~الدولة إلى الدرهمية استأمن إليه عساكر أبي القاسم البريدي، وهرب أبو ~~القاسم في الرابع والعشرين من ربيع الآخر إلى هجر، والتجأ إلى القرامطة، ~~وملك معز الدولة البصرة، فانحلت الأسعار ببغداد انحلالا كثيرا. وسار معز ~~الدولة من البصرة إلى الأهواز ليلقى أخاه عماد الدولة، وأقام الخليفة وأبو ~~جعفر الصيمري بالبصرة، وخالف كوركير، وهو من أكابر القواد، على ms2946 معز الدولة، ~~فسير إليه الصيمري، فقاتله فانهزم كوركير وأخذ أسيرا، فحبسه معز الدولة ~~بقلعة رامهرمز، ولقي معز الدولة أخاه عماد الدولة بأرجان في شعبان، وقبل ~~الأرض بين يديه، وكان يقف قائما عنده، فيأمره بالجلوس، فلا يفعل، ثم عاد ~~إلى بغداد، وعاد المطيع أيضا إليها، وأظهر معز الدولة أنه يريد أن يسير إلى ~~الموصل، فترددت الرسل بينه وبين ناصر الدولة، واستقر الصلح وحمل المال إلى ~~معز الدولة فسكت عنه. ### || AUT ذكر مخالفة محمد بن عبد الرزاق بطوس # كان محمد بن عبد الرزاق بطوس وأعمالها، وهي في يده ويد نوابه، فخالف على ~~الأمير نوح بن نصر الساماني، وكان منصور بن قراتكين، صاحب جيش خراسان، بمرو ~~عند نوح، فوصل إليهما وشمكير منهزما من جرجان، وقد غلبه عليها الحسن بن ~~الفيرزان، فأمر نوح منصورا بالمسير إلى نيسابور، ومحاربة محمد بن عبد ~~الرزاق وأخذ ما بيده من الأعمال، ثم يسير مع وشمكير إلى جرجان، فسار منصور ~~ووشمكير إلى نيسابور، وكان بها محمد بن عبد الرزاق، ففارقها نحو أستوا، ~~فاتبعه منصور، فسار محمد إلى جرجان، وكاتب ركن الدولة بن بويه، واستأمن ~~إليه، فأمره بالوصول إلى الري. PageV04P0012 # وسار منصور من نيسابور إلى طوس، وحصروا رافع بن عبد الرزاق بقلعة شميلان، ~~فاستأمن بعض أصحاب رافع إليه، فهرب رافع من شميلان إلى حصن درك، فاستولى ~~منصور على شميلان، وأخذ ما فيها من مال وغيره، واحتمى رافع بدرك، وبها أهله ~~ووالدته، هي على ثلاثة فراسخ من شميلان، فأخرب منصور شميلان، وسار إلى درك ~~فحاصرها، وحاربهم عدة أيام، فتغيرت المياه بدرك، فاستأمن محمد بن عبد ~~الرزاق إلى منصور في جماعة من بني عمه وأهله، وعمد أخوه رافع إلى الصامت من ~~الأموال، والجواهر، وألقاها في البسط إلى تحت القلعة، ونزل هو وجماعة ~~فأخذوا تلك الأموال وتفرقوا في الجبال. واحتوا منصور على ما كان في قلعة ~~درك، وأنفذ عيال محمد بن عبد الرزاق ووالدته إلى بخارى فاعتقلوا بها، وأما ~~محمد بن عبد الرزاق فإنه سار من جرجان إلى الري، وبها ركن الدولة بن ms2947 بويه، ~~فأكرمه ركن الدولة، وأحسن إليه، وحمل إليه شيئا كثيرا من الأموال وغيرها، ~~وسرحه إلى محاربة المرزبان على ما نذكره. ### || AUT ذكر ولاية الحسن بن علي صقلية # في هذه السنة استعمل المنصور الحسن بن علي بن أبي الحسن الكلي على جزيرة ~~صقلية، وكان له محل كبير عند المنصور، وله أثر عظيم في قتال أبي يزيد. وكان ~~سبب ولايته أن المسلمين كانوا قد استضعفهم الكفار بها، أيام عطاف لعجزه ~~وضعفه، وامتنعوا من إعطاء مال الهدنة؛ وكان بصقلية بنو الطبري من أعيان ~~الجماعة، ولهم أتباع كثيرون، فوثبوا بعطاف أيضا، وأعيانهم أهل المدينة عليه ~~يوم عيد الفطر سنة خمس وثلاثين وقتلوا جماعة من رجاله، وأفلت عطاف هاربا ~~بنفسه إلى الحصن، فأخذوا أعلامه وطبوله وانصرفوا إلى ديارهم، فأرسل أبو ~~عطاف إلى المنصور يعلمه الحال ويطلب المدد. فلما علم المنصور ذلك استعمل ~~على الولاية الحسن بن علي، وأمره بالمسير، فسار في المراكب، فأرسى بمدينة ~~مازر، فلم يلتفت إليه أحد، فبقي يومه، فأتاه في الليل جماعة من أهل ~~أفريقية، وكتامة، وغيرهم، وذكروا أنهم خافوا الحضور عنده من ابن الطبري ومن ~~اتفق معه من أهل البلاد، وأن علي ابن الطبري، ومحمد بن عبدون، وغيرهما قد ~~ساروا إلى أفريقية، وأوصوا بنيهم ليمنعوه من دخول البلد، ومفارقة مراكبه ~~إلى أن تصل كتبهم بما يلقون من المنصور، وقد مضوا يطلبون أن يولي المنصور ~~غيره. ثم أتاه نفر من أصحاب ابن الطبري ومن معه ليشاهدوا من معه، فرأوه في ~~قلة، فطمعوا فيه، وخادعوه وخادعهم، ثم عادوا إلى المدينة، وقد وعدهم أنه ~~يقيم بمكانه إلى أن يعودوا إليه، فلما فارقوه جد السير إلى المدينة قبل أن ~~يجمعوا أصحابهم ويمنعوه، فلما انتهى إلى البيضاء أتاه حاكم البلد وأصحاب ~~الدواوين، وكل من يريد العافية، فلقيهم وأكرمهم، وسألهم عن أحوالهم، فلما ~~سمع إسماعيل بن الطبري بخروج هذا الجمع إليه اضطر إلى الخروج إليه، فلقيه ~~الحسن وأكرمه وعاد إلى داره، ودخل الحسن البلد، ومال إليه كل منحرف عن بني ~~الطبري ومن معهم. فلما رأى ابن الطبري ms2948 ذلك أمر رجلا صقليا، فدعا بعض عبيد ~~الحسن وكان موصوفا بالشجاعة، فلما دخل بيته خرج الرجل يستغيث ويصيح ويقول: ~~إن هذا دخل بيتي، وأخذ امرأتي بحضرتي غصبا، فاجتمع أهل البلد لذلك، وحركهم ~~ابن الطبري وخوفهم وقال: هذا فعلهم؛ ولم يتمكنوا من البلد، وأمر الناس ~~بالحضور عند الحسن ظنا منه أنه لا يعاقب مملوكه، فيثور الناس به، فيخرجونه ~~من البلد. فلما اجتمع الناس، وذلك الرجل يصيح ويستغيث، أحضره الحسن عنده، ~~وسأله عن حاله، فحلفه بالله تعالى على ما يقول، فحلف، فأمر بقتل الغلام، ~~فقتل، فسر أهل البلد وقالوا: الآن طابت نفوسنا، وعلمنا أن بلدنا يتعمر، ~~ويظهر فيه العدل؛ فانعكس الأمر على ابن الطبري، وأقام الحسن وهو خائف منهم. ~~PageV04P0013 # ثم إن المنصور أرسل إلى الحسن يعرفه أنه قبض على علي بن الطبري، وعلى ~~محمد بن عبدون، ومحمد بن جنا، ومن معهم، ويأمره بالقبض على إسماعيل بن ~~الطبري، ورجاء بن جنا ومحمد.. ومخلفي الجماعة المقبوضين، فاستعظم الأمر، ثم ~~أرسل إلى ابن الطبري يقول له: كنت قد وعدتني أن نتفرج في البستان الذي لك، ~~فتحضر لنمضي إليه؛ وأرسل إلى الجماعة على لسان ابن الطبري يقول: تحضرون ~~لنمضي مع الأمير إلى البستان، فحضروا عنده، وجعل يحادثهم ويطول إلى أن ~~أمسوا، فقال: قد فات الليل، وتكونون أضيافنا؛ فأرسل إلى أصحابهم يقول: إنهم ~~الليلة في ضيافة الأمير، فتعودون إلى بيوتهم إلى الغد؛ فمضى أصحابهم، فقبض ~~عليهم، وأخذ جميع أموالهم، وكثر جمعه، واتفق الناس عليه وقويت نفوسهم، فلما ~~رأى الروم ذلك أحضر الراهب مال الهدنة لثلاث سنين. ثم إن ملك الروم أرسل ~~بطريقا في البحر، في جيش كثير، إلى صقلية، واجتمع هو والسردغوس، فأرسل ~~الحسن بن علي إلى المنصور يعرفه الحال، فأرسل إليه أسطولا فيه سبعة آلاف ~~فارس، وثلاثة آلاف وخمسمائة راجل، سوى البحرية، وجمع الحسن إليهم جمعا ~~كثيرا، وسار في البر والبحر، فوصل إلى مسيني، وعدت العساكر الإسلامية، إلى ~~ريو، وبث الحسن السرايا في أرض قلورية، ونزل الحسن على جراجة وحاصرها أشد ~~حصار، وأشرفوا على الهلاك من ms2949 شدة العطش، فوصلهم الخبر أن الروم قد زحفوا ~~إليه، فصالح أهل جراجة على مال أخذه منهم، وسار إلى لقاء الروم، ففروا من ~~غير حرب إلى مدينة بارة، ونزل الحسن على قلعة قسانة، وبث سراياه إلى قلورية ~~وأقام عليها شهرا، فسألوه الصلح، فصالحهم على مال أخذه منهم. ودخل الشتاء، ~~فرجع الجيش إلى مسيني، وشتى الأسطول بها، فأرسل المنصور يأمره بالرجوع إلى ~~قلورية، فسار الحسن، وعدا المجاز إلى جراجة، فالتقى المسلمون والسردغوس ~~ومعه الروم يوم عرفه سنة أربعين وثلاثمائة، فاقتتلوا أشد قتال رآه الناس، ~~فانهزمت الروم، وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل، وأكثروا القتل فيهم، ~~وغنموا أثقالهم وسلاحهم ودوابهم. ثم دخلت سنة إحدى وأربعين فقصد الحسن ~~جراجة فحصرها، فأرسل إليه قسطنطين ملك الروم يطلب منه الهدنة، فهادنه، وعاد ~~الحسن إلى ريو وبنى بها مسجدا كبيرا في وسط المدينة، وبنى في أحد أركانه ~~مأذنة، وشرط على الروم أنهم لا يمنعون المسلمين فهو آمن سواء كان مرتدا أو ~~مقيما على دينه، وإن أخرجوا حجرا منه هدمت كنائسهم كلها بصقلية وإفريقية، ~~فوفى الروم بهذه الشروط كلها ذلة وصغارا، وبقي الحسن بصقلية إلى أن توفي ~~المنصور وملك المعز، فسار إليه وكان ما نذكره. ### || AUT ذكر عصيان جمان بالرحبة وما كان منه # كان جمان هذا من أصحاب توزون، وصار في جمة ناصر الدولة بن حمدان، فلما ~~كان ناصر الدولة ببغداد، في الجانب الشرقي، وهو يحارب معز الدولة ضم ناصر ~~الدولة جميع الديلم الذين معه إلى جمان لقلة ثقته بهم، وقلده الرحبة وأخرجه ~~إليها، فعظم أمره هناك، وقصده الرجال، فأظهر العصيان على ناصر الدولة، وعزم ~~على التغلب على الرقة وديار مضر، فسار إلى الرقة فحصرها سبعة عشر يوما، ~~فحاربه أهلها وهزموه، ووثب أهل الرحبة بأصحابه وعماله، فقتلوهم لشدة ظلمهم، ~~وسوء معاملتهم. فلما عاد من الرقة وضع السيف في أهلها فقتل منهم مقتلة ~~عظيمة، فأرسل إليه ناصر الدولة حاجبه ياروخ في جيش، فاقتتلوا على شاطئ ~~الفرات، فانهزم جمان، فوقع في الفرات فغرق، واستأمن أصحابه إلى ياروخ، ~~وأخرج جمان من الماء ms2950 فدفن مكانه. ### || AUT ذكر ملك ركن الدولة طبرستان وجرجان # وفيها، في ربيع الأول، اجتمع ركن الدولة بن بويه، والحسن بن الفيرزان، ~~وقصدا بلاد وشمكير، فالتقاهما وشمكير وانهزم منهما، وملك ركن الدولة ~~طبرستان، وسار منها إلى جرجان فملكها، واستأمن من قواد وشمكير مائة وثلاثة ~~عشر قائدا، فأقام الحسن بن الفيرزان بجرجان، ومضى وشمكير إلى خراسان ~~مستجيرا ومستنجدا لإعادة بلاده، فكان ما نذكره. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في صفر، ظهر كوكب له ذنب طوله نحو ذراعين في المشرق، وبقي ~~نحو عشرة أيام واضمحل. PageV04P0014 # وفيها مات سلامة الطولوني الذي كان حاجب الخلفاء، فأخذ ماله وعياله، وسار ~~إلى الشام أيام المستكفي، فمات هناك، ولما سار عن بغداد أخذ ماله في الطريق ~~ومات هو الآن، فذهبت نعمته ونفسه حيث ظن السلامة، ولقد أحسن القائل حيث ~~يقول: وإذا خشيت من الأمور مقدرا ... فهربت منه، فنحوه تتقدم وفيها توفي ~~محمد بن أحمد بن حماد أبو العباس الأثرم المقرئ. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر ملك معز الدولة الموصل # ### || AUT وعوده عنها # في هذه السنة سار معز الدولة من بغداد إلى الموصل قاصدا لناصر الدولة، ~~فلما سمع ناصر الدولة بذلك سار عن الموصل إلى نصيبين، ووصل معز الدولة فملك ~~الموصل في شهر رمضان، وظلم أهلها وعسفهم، وأخذ أموال الرعايا، فكثر الدعاء ~~عليه. وأراد معز الدولة أن يملك جميع بلاد ناصر الدولة، فأتاه الخبر من ~~أخيه ركن الدولة أن عساكر خراسان قد قصدت جرجان والري، ويستمده ويطلب منه ~~العساكر، فاضطر إلى مصالحة ناصر الدولة، فترددت الرسل بينهما في ذلك، ~~واستقر الصلح بينهما على أن يؤدي ناصر الدولة عن الموصل، وديار الجزيرة ~~كلها، والشام، كل سنة ثمانية آلاف ألف درهم، ويخطب في بلاده لعماد الدولة، ~~وركن الدولة، ومعز الدولة بني بويه، فلما استقر الصلح عاد معز الدولة إلى ~~بغداد فدخلها في ذي الحجة من السنة. ### || AUT ذكر مسير عسكر خراسان إلى جرجان # في هذه السنة سار منصور بن قراتكين في جيوش خراسان إلى جرجان، ms2951 صحبة ~~وشمكير، وبها الحسن بن الفيرزان، وكان منصور منحرفا عن وشمكير في السير، ~~فتساهل لذلك مع الحسن، وصالحه وأخذ ابنه رهينة. ثم بلغ منصورا أن الأمير ~~نوحا اتصل بابنة ختكين، مولى قراتكين، وهو صاحب بست والرخج، فساء ذلك ~~منصورا وأقلقه، وكان نوح قد زوج قبل ذلك بنتا لمنصور من بعض مواليه، اسمه ~~فتكين، فقال منصور: يتزوج الأمير بابنة مولاي، وتزوج ابنتي من مولاه ؟ ~~فحمله ذلك على مصالحة الحسن بن الفيرزان وأعاد عليه ابنه، وعاد عنه إلى ~~نيسابور، وأقام الحسن بزوزن، وبقي وشمكير بجرجان. ### || AUT ذكر مسير المرزبان إلى الري # في هذه السنة سار المرزبان محمد بن مسافر، صاحب أذربيجان، إلى الري. ~~وسبب ذلك أنه بلغه خروج عساكر خراسان إلى الري، وأن ذلك يشغل ركن الدولة ~~عنه، ثم إنه كان أرسل رسولا إلى معز الدولة، فحلق معز الدولة لحيته، وسبه ~~وسب صاحبه، وكان سفيها، فعظم ذلك على المرزبان، وأخذ في جميع العساكر، ~~واستأمن إليه بعض قواد ركن الدولة، وأطمعه في الري، وأخبره أن من وراءه من ~~القواد يريدونه، فطمع لذلك، فراسله ناصر الدولة يعد المساعدة، ويشير عليه ~~أن يبتدئ ببغداد، فخالفه، ثم أحضر أباه وأخاه وهسوذان، واستشارهما في ذلك، ~~فنهاه أبوه عن قصد الري، فلم يقبل، فلما ودعه بكى أبوه وقال: يا بني أين ~~أطلبك بعد يومي هذا ؟ قال: إما في دار الإمارة بالري، وإما بين القتلى. ~~فلما عرف ركن الدولة خبره كتب إلى أخويه عماد الدولة ومعز الدولة يستمدهما، ~~فسير عماد الدولة ألفي فارس، وسير إليه معز الدولة جيشا مع سبكتكين التركي، ~~وأنفذ عهدا من المطيع لله لركن الدولة بخراسان، فلما صاروا بالدينور خالف ~~الديلم على سبكتكين، وكبسوه ليلا، فركب فرس النوبة ونجا، واجتمع الأتراك ~~عليه، فعلم الديلم أنهم لا قوة لهم به، فعادوا إليه وتضرعوا، فقبل عذرهم. ~~وكان ركن الدولة قد شرع مع المرزبان في المخادعة، وإعمال الحيلة، فكتب إليه ~~يتواضع له ويعظمه، ويسأله أن ينصرف عنه على شرط أن يسلم إليه ركن الدولة ~~زنجان، وأبهر، وقزوين، وترددت الرسل ms2952 في ذلك إلى أن وصله المدد من عماد ~~الدولة ومعز الدولة، وأحضر معه محمد بن عبد الرزاق، وأنفذ له الحسن بن ~~الفيرزان عسكرا مع محمد بن ما كان، فلما كثر جمعه قبض على جماعة ممن كان ~~يتهمهم من قواده وسار إلى قزوين، فعلم المرزبان عجزه عنه، وأنف من الرجوع، ~~فالتقيا، فانهزم عسكر المرزبان، وأخذ أسيرا، وحمل إلى سميرم فحبس بها، وعاد ~~ركن الدولة، ونزل محمد بن عبد الرزاق بنواحي أذربيجان. PageV04P0015 # وأما أصحاب المرزبان فإنهم اجتمعوا على أبيه محمد بن مسافر، وولوه أمرهم، ~~فهرب منه ابنه وهسوذان إلى حصن له، فأساء محمد السيرة مع العسكر، فأرادوا ~~قتله، فهرب إلى ابنه وهسوذان، فقبض عليه، وضيق عليه حتى مات، ثم تحير ~~وهسوذان في أمره، فاستدعى ديسم الكردي لطاعة الأكراد له، وقواه، وسيره إلى ~~محمد بن عبد الرزاق، فالتقيا، فانهزم ديسم، وقوي ابن عبد الرزاق فأقام ~~بنواحي أذربيجان يجبي أموالها ثم رجع إلى الري سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، ~~وكاتب الأمير نوحا، وأهدى له هدية، وسأله الصفح، فقبل عذره، وكاتب وشمكير ~~بمهادنته، فهادنه، ثم عاد محمد إلى طوس سنة تسع وثلاثين لما خرج منصور إلى الري. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سار سيف الدولة بن حمدان إلى بلد الروم، فلقيه الروم، ~~واقتتلوا، فانهزم سيف الدولة، وأخذ الروم مرعش، وأوقعوا بأهل طرسوس. وفيها ~~قبض معز الدولة على أسفهدوست وهو خال معز الدولة، وكان من أكابر قواده، ~~وأقر الناس إليه. وكان سبب ذلك أنه كان يكثر الدالة عليه، ويعيبه في كثير ~~من أفعاله، ونقل عنه أنه كان يراسل المطيع لله في قتل معز الدولة، فقبض ~~عليه، وسيره إلى رامهرمز فسجنه بها. وفيها استأمن أبو القاسم البريدي إلى ~~معز الدولة، وقدم بغداد فلقي معز الدولة، فأحسن إليه وأقطعه. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر حال عمران بن شاهين # في هذه السنة استفحل أمر عمران بن شاهين، وقوي شأنه، وكان ابتداء حاله ~~أنه من أهل الجامدة، فجبى جبايات، فهر إلى البطيحة خوفا من السلطان، ms2953 وأقام ~~بين القصب والآجام، واقتصر على ما يصيده من السمك وطيور الماء قوتا، ثم صار ~~يقطع الطريق على من يسلك البطيحة، واجتمع إليه جماعة من الصيادين، وجماعة ~~من اللصوص، فقوي بهم، وحمى جانبه من السلطان، فلما خاف أن يقصد استأمن إلى ~~أبي القاسم البريدي، فقلده حماية الجامدة ونواحي البطائح، وما زال يجمعه ~~الرجال إلى أن كثر أصحابه، وقوي واستعد بالسلاح، واتخذ معاقل على التلول ~~التي بالبطيحة، وغلب على تلك النواحي. فلما اشتد أمره سير معز الدولة إلى ~~محاربته وزيره أبا جعفر الصيمري، فسار إليه في الجيوش، وحاربه مرة بعد مرة، ~~واستأسر أهله وعياله، وهرب عمران بن شاهين واستتر، وأشرف على الهلاك. فاتفق ~~أن عماد الدولة بن بويه مات، واضطرب جيشه بفارس، فكتب معز الدولة إلى ~~الصيمري بالمبادرة إلى شيراز لإصلاح الأمور بها، فترك عمران وسار إلى ~~شيراز، على ما نذكره في موت عماد الدولة، فلما سار الصيمري عن البطائح ظهر ~~عمران بن شاهين من استتاره، وعاد إلى أمره، وجمع من تفرق عنه من أصحابه، ~~وقوي أمره، وسنذكر من أخباره فيما بعد ما تدعو الحاجة إليه. ### || AUT ذكر موت عماد الدولة بن بويه # في هذه السنة مات عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه بمدينة شيراز في ~~جمادى الآخرة، وكانت علته التي مات بها قرحة في كليته طالت به، وتوالت عليه ~~الأسقام والأمراض، فلما أحس بالموت أنفذ إلى أخيه ركن الدولة يطلب منه أن ~~ينفذ إليه ابنه عضد الدولة فناخسرو ليجعله ولي عهده، ووارث مملكته بفارس، ~~لأن عماد الدولة لم يكن له ولد ذكر، فأنفذ ركن الدولة ولده عضد الدولة، ~~فوصل في حياة عمه قبل موته بسنة، وسار في جملة ثقات أصحاب ركن الدولة، فخرج ~~عماد الدولة إلى لقائه في جميع عسكره، وأجلسه في داره على السرير، ووقف هو ~~بين يديه، وأمر الناس بالسلام على عضد الدولة والانقياد له، وكان يوما ~~عظيما مشهودا. وكان في قواد عماد الدولة جماعة من الأكابر يخافهم، ويعرفهم ~~بطلب الرئاسة، وكانوا يرون أنفسهم أكبر منه نفسا ms2954 وبيتا، وأحق بالتقدم، وكان ~~يداريهم، فلما جعل ولد أخيه في الملك خافهم عليه، فأفناهم بالقبض، وكان ~~منهم قائد كبير يقال له شيرنحين، فقبض عليه، فشفع فيه أصحابه وقواده، فقال ~~لهم: أني أحدثكم عنه بحديث فإنه رأيتم أن أطلقه فعلت؛ فحدثهم أنه كان في ~~خراسان في خدمة نصر بن أحمد، ونحن شرذمة قليلة من الديلم، ومعنا هذا، فجلس ~~يوما نصر وفي خدمته من مماليكه ومماليك أبيه بضعة عشر ألفا سوى سائر ~~العسكر، فرأيت شيرنحين هذا قد جرد سكينا معه ولفه في كسائه، فقلت: ما هذا ؟ ~~فقال: أريد أن أقتل هذا الصبي، يعني نصرا، ولا أبالي بالقتل بعده، فإني قد ~~أنفت نفسي من القيام في خدمته. PageV04P0016 # وكان عمر نصر بن أحمد يومئذ عشرين سنة، وقد خرجت لحيته، فعلمت أنه إذا ~~فعل ذلك لم يقتل وحده بل نقتل كلنا، فأخذت بيده وقلت له: بيني وبينك حديث؛ ~~فمضيت به إلى ناحية، وجمعت الديلم، وحدثتم حديثه، فأخذوا منه السكين، ~~فتريدون مني بعد أن سمعتم حديثه في معنى نصر أن أمكنه من الوقوف بين يدي ~~هذا الصبي، يعني ابن أخي ؟ فأمسكوا عنه، وبقي محبوسا حتى مات في محبسه. ~~ومات عماد الدولة وبقي عضد الدولة بفارس، فاختلف أصحابه، فكتب معز الدولة ~~إلى وزيره الصيمري بالمسير إلى شيراز، وترك محاربة عمران بن شاهين، فسار ~~إلى فارس، ووصل ركن الدولة أيضا، واتفقا على تقرير قاعدة عضد الدولة، وكان ~~ركن الدولة قد استخلف على الري علي بن كامة، وهو من أعيان أصحابه، ولما وصل ~~ركن الدولة إلى شيراز ابتدأ بزيارة قبر أخيه بإصطخر، فمشى حافيا حاسرا ومعه ~~العساكر على حاله، ولزم القبر ثلاثة أيام إلى أن سأله القواد الأكابر ليرجع ~~إلى المدينة، فرجع إليها، وأقام تسعة أشهر، وأنفذ إلى أخيه معز الدولة شيئا ~~كثيرا من المال والسلاح وغير ذلك. وكان عماد الدولة في حياته هو أمير ~~الأمراء، فلما مات صار أخوه ركن الدولة أمير الأمراء؛ وكان معز الدولة هو ~~المستولي على العراق والخلافة، وهو كالنائب عنهما؛ وكان عماد الدولة كريما ms2955 ~~حليما عاقلا حسن السياسة للملك والرعية، وقد تقدم من أخباره ما يدل على ~~عقله وسياسته. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، قلد أبو السائب عتبة بن عبدالله قضاء ~~القضاة ببغداد. وفيها، في ربيع الآخر، مات المستكفي بالله في دار السلطان، ~~وكانت علته نفث الدم. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر موت الصيمري ووزارة المهلبي # في هذه السنة توفي أبو جعفر محمد بن أحمد الصيمري، وزير معز الدولة ~~بأعمال الجامدة، وكان قد عاد من فارس إليها، وأقام يحاصر عمران ابن شاهين، ~~فأخذته حمى حادة مات منها. واستوزر معز الدولة أبا محمد الحسن بن محمد ~~المهلبي في جمادى الأولى وكان يخلف الصيمري بحضرة معز الدولة، فعرف أحوال ~~الدولة والدواوين، فامتحنه معز الدولة، فرأى فيه ما يريده من الأمانة، ~~والكفاية، والمعرفة بمصالح الدولة، وحسن السيرة، فاستوزره، ومكنه من وزارته ~~فأحسن السيرة، وأزال كثيرا من المظالم، خصوصا بالبصرة، فإن البريديين كانوا ~~قد أظهروا فيها كثيرا من المظالم، فأزالها، وقرب أهل العلم والأدب، وأحسن ~~إليهم، وتنقل في البلاد لكشف ما فيها من المظالم، وتخليص الأموال، فحسن ~~أثره، رحمه الله تعالى. ### || AUT ذكر غزو سيف الدولة بلاد الروم # في هذه السنة دخل سيف الدولة بن حمدان إلى بلاد الروم، فغزا، وأوغل ~~فيها، وفتح حصونا كثيرا، وسبى وغنم، فلما أراد الخروج من بلد الروم أخذوا ~~عليه المضايق فهلك من كان معه من المسلمين أسرا وقتلا، واسترد الروم ~~الغنائم والسبي، وغنموا أثقال المسلمين وأموالهم، ونجا سيف الدولة في عدد يسير. ### || AUT ذكر إعادة القرامطة الحجر الأسود # في هذه السنة أعاد القرامطة الحجر الأسود إلى مكة، وقالوا: أخذناه بأمر، ~~وأعدناه بأمر. وكان بجكم قد بذل لهم في رده خمسين ألف دينار، فلم يجيبوه، ~~وردوه الآن بغير شيء في ذي القعدة، فلما أرادوا رده حملوه إلى الكوفة، ~~وعلقه بجامعها حتى رآه الناس، ثم حملوه إلى مكة، وكانوا أخذوه من ركن البيت ~~الحرام سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وكان مكثه عندهم اثنتين وعشرين سنة. ### || AUT ms2956 ذكر مسير الخراسانيين إلى الري # في هذه السنة سار منصور بن قراتكين من نيسابور إلى الري في صفر، أمره ~~الأمير نوح بذلك، وكان ركن الدولة ببلاد فارس على ما ذكرناه، فوصل منصور ~~إلى الري وبها علي بن كامة، خليفة ركن الدولة، فسار علي عنها إلى أصبهان، ~~ودخل منصور الري واستولى عليها، وفرق العساكر في البلاد، فملكوا بلاد الجبل ~~إلى قرميسين، وأزالوا عنها نواب ركن الدولة، واستولوا على همذان وغيرها. ~~PageV04P0017 # فبلغ الخبر إلى ركن الدولة، وهو بفارس، فكتب إلى أخيه معز الدولة يأمره ~~بإنفاذ عسكر يدفع تلك العساكر عن النواحي المجاورة للعراق، فسير سبكتكين ~~الحاجب في عسكر ضخم من الأتراك، والديلم، والعرب، فلما سار سبكتكين عن ~~بغداد خلف أثقاله، وأسرى جريدة إلى من بقرميسين من الخراسانيين، فكبسهم وهم ~~غارون، فقتل فيهم، وأسر مقدمهم من الحمام واسمه بجكم الخمارتكيني، فأنفذه ~~مع الأسرى إلى معز الدولة، فحبسه مدة ثم أطلقه. فلما بلغ الخراسانية ذلك ~~اجتمعوا إلى همذان، فسار سبكتكين نحوهم، ففارقوا همذان ولم يحاربوه، ودخل ~~سبكتكين همذان، وأقام بها إلى أن ورد عليه ركن الدولة في شوال. وسار منصور ~~من الري في العساكر نحو همذان، وبها ركن الدولة، فلما بقي بينهما مقدار ~~عشرين فرسخا عدل منصور إلى أصبهان، ولو قصد همذان لانحاز ركن الدولة عنه، ~~وكان ملك البلاد بسبب اختلاف كان في عسكر ركن الدولة، ولكنه عدل عنه لأمر ~~يريده الله تعالى، وتقدم ركن الدولة إلى سبكتكين بالمسير في مقدمته، فلما ~~أراد المسير شغب عليه بعض الأتراك مرة بعد أخرى، فقال ركن الدولة: هؤلاء ~~أعداؤنا، ومعنا، والرأي أن نبدأ بهم؛ فواقعهم واقتتلوا، فانهزم الأتراك. ~~وبلغ الخبر إلى معز الدولة، فكتب إلى ابن أبي الشوك الكردي وغيره يأمرهم ~~بطلبهم والإيقاع بهم، فطلبوهم، وأسروا منهم وقتلوا، ومضى من سلم منهم إلى ~~الموصل، وسار ركن الدولة نحو أصبهان، ووصل ابن قراتكين إلى أصبهان، فانتقل ~~من كان بها من أصحاب ركن الدولة، وأهله وأسبابه، وركبوا الصعب والذلول، حتى ~~البقر والحمير، وبلغ كراء الثور والحمار إلى خان لنجان ms2957 مائة درهم، وهي على ~~تسعة فراسخ من أصبهان، فلم يمكنهم مجاورة ذلك الموضع، ولو سار إليهم منصور ~~لغنمهم، وأخذ ما معهم، وملك ما وراءهم، إلا أنه دخل أصبهان وأقام بها. ووصل ~~ركن الدولة، فنزل بخان لنجان، وجرت بينهما حروب عدة أيام، وضاقت الميرة على ~~الطائفتين، وبلغ بهم الأمر إلى أن ذبحوا دوابهم، ولو أمكن ركن الدولة ~~الانهزام لفعل، ولكنه تعذر عليه ذلك، واستشار وزيره أبا الفضل بن العميد في ~~بعض الليالي في الهرب، فقال له: لا ملجأ لك إلا الله تعالى، فانو للمسلمين ~~خيرا، وصمم العزم على حسن السيرة، والإحسان إليهم، فإن الحيل البشرية كلها ~~تقطعت بنا، وأن انهزمنا تبعونا وأهلكونا وهم أكثر منا، فلا يفلت منا أحد؛ ~~فقال له: قد سبقتك إلى هذا. فلما كان الثلث الأخير من الليل أتاهم الخبر أن ~~منصورا وعسكره قد عادوا إلى الري وتركوا خيامهم، وكان سبب ذلك أن الميرة ~~والعلوفة ضاقت عليهم أيضا، إلا أن الديلم كانوا يصبرون، ويقنعون بالقليل من ~~الطعام، وإذا ذبحوا دابة أو جملا اقتسمه الخلق الكثير منهم، وكان ~~الخراسانية بالضد منهم لا يصبرون، ولا يكفيهم القليل، فشغبوا على منصور، ~~واختلفوا، وعادوا إلى الري، فكان عودهم في المحرم سنة أربعين، فأتى الخبر ~~ركن الدولة فلم يصدقه حتى تواتر عنده، فركب هو وعسكره، واحتوى على ما خلفه ~~الخراسانية. حكى أبو الفضل بن العميد قال: استدعاني ركن الدولة تلك الليلة، ~~الثلث الأخير، وقال لي: قد رأيت الساعة في منامي كأني على دابتي فيروز، وقد ~~انهزم عدونا، وأنت تسير إلى جانبي، وقد جاءنا الفرج من حيث لا نحتسب، فمددت ~~عيني، فرأيت على الأرض خاتما، فأخذته، فإذا فصه من فيروزج، فجعلته في ~~إصبعي، وتبركت به، وانتبهت وقد أيقنت بالظفر، فإن الفيروزج معناه الظفر، ~~ولذلك لقب الدابة فيروز. قال ابن العميد: فأتانا الخبر والبشارة بأن العدو ~~قد رحل، فما صدقنا حتى تواترت الأخبار، فركبنا، ولا نعرف سبب هربهم، وسرنا ~~حذرين من كمين، وسرت إلى جانب ركن الدولة وهو على فرسه فيروز، فصاح ركن ~~الدولة بغلام ms2958 بين يديه: ناولني ذلك الخاتم؛ فأخذ خاتما من الأرض فناوله ~~إياه، فإذا هو فيروزج، فجعله في أصبعه وقال: هذا تأويل رؤياي، وهذا الخاتم ~~الذي رأيت منذ ساعة. وهذا من أحسن ما يحكى وأعجبه. ### || AUT ذكر أخبار عمران بن شاهين وانهزام عساكر معز الدولة # PageV04P0018 # وقد ذكرنا حال عمران بن شاهين، بعد مسير الصيمري عنه، وأنه زاد قوة ~~وجرأة، فأنفذ معز الدولة إلى قتاله روزبهان، وهو من أعيان عسكره، فنازله ~~وقاتله، فطاوله عمران، وتحصن منه في مضايق البطيحة، فضجر روزبهان، وأقدم ~~عليه طالبا للمناجزة، فاستظهر عليه عمران، وهزمه وأصحابه، وقتل منهم، وغنم ~~جميع ما معهم من السلاح، وآلات الحرب، فقوي بها، وتضاعفت قوته، فطمع أصحابه ~~في السلطان، فصاروا إذا اجتاز بهم أحد من أصحاب السلطان يطلبون منه البذرقة ~~والخفارة، فإن أعطاهم، وإلا ضربوه واستخفوا به وشتموه. وكان الجند لا بد ~~لهم من العبور عليهم إلى ضياعهم ومعايشهم بالبصرة وغيرها، ثم انقطع الطريق ~~إلى البصرة إلا على الظهر، فشكا الناس ذلك إلى معز الدولة، فكتب إلى ~~المهلبي بالمسير إلى واسط لهذا السبب، وكان بالبصرة، فأصعد إليها، وأمده ~~معز الدولة بالقواد والأجناد والسلاح، وأطلق يده في الإنفاق، فزحف إلى ~~البطيحة وضيق على عمران، وسد المذاهب عليه، فانتهى إلى المضايق لا يعرفها ~~إلا عمران وأصحابه، وأحب روزبهان أن يصيب المهلبي ما أصابه من الهزيمة، ولا ~~يستبد بالظفر والفتح، وأشار على المهلبي بالهجوم على عمران، فلم يقبل منه، ~~فكتب إلى معز الدولة يعجز المهلبي ويقول: إنه يطاول لينفق الأموال ويفعل ما ~~يريد؛ فكتب معز الدولة بالعتب والاستبطاء، فترك المهلبي الحزم، وما كان ~~يريد أن يفعله، ودخل بجميع عسكره، وهجم على مكان عمران، وكان قد جعل ~~الكمناء في تلك المضايق، وتأخر روزبهان ليسلم عند الهزيمة. فلما تقدم ~~المهلبي خرج عليه وعلى أصحابه الكمناء، ووضعوا فيهم السلاح، فقتلوا، ~~وغرقوا، وأسروا، وانصرف روزبهان سالما هو وأصحابه، وألقى المهلبي نفسه في ~~الماء فنجا سباحة، وأسر عمران القواد والأكابر، فاضطر معز الدولة إلى ~~مصالحته، وإطلاق من عنده من أهل عمران وإخوته، ms2959 فأطلق عمران من في أسره من ~~أصحاب معز الدولة، وقلده معز الدولة البطائح، فقوي واستفحل أمره. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، ليلة يوم السبت رابع عشر ذي الحجة، طلع القمر منكسفا، ~~وانكسف جميعه. وفيها، في المحرم، توفي أبو بكر محمد بن أحمد بن قرابة ~~بالموصل، وحمل تابوته إلى بغداد. وفيها توفي أبو نصر محمد بن محمد ~~الفارابي، الحكيم الفيلسوف، صاحب التصانيف فيها، وكان موته بدمشق، وكان ~~تلميذ يوحنا بن حيلان، وكانت وفاة يوحنا أيام المقتدر بالله. وفيها مات أبو ~~القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي النحوي، وقيل سنة أربعين. ### | AUT ثم دخلت سنة أربعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر وفاة منصور بن قراتكين # ### || AUT وأبي المظفر بن محتاج # في هذه السنة مات منصور بن قراتكين، صاحب الجيوش الخراسانية، في شهر ~~ربيع الأول، بعد عوده من أصبهان إلى الري، فذكر العراقيون أنه أدمن الشرب ~~عدة أيام بلياليها، فمات فجأة، وقال الخراسانيون إنه مرض ومات، والله أعلم. ~~ولما مات رجعت العساكر الخراسانية إلى نيسابور، وحمل تابوت منصور، ودفن إلى ~~جانب والده باسبيجاب. ومن عجيب ما يحكى أن منصورا لما سار من نيسابور إلى ~~الري سير غلاما له إلى اسبيجاب ليقيم في رباط والده قراتكين الذي فيه قبره، ~~فلما ودعه قال. كأنك بي قد حملت في تابوت إلى تلك البرية؛ فكان كما قال بعد ~~قليل، مات وحمل تابوته إلى ذلك الرباط، ودفن عند قبر والده. وفيها توفي أبو ~~المظفر بن أبي علي بن محتاج ببخارى، كان قد ركب دابة أنفذها إليه أبوه، ~~فألقته وسقطت عليه فهشمته، ومات من يومه، وذلك في ربيع الأول، وعظم موته ~~على الناس كافة، وشق موته على الأمير نوح، وحمل إلى الصغانيان إلى والده ~~أبي علي وكان مقيما بها. ### || AUT ذكر عود أبي علي إلى خراسان # وفي هذه السنة أعيد أبو علي بن محتاج إلى قيادة الجيوش بخراسان، وأمر ~~بالعود إلى نيسابور. PageV04P0019 # وكان سبب ذلك أن منصور بن قراتكين كان قد تأذى بالجند، واستصعب إيالتهم، ~~وكانوا قد استبدوا بالأمور ms2960 دونه، وعاثوا في نواحي نيسابور، فتواترت كتبه ~~إلى الأمير نوح بالاستعفاء من ولايتهم، ويطلب أن يقتصر به على هراة، ويولى ~~ما بيده من أراد نوح، فكان نوح يرسل إلى أبي علي يعده بإعادته إلى مرتبته، ~~فلما توفي منصور أرسل الأمير نوح إلى أبي علي الخلع واللواء وأمره بالمسير ~~إلى نيسابور، وأقطعه الري وأمره بالمسير إليها، فسار عن الصغانيان في شهر ~~رمضان، واستخلف مكانه ابنه أبا منصور، ووصل إلى مرو وأقام بها إلى أن أصلح ~~أمر خوارزم، وكانت شاغرة، وسار إلى نيسابور، فوردها في ذي الحجة فأقام بها. ### || AUT ذكر الحرب بصقلية بين المسلمين والروم # كان المنصور العلوي، صاحب إفريقية، قد استعمل على صقلية، سنة ست وثلاثين ~~وثلاثمائة، الحسن بن علي بن أبي الحسين الكلبي، فدخلها واستقر بها كما ~~ذكرناه، وغزا الروم الذين بها عدة غزوات، فاستمدوا ملك قسطنطينية فسير ~~إليهم جيشا كثيرا، فنزلوا أذرنت، فأرسل الحسن بن علي إلى المنصور يعرفه ~~الحال، فسير إليه جيشا كثيفا مع خادمه فرح، فجمع الحسن جنده مع الواصلين ~~وسار إلى ريو، وبث السرايا في أرض قلورية، وحاصر الحسن جراجة أشد حصار، ~~فأشرف أهلها على الهلاك من شدة العطش، ولم يبق إلا أخذها، فأتاه الخبر أن ~~عسكر الروم واصل إليه، فهادن أهل جراجة على مال يؤدونه، وسار إلى الروم، ~~فلما سمعوا بقربه منهم انهزموا بغير قتال، وتركوا أذرنت. ونزل الحسن على ~~قلعة قسانة، وبث سراياه تنهب، فصالحه أهل قسانة على مال، ولم يزل كذلك إلى ~~شهر ذي الحجة، وكان المصاف بين المسلمين وعسكر قسطنطينية ومن معه من الروم ~~الذين بصقلية، ليلة الأضحى، واقتتلوا، واشتد القتال، فانهزم الروم، وركبهم ~~المسلمون يقتلون ويأسرون إلى الليل، وغنموا جميع أثقالهم، وسلاحهم، ~~ودوابهم، وسير الرؤوس إلى مدائن صقلية، وإفريقية، وحصر الحسن جراجة، ~~فصالحوه على مال يحملونه، ورجع عنهم، وسير سرية إلى مدينة بطرقوقة، ~~ففتحوها، وغنموا ما فيها، ولم يزل الحسن بجزيرة صقلية إلى سنة إحدى ~~وأربعين، فمات المنصور، فسار عنها إلى إفريقية، واتصل بالمعز بن المنصور، ~~واستخلف على صقلية ابنه ms2961 أبا الحسين أحمد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة رفع إلى المهلبي أن رجلا يعرف بالبصري مات ببغداد، وهم ~~مقدم القراقرية، يدعي أن روح أبي جعفر محمد بن علي بن أبي القراقر قد حلت ~~فيه، وأنه خلف مالا كثيرا كان يجيبه من هذه الطائفة، وأن له أصحابا يعتقدون ~~ربوبيته، وأن أرواح الأنبياء والصديقين حلت فيهم، فأمر بالختم على التركة، ~~والقبض على أصحابه، والذي قام بأمرهم بعده، فلم يجد إلا مالا يسيرا، ورأى ~~دفاتر فيها أشياء من مذاهبهم. وكان فيهم غلام شاب يدعي أن روح علي بن أبي ~~طالب حلت فيه، وامرأة يقال لها فاطمة تدعي أن روح فاطمة حلت فيها، وخادم ~~لبني بسطام يدعي أنه ميكائيل، فأمر بهم المهلبي فضربوا ونالهم مكروه، ثم ~~إنهم توصلوا بمن ألقى إلى معز الدولة أنهم من شيعة علي بن أبي طالب، فأمر ~~بإطلاقهم، وخاف المهلبي أن يقيم على تشدده في أمرهم فينسب إلى ترك التشيع، ~~فسكت عنهم. وفي هذه السنة توفي عبدالله بن الحسين بن لال أبو الحسن الكرخي ~~الفقيه الحنفي المشهور، في شعبان، ومولده سنة ستين ومائتين، وكان عابدا ~~معتزليا. وفيها توفي أبو جعفر الفقيه ببخارى. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر حصار البصرة # في هذه السنة سار يوسف بن وجيه، صاحب عمان، في البحر والبر إلى البصرة ~~فحصرها. وكان سبب ذلك أن معز الدولة لما سلك البرية إلى البصرة، وأرسل ~~القرامطة ينكرون عليه ذلك، وأجابهم بما ذكرناه، علم يوسف بن وجيه استيحاشهم ~~من معز الدولة، فكتب إليهم يطمعهم في البصرة، وطلب منهم أن يمدوه من ناحية ~~البر، فأمدوه بجمع كثير منهم، وسار يوسف في البحر، فبلغ الخبر إلى الوزير ~~المهلبي وقد فرغ من الأهواز والنظر فيها، فسار مجدا في العساكر إلى البصرة، ~~فدخلها قبل وصول يوسف إليها، وشحنها بالرجال، وأمده معز الدولة بالعساكر ~~وما يحتاج إليه، وتحارب هو وابن وجيه أياما، ثم انهزم ابن وجيه، وظفر ~~المهلبي بمراكبه وما معه من سلاح وغيره. ### || AUT ذكر وفاة المنصور العلوي ms2962 # PageV04P0020 ### || AUT وملك ولده المعز # في هذه السنة توفي المنصور بالله أبو الطاهر إسماعيل بن القائم أبي ~~القاسم محمد بن عبيدالله المهدي، سلخ شوال، وكانت خلافته سبع سنين وستة عشر ~~يوما وكان عمره تسعا وثلاثين سنة، وكان خطيبا بليغا، يخترع الخطبة لوقته، ~~وأحواله مع أبي يزيد الخارجي وغيره تدل على شجاعة وعقل. وكان سبب وفاته أنه ~~خرج إلى سفاقس وتونس ثم إلى قابس، وأرسل إلى أهل جزيرة جربة يدعوهم إلى ~~طاعته، فأجابوه إلى ذلك، وأخذ منهم رجالا معه وعاد، وكانت سفرته شهرا، وعهد ~~إلى ابنه معد بولاية العهد، فلما كان رمضان خرج متنزها أيضا إلى مدينة ~~جلولاء، وهو موضع كثير الثمار، وفيه من الأترج ما لا يرى مثله في عظمه، ~~يكون شيء يحمل الجمل منه أربع أترجات، فحمل منه إلى قصره. وكان للمنصور ~~جارية حظية عنده، فلما رأته استحسنته، وسألت المنصور أن تراه في أغصانه، ~~فأجابها إلى ذلك ورحل إليها في خاصته، وأقام بها أياما، ثم عاد إلى ~~المنصورية، فأصابه في الطريق ريح شديدة وبرد ومطر، ودام عليه فصبر وتجلد، ~~وكثر الثلج، فمات جماعة من الذين معه، واعتل المنصور علة شديدة، لأنه لما ~~وصل إلى المنصورية أراد دخول الحمام، فنهاه طبيبه إسحاق بن سليمان ~~الإسرائيلي عن ذلك، فلم يقبل منه، ودخل الحمام، ففنيت الحرارة الغريزية ~~منه، ولازمه السهر، فأقبل إسحاق يعالج المرض، والسهر باق بحاله، فاشتد ذلك ~~على المنصور، فقال لبعض الخدم: أما في القيروان طبيب غير إسحاق يخلصني من ~~هذا الأمر ؟ قال: ها هنا شاب قد نشأ الآن اسمه إبراهيم؛ فأمر بإحضاره، وشكا ~~إليه ما يجده من السهر، فجمع له أشياء منومة، وجعلت في قنينة على النار، ~~وكلفه شمها، فلما أدمن شمها نام. وخرج إبراهيم وهو مسرور بما فعل، وبقي ~~المنصور نائما، فجاء إسحاق فطلب الدخول عليه، فقيل: هو نائم؛ فقال: إن كان ~~صنع له شيء ينام منه فقد مات؛ فدخلوا عليه فوجدوه ميتا، فدفن في قصره، ~~وأرادوا قتل إبراهيم، فقال إسحاق: ما له ذنب، إنما داواه بما ذكره الأطباء، ms2963 ~~غير أنه جهل أصل المرض، وما عرفتموه، وذلك أنني كنت في معالجته أنظر في ~~تقوية الحرارة الغريزية، وبها يكون النوم، فلما عولج بالأشياء المطفئة لها ~~علمت أنه قد مات. ولما مات ولي الأمر بعده ابنه معد، وهو المعز لدين الله، ~~وأقام في تدبير الأمور إلى سابع ذي الحجة، فأذن للناس فدخلوا عليه، وجلس ~~لهم، فسلموا عليه بالخلافة، وكان عمره أربعا وعشرين سنة. فلما دخلت سنة ست ~~وأربعين صعد جبل أوراس، وجال فيه عسكره، وهو ملجأ كل منافق على الملوك، ~~وكان فيه بنو كملان، ومليلة، وقبيلتان من هوارة، لم يدخلوا في طاعة من ~~تقدمه، فأطاعوا المعز، ودخلوا معه البلاد، وأمر نوابه بالإحسان إلى البربر، ~~فلم يبق منهم أحد إلا أتاه، وأحسن إليهم المعز، وعظم أمره، ومن جملة من ~~استأمن إليه محمد بن خزر الزناتي، أخو معبد، فأمنه المعز وأحسن إليه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الأول، ضرب معز الدولة وزيره أبا محمد المهلبي ~~بالمقارع مائة وخمسين مقرعة، ووكل به في داره، ولم يعزله من وزارته، وكان ~~نقم عليه أمورا ضربه بسببها. وفيها، في ربيع الآخر، وقع حريق عظيم ببغداد ~~في سوق الثلاثاء، فاحترق فيه للناس ما لا يحصى. وفي هذه السنة ملك الروم ~~مدينة سروج، وسبوا أهلها، وغنموا أموالهم وأخربوا المساجد. وفيها سار ركن ~~الدولة من الري إلى طبرستان وجرجان، فسار عنها إلى ناحية نسا، وأقام بها، ~~واستولى ركن الدولة على تلك البلاد، وعاد عنها إلى الري، واستخلف بجرجان ~~الحسن بن فيرزان وعلي بن كامة، فلما رجع ركن الدولة عنها قصدها وشمكير، ~~فانهزموا منه، واستردها وشمكير. وفيها ولد أبو الحسن علي بن ركن الدولة بن ~~بويه، وهو فخر الدولة. وفيها توفي أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ~~الصفار النحوي المحدث، وهو من أصحاب المبرد، وكان مولده سنة سبع وأربعين ~~ومائتين، وكان مكثرا من الحديث. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر هرب ديسم عن أذربيجان # في هذه السنة هرب ديسم بن إبراهيم أبو سالم ms2964 عن أذربيجان، وكنا قد ذكرنا ~~استيلاءه عليها. PageV04P0021 # وأما سبب هربه عنها فإنه كان ركن الدولة بن بويه قد قبض على بعض قواده، ~~واسمه علي بن ميسكي، فأفلت من الحبس وقصد الجبل، وجمع جمعا وسار إلى ~~وهسوذان أخي المرزبان، فاتفق معه وتساعدا على ديسم. ثم إن المرزبان استولى ~~على قلعة سميرم على ما نذكره، ووصلت كتبه إلى أخيه وعلي بن ميسكي بخلاصه، ~~وكاتب الديلم واستمالهم، ولم يعلم ديسم بخلاصه، إنما كان يظن أن وهسوذان ~~وعلي بن ميسكي يقاتلانه. وكان له وزير يعرف بأبي عبدالله النعيمي، فشره إلى ~~ماله وقبض عليه، واستكتب إنسانا كان يكتب للنعيمي، فاحتال النعيمي بأن ~~أجابه إلى كل ما التمس منه، وضمن منه ذلك الكاتب بمال، فأطلقه ديسم، وسلم ~~إليه كاتبه وأعاده إلى حاله. ثم سار ديسم وخلفه بأردبيل ليحصل المال الذي ~~بذله، فقتل النعيمي ذلك الكاتب وهرب بما معه من المال إلى علي بن ميسكي، ~~فبلغ الخبر ديسم بقرب زنجان، فعاد إلى أردبيل، فشغب الديلم عليه، ففرق فيهم ~~ما كان له من مال، وأتاه الخبر بمسير علي بن ميسكي إلى أردبيل في عدة ~~يسيرة، فسار نحوه، والتقيا واقتتلا، فانحاز الديلم إلى علي، وانهزم ديسم ~~إلى أرمينية في نفر من الأكراد، فحمل إليه ملوكها ما تماسك به. وورد عليه ~~الخبر بمسير المرزبان عن قلعة سميرم إلى أردبيل، واستيلاء على أذربيجان، ~~وإنفاذه جيشا نحوه، فلم يمكنه المقام، فهرب عن أرمينية إلى بغداد، فكان ~~وصوله هذه السنة، فلقيه معز الدولة، وأكرمه، وأحسن إليه، فأقام عنده في ~~أرغد عيش. ثم كاتبه أهله وأصحابه بأذربيجان يستدعونه، فرحل عن بغداد سنة ~~ثلاث وأربعين وطلب من معز الدولة أن ينجده بعسكر، فلم يفعل لأن المرزبان ~~كان قد صالح ركن الدولة وصاهره، فلم يمكن معز الدولة مخالفة ركن الدولة، ~~فسار ديسم إلى ناصر الدولة بن حمدان بالموصل يستنجده، فلم ينجده، فسار إلى ~~سيف الدولة بالشام، وأقام عنده إلى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة. واتفق أن ~~المرزبان خرج عليه جمع بباب الأبواب، فسار إليهم، فأرسل مقدم من ms2965 أكراد ~~أذربيجان إلى ديسم يستدعيه إلى أذربيجان ليعاضده على ملكها، فسار إليها، ~~وملك مدينة سلماس، فأرسل إليه المرزبان قائدا من قواده، فقاتله، فاستأمن ~~أصحاب القائد إلى ديسم، فعاد القائد منهزما، وبقي ديسم بسلماس. فلما فرغ ~~المرزبان من أمر الخوارج عليه عاد إلى أذربيجان، فلما قرب من ديسم فارق ~~سلماس وسار إلى أرمينية وقصد ابن الديراني وابن حاجيق لثقته بهما، فكتب ~~المرزبان إلى ابن الديراني يأمره بالقبض على ديسم، فدافعه، ثم قبض عليه ~~خوفا من المرزبان، فلما قبض عليه أمره المرزبان بأن يحمله إليه، فدافعه ثم ~~اضطر إلى تسليمه، فلما تسلمه المرزبان سلمه وأعماه، ثم حبسه، فلما توفي ~~المرزبان قتل ديسم بعض أصحاب المرزبان خوفا من عائلته. ### || AUT ذكر استيلاء المرزبان على سميرم # قد ذكرنا أسر المرزبان وحبسه بسميرم؛ وأما سبب خلاصه فإن والدته، وهي ~~ابنة جستان بن وهسوذان الملك، وضعت جماعة للسعي في خلاصه، فقصدوا سميرم، ~~وأظهروا أنهم تجار، وأن المرزبان قد أخذ منهم أمتعة نفيسة ولم يوصل ثمنها ~~إليهم، واجتمعوا بمتولي سميرم، ويعرف ببشير أسفار، وعرفوه ما ظلمهم به ~~المرزبان، وسألوه أن يجمع بينهم ليحاسبوه وليأخذوا خطه إلى والدته بإيصال ~~مالهم إليهم، فرق لهم بشير أسفار، وجمع بينهم، فطالبوه بمالهم، فأنكر ~~المرزبان ذلك، فغمزه أحدهم، ففطن لهم واعترف لهم، وقال: حتى أتذكر مالكم، ~~فإنني لا أعرف مقداره؛ فأقاموا هناك، وبذلوا الأموال لبشير أسفار والأجناد، ~~وضمنوا لهم الأموال الجليلة إذا خلص مالهم عند المرزبان، فصاروا لذلك ~~يدخلون الحصن بغير إذن، وكثر اجتماعهم بالمرزبان وأوصلوا إليه أموالا من ~~عند والته، وأخذوا منه ما عنده من الأموال. وكان لبشير أسفار غلام أمرد، ~~جميل الوجه، يحمل ترسه وزوبينه، فأظهر المرزبان لذلك الغلام محبة شديدة ~~وعشقا، وأعطاه مالا كثيرا مما جاءه من والدته، فواطأه على ما يريد، وأوصل ~~إليه درعا ومبارد، فبرد قيده، واتفق المرزبان وذلك الغلام والذين جاؤوا ~~لتخليص المرزبان على أن يقتلوا بشير أسفار في يوم ذكروه. PageV04P0022 # وكان بشير أسفار يقصد المرزبان كل أسبوع ذلك اليوم يفتقده وقيوده ويصبره ~~ويعود، فلما كان ms2966 يوم الموعد دخل أحد أولئك التجار، فقعد عند المرزبان، وجلس ~~آخر عند البواب، وأقام الباقون عند باب الحصن ينتظرون الصوت، ودخل بشير ~~أسفار إلى المرزبان، فتلطف به المرزبان، وسأله أن يطلقه، وبذل له أموالا ~~جليلة وإقطاعا كثيرا، فامتنع عليه وقال: لا أخون ركن الدولة أبدا ؟؟! فنهض ~~المرزبان وقد أخرج رجله من قيده وتقدم إلى الباب، فأخذ الترس والزوبين من ~~ذلك الغلام، وعاد إلى بشير أسفار فقتله هو وذلك التاجر الذي عنده، وثار ~~الرجل الذي عند البواب به فقتله ودخل من كان عند باب الحصن إلى المرزبان. ~~وكان أجناد القلعة متفرقين، فلما وقع الصوت اجتمعوا فرأوا صاحبهم قتيلا، ~~فسألوا الأمان، فأمنهم المرزبان، وأخرجهم من القلعة، واجتمع إليه أصحابه ~~وغيرهم، وكثر جمعه، وخرج فلحق بأمه وأخيه، واستولى على البلاد، على ما ~~ذكرناه قبل. ### || AUT ذكر مسير أبي علي إلى الري # لما كان من أمر وشمكير وركن الدولة ما ذكرناه، كتب وشمكير إلى الأمير ~~نوح يستمده، فكتب نوح إلى أبي علي بن محتاج يأمره بالمسير في يجوش خراسان ~~إلى الري وقتال ركن الدولة، فسار أبو علي في جيوش كثيرة، واجتمع معه ~~وشمكير، فسارا إلى الري في شهر ربيع الأول من هذه السنة. وبلغ الخبر إلى ~~ركن الدولة، فعلم أنه لا طاقة له بمن قصده، فرأى أن يحفظ بلده، ويقاتل عدوه ~~من وجه واحد، فحارب الخراسانيين بطبرك، وأقام عليه أبو علي عدة شهور ~~يقاتله، فلم يظفر به، وهلكت دواب الخراسانية، وأتاهم الشتاء وملوا فلم ~~يصبروا، فاضطر أبو علي إلى الصلح، فتراسلوا في ذلك، وكان الرسول أبا جعفر ~~الخازن، صاحب كتاب زيج الصفائح، وكان عارفا بعلوم الرياضة، وكان المشير به ~~محمد بن عبد الرزاق المقدم ذكره، فتصالحا، وتقرر على ركن الدولة كل سنة ~~مائتا ألف دينار، وعاد أبو علي إلى خراسان. وكتب وشمكير إلى الأمير نوح ~~يعرفه الحال، ويذكر له أن أبا علي لم يصدق في الحرب وأنه مالأ ركن الدولة، ~~فاغتاظ نوح من أبي علي، وأما ركن الدولة فإنه لما عاد عنه أبو علي ms2967 سار نحو ~~وشمكير، فانهزم وشمكير من بين يديه إلى أسفرايين، واستولى ركن الدولة على طبرستان. ### || AUT ذكر عزل أبي علي عن خراسان # لما اتصل خبر عود أبي علي عن الري إلى الأمير نوح ساءه ذلك، وكتب وشمكير ~~إلى نوح يلزم الذنب فيه أبا علي، فكتب إلى أبي علي بعزله عن خراسان، وكتب ~~إلى القواد يعرفهم أنه قد عزله عنهم، فاستعمل على الجيوش بعده أبا سعيد بكر ~~بن مالك الفرغاني، فأنفذ أبو علي يعتذر، وراسل جماعة من أعيان نيسابور ~~يقيمون عذره، ويسألون أن لا يعزل عنهم، فلم يجابوا إلى ذلك، وعزل أبو علي ~~عن خراسان، وأظهر الخلاف، وخطب لنفسه بنيسابور. وكتب نوح إلى وشمكير والحسن ~~بن فيرزان يأمرهما بالصلح، وأن يتساعدا على من يخالف الدولة، ففعلا ذلك، ~~فلما علم أبو علي باتفاق الناس مع نوح عليه كاتب ركن الدولة في المصير إليه ~~لأنه علم أنه لا يمكنه المقام بخراسان، ولا يقدر على العود إلى الصغانيان، ~~فاضطر إلى مكاتبة ركن الدولة في المصير إليه، فأذن له في ذلك. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في الحادي والعشرين من شباط، ظهر بسواد العراق جراد كثير ~~أقام أياما، وأثر في الغلاء آثارا قبيحة، وكذلك ظهر بالأهواز، وديار ~~الموصل، والجزيرة والشام، وسائر النواحي، ففعل مثل ما فعله بالعراق. وفيها ~~عاد رسل كان الخليفة أرسلهم إلى خراسان للصلح بين ركن الدولة ونوح صاحب ~~خراسان، فلما وصل إلى حلوان خرج عليهم ابن أبي الشوك في أكراده، فنهبهم، ~~ونهب القافلة التي كانت معهم، وأسر الرسل، ثم أطلقهم، فسير معز الدولة ~~عسكرا إلى حلوان، فأوقعوا بالأكراد، وأصلحوا البلاد هناك وعادوا. وفيها سير ~~الحجاج الشريفان أبو الحسن محمد بن عبدالله، وأبو عبدالله أحمد بن عمر بن ~~يحيى العلويان، فجرى بينهما وبين عساكر المصريين من أصحاب ابن طغج حرب ~~شديدة، وكان الظفر لهما، فخطب لمعز الدولة بمكة، فلما خرجا من مكة لحقهما ~~عسكر مصر، فقاتلهما، فظفرا به أيضا. وفيها توفي علي بن أبي الفهم داود أبو ~~القاسم جد القاضي علي ms2968 بن الحسن ابن علي التنوخي في ربيع الأول، وكان عالما ~~بأصول المعتزلة والنجوم وله شعر. PageV04P0023 # وفيها، في رمضان، مات الشريف أبو علي عمر بن علي العلوي الكوفي ببغداد ~~بصرع لحقه. وفيها، في شوال، مات أبو عبدالله محمد بن سليمان بن فهد ~~الموصلي. وفيها مات أبو الفضل العباس بن فسانجس بالبصرة من ذرب لحقه، وحمل ~~إلى الكوفة، فدفن بمشهد أمير المؤمنين علي، وتقلد الديوان بعده ابنه أبو ~~الفرج، وجرى على قاعدة أبيه. وفيها في ذي القعدة ماتت بدعة المغنية ~~المشهورة المعروفة ببدعة الحمدونية عن اثنتين وتسعين سنة. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر حال أبي علي بن محتاج # قد ذكرنا من أخبار أبي علي ما تقدم، فلما كتب إلى ركن الدولة يستأذنه في ~~المصير إليه أذن له، فسار إلى الري، فلقيه ركن الدولة وأكرمه، وأقام ~~الأتراك الضيافة له ولمن معه، وطلب أبو علي أن يكتب له عهدا من جهة الخليفة ~~بولاية خراسان، فأرسل ركن الدولة إلى معز الدولة في ذلك، فسير له عهدا بما ~~طلب، وسير له نجدة من عسكره، فسار أبو علي إلى خراسان واستولى على نيسابور، ~~وخطب للمطيع بها وبما استولى عليه من خراسان، ولم يكن يخطب له بها قبل ذلك. ~~ثم إن نوحا مات في خلال ذلك، وتولى بعده ولده عبد الملك. فلما استقر أمره ~~سير بكر بن مالك إلى خراسان من بخارى وجعله مقدما على جيوشها، وأمره بإخراج ~~أبي علي من خراسان، فسار في العساكر نحو أبي علي، فتفرق عن أبي علي أصحابه ~~وعسكره وبقي معه من أصحابه مائتا رجل سوى من كان عنده من الديلم نجدة له، ~~فاضطر إلى الهرب، فسار نحو ركن الدولة، فأنزله معه في الري، واستولى ابن ~~مالك على خراسان، فأقام بنيسابور وتتبع أصحاب أبي علي. ### || AUT ذكر موت الأمير نوح بن نصر وولاية ابنه عبد الملك # وفي هذه السنة مات الأمير نوح بن نصر الساماني في ربيع الآخر، وكان يلقب ~~بالأمير الحميد، وكان حسن السيرة، كريم الأخلاق، ولما توفي ms2969 ملك بعده ابنه ~~عبد الملك، وكان قد استعمل بكر بن مالك على جيوش خراسان، كما ذكرنا، فمات ~~قبل أن يسير بكر إلى خراسان، فقام بكر بأمر عبد الملك ابن نوح، وقرر أمره، ~~فلما استقر حاله وثبت ملكه أمر بكرا بالمسير إلى خراسان، فسار إليها، وكان ~~من أمره مع أبي علي ما قدمنا ذكره. ### || AUT ذكر غزاة لسيف الدولة بن حمدان # في هذه السنة، في شهر ربيع الأول، غزا سيف الدولة بن حمدان بلاد الروم، ~~فقتل، وأسر، وسبى، وغنم، وكان فيمن قتل قسطنطين بن الدمستق، فعظم الأمر على ~~الروم، وعظم الأمر على الدمستق، فجمع عساكره من الروم والروس والبلغار ~~وغيرهم وقصد الثغور، فسار إليه سيف الدولة بن حمدان، فالتقوا عند الحدث في ~~شعبان، فاشتد القتال بينهم وصبر الفريقان، ثم إن الله تعالى نصر المسلمين، ~~فانهزم الروم، وقتل منهم وممن معهم خلق عظيم، وأسر صهر الدمستق وابن ابنته ~~وكثير من بطارقته وعاد الدمستق مهزوما مسلولا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كان بخراسان والجبال وباء عظيم هلك فيه خلق كثير لا يحصون ~~كثرة. وفيها صرف الابرعاجي عن شرطة بغداد، وصودر على ثلاثمائة ألف درهم، ~~ورتب مكانه بكبيك نقيب الأتراك. وفيها سار ركن الدولة إلى جرجان ومعه أبو ~~علي بن محتاج، فدخلها بغير حرب، وانصرف وشمكير عنها إلى خراسان. وفيها وقعت ~~الحرب بمكة بين أصحاب معز الدولة وأصحابه ابن طغج من المصريين، فكانت ~~الغلبة لأصحاب معز الدولة، فخطب بمكة والحجاز لركن الدولة ومعز الدولة ~~وولده عز الدولة بختيار، وبعدهم لابن طغج. وفيها أرسل معز الدولة سبكتكين ~~في جيش إلى شهرزور، في رجب، ومعه المنجنيقات لفتحها، فسار إليها، وأقام ~~بتلك الولاية إلى المحرم من سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، فعاد ولم يمكنه ~~فتحها لأنه اتصل به خروج عساكر خراسان إلى الري، على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى، فعاد إلى بغداد، فدخلها في المحرم. وفيها، في شوال، مات أبو الحسين ~~محمد بن العباس بن الوليد المعروف بابن النحوي الفقيه. وفيها، في شوال ~~أيضا، مات ms2970 أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وأربعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر مرض معز الدولة # ### || AUT وما فعله ابن شاهين # PageV04P0024 # كان قد عرض لمعز الدولة في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين مرض يسمى ~~فريافسمس، وهو دوام الإنعاظ مع وجع شديد في ذكره، مع توتر أعصابه، وكان معز ~~الدولة خوارا في أمراضه، فأرجف الناس به، واضطربت بغداد، فاضطر إلى الركوب، ~~فركب في ذي الحجة على ما به من شدة المرض، فلما كان في المحرم من سنة أربع ~~وأربعين وثلاثمائة أوصى إلى ابن بختيار، وقلده الأمر بعده، وجعله أمير ~~الأمراء. وبلغ عمران بن شاهين أن معز الدولة قد مات، واجتاز عليه مال يحمل ~~إلى معز الدولة من الأهواز، وفي صحبته خلق كثير من التجار، فخرج عليهم فأخذ ~~الجميع، فلما عوفي معز الدولة راسل ابن شاهين في المعنى، فرد عليه ما أخذه ~~له، وحصل له أموال التجار، وانفسخ الصلح بينهما، وكان ذلك في المحرم. ### || AUT ذكر خروج الخراسانية إلى الري وأصبهان # في هذه السنة خرج عسكر خراسان إلى الري، وبها ركن الدولة وكان قد قدمها ~~من جرجان أول المحرم، فكتب إلى أخيه معز الدولة يستمده، فأمده بعسكر مقدمهم ~~الحاجب سبكتكين، وسير من خراسان عسكرا آخر إلى أصبهان على طريق المفازة، ~~وبها الأمير أبو منصور بويه بن ركن الدولة. فلما بلغه خبرهم سار عن أصبهان ~~بالخزائن والحرم التي لأبيه، فبلغوا خان لنجان، وكان مقدم العسكر الخراساني ~~محمد بن ما كان، فوصلوا إلى أصبهان، فدخلوها، وخرج ابن ما كان منها في طلب ~~بويه، فأدرك الخزائن فأخذها وسار في أثره، وكان من لطف الله به أن الأستاذ ~~أبا الفضل بن العميد، وزير ركن الدولة، اتصل بهم في تلك الساعة، فعارض ابن ~~ما كان وقاتله، فانهزم أصحاب ابن العميد عنه، واشتغل أصحاب ابن ما كان ~~بالنهب. قال ابن العميد: فبقيت وحدي وأردت اللحاق بأصحابي، ففكرت وقلت: بأي ~~وجه ألقى صاحبي وقد أسلمت أولاده، وأهله، وأمواله، وملكه، ونجوت بنفسي ؟ ~~فرأيت القتل أيسر علي من ذلك، ms2971 فوقفت، وعسكر ابن ما كان ينهب أثقالي وأثقال ~~عسكري، فلحق بابن العميد نفر من أصحابه، ووقفوا معه، وأتاهم غيرهم فاجتمع ~~معهم جماعة، فحمل على الخراسانيين وهم مشغولون بالنهب، وصاحوا فيهم، فانهزم ~~الخراسانيون فأخذوا من بين قتيل وأسير، وأسر ابن ما كان وأحضر عند ابن ~~العميد، وسار ابن العميد إلى أصبهان فأخرج من كان بها من أصحاب ابن ما كان، ~~وأعاد أولاد ركن الدولة وحرمه إلى أصبهان، واستنقذ أمواله. ثم إن ركن ~~الدولة راسل بكر بن مالك صاحب جيوش خراسان، واستماله فاصطلحا على مال يحمله ~~ركن الدولة إليه، ويكون الري وبلد الجبل بأسره مع ركن الدولة، وأرسل ركن ~~الدولة إلى أخيه معز الدولة يطلب خلعا ولواء بولاية خراسان لبكر بن مالك، ~~فأرسل إليه ذلك. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وقع بالري وباء كثير مات فيه من الخلق ما لا يحصى، وكان ~~فيمن مات أبو علي بن محتاج الذي كان صاحب جيوش خراسان، ومات معه ولده، وحمل ~~أبو علي الصغانيان، وعاد من كان معه من القواد إلى خراسان. وفيها وقع ~~الأكراد بناحية ساوة على قفل من الحجاج فاستباحوه. وفيها خرج بناحية دينوند ~~رجل ادعى النبوة، فقتل، وخرج بأذربيجان رجل آخر يدعي أنه يحرم اللحوم وما ~~يخرج من الحيوان، وأنه يعلم الغيب، فأضافه رجل أطعمه كشكية بشحم، فلما ~~أكلها قال له: ألست تحرم اللحم، وما يخرج من الحيوان، وأنك تعلم الغيب ؟ ~~قال: بلى ! قال: فهذه الكشكية بشحم، ولو علمت الغيب لما خفي عليك ذلك؛ ~~فأعرض الناس عنه. وفيها أنشأ عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس مركبا كبيرا ~~لم يعمل مثله، وسير فيه أمتعة إلى بلاد الشرق، فلقي في البحر مركبا فيه ~~رسول من صقلية إلى المعز، فقطع عليه أهل المركب الأندلسي، وأخذوا ما فيه، ~~وأخذوا الكتب التي إلى المعز، فبلغ ذلك المعز، فعمر أسطولا واستعمل عليه ~~الحسن ابن علي صاحب صقلية، وسيره إلى الأندلس، فوصلوا إلى المرية، فدخلوا ~~المرسى، وأحرقوا جميع ما فيه من المراكب، وأخذوا ذلك المركب، وكان قد عاد ~~من ms2972 الإسكندرية، وفيه أمتعة لعبد الرحمن، وجوار مغنيات، وصعد من في الأسطول ~~إلى البر فقتلوا ونهبوا ورجعوا سالمين إلى المهدية. ولما سمع عبد الرحمن ~~الأموي سير أسطولا إلى بعض بلاد إفريقية، فنزلوا ونهبوا، فقصدتهم عساكر ~~المعز فعادوا إلى مراكبهم، ورجعوا إلى الأندلس وقد قتلوا وقتل منهم خلق كثير. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وأربعين وثلاثمائة # PageV04P0025 ### || AUT ذكر عصيان روزبهان على معز الدولة # في هذه السنة خرج روزبهان بن ونداد خرشيد الديلمي على معز الدولة، وعصى ~~عليه، وخرج أخوه بلكا بشيراز، وخرج أخوهما أسفار بالأهواز، ولحق به روزبهان ~~إلى الأهواز، وكان يقاتل عمران بالبطيحة، فعاد إلى واسط، وسار إلى الأهواز ~~في رجب، وبها الوزير المهلبي، فأراد محاربة روزبهان، فاستأمن رجاله إلى ~~روزبهان، فانحاز المهلبي عنه. ووردا لخبر بذلك إلى معز الدولة فلم يصدقه ~~لإحسانه إليه، لأنه رفعه بعد الضعة، ونوه بذكره بعد الخمول، فتجهز معز ~~الدولة إلى محاربته، ومال الديلم بأسرهم إلى روزبهان، ولقوا معز الدولة بما ~~يكره، واختلفوا عليه، وتتابعوا على المسير إلى روزبهان، وسار معز الدولة عن ~~بغداد خامس شعبان، وخرج الخليفة المطيع لله منحدرا إلى معز الدولة، لأنه ~~ناصر الدولة لما بلغه الخبر سر العساكر من الموصل مع ولده أبي المرجى جابر ~~لقصد بغداد والاستيلاء عليها، فلما بلغ ذلك الخليفة انحدر من بغداد فأعاد ~~معز الدولة الحاجب سبكتكين وغيره ممن يثق بهم من عسكره إلى بغداد، فشغب ~~الديلم الذين ببغداد، فوعدوا بأرزاقهم فسكنوا وهم على قنوط من معز الدولة. ~~وأما معز الدولة فإنه سار إلى أن بلغ قنطرة أربق، فنزل هناك، وجعل على ~~الطريق من يحفظ أصحاب الديلم من الأستئمان إلى روزبهان، لأنهم كانوا يأخذون ~~العطاء منه ثم يهربون عنه، وكان اعتماد معز الدولة على أصحابه الأتراك ~~ومماليكه ونفر يسير من الديلم. فلما كان سلخ رمضان أراد معز الدولة العبور ~~هو وأصحابه الذين يثق بهم إلى محاربة روزبهان، فاجتمع الديلم وقالوا لمعز ~~الدولة: إن كنا رجالك فأخرجنا معك نقاتل بين يديك، فإنه لا صبر لنا على ~~القعود مع الصبيان ms2973 والغلمان، فإن ظفرت كان الاسم لهؤلاء دوننا، وإن ظفر ~~عدوك لحقنا العار؛ وإنما قالوا هذا الكلام خديعة ليمكنهم من العبور معه ~~فيتمكنوا منه، فلما سمع قولهم سألهم التوقف، وقال: إنما أريد أن أذوق حربهم ~~ثم أعود، فإذا كان الغد لقيناهم بأجمعنا وناجزناهم؛ وكان يكثر لهم العطاء ~~فأمسكوا عنه. وعبر معز الدولة، وعبأ أصحابه كراديس تتناوب الحملات، فما ~~زالوا كذلك إلى غروب الشمس، ففني نشاب الأتراك وتعبوا، وشكوا إلى معز ~~الدولة ما أصابهم من التعب، وقالوا: نستريح الليلة ونعود غدا؛ فعلم معز ~~الدولة أنه إن رجع زحف إليه روزبهان والديلم، وثار معهم أصحابه الديلم، ~~فيهلك، ولا يمكنه الهرب، فبكى بين يدي أصحابه، وكان سريع الدمعة، ثم سألهم ~~أن تجمع الكراديس كلها ويحملوا حملة واحدة، وهو في أولهم، فإما أن يظفروا ~~وإما أن يقتل أول من يقتل، فطالبوه بالنشاب، فقال: قد بقي مع صغار الغلمان ~~نشاب، فخذوه واقسموه. وكان جماعة صالحة من الغلمان الأصاغر تحتهم الخيل ~~الجياد، وعليهم اللبس الجيد، وكانوا سألوا معز الدولة أن يأذن لهم في ~~الحرب، فلم يفعل، وقال: إذا جاء وقت يصلح لكم أذنت لكم في القتال؛ فوجه ~~إليهم تلك الساعة من يأخذ منهم النشاب، وأومأ معز الدولة إليهم بيده أن ~~اقبلوا منه وسلموا إليه النشاب، فظنوا أنه يأمرهم بالحملة، فحملوا وهم ~~مستريحون، فصدموا صفوف روزبهان فخرقوها، وألقوا بعضها فوق بعض، فصاروا ~~خلفهم، وحمل معز الدولة فيمن معه باللتوت، فكانت الهزيمة على روزبهان ~~وأصحابه، وأخذ روزبهان أسيرا وجماعة من قواده، وقتل من أصحابه خلق كثير، ~~وكتب معز الدولة بذلك، فلم يصدق الناس لما علموا من قوة روزبهان وضعف معز ~~الدولة، وعاد إلى بغداد ومعه روزبهان ليراه الناس، وسير سبكتكين إلى أبي ~~المرجى بن ناصر الدولة، وكان بعكبرا، فلم يلحقه لأنه لما بلغه الخبر عاد ~~إلى الموصل، وسجن معز الدولة روزبهان، فبلغه أن الديلم قد عزموا على إخراجه ~~قهرا والمبايعة له، فأخرجه ليلا وغرقه. وأما أخو روزبهان الذي خرج بشيراز، ~~فإن الأستاذ أبا الفضل بن العميد سار إليه في ms2974 الجيوش، فقاتله، فظفر به، ~~وأعاد عضد الدولة بن ركن الدولة إلى ملكه، وانطوى خبر روزبهان وإخوته، وكان ~~قد اشتعل اشتعال النار. وقبض معتز الدولة على جماعة من الديلم، وترك من ~~سواهم، واصطنع الأتراك وقدمهم، وأمرهم بتوبيخ الديلم والاستطالة عليهم، ثم ~~أطلق للأتراك إطلاقات زائدة على واسط والبصرة، فساروا لقبضها مدلين بما ~~صنعوا، فأخرجوا البلاد، ونهبوا الأموال وصار ضررهم أكثر من نفعهم. ~~PageV04P0026 ### || AUT ذكر غزو سيف الدولة بلاد الروم # في هذه السنة، في رجب، سار سيف الدولة بن حمدان في جيوش إلى بلاد الروم ~~وغزاها، حتى بلغ خرشنة، وصارخة، وفتح عدة حصون وسبى، وأسر، وأحرق، وخرب، ~~وأكثر القتل فيهم، ورجع إلى أذنه فأقام بها حتى جاءه رئيس طرسوس، فخلع ~~عليه، وأعطاه شيئا كثيرا، وعاد إلى حلب. فلما سمع الروم بما فعل جمعوا ~~وساروا إلى ميافارقين، وأحرقوا سوادها ونهبوه، وخربوا، وسبوا أهله، ونهبوا ~~أموالهم وعادوا. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وقعة الفتنة بأصبهان بين أهلها وبين أهل قم بسبب المذاهب، ~~وكان سببها أنه قيل عن رجل قمي إنه سب بعض الصحابة، وكان من أصحاب شحنة ~~أصبهان، فثار أهلها، واستغاثوا بأهل السواد، فاجتمعوا في خلق لا يحصون ~~كثرة، وحضروا دار الشحنة، وقتل بينهم قتلى، ونهب أهل أصبهان أموال التجار ~~من أهل قم، فبلغ الخبر ركن الدولة، فغضب لذلك، وأرسل إليها فطرح على أهلها ~~مالا كثيرا. وفيها توفي محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم أبو عمرو الزاهد، ~~غلام ثعلب، في ذي القعدة. وفيها كانت الزلزلة بهمذان، وأستراباذ ونواحيها، ~~وكانت عظيمة أهلكت تحت الهدم خلقا كثيرا، وانشقت منها حيطان قصر شيرين من ~~صاعقة. وفيها، في جمادى الآخرة، سار الروم في البحر، فأوقعوا بأهل طرسوس، ~~وقتلوا منهم ألفا وثمانمائة رجل، وأحرقوا القرى التي حولها. وفيها سار ~~الحسن بن علي صاحب صقلية على أسطول كثير إلى بلاد الروم. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وأربعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر موت المرزبان # في هذه السنة، في رمضان، توفي السلار المرزبان بأذربيجان، وهو صاحبها، ~~فلما يئس من ms2975 نفسه أوصى إلى أخيه وهسوذان بالملك، وبعده لابنه جستان ابن ~~المرزبان. وكان المرزبان قد تقدم أولا إلى نوابه بالقلاع أن لا يسلموه بعده ~~إلا إلى ولده جستان، فإن مات فإلى ابنه إبراهيم، فإن مات فإلى ابنه ناصر، ~~فإن لم يبق منهم أحد فإلى أخيه وهسوذان، فلما أوصى هذه الوصية إلى أخيه ~~عرفه علامات بينه وبين نوابه في قلاعه ليتسلمها منهم، فلما مات المرزبان ~~أنفذ أخوه وهسوذان خاتمه وعلاماته إليهم، فأظهروا وصيته الأولى، فظن ~~وهسوذان أخاه خدعه بذلك، فأقام مع أولاد أخيه، فاستبدوا بالأمر دونه، فخرج ~~من أردبيل كالهارب إلى الطرم، فاستبد جستان بالأمر، وأطاعه إخوته، وقلد ~~وزارته أبا عبدالله النعيمي، وأتاه قواد أبيه إلا جستان بن شرمزن فإنه عزم ~~على التغلب على أرمينية، وكان واليا عليها. وشرع وهسوذان في الإفساد بين ~~أولاد أخيه، وتفريق كلمتهم، وإطماع أعدائهم فيهم، حتى بلغ ما أراد وقتل بعضهم. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كثر ببغداد ونواحيها أورام الحلق والماشرا، وكثر الموت ~~بهما، وموت الفجأة، وكل من افتصد انصب إلى ذراعيه مادة حادة عظيمة، تبعها ~~حمى حادة، وما سلم أحد ممن افتصد، وكان المطر معدوما. وفيها تجهز معز ~~الدولة وسار نحو الموصل لقصد ناصر الدولة بسبب ما فعله، فراسله ناصر ~~الدولة، وبذل له مالا، وضمن البلاد منه كل سنة بألفي ألف درهم، وحمل إليه ~~مثلها، فعاد معز الدولة بسبب خراب بلاده للفتنة المذكورة، ولأنه لم يثق ~~بأصحابه. ثم إن ناصر الدولة منع حمل المال، فسار إليه معز الدولة على ما ~~نذكره. وفيها نقص البحر ثمانين باعا، فظهرت فيه جزائر وجبال لم تعرف قبل ~~ذلك. وفيها توفي أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل الأموي ~~النيسابوري المعروف بالأصم، وكان عالي الإسناد في الحديث، وصحب الربيع بن ~~سليمان صاحب الشافعي، وروى عنه كتب الشافعي. وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم ~~بن محمد بن أحمد بن إسحاق الفقيه البخاري الأمين. وفيها كانت بالعراق وبلاد ~~الجبال وقم ونواحيها زلازل كثيرة متتابعة دامت نحو أربعين يوما ms2976 تسكن وتعود، ~~فتهدمت الأبنية، وغارت المياه، وهلك تحت الهدم من الأمم الكثير؛ وكذلك كانت ~~زلزلة بالري ونواحيها، مستهل ذي الحجة، أخربت كثيرا من البلد، وهلك من ~~أهلها كثير؛ وكذلك أيضا كانت الزلزلة بالطالقان ونواحيها عظيمة جدا أهلكت ~~أمما كثيرة. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وأربعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر استيلاء معز الدولة على الموصل # ### || AUT وعوده عنها # PageV04P0027 # قد ذكرنا صلح معز الدولة مع ناصر الدولة على ألفي ألف درهم كل سنة، فلما ~~كان هذه السنة أخر ناصر الدولة حمل المال، فتجهز معز الدولة إلى الموصل ~~وسار نحوها، منتصف جمادى الأولى، ومعه وزيره المهلبي، ففارقها ناصر الدولة ~~إلى نصيبين، واستولى معز الدولة على الموصل. فكان من عادة ناصر الدولة إذا ~~قصده أحد سار عن الموصل واستصحب معه جميع الكتاب، والوكلاء، ومن يعرف أبواب ~~المال، ومنافع السلطان، وربما جعلهم في قلاعه كقلعة كواشى، والزعفران، ~~وغيرهما، وكانت قلعة كواشى تسمى ذلك الوقت قلعة أردمشت، وكان ناصر الدولة ~~يأمر العرب بالإغارة على العلافة ومن يحمل الميرة، فكان الذي يقصد بلاد ~~ناصر الدولة يبقى محصورا مضيفا عليه. فلما قصده معز الدولة هذه المرة فعل ~~ذلك به، فضاقت الأقوات على معز الدولة وعسكره، وبلغه أن بنصيبين من الغلات ~~السلطانية شيئا كثيرا، فسار عن الموصل نحوها، واستخلف بالموصل سبكتكين ~~الحاجب الكبير، فلما توسط الطريق بلغه أن أولاد ناصر الدولة أبا المرجى ~~وهبة الله بسنجار في عسكر، فسير إليهم عسكرا، فلم يشعر أولاد ناصر الدولة ~~بالعسكر إلا وهو معهم، فجعلوا عن أخذ أثقالهم، فركبوا دوابهم وانهزموا ونهب ~~عسكر معز الدولة ما تركوه، ونزلوا في خيامهم، فعاد أولاد ناصر الدولة إليهم ~~وهم غارون، فوضعوا السيف فيهم، فقتلوا، وأسروا، وأقاموا بسنجار. وسار معز ~~الدولة إلى نصيبين، ففارقها ناصر الدولة إلى ميافارقين، ففارقه أصحابه ~~وعادوا إلى معز الدولة مستأمنين، فلما رأى ناصر الدولة ذلك سار إلى أخيه ~~سيف الدولة بحلب، فلما وصل خرج إليه ولقيه، وبالغ في إكرامه، وخدمه بنفسه، ~~حتى إنه نزع خفه بيديه. وكان أصحاب ناصر الدولة في حصونه ببلد ms2977 الموصل، ~~والجزيرة، يغيرون على أصحاب معز الدولة بالبلد، فيقتلون فيهم، ويأسرون ~~منهم، ويقطعون الميرة عنهم. ثم إن سيف الدولة راسل معز الدولة في الصلح، ~~وترددت الرسل في ذلك، فامتنع معز الدولة في تضمين ناصر الدولة لخلفه معه ~~مرة بعد أخرى، فضمن سيف الدولة البلاد منه بألفي ألف درهم وتسع مائة ألف ~~درهم، وإطلاق من أسر من أصحابه بسنجار وغيرها، وكان ذلك في المحرم سنة ثمان ~~وأربعين. وإنما أجاب معز الدولة إلى الصلح بعد تمكنه من البلاد لأنه ضاقت ~~عليه الأموال، وتقاعد الناس في حمل الحراج، واحتجوا بأنهم لا يصلون إلى ~~غلاتهم، وطلبوا الحماية من العرب أصحاب ناصر الدولة، فاضطر معز الدولة إلى ~~الانحدار، وأنف من ذلك، فلما وردت عليه رسالة سيف الدولة استراح إليها، ~~وأجابه إلى ما طلبه من الصلح، ثم انحدر إلى بغداد. ### || AUT ذكر مسير جيوش المعز العلوي إلى أقاصي المغرب # وفيها عظم أمر أبي الحسن جوهر عند المعز بإفريقية، وعلا محله، وصار في ~~رتبة الوزارة، فسيره المعز في صفر في جيش كثيف منهم زيري بن مناد الصنهاجي ~~وغيره، وأمره بالمسير إلى أقاصي المغرب، فسار إلى تاهرت، فحضره عنده يعلى ~~بن محمد الزناتي، فأكرمه وأحسن إليه، ثم خالف على جوهر، فقبض عليه، وثار ~~أصحابه، فقاتلهم جوهر، فانهزموا وتبعهم جوهر إلى مدينة أفكان، فدخلها ~~بالسيف، ونهبها، ونهب قصور يعلى، وأخذ ولده، وكان صبيا، وأمر بهدم أفكان ~~وإحراقها بالنار، وكان ذلك في جمادى الآخرة. ثم سار منها إلى فاس، وبها ~~صاحبها أحمد بن بكر، فأغلق أبوابها، فنازلها جوهر، وقاتلها مدة، فلم يقدر ~~عليها، وأتته هدايا الأمراء الفاطميين بأقاصي السوس، وأشار على جوهر ~~وأصحابه بالرحيل إلى سجلماسة، وكان صاحبها محمد بن واسول قد تلقب بالشاكر ~~لله، ويخاطب بأمير المؤمنين، وضرب السكة باسمه، وهو على ذلك ست عشرة سنة، ~~فلما سمع بجوهر هرب، ثم أراد الرجوع إلى سجلماسة، فلقيه أقوام، فأخذوه ~~أسيرا، وحملوه إلى جوهر. PageV04P0028 # ومضى جوهر حتى انتهى إلى البحر المحيط، فأمر أن يصطاد له من سمكه، ~~فاصطادوا له، فجعله في ms2978 قلال الماء وحمله إلى المعز، وسلك تلك البلاد جميعها ~~فافتتحها وعاد إلى فاس، فقاتلها مدة طويلة، فقام زيري بن مناد فاختار من ~~قومه رجالا لهم شجاعة، وأمرهم أن يأخذوا السلاليم، وقصدوا البلد، فصعدوا ~~إلى السور الأدنى في السلاليم وأهل فاس آمنون، فلما صعدوا على السور قتلوا ~~من عليه، ونزلوا إلى السور الثاني، وفتحوا الأبواب، وأشعلوا المشاعل، ~~وضربوا الطبول، وكانت الإمارة بين زيري وجوهر، فلما سمعها جوهر ركب في ~~العساكر فدخل فاسا، فاستخفى صاحبها، وأخذ بعد يومين، وجعل مع صاحب سجلماسة، ~~وكان فتحها في رمضان سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، فحملهما في قفصين إلى ~~المعز بالمهدية، وأعطى تاهرت لزيري ابن مناد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كان ببلاد الجبل وباء عظيم مات فيه أكثر أهل البلاد، وكان ~~أكثر من مات فيه النساء، والصبيان، وتعذر على الناس عيادة المرضى، وشهود ~~الجنائز لكثرتها. وفيها انخسف القمر جميعه. وفيها توفي أبو الحسن علي بن ~~أحمد البوشنجي الصوفي بنيسابور، وهو أحد المشهورين منهم؛ وأبو الحسن محمد ~~بن الحسن بن عبدالله بن أبي الشوارب، قاضي بغداد، وكان مولده سنة اثنتين ~~وتسعين ومائتين؛ وأبو علي الحسين بن علي بن يزيد الحافظ النيسابوري في ~~جمادى الأولى. وفيها توفي عبدالله بن جعفر بن درستويه أبو محمد الفارسي ~~النحوي في صفر وكان مولده سنة ثمان وخمسين ومائتين، وأخذ النحو عن المبرد. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة # في هذه السنة، في المحرم، تم الصلح بين سيف الدولة ومعز الدولة، وعاد ~~معز الدولة إلى العراق، ورجع ناصر الدولة إلى الموصل. وفيها أنفذ الخليفة ~~لواء وخلعة لأبي علي بن إلياس صاحب كرمان. وفيها مات أبو الحسن محمد بن ~~أحمد المافروخي، كاتب معز الدولة، وكتب بعده أبو بكر بن أبي سعيد. وفيها ~~كانت حرب شديدة بين علي بن كامة، وهو ابن أخت ركن الدولة، وبين بيستون بن ~~وشمكير، فانهزم بيستون. وفيها غرق من حجاج الموصل في الماء بضعة عشر زورقا. ~~وفيها غزت الروم طرسوس والرها، فقتلوا، وسبوا، وغنموا، وعادوا سالمين. ~~وفيها ms2979 سار مؤيد الدولة بن ركن الدولة من الري إلى بغداد، فتزوج بابنة عمه ~~معز الدولة، ونقلها معه إلى الري، ثم عاد إلى أصبهان. وفيها، في جمادى ~~الأولى، وقعت حرب شديدة بين عامة بغداد، وقتل فيها جماعة، واحترق من البلد ~~كثير. وفيها توفي أبو بكر أحمد بن سليمان بن الحسن، الفقيه الحنبلي المعروف ~~بالنجاد، وكان عمره خمسا وتسعين سنة؛ وجعفر بن محمد بن نصير الخلدي الصوفي، ~~وهو من أصحاب الجنيد، فروى الحديث وأكثر. وفيها انقطعت الأمطار، وغلت ~~الأسعار في كثير من البلاد، فخرج الناس يستسقون في كانون الثاني في البلاد، ~~ومنها بغداد، فما سقوا، فلما كان في آذار ظهر جراد عظيم، فأكل ما كان قد ~~نبت من الخضراوات وغيرها، فاشتد الأمر على الناس. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وأربعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر ظهور المستجير بالله # في هذه السنة ظهر بأذربيجان وجل من أولاد عيسى بن المكتفي بالله، وتلقب ~~بالمستجير بالله، وبايع للرضا من آل محمد، ولبس الصوف وأظهر العدل، وأمر ~~بالمعروف، ونهى عن المنكر، وكثر أتباعه. وكان السبب في ظهوره أن جستان بن ~~المرزبان، صاحب أذربيجان، ترك سيرة والده في سياسة الجيش، واشتغل باللعب، ~~ومشاورة النساء، وكان جستان بن شرمزن بأرمية متحصنا بها، وكان وهسوذان ~~بالطرم يضرب بين أولاد أخيه ليختلفوا. ثم إن جستان بن المرزبان قبض على ~~وزيره النعيمي، وكان بينه وبين وزير جستان بن شرمزن مصاهرة، وهو أبو الحسن ~~عبيدالله بن محمد بن حمدويه، فاستوحش أبو الحسن لقبض النعيمي، فحمل صاحبه ~~ابن شرمزن على مكاتبة إبراهيم بن المرزبان، وكان بأرمينية، فكاتبه، وأطمعه ~~في املك، فسار إليه، فقصدوا مراغة واستولوا عليها، فلما علم جستان بن ~~المرزبان بذلك راسل ابن شرمزن ووزيره أبا الحسن، فأصلحهما، وضمن لهما إطلاق ~~النعيمي، فعاد عن نصرة إبراهيم، وظهر له ولأخيه نفاق ابن شرمزن، فتراسلا ~~واتفقا عليه. PageV04P0029 # ثم إن النعيمي هرب من حبس جستان بن المرزبان، وسار إلى موقان، وكاتب ابن ~~عيسى بن المكتفي بالله، وأطمعه في الخلافة، وأن يجمع له الرجال، ويملك له ~~أذربيجان، فإذا ms2980 قوي قصد العراق فسار إليه في نحو ثلاثمائة رجل، وأتاه جستان ~~بن شرمزن فقوي به، وبايعه الناس، واستفحل أمره، فسار إليهم جستان وإبراهيم ~~ابنا المرزبان قاصدين قتالهم، فلما التقوا انهزم أصحاب المستجير، وأخذ ~~أسيرا فعدم فقيل إنه قتل وقيل بل مات. ### || AUT ذكر استيلاء وهسوذان على بني أخيه وقتلهم # وأما وهسوذان فإنه لما رأى اختلاف أولاد أخيه، وأن كل واحد منهم قد ~~انطوى على غش صاحبه، راسل إبراهيم، بعد وقعة المستجير، واستزاره، فزاره، ~~فأكرمه عمه، ووصله بما ملأ عينه، وكاتب ناصرا ولد أخيه أيضا، واستغواه، ~~ففارق أخاه جستان وصار إلى موقان، فوجده الجند طريقا إلى تحصيل الأموال، ~~ففارق أكثرهم جستان وصاروا إلى أخيه ناصر، فقوي بهم على أخيه جستان، ~~واستولى على أردبيل. ثم إن الأجناد طالبوا ناصرا بالأموال، فعجز عن ذلك، ~~وقعد عمه وهسوذان عن نصرته، فعلم أنه كان يغويه، فراسل أخاه جستان، وتصالحا ~~واجتمعا، وهما في غاية ما يكون من قلة الأموال واضطراب الأمور، وتغلب أصحاب ~~الأطراف على ما بأيديهم، فاضطر جستان وناصر ابنا المرزبان إلى المسير إلى ~~عمهما وهسوذان مع والدتهما، فراسلاه في ذلك، وأخذا عليه العهود، وساروا ~~إليه، فلما حصلوا عنده نكث، وغدر بهم، وقبض عليهم، وهم جستان وناصر ~~ووالدتهما، واستولى على العسكر، وعقد الإمارة لابنه إسماعيل، وسلم إليه ~~أكثر قلاعه، وأخرج الأموال وأرضى الجند. وكان إبراهيم بن المرزبان قد سار ~~إلى أرمينية، فتأهب لمنازعة إسماعيل، واستنقاذ أخويه من حبس عمهما وهسوذان، ~~فلما علم وهسوذان ذلك ورأى اجتماع الناس عليه بادر فقتل جستان وناصرا ابني ~~أخيه وأمهما، وكاتب جستان بن شرمزن، وطلب إليه أن يقصد إبراهيم، وأمده ~~بالجند والمال، ففعل ذلك، واضطر إبراهيم إلى الهرب والعود إلى أرمينية، ~~واستولى ابن شرمزن على عسكره وعلى مدينة مراغة مع أرمية. ### || AUT ذكر غزو سيف الدولة بلاد الروم # في هذه السنة غزا سيف الدولة بلاد الروم في جميع كثير، فأثر فيها آثارا ~~كثيرة، وأحرق، وفتح عدة حصون، وأخذ من السبي والغنائم والأسرى شيئا كثيرا، ~~وبلغ إلى خرشنة، ثم إن الروم ms2981 أخذوا عليه المضايق، فلما أراد الرجوع قال له ~~من معه من أهل طرسوس: إن الروم قد ملكوا الدرب خلف ظهرك، فلا تقدر على ~~العود منه، والرأي أن ترجع معنا؛ فلم يقبل منهم، وكان معجبا برأيه يحب أن ~~يستبد ولا يشاور أحدا لئلا يقال إنه أصاب برأي غيره، وعاد في الدرب الذي ~~دخل منه، فظهر الروم عليه واستردوا ما كان معه من الغنائم، وأخذوا أثقاله، ~~ووضعوا السف في أصحابه فأتوا عليهم قتلا وأسرا، وتخلص هو في ثلاثمائة رجل ~~بعد جهد ومشقة وهذا من سوء رأي كل من يجهل آراء الناس العقلاء، والله أعلم بالصواب. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض عبد الملك بن نوح، صاحب خراسان، وما وراء النهر، على ~~رجل من أكابر قواده وأمرائه يسمى نجتكين، وقتله، فاضطربت خراسان. وفيها ~~استأمن أبو الفتح، المعروف بابن العريان، أخو عمران بن شاهين، صاحب ~~البطيحة، إلى معز الدولة بأهله وماله، وكان خاف أخاه، فأكرمه معز الدولة ~~وأحسن إليه. وفيها مات أبو القاسم عبدالله بن أي عبدالله البريدي. وفيها ~~أسلم من الأتراك نحو مائتي ألف خركاة. وفيها انصرف حجاج مصر من الحج، ~~فنزلوا واديا وباتوا فيه، فأتاهم السيل ليلا فأخذهم جميعهم مع أثقالهم ~~وجمالهم فألقاهم في البحر. وفيها سار ركن الدولة من الري إلى جرجان، فلقيه ~~الحسن بن الفيرزان، وابن عبد الرزاق، فوصلهما بمال جليل. وفيها كان بالبلاد ~~غلاء شديد، وكان أكثره بالموصل فبلغ الكر من الحنطة ألفا ومائتي درهم، ~~والكر من الشعير ثمانمائة درهم، وهر أهلها إلى الشام والعراق. وفيها، خامس ~~شعبان، كان ببغداد فتنة عظيمة بين العامة، وتعطلت الجمعة من الغد لاتصال ~~الفتنة في الجانبين، سوى مسجد براثا فإن الجمعة تمت فيه، وقبض على جماعة من ~~بني هاشم اتهموا أنهم سبب الفتنة، ثم أطلقوا من الغد. وفيها توفي أبو الخي ~~الأقطع التيناتي، أو قريبا من هذه السنة، وكان عمره مائة وعشرين سنة، وله ~~كرامات مشهورة مسطورة. PageV04P0030 # التيناتي بالتاء المكسورة المعجمة باثنتين من فوق، ثم الياء المعجمة ~~باثنتين من تحت، ثم ms2982 بالنون والألف ثم بالتاء المثناة من فوق أيضا. وفيها ~~مات أو إسحاق بن ثوابة كاتب الخليفة ومعز الدولة، وقلد ديوان الرسائل بعده ~~إبراهيم بن هلال الصابي. وفيها، في آخرها، مات أنوجور بن الإخشيد صاب مصر، ~~وتقلد أخوه علي مكانه. ### | AUT ثم دخلت سنة خمسين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر بناء معز الدولة دوره ببغداد # في هذه السنة، في المحرم، مرض معز الدولة، وامتنع عليه البول، ثم كان ~~يبول بعد جهد ومشقة دما، وتبعه البول، والحصى، والرمل، فاشتد جزعه وقلقه، ~~وأحضر الوزير المهلبين والحاجب سبكتكين، فأصلح بينهما، ووصاهما بابنه ~~بختيار، وسلم جميع ماله إليه. ثم إنه عوفي، فعزم على المسير إلى الأهواز ~~لأنه اعتقد أن ما اعتاده من الأمراض إنما هو بسبب مقامه ببغداد، وظن أنه إن ~~عاد إلى الأهواز عاوده ما كان فيه من الصحة، ونسي الكبر والشباب، فلما ~~انحدر إلى كلواذى ليتوجه إلى الأهواز أشار عليه أصحابه بالمقام، وأن يفكر ~~في هذه الحركة ولا يعجل، فأقام بها، ولم يؤثر أحد من أصحابه انتقاله ~~لمفارقة أوطانهم وأسفا على بغداد كيف تخرب بانتقال دار الملك عنها، فأشاروا ~~عليه بالعود إلى بغداد، وأن يبني بها له دارا في أعلى بغداد لتكون أرق ~~هواء، وأصفى ماء، ففعل، وشرع في بناء داره في موضع المسناة المعزية، فكان ~~مبلغ ما خرج عليها إلى أن مات ثلاثة عشر ألف ألف درهم، فاحتاج بسبب ذلك إلى ~~مصادره جماعة من أصحابه. ### || AUT ذكر موت الأمير عبد الملك بن نوح # في هذه السنة سقط الفرس تحت الأمير عبد الملك بن نوح، صاحب خراسان، فوقع ~~إلى الأرض، فمات من سقطته، وافتتنت خراسان بعده، وولي بعده أخوه منصور بن ~~نوح، وكان موته يوم الخميس حادي عشر شوال. ### || AUT ذكر وفاة عبد الرحمن الناصر صاحب الأندلس وولاية ابنه الحاكم # في هذه السنة توفي عبد الرحمن بن محمد بن عبدالله صاحب الأندلس، الملقب ~~بالناصر لدين الله، في رمضان، فكانت إمارته خمسين سنة وستة أشهر، وكان عمره ~~ثلاثا وسبعين سنة، وكان أبيض، أشهل، حسن الوجه، عظيم ms2983 الجسم، قصير الساقين، ~~كان ركاب سرجه يقارب الشبر، وكان طويل الظهر، وهو أول من تلقب من الأمويين ~~بألقاب الخلفاء، وتسمى بأمير المؤمنين، وخلف أحد عشر ولدا ذكرا، وكان من ~~تقدمه من آبائه يخاطبون ويخطب لهم بالأمير وأبناء الخلائف. وبقي هو كذلك ~~إلى أن مضى من إمارته سبع وعشرون سنة، فلما بلغه ضعف الخلفاء بالعراق وظهور ~~العلويين بإفريقية، ومخاطبتهم بأمير المؤمنين، أمر حينئذ أن يلقب الناصر ~~لدين الله، ويخطب له بأمير المؤمنين؛ ويقول أهل الأندلس إنه أول خليفة ولي ~~بعد جده، وكانت أمه أم ولد اسمها مزنة، ولم يبلغ أحد ممن تلقب بأمير ~~المؤمنين مدته في الخلافة غير المستنصر العلوي صاحب مصر، فإن خلافته كانت ~~ستين سنة. ولما مات ولي الأمر بعده ابنه الحاكم بن عبد الرحمن، وتلقب ~~بالمستنصر، وأمه أم ولد تسمى مرجانة، وخلف الناصر عدة أولاد منهم عبدالله، ~~وكان شافعي المذهب عالما بالشعر والأخبار وغيرهما، وكان ناسكا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سار قفل عظيم من إنطاكية إلى طرسوس ومعهم صاحب إنطاكية، ~~فخرج عليهم كمين للروم فأخذ من كان فيها من المسلمين، وقتل كثيرا منهم، ~~وأفلت صاحب إنطاكية وبه جراحات. وفيها، في رمضان، دخل نجا غلام سيف الدولة ~~بلاد الروم من ناحية ميافارقين غازيا، وإنه في رمضان غنم ما قيمته قيمة ~~عظيمة، وسبى، وأسر، وخرج سالما. وفيها مات القاضي أبو السائب عتبة بن ~~عبدالله، وقبضت أملاكه، وتولى قضاء القضاة أبو العباس بن عبدالله بن الحسن ~~بن أبي الشوارب، وضمن أن يؤدي كل سنة مائتي ألف درهم، وهو أول من ضمن ~~القضاء، وكان ذلك أيام معز الدولة، ولم يسمع بذلك قبله، فلم يأذن له ~~الخليفة المطيع لله بالدخول عليه، وأمر بأن لا يحضر الموكب لما ارتكبه من ~~ضمان القضاء، ثم ضمنت بعده الحسبة والشرطة ببغداد. وفيها وصل أبو القاسم ~~أخو عمران بن شاهين إلى معز الدولة مستأمنا. وفيها توفي القاضي أبو بكر ~~أحمد بن كامل، وهو من أصحاب الطبري، وكان يروي تاريخه. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ms2984 وثلاثمائة # ### || AUT ذكر استيلاء الروم على عين زربة # PageV04P0031 # في هذه السنة، في المحرم، نزل الروم مع الدمستق على عين زربة، وهي في سفح ~~جبل عظيم، وهو مشرف عليها، وهم في جمع عظيم، فأنفذ بعض عسكره فصعدوا الجبل ~~فملكوه، فلما رأى ذلك أهلها، وأن الدمستق قد ضيق عليهم ومعه الدبابات، وقد ~~وصل إلى السور، وشرع في النقب، طلبوا الأمان فأمنهم الدمستق، وفتحوا له باب ~~المدينة، فدخلها، فرأى أصحابه الذين في الجبل قد نزلوا إلى المدينة، فندم ~~على إجابتهم إلى الأمان. ونادى في البلد، أول الليل، بأن يخرج جميع أهله ~~إلى المسجد الجامع، ومن تأخر في منزله قتل، فخرج من أمكنه الخروج فلما أصبح ~~أنفذ رجالته في المدينة، وكانوا ستين ألفا، وأمرهم بقتل من وجدوه في منزله، ~~فقتلوا خلقا كثيرا من الرجال والنساء والصبيان، وأمر بجمع ما في البلد من ~~السلاح، فجمع، فكان شيئا كثيرا. وأمر من في المسجد بأن يخرجوا من البلد حيث ~~شاؤوا، يومهم ذلك، ومن أمسى قتلن فخرجوا مزدحمين، فمات بالزحمة جماعة، ~~ومروا على وجوههم لا يدرون أين يتوجهون، فماتوا في الطرقات، وقتل الروم من ~~وجدوه بالمدينة آخر النهار، وأخذوا كل ما خلفه الناس من أموالهم وأمتعتهم، ~~وهدموا سوري المدينة. وأقام الدمستق في بلد الإسلام أحدا وعشرين يوما، وفتح ~~حول عين زربة أربعة وخمسين حصنا للمسلمين بعضها بالسيف وبعضها بالأمان، وإن ~~حصنا من تلك الحصون التي فتحت بالأمان أمر أهله بالخروج منه فخرجوا، فتعرض ~~أحد الأرمن لبعض حرم المسلمين، فلحق المسلمين غيرة عظيمة، فجردوا سيوفهم، ~~فاغتاظ الدمستق لذلك فأمر بقتل جميع المسلمين وكانوا أربعمائة رجل، وقتل ~~النساء والصبيان، ولم يترك إلا من يصلح أن يسترق. فلما أدركه الصوم انصرف ~~على أن يعود بعد العيد، وخلف جيشه بقيسارية، وكان ابن الزيات، صاحب طرسوس، ~~قد خرج في أربعة آلاف رجل من الطرسوسيين، فأوقع بهم الدمستق، فقتل أكثرهم، ~~وقتل أخا لابن الزيات، فعاد إلى طرسوس، وكان قد قطع الخطبة لسيف الدولة بن ~~حمدان، فلما أصابهم هذا الوهن أعاد أهل البلد الخطبة لسيف ms2985 الدولة وراسلوه ~~بذلك، فلما علم ابن الزيات حقيقة الأمر صعد إلى روشن في داره فألقى نفسه ~~منه إلى نهر تحته. فغرق وراسل أهل بغراس الدمستق، وبذلوا له مائة ألف درهم، ~~فأقرهم وترك معارضتهم. ### || AUT ذكر استيلاء الروم على مدينة حلب # ### || AUT وعودهم عنها بغير سبب # في هذه السنة استولى الروم على مدينة حلب دون قلعتها. وكان سبب ذلك أن ~~الدمستق سار إلى حلب، ولم يشعر به المسلمون، لأنه كان قد خلف عسكره ~~بقيسارية ودخل بلادهم كما ذكرناه، فلما قضى صوم النصارى خرج إلى عسكره من ~~البلاد جريدة، ولم يعلم به أحد، وسار هم عند وصوله، فسبق خبره، وكبس مدينة ~~حلب، ولم يعلم به سيف الدولة ابن حمدان ولا غيره. فلما بلغها وعلم سيف ~~الدولة الخبر أعجله الأمر عن الجمع والاحتشاد، فخرج إليه فيمن معه، فقاتله ~~فلم يكن له قوة الصبر لقلة من معه، فقتل أكثرهم، ولم يبق من أولاد داود بن ~~حمدان أحد، قتلوا جميعهم، فانهزم سيف الدولة في نفر يسير، وظفر الدمستق ~~بداره، وكانت خارج مدينة حلب، تسمى الدارين، فوجد فيها لسيف الدولة ~~ثلاثمائة بدرة من الدراهم، وأخذ له ألفا وأربعمائة بغل، ومن خزائن السلاح ~~ما لا يحصى، فأخذ الجميع، وخرب الدار، وملك الحاضر، وحصر المدينة، فقاتله ~~أهلها. وهدم الروم في السور ثلمة، فقاتلهم أهل حلب عليها، فقتل من الروم ~~كثير، ودفعوهم عنها، فلما جنهم الليل عمروها، فلما رأى الروم ذلك تأخروا ~~إلى جبل جوشن. ثم إن رجالة الشرطة بحلب قصدوا منازل الناس، وخانات التجار ~~لينهبوها، فلحق الناس أموالهم ليمنعوها، فخلا السور منهم، فلما رأى الروم ~~السور خاليا من الناس قصدوه وقربوا منه، فلم يمنعهم أحد، فصعدوا إلى أعلاه ~~فرأوا الفتنة قائمة في البلد بين أهله، فنزلوا وفتحوا الأبواب، ودخلوا ~~البلد بالسيف يقتلون من وجدوا، ولم يرفعوا السيف إلى أن تعبوا وضجروا. ~~PageV04P0032 # وكان في حلب ألف وأربعمائة من الأسرى، فتخلصوا، وأخذوا السلاح، وقتلوا ~~الناس، وسبي من البلد بضعة عشر ألف صبي وصبية، وغنموا ما لا يوصف كثرة، ~~فلما لم ms2986 يبق مع الروم ما يحملون عليه الغنيمة أمر الدمستق بإحراق الباقي، ~~وأحرق المساجد، وكان قد بذل لأهل البلد الأمان على أن يسلموا إليه ثلاثة ~~آلاف صبي وصبية ومالا ذكره، وينصرف عنهم، فلم يجيبوه إلى ذلك، فملكهم كما ~~ذكرنا، وكان عدة عسكره مائتي ألف رجل، منهم ثلاثون ألف رجل بالجواشن، ~~وثلاثون ألفا للهدم وإصلاح الطرق من الثلج، وأربعة آلاف بغل يحمل الحسك ~~الحديد. ولما دخل الروم البلد قصد الناس القلعة، فمن دخلها نجا بحشاشة ~~نفسه، وأقام الدمستق تسعة أيام، وأراد الانصراف عن البلد بما غنم، فقال له ~~ابن أخت الملك، وكان معه: هذا البلد قد حصل في أيدينا، وليس من يدفعنا عنه، ~~فلأي سبب ننصرف عنه ؟ فقال الدمستق: قد بلغنا ما لم يكن الملك يؤمله، ~~وغنمنا، وقتلنا، وخربنا، وأحرقنا، وخلصنا أسرانا، وبلغنا ما لم يسمع بمثله؛ ~~فتراجعا الكلام إلى أن قال له الدمستق: انزل على القلعة فحاصرها، فإنني ~~مقيم بعسكري على باب المدينة؛ فتقدم ابن أخت الملك إلى القلعة، ومعه سيف ~~وترس، وتبعه الروم، فلما قرب من باب القلعة ألقي عليه حجر فسقط، ورمي بخشب ~~فقتل، فأخذه أصحابه وعادوا إلى الدمستق، فلما رآه قتيلا قتل من معه من أسرى ~~المسلمين، وكانوا ألفا ومائتي رجل، وعاد إلى بلاده، ولم يعرض لسواد حلب، ~~وأمر أهله بالزراعة والعمارة ليعود إليهم بزعمه. ### || AUT ذكر استيلاء ركن الدولة بن بويه على طبرستان وجرجان # في هذه السنة، في المحرم، سار ركن الدولة إلى طبرستان، وبها وشمكير، ~~فنزل على مدينة سارية فحصرها وملكها، ففارق حينئذ وشمكير طبرستان وقصد ~~جرجان، فأقام ركن الدولة بطبرستان إلى أن ملكها كلها، وأصلح أمورها، وسار ~~في طلب وشمكير إلى جرجان، فأزاح وشمكير عنها، واستولى عليها، واستأمن إليه ~~من عسكر وشمكير ثلاثة آلاف رجل، فازداد قوة، وازداد وشمكير ضعفا ووهنا فدخل ~~بلاد الجيل. ### || AUT ذكر ما كتب على مساجد بغداد # في هذه السنة، في ربيع الآخر، كتب عامة الشيعة ببغداد، بأمر معز الدولة، ~~على المساجد ما هذه صورته: لعن الله معاوية بن أبي سفيان، ms2987 ولعن من غصب ~~فاطمة، رضي الله عنها، فدكا، ومن منع من أن يدفن الحسن عند قبر جده، عليه ~~السلام، ومن نفى أبا ذر الغفاري، ومن أخرج العباس من الشورى، فأما الخليفة ~~فكان محكوما عليه لا يقدر على المنع، وأما معز الدولة فبأمره كان ذلك. فلما ~~كان الليل حكه بعض الناس، فأراد معز الدولة إعادته، وأشار عليه الوزير أبو ~~محمد المهلبي بأن يكتب مكان ما محي: لعن الله الظالمين لآل رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، ولا يذكر أحدا في اللعن إلا معاوية، ففعل ذلك. ### || AUT ذكر فتح طبرمين من صقلية # وفي هذه السنة سارت جيوش المسلمين بصقلية، وأميرهم حينئذ أحمد ابن الحسن ~~بن علي بن أبي الحسين، إلى قلعة طبرمين من صقلية أيضا، وهي بيد الروم، ~~فحصروها، وهي من أمنع الحصون وأشدها على المسلمين، فامتنع أهلها، ودام ~~الحصار عليهم، فلما رأى المسلمون ذلك عمدوا إلى الماء الذي يدخلها فقطعوه ~~عنها، وأجروه إلى مكان آخر، فعظم الأمر عليهم، وطلبوا الأمان، فلم يجابوا ~~إليه، فعادوا وطلبوا أن يؤمنوا على دمائهم، ويكونوا رقيقا للمسلمين، ~~وأموالهم فيئا، فأجيبوا إلى ذلك، وأخرجوا من البلد، وملكه المسلمون في ذي ~~القعدة. وكانت مدة الحصار سبعة أشهر ونصفا، وأسكنت القلعة نفرا من ~~المسلمين، وسميت العزية، نسبة إلى المعز العلوي صاحب إفريقية، وسار جيش إلى ~~رمطة مع الحسن بن عمار، فحصروها وضيقوا عليها، فكان ما نذكره سنة ثلاث ~~وخمسين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الأول، أرسل الأمير منصور بن نوح، صاحب خراسان ~~وما وراء النهر، إلى بعض قواده الكبار، واسمه الفتكين، يستدعيه، فامتنع، ~~فأنفذ إليه جيشا، فلقيهم الفتكين فهزمهم، وأسر وجوه القواد منهم، وفيهم خال ~~منصور. وفيها، في منتصف ربيع الأول أيضا، انخسف القمر جميعه وفيها، في ~~جمادى الأولى، كانت فتنة بالبصرة وبهمذان أيضا بين العامة بسبب المذاهب، ~~قتل فيها خلق كثير. وفيها أيضا فتح الروم حصن دلوك وثلاثة حصون مجاورة له ~~بالسيف. PageV04P0033 # وفيها لقب الخليفة المطيع لله فناخسرو بن ركن الدولة بعضد الدولة. ms2988 وفيها، ~~في جمادى الآخرة، أعاد سيف الدولة بناء عين زربة، وسير حاجبه في جيش مع أهل ~~طرسوس إلى بلاد الروم، فغنموا، وقتلوا، وسبوا وعادوا، فقصد الروم حصن سيسية ~~فملكوه. وفيها سار نجا غلام سيف الدولة في جيش إلى حصن زياد، فلقيه جمع من ~~الروم، فهزمهم، واستأمن إليه الروم من خمسمائة رجل. وفيها، في شوال، أسرت ~~الروم أبا فراس بن سعيد بن حمدان من منبج، وكان متقلدا لها، وله ديوان شعر ~~جيد. وفيها سار جيش من الروم في البحر إلى جزيرة أقريطش، فأرسل أهلها إلى ~~المعز لدين الله العلوي صاحب إفريقية يستنجدونه، فأرسل إليهم نجدة، فقاتلوا ~~الروم، فانتصر المسلمون، وأسر من كان بالجزيرة من الروم. وفيها توفي أبو ~~بكر محمد بن الحسن بن زياد النقاش المقرئ، صاحب كتاب شفاء الصدور؛ وعبد ~~الباقي بن قانع مولى بني أمية، وكان مولده سنة خمس وتسعين ومائتين؛ ودعلج ~~بن أحمد السجزي العدل؛ وأبو عبدالله محمد بن أبي موسى الهاشمي. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر عصيان أهل حران # في هذه السنة، في صفر، امتنع أهل حران على صاحبها هبة الله بن ناصر ~~الدولة بن حمدان، وعصوا عليه. وسبب ذلك أنه كان متقلدا لها ولغيرها من ديار ~~مضر من قبل عمه سيف الدولة، فعسفهم نوابه وظلموهم، وطرحوا الأمتعة على ~~التجار من أهل حران، وبالغوا في ظلمهم. وكان هبة الله عند عمه سيف الدولة ~~بحلب، فثار أهلها على نوابه وطردوهم، فسمع هبة الله بالخبر، فسار إليهم ~~وحاربهم، وحصرهم، فقاتلهم وقاتلوه أكثر من شهرين، فقتل منهم خلق كثير، فلما ~~رأى سيف الدولة شدة الأمر واتصال الشر قرب منهم وراسلهم، وأجابهم إلى ما ~~يريدون، فاصطلحوا وفتحوا أبواب البلد، وهرب منه العيارون خوفا من هبة الله. ### || AUT ذكر وفاة الوزير أبي محمد المهلبي # في هذه السنة سار الوزير أبو محمد المهلبي، وزير معز الدولة، في جمادى ~~الآخرة، في جيش كثيف إلى عمان ليفتحها، فلما بلغ البحر اعتل، واشتدت علته، ~~فأعيد إلى بغداد، فمات في الطريق في شعبان، ms2989 وحمل تابوته إلى بغداد فدفن ~~بها، وقبض معز الدولة أمواله وذخائره وكل ما كان له، وأخذ أهله وأصحابه ~~وحواشيه، حتى ملاحه، ومن خدمه يوما واحدا، فقبض عليهم وحبسهم، فاستعظم ~~الناس ذلك واستقبحوه. وكانت مدة وزارته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكان ~~كريما فاضلا ذا عقل ومروة، فمات بموته الكرم. ونظر في الأمور بعده أبو ~~الفضل العباس بن الحسين الشيرازي، وأبو الفرج محمد بن العباس بن فسانجس من ~~غير تسمية لأحدهما بوزارة. ### || AUT ذكر غزوة إلى الروم وعصيان حران # في هذه السنة، في شوال، دخل أهل طرسوس بلاد الروم غازين، ودخلها أيضا ~~نجا غلام سيف الدولة بن حمدان من درب آخر، ولم يكن سيف الدولة معهم لمرضه، ~~فإنه كان قد لحقه، قبل ذلك بسنتين، فالج، فأقام على رأس درب من تلك الدروب، ~~فأوغل أهل طرسوس في غزوتهم حتى وصلوا إلى قونية، وعادوا، فرجع سيف الدولة ~~إلى حلب، فلحقه في الطريق غشية أرجف عليه الناس بالموت، فوثب هبة الله ابن ~~أخيه ناصر الدولة بن حمدان بابن دنجا النصراني فقتله، وكان خصيصا بسيف ~~الدولة، وإنما قتله لأنه كان يتعرض لغلام له، فغار لذلك. ثم أفاق سيف ~~الدولة، فلما علم هبة الله أن عمه لم يمت هرب إلى حران، فلما دخلها أظهر ~~لأهلها أن عمه مات، وطلب منهم اليمين على أن يكونوا سلما لمن سالمه، وحربا ~~لن حاربه، فحلفوا له، واستثنوا عمه في اليمن، فأرسل سيف الدولة غلامه نجا ~~إلى حران في طلب هبة الله، فلما قاربها هرب هبة الله إلى أبيه بالموصل، ~~فنزل نجا على حران في السابع والعشرين من شوال، فخرج أهلها إليه من الغد، ~~فقبض عليهم، وصادرهم على ألف ألف درهم، ووكل بهم حتى أدوها في خمسة أيام، ~~بعد الضرب الوجيع بحضرة عيالاتهم وأهليهم، فأخرجوا أمتعتهم فباعوا كل ما ~~يساوي دينارا بدرهم، لأن أهل البلد كلهم كانوا يبيعون ليس فيهم من يشتري ~~لأنهم مصادرون، فاشترى ذلك أصحاب نجا بما أرادوا، وافتقر أهل البلد، وسار ~~نجا إلى ميافارقين، وترك حران شاغرة بغير ms2990 وال، فتسلط العيارون على أهلها، ~~وكان من أمر نجا ما نذكره سنة ثلاث وخمسين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV04P0034 # في هذه السنة عاشر المحرم أمر معز الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم، ~~ويبطلوا الأسواق والبيع والشراء، وأن يظهروا النياحة، ويلبسوا قبابا عملوها ~~بالمسوح، وأن يخرج النساء منشرات الشعور، مسودات الوجوه، قد شققن ثيابهن، ~~يدرن في البلد بالنوائح، ويلطمن وجوههن على الحسين بن علي، رضي الله عنهما، ~~ففعل الناس ذلك، ولم يكن للسنة قدرة على المنع منه لكثرة الشيعة، ولأن ~~السلطان معهم. وفيها، في ربيع الأول، اجتمع من رجالة الأرمن جماعة كثيرة، ~~وقصدوا الرها فأغاروا عليها، فغنموا، وأسروا، وعادوا موفورين. وفيها عزل ~~ابن أبي الشوارب عن قضاء بغداد، وتقلد مكانه أبو بشر عمرو ابن أكثم، وعفي ~~عما كان يحمله ابن أبي الشوارب من الضمان عن القضاء، وأمر بإبطال أحكامه ~~وسجلاته. وفيها، في شعبان، ثار الروم بملكهم فقتلوه وملكوا غيره، وصار ابن ~~شمشقيق دمستقا، وهو الذي يقوله العامة ابن الشمشكي. وفيها، في ثامن عشر ذي ~~الحجة، أمر معز الدولة بإظهار الزينة في البلد، وأشعلت النيران بمجلس ~~الشرطة، وأظهر الفرح، وفتحت الأسواق بالليل، كما يفعل ليالي الأعياد، فعل ~~ذلك فرحا بعيد الغدير، يعني غدير خم، وضربت الدبادب والبوقات، وكان يوما ~~مشهودا. وفيها، في ذي الحجة الواقع في كانون الثاني، خرج الناس في العراق ~~للاستسقاء لعدم المطر. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر عصيان نجا وقتله # ### || AUT وملك سيف الدولة بعض أرمينية # قد ذكرنا سنة اثنتين وخمسين ما فعله نجا غلام سيف الدولة بن حمدان بأهل ~~حران، وما أخذه من أموالهم، فلما اجتمعت عنده تلك الأموال قوي بها وبطر، ~~ولم يشكر ولي نعمته بل كفره، وسار إلى ميافارقين، وقصد بلاد أرمينية، وكان ~~قد استولى على كثير منها رجل من العرب يعرف بأبي الورد، فقاتله نجا، فقتل ~~أبو الورد وأخذ نجا قلاعه وبلاده: خلاط وملازكرد وموش وغيرها، وحصل له من ~~أموال أبي الورد شيء كثير، فأظهر العصيان على سيف الدولة. فاتفق أن معز ~~الدولة ms2991 بن بويه سار من بغداد إلى الموصل، ونصيبين، واستولى عليها، وطرد ~~عنها ناصر الدولة على ما ذكرناه آنفا، فكاتبه نجا وراسله، وهو بنصيبين، ~~يعده المعاضدة والمساعدة على مواليه بني حمدان، فلما عاد معز الدولة إلى ~~بغداد واصطلح هو وناصر الدولة سيف الدولة إلى نجا ليقاتله على عصيانه عليه، ~~وخروجه عن طاعته، فلما وصل إلى ميافارقين هرب نجا من بين يديه، فملك سيف ~~الدولة بلاده وقلاعه التي أخذها من أبي الورد، واستأمن إليه جماعة من أصحاب ~~نجا فقتلهم، واستأمن إليه أخو نجا، فأحسن إليه وأكرمه، وأرسل إلى نجا يرغبه ~~ويرهبه إلى أن حضر عنده، فأحسن إليه وأعاده إلى مرتبته. ثم إن غلمان سيف ~~الدولة وثبوا على نجا في دار سيف الدولة بميافارقين، في ربيع الأول سنة ~~أربع وخمسين، فقتلوه بين يديه، فغشي على سيف الدولة، وأخرج نجا فألقي في ~~مجرى الماء والأقذار، وبقي إلى الغد ثم أخرج ودفن. ### || AUT ذكر حصر الروم المصيصة ووصول الغزاة من خراسان # في هذه السنة حصر الروم مع الدمستق المصيصة، وقاتلوا أهلها، ونقبوا ~~سورها، واشتد قتال أهلها على النقب حتى دفعهم عنه بعد قتال عظيم، وأحرق ~~الروم رستاقها ورستاق أذنه وطرسوس لمساعدتهم أهلها، فقتل من المسلمين خمسة ~~عشر ألف رجل، وأقام الروم في بلاد الإسلام خمسة عشر يوما لم يقصدهم من ~~يقاتلهم، فعادوا لغلاء الأسعار وقلة الأقوات. ثم إن إنسانا وصل إلى الشام ~~من خراسان يريد الغزاة ومعه نحو خمسة آلاف رجل، وكان طريقهم على أرمينية ~~وميارفارقين، فلما وصلوا إلى سيف الدولة في صفر أخذهم سيف الدولة وسار بهم ~~نحو بلاد الروم لدفعهم عن المسلمين، فوجدوا الروم قد عادوا، فتفرق الغزاة ~~الخراسانية في الثغور لشدة الغلاء، وعاد أكثرهم إلى بغداد ومنها إلى ~~خراسان. ولما أراد الدمستق العود إلى بلاد الروم أرسل إلى أهل المصيصة ~~وأذنه وطرسوس: إني منصرف عنكم لا لعجز، ولكن لضيق العلوفة وشدة الغلاء، ~~وأنا عائد إليكم، فمن انتقل منكم فقد نجا، ومن وجدته بعد عودي قتله. ### || AUT ذكر ملك معز الدولة الموصل # ### || AUT ms2992 وعوده عنها # في هذه السنة، في رجب، سار معز الدولة من بغداد إلى الموصل وملكها. ~~PageV04P0035 # وسبب ذلك أن ناصر الدولة كان قد استقر الصلح بينه وبين معز الدولة على ~~ألف ألف درهم يحملها ناصر الدولة كل سنة، فلما حصلت الإجابة من معز الدولة ~~بذل زيادة ليكون اليمين أيضا لولده أبي تغلب فضل الله الغضنفر معه، وأن ~~يحلف معز الدولة لهما، فلم يجب إلى ذلك، وتجهز معز الدولة وسار إلى الموصل ~~في جمادى الآخرة، فلما قاربها سار ناصر الدولة إلى نصيبين، ووصل معز الدولة ~~إلى الموصل وملكها في رجب، وسار يطلب ناصر الدولة حادي عشر شعبان، واستخلف ~~على الموصل أبا العلاء صاعد بن ثابت ليحمل الغلات ويجبي الخراج، وخلف ~~بكتوزون وسبكتكين العجمي في جيش ليحفظ البلد. فلما قارب معز الدولة نصيبين ~~فارقها ناصر الدولة، وملك معز الدولة نصيبين، ولم يعلم أي جهة قصد ناصر ~~الدولة، فخاف أن يخالفه إلى الموصل، فعاد عن نصيبين نحو الموصل، وترك بها ~~من يحفظها، وكان أبو تغلب بن ناصر الدولة قد قصد الموصل، وحارب من بها من ~~أصحاب معز الدولة، وكانت الدائرة عليه، فانصرف بعد أن أحرق السفن التي لمعز ~~الدولة وأصحابه. ولما انتهى الخبر إلى معز الدولة بظفر أصحابه سكنت نفسه، ~~وأقام ببرقعيد يتوقع أخبار ناصر الدولة، فبلغه أنه نزل بجزيرة ابن عمر، ~~فرحل عن برقعيد إليها، فوصلها سادس شهر رمضان، فلم يجد بها ناصر الدولة، ~~فملكها، وسأل عن ناصر الدولة فقيل: إنه بالحسنية، ولم يكن كذلك، وإنما كان ~~قد اجتمع هو وأولاده وعساكره وسار نحو الموصل، فأوقع بمن فيها من أصحاب معز ~~الدولة، فقتل كثيرا منهم، وأسر كثيرا، وفي الأسرى أبو العلاء، وسبكتكين، ~~وبكتوزون، وملك جميع ما خلفه معز الدولة من مال وسلاح وغير ذلك، وحمل جميعه ~~مع الأسرى إلى قلعة كواشى. فلما سمع معز الدولة بما فعله ناصر الدولة سار ~~يقصده، فرحل ناصر الدولة إلى سنجار، فلما وصل معز الدولة بلغه مسير ناصر ~~الدولة إلى سنجار، فعاد إلى نصيبين، فسار أبو تغلب بن ms2993 ناصر الدولة إلى ~~الموصل، فنزل بظاهرها عند الدير الأعلى، ولم يتعرض إلى أحد ممن بها من ~~أصحاب معز الدولة، فلما سمع معز الدولة بنزول أبي تغلب بالموصل سار إليها، ~~ففارقها أبو تغلب وقصد الزاب فأقام عنده، وراسل معز الدولة في الصلح، ~~فأجابه لأنه علم أنه متى فارق الموصل عادوا وملكوها، ومتى أقام بها لا يزال ~~مترددا وهم يغيرون على النواحي، فأجابه إلى ما التمسه، وعقد عليه ضمان ~~الموصل وديار ربيعة والرحبة وما كان في يد أبيه بمال قرره، وأن يطلق من ~~عندهم من الأسرى، فاستقرت القواعد على ذلك، ورحل معز الدولة إلى بغداد، ~~وكان معه في سفرته هذه ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة. ### || AUT ذكر حال الداعي العلوي # كان قد هرب أبو عبدالله محمد بن الحسين المعروف بابن الداعي من بغداد، ~~وهو حسني من أولاد الحسن بن علي، رضي الله عنهما، وسار نحو بلاد الديلم، ~~وترك أهله وعياله ببغداد، فلما وصل إلى بلاد الديلم اجتمع عليه عشرة آلاف ~~رجل، فهرب ابن الناصر العلوي من بين يديه، وتلقب ابن الداعي بالمهدي لدين ~~الله، وعظم شأنه، وأوقع بقائد كبير من قواد وشمكير فهزمه. ### || AUT ذكر حصر الروم طرسوس والمصيصة # وفي هذه السنة أيضا نزل ملك الروم على طرسوس وحصرها، وجرى بينهم وبين ~~أهلها حروب كثيرة سقط في بعضها الدمستق بن الشمشقيق إلى الأرض، وكاد يؤسر، ~~فقاتل عليه الروم وخلصوه، وأسر أهل طرسوس بطريقا كبيرا من بطارقة الروم، ~~ورحل الروم عنهم، وتركوا عسكرا على المصيصة مع الدمستق، فحصرها ثلاثة أشهر ~~لم يمنعهم منها أحد، فاشتد الغلاء على الروم، وكان شديدا قبل نزولهم، فلهذا ~~طمعوا في البلاد لعدم الأقوات عندهم، فلما نزل الروم زاد شدة، وكثر الوباء ~~أيضا، فمات من الروم كثير فاضطروا إلى الرحيل. ### || AUT ذكر فتح رمطة والحرب بين المسلمين والروم بصقلية # قد ذكرنا سنة إحدى وخمسين فتح طرمين وحصر رمطة والروم فيها، فلما رأى ~~الروم ذلك خافوا وأرسلوا إلى ملك القسطنطينية يعلمونه الحال، ويطلبون منه ~~أن ينجدهم بالعساكر، فجهز ms2994 إليهم عسكرا عظيما يزيدون على أربعين ألف مقاتل، ~~وسيردهم في البحر، فوصلت الأخبار إلى الأمير أحمد أمير صقلية، فأرسل إلى ~~المعز بإفريقية يعرفه ذلك ويستمده، ويسأل إرسال العساكر إليه سريعا، وشرع ~~هو في إصلاح الأسطول، والزيادة فيه، وجمع الرجال المقاتلة في البر والبحر. ~~PageV04P0036 # وأما المعز فإنه جمع الرجال، وحشد، وفرق فيهم الأموال الجليلة، وسيرهم مع ~~الحسن بن علي، والد أحمد، فوصلوا إلى صقلية في رمضان، وسار بعضهم إلى الذين ~~يحاصرون رمطة، فكانوا معهم على حصارهم. فأما الروم فإنهم وصلوا أيضا إلى ~~صقلية، ونزلوا عند مدينة مسيني في شوال، وزحفوا منها بجموعهم التي لم يدخل ~~صقلية مثلها إلى رمطة، فلما سمع الحسن بن عمار مقدم الجيش الذين يحاصرون ~~رمطة ذلك، جعل عليها طائفة من عسكره يمنعون من يخرج منها، وبرز بالعساكر ~~للقاء الروم وقد عزموا على الموت، ووصل الروم وأحاطوا بالمسلمين. ونزل أهل ~~رمطة إلى من يليهم ليأتوا المسلمين من ظهورهم، فقاتلهم الذين جعلوا هناك ~~لمنعهم، وصدوهم عما أرادوا، وتقدم الروم إلى القتال، وهم مدلون بكثرتهم ~~وبما معهم من العدد وغيرها، والتحم القتال وعظم الأمر على المسلمين، ~~وألحقهم العدو بخيامهم، وأيقن الروم بالظفر، فلما رأى المسلمون عظم ما نزل ~~بهم اختاروا الموت، ورأوا أنه أسلم لهم وأخذوا بقول الشاعر: تأخرت أستبقي ~~الحياة، فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما فحمل بهم الحسن بن عمار ~~أميرهم، وحمي الوطيس حينئذ، وحرضهم على قتال الكفار، وكذلك فعل بطارقة ~~الروم، حملوا، وحرضوا عساكرهم. وحمل منويل مقدم الروم، فقتل في المسلمين، ~~فطعنه المسلمون، فلم يؤثر فيه لكثرة ما عليه من اللباس، فرمى بعضهم فرسه ~~فقتله، واشتد القتال عليه، فقتل هو وجماعة من بطارقته، فلما قتل انهزم ~~الروم أقبح هزيمة، وأكثر المسلمون فيهم القتل، ووصل المنهزمون إلى جرف خندق ~~عظيم كالحفرة، فسقطوا فيها من خوف السيف، فقتل بعضهم بعضا حتى امتلأت، ~~وكانت الحرب من بكرة إلى العصر، وبات المسلمون يقاتلونهم في كل ناحية، ~~وغنموا من السلاح والخيل، وصنوف الأموال، ما لا يحد. وكان في جملة الغنيمة ~~سيف ms2995 هندي عليه مكتوب: هذا سيف هندي وزنه مائة وسبعون مثقالا طالما ضرب به ~~بين يدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم ؛ فأرسل إلى المعز مع الأسرى ~~والرؤوس، وسار من سلم من الروم إلى ريو. وأما أهل رمطة فإنهم ضعفت نفوسهم، ~~وكانت الأقوات قد قلت عندهم، فأخرجوا من فيها من الضعفاء، وبقي المقاتلة، ~~فزحف إليهم المسلمون وقاتلوهم إلى الليل، ولزموا القتال في الليل أيضا، ~~وتقدموا بالسلاليم فملكوها عنوة، وقتلوا من فيها، وسبوا الحرم والصغار، ~~وغنموا ما فيها، وكان شيئا كثيرا عظيما، ورتب فيها من المسلمين من يعمرها ~~ويقيم فيها. ثم إن الروم تجمع من سلم منهم، وأخذوا معهم من في صقلية وجزيرة ~~ريو منهم، وركبوا مراكبهم يحفظون نفوسهم، فركب الأمير أحمد في عساكره ~~وأصحابه في المراكب أيضا، وزحف إليهم في الماء وقاتلهم، واشتد القتال ~~بينهم، وألقى جماعة من المسلمين نفوسهم في الماء، وخرقوا كثيرا من المراكب ~~التي للروم، فغرقت، وكثر القتل في الروم، فانهزموا لا يلوي أحد على أحد، ~~وسارت سرايا المسلمين في مدائن الروم، فغنموا منها، فبذل أهلها لهم من ~~الأموال، وهادنوهم، وكان ذلك سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وهذه الوقعة ~~الأخيرة هي المعروفة بوقعة المجاز. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، عاشر المحرم، أغلقت الأسواق ببغداد، يوم عاشوراء، وفعل ~~الناس ما تقدم ذكره، فثارت فتنة عظيمة بين الشيعة والسنة جرح فيها كثير، ~~ونهبت الأموال. وفيها، في ذي الحجة، ظهر بالكوفة إنسان ادعى أنه علوي، وكان ~~مبرقعا، فوقع بينه وبينه أبي الحسن محمد بن عمر العلوي وقائع، فلما عاد معز ~~الدولة من الموصل هرب المبرقع. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وخمسين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر استيلاء الروم على المصيصة وطرسوس # في هذه السنة فتح الروم المصيصة وطرسوس. وكان سبب ذلك أن نقفور ملك ~~الروم بنى بقيسارية مدينة ليقرب من بلاد الإسلام، وأقام بها، ونقل أهله ~~إليها، فأرسل إليه أهل طرسوس والمصيصة يبذلون له إتاوة، ويطلبون منه أن ~~ينفذ إليهم بعض أصحابه يقيم عندهم، فعزم على إجابتهم إلى ذلك. PageV04P0037 # فأتاه الخبر بأنهم ms2996 قد ضعفوا وعجزوا، وأنهم لا ناصر لهم، وأن الغلاء قد ~~اشتد عليهم، وقد عجزوا عن القوت، وأكلوا الكلاب والميتة، وقد كثر فيهم ~~الوباء، فيموت منهم في اليوم نحو ثلاثمائة نفس، فعاد نقفور عن إجابتهم، ~~وأحضر الرسول وأحرق الكتاب على رأسه، واحترقت لحيته، وقال لهم أنتك كالحية، ~~في الشتاء تخدر وتذبل حتى تكاد تموت، فإن أخذها إنسان، وأحسن إليها، ~~وادفأها انتعشت ونهشته، وأنتم إنما أطعتم لضعفكم، وإن تركتكم حتى تستقيم ~~أحوالكم تأذيت بكم. وأعاد الرسول، وجمع جيوش الروم وسار إلى المصيصة بنفسه، ~~فحاصرها وفتحها عنوة بالسيف يوم السبت ثالث عشر رجب، ووضع السيف فيهم، فقتل ~~منهم مقتلة عظيمة، ثم رفع السيف ونقل كل من بها إلى بلد الروم، كانوا نحو ~~مائتي ألف إنسان. ثم سار طرسوس فحصرها، فأذعن أهلها بالطاعة، وطلبوا ~~الأمان، فأجابهم إليه، وفتحوا البلد، فلقيهم بالجميل، وأمرهم أن يحملوا من ~~سلاحهم وأموالهم ما يطيقون ويتركوا الباقي، ففعلوا ذلك، وساروا برا وبحرا، ~~وسير معهم من يحميهم حتى بلغوا إنطاكية. وجعل الملك المسجد الجامع إصطبلا ~~لدوابه، وأحرق المنبر، وعمر طرسوس وحصنها، وجلب الميرة إليها حتى رخصت ~~الأسعار، وتراجع إليها كثير من أهلها، ودخلوا في طاعة الملك، وتنصر بعضهم. ~~وأراد المقام بها ليقرب من بلاد الإسلام، ثم عاد إلى القسطنطينية، وأراد ~~الدمستق، وهو ابن الشمشقيق، أن يقصد ميافارقين، وبها سيف الدولة، فأمره ~~الملك باتباعه إلى القسطنطينية، فمضى إليه. ### || AUT ذكر مخالفة أهل إنطاكية على سيف الدولة # وفي هذه السنة عصى أهل إنطاكية على سيف الدولة بن حمدان. وكان سبب ذلك ~~أن إنسانا من أهل طرسوس كان مقدما فيها، يسمى رشيقا النسيمي، كان في جملة ~~من سلمها إلى الروم وخرج إلى إنطاكية، فلما وصلها خدمه إنسان يعرف بابن ~~الأهوازي كان يضمن الأرحاء بإنطاكية، فسلم إليه ما اجتمع عنده من حاصل ~~الأرحاء، وحسن له العصيان، وأعلمه أن سيف الدولة بميافارقين قد عجز عن ~~العود إلى الشام فعصى واستولى على إنطاكية، وسار إلى حلب، وجرى بينه وبين ~~النائب عن سيف الدولة، وهو قرعويه، حروب كثيرة، ms2997 وصعد قرعويه إلى قلعة حلب، ~~فتحصن بها، وأنفذ سيف الدولة عسكرا مع خادمه بشارة نجدة لقرعويه، فلما علم ~~بهم رشيق انهزم عن حلب، فسقط عن فرسه، فنزل إليه إنسان عربي فقتله، وأخذ ~~رأسه وحمله إلى قرعويه وبشارة. ووصل ابن الأهوازي إلى إنطاكية، فأظهر ~~إنسانا من الديلم اسمه دزبر، وسماها الأمير، وتقوى بإنسان علوي ليقيم له ~~الدعوة، وتسمى هو بالأستاذ، فظلم الناس، وجمع الأموال، وقصد قرعويه إلى ~~إنطاكية، وجرت بينهما وقعة عظيمة فكانت على ابن الأهوازي أولا، ثم عادت على ~~قرعويه، فانهزم وعاد إلى حلب. ثم إن سيف الدولة عاد عن ميافارقين عند فراغه ~~من الغزاة إلى حلب، فأقام بها ليلة، وخرج من الغد، فواقع دزبر وابن ~~الأهوازي، فقاتل من بها فانهزموا، وأسر دزبر وابن الأهوازي، فقتل دزبر، ~~وسجن ابن الأهوازي مدة ثم قتله. ### || AUT ذكر عصيان أهل سجستان # وفي هذه السنة عصى أهل سجستان على أميرهم خلف بن أحمد، وكان خلف هذا هو ~~صاحب سجستان حينئذ، وكان عالما محبا لأهل العلم، فاتفق أنه حج سنة ثلاث ~~وخمسين وثلاثمائة، واستخلف على أعماله إنسانا من أصحابه يسمى طاهر بن ~~الحسين، فطمع في الملك، وعصى على خلف لما عاد من الحج، فسار خلف إلى بخارى، ~~واستنصر بالأمير منصور بن نوح، وسأله معونته، ورده إلى ملكه، فأنجده وجهز ~~معه العساكر، فسار بهم نحو سجستان، فلما أحس بهم طاهر فارق مدينة خلف وتوجه ~~نحو اسفرار، وعاد خلف إلى قراره وملكه وفرق العساكر. فلما علم طاهر بذلك ~~عاد إليه، وغلب على سجستان، وفارقها خلف، وعاد إلى حضرة الأمير منصور أيضا ~~ببخارى، فأكرمه وأحسن إليه، وأنجده بالعساكر الكثيرة، ورده إلى سجستان، ~~فوافق وصوله موت طاهر، وانتصاب ابنه الحسين مكانه، فحاصره خلف وضايقه، وكثر ~~بينهم القتلى، واستظهر خلف عليه، فلما رأى ذلك كتب إلى بخارى يعتذر ويتنصل، ~~ويظهر الطاعة، ويسأل الإقالة، فأجابه الأمير منصور إلى ما طلبه، وكتب في ~~تمكينه من المسير إليه، فسار من سجستان إلى بخارى، فأحسن الأمير منصور ~~إليه. PageV04P0038 # واستقر خلف بن أحمد بسجستان، ودامت ms2998 أيامه فيها، وكثرت أمواله ورجاله، ~~فقطع ما كان يحمله إلى بخارى من الخلع والخدم والأموال التي استقرت القاعدة ~~عليها، فجهزت العساكر إليه، وجعل مقدمها الحسين بن طاهر بن الحسين المذكور، ~~فساروا إلى سجستان، وحصروا خلف بن أحمد بحصن أرك، وهو من أمنع الحصون ~~وأعلاها محلا وأعمقها خندقا، فدام الحصار عليه سبع سنين. وكان خلف يقاتلهم ~~بأنواع السلاح، ويعمل بهم أنواع الحيل، حتى إنه كان يأمر بصيد الحيات ~~ويجعلها في جراب ويقذفها في المنجنيق إليهم، فكانوا ينتقلون لذلك من مكان ~~إلى مكان. فلما طال ذلك الحصار، وفنيت الأموال والآلات، كتب نوح بن منصور ~~إلى أبي الحسن بن سيمجور الذي كان أمير جيوش خراسان، وكان حينئذ قد عزل ~~عنها على ما سنذكره، يأمره بالمسير إلى خلف ومحاصرته، وكان بقوهستان، فسار ~~منها إلى سجستان، وحصر خلفا، وكان بينهما مودة، فأرسل إليه أبو الحسن يشير ~~عليه بالنزول عن حصن أرك وتسليمه إلى الحسين بن طاهر، ليصير لمن قد حصره من ~~العساكر طريق وحجة يعودون بها إلى بخارى، فإذا تفرقت العساكر عاود هو ~~محاربة الحسين وبكر بن الحسين مفردا من العساكر، فقبل خلف مشورته، وفارق ~~حصن أرك إلى حصن الطارق، ودخل أبو الحسن السيمجوري إلى أرك، وأقام به ~~الخطبة للأمير نوح، وانصرف عنه، وقرر الحسين بن طاهر فيه. وسنورد ما يتجدد ~~فيما بعد، وكان هذا أول وهن دخل على دولة السامانية، فطمع أصحاب الأطراف ~~فيهم لسوء طاعة أصحابهم لهم، وقد كان ينبغي أن نورد كل حادث من هذه الحوادث ~~في سنته، لكننا جمعناه لقلته، فإنه كان ينسي أوله لبعد ما بينه وبين آخره. ### || AUT ذكر طاعة أهل عمان معز الدولة وما كان منهم # وفيها سير معز الدولة عسكرا إلى عمان، فلقوا أميرها، وهو نافع مولى يوسف ~~بن وجيه، وكان يوسف قد هلك، وملك نافع البلد بعده، وكان أسود، فدخل نافع في ~~طاعة معز الدولة، وخطب له، وضرب له اسمه على الدينار والدرهم، فلما عاد ~~العسكر عنه وثب به أهل عمان فأخرجوه عنهم، وأدخلوا القرامطة الهجريين ms2999 إليهم ~~وتسلموا البلد، فكانوا يقيمون فيه نهارا ويخرجون ليلا إلى معسكرهم، وكتبوا ~~إلى أصحابهم بهجر يعرفونهم الخبر ليأمروهم بما يفعلون. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ليلة السبت رابع عشر صفر انخسف القمر جميعه. وفيها نزلت ~~طائفة من الترك على بلاد الخزر، فانتصر بأهل خوارزم فلم ينجدوهم وقالوا: ~~أنتم كفار، فإن أسلمتم نصرناكم؛ فأسلموا إلا ملكهم، فنصرهم أهل خوارزم، ~~وأزالوا الترك عنهم، ثم أسلم ملكهم بعد ذلك. وفيها، رابع جمادى الآخرة، ~~تقلد الشريف أبو أحمد الحسين بن موسى والد الرضي والمرتضى نقابة العلويين، ~~وإمارة الحاج، وكتب له منشور من ديوان الخليفة. وفيها أنفذ القرامطة سرية ~~إلى عمان، والشراة في جبالها كثير، فاجتمعوا، فأوقعوا بالقرامطة، فقتلوا ~~كثيرا منهم، وعاد الباقون. وفيها ثار إنسان من القرامطة الذين استأمنوا إلى ~~سيف الدولة، واسمه مروان وكان يتقلد السواحل لسيف الدولة، فلما تمكن ثار ~~بحمص فملكها، وملك غيرها، فخرج إليه غلام لقرعويه، حاجب سيف الدولة، اسمه ~~بدر، وواقع القرمطي عدة وقعات، ففي بعضها رمى بدر مروان بنشابة مسمومة، ~~واتفق أن أصحاب مروان أسروا بدرا، فقتله مروان، ثم عاش بعد قتله أياما ~~ومات. وفيها قتل المتنبي الشاعر، واسمه أبو الطيب أحمد بن الحسين الكندي، ~~قريبا من النعمانية، وقتل معه ابنه، وكان قد عاد من عند الدولة بفارس، ~~فقتله الأعراب هناك وأخذوا ما معه. وفيها توفي محمد بن حبان بن أحمد بن ~~حبان أبو حاتم البستي، صاحب التصانيف المشهورة؛ وأبو بكر محمد بن الحسن بن ~~يعقوب بن مقسم المفسر النحوي المقرئ، وكان عالما بنحو الكوفيين، وله تفسير ~~كبير حسن؛ ومحمد بن عبدالله بن إبراهيم بن عبدويه أبو بكر الشافعي في ذي ~~الحجة، وكان عالما بالحديث عالي الإسناد. حبان بكسر الحاء والباء الموحدة. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وخمسين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر ما تجدد بعمان # ### || AUT واستيلاء معز الدولة عليه # PageV04P0039 # قد ذكرنا في السنة التي قبل هذه خبر عمان ودخول القرامطة إليها، وهرب ~~نافع عنها، فلما هرب نافع، واستولى القرامطة على البلد، كان معهم كاتب يعرف ~~بعلي ms3000 بن أحمد ينظر في أمر البلد، وكان بعمان قاض له عشيرة وجاه، فاتفق هو ~~وأهل البلد أن ينصبوا في الإمرة رجلا يعرف بابن طغان، وكان من صغار القواد ~~بعمان، وأدناهم مرتبة، فلما استقر في الإمرة خاف ممن فوقه من القواد، فقبض ~~على ثمانين قائدا، فقتل بعضهم، وغرق بعضهم. وقدم البلد ابنا أخت لرجل ممن ~~قد غرقهم، فأقاما مدة، ثم إنهما دخلا على طغان يوما من أيام السلام، فسلما ~~عليه، فلما تقوض المجلس قتلاه، فاجتمع رأي الناس على تأمير عبد الوهاب بن ~~أحمد بن مروان، وهو من أقارب القاضي، فولي الإمارة بعد امتناع منه، واستكتب ~~علي بن أحمد الذي كان مع الهجريين، فأمر عبد الوهاب كاتبه عليا أن يعطي ~~الجند أرزاقهم صلة، ففعل ذلك، فلما انتهى إلى الزنج، وكانوا ستة آلاف رجل، ~~ولهم بأس وشدة، قال لهم علي: إن الأمير عبد الوهاب أمرني أن أعطي البيض من ~~الجند كذا وكذا، وأمر لكم بنصف ذلك؛ فاضطربوا وامتنعوا، فقال لهم: هل لكم ~~أن تبايعوني فأعطيكم مثل سائر الأجناد ؟ فأجابوه إلى ذلك، وبايعوه، وأعطاهم ~~مثل البيض من الجند، فامتنع البيض من ذلك، ووقع بينهم حرب، فظهر الزنج ~~عليهم، فسكنوا، واتفقوا مع الزنج، وأخرجوا عبد الوهاب من البلد، فاستقر في ~~الإمارة علي بن أحمد. ثم إن معز الدولة سار إلى واسط لحرب عمران بن شاهين، ~~ولإرسال جيش إلى عمان، فلما وصل إلى واسط قدم عليه نافع الأسود الذي كان ~~صاحب عمان، فأحسن إليه، وأقام للفراغ من أمر عمران بن شاهين، على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى. وانحدر من واسط إلى الأبلة، في شهر رمضان، فأقام بها ~~يجهز الجيش والمراكب ليسيروا إلى عمان، ففرغ منه، وساروا منتصف شوال، ~~واستعمل عليهم أبا الفرج محمد بن العباس بن فسانجس، وكانوا في مائة قطعة، ~~فلما كانوا بسيراف انضم إليهم الجيش الذي جهزه عضد الدولة من فارس نجدة ~~لعمة معز الدولة، فاجتمعوا وساروا إلى عمان، ودخلها تاسع ذي الحجة، وخطب ~~لمعز الدولة فيها، وقتل من أهلها مقتلة عظيمة، وأحرقت ms3001 مراكبهم، وهي تسعة ~~وثمانون مركبا. ### || AUT ذكر هزيمة إبراهيم بن المرزبان # في هذه السنة انهزم إبراهيم بن المرزبان عن أذربيجان إلى الري وسبب ذلك ~~أن إبراهيم لما انهزم من جستان بن شرمزن، على ما ذكرناه سنة تسع وأربعين ~~وثلاثمائة، قصد أرمينية، وشرع يستعد ويتجهز للعود إلى أذربيجان، وكانت ملوك ~~أرمينية من الأرمن والأكراد، وراسل جستان ابن شرمزن، وأصلحه، فأتاه الخلق ~~الكثير. واتفق أن إسماعيل ابن عمه وهسوذان توفي، فسار إبراهيم إلى أردبيل ~~فملكها، وانصرف أبو القاسم بن مسيكي إلى وهسوذان، وصار معه، وسار إبراهيم ~~إلى عمه وهسوذان يطالبه بثأر إخوته، فخافه عمه وهسوذان، وسار هو وابن مسيكي ~~إلى بلد الديلم، واستولى إبراهيم على أعمال عمه، وخبط أصحابه، وأخذ أمواله ~~التي ظفر بها. وجمع وهسوذان الرجال وعاد إلى قلعته بالطرم، وسير أبا القاسم ~~بن مسيكي في الجيوش إلى إبراهيم، فلقيهم إبراهيم، فاقتتلوا قتالا شديدا، ~~وانهزم إبراهيم، وتبعه الطلب فلم يدركوه، وسار وحده حتى وصل إلى الري، إلى ~~ركن الدولة، فأكرمه ركن الدولة وأحسن إليه، وكان زوج أخت إبراهيم، فبالغ في ~~إكرامه لذلك، وأجزل له الهدايا والصلات. ### || AUT ذكر خبر الغزاة الخراسانية مع ركن الدولة # في هذه السنة، في رمضان، خرج من خراسان جمع عظيم يبلغون عشرين ألفا إلى ~~الري بنية الغزاة، فبلغ خبرهم إلى ركن الدولة، وكثرة جمعهم، وما فعلوه في ~~أطراف بلاده من الفساد، وأن رؤساءهم لم يمنعوهم عن ذلك، فأشار عليه الأستاذ ~~أبو الفضل بن العميد، وهو وزيره، بمنعهم من دخول بلاده مجتمعين، فقال: لا ~~تتحدث الملوك أنني خفت جمعا من العزاة؛ فأشار عليه بتأخيرهم إلى أن يجمع ~~عسكره، وكانوا متفرقين في أعمالهم، فلم يقبل منه، فقال له: أخاف أن يكون ~~لهم مع صاحب خراسان مواطأة على بلادك ودولتك؛ فلم يلتفت إلى قوله. ~~PageV04P0040 # فلما وردوا الري اجتمع رؤساؤهم، وفيهم القفال الفقيه، وحضروا مجلس ابن ~~العميد، وطلبوا مالا ينفقونه، فوعدهم، فاشتطوا في الطلب وقالوا: نريد خراج ~~هذه البلاد جميعها، فإنه لبيت المال، وقد فعل الروم بالمسلمين ما بلغكم، ~~واستولوا على ms3002 بلادكم، وكذلك الأرمن، ونحن غزاة، وفقراء، وأبناء سبيل، فنحن ~~أحق بالمال منكم؛ وطلبوا جيشا يخرج معهم، واشتطوا في الاقتراح، فعلم ابن ~~العميد حينئذ خبث سرائرهم، وتيقن ما كان ظنه فيهم، فرفق بهم وداراهم، ~~فعدلوا عنه إلى مشاتمة الديلم، ولعنهم، وتكفيرهم، ثم قاموا عنه، وشرعوا ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسلبون العامة بحجة ذلك، ثم إنهم ~~أثاروا الفتنة، وحاربوا جماعة من الديلم إلى أن حجز بينهم الليل، ثم باكروا ~~القتال ودخلوا المدينة، ونهبوا دار الوزير ابن العميد، وجرحوه، وسلم من ~~القتل. وخرج ركن الدولة إليهم في أصحابه، وكان في قلة، فهزمه الخراسانية، ~~فلو تبعوه لأتوا عليه وملكوا البلد منه، لكنهم عادوا عنه لأن الليل أدركهم، ~~فلما أصبحوا راسلهم ركن الدولة، ولطف بهم، لعلهم يسيرون من بلده، فلم ~~يفعلوا، وكانوا ينتظرون مددا يأتيهم من صاحب خراسان، فإنهم كان بينهم ~~مواعدة على تلك البلاد. ثم إنهم اجتمعوا وقصدوا البلد ليملكوه، فخرج ركن ~~الدولة إليهم فقاتلهم، وأمر نفرا من أصحابه أن يسيروا إلى مكان يراهم، ثم ~~يثيروا غبرة شديدة، ويرسلوا إليه من يخبره أن الجيوش قد أتته، ففعلوا ذلك. ~~وكان أصحابه قد خافوا لقلتهم، وكثرة عدوهم، فلما رأوا الغبرة وأتاهم من ~~أخبرهم أن أصحابهم لحقوهم قويت نفوسهم، وقال لهم ركن الدولة: احملوا على ~~هؤلاء لعلنا نظفر بهم قبل وصول أصحابنا، فيكون الظفر والغنيمة لنا؛ فكبروا، ~~وحملوا حملة صادقة، فكان لهم الظفر، وانهزم الخراسانية، وقتل منهم خلق ~~كثير، وأسر أكثر ممن قتل، وتفرق الباقون، فطلبوا الأمان، فأمنهم ركن ~~الدولة، وكان قد دخل البلد جماعة منهم يكبرون كأنهم يقاتلون الكفار، ~~ويقتلون كل من رأوه بزي الديلم، ويقولون هؤلاء رافضة، فبلغهم خبر انهزام ~~أصحابهم، وقصدهم الديلم ليقتلوهم، فمنعهم ركن الدولة وأمنهم، وفتح لهم ~~الطريق ليعودوا، ووصل بعهم نحو ألفي رجل بالعدة والسلاح، فقاتلهم ركن ~~الدولة، فهزمهم وقتل فيهم، ثم أطلق الأسرى، وأمر لهم بنفقات، وردهم إلى ~~بلادهم، وكان إبراهيم بن المرزبان عند ركن الدولة، فأثر فيهم آثارا حسنة. ### || AUT ذكر عود إبراهيم بن المرزبان إلى أذربيجان # في ms3003 هذه السنة عاد إبراهيم بن المرزبان إلى أذربيجان واستولى عليها. وكان ~~سبب ذلك أنه لما قصد ركن الدولة، على ما ذكرناه، جهز العساكر معه، وسير ~~الأستاذ أبا الفضل بن العميد ليرده إلى ولايته، ويصلح له أصحاب الأطراف، ~~فسار معه إليها، واستولى عليها، وأصلح له جستان بن شرمزن، وقاده إلى طاعته، ~~وغيره من طوائف الأكراد، ومكنه من البلاد. وكان ابن العميد لما وصل إلى تلك ~~البلاد، رأى كثرة دخلها، وسعة مياهها، ورأى ما يتحصل لإبراهيم منها، فوجده ~~قليلا لسوء تدبيره، وطمع الناس فيه لاشتغاله بالشرب والنساء، فكتب إلى ركن ~~الدولة يعرفه الحال، ويشير بأن يعوضه من بعض ولايته بمقدار ما يتحصل له من ~~هذه البلاد، ويأخذها منه، فإنه لا يستقيم له حال مع الذين بها وإنها تؤخذ ~~منه، فامتنع ركن الدولة من قبول ذلك منه، وقال: لا يتحدث الناس عني أني ~~استجار بي إنسان وطمعت فيه؛ وأمر أبا الفضل بالعود عنه وتسليم البلاد إليه، ~~ففعل وعاد، وحكى لركن الدولة صورة الحال، وحذره خروج البلاد من يد إبراهيم، ~~وكان الأمر كما ذكره، حتى أخذ إبراهيم وحبس، على ما نذكره. ### || AUT ذكر خروج الروم إلى بلاد الإسلام # وفي هذه السنة، في شوال، خرجت الروم، فقصدوا مدينة آمد، ونزلوا عليها، ~~وحصروها، وقاتلوا أهلها، فقتل منهم ثلاثمائة رجل، وأسر نحو أربعمائة أسير، ~~ولم يمكنهم فتحها، فانصرفوا إلى دارا، وقربوا من نصيبين، ولقيهم قافلة ~~واردة من ميافارقين، فأخذوها، وهرب الناس من نصيبين خوفا منهم، حتى بلغت ~~أجرة الدابة مائة درهم. PageV04P0041 # وراسل سيف الدولة الأعراب ليهرب معهم، وكان في نصيبين، فاتفق أن الروم ~~عادوا قبل هربه، فأقام بمكانه، وساروا من ديار الجزيرة إلى الشام، فنازلوا ~~إنطاكية، فأقاموا عليها مدة طويلة يقاتلون أهلها، فلم يمكنهم فتحها، فخربوا ~~بلدها ونهبوه وعادوا إلى طرسوس. ### || AUT ذكر ما جرى لمعز الدولة مع عمران بن شاهين # قد ذكرنا انحدار معز الدولة إلى واسط لأجل قصد ولاية عمران بن شاهين ~~بالبطائح، فلما وصل إلى واسط أنفذ الجيش مع أبي الفضل العباس بن الحسن، ms3004 ~~فساروا، فنزلوا الجامدة، وشرعوا في سد الأنهار التي تصب إلى البطائح. وسار ~~معز الدولة إلى الأبلة، وأرسل الجيش إلى عمان، على ما ذكرناه، وعاد إلى ~~واسط لإتمام حرب عمران وملك بلده، فأقام بها، فمرض، وأصعد إلى بغداد ~~لليلتين بقيتا من ربيع الأول سنة ست وخمسين وهو عليل، وخلف العسكر بها، ~~ووعدهم أنه يعود إليهم، فلما وصل إلى بغداد توفي، على ما نذكره، فدعت ~~الضرورة إلى مصالحة عمران والانصراف عنه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خرجت بنو سليم على الحجاج السائرين من مصر والشام، وكانوا ~~عالما كثيرا، ومعهم من الأموال ما لا حد عليه لأن كثيرا من الناس من أهل ~~الثغور والشام هربوا، من خوفهم من الروم، بأموالهم وأهليهم، وقصدوا مكة ~~ليسيروا منها إلى العراق، فأخذوا، ومات من الناس في البرية ما لا يحصى، ولم ~~يسلم إلا القليل. وفيها عظم أمر أبي عبدالله الداعي بالديلم، ولبس الصوف، ~~وأظهر النسك والعبادة، وحارب ابن وشمكير، فهزمه وعزم على المسير إلى ~~طبرستان، وكتب إلى العراق كتابا يدعوهم فيه إلى الجهاد. وفيها تم الفداء ~~بين سيف الدولة والروم، وسلم سيف الدولة ابن عمه أبا فراس بن حمدان، وأبا ~~الهيثم ابن القاضي أبي الحصين. وفيها انخسف القمر جميعه ليلة السبت ثالث ~~عشر شعبان، وغاب منخسفا. وفيها توفي أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن سالم ~~المعروف بابن الجعابي الحافظ البغدادي بها، وكان يتشيع؛ وأبو عبدالله محمد ~~بن الحسين بن علي ابن الحسين بن الوضاح الوضاحي، الشاعر الأنباري. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وخمسين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر موت معز الدولة # ### || AUT وولاية ابنه بختيار # في هذه السنة، ثالث عشر ربيع الآخر، توفي معز الدولة بعلة الذرب وكان ~~بواسط، وقد جهز الجيوش لمحاربة عمران بن شاهين، فابتدأ به الإسهال، وقوي ~~عليه، فسار نحو بغداد، وخلف أصحابه، ووعدهم أنه يعود إليهم لأنه رجا ~~العافية، فلما وصل إلى بغداد اشتد مرضه، وصار لا يثبت في معدته شيء، فلما ~~أحس بالموت عهد إلى ابنه عز الدولة بختيار، وأظهر ms3005 التوبة، وتصدق بأكثر ~~ماله، وأعتق مماليكه، ورد شيئا كثيرا على أصحابه، وتوفي ودفن بباب التبن في ~~مقابر قريش، فكانت إمارته إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهرا ويومين. وكان ~~حليما كريما عاقلا، ولما مات معز الدولة وجلس ابنه عز الدولة في الإمارة ~~مطر الناس ثلاثة أيام بلياليها مطرا دائما منع الناس من الحركة، فأرسل إلى ~~القواد فأرضاهم، فانجلت السماء، وقد رضوا فسكنوا ولم يتحرك أحد. وكتب عز ~~الدولة إلى العسكر بمصالحة عمران بن شاهين، ففعلوا وعادوا. وكانت إحدى يدي ~~معز الدولة مقطوعة، واختلف في سببها قطعها، فقيل قطعت بكرمان لما سار إلى ~~قتال من بها، وقد ذكرناه، وقيل غير ذلك، وهو الذي أحدث أمر السعاة، وأعطاهم ~~عليه الجرايات الكثيرة، لأنه أراد أن يصل خبره إلى أخيه ركن الدولة سريعا، ~~فنشأ في أيامه فضل ومرعوش، وفاقا جميع السعاة، وكان كل واحد منهما يسير في ~~اليوم نيفا وأربعين فرسخا، وتعصب لهما الناس، وكان أحدهما ساعي السنة، ~~والأخر ساعي الشيعة. ### || AUT ذكر سوء سيرة بختيار وفساد حاله # لما حضرت معز الدولة الوفاة وصى ولده بختيار بطاعة عمه ركن الدولة، ~~واستشارته في كل ما يفعله، وبطاعة عضد الدولة ابن عمه لأنه أكبر منه سنا، ~~وأقوم بالسياسة، ووصاه بتقرير كاتبيه أبي الفضل العباس بن الحسين، وأبي ~~الفرج محمد بن العباس لكفايتهما وأمانتهما، ووصاه بالديلم والأتراك ~~وبالحاجب سبكتكين، فخالف هذه الوصايا جميعها، واشتغل باللهو واللعب، وعشرة ~~النساء، والمساخر، والمغنين، وشرع في إيحاش كاتبيه وسبكتكين، فاستوحشوا، ~~وانقطع سبكتكين عنه فلم يحضر داره. PageV04P0042 # ونفى كبار الديلم عن مملكته شرها إلى إقطاعتهم وأموالهم وأموال المتصلين ~~بهم، فاتفق أصاغرهم عليه، وطلبوا الزيادات، واضطر إلى مرضاتهم، واقتدى بهم ~~الأتراك فعملوا مثل ذلك، ولم يتم له على سبكتكين ما يريد لاحتياطه، واتفق ~~الأتراك معه، وخرج الديلم إلى الصحراء، وطالعوا بختيار بإعادة من أسقط ~~منهم، فاحتاج أن يجيبهم لتغير سبكتكين عليه، وفعل الأتراك أيضا مثل فعلهم. ~~واتصل خبر موت معز الدولة بكاتبه أبي الفرج محمد بن العباس وهو متولي أمر ~~عمان، فسلمها إلى نواب ms3006 عضد الدولة وسار نحو بغداد. وكان سبب تسليمها إلى ~~عضد الدولة أن بختيار لما ملك بعد موت أبيه تفرد أبو الفضل بالنظر في ~~الأمور، فخاف أبو الفرج أن يستمر انفراده عنه، فسلم عمان إلى عضد الدولة ~~لئلا يؤمر بالمقام فيها لحفظها وإصلاحها، وسار إلى بغداد، فلم يتمكن من ~~الذي أراد، وتفرد أبو الفضل بالوزارة. ### || AUT ذكر خروج عساكر خراسان وموت وشمكير # وفي هذه السنة جهز الأمير منصور بن نوح صاحب خراسان وما وراء النهر ~~الجيوش إلى الري. وكان سبب ذلك أن أبا علي بن إلياس سار من كرمان إلى بخارى ~~ملتجئا إلى الأمير منصور، على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، فلما ورد عليه ~~أكرمه وعظمه، فأطمعه في ممالك بني بويه، وحسن له قصدها، وعرفه أن نوابه لا ~~يناصحونه، وأنهم يأخذون الرشي من الديلم، فوافق ذلك ما كان يذكره له ~~وشمكير، فكاتب الأمير منصور وشمكير، والحسن بن الفيرزان، يعرفهما ما عزم ~~عليه من قصد الري، ويأمرهما بالتجهز لذلك ليسيرا مع عسكره. ثم إنه جهز ~~العساكر وسيرها مع صاحب جيوش خراسان، وهو أبو الحسن محمد بن إبراهيم سيمجور ~~الدواتي، وأمره بطاعة وشمكير، والانقياد له، والتصرف بأمره، وجعله مقدم ~~الجيوش جميعها. فلما بلغ الخبر إلى ركن الدولة أتاه ما لم يكن في حسابه، ~~وأخذه المقيم المقعد. وعلم أن الأمر قد بلغ الغاية، فسير أولاده وأهله إلى ~~أصبهان، وكاتب ولده عضد الدولة يستمده، وكاتب ابن أخيه عز الدولة بختيار ~~يستنجده أيضا. فأما عضد الدولة فإنه جهز العساكر وسيرهم إلى طريق خراسان، ~~وأظهر أنه يريد قصد خراسان لخلوها من العساكر، فبلغ الخبر أهل خراسان ~~فأحجموا قليلا، ثم ساروا حتى بلغوا الدامغان، وبرز ركن الدولة في عساكره من ~~الري نحوهم، فاتفق موت وشمكير، فكان سبب موته أنه وصله من صاحب خراسان ~~هدايا من جملتها خيل، فاستعرض الخيل، واختار أحدها وركبه للصيد، فعارضه ~~خنزير قد رمي بحربة، وهي ثابتة فيه، فحمل الخنزير على وشمكير، وهو غافل، ~~فضرب الفرس، فشب تحته، فألقاه إلى الأرض وخرج الدم من ms3007 أذنيه وأنفه، فحمل ~~ميتا، وذلك في المحرم من سنة سبع وخمسين، وانتقض جميع ما كانوا فيه وكفى ~~الله ركن الدولة شرهم. ولما مات وشمكير قام ابنه بيستون مقامه، وراسل ركن ~~الدولة وصالحه، فأمده ركن الدولة بالمال والرجال. ومن أعجب ما يحكى مما ~~يرغب في حسن النية وكرم المقدرة أن وشمكير لما اجتمعت معه عساكر خراسان ~~وسار كتب إلى ركن الدولة يتهدده بضروب من الوعيد والتهديد، ويقول: والله ~~لئن ظفرت بك لأفعلن بك ولأصنعن، بألفاظ قبيحة، فلم يتجاسر الكاتب أن يقرأه، ~~فأخذه ركن الدولة فقرأه وقال للكاتب: اكتب إليه: أما جمعك وأحشادك فما كنت ~~قط أهون منك علي الآن؛ وأما تهديدك وإيعادك فوالله لئن ظفرت بك لأعاملنك ~~بضده، ولأحسنن إليك ولأكرمنك؛ فلقي وشمكير سوء نيته، ولقي ركن الدولة حسن ~~نيته. وكان بطبرستان عدو لركن الدولة يقال له نوح بن نصر، شديد العداوة له، ~~لا يزال يجمع له ويقصد أطراف بلاده، فمات الآن، وعصى عليه بهمذان إنسان ~~يقال له أحمد بن هارون الهمذاني لما رأى خروج عساكر خراسان، وأظهر العصيان، ~~فلما أتاه خبر موت وشمكير مات لوقته، وكفى الله ركن الدولة هم الجميع. ### || AUT ذكر القبض على ناصر الدولة بن حمدان # في هذه السنة قبض أبو تغلب بن ناصر الدولة على أبيه، وحبسه في القلعة، ~~ليلة الست لست بقين من جمادى الأولى. وكان سبب قبضه أنه كان قد كبر وساءت ~~أخلاقه، وضيق على أولاده وأصحابه، وخالفهم في أغراضهم للمصلحة، فضجروا منه. ~~PageV04P0043 # وكان فيما خالفهم فيه أنه لما مات معز الدولة عزم أولاده على قصد العراق ~~وأخذه من بختيار، فنهاهم وقال لهم: إن معز الدولة قد خلف مالا يستظهر به ~~ابنه عليكم، فاصبروا حتى يفرق ما عنده من المال ثم اقصدوه وفرقوا الأموال، ~~فإنكم تظفرون به لا محالة؛ فوثب عليه أبو تغلب، فقبضه، ورفعه إلى القلعة، ~~ووكل به من يخدمه ويقوم بحاجاته وما يحتاج إليه. فلما فعل ذلك خالفه بعض ~~إخوته، وانتشر أمرهم الذي كان يجمعهم، وصار قصاراهم حفظ ما في أيديهم، ~~واحتاج ms3008 أبو تغلب إلى مداراة عز الدولة بختيار، وتجديد عقد الضمان ليحتج ~~بذلك على إخوته، ومن خالفه، فضمنه البلاد بألف ألف مائتي ألف درهم كل سنة. ### || AUT ذكر من مات من الملوك # مات فيها وشمكير بن زيار، كما ذكرناه؛ ومعز الدولة، وقد ذكرناه؛ والحسن ~~بن الفيرزان، وكافور الإخشيدي، ونقفور ملك الروم، وأبو علي محمد بن إلياس ~~صاحب كرمان، وسيف الدولة بن حمدان. فأما سيف الدولة أبو الحسن علي بن أبي ~~الهيجاء عبدالله بن حمدان بن حمدون التغلبي فإنه مات بحلب في صفر، وحمل ~~تابوته إلى ميافارقين فدفن بها، وكانت علته الفالج، وقيل عسر البول، وكان ~~مولده في ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثمائة، وكان جوادا، كريما، شجاعا، وأخباره ~~مشهورة في ذلك، وكان يقول الشعر، فمن شعره في أخيه ناصر الدولة: وهبت لك ~~العليا وقد كنت أهلها ... وقلت لهم بيني وبين أخي فرق وما كان بي عنها نكول ~~وإنما ... تجاوزت عن حقي فتم لك الحق أما كنت ترضى أن أكون مصليا ... إذا ~~كنت أرضى أن يكون لك السبق وله أيضا قد جرى في دمعه دمه ... فإلى كم أنت ~~تظلمه رد عنه الطرف منك فقد ... جرحته منك أسهمه كيف يستطيع التجلد من ... ~~خطرات الوهم تؤلمه ولما توفي سيف الدولة ملك بلاده بعده ابنه أبو المعالي ~~شريف. وأما أبو علي بن إلياس فسيرد ذكر موته سنة سبع وخمسين. وأما كافور ~~فإنه كان صاحب مصر، وكان من موالي الإخشيد محمد ابن طغج، واستولى على مصر ~~ودمشق بعد موت الإخشيد لصغر أولاده، وكان خصيا أسود، وللمتنبي فيه مديح ~~وهجو، وكان قصده إلى مصر، وخبره معه مشهور، ولما دفن كتب على قبره: انظر ~~إلى غير الأيام ما صنعت ... أفنت أناسا بها كانوا وقد فنيت دنياهم ضحكت ~~أيام دولتهم ... حتى إذا انقرضوا ناحت لهم وبكت وفيها توفي أبو الفرج علي ~~بن الحسين بن محمد بن أحمد الأصبهاني الأموي، وهو من ولد محمد بن مروان بن ~~الحكم الأموي، وكان شيعيا، وهذا من العجب، وهو صاحب كتاب الأغاني وغيره. ~~وفيها توفي ms3009 يوسف بن عمر بن أبي عمر القاضي، وكان مولده سنة خمس وثلاثمائة، ~~وولي قضاء بغداد في حياة أبيه وبعده. وفيه توفي أبو الحسن أحمد بن محمد بن ~~سالم صاحب سهل التستري رضي الله عنه ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وخمسين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر عصيان حبشي # ### || AUT ابن معز الدولة على بختيار بالبصرة وأخذه قهرا # في هذه السنة عصى حبشي بن معز الدولة على أخيه بختيار، وكان بالبصرة لما ~~مات والده، فحسن له من عنده من أصحابه الاستبداد بالبصرة، وذكروا له أن ~~أخاه بختيار لا يقدر على قصده، فشرع في ذلك، فانتهى الخبر إلى أخيه، فسير ~~وزيره أبا الفضل العباس بن الحسين إليه، وأمره بأخذه كيف أمكن، فأظهر ~~الوزير أنه يريد الانحدار إلى الأهواز. ولما بلغ واسط أقام بها ليصلح ~~أمرها، وكتب إلى حبشي يعده أنه يسلم إليه البصرة سلما، ويصالحها عليها، ~~ويقول له: إنني قد لزمني مال على الوزارة، ولا بد من مساعدتي، فأنفذ إليه ~~حبشي مائتي ألف درهم، وتيقن حصول البصرة له، فوصلها هو وعسكر الأهواز ~~لميعادهم، فلم يتمكن حبشي من إصلاح شأنه وما يحتاج إليه، فظفروا به وأخذوه ~~أسيرا وحبسوه برامهرمز، فأرسل عمه ركن الدولة وخلصه فسار إلى عضد الدولة، ~~فأقطعه إقطاعا وافرا، وأقام عنده إلى أن مات في آخر سنة تسع وستين ~~وثلاثمائة، وأخذ الوزير من أمواله بالبصرة شيئا كثيرا، ومن جملة ما أخذ له ~~خمسة عشر ألف مجلد سوى الأجزاء والمسرس وما ليس له جلد. ### || AUT ذكر البيعة لمحمد بن المستكفي # PageV04P0044 # في هذه السنة ظهر ببغداد، بين الخاص والعام، دعوة إلى رجل من أهل البيت، ~~اسمه محمد بن عبدالله، وقيل إنه الدجال الذي وعد به رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، وإنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويجدد ما عفا من أمور ~~الدين، فمن كان من أهل السنة قيل له: إنه عباسي، ومن كان أهل الشيعة قيل ~~له: إنه علوي، فكثرت الدعاة إليه، والبيعة له. وكان الرجل بمصر، وقد أكرمه ~~كافور الإخشيدي وأحسن إليه، وكان في ms3010 جملة من بايع له سبكتكين العجمي، وهو ~~من أكابر قواد معز الدولة، وكان يتشيع، فظنه علويا، وكتب إليه يستدعيه من ~~مصر، فسار إلى الأنبار، وخرج سبكتكين إلى طريق الفرات، وكان يتولى حمايته، ~~فلقي ابن المستكفي، وترجل له وخدمه، وأخذه وعاد إلى بغداد، وهو لا يشك في ~~حصول الأمر له. ثم ظهر لسبكتكين أن الرجل عباسي، فعاد عن ذلك الرأي، ففطن ~~ابن المستكفي وخاف هو وأصحابه، فهربوا وتفرقوا، فأخذ ابن المستكفي ومعه أخ ~~له، وأحضر عند بختيار، فأعطاهما الأمان، ثم إن المطيع تسلمه من بختيار، ~~فجدع أنفه، ثم خفي خبره. ### || AUT ذكر استيلاء عضد الدولة على كرمان # في هذه السنة ملك عضد الدولة بلاد كرمان. وكان سبب ذلك أن أبا علي بن ~~إلياس كان صاحبها مدة طويلة، على ما ذكرناه، ثم إنه أصابه فالج خاف منه على ~~نفسه، فجمع أكابر أولاده، وهم ثلاثة: إليسع وإلياس وسليمان، فاعتذر إلى ~~إليسع من جفوة كانت منه له قديما، وولاه الأمر، ثم بعده أخاه إلياس، وأمر ~~سليمان بالعود إلى بلادهم، وهي بلاد الصغد، وأمره بأخذ أموال له هناك، وقصد ~~إبعاده عن إليسع لعدواة كانت بينهما. فسار من عند أبيه، واستولى على ~~السيرجان، فلما بلغ أباه ذلك أنفذ إليه إليسع في جيش، وأمره بمحاربته ~~وإجلائه عن البلاد، ولم يمكنه من قصد الصغد إن طلب ذلك، فسار إليه، وحصره، ~~واستظهر عليه، فلما رأى سليمان ذلك جمع أمواله وسار نحو خراسان، واستقر أمر ~~إليسع بالسيرجان وملكها وأمر بنهبها، فنهبت، فسأله القاضي وأعيان البلد ~~العفو عنهم، فعفا. ثم إن جماعة من أصحاب والده خافوه، فسعوا به إلى أبيه، ~~فقبض عليه وسجنه في قلعة له، فمشت والدته إلى والدة أخيه إلياس وقالت لها: ~~إن صاحبها قد فسخ ما كان عقده لولدي، وبعده يفعل بولدك مثله، ويخرج الملك ~~عن آل إلياس، والرأي أن تساعديني على تخليص ولدي ليعود الأمر إلى ما كان ~~عليه. وكان والده أبو علي تأخذه غشية في بعض الأوقات، فيمكث زمانا طويلا لا ~~يعقل، فاتفقت المرأتان وجمعتا الجواري ms3011 في وقت غشيته، وأخرجن إليسع من حبسه ~~ودلينه من ظهر القلعة إلى الأرض، فكسر قيده، وقصد العسكر، فاستبشروا به ~~وأطاعوه، وهرب منه من كان أفسد حاله مع أبيه، وأخذ بعضهم، ونجا بعضهم؛ ~~وتقدم إلى القلعة ليحصرها. فلما أفاق والده وعرف الصورة راسل ولده، وسأله ~~أن يكف عنه ويؤمنه على ماله وأهله حتى يسلم إليه القلعة وجميع أعمال كرمان، ~~ويرحل إلى خراسان، ويكون عونا له هناك، فأجابه إلى ذلك، وسلم إليه القلعة ~~وكثيرا من المال، وأخذ معه ما أراد، وسار إلى خراسان وقصد بخارى، فأكرمه ~~الأمير منصور بن نوح، وأحسن إليه وقربه منه، فحمل منصورا على تجهيز العساكر ~~إلى الري وقصد بني بويه، على ما ذكرناه، وأقام عنده إلى أن توفي سنة ست ~~وخمسين وثلاثمائة بعلة الفالج، على ما ذكرناه. وكان ابنه سليمان ببخارى ~~أيضا، وأما إليسع فإنه صفت له كرمان، فحمله ترف الشباب وجهله على مغالبة ~~عضد الدولة على بعض حدود عمله، وأتاه جماعة من أصحاب عضد الدولة وأحسن ~~إليهم، ثم عاد بعضهم إلى عضد الدولة، فاتهم إليسع الباقين، فعاقبهم، ومثل ~~بهم. ثم إن جماعة من أصحابه استأمنوا إلى عضد الدولة، فأحسن إليهم وأكرمهم ~~ووصلهم، فلما رأى أصحابه تباعد ما بين الحالين تألبوا عليه، وفارقوه ~~متسللين إلى عضد الدولة، وأتاه منهم في دفعة واحدة نحو ألف رجل من وجوه ~~أصحابه، فبقي في خاصته، وفارقه معظم عسكره. PageV04P0045 # فلما رأى ذلك أخذ أمواله وأهله وسار بهم نحو بخارى لا يلوي على شيء، وسار ~~عضد الدولة إلى كرمان فاستولى عليها وملكها وأخذ ما بها من أموال آل إلياس، ~~وكان ذلك في شهر رمضان، وأقطعها ولده أبا الفوارس، وهو الذي لقب بعد ذلك ~~شرف الدولة، وملك العراق، واستخلف عليها كورتكين ابن جستان، وعاد إلى فارس ~~وراسله صاحب سجستان، وخطب له بها، وكان هذا أيضا من الوهن على بني سامان ~~ومما طرق الطمع فيهم. وأما إليسع فإنه لما وصل إلى بخارى أكرمه وأحسن إليه، ~~وصار يذم أهل سامان في قعودهم عن نصره، وإعادته إلى ملكه، ms3012 فنفي عن بخارى ~~إلى خوارزم. وبلغ أبا علي بن سيمجور خبره، فقصد ماله وأثقاله، وكان خلفها ~~ببعض نواحي خراسان، فاستولى على ذلك جميعه، وأصاب إليسع رمد شديد بخوارزم، ~~فأقلقه، فحمله الضجر وعدم السعادة إلى أن قلع عينه الرمدة بيده، وكان ذلك ~~سبب هلاكه، ولم يعد لآل إلياس بكرمان دولة، وكان الذي أصابه لشؤم عصيان ~~والده وثمرة عقوقه. ### || AUT ذكر قتل أبي فراس بن حمدان # في هذه السنة، في ربيع الآخر، قتل أبو فراس بن أبي العلاء سعيد بن ~~حمدان. وسبب ذلك أنه كان مقيما بحمص، فجرى بينه وبين أي المعالي بن سيف ~~الدولة بن حمدان وحشة، فطلبه أبو المعالي، فانحاز أبو فراس إلى صدد، وهي ~~قرية في طرف البرية عند حمص، فجمع أبو المعالي الأعراب من بني كلاب وغيرهم، ~~وسيرهم في طلبه مع قرعويه، فأدركه بصدد، فكبسوه، فاستأمن أصحابه، واختلط هو ~~بمن استأمن منهم، فقال قرعويه لغلام له: اقتله، فقتله وأخذ رأسه وتركت جثته ~~في البرية، حتى دفنها بعض الأعراب. وأبو فراس هو خال أبي المعالي بن سيف ~~الدولة، ولقد صدق من قال: إن الملك عقيم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، منتصف شعبان، مات المتقي لله إبراهيم بن المقتدر في داره، ~~ودفن فيها. وفيها، في ذي القعدة، وصلت سرية كثيرة من الروم إلى إنطاكية ~~فقتلوا في سوادها وغنموا، وسبقوا اثني عشر ألفا من المسلمين. وفيها كان بين ~~هبة الرفعاي وبني أسد بن وزير الغبري حرب، فاستمدت أسد خزر اليشكري الذي مع ~~عمران بن شاهين، صاحب البطائح، وأوقع بهبة، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة ~~وهزمه، واستولى على جنبلا وقسين من أرض العراق، فسار سبكتكين العجمي إلى ~~خزر، وضيق عليه، فمضى إلى البصرة واستأمن إلى الوزير أبي الفضل. وفيها عمل ~~أهل بغداد يوم عاشوراء وغدير خم، كما جرت به عادتهم من إظهار الحزن يوم ~~عاشوراء، والسرور يوم الغدير؛ وتوفي علي بن بندار ابن الحسين أبو الحسن ~~الصوفي المعروف بالصيرفي النيسابوري. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر ملك ms3013 المعز العلوي مصر # في هذه السنة سير المعز لدين الله أبو تميم معد بن إسماعيل المنصور ~~بالله القائد أبا الحسن جوهرا، غلام والده المنصور، وهو رومي، في جيش كثيف ~~إلى الديار المصرية، فاستولى عليها. وكان سبب ذلك أنه لما مات كافور ~~الإخشيدي، صاحب مصر، اختلفت القلوب فيها، ووقع بها غلاء شديد، حتى بلغ ~~الخبز كل رطل بدرهمين، والحنطة كل ويبة بدينار وسدس مصري، فلما بلغ الخبر ~~بهذه الأحوال إلى المعز، وهو بإفريقية، سير جوهرا إليها، فلما اتصل خبر ~~مسيره إلى العساكر الإخشيدية بمصر هربوا عنها جميعهم قبل وصوله. ثم إنه ~~قدمها سابع عشر شعبان، وأقيمت الدعوة للمعز بمصر في الجامع العتيق في شوال، ~~وكان الخطيب أبا محمد عبدالله بن الحسين الشمشاطي. وفي جمادى الأولى من سنة ~~تسع وخمسين سار جوهر إلى جامع ابن طولون، وأمر المؤذن فأذن بحي على خير ~~العمل، وهو أول ما أذن بمصر، ثم أذن بعده في الجامع العتيق، وجهر في الصلاة ~~ببسم الله الرحمن الرحيم، ولما استقر جوهر بمصر شرع في بناء القاهرة. ### || AUT ذكر ملك عسكر المعز دمشق # ### || AUT وغيرها من بلاد الشام # PageV04P0046 # لما استقر جوهر بمصر، وثبت قدمه، سير جعفر بن فلاح الكتامي إلى الشام في ~~جمع كبير، فبلغ الرملة، وبها أبو محمد الحسن بن عبدالله بن طغج، فقاتله في ~~ذي الحجة من السنة، وجرت بينهما حروب كان الظفر فيها لجعفر ابن فلاح، وأسر ~~ابن طغج وغيره من القواد فسيرهم إلى جوهر، وسيرهم جوهر إلى المعز بإفريقية، ~~ودخل ابن فلاح البلد عنوة، فقتل كثيرا من أهله، ثم أمن من بقي، وجبى الخراج ~~وسار إلى طبرية، فرأى ابن ملهم قد أقام الدعوة للمعز لدين الله، فسار عنها ~~إلى دمشق، فقاتله أهلها، فظفر بهم وملك البلد، ونهب بعضه وكف عن الباقي، ~~وأقام الخطبة للمعز يوم الجمعة لأيام خلت من المحرم سنة تسع وخمسين وقطعت ~~الخطبة العباسية. وكان بدمشق الشريف أبو القاسم بن أبي يعلى الهاشمي، وكان ~~جليل القدر، نافذ الحكم في أهلها، فجمع أحداثها ومن يريد ms3014 الفتنة، فثار بهم ~~في الجمعة الثانية، وأبطل الخطبة للمعز لدين الله وأعاد خطبة المطيع لله، ~~ولبس السواد وعاد إلى داره، فقاتله جعفر بن فلاح ومن معه قتالا شديدا، وصبر ~~أهل دمشق، ثم افترقوا آخر النهار، فلما كان الغد تزاحف الفريقان واقتتلوا ~~ونشبت الحرب بينهما، وكثر القتلى من الجانبين ودام القتال، فعاد عسكر دمشق ~~منهزمين، والشريف ابن أبي يعلى مقيم على باب البلد يحرض الناس على القتال، ~~ويأمرهم بالصبر. وواصل المغاربة الحملات على الدماشقة حتى ألجأوهم إلى باب ~~البلد، ووصل المغاربة إلى قصر حجاج، ونهبوا ما وجدوا، فلما رأى ابن أبي ~~يعلى الهاشمي والأحداث لقي الناس من المغاربة خرجوا من البلد ليلا، فأصبح ~~الناس حيارى، فدخل الشريف الجعفري، وكان خرج من البلد إلى جعفر بن فلاح في ~~الصلح، فأعاده وأمره بتسكين الناس وتطييب قلوبهم، ووعدهم بالجميل، ففعل ما ~~أمره، وتقدم إلى الجند والعامة بلزوم منازلهم، وأن لا يخرجوا منها إلى أن ~~يدخل جعفر بن فلاح البلد ويطوف فيه ويعود إلى عسكره، ففعلوا ذلك. فلما دخل ~~المغاربة البلد عاثوا فيه، ونهبوا قطرا منه، فثار الناس وحملوا عليهم، ~~ووضعوا السيف فيهم، فقتلوا منهم جماعة، وشرعوا في تحصين البلد وحفر ~~الخنادق، وعزموا على اصطلاء الحرب، وبذل النفوس في الحفظ، وأحجمت المغاربة ~~عنهم، ومشى الناس إلى الشريف أبي القاسم بن أبي يعلى، فطلبوا منه أن يسعى ~~فيما يعود بصلاح الحال، ففعل، ودبر الحال إلى أن تقرر الصلح يوم الخميس لست ~~عشرة خلت من ذي الحجة سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وكان الحريق قد أتى على ~~عدة كثيرة من الدور وقت الحرب. ودخل صاحب الشرطة جعفر بن فلاح البلد يوم ~~الجمعة فصلى مع الناس وسكنهم وطيب قلوبهم، وقبض على جماعة من الأحداث في ~~المحرم سنة ستين وثلاثمائة، وقبض على الشريف أبي القاسم بن أبي يعلى ~~الهاشمي المذكور، وسيره إلى مصر، واستقر أمر دمشق. وكان ينبغي أن يؤخر ملك ~~ابن فلاح دمشق إلى آخر السنة، وإنما قدمته ليتصل خبر المغاربة بعضه ببعض. ### || AUT ذكر اختلاف أولاد ناصر الدولة ms3015 وموت أبيهم # كان سبب إختلاف أولاد ناصر الدولة أنه كان قد أقطع ولده حمدان مدينة ~~الرحبة وماردين وغيرهما وكان أبو تغلب وأبو البركات وأختهما جميلة أولاد ~~ناصر الدولة من زوجته فاطمة بنت أحمد الكردية، وكانت مالكة أمر ناصر ~~الدولة، فاتفقت مع ابنها أبي تغلب، وقبضوا على ناصر الدولة، على ما ذكرناه، ~~فابتدأ ناصر الدولة يدبر في القبض عليهم، فكاتب ابنه حمدان يستدعيه ليتقوى ~~به عليهم، فظفر أولاده بالكتاب، فلم ينفذوه، وخافوا أباهم وحذروه، فحملهم ~~خوفه على نقله إلى قلعة كواشى. واتصل ذلك بحمدان، فعظم عليه، وصار عدوا ~~مباينا، وكان أشجعهم، وكان قد سار عند وفاة عمه سيف الدولة من الرحبة إلى ~~الرقة فملكها، وسار إلى نصيبين وجمع من أطاعه، وطالب إخوته بالإفراج عن ~~والده وإعادته إلى منزله، فسار أبو تغلب إليه ليحاربه، فانهزم حمدان قبل ~~اللقاء إلى الرقة، فنازله أبو تغلب وحصره ثم اصطلحا عن دخن وعاد كل واحد ~~منهما إلى موضعه. PageV04P0047 # وعاش ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء عبدالله بن حمدان بن حمدون ~~التغلبي شهورا، ومات في ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، ودفن بتل ~~توبة، شرقي الموصل، وقبض أبو تغلب أملاك أخيه حمدان، وسير أخاه أبا البركات ~~إلى حمدان، فلما قرب من الرحبة استأمن إليه كثير من أصحاب حمدان، فانهزم ~~حينئذ، وقصد العراق مستأمنا إلى بختيار، فوصل بغداد في شهر رمضان سنة ثمان ~~وخمسين وثلاثمائة، فأكرمه بختيار وعظمه، وحمل إليه هدية كثيرة جليلة ~~المقدار، ومعها كل ما يحتاج إليه مثله، وأرسل إلى أبي تغلب النقيب أبا أحمد ~~الموسوي والد الشريف الرضي في الصلح مع أخيه، فاصطلحا، وعاد حمدان إلى ~~الرحبة، وكان مسيره من بغداد في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. ~~فلما سمع أبو البركات بمسير أخيه حمدان على هذه الصورة فارق الرحبة، ودخلها ~~حمدان، وراسله أخوه أبو تغلب في الاجتماع به، فامتنع من ذلك، فعاد أبو تغلب ~~وسير إليه أبا البركات، فلما علم حمدان بذلك فارقها، فاستولى أبو البركات ~~عليها، واستناب بها من يحفظها في طائفة من ms3016 الجيش، وعاد إلى الرقة ثم منها ~~إلى عربان. فلما سمع حمدان بعوده عنها، وكان ببرية تدمر، عاد إليها في ~~شعبان، فوافاها ليلا، فأصعد جماعة من غلمانه السور، وفتحوا له باب البلد ~~فدخله، ولا يعلم من به من الجند بذلك، فلما صار في البلد وأصبح أمر بضرب ~~البوق، فبادر من بالرحبة من الجند منقطعين يظنون أن صوت البوق من خارج ~~البلد، وكل من وصل إلى حمدان أسره، حتى أخذهم جميعهم، فقتل بعضا واستبقى ~~بعضا، فلما سمع أبو البركات بذلك عاد إلى قرقيسيا، واجتمع هو وأخوه حمدان ~~منفردين، فلم يستقر بينهما قاعدة، فقال أبو البركات لحمدان: أنا أعود إلى ~~عربان، وأرسل إلى أبي تغلب لعله يجيب إلى ما تلتمسه منه. فسار عائدا إلى ~~عربان، وعبر حمدان الفرات من مخاضة بها، وسار في أثر أخيه أبي البركات، ~~فأدركه بعربان وهو آمن، فلقيهم أبو البركات بغير جنة ولا سلاح، فقاتلهم، ~~واشتد القتال بينهم، وحمل أبو البركات بنفسه في وسطهم، فضربه أخوه حمدان ~~فألقاه وأخذه أسيرا، فمات من يومه، وهو ثالث رمضان، فحمل في تابوت إلى ~~الموصل، ودفن بتل توبة عند أبيه. وتجهز أبو تغلب ليسير إلى حمدان، وقدم بين ~~يديه أخاه أبا الفوارس محمدا إلى نصيبين، فلما وصلها كاتب أخاه حمدان ومالأ ~~على أبي تغلب، فبلغ الخبر أبا تغلب، فأرسل إليه يستدعيه ليزيد في إقطاعه، ~~فلما حضر عنده قبض عليه وسيره إلى قلعة كواشى، من بلد الموصل، وأخذ أمواله، ~~وكانت قيمتها خمسمائة ألف دينار. فلما قبض عليه سار إبراهيم والحسين ابنا ~~ناصر الدولة إلى أخيهما حمدان، خوفا من أبي تغلب، فاجتمعا معه، وساروا إلى ~~سنجار، فسار أبو تغلب إليهم من الموصل في شهر رمضان سنة ستين وثلاثمائة، ~~ولم يكن لهم بلقائه طاقة، فراسله أخواه إبراهيم والحسين يطلبان العود إليه ~~خديعة منهما ليؤمنهما ويفتكا به، فأجابهما إلى ذلك، فهربا إليه، وتبعهما ~~كثير من أصحاب حمدان، فعاد حمدان حينئذ من سنجار إلى عربان، واستأمن إلى ~~أبي تغلب، صاحب حمدان، وأطلعه على حيلة أخويه عليه، وهما إبراهيم ms3017 والحسين، ~~فأراد القبض عليهما، فحذرا وهربا. ثم إن نما غلام حمدان ونائبه بالرحبة أخذ ~~جميع ماله بها وهرب إلى أصحاب أبي تغلب بحران، وكانوا مع صاحبه سلامة ~~البرقعيدي، فاضطر حمدان إلى العود إلى الرحبة، وسار أبو تغلب إلى قرقيسيا، ~~وأرسل سرية عبروا الفرات وكبسوا حمدان بالرحبة، وهو لا يشعر، فنجا هاربا، ~~واستولى أبو تغلب عليها، وعمر سورها، وعاد إلى الموصل، ودخلها في ذي الحجة ~~سنة ستين وثلاثمائة. وسار حمدان إلى بغداد، فدخلها آخر ذي الحجة سنة ستين ~~ملتجئا إلى بختيار معه أخوه إبراهيم، وكان أخوهما الحسين قد عاد إلى أخيه ~~أبي تغلب مستأمنا؛ وحمل بختيار إلى حمدان وأخيه إبراهيم هدايا جليلة كثيرة ~~المقدار، وأكرمهما واحترمهما. ### || AUT ذكر ما فعله الروم بالشام والجزيرة # وفي هذه السنة دخل ملك الروم الشام، ولم يمنعه أحد، ولا قاتله، فسار في ~~البلاد إلى طرابلس، وأحرق بلدها، وحصر قلعة عرقة، فملكها ونهبها وسبى من ~~فيها. وكان صاحب طرابلس قد أخرجه أهلها لشدة ظلمه، فقصد عرقة، فأخذه الروم ~~وجميع ماله، وكان كثيرا. PageV04P0048 # وقصد ملك الروم حمص، وكان أهلها قد انتقلوا عنها وأخلوها، فأحرقها ملك ~~الروم ورجع إلى بلدان الساحل فأتى عليها نهبا وتخريبا، وملك ثمانية عشر ~~منبرا، فأما القرى فكثير لا يحصى، وأقام في الشام شهرين يقصد أي موضع شاء، ~~ويخرب ما شاء، ولا يمنعه أحد إلا أن بعض العرب كانوا يغيرون على أطرافهم، ~~فأتاه جماعة منهم وتنصروا وكادوا المسلمين من العرب وغيرهم، فامتنعت العرب ~~من قصدهم، وصار للروم الهيبة العظيمة في قلوب المسلمين، فأراد أن يحضر ~~إنطاكية وحلب، فبلغه أن أهلها قد أعدوا الذخائر والسلاح وما يحتاجون إليه، ~~فامتنع من ذلك وعاد ومعه من السبي نحو مائة ألف رأس، ولم يأخذ إلا الصبيان، ~~والصبايا، والشبان، فأما الكهول، والشيوخ، والعجائز، فمنهم من قتله، ومنهم ~~من أطلقه. وكان بحلب قرعويه، غلام سيف الدولة بن حمدان، وقد أخرج أبا ~~المعالي بن سيف الدولة منها، على ما نذكره، فصانع الروم عليها، فعادوا إلى ~~بلادهم، فقيل كان سبب عودهم كثرة الأمراض ms3018 والموت، وقيل ضجروا من طول السفر ~~والغيبة عن بلادهم، فعادوا على عزم العود. وير ملك الروم سرية كثيرة إلى ~~الجزيرة، فبلغوا كفر توثا، ونهبوا وسبوا وأحرقوا وعادوا، ولم يكن من أبي ~~تغلب بن حمدان في ذلك نكير ولا أثر. ### || AUT ذكر استيلاء قرعويه على حلب وإخراج أبي المعالي بن حمدان منها # في هذه السنة أيضا استولى قرعويه غلام سيف الدولة بن حمدان على حلب، ~~وأخرج منها أبا المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان، فسار أبو المعالي إلى ~~حران، فمنعه أهلها من الدخول إليهم، فطلب منهم أن يأذنوا لأصحابه أن يدخلوا ~~فيتزودوا منها يومين فأذنوا لهم، ودخل إلى والدته بميافارقين، وهي ابنة ~~سعيد بن حمدان، وتفرق عنه أكثر أصحابه ومضوا إلى أبي تغلب بن حمدان. فلما ~~وصل إلى والدته بلغها أن غلمانه وكتابه قد عملوا على القبض عليها وحبسها، ~~كما فعل أبو تغلب بأبيه ناصر الدولة، فأغلقت أبواب المدينة ومنعت ابنها من ~~دخولها ثلاثة أيام، حتى أبعدت من تحب إبعاده، واستوثقت لنفسها، وأذنت له ~~ولمن بقي معه في دخول البلد، وأطلقت لهم الأرزاق، وبقيت حران لا أمير ~~عليها، ولكن الخطبة فيها لأبي المعالي بن سيف الدولة، وفيها جماعة من مقدمي ~~أهلها يحكمون فيها، ويصلحون من أمور الناس. ثم إن أبا المعالي عبر الفرات ~~إلى الشام، وقصد حماة فأقام بها، على ما نذكره سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر خروج أبي خزر بإفريقية # في هذه السنة خرج بإفريقية أبو خزر الزناتي، واجتمع إليه جموع عظيمة من ~~البربر والنكار، فخرج المعز إليه بنفسه يريد قتاله، حتى بلغ مدينة باغاية، ~~وكان أبو خزر قريبا منها، وهو يقاتل نائب المعز عليها، فلما سمع أبو خزر ~~بقرب المعز تفرقت عنه جموعه، وسار المعز في طلبه، فسلك الأوعار، فعاد المعز ~~وأمر أبا الفتوح يوسف بلكين بن زيري بالمسير في طلبه أين سلك، فسار في أثره ~~حتى خفي عليه خبره، ووصل المعز إلى مستقره بالمنصورية. فلما كان ربيع الآخر ~~من سنة تسع وخمسين وصل أبو خزر الخارجي ms3019 إلى المعز مستأمنا، ويطلب الدخول في ~~طاعته، فقبل منه المعز ذلك وفرح به، وأجرى عليه رزقا كثيرا. ووصله، عقيب ~~هذه الحال، كتب جوهر بإقامة الدعوة له في مصر والشام، ويدعوه إلى المسير ~~إليه، ففرح المعز فرحا شديدا أظهره للناس كافة ومدحه الشعراء، فممن ذكر ذلك ~~محمد بن هانئ الأندلسي، فقال: يقول بنو العباس: قد فتحت مصر، ... فقل لبني ~~العباس: قد قضي الأمر ### || AUT ذكر قصد أبي البركات بن حمدان ميافارقين وانهزامه # في هذه السنة، في ذي القعدة، سار أبو البركات بن ناصر الدولة بن حمدان ~~في عسكره إلى ميافارقين، فأغلقت زوجة سيف الدولة أبواب البلد في وجهه، ~~منعته من دخوله، فأرسل إليها يقول: إنني ما قصدت إلا الغزاة؛ ويطلب منها ما ~~يستعين به، فاستقر بينهما أن تحمل إليه مائتي ألف درهم، وتسلم إليه قرايا ~~كانت لسيف الدولة بالقرب من نصيبين. PageV04P0049 # ثم ظهر لها أنه يعمل سرا في دخول البلد، فأرسلت إلى من معه من غلمانه سيف ~~الدولة تقول لهم: ما من حق مولاكم أ، تفعلوا بحرمه وأولاده هذا؛ فنكلوا عن ~~القتال والقصد لها، ثم جمعت رجالة وكبست أبا البركات ليلا، فانهزم ونهب ~~سواده وعسكره، وقتل جماعة من أصحابه وغلمانه، فراسلها: إنني لم أقصد لسوء؛ ~~فردت ردا جميلا، وأعادت إليه بعض ما نهب منه، وحملت إليه مائة ألف درهم، ~~وأطلقت الأسرى، فعاد عنها. وكان ابنها أبو المعالي بن سيف الدولة على حلب ~~يقاتل قرعويه غلام أبيه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، عاشر المحرم، عمل أهل بغداد ما قد صار لهم عادة من إغلاق ~~الأسواق، وتعطيل المعاش، وإظهار النوح والمأتم، بسبب الحسين بن علي، رضوان ~~الله عليهما. وفيها أرسل القرامطة رسلا إلى بني نمير وغيرهم من العرب ~~يدعونهم إلى طاعتهم، فأجابوا إلى ذلك، وأخذت عليهم الأيمان بالطاعة، وأرسل ~~أبو تغلب ابن حمدان إلى القرامطة بهجر هدايا جميلة خمسون ألف درهم. وفيها ~~طلب سابور بن أبي طاهر القرمطي من أعمامه أن يسلموا الأمر إليه والجيش، ~~وذكر أن أباه عهد إليه بذلك، ms3020 فحبسوه في داره، ووكلوا به، ثم أخرج ميتا في ~~نصف رمضان، فدفن ومنع أهله من البكاء عليه، ثم أذن لهم بعد أسبوع أن يعملوا ~~ما يريدون. وفيها، ليلة الخميس رابع عشر رجب، انخسف القمر جميعه، وغاب ~~منخسفا. وفيها، في شعبان، وقعت حرب بين أبي عبدالله بن الداعي العلوي وبين ~~علوي آخر يعرف بأميرك، وهو أبو جعفر الثائر في الله، قتل فيها خلق كثير من ~~الديلم والجيل، وأسر أبو عبدالله بن الداعي، وسجن في قلعة، ثم أطلق في ~~المحرم سنة تسع وخمسين وعاد إلى رئاسته، وصار أبو جعفر صاحبه جيشه. وفيها ~~قبض بختيار على وزيره أبي الفضل العباس بن الحسين، وعلى جميع أصحابه، وقبض ~~أموالهم وأملاكهم، واستوزر أبا الفرج محمد بن العباس، ثم عزل أبا الفرج ~~وأعاد أبا الفضل. وفيها اشتد الغلاء بالعراق، واضطرب الناس، فسعر السلطان ~~الطعام، فاشتد البلاء، فدعته الضرورة إلى إزالة التسعير، فسهل الأمر، وخرج ~~الناس من العراق إلى الموصل والشام وخراسان من الغلاء. وفيها نفي شيرزاد، ~~وكان قد غلب على أمر بختيار، وصار يحكم على الوزير والجند وغيرهم، فأوحش ~~الأجناد، وعزم الأتراك على قتله، فمنعهم سبكتكين وقال لهم: خوفوه ليهرب؛ ~~فهرب من بغداد، وعهد إلى بختيار ليحفظ ماله وملكه، فلما سار عن بغداد قبض ~~بختيار أمواله وأملاكه ودوره وكان هذا مما يعاب به بختيار. ثم إن شيرزاد ~~سار إلى ركن الدولة ليصلح أمره مع بختيار، فتوفي بالري عند وصوله إليها. ~~وفيها توفي عبيد الله بن أحمد بن محمد أبو الفتح النحوي، المعروف بجخجخ. ~~وفيها مات عيسى الطبيب الذي كان طبيب القاهر بالله، والحاكم في دولته، وكان ~~قد عمي قبل موته بسنتين، وكان مولده سنة إحدى وسبعين ومائتين. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر ملك الروم مدينة أنطاكية # في هذه السنة، في المحرم، ملك الروم مدينة إنطاكية. وسبب ذلك أنهم حصروا ~~حصنا بالقرب من إنطاكية يقال له حصن لوقا، وأنهم وافقوا أهله، وهم نصارى، ~~على أن يرتحلوا منه إلى إنطاكية، ويظهروا أنهم إنما انتقلوا منه ms3021 خوفا من ~~الروم، فإذا صاروا بأنطاكية أعانوهم على فتحها، وانصرف الروم عنهم بعد ~~موافقتهم على ذلك، وانتقل أهل الحصن ونزلوا بأنطاكية بالقرب من الجبل الذي ~~بها. فلما كان بعد انتقالهم بشهرين وافى الروم مع أخي نقفور الملك، وكانوا ~~نحو أربعين ألف رجل، فأحاطوا بسور إنطاكية، وصعدوا الجبل إلى الناحية التي ~~بها أهل حصن لوقا، فلما رآهم أهل البلد قد ملكوا تلك الناحية طرحوا أنفسهم ~~من السور، وملك الروم البلد، ووضعوا في أهله السيف، ثم أخرجوا المشايخ، ~~والعجائز، والأطفال من البلد، وقالوا لهم: اذهبوا حيث شئتم؛ فأخذوا الشباب ~~من الرجال، والنساء، والصبيان، والصبايا، فحملوهم إلى بلاد الروم سبيا، ~~وكانوا يزيدون على عشرين ألف إنسان، وكان حصرهم له في ذي الحجة. ### || AUT ذكر ملك الروم مدينة حلب # ### || AUT وعودهم عنها # PageV04P0050 # لما ملك الروم إنطاكية أنفذوا جيشا كثيفا إلى حلب، وكان أبو المعالي شريف ~~بن سيف الدولة محاصرا لها، وبها قرعويه السيفي متغلبا عليها. فلما سمع أبو ~~المعالي خبرهم فارق حلب وقصد البرية ليبعد عنهم، وحصروا البلد، وفيه قرعويه ~~وأهل البلد قد تحصنوا بالقلعة، فملك الروم المدينة، وحصروا القلعة، فخرج ~~إليهم جماعة من أهل حلب، وتوسطوا بينهم وبين قرعويه، وترددت الرسل، فاستقر ~~الأمر بينهم على هدنة مؤبدة على مال يحمله قرعويه إليهم، وأن يكون للروم ~~إذا أرادوا الغزاة أن لا يمكن قرعويه أهل القرايا من الجلاء عنها ليبتاع ~~الروم ما يحتاجون إليه منها. وكان مع حلب حماة، وحمص، وكفر طاب، والمعرة، ~~وأفامية، وشيزر، وما بين ذلك من الحصون والقرايا، وسلموا الرهائن إلى ~~الروم، وعادوا عن حلب وتسلمها المسلمون. ### || AUT ذكر ملك الروم ملازكرد # وفيها أرسل ملك الروم جيشا إلى ملازكرد من أعمال أرمينية، فحصروها، ~~وضيقوا على من بها من المسلمين، وملكوها عنوة وقهرا، وعظمت شوكتهم، وخافهم ~~المسلمون في أقطار البلاد، وصار كلها سائبة لا تمتنع عليهم يقصدون أيها شاؤوا. ### || AUT ذكر مسير ابن العميد إلى حسنويه # وفي هذه السنة جهز ركن الدولة وزيره أبا الفضل بن العميد في جيش كثيف، ~~وسيرهم إلى بلد ms3022 حسنويه. وكان سبب ذلك أن حسنويه بن الحسين الكردي كان قد ~~قوي واستفحل أمره لاشتغال ركن الدولة بما هو أهم منه، ولأنه كان يعين ~~الديلم على جيوش خراسان إذا قصدتهم، فكان ركن الدولة يراعيه لذلك، ويغضي ~~على ما يبدو منه؛ وكان يتعرض إلى القوافل وغيرها بخفارة، فبلغ ذلك ركن ~~الدولة، فسكت عنه. فلما كان الآن وقع بينه وبين سهلان بن مسافر خلاف أدى ~~إلى أن قصده سهلان وحاربه، وهزمه حسنويه، فانحاز هو وأصحابه إلى مكان ~~اجتمعوا فيه، فقصدهم حسنويه وحصرهم فيه، ثم إنه جمع من الشوك والنبات وغيره ~~شيئا كثيرا، وفرقه في نواحي أصحاب سهلان وألقى فيه النار، وكان الزمان ~~صيفا، فاشتد عليهم الأمر حتى كادوا يهلكون، فلما عاينوا الهلاك طلبوا ~~الأمان فأمنهم، فأخذهم عن آخرهم. وبلغ ذلك ركن الدولة فلم يحتمله له، ~~فحينئذ أمر ابن العميد بالمسير إليه، فتجهز وسار في المحرم ومعه ولده أبو ~~الفتح، وكان شابا مرحا، قد أبطره الشباب والأمر والنهي، وكان يظهر منه ما ~~يغضب بسببه والده، وازدادت علته، وكان به نقرس وغيره من الأمراض. فلما وصل ~~إلى همذان توفي بها، وقام ولده مقامه، فصالح حسنويه على مال أخذه منه، وعاد ~~إلى الري إلى خدمة ركن الدولة. وكان والده يقول عند موته: ما قتلني إلا ~~ولدي، وما أخاف على بيت العميد أن يخرب ويهلكوا إلا منه. فكان على ما ظن. ~~وكان أبو الفضل بن العميد من محاسن الدنيا قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في ~~غيره من حسن التدبير، وسياسة الملك، والكتابة التي أتى فيها بكل بديع. وكان ~~عالما في عدة فنون منها الأدب، فإنه كان من العلماء به، ومنها حفظ أشعار ~~العرب، فإنه حفظ منها ما لم يحفظ غيره مثله؛ ومنها علوم الأوائل فإنه كان ~~ماهرا فيها مع سلامة اعتقاد، إلى غير ذلك من الفضائل، ومع حسن خلق، ولين ~~عشرة مع أصحابه وجلسائه، وشجاعة تامة، ومعرفة بأمور الحرب والمحاصرات، وبه ~~تخرج عضد الدولة، ومنه تعلم سياسة الملك، ومحبة العلم والعلماء، وكان عمر ~~ابن العميد ms3023 قد زاد على ستين سنة يسيرا، وكانت وزارته أربعا وعشرين سنة. ### || AUT ذكر قتل تقفور ملك الروم # في هذه السنة قتل تقفور ملك الروم، ولم يكن من أهل بيت المملكة، وإنما ~~كان دمستقا، والدمستق عندهم الذي كان يلي بلاد الروم التي هي شرقي خليج ~~القسطنطينية، وأكثرها اليوم بيد أولاد تلج أرسلان، وكان كل من يليها يلقب ~~بالدمستق، وكان تقفور هذا شديدا على المسلمين، وهو الذي أخذ حلب أيام سيف ~~الدولة فعظم شأنه عند الروم، وهو أيضا الذي فتح طرسوس، والمصيصة، وأذنة، ~~وعين زربة، وغيرها. ولم يكن نصراني الأصل، وإنما هو من ولد رجل مسلم من أهل ~~طرسوس يعرف بابن الفقاس تنصر، وكان ابنه هذا شهما، شجاعا، حسن التدبير لما ~~يتولاه. فلما عظم أمره وقوي شأنه قتل الملك الذي كان قبله، وملك الروم ~~بعده. وقد ذكرنا هذا جميعه. PageV04P0051 # فلما ملك تزوج امرأة الملك المقتول على كره منها، وكان لها من الملك ~~المقتول ابنان، وجعل تقفور همته قصد بلاد الإسلام والاستيلاء عليها، وتم له ~~ما أراد باشتغال ملوك الإسلام بعضهم ببعض، فدوخ البلاد، وكان قد بنى أمره ~~على أن يقصد سواد البلاد فينهبه ويخربه، فيضعف البلاد فيملكها، وغلب على ~~الثغور الجزرية والشامية وسبى، وأسر ما يخرج عن الحصر، وهابه المسلمون هيبة ~~عظيمة، ولم يشكوا في أنه يملك جميع الشام، ومصر، والجزيرة وديار بكر لخلوا ~~الجميع من مانع. فلما استفحل أمره أتاه أمر الله من حيث لم يحتسب، وذلك أنه ~~عزم على أن يخصي ابني الملك المقتول لينقطع نسلهما، ولا يعارض أحد أولاده ~~في الملك، فلما علمت أمهما ذلك قلقت منه، واحتالت على قتله، فأرسلت إلى ابن ~~الشمشقيق، وهو الدمستق حينئذ، ووافقته على أن يصير إليها في زي النساء ومعه ~~جماعة، وقالت لزوجها إن نسوة من أهلها قد زاروها، فلما صار إليها هو ومن ~~معه جعلتهم في بيعة تتصل بدار الملك، وكان ابن الشمشقيق شديد الخوف منه ~~لعظم هيبته، فاستجاب للمرأة إلى ما دعته إليه، فلما كان ليلة الميلاد من ~~هذه السنة نام ms3024 تقفور، فقتل منهم نيف وسبعون رجلا، وأجلس في الملك الأكبر من ~~ولدي الملك المقتول، وصار المدبر له ابن الشمشقيق، ويقال إن تقفور ما بات ~~قط إلا بسلاح إلا تلك الليلة لما يريده الله تعالى من قتله وفناء أجله. ### || AUT ذكر ملك أبي تغلب مدينة حران # في هذه السنة، في الثاني والعشرين من جمادى الأولى، سار أبو تغلب بن ~~ناصر الدولة بن حمدان إلى حران، فرأى أهلها قد أغلقوا أبوابها، وامتنعوا ~~منه، فنازلهم وحصرهم، فرعى أصحابه زروع تلك الأعمال، وكان الغلاء في العسكر ~~كثيرا، فبقي كذلك إلى ثالث عشر جمادى الآخرة، فخرج إليه نفران من أعيان ~~أهلها ليلا وصالحاه، وأخذ الأمان لأهل البلد وعادا. فلما أصبحا أعلما أهل ~~حران ما فعلاه، فاضطربوا، وحملوا السلاح وأرادوا قتلهما، فسكنهم بعض أهلها، ~~فسكنوا، واتفقوا على إتمام الصلح، وخرجوا جميعهم إلى أبي تغلب، وفتحوا ~~أبواب البلد ودخله أبو تغلب وإخوته وجماعة من أصحابه، وصلوا به الجمعة، ~~وخرجوا إلى معسكرهم، واستعمل عليهم سلامة البرقعيدي لأنه طلبه أهله لحسن ~~سيرته، وكان إليه أيضا عمل الرقة، وهو من أكابر أصحاب بني حمدان، وعاد أبو ~~تغلب إلى الموصل ومعه جماعة من أحداث حران، وسبب سرعة عوده أن بني نمير ~~عاثوا في بلد الموصل، وقتلوا العامل ببرقعيد، فعاد إليهم ليكفهم. ### || AUT ذكر قتل سليمان بن أبي علي بن إلياس # في هذه السنة قتل سليمان بن أبي علي بن إلياس الذي كان والده صاحب ~~كرمان. وسبب ذلك أنه ذكر للأمير منصور بن نوح صاحب خراسان أن أهل كرمان من ~~القفص والبلوص معه وفي طاعته، وأطعمه في كرمان، فسير معه عسكرا إليهما، ~~فلما وصل إليها وافقه القفص والبلوص وغيرهما من الأمم المفارقة لطاعة عضد ~~الدولة، فاستفحل أمره، وعظم جمعه، فلقيه كوركير ابن جستان، خليفة عضد ~~الدولة بكرمان، وحاربه، فقتل سليمان وابنا أخيه إليسع، وهما بكر والحسين، ~~وعدد كثير من القواد والخراسانية، وحملت رؤوسهم إلى عضد الدولة بشيراز، ~~فسيرها إلى أبيه ركن الدولة، فأخذ منهم جماعة كثيرة أسرى. ### || AUT ذكر الفتنة بصقلية # وفي ms3025 هذه السنة استعمل المعز لدين الله الخليفة العلوي، على جزيرة صقلية، ~~يعيش مولى الحسن بن علي بن أبي الحسين، فجمع القبائل في دار الصناعة، فوقع ~~الشر بين موالي كتامة والقبائل، فاقتتلوا، فقتل من موالي كتامة كثير، وقتل ~~من الموالي بناحية سرقوسة جماعة. وازداد الشر بينهم، وتمكنت العدواة، وسعى ~~يعيش في الصلح، فلم يوافقوه، وتطاول أهل الشر من كل ناحية، ونهبوا وأفسدوا، ~~واستطالوا على أهل المراعي، واستطالوا على أهل القلاع المستأمنة، فبلغ ~~الخبر إلى المعز، فعزل يعيش، واستعمل أبا القاسم بن الحسن بن علي بن أبي ~~الحسين نيابة عن أخيه أحمد، فسار إليها، فلما وصل فرح به الناس، وزال الشر ~~من بينهم، واتفقوا على طاعته. ### || AUT ذكر حصر عمران بن شاهين # PageV04P0052 # في هذه السنة، في شوال، انحدر بختيار إلى البطيحة لمحاصرة عمران بن ~~شاهين، فأقام بواسط يتصيد شهرا، ثم أمر وزيره أبا الفضل أن ينحدر إلى ~~الجامدة، وطفوف البطيحة، وبنى أمره على أن يسد أفواه الأنهار ومجاري المياه ~~إلى البطيحة، ويردها إلى دجلة والفاروث، وربع طير، فبنى المسنيات التي يمكن ~~السلوك عليها إلى العراق، فطالت الأيام، وزادت دجلة فخرجت ما عملوه. وانتقل ~~عمران إلى معقل آخر من معاقل البطيحة، ونقل كل ماله إليه، فلما نقصت ~~المياه، واستقامت الطرق، وجدوا مكان عمران بن شاهين فارغا، فطالت الأيام، ~~وضجر الناس من المقام، وكرهوا تلك الأرض من الحر، والبق والضفادع، وانقطاع ~~المواد التي ألفوها، وشغب الجند على الوزير، وشتموه، وأبوا أن يقيموا، ~~فاضطر بختيار إلى مصالحة عمران على مال يأخذه منه. وكان عمران قد خافه في ~~الأول، وبذل له خمسة آلاف ألف درهم، فلما رأى اضطراب أمر بختيار بذل ألفي ~~ألف درهم في نجوم، ولم يسلم إليهم رهائن، ولا حلف لهم على تأدية المال، ~~ولما رحل العسكر تخطف عمران أطراف الناس فغنم، وفسد عسكر بختيار، وزالت ~~عنهم الطاعة والهيبة، ووصل بختيار إلى بغداد في رجب سنة إحدى وستين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الآخر، اصطلح قرعويه، غلام سيف الدولة ms3026 ابن حمدان، ~~وأبو المعالي بن سيف الدولة، وخطب لأبي المعالي بحلب، وكان بحمص، وخطب هو ~~وقرعويه في أعمالهما للمعز لدين الله العلوي، صاحب المغرب ومصر. وفيها، في ~~رمضان، وقع حريق عظيم ببغداد في سوق الثلاثاء، فاحترق جماعة رجال ونساء، ~~وأما الرحال وغيرها فكثير، ووقع الحريق أيضا في أربعة مواضع من الجانب ~~الغربي فيها أيضا. وفيها كانت الخطبة بمكة للمطيع لله وللقرامطة الهجريين، ~~وخطب بالمدينة للمعز لدين الله العلوي، وخطب أبو أحمد الموسوي والد الشريف ~~الرضي خارج المدينة للمطيع لله. وفيها مات عبيد بن عمر بن أحمد أبو القاسم ~~العبسي المقرئ الشافعي بقرطبة، وله تصانيف كثيرة، وكان مولده ببغداد سنة ~~خمس وتسعين ومائتين؛ وأبو بكر محمد بن داود الدينوري الصوفي، المعروف ~~بالرقي، وهو من مشاهير مشايخهم، وقيل مات سنة اثنتين وستين. وفيها توفي ~~القاضي أبو العلاء محارب بن محمد بن محارب الفقيه الشافعي في جمادى الآخرة، ~~وكان عالما بالفقه والكلام. ### | AUT ثم دخلت سنة ستين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر عصيان أهل كرمان على عضد الدولة # لما ملك عضد الدولة كرمان، كما ذكرناه، اجتمع القفص والبلوص، وفيهم أبو ~~سعيد البلوصي وأولاده، على كلمة واحدة في الخلاف، وتحالفوا على الثبات ~~والاجتهاد، فضم عضد الدولة إلى كوركير بن جستان عابد ابن علي فسارا إلى ~~جيرفت فيمن معهما من العساكر، فالتقوا عاشر صفر، فاقتتلوا، وصبر الفريقان ~~ثم انهزم القفص ومن معهم، فقتل منهم خمسة آلاف من شجعانهم ووجوههم، وقتل ~~ابنان لأبي سعيد. ثم سار عابد بن علي يقص آثارهم ليستأصلهم، فأوقع بهم عدة ~~وقائع، وأثخن فيهم، وانتهى إلى هرموز فملكها، واستولى على بلاد التيز ~~ومكران، وأسر ألفي أسير، وطلب الباقون الأمان، وبذلوا تسليم معاقلهم ~~وجبالهم، على أن يدخلوا في السلم، وينزعوا شعار الحرب، ويقيموا حدود ~~الإسلام من الصلاة والزكاة والصوم. ثم سار عابد إلى طوائف أخر يعرفون ~~بالحرومية والحاسكية يخيفون السبيل في البحر والبر، وكانوا قد أعانوا ~~سليمان بن أبي علي بن إلياس، وقد تقدم ذكرهم، فأوقع بهم، وقتل كثيرا منهم، ~~وأنفذهم إلى عضد الدولة، فاستقامت ms3027 تلك الأرض مدة من الزمان. ثم لم يلبث ~~البلوص أن عادوا إلى ما كانوا عليه من سفك الدم وقطع الطريق، فلما فعلوا ~~ذلك تجهز عضد الدولة وسار إلى كرمان في ذي القعدة، فلما وصل إلى السيرجان ~~رأى فسادهم وما فعلوه من قطع الطريق بكرمان وسجستان وخراسان، فجرد عابد بن ~~علي في عسكر كثيف، وأمره باتباعهم، فلما أحسوا به وأوغلوا في الهرب إلى ~~مضايق ظنوا أن العسكر لا يتوغلها، فأقاموا آمنين. PageV04P0053 # فسار في آثارهم، فلم يشعروا إلا وقد أطل عليهم، فلم يمكنهم الهرب، فصبروا ~~يومهم، وهو تاسع عشر ربيع الأول من سنة إحدى وستين وثلاثمائة، ثم انهزموا ~~آخر النهار، وقتل أكثر رجالهم المقاتلة، وسبى الذراري والنساء، وبقي ~~القليل، وطلبوا الأمان فأجيبوا إليه، ونقلوا عن تلك الجبال، وأسكن عضد ~~الدولة مكانهم الأكرة والزراعين، حتى طبقوا تلك الأرض بالعمل وتتبع عابد ~~تلك الطوائف برا وبحرا حتى أتى عليهم وبدد شملهم. ### || AUT ذكر ملك القرامطة دمشق # في هذه السنة، في ذي القعدة، وصل القرامطة إلى دمشق فملكوها، وقتلوا ~~جعفر بن فلاح. وسبب ذلك أنهم لما بلغهم استيلاء جعفر بن فلاح على الشام ~~أهمهم وأزعجهم وقلقوا لأنه قد تقرر بينهم وبين ابن طغج أن يحمل إليهم كل ~~سنة ثلاثمائة ألف دينار، فلما ملها جعفر علموا أن المال يفوتهم، فعزموا على ~~قصد الشام، وصاحبهم حينئذ الحسين بن أحمد بن بهرام القرمطي، فأرسل إلى عز ~~الدولة بختيار يطلب منه المساعدة بالسلاح والمال، فأجابه إلى ذلك، واستقر ~~الحال أنهم إذا وصلوا إلى الكوفة سائرين إلى الشام حمل الذي استقر، فلما ~~وصلوا إلى الكوفة أوصل إليهم ذلك، وساروا إلى دمشق. وبلغ خبرهم إلى جعفر بن ~~فلاح، فاستهان بهم ولم يحترز منهم، فلم يشعر بهم حتى كبسوه بظاهر دمشق ~~وقتلوه وأخذوا ماله وسلاحه ودوابه، وملكوا دمشق، وأمنوا أهلها، وساروا إلى ~~الرملة، واستولوا على جميع ما بينهما. فلما سمع من بها من المغاربة خبرهم ~~ساروا عنها إلى يافا فتحصنوا بها، وملك القرامطة الرملة، وساروا إلى مصر، ~~وتركوا على يافا من يحصرها، ms3028 فلما وصلوا إلى مصر اجتمع معهم خلق كثير من ~~العرب والجند والإخشيدية والكافورية، فاجتمعوا بعين شمس عند مصر، واجتمع ~~عساكر جوهر وخرجوا إليهم، فاقتتلوا غير مرة، الظفر في جميع تلك الأيام ~~للقرامطة، وحصروا المغاربة حصرا شديدا، ثم إن المغاربة خرجوا في بعض الأيام ~~من مصر، وحملوا على ميمنة القرامطة، فانهزم من بها من العرب وغيرهم، وقصدوا ~~سواد القرامطة فنهبوه، فاضطروا إلى الرحيل، فعادوا إلى الشام، فنزلوا ~~الرملة. ثم حصروا يافا حصرا شديدا، وضيقوا على من بها، فسير جوهر من مصر ~~نجدة إلى أصحابه المحصورين بيافا، ومعهم ميرة في خمسة عشر مركبا، فأرسل ~~القرامطة مراكبهم إليها، فأخذوا مراكب جوهر، ولم ينج منها غير مركبين، ~~فغنمهما مراكب الروم. وللحسين بن بهرام مقدم القرامطة شعر، فمنه في ~~المغاربة أصحاب المعز لدين الله: زعمت رجال الغرب أني هبتها ... فدمي إذا ~~ما بينهم مطلول يا مصر إن لم أسق أرضك من دم ... يروي ثراك فلا سقاني النيل ### || AUT ذكر قتل محمد بن الحسين الزناتي # في هذه السنة قتل يوسف بلكين بن زيري محمد بن الحسين بن خزر الزناتي ~~وجماعة من أهله وبني عمه، وكان قد عصى على المعز لدين الله بإفريقية، وكثر ~~جمعه من زناتة والبربر، فأهم المعز أمره لأنه أراد الخروج إلى مصر، فخاف أن ~~يخلف محمدا في البلاد عاصيا، وكان جبارا عاتيا طاغيا. وأما كيفية قتله فإنه ~~كان يشرب هو وجماعة من أهله وأصحابه، فعلم يوسف به، فسار إليه جريدة ~~متخفيا، فلم يشعر به محمد حتى دخل عليه، فلما رآه محمد قتل نفسه بسيفه، ~~وقتل يوسف الباقين وأسر منهم، فحل ذلك عند المعز محلا عظيما، وقعد للهناء ~~به ثلاثة أيام. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض عضد الدولة على كوركير بن جستان قبضا فيه إبقاء وموضع ~~للصلح. وفيها تزوج أبو تغلب بن حمدان ابنة عز الدولة بختيار، وعمرها ثلاث ~~سنين، على صداق مائة ألف دينار؛ وكان الوكيل في قبول العقد أبا الحسن علي ~~بن عمرو بن ميمون صاحب أبي تغلب بن ms3029 حمدان، ووقع العقد في صفر. وفيها قتل ~~رجلان بمسجد دير مار ميخائيل بظاهر الموصل، فصادر أبو تغلب جماعة من ~~النصارى. وفيها استوزر مؤيد الدولة بن ركن الدولة الصاحب أبا القاسم بن ~~عباد، وأصلح أموره كلها. وفيها مات أبو القاسم سليمان بن أيوب الطبراني ~~صاحب المعاجم الثلاثة بأصبهان وكان عمره مائة سنة، وأبو بكر محمد بن الحسين ~~الآجري بمكة، وهما من حفاظ المحدثين. وفيها توفي السري بن أحمد بن السري ~~أبو الحسن الكندي الرفا، الشاعر الموصلي، ببغداد. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائة # PageV04P0054 ### || AUT ذكر ما فعله الروم بالجزيرة # في هذه السنة، في المحرم، أغار ملك الروم على الرها ونواحيها، وسار في ~~ديار الجزيرة حتى بلغوا نصيبين، فغنموا، وسبوا، وأحرقوا وخربوا البلاد، ~~وفعلوا مثل ذلك بديار بكر، ولم يكن من أبي تغلب بن حمدان في ذلك حركة، ولا ~~سعي في دفعه، لكنه حمل إليه مالا كفه به عن نفسه. فسار جماعة من أهل تلك ~~البلاد إلى بغداد مستنفرين، وقاموا في الجوامع والمشاهد، واستنفروا ~~المسلمين، وذكروا ما فعله الروم من النهب، والقتل، والأسر، والسبي، ~~فاستعظمه الناس، وخوفهم أهل الجزيرة من انفتاح الطريق وطمع الروم، وأنهم لا ~~مانع لهم عندهم، فاجتمع معهم أهل بغداد، وقصدوا دار الخليفة الطائع لله، ~~وأرادوا الهجوم عليه، فمنعوا من ذلك، وأغلقت الأبواب، فأسمعوا ما يقبح ~~ذكره. وكان بختيار حينئذ يتصيد بنواحي الكوفة، فخرج إليه وجوه أهل بغداد ~~مستغيثين، منكرين عليه اشتغاله بالصيد، وقتال عمران بن شاهين وهو مسلم، ~~وترك جهاد الروم، ومنعهم عن بلاد الإسلام حتى توغلوها، فوعدهم التجهز ~~للغزاة، وأرسل إلى الحاجب سبكتكين يأمره بالتجهز للغزو وأن يستنفر العامة، ~~ففعل سبكتكين ذلك، فاجتمع من العامة عدد كثير لا يحصون كثرة، وكتب بختيار ~~إلى أبي تغلب بن حمدان، صاحب الموصل، يأمره بإعداد الميرة والعلوفات، ~~ويعرفه عزمه على الغزاة، فأجابه بإظهار الفرح، وإعداد ما طلب منه. ### || AUT ذكر الفتنة ببغداد # في هذه السنة وقعت ببغداد فتنة عظيمة، وأظهروا العصبية الزائدة، وتحزب ~~الناس، وظهر العيارون وأظهروا الفساد، وأخذوا أموال ms3030 الناس. وكان سبب ذلك ما ~~ذكرناه من استنفار العامة للغزاة، فاجتمعوا وكثروا فتولد بينهم من أصناف ~~البنوية، والفتيان، والسنة، والشيعة، والعيارين، فنهبت الأموال، وقتل ~~الرجال، وأحرقت الدور، وفي جملة ما احترق محلة الكرخ، وكانت معدن التجار ~~والشيعة، وجرى بسبب ذلك فتنة بين النقيب أبي أحمد الموسوي والوزير أبي ~~الفضل الشيرازي وعداوة. ثم إن بختيار أنفذ إلى المطيع لله يطلب منه مالا ~~يخرجه في الغزاة، فقال المطيع: إن الغزاة والنفقة عليها، وغيرها من مصالح ~~المسلمين، تلزمني إذا كانت الدنيا في يدي وتجبي إلي الأموال، وأما إذا كانت ~~حالي هذه فلا يلزمني شيء من ذلك، وإنما يلزم من البلاد في يده، وليس لي إلا ~~الخطبة، فإن شئتم أن أعتزل فعلت. وترددت الرسائل بينهما، حتى بلغوا إلى ~~التهديد، فبذل المطيع لله أربعمائة ألف درهم، فاحتاج إلى بيع ثيابه، وأنقاض ~~داره، وغير ذلك، وشاع بين الناس من العراقيين وحجاج خراسان وغيرهم أن ~~الخليفة قد صودر. فلما قبض بختيار المال صرفه في مصالحه، وبطل حديث الغزاة. ### || AUT ذكر مسير المعز لدين الله العلوي من الغرب إلى مصر # في هذه السنة سار المعز لدين الله العلوي من إفريقية يريد الديار ~~المصرية، وكان أول مسيره أواخر شوال من سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وكان أول ~~رحيله من المنصورية، فأقام بسردانية، وهي قرية قريبة من القيروان، ولحقه ~~بها رجاله، وعماله، وأهل بيته، وجميع ما كان له في قصره من أموال وأمتعة ~~وغير ذلك، حتى إن الدنانير سبكت وجعلت كهيئة الطواحين وحمل كل طاحونتين على ~~جمل. وسار عنها واستعمل على بلاد إفريقية يوسف بلكين بن زيري بن مناد ~~الصنهاجي الحميري، إلا أنه لم يجعل له حكما على جزيرة صقلية، ولا على مدينة ~~طرابلس الغرب، ولا على أجدابية، وسرت، وجعل على صقلية حسن بن علي بن أبي ~~الحسين، على ما قدمنا ذكره، وجعل على طرابلس عبدالله بن يخلف الكتامي، وكان ~~أثيرا عنده، وجعل على جباية أموال إفريقية زيادة الله بن القديم، وعلى ~~الخراج عبد الجبار الخراساني، وحسين بن خلف الموصدي، وأمرهم ms3031 بالانقياد ~~ليوسف بن زيري. فأقام بسردانية أربعة أشهر حتى فرغ من جميع ما يريد، ثم رحل ~~عنها، ومعه يوسف بلكين وهو يوصيه بما يفعله، ونحن نذكر من سلف يوسف بلكين ~~وأهله ما تمس الحاجة إليه، ورد يوسف إلى أعماله، وسار إلى طرابلس ومعه ~~جيوشه وحواشيه، فهرب منه بها جمع من عسكره إلى جبال نفوسة فطلبهم فلم يقدر ~~عليهم. PageV04P0055 # ثم سار إلى مصر، فلما وصل إلى برقة ومعه محمد بن هانئ الشاعر الأندلسي، ~~قتل غيلة، فرؤي ملقى على جانب البحر قتيلا لا يدرى من قتله، وكان قتله ~~أواخر رجب من سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وكان من الشعراء المجيدين إلا ~~أنه غالى في مدح المعز حتى كفره العلماء، فمن ذلك قوله: ما شئت لا ما شاءت ~~الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار وقوله: ولطال ما ... زاحمت حول ركابه ~~جبريلا ومن ذلك ينسب إليه ولم أجدها في ديوانه قوله: حل برقادة المسيح ... ~~حل بها آدم ونوح حل بها الله ذو المعالي ... فكل شيء سواه ريح ورقادة اسم ~~مدينة بالقرب من القيروان، إلى غير ذلك، وقد تأول ذلك من يتعصب له، والله ~~أعلم، وبالجملة فقد جاز حد المديح. ثم سار المعز حتى وصل إلى الإسكندرية ~~أواخر شعبان من السنة، وأتاه أهل مصر وأعيانها، فلقيهم، وأكرمهم، وأحسن ~~إليهم، وسار فدخل القاهرة خامس شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، ~~وأنزل عساكره مصر والقاهرة في الديار، وبقي كثير منهم في الخيام. وأما يوسف ~~بلكين فإنه لما عاد من وداع المعز أقام بالمنصورية يعقد الولايات للعمال ~~على البلاد، ثم سار في البلاد، وباشر الأعمال، وطيب قلوب الناس، فوثب أهل ~~باغاية على عامله فقاتلوه فهزموه، فسير إليهم يوسف جيشا فقاتلهم فلم يقدر ~~عليهم، فأرسل إلى يوسف يعرفه الحال، فتأهب يوسف، وجمع العساكر ليسير إليهم، ~~فبينما هو في التجهز أتاه الخبر عن تاهرت أن أهلها قد عصوا، وخالفوا، ~~وأخرجوا عامله، فرحل إلى تاهرت فقاتلها، فظفر بأهلها، وخرها، فأتاه الخبر ~~بها أن زناتة قد نزلوا على تلمسان، فرحل إليهم، فهربوا منه، وأقام ms3032 على ~~تلمسان فحصرها مدة ثم نزلوا على حكمه فعفا عنهم، إلا أنه نقلهم إلى مدينة ~~أشير، فبنوا عندها مدينة سموها تلمسان. ثم إن زيادة الله بن القديم جرى ~~بينه وبين عامل آخر كان معه، اسمه عبد الله بن محمد الكاتب، منافسة صارت ~~إلى محاربة، واجتمع مع كل واحد منهما جماعة، وكان بينهما حروب عدة دفعات، ~~وكان يوسف بلكين مائلا مع عبدالله لصحبة قديمة بينهما، ثم إن أبا عبدالله ~~قبض على ابن القديم وسجنه واستبد بالأمور بعده، وبقي ابن القديم محبوسا حتى ~~توفي المعز بمصر، وقوي أمر يوسف بلكين. وفي سنة أربع وستين طلع خلف بن حسين ~~إلى قلعة منيعة، فاجتمع إليه خلق كثير من البربر وغيرهم، وكان من أصحاب ابن ~~القديم المساعدين له، فسمع يوسف بذلك، فسار إليه ونازل القلعة وحاربه، فقتل ~~بينهما عدة قتلى، وافتتحها، وهرب خلف بن حين، وقتل ممن كان بها خلق كثير، ~~وبعث إلى القيروان من رؤوسهم سبعة آلاف رأس، ثم أخذ خلف وأمر به فطيف به ~~على جمل، ثم صلب، وسير رأسه إلى مصر، فلما سمع أهل باغاية بذلك خافوا، ~~فصالحوا يوسف ونزلوا على حكمه، فأخرجهم من باغاية وخرب سورها. ### || AUT ذكر خبر يوسف بلكين بن زيري بن مناد وأهل بيته # هو يوسف بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي الحميري، اجتمعت صنهاجة ومن ~~والاها بالمغرب على طاعته، قبل أن يقدمه المنصور، وكان أبوه مناد كبيرا في ~~قومه، كثير المال والولد، حسن الضيافة لمن يمر به، ويقدم ابنه زيري في ~~أيامه، وقاد كثيرا من صنهاجة، وأغار بهم، وسبى، فحسدته زناتة، وجمعت له ~~لتسير إليه وتحاربه، فسار إليهم مجدا، فكبسهم ليلا وهم غارون بأرض مغيلة، ~~فقتل منهم كثيرا، وغنم ما معهم، فكثر تبعه، فضاقت بهم أرضهم، فقالوا له: لو ~~اتخذت لنا بلدا غير هذا؛ فسار بهم إلى موضع مدينة أشير، فرأى ما فيه من ~~العيون، فاستحسنه، وبنى فيه مدينة أشير، وسكنها هو وأصحابه، وكان ذلك سنة ~~أربع وستين وثلاثمائة. وكانت زناتة تفسد في البلاد، فإذا طلبوا احتموا ms3033 ~~بالجبال والبراري، فلما بنيت أشير صارت صنهاجة بين البلاد وبين زناتة ~~والبربر، فسر بذلك القائم. وسمع زيري بغمارة وفسادهم، واستحلالهم المحرمات، ~~وأنهم قد ظهر فيهم نبي، فسار إليهم، وغزاهم، وظفر بهم، وأخذ الذي كان يدعي ~~النبوة أسيرا، وأحضر الفقهاء فقتله. ثم كان له أثر حسن في حادثة أبي يزيد ~~الخارجي، وحمل الميرة إلى القائم بالمهدية، فحسن موقعها منه. PageV04P0056 # ثم إن زناتة حصرت مدينة أشير، فجمع لهم زيري جموعا كثيرة، وجرى بينهم عدة ~~وقعات قتل فيها كثير من الفريقين، ثم ظفر بهم واستباحهم. ثم ظهر بجبل أوراس ~~رجل، وخالف على المنصور، وكثر جمعه، يقال له سعيد بن يوسف، فسير إليه زيري ~~ولده بلكين في جيش كثيف، فلقيه عند باغاية، واقتتلوا، فقتل الخارجي ومن معه ~~من هوارة وغيرهم، فزاد محله عند المنصور، وكان له في فتح مدينة فاس أثر ~~عظيم، على ما ذكرناه. ثم إن بلكين بن زيري قصد محمد بن الحسين بن خزر ~~الزناتي، وقد خرج عن طاعة المعز، وكثر جمعه، وعظم شأنه، فظفر به يوسف ~~بلكين، وأكثر القتل في أصحابه، فسر المعز بذلك سرورا عظيما لأنه كان يريد ~~أن يستخلف يوسف بلكين على الغرب لقوته، وكثرة أتباعه، وكان يخاف أن يتغلب ~~على البلاد بعد مسيره عنها إلى مصر. فلما استحكمت الوحشة بينه وبين زناتة ~~أمن تغلبه على البلاد. ثم إن جعفر بن علي، صاحب مدينة مسيلة وأعمال الزاب، ~~كان بينه وبين زيري محاسدة، فلما كثر تقدم زيري عند المعز ساء ذلك جعفرا، ~~ففارق بلاده ولحق بزناتة فقبلوه قبولا عظيما، وملكوه عليهم عداوة لزيري، ~~وعصى على المعز، فسار زيري إليه في جمع كثير من صنهاجة وغيرهم فالتقوا في ~~شهر رمضان، واشتد القتال بينهم، فكبا بزيري فرسه فوقع فقتل، ورأى جعفر من ~~زناتة تغير عن طاعته، وندما على قتل زيري، فقال لهم: إن ابنه يوسف بلكين لا ~~يترك ثأر أبيه، ولا يرضى بمن قتل منكم، والرأي أن نتحصن بالجبال المنيعة، ~~والأوعار؛ فأجابوه إلى ذلك، فحمل ماله وأهله في المراكب، وبقي هو مع ms3034 ~~الزناتيين، وأمر عبيده في المراكب أن يعملوا في المراكب فتنة، فعلوا وهو ~~يشاهدهم من البر، فقال لزناتة: أريد أن أنظر ما سبب هذا الشر؛ فصعد المركب، ~~ونجا معهم، وسار إلى الأندلس إلى الحاكم الأموي، فأكرمه، وأحسن إليه، وندمت ~~زناتة كيف لم يقتلوه ويغنموا ما معه. ### || AUT ذكر الصلح بين الأمير منصور بن نوح وبين ركن الدولة وعضد الدولة # في هذه السنة تم الصلح بين الأمير منصور بن نوح الساماني، صاحب خراسان ~~وما وراء النهر، وبين ركن الدولة وابنه عضد الدولة، على أن يحمل ركن الدولة ~~وعضد الدولة إليه كل سنة مائة ألف وخمسين ألف دينار، وتزوج نوح بابنة عضد ~~الدولة، وحمل إليه من الهدايا والتحف ما لم يحمل مثله، وكتب بينهم كتاب ~~صلح، وشهد فيه أعيان خراسان، وفارس، والعراق. وكان الذي سعى في هذا الصلح ~~وقرره محمد بن إبراهيم بن سيمجور، صاحب جيوش خراسان من جهة الأمير منصور. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في صفر، انقض كوكب عظيم، وله نور كثير، وسمع له عند ~~انقضاضه صوت كالرعد، وبقي ضوءه. وفي شوال منها ملك أبو تغلب بن حمدان قلعة ~~ماردين، سلمها إليه نائب أخيه حمدان، فأخذ أبو تغلب كل ما كان لأخيه فيها ~~من أهل ومال وأثاث وسلاح، وحمل الجميع إلى الموصل. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وستين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر انهزام الروم وأسر الدمستق # في هذه السنة كانت وقعة بين هبة الله بن ناصر الدولة بن حمدان وبين ~~الدمستق بناحية ميافارقين. وكان سببها ما ذكرناه من غزو الدمستق بلاد ~~الإسلام، ونهبه ديار ربيعة وديار بكر، فلما رأى الدمستق أنه لا مانع له عن ~~مراده قوي طمعه على أخذ آمد، فسار إليها وبها هزارمرد غلام أبي الهيجاء بن ~~حمدان، فكتب إلى أبي تغلب يستصرخه ويستنجده، ويعلمه الحال، فسير إليه أخاه ~~أبا القاسم هبة الله بن ناصر الدولة، واجتمعا على حرب الدمستق، وسار إليه ~~فلقياه سلخ رمضان، وكان الدمستق في كثرة لكن لقياه في مضيق لا تجول فيه ~~الخيل، والروم ms3035 على غير أهبة، فانهزموا، وأخذ المسلمون الدمستق أسيرا، ولم ~~يزل محبوسا إلى أن مرض سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، فبالغ أبو تغلب في علاجه، ~~وجمع الأطباء له، فلم ينفعه ذلك ومات. ### || AUT ذكر حريق الكرخ # في هذه السنة، في شعبان، احترق الكرخ حريقا عظيما. PageV04P0057 # وسبب ذلك أن صاحب المعونة قتل عاميا، فثار به العامة والأتراك، فهرب ودخل ~~دار بعض الأتراك، فأخرج من فيها، فركب الوزير أبو الفضل لأخذ الجناة، وأرسل ~~حاجبا له يسمى صافيا في جمع لقتال العامة بالكرخ، وكان شديد العصبية للسنة، ~~فألقى النار في عدة أماكن من الكرخ، فاحترق حريقا عظيما، وكان عدة من احترق ~~فيه سبعة عشر ألف إنسان، وثلاثمائة دكان، وكثير من الدور، وثلاثة وثلاثين ~~مسجدا، ومن الأموال ما لا يحصى. ### || AUT ذكر عزل أبي الفضل من وزارة عز الدولة ووزارة ابن بقية # وفيها أيضا عزل الوزير أبو الفضل العباس بن الحسين من وزارة عز الدولة ~~بختيار في ذي الحجة، واستوزر محمد بن بقية، فعجب الناس لذلك لأنه كان وضيعا ~~في نفسه، من أهل أوانا، وكان أبوه أحد الزراعين، لكنه كان قريبا من بختيار، ~~وكان يتولى له المطبخ، ويقدم إليه الطعام ومنديل الخوان على كتفه، إلى أن ~~استوزر. وحبس الوزير أبو الفضل، فمات عن قريب، فقيل إنه مات مسموما، وكان ~~في ولايته مضيعا لجانب الله. فمن ذلك أنه أحرق الكرخ ببغداد، فهلك فيه من ~~الناس والأموال ما لا يحصى؛ ومن ذلك أنه ظلم الرعية، وأخذ الأموال ليفرقها ~~على الجند ليسلم، فما سلمه الله تعالى، ولا نفعه ذلك، وصدق رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، حيث يقول: (من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط ~~عليه الناس). وكان ما فعله من ذلك أبلغ الطرق التي سلكها أعداؤه من الوقيعة ~~فيه، والسعي به، وتمشى لهم ما أرادوا لما كان عليه من تفريطه في أمر دينه، ~~وظلم رعيته، وعقب ذلك أن زوجته ماتت وهو محبوس وحاجبه وكاتبه، فخرجت داره، ~~وعفي أثرها، نعوذ بالله من سوء الأقدار، ونسأله أن يختم ms3036 بخير أعمالنا، فإن ~~الدنيا إلى زوال ما هي. وأما ابن بقية فإن استقامت أموره، ومشت الأحوال بين ~~يديه بما أخذه من أموال أبي الفضل، وأموال أصحابه، فلما فني ذلك عاد إلى ~~ظلم الرعية، فانتشرت الأمور على يده، وخربت النواحي، وظهر العيارون، وعملوا ~~ما أرادوا، وزاد الاختلاف بين الأتراك وبين بختيار، فشرع ابن بقية في إصلاح ~~الحال مع بختيار وسبكتكين، فاصطلحوا، وكانت هدنة على دخن وركب سبكتكين إلى ~~بختيار ومعه الأتراك، فاجتمع به، ثم عاد الحال إلى ما كان عليه من الفساد. ~~وسبب ذلك أن ديلميا اجتاز بدار سبكتكين وهو سكران، فرمى الروشن بزوبين في ~~يده، فأثبته فيه، وأحس به سبكتكين، فصاح بغلمانه فأخذوه، وظن سبكتكين أنه ~~قد وضع على قتله، فقرره فلم يعترف، وأنفذه إلى بختيار وعرفه الحال، فأمر به ~~فقتل، فقوي ظن سبكتكين أنه كان وضعه عليه، وإنما قتله لئلا يفشي ذلك، وتحرك ~~الديلم لقتله، وحملوا السلاح، ثم أرضاهم بختيار فرجعوا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ذي الحجة، أرسل عز الدولة بختيار الشريف أبا أحمد ~~الموسوي، والد الرضي والمرتضى، في رسالة إلى أبي تغلب بن حمدان بالموصل، ~~فمضى إليه، وعاد في المحرم سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. وفيها توفي أبو ~~العباس محمد بن الحسن بن سعيد المخرمي الصوفي صاحب الشبلي بمكة. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر استيلاء بختيار على الموصل # ### || AUT وما كان من ذلك # في هذه السنة، في ربيع الآخر، سار بختيار إلى الموصل ليستولي عليها وعلى ~~أعمالها وما بيد أبي تغلب بن حمدان وكان سبب ذلك ما ذكرناه من مسير حمدان ~~بن ناصر الدولة بن حمدان وأخيه إبراهيم إلى بختيار، واستجارتهما به، ~~وشكواهما إليه من أخيهما أبي تغلب، فوعدهما أن ينصرهما ويخلص أعمالهما ~~وأموالهما منه، وينتقم لهما، واشتغل عن ذلك بما كان منه في البطيحة وغيرها، ~~فلما فرغ من جميع أشغاله عاود حمدان وإبراهيم الحديث معه، وبذل له حمدان ~~مالا جزيلا، وصغر عنده أمر أخيه أبي تغلب، وطلب أن يضمنه بلاده ms3037 ليكون في ~~طاعته، ويحمل إليه الأموال ويقيم له الخطبة. ثم إن الوزير أبا الفضل حسن ~~ذلك، وأشار به ظنا منه أن الأموال تكثر عليه فتمشي الأمور بين يديه، ثم إن ~~إبراهيم بن ناصر الدولة هرب من عند بختيار، وعاد إلى أخيه أبي تغلب، فقوي ~~عزم بختيار على قصد الموصل أيضا، ثم عزل أبا الفضل الوزير واستوزر ابن ~~بقية، فكاتبه أبو تغلب، فقصر في خطابه، فأغرى به بختيار، وحمله على قصده، ~~فسار عن بغداد، ووصل إلى الموصل تاسع عشر ربيع الآخر ونزل بالدير الأعلى. ~~PageV04P0058 # وكان أبو تغلب بن حمدان قد سار عن الموصل لما قرب منه بختيار، وقصد ~~سنجار، وكسر العروب، وأخلى الموصل من كل ميرة، وكاتب الديوان، ثم سار من ~~سنجار يطلب بغداد، ولم يعرض إلى أحد من سوادها بل كان هو وأصحابه يشترون ~~الأشياء بأوفى الأثمان. فلما سمع بختيار بذلك أعاد وزيره ابن بقية، والحاجب ~~سبكتكين إلى بغداد، فأما ابن بقية فدخل إلى بغداد، وأما سبكتكين فأقام ~~بحربى، وكان أبو تغلب قد قارب بغداد، فثار العيارون بها، وأهل الشر بالجانب ~~الغربي، ووقعت فتنة عظيمة بين السنة والشيعة، وحمل أهل سوق الطعام، وهم من ~~السنة، امرأة على جمل وسموها عائشة، وسمى بعضهم نفسه طلحة، وبعضهم الزبير، ~~وقاتلوا الفرقة الأخرى، وجعلوا يقولون: نقاتل أصحاب علي بن أبي طالب، ~~وأمثال هذا من الشر. وكان الجانب الشرقي آمنا، والجانب الغربي مفتونا، فأخذ ~~جماعة من رؤساء العيارين وقتلوا، فسكن الناس بعض السكون. وأما أبو تغلب ~~فإنه لما بلغه دخول ابن بقية بغداد، ونزول سبكتكين الحاجب بحربى، عاد عن ~~بغداد، ونزل بالقرب منه، وجرى بينهما مطاردة يسيرة، ثم اتفقا في السر على ~~أن يظهرا الاختلاف إلى أن يتمكنا من القبض على الخليفة والوزير ووالدة ~~بختيار وأهله، فإذا فعلوا ذلك انتقل سبكتكين إلى بغداد، وعاد أبو تغلب إلى ~~الموصل، فيبلغ من بختيار ما أراد، ويملك دولته. ثم إن سبكتكين خاف سوء ~~الأحدوثة، فتوقف وسار الوزير ابن بقية إلى سبكتكين، فاجتمع به، وانفسخ ما ~~كان بينهما، وتراسلوا ms3038 في الصلح على أن أبا تغلب يضمن البلاد على ما كانت ~~معه، وعلى أن يطلق لبختيار ثلاثة آلاف كر غلة عوضا عن مؤونة سفره، وعلى أن ~~يرد على أخيه حمدان أملاكه وإقطاعه، إلا ماردين. ولما اصطلحوا أرسلوا إلى ~~بختيار بذلك ليرحل عن الموصل، وعاد أبو تغلب إليها، ودخل سبكتكين بغداد، ~~وأسلم بختيار. فلما سمع بختيار بقرب أبي تغلب منه خافه لأن عسكره كان قد ~~عاد أكثره مع سبكتكين، وطلب الوزير ابن بقية من سبكتكين أن يسير نحو ~~بختيار، فتثاقل، ثم فكر في العواقب، فسار على مضض، وكان أظهر للناس ما كان ~~هم به. وأما بختيار فإنه جمع أصحابه وهو بالدير الأعلى؛ ونزل أبو تغلب ~~بالحصباء، تحت الموصل، وبينهما عرض البلد، وتعصب أهل الموصل لأبي تغلب، ~~وأظهروا محبته لما نالهم من بختيار من المصادرات وأخذ الأموال، ودخل الناس ~~بينهما في الصلح، فطلب أبو تغلب من بختيار أن يلقب لقبا سلطانيا، وأن يسلم ~~إليه زوجته ابنة بختيار، وأن يحط عنه من ذلك القرار. فأجابه بختيار خوفا ~~منه، وتحالفا، وسار بختيار عن الموصل عائدا إلى بغداد، فأظهر أهل الموصل ~~السرور برحيله، لأنه كان قد أساء معهم السيرة وظلمهم. فلما وصل بختيار إلى ~~الكحيل بلغه أن أبا تغلب قد قتل قوما كانوا من أصحابه، وقد استأمنوا إلى ~~بختيار، فعادوا إلى الموصل ليأخذوا ما لهم بها من أهل وما فقتلهم. فلما ~~بلغه ذلك اشتد عليه، وأقام بمكانه، وأرسل إلى الوزير أبي طاهر بن بقية ~~والحاجب سبكتكين يأمرهما بالإصعاد إليه، وكان قد أرسل إليهما يأمرهما ~~بالتوقف، ويقول لهما إن الصلح قد استقر، فلما أرسل إليهما يطلبهما أصعدا ~~إليه في العساكر، فعادوا جميعهم إلى الموصل، ونزلوا بالدير الأعلى أواخر ~~جمادى الآخرة، وفارقها أبو تغلب إلى تل يعفر، وعزم عز الدولة على قصده ~~وطلبه أين سلك، فأرسل أبو تغلب كاتبه وصاحبه أبا الحسن علي بن أبي عمرو إلى ~~عز الدولة فاعتقله، واعتقل معه أبا الحسن ابن عرس، وأبا أحمد بن حوقل. وما ~~زالت المراسلات بينهما، وحلف أبو تغلب ms3039 أنه لم يعلم بقتل أولئك، فعاد الصلح ~~واستقر، وحمل إليه ما استقر من المال. فأرسل عز الدولة الشريف أبا أحمد ~~الموسوي، والقاضي أبا بكر محمد بن عبد الرحمن، فحلفا أبا تغلب، وتجدد ~~الصلح، وانحدر عز الدولة عن الموصل سابع عشر رجب، وعاد أبو تغلب إلى بلده. ~~ولما عاد بختيار عن الموصل جهز ابنته وسيرها إلى أبي تغلب، وبقيت معه إلى ~~أن أخذت منه، ولم يعرف لها بعد ذلك خبر. ### || AUT ذكر الفتنة بين بختيار وأصحابه # في هذه السنة ابتدأت الفتنة بين الأتراك والديلم بالأهواز، فعمت العراق ~~جميعه، واشتدت. PageV04P0059 # وكان سبب ذلك أن عز الدولة بختيار قلت عنده الأموال، وكثر إدلال جنده ~~عليه، واطراحهم لجانبه، وشغبهم عليه، فتعذر عليه القرار، ولم يجد ديوانه ~~ووزيره جهة يحتال منها بشيء، وتوجهوا إلى الموصل لهذا السبب، فلم ينفتح ~~عليهم، فرأوا أن يتوجهوا إلى الأهواز، ويتعرضوا لبختكين آزادرويه، وكان ~~متوليها، ويعملوا له حجة يأخذون منه مالا ومن غيره، فسار بختيار وعسكره، ~~وتخلف عنه سبكتكين التركي، فلما وصلوا إلى الأهواز خدم بختيار وحمل له ~~أموالا جليلة المقدار، وبذل له من نفسه الطاعة، وبختيار يفكر في طريق يأخذه ~~به. فاتفق أنه جرى فتنة بين الأتراك والديلم، وكان سببها أن بعض الديلم نزل ~~دارا بالأهواز، ونزل قريبا منه بعض الأتراك، وكان هناك لبن موضوع، فأراد ~~غلام الديلمي أن يبني منه معلفا للدواب، فمنعه غلام التركي، فتضاربا، وخرج ~~كل واحد من التركي والديلمي إلى نصرة غلامه، فضعف التركي عنه، فركب واستنصر ~~بالأتراك، فركبوا وركب الديلم، وأخذوا السلاح، فقتل بينهم بعض قواد ~~الأتراك، وطلب الأتراك بثأر صاحبهم، وقتلوا به من الديلم قائدا أيضا، ~~وخرجوا إلى ظاهر البلد. واجتهد بختيار في تسكين الفتنة، فلم يمكنه ذلك، ~~فاستشار الديلم فيما يفعله، وكان أذنا يتبع كل قائل، فأشاروا عليه بقبض ~~رؤساء الأتراك لتصفو له البلاد، فأحضروا آزادرويه وكاتبه سهل بن بشر، ~~وسباشى الخوارزمي بكتيجور، وكان حما لسبكتكين، فحضروا، فاعتقلهم وقيدهم، ~~وأطلق الديلم في الأتراك، فنهبوا أموالهم ودوابهم وقتل بينهم قتلى، وهرب ~~الأتراك، واستولى ms3040 بختيار على إقطاع سبكتكين فأخذه، وأمر فنودي بالبصرة ~~بإباحة دم الأتراك. ### || AUT ذكر حيلة لبختيار عادت عليه # كان بختيار قد واطأ والدته وإخوته أنه إذا كتب إليهم بالقبض على الأتراك ~~يظهرون أن بختيار قد مات، ويجلسون للعزاء، فإذا حضر سبكتكين عندهم قبضوا ~~عليه، فلما قبض بختيار على الأتراك كتب إليهم على أجنحة الطيور يعرفهم ذلك، ~~فلما وقفوا على الكتب وقع الصراخ في داره، وأشاعوا موته، ظنا منهم أن ~~سبكتكين يحضر عندهم ساعة يبلغه الخبر، فلما سمع الصراخ أرسل يسأل عن الخبر، ~~فأعلموه، فأرسل يسأل عن الذي أخبرهم، وكيف أتاهم الخبر، فلم يجد نقلا يثق ~~القلب به، فارتاب بذلك. ثم وصله رسله الأتراك بما جرى، فعلم أن ذلك كان ~~مكيدة عليه، ودعاه الأتراك إلى أن يتأمر عليهم، فتوقف، وأرسل إلى أبي إسحاق ~~بن معز الدولة يعلمه أن الحال قد انفسد بينه وبين أخيه، فلا يرجى صلاحه، ~~وأنه لا يرى العدول عن طاعة مواليه وإن أساءوا إليه، ويدعوه إلى أن يعقد ~~الأمر له. فعرض قوله على والدته، فمنعته. فلما رأى سبكتكين ذلك ركب في ~~الأتراك، وحصر دار بختيار يومين، ثم أحرقها ودخلها، وأخذ أبا إسحاق وأبا ~~طاهر ابني معز الدولة ووالدتهما ومن كان معهما، فسألوه أن يمكنهم من ~~الانحدار إلى واسط، ففعل، وانحدروا، وانحدر معهم المطيع لله في الماء، ~~فأنفذ سبكتكين فأعاد ورده إلى داره، وذلك تاسع ذي القعدة، واستولى على ما ~~كان لبختيار جميعه ببغداد، ونزل الأتراك في دور الديلم وتتبعوا أموالهم ~~وأخذوها، وثارت العامة من أهل السنة ينصرون سبكتكين لأنه كان يتسنن، فخلع ~~عليهم، وجعل لهم العرفاء والقواد، فثاروا بالشيعة وحاربوهم وسفكت بينهم ~~الدماء، وأحرقت الكرخ حريقا ثانيا، وظهرت السنة عليهم. ### || AUT ذكر خلع المطيع وخلافة الطائع لله # وفي هذه السنة، منتصف ذي القعدة، خلع المطيع لله، وكان به مرض الفالج، ~~وقد ثقل لسانه، وتذرت الحركة عليه، وهو يستر ذلك، فانكشف حاله لسبكتكين هذه ~~الدفعة، فدعاه إلى أن يخلع نفسه من الخلافة ويسلمها إلى ولده الطائع لله، ~~واسمه أبو الفضل ms3041 عبد الكريم، ففعل ذلك، وأشهد على نفسه بالخلع ثالث عشر ذي ~~القعدة. وكانت مدة خلافته تسعا وعشرين سنة وخمسة أشهر غير أيام، وبويع ~~للطائع لله بالخلافة، واستقر أمره. ### || AUT ذكر الحرب بين المعز لدين الله العلوي والقرامطة # في هذه السنة سار القرامطة، ومقدمهم الحسن بن أحمد، من الأحساء إلى ديار ~~مصر فحصرها، ولما سمع المعز لدين الله صاحب مصر بأنه يريد قصد مصر كتب إليه ~~كتابا يذكر فيه فضل نفسه وأهل بيته وأن الدعوة واحدة، وأن القرامطة إنما ~~كانت دعوتهم إليه، وإلى آبائه من قبله، ووعظه وبالغ، وتهدده، وسير الكتاب ~~إليه. PageV04P0060 # فكتب جوابه: وصل كتابك الذي قل تحصيله وكثر تفضيله، ونحن سائرون إليك على ~~أثره، والسلام. وسار حتى وصل إلى مصر، فنزل على عين شمس بعسكره، وأنشب ~~القتال، وبث السرايا في البلاد ينهبونها، فكثرت جموعه، وأتاه من العرب خلق ~~كثير، وكان ممن أتاه حسان بن الجراح الطائي، أمير العرب بالشام، ومعه جمع ~~عظيم. فلما رأى المعز كثرة جموعه استعظم ذلك وأهمه، وتحير في أمره، ولم ~~يقدم على إخراج عسكره لقتاله، فاستشار أهل الرأي من نصائحه، فقالوا: ليس ~~حيلة غير السعي في تفريق كلمتهم، وإلقاء الخلف بينهم، ولا يتم ذلك إلا بابن ~~الجراح؛ فراسله المعز واستماله، وبذل له مائة ألف دينار إن هو خالف على ~~القرمطي، فأجابه ابن الجراح إلى ما طلب منه، فاستحلفوه، فحلف أنه إذا وصل ~~إليه المال المقرر انهزم بالناس. فاحضروا المال، فلما رأوه استكثروه، ~~فضربوا أكثرها دنانير من صفر، وألبسوها الذهب، وجعلوها في أسافل الأكياس، ~~وجعلوا الذهب الخالص على رؤوسها، وحمل إليه، فأرسل إلى المعز أن يخرج في ~~عسكره يوم كذا ويقاتلوه وهو في الجهة الفلانية فإنه ينهزم، المعز ذلك ~~فانهزم وتبعه العرب كافة، فلما رآه الحسن القرمطي منهزما تحير في أمره، ~~وثبت، وقاتل بعسكره، إلا أن عسكر المعز طمعوا فيه وتابعوا الحملات عليه من ~~كل جانب، فأرهقوه، فولى منهزما، واتبعوا أثره، وظفروا بمعسكره فأخذوا من ~~فيه أسرى، وكانوا نحو ألف وخمسمائة أسير، فضربت أعناقهم، ونهب ما ms3042 في ~~المعسكر. وجرد المعز القائد أبا محمد بن إبراهيم بن جعفر في عشرة آلاف رجل، ~~وأمره باتباع القرامطة والإيقاع بهم، فاتبعهم، وتثاقل في سيره خوفا أن ترجع ~~القرامطة إليه؛ وأما هم فإنهم ساروا حتى نزلوا أذرعات، وساروا منها إلى ~~بلدهم الأحساء، ويظهرون أنهم يعودون. ### || AUT ذكر ملك المعز دمشق وما كان فيها من الفتن # لما بلغ المعز انهزام القرمطي من الشام، وعوده إلى بلاده، أرسل القائد ~~ظالم بن موهوب العقيلي واليا على دمشق، فدخلها، وعظم حاله، وكثرت جموعه ~~وأمواله وعدته، لأن أبا المنجى وابنه صاحبي القرمطي كانا بدمشق، ومعهما ~~جماعة من القرامطة، فأخذهم ظالم وحبسهم، وأخذ أموالهم وجميع ما يملكونه. ثم ~~إن القائد أبا محمود الذي سيره المعز يتبع القرامطة وصل إلى دمشق بعد وصول ~~ظالم إليها بأيام قليلة، فخرج ظالم متلقيا له مسرورا بقدومه، لأنه كان ~~مستشعرا من عود القرمطي إليه، فطلب منه أن ينزل بعسكره بظاهر دمشق، ففعل، ~~وسلم إليه أبا المنجى وابنه ورجلا آخر يعرف بالنابلسي، وكان هرب من الرملة، ~~وتقرب إلى القرمطي، فأسر بدمشق أيضا، فحملهم أبو محمد إلى مصر، فسجن أبو ~~المنجى وابنه، وقيل للنابلسي: أنت الذي قلت لو أن معي عشرة أسهم لرميت تسعة ~~في المغاربة وواحدا في الروم ؟ فاعترف، فسلخ جلده وحشي تبنا وصلب. ولما نزل ~~أبو محمود بظاهر دمشق امتدت أيدي أصحابه بالعيث والفساد، وقطع الطريق، ~~فاضطرب الناس وخافوا، ثم إن صاحب الشرطة أخذ إنسانا من أهل البلد فقتله، ~~فثار به الغوغاء والأحداث، وقتلوا أصحابه، وأقام ظالم بين الرعية يداريهم، ~~وانتزح أهل القرى منها لشدة نهب المغاربة أموالهم، وظلمهم لهم، ودخلوا ~~البلد، فلما كان نصف شوال من السنة وقعت فتنة عظيمة بين عسكر أبي محمود ~~وبين العامة، وجرى بين الطائفتين قتال شديد، وظالم مع العامة يظهر أنه يريد ~~الإصلاح، ولم يكاشف أبا محمود، وانفصلوا. ثم إن أصحاب أبي محمود أخذوا من ~~الغوطة قفلا من حوران، وقتلوا منه ثلاثة نفر، فأخذهم أهلوهم وألقوهم في ~~الجامع، فأغلقت الأسواق، وخاف الناس، وأرادوا القتال، فسكنهم عقلاؤهم. ms3043 ثم ~~إن المغاربة أرادوا نهب قينية واللؤلؤة، فوقع الصائح في أهل البلد، فنفروا، ~~وقاتلوا المغاربة في السابع عشر ذي القعدة، وركب أبو محمود في جموعه وزحف ~~الناس بعضهم إلى بعض، فقوي المغاربة، وانهزم العامة إلى سور البلد، فصبروا ~~عنده، وخرج إليهم من تخلف عنهم، وكثر النشاب على المغاربة فأثخن فيهم، ~~فعادوا، فتبعهم العامة، فاضطروهم إلى العود، فعادوا، وحملوا على العامة ~~فانهزموا، وتبعوهم إلى البلد، وخرج ظالم من دار الإمارة. PageV04P0061 # وألقى المغاربة النار في البلد من ناحية باب الفراديس، وأحرقوا تلك ~~الناحية فأخذت النار إلى القبلة فأحرقت من البلد كثيرا، وهلك فيه جماعة من ~~الناس، وما لا يحد من الأثاث والرحال والأموال، وبات الناس على أقبح صورة، ~~ثم إنهم اصطلحوا هم وأبو محمود، ثم انتقضوا، ولم يزالوا كذلك إلى ربيع ~~الآخر سنة أربع وستين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر ولاية جيش بن الصمصامة دمشق # ثم عادت الفتنة في ربيع الآخر سنة أربع وستين وثلاثمائة، وترددوا في ~~الصلح، فاستقر الأمر بين القائد أبي محمود والدمشقيين على إخراج ظالم من ~~البلد، وأن يليه جيش بن الصمصامة، وهو ابن أخت أبي محمود، واتفقوا على ذلك، ~~وخرج ظالم من البلد، ووليه جيش بن الصمصامة، وسكنت الفتنة واطمأن الناس. ثم ~~إن المغاربة بعد أيام عاثوا وأفسدوا باب الفراديس، فثار الناس عليهم ~~وقاتلوهم، وقتلوا من لحقوه، وصاروا إلى القصر الذي فيه جيش، فهرب منه هو ~~ومن معه من الجند المغاربة، ولحق بالعسكر، فلما كان من الغد، وهو أول جمادى ~~الأولى من السنة، زحف جيش في العسكر إلى البلد، وقاتله أهله، فظفر بهم ~~وهزمهم، وأحرق من البلد ما كان سلم، ودام القتال بينهم أياما كثيرة، فاضطرب ~~الناس وخافوا، وخربت المنازل وانقطعت المواد، وانسدت المسالك، وبطل البيع ~~والشراء، وقطع الماء عن البلد، فبطلت القنوات والحمامات، ومات كثير من ~~الفقراء على الطرقات من الجوع والبرد، فأتاهم الفرج بعزل أبي محمود. ### || AUT ذكر ولاية ريان الخادم دمشق # لما كان بدمشق ما ذكرناه من القتال، والتحريق، والتخريب، وصل الخبر بذلك ~~إلى المعز صاحب مصر، ms3044 فأنكر ذلك واستبشعه واستعظمه، فأرسل إلى القائد ريان ~~الخادم، والي طرابلس، يأمره بالمسير إلى دمشق لمشاهدة حالها وكشف أمور ~~أهلها، وتعريفه حقيقة الأمر، وأن يصرف القائد أبا محمود عنها، فامتثل ريان ~~ذلك، سار إلى دمشق، وكشف الأمر فيها وكتب به إلى المعز، وتقدم إلى القائد ~~أبي محمود بالانصراف عنها، فسار في جماعة قليلة من العسكر إلى الرملة، وبقي ~~الأكثر منهم مع ريان. وبقي الأمر كذلك إلى أن ولي الفتكين، على ما نذكره. ### || AUT ذكر حال بختيار بعد قبض الأتراك # لما فعل بختيار ما ذكرناه من قبض الأتراك ظفر بذخيرة لآزادرويه ~~بجنديسابور، فأخذها، ثم رأى ما فعله الأتراك مع سبكتكين، وأن بعضهم بسواد ~~الأهواز قد عصوا عليه، واضطر عليه غلمانه الذين في داره، وأتاه مشايخ ~~الأتراك من البصرة، فعاتبوه على ما فعل بهم، وقال له عقلاء الديلم: لا بد ~~لنا في الحرب من الأتراك يدفعون عنا بالنشاب؛ فاضطرب رأي بختيار، ثم أطلق ~~آزادرويه، وجعله صاحب الجيش موضع سبكتكين، وظن أن الأتراك يأنسون به، وأطلق ~~المعتقلين وسار إلى والدته وإخوته بواسط، وكتب إلى عمه ركن الدولة وإلى ابن ~~عمه عضد الدولة يسألهما أن ينجداه، ويكشفا ما نزل به، وكتب إلى أبي تغلب بن ~~حمدان يطلب منه أن يساعده بنفسه، وأنه إذا فعل ذلك أسقط عنه المال الذي ~~عليه، وأرسل إلى عمران بن شاهين بالبطيحة خلعا، وأسقط عنه باقي المال الذي ~~اصطلحا عليه، وخطب إليه إحدى بناته، وطلب منه أن يسير إليه عسكرا. فأما ركن ~~الدولة عمه فإنه جهز عسكرا مع وزيره أبي الفتح بن العميد، وكتب إلى ابنه ~~عضد الدولة يأمره بالمسير إلى ابن عمه والاجتماع مع ابن العميد. وأما عضد ~~الدولة فإنه وعد بالمسير، وانتظر ببختيار الدوائر طمعا في ملك العراق. وأما ~~عمران بن شاهين فإنه قال: أما إسقاط المال فنحن نعلم أنه لا أصل له، وقد ~~قبلته، وأما الوصلة فإنني لا أتزوج أحدا إلا أن يكون الذكر من عندي، وقد ~~خطب إلي العلويون، وهم موالينا، فما أجبتهم إلى ذلك، وأما ms3045 الخلع والفرس ~~فإنني لست ممن يلبس ملبوسكم، وقد قبلها ابني، وأما إنفاذ عسكر فإن رجالي لا ~~يسكنون إليكم لكثرة ما قتلوا منكم. ثم ذكر ما عامله به هو وأبوه مرة بعد ~~أخرى، وقال: ومع هذا فلا بد أن يحتاج إلى أن يدخل بيتي مستجيرا بي، والله ~~لأعمالنه بضد ما عاملني به هو وأبوه؛ فكان كذلك. PageV04P0062 # وأما أبو تغلب بن حمدان فإنه أجاب إلى المسارعة، وأنفذ أخاه أبا عبدالله ~~الحسين بن ناصر الدولة بن حمدان إلى تكريت في عسكر، وانتظر انحدار الأتراك ~~عن بغداد، فإن ظفروا ببختيار دخل بغداد مالكا لها، فلما انحدر الأتراك عن ~~بغداد سار أبو تغلب إليها ليوجب على بختيار الحجة في إسقاط المال الذي ~~عليه، ووصل إلى بغداد والناس في بلاء عظيم مع العيارين، فحمى البلد، وكف ~~أهل الفساد. وأما الأتراك فإنهم انحدروا مع سبكتكين إلى واسط، وأخذوا معهم ~~الخليفة الطائع لله، والمطيع أيضا وهو مخلوع، فلما وصلوا إلى دير العاقول ~~توفي بها المطيع، ومرض سبكتكين فمات بها أيضا، فحملا إلى بغداد، وقدم ~~الأتراك عليهم الفتكين، وهو من أكابر قوادهم وموالي معز الدولة، وفرح ~~بختيار بموت سبكتكين، وظن أن أمر الأتراك ينحل وينتشر بموته، فلما رأى ~~انتظام أمورهم ساءه ذلك. ثم إن الأتراك ساروا إليه، وهو بواسط، فنزلوا ~~قريبا منه، وصاروا يقاتلونه نوائب نحو خمسين يوما، ولم تزل الحرب بين ~~الأتراك وبختيار متصلة، والظفر للأتراك في كل ذلك، وحصروا بختيار، واشتد ~~عليه الحصار، وأحدقوا به، وصار خائفا يترقب، وتابع إنفاذ الرسل إلى عضد ~~الدولة بالحث والإسراع وكتب إليه: فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي ... وإلا ~~فأدركني ولما أمزق فلما رأى عضد الدولة ذلك، وأن الأمر قد بلغ ببختيار ما ~~كان يرجوه، سار نحو العراق نجدة له في الظاهر، وباطنه بضد ذلك. ### || AUT ذكر ملك عضد الدولة عمان # في هذه السنة استولى الوزير أبو القاسم المطهر بن محمد وزير عضد الدولة ~~على جبال عمان، ومن بها من الشراة، في ربيع الأول. وسبب ذلك أن معز الدولة ~~لما توفي، ms3046 وبعمان أبو الفرج بن العباس، نائب معز الدولة، فارقها، فتولى ~~أمرها عمر بن نهبان الطائي، وأقام الدعوة لعضد الدولة، ثم إن الزنج غلبت ~~على البلد، ومعهم طوائف من الجند، وقتلوا ابن نهبان، وأمروا عليهم إنسانا ~~يعرف بابن حلاج، فسير عضد الدولة جيشا من كرمان، واستعمل عليهم أبا حرب ~~طغان، فساروا في البحر إلى عمان، فخرج أبو حرب من المراكب إلى البر، وسارت ~~المراكب في البحر من ذلك المكان، فتوافوا على صحار قصبة عمان فخرج إليهم ~~الجند والزنج واقتتلوا قتالا شديدا في البر والبحر، فظفر أبو حرب، واستولى ~~على صحار، وانهزم أهلها، وكان ذلك سنة اثنتين وستين. ثم إن الزنج اجتمعوا ~~إلى بريم، وهو رستاق بينه وبين صحار مرحلتان، فسار إليهم أبو حرب، فأوقع ~~بهم وقعة أتت عليهم قتلا وأسرا، فاطمأنت البلاد. ثم إن جبال عمان اجتمع بها ~~خلق كثير من الشراة، وجعلوا لهم أميرا اسمه ورد بن زياد، وجعلوا لهم خليفة ~~اسمه حفص بن راشد، فاشتدت شوكتهم، فسير عضد الدولة المطهر بن عبدالله في ~~البحر أيضا، فبلغ إلى نواحي حرفان من أعمال عمان، فأوقع بأهلها، وأثخن ~~فيهم، وأسر، ثم سار إلى دما، وهي على أربعة أيام من صحار، فقاتل من بها، ~~وأوقع بهم وقعة عظيمة قتل فيها وأسر كثيرا من رؤسائهم، وانهزم أميرهم ورد، ~~وإمامهم حفص، واتبعهم المطهر إلى نزوى، وهي قصبة تلك الجبال، فانهزموا منه، ~~فسير إليهم العساكر، فأوقعوا بهم وقعة أتت على باقيهم، وقتل ورد، وانهزم ~~حفص إلى اليمن، فصار معلما، وسار المطهر إلى مكان يعرف بالشرف به جمع كثير ~~من العرب، نحو عشرة آلاف، فأوقع بهم، واستقامت البلاد، ودانت بالطاعة، ولم ~~يبق فيها مخالف. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها خطب للمعز لدين الله العلوي، صاحب مصر، بمكة والمدينة، في الموسم. ~~وفيها خرج بنو هلال وجمع من العرب على الحاج، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وضاق ~~الوقت، فبطل الحج، ولم يسلم إلا من مضى مع الشريف أبي أحمد الموسوي، والد ~~الرضي، على طريق المدينة، فتم حجهم. وفيها كانت بواسط ms3047 زلزلة عظيمة في ذي ~~الحجة. وفيها توفي عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد الفقيه الحنبلي ~~المعروف بغلام الخلال وعمره ثمان وسبعون سنة. وإلى آخر هذه السنة انتهى ~~تاريخ ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة، وأوله من خلافة المقتدر بالله سنة خمس ~~وتسعين ومائتين. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر استيلاء عضد الدولة على العراق # ### || AUT وقبض بختيار # في هذه السنة وصل عضد الدولة واستولى على العراق، ### || AUT وقبض بختيار # ثم عاد فأخرجه. PageV04P0063 # وسبب ذلك أن بختيار لما تابع كتبه إلى عضد الدولة يستنجده، ويستعين به ~~على الأتراك، سار إليه في عساكر فارس، واجتمع به أبو الفتح بن العميد، وزير ~~أبيه ركن الدولة، في عساكر الري بالأهواز، وساروا إلى واسط. فلما سمع ~~الفتكين بخبر وصولهم رجع إلى بغداد، وعزم على أن يجعلها وراء ظهره، ويقاتل ~~على ديالى. ووصل عضد الدولة، فاجتمع به بختيار، وسار عضد الدولة إلى بغداد ~~في الجانب الشرقي، وأمر بختيار أن يسير في الجانب الغربي. ولما بلغ الخبر ~~إلى أبي تغلب بقرب الفتكين منه عاد عن بغداد إلى الموصل لأن أصحابه شغبوا ~~عليه، فلم يمكنه المقام، ووصل الفتكين إلى بغداد، فحصل محصورا من جميع ~~جهاته، وذلك أن بختيار كتب إلى ضبة بن محمد الأسدي، وهو من أهل عين التمر، ~~وهو الذي هجاه المتنبي، فأمره بالإغارة على أطراف بغداد، وبقطع الميرة ~~عنها، وكتب بمثل ذلك إلى بني شيبان. وكان أبو تغلب بن حمدان من ناحية ~~الموصل يمنع الميرة وينفذ سراياه، فغلا السعر ببغداد، وثار العيارون ~~والمفسدون فنهبوا الناس ببغداد، وامتنع الناس من المعاش لخوف الفتنة، وعدم ~~الطعام والقوت بها، وكبس الفتكين المنازل في طلب الطعام. وسار عضد الدولة ~~نحو بغداد، فلقيه الفتكين والأتراك بين ديالى والمدائن، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، وانهزم الأتراك فقتل منهم خلق كثير، ووصلوا إلى ديالى فعبروا على ~~جسور كانوا عملوها عليه، فغرق منهم أكثرهم من الزحمة، وكذلك قتل وغرق من ~~العيارين الذين أعانوهم من بغداد، واستباحوا عسكرهم، وكانت الوقعة رابع ms3048 عشر ~~جمادى الأولى. وسار الأتراك إلى تكريت، وسار عضد الدولة فنزل بظاهر بغداد، ~~فلما علم وصول الأتراك إلى تكريت دخل بغداد ونزل بدار المملكة، وكان ~~الأتراك قد أخذوا الخليفة معهم كارها، فسعى عضد الدولة حتى رده إلى بغداد، ~~فوصلها ثامن رجب في الماء، وخرج عضد الدولة فلقيه في الماء أيضا، وامتلأت ~~دجلة بالسيمريات والزبازب، ولم يبق ببغداد أحد، ولو أراد إنسان أن يعبر ~~دجلة على السميريات من واحدة إلى أخرى لأمكنه ذلك لكثرتها؛ وسار عضد الدولة ~~مع الخليفة وأنزله بدار الخلافة. وكان عضد الدولة قد طمع في العراق، ~~واستضعف بختيار، وإنما خاف أباه ركن الدولة، فوضع جند بختيار على أن يثوروا ~~به ويشغبوا عليه، ويطالبوه بأموالهم والإحسان لأجل صبرهم مقابل الأتراك، ~~ففعلوا ذلك، وبالغوا. وكان بختيار لا يملك قليلا ولا كثيرا، وقد نهب البعض، ~~وأخرج هو الباقي، والبلاد خراب، فلا تصل يده إلى أخذ شيء منها. وأشار عضد ~~الدولة على بختيار بترك الالتفات إليهم، والغلظة لهم وعيهم، وأن لا يعدهم ~~بما لا يقدر عليه، وأن يعرفهم أنه لا يريد الإمارة والرئاسة عليهم، ووعده ~~أنه إذا فعل ذلك توسط الحال بينهم على ما يريده. فظن بختيار أنه ناصح له، ~~مشفق عليه، ففعل ذلك، واستعفى من الإمارة، وأغلق باب داره، وصرف كتابه ~~وحجابه، فراسله عضد الدولة ظاهرا بمحضر من مقدمي الجند يشير عليه ~~بمقاربتهم، وتطييب قلوبهم، وكان أوصاه سرا أن لا يقبل منه ذلك. فعمل بختيار ~~بما أوصاه، وقال: لست أميرا لهم، ولا بيني وبينهم معاملة، وقد برئت منهم. ~~فترددت الرسل بينهم ثلاثة أيام، وعضد الدولة يغريهم به، والشغب يزيد، وأرسل ~~بختيار إليه يطلب نجاز ما وعده به، ففرق الجند على عدة جميلة، واستدعى ~~بختيار وإخوته إليه، فقبض عليهم، ووكل بهم، وجمع الناس وأعلمهم استعفاء ~~بختيار عن الإمارة عجزا عنها، ووعدهم الإحسان والنظر في أمورهم، فسكنوا إلى ~~قوله. وكان قبضه على بختيار في السادس والعشرين من جمادى الآخرة. وكان ~~الخليفة الطائع لله نافرا عن بختيار لأنه كان مع الأتراك في حروبهم، فلما ms3049 ~~بلغه قبضه سره ذلك، وعاد إلى عضد الدولة، فأظهر عضد الدولة من تعظيم ~~الخلافة ما كان قد نسي وترك، وأمر بعمارة الدار، والإكثار من الآلات، ~~وعمارة ما يتعلق بالخليفة، وحماية إقطاعه؛ ولما دخل الخليفة إلى بغداد ودخل ~~دار الخلافة أنفذ إليه عضد الدولة مالا كثيرا، وغيره من الأمتعة والفرش وغير ذلك. ### || AUT ذكر عود بختيار إلى ملكه # PageV04P0064 # لما قبض بختيار كان ولده المرزبان بالبصرة متوليا لها، فلما بلغه قبض ~~والده امتنع فيها على عضد الدولة، وكتب إلى ركن الدولة يشكو ما جرى على ~~والده وعميه من عضد الدولة ومن أبي الفتح بن العميد، ويذكر له الحيلة التي ~~تمت عليه، فلما سمع ركن الدولة ذلك ألقى نفسه عن سريره إلى الأرض وتمرغ ~~عليها، وامتنع من الأكل والشرب عدة أيام، ومرض مرضا لم يستقل منه باقي ~~حياته. وكان محمد بن بقية، بعد بختيار، قد خدم عضد الدولة، وضمن منه مدينة ~~واسط وأعمالها، فلما صار إليها خلع طاعة عضد الدولة، وخالف عليه، وأظهر ~~الامتعاض لقبض بختيار، وكاتب عمران بن شاهين، وطلب مساعدته، وحذره مكر عضد ~~الدولة، فأجابه عمران إلى ما التمس. وكان عضد الدولة قد ضمن سهل بن بشر، ~~وزير الفتكين، بلد الأهواز، وأخرجه من حبس بختيار، فكاتبه محمد بن بقية ~~واستماله، فأجابه، فلما عصى ابن بقية أنفذ إليه عضد الدولة جيشا قويا، فخرج ~~إليهم ابن بقية في الماء ومعه عسكر قد سيره إليه عمران، فانهزم أصحاب عضد ~~الدولة أقبح هزيمة، وكاتب ركن الدولة بحاله وحال بختيار، فكتب ركن الدولة ~~إليه وإلى المرزبان وغيرهما ممن احتمى لبختيار، يأمرهم بالثبات والصبر، ~~ويعرفهم أنه على المسير إلى العراق لإخراج عضد الدولة وإعادة بختيار. ~~فاضطربت النواحي على عضد الدولة، وتجاسر عليه الأعداء حيث علموا إنكار أبيه ~~عليه، وانقطعت عنه مواد فارس والبحر، ولم يبق بيده إلا قصبة بغداد، وطمع ~~فيه العامة، وأشرف على ما يكره، فرأى إنفاذ أبي الفتح بن العميد برسالة إلى ~~أبيه يعرفه ما جرى له وما فرق من الأموال، وضعف بختيار عن حفظ ms3050 البلاد، وإن ~~أعيد إلى حاله خرجت المملكة والخلافة عنهم، وكان بوارهم، ويسأله ترك نصرة ~~بختيار. وقال لأبي الفتح: فإن أجاب إلى ما تريد منه، وإلا فقل له: إنني ~~أضمن منك أعمال العراق، وأحمل إليك منها كل سنة ثلاثين ألف ألف درهم، وأبعث ~~بختيار وأخويه إليك لتجعلهم بالخيار، فإن اختاروا أقاموا عندك، وإن اختاروا ~~بعض بلاد فارس سلمته إليهم، ووسعت عليهم، وإن أحببت أنت أن تحضر في العراق ~~لتلي تدبير الخلافة، وتنفذ بختيار إلى الري وأعود أنا إلى فارس فالأمر ~~إليك. وقال لابن العميد: فإن أجاب إلى ما ذكرت له، وإلا فقل له: أيها السيد ~~الوالد، أنت مقبول الحكم والقول، ولكن لا سبيل إلى إطلاق هؤلاء القوم بعد ~~مكاشفتهم، وإظهار العداوة، وسيقاتلونني بغاية ما يقدرون عليه، فتنتشر ~~الكلمة، ويختلف أهل هذا البيت أبدا، فإن قبلت ما ذكرته فأنا العبد الطائع، ~~وإن أبيت، وحكمت بانصرافي، فإني سأقتل بختيار وأخويه، وأقبض على كل من ~~أتهمه بالميل إليهم، وأخرج عن العراق، وأترك البلاد سائبة ليدبرها من اتفقت ~~له. فخاف ابن العميد أن يسير بهذه الرسالة، وأشار أن يسير بها غيره، ويسير ~~هو بعد ذلك، ويكون كالمشير على ركن الدولة بإجابته إلى ما طلب، فأرسل عضد ~~الدولة رسولا بهذه الرسالة، وسير بعده ابن العميد على الجمازات، فلما حضر ~~الرسول عند ركن الدولة، وذكر بعض الرسالة، وثب إليه ليقتله، فهرب من بين ~~يديه، ثم رده بعد أن سكن غضبه، وقال: قل لفلان، يعني عضد الدولة، وسماه ~~بغير اسمه، وشتمه، خرجت إلى نصرة ابن أخي وللطمع في مملكته، أما عرفت أني ~~نصرت الحسن بن الفيرزان، وهو غريب مني، مرارا كثيرة أخاطر فيها بملكي ~~ونفسي، فإذا ظفرت أعدت له بلاده، ولم أقبل منه ما قيمته درهم واحد. ثم نصرت ~~إبراهيم بن المرزبان، وأعدته إلى أذربيجان، وأنفذت وزيري وعساكري في نصرته، ~~ولم آخذ منه درهما واحدا، كل ذلك طلبا لحسن الذكر، ومحافظة على الفتوة، ~~تريد أن تمن أنت علي بدرهمين أنفقتهما أنت علي وعلى أولاد أخي، ثم تطمع في ms3051 ~~ممالكهم وتهددني بقتلهم ! فعاد الرسول ووصل ابن العميد، فحجبه عنه، ولم ~~يسمع حديثه، وتهدده بالهلاك، وأنفذ إليه يقول له: لأتركنك وذلك الفاعل، ~~يعني عضد الدولة، تجتهدان جهدكما، ثم لا أخرج إليكما إلا في ثلاثمائة جمازة ~~وعليها الرجال، ثم اثبتوا إن شئتم، فوالله لا قاتلتكما إلا بأقرب الناس ~~إليكما. وكان ركن الدولة يقول: إنني أرى أخي معز الدولة كل ليلة في المنام ~~يعض على أنامله ويقول: يا أخي هكذا ضمنت لي أن تخلفني في ولدي. وكان ركن ~~الدولة يحب أخاه محبة شديدة لأنه رباه، فكان عنده بمنزلة الولد. ~~PageV04P0065 # ثم إن الناس سعوا لابن العميد، وتوسطوا الحال بينه وبين ركن الدولة، ~~وقالوا: إنما تحمل ابن العميد هذه الرسالة ليجعلها طريقا للخلاص من عضد ~~الدولة، والوصول إليك لتأمر بما تراه. فأذن له في الحضور عنده، فاجتمع به، ~~وضمن له إعادة عضد الدولة إلى فارس، وتقرير بختيار بالعراق، فرده إلى عضد ~~الدولة، وعرفه جلية الحال. فلما رأى عضد الدولة انحراف الأمور عليه من كل ~~ناحية أجاب إلى المسير إلى فارس وإعادة بختيار، فأخرجه من محبسه، وخلع ~~عليه، وشرط عليه أن يكون نائبا عنه بالعراق، ويخطب له، ويجعل أخاه أبا ~~إسحاق أمير الجيش لضعف بختيار، ورد عليهم عضد الدولة جميع ما كان لهم، وسار ~~إلى فارس في شوال من هذه السنة، وأمر أبا الفتح بن العميد، وزير أبيه، أن ~~يلحقه بعد ثلاثة أيام. فلما سار عضد الدولة أقام ابن العميد عند بختيار ~~متشاغلا باللذات، وبما هو بختيار مغرى به من اللعب، واتفقا باطنا على أنه ~~إذا مات ركن الدولة سار إليه ووزر له. واتصل ذلك بعضد الدولة، فكان سبب ~~هلاك ابن العميد، على ما نذكره. واستقر بختيار ببغداد، ولم يقف لعضد الدولة ~~على العهود. فلما ثبت أمر بختيار أنفذ ابن بقية من خلفه له، وحضر عنده، ~~وأكد الوحشة بين بختيار وعضد الدولة، وثارت الفتنة بعد مسير عضد الدولة، ~~واستمال ابن بقية الأجناد، وجبى كثيرا من الأموال إلى خزانته، وكان إذا ~~طالبه بختيار بالمال وضع الجند ms3052 على مطالبته، فثقل على بختيار، فاستشار في ~~مكروه يوقعه به، فبلغ ذلك ابن بقية، فعاتب بختيار عليه، فأنكره وحلف له، ~~فاحترز ابن بقية منه. ### || AUT ذكر اضطراب كرمان على عضد الدولة وعودها له # في هذه السنة خالف أهل كرمان على عضد الدولة. وسبب ذلك أن رجلا من ~~الجرومية، وهي البلاد الحارة، يقال له طاهر ابن الصمة، ضمن من عضد الدولة ~~ضمانات، فاجتمع عليه أموال كثيرة، فطمع فيها، وكان عضد الدولة قد سار إلى ~~العراق، وسير وزيره المطهر بن عبدالله إلى عمان ليستولي عليها، فخلت كرمان ~~من العساكر، فجمع طاهر الرجال الجرومية وغيرهم، فاجتمع له خلق كثير. واتفق ~~أن بعض الأتراك السامانية، اسمه يوزتمر، كان قد استوحش من أبي الحسن محمد ~~بن إبراهيم بن سيمجور، صاحب جيش خراسان للسامانية، فكاتبه طاهر، وأطعمه في ~~أعمال كرمان، فسار إليه، واتفقا، وكان يوزتمر هو الأمير، فاتفق أن الرجال ~~الجرومية شغبوا على يوزتمر، فظن أن طاهرا وضعهم، فاختلفا واقتتلا، فظفر ~~يوزتمر بطاهر وأسره، وظفر بأصحابه. وبلغ الخبر إلى الحسين بن أبي علي بن ~~إلياس، وهو بخراسان، فطمع في البلاد، فجمع جمعا وسار إليها، فاجتمع عليه ~~بها جموع كثيرة. ثم إن المطهر بن عبدالله استولى على عمان وجبالها، وأوقع ~~بالشراة فيها وعاد، فوصله كتاب عضد الدولة من بغداد يأمره بالمسير إلى ~~كرمان، فسار إليها مجدا، وأوقع في طريقه بأهل العيث والفساد، وقتلهم، ~~وصلبهم، ومثل بهم، ووصل إلى يوزتمر على حين غفلة منه، فاقتتلوا بنواحي ~~مدينة بم، فانهزم يوزتمر ودخل المدينة، وحصره المطهر في حصن في وسط ~~المدينة، فطلب الأمان فأمنه، فخرج إليه ومعه طاهر، فأمر المطهر بطاهر فشهر، ~~ثم ضرب عنقه. وأما يوزتمر فإنه رفعه إلى بعض القلاع، فكان آخر العهد به، ~~وسار المطهر إلى الحسين بن إلياس، فرأى كثرة من معه، فخاف جانبهم، ولم يجد ~~من اللقاء بدا، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم الحسين على باب جيرفت، وانهزم ~~عسكره فمنعهم سور المدينة من الهرب، فكثر فيهم القتل، وأخذ الحسين أسيرا، ~~وأحضر عند المطهر، فلم يعرف له ms3053 بعد خبر، وصلحت كرمان لعضد الدولة. ### || AUT ذكر ولاية الفتكين دمشق وما كان منه إلى أن مات # قد ذكرنا ما كان من انهزام الفتكين التركي، مولى معز الدولة بن بويه، من ~~مولاه بختيار بن معز الدولة، ومن عضد الدولة في فتنة الأتراك بالعراق، فلما ~~انهزم منهم سار في طائفة صالحة من الجند الترك، فوصل إلى حمص، فنزل بالقرب ~~منها، فقصده ظالم بن موهوب العقيلي الذي كان أمير دمشق للمعز لدين الله ~~ليأخذه، فلم يتمكن من أخذه، فعاد عنه وسار الفتكين إلى دمشق فنزل بظاهرها. ~~PageV04P0066 # وكان أميرها حينئذ ريان الخادم للمعز، وكان الأحداث قد غلبوا عليها، وليس ~~للأعيان معهم حكم، ولا للسلطنة عليهم طاعة، فلما نزل خرج أشرافها شيوخها ~~إليه، وأظهروا له السرور بقدومه، وسألوه أن يقيم عندهم، ويملك بلدهم، ويزيل ~~عنهم سمة المصريين، فإنهم يكرهونها بمخالفة الاعتقاد، ولظلم عمالهم، ويكف ~~عنهم شر الأحداث. فأجابهم إلى ذلك؛ واستحلفهم على الطاعة والمساعدة، وحلف ~~لهم على الحماية وكف الأذى عنهم منه ومن غيره، ودخل البلد، وأخرج عنه ريان ~~الخادم، وقطع خطبة المعز، وخطب للطائع لله في شعبان، وقمع أهل العيث ~~والفساد، وهابه الناس كافة، وأصلح كثيرا من أمورهم. فكانت العرب قد استولت ~~على سواد البلد وما يتصل به، فقصدهم وأوقع بهم، وقتل كثيرا منهم، وأبان عن ~~شجاعة، وقوة نفس، وحسن تدبير، فأذعنوا له، وأقطع البلاد، وكثر جمعه، وتوفرت ~~أمواله، وثبت قدمه. وكاتب المعز بمصر يداريه، ويظهر له الانقياد، فشكره، ~~وطلب منه أن يحضر عنده ليخلع عليه، ويعيده واليا من جانبه، فلم يثق به، ~~وامتنع من المسير، فتجهز المعز، وجمع العساكر لقصده، فمرض ومات، على ما ~~نذكره سنة خمس وستين وثلاثمائة، وولي بعده ابنه العزيز بالله، فأمن الفتكين ~~بموته جهة مصر، فقصد بلاد العزيز التي بساحل الشام، فعمد إلى صيدا فحصرها ~~وبها ابن الشيخ، ومعه رؤوس المغاربة، ومعهم ظالم بن موهوب العقيلي، فقاتلهم ~~وكانوا في كثرة، فطمعوا فيه وخرجوا إليه فاستجرهم حتى أبعدوا، ثم عاد عليهم ~~فقتل منهم نحو أربعة آلاف قتيل. وطمع في ms3054 أخذ عكا، فتوجه إليها، وقصد طبرية، ~~ففعل فيها من القتل والنهب مثل صيدا، وعاد إلى دمشق. فلما سمع العزيز بذلك ~~استشار وزيره يعقوب بن كلس فيما يفعل، فأشار بإرسال جوهر في العساكر إلى ~~الشام فجهزه وسيره. فلما سمع الفتكين بمسيره جمع أهل دمشق وقال: قد علمتم ~~أنني ما وليت أمركم إلا عن رضى منكم، وطلب من كبيركم وصغيركم لي، وإنما كنت ~~مجتازا وقد أظلكم هذا الأمر، وأنا سائر عنكم لئلا ينالكم أذى بسببي. ~~فقالوا: لا نمكنك من فراقنا، ونحن نبذل الأنفس والأموال في هواك، وننصرك، ~~ونقو معك؛ فاستحلفهم على ذلك، فحلفوا له، فأقام عندهم. فوصل جوهر إلى البلد ~~في ذي القعدة من سنة خمس وستين وثلاثمائة، فحصره، فرأى من قتال الفتكين ومن ~~معه ما استعظمه، ودامت الحرب شهرين، قتل فيها عدد كثير من الطائفتين. فلما ~~رأى أهل دمشق طول مقام المغاربة عليهم أشاروا على الفتكين بمكاتبة الحسن بن ~~أحمد القرمطي، واستنجاده، ففعل ذلك، فسار القرمطي إليه من الأحساء، فلما ~~قرب منه رحل جوهر عن دمشق، خوفا أن يبقى بين عدوين، وكان مقامه عليها سبعة ~~أشهر، ووصل القرمطي واجتمع هو والفتكين، وسارا في أثر جوهر، فأدركاه وقد ~~نزل بظاهر الرملة، وسير أثقاله إلى عسقلان، فاقتتلوا، فكان جمع الفتكين ~~والقرمطي كثيرا من رجال الشام والعرب وغيرهم، فكانوا نحو خميسن ألف فارس ~~وراجل، فنزلوا على نهر الطواحين، على ثلاثة فراسخ من البلد، ومنه ماء أهل ~~البلد، فقطعوه عنهم، فاحتج جوهر ومن معه إلى ماء المطر في الصهاريج، وهو ~~قليل لا يقوم بهم، فرحل إلى عسقلان، وتبعه الفتكين والقرمطي فحصراه بها، ~~وطال الحصار، فقلت الميرة، وعدمت الأقوات، وكان الزمان شتاء، فلم يمكن حمل ~~الذخائر في البحر من مصر وغيرها، فاضطروا إلى أكل الميتة، وبلغ الخبز كل ~~خمسة أرطال، بالشامي، بدينار مصري. وكان جوهر يراسل الفتكين، ويدعوه إلى ~~الموافقة والطاعة، ويبذل له البذول الكثيرة، فيهم أن يفعل، فيمنعه القرمطي ~~ويخوفه منه، فزادت الشدة على جوهر ومن معه، فعاينوا الهلاك، فأرسل إلى ~~الفتكين يطلب منه أن ms3055 يجتمع به، فتقدم إليه واجتمعا راكبين. فقال له جوهر: ~~قد عرفت ما يجمعنا من عصمة الإسلام وحرمة الدين، وقد طالت هذه الفتنة، ~~وأريقت فيها الدماء، ونهبت الأموال، ونحو المؤاخذون بها عند الله تعالى، ~~وقد دعوتك إلى الصلح والطاعة والموافقة، وبذلت لك الرغائب، فأبيت إلا ~~القبول ممن يشب نار الفتنة، فراقب الله تعالى، وراجع نفسك، وغلب رأيك على ~~هوى غيرك. فقال الفتكين: أنا والله واثق بك في صحة الرأي والمشورة منك، ~~لكنني غير متمكن مما تدعوني إليه بسبب القرمطي الذي أحوجتني أنت إلى ~~مداراته والقبول منه. PageV04P0067 # فقال جوهر: إذا كان الأمر على ما ذكرت فإنني أصدقك الحال تعويلا على ~~أمانتك، وما أجده من الفتوة عندك؛ وقد ضاق الأمر بنا، وأريد أن تمن علي ~~بنفسي وبمن معي من المسلمين، وتذم لنا، وأعود إلى صاحبي شاكرا لك، وتكون قد ~~جمعت بين حقن الدماء واصطناع المعروف. فأجابه إلى ذلك، وحلف له على الوفاء ~~به، وعاد واجتمع بالقرمطي وعرفه الحال فقال: لقد أخطأت، فإن جوهرا له رأي ~~وحزم ومكيدة، وسيرجع إلى صاحبه فيحمله على قصدنا بما لا طاقة لنا به، ~~والصواب أن ترجع عن ذلك ليموتوا جوعا، ونأخذهم بالسيف؛ فامتنع الفتكين من ~~ذلك وقال: لا أغدر به؛ وأذن لجوهر ولمن معه بالمسير إلى مصر، فسار إليه، ~~واجتمع بالعزيز، وشرح له الحال وقال: إن كنت تريدهم فاخرج إليهم بنفسك، ~~وإلا فهم واصلون على أثري؛ فبرز العزيز، وفرق الأموال، وجمع الرجال، وسار ~~وجوهر على مقدمته. وورد الخبر إلى الفتكين والقرمطي فعادا إلى الرملة، ~~وجمعا العرب وغيرها، وحشدا، ووصل العزيز فنزل بظاهر الرملة، ونزلا بالقرب ~~منه، ثم اصطفوا للحرب في المحرم سنة سبع وستين وثلاثمائة، فرأى العزيز من ~~شجاعة الفتكين ما أعجبه، فأرسل إليه في تلك الحال يدعوه إلى طاعته، ويبذل ~~له الرغائب والولايات، وأن يجعله مقدم عسكره، والمرجوع إليه في دولته، ~~ويطلب أن يحضر عنده، ويسمع قوله، فترجل وقبل الأرض بين الصفين، وقال ~~للرسول: قل لأمير المؤمنين: لو قدم هذا القول لسارعت وأطعت، وأما الآن فلا ~~يمكن ms3056 إلا ما ترى. وحمل على الميسرة فهزمها، وقتل كثيرا منها، فلما رأى ~~العزيز ذلك حمل من القلب، وأمر الميمنة فحملت، فانهزم القرمطي والفتكين ومن ~~معهما، ووضع المغاربة السيف، فأكثروا القتل، وقتلوا نحو عشرين ألفا. ونزل ~~العزيز في خيامه، وجاءه الناس بالأسرى، فكل من أتاه بأسير خلع عليه، وبذل ~~لمن أتاه بالفتكين أسيرا مائة ألف دينار، وكان الفتكين قد مضى منهزما، فكظه ~~العطش، فلقيه المفرج بن دغفل الطائي وكان بينهما أنس قديم، فطلب منه ~~الفتكين ماء، فسقاه، وأخذه معه إلى بيته فأنزله وأكرمه، وسار إلى العزيز ~~بالله فأعلمه بأسر الفتكين، وطلب منه المال، فأعطاه ما ضمنه، وسير معه من ~~تسلم الفتكين منه، فلما وصل الفتكين إلى العزيز لم يشك أنه يقتله لوقته، ~~فرأى من إكرام العزيز له والإحسان إليه ما أعجزه، وأمر له بالخيام فنصبت، ~~وأعاد إليه جميع من كان يخدمه، فلم يفقد من حاله شيئا، وحمل إليه من التحف ~~والأموال ما لم ير مثله، وأخذه معه إلى مصر وجعله من أخص خدمه وحجابه. وأما ~~الحسن القرمطي فإنه وصل منهزما إلى طبرية، فأدركه رسول العزيز يدعوه إلى ~~العود إليه ليحسن إليه، ويفعل معه أكثر مما فعل مع الفتكين، فلم يرجع، ~~فأرسل إليه العزيز عشرين ألف دينار، جعلها له كل سنة، فكان يرسلها إليه، ~~وعاد إلى الأحساء. ولما عاد العزيز إلى مصر أنزل الفتكين عند قصره، وزاد ~~أمره، وتحكم، فتكبر على وزيره يعقوب بن كلس، وترك الركوب إليه، فصار بينهما ~~عداوة متأكدة، فوضع عليه من سقاه سما فمات، فحزن عليه العزيز واتهم الوزير ~~فحبسه نيفا وأربعين يوما، وأخذ منه خمسمائة ألف دينار، ثم وقفت أمور دولة ~~العزيز باعتزال الوزير، فخلع عليه، وأعاده إلى وزارته. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سار الحجاج إلى سميراء فرأوا هلال ذي الحجة بها، والعادة ~~جارية بأن يرى الهلال بأربعة أيام، وبلغهم أنهم لا يرون الماء إلى غمرة، ~~وهو بها أيضا قليل، وبينهما نحو عشرة أيام، فغدوا إلى المدينة فوقفوا بها ~~وعادوا، فكانوا أول المحرم في ms3057 الكوفة. وفيها ظهر بإفريقية كوكب عظيم من جهة ~~المشرق، وله ذؤابة وضوء عظيم، فبقي يطلع كذلك نحوا من شهر، ثم غاب فلم ير ~~وفيها توفي أبو القاسم عبد السلام بن أبي موسى المخرمي الصوفي نزيل مكة، ~~وكان قد صحب أبا علي الروذباري وطبقته وغيره. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر وفاة المعز لدين الله العلوي # ### || AUT وولاية ابنه العزيز بالله # PageV04P0068 # في هذه السنة توفي المعز لدين الله أبو تميم معد بن المنصور بالله ~~إسماعيل ابن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن المهدي أبي محمد عبيدالله ~~العلوي الحسيني بمصر، وأمه أم ولد، وكان موته سابع عشر شهر ربيع الآخر من ~~هذه السنة، وولد بالمهدية من إفريقية حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة ~~وثلاثمائة، وعمره خمس وأربعون سنة وستة أشهر تقريبا. وكان سبب موته أن ملك ~~الروم بالقسطنطينية أرسل إليه رسولا كان يتردد إليه بإفريقية، فخلا به بعض ~~الأيام، فقال له المعز: أتذكر إذ أتيتني رسولا، وأنا بالمهدية، فقلت لك: ~~لتدخلن علي وأنا بمصر مالكا لها ؟ قال: نعم ! وأنا أقول لك: لتدخلن علي ~~ببغداد وأنا خليفة. فقال له الرسول: إن أمنتني على نفسي، ولم تغضب، قلت لك ~~ما عندي. قال له المعز: قل وأنت آمن؛ قال: بعثني إليك الملك ذلك العام، ~~فرأيت من عظمتك في عيني وكثرة أصحابك ما كدت أموت منه، ووصلت إلى قصرك، ~~فرأيت عليه نورا عظيما غطى بصري، ثم دخلت عليك، فرأيتك على سريرك، فظننتك ~~خالقا، فلو قلت لي إنك تعرج إلى السماء لتحققت ذلك، ثم جئت إليك الآن، فما ~~رأيت من ذلك شيئا، وأشرفت على مدينتك، فكانت في عيني سوداء مظلمة، ثم دخلت ~~عليك، فما وجدت من المهابة ما وجدته ذلك العام، فقلت إن ذلك كان أمرا مقبلا ~~وإنه الآن بضد ما كان عليه. فأطرق المعز، وخرج الرسول من عنده، وأخذت المعز ~~الحمى لشدة ما وجد، واتصل مرضه حتى مات. وكانت ولايته ثلاثا وعشرين سنة ~~وخمسة أشهر وعشرة أيام، منها: مقامه بمصر سنتان ms3058 وتسعة أشهر، والباقي ~~بإفريقية، وهو أول الخلفاء العلويين ملك مصر، وخرج إليها، وكان مغرى ~~بالنجوم، ويعمل بأقوال المنجمين. قال له منجمه: إن عليه قطعا في وقت كذا، ~~وأشار عليه بعمل سرداب يختفي فيه إلى أن يجوز ذلك الوقت، ففعل ما أمره ~~وأحضر قواده، فقال لهم: إن بيني وبين الله عهدا أنا ماض إليه، وقد استخلفت ~~عليكم ابني نزارا، يعني العزيز، فاسمعوا له وأطيعوا. ونزل السرداب، فكان ~~أحد المغاربة إذا رأى سحابا نزل وأومأ بالسلام إليه، ظنا منه أن العز فيه. ~~فغاب سنة ثم ظهر، وبقي مديدة، ومرض وتوفي، فستر ابنه العزيز موته إلى عيد ~~النحر من السنة، فصلى بالناس وخطبهم، ودعا لنفسه، وعزى بأبيه. وكان المعز ~~عالما، فاضلا، جوادا، شجاعا، جاريا على منهاج أبيه من حسن السيرة، وإنصاف ~~الرعية، وستر ما يدعون إليه، إلا عن الخاصة، ثم أظهره، وأمر الدعاة بإظهاره ~~إلا أنه لم يخرج فيه إلى حد يذم به. ولما استقر العزيز في الملك أطاعه ~~العسكر، فاجتمعوا عليه، وكان هو يدبر الأمور منذ مات أبوه إلى أن أظهره، ثم ~~سير إلى الغرب دنانير عليها اسمه، فرقت في الناس، وأقر يوسف بلكين على ~~ولاية إفريقية، وأضاف إليه ما كان أبوه استعمل عليه غير يوسف، وهي طرابلس، ~~وسرت، وأجدابية، فاستعمل عليها يوسف عماله، وعظم أمره حينئذ، وأمن ناحية ~~العزيز، واستبد بالملك، وكان يظهر الطاعة مجاملة، ومراقبة لا طائل وراءها. ### || AUT ذكر حرب يوسف بلكين مع زناتة # ### || AUT وغيرها بإفريقية # في هذه السنة جمع خزرون بن فلفول بن خزر الزناتي جمعا كبيرا، وسار إلى ~~سجلماسة، فلقيه صاحبها في رمضان فقتله خزرون، وملك سجلماسة، وأخذ منها، من ~~الأموال والعدد، شيئا كثيرا، وبعث برأس صاحبها إلى الأندلس، وعظم شأنه ~~زناتة، واشتد ملكهم. وكان بلكين عند سبتة، وكان قد رحل إلى فاس وسجلماسة ~~وأرض الهبط، وملكه كله، وطرد عنه عمال بني أمية وهربت زناتة منه، فلجأ كثير ~~منهم إلى سبتة، وهي للأموي صاحب الأنلدس، وكان في طريقه شعاري مشتبكة، ولا ~~تسلك، فأمر بقطعها وإحراقها، فقطعت ms3059 وأحرقت حتى صارت للعسكر طريقا. ثم مضى ~~بنفسه حتى أشرف على سبتة من جبل مطل عليها، فوقف نصف نهار لينظر من أي جهة ~~يحاصرها ويقاتلها، فرأى أنها لا تؤخذ إلا بأسطول، فخافه أهلها خوفا عظيما، ~~ثم رجع عنها نحو البصرة، وهي مدينة حسنة تسمى بصرة في المغرب، فلما سمعت به ~~زناتة رحلوا إلى أقاصي الغرب في الرمال والصحاري هاربين منه، فدخل يوسف ~~البصرة، وكان قد عمرها صاحب الأندلس عمارة عظيمة، فأمر بهدمها ونهبها، ورحل ~~إلى بلد برغواطة. PageV04P0069 # وكان ملكهم عبس بن أم الأنصار، وكان مشعبذا، ساحرا، وادعى النبوة، ~~فأطاعوه في كل ما أمرهم به، وجعل لهم شريعة، فغزاه بلكين، وكانت بينهم حروب ~~عظيمة لا توصف، كان الظفر في آخرها لبلكين، وقتل الله عبس بن أم الأنصار، ~~وهزم عساكره، وقتلوا قتلا ذريعا، وسبى من نسائهم وأبنائهم ما لا يحصى، ~~وسيره إلى إفريقية، فقال أهل إفريقية: إنه لم يدخل إليهم من السبي مثله قط؛ ~~وأقام يوسف بلكين بتلك الناحية قاهرا لأهلها، وأهل سبتة منه خائفون، وزناتة ~~هاربون في الرمال إلى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر حصر كسنتة وغيرها # في هذه السنة سار أمي صقلية، وهو أبو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي ~~الحسين، في عساكر المسلمين، ومعه جماعة من الصالحين والعلماء، فنازل مدينة ~~مسيني في رمضان، فهرب العدو عنها، وعدا المسلمون إلى كسنتة فحصروها أياما، ~~فسأل أهلها الأمان، فأجابهم إليه، وأخذ منهم مالا، ورحل عنها إلى قلعة ~~جلوا، ففعل كذلك بها وبغيرها، وأمر أخاه القاسم أن يذهب بالأسطول إلى ناحية ~~بربولة ويبث السرايا في جميع قلورية، ففعل ذلك فغنم غنائم كثيرة، وقتل ~~وسبى، وعاد هو وأخوه إلى المدينة. فلما كان سنة ست وستين وثلاثمائة أمر أبو ~~القاسم بعمارة رمطة، وكانت قد خربت قبل ذلك، وعاود الغزو وجمع الجيوش، وسار ~~فنازل قلعة إغاثة، فطلب أهلها الأمان فأمنهم، وسلموا إليه القلعة بجميع ما ~~فيها، ورحل إلى مدينة طارنت، فرأى أهلها قد هربوا منها وأغلقوا أبوابها، ~~فصعد الناس السور، وفتحوا الأبواب، ودخلها الناس، ms3060 فأمر الأمير بهدمها فهدمت ~~وأحرقت، وأرسل السرايا فبلغوا أذرنت وغيرها، ونزل هو على مدينة عردلية، ~~فقاتلها، فبذل أهلها له مالا صالحهم عليه وعاد إلى المدينة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خطب للعزيز العلوي بمكة، حرسها الله تعالى، بعد أن أرسل ~~جيشا إليها، فحصروها، وضيقوا على أهلها، ومنعوهم الميرة، فغلت الأسعار بها، ~~ولقي أهلها شدة شديدة. وفيها أقام بسلس بن أرمانوس ملك الروم وردا، المعروف ~~بسقلاروس، دمستقا، فلما استقر في الولاية استوحش من الملك، فعصى عليه، ~~واستظهر بأبي تغلب بن حمدان، وصاهره، ولبس التاج وطلب الملك. وفيها توفي ~~أبو أحمد بن عدي الجرجاني في جمادى الآخرة، وهو إمام مشهور؛ ومحمد بن بدر ~~الكبير الحمامي، غلام ابن طولون، وكان قد ولي فارس بعد أبيه. وفيها، في ذي ~~القعدة، توفي ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الصابي، صاحب التاريخ. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر وفاة ركن الدولة # ### || AUT وملك عضد الدولة # في هذه السنة، في المحرم، توفي ركن الدولة أبو علي الحسن بن بويه، ~~واستخلف على ممالكه ابنه عضد الدولة، وكان ابتداء مرضه حين سمع بقبض بختيار ~~ابن أخيه معز الدولة، وكان ابنه عضد الدولة قد عاد من بغداد، بعد أن أطلق ~~بختيار على الوجه الذي ذكرناه. وظهر عند الخاص والعام غضب والده عليه، فخاف ~~أن يموت أبوه وهو على حال غضبه فيختل ملكه، وتزول طاعته، فأرسل إلى أبي ~~الفتح بن العميد، وزير والده، يطلب منه أن يتوصل مع أبيه وإحضاره عنده، وأن ~~يعهد إليه بالملك بعده. فسعى أبو الفتح في ذلك، فأجابه إليه ركن الدولة، ~~وكان قد وجد نفسه خفة، فسار من الري إلى أصبهان، فوصلها في جمادى الأولى ~~سنة خمس وستين وثلاثمائة، وأحضر ولده عضد الدولة من فارس، وجمع عنده أيضا ~~سائر أولاده بأصبهان، فعمل أبو الفتح بن العميد دعوة عظيمة حضرها ركن ~~الدولة وأولاده، والقواد والأجناد. فلما فرغوا من الطعام عهد ركن الدولة ~~إلى ولده عضد الدولة بالملك بعده، وجعل لولده فخر الدولة ms3061 أبي الحسن علي ~~همذان وأعمال الجبل، ولولده مؤيد الدولة أصبهان وأعمالها، وجعلهما في هذه ~~البلاد بحكم أخيهما عضد الدولة. وخلع عضد الدولة على سائر الناس، ذلك ~~اليوم، الأقبية والأكسية على زي الديلم، وحياه القواد وإخوته بالريحان على ~~عادتهم مع ملوكهم، وأوصى ركن الدولة أولاده بالاتفاق وترك الاختلاف، وخلع ~~عليهم. ثم سار عن أصبهان في رجب نحو الري، فدام مرضه إلى أن توفي، فأصيب به ~~الدين والدنيا جميعا لاستكمال جميع خلال الخير فيه، وكان عمره قد زاد على ~~سبعين سنة، وكانت إمارته أربعا وأربعين سنة. ### || AUT ذكر بعض سيرته # PageV04P0070 # كان حليما، كريما وصلى الله عليه وسلم اسع الكرم، كثير البذل، حسن ~~السياسة لرعاياه وجنده، رؤوفا بهم، عادلا في الحكم بينهم، وكان بعيد الهمة، ~~عظيم الجد والسعادة، متحرجا من الظلم، مانعا لأصحابه منه، عفيفا عن الدماء، ~~يرى حقنها واجبا إلا فيما لا بد منه؛ وكان يحامي على أهل البيوتات، وكان ~~يجري عليهم الأرزاق، ويصونهم عن التبذل، وكان يقصد المساجد الجامعة، في ~~أشهر الصيام، للصلاة، وينتصب لرد المظالم، ويتعهد العلويين بالأموال ~~الكثيرة، ويتصدق بالأموال الجليلة على ذوي الحاجات، ويلين جانبه للخاص ~~والعام. قال له بعض أصحابه في ذلك، وذكر له شدة مرداويج على أصحابه، فقال: ~~أنظر كيف احترم، ووثب عليه أخص أصحابه به، وأقربهم منه لعنفه وشدته، وكيف ~~عمرت، وأحبني الناس للين جانبي. وحكي عنه أنه سار في سفر، فنزل في خركاة قد ~~ضربت له قبل أصحابه، وقدم إليه طعام، فقال لبعض أصحابه: لأي شيء قيل في ~~المثل: خير الأشياء في القرية الإمارة ؟ فقال صاحبه: لقعودك في الخركاة، ~~وهذا الطعام بين يديك، وأنا لا خركاة ولا طعام؛ فضحك وأعطاه الخركاة ~~والطعام، فانظر إلى هذا الخلق ما أحسنه وما أجمله. وفي فعله في حادثة ~~بختيار ما يدل على كمال مروءته، وحسن عهده، وصلته لرحمه، رضي الله عنه ~~وأرضاه، وكان له حسن عهد ومودة وإقبال. ### || AUT ذكر مسير عضد الدولة إلى العراق # في هذه السنة تجهز عضد الدولة وسار يطلب العراق لما كان يبلغه عن ms3062 بختيار ~~وابن بقية من استمالة أصحاب الأطراف كحسنويه الكردي، وفخر الدولة بن ركن ~~الدولة، وأبي تغلب بن حمدان، وعمران بن شاهين، وغيرهم، والاتفاق على ~~معاداته، ولما كانا يقولانه من الشتم القبيح له، ولما رأى من حسن العراق ~~وعظم مملكته إلى غير ذلك. وانحدر بختيار إلى واسط على عزم محاربة عضد ~~الدولة، وكان حسنويه وعده أنه يحضر بنفسه لنصرته، وكذلك أبو تغلب بن حمدان، ~~فلم يف له واحد مهما. ثم سار بختيار إلى الأهواز، أشار بذلك ابن بقية، وسار ~~عضد الدولة من فارس نحوهم، فالتقوا في ذي القعدة واقتتلوا، فخامر على ~~بختيار بعض عسكره، وانتقلوا إلى عضد الدولة، فانهزم بختيار، وأخذ ماله ومال ~~ابن بقية، ونهبت الأثقال وغيرها؛ ولما وصل بختيار إلى واسط حمل إليه ابن ~~شاهين صاحب البطيحة مالا، وسلاحا، وغير ذلك من الهدايا النفيسة، ودخل ~~بختيار إليه، فأكرمه، وحمل إليه مالا جليلا، وأعلاقا نفيسة، وعجب الناس من ~~قول عمران: إن بختيار سيدخل منزلي وسيستجير بي؛ فكان كما ذكر. ثم أصعد ~~بختيار إلى واسط. وأما عضد الدولة فإنه سير إلى البصرة جيشا فملكوها. وسبب ~~ذلك أن أهلها اختلفوا، وكانت مضر تهوى عضد الدولة، وتميل إليه لأسباب قررها ~~معهم، وخالفتهم ربيعة، ومالت إلى بختيار، فلما انهزم ضعفوا، وقويت مضر، ~~وكاتبوا عضد الدولة، وطلبوا منه إنفاذ جيش إليهم، فسير جيشا تسلم البلد ~~وأقام عندهم. وأقام بختيار بواسط، وأحضر ما كان له ببغداد والبصرة من مال ~~وغيره ففرقه في أصحابه، ثم إنه قبض على ابن بقية لأنه اطرحه واستبد بالأمور ~~دونه، وجبى الأموال إلى نفسه، ولم يوصل إلى بختيار منها شيئا، وأراد أيضا ~~التقرب إلى عضد الدولة بقبضه لأنه هو الذي كان يفسد الأحوال بينهم. ولما ~~قبض عليه أخذ أمواله ففرقها، وراسل عضد الدولة في الصلح، وترددت الرسل ~~بذلك، وكان أصحاب بختيار يختلفون عليه، فبعضهم يشير به، وبعضهم ينهى عنه، ~~ثم إنه أتاه عبد الرزاق وبدر ابنا حسنويه في نحو ألف فارس معونة له، فلما ~~وصلا إليه أظهر المقام بواسط ومحاربة عضد الدولة. ms3063 فاتصل بعضد الدولة أنه ~~نقض الشرط، ثم بدا لبختيار في المسير، فسار إلى بغداد، فعاد عنه ابنا ~~حسنويه إلى أبيهما، وأقام بختيار ببغداد، وانقضت السنة وهو بها، وسار عضد ~~الدولة إلى واسط، ثم سار منها إلى البصرة، فأصلح بين ربيعة ومضر، وكانوا في ~~الحروب والاختلاف نحو مائة وعشرين سنة. PageV04P0071 # ومن عجيب ما جرى لبختيار في هذه الحادثة أنه كان له غلام تركي يميل إليه، ~~فأخذ في جملة الأسرى، وانقطع خبره عن بختيار، فحزن لذلك، وامتنع من لذاته ~~والاهتمام بما رفع إليه من زوال ملكه وذهاب نفسه، حتى قال على رؤوس ~~الأشهاد: إن فجيعتي بهذا الغلام أعظم من فيجعتي بذهاب ملكي، ثم سمع أنه في ~~جملة الأسرى، فأرسل إلى عضد الدولة يبذل له ما أحب في رده إليه، فأعاده ~~عليه، وسارت هذه الحادثة عنه، فازداد فضيحة وهوانا عند الملوك وغيرهم. ### || AUT ذكر وفاة منصور بن نوح وملك ابنه نوح # في هذه السنة مات الأمير منصور بن نوح صاحب خراسان، وما وراء النهر، ~~منتصف شوال، وكان موته ببخارى، وكانت ولايته خمس عشرة سنة، وولي الأمر بعده ~~ابنه أبو القاسم نوح، وكان عمره حين ولي الأمر ثلاث عشرة سنة، ولقب بالمنصور. ### || AUT ذكر وفاة القاضي منذر البلوطي # في هذه السنة، في ذي القعدة، مات القاضي منذر بن سعيد البلوطي، أبو ~~الحاكم قاضي قضاة الأندلس، وكان إماما فقيها، خطيبا، شاعرا، فصيحا، ذا دين ~~متين، دخل يوما على عبد الرحمن الناصر، صاحب الأندلس، بعد أن فرغ من بناء ~~الزهراء وقصورها، وقد قعد في قبة مزخرفة بالذهب، والبناء البديع الذي لم ~~يسبق إليه، ومعه جماعة من الأعيان، فقال عبد الرحمن الناصر: هل بلغكم أن ~~أحدا بنى مثل هذا البناء ؟ فقال له الجماعة: لم نر، ولم نسمع بمثله؛ ~~وأثنوا، وبالغوا، والقاضي مطرق، فاستنطقه عبد الرحمن، فبكى القاضي، وانحدرت ~~دموعه على لحيته، وقال: والله ما كنت أظن أن الشيطان، أخزاه الله تعالى، ~~يبلغ منك هذا المبلغ، ولا أن تمكنه من قيادك هذا التمكين، مع ما آتاك الله، ~~وفضلك ms3064 به، حتى أنزلك منازل الكافرين. فقال له عبد الرحمن: انظر ما تقول، ~~وكيف أنزلني منزل الكافرين ؟ فقال: قال الله تعالى: (ولولا أن يكون الناس ~~أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة، ومعارج عليها ~~يظهرون، ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون، وزخرفا)، إلى قوله: (والآخرة ~~عند ربك للمتقين) الزخرف: 33 - 35. فوجم عبد الرحمن وبكى، وقال: جزاك الله ~~خيرا، وأكثر في المسلمين مثلك وأخبار هذا القاضي كثيرة حسنة جدا، ومنها: ~~أنه قحط الناس وأرادوا الخروج للاستسقاء، فأرسل إليه عبد الرحمن يأمره ~~بالخروج، فقال القاضي للرسول: يا ليت شعري ما الذي يصنعه الأمير يومنا هذا ~~؟ فقال: ما رأيته قط أخشع منه الآن، قد لبس خشن الثياب، وافترش التراب، ~~وجعله على رأسه ولحيته، وبكى، واعترف بذنوبه، ويقول: هذه ناصيتي بيدك، ~~أتراك تعذب هذا الخلق لأجلي ؟ فقال القاضي: يا غلام احمل الممطر معك، فقد ~~أذن الله بسقيانا، إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء؛ فخرج واستسقى ~~بالناس، فلما صعد المنبر ورأى الناس قد شخصوا إليه بأبصارهم قال: (سلام ~~عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده ~~وأصلح) الأنعام: 54 الآية، وكررها، فضج الناس بالبكاء والتوبة، وتمم خطبته ~~فسقي الناس. ### || AUT ذكر القبض على أبي الفتح بن العميد # في هذه السنة قبض عضد الدولة على أبي الفتح بن العميد، وزير أبيه، وسمل ~~عينه الواحدة وقطع أنفه. وكان سبب ذلك أن أبا الفتح لما كان ببغداد مع عضد ~~الدولة، على ما شرحناه، وسار عضد الدولة نحو فارس تقدم إلى أبي الفتح ~~بتعجيل المسير عن بغداد إلى الري، فخالفه وأقام، وأعجبه المقام ببغداد، ~~وشرب مع بختيار، ومال في هواه، واقتنى ببغداد أملاكا ودورا على عزم العود ~~إليها إذا مات ركن الدولة، ثم صار يكاتب بختيار بأشياء يكرهها عضد الدولة. ~~وكان له نائب يعرضها على بختيار، فكان ذلك النائب يكاتب بها عضد الدولة ~~ساعة فساعة، فلما ملك عضد الدولة، بعد موت أبيه، كتب إلى أخيه فخر الدولة ~~بالري يأمره بالقبض ms3065 عليه وعلى أهله وأصحابه، ففعل ذلك، وانقلع بيت العميد ~~على يده كما ظنه أبوه أبو الفضل. وكان أبو الفتح ليلة قبض قد أمسى مسرورا، ~~فأحضر الندماء والمغنين، وأظهر من الآلات الذهبية، والزجاج المليح، وأنواع ~~الطيب ما ليس لأحد مثله، وشربوا، وعمل شعرا وغني له فيه وهو: PageV04P0072 # دعوت المنى ودعوت العلى ... فلما أجابا دعوت القدح وقلت لأيام شرخ الشباب ~~... إلي فهذا أوان الفرح إذا بلغ المرء آماله ... فليس له بعدها مقترح فلما ~~غني في الشعر استطابه، وشرب عليه إلى أن سكر، وقام وقال لغلمانه: اتركوا ~~المجلس على ما هو عليه لنصطبح غدا؛ وقال لندمائه: بكروا إلي غدا لنصطبح، ~~ولا تتأخروا. فانصرف الندماء، ودخل هو إلى بيت منامه، فلما كان السحر دعاه ~~مؤيد الدولة فقبض عليه، وأرسل إلى داره فأخذ جميع ما فيها ومن جملته ذلك ~~المجلس بما فيه. ### || AUT ذكر وفاة الحاكم وولاية ابنه هشام # وفي هذه السنة توفي الحاكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبدالله بن محمد بن ~~عبد الرحمن المستنصر بالله الأموي، صاحب الأندلس، وكانت إمارته خمس عشرة ~~سنة وخمسة أشهر، وعمره ثلاثا وستين سنة وسبعة أشهر، وكان أصهب أعين، أقنى، ~~عظيم الصوت، ضخم الجسم، أفقم، وكان محبا لأهل العلم، عالما، فقيها في ~~المذاهب، عالما بالأنساب والتواريخ، جماعا للكتب والعلماء، مكرما لهم، ~~محسنا إليهم، أحضرهم من البلدان البعيدة ليستفيد منهم ويحسن إليهم. ولما ~~توفي ولي بعده انه هشام بعهد أبيه، وله عشر سنين، ولقب المؤيد بالله، ~~واختلفت البلاد في أيامه، وأخذ وحبس، ثم عاد إلى الإمارة. وسببه أنه لما ~~ولي المؤيد تحجب له المنصور أبو عامر محمد بن أبي عامر المعافري، وابناه ~~المظفر والناصر، فلما حجب له أبو عامر حجبه عن الناس، فلم يكن أحد يراه، ~~ولا يصل إليه، وقام بأمر دولته القيام المرضي، وعدل في الرعية، وأقبلت ~~الدنيا إليه، واشتغل بالغزو، وفتح من بلاد الأعداء كثيرا، وامتلأت بلاد ~~الأندلس بالغنائم والرقيق، وجعل أكثر جنده منهم كواضح الفتى وغيره من ~~المشهورين، وكانوا يعرفون بالعامريين. وأدام الله له الحال ms3066 ستا وعشرين سنة، ~~غزا فيها اثنتين وخمسين غزاة ما بين صائفة وشاتية، وتوفي سنة اثنتين وتسعين ~~وثلاثمائة، وكان حازما، قوي العزم، كثير العدل والإحسان، حسن السياسة. فمن ~~محاسن أعماله: أنه دخل بلاد الفرنج غازيا، فجاز الدرب إليها، وهو مضيق بين ~~جبلين، وأوغل في بلاد الفرنج يسبي، ويخرب، ويغنم، فلما أراد الخروج رآهم قد ~~سدوا الدرب، وهم عليه يحفظونه من المسلمين، فأظهر أنه يريد المقام في ~~بلادهم، وشرع هو وعسكره في عمارة المساكن وزرع الغلات، وأحضروا الحطب، ~~والتبن، والميرة، وما يحتاجون إليه، فلما رأوا عزمه على المقام مالوا إلى ~~السلم، فراسلوه في ترك الغنائم والجواز إلى بلاده، فقال: أنا عازم على ~~المقام؛ فتركوا له الغنائم، فلم يجبهم إلى الصلح، فبذلوا له مالا، ودواب ~~تحمل له ما غنمه من بلادهم، فأجابهم إلى الصلح، وفتحوا له الدرب، فجاز إلى ~~بلاده. وكان أصله من الجزيرة الخضراء، وورد شابا إلى قرطبة، طالبا للعلم ~~والأدب وسماع الحديث، فبرع فيها وتميز، ثم تعلق بخدمة صبح والدة المؤيد، ~~وعظم محله عندها، فلما مات الحاكم المستنصر كان المؤيد صغيرا، فخيف على ~~الملك أن يختل، فضمن لصبح سكون البلاد، وزوال الخوف، وكان قوي النفس، ~~وساعدته المقادير، وأمدته الأمراء بالأموال، فاستمال العساكر، وجرت الأمور ~~على أحسن نظام. وكانت أمه تميمية، وأبوه معافريا، بطن من حمير، فلما توفي ~~ولي بعده ابنه عبد الملك الملقب بالمظفر، فسار كسيرة أبيه، وتوفي سنة تسع ~~وتسعين وثلاثمائة، فكانت ولايته سبع سنين. وكان سبب موته أن أخاه عبد ~~الرحمن سمه في تفاحة قطعها بسكين كان قد سم أحد جانبيها، فناول أخاه ما يلي ~~الجانب المسموم، وأخذ هو ما يلي الجانب الصحيح، فأكله بحضرته، فاطمأنه ~~المظفر، وأكل ما بيده منها فمات. فلما توفي ولي بعده أخوه عبد الرحمن ~~الملقب بالناصر، فسلك غير طريق أبيه وأخيه، وأخذ في المجون، وشرب الخمور، ~~وغير ذلك، ثم دس إلى المؤيد من خوفه منه إن لم يجعله ولي عهده، ففعل ذلك، ~~فحقد الناس وبنو أمية عليه ذلك، وأبغضوه، وتحركوا في أمره إلى أن ms3067 قتل. ~~PageV04P0073 # وغزا شاتية، وأوغل في بلاد الجلالقة، فلم يقدم ملكها على لقائه، وتحصن ~~منه في رؤوس الجبال، ولم يقدر عبد الرحمن على اتباعه لزيادة الأنهار، وكثرة ~~الثلوج، فأثخن في البلاد التي وطئها، وخرج موفورا، فبلغه في طريقه ظهور ~~محمد بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر لدين الله بقرطبة، واستيلاؤه عليها، ~~وأخذه المؤيد أسيرا، فتفرق عنه عسكره، ولم يبق معه إلا خاصته، فسار إلى ~~قرطبة ليتلافى ذلك الخطب، فخرج إليه عسكر محمد بن هشام فقتلوه وحملوا رأسه ~~إلى قرطبة فطافوا به؛ وكان قتله سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، ثم صلبوه. ### || AUT ذكر ظهور محمد بن هشام بقرطبة # وفي سنة تسع وتسعين وثلاثمائة ظهر بقرطبة محمد بن هشان بن عبد الجبار بن ~~عبد الرحمن الناصر لدين الله الأموي، ومعه اثنا عشر رجلا، فبايعه الناس، ~~وكان ظهوره سلخ جمادى الآخرة، وتلقب بالمهدي بالله، وملك قرطبة، وأخذ ~~المؤيد فحبسه معه في القصر، ثم أخرجه وأخفاه، وأظهر أنه مات. وكان قد مات ~~إنسان نصراني يشبه المؤيد، فأبرزه للناس في شعبان من هذه السنة، وذكر لهم ~~أنه المؤيد، فلم يشكوا في موته، وصلوا عليه، ودفنوه في مقابر المسلمين، ثم ~~إنه أظهره، على ما نذكره، وأكذب نفسه، فكانت مدة ولاية المؤيد هذه إلى أن ~~حبس ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر، ونقم الناس على ابن عبد الجبار أشياء ~~منها أنه كان يعمل النبيذ في قصره، فسموه نباذا، ومنها فعله بالمؤيد، وأنه ~~كان كذابا، متلونا، مبغضا للبربر، فانقلب الناس عليه. ### || AUT ذكر خروج هشام بن سليمان عليه # لما استوحش أهل الأندلس من ابن عبد الجبار، وأبغضوه، قصدوا هشام ابن ~~سليمان بن عبد الرحمن الناصر لدين الله، فأخرجوه من داره وبايعوه، فتلقب ~~بالرشيد، وذلك لأربع بقين من شوال سنة تسع وتسعين، واجتمعوا بظاهرة قرطبة، ~~وحصروا ابن عبد الجبار، وترددت الرسل بينهم ليخلع ابن عبد الجبار من الملك ~~على أن يؤمنه وأهله وجميع أصحابه. ثم إن ابن عبد الجبار جمع أصحابه وخرج ~~إليهم فقاتلهم، فانهزم هشام وأصحابه، وأخذ هشام أسيرا، فقتله ms3068 ابن عبد ~~الجبار، وقتل معه عدة من قواده، واستقر أمر ابن عبد الجبار، وكان عم هشام. ### || AUT ذكر خروج سليمان عليه أيضا # ولما قتل ابن عبد الجبار هشام بن سليمان بن الناصر وانهزم أصحابه انهزم ~~معهم سليمان بن الحاكم بن سليمان بن الناصر، وهو ابن أخي هشام المقتول، ~~فبايعه أصحاب عمه، وأكثرهم البربر، بعد الوقعة بيومين، ولقبوه المستعين ~~بالله، ثم لقب بالظاهر بالله، وساروا إلى النصارى فصالحوهم واستنجدوهم ~~وأنجدوهم وساروا معهم إلى قرطبة، فاقتتلوا هم وابن عبد الجبار بقنتيج، وهي ~~الوقعة المشهورة غزوا فيها، وقتل ما لا يحصى، فانهزم ابن عبد الجبار، وتحصن ~~بقصر قرطبة، ودخل سليمان البلد، وحصره في القصر. فلما رأى ابن عبد الجبار ~~ما نزل به أظهر المؤيد ظنا منه أنه يخلع هو وسليمان ويرجع الأمر إلى ~~المؤيد، فلم يوافقه أحد ظنا منهم أن المؤيد قد مات. فلما أعياه الأمر احتار ~~في الهرب، فهرب سرا واختفى، ودخل سليمان القصر، وبايعه الناس بالخلافة في ~~شوال سنة أربعمائة، وبقي بقرطبة أياما؛ وكان عدة القتلى بقنتيج نحو خمسة ~~وثلاثين ألفا، وأغار البربر والروم على قرطبة فنهبوا وسبوا وأسروا عددا عظيما. ### || AUT ذكر عود ابن عبد الجبار وقتله وعود المؤيد # لما اختفى ابن عبد الجبار سار سرا إلى طليطلة، وأتاه واضح الفتى العامري ~~في أصحابه، وجمع له النصارى وسار بهم إلى قرطبة، فخرج إليهم سليمان فالتقوا ~~بقرب عقبة البقر، واقتتلوا أشد قتال، فانهزم سليمان ومن معه منتصف شوال سنة ~~أربعمائة، ومضى سليمان إلى شاطبة، ودخل ابن عبد الجبار قرطبة وجدد البيعة ~~لنفسهن وجعل الحجابة لواضح وتصرف بالاختيار. PageV04P0074 # ثم إن جماعة من الفتيان العامريين، منهم عنبر، وخيرون، وغيرهما، كانوا مع ~~سليمان، فأرسلوا إلى ابن عبد الجبار يطلبون قبول طاعتهم، وأن يجعلهم في ~~جملة رجاله، فأجابهم إلى ذلك، وإنما فعلوا ذلك مكيدة به ليقتلوه، فلما ~~دخلوا قرطبة استمالوا واضحا فأجابهم إلى قتله، فلما كان تاسع ذي الحجة سنة ~~أربعمائة اجتمعوا في القصر فملكوه، وأخذوا ابن عبد الجبار أسيرا، وأخرجوا ~~المؤيد بالله فأجلسوه مجلس ms3069 الخلافة وبايعوه، وأحضروا ابن عبد الجبار بين ~~يديه، فعدد ذنوبه عليه، ثم قتل، وطيف برأسه في قرطبة، وكان عمره ثلاثا ~~وثلاثين سنة، وأمه أم ولد. وكان ينبغي أن نذكر هذه الحوادث متأخرة، وإنما ~~قدمناها لتعلق بعضها ببعض، ولأن كل واحد منهم ليس له من طول المدة ما تؤخر ~~أخباره وتفرق. ### || AUT ذكر عود أبي المعالي بن سيف الدولة إلى ملك حلب # في هذه السنة عاد أبو المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان ملك حلب. ~~وكان سببه أن قرعويه لما تغلب عليها أخرج منها مولاه أبا المعالي، كما ~~ذكرناه سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، فسار أبو المعالي إلى والدته بميافارقين، ~~ثم أتى حماة، وهي له، فنزل بها، وكانت الروم قد خربت حمص وأعمالها، وقد ذكر ~~أيضا، فنزل إليه يا رقتاش مولى أبيه، وهو بحصن برزويه، وخدمه، وعمر له ~~مدينة حمص، فكثر أهلها. وكان قرعويه قد استناب بحلب مولى له اسمه بكجور، ~~فقوي بكجور، واستفحل أمره، وقبض على مولاه قرعويه، وحبسه في قلعة حلب، ~~وأقام بها نحو ست سنين، فكتب من بحلب من أصحاب قرعويه إلى أبي المعالي بن ~~سيف الدولة ليقصد حلب ويملكها، فسار إليها، وحصرها أربعة أشهر، وملكها. ~~وبقيت القلعة بيد بكجور، فترددت الرسل بينهما، فأجاب إلى التسليم على أن ~~يؤمنه في نفسه وأهله وماله، ويوليه حمص، وطلب بكجور أن يحضر هذا الأمان ~~والعهد وجوه بني كلاب، ففعل أبو المعالي ذلك، وأحضرهم الأمان والعهد، وسلم ~~قلعة حلب إلى أبي المعالي، وسار بكجور إلى حمص فوليها لأبي المعالي، وصرف ~~همته إلى عمارتها، وحفظ الطرق، فازدادت عمارتها، وكثر الخير بها، ثم انتقل ~~منها إلى ولاية دمشق، على ما نذكره سنة ست وسبعين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر ابتداء دولة آل سبكتكين # في هذه السنة ملك سبكتكين مدينة غزنة وأعمالها، وكان ابتداء أمره أنه ~~كان من غلمان أبي إسحاق بن البتكين، صاحب جيش غزنة للسامانية، وكان مقدما ~~عنده، وعليه مدار أمره، وقدم إلى بخارى، أيام الأمير منصور بن نوح، مع أبي ~~إسحاق، فعرفه أرباب تلك ms3070 الدولة بالعقل، والعفة، وجودة الرأي والصرامة، وعاد ~~معه إلى غزنة، فلم يلبث أبو إسحاق أن توفي، ولم يخلف من أهله وأقاربه من ~~يصلح للتقدم، فاجتمع عسكره ونظروا فيمن يلي أمرهم، ويجمع كلمتهم، فاختلفوا ~~ثم اتفقوا على سبكتكين، لما عرفوه من عقله، ودينه، ومروءته، وكمال خلال ~~الخير فيه، فقدموه عليهم، وولوه أمرهم، وحلفوا له، وأطاعوه، فوليهم، وأحسن ~~السيرة فيهم، وساس أمورهم سياسة حسنة، وجعل نفسه كأحدهم في الحال والمال، ~~وكان يذخر من إقطاعه ما يعمل منه طعاما لهم في كل أسبوع مرتين. ثم إنه جمع ~~العساكر وسار نحو الهند مجاهدا، وجرى بينه وبين الهنود حروب يشيب لها ~~الوليد، وكشف بلادهم، وشن الغارات عليها، وطمع فيها، وخافه الهنود، ففتح من ~~بلادهم حصونا ومعاقل، وقتل منهم ما لا يدخل تحت الإحصاء. واتفق له في بعض ~~غزواته أن الهنود اجتمعوا في خلق كثير، وطاولوه الأيام، وماطلوه القتال، ~~فعدم الزاد عند المسلمين، وعجزوا عن الامتيار، فشكوا إليه ما هم فيه، فقال ~~لهم: إني استصحبت لنفسي شيئا من السويق استظهارا، وأنا أقسمه بينكم قسمة ~~عادلة على السواء إلى أن يمن الله بالفرج؛ فكان يعطي كل إنسان منهم ملء قدح ~~معه، ويأخذ لنفسه مثل أحدهم، فيجتزئ به يوما وليلة، وهم مع ذلك يقاتلون ~~الكفار، فرزقهم الله النصر عليهم والظفر بهم، فقتلوا منهم وأسروا خلقا كثيرا. ### || AUT ذكر ولاية سبكتكين على قصدار وبست # ثم إن سبكتكين عظم شأنه، وارتفع قدره، وحسن بين الناس وذكره، وتعلقت ~~الأطماع بالاستعانة به، فأتاه بعض الأمراء الكبار، وهو صاحب بست واسمه ~~طغان، مستعينا به مستنصرا. PageV04P0075 # وسبب ذلك أنه خرج عليه أمير يعرف ببابي تور، فملك مدينة بست عليه، وأجلاه ~~عنها بعد حرب شديدة، فقصد سبكتكين مستنصرا به، وضمن له مالا مقررا، وطاعة ~~يبذلها له، فتجهز وسار معه حتى نزل على بست، وخرج إليه بابي تور، فقاتله ~~قتالا شديدا، ثم انهزم بابي تور وتفرق هو وأصحابه وتسلم طغان البلد. فلما ~~استقر فيه طالبه بكتكين بما استقر عليه من المال، فأخذ في المطل، فأغلظ له ms3071 ~~في القول لكثرة مطله، فحمل طغان جهله على أن سل السيف فضرب يد سبكتكين ~~فجرحها، فأخذ سبكتكين السيف وضربه أيضا فجرحه، وحجز العسكر بينهما، وقامت ~~الحرب على ساق، فانهزم طغان واستولى سبكتكين على بست. ثم إنه سار إلى ~~قصدار، وكان متوليها قد عصى عليه لصعوبة مسالكها، وحصانتها، وظن أن ذلك ~~يمنعه، فسار إليه جريدة مجدا، فلم يشعر إلا والخيل معه، فأخذ من داره، ثم ~~إنه من عليه ورده إلى ولايته، وقرر عليه مالا يحمله إليه كل سنة. ### || AUT ذكر مسير الهند إلى بلاد الإسلام # ### || AUT وما كان منهم مع سبكتكين # لما فرغ سبكتكين من بست وقصدار غزا الهند، فافتتح قلاعا حصينة على شواهق ~~الجبال، وعاد سالما ظافرا. ولما رأى جيبال ملك الهند ما دهاه، وأن بلاده ~~تملك من أطرافها، أخذه ما قدم وحدث، فحشد وجمع واستكثر من الفيول، وسار حتى ~~اتصل بولاية سبكتكين، وقد باض الشيطان في رأسه وفرخ، فسار سبكتكين عن غزنة ~~إليه ومعه عساكره وخلق كثير من المتطوعة، فالتقوا واقتتلوا أياما كثيرة، ~~وصبر الفريقان. وكان بالقرب منهم عقبة غورك، وفيها عين ماء لا تقبل نجسا ~~ولا قذرا، وإذا لقي فيه شيء من ذلك اكفهرت السماء، وهبت الرياح، وكثر الرعد ~~والبرق والأمطار، ولا تزال كذلك إلى أن تطهر من الذي ألقي فيها، فأمر ~~سبكتكين بإلقاء نجاسة في تلك العين، فجاء الغيم والرعد والبرق، وقامت ~~القيامة على الهنود لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وتوالت عليهم الصواعق ~~والأمطار، واشتد البرد، حتى هلكوا، وعميت عليهم المذاهب، واستسلموا لشدة ما ~~عاينوه. وأرسل ملك الهند إلى سبكتكين يطلب الصلح، وترددت الرسل، فأجابهم ~~إليه بعد امتناع من ولده محمود، على مال يؤديه، وبلاد يسلمها، وخمسين فيلا ~~يحملها إليه، فاستقر ذلك، ورهن عنده جماعة من أهله على تسليم البلاد، وسير ~~معه سبكتكين من يتسلمها، فإن المال والفيلة كانت معجلة، فلما أبعد جيبال ~~ملك الهند قبض على من معه من المسلمين وجعلهم عنده عوضا عن رهائنه. فلما ~~سمع سبكتكين بذلك جمع العساكر وسار نحو الهند، فأخرب ms3072 كل ما مر عليه من ~~بلادهم، وقصد لمغان، وهي من أحصن قلاعهم، فافتتحها عنوة وهدم بيوت الأصنام ~~وأقام فيها شعار الإسلام، وسار عنها يفتح البلاد، ويقتل أهلها، فلما بلغ ما ~~أراده عاد إلى غزنة. فلما بلغ الخبر إلى جيبال سقط في يده، وجمع العساكر ~~وسار في مائة ألف مقاتل، فلقيه سبكتكين، وأمر أصحابه أن يتناوبوا القتال مع ~~الهنود، ففعلوا ذلك، فضجر الهنود من دوام القتال معهم، وحملوا حملة واحدة، ~~فعند ذلك اشتد الأمر وعظم الخطب، وحمل أيضا المسلمون جميعهم، واختلط بعضهم ~~ببعض، فانهزم الهنود، وأخذهم السيف من كل جانب، وأسر منهم ما لا يعد، وغنم ~~أموالهم وأثقالهم ودوابهم الكثيرة. وذل الهنود بعد هذه الوقعة، ولم يكن لهم ~~بعدها راية، ورضوا بأن لا يطلبوا في أقاصي بلادهم، ولما قوي سبكتكين، بعد ~~هذه الوقعة، أطاعه الأفغانية والخلج وصاروا في طاعته. ### || AUT ذكر ملك قابوس بن وشمكير جرجان # في هذه السنة توفي ظهير الدولة بيستون بن وشمكير بجرجان؛ وكان قابوس ~~أخوه زائرا خاله رستم بجبل شهريار؛ وخلف بيستون ابنا صغيرا بطبرستان مع جده ~~لأمه، فطمع جده أن يأخذ الملك، فبادر إلى جرجان، فرأى بها جماعة من القواد ~~قد مالوا إلى قابوس، فقبض عليهم، وبلغ الخبر إلى قابوس فسار إلى جرجان، ~~فلما قاربها خرج الجيش إليه، وأجمعوا عليه، وملكوه، وهرب من كان مع ابن ~~بيستون، فأخذه عمه قابوس وكفله، وجعله أسوة أولاده، واستولى على جرجان وطبرستان. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في جمادى الأولى، نقلت ابنة عز الدولة بختيار إلى الطائع ~~لله، وكان تزوجها. وفيها توفي أبو الحسن محمد بن عبدالله بن زكرياء بن ~~حيويه في رجب. PageV04P0076 # في صفر منها توفي أبو الحسن علي بن وصيف الناشئ المعروف بالخلال، صاحب ~~المراثي الكثيرة في أهل البيت. وفيها توفي أبو يعقوب بن الحسن الجنابي صاحب ~~هجر، وكان مولده سنة ثمانين ومائتين، وتولى أمر القرامطة بعده ستة نفر ~~شركة، وسموا السادة، وكانوا متفقين. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وستين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر استيلاء عضد الدولة ms3073 على العراق # في هذه السنة سار عضد الدولة إلى بغداد، وأرسل إلى بختيار يدعوه إلى ~~طاعته، وأن يسير عن العراق إلى أي جهة أراد، وضمن مساعدته بما يحتاج إليه ~~من مال وسلاح وغير ذلك. فاختلف أصحاب بختيار عليه في الإجابة إلى ذلك، إلا ~~أنه أجاب إليه لضعف نفسه، فأنفذ له عضد الدولة خلعة، فلبسها، وأرسل إليه ~~يطلب منه ابن بقية، فقلع عينيه وأنفذه إليه. وتجهز بختيار بما أنفذه إليه ~~عضد الدولة، وخرج عن بغداد عازما على قصد الشام، وسار عضد الدولة فدخل ~~بغداد، وخطب له بها، ولم يكن قبل ذلك يخطب لأحد ببغداد، وضرب على بابه ثلاث ~~نوب، ولم تجر بذلك عادة من تقدمه، وأمر بأن يلقى ابن بقية بين قوائم الفيلة ~~لتقتله، ففعل به ذلك، وخبطته الفيلة حتى قتلته، وصلب على رأس الجسر في شوال ~~من هذه السنة، فرثاه أبو الحسين الأنباري بأبيات حسنة في معناها وهي: علو ~~في الحياة وفي الممات ... لحق أنت إحدى المعجزات كأن الناس حولك حين قاموا ~~... وفود نداك أيام الصلات كأنك قائم فيهم خطيبا، ... وكلهم قيام للصلاة ~~مددت يديك نحوهم اقتفاء، ... كمدهما إليهم في الهبات ولما ضاق بطن الأرض عن ~~أن ... يضم علاك من بعد الممات أصاروا الجو قبرك، واستنابوا ... عن الأكفان ~~ثوب السافيات لعظمك في النفوس تبيت ترعى ... بحراس وحفاظ ثقات وتشعل عندك ~~النيران ليلا ... كذلك كنت أيام الحياة ولم أر قبل جذعك قط جذعا ... تمكن ~~من عناق المكرمات ركبت مطية من قبل زيد ... علاها في السنين الذاهبات وهي ~~كثيرة؛ قوله زيد علاها يعني زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي ~~الله عنهم، لما قتل وصلب أيام هشام بن عبد الملك، وقد ذكر؛ وبقي ابن بقية ~~مصلوبا إلى أيام صمصام الدولة فأنزل من جذعه ودفن. ### || AUT ذكر قتل بختيار # لما سار بختيار عن بغداد عزم على قصد الشام ومعه حمدان بن ناصر الدولة ~~ابن حمدان، فلما صار بختيار بعكبرا حسن له حمدان قصد الموصل، وكثرة ~~أموالها، وأطمعه فيها، وقال ms3074 إنها خير من الشام وأسهل. فسار بختيار نحو ~~الموصل، وكان عضد الدولة قد حلفه أنه لا يقصد ولاية أبي تغلب بن حمدان ~~لمودة ومكاتبة كانت بينهما، فنكث وقصدها، فلما صار إلى تكريت أتته رسل أبي ~~تغلب تسأله أن يقبض على أخيه حمدان ويسلمه إيه، وإذا فعل سار بنفسه وعساكره ~~إليه، وقاتل معه عضد الدولة، وأعاده إلى ملكه بغداد، فقبض بختيار على حمدان ~~وسلمه إلى نواب أبي تغلب، فحبسه في قلعة له، وسار بختيار إلى الحديثة، ~~واجتمع مع أبي تغلب، وسارا جميعا نحو العراق، وكان مع أبي تغلب نحو من ~~عشرين ألف مقاتل. وبلغ ذلك عضد الدولة، فسار عن بغداد نحوهما، فالقوا بقصر ~~الجص بنواحي تكريت ثامن عشر شوال، فهزمهما، وأسر بختيار، وأحضر عند عضد ~~الدولة، فلم يأذن بإدخاله إليه، وأمر بقتله فقتل، وذلك بمشورة أبي الوفاء ~~طاهر بن إبراهيم، وقتل من أصحابه خلق كثير، واستقر ملك عضد الدولة بعد ذلك، ~~وكان عمر بختيار ستا وثلاثين سنة، وملك إحدى عشرة سنة وشهورا. ### || AUT ذكر استيلاء عضد الدولة على ملك بني حمدان # لما انهزم أبو تغلب وبختيار سار عضد الدولة نحو الموصل، فملكها ثاني عشر ~~ذي القعدة، وما يتصل بها، وظن أبو تغلب أنه يفعل كما كان غيره يفعل، يقيم ~~يسيرا، ثم يضطر إلى المصالحة، ويعود. وكان عضد الدولة أحزم من ذلك، فإنه ~~لما قصد الموصل حمل معه الميرة والعلوفات، ومن يعرف ولاية الموصل وأعمالها، ~~وأقام بالموصل مطمئنا، وبث السرايا في طلب أبي تغلب، فأرسل أبو تغلب يطلب ~~أن يضمن البلاد، فلم يجبه عضد الدولة إلى ذلك، وقال: هذه البلاد أحب إلي من ~~العراق. PageV04P0077 # وكان مع أبي تغلب المرزبان بن بختيار، وأبو إسحاق، وأبو طاهر ابنا معز ~~الدولة، ووالدتهما، وهي أم بختيار، وأسبابهم، فسار أبو تغلب إلى نصيبين، ~~فسير عضد الدولة سرية عليها حاجبه أبو حرب طغان إلى جزيرة ابن عمر، وسير في ~~طلب أبي تغلب سرية، واستعمل عليها أبا الوفاء طاهر ابن محمد، على طريق ~~سنجار، فسار أبو تغلب مجدا، فبلغ ms3075 ميافارقين، وأقام بها ومعه أهله، فلما ~~بلغه مسير أبي الوفاء إليه سار نحو بدليس ومعه النساء وغيرهم من أهله، ووصل ~~أبو الوفاء إلى ميافارقين، فأغلقت دونه، وهي حصينة منيعة من حصون الروم ~~القديمة، وتركها وطلب أبا تغلب. وكان أبو تغلب قد عدل من أرزن الروم إلى ~~الحسنية من أعمال الجزيرة وصعد إلى قلعة كواشى وغيرها من قلاعه، وأخذ ما له ~~فيها من الأموال، وعاد أبو الوفاء إلى ميافارقين وحصرها. ولما اتصل بعضد ~~الدولة مجيء أبي تغلب إلى قلاعه سار إليه بنفسه، فلم يدركه، ولكنه استأمن ~~إليه أكثر أصحابه، وعاد إلى الموصل، وسير في أثر أبي تغلب عسكرا مع قائد من ~~أصحابه يقال له طغان، فتعسف أبو تغلب إلى بدليس، وظن أنه لا يتبعه أحد، ~~فتبعه طغان، فهرب من بدليس وقصد بلاد الروم ليتصل بملكهم المعروف بورد ~~الرومي، وليس من بيت الملك، وإنما تملك عليهم قهرا، واختلف الروم عليه، ~~ونصبوا غيره من أولاد ملوكهم، فطالت الحرب بينهم، فصاهر ورد هذا أبا تغلب ~~ليتقوى به، فقدر أن أبا تغلب احتاج إلى الأعتضاد به. ولما سار أبو تغلب من ~~بدليس أدركه عسكر عضد الدولة، وهم حريصون على أخذ ما معه من المال، فإنهم ~~كانوا قد سمعوا بكثرته، فلما وقعوا عليه نادى أميرهم: لا تتعرضوا لهذا ~~المال، فهو لعضد الدولة؛ ففتروا عن القتال. فلما رآهم أبو تغلب فاترين حمل ~~عليهم فانهزموا، فقتل منهم مقتلة عظيمة ونجا منهم، فنزل بحصن زياد، ويعرف ~~الآن بخرتبرت، وأرسل ورد المذكور فعرفه ما هو بصدده من اجتماع الروم عليه، ~~واستمده، وقال: إذا فرغت عدت إليك. فسير إليه أبو تغلب طائفة من عسكره، ~~فاتفق أن وردا انهزم، فلما علم أبو تغلب بذلك يئس من نصره، وعاد إلى بلاد ~~الإسلام، فنزل بآمد، وأقام بها شهرين إلى أن فتحت ميافارقين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها ظهر بإفريقية في السماء حمرة بين المشرق والشمال، مثل لهب النار، ~~فخرج الناس يدعون الله تعالى، ويتضرعون إليه، وكان بالمهدية زلازل وأهوال ~~أقامت أربعين يوما، حتى فارق ms3076 أهلها منازلهم، وأسلموا أمتعتهم. وفيها سير ~~العزيز بالله العلوي صاحب مصر وإفريقية أميرا على الموسم ليحج بالناس، ~~وكانت الخطبة له بمكة، وكان الأمير على الموسم باديس بن زيري أخا يوسف ~~بلكين، خليفته بإفريقية، فلما وصل إلى مكة أتاه اللصوص بها فقالوا له: ~~نتقبل منك الموسم بخمسين ألف درهم، ولا تتعرض لنا؛ فقال لهم؛ أفعل ذلك، ~~اجمعوا إلي أصحابكم حتى يكون العقد مع جميعكم، فاجتمعوا فكانوا نيفا ~~وثلاثين رجلا، فقال: هل بقي منك أحد ؟ فحلفوا أنه لم يبق منهم أحد، فقطع ~~أيديهم كلهم. وفيها زادت دجلة زيادة عظيمة، وغرقت كثيرا من الجانب الشرقي ~~ببغداد، وغرقت أيضا مقابر بباب التبن بالجانب الغربي منها، وبلغت السفينة ~~أجرة وافرة، وأشرف الناس على الهلاك، ثم نقص الماء فأمنوا. وفيها توفي ~~القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن قريعة، وله نوادر مجموعة، ~~وعمره خمس وستون سنة. وفيها خلع على القاضي عبد الجبار بن أحمد بالري، وولي ~~القضاء بها وبما تحت حكم مؤيد الدولة من البلاد، وهو من أئمة المعتزلة، ~~ويرد في تراجم تصانيفه قاضي القضاة، ويعني به قاضي قضاة أعمال الري، وبعض ~~من لا يعلم ذلك يظنه قاضي القضاة مطلقا وليس كذلك. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وستين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر فتح ميافارقين وآمد # ### || AUT وغيرهما من ديار بكر على يد عضد الدولة # PageV04P0078 # لما عاد أبو الوفاء من طلب أبي تغلب نازل ميافارقين، وكان الوالي عليها ~~هزارمرد، فضبط البلد، وبالغ في قتال أبي الوفاء ثلاثة أشهر، ثم مات ~~هزارمرد، فكوتب أبو تغلب بذلك، فأمر أن يقام مقامه غلام من الحمدانية اسمه ~~مؤنس فولي البلد، ولم يكن لأبي الوفاء فيه حيلة، فعدل عنه، وراسل رجلا من ~~أعيان البلد اسمه أحمد بن عبيدالله، واستماله فأجابه، وشرع في استمالة ~~الرعية إلى أبي الوفاء، فأجابوه إلى ذلك، وعظم أمره، وأرسل إلى مؤنس يطلب ~~منه المفاتيح، فلم يمكنه منعه لكثرة أتباعه، فأنفذها إليه، وسأله أن يطلب ~~له الأمان، فأرسل أحمد بن عبيدالله إلى أبي الوفاء في ذلك فأمنه، وأمن ms3077 سائر ~~أهل البلد، ففتح له البلد وسلمه إليه. وكان أبو الوفاء مدة مقامه على ~~ميافارقين قد بث سراياه في تلك الحصون المجاورة لها، فافتتحها جميعها، فلما ~~سمع أبو تغلب بذلك سار عن آمد نحو الرحبة، هو وأخته جميلة، وأمر بعض أهله ~~بالاستئمان إلى أبي الوفاء، ففعلوا، ثم إن أبا الوفاء سار إلى آمد فحصرها، ~~فلما رأى أهلها ذلك سلكوا مسلك أهل ميافارقين، فسلموا البلد بالأمان، ~~فاستولى أبو الوفاء على سائر ديار بكر، وقصده أصحاب أبي تغلب وأهله ~~مستأمنين إليه، فأمنهم، وأحسن إليهم، وعاد إلى الموصل. وأما أبو تغلب فإنه ~~لما قصد الرحبة أنفذ رسولا إلى عضد الدولة يستعطفه، ويسأله الصفح، فأحسن ~~جواب الرسل، وبذل له إقطاعا يرضيه، على أن يطأ بساطه، فلم يجبه أبو تغلب ~~إلى ذلك، وسار إلى الشام، إلى العزيز بالله صاحب مصر. ### || AUT ذكر فتح ديار مضر على يد عضد الدولة # كان متولي ديار مضر لأبي تغلب بن حمدان سلامة البرقعيدي، فأنفذ إليه سعد ~~الدولة بن سيف الدولة من حلب جيشا، فجرت بينهم حروب، وكان سعد الدولة قد ~~كاتب عضد الدولة، وعرض نفسه عليه، فأنفذ عضد الدولة النقيب أبا أحمد، والد ~~الرضي، إلى البلاد التي بيد سلامة، فتسلمها بعد حرب شديدة، ودخل أهلها في ~~الطاعة، فأخذ عضد الدولة لنفسه الرقة حسب، ورد باقيها إلى سعد الدولة فصارت ~~له. ثم استولى عضد الدولة على الرحبة، وتفرغ بعد ذلك لفتح قلاعه وحصونه، ~~وهي قلعة كواشى، وكانت فيها خزائنه وأمواله، وقلعة هرور والملاسي وبرقى ~~والشعباني وغيرها من الحصون، فلما استولى على جميع أعمال أبي تغلب استخلف ~~أبا الوفاء على الموصل، وعاد إلى بغداد في سلخ ذي القعدة، ولقيه الطائع ~~لله، وجمع من الجند وغيرهم. ### || AUT ذكر ولاية قسام دمشق # لما فارق الفتكين دمشق، كما ذكرناه، تقدم على أهلها قسام، وكان سبب تقدم ~~قسام أن الفتكين قربه ووثق إليه، وعول في كثير من أموره عليه، فعلا ذكره ~~وصيته، وكثر أتباعه من الأحداث، فاستولى على البلد وحكم فيه. وكان القائد ~~أبو محمود ms3078 قد عاد إلى البلد واليا عليه للعزيز، فلم يتم له مع قسام أمر، ~~وكان لا حكم له، ولم يزل أمر قسام على دمشق نافذا، وهو يدعو للعزيز بالله ~~العلوي. ووصل إليه أبو تغلب بن حمدان، صاحب الموصل، منهزما، كما ذكرناه، ~~فمنعه قسام من دخول دمشق، وخافه على البلد أن يتولاه، إما غلبة، وإما بأمر ~~العزيز، فاستوحش أبو تغلب وجرى بين أصحابه وأصحاب أبي تغلب شيء من قتال، ~~فرحل أبو تغلب إلى طبرية. وورد من عند العزيز قائد اسمه الفضل في جيش، فحصر ~~قساما بدمشق، فلم يظفر به، فعاد عنه، وبقي قسام كذلك إلى سنة تسع وستين ~~وثلاثمائة، فسير من مصر أميرا إلى دمشق اسمه سلمان بن جعفر بن فلاح، فوصل ~~إليها، فنزل بظاهرها، ولم يتمكن من دخولها، وأقام في غير شيء، فنهى الناس ~~عن حمل السلاح، فلم يسمعوا منه، ووضع قسام أصحابه على سلمان، فقاتلوه ~~وأخرجوه من الموضع الذي كان فيه. وكان قسام بالجامع، والناس عنده، فكتب ~~محضرا وسيره إلى العزيز يذكر أنه كان بالجامع عند هذه الفتنة، ولم يشهدها، ~~وبذل من نفسه أنه إن قصده عضد الدولة بن بويه أو عسكر له قاتله، ومنعه من ~~البلد، فأغضى العزيز لقسام على هذه الحال لأنه كان يخاف أن يقصد عضد الدولة ~~الشام، فلما فارق سلمان دمشق عاد إليها القائد أبو محمود، ولا حكم له، ~~والحكم جميعه لقسام، فدام ذلك. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كانت زلازل شديدة كثيرة، وكان أشدها بالعراق. PageV04P0079 # وفيها توفي القاضي أبو سعيد الحسن بن عبدالله السيرافي النحوي مصنف شرح ~~كتاب سيبويه، وكان فقيها، فاضلا، مهندسا، منطيقيا، فيه كل فضيلة، وعمره ~~أربع وثمانون سنة، وولي بعده أبو محمد بن معروف الحاكم بالجانب الشرقي ببغداد. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وستين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر قتل أبي تغلب بن حمدان # في هذه السنة، في صفر، قتل أبو تغلب فضل الله بن ناصر الدولة بن حمدان. ~~وكان سبب قتله أنه سار إلى الشام، على ما تقدم ذكره، ووصل إلى ms3079 دمشق، وبها ~~قسام قد تغلب عليها، كما ذكرناه، فلم يمكن أبا تغلب من دخولها، فنزل بظاهر ~~البلد، وأرسل رسولا إلى العزيز بمصر يستنجده ليفتح له دمشق، فوقع بين ~~أصحابه وأصحاب قسام فتنة، فرحل إلى نوى، وهي من أعمال دمشق، فأتاه كتاب ~~رسوله من مصر يذكر أن العزيز يريد أن يحضر هو عنده بمصر ليسير معه العساكر، ~~فامتنع، وترددت الرسل، ورحل إلى بحيرة طبرية، وسير العزيز عسكرا إلى دمشق ~~مع قائد اسمه الفضل، فاجتمع بأبي تغلب عند طبرية، ووعده، عن العزيز، بكل ما ~~أحب، وأراد أبو تغلب المسير معه إلى دمشق، فمنعه بسبب الفتنة التي جرت بين ~~أصحابه وأصحاب قسام، لئلا يستوحش قسام، وأراد أخذ البلد منه سلما، ورحل ~~الفضل إلى دمشق فلم يفتحها. وكان بالرملة دغفل بن المفرج بن الجراح الطائي ~~قد استولى على هذه الناحية، وأظهر طاعة العزيز من غير أن يتصرف بأحكامه، ~~وكثر جمعه، وسار إلى أحياء عقيل المقيمة بالشام ليخرجها من الشام، فاجتمعت ~~عقيل إلى أبي تغلب وسألته نصرتها، وكتب إليه دغفل يسأله أن لا يفعل، فتوسط ~~أبو تغلب الحال، فرضوا بما يحكم به العزيز. ورحل أبو تغلب، فنزل في جوار ~~عقيل، فخافه دغفل، والفضل صاحب العزيز، وظنا أنه يريد أخذ تلك الأعمال. ثم ~~إن أبا تغلب سار إلى الرملة في المحرم سنة تسع وستين، فلم يشك ابن الجراح ~~والفضل أنه يريد حربهما، وكانا بالرملة، فجمع الفضل العساكر من السواحل، ~~وكذلك جمع دغفل من أمنه جمعه، وتصاف الناس للحرب، فلما رأت عقيل كثرة الجمع ~~انهزمت، ولم يبق مع أبي تغلب إلا نحو سبعمائة رجل من غلمانه وغلمان أبيه، ~~فانهزم ولحقه الطلب، فوقف يحمي نفسه وأصحابه، فضرب على رأسه فسقط، وأخذ ~~أسيرا، وحمل إلى دغفل فأسره وكتفه. وأراد الفضل أخذه وحمله إلى العزيز ~~بمصر، فخاف دغفل أن يصطنعه العزيز، كما فعل بالفتكين، ويجعله عنده، فقتله، ~~فلامه الفضل على قتله، وأخذ رأسه وحمله إلى مصر، وكان مع أخته جميلة بنت ~~ناصر الدولة وزوجته، وهي بنت عمه سيف الدولة، فلما ms3080 قتل حملهما بنو عقيل إلى ~~حلب إلى سعد الدولة بن سيف الدولة، فأخذ أخته، وسير جميلة إلى الموصل، ~~فسلمت إلى أبي الوفاء نائب عضد الدولة، فأرسلها إلى بغداد، فاعتقلت في حجرة ~~في دار عضد الدولة. ### || AUT ذكر محاربة الحسن بن عمران بن شاهين مع جيوش عضد الدولة # في هذه السنة توفي عمران بن شاهين، فجأة، في المحرم، وكانت ولايته، بعد ~~أن طلبه الملوك والخلفاء وبذلوا الجهد في أخذه، وأعملوا الحيل، أربعين سنة، ~~فلم يقدرهم الله عليه، ومات حتف أنفه. فلما مات ولي مكانه ابنه الحسن، ~~فتجدد لعضد الدولة طمع في أعمال البطيحة، فجهز العساكر مع وزيره المطهر بن ~~عبدالله، فأمدهم بالأموال والسلاح والآلات، وسار المطهر في صفر، فلما وصل ~~شرع في سد أفواه الأنهار الداخلة في البطائح، فضاع فيها الزمان والأموال، ~~وجاءت المدود، وبثق الحسن بن عمران بعض تلك السدود، فأعانه الماء فقلعها. ~~وكان المطهر إذا سد جانبا انفتحت عدة جوانب، ثم جرت بينه وبين الحسن وقعة ~~في الماء فاستظهر عليه الحسن، وكان المطهر سريعا قد ألف المناجزة، ولم يألف ~~المصابرة، فشق ذلك عليه. وكان معه في عسكره أبو الحسن محمد بن عمر العلوي ~~الكوفي، فاتهمه بمراسلة الحسن، وإطلاعه على أسراره، وخاف المطهر أن تنقص ~~منزلته عند عضد الدولة، ويشمت به أعداؤه، كأبي الوفاء وغيره، فعزم على قتل ~~نفسه، فأخذ سكينا وقطع شرايين ذراعه، فخرج الدم منه، فدخل فراش له، فرأى ~~الدم فصاح، فدخل الناس فرأوه، وظنوا أن أحدا فعل به ذلك، فتكلم، وكان بآخر ~~رمق، وقال: إن محمد بن عمر أحوجني إلى هذا؛ ثم مات، وحمل إلى بلده كازرون، ~~فدفن فيها. PageV04P0080 # وأرسل عضد الدولة من حفظ العسكر، وصالح الحسن بن عمران على مال يؤديه، ~~وأخذ رهائنه، وانفرد نصر بن هارون بوزارة عضد الدولة، وكان مقيما بفارس ~~فاستخلف له عضد الدولة بحضرته أبا الريان حمد بن محمد. ### || AUT ذكر الحرب بين بني شيبان وعسكر عضد الدولة # في هذه السنة، في رجب، سير عضد الدولة جيشا إلى بني شيبان، وكانوا قد ms3081 ~~أكثروا الغارات على البلاد والفساد، وعجز الملوك عن طلبهم، وكانوا قد عقدوا ~~بينهم وبين أكراد شهرزور مصاهرات، وكانت شهرزور ممتنعة على الملوك، فأمر ~~عضد الدولة عسكره بمنازلة شهرزور لينقطع طمع بني شيبان عن التحصن بها، ~~فاستولى أصحابه عليها وملكوها، فهرب بنو شيبان، وسار العسكر في طلبهم، ~~وأوقعوا بهم وقعة عظيمة قتل من بني شيبان فيها خلق كثير، ونهبت أموالهم ~~ونساؤهم، وأسر منهم ثمانمائة أسير وحملوا إلى بغداد. ### || AUT ذكر وصول ورد الرومي إلى ديار بكر وما كان منه # في هذه السنة وصل ورد الرومي إلى ديار بكر مستجيرا بعضد الدولة، وأرسل ~~إليه يستنصره على ملوك الروم، ويبذل له الطاعة إذا ملك وحمل الخراج. وكان ~~سبب قدومه أن أرمانوس ملك الروم لما توفي خلف ولدين له صغيرين، فملكا بعده، ~~وكان نقفور، وهو حينئذ الدمستق، قد خرج إلى بلاد الإسلام فنكى فيها وعاد، ~~فلما قارب القسطنطينية بلغه موت أرمانوس، فاجتمع إليه الجند وقالوا له: إنه ~~لا يصلح للنيابة عن الملكين غيرك، فإنهما صغيران؛ فامتنع، فألحوا عليه ~~فأجابهم، وخدم الملكين، وتزوج بوالدتهما، ولبس التاج. ثم إنه جفا والدتهما، ~~فراسلت ابن الشمشقيق في قتل نقفور وإقامته مقامه، فأجابها إلى ذلك، وسار ~~إليها سرا هو وعشرة رجال، فاغتالوا الدمستق فقتلوه، واستولى ابن الشمشقيق ~~على الأمر، وقبض على لاون أخي الدمستق، وعلى ورديس ابن لاون، واعتقله في ~~بعض القلاع، وسار إلى أعمال الشام فأوغل فيها، ونال من المسلمين ما أراد، ~~وبلغ إلى طرابلس فامتنع عليه أهلها فحصرهم. وكان لوالدة الملكين أخ خصي، ~~وهو حينئذ الوزير، فوضع على ابن الشمشقيق من سقاه سما، فلما أحس به أسرع ~~العود إلى القسطنطينية، فمات في طريقه. وكان ورد بن منير من أكابر أصحاب ~~الجيوش وعظماء البطارقة، فطمع في الأمر، وكاتب أبا تغلب بن حمدان وصاهره، ~~واستجاش بالمسلمين من الثغور، فاجتمعوا عليه، فقصد الروم، فأخرج إليه ~~الملكان جيشا بعد جيش وهو يهزمهم، فقوي جنانه وعظم شأنه، وقصد القسطنطينية، ~~فخافه الملكان، فأطلقا ورديس بن لاون، وقدماه على الجيوش، وسيراه لقتال ~~ورد، فاقتتلوا ms3082 قتالا شديدا، وطال الأمر بينهما، ثم انهزم ورد إلى بلاد ~~الإسلام، فقصد ديار بكر، ونزل بظاهر ميافارقين، وراسل عضد الدولة، وأنفذ ~~إليه أخاه يبذل الطاعة والاستنصار به، فأجابه إلى ذلك ووعده به. ثم إن ملكي ~~الروم راسلا عضد الدولة واستمالاه، فقوي في نفسه ترجيح جانب الملكين، وعاد ~~عن نصرة ورد، وكاتب أبا علي التميمي، وهو حينئذ ينوب عنه بديار بكر، بالقبض ~~على ورد وأصحابه، فشرع يدبر الحيلة عليه، واجتمع إلى ورد أصحابه وقالوا له: ~~إن ملوك الروم قد كاتبوا عضد الدولة وراسلوه في أمرنا، ولا شك أنهم يرغبونه ~~في المال وغيره فيسلمنا إليهم، والرأي أن نرجع إلى بلاد الروم على صلح إن ~~أمكننا، أو على حرب نبذل فيها أنفسنا، فإما ظفرنا أو متنا كراما. فقال: ما ~~هذا رأي، ولا رأينا من عضد الدولة إلا الجميل، ولا يجوز أن ننصرف عنه قبل ~~أن نعلم ما عنده؛ ففارقه كثير من أصحابه، فطمع فيه أبو علي التميمي، وراسله ~~في الاجتماع، فأجابه إلى ذلك، فلما اجتمع به قبض عليه، وعلى ولده وأخيه، ~~وجماعة من أصحابه، واعتقلهم بميافارقين ثم حملهم إلى بغداد، فبقوا في الحبس ~~إلى أن فرج الله عنهم، على ما نذكره، وكان قبضه سنة سبعين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر عمارة عضد الدولة بغداد # PageV04P0081 # في هذه السنة شرع عضد الدولة في عمارة بغداد، وكانت قد خربت بتوالي الفتن ~~فيها، وعمر مساجدها وأسواقها، وأدر الأموال على الأئمة، والمؤذنين، ~~والعلماء، والقراء، والغرباء، والضعفاء، الذين يأوون إلى المساجد، وألزم ~~أصحاب الأملاك الخراب بعمارتها، وجدد ما دثر من الأنهار، وأعاد حفرها ~~وتسويتها، وأطلق مكوس الحجاج، وأصلح الطريق من العراق إلى مكة، شرفها الله ~~تعالى، وأطلق الصلات لأهل البيوتات والشرف، والضعفاء المجاورين بمكة ~~والمدينة، وفعل مثل ذلك بمشهدي على والحسين، عليهما السلام، وسكن الناس من ~~الفتن، وأجرى الجرايات على الفقهاء، والمحدثين، والمتكلمين، والمفسرين، ~~والنحاة، والشعراء، والنسابين، والأطباء، والحساب، والمهندسين، وأذن لوزيره ~~نصر بن هارون، وكان نصرانيا، في عمارة البيع والديرة، وإطلاق الأموال لفقرائهم. ### || AUT ذكر وفاة حسنويه الكردي # في هذه ms3083 السنة توفي حسنويه بن الحسين الكردي البرزيكاني بسرماج، وكان ~~أميرا على جيش من البرزيكان يسمون البرزينية، وكان خالاه ونداد وغانم ابنا ~~أحمد أميرين على صنف آخر منهم يسمون العيشانية، وغلبا على أطراف نواحي ~~الدينور، وهمذان، ونهاوند، والصامغان، وبعض أطراف أذربيجان إلى حد شهرزور ~~نحو خمسين سنة. وكان يقود كل واحد منهما عدة ألوف، فتوفي غانم سنة خمسين ~~وثلاثمائة، فكان ابنه أبو سالم ديسم بن غانم مكانه بقلعته قسان، إلى أن ~~أزاله أبو الفتح بن العميد، واستصفى قلاعه المسماة قسنان، وغانم آباذ ~~وغيرهما. وتوفي ونداد بن أحمد سنة تسع وأربعين، فقام مقام ابنه أبو الغنائم ~~عبد الوهاب إلى أن أسره الشاذنخان وسلموه إلى حسنويه، فأخذ قلاعه وأملاكه. ~~وكان حسنويه مجدودا، حسن السياسة والسيرة، ضابطا لأمره، ومنع أصحابه من ~~التلصص، وبنى قلعة سرماج بالصخور المهندمة، وبنى بالدينور جامعا على هذا ~~البناء، وكان كثير الصدقة بالحرمين، إلى أن مات في هذه السنة، وافترق ~~أولاده من بعده، فبعضهم انحاز إلى فخر الدولة، وبعضهم إلى عضد الدولة، وهم ~~أبو العلاء، وعبد الرزاق، وأبو النجم بدر، وعاصم، وأبو عدنان، وبختيار، ~~وعبد الملك. وكان بختيار بقلعة سرماج ومعه الأموال والذخائر، فكاتب عضد ~~الدولة ورغب في طاعته، ثم تلون عنه وتغير، فسير عضد الدولة إليه جيشا فحصره ~~وأخذ قلعته، وكذلك قلاع غيره من إخوته، واصطنع من بينهم أبا النجم بدر ابن ~~حسنويه، وقواه بالرجال، فضبط تلك النواحي، وكف عادية من بها من الأكراد، ~~واستقام أمره، وكان عاقلا. ### || AUT ذكر قصد عضد الدولة أخاه فخر الدولة وأخذ بلاده # في هذه السنة سار عضد الدولة إلى بلاد الجل، فاحتوى عليها. وكان سبب ذلك ~~أن بختيار بن معز الدولة كان يكاتب ابن عمه فخر الدولة، بعد موت ركن ~~الدولة، ويدعوه إلى الاتفاق معه على عضد الدولة، فأجابه إلى ذلك واتفقا. ~~وعلم عضد الدولة به، فكتم ذلك إلى الآن، فلما فرغ من أعدائه كأبي تغلب، ~~وبختيار، وغيرهما، ومات حسنويه بن الحسين، ظن عضد الدولة أن الأمر يصلح ~~بينه وبين أخويه، فراسل أخويه ms3084 فخر الدولة، ومؤيد الدولة، وقابوس بن وشمكير. ~~فأما رسالته إلى أخيه مؤيد الدولة، فيشكره على طاعته وموافقته، فإنه كان ~~مطيعا له غير مخالف. وأما إلى فخر الدولة، فيعاتبه ويستميله، ويذكر له ما ~~يلزمه به الحجة. وأما إلى قابوس، فيشير عليه بحفظ العهود التي بينهما. ~~فأجاب فخر الدولة جواب المناظر المناوئ، ونسي كبر السن، وسعة الملك وعهد ~~أبيه. وأما قابوس فأجاب جواب المراقب. وكان الرسول خواشاده، وهو من أكابر ~~أصحابه، فاستمال أصحاب فخر الدولة، فضمن لهم الإقطاعات، وأخذ عليهم العهود، ~~فلما عاد الرسول برز عضد الدولة من بغداد على عزم المسير إلى الجبل وإصلاح ~~تلك الأعمال، وابتدأ فقدم العساكر بين يديه يتلو بعضها بعضا، منهم أبو ~~الوفاء على عسكر، وخواشاده على عسكر، وأبو الفتح المظفر بن محمد في عسكر، ~~فسارت هذه العساكر، وأقام هو بظاهر بغداد. PageV04P0082 # ثم سار عضد الدولة، فلقيته البشائر بدخول جيوشه همذان، واستئمان العدد ~~الكثير من قواد فخر الدولة ورجال حسنويه، ووصل إليه أبو الحسن عبيدالله بن ~~محمد بن حمدويه وزير فخر الدولة، ومعه جماهير أصحابه، فانحل أمر فخر ~~الدولة، وكان بهمذان، فخاف من أخيه، وتذكر قتل ابن عمه بختيار، فخرج هاربا، ~~وقصد بلد الديلم، ثم خرج منها إلى جرجان، فنزل على شمس المعالي قابوس بن ~~وشمكير، والتجأ إليه فأمنه وآواه، وحمل إليه فوق ما حدث به نفسه، وشركه ~~فيما تحت يده من ملك وغيره. وملك عضد الدولة ما كان بيد فخر الدولة همذان، ~~والري، وما بينهما من البلاد وسلمها إلى أخيه مؤيد الدولة بن بويه، وجعله ~~خليفته ونائبه في تلك البلاد، ونزل الري، واستولى على تلك النواحي. ثم عرج ~~عضد الدولة إلى ولاية حسنويه الكردي، فقصد نهاوند، وكذلك الدينور، وقلعة ~~سرماج، وأخذ ما فيها من ذخائر حسنويه، وكانت جليلة المقدار، وملك معها عدة ~~من قلاع حسنويه، ولحقه في هذه السفرة صرع، وكان هذا قد أخذه بالموصل، وحدث ~~به فيها، فكتمه، وصار كثير النسيان لا يذكر الشيء إلا بعد جهد، وكتم ذلك ~~أيضا، وهذا دأب الدنيا لا تصفو ms3085 لأحد. وأتاه أولاد حسنويه، فقبض على عبد ~~الرزاق، وأبي العلاء، وأبي عدنان، وأحسن إلى بدر بن حسنويه، وخلع عليه، ~~وولاه رعاية الأكراد؛ هذا آخر ما في تجارب الأمم تأليف أبي علي بن مسكويه. ### || AUT ذكر ملك عضد الدولة بلد الهكارية # في هذه السنة سير عضد الدولة جيشا إلى الأكراد الهكارية من أعمال ~~الموصل، فأوقع بهم وحصر قلاعهم، وطال مقام الجند في حصرها. وكان من بالحصون ~~من الأكراد ينتظرون نزول الثلج لترحل العساكر عنهم، فقدر الله تعالى أن ~~الثلج تأخر نزوله في تلك السنة، فأرسلوا يطلبون الأمان، فأجيبوا إلى ذلك، ~~وسلموا قلاعهم، ونزلوا مع العسكر إلى الموصل، فلم يفارقوا أعمالهم غير يوم ~~واحد حتى نزل الثلج. ثم إن مقدم الجيش غدر بهم، وصلبهم على جانبي الطريق من ~~معلثايا إلى الموصل نحو خمسة فراسخ وكف الله شرهم عن الناس. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ورد رسول العزيز بالله صاحب مصر إلى عضد الدولة برسائل ~~أداها. وفيها قبض عضد الدولة على محمد بن عمر العلوي وأنفذه إلى فارس، وكان ~~سبب قبضه ما تكلم به المطهر في حقه عند موته، وأرسل إلى الكوفة فقبض ~~أمواله، فوجد له من المال والسلاح والذخائر ما لا يحصى، واصطنع عضد الدولة ~~أخاه أبا الفتح أحمد، وولاه الحج بالناس. وفيها تجددت وصلة بين الطائع لله ~~وبين عضد الدولة، فتزوج الطائع ابنته، وكان غرض عضد الدولة أن تلد ابنته ~~ولدا ذكرا فيجعله ولي عهده، فتكون الخلافة في ولد لهم فيه نسب، وكان الصداق ~~مائة ألف دينار. وفيها كانت فتنة عظيمة ين عامة شيراز من المسلمين وبين ~~المجوس، نهبت فيها دور المجوس، وضربوا، وقتل منهم جماعة، فسمع عضد الدولة ~~الخبر، فسير إليهم من جمع كل من له أثر في ذلك، وضربهم، وبالغ في تأديبهم ~~وزجرهم. وفيها أرسل سرية إلى عين التمر، وبها ضبة بن محمد الأسدي، وكان ~~يسلك سبيل اللصوص وقطاع الطريق، فلم يشعر إلا والعساكر معه، فترك أهله ~~وماله ونجا بنفسه فريدا، وأخذ ماله وأهله، وملكت عين التمر، ms3086 وكان قبل ذلك ~~قد نهب مشهد الحين، صلوات الله عليه، فعوقب بهذا. وفيها قبض عضد الدولة على ~~النقيب أبي أحمد الحسين الموسوي، والد الشريف الرضي، وعلى أخيه أبي ~~عبدالله، وعلى قاضي القضاة أبي محمد وسيرهم إلى فارس، واستعمل على قضاء ~~القضاة أبا سعد بشر بن الحسين، وهو شيخ كبير، وكان مقيما بفارس، واستناب ~~على القضاء ببغداد. وفيها توفي أبو عبدالله أحمد بن عطاء بن أحمد بن محمد ~~بن عطاء الروذباري، الصوفي، بنواحي عكا، وكان قد انتقل من بغداد إلى الشام. ~~وفيها، في ذي الحجة، توفي محمد بن عيسى بن عمرويه أبو أحمد الجلودي الزاهد، ~~راوي صحيح مسلم عن ابن سفيان، ودفن بالحيرة في نيسابور وله ثمانون سنة. ~~الجلودي بفتح الجيم، وقيل بضمها، وهو قليل، والحيرة بكسر الحاء المهملة ~~وبالراء المهملة، وهي محلة بنيسابور. وفيها توفي أبو الحسين أحمد بن زكرياء ~~بن فارس اللغوي، صاحب كتاب المجمل وغيره. وله شعر، فمن ذلك قوله قبل وفاته ~~بيومين: يا رب إن ذنوبي قد أحطت بها ... علما، وبي وبإعلاني وإسراري ~~PageV04P0083 # أنا الموحد لكني المقر بها، ... فهب ذنوبي لتوحيدي وإقراري وفي شوال توفي ~~أبو الحسن ثابت بن إبراهيم الحراني المتطبب، الصابي، ومولده بالرقة سنة ~~ثلاث وثمانين ومائتين، وكان عارفا حاذقا في الطب. ### | AUT ثم دخلت سنة سبعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر إقطاع مؤيد الدولة همذان # في هذه السنة أرسل الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد إلى عضد الدولة ~~بهمذان رسولا من عند أخيه مؤيد الدولة يبذل له الطاعة والموافقة، فالتقاه ~~عضد الدولة بنفسه، وأكرمه، وأقطع أخاه مؤيد الدولة همذان وغيرها، وأقام عند ~~عضد الدولة إلى أن عاد إلى بغداد، فرده إلى مؤيد الدولة، فأقطعه إقطاعا ~~كثيرا، وسير معه عسكرا يكون عند مؤيد الدولة في خدمته. ### || AUT ذكر قتل أولاد حسنويه سوى بدر # لما خلع عضد الدولة على بدر وأخويه عاصم وعبد الملك، وفضل بدرا عليهما ~~وولاه الأكراد حسده أخواه، فشقا العصا، وخرجا عن الطاعة، واستمال عاصم ~~جماعة الأكراد المخالفين، فاجتمعوا عليه، فسير إليه عضد الدولة عسكرا، ms3087 ~~فأوقعوا بعاصم ومن معه، فانهزموا، وأسر عاصم، وأدخل همذان على جمل، ولم ~~يعرف له خبر بعد ذلك اليوم، وقتل أولاد حسنويه، إلا بدرا فإنه ترك على ~~حاله، وأقر على عمله، وكان عاقلا، لبيبا، حازما، كريما، حليما، وسيرد من ~~أخباره ما يعلم به ذلك، إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر ملك عضد الدولة قلعة سندة # وفيها استولى عضد الدولة على قلاع أبي عبدالله المري بنواحي الجبل، وكان ~~منزله بسندة، وله فيها مساكن نفيسة، وكان قديم البيت، فقبض عليه وعلى ~~أولاده واعتقلهم، فبقوا كذلك إلى أن أطلقهم الصاحب بن عباد فيما بعد، ~~واستخدم ابنه أبا طاهر، واستكتبه، وكان حسن الخط واللفظ. ### || AUT ذكر الحرب بين عسكر العزيز وابن جراح وعزل قسام عن دمشق # في هذه السنة سيرت العساكر من مصر لقتال المفرج بن جراح. وسبب ذلك أن ~~ابن جراح عظم شأنه بأرض فلسطين، وكثر جمعه، وقويت شوكته، وبالغ هو في العيث ~~والفساد، وتخريب البلاد، فجهز العزيز بالله العساكر وسيرها، وجعل عليها ~~القائد يلتكين التركي، فسار إلى الرملة، واجتمع إليه من العرب، من قيس ~~وغيرها، جمع كثير، وكان مع ابن جراح جمع يرمون بالنشاب، ويقاتلون قتال ~~الترك، فالتقوا ونشبت الحرب بينهما، وجعل يلتكين كمينا، فخرج على عسكر ابن ~~جراح، من وراء ظهورهم، عند اشتداد الحرب، فانهزموا وأخذتهم سيوف المصريين، ~~ومضى ابن جراح منهزما إلى إنطاكية، فاستجار بصاحبها فأجاره؛ وصادف خروج ملك ~~الروم من القسطنطينية في عساكر عظيمة يريد بلاد الإسلام، فخاف ابن جراح، ~~وكاتب بكجور بحمص والتجأ إليه. وأما عسكر مصر فإنهم نازلوا دمشق، مخادعين ~~لقسام، لم يظهروا له إلا أنهم جاؤوا لإصلاح البلد، وكف الأيدي المتطرقة إلى ~~الأذى؛ وكان القائد أبو محمود قد مات سنة سبعين وهو والي البلد، ولا حكم ~~له، وإنما الحكم لقسام، فلما مات قام بعده في الولاية جيش بن الصمصامة، وهو ~~ابن أخت أبي محمود، فخرج إلى يلتكين وهو يظن أنه يريد إصلاح البلد، فأمره ~~أن يخرج هو ومن معه وينزلوا بظاهر البلد، ففعلوا. وحذر قسام، وأمر من ms3088 معه ~~بمباشرة الحرب، فقاتلوا دفعات عدة؛ فقوي عسكر يلتكين، ودخلوا أطراف البلد، ~~وملكوا الشاغور، وأحرقوا ونهبوا، فاجتمع مشايخ البلد عند قسام، وكلموه في ~~أن يخرجوا إلى يلتكين، ويأخذوا أمانا لهم وله، فانخذل وذل، وخضع بعد تجبره ~~وتكبره وقال: افعلوا ما شئتم. وعاد أصحاب قسام إليه، فوجدوه خائفا، ملقيا ~~بيده، فأخذ كل لنفسه. وخرج شيوخ البلد إلى يلتكين، فطلبوا منه الأمان لهم ~~ولقسام، فأجابهم إليه وقال: أريد أن أتسلم البلد اليوم؛ فقالوا: افعل ما ~~تؤمر ! فأرسل واليا يقال له ابن خطلخ، ومعه خيل ورجل. وكان مبدأ هذه الحرب ~~والحصر في المحرم سنة سبعين لعشر بقين منه، والدخول إلى البلد لثلاث بقين ~~منه، ولم يعرض لقسام ولا لأحد من أصحابه، وأقام قسام في البلد يومين ثم ~~استتر، فأخذ كل ما في داره وما حولها من دور أصحابه وغيرهم، ثم خرج إلى ~~الخيام، فقصد حاجب يلتكين وعرفه نفسه، فأخذه وحمله إلى يلتكين، فحمله ~~يلتكين إلى مصر، فأطلقه العزيز، واستراح الناس من تحكمه عليهم، وتغلبه بمن ~~تبعه من الأحداث من أهل العيث والفساد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV04P0084 # وفيها توفي علي بن محمد الأحدب المزور، وكان يكتب على خط كل واحد فلا يشك ~~المكتوب عنه أنه خطه؛ وكان عضد الدولة إذا أراد الإيقاع بين الملوك أمره أن ~~يكتب على خط بعضهم إليه في الموافقة على من يريد إفساد الحال بينهما، ثم ~~يتوصل ليصل المكتوب إليه، فيفسد الحال. وكان هذا الأحدب ربما ختمت يده لهذا ~~السبب. وفيها زادت الفرات زيادة عظيمة جاوزت المألوف، وغرق كثير من الغلات، ~~وتمردت الصراة، وخربت قناطرها العتيقة والجديدة، وأشفى أهل الجانب الغربي ~~من بغداد على الغرق، وبقيت الزيادة بها وبدجلة ثلاثة أشهر ثم نقصت. وفيها ~~زفت ابنة عضد الدولة إلى الخليفة الطائع، ومعها من الجواهر شيء لا يحصى. ~~وفيها ورد على عضد الدولة هدية من صاحب اليمن فيها قطعة واحدة من عنبر ~~وزنها ستة وخمسون رطلا؛ وحج بالناس أبو الفتح أحمد بن عمر بن يحيى العلوي، ~~وخطب بمكة والمدينة للعزيز بالله ms3089 صاحب مصر العلوي. وفيها توفي أبو بكر أحمد ~~بن علي الرازي، إمام الفقهاء الحنفية في زمانه، وطلب ليلي قضاء القضاة، ~~فامتنع، وهو من أصحاب الكرخي. وفيها توفي الزبير بن عبد الواحد بن موسى أبو ~~يعلى البغدادي، سمع البغوي وابن صاعد، وسافر إلى أصبهان وخراسان وأذربيجان ~~وغيرها، وسمع فيها الكثير، وتوفي بالموصل هذه السنة؛ ومحمد بن جعفر بن ~~الحسين بن محمد أبو بكر المفيد، المعروف بغندر، توفي بمفازة بخارى؛ وأبو ~~الفرج محمد بن العباس بن فسانجس؛ وأبو محمد علي بن الحسن الأصبهاني؛ والحسن ~~ابن بشر الآمدي. وفيها توفي القائد أبو محمود إبراهيم بن جعفر والي دمشق ~~للعزيزي، وقام بعده جيش بن الصمصامة. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر عزل ابن سيمجور عن خراسان # في هذه السنة عزل أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن سيمجور عن قيادة جيوش ~~خراسان، واستعمل عوضه حسام الدولة أبو العباس تاش. وكان سبب ذلك أن الأمير ~~نوح بن منصور لما ملك خراسان وما وراء النهر، وهو صبي، استوزر أبا الحسين ~~العتبي، فقام في حفظ الدولة القيام المرضي؛ وكان محمد بن سيمجور قد استوطن ~~خراسان، وطالت أيامه فيها، فلا يطيع إلا فيما يريد، فعزله أبو الحسين ~~العتبي عنها، واستعمل مكانه حسام الدولة أبا العباس تاش، وسيره من بخارى ~~إلى نيسابور في هذه السنة، فاستقر بها ودبر خراسان، ونظر في أمورها، وأطاعه جندها. ### || AUT ذكر استيلاء عضد الدولة على جرجان # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، استولى عضد الدولة على بلاد جرجان ~~وطبرستان، وأجلى عنها صاحبها قابوس بن وشمكير. وسبب ذلك أن عضد الدولة لما ~~استولى على بلاد أخيه فخر الدولة انهزم فخر الدولة، فلحق بقابوس، كما ~~ذكرناه، وبلغ ذلك عضد الدولة، فأرسل إلى قابوس يبذل له الرغائب من البلاد، ~~والأموال، والعهود، وغير ذلك، ليسلم إليه أخاه فخر الدولة، فامتنع قابوس من ~~ذلك، ولم يجب إليه. فجهز عضد الدولة أخاه مؤيد الدولة، وسيره، ومعه ~~العساكر، والأموال، والعدد، إلى جرجان. وبلغ الخبر قابوسا، فسار إليه، ~~فلقيه بنواحي ms3090 أستراباذ، فاقتتلوا من بكرة إلى الظهر، فانهزم قابوس وأصحابه ~~في جمادى الأولى، وقصد قابوس بعض قلاعه التي فيها ذخائره وأمواله، فأخذ ما ~~أراد وسار نحو نيسابور، فلما وردها لحق به فخر الدولة، وانضم إليهما من ~~تفرق من أصحابهما. وكان وصولهما إليها. عند ولاية حسام الدولة أبي العباس ~~تاش خراسان، فكتب حسام الدولة إلى الأمير أبي القاسم نوح بن منصور يعرفه ~~خبر وصولهما، وكتبا أيضا إلى نوح يعرفانه حالهما، ويستنصرانه على مؤيد ~~الدولة. فوردت كتب نوح على حسام الدولة يأمره بإجلال محلهما، وإكرامهما، ~~وجمع العساكر والمسير معهما، وإعادتهما إلى ملكهما، وكتب وزيره أبو الحسين بذلك أيضا. ### || AUT ذكر مسير حسام الدولة وقابوس إلى جرجان # PageV04P0085 # فلما وردت الكتب من الأمير نوح على حسام الدولة بالمسير بعساكر خراسان ~~جميعها مع فخر الدولة وقابوس، جمع العساكر وحشد، فاجتمع بنيسابور عساكر سدت ~~الفضاء، وساروا نحو جرجان فنازلوها وحصروها، وبها مؤيد الدولة، ومعه من ~~عساكره وعساكر أخيه عضد الدولة جمع كثير، إلا أنهم لا يقاربون عساكر ~~خراسان، فحصرهم حسام الدولة شهرين يغاديهم القتال ويراوحهم، وضاقت الميرة ~~على أهل جرجان، حتى كانوا يأكلون نخالة الشعير معجونة بالطين، فلما اشتد ~~عليهم الأمر خرجوا من جرجان، في شهر رمضان، على عزم صدق القتال إما لهم ~~وإما عليهم. فلما رآهم أهل خراسان ظنوها كما تقدم من الدفعات، يكون قتال، ~~ثم تحاجز، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فرأوا الأمر خلاف ما ظنوه. وكان ~~مؤيد الدولة قد كاتب بعض قواد خراسان، يسمى فائق الخاصة، وأطعمه ورغبه، ~~فأجابه إلى الأنهزام عند اللقاء؛ وسيرد من أخبار فائق هذا ما يعرف به محله ~~من الدولة. فلما خرج مؤيد الدولة، هذا اليوم، حمل عسكره على فائق وأصحابه، ~~فانهزم هو ومن معه، وتبعه الناس، وثبت فخر الدولة، وحسام الدولة في القلب، ~~واشتد القتال إلى آخر النهار، فلما رأوا تلاحق الناس في الهزيمة لحقوا بهم، ~~وغنم أصحاب مؤيد الدولة منهم ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وأخذوا من ~~الأقوات شيئا كثيرا. وعاد حسام الدولة، وفخر الدولة، وقابوس إلى نيسابور، ms3091 ~~وكتبوا إلى بخارى بالخبر، فأتاهم الجواب يمنيهم، ويعدهم بانفاذ العساكر ~~والعود إلى جرجان والري، وأمر الأمير نوح سائر العساكر بالمسير إلى ~~نيسابور، فأتوها من كل حدب ينسلون، فاجتمع بظاهر نيسابور من العساكر أكثر ~~من المرة الأولى، وحسام الدولة ينتظر تلاحق الأمداد ليسير بهم، فأتاهم ~~الخبر بقتل الوزير أبي الحسين العتبي، فتفرق ذلك الجمع، وبطل ذلك التدبير. ~~وكان سبب قتله أن أبا الحسن بن سيمجور وضع جماعة من المماليك على قتله، ~~فوثبوا به فقتلوه، فلما قتل كتب الرضي نوح بن منصور إلى حسام الدولة ~~يستدعيه إلى بخارى ليدبر دولته، ويجمع ما انتشر منها بقتل أبي الحسين، فسار ~~عن نيسابور إليها، وقتل من ظفر به من قتلة أبي الحسين، وكان قتله سنة ~~اثنتين وسبعين. ### || AUT ذكر قتل الأمير أبي القاسم أمير صقلية وهزيمة الفرنج # في هذه السنة، في ذي القعدة، سار الأمير أبو القاسم، أمير صقلية، من ~~المدينة يريد الجهاد. وسبب ذلك أن ملكا من ملوك الفرنج، يقال له بردويل، ~~خرج في جموع كثيرة من الفرنج إلى صقلية، فحصر قلعة ملطة وملكها، وأصاب ~~سريتين للمسلمين، فسار الأمير أبو القاسم بعساكره ليرحله عن القلعة، فلما ~~قاربها خاف وجبن، فجمع وجوه أصحابه، وقال لهم: إني راجع من مكاني هذا فلا ~~تكسروا علي رأيي. فرجع هو وعساكره. وكان أسطول الكفار يساير المسلمين في ~~البحر، فلما رأوا المسلمين راجعين أرسلوا إلى بردويل، ملك الروم، يعلمونه ~~ويقولون له: إن المسلمين خائفون منك، فالحق بهم فإنك تظفر. فجرد الفرنجي ~~عسكره من أثقالهم، وسار جريدة، وجد في السير، فأدركهم في العشرين من المحرم ~~سنة اثنتين وسبعين، فتعبأ المسلمون للقتال، واقتتلوا، واشتدت الحرب بينهم، ~~فحملت طائفة من الفرنج على القلب والأعلام، فشقوا العسكر ووصلوا إليها، وقد ~~تفرق كثير من المسلمين عن أميرهم، واختل نظامهم، فوصل الفرنج إليه، فأصابته ~~ضربة على أم رأسه فقتل، وقتل معه جماعة من أعيان الناس وشجعانهم. ثم إن ~~المنهزمين من المسلمين رجعوا مصممين على القتال ليظفروا أو يموتوا، واشتد ~~حينئذ الأمر، وعظم الخطب على الطائفتين، فانهزم ms3092 الفرنج أقبح هزيمة، وقتل ~~منهم نحو أربعة آلاف قتيل، وأسر من بطارقتهم كثير وتبعوهم إلى أن أدركهم ~~الليل، وغنموا من أموالهم كثيرا. وأفلت ملك الفرنج هاربا ومعه رجل يهودي ~~كان خصيصا به، فوقف فرس الملك، فقال له إليهودي: اركب فرسي، فإن قتلت فأنت ~~لولدي؛ فركبه الملك وقتل إليهودي، فنجا الملك إلى خيامه وبها زوجته وأصحابه ~~فأخذهم وعاد إلى رومية. ولما قتل الأمير أبو القاسم كان معه ابنه جابر، ~~فقام مقام أبيه، ورحل بالمسلمين لوقتهم، ولم يمكنهم من إتمام الغنيمة، ~~فتركوا كثيرا منها، وسأله أصحابه ليقيم إلى أن يجمع السلاح وغيره ويعمر به ~~الخزائن، فلم يفعل. PageV04P0086 # وكانت ولاية أبي القاسم على صقلية اثنتي عشرة سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام، ~~وكان عادلا، حسن السيرة، كثير الشفقة على رعيته والإحسان إليهم، عظيم ~~الصدقة، ولم يخلف دينارا ولا درهما ولا عقارا، فإنه كان قد وقف جميع أملاكه ~~على الفقراء وأبواب البر. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وقع حريق بالكرخ ببغداد فاحترق فيها مواضع كثيرة هلك فيها ~~خلق كثير من الناس، وبقي الحريق أسبوعا. وفيها قبض عضد الدولة على القاضي ~~أبي علي المحسن بن علي التنوخي، وألزمه منزله، وعزله عن أعماله التي كان ~~يتولاها، وكان حنفي المذهب، شديد التعصب على الشافعي يطلق لسانه فيه، قاتله ~~الله ! وفيها أفرج عضد الدولة عن أبي إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي الكاتب، ~~وكان القبض عليه سنة سبع وستين. وكان سبب قبضه أنه كان يكتب عن بختيار كتبا ~~في معنى الخلف الواقع بينه وبين عضد الدولة، فكان ينصح صاحبه، فمما كتبه عن ~~الخليفة الطائع إلى عضد الدولة في المعنى، وقد لقب عز الدولة بشاهنشاه، ~~فتزحزح له عن سنن المساواة، فنقم عليه عضد الدولة ذلك، وهذا من أعجب ~~الأشياء، فإنه كان ينبغي أن يعظم في عينه لنصحه لصاحبه، فلما أطلقه أمره ~~بعمل كتاب يتضمن أخبارهم ومحاسنها، فعمل التاجي في دولة الديلم. وفيها أرسل ~~عضد الدولة القاضي أبا بكر محمد بن الطيب الأشعري المعروف بابن الباقلاني ~~إلى ملك الروم في ms3093 جواب رسالة وردت منه، فلما وصل إلى الملك قيل له ليقبل ~~الأرض بين يديه، فلم يفعل، فقيل: لا سبيل إلى الدخول إلا مع تقبيل الأرض؛ ~~فأصر على الامتناع، فعمل الملك بابا صغيرا يدخل منه القاضي منحنيا ليرهم ~~الحاضرين أنه قبل الأرض، فلما رأى القاضي الباب علم ذلك، فاستدبره ودخل ~~منه، فلما جازه استقبل الملك وهو قائم، فعظم عندهم محله. وفيها فتح ~~المارستان العضدي، غربي بغداد، ونقل إليه جميع ما يحتاج إليه من الأدوية. ~~وفي هذه السنة توفي الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الاسماعيلي ~~الجرجاني، الفقيه الشافعي، وكان عالما بالحديث وغيره من العلوم؛ والإمام ~~محمد بن أحمد بن عبدالله بن محمد أبو زيد المروزي الفقيه الشافعي الزاهد، ~~يروي صحيح البخاري عن الفربري، وتوفي في رجب؛ وأبو عبدالله محمد بن خفيف ~~الشرازي، شيخ الصوفية في وقته، صحب الجريري وابن عطاء وغيرهما. وفيها توفي ~~أبو الحسن علي بن إبراهيم الصوفي المعروف بالحصري. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر ولاية بكجور دمشق # قد ذكرنا سنة ست وستين ولاية بكجور حمص لأبي المعالي ابن سيف الدولة بن ~~حمدان، فلما وليها عمرها؛ وكان بلد دمشق قد خربه العرب وأهل العيث والفساد ~~مدة تحكم قسام عليها، وانتقل أهله إلى أعمال حمص، فعمرت، وكثر أهلها ~~والغلات فيها، ووقع الغلاء والقحط بدمشق، فحمل بكجور الأقوات من حمص إليها ~~وتردد الناس في حمل الغلات وحفظ الطرق وحماها. وكاتب العزيز بالله بمصر، ~~وتقرب إليه، فوعده ولاية دمشق، فبقي كذلك إلى هذه السنة. ووقعت وحشة بين ~~سعد الدولة أبي المعالي بن سيف الدولة وبين بكجور، فأرسل سعد الدولة يأمره ~~بأن يفارق بلده، فأرسل بكجور إلى العزيز بالله يطلب نجاز ما وعده من إمارة ~~دمشق. وكان الوزير ابن كلس يمنع العزيز من ولايته إلى هذه الغاية. وكان ~~القائد يلتكين قد ولي دمشق بعد قسام، كما ذكرناه، فهو مقيم بها. فاجتمع ~~المغاربة بمصر على الوثوب بالوزير ابن كلس وقتله، فدعته الضرورة إلى أن ~~يستحضر يلتكين من دمشق، فأمره ms3094 العزيز بإحضاره وتسليم دمشق إلى بكجور. فقال: ~~إن بكجور إن وليها عصى فيها. فلم يصغ إلى قوله، وأرسل إلى يلتكين يأمره ~~بقصد مصر، وتسليم دمشق إلى بكجور، ففعل ذلك ودخلها في رجب من هذه السنة ~~واليا عليها، فأساء السيرة إلى أصحاب الوزير ابن كلس والمتعلقين به، حتى ~~إنه صلب بعضهم، وفعل مثل ذلك في أهل البلد، وظلم الناس، وكان لا يخلوا من ~~أخذ مال، وقتل، وصلب، وعقوبة، فبقي كذلك إلى سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، ~~وسنذكر هناك عزله، إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر وفاة عضد الدولة # في هذه السنة، في شوال، اشتدت علة عضد الدولة، وهو ما كان يعتاده من ~~الصرع، فضعفت قوته عن دفعه، فخنقه، فمات منه ثامن شوال ببغداد، وحمل إلى ~~مشهد أمير المؤمنين علي، عليه السلام، فدفن به. PageV04P0087 # وكانت ولايته بالعراق خمس سنين ونصفا. ولما توفي جلس ابنه صمصام الدولة ~~أبو كاليجار للعزاء فأتاه الطائع لله معزيا، وكان عمر عضد الدولة سبعا ~~وأربعين سنة. وكان قد سير ولده شرف الدولة أبا الفوارس إلى كرمان مالكا ~~لها، قبل أن يشتد مرضه، وقيل إنه لما احتضر لم نطلق لسانه إلا بتلاوة (ما ~~أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه) الحاقة: 28. وكان عاقلا، فاضلا، حسن ~~السياسة، كثير الإصابة، شديد الهيبة، بعيد الهمة، ثاقب الرأي، محبا للفضائل ~~وأهلها، باذلا في مواضع العطاء، مانعا في أماكن الحزن، ناظرا في عواقب ~~الأمور. قيل: لما مات عضد الدولة بلغ خبره بعض العلماء، وعنده جماعة من ~~أعيان الفضلاء، فتذاكروا الكلمات التي قالها الحماء عند موت الإسكندر، وقد ~~ذكرتها في أخباره، فقال بعضهم: لو قلتم أنتم مثلها لكان ذلك يؤثر عنكم. ~~فقال أحدهم: لقد وزن هذا الشخص الدنيا بغير مثقالها، وأعطاها فوق قيمتها، ~~وطلب الربح فيها فخسر روحه فيها. وقال الثاني: من استيقظ للدنيا فهذا نومه، ~~ومن حلم فيها فهذا انتباهه. وقال الثالث: ما رأيت عاقلا في عقله، ولا غافلا ~~في غفلته مثله، لقد كان ينقض جانبا وهو يظن أنه مبرم، ويغرم وهو يظن أنه ~~غانم. وقال ms3095 الرابع: من جد للدنيا هزلت به، ومن هزل راغبا عنها جدت له. وقال ~~الخامس: ترك هذا الدنيا شاغرة، ورحل عنها بلا زاد ولا راحلة. وقال السادس: ~~إن ماء أطفأ هذه النار لعظيم، وإن ريحا زعزعت هذا الركن لعصوف. وقال ~~السابع: إنما سلبك من قدر عليك. وقال الثامن: أما إنه لو كان معتبرا في ~~حياته لما صار عبرة في مماته. وقال التاسع: الصاعد في درجات الدنيا إلى ~~استفال، والنازل في درجاتها إلى تعال. وقال العاشر: كيف غفلت عن كيد هذا ~~الأمر حتى نفذ فيك، وهلا اتخذت دونه جنة تقيك، إن في ذلك لعبرة للمعتبرين، ~~وإنك لآية للمستبصرين. وبنى على مدينة النبي، صلى الله علية وسلم، سورا. ~~وله شعر حسن، فمن شعره لما أرسل إليه أبو تغلب بن حمدان يعتذر من مساعدته ~~بختيار، ويطلب الأمان، فقال عضد الدولة: أأفاق حين وطئت ضيق خناقه ... يبغي ~~الأمان، وكان يبغي صارما فلأركبن عزيمة عضدية، ... تاجية، تدع الأنوف ~~رواغما وقال أبياتا منها بيت لم يفلح بعده، وهي هذه: ليس شرب الكأس إلا في ~~المطر، ... وغناء من جوار في السحر غانيات، سالبات للنهى، ... ناغمات في ~~تضاعيف الوتر مبرزات الكاس من مطلعها، ... ساقيات الراح من فاق البشر عضد ~~الدولة وابن ركنها،، ... ملك الأملاك غلاب القدر وهذا البيت هو المشار ~~إليه. وحكي عنه أنه كان في قصره جماعة من الغلمان يحمل إليهم مشاهراتهم من ~~الخزانة، فأمر أبا نصر خواشاذه أن يتقدم إلى الخازن بأن يسلم جامكية ~~الغلمان إلى نقيبهم في شهر قد بقي منه ثلاثة أيام. قال أبو نصر: فأنسيت ذلك ~~أربعة أيام، فسألني عضد الدولة عن ذلك فقلت: أنسيته؛ فأغلظ لي، فقلت: أمس ~~استهل الشهر، والساعة نحمل المال، وما ها هنا ما يوجب شغل القلب. فقال: ~~المصيبة بما لا تعلمه من الغلط أكثر منها في التفريط، ألا تعلم أنا إذا ~~أطلقنا لهم مالهم قبل محله كان الفضل لنا عليهم، فإذا أخرنا ذلك عنهم، حتى ~~استهل الشهر الآخر، حضروا عند عارضهم وطالبوه، فيعدهم فيحضرونه في اليوم ~~الثاني، فيعدهم، ثم ms3096 يحضرونه في اليوم الثالث؛ ويبسطون ألسنتهم، فتضيع ~~المنة، وتحصل الجرأة، ونكون إلى الخسارة أقرب منا إلى الربح. وكان لا يعول ~~في الأمور إلا على الكفاة، ولا يجعل للشفاعات طريقا إلى معارضة من ليس من ~~جنس الشافع، ولا فيما يتعلق به. حكي عنه أنه مقدم جيشه أسفار بن كردويه شفع ~~في بعض أبناء العدول ليتقدم إلى القاضي ليسمع تزكيته ويعدله، فقال: ليس هذا ~~من أشغالك، إنما الذي يتعلق بك الخطاب في زيادة قائد، ونقل مرتبة جندي، وما ~~يتعلق بهم، وأما الشهادة وقبولها فهو إلى القاضي وليس لنا ولا لك الكلام ~~فيه، ومتى عرف القضاة من إنسان ما يجوز معه قبول شهادته، فعلوا ذلك بغير ~~شفاعة. PageV04P0088 # وكان يخرج في ابتداء كل سنة شيئا كثيرا من الأموال للصدقة والبر في سائر ~~بلاده، ويأمر بتسليم ذلك إلى القضاة ووجوه الناس ليصرفوه إلى مستحقيه. وكان ~~يوصل إلى العمال المتعطلين ما يقوم بهم ويحاسبهم به إذا عملوا. وكان محبا ~~للعلوم وأهلها، مقربا لهم، محسنا إليهم، وكان يجلس معهم يعارضهم في ~~المسائل، فقصده العلماء من كل بلد، وصنفوا له الكتب منها الإيضاح في النحو، ~~والحجة في القراءات، والملكي في الطب، والتاجي في التاريخ، إلى غير ذلك، ~~وعمل المصالح في سائر البلاد كالبيمارستانات والقناطر غير ذلك من المصالح ~~العامة، إلا أنه أحدث في آخر أيام رسوما جائرة في المساحة، والضرائب على ~~بيع الدواب، وغيرها من الأمتعة، وزاد على ما تقدم، ومنع من عمل الثلج، ~~والقز، وجعلهما متجرا للخاص، وكان يتوصل إلى أخذ المال بكل طريق. ولما توفي ~~عضد الدولة قبض على نائبه أبي الريان من الغد، فأخذ من كمه رقعة فيها: أيا ~~واثقا بالدهر عند انصرافه ! ... رويدك إني بالزمان أخو خبر ويا شامتا مهلا، ~~فكم ذي شماتة ... تكون له العقبى بقاصمة الظهر ### || AUT ذكر ولاية صمصام الدولة العراق وملك أخيه شرف الدولة بلاد فارس # لما توفي عضد الدولة اجتمع القواد والأمراء على ولده أبي كاليجار ~~المرزبان، فبايعوه وولوه الإمارة، ولقبوه صمصام الدولة، فلما ولي خلع على ~~أخويه أبي ms3097 الحسين أحمد، وأبي طاهر فيروزشاه، وأقطعهما فارس، وأمرهما بالجد ~~في السير ليسبقا أخاهما شرف الدولة أبا الفوارس شيرزيل إلى شيراز. فلما ~~وصلا إلى أرجان أتاهما خبر وصول شرف الدولة إلى شيراز، فعادا إلى الأهواز. ~~وكان شرف الدولة بكرمان، فلما بلغه خبر وفاة أبيه سار مجدا إلى فارس ~~فملكها، وقبض على نصر بن هارون النصراني، وزير أبيه، وقتله لأنه كان يسيء ~~صحبته أيام أبيه، وأصلح أمر البلاد، وأطلق الشريف أبا الحسين محمد بن عمر ~~العلوي، والنقيب أبا أحمد الموسوي والد الشريف الرضي، والقاضي أبا محمد بن ~~معروف، وأبا نصر خواشاذه، وكان عضد الدولة حبسهم، وأظهر مشاقة أخيه صمصام ~~الدولة، وقطع خطبته، وخطب لنفسه، وتلقب بتاج الدولة، وفرق الأموال، وجمع ~~الرجال، وملك البصرة وأقطعها أخاه أبا الحسين، فبقي كذلك ثلاث سنين إلى أن ~~قبض عليه شرف الدولة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. فلما سمع صمصام ~~الدولة بما فعله شرف الدولة سير إليه جيشا، واستعمل عليهم الأمير أبا الحسن ~~بن دبعش، حاجب عضد الدولة، فجهز تاج الدولة عسكرا واستعمل عليهم الأمير أبا ~~الأعز دبيس بن عفيف الأسدي، فالتقيا بظاهر قرقوب، واقتتلوا، فانهزم عسكر ~~صمصام الدولة، وأسر دبعش فاستولى حينئذ أبو الحسين بن عضد الدولة على ~~الأهواز، وأخذ ما فيها وفي رامهرمز، وطمع في الملك، وكانت الوقعة في ربيع ~~الأول سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر قتل الحسين بن عمران بن شاهين # في هذه السنة قتل الحسين بن عمران بن شاهين، صاحب البطيحة، قتله أخوه ~~أبو الفرج واستولى على البطيحة. وكان سبب قتله أنه حسده على ولايته ومحبة ~~الناس له، فاتفق أن أختا لهما مرضت، فقال أبو الفرج لأخيه الحسين: إن أختنا ~~مشفية، فلو عدتها؛ ففعل وسار إليها، ورتب أبو الفرج في الدار نفرا يساعدونه ~~على قتله، فلما دخل الحسين الدار تخلف عنه أصحابه، ودخل أبو الفرج معه ~~وبيده سيفه، فلما خلا به قتله، ووقعت الصيحة، فصعد إلى السطح وأعلم العسكر ~~بقتله، ووعدهم الإحسان فسكتوا، وبذل لهم المال، فأقروه في الأمر، وكتب ms3098 إلى ~~بغداد يظهر الطاعة، ويطلب تقليده الولاية، وكان متهورا جاهلا. ### || AUT ذكر عود ابن سيمجور إلى خراسان # لما عزل أبو الحسن بن سيمجور عن قيادة جيوش خراسان ووليها أبو العباس ~~سار ابن سيمجور إلى سجستان فأقام بها، فلما انهزم أبو العباس عن جرجان، على ~~ما ذكرناه، ورأى الفتنة قد رفعت رأسها، سار عن سجستان نحو خراسان، وأقام ~~بقهستان. فلما سار أبو العباس إلى بخارى، وخلت منه خراسان، كاتب ابن سيمجور ~~فائقا يطلب موافقته على الاستيلاء على خراسان، فأجابه إلى ذلك، واجتمعا ~~بنيسابور، واستوليا على تلك النواحي. PageV04P0089 # وبلغ الخبر إلى أبي العباس فسار عن بخارى في جمع كثير إلى مرو، وترددت ~~الرسل بينهم، فاصطلحوا على أن تكون نيسابور وقيادة لأبي العباس، وتكون بلخ ~~لفائق، وتكون هراة لأبي علي بن أبي الحسن بن سيمجور، وتفرقوا على ذلك، وقصد ~~كل واحد منهم ولايته. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي نقيب النقباء أبو تمام الزينبي، وولي النقابة بعد ~~ابنه أبو الحسن؛ وتوفي محمد بن جعفر المعروف بزوج الحرة في صفر ببغداد، ~~وتوفي في جمادى الأولى منصور بن أحمد بن هارون الزاهد وهو ابن خمس وستين سنة. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر موت مؤيد الدولة # ### || AUT وعود فخر الدولة إلى مملكته # في هذه السنة، في شعبان، توفي مؤيد الدولة أبو منصور بويه بن ركن الدولة ~~بجرجان، وكانت علته الخوانيق، وقال له الصاحب بن عباد: لو عهدت إلى أحد؛ ~~فقال: أنا في شغل عن هذا، ولم يعهد بالملك إلى أحد؛ وكان عمره ثلاثا ~~وأربعين سنة. وجلس صمصام الدولة للعزاء ببغداد، فأتاه الطائع لله معزيا، ~~فلقيه في طيارة. لما مات مؤيد الدولة تشاور أكابر دولته فيمن يقوم مقامه، ~~فأشار الصاحب إسماعيل بن عباد بإعادة فخر الدولة إلى مملكته، إذ هو كبير ~~البيت، ومالك تلك البلاد قبل مؤيد الدولة، ولما فيه من آيات الإمارة ~~والملك. فكتب إليه واستدعاه، وهو بنيسابور، وأرسل الصاحب إليه من استخلفه ~~لنفسه، وأقام في الوقت خسرو فيروز بن ms3099 ركن الدولة ليسكن الناس إلى قدوم فخر ~~الدولة. فلما وصلت الأخبار إلى فخر الدولة سار إلى جرجان، فلقيه العسكر ~~بالطاعة، وجلس في دست ملكي في رمضان بغير منة لأحد، فسبحان من إذا أراد ~~أمرا كان. ولما عاد إلى مملكته قال له الصاحب: يا مولانا قد بلغك الله، ~~وبلغني فيك ما أملته، ومن حقوق خدمتي لك إجابتي إلى ترك الجندية، وملازمة ~~داري والتوفر على أمر الله. فقال: لا تقل هذا، فما أريد الملك إلا لك، ولا ~~يستقيم لي أمر إلا بك، وإذا كرهت ملابسة الأمور كرهتها أنا أيضا وانصرفت. ~~فقبل الأرض، وقال الأمر لك؛ فاستوزره وأكرمه وعظمه، وصدر عن رأيه في جليل ~~الأمور وصغيرها. وسيرت الخلع من الخليفة إلى فخر الدولة، والعهد واتفق فخر ~~الدولة وصمصام الدولة فصار يدا واحدة. ### || AUT ذكر عزل أبي العباس عن خراسان # ### || AUT وولاية ابن سيمجور # لما عاد أبو العباس عن بخارى إلى نيسابور، كما ذكرناه، استوزر الأمير ~~نوح عبدالله بن عزيز، وكان ضدا لأبي الحسين العتبي، وأبي العباس، فلما ولي ~~الوزارة بدأ بعزل أبي العباس عن خراسان، وإعادة أبي الحسن بن سيمجور إليها، ~~فكتب من بخراسان من القواد إليه يسألونه أن يقر أبا العباس على عمله، فلم ~~يجبهم إلى ذلك، فكتب أبو العباس إلى فخر الدولة بن بويه يستمده، فأمده بمال ~~كثير وعسكر، فأقاموا بنيسابور، وأتاهم أبو محمد عبدالله بن عبد الرزاق ~~معاضدا لهم على ابن سيمجور. وكان أبو العباس حينئذ بمرو، فلما سمع أبو ~~الحسن بن سيمجور وفائق بوصول عسكر فخر الدولة إلى نيسابور قصدوهم، فانحاز ~~عسكر فخر الدولة عبد الرزاق، وأقاموا ينتظرون أبا العباس، ونزل ابن سيمجور ~~ومن معه بظاهر نيسابور، ووصل أبو العباس فيمن معه واجتمع بعسكر الديلم، ~~ونزل بالجانب الآخر، وجرى بينهم حروب عدة أيام، وتحصن ابن سيمجور بالبلد، ~~وأنفذ فخر الدولة إلى أبي العباس عسكرا آخر، أكثر من ألفي فارس، فلما رأى ~~ابن سيمجور قوة أبي العباس انحاز عن نيسابور، فسار عنها ليلا، وتبعه عسكر ~~أبي العباس، فغنموا كثيرا من ms3100 أموالهم ودوابهم، واستولى أبو العباس على ~~نيسابور، وراسل الأمير نوح بن منصور يستميله ويستعطفه، ولج ابن عزيز في ~~عزله، ووافقه على ذلك والدة الأمير نوح، وكانت تحكم في دولة ولدها، وكانوا ~~يصدرون عن رأيها، فقال بعض أهل العصر في ذلك: شيئان يعجز ذو الرياضة عنهما: ~~... رأي النساء، وإمرة الصبيان أما النساء فميلهن إلى الهوى، ... وأخو ~~الصبا يجري بغير عنان ### || AUT ذكر انهزام أبي العباس إلى جرجان # ### || AUT ووفاته # PageV04P0090 # لما انهزم ابن سيمجور أقام أبو العباس بنيسابور يستعطف الأمير نوحا ~~ووزيره ابن عزيز، وترك اتباع ابن سيمجور وإخراجه من خراسان، فتراجع إلى ابن ~~سيمجور أصحابه المنهزمون، وعادت قوته، وأتته الأمداد من بخارى، وكاتب شرف ~~الدولة أبا الفوارس بن عضد الدولة، وهو بفارس، يستمده، فأمده بألفي فارس ~~مراغمة لعمه فخر الدولة، فلما كثف جمعه قصد أبا العباس، فالتقوا واقتتلوا ~~قتالا شديدا إلى آخر النهار، فانهزم أبو العباس وأصحابه، وأسر، منهم جماعة ~~كثيرة. وقصد أبو العباس جرجان، وبها فخر الدولة، فأكرمه وعظمه، وترك له ~~جرجان ودهستان وأستراباذ صافية له ولمن معه، وسار عنها إلى الري، وأرسل ~~إليه من الأموال والآلات ما يجل عن الوصف. وأقام أبو العباس بجرجان هو ~~وأصحابه، وجمع العساكر وسار نحو خراسان، فلم يصل إليها، وعاد إلى جرجان ~~وأقام بها ثلاث سنين، ثم وقع بها وباء شديد مات فيه كثير من أصحابه، ثم مات ~~هو أيضا، وكان موته سنة سبع وسبعين، وقيل: إنه مات مسموما. وكان أصحابه قد ~~أساؤوا السيرة مع أهل جرجان، فلما مات ثار بهم أهلها ونهبوهم، وجرت بينهم ~~وقعة عظيمة أجلت عن هزيمة الجرجانية، وقتل منهم خلق كثير، وأحرقت دورهم، ~~ونهبت أموالهم، وطلب مشايخهم الأمان، فكفوا عنهم، وتفرق أصحابه، فسار ~~أكثرهم إلى خراسان، واتصلوا بأبي علي بن أبي الحسن بن سيمجور، وكان حينئذ ~~صاحب الجيش مكان أبيه، وكان والده قد توفي فجأة، وهو يجامع بعض حظاياه، ~~فمات على صدرها، فلما مات قام بالأمر بعد ابنه أبو علي، واجتمع إخوته على ~~طاعته، منهم أخوه أبو القاسم وغيره، فنازعه ms3101 فائق الولاية، وسنذكر ذلك سنة ~~ثلاث وثمانين عند ملك الترك بخارى، إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر قتل أبي الفرج محمد بن عمران # ### || AUT وملك أبي المعالي ابن أخيه الحسن # في هذه السنة قتل أبو الفرج محمد بن عمران بن شاهين صاحب البطيحة، وولي ~~أبو المعالي ابن أخيه الحسن. وسبب قتله أن أبا الفرج قدم الجماعة الذين ~~ساعدوه على قتل أخيه، ووضع من حال مقدمي القواد، فجمعهم المظفر بن علي ~~الحاجب، وهو أكبر قواد أبيه عمران وأخيه الحسن، وحذرهم عاقبة أمرهم، ~~فاجتمعوا على قتل أبي الفرج، فقتله المظفر وأجلس أبا المعالي مكانه، وتولى ~~تدبيره بنفسه، وقتل كل من كان يخافه من القواد، ولم يترك معه إلا من يثق ~~به، وكان أبو المعالي صغيرا. ### || AUT ذكر استيلاء المظفر على البطيحة # لما طالت أيام علي المظفر بن علي الحاجب، وقوي أمره، طمع في الاستقلال ~~بأمر البطيحة، فوضع كتابا عن لسان صمصام الدولة إليه يتضمن التعويل عليه في ~~ولاية البطيحة، وسلمه إلى ركابي غريب، وأمره أن يأتيه إذا كان القواد ~~والأجناد عنده، ففعل ذلك، وأتاه وعليه أثر الغبار، وسلم إليه الكتاب، فقبله ~~وفتحه، وقرأه بمحضر من الأجناد، وأجاب بالسمع والطاعة، وعزل أبا المعالي، ~~وجعله مع والدته، وأجرى عليهما جراية، ثم أخرجهما إلى واسط، وكان يصلهما ~~بما ينفقانه، واستبد بالأمر، وأحسن السيرة، وعدل في الناس مدة. ثم إنه عهد ~~إلى ابن أخته أبي الحسن علي بن نصر الملقب بمهذب الدولة، وكان يلقب حينئذ ~~بالأمير المختار، وبعده إلى أبي الحسن علي بن جعفر، وهو ابن أخته الأخرى، ~~وانقرض بيت عمران بن شاهين، وكذلك الدنيا دول، وما أشبه حاله بحال باذ، ~~فإنه ملك، وانتقل الملك إلى ابن أخته ممهد الدولة ابن مروان. ### || AUT ذكر عصيان محمد بن غانم # وفيها عصى محمد بن غانم البرزيكاني بناحية كوردر، من أعمال قم، على فخر ~~الدولة، وأخذ بعض غلات السلطان، وامتنع بحصن الهفتجان، وجمع البرزيكاني إلى ~~نفسه، فسارت إليه العساكر، في شوال، لقتاله، فهزمها، وأعيدت إليه من الري ~~مرة أخرى ms3102 فهزمها. فأرسل فخر الدولة إلى أبي النجم بدر بن حسنويه ينكر ذلك ~~عليه، ويأمره بإصلاح الحال معه، ففعل، وراسله، فاصطلحوا أول سنة أربع ~~وسبعين وبقي إلى سنة خمس وسبعين، فسار إلى جيش لفخر الدولة، فقاتله، ~~فأصابته طعنة، وأخذ أسيرا، فمات من طعنته. ### || AUT ذكر انتقال بعض صنهاجة من إفريقية إلى الأندلس وما فعلوه # في هذه السنة انتقل أولاد زيري بن مناد، وهم زاوي وجلالة وماكسن إخوة ~~بلكين، إلى الأندلس. PageV04P0091 # وسبب ذلك أنهم وقع بينهم وبين أخيهم حماد حروب وقتال على بلاد بينهم، ~~فغلبهم حماد، فتوجهوا إلى طنجة ومنها إلى قرطبة، فأنزلهم محمد بن أبي عامر ~~وسر بهم، وأجرى عليهم الوظائف وأكرمهم، وسألهم عن سبب انتقالهم، فأخبروه، ~~وقالوا له: إنما اخترناك على غيرك، وأحببنا أن نكون معك نجاهد في سبيل ~~الله. فاستحسن ذلك منهم، ووعدهم ووصلهم، فأقاموا أياما. ثم دخلوا عليه ~~وسألوه إتمام ما وعدهم به من الغزو، فقال: انظروا ما أردتم من الجند نعطكم؛ ~~فقالوا: ما يدخل معنا بلاد العدو غيرنا إلا الذين معنا من بني عمنا، ~~وصنهاجة وموالينا؛ فأعطاهم الخيل والسلاح والأموال، وبعث معهم دليلا، وكان ~~الطريق ضيقا، فأتوا أرض جليقية، فدخلوها ليلا، وكمنوا في بستان بالقرب من ~~المدينة، وقتلوا كل من به وقطعوا أشجاره. فلما أصبحوا خرج جماعة من البلد ~~فضربوا عليهم وأخذوهم وقتلوهم جميعهم ورجعوا. وتسامع العدو، فركبوا في ~~أثرهم، فلما أحسوا بذلك كمنوا وراء ربوة، فلما جاوزهم العدو خرجوا عليهم من ~~وراءهم، وضربوا في ساقتهم وكبروا، فلما سمع العدو تكبيرهم ظنوا أن العدد ~~كثير، فانهزموا، وتبعهم صنهاجة، فقتلوا خلقا كثيرا، وغنموا دوابهم وسلاحهم ~~وعادوا إلى قرطبة، فعظم ذلك عند ابن أبي عامر، ورأى من شجاعتهم ما لم يره ~~من جند الأندلس، فأحسن إليهم وجعلهم بطانته. ### || AUT ذكر غزو ابن أبي عامر إلى الفرنج بالأندلس # لما رأى أهل الأندلس فعل صنهاجة حسدوهم، ورغبوا في الجهاد، وقالوا ~~للمنصور بن أبي عامر: لقد نشطنا هؤلاء للغزو. فجمع الجيوش الكثيرة من سائر ~~الأقطار، وخرج إلى الجهاد، وكان رأى في منامه، ms3103 تلك الليالي، كأن رجلا أعطاه ~~الأسبراج، فأخذه من يده وأكل منه، فعبره على ابن أبي جمعة، فقال له: اخرج ~~إلى بلد إليون فإنك ستفتحها؛ فقال: من أين أخذت هذا ؟ فقال: لأن الأسبراج ~~يقال له في المشرق الهليون، فملك الرؤيا قال لك: هاليون. فخرج إليها ~~ونازلها، وهي من أعظم مدائنهم، واستمد أهلها الفرنج، فأمدوهم بجيوش كثيرة، ~~واقتتلوا ليلا ونهارا، فكثر القتل فيهم، وصبرت صنهاجة صبرا عظيما، ثم خرج ~~قومص كبير من الفرنج لم يكن لهم مثله، فجال بين الصفوف وطلب البراز، فبرز ~~إليه جلالة بن زيري الصنهاجي فحمل كل واحد منهما على صاحبه، فطعنه الفرنجي ~~فمال عن الطعنة وضربه بالسف على عاتقه فأبان عاتقه، فسقط الفرنجي إلى ~~الأرض، وحمل المسلمون على النصارى، فانهزموا إلى بلادهم، وقتل منهم ما لا ~~يحصى وملك المدينة. وغنم ابن أبي عامر غنيمة عظيمة لم ير مثلها، واجتمع من ~~السبي ثلاثون ألفا، وأمر بالقتلى فنضدت بعضها على بعض، وأمر مؤذنا أذن فوق ~~القتلى المغرب، وخرب مدينة قامونة، ورجع سالما وهو وعساكره. ### || AUT ذكر وفاة يوسف بلكين # ### || AUT وولاية ابنه المنصور # في هذه السنة، لسبع بقين من ذي الحجة، توفي يوسف بلكين بن زيري صاحب ~~إفريقية بوارقلين. وسبب مضيه إليها أن خزرون الزناتي دخل سجلماسة، وطرد ~~عنها نائب يوسف بلكين، ونهب ما فيها من الأموال والعدد، وتغلب على فارس ~~زيري ابن عطية الزناتي، فرحل يوسف إليها، فاعتل في الطريق بقولنج، وقيل خرج ~~في يده بثرة فمات منها، فأوصى بولاية ابنه المنصور، وكان المنصور بمدينة ~~أشير، فجلس للعزاء بأبيه، وأتاه أهل القيروان وسائر البلاد يعزونه بأبيه ~~وينهونه بالولاية، فأحسن إلى الناس وقال لهم: إن أبي يوسف وجدي زيري كانا ~~يأخذان الناس بالسيف، وأنا لا آخذهم إلا بالإحسان، ولست ممن يولى بكتاب ~~ويعزل بكتاب، يعني أن الخليفة بمصر لا يقدر على عزله بكتاب. ثم سار إلى ~~القيروان، وسكن برقادة، وولي الأعمال، واستعمل الأمراء وأرسل هدية عظيمة ~~إلى العزيز بالله بمصر، قيل: كانت قيمتها ألف ألف دينار، ثم عاد إلى أشير، ms3104 ~~واستخلف على جباية الأموال بالقيروان، والمهدية، وجميع إفريقية إنسانا يقال ~~له عبدالله بن الكاتب. ### || AUT ذكر أمر باذ الكردي بني مروان وملكه الموصل # PageV04P0092 # في هذه السنة قوي أمر باذ الكردي، واسمه أبو عبدالله الحسين بن دوستك وهو ~~من الأكراد الحميدية، وكان ابتداء أمره أنه كان يغزو بثغور ديار بكر كثيرا، ~~وكان عظيم الخلقة، له بأس وشدة، فلما ملك عضد الدولة الموصل حضر عنده، فلما ~~رأى عضد الدولة خافه وقال: ما أظنه يبقي علي؛ فهرب حين خرج من عنده، وطلبه ~~عضد الدولة بعد خروجه ليقبض عليه، وقال: له بأس وشدة، وفيه شر، ولا يجوز ~~الإبقاء على مثله؛ فأخبر بهربه، فكف عن طلبه. وحصل بثغور ديار بكر، وأقام ~~بها إلى أن استفحل أمره وقوي، وملك ميافارقين وكثيرا من ديار بكر بعد موت ~~عضد الدولة، ووصل بعض أصحابه إلى نصيبين، فاستولى عليها، فجهز صمصام الدولة ~~إليه العساكر مع أبي سعد بهرام بن أردشير، فواقعه، فانهزم بهرام وأسر جماعة ~~من أصحابه، وقوي أمر باذ، فأرسل صمصام الدولة إليه أبا القاسم سعد بن محمد ~~الحاجب في عسكر كثير، فالتقوا بباجلايا على خابور الحسينية، من بلد كواشى، ~~واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم سعد وأصحابه، واستولى باذ على كثير من ~~الديلم، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم سعد وأصحابه، واستولى باذ على كثير ~~من الديلم، فقتل وأسر، ثم قتل الأسرى صبرا. وفي هذه الوقعة يقول أبو الحسين ~~البشنوي: بباجلايا جلونا عنه غمته، ... ونحن في الروع جلاؤون للكرب يعنى ~~باذا، وسنذكر سببه سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، إن شاء الله تعالى. ولما ~~هزم باذ الديلم وسعدا، وفعل بهم ما تقدم ذكره، سبقه سعد فدخل الموصل، وسار ~~باذ في أثره، فثار العامة بسعد لسوء سيرة الديلم فيهم، فنجا منهم بنفسه، ~~ودخل باذ إلى الموصل واستولى عليها، وقويت شوكته، وحدث نفسه بالتغلب على ~~بغداد وإزالة الديلم عنها، وخرج من حد المتطرفين، وصار في عداد أصحاب ~~الأطراف. فخافه صمصام الدولة، وأهمه أمره وشغله عن غيره، وجمع العساكر ~~ليسيرها إليه، فانقضت السنة. وقد حدثني بعض أصدقائنا ms3105 من الأكراد الحميدية ~~ممن يعتني بأخبار باذ أن باذا كنيته أبو شجاع، واسمه باذ، وأن أبا عبدالله ~~هو الحسين بن دوستك، وهو أخو باذ، وكان ابتداء أمره أنه كان يرعى الغنم، ~~وكان كريما جوادا، وكان يذبح الغنم التي له ويطعم الناس، فظهر عنه اسم ~~الجود، فاجتمع عليه الناس، وصار يقطع الطريق، وكلما حصل له شيء أخرجه، فكثر ~~جمعه، وصار يغزو، ثم إنه دخل أرمينية، فملك مدينة أرجيش، وهي أول مدينة ~~ملكها، فقوي بها، وسار منها إلى ديار بكر، فملك مدينة آمد، ثم ملك مدينة ~~ميافارقين وغيرها من ديار بكر، وسار إلى الموصل فملكها كما ذكرناه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة استعمل العزيز بالله الخليفة العلوي على دمشق وأعمالها ~~بكجور التركي مولى قرعويه أحد غلمان سيف الدولة بن حمدان، وكان له حمص، ~~فسار منها إلى دمشق، وظلم أهلها، وعسفهم وأساء السيرة فيهم، وقد ذكرناه سنة ~~اثنتين وسبعين مستقصى. وفيها وزر أبو محمد علي بن العباس بن فسانجس لشرف ~~الدولة. وفيها، في ربيع الأول، انقض كوكب عظيم أضاءت له الدنيا، وسمع له ~~مثل دوي الرعد الشديد. وفيها غلت الأسعار بالعراق وما يجاوره من البلاد، ~~وعدمت الأقوات، فمات كثير من الناس جوعا. وفيها وزر أبو عبدالله الحسين بن ~~أحمد بن سعدان لصمصام الدولة. وفيها ورد القرامطة إلى قريب بغداد، وطمعوا ~~بموت عضد الدولة، فصولحوا على مال أخذوه وعادوا. وفيها، في جمادى الآخرة، ~~توفي سعيد بن سلام أبو عثمان المغربي بنيسابور، ومولده بالقيروان، ودخل ~~الشام، فصحب الشيوخ منهم أبو الخير الأقطع وغيره، وكان من أرباب الأحوال. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وسبعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر عود الديلم إلى الموصل # ### || AUT وانهزام باذ # لما استولى باذ الكردي على الموصل اهتم صمصام الدولة ووزيره ابن سعدان ~~بأمره، فوقع الاختيار على إنفاذ زيار بن شهراكويه، وهو أكبر قوادهم، فأمره ~~بالمسير إلى قتاله، وجهزه، وبالغ في أمره، وأكثر معه الرجال والعدد ~~والأموال، وسار إلى باذ، فخرج إليهم، ولقيهم في صفر من هذه السنة، فأجلت ~~الوقعة عن ms3106 هزيمة باذ وأصحابه وأسر كثير من عسكره وأهله، وحملوا إلى بغداد ~~فشهروا بها، وملك الديلم الموصل. PageV04P0093 # وأرسل زيار عسكرا مع سعد الحاجب في طلب باذ، فسلكوا على جزيرة ابن عمر، ~~وأرسل عسكرا آخر إلى نصيبين، فاختلفوا على مقدميهم، فلم يطاوعوهم على ~~المسير إليه، وكان باذ بديار بكر قد جمع خلقا كثيرا فكتب وزير صمصام الدولة ~~إلى سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان، وبذل له تسليم ديار بكر إليه، فسير ~~إليها جيشا، فلم يكن لهم قوة بأصحاب باذ، فعادوا إلى حلب، وكانوا قد حصروا ~~ميافارقين، فلما شاهد سعد ذلك من عسكره أعمل الحيلة في قتل باذ، فوضع رجلا ~~على ذلك، فدخل الرجل خيمة باذ ليلا، وضربه بالسيف، وهو يظن أنه يضرب رأسه، ~~فوقعت الضربة على ساقه، فصاح، وهرب ذلك الرجل، فمرض باذ من تلك الضربة، ~~فأشفى على الموت، وكان قد جمع معه من الرجال خلقا كثيرا، فراسل زيارا وسعدا ~~يطلب الصلح، فاستقر الحال بينهم، واصطلحوا على أن تكون داير بكر لباذ، ~~والنصف من طور عبدين أيضا، وانحدر زيار إلى بغداد، وأقام سعد بالموصل. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قلد أبو طريف عليان بن ثمال الخفاجي حماية الكوفة، وهي أول ~~إمارة بني ثمال. وفيها خطب أبو الحسين بن عضد الدولة بالأهواز لفخر الدولة، ~~وخطب له أبو طاهر بن عضد الدولة بالبصرة، ونقشا اسمه على السكة. وفيها خطب ~~لصمصام الدولة بعمان، وكانت لشرف الدولة، ونائبه بها أستاذ هرمز، فصار مع ~~صمصام الدولة، فلما بلغ الخبر إلى شرف الدولة أرسل إليه جيشا، فانهزم أستاذ ~~هرمز وأخذ أسيرا، وعادت عمان إلى شرف الدولة، وحبس أستاذ هرمز في بعض ~~القلاع وطولب بمال كثير. وفيها توفي علي بن كامة، مقدم عسكر ركن الدولة. ~~وفيها أفرج شرف الدولة عن أبي منصور بن صالحان واستوزره، وقبض على وزيره ~~أبي محمد بن فسانجس. وفيها أرسل شرف الدولة رسولا إلى القرامطة، فلما عاد ~~قال: إن القرامطة سألوني عن الملك فأخبرتهم بحسن سيرته فقالوا: من ذلك أنه ~~استوزر ثلاثة ms3107 في سنة لغير سبب، فلم يغير شرف الدولة بعد هذا على وزيره أبي ~~منصور بن صالحان. وفي هذه السنة توفي أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي ~~الموصلي، الحافظ المشهور، وقيل في سنة تسع وستين، وكان ضعيفا في الحديث. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وسبعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر الفتنة ببغداد # في هذه السنة جرت فتنة ببغداد بين الديلم، وكان سببها أن أسفار بن ~~كردويه، وهو من أكابر القواد، استنفر من صمصام الدولة، واستمال كثيرا من ~~العسكر إلى طاعة شرف الدولة، واتفق رأيهم على أن يولوا الأمير بهاء الدولة ~~أبا نصر بن عضد الدولة العراق نيابة عن أخيه شرف الدولة. وكان صمصام الدولة ~~مريضا، فتمكن أسفار من الذي عزم عليه، وأظهر ذلك، وتأخر عن الدار، وراسله ~~صمصام الدولة يستميله ويسكنه، فما زاده إلا تماديا، فلما رأى ذلك من حاله ~~راسل الطائع يطلب منه الركوب معه، وكان صمصام الدولة قد أبل من مرضه، ~~فامتنع الطائع من ذلك، فشرع صمصام الدولة، واستمال فولاذ زماندار، وكان ~~موافقا لأسفار إلا أنه كان يأنف من متابعته لكبر شأنه. فلما راسله صمصام ~~الدولة أجابه، واستحلفه على ما أراد، وخرج من عنده، وقاتل أسفار، فهزمه ~~فولاذ، وأخذ الأمير أبو نصر أسيرا، وأحضر عند أخيه صمصام الدولة، فرق له، ~~وعلم أنه لا ذنب له، فاعتقله مكرما، وكان عمره حينئذ خمس عشرة سنة. وثبت ~~أمر صمصام الدولة، وسعي إليه بابن سعدان الذي كان وزيره، فعزله، وقيل إنه ~~كان هواه معهم، فقتل ومضى أسفار إلى الأهواز، واتصل بالأمير أبي الحسين بن ~~عضد الدولة، وخدمه، وسار باقي العسكر إلى شرف الدولة. ### || AUT ذكر أخبار القرامطة # في هذه السنة ورد إسحاق وجعفر البحريان، وهما من الستة القرامطة الذين ~~يلقبون بالسادة، فملكا الكوفة، وخطبا لشرف الدولة، فانزعج الناس لذلك لما ~~في النفوس من هيبتهم وبأسهم، وكان لهم من الهيبة ما إن عضد الدولة وبختيار ~~أقطعاهم الكثير. وكان نائبهم ببغداد يعرف بأبي بكر بن شاهويه، يتحكم تحكم ~~الوزراء، فقبض عليه صمصام الدولة، فلما ورد القرامطة الكوفة ms3108 كتب إليهما ~~صمصام الدولة يتلطفهما، ويسألهما عن سبب حركتهما، فذكرا أن قبض نائبهم هو ~~السبب في قصدهم بلاده، وبثا أصحابهما، وجبيا المال. PageV04P0094 # ووصل أبو قيس الحسن بن المنذر إلى الجامعين، وهو من أكابرهم، فأرسل صمصام ~~الدولة العساكر، ومعهم العرب، فعبروا الفرات إليه وقاتلوه، فانهزم عنهم، ~~وأسر أبو قيس وجماعة من قوادهم، فقتلوا، فعاد القرامطة وسيروا جيشا آخر في ~~عدد كثير وعدة، فالتقوا هم وعساكر صمصام الدولة بالجامعين أيضا، فأجلت ~~الوقعة عن هزيمة القرامطة، وقتل مقدمهم وغيره، وأسر جماعة، ونهب سوادهم، ~~فلما بلغ المنهزمون إلى الكوفة رحل القرامطة، وتبعهم العسكر إلى القادسية، ~~فلم يدركوهم، وزال من حينئذ ناموسهم. ### || AUT ذكر الإفراج عن ورد الرومي وما صار أمره إليه ودخول الروس في النصرانية # في هذه السنة أفرج صمصام الدولة عن ورد الرومي، وقد تقدم ذكر حبسه. فلما ~~كان الآن أفرج عنه وأطلقه، وشرط عليه إطلاق عدد كثير من أسرى المسلمين، وأن ~~يسلم إليه سبعة حصون من بلد الروم برساتيقها، وأن لا يقصد بلاد الإسلام هو ~~ولا أحد من أصحابه ما عاش، وجهزه بما يحتاج إليه من مال وغيره، فسار إلى ~~بلاد الروم، واستمال في طريقه خلقا كثيرا من البوادي وغيرهم، وأطمعهم في ~~العطاء والغنيمة، وسار حتى نزل بملطية، فتسلمها، وقوي بها وبما فيها من مال ~~وغيره. وقصد ورديس بن لاون، فتراسلا، واستقر الأمر بينهما على أن تكون ~~القسطنطينية، وما جاورها من شمالي الخليج، لورديس، وهذا الجانب من الخليج ~~لورد، وتحالفا واجتمعا، فقبض ورديس على ورد وحبسه، ثم إنه ندم فأطلقه عن ~~قريب، وعبر ورديس الخليج، وحصر القسطنطينية وبها الملكان ابنا أرمانوس، ~~وهما بسيل وقسطنطين وضيف عليهما، فراسلا ملك الروسية، واستنجداه وزوجاه ~~بأخت لهما، فامتنعت من تسليم نفسها إلى من يخالفها في الدين، فتنصر، وكان ~~هذا أول النصرانية بالروس، وتزوجها وسار إلى لقاء ورديس، فاقتتلوا وتحاربوا ~~فقتل ورديس، واستقر الملكان في ملكهما، وراسلا وردا وأقراه على ما بيده، ~~فبقي مديدة ومات، قيل إنه مات مسموما. وتقدم بسيل في الملك، وكان شجاعا ~~عادلا، حسن ms3109 الرأي، ودام ملكه، وحارب البلغار خمسا وثلاثين سنة، وظفر بهم، ~~وأجلى كثيرا منهم من بلادهم، وأسكنها الروم، وكان كثير الإحسان إلى ~~المسلمين والميل إليهم. ### || AUT ذكر ملك شرف الدولة الأهواز # في هذه السنة شرف الدولة أبو الفوارس بن عضد الدولة من فارس يطلب ~~الأهواز، وأرسل إلى أخيه أبي الحسين وهو بها يطبب نفسه، ويعده الإحسان، وأن ~~يقره على ما بيده من الأعمال، وأعلمه أن مقصده العراق، وتخليص أخيه الأمير ~~أبي نصر من محبسه، فلم يصغ أبو الحسين إلى قوله، وعزم على منعه، وتجهز ~~لذلك، فأتاه الخبر بوصول شرف الدولة إلى أرجان، ثم إلى رامهرمز، فتسلل ~~أجناده إلى شرف الدولة ونادوا بشعاره، فهرب أبو الحسين نحو الري إلى عمه ~~فخر الدولة، فبلغ أصبهان وأقام بها، واستنصر عمه فأطلق له مالا ووعده ~~بنصره. فلما طال عليه الأمر قصد التغلب على أصبهان ونادى بشعار أخيه شرف ~~الدولة، فثار به جندها وأخذوه أسيرا وسيروه إلى الري، فحبسه عمه، وبقي ~~محبوسا إلى أن مرض عمه فخر الدولة مرض الموت، فلما اشتد مرضه أرسل إليه من ~~قتله، وكان يقول شعرا، فمن قوله: هب الدهر أرضاني وأعتب صرفه، ... وأعقب ~~بالحسنى، وفك من الأسر فمن لي بأيام الشباب التي مضت، ... ومن لي بما قد ~~فات في الحبس من عمري وأما شرف الدولة فإنه سار إلى الأهواز وملكها، وأرسل ~~إلى البصرة فملكها، وقبض على أخيه أبي طاهر، وبلغ الخبر إلى صمصام الدولة، ~~فراسله في الصلح، فاستقر الأمر على أن يخطب لشرف الدولة بالعراق قبل صمصام ~~الدولة، ويكون صمصام الدولة نائبا عنه، ويطلق أخاه الأمير بهاء الدولة أبا ~~نصر، فأطلقه وسيره إليه، وصلح الحال واستقام. وكان قواد شرف الدولة يحبون ~~الصلح لأجل العود إلى أوطانهم، وخطب لشرف الدولة بالعراق، وسيرت إليه الخلع ~~والألقاب من الطائع لله، فإلى أن عادت الرسل إلى شرف الدولة ليحلفوه ألقت ~~إليه البلاد مقاليدها كواسط وغيرها، وكاتبه القواد بالطاعة، فعاد عن الصلح، ~~وعزم على قصد بغداد والاستيلاء على الملك، ولم يحلف لأخيه. وكان معه الشريف ~~أبو ms3110 الحسن محمد بن عمر يشير عليه بقصد العراق، ويحثه عليه، ويطمعه فيه، ~~فوافقه على ذلك. وسنذكر باقي خبره سنة ست وسبعين، إن شاء الله تعالى. ~~PageV04P0095 ### || AUT ذكر انهزام عساكر المنصور من صاحب سجلماسة # قد ذكرنا استيلاء خزرون وزيري الزناتيين على سجلماسة وفاس، وموت يوسف ~~بلكين لما قصدهما، فلما مات تمكنا من تلك البلاد؛ فلما استقر المنصور سير ~~جيشا كثيفا إليهما ليردهما إلى طاعته، فلما صار الجيش قريب فاس خرج إليهم ~~صاحبها زيري بن عطية الزناتي، المعروف بالقرطاس، في عساكره، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، فانهزم عسكر المنصور، وقتل منهم خلق كثير، وأسر جماعة كثيرة، وثبت ~~قدمه في ولايته. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خرج بعمان طائر من البحر كبير، أكبر من الفيل، ووقف على تل ~~هناك، وصاح بصوت عال، ولسان فصيح: قد قرب، قد قرب، قد قرب، ثلاثا ثم غاص في ~~البحر، ففعل ذلك ثلاثة أيام، ثم غاب ولم ير بعد ذلك. وفيها جدد صمصام ~~الدولة ببغداد على الثياب الإبرسيم والقطن المبيعة ضريبة مقدارها عشر ~~الثمن، فاجتمع الناس في جامع المنصور، وعزموا على قطع الصلاة، وكاد البلد ~~يفتتن، فأعفوا من ذلك. وفيها توفي ابن مؤيد الدولة بن بويه، فجلس صمصام ~~الدولة للعزاء، فأتاه الطائع لله معزيا. وفيها توفي أبو علي الحسن بن ~~الحسين بن أبي هريرة الفقيه الشافعي المشهور؛ وأبو القاسم عبد العزيز بن ~~عبدالله الداركي وكان رئيس أصحاب الشافعي بالعراق، وتوفي في شوال وله نيف ~~وسبعون سنة؛ وأبو بكر محمد بن عبدالله بن محمد بن صالح الفقيه المالكي، ~~ومولده سنة سبع وثمانين ومائتين، وسئل أن يلي قضاء القضاة فامتنع؛ والوليد ~~بن أحمد بن محمد بن الوليد أبو العباس الزوزني الصوفي المحدث، كان من ~~العلماء في الحقائق، وله تصانيف حسنة. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وسبعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر ملك شرف الدولة العراق # ### || AUT وقبض صمصام الدولة # في هذه السنة سار شرف الدولة أبو الفوارس بن عضد الدولة من الأهواز إلى ~~واسط فملكها، فأرسل إليه صمصام الدولة أخاه أبا نصر ms3111 يستعطفه بإطلاقه، وكان ~~محبوسا عنده، فلم يتعطف له، واتسع الخرق على صمصام الدولة، وشغب عليه جنده، ~~فاستشار أصحابه في قصد أخيه والدخول في طاعته، فنهوه عن ذلك، وقال بعضهم: ~~الرأي أننا نصعد إلى عكبرا لنعلم بذلك من هو لنا ممن هو علينا، فإن رأينا ~~عدتنا كثيرة قاتلناهم وأخرجنا الأموال، وإن عجزنا سرنا إلى الموصل، فهي ~~وسائر بلاد الجبل لنا، فيقوى أمرنا، ولا بد أن الديلم والأتراك تجري بينهم ~~منافسة ومحاسدة ويحدث اختلال فنبلغ الغرض. وقال بعضهم: الرأي أننا نسير إلى ~~قرميسين تكاتب عمك فخر الدولة وتستنجده، وتسير على طريق خراسان وأصبهان إلى ~~فارس، فتتغلب عليها، على خزائن شرف الدولة وذخائره، فما هناك ممانع ولا ~~مدافع، فإذا فعلنا ذلك لا يقدر شرف الدولة على المقام بالعراق، فيعود حينئذ ~~فيقع الصلح. فأعرض صمصام الدولة عن الجميع، وسار في طيار إلى أخيه شرف ~~الدولة في خواصه، فوصل إلى أخيه شرف الدولة، فلقيه وطيب قلبه. فلما خرج من ~~عنده قبض عليه، وأرسل إلى بغداد من يحتاط على دار المملكة، وسار فوصل إلى ~~بغداد في شهر رمضان، فنزل بالشفيعي، وأخوه صمصام الدولة معه تحت الاعتقال، ~~وكانت إمارته بالعراق ثلاث سنين وأحد عشر شهرا. ### || AUT ذكر الفتنة بين الأتراك والديلم # في هذه السنة جرت فتنة بين الديلم والأتراك الذين مع شرف الدولة ببغداد. ~~وسببها أن الديلم اجتمعوا مع شرف الدولة في خلق كثير بلغت عدتهم خمسة عشرة ~~ألف رجل، وكان الأتراك في ثلاثة آلاف، فاستطال عليهم الديلم، فجرت منازعة ~~بين بعضهم في دار وإصطبل، ثم صارت إلى المحاربة، فاستظهر الديلم لكثرتهم، ~~وأرادوا إخراج صمصام الدولة وإعادته إلى ملكه. وبلغ شرف الدولة الخبر، فوكل ~~بصمصام الدولة من يقتله إن هم الديلم بإخراجه. ثم إن الديلم لما استظهروا ~~على الأتراك تبعوهم، فتشوشت صفوفهم، فعادت الأتراك عليهم من أمامهم وخلفهم، ~~فانهزموا وقتل منهم زيادة على ثلاثة آلاف، ودخل الأتراك البلد، فقتلوا من ~~وجدوه منهم، ونهبوا أموالهم، وتفرق الديلم، فبعضهم اعتصم بشرف الدولة، ~~وبعضهم سار عنه. فلما كان الغد دخل ms3112 شرف الدولة بغداد والديلم المعتصمون به ~~معه، فخرج الطائع لله ولقيه وهنأه بالسلامة، وقبل شرف الدولة الأرض، وأخذ ~~الديلم يذكرون صمصام الدولة، فقيل لشرف الدولة: اقتله، وإلا ملكوه الأمر. ~~PageV04P0096 # ثم إن شرف الدولة أصلح بين الطائفتين، وحلف بعضهم لبعض، وحمل صمصام ~~الدولة إلى فارس، فاعتقل في قلعة هناك، فرد شرف الدولة على الشريف محمد بن ~~عمر جميع أملاكه وزاده عليها، وكان خراج أملاكه كل سنة ألفي ألف وخمس مائة ~~ألف درهم، ورد على النقيب أبي أحمد الموسوي أملاكه، وأقر الناس على ~~مراتبهم، ومنع الناس من السعايات ولم يقبلها، فأمنوا وسكنوا. ووزر له أبو ~~منصور بن صالحان. ### || AUT ذكر ولاية مهذب الدولة البطيحة # في هذه السنة توفي المظفر بن علي، وولي بعده ابن أخته أبو الحسن علي ابن ~~نصر بالعهد المذكور، وكتب إلى شرف الدولة يبذل له الطاعة، ويطلب التقليد، ~~فأجيب إلى ذلك، ولقب بمهذب الدولة، فأحسن السيرة، وبذل الخير والإحسان، ~~فقصده الناس، وأمن عنده الخائف. وصارت البطيحة معقلا لكل من قصدها، واتخذها ~~الأكابر وطنا، وبنوا فيها الدور الحسنة، ووسعهم بره وإحسانه، وكاتب ملوك ~~الأطراف وكاتبوه، وزجه بهاء الدولة ابنته، وعظم شأنه إلى أن قصده القادر ~~بالله فحماه، وبقي عنده إلى أن أتته الخلافة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر الصوفي، المنجم لعضد ~~الدولة، وكان مولده بالري سنة إحدى وتسعين ومائتين. وفيها كان بالموصل ~~زلزلة شديدة تهدم بها كثير من المنازل، وهلك كثير من الناس. وفيها قتل ~~المنصور بن يوسف، صاحب إفريقية، عبدالله الكاتب، وقام على ولاية الأعمال ~~بإفريقية عوضه يوسف بن أبي محمد، وكان والي قفصة قبل ذلك. وفيها كان ~~بالعراق غلاء شديد جلا لشدته أكثر أهله. وفيها توفي أحمد بن يوسف بن يعقوب ~~بن البهلول التنوخي الأزرق، الأنباري الكاتب. وأحمد بن الحسين بن علي أبو ~~حامد المروزي، ويعرف بابن الطبري الفقيه الحنفي، تفقه ببغداد على أبي الحسن ~~الكرخي، وولي قضاء القضاة بخراسان، ومات في ms3113 صفر، وكان عابدا محدثا ثقة. ~~وإسحاق بن المقتدر بالله أو محمد والد القادر، ومولده سنة سبع عشرة ~~وثلاثمائة، وصلى عليه ابنه القادر وهو حينئذ أمير. وأبو علي الحسن بن أحمد ~~بن عبد الغفار الفارسي النحوي، صاحب الإيضاح؛ قيل كان معتزليا وقد جاوز ~~تسعين سنة. وأبو أحمد محمد بن أحمد بن الحسين بن الغطريف الجرجاني، توفي في ~~رجب، وهو عالي الإسناد في الحديث. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وسبعين وثلاثمائة # ### || AUT الحرب بين ابن حسنويه وشرف الدولة # ### || AUT ذكر الحرب بين بدر بن حسنويه وعسكر شرف الدولة # في هذه السنة جهز شرف الدولة عسكرا كثيفا مع قراتكين الجهشياري، وهو ~~مقدم عسكره وكبيرهم، وأمرهم بالمسير إلى بدر بن حسنويه وقتاله. وسبب ذلك أن ~~شرف الدولة كان مغيظا حنقا على بدر لانحرافه عنه، وميله إلى عمه فخر ~~الدولة، فلما استقر ملكه ببغداد وأطاعه الناس شرع في أمره بدر، وكان ~~قراتكين قد جاوز الحد في التحكم والإدلال، وحماية الناس على نواب شرف ~~الدولة، فرأى أن يخرجه في هذا الوجه، فإن ظفر ببدر شفى غيظه منه، وإن ظفر ~~به بدر استراح منه. فساروا نحو بدر، وتجهز بدر وجمع العساكر، وتلاقيا على ~~الوادي بقرميسين، فلما اقتتلوا انهزم بدر حتى توارى عنه، وظن قراتكين ~~وأصحابه أنه مضى على وجهه، فنزلوا عن خيولهم وتفرقوا في خيامهم، فلم يلبثوا ~~إلا ساعة حتى كر بدر راجعا إليهم، وأكب عليهم، وأعجلهم عن الركوب، وقتل ~~منهم مقتلة عظيمة، واحتوى على جميع ما في عسكرهم، ونجا قراتكين في نفر من ~~غلمانه، فبلغ جسر النهروان، وأقام به حتى اجتمع إليه المنهزمون، ودخل ~~بغداد. واستولى بدر بعد ذلك على أعمال الجبل وما والاها، وقويت شوكته. وأما ~~قرتكين فإنه لما عاد من الهزيمة زاد إدلاله وتجنيه، وأغرى العسكر بالشغب، ~~والتوثب على الوزير أبي منصور بن صالحان، فلقوه بما يكره، فلاطفهم ودفعهم، ~~وأصلح شرف الدولة بين الوزير وبين قراتكين، وشرع في إعمال الحيلة على ~~قراتكين، فلم تمض غير أيام حتى قبض عليه وعلى جماعة من أصحابه وكتابه، ms3114 وأخذ ~~أموالهم، وشغب الجند لأجله، فقتله شرف الدولة، فسكنوا، وقدم عليهم طغان ~~الحاجب، فصلحت طاعته. ### || AUT ذكر مسير المنصور بن يوسف لحرب كتامة # في هذه السنة جمع المنصور، صاحب إفريقية، عساكره وسار إلى كتامة قاصدا ~~حربها. PageV04P0097 # وسبب ذلك أن العزيز بالله العلوي بمصر كان قد أرسل داعيا له إلى كتامه، ~~يقال له أبو الفهم، واسمه حسن بن نصر، يدعوهم إلى طاعته، وغرضه أن تميل ~~كتامة إليه وترسل إليه جندا يقاتلون المنصور، ويأخذون إفريقية منه، لما رأى ~~من قوته. فدعاهم أبو الفهم، فكثر تبعه، وقاد الجيوش، وعظم شأنه، وعزم ~~المنصور على قصده، فأرسل إلى العزيز بمصر يعرفه الحال، فأرسل العزيز رسولين ~~إلى المنصور ينهاه عن التعرض لأبي الفهم وكتامة، وأمرهما أن يسيرا إلى ~~كتامة بعد الفراغ من رسالة المنصور. فلما وصلا إلى المنصور وأبلغاه رسالة ~~العزيز أغلظ القول لهما وللعزيز أيضا، وأغلظا له، فأمرهما بالمقام عنده ~~بقية شعبان ورمضان، ولم يتركهما يمضيان إلى كتامة، وتجهز لحرب كتامة وأبي ~~الفهم، وسار بعد عيد الأضحى، فقصده مدينة ميلة، وأراد قتل أهلها وسبي ~~نسائهم وذراريهم، فخرجوا إليه يتضرعون ويبكون فعفا عنهم، وخرب سورها، وسار ~~منها إلى كتامة والرسولان معه. فكان لا يمر بقصر ولا منزل إلا هدمه، حتى ~~بلغ مدينة سطيف، وهي كرسي عزهم، فاقتتلوا عندها قتالا عظيما، فانهزمت ~~كتامة، وهرب أبو الفهم إلى جبل وعر فيه ناس من كتامة يقال لهم بنو إبراهيم، ~~فأرسل إليهم المنصور يتهددهم إن لم يسلموه، فقالوا: هو ضيفنا ولا نسلمه، ~~ولكن أرسل أنت إليه فخذه ونحن لا نمنعه. فأرسل فأخذه، وضربه ضربا شديدا، ثم ~~قتله وسلخه، وأكلت صنهاجة وعبيد المنصور لحمه، وقتل معه جماعة من الدعاة ~~ووجوه كتامة، وعاد إلى أشير، ورد الرسولين إلى العزيز فأخبراه بما فعل بأبي ~~الفهم، وقالا: جئنا من عند شياطين يأكلون الناس. فأرسل العزيز إلى المنصور ~~يطيب قلبه، وأرسل إليه هدية، ولم يذكر له أبا الفهم. ### || AUT ذكر معاودة باذ القتال # في هذه السنة تجدد لباذ الكردي طمع في بلاد الموصل وغيرها. وسبب ms3115 ذلك أن ~~سعدا الحاجب الذي تقدم ذكره توفي بالموصل، فسير إليها شرف الدولة أبا نصر ~~خواشاذه، وجهز إليه العساكر، وكتب يستمد من شرف الدولة العساكر والأموال، ~~فتأخرت الأموال عنه، فأحضر العرب من بني عقيل وأقطعهم البلاد ليمنعوا عنها، ~~وانحدر باذ فاستولى على طور عبدين، ولم يقدر على النزول إلى الصحراء، وأرسل ~~أخاه في عسكر، فقاتلوا العرب، فقتل أخوه وانهزم عسكره، وأقام بعضهم مقابل ~~بعض. فبينما هم كذلك أتاهم الخبر بموت شرف الدولة، فعاد خواشاذه إلى الموصل ~~وأظهر موته، وأقامت العرب بالصحراء تمنع باذا من النزول إليها، وباذ ~~بالجبل، وكان خواشاذه يصلح أمره ليعاود حرب باذ، فأتاه إبراهيم وأبو الحسين ~~ابنا ناصر الدولة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة جلس الطائع لله لشرف الدولة جلوسا عاما وحضره أعيان ~~الدولة، وخلع عليه، وحلف كل واحد منهما لصاحبه. وفيها ولد الأمير أبو علي ~~الحسن بن فخر الدولة في رجب. وفيها سار الصاحب بن عباد إلى طبرستان ~~فأصلحها، ونفى المتغلبين عنها، وفتح عدة حصون منها: حصن قريم، وعاد في ~~سنته. وفيها عصى الأمير أبو منصور بن كوريكنج، صاحب قزوين، على فخر الدولة، ~~فلاطفه فخر الدولة، وبذل له الأمان والإحسان، فعاد إلى طاعته. وفيها، في ~~رمضان، حدثت فتنة شديدة بين الديلم والعامة بمدينة الموصل، قتل فيها مقتلة ~~عظيمة، ثم أصلح الحال بين الطائفتين. وفيها تأخر المطر حتى انتصف كانون ~~الثاني، وغلت الأسعار بالعراق وما يجاوره من البلاد، واستسقى الناس مرتين ~~فلم يسقوا، حتى جاء المطر سابع عشر كانون الثاني، وزال القنوط، وتتابعت الأمطار. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر القبض على شكر الخادم # في هذه السنة قبض شرف الدولة على شكر الخادم، وكان أخص الناس عند والده ~~عضد الدولة وأقربهم إليه، يرجع إلى قوله ويعول عليه. وكان سبب قبضه أنه كان ~~أيام والده يقصد شرف الدولة ويؤذيه، وهو الذي تولى إبعاده إلى كرمان من ~~بغداد، وقام بأمر صمصام الدولة، فحقد عليه شرف الدولة ذلك، ms3116 فلما ملك شرف ~~الدولة العراق اختفى شكر، فطلبه أشد الطلب فلم يوجد، وكان له جارية حبشية ~~قد تزوجها، فطلبها إليه، فأقامت عنده مدة تخدمه. PageV04P0098 # وكان قد علق بقلبها غيره، فصارت تأخذ المأكول وغيره وتحمله إلى حيث شاءت، ~~فأحس بها شكر، فلم يحتملها، فضربها، فخرجت غضبى إلى باب دار شرف الدولة، ~~فأخبرت بحال شكر، فأخذ وأحضر عند شرف الدولة، فأراد قتله، فشفع فيه نحرير ~~الخادم، فوهبه له، وأستأذنه في الحج، فأذن له، فسار إلى مكة ثم منها إلى ~~مصر، فنال هناك منزلة كبيرة، وسيرد خبره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عزل بكجور عن دمشق # في هذه السنة عزل بكجور عن دمشق. وسبب ذلك أنه أساء السيرة في دمشق، ~~وفعل الأعمال الذميمة، وكان الوزير يعقوب بن كلس منحرفا عنه، يسيء الرأي ~~فيه، وانضاف إلى ذلك ما فعله بأصحابه بدمشق على ما ذكرناه. فلما بلغه فعله ~~بدمشق تحرك في عزله، وقبح ذكره عند العزيز بالله، فأجابه إلى ذلك، فجهزت ~~العساكر من مصر مع القائد منير الخادم، فساروا إلى الشام. فجمع بكجور العرب ~~وغيرها وخرج، فلقي العسكر المصري عند داريا، وقاتلهم، فاشتد القتال بينهم، ~~فانهزم بكجور وعسكره، وخاف من وصول نزال والي طرابلس، وكان قد كوتب من مصر ~~بمعاضدة منير، فلما انهزم بكجور خاف أن يجيء نزال فيؤخذ، فأرسل يطلب الأمان ~~ليسلم البلد إليهم، فأجابوه إلى ذلك، فجمع ماله جميعه وسار، وأخفى أثره ~~لئلا يغدر المصريون به، وتوجه إلى الرقة فاستولى عليها، وتسلم منير البلد، ~~ففرح به أهله وسرهم ولايته، وسنذكر سنة إحدى وثمانين باقي أخباره وقتله، إن ~~شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر ظفر الأصفر بالقرامطة # في هذه السنة جمع إنسان يعرف بالأصفر من بني المنتفق جمعا كثيرا، وكان ~~بينه وبين جمع من القرامطة وقعة شديدة قتل فيها مقدم القرامطة، وانهزم ~~أصحابه وقتل منهم، وأسر كثير. وسار الأصفر إلى الأحساء، فتحصن منه ~~القرامطة، فعدل إلى القطيف فأخذ ما كان فيها من عبيدهم وأموالهم ومواشيهم ~~وسار بها إلى البصرة. ### || AUT ذكر نكتة حسنة # في ms3117 هذه السنة أهدى الصاحب بن عباد، أول المحرم، إلى فخر الدولة دينارا ~~وزنه ألف مثقال، وكان على أحد جانبيه مكتوب: وأحمر يحكي الشمس شكلا وصورة ~~... فأوصافه مشتقة من صفاته فإن قيل دينار فقد صدق اسمه، ... وإن قيل ألف ~~كان بعض سماته بديع، ولم يطبع على الدهر مثله، ... ولا ضربت أضرابه لسراته ~~فقد أبرزته دولة فلكية ... أقام بها الإقبال صدر قناته وصار إلى شاهانشاه ~~انتسابه، ... على أنه مستصغر لعفاته يخبر أن يبقى سنين كوزنه ... لتستبشر ~~الدنيا بطول حياته تأنق فيه عبده، وابن عبده، ... وغرس أياديه، وكافي كفاته ~~وكان على الجانب الآخر سورة الإخلاص، ولقب الخليفة الطائع لله، ولقب فخر ~~الدولة، واسم جرجان لأنه ضر بها. قوله: دولة فكلية يعني أن لقب فخر الدولة ~~كان فلك الأمة. وقوله: وكافي كفاته، فإن الصاحب كان لقبه كافي الكفاة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة تتابعت الأمطار، وكثرت البروق والرعود، والبرد الكبار، ~~وسالت منه الأودية، وامتلأت الأنهار والآبار ببلاد الجبل، وخربت المساكن، ~~وامتلأت الأقناء طينا وحجارة، وانقطعت الطرق. وفيها عصى نصر بن الحسن بن ~~الفيرزان بالدامغان على فخر الدولة، واجتاز به أحمد بن سعيد الشبيبي ~~الخراساني مقبلا من الري ومعه عسكر من الديلم لمحاربته، فلما رأى الجد في ~~أمره راسل فخر الدولة، وعاود طاعته، فأجابه إلى قبول ذلك منه وأقره على ~~حاله؛ وفيها توفي الأمير أبو علي بن فخر الدولة في رجب. وفيها وقع الوباء ~~بالبصرة والبطائح من شدة الحر، فمات خلق كثير حتى امتلأت منهم الشوارع. وفي ~~شعبان كثرت الرياح العواصف، وجاءت وقت العصر، خامس شعبان، ريح عظيمة بفم ~~الصلح، فهدمت قطعة من الجامع، وأهلكت جماعة من الناس، وغرقت كثيرا من السفن ~~الكبار المملوءة، واحتملت زورقا منحدرا فيه دواب، وعدة من السفن، وألقت ~~الجميع على مسافة من موضعها. وفيها توفي أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن ~~يعقوب المفيد، كان محدثا مكثرا، ومولده سنة أربع وثمانين ومائتين. وأبو ~~حامد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق الحاكم النيسابوري، في ربيع الأول، وهو ms3118 ~~صاحب التصانيف المشهورة. PageV04P0099 ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وسبعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر سمل صمصام الدولة # كان نحرير الخادم يشير على شرف الدولة بقتل أخيه صمصام الدولة، وشرف ~~الدولة يعرض عن كلامه، فلما اعتقل شرف الدولة واشتدت علته ألح عليه نحرير ~~وقال له: الدولة معه على خطر، فإن لم تقتله فاسلمه. فأرسل في ذلك محمدا ~~الشيرازي الفراش، فمات شرف الدولة قبل أن يصل الفراش إلى صمصام الدولة، ~~فلما وصل الفراش إلى القلعة التي بها صمصام الدولة لم يقدم على سلمه، ~~فاستشار أبا القاسم العلاء بن الحسن الناظر هناك، فأشار بذلك، فسلمه. وكان ~~صمصام الدولة يقول: ما أعماني إلا العلاء لأنه أمضى في حكم سلطان قد مات. ### || AUT ذكر وفاة شرف الدولة # ### || AUT وملك بهاء الدولة # في هذه السنة، مستهل جمادى الآخرة، توفي الملك شرف الدولة أبو الفوارس ~~شيرزيل بن عضد الدولة مستسقيا، وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي، عليه ~~السلام، فدفن به، وكانت إمارته بالعراق سنتين وثمانية أشهر، وكان عمره ~~ثمانيا وعشرين سنة وخمسة أشهر. ولما اشتدت علته سير ولده أبا على إلى بلاد ~~فارس، وأصحبه الخزائن والعدد وجماعة كثيرة من الأتراك، فلما أيس أصحابه منه ~~اجتمع إليه أعيانهم وسألوه أن يملك أحدا، فقال: أنا في شغل عما تدعونني ~~إليه. فقالوا له ليأمر أخاه بهاء الدولة أبا نصر أن ينوب عنه إلى أن يعافى ~~ليحفظ الناس لئلا تثور فتنة، ففعل ذلك، وتوقف بهاء الدولة ثم أجاب إليه. ~~فلما مات جلس بهاء الدولة في المملكة، وقعد للعزاء، وركب الطائع لله أمير ~~المؤمنين إلى العزاء في الزبزب، فتلقاه بهاء الدولة، وقبل الأرض بين يديه، ~~وانحدر الطائع لله إلى داره، وخلع على بهاء الدولة خلع السلطنة، وأقر بهاء ~~الدولة أبا منصور بن صالحان على وزارته. ### || AUT ذكر مسير الأمير أبي علي بن شرف الدولة إلى فارس وما كان منه مع صمصام # الدولة لما اشتد مرض شرف الدولة جهز ولده الأمير أبا علي وسيره إلى فارس ~~ومعه والدته وجواريه، وسير معه من الأموال والجواهر والسلاح ms3119 أكثرها. فلما ~~بلغ البصرة أتاهم الخبر بموت شرف الدولة، فسير ما معه في البحر إلى أرجان، ~~وسار هو مجدا إلى أن وصل إليها، واجتمع معه من بها من الأتراك، وساروا نحو ~~شيراز، وكاتبهم متوليها وهو أبو القاسم العلاء بن الحسن بالوصول إليها ~~ليسلمها إليهم، وكان المرتبون في القلعة التي بها صمصام الدولة وأخوه أبو ~~طاهر قد أطلقوهما ومعهما فولاذ وساروا إلى سيراف. واجتمع على صمصام الدولة ~~كثير من الديلم. وسار الأمير أبو علي إلى شيراز، ووقعت الفتنة بها بين ~~الأتراك والديلم، وخرج الأمير أبو علي من داره إلى معسكر الأتراك، فنزل ~~معهم، واجتمع الديلم وقصدوا ليأخذوه ويسلموه إلى صمصام الدولة، فرأوه قد ~~انتقل إلى الأتراك، فكشفوا القناع، ونابذوا الأتراك، وجرى بينهم قتال عدة ~~أيام. ثم سار أبو علي والأتراك إلى فسا، فاستولوا عليها وأخذوا ما بها من ~~مال، وقتلوا من بها من الديلم، وأخذوا أموالهم وسلاحهم فقووا بذلك. وسار ~~أبو علي إلى أرجان، وعاد الأتراك إلى شيراز، فقاتلوا صمصام الدولة ومن معه ~~من الديلم، ونهبوا البلد، وعادوا إلى أبي علي بأرجان، وأقاموا معه مديدة. ~~ثم وصل رسول من بهاء الدولة إلى أبي علي وأدى الرسالة، وطيب قلبه ووعده، ثم ~~إنه راسل الأتراك سرا، واستمالهم إلى نفسه، وأطعمهم، فحسنوا لأبي علي ~~المسير إلى بهاء الدولة، فسار إليه، فلقيه بواسط منتصف جمادى الآخرة سنة ~~ثمانين وثلاثمائة، فأنزله وأكرمه، وتركه عدة أيام، وقبض عليه، ثم قتله بعد ~~ذلك بيسير، وتجهز بهاء الدولة للمسير إلى الأهواز لقصد بلاد فارس. ### || AUT ذكر الفتنة ببغداد بين الأتراك والديلم # وفي هذه السنة أيضا وقعت الفتنة ببغداد بين الأتراك والديلم، واشتد ~~الأمر، ودام القتال بينهم خمسة أيام، وبهاء الدولة في داره يراسلهم في ~~الصلح، فلم يسمعوا قوله، وقتل بعض رسله. ثم إنه خرج إلى الأتراك، وحضر ~~القتال معهم، فاشتد حينئذ الأمر، وعظم الشر، ثم إنه شرع في الصلح، ورفق ~~بالأتراك، وراسل الديلم، فاستقر الحال بينهم، وحلف بعضهم لبعض، وكانت مدة ~~الحرب اثني عشر يوما. ثم إن الديلم تفرقوا، ms3120 فمضى فريق بعد فريق، وأخرج ~~بعضهم، وقبض على البعض، فضعف أمرهم، وقويت شوكة الأتراك، واشتدت حالهم. ~~PageV04P0100 ### || AUT ذكر مسير فخر الدولة إلى العراق وما كان منه # وفي هذه السنة سار فخر الدولة بن ركن الدولة من الري إلى همذان، عازما ~~على قصد العراق والاستيلاء عليها. وكان سبب حركته أن الصاحب بن عباد كان ~~يحب العراق لا سيما بغداد، ويؤثر التقدم بها، ويرصد أوقات الفرصة، فلما ~~توفي شرف الدولة علم أن الفرصة قد أمنت، فوضع على فخر الدولة من يعظم عنده ~~ملك العراق، ويسهل أمره عليه، ولم يباشر هو ذلك خوفا من خطر العاقبة، إلى ~~أن قال له فخر الدولة: ما عندك في هذا الأمر ؟ فأحال على أن سعادته تسهل كل ~~صعب، وعظم البلاد؛ فتجهز وسار إلى همذان، وأتاه بدر بن حسنويه، وقصده دبيس ~~بن عفيف الأسدي، فاستقر الأمر على أن يسير الصاحب بن عباد وبدر إلى العراق ~~على الجادة، ويسير فخر الدولة على خوزستان. فلما سار الصاحب حذر فخر الدولة ~~من ناحيته، وقيل له ربما استماله أولاد عضد الدولة، فاستعاده إليه، وأخذه ~~معه إلى الأهواز فملكها، وأساء السيرة مع جندها، وضيق عليهم، ولم يبذل ~~الماء، فخابت ظنون الناس فيه، واستشعر منه أيضا عسكره، وقالوا: هكذا يفعل ~~بنا إذا تمكن من إرادته، فتخاذلوا. وكان الصاحب قد أمسك نفسه تأثرا بما قيل ~~عنه من اتهامه، فالأمور بسكوته غير مستقيمة. فلما سمع بهاء الدولة بوصولهم ~~إلى الأهواز سير إليهم العساكر، والتقوا هم وعساكر فخر الدولة. فاتفق أن ~~دجلة الأهواز زادت ذلك الوقت زيادة عظيمة وانفتحت البثوق منها، فظنها عسكر ~~فخر الدولة مكيدة، فانهزموا، فقلق فخر الدولة من ذلك، وكان قد استبد برأيه، ~~فعاد حينئذ إلى رأي الصاحب، فأشار ببذل المال، واستصلاح الجند، وقال له: إن ~~الرأي في مثل هذه الأوقات إخراج المال وترك مضايقة الجند، فإن أطلقت المال ~~ضمنت لك حصول أضعافه بعد سنة. فلم يفعل ذلك، وتفرق عنه كثير من عسكر ~~الأهواز، واتسع الخرق عليه، وضاقت الأمور به، فعاد إلى الري، وقبض ms3121 في طريقه ~~على جماعة من القواد الرازيين، وملك أصحاب بهاء الدولة الأهواز. ### || AUT ذكر هرب القادر بالله إلى البطيحة # في هذه السنة هرب القادر بالله من الطائع لله إلى البطيحة فاحتمى فيها. ~~وكان سبب ذلك أن إسحاق بن المقتدر والد القادر لما توفي جرى بين القادر ~~وبين أخت له منازعة في ضيعة وطال الأمر بينهما. ثم إن الطائع لله مرض مرضا ~~أشفى منه، ثم أبل، فسعت إليه بأخيه القادر وقالت له: إنه شرع في طلب ~~الخلافة عند مرضك؛ فتغير رأيه فيه، فأنفذ أبا الحسن بن النعمان وغيره للقبض ~~عليه، وكان بالحريم الطاهري، فأصعدوا في الماء إليه. وكان القادر قد رأى في ~~منامه كأن رجلا يقرأ عليه: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) آل عمران: 173 فهو ~~يحكي هذا المنام لأهله ويقول: أنا خائف من طالب يطلبني؛ ووصل أصحاب الطائع ~~لله إليه واستدعوه، فأراد لبس ثيابه، فلم يمكنوه من مفارقتهم، فأخذه النساء ~~منهم قهرا، وخرج عن داره واستتر، ثم سار إلى البطيحة، فنزل على مهذب ~~الدولة، فأكرم نزله، ووسع عليه، وحفظه، وبالغ في خدمته، ولم يزل عنده إلى ~~أن أتته الخلافة، فلما وليها جعل علامته: (حسبنا الله ونعم الوكيل) آل ~~عمران: 173. ### || AUT ذكر عود بني حمدان إلى الموصل # في هذه السنة ملك أبو طاهر إبراهيم وأبو عبدالله الحسين ابنا ناصر ~~الدولة ابن حمدان الموصل. وسبب ذلك أنهما كانا في خدمة شرف الدولة ببغداد، ~~فلما توفي وملك بهاء الدولة استأذنا في الإصعاد إلى الموصل، فأذن لهما، ~~فأصعدا، ثم علم القواد الغلط في ذلك، فكتب بهاء الدولة إلى خواشاذه، وهو ~~يتولى الموصل، يأمره بدفعهما عنها، فأرسل إليهما خواشاذه يأمرهما بالعود ~~عنه، فأعادا جوابا جميلا، وجدا في السير حتى نزلا بالدير الأعلى بظاهر ~~الموصل. وثار أهل الموصل بالديلم والأتراك، فنهبوهم، وخرجوا إلى بني حمدان، ~~وخرج الديلم إلى قتالهم، فهزمهم المواصلة وبنو حمدان، وقتل منهم خلق كثير، ~~واعتصم الباقون بدار الإمارة، وعزم أهل الموصل ms3122 على قتلهم والاستراحة منهم، ~~فمنعهم بنو حمدان عن ذلك، وسيروا خواشاذه ومن معه إلى بغداد، وأقاموا ~~بالموصل، وكثر العرب عندهم. ### || AUT ذكر خلاف كتامة على المنصور # PageV04P0101 # وفي هذه السنة خرج إنسان آخر من كتامة يقال له أبو الفرج، لا يعرف من أي ~~موضع هو، وزعم أن أباه ولد القائم العلوي، جد المعز لدين الله، فعمل أكثر ~~مما عمله أبو الفهم، واجتمعت إليه كتامة، واتخذ البنود والطبول، وضرب ~~السكة، وجرت بينه وبين نائب المنصور وعساكره بمدينة ميلة وسطيف حروب كثيرة ~~ووقعات متعددة، فسار المنصور إليه في عساكره، وزحف هو إلى المنصور في عساكر ~~كتامة، فكان بينهما حرب شديدة، فانهزم أبو الفرج وكتامة، وقتل منهم مقتلة ~~عظيمة، واختفى أبو الفرج في غار في جبل، فوثب عليه غلامان كانا له فأخذاه ~~وأتيا به المنصور، فسره ذلك وقتله شر قتلة. وشحن المنصور بلاد كتامة ~~بالعساكر، وبث عماله فيها، ولم يدخلها عامل قبل ذلك، فجبوا أموالها، وضيقوا ~~على أهلها. ورجع المنصور إلى مدينة أشير، فأتاه سعيد بن خزرون الزناتي، ~~وكان أبوه قد تغلب على سجلماسة سنة خمس وستين وثلاثمائة، وصار في طاعة ~~المنصور، واختص به، وعلت منزلته عنده، فقال له المنصور يوما: يا سعيد هل ~~تعرف أحدا أكرم مني ؟ وكان قد وصله بمال كثير، فقال: نعم ! أنا أكرم منك. ~~فقال المنصور: وكيف ذلك ؟ قال: لأنك جدت علي بالمال، وأنا جدت عليك بنفسي. ~~فاستعمله المنصور على طبنة، وزوج ابنه ببعض بنات سعيد. فلامه على ذلك بعض ~~أهله، فقال: كان أبي وجدي يستتبعانهم بالسيف، وأما أنا فمن رماني برمح ~~رميته بكيس، حتى تكون مودتهم طبعا واختيارا. ورجع سعيد إلى أهله، وبقي إلى ~~سنة إحدى وثمانين، ثم عاد إلى المنصور زائرا، فاعتل سعيد أياما، وتوفي أول ~~رجب. ثم قدم فلفل بن سعيد على المنصور، فأحسن إليه، وحمل إليه مالا كثيرا، ~~فرده إلى طبنة ولاية أبيه. ### || AUT ذكر خلاف عم المنصور عليه # وفي هذه السنة أيضا خالف أبو البهار عم المنصور بن يوسف بلكين، صاحب ~~إفريقية، عليه لشيء جرى ms3123 عليه من المنصور لم يحمله له لعزة نفسه، فسار ~~المنصور إليه بتاهرت، ففارقها عمه إلى الغرب بمن معه من أهله وأصحابه، ودخل ~~عسكر المنصور تاهرت فانتهبوها، ثم طلب أهلها الأمان فأمنهم، ثم سار في طلب ~~عمه حتى جاوز تاهرت سبع عشرة مرحلة، ولقي العسكر شدة. وقصد عمه زيري بن ~~عطية، صاحب فاس، فأكرمه، وأعلى محله، وبقي جنده يغيرون على نواحي المنصور. ~~وفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة قصدوا النواحي المجاورة لفاس، فأوقعوا ~~بأصحاب المنصور بها واستولوا عليها. ثم ندم أبو البهار، فسار إلى المنصور ~~معتذرا مما جرى منه، فقبله المنصور، وأحسن إليه وأكرمه، وحمل إليه كل ما ~~يحتاج إليه من مال وغيره. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض بهاء الدولة على أبي الحسن محمد بن عمر العلوي الكوفي، ~~وكان قد عظم شأنه مع شرف الدولة، واتسع جاهه، وكثرت أمواله، فلما ولي بهاء ~~الدولة سعى به أبو الحسن المعلم إليه، وأطمعه في أمواله وملكه، وعظم ذلك ~~عنده وقبض عليه. وفيها أسقط بهاء الدولة ما كان يؤخذ من المراعي من سائر ~~السواد. وفيها ولد الأمير أبو طالب رستم بن فخر الدولة. وفيها خرج ابن ~~الجراح الطائي على الحجاج بين سميراء وفيد ونازلهم، فصالحوه على ثلاثمائة ~~ألف درهم، وشيء من الثياب، فأخذها وانصرف. وفيها بني جامع القطيعة ببغداد. ~~وفيها توفي محمد بن أحمد بن العباس بن أحمد بن جلاد أبو العباس السلمي ~~النقاش، كان من متكلمي الأشعرية، وعنه أخذ أبو علي بن شاذان الكلام، وكان ~~ثقة في الحديث. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمانين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر قتل باذ # في هذه السنة قتل باذ الكردي، صاحب ديار بكر. وكان سبب قتله أن أبا طاهر ~~والحسين ابني حمدان لما ملكا الموصل طمع فيها باذ، وجمع الأكراد فأكثر، ~~وممن أطاعه الأكراد البشنوية أصحاب قلعة فنك، وكانوا كثيرا، ففي ذلك يقول ~~الحسين البشنوي الشاعر لبني مروان يعتد عليهم بنجدتهم خالهم باذا من قصيدة: ~~البشنوية أنصار لدولتكم، ... وليس في ذا خفا في العجم والعرب أنصار باذ ~~بأرجيش ms3124 وشيعته، ... بظاهر الموصل الحدباء في العطب بباجلايا جلونا عنه غمته ~~... ونحن في الروع جلاؤون للكرب PageV04P0102 # وكاتب أهل الموصل فاستمالهم، فأجابه بعضهم فسار إليهم، ونزل بالجانب ~~الشرقي، فضعفا عنه، وراسلا أبا الذواد محمد بن المسيب، أمير بني عقيل، ~~واستنصراه، فطلب منهما جزيرة ابن عمر، ونصيبين، وبلدا، وغير ذلك، فأجاباه ~~إلى ما طلب، واتفقوا، وسار إليه أبو عبدالله بن حمدان وأقام أبو طاهر ~~بالموصل يحارب باذا. فلما اجتمع أبو عبدالله وأبو الذواد سارا إلى بلد، ~~وعبرا دجلة، وصارا مع باذ على أرض واحدة وهو لا يعلم، فأتاه الخبر بعبورهما ~~وقد قارباه، فأراد الانتقال إلى الجبل لئلا يأتيه هؤلاء من خلفه وأبو طاهر ~~من أمامه، فاختلط أصحابه، وأدركه الحمدانية، فناوشوهم القتال، وأراد باذ ~~الانتقال من فرس إلى آخر، فسقط واندقت ترقوته، فأتاه ابن أخته أبو علي ابن ~~مروان، وأراده على الركوب فلم يقدر، فتركوه وانصرفوا واحتموا بالجبل. ووقع ~~باذ بين القتلى فعرفه بعض العرب فقتله وحمل رأسه إلى بني حمدان وأخذ جائزة ~~سنية، وصلبت جثته على دار الإمارة، فثار العامة وقالوا: رجل غاز، ولا يحل ~~فعل هذا به؛ وظهر منهم محبة كثيرة له، وأنزلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه. ### || AUT ذكر ابتداء دولة بني مروان # لما قتل باذ سار ابن أخته أبو علي بن مروان في طائفة من الجيش إلى حصن ~~كيفا، وهو على دجلة، وهو من أحصن المعاقل، وكان به امرأة باذ وأهله، فلما ~~بلغ الحصن قال لزوجة خاله: قد أنفذني خالي إليك في مهم؛ فظنته حقا، فلما ~~صعد إليها أعلمها بهلاكه، وأطمعها في التزوج بها، فوافقته على ملك الحصن ~~وغيره، ونزل وقصد حصنا حصنا، حتى ملك ما كان لخاله، وسار إلى ميافارقين؛ ~~وسار إليه أبو طاهر وأبو عبدالله ابنا حمدان طمعا فيه، ومعهما رأس باذ، ~~فوجدا أبا علي قد أحكم أمره، فتصافوا واقتتلوا، وظفر أبو علي وأسر أبا ~~عبدالله بن حمدان، فأكرمه وأحسن إليه، ثم أطلقه فسار إلى أخيه أبي طاهر، ~~وهو بآمد يحصرها، فأشار عليه بمصالحة ابن مروان، فلم يفعل، واضطر ms3125 أبو ~~عبدالله إلى موافقته، وسارا إلى ابن مروان فواقعاه، فهزمها، وأسر أبا ~~عبدالله أيضا فأساء إليه وضيق عليه، إلى أن كاتبه صاحب مصر وشفع فيه ~~فأطلقه، ومضى إلى مصر وتقلد منها ولاية حلب، وأقام بتلك الديار إلى أن ~~توفي. وأما أبو طاهر فإنه لما وصل إلى نصيبين قصده أبو الذواد فأسره وعليا ~~ابنه والمزعفر أمير بني نمير، وقتلهم صبرا. وأقام ابن مروان بديار بكر ~~وضبطها، وأحسن إلى أهلها، وألان جانبه لهم، فطمع فيه أهل ميافارقين، ~~فاستطالوا على أصحابه، فأمسك عنهم إلى يوم العيد، وقد خرجوا إلى المصلى، ~~فلما تكاملوا في الصحراء وافى إلى البلد، وأخذ أبا الصقر شيخ البلد فألقاه ~~من على السور، وقبض على من كان معه، وأخذ الأكراد ثياب الناس خارج البلد، ~~وأغلق أبواب البلد، وأمر أهله أن ينصرفوا حيث شاءوا، ولم يمكنهم من الدخول ~~فذهبوا كل مذهب. وكان قد تزوج ست الناس بنت سعد الدولة بن سيف الدولة بن ~~حمدان، فأتته من حلب، فعزم على زفافها بآمد، فخاف شيخ البلد، واسمه عبد ~~البر، أن يفعل بهم مثل فعله بأهل ميافارقين، فأحضر ثقاته وحلفهم على كتمان ~~سره، وقال لهم: قد صح عزم الأمير على أن يفعل بكم مثل فعله بأهل ميافارقين، ~~وهو يدخل من باب الماء ويخرج من باب الجهاد، فقفوا له في الدركاه، وانثروا ~~عليه هذه الدراهم، ثم اعتمدوا بها وجهه، فإنه سيغطيه بكمه، فاضربوه ~~بالسكاكين في مقتله؛ ففعلوا. وجرت الحال كما وصف، وتولى قتله إنسان يقال له ~~ابن دمنة كان فيه إقدام وجرأة، فاختبط الناس وماجوا، فرمى برأسه إليهم ~~فأسرعوا السير إلى ميافارقين. وحدث جماعة من الأكراد نفوسهم بملك البلد، ~~فاستراب بهم مستحفظ ميافارقين لإسراعهم، وقال: إن كان الأمير حيا فادخلوا ~~معه، وإن كان قتل فأخوه مستحق لموضعه فما كان بأسرع من أن وصل ممهد الدولة ~~أبو منصور بن مروان أخو أبي علي إلى ميافارقين، ففتح له باب البلد فدخله ~~وملكه، ولم يكن له فيه إلا السكة والخطبة لما نذكره. وأما عبد البر فاستولى ~~على آمد، ms3126 وزوج ابن دمنة، الذي قتل أبا علي ابنته فعمل له ابن دمنة دعوة ~~وقتله، وملك آمدا، وعمر البلد، وبنى لنفسه قصرا عند السور، وأصلح أمره مع ~~ممهد الدولة، وهادى ملك الروم، وصاحب مصر، وغيرهما من الملوك وانتشر ذكره. ~~PageV04P0103 # وأما ممهد الدولة فإنه كان معه إنسان من أصحابه يسمى شروة، حاكما في ~~مملكته، وكان لشروة غلام قد ولاه الشرطة، وكان ممهد الدولة يبغضه، ويريد ~~قتله، ويتركه احتراما لصاحبه، ففطن الغلام لذلك، فأفسد ما بينهما، فعمل ~~شروة طعاما بقلعة الهتاخ، وهي إقطاعه، ودعا إليها ممهد الدولة، فلما حضر ~~عنده قتله، وذلك سنة اثنتين وأربعمائة، وخرج من الدار إلى بني عم ممهد ~~الدولة، فقبض عليهم وقيدهم، وأظهر أن ممهد الدولة أمره بذلك، ومضى إلى ~~ميافارقين وبين يديه المشاعل، ففتحوا له ظنا منهم أنه ممهد الدولة، فملكها، ~~وكتب إلى أصحاب القلاع يستدعيهم، وأنفذ إنسانا إلى أرزن ليحضر متوليها، ~~ويعرف بخواجه أبي القاسم، فسار خواجه نحو ميافارقين، ولم يسلم القلعة إلى ~~القاصد إليه. فلما توسط الطريق سمع بقتل ممهد الدولة، فعاد إلى أرزن، وأرسل ~~إلى أسعرد، فأحضر أبا نصر بن مروان أخا ممهد الدولة، وكان أخوه قد أبعده ~~عنه، وكان يبغضه لمنام رآه، وهو أنه رأى كأن الشمس سقطت في حجره، فنازعه ~~أبو نصر عليها وأخذها، فأبعده لهذا، وتركه بأسعرد مضيقا عليه، فلما استدعاه ~~خواجه قال له دبير: تفلح ؟ قال: نعم. وكان شروة قد أنفذ إلى أبي نصر، ~~فوجدوه قد سار إلى ارزن، فعلم حينئذ انتقاض أمره. وكان مروان والد ممهد ~~الدولة قد أضر، وهو بأرزن، عند قبر ابنه أبي علي، هو وزوجته، فأحضر خواجه ~~أبا نصر عندهما، وحلفه على القبول منه، والعدل، وأحضر القاضي والشهود على ~~اليمين وملكه أرزن، ثم ملك سائر بلاد ديار بكر، فدامت أيامه، وأحسن السيرة، ~~وكان مقصدا للعلماء من سائر الآفاق، وكثروا ببلاده. وممن قصده أبو عبدالله ~~الكازروني، وعنه انتشر مذهب الشافعي بديار بكر، وقصده الشعراء وأكثروا مدحه ~~وأجزل جوائزهم، وبقي كذلك من سنة اثنتين وأربعمائة إلى سنة ثلاث وخمسين، ms3127 ~~فتوفي فيها، وكان عمره نيفا وثمانين سنة، وكانت الثغور معه آمنة، وسيرته في ~~رعيته أحسن سيرة، فلما مات ملك بلاده ولده. ### || AUT ذكر ملك آل المسيب الموصل # لما انهزم أبو طاهر بن حمدان من أبي علي بن مروان، كما ذكرناه، سار إلى ~~نصيبين في قلة من أصحابه، وكانوا قد تفرقوا، فطمع فيه أبو الذواد محمد ابن ~~المسيب، أمير بني عقيل، وكان صاحب نصيبين حينئذ، كما ذكرناه، فثار بأبي ~~طاهر، فأسره وأسر ولده وعدة من قوادهم، وقتلهم، وسار إلى الموصل فملكها ~~وأعمالها، وكاتب بهاء الدولة يسأله أن ينفذ إليه من يقيم عنده من أصحابه ~~يتولى الأمور، فسير إليه قائدا من قواده. وكان هاء الدولة قد سار من العراق ~~إلى الأهواز، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وأقام نائب بهاء الدولة، ~~وليس له من الأمر شيء ولا يحكم إلا فيما يريده أبو الذواد، وسيرد من ذكره ~~وذكر عقبه ما تقف عليه إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر مسير بهاء الدولة إلى الأهواز وما كان منه ومن صمصام الدولة # في هذه السنة سار بهاء الدولة عن بغداد إلى خوزستان عازما على قصد فارس، ~~واستخلف ببغداد أبا نصر خواشاذه، ووصل إلى البصرة ودخلها، وسار عنها إلى ~~خوزستان، فأتاه نعي أخيه أبي طاهر، فجلس للعزاء به، ودخل أرجان فاستولى ~~عليها وأخذ ما فيها من الأموال، فكان ألف ألف دينار وثمانية آلاف ألف درهم، ~~ومن الثياب والجواهر ما لا يحصى، فلما علم الجند بذلك شغبوا شغبا متتابعا ~~فأطلقت تلك الأموال كلها لهم ولم يبق منها إلا القليل. ثم سارت مقدمته ~~وعليها أبو العلاء بن الفضل إلى النوبندجان، وبها عساكر صمصام الدولة، ~~فهزمهم، وبث أصحابه في نواحي فارس، فسير إليهم صمصام الدولة عسكرا وعليهم ~~فولاذ زماندار، فواقعهم، فانهزم أبو العلاء وعاد مهزوما. وكان سبب الهزيمة ~~أنه كان بين العسكرين واد وعليه قنطرة، وكان أصحاب أبي العلاء يعبرون ~~القنطرة ويغيرون على أثقال الديلم، عسكر صمصام الدولة، فوضع فولاذ كمينا ~~عند القنطرة، فلما عبر أصحاب بهاء الدولة خرجوا ms3128 عليهم فقتلوهم جميعهم، ~~وراسل فولاذ أبا العلاء وخدعه، ثم سار إليه وكبسه، فانهزم من بين يديه وعاد ~~إلى أرجان مهزوما، وغلت الأسعار بها. PageV04P0104 # ولما بلغ الخبر إلى صمصام الدولة سار عن شيراز إلى فولاذ، وترددت الرسل ~~في الصلح، فتم على أن يكون لصمصام الدولة بلاد فارس وأرجان، ولبهاء الدولة ~~خوزستان والعراق، وأن يكون لكل واحد منهما إقطاع في بلد صاحبه، وحلف كل ~~واحد منهما لصاحبه، وعاد بهاء الدولة إلى الأهواز. ولما سار بهاء الدولة عن ~~بغداد ثار العيارون بجانبي بغداد، ووقعت الفتن بين السنة والشيعة، وكثر ~~القتل بينهم، وزالت الطاعة، وأحرق عدة محال، ونهبت الأموال، وأخربت ~~المساكن، ودام ذلك عدة شهور إلى أن عاد بهاء الدولة إلى بغداد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض بهاء الدولة على وزيره أبي منصور بن صالحان، واستوزر ~~أبا نصر سابور بن أردشير قبل ميره إلى خوزستان، وكان المدبر لدولة بهاء ~~الدولة أبا الحسين المعلم، وإليه الحكم. وفيها توفي أبو الفرج يعقوب بن ~~يوسف بن كلس، وزير العزيز، صاحب مصر، وكان كامل الأوصاف، متمكنا من صاحبه، ~~فلما مرض عاده العزيز صاحب مصر، وقال: وددت أنك تباع فأبتاعك بملك، فهل من ~~حاجة ترضى بها ؟ فبكى، وقبل يده، ووضعها على عينه، وقال: أما فيما يخصني ~~فإنك أرعى لحقي من أن أوصيك بمخلفي، ولكن فيما يتعلق بدولتك سالم الحمدانية ~~ما سالموك، واقنع منهم بالدعة، وإن ظفرت بالمفرج فلا تبق عليه. فلما مات ~~حزن العزيز عليه، وحضر جنازته، وصلى عليه، وألحده بيده في قصره، وأغلق ~~الدواوين عدة أيام، واستوزر بعده أبا عبدالله الموصلي، ثم صرفه، وقلد عيسى ~~بن نسطورس النصراني، فمال إلى النصارى وولاهم، واستناب بالشام يهوديا يعرف ~~بمنشا، ففعل مع إليهود مثل ما فعل عيسى بالنصارى، وجرى على المسلمين تحامل ~~عظيم. وفيها، في ربيع الأول، قلد الشريف أبو أحمد والد الرضي نقابة ~~العلويين والمظالم، وإمارة الحج، وحج الناس أبو عبدالله أحمد بن محمد بن ~~عبدالله العلوي نيابة عن النقيب أبي أحمد الموسوي. وفيها توفي أبو بكر ms3129 محمد ~~بن عبد الرحمن الفقيه الحنفي، ومولده سنة عشرين وثلاثمائة. وفيها توفي ~~عبدالله محمد بن عبد البر النمري بالأندلس، والد الإمام أبي عمر بن عبد البر. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر القبض على الطائع لله # في هذه السنة قبض الطائع لله، قبضه بهاء الدولة، وهو الطائع لله أبو كر ~~عبد الكريم بن الفضل المطيع لله بن جعفر المقتدر بالله بن المعتضد بالله ~~ابن أبي أحمد الموفق بن المتوكل. وكان سبب ذلك أن الأمير بهاء الدولة قلت ~~عنده الأموال، فكثر شغب الجند، فقبض على وزيره سابور، فلم يغن عنه ذلك ~~شيئا. وكان أبو الحسن بن المعلم قد غلب على بهاء الدولة، وحكم في مملكته، ~~فحسن له القبض على الطائع، وأطمعه في ماله، وهون عليه ذلك وسهله، فأقدم ~~عليه بهاء الدولة، وأرسل إلى الطائع وسأله الإذن في الحضور في خدمته ليجدد ~~العهد به، فأذن له في ذلك، وجلس له كما جرت العادة، فدخل بهاء الدولة ومعه ~~جمع كثير، فلما دخل قبل الأرض، وأجلس على كرسي، فدخل بعض الديلم كأنه يريد ~~أن يقبل يد الخليفة فجذبه، فأنزله عن سريره، والخليفة يقول: (إنا لله وإنا ~~إليه راجعون)؟! وهو يستغيث ولا يلتفت إليه، وأخذ ما في دار الخليفة من ~~الذخائر فمشوا به في الحال، ونهب الناس بعضهم بعضا، وكان من جملتهم الشريف ~~الرضي فبادر بالخروج فسلم وقال أبياتا من جملتها: من بعد ما كان رب الملك ~~مبتسما ... إلي أدنوه في النجوى ويدنيني أمسيت أرحم من قد كنت أغبطه، ... ~~لقد تقارب بين العز والهون ومنظر كان بالسراء يضحكني؛ ... يا قرب ما عاد ~~بالضراء يبكيني هيهات أغتر بالسلطان ثانية، ... قد ضل ولاج أبواب السلاطين ~~ولما حمل الطائع إلى دار بهاء الدولة أشهد عليه بالخلع، وكان مدة خلافته ~~سبع عشرة سنة وثمانية شهور وستة أيام، وحمل إلى القادر بالله لما ولي ~~الخلافة، فبقي عنده إلى أن توفي سنة ثلاث وتسعين، ليلة الفطر، وصلى عليه ~~القادر بالله، وكبر عليه خمسا. وكان مولده سنة سبع عشرة ms3130 وثلاثمائة، وكان ~~أبيض، مربوعا، حسن الجسم؛ وكان أنفه كبيرا جدا، وكان شديد القوة، كثير ~~الإقدام، اسم أمه عتب، وعاشت إلى أن أدركت أيامه، ولم يكن له من الحكم في ~~ولايته ما يعرف به حال يستدل به على سيرته. PageV04P0105 ### || AUT ذكر خلافة القادر بالله # لما قبض على الطائع لله ذكر بهاء الدولة من يصلح للخلافة، فاتفقوا على ~~القادر بالله وهو أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر بن المعتضد، وأمه أم ~~ولد اسمها دمنة، وقيل تمنى، وكان بالبطيحة، كما ذكرناه، فأرسل إليه بهاء ~~الدولة خواص أصحابه ليحضروه إلى بغداد ليتولى الخلافة، فانحدروا إليه، وشغب ~~الديلم ببغداد، ومنعوا من الخطبة، فقيل على المنبر: اللهم أصلح عبدك ~~وخليفتك القادر بالله، ولم يذكروا اسمه، وأرضاهم بهاء الدولة. ولما وصل ~~الرسل إلى القادر بالله كان تلك الساعة يحكي مناما رآه تلك الليلة، وهو ما ~~حكاه هبة الله بن عيسى كاتب مهذب الدولة قال: كنت أحضر عند القادر بالله كل ~~أسبوع مرتين، فكان يكرمني، فدخلت عليه يوما فوجدته قد تأهب تأهبا لم تجر به ~~عادته، ولم أر منه ما ألفته من إكرامه، واختلفت بي الظنون، فسألته عن سبب ~~ذلك، فإن كان لزلة مني اعتذرت عن نفسي. فقال: بل رأيت البارحة في منامي كأن ~~نهركم هذا، نهر الصليق، قد اتسع، فصار مثل دجلة، دفعات، فسرت على حافته ~~متعجبا منه، ورأيت قنطرة عظيمة، فقلت: من قد حدث نفسه بعمل هذه القنطرة على ~~هذا البحر العظيم ؟ ثم صعدتها، وهي محكمة، فبينا أنا عليها أتعجب منها إذ ~~رأيت شخصا قد تأملني من ذلك الجانب، فقال: أتريد أن تعبر ؟ قلت نعم فمد يده ~~حتى وصلت إلي، فأخذني وعبرني، فهالني وتعاظمني فعله، قلت: من أنت ؟ قال: ~~علي بن أبي طالب، وهذا الأمر صائر إليك، ويطول عمرك فيه، فأحسن إلى ولدي ~~وشيعتي. فما انتهى القادر إلى هذا القول حتى سمعنا صياح الملاحين وغيرهم، ~~وسألنا عن ذلك، وإذا هم الواردون إليه لإصعاده ليتولى الخلافة، فخاطبته ~~بإمرة المؤمنين وبايعته، وقام مهذب الدولة بخدمته أحسن قيام، ms3131 وحمل إليه من ~~المال وغيره ما يحمله كبار الملوك للخلفاء وشيعه. فسار القادر بالله إلى ~~بغداد، فلما دخل جبل انحدر بهاء الدولة وأعيان الناس لاستقباله، وساروا في ~~خدمته، فدخل دار الخلافة ثاني عشر رمضان، وبايعه بهاء الدولة والناس، وخطب ~~له ثالث عشر رمضان، وجدد أمر الخلافة، وعظم ناموسها، وسيرد من أخباره، إن ~~شاء الله تعالى، وما يعلم به ذلك، وحمل إليه بعض ما نهب من دار الخلافة، ~~وكانت مدة مقامه في البطيحة سنتين وأحد عشر شهرا ولم يخطب له في جميع ~~خراسان، كانت الخطبة فيها للطائع لله. ### || AUT ذكر ملك خلف بن أحمد كرمان # في هذه السنة أنفذ خلف بن أحمد، صاحب سجستان، وهو ابن بانوا بنت عمرو بن ~~الليث الصفار، ابنه عمرا إلى كرمان فملكها. وكان سبب ذلك أنه كان لما قوي ~~أمره، وجمع الأموال الكثيرة، حدث نفسه بملك كرمان، ولم يتهيأ له ذلك لهدنة ~~كانت بينه وبين عضد الدولة. فلما مات عضد الدولة، وملك شرف الدولة، واستقر ~~أمره وانتظم، وأمن ملكه، لم يتحرك بشيء من ذلك. فلما توفي شرف الدولة، ~~واضطرب ملوك بني بويه، ووقع الخلف بين صمصام الدولة وبهاء الدولة، قوي ~~طمعه، وانتهز الفرصة، وجهز ولده عمرا، وسيره في عسكر كثير إلى كرمان، وبها ~~قائد يقال له تمرتاش كان قد استعمله شرف الدولة، فلم يشعر تمرتاش إلا وعمرو ~~قد قاربه، فلم يكن له ولمن معه حيلة إلا الدخول إلى بردسير، وحملوا ما ~~أمكنهم حمله، وغنم عمروا الباقي، وملك كرمان ما عدا بردسير، وصادر الناس ~~وجبى الأموال. فلما وصل الخبر إلى صمصام الدولة، وهو صاحب فارس، جهز ~~العساكر وسيرها إلى تمرتاش، وقدم عليهم قائدا يقال له أبو جعفر، وأمره ~~بالقبض على تمرتاش عند الاجتماع به، لأنه اتهمه بالميل إلى أخيه بهاء ~~الدولة. فسار أبو جعفر، فلما اجتمع بتمرتاش أنزله عنده بعلة الاجتماع على ~~ما يفعلانه، ! وقبض عليه وحمله إلى شيراز، فسار أبو جعفر بالعسكر جميعه ~~يقصد عمرو ابن خلف ليحاربه، فالتقوا بدارزين واقتتلوا، فانهزم أبو جعفر ~~والديلم، وعادوا ms3132 على طريق جيرفت. PageV04P0106 # وبلغ الخبر إلى صمصام الدولة وأصحابه، فانزعجوا لذلك، ثم اجمعوا أمرهم ~~على إنفاذ العباس بن أحمد في عسكر أكثر من الأول، فسيروه في عدد كثير وعدة ~~ظاهرة، فسار حتى بلغ عمرا، فالتقوا بقرب السيرجان، واقتتلوا فكانت الهزيمة ~~على عمرو بن خلف وأسر جماعة من قواده وأصحابه، وكان هذا في المحرم سنة ~~اثنتين وثمانين، وعاد عمرو إلى أبيه بسجستان مهزوما، فلما دخل عليه لامه ~~ووبخه، ثم حبسه أياما، ثم قتله بين يديه وتولى غسله والصلاة عليه، ودفنه في ~~القلعة. فسبحان الله ما كان أقسى قلب هذا الرجل مع علمه ومعرفته ! ثم إن ~~صمصام الدولة عزل العباس عن كرمان واستعمل عليها أستاذ هرمز، فلما وصل إلى ~~كرمان خافه خلف بن أحمد، فكاتبه في تجديد الصلح، واعتذر عن فعله، فاستقر ~~الصلح، وأنفذ خلف قاضيا كان بسجستان يعرف بأبي يوسف كان له قبول عند العامة ~~والخاصة، ووضع عليه إنسانا يكون معه وأمره أن يسقيه سما إذا صار عند أستاذ ~~هرمز ويعود مسرعا ويشيع بأن أستاذ هرمز قتله. فسار أبو يوسف إلى كرمان، ~~فصنع له أستاذ هرمز طعاما، فحضره وأكل منه، فلما عاد إلى منزله سقاه ذلك ~~الرجل سما فمات منه، وركب جمازة وسار مجدا إلى خلف، فجمع له خلف وجوه الناس ~~ليسمعوا له، فذكر أن أستاذ هرمز قتل القاضي أبا يوسف، وبكى خلف وأظهر الجزع ~~عليه، ونادى في الناس بغزو كرمان والأخذ بثأر أبي يوسف، فاجتمع الناس ~~واحتشدوا، فسيرهم مع ولده طاهر، فوصلوا إلى نرماسير، وبها عسكر الديلم، ~~فهزموهم وأخذوا البلد منهم. ولحق الديلم بجيرفت، فاجتمعوا بها، وجعلوا ~~ببردسير من يحميها، وهي أصل بلاد كرمان ومصرها، فقصدها طاهر وحصرها ثلاثة ~~أشهر، فضاق بأهلها، وكتبوا إلى أستاذ هرمز يعلمونه حالهم، وأنه إن لم ~~يدركهم سلموا البلد. فركب الخطر وسار مجدا في مضايق وجبال وعرة، حتى أتى ~~بردسير، فلما وصل إليها رحل طاهر ومن معه عنها، وعادوا إلى سجستان، واستقرت ~~كرمان للديلم، وكان ذلك سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر عصيان بكجور على ms3133 سعد الدولة بن حمدان وقتله # لما وصل بكجور إلى الرقة منهزما من عساكر مصر بدمشق وأقام، على ما ~~ذكرناه، واستولى على الرحلة وما يجاور الرقة، راسل الملك بهاء الدولة ابن ~~بويه بالانضمام إليه، وكاتب أيضا باذا الكردي المتغلب على ديار بكر والموصل ~~بالمسير إليه، وراسل سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان، صاحب حلب، بأن ~~يعود إلى طاعته على قاعدته الأولى ويقطعه منه مدينة حمص كما كانت له، فليس ~~فيهم من أجابه إلى شيء مما طلب، فبقي في الرقة يراسل جماعة رفقاء من مماليك ~~سعد الدولة، ويستميلهم، فأجابوه إلى الموافقة على قصد بلد سعد الدولة، ~~وأخبروه أنه مشغول بلذاته وشهواته عن تدبير الملك؛ فأرسل حينئذ بكجور إلى ~~العزيز بالله، صاحب مصر، يطمعه في حلب، ويقول له إنها دهليز العراق، ومتى ~~أخذت كان ما بعدها أسهل منها، ويطلب الإنجاد بالعساكر. فأجابه العزيز إلى ~~ذلك وأرسل إلى نزال، والي طرابلس، وإلى ولاة غيرها من البلاد الشامية ~~يأمرهم بتجهيز العساكر مع نزال إلى بكجور، والتصرف على ما يأمرهم به من ~~قتال سعد الدولة وقصد بلاده. وكتب عيسى بن نسطورس النصراني، وزير العزيز، ~~إلى نزال يأمره بمدافعة بكجور، وإطماعه في المسير إليه، فإذا تورط في قصد ~~سعد الدولة تخلى عنه. وكان السبب في فعل عيسى هذا ببكجور أنه كان بينه وبين ~~بكجور عداوة مستحكمة، وولي الوزارة بعد وفاة ابن كلس، فكتب إلى نزال ما ~~ذكرناه. فلما وصل أمر العزيز إلى نزال بإنجاد بكجور كتب إليه يعرفه ما أمر ~~به من نجدته بنفسه وبالعساكر معه، وقال له بكجور: مسيرك عن الرقة يوم كذا، ~~ومسيري أنا عن طرابلس يوم كذا، ويكون اجتماعنا على حلب يوم كذا؛ وتابع رسله ~~إليه بذلك، فسار مغترا بقوله إلى بالس، فامتنعت عليه، فحصرها خمسة أيام فلم ~~يظفر بها فسار عنها. وبلغ الخبر بمسير بكجور إلى سعد الدولة، فسار عن حلب ~~ومعه لؤلؤ الكبير، ومولى أبيه سيف الدولة، وكتب إلى بكجور يستميله ويدعوه ~~إلى الموادعة، ورعاية حق الرق والعبودية، ويبذل له أن ms3134 يقطعه من الرقة إلى ~~حمص، فلم يقبل منه ذلك. PageV04P0107 # وكان سعد الدولة قد كاتب الوالي بأنطاكية لملك الروم يستنجده، فسير إليه ~~جيشا كثيرا من الروم، وكاتب أيضا من مع بكجور من العرب يرغبهم في الإقطاع، ~~والعطاء الكثير، والعفو عن مساعدتهم بكجور، فمالوا إليه، ووعدوه الهزيمة ~~بين يديه، فلما التقى العسكران اقتتلوا، واشتد القتال، فلما اختلط الناس في ~~الحرب وشغل بعضهم ببعض عطف العرب على سواد بكجور فنهبوه، واستأمنوا إلى سعد ~~الدولة، فلما رأى بكجور ذلك اختار من شجعان أصحابه أربعمائة رجل، وعزم على ~~أ، يقصد موقف سعد الدولة ويلقي نفسه عليه، فإما له وإما عليه، فهرب واحد ~~ممن حضر الحال إلى لؤلؤ الكبير وعرفه ذلك، فطلب لؤلؤ من سعد الدولة أن ~~يتحرك من موقفه ويقف مكانه، فأجابه إلى ذلك بعد امتناع. فحمل بكجور ومن ~~معه، فوصلوا إلى موقف لؤلؤ بعد قتال شديد عج الناس منه واستعظموه كلهم، ~~فلما رأى لؤلؤا ألقى نفسه عليه وهو يظنه سعد الدولة، فضربه على رأسه، فسقط ~~إلى الأرض، فظهر حينئذ سعد الدولة وعاد إلى موقفه، ففرح به أصحابه وقويت ~~نفوسهم، وأحاطوا ببكجور وصدقوه القتال، فمضى منهزما هو وعامة أصحابه، ~~وتفرقوا، وبقي منهم معه سبعة أنفس، وكثر القتل والأسر في الباقين. ولما طال ~~الشوط ببكجور ألقى سلاحه وسار، فوقف فرسه، فنزل عنه وسار راجلا، فلحقه نفر ~~من العرب، فأخذوا ما عليه، وقصد بعض العرب فنزل عليه وعرفه نفسه، وضمن له ~~حمل بعير ذهبا ليوصله إلى الرقة، فلم يصدقه لبخله المشهور عنه، فتركه في ~~بيته وتوجه إلى سعد الدولة فعرفه أن بكجور عنده، فحكمه سعد الدولة في ~~مطالبه، فطلب مائتي فدان ملكا، ومائة ألف درهم، ومائة جمل تحمل له حنطة، ~~وخمسين قطعة ثيابا، فأعطاه ذلك أجمع وزيادة وسير معه سرية، فتسلموا بكجور ~~وأحضروه عند سعد الدولة، فلما رآه أمر بقتله، فقتل، ولقي عاقبة بغيه وكفره. ~~إحسان مولاه. فلما قتله سعد الدولة سار إلى الرقة فنازلها، وبها سلامة ~~الرشيقي، ومعه أولاد بكجور وأبو الحسن علي بن الحسين المغربي ms3135 وزير بكجور، ~~فسلموا البلد إليه بأمان وعهود أكدوها وأخذوها عليه لأولاد بكجور وأموالهم، ~~وللوزير المغربي، ولسلامة الرشيقي، ولأموالهم، فلما خرج أولاد بكجور ~~بأموالهم رأى سعد الدولة ما معهم، فاستعظمه واستكثره. وكان عند القاضي ابن ~~أبي الحصين، فقال سعد الدولة: ما كنت أظن أن بكجور يملك هذا جميعه؛ فقال له ~~القاضي: لم لا تأخذه ؟ فهو لكلأنه مملوك لا يملك شيئا، ولا حرج عليك ولا ~~حنث. فلما سمع هذا أخذ المال جميعه وقبض عليهم، وهرب الوزير المغربي إلى ~~مشهد أمير المؤمنين علي، عليه السلام، وكتب أولاد بكجور إلى العزيز يسألونه ~~الشفاعة فيهم، فأرسل إليه يشفع فيهم، ويأمره أن يسيرهم إلى مصر ويتهدده إن ~~لم يفعل. فأهان الرسول وقال له: قل لصاحبك أنا سائر إليك. وسير مقدمته إلى ~~حمص ليلحقهم. ### || AUT ذكر وفاة سعد الدولة بن حمدان # فلما برز سعد الدولة ليسير إلى دمشق لحقه قولنج، فعاد إلى حلب ليتداوى، ~~فزال ما به وعوفي، وعزم على العود إلى معسكره، وحضر عند إحدى سراريه ~~فواقعها فسقط عنها وقد فلج وبطل نصفه، فاستدعى الطبيب، فقال له: أعطني يدك ~~لآخذ محبسك؛ فأعطاه اليسرى، فقال: أعطني اليمين؛ فقال: لا تركت لي اليمين ~~يمينا، يعني نكثه بأولاد بكجور هو الذي أهلكه، وقد ذكر ذلك، وندم عليه حيث ~~لم تنفعه الندامة، وعاش بعد ذلك ثلاثة أيام ومات بعد أن عهد إلى ولده أبي ~~الفضائل، وصى إلى لؤلؤ به وبسائر أهله. فلما توفي قام أبو الفضائل، وأخذ له ~~لؤلؤ العهد على الأجناد، وتراجعت العساكر إلى حلب. وكان الوزير أبو الحسن ~~المغربي قد سار من مشهد علي، عليه السلام، إلى العزيز بمصر، وأطمعه في حلب، ~~فسير جيشا وعليهم منجوتكين أحد أمرائه إلى حلب، فسار إليها في جيش كثيف ~~فحصرها، وبها أبو الفضائل ولؤلؤ، فكتبا إلى بسيل ملك الروم يستنجدانه، وهو ~~يقاتل البلغار، فأرسل بسيل إلى نائبه بأنطاكية يأمره بإنجاد أبي الفضائل، ~~فسار في خمسين ألفا، حتى نزل على الجسر الجديد بالعاصي، فلما سمع منجوتكين ~~الخبر سار إلى الروم ليلقاهم قبل اجتماعهم ms3136 بأبي الفضائل، وعبر إليهم ~~العاصي، وأوقعوا بالروم فهزموهم وولوا الأدبار إلى إنطاكية، وكثر القتل ~~فيهم. PageV04P0108 # وسار منجوتكين إلى إنطاكية، فنهب بلدها وقراها وأحرقها، وأنفذ أبو ~~الفضائل إلى بلد حلب، فنقل ما فيه من الغلال، وأحرق الباقي إضرارا بعساكر ~~مصر، وعاد منجوتكين إلى حلب فحصرها، فأرسل لؤلؤ إلى أبي الحسن المغربي ~~وغيرهم وبذل لهم مالا ليردوا منجوتكين عنهم، هذه السنة، بعلة تعذر الأقوات، ~~ففعلوا ذلك، وكان منجوتكين قد ضجر من الحرب، فأجابهم إليه وسار إلى دمشق. ~~ولما بلغ الخبر إلى العزيز غضب وكتب بعود العسكر إلى حلب، وإبعاد المغربي، ~~وأنفذ الأقوات من مصر في البحر إلى طرابلس، ومنها إلى العسكر، فنازل العسكر ~~حلب، وأقاموا عليها ثلاثة عشر شهرا، فقلت الأقوات بحلب. وعاد إلى مراسلة ~~ملك الروم والاعتضاد به، وقال له: متى أخذت حلب أخذت إنطاكية وعظم عليك ~~الخطب. وكان قد توسط بلاد البلغار، فعاد وجد في السير، وكان الزمان ربيعا، ~~وعسكر مصر قد أرسل إلى منجوتكين يعرفه الحال، وأتته جواسيسه بمثل ذلك، ~~فأخرب ما كان بناه من سوق وحمام وغير ذلك، وسار كالمنهزم عن حلب، ووصل ملك ~~الروم فنزل على باب حلب، وخرج إليه أبو الفضائل ولؤلؤ، وعاد إلى حلب، ورحل ~~بسيل إلى الشام، ففتح حمص وشيزر ونهبهما، وسار إلى طرابلس فنازلها، فامتنعت ~~عليه، وأقام عليها نيفا وأربعين يوما، فلما أيس منها عاد إلى بلاد الروم. ~~ولما بلغ الخبر إلى العزيز عظم عليه، ونادى في الناس بالنفير لغزو الروم، ~~وبرز من القاهرة، وحدث به أمراض منعته، وأدركه الموت، على ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل المنصور، صاحب إفريقية، نائبه في البلاد يوسف، واستعمل ~~بعده على البلاد أبا عبدالله محمد بن أبي العرب. وفيها توفي القائد جوهر، ~~بعد عزله، وجوهر هذا هو الذي فتح مصر للمعز العلوي. وفيها قبض بهاء الدولة ~~على وزيره أبي نصر سابور بالأهواز، واستوزر أبا القاسم عبد العزيز بن يوسف. ~~وفيها أيضا قبض بهاء الدولة على أبي نصر خواشاذه وأبي ms3137 عبدالله بن طاهر، بعد ~~عوده من خوزستان، وكان سب قبضهما أن أبا نصر كان شحيحا، فلم يواصل ابن ~~المعلم بخدمه وهداياه، فشرع في القبض عليه. وفيها هرب فولاذ زماندر من عند ~~صمصام الدولة إلى الري، وكان سبب هربه أنه تحكم على صمصام الدولة تحكما ~~عظيما أنف منه، فأراد القبض عليه، فعلم به فهرب منه. وفيها كتب أهل الرحبة ~~إلى بهاء الدولة يطلبون إنفاذ من يسلمون إليه الرحبة، فأنفذ خمارتكين ~~الحفصي إلى الرحبة فتسلمها، وسار منها إلى الرقة، وبها بدر غلام سعد الدولة ~~بن حمدان، فجرت بينهما وقعات، فلم يظفر بها، وبلغه اختلاف ببغداد، فعاد، ~~فخرج عليه بعض العرب، فأخذوه أسيرا، ثم افتدى منهم بمال كثير. وفيها حلف ~~بهاء الدولة للقادر بالله على الطاعة، والقيام بشروط البيعة، وحلف له ~~القادر بالوفاء والخلوص، وأشهد عليه أنه قلده ما وراء بابه. وفيها كثرت ~~الفتن بين العامة ببغداد، وزالت هيبة السلطنة، وتكرر الحريق في المحال، ~~واستمر الفساد. وفيها توفي قاضي القضاة عبيدالله بن أحمد بن معروف أبو ~~محمد، ومولده سنة ست وثلاثمائة، وكان فاضلا، عفيفا، نزيها، وكان معتزليا؛ ~~ومحمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم بن زاذان أبو بكر المعروف بابن المقري ~~الأصبهاني، وله ست وتسعون سنة، وهو راوي مسند أبي يعلى الموصلي عنه. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر عود الديلم إلى الموصل # كان بهاء الدولة قد أنفذا أبا جعفر الحجاج بن هرمز في عسكر كثير إلى ~~الموصل، فملكها آخر سنة إحدى وثمانين، فاجتمعت عقيل، وأميرهم أبو الذواد ~~محمد بن المسيب، على حربه، فجرى بينهم عدة وقائع ظهر من أبي جعفر فيها بأس ~~شديد، حتى إنه كان يضع له كرسيا بين الصفين ويجلس عليه، فهابه العرب، ~~واستمد من بهاء الدولة عسكرا، فأمده بالوزير أبي القاسم علي بن أحمد، وكان ~~مسيره أول هذه السنة، فلما وصل إلى العسكر كتب بهاء الدولة إلى أبي جعفر ~~بالقبض عليه، فعلم أبو جعفر إنه إن قبض عليه اختلف العسكر، وظفر به العرب، ~~فتراجع في أمره. ms3138 PageV04P0109 # وكان سبب ذلك أن ابن المعلم كان عدوا له، فسعى به عند بهاء الدولة، فأمر ~~بقبضه، وكان بهاء الدولة أذنا يسمع ما يقال له ويفعل به، وعلم الوزير ~~الخبر، فشرع في صلح أبي الذواد وأخذ رهائنه والعود إلى بغداد، فأشار عليه ~~أصحابه باللحاق بأبي الذواد، فلم يفعل أنفة، وحسن عهد، فلما وصل إلى بغداد ~~رأى ابن المعلم قد قبض وقتل وكفي شره. ولما أتاه خبر قبض ابن المعلم وقتله ~~ظهر عليه الانكسار، فقال له خواصه: ما هذا الهم وقد كفيت شر عدوك ؟ فقال: ~~إن ملكا قرب رجلا كما قرب بهاء الدولة ابن المعلم، ثم فعل به هذا، لحقيق ~~بأن تخاف ملابسته. وكان بهاء الدولة قد أرسل الشريف أبا أحمد الموسوي رسولا ~~إلى أبي الذواد، فأسره العرب، ثم أطلقوه فورد إلى الموصل وانحدر إلى بغداد. ### || AUT ذكر تسليم الطائع إلى القادر # ### || AUT وما فعله معه # في هذه السنة، في رجب، سلم بهاء الدولة الطائع لله إلى القادر بالله، ~~فأنزله حجرة، من خاص حجره، ووكل به من ثقات خدمه من يقوم بخدمته، وأحسن ~~ضيافته، وكان يطلب الزيادة في الخدمة كما كان أيام الخلافة، فيؤمر له بذلك. ~~حكي عنه أن القادر بالله أرسل إليه طيبا فقال: من هذا يتطيب أبو العباس ؟ ~~يعني القادر، فقالوا: نعم ! فقال: قولوا له عني: في الموضع الفلاني كندوج ~~أستعمله، فليرسل إلي بعضه ويأخذ الباقي لنفسه. ففعل ذلك. وأرسل إليه يوما ~~القادر بالله عدسية، فقال: ما هذا ؟ فقالوا: عدس وسلق، فقال: أوقد أكل أبو ~~العباس من هذا ؟ نعم؛ قال: له عني: لما أردت أن تأكل عدسية لم اختفيت، فما ~~كانت العدسية تعوزك، ولم تقلدت هذا الأمر ؟ فأمر حينئذ القادر أن يفرد له ~~جارية من طباخاته تطبخ له ما يلتمسه كل يوم؛ فأقام على هذا إلى أن توفي. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض بهاء الدولة على أبي الحسن بن المعلم، وكان قد استولى ~~على الأمور كلها، وخدمه الناس كلهم، حتى الوزراء، فأساء السيرة مع الناس، ~~فشغب الجند ms3139 في هذا الوقت، وشكوا منه، وطلبوا منه تسليمه إليهم، فراجعهم ~~بهاء الدولة، ووعدهم كف يده عنهم، فلم يقبلوا منه، فقبض عليه وعلى جميع ~~أصحابه، فظن أن الجند يرجعون، فلم يرجعوا، فسلمه إليهم، فسقوه السم مرتين، ~~فلم يعمل فيه شيئا، فخنقوه ودفنوه. وفيها، في شوال، تجددت الفتنة بين أهل ~~الكرخ وغيرهم، واشتد الحال، فركب أبو الفتح محمد بن الحسن الحاجب، فقتل ~~وصلب، فسكن البلد. وفيها غلت الأسعار ببغداد، فبيع رطل الخبز بأربعين ~~درهما. وفيها قبض بهاء الدولة على وزيره أبي القاسم علي بن أحمد المذكور، ~~وكان سبب قبضه أن بهاء الدولة اتهمه بمكاتبة الجند في أمر ابن المعلم، ~~واستوزر أبا نصر بن سابور، وأبا منصور بن صالحان، جمع بينهما في الوزارة. ~~وفيها قبض صمصام الدولة على وزيره أبي القاسم العلاء بن الحسن بشيراز، وكان ~~غالبا على أمره، وبقي محبوسا إلى سنة ثلاث وثمانين، فأخرجه صمصام الدولة ~~واستوزره، وكان يدبر الأمر مدة حبسه أبو القاسم المدلجي. وفيها نزل ملك ~~الروم بأرمينية، وحصر خلاط، وملازكرد، وأرجيش، فضعفت نفوس الناس عنه، ثم ~~هادنه أبو علي الحسن بن مروان مدة عشر سنين، وعاد ملك الروم. وفيها، في ~~شوال، ولد الأمير أبو الفضل بن القادر بالله. وفيها سار بغراخان ايلك، ملك ~~الترك، بعساكره إلى بخارى، فسير الأمير نوح بن منصور جيشا كثيرا، ولقيهم ~~ايلك وهزمهم، فعادوا إلى بخارى مفلولين، وهو في أثرهم، فخرج نوح بنفسه ~~وسائر عسكره، ولقيه فاقتتلوا قتالا شديدا وأجلت المعركة عن هزيمة ايلك، ~~فعاد منهزما إلى بلاساغون، وهي كرسي مملكته. وفيها توفي أبو عمرو محمد بن ~~العباس بن حسنويه الخزار، ومولده سنة خمس وتسعين ومائتين. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر خروج أولاد بختيار # في هذه السنة ظهر أولاد بختيار من محبسهم، واستولوا على القلعة التي ~~كانوا معتقلين بها. وكان سبب حبسهم أن شرف الدولة أحسن إليهم، بعد والده، ~~وأطلقهم، وأنزلهم بشيراز، وأقطعهم، فلما مات شرف الدولة حبسوا في قلعة ~~ببلاد فارس، فاستمالوا مستحفظها ومن معه من الديلم، فأفرجوا عنهم، ms3140 وأنفذوا ~~إلى أهل تلك النواحي، وأكثرهم رجالة، فجمعوهم تحت القلعة. PageV04P0110 # وعرف صمصام الدولة الحال، فسير أبا علي بن أستاذ هرمز في عسكر، فلما ~~قاربهم تفرق من معهم من الرجالة، وتحصن بنو بختيار، وكانوا ستة، ومن معهم ~~من الديلم بالقلعة، وحصرهم أبو علي، وراسل أحد وجوه الديلم وأطمعه في ~~الإحسان، فأصعدهم إلى القلعة سرا، فملكوها، وأخذوا أولاد بختيار أسراء، ~~فأمر صمصام الدولة بقتل اثنين منهم وحبس الباقين، ففعل ذلك بهم. ### || AUT ذكر ملك صمصام الدولة خوزستان # في هذه السنة ملك صمصام الدولة خوزستان. وكان سبب نقض الصلح أن بهاء ~~الدولة سير أبا العلاء عبدالله بن الفضل إلى الأهواز، وتقدم إليه بأن يكون ~~مستعدا لقصد بلاد فارس، وأعلمه أنه يسير إليه العساكر متفرقين، فإذا ~~اجتمعوا عنده سار بهم إلى بلاد فارس بغتة، فلا يشعر صمصام الدولة إلا وهم ~~معه في بلاده. فسار أبو العلاء، ولم يتهيأ لبهاء الدولة إمداده بالعساكر، ~~وظهر الخبر، فجهز صمصام الدولة عسكره وسيرهم إلى خوزستان، وكتب أبو العلاء ~~إلى بهاء الدولة بالخبر وبطلب إمداده بالعساكر، فسير إليه عسكرا كثيرا، ~~ووصلت عساكر فارس، فلقيهم أبو العلاء، فانهزم هو وأصحابه وأخذ أسيرا وحمل ~~إلى صمصام الدولة، فألبس ثيابا مصبغة وطيف به، وسألت فيه والدة صمصام ~~الدولة، فلم يقتله، واعتقله. ولما سمع بهاء الدولة بذلك أزعجه وأقلقه، ~~وكانت خزانته قد خلت من الأموال، فأرسل وزيره أبا نصر بن سابور إلى واسط ~~ليحصل ما أمنه، وأعطاه رهونا من الجواهر والأعلاق النفسية ليقترض عليها من ~~مهذب الدولة، صاحب البطيحة، فلما وصل إلى واسط تقرب منها إلى مهذب الدولة، ~~وترك ما معه من الرهون بحاله، وأرسل بهاء الدولة ورهنها واقترض عليها. ### || AUT ذكر ملك الترك بخارى # في هذه السنة ملك مدينة بخارى شهاب الدولة هارون بن سليمان ايلك المعروف ~~ببغراخان التركي، وكان له كاشغر وبلاساغون إلى حد الصين. وكان سبب ذلك أن ~~أبا الحسن بن سيمجور لما مات وولي ابنه أبو علي خراسان بعده، كاتب الأمير ~~الرضي نوح بن منصور يطلب أن يقره على ms3141 ما كان أبوه يتولاه، فأجيب إلى ذلك، ~~وحملت إليه الخلع، وهو لا يشك أنها له، فلما بلغ الرسول طريق هراة عدل ~~إليها، وبها فائق، فأوصل الخلع والعهد بخراسان إليه، فعلم أبو علي أنهم ~~مكروا به، وأن هذا دليل سوء يريدونه به، فلبس فائق الخلع وسار عن هراة نحو ~~أبي علي فبلغه الخبر، فسار جريدة في نخبة أصحابه، وطوى المنازل حتى سبق ~~خبره، فأوقع بفائق فيما بين بوشنج وهراة، فهزم فائقا وأصحابه، وقصدوا مرو ~~الروذ. وكتب أبو علي إلى الأمير نوح يجدد طلب ولاية خراسان، فأجابه إلى ~~ذلك، وجمع له ولاية خراسان جميعها بعد أن كانت هراة لفائق، فعاد أبو علي ~~إلى نيسابور ظافرا وجبى أموال خراسان، فكتب إليه نوح يستنزله عن بعضها ~~ليصرفه في أرزاق جنده، فاعتذر إليه ولم يفعل، وخاف عاقبة المنع، فكتب إلى ~~بغراخان المذكور يدعوه إلى أن يقصد بخارى ويملكها على السامانية، وأطمعه ~~فيهم، واستقر الحال بينهما على أن يملك بغراخان ما وراء النهر كله، ويملك ~~أبو علي خراسان، فطمع بغراخان في البلاد، وتجدد له إليها حركة. وأما فائق ~~فإنه أقام بمرو الروذ حتى انجبر كسره واجتمع إليه أصحابه وسار نحو بخارى من ~~غير إذن، فارتاب الأمير نوح به، فسير إليه الجيوش وأمرهم بمنعه، فلما لقوه ~~قاتلوه، فانهزم فائق وأصحابه، وعاد على عقبيه، وقصد ترمذ. فكتب الأمير نوح ~~إلى صاحب الجوزجان من قبله، وهو أبو الحرث أحمد بن محمد الفريغوني، وأمره ~~بقصد فائق، فجمع جمعا كثيرا وسار نحوه، فأوقع بهم فائق فهزمهم وغنم ~~أموالهم. وكاتب أيضا بغراخان يطمعه في البلاد، فسار نحو بخارى، وقصد بلاد ~~السامانية، فاستولى عليها شيئا بعد شيء. فسير إليه نوح جيشا كثيرا، واستعمل ~~عليهم قائدا كبيرا من قواده اسمه انج، فلقيهم بغراخان، فهزمهم وأسر انج ~~وجماعة من القواد، فلما ظفر بهم قوي طمعه في البلاد، وضعف نوح وأصحابه، ~~وكاتب الأمير نوح أبا علي بن سيمجور يستنصره، ويأمره بالقدوم إليه ~~بالعساكر، فلم يجبه إلى ذلك، ولا لبى دعوته، وقوي طمعه في الاستيلاء على ~~خراسان. ms3142 PageV04P0111 # وسار بغراخان نحو بخارى، فلقيه فائق، واختص به، وصار في جملته، ونازلوا ~~بخارى، فاختفى الأمير نوح، وملكها بغراخان ونزلها، وخرج نوح منها مستخفيا ~~فعبر النهر إلى آمل الشط، وأقام بها، ولحق به أصحابه، فاجتمع عنده منهم جمع ~~كثير، وأقاموا هناك. وتابع نوح كتبه إلى أبي علي ورسله يستنجده ويخضع له، ~~فلم يصغ إلى ذلك. وأما فائق فإنه استأذن بغراخان في قصد بلخ والاستيلاء ~~عليها، فأمره بذلك، فسار نحوها ونزلها. ### || AUT ذكر عود نوح إلى بخارى # ### || AUT وموت بغراخان # لما نزل بغراخان بخارى وأقام بها استوخمها، فلحقه مرض ثقيل، فانتقل عنها ~~نحو بلاد الترك، فلما فارقها ثار أهلها بساقة عسكره ففتكوا بهم وغنموا ~~أموالهم، ووافقهم الأتراك الغزية على النهب والقتل لعسكر بغراخان. فلما سار ~~بغراخان عن بخارى أدركه أجله فمات، ولما سمع الأمير نوح بمسيره عن بخارى ~~بادر إليها فيمن معه من أصحابه، فدخلها، وعاد إلى دار ملكه وملك آبائه، ~~وفرح أهلها به وتباشروا بقدومه. وأما بغراخان فإنه لما مات عاد أصحابه إلى ~~بلادهم، وكان دينا، خيرا، عادلا، حسن السيرة، محبا للعلماء وأهل الدين، ~~مكرما لهم، وكان يحب أن يكتب عنه: مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~وولي أمر الترك بعده أيلك خان. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كثر شغب الديلم على بهاء الدولة، ونهبوا دار الوزير أبي ~~نصر ابن سابور، واختفى منهم، واستعفى ابن صالحان من الأنفراد بالوزارة ~~فأعفي، واستوزر أبا القاسم علي بن أحمد، ثم هرب، وعاد سابور إلى الوزارة ~~بعد أن أصلح الديلم. وفيها جلس القادر بالله لأهل خراسان، بعد عودهم من ~~الحج، وقال لهم في معنى الخطبة له، وحملوا رسالة وكتبا إلى صاحب خراسان في ~~المعنى. وفيها عقد النكاح للقادر على بنت بهاء الدولة بصداق مبلغه مائة ألف ~~دينار، وكان العقد بحضرته، والولي النقيب أبو أحمد الحسين بن موسى، والد ~~الرضي، وماتت قبل النقلة. وفيها كان بالعراق غلاء شديد فبيعت كارة الدقيق ~~بمائتين وستين درهما، وكر الحنطة بستة آلاف وستمائة درهم غياتية. وفيها بنى ms3143 ~~أبو نصر سابور بن أردشير ببغداد دارا للعلم، ووقف فيها كتبا كثيرة على ~~المسلمين المنتفعين بها. وفيها توفي أبو الحسن علي بن محمد بن سهل ~~الماسرجسي، الفقيه الشافعي، شيخ أبي الطيب الطبري بنيسابور، وأبو بكر محمد ~~بن العباس الخوارزمي الشاعر. وأبو طالب عبد السلام بن الحسن المأموني، وهو ~~من أولاد المأمون، وكان فاضلا حسن الشعر. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وثمانين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر ولاية محمود بن سبكتكين خراسان # ### || AUT وإجلاء أبي علي عنها # في هذه السنة ولى الأمير نوح محمود بن سبكتكين خراسان وكان سبب ذلك أن ~~نوحا لما عاد إلى بخارى، على ما تقدم ذكره، سقط في يد أبي علي، وندم على ما ~~فرط فيه من ترك معونته عند حاجته إليه. وأما فائق فإنه لما استقر نوح ~~ببخارى حدث نفسه بالمسير إليه، والاستيلاء عليه، والحكم في دولته، فسار عن ~~بلخ إلى بخارى. فلما علم نوح بذلك سير إليه الجيوش لترده عن ذلك، فلقوه ~~واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم فائق وأصحابه، ولحقوا بأبي علي، ففرح بهم، ~~وقوي جنانه بقربهم، واتفقوا على مكاشفة الأمير نوح بالعصيان، فلما فعلوا ~~ذلك كتب الأمير نوح إلى سبكتكين، وهو حينئذ بغزنة، يعرفه الحال، ويأمره ~~بالمسير إليه لينجده، وولاه خراسان. وكان سبكتكين في هذه الفتن مشغولا ~~بالغزو، غير ملتفت إلى ما هم فيه، فلما أتاه كتاب نوح ورسوله أجابه إلى ما ~~أراد، وسار نحو جريدة، واجتمع به، وقررا بينهما ما يفعلانه، وعاد سبكتكين ~~فجمع العساكر وحشد. فلما بلغ أبا علي وفائقا الخبر جمعا، وراسلا فخر الدولة ~~بن بويه يستنجدانه، ويطلبان منه عسكرا، فأجابهما إلى ذلك، وسير إليهما ~~عسكرا كثيرا، وكان وزيره الصاحب بن عباد هو الذي قرر القاعدة في ذلك. ~~PageV04P0112 # وسار سبكتكين من غزنة، ومعه ولده محمود، نحو خراسان، وسار نوح فاجتمع هو ~~وسبكتكين، فقصدوا أبا علي وفائقا، فالتقوا بنواحي هراة، واقتتلوا، فانحاز ~~دارا بن قابوس بن وشمكير من عسكر أبي علي إلى نوح ومعه أصحابه، فانهزم ~~أصحاب أبي علي، وركبهم أصحاب سبكتكين يأسرون، ويقتلون، ويغنمون، ms3144 وعاد أبو ~~علي وفائق نحو نيسابور، وأقام سبكتكين ونوح بظاهر هراة حتى استراحوا وساروا ~~نحو نيسابور، فلما علم بهم أبو علي سار هو وفائق نحو جرجان، وكتبا إلى فخر ~~الدولة بخبرهما، فأرسل إليهما الهدايا والتحف والأموال، وأنزلهما بجرجان. ~~واستولى نوح على نيسابور، واستعمل عليها وعلى جيوش خراسان محمود بن ~~سبكتكين، ولقبه سيف الدولة، ولقب أباه سبكتكين ناصر الدولة، فأحسنا السيرة، ~~وعاد نوح إلى بخارى وسبكتكين إلى هراة وأقام محمود بنيسابور. ### || AUT ذكر عود الأهواز إلى بهاء الدولة # في هذه السنة ملك بهاء الدولة الأهواز. وكان سببه أنه أنفذ عسكرا إليها، ~~عدتهم سبع مائة رجل، وقدم عليهم طغان التركي، فلما بلغوا السوس رحل عنها ~~أصحاب صمصام الدولة، فدخلها عسكر بهاء الدولة، وانتشروا في أعمال خوزستان، ~~وكان أكثرهم من الترك، فعلت كلمتهم على الديلم، وتوجه صمصام الدولة إلى ~~الأهواز ومعه عساكر الديلم وتميم وأسد. فلما بلغ تستر رحل ليلا ليكبس ~~الأتراك من عسكر بهاء الدولة، فضل الأدلاء في الطريق، فأصبح على بعد منهم، ~~ورأتهم طلائع الأتراك، فعادوا بالخبر، فحذروا، واجتمعوا، واصطفوا، وجعل ~~مقدمهم، واسمه طغان، كمينا، فلما التقوا واقتتلوا خرج الكمين على الديلم، ~~فكانت الهزيمة، وانهزم صمصام الدولة ومن معه من الديلم، وكانوا ألوفا ~~كثيرة، واستأمن منهم أكثر من ألفي رجل، وغنم الأتراك من أثقالهم شيئا ~~كثيرا. وضرب طغان للمستأمنة خيما يسكنونها، فلما نزلوا اجتمع الأتراك ~~وتشاوروا وقالوا: هؤلاء أكثر من عدتنا، ونحن نخاف أن يثوروا بنا؛ واستقر ~~رأيهم على قتلهم، فلم يشعر الديلم إلا وقد ألقيت الخيام عليهم، ووقع ~~الأتراك فيهم بالعمد حتى أتوا عليهم فقتلوا كلهم. وورد الخبر على بهاء ~~الدولة، وهو بواسط، قد اقترض مالا من مهذب الدولة، فلما سمع ذلك سار إلى ~~الأهواز، وكان طغان والأتراك قد ملكوها قبل وصوله إليها. وأما صمصام الدولة ~~فإنه لبس السواد وسار إلى شيراز فدخلها، فغيرت والدته ما عليه من السواد، ~~وأقام يتجهز للعود إلى أخيه بهاء الدولة بخوزستان. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عقد النكاح لمهذب الدولة على ابنة ms3145 بهاء الدولة، وللأمير ~~أبي منصور بويه بن بهاء الدولة على ابنة مهذب الدولة، وكان الصداق من كل ~~جانب مائة ألف دينار. وفيها قبض بهاء الدولة على أبي نصر خواشاذه. وفيها ~~عاد الحجاج من الثعلبية، ولم يحج من العراق والشام أحد، وسبب عودهم أن ~~الأصيفر، أمير العرب، اعترضهم وقال: إن الدراهم التي أرسلها السلطان عام ~~أول كانت نقرة مطلية، وأريد العوض؛ فطالت المخاطبة والمراسلة وضاق الوقت ~~على الحجاج فرجعوا. وفيها توفي أبو القاسم النقيب الزينبي، وولي النقابة ~~بعده ابنه أبو الحسن. وفيها ولي نقابة الطالبيين أبو الحسن النهرسابسي، ~~وعزل عنها أبو أحمد الموسوي، وكان ينوب عنه فيها ابناه المرتضى والرضي. ~~وفيها توفي عبدالله بن محمد بن نافع بن مكرم أبو العباس البستي الزاهد، ~~وكان من الصالحين، حج من نيسابور ماشيا، وبقي سبعين سنة لا يستند إلى حائط ~~ولا إلى مخدة؛ وعلي بن الحسين بن جموية بن زيد أبو الحسين الصوفي، سمع ~~الحديث، وحدث وصحب أبا الخير الأقطع وغيره، وعلي ابن عيسى بن علي بن ~~عبدالله أبو الحسن النحوي المعروف بالرماني، ومولده سنة ست وتسعين ومائتين، ~~روى عن أبن دريد وغيره، وله تفسير كبير؛ ومحمد بن العباس بن أحمد بن القزاز ~~أبو الحسن، سمع الكثير، وكتب الكثير، وخطه حجة في صحة النقل وجودة الضبط؛ ~~وأبو عبيدالله محمد بن عمران المرزباني الكاتب؛ والمحسن بن علي بن علي بن ~~محمد بن أبي الفهم أبو علي التنوخي القاضي، ومولده سنة سبع وعشرين ~~وثلاثمائة، وكان فاضلا. وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي، ~~الكاتب المشهور، وكان عمره إحدى وتسعين سنة، وكان قد زمن، وضاقت به الأمور، ~~وقلت عليه الأموال. PageV04P0113 # وفيها اشتد أمر العيارين ببغداد، ووقعت الفتنة بين أهل الكرخ وأهل باب ~~البصرة، واحترق كثير من المحال، ثم اصطلحوا. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وثمانين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر عود أبي علي إلى خراسان # لما عاد الأمير نوح إلى بخارى، وسبكتكين إلى هراة، وبقي محمود بنيسابور، ~~طمع أبو علي وفائق في خراسان، فسارا عن جرجان إلى نيسابور ms3146 في ربيع الأول، ~~فلما بلغ محمودا خبرهما كتب إلى أبيه بذلك، وبرز هو فنزل بظاهر نيسابور ~~وأقام ينتظر المدد، فأعجلاه، فصبر لهما، فقاتلاه، وكان في قلة من الرجال، ~~فانهزم عنهما نحو أبيه، وغنم أصحابهما منه شيئا كثيرا، وأشار أصحاب أبي علي ~~عليه باتباعه، وإعجاله ووالده عن الجميع والاحتشاد، فلم يفعل، وأقام ~~بنيسابور، وكاتب الأمير نوحا يستميله، ويستقيل من عثرته وزلته، وكذلك كاتب ~~سبكتكين بمثل ذلك، وأحال بما جرى على فائق، فلم يجيباه إلى ما أراد. وجمع ~~سبكتكين العساكر، فأتوه على كل صعب وذلول، وسار نحو أبي علي، فالتقوا بطوس ~~في جمادى الآخرة، فاقتتلوا عامة يومهم، وأتاهم محمود بن سبكتكين في عسكر ~~ضخم من ورائهم، فانهزموا وقتل من أصحابهم خلق كثير، ونجا أبو علي وفائق، ~~فقصدا أبيورد، فتبعهم سبكتكين، واستخلف ابنه محمودا بنيسابور، فقصدا مرو ثم ~~آمل الشط، وراسلا الأمير نوحا يستعطفانه، فأجاب أبا علي إلى ما طلب من قبول ~~عذره إن فارق فائقا ونزل بالجرجانية، ففعل ذلك، فحذره فائق، وخوفه من ~~مكيدتهم به ومكرهم، فلم يلتفت لأمر يريده الله، عز وجل، ففارق فائقا وسار ~~نحو الجرجانية فنزل بقرية بقرب خوارزم تسمى هزار أس، فأرسل إليه أبو ~~عبدالله خوارزمشاه من أقام له ضيافة، ووعده أنه يقصده ليجتمع به، فسكن إلى ~~ذلك. فلما كان الليل أرسل إليه خوارزمشاه جمعا من عسكره فأحاطوا به وأخذوه ~~أسيرا في رمضان من هذه السنة، فاعتقله في بعض دوره، وطلب أصحابه، فأسر ~~أعيانهم وتفرق الباقون. وأما فائق فإنه سار إلى ايلك خان بما وراء النهر، ~~فأكرمه وعظمه، ووعده أن يعيده إلى قاعدته، وكتب إلى نوح يشفع في فائق وأن ~~يولى سمرقند، فأجابه إلى ذلك، وأقام بها. ### || AUT ذكر خلاص أبي علي # ### || AUT وقتل خوارزمشاه # لما أسر أبو علي بلغ خبره إلى مأمون بن محمد، والي الجرجانية، فقلق لذلك ~~وعظم عليه، وجمع عساكره وسار نحو خوارزمشاه، وعبر إلى كاث، وهي مدينة ~~خوارزمشاه، فحصروها وقاتلوها، وفتحوها عنوة، وأسروا أبا عبدالله خورازمشاه، ~~وأحضروا أبا علي ففكوا عنه قيده وأخذوه وعادوا ms3147 إلى الجرجانية، واستخلف ~~مأمون بخوارزم بعض أصحابه، وصارت في جملة ما بيده، وأحضر خوارزمشاه وقتله ~~بين يدي أبي علي بن سيمجور. ### || AUT ذكر قبض أبي علي بن سيمجور # ### || AUT وموته # لما حصل أبو علي عند مأمون بن محمد بالجرجانية كتب إلى الأمير نوح يشفع ~~فيه، ويسأل الصفح عنه، فأجيب إلى ذلك، وأمر أبا علي بالمسير إلى بخارى، ~~فسار إليها فيمن بقي معه من أهله وأصحابه، فلما بلغوا بخارى لقيهم الأمراء ~~والعساكر، فلما دخلوا على الأمير نوح أمر بالقبض عليهم. وبلغ سبكتكين أن ~~ابن عزير، وزير الأمير نوح، يسعى في خلاص أبي علي، فأرسل إليه يطلب أبا علي ~~إليه، فحبسه، فمات في حبسه سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، وكان ذلك خاتمة ~~أمره، وآخر حال بيت سيمجور جزاء لكفران إحسان مولاهم، فتبارك الحي الدائم ~~الباقي الذي لا يزول ملكه. وكان ابنه أبو الحسن قد لحق بفخر الدولة بن ~~بويه، فأحسن إليه وأكرمه، فسار عنه سرا إلى خراسان لهوى كان له بها، وظن أن ~~أمره يخفى، فظهر حاله، فأخذ أسيرا وسجن عند والده. وأما أبو القاسم أخو أبي ~~علي فإنه أقام في خدمة سبكتكين مدة يسيرة، ثم ظهر منه خلاف الطاعة، وقصد ~~نيسابور، فلم يتم له ما أراد، وعاد محمود ابن سبكتكين إليه، فهرب منه وقصد ~~فخر الدولة وبقي عنده، وسيرد باقي أخباره، إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر وفاة الصاحب بن عباد # في هذه السنة مات الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد، وزير فخر الدولة ~~بالري، وكان واحد زمانه علما، وفضلا، وتدبيرا، وجودة رأي، وكرما، عالما ~~بأنواع العلوم، عارفا بالكتابة وموادها، ورسائله مشهورة مدونة، وجمع من ~~الكتب ما لم يجمعه غيره، حتى إنه كان يحتاج في نقلها إلى أربع مائة جمل. ~~PageV04P0114 # ولما مات وزر بعده لفخر الدولة أبو العباس أحمد بن إبراهيم الضبي الملقب ~~بالكافي. ولما حضره الموت قال لفخر الدولة: قد خدمتك خدمة استفرغت فيها ~~وسعي، وسرت سيرة جلبت لك حسن الذكر، فإن أجريت الأمور على ما كانت عليه نسب ~~ذلك الجميل ms3148 إليك وتركت أنا، وإن عدلت عنه كنت أنا المشكور ونسبت الطريقة ~~الثانية إليك، وقدح ذلك في دولتك. فكان هذا نصحه له إلى أن مات. فلما توفي ~~أنفذ فخر الدولة من احتاط على ماله وداره، ونقل جميع ما فيها إليه، فقبح ~~الله خدمة الملوك، هذا فعلهم مع من نصح لهم، فكيف مع غيره ! ونقل الصاحب ~~بعد ذلك إلى أصبهان، وكثير ما بين فعل فخر الدولة مع ابن عباد وبين العزيز ~~بالله العلوي مع وزيره يعقوب بن كلس وقد تقدم. وكان الصاحب بن عباد قد أحسن ~~إلى القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي، وقدمه، وولاه قضاء الري وأعمالها، ~~فلما توفي قال عبد الجبار: لا أرى الترحم عليه، لأنه مات عن غير توبة ظهرت ~~منه، فنسب عبد الجبار إلى قلة الوفاء. ثم إن فخر الدولة قبض على عبد الجبار ~~وصادره، فباع في جملة ما باع ألف طيلسان، وألف ثوب صوف رفيع، فلم لا نظر ~~لنفسه، وتاب عن أخذ مثل هذا واذخاره من غير حله ؟ ثم إن فخر الدولة قبض على ~~أصحاب ابن عباد وأبطل كل مسامحة كانت منه، وقرر هو ووزراؤه المصادرات في ~~البلاد، فاجتمع له منها شيء كثير، ثم تمزق بعد وفاته في أقرب مدة، وحصل ~~بالوزر وسوء الذكر. ### || AUT ذكر إيقاع صمصام الدولة بالأتراك # في هذه السنة أمر صمصام الدولة بقتل من بفارس من الأتراك، فقتل منهم ~~جماعة، وهرب الباقون فعاثوا في البلاد، وانصرفوا إلى كرمان، ثم منها إلى ~~بلاد السند، واستأذنوا ملكها في دخول بلاده، فأذن لهم وخرج إلى تلقيهم ~~ووافق أصحابه على الإيقاع بهم، فلما رآهم جعل أصحابه صفين، فلما حصل ~~الأتراك في وسطهم أطبقوا عليهم وقتلوهم فلم يفلت منهم إلا نفر جرحى وقعوا ~~بين القتلى وهربوا تحت الليل. ### || AUT ذكر وفاة خواشاذه # في هذه السنة توفي أبو نصر خواشاذه بالبطائح، وكان قد هرب إليها بعد أن ~~قبض، وكاتبه بهاء الدولة، وفخر الدولة، وصمصام الدولة، وبدر بن حسنويه، كل ~~منهم يستدعيه، ويبذل له ما يريده وقال له فخر الدولة: ms3149 لعلك تسيء الظن بما ~~قدمته في خدمة عضد الدولة، وما كنا لنؤاخذك بطاعة من قدمك ومناصحته، وقد ~~علمت ما عملته مع الصاحب بن عباد، وتركنا ما فعله معنا. فعزم على قصده، ~~فأدركه أجله قبل ذلك، وتوفي، وكان من أعيان قواد عضد الدولة. ### || AUT ذكر عود عسكر صمصام الدولة إلى الأهواز # في هذه السنة جهز صمصام الدولة عسكره من الديلم وردهم إلى الأهواز مع ~~العلاء بن الحسن، واتفق أن طغان، نائب بهاء الدولة بالأهواز، توفي، وعزم من ~~معه من الأتراك على العود إلى بغداد، وكتب من هناك إلى بهاء الدولة بالخبر، ~~فأقلقه ذلك وأزعجه، فسير أبا كاليجار المرزبان بن شهفيروز إلى الأهواز ~~نائبا عنه وأنفذ أبا محمد الحسن بن مكرم إلى الفتكين، وهو برامهرمز، قد عاد ~~من بين يدي عسكر صمصام الدولة إليها، يأمره بالمقام بموضعه، فلم يفعل، وعاد ~~إلى الأهواز، فكتب إلى أبي محمد بن مكرم بالنظر في الأعمال، وسار بعدهم ~~بهاء الدولة نحو خوزستان، فكاتبه العلاء، وسلك طريق اللين والخداع. ثم سار ~~على نهر المسرقان إلى أن حصل بخان طوق، ووقعت الحرب بينه وبين أبي محمد بن ~~مكرم والفتكين، وزحف الديلم بين البساتين، حتى دخلوا البلد، وانزاح عنه ابن ~~مكرم والفتكين، وكتبا إلى بهاء الدولة يشيران عليه بالعبور إليها، فتوقف عن ~~ذلك ووعدهما به، وسير إليهما ثمانين غلاما من الأتراك، فعبروا وحملوا على ~~الديلم من خلفهم، فأفرج لهم الديلم، فلما توسطوا بينهم أطبقوا عليهم ~~فقتلوهم. فلما عرف بهاء الدولة ذلك ضعفت نفسه، وعزم على العود، ولم يظهر ~~ذلك، فأمر بإسراج الخيل وحمل السلاح، ففعل ذلك، وسار نحو الأهواز يسيرا، ثم ~~عاد إلى البصرة فنزل بظاهرها. فلما عرف ابن مكرم خبر بهاء الدولة عاد إلى ~~عسكر مكرم، وتبعهم العلاء والديلم فأجلوهم عنها، فنزلوا براملان بين عسكر ~~مكرم وتستر، وتكررت الوقائع بين الفريقين مدة. PageV04P0115 # وكان بيد الأتراك، أصحاب بهاء الدولة، من تستر إلى رامهرمز، ومع الديلم ~~منها إلى أرجان، وأقاموا ستة أشهر، ثم رجعوا إلى الأهواز، ثم عبر بهم النهر ~~إلى ms3150 الديلم، واقتتلوا نحو شهرين، ثم رحل الأتراك وتبعهم العلاء، فوجدهم قد ~~سلكوا طريق واسط، فكف عنهم، وأقام بعسكر مكرم. ### || AUT ذكر حادثة غريبة بالأندلس # في هذه السنة سير المنصور محمد بن أبي عامر، أمير الأندلس لهشام المؤيد، ~~عسكرا إلى بلاد الفرنج للغزاة، فنالوا منهم وغنموا، وأوغلوا في ديارهم، ~~وأسروا غرسية، وهو ملك للفرنج ابن ملك من ملوكهم يقال له شانجة، وكان من ~~أعظم ملوكهم وأمنعهم، وكان من القدر أن شاعرا للمنصور، يقال له أبو العلاء ~~صاعد بن الحسن الربعي، قد قصده من بلاد الموصل، وأقام عنده، وامتدحه قبل ~~هذا التاريخ، فلما كان الآن أهدى أبو العلاء إلى المنصور أيلا، وكتب معه ~~أبياتا منها: يا حرز كل مخوف، وأمان كل ... مشرد، ومعز كل مذلل جدواك إن ~~تخصص به فلأهله، ... وتعم بالإحسان كل مؤمل يقول فيها: مولاي مؤنس غربتي، ~~متخطفي ... من ظفر أيامي، ممنع معقلي عبد رفعت بضبعه، وغرسته ... في نعمة ~~أهدى إليك بأيل سميته غرسية، وبعثته ... في حبله ليتاح فيه تفاؤلي فلئن ~~قبلت، فتلك أسنى نعمة ... أسدى بها ذو نعمة وتطول فسمى هذا الشاعر الأيل ~~غرسية تفاؤلا بأسر ذلك غرسية، فكان أسره في اليوم الذي أهدى فيه الأيل، ~~فانظر إلى هذا الاتفاق ما أعجبه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ورد الوزير أبو القاسم علي بن أحمد الأبرقوهي من البطيحة ~~إلى بهاء الدولة، بعد عوده من خوزستان، وكان قد التجأ إلى مهذب الدولة، ~~فأرسل بهاء الدولة يطلبه ليستوزره، فحضر عنده، فلم يتم له ذلك، فعاد إلى ~~البطيحة، وكان الفاضل، وزير بهاء الدولة، معه بواسط، فلما علم الحال استأذن ~~في الإصعاد إلى بغداد، فأذن له فأصعد، فعاد بهاء الدولة وطلبه ليرجع إليه، ~~فغالطه ولم يعد. وفي هذه السنة، في ذي الحجة، توفي أبو حفص عمر بن أحمد بن ~~محمد ابن أيوب المعروف بابن شاهين الواعظ، مولده في صفر سنة سبع وتسعين ~~ومائتين، وكان مكثرا من الحديث ثقة. وفيها، في ذي القعدة، توفي الإمام أبو ~~الحسن علي بن عمر بن أحمد بن ms3151 مهدي المعروف بالدارقطني الإمام المشهور. ~~وفيها، في ربيع الأول، توفي محمد بن عبدالله بن سكرة الهاشمي من ولد علي بن ~~المهدي بالله، وكان منحرفا عن علي بن أبي طالب، عليه السلام، وكان خبيث ~~اللسان يتقى سفهه، ومن جيد شعره: في وجه إنسانة كلفت بها ... أربعة ما ~~اجتمعن في أحد الوجه بدر والصدغ غالية، ... والريق خمر، والثغر من برد ~~وفيها توفي يوسف بن عمر بن مسروق، أبو الفتح القواس، الزاهد، في ربيع ~~الأول، وله خمس وخمسون سنة. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وثمانين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر وفاة العزيز بالله # ### || AUT وولاية ابنه الحاكم وما كان من الحروب إلى أن استقر أمره # في هذه السنة توفي العزيز أبو منصور نزال بن المعز أبي تميم معد العلوي، ~~صاحب مصر، لليلتين بقيتا من رمضان، وعمره اثنتان وأربعون سنة وثمانية أشهر ~~ونصف، بمدينة بلبيس، وكان برز إليها لغزو الروم، فلحقه عدة أمراض منها ~~النقرس والحصا والقولنج، فاتصلت به إلى أن مات. وكانت خلافته إحدى وعشرين ~~سنة وخمسة أشهر ونصفا، ومولده بالمهدية من إفريقية. وكان أسمر طويلا، أصهب ~~الشعر، عريض المنكبين، عارفا بالخيل والجوهر، قيل إنه ولى عيسى بن نسطورس ~~النصراني كتابته، واستناب بالشام يهوديا اسمه منشا، فاعتز بهما النصارى ~~وإليهود، وآذوا المسلمين، فعمد أهل مصر وكتبوا قصة وجعلوها في يد صورة ~~عملوها من قراطيس، فيها: بالذي أعز إليهود بمنشا والنصارى بعيسى بن نسطورس، ~~وأذل المسلمين بك إلا كشفت ظلامتي؛ وأقعدوا تلك الصورة على طريق العزيز، ~~والرقعة بيدها، فلما رآها أمر بأخذها، فلما قرأ ما فيها، ورأى الصورة من ~~قراطيس، علم ما أريد بذلك، فقبض عليهما، وأخذ من عيسى ثلاثمائة ألف دينار، ~~ومن إليهودي شيئا كثيرا. PageV04P0116 # وكان يحب العفو ويستعمله، فمن حلمه أنه كان بمصر شاعر اسمه الحسن ابن بشر ~~الدمشقي، وكان كثير الهجاء، فهجا يعقوب بن كلس، وزير العزيز، وكاتب الإنشاء ~~من جهته أبا نصر عبدالله الحسين القيرواني، فقال: قل لأبي نصر صاحب القصر، ~~... والمتأتي لنقض ذا الأمر انقض عرى الملك للوزير تفز ... منه بحسن ms3152 الثناء ~~والذكر وأعط، وامنع، ولا تخف أحدا، ... فصاحب القصر ليس في القصر وليس يدري ~~ماذا يراد به، وهو إذا ما درى، فما يدري فشكاه ابن كلس إلى العزيز، وأنشده ~~الشعر، فقال له: هذا شيء اشتركنا فيه في الهجاء فشاركني في العفو عنه. ثم ~~قال هذا الشاعر أيضا وعرض بالفضل القائد: تنصر، فالتنصر دين حق، ... عليه ~~زماننا هذا يدل وقل بثلاثة عزوا وجلوا، ... وعطل ما سواهم فهو عطل فيعقوب ~~الوزير أب، وهذا ... العزيز ابن، وروح القدس فضل فشكاه أيضا إلى العزيز، ~~فامتعض منه إلا أنه قال: اعف عنه؛ فعفا عنه. ثم دخل الوزير على العزيز، ~~فقال: لم يبق للعفو عن هذا معنى، وفيه غض من السياسة، ونقض لهيبة الملك، ~~فإنه قد ذكرك وذكرني وذكر ابن زبارج نديمك، وسبك بقوله: زبارجي نديم وكلسي ~~وزير، ... نعم على قدو الكلب يصلح الساجور فغضب العزيز، وأمر بالقبض عليه، ~~فقبض عليه، لوقته، ثم بدا العزيز إطلاقه، فأرسل إليه يستدعيه، وكان للوزير ~~عين في القصر، فأخبره بذلك، فأمر بقتله فقتل. فلما وصل رسول العزيز في طلبه ~~أراه رأسه مقطوعا، فعاد إليه فأخبره، فاغتم له. ولما مات العزيز ولي بعده ~~ابنه أبو علي المنصور، ولقب الحاكم بأمر الله، بعهد من أبيه، فولي وعمره ~~إحدى عشرة سنة وستة أشهر، وأوصى العزيز إلى أرجوان الخادم، وكان يتولى أمر ~~داره، وجعله مدبر دولة ابنه الحاكم، فقام بأمره، وبايع له، وأخذ له البيعة ~~على الناس، وتقدم الحسن ابن عمار، شيخ كتامة وسيدها، وحكم في دولته، ~~واستولى عليها، وتلقب بأمين الدولة، وهو أول من تلقب في دولة العلويين ~~المصريين، فأشار عليه ثقاته بقتل الحاكم، وقالوا: لا حاجة بنا إلى من ~~يتعبدنا؛ فلم يفعل احتقارا له، واستصغارا لسنه. وانبسطت كتامة في البلاد، ~~وحكموا فيها، ومدوا أيديهم إلى أموال الرعية وحريمهم، وأرجوان مقيم مع ~~الحاكم في القصر يحرسه، واتفق معه شكر خادم عضد الدولة، وقد ذكرنا قبض شرف ~~الدولة عليه ومسيره إلى مصر، فلما اتفقا، وصارت كلمتهما واحدة، كتب أرجوان ~~إلى منجوتكين يشكو ما يتم ms3153 عليه من ابن عمار، فتجهز وسار من دمشق نحو مصر، ~~فوصل الخبر إلى ابن عمار، فأظهر أن منجوتكين قد عصى على الحاكم، وندب ~~العساكر إلى قتاله، وسير إليه جيشا كثيرا، وجعل عليهم أبا تميم سليمان بن ~~جعفر بن فلاح الكتامي، فساروا إليه، فلقوه بعسقلان، فانهزم منجوتكين ~~وأصحابه، وقتل منهم ألفا رجل، وأسر منجوتكين وحمل إلى مصر، فأبقى عليه ابن ~~عمار، وأطلقه استمالة للمشارقة بذلك. واستعمل ابن عمار على الشام أبا تميم ~~الكتامي، واسمه سليمان بن جعفر، فسار إلى طبرية، فاستعمل على دمشق أخاه ~~عليا، فامتنع أهلها عليه، فكاتبهم أبو تميم يتهددهم فخافوا وأذعنوا ~~بالطاعة، واعتذروا من فعل سفهائهم، وخرجوا إلى علي فلم يعبأ بهم وركب ودخل ~~البلد فأحرق وقتل وعاد إلى عسكره. وقدم عليهم أبو تميم فأحسن إليهم وأمنهم، ~~وأطلق المحبسين، ونظر في أمر الساحل، واستعمل أخاه عليا على طرابلس، وعزل ~~عنها جيش بن الصمصامة الكتامي، فمضى إلى مصر، واجتمع مع أرجوان على الحسن ~~بن عمار، فانتهز أرجوان الفرصة ببعد كتامة عن مصر مع أبي تميم، فوضع ~~المشارقة على الفتك بمن بقي بمصر منهم، وبابن عمار معهم. فبلغ ذلك ابن ~~عمار، فعمل على الإيقاع بأرجوان وشكر العضدي، فأخبرهما عيون لهما على ابن ~~عمار بذلك، فاحتاطا ودخلا قصر الحاكم باكين، وثارت الفتنة، واجتمعت ~~المشارقة، ففرق فيهم المال، وواقعوا ابن عمار ومن معه، فانهزم واختفى. ~~PageV04P0117 # فلما ظفر أرجوان أظهر الحاكم، وأجلسه، وجدد له البيعة، وكتب إلى وجوه ~~القواد والناس بدمشق بالإيقاع بأبي تميم، فلم يشعر إلا وقد هجموا عليه ~~ونهبوا خزائنه، فخرج هاربا، وقتلوا من كان عنده من كتامة، وعادت الفتنة ~~بدمشق، واستولى الأحداث. ثم إن أرجوان أذن للحسن بن عمار في الخروج من ~~استتاره، وأجراه على إقطاعه، وأمره بإغلاق بابه. وعصى أهل صور، وأمروا ~~عليهم رجلا ملاحا يعرف بعلاقة، وعصى أيضا المفرج بن دغفل بن الجراح، ونزل ~~على الرملة وعاث في البلاد. واتفق أن الدوقس، صاحب الروم، نزل على حصن ~~أفامية، فأخرج أرجوان جيش بن الصمصامة في عسكر ضخم، فسار حتى ms3154 نزل بالرملة، ~~فأطاعه وإليها، وظفر فيها بأبي تميم فقبض عليه، وسير عسكرا إلى صور، وعليهم ~~أبو عبدالله الحسين بن ناصر الدولة بن حمدان، فغزاها برا وبحرا. فأرسل ~~علاقة إلى ملك الروم يستنجده، فسير إليه عدة مراكب مشحونة بالرجال، فالتقوا ~~بمراكب المسلمين على صور، فاقتتلوا، وظفر المسلمون، وانهزم الروم، وقتل ~~منهم جمع، فلما انهزموا انخذل أهل صور، وضعفت نفوسهم، فملك البلد أبو ~~عبدالله بن حمدان، ونهبه، وأخذت الأموال، وقتل كثير من جنده، وكان أول فتح ~~كان على يد أرجوان، وأخذ علاقة أسيرا فسيره إلى مصر، فسلخ وصلب بها؛ وأقام ~~بصور، وسار جيش بن الصمصامة لقصد المفرج ابن دغفل، فهرب من بين يديه، وأرسل ~~يطلب العفو فأمنه. وسار جيش أيضا إلى عسكر الروم، فلما وصل إلى دمشق تلقاه ~~أهلها مذعنين، فأحسن إلى رؤساء الأحداث، وأطلق المؤن، وأباح دم كل مغربي ~~يتعرض لأهلها، فاطمأنوا إليه. وسار إلى أفامية، فصاف الروم عندها، فانهزم ~~هو وأصحابه، ما عدا بشارة الإخشيدي، فإن ثبت في خمسمائة فارس. ونزل الروم ~~إلى سواد المسلمين يغنمون ما فيه، والدوقس واقف على رايته، وبين يديه ولده ~~وعدة غلمان، فقصده كردي يعرف بأحمد بن الضحاك، من أصحاب بشارة، ومعه خشت، ~~فظنه الدوقس مستأمنا، فلم يحترز منه، فلما دنا منه حمل عليه وضربه بالخشت ~~فقتله، فصاح المسلمون: قتل عدو الله ! وعادوا ونزل النصر عليهم، فانهزمت ~~الروم وقتل منهم مقتلة عظيمة. وسار جيش إلى باب إنطاكية يغنم ويسبي ويحرق، ~~وعاد إلى دمشق فنزل بظاهرها، وكان الزمان شتاء، فسأله أهل دمشق ليدخل ~~البلد، فلم يفعل، ونزل ببيت لهيا، وأحسن السيرة في أهل دمشق، واستخص رؤساء ~~الأحداث، واستحجب جماعة منهم، وجعل يبسط الطعام كل يوم لهم ولمن يجيء معهم ~~من أصحابهم، فكان يحضر كل إنسان منهم في جمع من أصحابه وأشياعه، وأمرهم إذا ~~فرغوا من الطعام أن يحضروا إلى حجرة له يغسلون أيديهم فيها، فعبر على ذلك ~~برهة من الزمان، فأمر أصحابه أن رؤساء الأحداث، إذا دخلوا الحجرة لغسل ~~أيديهم، أن يغلقوا باب الحجرة عليهم، ويضعوا ms3155 السيف في أصحابهم، فلما كان ~~الغد حضروا الطعام، وقام الرؤساء إلى الحجرة، فأغلقت الأبواب عليهم، وقتل ~~من أصحابهم نحو ثلاثة آلاف رجل، ودخل دمشق فطافها، فاستغاث الناس وسألوه ~~العفو، وعفا عنهم، وأحضر أشراف أهلها، وقتل رؤساء الأحداث بين أيديهم، وسير ~~الأشراف إلى مصر، وأخذ أموالهم ونعمهم، ثم مرض بالبواسير وشدة الضربان ~~فمات. وولي بعده ابنه محمد، وكانت ولايته هذه تسعة أشهر، ثم إن أرجوان بعد ~~هذه الحادثة راسل بسيل ملك الروم، وهادنه عشر سنين، واستقامت الأمور على يد ~~أرجوان. وسير أيضا جيشا إلى برقة، وطرابلس الغرب، ففتحها، واستعمل عليها ~~أنسا الصقلبي ونصح الحاكم، وبالغ في ذلك، ولازم خدمته، فثقل مكانه على ~~الحاكم، فقتله سنة تسع وثمانين. PageV04P0118 # وكان خصيا أبيض، وكان لأرجوان وزير نصراني اسمه فهد بن إبراهيم، فاستوزره ~~الحاكم، ثم إن الحاكم رتب الحسين بن جوهر موضع أرجوان، ولقبه قائد القواد ~~ثم قتل الحسن بن عمار، المقدم ذكره، ثم قتل الحسين بن جوهر، ولم يزل يقيم ~~الوزير بعد الوزير ويقتلهم. ثم جهز يارختكين للمسير إلى حلب، وحصرها، وسير ~~معه العساكر الكثيرة، فسار عنها، فخافه حسان بن المفرج الطائي، فلما رحل من ~~غزة إلى عسقلان كمن له حسان ووالده، وأوقعا به وبمن معه، وأسراه وقتلاه، ~~وقتل من الفريقين قتلى كثيرة، وحصرا الرملة، ونهبا النواحي، وكثر جمعهما، ~~وملكا الرملة وما والاها، فعظم ذلك على الحاكم، وأرسل يعاتبهما، وسبق السيف ~~العذل، فأرسلا إلى الشريف أبي الفتوح الحسن بن جعفر العلوي الحسني، أمير ~~مكة، وخاطباه بأمير المؤمنين، وطلباه إليهما ليبايعا له بالخلافة، فحضر، ~~واستناب بمكة، وخوطب بالخلافة. ثم إن الحاكم راسل حسانا وأباه، وضمن لهما ~~الإقطاع الكثيرة والعطاء الجزير، واستمالهما، فعدلا عن أبي الفتوح، ورداه ~~إلى مكة، وعادا إلى طاعة الحاكم. ثم إن الحاكم جهز عسكرا إلى الشام، ~~واستعمل عليهم علي بن جعفر بن فلاح، فلما وصل إلى الرملة أزاح حسان بن ~~الفمرج وعشيرته عن تلك الأرض، وأخذ ما كان له من الحصون بجبل الشراة، ~~واستولى على أمواله وذخائره، وسار إلى دمشق واليا عليها، ms3156 فوصل إليها في ~~شوال سنة تسعين وثلاثمائة. وأما حسان فإنه بقي شريدا نحو سنتين، ثم أرسل ~~والده إلى الحاكم فأمنه وأقطعه، فسار حسان إليه بمصر، فأكرمه وأحسن إليه؛ ~~وكان المفرج والد حسان قد توفي مسموما، وضع الحاكم عليه من سمه، فبموته ضعف ~~أمر حسان على ما ذكرناه. ### || AUT ذكر استيلاء عسكر صمصام الدولة على البصرة # في هذه السنة سار قائد كبير من قواد صمصام الدولة، اسمه لشكرستان، إلى ~~البصرة، فأجلى عنها نواب بهاء الدولة. وسبب ذلك أن الأتراك لما عادوا عن ~~العلاء، كما ذكرناه، كان لشكرستان هذا مع العلاء، فأتاهم من الديلم الذين ~~مع بهاء الدولة أربعمائة رجل مستأمنين، فأخذهم لشكرستان، وسار بهم وبمن معه ~~إلى البصرة، فكثر جمعه، فنزلوا قرب البصرة بين البساتين يقاتلون أصحاب بهاء ~~الدولة، ومال الأيهم بعض أهل البصرة، ومقدمهم أبو الحسن بن أبي جعفر ~~العلوي، وكانوا يحملون إليهم الميرة. وعلم بهاء الدولة بذلك، فأنفذ من يقبض ~~عليهم، فهرب كثير منهم إلى لشكرستان، فقوي بهم، وجمعوا السفن وحملوه فيها، ~~ونزلوا إلى البصرة، فقاتلوا أصحاب بهاء الدولة بها، وأخرجوهم عنها، وملك ~~لشكرستان البصرة، وقتل من أهلها كثيرا، وهرب كثير منهم، وأخذ كثيرا من ~~أموالهم. فكتب بهاء الدولة إلى مهذب الدولة، صاحب البطيحة، يقول: أنت أحق ~~بالبصرة. فسير إليها جيشا مع عبدالله بن مرزوق، فأجلى لشكرستان عن البصرة، ~~فقيل: إنه سار عن البصرة بغير حرب، ودخلها ابن مرزوق. وقيل: إنما فارقها ~~بعد أن حارب فيها، وضعف عن المقام بين يديه. وصفت البصرة لمهذب الدولة. ثم ~~إن لشكرستان عمل على العود إلى البصرة، فهجم عليها في السفن، ونزل أصحابه ~~بسوق الطعام، واقتتلوا، فاستظهر لشكرستان، وكاتب بهاء الدولة يطلب ~~المصالحة، ويبذل الطاعة، ويخطب له بالبصرة، فأجابه مهذب الدولة إلى ذلك، ~~وأخذ ابنه رهينة. وكان لشكرستان يظهر طاعة صمصام الدولة وبهاء الدولة ومهذب ~~الدولة، وعسف أهل البصرة مدة، فتفرقوا، ثم إنه أحسن إليهم وعدل فيهم، فعادوا. ### || AUT ذكر ولاية المقلد الموصل # في هذه السنة ملك المقلد بن المسيب مدينة الموصل. وكان ms3157 سبب ذلك أن أخاه ~~أبا الذواد توفي هذه السنة، فطمع المقلد في الإمارة، فلم تساعده عقيل على ~~ذلك، وقلدوا أخاه عليا لأنه أكبر منه، فأسرع المقلد واستمال الديلم الذين ~~كانوا مع أبي جعفر الحجاج بالموصل، فمال إليه بعضهم، وكتب إلى بهاء الدولة ~~قد ولاه الموصل، وسأله مساعدته على أبي جعفر لأنه قد منعه عنها، فساروا ~~ونزلوا على الموصل فخرج إليهم كل من استماله المقلد من الديلم، وضعف ~~الحجاج، وطلب منهم الأمان، فأمنوه، وواعدهم يوما يخرج إليهم فيه. ~~PageV04P0119 # ثم إنه انحدر في السفن قبل ذلك اليوم، فلم يشعروا به إلا بعد انحداره، ~~فتبعوه، فلم ينالوا منه شيئا، ونجا بماله منهم، وسار إلى بهاء الدولة، ودخل ~~المقلد البلد، واستقر الأمر بينه وبين أخيه على أن يخطب لهما، ويقدم علي ~~لكبره، ويكون له معه نائب يجبي المال، واشتركا في البلد والولاية، وسار علي ~~إلى البر، وأقام المقلد، وجرى الأمر على ذلك مديدة، ثم تشاجروا واختصموا ~~وكان ما نذكره إن شاء الله. وكان المقلد يتولى حماية غربي الفرات من أرض ~~العراق، وكان له ببغداد نائب فيه تهور، فجرى بينه وبين أصحاب بهاء الدولة ~~مشاجرة، فكتب إلى المقلد يشكو، فانحدر من الموصل في عساكره، وجرى بينه وبين ~~أصحاب بهاء الدولة حرب انهزموا فيها، وكتب إلى بهاء الدولة يعتذر، وطلب ~~إنفاذ من يعقد عليه ضمان القصر وغيره. وكان بهاء الدولة مشغولا بمن يقاتله ~~من عسكر أخيه، فاضطر إلى المغالطة، ومد المقلد يده فأخذ الأموال، فبرز نائب ~~بهاء الدولة ببغداد، وهو حينئذ أبو علي بن إسماعيل، وخرج إلى حرب المقلد، ~~فبلغ الخبر إليه، فأنفذ أصحابه ليلا، فاقتتلوا، وعادوا إلى المقلد، فلما ~~بلغ الخبر إلى بهاء الدولة بمجيء أصحاب المقلد إلى بغداد، أنفذ أبا جعفر ~~الحجاج إلى بغداد، وأمره بمصالحة المقلد والقبض على أبي علي بن إسماعيل، ~~فسار إلى بغداد في آخر ذي الحجة، فلما وصل إليها راسله المقلد في الصلح، ~~فاصطلحا على أن يحمل إلى بهاء الدولة عشرة آلاف دينار، ولا يأخذ من البلاد ~~إلا رسم الحماية، ms3158 ويخطب لأبي جعفر بعد بهاء الدولة، وأن يخلع على المقلد ~~الخلع السلطانية، ويلقب بحسام الدولة، ويقطع الموصل، والكوفة، والقصر، ~~والجامعين، واستقر الأمر على ذلك؛ وجلس القادر بالله له. ولم يف المقلد من ~~ذلك بشيء إلا بحمل المال، واستولى على البلاد، ومد يده في المال، وقصده ~~المتصرفون والأماثل، وعظم قدره، وقبض أبو جعفر على أبي علي، ثم هرب أبو ~~علي، نائب بهاء الدولة، واستتر وسار إلى البطيحة مستترا، ملتجئا إلى مهذب الدولة. ### || AUT ذكر وفاة المنصور بن يوسف # ### || AUT وولاية ابنه باديس # في هذه السنة توفي المنصور بن يوسف بلكين أمير إفريقية، أوائل ربيع ~~الأول، خارج صبرة، ودفن بقصره. وكان ملكا كريما، شجاعا، حازما، ولم يزل ~~مظفرا منصورا، حسن السيرة، محبا للعدل والرعية، أوسعهم عدلا، وأسقط البقايا ~~عن أهل إفريقية، وكانت مالا جليلا. ولما توفي ولي بعده ابنه باديس، ويكنى ~~أبا مناد، فلما استقر في الأمر سار إلى سردانية، وأتاه الناس من كل ناحية ~~للتعزية والتهنئة، وأراد بنو زيري أعمام أبيه أن يخالفوا عليه، فمنعهم ~~أصحاب أبيه وأصحابه. وكان مولد باديس سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وأتته ~~الخلع والعهد بالولاية من الحاكم بأمر الله من مصر، فقرئ العهد، وبايع ~~للحاكم هو وجماعة بني عمه والأعيان من القواد. وفيها ثار على باديس رجل ~~صنهاجي اسمه خليفة بن مبارك، فأخذ وحمل إلى باديس، فأركب حمارا، وجعل خلفه ~~رجل أسود يصفعه، وطيف به، ولم يقتل احتقارا له وسجن. وفيها استعمل باديس ~~عمه حماد بن يوسف بلكين على أشير، وأقطعه إياه، وأعطاه من الخيل والسلاح ~~والعدد شيئا كثيرا، فخرج إليها، وحماد هذا هو جد بني حماد الذين كانوا ملوك ~~إفريقية، والقلعة المنسوبة إليهم مشهورة بإفريقية، ومنهم أخذها عبد المؤمن بن علي. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض بهاء الدولة على الفاضل وزيره، وأخذ ماله، واستوزر ~~بهاء الدولة سابور بن أردشير، فأقام نحو شهرين، وفرق الأموال، ووقع بها ~~للقواد قصدا ليضعف بهاء الدولة، ثم هرب إلى البطيحة، وبقي منصب الوزارة ~~فارغا، واستوزر أبو العباس بن ms3159 سرجس. وفيها استكتب القادر بالله أبا الحسن ~~علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان. وفيها توفي أحمد بن إبراهيم بن محمد بن ~~إسحاق أبو حامد بن أبي إسحاق المزكي، النيسابوري، في شعبان، وكان إماما، ~~ومولده سنة ثلاث وعشرين. وفيها توفي علي بن عمر بن محمد بن الحسن أبو إسحاق ~~الحميري، المعروف بالسكري، وبالحربي، وبالكيال، ومولده سنة ست وتسعين ~~ومائتين. وفيها توفي أبو الأغر دبيس بن عفيف الأسدي بخوزستان؛ وأبو طالب ~~محمد بن علي بن عطية المكي، صاحب قوت القلوب، روي أنه صنف قوت القلوب وكان ~~قوته عروق البردي. PageV04P0120 ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وثمانين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر موت الأمير نوح بن منصور # ### || AUT وولاية ابنه منصور # في هذه السنة توفي الأمير الرضي نوح بن منصور الساماني في رجب، واختل ~~بموته ملك آل سامان، وضعف أمرهم ضعفا ظاهرا، وطمع فيهم أصحاب الأطراف، فزال ~~ملكهم بعد مدة يسيرة. ولما توفي قام بالملك بعده ابنه أبو الحرث منصور بن ~~نوح، وبايعه الأمراء والقواد وسائر الناس، وفرق فيهم بقايا الأموال، ~~فاتفقوا على طاعته. وقام بأمر دولته وتدبيرها بكتوزون. ولما بلغ خبر موته ~~إلى ايلك خان سار إلى سمرقند، وانضم إليه فائق الخاصة، فسيره جريدة إلى ~~بخارى، فلما سمع بمسيره الأمير منصور تحير في أمره، وأعجله عن التجهز، فسار ~~عن بخارى، وقطع النهر، ودخل فائق بخارى، وأظهر أنه إنما قصد المقام بخدمة ~~الأمير منصور، رعاية لحق أسلافه عليه، إذ هو مولاهم، وأرسل إليه مشايخ ~~بخارى ومقدمهم في العود إلى بلده وملكه، وأعطاه من نفسه ما يطمئن إليه من ~~العهود والمواثيق، فعاد إليها ودخلها وولي فائق أمره وحكم في دولته، وولي ~~بكتوزون إمرة الجيوش بخراسان. وكان محمود بن سبكتكين حينئذ مشغولا بمحاربة ~~أخيه إسماعيل، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، وسار بكوتوزن إلى خراسان ~~فوليها، واستقرت القواعد بها. ### || AUT ذكر موت سبكتكين وملك ولده إسماعيل # وفي هذه السنة توفي ناصر الدولة سبكتكين في شعبان، وكان مقامه ببلخ، وقد ~~ابتنى بها دورا ومساكن، فمرض، وطال مرضه، ms3160 وانزاح إلى هواء غزنة، فسار عن ~~بلخ إليها، فمات في الطريق، فنقل ميتا إلى غزنة ودفن فيها، وكانت مدة ملكه ~~نحو عشرين سنة. وكان عادلا، خيرا، كثير الجهاد، حسن الاعتقاد، ذا مروة ~~تامة، وحسن عهد ووفاء، لا جرم بارك الله في بيته، ودام ملكهم مدة طويلة ~~جازت مدة ملك السامانية والسلجوقية وغيرهم. وكان ابنه محمود أول من لقب ~~بالسلطان، ولم يلقب به أحد قبله. ولما حضرته الوفاة عهد إلى ولده إسماعيل ~~بالملك بعده، فلما مات بايع الجند لإسماعيل، وحلفوا له، وأطلق لهم الأموال، ~~وكان أصغر من أخيه محمود، فاستضعفه الجند، فاشتطوا في الطلب حتى أفنى ~~الخزائن التي خلفها أبوه. ### || AUT ذكر استيلاء أخيه محمود بن سبكتكين على الملك # لما توفي سبكتكين، وبلغ الخبر إلى ولده يمين الدولة محمود بنيسابور، جلس ~~للعزاء، ثم أرسل إلى أخيه إسماعيل يعزيه بأبيه، ويعرفه أن أباه إنما عهد ~~إليه لبعده عنه، ويذكره ما يتعين من تقديم الكبير، ويطلب منه الوفاق، ~~وإنفاذ ما يخصه تركة أبيه. فلم يفعل، وترددت الرسل بينهما فلم تستقر ~~القاعدة. فسار محمود عن نيسابور إلى هراة عازما على قصد أخيه بغزنة، واجتمع ~~بعمه بغراجق بهراة، فساعده على أخيه إسماعيل، وسار نحو بست، وبها أخوه نصر، ~~فتبعه وأعانه وسار معه إلى غزنة. وبلغ الخبر إلى إسماعيل، وهو ببلخ، فسار ~~عنها مجدا، فسبق أخاه محمودا إليها؛ وكان الأمراء الذين مع إسماعيل كاتبوا ~~أخاه محمودا يستدعونه، ووعدوه الميل إليه، فجد في المسير، والتقى هو ~~وإسماعيل بظاهر غزنة، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم إسماعيل وصعد إلى قلعة ~~غزنة فاعتصم بها، فحصره أخوه محمود واستنزله بأمان. فلما نزل إليه أكرمه، ~~وأحسن إليه، وأعلى منزلته، وشركه في ملكه وعاد إلى بلخ واستقامت الممالك ~~له. وكانت مدة ملك إسماعيل سبعة أشهر، وهو فاضل، حسن المعرفة، له نظم ونثر، ~~وخطب في بعض الجمعات، فكان يقول بعض الخطبة للخليفة: (رب قد آتيتني من ~~الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث، فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا ~~والآخرة، توفني مسلما وألحقني بالصالحين) يوسف: 101. ### || AUT ms3161 ذكر وفاة فخر الدولة بن بويه # ### || AUT وملك ابنه مجد الدولة # في هذه السنة توفي فخر الدولة أبو الحسن علي بن ركن الدولة أبي علي ~~الحسن بن بويه بقلعة طبرق، في شعبان. وكان سبب ذلك أنه أكل لحما مشويا، ~~وأكل بعده عنبا، فأخذه المغص، ثم اشتد مرضه فمات منه. فلما مات كانت مفاتيح ~~الخزائن بالري عند أم ولده مجد الدولة، فطلبوا له كفنا فلم يجدوه، وتعذر ~~النزول إلى البلد لشدة شغب الديلم، فاشتروا له من قيم الجامع ثوبا كفنوه ~~فيه، وزاد شغب الجند فلم يمكنهم دفنه فبقي حتى أنتن ثم دفنوه. PageV04P0121 # وحين توفي قام بملكه بعده ولده مجد الدولة أبو طالب رستم، وعمره أربع ~~سنين، أجلسه الأمراء في الملك، وجعلوا أخاه شمس الدولة بهمذان وقرميسين إلى ~~حدود العراق. وكان المرجع إلى والدة أبي طالب في تدبير الملك، وعن رأيها ~~يصدرون، وبين يديها، في مباشرة الأعمال، أبو طاهر صاحب فخر الدولة، وأبو ~~العباس الضبي الكافي. ### || AUT ذكر وفاة مأمون بن محمد # ### || AUT وولاية ابنه علي # وفيها توفي مأمون بن محمد، صاحب خوارزم والجرجانية، فلما توفي اجتمع ~~أصحابه على ولده علي وبايعوه، واستقر له ما كان لأبيه، وراسل يمين الدولة ~~محمود بن سبكتكين، وخطب إليه أخته، فزوجه، واتفقت كلمتهما وصارا يدا واحدة ~~إلى أن مات علي وقام بعده أخوه أبو العباس مأمون بن مأمون، واستقر في ~~الملك، فأرسل إلى يمين الدولة يخطب أخته أيضا، فأجابه إلى ذلك، وزوجه، ~~فداما أيضا على الاتفاق والاتحاد مدة. وسيرد من أخباره معه سنة سبع ~~وأربعمائة إن شاء الله تعالى ما تقف عليه. ### || AUT ذكر وفاة العلاء بن الحسن # ### || AUT وما كان بعده # في هذه السنة توفي أبو القاسم العلاء بن الحسن نائب صمصام الدولة ~~بخوزستان، وكان موته بعسكر مكرم، وكان شهما، شجاعا، حسن التدبير، فأنفذ ~~صمصام الدولة أبا علي بن أستاذ هرمز، ومعه المال، ففرقه في الديلم، وسار ~~إلى جنديسابور فدفع أصحاب بهاء الدولة عنها، وجرت له معهم وقائع كثيرة كان ~~الظفر فيها له، وأزاح الأتراك ms3162 عن خوزستان، وعادوا إلى واسط، وخلت لأبي علي ~~البلاد، ورتب العمال، وجبى الأموال، وكاتب أتراك بهاء الدولة واستمالهم، ~~فأتاه بعضهم فأحسن إليهم، واستمر حال أبي علي في أعمال خوزستان. ثم إن أبا ~~محمد بن مكرم والأتراك عادوا من واسط، واستعد أبو علي للحرب، وجرى بينهم ~~وقائع. ولم يكن للأتراك قوة على الديلم، فعزموا على العود إلى واسط ثانيا، ~~فاتفق مسير بهاء الدولة من البصرة إلى القنطرة البيضاء، وكان ما نذكره إن شاء الله. ### || AUT ذكر القبض على علي بن المسيب # ### || AUT وما كان بعد ذلك # في هذه السنة قبض المقلد على أخيه علي. وكان سبب ذلك ما ذكرناه من ~~الاختلاف الواقع بين أصحابهما بالموصل، واشتغل المقلد بما ذكرناه بالعراق، ~~فلما خلا وجهه وعاد إلى الموصل عزم على الانتقام من أصحاب أخيه، ثم خافه، ~~فأعمل الحيلة في قبض أخيه، فأحضر عسكره من الديلم والأكراد وأعلمهم أنه ~~يريد قصد دقوقا، وحلفهم على الطاعة، وكانت داره ملاصقة دار أخيه، فنقب في ~~الحائط ودخل إليه وهو سكران، فأخذه وأدخله الخزانة، وقبض عليه، وأرسل إلى ~~زوجته يأمرها بأخذ ولديه قرواش وبدران واللحاق بتكريت، قبل أن يسمع أخوه ~~الحسن الخبر، ففعلت ذلك، وخلصت، وكانت في الحلة التي له على أربعة فراسخ من ~~تكريت. وسمع الحسن الخبر، فبادر إلى الحلة ليقبض أولاد أخيه، فلم يجدهم؛ ~~وأقام المقلد بالموصل يستدعي رؤساء العرب ويخلع عليهم، فاجتمع عنده زهاء ~~ألفي فارس، وسار الحسن في حلل أخيه، ومعه أولاد أخيه علي وحرمه، ويستنفرهم ~~على المقلد، فاجتمع معهم نحو عشرة آلاف، وراسل المقلد يؤذنه بالحرب، فسار ~~عن الموصل، وبقي بينهم منزل واحد، ونزل بإزاء العلث، فحضره وجوه العرب، ~~واختلفوا عليه، فمنهم من أشار بالحرب ومنهم رافع بن محمد بن مقن؛ ومنهم من ~~أشار بالكف عن القتال، وصلة الرحم، ومنهم غريب بن محمد بن مقن، وتنازع هو ~~وأخوه. فبينما هم في ذلك قيل لمقلد: إن أختك رهيلة بنت المسيب تريد لقاءك ~~وقد جاءتك؛ فركب وخرج إليها، فلم تزل معه حتى أطلق أخاه عليا، ms3163 ورد إليه ~~ماله ومثله معه، وأنزله في خيم ضربها له. فسر الناس بذلك، وتحالفا، وعاد ~~علي إلى حلته. وعاد المقلد إلى الموصل، وتجهز للمسير إلى أبي الحسن علي بن ~~مزيد الأسدي لأنه تعصب لأخيه علي، وقصد ولاية المقلد بالأذى فسار إليه. ~~PageV04P0122 # ولما خرج علي من محبسه اجتمع العرب إليه، وأشاروا عليه بقصد أخيه المقلد، ~~فسار إلى الموصل، وبها أصحاب المقلد، فامتنعوا عليه، فافتتحها، فسمع المقلد ~~بذلك، فعاد إليه، واجتاز في طريقه بحلة أخيه الحسن، فخرج إليه، ورأى كثرة ~~عسكره، فخاف على أخيه علي منه، فأشار عليه بالوقوف ليصلح الأمر، وسار إلى ~~أخيه علي وقال له: إن الأعور، يعني المقلد، قد أتاك بحده وحديده وأنت غافل؛ ~~وأمره بإفساد عسكر المقلد، فكتب إليهم، فظفر المقلد بالكتب فأخذها وسار ~~مجدا إلى الموصل، فخرج إليه أخواه علي والحسن وصالحاه، ودخل الموصل وهما ~~معه. ثم خاف علي فهرب من الموصل ليلا، وتبعه الحسن، وترددت الرسل بينهم، ~~فاصطلحوا على أن يدخل أحدهما البلد في غيبة الآخر، وبقوا كذلك إلى سنة تسع ~~وثمانين. ومات علي سنة تسعين وقام الحسن مقامه، فقصده المقلد ومعه بنو ~~خفاجة، فهرب الحسن إلى العراق، وتبعه المقلد فلم يدركه فعاد. ولما استقر ~~أمر المقلد، بعد أخيه علي، سار إلى بلد علي بن مزيد الأسدي فدخله ثانية، ~~والتجأ ابن مزيد إلى مهذب الدولة، فتوسط ما بينه وبين المقلد، وأصلح الأمر ~~معه، وسار المقلد إلى دقوقا فملكها. ### || AUT ذكر ملك جبرئيل دقوقا # في هذه السنة ملك جبرئيل بن محمد دقوقا. وجبرئيل هذا كان من الرجالة ~~الفرس ببغداد، وخد مهذب الدولة بالبطيحة، فهم بالغزو، وجمع جمعا كثيرا، ~~واشترى السلاح وسار فاجتاز في طريقه بدقوقا، فوجد المقلد بن المسيب ~~يحاصرها، فاستغاث أهلها بجبريل فحماهم ومنع عنهم. وكان بدقوقا رجلان ~~نصرانيان قد تمكنا في البلد، وحكما فيه، واستعبدا أهله، فاجتمع جماعة من ~~المسلمين إلى جبرئيل وقالوا له: إنك تريد الغزو، ولست تدري أتبلغ غرضا أم ~~لا، وعندنا من هذين النصرانيين من قد تعبدنا، وحكم علينا، فلو أقمت عندنا، ms3164 ~~وكفيتنا أمرهما، ساعدناك على ذلك. فأقام وقبض عليهما، وأخذ مالهما، وقوي ~~أمره، فملك البلد في شهر ربيع الأول، وثبت قدمه، وأحسن معاملة أهل البلد، ~~وعدل فيهم، وبقي مدة على اختلاف الأحوال. ثم ملكها المقلد، وملكها بعده ~~محمد بن عناز، ثم أخذها بعده قرواش، ثم انتقلت إلى فخر الدولة أبي غالب، ~~فعاد جبرئيل هذا حينئذ إلى دقوقا، واجتمع مع أمير من الأكراد يقال له موصك ~~بن جكويه، ودفعا عمال فخر الدولة عنها وأخذاها، فقصدها بدران بن المقلد ~~وغلبهما وأخذها منهما. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خرج أبو الحسن علي بن مزيد على طاعة بهاء الدولة، فسير ~~إليه عسكرا، فهرب من بين أيديهم إلى مكان لا يقدرون على الوصول إليه فيه، ~~ثم أرسل بهاء الدولة وأصلح حاله معه وعاد إلى طاعته. وفيها توفي أبو الوفاء ~~محمد بن المهندسي الحاسب. وفيها، في المحرم، توفي عبيدالله بن محمد بن ~~حمران أبو عبدالله العكبري المعروف بابن بطة الحنبلي، وكان مولده في شوال ~~سنة أربع وثلاثمائة، وكان زاهدا، عابدا، عالما، ضعيفا في الرواية. وفيها، ~~في ذي القعدة، توفي أبو الحسين محمد بن أحمد بن إسماعيل المعروف بابن سمعون ~~الواعظ، الزاهد، له كرامات، وكان مولده سنة ثلاثمائة. وفيها، في تاسع ذي ~~الحجة، توفي الحسن بن عبدالله بن سعيد أبو أحمد العسكري، الراوية، العلامة، ~~صاحب التصانيف الكثيرة في الأدب، واللغة، والأمثال، وغيرها. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر عود أبي القاسم السيمجوري إلى نيسابور # قد ذكرنا مسير أبي القاسم بن سيمجور أخي أبي علي إلى جرجان ومقامه بها. ~~فلما مات فخر الدولة أقام عنده ولده مجد الدولة، واجتمع عنده جماعة كثيرة ~~من أصحاب أخيه. وكان قد أرسل إلى شمس المعالي يستدعيه من نيسابور ليسلمها ~~إليه، فسار إليه حتى وافى جرجان، فلما بلغها رأى أبا القاسم قد سار عنها، ~~فعاد شمس المعالي إلى نيسابور. فكتب فائق من بخارى إلى أبي القاسم يغريه ~~ببكتوزون، ويأمره بقصد خراسان، وإخراج بكتوزون عنها لعدواة بينهما. فسار ~~أبو القاسم ms3165 عن جرجان نحو نيسابور، وسر سرية إلى أسفرايين، وبها عسكر ~~لبكتوزون، فقاتلوهم وأجلوهم عن أسفرايين، واستولى أصحاب أي القاسم عليها، ~~وسار أبو القاسم إلى نيسابور، فالتقى هو وبكتوزون بظاهرها في ربيع الأول، ~~واقتتلوا واشتد القتال بينهم فانهزم أبو القاسم وقتل من أصحابه وأسر خلق ~~كثير. PageV04P0123 # وسار أبو القاسم إلى قهستان وأقام بها حتى اجتمع إليه أصحابه، وسار إلى ~~بوشنج واحتوى عليها، وتصرف فيها، فسار إليه بكتوزون، وترددت الرسل بينهما، ~~حتى اصطلحا وتصاهرا، وعاد بكتوزون إلى نيسابور. ### || AUT ذكر استيلاء محمود بن سبكتكين على نيسابور وعوده عنها # لما فرغ محمود من أمر أخيه، وملك غزنة، وعاد إلى بلخ رأى بكتوزون قد ولي ~~خراسان، على ما ذكرناه، فأرسل إلى الأمير منصور بن نوح يذكر طاعته ~~والمحاماة عن دولته، ويطلب خراسان، فأعاد الجواب يعتذر عن خراسان ويأمره ~~بأخذ ترمذ وبلخ وما وراءها من أعمال بست وهراة، فلم يقنع بذلك، وأعاد ~~الطلب، فلم يجبه إلى ذلك، فلما تيقن المنع سار إلى نيسابور، وبها بكتوزون، ~~فلما بلغه خبر مسيره نحوه رحل عنها، فدخلها محمود وملكها. فلما سمع الأمير ~~منصور بن نوح سار عن بخارى نحو نيسابور، فلما علم محمود بذلك سار عن ~~نيسابور إلى مرو الروذ، ونزل عند قنطرة راعول ينتظر ما يكون منهم. ### || AUT ذكر عود قابوس إلى جرجان # في هذه السنة عاد شمس المعالي قابوس بن وشمكير إلى جرجان وملكها؛ ولما ~~ملك فخر الدولة بن بويه جرجان والري أراد أن يسلم جرجان إلى قابوس، فرده عن ~~ذلك الصاحب بن عباد، وعظمها في عينه، فأعرض عن الذي أراده، ونسي ما كان ~~بينهما من الصحبة بخراسان، وأنه بسببه خرجت البلاد عن يد قابوس، والملك ~~عقيم. وقد ذكرنا كيف أخذت منه، ومقامه بخراسان، وإنفاذ ملوك السامانية ~~الجيوش في نصرته مرة بعد أخرى، فلم يقدر الله تعالى عود ملك إليه. ولما ولي ~~سبكتكين خراسان اجتمع به ووعده أن يسير معه الجيوش ليرده إلى مملكته، فمضى ~~إلى بلخ ومرض ومات. فلما كان هذه السنة، بعد موت فخر الدولة، ms3166 سير شمس ~~المعالي قابوس الأصبهبذ شهريار بن شروين إلى جبل شهريار، وعليه رستم بن ~~المرزبان، خال مجد الدولة بن فخر الدولة، فاقتتلا، فانهزم رستم، واستولى ~~الأصبهبذ على الجبل، وخطب لشمس المعالي، وكان باتي بن سعيد بناحية ~~الاستندارية، وله ميل إلى شمس المعالي، فسار إلى آمل، وبها عسكر لمجد ~~الدولة، فطردهم عنها واستولى عليها، وخطب لقابوس، وكتب إليه بذلك. ثم إن ~~أهل جرجان كتبوا إلى قابوس يستدعونه، فسار إليهم من نيسابور، وسار الأصبهبذ ~~وباتي بن سعيد إلى جرجان، وبها عسكر لمجد الدولة، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم ~~عسكر مجد الدولة إلى جرجان، فلما بلغوها صادفوا مقدمة قابوس قد بلغتها، ~~فأيقنوا بالهلاك، وانهزموا من أصحاب قابوس هزيمة ثانية، وكانت قرحا على ~~قرح، ودخل شمس المعالي جرجان في شعبان من هذه السنة. وبلغ المنهزمون الري، ~~فجهزت العساكر من الري نحو جرجان، فساروا وحصروها، فغلت الأسعار بالبلد، ~~وضاقت الأمور بالعسكر أيضا، وتوالت عليهم الأمطار والرياح، فاضطروا إلى ~~الرحيل، فتبعهم شمس المعالي فلحقهم وواقعهم فاقتتلوا، وانهزم عسكر الري ~~وأسر من أعيانهم جماعة كثيرة، وقتل أكثر منهم، فأطلق شمس المعالي الأسرى، ~~واستولى على تلك الأعمال ما بين جرجان وأستراباذ. ثم إن الأصبهبذ حدث نفسه ~~بالاستقلال، والتفرد عن قابوس، واغتر بما اجتمع عنده من الأموال والذخائر، ~~فسارت إليه العساكر من الري، وعليها المرزبان، خال مجد الدولة، فهزموا ~~الأصبهبذ وأسروه، ونادوا بشعار شمس المعالي لوحشة كانت عند المرزبان من مجد ~~الدولة، وكتب إلى شمس المعالي بذلك، وانضافت مملكة الجبل جميعها إلى ممالك ~~جرجان وطبرستان، فولاها شمس المعالي ولده منوجهر، ففتح الرويان وسالوس، ~~وراسل قابوس يمين الدولة محمودا، وهاداه، وصالحه، واتفقا على ذلك. ### || AUT ذكر مسير بهاء الدولة إلى واسط # في هذه السنة عاد أبو علي بن إسماعيل إلى طاعة بهاء الدولة، وهو بواسط، ~~فوزر له، ودبر أمره، وأشار عليه بالمسير إلى أبي محمد بن مكرم ومن معه من ~~الجند ومساعدتهم، ففعل ذلك، وسار على كره وضيق، فنزل بالقنطرة البيضاء، ~~وثبت أبو علي بن أستاذ هرمز وعسكره، وجرى لهم معه وقائع ms3167 كثيرة. ~~PageV04P0124 # وضاق الأمر ببهاء الدولة، وتعذرت عليه الأقوات، فاستمد بدر بن حسنويه، ~~فأنفذ إليه شيئا قام ببعض ما يريده، وأشرف بهاء الدولة على الخطر، وسعى ~~أعداء أبي علي بن إسماعيل به حتى كاد يبطش به، فتجدد من أمر ابني بختيار ~~وقتل صمصام الدولة ما يأتي ذكره، وأتاه الفرج من حيث لم يحتسب، وصلح أمر ~~أبي علي عنده، واجتمعت الكلمة عليه، وسيأتي شرح ذلك، إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر قتل صمصام الدولة # في هذه السنة، في ذي الحجة، قتل صمصام الدولة بن عضد الدولة. وسبب ذلك ~~أن جماعة كثيرة من الديلم استوحشوا من صمصام الدولة لأنه أمر بعرضهم، ~~وإسقاط من ليس بصحيح النسب، فأسقط منهم مقدار ألف رجل، فبقوا حيارى لا ~~يدرون ما يصنعون. واتفق أن أبا القاسم وأبا نصر ابني عز الدولة بختيار كانا ~~مقبوضين، فخدعا الموكلين بهما في القلعة، فأفرجوا عنهما، فجمعا لفيفا من ~~الأكراد، واتصل خبرهما بالذين أسقطوا من الديلم، فأتوهم، وقصدوا إلى أرجان، ~~فاجتمعت عليها العساكر، وتحير صمصام الدولة، ولم يكن عنده من يدبره. وكان ~~أبو جعفر أستاذ هرمز مقيما بفسا، فأشار عليه بعض من عنده بتفريق ما عنده من ~~المال في الرجال، والمسير إلى صمصام الدولة، ، وأخذه إلى عسكره بالأهواز، ~~وخوفه إن لم يفعل ذلك. فشح بالمال، فثار به الجند ونهبوا داره وهربوا، ~~فاختفى، فأخذ وأتي به إلى ابني بختيار، فحبس، ثم احتال فنجا. وأما صمصام ~~الدولة فإنه أشار عليه أصحابه بالصعود إلى القلعة التي على باب شيراز ~~والامتناع بها إلى أن يأتي عسكره ومن يمنعه، فأراد الصعود إليها، فلم يمكنه ~~المستحفظ بها، وكان معه ثلاثمائة رجل، فقالوا له: الرأي أننا نأخذك ~~ووالدتك، ونسير إلى أبي علي بن أستاذ هرمز؛ وأشار بعضهم بقصد الأكراد ~~وأخذهم والتقوي بهم، ففعل ذلك، وخرج معهم بخزائنه وأمواله، فنهبوه، وأرادوا ~~أخذه فهرب وسار إلى الدودمان، على مرحلتين من شيراز. وعرف أبو نصر بن ~~بختيار الخبر، فبادر إلى شيراز، ووثب رئيس الدودمان، واسمه طاهر، بصمصام ~~الدولة فأخذه، وأتاه أبو نصر بن ms3168 بختيار وأخذه منه فقتله في ذي الحجة، فلما ~~حمل رأسه إليه قال: هذه سنة سنها أبوك، يعني ما كان من قتل عضد الدولة ~~بختيار. وكان عمر صمصام الدولة خمسا وثلاثين سنة وسبعة أشهر، ومدة إمارته ~~بفارس تسع سنين وثمانية أيام، وكان كريما حليما. وأما والدته فسلمت إلى بعض ~~قواد الديلم، فقتلها وبنى عليها دكة في داره، فلما ملك بهاء الدولة فارس ~~أخرجها ودفنها في تربة بني بويه. ### || AUT ذكر هرب ابن الوثاب # في هذه السنة هرب أبو عبدالله بن جعفر المعروف بابن الوثاب من الاعتقال ~~في دار الخلافة. وكان هذا الرجل يقرب بالنسب من الطائع، فلما خلع الطائع ~~هرب هذا وصار عند مهذب الدولة، فأرسل القادر بالله في أمره، فأخرجه، فسار ~~إلى المدائن، وأتى خبره إلى القادر فأخذه وحبسه، فهرب هذه السنة، ومضى إلى ~~كيلان، وادعى أنه هو الطائع لله، وذكر من أمور الخلافة ما كان يعرفه، وزوجه ~~محمد بن العباس، مقدم كيلان، وشد منه، وأقام له الدعوة، وأطاعه أهل نواح ~~أخر، وأدوا إليه العشر على عادتهم. وورد من هؤلاء القوم جماعة يحجون، ~~فأحضرهم القادر وكشف لهم حاله، وكتب على أيديهم كتبا في المعنى، فلم يقدح ~~ذلك فيه. وكان أهل كيلان يرجعون إلى القاضي أبي القاسم بن كج، فكوتب من ~~بغداد في المعنى، فكشف لهم الأمر، فأخرجوا أبا عبدالله عنهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عظم أمر بدر بن حسنويه، وعلا شأنه، ولقب، من ديوان ~~الخليفة، ناصر الدين والدولة، وكان كثير الصدقات بالحرمين، ويكثر الخرج على ~~العرب بطريق مكة ليكفوا عن أذى الحجاج، ومنع أصحابه من الفساد وقطع الطريق، ~~فعظم محله وسار ذكره. وفيها نظر أبو علي بن أبي الريان في الوزارة بواسط. ~~وفيها مات أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الجكار. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وثمانين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر القبض على منصور بن نوح # ### || AUT وملك أخيه عبد الملك # في هذه السنة قبض على الأمير منصور بن نوح بن منصور الساماني، صاحب ~~بخارى وما وراء النهر، ms3169 وملك أخوه عبد الملك. PageV04P0125 # وسبب قبضه ما ذكرناه من قصد محمود بن سبكتكين بكتوزون بخراسان، وعوده عن ~~نيسابور إلى مرو الروذ، فلما نزلها سار بكتوزون إلى الأمير منصور، وهو ~~بسرخس، فاجتمع به فلم ير من إكرامه وبره ما كان يؤمله، فشكا ذلك إلى فائق، ~~فقابله فائق بأضعاف شكواه، فاتفقا على خلعه من الملك، وإقامة أخيه مقامه، ~~وأجابهما إلى ذلك جماعة من أعيان العسكر، فاستحضره بكتوزون بعلة الاجتماع ~~لتدبير ما هم بصدده من أمر محمود، فلما اجتمعوا به قبضوا عليه، وأمر ~~بكتوزون من سلمه فأعماه، ولم يراقب الله ولا إحسان مواليه، وأقاموا أخاه ~~عبد الملك مقامه في الملك، وهو صبي صغير. وكانت مدة ولاية منصور سنة وسبعة ~~أشهر. وماج الناس بعضهم في بعض، وأرسل محمود إلى فائق وبكتوزون يلومهما، ~~ويقبح فعلهما، وقويت نفسه على لقائهما، وطمع في الاستقلال بالملك، فسار ~~نحوهما عازما على القتال. ### || AUT ذكر استيلاء يمين الدولة محمود بن سبكتكين على خراسان # لما قبض الأمير منصور سار محمود نحو فائق وبكتوزون، ومعهما عبد الملك ~~ابن نوح، فلما سمعوا بمسيره ساروا إليه، فالتقوا بمرو آخر جمادى الأولى، ~~واقتتلوا أشد قتال رآه الناس إلى الليل، فانهزم بكتوزون وفائق ومن معهما. ~~فأما عبد الملك وفائق فإنهما لحقا ببخارى، وقصد بكتوزون نيسابور، وقصد أبو ~~القاسم بن سيمجور قهستان، فرأى محمود أن يقصد بكتوزون وأبا القاسم، ~~ويعجلهما عن الاجتماع والاحتشاد، فسار إلى طوس، فهرب منه بكتوزون إلى نواحي ~~جرجان، فأرسل محمود خلفه أكبر قواده وأمرائه وهو أرسلان الجاذب في عسكر ~~جرار، فاتبعه حتى ألحقه بجرجان، وعاد فاستخلفه محمود على طوس، وسار إلى ~~هراة. فلما علم بكتوزون بمسير محمود عن نيسابور عاد إليها فملكها، فقصده ~~محمود، فأجفل من بين يديه إجفال الظليم، واجتاز بمرو فنهبها، وسار عنها إلى ~~بخارى، واستقر ملك محمود بخراسان، فأزال عنها اسم السامانية، وخطب فيها ~~للقادر بالله، وكان إلى هذا الوقت لا يخطب له فيها، إنما كان يخطب للطائع ~~لله، واستقل بملكها منفردا، وتلك سنة الله تعالى يؤتي الملك من يشاء، ms3170 ~~وينزعه ممن يشاء. وولى محمود قيادة جيوش خراسان أخاه نصرا، وجعله بنيسابور ~~على ما كان يليه آل سيمجور للسامانية، وسار هو إلى بلخ، مستقر والده، ~~فاتخذها دار ملك، واتفق أصحاب الأطراف بخراسان على طاعته كآل فريغون، أصحاب ~~الجوزجان، ونحن نذكرهم إن شاء الله تعالى، وكالشار الشاه، صاحب غرشستان، ~~ونحن نذكر ها هنا أخبار هذا الشار، فاعلم أن هذا اللقب، وهو الشار، لقب كل ~~من يملك بلاد غرشستان، ككسرى للفرس، وقيصر للروم، والنجاشي للحبشة، وكان ~~الشار أبو نصر قد اعتزل الملك وسلمه إلى ولده الشاه، وفيه لوثة وهوج، ~~واشتغل والده أبو نصر بالعلوم ومجالسة العلماء. ولما عصى أبو علي بن سيمجور ~~على الأمير نوح أرسل إلى غرشستان من حصرها، وأجلى عنها الشاه الشار ووالده ~~أبا نصر، فقصدا حصنا منيعا في آخر ولايتهما، فتحصنا به إلى أن جاء سبكتكين ~~إلى نصرة الأمير نوح، فنزلا إليه وأعاناه على أبي علي وعادا إلى ملكهما. ~~فلما ملك الآن يمين الدولة محمود خراسان أطاعاه وخطبا له. ثم إن يمين ~~الدولة، بعد هذا، أراد الغزوة إلى الهند، فجمع لها وتجهز، وكتب إلى الشاه ~~الشار يستدعيه ليشهد معه غزوته، فامتنع وعصى، فلما فرغ من غزوته سير إليه ~~الجيوش ليملكوا بلاده، فلما دخلوا البلاد طلب والده أبو نصر الأمان، فأجيب ~~إلى ذلك، وحمل إلى يمين الدولة فأكرمه، واعتذر أبو نصر بعقوق ولده، وخلافه ~~عليه، فأمره بالمقام بهراة متوسعا عليه إلى أن مات سنة اثنتين وأربعمائة. ~~وأما ولده الشاه فإنه قصد ذلك الحصن الذي احتمى به على أبي علي، فأقام به ~~ومعه أمواله وأصحابه، فحصره عسكر يمين الدولة في حصنه، ونصبوا عليه ~~المجانيق، وألحوا عليه بالقتال ليلا ونهارا، فانهدمت أسوار حصنه، وتسلق ~~العسكر إليه، فلما أيقن بالعطب طلب الأمان، والعسكر يقاتله، فلم يزل كذلك ~~حتى أخذ أسيرا، وحمل إلى يمين الدولة، فضرب تأديبا له، ثم أودع السجن إلى ~~أن مات، وكان موته قبل موت والده. PageV04P0126 # ورأيت عدة مجلدات من كتاب التهذيب للأزهري في اللغة بخطه، وعليه ما هذه ~~نسخته: يقول ms3171 محمد بن أحمد بن الأزهري قرأ علي الشار أبو نصر هذا الجزء من ~~أوله إلى آخره، وكتبه بيده صح. فهذا يدل على اشتغاله وعلمه بالعربية، فإن ~~من يصحب مثل الأزهري، ويقرأ كتابه التهذيب، يكون فاضلا. ### || AUT ذكر انقراض دولة السامانية # ### || AUT وملك الترك ما وراء النهر # في هذه السنة انقرضت دولة آل سامان على يد محمود بن سبكتكين، وايلك ~~الخان التركي، واسمه أبو نصر أحمد بن علي، ولقبه شمس الدولة. فأما محمود ~~فإنه ملك خراسان، كما ذكرناه، وبقي بيد عبد الملك بن نوح ما وراء النهر، ~~فلما انهزم من محمود قصد بخارى واجتمع بها هو وفائق وبكتوزون وغيرهما من ~~الأمراء والأكابر، فقويت نفوسهم، وشرعوا في جمع العساكر، وعزموا على العود ~~إلى خراسان، فاتفق أن مات فائق، وكان موته في شعبان من هذه السنة، فلما مات ~~ضعفت نفوسهم، ووهنت قوتهم، فإنه كان هو المشار إليه من بينهم، وكان خصيا من ~~موالي نوح بن نصر. وبلغ خبرهم إلى ايلك الخان، فسار في جمع الأتراك إلى ~~بخارى، وأظهر لعبد الملك المودة والموالاة، والحمية له، فظنوه صادقا، ولم ~~يحترسوا منه، وخرج إليه بكتوزون وغيره من الأمراء والقواد، فلما اجتمعوا ~~قبض عليهم، وسار حتى دخل بخارى يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة من هذه السنة، ~~فلم يدر عبد الملك ما يصنع لقلة عدده، فاختفى ونزل ايلك الخان دار الإمارة، ~~وبث الطلب والعيون على عبد الملك، حتى ظفر به، فأودعه بافكند فمات بها، ~~وكان آخر ملوك السامانية، وانقضت دولتهم على يده كأن لم تغن بالأمس، كدأب ~~الدولة قبلها، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار. وحبس معه أخوه أبو الحرث ~~منصور بن نوح الذي كان في الملك قبله، وأخواه أبو إبراهيم، إسماعيل، وأبو ~~يعقوب ابنا نوح، وعماه أبو زكرياء وأبو سليمان، وغيرهم من آل سامان، وأفرد ~~كل واحد منهم في حجرة. وكانت دولتهم قد انتشرت وطبقت كثيرا من الأرض من ~~حدود حلوان إلى بلاد الترك، بما وراء النهر، وكانت من أحسن الدولة سيرة ~~وعدلا، وعبد الملك هذا هو ms3172 عبد الملك بن نوح بن منصور بن نوح بن نصر بن أحمد ~~بن إسماعيل كلهم ملكوا، وكان منهم من ليس مذكورا في هذا النسب؛ وعبد الملك ~~بن نوح بن نصر ملك قبل أخيه منصور بن نوح المذكور، وكان منهم أيضا منصور بن ~~نوح بن منصور أخو عبد الملك هذا الأخير زال الملك في ولايته ولي قبله. ### || AUT ذكر ملك بهاء الدولة فارس وخوزستان # في هذه السنة دخل الديلم الذين مع أبي علي بن أستاذ هرمز بالأهواز في ~~طاعة بهاء الدولة. وكان سبب ذلك أن ابني بختيار لما قتلا صمصام الدولة، كما ~~تقدم، وملكا بلاد فارس، كتاب إلى أبي علي بن أستاذ هرمز بالخبر، ويذكران ~~تعويلهما عليه، واعتضادهما به، ويأمرانه بأخذ اليمين لهما على من معه من ~~الديلم، والمقام بمكانه، والجد بمحاربة بهاء الدولة. فخافهما أبو علي لما ~~كان أسلفه إليهما من قبل أخويهما وأسرهما، فجمع الديلم الذين معه وأخبرهم ~~الحال، واستشارهم فيما يفعل، فأشاروا بطاعة ابني بختيار ومقاتلة بهاء ~~الدولة، فلم يوافقهم على ذلك، ورأى أن يراسل بهاء الدولة ويستميله ويحلفه ~~لهم، فقالوا: إنا نخاف الأتراك، وقد عرفت ما بيننا وبينهم؛ فسكت عنهم ~~وتفرقوا. وراسله بهاء الدولة يستميله، ويبذل له وللديلم الأمان والإحسان، ~~وترددت الرسل، وقال بهاء الدولة: إن ثأري وثأركم عند من قتل أخي، فلا عذر ~~لكم في التخلف عن الأخذ بثأره؛ واستمال الديلم فأجابوه إلى الدخول في ~~طاعته، وأنفذوا جماعة من أعيانهم إلى بهاء الدولة فحلفوه واستوثقوا منه، ~~وكبتوا إلى أصحابهم المقيمين بالسوس بصورة الحال. وركب بهاء الدولة من الغد ~~إلى باب السوس، رجاء أن يخرج من فيه إلى طاعته، فخرجوا إليه في السلاح، ~~وقاتلوه قتالا شديدا لم يقاتلوا مثله، فضاق صدره، فقيل له إن هذه عادة ~~الديلم أن يشتد قتالهم عند الصلح، لئلا يظن بهم، ثم كفوا عن القتال وأرسلوا ~~من يحلفه لهم، ونزلوا إلى خدمته، واختلط العسكران، وساروا إلى الأهواز، ~~فقرر أبو علي بن إسماعيل أمورها، وقسم الإقطاعات بين الأتراك والديلم، ثم ~~ساروا إلى رامهرمز فاستولوا ms3173 عليها وعلى أرجان وغيرها من بلاد خوزستان. ~~PageV04P0127 # وسار أبو علي بن إسماعيل إلى شيراز، فنزل بظاهرها، فخرج إليه ابنا بختيار ~~في أصحابهما، فحاربوه، فلما اشتدت الحرب مال بعض من معهما إليه، ودخل بعض ~~أصحابه البلد، ونادوا بشعار بهاء الدولة، وكان النقيب أبو أحمد الموسوي ~~بشيراز قد وردها رسولا من بهاء الدولة إلى صمصام الدولة، فلما قتل صمصام ~~الدولة كان بشيراز، فلما سمع النداء بشعار بهاء الدولة ظن أن الفتح قد تم، ~~فقصد الجامع، وكان يوم الجمعة، وأقام الخطبة لبهاء الدولة. ثم عاد ابنا ~~بختيار، واجتمع إليهما أصحابهما، فخاف النقيب، فاختفى، وحمل في سلة إلى أبي ~~علي بن إسماعيل؛ ثم إن أصحاب ابني بختيار قصدوا أبا علي وأطاعوه، فاستولى ~~على شيراز، وهرب ابنا بختيار، فأما أبو نصر فإنه لحق ببلاد الديلم، وأما ~~الثاني، وهو أبو القاسم، فلحق ببدر بن حسنويه، ثم قصد البطيحة. ولما ملك ~~أبو علي شيراز كتب إلى بهاء الدولة بالفتح، فسار إليها ونزلها، فلما استقر ~~بها أمر بنهب قرية الدودمان وإحراقها، وقتل كل من كان بها من أهلهم ~~فاستأصلهم، وأخرج أخاه صمصام الدولة وجد أكفانه، وحمل إلى التربة بشيراز ~~فدفن بها، وسير عسكرا مع أبي الفتح أستاذ هرمز إلى كرمان فملكها وأقام بها ~~نائبا عن بهاء الدولة. إلى ها هنا آخر ما في ذيل الوزير أي شجاع، رحمه الله. ### || AUT ذكر مسير باديس إلى زناتة # في هذه السنة، منتصف صفر، أمر باديس بن المنصور، صاحب إفريقية، نائبه ~~محمد بن أبي العرب بالتجهز والاستكثار من العساكر والعدد، والمسير إلى ~~زناتة. وسبب ذلك أن عمه يطوفت كتب إليه يعلمه أن زيري بن عطية الملقب ~~بالقرطاس، وقد تقدم ذكره، نزل عليه بتاهرت محاربا، فأمر محمدا بالتجهز ~~إليه، فسار في عساكر كثيرة حتى وصل إلى أشير، وبها حماد بن يوسف عم باديس، ~~وكان قد أقطعه إياها باديس، فرحل حماد معه، فوصل إلى تاهرت، واجتمعا ~~بيطوفت، وبينهم وبين زيري بن عطية مرحلتان، فزحفوا إليه، فكانت بينهما حروب ~~عظيمة. وكان أكثر عسكر حماد يكرهونه ms3174 لقلة عطائه، فلما اشتد القتال انهزموا، ~~فتبعهم جميع العسكر، فأراد محمد بن أبي العرب أن يرد الناس، فلم يقدر على ~~ذلك، وتمت الهزيمة، وملك زيري بن عطية مالهم وعددهم ورجعت العساكر إلى ~~أشير. وبلغ خبر الهزيمة إلى باديس، فرحل، فلما قارب طبنة بعث في طلب فلفل ~~بن سعيد، فخاف، فأرسل يعتذر إليه، وطلب عهدا بإقطاع مدينة طبنة، فكتب له، ~~وسار باديس، فلما أبعد قصد فلفل مدينة طبنة، وغلب على ما حولها، وقص باغاية ~~فحصرها، وباديس سائر إلى أشير. فلما سمع زيري ابن عطية بأنه قد قرب منه رحل ~~إلى تاهرت، فقصده باديس، فسار زيري إلى العرب. فلما سمع باديس برحيله ~~استعمل عمه يطوفت على أشير، وأعطاه أموالا وعددا، وعاد إلى أشير، فبلغه ما ~~فعل فلفل بن سعيد، فأرسل إليه العساكر، وبقي يطوفت ومعه أعمامه وأولاد ~~أعمامه، فلما أبعد عنهم باديس عصوا، وخالفوا عليه، منهم ماكسن، وزاوي ~~وغيرهما، وقبضوا على يطوفت، وأخذوا جميع ما معه من المال، فهرب من أيديهم ~~وعاد إلى باديس. وأما فلفل بن سعيد فإنه لما وصل إليه العسكر المسير إلى ~~قتاله لقيهم وقاتلهم وهزمهم، وقتل فيهم، وسار يطلب القيروان. فسار عند ذلك ~~باديس إلى باغاية، فلقيه أهلها، فعرفوه ما قاسوه من قتال فلفل، وأنه حصرهم ~~خمسة وأربعين يوما، فشكرهم، ووعدهم الإحسان، وسار يطلب فلفلا، فوصل إلى ~~مرمجنة، وسار فلفل إليه في جمع كثير من البربر وزناتة، ومعه كل من في نفسه ~~حقد على باديس وأهل بيته، فالتقوا بوادي اغلان، وكان بينهم حرب عظيمة لم ~~يسمع بمثلها، وطال القتال بينهم، وصبر الفريقان، ثم أنزل الله تعالى نصره ~~على باديس وصنهاجة، وانهزم البربر وزناتة هزيمة قبيحة، وانهزم فلفل فأبعد ~~في الهزيمة، وقتل من زويلة تسعة آلاف قتيل سوى من قتل من البربر، وعاد ~~باديس إلى قصره، وفرح أهل القيروان لأنهم خافوا أن يأتيهم فلفل. ثم إن ~~عمومة باديس اتصلوا بفلفل، وصاروا معه على باديس، فلما سمع باديس بذلك سار ~~إليهم، فلما وصل قصر الإفريقي وصله أن عمومته فارقوا فلفلا، ms3175 ولم يبق معه ~~سوى ماكسن بن زيري، وذلك أول سنة تسعين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر ملك الحاكم طرابلس الغرب # ### || AUT وعودها إلى باديس # PageV04P0128 # كان لباديس نائب بطرابلس الغرب، فكاتب الحاكم بأمر الله بمصر، وطلب أن ~~يسلم إليه طرابلس ويلتحق به، فأرسل إليه الحاكم يأنس الصقلي، وكان خصيصا ~~بالحاكم، وهو المتولي لبلاد برقة، فوصل يأنس وتسلم طرابلس وأقام بها، وذلك ~~سنة تسعين. فأرسل باديس إلى يأنس يسأله عن سبب وصوله إلى طرابلس، وقال له: ~~إن كان الحاكم استعملك عليها فأرسل العهد لأقف عليه. فقال يأنس: إنما ~~أرسلني معينا ونجدة إن احتيج إي، ومثلي لا يطلب منه عهد بولاية لمحلي من ~~دولة الحاكم. فسير إليه جيشا، فلقيهم يأنس خارج طرابلس، فقتل في المعركة، ~~وانهزم أصحابه ودخلوا طرابلس فتحصنوا بها. وكان قد قتل منهم في المعركة ~~كثير، ونزل عيهم الجيش وحصرهم، وأرسلوا إلى الحاكم يستمدونه، فجهز جيشا ~~عليهم يحيى بن علي الأندلسي، وسيرهم إلى طرابلس، وأطلق لهم مالا على برقة، ~~فلم يجد يحيى فيها مالا، فاختلت حاله، فسار إلى فلفل، وكان قد دخل إلى ~~طرابلس واستولى عليها، فأقام معه فيها، واستوطنها من ذلك الوقت. وسنذكر ~~باقي خبرهم سنة ثلاث وتسعين. وفي سنة إحدى وتسعين سار ماكسن بن زيري، عم ~~أبي باديس، إلى أشير، وبها ابن أخيه حماد بن يوسف بلكين، فكان بينهما حرب ~~شديدة قتل فيها ماكسن وأولاده محسن، وباديس، وحباسة، وتوفي زيري بن عطية ~~بعد قتل ماكسن بتسعة أيام. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، عاشر ربيع الأول، انقض كوكب عظيم ضحوة نهار. وفيها عمل ~~أهل باب البصرة يوم السادس والعشرين من ذي الحجة زينة عظيمة وفرحا كثيرا، ~~وكذلك عملوا ثامن عشر المحرم مثل ما يعمل الشيعة في عاشوراء، وسبب ذلك أن ~~الشيعة بالكرخ كانوا ينصبون القباب، وتعلق الثياب للزينة، واليوم الثامن ~~عشر من ذي الحجة، وهو يوم الغدير، وكانوا يعملون يوم عاشوراء في المأتم، ~~والنوح، وإظهار الحزن ما هو مشهور، فعمل أهل باب البصرة في مقابل ذلك، بعد ~~يوم الغدير بثمانية ms3176 أيام، مثلهم وقالوا: هو يوم دخل النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، وأبو بكر، رضي الله عنه، والغار؛ وعملوا بعد عاشوراء بثمانية أيام ~~مثل ما يعملون يوم عاشوراء، وقالوا: هو يوم قتل مصعب بن الزبير. وتوفي هذه ~~السنة أحمد بن محمد بن عيسى أبو محمد السرخسي المقريء الفقيه الشافعي، وهو ~~من أصحاب أبي إسحاق المروزي، وله رواية للحديث أيضا، وكان شيخ خراسان في ~~زمانه، وقرأ القرآن على ابن مجاهد، والأدب على ابن الأنباري، ومات وله ست ~~وتسعون سنة؛ وعبدالله بن محمد بن إسحاق ابن سليمان أبو القاسم البزاز، ~~المعروف بابن حبابة، وكان شيخ الحنابلة في زمانه. ### | AUT ثم دخلت سنة تسعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر خروج إسماعيل بن نوح # ### || AUT وما جرى له بخراسان # في هذه السنة خرج أبو إبراهيم إسماعيل بن نوح من محبسه، وكان قد حبسه ~~ايلك الخان لما ملك بخارى مع جماعة من أهله. وسبب خلاصه أنه كانت تأتيه ~~جارية تخدمه، وتتعرف أحواله، فلبس ما ان عليها وخرج، فظنه الموكلون ~~الجارية، فلما خرج استخفى عند عجوز من أهل بخارى، فلما سكن الطلب عنه سار ~~من بخارى إلى خوارزم، وتلقب المنتصر، وجامع إليه بقايا القواد السامانية ~~والأجناد، فكثف جمعه، وسير قائدا من أصحابه في عسكر إلى بخارى، فبيت من بها ~~من أصحاب ايلك الخان، فهزمهم وقتل منهم، وكبس جماعة من أعيانهم، مثل جعفر ~~تكين وغيره، وتبع المنهزمين نحو ايلك الخان إلى حدود سمرقند، فلقي هناك ~~عسكرا جرارا جعلهم ايلك الخان يحفظون سمرقند، فانضاف إليهم المنهزمون، ~~ولقوا عسكر المنتصر، فانهزم أيضا عسكر ايلك الخان، وتبعهم عسكر المنتصر، ~~فغنموا أثقالهم فصلحت أحوالهم بها، وعادوا إلى بخارى، فاستبشر أهلها بعود ~~السامانية. ثم إن ايلك جمع الترك وقصد بخارى، فانحاز من بها من السامانية ~~وعبروا النهر إلى آمل الشط، فضاقت عليهم، فساروا هم والمنتصر نحو أبيورد ~~فملكها، وجبوا أموالها،وساروا نحو نيسابور، وبها منصور بن سبكتكين، نائبا ~~عن أخيه محمود، فالتقوا قرب نيسابور في ربيع الآخر، فاقتتلوا، فانهزم منصور ~~وأصحابه، وقصدوا هراة، وملك المنتصر نيسابور، ms3177 وكثر جمعه. PageV04P0129 # وبلغ يمين الدولة الخبر، فسار مجدا نحو نيسابور، فلما قاربها سار عنها ~~المنتصر إلى أسفرايين، فلما أزعجه الطلب سار نحو شمس المعالي قابوس ابن ~~وشمكير وملتجئا إيه ومتكثرا به، فأكرمه مورده، وحمل إليه شيئا كثيرا، وأشار ~~على المنتصر بقصد الري إذ كانت ليس بها من يذب عنها، لاشتغال أصحابها ~~باختلافهم، ووعده بأن ينجده بعسكر جرار مع أولاده، فقبل مشورته وسار نحو ~~الري، فنازلها، فضعف من بها عن مقاومته، إلا أنهم حفظوا البلد منه، ودسوا ~~إلى أعيان عسكره كأبي القاسم بن سيمجور وغيره، وبذلوا لهم الأموال ليردوه ~~عنهم، ففعلوا ذلك، وصغروا أمر الري عنده وحسنوا له العود إلى خراسان. فسار ~~نحو الدامغان، وعاد عنه عسكر قابوس. ووصل المنتصر إلى نيسابور في آخر شوال ~~سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، فجبى له الأموال بها، فأرسل إليه يمين الدولة ~~جيشا فلقوه، فانهزم المنتصر وسار نحو أبيورد، وقصد جرجان، فرده شمس المعالي ~~عنها، فقصد سرخس وجبى أموالها وسكنها. فسار إليه منصور بن سبكتكين من ~~نيسابور، فالتقوا بظاهر سرخس واقتتلوا، فانهزم المنتصر وأصحابه، وأسر أبو ~~القاسم علي ابن محمد بن سيمجور وجماعة من أعيان عسكره، وحملوا إلى المنصور، ~~فسيرهم إلى غزنة، وذلك في ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين. وسار المنتصر ~~تائها حتى وافى الأتراك الغزية ولهم ميل إلى آل سامان، فحركتهم الحمية، ~~واجتمعوا معه، وسار بهم نحو ايلك الخان، وكان ذلك في شوال سنة ثلاث وتسعين، ~~فلقيهم ايلك بنواحي سمرقند، فهزموه واستولوا على أمواله وسواده، وأسروا ~~جماعة من قواده وعادوا إلى أوطانهم، واجتمعوا على إطلاق الأسرى تقربا إلى ~~ايلك الخان بذلك. فعلم المنتصر، فاختار من أصحابه جماعة يثق بهم، وسار بهم، ~~فعبر النهر، ونزل بآمل الشط، فلم يقبله مكان، وكلما قصد مكانا رده أهله ~~خوفا من معرته، فعاد وعبر النهر إلى بخارى، وطلب واليها لايلك الخان، فلقيه ~~واقتتلوا، فانهزم المنتصر إلى دبوسية وجمع بها، ثم عاودهم فهزمهم، وخرج ~~إليه خلق كثير من فتيان سمرقند، وصاروا في جملته، وحمل له أهلها المال ~~والآلات والثياب والدواب وغير ms3178 ذلك. فلما سمع ايلك الخان بحاله جمع الأتراك ~~وسار إليه في قضه وقضيضه، والتقوا بنواحي سمرقند، واشتدت الحرب بينهم، ~~فانهزم ايلك الخان، وكان ذلك في شعبان سنة أربع وتسعين، وغنموا أمواله ~~ودوابه. وعاد ايلك الخان إلى بلاد الترك، فجمع وحشد وعاد إلى المنتصر، ~~فوافق عوده تراجع الغزية الذين كانوا مع المنتصر إلى أوطانهم، وقد زحف ~~جمعه، فاقتتلوا بنواحي أسروشنة، فانهزم المنتصر، وأكثر الترك في أصحابه ~~القتل. وسار المنتصر منهزما، حتى عبر النهر، وسار إلى الجوزجان فنهب ~~أموالها، وسار يطلب مرو، فسير يمين الدولة العساكر، ففارق مكانه وسار وهم ~~في أثره، حتى أتى بسطام، فأرسل إليه قابوس عسكرا أزعجه عنها، فلما ضاقت ~~عليه المذاهب عاد إلى ما وراء النهر، فعبر أصحابه وقد ضجروا وسئموا من ~~السهر والتعب والخوف، ففارقه كثير منهم إلى بعض أصحاب ايلك الخان، فأعلموهم ~~بمكانه، فلم يشعر المنتصر إلا وقد أحاطت به الخيل من كل جانب، فطاردهم ساعة ~~ثم ولاهم الدبر وسار فنزل بحلة من العرب في طاعة يمين الدولة، وكان يمين ~~الدولة قد أوصاهم بطلبه، فلما رأوه أمهلوه حتى أظلم الليل، ثم وثبوا عليه ~~فأخذوه وقتلوه، وكان ذلك خاتمه أمره؛ وإنما أوردت الحادثة هذه السنة لترد ~~متتابعة، فلو تفرقت في السنين لم تعلم على هذه الصورة لقلتها. ### || AUT ذكر محاصرة يمين الدولة سجستان # في هذه السنة سار يمين الدولة إلى سجستان، وصاحبها خلف بن أحمد، فحصره ~~بها. وكان سبب ذلك أن يمين الدولة لما اشتغل بالحروب التي ذكرناها سير خلف ~~بن أحمد ابنه طاهرا إلى قهسنان فملكها، ثم سار منها إلى بوشنج فملكها، ~~وكانت هي وهراة لبغراجق، عم يمين الدولة، فلما فرغ يمين الدولة من تلك ~~الحروب استأذنه عمه في إخراج طاهر بن خلف من ولايته، فأذن له في ذلك، فسار ~~إليه، فلقيه طاهر بنواحي بوشنج، فاقتتلوا، فانهزم طاهر ولج بغراجق في طلبه، ~~فعطف عليه طاهر فقتله ونزل إليه وأخذ رأسه. PageV04P0130 # فلما سمع يمين الدولة بقتل عمه عظم عليه، وكبر لديه، وجمع عساكره وسار ~~نحو خلف بن ms3179 أحمد، فتحصن منه خلف بحصن أصبهبذ، وهو حصن يناطح النجوم علوا ~~وارتفاعا، فحصره فيه وضيق عليه، فذل وخضع، وبذل أموالا جليلة لينفس عن ~~خناقه، فأجابه يمين الدولة إلى ذلك، وأخذ رهنه على المال. ### || AUT ذكر قتل ابن بختيار بكرمان # ### || AUT واستيلاء بهاء الدولة عليها # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، قتل الأمير أبو نصر بن بختيار، الذي كان ~~قد استولى على بلاد فارس. وسبب قتله أنه لما انهزم من عسكر بهاء الدولة ~~بشيراز سار إلى بلاد الديلم، وكاتب الديلم بفارس وكرمان من هناك يستميلهم، ~~وكاتبوه واستدعوه، فسار إلى بلاد فارس، واجتمع عليه جمع كثير من الزط، ~~والديلم، والأتراك، وتردد في تلك النواحي. . ثم سار إلى كرمان، فلم يقبله ~~الديلم الذين بها، وكان المقدم عليهم أبو جعفر بن أستاذ هرمز، فجمع وقصد ~~أبا جعفر، فالتقيا، فانهزم أبو جعفر إلى السيرجان، ومضى ابن بختيار إلى ~~جيرفت فملكها، وملك أكثر كرمان، فعظم الأمر على بهاء الدولة، فسير إليه ~~الموفق علي بن إسماعيل في جيش كثير، وسار مجدا حتى أطل على جيرفت، فاستأمن ~~إليه من بها من أصحاب ابن بختيار ودخلها. فأنكر عليه من معه من القواد سرعة ~~سيره، وخوفوه عاقبة ذلك، فلم يصغ إليهم، وسأل عن حال ابن بختيار، فأخبر أنه ~~على ثمانية فراسخ من جيرفت، فاختار ثلاثمائة رجل من شجعان أصحابه وسار بهم، ~~وترك الباقين مع السواد بجيرفت. فلما بلغ ذلك المكان لم يجده ودل عليه فلم ~~يزل يتبعه من منزل، حتى لحقه بدارزين، فسار ليلا، وقدر وصوله إليه عند ~~الصبح فأدركه. فركب ابن بختيار واقتتلوا قتالا شديدا، وسار الموفق في نفر ~~من غلمانه، فأتى ابن بختيار من ورائه، فانهزم ابن بختيار وأصحابه، ووضع ~~فيهم السيف، فقتل منهم الخلق الكثير. فقدر بابن بختيار بعض أصحابه، وضربه ~~بلت فألقاه وعاد إلى الموفق ليخبره بقتله، فأرسل معه من ينظر إليه، فرآه ~~وقد قتله غيره، وحمل رأسه إلى الموفق. وأكثر الموفق القتل في أصحاب ابن ~~بختيار، واستولى على بلاد كرمان، واستعمل عليها أبا موسى سياهجيل، ms3180 وعاد إلى ~~بهاء الدولة، فخرج بنفسه ولقيه، وأكرمه وعظمه ثم قبض عليه بعد أيام. ومن ~~أعجب ما يذكر أن الموفق أخبره منجم أنه يقتل ابن بختيار يوم الاثنين، فلما ~~كان قبل الاثنين بخمسة أيام قال للمنجم: قد بقي خمسة أيام وليس لنا علم به؛ ~~فقال له المنجم: إن لم تقتله فاقتلني عوضه، وإلا فأحسن إلي. فلما كان يوم ~~الاثنين أدركه وقتله، وأحسن إلى المنجم إحسانا كثيرا. ### || AUT ذكر القبض على الموفق أبي علي بن إسماعيل # قد ذكرنا مسيره إلى قتال ابن بختيار، وقتله ابن بختيار، فلما عاد أكرمه ~~بهاء الدولة ولقيه بنفسه، فاستعفى الموفق من الخدمة، فلم يعفه بهاء الدولة، ~~فألح كل واحد منهما، فأشار أبو محمد بن مكرم على الموفق بترك ذلك، فلم ~~يقبل، فقبض عليه بهاء الدولة وأخذ أمواله، وكتب إلى وزيره سابور ببغداد ~~بالقبض على أنساب الموفق، فعرفهم ذلك سرا، فاحتالوا لنفوسهم وهربوا، ~~واستعمل بهاء الدولة أبا محمد بن مكرم على عمان، ثم إن بهاء الدولة قتل ~~الموفق سنة أربع وتسعين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة استعمل بهاء الدولة أبا علي الحسن هرمز على خوزستان، وكانت ~~قد فسدت أحوالها بولاية أبي جعفر الحجاج لها، ومصادرته لأهلها، فعمرها أبو ~~علي، ولقبه بهاء الدولة عميد الجيوش، وحمل إلى بهاء الدولة منها أموالا ~~جليلة مع حسن سيرة في أهلها وعدل. وفيها ظهر في سجستان معدن الذهب، فكانوا ~~يحفرون التراب ويخرجون منه الذهب الأحمر. وفيها توفي الشريف أبو الحسن محمد ~~بن عمر العلوي، ودفن بالكرخ، وعمره خمس وسبعون سنة، وهو مشهور بكثرة المال ~~والعقار؛ والقاضي أبو الحسن ابن قاضي القضاة أبي محمد بن معروف؛ والقاضي ~~أبو الفرج المعافى بن زكرياء المعروف بابن طرار الجريري، بفتح الجيم، منسوب ~~إلى محمد بن جرير الطبري لأنه كان يتفقه على مذهبه، وكان عالما بفنون ~~العلوم، كثير الرواية والتصنيف فيها. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر قتل المقلد وولاية ابنه قرواش # في هذه السنة قتل حسام الدولة المقلد بن المسيب ms3181 العقيلي غيلة، قتله ~~مماليك له ترك. PageV04P0131 # وكان سبب قتله أن هؤلاء الغلمان كانوا قد هربوا منه، فتبعهم وظفر بهم، ~~وقتل منهم وقطع، وأعاد الباقين، فخافوه على نفوسهم، فاغتنم بعضهم غفلته ~~وقتله بالأنبار، وكان قد عظم أمره، وراسل وجوه العساكر ببغداد، وأراد ~~التغلب على الملك، فأتاه الله من حيث لا يشعر. ولما قتل كان ولده الأكبر ~~قرواش غائبا، وكانت أمواله وخزائنه بالأنبار، فخاف نائبه عبدالله بن ~~إبراهيم بن شهرويه بادرة الجند، فراسل أبا منصور بن قراد اللديد، وكان ~~بالسندية، فاستدعاه إليه وقال له: أنا أجعل بينك وبين قرواش عهدان وأزوجه ~~ابنتك وأقاسمك على ما خلفه أبوه، ونساعده على عمه الحسن إن قصده وطمع فيه. ~~فأجابه إلى ذلك وحمى الخزائن والبلد. وأرسل عبدالله إلى قرواش يحثه على ~~الوصول، فوصل وقاسمه على المال، وأقام قراد عنده. ثم إن الحسن بن المسيب ~~جمع مشايخ عقيل، وشكا قرواشا إليهم وما صنع مع قراد، فقالوا له: خوفه منك ~~حمله على ذلك؛ فبذل من نفسه الموافقة له، والوقوف عند رضاه، وسفر المشايخ ~~بينهما فاصطلحا، واتفقا على أن يسير الحسن إلى قرواش شبه المحارب، ويخرج هو ~~واقراد لقتاله، فإذا لقي بعضهم عادوا جميعا على قراد فأخذوه، فسار الحسن ~~وخرج قرواش وقراد لقتاله. فلما تراءى الجمعان جاء بعض أصحاب قراد إليه ~~فأعلمه الحال، فهرب على فرس له، وتبعه قرواش والحسن فلم يدركاه، وعاد قرواش ~~إلى بيت قراد فأخذ ما فيه من الأموال التي أخذها من قرواش، وهي بحالها، ~~وسار قرواش إلى الكوفة، فأوقع بخفاجة عندها وقعة عظيمة، فساروا بعدها إلى ~~الشام، فأقاموا هناك حتى أحضرهم أبو جعفر الحجاج، على ما نذكره إن شاء الله. ### || AUT ذكر البيعة لولي العهد # في هذه السنة، في ربيع الأول، أمر القادر بالله بالبيعة لولده أبي الفضل ~~بولاية العهد، وأحضر حجاج خراسان وأعلمهم ذلك، ولقبه الغالب بالله. وكان ~~سبب البيعة له أن أبا عبدالله بن عثمان الواثقي، من ولد الواثق بالله أمير ~~المؤمنين، كان من أهل نصيبين، فقصد بغداد، ثم سار عنها إلى خراسان، ms3182 وعبر ~~النهر إلى هارون بن ايلك بغرا خاقان، وصحبه الفقيه أبو الفضل التميمي، ~~وأظهر أنه رسول من الخليفة إلى هارون يأمره بالبيعة لهذا الواثقي، فإنه ولي ~~عهد، فأجابه خاقان إلى ذلك، وبايع له وخطب له ببلاده وأنفق عليه. فبلغ ذلك ~~القادر بالله، فعظم عليه، وراسل خاقان في معناه، فلم يصغ إلى رسالته. فلما ~~توفي هارون خاقان، وولي بعده أحمد قراخاقان، كاتبه الخليفة في معناه، فأمر ~~بإبعاده، فحينئذ بايع الخليفة لولده بولاية العهد. وأما الواثقي فإنه خرج ~~من عنده أحمد قراخاقان وقصد بغداد فعرف بها وطلب، فهرب منها إلى البصرة، ثم ~~إلى فارس وكرمان، ثم إلى بلاد الترك، فلم يتم له ما أراد، وراسل الخليفة ~~الملوك يطلبه، فضاقت عليه الأرض، وسار إلى خوارزم وأقام بها، ثم فارقها، ~~فأخذه يمين الدولة محمود بن سبكتكين فحبسه في قلعة إلى أن توفي بها. ### || AUT ذكر استيلاء طاهر بن خلف على كرمان وعوده عنها # في هذه السنة سار طاهر بن خلف بن أحمد، صاحب سجستان، إلى كرمان طالبا ~~ملكها. وكان سبب مسيره إليها أنه كان قد خرج عن طاعة أبيه، وجرى بينهما ~~حروب كان الظفر فيها لأبيه، ففارق سجستان وسار إلى كرمان، وبها عسكر بهاء ~~الدولة، وهي له على ما ذكرناه، فاجتمع من بها من العساكر إلى المقدم عليهم ~~ومتولي أمر البلد، وهو أبو موسى سياهجيل، فقالوا له: إن هذا الرجل قد وصل، ~~وهو ضعيف، والرأي أن تبادره قبل أن يقوى أمره ويكثر جمعه، فلم يفعل واستهان ~~به، فكثر جمع طاهر، وصعد إلى الجبال، وبها قوم من العصاة على السلطان، ~~فاحتمى بهم وقوي، فنزل إلى جيرفت فملكها وملك غيرها، وقوي طمعه في الباقي. ~~فقصده أبو موسى والديلم، فهزمهم، وأخذ بعض ما بقي بأيديهم، فكاتبوا بهاء ~~الدولة، فسير إليهم جيشا عليهم أبو جعفر بن أستاذ هرمز، فسار إلى كرمان، ~~وقصد بم، وبها طاهر، فجرى بين طلائع العسكرين حرب، وعاد طاهر إلى سجستان، ~~وفارق كرمان، فلما بلغ سجستان أطلق المأسورين، ودعاهم إلى قتال أبيه معه، ~~وحلف لهم ms3183 أنهم إذا نصروه وقاتلوا معه أطلقهم، ففعلوا ذلك، وقاتل أباه، ~~فهزمه وملك طاهر البلاد، ودخل أبوه إلى حصن له منيع فاحتمى به. ~~PageV04P0132 # وأحب الناس طاهرا لحسن سيرته، وسوء سيرة والده، وأطلق طاهر الديلم، ثم إن ~~أباه راسل أصحابه ليفسدهم عليه، فلم يفعلوا، فعدل إلى مخادعته، وراسله يظهر ~~له الندم على ما كان منه، ويستميله بأنه ليس له ولد غيره، وأنه يخاف أن ~~يموت فيملك بلاده غير ولده. ثم استدعاه إليه جريدة ليجتمع به ويعرفه ~~أحواله، فتواعدا تحت قلعة خلف، فأتاه ابنه جريدة، ونزل هو إليه كذلك، وكان ~~قد كمن بالقرب منه كمينا، فلما لقيه اعتنقه، وبكى خلف، وصاح في بكائه، فخرج ~~الكمين وأسروا طاهرا فقتله أبوه بيده، وغسله ودفنه، ولم يكن له ولد غيره. ~~فلما قتل طمع الناس في خلف، لأنهم كانوا يخافون ابنه لشهامته، وقصده حينئذ ~~محمود بن سبكتكين، فملك بلاده على ما نذكره؛ وأما العتبي فذكر في سبب فتحها ~~غير هذا، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ثار الأتراك ببغداد بنائب السلطان، وهو أبو نصر سابور، ~~فهرب منهم، ووقعت الفتنة بين الأتراك والعامة من أهل الكرخ، وقتل بينهم ~~قتلى كثيرة، ثم إن السنة من أهل بغداد ساعدوا الأتراك على أهل الكرخ، ~~فضعفوا عن الجميع، فسعى الأشراف في إصلاح الحال فسكنت الفتنة. وفيها ولد ~~الأمير أبو جعفر عبدالله بن القادر، وهو القائم بأمر الله. وفيها، في ربيع ~~الأول، توفي أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى، وكان فاضلا عالما بعلوم ~~الإسلام وبالمنطق، وكان يجلس للتحديث، وروى الناس عنه. وفيها توفي القاضي ~~أبو الحسن الجزري، وكان على مذهب داود الظاهري، وكان يصحب عضد الدولة ~~قديما. وفيها توفي أبو عبدالله الحسين بن الحجاج الشاعر بطريق النيل، وحمل ~~إلى بغداد، وديوانه مشهور. وفيها توفي بكران بن أبي الفوارس خال الملك جلال ~~الدولة بواسط. وفيها توفي جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات المعروف ~~بابن حنزابة، الوزير، ومولده سنة ثمان وثلاثمائة، وكان سار إلى ms3184 مصر فولي ~~وزارة كافور وروي حديثا كثيرا. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر وقعة ليمين الدولة بالهند # في هذه السنة أوقع يمين الدولة محمود بن سبكتكين بجيبال ملك الهند وقعة ~~عظيمة. وسبب ذلك أنه لما اشتغل بأمر خراسان وملكها، وفرغ منها ومن قتال خلف ~~بن أحمد، وخلا وجهه من ذلك، أحب أن يغزو الهند غزوة تكون كفارة لما كان منه ~~من قتال المسلمين، فثنى عنانه نحو تلك البلاد، فنزل على مدينة برشور، فأتاه ~~عدو الله جيبال ملك الهند في عساكر كثيرة، فاختار يمين الدولة من عساكره ~~والمطوعة خمسة عشر ألفا، وسار نحوه، فالتقوا في المحرم من هذه السنة، ~~فاقتتلوا، وصبر الفريقان. فلما انتصف النهار انهزم الهند، وقتل فيهم مقتلة ~~عظيمة، وأسر جيبال ومعه جماعة كثيرة من أهله وعشيرته، وغنم المسلمون منهم ~~أموالا جليلة، وجواهر نفيسة، وأخذ من عنق عدو الله جيبال قلادة من الجوهر ~~العديم النظير قومت بمائتي ألف دينار، وأصيب أمثالها في أعناق مقدمي ~~الأسرى، وغنموا خمس مائة ألف رأس من العبيد، وفتح من بلاد الهند بلادا ~~كثيرة، فلما فرغ من غزواته أحب أن يطلق جيبال ليراه الهنود في شعار الذل، ~~فأطلقه بمال قرره عليه، فأدى المال. ومن عادة الهند أنهم من حصل منهم في ~~أيدي المسلمين أسيرا لم ينعقد له بعدها رئاسة، فلما رأى جيبال حاله بعد ~~خلاصه حلق رأسه، ثم ألقى نفسه في النار، فاحترق بنار الدنيا قبل نار الآخرة. ### || AUT ذكر غزوة أخرى إلى الهند أيضا # فلما فرغ يمين الدولة من أمر جيبال رأى أن يغزو غزوة أخرى، فسار نحو ~~ويهند، فأقام عليها محاصرا لها، حتى فتحها قهرا، وبلغه أن جماعة من الهند ~~قد اجتمعوا بشعاب تلك الجبال عازمين على الفساد والعناد، فسير إليهم طائفة ~~من عسكره، فأوقعوا بهم، وأكثروا القتل فيهم، ولم ينج منهم إلا الشريد ~~الفريد، وعاد إلى غزنة سالما ظافرا. ### || AUT ذكر الحرب بين قرواش وعسكر بهاء الدولة # في هذه السنة سير قرواش بن المقلد جمعا من عقيل إلى المدائن ms3185 فحصروها، ~~فسير إليهم أبو جعفر نائب بهاء الدولة جيشا فأزالوهم عنها، فاجتمعت عقيل ~~وأبو الحسن ابن مزيد في بني أسد، وقويت شوكتهم فخرج الحجاج إليهم، واستنجد ~~خفاجة، وأحضرهم من الشام، فاجتمعوا معه، واقتتلوا بنواحي باكرم في رمضان، ~~فانهزمت الديلم والأتراك، وأسر منهم خلق كثير، واستبيح عسكرهم. ~~PageV04P0133 # فجمع أبو جعفر من عنده من العسكر وخرج إلى بني عقيل وابن مزيد، فالتقوا ~~بنواحي الكوفة، واشتد القتال بينهم، فانهزمت عقيل وابن مزيدن وقتل من ~~أصحابهم خلق كثير، وأسر مثلهم، وسار إلى حلل ابن مزيد فأوقع بمن فيها ~~فانهزموا أيضا، فنهبت الحلل والبيوت والأموال، ورأوا فيها من العين والمصاغ ~~والثياب ما لا يقدر قدره. ولما سار أبو جعفر عن بغداد اختلت الأحوال بها، ~~وعاد أمر العيارين فظهر، واشتد الفساد، وقتلت النفوس، ونهبت الأموال، ~~وأحرقت المساكن، فبلغ ذلك بهاء الدولة، فسير إلى العراق لحفظه أبا علي بن ~~أبي جعفر المعروف بأستاذ هرمز، ولقبه عميد الجيوش، وأرسل إلى أبي جعفر ~~الحجاج، وطيب قلبه، ووصل أبو علي إلى بغداد، فأقام السياسة، ومنع المفسدين، ~~فسكنت الفتنة وأمن الناس. وفيها توفي محمد بن محمد بن جعفر أبو بكر الفقيه ~~الشافعي المعروف بابن الدقاق، صاحب الأصول. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر ملك يمين الدولة سجستان # في هذه السنة ملك يمين الدولة محمود بن سبكتكين سجستان، وانتزعها من يد ~~خلف بن أحمد. قال العتبي: وكان سبب أخذها أن يمين الدولة لما رحل عن خلف ~~بعد أن صالحه، كما تقدم ذكره سنة تسعين، عهد خلف إلى ولده طاهر، وسلم إيه ~~مملكته، وانعكف هو على العبادة والعلم، وكان عالما، فاضلا، محبا للعلماء، ~~وكان قصده أن يوهم يمين الدولة أنه ترك الملك وأقبل على طلب الآخرة ليقطع ~~طمعه عن بلاده. فلما استقر طاهر في الملك عق أباه وأهمل أمره، فلاطفه أبوه ~~ورفق به، ثم إنه تمارض في حصنه المذكور، واستدعى ولده ليوصي إليه، فحضر ~~عنده غير محتاط، ونسي إساءته، فلما صار عنده قبض عليه وسجنه، وبقي في السجن ~~إلى أن ms3186 مات فيه، وأظهر عنه أنه قتل نفسه. ولما سمع عسكر خلف وصاحب جيشه ~~بذلك تغيرت نياتهم في طاعته، وكرهوه، وامتنعوا عليه في مدينته، وأظهروا ~~طاعة يمين الدولة، وخطبوا له، وأرسلوا إليه يطلبون من يتسلم المدينة، ففعل ~~وملكها، واحتوى عليها في هذه السنة، وعزم على قصد خلف وأخذ ما بيده ~~والاستراحة من مكره. فسار إليه، وهو في حصن الطاق، وله سبعة أسوار محكمة، ~~يحيط بها خندق عميق، عريض، لا يخاض إلا من طريق على جسر يرفع عند الخوف، ~~فنازله وضايقه فلم يصل إليه، فأمر بطم الخندق ليمكن العبور إليه، فقطعت ~~الأخشاب وطم بها وبالتراب في يوم واحد مكانا يعبرون فيه ويقاتلون منه. وزحف ~~الناس ومعهم الفيول، واشتدت الحرب، وعظم الأمر، وتقدم أعظم الفيول إلى باب ~~السور فاقتلعه بنابيه وألقاه، وملكه أصحاب يمين الدولة، وتأخر أصحاب خلف ~~إلى السور الثاني، فلم يزل أصحاب يمين الدولة يدفعونهم عن سور سور، فلما ~~رأى خلف اشتداد الحرب، وأن أسواره تملك عليه، وأن أصحابه قد عجزوا، وأن ~~الفيلة تحطم الناس طار قلبه خوفا وفرقا، فأرسل يطلب الأمان، فأجابه يمين ~~الدولة إلى ما طلب وكف عنه، فلما حضره عنده أكرمه واحترمه، وأمر بالمقام في ~~أي البلاد شاء، فاختار أرض الجوزجان، فسير إليها في هيئة حسنة، فأقام بها ~~نحو أربع سنين. ونقل إلى يمين الدولة عنه أنه يراسل ايلك الخان يغريه بقصد ~~يمين الدولة، فنقله إلى جردين، واحتاط عليه هناك، إلى أن أدركه أجله في رجب ~~سنة تسع وتسعين، فسلم يمين الدولة جميع ما خلفه إلى ولده أبي حفص. وكان خلف ~~مشهورا بطلب العلم وجمع العلماء، وله كتاب صنفه في تفسير القرآن من أكبر الكتب. ### || AUT ذكر الحرب بين عميد الجيوش أبي علي وبين أبي جعفر الحجاج # في هذه السنة كانت الحرب بين أبي علي بن أبي جعفر أستاذ هرمز، وبين أبي ~~جعفر الحجاج. وسبب ذلك أن أبا جعفر كان نائبا عن بهاء الدولة بالعراق، فجمع ~~وغزا، واستناب بعده عميد الجيوش أبا علي، فأقام أبو جعفر بنواحي الكوفة، ms3187 ~~ولم يستقر بينه وبين أبي علي صلح. وكان أبو جعفر قد جمع جمعا من الديلم ~~والأتراك وخفاجة فجمع أبو علي أيضا جمعا كثيرا وسار إليه، والتقوا بنواحي ~~النعمانية، فاقتتلوا قتالا عظيما، وأرسل أبو علي بعض عسكره، فأتوا أبا جعفر ~~من ورائه، فانهزم أبو جعفر ومضى منهزما. PageV04P0134 # فلما أمن أبو علي سار من العراق، بعد الهزيمة، إلى خوزستان، وبلغ السوس، ~~وأتاه الخبر أن أبا جعفر قد عاد إلى الكوفة، فرجع إلى العراق، وجرى بينه ~~وبين أبي جعفر منازعات ومراجعات إلى أن آل الأمر إلى الحرب فاستنجد كل واحد ~~منهم بني عقيل وبني خفاجة وبني أسد، فبينما هم كذلك أرسل بهاء الدولة إلى ~~عميد الجيوش أبي علي يستدعيه، فسار إيه إلى خوزستان لأجل أبي العباس بن ~~واصل، صاحب البطيحة. ### || AUT ذكر عصيان سجستان وفتحها ثانية # لما ملك يمين الدولة سجستان عاد عنها واستخلف عليها أميرا كبيرا من ~~أصحابه، يعرف بقنجى الحاجب، فأحسن السيرة في أهلها. ثم إن طوائف من أهل ~~العيث والفساد قدموا عليهم رجلا يجمعهم، وخالفوا على السلطان، فسار إليهم ~~يمين الدولة، وحصرهم في حصن أرك، ونشبت الحرب في ذي الحجة من هذه السنة، ~~فظهر عليهم، وظفر بهم، وملك حصنهم، وأكثر القتل فيهم، وانهزم بعضهم فسير في ~~آثارهم من يطلبهم، فأدركوهم، فأكثروا القتل فيهم حتى خلت سجستان منهم وصفت ~~له واستقر ملكها عليه، فأقطعها أخاه نصرا مضافة إلى نيسابور. ### || AUT ذكر وفاة الطائع لله # في هذه السنة، في شوال منها، توفي الطائع لله المخلوع ابن المطيع لله، ~~وحضر الأشراف والقضاة وغيرهم دار الخلافة للصلاة عليه والتعزية، وصلى عليه ~~القادر بالله، وكبر عليه خمسا، وتكلمت العامة في ذلك فقيل: إن هذا مما يفعل ~~بالخلفاء؛ وشيع جنازته ابن حاجب النعمان، ورثاه الشريف الرضي فقال: ما بعد ~~يومك ما يسلو به السالي، ... ومثل يومك لم يخطر على بالي وهي طويلة. ### || AUT ذكر وفاة المنصور بن أبي عامر # في هذه السنة توفي أبو عامر محمد بن أبي عامر المعافري، الملقب ~~بالمنصور، أمير الأندلس مع المؤيد ms3188 هشام بن الحاكم، وقد تقدم ذكره عند ذكر ~~المؤيد، وكان أصله من الجزيرة الخضراء من بيت مشهور بها، وقدم قرطبة طالبا ~~للعلم، وكانت له همة، فتعلق بوالدة المؤيد في حياة أبيه المستنصر. فلما ولي ~~هشام كان صغيران فتكفل المنصور لوالدته القيام بأمره، وإخماد الفتن الثائرة ~~عليه، وإقرار الملك عليه، فولته أمره؛ وكان شهما، شجاعا، قوي النفس، حسن ~~التدبير، فاستمال العساكر وأحسن إليهم، فقوي أمره، وتلقب بالمنصور، وتابع ~~الغزوات إلى الفرنج وغيرهم، وسكنت البلاد معه، فلم يضطرب منها شيء. وكان ~~عالما، محبا للعلماء، يكثر مجالستهم ويناظرهم، وقد أكثر العلماء ذكر ~~مناقبه، وصنفوا لها تصانيف كثيرة، ولما مرض كان متوجها إلى الغزو، فلم ~~يرجع، ودخل بلاد العدو فنال منهم وعاد وهو مثقل، فتوفي بمدينة سالم، وكان ~~قد جمع الغبار الذي وقع على درعه في غزواته شيئا صالحا، فأمر أن يجعل في ~~كفنه تبركا به. وكان حسن الاعتقاد والسيرة، عادلا، وكانت أيام أعيادا ~~لنضارتها، وأمن الناس فيها، رحمة الله. وله شعر جيد، وكانت أمه تميمية، ~~ولما مات ولي بعده ابنه المظفر أبو مروان عبد الملك، فجرى مجرى أبيه. ### || AUT ذكر محاصرة فلفل مدينة قابس # في هذه السنة سار يحيى بن علي الأندلسي وفلفل من طرابلس إلى مدينة قابس ~~في عسكر كثير، فحصروها، ثم رجعوا إلى طرابلس. ولما رأى يحيى بن عي ما هو ~~عيه من قلة المال، واختلال حاله وسوء مجاورة فلفل وأصحابه له، رجع إلى مصر ~~إلى الحاكم، بعد أن أخذ فلفل وأصحابه خيولهم، وما اختاروه من عددهم بين ~~الشراء والغصب، فأراد الحاكم قتله ثم عفا عنه. وأقام فلفل بطرابلس إلى سنة ~~أربعمائة، فمرض وتوفي، وولي أخوه ورو، فأطاعته زناتة، واستقام أمره، فرحل ~~باديس إلى طرابلس إلى سنة أربعمائة، فمرض وتوفي، وولي أخوه ورو، فأطاعته ~~زناتة، واستقام أمره، فرحل باديس إلى طرابلس لحرب زناتة، فلما بلغهم رحيله ~~فارقوها وملكها باديس، ففر أهلها، وأرسل ورو أخو فلفل إلى باديس يطلب أن ~~يكون هو ومن معه من زناتة في أمانه، ويدخلون في طاعته، ويجعلهم ms3189 عمالا كسائر ~~عماله، فأمنهم وأحسن إليهم، وأعطاهم نفزاوة وقسطيلة على أن يرحلوا من أعمال ~~طرابلس، ففعلوا ذلك. ثم إن خزرون بن سعيد أخا ورو جاء إلى باديس، ودخل في ~~طاعته، وفارق أخاه، فأكرمه باديس، وأحسن إليه؛ ثم إن أخاه خالف على باديس، ~~وسار إلى طرابلس فحصرها، وسار إليه خزرون ليمنعه عن حصارها، وكان ذلك سنة ~~ثلاث وأربعمائة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV04P0135 # في هذه السنة، في رمضان، طلع كوكب كبير له ذؤابة؛ وفي ذي القعدة انقض ~~كوكب كبير أيضا كضوء القمر عند تمامة، وانمحق نوره وبقي جرمه يتموج. وفيها ~~اشتدت الفتنة ببغداد، وانتشر العيارون والمفسدون، فبعث بهاء الدولة عميد ~~الجيوش أبا علي بن أستاذ هرمز إلى العراق ليدبر أمره، فوصل إلى بغداد، ~~فزينت له، وقمع المفسدين، ومنع السنة والشيعة من إظهار مذاهبهم، ونفى، بعد ~~ذلك، ابن المعلم فقيه الإمامية، فاستقام البلد. وفيها، في ذي الحجة، ولد ~~الأمير أبو علي الحسن بن بهاء الدولة، وهو الذي ملك الأمر، وتلقب بمشرف ~~الدولة. وفيها هرب الوزير أبو العباس الضبي، وزير مجد الدولة بن فخر الدولة ~~ابن بويه، من الري إلى بدر بن حسنويه، فأكرمه، وقام بالوزارة بعده الخطير ~~أبو علي. وفيها ولى الحاكم بأمر الله على دمشق، وقيادة العساكر الشامية، ~~أبا محمد الأسود، واسمه تمضولت، فقدم إليها، ونزل في قصر الإمارة، فأقام ~~واليا عليها سنة وشهرين؛ ومن أعماله فيها أنه أطاف إنسانا مغربيا، وشهره، ~~ونادى عليه: هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر ! ثم أخرجه عنها. وفيا توفي ~~عثمان بن جني النحوي، مصنف اللمع وغيرها، ببغداد، وله شعر بارز؛ والقاضي ~~علي بن عبد العزيز الجرجاني بالري، وكان إماما فاضلا، ذا فنون كثيرة؛ ~~والوليد بن بكر بن مخلد الأندلسي الفقيه المالكي، وهو محدث مشهور. وفيها ~~توفي أبو الحسن محمد بن عبدالله السلامي الشاعر البغدادي، ومن شعره يصف ~~الدرع، وهي هذه الأبيات: يا رب سابغة حبتني نعمة ... كأفاتها بالسوء غير ~~مفند أضحت تصون عن المنايا مهجتي ... وظللت أبذلها لكل مهند وله من أحسن ~~المديح في عضد ms3190 الدولة: وليت، وعزمي والظلام وصارمي ... ثلاثة أشباح كما ~~اجتمع النسر وبشرت آمالي بملك هو الورى، ... ودار هي الدنيا، ويوم هو الدهر ~~وقدم الموصل، فاجتمع بالخالديين من الشعراء منهم أبو الفرج الببغاء، وأبو ~~الحسين التلعفري، فامتحنوه، وكان صبيا، فبرز عند الامتحان. وفيها توفي محمد ~~بن العباس الخوارزمي الأديب الشاعر، وكان فاضلا، وتوفي بنيسابور. وفيها ~~توفي محمد بن عبد الرحمن بن زكرياء أبو طاهر المخلص المحدث المشهور، وأول ~~سماعه سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وتسعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر استيلاء أبي العباس على البطيحة # في هذه السنة، في شعبان، غلب أبو العباس بن واصل على البطيحة، وأخرج ~~منها مهذب الدولة. وكان ابتداء حال أبي العباس أنه كان ينوب عن طاهر بن ~~زيرك الحاجب في الجهبذة، وارتفع معه، ثم أشفق منه ففارقه وسار إلى شيراز، ~~واتصل بخدمة فولاذ، وتقدم عنده، فلما قبض على فولاذ عاد أبو العباس إلى ~~الأهواز بحال سيئة، فخدم فيها. ثم أصعد إلى بغداد، فضاق الأمر عليه، فخرج ~~منها، وخدم أبا محمد ابن مكرم، ثم انتقل إلى خدمة مهذب الدولة بالبطيحة، ~~فجرد معه عسكرا، وسيره إلى حرب لشكرستان حين استولى على البصرة، ومضى إلى ~~سيراف وأخذ ما بها لأبي محمد بن مكرم من سفن ومال، وأتى أسافل دجلة، فغلب ~~عليها، وخلع طاعة مهذب الدولة. فأرسل غليه مهذب الدولة مائة سميرية فيها ~~مقاتلة، فغرق بعضها، وأخذ أبو العباس ما بقي منها، وعدل إلى الأبلة، فهزم ~~أبا سعد بن ماكولا، وهو يصحب لشكرستان، فانهزم أيضا لشكرستان من بين يديه، ~~واستولى ابن واصل على البصرة، ونزل دار الإمارة، وأمن الديلم والأجناد. ~~وقصد لشكرستان مهذب الدولة، فأعاده إلى قتال أبي العباس في جيش، فلقيه أبو ~~العباس وقاتله، فانهزم لشكرستان وقتل كثير من رجاله، واستولى أبو العباس ~~على ثقله وأمواله، وأصعد إلى البطيحة، وأرسل إلى مهذب الدولة يقول له: قد ~~هزمت جندك، ودخلت بلدك، فخذ لنفسك؛ فسار مهذب الدولة إلى بشامني، وصار عند ~~أبي شجاع فارس بن مردان وابنه صدقة، فغدرا به ms3191 وأخذا أمواله، فاضطرا إلى ~~الهرب، وسار إلى واسط فوصلها على أقبح صورة، فخرج إليه أهلها فلقوه وأصعدت ~~زوجته ابنة الملك بهاء الدولة إلى بغداد وأصعد مهذب الدولة إليها فلم يمكن ~~من الوصول إليها. PageV04P0136 # وأما ابن واصل فإنه استولى على أموال مهذب الدولة وبلاده، وكانت عظيمة، ~~ووكل بدار زوجته ابنة بهاء الدولة من يحرسها، ثم جمع كل ما فيها وأسله إلى ~~أبيها، واضطرب عليه أهل البطائح واختلفوا، فسير سبع مائة فارس إلى الجازرة ~~لإصلاحها، فقاتلهم أهلها، فظفروا بالعسكر، وقتلوا فيهم كثيرا. وانتشر الأمر ~~على أبي العباس بن واصل، فعاد إلى البصرة خوفا أن ينتشر الأمر عليه بها، ~~وترك البطائح شاغرة ليس فيها أحد يحفظها. ولما سمع بهاء الدولة بحال أبي ~~العباس وقوته خافه على البلاد، فسار من فارس إلى الأهواز لتلافي أمره، ~~وأحضر عنده عميد الجيوش من بغداد، وجهز معه عسكرا كثيفا وسيرهم إلى أبي ~~العباس فأتى إلى واسط وعمل ما يحتاج إليه من سفن وغيرها، وسار إلى البطائح، ~~وفرق جنده في البلاد لتقرير قواعدها. وسمع أبو العباس بمسيره إليه، فأصعد ~~إليه من البصرة، وأرسل يقول له: ما أحوجك تتكلف الانحدار، وقد أتيتك فخذ ~~لنفسك. ووصل إلى عميد الجيوش وهو على تلك الحال من تفرق العسكر عنه، فلقيه ~~فيمن معه بالصليق، فانهزم عميد الجيوش، ووقع من معه بعضهم على بعض، ولقي ~~عميد الجيوش شدة إلى أن وصل إلى واسط، وذهب ثقله وخيامه وخزائنه، فأخبره ~~خازنه أنه قد دفن في الخيمة ثلاثين ألف دينار وخمسين ألف درهم، فأنفذ من ~~أحضرها، فقوي بها. ونذكر باقي خبر البطائح سنة خمس وتسعين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قلد بهاء الدولة النقيب أبا أحمد الموسوي، والد الشريف ~~الرضي، نقابة العلويين بالعراق، وقضاء القضاة، والحج، والمظالم، وكتب عهده ~~بذلك، من شيراز، ولقب الطاهر ذا المناقب، فامتنع الخليفة من تقليده قضاء ~~القضاة، وأمضى ما سواه. وفيها خرج الأصيفر المنتفقي على الحاج، وحصرهم ~~بالبطانية، وعزم على أخذهم، وكان فيهم أبو الحسن الرفاء، وأبو عبدالله ~~الدجاجي، وكانا يقرآن ms3192 القرآن بأصوات لم يسمع مثلها، فحضرا عند الأصيفر وقرآ ~~القرآن فترك الحجاج وعاد، وقال لهما: قد تركت لكما ألف ألف دينار. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وتسعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر عود مهذب الدولة إلى البطيحة # قد ذكرنا انهزام عميد الجيوش من أبي العباس بن واصل، فلما انهزم أقام ~~بواسط، وجمع العساكر عازما على العود إلى البطائح، وكان أبو العباس قد ترك ~~بها نائبا له، فلم يتمكن من المقام بها، ففارقها إلى صاحبه، فأرسل عميد ~~الجيوش إليها نائبا من أهل البطائح، فعسف الناس، وأخذ الأموال، ولم يلتفت ~~إلى عميد الجيوش، فأرسل إلى بغداد وأحضر مهذب الدولة، وسلموا إليه جميع ~~الولايات، واستقر عليه بهاء الدولة كل سنة خمسين ألف دينار، ولم يعترض عليه ~~ابن واصل، فاشتغل عنه بالتجهيز إلى خوزستان، وحفر نهرا إلى جانب النهر ~~العضدي، بين البصرة والأهواز، وكثر ماؤه، وكان قد اجتمع عنده جمع كثير من ~~الديلم وأنواع الأجناد. ولما كثر ماله وذخائره، وما استولى عليه من ~~البطيحة، قوي طمعه في الملك، وسار هو وعسكره إلى الأهواز في ذي القعدة، ~~فجهز إليه بهاء الدولة جيشا في الماء، فالتقوا بنهر السدرة، فاقتتلوا، ~~وخاتلهم أبو العباس، وسار إلى الأهواز وتبعه من كان قد لقيه من العسكر، ~~فالتقوا بظاهر الأهواز، وانضاف إلى عسكر بهاء الدولة العساكر التي ~~بالأهواز، فاستظهر أبو العباس عليهم. ورحل بهاء الدولة إلى قنطرة أربق، ~~عازما على المسير إلى فارس، ودخل أبو العباس إلى دار المملكة وأخذ ما فيها ~~من الأمتعة والأثاث المتخلف عن بهاء الدولة، إلا أنه لم يمكنه المقام لأن ~~بهاء الدولة كان قد جهز عسكرا ليسير في البحر إلى البصرة، فخاف أبو العباس ~~من ذلك، وراسل بهاء الدولة، وصالحه، وزاد في إقطاعه، وحلف كل واحد منهما ~~لصاحبه، وعاد إلى البصرة، وحمل معه كل ما أخذه من دار بهاء الدولة ودور ~~الأكابر والقواد والتجار. ### || AUT ذكر غزوة بهاطية # في هذه السنة غزا يمين الدولة بهاطية من أعمال الهند، وهي وراء ~~المولتان، ، وصاحبها يعرف ببحيرا، وهي مدينة حصينة، عالية ms3193 السور، يحيط بها ~~خندق عميق، فامتنع صاحبها بها، ثم إنه خرج إلى ظاهرها، فقاتل المسلمين ~~ثلاثة أيام ثم انهزم في الرابع، وطلب المدينة ليدخلها، فسبقهم المسلمون إلى ~~باب البلد فملكوه عليهم، وأخذتهم السيوف من بين أيديهم ومن خلفهم، فقتل ~~المقاتلة وسبيت الذرية وأخذت الأموال. PageV04P0137 # وأما بحيرا فإنه لما عاين الهلاك أخذ جماعة من ثقاته وسار إلى رؤوس تلك ~~الجبال، فسير إليه يمين الدولة سرية، فلم يشعر بهم بحيرا إلا وقد أحاطوا ~~به، وحكموا السيوف في أصحابه، فلما أيقن بالعطب أخذ خنجرا معه فقتل به ~~نفسه، وأقام يمين الدولة ببهاطية حتى أصلح أمرها، ورتب قواعدها، وعاد عنها ~~إلى غزنة، واستخلف بها من يعلم من أسلم من أهلها ما يجب عليهم تعلمه، ولقي ~~في عوده شدة شديدة من الأمطار وكثرتها، وزيادة الأنهار، فغرق منه ومن عسكره شيء عظيم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كان بإفريقية غلاء شديد بحيث تعطلت المخابز والحمامات، ~~وهلك الناس، وذهبت الأموال من الأغنياء، وكثر الوباء، فكان يموت كل يوم ما ~~بين خمسمائة إلى سبعمائة. وفيها وصل قرواش وأبو جعفر الحجاج إلى الكوفة، ~~فقبضا على أبي علي عمر بن محمد بن عمر العلوي، وأخذ منه قرواش مائة ألف ~~دينار، وحمله معه إلى الأنبار. وفيها توفي إسحاق بن محمد بن حمدان بن محمد ~~بن نوح أبو إبراهيم المهلبي. وفيها توفي محمد بن علي بن الحسين بن الحسن بن ~~أبي إسماعيل العلوي الهمذاني، الفقيه الشافعي، رحمه الله تعالى. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وتسعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر غزوة المولتان # في هذه السنة غزا السلطان يمين الدولة المولتان. وكان سبب ذلك أن واليها ~~أبا الفتوح نقل عنه خبث اعتقاده، ونسب إلى الإلحاد، وأنه قد دعا أهل ولايته ~~إلى ما هو عليه، فأجابوه. فرأى يمين الدولة أن يجاهده ويستنزله عما هو ~~عليه، فسار نحوه، فرأى الأنهار التي في طريقه كثيرة الزيادة، عظيمة المد، ~~وخاصة سيحون، فإنه منع جانبه من العبور، فأرسل إلى أندبال يطلب إليه أن ~~يأذن له في العبور، ببلاده ms3194 إلى المولتان، فلم يجبه إلى ذلك، فابتدأ به قبل ~~المولتان، وقال: نجمع بين غزوتين، لأنه لا غزو إلا التعقيب؛ فدخل بلاده، ~~وجاسها، وأكثر القتل فيها، والنهب لأموال أهلها، والإحراق لأبنيتها، ففر ~~أندبال من بين يديه وهو في أثره كالشهاب في أثر الشيطان، من مضيق إلى مضيق، ~~إلى أن وصل إلى قشمير. ولما سمع أبو الفتوح بخبر إقباله إليه علم عجزه عن ~~الوقوف بين يديه والعصيان عليه، فنقل أمواله إلى سرنديب، وأخلى المولتان، ~~فوصل يمين الدولة إليها ونازلها، فإذا أهلها في ضلالهم يعمهون، فحصرهم، ~~وضيق عليهم، وتابع القتال حتى افتتحها عنوة، وألزم أهلها عشرين ألف درهم ~~عقوبة لعصيانهم. ### || AUT ذكر عزوة كواكير # ثم سار عنها إلى قلعة كواكير، وكان صاحبها يعرف ببيدا، وكان بها ستمائة ~~صنم، فافتتحها وأحرق الأصنام، فهرب صاحبها إلى قلعته المعروفة بكالنجار، ~~فسار خلفه إليها، وهو حصن كبير يسع خمسمائة ألف إنسان، وفيه خمسمائة فيل، ~~وعشرون ألف دابة، وفي الحصن ما يكفي الجميع مدة. فلما قاربها يمين الدولة ~~وبقي بينهما سبعة فراسخ رأى من الغياض المانعة من سلوك الطريق ما لا حد ~~عليه، فأمر بقطعها، ورأى في الطريق واديا عظيم العمق، بعيد القعر، فأمر أن ~~يطم منه مقدار ما يسع عشرين فارسا، فطموه بالجلود المملوءة ترابا، ووصل إلى ~~القلعة فحصرها ثلاثة وأربعين يوما، وراسله صاحبها في الصلح فلم يجبه. ثم ~~بلغه عن خراسان اختلاف بسبب قصد ايلك الخان لها، فصالح ملك الهند على ~~خمسمائة فيل، وثلاثة آلاف من فضة، ولبس خلعه يمين الدولة بعد أن استعفى من ~~شد المنطقة، فإنه اشتد عليه، فلم يجبه يمين الدولة إلى ذلك، فشد المنطقة، ~~وقطع إصبعه الخنصر وأنفذها إلى يمين الدولة توثقة فيما يعتقدونه، وعاد يمين ~~الدولة إلى خراسان لإصلاح ما اختلف فيها، وكان عازما على الوغول في بلاد الهند. ### || AUT ذكر عبور عسكر ايلك الخان إلى خراسان # كان يمين الدولة لما استقر له ملك خراسان، وملك ايلك الخان ما وراء ~~النهر، قد راسله ووافقه وتزوج ابنته، وانعقدت بينهما مصاهرة ومصالحة، فلم ms3195 ~~تزل السعاة حتى أفسدوا ذات بينهما، وكتم ايلك الخان ما في نفسه، فلما سار ~~يمين الدولة إلى المولتان اغتنم ايلك الخان خلو خراسان، فسير سباشي تكين، ~~صاحب جيشه في هذه السنة، إلى خراسان في معظم جنده، وسير أخاه جعفر تكين إلى ~~بلخ في عدة من الأمراء. PageV04P0138 # وكان يمين الدولة قد جعل بهراة أميرا من أكابر أمرائه يقال له: أرسلان ~~الجاذب، فأمره إذا ظهر عليه مخالف أن ينحاز إلى غزنة. فلما عبر سباشي تكين ~~إلى خراسان سار أرسلان إلى غزنة، وملك سباشي هراة وأقام بها، وأرسل إلى ~~نيسابور من استولى عليها. واتصلت الأخبار بيمين الدولة، وهو بالهند، فرجع ~~إلى غزنة لا يلوي على دار، ولا يركن إلى قرار، فلما بلغها فرق في عساكره ~~الأموال، وقواهم، وأصلح ما أراد إصلاحه، واستمد الأتراك الخلجية، فجاءه منه ~~خلق كثير، وسار بهم نحو بلخ، وبها جعفر تكين أخو ايلك الخان، فعبر إلى ~~ترمذ، ونزل يمين الدولة ببلخ، وسير العساكر إلى سباشي تكين بهراة، فلما ~~قاربوه سار نحو مرو ليعبر النهر، فلقيه التركمان الغزية، فقاتلوه فهزمهم ~~وقتل منهم مقتلة عظيمة. ثم سار نحو أبيورد لتعذر العبور عليه، فتبعه عسكر ~~يمين الدولة، كلما رحل نزلوا، حتى ساقه الخوف من الطلب إلى جرجان فأخرج ~~عنها، ثم عاد إلى خراسان، فعارضه يمين الدولة، فمنعه عن مقصده، وأسر أخو ~~سباشي تكين وجماعة من قواده، ونجا هو في خف من أصحابه، فعبر النهر. وكان ~~ايلك الخان قد عبر أخاه جعفر تكين إلى بلخ ليلفت يمين الدولة عن طلب سباشي، ~~فلم يرجع، وجعل دأبه إخراج سباشي من خراسان، فلما أخرجه عنها عاد إلى بلخ، ~~فانهزم من كان بها مع جعفر تكين، وسلمت خراسان ليمين الدولة. ### || AUT ذكر الحرب بين عسكر بهاء الدولة والأكراد # في هذه السنة سير عميد الجيوش عسكرا إلى البندنيجين، وجعل المقدم عليهم ~~قائدا كبيرا من الديلم، فلما وصلوا إليها سار إليهم جمع كثير من الأكراد، ~~فاقتتلوا، فانهزم الديلم، وغنم الأكراد رحلهم ودوابهم، وجرد المقدم عليهم ~~من ثيابه، فأخذ قميصا ms3196 من رجل سوادي، وعاد راجلا حافيا، ولم يكن مقامهم غير ~~أيام قليلة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قلد الشريف الرضي نقالة الطالبيين بالعراق، ولقب بالرضي ذي ~~الحسبين، ولقب أخوه المرتضى ذا المجدين، فعل ذلك بهاء الدولة. وفيها توفي ~~أبو أحمد عبد الرحيم بن علي بن المرزبان الأصبهاني، قاضي خراسان، وكان إليه ~~أمر البيمارستان ببغداد. وفيها، مستهل شعبان، طلع كوكب كبير يشب الزهرة عن ~~يسرة قبلة العراق، له شعاع على الأرض كشعاع القمر، وبقي إلى منتصف ذي ~~القعدة وغاب. وفيها توفي أبو سعد إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل ~~الإسماعيلي الإمام، الفقيه الشافعي، بجرجان في ربيع الآخر، ومحمد بن إسحاق ~~بن محمد ابن يحيى بن مندة أبو عبدالله الحافظ الأصبهاني المشهور، له ~~التصانيف المعروفة. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وتسعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر هزيمة ايلك الخان # لما أخرج يمين الدولة عساكر ايلك الخان من خراسان، راسل ايلك الخان قدر ~~خان بن بغراخان ملك الختل لقرابة بينهما، وذكر له حاله، واستعان به، ~~واستنصره، واستنفر الترك من أقاصي بلادها، وسار نحو خراسان، واجتمع هو ~~وايلك الخان، فعبرا النهر. وبلغ الخبر يمين الدولة، وهو بطخارستان، فسار ~~وسبقهما إلى بلخ، واستعد للحرب، وجمع الترك الغزية، والخلج، والهند، ~~والأفغانية، والغزنوية، وخرج عن بلخ، فعسكر على فرسخين بمكان فسيح يصلح ~~للحرب، وتقدم ايلك الخان، وقدرخان في عساكرهما، فنزلوا بإزائه، واقتتلوا ~~يومهم ذلك إلى الليل. فلما كان الغد برز بعضهم إلى بعض واقتتلوا، واعتزل ~~يمين الدولة إلى نشز مرتفع ينظر إلى الحرب، ونزل عن دابته وعفر وجهه على ~~الصعيد تواضعا لله تعالى، وسأله النصر والظفر، ثم نزل وحمل في فيلته على ~~قلب ايلك الخان، فأزاله عن مكانه، ووقعت الهزيمة فيهم، وتبعهم أصحاب يمين ~~الدولة يقتلون، ويأسرون، ويغنمون إلى أن عبروا بهم النهر، وأكثر الشعراء ~~تهنئة يمين لدولة بهذا الفتح. ### || AUT ذكر غزوه إلى الهند # فلما فرغ يمين لدولة من الترك سار نحو الهند للغزاة. وسبب ذلك أن بعض ~~أولاد ملوك الهند، يعرف بنواسه شاه وكان ms3197 قد أسلم على يده، واستخلفه على بعض ~~ما افتتحه من بلادهم. فلما كان الآن بلغه أنه ارتد عن الإسلام، ومالأ أهل ~~الكفر والطغيان، فسار إليه مجدا، فحين قاربه فر الهندي من بين يديه، ~~واستعاد يمين الدولة تلك الولاية، وأعادها إلى حكم الإسلام، واستخلف عليها ~~بعض أصحابه، وعاد إلى غزنة. ### || AUT ذكر حصر أبي جعفر الحجاج بغداد # PageV04P0139 # في هذه السنة جمع أبو جعفر الحجاج جمعا كثيرا، وأمده بدر بن حسنويه بجيش ~~كثير، فسار بالجميع وحصر بغداد. وسبب ذلك أن أبا جعفر كان نازلا على قلج ~~حامي طريق خراسان، وكان قلج مباينا لعميد الجيوش، فاجتمعا لذلك. فتوفي قلج ~~هذه السنة، فجعل عميد الجيوش على حماية الطريق أبا الفتح بن عناز، وكان ~~عدوا لبدر بن حسنويه، فحقد ذلك بدر، فاستدعى أبا جعفر الحجاج، وجمع له جمعا ~~كثيرا، منهم الأمير هندي بن سعدي، وأبو عيسى شاذي بن محمد، وورام بن محمد، ~~وغيرهم، وسيرهم إلى بغداد. وكان الأمير أبو الحسن علي بن مزيد الأسدي قد ~~عاد من عند بهاء الدولة بخوزستان مغضبا، فاجتمع معهم، فزادت عدتهم على عشرة ~~آلاف فارس. وكان عميد الجيوش عند بهاء الدولة لقتال أبي العباس بن واصل، ~~فسار أبو جعفر ومن اجتمع معه إلى بغداد، ونزلوا على فرسخ منها، وأقاموا ~~شهرا، وببغداد جمع من الأتراك، ومعهم أبو الفتح بن عناز، فحفظوا البلد، ~~فبينما هم كذلك أتاهم خبر انهزام أبي العباس، وقوة بهاء الدولة، ففت ذلك في ~~أعضاد أبي جعفر ومن معه، فتفرقوا، فعاد ابن مزيد إلى بلده، وسار أبو جعفر ~~وأبو عيسى إلى حلوان، وراسل أبو جعفر في إصلاح حاله مع بهاء الدولة، فأجابه ~~إلى ذلك، فحضر عنده بتستر، فلم يلتفت إليه لئلا يستوحش عميد الجيوش. ### || AUT ذكر قصد بدر ولاية رافع بن مقن # كان أبو الفتح بن عناز التجأ إلى رافع بن محمد بن مقن، ونزل عليه، حين ~~أخذ بدر بن حسنويه منه حلوان وقرميسين، فأرسل بدر إلى رافع يذكر مودة أبيه، ~~وحقوقه عليه، ويعتب عليه حيث آوى خصمه، ويطلب ms3198 إليه أن يبعده ليدوم له على ~~العهد والود القديم. فلم يفعل رافع ذلك، فأرسل بدر جيشا إلى أعمال رافع ~~بالجانب الشرقي من دجلة فنهبها، وقصدوا داره بالمطيرة فنهبوها، وأحرقوها، ~~وساروا إلى قلعة البردان، وهي لرافع أيضا، ففتحوها قهرا، وأحرقوا ما كان ~~بها من الغلات، وطموا بئرها، فسار أبو الفتح إلى عميد الجيوش ببغداد، فخلع ~~عليه وأكرمه ووعده نصره. ### || AUT ذكر قتل أبي العباس بن واصل # في هذه السنة قتل أبو العباس بن واصل، صاحب البصرة، وقد تقدم ذكر ابتداء ~~حاله، وارتفاعه، واستيلائه على البطيحة، وما أخذه من الأموال، وما هزم من ~~جيوش السلطان، وغير ذلك مما هو مذكور في مواضعه. فلما عظم أمره سار بهاء ~~الدولة من فارس إلى الأهواز ليحفظ خوزستان منه، وكان في البطائح مقابل عميد ~~الجيوش، فلما فرغ منه سار إلى الأهواز، وبها بهاء الدولة، فملكها على ما ~~ذكرناه وعاد منها على صلح مع بهاء الدولة إلى البصرة، وقد ذكرناه أيضا. ثم ~~تجدد ما أوجب عوده إلى الأهواز، فعاد إليها في جيشه، وبهاء الدولة مقيم ~~بها، فلما قاربها رحل بهاء الدولة عنها لقلة عسكره، وتفرقهم: بعضهم بفارس، ~~وبعضهم بالعراق، وقطع قنطرة أربق، وبقي النهر يحجز بين الفريقين، فاستولى ~~أبو العباس على الأهواز، وأتاه مدد من بدر بن حسنويه ثلاثة آلاف فارس، فقوي ~~بهم. وعزم بهاء الدولة على العود إلى فارس، فمنعه أصحابه، فأصلح أبو العباس ~~القنطرة، وجرى بين العسكرين قتال شديد دام إلى السحر، ثم عبر أبو العباس ~~على القنطرة بعد أن أصلحها، والتقى العسكران واشتد القتال، فانهزم أبو ~~العباس، وقتل من أصحابه كثير، وعاد إلى البصرة مهزوما منتصف رمضان سنة ست ~~وتسعين وثلاثمائة. فلما عاد منهزما جهز بهاء الدولة إليه العساكر مع وزيره ~~أبي غالب، فسار إليه، ونزل عليه محاصرا له، وجرى بين العسكرين القتال، وضاق ~~الأمر على الوزير، وقل المال عنده، واستمد بهاء الدولة فلم يمده. ثم إن أبا ~~لعباس جمع سفنه وعساكره، وأصعد إلى عسكر الوزير، وهجم عليه، فانهزم الوزير، ~~وكاد يتم على الهزيكة، ms3199 فاستوقفه بعض الديلم وثبته، وحملوا على أبي العباس ~~فانهزم هو وأصحابه، وأخذ الوزير سفنه، فاستأمن إليه كثير من أصحابه. ومضى، ~~أبو العباس منهزما، وركب مع حسان بن ثمان الخفاجي هاربا إلى الكوفة، ودخل ~~الوزير البصرة، وكتب إلى بهاء الدولة بالفتح. PageV04P0140 # ثم إن أبا العباس سار من الكوفة، وقطع دجلة، ومضى عازما على اللحاق ببدر ~~بن حسنويه، فبلغ خانقين، وبها جعفر بن العوام في طاعة بدر، فأنزله وأكرمه، ~~وأشار عليه بالمسير في وقته، وحذره الطلب، فاعتل بالتعب، وطلب الاستراحة، ~~ونام، وبلغ خبره إلى أبي الفتح بن عناز وهو في طاعا بهاء الدولة، وكان ~~قريبا منهم، فسار إليهم بخانقين، وهو بها، فحصره وأخذه وسار به إلى بغداد، ~~فسيره عميد الجيوش إلى بهاء الدولة، فلقيهم في الطريق قاصد من بهاء الدولة ~~يأمره بقتله، فقتل وحمل رأسه إلى بهاء الدولة، وطيف به بخوزستان وفارس، ~~وكان بواسط عاشر صفر. ### || AUT ذكر مسير عميد الجيوش إلى حرب بدر # ### || AUT وصلحه معه # كان في نفس بهاء الدولة على بدر بن حسنويه حقد لما اعتمده في بلاده ~~لاشتغاله عنه بأبي العباس بن واصل، فلما قتل أبو العباس أمر بهاء الدولة ~~عميد الجيوش بالمسير إلى بلاده، وأعطاه مالا أنفقه في الجند، فجمع عسكرا ~~وسار يريد بلاده، فنزل جنديسابور. فأرسل إليه بدر: إنك لم تقدر على أن تأخذ ~~ما تغلب عليه بنو عقيل من أعمالكم، وبينهم وبين بغداد فرسخ، حتى صالحتهم، ~~فكيف تقدر على أخذ بلادي وحصوني مني، ومعي من الأموال ما ليس معك مثلها ؟ ~~وأنا معك بين أمرين إن حاربتك، فالحرب سجال، ولا نعلم لمن العاقبة، فإن ~~انهزمت أنا لم ينفعك ذلك لأنني أ؛تمي بقلاعي ومعاقلي، وأنفق أموالي، وإذا ~~عجزت فأنا رجل صحراوي، صاحب عمد، أبعد ثم أقرب، وإن انهزمت أنت لم تجتمع، ~~وتلقى من صاحبك العتب؛ والرأي أن أحمل إليك مالا ترضي به صاحبك، ونصطلح. ~~فأجابه إلى ذلك، وصالحه، وأخذ منه ما كان أخرجه على تجهيز الجيش وعاد عنه. ### || AUT ذكر الحرب بين قرواش وأبي علي بن ثمال ms3200 الخفاجي # في المحرم جرت وقعة بين معتمد الدولة أبي المنيع قرواش بن المقلد ~~العقيلي، وبين أبي علي بن ثمال الخفاجي، وكان سببها أن قرواشا جمع جمعا ~~كثيرا وسار إلى الكوفة، وأبو علي غائب عنها، فدخلها ونزل بها، وعرف أبو علي ~~الخبر، فسار إليه، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم قرواش وعاد إلى الأنبار ~~مفلولا؛ وملك أبو علي الكوفة، وأخذ أصحاب قرواش فصادرهم. ### || AUT ذكر خروج أبي ركوة على الحاكم بمصر # في هذه السنة ظفر الحاكم بأبي ركوة، ونحن نذكر ها هنا خبره أجمع. كان ~~أبو ركوة اسمه الوليد، وإنما كني أبا ركوة لركوة كان يحملها في أسفاره، سنة ~~الصوفية، وهو من ولد هشام بن عبد الملك بن مروان، ويقرب في النسب من المؤيد ~~هشام بن الحاكم الأموي، صاحب الأندلس، وإن المنصور ابن أبي عامر لما استولى ~~على المؤيد هشام بن الحاكم الأموي، صاحب الأندلس، وإن المنصور ابن أبي عامر ~~لما استولى على المؤيد وأخفاه عن الناس، تتبع أهله ومن يصلح منهم للملك، ~~فطلبه، فقتل البعض وهرب البعض. وكان أبو ركوة ممن هرب، وعمره حينئذ قد زاد ~~على العشرين سنة، وقصد مصر، وكتب الحديث، ثم سار إلى مكة واليمن، وعاد إلى ~~مصر ودعا بها إلى القائم، فأجابه بنو قرة وغيرهم. وسبب استجابتهم أن الحاكم ~~بأمر الله كان قد أسرف في مصر في قتل القواد، وحبسهم، وأخذ أموالهم، وسائر ~~القبائل معه في ضنك وضيق، ويودون خروج الملك عن يده؛ وكان الحاكم في الوقت ~~الذي دعا أبو ركوة بني قرة قد آذاهم، وحبس منهم جماعة من أعيانهم، وقتل ~~بعضهم، فلما دعاهم أبو ركوة انقادوا له. وكان بين بني قرة وبين زناته حروب ~~ودماء، فاتفقوا على الصلح، ومنع أنفسهم من الحاكم، فقصد بني قرة، وفتح يعلم ~~الصبيان الخط، وتظاهر بالدين والنسك، وآمهم في صلواتهم، فشرع في دعوتهم إلى ~~ما يريد، فأجابوه وبايعوه، واتفقوا عليه، وعرفهم حينئذ نفسه، وذكر لهم أن ~~عندهم في الكتب أنه يملك مصر وغيرها، ووعدهم ومناهم، وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا. فاجتمعت بنو قرة ms3201 وزناتة على بيعته، وخاطبوه بالإمامة، وكانوا بنواحي ~~برقة. فلما سمع الوالي ببرقة خبره كتب إلى الحاكم ينهيه إليه، ويستأذنه في ~~قصدهم وإصلاحهم، فأمره بالكف عنهم وأطراحهم. ثم إن أبا ركوة جمعهم وسار إلى ~~برقة، واستقر بينهم أن يكون الثلث من الغنائم له، والثلثان لبني قرة ~~وزناتة، فلما قاربها خرج إليه واليها، فالتقوا، فانهزم عسكر الحاكم، وملك ~~أبو ركوة برقة، وقوي هو ومن معه بما أخذوا من الأموال والسلاح وغيره، ونادى ~~بالكف عن الرعية والنهب، وأظهر العدل وأمر بالمعروف. PageV04P0141 # فلما وصل المنهزمون إلى الحاكم عظم عليه الأمر، وأهمته نفسه وملكه، وعاود ~~الإحسان إلى الناس، والكف عن أذاهم، وندب عسكرا نحو خمسة آلاف فارس وسيرهم، ~~وقدم عليهم قائدا يعرف بينال الطويل، وسيره، فبلغ ذات الحمام، وبينها وبين ~~برقة مفازة فيها منزلان، لا يلقى السالك الماء إلا في آبار عميقة بصعوبة ~~وشدة. فسير أبو ركوة قائدا في ألف فارس، وأمرهم بالمسير إلى ينال ومن معه ~~ومطاردتهم قبل الوصول إلى المنزلين المذكورين، وأمرهم، إذا عادوا، أن ~~يغوروا الآبار، ففعلوا ذلك وعادوا، فحينئذ سار أبو ركوة في عساكره ولقيهم ~~وقد خرجوا من المفازة على ضعف وعطش، فقاتلهم، فاشتد القتال، فحمل ينال على ~~عسكر أبي ركوة، فقتل منهم خلقا كثيرا، وأبو ركوة واقف لم يحمل هو ولا ~~عسكره، فاستأمن إليه جماعة كثيرة من كتامة لما نالهم من الأذى والقتل من ~~الحاكم، وأخذوا الأمان لمن بقي من أصحابهم، ولحقهم الباقون، فحمل حينئذ بهم ~~على عساكر الحاكم، فانهزمت وأسر ينال وقتل، وأسر أكثر عسكره، وقتل منهم خلق ~~كثير، وعاد إلى برقة وقد امتلأت أيديهم من الغنائم. وانتشر ذكره، وعظمت ~~هيبته، وأقام ببرقة، وترددت سراياه إلى الصعيد وأرض مصر، وقام الحاكم من ~~ذلك وقعد، وسقط في يده، وندم على ما فرط، وفرح جند مصر وأعيانها، وعلم ~~الحاكم ذلك، فاشتد قلقه، وأظهر الاعتذار عن الذي فعله. وكتب الناس إلى أبي ~~ركوة يستدعونه، وممن كتب إليه الحسين بن جوهر المعروف بقائد القواد، فسار ~~حينئذ عن برقة إلى الصعيد، وعلم الحاكم، فاشتد ms3202 خوفه، وبلغ الأمر به كل ~~مبلغ، وجمع عساكره واستشارهم، وكتب إلى الشام يستدعي العساكر، فجاءته، وفرق ~~الأموال، والدواب، والسلاح، وسيرهم وهم اثنا عشر ألف رجل بين فارس وراجل، ~~سوى العرب، واستعمل عليهم الفضل بن عبدالله. فلما قاربوا أبا ركوة لقيهم في ~~عساكره، ورام مناجزة المصريين، والفضل يحاجزه، ويدافع، ويراسل أصحاب أبي ~~ركوة يستميلهم ويبذل لهم الرغائب، فأجابه قائد كبير من بني قرة يعرف ~~بالماضي، وكان يطالعه بأخبار القوم وما هم عازمون، فيدبر الفضل أمره على ~~حسب ما يعلمه منه.. وضاقت الميرة على العساكر، فاضطر الفضل إلى اللقاء، ~~فالتقوا واقتتلوا بكوم شريك، فقتل بين الفريقين قتلى كثيرة، ورأى الفضل من ~~جمع أبي ركوة ما هاله، وخاف المناجزة فعاد إلى عسكره. وراسل بنو قرة العرب ~~الذين في عسكر الحاكم يستدعونهم إليهم ويذكرونهم أعمال الحاكم بهم، ~~فأجابوهم، واستقر الأمر أن يكون الشام للعرب ويصير لأبي ركوة معه مصر، ~~وتواعدوا ليلة يسير فيها أبو ركوة إلى الفضل، فإذا وصل إليه انهزمت العرب، ~~ولا يبقى دون مصر مانع. فكتب الماضي إلى الفضل بذلك، فلما كان ليلة الميعاد ~~جمع الفضل رؤساء العرب ليفطروا عنده، وأظهر أنه صائم، وطاولهم الحديث، ~~وتركهم في خيمة واعتزلهم، ووصى أصحابه بالحذر، ورام العرب العود إلى ~~خيامهم، فعللهم وطاولهم، ثم أحضر الطعام وأحضرهم، فأكلوا وتحدثوا. وسير ~~الفضل سرية إلى طريق أبي ركوة، فلقوا العسكر الوارد من عنده، فاقتتلوا، ~~ووصل الخبر إلى العسكر وارتج، وأراد العرب الركوب، فمنعهم، وأرسل إلى ~~أصحابهم من العرب فأمرهم بالركوب والقتال، ولم يكن عندهم علم بما فعل ~~رؤساؤهم، فركبوا واشتد القتال، ورأى بنو قرة الأمر على خلاف ما قرروه. ثم ~~ركب الفضل ومعه رؤساء العرب، وقد فاتهم ما عزموا عليه، فباشروا الحرب ~~وغاصوا فيها، وورد أبو ركوة مددا لأصحابه، فلما رآه الفضل رد أصحابه وعاد ~~إلى المدافعة. وجهز الحاكم عسكرا آخر، أربعة آلاف فارس، وعبروا إلى الجيزة، ~~فسمع أبو ركوة بهم، فسار مجدا في عسكره ليوافقهم عند مصر، وضبط الطرق لئلا ~~يسمع الفضل، ولم يكن الماضي يكاتبه، فساروا، ms3203 وأرسل إليه من الطريق يعرفه ~~الخبر، وقطع أبو ركوة مسيره خمس ليال في ليلتين، وكبسوا عسكر الحاكم ~~بالجيزة، وقتلوا نحو ألف فارس، وخاف أهل مصر، ولم يبرز الحاكم من قصره، ~~وأمر الحاكم من عنده من العساكر بالعبور إلى الجيزة، ورجع أبو ركوة فنزل ~~عند الهرمين، ثم انصرف من يومه، وكتب الحاكم إلى الفضل كتابا ظاهرا يقول ~~فيه: إن أبا ركوة انهزم من عساكرنا، ليقرأه على القواد وكتب إليه سرا يعلمه ~~الحال. فأظهر الفضل البشارة بانهزام أبي ركوة تسكينا للناس. PageV04P0142 # ثم سار أبو ركوة إلى موضع يعرف بالسبخة، كثير الأشجار، وتبعه الفضل، وكمن ~~أبو ركوة بين الأشجار، وطارد عسكر الفضل، ورجع عسكره القهقري ليستجروا عسكر ~~الفضل ويخرج الكمين عليهم، فلما رأى الكمناء رجوع عسكر أبي ركوة ظنوها ~~الهزيمة لا شك فيها، فولوا يتبعونهم، وركبهم أصحاب الفضل، وعلوهم بالسيوف ~~فقتل منهم ألوف كثيرة، وانهزم أبو ركوة ومعه بنو قرة وساروا إلى حللهم، ~~فلما بلغوها ثبطهم الماضي عنه، فقالوا له: قد قاتلنا معك، ولم يبق فينا ~~قتال، فخذ لنفسك وانج؛ فسار إلى بلد النوبة، فلما بلغ إلى حصن يعرف بحصن ~~الجبل للنوبة أظهر أنه رسول من الحاكم إلى ملكهم، فقال له صاحب الحصن: ~~الملك عليل، ولا بد من استخراج أمره في مسيرك إليه. وبلغ الفضل الخبر، ~~فأرسل إلى صاحب القلعة بالخبر على حقيقته، فوكل به من يحفظه، وأرسل إلى ~~الملك بالحال، وكان ملك النوبة قد توفي وملك ولده، فأمر بأن يسلم إلى نائب ~~الحاكم، فتسلمه رسول الفضل وسار به، فلقيه الفضل وأكرمه وأنزله في مضاربه، ~~وحمله إلى مصر فأشهر بها، وطيف به. وكتب أبو ركوة إلى الحاكم رقعة يقول ~~فيها: يا مولانا الذنوب عظيمة، وأعظم منها عفوك، والدماء حرام ما لم يحللها ~~سخطك، وقد أحسنت وأسأت وما ظلمت إلا نفسي، وسوء عملي أوبقني، وأقول: فررت ~~فلم يغن الفرار، ومن يكن ... مع الله لم يعجزه في الأرض هارب ووالله ما كان ~~الفرار لحاجة، ... سوى فزع الموت الذي أنا شارب وقد قادني جرمي إليك برمتي، ms3204 ~~... كما خر ميت في رحا الموت سارب وأجمع كل الناس أنك قاتلي، ... فيما رب ~~ظن ربه فيك كاذب وما هو إلا الانتقام، وينتهي، ... وأخذك منه واجبا لك واجب ~~ولما طيف به ألبس طرطورا، وجعل خلفه قرد يصفعه، كان معلما بذلك، ثم حمل إلى ~~ظاهر القاهرة ليقتل ويصلب، فتوفي قبل وصوله، فقطع رأسه وصلب، وبالغ الحاكم ~~في إكرام الفضل إلى حد أنه عاده في مرضة مرضها دفعتين، فاستعظم الناس ذلك، ~~ثم إنه عمل في قتل الفضل لما عوفي فقتله. ### || AUT ذكر القبض على مجد الدولة وعوده إلى ملكه # في هذه السنة قبضت والدة مجد الدولة بن فخر الدولة بن بويه، صاحب الري ~~وبلد الجبل، عليه. وكان سبب ذلك أن الحكم كان إليها في جميع، أعمال ابنها، ~~فلما وزر له الخطير أبو علي بن علي بن القاسم استمال الأمراء، ووضعهم ~~عليها، والشكوى عليها، وخوف ابنها منها، فصار كالمحجور عليه. فخرجت من الري ~~إلى القلعة فوضع عليها من يحفظها، فعملت الحيلة حتى هربت إلى بدر بن ~~حسنويه، واستعانت به في ردها إلى الري. وجاءها ولدها شمس الدولة، وعساكر ~~همذان، وسار معها بدر إلى الري فحصروها، وجرى بين الفرقين قتال كثير مدة، ~~ثم استظهر بدر، ودخل البلد، وأسر مجد الدولة، فقيدته والدته وسجنته ~~بالقلعة، وأجلست أخاه شمس الدولة في الملك وصار الأمر إليها. وعاد بدر إلى ~~بلده، وبقي شمس الدولة في الملك نحو سنة، فرأت والدته منه تنكرا وتغيرا، ~~وأن أخاه مجد الدولة ألين عريكة، وأسلم جانبا، فأعادته إلى الملك، وسار شمس ~~الدولة إلى همذان، وكره بدر هذه الحالة إلا أنه اشتغل بولده هلال عن الحركة ~~فيها، وصارت هي تدبر الأمر، وتسمع رسائل الملوك، وتعطي الأجوبة. وأرسل شمس ~~الدولة إلى بدر يستمده، فسير إليه جندا، فأخذهم وسار بهم إلى قم، فحصروها، ~~فمنعها أهلها. ثم إن العساكر دخلوا طرفا منها واشتغلوا بالنهب، فأكب عليهم ~~العامة وقتلوا منهم نحو سبعمائة رجل، وانهزم الباقون إلى معسكرهم، ثم قبض ~~هلال بن بدر على أبيه، فتفرق ذلك الجمع كله. ms3205 ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اشتد الغلاء بالعراق، فضج العامة، وشغب الجند وكانت فتنة. ~~وفيها توفي عبد الصمد الزاهد، ودفن عند قبر أحمد، وكان غاية في الزهد ~~والورع. وفيها هب على الحجاج ريح سوداء بالثعلبية أظلمت لها الأرض، ولم ير ~~الناس بعضهم بعضا، وأصابهم عطش شديد، ومنعهم ابن الجراح الطائي من المسير ~~ليأخذ منهم مالا، فضاق الوقت عليهم، فعادوا ولم يحجوا. وفيها مات علي بن ~~أحمد أبو الحسن الفقيه المالكي، المعروف بابن القصار. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر غزوة بهيم نفر # PageV04P0143 # لما فرغ يمين الدولة من الغزوة المتقدمة وعاد إلى غزنة، واستراح هو ~~وعسكره، استعد لغزوة أخرى، فسار في ربيع الآخر من هذه السنة، فانتهى إلى ~~شاطئ نهر هندمند، فلاقاه هناك ابرهمن بال بن اندبال في جيوش الهند، ~~فاقتتلوا مليا، وكادت الهند تظفر بالمسلمين، ثم إن الله تعالى نصر عليهم، ~~فظفر بهم المسلمون، فانهزموا على أعقابهم، وأخذهم المسلمون بالسيف. وتبع ~~يمين الدولة أثر ابرهمن بال، حتى بلغ قلعة بهيم نغر، وهي على جبل عال كان ~~الهند قد جعلوها خزانة لصنمهم الأعظم، فينقلون إليهال أنواع الذخائر، قرنا ~~بعد قرن، وأعلاق الجواهر، وهم يعتقدون ذلك دينا وعبادة، فاجتمع فيها على ~~طول الأزمان ما لم يسمع بمثله، فنازلهم يمين الدولة وحصرهم وقاتلهم. فلما ~~رأى الهنود كثرة جمعه، وحرصهم على القتال، وزحفهم إليهم مرة بعد أخرى، ~~خافوا وجبنوا، وطلبوا الأمان، وفتحوا باب الحصن، وملك المسلمون القلعة، ~~وصعد يمين الدولة إليها في خواص أصحابه وثقاته، فأخذ منها من الجواهر ما لا ~~يحد، ومن الدراهم تسعين ألف ألف درهم شاهية، ومن الأواني الذهبيات والفضيات ~~سبعمائة ألف وأربعمائة من، وكان فيها بيت مملوء من فضة طوله ثلاثون ذراعا، ~~وعرضه خمسة عشر ذراعا، إلى غير ذلك من الأمتعة. وعاد إلى غزنة بهذه ~~الغنائم، ففرش تلك الجواهر في صحن داره، وكان قد اجتمع عنده رسل الملوك، ~~فأدخلهم إليه، فرأوا ما لم يسمعوا بمثله. ### || AUT ذكر حال أبي جعفر بن كاكويه # هو أبو جعفر ms3206 بن دشمنزيار، وإنما قيل كاكويه لأنه كان ابن خال والدة مجد ~~الدولة بن فخر الدولة بن بويه، وكاكويه هو الخال بالفارسية، وكانت والدة ~~مجد الدولة قد استعملته على أصبهان، فلما فارقت ولدها فسد حاله، فقصد الملك ~~بهاء الدولة وأقام عنده مدة، ثم عادت والدة مجد الدولة إلى ابنها بالري، ~~فهرب أبو جعفر وسار إليها، فأعادته إلى أصبهان، واستقر فيها قدمه، وعظم ~~شأنه، وسيأتي من أخباره ما يعلم به صحة ذلك، إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الأول، وقع ثلج كثير ببغداد وواسط والكوفة، ~~والبطائح إلى عبادان، وكانت ببغداد نحو ذراع، وبقي في الطرق نحو عشرين ~~يوما. وفيها وقعت الفتنة ببغداد في رجب، وكان أولها أن بعض الهاشميين من ~~باب البصرة أتى ابن المعلم فقيه الشيعة في مسجده بالكرخ، فآذاه، ونال منه، ~~فثار به أصحاب ابن المعلم، واستنفر بعضهم بعضا، وقصدوا أبا حامد ~~الأسفراييني وابن الأكفاني فسبوهما وطلبوا الفقهاء ليوقعوا بهم، فهربوا، ~~وانتقل أبو حامد الأسفراييني إلى دار القطن، وعظمت الفتنة، ثم إن السلطان ~~أخذ جماعة وسجنهم، فسكنوا، وعاد أبو حامد إلى مسجده، وأخرج ابن المعلم من ~~بغداد، فشفع فيه علي بن مزيد فأعيد. وفيها وقع الغلاء بمصر واشتد، وعظم ~~الأمر، وعدمت الأقوات، ثم تعقبه وباء كثير أفنى كثيرا من أهلها. وفيها ~~زلزلت الدينور زلزلة شديدة خربت المساكن، وهلك خلق كثير من أهلها؛ وكان ~~الذين دفنوا ستة عشر ألفا سوى من بقي تحت الهدم ولم يشاهد. وفيها أمر ~~الحاكم بأمر الله، صاحب مصر، بهدم بيعة قمامة، وهي بالبيت المقدس، وتسميها ~~العامة القيامة، وفيها الموضع الذي دفن فيه المسيح، عليه السلام، فيما ~~يزعمه النصارى، وإليها يحجون من أقطار الأرض، وأمر بهدم البيع في جميع ~~مملكته، فهدمت، وأمر اليهود والنصارى إما أن يسلموا؛ أو يسيروا إلى بلاد ~~الروم ويلبسوا الغيار، فأسلم كثير منهم، ثم أمر بعمارة البيع، ومن اختار ~~العود إلى دينه عاد، فارتد كثير من النصارى. وفيها توفي أبو العباس أحمد بن ~~إبراهيم الضبي، وزير ms3207 مجد الدولة، ببروجرد، وكان سبب مجيئه إليها أن أم مجد ~~الدولة بن بويه اتهمته أنه سم أخاه فمات، فلما توفي أخوه طلبت منه مائتي ~~دينار لتنفقها في مأتمه، فلم يعطها، فأخرجته، فقصد بروجرد، وهي من أعمال ~~بدر بن حسنويه، فبذل بعد ذلك مائتي ألف دينار ليعود إلى عمله، فلم يقبل ~~منه، فأقام بها إلى أن توفي، وأوصى أن يدفن بمشهد الحسين، عليه السلام، ~~فقيل للشريف أبي أحمد، والد الشريف الرضي، أن يبيعه بخمس مائة دينار موضع ~~قبره، فقال: من يريد جوار جدي لا يباع؛ وأمر أن يعمل له قبر وسير معه من ~~أصحابه خمسين رجلا، فدفنه بالمشهد. PageV04P0144 # وتوفي بعده بيسير ابنه أبو القاسم سعد؛ وأبو عبدالله الجرجاني الحنفي بعد ~~أن فلج؛ وأبو الفرج عبد الواحد بن نصر المعروف بالببغاء الشاعر، وديوانه ~~مشهور؛ والقاضي أبو عبدالله الضبي بالبصرة؛ والبديع أبو الفضل أحمد ابن ~~الحسين الهمذاني، صاحب المقامات المشهورة، وله شعر حسن، وقرأ الأدب على أبي ~~الحسين بن فارس مصنف المجمل. وتوفي أبو بكر أحمد بن علي بن لال الفقيه ~~الشافعي الهمذاني بنواحي عكا بالشام، كان انتقل إلى هناك. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وتسعين وثلاثمائة # ### || AUT ذكر ابتداء حال صالح بن مرداس # لما قتل عيسى بن خلاط أبا علي بن ثمال بالرحبة وملكها، أقام فيها مدة، ~~ثم قصده بدران بن المقلد العقيلي، فأخذ الرحبة منه وبقيت لبدران. فأمر ~~الحاكم بأمر الله نائبه بدمشق لؤلؤا البشاري بالمسير إليها، فقصد الرقة ~~أولا وملكها، ثم سار إلى الرحبة وملكها ثم عاد إلى دمشق. وكان بالرحبة رجل ~~من أهلها يعرف بابن محكان، فملك البلد، واحتاج إلى من يجعله ظهره، ويستعين ~~به على من يطمع فيه، فكاتب صالح بن مرداس الكلابي، فقدم عليه وأقام عنده ~~مدة، ثم إن صالحا تغير عن ذلك، فسار إلى ابن محكان وقاتله على البلد، وقطع ~~الأشجار، ثم تصالحا، وتزوج ابنة ابن محكان، ودخل صالح البلد إلا أنه كان ~~أكثر مقامه بالحلة. ثم إن ابن محكان راسل أهل عانة فأطاعوه، ونقل أهله ms3208 ~~وماله إليهم، وأخذ رهائنهم، ثم خرجوا عن طاعته، وأخذوا ماله واستعادوا ~~رهائنهم وردوا أولاده، فاجتمع ابن محكان وصالح على قصد عانة، فسارا إليها، ~~فوضع صالح على ابن محكان من يقتله، فقتل غيلة، وسار صالح إلى الرحبة ~~فملكها، وأخذ أموال ابن محكان وأحسن إلى الرعية، واستمر على ذلك، إلا أن ~~الدعوة للمصريين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قتل أبو علي بن ثمال الخفاجي، وكان الحاكم بأمر الله، صاحب ~~مصر، قد ولاه الرحبة، فسار إليها، فخرج إليه عيسى بن خلاط العقيلي فقتله ~~وملك الرحبة، ثم ملكها بعده غيره، فصار أمرها إلى صالح بن مرداس الكلابي ~~صاحب حلب. وفيها صرف أبو عمر بن عبد الواحد الهاشمي عن قضاء البصرة، وكان ~~قد علا إسناده في رواية السنن لأبي داود السجستاني، ومن طريقه سمعناه، وولي ~~القضاء بعده أبو الحسن بن أبي الشوارب، فقال العصفري الشاعر: عندي حديث ~~طريف ... بمثله يتغنى من فاضيين يعزى ... هذا وهذا يهنا فذا يقول اكرهونا ~~... وذا يقول استرحنا ويكذبان ونهذي ... فمن يصدق منا ؟ وفيها توفي أبو ~~داود بن سيامرد بن باجعفر، ودفن عند قبر النذور بنهر المعلى، وقبته مشهورة؛ ~~وأبو محمد النامي الفقيه الشافعي، وهو القائل: يا ذا الذي قاسمني في البلى، ~~... فاختار أن يسكنه أولا ما وطنت نفسي، ولكنها ... تسري إليكم منزلا، منزلا ### | AUT ثم دخلت سنة أربع مائة # ### || AUT ذكر وقعة نارين بالهند # في هذه السنة تجهز يمين الدولة إلى الهند عازما على غزوها، فسار إليها ~~واخترقها واستباحها ونكس أصنامها. فلما رأى ملك الهند أنه لا قوة له به ~~راسله في الصلح والهدنة على مال يؤديه، وخمسين فيلا، وأن يكون له في خدمته ~~ألفا فارس لا يزالون. فقبض منه ما بذله وعاد عنه إلى عزنة. ### || AUT ذكر الخلف بين بدر بن حسنويه وابنه هلال # في هذه السنة كانت حرب بين بدر بن حسنويه الكردي وبين ابنه هلال. وكان ~~سبب الوحشة بينهما أن أم هلال كانت من الشاذنجان، فاعتزلها أبوه عند ولاته، ~~فنشأ هلال مبعدا منه لا يميل ms3209 إليه،وكانت نعمة بدر لابنه الآخر أبي عيسى. ~~PageV04P0145 # فلما كان في عض الأيام خرج هلال مع أبيه متصيدا، فرأيا سبعا، وكان بدر ~~إذا رأى سبعا قتله بيده، فتقدم هلال إلى الأسد بغير إذن أبيه فقتله، فاغتاظ ~~أبوه وقال: كأنك قد فتحت فتحا، وأي فرق بين السبع والكلب ؟ ورأى إبعاده عنه ~~لشدته، فأقطعه الصامغان، وسهل ذلك على هلال لينفرد بنفسه عن أبيه، فأول ما ~~فعله أنه أساء مجاورة ابن الماضي، صاحب شهرزور، وكان موافقا لأبيه بدر، ~~فنهى بدر ابنه هلالا عن معارضته، فلم يسمع قوله، وأرسل إلى ابن الماضي ~~يتهدده، فأعاد بدر مراسلة ابنه في معناه، وتهدده إن تعرض بشي هو له، فكان ~~جواب نهيه أنه جمع عسكره وحصر شهرزور ففتحها، وقتل ابن الماضي وأهله، وأخذ ~~أموالهم. فورد على بدر من ذلك ما أزعجه وأقلقه، وأظهر السخط على هلال. وشرع ~~هلال يفسد جند أبيه ويستميلهم ويبذل لهم، فكثر أصحاب هلال لإحسانه إليهم ~~وبذله المال لهم، وأعرض الناس عن بدر لإمساكه المال، فسار كل واحد منهما ~~إلى صاحبه، فالتقيا على باب الدينور، فلما تراءى الجمعان انحازت الأكراد ~~إلى هلال، فأخذ بدر أسيرا وحمل إلى ابنه، فأشير على هلال بقتله، وقالوا: لا ~~يجوز أن تستبقيه بعدما أوحشته؛ فقال: ما بلغ من عقوقي له أن أقتله؛ وحضر ~~عند أبيه وقال له: أنت الأمير، وأنا مدبر جيشك. فخادعه أبوه بأن قال له: لا ~~يسمعن هذا منك أحد فيكون هلاكنا جميعا، وهذه القلعة لك، والعلامة في ~~تسليمها كذا وكذا، واحفظ المال الذي بها، فإنك الأمير ما دام الناس يظنون ~~بقاءه، وأريد أن تفرد لي قلعة أتفرغ فيها للعبادة. ففعل ذلك، وأعطاه جملة ~~من المال. فلما استقر بدر بالقلعة عمرها وحصنها، وراسل أبا الفتح بن عناز، ~~وأبا عيسى شاذي بن محمد، وهو بأساداباذ، يقول لكل واحد منهما ليقصد أعمال ~~هلال ويشعثها. فسار أبو الفتح إلى قرميسين فملكها، وسار أبو عيسى إلى سابور ~~خواست، فنهب حلل هلال، ومضى إلى نهاوند، وبها أبو بكر بن رافع، فاتبعه هلال ~~إليها، ووضع ms3210 السيف في الديلم فقتل منهم أربع مائة نفس، منهم تسعون أميرا، ~~وأسلم ابن رافع أبا عيسى إلى هلال، فعفا عنه، ولم يؤاخذه على فعله، وأخذه ~~معه. وأرسل بدر إلى الملك بهاء الدولة يستنجده، فجهز فخر الملك أبا غالب في ~~جيش وسيره إلى بدر، فسار حتى وصل إلى سابور خواست، فقال هلال لأبي عيسى ~~شاذي: قد جاءت عساكر بهاء الدولة، فما الرأي ؟ قال: الرأي أن تتوقف عن ~~لقائهم، وتبذل لبهاء الدولة الطاعة، وترضيه بالمال، فإن لم يجيبوك فضيق ~~عليهم، وانصرف بين أيديهم، فإنهم لا يستطيعون المطاولة، ولا تظن هذا العسكر ~~كمن لقيته بباب نهاوند، فإن أولئك ذللهم أبوك على ممر السنين. فقال: غششتني ~~ولم تنصحني، وأردت بالمطاولة أن يقوى أبي وأضعف أنا؛ وقتله، وسار ليكبس ~~العسكر ليلا. فلما وصل إليهم وقع الصوت، فركب فخر الملك في العساكر، وجعل ~~عند أثقالهم من يحميها، وتقدم إلى قتال هلال، فلما رأى هلال صعوبة الأمر ~~ندم، وعلم أن أبا عيسى بن شاذي نصحه، فندم على قتله، ثم أرسل إلى فخر الملك ~~يقول له: إنني ما جئت لقتال وحرب، إنما جئت لأكون قريبا منك، وأنزل على ~~حكمك، فترد العسكر عن الحرب، فإنني أدخل في الطاعة. فمال فخر الملك إلى هذا ~~القول، وأرسل الرسول إلى بدر ليخبره بما جاء به. فلما رأى بدر الرسول سبه ~~وطرده، وأرسل إلى فخر الملك يقول له: إن هذا مكر من هلال، لما رأى ضعفه، ~~والرأي أن لا تنفس خناقه. فلما سمع فخر الملك الجواب قويت نفسه، وكان يتهم ~~بدرا بالميل إلى ابنه، وتقدم إلى الجيش بالحرب، فقاتلوا، فلم يكن بأسرع من ~~أن أتي بهلال أسيرا، فقبل الأرض، وطلب أن لا يسلمه إلى أبيه، فأجابه إلى ~~ذلك، وطلب علامته بتسليم القلعة، فأعطاهم العلامة، فامتنعت أمه ومن بالقلعة ~~من التسليم، وطلبوا الأمان، فأمنهم فخر الملك، وصعد القلعة ومعه أصحابه، ثم ~~نزل منها وسلمها إلى بدر، وأخذ ما فيها من الأموال وغيرها، وكانت عظيمة، ~~قيل: كان بها أربعون ألف بدرة دراهم، وأربع مائة بدرة ms3211 ذهبا، سوى الجواهر ~~النفيسة، والثياب، والسلاح وغير ذلك. وأكثر الشعراء ذكر هذا، فممن قال ~~مهيار: فظنوك تعبا بحمل العراق، ... كأن لم يروك حملت الجبالا ولو لم تكن ~~في العلو السماء ... لما كان غنمك منها هلالا PageV04P0146 # سريت إليه، فكنت السرار ... له، ولبدر أبيه كمالا وهي كثيرة. ### || AUT ذكر عود المؤيد إلى إمارة الأندلس # ### || AUT وما كان منه # قد ذكرنا سبب خلعه وحبسه، فلما كان هذه السنة أعيد إلى خلافته، واسمه ~~هشام بن الحاكم بن عبد الرحمن الناصر، وكان عوده تاسع ذي الحجة، وكان الحكم ~~في دولته هذه إلى واضح العامري، وأدخل أهل قرطبة إليه، فوعدهم ومناهم، وكتب ~~إلى البربر الذين مع سليمان بن الحاكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر، ~~ودعاهم إلى طاعته، والوفاء ببيعته، فلم يجيبوه إلى ذلك، فأمر أجناده وأهل ~~قرطبة بالحذر والاحتياط، فأحبه الناس. ثم نقل إليه أن نفرا من الأمويين ~~بقرطبة قد كاتبوا سليمان، وواعدوه ليكون بقرطبة في السابع والعشرين من ذي ~~الحجة ليسلموا إليه البلد، فأخذهم وحبسهم، فلما كان الميعاد قدم البربر إلى ~~قرطبة، فركب الجند وأهل قرطبة وخرجوا إليهم مع المؤيد، فعاد البربر وتبعتهم ~~عساكره، فلم يلحقوهم، وترددت الرسل بينهم فلم يتفقوا على شيء. ثم إن سليمان ~~والبربر راسلوا ملك الفرنج يستمدونه، وبذلوا له تسليم حصون كان المنصور بن ~~أبي عامر قد فتحها منهم، فأرسل ملك الفرنج إلى المؤيد يعرفه الحال، ويطلب ~~منه تسليم هذه الحصون لئلا يمد سليمان بالعساكر. فاستشار أهل قرطبة في ذلك، ~~فأشاروا بتسليمها إليه خوفا من أن ينجدوا سليمان، واستقر الصلح في المحرم ~~سنة إحدى وأربعمائة. فلما أيس البربر من إنجاد الفرنج رحلوا، فنزلوا قريبا ~~من قرطبة في صفر سنة إحدى وأربعمائة، وجعلت خيلهم تغير يمينا وشمالا، ~~وخربوا البلاد. وعمل المؤيد وواضح العامري سورا وخندقا على قرطبة أمام ~~السور الكبير، ثم نزل سليمان قرطبة خمسة وأربعين يوما فلم يملكها، فانتقل ~~إلى الزهراء وحصرها، وقاتل من بها ثلاثة أيام. ثم إن بعض الموكلين بحفظها ~~سلم إليه الباب الذي هو موكل بحفظه، فصعد ms3212 البربر السور وقاتلوا من عليه حتى ~~أزالوهم، وملكوا البلد عنوة، وقتل أكثر من به من الجند، وصعد أهله الجبل، ~~واجتمع الناس بالجامع، فأخذهم البربر وذبحوهم، حتى النساء والصبيان، وألقوا ~~النار في الجامع والقصر والديار، فاحترق أكثر ذلك ونهبت الأموال. ثم إن ~~واضحا كاتب سليمان يعرفه أنه يريد الانتقال عن قرطبة سرا، ويشير عليه ~~بمنازلتها بعد مسيره عنها، ونمى الخبر إلى المؤيد، فقبض عليه وقتله، واشتد ~~الأمر بقرطبة، وعظم الخطب، وقلت الأقوات، وكثر الموت، وكانت الأقوات عند ~~البربر أقل منها بالبلد، لأنهم كانوا قد خربوا البلاد، وجلا أهل قرطبة، ~~وقتل المؤيد كل من مال إلى سليمان. ثم إن البربر وسليمان لازموا الحصار ~~والقتال لأهل قرطبة، وضيقوا عليهم، وفي مدة هذا الحصار ظهر بطليطلة ~~عبيدالله بن محمد بن عبد الجبار، وبايعه أهلها، فسير إليهم المؤيد جيشا، ~~فحصروهم، فعادوا إلى الطاعة، وأخذ عبيدالله أسيرا، وقتل في شعبان سنة إحدى ~~وأربعمائة. ثم إن أهل قرطبة قاتلوا في بعض الأيام البربر فقتل منهم خلق ~~كثير، وغرق في النهر مثلهم، فرحلوا عنها، وساروا إلى إشبيلية فحصروها، ~~فأرسل المؤيد إليها جيشا فحماها، ومنع البربر عنها، وراسل سليمان نائب ~~المؤيد بسرقسطة وغيرها يدعوهم إليه، فأجابوه وأطاعوه، فسار البربر وسليمان ~~عن إشبيلية إلى قلعة رباح، فملكوها، وغنموا ما فيها، واتخذوها دارا، ثم ~~عادوا إلى قرطبة فحصروها، وقد خرج كثير من أهلها وعساكرها من الجوع والخوف، ~~واشتد القتال عليها، وملكها سليمان عنوة وقهرا، وقتلوا من وجدوا في الطرق، ~~ونهبوا البلد وأحرقوه، فلم تحص القتلى لكثرتهم. ونزل البربر في الدور التي ~~لم تحرق، فنال أهل قرطبة من ذلك ما لم يسمع بمثله، وأخرج المؤيد من القصر ~~وحمل إلى سليمان، ودخل سليمان قرطبة منتصف شوال سنة ثلاث وأربعمائة وبويع ~~له بها. ثم إن المؤيد جرى له مع سليمان أقاصيص طويلة؛ ثم خرج إلى شرق ~~الأندلس من عنده. وكان ممن قتل في هذا الحصر أبو الوليد بن الفرضي مظلوما، رحمه الله. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أرسل الحاكم بأمر الله من ms3213 مصر إلى المدينة، ففتح بيت جعفر ~~الصادق، وأخرج منه مصحف وسيف وكساء وقعب وسرير. وفيها نقص الماء بدجلة حتى ~~أصلحت ما بين أوانا وقريب بغداد، حتى جرت السفن فيها. PageV04P0147 # وفيها مرض أبو محمد بن سهلان، فاشتد مرضه، فنذر إن عوفي بنى سورا على ~~مشهد أمير المؤمنين علي، عليه السلام، فعوفي، فأمر ببناء سور عليه، فبني في ~~هذه السنة، تولي بناءه أبو إسحاق الأرجاني. وفيها ولد عدنان ابن الشريف ~~الرضي. وفيها توفي النقيب أبو أحمد الموسوي، والد الرضي، بعد أن أضر ووقف ~~بعض أملاكه على البر، وصلى عليه ابنه الأكبر المرتضى، ودفن بداره، ثم نقل ~~إلى مشهد الحسين، عليه السلام، وكان مولده سنة أربع وثلاثمائة. وفيها توفي ~~أيضا أبو جعفر الحجاج بن هرمز بالأهواز؛ وعمدة الدولة أبو إسحاق بن معز ~~الدولة بن بويه بمصر. وفيها مرض الخليفة القادر بالله، واشتد مرضه، فأرجف ~~عليه، فجلس للناس وبيده القضيب، فدخل إليه أبو حامد الأسفراييني، فقال لابن ~~حاجب النعمان: اسأل أمير المؤمنين أن يقرأ شيئا من القرآن ليسمع الناس ~~قراءته؛ فقرأ: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم) الآيات الثلاث الأحزاب: 60. وفيها توفي أبو العباس ~~النامي الشاعر؛ وأبو الفتح علي بن محمد البستي الكاتب الشاعر، صاحب الطريقة ~~المشهورة في التجنيس، فمن شعره: يا أيها السائل عن مذهبي ... ليقتدي فيه ~~بمنهاجي منهاجي العدل. وقمع الهوى، ... فهل لمنهاجي من هاجي ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وأربعمائة # ### || AUT ذكر غزوة يمين الدولة بلاد الغور # بلاد الغور تجاور غزنة، وكان الغور يقطعون الطريق، ويخيفون السبيل، ~~وبلادهم جبال وعرة، ومضايق غلقة، وكانوا يحتمون بها، ويعتصمون بصعوبة ~~مسلكها، فلما كثر ذلك منهم أنف يمين الدولة محمود بن سبكتكين أن يكون مثل ~~أولئك المفسدين جيرانه، وهم على هذه الحال من الفساد والكفر، فجمع العساكر ~~وسار إليهم وعلى مقدمته التونتاش الحاجب، صاحب هراة، وأرسلان الجاذب صاحب ~~طوس، وهما أكبر أمرائه، فسارا فيمن معهما حتى انتهوا إلى مضيق قد شحن ~~بالمقاتلة، فتناوشوا الحرب، وصبر الفريقان. فسمع يمين ms3214 الدولة الحال، فجد في ~~السير إليهم، وملك عليهم مسالكهم، فتفرقوا، وساروا إلى عظيم الغورية ~~المعروف بابن سوري، فانتهوا إلى مدينته التي تدعى اهنكران، فبرز من المدينة ~~في عشرة آلاف مقاتل، فقاتلهم المسلمون إلى أن انتصف النهار، فرأوا أشجع ~~الناس وأقواهم على القتال، فأمر يمين الدولة أن يولوهم الأدبار على سبيل ~~الاستدراج، ففعلوا. فلما رأى الغورية ذلك ظنوه هزيمة، فاتبعوهم حتى أبعدوا ~~عن مدينتهم، فحينئذ عطف المسلمون عليهم ووضعوا السيوف فيهم فأبادوهم قتلا ~~وأسرا، وكان في الأسرى كبيرهم وزعيمهم ابن سوري، ودخل المسلمون المدينة ~~وملكوها، وغنموا ما فيها، وفتحوا تلك القلاع والحصون التي لهم جميعها، فلما ~~عاين ابن سوري ما فعل المسلمون بهم شرب سما كان معه، فمات وخسر الدنيا ~~والآخرة، (ذلك هو الخسران المبين). وأظهر يمين الدولة في تلك الأعمال شعار ~~الإسلام، وجعل عندهم من يعلمهم شرائعه وعاد؛ ثم سار إلى طائفة أخرى من ~~الكفار، فقطع عليهم مفازة من رمل، ولحق عساكره عطش شديد وكادوا يهلكون، ~~فلطف الله، سبحانه وتعالى، بهم وأرسل عليهم مطرا سقاهم، وسهل عليهم السير ~~في الرمل، فوصل إلى الكفار، وهم جمع عظيم، ومعهم ستمائة فيل، فقاتلهم أشد ~~قتال صبر فيه بعضهم لبعض، ثم إن الله نصر المسلمين، وهزم الكفار، وأخذ ~~غنائمهم، وعاد سالما مظفرا منصورا. ### || AUT ذكر الحرب بين ايلك الخان وبين أخيه # وفي هذه السنة سار ايلك الخان في جيوش قاصدا قتال أخيه طغان خان، فلما ~~بلغ يوزكند سقط من الثلج ما منعهم من سلوك الطرق، فعاد إلى سمرقند. وكان ~~سبب قصده أن أخاه أرسل إلى يمين الدولة يعتذر، ويتنصل من قصد أخيه ايلك ~~الخان بلاد خراسان، ويقول: إنني ما رضيت ذلك منه؛ ويلزم أخاه وحده الذنب، ~~وتبرأ هو منه، فلما علم أخوه ايلك الخان ذلك ساءه وحمله على قصده. ### || AUT ذكر الخطبة للمصريين العلويين بالكوفة والموصل # PageV04P0148 # في هذه السنة أيضا خطب قرواش بن المقلد أمير بني عقيل للحاكم بأمر الله ~~العلوي، صاحب مصر، بأعماله كلها، وهي: الموصل، والأنبار، والمدائن، والكوفة ~~وغيرها، وكان ابتداء الخطبة ms3215 بالموصل: الحمد لله الذي انجلت بنوره غمرات ~~العصب. وانهدت بقدرته أركان النصب. وأطلع بنوره شمس الحق من العرب. فأرسل ~~القادر بالله، أمير المؤمنين، القاضي أبا بكر بن الباقلاني إلى بهاء الدولة ~~يعرفه ذلك، وأن العلويين والعباسيين انتقلوا من الكوفة إلى بغداد، فأكرم ~~بهاء الدولة القاضي أبا بكر، وكتب إلى عميد الجيوش يأمره بالمسير إلى حرب ~~قرواش، وأطلق له مائة ألف دينار ينفقها في العسكر، وخلع على القاضي أبي ~~بكر، وولاه قضاء عمان والسواحل. وسار عميد الجيوش إلى حرب قرواش فأرسل ~~يعتذر وقطع خطبة العلويين وأعاد خطبة القادر بالله. ### || AUT ذكر الحرب بين بني مزيد وبني دبيس # كان أبو الغنائم محمد بن مزيد مقيما عند بني دبيس في جزيرتهم، بنواحي ~~خوزستان، لمصاهرة بينهم، فقتل أبو الغنائم أحد وجوههم، ولحق بأخيه أبي ~~الحسن علي بن مزيد، فتبعوه فلم يدركوه، وانحدر إليهم سند الدولة أبو الحسن ~~بن مزيد في ألفي فارس، واستنجد عميد الجيوش، فانحدر إليه عجلا في زبزبة في ~~ثلاثين ديلميا، وسار ابن مزيد إليهم فلقيهم، واقتتلوا فقتل أبو الغنائم، ~~وانهزم أبو الحسن بن مزيد، فوصل الخبر بهزيمته إلى عميد الجيوش وهو منحدر فعاد. ### || AUT ذكر وفاة عميد الجيوش # ### || AUT وولاية فخر الملك العراق # في هذه السنة توفي عميد الجيوش أبو علي بن أستاذ هرمز ببغداد، وكانت ~~ولايته ثماني سنين وأربعة أشهر وسبعة عشر يوما، وكان عمره تسعا وأربعين ~~سنة، وتولى تجهيزه ودفنه الشريف الرضي، دفنه بمقابر قريش، ورثاه الرضي ~~وغيره. وكان أبوه، أبو جعفر استاذ هرمز، من حجاب عضد الدولة، وجعل عضد ~~الدولة عميد الجيوش في خدمة ابنه صمصام الدولة، فلما قتل اتصل بخدمة بهاء ~~الدولة. فلما استولى الخراب على بغداد، وظهر العيارون، وانحلت الأمور بها، ~~أرسله إليها، فأصلح الأمور، وقمع المفسدين وقتلهم. فلما مات استعمل بهاء ~~الدولة مكانه بالعراق فخر الملك أبا غالب، فأصعد إلى بغداد، فلقيه الكتاب ~~والقواد وأعيان الناس، وزينوا له البلاد، ووصل بغداد في ذي الحجة، ومدحه ~~مهيار وغيره من الشعراء. ومن محاسن أعمال عميد الجيوش أنه ms3216 حمل إليه مال ~~كثير قد خلفه بعض التجار المصريين، وقيل له: ليس للميت وارث، فقال: لا يدخل ~~خزانة السلطان ما ليس لها، يترك إلى أن يصح خبره. فلما كان بعد مدة جاء أخ ~~للميت بكتاب من مصر بأنه مستحق للتركة، فقصد باب عميد الجيوش ليوصل الكتاب، ~~فرآه يصلي على روشن داره فظنه بعض الحجاب، فأوصل الكتاب إليه فقضى حاجته، ~~فلما علم التاجر أن الذي أخذ الكتاب كان عميد الجيوش عظم الأمر عنده، فأظهر ~~ذلك، فاستحسنه الناس، ولما وصل التاجر إلى مصر أظهر الدعاء له، فضج الناس ~~بالدعاء له والثناء عليه، فبلغه الخبر فسره ذلك. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اشتد الغلاء بخراسان جميعها، وعدم القوت حتى أكل الناس ~~بعضهم بعضا، فكان الإنسان يصيح: الخبز الخبز ! ويموت، ثم تبعه وباء عظيم ~~حتى عجز الناس عن دفن الموتى. وفيها مات أبو الفتح محمد بن عناز بحلوان، ~~وكانت إمارته عشرين سنة، وقام بعده ابنه أبو الشوك فسيرت إليه العساكر من ~~بغداد لقتاله، ولقيهم أبو الشوك وقاتلهم قتالا شديدا، وانهزم أبو الشوك إلى ~~حلوان، وأقام بها إلى أن أصلح حاله مع الوزير أبي غالب لما قدم العراق. ~~وفيها توفي أبو عبدالله محمد بن مقن بن مقلد بن جعفر بن عمرة بن المهيا ~~العقيلي، وفي مقلد يجتمع آل المسيب وآل مقن، وكان عمره مائة وعشر سنين، ~~وكان بخيلا شديد البخل، وشهد مع القرامطة أخذ الحجر الأسود. وفيها توفي ~~الأمير أبو نصر أحمد بن أبي الحارث محمد بن فريغون، صاحب الجوزجان، وكان ~~صهر يمين الدولة على أخته، وكان هو وأبوه قبله يحبان العلماء ويحسنان ~~إليهم. وفيها انقض كوكب كبير لم ير أكبر منه. وفيها زادت دجلة إحدى وعشرين ~~ذراعا، وغرق كثير من بغداد والعراق، وتفجرت البثوق؛ ولم يحج هذه السنة من ~~العراق أحد. PageV04P0149 # وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن عبيد أبو مسعود الدمشقي الحافظ، سافر ~~الكثير في طلب الحديث، وله عناية بصحيحي البخاري ومسلم؛ وتوفي أيضا خلف بن ~~محمد بن علي بن حمدون أبو ms3217 محمد الواسطي، كان فاضلا، وله اطراف الصحيحين أيضا. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وأربعمائة # ### || AUT ذكر ملك يمين الدولة قصدار # في هذه السنة استولى يمين الدولة على قصدار، وملكها. وسبب ذلك أن ملكها ~~كان قد صالحه على قطيعة يؤديها إليه، ثم قطعها اغترارا بحصانة بلده، وكثرة ~~المضايق في الطريق، واحتمى بايلك الخان، وكان يمين الدولة يريد قصدها، ~~فيتقي ناحية ايلك الخان. فلما فسد ذات بينهما صمم العزم وقصدها وتجهز، ~~وأظهر أنه يريد هراة، فسار من غزنة في جمادى الأولى، فلما استقل على الطريق ~~سار نحو قصدار، فسبق خبره، وقطع تلك المضايق والجبل، فلم يشعر صاحبها إلا ~~وعسكر يمين الدولة قد أحاط به ليلا، فطلب الأمان فأجابه وأخذ منه المال ~~الذي كان قد اجتمع عنده، وأقره على ولايته وعاد. ### || AUT ذكر أسر صالح بن مرداس # ### || AUT وملكه حلب وملك أولاده # في هذه السنة كانت وقعة بين أبي نصر بن لؤلؤ، صاحب حلب، وبين صالح بن ~~مرداس، وكان ابن لؤلؤ من موالي سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان، فقوي ~~على ولد سعد الدولة وأخذ البلد منه، وخطب للحاكم صاحب مصر، ولقبه الحاكم ~~مرتضى الدولة. ثم فسد ما بينه وبين الحاكم، فطمع فيه ابن مرداس، وبنو كلاب، ~~وكانوا يطالبونه بالصلات والخلع. ثم إنهم اجتمعوا هذه السنة في خمسمائة ~~فارس، ودخلوا مدينة حلب، فأمر ابن لؤلؤ بإغلاق الأبواب والقبض عليهم، فقبض ~~على مائة وعشرين رجلا، منهم صالح بن مرداس، وحبسهم، وقتل مائتين وأطلق من ~~لم يفكر به. وكان صالح قد تزوج بابنة عم له يسمى جابرا، وكانت جميلة، فوصفت ~~لابن لؤلؤ، فخطبها إلى إخوتها، وكانوا في حبسه، فذكروا له أن صالحا قد ~~تزوجها، فلم يقبل منهم، وتزوجها، ثم أطلقهم، وبقي صالح بن مرداس في الحبس، ~~فتوصل حتى صعد من السور وألقى نفسه من أعلى القلعة إلى تلها، واختفى في ~~مسيل ماء. ووقع الخبر بهربه، فأرسل ابن لؤلؤ الخيل في طلبه، فعادوا ولم ~~يظفروا به. فلما سكن عنه الطلب سار بقيده ولبنة حديد في ms3218 رجليه، حتى وصل ~~قريبة تعرف بالياسرية، فرأى ناسا من العرب فعرفوه وحملوه إلى أهله بمرج ~~دابق، فجمع ألفي فارس فقصد حلب وحاصرها اثنين وثلاثين يوما، فخرج إليه ابن ~~لؤلؤ فقاتله، فهزمهم صالح وأسر ابن لؤلؤ، وقيده بقيده الذي كان في رجله ~~ولبنته. وكان لابن لؤلؤ أخ فنجا وحفظ مدينة حلب. ثم إن ابن لؤلؤ بذل لابن ~~مرداس مالا على أن يطلقه، فلما استقر الحال بينهما أخذ رهائنه وأطلقه، ~~فقالت أم صالح لابنها: قد أعطاك الله ما لا كنت تؤمله، فإن رأيت أن تتم ~~صنيعك بإطلاق الرهائن فهو المصلحة، فإنه إن أراد الغدر بك لا يمنعه من ~~عندك؛ فأطلقهم، فلما دخلوا البلد حمل ابن لؤلؤ إليه أكثر مما استقر، وكان ~~قد تقرر عليه مائتا ألف دينار، ومائة ثوب، وإطلاق كل أسير عنده من بني ~~كلاب. فلما انفصل الحال ورحل صالح أراد ابن لؤلؤ قبض غلامه فتح، وكان دزدار ~~القلعة، لأنه اتهمه بالممالأة على الهزيمة، وكان خلاف ظنه، فأطلع على ذلك ~~غلاما له اسمه سرور، وأراد أن يجعله مكان فتح، فأعلم سرور بعض أصدقائه ~~ويعرف بابن غانم. وسبب إعلامه أنه حضر عنده، وكان يخاف ابن لؤلؤ لكثرة ~~ماله، فشكا إلى سرور ذلك، فقال له: سيكون أمر تأمن معه؛ فسأله، فكتمه، فلم ~~يزل يخدعه حتى أعلمه الخبر. PageV04P0150 # وكان بين ابن غانم وبين فتح مودة، فصعد إليه بالقلعة متنكرا، فأعلمه ~~الخبر، وأشار عليه بمكاتبة الحاكم صاحب مصر، وأمر ابن لؤلؤ أخاه أبا الجيش ~~بالصعود إلى القلعة بحجة افتقاد الخزائن، فإذا صار فيها قبض على فتح، وأرسل ~~إلى فتح يعلمه أنه يريد افتقاد الخزائن، ويأمره بفتح الأبواب. فقال فتح: ~~إنني قد شربت اليوم دواء، وأسأل تأخير الصعود في هذا اليوم، فإنني لا أثق ~~في فتح الأبواب لغيري؛ وقال للرسول: إذا لقيته فاردده. فلما علم ابن لؤلؤ ~~الحال أرسل والدته إلى فتح ليعلم سبب ذلك، فلما صعدت إليه أكرمها، وأظهر ~~لها الطاعة، فعادت وأشارت على أبنها بترك محاقته ففعل، وأرسل إليه يطلب ~~جوهرا كان له بالقلعة، ms3219 فغالطه فتح ولم يرسله فسكت على مضض لعلمه أن المحاقة ~~لا تفيد لحصانة القلعة، وأشارت والدة ابن لؤلؤ عليه بأن يتمارض، ويظهر شدة ~~المرض، ويستدعي الفتح لينزل إليه ليجعله وصيا، فإذا حضر قبضه. ففعل ذلك، ~~فلم ينزل الفتح، واعتذر، وكاتب الحاكم، وأظهر طاعته، وخطب له، وأظهر ~~العصيان على أستاذه، وأخذ من الحاكم صيدا، وبيروت، وكل ما في حلب من ~~الأموال. وخرج ابن لؤلؤ من حلب إلى إنطاكية، وبها الروم، فأقام عندهم. وكان ~~صالح بن مرداس قد مالأ الفتح على ذلك، فلما عاد عن حلب استصحب معه والدة ~~ابن لؤلؤ ونساءه، وتركهن بمنبج، وتسلم حلب نواب الحاكم، وتنقلت بأيديهم حتى ~~صارت بيد إنسان من الحمدانية يعرف بعزيز الملك، فقدمه الحاكم واصطنعه وولاه ~~حلب، فلما قتل الحاكم وولي الظاهر عصى عليه، فوضعت ست الملك أخت الحاكم ~~فراشا على قتله فقتله. وكان للمصريين بالشام نائب يعرف بأنوشتكين البربري، ~~وبيده دمشق، والرملة، وعسقلان، وغيرها، فاجتمع حسان أمير بني طي، وصالح بن ~~مرداس أمير بني كلاب، وسنان بن عليان، وتحالفوا، واتفقوا على أن يكون من ~~حلب إلى عانة لصالح، ومن الرملة إلى مصر لحسان، ودمشق لسنان، فسار حسان إلى ~~الرملة فحصرها، وبها أنوشتكين، فسار عنها إلى عسقلان، واستولى عليها حسان ~~ونهبها وقتل أهلها، وذلك سنة أربع عشرة وأربعمائة، أيام الظاهر لإعزاز دين ~~الله خليفة مصر. وقصد صالح حلب، وبها إنسان يعرف بابن ثعبان يتولى أمرها ~~للمصريين، وبالقلعة خادم يعرف بموصوف، فأما أهل البلد فسلموه إلى صالح ~~لإحسانه إليهم، ولسوء سيرة المصريين معهم، وصعد ابن ثعبان إلى القلعة، ~~فحصره صالح بالقلعة، فغار الماء الذي بها، فلم يبق لهم ما يشربون، فسلم ~~الجند القلعة إليه، وذلك سنة أربع عشرة، وملك من بعلبك إلى عانة، وأقام ~~بحلب ست سنين. فلما كان سنة عشرين وأربعمائة جهز الظاهر صاحب مصر جيشا، ~~وسيرهم إلى الشام لقتال صالح وحسان، وكان مقدم العسكر أنوشتكين البربري، ~~فاجتمع صالح وحسان على قتاله، فاقتتلوا بالأقحوانة على الأردن، عند طبرية، ~~فقتل صالح وولده الأصغر، وأنفذ رأساهما إلى ms3220 مصر، ونجا ولده أبو كامل نصر بن ~~صالح، فجاء إلى حلب وملكها، وكان لقبه شبل الدولة. فلما علمت الروم ~~بإنطاكية الحال، تجهزوا إلى حلب في عالم كثير، فخرج أهلها فحاربوهم ~~فهزموهم، ونهبوا أموالهم، وعادوا إلى إنطاكية، وبقي شبل الدولة مالكا لحلب ~~إلى سنة تسع وعشرين وأربعمائة، فأرسل إليه الدزبري العساكر المصرية، وصاحب ~~مصر حينئذ المستنصر بالله، فلقيهم عند حماة، فقتل في شعبان وملك الدزبري ~~حلب في رمضان سنة تسع وعشرين، وملك الشام جميعه، وعظم أمره، وكثر ماله، ~~وأرسل يستدعي الجند الأتراك من البلاد، فبلغ المصريين عنه أنه عازم على ~~العصيان، فتقدموا إلى أهل دمشق بالخروج عن طاعته، ففعلوا، فسار عنها نحو ~~حلب في ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وتوفي بعد ذلك بشهر واحد. PageV04P0151 # وكان أبو علوان ثمال بن صالح بن مرداس الملقب بمعز الدولة بالرحبة، فلما ~~بلغه موت الدزبري جاء إلى حلب فملكها تسليما من أهلها، وحاصر امرأة الدزبري ~~وأصحابه بالقلعة أحد عشر شهرا، وملكها في صفر سنة أربع وثلاثين فبقي فيها ~~إلى سنة أربعين. فأنفذ المصريون إلى محاربته أبا عبدالله بن ناصر الدولة بن ~~حمدان، فخرج أهل حلب إلى حربه، فهزمهم، واختنق منهم بالباب جماعة، ثم إنه ~~رحل عن حلب وعاد إلى مصر، وأصابهم سيل ذهب بكثير من دوابهم وأثقالهم. فأنفذ ~~المصريون إلى قتال معز الدولة خادما يعرف برفق فخرج إليه في أهل حلب، ~~فقاتلوه، فانهزم المصريون، وأسر رفق، ومات عندهم، وكان أسره سنة إحدى ~~وأربعين في ربيع الأول. ثم إن معز الدولة بعد ذلك أرسل الهدايا إلى ~~المصريين، وأصلح أمره معهم، ونزل لهم عن حلب فأنفذوا إليها أبا علي الحسن ~~بن علي بن ملهم، ولقبوه مكين الدولة، فتسلمها من ثمال في ذي القعدة سنة تسع ~~وأربعين، وسار ثمال إلى مصر في ذي الحجة وسار أخوه أبو ذؤابة عطية بن صالح ~~إلى الرحبة، وأقام ابن ملهم بحلب فجرى بين بعض السودان وأحداث حلب حرب. ~~وسمع ابن ملهم أن بعض أهل حلب قد كاتب محمود بن شبل الدولة نصر ابن ms3221 صالح ~~يستدعونه ليسلموا البلد إليه، فقبض على جماعة منهم، وكان منهم رجل يعرف ~~بكامل بن نباتة، فخاف، فجلس يبكي، وكان يقول لكل من سأله عن بكائه: إن ~~أصحابنا الذين أخذوا قد قتلوا، وأخاف على الباقين. فاجتمع أهل البلد، ~~واشتدوا، وراسلوا محمودا، وهو عنهم مسيرة يوم، يستدعونه، وحصروا ابن ملهم، ~~وجاء محمود وحصره معهم في جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين. ووصلت الأخبار ~~إلى مصر، فسيروا ناصر الدولة أبا علي بن ناصر الدولة ابن حمدان في عسكر، ~~بعد اثنين وثلاثين يوما من دخول محمود حلب، فلما قارب البلد خرج محمود عن ~~حلب إلى البرية، واختفى الأحداث جميعهم، وكان عطية بن صالح نازلا بقرب ~~البلد، وقد كره فعل محمود ابن أخيه، فقبض ابن ملهم على مائة وخمسين من ~~الأحداث، ونهب وسط البلد، وأخذ أموال الناس. وأما ناصر الدولة فلم يمكن ~~أصحابه من دخول البلد ونهبه، وسار في طلب محمود، فالتقيا بالغنيدق في رجب، ~~فانهزم أصحاب ابن حمدان، وثبت هو فجرح وحمل إلى محمود أسيرا، فأخذه وسار ~~إلى حلب فملكها، وملك القلعة في شعبان سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، وأطلق ~~ابن حمدان، فسار هو وابن ملهم إلى مصر، فجهز المصريون معز الدولة ثمال بن ~~صالح إلى ابن أخيه، فحصره في حلب في ذي الحجة من السنة، فاستنجد محمود خاله ~~منيع بن شبيب بن وثاب النميري، صاحب حران، فجاء إليه، فلما بلغ ثمالا مجيئه ~~سار عن حلب إلى البرية في المحرم سنة ثلاث وخمسين، وعاد منيع إلى حران، ~~فعاد ثمال إلى حلب، وخرج إليه محمود ابن أخيه، فاقتتلوا، وقاتل محمود قتالا ~~شديدا، ثم انهزم محمود فمضى إلى أخواله بني نمير بحران، وتسلم ثمال حلب في ~~ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين، وخرج إلى الروم، فغزاهم ثم توفي بحلب في ذي ~~القعدة سنة أربع وخمسين، وكان كريما، حليما، وأوصى بحلب لأخيه عطية بن صالح ~~فملكها. ونزل به قوم من التركمان مع ابن خان التركماني، فقوي بهم، فأشار ~~أصحابه بقتلهم، فأمر أهل البلد بذلك، فقتلوا منهم جماعة، ونجا الباقون، ms3222 ~~فقصدوا محمودا بحران، واجتمعوا معه على حصار حلب، فحصرها وملكها في رمضان ~~سنة أربع وخمسين. وقصد عمه عطية الرقة فملكها، ولم يزل بها حتى أخذها منه ~~شرف الدولة مسلم بن قريش سنة ثلاث وستين، وسار عطية إلى بلد الروم، فمات ~~بالقسطنطينية سنة خمس وستين. وأرسل محمود التركمان مع أميرهم ابن خان إلى ~~ارتاح، فحصرها وأخذها من الروم سنة ستين، وسار محمود إلى طرابلس، فحصرها، ~~وأخذ من أهلها مالا وعاد، وأرسله محمود في رسالة إلى السلطان ألب أرسلان، ~~ومات محمود في حلب سنة ثمان وستين في ذي الحجة، ووصى بها بعده لابنه مشيب، ~~فلم ينفذ أصحابه وصيته لصغره، وسلموا البلد إلى ولده الأكبر، واسمه نصر، ~~وجده لأمه الملك العزيز ابن الملك جلال الدولة ابن بويه وتزوجها عند دخولهم ~~مصر لما ملك طغرلبك العراق. PageV04P0152 # وكان نصر يدمن شرب الخمر، فحمله السكر على أن خرج إلى التركمان الذين ~~ملكوا أباه البلد، وهم بالحاضر، يوم الفطر، فلقوه، وقبلوا الأرض بين يديه، ~~فسبهم وأراد قتلهم، فرماه أحدهم بنشابة فقتله، وملك أخوه سابق، وهو الذي ~~كان أبوه أوصى له بحلب، فلما صعد القلعة استدعى أحمد شاه مقدم التركمان، ~~وخلع عليه، وأحسن إليه، وبقي فيها إلى سنة اثنتين وسبعين، فقصده تتش بن ألب ~~أرسلان، فحصره بحلب أربعة أشهر ونصفا، ثم رحل عنه، ونازله شرف الدولة، فأخذ ~~البلد منه، على ما نذكره إن شاء الله تعالى؛ فهذه جميع أخبار بني مرداس ~~أتيت بها متتابعة لئلا تجهل إذا تفرقت. ### || AUT ذكر قتل جماعة من خفاجة # لما فتح الملك فخر الدولة دير العاقول أتاه سلطان، وعلوان، ورجب، أولاد ~~ثمال الخفاجي، ومعهم أعيان عشائرهم، وضمنوا حماية سقي الفرات، ودفع عقيل ~~عنها، وساروا معه إلى بغداد، فأكرمهم وخلع عليهم، وأمرهم بالمسير مع ذي ~~السعادتين الحسن بن منصور إلى الأنبار، فساروا، فلما صاروا بنواحي الأنبار ~~أفسدوا وعاثوا، فقبض ذو السعادتين على نفر منهم، ثم أطلقهم واستحلفهم على ~~الطاعة، والكف عن الأذى، فأشار كاتب نصراني من أهل دقوقا على سلطان بن ثمال ~~بالقبض على ms3223 ذي السعادتين، وأن يظهر أن عقيلا قد أغاروا، فإذا خرج عسكر ذي ~~السعادتين انفرد به فأخذه. فوصل إلى ذي السعادتين الخبر. ثم إن سلطانا أرسل ~~إليه يقول له إن عقيلا قد قاربوا الأنبار، ويطلب منه إنفاذ العسكر، فقال ذو ~~السعادتين: أنا أركب وآخذ العساكر؛ ثم دافعه إلى أن فات وقت السير، فانتقض ~~على سلطان ما دبره، فأرسل يقول: قد أخذت جماعة من عقيل؛ ثم إن ذا السعادتين ~~صنع طعاما كثيرا، وحضر عنده سلطان وكاتبه النصراني وجماعة من أعيان خفاجة، ~~فأمر أصحابه بقتل كثير منهم، وقبض على سلطان وكاتبه وجماعته، ونهب بيوتهم ~~وما فيها، وحبس سلطانا ومن معه ببغداد، حتى شفع فيهم أبو الحسن بن مزيد، ~~وبذل مالا عنهم فأطلقوا. وذكر ابن نباتة وغيره هذه الحادثة. ### || AUT ذكر القدح في نسب العلويين المصريين # في هذه السنة كتب ببغداد محضر يتضمن القدح في نسب العلويين خلفاء مصر، ~~وكتب فيه المرتضى وأخوه الرضي وابن البطحاوي العلوي، وابن الأزرق الموسوي، ~~والزكي أبو يعلى عمر بن محمد، ومن القضاة والعلماء ابن الأكفاني وابن ~~الخرزي، وأبو العباس الأبيوردي، وأبو حامد الأسفراييني، والكشفلي، ~~والقدوري، والصيمري، وأبو عبدالله بن البيضاوي، وأبو الفضل النسوي، وأبو ~~عبدالله بن النعمان فقيه الشيعة، وغيرهم، وقد ذكرنا الاختلاف فيهم عند ~~ابتداء دولتهم سنة ست وتسعين ومائتين. ### || AUT ذكر أخذ بني خفاجة الحجاج # في هذه السنة سارت خفاجة إلى واقصة، ونزحوا ماء البرمكي والريان وألقوا ~~فيهما الحنظل؛ ووصل الحجاج من مكة إلى العقبة، فلقيهم خفاجة ومنعوهم الماء، ~~ثم قاتلوهم فلم يكن فيهم امتناع، فأكثروا القتل، وأخذوا الأموال، ولم يسلم ~~من الحاج إلا اليسير، فبلغ الخبر فخر الملك الوزير ببغداد، فسير العساكر في ~~أثرهم، وكتب إلى أبي الحسن علي بن مزيد يأمره بطلب العرب، والأخذ منهم بثأر ~~الحاج، والانتقام، فسار خلفهم فلحقهم وقد قاربوا البصرة، فأوقعوا بهم، فقتل ~~منهم وأسر جمعا كثيرا، وأخذ من أموال الحاج ما رآه، وكان الباقي قد أخذه ~~العرب وتفرقوا، وأرسل الأسرى وما استرده من أمتعة الحاج إلى الوزير، فحسن موقعه ms3224 منه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي أبو الحسن بن اللبان الفرضي في ربيع الأول؛ وتوفي في ~~شهر رمضان عثمان بن عيسى أبو عمرو الباقلاني العابد، وكان مجاب الدعوة، ~~رحمة الله عليه. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وأربعمائة # ### || AUT ذكر قتل قابوس # في هذه السنة قتل شمس المعالي قابوس بن وشمكير. وكان سبب قتله أنه كان ~~مع كثرة فضائله ومناقبه، عظيم السياسة، شديد الأخذ، قليل العفو، يقتل على ~~الذنب اليسير، فضجر أصحابه منه، واستطالوا أيامه، واتفقوا على خلعه والقبض ~~عليه. PageV04P0153 # وكان حينئذ غائبا عن جرجان، فخفي عليه الأمر، فلم يشعر ذات ليلة إلا وقد ~~أحاط العسكر بباب القلعة التي كان بها، وانتهبوا أمواله، ودوابه، وأرادوا ~~استنزاله من الحصن، فقاتلهم هو ومن معه من خواصه وأصحابه، فعادوا ولم ~~يظفروا به، ودخلوا جرجان واستولوا عليها، وعصوا عليه بها، وبعثوا إلى ابنه ~~منوجهر، وهو بطبرستان، يعرفونه الحال، ويستدعونه ليولوه أمرهم، فأسرع السير ~~نحوهم خوفا من خروج الأمر عنه، فالتقوا، واتفقوا على طاعته إن هو خلع أباه، ~~فأجابهم إلى ذلك على كره. وكان أبوه شمس المعالي قد سار نحو بسطام عند حدوث ~~هذه الفتنة لينظر فيما تسفر عنه، فأخذوا منوجهر معهم، عازمين على قصد والده ~~وإزعاجه من مكانه، فسار معهم مضطرا، فلما وصل إلى أبيه أذن له وحده دون ~~غيره، فدخل عليه وعنده جمع من أصحابه المحامين عنه، فلما دخل عليه تشاكيا ~~ما هما فيه، وعرض عليه منوجهر أن يكون بين يديه في قتال أولئك القوم ودفعهم ~~وإن ذهبت نفسه. فرأى شمس المعالي ضد ذلك، وسهل عليه حيث صار الملك إلى ~~ولده، فسلم إليه خاتم الملك، ووصاه بما يفعله، واتفقا على أن ينتقل هو إلى ~~قلعة جناشك يتفرغ للعبادة إلى أن يأتيه اليقين وينفرد منوجهر بتدبير الملك. ~~وسار إلى القلعة المذكورة مع من اختاره لخدمته، وسار منوجهر إلى جرجان، ~~وتولى الملك وضبطه ودارى أولئك الأجناد، وهم نافرون، خائفون من شمس المعالي ~~ما دام حيا، فما زالوا يحتالون ويجيلون الرأي حتى دخلوا إلى ms3225 منوجهر وخوفوه ~~من أبيه مثل ما جرى لهلال بن بدر مع أبيه، وقالوا له: مهما كان والدك في ~~الحياة لا نأمن نحن ولا أنت؛ واستأذنوه في قتله، فلم يرد عليهم جوابا، ~~فمضوا إليه إلى الدار التي هو فيها، وقد دخل إلى الطهارة متخففا، فأخذوا ما ~~عنده من كسوة، وكان الزمان شتاء، وكان يستغيث: أعطوني ولو جل دابة ! فلم ~~يفعلوا فمات من شدة البرد؛ وجلس ولده للعزاء، ولقب القادر بالله منوجهر فلك ~~المعالي. ثم إن منوجهر راسل يمين الدولة، ودخل في طاعته، وخطب له على منابر ~~بلاده، وخطب إليه أن يزوجه بعض بناته، ففعل، فقوي جنانه، وشرع في التدبير ~~على أولئك الذين قتلوا أباه، فأبادهم بالقتل والتشريد. وكان قابوس غزير ~~الأدب، وافر العلم، له رسائل وشعر حسن، وكان عالما بالنجوم وغيرها من ~~العلوم، فمن شعره: قل للذي بصروف الدهر عيرنا ... هل عاند الدهر إلا من له ~~خطر أما ترى البحر يطفو فوقه جيف ... وتستقر بأقصى قعره الدرر فإن تكن نشبت ~~أيدي الخطوب بنا ... ومسنا من توالي صرفها ضرر ففي السماء نجوم غير ذي عدد ~~... وليس يكسف إلا الشمس والقمر ### || AUT ذكر موت ايلك الخان # ### || AUT وولاية أخيه طغان خان # في هذه السنة توفي ايلك الخان وهو يتجهز للعود إلى خراسان، ليأخذ بثأره ~~من يمين الدولة، وكاتب قدرخان وطغان خان ليساعداه على ذلك. فلما توفي ولي ~~بعده أخوه طغان، فراسل يمين الدولة وصالحه، وقال له: المصلحة للإسلام ~~والمسلمين أن تشتغل أنت بغزو الهند، وأشتغل أنا بغزو الترك، وأن يترك بعضنا ~~بعضا؛ فوافق ذلك هواه، فأجابه إليه، وزال الخلاف، واشتغلا بغزو الكفار. ~~وكان ايلك الخان خيرا، عادلا، حسن السيرة، محبا للدين وأهله، معظما للعلم ~~وأهله، محسنا إليهم. ### || AUT ذكر وفاة بهاء الدولة وملك سلطان الدولة # في هذه السنة، خامس جمادى الآخرة، توفي بهاء الدولة أبو نصر بن عضد ~~الدولة بن بويه، وهو الملك حينئذ بالعراق، وكان مرضه تتابع الصرع مثل مرض ~~أبيه، وكان موته بأرجان، وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي، عليه السلام، ms3226 ~~فدفن عند أبيه عضد الدولة، وكان عمره اثنتين وأربعين سنة وتسعة أشهر ونصفا، ~~وملكه أربعا وعشرين سنة. ولما توفي ولي الملك بعده ابنه سلطان الدولة أبو ~~شجاع، وسار من أرجان إلى شيراز، وولى أخاه جلال الدولة أبا طاهر بن بهاء ~~الدولة البصرة، وأخاه أبا الفوارس كرمان. ### || AUT ذكر ولاية سليمان الأندلس الدولة الثانية # في هذه السنة ملك سليمان بن الحاكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر ~~الأموي، ولقب المستعين، وهذه غير ولايته، منتصف شوال، على ما ذكرناه سنة ~~أربعمائة، وبايعه الناس وخرج أهل قرطبة إليه يسلمون عليه، فأنشد متمثلا: ~~PageV04P0154 # إذا ما رأوني طالعا من ثنية ... يقولون من هذا، وقد عرفوني يقولون لي ~~أهلا وسهلا ومرحبا ... ولو ظفروا بي ساعة قتلوني وكان سليمان أديبا شاعرا ~~بليغا، وأريق في أيامه دماء كثيرة لا تحد، وقد تقدم ذكر ذلك سنة أربعمائة، ~~وكان البربر هم الحاكمين في دولته لا يقدر على خلافهم، لأنهم كانوا عامة ~~جنده، وهم الذين قاموا معه حتى ملكوه، وقد تقدم ذكر ذلك. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خلع سلطان الدولة على أبي الحسن علي بن مزيد الأسدي، وهو ~~أول من تقدم من أهل بيته. وفيها تقلد الرضي الموسوي، صاحب الديوان المشهور، ~~نقابة العلويين ببغداد، وخلع عليه سواد، وهو أول طالبي خلع عليه السواد. ~~وفيها توفي أبو بكر الخوارزمي واسمه محمد بن موسى، الفقيه الحنفي؛ وأبو ~~الحارث محمد بن محمد بن عمر العلوي، نقيب الكوفة، وكان يسير الحاج عشر ~~سنين؛ وأبو عبدالله الحسن بن حامد بن علي بن مروان، الفقيه الحنبلي، وله ~~تصانيف في الفقه؛ والقاضي أبو بكر محمد بن الطيب المتكلم الأشعري:، وكان ~~مالكي المذهب، رثاه بعضهم فقال: انظر إلى جبل تمشي الرجال به، ... وانظر ~~إلى القبر ما يحوي من الصلف وانظر إلى صارم الإسلام منغمدا، ... وانظر إلى ~~درة الإسلام في الصدف وفيها قتل أبو الوليد عبدالله بن محمد، المعروف بابن ~~الفرضي الأندلسي: بقرطبة، قتله البربر. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وأربعمائة # ### || AUT ذكر فتح يمين الدولة ms3227 ناردين # في هذه السنة سار يمين الدولة إلى الهند في جمع عظيم وحشد كثير، وقصد ~~واسطة البلاد من الهند، فسار شهرين، حتى قارب مقصده، ورتب أصحابه وعساكره، ~~فسمع عظيم الهند به، فجمع من عنده من قواده وأصحابه، وبرز إلى جبل هناك، ~~صعب المرتقى، ضيق المسلك، فاحتمى به، وطاول المسلمين، وكتب إلى الهنود ~~يستدعيهم من كل ناحية، فاجتمع عليه منهم كل من يحمل سلاحا، فلما تكاملت ~~عدته نزل من الجبل، وتصاف هو والمسلمون، واشتد القتال وعظم الأمر. ثم إن ~~الله تعالى منح المسلمين أكتافهم فهزموهم، وأكثروا القتل فيهم، وغنموا ما ~~معهم من مال، وفيل، وسلاح، وغير ذلك. ووجد في بيت بد عظيم حجرا منقورا دلت ~~كتابته على أنه مبني منذ أربعين ألف سنة، فعجب الناس لقلة عقولهم. فلما فرغ ~~من غزوته عاد إلى غزنة، وأرسل إلى القادر بالله يطلب منه منشورا، وعهدا ~~بخراسان وما بيده من الممالك، فكتب له ذلك، ولقب نظام الدين. ### || AUT ذكر ما فعله خفاجة دفعة أخرى # في هذه السنة جاء سلطان بن ثمال، واستشفع بأبي الحسن بن مزيد إلى فخر ~~الملك ليرضى عنه، فأجابه إلى ذلك، فأخذ عليه العهود بلزوم ما يحمد أمره، ~~فلما خرج وصلت الأخبار بأنهم نهبوا سواد الكوفة، وقتلوا طائفة من الجند، ~~وأتى أهل الكوفة مستغيثين، فسير فخر الملك إليهم عسكرا، وكتب إلى ابن مزيد ~~وغيره بمحاربتهم، فسار إليهم، وأوقع بهم بنهر الرمان، وأسر محمد بن ثمال ~~وجماعة معه، ونجا سلطان وأدخل الأسرى إلى بغداد مشهرين وحبسوا. وهب على ~~المنهزمين من بنى خفاجة ريح شديدة حارة، فقتلت منهم نحو خمسمائة رجل، وأفلت ~~منهم جماعة ممن كانوا أسروا من الحجاج، وكانوا يرعون إبلهم وغنمهم، فعادوا ~~إلى بغداد، فوجد بعضهم نساءهم قد تزوجن وولدن، واقتسمت تركاتهم. ### || AUT ذكر استيلاء طاهر بن هلال على شهرزور # قد ذكرنا حال شهرزور، وأن بدر بن حسنويه سلمها إلى عميد الجيوش، فجعل ~~فيها نوابه. فلما كان الآن سار طاهر بن هلال بن بدر إلى شهرزور، وقاتل من ~~بها من عسكر فخر ms3228 الملك، وأخذها منهم في رجب. فلما سمع الوزير الخبر أرسل ~~إلى طاهر يعاتبه، ويأمره بإطلاق من أسر من أصحابه، ففعل، ولم تزل شهرزور ~~بيد طاهر إلى أن قتله أبو الشوك، وأخذها منه، وجعلها لأخيه مهلهل. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سار أبو الحسن علي بن مزيد الأسدي إلى أبي الشوك على عزم ~~محاربته، فاصطلحا من غير حرب، وتزوج ابنه أبو الأغر دبيس بن علي بأخت أبي ~~الشوك. وفيها توفي القاضي أبو الحسن علي بن سعيد الإصطخري، وهو شيخ من شيوخ ~~المعتزلة ومشهوريهم، وكان عمره قد زاد على ثمانين سنة، وله تصانيف في الرد ~~على الباطنية. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وأربعمائة # ### || AUT ذكر غزوة تانيشر # PageV04P0155 # قد ذكر ليمين الدولة أن بناحية تانيشر فيلة من جنس فيلة الصيلمان ~~الموصوفة في الحرب، وأن صاحبها غال في الكفر والطغيان، والعناد للمسلمين، ~~فعزم على غزوه في عقر داره، وأن يذيقه شربة من كأس قتاله، فسار في الجنود ~~والعساكر والمتطوعة، فلقي في طريقه أودية بعيدة القعر، وعرة المسالك، ~~وقفارا فسيحة الأقطار والأطراف، بعيدة الأكناف، والماء بها قليل، فلقوا ~~شدة، وقاسوا مشقة إلى أن قطعوها. فلما قاربوا مقصدهم لقوا نهرا شديد ~~الجرية، صعب المخاضة، وقد وقف صاحب تلك البلاد على طرفه، يمنع من عبوره، ~~ومعه عساكره، وفيلته التي كان يدل بها. فأمر يمين الدولة شجعان عسكره بعبور ~~النهر، وإشغال الكافر بالقتال ليتمكن باقي العسكر من العبور، ففعلوا ذلك، ~~وقاتلوا الهنود، وشغلوهم عن حفظ النهر، حتى عبر سائر العسكر في المخاضات، ~~وقاتلوهم من جميع جهاتهم إلى آخر النهار، فانهزم الهند، وظفر المسلمون، ~~وغنموا ما معهم من أموال وفيلة، وعادوا إلى غزنة موفرين ظافرين. ### || AUT ذكر قتل بدر بن حسنويه وإطلاق ابنه هلال وقتله # في هذه السنة قتل بدر بن حسنويه أمير الجبل. وكان سبب قتله أنه سار إلى ~~الحسين بن مسعود الكردي ليملك عليه بلاده، فحصره بحصن كوسحد، فضجر أصحاب ~~بدر منه لهجوم الشتاء، فعزموا على قتله، فأتاه بعض خواصه وعرفه ذلك، فقال: ~~فمن ms3229 هم الكلاب حتى يفعلوا ذلك ! وأبعدهم، فعاد إليه، فلم يأذن له، فقال من ~~وراء الخركاة: الذي أعلمتك قد قوي العزم عليه؛ فلم يلتفت إليه. وخرج فجلس ~~على تل، فثاروا به، فقتله طائفة منهم تسمى الجورقان، ونهبوا عسكره، وتركوه ~~وساروا. فنزل الحسين بن مسعود، فرآه ملقى على الأرض، فأمر بتجهيزه وحمله ~~إلى مشهد علي، عليه السلام، ليدفن فيه، ففعل ذلك. وكان عادلا، كثير الصدقة ~~والمعروف، كبير النفس، عظيم الهمة. ولما قتل هرب الجورقان إلى شمس الدولة ~~أبي طاهر بن فخر الدولة بن بويه، فدخلوا في طاعته. وكان طاهر بن هلال بن ~~بدر هاربا من جده بنواحي شهرزور، فلما عرف بقتله بادر يطلب ملكه، فوقع بينه ~~وبين شمس الدولة حرب، فأسر طاهر وحبس وأخذ ما كان قد جمعه بعد أن ملك نائبا ~~من أبيه هلال، وكان عظيما، وحمله إلى همذان، وسار اللرية والشاذنجان إلى ~~أبي الشوك، فدخلوا في طاعته. وحين قتل كان ابنه هلال محبوسا عند الملك ~~سلطان الدولة، كما ذكرنا، فلما قتل بدر استولى شمس الدولة بن فخر الدولة بن ~~بويه على بعض بلاده، فلما علم سلطان الدولة بذلك أطلق هلالا وجهزه وسيره ~~ومعه العساكر ليستعيد ما ملكه شمس الدولة من بلاده. فسار إلى شمس الدولة، ~~فالتقيا في ذي القعدة، واقتتل العسكران، فانهزم أصحاب هلال، وأسر هو، فقتل ~~أيضا، وعادت العساكر التي كانت معه إلى بغداد على أسوإ حال. وكان ممن أسر ~~معه أبو المظفر أنوشتكين الأعرابي، وكان في مملكة بدر سابور خواست، ~~والدينور، وبروجرد، ونهاوند، وأسداباذ، وقطعة من أعمال الأهواز، وما بين ~~ذلك من القلاع والولايات. ### || AUT ذكر الحرب بين علي بن مزيد وبين بني دبيس # في هذه السنة، في المحرم، كانت الحرب بين أبي الحسن علي بن مزيد الأسدي ~~وبين مضر، ونبهان، وحسان، وطراد بني دبيس. وسببها أنهم كانوا قد قتلوا أبا ~~الغنائم بن مزيد أخا أبي الحسن في حرب بينهم، وقد تقدم ذكرها، وحالت الأيام ~~بينه وبين الأخذ بثأره، فلما كان الآن تجهز لقصدهم، وجمع العرب، ~~والشاذنجان، والجوانية، ms3230 وغيرهما من الأكراد وسار إليهم، فلما قرب منهم خرجت ~~زوجته ابنة دبيس وقصدت أخاها مضر بن دبيس ليلا، وقالت له: قد أتاكم ابن ~~مزيد فيما لا قبل لكم به، وهو يقنع منكم بإبعاد نبهان قاتل أخيه، فأبعدوه، ~~وقد تفرقت هذه العساكر. فأجابها أخوها مضر إلى ذلك، وامتنع أخوه حسان. فلما ~~سمع ابن مزيد بما فعلته زوجته أنكره، وأراد طلاقها، فقالت له: خفت أن أكون ~~في هذه الحرب بين فقد أخ حميم، أو زوج كريم، ففعلت ما فعلت رجاء الصلاح؛ ~~فزال ما عنده منها، وتقدم إليهم، وتقدموا إليه بالحلل والبيوت، فالتقوا ~~واقتتلوا، واشتد القتال لما بين الفريقين من الدخول، فظفر ابن مزيد بهم، ~~وهزمهم وقتل حسان ونبهان ابني دبيس، واستولى على البيوت والأموال، ولحق من ~~سلم من الهزيمة بالحويزة. PageV04P0156 # ولما ظفر بهم رأى عندهم مكاتبات فخر الملك يأمرهم بالجد في أمره، ويعدهم ~~النصرة، فعاتبه على ذلك، وحصل بينهما نفرة، ودعت فخر الملك الضرورة إلى ~~تقليد ابن مزيد الجزيرة الدبيسية، واستثنى مواضع منها: الطيب وقرقوب ~~وغيرهما، وبقي أبو الحسن هناك إلى جمادى الأولى. ثم إن مضر بن دبيس جمع ~~جمعا، وكبس أبا الحسن ليلا، فهرب في نفر يسير، واستولى مضر على حلله ~~وأمواله، وكل ماله، ولحق أبو الحسن ببلد النيل منهزما. ### || AUT ذكر ملك شمس الدولة الري # ### || AUT وعوده عنها # لما ملك شمس الدولة بن فخر الدولة ولاية بدر بن حسنويه وأخذ ما في قلاعه ~~من الأموال عظم شأنه، واتسع ملكه، فسار إلى الري، وبها أخوه مجد الدولة، ~~فرحل عن الري ومعه والدته إلى دنباوند، وخرجت عساكر الري إلى شمس الدولة ~~مذعنة بالطاعة، ودخل الري وملكها، وخرج منها يطلب أخاه ووالدته، فشغب الجند ~~عليه، وزاد خطبهم، وطالبوه مطالبات اتسع الخرق بها، فعاد إلى همذان وأرسل ~~إلى أخيه ووالدته يأمرهما بالعود إلى الري، فعادا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في شعبان، توفي أبو الحسن أحمد بن علي البتي، الكاتب ~~الشاعر، ومن شعره في تكة: لم لا أتيه ومضجعي ... بين الروادف والخصور ms3231 وإذا ~~نسجت، فإنني ... بين الترائب والنحور ولقد نشأت صغيرة ... فأكف ربات الخدور ~~وله نوادر كثيرة منها أنه شرب قفاعا في دار فخر الملك، فلم يستطبه، فجلس ~~مفكرا، فقال له الفقاعي: في أي شيء تفكر ؟ فقال: في دقة صنعتك، كيف أمكنك ~~الخراء في هذه الكيزان الضيقة كلها. وفي رمضان منها قتل القاضي أبو القاسم ~~يوسف بن أحمد بن كج الفقيه، وكان من أئمة أصحاب الشافعي، وكان قاضي ~~الدينور، قتله طائفة من عامتها خوفا منه . . وتوفي أبو نصر عمر بن عبد ~~العزيز بن نباتة السعدي الشاعر؛ والقاضي أبو محمد بن الأكفاني، قاضي بغداد، ~~وولي بعده قضاء القضاة أبو الحسن بن أبي الشوارب البصري. وتوفي أبو أحمد ~~عبد السلام بن الحسن البصري الأديب؛ وأبو القاسم هبة الله بن عيسى، كاتب ~~مهذب الدولة بالبطيحة، وهو من الكتاب المفلقين، ومكاتباته مشهورة؛ وكان ~~ممدحا، وممن مدحه ابن الحجاج. وتوفي أيضا عبدالله بن محمد بن محمد بن ~~عبدالله بن إدريس أبو سعيد الإدريسي، الاستراباذي، الحافظ، نزيل سمرقند، ~~وهو مصنف تاريخ سمرقند. وتوفي أيضا الحاكم أبو عبدالله محمد بن عبدالله ~~النيسابوري، صاحب التصانيف الحسنة المشهورة؛ وأبو الحسن بن عياض، وكان يلقب ~~الناصر، وكان يتولى الأهواز، وقام ولده بنكير مقامه؛ وأبو عي الحسين بن ~~الحسين بن حمكان الهمذاني، الفقيه الشافعي، وكان إماما عالما. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وأربعمائة # ### || AUT ذكر الفتنة بين باديس وعمه حماد # في هذه السنة ظهر الاختلاف بين الأمير باديس، صاحب إفريقية، وعمه حماد، ~~حتى آل الأمر بينهما إلى الحرب التي لا بقيا بعدها. وسبب ذلك أن باديس أبلغ ~~عن عمه حماد قوارص وأمورا أنكرها، فاغضى عليها، حتى كثر ذلك عليه، ! وكان ~~لباديس ولد اسمه المنصور أراد أن يقدمه ويجعله ولي عهده، فأرسل إلى عمه ~~حماد يقول له بأن يسلم بعض ما بيده من الأعمال التي أقطعه إلى نائب ابنه ~~المنصور، وهي مدينة تيجس، وقصر الإفريقي وقسطنطينة، وسير إلى تسليم ذلك ~~هاشم بن جعفر، وهو من كبار قوادهم، وسير معه عمه إبراهيم ليمنع أخاه حمادا ms3232 ~~من أمر إن أراده. فسار إلى أن قاربا حمادا، ففارق إبراهيم هاشما، وتقدم إلى ~~أخيه حماد، فلما وصل إليه حسن له الخلاف على باديس، ووافقه على ذلك، وخلعا ~~الطاعة، وأظهرا العصيان، وجمعا الجموع الكثيرة، فكانوا ثلاثين ألف مقاتل. ~~فبلغ ذلك باديس، فجمع عساكره وسار إليهما، ورحل حماد وأخوه إبراهيم إلى ~~هاشم بن جعفر والعسكر الذين معه، وهو بقلعة شقنبارية، فكان بينهم حرب انهزم ~~فيها: ابن جعفر ولجأ إلى باجة، وغنم حماد ماله وعدده، فرحل باديس إلى مكان ~~يسمى قبر الشهيد، فأتاه جمع كثير من عسكر عمه حماد، ووصلت كتب حماد ~~وإبراهيم إلى باديس أنهما ما فارقا الجماعة، ولا خرجا عن الطاعة، فكذبهما ~~ما ظهر من أفعالهما من سفك الدماء، وقتل الأطفال، وإحراق الزروع والمساكن، ~~وسبي النساء. PageV04P0157 # ووصل حماد إلى باجة فطلب أهلها منه الأمان، فأمنهم، واطمأنوا إلى عهده، ~~فدخلها يقتل وينهب ويحرق ويأخذ الأموال. وتقدم باديس إليه بعساكره، فلما ~~كان في صفر سنة ست وأربعمائة، وصل حماد إلى مدينة أشير، وهي له، وفيها ~~نائبه، واسمه خلف الحميري، فمنعه خلف من دخولها، وصار في طاعة باديس، فسقط ~~في يد حماد، فإنها هي كانت معولة لحصانتها وقوتها. ووصل باديس إلى مدينة ~~المسيلة، ولقيه أهلها، وفرحوا به، وسير جيشا إلى المدينة التي أحدثها حماد، ~~فخربوها إلا أنهم لم يأخذوا مال أحمد، وهرب إلى باديس جماعة كثيرة من جند ~~القلعة التي له، وفيها أخوه إبراهيم، فأخذ إبراهيم أبناءهم، وذبحهم على ~~صدور أمهاتهم، فقيل إنه ذبح بيده منهم ستين طفلا، فلما فرغ من الأطفال قتل ~~الأمهات. وتقارب باديس وحماد، والتقوا مستهل جمادى الأولى، واقتتلوا أشد ~~قتال وأعظمه، ووطن أصحاب باديس أنفسهم على الصبر أو الموت لما كان حماد ~~يفعله لمن يظفر به، واختلط الناس بعضهم ببعض، وكثر القتل، ثم انهزم حماد ~~وعسكره لا يلوي على شيء، وغنم عسكر باديس أثقاله وأمواله، وفي جملة ما غنم ~~منه عشرة آلاف درقة مختارة لمط، ولولا اشتغال العسكر بالنهب لأخذ حماد ~~أسيرا. وسار حتى وصل إلى قلعته تاسع جمادى ms3233 الأولى، وجاء إلى مدينة دكمة، ~~فتجنى على أهلها، فوضع السيف فيهم، فقتل ثلاثمائة رجل. فخرج إليه فقيه منها ~~وقال له: يا حماد إذا لقيت الجيوش انهزمت، وإذا قاومتك الجموع فررت، وإنما ~~قدرتك وسلطانك على أسير لا قدرة له عليك؛ فقتله وحمل جميع ما في المدينة من ~~طعام وملح وذخيرة إلى القلعة التي له. وسار باديس خلفه، وعزم على المقام ~~بناحيته، وأمر بالبناء، وبذل الأموال لرجاله، فاشتد ذلك على حماد، وأنكر ~~رجاله، وضعفت نفسه، وتفرق عنه أصحابه. ثم مات ورو بن سعيد الزناتي المتغلب ~~على ناحية طرابلس، واختلفت كلمة زناتة، فمالت فرقة مع أخيه خزرون، وفرقة مع ~~ابن ورو، فاشتد ذلك أيضا على حماد، وكان يطمع أن زناتة تغلب على بعض ~~البلاد، فيضطر باديس إلى الحركة إليهم. ### || AUT ذكر وفاة باديس وولاية ابنه المعز # لما كان يوم الثلاثاء، سلخ ذي القعدة سنة ست وأربعمائة، أمر باديس بعرض ~~العساكر، فرأى ما سره، وركب آخر النهار، ونزل معه جماعة من أصحابه، ففارقوه ~~إلى خيامهم، فلما كان نصف الليل توفي. وخرج الخادم في الوقت إلى حبيب بن ~~أبي سعيد، وباديس بن أبي حمامة، وأيوب بن يطوفت، وهم أكبر قواده، فأعلمهم ~~بوفاته. وكان بين حبيب وباديس بن حمادة عداوة، فخرج حبيب مسرعا إلى باديس ~~وخرج باديس إليه أيضا، فالتقيا في الطريق، فقال كل واحد منهما لصاحبه: قد ~~عرفت الذي بيننا، والأولى أن نتفق على إصلاح هذا الخلل، فإذا انقضى رجعنا ~~إلى المنافسة. فاجتمعا مع أيوب وقالوا: إن العدو قريب منا، وصاحبنا بعيد ~~عنا، ومتى لم نقدم رأسا نرجع إليه في أمورنا لم نأمن العدو، ونحن نعلم ميل ~~صنهاجة إلى المعز، وغيرهم إلى كرامت بن المنصور أخي باديس، فاجتمعوا على ~~تولية كرامت ظاهرا، فإذا وصلوا إلى موضع الأمن، ولوا المعز بن باديس، ~~وينقطع الشر. فأحضروا كرامت وبايعوه، وولوه في الحال، وأصبحوا وليس عند أحد ~~من العسكر خبر من ذلك، وعزموا أن يقولوا للناس بكرة إن باديس قد شرب دواء، ~~فلما أصبحوا أغلق أهل مدينة المحمدية. أبوابها، ms3234 وكأنما نودي فيهم بموت ~~باديس، فشاع الخبر، وخاف الناس خوفا عظيما، واضطربوا لموته، وأظهروا ولاية ~~كرامت، فلما رأى ذلك عبيد باديس ومن معهم أنكروه، فخلا حبيب بأكابرهم، ~~وعرفهم الحال فسكنوا. ومضى كرامت إلى مدينة أشير ليجمع صنهاجة، وتلكاتة، ~~وغيرهم وأعطوهم من الخزائن مائة ألف دينار. وأما المعز فإنه كان عمره ثماني ~~سنين وستة أشهر وأياما تقريبا، لأن مولده كان في جمادى الأولى سنة ثمان ~~وتسعين وثلاثمائة، ولما وصل إليه الخبر بموت أبيه أجلسه من عنده للعزاء، ثم ~~ركب في الموكب، وبايعه الناس، فكان يركب كل يوم، ويطعم الناس كل يوم بين ~~يديه. PageV04P0158 # وأما العساكر فإنهم رحلوا من مدينة المحمدية إلى المعز، وجعلوا باديس في ~~تابوت بين يدي العسكر، والطبول، والبنود على رأسه، والعساكر تتبعه ميمنة ~~وميسرة، وكان وصولهم إلى المنصورية رابع المحرم سنة سبع وأربعمائة، ووصلوا ~~إلى المهدية، والمعز بها، ثمان المحرم، فركب المعز، ووقف حبيب يعلمه بهم، ~~ويذكر له أسماءهم، ويعرفه بقوادهم وأكابرهم، فرحل المعز من المهدية، فوصل ~~إلى المنصورية منتصف المحرم. وهذا المعز أول من حمل الناس بإفريقية على ~~مذهب مالك، وكان الأغلب عليهم مذهب أبي حنيفة. وأما كرامت فإنه لما وصل إلى ~~مدينة أشير اجتمع عليه قبائل صنهاجة وغيرهم، فأتاه حماد في ألف وخمسمائة ~~فارس، فتقدم إليه كرامت بسبعة آلاف مقاتل، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، ~~فرجع بعض أصحاب كرامت إلى بيت المال فانتهبوه وهربوا، فتمت الهزيمة عليه ~~وعلى أصحابه، ووصل إلى مدينة أشير فأشار عليه قاضيها وأعيان أهلها بالمقام، ~~ومنع حماد عنها، ففعل، ونازلهم حماد، وطلب كرامت ليجتمع به، فخرج إليه، ~~فأعطاه مالا، وأذن له في المسير إلى المعز، وقتل حماد من أهل أشير كثيرا ~~حيث أشاروا على كرامت بحفظ البلد ومنع حماد منه؛ ووصل كرامت إلى المعز في ~~المحرم هذه السنة، فأكرمه وأحسن إليه. وفي آخر ذي الحجة سير الحاكم الخلع ~~من مصر إلى المعز، ولقبه شرف الدولة، ولم يذكر ما كان منه إلى الشيعة من ~~القتل والإحراق، وسار المعز إلى حماد لثمان بقين من صفر ms3235 سنة ثمان وأربعمائة ~~بالعساكر لمنعه عن البلاد، فإنه كان يحاصر باغاية وغيرها، فلما قاربه رحل ~~عن باغاية، والتقوا آخر ربيع الأول، فاقتتلوا، فما كان إلا ساعة حتى انهزم ~~حماد وأصحابه، ووضع أصحاب المعز فيهم السيف، وغنموا ما لهم من عدد ومال ~~وغير ذلك، فنادى المعز: من أتى برأس فله أربعة دنانير؛ فأتي بشيء كثير، ~~وأسر إبراهيم أخو حماد، ونجا حماد وقد أصابته جراحة، وتفرق عنه أصحابه، ~~ورجع المعز، وورد رسول من حماد إليه يعتذر، ويقر بالخطأ ويسأل العفو، ~~فأجابه المعز: إن كنت على ما قلته فأرسل ولدك القائد إلينا. واستعمل المعز ~~على جميع العرب المجاورة لإبراهيم عمه كرامت، فعاد جواب حماد أنه إذا وصله ~~كتاب أخيه إبراهيم بالعلامات التي بينهم، أنه قد أخذ له عهد المعز، بعث ~~ولده القائد، أو حضر هو بنفسه. فحضر إبراهيم وأخذ العهود على المعز وأرسل ~~إليه يعرفه ذلك ويشكر المعز على إحسانه إليه، ووصل المعز إلى قصره آخر ~~جمادى الأولى، ولما وصل أطلق عمه إبراهيم، وخلع عليه، وأعطاه الأموال ~~والدواب وجميع ما يحتاج إليه، فلما سمع حماد ذلك أرسل ولده القائد إلى ~~المعز، وكان وصوله للنصف من شعبان، فأكرمه وأعطاه شيئا كثيرا، وأقطعه ~~المسيلة وطبنة وغيرهما، وعاد إلى أبيه في شهر رمضان، ورضي الصلح، وحلف ~~عليه، واستقرت الأمور بينهما، وتصاهرا، وزوج المعز أخته بعبدالله بن حماد، ~~فازدادوا اتفاقا وأمنا. وكان بإفريقية والغرب غلاء بسبب الجراد، واختلاف ~~الملوك، ولما استقر الصلح والاتفاق سير المعز الجيوش إلى القبائل من البربر ~~وغيرهم، فإن الحروب بينهم كانت، بسبب الاختلاف، كثيرة، والدماء مسفوكة، ~~فلما رأوا عساكر السلطان رجعوا إلى السكون وترك الحرب، ومن أبى قوتل، فقتل ~~المفسدون، وأصلح ما بين القبائل. ووصل من جزيرة الأندلس زاوي بن زيري بن ~~مناد، عم أبي المعز، وأهله وولده وحشمه، وكان قد أقام بالأندلس مدة طويلة، ~~وقد ذكرنا سبب دخوله الأندلس، وملك بالأندلس غرناطة وقاسى حروبا كثيرة، ~~ووصل معه من الأموال والعدد والجواهر شيء كثير لا يحد، فأكرمهم المعز، وحمل ~~لهم شيئا عظيما، وإقامات ms3236 زائدة وأقاموا عنده. كان ينبغي أن يكتب وفاة باديس ~~وما بعده سنة سبع وأربعمائة، وإنما أتبعنا بعض أخبارهم بعضا. ### || AUT ذكر غزوة محمود إلى الهند # في هذه السنة غزا محمود بن سبكتكين الهند على عادته، فضل أدلاؤه الطريق، ~~ووقع هو وعسكره في مياه فاضت من البحر، فغرق كثير ممن معه، وخاض الماء ~~بنفسه أياما حتى تخلص وعاد إلى خراسان. ### || AUT ذكر قتل فخر الملك ووزارة ابن سهلان # PageV04P0159 # وفيها قبض سلطان الدولة على نائبه بالعراق ووزيره فخر الملك أبي غالب، ~~وقتل سلخ ربيع الأول، وكان عمره اثنتين وخمسين سنة وأحد عشر شهرا، وكان ~~نظره بالعراق خمس سنين وأربعة شهور واثني عشر يوما، وكان كافيا، حسن ~~الولاية والآثار، ووجد له ألف ألف دينار عينا سوى ما نهب، وسوى الأعراض، ~~وكان قبضه بالأهواز، ولما مات نقل إلى مشهد أمير المؤمنين علي، عليه ~~السلام، فدفن هناك. قيل: كان ابن علمكار، وهو من كبار قوادهم، قد قتل ~~إنسانا ببغداد، فكانت زوجته تكتب إلى فخر الملك أبي غالب تتظلم منه ولا ~~يلتفت إليها، فلقيته يوما وقالت له: تلك الرقاع التي كنت أكتبها إليك صرت ~~أكتبها إلى الله تعالى. فلم يمض على ذلك غير قليل حتى قبض هو وابن علمكار، ~~فقال له فخر الملك: قد برز جواب رقاع تلك المرأة. ولما قبض فخر الملك ~~استوزر سلطان الدولة أبا محمد الحسن بن سهلان، فلقب عميد أصحابه الجيوش، ~~وكان مولده برامهرمز في شعبان سنة إحدى وستين وثلاثمائة. ### || AUT ذكر قتل طاهر بن هلال بن بدر # في هذه السنة أطلق شمس الدولة بن فخر الدولة بن بويه طاهر بن هلال بن ~~بدر، واستحلفه على الطاعة له، واجتمع معه طوائف فقوي بهم، وحارب أبا الشوك ~~فهزمه، وقتل سعدي أخو أبي الشوك، ثم انهزم أبو الشوك منه مرة ثانية، ومضى ~~منهزما إلى حلوان، وبذل له أبو الحسن بن مزيد الأسدي المعاونة، فلم يكن فيه ~~معاودة الحرب. وأقام طاهر بالنهروان، وصالح أبا الشوك، وتزوج أخته، فلما ~~أمنه طاهر وثب عليه أبو الشوك فقتله ms3237 بثأر أخيه سعدي، وحمله أصحابه فدفنوه ~~بمشهد باب التبن. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها توفي الشريف الرضي محمد بن الحسين بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن ~~جعفر أبو الحسن، صاحب الديوان المشهور، وشهد جنازته الناس كافة، ولم يشهدها ~~أخوه لأنه لم يستطع أن ينظر إلى جنازته، فأقام بالمشهد إلى أن أعاده الوزير ~~فخر الملك إلى داره، ورثاه كثير من الشعراء منهم أخوه المرتضى، فقال: يا ~~للرجال لفجعة جذمت يدي، ... ووددتها ذهبت لعي براسي ما زلت آبى وردها، حتى ~~أتت، ... فحسوتها في بعض ما أنا حاسي ومطلتها زمنا، فلما صممت ... لم يثنها ~~مطلي، وطول مكاسي لا تنكروا من فيض دمعي عبرة، ... فالدمع خير مساعد ومؤاس ~~واها لعمرك من قصير طاهر، ... ولرب عمر طال بالأرجاس وفيها توفي أبو طالب ~~أحمد بن بكر العبدي النحوي، مصنف شرح الإيضاح؛ وأبو أحمد عبد السلام بن أبي ~~مسلم الفرضي؛ والإمام أبو حامد أحمد بن محمد بن أحمد الأسفراييني إمام ~~أصحاب الشافعي، وكان يحضر دراسته أربعمائة متفقه، وكان يدرس بمسجد عبدالله ~~بن المبارك بقطيعة الفقهاء، وكان عمره إحدى وستين سنة وأشهرا. وفيها توفي ~~أبو جعفر أستاذ هرمز بن الحسن، والد عميد الجيوش، بشيراز، وكان عمره مائة ~~وخمس سنين؛ وفيها توفي شهاب الدولة أبو درع رافع ابن محمد بن مقرن، وله شعر ~~حسن، وما زلت أبكي في الديار تأسفا ... لبين خليل، أو فراق حبيب فلما عرفت ~~الربع لا شك أنه ... هو الربع فاضت مقلتي بغروب وجربت دهري ناسيا، فوجدته ~~... أخا غير لا تنقضي وخطوب وعاشرت أبناء الزمان، فلم أجد ... من الناس ~~خدانا حافظا لمغيب ولم يبق منهم حافظ لذمامه، ... ولا ناصر يرعى جوار قريب ~~وفيها توفي الشار أبو نصر، الذي كان صاحب غرشستان من خراسان، في قبض يمين ~~الدولة، وقد ذكرنا سبب ذلك. وفيها، في صفر، قلد الشريف المرتضى أبو القاسم ~~أخو الرضي نقابة العلويين، والحج، والمظالم، بعد موت أخيه الرضي. وفيها ~~وقعت فتنة ببغداد بين أهل الكرخ وبين أهل باب الشعير، ونهبوا القلائين، ~~فأنكر فخر الملك ms3238 على أهل الكرخ، ومنعوا من النوح يوم عاشوراء، ومن تعليق ~~المسوح. وفيها وقع بالبصرة وما جاورها وباء شديد في بلاد العراق وكثير من ~~البلاد. وفيها، في حزيران، جاء مطر شديد في بلاد العراق وكثير من البلاد. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وأربعمائة # ### || AUT ذكر قتل خوارزمشاه # ### || AUT وملك يمين الدولة خوارزم وتسليمها إلى التونتاش # PageV04P0160 # في هذه السنة قتل خوارزمشاه أبو العباس مأمون بن مأمون وملك يمين الدولة ~~خوارزم. وسبب ذلك أن أبا العباس كان قد ملك خوارزم والجرجانية، كما ذكرناه، ~~وخطب إلى يمين الدولة، فزوجه أخته. ثم إن يمين الدولة أرسل إليه يطلب أن ~~يخطب له على منابر بلاده، فأجابه إلى ذلك، وأحضر أمراء دولته واستشارهم في ~~ذلك، فأظهروا الامتناع، ونهوه عنه، وتهددوه بالقتل إن فعله فعاد الرسول ~~وحكى ليمين الدولة ما شاهده. ثم إن الأمراء خافوه حيث ردوا أمره، فقتلوه ~~غيلة، ولم يعلم قاتله، وأجلسوا مكانه أحد أولاده، وعملوا أن يمين الدولة ~~يسوءه ذلك، وربما طالبهم بثأره، فتعاهدوا على مقاتلته ومقارعته. واتصل ~~الخبر بيمين الدولة، فجمع العساكر وسار نحوهم، فلما قاربهم جمعهم صاحب ~~جيشهم، ويعرف بالبتكين البخاري وأمرهم بالخروج إلى لقاء مقدمة يمين الدولة ~~والإيقاع بمن فيها من الأجناد، فساروا معه وقاتلوا مقدمة يمين الدولة، ~~واشتد القتال بينهم. واتصل الخبر بيمين الدولة، فتقدم نحوهم في سائر جيوشه. ~~فلحقهم وهم في الحرب، فثبت الخوارزمية إلى أن انتصف النهار، وأحسنوا ~~القتال، ثم إنهم انهزموا، وركبهم أصحاب يمين الدولة يقتلون ويأسرون، ولم ~~يسلم إلا القليل. ثم إن البتكين ركب سفينة لينجو فيها، فجرى بينه وبين من ~~معه منافرة، فقاموا عليه وأوثقوه، وردوا السفينة إلى ناحية يمين الدولة، ~~وسلموه إليه، فأخذه وسائر القواد المأسورين معه، وصلبهم عند قبر أبي العباس ~~خوارزمشاه، وأخذ الباقين من الأسرى فسيرهم إلى غزنة فوجا بعد فوج، فلما ~~اجتمعوا بها أفرج عنهم، وأجرى لهم الأرزاق، وسيرهم إلى أطراف بلاده من أرض ~~الهند يحمونها من الأعداء، ويحفظونها من أهل الفساد، وأخذ خوارزم واستناب ~~بها حاجبه التونتاش. ### || AUT ذكر غزوة قشمير ms3239 وقنوج وغيرهما # في هذه السنة غزا يمين الدولة بلاد الهند، بعد فراغه من خوارزم، فسار ~~منها إلى غزنة ومنها إلى الهند عازما على غزو قشمير، إذ كان قد استولى على ~~بلاد الهند ما بينه وبين قشمير؛ وأتاه من المتطوعة نحو عشرين ألف مقاتل من ~~ما وراء النهر، وغيره من البلاد، وسار إليها من غزنة ثلاثة أشهر سيرا ~~دائما، وعبر نهر سيحون، وجيلوم، وهما نهران عميقان شديدا الجرية، فوطئ أرض ~~الهند، وأتاه رسل ملوكها بالطاعة وبذل الإتاوة. فلما بلغ درب قشمير أتاه ~~صاحبها وأسلم على يده، وسار بين يديه إلى مقصده، فبلغ ماء جون في العشرين ~~من رجب، وفتح ما حولها من الولايات الفسيحة والحصون المنيعة، حتى بلغ حصن ~~هودت، وهو آخر ملوك الهند، فنظر هودب من أعلى حصنه، فرأى من العساكر ما ~~هاله ورعبه، وعلم أنه لا ينجيه إلا الإسلام، فخرج في نحو عشرة آلاف ينادون ~~بكلمة الإخلاص، طلبا للخلاص، فقبله يمين الدولة، وسار عنه إلى قلعة كلجند، ~~وهو من أعيان الهند وشياطينهم، وكان على طريقه غياض ملتفة لا يقدر السالك ~~على قطعها إلا بمشقة، فسير كلجند عساكره وفيوله إلى أطراف تلك الغياض ~~يمنعون من سلوكها، فترك يمين الدولة عليهم من يقاتلهم، وسلك طريقا مختصرة ~~إلى الحصن، فلم يشعروا به إلا وهو معهم، فقاتلهم قتالا شديدا، فلم يطيقوا ~~الصبر على حد السيوف، فانهزموا، وأخذهم السيف من خلفهم، ولقوا نهرا عميقا ~~بين أيديهم، فاقتحموه، فغرق أكثرهم وكان القتلى والغرقى قريبا من خمسين ~~ألفا، وعمد كلجند إلى زوجته فقتلها ثم قتل نفسه بعدها، وغنم المسلمون ~~أمواله وملكوا حصونه. ثم سار نحو بيت متعبد لهم، وهو مهرة الهند، وهو من ~~أحصن الأبنية على نهر، ولهم به من الأصنام كثير، منها خمسة أصنام من الذهب ~~الأحمر المرصع بالجواهر، وكان فيها من الذهب ستمائة ألف وتسعون ألفا ~~وثلاثمائة مثقال، وكان بها من الأصنام المصوغة من النقرة نحو مائتي صنم، ~~فأخذ يمين الدولة ذلك جميعه، وأحرق الباقي، وسار نحو قنوج، وصاحبها راجيال، ~~فوصل إليها في شعبان، ms3240 فرأى صاحبها قد فارقها، وعبر الماء المسمى كنك، وهو ~~ماء شريف عندهم يرون أنه من الجنة، وأن من غرق نفسه فيه طهر من الآثام، ~~فأخذها يمين الدولة، وأخذ قلاعها وأعمالها، وهي سبع على الماء المذكور، ~~وفيها قريب من عشرة آلاف بيت صنم، يذكرون أنها عملت من مائتي ألف سنة إلى ~~ثلاثمائة ألف كذبا منهم وزورا، ولما فتحها أباحها عسكره. PageV04P0161 # ثم سار إلى قلعة البراهمة، فقاتلوه وثبتوا، فلما عضهم السلاح علموا أنهم ~~لا طاقة لهم، فاستسلموا للسيف فقتلوا، ولم ينج منهم إلا الشريد. ثم سار نحو ~~قلعة آسي، وصاحبها جند بال، فلما قاربها هرب جند بال، وأخذ يمين الدولة ~~حصنه وما فيه، ثم سار إلى قلعة شروة، وصاحبها جندرآي، فلما قاربه نقل ماله ~~وفيوله نحو جبال هناك منيعة يحتمي بها، وعمي خبره فلم يدر أين هو، فنازل ~~يمين الدولة حصنه فافتتحه وغنم ما فيه، وسار في طلب جندرآي جريدة، وقد بلغه ~~خبره، فلحق به في آخر شعبان، فقاتله، فقتل أكثر جند جندرآي، وأسر كثيرا ~~منهم، وغنم ما معه من مال وفيل، وهرب جندرآي في نفر من أصحابه فنجا. وكان ~~السبي في هذه الغزوة كثيرا حتى إن أحدهم كان يباع بأقل من عشرة دراهم، ثم ~~عاد إلى غزنة ظافرا؛ ولما عاد من هذه الغزوة أمر ببناء جامع غزنة، فبني ~~بناء لم يسمع بمثله، ووسع فيه، وكان جامعها القديم صغيرا، وأنفق ما غنمه في ~~هذه الغزاة في بنائه. ### || AUT ذكر حال ابن فولاذ # في هذه السنة عظمت شوكة ابن فولاذ وكبر شأنه. وكان ابتداء أمره أنه كان ~~وضيعا، فنجم في دولة بني بويه، وعلا صيته، وارتفع قدره، واجتمع إليه ~~الرجال، فلما كانالآن طلب من مجد الدولة ووالدته أن يقطعاه قزوين لتكون له ~~ولمن معه من الرجال، فلم يفعلا، واعتذرا إليه، فقصد أطراف ولاية الري، ~~وأظهر العصيان، وجعل يفسد ويغير، ويقطع السبيل، وملك ما يليه من القرى، ~~فعجزا عنه، فاستعانا بأصبهبذ المقيم بفريم، فأتاهما في رجال الجيل، وجرى ~~بينهم وبين ابن فولاذ عدة حروب، ms3241 وجرح ابن فولاذ، وولى منهزما حتى بلغ ~~الدامغان، فأقام حتى عاد أصحابه إليه ورجع أصبهبذ إلى بلاده. وكتب ابن ~~فولاذ إلى منوجهر بن قابوس يطلب أن ينفذ له عسكرا ليملك البلاد، ويقيم له ~~الخطبة فيها، ويحمل إليه المال، فأنفذ له ألفي رجل، فسار بهم حتى نزل بظاهر ~~الري، وأعاد الإغارة، ومنع الميرة عنها، فضاقت الأقوات بها، فاضطر مجد ~~الدولة ووالدته إلى مداراته، وإعطائه ما يلتمسه، فاستقر بينهم أن يسلما ~~إليه مدينة أصبهان، فسار إليها وأعاد عسكر منوجهر إليه، وزال الفساد، وعاد ~~إلى طاعة مجد الدولة. ### || AUT ذكر ابتداء الدولة العلوية بالأندلس # ### || AUT وقتل سليمان # وفي هذه السنة ولي الأندلس علي بن حمود بن أبى العيش بن ميمون بن أحمد ~~بن عي بن عبدالله بن عمر بن إدريس بن إدريس بن عبدالله بن الحسن ابن الحسن ~~بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، وقيل في نسبه غير ذلك مع اتفاق على صحة ~~نسبه إلى أمير المؤمنين علي، عيه السلام. وكان سبب ذلك أن الفتى خيران ~~العامري لم يكن راضيا بولاية سليمان بن الحاكم الأموي لأنه كان من أصحاب ~~المؤيد على ما ذكرناه قبل، فلما ملك سليمان قرطبة انهزم خيران في جماعة ~~كثيرة من الفتيان العامريين، فتبعهم البربر وواقعهم، فاشتد القتال بينهم، ~~وجرح خيران عدة جراحات، وترك على أنه ميت، فلما فارقوه قام يمشي، فأخذه رجل ~~من البربر إلى داره بقرطبة وعالجه فبرأ، وأعطاه مالا، وخرج منها سرا إلى ~~شرق الأندلس، فكثر جمعه، وقويت نفسه، وقاتل من هناك من البربر، وملك ~~المرية، واجتمع إليه الأجناد، وأزال البربر عن البلاد المجاورة له، فغلظ ~~أمره وعظم شأنه. وكان علي بن حمود بمدينة سبتة، بينه وبين الأندلس عدوة ~~المجاز مالكا لها، وكان أخوه القاسم بن حمود بالجزيرة الخضراء مستوليا ~~عليها، وبينهما المجاز، وسبب ملكهما أنهما كانا من جملة أصحاب سليمان بن ~~الحاكم، فقودهما على المغاربة، ثم ولاهما هذه البلاد، وكان خيران يميل إلى ~~دولة المؤيد، ويرغب فيها، ويخطب له على منابر بلاده التي استولى عليها ms3242 لأنه ~~كان يظن حياته حيث فقد من القصر، فحدث لعلي بن حمود طمع في ملك الأندلس لما ~~رأى من الاختلاف، فكتب إلى خيران يذكر له أن المؤيد كان كتب له بولاية ~~العهد والأخذ بثأره إن هو قتل، فدعا لعلي بن حمود بولاية العهد. ~~PageV04P0162 # وكان خيران يكاتب الناس، ويأمرهم بالخروج على سليمان. فوافقه جماعة منهم ~~عامر بن فتوح وزير المؤيد، وهو بمالقة، وكاتبوا علي بن حمود، وهو بسبتة، ~~ليعبر إليهم ليقوموا معه ويسيروا إلى قرطبة، فعبر إلى مالقة في سنة خمس ~~وأربعمائة، فخرج عنها عامر بن فتوح، وسلمها إليه، ودعا له بولاية العهد ~~وسار خيران ومن أجابه إليه، فاجتمعوا بالمنكب، وهي ما بين المرية ومالقة، ~~سنة ست وأربعمائة، وقرروا ما يفعلونه، وعادوا يتجهزون لقصد قرطبة، فتجهزوا ~~وجمعوا من وافقهم، وساروا إلى قرطبة وبايعوا عليا على طاعة المؤيد الأموي. ~~فلما بلغوا غرناطة وافقهم أميرها، وسار معهم إلى قرطبة، فخرج سليمان ~~والبربر إليهم، فالتقوا واقتتلوا على عشرة فراسخ من قرطبة، ونشب القتال ~~بينهم، فانهزم سليمان والبربر، وقتل منهم خلق كثير، وأخذ سليمان أسيرا، ~~فحمل إلى علي بن حمد ومعه أخوه وأبوه الحاكم بن سليمان بن عبد الرحمن ~~الناصر، ودخل علي بن حمود قرطبة في المحرم سنة سبع ودخل خيران وغيره إلى ~~القصر طمعا في أن يجدوا المؤيد حيا، فلم يجدوه، ورأوا شخصا مدفونا فنبشوه، ~~وجمعوا له الناس، وأحضروا بعض فتيانه الذين رباهم وعرضوه عليه، ففتشه، وفتش ~~أسنانه لأنه كان له سن سوداء كان يعرفها ذلك الفتى، فأجمع هو وغيره على أنه ~~المؤيد خوفا على أنفسهم من علي، فأخبروا خيران أنه المؤيد، وكان ذلك الفتى ~~يعلم أن المؤيد حي، فأخذ علي بن حمود سليمان وقتله سابع المحرم سنة سبع، ~~وقتل أباه وأخاه. ولما حضر أبوه بين يدي علي بن حمود قال له: يا شيخ قتلتم ~~المؤيد؛ فقال: والله ما قتلناه، وإنه لحي؛ فحينئذ أسرع في قتله، وكان شيخا ~~صالحا منقبضا لم يتدنس بشيء من أحوال ابنه. واستولى علي بن حمود على قرطبة، ~~ودعا الناس ms3243 إلى بيعته، فبويع، واجتمع له الملك، ولقب المتوكل على الله. ثم ~~إن خيران أظهر الخلاف عليه لأشياء منها أنه كان طامعا أن يجد المؤيد فلم ~~يجده، ومنها أنه نقل إليه أن عليا يريد قتله فخرج عن قرطبة وأظهر الخلاف عليه. ### || AUT ذكر ظهور عبد الرحمن الأموي # لما خالف خيران عليا أرسل يسأل عن بني أمية، فدل على عبد الرحمن ابن ~~محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر الأموي، وكان قد خرج من قرطبة ~~مستخفيا، ونزل بجيان، وكان أصلح من بقي من بني أمية، فبايعه خيران وغيره، ~~ولقبوه المرتضى، وراسل خيران منذر بن يحيى التجيبي أمير سرقسطة والثغر ~~الأعلى، وراسل أهل شاطبة، وبلنسية، وطرطوشة، والبنت، فأجابوا كلهم إلى ~~بيعته، والخلاف على علي بن حمود، فاتفق عليه أكثر الأندلس، واجتمعوا بموضع ~~يعرف بالرياحين في الأضحى سنة ثمان وأربعمائة، ومعهم الفقهاء والشيوخ، ~~وجعلوا الخلافة شورى، وأصفقوا على بيعته، وساروا معه إلى صنهاجة والنزول ~~على غرناطة. وأقبل المرتضى على أهل بلنسية، وشاطبة، وأظهر الجفاء لمنذر بن ~~يحيى التجيبي، ولخيران، ولم يقبل عليهما، فندما على ما كان منهما، وسار حتى ~~وصل إلى غرناطة، فوصل إليها، ونزل عليها، وقاتلوها أياما قتالا شديدا، ~~فغلبهم أهل غرناطة، وأميرهم زاوي بن زيري الصنهاجي، وانهزم المرتضى وعسكره، ~~واتبعتهم صنهاجة يقتلون ويأسرون، وقتل المرتضى في هذه الهزيمة وعمره أربعون ~~سنة، وهو أصغر من أخيه هشام، وسار أخوه هشام إلى البنت، وأقام بها إلى أن ~~خوطب بالخلافة، ولم يزل علي بن حمود بعد هذه الهزيمة يقصد بلاد خيران ~~والعامريين مرة بعد أخرى. ### || AUT ذكر قتل علي بن حمود العلوي # فلما كان في ذي القعدة سنة ثمان وأربعمائة تجهز علي بن حمود للمسير إلى ~~جيان لقتال من بها من عسكر خيران، فلما كان الثامن والعشرون منه برزت ~~العساكر إلى ظاهر قرطبة بالبنود والطبول ووقفوا ينتظرون خروجه، فدخل الحمام ~~ومعه غلمانه، فقتلوه، فلما طال على الناس انتظاره بحثوا عن أمره، فدخلوا ~~عليه، فرأوه مقتولا، فعاد العسكر إلى البلد. وكان لقبه المتوكل على الله، ms3244 ~~وقيل الناس لدين الله، وكان أسمر، أعين أكحل، خفيف الجسم، طويل القامة، ~~حازما، عازما، عادلا، حسن السيرة، وكان قد عزم على أن يعيد إلى أهل قرطبة ~~أموالهم التي أخذها البربر، فلم تطل أيامه، وكان يحب المدح، ويجزر العطاء ~~عليه. PageV04P0163 # ثم ولي بعده أخوه القاسم، وهو أكبر من علي بعدة أعوام، وكان عمر علي ~~ثمانيا وأربعين سنة؛ بنوه يحيى، وإدريس، وأمه قرشية، وكنيته أبو الحسن، ~~وكانت ولايته سنة وتسعة أشهر. ### || AUT ذكر ولاية القاسم بن حمود العلوي بقرطبة # قد ذكرنا قتل أخيه علي بن حمود سنة سبع وأربعمائة، فلما قتل بايع الناس ~~أخاه القاسم، ولقب المأمون، فلما ولي، واستقر ملكه، كاتب العامريين ~~واستمالهم، وأقطع زهيرا جيان، وقلعة رباح، وبياسة، وكاتب خيران واستعطفه، ~~فلجأ إليه واجتمع به، ثم عاد عنه إلى المرية. وبقي القاسم مالكا لقرطبة ~~وغيرها إلى سنة اثنتي عشرة وأربعمائة. وكان وادعا، لينا، يحب العافية، فأمن ~~الناس معه، وكان يتشيع إلا أنه لم يظهر شيئا من ذلك، فسار عن قرطبة إلى ~~إشبيلية، فخالفه يحيى ابن أخيه فيها ### || AUT ذكر دولة يحيى بن علي بن حمود # ### || AUT وما كان منه ومن عمه # لما سار القاسم بن حمود عن قرطبة إلى إشبيلية سار ابن أخيه يحيى بن علي ~~من مالقة إلى قرطبة، فدخلها بغير مانع، فلما تكن بقرطبة دعا الناس إلى ~~بيعته، فأجابوه، فكانت البيعة مستهل جمادى الأولى من سنة اثنتي عشرة ~~وأربعمائة، ولقب بالمعتلي، وبقي بقرطبة يدعى له بالخلافة، وعمه القاسم ~~بإشبيلية يدعى له بالخلافة إلى ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. فسار ~~يحيى عن قرطبة إلى مالقة. ووصل الخبر إلى عمه، فركب وجد في السير ليلا ~~ونهارا إلى أن وصل إلى قرطبة فدخلها ثامن عشر ذي القعدة سنة ثلاثة عشرة، ~~وكان، مدة مقامه بإشبيلية، قد استمال العساكر من البربر وقوي بهم، وبقي ~~القاسم بقرطبة شهورا، ثم اضطرب أمره بها، وسار ابن أخيه يحيى بن علي إلى ~~الجزيرة الخضراء، وغلب عليها، وبها أهل عمه وماله، وغلب أخوه إدريس بن علي، ~~صاحب ms3245 سبتة، على طنجة، وهي كانت عدة القاسم التي يلجأ إليها إن رأى ما يخاف ~~بالأندلس، فلما ملك ابنا أخيه بلاده طمع فيه الناس، وتسلط البربر على قرطبة ~~فأخذوا أموالهم، فاجتمع أهلها وبرزوا إلى قتاله عاشر جمادى الأولى سنة أربع ~~عشرة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم سكنت الحرب، وأمن بعضهم بعضا إلى منتصف ~~جمادى الأولى من السنة، والقاسم بالقصر يظهر التودد لأهل قرطبة، وأنه معهم، ~~وباطنه مع البربر. فلما كان يوم الجمعة منتصف جمادى الآخرة صلى الناس ~~الجمعة، فلما فرغوا تنادوا: السلاح! السلاح! فاجتمعوا ولبسوا السلاح، ~~وحفظوا البلدا ودخلوا قصر الإمارة، فخرج عنها القاسم، واجتمع معه البربر، ~~وقاتلوا أهل البلد وضيقوا عليهم، وكانوا أكثر من أهله، فبقوا كذلك نيفا ~~وخمسين يوما والقتال متصل، فخاف أهل قرطبة، وسألوا البربر في أن يفتحوا لهم ~~الطريق ويؤمنوهم على أنفسهم وأهليهم، فأبوا إلا أن يقتلوهم، فصبروا حينئذ ~~على القتال، وخرجوا من البلد ثاني عشر شعبان، وقاتلوهم قتال مستقتل، فنصرهم ~~الله على البربر، (ومن بغي عليه لينصرنه الله)، وانهزم البربر هزيمة عظيمة، ~~ولحق كل طائفة منهم ببلد فاستولوا عليه. وأما القاسم بن حمود فإنه سار إلى ~~إشبيلية، وكتب إلى أهلها في إخلاء ألف دار ليسكنها البربر، فعظم ذلك عليهم، ~~وكان بها ابنا محمد والحسن، فثار بهما أهلها، فأخرجوهما عنهم ومن معهما، ~~وضبطوا البلد، وقدموا على أنفسهم ثلاثة من شيوخهم وكبرائهم وهم: القاضي أبو ~~القاسم محمد بن إسماعيل ابن عباد اللخمي، ومحمد بن يريم الالهاني، ومحمد بن ~~محمد بن الحسن الزبيدي، وكانوا يدبرون أمر البلد والناس. ثم اجتمع ابن يريم ~~والزبيدي، وسألوا ابن عباد أن ينفرد بتدبير أمورهم، فامتنع وألحوا عليه، ~~فلما خاف على البلد بامتناعه أجابهم إلى ذلك، وانفرد بالتدبير وحفظ البلد. ~~فلما رأى القاسم ذلك سار في تلك البلاد، ثم إنه نزل بشريش، فزحف إليه يحيى ~~ابن أخيه علي، ومعه جمع من البربر، فحصروه ثم أخذوه أسيرا، فحبسه يحيى، ~~فبقي في حبسه إلى أن توفي يحيى، وملك أخوه إدريس، فلما ملك قتله، وقيل: بل ~~مات حتف ms3246 أنفه، وحمل إلى ابنه محمد، وهو بالجزيرة الخضراء، فدفنه. ~~PageV04P0164 # وكانت مدة ولاية القاسم بقرطبة مذ تسمى بالخلافة إلى أن أسره ابن أخيه، ~~ستة أعوام، وبقي محبوسا ست عشرة سنة إلى أن قتل سنة إحدى وثلاثين ~~وأربعمائة، وكان له ثمانون سنة، وله من الولد محمد والحسن، أمهما أميرة بنت ~~الحسن بن القاسم المعروف بقتون بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس ابن ~~إدريس بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، وكان أسمر، ~~أعين، أكحل، مصفر اللون، طويلا، خفيف العارضين. ### || AUT ذكر عود بني أمية إلى قرطبة # ### || AUT وولاية المستظهر # لما انهزم البربر والقاسم بن علي من أهل قرطبة، على ما ذكرناه، اتفق رأي ~~أهل قرطبة على رد بني أمية، فاختاروا عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن ~~عبد الرحمن الناصر الأموي، فبايعوه بالخلافة ثالث عشر رمضان من سنة أربع ~~عشرة وأربعمائة، وعمره حينئذ اثنتان وعشرون سنة، وتلقب بالمستظهر بالله، ~~فكانت ولايته شهرا واحدا وسبعة عشر يوما وقتل. وكان سبب قتله أنه أخذ جماعة ~~من أعيان قرطبة فسجنهم ليميلهم إلى سليمان بن المرتضى عبد الرحمن بن محمد ~~بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، وأخذ أموالهم، فسعوا عليه من اسجن، ~~وألبوا الناس، فأجابهم صاحب الشرطة وغيره، واجتمعوا وقصدوا السجن فأخرجوا ~~من فيه. وكان ممن وافقهم على ذلك أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن الأموي ~~في جماعة كثيرة، فظفروا بالمستظهر، فقتلوه في ذي القعدة، ولم يعقب، وكنيته ~~أبو المطرف، وأمه أم ولد، وكان أبيض أشقر، أعين، شئن الكفين، رحب الصدر، ~~وكان أديبا، خطيبا، بليغا، رقيق الطبع، له شعر جيد. وكان وزيره أبا محمد ~~علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، وكان سليمان ابن المرتضى قد مات قبل قتله ~~بعشرة أيام. ### || AUT ذكر ولاية محمد بن عبد الرحمن # لما قتل المستظهر بايع الناس بقرطبة محمد بن عبد الرحمن بن عبيدالله ابن ~~الناصر، وكنيته أبو عبد الرحمن الأموي، في ذي القعدة سنة أربع عشرة ~~وأربعمائة، وخطبوا له بالخلافة، ms3247 ولقبوه المستكفي بالله، وكان همه لا يعدو ~~فرجه وبطنه، وليس له هم ولا فكر في سواهما، وبقي بها ستة عشر شهرا وأياما، ~~وثار عليه أهل قرطبة في ربيع الأول سنة ست عشرة وأربعمائة، فخلعوه وخرج عن ~~قرطبة ومعه جماعة من أصحابه، حتى صار إلى أعمال مدينة سالم، فضجر منه بعض ~~أصحابه، فشوى له دجاجة، وعمل فيها شيئا من البيش، فأكلها فمات في ربيع ~~الآخر من هذه السنة. وكان في غاية التخلف، وله أخبار يقبح ذكرها، وكان ~~ربعة، أشقر، أزرق، مدور الوجه، ضخم الجسم، وكان عمره نحو خمسين سنة. ولما ~~توفي أعاد أهل قرطبة دعوة المعتلي بالله يحيى بن علي بن حمود العلوي بها. ### || AUT ذكر عود يحيى العلوي إلى قرطبة وقتله # لما مات أبو عبد الرحمن الأموي، وصح عند أهل قرطبة خبر موته، سعى معهم ~~بعض أهلها ليحيى بن علي بن حمود العلوي ليعيدوه إلى الخلافة، وكان بمالقة ~~يخطب لنفسه بالخلافة، فكتبوا إليه وخاطبوه بالخلافة، وخطبوا له في رمضان ~~سنة ست عشرة وأربعمائة، فأجابهم إلى ذلك، وأرسل إليهم عبد الرحمن بن عطاف ~~اليفرني واليا عليهم، ولم يحضر هو باختياره، فبقي عبد الرحمن فيها إلى محرم ~~سنة سبع عشرة، فسار إليه مجاهد وخيران العامريان، في ربيع الأول منها، في ~~جيش كثير، فلما قاربوا قرطبة ثار أهلها بعبد الرحمن فأخرجوه، وقتلوا من ~~أصحابه جماعة كثيرة، ونجا الباقون. وأقام خيران ومجاهد بها نحو شهر، ثم ~~اختلفا، فخاف كل واحد منهما صاحبه، فعاد خيران عن قرطبة لسبع بقين من ربيع ~~الآخر من السنة إلى المرية، وبقي بها إلى سنة ثماني عشرة وتوفي، وقيل سنة ~~تسع عشرة، وصارت المرية بعده لصاحبه زهير العامري، فخالف حبوس بن ماكسن ~~الصنهاجي البربري وأخوه على طاعة يحيى بن علي العلوي، وبقي مجاهد مدة ثم ~~سار إلى دانية، وقطعت خطبة يحيى منها، وأعيدت خطبة الأمويين، على ما نذكره ~~فيما بعد إن شاء الله، وبقي يتردد عليها بالعساكر، واتفق البربر على طاعته، ~~وسلموا إليه ما بأيديهم من الحصون والمدن، فقوي وعظم ms3248 شأنه وبقي كذلك مدة. ~~PageV04P0165 # ثم سار إلى قرمونة فأقام بها محاصرا لإشبيلية طامعا في أخذها، فأتاه ~~الخبر يوما أن خيلا لأهل إشبيلية قد أخرجها القاضي أبو القاسم بن عباد إلى ~~نواحي قرمونة، فركب إليهم ولقيهم وقد كمنوا له، فلم يكن بأسرع من أن قتل، ~~وذلك في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وخلف من الولد الحسن وإدريس لأمي ~~ولد، وكان أسمر، أعين، أكحل، طويل الظهر، قصير الساقين، وقورا، هينا، لينا، ~~وكان عمره اثنتين وأربعين سنة، وأمه بربرية. ### || AUT ذكر اخبار أولاد يحيى وأولاد أخيه # ### || AUT وغيرهم وقتل ابن عمار # نذكر ها هنا ما كان من أخبار أولاده، وأولاد أخيه، وغيرهم من العلويين، ~~متتابعا، لئلا ينقطع الكلام، وليأخذ بعضه ببعض. لما قتل يحيى بن علي رجع ~~أبو جعفر أحمد بن أبي موسى المعروف بابن بقية، ونجا الخادم الصقلبي، وهما ~~مدبرا دولة العلويين، فأتيا مالقة، وهي دار مملكتهم، فخاطبا أخاه إدريس بن ~~علي، وكان له سبتة وطنجة، وطلباه فأتى إلى مالقة، وبايعاه بالخلافة على أن ~~يجعل حسن بن يحيى المقتول مكانه بسبتة، فأجابهما إلى ذلك، فبايعاه، وسار ~~حسن بن يحيى ونجا إلى سبتة وطنجة، وتلقب إدريس بالمتأيد بالله، فبقي كذلك ~~إلى سنة ثلاثين، أو إحدى وثلاثين وأربعمائة. فسير القاضي أبو القاسم بن ~~عباد ولده إسماعيل في عسكر ليتغلب على تلك البلاد، فأخذ قرمونة، وأخذ أيضا ~~اشبونة، واستجة، فأرسل صاحبها إلى إدريس، وإلى باديس بن حبوس، صاحب صنهاجة، ~~فأتاه صاحب صنهاجة بنفسه، وأمده إدريس بعسكر يقوده ابن بقية مدبر دولته، ~~فلم يجسروا على إسماعيل بن عباد، فعادوا عنه، فسار إسماعيل مجدا ليأخذ على ~~صنهاجة الطريق، فأدركهم وقد فارقهم عسكر إدريس قبل ذلك بساعة، فأرسلت ~~صنهاجة من ردهم فعادوا، وقاتلوا إسماعيل بن عباد، فلم يلبث أصحابه أن ~~انهزموا وأسلموه، فقتل وحمل رأسه إلى إدريس. وكان إدريس قد أيقن بالهلاك، ~~وانتقل عن مالقة إلى جبل يحتمي به وهو مريض، فلما أتاه الرأس عاش بعده ~~يومين، ومات وترك من الولد يحيى، ومحمدا، وحسنا، وكان يحيى بن علي ms3249 المقتول ~~قد حبس ابني عمه محمدا والحسن ابني القاسم بن حمود بالجزيرة، فلما مات ~~إدريس أخرجهما الموكل بهما، ودعا الناس إليهما، فبايعهما السودان خاصة قبل ~~الناس لميل أبيهما إليهم، فملك محمد الجزيرة، ولم يتسم بالخلافة. وأما ~~الحسن بن القاسم فإنه تنسك وترك الدنيا وحج. وكان ابن بقية قد أقام يحيى بن ~~إدريس بعد موت والده بمالقة، فسار إليها نجا الصقلبي من سبتة هو والحسن بن ~~يحيى، فهرب ابن بقية، ودخلها الحسن ونجا، فاستمالا ابن بقية حتى حضر، فقتله ~~الحسن، وقتل ابن عمه يحيى بن إدريس، وبايعه الناس بالخلافة، ولقب بالمستنصر ~~بالله، ورجع نجا إلى سبتة، وترك مع الحسن المستنصر نائبا له يعرف بالشطيفي، ~~فبقي حسن كذلك نحوا من سنتين، ثم مات سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، فقيل إن ~~زوجته ابنة عمه إدريس سمته أسفا على أخيها يحيى، فلما مات المستنصر اعتقل ~~الشطيفي إدريس بن يحيى، وسار نجا من ستبة إلى مالقة، وعزم على محو أمر ~~العلويين، وأن يضبط البلاد لنفسه، وأظهر البربر على ذلك، فعظم عندهم، ~~فقتلوه، وقتلوا الشطيفي وأخرجوا إدريس بن يحيى، وبايعوه بالخلافة، وتسمى ~~بالعالي، وكان كثير الصدقة يتصدق كل جماعة بخمس مائة دينار، ورد كيل مطرود ~~عن وطنه، وأعاد عليهم أملاكهم. وكان متأدبا، حسن اللقاء، له شعر جيد إلا ~~أنه كان يصحب الأموال، ولا يحجب نساءه عنهم، وكل من طلب منهم حصنا من بلاده ~~أعطاه، فأخذ منه صنهاجة عدة حصون، وطلبوا وزيره ومدبر أمره صاحب أبيه موسى ~~بن عفان ليقتلوه، فسلمه إليهم فقتلوه. وكان قد اعتقل ابني عمه محمدا والحسن ~~ابني إدريس بن علي في حصن ايرش، فلما رأى ثقته بايرش اضطراب آرائه خالف ~~عليه وبايع ابن عمه محمد بن إدريس بن علي، وثار بإدريس ابن يحيى من عنده من ~~السودان، وطلبوا محمدا فجاء إليهم فسلم إليه إدريس الأمر، وبايع له سنة ~~اثنتين وثلاثين وأربعمائة، فاعتقله محمد، وتلقب بالمهدي، وولى أخاه الحسن ~~عهده، ولقبه السامي. وظهرت من المهدي شجاعة وجرأة، فهابه البربر وخافوه، ~~فراسلوا الموكل بإدريس بن يحيى، ms3250 فأجابهم إلى إخراجه، وأخرجه وبايع له، وخطب ~~له بسبتة وطنجة بالخلافة، وبقي إلى أن توفي سنة ست وأربعين. PageV04P0166 # ثم إن المهدي رأى من أخيه السامي ما أنكره، فنفاه عنه، فسار إلى العدوة ~~إلى جبال غمارة، وأهلها ينقادون للعلويين ويعظمونهم، فبايعوه. ثم إن البربر ~~خاطبوا محمد بن القاسم بالجزيرة، واجتمعوا إليه وبايعوه بالخلافة، وتسمى ~~بالمهدي أيضا، فصار الأمر في غاية الأخلوقة والفضيحة، أربعة كلهم يسمى أمير ~~المؤمنين في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخا، فرجعت البرابر عنه، وعاد ~~إلى الجزيرة، فمات بعد أيام، فولي الجزيرة ابنه القاسم، ولم يتسم بالخلافة، ~~وبقي محمد بن إدريس بمالقة إلى أن مات سنة خمس وأربعين، وكان إدريس بن يحيى ~~المعروف بالعالي عند بني يفرن بتاكرنا، فلما توفي محمد بن إدريس بن علي قصد ~~إدريس بن يحيى مالقة فملكها، ثم انتقلت إلى صنهاجة. ### || AUT ذكر ولاية هشام الأموي قرطبة # لما قطعت دعوة يحيى بن علي العلوي عن قرطبة سنة سبع عشرة وأربعمائة، على ~~ما ذكرناه قبل، أجمع أهلها على خلع العلويين لميلهم إلى البربر، وإعادة ~~الخلافة بالأندلس إلى بني أمية، وكان رأسهم في ذلك أبا الحزم جهور بن محمد ~~ابن جهور، فراسلوا أهل الثغور والمتغلبين هناك في هذا، فاتفقوا معهم، ~~فبايعوا أبا بكر هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر الأموي، ~~وكان مقيما بالبنت مذ قتل أخوه المرتضى، فبايعوه في ربيع الأول سنة ثماني ~~عشرة، وتلقب بالمعتدبالله، وكان أسن من المرتضى، ونهض إلى الثغور فتردد ~~فيها، وجرى له هناك فتن واضطراب شديد من الرؤساء إلى أن اتفق أمرهم على أن ~~يسير إلى قرطبة دار الملك فسار إليها ودخلها ثامن ذي الحجة سنة عشرين وبقي ~~بها حتى خلع ثاني ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين. وكان سبب خلعه أن وزيره أبا ~~عاصم سعيدا القزاز لم يكن له قديم رئاسة، وكان يخالف الوزراء المتقدمين، ~~ويتسبب إلى أخذ أموال التجار وغيرهم، وكان يصل البربر، ويحسن إليهم ~~ويقربهم، فنفر عنه أهل قرطبة، فوضعوا عليه من قتله، فلما قتلوه ms3251 استوحشوا من ~~هشام فخلعوه بسببه. فلما خلع هشام قام أمية بن عبد الرحمن بن هشام بن عبد ~~الجبار بن الناصر، وتسور القصور مع جماعة من الأحداث، ودعا إلى نفسه، ~~فبايعه من سواد الناس كثير، فقال له بعض أهل قرطبة: نخشى عليك أن تقتل في ~~هذه الفتنة، فإن السعادة قد ولت عنكم؛ فقال: بايعوني اليوم واقتلوني غدا. ~~فأنفذ أهل قرطبة وأعيانهم إليه وإلى المعتد بالله يأمرونهما بالخروج عن ~~قرطبة، فودع المعتد أهله وخرج إلى حصن محمد بن الشور بجبل قرطبة، فبقي معه ~~إلى أن غدر أهل الحصن بمحمد ابن الشور فقتلوه وأخرجوا المعتد إلى حصن آخر ~~حبسوه فيه، فاحتال في الخروج منه ليلا وسار إلى سليمان بن هود الجذامي، ~~فأكرمه وبقي عنده إلى أن مات في صفر سنة ثمان وعشرين، ودفن بناحية لاردة، ~~وهو آخر ملوك بني أمية بالأندلس. وأما أمية فإنه اختفى بقرطبة، فنادى أهل ~~قرطبة بالأسواق والأرباض أن لا يبقى أحد من بني أمية بها، ولا يتركهم عنده ~~أحد، فخرج أمية فيمن خرج، وانقطع خبره مدة، ثم أراد العود إليها، فعاد طمعا ~~في أن يسكنها، فأرسل إليه شيوخ قرطبة من منعه عنها، وقيل قتل وغيب، وذلك في ~~جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين، ثم انحل عقد الجماعة وانتشر وافترقت البلاد، ~~على ما نذكره. ### || AUT ذكر تفرق ممالك الأندلس # ثم إن الأندلس اقتسمه أصحاب الأطراف والرؤساء، فتغلب كل إنسان على شيء ~~منه، فصاروا مثل ملوك الطوائف، وكان ذلك أضر شيء على المسلمين فطمع بسببه ~~العدو الكافر، خذله الله، فيهم، ولم يكن لهم اجتمع إلى أن ملكه أمير ~~المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، على ما نذكره إن شاء الله. PageV04P0167 # فأما قرطبة فاستولى عليها أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور، المقدم ذكره، ~~وكان من وزراء الدولة العامرية، قديم الرئاسة، موصوفا بالدهاء والعقل، ولم ~~يدخل في شيء من الفتن قبل هذا بل كان يتصاون عنها. فلما خلا له الجو، ~~وأمكنته الفرصة، وثب عليها فتولى أمرها وقام بحمايتها، ولم يتنقل إلى رتبة ~~الإمارة ms3252 ظاهرا، بل دبرها تدبيرا لم يسبق إليه، وأظهر أنه حام للبلد إلى أن ~~يجيء من يستحقه، ويتفق عليه الناس، فيسلمه إليه. ورتب البوابين والحشم على ~~أبواب قصور الإمارة، ولم يتحول هو عن داره إليها، وجعل ما يرتفع من الأموال ~~السلطانية بأيدي رجال رتبهم لذلك، وهو المشرف عليهم، وصير أهل الأسواق ~~جندا، وجعل أرزاقهم ربح أموال تكون بأيديهم دينا عليهم، فيكون الربح لهم، ~~ورأس المال باقيا عليهم، وكان يتعهدهم في الأوقات المتفرقة لينظر كيف حفظهم ~~لها، وفرق السلاح عليهم، فكان أحدهم لا يفارقه سلاحه حتى يعجل حضوره إن ~~احتاج إليه. وكان جهور يشهد الجنائز، ويعود المرضى، ويحضر الأفراح على ~~طريقة الصالحين، وهو مع ذلك يدبر الأمر تدبير الملوك، وكان مأمون الجانب، ~~وأمن الناس في أيامه، وبقي كذلك إلى أن مات في صفر سنة خمس وثلاثين ~~وأربعمائة، وقام بأمرها بعده ابنه أبو الوليد محمد بن جهور على هذا التدبير ~~إلى أن مات، فغلب عليها الأمير الملقب بالمأمون، صاحب طليطلة، فدبرها إلى ~~أن مات بها. وأما إشبيلية فاستولى عليها القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل ~~بن عباد اللخمي، وهو من ولد النعمان بن المنذر، وقد ذكرنا سبب ذلك في دولة ~~يحيى بن علي بن حمود قبل هذا. وفي هذا الوقت ظهر أمر المؤيد هشام ابن ~~الحاكم، وكان قد اختفى وانقطع خبره، وكان ظهوره بمالقة، ثم سار منها إلى ~~المرية، فخافه صاحبها زهير العامري فأخرجه منها، فقصد قلعة رباح، فأطاعه ~~أهلها، فسار إليهم صاحبه إسماعيل بن ذي النون وحاربهم، فضعفوا عن مقاومته، ~~فأخرجوه، فاستدعاه القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد إليه ~~بإشبيلية، وأذاع أمره، وقام بنصره، وكان رؤساء الأندلس في طاعته، فأجابه ~~إلى ذلك صاحب بلنسية ونواحيها، وصاحب قرطبة، وصاحب دانية والجزائر، وصاحب ~~طرطوشة، وأقروا بخلافته، وخطبوا له، وجددت بيعته بقرطبة في المحرم سنة تسع ~~وعشرين وأربعمائة. ثم إن ابن عباد سير جيشا إلى زهير العامري لأنه لم يخطب ~~للمؤيد، فاستنجد زهير حبوس بن ماكسن الصنهاجي صاحب غرناطة، فسار إليه ~~بجيشه، فعادت ms3253 عساكر ابن عباد، ولم يكن بين العسكرين قتال، وأقام زهير في ~~بياسة، وعاد حبوس إلى مالقة، فمات في رمضان من هذه السنة، وولي بعده ابنه ~~باديس، واجتمع هو وزهير ليتفقا كما كان زهير وحبوس، فلم تستقر بينهما ~~قاعدة، واقتتلا، فقتل زهير وجمع كثير من أصحابه أواخر سنة تسع وعشرين. ثم ~~في سنة إحدى وثلاثين التقى عسكر ابن عباد وعليهم ابنه إسماعيل مع باديس بن ~~حبوس، وعسكر إدريس العلوي، على ما ذكرناه عند أخبار العلويين فيما تقدم، ~~إلا أنهم اقتتلوا قتالا شديدا، فقتل إسماعيل، ثم مات بعده أبوه القاضي أبو ~~القاسم سنة ثلاث وثلاثين، وولي بعده ابنه أبو عمرو عباد بن محمد،ولقب ~~بالمعتضد بالله، فضبط ما ولي، وأظهر موت المؤيد. هذا قول ابن أبي الفياض في ~~المؤيد، وقال غيره إن المؤيد لم يظهر خبره منذ عدو من قرطبة عند دخول علي ~~بن حمود إليها، وقتله سليمان، وإنما كان هذا من تمويهات ابن عباد وحيله ~~ومكره، وأعجب من اختفاء حال المؤيد، ثم تصديق الناس ابن عباد فيما أخبر به ~~من حياته، أن إنسانا حضريا ظهر بعد موت المؤيد بعشرين سنة وادعى أنه ~~المؤيد، فبويع بالخلافة، وخطب له على منابر جميع بلاد الأندلس في أوقات ~~متفرقة، وسفكت الدماء بسببه، واجتمعت العساكر في أمره. PageV04P0168 # ولما أظهر ابن عباد موت هشام المؤيد، واستقل بأمر إشبيلية وما انضاف ~~إليها، بقي كذلك إن أن مات من ذبحة لحقته لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة ~~إحدى وستين وأربعمائة، وولي بعده ابنه أبو القاسم محمد بن عباد ابن القاضي ~~أبي القاسم، ولقب بالمعتمد على الله، فاتسع ملكه، وشمخ سلطانه، وملك كثيرا ~~من الأندلس، وملك قرطبة أيضا، وولى عليها ابنه الظافر بالله، فبلغ خبر ملكه ~~لها إلى يحيى بن ذي النون، صاحب طليطلة، فحسده عليها، فضمن له جرير بن ~~عكاشة أن يجعل ملكها له، وسار إلى قرطبة وأقام بها يسعى في ذلك وهو ينتهز ~~الفرصة. فاتفق أن في بعض الليالي جاء مطر عظيم ومعه ريح شديدة ورعد وبرق، ~~فثار جرير ms3254 فيمن معه، ووصل إلى قصر الإمارة، فلم يجد من يمانعه، فدخل صاحب ~~الباب إلى الظافر وأعلمه، فخرج بمن معه من العبيد والحرس، وكان صغير السن، ~~وحمل عليهم، ودفعهم عن الباب، ثم إنه عثر في بعض كراته فسقط، فوثب بعض من ~~يقاتله وقتله، ولم يبلغ الخبر إلى الأجناد وأهل البلد إلا والقصر قد ملك، ~~وتلاحق بجرير أصحابه وأشياعه، وترك الظافر ملقى على الأرض عريانا، فمر عليه ~~بعض أهل قرطبة، فأبصره على تلك الحال، فنزع رداءه وألقاه عليه، وكان أبوه ~~إذا ذكره يتمثل: ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... على أنه قد سل عن ماجد محض ~~ولم يزل المعتمد يسعى في أخذها، حتى عاد ملكها، وترك ولده المأمون فيها، ~~فأقام بها حتى أخذها جيش أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، وقتل فيها بعد حروب ~~كثيرة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى سنة أربع وثمانين. وأخذت إشبيلية من ~~أبيه المعتمد في السنة المذكورة، وبقي محبوسا في اغمات إلى أن مات بها، ~~رحمه الله، وكان هو وأولاده جميعهم الرشيد، والمأمون، والراضي، والمعتمد، ~~وأبوه، وجده علماء فضلاء شعراء. وأما بطليوس فقام بها سابور الفتى العامري، ~~وتلقب بالمنصور، ثم انتقلت بعده إلى أبي بكر محمد بن عبدالله بن سلمة، ~~المعروف بابن الأفطس، أصلحه من بربر مكناسة، لكنه ولد أبوه بالأندلس، ~~ونشأوا بها، وتخلقوا تخلق أهلها، وانتسبوا إلى تجيب، وشاكلهم الملك، فلما ~~توفي صارت بعده إلى ابنه أبي محمد عمر بن محمد واتسع ملكه إلى أقصى المغرب، ~~وقتل صبرا مع ولدين له عند تغلب أمير المسلمين على الأندلس. وأما طليطلة ~~فقام بأمرها ابن يعيش، فلم تطل مدته، وصارت رئاسته إلى إسماعيل بن عبد ~~الرحمن بن عامر بن مطرف بن ذي النون، ولقبه الظافر بحول الله، وأصله من ~~البربر وولد بالأندلس، وتأدب بآداب أهلها، وكان مولد إسماعيل سنة تسعين ~~وثلاثمائة، وتوفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وكان عالما بالأدب، وله شعر ~~جيد، وصنف كتابا في الآداب والأخبار. وولي بعده ابنه يحيى فاشتغل بالخلاعة ~~والمجون، وأكثر مهاداة الفرنج ومصانعتهم ليتلذذ باللعب، ms3255 وامتدت يده إلى ~~أموال الرعية، ولم تزل الفرنج تأخذ حصونه شيئا بعد شيء، حتى أخذت طليطلة في ~~سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وصار هو ببلنسية، وأقام بها إلى أن قتله القاضي ~~ابن جحاف الأحنف، وفيه يقول الرئيس أبو عبد الرحمن محمد بن طاهر: أيها ~~الأحنف مهلا ... فلقد جئت عويصا إذ قتلت الملك يحيى، ... وتقمصت القميصا رب ~~يوم فيه تجري ... إن تجد فيه محيصا وأما سرقسطة والثغر الأعلى فكان بيد ~~منذر بن يحيى التجيبي، ثم توفي وولي بعده ابنه يحيى، ثم صارت بعده لسليمان ~~بن أحمد بن محمد بن هود الجذامي وكان يلقب بالمستعين بالله، وكان من قواد ~~منذر على مدينة لاردة، وله وقعة مشهورة بالفرنج بطليطلة سنة أربع وثلاثين ~~وأربعمائة. ثم توفي وولي بعده ابنه المقتدر بالله، وولي بعده ابنه يوسف بن ~~أحمد المؤتمن، ثم ولي بعده ابنه أحمد المستعين بالله على لقب جده، ثم ولي ~~بعده ابنه عبد الملك عماد الدولة، ثم ولي بعده ابنه المستنصر بالله، وعليه ~~انقرضت دولتهم على رأس الخمس مائة، فصارت بلادهم جميعا لابن تاشفين. ورأيت ~~بعض أولادهم بدمشق سنة تسعين وخمسمائة، وهو فقير جدا، وهو قيم الربوة، ~~فسبحان من لا يزول، ولا تغيره الدهور. وأما طرطوشة فوليها لبيب الفتى ~~العامري. PageV04P0169 # وأما بلنسية فكان بها المنصور أبو الحسن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن ~~محمد بن المنصور بن أبي عامر المعافري. ثم انضاف إليه المرية وما كان ~~إليها، وبعده ابنه محمد، ودام فيها إلى أن غدر به صهره المأمون بن إسماعيل ~~بن ذي النون، وأخذ منه رئاسة بلنسية في ذي الحجة سنة سبع وخمسين وأربعمائة، ~~فانتزح إلى المرية، وأقام بها إلى أن خلع، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ~~وأما السهلة فملكها عبود بن رزين، وأصله بربري، ومولده بالأندلس، فلما هلك ~~ولي بعده ابنه عبد الملك، وكان أديبا شاعرا، ثم ولي بعده ابنه عز الدولة، ~~ومنه ملكها الملثمون. وأما دانية والجزائر فكانت بيد الموفق أبي الحسن ~~مجاهد العامري؛ وسار إليه من قرطبة الفقيه أبو محمد ms3256 عبدالله المعيطي ومعه ~~خلق كثير، فأقامه مجاهد شبه خليفة يصدر عنه رأيه، وبايعه في جمادى الآخرة ~~سنة خمس وأربعمائة، فأقام المعيطي بدانية مع مجاهد ومن انضم إليه نحو خمسة ~~أشهر، ثم سار هو ومجاهد في البحر إلى الجزائر التي في البحر، وهي ميورقة ~~بالياء، ومنورقة بالنون، ويابسة. ثم بعث المعيطي بعد ذلك مجاهدا إلى ~~سردانية في مائة وعشرين مركبا بين كبير وصغير ومعه ألف فارس، ففتحها في ~~ربيع الأول سنة ست وأربعين وأربعمائة، وقتل بها خلقا كثيرا من النصارى، ~~وسبى مثلهم، فسار إليه الفرنج والروم من البر في آخر هذه السنة، فأخرجوه ~~منها، ورجع إلى الأندلس والمعيطي قد توفي، فغاص مجاهد في تلك الفتن إلى أن ~~توفي، وولي بعده ابنه علي بن مجاهد، وكانا جميعا من أهل العلم والمحبة ~~لأهله والإحسان إليهم، وجلباهم من أقاصي البلاد وأدانيها، ثم مات ابنه علي ~~فولي بعده ابنه أبو عامر، ولم يكن مثل أبيه وجده. ثم إن دانية وسائر بلاد ~~بني مجاهد صارت إلى المقتدر بالله أحمد بن سليمان بن هود في شهر رمضان سنة ~~ثمان وسبعين وأربعمائة. وأما مرسية فوليها بنو طاهر، واستقامت رئاستها لأبي ~~عبد الرحمن منهم، المدعو بالرئيس، ودامت رئاسته إلى أن أخذها منه المعتمد ~~بن عباد على يد وزيره أبي بكر بن عمار المهري، فلما ملكها عصى على المعتمد ~~فيها، فوجه إليه عسكرا مقدمهم أبو محمد عبد الرحمن بن رشيق القشيري، فحصروه ~~وضيقوا عليه حتى هرب منها، فلما دخلها القشيري عصى فيها أيضا على المعتمد، ~~إلى أن دخل في طاعة الملثمين، وبقي أبو عبد الرحمن بن طاهر بمدينة بلنسية ~~إلى أن مات بها سنة سبع وخمسمائة، ودفن بمرسية، وقد نيف على تسعين سنة. ~~وأما المرية فملكها خيران العامري، وتوفي كما ذكرنا، ووليها بعده زهير ~~العامري، واتسع ملكه إلى شاطبة، إلى ما يجاور عمل طليطلة، ودام إلى أن قتل، ~~كما تقدم، وصارت مملكته إلى المنصور أبي الحسن عبد العزيز ابن عبد الرحمن ~~بن المنصور بن أبي عامر، فولي بعده ابنه محمد، ms3257 فلما توفي عبد العزيز ~~ببلنسية أقام ابنه محمد بالمرية، وهو يدبر بلنسية، فانتهز الفرصة فيها ~~المأمون يحيى بن ذي النون وأخذها منه، وبقي بالمرية إلى أن أخذها منه صهره ~~ذو الوزارتين أبو الأحوص المعتصم معن بن صمادح التجيبي، ودانت له لورقة، ~~وبياسة، وجيان، وغيرها إلى أن توفي سنة ثلاث وأربعين، وولي بعده ابنه أبو ~~يحيى محمد بن معن وهو ابن أربع عشرة سنة، فكفله عوه أبو عتبة بن محمد إلى ~~أن توفي سنة ست وأربعين، فبقي أبو يحيى مستضعفا لصغره، وأخذت بلاده البعيدة ~~عنه، ولم يبق له غير المرية وما يجاورها. فلما كبر أخذ نفسه بالعلوم، ~~ومكارم الأخلاق، فامتد صيته، واشتهر ذكره، وعظم سلطانه، والتحق بأكابر ~~الملوك، ودام بها إلى أن نازله جيش الملثمين، فمرض في أثناء ذلك، وكان ~~القتال تحت قصره، فسمع يوما صياحا وجلبة، فقال: نغص علينا كل شيء حتى الموت ~~! وتوفي في مرضه ذلك لثمان بقين من ربيع الأول سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ~~ودخل أولاده وأهله البحر في مركب إلى بجاية، قاعدة مملكة بني حماد من ~~إفريقية، وملك الملثمون المرية وما معها. وأما مالقة فملكها بنو علي بن ~~حمود، فلم تزل في مملكة العلويين يخطب لهم فيها إلى أن أخذها منهم إدريس بن ~~حبوس صاحب غرناطة سنة سبع وأربعين، وانقضى أمر العلويين بالأندلس. ~~PageV04P0170 # وأما غرناطة فملكها حبوس بن ماكسن الصنهاجي، ثم مات سنة تسع وعشرين ~~وأربعمائة، وولي بعده ابنه باديس، فلما توفي ولي بعده ابن أخيه عبد الله بن ~~بلكين، وبقي إلى أن ملكها منه الملثمون في رجب سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ~~وانقرضت دول جميعهم، وصارت الأندلس جميعها للملثمين، وملكهم أمير المسلمين ~~يوسف بن تاشفين، واتصلت مملكته من المغرب الأقصى إلى آخر بلاد المسلمين ~~بالأندلس؛ نعود إلى سنة سبع وأربعمائة. ### || AUT ذكر الحرب بين سلطان الدولة وأخيه أبي الفوارس # قد ذكرنا أن الملك سلطان الدولة لما ملك بعد أبيه بهاء الدولة ولى أخاه ~~أبا الفوارس بن بهاء الدولة كرمان، فلما وليها اجتمع إليه الديلم، وحسنوا ~~له محاربة ms3258 أخيه وأخذ البلاد منه، فتجهز وتوجه إلى شيراز، فلم يشعر سلطان ~~الدولة حتى دخل أبو الفوارس إلى شيراز، فجمع عساكره وسار إليه فحاربه، ~~فانهزم أبو الفوارس، وعاد إلى كرمان، فتبعه إليها، فخرج منها هاربا إلى ~~خراسان، وقصد يمين الدولة محمود بن سبكتكين، وهو ببست فأكرمه وعظمه، وحمل ~~إليه شيئا كثيرا، وأجلسه فوق دارا بن قابوس بن وشمكير، فقال دارا: نحن أعظم ~~محلا منهم لأن أباه وأعمامه خدموا آبائي؛ فقال محمود: لكنهم أخذوا الملك ~~بالسيف؛ أراد بهذا نصرة نفسه حيث أخذ خراسان من السامانية، ووعد محمود أن ~~ينصره. ثم إن أبا الفوارس باع جوهرتين كانتا على جبهة فرسه بعشرة آلاف ~~دينار، فاشتراهما محمود وحملهما إليه، فقال له: من غلطكم تتركون هذا على ~~جبهة الفرس، وقيمتهما ستون ألف دينار. ثم إن محمودا سير جيشا مع أبي ~~الفوارس إلى كرمان، مقدمهم أبو سعد الطائي، وهو من أعين قواده، فسار إلى ~~كرمان فملكها، وقصد بلاد فارس وقد فارقها سلطان الدولة إلى بغداد، فدخل ~~شيراز. فلما سمع سلطان الدولة عاد إلى فارس، فالتقوا هناك واقتتلوا، فانهزم ~~أبو الفوارس، وقتل كثير من أصحابه، وعاد بأسوإ حال، وملك سلطان الدولة بلاد ~~فارس، وهرب أبو الفوارس سنة ثمان وأربعمائة إلى كرمان، فسير سلطان الدولة ~~الجيوش في أثره، فأخذوا كرمان منه، فلحق بشمس الدولة بن فخر الدولة بن ~~بويه، صاحب همذان، ولم يمكنه العود إلى يمين لدولة، لأنه أساء السيرة مع ~~أبي سعد الطائي. ثم فارق شمس الدولة، ولحق بمهذب الدولة، صاحب البطيحة، ~~فأكرمه وأنزله داره، وأنفذ إليه أخوه جلال الدولة من البصرة مالا وثيابا، ~~وعرض عليه الانحدار إليه فلم يفعله، وترددت الرسل بينه وبين سلطان الدولة، ~~فأعاد إليه كرمان، وسيرت إليه الخلع والتقليد بذلك، وحملت إليه الأموال، ~~فعاد إليها. ### || AUT ذكر قتل الشيعة بإفريقية # في هذه السنة، في المحرم، قتلت الشيعة بجميع بلاد إفريقية. وكان سبب ذلك ~~أن المعز بن باديس ركب ومشى في القيروان والناس يسلمون عليه ويدعون له، ~~فاجتاز بجماعة، فسأل عنهم، فقيل: هؤلاء رافضة يسبون ms3259 أبا بكر وعمر؛ فقال: ~~رضي الله عن أبي بكر وعمر ! فانصرفت العامة من فورها إلى درب المقلى من ~~القيروان، وهو حومة تجتمع به الشيعة، فقتلوا منهم، وكان ذلك شهوة العسكر ~~وأتباعهم، طمعا في النهب، وانبسطت أيدي العامة في الشيعة، وأغراهم عامل ~~القيروان وحرضهم. وسبب ذلك أنه كان قد أصلح أمور البلد، فبلغه أن المعز بن ~~باديس يريد عزله، فأراد فساده، فقتل من الشيعة خلق كثير، وأحرقوا بالنار، ~~ونهبت ديارهم، وقتلوا في جميع إفريقية، واجتمع جماعة منهم إلى قصر المنصور ~~قريب القيروان، فتحصنوا به، فحصرهم العامة وضيقوا عليهم، فاشتد عليهم ~~الجوع، فأقبلوا يخرجون والناس يقتلونهم حتى قتلوا عن آخرهم، ولجأ من كان ~~منهم بالمهدية إلى الجامع فقتلوا كلهم. وكانت الشيعة تسمى بالمغرب المشارقة ~~نسبة إلى أبي عبدالله الشيعي، وكان من المشرق، وأكثر الشعراء ذكر هذه ~~الحادثة، فمن فرح مسرور ومن باك حزين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الأول، احترقت قبة مشهد الحسين والأروقة، وكان ~~سببه أنهم أشعلوا شمعتين كبيرتين، فسقطتا في الليل على التازير فاحترق ~~وتعدت النار؛ وفيه أيضا احترق نهر طابق، ودار القطن، وكثير من باب البصرة، ~~واحترق جامع سر من رأى. وفيها تشعث الركن اليماني من البيت الحرام، وسقط ~~حائط بين يدي حجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، ووقعت القبة الكبيرة على ~~الصخرة بالبيت المقدس. PageV04P0171 # وفيها كانت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة بواسط، فانتصر السنة وهرب وجوه ~~الشيعة والعلويين إلى علي بن مزيد فاستنصروه. وفيها، في رجب، مات محمد بن ~~أحمد بن القاسم بن إسماعيل أبو الحسين الضبي القاضي المعروف بابن المحاملي، ~~وكان من أعيان الفقهاء الشافعية وكبار المحدثين؛ مولده سنة اثنتين وثلاثين ~~وثلاثمائة؛ ومحمد بن الحسين بن محمد ابن الهيثم أبو عمر البسطامي، الواعظ، ~~الفقيه، الشافعي، ولي قضاء نيسابور. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وأربعمائة # ### || AUT ذكر خروج الترك من الصين # ### || AUT وموت طغان خان # في هذه السنة خرج الترك من الصين في عدد كثير يزيدون على ثلاثمائة ألف ~~خركاة من أجناس الترك، منهم ms3260 الخطابية الذين ملكوا ما وراء النهر، وسيرد خبر ~~ملكهم إن شاء الله تعالى. وكان سبب خروجهم أن طغان خان لما ملك تركستان مرض ~~مرضا شديدا، وطال به المرض، فطمعوا في البلاد لذلك فساروا إليها وملكوا ~~بعضها وغنموا وسبوا وبقي بينهم وبين بلاساغون ثمانية أيام، فلما بلغه الخبر ~~كان بها مريضا، فسأل الله تعالى أن يعافيه لينتقم من الكفرة، ويحمي البلاد ~~منهم، ثم يفعل به بعد ذلك ما أراد، فاستجاب الله له وشفاه، فجمع العساكر، ~~وكتب إلى سائر بلاد الإسلام يستنفر الناس، فاجتمع إليه من المتطوعة مائة ~~ألف وعشرون ألفا، فلما بلغ الترك خبر عافيته وجمعه العساكر وكثرة من معه ~~عادوا إلى بلادهم، فسار خلفهم نحو ثلاثة أشهر حتى أدركهم وهم آمنون لبعد ~~المسافة، فكبسهم وقتل منهم زيادة على مائتي ألف رجل، وأسر نحو مائة ألف، ~~وغنم من الدواب والخركاهات وغير ذلك من الأواني الذهبية والفضية ومعمول ~~الصين ما لا عهد لأحد بمثله، وعاد إلى بلاساغون، فلما بلغها عاوده مرضه ~~فمات منه. وكان عادلا، خيرا، دينا، يحب العلم وأهله، ويميل إلى أهل الدين، ~~ويصلهم ويقربهم، وما أشبه قصته بقصة سعد بن معاذ الأنصاري، وقد تقدمت في ~~غزوة الخندق، وقيل: كانت هذه الحادثة مع أحمد بن علي قراخان، أخي طغان خان، ~~وإنها كانت سنة ثلاث وأربعمائة. ### || AUT ذكر ملك أخيه أرسلان خان # لما مات طغان خان ملك بعده أخوه أبو المظفر أرسلان خان، ولقبه شرف ~~الدولة، فخالف عليه قدر خان يوسف بن بغراخان هارون بن سليمان الذي ملك ~~بخارى، وقد تقدم ذكره، وكان ينوب عن طغان خان بسمرقند، فكاتب يمين الدولة ~~يستنجده على أرسلان خان، فعقد على جيحون جسرا من السفن، وضبطه بالسلاسل، ~~فعبر عليه، ولم يكن يعرف هناك قبل هذا، وأعانه على أرسلان خان. ثم إن يمين ~~الدولة خافه، فعاد إلى بلاده، فاصطلح قدر خان وأرسلان خان على قصد بلاد ~~يمني الدولة واقتسامها، وسار إلى بلخ. وبلغ الخبر إلى يمين الدولة، ~~فقصدهما، واقتتلوا، وصبر الفريقان، ثم انهزم الترك وعبروا جيحون، فكان ms3261 من ~~غرق منهم أكثر ممن نجا. وورد رسول متولي خوارزم إلى يمين الدولة يهنئه ~~بالفتح عقيب الوقعة، فقال له: من أين علمتم ؟ فقال: من كثرة القلانس التي ~~جاءت على الماء؛ وعبر يمين الدولة، فشكا أهل تلك البلاد إلى قدر خان ما ~~يلقون من عسكر يمين الدولة، فقال: قد قرب الأمر بيننا وبين عدونا، فإن ~~ظفرنا منعنا عنكم، وإن ظفر عدونا فقد استرحتم منا. ثم اجتمع هو وقدر خان، ~~وأكلا طعاما. وكان قدر خان عادلا حسن السيرة، كثير الجهاد، فمن فتوحه ختن، ~~وهي بلاد بين الصين وتركستان وهي كثيرة العلماء والفضلاء، وبقي كذلك إلى ~~سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة فتوفي فيها، وكان يديم لصلاة في الجماعة. ولما ~~توفي خلف ثلاثة بنين منهم: أبو شجاع أرسلان خان، وكان له كاشغر، وختن، ~~وبلاساغون، وخطب له على منابرها، وكان لقبه شرف الدولة، ولم يشرب الخمر قط، ~~وكان دينا، مكرما للعلماء وأهل الدين، فقصدوه من كل ناحية، فوصلهم وأحسن ~~إليهم، وخلف أيضا بغراخان ابن قدر خان، وكان له طراز واسبيجاب فقدم أخوه ~~أرسلان وأخذ مملكته، فتحاربا، فانهزم أرسلان خان وأخذ أسيرا، فأودعوه ~~الحبس، وملك بلاده. PageV04P0172 # ثم إن بغراخان عهد بالملك لولده الأكبر، واسمه حسين جغري تكين، وجعله ولي ~~عهده، وكان لبغراخان امرأة له منها ولد صغير، فغاظها ذلك، فعمدت إليه وسمته ~~فمات هو وعدة من أهله، وخنقت أخاه أرسلان خان ابن قدر خان، وكان ذلك سنة ~~تسع وثلاثين وأربعمائة، وقتلت وجوه أصحابه، وملكت ابنه، واسمه إبراهيم، ~~وسيرته في جيش إلى مدينة تعرف ببرسخان، وصاحبها يعرف بينالتكين، فظفر به ~~ينالتكين وقتله، وانهزم عسكره إلى أمه، واختلف أولاد بغراخان، فقصدهم طفغاج ~~خان صاحب سمرقند. ### || AUT ذكر ملك طفغاج خان وولده # وكان طفغاج خان أبو المظفر إبراهيم بن نصر ايلك يلقب عماد الدولة، وكان ~~بيده سمرقند وفرغانة، وكان أبوه زاهدا متعبدا، وهو الذي ملك سمرقند، فلما ~~مات ورثه ابنه طفغاج، وملك بعده، وكان طفغاج متدينا لا يأخذ مالا حتى ~~يستفتي الفقهاء، فورد عليه أبو شجاع العلوي الواعظ، وكان زاهدا، ms3262 فوعظه وقال ~~له: إنك لا تصلح للملك. فأغلق طفغاج بابه، وعزم على ترك الملك، فاجتمع عليه ~~أهل البلد وقالوا: قد أخطأ هذا، والقيام بأمورنا متعين عليه. فعند ذلك فتح ~~بابه، ومات سنة ستين وأربعمائة. وكان السلطان ألب أرسلان قد قصد بلاده ~~ونبها أيام عمه طغرلبك، فلم يقابل الشر بمثله، وأرسل رسولا إلى القائم بأمر ~~الله سنة ثلاث وخمسين يهنئه، بعوده إلى مستقره، ويسأل التقدم إلى ألب ~~أرسلان بالكف عن بلاده، فأجيب إلى ذلك، وأرسل إليه الخلع والألقاب، ثم فلج ~~سنة ستين. وكان في حياته قد جعل الملك في ولده شمس الملك، فقصده أخوه طغان ~~خان ابن طفغاج، وحصره بسمرقند، فاجتمع أهلها إلى شمس الملك، وقالوا له: قد ~~خرب أخوك ضياعنا وأفسدها، ولو كان غيره لساعدناك، ولكنه أخوك فلا ندخل ~~بينكما؛ فوعدهم المناجزة، وخرج من البلد نصف الليل في خمسمائة غلام معدين، ~~وكبس أخاه، وهو غير محتاط، فظفر به، فهزمه، وكان هذا وأبوهما حي. ثم قصده ~~هارون بغراخان بن يوسف قدر خان، وطغرل قراخان، وكان طفغاج قد استولى على ~~ممالكهما، وقاربا سمرقند، فلم يظفرا بشمس الملك، فصالحاه وعادا فصارت ~~الأعمال المتاخمة لجيحون لمشس الملك، وأعمال الخاهر في أيديهما، والحد ~~بينهما خجندة. وكان السلطان ألب أرسلان قد تزوج ابنة قدر خان، وكانت قبله ~~عند مسعود ابن محمود بن سبكتكين، وتزوج شمس الملك ابنة ألب أرسلان، وزوج ~~بنت عمه عيسى خان من السلطان ملكشاه، وهي خاتون الجلالية أم الملك محمود ~~الذي ولي السلطنة بعد أبيه، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. ثم اختلف ألب ~~أرسلان وشمس الملك، وسنذكره سنة خمس وستين عند قتل ألب أرسلان؛ ثم مات شمس ~~الملك، فولي بعده أخوه خضر خان، ثم مات، فولي ابنه أحمد خان، وهو الذي قبض ~~عليه ملكشاه، ثم أطلقه وأعاده إلى ولايته سنة خمس وثمانين، وسنذكره هناك إن ~~شاء الله تعالى. ثم إن جنده ثاروا به فقتلوه وملك بعده محمود خان، وكان جده ~~من ملوكهم، وكان أصم، فقصده طغان خان بن قراخان، صاحب طراز، فقتله ms3263 واستولى ~~على الملك، واستناب بسمرقند أبا المعالي محمد بن زيد العلوي البغدادي، فولي ~~ثلاث سنين، ثم عصى عليه، فحاصره طغان خان، وأخذه وقتله، وقتل خلقا كثيرا ~~معه. ثم خرج طغان خان إلى ترمذ يريد خراسان، فلقيه السلطان سنجر وطفر به ~~وقتله وصارت أعمال ما وراء النهر له، فاستناب بها محمد خان بن كمشتكين ابن ~~إبراهيم بن طفغاج خان، فأخذها منه عمر خان، وملك سمرقند، ثم هرب من جنده ~~وقصد خوارزم فظفر به السلطان سنجر فقتله وولي سمرقند محمد خان وولي بخارى ~~محمد تكين بن طغانتكين. ### || AUT ذكر كاشغر وتركستان # وأما كاشغر، وهي مدينة تركستان، فإنها كانت لأرسلان خان بن يوسف قدر ~~خان، كما ذكرنا، ثم صارت بعد لمحمود بغراخان، صاحب طراز والشاش، خمسة عشر ~~شهرا، ثم مات فولي بعده طغرل خان بن يوسف قدر خان، فاستولى على الملك، وملك ~~بلاساغون، وكان ملكه ست عشرة سنة ثم توفي. PageV04P0173 # وملك ابنه طغرلتكين، وأقام شهرين، ثم أتهى هارون بغراخان أخو يوسف ~~طغرلخان بن طفغاج بغراخان، وعبر كاشغر، وقبض على هارون، وأطاعه عسكره، وملك ~~كاشغر، وختن، وما يتصل بهما إلى بلاساغون، وأقام مالكا تسعا وعشرين سنة، ~~وتوفي سنة ست وتسعين وأربعمائة، فولي ابنه أحمد ابن أرسلان خان، وأرسل ~~رسولا إلى الخليفة المستظهر بالله يطلب منه الخلع والألقاب، فأرسل إليه ما ~~طلب، ولقبه نور الدولة. ### || AUT ذكر وفاة مهذب الدولة # ### || AUT وحال البطيحة بعده # في هذه السنة، في جمادى الأولى، توفي مهذب الدولة أبو الحسن علي ابن ~~نصر، ومولده سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وهو الذي نزل عليه القادر بالله. ~~وكان سبب موته أنه افتصد، فانتفخ ساعده، ومرض منه، واشتد مرضه. فلما كان ~~قبل وفاته بثلاثة أيام تحدث الجند بإقامة ولده أبي الحسين أحمد مقامه، فبلغ ~~ابن أخت مهذب الدولة، وهو أبو محمد عبدالله بن يني، فاستدعى الديلم ~~والأتراك، ورغبهم ووعدهم، واستحلفهم لنفسه، وقرر معهم القبض على أبي الحسين ~~بن مهذب الدولة وتسليمه إليه، فمضوا إليه ليلا وقالوا له: أنت ولد الأمير، ~~ووارث الأمر من بعده، ms3264 فلو قمت معنا إلى دار الإمارة ليظهر أمرك وتجتمع ~~الكلمة عليك لكان حسنا. فخرج من داره معهم، فلما فارقها قبضوا عيه وحملوه ~~إلى أبي محمد، فسمعت والدته، فدخلت إلى مهذب الدولة قبل موته بيوم فأعلمته ~~الخبر، فقال: أي شيء أقدر أعمل وأنا على هذه الحال ؟ وتوفي من الغد، وولي ~~الأمر أبو محمد، وتسلم الأموال والبلد، وأمر بضرب أبي الحسين بن مهذب ~~الدولة، فضرب ضربا شديدا توفي منه بعد ثلاثة أيام من موت أبيه. وبقي أبو ~~محمد أميرا إلى منتصف شعبان، وتوفي بالذبحة، وكان قد قال قبل موته: رأيت ~~مهذب الدولة في المنام وقد مسك حلقي ليخنقني، ويقول: قتلت ابني أحمد، ~~وقابلت نعمتي عليك بذاك. فمات بعد أيام، فكان ملكه أقل من ثلاثة أشهر. فلما ~~توفي اتفق الجماعة على تأمير أبي عبدالله الحسين بن بكر الشرابي، وكان من ~~خواص مهذب الدولة فصار أمير البطيحة، وبذل للملك سلطان الدولة بذولا، فأقره ~~عليها، وبقي إلى سنة عشر وأربعمائة، فسير إليه سلطان الدولة صدقة بن فارس ~~المازياري، فملك البطيحة، وأسر أبا عبدالله الشرابي، فبقي عنده أسيرا إلى ~~أن توفي صدقة وخلص، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر وفاة علي بن مزيد # ### || AUT وإمارة ابنه دبيس # في هذه السنة، في ذي القعدة، توفي أبو الحسن علي بن مزيد الأسدي، وقام ~~بعده ابنه نور الدولة أبو الأغر دبيس، وكان أبوه قد جعله ولي عهده في ~~حياته، وخلع عليه سلطان الدولة، وأذن في ولايته، فلما توفي والده اختلفت ~~العشيرة على دبيس، فطلب أخوه المقلد بن أبي الحسن علي الإمارة، وسار إلى ~~بغداد، وبذل للأتراك بذولا كثيرة ليعاضدوه، فسار معه منهم جمع كثير، وكبسوا ~~دبيسا بالنعمانية ونهبوا حلته، فانهزم إلى نواحي واسط، وعاد الأتراك إلى ~~بغداد، وقام الأثير الخادم بأمر دبيس، حتى ثبت قدمه، ومضى المقلد أخوه إلى ~~بني عقيل، ونذكر باقي أخباره موضعها إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ضعف أمر الديلم ببغداد، وطمع فيهم العامة، فانحدروا إلى ~~واسط، ms3265 فخرج إليهم عامتها وأتراكها، فقاتلوهم، فدفع الديلم عن أنفسهم، ~~وقتلوا من أتراك واسط وعامتها خالقا كثيرة، وعظم أمر العيارين ببغداد، ~~فأفسدوا ونهبوا الأموال. وفيها توفي الحاجب أبو طاهر سباشي المشطب وكان ~~كثير المعروف؛ وأبو الحسن الهماني، وكان متولي البصرة وغيرها، وهو الذي ~~مدحه مهيار بقوله: أستنجد الصبر فيكم، وهو مغلوب وفيها قدم سلطان الدولة ~~بغداد، وضرب الطبل في أوقات الصلوات الخمس، ولم تجربه عادة إنما كان عضد ~~الدولة يفعل ذلك في أوقات ثلاث صلوات. وفيها هرب ابن سهلان من سلطان الدولة ~~إلى هيت وأقام عند قرواش، وولى سلطان الدولة موضعه أبا القاسم جعفر بن أبي ~~الفرج بن فسانجس، ومولده ببغداد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. وفيها كانت ~~ببغداد فتنة بين أهل الكرخ من الشيعة وبين غيرهم من السنة اشتدت. وفيها ~~استناب القادر بالله المعتزلة والشيعة وغيرهما من أرباب المقالات المخالفة ~~لما يعتقده من مذاهبهم، ونهى من المناظرة في شيء منها، ومن فعل ذلك نكل به وعوقب. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وأربعمائة # PageV04P0174 ### || AUT ذكر ولاية ابن سهلان العراق # في هذه السنة عرض سلطان الدولة على الرخجي ولاية العراق، فقال: ولاية ~~العراق تحتاج إلى من فيه عسف وخرق، وليس غير ابن سهلان، وأنا أخلفه ها هنا. ~~فولاه سلطان الدولة العراق في المحرم، فسار من عند سلطان الدولة، فلما كان ~~ببعض الطريق ترك ثقله، والكتاب، وأصحابه، وسار جريدة في خمسمائة فارس مع ~~طراد بن دبيس الأسدي، يطلب مهارش ومضرا ابني دبيس، وكان مضر قد قبض قديما ~~عليه بأمر فخر الملك، فكان يبغضه لذلك، وأراد أن يأخذ جزيرة بني أسد فيه ~~ويسلمها إلى طراد. فلما علم مضر ومهارش قصده لهما سارا عن المذار، فتبعهما، ~~والحر شديد، فكاد يهلك هو ومن معه عطشا، فكان من لطف الله به أن بني أسد ~~اشتغلوا بجمع أموالهم وإبعادها، وبقي الحسن بن دبيس فقاتل قتالا شديدا، ~~وقتل جماعة من الديلم والأتراك، ثم انهزموا ونهب ابن سهلان أموالهم، وصان ~~حرمهم ونساءهم، فلما نزل في خيمته قال: الآن ولدتني أمي؛ وبذل ms3266 الأمان ~~لمهارش ومضر وأهلهما، وأشرك بينهم وبين طراد في الجزيرة ورحل. وأنكر على ~~سلطان الدولة فعله ذلك، ووصل إلى واسط والفتن بها قائمة، فأصلحها، وقتل ~~جماعة من أهلها. وورد عليه الخبر باشتداد الفتن ببغداد، فسار إليها، فدخلها ~~أواخر شهر ربيع الآخر، فهرب منه العيارون، ونفي جماعة من العباسيين وغيرهم، ~~ونفي أبا عبدالله بن النعمان فقيه الشيعة، وأنزل الديلم أطراف الكرخ وباب ~~البصرة، ولم يكن قبل ذلك، ففعلوا من الفساد ما لم يشاهد مثله. فمن ذلك أن ~~رجلا من المستورين أغلق بابه عليه خوفا منهم، فلما كان أول يوم من شهر ~~رمضان خرج لحاجته، فرآهم على حال عظيم من شرب الخمر والفساد، فأراد الرجوع ~~إلى بيته، فأكرهوه على الدخول معهم إلى دار نزلوها، وألزموه بشرب الخمر ~~فامتنع، فصبوها في فيه قهرا، وقالوا له: قم إلى هذه المرأة فافعل بها، ~~فامتنع فألزموه، فدخل معها إلى بيت في الدار، وأعطاها دراهم، وقال: هذا أول ~~يوم في رمضان، والمعصية فيه تتضاعف، وأحب أن تخبريهم أنني قد فعلت. فقالت: ~~لا كرامة ولا عزازة، أنت تصون دينك عن الزناء وأنا أريد أن أصون أمانتي في ~~هذا الشهر عن الكذب ! فصارت هذه الحكاية سائرة في بغداد. ثم إن أبا محمد بن ~~سهلان أفسد الأتراك والعامة، فانحدر الأتراك إلى واسط، فلقوا بها سلطان ~~الدولة، فشكوا إليه، فسكنهم ووعدهم الإصعاد إلى بغداد وإصلاح الحال. ~~واستحضر سلطان الدولة ابن سهلان، فخافه ومضى إلى بني خفاجة، ثم أصعد إلى ~~الموصل فأقام بها مدة، ثم انحدر إلى الأنبار ومنها إلى البطيحة. فأرسل ~~سلطان الدولة إلى البطيحة رسولا يطلبه من الشرابي، فلم يسلمه، فسير إليها ~~عسكرا، فانهزم الشرابي، وانحدر ابن سهلان إلى البصرة، فاتصل بالملك جلال ~~الدولة، وكان الرخجي قد خرج مع ابن سهلان إلى الموصل، ففارقه بها، وأصلح ~~حاله مع سلطان الدولة وعاد إليه. ### || AUT ذكر غزوة يمين الدولة إلى الهند # في هذه السنة سار يمين الدولة إلى الهند غازيا، واحتشد وجمع، واستعد ~~وأعد أكثر مما تقدم. وسبب هذا الاهتمام أنه لما ms3267 فتح قنوج، وهرب صاحبها منه، ~~ويلقب رآي قنوج، ومعنى رآي هو لقب الملك كقيصر وكسرى، فلما عاد إلى غزنة ~~أرسل بيدا اللعين، وهو أعظم ملوك الهند مملكة، وأكثرهم جيشا، وتسمى مملكته ~~كجوراهة، رسلا إلى رآي قنوج، واسمه راجيال، يوبخه على انهزامه، وإسلام ~~بلاده للمسلمين، وطال الكلام بينهما، وآل أمرهما إلى الاختلاف. وتأهب كل ~~واحد منهما لصاحبه، وسار إليه، فالتقوا واقتتلوا، فقتل راجيال، وأتى القتل ~~على أكثر جنوده، فازداد بيدا بما اتفق له شرا وعتوا، وبعد صيت في الهند، ~~وعلوا، وقصده بعض ملوك الهند الذي ملك يمين الدولة بلاده، وهزمه وأبا ~~أجناده، وصار في جملته وخدمه والتجأ إليه، فوعده بإعادة ملكه إليه، وحفظ ~~ضالته عليه، واعتذر بهجوم الشتاء وتتابع الأنداء. فنمت هذه الأخبار إلى ~~يمين الدولة فأزعجته، وتجهز للغزو، وقصد بيدا، وأخذ ملكه منه، وسار عن ~~غزنة، وابتدأ في طريقه بالأفغانية، وهم كفار يسكنون الجبال، ويفسدون في ~~الأرض، ويقطعون الطريق بين غزنة وبينه، فقصد بلادهم، وسلك مضايقها، وفتح ~~مغالقها، وخرب عامرها، وغنم أموالهم، وأكثر القتل فيهم والأسر، وغنم ~~المسلمون من أموالهم الكثير. PageV04P0175 # ثم استقل على المسير، وبلغ إلى مكان لم يبلغه فيما تقدم من غزواته، وعبر ~~نهر كنك، ولم يعبره قبلها، فلما جازه رأى قفلا قد بلغت عدة أحمالهم ألف ~~عدد، فغنمها، وهي من العود، والأمتعة الفائقة، وجد به السير، فأتاه في ~~الطريق خبر ملك من ملوك الهند يقال له تروجنبال قد سار من بين يديه ملتجئا ~~إلى بيدا ليحتمي به عليه، فطوى المراحل، فلحق تروجنبال ومن معه، رابع عشر ~~شعبان، وبينه وبين الهنود نهر عميق، فعبر إليهم بعض أصحابه وشغلهم بالقتال، ~~ثم عبر هو وباقي العسكر إليهم، فاقتتلوا عامة نهارهم وانهزم تروجنبال ومن ~~معه، وكثر فيه القتل والأسر، وأسلموا أموالهم وأهليهم، فغنمها المسلمون، ~~وأخذوا منهم الكثير من الجواهر وأخذ ما يزيد على مائتي فيل، وسار المسلمون ~~يتصون آثارهم، وانهزم ملكهم جريحا، وتحير في أمره، وأرسل إلى يمين الدولة ~~يطلب الأمان فلم يؤمنه، ولم يقنع منه إلا الإسلام، وقتل من عساكره ms3268 ما لا ~~يحصى. وسار تروجنبال ليلحق ببيدا، فانفرد به بعض الهنود فقتله. فلما رأى ~~ملوك الهند ذلك تابعوا رسلهم إلى يمين الدولة يبذلون له الطاعة والإتاوة. ~~وسار يمين الدولة بعد الوقعة إلى مدينة باري، وهي من أحصن القلاع والبلاد ~~وأقوها، فرآها من سكانها خالية، وعلى عروشها خاوية، فأمر بهدمها وتخريبها ~~وعشر قلاع معها متناهية الحصانة، وقتل من أهلها خلقا كثيرا، وسار يطلب بيدا ~~الملك، فلحقه وقد نزل إلى جانب نهر، وأجرى الماء من بين يديه فصار وحلا، ~~وترك عن يمينه وشماله طريقا يبسا يقاتل منه إذا أراد القتال، وكان عدة من ~~معه ستة وخمسين ألف فارس، ومائة ألف وأربعة وثمانين ألف راجل، وسبع مائة ~~وستة وأربعين فيلا، فأرسل يمين الدولة طائفة من عسكره للقتال، فأخرج إليهم ~~بيدا مثلهم، ولم يزل كل عسكر يمد أصحابه، حتى كثر الجمعان، واشتد الضرب ~~والطعان، فأدركهم الليل وحجز بينهم. فلما كان الغد بكر يمين الدولة إليهم، ~~فرأى الديار منهم بلاقع، وركب كل فرقة منهم طريقا مخالفا لطريق الأخرى. ~~ووجد خزائن الأموال والسلاح بحالها، فغنموا الجميع، واقتفى آثار المنهزمين، ~~فلحقوهم في الغياض والآجام، وأكثروا فيهم القتل والأسر، ونجا بيدا فريدا ~~وحيدا، وعاد يمين الدولة إلى غزنة منصورا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض سلطان الدولة على وزيره ابن فسانجس وإخوته، وولى ~~وزارته ذا السعادتين أبا غالب الحسن بن منصور، ومولده بسيراف سنة اثنتين ~~وخمسين وثلاثمائة. وفيها توفي الغالب بالله ولي عهد أبيه القادر بالله في ~~شهر رمضان؛ وتوفي أيضا أبو أحمد عبدالله بن محمد بن أبي علان، قاضي ~~الأهواز، ومولده سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وله تصانيف حسنة، وكان ~~معتزليا. وفي هذه السنة مات عبد الغني بن سعيد بن بشر بن مروان الحافظ ~~المصري، صاحب المؤتلف والمختلف، ومولده سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. ~~وتوفي رجاء بن عيسى بن محمد أبو العباس الأنصناوي، وأنصنا من قرى مصر، وهو ~~من الفقهاء المالكية وسمع الحديث الكثير. ### | AUT ثم دخلت سنة عشر وأربعمائة # في هذه السنة قبض الملك جلال الدولة ms3269 أبو طاهر بن بهاء الدولة على وزيره ~~أبي سعد عبد الواحد بن علي بن ماكولا، وكان ابن عمه أبو جعفر محمد بن مسعود ~~كاتبا فاضلا، وكان يعرض الديلم لعضد الدولة، ولأبي سعد شعر منه: وإن لقائي ~~للشجاع لهين، ... ولكن حمل الضيم منه شديد إذا كان قلب القرن ينبو عن الوغى ~~... فإن جناني جلمد وحديد وفيها توفي وثاب بن سابق النميري، صاحب حران؛ ~~وأبو الحسن بن أسد الكاتب؛ وأبو بكر محمد بن عبد السلام الهاشمي القاضب ~~بالبصرة؛ وأبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي، الفقيه الحنبلي ~~البغدادي، عم أبي محمد. PageV04P0176 # قال أبو الفضل: سمعت أبا الحسن بن القصاب الصوفي قال: دخلت أنا وجماعة ~~إلى البيمارستان ببغداد، فرأينا شابا مجنونا شديد الهوس، فولعنا به، فرد ~~بفصاحة، وقال: انظروا إلى شعور مطررة. وأجساد معطرة. . . وقد جعلوا اللهو ~~صناعة. واللعب بضاعة. وجانبوا العلم رأسا. فقتل: أتعرف شيئا من العلم ~~فنسألك ؟ قال: نعم إن عندي علما جما، فاسألوني. فقال بعضنا: من الكريم في ~~الحقيقة ؟ قال: من رزق أمثالكم، وأنتم لا تساوون ثومة. فأضحكنا. فقال آخر: ~~من أقل الناس شكرا ؟ فقال: من عوفي من بلية ثم رآها في غيره فترك الاعتبار، ~~فإن الشكر عليها واجب. فأبكانا بعد أن أضحكنا. فقلنا: ما الظرف ؟ قال: خلاف ~~ما أنتم عليه. ثم قال: اللهم إن لم ترد عقلي، فرد يدي لأصفع كل واحد منهم ~~صفعة ! فتركناه وانصرفنا. وفيها مات الأصيفر المنتفقي الذي كان يؤذي الحاج ~~في طريقهم؛ وأبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الحافظ الأصبهاني؛ وعبد الصمد ~~بن بابك أبو القاسم الشاعر، قدم على الصاحب بن عباد فقال: أنت ابن بابك ؟ ~~فقال: أنا ابن باك؛ فاستحسن قوله. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى عشرة وأربعمائة # ### || AUT ذكر قتل الحاكم وولاية ابنه الظاهر # في هذه السنة، ليلة الاثنين لثلاث بقين من شوال، فقد الحاكم بأمر الله ~~أبو علي المنصور بن العزيز بالله نزار بن المعز العلوي، صاحب مصر بها، ولم ~~يعرف له خبر. وكان سبب فقده أنه خرج يطوف ليلة ms3270 على رسمه، وأصبح عند قبر ~~الفقاعي، وتوجه إلى شرقي حلوان ومعه ركابيان، فأعاد أحدهما مع جماعة من ~~العرب إلى بيت المال، وأمر لهم بجائزة، ثم عاد الركابي الآخر، وذكر أنه ~~خلفه عند العين والمقصبة. وبقي الناس على رسمهم يخرجون كل يوم يلتمسون ~~رجوعه إلى سلخ شوال، فلما كان ثالث ذي القعدة خرج مظفر الصقلبي، صاحب ~~المظلة، وغيره من خواص الحاكم، ومعهم القاضي، فبلغوا عسفان، ودخلوا في ~~الجبل، فبصروا بالحمار الذي كان عليه راكبا، وقد ضربت يداه بسيف فأثر ~~فيهما، وعليه سرجه ولجامه، فاتبعوا الأثر، فانتهوا به إلى البركة التي شرقي ~~حلوان، فرأوا ثيابه، وهي سبع قطع صوف، وهي مزررة بحالها لم تحل، وفيها أثر ~~السكاكين، فعادوا ولم يشكوا في قتله. وقيل: كان سبب قتله أن أهل مصر كانوا ~~يكرهونه لما يظهر منه من سوء أفعاله، فكانوا يكتبون إليه الرقاع فيها سبة، ~~وسب أسلافه، والدعاء عليه، حتى إنهم عملوا من قراطيس صورة امرأة وبيدها ~~رقعة، فلما رآها ظن أنها امرأة تشتكي، فأمر بأخذ الرقعة منها، فقرأها، ~~وفيها كل لعن وشتيمة قبيحة، وذكر حرمه بما يكره، فأمر بطلب المرأة، فقيل ~~إنها من قراطيس، فأمر بإحراق مصر ونهبها، ففعلوا ذلكم، وقاتل أهلها أشد ~~قتال، وانضاف إليهم في اليوم الثالث الأتراك والمشارقة، فقويت شوكتهم ~~وأرسلوا إلى الحاكم يسألونه الصفح ويعتذرون، فلم يقبل، فصاروا إلى التهديد، ~~فلما رأى قوتهم أمر بالكف عنهم، وقد أحرق بعض مصر ونهب بعضها، وتتبع ~~المصريون من أخذ نساءهم وأبناءهم، فابتاعوا ذلك بعد أن فضحوهن فازداد غيظهم ~~منه وحنقهم عليه. ثم إنه أوحش أخته، وأرسل إليها مراسلات قبيحة يقول فيها: ~~بلغني أن الرجال يدخلون إليك؛ وتهددها بالقتل، فأرسلت إلى قائد كبير من ~~قواد الحاكم يقال له ابن دواس، وكان أيضا يخاف الحاكم، تقول له: إنني أريد ~~أن ألقاك؛ فحضرت عنده وقالت له: قد جئت إليك في أمر تحفظ فيه نفسك ونفسي، ~~وأنت تعلم ما يعتقده أخي فيك، وأنه متى تمكن منك لا يبقي عليك، وأنا كذلك، ~~وقد انضاف إلى هذا ما ms3271 تظاهر به مما يكرهه المسلمون، ولا يصبرون عليه، وأخاف ~~أن يثوروا به فيهلك هو ونحن معه، وتنقلع هذه، الدولة. فأجابها إلى ما تريد، ~~فقالت: إنه يصعد إلى هذا الجبل غدا، وليس معه غلام إلا الركابي وصبي، ~~وينفرد بنفسه، فتقيم رجلين تثق بهما يقتلانه، ويقتلان الصبي، وتقيم ولده ~~بعده، وتكون أنت مدبر الدولة، وأزيد في إقطاعك مائة ألف دينار. فأقام ~~رجلين، وأعطتهما هي ألف دينار، ومضيا إلى الجبل، وركب الحاكم على عادته، ~~وسار منفردا إليه، فقتلاه، وكان عمره ستا وثلاثين سنة وتسعة أشهر، وولايته ~~خمسا وعشرين سنة وعشرين يوما، وكان جوادا بالمال، سفاكا للدماء، قتل عددا ~~كثيرا من أماثل دولته وغيرهم، فكانت سيرته عجيبة. PageV04P0177 # منها: أنه أمر في صدر خلافته بسبب الصحابة، رضي الله عنهم، وأن تكتب على ~~حيطان الجوامع والأسواق، وكتب إلى سائر عماله بذلك، وكان ذلك سنة خمس ~~وتسعين وثلاثمائة. ثم أمر بعد ذلك بمدة بالكف عن السب، وتأديب من يسبهم، أو ~~يذكرهم بسوء، ثم أمر في سنة تسع وتسعين بترك صلاة التراويح، فاجتمع الناس ~~بالجامع العتيق، وصلى بهم إمام جميع رمضان، فأخذه وقتله، ولم يصل أحد ~~التراويح إلى سنة ثمان وأربعمائة، فرجع عن ذلك، وأمر بإقامتها على العادة. ~~وبنى الجامع براشدة، وأخرج إلى الجوامع والمساجد من الآلأت، والمصاحف، ~~والستور، والحصر ما لم ير الناس مثله، وحل أهل الذمة على الإسلام، أو ~~السمير إلى مأمنهم أو لبس الغيار، فأسلم كثير منهم، ثم كان الرجل منهم، بعد ~~ذلك، يلقاه فيقول له: إنني أريد العود إلى ديني؛ فيأذن له. ومنع النساء من ~~الخروج من بيوتهن، وقتل من خرج منهن، فشكت إليه من لا قيم لها يقوم بأمرها، ~~فأمر الناس أن يحملوا كل ما يباع في الأسواق إلى الدروب ويبيعوه على ~~النساء، وأمر من يبيع أن يكون معه شبه المغرفة بساعد طويل يمده إلى المرأة، ~~وهي من وراء الباب، وفيه ما تشتريه، فإذا رضيت وضعت الثمن في المغرفة وأخذت ~~ما فيها لئلا يراها، فنال الناس من ذلك شدة عظيمة. ولما فقد الحاكم ms3272 ولي ~~الأمر بعده ابنه أبو الحسن علي، ولقب الظاهر لإعزاز دين الله، وأخذت له ~~البيعة، ورد النظر في الأمور جميعها إلى الوزير أبي القاسم علي بن أحمد ~~الجرجرائي. ؟؟؟؟ ### || AUT ذكر ملك مشرف الدولة العراق # في هذه السنة، في ذي الحجة، عظم أمر أبي علي مشرف الدولة بن بهاء ~~الدولة، وخوطب بأمير الأمراء، ثم ملك العراق، وأزال عنه أخاه سلطان الدولة. ~~وكان سببه أن الجند شغبوا على سلطان الدولة، ومنعوه من الحركة، وأراد ترتيب ~~أخيه مشرف الدولة في الملك، فأشير على سلطان الدولة بالقبض عليه، فلم يمكنه ~~ذلك، وأراد سلطان الدولة الانحدار إلى واسط، فقال الجند: إما أن تجعل عندنا ~~ولدك أو أخاك مشرف الدولة. فراسل أخاه بذلك، فامتنع، ثم أجاب بعد معاودة، ~~ثم إنهما اتفقا، واجتمعا ببغداد، واستقر بينهما أنهما لا يستخدمان ابن ~~سهلان، وفارق سلطان الدولة بغداد، وقصد الأهواز واستخلف أخاه مشرف الدولة ~~على العراق. فلما انحدر سلطان الدولة ووصل إلى تستر استوزر ابن سهلان، ~~فاستوحش مشرف الدولة، فأنفذ سلطان الدولة وزيره ابن سهلان ليخرج أخاه مشرف ~~الدولة من العراق، فجمع مشرف الدولة عسكرا كثيرا منهم أتراك واسط، وأبو ~~الأغر دبيس بن علي بن مزيد، ولقي ابن سهلان عند واسط، فانهزم ابن سهلان ~~وتحصن بواسط، وحاصره مشرف الدولة وضيق عليه، فغلت الأسعار حتى بلغ الكر من ~~الطعام ألف دينار قاسانية، وأكل الناس الدواب حتى الكلاب، فلما رأى ابن ~~سهلان إدبار أموره سلم البلد، واستحلف مشرف الدولة وخرج إليه، وخوطب حينئذ ~~مشرف الدولة بشاهنشاه، وكان ذلك في آخر ذي الحجة، ومضت الديلم الذين كانوا ~~بواسط في خدمته، وساروا معه، فحلف لهم وأقطعهم، واتفق هو وأخوه جلال الدولة ~~أبو طاهر. فلما سمع سلطان الدولة ذلك سار عن الأهواز إلى أرجان، وقطعت ~~خطبته من العراق، وخطب لأخيه ببغداد آخر المحرم سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، ~~وقبض على ابن سهلان وكحل. ولما سمع سلطان الدولة بذلك ضعفت نفسه، وسار إلى ~~الأهواز في أربعمائة فارس، فقلت عليهم الميرة، فنهبوا السواد في طريقهم، ~~فاجتمع الأتراك الذين ms3273 بالأهواز، وقاتلوا أصحاب سلطان الدولة، ونادوا بشعار ~~مشرف الدولة، وساروا منها، فقطعوا الطريق على قافلة وأخذوها وانصرفوا. ### || AUT ذكر ولاية الظاهر لإعزاز دين الله # PageV04P0178 # لما قتل الحاكم، على ما ذكرناه، بقي الجند خمسة أيام، ثم اجتمعوا إلى ~~أخته، واسمها ست الملك، وقالوا: قد تأخر مولانا، ولم تجر عادته بذلك. ~~فقالت: قد جاءتني رقعته بأنه يأتي بعد غد. فتفرقوا، وبعثت بالأموال إلى ~~القواد على يد ابن دواس، فلما كان اليوم السابع ألبست أبا الحسن عليا ابن ~~أخيها الحاكم أفخر الملابس، وكان الجند قد حضروا للميعاد، فلم يرعهم إلا ~~وقد أخرج أبو الحسن، وهو صبي، والوزير بين يديه، فصاح: يا عبيد الدولة، ~~مولاتنا تقول لكم: هذا مولاكم أمير المؤمنين فسلموا عليه ! فقبل ابن دواس ~~الأرض، والقواد الذين أرسلت إليهم الأموال، ودعوا له، فتبعهم الباقون ومشوا ~~معه، ولم يزل راكبا إلى الظهر، فنزل، ودعا الناس من الغد فبايعوا له، ولقب ~~الظاهر لإعزاز دين الله، وكتبت الكتب إلى البلاد بمصر والشام بأخذ البيعة ~~له. وجمعت أخت الحاكم الناس، ووعدتهم، وأحسنت إليهم، ورتبت الأمور ترتيبا ~~حسنا، وجعلت الأمر بيد ابن دواس، وقالت له: إننا نريد أن نرد جميع أحوال ~~المملكة إليك، ونزيد في إقطاعك، ونشرفك بالخلع، فاختر يوما يكون ذلك. فقبل ~~الأرض ودعا، وظهر الخبر به بين الناس، ثم أحضرته، وأحضرت القواد معه، ~~وأغلقت أبواب القصر، وأرسلت إليه خادما وقالت له: قل للقواد إن هذا قتل ~~سيدكم، واضربه بالسف؛ ففعل ذلك وقتله، فلم يختلف رجلان، وباشرت الأمور ~~بنفسها، وقامت هيبتها عند الناس، واستقامت الأمور، وعاشت بعد الحاكم أربع ~~سنين وماتت. ### || AUT ذكر الفتنة بين الأتراك والأكراد بهمذان # في هذه السنة زاد شغب الأتراك بهمذان على صاحبهم شمس الدولة بن فخر ~~الدولة، وكان قد تقدم ذلك منهم غير مرة، وهو يحلم عنهم بل يعجز، فقوي ~~طمعهم، فزادوا في التوثب والشغب، وأرادوا إخراج القواد القوهية من عنده، ~~فلم يجبهم إلى ذلك، فعزموا على الإيقاع بهم بغير أمره، فاعتزل الأكراد مع ~~وزيره تاج الملك أبي نصر بن بهرام ms3274 إلى قلعة برجين، فسار الأتراك إليهم ~~فحصروهم، ولم يلتفتوا إلى شمس الدولة، فكتب الوزير إلى أبي جعفر بن كاكويه، ~~صاحب أصبهان، يستنجده، وعين له ليلة يكون قدوم العساكر إليه فيها بغتة، ~~ليخرج هو أيضا تلك الليلة ليكبسوا الأتراك. ففعل أبو جعفر ذلك، وسير ألفي ~~فارس، وضبطوا الطرق لئلا يسبقهم الخبر، وكبسوا الأتراك سحرا على غفلة، ونزل ~~الوزير والقوهية من القلعة، فوضعوا فيهم السيف، فأكثروا القتل، وأخذوا ~~المال، ومن سلم من الأتراك نجا فقيرا. وفعل شمس الدولة بمن عنده في همذان ~~كذلك، وأخرجهم، فمضى ثلاثمائة منهم إلى كرمان، وخدموا أبا الفوارس بن بهاء ~~الدولة صاحبها. ### || AUT ذكر القبض على أبي القاسم المغربي وابن فهد # في هذه السنة قبض معتمد الدولة قرواش بن المقلد على وزيره أبي القاسم ~~المغربي، وعلى أبي القاسم سليمان بن فهد بالموصل، وكان ابن فهد يكتب في ~~حداثته بين يدي الصابي، وخدم المقلد بن المسيب، وأصعد إلى الموصل، واقتنى ~~بها ضياعا، ونظر فيها لقرواش، فظلم أهلها وصادرهم، ثم سخط قرواش عليهما ~~فحبسهما، وطولب سليمان بالمال، فادعى الفقر فقتل. وأما المغربي فإنه خدع ~~قرواشا، ووعده بمال له في الكوفة وبغداد، فأمر بحمله وترك. وفي قرواش وابن ~~فهد يقول الشاعر، وهو ابن الزمكدم: وليل كوجه البرقعيدي ظلمة، ... وبرد ~~أغانيه، وطول قرونه سريت، ونومي فيه نوم مشرد، ... كعقل سليمان بن فهد ~~ودينه على أولق فيه التفات كأنه ... أبو جابر في خطبه وجنونه إلى أن بدا ~~ضوء الصباح كأنه ... سنا وجه قرواش وضوء جبينه وهذه الأبيات قد أجمع أهل ~~البيان على أنها غاية في الجودة لم يقل خير منها في معناها. ### || AUT ذكر الحرب بين قرواش # ### || AUT وغريب بن مقن # في هذه السنة، في ربيع الأول اجتمع غريب بن مقن، ونور الدولة دبيس ابن ~~علي بن مزيد الأسدي، وأتاهم عسكر من بغداد فقاتلوا قرواشا، ومعه رافع بن ~~الحسين، عند كرخ سر من رأى، فانهزم قرواش ومن معه، وأسر في المعركة، ونهبت ~~خزائنه وأثقاله، واستجار رافع بغريب، وفتحوا تكريت عنوة، وعاد عسكر بغداد ms3275 ~~إليها بعد عشرة أيام. PageV04P0179 # ثم إن قرواشا خلص، وقصد سلطان بن الحسين بن ثمال، أمير خفاجة، فسار إليهم ~~جماعة من الأتراك، فعاد قرواش وانهزم ثانيا هو وسلطان، وكانت الوقعة بينهم ~~غربي الفرات. ولما انهزم قرواش مد نواب السلطان أيديهم إلى أعماله، فأرسل ~~يسأل الصفح عنه، ويبذل الطاعة. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها أغارت زناتة بإفريقية على دواب المعز بن باديس، صاحب البلاد، ~~ليأخذوها، فخرج إليهم عامل مدينة قابس فقاتلهم فهزمهم. وفيها، في ربيع ~~الآخر، نشأت سحابة بإفريقية أيضا شديدة البرق والرعد، فأمطرت حجارة كثيرة ~~ما رأى الناس أكبر منها، فهلك كل من أصابه شيء منها. وفيها توفي أبو بكر ~~محمد بن عمر العنبري الشاعر، وديوانه مشهور، ومن قوله: ذنبي إلى الدهر أني ~~لم أمد يدي ... في الراغبين، ولم أطلب ولم أسل وأنني كلما نابت نوائبه ... ~~ألفيتني بالرزايا غير محتفل ### || AUT ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وأربعمائة # ### || AUT ذكر الخطبة لمشرف الدولة ببغداد # ### || AUT وقتل وزيره أبي غالب # في هذه السنة، في المحرم قطعت خطبة سلطان الدولة من العراق، وخطب لمشرف ~~الدولة، فطلب الديلم من مشرف الدولة أن ينحدروا إلى بيوتهم بخوزستان، فأذن ~~لهم، وأمر وزيره أبا غالب بالانحدار معهم، فقال له: إني إن فعلت خاطرت ~~بنفسي، ولكن أبذلها في خدمتك. ثم انحدر في العساكر، فلما وصل إلى الأهواز ~~نادى الديلم بشعار سلطان الدولة، وهجموا على أبي غالب فقتلوه، فسار الأتراك ~~الذين كانوا معه إلى طراد ابن دبيس الأسدي بالجزيرة التي لنبي دبيس، ولم ~~يقدروا أن يدفعوا عنه، فكانت وزارته ثمانية عشر شهرا وثلاثة أيام، وعمره ~~ستين سنة وخمسة أشهر، فأخذ ولده أبو العباس، وصودر على ثلاثين ألف دينار. ~~فلما بلغ سلطان الدولة قتله اطمأن، وقويت نفسه، وكان قد خافه، وأنفذ ابنه ~~أبا كاليجار إلى الأهواز فملكها. ### || AUT ذكر وفاة صدقة صاحب البطيحة # في هذه السنة مرض صدقة صاحب البطيحة، فقصدها أبو الهيجاء محمد بن عمران ~~بن شاهين، في صفر، وكان أبو الهيجاء بعد موت أبيه قد تمزق في البلاد ms3276 تارة ~~بمصر، وتارة عند بدر بن حسنويه، وتارة بينهما، فلما ولي الوزير أبو غالب ~~أنفق عليه لأدب كان فيه، فكاتبه بعض أهل البطيحة ليسلموا إليه، فسار إليهم، ~~فسمع به صدقة قبل موته بيومين، فسير إليه جيشا، فقاتلوه، فانهزم أبو ~~الهيجاء وأخذ أسيرا، فأراد استبقاءه فمنعه سابور ابن المرزبان بن مروان، ~~وقتله بيده. ثم توفي صدقة، بعد قتله، في صفر، فاجتمع أهل البطيحة على ولاية ~~سابور بن المرزبان، فوليهم، وكتب إلى مشرف الدولة يطلب أن يقرر عليه ما كان ~~على صدقة من الحلم، ويستعمل على البطيحة، فأجابه إلى ذلك، وزاد في القرار ~~عليه، واستقر في الأمر. ثم إن أبا نصر شيرزاد بن الحسن بن مروان زاد في ~~المقاطعة، فلم يدخل سابور في الزيادة، فولي أبو نصر البطيحة، وسار إليها، ~~وفارقها سابور إلى الجزيرة بني دبيس، واستقر أبو نصر في الولاية، وأمنت به الطرق. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي علي بن هلال المعروف بابن البواب، الكاتب المشهور، ~~وإليه انتهى الخط، ودفن بجوار أحمد بن حنبل، وكان يقص بجامع بغداد، ورثاه ~~المرتضى، وقيل كان موته سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. وفيها حج الناس من ~~العراق، وكان قد انقطع سنة عشر وسنة إحدى عشرة، فلما كان هذه السنة قصد ~~جماعة من أعيان خراسان السلطان محمود بن سبكتكين وقالوا له: أنت أعظم ملوك ~~الإسلام، وأثرك في الجهاد مشهور، والحج قد انقطع كما ترى، والتشاغل به ~~واجب، وقد كان بدر بن حسنويه، وفي أصحابك كثير أعظم منه، يسير الحاج ~~بتدبيره، وما له عشرون، فاجعل لهذا الأمر حظا من اهتمامك. PageV04P0180 # فتقدم إلى أبي محمد الناصحي قاضي قضاة بلاده بأن يسير بالحاج، وأعطاه ~~ثلاثين ألف دينار يعطيها للعرب سوى النفقة في الصدقات، ونادى في خراسان ~~بالتأهب للحج، فاجتمع خلق عظيم، وساروا، وحج بهم أبو لحسن الأقساسي، فلما ~~بلغوا فيد حصرهم العرب، فبذل لهم الناصحي خمسة آلاف دينار، فلم يقنعوا، ~~وصمموا العزم على أخذ الحاج، وكان مقدمهم رجل يقال له حمار بن عدي، بضم ~~العين، من ms3277 بني نبهان، فركب فرسه، وعليه درعه وسلاحه، وجال جولة يرهب بها، ~~وكان من سمرقند شاب يوصف بجودة الرمي، فرماه بسهم فقتله، وتفرق أصحابه، ~~وسلم الحاج فحجوا، وعادوا سالمين. وفيها قلد أبو جعفر السمناني الحسبة، ~~والمواريث، ببغداد، والموتى. وتوفي هذه السنة أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد ~~بن عبدالله الماليني الصوفي بمصر، في شوال، وهو من المكثرين في الحديث؛ ~~ومحمد بن أحمد بن محمد بن رزق البزاز، المعروف بابن زرقويه، شيخ الخطيب أبي ~~بكر، ومولده سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، وكان فقيها شافعيا؛ وأبو عبد الرحمن ~~محمد بن الحسين السلمي الصوفي، النيسابوري، صاحب طبقات الصوفية؛ وأبو علي ~~الحسن بن علي الدقاق النيسابوري الصوفي، شيخ أبي القاسم القشيري؛ وأبو ~~الفتح بن أبي الفوارس. ### | AUT المجلد السادس # ### || AUT بسم الله الرحمن الرحيم # ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وأربعمائة # ### || AUT ذكر الصلح بين سلطان الدولة ومشرف الدولة # في هذه السنة اصطلح سلطان الدولة وأخوه مشرف الدولة وحلف كل واحد منهما ~~لصاحبه، وكان الصلح بسعي من أبي محمد بن مكرم، ومؤيد الملك الرخجي، وزير ~~مشرف الدولة، على أن يكون العراق جميعه لمشرف الدولة، وفارس وكرمان لسلطان الدولة. ### || AUT ذكر مقتل المعز وزيره وصاحب جيشه # في هذه السنة قتل المعز بن باديس، صاحب إفريقية، وزيره وصاحب جيشه أبا ~~عبد الله محمد بن الحسن. وسبب ذلك أنه أقام سبع سنين لم يحمل إلى المعز من ~~الأموال شيئا بل يجبيها ويرفعها عنده، وطمع طمعا عظيما، لا يصبر على مثله، ~~بكثرة أتباعه، ولأن أخاه عبد الله بطرابلس الغرب مجاور لزناتة، وهم أعداء ~~دولته، فصار المعز لا يكاتب ملكا، ولا يراسله، إلا ويكتب أبو عبد الله معه ~~عن نفسه، فعظم ذلك على المعز وقتله. يحكى عن أبي عبد الله أنه قال: سهرت ~~ليلة أفكر في شيء أحدثه في الناس وأخرجه عليهم من الخدم التي التزمتها، ~~فنمت فرأيت عبد الله بن محمد الكاتب، وكان وزيرا لباديس، والد هذا المعز، ~~وكان عظيم القدر والمحل، وهو يقول لي: اتق الله، أبا عبد ms3278 الله، في الناس ~~كافة، وفي نفسك خاصة، فقد أسهرت عينيك، وأبرمت حافظيك، وقد بدا لي منك ما ~~خفي عليك، وعن قليل ترد على ما وردنا، وتقدم على ما قدمنا. فاكتب عني ما ~~أقول، فإنني لا أقول إلا حقا. فأملى علي هذه الأبيات: وليت، وقد رأيت مصير ~~قوم ... هم كانوا السماء وكنت أرضا سموا درج العلى حتى اطمأنوا ... وهد ~~بهم، فعاد الرفع خفضا وأعظم أسوة لك بي لأني ... ملكت ولم أعش طولا وعرضا ~~فلا تغتر بالدنيا وأقصر ... فإن أوان أمرك قد تقضى قال: فانتبهت مرعوبا، ~~ورسخت الأبيات في حفظي، فلم يبق بعد هذا المنام غير شهرين حتى قتل. ولما ~~وصل خبر قتله إلى أخيه عبد الله بطرابلس بعث إلى زناتة فعاهدهم، وأدخلهم ~~مدينة طرابلس، فقتلوا من كان فيها من صنهاجة وسائر الجيش، وأخذوا المدينة. ~~فلما سمع المعز ذلك أخذ أولاد عبد الله ونفرا من أهلهم فحبسهم، ثم قتلهم ~~بعد أيام، لأن نساء المقتولين بطرابلس استغثن إلى المعز في قتلهم فقتلهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها كان بإفريقية غلاء شديد، ومجاعة عظيمة لم يكن مثلها في تعذر ~~الأقوات، إلا أنه لم يمت فيها أحد بسبب الجوع، ولم يجد الناس كبير مشقة. ~~وفيها، في شهر رمضان، استوزر مشرف الدولة أبا الحسين بن الحسن الرخجي، ولقب ~~مؤيد الملك، وامتدحه مهيار وغيره من الشعراء وبني مارستانا بواسط، وأكثر ~~فيه من الأدوية والأشربة، ورتب له الخزان والأطباء، ووقف عليه الوقوف ~~الكثيرة، وكان يعرض عليه الوزارة فيأباها، فلما قتل أبو غالب ألزمه بها ~~مشرف الدولة فلم يقدر على الامتناع. PageV04P0181 # وفيها توفي أبو الحسن علي بن عيسى السكري شاعر السنة، ومولده ببغداد في ~~صفر سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. وكان قد قرأ الكلام على القاضي أبي بكر بن ~~الباقلاني، وإنما سمي شاعر السنة لأنه أكثر مدح الصحابة، ومناقضات شعراء ~~الشيعة. وفيها توفي أبو علي عمر بن محمد بن عمر العلوي، وأخذ السلطان ماله ~~جميعه. وفيها توفي أبو عبد الله بن المعلم، فقيه الإمامية، ورثاه المرتضى. ### | AUT ثم دخلت سنة ms3279 أربع عشرة وأربعمائة # ### || AUT ذكر استيلاء علاء الدولة على همذان # في هذه السنة استولى أبو جعفر بن كاكويه على همذان وملكها وكذلك غيرها ~~مما يقاربها. وسبب ذلك أن فرهاذ بن مرداويج الديلمي، مقطع بروجرد، قصده ~~سماء الدولة أبو الحسن بن شمس الدولة بن بويه، صاحب همذان، وحصره فالتجأ ~~فرهاذ إلى علاء الدولة، فحماه ومنع عنه، وسارا جميعا إلى همذان فحصراها ~~وقطعا الميرة عنها، فخرج إليهما من بها من العسكر، فاقتتلوا فرحل علاء ~~الدولة إلى جرباذقان، فهلك من عسكره ثلاثمائة رجل من شدة البرد. فسار إليه ~~تاج الملك القوهي، مقدم عسكر همذان، فحصره بها، فصانع علاء الدولة الأكراد ~~الذين مع تاج الملك، فرحلوا عنه، فخلص من الحصار، وشرع بالتجهز ليعاود حصار ~~همذان، فأكثر من الجموع، وسار إليها، فلقيه سماء الدولة في عساكره ومعه تاج ~~الملك، فاقتتلوا، فانهزم عسكر همذان، ومضى تاج الملك إلى قلعة فاحتمى بها، ~~وتقدم علاء الدولة إلى سماء الدولة، فترجل له وخدمه، وأخذه وأنزله في ~~خيمته، وحمل إليه المال وما يحتاج إليه، وسار وهو معه إلى القلعة التي بها ~~تاج الملك، فحصره وقطع الماء عن القلعة، فطلب تاج الملك الأمان فأمنه، فنزل ~~إليه، ودخل معه همذان. ولما ملك علاء الدولة همذان سار إلى الدينور فملكها، ~~ثم إلى سابور خواست فملكها أيضا، وجمع تلك الأعمال، وقبض على أمراء الديلم ~~الذين بهمذان، وسجنهم بقلعة عند أصبهان، وأخذ أموالهم وأقطاعهم، وأبعد كل ~~من فيه شر من الديلم، وترك عنده من يعلم أنه لا شر فيه، وأكثر القتل، فقامت ~~هيبته، وخافه الناس، وضبط المملكة. وقصد حسام الدولة أبا الشوك، فأرسل إليه ~~مشرف الدولة يشفع فيه، فعاد عنه. ### || AUT ذكر وزارة أبي القاسم المغربي لمشرف الدولة # في هذه السنة قبض مشرف الدولة على وزيره مؤيد الملك الرخجي في شهر ~~رمضان، وكانت وزارته سنتين وثلاثة أيام. وكان سبب عزله أن الأثير الخادم ~~تغير عليه لأنه صادر ابن شعيا اليهودي على مائة ألف دينار، وكان متعلقا على ~~الأثير، فسعى وعزله، واستوزر بعده أبا القاسم الحسين ms3280 بن علي بن الحسين ~~المغربي ومولده بمصر سنة سبعين وثلاثمائة، وكان أبوه من أصحاب سيف الدولة ~~بن حمدان، فسار إلى مصر، فتولى بها، فقتله الحاكم، فهرب ولده أبو القاسم ~~إلى الشام، وقصد حسان بن المفرج بن الجراح الطائي، وحمله على مخالفة الحاكم ~~والخروج عن طاعته، ففعل ذلك، وحسن له أن يبايع أبا الفتوح الحسن بن جعفر ~~العلوي، أمير مكة، فأجابه إليه، واستقدمه إلى الرملة، وخوطب بأمير ~~المؤمنين. فأنفذ الحاكم إلى حسان مالا جليلا، وأفسد معه حال أبي الفتوح، ~~فأعاده حسان إلى وادي القرى، وسار أبو الفتوح منه إلى مكة. ثم قصد أبو ~~القاسم العراق، واتصل بفخر الملك، فاتهمه القادر بالله لأنه من مصر، فأبعده ~~فخر الملك، فقصد قرواشا بالموصل، فكتب له، ثم عاد عنه، وتنقلت به الحال إلى ~~أن وزر بعد مؤيد الملك الرخجي. وكان خبيثا، محتالا، حسودا، إذا دخل عليه ذو ~~فضيلة سأله عن غيرها ليظهر للناس جهله. وفيها، في المحرم، قدم مشرف الدولة ~~إلى بغداد، ولقيه القادر بالله في الطيار، وعليه السواد، ولم يلق قبله أحدا ~~من ملوك بني بويه. وفيها قتل أبو محمد بن سهلان، قتله نبكير بن عياض عند إيذج. ### || AUT ذكر الفتنة بمكة # PageV04P0182 # في هذه السنة كان يوم النفر الأول يوم الجمعة، فقام رجل من مصر، بإحدى ~~يديه سيف مسلول، وفي الأخرى دبوس، بعدما فرغ الإمام من الصلاة، فقصد ذلك ~~الرجل الحجر الأسود كأنه يستلمه، فضرب الحجر ثلاث ضربات بالدبوس، وقال: إلى ~~متى يعبد الحجر الأسود ومحمد وعلي؟ فليمنعني مانع من هذا، فإني أريد أن ~~أهدم البيت. فخاف أكثر الحاضرين وتراجعوا عنه، وكاد يفلت، فثار به رجل ~~فضربه بخنجر فقتله، وقطعه الناس وأحرقوه، وقتل ممن اتهم بمصاحبته جماعة ~~وأحرقوا، وثارت الفتنة، وكان الظاهر من القتلى أكثر من عشرين رجلا غير من ~~اختفى منهم. وألح الناس، ذلك اليوم، على المغاربة والمصريين بالنهب والسلب، ~~وعلى غيرهم في طريق منى إلى البلد. فلما كان الغد ماج الناس واضطربوا، ~~وأخذوا أربعة من أصحاب ذلك الرجل، فقالوا: نحن مائة رجل، ms3281 فضربت أعناق هؤلاء ~~الأربعة، وتقشر بعض وجه الحجر من الضربات، فأخذ ذلك الفتات وعجن بلك وأعيد إلى موضعه. ### || AUT ذكر فتح قلعة من الهند # في هذه السنة أوغل يمين الدولة محمود بن سبكتكين في بلاد الهند، فغنم ~~وقتل، حتى وصل إلى قلعة على رأس جبل منيع، ليس له مصعد إلا من موضع واحد، ~~وهي كبيرة تسع خلقا، وبها خمسمائة فيل، وفي رأس الجبل من الغلات، والمياه، ~~وجميع ما يحتاج الناس إليه، فحصرهم يمين الدولة، وأدام الحصار، وضيق عليهم، ~~واستمر القتال، فقتل منهم كثير. فلما رأوا ما حل بهم أذعنوا له، وطلبوا ~~الأمان، فأمنهم وأقر ملكهم فيها على خراج يأخذه منه، وأهدى له هدايا كثيرة، ~~منها طائر على هيئة القمري من خاصيته إذا أحضر الطعام وفيه سم دمعت عينا ~~هذا الطائر وجرى منهما ماء وتحجر، فإذا حك وجعل على الجراحات الواسعة ألحمها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها توفي القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي الرازي، صاحب التصانيف ~~المشهورة في الكلام وغيره، وكان موته بمدينة الري، وقد جاوز تسعين سنة، ~~وأبو عبد الله الكشفلي، الفقيه الشافعي، وأبو جعفر محمد بن أحمد الفقيه ~~الحنفي النسفي، وكان زاهدا مصنفا، وهلال بن محمد بن جعفر أبو الفتح الحفار، ~~ومولده سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وكان عالما بالحديث، عالي الإسناد. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس عشرة وأربعمائة # ### || AUT ذكر الخلف بين مشرف الدولة والأتراك # ### || AUT وعزل الوزير المغربي # في هذه السنة تأكدت الوحشة بين الأثير عنبر الخادم، ومعه الوزير ابن ~~المغربي، وبين الأتراك، فاستأذن الأثير والوزير ابن المغربي الملك مشرف ~~الدولة في الانتزاح إلى بلد يأمنان فيه على أنفسهما، فقال: أنا أسير معكما. ~~فساروا جميعا ومعهم جماعة من مقدمي الديلم إلى السندية، وبها قرواش، ~~فأنزلهم، ثم ساروا كلهم إلى أوانا. فلما علم الأتراك ذلك عظم عليهم، ~~وانزعجوا منه، وأرسلوا المرتضى وأبا الحسن الزينبي وجماعة من قواد الأتراك ~~يعتذرون، ويقولون: نحن العبيد، فكتب إليهم أبو القاسم المغربي: إنني تأملت ~~ما لكم من الجامكيات، فإذا هي ستمائة ألف دينار، ms3282 وعملت دخل بغداد، فإذا هو ~~أربعمائة ألف دينار، فإن أسقطتم مائة ألف دينار تحملت بالباقي، فقالوا: نحن ~~نسقطها، فاستشعر منهم أبو القاسم المغربي، فهرب إلى قرواش، فكانت وزارته ~~عشرة أشهر وخمسة أيام، فلما أبعد خرج الأتراك فسألوا الملك والأثير ~~الانحدار معهم، فأجابهم إلى ذلك وانحدروا جميعهم. ### || AUT ذكر الفتنة بالكوفة ووزارة أبي القاسم المغربي لابن مروان # في هذه السنة وقعت فتنة بالكوفة بين العلويين والعباسيين. وسببها أن ~~المختار أبا علي بن عبيد الله العلوي وقعت بينه وبين الزكي أبي علي ~~النهرسابسي، وبين أبي الحسن علي بن أبي طالب بن عمر مباينة، فاعتضد المختار ~~بالعباسيين، فساروا إلى بغداد، وشكوا ما يفعل بهم النهرسابسي، فتقدم ~~الخليفة القادر بالله بالإصلاح بينهم مراعاة لأبي القاسم الوزير المغربي ~~لأن النهرسابسي كان صديقه، وابن أبي طالب كان صهره، فعادوا، واستعان كل ~~فريق بخفاجة، فأعان كل فريق من الكوفيين طائفة من خفاجة، فجرى بينهم قتال، ~~فظهر العلويون، وقتل من العباسيين ستة نفر، وأحرقت دورهم ونهبت، فعادوا إلى ~~بغداد، ومنعوا من الخطبة يوم الجمعة، وثاروا، وقتلوا ابن أبي العباس العلوي ~~وقالوا: إن أخاه كان في جملة الفتكة بالكوفة. PageV04P0183 # فبرز أمر الخليفة إلى المرتضى يأمره بصرف ابن أبي طالب عن نقابة الكوفة، ~~وردها إلى المختار، فأنكر الوزير المغربي ما يجري على صهره ابن أبي طالب من ~~العزل، وكان عند قرواش بسر من رأى، فاعترض أرحاء كانت للخليفة بدرزيجان، ~~فأرسل الخليفة القاضي أبا جعفر السمناني في رسالة إلى قرواش يأمره بإبعاد ~~المغربي عنه، ففعل، فسار المغربي إلى ابن مروان بديار بكر، وغضب الخليفة ~~على النهرسابسي، وبقي تحت السخط إلى سنة ثماني عشرة وأربعمائة، فشفع فيه ~~الأتراك وغيرهم، فرضي عنه، وحلفه على الطاعة، فحلف. ### || AUT ذكر وفاة سلطان الدولة وملك ولده أبي كاليجار وقتل ابن مكرم # في هذه السنة، في شوال، توفي الملك سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء ~~الدولة أبي نصر بن عضد الدولة بشيراز، وكان عمره اثنتين وعشرين سنة وخمسة ~~أشهر. وكان ابنه أبو كاليجار بالأهواز، فطلبه الأوحد أبو ms3283 محمد بن مكرم ~~ليملك بعد أبيه، وكان هواه معه، وكان الأتراك يريدون عمه أبة الفوارس ابن ~~بهاء الدولة، صاحب كرمان، فكاتبوه يطلبونه إليهم أيضا، فتأخر أبو كاليجار ~~عنها، فسبقه عمه أبو الفوارس إليها فملكها. وكان أبو المكارم بن أبي محمد ~~بن مكرم قد أشار على أبيه، لما رأى الاختلاف، أن يسير إلى مكان يأمن فيه ~~على نفسه، فلم يقبل قوله، فسار وتركه وقصد البصرة، فندم أبوه حيث لم يكن ~~معه، فقال له العادل أبو منصور ابن مافنة: المصلحة أن تقصد سيراف، وتكون ~~مالك أمرك، وابنك أبو القاسم بعمان، فتحتاج الملوك إليك. فركب سفينة لمضي ~~إليها، فأصابه برد، فبطل عن الحركة، وأرسل العادل بن مافنة إلى كرمان ~~لإحضار أبي الفوارس، فسار إليه العادل وأبلغه رسالة ابن مكرم باستدعائه، ~~فسار مجدا ومعه العادل، فوصلوا إلى فارس، وخرج ابن مكرم يلتقي أبا الفوارس ~~ومعه الناس، فطالبه الأجناد بحق البيعة، فأحالهم على ابن مكرم، فتضجر ابن ~~مكرم، فقال له العادل: الرأي أن تبذل مالك وأموالنا حتى تمشي الأمور، ~~فانتهره فسكت، وتلوم ابن مكرم بإيصال المال إلى الأجناد، فشكوه إلى أبي ~~الفوارس، فقبض عليه وعلى العادل بن مافنة، ثم قتل ابن مكرم واستبقى ابن ~~مافنة. فلما سمع ابنه أبو القاسم بقتله صار مع الملك أبي كاليجار وأطاعه، ~~وتجهز أبو كاليجار، وأقام بأمره أبو مزاحم صندل الخادم، وكان مربيه، وساروا ~~بالعساكر إلى فارس، فسير عمه أبو الفوارس عسكرا مع وزيره أبي منصور الحسن ~~بن علي الفسوي لقتاله، فوصل أبو كاليجار والوزير متهاون به لكثرة عسكره، ~~فأتوه وهو نائم، وقد تفرق عسكره في البلد يبتاعون ما يحتاجون إليه، وكان ~~جاهلا بالحرب، فلما شاهدوا أعلام أبي كاليجار شرع الوزير يرتب العسكر، وقد ~~داخلهم الرعب، فحمل عليهم أبو كاليجار وهم على اضطراب، فانهزموا، وغنم أبو ~~كاليجار وعسكره أموالهم، ودوابهم، وكل مالهم، فلما انتهى خبر الهزيمة إلى ~~عمه أبي الفوارس سار إلى كرمان، وملك أبو كاليجار بلاد فارس ودخل شيراز. ### || AUT ذكر عود أبي الفوارس إلى فارس # ### || AUT وإخراجه عنها ms3284 # ولما ملك أبو كاليجار بلاد فارس ودخل شيراز جرى على الديلم الشيرازية من ~~عسكره ما أخرجهم عن طاعته، وتمنوا معه أنهم كانوا قتلوا مع عمه. وكان جماعة ~~من الديلم بمدينة فسا في طاعة أبي الفوارس، وهم يريدون أن يصلحوا حالهم مع ~~أبي كاليجار ويصيروا معه، فأرسل إليهم الديلم الذين بشيراز يعرفونهم ما ~~يلقون من الأذى، ويأمرونهم بالتمسك بطاعة أبي الفوارس، ففعلوا ذلك. ثم إن ~~عسكر أبي كاليجار طالبوه بالمال، وشغبوا عليه، فأظهر الديلم الشيرازية ما ~~في نفوسهم من الحقد، فعجز عن المقام معهم، فسار عن شيراز إلى النوبنذجان، ~~ولقي شدة في طريقه، ثم انتقل عنها لشدة حرها، ووخامة هوائها، ومرض أصحابه، ~~فأتى شعب بوان فأقام به. فلما سار عن شيراز أرسل الديلم الشيرازية إلى عمه ~~أبي الفوارس يحثونه على المجيء إليهم، ويعرفونه بعد أبي كاليجار عنه، فسار ~~إليهم، فسلموا إليه شيراز، وقصد إلى أبي كاليجار بشعب بوان ليحاربه ويخرجه ~~عن البلاد، فاختار العسكران الصلح، فسفروا فيه، فاستقر لأبي الفوارس كرمان ~~وفارس، ولأبي كاليجار خوزستان، وعاد أبو الفوارس إلى شيراز، وسار أبو ~~كاليجار إلى أرجان. PageV04P0184 # ثم إن وزير أبي الفوارس خبط الناس، وأفسد قلوبهم، وصادرهم، وجاز به، مال ~~لأبي كاليجار، والديلم الذين معه، فأخذه، فحينئذ حث العادل ابن مافنة صندلا ~~الخادم على العود إلى شيراز، وكان قد فارق بها نعمة عظيمة، وصار مع أبي ~~كاليجار، وكان الديلم يطيعونه، فعادت الحال إلى أشد مما كانت عليه، فسار كل ~~واحد من أبي كاليجار وعمه أبي الفوارس إلى صاحبه، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم ~~أبو الفوارس إلى داربجرد وملك أبو كاليجار فارس، وعاد أبو الفوارس فجمع ~~الأكراد فأكثر، فاجتمع معه منهم عشرة آلاف مقاتل، فالتقوا بين البيضاء ~~وإصطخر فاقتتلوا أشد من القتال الأول، فعاود أبو الفوارس الهزيمة، فسار إلى ~~كرمان، واستقر ملك أبي كاليجار بفارس سنة سبع عشرة وأربعمائة، وكان أهل ~~شيراز يكرهونه. ### || AUT ذكر خروج زناتة والظفر بهم # في هذه السنة خرج بإفريقية جمع كثير من زناتة، فقطعوا الطريق، وأفسدوا ~~بقسطيلية ونفزاوة، وأغاروا وغنموا، واشتدت ms3285 شوكتهم، وكثر جمعهم. فسير إليهم ~~المعز بن باديس جيشا جريدة، وأمرهم أن يجدوا السير ويسبقوا أخبارهم، ففعلوا ~~ذلك، وكتموا خبرهم، وطووا المراحل حتى أدركوهم وهم آمنون من الطلب، فوضعوا ~~فيهم السيف، فقتل منهم خلق كثير، وعلق خمسمائة رأس في أعناق الخيول وسيرت ~~إلى المعز، وكان يوم دخولها يوما مشهودا. ### || AUT ذكر عودة الحاج على الشام وما كان من الظاهر إليهم # في هذه السنة عاد الحجاج من مكة إلى العراق على الشام لصعوبة الطريق ~~المعتاد، فلما وصلوا إلى مكة بذل لهم الظاهر العلوي، صاحب مصر، أموالا ~~جليلة وخلعا نفيسة، وتكلف شيئا كثيرا، وأعطى لكل رجل في الصحبة جملة من ~~المال ليظهر لأهل خراسان ذلك. وكان على تسيير الحجاج الشريف أبو الحسن ~~الأقساسي، وعلى حجاج خراسان حسنك نائب يمين الدولة بن سبكتبكين، فعظم ما ~~جرى على الخليفة القادر بالله، وعبر حسنك دجلة عند أوانا، وسار إلى خراسان، ~~وتهدد القادر بالله ابن الأقساسي، فمرض فمات، ورثاه المرتضي وغيره وأرسل ~~إلى يمين الدولة في المعنى، فسير يمين الدولة الخلع التي خلعت على صاحبه ~~حسنك إلى بغداد فأحرقت. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة تزوج السلطان مشرف الدولة بابنة علاء الدولة بن كاكويه، ~~وكان الصداق خمسين ألف دينار، وتولى العقد المرتضى. وفيها قلد القاضي أبو ~~جعفر السمناني قضاء الرصافة وباب الطاق. وفيها توفي أبو الحسن علي بن محمد ~~السمسمي الأديب، وابن الدقاق النحوي، وأبو الحسين بن بشران المحدث، وعمره ~~سبع وثمانون سنة، والقاضي أبو محمد بن أبي حامد المروروذي قاضي البصرة بها، ~~وأبو الفرج أحمد بن عمر المعروف بابن المسلمة، الشاهد، وهو جد رئيس ~~الرؤساء، وأحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم أبو الحسن المحاملي، الفقيه ~~الشافعي، تفقه على أبي حامد، وصنف المصنفات المشهورة، وعبيد الله بن عمر بن ~~علي بن محمد بن الأشرس أبو القاسم المقريء، الفقيه الشافعي. ### | AUT ثم دخلت سنة ست عشرة وأربعمائة # ### || AUT ذكر فتح سومنات # في هذه السنة فتح يمين الدولة في بلاد الهند عدة حصون ومدن، وأخذ الصنم ms3286 ~~المعروف بسومنات، وهذا الصنم كان أعظم أصنام الهند، وهم يحجون إليه كل ليلة ~~خسوف، فيجتمع عنده ما ينيف على مائة ألف إنسان، وتزعم الهنود أن الأرواح ~~إذا فارقت الأجساد اجتمعت إليه على مذهب التناسخ، فينشئها فيمن شاء، وأن ~~المد والجزر الذي عنده إنما هو عبادة البحر على قدر استطاعته. وكانوا ~~يحملون إليه كل علق نفيس، ويعطون سدنته كل مال جزيل، وله من الموقوف ما ~~يزيد على عشرة آلاف قرية، وقد اجتمع في البيت الذي هو فيه من نفيس الجوهر ~~ما لا تحصى قيمته.. ولأهل الهند نهر كبير يسمى كنك يعظمونه غاية التعظيم، ~~ويلقون فيه عظام من يموت من كبرائهم، ويعتقدون أنها تساق إلى جنة النعيم. ~~وبين هذا النهر وبين سومنات نحو مائتي فرسخ، وكان يحمل من مائة كل يوم إلى ~~سومنات ما يغسل به، ويكون عنده من البرهميين كل يوم ألف رجل لعبادته وتقديم ~~الوفود إليه، وثلاثمائة رجل يحلقون رؤوس زواره ولحاهم، وثلاثمائة رجل ~~وخمسمائة أمة يغنون ويرقصون على باب الصنم، ولكل واحد من هؤلاء شيء معلوم ~~كل يوم. PageV04P0185 # وكان يمين الدولة كلما فتح من الهند فتحا، وكسر صنما يقول الهنود: إن هذه ~~الأصنام قد سخط عليها سومنات، ولو أنه راض عنها لأهلك من تقصدها بسوء، فلما ~~بلغ ذلك يمين الدولة عزم على غزوه وإهلاكه، ظنا منه أن الهنود إذا فقدوه، ~~ورأوا كذب ادعائهم الباطل، دخلوا في الإسلام، فاستخار الله تعالى وسار عن ~~غزنة عاشر شعبان من هذه السنة، في ثلاثين ألف فارس من عساكره سوى المتطوعة، ~~وسلك سبيل الملتان، فوصلها منتصف شهر رمضان. وفي طريقه إلى الهند برية قفر، ~~لا ساكن فيها، ولا ماء، ولا ميرة، فتجهز هو وعسكره على قدرها، ثم زاد بعد ~~الحاجة عشرين ألف جمل تحمل الماء والميرة، وقصد أنهلوارة، فلما قطع المفازة ~~رأى في طرفها حصونا مشحونة بالرجال، وعندها آبار قد غوروها ليتعذر عليه ~~حصرها، فيسر الله تعالى فتحها عند قربه منها بالرعب الذي قذفه في قلوبهم، ~~وتسلمها، وقتل سكانها وأهلك أوثانها، وامتاروا منها الماء ms3287 وما يحتاجون ~~إليه. وسار إلى أنهلوارة فوصلها مستهل ذي القعدة، فرأى صاحبها المدعو بهيم ~~قد أجفل عنها وتركها وأمعن في الهرب وقصد حصنا له يحتمي به فاستولى يمين ~~الدولة على المدينة، وسار إلى سومنات، فلقي في طريقه عدة حصون فيها كثير من ~~الأوثان شبه الحجاب والنقباء لسومنات، على ما سول لهم الشيطان، فقاتل من ~~بها، وفتحها وخربها، وكسر أصنامها، وسار إلى سومنات في مفازة قفرة قليلة ~~الماء، فلقي فيها عشرين ألف مقاتل من سكانها لم يدينوا للملك، فأرسل إليهم ~~السرايا، فقاتلوهم، فهزموهم وغنموا مالهم، وامتاروا من عندهم، وساروا حتى ~~بلغوا دبولوارة، وهي على مرحلتين من سومنات، وقد ثبت أهلها له ظنا منهم أن ~~سومنات يمنعهم ويدفع عنهم، فاستولى عليها، وقتل رجالها، وغنم أموالها، وسار ~~عنها إلى سومنات، فوصلها يوم الخميس منتصف ذي القعدة، فرأى حصنا حصينا ~~مبنيا على ساحل البحر بحيث تبلغه أمواجه، وأهله على الأسوار يتفرجون على ~~المسلمين، واثقين أن معبودهم يقطع دابرهم ويهلكهم. فلما كان من الغد، وهو ~~يوم الجمعة، زحف وقاتل من به، فرأى الهنود من المسلمين قتالا لم يعهدوا ~~مثله، ففارقوا السور، فنصب المسلمون عليه السلاليم، وصعدوا إليه، وأعلنوا ~~بكلمة الإخلاص، وأظهروا شعار الإسلام، فحينئذ اشتد القتال، وعظم الخطب ~~وتقدم جماعة الهنود إلى سومنات، فعفروا له خدودهم، وسألوه النصر، وأدركهم ~~الليل فكف بعضهم عن بعض. فلما كان الغد بكر المسلمون إليهم وقاتلوهم، ~~فأكثروا في الهنود القتل، وأجلوهم عن المدينة إلى بيت صنمهم سومنات، ~~فقاتلوا على بابه أشد قتال، وكان الفريق منهم بعد الفريق يدخلون إلى سومنات ~~فيعتنقونه ويبكون، ويتضرعون إليه، ويخرجون فيقاتلون إلى أن يقتلوا، حتى كاد ~~الفناء يستوعبهم، فبقي منهم القليل، فدخلوا البحر إلى مركبين لهم لينجو ~~فيهما، فأدركهم المسلمون فقتلوا بعضا وغرق بعض. وأما البيت الذي فيه سومنات ~~فهو مبني على ست وخمسين سارية من الساج المصفح بالرصاص، وسومنات من حجر ~~طوله خمسة أذرع: ثلاثة مدورة ظاهرة، وذراعان في البناء، وليس بصورة مصورة، ~~فأخذه يمين الدولة فكسره، وأحرق بعضه، وأخذ بعضه معه إلى غزنة، ms3288 فجعله عتبة ~~الجامع. وكان بيت الصنم مظلما، وإنما الضوء الذي عنده من قناديل الجوهر ~~الفائق، وكان عنده سلسلة ذهب فيها جرس، وزنها مائتا من، كلما مضى طائفة ~~معلومة من الليل حركت السلسلة فيصوت الجرس فيقوم طائفة من البرهميين إلى ~~عبادتهم، وعنده خزانة فيها عدة من الأصنام الذهبية والفضية، وعليها الستور ~~المعلقة المرصعة بالجوهر، كل واحد منها منسوب إلى عظيم من عظمائهم، وقيمة ~~ما في البيوت تزيد على عشرين ألف ألف دينار، فأخذ الجميع، وكانت عدة القتلى ~~تزيد على خمسين ألف قتيل. PageV04P0186 # ثم إن يمين الدولة ورد عليه الخبر أن بهيم صاحب أنهلوارة قد قصد قلعة ~~تسمى كندهة في البحر، بينها وبين البر من جهة سومنات أربعون فرسخا، فسار ~~إليها يمين الدولة من سومنات، فلما حاذى القلعة رأى رجلين من الصيادين، ~~فسألهما عن خوض البحر هناك، فعرفاه أنه يمكن خوضه لكن إن تحرك الهواء يسيرا ~~غرق من فيه. فاستخار الله تعالى، وخاضه هو ومن معه، فخرجوا سالمين، فرأوا ~~بهيم وقد فارق قلعته وأخلاها فعاد عنها، وقصد المنصورة، وكان صاحبها قد ~~ارتد عن الإسلام، فلما بلغه خبر مجيء يمين الدولة فارقها واحتمى بغياض ~~أشبة، فقصده يمين الدولة من موضعين، فأحاط به وبمن معه، فقتل أكثرهم، وغرق ~~منهم كثير، ولم ينج منهم إلا القليل. ثم سار إلى بهاطية، فأطاعه أهلها، ~~ودانوا له، فرحل إلى غزنة، فوصلها عاشر صفر من سنة سبع عشرة وأربعمائة. ### || AUT ذكر وفاة مشرف الدولة # ### || AUT وملك أخيه جلال الدولة # في هذه السنة، في ربيع الأول، توفي الملك مشرف الدولة أبو علي بن بهاء ~~الدولة بمرض حاد، وعمره ثلاث وعشرون سنة وثلاثة أشهر، وملكه خمس سنين وخمسة ~~وعشرون يوما، وكان كثير الخير، قليل الشر، عادلا، حسن السيرة، وكانت والدته ~~في الحياة، وتوفيت سنة خمس وعشرين. ولما توفي مشرف الدولة خطب ببغداد، بعد ~~موته، لأخيه أبي طاهر جلال الدولة، وهو بالبصرة، وطلب إلى بغداد، فلم يصل ~~إليها، وإنما بلغ إلى واسط وأقام بها، ثم عاد إلى البصرة، فقطعت خطبته، ~~وخطب لابن ms3289 أخيه الملك أبي كاليجار بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة في شوال، ~~وهو حينئذ صاحب خوزستان، والحرب بينه وبين عمه أبي الفوارس، صاحب كرمان، ~~بفارس، فلما سمع جلال الدولة بذلك أصعد إلى بغداد، فانحدر عسكرها ليردوه ~~عنها، فلقوه بالسيب من أعمال النهروان، فردوه فلم يرجع، فرموه بالنشاب، ~~ونهبوا بعض خزائنه، فعاد إلى البصرة، وأرسلوا إلى الملك أبي كاليجار ليصعد ~~إلى بغداد ليملكوه، فوعدهم الإصعاد، ولم يمكنه لأجل صاحب كرمان، ولما أصعد ~~جلال الدولة كان وزيره أبا سعد بن ماكولا. ### || AUT ذكر ملك نصر الدولة بن مروان مدينة الرها # وفي هذه السنة ملك نصر الدولة بن مروان، صاحب ديار بكر، مدينة الرها. ~~وكان سبب ملكها أن الرها كانت لرجل من بني نمير يسمى عطيرا، وفيه شر وجهل، ~~واستخلف عليها نائبا له اسمه أحمد بن محمد، فأحسن السيرة، وعدل في الرعية، ~~فمالوا إليه. وكان عطير يقيم بحلته، ويدخل البلد في الأوقات المتفرقة، فرأى ~~أن نائبه يحكم في البلد، ويأمر وينهى، فحسده، فقال له يوما: قد أكلت مالي، ~~واستوليت على بلدي، وصرت الأمير وأنا النائب، فاعتذر إليه، فلم يقبل عذره ~~وقتله. فأنكرت الرعية قتله، وغضبوا على عطير، وكاتبوا نصر الدولة ابن مروان ~~ليسلموا إليه البلد، فسير إليهم نائبا كان له بآمد يسمى زنك، فتسلمها وأقام ~~بها ومعه جماعة من الأجناد، ومضى عطير إلى صالح بن مرداس، وسأله الشفاعة له ~~إلى نصر الدولة، فشفع فيه، فأعطاه نصف البلد، ودخل عطير إلى نصر الدولة ~~بميافارقين، فأشار أصحاب نصر الدولة بقبضه، فلم يفعل وقال: لا أغدر به وإن ~~كان أفسد، وأرجو أن أكف شره بالوفاء. وتسلم عطير نصف البلد ظاهرا وباطنا، ~~وأقام فيه مع نائب نصر الدولة. ثم إن نائب نصر الدولة عمل طعاما ودعاه، ~~فأكل وشرب، واستدعى ولدا كان لأحمد الذي قتله عطير، وقال: أتريد أن تأخذ ~~بثأر أبيك؟ قال: نعم! قال: هذا عطير عندي في نفر يسير، فإذا خرج فتعلق به ~~في السوق وقل له: يا ظالم قتلت أبي، فإنه سيجرد سيفه عليك، فإذا ms3290 فعل ~~فاستنفر الناس عليه واقتله وأنا من ورائك. ففعل ما أمره، وقتل عطيرا ومعه ~~ثلاثة نفر من العرب. فاجتمع بنو نمير وقالوا: هذا فعل زنك، ولا ينبغي لنا ~~أن نسكت عن ثأرنا، ولئن لم نقتله ليخرجنا من بلادنا. فاجتمعت نمير، وكمنوا ~~له بظاهر البلد كمينا، وقصد فريق منهم البلد، فأغاروا على ما يقاربه. فسمع ~~زنك الخبر، فخرج فيمن عنده من العساكر، وطلب القوم، فلما جاوز الكمناء ~~خرجوا عليه، فقاتلهم، فأصابه حجر مقلاع، فسقط وقتل، وكان قتله سنة ثماني ~~عشرة وأربعمائة في أولها، وخلصت المدينة لنصر الدولة. PageV04P0187 # ثم إن صالح بن مرداس شفع في ابن عطير وابن شبل النميريين ليرد الرها ~~إليهما، فشفعه وسلمها إليهما، وكان فيها برجان أحدهما أكبر من الآخر، فأخذ ~~ابن عطير البرج الكبير، وأخذ ابن شبل البرج الصغير، وأقاما في البلد، إلى ~~أن باعه ابن عطير من الروم، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر غرق الأسطول بجزيرة صقلية # في هذه السنة خرج الروم إلى جزيرة صقلية في جمع كثير، وملكوا ما كان ~~للمسلمين في جزيرة قلورية، وهي مجاورة لجزيرة صقلية، وشرعوا في بناء ~~المساكن ينتظرون وصول مراكبهم وجموعهم مع ابن أخت الملك. فبلغ ذلك المعز بن ~~باديس، فجهز أسطولا كبيرا: أربعمائة قطعة، وحشد فيها، وجمع خلقا كثيرا، ~~وتطوع جمع كثير بالجهاد، رغبة في الأجر، فسار الأسطول في كانون الثاني، ~~فلما قرب من جزيرة قوصرة، وهي قريب من بر أفريقية، خرج عليهم ريح شديدة، ~~ونوء عظيم، فغرق أكثرهم، ولم ينج إلا اليسير. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ظهر أمر العيارين ببغداد، وعظم شرهم، فقتلوا النفوس، ~~ونهبوا الأموال، وفعلوا ما أرادوا، وأحرقوا الكرخ، وغلا السعر بها حتى بيع ~~كر الحنطة بمائتي دينار قاسانية. وفيها قبض جلال الدولة على وزيره أبي سعد ~~بن ماكولا، واستوزر ابن عمه أبا علي بن ماكولا. وفيها أرسل القادر بالله ~~القاضي أبا جعفر السمناني إلى قرواش يأمره بإبعاد الوزير أبي القاسم ~~المغربي، وكان عنده، فأبعده، فقصد نصر الدولة بن ميافارقين ms3291 وقد تقدم السبب ~~فيه. وفيها توفي الوزير أبو منصور محمد بن الحسن بن صالحان، وزير مشرف ~~الدولة أبي الفوارس، وعمره ست وسبعون سنة. وقاضي القضاة أبو الحسن أحمد بن ~~محمد بن أبي الشوارب، ومولده في ذي القعدة سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وكان ~~عفيفا، نزها، وقيل توفي سنة سبع عشرة. وبسيل ملك الروم، وملك بعده أخوه ~~قسطنطين. وفيها ورد رسول محمود بن سبكتكين إلى القادر بالله ومعه خلع قد ~~سيرها له الظاهر لإعزاز دين الله العلوي، صاحب مصر، ويقول: أنا الخادم الذي ~~أرى الطاعة فرضا، ويذكر إرسال هذه الخلع إليه، وأنه سيرها إلى الديوان ~~ليرسم فيها بما يرى، فأحرقت على باب النوبي، فخرج منها ذهب كثير تصدق به ~~على ضعفاء بني هاشم. وفيها توفي سابور بن أردشير، وزير بهاء الدولة، وكان ~~كاتبا سديدا، وعمل دار الكتب ببغداد سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وجعل فيها ~~أكثر من عشرة آلاف مجلد، وبقيت إلى أن احترقت عند مجيء طغرلبك إلى بغداد ~~سنة خمسين وأربعمائة. وفيها توفي عثمان الخركوشي، الواعظ النيسابوري، وكان ~~صالحا، خيرا، وكان إذا دخل على محمود بن سبكتكين يقوم ويلتقيه، وكان محمود ~~قد قسط على نيسابور مالا يأخذه منهم، فقال له الخركوشي: بلغني أنك تكدي ~~الناس، وضاق صدري، فقال: وكيف؟ قال: بلغني أنك تأخذ أموال الضعفاء، وهذه ~~كدية فترك القسط وأطلقه. وفيها بطل الحج من العراق وخراسان. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع عشرة وأربعمائة # ### || AUT ذكر الحرب بين علاء الدولة والجوزقان # في هذه السنة كانت حرب شديدة بين عساكر علاء الدولة بن كاكويه وبين ~~الأكراد الجوزقان. وكان سببها أن علاء الدولة استعمل أبا جعفر ابن عمه على ~~سابور خواست وتلك النواحي، فضم إليه الأكراد الجوزقان، وجعل معه على ~~الأكراد أبا الفرج البابوني، منسوب إلى بطن منهم، فجرى بين أبي جعفر وأبي ~~الفرج مشاجرة أدت إلى المنافرة، فأصلح بينهما علاء الدولة، وأعادهما إلى ~~عملهما. فلم يزل الحقد يقوى، والشر يتجدد، فضرب أبو جعفر أبا الفرج بلت كان ~~في يده فقتله، فنفر الجوزقان بأسرهم، ونهبوا ms3292 وأفسدوا، فطلبهم علاء الدولة، ~~وسير عسكرا، واستعمل عليهم أبا منصور ابن عمه أخا أبي جعفر الأكبر، وجعل ~~معه فرهاذ بن مرداويج، وعلي بن عمران. PageV04P0188 # فلما علم الجوزقان ذلك أرسلوا إلى علي بن عمران يسألونه أن يصلح حالهم مع ~~علاء الدولة، وقصده جماعة منهم، فشرع في الإصلاح، فطالبه أبو جعفر وفرهاذ ~~بالجماعة الذين قصدوه ليسلمهم إليهما، وأرادا أخذهم منه قهرا، فانتقل إلى ~~الجوزقان، واحتمى كل منهم بصاحبه، وجرى بين الطائفتين قتال غير مرة كان في ~~آخره لعلي بن عمران والجوزقان، فانهزم فرهاذ، وأسر أبو منصور وأبو جعفر، ~~ابنا عم علاء الدولة. فأما أبو جعفر فقتل قصاصا بأبي الفرج، وأما أبو منصور ~~فسجن. فلما قتل أبو جعفر علم علي بن عمران أن الأمر قد فسد مع علاء الدولة، ~~ولا يمكن إصلاحه، فشرع في الاحتياط. ### || AUT ذكر الحرب بين قرواش وبني أسد وخفاجة # في هذه السنة اجتمع دبيس بن علي بن مزيد الأسدي وأبو الفتيان منيع بن ~~حسان، أمير بني خفاجة، وجمع عشائرهما وغيرهم، وانضاف إليهما عسكر بغداد على ~~قتال قرواش بن المقلد العقيلي. وكان سببه أن خفاجة تعرضوا إلى السواد وما ~~بيد قرواش منه، فانحدر من الموصل لدفعهم، فاستعانوا بدبيس، فسار إليهم، ~~واجتمعوا، فأتاهم عسكر بغداد، فالتقوا بظاهر الكوفة، وهي لقرواش، فجرى بين ~~مقدمته ومقدمتهما مناوشة. وعلم قرواش أنه لا طاقة له بهم، فسار ليلا جريدة ~~في نفر يسير، وعلم أصحابه بذلك، فتبعوه منهزمين، فوصلوا إلى الأنبار، وسارت ~~أسد وخفاجة خلفهم، فلما قاربوا الأنبار فارقها قرواش إلى حلله، فلم يمكنهم ~~الإقدام عليه، واستولوا على الأنبار، ثم تفرقوا. ### || AUT ذكر الفتنة ببغداد وطمع الأتراك والعيارين # في هذه السنة كثر تسلط الأتراك ببغداد، فأكثروا مصادرات الناس، وأخذوا ~~الأموال، حتى إنهم قسطوا على الكرخ خاصة مائة ألف دينار، وعظم الخطب، وزاد ~~الشر، وأحرقت المنازل، والدروب، والأسواق، ودخل في الطمع العامة والعيارون، ~~فكانوا يدخلون على الرجل فيطالبونه بذخائره، كما يفعل السلطان بمن يصادره، ~~فعمل الناس الأبواب على الدروب، فلم تغن شيئا، ووقعت الحرب بين الجند ~~والعامة، ms3293 فظفر الجند، ونهبوا الكرخ وغيره، فأخذ منه مال جليل، وهلك أهر ~~الستر والخير. فلما رأى القواد وعقلاء الجند أن الملك أبا كاليجار لا يصل ~~إليهم، وأن البلاد قد خربت، وطمع فيهم المجاورون من العرب والأكراد، راسلوا ~~جلال الدولة في الحضور إلى بغداد، فحضر، على ما نذكره سنة ثماني عشرة وأربعمائة. ### || AUT ذكر إصعاد الأثير إلى الموصل والحرب الواقعة بين بني عقيل # في هذه السنة أصعد الأثير عنبر إلى الموصل من بغداد. وكان سببه أن ~~الأثير كان حاكما في الدولة البويهية، ماضي الحكم، نافذ الأمر، والجند من ~~أطوع الناس له، وأسمعهم لقوله. فلما كان الآن زال ذلك، وخالفه الجند، فزالت ~~طاعته عنهم، فلم يلتفتوا إليه، فخافهم على نفسه، فسار إلى قرواش، فندم ~~الجند على ذلك، وسألوه أن يعود، فلم يفعل وأصعد إلى الموصل مع قرواش، فأخذ ~~ملكه وإقطاعه بالعراق. ثم إن نجدة الدولة بن قراد ورافع بن الحسين جمعا ~~جمعا كثيرا من عقيل، وانضم إليهم بدران أخو قرواش، وساروا يريدون حرب ~~قرواش، وكان قرواش لما سمع خبرهم قد اجتمع هو وغريب بن مقن، والأثير عنبر، ~~وأتاه مدد من ابن مروان، فاجتمع في ثلاثة عشر ألف مقاتل، فالتقوا عند بلد ~~واقتتلوا، وثبت بعضهم لبعض، وكثر القتل، ففعل ثروان بن قراد فعلا جميلا، ~~وذاك أنه قصد غريبا في وسط المصاف واعتنقه وصالحه، وفعل أبو الفضل بدران بن ~~المقلد بأخيه قرواش كذلك، فاصطلح الجميع، وأعاد قرواش إلى أخيه بدران مدينة نصيبين. ### || AUT ذكر إحراق خفاجة الأنبار وطاعتهم لأبي كاليجار # في هذه السنة سار منيع بن حسان أمير خفاجة إلى الجامعين، وهي لنور ~~الدولة دبيس، فنهبها، فسار دبيس في طلبه إلى الكوفة، ففارقها وقصد الأنبار، ~~وهي لقرواش كان استعادها بعد ما ذكرناه قبل. فلما نازلها منيع قاتله أهلها، ~~فلم يكن لهم بخفاجة طاقة، فدخل خفاجة الأنبار ونهبوها، وأحرقوا أسواقها، ~~فانحدر قرواش إليهم ليمنعهم، وكان مريضا، ومعه غريب والأثير عنبر، إلى ~~الأنبار ثم تركها ومضى إلى القصر، فاشتد طمع خفاجة، وعادوا إلى الأنبار ~~فأحرقوها مرة ثانية. ms3294 PageV04P0189 # وسار قرواش إلى الجامعين، فاجتمع هو ونور الدولة دبيس بن مزيد في عشرة ~~آلاف مقاتل، وكانت خفاجة في ألف، فلم يقدم قرواش في ذلك الجيش العظيم على ~~هذه الألف، وشرع أهل الأنبار في بناء سور على البلد، وأعانهم قرواش وأقام ~~عندهم الشتاء، ثم إن منيع بن حسان سار إلى الملك أبي كاليجار، فأطاعه، فخلع ~~عليه، وأتى منيع الخفاجي إلى الكوفة فخطب فيها لأبي كاليجار، وأزال حكم ~~عقيل عن سقي الفرات. ### || AUT ذكر الصلح بإفريقية بين كتامة وزناتة # ### || AUT وبين المعز بن باديس # في هذه السنة وردت رسل زناتة وكتامة إلى المعز بن باديس، صاحب إفريقية، ~~يطلبون منه الصلح، وأن يقبل منهم الطاعة والدخول تحت حكمه، وشرطوا أنهم ~~يحفظون الطريق، وأعطوا على ذلك عهودهم، ومواثيقهم، فأجابهم إلى ما سألوا، ~~وجاءت مشيخة زناتة وكتامة إليه، فقبلهم وأنزلهم ووصلهم، وبذل لهم أموالا جليلة. ### || AUT ذكر وفاة حماد بن المنصور وولاية ابنه القائد # في هذه السنة توفي حماد بن بلكين، عم المعز بن باديس، صاحب إفريقية، ~~وكان خرج من قلعته متنزها، فمرض ومات وحمل إلى القلعة فدفن بها، وولي بعده ~~ابنه القائد، وعظم على المعز موته، لأن الأمر بينهما كان قد صلح، واستقامت ~~الأمور للمعز بعده، وأذعن له أولاد عمه حماد بالطاعة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كان بالعراق برد شديد جمد فيه الماء في دجلة والأنهار ~~الكبيرة، فأما السواقي فإنها جمدت كلها، وتأخر المطر وزيادة دجلة، فلم يزرع ~~في السواد إلا القليل. وفيها بطل الحج من خراسان والعراق. وفيها انقض كوكب ~~عظيم استنارت له الأرض، فسمع له دوي عظيم، كان ذلك في رمضان. وفيها مات أبو ~~سعد بن ماكولا، وزير جلال الدولة، في محبسه، وأبو خازم عمر بن أحمد بن ~~إبراهيم العبدوي النيسابوري الحافظ، وهو من مشايخ خطيب بغداد، وأبو الحسن ~~علي بن أحمد بن عمر الحمامي المقريء، مولده سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. ### | AUT ثم دخلت سنة ثماني عشرة وأربعمائة # ### || AUT ذكر الحرب بين علاء الدولة وأصبهبذ # ### || AUT ومن معه وما ms3295 تبع ذلك من الفتن # في هذه السنة، في ربيع الأول، كانت حرب شديدة بين علاء الدولة بن كاكويه ~~وبين الأصبهبذ ومن معه. وكان سببها ما ذكرناه من خروج علي بن عمران عن طاعة ~~علاء الدولة. فلما فارقه اشتد خوفه من علاء الدولة، فكاتب أصبهبذ صاحب ~~طبرستان، وكان مقيما بالري مع ولكين بن وندرين، وحثه على قصد بلاد الجبل، ~~وكاتب أيضا منوجهر بن قابوس بن وشمكير، واستمده، وأوهم الجميع أن البلاد في ~~يده لا دافع له عنها. وكان أصبهبذ معاديا لعلاء الدولة، فسار هو وولكين إلى ~~همذان فملكاها وملكا أعمال الجبل، وأجليا عنها عمال علاء الدولة، وأتاهم ~~عسكر منوجهر وعلي بن عمران، فازدادوا قوة، وساروا كلهم إلى أصبهان، فتحصن ~~علاء الدولة بها، وأخرج الأموال، فحصروه، وجرى بينهم قتال استظهر فيه علاء ~~الدولة، وقصده كثير من ذلك العسكر، وهو يبذل لمن يجيء إليه المال الجزيل ~~ويحسن إليهم، فأقاموا أربعة أيام، وضاقت عليهم الميرة، فعادوا عنها. وتبعهم ~~علاء الدولة، واستمال الجوزقان، فمال إليه بعضهم، وتبعهم إلى نهاوند، ~~فالتقوا عندها، واقتتلوا قتالا كثر فيه القتلى والأسرى، فظفر علاء الدولة، ~~وقتل ابنين لولكين في المعركة، وأسر الأصبهبذ وابنان له ووزيره، ومضى ولكين ~~في نفر يسير إلى جرجان. وقصد علي بن عمران قلعة كنكور فتحصن بها، فسار إليه ~~علاء الدولة، فحصره بها، وبقي أصبهبذ محبوسا عند علاء الدولة إلى أن توفي ~~في رجب سنة تسع عشرة وأربعمائة. ثم إن ولكين بن وندرين سار بعد خلاصه من ~~الوقعة إلى منوجهر بن قابوس، وأطعمه في الري وملكها، وهون عليه أمر البلاد ~~لا سيما مع اشتغال علاء الدولة بمحاصرة علي بن عمران، وانضاف إلى ذلك أن ~~ولد ولكين كان صهر علاء الدولة على ابنته، وقد أقطعه علاء الدولة مدينة قم، ~~فعصى عليه وصار مع أبيه، وأرسل إليه يحثه على قصد البلاد، فسار إليها ومعه ~~عساكره، وعساكر منوجهر، حتى نزلوا على الري، وقاتلوا مجد الدولة بن بويه ~~ومن معه، وجرى بين الفريقين وقائع استظهر فيها أهل الري. فلما رأى علاء ms3296 ~~الدولة ذلك صالح علي بن عمران. PageV04P0190 # فلما بلغ ولكين الصلح بين علاء الدولة وعلي بن عمران رحل عن الري من غير ~~بلوغ غرض، فتوجه علاء الدولة إلى الري، وراسل منوجهر، ووبخه وتهدده، وأظهر ~~قصد بلاده، فسمع أن علي بن عمران قد كاتب منوجهر وأطمعه، ووعده النصرة، ~~وحثه على العود إلى الري، فعاد علاء الدولة عن قصد بلاد منوجهر، وتجهز لقصد ~~علي بن عمران، فأرسل ابن عمران إلى منوجهر يستمده، فسير إليه ستمائة فارس ~~وراجل مع قائد من قواده، وتحصن ابن عمران، وجمع عنده الذخائر بكنكور، وقصده ~~علاء الدولة وحصره وضيق عليه، ففني ما عنده، فأرسل يطلب الصلح، فاشترط علاء ~~الدولة أن يسلم قلعة كنكور والذين قتلوا أبا جعفر ابن عمه، والقائد الذي ~~سيره إليه منوجهر، فأجابه إلى ذلك وسيرهم إليه، فقتل قتلة ابن عمه، وسجن ~~القائد، وتسلم القلعة، وأقطع عليا عوضا عنها مدنية الدينور، وأرسل منوجهر ~~إلى علاء الدولة فصالحه، فأطلق صاحبه. ### || AUT ذكر عصيان البطيحة على أبي كاليجار # في هذه السنة عصى أهل البطيحة على الملك أبي كاليجار، ومقدمهم أبو عبد ~~الله الحسين بن بكر الشرابي، الذي كان قديما صاحب البطيحة، وقد تقدم خبره. ~~وكان سبب هذا الخلاف أن الملك أبا كاليجار سير وزيره أبا محمد بن بابشاذ ~~إلى البطيحة، فعسف الناس وأخذ أموالهم، وأمر الشرابي فوضع على كل دار ~~بالصليق قسطا، وكان في صحبته، ففعل ذلك، فتفرقوا في البلاد، وفارقوا ~~أوطانهم، فعزم من بقي على أن يستدعوا من يتقدم عليهم في العصيان على أبي ~~كاليجار، وقتل الشرابي، وكانوا ينسبون كل ما يجري عليهم إلى الشرابي. فعلم ~~الشرابي بذلك، فحضر عندهم، واعتذر إليهم، وبذل من نفسه مساعدتهم على ما ~~يريدونه، فرضوا به، وحلفوا له، وحلف لهم، وأمرهم بكتمان الحال. وعاد إلى ~~الوزير فأشار عليه بإرسال أصحابه إلى جهات ذكرها ليحصلوا الأموال، فقبل ~~منه، ثم أشار عليه بإحدار سفنه إلى مكان ذكره ليصلح ما فسد منها، ففعل. ~~فلما تم له ذلك وثب هو وأهل البطيحة عليه، وأخرجوه من عندهم، وكان ms3297 عندهم ~~جماعة من عسكر جلال الدولة في الحبس، فأخرجوهم، واستعانوا بهم، واتفقوا ~~معهم، وفتحوا السواقي، وعادوا إلى ما كانوا عليه أيام مهذب الدولة، وقاتلوا ~~كل من قصدهم، وامتنعوا فتم لهم ذلك. ثم قصده ابن المعبراني فاستولى على ~~البطيحة، وفارقها الشرابي إلى دبيس بن مزيد، فأقام عنده مكرما. ### || AUT ذكر صلح أبي كاليجار مع عمه # في هذه السنة استقر الصلح بين أبي كاليجار وبين عمه أبي الفوارس، صاحب ~~كرمان، وكان أبو كاليجار قد سار إلى كرمان لقتال عمه وأخذ كرمان منه، ~~فاحتمى منه بالجبال، وحمي الحر على أبي كاليجار وعسكره، فكثرت الأمراض، ~~فتراسلا في الصلح، فاصطلحا على أن تكون كرمان لأبي الفوارس، وبلاد فارس ~~لأبي كاليجار، ويحمل إلى عمه كل سنة عشرين ألف دينار. ولما عاد أبو كاليجار ~~إلى الأهواز جعل أمور دولته إلى العادل بن مافنة، فأجابه بعد امتناع، وكان ~~مولد العادل بكازرون سنة ستين وثلاثمائة، وشرط العادل أن لا يعارض في الذي ~~يفعله، فأجيب إلى ذلك. ### || AUT ذكر الخطبة لجلال الدولة ببغداد # ### || AUT وإصعاده إليها # في هذه السنة، في جمادى الأولى، خطب للملك جلال الدولة أبي طاهر بن بهاء ~~الدولة ببغداد، وأصعد إليها من البصرة فدخلها ثالث شهر رمضان. وكان سبب ذلك ~~أن الأتراك لما رأوا أن البلاد تخرب، وأن العامة والعرب والأكراد قد طمعوا، ~~وأنهم ليس عندهم سلطان يجمع كلمتهم، قصدوا دار الخلافة، وأرسلوا يعتذرون ~~إلى الخليفة من انفرادهم بالخطبة لجلال الدولة أولا، ثم برده ثانيا، ~~وبالخطبة لأبي كاليجار، ويشكرون الخليفة حيث لم يخالفهم في شيء من ذلك، ~~وقالوا: إن أمير المؤمنين صاحب الأمر، ونحن العبيد، وقد أخطأنا ونسأل ~~العفو، وليس عندنا الآن من يجمع كلمتنا، ونسأل أن ترسل إلى جلال الدولة ~~ليصعد إلى بغداد، ويملك الأمر، ويجمع الكلمة، ويخطب له فيها، ويسألون أن ~~يحلفه الرسول السائر لإحضاره لهم. فأجابهم الخليفة إلى ما سألوا، وراسله هو ~~وقواد الجند في الإصعاد واليمين للخليفة والأتراك، فحلف لهم، وأصعد إلى ~~بغداد، وانحدر الأتراك إليه، فلقوه في الطريق، وأرسل الخليفة إليه القاضي ms3298 ~~أبا جعفر السمناني، فأعاد تجديد العهد عليه للخليفة والأتراك، ففعل. ~~PageV04P0191 # ولما وصل إلى بغداد نزل النجمي، فركب الخليفة في الطيار وانحدر يلتقيه، ~~فلما رآه جلال الدولة قبل الأرض بين يديه، وركب في زبزبه، ووقف قائما، ~~فأمره الخليفة بالجلوس، فخدم وجلس ودخل إلى دار المملكة، بعد أن مضى إلى ~~مشهد موسى بن جعفر فزار، وقصد الدار فدخلها، وأمر بضرب الطبل أوقات الصلوات ~~الخمس، فراسله الخليفة في منعه، فقطعه غضبا، حتى أذن له في إعادته ففعل. ~~وأرسل جلال الدولة مؤيد الملك أبا علي الرخجي إلى الأثير عنبر الخادم، وهو ~~عند قرواش، وقد ذكرنا ذلك، يعرفه اعتضاده به، واعتماده عليه، ومحبته له، ~~ويعتذر إليه عن الأتراك، فعذرهم وقال: هم أولاد وإخوة. ### || AUT ذكر وفاة أبي القاسم بن المغربي # ### || AUT وأبي الخطاب # أما أبو القاسم بن المغربي فتوفي هذه السنة بميافارقين، وكان عمره ستا ~~وأربعين سنة، ولما أحس بالموت كتب كتبا عن نفسه إلى كل من يعرفه من الأمراء ~~والرؤساء الذين بينه وبين الكوفة، ويعرفهم أن حظية له توفيت، وأنه قد سير ~~تابوتها إلى مشهد أمير المؤمنين علي، عليه السلام، وخاطبهم في المراعاة لمن ~~في صحبته. وكان قصده أن لا يتعرض أحد لتابوته بمنع، وينطوي خبره. فلما توفي ~~سار به أصحابه، كما أمرهم، وأوصلوا الكتب، فلم يعرض أحد إليه، فدفن ~~بالمشهد، ولم يعلم به أحد إلا بعد دفنه. ولأبي القاسم شعر حسن، فمنه هذه ~~الأبيات: وما ظبية أدماء تحنو على طلا، ... ترى الإنس وحشا وهي تأنس بالوحش ~~غدت فارتعت ثم انثنت لرضاعه، ... فلم تلف شيئا من قوائمه الحمش فطافت بذاك ~~القاع ولهى، فصادفت ... سباع الفلا ينهشنه أيما نهش بأوجع مني يوم ظلت ~~أنامل ... تودعني بالدر من شبك النقش وأجمالهم تحدى وقد خيل الهوى ... كأن ~~مطاياهم على ناظري تمشي وأعجب ما في الأمر أن عشت بعدهم، ... على أنهم ما ~~خلفوا لي من بطش وأما أبو الخطاب حمزة بن إبراهيم فإنه مات بكرخ سامرا ~~مفلوجا، غريبا، قد زال عنه أمره وجاهه، وكان مولده سنة تسع وثلاثين ms3299 ~~وثلاثمائة، ورثاه المرتضى، وكان سبب اتصاله ببهاء الدولة معرفة النجوم، ~~وبلغ منه منزلة لم يبلغها أمثاله، فكان الوزراء يخدمونه، وحمل إليه فخر ~~الملك مائة ألف دينار فاستقلها، وصار أمره إلى ما صار من الضيق والفقر والغربة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سقط في العراق جميعه برد كبار يكون في الواحدة رطل أو ~~رطلان، وأصغر كالبيضة، فأهلك الغلات، ولم يصح منها إلا القليل. وفيها آخر ~~تشرين الثاني هبت ريح باردة بالعراق جمد منها الماء والخل، وبطل دوران ~~الدواليب على دجلة. وفيها انقطع الحج من خراسان والعراق. وفيها نقضت الدار ~~المعزية، وكان معز الدولة بن بويه بناها وعظمها، وغرم عليها ألف ألف دينار، ~~وأول من شرع في تخريبها بهاء الدولة، فإنه لما عمر داره بسوق الثلاثاء نقل ~~إليها من أنقاضها، وأخذ سقفا منها وأراد أن ينقله إلى شيراز، فلم يتم ذلك، ~~فبذل فيه من يحك ذهبه ثمانية آلاف دينار، ونقضت الآن، وبيع أنقاضها. وفيها ~~توفي هبة الله بن الحسن بن منصور أبا القاسم اللالكائي الرازي، سمع الحديث ~~الكثير، وتفقه على أبي حامد الأسفراييني، وصنف كتبا، وأبو القاسم طباطبا ~~الشريف العلوي، وله شعر جيد، فمنه أن صديقا له كتب إليه رقعة على ظهرها هذه ~~الأبيات: وقرأت الذي كتبت، وما زا ... ل نجيي ومؤنسي وسميري وغدا الفأل ~~بامتزاج السطور ... حاكما بامتزاج ما في الضمير واقتران الكلام لفظا وخطا ~~... شاهدا باقتران ود الصدور وتبركت باجتماع الكلامي ... ن رجاء اجتماعنا ~~في سرور وتفاءلت بالظهور على الوا ... شي، فصارت إجابتي في الصدور ### | AUT ثم دخلت سنة تسع عشرة وأربعمائة # ### || AUT ذكر الحرب بين بدران ونصر الدولة # PageV04P0192 # في هذه السنة، في جمادى الأولى، سار بدران بن المقلد العقيلي في جمع من ~~العرب إلى نصيبين وحصرها، وكانت لنصر الدولة بن مروان، فخرج إليه عسكر نصر ~~الدولة الذين بها، وقاتلوه، فهزمهم، واستظهر عليهم، وقتل جماعة من أهل ~~نصيبين والعسكر، فسير نصر الدولة عسكرا آخر نجدة لمن بنصيبين، فأرسل إليهم ~~بدران عسكرا، فلقوهم، فقاتلوهم وهزموهم، وقتلوا أكثرهم. فأزعج ذلك ms3300 ابن ~~مروان، وأقلقه، فسير عسكرا آخر ثلاثة آلاف فارس، فدخلوا نصيبين، واجتمعوا ~~بمن فيها، وخرجوا إلى بدران فاقتتلوا، فانهزم بدران ومن معه بعد قتال شديد، ~~وقت الظهر، وتبعهم عسكر ابن مروان. ثم عطف عليهم بدران وأصحابه، فلم يثبتوا ~~له، فأكثر فيهم القتل والأسر، وغنم الأموال، فعاد عسكر ابن مروان مفلولين، ~~فدخلوا نصيبين، فاجتمعوا بها واقتتلوا مرة أخرى، وكانوا على السواء، ثم سمع ~~بدران بأن أخاه قروشا قد وصل إلى الموصل، فرحل خوفا منه لأنهما كانا مختلفين. ### || AUT ذكر شغب الأتراك ببغداد على جلال الدولة # في هذه السنة ثار الأتراك ببغداد على جلال الدولة، وشغبوا، وطالبوا ~~الوزير أبا علي بن ماكولا بما لهم من العلوفة والادرار، ونهبوا داره ودور ~~كتاب الملك وحواشيه حتى المغنين والمخنثين، ونهبوا صياغات أخرجها جلال ~~الدولة لتضرب دنانير ودراهم، وتفرق فيهم، وحصروا جلال الدولة في داره، ~~ومنعوه الطعام والماء حتى شرب أهله ماء البئر، وأكلوا ثمرة البستان. فسألهم ~~أن يمكنوه من الانحدار، فاستأجروا له ولأهله وأثقاله سفنا، فجعل بين الدار ~~والسفن سرداقا لتجتاز حرمه فيه، لئلا يراهم العامة والأجناد، فقصد بعض ~~الأتراك السرادق، فظن جلال الدولة أنهم يريدون الحرم، فصاح بهم يقول لهم: ~~بلغ أمركم إلى الحرم! وتقدم إليهم، وبيده طبر، فصاح صغار الغلمان والعامة: ~~جلال الدولة يا منصور، ونزل أحدهم عن فرسه وأركبه إياه، وقبلوا الأرض بين ~~يديه. فلما رأى قواد الأتراك ذلك هربوا إلى خيامهم بالرملة، وخافوا على ~~نفوسهم، وكان في الخزانة سلاح كثير، فأعطاه جلال الدولة أصاغر الغلمان ~~وجعلهم عنده، ثم أرسل إلى الخليفة ليصلح الأمر مع أولئك القواد، فأرسل ~~إليهم الخليفة القادر بالله، فأصلح بينهم وبين جلال الدولة، وحلفوا، فقبلوا ~~الأرض بين يديه، ورجعوا إلى منازلهم، فلم يمض غير أيام حتى عادوا إلى ~~الشغب، فباع جلال الدولة فرشه وثيابه وخيمه وفرق ثمنه فيهم حتى سكنوا. ### || AUT ذكر الاختلاف بين الديلم والأتراك بالبصرة # في هذه السنة ولي النفيس أبو الفتح محمد بن أردشير البصرة، استعمله ~~عليها جلال الدولة، فلما وصل إلى المشان منحدرا إليها ms3301 وقع بينه وبين الديلم ~~الذين بالمشان وقعة فاستظهر عليهم وقتل منهم. وكانت الفتن بالبصرة بين ~~الأتراك والديلم، وبها الملك العزيز أبو منصور ابن جلال الدولة، فقوي ~~الأتراك بها، فأخرجوا الديلم، فمضوا إلى الأبلة، وصاروا مع بختيار بن علي، ~~فسار إليهم الملك العزيز بالأبلة ليعيدهم ويصلح بينهم وبين الأتراك، ~~فكاشفوه وحملوا عليه، ونادوا بشعار أبي كاليجار، فعاد منهزما في الماء إلى ~~البصرة، ونهب بختيار نهر الدير والأبلة وغيرهما من السواد، وأعانه الديلم، ~~ونهب الأتراك أيضا، وارتكبوا المحظور، ونهبوا دار بنت الأوحد بن مكرم زوجة ~~جلال الدولة. ### || AUT ذكر استيلاء أبي كاليجار على البصرة # لما بلغ الملك أبا كاليجار ما كان بالبصرة سير جيشا إلى بختيار، وأمره ~~أن يقصد البصرة فيأخذها. فساروا إليها، وبها الملك العزيز جلال الدولة، ~~فقاتلهم ليمنعهم، فلم يكن له بهم قوة، فانهزم منهم، وفارق البصرة، وكاد ~~يهلك هو ومن معه عطشا، فمن الله عليهم بمطر جود، فشربوا منه، وأصعدوا إلى ~~واسط. وملك عسكر أبي كاليجار البصرة، ونهب الديلم أسواقها، وسلم منها البعض ~~بمال بذلوه لمن يحميهم، وتتبعوا أموال أصحاب جلال الدولة من الأتراك ~~وغيرهم. فلما بلغ جلال الدولة الخبر أراد الانحدار إلى واسط، فلم يوافقه ~~الجند، وطلبوا منه مالا يفرق فيهم، فلم يكن عنده، فمد يده في مصادرات الناس ~~وأخذ أموالهم لا سيما أرباب الأموال، فصادر جماعة. ### || AUT ذكر وفاة صاحب كرمان # ### || AUT واستيلاء أبي كاليجار عليها # PageV04P0193 # في هذه السنة، في ذي القعدة، توفي قوام الدولة أبو الفوارس بن بهاء ~~الدولة، صاحب كرمان، وكان قد تجهز لقصد بلاد فارس، وجمع عسكرا كثيرا، ~~فأدركه أجله. فلما توفي نادى أصحابه بشعار الملك أبي كاليجار، وأرسلوا إليه ~~يطلبونه إليهم، فسار مجدا، وملك البلاد بغير حرب ولا قتال، وأمن الناس معه، ~~وكانوا يكرهون عمه أبا الفوارس لظلمه وسوء سيرته، وكان إذا شرب ضرب أصحابه، ~~وضرب وزيره يوما مائتي مقرعة، وحلفه بالطلاق أنه لا يتأوه، ولا يخبر بذلك ~~أحدا، فقيل إنهم سموه فمات. ### || AUT ذكر استيلاء منصور بن الحسين على الجزيرة الدبيسية # كان ms3302 منصور بن الحسين الأسدي قد ملك الجزيرة الدبيسية، وهي تجاور ~~خوزستان، ونادى بشعار جلال الدولة، وأخرج صاحبها طراد بن دبيس الأسدي سنة ~~ثماني عشرة وأربعمائة، فمات طراد عن قريب، فلما مات طراد سار ابنه أبو ~~الحسين علي إلى بغداد يسأل أن يرسل جلال الدولة معه عسكرا إلى بلده ليخرج ~~منصورا منه ويسلمه إليه، وكان منصور قد قطع خطبة جلال الدولة وخطب للملك ~~أبي كاليجار، فسير معه جلال الدولة طائفة من الأتراك، فلما وصلوا إلى واسط ~~لم يقف علي بن طراد حتى تجتمع معه طائفة من عسكر واسط، وسار عجلا. واتفق أن ~~أبا صالح كوركير كان قد هرب من جلال الدولة، وهو يريد اللحاق بأبي كاليجار، ~~فسمع هذا الخبر، فقال لمن معه: المصلحة أننا نعين منصورا، ولا نمكن عسكر ~~جلال الدولة من إخراجه، ونتخذ بهذا الفعل يدا عند أبي كاليجار. فأجابوه إلى ~~ذلك، فسار إلى منصور واجتمع معه، والتقوا هم وعسكر جلال الدولة الذين مع ~~علي بن طراد ببسبروذ، فاقتتلوا، فانهزم عسكر جلال الدولة، وقتل علي بن طراد ~~وجماعة كثيرة من الأتراك، وهلك كثير من المنهزمين بالعطش، واستقر ملك منصور بها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سار الدزبري وعساكر مصر إلى الشام، فأوقعوا بصالح بن مرداس ~~وابن الجراح الطائي، فهزمهما، وقتل صالحا وابنه الأصغر، وملك جميع الشام، ~~وقيل سنة عشرين. وفيها توفيت أم مجد الدولة بن فخر الدولة بن بويه، وهي ~~التي تدبر المملكة وترتب الأمور. وفيها عزل الحسن بن علي بن جعفر أبو علي ~~بن ماكولا من وزارة جلال الدولة، وولي الوزراة بعده أبو طاهر المحسن بن ~~طاهر، ثم عزل بعد أربعين يوما، وولي بعده أبو سعد بن عبد الرحيم. وفيها ~~توفي قسطنطين ملك الروم، وانتقل الملك إلى بنت له، وقام بتدبير الملك ~~والجيوش زوجها، وهو ابن خالها. وفيها توفي الوزير أبو القاسم جعفر بن محمد ~~بن فسانجس بأربق. وفيها عدمت الأرطاب بالعراق للبرد الذي تقدم في السنة ~~قبلها، وكان يحمل من الأماكن البعيدة الشيء اليسير منه. وفيها ms3303 انقطع الحج ~~من العراق، فمضى بعض حجاج خراسان إلى كرمان، وركبوا في البحر إلى جدة، ~~وحجوا. وتوفي في هذه السنة محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد أبو الحسن ~~التاجر، وهو آخر من حدث عن إسماعيل بن محمد الصفار، ومحمد بن عمرو الرزاز، ~~وعمر بن الحسن الشيباني، وكان له مال كثير، فسافر إلى مصر خوف المصادرة، ~~فأقام بها سنة، ثم عاد إلى بغداد، فأخذ ماله في التقسيط على الكرخ الذي ~~ذكرناه سنة ثماني عشرة وأربعمائة، فافتقر، فلما مات لم يوجد له كفن، فأرسل ~~له القادر بالله ما يكفن فيه. ### | AUT ثم دخلت سنة عشرين وأربعمائة # ### || AUT ذكر ملك يمين الدولة الري # ### || AUT وبلد الجبل # في هذه السنة سار يمين الدولة محمود بن سبكتكين نحو الري، فانصرف منوجهر ~~بن قابوس من بين يديه، وهو صاحب جرجان وطبرستان، وحمل إليه أربعمائة ألف ~~دينار وأنزالا كثيرة. وكان مجد الدولة بن فخر الدولة بن بويه، صاحب الري، ~~قد كاتبه يشكو إليه جنده، وكان متشاغلا بالنساء، ومطالعة الكتب ونسخها، ~~وكانت والدته تدبر مملكته، فلما توفيت طمع جنده فيه، واختلت أحواله، فحين ~~وصلت كتبه إلى محمود سير إليه جيشا، وجعل مقدمهم حاجبه، وأمره أن يقبض على ~~مجد الدولة. فلما وصل العسكر إلى الري ركب مجد الدولة يلتقيهم، فقبضوا عليه ~~وعلى أبي دلف ولده. PageV04P0194 # فلما انتهى الخبر إلى يمين الدولة بالقبض عليه سار إلى الري، فوصلها في ~~ربيع الآخر، ودخلها وأخذ من الأموال ألف ألف دينار، ومن الجواهر ما قيمته ~~خمسمائة ألف دينار، ومن الثياب ستة آلاف ثوب، ومن الآلات وغيرها ما لا ~~يحصى، وأحضر مجد الدولة، وقال له: أما قرأت شاهنامه، وهو تاريخ الفرس، ~~وتاريخ الطبري، وهو تاريخ المسلمين؟ قال: بلى! قال: ما حالك حال من قرأها، ~~أما لعبت بالشطرنج؟ قال: بلى! قال: فهل رأيت شاها يدخل على شاه؟ قال: لا. ~~قال: فما حملك على أن سلمت نفسك إلى من هو أقوى منك؟ ثم سيره إلى خراسان ~~مقبوضا، ثم ملك قزوين وقلاعها، ومدينة ساوة وآبة، ويافت، ms3304 وقبض على صاحبها ~~ولكين بن وندرين، وسيره إلى خراسان. ولما ملك محمود الري كتب إلى الخليفة ~~القادر بالله يذكر أنه وجد لمجد الدولة من النساء الحرائر ما يزيد على ~~خمسين امرأة، ولدن له نيفا وثلاثين ولدا، ولما سئل عن ذلك قال: هذه عادة ~~سلفي. وصلب من أصحابه الباطنية خلقا كثيرا، ونفى المعتزلة إلى خراسان، ~~وأحرق كتب الفلسفة ومذاهب الإعتزال والنجوم، وأخذ من الكتب ما سوى ذلك مائة ~~حمل. وتحصن منه منوجهر بن قابوس بن وشمكير بجبال حصينة، وعرة المسالك، فلم ~~يشعر إلا وقد أطل عليه يمين الدولة، فهرب منه إلى غياض حصينة، وبذلك ~~خمسمائة ألف دينار ليصلحه، فأجابه إلى ذلك، فأرسل المال إليه، فسار عنه إلى ~~نيسابور. ثم توفي منوجهر عقيب ذلك، وولي ابنه أنوشروان، فأقره محمود على ~~ولايته، وقرر عليه خمسمائة ألف دينار أخرى، وخطب لمحمود في أكثر بلاد الجبل ~~إلى حدود أرمينية، وافتتح ابنه مسعود زنجان وأبهر، وخطب له علاء الدولة ~~بأصبهان، وعاد محمود إلى خراسان واستخلف بالري ابنه مسعودا، فقصد أصبهان، ~~وملكها من علاء الدولة، وعاد عنها، واستخلف بها بعض أصحابه، فثار به أهلها ~~فقتلوه، فعاد إليهم فقتل منهم مقتلة عظيمة نحو خمسة آلاف قتيل، وسار إلى ~~الري فأقام بها. ### || AUT ذكر ما فعله السالار إبراهيم بن المرزبان بعد عود يمين الدولة عن الري # هذا السالار هو إبراهيم بن المرزبان بن إسماعيل بن وهسوذان بن محمد ابن ~~مسافر الديلمي، وكان له من بلاد سرجهان، وزنجان، وأبهر، وشهرزور، وغيرها، ~~وهي ما استولى عليها بعد وفاة فخر الدولة بن بويه. فلما ملك يمين الدولة ~~محمود بن سبكتكين الري سير المرزبان بن الحسن بن خراميل، وهو من أولاد ملوك ~~الديلم، وكان قد التجأ إلى يمين الدولة، فسيره إلى بلاد السالار إبراهيم ~~ليملكها، فقصدها واستمال الديلم، فمال إليه بعضهم. واتفق عود يمين الدولة ~~إلى خراسان، فسار السالار إبراهيم إلى قزوين، وبها عسكر يمين الدولة، ~~فقاتلهم، فأكثر القتل فيهم، وهرب الباقون، وأعانه أهل البلد، وسار السالار ~~أيضا إلى مكان بقرب سرجهان تطيف ms3305 به الأنهار والجبال فتحصن به. فسمع مسعود ~~بن يمين الدولة، وهو بالري، بما فعل، فسار مجدا إلى السالار فجرى بينهما ~~وقائع كان الاستظهار فيها للسالار. ثم إن مسعودا راسل طائفة من جند ~~السالار، واستمالهم، وأعطاهم الأموال فمالوا إليه، ودلوه على عورة السالار، ~~وحملوا طائفة من عسكره في طريق غامضة، حتى جعلوه من ورائهم، وكبسوا السالار ~~أول رمضان، وقاتله مسعود من بين يديه، وأولئك من خلفه، فاضطرب السالار ومن ~~معه، وانهزموا وطلب كل إنسان منهم مهربا، واختفى السالار في مكان، فدلت ~~عليه امرأة سوادية، فأخذه مسعود وحمله إلى سرجهان، وبها ولده، فطلب منه أن ~~يسلمها، فلم يفعل، فعاد عنها وتسلم باقي قلاعه وبلاده، وأخذ أمواله، وقرر ~~على ابنه المقيم بسرجهان مالا، وعلى كل من جاوره من مقدمي الأكراد، وعاد إلى الري. ### || AUT ذكر ملك أبي كاليجار مدينة واسط # ### || AUT ومسير جلال الدولة إلى الأهواز ونهبها وعود واسط إليه # في هذه السنة صعد الملك أبو كاليجار إلى مدينة واسط فملكها، وكان ابتداء ~~ذلك أن نور الدولة دبيس بن علي بن مزيد، صاحب الحلة، والنيل، ولم تكن الحلة ~~بنيت ذلك الوقت، وخطب لأبي كاليجار في أعماله. وسببه أن أبا حسان المقلد بن ~~أبي الأغر الحسن بن مزيد كان بينه وبين نور الدولة عداوة، فاجتمع هو ومنيع ~~أمير بني خفاجة، وأرسلا إلى بغداد يبذلان مالا يتجهز به العسكر لقتال نور ~~الدولة، فاشتد الأمر على نور الدولة، فخطب لأبي كاليجار، وراسله يطمعه في ~~البلاد. PageV04P0195 # ثم اتفق أنه ملك البصرة، على ما ذكرناه، فقوي طمعه، فسار من الأهواز إلى ~~واسط، وبها الملك العزيز بن جلال الدولة، ومعه جمع من الأتراك، ففارقها ~~العزيز وقصد النعمانية، ففجر عليه نور الدولة البثوق من بلده، فهلك كثير من ~~أثقالهم، وغرق جماعة منهم، وخطب في البطيحة لأبي كاليجار، وورد إليه نور ~~الدولة. وأرسل أبو كاليجار إلى قرواش، صاحب الموصل، وعنده الأثير عنبر، ~~يطلب منه أن ينحدر إلى العراق ليبقى جلال الدولة بين الفريقين، فانحدر إلى ~~الكحيل، فمات به الأثير عنبر، ولم ms3306 ينحدر معه قرواش، وجمع جلال الدولة ~~عساكره، واستنجد أبا الشوك وغيره، وانحدر إلى واسط، ولم يكن بين العسكرين ~~قتال، وتتابعت الأمطار حتى هلكوا. واشتد الأمر على جلال الدولة لفقره، وقلة ~~الأموال وغيرها عنده، فاستشار أصحابه فيما يفعل، فأشاروا أن يقصدوا الأهواز ~~وينهبها، ويأخذ ما بها من أموال أبي كاليجار وعسكره. فسمع أبو كاليجار ذلك، ~~فاستشار أيضا أصحابه، فقال بعضهم: ما عدل جلال الدولة عن القتال إلا لضعف ~~فيه، والرأي أن تسير إلى العراق فتأخذ من أموالهم ببغداد أضعاف ما يأخذون ~~منا، فاتفقوا على ذلك، فأتاهم جاسوس من أبي الشوك يخبر بمجيء عساكر محمود ~~بن سبكتكين إلى طخر، وأنهم يريدون العراق، ويشير بالصلح، واجتماع الكلمة ~~على دفعهم عن البلاد. فأنفذ أبو كاليجار الكتاب إلى جلال الدولة، وقد سار ~~إلى الأهواز، وأقام ينتظر الجواب، ظنا منه أن جلال الدولة يعود بالكتاب، ~~فلم يلتفت جلال الدولة، ومضى إلى الأهواز فنهبها، وأخذ من دار الإمارة ~~مائتي ألف دينار، وأخذوا ما لا يحصى، ودخل الأكراد والأعراب وغيرهم إلى ~~البلد، فأهلكوا الناس بالنهب والسبي، وأخذت والدة أبي كاليجار وابنته وأم ~~ولده وزوجته، فماتت أمه وحمل من عداها إلى بغداد. ولما سمع أبو كاليجار ~~الخبر سار ليلقى جلال الدولة، فتخلف عنه دبيس ابن مزيد، خوفا على أهله ~~وحلله من خفاجة، والتقى أبو كاليجار وجلال الدولة آخر ربيع الأول سنة إحدى ~~وعشرين، فاقتتلوا ثلاثة أيام، وانهزم أبو كاليجار، وقتل من أصحابه ألفا ~~رجل، ووصل إلى الأهواز بأسوأ حال، فأتاه العادل بن مافنة بمال، فحسنت حاله. ~~وأما جلال الدولة فإنه عاد واستولى على واسط، وجعل ابنه العزيز بها، وأصعد ~~إلى بغداد، ومدحه المرتضى ومهيار وغيرهما، وهنأوه بالظفر. ### || AUT ذكر حال دبيس بن مزيد بعد الهزيمة # لما عاد دبيس بن مزيد الأسدي، وفارق أبا كاليجار، وصل إلى بلده، وكان قد ~~خالف عليه قوم من بني عمه، ونزلوا الجامعين، وأتاهم وقاتلهم، فظفر بهم، ~~وأسر منهم جماعة منهم شبيب، وسرايا، ووهب، بنو حماد بن مزيد، وأبو عبد الله ~~الحسن بن أبي الغنائم ms3307 بن مزيد، وحملهم إلى الجوسق. ثم إن المقلد بن أبي ~~الأغر بن مزيد وغيره اجتمعوا معهم عسكر من جلال الدولة، وقصدوا دبيسا ~~وقاتلوه، فانهزم منهم، وأسر من بني عمه خمسة عشر رجلا، فنزل المعتقلون ~~بالجوسق، وهم شبيب وأصحابه، إلى حلله فحرسوها، وسار دبيس منهزما إلى ~~السندية، إلى نجدة الدولة أبي منصور كامل بن قراد، فاستصحبه إلى أبي سنان ~~غريب بن مقن، حتى أصلح أمره مع جلال الدولة وعسكره، وتكفل به، وضمن عنه ~~عشرة آلاف دينار سابورية إذا أعيد إلى ولايته، فأجيب إلى ذلك، وخلع عليه. ~~فعرف المقلد الحال ومعه جمع من خفاجة فنهبوا مطيراباذ، والنيل، وسورا، أقبح ~~نهب، واستاقوا مواشيها، وأحرقوا منازلها، وعبر المقلد دجلة إلى أبي الشوك، ~~وأقام عنده إلى أن أحكم أمره. ### || AUT ذكر عصيان زناتة ومحاربتهم بإفريقية # في هذه السنة تجمعت زناتة وعاودت الخلاف على المعز بإفريقية، فبلغ ذلك ~~المعز، فجمع عساكره وسار إليهم بنفسه، فالتقوا بموضع يعرف بحمديس الصابون، ~~ووقعت الحرب بين الطائفتين، واشتد القتال، فانهزمت زناتة وقتل منهم عدد ~~كثير، أسر مثلهم، وعاد المعز ظافرا غانما. ### || AUT ذكر ما فعله يمين الدولة وولده بعده بالغز # في هذه السنة أوقع يمين الدولة بالأتراك الغزية، وفرقهم في بلاده، لأنهم ~~كانوا قد أفسدوا فيها، وهؤلاء كانوا أصحاب أرسلان بن سلجوقي التركي، وكانوا ~~بمفازة بخارى، فلما عبر يمين الدولة النهر إلى بخارى هرب علي تكين صاحبها ~~منه، على ما نذكره. PageV04P0196 # وحضر أرسلان بن سلجوق عند يمين الدولة، فقبض عليه وسجنه ببلاد الهند، ~~وأسرى إلى خركاهاته، فقتل كثيرا من أصحابه، وسلم منهم خلق كثير، فهربوا منه ~~ولحقوا بخراسان فأفسدوا فيها، ونهبوا هذه السنة، فأرسل إليهم جيشا فسبوهم ~~وأجلوهم عن خراسان، فسار منهم أهل ألفي خركاة، فلحقوا بأصبهان، فكتب يمين ~~الدولة إلى علاء الدولة بإنفاذهم، أو إنفاذ رؤوسهم، فأمر نائبه أن يعمل ~~طعاما ويدعوهم إليه ويقتلهم، فأرسل إليهم وأعلمهم أنه يريد إثبات أسمائهم ~~ليستخدمهم، وكمن الديلم في البساتين، فحضر جمع كثير منهم، فلقيهم مملوك ~~تركي لعلاء الدولة، فأعلمهم الحال، فعادوا، فأراد ms3308 نائب علاء الدولة أن ~~يمنعهم من العود، فلم يقبلوا منه، فحمل ديلمي من قواد الديلم على إنسان ~~منهم، فرماه التركي بسهم فقتله. ووقع الصوت بذلك، فخرجت الديلم وانضاف ~~إليهم أهل البلد، فجرى بينهم حرب، فهزموهم، فقلع الترك خركاهاتهم وساروا، ~~ولم يجتازوا على قرية إلا نهبوها إلى أن وصلوا إلى وهسوذان بأذربيجان، ~~فراعاهم وتفقدهم. وبقي بخراسان أكثر ممن قصد أصبهان، فأتوا جبل بلجان وهو ~~الذي عنده خوارزم القديمة، فنزل كثير منهم من الجبل إلى البلاد، فنهبوا ~~وأخربوا وقتلوا، فجرد محمود بن سبكتكين إليهم أرسلان الجاذب، أمير طوس، ~~فسار إليهم، ولم يزل يتبعهم نحو سنتين في جموع كثيرة من العساكر، فاضطر ~~محمود إلى قصد خراسان بسببهم، فسار يطلبهم من نيسابور إلى دهستان، فساروا ~~إلى جرجان، ثم عاد عنهم، وجعل ابنه مسعودا بالري، على ما ذكرناه، فاستخدم ~~بعضهم وقدمهم يغمر. فلما مات محمود بن سبكتكين سار مسعود ابنه إلى خراسان ~~وهم معه، فلما ملك غزنة سألوه فيمن بقي منهم بجبل بلجان، فأذن لهم في العود ~~على شرط الطاعة والاستقامة. ثم إن مسعودا قصد بلاد الهند عند عصيان أحمد ~~ينالتكين، فعاودوا الفساد، فسير تاش فراش في عسكر كثير إلى الري لأخذها من ~~علاء الدولة، فلما بلغ نيسابور، ورأى سوء فعلهم، دعا مقدميهم، وقتل نيفا ~~وخمسين رجلا، فيهم يغمر، فلم ينتهوا، وساروا إلى الري. وبلغ مسعودا ما هم ~~عليه من الشر والفساد، فأخذ حللهم وسيرها إلى الهند، وقطع أيدي كثير منهم ~~وأرجلهم وصلبهم. هذه أخبار عشيرة أرسلان بن سلجوق، وأما أخبار طغرلبك، ~~وداود، وأخيهما بيغو، فإنهم كانوا بما وراء النهر، وكان من أمرهم ما نذكره ~~بعد إن شاء الله تعالى لأنهم صاروا ملوكا تجيء أخبارهم على السنين. ولما ~~وقع تاش فراش حاجب السلطان مسعود بالغز ساروا إلى الري يزعمون أنهم يريدون ~~أذربيجان، واللحاق بمن مضى منهم أولا هناك، ويسمون العراقية، وكان اسم ~~أمراء هذه الطائفة كوكتاش، وبوقا، وقزل، ويغمر، وناصغلي، فوصلوا إلى ~~الدامغان، فخرج إليهم عسكرها وأهل البلد ليمنعوهم عنه، فلم يقدروا، فصعدوا ~~الجبل وتحصنوا ms3309 به، ودخل الغز، البلد ونهبوه، وانتقلوا إلى سمنان ففعلوا ~~فيها مثل ذلك، ودخلوا خوار الري ففعلوا مثله، ونهبوا إسحاق آباذ وما ~~يجاورها من القرى، وساروا إلى مشكويه من أعمال الري فنهبوها. وتجهز أبو سهل ~~الحمدوني، وتاش فراش، وكاتبا الملك مسعودا، وصاحب جرجان وطبرستان بالحال، ~~وطلبا النجدة، وأخذ تاش ثلاثة آلاف فارس، وما عنده من الفيلة والسلاح، وسار ~~إلى الغز ليواقعهم، وبلغهم خبره، فتركوا نساءهم، وأموالهم، وما غنموا من ~~خراسان، وهذه البلاد المذكورة، وساروا جريدة، فالتقوا فركب تاش الفيل، ~~ووقعت الحرب بين الفريقين، فكانت أولا لتاش، ثم إن الغز أسروا مقدم الأكراد ~~الذين مع تاش، وأرادوا قتله، فقال لهم: استبقوني حتى آمر الأكراد الذين مع ~~تاش بترك قتالهم، فتركوه، وعاهدوه على إطلاقه، فأرسل إلى الأكراد يقول لهم: ~~إن قاتلتم قتلت، ففتروا في القتال. PageV04P0197 # وحملت الغز، وكانوا خمسة آلاف، على تاش فراش وعسكره، فانهزم الأكراد، ~~وثبت تاش وأصحابه، فقتل الغز الفيل الذي تحته فسقط، فقتلوه وقطعوه أخذا ~~بثأر من قتل منهم، وقتل معه عدد كثير من الخراسانية، وأكابر القواد، وغنموا ~~بقية الفيلة، وأثقال العسكر، وساروا إلى الري فاقتتلوا هم وأبو سهل ~~الحمدوني ومن معه من الجند وأهل البلد، فصعد هو ومن معه قلعة طبرك، ودخل ~~الغز البلد، ونهبوا عدة محال نهبا اجتاحوا به الأموال، ثم اقتتلوا هم وأبو ~~سهل، فأسر منهم ابن أخت ليغمر أمير الغز، وقائدا كبيرا من قوادهم، فبذلوا ~~فيهما إعادة ما أخذوا من عسكر تاش، وإطلاق الأسرى، وحمل ثلاثين ألف دينار، ~~فقال: لا أفعل إلا بأمر السلطان. وخرج الغز عن البلد، ووصل عسكر من جرجان، ~~فلما قربوا من الري سار إليهم الغز فكبسوهم، وأسروا مقدمهم، وأسروا معه ~~ألفي رجل، وانهزم الباقون وعادوا، وكان هذا سنة سبع وعشرين وأربعمائة. ### || AUT ذكر وصول علاء الدولة إلى الري # ### || AUT واتفاقه مع الغز وعودهم إلى الخلاف عليه # لما فارق الغز الري إلى أذربيجان علم علاء الدولة ذلك، فسار إليها، ~~ودخلها، وهو يظهر طاعة السلطان مسعود بن سبكتكين، فأرسل إلى أبي سهل ~~الحمدوني يطلب ms3310 منه أن يقرر الذي عليه بمال يؤديه، فامتنع من إجابته مخافة ~~علاء الدولة، فأرسل إلى الغز يستدعيهم ليعطيهم الأقطاع، ويتقوى بهم على ~~الحمدوني، فعاد منهم نحو ألف وخمسمائة، مقدمهم قزل، وسار الباقون إلى ~~أذربيجان. فلما وصل الغز إلى علاء الدولة أحسن إليهم، وتمسك بهم، وأقاموا ~~عنده، ثم ظهر على بعض القواد الخراسانية الذين عنده أنه دعا الغز إلى ~~موافقته على الخروج عليه والعصيان، فأرسل إليه علاء الدولة وأحضره وقبض ~~عليه، وسجنه في قلعة طبرك، فاستوحش الغز لذلك ونفروا، فاجتهد علاء الدولة ~~في تسكينهم، فلم يفعلوا، وعاودوا الفساد والنهب وقطع الطريق، وعاد علاء ~~الدولة فراسل أبا سهل الحمدوني، وهو بطبرستان، وقرر معه أمر الري ليكون في ~~طاعة مسعود، فأجابه إلى ذلك، وسار إلى نيسابور وبقي علاء الدولة بالري. ### || AUT ذكر ما كان من الغز الذين بأذربيجان # قد ذكرنا أن طائفة من الغز وصلوا إلى أذربيجان، فأكرمهم وهسوذان، ~~وصاهرهم، رجاء نصرهم وكف شرهم. وكان أسماء مقدميهم: بوقا، وكوكتاش، ومنصور، ~~ودانا، وكان ما أمله بعيدا، فإنهم لم يتركوا الشر والفساد، والقتل والنهب، ~~وساروا إلى مراغة، فدخلوها سنة تسع وعشرين وأحرقوا جامعها، وقتلوا من ~~عوامها مقتلة كثيرة، ومن الأكراد الهذبانية كذلك، وعظم الأمر، واشتد، ~~البلاء. فلما رأى الأكراد ما حل بهم وبأهل البلاد شرعوا في الصلح والإتفاق ~~على دفع شرهم، فاصطلح أبو الهيجاء بن ربيب الدولة ووهسوذان صاحب أذربيجان ~~واتفقت كلمتهما، واجتمع معهما أهل تلك البلاد، فانتصفوا من الغز. فلما رأوا ~~اجتماع أهل البلاد على حربهم انصرفوا عن أذربيجان، وتعذر عليهم المقام بها، ~~ثم إنهم افترقوا، فسار طائفة إلى الذين على الري، ومقدمهم بوقا، وسار طائفة ~~منهم، مقدمهم منصور وكوكتاش، إلى همذان فحصروها، وبها أبو كاليجار بن علاء ~~الدولة بن كاكويه، فاتفق هو وأهل البلاد على قتالهم ودفعهم عن أنفسهم ~~وبلدهم، فقتل بين الفريقين جماعة كثيرة، وطال مقامهم على همذان، فلما رأى ~~أبو كاليجار بن علاء الدولة ذلك، وضعفه عن مقاومتهم، راسل كوكتاش وصالحه ~~وصاهره. وأما الذين قصدوا الري فإنهم حصروها، وبها علاء الدولة ms3311 بن كاكويه، ~~واجتمع معهم فناخسرو بن مجد الدولة، وكامرو الديلمي، صاحب ساوة، فكثر ~~جمعهم، واشتدت شوكتهم. فلما رأى علاء الدولة أنهم كلما جاء أمرهم ازدادوا ~~قوة، وضعف هو، خاف على نفسه، وفارق البلد في رجب ليلا، ومضى هاربا إلى ~~أصبهان، وأجفل أهل البلد وتمزقوا، وعدلوا عن القتال إلى الاحتيال للهرب، ~~وغاداهم الغز من الغد للقتال، فلم يثبتوا لهم، ودخلوا البلد، ونهبوا نهبا ~~فاحشا، وسبوا النساء، وبقوا كذلك خمسة أيام، حتى لجأ الحرم إلى الجامع، ~~وتفرق الناس في كل مذهب ومهرب، وكان السعيد من نجل بنفسه. وكانت هذه الوقعة ~~بعد التي تقدمتها مستأصلة، حتى قيل إن بعض الجمع لم يكن بالجامع إلا خمسون ~~نفسا. PageV04P0198 # ولما فارق علاء الدولة الري تبعه جمع من الغز فلم يدركوه، فعدلوا إلى كرج ~~فنهبوها، وفعلوا فيها الأفاعيل القبيحة. ومضى طائفة منهم، ومقدمهم ناصغلي، ~~إلى قزوين، فقاتلهم أهلها، ثم صالحوهم على سبعة آلاف دينار، وصاروا في ~~طاعته. وكان بأرمية طائفة منهم، فساروا إلى بلد الأرمن، فأوقعوا بهم، ~~وأثخنوا فيهم، وأكثروا القتل، وغنموا وسبوا، وعادوا إلى أرمية وأعمال أبي ~~الهيجاء الهذباني، فقاتلهم أكرادها لما أنكروه من سوء مجاورتهم، فقتل خلق ~~كثير، ونهب الغز سواد البلاد هناك، وقتلوا من الأكراد كثيرا. ### || AUT ذكر ملك الغز همذان # قد ذكرنا حصار الغز همذان وصلحهم مع صاحبها أبي كاليجار بن علاء الدولة ~~بن كاكويه، فلما كان الآن، وملك الغز الري، عاودوا حصار همذان، وساروا ~~إليها من الري، ما عدا قزل وجماعته، واجتمعوا مع من بها من الغز. فلما سمع ~~أبو كاليجار بهم علم أنه لا قدوة له عليهم، فسار عنها ومعه وجوه التجار ~~وأعيان البلد، وتحصن بكنكور. ودخل الغز همذان سنة ثلاثين وأربعمائة، واجتمع ~~عليها من مقدميهم: كوكتاش، وبوقا، وقزل، ومعهم فناخسرو بن مجد الدولة بن ~~بويه في عدة كثيرة من الديلم، فلما دخلوها نهبوها نهبا منكرا لم يفعلوه ~~بغيرها من البلاد، غيظا منهم، وحنقا عليهم، حيث قاتلوهم أولا، وأخذوا ~~الحرم، وضربت سراياهم إلى أسداباذ وقرى الدينور، واستباحوا تلك النواحي ~~وكان الديلم ms3312 أشدهم. فخرج إليهم أبو الفتح بن أبي الشوك، صاحب الدينور، ~~فواقعهم، واستظهر عليهم، وأسر منهم جماعة، فراسله أمراؤهم في إطلاقهم، ~~فامتنع إلا على صلح وعهود، فأجابوه وصالحوه فأطلقهم. ثم إن الغز بهمذان ~~راسلوا أبا كاليجار بن علاء الدولة وصالحوه، وطلبوا إليه أن ينزل إليهم ~~ليدبر أمرهم، ويصدرون عن رأيه، وأرسلوا إليه زوجته التي تزوجها منهم، فنزل ~~إليهم، فلما صار معهم وثبوا عليه فانهزم، ونهبوا ماله وما كان معه من دواب ~~وغيرها. فسمع أبوه فخرج من أصبهان إلى أعماله بالجبل ليشاهدها، فوقع بطائفة ~~كثيرة من الغز، فظفر بهم، وقتل منهم فأكثر، وأسر مثلهم، ودخل أصبهان منصورا. ### || AUT ذكر قتل الغز بمدينة تبريز # ### || AUT وفراقهم أذربيجان إلى الهكارية # في سنة اثنتين وثلاثين قتل وهسوذان بن مهلان جمعا كثيرا من الغز بمدينة ~~تبريز. وكان سبب ذلك أنه دعا جمعا كثيرا منهم إلى طعام صنعه لهم، فلما ~~طعموا وشربوا قبض على ثلاثين رجلا منهم من مقدميهم، فضعف الباقون، فأكثر ~~فيهم القتل، فاجتمع الغز المقيمون بأرمية وساروا نحو بلاد الهكارية من ~~أعمال الموصل، فقاتلهم أكرادها، وقاتلوهم قتالا عظيما، فانهزم الأكراد وملك ~~الغز حللهم وأموالهم، ونساءهم وأولادهم، وتعلق الأكراد بالجبال والمضايق، ~~وسار الغز في أثرهم فواقعوهم، فظفر بهم الأكراد، فقتلوا منهم ألفا وخمسمائة ~~رجل، وأسروا جمعا فيه سبعة من أمرائهم، ومائة نفس من وجوههم، وغنموا سلاحهم ~~ودوابهم وما معهم من غنيمة استردوها، وسلك الغز طريق الجبال فتمزقوا ~~وتفرقوا. وسمع ابن ربيب الدولة الخبر، فسير في آثراهم من يفني باقيهم، ثم ~~توفي أمير الغز المقيم بالري، وخرج إبراهيم ينال أخو السلطان طغرلبك إلى ~~الري، فلما سمع به الغز المقيمون بها أجفلوا من بين يديه، وفارقوا بلاد ~~الجبل خوفا منه، وقصدوا ديار بكر والموصل في سنة ثلاث وثلاثين. ### || AUT ذكر دخول الغز ديار بكر # في سنة ثلاث وثلاثين فارق الغز أذربيجان. وسبب ذلك أن إبراهيم ينال، وهو ~~أخو طغرلبك، سار إلى الري، فلما سمع الغز الذين بها خبره أجفلوا من بين ~~يديه، وفارقوا بلاد الجبل خوفا، وقصدوا أذربيجان، ms3313 ولم يمكنهم المقام بها ~~لما فعلوا بأهلها، ولأن إبراهيم ينال وراءهم، وكانوا يخافونه لأنهم كانوا ~~له ولأخويه طغرلبك وداود رعية، فأخذوا بعض الأكراد، وعرفهم الطريق، فأخذ ~~بهم في جبال وعرة على الزوزان، وخرجوا إلى جزيرة ابن عمر، فسار بوقا ~~وناصغلي وغيرهما إلى ديار بكر، ونهبوا قردى، وبازبدى، والحسنية، وفيشابور ~~وبقي منصور ابن غرغلي بالجزيرة من الجانب الشرقي. PageV04P0199 # فراسله سليمان بن نصر الدولة بن مروان المقيم بالجزيرة في المصالحة ~~والمقام بأعمال الجزيرة إلى أن ينكشف الشتاء، ويسير مع باقي الغز إلى ~~الشام، فتصالحا وتحالفا، وأضمر سليمان الغدر به، فعمل له طعاما احتفل فيه ~~ودعاه، فلما دخل الجزيرة قبض عليه وحبسه، وانصرف أصحابه متفرقين في كل جهة. ~~فلما علم بذلك قرواش سير جيشا كثيفا إليهم، واجتمع معهم الأكراد البشنوية، ~~أصحاب فنك، وعسكر نصر الدولة، فتبعوا الغز، فلحقوهم وقاتلوهم، فبذل الغز ~~جميع ما غنموه على أن يؤمنوهم، فلم يفعلوا، فقاتلوا قتال من لا يخاف الموت، ~~فجرحوا من العرب كثيرا، وافترقوا. وكان بعض الغز قد قصد نصيبين وسنجار ~~للغارة، فعادوا إلى الجزيرة وحصروها، وتوجهت العرب إلى العراق ليشتوا به، ~~فأخربت الغز ديار بكر، ونهبوا وقتلوا، فأخذ نصر الدولة منصورا أمير الغز من ~~ابنه سليمان، وراسل الغز، وبذل لهم مالا، وإطلاق منصور ليفارقوا عمله، ~~فأجابوه، فأطلق منصورا، وأرسل بعض المال، فغدروا، وزادوا في الشر، وسار ~~بعضهم إلى نصيبين وسنجار والخابور، فنهبوا وعادوا، وسار بعضهم إلى جهينة ~~وأعمال الفرج فنهبوها، فدخل قرواش الموصل خوفا منهم. ### || AUT ذكر ملك الغز مدينة الموصل # لما خرجوا من أذربيجان إلى جزيرة ابن عمر، وهي من أعمال نصر الدولة ابن ~~مروان، سار بعضهم إلى ديار بكر مع أمرائهم المذكورين، وسار الباقون إلى ~~البقعاء، ونزلوا برقعيد، فأرسل إليهم قرواش صاحب الموصل من ينظر فيهم، ~~ويغير عليهم. فلما رأوا ذلك تقدموا إلى الموصل، فأرسل إليهم يستعطفهم ويلين ~~لهم، وبذلك لهم ثلاثة آلاف دينار، فلم يقبلوا، فأعاد مراسلتهم ثانية، ~~فطلبوا خمسة عشر ألف دينار، فالتزمها، وأحضر أهل البلد وأعلمهم الحال. ~~فبينما هو بجمع المال ms3314 وصل الغز إلى الموصل ونزلوا بالحصباء، فخرج إليهم ~~قرواش وأجناده والعامة، فقاتلوهم عامة نهارهم، وأدركهم الليل فافترقوا، ~~فلما كان الغد عادوا إلى القتال، فانهزمت العرب وأهل البلد، وهرب قرواش في ~~سفينة نزلها من داره، وخرج من جميع ماله إلا الشيء اليسير، ودخل الغز البلد ~~فنهبوا كثيرا منه، ونهبوا جميع ما لقرواش من مال وجوهر وحلي وثياب وأثاث، ~~ونجا قرواش في السفينة ومعه نفر، فوصل إلى السن وأقام بها، وأرسل إلى الملك ~~جلال الدولة يعرفه الحال، ويطلب النجدة، وأرسل إلى دبيس بن مزيد وغيره من ~~أمراء العرب والأكراد يستمدهم ويشكو ما نزل به. وعمل الغز بأهل الموصل ~~الأعمال الشنيعة من الفتك وهتك الحريم ونهب المال، وسلم عدة محال منها سكة ~~أبي نجيح، والجصاصة، وجارسوك، وشاطيء نهر، وباب القصابين على مال ضمنوه، ~~فكفوا عنهم. ### || AUT ذكر وثوب أهل الموصل بالغز # ### || AUT وما كان بينهم # قد ذكرنا ملك الغز الموصل، فلما استقروا فيها قسطوا على أهلها عشرين ألف ~~دينار وأخذوها، ثم تتبعوا الناس وأخذوا كثيرا من أموالهم بحجة أموال العرب، ~~ثم قسطوا أربعة آلاف دينار أخرى، فحضر جماعة من الغر عند ابن فرغان ~~الموصلي، وطالبوا إنسانا بحضرته، وأساءوا الأدب والقول. وجرى بين بعض الغز ~~وبعض المواصلة مشاجرة، فجرحه الغزي وقطع شعره، وكان للموصلي والدة سليطة، ~~فلطخت وجهها بالدم، وأخذت الشعر بيدها وصاحت: المستغاث بالله وبالمسلمين، ~~قد قتل لي ابن وهذا دمه، وابنة وهذا شعرها! وطافت في الأسواق، فثار الناس ~~وجاؤوا إلى ابن فرغان فقتلوا من عنده من الغز، وقتلوا من ظفروا به منهم، ثم ~~حصروهم في دار، فقاتلوا من بسطحها، فنقب الناس عليهم الدار وقتلوهم جميعهم، ~~غير سبعة أنفس منهم أبو علي ومنصور، فخرج منصور إلى الحصباء، ولحق به من ~~سلم منهم. وكان كوكتاش قد فارق الموصل في جمع كثير، فأرسلوا إليه يعلمونه ~~الحال، فعاد إليهم، ودخل البلد عنوة في الخامس والعشرين من رجب سنة خمس ~~وثلاثين ووضعوا السيف في أهله، وأسروا كثيرا، ونهبوا الأموال، وأقاموا على ~~ذلك اثني عشر يوما يقتلون وينهبون، ms3315 وسلمت سكة أبي نجيح، فإن أهلها أحسنوا ~~إلى الأمير منصور، فرعى لهم ذلك، والتجأ من سلم إليها، وبقي القتلى في ~~الطريق، فأنتنوا لعدم من يواريهم، ثم طرحوا بعد ذلك كل جماعة في حفيرة. ~~وكانوا يخطبون للخليفة، ثم لطغرلبك. PageV04P0200 # ولما طال مقامهم بهذه البلاد، وجرى منهم ما ذكرناه، كتب الملك جلال ~~الدولة بن بويه إلى طغرلبك يعرفه ما يجري منهم، وكتب إلى نصر الدولة بن ~~مروان يشكو منهم، فكتب إلى نصر الدولة يقول له: بلغني أن عبيدنا قصدوا ~~بلادك، وأنك صانعتهم بمال بذلته لهم، وأنت صاحب ثغر ينبغي أن تعطي ما ~~تستعين به على قتال الكفار، ويعده أنه يرسل إليهم يرحلهم من بلده. وكانوا ~~يقصدون بلاد الأرمن وينهبون ويسبون، حتى إن الجارية الحسناء بلغت قيمتها ~~خمسة دنانير، وأما الغلمان فلا يرادون. فأما كتاب طغرلبك إلى جلال الدولة، ~~فيعتذر بأن هؤلاء التركمان كانوا لنا عبيدا، وخدما، ورعايا، وتبعا، يمتثلون ~~الأمر، ويخدمون الباب، ولما نهضنا لتدبير خطب آل محمود بن سبكتكين، ~~وانتدبنا لكفاية أمر خوارزم، انحازوا إلى الري فعاثوا فيها وأفسدوا، فزحفنا ~~بجنودنا من خراسان إليهم مقدرين أنهم يلجأون إلى الأمان، ويلوذون بالعفو ~~والغفران، فملكتهم الهيبة، وزحزحتهم الحشمة، ولا بد من أن نردهم إلى ~~راياتنا خاضعين، ونذيقهم من بأسنا جزاء المتمردين، قربوا أم بعدوا، أغاروا أم أنجدوا. ### || AUT ذكر ظفر قرواش صاحب الموصل بالغز # قد ذكرنا انحدار قرواش إلى السن، ومراسلته سائر أصحاب الأطراف في طلب ~~النجدة منهم، فأما الملك جلال الدولة فلم ينجده لزوال طاعته عن جنده ~~االأتراك، وأما دبيس بن مزيد فسار إليه، واجتمعت عليه عقيل كافة، وأتته ~~أمداد أبي الشوك وابن ورام وغيرهما، فلم يدركوا الوقعة، فإن قرواشا لما ~~اجتمعت عقيل ودبيس عنده سار إلى الموصل. وبلغ الخبر إلى الغز، فتأخروا إلى ~~تلعفر، وبومارية، وتلك النواحي، وراسلوا الغز الذين كانوا بديار بكر ~~ومقدمهم ناصغلي وبوقا، وطلبوا منهم المساعدة على العرب، فساروا إليهم. وسمع ~~قرواش بوصولهم، فلم يعلم أصحابه لئلا يفشلوا ويجبنوا، وسار حتى نزل على ~~العجاج، وسارت الغز فنزلوا برأس ms3316 الأيل من الفرج، وبينهما نحو فرسخين، وقد ~~طمع الغز في العرب، فتقدموا حتى شارفوا حلل العرب ووقعت الحرب في العشرين ~~من شهر رمضان من أول النهار، فاستظهرت الغز، وانهزمت العرب حتى صار القتال ~~عند حللهم، ونساؤهم يشاهدون القتال، فلم يزل الظفر للغز إلى الظهر، ثم أنزل ~~الله نصره على العرب، وانهزمت الغز وأخذهم السيف وتفرقوا، وكثر القتل فيهم، ~~فقتل ثلاثة من مقدميهم، وملك العرب حلل الغز وخركاهاتهم، وغنموا أموالهم، ~~فعمتهم الغنيمة، وأدركهم الليل فحجز بينهم. وسير قرواش رؤوس كثير من القتلى ~~في سفينة إلى بغداد، فلما قاربتها أخذها الأتراك ودفنوها، ولم يتركوها تصل ~~أنفة وحمية للجنس، وكفى الله أهل الموصل شرهم، وتبعهم قرواش إلى نصيبين، ~~وعاد عنهم، فقصدوا ديار بكر فنهبوها، ثم مالوا على الأرمن والروم فنهبوهم، ~~ثم قصدوا بلاد أذربيجان، وكتب قرواش إلى الأطراف يبشر بالظفر بهم، وكتب إلى ~~ابن ربيب الدولة، صاحب أرمية، يذكر له أنه قتل منهم ثلاثة آلاف رجل، فقال ~~للرسول: هذا عجيب! فإن القوم لما اجتازوا ببلادي أقمت على قنطرة لا بد لهم ~~من عبورها من عدهم، فكانوا نيفا وثلاثين ألفا مع لفيفهم، فلما عادوا بعد ~~هزيمتهم لم يبلغوا خمسة آلاف رجل، فإما أن يكونوا قتلوا أو هلكوا. ومدح ~~الشعراء قرواشا بهذا الفتح، وممن مدحه ابن شبل بقصيدة منها: بأبي الذي أرست ~~نزار بيتها ... في شامخ من عزه المتخير وهي طويلة. هذه أخبار الغز ~~العراقيين، وإنما أوردناها لأن دولتهم لم تطل حتى نذكر حوادثها في السنين، ~~وإنما كانت سحابة صيف تقشعت عن قريب. وأما السلجوقية فنحن نذكر حوادثهم في ~~السنين ونذكر ابتداء أمرهم سنة اثنتين وثلاثين إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة سير الظاهر جيشا من مصر، مقدمهم أنوشتكين الزبري، فقتل ~~صالح بن مرداس، وملك نصر بن صالح مدينة حلب، وقد تقدم ذكره في سنة اثنتين ~~وأربعمائة. وفيها سقط في البلاد برد عظيم، وكان أكثره بالعراق، وارتفعت ~~بعده ريح شديدة سوداء، فقلعت كثيرا من الأشجار بالعراق، فقلعت شجرا كبارا ~~من ms3317 الزيتون من شرقي النهراون وألقته على بعد من غربيها، وقلعت نخلة من ~~أصلها وحملتها إلى دار بينها وبين موضع هذه الشجرة ثلاث دور، وقلعت سقف ~~مسجد الجامع ببعض القرى. وفيها، في ذي القعدة، تولى عبد الله بن ماكولا ~~قضاء القضاة. PageV04P0201 # وفيها توفي أبو الحسن علي بن عيسى الربعي النحوي عن نيف وتسعين سنة، وأخذ ~~النحو عن أبي علي الفارسي، وأبي سعيد السيرافي، وكان فكها، كثير الدعابة، ~~فمن ذلك أنه كان يوما على شاطيء دجلة ببغداد، والملك جلال الدولة، والمرتضى ~~والرضي كلاهما في سميرية، ومعهما عثمان بن جني النحوي، فناداه الربعي: أيها ~~الملك ما أنت صادق في تشيعك لعلي بن أبي طالب، يكون عثمان إلى جانبك، وعلي، ~~يعني نفسه، هاهنا! فأمر بالسميرية فقربت إلى الشاطيء وحمله معه. وقيل إن ~~هذا القول كان للشريف الرضي وأخيه المرتضى، ومعهما عثمان ابن جني، فقال: ما ~~أعجب أحوال الشريفين! يكون عثمان معهما، وعلي يمشي على الشط. وفيها أيضا ~~توفي أبو المسك عنبر، الملقب بالأثير، وكان قد أصعد إلى الموصل مغاضبا ~~لجلال الدولة، فلقيه قرواش وأهله، وقبلوا الأرض بين يديه، فأقام عندهم، ~~وكان خصيا لبهاء الدولة بن بويه، وكان قد بلغ مبلغا عظيما، لم يخل أمير ولا ~~وزير في دولة بني بويه من تقبيل يده والأرض بين يديه، وكان قد استقر بينه ~~وبين قرواش وأبي كاليجار قاعدة أن يصعد أبو كاليجار من واسط، وينحدر الأثير ~~وقرواش من الموصل لقصد جلال الدولة، وكان الأثير قد انحدر من الموصل، فلما ~~وصل مشهد الكحيل توفي فيه. وفيها انقطع كوكب عظيم، في رجب، أضاءت منه ~~الأرض، وسمع له صوت عظيم كالرعد، وتقطع أربع قطع، وانقض بعده بليلتين كوكب ~~آخر دونه، وانقض بعدهما كوكب أكبر منهما وأكثر ضوءا. وفيها كانت ببغداد ~~فتنا قوي فيها أمر العيارين واللصوص، فكانوا يأخذون العملات ظاهرا. وفيها ~~قطعت الجمعة من جامع براثا، وسببها أنه كان يخطب فيها إنسان يقول في خطبته: ~~بعد الصلاة على النبي وعلى أخيه أمير المؤمنين على بن أبي طالب، مكلم ~~الجمجمة، ومحييها ms3318 البشري الإلهي، مكلم الفتية أهل الكهف، إلى غير ذلك من ~~الغلو المبتدع، فأقام الخليفة خطيبا، فرجمه العامة، فانقطعت الصلاة فيه، ~~فاجتمع جماعة من أعيان الكرخ مع المرتضى، واعتذروا إلى الخليفة بأن سفهاء ~~لا يعرفون فعلوا ذلك، وسألوا إعادة الخطبة، فأجيبوا إلى ما طلبوا، وأعيدت ~~الصلاة والخطبة فيه. وفيها توفي ابن أبي الهبيش الزاهد المقيم بالكوفة، وهو ~~من أرباب الطبقات الغالية في الزهد، وقبره يزار إلى الآن وقد زرته. وفيها ~~توفي منوجهر بن قابوس بن وشمكير، وملك ابنه أنوشروان. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وأربعمائة # ### || AUT ذكر ملك مسعود بن سبكتكين همذان # في هذه السنة سير مسعود بن يمين الدولة محمود جيشا إلى همذان، فملكوها، ~~وأخرجوا نواب علاء الدولة بن كاكويه عنها، وسار هو إلى أصبهان، فلما قاربها ~~فارقها علاء الدولة، فغنم مسعود ما كان له بها من دواب وسلاح وذخائر، فإن ~~علاء الدولة أعجل عن أخذه، فلم يأخذ إلا بعضه، وسار إلى خوزستان، فبلغ إلى ~~تستر ليطلب من أبي كاليجار نجدة، ومن الملك جلال الدولة، ويعود إلى بلاده ~~يستنقذها، فبقي عند أبي كاليجار مدة، وهو عقيب انهزامه من جلال الدولة ~~ضعيف، ومع هذا فهو يعده النصرة، وتسيير العساكر، إذا اصطلح هو وجلال ~~الدولة. فبينما هو عنده إذ أتاه خبر وفاة يمين الدولة محمود، ومسير مسعود ~~إلى خراسان، فسار علاء الدولة إلى بلاده، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر غزوة للمسلمين إلى الهند # في هذه السنة غزا أحمد بن ينالتكين، النائب عن محمود بن سبكتكين ببلاد ~~الهند، مدينة للهنود هي من أعظم مدنهم، يقال لها نرسى، ومع أحمد نحو مائة ~~ألف فارس وراجل، وشن الغارة على البلاد، ونهب، وسبى، وخرب الأعمال، وأكثر ~~القتل والأسر، فلما وصل إلى المدينة دخل من أحد جوانبها ونهب المسلمون في ~~ذلك الجانب يوما من بكرة إلى آخر النهار، ولم يفرغوا من نهب سوق العطارين ~~والجوهريين، حسب، وباقي أهل البلد لم يعلموا بذلك، لأن طوله منزل من منازل ~~الهنود، وعرضه مثله، فلما جاء ms3319 المساء لم يجسر أحد على المبيت فيه لكثرة ~~أهله، فخرج منه ليأمن على نفسه وعسكره. وبلغ من كثرة ما نهب المسلمون أنهم ~~اقتسموا الذهب والفضة كيلا، ولم يصل إلى هذه المدينة عسكر للمسلمين قبله ~~ولا بعده، فلما فارقه أراد العود إليه، فلم يقدر على ذلك، منعه أهله عنه. ### || AUT ذكر ملك بدران ابن المقلد نصيبين # PageV04P0202 # قد ذكرنا محاصرة بدران نصيبين وأنه رحل عنها خوفا من قرواش، فلما رحل شرع ~~في إصلاح الحال معه فاصطلحا. ثم جرى بين قرواش ونصر الدولة ابن مروان نفرة ~~كان سببها أن نصر الدولة كان قد تزوج ابنة قرواش ونصر فآثر عليها غيرها، ~~فأرسلت إلى أبيها تشكو منه، فأرسل يطلبها إليه، فسيرها فأقامت بالموصل. ثم ~~إن ولد مستحفظ جزيرة ابن عمر وهي لابن مروان هرب إلى قرواش وأطمعه في ~~الجزيرة فأرسل إلى نصر الدولة يطلب منه صداق ابنته وهو عشرون ألف دينار، ~~ويطلب الجزيرة لنفقتها، ويطلب نصيبين لأخيه بدران ويحتج بما أخرج بسببها ~~عام أول، وترددت الرسل بينهما في ذلك فلم يستقر حال، فسير جيشا لمحاصرة ~~الجزيرة وجيشا مع أخيه بدران إلى نصيبين، فحصرها بدران وأتاه قرواش فحصرها ~~معه فلم يملك واحد من البلدين وتفرق من كان معه من العرب والأكراد. فلما ~~رأى بدران تفرق الناس عن أخيه سار إلى نصر الدولة بن مروان بميافارقين يطلب ~~منه نصيبين، فسلمها إليه وأرسل من صداق ابنة قرواش خمسة عشر ألف دينار واصطلحا. ### || AUT ذكر ملك أبي الشوك دقوقا # وفيها حصر أبو الشوك دقوقا، وبها مالك بن بدران بن المقلد العقيلي، فطال ~~حصاره، وكان قد أرسل إليه يقول له: إن هذه المدينة كانت لأبي، ولا بد لي ~~منها، والصواب أن تنصرف عنها. فامتنع من تسليمها، فحصره بها، ثم استظهر، ~~وملك البلد، فطلب منه مالك الأمان على نفسه وماله وأصحابه، فأمنه على نفسه ~~حسب، فلما خرج إليه مالك قال له أبو الشوك: قد كنت سألتك أن تسلم البلد ~~طوعا، وتحقن دماء المسلمين، فلم تفعل. فقال: لو فعلت لعيرتني العرب، وأما ms3320 ~~الآن فلا عار علي. فقال أبو الشوك: إن من إتمام الصنيعة تسليم مالك وأصحابك ~~إليك، فأعطاه ما كان له أجمع، فأخذه وعاد سالما. ### || AUT ذكر وفاة محمود بن سبكتكين # ### || AUT وملك ولده محمد # في هذه السنة، في ربيع الآخر، توفي يمين الدولة أبو القاسم محمود بن ~~سبكتكين، ومولده يوم عاشوراء سنة ستين وثلاثمائة، وقيل إنه توفي أحد عشر ~~صفر، وكان مرضه سوء مزاج وإسهالا، وبقي كذلك نحو سنتين، وكان قوي النفس لم ~~يضع جنبه في مرضه بل كان يستند إلى مخدته، فأشار عليه الأطباء بالراحة، ~~وكان يجلس للناس بكرة وعشية، فقال: أتريدون أن أعتزل الإمارة؟ فلم يزل كذلك ~~حتى توفي قاعدا. فلما حضره الموت أوصى بالملك لابنه محمد، وهو ببلخ، وكان ~~أصغر من مسعود، إلا أنه كان معرضا عن مسعود، لأن أمره لم يكن عنده نافذا، ~~وسعى بينهما أصحاب الأغراض، فزادوا أباه نفورا عنه، فلما وصى بالملك لولده ~~محمد توفي، فخطب لمحمد من أقاصي الهند إلى نيسابور، وكان لقبه جلال الدولة، ~~وأرسل إليه أعيان دولة أبيه يخبرونه بموت أبيه ووصيته له بالملك، ~~ويستدعونه، ويحثونه على السرعة، ويخوفونه من أخيه مسعود، فحين بلغه الخبر ~~سار إلى غزنة، فوصلها بعد موت أبيه بأربعين يوما، فاجتمعت العساكر على ~~طاعته، وفرق فيهم الأموال والخلع النفيسة، فأسرف في ذلك. ### || AUT ذكر ملك مسعود وخلع محمد # لما توفي يمين الدولة كان ابنه مسعود بأصبهان، فلما بلغه الخبر سار إلى ~~خراسان، واستخلف بأصبهان بعض أصحابه في طائفة من العسكر، فحين فارقها ثار ~~أهلها بالوالي عليهم فقتلوه، وقتلوا من معه من الجند. وأتى مسعودا الخبر، ~~فعاد إليها، وحصرها، وفتحها عنوة، وقتل فيها فأكثر، ونهب الأموال، واستخلف ~~فيها رجلا كافيا، وكتب إلى أخيه محمد يعلمه بذلك، وأنه لا يريد من البلاد ~~التي وصى له أبوه بها شيئا، وأنه يكتفي بما فتحه من بلاد طبرستان، وبلد ~~الجبل، وأصبهان، وغيرها، ويطلب منه الموافقة، وأن يقدمه في الخطبة على ~~نفسه، فأجابه محمد جواب مغالط. وكان مسعود قد وصل إلى الري، فأحسن إلى ms3321 ~~أهلها، وسار منها إلى نيسابور ففعل مثل ذلك، وأما محمد فإنه أخذ على عسكره ~~العهود والمواثيق على المناصحة له، والشد منه، وسار في عساكره إلى أخيه ~~مسعود محاربا له، وكان بعض عساكره يميل إلى أخيه مسعود لكبره وشجاعته، ~~ولأنه قد اعتاد التقدم على الجيوش، وفتح البلاد، وبعضها يخافه لقوة نفسه. ~~PageV04P0203 # وكان محمد قد جعل مقدم جيشه عمه يوسف بن سبكتكين، فلما هم بالركوب، في ~~داره بغزنة، ليسير سقطت قلنسونه من رأسه، فتطير الناس من ذلك، وأرسل إليه ~~التونتاش، صاحب خوارزم، وكان من أعيان أصحاب أبيه محمود، يشير عليه بموافقة ~~أخيه وترك مخالفته، فلم يصغ إلى قوله، وسار فوصل إلى تكناباذ أول يوم ~~رمضان، وأقام إلى العيد، فعيد هناك، فلما كان ليلة الثلاثاء، ثالث شوال، ~~ثار به جنده، فأخذوه وقيدوه وحبسوه، وكان مشغولا بالشراب واللعب عن تدبير ~~المملكة، والنظر في أحوال الجند والرعايا. وكان الذي سعى في خذلانه علي ~~خويشاوند، صاحب أبيه، وأعانه على ذلك عمه يوسف بن سبكتكين. فلما قبضوا عليه ~~نادوا بشعار أخيه مسعود، ورفعوا محمدا إلى قلعة تكناباذ، وكتبوا إلى مسعود ~~بالحال. فلما وصل إلى هراة لقيته العساكر مع الحاجب علي خويشاوند، فلما ~~لقيه الحاجب علي قبض عليه وقتله، وقبض بعد ذلك أيضا على عمه يوسف، وهذه ~~عاقبة الغدر، وهما سعيا له في رد الملك إليه، وقبض أيضا على جماعة من أعيان ~~القواد في أوقات متفرقة، وكان اجتماع الملك له واتفاق الكلمة عليه في ذي ~~القعدة، وأخرج الوزير أبا القاسم أحمد بن الحسن الميمندي الذي كان وزير ~~أبيه من محبسه، واستوزره، ورد الأمر إليه، وكان أبوه قد قبض عليه سنة اثنتي ~~عشرة وأربعمائة لأمور أنكرها، وقيل شره في ماله، وأخذ منه لما قبض عليه ~~مالا وأعراضا بقيمة خمسة آلاف ألف دينار. وكان وصول مسعود إلى غزنة ثامن ~~جمادى الآخرة من سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، فلما وصل إليها وثبت ملكه ~~بها أتته رسل الملوك من سائر الأقطار إلى بابه، واجتمع له ملك خراسان، ~~وغزنة، وبلاد الهند والسند، وسجستان، وكرمان، ms3322 ومكران، والري، وأصبهان، وبلد ~~الجبل، وغير ذلك، وعظم سلطانه وخيف جانبه. ### || AUT ذكر بعض سيرة محمود بن سبكتكين # كان يمين الدولة محمود بن سبكتكين عاقلا، دينا، خيرا، عنده علم ومعرفة، ~~وصنف له كثير من الكتب في فنون العلوم، وقصده العلماء من أقطار البلاد، ~~وكان يكرمهم، ويقبل عليهم، ويعظمهم، ويحسن إليهم، وكان عادلا، كثير الإحسان ~~إلى رعيته والرفق بهم، كثير الغزوات، ملازما للجهاد، وفتوحه مشهورة مذكورة، ~~وقد ذكرنا منها ما وصل إلينا على بعد الدهر، وفيه ما يستدل به على بذل نفسه ~~لله تعالى واهتمامه بالجهاد. ولم يكن فيه ما يعاب إلا أنه كان يتوصل إلى ~~أخذ الأموال بكل طريق، فمن ذلك أنه بلغه أن إنسانا من نيسابور كثير المال، ~~عظيم الغنى، فأحضره إلى غزنة وقال له: بلغنا أنك قرمطي، فقال: لست بقرمطي، ~~ولي مال يؤخذ منه ما يراد وأعفى من هذا الاسم، فأخذ منه مالا، وكتب معه ~~كتابا بصحة اعتقاده. وجدد عمارة المشهد بطوس الذي فيه قبر علي بن موسى ~~الرضا، والرشيد، وأحسن عمارته، وكان أبوه سبكتكين أخربه، وكان أهل طوس ~~يؤذون من يزوره، فمنعهم عن ذلك. وكان سبب فعله أنه رأى أمير المؤمنين علي ~~بن أبي طالب، عليه السلام، في المنام وهو يقول له: إلى متى هذا؟ فعلم أنه ~~يريد أمر المشهد، فأمر بعمارته. وكان ربعة مليح اللون، حسن الوجه، صغير ~~العينين، أحمر الشعر، وكان ابنه محمد يشبهه، وكان ابنه مسعود ممتليء البدن، طويلا. ### || AUT ذكر عودة علاء الدولة إلى أصبهان وغيرها وما كان منه # لما مات محمود بن سبكتكين طمع فناخسرو بن مجد الدولة بن بويه في الري، ~~وكان قد هرب منها لما ملكها عسكر يمين الدولة محمود، فقصد قصران، وهي ~~حصينة، فامتنع بها. فلما توفي يمين الدولة وعاد ابنه مسعود إلى خراسان جمع ~~فناخسرو هذا جمعا من الديلم والأكراد وغيرهم، وقصدوا الريي، فخرج إليه نائب ~~مسعود بها ومن معه من العسكر، فقاتلوه، فانهزم منهم وعاد إلى بلده، وقتل ~~جماعة من عسكره. ثم إن علاء الدولة بن كاكويه، ms3323 لما بلغه وفاة يمين الدولة، ~~كان بخوستان عند الملك أبي كاليجار، كما ذكرنا، وقد أيس من نصره، وتفرق بعض ~~من عنده من عسكره وأصحابه، والباقون على عزم مفارقته، وخائف من مسعود أن ~~يسير إليه من أصبهان فلا يقوى هو وأبو كاليجار به، فأتاه من الفرج بموت ~~يمين الدولة ما لم يكن في حسابه، فلما سمع الخبر سار إلى أصبهان فملكها، ~~وملك همذان، وغيرهما من البلاد، وسار إلى الري فملكها، وامتد إلى أعمال ~~أنوشروان بن منوجهر بن قابوس، فأخذ منه خوار الري ودنباوند. PageV04P0204 # فكتب أنوشروان إلى مسعود يهنئه بالملك، وسأله تقرير الذي عليه بمال ~~يحمله، فأجابه إلى ذلك، وسير إليه عسكرا من خراسان، فساروا إلى دنباوند ~~فاستعادوها، وساروا نحو الري، فأتاهم المدد والعسكر، وممن أتاهم علي بن ~~عمران، فكثر جمعهم، فحصروا الري، وبها علاء الدولة، فاشتد القتال في بعض ~~الأيام، فدخل العسكر الري قهرا، والفيلة معهم، فقتل جماعة من أهل الري ~~والديلم، ونهب المدينة، وانهزم علاء الدولة، وتبعه بعض العسكر وجرحه في ~~رأسه وكتفه، فألقى لهم دنانير كانت معه، فاشتغلوا بها عنه، فنجا، وسار إلى ~~قلعة فردجان، على خمسة عشر فرسخا من همذان، فأقام بها إلى أن برأ من ~~جراحته، وكان من أمره ما نذكر، إن شاء الله تعالى، وخطب بالري وأعمال ~~أنوشروان لمسعود، فعظم شأنه. ### || AUT ذكر الحرب بين عسكر جلال الدولة وأبي كاليجار # في هذه السنة، في شوال، سير جلال الدولة عسكرا إلى المذار، وبها عسكر ~~أبي كاليجار، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم عسكر أبي كاليجار، واستولى أصحاب ~~جلال الدولة على المذار، وعملوا بأهلها كل محظور. فلما سمع أبو كاليجار ~~الخبر سير إليهم عسكرا كثيفا، فاقتتلوا بظاهر البلد، فانهزم عسكر جلال ~~الدولة، وقتل أكثرهم، وثار أهل البلد بغلمانهم فقتلوهم، ونهبوا أموالهم ~~لقبيح سيرتهم معهم، وعاد من سلم من المعركة إلى واسط. ### || AUT ذكر الحرب بين قرواش وغريب بن مقن # في هذه السنة، في جمادى الأولى، اختلف قرواش وغريب بن مقن. وكان سبب ذلك ~~أن غريبا جمع جمعا كثيرا من العرب والأكراد، ms3324 واستمد جلال الدولة، فأمده ~~بجملة صالحة من العسكر، فسار إلى تكريت فحصرها، وهي لأبي المسيب رافع بن ~~الحسين، وكان قد توجه إلى الموصل، وسأل قرواشا النجدة، فجمعا وحشدا وسارا ~~منحدرين فيمن معهما، فبلغا الدكة، وغريب يحاصر تكريت، وقد ضيق على من بها، ~~وأهلها يطلبون منه الأمان، فلم يؤمنهم، فحفظوا نفوسهم وقاتلوا أشد قتال. ~~فلما بلغه وصول قرواش ورافع سار إليهم، فالتقوا بالدكة واقتتلوا، فغدر ~~بغريب بعض من معه، ونهبوا سواده وسواد الأجناد الجلالية، فانهزم، وتبعهم ~~قرواش ورافع، ثم كفوا عنه وعن أصحابه، ولم يتعرضوا إلى حلته وما له فيها، ~~وحفظوا ذلك أجمع، ثم إنهم تراسلوا واصطلحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه من الوفاق. ### || AUT ذكر خروج ملك الروم إلى الشام وانهزامه # في هذه السنة خرج ملك الروم من القسطنطينية في ثلاث مائة ألف مقاتل إلى ~~الشام، فلم يزل بعساكره حتى بلغوا قريب حلب، وصاحبها شبل الدولة نصر بن ~~صالح بن مرداس، فنزلوا على يوم منها، فلحقهم عطش شديد، وكان الزمان صيفا، ~~وكان أصحابه مختلفين عليه، فمنهم من يحسده، ومنهم من يكرهه. وممن كان معه ~~ابن الدوقس، ومن أكابرهم، وكان يريد هلاك الملك ليملك بعده، فقال الملك: ~~الرأي أن نقيم حتى تجيء الأمطار وتكثر المياه. فقبح ابن الدوقس هذا الرأي، ~~وأشار بالإسراع قصدا لشر يتطرق إليه، ولتدبير كان قد دبره عليه. فسار، ~~ففارقه ابن الدوقس، وابن لؤلؤ في عشرة آلاف فارس، وسلكوا طريقا آخر، فخلا ~~بالملك بعض أصحابه وأعلمه أن ابن الدوقس وابن لؤلؤ قد حالفا أربعين رجلا، ~~هو أحدهم، على الفتك به، واستشعر من ذلك وخاف، ورحل من يومه راجعا. ولحقه ~~ابن الدوقس، وسأله عن السبب الذي أوجب عوده، فقال له: قد اجتمعت علينا ~~العرب وقربوا منا، وقبض في الحال على ابن الدوقس وابن لؤلؤ وجماعة معهما، ~~فاضطرب الناس واختلفوا، ورحل الملك، وتبعهم العرب وأهل السواد حتى الأرمن ~~يقتلون وينهبون، وأخذوا من الملك أربعمائة بغل محملة مالا وثيابا، وهلك ~~كثير من الروم عطشا، ونجا الملك وحده، ولم يسلم معه من ms3325 أمواله وخزائنه شيء ~~البتة، وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا. وقيل في عوده غير ~~ذلك، وهو أن جمعا من العرب ليس بالكثير عبر على عسكره، وظن الروم أنها ~~كبسة، فلم يدروا ما يفعلون، حتى إن ملكهم لبس خفا أسود، وعادة ملوكهم لبس ~~الخف الأحمر، فتركه ولبس الأسود ليعمى خبره على من يريده، وانهزموا، وغنم ~~المسلمون جميع كان معهم. ### || AUT ذكر مسير أبي علي بن ماكولا إلى البصرة وقتله # PageV04P0205 # لما استولى الملك جلال الدولة على واسط، وجعل ولده فيها، سير وزيره أبا ~~علي بن ماكولا إلى البطائح والبصرة ليملكها، فملك البطائح، وسار إلى البصرة ~~في الماء، وأكثر من السفن والرجال. وكان بالبصرة أبو منصور بختيار بن علي ~~نائبا لأبي كاليجار، فجهز جيشا في أربعمائة سفينة، وجعل عليهم أبا عبد الله ~~الشرابي الذي كان صاحب البطيحة، وسيره، فالتقى هو والوزير أبو علي، فعند ~~اللقاء والقتال هبت ريح شمال كانت على البصريين ومعونة للوزير، فانهزم ~~البصريون وعادوا إلى البصرة، فعزم بختيار على الهرب إلى عبادان، فمنعه من ~~سلم عنده من عسكره، فأقام متجلدا. وأشار جماعة على الوزير أبي علي أن يعجل ~~الانحدار، ويغتنم الفرصة قبل أن يعود بختيار يجمع. فلما قاربهم، وهو في ألف ~~وثلاثمائة عدد من السفن، سير بختيار ما عنده من السفن، وهي نحو ثلاثين ~~قطعة، وفيها المقاتلة، وكان قد سير عسكرا آخر في البر، وكان له في فم نهر ~~أبي الخصيب نحو خمسمائة قطعة فيها ماله، ولجميع عسكره من المال والأثاث ~~والأهل، فلما تقدمت سفنه صاح من فيها، وأجابه من في السفن التي فيها أهلوهم ~~وأموالهم، وورد عليهم العسكر الذي في البر، فقال الوزير لمن أشار عليه ~~بمعالجة بختيار: ألستم زعمتم أنه في خف من العسكر، وأن معالجته أولى، ورأى ~~الدنيا مملوءة عساكر؟ فهونوا عليه الأمر، فغضب، وأمر بإعادة السفن إلى ~~الشاطيء، إلى الغد، ويعود إلى القتال. فلما أعاد سفنه ظن أصحابه أنه قد ~~انهزم، فصاحوا: الهزيمة؟؟! فكانت هي. وقيل: بل لما أعاد سفنه لحقهم من في ~~سفن ms3326 بختيار، وصاحوا: الهزيمة! الهزيمة! وأجابهم من في البر من عسكر بختيار، ~~ومن في سفنهم التي فيها أموالهم، فانهزم أبو علي حقا، وتبعه أصحاب بختيار ~~وأهل السواد، ونزل بختيار في الماء، واستصرخ الناس، وسار في آثارهم يقتل ~~ويأسر، وهم يغرقون، فلم يسلم من السفن كلها أكثر من خمسين قطعة. وسار ~~الوزير أبو علي منهزما، فأخذ أسيرا، وأحضر عند بختيار، فأكرمه وعظمه، وجلس ~~بين يديه، وقال له: ما الذي تشتهي أن أفعل معك؟ قال: ترسلني إلى الملك أبي ~~كاليجار. فأرسله إليه فأطلقه، فاتفق أن غلاما له وجارية اجتمعا على فساد، ~~فعلم بهما، وعرفا أنه قد علم حالهما، فقتلاه بعد أسره بنحو من شهر. وكان قد ~~أحدث في ولايته رسوما جائرة، وسن سننا سيئة، ومنها جباية سوق الدقيق، ~~ومقالي الباذنجان، وسميريات المشارع، ودلالة ما يباع من الأمتعة، وأجر ~~الحمالين الذين يرفعون التمور إلى السفن، وبما يعطيه الذباحون لليهود، فجرى ~~في ذلك مناوشة بين العامة والجند. ### || AUT ذكر استيلاء جلال الدولة على البصرة # ### || AUT وأخذها منهم # لما انحدر الوزير أبو علي بن ماكولا إلى البصرة، على ما ذكرناه، لم ~~يستصحب معه الأجناد البصريين الذين مع جلال الدولة، تأنيسا للديلم الذين ~~بالبصرة، فلما أصيب، على ما ذكرنا، تجهز هؤلاء البصريون وانحدروا إلى ~~البصرة، فوصلوا إليها، وقاتلوا من بها من عسكر أبي كاليجار، فانهزم عسكر ~~أبي كاليجار، ودخل عسكر جلال الدولة البصرة في شعبان. واجتمع عسكر أبي ~~كاليجار بالأبلة مع بختيار، فأقاموا بها يستعدون للعود وكتبوا إلى كاليجار ~~يستمدونه، فسير إليهم عسكرا كثيرا مع وزيره ذي السعادات أبي الفرج بن ~~فسانجس، فقدموا إلى الأبلة، واجتمعوا مع بختيار، ووقع الشروع في قتال من ~~بالبصرة من أصحاب جلال الدولة، فسير بختيار جمعا كثيرا في عدة من سفن، ~~فقاتلوهم، فنصر أصحاب جلال الدولة عليهم وهزموهم، فوبخهم بختيار، وسار من ~~وقته في العدد الكثير، والسفن الكثيرة، فاقتتلوا، واشتد القتال، فانهزم ~~بختيار، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة، وأخذ هو فقتل من غير قصد لقتله، ~~وأخذوا كثيرا من سفنه، وعاد كل فريق ms3327 إلى موضعه. PageV04P0206 # وعزم الأتراك من أصحاب جلال الدولة على مباكرة الحرب، وإتمام الهزيمة، ~~وطالبوا العامل الذي على البصرة بالمال، فاختلفوا، وتنازعوا في الإقطاعات، ~~فأصعد ابن المعبراني، صاحب البطيحة، فسار إليه جماعة من الأتراك الواسطيين ~~ليردوه، فلم يرجع، فتبعوه، وخاف من بقي بعضهم من بعض أن لا يناصحوهم، ~~ويسلموهم عند الحرب، فتفرقوا، واستأمن بعضهم إلى ذي السعادات، وقد كان ~~خائفا منهم، فجاءه ما لم يقده من الظفر، ونادى من بقي بالبصرة بشعار أبي ~~كاليجار، فدخلها عسكره، وأرادوا نهبها، فمنعهم ذو السعادات. ### || AUT ذكر غزو فضلون الكردي الخزر وما كان منه # كان فضلون الكردي هذا بيده قطعة من أذربيجان قد استولى عليها، وملكها، ~~فاتفق أنه غزا الخزر، هذه السنة، فقتل منهم، وسبى، وغنم شيئا كثيرا، فلما ~~عاد إلى بلده أبطأ في سيره وأمل الاستظهار في أمره، ظنا منه أنه قد دوخهم ~~وشغلهم بما عمله بهم، فاتبعوه مجدين، وكيسوه، وقتلوا من أصحابه والمطوعة ~~الذين معه أكثر من عشرة آلاف قتيل، واستردوا الغنائم التي أخذت منهم، ~~وغنموا أموال العساكر الإسلامية وعادوا. ### || AUT ذكر البيعة لولي العهد # في هذه السنة مرضض القادر بالله، وأرجف بموته، فجلس جلوسا عاما وأذن ~~للخاصة والعامة فوصلوا إليه، فلما اجتمعوا قام الصاحب أبو الغنائم فقال: ~~خدم مولانا أمير المؤمنين داعون له بإطالة البقاء، وشاكرون لما بلغهم من ~~نظره لهم وللمسلمين، باختيار الأمير أبي جعفر لولاية العهد. فقال الخليفة ~~للناس: قد أذنا في العهد له، وكان أراد أن يبايع له قبل ذلك، فثناه عنه أبو ~~الحسن بن حاجب النعمان. فلما عهد إليه ألقيت الستارة، وقعد أبو جعفر على ~~السرير الذي كان قائما عليه، وخدمه الحاضرون وهنأوه، وتقدم أبو الحسن بن ~~حاجب النعمان فقبل يده وهنأه، فقال: " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ~~ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال " يعرض له بإفساده رأي الخليفة ~~فيه، فأكب على تقبيل قدمه، وتعفير خده بين يديه والاعتذار. فقبل عذره، ودعي ~~له على المنابر يوم الجمعة لتسع بقين من جمادى الأولى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في ms3328 هذه السنة استوزر جلال الدولة أبا سعد عبد الرحيم بعد ابن ماكولا، ~~ولقبه عميد الدولة. وفيها توفي أبو الحسن بن حاجب النعمان، ومولده سنة ~~أربعين وثلاثمائة، وكان خصيصا بالقادر بالله، حاكما في دولته كلها، وكتب له ~~وللطائع أربعين سنة. وفيها ظهر متلصصة ببغداد من الأكراد، فكانوا يسرقون ~~دواب الأتراك، فنقل الأتراك خيلهم إلى دورهم، ونقل جلال الدولة دوابه إلى ~~بيت في دار المملكة. وفيها توفي أبو الحسن بن عبد الوارث الفسوي، النحوي، ~~بفسا، وهو نسيب أبي علي الفارسي. وفيها توفي أبو محمد الحسن بن يحيى ~~العلوي، النهرسابسي، الملقب بالكافي، وكان موته بالكوفة. وفيها، في رجب، ~~جاء في غزنة سيل عظيم أهلك الزرع والضرع، وغرق كثيرا من الناس لا يحصون، ~~وخرب الجسر الذي بناه عمرو بن الليث، وكان هذا الحادث عظيما. وفيها، في ~~رمضان تصدق مسعود بن محمود بن سبكتكين، في غزنة، بألف ألف درهم، وأدر على ~~الفقراء من العلماء والرعايا إدرارات كثيرة. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة # ### || AUT ذكر ملك مسعود بن سبكتكين التيز ومكران # في هذه السنة سير السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين عسكرا إلى التيز، ~~فملكها وما جاورها. وسبب ذلك أن صاحبها معدان توفي، وخلف ولدين أبا العساكر ~~وعيسى، فاستبد عيسى بالولاية والمال، فسار أبو العساكر إلى خراسان، وطلب من ~~مسعود النجدة، فسير معه عسكرا، وأمرهم بأخذ البلاد من عيسى، أو الاتفاق مع ~~أخيه على طاعته، فوصلوا إليها، ودعوا عيسى إلى الطاعة والموافقة، فأبى وجمع ~~جمعا كثيرا بلغوا ثمانية عشر ألفا، وتقدم إليهم، فالتقوا، فاستأمن كثير من ~~أصحاب عيسى إلى أخيه أبي العساكر، فانهزم عيسى ثم عاد وحمل في نفر من ~~أصحابه، فتوسط المعركة فقتل، واستولى أبو العساكر على البلاد، ونهبها ثلاثة ~~أيام، فأجحف بأهلها. ### || AUT ذكر ملك الروم مدينة الرها # PageV04P0207 # في هذه السنة ملك الروم مدينة الرها، وكان سبب ذلك أن الرها كانت بيد نصر ~~الدولة بن مروان، كما ذكرناه، فلما قتل عطير الذي كان صاحبها، شفع صالح بن ~~مرداس، صاحب حلب، إلى نصر ms3329 الدولة ليعيد الرها إلى ابن عطير، وإلى ابن شبل، ~~بينهما نصفين، فقبل شفاعته، وسلمها إليهما. وكان له في الرها برجان حصينان ~~أحدهما أكبر من الآخر، فتسلم ابن عطير الكبير، وابن شبل الصغير، وبقيت ~~المدينة معهما إلى هذه السنة، فراسل ابن عطير أرمانوس ملك الروم، وباعه ~~حصته من الرها بعشرين ألف دينار، وعدة قرايا من جملتها قرية تعرف إلى الآن ~~بسن ابن عطير، وتسلموا البرج الذي له، ودخلوا البلد فملكوه، وهرب منه أصحاب ~~ابن شبل، وقتل الروم المسلمين، وخربوا المساجد. وسمع نصر الدولة الخبر، ~~فسير جيشا إلى الرها، فحصروها وفتحوها عنوة، واعتصم من بها من الروم ~~بالبرجين، واحتمى النصارى بالبيعة التي لهم، وهي من أكبر البيع وأحسنها ~~عمارة، فحصرهم المسلمون بها، وأخرجوهم، وقتلوا أكثرهم، ونهبوا البلد، وبقي ~~الروم في البرجين، وسير إليهم عسكرا نحو عشرة آلاف مقاتل، فانهزم أصحاب ابن ~~مروان من بين أيديهم، ودخلوا البلد وما جاورهم من بلاد المسلمين، وصالحهم ~~ابن وثاب النميري على حران وسروج وحمل إليهم خراجا. ### || AUT ذكر ملك مسعود كرمان # ### || AUT وعود عسكره عنها # وفيها سارت عساكر خراسان إلى كرمان فملكوها، وكانت للملك أبي كاليجار، ~~فاحتمى عسكره بمدينة بردسير، وحصرهم الخراسانيون فيها، وجرى بينهم عدة ~~وقائع، وأرسلوا إلى الملك أبي كاليجار يطلبون المدد، فسير إليهم العادل ~~بهرام بن مافنة في عسكر كثيف، ثم إن الذين ببردسير خرجوا إلى الخراسانية ~~فواقعوهم، واشتد القتال، وصبوا لهم، فأجلت الوقعة عن هزيمة الخراسانية، ~~وتبعهم الديلم حتى أبعدوا، ثم عادوا إلى بردسير. ووصل العادل عقيب ذلك إلى ~~جيرفت، وسير عسكره إلى الخراسانية، وهم بأطراف البلاد، فواقعوهم، فانهزم ~~الخراسانية، ودخلوا المفازة عائدين إلى خراسان، وأقام العادل بكرمان إلى أن ~~أصلح أمورها وعاد إلى فارس.ز ### || AUT ذكر وفاة القادر بالله وشيء من سيرته وخلافة القائم بأمر الله # في هذه السنة، في ذي الحجة، توفي الإمام القادر بالله، أمير المؤمنين، ~~وعمره ست وثمانون سنة وعشرة أشهر، وخلافته إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر ~~وعشرون يوما، وكانت الخلافة قبله قد طمع فيها الديلم والأتراك، فلما ms3330 وليها ~~القادر بالله أعاد جدتها، وجدد ناموسها، وألقى الله هيبته في قلوب الخلق، ~~فأطاعوه أحسن طاعة وأتمها. وكان حليما، كريما، خيرا يحب الخير وأهله، ويأمر ~~به، وينهى عن الشر ويبغض أهله، وكان حسن الاعتقاد، صنف فيه كتابا على مذهب ~~السنة. ولما توفي صلى عليه ابنه القائم بأمر الله، وكان القادر بالله أبيض، ~~حسن الجسم، كث اللحية، طويلها، يخضب، وكان يخرج من داره في زي العامة، ~~ويزور قبور الصالحين، كقبر معروف وغيره، وإذا وصل إليه حال أمر فيه بالحق. ~~قال القاضي الحسين بن هارون: كان بالكرخ ملك ليتيم، وكان له فيه قيمة جيدة، ~~فأرسل إلي ابن حاجب النعمان، وهو حاجب القادر، يأمرني أن أفك عنه الحجر ~~ليشتري بعض أصحابه ذلك الملك، فلم أفعل، فأرسل يستدعيني، فقلت لغلامه: ~~تقدمني حتى ألحقك، وخفته، فقصدت قبر معروف، فدعوت الله أن يكفيني شره، ~~وهناك شيخ، فقال لي: على من تدعو؟ فذكرت له ذلك، ووصلت إلى ابن حاجب ~~النعمان، فأغلظ لي في القول، ولم يقبل عذري، فأتاه خادم برقعة، ففتحها ~~وقرأها وتغير لونه، ونزل من الشدة، فاعتذر إلي ثم قال: كتبت إلى الخليفة ~~قصة؟ فقلت: لا. وعلمت أن ذلك الشيخ كان الخليفة. وقيل: كان يقسم إفطاره كل ~~ليلة ثلاثة أقسام: فقسم كان يتركه بين يديه، وقسم يرسله إلى جامع الرصافة، ~~وقسم يرسله إلى جامع المدينة، يفرق على المقيمين فيهما، فاتفق أن الفراش ~~حمل ليلة الطعام إلى جامع المدينة، ففرقه على الجماعة، فأخذوا، إلا شابا ~~فإنه رده. PageV04P0208 # فلما صلوا المغرب خرج الشاب، وتبعه الفراش، فوقف على باب فاستطعم، ~~فأطعموه كسيرات فأخذها وعاد إلى الجامع، فقال له الفراش: ويحك ألا تستحي؟ ~~ينفذ إليك خليفة الله بطعام حلال فترده وتخرج وتأخذ من الأبواب! فقال: ~~والله ما رددته إلا لأنك عرضته علي قبل المغرب، وكنت غير محتاج إليه، فلما ~~احتجت طلبت، فعاد الفراش فأخبر الخليفة بذلك فبكى وقال له: راع مثل هذا، ~~واغتنم أخذه، وأقم إلى وقت الإفطار. وقال أبو الحسن الأبهري: أرسلني بهاء ~~الدولة إلى القادر بالله في رسالة، ms3331 فسمعته ينشد: سبق القضاء بكل ما هو ~~كائن، ... والله يا هذا لرزقك ضامن تعنى بما يفنى، وتترك ما به ... تغنى، ~~كأنك للحوادث آمن أوما ترى الدنيا ومصرع أهلها، ... فاعمل ليوم فراقها، يا ~~حائن واعلم بأنك لا أبا لك في الذي ... أصبحت تجمعه لغيرك خازن يا عامر ~~الدنيا أتعمر منزلا ... لم يبق فيه مع المنية ساكن الموت شيء أنت تعلم أنه ~~... حق، وأنت بذكره متهاون إن المنية لا تؤامر من أتت ... في نفسه يوما ولا ~~تستأذن فقلت: الحمد لله الذي وفق أمير المؤمنين لإنشاد مثل هذه الأبيات. ~~فقال: بل لله المنة إذ ألزمنا بذكره، ووفقنا لشكره، ألم تسمع قول الحسن ~~البصري في أهل المعاصي: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم، ومناقبه كثيرة. ؟؟؟ ### || AUT ذكر خلافة القائم بأمر الله # لما مات القادر بالله جلس ابنه القائم بأمر الله، وأبو جعفر عبد الله، ~~وجددت له البيعة، وكان أبوه قد بايع له بولاية العهد سنة إحدى عشرين، كما ~~ذكرناه، واستقرت الخلافة له، وأول من بايعه الشريف أبو القاسم المرتضى، ~~وأنشده: فإما مضى جبل وانقضى ... فمنك لنا جبل قد رسا وإما فجعنا ببدر ~~التمام، ... فقد بقيت منه شمس الضحى لنا حزن في محل السرور، ... وكم ضحك في ~~خلال البكا فيا صارم أغمدته يد، ... لنا بعدك الصارم المنتضى وهي أكثر من ~~هذا. وأرسل القائم بأمر الله قاضي القضاة أبا الحسن الماوردي إلى الملك أبي ~~كاليجار ليأخذ عليه البيعة، ويخطب له في بلاده، فأجاب وبايع، وخطب له في ~~بلاده، وأرسل إليه هدايا جليلة وأموالا كثيرة. ؟؟؟؟ ### || AUT ذكر الفتنة ببغداد # في هذه السنة، في ربيع الأول، تجددت الفتنة ببغداد بين السنة والشيعة. ~~وكان سبب ذلك أن الملقب بالمذكور أظهر العزم على الغزاة، واستأذن الخليفة ~~في ذلك، فأذن له، وكتب له منشور من دار الخلافة، وأعطى علما، فاجتمع له ~~لفيف كثير، فسار واجتاز بباب الشعير، وطاق الحراني، وبين يديه الرجال ~~بالسلاح، فصاحوا بذكر أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، وقالوا: هذا يوم ~~معاوية، فنافرهم أهل الكرخ ورموهم، وثارت ms3332 الفتنة، ونهبت دور اليهود لأنهم ~~قيل عنهم إنهم أعانوا أهل الكرخ. فلما كان الغد اجتمع السنة من الجانبين، ~~ومعهم كثير من الأتراك، وقصدوا الكرخ، فأحرقوا وهدموا الأسواق، وأشرف أهل ~~الكرخ على خطة عظيمة. وأنكر الخليفة ذلك إنكارا شديدا، ونسب إليهم تخريق ~~علامته التي مع الغزاة، فركب الوزير، فوقعت في صدره آجرة، فسقطت ~~عمامته،وقتل من أهل الكرخ جماعة، وأحرق وخرب في هذه الفتنة سوق العروس، ~~وسوق الصفارين، وسوق الأنماط، وسوق الدقاقين، وغيرها، واشتد الأمر، فقتل ~~العامة الكلالكي، وكان ينظر في المعونة، وأحرقوه. PageV04P0209 # ووقع القتال في أصقاع البلد من جانبيه، وقتل أهل الكرخ، ونهر طابق، ~~والقلائين، وباب البصرة، وفي الجانب الشرقي أهل سوق الثلاثاء، وسوق يحيى، ~~وباب الطاق، والأساكفة، والرهادرة، ودرب سليمان، فقطع الجسر ليفرق بين ~~الفريقين، ودخل العيارون البلد، وكثر الاستقفاء بها والعملات ليلا ونهارا. ~~وأظهر الجند كراهة الملك جلال الدولة، وأرادوا قطع خطبته، ففرق فيهم مالا ~~وحلف لهم فسكنوا، ثم عاودوا الشكوى إلى الخليفة منه، وطلبوا أن يأمر بقطع ~~خطبته، فلم يجبهم إلى ذلك، فامتنع حينئذ جلال الدولة من الجلوس، وضربه ~~النوبة أوقات الصلوات، وانصرف الطبالون لانقطاع الجاري لهم، ودامت هذه ~~الحال إلى عيد الفطر، فلم يضرب بوق، ولا طبل، ولا أظهرت الزينة، وزاد ~~الاختلاط. ثم حدث في شوال فتنة بين أصحاب الأكيسة وأصحاب الخلعان، وهما ~~شيعة، وزاد الشر، ودام إلى ذي الحجة، فنودي في الكرخ بإخراج العيارين، ~~فخرجوا، واعترض أهل باب البصرة قوما من قم أرادوا زيارة مشهد علي والحسين، ~~عليهما السلام، فقتلوا منهم ثلاثة نفر، وامتنعت زيارة مشهد موسى ابن جعفر. ### || AUT ذكر ملك الروم قلعة أفامية # في هذه السنة ملك الروم قلعة أفامية بالشام. وسبب ملكها أن الظاهر خليفة ~~مصر سير إلى الشام الدزبري، وزيره، فملكه، وقصد حسان بن المفرج الطائي، ~~فألح في طلبه، فهرب منه، ودخل بلد الروم، ولبس خلعة ملكهم، وخرج من عنده ~~وعلى رأسه علم فيه صليب، ومعه عسكر كثير، فسار إلى أفامية فكبسها، وغنم ما ~~فيها، وسبى أهلها، وأسرهم، وسير الدزبري إلى البلاد ms3333 يستنفر الناس للغزو. ### || AUT ذكر الوحشة بين بارسطغان وجلال الدولة # اجتمع أصاغر الغلمان هذه السنة إلى جلال الدولة، وقالوا له: قد هلكنا ~~فقرا وجوعا، وقد استبد القواد بالدولة والأموال عليك وعلينا، وهذا بارسطغان ~~ويلدرك قد أفقرانا وأفقراك أيضا. فلما بلغهما ذلك امتنعا من الركوب إلى ~~جلال الدولة، واستوحشا، وأرسل إليهما الغلمان يطالبونهما بمعلومهم، فاعتذرا ~~بضيق أيديهما عن ذلك، وسارا إلى المدائن. فندم الأتراك على ذلك، وأرسل ~~إليهما جلال الدولة إلى أن نهبوا من داره فرشا، وآلات، ودواب، وغير ذلك، ~~فركب وقت الهاجرة إلى دار الخلافة، ومعه نفر قليل من الركابية والغلمان ~~وجمع كثير من العامة وهو سكران، فانزعج الخليفة من حضوره، فلما علم الحال ~~أرسل إليه يأمره بالعود إلى داره، ويطيب قلبه، فقبل قربوس سرجه، ومسح حائط ~~الدار بيده وأمرها على وجهه، وعاد إلى داره والعامة معه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبل قاضي القضاة أبو عبيد الله بن ماكولا شهادة أبي الفضل ~~محمد بن عبد العزيز بن الهادي، والقاضي أبي الطيب الطبري، وأبي الحسين ابن ~~المهتدي، وشهد عنده أبو القاسم بن بشران، وكان قد ترك الشهادة قبل ذلك. ~~وفيها فوض مسعود بن محمود بن سبكتكين إمارة الري، وهمذان، والجبال إلى تاش ~~فراش، وكتب له إلى عامل نيسابور بإنفاق الأموال على حشمه، ففعل ذلك وسار ~~إلى عمله، وأساء السيرة فيه. وفيها، في رجب، أخرج الملك جلال الدولة دوابه ~~من الإصطبل، وهي خمس عشرة دابة، وسيبها في المديان بغير سائس، ولا حافظ، ~~ولا علف، فعل ذلك لسببين: أحدهما عدم العلف، والثاني أن الأتراك كانوا ~~يلتمسون دوابه، ويطلبونها كثيرا، فضجر منهم، فأخرجها وقال: هذه دوابي منها: ~~خمس لمركوبي، والباقي لأصحابي، ثم صرف حواشيه، وفراشيه، وأتباعه، وأغلق باب ~~داره لانقطاع الجاري له، فثارت لذلك فتنة بين العامة والجند، وعظم الأمر، ~~وظهر العيارون. وفيها عزل عميد الدولة وزير جلال الدولة، ووزر بعده أبو ~~الفتح محمد ابن الفضل بن أردشير، فبقي أياما، ولم يستقم أمره، فعزل، ووزر ~~بعده أبو إسحاق إبراهيم بن أبي ms3334 الحسين، وهو ابن أخي أبي الحسين السهلي، ~~وزير مأمون صاحب خوارزم، فبقي في الوزارة خمسة وخمسين يوما وهرب. وفيها ~~توفي عبد الوهاب بن علي بن نصر أبو نصر الفقيه المالكي بمصر، وكان ببغداد، ~~ففارقها إلى مصر عن ضائقة، فأغناه المغاربة. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة # ### || AUT ذكر وثوب الأجناد بجلال الدولة # ### || AUT وإخراجه من بغداد # PageV04P0210 # في هذه السنة، في ربيع الأول، تجددت الفتنة بين جلال الدولة وبين ~~الأتراك، فأغلق بابه، فجاءت الأتراك ونهبوا داره، وسلبوا الكتاب وأرباب ~~الديوان ثيابهم، وطلبوا الوزير أبا إسحاق السهلي، فهرب إلى حلة كمال الدولة ~~غريب بن محمد، وخرج جلال الدولة إلى عكبرا في شهر ربيع الآخر، وخطب الأتراك ~~ببغداد للملك أبي كاليجار، وأرسلوا إليه يطلبونه وهو بالأهواز، فمنعه ~~العادل بن مافنة عن الإصعاد إلى أن يحضر بعض قوادهم. فلما رأوا امتناعه من ~~الوصول إليهم، أعادوا خطبة جلال الدولة، وساروا إليه، وسألوه العود إلى ~~بغداد، واعتذروا، فعاد إليها بعد ثلاثة وأربعين يوما، ووزر له أبو القاسم ~~بن ماكولا، ثم عزل، ووزر بعده عميد الدولة أبو سعد ابن عبد الرحيم، فبقي ~~وزيرا أياما ثم استتر. وسبب ذلك أن جلال الدولة تقدم إليه بالقبض على أبي ~~المعمر إبراهيم بن الحسين البسامي، طمعا في ماله، فقبض عليه، وجعله في ~~داره، فثار الأتراك وأرادوا منعه، وقصدوا دار الوزير، وأخذوه وضربوه، ~~وأخرجوه من داره حافيا، ومزقوا ثيابه، وأخذوا عمامته وقطعوها، وأخذوا ~~خواتيمه من يده، فدميت أصابعه، وكان جلال الدولة في الحمام، فخرج مرتاعا، ~~فركب وظهر لينظر ما الخبر، فأكب الوزير يقبل الأرض، ويذكر ما فعل به، فقال ~~جلال الدولة: أنا ابن بهاء الدولة، وقد فعل بي أكثر من هذا، ثم أخذ من ~~البسامي ألف دينار وأطلقه، واختفى الوزير. ### || AUT ذكر انهزام علاء الدولة بن كاكويه من عسكر مسعود بن محمود بن سبكتكين # قد ذكرنا انهزام علاء الدولة أبي جعفر من الري ومسيره عنها، فلما وصل ~~إلى قلعة فردجان أقام بها لتندمل جراحه، ومعه فرهاذ بن مرداويج، وكان قد ~~جاءه ms3335 مددا له، وتوجهوا منها إلى بروجرد، فسير تاش فراش مقدم عسكر خراسان ~~إلى علاء الدولة، واستعمل عليهم علي بن عمران، فسار يقص أثر علاء الدولة، ~~فلما قارب بروجرد صعد فرهاذ إلى قلعة سليموه، ومضى أبو جعفر إلى سابور ~~خواست، ونزل عند الأكراد الجوزقان. وملك عسكر خراسان بروجرد، وراسل فرهاذ ~~الأكراد الذي مع علي ابن عمران، واستمالهم، فصاروا معه، وأرادوا أن يفتكوا ~~بعلي، وبلغه الخبر فركب ليلا في خاصته وسار نحو همذان، ونزل في الطريق ~~بقرية تعرف بكسب، وهي منيعة، فاستراح فيها، فلحقه فرهاذ وعسكره والأكراد ~~الذين صاروا معه وحصروه في القرية، فاستسلم وأيقن بالهلاك، فأرسل الله ~~تعالى ذلك اليوم مطرا وثلجا، فلم يمكنهم المقام عليه لأنهم كانوا جريدة ~~بغير خيام ولا آلة شتاء، فرحلوا عنه، وراسل علي بن عمران الأمير تاش فراش ~~يستنجده ويطلب العسكر إلى همذان، ثم اجتمع فرهاذ وعلاء الدولة ببروجرد، ~~واتفقا على قصد همذان، وسير علاء الدولة إلى أصبهان، وبها ابن أخيه، يطلبه، ~~وأمره بإحضار السلاح والمال، ففعل وسار. فبلغ خبره علي بن عمران، فسار إليه ~~من همذان جريدة، فكبسه بجرباذقان، وأسره واسر كثيرا من عسكره، وقتل منهم، ~~وغنم ما معه من سلاح ومال غير ذلك. ولما سار علي عن همذان دخلها علاء ~~الدولة، وملكها ظنا منه أن عليا سار منهزما، وسار علاء الدولة من همذان إلى ~~كرج، فأتاه خبر ابن أخيه ففت في عضده. وكان علي بن عمران قد سار بعد الوقعة ~~إلى أصبهان طامعا في الاستيلاء عليها، وعلى مال علاء الدولة وأهله، فتعذر ~~عليه ذلك، ومنعه أهلها والعسكر الذي فيها، فعاد عنها، فلقيه علاء الدولة ~~وفرهاذ، فاقتتلوا، فانهزم منهما، واخذا ما معه من الأسرى، إلا أبا منصور ~~ابن أخي علاء الدولة، فإنه كان قد سيره إلى تاش فراش، وسار علي من المعركة ~~منهزما نحو تاش فراش، فلقيه بكرج فعاتبه على تأخره عنه، واتفقا على المسير ~~إلى علاء الدولة وفرهاذ، وكان قد نزل بجبل عند بروجرد متحصنا فيه، فافترق ~~تاش وعلي وقصداه من جهتين: إحداهما من ms3336 خلفه، والأخرى من الطريق المستقيم، ~~فلم يشعر إلا وقد خالطه العسكر، فانهزم علاء الدولة وفرهاذ، وقتل كثير من ~~رجالهما، فمضى علاء الدولة إلى أصبهان، وصعد فرهاذ إلى قلعة سليموه فتحصن بها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي قدرخان ملك الترك بمار وراء النهر. وفيها ورد أحمد بن ~~محمد المنكدري الفقيه الشافعي رسولا من مسعود ابن سبكتكين إلى القائم بأمر ~~الله معزيا له بالقادر بالله. PageV04P0211 # وفيها نقل تابوت القادر بالله إلى المقبرة بالرصافة، وشهده الخلق العظيم، ~~وحجاج خراسان، وكان يوما مشهودا. وفيها كان بالبلاد غلاء شديد، واستسقى ~~الناس فلم يسقوا، وتبعه وباء عظيم، وكان عاما في جميع البلاد بالعراق، ~~والموصل، والشام، وبلد الجبل، وخراسان، وغزنة، والهند، وغير ذلك، وكثر ~~الموت، فدفن في أصبهان، في عدة أيام، أربعون ألف ميت، وكثر الجدري في ~~الناس، فأحصي بالموصل أنه مات به أربعة آلاف صبي، ولم تخل دار من مصيبة ~~لعموم المصائب، وكثرة الموت، وممن جدر القائم بأمر الله وسلم. وفيها جمع ~~نائب نصر الدولة بن مروان بالجزيرة جمعا ينيف على عشرة آلاف رجل، وغزا من ~~يقاربه من الأرمن، وأوقع بهم، وأثخن فيهم، وغنم وسبى كثيرا، وعاد ظافرا ~~منصورا. وفيها كان بن أهل تونس من إفريقية خلف، فسار المعز بن باديس إليهم ~~بنفسه، فأصلح بينهم، وسكن الفتنة وعاد. وفيها اجتمع ناس كثير من الشيعة ~~بإفريقية، وساروا إلى أعمال نفطة، فاستولوا على بلد منها وسكنوه، فجرد ~~إليهم المعز عسكرا، فدخلوا البلاد وحاربوا الشيعة وقتلوهم أجمعين. وفيها ~~خرجت العرب على حاج البصرة ونهبوهم، وحج الناس من سائر البلاد إلا من ~~العراق. وفيها توفي أبو الحسن بن رضوان المصري، النحوي، في رجب. وفيها قتل ~~الملك أبو كاليجار صندلا الخصي، وكان قد استولى على المملكة، وليس لأبي ~~كاليجار معه غير الاسم. وفيها توفي علي بن أحمد بن الحسن بن محمد بن نعيم ~~أبو الحسن النعيمي البصري، حدث عن جماعة، وكان حافظا، شاعرا، فقيها على ~~مذهب الشافعي. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وعشرين وأربعمائة # ### || AUT ذكر عود مسعود ms3337 إلى غزنة # ### || AUT والفتن بالري وبلد الجبل # في هذه السنة، في رجب، عاد الملك مسعود بن سبكتكين من نيسابور إلى غزنة ~~وبلاد الهند. وكان سبب ذلك أنه لما كان قد استقر له الملك بعد أبيه أقر بما ~~كان قد فتحه أبوه من الهند نائبا يسمى أحمد ينالتكين، وقد كان أبوه محمد ~~استنابه بها ثقة بجلده ونهضته، فرست قدمه فيها، وظهرت كفايته. ثم إن مسعودا ~~بعد فراغه من تقرير قواعد الملك، والقبض على عمه يوسف والمخالفين له، سار ~~إلى خراسان عازما على قصد العراق، فلما أبعد عصى ذلك النائب بالهند، فاضطر ~~مسعود إلى العود، فأرسل إلى علاء الدولة بن كاكويه وأمره على أصبهان بقرار ~~يؤديه كل سنة، وكان علاء الدولة قد أرسل يطلب ذلك، فأجابه إليه، وأقر ابن ~~قابوس بن وشمكير على جرجان وطبرستان على مال يؤديه إليه، وسير أبا سهل ~~الحمدوني إلى الري للنظر في أمور هذه البلاد الجبلية، والقيام بحفظها، وعاد ~~إلى الهند، فأصلح الفاسد، وأعاد المخالف إلى طاعته، وفتح قلعة حصينة تسمى ~~سرستي، على ما نذكره، وقد كان أبوه حصرها غير مرة فلم يتهيأ له فتحها. ولما ~~سار أبو سهل إلى الري أحسن الناس، وأظهر العدل، فأزال الأقساط والمصادرات، ~~وكان تاش فراش قد ملأ البلاد ظلما وجورا، حتى تمنى الناس الخلاص منهم ومن ~~دولتهم، وخربت البلاد، وتفرق أهلها، فلما ولي الحمدوني، وأحسن، وعدل، عادت ~~البلاد فعمرت، والرعية أمنت، وكان الإرجاف شديدا بالعراق، لما كان الملك ~~مسعود بنيسابور، فلما عاد سكن الناس واطمأنوا. ### || AUT ذكر ظفر مسعود بصاحب ساوة وقتله # فيها قبض عسكر السلطان مسعود بن محمود على شهريوش بن ولكين، فأمر به ~~مسعود فقتل وصلب على سور ساوة. وكان سبب ذلك أن شهريوش كان صاحب ساوة وقم ~~وتلك النواحي، فلما اشتغل مسعود بأخيه محمد بعد موت والده جمع شهريوش جمعا ~~وسار إلى الري محاصرا لها، فلم يتم ما أراده، وجاءت العساكر فعاد عنها. ثم ~~في هذه السنة اعترض الحجاج الواردين من خراسان، وعمهم أذاه، وأخذ منهم ما ~~لم ms3338 تجر عادة، وأساء إليهم، وبلغ ذلك إلى مسعود، فتقدم إلى تاش فراش، وإلى ~~أبي الطيب طاهر بن عبد الله خليفته معه، يطلب شهريوش وقصده أين كان، ~~واستنفاد الوسع في قتاله، فسارت العساكر في أثره، فاحتمى بقلعة تقارب قم ~~تسمى فستق، وهي حصينة، عالية المكان، وثيقة البنيان، فأحاطوا به وأخذوه، ~~وكتبوا إلى مسعود في أمره، فأمرهم بصلبه على سور ساوة. ### || AUT ذكر استيلاء جلال الدولة على البصرة # ### || AUT وخروجها عن طاعته # في هذه السنة سارت عساكر جلال الدولة مع ولده الملك العزيز فدخلوا ~~البصرة في جمادى الأولى. PageV04P0212 # وكان سبب ذلك أن بختيار متولي البصرة تولى فقام بعد ظهير الدين أبو ~~القاسم خال ولده لجلد كان فيه، وكفاية، وهو في طاعة الملك أبي كاليجار، ~~ودام كذلك، فقيل لأبي كاليجار: إن أبا القاسم ليس لك من طاعته غير الاسم، ~~ولو رمت عزله لتعذر عليك. وبلغ ذلك ابا القاسم، فاستعد للامتناع، وأرسل أبو ~~كاليجار إليه ليعزله فامتنع، وأظهر طاعة جلال الدولة، وخطب له، وأرسل إلى ~~ابنه، وهو بواسط، يطلبه، فانحدر إليه في عساكر أبيه التي كانت معه بواسط، ~~ودخلوا البصرة مع أبي القاسم إلى أن دخلت سنة خمس وعشرين وليس له معه أمر، ~~والحكم إلى أبي القاسم. ثم إنه أراد القبض على بعض الديلم، فهرب ودخل دار ~~الملك العزيز مستجيرا، فاجتمع الديلم إليه، وشكوا من أبي القاسم، فصادفت ~~شكواهم صدرا موغرا حنقا عليه لسوء صحبته، فأجابهم إلى ما أرادوه من إخراجه ~~عن البصرة، واجتمعوا، وعلم أبو القاسم بذلك، فامتنع بالأبلة، وجمع أصحابه، ~~وجرى بين الفريقين حروب كثيرة أجلت عن خروج العزيز عن البصرة وعوده إلى ~~واسط، وعود أبي القاسم إلى طاعة أبي كاليجار. ### || AUT ذكر إخراج جلال الدولة من دار المملكة # ### || AUT وإعادته إليها # في هذه السنة، في رمضان، شغب الجند على جلال الدولة، وقبضوا عليه، ثم ~~أخرجوه من داره، ثم سألوه ليعود إليها فعاد. وسبب ذلك أنه استقدم الوزير ~~أبا القاسم من غير أن يعلموا، فلما قدم ظنوا أنه إنما ورد للتعرض إلى ms3339 ~~أموالهم ونعمهم، فاستوحشوا واجتمعوا إلى داره وهجموا عليه، وأخرجوه إلى ~~مسجد هناك، فوكلوا به فيه، ثم إنهم أسمعوه ما يكره، ونهبوا بعض ما في داره، ~~فلما وكلوا به جاء بعض القواد في جماعة من الجند، ومن انضاف إليه من العامة ~~والعيارين، فأخرجه من المسجد وأعاده إلى داره، فنقل جلال الدولة ولده وحرمه ~~وما بقي له إلى الجانب الغربي، وعبر هو في الليل إلى الكرخ، فلقيه أهل ~~الكرخ بالدعاء، فنزل بدار المرتضى، وعبر الوزير أبو القاسم معه. ثم إن ~~الجند اختلفوا، فقال بعضهم: نخرجه من بلادنا ونملك غيره. وقال بعضهم: ليس ~~من بني بويه غير وغير أبي كاليجار، وذلك قد عاد إلى بلاده، ولا بد من ~~مداراة هذا. فأرسلوا إليه يقولون له: نريد أن تنحدر عنا إلى واسط، وأنت ~~ملكنا، وتترك عندنا بعض أولادك الأصاغر. فأجابهم إلى ذلك، وأرسل سرا إلى ~~الغلمان الأصاغر فاستمالهم، إلى كل واحد من الأكابر، وقال: إنما أثق بك، ~~وأسكن إليك، واستمالهم أيضا، فعبروا إليه، وقبلوا الأرض بين يديه، وسألوه ~~العود إلى دار الملك، فعاد، وحلف لهم على إخلاص النية، والإحسان إليهم، ~~وحلفوا له على المناصحة، واستقر في داره. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي الوزير أحمد بن الحسن الميمندي، وزير مسعود بن ~~سبكتكين، ووزر بعده أبو نصر أحمد بن علي بن عبد الصمد، وكان وزير هارون ~~التونتاش، صاحب خوارزم، ووزر بعده لهارون ابنه عبد الجبار. وفيها ثار ~~العيارون ببغداد، وأخذوا أموال الناس ظاهرا، وعظم الأمر على أهل البلد، ~~وطمع المفسدون إلى حد أن بعض القواد الكبار أخذ أربعة من العيارين، فجاء ~~عقيدهم وأخذ من اصحاب القائد أربعة، وحضر باب داره ودق عليه الباب، فكلمه ~~من داخل، فقال العقيد: قد أخذت من أصحابك أربعة، فإن أطلقت من عندك أطلقت ~~من عندي، وإلا قتلتهم، وأحرقت دارك! فأطلقهم القائد. وفيها تأخر الحاج من ~~خراسان. وفيها خرج حجاج البصرة بخفير، فغدر بهم ونهبهم.وفيها، في جمادى ~~الأولى، توفي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن البيضاوي، الفقيه الشافعي، ms3340 ~~عن نيف وثمانين سنة. وفيها، في شوال، توفي أبو الحسن بن السماك القاضي عن ~~خمس وتسعين سنة. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وعشرين وأربعمائة # ### || AUT ذكر فتح قلعة سرستي # ### || AUT وغيرها من بلد الهند # في هذه السنة فتح السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين قلعة سرستي وما ~~جاورها من بلد الهند. وكان سبب ذلك ما ذكرناه من عصيان نائبه بالهند أحمد ~~ينالتكين عليه ومسيره إليه فلما عاد أحمد إلى طاعته أقام بتلك البلاد طويلا ~~حتى أمنت واستقرت، وقصد قلعة سرستي، وهي من أمنع حصون الهند وأحصنها، ~~فحصرها، وقد كان أبوه حصرها غير مرة، فلم يتهيأ له فتحها، فلما حصرها مسعود ~~راسله صاحبها، وبذل له مالا على الصلح، فأجابه إلى ذلك. PageV04P0213 # وكان فيها قوم من التجار المسلمين، فعزم صاحبها على أخذ أموالهم وحملها ~~إلى مسعود من جملة القرار عليه، فكتب التجار رقعة في نشابة ورموا إليه ~~يعرفونه فيها ضعف الهنود بها، وأنه إن صابرهم ملكهم فرجع عن الصلح إلى ~~الحرب، وطم خندقها بالشجر وقصب السكر وغيره، وفتح الله عليه، وقتل كل من ~~فيها، سبى ذراريهم، وأخذ ما جاورها من البلاد، وكان عازما على طول المقام ~~والجهاد، فأتاه من خراسان خبر الغز، فعاد، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر حصر قلعة بالهند أيضا # لما ملك مسعود قلعة سرستي رحل عنها إلى قلعة نغسى، فوصل إليها عاشر صفر، ~~وحصرها فرآها عالية لا ترام، يرتد البصر دونها وهو حسير، إلا أنه أقام ~~عليها يحصرها، فخرجت عجوز ساحرة، فتكلمت باللسان الهندي طويلا، وأخذت مكنسة ~~فبلتها بالماء ورشته منها إلى جهة عسكر المسلمين، فمرض وأصبح ولا يقدر أن ~~يرفع رأسه، وضعفت قوته ضعفا شديدا، فرحل عن القلعة لشدة المرض، فحين فارقها ~~زال ما كان به، وأقبلت الصحة والعافية إليه، وسار نحو غزنة. ؟؟ ### || AUT ذكر الفتنة بنيسابور # لما اشتد أمر الأتراك بخراسان، على ما نذكره، تجمع كثير من المفسدين ~~وأهل العيث والشر، وكان أول من أثار الشر أهل أبيورد وطوس، واجتمع معهم خلق ~~كثير، ms3341 وساروا إلى نيسابور لينهبوها، وكان الوالي عليها قد سار عنها إلى ~~الملك مسعود، فخافهم خوفا عظيما، وأيقنوا بالهلاك. فبينما هم يترقبون ~~البوار والاستئصال، وذهاب الأنفس والأموال، إذ وصل إليهم أمير كرمان في ~~ثلاثمائة فارس، قدم متوجها إلى مسعود أيضا، فاستغاث به المسلمون، وسألوه أن ~~يقيم عندهم ليكف عنهم الأذى، فأقام عليهم، وقاتل معهم، وعظم الأمر، واشتدت ~~الحرب، وكان الظفر له ولأهل نيسابور، فانهزم أهل طوس وأبيورد ومن تبعهم، ~~وأخذتهم السيوف من كل جانب، وعمل بهم أمير كرمان أعمالا عظيمة، وأثخن فيهم، ~~وأسر كثيرا منهم، وصلبهم على الأشجار وفي الطرق، فقيل إنه عدم من أهل طوس ~~عشرون ألف رجل. ثم إن أمير كرمان أحضر زعماء قرى طوس، وأخذ أولادهم ~~وإخوانهم وغيرهم من أهليهم رهائن، فأودعهم السجون، وقال: إن اعترض منكم ~~واحد إلى أهل نيسابور أو غيرهم، أو قطع طريقا، فأولادكم، وإخوانكم، ~~ورهائنكم مأخوذون بجناياتكم. فسكن الناس، وفرج الله عن أهل نيسابور بما لم ~~يكن في حسابهم. ### || AUT ذكر الحرب بين علاء الدولة وعسكر خراسان # في هذه السنة اجتمع علاء الدولة بن كاكويه وفرهاذ بن مرداويج، واتفقا ~~على قتال عسكر مسعود بن محمود بن سبكتكين، وكانت العساكر قد خرجت من خراسان ~~مع أبي سهل الحمدوني، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا صبر فيه الفريقان، ثم ~~انهزم علاء الدولة، وقتل فرهاذ، واحتمى علاء الدولة بجبال بين أصبهان ~~وجرباذقان، ونزل عسكر مسعود بكرج. وأرسل أبو سهل إلى علاء الدولة يقول له ~~ليبذل المال، ويراجع الطاعة ليقره على ما بقي من البلاد، ويصلح حاله مع ~~مسعود. فترددت الرسل، فلم يستقر بينهم أمر فسار أبو سهل إلى أصبهان فملكها، ~~وانهزم علاء الدولة من بين يديه لما خاف الطلب إلى إيذج، وهي للملك أبي ~~كاليجار. ولما استولى أبو سهل على أصبهان نهب خزائن علاء الدولة وأمواله، ~~وكان أبو علي بن سينا في خدمة علاء الدولة، فأخذت كتبه حملت إلى غزنة فجعلت ~~في خزائن كتبها إلى أن أحرقها عساكر الحسين بن الحسين الغوري، على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى. ms3342 ### || AUT ذكر الحرب بين نور الدولة دبيس وأخيه ثابت # في هذه السنة كانت حرب شديدة بين دبيس بن علي بن مزيد وأخيه أبي قوام ~~ثابت بن علي بن مزيد. وسبب ذلك أن ثابتا كان يعتضد بالبساسيري ويتقرب إليه، ~~فلما كان سنة أربع وعشرين وأربعمائة سار البساسيري معه إلى قتال أخيه دبيس، ~~فدخلوا النيل واستولوا عليه وعلى أعمال نور الدولة، فسير نور الدولة إليهم ~~طائفة من أصحابه، فقاتلوهم فانهزموا، فلما رأى دبيس هزيمة أصحابه سار عن ~~بلده، وبقي ثابت فيه إلى الآن، فاجتمع دبيس وأبو المغرا عنازا ابن المغرا، ~~وبنو أسد وخفاجة، وأعانه ابو كامل منصور بن قراد، وساروا جريدة لإعادة دبيس ~~إلى بلده وأعماله، وتركوا حللهم بين خصاوحربى. PageV04P0214 # فلما ساروا لقيهم ثابت عند جرجرايا، وكانت بينهم حرب قتل فيها جماعة من ~~الفريقين، ثم تراسلوا واصطلحوا ليعود دبيس إلى أعماله، ويقطع أخاه ثابتا ~~إقطاعا، وتحالفوا على ذلك، وسار البساسيري نجدة لثابت، فلما وصل إلى ~~النعمانية سمع بصلحهم، فعاد إلى بغداد. ### || AUT ذكر ملك الروم قلعة بركوي # هذه قلعة متاخمة للأرمن في يد أبي الهيجاء بن ربيب الدولة، ابن أخت ~~وهسوذان بن مملان، فتنافر هو وخاله، فأرسل خاله إلى الروم فأطمعهمم فيها، ~~فسير الملك إليها جمعا كثيرا فملكوها، فبلغ الخبر إلى الخليفة، فأرسل إلى ~~أبي الهيجاء وخاله من يصلح بينهما ليتفقا على استعادة القلعة، فاصطلحا، ولم ~~يتمكنا من استعادتها، واجتمع إليهما خلق كثير من المتطوعة، فلم يقدروا على ~~ذلك لثبات قدم الروم بها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة استوزر جلال الدولة عميد الدولة أبا سعد بن عبد الرحيم، ~~وهي الوزارة الخامسة، وكان قبله في الوزارة ابن ماكولا، ففارقها وسار إلى ~~عكبرا، فرده جلال الدولة إلى الوزارة، وعزل أبا سعد، فبقي أياما، ثم فارقها ~~إلى أوانا. وفيها استخلف البساسيري في حماية الجانب الغربي ببغداد لأن ~~العيارين اشتد أمرهم وعظم فسادهم، وعجز عنهم نواب السلطان، فاستعملوا ~~البساسيري لكفايته ونهضته. وفيها توفي أبو سنان غريب بن محمد بن مقن في شهر ~~ربيع الآخر، ms3343 في كرخ سامرا، وكان يلقب سيف الدولة، وكان قد ضرب دراهم سماها ~~السيفية، وقام بالأمر بعده ابنه أبو الريان، وخلف خمسمائة ألف دينار، وأمر ~~فنودي :قد أحللت كل من لي عنده شيء فحللوني كذلك، فحللوه، وكان عمره سبعين ~~سنة. وفيها توفي بدران بن المقلد، وقصد ولده عمه قرواشا، فأقر عليه حاله ~~وماله وولاية نصيبين، وكان بنو نمير قد طمعوا فيها وحصروها، فسار إليهم ابن ~~بدران فدفعهم عنها. وفيها توفي أرمانوس ملك الروم، وملك بعده رجل صيرفي ليس ~~من بيت الملك، وإنما بنت قسطنطين اختارته. وفيها كثرت الزلازل بمصر والشام، ~~وكان أكثرها بالرملة، فإن أهلها فارقوا منازلهم عدة أيام، وانهدم منها نحو ~~ثلثها، وهلك تحت الهدم خلق كثير. وفيها كان بإفريقية مجاعة شديدة وغلاء. ~~وفيها قبض قرواش على البرجمي العيار وغرقه، وكان سبب ذلك أن قرواشا قبض على ~~ابن القلعي عامل عكبرا، فحضر البرجمي العيار عند قرواش مخاطبا في أمره ~~لمودة بينهما، فأخذه قرواش وقبض عليه، فبذل مالا كثيرا ليطلقه، فلم يفعل ~~وغرقه، وكان هذا البرجمي قد عظم شأنه وزاد شره، وكبس عدة مخازن بالجانب ~~الشرقي، وكبس دار المرتضى، ودار ابن عديسة، وهي مجاورة دار الوزير، وثار ~~العامة بالخطيب يوم الجمعة، وقالوا: إما أن تخطب للبرجمي، وإلا فلا تخطب ~~لسلطان ولا غيره، وأهلك الناس ببغداد، وحكاياته كثيرة، وكان مع هذا فيه ~~فتوة، وله مروءة، لم يعرض إلى امرأة، ولا إلى من يستسلم إليه. وفيها هبت ~~ريح سوداء بنصيبين فقلعت من بساتينها كثيرا من الأشجار، وكان في بعض ~~البساتين قصر مبني بجص وآجر وكلس، فقلعته من أصله. وفيها كثر الموت ~~بالخوانيق في كثير من بلاد العراق، والشام، والموصل، وخوزستان، وغيرها حتى ~~كانت الدار يسد بابها لموت أهلها. وفيها، في ذي القعدة انقض كوكب هال منظره ~~الناس، وبعد بليلتين انقض شهاب آخر أعظم منه كأنه البرق ملاصق الأرض، وغلب ~~على ضوء المشاعل، ومكث طويلا حتى غاب أثره. وفيها توفي أبو العباس ~~الأيبوردي، الفقيه الشافعي، قاضي البصرة، وأبو بكر محمد بن أحمد بن غالب ms3344 ~~البرقاني، المحدث، الإمام المشهور، وكانت وفاته في رجب، والحسين بن عبد ~~الله بن يحيى أبو علي البندنيجي، الفقيه الشافعي، وهو من أصحاب أبي حامد ~~الأسفراييني، وعبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد أبو الفرج ~~التميمي الفقيه الحنبلي. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وعشرين وأربعمائة # ### || AUT ذكر حال الخلافة والسلطنة ببغداد # في هذه السنة انحل أمر الخلافة والسلطنة ببغداد، حتى إن بعض الجند خرجوا ~~إلى قرية يحيى، فلقيهم أكراد، فأخذوا دوابهم، فعادوا إلى قراح الخليفة ~~القائم بأمر الله، فنهبوا شيئا من ثمرته، وقالوا للعمالين فيه: أنتم عرفتم ~~حال الأكراد ولم تعلمونا. PageV04P0215 # فسمع الخليفة الحال، فعظم عليه، ولم يقدر جلال الدولة على أخذ أولئك ~~الأكراد لعجزه ووهنه، واجتهد في تسليم الجند إلى نائب الخليفة، فلم يمكنه ~~ذلك، فتقدم الخليفة إلى القضاة بترك القضاء والامتناع عنه، وإلى الشهود ~~بترك الشهادة، وإلى الفقهاء بترك الفتوى. فلما رأى جلال الدولة ذلك سأل ~~أولئك الأجناد ليجيبوه إلى أن يحملهم إلى ديوان الخلافة، ففعلوا، فلما ~~وصلوا إلى دار الخلافة أطلقوا، وعظم أمر العيارين، وصاروا يأخذون الأموال ~~ليلا ونهارا، ولا مانع لهم لأن الجند يحمونهم على السلطان ونوابه، والسلطان ~~عاجز عن قهرهم، وانتشر العرب في البلاد فنهبوا النواحي، وقطعوا الطريق، ~~وبلغوا إلى أطراف بغداد، حتى وصلوا إلى جامع المنصور، وأخذوا ثياب النساء ~~في المقابر. ### || AUT ذكر إظهار أحمد ينالتكين العصيان وقتله # في سنة خمس وعشرين عاد مسعود بن محمود من الهند لقتال الغز، كما ذكرناه، ~~فعاد أحمد ينالتكين إلى إظهار العصيان ببلاد الهند، وجمع الجموع، وقصد ~~البلاد بالأذى، فسير إليه مسعود جيشا كثيفا، وكانت ملوك الهند تمنعه من ~~الدخول إلى بلادهم، وسد منافذ هربه. ولما وصل الجيش المنفذ إليه قاتلهم، ~~فانهزم ومضى هاربا إلى الملتان، وقصد بعض ملوك الهند بمدينة بهاطية ومعه ~~جمع كثير من عساكره الذين سلموا، فلم يكن لذلك الملك قدرة على منعه، وطلب ~~منه سفنا ليعبر نهر السند، فأحضره له السفن. وكان في وسط النهر جزيرة ظنها ~~أحمد ومن معه متصلة بالبر من ms3345 الجانب الآخر، ولم يعلموا أن الماء محيط بها، ~~فتقدم ملك الهند إلى أصحاب السفن بإنزالهم في الجزيرة والعود عنهم، ففعلوا ~~ذلك، وبقي أحمد ومن معه فيها وليس معهم طعام إلا ما معهم، فبقوا بها تسعة ~~أيام، ففني زادهم، وأكلوا دوابهم، وضعفت قواهم، فأرادوا خوض الماء فلم ~~يتمكنوا منه لعمقه وشدة الوحل فيه، فعبر الهند إليهم عسكرهم في السفن، وهم ~~على تلك الحال، فأوقعوا بهم وقتلوا أكثرهم، وأخذوا ولدا لأحمد أسيرا، فلما ~~رآه أحمد على تلك الحال قتل نفسه، واستوعب أصحابه القتل والأسر والغرق. ### || AUT ذكر ملك مسعود جرجان وطبرستان # كان الملك مسعود قد أقر دارا بن منوجهر بن قابوس على جرجان وطبرستان ~~وتزوج أيضا بابنة أبي كاليجار القوهي، مقدم جيش دارا، واقيم بتدبير أمره ~~استمالة. فلما سار إلى الهند منعوا ما كان استقر عليهم من المال، وراسلوا ~~علاء الدولة بن كاكويه وفرهاذ بالاجتماع على العصيان والمخالفة، وقوي عزمهم ~~على ذلك ما بلغهم من خروج الغز بخراسان. فلما عاد مسعود من الهند وأجلى ~~الغز وهزمهم سار إلى جرجان فاستولى عليها وملكها، وسار إلى آمل طبرستان، ~~وقد فارقها أصحابها، واجتمعوا بالغياض والأشجار الملتفة، الضيقة المدخل ، ~~الوعرة المسلك، فسار إليهم واقتحمها عليهم فهزمهم وأسر منهم وقتل، ثم راسله ~~دارا وأبو كاليجار وطلبوا منه العفو وتقرير البلاد عليهم، فأجابهم إلى ذلك، ~~وحملوا من الأموال ما كان عليهم، وعاد إلى خراسان. ### || AUT ذكر مسير ابن وثاب والروم إلى بلد ابن مروان # فيها جمع ابن وثاب النميري جمعا كثيرا من العرب وغيرهم، واستنجد من ~~بالرها من الروم، فسار معه منهم جيش كثيف، وقصد بلد نصر الدولة بن مروان، ~~ونهب وأخرب. فجمع ابن مروان جموعه وعساكره واستمد قرواشا وغيره، وأتته ~~الجنود من كل ناحية، فلما رأى ابن وثاب ذلك وأنه لا يتم له غرض عاد عن ~~بلاده. وأرسل ابن مروان إلى ملك الروم يعاتبه على نقض الهدنة وفسخ الصلح ~~الذي كان بينهما، وراسل أصحاب الأطراف يستنجدهم للغزاة، فكثر جمعه من الجند ~~والمتطوعة، وعزم على قصد الرها ومحاصرتها، ms3346 فوردت رسل ملك الروم يعتذر، ~~ويحلف أنه لم يعلم بما كان، وأرسل إلى عسكره الذين بالرها والمقدم عليهم ~~ينكر ذلك، وأهدى إلى نصر الدولة هدية سنية، فترك ما كان عازما عليه من ~~الغزو، وفرق العساكر المجتمعة عنده. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها خرج أبو سعد، وزير جلال الدولة، إلى أبي الشوك مفارقا للوزارة، ~~ووزر بعده أبو القاسم، وكثرت مطالبات الجند، فهرب، فأخرج وحمل إلى دار ~~المملكة مكشوف الرأس في قميص خفيف، وكانت وزارته هذه شهرين وثمانية أيام، ~~وعاد أبو سعد بن عبد الرحيم إلى الوزارة. PageV04P0216 # وفيها، في ذي الحجة، وثب الحسن بن أبي البركات بن ثمال الخفاجي بعمه علي ~~بن ثمال أمير بني خفاجة، فقتله، وقام بإمارة بني خفاجة. وفيها جمعت الروم ~~وسارت إلى ولاية حلب، فخرج إليهم صاحبها شبل الدولة بن صالح بن مرداس، ~~فتصافوا واقتتلوا، فانهزمت الروم، وتبعهم إلى عزاز، وغنم غنائم كثيرة وعاد ~~سالما. وفيها قصدت خفاجة الكوفة، ومقدمهم الحسن بن أبي البركات بن ثمال، ~~فنهبوها، وأرادوا تخريبها، ومنعوا النخل من الماء فهلك أكثره. وفيها هرب ~~الزكي أبو علي النهرسابسي من محبسه، وكان قرواش قد اعتقله بالموصل، فبقي ~~سنتين إلى الآن، ولم يحج هذه السنة من العراق أحد. وفي هذه السنة توفي أحمد ~~بن كليب، الأديب، الشاعر الأندلسي، وحديثه مع أسلم بن أحمد بن سعيد مشهور، ~~وكان يهواه، فقال فيه: أسلمني في هواه ... أسلم هذا الرشا غزال له مقلة ... ~~يصيب بها من يشا وشى بيننا حاسد ... سيسأل عما وشى ولو شاء أن يرتشي ... ~~على الوصل روحي ارتشى ومات كمدا من هواه. وتوفي في جمادى الأولى منها أحمد ~~بن عبد الملك بن أحمد بن شهيد الأديب الأندلسي، ومن شعره: إن الكريم إذا ~~نالته مخمصة ... أبدى إلى الناس شبعا، وهو طيان يحني الضلوع على مثل اللظى ~~حرقا ... والوجه غمر بماء البشر ملآن وله أيضا: كتبت لها انني عاشق ... على ~~مهرق اللثم بالناظر فردت علي جواب الهوى ... بأحور عن مائه حائر منعمة نطقت ~~بالجفون، ... فدلت على دقة الخاطر كأن فؤادي، ms3347 إذا أعرضت، ... تعلق في مخلبي ~~طائر وفيها توفي أبو المعالي بن سخطة العلوي النقيب بالبصرة، وأبو محمد بن ~~معية العلوي بها أيضا، وأبو علي الحسين بن أحمد بن شاذان، المحدث الأشعري ~~مذهبا، وكان مولده ببغداد سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وحمزة بن يوسف ~~الجرجاني، وكان من أهل الحديث. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وعشرين وأربعمائة # ### || AUT ذكر وثوب الجند بجلال الدولة # في هذه السنة ثار الجند ببغداد بجلال الدولة، وأرادوا إخراجه منها، ~~فاستنظرهم ثلاثة أيام، فلم ينظروه، ورموه بالآجر، فأصابه بعضهم، واجتمع ~~الغلمان فردوهم عنه، فخرج من باب لطيف في سميرية متنكرا، وصعد راجلا منها ~~إلى دار المرتضى بالكرخ، وخرج من دار المرتضى، وسار إلى رافع بن الحسين بن ~~مقن بتكريت، وكسر الأتراك أبواب داره ودخلوها ونهبوها، وقلعوا كثيرا من ~~ساجها وأبوابها، فأرسل الخليفة إليه، وقرر أمر الجند وأعاده إلى بغداد.ز ### || AUT ذكر الحرب بين أبي سهل الحمدوني وعلاء الدولة # في هذه السنة سار طائفة من العساكر الخراسانية التي مع الوزير أبي سهل ~~الحمدوني بأصبهان يطلبون الميرة، فوضع عليهم علاء الدولة من أطعمهم في ~~الامتياز من النواحي القريبة منه، فساروا إليها، ولا يعلمون قربه منهم، ~~فلما أتاه خبرهم خرج إليهم وأوقع بهم وغنم ما معهم. وقوي طمعه بذلك، فجمع ~~جمعا من الديلم وغيرهم وسار إلى أصبهان، وبها أبو سهل في عساكر مسعود بن ~~سبكتكين، فخرجوا إليه وقاتلوه، فغدر الأتراك بعلاء الدولة، فانهزم ونهب ~~سواده، فسار إلى بروجرد، ومنها إلى الطرم، فلم يقبله ابن السلار، وقال: لا ~~قدرة لي على مباينة الخراسانية، فتركه وسار عنه. ### || AUT ذكر وفاة الظاهر وولاية ابنه المستنصر # في هذه السنة، في منتصف شعبان توفي الظاهر لإعزاز دين الله أبو الحسن ~~علي بن أبي علي المنصور الحاكم، الخليفة العلوي، بمصر، وكان عمره ثلاثا ~~وثلاثين سنة، وكانت خلافته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوما، وكان ~~له مصر، والشام، والخطبة له بإفريقية، وكان جميل السيرة، حسن السياسة، ~~منصفا للرعية، إلا أنه مشتغل بلذاته محب للدعة والراحة، قد فوض ms3348 الأمور إلى ~~وزيره أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي لمعرفته بكفايته وأمانته. ولما مات ~~ولي بعده ابنه تميم معد، ولقب المستنصر بالله، ومولده بالقاهرة سنة عشر ~~وأربعمائة، وفي أيامه كانت قصة البساسيري، وخطب له ببغداد سنة خمسين ~~وأربعمائة. PageV04P0217 # وكان الحاكم في دولته بدر بن عبد الله الجمال الملقب بالأفضل، أمير ~~الجيوش، وكان عادلا، حسن السيرة. وفي سنة تسع وسبعين وصل الحسن بن الصباح ~~الإسماعيلي في زي تاجر إلى المستنصر بالله، وخاطبه في إقامته الدعوة له ~~بخراسان وبلاد العجم، فأذن له في ذلك، فعاد ودعا إليه سرا، وقال للمستنصر: ~~من إمامي بعدك؟ فقال: ابني نزار. والإسماعيلية يعتقدون إمامة نزار، وسيرد ~~كيف صرف الأمر عنه سنة سبع وثمانين إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر فتح السويداء وربض الرها # في رجب من هذه السنة اجتمع ابن وثاب وابن عطير، وجمعا، وأمدهما نصر ~~الدولة بن مروان بعسكر كثيف، فساروا جميعهم إلى السويداء، وكان الروم قد ~~أحدثوا عمارتها في ذلك الوقت، واجتمع إليها أهل القرى المجاورة لها، فحصرها ~~المسلمون وفتحوها عنوة، وقتلوا فيها ثلاثة آلاف وخمسمائة رجل، وغنموا ما ~~فيها، وسبوا خلقا كثيرا، وقصدوا الرها فحصروها، وقطعوا الميرة عنها، حتى ~~بلغ مكوك الحنطة دينارا، واشتد الأمر، فخرج البطريق الذي فيها متخفيا، ولحق ~~بملك الروم، وعرفه الحال، فسير معه خمسة آلاف فارس، فعاد بهم. فعرف ابن ~~وثاب ومقدم عساكر نصر الدولة الحال، فكمنا لهم، فلما قاربوهم خرج الكمين ~~عليهم، فقتل من الروم خلق كثير، وأسر مثلهم، وأسر البطريق وحمل إلى باب ~~الرها، وقالوا لمن فيها إما أن تفتحوا البلد لنا، وإما قتلنا البطريق ~~والأسرى الذين معه! ففتحوا البلد للعجز عن حفظه، وتحصن أجناد الروم ~~بالقلعة، ودخل المسلمون، وغنموا ما فيها، وامتلأت أيديهم من الغنائم ~~والسبي، وأكثروا القتل، وأرسل ابن وثاب إلى آمد مائة وستين راحلة عليها ~~رؤوس القتلى وأقام محاصرا للقلعة. ثم إن حسان بن الجراح الطائي سار في خمسة ~~آلاف فارس من العرب والروم نجدة لمن بالرها، فسمع ابن وثاب بقربه، فسار ~~إليه مجدا ليلقاه ms3349 قبل وصوله، فخرج من الرها من الروم إلى حران، فقاتلهم ~~أهلها، وسمع ابن وثاب الخبر فعاد مسرعا، فوقع على الروم، فقتل منهم كثيرا، ~~وعاد المنهزمون إلى الرها. ### || AUT ذكر غدر السناسنة وأخذ الحاج وإعادة ما أخذوه # في هذه السنة ورد خلق كثير من أذربيجان، وخراسان، وطبرستان، وغيرها من ~~البلاد يريدون الحج، وجعلوا طريقهم على أرمينية وخلاط، فوردوا إلى آني ~~ووسطان، فثار بهم الأرمن من تلك البلاد، وأعانهم السناسنة، وهم من الأرمن ~~أيضا إلا أنهم لهم حصون منيعة تجاور خلاط، وهم صلح مع صاحب خلاط. ولم تزل ~~هذه الحصون بأيديهم منفردين بها، إلا أنهم متعاهدون إلى سنة ثمانين ~~وخمسمائة، فملكها المسلمون منهم، وأزالوهم عنها، على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى. فلما اتفقوا مع الأرمن من رعية البلاد أخذوا الحاج فقتلوا منهم ~~كثيرا، وأسروا، وسبوا، ونهبوا الأموال، وحملوا ذلك أجمع إلى الروم، وطمع ~~الأرمن في تلك البلاد، فسمع نصر الدولة بن مروان الخبر، فجمع العساكر وعزم ~~على غزوهم، فلما سمعوا ذلك، ورأوا جده فيه، راسله ملك السناسنة، وبذل إعادة ~~جميع ما أخذ أصحابه، وإطلاق الأسرى والسبي، فأجابهم إلى الصلح، وعاد عنهم ~~لحصانة قلاعهم، وكثرة المضايق في بلادهم، ولأنهم بالقرب من الروم، فخاف أن ~~يستنجدوهم ويمتنعوا بهم، فصالحهم. ### || AUT ذكر الحرب بين المعز وزناتة # في هذه السنة اجتمعت زناتة بإفريقية ، وزحفت في خيلها ورجلها يريدون ~~مدينة المنصورة، فلقيهم جيوش المعز بن باديس، صاحبها، بموضع يقال له الجفنة ~~قريب من القيروان، فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزمت عساكر المعز، ففارقت ~~المعركة، وهم على حامية، ثم عاودوا القتال، وحرض بعضهم بعضا فصبرت صنهاجة، ~~وانهزمت زناتة هزيمة قبيحة، وقتل منهم عدد كثير، وأسر خلق عظيم، وتعرف هذه ~~الوقعة بوقعة الجفنة، وهي مشهورة لعظمها عندهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في رجب، انقض كوكب عظيم غلب نوره على نور الشمس وشوهد في ~~آخرها مثل التنين يضرب إلى السواد، وبقي ساعة وذهب. وفيها كانت ظلمة عظيمة ~~اشتدت حتى أن إنسانا كان لا يبصر جليسه، وأخذ بأنفاس الخلق، ms3350 فلو تأخر ~~انكشافها لهلك أكثرهم. وفيها قبض على الوزير أبي سعد بن عبد الرحيم، وزير ~~جلال الدولة، وهي الوزارة السادسة. PageV04P0218 # وفيها، في رمضان، توفي رافع بن الحسين بن مقن، وكان حازما شجاعا، وخلف ~~بتكريت ما يزيد على خمس مائة ألف دينار، فملكها ابن أخيه خميس بن ثعلب، ~~وكان طريدا في أيام عمه، وحمل إلى جلال الدولة ثمانين ألف دينار فأصلح بها ~~الجند، وكانت يده قد قطعت لأن بعض عبيد بني عمه كان يشرب معه، فجرى بينه ~~وبين آخر خصومة، فجردا سيفيهما، فقام رافع ليصلح بينهما، فضرب العبد يده ~~فقطعها غلطا، ولرافع فيها شعر، ولم تمنعه من قتال فقد عمل له كفا أخرى يمسك ~~بها العنان ويقاتل، وله شعر جيد، من ذلك قوله: لها ريقة، استغفر الله، إنها ~~... ألذ وأشهى في النفوس من الخمر وصارم طرف لا يزايل جفنه، ... ولم أر ~~سيفا قط في جفنه يفري فقلت لها، والعيس تحدج بالضحى: ... أعدي لفقدي ما ~~استطعت من الصبر سأنفق ريعان الشبيبة آنفا ... على طلب العلياء أو طلب ~~الأجر أليس من الخسران أن لياليا ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري وفيها، في ~~صفر، أمر القائم بأمر الله بترك التعامل بالدنانير المغربية، وأمر الشهود ~~أن لا يشهدوا في كتاب ابتياع ولا غيره يذكر فيه هذا الصنف من الذهب، فعدل ~~الناس إلى القادرية، والسابورية، والقاسانية. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وأربعمائة # ### || AUT ذكر الفتنة بين جلال الدولة وبارسطغان # في هذه السنة كانت الفتنة بين جلال الدولة وبين بارسطغان، وهو من أكابر ~~الأمراء ويلقب حاجب الحجاب. وكان سبب ذلك أن جلال الدولة نسبه إلى فساد ~~الأتراك، والأتراك نسبوه إلى أخذ الأموال، فخاف على نفسه، فالتجأ إلى دار ~~الخلافة في رجب من السنة الخالية. وترددت الرسل بين جلال الدولة والقائم ~~بأمر الله في أمره، فدافع الخليفة عنه، وبارسطغان يراسل الملك أبا كاليجار، ~~فأرسل أبو كاليجار جيشا، فوصلوا إلى واسط، واتفق معهم عسكر واسط، وأخرجوا ~~الملك العزيز بن جلال الدولة، فأصعد إلى أبيه، وكشف بارسطغان القناع، ~~فاستتبع ms3351 أصاغر المماليك ونادوا بشعار أبي كاليجار، وأخرجوا جلال الدولة من ~~بغداد، فسار إلى أوانا ومعه البساسيري، وأخرج بارسطغان الوزير أبا الفضل ~~العباس بن الحسن بن فسانجس، فنظر في الأمور نيابة عن الملك أبي كاليجار، ~~وأرسل بارسطغان إلى الخليفة يطلب الخطبة لأبي كاليجار، فاحتج بعهود جلال ~~الدولة، فأكره الخطباء على الخطبة لأبي كاليجار، ففعلوا. وجرى بين الفريقين ~~مناوشات، وسار الأجناد الواسطيون إلى بارسطغان ببغداد، فكانوا معه، وتنقلت ~~الحال بين جلال الدولة وبارسطغان، فعاد جلال الدولة إلى بغداد، ونزل ~~بالجانب الغربي ومعه قرواش بن المقلد العقيلي، ودبيس بن علي بن مزيد ~~الأسدي، وخطب لجلال الدولة به، وبالجانب الشرقي لأبي كاليجار، وأعان أبو ~~الشوك، وأبو الفوارس منصور بن الحسين بارسطغان على طاعة أبي كاليجار. ثم ~~سار جلال الدولة إلى الأنبار، وسار قرواش إلى الموصل، وقبض بارسطغان على ~~ابن فسانجس، فعاد منصور بن الحسين إلى بلده، وأتى الخبر إلى بارسطغان بعود ~~الملك أبي كاليجار إلى فارس، ففارقه الديلم الذين جاؤوا نجدة له، فضعف ~~أمره، فدفع ماله وحرمه إلى دار الخلافة، وانحدر إلى واسط، وعاد جلال الدولة ~~إلى بغدا، وأرسل البساسيري والمرشد وبني خفاجة في أثره، فتبعهم جلال الدولة ~~ودبيس بن علي بن مزيد، فلحقوه بالخيزرانية، فقاتلوه، فسقط عن فرسه، فأخذ ~~أسيرا وحمل إلى جلال الدولة، فقتله وحمل رأسه، وكان عمره نحو سبعين سنة. ~~وسار جلال الدولة إلى واسط فملكها، وأصعد إلى بغداد، فضعف أمر الأتراك، ~~وطمع فيهم الأعراب، واستولوا على إقطاعاتهم، فلم يقدروا على كف أيديهم ~~عنها، وكانت مدة بارسطغان من حين كاشف جلال الدولة إلى أن قتل ستة أشهر ~~وعشرة أيام. ### || AUT ذكر الصلح بين جلال الدولة وأبي كاليجار والمصاهرة بينهما # PageV04P0219 # في هذه السنة ترددت الرسل بين جلال الدولة وابن أخيه أبي كاليجار، سلطان ~~الدولة، في الصلح والاتفاق، وزوال الخلف، وكان الرسل أقضى القضاة أبا الحسن ~~الماوردي، وأبا عبد الله المردوستي، وغيرهما، فاتفقا على الصلح، وحلف كل ~~واحد من الملكين لصاحبه، وأرسل الخليفة القائم بأمر الله إلى أبي كاليجار ~~الخلع النفيسة، ووقع العقد ms3352 لأبي منصور بن أبي كاليجار على ابنة جلال ~~الدولة، وكان الصداق خمسين ألف دينار قاسانية. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها توفي أبو القاسم علي بن الحسين بن مكرم، صاحب عمان، وكان جوادا، ~~ممدحا، وقام ابنه مقامه. وفيها توفي الأمير أبو عبد الله الحسين بن سلامة، ~~أمير تهامة، باليمن، وولي ابنه بعده، فعصى عليه خادم كان لوالده، وأراد أن ~~يملك، فجرى بينهما حروب كثيرة تمادت أيامها، ففارق أهل تهامة أوطانهم إلى ~~غير مملكة ولد الحسين هربا من الشر وتفاقم الأمر. وفيها توفي مهيار الشاعر، ~~وكان مجوسيا، فأسلم سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، وصحب الشريف الرضي، وقال له ~~أبو القاسم بن برهان: يا مهيار قد انتقلت بإسلامك في النار من زاوية إلى ~~زاوية! قال: كيف؟ قال: لأنك كنت مجوسيا، فصرت تسب أصحاب النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، في شعرك. وفيها توفي أبو الحسين القدوري الفقيه الحنفي، والحاجب ~~أبو الحسين هبة الله بن الحسين ، المعروف بابن أخت الفاضل، وكان من أهل ~~الأدب وله شعر جيد، وأبو علي بن أبي الريان بمطيراباذ، ومولده سنة أربع ~~وخمسين وثلاثمائة، وقد مدحه الرضي وابن نباتة وغيرهما. وفيها عاود المعز بن ~~باديس حرب زناتة بإفريقية، فهزمهم وأكثر القتل فيهم، وخرب مساكنهم وقصورهم. ~~وفي شعبان توفي أبو علي بن سينا الحكيم، الفيلسوف المشور، صاحب التصانيف ~~السائرة على مذاهب الفلاسفة، وكان موته بأصبهان، وكان يخدم علاء الدولة أبا ~~جعفر بن كاكويه، ولا شك أن أبا جعفر كان فاسد الاعتقاد، فلهذا أقدم ابن ~~سينا على تصانيفه في الإلحاد، والرد على الشرائع في بلده. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وعشرين وأربعمائة # ### || AUT ذكر محاصرة الأبخاز تفليس وعودهم عنها # في هذه السنة حصر ملك الأبخاز مدينة تفليس، وامتنع أهلها عليه، فأقام ~~عليهم محاصرا ومضيقا، فنفدت الأقوات، وانقطعت الميرة، فأنفذ أهلها إلى ~~أذربيجان يستنفرون المسلمين، ويسألونهم إعانتهم، فلما وصل الغز إلى ~~أذربيجان، وسمع الأبخاز بقربهم، ومما فعلوا بالأرمن، رحلوا عن تفليس مجفلين ~~خوفا. ولما رأى وهسوذان صاحب أذربيجان قوة الغز، وأنه لا طاقة له بهم، ms3353 ~~لاطفهم وصاهرهم واستعان بهم، وقد تقدم ذكر ذلك. ### || AUT ذكر ما فعله طغرلبك بخراسان # في هذه السنة دخل ركن الدين أبو طالب طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجوق ~~مدينة نيسابور مالكا لها. وكان سبب ذلك أن الغز السلجقية لما ظهروا بخراسان ~~أفسدوا، ونهبوا، وخربوا البلاد، وسبوا، على ما ذكرناه، وسمع الملك مسعود بن ~~محمود بن سبكتكين الخبر، فسير إليهم حاجبه سباشي في ثلاثين ألف مقاتل، ! ~~فسار إليهم من غزنة، فلما بلغ خراسان ثقل على ما سلم من البلد بالإقامات، ~~فخرب السالم من تخريب الغز، فأقام مدة سنة على المدافعة والمطاولة، لكنه ~~كان يتبع أثرهم إذا بعدوا، ويرجع عنهم إذا أقبلوا استعمالا للمحاجزة، ~~وإشفاقا من المحاربة، حتى إذا كان في هذه السنة، وهو بقرية بظاهر سرخس، ~~والغز بظاهر مرو مع طغرلبك، وقد بلغهم خبره، أسروا إليه وقاتلوه يوم وصلوا، ~~فلما جنهم الليل أخذ سباشي ما خف من مال وهرب في خواصه، وترك خيمه ونيرانه ~~على حالها، قيل فعل ذلك مواطأة للغز على الهزيمة، فلما أسفر الصبح عرف ~~الباقون من عسكره خبره، فانهزموا، واستولى الغز على ما وجدوه في معسكرهم من ~~سوادهم، وقتلوا من الهنود الذي تخلفوا مقتلة عظيمة. وأسرى داود أخو طغرلبك، ~~وهو والد السلطان ألب أرسلان، إلى نيسابور، وسمع أبو سهل الحمدوني ومن معه ~~بها، ففارقوها، ووصل داود ومن معه إليها، فدخلوها بغير قتال، ولم يغيروا ~~شيئا من أمورها، ووصل بعدهم طغرلبك ثم وصلت إليهم رسل الخليفة في ذلك ~~الوقت، وكان قد أرسل إليهم وإلى الذين بالري وهمذان وبلد الجبل ينهاهم عن ~~النهب والقتل والإخراب، ويعظهم، فأكرموا الرسل، وعظموهم، وخدموهم. ~~PageV04P0220 # وخاطب داود طغرلبك في نهب البلد، فمنعه فامتنع واحتج بشهر رمضان، فلما ~~انسلخ رمضان صمم داود على نهبه، فمنعه طغرلبك، واحتج علهي برسل الخليفة ~~وكتابه، فلم يلتفت داود إليه، وقوي عزمه على النهب، فأخرج طغرلبك سكينا ~~وقال له: والله لئن نهبت شيئا لأقتلن نفسي! فكف عن ذلك، وعدل إلى التقسيط، ~~فقسط على أهل نيسابور نحو ثلاثين ألف دينار، وفرقها في ms3354 أصحابه. وأقام ~~طغرلبك بدار الإمارة، وجلس على سرير الملك مسعود، وصار يقعد للمظالم يومين ~~في الأسبوع على قاعدة ولاة خراسان، وسير أخاه داود إلى سرخس فملكها، ثم ~~استولوا على سائر بلاد خراسان سوى بلغ، وكانوا يخطبون للملك مسعود على سبيل ~~المغالطة. وكانوا ثلاثة أخوة: طغرلبك، وداود، وبيغو، وكان ينال، واسمه ~~إبراهيم، أخا طغرلبك وداود لأمهما، ثم خرج مسعود من غزنة وكان ما نذكره إن ~~شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر مخاطبة جلال الدولة بملك الملوك # في هذه السنة سأل جلال الدولة الخليفة القائم بأمر الله ليخاطب بملك ~~الملوك، فامتنع، ثم أجاب إليه إذا أفتى الفقهاء بجوازه، فكتب فتوى إلى ~~الفقهاء في ذلك، فأفتى القاضي أبو الطيب الطبري، والقاضي أبو عبد الله ~~الصيمري، والقاضي ابن البيضاوي، وأبو القاسم الكرخي بجوازه، وامتنع منه ~~قاضي القضاة أبو الحسن الماوردي، وجرى بينه وبين من أفتى بجوازه مراجعات، ~~وخطب لجلال الدولة بملك الملوك. وكان الماوردي من أخص الناس بجلال الدولة، ~~وكان يتردد إلى دار المملكة كل يوم، فلما أفتى بهذه الفتيا انقطع ولزم بيته ~~خائفا، وأقام منقطعا من شهر رمضان إلى يوم عيد النحر، فاستدعاه جلال ~~الدولة، فحضر خائفا، فأدخله وحده وقال له: قد علم كل أحد أنك من أكثر ~~الفقهاء مالا، وجاها، وقربا منا، وقد خالفتهم فيما خالف هواي، ولم تفعل ذلك ~~إلا لعدم المحاباة منك، واتباع الحق، وقد بان لي موضعك من الدين، ومكانك من ~~العلم، وجعلت جزاء ذلك إكرامك بأن أدخلتك إلي، وجعلت أذن الحاضرين إليك، ~~ليتحققوا عودي إلى ما تحب. فشكره ودعا له، وأذن لكل من حضر بالخدمة والانصراف. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قتل شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس، صاحب حلب، قتله ~~الدزبري وعساكر مصر، وملكوا حلب. وفيها أنكر العلماء على أبي يعلى بن ~~الفراء الحنبلي ما ضمنه كتابه من صفات الله، سبحانه وتعالى، المشعرة بأنه ~~يعتقد التجسم، وحضر أبو الحسن القزويني الزاهد بجامع المنصور، وتكلم في ~~ذلك، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وفيها صالح ms3355 ابن وثاب ~~النميري، صاحب حران، الروم الذين بالرها لعجزه عنهم، وسلم إليهم ربض الرها، ~~وكان تسلمه على ما ذكرناه أولا، فنزلوا من الحصن الذي للبلد إليه، وكثر ~~الروم بها، وخاف المسلمون على حران منهم، وعمر الروم الرها العمارة الحسنة ~~وحصنوها. وفيها هادن المستنصر بالله الخليفة العلوي، صاحب مصر، ملك الروم، ~~وشرط عليه إطلاق خمسة آلاف أسير، وشرط الروم عليه أن يعمروا بيعة قمامة، ~~فأرسل الملك إليها من عمرها، وأخرج مالا جليلا. وفي هذه السنة سارت عساكر ~~المعز بن باديس بإفريقية إلى بلد الزاب، ففتحوا مدينة تسمى بورس، وقتلوا من ~~البربر خلقا كثيرا، وفتح من بلاد زناتة قلعة تسمى كروم. وفيها توفي إسحاق ~~بن إبراهيم بن مخلد أبو الفضل المعروف بابن الباقرحي في ربيع الآخر. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاثين وأربعمائة # ### || AUT ذكر وصول الملك مسعود إلى خراسان # ### || AUT وإجلاء السلجقية عنها # في صفر من هذه السنة وصل الملك مسعود إلى بلخ من غزنة، وزوج ابنه من ~~ابنة بعض ملوك الخانية، كان يتقي جانبه، وأقطع خوارزم لشاه ملك الجندي، ~~فسار إليها، وبها خوارزمشاه إسماعيل بن التوتناش، فجمع أصحابه، ولقي شاه ~~ملك وقاتله، ودامت الحرب بينهما مدة شهر، وانهزم إسماعيل، والتجأ إلى ~~طغرلبك وأخيه داود السلجقية، وملك شاه ملك خوارزم. وكان مسير مسعود من غزنة ~~أول سنة ثمان وعشرين، وسبب خروجه ما وصل إليه من أخبار الغز، وما فعلوه ~~بالبلاد وأهلها من الإخراب والقتل والسبي والاستيلاء، وأقام ببلخ حتى أراح ~~واستراح، وفرغ من أمر خوارزم والخانية ثم أمد سباشي الحاجب بعسكر ليتقوى ~~بهم ويهتم بأمر الغز واستئصالهم، فلم يكن عنده من الكفاية ما يقهرهم بل ~~أخلد إلى المطاولة التي هي عادته. PageV04P0221 # وسار مسعود بن سبكتكين من بلخ بنفسه، وقصد سرخس، فتجنب الغز لقاءه، ~~وعدلوا إلى المراوغة والمخاتلة، وأظهروا العزم على دخول المفازة التي بين ~~مرو وخوارزم، فبينما عساكر مسعود تتبعهم وتطلبهم إذ لقوا طائفة منهم، ~~فقاتلوهم وظفروا بهم وقتلوا منهم. ثم إنه واقعهم بنفسه، في شعبان من هذه ~~السنة، وقعة استظهر فيها ms3356 عليهم، فأبعدوا عنه، ثم عاودوا القرب منه بنواحي ~~مرو، فواقعوهم وقعة أخرى قتل منهم فيها نحو ألف وخمسمائة قتيل، وهرب ~~الباقون فدخلوا البرية التي يحتمون بها. وثار أهل نيسابور بمن عندهم منهم، ~~فقتلوا بعضا، وانهزم الباقون إلى أصحابهم بالبرية وعدل مسعود إلى هراة ~~ليتأهب في العساكر للمسير خلفهم وطلبهم أين كانوا، فعاد طغرلبك إلى الأطراف ~~النائية عن مسعود، فنهبها وأثخن فيها، وكان الناس قد تراجعوا، فملأوا ~~أيديهم من الغنائم، فحينئذ سار مسعود يطلبه، فلما قاربه انزاح طغرلبك من ~~بين يديه إلى أستوا وأقام بها، وكان الزمان شتاء، ظنا منه أن الثلج والبرد ~~يمنع عنه، فطلبه مسعود إليها، ففارقه طغرلبك وسلك الطريق على طوس، واحتمى ~~بجبال منيعة، ومضايق صعبة المسلك، فسير مسعود في طلبه وزيره أحمد بن محمد ~~بن عبد الصمد في عساكر كثيرة، فطوى المراحل إليه جريدة، فلما رأى طغرلبك ~~قربه منه فارق مكانه إلى نواحي أبيورد. وكان مسعود قد سار ليقطعه عن جهة إن ~~أرادها، فلقي طغرلبك مقدمته، فواقعوهم فانتصروا عليه، واستأمن من أصحابه ~~جماعة كثيرة، ورأى الطلب له من كل جانب، فعاود دخول المفازة إلى خوارزم ~~وأوغل فيها. فلما فارق الغز خراسان قصد مسعود جبلا من جبال طوس منيعا لا ~~يرام، وكان أهله قد وافقوا الغز وأفسدوا معهم، فلما فارق الغز تلك البلاد ~~تحصن هؤلاء بجبلهم ثقة منهم بحصانته وامتناعه، فسرى مسعود إليهم جريدة، فلم ~~يرعهم إلا وقد خالطهم، فتركوا أهلهم وأموالهم وصعدوا إلى قلة الجبل ~~واعتصموا بهال وامتنعوا، وغنم عسكر مسعود أموالهم وما ادخروه. ثم أمر مسعود ~~أصحابه أن يزحفوا إليهم في قلة الجبل، وباشر هو القتال بنفسه، فزحف الناس ~~إليهم، وقاتلوهم قتالا لم يروا مثله، وكان الزمان شتاء، والثلج على الجبل ~~كثيرا، فهلك من العسكر في مخارم الجبل وشعابه كثير، ثم إنهم ظفروا بأهله ~~وأكثروا فيهم القتل والأسر وفرغوا منهم وأراحوا المسلمين من شرهم. وسار ~~مسعود إلى نيسابور في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، ليريح ~~ويستريح، وينتظر الربيع ليسير خلف الغز، ويطلبهم في المفاوز التي ms3357 احتموا ~~بها. وكانت هذه الوقعة، وإجلاء الغز عن خراسان، سنة إحدى وثلاثين، على ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر ملك أبي الشوك مدينة خولنجان # كان حسام الدولة أبو الشوك قد فتح قرميسين من أعمال الجبل، وقبض على ~~صاحبها، وهو من الأكراد القوهية، فسار أخوه إلى قلعة أرنبة، فاعتصم بها من ~~أبي الشوك، وجعل أصحابه في مدينة خولنجان يحفظونها منه أيضا. فلما كان الآن ~~سير أبو الشوك عسكرا إلى خولنجان فحصروها فلم يظفروا منها بشيء، فأمر ~~العسكر فعاد فأمن من في البلد بعود العسكر عنه. ثم جهز عسكرا آخر جريدة لم ~~يعلم بهم أحد، وسيرهم ليومهم، وأمرهم بنهب ربض قلعة أرنبة، وقتل من ظفروا ~~به والإتمام لوقتهم إلى خولنجان ليسبقوا خبرهم إليها، ففعلوا ذلك، ووصلوا ~~إليها ومن بها غير متأهبين، فاقتتلوا شيئا من قتال، ثم استسلم من بالمدينة ~~إليهم فتسلموها، وتحصن من كان بها من الأجناد في قلعة في وسط البلد، ~~فحصروها أصحاب أبي الشوك، فملكوها في ذي القعدة من هذه السنة. ### || AUT ذكر الخطبة العباسية بحران والرقة # في هذه السنة خطب شبيب بن وثاب النميري، صاحب حران والرقة، للإمام ~~القائم بأمر الله، وقطع خطبة المستنصر بالله العلوي. وكان سببها أن نصر ~~الدولة بن مروان كان قد بلغه عن الدزبري نائب العلويين بالشام أنه يتهدده، ~~ويريد قصد بلاده، فراسل قرواشا، صاحب الموصل، وطلب منه عسكرا، وراسل شبيبا ~~النميري يدعوه إلى الموافقة، ويحذره من المغاربة، فأجابه إلى ذلك، وقطع ~~الخطبة العلوية، وأقام الخطبة العباسية، فأرسل إليه الدزبري يتهدده، ثم ~~أعاد الخطبة العلوية بحران في ذي الحجة من السنة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV04P0222 # فيها توفي الملك أبو علي الحسين بن الحسن الرخجي، وكان وزيرا لملوك بني ~~بويه، ثم ترك الوزارة، وكان في عطلته يتقدم على الوزراء. وفيها أيضا توفي ~~أبو الفتوح الحسن بن جعفر العلوي أمير مكة. وفيها توفي الوزير أبو القاسم ~~بن ماكولا محبوسا بهيت، وكان مقامه في الحبس سنتين وخمسة أشهر، ومولده سنة ~~خمس وستين وثلاثمائة، وكان وزير جلال ms3358 الدولة، وهو والد الأمير أبي نصر، ~~مصنف كتاب الإكمال في المؤتلف والمختلف، وكان جلال الدولة سلمه إلى قرواش، ~~فحبسه بهيت. وفيها سقط الثلج ببغداد لست بقين من ربيع الأول، فارتفع على ~~الأرض شبرا، ورماه الناس عن السطوح إلى الشوارع، وجمد الماء ستة أيام ~~متوالية، وكان أول ذلك الثالث والعشرين من كانون الثاني. وتوفي هذه السنة ~~أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني الحافظ، وأبو الرضا ~~الفضل بن منصور بن الظريف الفارقي، الأمير الشاعر، له ديوان حسن، وشعر جيد، ~~فمنه: ومخطف الخصر مطبوع على صلف ... عشقته، ودواعي البين تعشقه وكيف أطمع ~~منه في مواصلة، ... وكل يوم لنا شمل يفرقه وقد تسامح قلبي في مواصلتي ... ~~على السلو ولكن من يصدقه أهابه، وهو طلق الوجه مبتسم، ... وكيف يطمعني في ~~السيف رونقه ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة # في هذه السنة فتح الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين قلعة بخراسان كانت ~~بيد الغز، وقتل فيها جماعة منهم، وكانت بينه وبينهم وقعات أجلت عن فراقهم ~~خراسان إلى البرية، وقد ذكرناه سنة ثلاثين. ### || AUT ذكر ملك الملك أبي كاليجار البصرة # في هذه السنة سير الملك أبو كاليجار عساكره مع العادل أبي منصور بن ~~مافنة إلى البصرة، فملكها في صفر، وكانت بيد الظهير أبي القاسم، وقد ذكرنا ~~أنه وليها بعد بختيار، وأنه عصى على أبي كاليجار مرة، وصار في طاعة جلال ~~الدولة ، ثم فارق طاعته وعاد إلى طاعة الملك أبي كاليجار، وكان يترك محاقته ~~ومعارضته فيما يفعله، ويضمن الظهير أن يحمل إلى أبي كاليجار كل سنة سبعين ~~ألف دينار، وكثرت أمواله، ودامت أيامه، وثبت قدمه، وطار اسمه. واتفق أنه ~~تعرض إلى أملاك أبي الحسن بن أبي القاسم بن مكرم، صاحب عمان، وأمواله، ~~وكاتب أبو الحسن الملك أبا كاليجار، وبذل له زيادة ثلاثين ألف دينار في ~~ضمان البصرة كل سنة، وجرى الحديث في قصد البصرة، فصادف قلبا موغرا من ~~الظهير، فحصلت الإجابة، وجهز الملك العساكر مع العادل أبي منصور، فسار ~~إليها وحصرها. وسارت ms3359 العساكر من عمان أيضا في البحر وحصرت البصرة وملكت، ~~وأخذ الظهير وقبض عليه، وأخذ جميع ماله، وقرر عليه مائة ألف وعشرة آلاف ~~دينار، يحملها في أحد عشر يوما، بعد تسعين ألف دينار أخذت منه قبلها، ووصل ~~الملك أبي كاليجار إلى البصرة، فأقام بها، ثم عاد إلى الأهواز، وجعل ولده ~~عز الملوك فيها، ومعه الوزير أبو الفرج بن فسانجس، ولما سار أبو كاليجار عن ~~البصرة أخذ معه الظهير إلى الأهواز. ### || AUT ذكر ما جرى بعمان بعد موت أبي القاسم بن مكرم # لما توفي أبو القاسم بن مكرم خلف أربعة بنين: أبو الجيش، والمهذب، وأبو ~~محمد، وآخر صغير، فولي بعده ابنه أبو الجيش، وأقر علي بن هطال المنوجاني، ~~صاحب جيش أبيه، على قاعدته، وأكرمه، وبالغ في احترامه، فكان إذا جاء إليه ~~قام له، فأنكر هذه الحال عليه أخوه المهذب، فطعن على ابن هطال، وبلغه ذلك، ~~فأضمر له سوءا، واستأذن أبا الجيش في أن يحضر أخاه المهذب لدعوة عملها له، ~~فأذن له في ذلك، فلما حضر المهذب عنده خدمه، وبالغ في خدمته، فلما أكل وشرب ~~وانتشى، وعمل السكر فيه، قال له ابن هطال: إن أخاك أبا الجيش فيه ضعف، وعجز ~~عن الأمر، والرأي أننا نقوم معك، وتصير أنت الأمير، وخدعه، فمال إلى هذا ~~الحديث، فأخذ ابن هطال خطه بما يفوض إليه، وبما يعطيه من الأعمال إذا عمل ~~معه هذا الأمر. فلما كان الغد حضر ابن هطال عند أبي الجيش، وقال له: إن ~~أخاك كا نقد أفسد كثيرا من أصحابك عليك، وتحدث معي، واستمالني فلم أوافقه، ~~فلهذا كان يذمني، ويقع في، وهذا خطه بما استقر هذه الليلة. فلما رأى خط ~~أخيه أمره بالقبض عليه، ففعل ذلك واعتقله، ثم وضع عليه من خنقه وألقى جثته ~~إلى منخفض من الأرض، وأظهر أنه سقط فمات. PageV04P0223 # ثم توفي أبو الجيش بعد ذلك بيسير، وأراد ابن هطال أن يأخذ أخاه أبا محمد ~~فيوليه عمان ثم يقتله، فلم تخرجه إليه والدته، وقالت له: أنت تتولى الأمور، ~~وهذا صغير لا يصلح ms3360 لها. ففعل ذلك، وأساء السيرة، وصادر التجار، وأخذ ~~الأموال. وبلغ ما كان منه مع بني مكرم إلى الملك أبي كاليجار، والعادل أبي ~~منصور ابن مافنة، فأعظما الأمر واستكبراه، وشد العادل في الأمر، وكاتب ~~نائبا كان لأبي القاسم بن مكرم بجبال عمان يقال له المرتضى، وأمره بقصد ابن ~~هطال، وجهز العساكر من البصرة لتسير إلى مساعدة المرتضى، فجمع المرتضى ~~الخلق، وتسارعوا إليه وخرجوا عن طاعة ابن هطال، وضعف أمره، واستولى المرتضى ~~على أكثر البلاد، ثم وضعوا خادما كان لابن مكرم، وقد التحق بابن هطال، على ~~قتله، وساعده على ذلك فراش كان له، فما سمع العادل بقتله سير إلى عمان من ~~أخرج أبا محمد بن مكرم، ورتبه في الإمارة، وكان قد استقر أن الأمر لأبي ~~محمد في هذه السنة. ### || AUT ذكر الحرب بين أبي الفتح ابن أبي الشوك وبين عمه مهلهل # في هذه السنة كان بين أبي الفتح ابن أبي الشوك وبين عمه مهلهل حرب ~~شديدة. وكان سبب ذلك أن أبا الفتح كان نائبا عن والده في الدينور، وقد عظم ~~محله، وافتتح عدة قلاع، وحمى أعماله من الغز، وقتل فيهم، فأعجب بنفسه، وصار ~~لا يقبل أمر والده. فلما كان هذه السنة، في شعبان، سار إلى قلعة بلوار ~~ليفتحها، وكان فيها زوجة صاحبها، وكان من الأكراد، فعلمت أنها تعجز عن ~~حفظها، فراسلت مهلهل بن محمد بن عناز، وهو بحلله في نواحي الصامغان، ~~واستدعته لتسلم إليه القلعة، فسأل الرسول عن أبي الفتح: هل هو بنفسه على ~~القلعة أم عسكره؟ فأخبره أنه عاد عنها وبقي عسكره، فسار مهلهل إليها، فلما ~~وصل رأى أبا الفتح قد عاد إلى القلعة، فقصد موضعا يوهم أبا الفتح أنه لم ~~يرد هذه القلعة، ثم رجع عائدا، وتبعه أبا الفتح ولحقه وتراءت الفئتان، فعاد ~~مهلهل إليه، فاقتتلوا، فرأى أبو الفتح من أصحابه تغيرا، فخافهم، فولى ~~منهزما، وتبعه أصحابه في الهزيمة، وقتل عسكر مهلهل من كان في عسكر أبي ~~الفتح من الرجالة، وساروا في أثر المنهزمين يقتلون ويأسرون، ووقف فرس أبي ~~الفتح ms3361 به فأسر وأحضر عند عمه مهلهل، فضربه عدة مقارع، وقيده، وحبسه عنده ~~وعاد. ثم إن أبا الشوك جمع عساكره وسار إلى شهرزور وحصرها، وقصد بلاد أخيه ~~ليخلص ابنه أبا الفتح، فطال الأمر ولم يخلص ابنه، وحمل مهلهل اللجاج على أن ~~استدعى علاء الدولة بن كاكويه إلى بلد أبي الفتح، فدخل الدينور وقرميسين، ~~وأساء إلى أهلها وظلمهم وملكها، وكان ذلك سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. ### || AUT ذكر شغب الأتراك على جلال الدولة ببغداد # في هذه السنة شغب الأتراك على الملك جلال الدولة ببغداد، وأخرجوا خيامهم ~~إلى ظاهر البلد، ثم أوقعوا النهب في عدة مواضع، فخافهم جلال الدولة، فعبر ~~خيامه إلى الجانب الغربي، وترددت الرسل بينهم في الصلح، وأراد الرحيل عن ~~بغداد، فمنعه أصحابه، فراسل دبيس بن مزيد، وقرواشا، صاحب الموصل، وغيرهما، ~~وجمع عنده العساكر، فاستقرت القواعد بينهم وعاد إلى داره، وطمع الأتراك، ~~وآذوا الناس، ونهبوا وقتلوا، وفسدت الأمور بالكلية إلى حد لا يرجى صلاحه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، ولد للخليفة القائم بأمر الله ولده أبو ~~العباس، وهوذخيرة الدين. وفيها توفي شبيب بن وثاب النميري، صاحب الرقة ~~وسروج وحران. وفيها توفي أبو نصر بن مشكان، كاتب الإنشاد لمحمود بن سبكتكين ~~ولولده مسعود، وكان من الكتاب المفلقين، رأيت له كتابة في غاية الجودة. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة # ### || AUT ذكر ابتداء الدولة السلجوقية # ### || AUT وسياقة أخبارهم متتابعة # في هذه السنة اشتد ملك السلطان طغرلبك محمد وأخيه جغري بك داود ابني ~~ميكائيل بن سلجوق بن تقاق، فنذكر أولا حال آبائه، ثم نذكر حاله كيف تنقلت ~~حتى صار سلطانا، على أنني قد ذكرت أكثر أخبارهم متقدمة على السنين، وإنما ~~أوردناها هاهنا مجموعة لترد سياقا واحدا، فهي أحسن، فأقول: PageV04P0224 # فأما تقاق فمعناه القوس الجديد، وكان شهما، ذا رأي وتدبير، وكان مقدم ~~الأتراك الغز، ومرجعهم إليه، لا يخالفون له قولا، ولا يتعدون أمرا. فاتفق ~~يوما من الأيام أن ملك الترك الذي يقال له بيغو جمع عساكره، وأراد المسير ~~إلى بلاد ms3362 الإسلام، فنهاه تقاق عن ذلك، وطال الخطاب بينهما فيه فأغلظ له ملك ~~الترك الكلام، فلطمه تقاق فشج رأسه، فأحاط به خدم ملك الترك، وأرادوا أخذه، ~~فمانعهم وقاتلهم، واجتمع معه من أصحابه من منعه، فتفرقوا عنه، ثم صلح الأمر ~~بينهما، واقام تقاق عنده، وولد له سلجوق. وأما سلجوق فإنه لما كبر ظهرت ~~عليه أمارات النجابة، ومخايل التقدم، فقربه ملك الترك وقدمه، ولقبه سباشي، ~~معناه قائد الجيش، وكانت امرأة الملك تخوفه من سلجوق لما ترى من تقدمه، ~~وطاعة الناس له، والانقياد إليه، وأغرته بقتله، وبالغت في ذلك. وسمع سلجوق ~~الخبر، فسار بجماعته كلهم ومن يطيعه من دار الحرب إلى ديار الإسلام، وسعد ~~بالإيمان ومجاورة المسلمين، وازداد حاله علوا، وإمرة، وطاعة، وأقام بنواحي ~~جند، وأدام غزو كفار الترك، وكان ملكهم يأخذ الخراج من المسلمين في تلك ~~الديار، وطرد سلجوق عماله منها وصفت للمسلمين. ثم إن بعض ملوك السامانية ~~كان هارون بن ايلك الخان قد استولى على بعض أطراف بلاده، فأرسل إلى سلجوق ~~يستمده، فأمده بابنه أرسلان في جمع من أصحابه، فقوي بهم الساماني على ~~هارون، واسترد ما أخذه منه، وعاد أرسلان إلى أبيه. وكان لسلجوق من الأولاد: ~~أرسلان، وميكائيل، وموسى، وتوفي سلجوق بجند، وكان عمره مائة سنة وسبع سنين، ~~ودفن هناك، وبقي أولاده، فغزا ميكائيل بعض بلاد الكفار الأتراك، فقاتل، ~~وباشر القتال بنفسه، فاستشهد في سبيل الله، وخلف من الأولاد: بيغو، وطغرلبك ~~محمدا، وجغري بك، داود، فأطاعهم عشائرهم، ووقفوا عند أمرهم ونهيهم، ونزلوا ~~بالقرب من بخارى على عشرين فرسخا منها، فخافهم أمير بخارى فأساء جوارهم، ~~وأراد إهلاكهم والإيقاع بهم، فالتجأوا إلى بغراجان ملك تركستان، وأقاموا في ~~بلاده، واحتموا به وامتنعوا، واستقر الأمير بين طغرلبك وأخيه داود أنهما لا ~~يجتمعان عند بغراجان، إنما يحضر عنده أحدهما، ويقيم الآخر في أهله خوفا من ~~مكر يمكره بهم، فبقوا كذلك. ثم إن بغراجان اجتهد في اجتماعهما عنده، فلم ~~يفعلا، فقبض على طغرلبك وأسره، فثار داود في عشائره ومن يتبعه، وقصد ~~بغراجان ليخلص أخاه، فأنفذ إليه بغراجان عسكرا، ms3363 فاقتتلوا، فانهزم عسكر ~~بغراجان وكثر القتل فيهم، وخلض أخاه من الأسر، وانصرفوا إلى جند، وهي قريب ~~بخارى، فأقاموا هناك. فلما انقرضت دولة السامانية وملك ايلك الخان بخارى ~~عظم محل أرسلان ابن سلجوق عم داود وطغرلبك بما وراء النهر، وكان علي تكين ~~في حبس أرسلان خان، فهرب، وهو أخو ايلك الخان، ولحق ببخارى واستولى عليها، ~~واتفق مع أرسلان بن سلجوق فامتنعا، واستفحل أمرهما، وقصدهما ايلك أخو ~~أرسلان خان، وقاتلهما فهزماه وبقيا ببخارى. وكان علي تكين يكثر معارضة يمين ~~الدولة محمود بن سبكتكين فيما يجاوره في بلاده، ويقطع الطريق على رسله ~~المترددين إلى ملوك الترك، فلما عبر محمود جيحون، على ما ذكرناه، هرب علي ~~تكين من بخارى، وأما أرسلان بن سلجوق وجماعته فإنهم دخلوا المفازة والرمل، ~~فاحتموا من محمود، فرأى محمود قوة السلجوقية، وما لهم من الشوكة وكثرة ~~العدد، فكاتب أرسلان ابن سلجوق واستماله ورغبه، فورد إليه، فقبض يمين ~~الدولة عليه في الحال، ولم يمهله، وسجنه في قلعة، ونهب خركاهاته، واستشار ~~فيما يفعل بأهله وعشيرته، فأشار أرسلان الجاذب، وهو من أكبر خواص محمود، ~~بأن يقطع أباهمهم لئلا يرموا بالنشاب، أو يغرقوا في جيحون، فقال له: ما أنت ~~إلا قاسي القلب! ثم أمر بهم فعبروا نهر جيحون، ففرقهم في نواحي خراسان، ~~ووضع عليهم الخراج، فجار العمال عليهم، وامتدت الأيدي إلى أموالهم وأولاهم، ~~فانفصل منهم أكثر من ألفي رجل، وساروا إلى كرمان، ومنها إلى أصبهان، وجرى ~~بينهم وبين صاحبها علاء الدولة بن كاكويه حرب قد ذكرناها، فساروا من أصبهان ~~إلى أذربيجان، وهؤلاء جماعة أرسلان. PageV04P0225 # فأما أولاد إخوته فإن علي تكين صاحب بخارى أعمل الحيل في الظفر بهم، ~~فأرسل إلى يوسف بن موسى بن سلجوق، وهو ابن عم طغرلبك محمد وجغري بك داود، ~~ووعده الإحسان، وبالغ في استمالته، وطلب منه الحضور عنده، ففعل، ففوض إليه ~~علي تكين التقدم على جميع الأتراك الذين في ولايته، وأقطعه أقطاعا كثيرة، ~~ولقب بالأمير اينانج بيغو. وكان الباعث له على ما فعله به أن يستعين به ~~وبعشيرته وأصحابه على طغرلبك ms3364 وداود ابني عمه، ويفرق كلمتهم، ويضرب بعضهم ~~ببعض، فعلموا مراده، فلم يطعه يوسف إلى شيء مما أراده، منه، فلما رأى علي ~~تكين أن مكره لم يعمل في يوسف، ولم يبلغ به غرضا، أمر بقتله، فقتل يوسف، ~~تولى قتله أمير من أمراء علي تكين اسمه الف قرا. فلما قتل عظم ذلك على ~~طغرلبك وأخيه داود وجميع عشائرهما، ولبسوا ثياب الحداد، وجمعا من الأتراك ~~من قدرا على جمعه للأخذ بثأره، وجمع علي تكين أيضا جيوشه، وسيرها إليهم، ~~فانهزم عسكر علي تكين، وكان قد ولد السلطان ألب أرسلان بن داود أول محرم ~~سنة عشرين وأربعمائة قبل الحرب، فتبركوا به، وتيمنوا بطلعته، وقيل في مولده ~~غير ذلك. فلما كان سنة إحدى وعشرين قصد طغرلبك وداود ألب قرا الذي قتل يوسف ~~ابن عمهما، فقتلاه، وأوقعا بطائفة من عسكر علي تكين، فقتلا منها نحو ألف ~~رجل، فجمع علي تكين عسكره وقصدهم هو وأولاده ومن حمل السلاح من أصحابه، ~~وتبعهم من أهل البلاد خلق كثير، فقصدوهم من كل جانب، وأوقعوا بهم وقعة ~~عظيمة قتل فيها كثير من عساكر السلجوقية، وأخذت أموالهم وأولادهم، وسبوا ~~كثيرا من نسائهم وذراريهم، فألجأتهم الضرورة إلى العبور إلى خراسان. فلما ~~عبروا جيحون كتب إليهم خوارزمشاه هارون بن التونتاش يستدعيهم ليتفقوا معه، ~~وتكون أيديهم واحدة. فسار طغرلبك وأخواه داود وبيغو إليه، وخيموا بظاهر ~~خوارزم سنة ست وعشرين ووثقوا به واطمأنوا إليه، فغدر بهم، فوضع عليهم ~~الأمير شاهملك، فكبسهم، ومعه عسكر من هارون، فأكثر القتل فيهم والنهب ~~والسبي، وارتكب من الغدر خطة شنيعة، فساروا عن خوارزم بجموعهم إلى مفازة ~~نسا، قصدوا مرو في هذه السنة أيضا، ولم يتعرضوا لأحد بشر، وبقي أولادهم ~~وذراريهم في الأسر. وكان الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين هذه السنة ~~بطبرستان قد ملكها، كما ذكرناه، فراسلوه وطلبوا منه الأمان، وضمنوا أنهم ~~يقصدون الطائفة التي تفسد في بلاده، ويدفعونهم عنها، ويقاتلونهم، ويكونون ~~من أعظم أعوانه وعلى غيرهم. فقبض على الرسل وجهز عسكرا جرارا إليهممع ~~ايلتغدي حاجبه، وغيرهم من الأمراء الأكابر، فساروا إليهم، ms3365 والتقوا عند نسا ~~في شعبان من السنة، واقتتلوا، وعظم الأمر، وانهزم السلجوقية، وغنمت ~~أموالهم، فجرى بين عسكر مسعود منازعة في الغنيمة أدت إلى القتال. واتفق في ~~تلك الحال أن السلجوقية لما انهزموا قال لهم داود: إن العسكر الآن قد ~~نزلوا، واطمأنوا، وأمنوا الطلب، والرأي أن نقصدهم لعلنا نبلغ منهم غرضا. ~~فعادوا فوصلوا إليهم وهم على تلك الحال من الاختلاف، وقتال بعضهم بعضا، ~~فأوقعوا بهم، وقتلوا منهم وأسروا، واستردوا ما أخذوا من أموالهم ورجالهم، ~~وعاد المنهزمون من العسكر إلى الملك مسعود، وهو بنيسابور، فندم على رده ~~طاعتهم، وعلم أن هيبتهم قد تمكنت من قلوب عساكره، وأنهم قد طمعوا بهذه ~~الهزيمة، وتجرأوا على قتال العساكر السلطانية بعد الخوف الشديد، وخاف من ~~أخوات هذه الحادثة، فأرسل إليهم يتهددهم ويتوعدهم، فقال طغرلبك لإمام ~~صلاته: اكتب إلى السلطان " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع ~~الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء ~~قدير " ، ولا تزد على هذا. PageV04P0226 # فكتب ما قال، فلما ورد الكتاب على مسعود أمر فكتب إليهم كتاب مملوء من ~~المواعيد الجميلة، وسير معه الخلع النفيسة، وأمرهم بالرحيل إلى آمل الشط، ~~وهي مدينة على جيحون، ونهاهم عن الشر والفساد، وأقطع دهستان لداود، ونسا ~~لطغرلبك، وفراوة لبيغو، ولقب مل واحد منهم بالدهقان. فاستخفوا بالرسول ~~والخلع، وقالوا للرسول: لو علمنا أن السلطان يبقي علينا، إذا قدر، لأطعناه، ~~ولكنا نعلم أنه متى ظفر بنا أهلكنا لما عملناه وأسلفناه، فنحن لا نطيعه، ~~ولا نثق به. وأفسدوا، ثم كفوا، وتركوا ذلك، فقالوا: إن كان لنا قدرة على ~~الانتصاف من السلطان، وإلا فلا حاجة بنا إلى إهلاك العالم، ونهب أموالهم، ~~وأرسلوا إلى مسعود يخادعونه بإظهار الطاعة له، والكف عن الشر، ويسألونه أن ~~يطلق عمهم أرسلان بن سلجوق من الحبس، فأجابهم إلى ذلك، فأحضره عنده ببلخ، ~~وأمره بمراسلة بني أخيه بيغو، وطغرلبك، وداود يأمرهم بالاستقامة، والكف عن ~~الشر، فأرسل إليهم رسولا يأمرهم بذلك، وأرسل معه إشفى، وأمره بتسليمه ~~إليهم، فلما وصل ms3366 الرسول وأدى الرسالة وسلم إليهم الإشفى نفروا واستوحشوا، ~~وعادوا إلى أمرهم الأول في الغارة والشر، فأعاده مسعود إلى محبسه، وسار إلى ~~غزنة، فقصد السلجوقية بلخ ونيسابور وطوس وجوزجان، على ما ذكرناه. وأقام ~~داود بمدينة مرو، وانهزمت عساكر السلطان مسعود منهم مرة بعد مرة، واستولى ~~الرعب على أصحابه، لاسيما مع بعده إلى غزنة، فتوالت كتب نوابه وعماله إليه ~~يستغيثون به، ويشكون إليه، ويذكرون ما يفعل السلجوقية في البلاد، وهو لا ~~يجيبهم، ولا يتوجه إليهم، وأعرض عن خراسان والسلجوقية، واشتغل بأمور بلاد ~~الهند. فلما اشتد أمره بخراسان وعظمت حالهم اجتمع وزراء مسعود وأرباب الرأي ~~في دولته، وقالوا له: إن قلة المبالاة بخراسان من أعظم سعادة السلجوقية، ~~وبها يملكون البلاد، ويستقيم لهم الملك، ونحن نعلم، وكل عاقل، أنهم إذا ~~تركوا على هذه الحال استولوا على خراسان سريعا، ثم ساروا منها إلى غزنة، ~~وحينئذ لا ينفعنا حركاتنا، ولا نتمكن من البطالة والاشتغال باللعب واللهو ~~والطرب. فاستيقظ من رقدته، وأبصر رشده بعد غفلته، وجهز العساكر الكثيرة مع ~~أكبر أمير عنده يعرف بسباشي، وكان حاجبه، وقد سيره قبل إلى الغز العراقية، ~~وقد تقدم ذكر ذلك، وسير معه أميرا كبيرا اسمه مرداويج ابن بشو. وكان سباشي ~~جبانا، فأقام بهراة ونيسابور، ثم أغار بغتة على مرو، وبها داود، فسار مجدا، ~~فوصل إليها في ثلاثة أيام، فأصاب جيوشه ودوابه التعب والكلال، فانهزم داود ~~بين يديه، ولحقه العسكر، فحمل عليه صاحب جوزجان، فقاتله داود، فقتل صاحب ~~جوزجان وانهزمت عساكره، فعظم قتله على سباشي وكل من معه، ووقعت عليهم ~~الذلة، وقويت نفوس السلجوقية، وزاد طمعهم. وعاد داود إلى مرو، فأحسن السيرة ~~في أهلها، وخطب له فيها أول جمعة في رجب سنة ثمان وعشرين واربعمائة، ولقب ~~في الخطبة بملك الملوك، وسباشي يمادي الأيام، ويرحل من منزل إلى منزل، ~~والسلجوقية يراوغونه مراوغة الثعلب، فقيل إنه كان يفعل ذلك جبنا وخورا، ~~وقيل بل راسله السلجوقية واستمالوه ورغبوه، فنفس عنهم، وتراخى في تتبعهم، ~~والله أعلم. ولما طال مقام سباشي وعساكره والسلجوقية بخراسان، والبلاد ~~منهوبة، والدماء ms3367 مسفوكة، قلت الميرة والأقوات على العساكر خاصة. فأما ~~السلجوقية فلا يبالون بذلك لأنهم يقنعون بالقليل، فاضطر سباشي إلى مباشرة ~~الحرب وترك المحاجزة، فسار إلى داود، وتقدم داود إليه، فالتقوا في شعبان ~~سنة ثمان وعشرين على باب سرخس. ولداود منجم يقال له الصومعي، فأشار على ~~داود بالقتال، وضمن له الظفر، وأشهد على نفسه انه إن أخطأ فدمه مباح له، ~~فاقتتل العسكران، فلم يثبت عسكر سباشي وانهزموا أقبح هزيمة، وساروا أخزى ~~مسير إلى هراة، فتبعهم داود وعسكره إلى طوس يأخذونهم باليد، وكفوا عن ~~القتل، وغنموا أموالهم، فكانت هذه الوقعة هي التي ملك السلجوقية بعدها ~~خراسان، ودخلوا قصبات البلاد، فدخل طغرلبك نيسابور، وسكن الشاذياخ، وخطب له ~~فيها في شعبان بالسلطان المعظم، وفرقوا النواب في النواحي. PageV04P0227 # وسار داود إلى هراة، ففارقها سباشي ومضى إلى غزنة، فعاتبه مسعود وحجبه، ~~وقال له: ضيعت العساكر وطاولت الأيام، حتى قوي أمر العدو وصفا لهم مشربهم، ~~وتمكنوا من البلاد ما أرادوا، فاعتذر بأن القوم تفرقوا ثلاث فرق كلما تبعت ~~فرقة سارت بين يدي، وخلفي الفريقان في البلاد يفعلون ما أرادوا، فاضطر ~~مسعود إلى المسير إلى خراسان، فجمع العساكر وفرق فيهم الأموال العظيمة، ~~وسار عن غزنة في جيوش يضيق بها الفضاء، ومعه من الفيلة عدد كثير، فوصل إلى ~~بلخ وقصده داود إليها أيضا، ونزل قريبا منها، فدخلها يوما جريدة في طائفة ~~يسيره على حين غفلة من العساكر، فأخذ الفيل الكبير الذي على باب دار الملك ~~مسعود، وأخذ معه عدة جنائب، فعظم قدره في النفوس، وازداد العسكر هيبة له. ~~ثم سار مسعود من بلخ أول شهر رمضان سنة تسع وعشرين وأربعمائة، ومعه مائة ~~ألف فارس سوى الأتباع، وسار على جوزجان، فأخذ واليها الذي كان بها ~~للسلجوقية، فصلبه وسار منها فوصل إلى مرو الشاهجان، وسار داود إلى سرخس، ~~واجتمع هو وأخوه طغرلبك وبيغو، فأرسل مضمون رسالته: إنا لا نثق بمصالحتك، ~~بعد ما فعلنا هذه الأفعال التي سخطتها كل فعل منها موبق مهلك، وآيسوه من ~~الصلح، فسار مسعود من مرو إلى هراة، وقصد ms3368 داود مرو، فامتنع أهلها عليه، ~~فحصرها سبعة أشهر، وضيق عليهم، وألح في قتالهم فملكها. فلما سمع مسعود هذا ~~الخبر سقط في يده، وسار من هراة إلى نيسابور، ثم منها إلى سرخس، وكلما تبع ~~السلجوقية إلى مكان ساروا منه إلى غيره، ولم يزل كذلك، فأدركهم الشتاء، ~~فأقاموا بنيسابور ينتظرون الربيع. فلما جاء الربيع كان الملك مسعود مشغولا ~~بلهوه وشربه، فتقضى الربيع والأمر كذلك، فلما جاء الصيف عاتبه وزراؤه ~~وخواصه على إهماله أمر عدوه، فسار من نيسابور إلى مرو يطلب السلجوقية، ~~فدخلوا البرية، فدخلها وراءهم مرحلتين والعسكر الذي له قد ضجروا من طول ~~سفرهم وبيكارهم، وسئموا الشد والترحل، فإنهم كان لهم في السفر نحو ثلاث ~~سنين، بعضها مع سباشي، وبعضها مع الملك مسعود، فلما دخلوا البرية نزل منزلا ~~قليل الماء، والحر شديد، فلم يكف الماء للسلطان وحواشيه. وكان داود في معظم ~~السلجوقية بإزائه، وغيره من عشرته مقابل ساقة عساكره، يتخطفون من تخلف ~~منهم. فاتفق لما يريده الله تعالى أن حواشي مسعود اختصموا هم وجمع من ~~العسكر على الماء وازدحموا، وجرى بينهم فتنة، حتى صار بعضهم يقاتل بعضا، ~~وبعضهم نهب بعضا، فاستوحش لذلك أمر العسكر، ومشى بعضهم إلى بعض في التخلي ~~عن مسعود، فعلم داود ما هم فيه من الاختلاف، فتقدم إليهم وحمل عليهم، وهم ~~في ذلك التنازع، والقتال، والنهب، فولوا منهزمين لا يلوي أول على آخر، وكثر ~~القتل فيهم، والسلطان مسعود ووزيره يناديانهم، ويأمرانهم بالعود، فلا ~~يرجعون، وتمت الهزيمة على العسكر، وثبت مسعود، فقيل له: ما تنتظر وقد فارقك ~~أصحابك، وأنت في برية مهلكة، وبين يديك عدو، وخلفك عدو، ولا وجه للمقام. ~~فمضى منهزما ومعه نحو مائة فارس، فتبعه فارس من السلجوقية، فعطف عليه مسعود ~~فقتله، وصار لا يقف على شيء، حتى أتى غرشستان. وأما السلجوقية فإنهم غنموا ~~من العسكر المسعودي ما لا يدخل تحت الإحصاء، وقسمه داود على أصحابه، وآثرهم ~~على نفسه، ونزل في سرادق مسعود، وقعد على كرسيه، ولم ينزل عسكره ثلاثة أيام ~~عن ظهور دوابهم لا يفارقونها إلا لما ms3369 لا بد لهم منه من مأكول ومشروب وغير ~~ذلك، خوفا من عود العسكر، وأطلق الأسرى، وأطلق خراج سنة كاملة، وسار طغرلبك ~~إلى نيسابور، فملكها ودخل إليها آخر سنة إحدى وثلاثين وأول سنة اثنتين ~~وثلاثين، ونهب أصحابه الناس، فقيل عنه إنه رأى لوزينجا فأكله وقال: هذا ~~قطماج طيب، إلا أنه لا ثوم فيه، ورأى الغز الكافور فظنوه ملحا، وقالوا: هذا ~~ملح مر، ونقل عنهم أشياء من هذا كثير. وكان العيارون قد عظم ضررهم، واشتد ~~أمرهم، وزادت البلية بهم على أهل نيسابور، فهم ينهبون الأموال، ويقتلون ~~النفوس، ويرتكبون الفروج الحرام، ويفعلون كل ما يريدونه لا يردعهم عن ذلك ~~رادع، ولا يزجرهم زاجر، فلما دخل طغرلبك البلد خافه العيارون، وكفوا عما ~~كانوا يفعلونه، وسكن الناس واطمأنوا. PageV04P0228 # واستولى السلجوقية حينئذ على جميع البلاد، فسار بيغو إلى هراة فدخلها، ~~وسار داود إلى بلخ، وبها التونتاق الحاجب واليا عليها لمسعود، فأرسل إليه ~~داود بطلب منه تسليم البلد إليه، ويعرفه عجز صاحبه عن نصرته، فسجن التونتاق ~~الرسل، فنازله داود، وحصر المدينة، فأرسل التونتاق إلى مسعود وهو بغزنة، ~~يعرفه الحال وما هو فيه من ضيق الحصار، فجهز مسعود العساكر الكثيرة وسيرها، ~~فجاءت طائفة منهم إلى الرخح، وبها جمع من السلجوقية، فقاتلوهم، فانهزم ~~السلجوقية وقتل منهم ثمانمائة رجل، وأسر كثير، وخلا ذلك الصقع منهم. وسار ~~طائفة منهم إلى هراة، وبها بيغو، فقاتلوه ودفعوه عنها، ثم إن مسعودا سير ~~ولده مودودا في عسكر كثير مددا لهذهالعساكر، فقتل مسعود وهو بخراسان، على ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى، فساروا عن غزنة سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، ~~فلما قاربوا بلخ سير داود طائفة من عسكره، فأوقعوا بطلائع مودود، وانهزمت ~~الطلائع، وتبعهم عسكر داود، فلما أحس به معسكر مودود رجعوا إلى ورائهم، ~~وأقاموا، فلما سمع التونتاق صلحب بلخ الخبر أطاع داود، وسلم إليه البلد، ~~ووطيء بساطه. ### || AUT ذكر قبض السلطان مسعود # ### || AUT وقتله وملك أخيه محمد # قد ذكرنا عود مسعود بن محمود بن سبكتكين إلى غزنة من خراسان، فوصلها في ~~شوال سنة إحدى وثلاثين ms3370 وأربعمائة ، وقبض على سباشي وغيره من الأمراء، كما ~~ذكرناه، وأثبت غيرهم، وسير ولده مودودا إلى خراسان في جيش كثيف ليمنع ~~السلجوقية عنها، فسار مودود إلى بلخ ليرد عنها داود أخا طغرلبك، وجعل أبوه ~~مسعود مع وزيره أبا نصر أحمد بن محمد بن عبد الصمد يدبر الأمور، وكان ~~مسيرهم من غزنة في ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين. وسار مسعود بعدهم بسبعة ~~أيام يريد بلاد الهند ليشتوا بها، على عادة والده، فلما سار أخذ معه أخاه ~~محمدا مسمولا، واستصحب الخزائن، وكان عازما على الاستنجاد بالهند على قتال ~~السلجوقية ثقة بعهودهم. فلما عبر سيحون، وهو نهر كبير، نحو دجلة، وعبر بعض ~~الخزائن اجتمع أنوشتكين البلخي وجمع من الغلمان الدارية ونهبوا ما تخلف من ~~الخزانة، وأقاموا أخاه محمدا ثالث عشر ربيع الآخر، وسلموا عليه بالإمارة، ~~فامتنع من قبول ذلك، فتهددوه وأكرهوه، فأجاب وبقي مسعود فيمن معه من العسكر ~~وحفظ نفسه، فالتقى الجمعان منتصف ربيع الآخر، فاقتتلوا، وعظم الخطب على ~~الطائفتين، ثم انهزم عسكر مسعود، وتحصن هو في رباط ماريكلة، فحصره أخوه، ~~فامتنع عليه، فقالت له أمه: إن مكانك لا يعصمك، ولأن تخرج إليهم بعهد خير ~~من أن يأخوك قهرا. فخرج إليهم، فقبضوا عليه، فقال له أخوه محمد: والله لا ~~قابلتك على فعلك بي، ولا عاملتك إلا بالجميل، فانظر أين تريد أن تقيم حتى ~~أحملك إليه ومعك أولادك وحرمك. فاختار قلعة كيكي، فأنفذه إليها محفوظا، ~~وأمر بإكرامه وصيانته. وأرسل مسعود إلى أخيه يطلب منه مالا ينفقه، فأنفذ له ~~خمسمائة درهم، فبكى مسعود وقال: كان بالأمس حكمي على ثلاثة آلاف حمل من ~~الخزائن، واليوم لا أملك الدرهم الفرد، فأعطاه الرسول من ماله ألف دينار ~~فقبلها، وكانت سبب سعادة الرسول، لأنه لما ملك مودود بن مسعود بالغ في ~~الإحسان إليه. ثم إن محمدا فوض أمر دولته إلى ولده أحمد، وكان فيه خبط ~~وهوج، فاتفق هو وابن عمه يوسف بن سبكتكين وابن علي خويشاوند على قتل مسعود ~~ليصفو الملك له ولوالده، فدخل إلى أبيه، فطلب خاتمه ليختم به ms3371 بعض الخزائن، ~~فأعطاه، فسار به إلى القلعة، وأعطوا الخاتم لمستحفظها، وقالوا: معنا رسالة ~~إلى مسعود، فأدخلهم إليه فقتلوه، فلما علم محمد بذلك ساءه، وشق عليه، ~~وأنكره. وقيل إن مسعودا لما حبس دخل عليه ولدا أخيه محمد، واسم أحدهما عبد ~~الرحمن، والآخر عبد الرحيم، فمد عبد الرحمن يده فأخذ القلنسوة من رأس عمه ~~مسعود، فمد عبد الرحيم يده وأخذ القلنسوة من أخيه، وأنكر عليه ذلك، وسبه، ~~وقبلها، وتركها على رأس عمه، فنجا بذلك عبد الرحيم من القتل والأسر لما ملك ~~مودود بن مسعود، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ثم إن محمدا أغراه ولده ~~أحمد بقتل عمه مسعود، فأمر بذلك، وأرسل إليه من قتله وألقاه في بئر وسد ~~رأسها، وقيل بلى ألقي في بئر حيا وسد رأسها فمات، والله أعلم. PageV04P0229 # فلما مات كتب محمد إلى ابن أخيه مودود، وهو بخراسان، يقول: إن والدك قتل ~~قصاصا، قتله أولاد أحمد ينالتكين بلا رضا مني، فأجاب مودود يقول: أطال الله ~~بقاء الأمير العم، ورزق ولده المعتوه أحمد عقلا يعيش به، فقد ركب أمرا ~~عظيما، وأقدم على إراقة دم ملك مثل والدي الذي لقبه أمير المؤمنين سيد ~~الملوك والسلاطين، وستعلمون في أي حتف تورطتم، وأي شر تأبطتم " وسيعلم ~~الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " . نفلق هاما من رجال أعزة ... علينا، وهم ~~كانوا أعق وأظلما وطمع جند محمد فيه، وزالت عنهم هيبته، فمدوا أيديهم إلى ~~أموال الرعايا فنهبوها، فخربت البلاد، وجلا أهلها، لاسيما مدينة برشاوور ~~فإنها هلك أهلها، ونهبت أموالهم، وكان المملوك بها يباع بدينار، وتباع ~~الخمر كل منا بدينار، ثم رحل محمد عنها لليلتين بقيتا من رجب، وكان ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى. وكان السلطان مسعود شجاعا كريما، ذا فضائل كثيرة، ~~محبا للعلماء، كثير الإحسان إليهم، والتقرب لهم، صنفوا له التصانيف الكثيرة ~~في فنون العلوم، وكان كثير الصدقة والإحسان إلى أهل الحاجة، تصدق مرة في ~~شهر رمضان بألف ألف درهم، وأكثر الإدرارات والصلاة، وعمر كثيرا من المساجد ~~في ممالكه، وكانت صنائعه ظاهرة مشهورة، تسير ms3372 بها الركبان مع عفة عن أموال ~~رعاياه، وأجاز الشعراء بجوائز عظيمة، أعطى شامرا على قصيدته ألف دينار، ~~وأعطى آخر بكل بيت ألف درهم، وكان يكتب خطا حسنا، وكان ملكه عظيما، فسيحا، ~~ملك أصبهان والري وهمذان وما يليها من البلاد، وملك طبرستان وجرجان وخراسان ~~وخوارزم وبلاد الروان وكرمان وسجستان والسند والرخج وغزنة، وبلاد الغور ~~والهند، وملك كثيرا منها، وأطاعه أهل البر والبحر، ومناقبه كثيرة، وقد صنفت ~~فيها التصانيف المشهورة، فلا حاجة إلى الإطالة بذكرها. ### || AUT ذكر ملك مودود بن مسعود # ### || AUT وقتله عمه محمدا # لما قتل الملك مسعود وصل الخبر إلى ابنه مودود، وهو بخراسان، فعاد مجدا ~~في عساكره إلى غزنة فتصاف هو وعمه محمد في ثالث شعبان، فانهزم محمد وعسكره ~~وقبض عليه وعلى ولده أحمد، وأنوشتكين الخصي البلخي، وابن علي خويشاوند، ~~فقتلهم، وقتل أولاد عمه جميعهم، إلا عبد الرحيم لإنكاره على أخيه عبد ~~الرحمن ما فعله بعمه مسعود، وبنى موضع الوقعة قرية ورباطا، وسماها فتح ~~آباذ، وقتل كل من له في القبض على والده صنع، وعاد إلى غزنة فدخلها في ثالث ~~وعشرين شعبان سنة اثنتين وثلاثين، واستوزر أبا نصر وزير أبيه، وأظهر العدل ~~وحسن السيرة، وسلك سيرة جده محمود. وكان داود أخو طغرلبك قد ملك مدينة بلخ، ~~واستباحها، كما ذكرناه، ومودود مقابله، فتجدد قتل مسعود، فعاد ليقضي الله ~~أمرا كان مفعولا، فلما تجدد هذا الظفر لمودود ثار أهل هراة بمن عندهم من ~~الغز السلجوقية، فأخرجوهم وحفظوها لمودود، واستقر الأمر لمودود بغزنة، ولم ~~يبق له هم إلا أمر أخيه مجدود، فإن أباه قد سيره إلى الهند سنة ست وعشرين، ~~فخاف أن يخالف عليه، فأتاه خبره أنه قصد لهاوور، وملتان، فملكهما، وأخذ ~~الأموال، وجمع بها العساكر، وأظهر الخلاف على أخيه، فندب إليد مودود جيشا ~~ليمنعوه ويقاتلوه، وعرض مجدود عسكره للمسير، وحضر عيد الأضحى، فبقي بعده ~~ثلاثة أيام، وأصبح ميتا بلهاوور لا يدري كيف كان موته، وأطاعت البلاد ~~بأسرها مودودا، ورست قدمه، وثبت ملكه، ولما سمعت الغز السلجوقية ذلك خافوه، ~~واستشعروا منه، وراسله ms3373 ملك الترك بما وراء النهر بالانقياد والمتابعة. ### || AUT ذكر الخلف بين جلال الدولة وقرواش صاحب الموصل # في هذه السنة اختلف جلال الدولة، ملك العراق، وقرواش بن المقلد العقيلي، ~~صاحب الموصل. وكان سبب ذلك أن قرواشا كان قد أنفذ عسكرا سنة إحدى وثلاثين ~~فحصروا خميس بن ثعلب بتكريت، وجرى بين الطائفتين حرب شديدة في ذي القعدة ~~منها، فأرسل خميس ولده إلى الملك جلال الدولة، وبذل بذولا كثيرة ليكف عنه ~~قرواشا، فأجابه إلى ذلك، وأرسل إلى قرواش يأمره بالكف عنه، فغالط ولم يفعل، ~~وسار بنفسه ونزل عليه يحاصره، فتأثر جلال الدولة منه. PageV04P0230 # ثم إنه أرسل كتبا إلى الأتراك ببغداد يفسدهم، وأشار عليهم بالشغب على ~~الملك وإثارة الفتنة معه، فوصل خبرها إلى جلال الدولة، وأشياء أخر كانت هذه ~~هي الأصل، فأرسل جلال الدولة أبا الحارث أرسلان البساسيري في صفر من سنة ~~اثنتين وثلاثين ليقبض على نائب قرواش بالسندية، فسار ومعه جماعة من ~~الأتراك، وتبعه جمع من العرب، فرأى في طريقه جمالا لبني عيسى، فتسرع إليها ~~الأتراك والعرب فأخذوا منها قطعة، وأوغل الأتراك في الطلب. وبلغ الخبر إلى ~~العرب، وركبوا وتبعوا الأتراك، وجرى بين الطائفتين حرب انهزم فيها الأتراك، ~~وأسر منهم جماعة، وعاد المنهزمون فأخبروا البساسيري بكثرة العرب، فعاد ولم ~~يصل إلى مقصده. وسار طائفة من بني عيسى، فكمنوا بين صرصر وبغداد ليفسدوا في ~~السواد، فاتفق أن وصل بعض أكابر القواد الأتراك، فخرجوا عليه فقتلوه وجماعة ~~من أصحابه، وحملوا إلى بغداد، فارتج البلد، واستحكمت الوحشة مع معتمد ~~الدولة قرواش، فجمع جلال الدولة العساكر وسار إلى الأنبار، وهي لقرواش، على ~~عزم أخذها منه، وغيرها من أقطاعه بالعراق، فلما وصلوا إلى الأنبار أغلقت، ~~وقاتلهم أصحاب قرواش، وسار قرواش من تكريت إلى خصة على عزم القتال، فلما ~~نزل الملك جلال الدولة على الأنبار قلت عليهم العلوفة، فسار جماعة من ~~العسكر والعرب إلى الحديثة ليمتاروا منها، فخرج عليهم عندها جمع كثير من ~~العرب، فأوقعوا بهم، فانهزم بعضهم وعادوا إلى العسكر، ونهبت العرب ما معهم ~~من الدواب التي تحمل ms3374 الميرة، وبقي المرشد أبو الوفاء وهو المقدم على العسكر ~~الذين ساروا لإحضار الميرة وثبت معه جماعة. ووصل الخبر إلى جلال الدولة أن ~~المرشد أبا الوفاء يقاتل، وأخبر سلامته وصبره للعرب، وأنهم يقاتلونه وهو ~~يطلب النجدة، فسار الملك إليه بعسكر، فوصلوا، وقد عجز العرب عن الوصول ~~إليه، وعادوا عنه بعد أن حملوا عليه وعلى من معه عدة حملات صبر لها في قلة ~~من معه. ثم اختلف عقيل على قرواش، فراسل جلال الدولة، وطلب رضاه، وبذل له ~~بذلا أصلحه به، وعاد إلى طاعته، فتحالفا، وعاد كل إلى مكانه. ### || AUT ذكر ملك أبي الشوك دقوقا # كانت دقوقا لأبي الماجد المهلهل بن محمد بن عناز، فسير إليها أخوه حسام ~~الدولة أبو الشوك ولده سعدي، فحصرها، فقاتله من بها. ثم سار أبو الشوك ~~إليها، فجد في حصارها ونقب سورها ودخلها عنوة، ونهب أصحابه بعض البلد، ~~وأخذوا سلاح الأكراد وثيابهم، وأقام حسام الدولة بالبلد ليلة، وعاد خوفا ~~على البندنيجين وحلوان، فإن أخاه سرخاب ابن محمد بن عناز كان قد أغار على ~~عدة مواضع من ولايته، وحالف أبا الفتح ابن ورام والجاوانية عليه ، فأشفق من ~~ذلك، وأرسل إلى جلالة الدولة يطلبمنه نجدة، فسير إليه عسكرا امتنع بهم. ### || AUT ذكر الحرب بين عسكر مصر والروم # في هذه السنة كانت الوقعة بين عسكر المصريين سيره الدزبري وبين الروم، ~~فظفر المسلمون. وكان سبب ذلك أن ملك الروم قد هادنه المستنصر بالله العلوي، ~~صاحب مصر، على ما ذكرناه. فلما كان الآن شرع يراسل ابن صالح بن مرداس ~~ويستميله، وراسله قبله صالح ليتقوى به على الدزبري، خوفا أن يأخذ منه ~~الرقة، فبلغ ذلك الدزبري فتهدد ابن صالح فاعتذر وجحد. ثم إن جمعا من بني ~~جعفر بن كلاب دخلوا ولاية أفامية، فعاثوا فيها، ونهبوا عدة قرى، فخرج عليهم ~~جمع من الروم فقاتلوهم وأوقعوا بهم، ونكلوا فيهم، وأزالوهم عن بلادهم. وبلغ ~~ذلك الناظر بحلب، فأخرج من بها من تجار الفرنج، وأرسل إلى المتولي بأنطاكية ~~يأمره بإخراج من عندهم من تجار المسلمين، فأغلظ للرسول، وأراد ms3375 قتله، ثم ~~تركه، فأرسل الناظر بحلب إلى الدزبري يعرفه الحال، وأن القوم على التجهز ~~لقصد البلاد، فجهز الدزبري جيشا وسيره على مقدمته، فاتفق أنهم لقوا جيشا ~~للروم وقد خرجوا لمثل ما خرج إليه هؤلاء، والتقى الفريقان بين مدينة حماة ~~وأفامية واشتد القتال بينهم، ثم إن الله نصر المسلمين، وأذل الكافرين، ~~فانهزموا وقتل منهم عدة كثيرة، وأسر ابن عم للملك، بذلوا في فدائه مالا ~~جزيلا، وعدة وافرة من أسراء المسلمين، وانكف الروم عن الأذى بعدها. ### || AUT ذكر الخلف بين المعز وبني حماد # PageV04P0231 # في هذه السنة خالف أولاد حماد على المعز بن باديس، صاحب إفريقية، وعادوا ~~إلى ما كانوا عليه من العصيان والخلاف عليه، فسار إليه المعز، وجمع العساكر ~~وحشدها، وحصر قلعتهم المعروفة بقلعة حماد، وضيق عليهم، وأقام عليهم نحو سنتين. ### || AUT ذكر صلح أبي الشوك وعلاء الدولة # وفيها سار مهلهل أخو أبي الشوك إلى علاء الدولة بن كاكويه، واستصرخه، ~~واستعان به على أخيه أبي الشوك، فسار معه، فلما بلغ قرميسين رجع أبو الشوك ~~إلى حلوان، فعرف علاء الدولة رجوعه، فسار يتبعه، حتى بلغ المرج، وقرب من ~~أبي الشوك، فعزم أبو الشوك على قصد قلعة السيروان والتحصن بها، ثم تجلد، ~~وأرسل إلى علاء الدولة: إنني لم أنصرف من بين يديك إلا مراقبة لك، وإعظاما ~~لقدرك، واستعطافا لك، فإذا اضطررتني إلى ما لا أجد بدا منه كان الغدر قائما ~~لي فيه، فإن ظفرت بك طمع فيك الأعداء، وإن ظفرت بي سلمت قلاعي وبلادي إلى ~~الملك جلال الدولة. فأجابه علاء الدولة إلى الصلح على أن يكون له الدينور، ~~وعاد فلحقه المرض في طريقه وتوفي، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كان بإفريقية غلاء شديد، وسببه عدم الأمطار، فسميت سنة ~~الغبار، ودام ذلك إلى سنة أربع وثلاثين، فخرج الناس فاستسقوا. وفيها توفي ~~أمير الغز العراقية بالري، ودفن بناحية من أعمالها. وفيها توفي صاعد بن ~~محمد أبو العلاء النيسابوري ثم الاستوائي، قاضي نيسابور، وكان عالما فقيها، ~~حنفيا، انتهت ms3376 إليه رئاسة الحنفية بخراسان. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة # ### || AUT ذكر وفاة علاء الدولة بن كاكويه # في هذه السنة، في المحرم، توفي علاء الدولة أبو جعفر بن دشمنزيار، ~~المعروف بابن كاكويه، بعد عوده من بلد أبي الشوك، وإنما قيل له كاكويه لأنه ~~ابن خال مجد الدولة بن بويه، والخال بلغتهم كاكويه، وقام بأصبهان ابنه ظهير ~~الدين أبو منصور فرامرز مقامه، وهو أكبر أولاده، وأطاعه الجند بها، فسار ~~ولده أبو كاليجار كرشاسف إلى نهاوند، فأقام بها وحفظها، وضبط أعمال الجبل، ~~وأخذها لنفسه، فأمسك عنه أخوه أبو منصور فرامرز. ثم إن مستحفظا لعلاء ~~الدولة بقلعة نطنز أرسل أبو منصور إليه يطلب شيئا مما عنده من الأموال ~~والذخائر، فامتنع وأظهر العصيان، فسار إليه أبو منصور، وأخوه الأصغر أبو ~~حرب، ليأخذ القلعة منه كيف أمكن، فصعد أبو حرب إليها، ووافق المستحفظ على ~~العصيان، فعاد أبو منصور إلى أصبهان، وأرسل أبو حرب إلى الغز السلجوقية ~~بالري يستنجدهم، فسار طائفة منهم إلى قاجان، فدخلوها ونهبوها وسلموها إلى ~~أبي حرب وعادوا إلى الري، فسير إليها أبو منصور عسكرا ليستنقذها من أخيه، ~~فجمع أبو حرب الأكراد وغيرهم، وجعل عليهم صاحبا له وسيرهم إلى أصبهان ~~ليملكوها بزعمه، فسير إليهم أخوه أبو منصور عسكرا، فالتقوا، وانهزم عسكر ~~أبي حرب وأسر جماعة منهم. وتقدم أصحاب أبي منصور فحصروا أبا حرب، فلما رأى ~~الحال، وخاف، نزل منها متخفيا، وسار إلى شيراز إلى الملك أبي كاليجار، صاحب ~~فارس والعراق، فحسن له قصد أصبهان وأخذها من أخيه، فسار الملك إليها ~~وحصرها، وبها الأمير أبو منصور، فامتنع عليه، وجرى بين الفريقين عدة وقائع، ~~وكان آخر الأمر الصلح على أن يبقى أبو منصور بأصبهان، وتقرر عليه مال، وعاد ~~أبو حرب إلى قلعة نطنز واشتد الحصار عليه، فأرسل إلى أخيه يطلب المصالحة، ~~فاصطلحا على أن يعطي أخاه بعض ما في القلعة، ويبقى بها على حاله. ثم إن ~~إبراهيم ينال خرج إلى الري، على ما نذكره، وأرسل إلى أبي منصور فرامرز يطلب ~~منه الموادعة، فلم يجبه، ms3377 وسار فرامرز إلى همذان وبروجرد فملكهما، ثم اصطلح ~~هو وأخوه كرشاسف، وأقطعه همذان، وخطب لأبي منصور على منابر بلاد كرشاسف، ~~واتفقت كلمتهما، وكان المدبر لأمرهما الكيا أبو الفتح الحسن بن عبد الله، ~~وهو الذي سعى في جمع كلمتهما. ### || AUT ذكر ملك طغرلبك جرجان وطبرستان # PageV04P0232 # في هذه السنة ملك طغرلبك جرجان وطبرستان، وسبب ذلك أن أنوشروان ابن ~~منوجهر بن قابوس بن وشمكير صاحبها قبض على أبي كاليجار بن ويهان القوهي، ~~صاحب جيشه، وزوج أمه بمساعدة أمه عليه، فعلم حينئذ طغرلبك أن البلاد لا ~~مانع له عنها، فسار إليها، وقصد جرجان ومعه مرداويج بن بسو، فلما نازلها ~~فتح له المقيم بها، فدخلها وقرر على أهلها مائة ألف دينار صلحا، وسلمها إلى ~~مرداويج بن بسو، وقرر عليه خمسين ألف دينار كل سنة عن جميع الأعمال، وعاد ~~إلى نيسابور. وقصد مرداويج أنوشروان بسارية، وكان بها، فاصطلحا على أن ضمن ~~أنوشروان له ثلاثين ألف دينار، وأقيمت الخطبة لطغرلبك في البلاد كلها، ~~وتزوج مرداويج بوالدة أنوشروان، وبقي أنوشروان يتصرف بأمر مرداويجلا يخالفه ~~في شيء البتة. ### || AUT ذكر أحوال ملوك الروم # نذكر هاهنا أحوال ملوك الروم من عهد بسيل إلى الآن، فنقول: من عادة ملوك ~~الروم أن يركبوا أيام الأعياد إلى البيعة المخصوصة بذلك العيد، فإذا اجتاز ~~الملك بالأسواق شاهده الناس وبأيديهم المداخن يبخرون فيها، فركب والد بسيل ~~وقسطنطين في بعض الأعياد، وكان لبعض أكابر الروم بنت جميلة، فخرجت تشاهد ~~الملك، فلما مر بها استحسنها، فأمر من يسأل عنها، فلما عرفها خطبها وتزوجها ~~وأحبها، وولدت منه بسيل وقسطنطين، وتوفي وهما صغيران، فتزوجت بعده بمدة ~~طويلة نقفور، فكره كل واحد منهما صاحبه، فعملت على قتله، فراسلت الشمشقيق ~~في ذلك، فقصد قسطنطينية متخفيا، فأدخلته إلى دار الملك، واتفقا وقتلاه ~~ليلا، وأحضرت البطارقة متفرقين، وأعطتهم الأموال ودعتهم إلى تمليك ~~الشمشقيق، ففعلوا، ولم يصبح، وقد فرغت مما تريد ولم يجر خلف. وتزوجت ~~الشمشقيق وأقامت معه سنة، فخافها، واحتال عليها وأخرجها إلى دير بعيد، وحمل ~~ولديها معها، فأقامت فيه سنة، ثم أحضرت ms3378 راهبا، ووهبته مالا، وأمرته بقصد ~~قسطنطينية، والمقام بكنيسة الملك، والاقتصار على قدر القوت، فإذا وثق به ~~الملك، وأراد القربان من يده ليلة العيد، سقاه سما، ففعل الراهب ذلك، فلما ~~كان ليلة العيد سارت ومعها ولداها، ووصلت قسطنطينية في اليوم الذي توفي فيه ~~الشمشقيق، فملك ولدها بسيل، ودبرت هي الأمر لصغره، فلما كبر بسيل قصد بلد ~~البلغار، وتوفيت، وهو هناك، فبلغه وفاتها، فأمر خادما له أن يدبر الأمور في ~~غيبته. ودام قتاله لبلغار أربعين سنة، فظفروا به فعاد مهزوما، وأقام ~~بالقسطنطينية يتجهز للعود، فعاد إليهم، فظفر بهم، وقتل ملكهم، وسبى أهله ~~وأولاده، وملك بلاده، ونقل أهلها إلى الروم، وأسكن البلاد طائفة من الروم، ~~وهؤلاء البلغار غير الطائفة المسلمة، فإن هؤلاء أقرب إلى بلد الروم من ~~المسلمين بنحو شهرين، وكلاهما يسمى بلغار. وكان بسيل عادلا، حسن السيرة، ~~ودام ملكه نيفا وسبعين سنة، وتوفي ولم يخلف ولدا، فملك أخوه قسطنطين، وبقي ~~إلى أن توفي، ولم يخلف غير ثلاث بنات، فملكت الكبرى، وتزوجت أرمانوس، وهو ~~من أقارب الملك، وملكته، فبقي مدة، وهو الذي ملك الرها من المسلمين. وكان ~~لأرمانوس صاحب له يخدمه، قبل ملكه، من أولاد بعض الصيارف، اسمه ميخائيل، ~~فلما ملك حكمه في داره، فمالت زوجة قسطنطين إليه، وعملا الحيلة في قتل ~~أرمانوس، فمرض أرمانوس فأدخلاه إلى الحمام كارها وخنقاه، وأظهرا أنه مات في ~~الحمام، وملكت زوجته ميخائيل، وتزوجته على كره من الروم. PageV04P0233 # وعرض لميخائيل صرع لازمه وشوه صورته، فعهد بالملك بعده إلى ابن أخت له ~~اسمه ميخائيل أيضا، فلما توفي ملك ابن أخته وأحسن السيرة، وقبض على أهل ~~خاله وإخوته، وهم أخواله، وضرب الدنانير في هذه السنة، وهي سنة ثلاث ~~وثلاثين، ثم أحضر زوجته بنت الملك وطلب منها أن تترهب وتنزع نفسها عن ~~الملك، فأبت، فضربها وسيرها إلى جزيرة في البحر، ثم عزم على القبض على ~~البطرك، والاستراحة من تحكمه عليه، فإنه كان لا يقدر على مخالفته، فطلب ~~إليه أن يعمل له طعاما في دير ذكره بظاهر القسطنطينية ليحضر عنده، فأجابه ~~إلى ms3379 ذلك، وخرج إلى الدير ليعمل ما قال الملك، فأرسل الملك جماعة من الروس ~~والبلغار، ووافقهم على قتله سرا، فقصدوه ليلا وحصروه في الدير، فبذل لهم ~~مالا كثيرا، وخرج متخفيا، وقصد البيعة التي يسكنها، وضرب الناقوس، فاجتمع ~~الروم عليه، ودعاهم إلى عزل الملك، فأجابوه إلى ذلك، وحصروا الملك في دار، ~~فأرسل الملك إلى زوجته وأحضرها من الجزيرة التي نفاها إليها، ورغب في أن ~~ترد عنه، فلم تفعل، وأخرجته إلى البيعة يترهب فيها. ثم إن البطرك والروم ~~نزعوا زوجته من الملك، وملكوا أختا لها صغيرة، واسمها تذورة، وجعلوا معها ~~خدم أبيها يدبرون الملك، وكحلوا ميخائيل، ووقعت الحرب بالقسطنطينية بين من ~~يتعصب له وبين من يتعصب لتذورة والبطرك، فظفر أصحاب تذورة بهم، ونهبوا ~~أموالهم. ثم إن الروم افتقروا إلى ملك يدبرهم، فكتبوا أسماء جماعة يصلحون ~~للملك في رقاع، ووضعوها في بنادق طين، وأمروا من يخرج منها بندقة، وهو لا ~~يعرف باسم من فيها، فخرج اسم قسطنطين، فملكوه وتزوجته الملكة الكبيرة، ~~واستنزلت أختها الصغيرة تذورة عن الملك بمال بذلته لها، واستقر في الملك ~~سنة أربع وثلاثين، فخرج عليه فيها خارجي من الروم اسمه أرميناس، ودعا إلى ~~نفسه فكثر جماعه حتى زادوا على عشرين ألفا، فأهم قسطنطين أمره، وسير إليه ~~جيشا كثيفا، فظفروا بالخارجي وقتلوه، وحملوا رأسه إلى القسطنطينية، وأسر من ~~أعيان أصحابه مائة رجل، فشهروا في البلد، ثم أطلقوا وأعطوا نفقة، وأمروا ~~بالانصراف إلى أي جهة أرادوا. ### || AUT ذكر فاسد حال الدزبري بالشام وما صار الأمر إليه بالبلاد # في هذه السنة فسد أمر أنوشتكين الدزبري، نائب المستنصر بالله، صاحب مصر، ~~بالشام، وقد كان كبيرا على مخدومه بما يراه من تعظم الملوك له، وهيبة الروم ~~منه. وكان الوزير أبو القاسم الجرجرائي يقصده ويحسده، إلا أنه لا يجد طريقا ~~إلى الوقيعة فيه، ثم اتفق أنه سعي بكاتب للدزبري اسمه أبو سعد، وقيل عنه ~~إنه يستميل صاحبه إلى غير جهة المصريين، فكوتب الدزبري بإبعاده، فلم يفعل، ~~واستوحشوا منه، ووضع الجرجرائي حاجب الدزبري وغيره على مخالفته. ثم إن ms3380 ~~جماعة من الأجناد قصدوا مصر، وشكوا إلى الجرجرائي منه، فعرفهم سوء رأيه ~~فيه، وأعادهم إلى دمشق، وأمرهم بإفساد الجند عليه ففعلوا ذلك. وأحس الدزبري ~~بما يجري، فأظهر ما في نفسه، وأحضر نائب الجرجرائي عنده، وأمر بإهانته ~~وضربه، ثم إنه أطلق لطائفة من العسكر يلزمون خدمته أرزاقهم، ومنع الباقين، ~~فحرك ما في نفوسهم، وقوى طمعهم فيه، بما كوتبوا به من مصر، فأظهروا الشغب ~~عليه، وقصدوا قصره، وهو بظاهر البلد، وتبعهم من العامة من يريد النهب، ~~فاقتتلوا، فعلم الدزبري ضعفه وعجزه عنهم، ففارق مكانه، واستصحب أربعين ~~غلاما له، وما أمكنه من الدواب والأثاث والأموال، ونهب الباقي، وسار إلى ~~بعلبك، فمنعه مستحفظها، وأخذ ما أمكنه أخذه من مال الدزبري، وتبعه طائفة من ~~الجند يقفون أثره، وينهبون ما يقدرون عليه. وسار إلى مدينة حماة، فمنع ~~عنها، وقوتل، وكاتب المقلد الكناني الكفرطابي، واستدعاه، فأجابه، وحضر عنده ~~في نحو ألفي رجل من كفرطاب وغيرها، فاحتمى به، وسار إلى حلب، ودخلها، وأقام ~~بها مدة، وتوفي في منتصف جماى الأولى من هذه السنة. PageV04P0234 # فلما توفي فسد أمر بلاد الشام، وانتشرت الأمور بها، وزال النظام، وطمعت ~~العرب، وخرجوا في نواحيه، فخرج حسان بن المفرج الطائي بفلسطين، وخرج معز ~~الدولة بن صالح الكلابي بحلب، وقصدها وحصرها، وملك المدينة، وامتنع أصحاب ~~الدزبري بالقلعة، وكتبوا إلى مصر يطلبون النجدة، فلم يفعلوا، واشتغل عساكر ~~دمشق ومقدمهم الحسين بن أحمد الذي ولي أمر دمشق، بعد الدزبري، بحرب حسان، ~~ووقع الموت في الذين في القلعة، فسلموها إلى معز الدولة بالأمان. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سير الملك أبو كاليجار من فارس عسكرا في البحر إلى عمان، ~~وكان قد عصى من بها، فوصل العسكر إلى صحار مدينة عمان فملكوها، واستعادوا ~~الخارجين عن الطاعة، واستقرت الأمور بها، وعادت العساكر إلى فارس. وفيها ~~قصد أبو نصر بن الهيثم الصليق من البطائح، فملكها ونهبها، ثم استقر أمرها ~~على مال يؤديه إلى جلال الدولة. وفيها توفي أبو منصور بهرام بن مافنة، وهو ~~الملقب بالعادل، وزير الملك أبي كاليجار، ms3381 ومولده سنة ست وستين وثلاثمائة، ~~وكان حسن السيرة، وبنى دار الكتب بفيروزاباذ، وجعل فيها سبعة آلاف مجلد ~~فلما مات وزر بعده مهذب الدولة أبو منصور هبة الله بن أحمد الفسوي. وفيها ~~وصل جماعة من البلغار إلى بغداد يريدون الحج، فأقيم لهم من الديوان ~~الإقامات الوافرة، فسئل بعضهم: من أي الأمم هم البلغار؟ فقال: هم قوم ~~تولدوا بين الترك والصقالبة، وبلدهم في أقصى الترك، وكانوا كفارا، فأسلموا ~~عن قريب، وهم على مذهب أبي حنيفة، رضي الله عنه. وفيها توفي ميخائيل ملك ~~الروم، وملك بعده ابن أخيه ميخائيل أيضا. وفيها، في جمادى الآخرة، توفي أبو ~~الحسن محمد بن جعفر الجهرمي الشاعر، وهو القائل: يا ويح قلبي من تقلبه ... ~~أبدا يحن إلى معذبه قالوا: كتمت هواه عن جلد ... لو أن لي رمقا لبحت به ~~بأبي حبيبا غير مكترث ... عني، ويكثر من تعتبه حسبي رضاه من الحياة، وما ~~... قلقي وموتي من تغضبه وكان بينه وبين المطرز مهاجاة. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وأربعمائة # ### || AUT ذكر ملك طغرلبك مدينة خوارزم # قد تقدم أن خوارزم كانت من جملة مملكة محمود بن سبكتكين، فلما توفي وملك ~~بعده ابنه مسعود كانت له، وكان فيها التونتاش، حاجب أبيه محمود، وهو من ~~أكابر أمرائه، يتولاها لمحمود، ومسعود بعده، ولما كان مسعود مشغولا بقصد ~~أخيه محمد لأخذ الملك قصد الأمير علي تكين، صاحب ما وراء النهر، أطراف ~~بلاده وشعثها، فلما فرغ مسعود من أمر أخيه واستقر الملك له كاتب التونتاش ~~في سنة أربع وعشرين بقصد أعمال علي تكين، وأخذ بخارى وسمرقند، وأمده بجيش ~~كثيف، فعبر جيحون، وفتح من بلاد علي تكين ما أراد وانحاز علي تكين من بين ~~يديه. وأقام التونتاش بالبلاد التي فتحها، فرأى دخلها لا يفي بما تحتاج ~~عساكره لأنه كان يريد أن يكون في جمع كثير يمتنع بهم على الترك، فكاتب ~~مسعودا في ذلك واستأذنه في العود إلى خوارزم، فأذن له، فلما عاد لحقه علي ~~تكين على غرة، وكبسه، فانهزم علي تكين، وصعد إلى قلعة دبوسية، فحصره ms3382 ~~التونتاش، وكاد يأخذه،! فراسله علي تكين واستعطفه وضرع إليه، فرحل عنه وعاد ~~إلى خوارزم. وأصاب التونتاش في هذه الوقعة جراحة، فلما عاد إلى خوارزم مرض ~~منها وتوفي، وخلف من الأولاد ثلاثة بنين: هارون، ورشيد، وإسماعيل، فلما ~~توفي ضبط البلد وزيره أبو نصر أحمد بن محمد بن عبد الصمد، وحفظ الخزائن ~~وغيرها، وأعلم مسعودا، فولى ابنه الكبر هارون خوارزم، وسيره إليها وكان ~~عنده. واتفق أن الميمندي، وزير مسعود، توفي، فاستحضر أبا نصر بن محمد ابن ~~عبد الصمد واستوزره، فاستناب أبو نصر عند هارون ابنه عبد الجبار، وجعله ~~وزيره، فجرى بينه وبين هارون منافرة أسرها هارون في نفسه، وحسن له أصحابه ~~القبض على عبد الجبار، والعصيان على مسعود، فأظهر العصيان في شهر رمضان سنة ~~خمس وعشرين، وأراد قتل عبد الجبار، فاختفى منه، فقال أعداء أبيه للملك ~~مسعود: إن أبا نصر واطأ هارون على العصيان، وإنما اختفى ابنه حيلة ومكرا، ~~فاستوحش منه إلا أنه لم يظهر ذلك له. PageV04P0235 # وعزم مسعود على الخروج من غزنة إلى خوارزم، فسار عن غزنة، والزمان شتاء، ~~فلم يمكنه قصد خوارزم، فسار إلى جرجان طالبا أنوشروان بن منوجهر ليقابله ~~على ما ظهر منه عند اشتغال مسعود بقتال أحمد ينالتكين ببلاد الهند. فلما ~~كان ببلاد جرجان أتاه كتاب عبد الجبار بن أبي نصر بقتل هارون، وإعادة البلد ~~إلى طاعته، وكان عبد الجبار في بدء استتاره يعمل على قتل هارون، ووضع جماعة ~~على الفتك به، فقتلوه عند خروجه إلى الصيد، وقام عبد الجبار بحفظ البلد. ~~فلما وقف مسعود على كتاب عبد الجبار علم أن الذي قيل عن أبيه كان باطلا، ~~فعاد إلى الثقة به، وبقي عبد الجبار أياما يسيرة، فوثب به غلمان هارون ~~فقتلوه، وولوا البلد إسماعيل بن التونتاش، وقام بأمره شكر خادم أبيه، وعصوا ~~على مسعود. فكتب مسعود إلى شاهملك بن علي، أحد أصحاب الأطراف بنواحي ~~خوارزم، بقصد خوارزم وأخذها، فسار إليها، فقاتله شكر وإسماعيل، ومنعاه عن ~~البلد، فهزمهما وملك البلد، فسار إلى طغرلبك وداود السلجقيين والتجآ ~~إليهما، وطلبا المعونة ms3383 منهما، فسار داود معهما إلى خوارزم، فلقيهم شاهملك ~~وقاتلهم فهزمهم، ولما جرى على مسعود من القتل ما جرى وملك مودود دخل شاهملك ~~في طاعته وصافاه، وتمسك كل واحد منهما بصاحبه. ثم إن طغرلبك سار إلى خوارزم ~~فحصرها وملكها واستولى عليها، وانهزم شاهملك بين يديه، واستصحب أمواله ~~وذخائره، ومضى في المفازة إلى دهستان، ثم انتقل عنها إلى طبس، ثم إلى أطراف ~~كرمان، ثم إلى عمال التيز ومكران، فلما وصل إلى هناك علم خلاصه ببعده، وأمن ~~في نفسه، فعرف خبره أرتاش، أخو إبراهيم ينال، وهو ابن عم طغرلبك، فقصده في ~~أربعة آلاف فارس، فأوقع به وأسره وأخذ ما معه، ثم عاد به فسلمه إلى داود، ~~وحصل هو بما غنم من أمواله، وعاد بعد ذلك إلى باذغيس المقاربة لهراة، وأقام ~~على محاصرة هراة، لأنهم إلى هذه الغاية كانوا مقيمين على الامتناع ~~والاعتصام ببلدهم والثبات على طاعة مودود بن مسعود، فقاتلهم أهل هراة، ~~وحفظوا بلدهم مع خراب سوادهم، وإنما حملهم على ذلك، الحرب خوفا من الغز. ### || AUT ذكر قصد إبراهيم ينال همذان وما كان منه # قد ذكرنا خروج إبراهيم ينال من خراسان إلى الري، واستيلاءه عليها. فلما ~~استقر أمرها سار عنها، وملك البلاد المجاورة لها، ثم انتقل إلى بروجرد ~~فملكها، ثم قصد همذان، وكان بها أبو كاليجار كرشاسف بن علاء الدولة صاحبها، ~~ففارقها إلى سابور خواست، ونزل إبراهيم ينال على همذان، وأراد دخولها، فقال ~~له أهلها: إن كنت تريد الطاعة، وما يطلبه السلطان من الرعية، فنحن باذلوه، ~~وداخلون تحته، فاطلب أولا هذا المخالف عليك الذي كان عندنا، يعنون كرشاسف، ~~فإنا لا نأمن عوده إلينا، فإذا ملكته أو دفعته كنا لك. فكف عنهم وسار إلى ~~كرشاسف، بعد أن أخذ من أهل البلد مالا، فلما قارب سابور خواست صعد كرشاسف ~~إلى القلعة، فتحصن بها، وحصر إبراهيم البلد، فقاتله أهله خوفا من الغز، فلم ~~يكن لهم طاقة على دفعهم، فملك البلد قهرا، ونهب الغز أهله، وفعلوا الأفاعيل ~~القبيحة بهم، ثم عادوا بما غنموه إلى الري، فرأوا طغرلبك ms3384 قد وردها، ولما ~~فارق إبراهيم والغز همذان نزل كرشاسف إليها، فأقام بها إلى أن وصل طغرلبك ~~إلى الري فسار إليه إبراهيم، على ما نذكر إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر خروج طغرلبك إلى الري # ### || AUT وملك بلد الجبل # في هذه السنة خرج طغرلبك من خراسان إلى الري، بعد فراغه من خوارزم، ~~وجرجان، وطبرستان، فلما سمع أخوه إبراهيم ينال بقدومه سار إليه فلقيه، ~~وتسلم طغرلبك الري منه، وتسلم غيرها من بلد الجبل وسار إبراهيم إلى سجستان، ~~وأخذ طغرلبك أيضا قلعة طبرك من مجد الدولة بن بويه، وأقام عنده مكرما، وأمر ~~طغرلبك بعمارة الري وكانت قد خربت، فوجد في دار الإمارة مراكب ذهب مجوهرة ~~وبرنيتي صيني مملوءتين جوهرا، ومالا كثيرا، وغير ذلك. وكان كامرو يهادي ~~طغرلبك، وهو بخراسان، ويخدمه، وخدم أخاه إبراهيم لما كان بالري، فلما حضر ~~عنده أهدى له هدايا كثيرة من أنواع شتى، وهو يظن أن طغرلبك يزيد في إقطاعه، ~~ويرعى له ما تقدم من خدمته له، فخاب ظنه، وقرر على بيده كل سنة سبعة وعشرين ~~ألف دينار. PageV04P0236 # ثم ساروا إلى قزوين، فامتنع عليه أهلها، فزحف إليهم ورماهم بالسهام ~~والحجارة، فلم يقدروا أن يقفوا على السور، وقتل من أهل البلد برشق، وأخذ ~~ثلاثمائة وخمسين رجلا، فلما رأى كامرو ومرداويج بن بسو ذلك خافوا أن يملك ~~البلد عنوة وينهب، فمنعوا الناس من القتال، وأصلحوا الحال على ثمانين ألف ~~دينار، وصار صاحبها في طاعته. ثم إنه أرسل إلى كوكتاش وبوقا وغيرهما من ~~أمراء الغز، الذين تقدم خروجهم، يمنيهم، ويدعوهم إلى الحضور في خدمته، فلما ~~وصل رسوله إليهم ساروا حتى نزلوا على نهر بنواحي زنجان، ثم أعادوا رسوله، ~~وقالوا له: قل له قد علمنا أن غرضك أن تجمعنا لتقبض علينا، والخوف منك ~~أبعدنا عنك، وقد نزلنا هاهنا، فإن أردنا قصدنا خراسان، أو الروم، ولا نجتمع ~~بك ابدا. وأرسل طغرلبك إلى ملك الديلم يدعوه إلى الطاعة، ويطلب منه مالا، ~~ففعل ذلك، وحمل إليه مالا وعروضا، وأرسل أيضا إلى سلار الطرم يدعوه إلى ~~خدمته، ويطالبه ms3385 بحمل مائتي ألف دينار، فاستقر الحال بينهما على الطاعة وشيء ~~من المال. وأرسل سرية إلى أصبهان، وبها أبو منصور فرامرز بن علاء الدولة، ~~فأغارت على أعمالها وعادت سالمة. وخرج طغرلبك من الري، وأظهر قصد أصبهان، ~~فراسله فرامرز، وصانعه بمال، فعاد عنه وسار إلى همذان فملكها من صاحبها ~~كرشاسف بن علاء الدولة، وكان قد نزل إليه، وهو بالري، بعد أن راسله طغرلبك ~~غير مرة، وسار معه من الري إلى أبهر وزنجان، فأخذ منه همذان، وتفرق أصحابه ~~عنه، وطلب منه طغرلبك تسليم قلعة كنكور، فأرسل إلى من بها بالتسليم، فلم ~~يفعلوا، وقالوا لرسل طغرلبك: قل لصاحبك والله لو قطعته قطعا ما سلمناها ~~إليك. فقال له طغرلبك: ما امتنعوا إلا بأمرك ورأيك، فاصعد إليهم، وأقم ~~معهم، ولا تفارق موضعك حتى آذن لك. ثم عاد إلى الري، واستناب بهمذان ناصرا ~~العلوي، وكان كرشاسف قد قبض عليه، فأخرجه طغرلبك وولاه الري وأمره بمساعدة ~~من يجعله في البلد، وكان معه مرداويج بن بسو نائبه في جرجان وطبرستان، ~~فمات، وقام ولده جستان مقامه، فسار طغرلبك إلى جرجان، فعزل جستان عنها، ~~واستعمل على جرجان أسفار، وهو من خواص منوجهر بن قابوس، فلما فرغ أمر جرجان ~~وطبرستان سار إلى دهستان فحصرها، وبها صاحبها كاميار، معتصما بها لحصانتها. ### || AUT ذكر مسير عساكر طغرلبك إلى كرمان # وسير طغرلبك طائفة من أصحابه إلى كرمان مع أخيه إبراهيم ينال، بعد أن ~~دخل الري، وقيل إن إبراهيم لم يقصد كرمان، وإنما قصد سجستان، وكان مقدم ~~العساكر التي سارت إلى كرمان غيره، فلما وصلوا إلى أطراف كرمان نهبوا، ولم ~~يقدموا على التوغل فيها، فلم يروا من العساكر من يكفهم، فتوسطوا وملكوا عدة ~~مواضع منها ونهبوها. فبلغ الخبر إلى الملك أبي كاليجار، صاحبها، فسير وزيره ~~مهذب الدولة في العساكر الكثيرة، وأمره بالجد في المسير ليدركهم قبل أن ~~يملكوا جيرفت، وكانوا يحاصرونها، فطوى المراحل حتى قاربهم، فرحلوا عن جيرفت ~~ونزلوا عى ستة فراسخ منها. وجاء مهذب الدولة فنزلها وأرسل ليحمل الميرة إلى ~~العسكر، فخرجت الغز إلى الجمال ms3386 والبغال والميرة ليأخذوها، وسمع مهذب الدولة ~~ذلك، فسير طائفة من العسكر لمنعهم، فتواقعوا واقتتلوا، وتكاثر الغز، فسمع ~~مهذب الدولة الخبر، فسار في العساكر إلى المعركة، وهم يقتتلون، وقد ثبتت كل ~~طائفة لصاحبتها واشتد القتال إلى حد أن بعض الغز رمى فرس بعض أصحاب أبي ~~كاليجار بسهم، فوقع فيه، وطعنه صاحب الفرس برمح، فأصاب فرس الغزي، وحمل ~~الغزي على صاحب الفرس، فضربه ضربة قطعت يده، وحمل عليه صاحب الفرس وهو على ~~هذه الحالة، فضربه بسيفه فقطعه قطعتين، وسقطا إلى الأرض قتيلين، والفرسان ~~قتيلان، وهذه حالة لم يدون عن مقدمي الشجعان أحسن منها. فلما وصل مهذب ~~الدولة إلى المعركة انهزم الغز وتركوا ما كانوا ينهبونه، ودخلوا المفازة، ~~وتبعهم الديلم إلى رأس الحد، وعادوا إلى كرمان فأصلحوا ما فسد منها. ### || AUT ذكر الوحشة بين القائم بأمر الله أمير المؤمنين وجلال الدولة # PageV04P0237 # في هذه السنة افتتحت الجوالي في المحرم ببغداد، فأنفذ الملك جلال الدولة ~~فأخذ ما تحصل منها، وكانت العادة أن يحمل منها إلى الخلفاء لا تعارضهم فيها ~~الملوك، فلما فعل جلال الدولة ذلك عظم الأمر فيه على القائم بأمر الله ~~واشتد عليه، وأرسل مع أقضى القضاة أبي الحسن الماوردي في ذلك، وتكررت ~~الرسائل، فلم يصغ جلال الدولة لذلك، وأخذ الجوالي، فجمع الخليفة الهاشميين ~~بالدار والرجالة، وتقدم بإصلاح الطيار والزبازب، وأرسل إلى أصحاب الأطراف ~~والقضاة بما عزم عليه، وأظهر العزم على مفارقة بغداد، فلم يتم ذلك، وحدث ~~وحشة من الجهتين، فاقتضت الحال أن الملك يترك معارضة النواب الإمامية فيها ~~في السنة الآتية. ### || AUT ذكر محاصرة شهرزور وغيرها # في هذه السنة سار أبو الشوك إلى شهرزور، فحصرها ونهبها وأحرقها وخرب ~~قراها وسوادها، وحصر قلعة تبرانشاه، فدفعه أبو القاسم بن عياض عنها، ووعده ~~أن يخلص ولده أبا الفتح من أخيه مهلهل، وأن يصلح بينها. وكان مهلهل قد سار ~~من شهرزور لما بلغه أن أخاه أبا الشوك يريد قصدها، وقصد نواحي سندة وغيرها ~~من ولايات أبي الشوك، فنهبها وأحرقها وهلكت الرعية في الجهتين. ثم إن أبا ~~الشوك ms3387 راسل أبا القاسم بن عياض يستنجزه ما وعده به من تخليص ولده والشروط ~~التي تقررت بينهما، فأجابه بأن مهلهلا غير مجيب إليه. فعند ذلك سار أبو ~~الشوك من حلوان إلى الصامغان ونهبها، ونهب الولاية التي لمهلهل جميعها، ~~فانزاح مهلهل من بين يديه، وترددت الرسل بينهما، فاصطلحا على دغل ودخل، ~~وعاد أبو الشوك. ### || AUT ذكر خروج سكين بمصر # في هذه السنة، في رجب، خرج بمصر إنسان اسمه سكين، كان يشبه الحاكم صاحب ~~مصر، فادعى أنه الحاكم، وقد رجع بعد موته، فاتبعه جمع ممن يعتقد رجعة ~~الحاكم، فاغتنموا خلو دار الخليفة بمصر من الجند وقصدوها مع سكين نصف ~~النهار، فدخلوا الدهليز، فوثب من هناك من الجند، فقال لهم أصحابه: إنه ~~الحاكم، فارتاعوا لذلك، ثم ارتابوا به، فقبضوا على سكين، ووقع الصوت، ~~واقتتلوا، فتراجع الجند إلى القصر، والحرب قائمة، فقتل من أصحابه جماعة، ~~وأسر الباقون وصلبوا أحياء، ورماهم الجند بالنشاب حتى ماتوا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كانت زلزلة عظيمة بمدينة تبريز، هدمت قلعتها وسورها ودورها ~~وأسواقها وأكثر دار الإمارة، وسلم الأمير لأنه كان في بعض البساتين، فأحصي ~~من هلك من أهل البلد، وكانوا قريبا من خمسين ألفا، ولبس الأمير السواد ~~والمسوح لعظم المصيبة، وعزم على الصعود إلى بعض قلاعه، خوفا من توجه الغز ~~السلجوقية إليه، وأخبر بذلك أبو جعفر بن الرقي العلوي النقيب بالموصل. ~~وفيها قتل قرواش كاتبه أبا الفتح صبرا. وفيها توفي عبد الله بن أحمد أبو ذر ~~الهروي الحافظ، أقام بمكة، وتزوج من العرب، وأقام بالسروات، وكان يحج كل ~~سنة يحدث في الموسم، ويعود إلى أهله، وصحب القاضي أبا بكر البقلاني. وفيها ~~توفي عمر بن إبراهيم بن سعيد الزهري من ولد سعد بن أبي وقاص، وكان فقيها شافعيا. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وأربعمائة # ### || AUT ذكر إخراج المسلمين والنصارى القسطنطينية # في هذه السنة أخرج ملك الروم الغرباء من المسلمين والنصارى وسائر ~~الأنواع من القسطنطينية. وسبب ذلك أنه وقع الخبر بالقسطنطينية أن قسطنطين ~~قتل ابنتي الملك المتقدم اللتين ms3388 قد صار الملك فيهما الآن، فاجتمع أهل البلد ~~وأثاروا الفتنة، وطمعوا في النهب، فأشرف عليهم قسطنطين، وسألهم عن السبب في ~~ذلك، فقالوا: قتلت الملكتين، وأفسدت الملك، فقال: ما قتلتهما، وأخرجهما حتى ~~رآهما الناس، فسكنوا. ثم إنه سأل عن سبب ذلك، فقيل له: إنه فعل الغرباء، ~~وأشاروا بإبعادهم، وأمر فنودي أن لا يقيم أحد ورد البلد منذ ثلاثين سنة، ~~فمن أقام بعد ثلاثة أيام كحل، فخرج منها أكثر من مائة ألف إنسان، ولم يبق ~~بها أكثر من اثني عشر نفسا، ضمنهم الروم فتركهم. ### || AUT ذكر وفاة جلال الدولة # ### || AUT وملك أبي كاليجار # PageV04P0238 # في هذه السنة، في سادس شعبان، توفي الملك جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء ~~الدولة بن عضد الدولة بن بويه ببغداد، وكان مرضه ورما في كبده، وبقي عدة ~~أيام مريضا وتوفي، وكان مولده سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وملكه ببغداد ست ~~عشرة سنة وأحد عشر شهرا، ودفن بداره، ومن علم سيرته، وضعفه، واستيلاء الجند ~~والنواب عليه، ودوام ملكه إلى هذه الغاية، علم أن الله على كل شيء قدير ~~يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء. وكان يزور الصالحين، ويقرب منهم، وزار ~~مرة مشهدي علي والحسين، عليهما السلام، وكان يمشي حافيا قبل أن يصل إلى كل ~~مشهد منهما، نحو فرسخ، يفعل ذلك تدينا. ولما توفي انتقل الوزير كمال الملك ~~بن عبد الرحيم وأصحاب الملك الأكابر إلى باب المراتب، وحريم دار الخلافة، ~~خوفا من نهب الأتراك والعامة دورهم، فاجتمع قواد العسكر تحت دار المملكة، ~~ومنعوا الناس من نهبها. ولما توفي كان ولده الأكبر الملك العزيز أبو منصور ~~بواسط، على عادته، فكاتبه الأجناد بالطاعة، وشرطوا عليه تعجيل ما جرت به ~~العادة من حق البيعة، فترددت المراسلات بينهم في مقداره وتأخيره لفقده. ~~وبلغ موته إلى الملك أبي كاليجار بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة، فكاتب ~~القواد والأجناد، ورغبهم في المال وكثرته وتعجيله، فمالوا إليه وعدلوا عن ~~الملك العزيز. وأما الملك العزيز فإنه أصعد إلى بغداد لما قرب الملك أبو ~~كاليجار منها، على ما نذكره ms3389 سنة ست وثلاثين، عازما على قصد بغداد ومعه ~~عسكره، فلما بلغ النعمانية غدر به عسكره ورجعوا إلى واسط، وخطبوا لأبي ~~كاليجار، فلما رأى ذلك مضى إلى نور الدولة دبيس بن مزيد، لأنه بلغه ميل جند ~~بغداد إلى أبي كاليجار، وسار من عند دبيس إلى قرواش بن المقلد، فاجتمع به ~~بقرية خصة من أعمال بغداد، وسار مع إلى الموصل، ثم فارقه وقصد أبا الشوك ~~لأنه حموه، فلما وصل إلى أبي الشوك غدر به، وألزمه بطلاق ابنته، ففعل، وسار ~~عنه إلى إبراهيم ينال أخي طغرلبك، وتنقلت به الأحوال، حتى قدم بغداد في نفر ~~يسير عازما على استمالة العسكر وأخذ الملك، فثار به أصحاب الملك أبي ~~كاليجار، فقتل بعض من عنده، وسار هو متخفيا، فقصد نصر الدولة بن مروان ~~فتوفي عنده بميافارقين، وحمل إلى بغداد، ودفن عند أبيه بمقابر قريش، في ~~مشهد باب التبن سنة إحدى وأربعين. وقد ذكر الشيخ أبو الفرج بن الجوزي أنه ~~آخر ملوك بني بويه، وليس كذلك، فإنه ملك بعده أبو كاليجار، ثم الملك الرحيم ~~بن أبي كاليجار، وهو آخرهم على ما تراه. وأما الملك أبو كاليجار فلم تزل ~~الرسل تتردد بينه وبين عسكر بغداد، حتى استقر الأمر له، وحلفوا، وخطبوا له ~~ببغداد في صفر من سنة ست وثلاثين وأربعمائة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر حال أبي الفتح مودود بن سبكتكين # في هذه السنة سير الملك أبو الفتح مودود بن مسعود بن سبكتكين عسكرا مع ~~حاجب له إلى نواحي خراسان، فأرسل إليهم داود أخو طغرلبك، وهو صاحب خراسان، ~~ولده ألب أرسلان في عسكر، فالتقوا واقتتلوا فكان الظفر للملك ألب أرسلان، ~~وعاد عسكر غزنة منهزما. وفيها أيضا، في صفر، سار جمع من الغز إلى نواحي ~~بست، وفعلوا ما عرف منهم من النهب والشر، فسير إليهم أبو الفتح مودود ~~عسكرا، فالتقوا بولاية بست، واقتتلوا قتالا شديدا انهزم الغز فيه، وظفر ~~عسكر مودود، وأكثروا فيهم القتل والأسر. ### || AUT ذكر ملك مودود عدة حصون # في هذه السنة اجتمع ثلاث ms3390 ملوك من ملوك الهند، وقصدوا لهاوور وحصروها، ~~فجمع مقدم العساكر الإسلامية بتلك الديار من عنده منهم، وأرسل إلى صاحبه ~~مودود يستنجده، فسير إليه العساكر. PageV04P0239 # فاتفق أن بعض أولئك الملوك فارقهم وعاد إلى طاعة مودود، فرحل الملكان ~~الآخران إلى بلادهما، فسارت العساكر الإسلامية إلى أحدهما، ويعرف بدوبال ~~هرباته، فانهزم منهم، وصعد إلى قلعة له منيعة هو وعساكره، فاحتموا بها، ~~وكانوا خمسة آلاف فارس وسبعين ألف راجل، وحصرهم المسلمون وضيقوا عليهم، ~~وأكثروا القتل فيهم، فطلب الهنود الأمان على تسليم الحصن، فامتنع المسلمون ~~من إجابتهم إلى ذلك إلا بعد أن يضيفوا إليه باقي حصون ذلك الملك الذي لهم، ~~فحملهم الخوف وعدم الأقوات على إجابتهم إلى ما طلبوا وتسلموا الجميع، وغنم ~~المسلمون الأموال، وأطلقوا ما في الحصون من أسرى المسلمين، وكانوا نحو خمسة ~~آلاف نفر. فلما فرغوا من هذه الناحية قصدوا ولاية الملك الثاني، واسمه ~~تابت، بالري، فتقدم إليهم ولقيهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزمت الهنود، ~~وأجلت المعركة عن قتل ملكهم وخمسة آلاف قتيل، وجرح وأسر ضعفاهم، وغنم ~~المسلمون أموالهم وسلاحهم ودوابهم. فلما رأى باقي الملوك من الهند ما لقي ~~هؤلاء أذعنوا بالطاعة، وحملوا الأموال، وطللبوا الأمان والإقرار على ~~بلادهم، فأجيبوا إلى ذلك. ### || AUT ذكر الخلف بين الملك أبي كاليجار وفرامرز بن علاء الدولة # في هذه السنة نكث الأمير أبو منصور فرامرز بن علاء الدولة بن كاكويه، ~~صاحب أصبهان، العهد الذي بينه وبين الملك أبي كاليجار، وسير عسكرا إلى ~~نواحي كرمان، فملكوا منها حصنين، وغنموا ما فيهما. فأرسل الملك أبو كاليجار ~~إليه في إعادتهما وإزالة الاعتراض عنهما، فلم يفعل، فتجهز عسكرا وسيره إلى ~~أبرقوة، فحصرها وملكها، فانزعج فرامرز لذلك، وجهز عسكرا كثيرا وسيره إليهم، ~~فسمع الملك أبو كاليجار بذلك، فسير عسكرا ثانيا مددا لعسكره الأول، والتقى ~~العسكران فاقتتلوا وصبروا، ثم انهزم عسكر أصبهان، وأسر مقدمهم الأمير إسحاق ~~بن ينال، واسترد نواب أبي كاليجار ما كانوا أخذوه من كرمان. ### || AUT ذكر أخبار الترك بما وراء النهر # في هذه السنة، في صفر، أسلم من كفار الترك الذين ms3391 كانوا يطرقون بلاد ~~الإسلام بنواحي بلاساغون وكاشغر، ويغيرون ويعيثون، عشرة آلاف خركاة، وضحوا ~~يوم عيد الأضحى بعشرين ألف رأس غنم، وكفى الله المسلمين شرهم. وكانوا ~~يصيفون بنواحي بلغار، ويشتون بنواحي بلاساغون، فلما أسلموا تفرقوا في ~~البلاد، فكان في كل ناحية ألف خركاة، وأقل وأكثر لأمنهم، فإنهم إنما كانوا ~~يجتمعون ليحمي بعضهم بعضا من المسلمين، وبقي من الأتراك من لم يسلم تتر ~~وخطا، وهم بنواحي الصين. وكان صاحب بلاساغون، وبلاد الترك، شرف الدولة، ~~وفيه دين، وقد أقنع من إخوته وأقاربه بالطاعة، وقسم البلاد بينهم، فأعطى ~~أخاه أصلان تكين كثيرا من بلاد الترك، وأعطى أخاه بغراجان طراز وأسبيجاب، ~~وأعطى عمه طغاخان، فرغانة بأسرها، وأعطى ابن علي تكين بخارى وسمرقند ~~وغيرهما وقنع هو ببلاساغون وكاشغر. ### || AUT ذكر أخبار الروم والقسطنطينية # في هذه السنة، في صفر أيضا، ورد إلى القسطنطينية عدد كثير من الروس في ~~البحر، وراسلوا قسطنطين ملك الروم بما لم تجر به عادتهم، فاجتمعت الروم على ~~حربهم، وكان بعضهم قد فارق المراكب إلى البر، وبعضهم فيها، فألقى الروم في ~~مراكبهم النار، فلم يهتدوا إلى إطفائها، فهلك كثير منهم بالحرق والغرق، ~~وأما الذين على البر فقاتلوا، وأبلوا، وصبروا، ثم انهزموا، فلم يكن لهم ~~ملجأ، فمن استسلم أولا استرق وسلم، ومن امتنع، حتى أخذ قهرا، قطع الروم ~~أيمانهم، وطيف بهم في البلد، ولم يسلم منهم إلا اليسير مع ابن ملك الروسية، ~~وكفي الروم شرهم. ### || AUT ذكر طاعة المعز بإفريقية للقائم بأمر الله # في هذه السنة أظهر المعز ببلاد إفريقية الدعاء للدولة العباسية، وخطب ~~للإمام القائم بأمر الله، أمير المؤمنين، ووردت عليه الخلع والتقليد ببلاد ~~إفريقية وجميع ما يفتحه، وفي أول الكتاب الذي مع الرسل: من عبد الله ووليه ~~أبي جعفر القائم بأمر الله أمير المؤمنين إلى الملك الأوحد، ثقة الإسلام، ~~وشرف الإمام، وعمدة الأنام ناصر دين الله، قاهر أعداء الله، ومؤيد سنة رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، أبي تميم المعز بن باديس بن المنصور ولي أمير ~~المؤمنين بولاية جميع المغرب، وما افتتحه بسيف ms3392 أمير المؤمنين، وهو طويل. ~~PageV04P0240 # وأرسل إليه سيف وفرس وأعلام على طريق القسطنطينية، فوصل ذلك يوم الجمعة، ~~فدخل به إلى الجامع، والخطيب ابن الفاكاة على المنبر يخطب الخطبة الثانية، ~~فدخلت الأعلام، فقال: هذا لواء الحمد يجمعكم. وهذا معز الدين يسمعكم. ~~وأستغفر الله لي ولكم. وقطعت الخطبة للعلويين من ذلك الوقت، وأحرقت أعلامهم. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة جرت حرب بين ابن الهيثم، صاحب البطيحة، وبين الأجناد من ~~الغز والديلم، فأحرق الجامدة وغيرها، وخطب الجند للملك أبي كاليجار. وفيها ~~أرسل الخليفة القائم بأمر الله أقضى القضاة أبا الحسن علي بن محمد ابن حبيب ~~الماوردي، الفقيه الشافعي، إلى السلطان طغرلبك قبل وفاة جلال الدولة، وأمره ~~أن يقرر الصلح بين طغرلبك والملك جلال الدولة وأبي كاليجار، فسار إليه وهو ~~بجرجان، فلقيه طغرلبك على أربعة فراسخ إجلالا لرسالة الخليفة، وعاد ~~الماوردي سنة ست وثلاثين وأخبر عن طاعة طغرلبك للخليفة، وتعظيمه لأوامره ~~ووقوفه عنده. وفيها توفي عبد الله بن أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر أبو ~~القاسم ابن أبي الفتح الأزهري الصيرفي المعروف بابن السواري شيخ الخطباء ~~أبي بكر، وكان إماما في الحديث، ومن تلامذته الخطيب البغدادي. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وثلاثين وأربعمائة # ### || AUT ذكر قتل الإسماعيلية بما وراء النهر # في هذه السنة أوقع بغراخان، صاحب ما وراء النهر، بجمع كثير من ~~الإسماعيلية. وكان سبب ذلك أن نفرا منهم قصدوا ما وراء النهر، ودعوا إلى ~~طاعة المستنصر بالله العلوي، صاحب مصر، فتبعهم جمع كثير وأظهروا مذاهب ~~أنكرها أهل تلك البلاد. وسمع ملكها بغراخان خبرهم، وأراد الإيقاع بهم، فخاف ~~أن يسلم منه بعض من أجابهم من أهل تلك البلاد، فأظهر لبعضهم أنه يميل ~~إليهم، ويريد الدخول في مذاهبهم، وأعلمهم ذلك، وأحضرهم مجالسة، ولم يزل حتى ~~علم جميع من أجابهم إلى مقالتهم، فحينئذ قتل من بحضرته منهم، وكتب إلى سائر ~~البلاد بقتل من فيها، ففعل بهم ما أمر، وسلمت البلاد منهم. ### || AUT ذكر الخطبة للملك أبي كاليجار وإصعاده إلى بغداد # قد ذكرنا لما ms3393 توفي الملك جلال الدولة ما كان من مراسلة الجند الملك أبا ~~كاليجار والخطبة له. فلما استقرت القواعد بينه وبينهم أرسل أموالا فرقت على ~~الجند ببغداد، وعلى أولادهم، وأرسل عشرة آلاف دينار للخليفة ومعها هدايا ~~كثيرة، فخطب به ببغداد في صفر، وخطب له أيضا أبو الشوك في بلاده، ودبيس بن ~~مزيد ببلاده، ونصر الدولة بن مروان بديار بكر، ولقبه الخليفة محيي الدين، ~~وسار إلى بغداد في مائة فارس من أصحابه لئلا تخافه الأتراك. فلما وصل إلى ~~النعمانية لقيه دبيس بن مزيد، ومضى إلى زيارة المشهدين بالكوفة وكربلاء، ~~ودخل إلى بغداد في شهر رمضان ومعه وزيره ذو السعادات أبو الفرج محمد بن ~~جعفر بن محمد بن فسانجس، ووعده الخليفة القائم بأمر الله أن يستقبله، ~~فاستعفى من ذلك، وأخرج عميد الدولة أبا سعد بن عبد الرحيم وأخاه كمال الملك ~~وزيري جلال الدولة من بغداد، فمضى أبو سعد إلى تكريت، وزينت بغداد لقدومه، ~~وأمر فخلع على أصحاب الجيوش، وهم: البساسيري، والنشاووري، والهمام أبو ~~اللقاء، وجرى من ولاة العرض تقديم لبعض الجند وتأخير، فشغب بعضهم، وقتلوا ~~واحدا من ولاة العرض بمرأى من الملك أبي كاليجار، فنزل في سميرية بكنكور، ~~وانحدر خوفا من انخراق الهيبة، وأصعد بفم الصلح. وفي رمضان منها توفي أبو ~~القاسم علي بن أحمد الجرجرائي وزير الظاهر والمستنصر الخليفتين، وكان فيه ~~كفاية، وشهامة، وأمانة، وصلى عليه المستنصر بالله.ز ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة نزل الأمير أبو كاليجار كرشاسف بن علاء الدولة من كنكور ~~وقصد همذان فملكها وأزاح عنها نواب السلطان طغرلبك، وخطب للملك أبي ~~كاليجار، وصار في طاعته. وفيها أمر الملك أبي كاليجار ببناء سور مدينة ~~شيراز، فبني وأحكم بناؤه، وكان دوره اثني عشر ألف ذراع، وعرضه ثمانية أذرع، ~~وله أحد عشر بابا، وفرغ منه سنة أربعين وأربعمائة. وفيها نقل تابوت جلال ~~الدولة من داره إلى مشهد باب التبن، إلى تربة له هناك. PageV04P0241 # وفيها استوزر السلطان طغرلبك وزيره أبا القاسم علي بن عبد الله الجويني، ~~وهو أول وزير وزر له، ms3394 ثم وزر له بعده رئيس الرؤساء أبو عبد الله الحسين ابن ~~علي بن ميكائيل، ثم وزر له بعدهنظام الملك أبو محمد الحسن بن محمد ~~الدهستاني، وهو أول من لقب نظام الملك، ثم وزر له بعده عميد الملك الكندري، ~~وهو أشهرهم، وإنما اشتهر لأن طغرلبك، في أيامه، عظمت دولته، ووصل إلى ~~العراق، وخطب به بالسلطنة، وسيرد من أخباره ما فيه كفاية، فلا حاجة إلى ~~ذكرها هاهنا. وفيها توفي الشريف المرتضى أبو القاسم علي أخر الرضي في آخر ~~ربيع الأول، ومولده سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وولي نقابة العلويين بعده ~~أبو أحمد عدنان ابن أخيه الرضي. وفيها توفي القاضي أبو عبد الله الحسين بن ~~علي بن محمد الصيمري، وهو شيخ أصحاب أبي حنيفة في زمانه، ومن جملة تلامذته ~~القاضي أبو عبد الله الدامغاني، ومولده سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وولي ~~بعده قضاء الكرخ القاضي أبو الطيب الطبري مضافا إلى ما كان يتولاه من ~~القضاء بباب الطاق. وفيها توفي القاضي أبو الحسن عبد الوهاب بن منصور بن ~~المشتري قاضي خوزستان وفارس، وكان شافعي المذهب. وفيها توفي أبو الحسين ~~محمد بن علي البصري، المتكلم المعتزلي، صاحب التصانيف المشهورة. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وأربعمائة # ### || AUT ذكر وصول إبراهيم ينار إلى همذان # في هذه السنة أمر السلطان طغرلبك أخاه إبراهيم ينال بالخروج إلى بلد ~~الجبل وملكها، فسار إليها من كرمان، وقصد همذان، وبها كرشاسف بن علاء ~~الدولة، ففارقها خوفا، ودخلها ينال فملكها، والتحق كرشاسف بالأكراد ~~الجوزقان. وكان أبو الشوك حينئذ بالدينور، فسار عنها إلى قرميسين خوفا ~~وإشفاقا من ينال، فقوي طمع ينال حينئذ في البلاد، وسار الدينور فملكها ورتب ~~أمورها، وسار منها يطلب قرميسين. فلما سمع أبو الشوك به سار إلى حلوان وترك ~~بقرميسين من في عسكره من الديلم، والأكراد الشاذنجان، ليمنعوها ويحفظوها، ~~ووافاهم ينال جريدة، فقاتلوه، فدفعوه عنها، فانصرف عنهم وعاد بخركاهاته ~~وحلله، فقاتلوه، فضعفوا عنه وعجزوا عن منعه، فملك البلد في رجب عنوة وقتل ~~من العساكر جماعة كثيرة، وأخذ أموال من سلم من القتل، ms3395 وسلاحهم، وطردهم، ~~ولحقوا بأبي الشوك، ونهب البلد وقتل وسبى كثيرا من أهله. ولما سمع أبو ~~الشوك ذلك سير أهله وأمواله وسلاحه من حلوان إلى قلعة السيروان، وأقام ~~جريدة في عسكره، ثم إن ينال سار إلى الصيمرة في شعبان، فملكها ونهبها، ~~وأوقع بالأكراد المجاورين لها من الجوزقان، فانهزموا، وكان كرشاسف بن علاء ~~الدولة نازلا عندهم، فسار هو وهم إلى بلد شهاب الدولة أبي الفوارس منصور بن ~~الحسين. ثم إن إبراهيم ينال سار إلى حلوان، وقد فارقها أبو الشوك، ولحق ~~بقلعة السيروان، فوصل إليها إبراهيم آخر شعبان، وقد جلا أهلها عنها، ~~وتفرقوا في البلاد، فنهبها وأحرقها، وأحرق دار أيب الشوك، وانصرف بعد أن ~~اجتاحها ودرسها. وتوجه طائفة من الغز إلى خانقين في أثر جماعة من أهل حلوان ~~كانوا ساروا بأهليهم وأولادهم وأموالهم، فأدركوهم وظفروا بهم وغنموا ما ~~معهم، وانتشر الغز في تلك النواحي، فبلغوا مايدشت وما يليها، فنهبوها ~~وأغاروا عليها. فلما سمع الملك أبو كاليجار هذه الأخبار أزعجته وأقلقته، ~~وكان بخوزستان، فعزم على المسير، ودفع ينال ومن معه من الغز عن البلاد، ~~فأمر عساكره بالتجهز للسفر إليهم، فعجزوا عن الحركة لكثرة ما مات من ~~دوابهم، فلما تحقق ذلك سار نحو بلاد فارس، فحمل العسكر أثقالهم على الحمير ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في المحرم، خطب للملك أبي كاليجار بأصبهان وأعمالها، وعاد ~~الأمير أبو منصور بن علاء الدولة إلى طاعته. وكان سبب ذلك أنه لما عصى على ~~الملك أبي كاليجار، وقصد كرمان، على ما ذكرناه، والتجأ إلى طاعة طغرلبك، لم ~~يبلغ ما كان يؤمله من طغرلبك، فلما عاد طغرلبك إلى خراسان خاف أبو منصور من ~~الملك أبي كاليجار فراسله في العود إلى طاعته، فأجابه إلى ذلك واصطلحا. ~~PageV04P0242 # وفيها اصطلح أبو الشوك وأخوه مهلهل، وكان متقاطعين من حين أسر مهلهل أبا ~~الفتح بن أبي الشوك، وموت أبي الفتح في سجنه. فلما كان الآن وخافا من الغز ~~تراسلا في الصلح، واعتذر مهلهل، وأرسل ولده أبا الغنائم إلى أبي الشوك، ~~وحلف له أن أبا ms3396 الفتح توفي حتف أنفه من غير قتل، وقال: هذا ولدي تقتله ~~عوضه، فرضي أبو الشوك، وأحسن إلى أبي الغنائم، ورده إلى أبيه، واصطلحا ~~واتفقا. وفيها، في جمادى الأولى، خلع الخليفة على أبي القاسم علي بن الحسن ~~بن المسلمة، واستوزره، ولقبه رئيس الرؤساء، وهو ابتداء حاله. وكان السبب في ~~ذلك أن ذا السعادات بن فسانجس، وزير الملك أبي كاليجار، كان يسيء الرأي في ~~عميد الرؤساء، وزير الخليفة، فطلب من الخليفة أن يعزله، فعزله واستوزر رئيس ~~الرؤساء نيابة، ثم خلع عليه وجلس في الدست. وفيها، في شعبان، سار سرخاب بن ~~محمد بن عناز أخو أبي الشوك إلى البندنيجين وبها سعدي بن أبي الشوك، ~~ففارقها سعدي ولحق بأبيه، ونهب سرخاب بعضها، وكان أبو الشوك قد أخذ بلد ~~سرخاب ما عدا دزديلويه وهما متباينان لذلك. وفيها، في آخر رمضان، توفي أبو ~~الشوك فارس بن محمد بن عناز بقلعة السيروان، وكان مرض لما سار إلى السيروان ~~من حلوان، ولما توفي غدر الأكراد بابنه سعدي، وصاروا مع عمه مهلهل، فعند ~~ذلك مضى سعدي إلى إبراهيم ينال، وأتى بالغز، على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى. وفيها قتل عيسى بن موسى الهذباني صاحب أربل، وكان خرج إلى الصيد، ~~فقتله ابنا أخ له، وساروا إلى قلعة إربل فملكاها، وكان سلار بن موسى، أخو ~~المقتول، نازلا على قرواش بن المقلد، صاحب الموصل، لنفرة كانت بينه وبين ~~أخيه، فلما قتل سار قرواش مع السلار إلى إربل، فملكها وسلمها إلى السلار، ~~وعاد قرواش إلى الموصل. وفيها كانت ببغداد فتنة بين أهل الكرخ وباب البصرة، ~~وقتال اشتد قتل فيه جماعة. وفيها وقع البلاء والوباء في الخيل، فهلك من ~~عسكر الملك أبي كاليجار اثنا عشر ألف فرس، وعم ذلك البلاء. وفيها توفي علي ~~بن محمد بن نصر أبو الحسن الكاتب بواسط، صاحب الرسائل المشهورة. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة # ### || AUT ذكر ملك مهلهل قرميسين والدينور # في هذه السنة ملك مهلهل بن محمد بن عناز مدينة قرميسين والدينور. وسبب ~~ذلك أن إبراهيم ms3397 ينال كان قد استعمل عند عوده من حلوان على قرميسين بدر بن ~~طاهر بن هلال، فلما ملك مهلهل، بعد موت أخيه أبي الشوك، سار إلى مايدشت، ~~ونزل بها ثم توجه نحو قرميسين، فانصرف عنها بدر فملكها مهلهل، وسير ابنه ~~محمدا إلى الدينور، وبها عساكر ينال، فاقتتلوا، فقتل بين الفريقين جماعة، ~~وانهزم أصحاب ينال، وملك محمد البلد. ### || AUT ذكر اتصال سعدي بن أبي الشوك بإبراهيم ينال وما كان منه # في هذه السنة، في شهر ربيع الأول، فارق سعدي بن أبي الشوك عمه مهلهلا، ~~ولحق بإبراهيم ينال فصار معه. وسبب ذلك أن عمه تزوج أمه وأهمل جانبه ~~واحتقره، وكذلك أيضا قصر في مراعاة الأكراد الشاذنجان، فراسل سعدي إبراهيم ~~ينال في اللحاق به، فأذن له في ذلك، ووعده أن يملكه ما كان لأبيه، فسار ~~إليه في جماعة من الأكراد الشاذنجان، فقوي بهم، فأكرمه ينال، وضم إليه جمعا ~~من الغز وسيره إلى حلوان فملكها، وخطب فيها لإبراهيم ينال في شهر ربيع ~~الأول، وأقام بها أياما، ورجع إلى مايدشت، فسار عمه مهلهل إلى حلوان فملكها ~~وقطع منها خطبة ينال. فلما سمع سعدي بذلك سار إلى حلوان، ففارقها عمه مهلهل ~~إلى ناحية بلوطة، وملك سعدي حلوان وسار إلى عمه سرخاب فكبسه ونهب ما كان ~~معه، وسير جمعا إلى البندنيجين، فاستولوا عليها وقبضوا على نائب سرخاب بها، ~~ونهبوا بعضها، وانهزم بعضها، وانهزم سرخاب، فصعد إلى قلعة دزديلويه، ثم عاد ~~سعدي إلى قرميسين، فسير عمه مهلهل ابنه بدرا إلى حلوان فملكها، فجمع سعدي ~~وأكثر وعاد إلى حلوان، ففارقها من كان بها من أصحاب عمه من كان بالقلعة، ~~وملكها سعدي، وكان قد صحبه كثير من الغز، فسار بهم منها إلى عمه مهلهل، ~~وترك بها من يحفظها. فلما علم عمه بقربه منه سار بين يديه إلى قلعة ~~تيرانشاه، بقرب شهرزور، فاحتمى بها، وملك الغز كثيرا من النواحي والمواشي، ~~وغنموا كثيرا من الأموال والدواب. PageV04P0243 # فلما رأى سعدي تحصن عمه منه خاف على من خلفه بحلوان فعاد عازما على ~~محاصرة القلعة، فمضى ms3398 وحصرها، وقاتله من بها من أصحاب عمه، ونهب الغز حلوان، ~~وفتكوا فيها وافتضوا الأبكار، وأحرقوا المساكن، وتفرق الناس،! وفعلوا في ~~تلك النواحي جميعها أقبح فعل. ولما سمع أصحاب الملك أبي كاليجار ووزيره هذه ~~الأخبار ندبوا العساكر إلى الخروج إلى مهلهل ومساعدته على ابن أخيه، ودفعه ~~عن هذه الأعمال، فلم يفعلوا. ثم إن سعدي أقطع أبا الفتح بن ورام ~~البندنيجين، واتفقا، واجتمعا على قصد عمه سرجاب بن محمد بن عناز، وحصره ~~بقلعة دزديلويه، فسارا فيمن معهما من العساكر، فلما قاربوا القلعة دخلوا في ~~مضيق هناك من غير أن يجعلوا لهم طليعة طمعا فيه وإدلالا بقوتهم، وكان سرخاب ~~قد جعل على رأس الجبل، على فم المضيق، جمعا من الأكراد، فلما دخلوا المضيق، ~~فتقطرت بهم خيلهم، فسقطوا عنها ورماهم الأكراد الذين على الجبل، فوهنوا ~~وأسر سعدي وأبو الفتح بن ورام وغيرهما من الرؤوس، وتفرق الغز والأكراد من ~~تلك النواحي، بعد أن كانوا قد توطنوها وملكوها. ### || AUT ذكر حصار طغرلبك أصبهان # في هذه السنة حصر طغرلبك مدينة أصبهان، وبها صاحبها أبو منصور فرامرز ~~ابن علاء الدولة، فضيق عليه، ولم يظفر من البلد بطائل، ثم اصطلحوا على مال ~~يحمله فرامرز بن علاء الدولة لطغرلبك، وخطب له بأصبهان وأعمالها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خرج من الترك من بلد التبت خلق لا يحصون كثرة، فراسلوا ~~أرسلان خان، صاحب بلاساغون، يشكرونه على حسن سيرته في رعيته، ولم يكن منهم ~~تعرض إلى مملكته، ولكنهم أقاموا بها، وراسلهم ودعاهم إلى الإسلام، فلم ~~يجيبوا، ولم ينفروا منه. وفيها توفي أبو الحسن الخيشي النحوي في ذي الحجة، ~~وله نيف وتسعون سنة. وفيها انحدر علاء الدين أبو الغنائم ابن الوزير ذي ~~السعادات إلى البطائح وحصرها، وبها صاحبها أبو نصر بن الهيثم، وضيق عليه، ~~واجتمع مع جمع كثير. وفيها، في ذي القعدة، توفي عبد الله بن يوسف أبو محمد ~~الجويني، والد إمام الحرمين أبي المعالي، وكان إماما في الشافعية، تفقه على ~~أبي الطيب سهل ابن محمد الصعلوكي، وكان عالما بالأدب وغيره ms3399 من العلوم، وهو ~~من بني سنبس، بطن من طيء. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وأربعمائة # ### || AUT ذكر صلح أبي كاليجار والسلطان طغرلبك # في هذه السنة أرسل الملك أبو كاليجار إلى السلطان ركن الدين طغرلبك في ~~الصلح، فأجابه إليه، واصطلحا، وكتب طغرلبك إلى أخيه ينال يأمره بالكف عما ~~وراء ما بيده، واستقر الحال بينهما أن يتزوج طغرلبك بابنة أبي كاليجار، ~~ويتزوج الأمير أبو منصور بن أبي كاليجار بابنة الملك داود أخي طغرلبك، وجرى ~~العقد في شهر ربيع الآخر من هذه السنة. ### || AUT ذكر القبض على سرخاب أخي أبي الشوك # في هذه السنة قبض الأكراد اللرية وجماعة من عسكر سرخاب عليه، لأنه أساء ~~السيرة معهم ووترهم، فقبضوا عليه، وحملوه إلى إبراهيم ينال، فقلع إحدى ~~عينيه، وطالبه بإطلاق سعدي بن أبي الشوك فلم يفعل. وكان أبو العسكر بن ~~سرخاب قد غاضبه لما قبض على سعدي، واعتزله كراهية لفعله، فلما أسر أبوه ~~سرخاب سار إلى القلعة وأخرج سعدي ابن عمه، وفك قيوده، وأحسن إليه وأطلقه، ~~وأخذ عليه بطرح ما مضى، والسعي في خلاص والده سرخاب، فسار سعدي، واجتمع ~~عليه خلق كثير من الأكراد، ووصل إلى إبراهيم ينال، فلن يجد عنده الذي أراد، ~~ففارقه وعاد إلى الدسكرة، وكاتب الخليفة ونواب الملك أبي كاليجار بالعود ~~إلى الطاعة وأقام بها. ### || AUT ذكر ملك إبراهيم ينال قلعة كنكور وغيرها # PageV04P0244 # في هذه السنة سار إبراهيم ينال إلى قلعة كنكور، وبها عكبر بن فارس، صاحب ~~كرشاسف، بن علاء الدولة يحفظها له، فامتنع عكبر بها إلى أن فنيت ذخائره، ~~وكانت قليلة، فلما نفدت الذخائر عمد إلى بيوت الطعام التي في القلعة وملأها ~~ترابا وحجارة، وسد أبوابها، ونثر من داخل الأبواب شيئا من طعام، وعلى رأس ~~التراب والحجارة كذلك أيضا، وراسل إبراهيم في تسليم القلعة إليه، على أن ~~يؤمنه على من بها من الرجال، وما بها من الأموال، فأرسل إليه إبراهيم يمتنع ~~عليه من ترك المال، فأخذ عكبر رسول إبراهيم فطوفه على البيوت التي فيها ~~الطعام، وفتح مواضع من المسدود فرآها ms3400 مملوءة، فظنها طعاما، وقال له عكبر: ~~ما راسلت صاحبك خوفا من المطاولة، ولا إشفاقا من نفاد الميرة، لكنني أحببت ~~الدخول في طاعته، فإن بذل لي الأمان على ما طلبته لي وللأمير كرشاسف ~~وأمواله، ولمن بالقلعة، سلمت إليه وكفيته مؤونة المقام. فلما عاد الرسول ~~إلى إبراهيم وأخبره أجابه إلى ما طلب، ونزل عكبر، وتسلمها إبراهيم، فلما ~~صعد إلى القلعة انكشفت الحيلة، وسار عكبر بمن معه إلى قلعة سرماج، وصعد ~~إليها. ولما ملك ينال كنكور عاد إلى همذان، فسير جيشا لأخذ قلاع سرخاب، ~~واستعمل عليهم نسيبا له اسمه أحمد، وسلم إليه سرخابا ليفتح به قلاعه، فسار ~~به إلى قلعة كلكان، فامتنعت عليه، فساروا إلى قلعة دزديلويه فحصروها، ~~وامتدت طائفة منهم إلى البندنيجين فنهبوها في جمادى الآخرة، وفعلوا ~~الأفاعيل القبيحة من النهب والقتل وافتراش النساء والعقوبة على تخليص ~~الأموال، فمات منهم جماعة لشدة الضرب. وسارت طائفة منهم إلى أبي الفتح بن ~~ورام، فانصرف عنهم خوفا منهم، وترك حلله بحالها، وقصد أن يشتغلوا بنهب ~~حلله، فيعود عليهم، فلم يعرجوا على النهب وتبعوه، فلشدة خوفه أن يظفروا به ~~ويأخذوه قاتلهم، فظفر بهم، وقتل وأسر جماعة منهم، وغنم ما معهم، ورجع ~~الباقون، وأرسل إلى بغداد يطلب نجدة خوفا من عودهم، فلم ينجدوه لعدم الهيبة ~~وقلة إمساك الأمر، فعبر بنو ورام دجلة إلى الجانب الغربي. ثم إن الغز أسروا ~~إلى سعدي بن أبي الشوك في رجب، وهو نازل على فرسخين من باحسري، وكبسوه، ~~فانهزم هو ومن معه لا يلوي الأخ على أخيه، ولا الوالد على ولده، فقتل منهم ~~خلق كثير، وغنم الغز أموالهم، ونهبوا تلك الأعمال، وكان سعدي قد أنزل مالا ~~من قلعة السيروان، فوصله تلك الليلة، فغنمه الغز إلا من سلم معه، ونجا سعدي ~~من الوقعة بجريعة الذقن، ونهب الغز الدسكرة، وباجسري، والهارونية، وقصر ~~سابور وجميع تلك الأعمال. ووصل الخبر إلى بغداد بأن إبراهيم ينال عازم على ~~قصد بغداد، فارتاع الناس، واجتمع الأمراء والقواد إلى الأمير أبي منصور ابن ~~الملك أبي كاليجار ليجتمعوا ويسيروا إليه ويمنعوه، ms3401 واتفقوا على ذلك، فلم ~~يخرج غير خيم الأمير أبي منصور والوزير ونفر يسير، وتخلف الباقون، وهلك من ~~أهل تلك النواحي المنهوبة خلق كثير، فمنهم من قتل، ومنهم من غرق، ومنهم من ~~قتله البر. ووصل سعدي إلى ديالى، ثم سار منها إلى أبي الأغر دبيس بن مزيد ~~فأقام عنده. ثم إن إبراهيم ينال سار إلى السيروان، فحصر القلعة، وضيق على ~~من بها، وأرسل سرية نهبت البلاد، وانتهت إلى مكان بينه وبين تكريت عشرة ~~فراسخ، ودخل بغداد من أهل طريق خراسان خلق كثير، وذكروا من حالهم ما أبكى ~~العيون، ثم سلمها إليه مستحفظا، بعد أن أمنه على نفسه وماله، وأخذ منها ~~ينال من بقايا ما خلفه سعدي شيئا كثيرا، ولما فتحها استخلف فيها مقدما ~~كبيرا من أصحابه يقال له سخت كمان، وانصرف إلى حلوان، وعاد منها إلى همذان ~~ومعه بدر ومالك ابنا مهلهل فأكرمهما. ثم إن صاحب قلعة سرماج توفي، وهو من ~~ولد بدر بن حسنويه، وسلمت القلعة بعده إلى إبراهيم ينال، وسير إبراهيم ينال ~~وزيره إلى شهرزور فأخذها وملكها، فهرب منه مهلهل، فأبعد في الهرب. ثم نزل ~~أحمد على قلعة تيرانشاه وحاصرها، ونقب عليها عدة نقوب، ثم إن مهلهلا راسل ~~أهل شهرزور يعدهم بالمسير إليهم في جمع كثير، ويأمرهم بالوثوب بمن عندهم من ~~الغز، ففعلوا وقتلوا منهم، وسمع أحمد بن طاهر، فعاد إليهم وأوقع بهم ~~ونهبهم، وقتل كثيرا منهم. PageV04P0245 # ثم إن الغز المقيمين بالبندنيجين ومن معهم ساروا إلى براز الروز، وتقدموا ~~إلى نهر السليل، فاقتتلوا هم وأبو دلف القاسم بن محمد الجاواني قتالا شديدا ~~ظفر فيه أبو دلف، وانهزم الغز وأخذ ما معهم. وسار، في ذي الحجة، جمع من ~~الغز إلى بلد علي بن القاسم الكردي، فأغاروا وعاثوا، فأخذ عليهم المضيق ~~وأوقع بهم وقتل كثيرا منهم، وارتجع ما غنموه من بلده. ### || AUT ذكر استيلاء أبي كاليجار على البطيحة # في هذه السنة اشتد الحصار من عسكر الملك أبي كاليجار على أب نصر بن ~~الهيثم، صاحب البطيحة، فجنح إلى الصلح، فاشتط عليه أبو ms3402 الغنائم ابن الوزير ~~ذي السعادات، ثم استأمن نفر من أصحاب أبي نصر وملاحيه إلى أبي الغنائم، ~~وأخبروه بضعف أبي نصر، وعزمه على الانتقال من مكانه، فحفظ الطرق عليه، فلما ~~كان خامس صفر جرت وقعة كبيرة بين الفريقين، واشتد القتال، فظفر أبو ~~الغنائم، وقتل من البطائحيين جماعة كثيرة وغرق منهم سفن كثيرة، وتفرقوا في ~~الآجام، ومضى ابن الهيثم ناجيا بنفسه في زبزب، وملكت داره ونهب ما فيها. ### || AUT ذكر ظهور الأصفر وأسره # في هذه السنة ظهر الأصفر التغلبي برأس عين، وادعى أنه من المذكورين في ~~الكتب، واستغوى قوما بمخاريق وضعها، وجمع جمعا وغزا نواحي الروم، فظفر وغنم ~~وعاد، وظهر حديثه، وقوي ناموسه، وعاودوا الغزو في عدد أكثر من العدد الأول، ~~ودخل نواحي الروم وأوغل، وغنم أضعاف ما غنمه أولا، حتى بيعت الجارية ~~الجميلة بالثمن البخس. وتسامع الناس به فقصدوه، وكثر جمعه، واشتدت شوكته، ~~وثقلت على الروم وطأته فأرسل ملك الروم إلى نصر الدولة بن مروان يقول له: ~~إنك عالم بما بيننا من الموادعة، وقد فعل هذا الرجل هذه الأفاعيل، فإن كنت ~~قد رجعت عن المهادنة فعرفنا لندبر أمرنا بحبسه. واتفق، في ذلك الوقت، أن ~~وصل رسول من الأصفر إلى نصر الدولة أيضا، ينكر عليه ترك الغزو والميل إلى ~~الدعة، فساءه ذلك أيضا، واستدعى قوما من بني نمير وقال لهم: إن هذا الرجل ~~قد أثار الروم علينا، ولا قدرة لنا عليهم، وبذل لهم مالا على الفتك به، ~~فساروا إليه، فقربهم، ولازموه، فركب يوما غير متحرز، فأبعد وهم معه، فعطفوا ~~عليه وأخذوه وحملوه إلى نصر الدولة بن مروان، فاعتقله، وتلافى أمر الروم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة تجددت الهدنة بين صاحب مصر وبين الروم، وحمل كل واحد منهما ~~لصاحبه هدية عظيمة. وفيها كان ببغداد والموصل، وسائر البلاد العراقية ~~والجزرية، غلاء عظيم، حتى أكل الناس الميتة، وتبعه وباء شديد مات فيه كثير ~~من الناس، حتى خلت الأسواق، وزادت أثمان ما يحتاج إليه المرضى، حتى بيع ~~المن من الشراب بنصف دينار، ومن اللوز ms3403 بخمسة عشر قيراطا، والرمانة ~~بقيراطين، والخيارة بقيراط، وأشباه ذلك. وفيها جمع الأمير أبو كاليجار ~~فناخسرو بن مجد الدولة بن بويه جمعا، وسار إلى آمد، فدخلها، وساعده أهلها، ~~وأوقع بمن كان فيها من أصحاب طغرلبك، فقتل وأسر، وعرف طغرلبك ذلك، فسار عن ~~الري قاصدا إليه، ومتوجها إلى قتاله. وفيها توفي عميد الدولة أبو سعد محمد ~~بن الحسين بن عبد الرحيم بجزيرة ابن عمر في ذي القعدة، وله شعر حسن، ووزر ~~لجلال الدولة عدة دفعات. وفيها سير المعز بن باديس صاحب إفريقية أسطولا إلى ~~جزائر القسطنطينية، فظفر وغنم وعاد. وفيها اقتتلت طوائف من تلكاتة، قاتل ~~بعضهم بعضا، وكان بينهم حرب صبروا فيها، فقتل منهم خلق كثير. وفيها قبض ~~الملك أبي كاليجار على وزيره محمد بن جعفر بن أبي الفرج الملقب بذي ~~السعادات بن فسانجس، وسجنه، وهرب ولده أبو الغنائم، وبقي الوزير مسجونا إلى ~~أن مات في شهر رمضان سنة أربعين، وقيل أرسل إليه أبو كاليجار من قتله، ~~وعمره إحدى وخمسون سنة، وللوزير ذي السعادات مكاتبات حسنة، وشعر جيد منه: ~~أودعكم، وإني ذو اكتئاب، ... وأرحل عنكم، والقلب آبي وإن فراقكم في كل حال ~~... لأوجع من مفارقة الشباب أسير، وما ذممت لكم جوارا، ... ولا ملت منازلكم ~~ركابي وأشكر كلما أوطنت دارا ... ليالينا القصار بلا اجتناب وأذكركم، إذا ~~هبت جنوب، ... فتذكرني غرارات التصابي لكم مني المودة في اغتراب، ... وأنتم ~~إلف نفسي في اقترابي PageV04P0246 # وهو أطول من هذا. ولما قبض ذو السعادات استوزر أبو كاليجار كمال الملك ~~أبا المعالي بن عبد الرحيم. وفيها توفي أبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن ~~يحيى بن أيوب المعروف بالمطرز الشاعر، وله شعر جيد، فمن قوله في الزهد: يا ~~عبد كم لك من ذنب ومعصية، ... إن كنت ناسيها، فالله أحصاها لا بد يا عبد من ~~يوم تقوم به، ... ووقفة لك يدمي القلب ذكراها إذا عرضت على قلبي تذكرها، ~~... وساء ظني فقلت استغفر اللاها وفيها مات أبو الخطاب الجبلي الشاعر، ومضى ~~إلى الشام، ولقي المعري، وعاد ضريرا، وله شعر منه قوله: ms3404 ما حكم الحب فهو ~~ممتثل، ... وما جناه الحبيب محتمل تهوى، وتشكو الضنى، وكل هوى ... لا ينحل ~~الجسم، فهو منتحل وفيها توفي أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال، ~~الحافظ، ومولده سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، سمع أبا بكر القطيعي وغيره، ~~ومن أصحابه الخطيب أبو بكر الحافظ. وفيها قتل الفقيه أحمد الولوالجي، وهو ~~من أعيان الفقهاء الحنفية، إلا أنه كان يكثر الوقيعة في الأئمة والعلماء، ~~وسلك طريق الرياضة، وفسد دماغه، فقتل بين مرو وسرخس في ذي الحجة. ### | AUT ثم دخلت سنة أربعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر رحيل عسكر ينال عن تيرانشاه # ### || AUT وعود مهلهل إلى شهرزور # قد ذكرنا في السنة المتقدمة استيلاء أحمد بن طاهر، وزير ينال، على ~~شهرزور، ومحاصرته قلعة تيرانشاه، ولم يزل يحاصرها إلى الآن، فوقع في عسكره ~~الوباء وكثر الموت، فأرسل إلى صاحبه ينال يستمده، ويطلب إنجاده، ويعرفه ~~كثرة الوباء عنده، فأمره بالرحيل عنها، فسار إلى مايدشت. فلما سمع مهلهل ~~ذلك سير أحد أولاد شهرزور، فملكها وانزعج الغز الذين بالسيروان وخافوا. ثم ~~سار جمع من عسكر بغداد إلى حلوان، وحصروا قلعتها، فلم يظفروا بها، فنهبوا ~~تلك الأعمال، وأتوا على ما تخلف من الغز، فخربت الأعمال بالكلية، وسار ~~مهلهل ومعه أهله وأمواله إلى بغداد، فأنزلهم بباب المراتب، بدار الخلافة، ~~خوفا من الغز، وعاد إلى حلله، وبينه وبين بغداد ستة فراسخ، وسار جمع من ~~عسكر بغداد إلى البندنيجين، وبها جمع من الغز مع عكبر ابن أحمد بن عياض، ~~فتواقعوا، واقتتلوا، فانهزم عسكر بغداد، وقتل منهم جماعة، وأسر جماعة قتلوا أيضا صبرا. ### || AUT ذكر غزو إبراهيم ينال الروم # في هذه السنة غزا إبراهيم ينال الروم، فظفر بهم وغنم. وكان سبب ذلك أن ~~خلقا كثيرا من الغز بما وراء النهر قدموا عليه، فقال لهم: بلادي تضيق عن ~~مقامكم والقيام بما تحتاجون إليه، والرأي أن تمضوا إلى غزو الروم، وتجاهدوا ~~في سبيل الله، وتغنموا، وأنا سائر على أثركم، ومساعد لكم على أمركم. ~~ففعلوا. وساروا بين يديه، وتبعهم، فوصلوا إلى ملازكرد، وأرزن الروم، ~~وقاليقلا، وبلغوا ms3405 طرابزون وتلك النواحي كلها، ولقيهم عسكر عظيم لروم ~~والأبخاز يبلغون خمسين ألفا، فاقتتلوا، واشتد القتال بينهم، وكانت بينهم ~~عدة وقائع تارة يظفر هؤلاء وتارة هؤلاء وكان آخر الأمر الظفر للمسلمين، ~~فأكثروا القتل في الروم وهزموهم، وأسروا جماعة كثيرة من بطارقتهم، وممن أسر ~~قاريط ملك الأبخاز، فبذل في نفسه ثلاثمائة ألف دينار، وهدايا بمائة ألف، ~~فلم يجبه إلى ذلك، ولم يجوس تلك البلاد وينهبها إلى انهزموا أن بقي بينه ~~وبين القسطنطينية خمسة عشر يوما، واستولى المسلمون على تلك النواحي ~~فنهبوها، وغنموا ما فيها، وسبوا أكثر من مائة ألف رأس، وأخذوا من الدواب ~~والبغال والغنائم والأموال ما لا يقع عليه الإحصاء، وقيل إن الغنائم حملت ~~على عشرة آلاف عجلة، وإن في جملة الغنيمة تسعة عشر ألف درع. وكان قد دخل ~~بلد الروم جمع من الغز يقدمهم إنسان نسيب طغرلبك، فلم يؤثر كبير أثر، وقتل ~~من أصحابه جماعة، وعاد، ودخل بعده إبراهيم ينال، ففعل هذا الذي ذكرناه. ### || AUT ذكر موت الملك أبي كاليجار وملك ابنه الملك الرحيم # في هذه السنة توفي الملك أبي كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة بن بهاء ~~الدولة بن عضد الدولة بن بويه، رابع جمادى الأولى، بمدينة جناب من كرمان. ~~PageV04P0247 # وكان سبب مسيره إليها أنه كان قد عول في ولاية كرمان حربا وخرابا على ~~بهرام بن لشكرستان الديلمي، وقرر عليه مالا، فتراخى بهرام في تحرير الأمر، ~~وأحاله إلى المغالطة والمدافعة، فشرع حينئذ أبو كاليجار في إعمال الحيلة ~~عليه، وأخذ قلعة بردسير من يده، وهي معقله الذي يحتمي به ويعول عليه، فراسل ~~بعض من بها من الأجناد وأفسدهم، فعلم بهم بهرام فقتلهم، وزاد نفوره ~~واستشعاره، وأظهر ذلك، فسار إليه الملك أبو كاليجار في ربيع الآخر، فبلغ ~~قصر مجاشع، فوجد في حلقه خشونة، فلم يبال بها، وشرب وتصيد وأكل من كبد غزال ~~مشوي، واشتدت علته، ولحقه حمى، وضعف عن الركوب، ولم يمكنه المقام لعدم ~~الميرة بذلك المنزل، فحمل في محفة على أعناق الرجال إلى مدينة جناب، فتوفي ~~بها، وكان عمره أربعين سنة ms3406 وشهورا، وكان ملكه بالعراق بعد وفاة جلال الدولة ~~أربع سنين وشهرين ونيفا وعشرين يوما. ولما توفي نهب الأتراك من العسكر ~~الخزائن والسلاح والدواب، وانتقل ولده أبو منصور فلاستون إلى مخيم الوزير ~~أبي منصور، وكانت منفردة عن العسكر، فأقام عنده، وأراد الأتراك نهب الوزير ~~والأمير، فمنعهم الديلم، وعادوا إلى شيراز، فملكها الأمير أبو منصور، ~~واستشعر الوزير، فصعد إلى قلعة خرمة فامتنع بها. فلما وصل خبر وفاته إلى ~~بغداد، وبها ولده الملك الرحيم أبو نصر خرة فيروز، أحضر الجند واستحلفهم، ~~وراسل الخليفة القائم بأمر الله في معنى الخطبة له، وتلقيبه بالملك الرحيم، ~~وترددت الرسل بينهم في ذلك إلى أن أجيب إلى ملتمسه سوى الملك الرحيم فإن ~~الخليفة امتنع من إجابته وقال: لا يجوز أن يلقب بأخص صفات الله تعالى. ~~واستقر ملكه بالعراق، وخوزستان، والبصرة، وكان بالبصرة أخوه أبو علي بن أبي ~~كاليجار. وخلف أبو كاليجار من الأولاد: الملك الرحيم، والأمير أبا منصور ~~فلاستون، وأبا طالب كامرو، وأبا المظفر بهرام، وأبا علي كيخسرو، وأبا سعد ~~خسروشاه، وثلاثة بنين أصاغر، فاستولى ابنه أبو منصور على شيراز، فسير إليه ~~الملك الرحيم أخاه أبا سعد في عسكر، فملكوا شيراز، وخطبوا للملك الرحيم، ~~وقبضوا على الأمير أبي منصور والدته، وكان ذلك في شوال. ### || AUT ذكر محاصرة العساكر المصرية مدينة حلب # في جمادى الآخرة وصلت عساكر مصر إلى حلب في جمع كثير فحصروها، وبها معز ~~الدولة أبو علوان ثمال بن صالح الكلابي، فجمع جمعا كثيرا بلغوا خمسة آلاف ~~فارس وراجل، فلما نزلوا على حلب خرج إليهم ثمال وقاتلهم قتالا شديدا صرب ~~فيه لهم إلى الليل، ثم دخل البلد، فلما كان الغد اقتتلوا إلى آخر النهار، ~~وصبر أيضا ثمال، وكذلك أيضا اليوم الثالث. فلما رأى المصريون صبر ثمال، ~~وكانوا ظنوا أن أحدا لا يقوم بين أيديهم، رحلوا عن البلد، فاتفق أن تلك ~~الليلة جاء مطر عظيم لم ير الناس مثله، جاءت المدود إلى منزلهم، فبلغ الماء ~~ما يقارب قامتين، ولو لم يرحلوا لغرقوا، ثم رحلوا إلى الشام الأعلى. ### || AUT ms3407 ذكر الخلف بين قرواش والأكراد الحميدية والهذبانية # في هذه السنة اختلف قرواش والأكراد الحميدية والهذبانية، وكان للحميدية ~~عدة حصون تجاور الموصل منها العقر وما قاربها، وللهذبانية قلعة إربل ~~وأعمالها، وكان صاحب العقر حينئذ أبا الحسن بن عيسكان الحميدي، وصاحب إربل ~~أبو الحسن بن موسك الهذباني، وله أخ اسمه أبو علي بن موسك فأعانه الحميدي ~~على أخذ إربل من أخيه أبي الحسن، فملكها منه، وأخذ صاحبها أبا الحسن أسيرا. ~~وكان قرواش وأخوه زعيم الدولة أبو كامل بالعراق مشغولين، فلما عادا إلى ~~الموصل وقد سخطا هذه الحالة لم يظهراها، وأرسل قرواش يطلب من الحميدي ~~والهذباني نجدة له على نصر الدولة بن مروان. فأما أبو الحسن الحميدي فسار ~~إليه بنفسه، وأما أبو علي الهذباني فأرسل أخاه، واصطلح قرواش ونصر الدولة، ~~وقبض على أبي الحسن الحميدي، ثم صانعه على إطلاق أبي الحسن الهذباني، الذي ~~كان صاحب إربل وأخذ إربل من أخيه أبي علي وتسليمها إليه، فإن امتنع أبو علي ~~كان عونا عليه، فأجاب إلى ذلك، ورهن عليه أهله وأولاده وثلاث قلاع من حصونه ~~إلى أن يتسلم إربل وأطلق من الحبس. PageV04P0248 # وكان أخ له قد استولى على قلاعه، فخرج إليها وأخذها منه، وعاد إلى قرواش ~~أخيه زعيم الدولة، فوثقا به، وأطلقا أهله، ثم إنه راسل أبا علي، صاحب إربل، ~~في تسليمها، فأجاب إلى ذلك وحضر بالموصل ليسلم إربل إلى أخيه أبي الحسن، ~~فقال الحميدي لقراوش: إنني قد وفيت بعهدي، فتسلمان إلي حصوني، فسلما إليه ~~قلاعه، وسار هو وأبو الحسن، وأبو علي الهذباني إلى إربل ليسلماها إلى أبي ~~الحسن، فغدرا به في الطريق، وكان قد أحس بالشر، فتخلف عنهما، وسير معهما ~~أصحابه ليتسلموا إربل، فقبضا على أصحابه وطلبوه ليقبضوه، فهرب إلى الموصل، ~~وتأكدت الوحشة حينئذ بين الأكراد وقرواش وأخيه، وتقاطعوا، وأضمر كل منهم ~~الشر لصاحبه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اسر الملك الرحيم من بغداد إلى خوزستان، فلقيه من بها من ~~الجند وأطاعوه، وفيهم كرشاسف بن علاء الدولة الذي كان صاحب همذان وكنكور، ~~فإنه ms3408 كان انتقل إلى الملك أبي كاليجار، بعد أن استولى ينال على أعماله، ~~ولما مات أبو كاليجار سار الملك العزيز ابن الملك جلال الدولة إلى البصرة ~~طمعا في ملكها، فلقيه من بها من الجند وقاتلوه وهزموه، فعاد عنها، وكان قبل ~~ذلك عند قرواش ثم عند ينال، ولما سمع باستقامة الأمور للملك الرحيم انقطع ~~أمله، ولما سار الملك الرحيم عن بغداد كثرت الفتن بها، ودامت بين أهل باب ~~الأزج والأساكفة، وهم السنة، فأحرقوا عقارا كثيرا. وفيها سار سعدي بن أبي ~~الشوك من حلة دبيس بن مزيد إلى إبراهيم ينال، بعد أن راسله، وتوثق منه، ~~وتقرر بينهما أنه كل ما يملكه سعدي مما ليس بيد ينال ونوابه فهو له، فسار ~~سعدي إلى الدسكرة، وجرى بينه وبين من بها من عسكر بغداد حرب انهزموا فيها ~~منه، وملكها وما يليها، فسير إليها عسكر ثان من بغداد، فقتل مقدمهم وهزمهم، ~~وسار من الدسكرة وتوسط تلك الأعمال بالقرب من بعقوبا، ونهب أصحابه البلاد، ~~وخطبوا لإبراهيم ينال. وفيها كان ابتداء الوحشة بين معتمد الدولة قرواش بن ~~المقلد وبين أخيه زعيم الدولة أبي كامل بن المقلد، فانضاف قريش بن بدران بن ~~المقلد إلى عمه قرواش، وجمع جمعا، وقاتل عمه أبا كامل، فظفر ونصر وانهزم ~~أبو كامل، ولم يزل قريش يغري قرواشا بأخيه حتى تأكدت الوحشة، وتفاقم الشر ~~بينهما. وفيها خطب للأمير أبي العباس محمد بن القائم بأمر الله بولاية ~~العهد، ولقب ذخيرة الدين، وولي عهد المسلمين. وفيها، في رمضان، قتل الأمير ~~أقسنقر بهمذان، قتله الباطنية لأنه كان كثير الغزو إليهم، والقتل فيهم، ~~والنهب لأموالهم، والتخريب لبلادهم، فلما كان الآن قصد إنسانا من الزهاد ~~ليزوره، فوثب عليه جماعة من الإسماعيلية فقتلوه. وفيها توفي أبو الحسن محمد ~~بن الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله، وكان من الصالحين ورواة الحديث، وأوصى ~~أن يدفن بجوار أحمد بن حنبل، ومولده سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وأبو طالب ~~محمد بن محمد بن غيلان البزاز، ومولده سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، روى عن ~~أبي بكر الشافعي وغيره، وتوفي ms3409 في شوال، وهو راوي الأحاديث المعروفة ~~بالغيلانيات التي خرجها الدارقطني له، وهي من أعلى الحديث وأحسنه، وعبيد ~~الله بن عمر أحمد ابن عثمان أبو القاسم الواعظ المعروف بابن شاهين، ومولده ~~سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. وفيها كان الغلاء والوباء عاما في البلاد ~~جميعها، بمكة، والعراق، والموصل، والجزيرة، والشام، ومصر وغيرها من البلاد. ~~وفيها قبض بمصر على الوزير فخر الملك صدقة بن يوسف وقتل، وكان أول أمره ~~يهوديا فأسلم، واتصل بالدزبري، وخدمه بالشام ثم خافه فعاد إلى مصر، وخدم ~~الجرجرائي الوزير، وأنفق عليه، فلما توفي الجرجرائي استوزره المستنصر إلى ~~الآن، ثم قتله واستوزر القاضي أبا محمد الحسن بن عبد الرحمن اليازوري في ذي القعدة. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر ظهور الخلف بين قرواش وأخيه # ### || AUT أبي كامل وصلحهما # PageV04P0249 # في هذه السنة ظهر الخلف بين معتمد الدولة قرواش وبين أخيه زعيم الدولة ~~أبي كامل ظهورا آل إلى المحاربة، وقد تقدم سبب ذلك. فلما اشتد الأمر، وفسد ~~الحال فسادا لا يمكن إصلاحه، جمع كل منهما جمعا لمحاربة صاحبه، وسار قرواش ~~في المحرم، وعبر دجلة بنواحي بلد، وجاءه سليمان بن نصر الدولة بن مروان، ~~وأبو الحسن بن عيسكان الحميدي، وغيرهما من الأكراد، وساروا إلى معلشايا ~~فأخربوا المدينة ونهبوها ونزلوا بالمغيثة، وجاء أبو كامل فيمن معه من العرب ~~وآل المسيب، فنزلوا بمرج بابنيثا، وبين الطائفتين نحو فرسخ، واقتتلوا يوم ~~السبت ثاني عشر المحرم، وافترقوا من غير ظفر، ثم اقتتلوا يوم الأحد كذلك، ~~ولم يلابس الحرب سليمان بن مروان بل كان ناحية، ووافقه أبو الحسن الحميدي، ~~وساروا عن قرواش، وفارقه جمع من العرب، وقصدوا أخاه، فضعف أمر قرواش، وبقي ~~في حلته وليس معه إلا نفر يسير، فركب العرب من أصحابه أبي كامل لقصده، ~~فمنعهم، وأسفر الصبح يوم الاثنين وقد تسرع بعضهم ونهب بعضا من عرب قرواش، ~~وجاء أبو كامل إلى قرواش واجتمع به ونقله إلى حلته، وأحسن عشرته، ثم أنفذه ~~إلى الموصل محجورا عليه وجعل معه بعض زوجاته في دار. وكان مما فت ms3410 في عضد ~~قرواش وأضعف نفسه أنه كان قد قبض على قوم من الصيادين بالأنبار لسوء طريقهم ~~وفسادهم، فهرب الباقون منهم، وبقي بعضهم بالسندية، فلما كان الآن سار جماعة ~~منهم إلى الأنبار، وتسلقوا السور ليلة خامس المحرم من هذه السنة، وقتلوا ~~حارسا، وفتحوا الباب، ونادوا بشعار أبي كامل، فانضاف إليهم أهلوهم ~~وأصدقاؤهم ومن له هوى في أبي كامل، فكثروا، وثار بهم أصحاب قرواش، فاقتتلوا ~~فظفروا وقتلوا من أصحاب معتمد الدولة قرواش جماعة، وهرب الباقون، فبلغه خبر ~~استيلاء أخيه، ولم يبلغه عود أصحابه. ثم إن المسيب وأمراء العرب كلفوا أبا ~~كامل ما يعجز عنه، واشتطوا عليه، فخاف أن يؤول الأمر بهم إلى طاعة قرواش ~~وإعادته إلى مملكته، فبادرهم إليه، وقبل يده وقال له: إنني وإن كنت أخاك ~~فإنني عبدك، وما جرى هذا إلا بسبب من أفسد رأيك في، وأشعرك الوحشة مني، ~~والآن فأنت الأمير، وأنا الطائع لأمرك والتابع لك، فقال له قرواش: بل أنت ~~الأخ، والأمر لك مسلم، وأنت أقوم به مني. وصلح الحال بينهما، وعاد قرواش ~~إلى التصرف على حكم اختياره. وكان أبو كامل قد أقطع بلال بن غريب بن مقن ~~حربى، وأوانا، فلما اصطلح أبو كامل وقرواش أرسلا إلى حربى من منع بلالا ~~عنها، فتظاهر بلال بالخلاف عليهما، وجمع إلى نفسه جمعا وقاتل أصحاب قرواش، ~~وأخذ حربى وأوانا بغير اختيارهما، فانحدر قرواش من الموصل إليهما وحصرهما وأخذهما. ### || AUT ذكر مسير الملك الرحيم إلى شيراز وعوده عنها # في هذه السنة، في المحرم، اسر الملك الرحيم من الأهواز إلى بلاد فارس، ~~فوصلها، وخرج عسكر شيراز إلى خدمته، ونزل بالقرب من شيراز ليدخل البلد. ثم ~~إن الأتراك الشيرازيين والبغداديين اختلفوا، وجرى بينهم مناوشة استظهر فيها ~~البغداديون، وعادوا إلى العراق، فاضطر الملك الرحيم إلى المسير معهم، لأنه ~~لم يكن يثق بالأتراك الشيرازية. وكان ديلم بلاد فارس قد مالوا إلى أخيه ~~فولاستون، وهو بقلعة إصطخر، فهو أيضا منحرف عنهم، فاضطر إلى صحبة ~~البغداديين فعاد، في ربيع الأول من هذه السنة، إلى الأهواز وأقام بها، ~~واستخلف ms3411 بأرجان أخويه أبا سعد، وأبا طالب، ووقع الخلف بفارس، فإن الأمير ~~أبا منصور، فولاستون، وكان قد خلص وصار بقلعة إصطخر، واجتمع معه جماعة من ~~أعيان العسكر الفارسي، فلما عاد الملك الرحيم إلى الأهواز انبسط في البلاد، ~~وقصده كثير من العساكر، واستولى على بلاد فارس، ثم سار إلى أرجان عازما على ~~قصد الأهواز وأخذها. ### || AUT ذكر الحرب بين البساسيري وعقيل # في هذه السنة سار جمع من بني عقيل إلى بلد العجم من أعمال العراق ~~وبادوريا، فنهبوهما، وأخذوا من الأموال الكثير، وكانا في إقطاع البساسيري، ~~فسار من بغداد بعد عوده من فارس إليهم، فالتقوا هم وزعيم الدولة أبو كامل ~~ابن المقلد، واقتتلوا قتالا شديدا أبلى الفريقان فيه بلاء حسنا، وصبرا صبرا ~~جميلا، وقتل جماعة من الفريقين. ### || AUT ذكر الوحشة بين طغرلبك وأخيه # ### || AUT إبراهيم ينال # في هذه السنة استوحش ### || AUT إبراهيم ينال # من أخيه السلطان طغرلبك. PageV04P0250 # وكان سبب ذلك أن طغرلبك طلب من إبراهيم ينال أن يسلم إليه مدينة همذان ~~والقلاع التي بيده من بلد الجبل، فامتنع من ذلك، واتهم وزيره أبا علي ~~بالسعي بينهما في الفساد، فقبض عليه، وأمر فضرب بين يديه، وسمل إحدى عينيه، ~~وقطع شفتيه، وسار عن طغرلبك، وجمع جمعا من عسكره، والتقيا، وكان بين ~~العسكرين قتال شديد انهزم ينال وعاد منهزما، فسار طغرلبك في أثره، فملك ~~قلاعه وبلاده جميعها. وتحصن إبراهيم ينال بقلعة سرماج، وامتنع على أخيه، ~~فحصره طغرلبك فيها، وكانت عساكره قد بلغت مائة ألف من أنواع العسكر، ~~وقاتله، فملكها في أربعة أيام، وهي من أحصن القلاع وأمنعها، واستنزل ينال ~~منها مقهورا، وأرسل إلى نصر الدولة بن مروان يطلب منه إقامة الخطبة له في ~~بلاده، فأطاعه وخطب له في سائر ديار بكر، وراسل ملك الروم طغرلبك، وأرسل ~~إليه هدية عظيمة، وطلب منه المعاهدة، فأجابه إلى ذلك. وأرسل ملك الروم إلى ~~ابن مروان يسأله أن يسعى في فداء ملك الأبخاز المقدم ذكره، فأرسل نصر ~~الدولة شيخ الإسلام أبا عبد الله بن مروان في المعنى إلى السلطان طغرلبك، ~~فأطلقه ms3412 بغير فداء، فعظم ذلك عنده وعند ملك الروم، وأرسل عوضه من الهدايا ~~شيئا كثيرا، وعمروا مسجد القسطنطينية، وأقاموا فيه الصلاة والخطبة لطغرلبك، ~~ودان حينئذ الناس كلهم له، وعظم شأنه وتمكن ملكه وثبت. ولما نزل ينال إلى ~~طغرلبك أكرمه وأحسن إليه، ورد عليه كثيرا مما أخذ منه، وخيره بين أن يقطعه ~~بلادا يسير إليها، وبين أن يقيم معه، فاختار المقام معه. ### || AUT ذكر الحرب بين دبيس بن مزيد وعسكر واسط # في هذه السنة كانت حرب شديدة بين نور الدولة دبيس بن مزيد وبين الأتراك ~~الواسطيين. وسبب ذلك أن الملك الرحيم أقطع نور الدولة حماية نهر الصلة، ~~ونهر الفضل، وهما من إقطاع الواسطيين، فسار إليهما ووليهما، فسمع عسكر واسط ~~ذلك فسخطوه، واجتمعوا وساروا إلى نور الدولة ليقاتلوه ويدفعوه عنهما، ~~وأرسلوا إليه يتهددونه، فأعاد الجواب يقول: إن الملك أقطعني هذا، فنرسل ~~إليه أنا وأنتم، فبأي شيء أمر رضينا به. فسبوه، وساروا مجدين إليه، فأرسل ~~إلى طريقهم طائفة من عسكره، فلقوهم، وكمن لهم، فلما التقوا استجرهم العرب ~~إلى أن جاوزوا الكمين، وخرج عليهم الكمين فأوقعوا بهم، وقتلوا منهم جماعة ~~كثيرة، وأسروا كثيرا، وجرح مثلهم، وتمت الهزيمة على الواسطيين، وغنم نور ~~الدولة أموالهم ودوابهم وساروا إلى واسط فنزلوا بالقرب منها. وأرسل ~~الواسطيون إلى بغداد يستنجدون جندها، ويبذلون للبساسيري أن يدفع عنهم نور ~~الدولة، ويأخذ نهر الصلة ونهر الفضل لنفسه. ### || AUT ذكر وفاة مودود بن مسعود # ### || AUT وملك عمه عبد الرشيد # في هذه السنة، في العشرين من رجب، توفي أبو الفتح مودود بن مسعود ابن ~~محمود بن سبكتكين، صاحب غزنة، وعمره تسع وعشرون سنة، وملكه تسع سنين وعشرة ~~أشهر، وكان موته بغزنة، وكان قد كاتب أصحاب الأطراف في سائر البلاد، ودعاهم ~~إلى نصرته وإمداده بالعساكر، وبذل لهم الأموال الكثيرة، وتفويض أعمال ~~خراسان ونواحيها إليهم على قدر مراتبهم، فأجابوا إلى ذلك منهم أبو كاليجار، ~~صاحب أصبهان، فإنه جمع عساكره وسار في المفازة، فهلك كثير من عسكره، ومرض ~~وعاد. ومنهم خاقان ملك الترك، فإنه سار إلى ترمذ، ونهب ms3413 وخرب، وصادر أهل تلك ~~الأعمال، وسارت طائفة أخرى مما وراء النهر إلى خوارزم. وسار مودود من غزنة، ~~فلم يسر غير مرحلة واحدة حتى عارضه قولنج اشتد عليه، فعاد إلى غزنة مريضا، ~~وسير وزيره أبا الفتح عبد الرزاق بن أحمد الميمندي إلى سجستان في جيش كثيف ~~لأخذها من الغز، واشتدت العلة بمودود فتوفي، وقام في الملك بعده ولده، فبقي ~~خمسة أيام ثم عدل الناس عنه إلى عمه علي بن مسعود، وكان مودود لما ملك قبض ~~على عمه عبد الرشيد ابن محمود وسجنه في قلعة ميدين، بطريق بست، فلما توفي ~~كان وزيره قد قارب هذه القلعة، فنزل عبد الرشيد إلى العسكر ودعاهم إلى ~~طاعته، فأجابوه وعادوا معه إلى غزنة، فلما قاربها هرب عنها علي بن مسعود، ~~وملك عبد الرشيد، واستقر الأمر له، ولقب شمس دين الله سيف الدولة، وقيل ~~جمال الدولة، ودفع الله شر مودود عن داود، وهذه السعادة التي تقتل الأعداء ~~بغير سلاح ولا أجناد. ### || AUT ذكر استيلاء البساسيري على الأنبار # PageV04P0251 # في هذه السنة أيضا، في ذي القعدة، ملك البساسيري الأنبار، ودخلها أصحابه. ~~وكان سبب ملكها أن قرواشا أساء السيرة في أهلها، ومد يده إلى أموالهم، فسار ~~جماعة من أهلها إلى البساسيري ببغداد، وسألوه أن ينفذ معهم عسكرا يسلمون ~~إليه الأنبار، فأجابهم إلى ذلك، وسير معهم جيشا، فتسلموا الأنبار، ولحقهم ~~البساسيري وأحسن إلى أهلها وعدل فيهم، ولم يمكن أحدا من أصحابه أن يأخذ رطل ~~الخبز بغير ثمنه، وأقام فيها إلى أن أصلح حالها وقرر قواعدها وعاد إلى بغداد. ### || AUT ذكر انهزام الملك الرحيم من عسكر فارس # في هذه السنة عاد الملك الرحيم من الأهواز إلى رامهرمز في ذي القعدة، ~~فلما وصل إلى وادي الملح لقيه عسكر فارس، واقتتلوا قتالا شديدا، فغدر ~~بالملك الرحيم بعض عسكره، وانهزم هو وجميع العسكر، ووصل إلى بصنى ومعه أخوه ~~أبو سعد وأبو طالب، وسار منها إلى واسط، وسار عسكر فارس إلى الأهواز، ~~فملكوها وخيموا بظاهرها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # وفيها وصل عسكر من مصر إلى حلب، ms3414 وبها صاحبها ثمال بن صالح بن مرداس، ~~فخالفهم لكثرتهم، فانصرف عنها، فملكها المصريون. وفيها، في ذي القعدة، ~~ارتفعت سحابة سوداء مظلمة ليلا،! فزادت ظلمتها على ظلمة الليل، وظهر في ~~جوانب السماء كالنار المضطرمة، وهبت معها ريح شديدة قلعت رواشن دار ~~الخليفة، وشاهد الناس من ذلك ما أزعجهم وخوفهم، فلزموا الدعاء والتضرع، ~~فانكشفت في باقي الليل. وفيها، في شعبان، سار البساسيري من بغداد إلى طريق ~~خراسان، وقصد ناحية الدزدار وملكها وغنم ما فيها، وكان سعدي بن أبي الشوك ~~قد ملكها، وقد عمل لها سورا وحصنها، وجعلها معقلا يتحصن فيه، ويدخر بها كل ~~ما يغنمه، فأخذه البساسيري جميعه. وفيها منع أهل الكرخ من النوح، وفعل ما ~~جرت عادتهم بفعله يوم عاشوراء، فلم يقبلوا وفعلوا ذلك، فجرى بينهم وبين ~~السنة فتنة عظيمة قتل فيها وجرح كثير من الناس، ولم ينفصل الشر بينهم حتى ~~عبر الأتراك وضربوا خيامهم عندهم، فكفوا حينئذ، ثم شرع أهل الكرخ في بناء ~~سور على الكرخ، فلما رآهم السنة من القلائين ومن يجري مجراهم شرعوا في بناء ~~سور على سوق القلائين، وأخرج الطائفتان في العمارة مالا جليلا، وجرت بينهما ~~فتن كثيرة، وبطلت الأسواق، وزاد الشر، حتى انتقل كثير من الجانب الغربي إلى ~~الجانب الشرقي فأقاموا به، وتقدم الخليفة إلى أبي محمد بن النسوي بالعبور ~~وإصلاح الحال وكف الشر، فسمع أهل الجانب الغربي ذلك، فاجتمع السنة والشيعة ~~على المنع منه، وأذنوا في القلائين وغيرها بحي على خير العمل، وأذنوا في ~~الكرخ: الصلاة خير من النوم، وأظهروا الترحم على الصحابة، فبطل عبوره. ~~وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري الحافظ، كان إماما ~~صحب عبد الغني بن سعيد، وتخرج به، ومن تلامذته الخطيب أبو بكر. وفيها توفي ~~الملك العزيز أبو بكر منصور بن جلال الدولة، وقد ذكرنا تنقل الأحوال به ~~فيما تقدم، وله شعر حسن. وفيها توفي أحمد بن محمد بن أحمد أبو الحسن ~~العتيقي، نسب إلى جد له يسمى عتيقا، ومولده سنة سبع وستين وثلاثمائة. وفيها ~~توفي ms3415 أبو القاسم عبد الوهاب ابن أقضى القضاة أبي الحسن الماوردي، وكانت ~~شهادته سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وقبلها القاضي في بيت النوبة، ولم يفعل ~~ذلك مع غيره، وإنما فعل معه هذا احتراما لأبيه. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر ملك طغرلبك أصبهان # كان أبو منصور بن علاء الدولة، صاحب أصبهان، غير ثابت على طريقة واحدة ~~مع السلطان طغرلبك، كان يكثر التلون معه، تارة يطيعه وينحاز إليه، وتارة ~~ينحرف عنه ويطيع الملك الرحيم، فأضمر له طغرلبك سوءا، فلما عاد هذه الدفعة ~~من خراسان لأخذ البلاد الجبلية من أخيه إبراهيم ينال، واستولى عليها، على ~~ما ذكرناه، عدل إلى أصبهان عازما على أخذها من أبي منصور، فسمع ذلك، فتحصن ~~ببلده، واحتمى بأسواره، ونازله طغرلبك في المحرم، وأقام على محاصرته نحو ~~سنة، وكثرت الحروب بينهما، إلا أن طغرلبك قد استولى على سواد البلد، وأرسل ~~سرية من عسكره نحو فارس، فبلغوا إلى البيضاء، فأغاروا على السواد هناك ~~وعادوا غانمين. PageV04P0252 # ولما طال الحصار على أصبهان، وأخرب أعمالها، ضاق الأمر بصاحبها وأهلها، ~~وأرسلوا إليه يبذلون له الطاعة والمال، فلم يجبهم إلى ذلك، ولم يقنع منهم ~~إلا بتسليم البلد، فصبروا حتى نفدت الأقوات، وامتنع الصبر، وانقطعت المواد، ~~واضطر الناس حتى نقضوا الجامع، وأخذوا أخشابه لشدة الحاجة إلى الحطب، فحيث ~~بلغ بهم الحال إلى هذا الحد خضعوا له واستكانوا، وسلموا البلد إليه فدخله ~~وأخرج أجناده منه وأقطعهم في بلاد الجبل، وأحسن إلى الرعية، وأقطع صاحبها ~~أبا منصور ناحيتي يزد وأبرقوية، وتمكن من أصبهان ودخلها في المحرم من سنة ~~ثلاث وأربعين واستطابها، ونقل ما كان له بالري من مال وذخائر وسلاح إليها، ~~وجعلها دار مقامه، وخرب قطعة من سورها، وقال: وإنما يحتاج إلى الأسوار من ~~تضعف قوته، فأما من حصنه عساكره وسيفه فلا حاجة به إليها. ### || AUT ذكر عود عساكر فارس من الأهواز # ### || AUT وعود الرحيم إليها # في هذه السنة، في المحرم، عادت عساكر فارس التي مع الأمير أبي منصور ~~صاحبها عن الأهواز إلى فارس. وسبب هذا العود ms3416 أن الأجناد اختلفوا، وشغبوا، ~~واستطالوا وعاد بعضهم إلى فارس بغير أمر صاحبهم، وأقام بعضهم معه، وسار ~~بعضهم إلى الملك الرحيم، وهو بالأهواز، يطلبونه ليعود إليهم، فعاد فيمن ~~عنده من العساكر، وأرسل إلى بغداد يأمر العساكر التي فيها بالحضور عنده ~~ليسير بهم إلى فارس، فلما وصل إلى الأهواز لقيه العساكر مقرين بالطاعة، ~~وأخبروه بطاعة عساكر فارس، وأنهم ينتظرون قدومه، فدخل الأهواز في شهر ربيع ~~الآخر، فتوقف بالأهواز ينتظر عساكر بغداد، ثم سار عنها إلى عسكر مكرم ~~فملكها وأقام بها. ### || AUT ذكر استيلاء زعيم الدولة على مملكة أخيه قرواش # في هذه السنة، في جمادى الأولى، استولى زعيم الدولة أبو كامل بركة ابن ~~المقلد على أخيه قرواش، وحجر عليه، ومنعه من التصرف على اختياره. وسبب ذلك ~~أن قرواشا كان قد أنف من تحكم أخيه في البلاد، وأنه قد صار لا حكم له، فعمل ~~على الانحدار إلى بغداد ومفارقة أخيه، وسار عن الموصل، فشق ذلك على بركة ~~وعظم عنده. ثم أرسل إليه نفرا من أعيان يشيرون عليه بالعود واجتماع الكلمة، ~~ويحذرونه من الفرقة والاختلاف، فلما بلغوه ذلك امتنع عليهم، فقالوا: أنت ~~ممنوع عن فعلك، والرأي لك القبول والعود ما دامت الرغبة إليك، فعلم حينئذ ~~أنه يمنع قهرا، فأجاب إلى العود على شرط أن يسكن دار الإمارة بالموصل، وسار ~~معهم، فلما قارب حلة أخيه زعيم الدولة لقيه، وأنزله عنده، فهرب أصحابه ~~وأهله خوفا، فأمنهم زعيم الدولة، وحضر عنده وخدمه وأظهر له الخدمة، وجعل ~~عليه من يمنعه من التصرف على اختياره. ### || AUT ذكر استيلاء الغز على مدينة فسا # وفيها، في جمادى الأولى، سار الملك ألب أرسلان بن داود أخي طغرلبك من ~~مدينة مرو بخراسان، وقصد بلاد فارس في المفازة، فلم يعلم به أحد، ولا أعلم ~~عمه طغرلبك، فوصل إلى مدينة فسا، فانصرف النائب بها من بين يديه، ودخلها ~~ألب أرسلان فقتل من الديلم بها ألف رجل، وعددا كثيرا من العامة، ونهبوا ما ~~قدره ألف ألف دينار، وأسروا ثلاثة آلاف إنسان، وكان الأمر عظيما. فلما ~~فرغوا من ms3417 ذلك عادوا إلى خراسان، ولم يلبثوا خوفا من طغرلبك أن يرسل إليهم، ~~ويأخذ ما غنموه منهم. ### || AUT ذكر استيلاء الخوارج على عمان # في هذه السنة استولى الخوارج المقيمون بجبال عمان على مدينة تلك ~~الولاية. وسبب ذلك أن صاحبها الأمير أبا المظفر ابن الملك أبي كاليجار كان ~~مقيما بها، ومعه خادم له قد استولى على الأمور، وحكم على البلاد، وأساء ~~السيرة في أهلها، فأخذ أموالهم، فنفروا منه وأبغضوه. وعرف إنسان من الخوارج ~~يقال له ابن راشد الحال، فجمع من عنده منهم فقصد المدينة، فخرج إليه الأمير ~~أبو المظفر في عساكره، فالتقوا واقتتلوا، فانهزمت الخوارج وعادوا إلى ~~موضعهم. PageV04P0253 # وأقام ابن راشد مدة يجمع ويحتشد، ثم سار ثانيا، وقاتله الديلم فأعانه أهل ~~البلد لسوء سيرة الديلم فيهم، فانهزم الديلم، وملك ابن راشد البلد وقتل ~~الخادم وكثيرا من الديلم، وقبض على الأمير أبي المظفر وسيره إلى جباله ~~مستظهرا عليه، وسجن معه كل من خط بقلم من الديلم، وأصحاب الأعمال، وأخرب ~~دار الإمارة، وقال: هذه أحق دار بالخراب! وأظهر العدل، وأسقط المكوس، ~~واقتصر على رفع عشر ما يرد إليهم وخطب لنفسه، وتلقب بالراشد بالله، ولبس ~~الصوف، وبنى موضعا على شكل مسجد، وقد كان هذا الرجل تحرك أيضا أيام أبي ~~القاسم بن مكرم فسير إليه أبو القاسم من منعه وحصره وأزال طمعه. ### || AUT ذكر دخول العرب إلى إفريقية # في هذه السنة دخلت العرب إلى إفريقية. وسبب ذلك أن المعز بن باديس كان ~~خطب للقائم بأمر الله الخليفة العباسي وقطع خطبة المستنصر العلوي، صاحب ~~مصر، سنة أربعين وأربعمائة، فلما فعل ذلك كتب إليه المستنصر العلوي يتهدده، ~~فأغلظ المعز في الجواب. ثم إن المستنصر استوزر الحسن بن علي اليازوري، ولم ~~يكن من أهل الوزارة، إنما كان من أهل التبانة والفلاحة، فلم يخاطبه المعز ~~كما كان يخاطب من قبله من الوزراء، كان يخاطبهم بعبده فخاطب اليازوري ~~بصنيعته، فعظم ذلك عليه، فعاتبه فلم يرجع إلى ما يحب، فأكثر الوقيعة في ~~المعز، وأغرى به المستنصر، وشرعوا في إرسال العرب إلى الغرب، ms3418 فأصلحوا بني ~~زغبة ورياح، وكان بينهم حروب وحقود، وأعطوهم مالا، وأمروهم بقصد بلاد ~~القيروان، وملكوهم كل ما يفتحونه، ووعدوهم بالمدد والعدد. فدخلت العرب إلى ~~إفريقية، وكتب اليازوري إلى المعز: أما بعد، فقد أرسلنا إليكم خيولا فحولا. ~~وحملنا عليها رجالا كهولا. ليقضي الله أمرا كان مفعولا... فلما حلوا أرض ~~برقة وما والاها وجدوا بلادا كثيرة المرعى خالية من الأهل لأن زناتة كانوا ~~أهلها، فأبادهم المعز، فأقامت العرب بها واستوطنتها، وعاثوا في أطراف ~~البلاد. وبلغ ذلك المعز فاحتقرهم، وكان المعز لما رأى تقاعد صنهاجة عن قتال ~~زناتة اشترى العبيد، وأوسع لهم في العطاء، فاجتمع له ثلاثون ألف مملوك. ~~وكانت عرب زغبة قد ملكت مدينة طرابلس سنة ست وأربعين، فتتابعت رياح والأثبج ~~وبنو عدي إلى إفريقية، وقطعوا السبيل وعاثوا في الأرض، وأرادوا الوصول إلى ~~القيروان، فقال مؤنس بن يحيى المرداسي: ليس المبادرة عندي برأي، فقالوا: ~~كيف تحب أن تصنع؟ فأخذ بساطا فبسطه، ثم قال لهم: من يدخل إلى وسط البساط من ~~غير أن يمشي عليه؟ قالوا: لا نقدر على ذلك! قال: فهكذا القيروان، خذوا شيئا ~~فشيئا حتى لا يبقى إلا القيروان فخذوها حينئذ. فقالوا: إنك لشيخ العرب ~~وأميرها وأنت المقدم علينا، ولسنا نقطع أمرا دونك. ثم قدم أمراء العرب إلى ~~المعز، فأكرمهم وبذل لهم شيئا كثيرا، فلما خرجوا من عنده لم يجاوزه بما فعل ~~من الإحسان، بل شنوا الغارات، وقطعوا الطريق، وأفسدوا الزروع، وقطعوا ~~الثمار، وحاصروا المدن، فضاق بالناس الأمر، وساءت أحوالهم، وانقطعت ~~أسفارهم، ونزل بإفريقية بلاء لم ينزل بها مثله قط، فحينئذ احتفل المعز، ~~وجمع عساكره، فكانوا ثلاثين ألف فارس، ومثلها رجالة، وسار حتى أتى جندران، ~~وهو جبل بينه وبين القيروان ثلاثة أيام، وكانت عدة العرب ثلاثة آلاف فارس، ~~فلما رأت العرب عساكر صنهاجة والعبيد مع المعز هالهم ذلك، وعظم عليهم، فقال ~~لهم مؤنس بن يحيى: ما هذا يوم فرار، فقالوا: أين نطعن هؤلاء وقد لبسوا ~~الكزاغندات والمغافر؟ قال: في أعينهم، فسمي ذلك اليوم يوم العين. والتحم ~~القتال، واشتدت الحرب، فاتفقت صنهاجة ms3419 على الهزيمة، وترك المعز مع العبيد ~~حتى يرى فعلهم، ويقتل أكثرهم، فعند ذلك يرجعون على العرب، فانهزمت صنهاجة، ~~وثبت العبيد مع المعز، فكثر القتل فيهم، فقتل منهم خلق كثير، وأرادت صنهاجة ~~الرجوع على العرب، فلم يمكنهم ذلك، واستمرت الهزيمة، وقتل من صنهاجة أمة ~~عظيمة، ودخل المعز القيروان مهزوما، على كثرة من معه، وأخذت العرب الخيل ~~والخيام وما فيها من مال وغيره، وفيه يقول بعض الشعراء: وإن ابن باديس ~~لأفضل مالك، ... ولكن لعمري ما لديه رجال ثلاثون ألفا منهم غلبتهم ... ~~ثلاثة ألف إن ذا لمحال PageV04P0254 # ولما كان يوم النحر من هذه السنة جمع المعز سبعة وعشرين ألف فارس وسار ~~إلى العرب جريدة، وسبق خبره، وهجم عليهم وهم في صلاة العيد، فركبت العرب ~~خيولهم وحملت، فانهزمت صنهاجة، فقتل منهم عالم كثير. ثم جمع المعز وخرج ~~بنفسه في صنهاجة وزناتة في جميع كثير، فلما أشرف على بيوت العرب، وهو قبلي ~~جبل جندران، انتشب القتال، واشتعلت نيران الحرب، وكانت العرب سبعة آلاف ~~فارس، فانهزمت صنهاجة وولى كل رجل منهم إلى منزله، وانهزمت زناتة، وثبت ~~المعز فيمن معه من عبيده ثباتا عظيما لم يسمع بمثله، ثم انهزم وعاد إلى ~~المنصورية، وأحصي من قتل من صنهاجة ذلك اليوم، فكانوا ثلاثة آلاف ~~وثلاثمائة. ثم أقبلت العرب حتى نزلت بمصلى القيروان، ووقعت الحرب، فقتل من ~~المنصورية ورقادة خلق كثير، فلما رأى ذلك المعز أباحهم دخول القيروان لما ~~يحتاجون إليه من بيع وشراء، فلما دخلوا استطالت عليهم العامة، ووقعت بينهم ~~حرب كان سببها فتنة بين إنسان عربي وآخر عامي وكانت الغلبة للعرب. وفي سنة ~~أربع وأربعين بني سور زويلة والقيروان، وفي سنة ست وأربعين حاصرت العرب ~~القيروان، وملك مؤنس بن يحيى مدينة باجة، وأشار المعز على الرعية بالانتقال ~~إلى المهدية لعجزه عن حمايتهم من العرب. وشرعت العرب في هدم الحصون ~~والقصور، وقطعوا الثمار، وخربوا الأنهار، وأقام المعز والناس ينتقلون إلى ~~المهدية إلى سنة تسع وأربعين، فعندها انتقل المعز إلى المهدية في شعبان، ~~فتلقاه ابنه تميم، ومشى بين يديه، وكان ms3420 أبوه قد ولاه المهدية سنة خمس ~~وأربعين، فأقام بها إلى أن قدم أبوه الآن. وفي رمضان من سنة تسع وأربعين ~~نهبت العرب القيروان. وفي سنة خمسين خرج بلكين ومعه العرب لحرب زناتة، ~~فقاتلهم فانهزمت زناتة وقتل منها عدد كثير. وفي سنة ثلاث وخمسين وقعت الحرب ~~بين العرب وهوارة، فانهزمت هوارة وقتل منها الكثير. وفي سنة ثلاث وخمسين ~~قتل أهل تقيوس من العرب مائتين وخمسين رجلا، وسبب ذلك أن العرب دخلت ~~المدينة متسوقة، فقتل رجل من العرب رجلا متقدما من أهل البلد لأنه سمعه ~~يثني على المعز ويدعو له، فلما قتل ثار أهل البلد بالعرب فقتلوه منهم العدد ~~المذكور. وكان ينبغي أن يأتي كل شيء من ذلك في السنة التي حدث فيها، وإنما ~~أوردناه متتابعا ليكون أحسن لسياقته، فإنه إذا انقطع وتخللته الحوادث في ~~السنين لم يفهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها سار المهلهل بن محمد بن عناز أخو أبي الشوك إلى السلطان طغرلبك، ~~فأحسن إليه وأقره على إقطاعه، ومن جملته السيروان، ودقوقا، وشهرزور، ~~والصامغان، وشفعه في أخيه سرخاب بن محمد بن عناز، وكان محبوسا عند طغرلبك، ~~وسار سرخاب إلى قلعة الماهكي، وهي له، وأقطع سعدي بن أبي الشوك الواندين. ~~وفيها قبض المستنصر بمصر على أبي الربركات عم أبي القاسم الجرجرائي، ~~واستوزر القاضي أبا محمد الحسن بن عبد الرحمن اليازوري، ويازور من أعمال ~~الرملة. وفيها توفي محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن ~~المهتدي بالله أبو الحسين، ومولده سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. وفيها، في ~~شعبان، توفي أبو الحسن علي بن عمر القزويني، الزاهد، وكان من الصالحين، روى ~~الحديث، والحكايات، والأشعار، وروى عن ابن نباتة شيئا من شعره، فمن ذلك قال ~~ابن نباتة: وإذا عجزت عن العدو فداره، ... وامزج له، إن المزاج وفاق فالنار ~~بالماء هو الذي هو ضدها ... تعطي النضاج وطبعها الإحراق وفيها، في ذي ~~القعدة، توفي أبو القاسم عمر بن ثابت النحوي الضرير، المعروف بالثمانيني. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر نهب ms3421 سرق والحرب الكائنة عندها # ### || AUT وملك الرحيم رامهرمز # وفيها، في المحرم، اجتمع جمع كثير من العرب والأكراد، وقصدوا سرق من ~~خوزستان، ونهبوها، ونهبوا دورق، ومقدمهم مطارد بن منصور، ومذكور بن نزار، ~~فأرسل إليهم الملك الرحيم جيشا، ولقوهم بين سرق ودورق، فاقتتلوا، فقتل ~~مطارد وأسر ولده، وكثر القتل فيهم، واستنقذوا ما نهبوه، ونجا الباقون على ~~أقبح صورة من الجراح والنهب، فلما تم هذا الفتح للملك الرحيم انتقل من عسكر ~~مكرم متقدما إلى قنطرة أربق، ومعه دبيس بن مزيد والبساسيري وغيرهما. ~~PageV04P0255 # ثم إن الأمير أبا منصور، صاحب فارس، وهزارسب بن بنكير، ومنصور بن الحسين ~~الأسدي، ومن معهما من الديلم والأتراك، ساروا من أرجان يطلبون تستر، ~~فسابقهم الرحيم إليها، وحال بينهم وبينها، والتقت الطلائع، فكان الظفر ~~لعسكر الرحيم. ثم إن الإرجاف وقع في عسكر هزارسب بوفاة الأمير أبي منصور ~~ابن الملك أبي كاليجار بمدينة شيراز، فسقط في أيديهم وعادوا، وقصد كثير ~~منهم الملك الرحيم فصاروا معه، فسير قطعة من الجيش إلى رامهرمز، وبها أصحاب ~~هزارسب، وقد أفسدوا في تلك الأعمال، فلما وصل إليها عسكر الرحيم خرج أولئك ~~إلى قتالهم، فاقتتلوا قتالا شديدا أكثر فيه القتل والجراح، ثم انهزم أصحاب ~~هزارسب فدخلوا البلد وحصروا فيه، ثم ملك البلد عنوة، ونهب وأسر جماعة من ~~العساكر التي فيه، وهرب كثير منهم إلى هزارسب، وهو بإيذج، وملك الملك ~~الرحيم البلد في ربيع الأول من هذه السنة. ### || AUT ذكر ملك الملك الرحيم إصطخر وشيراز # في هذه السنة سير الملك الرحيم أخاه الأمير أبا سعد في جيش إلى بلاد ~~فارس. وكان سبب ذلك أن المقيم في قلعة إصطخر، وهو أبو نصر بن خسرو، وكان له ~~أخوان قبض عليهما هزارسب بن بنكير بأمر الأمير أبي منصور، فكتب إلى الملك ~~الرحيم يبذل له الطاعة والمساعدة، ويطلب أن يسير إليه أخاه ليملكه بلاد ~~فارس، فسير إليه أخاه أبا سعد في جيش، فوصل إلى دولتاباذ، فأتاه كثير من ~~عساكر فارس الديلم، والترك، والعرب، والأكراد، وسار منها إلى قلعة إصطخر، ~~فنزل إليه صاحبها أبو ms3422 نصر، فلقيه وأصعده إلى القلعة، وحمل له وللعساكر التي ~~معه الإقامات والخلع وغيرها. ثم ساروا منها إلى قلعة بهندر فحصروها، وأتاه ~~كتب بعض مستحفظي البلاد الفارسية بالطاعة، منها مستحفظ درابجرد وغيرها، ثم ~~سار إلى شيراز فملكها في رمضان، فلما سمع أخوه الأمير أبو منصور، وهزارسب، ~~ومنصور بن الحسين الأسدي ذلك ساروا في عسكرهم إلى الملك الرحيم فهزموه، على ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى، وفارق الأهواز إلى واسط، ثم عطفوا من الأهواز ~~إلى شيراز لإجلاء الأمير أبي سعد عنها، فلما قاربوها لقيهم أبو سعد وقاتلهم ~~فهزمهم، فالتجأوا إلى جبل قلعة بهندر، وتكررت الحروب بين الطائفتين إلى ~~منتصف شوال، فتقدمت طائفة من عسكر أبي سعد فاقتتلوا عامة النهار ثم عادوا، ~~فلما كان الغد التقى العسكران جميعا واقتتلوا، فانهزم عسكر الأمير أبي ~~منصور، وظفر أبو سعد، وقتل منهم خلقا كثيرا، واستأمن إليه كثير منهم، وصعد ~~أبو منصور إلى قلعة بهندر واحتمى بها، وأقام إلى أن عاد إلى ملكه، على ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى. ولما فارق الأمير أبو منصور الأهواز أعيدت الخطبة ~~للملك الرحيم، وأرسل من بها من الجند يستدعونه إليهم. ### || AUT ذكر انهزام الملك الرحيم بالأهواز # لما انصرف الأمير ابو منصور، وهزارسب، ومن معهما من منزلهم قريب تستر، ~~على ما ذكرناه، مضوا إلى إيذج وأقاموا فيها، وخافوا الملك الرحيم واستضعفوا ~~نفوسهم عن مقاومته، فاتفق رأيهم على أن راسلوا السلطان طغرلبك، وبذلوا له ~~الطاعة، وطلبوا منه المساعدة، فأرسل إليهم عسكرا كثيرا، وكان قد ملك ~~أصبهان، وفرغ باله منها. وعرف الملك الرحيم ذلك، وقد فارقه كثير من عسكره، ~~منهم: البساسيري ونور الدولة دبيس بن مزيد، والعرب، والأكراد، وبقي في ~~الديلم الأهوازية وطائفة قليلة من الأتراك البغداديين كانوا وصلوا إليه ~~أخيرا، فقرر رأيه على أن عاد من عسكر مكرم إلى الأهواز لأنها أحصن، وينتظر ~~بالمقام فيها وصول العساكر، ورأى أن يرسل أخاه الأمير أبا سعد إلى فارس، ~~حيث طلب إلى إصطخر، على ما ذكرناه، وسير معه جمعا صالحا من العساكر، ظنا ~~منه أن ms3423 أخاه إذا وصل إلى فارس وملكت قلعة إصطخر انزعج الأمير أبو منصور، ~~وهزارسب، ومن معهما، واشتغلوا بتلك النواحي عنه، فازداد قلقا وضعفا، فلم ~~يلتفت أولئك إلى الأمير أبي سعد بل ساروا مجدين إلى الأهواز، فوصلوها أواخر ~~ربيع الآخر. ووقعت الحرب بين الفريقين يومين متتابعين كثر فيهما القتال ~~واشتد، فانهزم الملك الرحيم، وسار في نفر قليل إلى واسط، ولقي في طريقه ~~مشقة، وسلم واستقر بواسط فيمن لحق به من المنهزمين، ونهبت الأهواز، وأحرق ~~فيها عدة محال، وفقد في الوقعة الوزير كمال الملك أبو المعالي بن عبد ~~الرحيم، وزير الملك الرحيم، فلم يعرف له خبر. PageV04P0256 ### || AUT ذكر الفتنة بين العامة ببغداد # ### || AUT وإحراق المشهد على ساكنيه السلام # في هذه السنة، في صفر، تجددت الفتنة ببغداد بين السنة والشيعة، وعظمت ~~أضعاف ما كانت قديما، فكان الاتفاق الذي ذكرناه في السنة الماضية غير مأمون ~~الانتقاض، لما في الصدور من الإحن. وكان سبب هذه الفتنة أن أهل الكرخ شرعوا ~~في عمل باب السماكين، وأهل القلائين في عمل ما بقي من باب مسعود، ففرغ أهل ~~الكرخ، وعملوا أبراجا كتبوا عليها بالذهب: محمد وعلي خير البشر، وأنكر ~~السنة ذلك وادعوا أن المكتوب: محمد وعلي خير البشر، فمن رضي فقد شكر، ومن ~~أبى فقد كفر، وأنكر أهل الكرخ الزيادة وقالوا: ما تجاوزنا ما جرت به عادتنا ~~فيما نكتبه على مساجدنا. فأرسل الخليفة القائم بأمر الله أبا تمام، نقيب ~~العباسيين ونقيب العلويين، وهو عدنان بن الرضي، لكشف الحال وإنهائه، فكتبا ~~بتصديق قول الكرخيين، فأمر حينئذ الخليفة ونواب الرحيم بكف القتال، فلم ~~يقبلوا، وانتدب ابن المذهب القاضي، والزهيري، وغيرهما من الحنابلة أصحاب ~~عبد الصمد بحمل العامة على الإغراق في الفتنة، فأمسك نواب الملك الرحيم عن ~~كفهم غيظا من رئيس الرؤساء لميله إلى الحنابلة، ومنع هؤلاء السنة من حمل ~~الماء من دجلة إلى الكرخ، وكان نهر عيسى قد انفتح بثقه، فعظم الأمر عليهم، ~~وانتدب جماعة منهم وقصدوا دجلة وحملوا الماء وجعلوه في الظروف، وصبوا عليه ~~ماء الورد، ونادوا: الماء للسبيل، فأغروا ms3424 بهم السنة. وتشدد رئيس الرؤساء ~~على الشيعة، فمحوا خير البشر، وكتبوا: عليهما السلام، فقالت السنة: لا نرضى ~~إلا أن يقلع الآجر الذي عليه محمد وعلي وأن لا يؤذن: حي على خير العمل، ~~وامتنع الشيعة من ذلك، ودام القتال إلى ثالث ربيع الأول، وقتل فيه رجل ~~هاشمي من السنة، فحمله أهله على نعش، وطافوا به في الحربية، وباب البصرة، ~~وسائر محال السنة، واستنفروا الناس للأخذ بثأره، ثم دفنوه عند أحمد بن ~~حنبل، وقد اجتمع معهم خلق كثير أضعاف ما تقدم. فلما رجعوا من دفنه قصدوا ~~مشهد باب التبن فأغلق بابه، فنقبوا في سوره وتهددوا البواب، فخافهم وفتح ~~الباب فدخلوا ونهبوا ما في المشهد من قناديل ومحاريب ذهب وفضة وستور وغير ~~ذلك، ونهبوا ما في الترب والدور، وأدركهم الليل فعادوا. فلما اكن الغد كثر ~~الجمع، فقصدوا المشهد، وأحرقوا جميع الترب والآزاج، واحترق ضريح موسى، ~~وضريح ابن ابنه محمد بن علي، والجوار، والقبتان الساج اللتان عليهما، ~~واحترق ما يقابلهما ويجاورهما من قبور ملوك بني بويه، معز الدولة، وجلال ~~الدولة، ومن قبور الوزراء والرؤساء، وقبر جعفر بن أبي جعفر المنصور، وقبر ~~الأمير محمد بن الرشيد، وقبر أمه زبيده، وجرى من الأمر الفظيع ما لم يجر في ~~الدنيا مثله. فلما كان الغد خامس الشهر عادوا وحفروا قبر موسى بن جعفر ~~ومحمد بن علي لينقلوهما إلى مقبرة أحمد بن حنبل، فحال الهدم بينهم وبين ~~معرفة القبر، فجاء الحفر إلى جانبه. وسمع أبو تمام نقيب العباسيين وغيره من ~~الهاشميين السنة الخبر، فجاؤوا ومنعوا عن ذلك، وقصد أهل الكرخ إلى خان ~~الفقهاء الحنفيين فنهبوه، وقتلوا مدرس الحنفية أبا سعد السرخسي، وأحرقوا ~~الخان ودور الفقهاء وتعدت الفتنة إلى الجانب الشرقي، فاقتتل أهل باب الطاق ~~وسوق بج، والأساكفة، وغيرهم. ولما انتهى خبر إحراق المشهد إلى نور الدولة ~~دبيس بن مزيد عظم عليه واشتد وبلغ منه كل مبلغ لأنه وأهل بيته وسائر أعماله ~~من النيل، وتلك الولاية كلهم شيعة، فقطعت في أعماله خطبة الإمام القائم ~~بأمر الله، فروسل في ذلك وعوتب، ms3425 فاعتذر بأن أهل ولايته شيعة، واتفقوا على ~~ذلك، فلم يمكنه أن يشق عليهم كما أن الخليفة لم يمكنه كف السفهاء الذين ~~فعلوا بالمشهد ما فعلوا، وأعاد الخطبة إلى حالها. ### || AUT ذكر عصيان بني قرة على المستنصر بالله بمصر # في هذه السنة، في شعبان، عصى بنو قرة بمصر على المستنصر بالله الخليفة ~~العلوي. PageV04P0257 # وكان سبب ذلك أنه أمر عليهم رجلا منهم يقال له المقرب، وقدمه، فنفروا من ~~ذلك وكرهوه واستعفوا منه، فلم يعزله عنهم، فكاشفوا بالخلاف والعصيان، ~~وأقاموا بالجيزة مقابل مصر، وتظاهروا بالفساد، فعبر إليهم المستنصر بالله ~~جيشا يقاتلهم ويكفهم، فقاتلهم بنو قرة فانهزم الجيش، وكثر القتل فيهم، ~~فانتقل بنو قرة إلى طرف البر، فعظم الأمر على المستنصر بالله، وجمع العرب ~~من طيء، وكلب، وغيرهما من العساكر، وسيرهم في أثر بني قرة، فأدركوهم ~~بالجيزة، فواقعوهم في ذي القعدة، واشتد القتال، وكثر القتل في بني قرة، ~~وانهزموا وعاد العسكر إلى مصر، وتركوا في مقابل بني قرة طائفة منهم لترد ~~بني قرة إن أرادوا التعرض إلى البلاد، وكفى الله شرهم. ### || AUT ذكر وفاة زعيم الدولة # ### || AUT وإمارة قريش بن بدران # في هذه السنة، في شهر رمضان، توفي زعيم الدولة أبو كامل بركة بن المقلد ~~بتكريت، وكان انحدر إليها في حلله قاصدا نحو العراق لينازع النواب به عن ~~الملك الرحيم، وينهب البلاد، فلما بلغها انتقض عليه جرح كان أصابه من الغز ~~لما ملكوا الموصل، فتوفي، ودفن بمشهد الخضر بتكريت. واجتمعت العرب من ~~أصحابه على تأمير علم الدين أبي المعالي قريش بن بدران بن المقلد، فعاد ~~بالحلل والعرب إلى الموصل وأرسل إلى عمه قرواش، وهو تحت الاعتقال يعلمه ~~بوفاة زعيم الدولة، وقيامه بالإمارة، وأنه يتصرف على اختياره، ويقوم بالأمر ~~نيابة عنه. فلما وصل قريش إلى الموصل جرى بينه وبين عمه قرواش منازعة ضعف ~~فيها قرواش، وقوي ابن أخيه، ومالت العرب إليه واستقرت الإمارة له، وعاد عمه ~~إلى ما كان عليه من الاعتقال الجميل، والاقتصار به على قليل من الحاشية ~~والنساء والنفقة، ثم نقله إلى قلعة ms3426 الجراحية من أعمال الموصل، فاعتقل بها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # ظهر ببغداد يوم الأربعاء، سابع صفر وقت العصر، كوكب غلب نوره على نور ~~الشمس، له ذؤابة نحو ذراعين، وسار سيرا بطيئا ثم انقض، والناس يشاهدونه. ~~وفيها، في رمضان، ورد رسل السلطان طغرلبك إلى الخليفة جوابا عن رسالة ~~الخليفة إليه، وشكر لإنعام الخليفة عليه بالخلع والألقاب، وأرسل معه طغرلبك ~~إلى الخليفة عشرة آلاف دينار عينا ، وأعلاقا نفيسة من الجواهر، والثياب، ~~والطيب، وغير ذلك، وأرسل خمسة آلاف دينار للحاشية، وألفي دينار لرئيس ~~الرؤساء، وأنزل الخليفة الرسل بباب المراتب، وأمر بإكرامهم، ولما جاء العيد ~~أظهر أجناد بغداد الزينة الرائقة، والخيول النفيسة، والتجافيف الحسنة، ~~وأرادوا إظهار قوتهم عند الرسل. وفيها عاد الغز أصحاب الملك داود أخي ~~طغرلبك عن كرمان، وسبب ذلك عودهم أن عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين، صاحب ~~غزنة، سار عنها إلى خراسان، فالتقى هو والملك داود، واقتتلوا قتالا شديدا، ~~فانهزم داود، فاقتضى الحال عود أصحابه عن كرمان. وفيها أيضا عاد السلطان ~~طغرلبك عن أصبهان إلى الري. وفيها توفي أبو كاليجار كرشاسف بن علاء الدولة ~~بن كاكويه بالأهواز، وكان قد استخلفه بها الأمير أبو منصور عند عوده عنها ~~إلى شيراز، فلما توفي خطب للملك الرحيم بالأهواز. وفيها توفي أبو عبد الله ~~الحسين بن المرتضى الموسوي. وفيها، في ربيع الأول، توفي أبو الحسن محمد بن ~~محمد البصروي الشاعر، وهو منسوب إلى قرية تسمى بصرى قريب عكبرا، وكان صاحب ~~نادرة، قال له رجل: شربت البارحة ماء كثيرا، فاحتجت إلى القيام كل ساعة ~~كأني جدي، فقال له: لم تصغر نفسك؟ ومن شعره: ترى الدنيا، وزينتها، فتصبو، ~~... وما يخلو من الشهوات قلب فضول العيش أكثرها هموم ... وأكثر ما يضرك ما ~~تحب فلا يغررك زخرف ما تراه، ... وعيش لين الأعطاف رطب إذا ما بلغة جاءتك ~~عفوا، ... فخذها، فالغنى مرعى وشرب إذا اتفق القليل وفيه سليم، ... فلا ترد ~~الكثير وفيه حرب ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وأربعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر قتل عبد الرشيد صاحب غزنة # ### || AUT وملك فرخ ms3427 زاد # في هذه السنة قتل عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة. ~~PageV04P0258 # وكان سبب ذلك أن حاجبا لمودود ابن أخيه مسعود، اسمه طغرل، وكان مودود قد ~~قدمه، ونوه باسمه، وزوجه أخته، فلما توفي مودود وملك عبد الرشيد أجرى طغرل ~~على عادته في تقدمه، وجعله حاجب حجابه، فأشار عليه طغرل بقصد الغز وإجلائهم ~~من خراسان، فتوقف استبعادا لذلك، فألح عليه طغرل، فسيره في ألف فارس، فسار ~~نحو سجستان، وبها أبو الفضل، نائبا عن بيغو، فأقام طغرل على حصار قلعة طاق، ~~وأرسل إلى أبي الفضل يدعوه إلى طاعة عبد الرشيد، فقال له: إنني نائب عن ~~بيغو، وليس من الدين والمروءة خيانته، فاقصده، فإذا فرغت منه سلمت إليك. ~~فقام على حصار طاق أربعين يوما، فلم يتهيأ له فتحها، وكتب أبو الفضل إلى ~~بيغو يعرفه حال طغرل، فسار إلى سجستان ليمنع عنها طغرل. ثم إن طغرل ضجر من ~~مقامه على حصار طاق، فسار نحو مدينة سجستان، فلما كان على نحو فرسخ منها ~~كمن بحيث لا يراه أحد لعلة يجدها، وفرصة ينتهزها، فسمع أصوات دبادب وبوقات، ~~فخرج وسأل بعض من على الطريق، فأخبره أن بيغو قد وصل، فعاد إلى أصحابه ~~وأخبرهم وقال لهم: ليس لنا إلا أن نلتقي القوم، ونموت تحت السيوف أعزة، ~~فإنه لاسبيل لنا إلى الهرب لكثرتهم وقلتنا. فخرجوا من مكمنهم، فلما رآهم ~~بيغو سأل أبا الفضل عنهم، فأخبره أنه طغرل، فاستقل من معه، وسير طائفة من ~~أصحابه لقتالهم، فلما رآهم طغرل لم يعرج عليهم بل أقحم فرسه نهرا هناك ~~فعبره، وقصد بيغو ومن معه، فقاتلهم، وهزمهم طغرل وغنم ما معهم، ثم عطف على ~~الفريق الآخر، فصنع بهم مثل ذلك، وأم بيغو وأبو الفضل نحو هراة، وتبعهم ~~طغرل نحو فرسخين، وعاد إلى المدينة فملكها، وكتب إلى عبد الرشيد بما كان ~~منه، ويطلب الإمداد ليسير إلى خراسان، فأمده بعدة كثيرة من الفرسان، فوصلوا ~~إليه، فاشتد بهم وأقام مديدة. ثم حدث نفسه بالعود إلى غزنة والاستيلاء ~~عليها، فأعلم أصحابه ذلك، وأحسن إليهم، واستوثق منهم، ms3428 ورحل إلى غزنة طاويا ~~للمراحل كاتما أمره، فلما صار على خمسة فراسخ من غزنة أرسل إلى عبد الرشيد ~~مخادعا له يعلمه أن العسكر خالفوا عليه وطلبوا الزيادة في العطاء، وأنهم ~~عادوا بقلوب متغيرة مستوحشة. فلما وقف على ذلك جمع أصحابه وأهل ثقته ~~وأعلمهم الخبر، فحذروه منه، وقالوا له: إن الأمر قد أعجل عن الاستعداد، ~~وليس غير الصعود إلى القلعة والتحصن بها. فصعد إلى قلعة غزنة وامتنع بها. ~~ووافى طغرل من الغد إلى البلد، ونزل في دار الإمارة، وراسل المقيمين ~~بالقلعة في تسليم عبد الرشيد، ووعدهم، ورغبهم إن فعلوا، وتهددهم إن ~~امتنعوا. فسلموه إليه، فأخذه طغرل فقتله، واستولى على البلد وتزوج ابنة ~~مسعود كرها. وكان في الأعمال الهندية أمير يسمى خرخيز، ومعه عسكر كثير، ~~فلما قتل طغرل عبد الرشيد واستولى على الأمر كتب إليه ودعاه إلى الموافقة ~~والمساعدة على ارتجاع الأعمال من أيدي الغز، ووعده على ذلك، وبذل البذول ~~الكثيرة، فلم يرض فعله، وأنكره وامتعض منه، وأغلظ له في الجواب، وكتب إلى ~~ابنة مسعود بن محمود زوجة طغرل، ووجوه القواد ينكر ذلك عليهم، ويوبخهم على ~~إغضائهم وصبرهم على ما فعله طغرل من قتل ملكهم وابن ملكهم ويحثهم على الأخذ ~~بثأره. فلما وقفوا على كتبه عرفوا غلطتهم ودخل جماعة منهم على طغرل، ووقفوا ~~بين يديه، فضربه أحدهم بسيفه وتبعه الباقون فقتله. وورد خرخيز الحاجب بعد ~~خمسة أيام، وأظهر الحزن على عبد الرشيد، وذم طغرل ومن تابعه على فعله، وجمع ~~وجوه القواد وأعيان أهل البلد وقال لهم: قد عرفتم ما جرى مما خولفت به ~~الديانة والأمانة، وأنا تابع، ولا بد للأمر من سائس، فاذكروا ما عندكم من ~~ذلك! فأشاروا بولاية فرخ زاد بن مسعود بن محمود، وكان محبوسا في بعض ~~القلاع، فأحضر وأجلس بدار الإمارة وأقام خرخيز بين يديه يدبر الأمور، وأخذ ~~من أعان على قتل عبد الرشيد فقتله، فلما سمع داود أخو طغرلبك صاحب خراسان ~~بقتل عبد الرشيد جمع عساكره وسار إلى غزنة، فخرج إليه خرخيز ومنعه وقاتله، ~~فانهزم داود وغنم ما ms3429 كان معه. PageV04P0259 # ولما استقر ملك فرخ زاد وثبت قدمه جهز جيشا جرارا إلى خراسان فاستقبلهم ~~الأمير كلسارغ، وهو من أعظم الأمراء، فقاتلهم، وصبر لهم، فظفروا به، وانهزم ~~أصحابه عنه، وأخذ أسيرا، وأسر معه كثير من عسكر خراسان ووجوههم وأمرائهم. ~~فجمع ألب أرسلان عسكرا كثيرا، وسير والده داود في ذلك العسكر إلى الجيش ~~الذي أسر كلسارغ، فقاتلهم وهزمهم، وأسر جماعة من أعيان العسكر، فأطلق فرخ ~~زاد الأسرى، وخلع على كلسارغ وأطلقه. ### || AUT ذكر وصول الغز إلى فارس # ### || AUT وانهزامهم عنها # في هذه السنة وصل أصحاب السلطان طغرلبك إلى فارس، وبلغوا إلى شيراز، ~~ونزلوا بالبيضاء، واجتمع معهم العادل أبو منصور الذي كان وزير الأمير أبي ~~منصور الملك أبي كاليجار، ودبر أمرهم، فقبضوا عليه وأخذوا منه ثلاث قلاع، ~~وهي: قلعة كبزة، وقلعة جويم، وقلعة بهندر، فأقاموا بها، وسار من الغز نحو ~~مائتي رجل إلى الأمير أبي سعد، أخي الملك الرحيم، وصاروا معه، وراسل أبو ~~سعد الذي بالقلاع المذكورة، فاستمالهم، فأطاعوه وسلموه القلاع إليه وصاروا ~~في خدمته. واجتمع العسكر الشيرازي، وعليهم الظهير أبو نصر، وأوقعوا بالغز ~~بباب شيراز، فانهزم الغز، وأسر تاج الدين نصر بن هبة الله بن أحمد، وكان من ~~المقدمين عند الغز، فلما انهزم الغز سار العسكر الشرازي إلى فسا، وكان قد ~~تغلب عليها بعض السفل، وقوي أمره لاشتغال العساكر بالغز، فأزالوا المتغلب ~~عليها واستعادوها. ### || AUT ذكر الحرب بين قريش وأخيه المقلد # في هذه السنة جرى خلف بين علم الدين قريش بن بدران وبين أخيه المقلد، ~~وكان قريش قد نقل عمه قرواشا إلى قلعة الجراحية من أعمال الموصل وسجنه بها ~~وارتحل يطلب العراق، فجرى بينه وبين أخيه المقلد منازعة أدت إلى الاختلاف. ~~فسار المقلد إلى نور الدولة دبيس بن مزيد ملتجئا إليه، فحمل أخاه الغيظ منه ~~على أن نهب حلته وعاد إلى الموصل، واختلت أحواله، واختلفت العرب إليه، ~~وأخرج نواب الملك الرحيم ببغداد إلى ما كان بيد قريش من العراق بالجانب ~~الشرقي من عكبرا، والعلث، وغيرهما من قبض غلته، وسلم الجانب الغربي ms3430 من ~~أوانا ونهر بيطر إلى أبي الهندي بلال بن غريب. ثم إن قريشا استمال العرب ~~وأصلحهم، فأذعنوا له بعد وفاة عمه قرواش، فإنه توفي هذه الأيام، وانحدر إلى ~~العراق ليستعيد ما أخذ منه، فوصل إلى الصالحية، وسير بعض أصحابه إلى ناحية ~~الحظيرة وما والاها، فنهبوا ما هناك وعادوا، فلقوا كامل بن محمد بن المسيب، ~~صاحب الحظيرة، فأوقع بهم وقاتلهم، فأرسلوا إلى قريش يعرفونه الحال، فسر ~~إليهم في عدة كثيرة من العرب والأكراد! فانهزم كامل، وتبعه قريش فلم يلحقه، ~~فقصد حلل بلال بن غريب، وهي خالية من الرجال، فنهبها، وقاتله بلال وأبلى ~~بلاء حسنا فجرح ثم انهزم، وراسل قريش نواب الملك الرحيم يبذل الطاعة، ويطلب ~~تقرير ما كان له عليه، فأجابوه إلى ذلك على كره لقوته وضعفهم، واشتغال ~~الملك الرحيم بخوزستان عنهم، فاستقر أمره وقوي شأنه. ### || AUT ذكر وفاة قرواش # في هذه السنة، مستهل رجب، توفي معتمد الدولة أبو المنيع قرواش ابن ~~المقلد العقيلي، الذي كان صاحب الموصل، محبوسا بقلعة الجراحية، من أعمال ~~الموصل، على ما ذكرناه قبل، وحمل ميتا إلى الموصل، ودفن بتل توبة من مدينة ~~نينوى، شرقي الموصل. وكان من رجال العرب، وذوي العقل منهم، وله شعر حسن، ~~فمن ذلك ما ذكره أبو الحسن علي بن الحسن الباخرزي في دمية القصر من شعره: ~~لله در النائبات، فإنها ... صدأ النفوس وصيقل الأحرار ما كنت إلا زبرة، ~~فطبعني ... سيفا، وأطلق شفرتي وغراري وذكر له أيضا: من كان يحمد، أو يذم ~~مورثا ... للمال من آبائه وجدوده إني امرؤ الله شكر وحده ... شكرا كثيرا، ~~جالبا لمزيده لي أشقر سمح العنان مغاور، ... يعطيك ما يرضيك من مجهوده ~~ومهند عضب، إذا جردته ... خلت البروق تموج في تجريده ومثقف لدن السنان ~~كأنما ... أم المنايا ركبت في عوده وبذا حويت المال، إلا أنني ... سلطت جود ~~يدي على تبديده PageV04P0260 # قيل إنه جمع بين أختين في نكاحه، فقيل له: إن الشريعة تحرم هذا، فقال: ~~وأي شيء عندنا تجيزه الشريعة؟ وقال مرة: ما في رقبتي غير خمسة أو ستة من ms3431 ~~البادية قتلتهم، وأما الحاضرة فلا يعبأ الله بهم. ### || AUT ذكر استيلاء الملك الرحيم على البصرة # في هذه السنة، في شعبان، سير الملك الرحيم جيشا مع الوزير والبساسيري ~~إلى البصرة، وبها أخوه أبو علي بن أبي كاليجار، فحصروه بها، فأخرج عسكره في ~~السفن لقتالهم، فاقتتلوا عدة أيام، ثم انهزم البصريون في الماء إلى البصرة، ~~واستولى عسكر الرحيم على دجلة والأنهر جميعا، وسارت العساكر على البر من ~~المنزلة بمطارا إلى البصرة، فلما قاربوها لقيهم رسل مضر وربيعة يطلبون ~~الأمان، فأجابوهم إلى ذلك، وكذلك بذلوا الأمان لسائر أهلها، ودخلها الملك ~~الرحيم، فسر به أهلها، وبذل لهم الإحسان. فلما دخل البصرة وردت إليه رسل ~~الديلم بخوزستان يبذلون الطاعة، ويذكرون أنهم ما زالوا عليها. فشكرهم على ~~ذلك، وأقام بالبصرة ليصلح أمرها. وأما أخوه أبو علي، صاحب البصرة، فإنه مضى ~~إلى شط عثمان فتحصن به، وحفر الخندق، فمضى الملك الرحيم إليه وقاتلهم، فملك ~~الموضع ومضى أبو علي ووالدته إلى عبادان، وركبوا البحر إلى مهروبان، وخرجوا ~~من البحر واكتروا دواب وساروا إلى أرجان عازمين على قصد السلطان طغرلبك، ~~وأخرج الملك الرحيم كل من بالبصرة من الديلم أجناد أخيه وأقام غيرهم. ثم إن ~~الأمير أبا علي وصل إلى السلطان طغرلبك، وهو بأصبهان، فأكرمه وأحسن إليه، ~~وحمل إليه مالا، وزوجه امرأة من أهله، وأقطعه إقطاعا من أعمال جرباذقان، ~~وسلم إليه قلعتين من تلك الأعمال أيضا. وسلم الملك الرحيم البصرة إلى ~~البساسيري ومضى إلى الأهواز، وترددت الرسل بينه وبين منصور بن الحسين ~~وهزارسب، حتى اصطلحوا، وصارت أرجان وتستر للملك الرحيم. ### || AUT ذكر ورود سعدي العراق # وفيها، في ذي القعدة، ورد سعدي بن أبي الشوك في جيش من عند السلطان ~~طغرلبك إلى نواحي العراق، فنزل مايدشت، وسار منها جريدة فيمن معه من الغز ~~إلى أبي دلف الجاواني، فنذر به أبو دلف، وانصرف من بين يديه، ولحقه سعدي ~~فنهبه وأخذ ماله، وأفلت أبو دلف بحشاشة نفسه، ونهب أصحاب سعدي البلاد حتى ~~بلغوا النعمانية، فأسرفوا في النهب والغارة، وفتكوا في البلاد، وافتضوا ~~الأبكار، ms3432 فأخذوا الأموال والأثاث فلم يتركوا شيئا، وقصد البندنيجين. وبلغ ~~خبره إلى خاله خالد بن عمر، وهو نازل على الزرير ومطر ابني علي بن مقن ~~العقيليين، فأرسل إليه ولده مع أولاد الزرير ومطر يشكون إليه ما عاملهم به ~~عمه مهلهل، وقريش بن بدران، فلحقوه بحلوان وشكوا إليه حالهم، فوعدهم المسير ~~إليهم، والأخذ لهم ممن قصدهم. فعادوا من عنده، فلقيهم نفر من أصحاب مهلهل ~~فواقعوهم، فظفر بهم العقيليون وأسروهم. وبلغ الخبر مهلهلا، فسار إلى حلل ~~الزرير ومطر في نحو خمسمائة فارس، فأوقع بهم على تل عكبرا ونهبهم، وانهزم ~~الرجال، فلقي خالد ومطر والزرير سعدي بن أبي الشوك على تامرا، فأعلموا ~~الحال وحملوه. على قتال عمه، فتقدم إلى طريقه، والتقى القوم، وكان سعدي في ~~جمع كثير، فظفر بعمه وأسره، وانهزم أصحابه في كل جهة، وأسر أيضا مالك ابن ~~عمه مهلهل، وأعاد الغنائم التي كانت معهم على أصحابها وعاد إلى حلوان. ووصل ~~الخبر إلى بغداد، فارتج الناس بها وخافوا، وبرز عسكر الملك الرحيم ليقصدوا ~~حلوان لمحاربة سعدي، ووصل إليهم أبو الأغر دبيس بن مزيد الأسدي ولم يصنعوا شيئا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض عيسى بن خميس بن مقن على أخيه أبي غشام، صاحب تكريت ~~بها، وسجنه في سرداب بالقلعة، واستولى على تكريت. وفيها زلزت خوزستان واجان ~~وإيذج، وغيرها من البلاد، زلازل كثيرة، وكان معظمها بأرجان، فخرب كثير من ~~بلادها وديارها، وانفرج جبل كبير قريب من أرجان وانصدع، فظهر في وسطه درجة ~~مبنية بالآجر والجص قد خفيت في الجبل، فتعجب الناس من ذلك. وكان بخراسان ~~أيضا زلزلة عظيمة خربت كثيرا، وهلك بسببها كثير، وكان أشدها بمدينة بيهق ~~فأتى الخراب عليها، وخرب سورها ومساجدها، ولم يزل سورها خرابا إلى سنة أربع ~~وستين وأربعمائة، فأمر نظام الملك ببنائه، فبني، ثم خربه أرسلان أرغو، بعد ~~موت السلطان ملكشاه، وقد ذكرناه، ثم عمره مجد الملك البلاساني. ~~PageV04P0261 # وفيها عمل محضر ببغداد يتضمن القدح في نسب العلويين أصحاب مصر، وأنهم ~~كاذبون في إدعائهم النسب إلى علي، عليه السلام، ms3433 وعزوهم فيه إلى الديصانية ~~من المجوس، والقداحية من اليهود، وكتب فيه العلويين، والعباسيون، والفقهاء، ~~والقضاة، والشهود، وعمل به عدة نسخ، وسير في البلاد، وشيع بين الحاضر ~~والبادي. وفيها شهد الشيخ أبو نصر عبد السيد بن محمد بم عبد الواحد بن ~~الصباغ، مصنف الشامل، عند قاضي القضاة أبي عبد الله الحسين علي بن ماكولا. ~~وفيها حدثت فتنة بين السنة والشيعة ببغداد، وامتنع الضبط، وانتشر العيارون ~~وتسلطوا، وجبوا الأسواق، وأخذوا ما كان يأخذه أرباب الأعمال، وكان مقدمهم ~~الطقطقي والزيبق، وأعاد الشيعة الأذان بحي على خير العمل، وكتبوا على ~~مساجدهم: محمد وعلي خير البشر، وجرى القتال بينهم، وعظم الشر. وفيها زوج ~~نور الدولة دبيس بن مزيد ابنه بهاء الدولة منصورا بابنة أبي البركات بن ~~البساسيري. وفيها، في ربيع الأول، توفي القاضي أبو جعفر السمناني بالموصل، ~~وكان إماما في الفقه على مذهب أبي حنيفة، والأصول على مذهب الأشعري، وروى ~~الحديث عن الدارقطني وغيره. وفي هذا الشهر توفي أيضا أبو علي الحسن بن علي ~~بن المذهب، الواعظ، وهو راوي مسند أحمد بن حنبل. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وأربعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر الفتنة بين السنة والشيعة ببغداد # في هذه السنة، في المحرم، زادت الفتنة بين أهل الكرخ وغيرهم من السنة، ~~وكان ابتداؤها أواخر سنة أربع وأربعين. فلما كان الآن عظم الشر، واطرحت ~~المراقبة للسلطان، واختلط بالفريقين طوائف من الأتراك، فلما اشتد الأمر ~~اجتمع القواد واتفقوا على الركوب إلى المحال وإقامة السياسة بأهل الشر ~~والفساد، وأخذوا من الكرخ إنسانا علويا وقتلوه، فثار نساؤه، ونشرن شعورهن ~~واستغثن، فتبعهن العامة من أهل الكرخ، وجرى بينهم وبين القواد ومن معهم من ~~العامة، قتال شديد، وطرح الأتراك النار في أسواق الكرخ، فاحترق كثير منها، ~~وألحقتها بالأرض، وانتقل كثير من الكرخ إلى غيرها من المحال. وندم القواد ~~على ما فعلوه، وأنكر الإمام القائم بأمر الله ذلك، وصلح الحال، وعاد الناس ~~إلى الكرخ، بعد أن استقرت القاعدة بالديوان بكف الأتراك أيديهم عنهم. ### || AUT ذكر استيلاء الملك الرحيم على أرجان # في هذه السنة، ms3434 في جمادى الأولى، استولى الملك الرحيم على مدينة أرجان، ~~وأطاعه من كان بها من الجند، وكان المقدم عليهم فولاذ بن خسرو الديلمي. ~~وكان قد تغلب على جاورها من البلاد إنسان متغلب يسمى خشنام، فأنفذ إليه ~~فولاذ جيشا فأوقعوا به وأجلوه عن تلك النواحي واستضافوا إلى طاعة الرحيم. ~~وخاف هزارسب بن بنكير من ذلك لأنه كان مباينا للملك الرحيم على ما ذكرناه، ~~فأرسل يتضرع ويتقرب، ويسأل التقدم إلى فولاذ بإحسان مجاورته، فأجيب إلى ذلك. ### || AUT ذكر مرض السلطان طغرلبك # في هذه السنة وصل السلطان طغرلبك إلى أصبهان مريضا، وقوي الإرجاف عليه ~~بالموت، ثم عوفي، ووصل إليه الأمير أبو علي بن الملك أبي كاليجار الذي كان ~~صاحب البصرة، ووصل إليه أيضا هزارسب بن بنكير بن عياض، صاحب إيذج، فإنه كان ~~قد خاف الملك الرحيم لما استولى على البصرة وأرجان. فأكرمهما طغرلبك، وأحسن ~~ضيافتهما، ووعدهما النصرة والمعونة. ### || AUT ذكر عود سعدي بن أبي الشوك إلى طاعة الرحيم # قد ذكرنا سنة أربع وأربعين وصول سعدي إلى العراق، وأرسه عمه، فلما أسره ~~سار ولده بدر بن المهلهل إلى السلطان طغرلبك، وتحدث معه في مراسلة سعدي ~~ليطلق أباه، فسلم إليه طغرلبك ولدا كان لسعدي عنده رهينة، وأرسل معه رسولا ~~يقول فيه: إن أردت فدية عن أسرك فهذا ولدك قد رددته عليك، وإن أبيت إلا ~~المخالفة ومفارقة الجماعة قابلناك على فعلك. فلما وصل بدر والرسول إلى ~~همذان تخلف بدر، وسار الرسول إليه، فامتعض من قوله، وخالف طغرلبك، وسار إلى ~~حلوان، وأراد أخذها، فلم يمكنه، وتردد بين روشنقباذ والبردان، وكاتب الملك ~~الرحيم، وصار في طاعته، فسار إليه إبراهيم بن إسحاق، وسخت كمان، وهما من ~~أعيان عسكر طغرلبك، في عسكر مع بدر بن المهلهل فأوقعوا به فانهزم هو ~~وأصحابه وعاد الغز عنهم إلى حلوان، وسار بدر إلى شهرزور في طائفة من الغز، ~~ومضى سعدي إلى قلعة روشنقباذ. ### || AUT ذكر عود الأمير أبو منصور إلى شيراز # PageV04P0262 # في هذه السنة، في شوال، عاد الأمير أبو منصور فولاستون ابن الملك أبي ~~كاليجار ms3435 إلى شيراز مستوليا عليها، وفارقها أخوه الأمير أبو سعد. وكان سبب ~~ذلك أن الأمير أبا سعد كان قد تقدم معه في دولته إنسان يعرف بعميد الدين ~~أبي نصر بن الظهير، فتحكم معه، واطرح الأجناد واستخف بهم، وأوحش أبا نصر بن ~~خسرو، صاحب قلعة إصطخر، الذي كان قد استدعى الأمير أبا سعد وملكه. فلما فعل ~~ذلك اجتمعوا على مخالفته وتألبوا عليه، وأحضر أبو نصر بن خسرو الأمير أبا ~~منصور بن أبي كاليجار إليه! وسعى في اجتماع الكلمة عليه، فأجابه كثير من ~~الأجناد لكراهتهم لعميد الدين، فقبضوا عليه، ونادوا بشعار الأمير أبي ~~منصور، وأظهروا طاعته، وأخرجوا الأمير أبا سعد عنهم فعاد إلى الأهواز في ~~نفر يسير، ودخل الأمير أبو منصور إلى شيراز مالكا لها، مستوليا عليها، وخطب ~~فيها لطغرلبك، وللملك الرحيم، ولنفسه بعدهما. ### || AUT ذكر إيقاع البساسيري بالأكراد والأعراب # وفيها، في شوال، وصل الخبر إلى بغداد بأن جمعا من الأكراد وجمعا من ~~الأعراب قد أفسدوا في البلاد، وقطعوا الطريق ونهبوا القرى، طمعا في السلطنة ~~بسبب الغز، فسار إليهم البساسيري جريدة، وتبعهم إلى البوازيج، فأوقع بطوائف ~~كثيرة منهم، وقتل فيهم، وغنم أموالهم، وانهزم بعضهم فعبروا الزاب عند ~~البوازيج فلم يدركهم، وأراد العبور إليهم، وهم بالجانب الآخر، وكان الماء ~~زائدا، فلم يتمكن من عبوره، فنجوا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي الشريف أبو تمام محمد بن محمد بن علي الزينبي، نقيب ~~النقباء، وقام بعده في النقابة ابنه أبو علي. وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم ~~بن محمد بن أحمد البرمكي، وكان مكثرا من الحديث، سمع ابن مالك القطيعي ~~وغيره، وإنما قيل له البرمكي لأنه سكن محله ببغداد تعرف بالبرامكة، وقيل ~~كان من قرية عند البصرة تعرف بالبرمكية. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وأربعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر فتنة الأتراك ببغداد # في هذه السنة، في المحرم كانت فتنة الأتراك ببغداد. وكان سببها أنهم ~~تخلف لهم على الوزير الذي للملك الرحيم مبلغ كثير من رسومهم، فطالبوه، ~~وألحوا عليه، فاختفى في دار الخلافة، فحضر الأتراك بالديوان وطالبوه، ms3436 وشكوا ~~ما يلقونه منه من المطال بمالهم، فلم يجابوا إلى إظهاره، فعدلوا عن الشكوى ~~منه إلى الشكوى من الديوان، وقالوا: إن أرباب المعاملات قد سكنوا بالحريم، ~~وأخذوا الأموال، وإذا طلبناهم بها يمتنعون بالمقام بالحريم، وانتصب الوزير ~~والخليفة لمنعنا عنهم، وقد هلكنا. فتردد الخطاب منهم، والجواب عنه، فقاموا ~~نافرين، فلما كان الغد ظهر الخبر أنهم على عزم حصر دار الخلافة، فانزعج ~~الناس لذلك، وأخفوا أموالهم، وحضر البساسيري دار الخلافة، وتوصل إلى معرفة ~~خبر الوزير، فلم يظهر له على خبر، فطلب من داره ودور من يتهم به، وكبست ~~الدور، فلم يظهروا له على خبر. وركب جماعة من الأتراك إلى دار الروم ~~فنهبوها، وأحرقوا البيع والقلايات، ونهبوا فيها دار أبي الحسن بن عبيد، ~~وزير البساسيري. وقام أهل نهر المعلى، وباب الأزج، وغيرهما من المحال، في ~~منافذ الدروب لمنع الأتراك، وانخرق الأمر، ونهب الأتراك كل من ورد إلى ~~بغداد، فغلت الأسعار، وعدمت الأقوات، وأرسل إليهم الخليفة ينهاهم، فلم ~~ينتهوا، فأظهر أنه يريد الانتقال عن بغداد، فلم يزجروا. هذا جميعه ~~والبساسيري غير راض بفعلهم، وهو مقيم بدار الخليفة. وتردد الأمر إلى أن ظهر ~~الوزير، وقام لهم الباقي من مالهم من ماله، وأثمان دوابه، وغيرها، ولم ~~يزالوا في خبط وعسف، فعاد طمع الأكراد والأعراب أشد منه أولا، وعاودوا ~~الغارة والنهب والقتل، فخربت البلاد وتفرق أهلها. وانحدر أصحاب قريش بن ~~بدران من الموصل طامعين، فكبسوا حلل كامل ابن محمد بن المسيب، وهي ~~بالبردان، فنهبوها، وبها دواب، وجمال بخاتي للبساسيري، فأخذوا الجميع ووصل ~~الخبر إلى بغداد، فازداد خوف الناس من العامة والأتراك، وعظم انحلال أمر ~~السلطنة بالكلية، وهذا من ضرر الخلاف. ### || AUT ذكر استيلاء طغرلبك على أذربيجان # ### || AUT وغزو الروم # PageV04P0263 # في هذه السنة سار طغرلبك إلى أذربيجان، فقصد تبريز، وصاحبها الأمير أبو ~~منصور وهسوذان بن محمد الروادي، فأطاعه وخطب له وحمل إليه ما أرضاه به، ~~وأعطاه ولده رهينة، فسار طغرلبك عنه إلى الأمير أبي الأسوار، صاحب جنزة، ~~فأطاعه أيضا وخطب له، وكذلك سائر تلك النواحي أرسلوا إليه يبذلون ms3437 الطاعة ~~والخطبة. وانقادت العساكر إليه، فأبقى بلادهم عليهم، وأخذ رهائنهم وسار إلى ~~أرمينية، وقصد ملازكرد، وهي للروم، فحصرها وضيق على أهلها، ونهب ما جاورها ~~من البلاد وأخربها، وهي مدينة حصينة، فأرسل إليه نصر الدولة بن مراون، صاحب ~~ديار بكر، الهدايا الكثيرة والعساكر، وقد كان خطب له قبل هذا الوقت وأطاعه، ~~وأثر السلطان طغرلبك، في غزو الروم، آثارا عظيمة، ونال منهم من النهب ~~والقتل والأسر شيئا كثيرا. وبلغ في غزوته هذه إلى أرزن الروم، وعاد إلى ~~أذربيجان، لما هجم الشتاء، من غير أن يملك ملازكرد، وأظهر أنه يقيم إلى أن ~~ينقضي الشتاء، ويعود يتم غزاته، ثم توجه إلى الري فأقام بها إلى أن دخلت ~~سنة سبع وأربعين وعاد نحو العراق، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر محاربة بني خفاجة وهزيمتهم # في هذه السنة، في رجب، قصد بنو خفاجة الجامعين، وأعمال نور الدولة دبيس، ~~ونهبوا وفتكوا في أهل تلك الأعمال، وكان نور الدولة شرقي الفرات، وخفاجة ~~غربيها، فأرسل نور الدولة إلى البساسيري يستنجده، فسار إليه، فلما وصل عبر ~~الفرات من ساعته، وقاتل خفاجة وأجلاهم عن الجامعين، فانهزموا منه ودخلوا ~~البر، فلم يتبعهم، وعاد عنهم، فرجعوا إلى الفساد، فاستعد لسلوك البر خلفهم ~~أين قصدوا، وعطف نحوهم قاصدا حربهم، فدخلوا البر أيضا، فتبعهم فلحقهم ~~بخفان، وهو حصن بالبر، فأوقع بهم، وقتل منهم، ونهب أموالهم وجمالهم وعبيدهم ~~وإماءهم، وشردهم كل مشرد، وحصر خفان ففتحه وخربه، وأراد تخريب القائم به، ~~وهو بناء من آجر وكلس، وصانع عنه صاحبه ربيعة بن مطاع بمال بذله، فتركه ~~وعاد إلى البلاد. وهذا القائم قيل إنه كان علما يهتدي به السفن، لما كان ~~البحر يجيء إلى النجف، ودخل بغداد ومعه خمسة وعشرون رجلا من خفاجة، عليهم ~~البرانس، وقد شدهم بالحبال إلى الجمال، وقتل منهم جماعة، وصلب جماعة، وتوجه ~~إلى حربى فحصرها، وقرر، وقرر على أهلها تسعة آلاف دينار وأمنهم. ### || AUT ذكر استيلاء قريش على الأنبار # ### || AUT والخطبة لطغرلبك بأعماله # في شعبان من هذه السنة حصر الأمير أبو المعالي ms3438 قريش بن بدران، صاحب ~~الموصل، مدينة الأنبار وفتحها، وخطب لطغرلبك فيها وفي سائر أعماله، ونهب ما ~~كان فيها للبساسيري وغيره، ونهب حلل أصحابه بالخالص،وفتحوا بثوقه، وامتعض ~~البساسيري من ذلك، وجمع جموعا كثيرة، وقصد الأنبار وحربى فاستعادهما، على ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر وفاة القائد ابن حماد # ### || AUT وما كان من أهله بعده # في هذه السنة، في رجب، توفي القائد ابن حماد، وأوصى إلى ولده محسن، ~~وأوصاه بالإحسان إلى عمومته، فلما مات خالف ما أمره به، وأراد عزل جميعهم، ~~فلما سمع عمه يوسف بن حماد بما عزم عليه خالفه، وجمع عظيما وبنى قلعة في ~~جبل منيع وسماها الطيارة. ثم محسنا قتل من عموممته أربعة، فازداد يوسف ~~نفورا، وكان ابن عمه بلكين بن محمد في بلده أفريون، فكتب إليه محسن ~~يستدعيه، فسار إليه، فلما قرب منه أمر محسن رجالا من العرب أن يقتلوه، فلما ~~خرجوا قال لهم أميرهم خليفة بن مكن: إن بلكين لم يزل محسنا إلينا، فكيف ~~نقتله؟ فأعلموه ما أمرهم به محسن، فخاف، فقال له خليفة: لا تخف، وإن كنت ~~تريد قتل محسن فأنا أقتله لك. فاستعد بلكين لقتاله، وسار إليه، فلما علم ~~محسن بذلك وكان قد فارق القلعة عاد هاربا إليها، فأدركه بلكين فقتله، وملك ~~القلعة وولي الأمر، وكان ملكه القلعة سنة سبع وأربعين وأربعمائة. ### || AUT ذكر ابتداء الوحشة بين البساسيري والخليفة # في شهر رمضان من هذه السنة ابتدأت الوحشة بين الخليفة والبساسيري. ~~PageV04P0264 # وسبب ذلك ذلك أن أبا الغنائم وأبا سعد ابني المحلبان، صاحبي قريش بن ~~بدران، وصلا إلى بغداد سرا، فامتعض البساسيري من ذلك، وقال: هؤلاء وصاحبهم ~~كبسوا حلل أصحابي، ونهبوا، وفتحوا البثوق، وأسرفوا في إهلاك الناس، وأراد ~~أخذهم فلم يمكن منهم، فمضى إلى حربي، وعاد ولم يقصد دار الخلافة على عادته، ~~فنسب ذلك إلى رئيس الرؤساء. واجتازت به سفينة لبعض أقارب رئيس الرؤساء، ~~فمنعها وطالب بالضريبة التي عليها، وأسقط مشاهرات الخليفة من دار الضرب، ~~كذلك مشاهرات رئيس الرؤساء، وحواشي الدار، وأراد هدم دور بني ms3439 المحلبان، ~~فمنع منه، فقال: ما أشكو إلا من رئيس الرؤساء الذي قد خرب البلاد وأطمع ~~الغز وكاتبهم. ودام ذلك إلى ذي الحجة، فسار البساسيري إلى الأنبار، وأحرق ~~ناحيتي دما، والفلوجة، وكان أبو الغنائم بن المحلبان بالأنبار قد أتاها من ~~بغداد، وورد نور الدولة دبيس إلى البساسيري، معاونا له على حصرها، ونصب ~~البساسيري عليها المجانيق، فهدم برجا، ورماهم بالنفط فأحرق أشياء كان قد ~~أعدها أهل البلد لقتاله، ودخلها قهرا، فأسر مائة نفس من بني خفاجة، وأسر ~~أبا الغنائم بن المحلبان، فأخذ وقد ألقى نفسه في الفرات، ونهب الأنبار وأسر ~~من أهلها خمسمائة رجل، وعاد إلى بغداد وبين يديه أبو الغنائم على جمل، ~~وعليه قميص أحمر، وعلى رأسه برنس، وفي رجليه قيد، وأراد صلبه وصلب من معه ~~من الأسرى، فسأله نور الدولة أن يؤخر ذلك حتى يعود، وأتى البساسيري إلى ~~مقابل التاج، فقبل الأرض، وعاد إلى منزله، وترك أبا الغنائم لم يصلبه، وصلب ~~جماعة من الأسرى، فكان هذا أول الوحشة. ### || AUT ذكر وصول الغز إلى الدسكرة وغيرها # في شوال من هذه السنة وصل إبراهيم بن إسحاق، وهو من الأمراء الغزية ~~السلجوقية، إلى الدسكرة، وكان مقيما بحلوان، فلما وصل إليها قاتله أهلها، ~~ثم ضعفوا وعجزوا وهربوا متفرقين، ودخل الغز البلد فنهبوه أقبح نهب، وضربوا ~~النساء وأولادهن، فاستخرجوا بذلك أموالا كثيرة، وساروا إلى روشنقباذ ~~لفتحها، وهي بيد سعدي، وأمواله فيها وفي قلعة البردان. وكان سعدي قد فارق ~~طاعة السلطان طغرلبك، على ما ذكرناه، فلم يفتحها وأجلى أهل تلك البلاد، ~~وخربت القرى، ونهبت أموال أهلها. وسار طائفة أخرى من الغز إلى نواحي ~~الأهواز وأعمالها، فنهبوها واجتاحوا أهلها، وقوي طمع الغز في البلاد وانخذل ~~الديلم ومن معهم من الأتراك، وضعفت نفوسهم. ثم سير طغرلبك الأمير أبا علي ~~ابن الملك أبي كاليجار، الذي كان صاحب البصرة، في جيش من الغز إلى خوزستان ~~ليملكها، فوصل سابور خواست، وكاتب الديلم الذين بالأهواز يدعوهم إلى طاعته، ~~ويعدهم الإحسان إن أجابوا، والعقوبة إن امتنعوا، فمنهم من أطاع، ومنهم من ~~خالف، فسار ms3440 إلى الأهواز فملكها واستولى عليها، ولم يعرض لأحد في مال ولا ~~غيره، فلم يوافقه الغز على ذلك، ومدوا أيديهم إلى النهب والغارة والمصادرة، ~~ولقي الناس منهم عنتا وشدة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كثرت الصراصر ببغداد، حتى كان يسمع لها بالليل دوي كدوي ~~الجراد إذا طار. وفيها، في ذي الحجة، توفي أبو حسان المقلد بن بدران أخو ~~قريش ابن بدران، صاحب الموصل. وفيها، في شوال، توفي قسطنطين ملك الروم، زوج ~~تذورة بنت قسطنطين، الموسومة بالملك، وإنما ملك قسطنطين هذا حيث تزوجها. ~~وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبد الله الأصبهاني، ~~المعروف بابن اللبان، الفقيه الشافعي، وهو من أصحاب أبي حامد الأسفراييني، ~~وروى الحديث عن ابن المقري والمخلص وغيرهما. وتوفي فيها أحمد بن عمر بن روح ~~أبو الحسن النهرواني، وله شعر جيد، فمنه أنه سمع رجلا يتغنى وهو يقول: وما ~~طلبوا سوى قتلي، ... فهان علي ما طلبوا فاستوقفه وقال له: أضف إليه: على ~~قلبي الأحبة بال ... تمادي في الهوى غلبوا وبالهجران من عيني ... طيب النوم ~~قد سلبوا وما طلبوا سوى قتلي، ... فهان علي ما طلبوا ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وأربعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر استيلاء الملك الرحيم على شيراز # ### || AUT وقطع خطبة طغرلبك فيها # PageV04P0265 # في هذه السنة، في المحرم، سار قائد كبير من الديلم، يسمى فولاذ، وهو صاحب ~~قلعة إصطخر، إلى شيراز، فدخلها وأخرج عنها الأمير أبا منصور فولاستون، ابن ~~الملك أبي كاليجار، فقصد فيروزاباذ وأقام بها. وقطع فولاذ خطبة السلطان ~~طغرلبك في شيراز، وخطب للملك الرحيم، ولأخيه أبي سعد، وكاتبهما يظهر لهما ~~الطاعة، فعلما أنه يخدعهما بذلك، فسار إليه أبو سعد، وكان بأرجان، ومعه ~~عساكر كثيرة، واجتمع هو وأخوه الأمير أبو منصور على قصد شيراز ومحاصرتها ~~على قاعدة استقرت بينهما في طاعة أخيهما الملك الرحيم، فتوجها نحوها فيمن ~~معهما من العساكر، وحصرا فولاذ فيها. وطال الحصار إلى أن عدم القوت فيها، ~~وبلغ السعر سبعة أرطال حنطة بدينار ومات أهلها جوعا، وكان من بقي فيها ms3441 نحو ~~ألف إنسان، وتعذر المقام في البلد على فولاذ، فخرج هاربا مع من في صحبته من ~~الديلم إلى نواحي البيضاء وقلعة إصطخر، ودخل الأمير أبو سعد، والأمير أبو ~~منصور شيراز، وعساكرهما، وملكوها، وأقاموا بها. ### || AUT ذكر قتل أبي حرب بن مروان صاحب الجزيرة # في هذه السنة قتل الأمير أبو حرب سليمان بن نصر الدولة بن مروان، وكان ~~والده قد سلم إليه الجزيرة وتلك النواحي ليقيم بها ويحفظها، وكان شجاعا، ~~مقداما، فاستبد بالأمر، واستولى عليه، فجرى بينه وبين الأمير موسك ابن ~~المجلى ابن زعيم الأكراد البختية، وله حصون منيعة شرقي الجزيرة، نفرة. ثم ~~راسله أبو حرب واستماله، وسعى أن يزوجه ابنه الأمير أبي طاهر البشنوي، صاحب ~~قلعة فنك وغيرها من الحصون، وكان أبو طاهر هذا ابن أخت نصر الدولة بن ~~مروان، فلم يخالف أبو طاهر، صاحب فنك، أبا حرب في الذي أشار به من تزويج ~~الأمير موسك، فزوجه ابنته ونقلها إليه، فاطمأن حينئذ موسك، وسار إلى ~~سليمان، فغدر به، وقبض عليه وحبسه. ووصل السلطان طغرلبك إلى تلك الأعمال ~~لما توجه إلى غزو الروم، على ما ذكرناه فأرسل إلى نصر الدولة يشفع في موسك، ~~فأظهر أنه توفي، فشق ذلك علي حميه أبي طاهر البشنوي، وأرسل إلى نصر الدولة ~~وابنه سليمان فقال لهما: حيث أردتما قتله، فلم جعلتما ابنتي طريقا إلى ذلك، ~~وقلدتموني العار؟ وتنكر لهما، وخافه أبو حرب، فوضع عليه من سقاه سما فقتله. ~~وولي بعده ابنه عبيد الله، فأظهر له أبو حرب المودة استصلاحا له، وتبرؤا ~~إليه من كل ما قيل عنه، واستقر الأمر بينهما على الاجتماع وتجديد الأيمان، ~~فنزلوا من فنك، وخرج إليهم أبو حرب من الجزيرة في نفر قليل فقتلوه. وعرف ~~والده ذلك، فأقلقه وأزعجه، وأرسل ابنه نصرا إلى الجزيرة ليحفظ تلك النواحي، ~~ويأخذ بثأر أخيه، وسير معه جيشا كثيفا. وكان الأمير قريش بن بدران، صاحب ~~الموصل، لما سمع قتل أبي حرب انتهز الفرصة وسار إلى الجزيرة ليملكها، وكاتب ~~البختية والبشنوية، واستمالهم، فنزلوا إليه واجتمعوا معه على قتال نصر ms3442 بن ~~مروان، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا كثر فيه القتلى، وصبر الفريقان، فكانت ~~الغلبة أخيرا لابن مروان، وجرح قريش جراحة قوية بزوبين رمي به، وعاد عنه، ~~وثبت أمر ابن مروان بالجزيرة، وعاود مراسلة البشنوية والبختية، واستمالهم ~~لعله يجد فيهم طمعا، فلم يطيعوه. ### || AUT ذكر وثوب الأتراك ببغداد بأهل البساسيري # ### || AUT والقبض عليه ونهب دوره وأملاكه وتأكد الوحشة بينه وبين رئيس الرؤساء # في هذه السنة ثارت فتنة ببغداد بالجانب الشرقي بين العامة، وثار جماعة ~~من أهل السنة، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحضروا الديوان، ~~وطلبوا أن يؤذن لهم في ذلك، وأن يتقدم إلى أصحاب الديوان بمساعدتهم، ~~فأجيبوا إلى ذلك، وحدث من ذلك شر كثير. ثم إن أبا سعد النصراني، صاحب ~~البساسيري، حمل في سفينة ستمائة جرة خمرا ليحدرها إلى البساسيري بواسط، في ~~ربيع الآخر، فحضر ابن سكرة الهاشمي وغيره من الأعيان في هذا الباب، وتبعهم ~~خلق كثير، وحاجب باب المراتب من قبل الديوان، وقصدوا السفينة، وكسروا جرار ~~الخمر وأراقوها. PageV04P0266 # وبلغ ذلك البساسيري، فعظم عليه، ونسبه إلى رئيس الرؤساء، وتجددت الوحشة، ~~فكتب فتاوى أخذ فيها خطوط الفقهاء الحنفية بأن الذي فعل من كسر الجرار ~~وإراقة الخمر تعد غير واجب، وهي ملك رجل نصراني، لا يجوز، وتردد القول في ~~هذا المعنى، فتأكدت الوحشة من الجانبين، ووضع رئيس الرؤساء الأتراك ~~البغداديين على ثبل البساسيري والذم له، ونسب كل ما يجري عليهم من نقض ~~إليه، فطمعوا فيه، وسلكوا في هذا المعنى زيادة على ما أراد رئيس الرؤساء، ~~وتمادت الأيام إلى رمضان، فحضروا دار الخليفة، واستأذنوا في قصد دور ~~البساسيري ونهبها، فأذن لهم في ذلك، فقصدوها ونهبوها وأحرقوها، ونكلوا ~~بنسائه وأهله ونوابه، ونهبوا دوابه وجميع ما يملكه ببغداد. وأطلق رئيس ~~الرؤساء لسانه في البساسيري وذمه، ونسبه إلى مكاتبة المستنصر، صاحب مصر، ~~وأفسد الحال مع الخليفة إلى حد لا يرجى صلاحه، وأرسل إلى الملك الرحيم ~~يأمره بإبعاد البساسيري، فأبعده، وكانت هذه الحالة من أعظم الأسباب في ملك ~~السلطان طغرلبك العراق، وقبض الملك الرحيم، وسيرد من ذلك ما ms3443 تراه إن شاء ~~الله تعالى. ### || AUT ذكر وصول طغرلبك إلى بغداد # ### || AUT والخطبة له بها # قد ذكرنا قبل مسير طغرلبك إلى الري، بعد عوده من غزو الروم، للنظر في ~~ذلك الطرف، فلما فرغ من الري عاد إلى همذان في المحرم من هذه السنة، وأظهر ~~أنه يريد الحج، وإصلاح طريق مكة، والمسير إلى الشام ومصر، وإزالة المستنصر ~~العلوي صاحبها. وكاتب أصحابه بالدينور وقرميسين وحلوان وغيرها، فأمرهم ~~بإعداد الأقوات والعلوفات. فعظم الإرجاف ببغداد، وفت في أعضاد الناس، وشغب ~~الأتراك ببغداد، وقصدوا ديوان الخلافة. ووصل السلطان طغرلبك إلى حلوان، ~~وانتشر أصحابه في طريق خراسان، فأجفل الناس إلى غربي بغداد، وأخرج الأتراك ~~خيامهم إلى ظاهر بغداد. وسمع الملك الرحيم بقرب طغرلبك من بغداد، فأصعد من ~~واسط إليها، وفارقه البساسيري في الطريق لمراسلة وردت من القائم في معناه ~~إلى الملك الرحيم أن البساسيري خلع الطاعة، وكاتب الأعداء، يعني المصريين، ~~وأن الخليفة له على الملك عهود، وله على الخليفة مثلها، فإن آثره فقد قطع ~~ما بينهما، وإن أبعده وأصعد إلى بغداد تولى الديوان تدبير أمره، فقال الملك ~~الرحيم ومن معه: نحن لأوامر الديوان متبعون، وعنه منفصلون. وكان سبب ذلك ما ~~ذكر. وسار البساسيري إلى بلد نور الدولة دبيس بن مزيد المصاهرة بينهما، ~~وأصعد الملك الرحيم إلى بغداد. وأرسل طغرلبك رسولا إلى الخليفة يبالغ في ~~إظهار الطاعة والعبودية، وإلى الأتراك البغداديين يعدهم الجميل والإحسان. ~~فأنكر الأتراك ذلك، وراسلوا الخليفة في المعنى، وقالوا: إننا فعلنا ~~بالبساسيري ما فعلناه، وهو كبيرنا، ومقدمنا، بتقدم أمير المؤمنين، ووعدنا ~~أمير المؤمنين بإبعاد هذا الخصم عنا، ونراه قد قرب منا، ولم يمنع من ~~المجيء. وسألوا التقدم عليه في العود، فغولطوا في الجواب، وكان رئيس ~~الرؤساء يؤثر مجيئه، ويختار انقراض الدولة الديلمية. ثم إن الملك الرحيم ~~وصل بغداد منتصف رمضان، وأرسل إلى الخليفة يظهر العبودية، وأنه قد سلم أمره ~~إليه ليفعل ما تقتضيه العواطف معه في تقرير القواعد مع السلطان طغرلبك، ~~وكذلك قال من مع الرحيم من الأمراء، فأجيبوا بأن المصلحة أن يدخل الأجناد ms3444 ~~خيامهم من ظاهر بغداد، وينصبوها بالحريم، ويرسلوا رسولا إلى طغرلبك يبذلون ~~له الطاعة والخطبة، فأجابوا إلى ذلك وفعلوه، وأرسلوا رسلا إليه، فأجابهم ~~إلى ما طلبوا، ووعدهم الإحسان إليهم. وتقدم الخليفة إلى الخطباء بالخطبة ~~لطغرلبك بجوامع بغداد، فخطب له يوم الجمعة لثمان بقين من رمضان من السنة، ~~وأرسل طغرلبك يستأذن الخليفة في دخول بغداد، فأذن له، فوصل إلى النهروان، ~~وخرج الوزير رئيس الرؤساء إلى لقائه في موكب عظيم من القضاة، والنقباء، ~~والأشراف، والشهود، والخدم، وأعيان الدولة، وصحبه أعيان الأمراء من عسكر ~~الرحيم. فلما علم طغرلبك بهم أرسل إلى طريقهم الأمراء، ووزيره أبا نصر ~~الكندري، فلما وصل رئيس الرؤساء إلى السلطان أبلغه رسالة الخليفة، واستخلفه ~~للخليفة، وللملك الرحيم، وأمراء الأجناد، وسار طغرلبك ودخل بغداد يوم ~~الاثنين لخمس بقين من الشهر، ونزل بباب الشماسية، ووصل إليه قريش بن بدران، ~~صاحب الموصل، وكان في طاعته قبل هذا الوقت على ما ذكرناه. PageV04P0267 ### || AUT ذكر وثوب العامة ببغداد بعسكر طغرلبك # ### || AUT وقبض الملك الرحيم # لما وصل السلطان طغرلبك بغداد دخل عسكره البلد للامتيار، وشراء ما ~~يريدونه من أهلها، وأحسنوا معاملتهم، فلما كان الغد، وهو يوم الثلاثاء، جاء ~~بعض العسكر إلى باب الأزج، وأخذ واحدا من أهله ليطلب منه تبنا، وهو لا يفهم ~~ما يريدون، فاستغاث عليهم، وصاح العامة بهم ورجموهم، وهاجموا عليهم. وسمع ~~الناس الصياح، فظنوا أن الملك الرحيم وعسكره قد عزموا على قتال طغرلبك، ~~فارتج البلد من أقطاره، وأقبلوا من كل حدب ينسلون، يقتلون من الغز من وجد ~~في محال بغداد، إلا أهل الكرخ فإنهم لم يتعرضوا إلى الغز، بل جمعوهم ~~وحفظوهم. وبلغ السلطان طغرلبك ما فعله أهل الكرخ من حماية أصحابه، فأمر ~~بإحسان معاملتهم. فأرسل عميد الملك، الوزير، إلى عدنان بن الرضي، نقيب ~~العلويين، يأمره بالحضور، فحضر، فشكره عن السلطان، وترك عنده خيلا بأمر ~~السلطان تحرسه وتحرس المحلة. وأما عامة بغداد فلم يقنعوا بما عملوا، حتى ~~خرجوا ومعهم جماعة من العسكر إلى ظاهر بغداد، يقصدون العسكر السلطاني، فلو ~~تبعهم الملك الرحيم وعسكره لبلغوا ما ms3445 أرادوا، لكن تخلفوا، ودخل أعيان ~~أصحابه إلى دار الخلافة، وأقاموا بها نفيا للتهمة عن أنفسهم، ظنا منهم أن ~~ذلك ينفعهم. وأما عسكر طغرلبك فلما رأوا فعل العامة وظهورهم من البلد ~~قاتلوهم فقتل بين الفريقين جمع كثير، وانهزمت العامة، وجرح فيهم وأسر كثير، ~~ونهب الغز درب يحيى، ودرب سليم، وبه دور رئيس الرؤساء ودور أهله، فنهب ~~الجميع، ونهب الرصافة، وترب الخلفاء، وأخذ منها من الأموال ما لا يحصى، لأن ~~أهل تلك الأصقاع نقلوا إليها أموالهم اعتقادا منهم أنها محترمة. ووصل النهب ~~إلى أطراف نهر المعلى واشتد البلاء على الناس وعظم الخوف، ونقل الناس ~~أموالهم إلى باب النوبي، وباب العامة، وجامع القصر، فتعطلت الجمعات لكثرة ~~الزحمة. وأرسل طغرلبك من الغد إلى الخليفة يعتب، وينسب ما جرى إلى الملك ~~الرحيم وأجناده، ويقول: إن حضروا برئت ساحتهم، وإن تأخروا عن الحضور أيقنت ~~أن ما جرى إنما كان بوضع منهم. وأرسل للملك الرحيم وأعيان أصحابه أمانا ~~لهم، فتقدم إليهم الخليفة بقصده، فركبوا إليه، وأرسل الخليفة معهم رسولا ~~يبرئهم مما خامر خاطر السلطان، فلما وصلوا إلى خيامه نهبهم الغز، ونهبوا ~~رسل الخليفة معهم، وأخذوا دوابهم وثيابهم. ولما دخل الملك الرحيم إلى خيمة ~~السلطان أمر بالقبض عليه وعلى من معه، فقبضوا كلهم آخر شهر رمضان، وحبسوا، ~~ثم حمل الرحيم إلى قلعو السيروان، وكانت ولاية الملك الرحيم على بغداد ست ~~سنين وعشرة أيام، ونهب أيضا قريش بن بدران، صاحب الموصل، ومن معه من العرب، ~~ونجا مسلوبا، فاحتمى بخيمة بدر بن المهلهل، فألقوا عليه الزلالي حتى أخفوه ~~بها عن الغز. ثم علم السلطان ذلك، فأرسل إليه، وخلع عليه، وأمره بالعود إلى ~~أصحابه وحلله تسكينا له. وأرسل الخليفة إلى السلطان ينكر ما جرى من قبض ~~الرحيم وأصحابه، ونهب بغداد، ويقول: إنهم إنما خرجوا إليك بأمري وأماني، ~~فإن أطلقتهم، وإلا فأنا أفارق بغداد، فإني إنما اخترتك واستدعيتك اعتقادا ~~مني أن تعظيم الأوامر الشريفة يزداد، وحرمه الحريم تعظم، وأرى الأمر بالضد. ~~فأطلق بعضهم، وأخذ جميع إقطاعات عسكر الرحيم، وأمرهم بالسعي في أرزاق ms3446 ~~يحصلونها لأنفسهم. فتوجه كثير منهم إلى البساسيري ولزموه، فكثر جمعه ونفق ~~سوقه. وأمر طغرلبك بأخذ أموال الأتراك البغداديين، وأرسل إلى نور الدولة ~~دبيس يأمره بإبعاد البساسيري عنه، ففعل، فسار إلى رحبة مالك الشام، على ما ~~نذكره، وكاتب المستنصر، صاحب مصر، بالدخول في طاعته. وخطب نور الدولة ~~طغرلبك في بلاده، وانتشر الغز السلجوقية في سواد بغداد، فنهبوا من الجانب ~~الغربي من تكريت إلى النيل ومن الشرقي إلى النهروان وأسافل الأعمال، ~~وأسرفوا في النهب، حتى بلغ ثمن الثور ببغداد خمسة قراريط إلى عشرة، والحمار ~~بقيراطين إلى خمسة، وخرب السواد، وأجلى أهله عنه. PageV04P0268 # وضمن السلطان طغرلبك البصرة والأهواز من هزارسب بن بنكير بن عياض ~~بثلاثمائة ألف وستين ألف دينار، وأقطعه أرجان، وأمره أن يخطب لنفسه ~~بالأهواز، دون الأعمال التي ضمنها، وأقطع الأمير أبا علي بن أبي كاليجار ~~الملك قرميسين وأعمالها، وأمر أهل الكرخ أن يؤذنوا في مساجدهم سحرا: الصلاة ~~خير من النوم، وأمر بعمارة دار المملكة، فعمرت، وزيد فيها، وانتقل إليها في شوال. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وقعت الفتنة بين الفقهاء الشافعية والحنابلة ببغداد، ومقدم ~~الحنابلة أبو علي بن الفراء، وابن التميمي، وتبعهم من العامة الجم الغفير، ~~وأنكروا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنعوا من الترجيع في الأذان، ~~والقنوت في الفجر، ووصلوا إلى ديوان الخليفة، ولم ينفصل حال، وأتى الحنابلة ~~إلى مسجد بباب الشعير، فنهوا إمامه عن الجهر بالبسملة، فأخرج مصحفا وقال: ~~أزيلوها من المصحف حتى لا أتلوها. وفيها كان بمكة غلاء شديد، وبلغ الخبز ~~عشرة أرطال بدينار مغربي، ثم تعذر وجوده، فأشرف الناس والحجاج على الهلاك، ~~فأرسل الله تعالى عليهم من الجراد ما ملأ الأرض فتعوض الناس به، ثم عاد ~~الحاج فسهل الأمر على أهل مكة، وكان سبب هذا الغلاء عدم زيادة النيل بمصر ~~عن العادة، فلم يحمل منها الطعام إلى مكة. وفيها ظهر باليمن إنسان يعرف ~~بأبي كامل علي بن محمد الصليحي، واستولى على اليمن، وكان معلما، فجمع إلى ~~نفسه جمعا، وانتمى إلى صاحب مصر، وتظاهر بطاعته، فكثر ms3447 جمعه وتبعه، واستولى ~~على البلاد، وقوي على ابن سادل وابن الكريدي المقيمين بها على طاعة القائم ~~بأمر الله، وكان يتظاهر بمذهب الباطنية. وفيها خطب محمود الخفاجي للمستنصر ~~العلوي، صاحب مصر، بشفاثا والعين، وصار في طاعته. وفيها، في شوال، توفي ~~قاضي القضاة أبو عبد الله الحسين بن علي بن ماكولا، ومولده سنة ثمان وستين ~~وثلاثمائة، وبقي في القضاء سبعا وعشرين سنة، وكان شافعيا، ورعا، نزها، ~~أمينا، وولي بعده أبو عبد الله محمد بن علي بن الدامغاني الحنفي. وفيها، في ~~ذي القعدة، توفي ذخيرة الدين أبو العباس محمد ابن أمير المؤمنين، ومولده في ~~جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. وفيها قبض الملك الرحيم قبل وصول ~~طغرلبك إلى بغداد على الوزير أبي عبد الله عبد الرحمن بن الحسين بن عبد ~~الرحيم، وطرح في بئر في دار المملكة، وطم عليه، وكان وزيرا متحكما في ~~دولته. وفيها، في المحرم، توفي القاضي أبو القاسم علي بن المحسن بن علي ~~التنوخي، ومولده بالبصرة سنة خمس وستين وثلاثمائة، وخلف ولدا صغيرا، وهو ~~أبو الحسن محمد بن علي، ثم توفي في شوال سنة أربع وتسعين وأربعمائة، وانقرض ~~بيته بموته، قال القاضي أبو عبد الله بن الدامغاني: دخلت على أبي القاسم ~~قبل موته بقليل، فأخرج إلي ولده هذا من جاريته وبكى فقلت: تعيش إن شاء الله ~~وتربيه، فقال: هيهات! والله ما يتربى إلا يتيما، وأنشد: أرى ولد الفنى كلا ~~عليه، ... لقد سعد الذي أمسى عقيما فإما أن تربيه عدوا، ... وإما أن تخلفه ~~يتيما فتربى يتيما كما قال. وفي جمادى الأولى توفي أبو محمد الحسن بن رجاء ~~الدهان اللغوي. وفي جمادى الآخرة فيها توفي أبو القاسم منصور بن حمزة بن ~~إبراهيم الكرخي من كرخ جدان، الفقيه الشافعي. وفي رجب توفي أبو نصر أحمد بن ~~محمد الثابتي، الفقيه الشافعي، وهما من شيوخ أصحاب أبي حامد الأسفراييني. ~~وفي شعبان توفي أبو البركات حسين بن علي بن عيسى الربعي النحوي، وكان ينوب ~~عن الوزراء ببغداد. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر ms3448 نكاح الخليفة ابنة داود أخي طغرلبك # في هذه السنة، في المحرم، جلس أمير المؤمنين القائم بأمر الله جلوسا ~~عاما، وحضر عميد الملك الكندري، وزير طغرلبك، وجماعة من الأمراء منهم: أبو ~~علي ابن الملك أبي كاليجار، وهزارسب بن بنكير بن عياض الكردي، وابن أبي ~~الشوك، وغيرهم من الأمراء الأتراك من عسكر طغرلبك. PageV04P0269 # وقام عميد الملك، وزير طغرلبك، وبيده دبوس، ثم خطب رئيس الرؤساء وعقد ~~العقد على أرسلان خاتون، واسمها خديجة ابنة داود أخي السلطان طغرلبك، وقبل ~~الخليفة بنفسه النكاح، وحضر العقد نقيب النقباء أبو علي بن أبي تمام، ~~وعدنان ابن الشريف الرضي، نقيب العلويين، وأقضى القضاة الماوردي، وغيرهم، ~~وأهديت خاتون إلى الخليفة في هذه السنة أيضا في شعبان، وكانت والدة الخليفة ~~قد سارت ليلا وتسلمتها وأحضرتها إلى الدار. ### || AUT ذكر الحرب بين عبيد المعز بن باديس وعبيد ابنه تميم # في هذه السنة وقعت الحرب بين عبيد المعز، المقيمين بالمهدية، وعبيد ابنه ~~تميم، بسبب منازعة أدت إلى المقاتلة، فقامت عامة زويلة وسائر من بها من ~~رجال الأسطول مع عبيد تميم، فأخرجوا عبيد المعز، وقتل منهم كثير، ومضى ~~الباقون منهم يريدون المسير إلى القيروان، فوضع عليهم تميم العرب، فقتلوا ~~منهم جمعا غفيرا، وهذه النوبة هي سبب قتل تميم من قتل من عبيد أبيه لما ملك. ### || AUT ذكر ابتداء دولة الملثمين # في هذه السنة كان ابتداء أمر الملثمين، وهم عدة قبائل ينسبون إلى حمير، ~~أشهرها: لمتونة، ومنها أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، وجدالة ولمطة. ~~وكان أول مسيرهم من اليمن، أيام أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، فسيرهم إلى ~~الشام وانتقلوا إلى مصر، ودخلوا المغرب مع موسى بن نصير، وتوجهوا مع طارق ~~إلى طنجة، فأحبوا الانفراد، فدخلوا الصحراء واستوطنوها إلى هذه الغاية. ~~فلما كان هذه السنة توجه رجل منهم، اسمه الجوهر، من قبيلة جدالة إلى ~~إفريقية، طالبا للحج، وكان محبا للدين وأهله، فمر بفقيه بالقيراون، وعنده ~~جماعة يتفقهون، قيل: هو أبو عمران الفاسي في غالب الظن، فأصغى الجوهر إليه، ~~وأعجبه حالهم. فلما انصرف ms3449 من الحج قال للفقيه: ما عندنا في الصحراء من هذا ~~شيء غير الشهادتين، والصلاة في بعض الخاصة، فابعث معي من يعلمهم شرائع ~~الإسلام! فأرسل معه رجلا اسمه عبد الله بن ياسين الكزولي، وكان فقيها، ~~صالحا، شهما، فسار معه حتى أتيا قبيلة لمتونة، فنزل الجوهر عن جمله، وأخذ ~~بزمام جمل عبد الله بن ياسين، تعظيما لشريعة الإسلام، فأقبلوا إلى الجوهر ~~يهنئونه بالسلامة، وسألوه عن الفقيه فقال: هذا حامل سنة رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، قد جاء يعلمكم ما يلزم في دين الإسلام. فرحبوا بهما، ~~وأنزلوهما، وقالوا: تذكر لنا شريعة الإسلام، فعرفهم عقائد الإسلام وفرائضه، ~~فقالوا: أما ما ذكرت من الصلاة، والزكاة، فهو قريب، وأما قولك من قتل يقتل، ~~ومن سرق يقطع، ومن زنى يجلد، أو يرجم، فأمر لا نلتزمه، اذهب إلى غيرنا. ~~فرحلا عنهم، فنظر إليهما شيخ كبير فقال: لا بد وأن يكون لهذا الجمل في هذه ~~الصحراء شأن يذكر في العالم. فانتهى الجوهر والفقيه إلى جدالة، قبيل ~~الجوهر، فدعاهم عبد الله بن ياسين والقبائل الذين يجاورونهم إلى حكم ~~الشريعة، فمنهم من أطاع، ومنهم من أعرض وعصى. ثم إن المخالفين لهم تحيزوا، ~~وتجمعوا، فقال ابن ياسين للذين أطاعوا: قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء ~~الذين خالفوا الحق، وأنكروا شرائع الإسلام، واستعدوا لقتالكم، فأقيموا لكم ~~راية، وقدموا عليكم أميرا. فقال الجوهر: أنت الأمير! فقال: لا، إنما أنا ~~حامل أمانة الشريعة، ولكن أنت الأمير. فقال الجوهر: لو فعلت هذا تسلط قبيلي ~~على الناس، ويكون وزر ذلك علي. فقال له ابن ياسين: الرأي أن نولي ذلك أبا ~~بكر بن عمر، رأس لمتونة وكبيرها، وهو رجل سيد، مكشور الطريقة، مطاع في ~~قومه، فهو يستجيب لنا لحب الرئاسة، وتبعه قبيلته، فنتقوى بهم. فأتيا أبا ~~بكر بن عمر، وعرضا ذلك عليه، فأجاب، فعقدوا له البيعة، وسماه ابن ياسين ~~أمير المسلمين، وعادوا إلى جدالة، وجمعوا إليهم من حسن إسلامه، وحرضهم عبد ~~الله بن ياسين على الجهاد في سبيل الله، وسماهم مرابطين، وتجمع عليهم من ~~خالفهم، فلم يقاتلهم ms3450 المرابطون بل استعان ابن ياسين وأبو بكر بن عمر على ~~أولئك الأشرار بالمصلحين من قبائلهم، فاستمالوهم وقربوهم حتى حصلوا منهم ~~نحو ألفي رجل من أهل البغي والفساد، فتركوهم في مكان، وخندقوا عليهم، ~~وحفظوهم، ثم أخرجوهم قوما بعد قوم، فقتلوهم، فحينئذ دانت لهم أكثر قبائل ~~الصحراء، وهابوهم، فقويت شوكة المرابطين. PageV04P0270 # هذا وعبد الله مشتغل بالعلم، وقد صار عنده جماعة من يتفقهون، ولما استبد ~~بالأمر هو وأبو بكر بن عمر عن الجوهر الجدالي وبقي لا حكم له تداخله الحسد، ~~وشرع سرا في فساد الأمر، فعلم بذلك منه وعقد له مجلس، وثبت عليه ما نقل ~~عنه، فحكم عليه بالقتل لأنه نكث البيعة، وشق العصا، وأارد محاربة أهل الحق، ~~فقتل بعد أن صلى ركعتين، وأظهر السرور بالقتل طلبا للقاء الله تعالى. ~~فاجتمعت القبائل على طاعتهم، ومن خالفهم قتلوه. فلما كان سنة خمسين ~~وأربعمائة قحطت بلادهم، فأمر ابن ياسين ضعفاءهم بالخروج إلى السوس وأخذ ~~الزكاة، فخرج منهم نحو تسعمائة رجل، فقدموا سجلماسة، وطلبوا الزكاة، فجمعوا ~~لهم شيئا له قدر وعادوا. ثم إن الصحراء ضاقت عليهم، وأرادوا إظهار كلمة ~~الحق، والعبور إلى الأندلس ليجاهدوا الكفار، فخرجوا إلى السوس الأقصى، فجمع ~~لهم أهل السوس وقاتلوهم، فانهزم المرابطون، وقتل عبد الله بن ياسين الفقيه، ~~فعاد أبو بكر بن عمر فجمع جيشا وخرج إلى السوس في ألفي راكب، فاجتمع من ~~بلاد السوس وزناتة اثنا عشر ألف فارس فأرسل إليهم وقال: افتحوا لنا الطريق ~~لنجوز إلى الأندلس ونجاهد أعداء الإسلام، فأبوا ذلك، فصلى أبو بكر، ودعا ~~الله تعالى، وقال: اللهم إن كنا على الحق فانصرنا، وإلا فأرحنا من هذه ~~الدنيا. ثم قاتلهم وصدق هو وأصحابه القتال، فنصرهم الله تعالى، وهزم أهل ~~السوس ومن معهم وأكثر القتل فيهم، وغنم المرابطون أموالهم وأسلابهم، وقويت ~~نفسه ونفوس أصحابه، وساروا إلى سجلماسة فنزلوا عليها، وطلبوا من أهلها ~~الزكاة، فامتنعوا عليهم، وسار إليهم صاحب سجلماسة فقاتلهم فهزموه وقتلوه، ~~ودخلوا سجلماسة واستولوا عليها، وكان ذلك سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. ### || AUT ذكر ولاية يوسف بن تاشفين # لما ms3451 ملك أبو بكر بن عمر سجلماسة استعمل عليها يوسف بن تاشفين اللمتموني، ~~وهو من بني عمه الأقربين، ورجع إلى الصحراء، فأحسن يوسف السيرة في الرعية، ~~ولم يأخذ منهم سوى الزكاة، فأقام بالصحراء مدة، ثم عاد أبو بكر بن عمر إلى ~~سجلماسة، فأقام بها سنة، والخطبة والأمر والنهي له، واستخلف عليها ابن أخيه ~~أبا بكر بن إبراهيم بن عمر، وجهز مع يوسف ابن تاشفين جيشا من المرابطين إلى ~~السوس ففتح على يديه. وكان يوسف رجل دينا، خيرا، حازما، داهية، مجربا، ~~وبقوا كذلك إلى سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وتوفي أبو بكر بن عمر ~~بالصحراء، فاجتمعت طوائف المرابطين على يوسف بن تاشفين، وملكوه عليهم، ~~ولقبوه أمير المسلمين، وكانت الدولة في بلاد المغرب لزناتة الذين ثاروا في ~~أيام الفتن، وهي دولة ردية، مذمومة، سيئة السيرة، لا سياسة ولاديانة، وكان ~~أمير المسلمين وطائفته على نهج السنة، واتباع الشريعة، فاستغاث به أهل ~~المغرب، فسار إليها وافتتحها حصنا حصنا، وبلدا بلدا بأيسر سعي، فأحبه ~~الرعايا، وصلحت أحوالهم. ثم إنه قصد موضع مدينة مراكش، وهو قاع صفصف، لا ~~عمارة فيه، وهو موضع متوسط في بلاد المغرب كالقيراون في أفريقية، ومراكش ~~تحت جبال المصامدة الذين هم أشد أهل المغرب قوة، وأمنعهم معقلا، فاختط هناك ~~مدينة مراكش ليقوى على قمع أهل تلك الجبال إن هموا بفتنة، واتخذها مقرا، ~~فلم يتحرك أحد بفتنة، وملك البلاد المتصلة بالمجاز مثل سبتة، وطنجة، وسلا، ~~وغيرها، وكثرت عساكره. وخرجت جماعة قبيلة لمتونة وغيرهم، وضيقوا حينئذ ~~لثامهم، وكانوا قبل أن يملكوا يتلثمون في الصحراء من الحر والبرد، كما يفعل ~~العرب، والغالب على ألوانهم السمرة، فلما ملكوا البلاد ضيقوا اللثام. وقيل ~~كان سبب اللثام لهم أن طائفة من لمتونة خرجوا مغيرين على عدو لهم، فخالفهم ~~العدو إلى بيوتهم، ولم يكن بها إلا المشايخ، والصبيان والنساء، فلما تحقق ~~المشايخ أنه العدو أمروا النساء أن يلبسن ثياب الرجال، ويتلثمن، ويضيقنه، ~~حتى لا يعرفن، ويلبسن السلاح. ففعلن ذلك، وتقدم المشايخ والصبيان أمامهن، ~~واستدار النساء بالبيوت، فلما أشرف العدو رأى جمعا ms3452 عظيما، فظنه رجالا، ~~فقال: هؤلاء عند حرمهم يقاتلون عنهن قتال الموت، والرأي أن نسوق النعم ~~ونمضي، فإن اتبعونا قاتلناهم خارجا عن حريمهم. PageV04P0271 # فبينما هم في جميع النعم من المراعي إذ قد أقبل رجال الحي، فبقي العدو ~~بينهم وبين النساء، فقتلوا من العدو فأكثروا، وكان من قتل النساء أكثر، فمن ~~ذلك الوقت جعلوا اللثام سنة يلازمونه، فلا يعرف الشيخ من الشاب، فلا ~~يزيلونه ليلا ولا نهارا، ومما قي في اللثام: قوم لهم درك العلى في حمير، ~~... وإن انتموا صنهاجة بهم هم لما حووا إحراز كل فضيلة، ... غلب الحياء ~~عليهم فتلثموا ### || AUT ذكر تبييض أبي الغنائم بن المحلبان # في هذه السنة بيض علاء الدين أبو الغنائم بن المحلبان بواسط، وخطب فيها ~~للعلويين المصريين. وكان سبب ذلك أن رئيس الرؤساء سعى له في النطر على واسط ~~وأعمالها، فأجيب إلى ذلك، فانحدر إليها ، فصار عنده جماعة من أعيانها، وجند ~~جماعة عظيمة، وتقوى بالبطائحيين، وحفر على الجانب الغربي من واسط خندقا، ~~وبنى عليه سورا، وأخذ ضريبة من سفن أصعدت للخليفة، فسير لحربه عميد العراق ~~أبو نصر، فاقتتلوا، فانهزم ابن المحلبان، وأسر من أصحابه عدد كثير، ووصل ~~أبو نصر إلى السور، فقاتله العامة من على السور. ثم تسلم البلد، وأمر أهله ~~بطم الخندق، وتخريب السور، ثم أصعد إلى بغداد، فلما فارقها عاد إليها ابن ~~فسانجس، ونهب قرية عبد الله، وقتل كل أعمى رآه بواسط، وأعاد خطبة المصريين، ~~وأمر أهل كل محلة بعمارة ما يليهم من السور. ومضى منصور بن الحسين إلى ~~المدار، وأرسل إلى بغداد يطلب المدد، فكتب إليه عميد العراق ورئيس الرؤساء ~~يأمرانه أن يقصد واسطا هو وابن الهيثم، وأن يحاصرها، فأقبلا إليها فيمن ~~معهما وحصروها في الماء والبر، وكان هذا الحصار سنة تسع وأربعين، فاشتد ~~فيها الغلاء حتى بيع التمر، والخبز، وكروش البقر، كل خمسة أرطال بدينار، ~~وإذا وجد الخبازى باعوه كل عشرين رطلا بدينار. ثم ضعفوا وضجروا من الحصار، ~~فخرج ابن فسانجس ليقاتل، فلم يثبت، وقتل جماعة من أصحابه، وانهزموا إلى سور ~~البلد، ms3453 واستأمن جماعة من الواسطيين إلى منصور بن الحسين، وفارق ابن فسانجس ~~واسطا، ومضى إلى قصر ابن أخضر، وسار إليه طائفة من العسكر ليقاتلوه، ~~فأدركوه بقرب النيل، فأسر هو وأهله، وحمل إلى بغداد، فدخلها في صفر سنة تسع ~~وأربعين وشهر على جمل، وعليه قميص أحمر، وعلى رأسه طرطور بودع، وصلب. ### || AUT ذكر الوقعة بين البساسيري وقريش # في هذه السنة، سلخ شوال، كانت وقعة بين البساسيري ومعه نور الدولة دبيس ~~بن مزيد، وبين قريش بن بدران، صاحب الموصل، ومعه قتلمش، وهو ابن عم السلطان ~~طغرلبك، وهو جد هؤلاء الملوك أولاد قلج أرسلان، ومعه أيضا سهم الدولة أبو ~~الفتح بن عمرو، وكانت الحرب عند سنجار، فاقتتلوا، فاشتد القتال بينهم، ~~فانهزم قريش وقتلمش، وقتل من أصحابهما الكثير. ولقي قتلمش من أهل سنجار ~~العنت، وبالغوا في أذاه وأذى أصحابه، وجرح بن بدران، وأتى إلى نور الدولة ~~جريحا، فأعطاه خلعة كانت قد نقذت من مصر، فلبسها وصار في جملتهم، وساروا ~~إلى الموصل، وخطبوا لخليفة مصر بها، وهو المستنصر بالله، وكانوا قد كانبوا ~~الخليفة المصري بطاعتهم، فأرسل إليهم الخلع من مصر للبساسيري، ولنور الدولة ~~دبيس بن مزيد، ولجابر بن ناشب، ولمقبل بن بدران أخي قريش، ولأبي الفتح بن ~~ورام، ونصير بن عمر، وأبي الحسن بن عبد الرحيم، ومحمد بن حماد، وانضاف ~~إليهم قريش بن بدران. ### || AUT ذكر مسير السلطان طغرلبك إلى الموصل # لما طال مقام السلطان طغرلبك ببغداد، وعم الخلق ضرر عسكره، وضاقت عليهم ~~مساكنهم، فإن العساكر نزلوا فيها، وغلبوهم على أقواتهم، وارتكبوا منهم كل ~~محظور، أمر الخليفة القائم بأمر الله وزيره رئيس الرؤساء أن يكتب إلى عميد ~~الملك الكندري، وزير السلطان طغرلبك، يستحضره، فإذا حضر قال له عن الخليفة ~~ليعرف السلطان ما الناس فيه من الجور والظلم، ويعظه، ويذكره، فإن أزال ذلك، ~~وفعل ما أمر الله به، وإلا فيساعد الخليفة الانتزاح عن بغداد ليبعد عن ~~المنكرات. فكتب رئيس الرؤساء إلى الكندري يستدعيه، فحضر، فأبلغه ما أمر به ~~الخليفة، وخرج توقيع من الخليفة إلى السلطان فيه مواعظ، ms3454 فمضى إلى السلطان ~~وعرفه الحال، فاعتذر بكثرة العساكر، وعزه عن تهذيبهم وضبطهم، وأمر عميد ~~الملك أن يبكر بالجواب إلى رئيس الرؤساء، ويعتذر بما ذكره. PageV04P0272 # فلما كان تلك الليلة رأى السلطان في منامه النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~عند الكعبة وكأنه يسلم على النبي وهو معرض عنه لم يلتفت إليه، وقال له: ~~يحكمك الله في بلاده وعباده، فلا تراقبه ولا تستحي من جلاله، عز وجل، في ~~سوء معاملتهم ، وتغير بإهماله عند الجوار عليهم! فاستيقظ فزعا، وأحضر عميد ~~الملك، وحدثه ما رأى، وأرسله إلى الخليفة يعرفه أنه يقابل ما رسم به بالسمع ~~والطاعة، وأخرج الجند من دور العامة، وأمر أن يظهر من كان مختفيا، وأزال ~~التوكيل عمن كان وكل به. فبينما هو على ذلك، وقد عزم على الرحيل عن بغداد ~~للتخفيف عن أهلها، وهو يتردد فيه، إذ أتاه الخبر بهذه الوقعة المتقدمة، ~~فتجهز وسار عن بغداد عاشر ذي القعدة، ومعه خزائن السلاح، والمنجنيقات، وكان ~~مقامه ببغداد ثلاثة عشر شهرا وأياما لم يلق الخليفة فيها، فلما بلغوا أوانا ~~نهبها العسكر، ونهبوا عكبرا وغيرهما. ووصل إلى تكريت فحصرها، وبها صاحبها ~~نصر بن علي بن خميس فنصب على القلعة علما أسود، وبذل مالا، فقبله السلطان، ~~ورحل عنه إلى البوازيج ينتظر جمع العساكر ليسير إلى الموصل، فلما رحل عن ~~تكريت توفي صاحبها، وكانت أمه أميرة بنت غريب بن مقن، فخافت أن يملك البلدة ~~أخوه أبو الغشام، فقتلته وسارت إلى الموصل، فنزلت على دبيس بن مزيد، ~~فتزوجها قريش بن بدران، ولما رحلت عن تكريت استخلفت بها أبا الغنائم ابن ~~المحلبان، فراسل رئيس الرؤساء واستعطفه، فصلح ما بينهما، وسلم تكريت إلى ~~السلطان ورحل إلى بغداد. وأقام السلطان بالبوازيج إلى أن دخلت سنة تسع ~~وأربعين فأتاه أخوه ياقوتي في العساكر، فسار بهم إلى الموصل، وأقطع مدينة ~~بلد هزارسب بن بنكير، فأحفل أهل البلاد إلى بلد، فأراد العسكر نهبهم، ~~فمنعهم السلطان وقال: لا يجوز أن تعرضوا إلى بلد هزارسب، فلجوا وقالوا: ~~نريد الإقامة، فقال السلطان لهزارسب: إن هؤلاء قد احتجوا ms3455 بالإقامة، فأخرج ~~أهل البلد إلى معسكرك لتحفظ نفوسهم. ففعل ذلك، وأخرجهم إليه، فصار البلد ~~بعد ساعة قفرا، وفرق فيهم هزارسب مالا، وأركب من يعجز عن المشي، وسيرهم إلى ~~الموصل ليأمنوا. وتوجه السلطان إلى نصيبين، فقال له هزارسب: قد تمادت ~~الأيام وأرى أن أختار من العسكر ألف فارس أسير بهم إلى البرية، فلعلي أنال ~~من العرب غرضا، فأذن له في ذلك، فسار إليهم، فلما قاربهم كمن لهم كمينين، ~~وتقدم إلى الحلل، فلما رأوه قاتلوه، فصبر لهم ساعة، ثم انزاح بين أيديهم ~~كالمنهزم، فتبعوه، فخرج عليهم الكمينان، فانهزمت العرب، وكثر فيهم القتل ~~وحمل الأسرى إلى السلطان، فلما أحضروا بين يديه قال لهم: هل وطئت لكم أرضا، ~~وأخذت لكم بلدا؟ قالوا: لا! قال: فلم أتيتم بحربي؟ وأحضر الفيل فقتلهم، إلا ~~صبيا أمرد، فلما امتنع الفيل من قتله عفا عنه السلطان. ### || AUT ذكر عود نور الدولة دبيس بن مزيد وقريش ابن بدران إلى طاعة طغرلبك # لما ظفر هزارسب بالعرب وعاد إلى السلطان طغرلبك، أرسل إليه نور الدولة ~~وقريش يسألانه أن يتوسط حالهما عند السلطان، ويصلح أمرهما معه، فسعى في ~~ذلك، واستعطف السلطان عليهما، فقال: أما هما فقد عفوت عنهما، وأما ~~البساسيري فذنبه إلى الخليفة، ونحن متبعون أمر الخليفة فيه، فرحل البساسيري ~~عند ذلك إلى الرحبة، وتبعه الأتراك البغداديون، ومقبل بن المقلد وجماعة من ~~عقيل. وطلب دبيس وقريش أن يرسل طغرلبك إليهما أبا الفتح بن ورام، فأرسله، ~~فعاد من عندهما وأخبر بطاعتهما، وأنهما يطلبان أن يمضي هزارسب إليهما ~~ليحلفهما، فأمره السلطان بالمضي إليهما، فسار واجتمع بهما، وأشار عليهما ~~بالحضور عند السلطان، فخافا وامتنعا، فأنفذ قريش أبا السداد هبة الله بن ~~جعفر، وأنفذ دبيس ابنه بهاء الدولة منصورا، فأنزلهما السلطان وأكرمهما وكتب ~~لهما بأعمالهما، وكان لقريش نهر الملك، وبادوريا، والأنبار، وهيت، ودجيل، ~~ونهر بيطر، وعكبرا، وأوانا، وتكريت، والموصل، ونصيبين، وأعاد الرسل إلى أصحابهم. ### || AUT ذكر قصد السلطان ديار بكر # ### || AUT وما فعله بسنجار # PageV04P0273 # لما فرغ طغرلبك من العرب سار إلى ديار بكر التي هي لابن مروان، ms3456 وكان ابن ~~مروان يرسل إليه كل يوم الهدايا والثلج، فسار السلطان إلى جزيرة ابن عمر ~~فحصرها، وهي لابن مروان، فأرسل إليه ابن مروان يبذل له مالا يصلح حاله به، ~~ويذكر له ما هو بصدده من حفظ ثغور المسلمين، وما يعانيه من جهاد الكفار، ~~ولما كان السلطان يحاصر الجزيرة سار جماعة من الجيش إلى عمر أكمن، وفيه ~~أربعمائة راهب، فذبحوا منهم مائة وعشرين راهبا، وافتدى الباقون أنفسهم بستة ~~مكاكيك ذهبا وفضة. ووصل إبراهيم ينال أخو السلطان إليه، فلقيه الأمراء ~~والناس كلهم، وحملوا إليه الهدايا، وقال لعميد الملك الوزير: من هؤلاء ~~العرب حتى تجعلهم نظراء السلطان، وتصلح بينهم؟ فقال: مع حضورك يكون ما ~~تريد، فأنت نائب السلطان. ولما وصل إبراهيم ينال أرسل هزارسب إلى نور ~~الدولة بن مزيد وقريش يعرفهما وصوله، ويحذرهما منه، فسارا من جبل سنجار إلى ~~الرحبة، فلم يلتفت البساسيري إليهما، فانحدر، نور الدولة إلى بلدة بالعراق، ~~وأقام قريش عند البساسيري بالرحبة ومعه ابنه مسلم بن قريش. وشكا قتلمش ابن ~~عم السلطان إليه ما لقي من أهل سنجار في العام الماضي لما انهزم، وأنهم ~~قتلوا رجالا، فسير العساكر إليهم، فأحاطت بهم، وصعد أهلها على السور وسبوا، ~~وأخرجوا جماجم من كانوا قتلوا، وقلانسهم، وتركوها على رؤوس القصب، ففتحها ~~السلطان عنوة، وقتل أميرها مجلى بن مرجا وخلقا كثيرا من رجالها، وسبى ~~نساءهم، وخربت، وسأل إبراهيم ينال في الباقين فتركهم، فسلمها هي والموصل ~~والبلاد إلى إبراهيم ينال، ونادى في عسكره: من تعرض لنهب صلبته، فكفوا ~~عنهم. وعاد السلطان إلى بغداد، على ما نذكره، كان ينبغي أن نذكر هذه ~~الحادثة سنة تسع وأربعين وإنما ذكرناها هذه السنة لأن الابتداء بها كان ~~فيها، فأتبعنا بعضها بعضا، وذكرنا أنها كانت سنة تسع وأربعين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة انقطعت الطرق عن العراق لخوف النهب، فغلت الأسعار، وكثر ~~الغلاء، وتعذرت الأقوات وغيرها من كل شيء، وأكل الناس الميتة، ولحقهم وباء ~~عظيم، فكثر الموت حتى دفن الموتى بغير غسل ولا تكفين، فبيع رطل لحم بقيراط، ~~وأربع ms3457 دجاجات بدينار، ورطلا شراب بدينار، وسفرجلة بدينار، ورمانة بدينار، ~~وكل شيء كذلك. وكان بمصر أيضا وباء شديد، فكان يموت في اليوم ألف نفس، ثم ~~عم ذلك سائر البلاد من الشام، والجزيرة، والموصل، والحجاز، واليمن وغيرها. ~~وفيها، في جمادى الأولى، ولدت جارية ذخيرة الدين بن الخليفة، الذي ذكرنا ~~وفاته قبل، ولدا ذكرا، ويسمى عبد الله، وكني أبا القاسم، وهو المقتدي. ~~وفيها، في العشر الثاني من جمادى الآخرة، ظهر وقت السحر في السماء ذؤابة ~~بيضاء طولها نحو عشرة أذرع في رأي العين، وعرضها ذراع، وبقيت كذلك إلى نصف ~~رجب واضمحلت. وفيها أمر الخليفة بأن يؤذن بالكرخ والمشهد وغيرهما: الصلاة ~~خير من النوم، وأن يتركوا: حي على خير العمل، ففعلوا ما أمرهم به خوف ~~السلطنة وقوتها. وفيها توفي علي بن أحمد بن علي أبو الحسن المؤدب المعروف ~~بالفالي، من أهل مدينة فالة بالقرب من إيذج، روى الحديث والأدب، وله شعر ~~حسن، فمنه قوله: تصدر لتدريس كل مهوس ... بليد تسمى بالفقيه المدرس فحق ~~لأهل العلم أن يتمثلوا ... ببيت قديم شاع في كل مجلس لقد هزلت، حتى بدا من ~~هزالها ... كلاها، وحتى سامها كل مفلس وفي هذه السنة توفي محمد بن الحسين ~~بن محمد بن سعدون أبو طاهر البزاز الموصلي، ولد بالموصل، ونشأ ببغداد، وروى ~~عن ابن حبابة، والدارقطني، وابن بطة وغيرهم، وكان موته بمصر، وفيها توفي ~~أميرك الكاتب البيهقي في شوال وكان من رجال الدنيا، ومحمد بن عبد الواحد بن ~~عمر بن الميمون الدارمي الفقيه الشافعي. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وأربعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر عود السلطان طغرلبك إلى بغداد # PageV04P0274 # لما سلم السلطان طغرلبك الموصل وأعمالها إلى أخيه إبراهيم ينال عاد إلى ~~بغداد، فلما وصل إلى القفص خرج رئيس الرؤساء إلى لقائه، فلما قارب القفص ~~لقيه عميد الملك، وزير السلطان، في جماعة من الأمراء، وجاء رئيس الرؤساء ~~إلى السلطان فأبلغه سلام الخليفة واستيحاشه، فقبل الأرض، وقدم رئيس الرؤساء ~~جاما من ذهب فيه جواهر وألبسة فرجية جاءت معه من عند الخليفة، ووضع العمامة ~~على مخدته، ms3458 فخدم السلطان، وقبل الأرض، ووصل إلى بغداد، ولم يمكن أحدا من ~~النزول في دور الناس، وطلب السلطان الاجتماع بالخليفة، فأذن له في ذلك. ~~وجلس الخليفة يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة جلوسا عاما، وحضر وجوه عسكر ~~السلطان وأعيان بغداد، وحضر السلطان في الماء، وأصحابه حوله في السميريات، ~~فلما خرج من السميرية ركب فرسا من مراكب الخليفة، فحضر عند الخليفة، ~~والخليفة على سرير عال من الأرض نحو سبعة أذرع، وعليه بردة النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، وبيده القضيب الخيزران، فقبل السلطان الأرض، وقبل يده، وأجلس ~~على كرسي، فقال الخليفة لرئيس الرؤساء: قل له إن أمير المؤمنين شاكر لسعيك، ~~حامد لفعلك، مستأنس بقربك، وقد ولاك جميع ما ولاه الله من بلاده، ورد عليك ~~مراعاة عباده، فاتق الله فيما ولاك، وأعرف نعمته عليك في ذلك، واجتهد في ~~نشر العدل، وكف الظلم، وإصلاح الرعية. فقبل الأرض، وأمر الخليفة بإفاضة ~~الخلع عليه، فقام إلى موضع لبسها فيه وعاد وقبل يد الخليفة ووضعها على ~~عينيه، وخاطبه الخليفة بملك المشرق والمغرب، وأعطي العهد، وخرج، وأرسل إلى ~~الخليفة خدمة كثيرة منها خمسون ألف دينار، وخمسون مملوكا أتراكا من أجود ما ~~يكون، ومعهم خيولهم وسلاحهم، إلى غير ذلك من الثياب وغيرها. ### || AUT ذكر الحرب بين هزارسب وفولاذ # كان السلطان قد ضمن هزارسب بن بنكير بن عياض البصرة، وأرجان، وخوزستان، ~~وشيراز، فتجرد رسولتكين ابن عم السلطان ومعه فولاذ لهزارسب، وقصدا أرجان ~~ونهباها. وكان هزارسب مع طغرلبك بالموصل والجزيرة، فلما فرغ السلطان من تلك ~~الناحية رد هزارسب إلى بلاده، وأمره بقتال رسولتكين وفولاذ، فسار إلى ~~البصرة وصادر بها تاج الدين بن سخطة العلوي وابن سمحا اليهودي بمائة ألف ~~وعشرين ألف دينار، وسار منها إلى قتال فولاذ ورسولتكين فلقيهما، وقاتلهما ~~قتالا شديدا، فقتل فولاذ، وأسر رسولتكين ابن عم السلطان، فأبقى عليه ~~هزارسب، فسأل رسولتكين هزارسب ليرسله إلى دار الخلافة ليشفع فيه الخليفة، ~~ففعل ذلك. ووصل بغداد مع أصحاب هزارسب، فاجتاز بدار رئيس الرؤساء، فهجم ~~ودخلها، واستدعى طعاما إيجازا للحرمة، فأمر الخليفة ms3459 بإحضار عميد الملك ~~وإعلامه بحال رسولتكين ليخاطب السلطان في أمره، فلما حضر عميد الملك وقيل ~~له ذلك قال: إن السلطان يقول إن هذا لا حرمة له يستحق بها المراعاة، وقد ~~قابل إحساني بالعصيان، ويجب تسليمه ليتحقق الناس منزلتي، وتتضاعف هيبتي، ~~فاستقر الأمر، بعد مراجعة، على أن يقيده، وخرج توقيع الخليفة: إن منزلة ركن ~~الدين، يعني طغرلبك، عندنا اقتضت ما لم نفعله مع غيره لأنه لم تجر العادة ~~بتقييد أحد في الدار العزيز، ولا بد أن يكون الرضا في جواب ما فعل، فراسله ~~رئيس الرؤساء حتى رضي. وقد كانت دار الخلافة أيام بني بويه ملجأ لكل خائف ~~منهم، من وزير وعميد وغير ذلك، ففي الأيام السلجوقية سلك غير ذلك، وكان أول ~~شيء فعلوه هذا. ### || AUT ذكر القبض على الوزير اليازوري بمصر # في هذه السنة، في ذي الحجة، قبض بمصر على الوزير أبي محمد الحسن بن عبد ~~الرحمن اليازوري، وقرر عليه أموال عظيمة منه ومن أصحابه، ووجد له مكاتبات ~~إلى بغداد. وكان في ابتداء أمره قد حج، فلما قضى حجه أتى المدينة، وزار ~~مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسقط على منكبيه قطعة من الخلوق الذي ~~على حائط الحجرة، فقال له أحد القوام: أيها الشيخ! إني أبشرك، ولي الحباء ~~والكرامة إذ بلغته، أنك تلي ولاية عظيمة، وهذا الخلوق دليل على ذلك.. فلم ~~يحل عليه الحول حتى ولي الوزارة، وأحسن إلى ذلك الرجل وراعاه. وكان يتفقه ~~على مذهب أبي حنيفة، وكان قاضيا بالرملة، يكرم العلماء، ويحسن إليهم ~~ويجالسهم، وكان ابتداء أمره كابتداء أمر رئيس الرؤساء: الشهادة، والقضاء، ~~وكانت سعادتهما متفقة، ونهايتهما متقاربة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV04P0275 # في هذه السنة زاد الغلاء ببغداد والعراق حتى بيعت كارة الدقيق السميد ~~بثلاثة عشر دينارا، والكارة من الشعير والذرة بثمانية دنانير، وأكل الناس ~~الميتة والكلاب وغيرها، وكثر الوباء حتى عجز الناس عن دفن الموتى، فكانوا ~~يجعلون الجماعة في الحفيرة. وفيها، في ربيع الأول، توفي أبو العلاء أحمد بن ~~عبد الله بن سليمان المعري، الأديب، وله نحو ms3460 ست وثمانين سنة، وعلمه أشهر من ~~أن يذكر، إلا أن أكثر الناس يرمونه بالزندقة، وفي شعره ما يدل على ذلك، حكي ~~أنه قال يوما لأبي يوسف القزويني: ما هجوت أحدا، فقال له القزويني: هجوت ~~الأنبياء، فتغير وجهه وقال: ما أخاف أحدا سواك. وحكى عنه القزويني أنه قال: ~~ما رأيت شعرا في مرثية الحسين بن علي يساوي أن يحفظ، فقال القزويني: بلى، ~~قد قال بعض أهل سوادانا: رأس ابن بنت محمد ووصيه ... للمسلمين على قناة ~~يرفع والمسلمون بمنظر وبمسمع، ... لا جازع منهم، ولا متفجع أيقظت أجفانا ~~وكنت لها كرى، ... وأنمت عينا لم تكن بك تهجع كحلت بمصرعك العيون عماية، ~~... وأصم نعيك كل أذن تسمع ما روضة إلا تمنت أنها ... لك مضجع ولخط قبرك ~~موضع وفيها أصلح دبيس بن علي بن مزيد ومحمود بن الأخرم الخفاجي حالهما مع ~~السلطان، فعاد دبيس إلى بلاده فوجدها خرابا لكثرة من مات بها من الوباء ~~الجارف، ليس بها أحد. وفيها كثر الوباء ببخارى حتى قيل إنه مات في يوم واحد ~~ثمانية عشر ألف إنسان من أعمال بخارى، وهلك في هذه الولاية في مدة الوباء ~~ألف ألف وستمائة ألف وخمسون ألفا، وكان بسمرقند مثل ذلك، ووجد ميت، وقد دخل ~~تركي يأخذ لحافا عليه، فمات التركي وطرف اللحاف بيده، وبقيت أموال الناس ~~سائبة. وفيها نهبت دار أبي جعفر الطوسي بالكرخ، وهو فقيه الإمامية، وأخذ ما ~~فيها، وكان قد فارقها إلى المشهد الغربي. وفيها، في صفر، توفي أبو عثمان ~~إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، مقدم أصحاب الحديث بخراسان، وكان فقيها، ~~خطيبا، إماما، في عدة علوم. وفيها، في ربيع الأول، توفي اياز بن ايماق أبو ~~النجم غلام محمود بن سبكتكين، وأخباره معه مشهورة. وفيها مات أبو أحمد ~~عدنان ابن الشريف الرضي نقيب العلويين. وفيها توفي أبو الحسن عبد الوهاب بن ~~أحمد بن هارون الغساني، المعروف بابن الجندي. ### | AUT ثم دخلت سنة خمسين وأربعمائة # ### || AUT ذكر مفارقة إبراهيم ينال الموصل # ### || AUT واستيلاء البساسيري عليها وأخذها منه # في هذه السنة فارق إبراهيم ms3461 ينال الموصل نحو بلاد الجبل، فنسب السلطان ~~طغرلبك رحيله إلى العصيان، فأرسل إليه رسولا يستدعيه، وصحبته الفرجية التي ~~خلعها عليه الخليفة، وكتب الخليفة إليه أيضا كتابا في المعنى، فرجع إبراهيم ~~إلى السلطان، وهو ببغداد، فخرج الوزير الكندري لاستقباله، وأرسل الخليفة ~~إليه الخلع. ولما فارق إبراهيم الموصل قصدها البساسيري، وقريش بن بدران، ~~وحاصراها، فملكا البلد ليومه، وبقيت القلعة، وبها الخازن، وأردم، وجماعة من ~~العسكر، فحاصراها أربعة أشهر حتى أكل من فيها دوابهم، فخاطب ابن موسك صاحب ~~إربل قريشا حتى أمنهم فخرجوا، فهدم البساسيري القلعة، وعفى أثرها. وكان ~~السلطان قد فرق عسكره في النوروز، وبقي جريدة في ألفي فارس حين بلغه الخبر، ~~فسار إلى الموصل فلم يجد بها أحدا، وكان قريش والبساسيري قد فارقاها، فسار ~~السلطان إلى نصيبين ليتتبع آثارهم ويخرجهم من البلاد، ففارقه أخوه إبراهيم ~~ينال، وسار نحو همذان، فوصلها في السادس والعشرين من رمضان سنة خمسين، وكان ~~قد قيل إن المصريين كاتبوه والبساسيري قد استماله وأطمعه في السلطنة ~~والبلاد، فلما عاد إلى همذان سار السلطان في أثره. ### || AUT ذكر الخطبة بالعراق للعلوي المصري # ### || AUT وما كان إلى قتل البساسيري # لما عاد إبراهيم ينال إلى همذان سار طغرلبك خلفه، ورد وزيره عميد الملك ~~الكندري وزوجته إلى بغداد. PageV04P0276 # وكان مسيره من نصيبين في منتصف شهر رمضان، ووصل إلى همذان، وتحصن بالبلد، ~~وقاتل أهلها بين يديه، وأرسل إلى الخاتون زوجته وعميد الملك الكندري ~~يأمرهما باللحاق به، فمنعهما الخليفة من ذلك تمسكا بهما، وفرق غلالا كثيرة ~~في الناس، وسار من كان ببغداد من الأتراك إلى السلطان بهمذان، وسار عميد ~~الملك إلى دبيس بن مزيد فاحترمه وعظمه، ثم سار من عنده إلى هزارسب، وسارت ~~خاتون إلى السلطان بهمذان، فأرسل الخليفة إلى نور الدولة دبيس بن مزيد ~~يأمره بالوصول إلى بغداد، فورد إليها مائة فارس، ونزل في النجمي ثم عبر إلى ~~الأتانين. وقوي الإرجاف بوصول البساسيري، فلما تحقق الخليفة وصوله إلى هيت ~~أمر الناس بالعبور من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي، فأرسل دبيس بن مزيد ~~إلى ms3462 الخليفة وإلى رئيس الرؤساء يقول: الرأي عندي خروجكما من البلد معي، ~~فإنني أجتمع أنا وهزارسب فإنه بواسط على دفع عدوكما. فأجيب ابن مزيد بأن ~~يقيم حتى يقع الفكر في ذلك، فقال: العرب لا تطيعني على المقام، وأنا أتقدم ~~إلى ديالى! فإذا انحدرتم سرت في خدمتكم. وسار وأقام بديالى ينتظرهما، فلم ~~ير لذلك أثرا، فسار إلى بلاده. ثم إن البساسيري وصل إلى بغداد يوم الأحد ~~ثامن ذي القعدة، ومعه أربعمائة غلام على غاية الضر والفقر، وكان معه أبو ~~الحسن بن عبد الرحيم الوزير، فنزل البساسيري بمشرعة الروايا، ونزل قريش بن ~~بدران، وهو في مائتي فارس، عند مشرعة باب البصرة، وركب عميد العراق، ومعه ~~العسكر والعوام، وأقاموا بإزاء عسكر البساسيري، وعادوا، وخطب البساسيري ~~بجامع المنصور للمستنصر بالله العلوي، صاحب مصر، وأمر فأذن بحي على خير ~~العمل، وعقد الجسر، وعبر عسكره إلى الزاهر وخيموا فيه، وخطب في الجمعة من ~~وصوله بجامع الرصافة للمصري، وجرى بين الطائفتين حروب في أثناء الأسبوع. ~~وكان عميد العراق يشير على رئيس الرؤساء بالتوقف عن المناجزة، ويرى ~~المحاجزة ومطاولة الأيام انتظارا لما يكون من السلطان، ولما يراه من ~~المصلحة بسبب ميل العامة إلى البساسيري، أما الشيعة فللمذهب، وأما السنة ~~فلما فعل بهم الأتراك. وكان رئيس الرؤساء لقلة معرفته بالحرب ولما عنده من ~~البساسيري يرى المبادرة إلى الحرب، فاتفق أن في بعض الأيام حضر القاضي ~~الهمذاني عند رئيس الرؤساء واستأذنه في الحرب، وضمن به قتل البساسيري، فأذن ~~له من غير علم عميد العراق، فخرج ومعه الخدم، والهاشميون، والعجم، والعوام، ~~إلى الحلبة وأبعدوا، البساسيري يستجرهم، فلما أبعدوا حمل عليهم فعادوا ~~منهزمين، وقتل منهم جماعة، ومات في الزحمة جماعة من الأعيان، ونهب باب ~~الأزج، وكان رئيس الرؤساء واقفا دون الباب، فدخل الدار، وهرب كل من في ~~الحريم. ولما بلغ عميد العراق فعل رئيس الرؤساء لطم على وجهه كيف استبد ~~برأيه ولا معرفة له بالحرب. ورجع البساسيري إلى معسكره، واستدعى الخليفة ~~عميد العراق، وأمره بالقتال على سور الحريم، فلم يرعهم إلا الزعقات، وقد ms3463 ~~نهب الحريم، وقد دخلوا بباب النوبي، فركب الخليفة لابسا للسواد، وعلى كتفه ~~البردة، وبيده السيف، وعلى رأسه اللواء، وحوله زمرة من العباسيين والخدم ~~بالسيوف المسلولة، فرأى النهب قد وصل إلى باب الفردوس من داره، فرجع إلى ~~ورائه، ومضى نحو عميد العراق، فوجده قد استأمن إلى قريش، فعاد وصعد ~~المنظرة، صاح رئيس الرؤساء: يا علم الدين! يعني قريشا، أمير المؤمنين ~~يستدنيك، فدنا منه، فقال له رئيس الرؤساء: قد أنالك الله منزلة لم ينلها ~~أمثالك، وأمير المؤمنين يستذم منك على نفسه، وأهله، وأصحابه بذمام الله، ~~وذمام رسوله، صلى الله عليه وسلم، وذمام العربية. فقال: قد أذم الله تعالى ~~له، فقال: ولي؟ ولمن معه؟ قال: نعم، وخلع قلنسوته فأعطاها الخليفة، وأعطى ~~مخصرته رئيس الرؤساء ذماما، فنزل إليه الخليفة ورئيس الرؤساء من الباب ~~المقابل لباب الحلبة، وصارا معه. PageV04P0277 # فأرسل إليه البساسيري: أتخالف ما استقر بيننا، وتنقض ما تعاهدنا عليه؟ ~~فقال قريش: لا، وكانا قد تعاهدا على المشاركة في الذي يحصل لهما، وأن لا ~~يستبد أحدهما دون الآخر بشيء، فاتفقا على أن يسلم قريش رئيس الرؤساء إلى ~~البساسيري لأنه عدوه، ويترك الخليفة عنده، فأرسل قريش رئيس الرؤساء إلى ~~البساسيري، فلما رآه قال: مرحبا بمهلك الدول، ومخرب البلاد! فقال: العفو ~~عند المقدرة. فقال البساسيري: فقد قدرت فما عفوت، وأنت صاحب طيلسان، وركبت ~~الأفعال الشنيعة مع حرمي وأطفالي، فكيف أعفو أنا، وأنا صاحب سيف؟ وأما ~~الخليفة فإنه حمله قريش راكبا إلى معسكره، وعليه السواد والبردة، وبيده ~~السيف، وعلى رأسه اللواء، وأنزله في خيمة، وأخذ أرسلان خاتون زوجة الخليفة، ~~وهي ابنة أخي السلطان طغرلبك، فسلمها إلى أبي عبد الله بن جردة ليقوم ~~بخدمتها. ونهبت دار الخلافة وحريمها أياما، وسلم قريش الخليفة إلى ابن عمه ~~مهارش بن المجلي، وهو رجل فيه دين، وله مروءة، فحمله في هودج وسار به إلى ~~حديثة عانة فتركه بها، وسار من كان مع الخليفة من خدمه وأصحابه إلى السلطان ~~طغرلبك مستنفرين. فلما وصل الخليفة إلى الأنبار شكا البرد، فأنفذ إلى ~~مقدمها يطلب منه ما ms3464 يلبسه، فأرسل له جبة فيها قطن ولحافا. وأما البساسيري ~~فإنه ركب يوم عيد النحر، وعبر إلى المصلى بالجانب الشرقي، وعلى رأسه ~~الألوية المصرية، فأحسن إلى الناس، وأجرى الجرايات على المتفقهة، ولم يتعصب ~~لمذهب، وأفرد لوالدة الخليفة القائم بأمر الله دارا، وكانت قد قاربت تسعين ~~سنة، وأعطاها جاريتين من جواريها للخدمة، وأجرى لها الجراية، وأخرج محمود ~~بن الأخرم إلى الكوفة وسقى الفرات أميرا. وأما رئيس الرؤساء فأخرجه ~~البساسيري، آخر ذي الحجة، من محبسه بالحريم الطاهري مقيدا، وعليه جبة صوف، ~~وطرطور من لبد أحمر، وفي رقبته مخنقة جلود بعير، وهو يقرأ: " قل اللهم مالك ~~الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء " . وبصق أهل الكرخ في وجهه ~~عند اجتيازه بهم، لأنه كان يتعصب عليهم، وشهر إلى حد النجمي، وأعيد إلى ~~معسكر البساسيري، وقد نصبت له خشبة، وأنزل عن الجمل، وألبس جلد ثور وجعلت ~~قرونه على رأسه، وجعل في فكيه كلابان من حديد، وصلب فبقي يضطرب إلى آخر ~~النهار ومات. وكان مولده في شعبان سنة سبعين وثلاثمائة، وكانت شهادته عند ~~ابن ماكولا سنة أربع عشرة وأربعمائة، وكان حسن التلاوة للقرآن، جيد المعرفة ~~بالنحو. وأما عميد العراق فقتله البساسيري، وكان فيه شجاعة، وله فتوة، وهو ~~الذي بنى رباط شيخ الشيوخ. ولما خطب البساسيري للمستنصر العلوي بالعراق ~~أرسل إليه بمصر يعرفه ما فعل، وكان الوزير هناك أبا الفرج ابن أخي أبي ~~القاسم المغربي، وهو ممن هرب من البساسيري وفي نفسه ما فيها، فوقع فيه، ~~وبرد فعله، وخوف عاقبته، فتركت أجوبته مدة، ثم عادت بغير الذي أمله ورجاه. ~~وسار البساسيري من بغداد إلى واسط والبصرة فملكهما، وأراد قصد الأهواز، ~~فأنفذ صاحبها هزارسب بن بنكير إلى دبيس بن مزيد يطلب منه أن يصلح الأمر على ~~مال يحمله إليه، فلم يجب إلى ذلك، وقال: لا بد من الخطبة للمستنصر، والسكة ~~باسمه، فلم يفعل هزارسب ذلك ورأى البساسيري أن طغرلبك يمد هزارسب بالعساكر، ~~فصالحه، وأصعد إلى واسط في مستهل شعبان من سنة إحدى وخمسين، وفارقه صدقة بن ~~منصور ms3465 بن الحسين الأسدي، ولحق بهزارسب، وكان قد ولي بعد أبيه على ما نذكره. ~~PageV04P0278 # وأما أحوال السلطان طغرلبك، وإبراهيم ينال، فإن السلطان كان في قلة من ~~العسكر، كما ذكرناه، وكان إبراهيم قد اجتمع معه كثير من الأتراك، وحلف لهم ~~أنه لا يصالح أخاه طغرلبك، ولا يكلفهم المسير إلى العراق، وكانوا يكرهونه ~~لطول مقامهم وكثرة إخراجاتهم، فلم يقو به طغرلبك، وأتى إلى إبراهيم محمد ~~وأحمد ابنا أخيه أرتاش في خلق كثير، فازداد بهم قوة، وازداد طغرلبك ضعفا، ~~فانزاح من بين يديه إلى الري، وكاتب ألب أرسلان، وياقوتي، وقاروت بك، أولاد ~~أخيه داود، وكان داود قد مات، على ما نذكره سنة إحدة وخمسين إن شاء الله ~~تعالى، وملك خراسان بعده ابنه ألب أرسلان إليهم طغرلبك يستدعيهم إليه، ~~فجاؤوا بالعساكر الكثيرة، فلقي إبراهيم بالقرب من الري، فانهزم إبراهيم ومن ~~معه وأخذ أسيرا هو ومحمد وأحمد ولدا أخيه، فأمر به فخنق بوتر قوسه تاسع ~~جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين، وقتل ولدا أخيه معه. وكان إبراهيم قد خرج ~~على طغرلبك مرارا، فعفا عنه، وإنما قتله في هذه الدفعة لأنه علم أن جميع ما ~~جرى على الخليفة كان بسببه، فلهذا لم يعف عنه، ولما قتل إبراهيم أرسل ~~طغرلبك إلى هزارسب بالأهواز يعرفه ذلك، وعنده عميد الملك الكندري، فسار إلى ~~السلطان، فجهزه هزارسب تجهيز مثله. ### || AUT ذكر عود الخليفة إلى بغداد # لما فرغ السلطان من أمر أخيه إبراهيم ينال عاد يطلب العراق، ليس له هم ~~إلا إعادة القائم بأمر الله إلى داره، فأرسل إلى البساسيري وقريش في إعادة ~~الخليفة إلى داره على أن لا يدخل طغرلبك العراق، ويقنع بالخطبة والسكة، فلم ~~يجب البساسيري إلى ذلك، فرحل طغرلبك إلى العراق، فوصلت مقدمته إلى قصر ~~شيرين، فوصل الخبر إلى بغداد، فانحدر حرم البساسيري وأولاده، ورحل أهل ~~الكرخ بنسائهم وأولادهم في دجلة وعلى الظهر، ونهب بنو شيبان الناس، وقتلوا ~~كثيرا منهم، وكان دخول البساسيري وأولاده بغداد سادس ذي القعدة سنة خمسين ~~وخرجوا منها سادس ذي القعدة سنة إحدى وخمسين. وثار أهل ms3466 باب البصرة إلى ~~الكرخ فنهبوه، وأحرقوا درب الزعفران، وهو من أحسن الدروب وأعمرها، ووصل ~~طغرلبك إلى بغداد، وكان قد أرسل من الطريق الإمام أبا بكر أحمد بن محمد بن ~~أيوب المعروف بابن فورك، إلى قريش بن بدران يشكره على فعله بالخليفة، وحفظه ~~على صيانته ابنة أخيه امرأة الخليفة، ويعرفه أنه قد أرسل أبا بكر بن فورك ~~للقيام بخدمة الخليفة، وإحضاره، وإحضار أرسلان خاتون ابنة أخيه امرأة ~~الخليفة. ولما سمع قريش بقصد طغرلبك العراق أرسل إلى مهارش يقول له: أودعنا ~~الخليفة عندك ثقة بإمانتك، لينكف بلاء الغز عنا، والآن فقد عادوا، وهم ~~عازمون على قصدك، فارحل أنت وأهلك إلى البرية، فإنهم إذا علموا أن الخليفة ~~عندنا في البرية لم يقصدوا العراق، ونحكم عليهم بما نريد. فقال مهارش: كان ~~بيني وبين البساسيري عهود ومواثيق نقضها، وإن الخليفة قد استخلفني بعهود ~~ومواثيق لا مخلص منها. وسار مهارش ومعه الخليفة حادي عشر ذي القعدة سنة ~~إحدى وخمسين وأربعمائة إلى العراق، وجعلا طريقهما على بلد بدر بن مهلهل ~~ليأمنا من يقصدهما، ووصل ابن فورك إلى حلة بدر بن مهلهل، وطلب منه أن يوصله ~~إلى مهارش، فجاء إنسان سوادي إلى بدر وأخبره أنه رأى الخليفة ومهارشا بتل ~~عكبرا، فسر بذلك بدر ورحل ومعه ابن فورك، وخدماه، وحمل له بدر شيئا كثيرا، ~~وأوصل إليه ابن فورك رسالة طغرلبك وهدايا كثيرة أرسلها معه. ولما سمع ~~طغرلبك بوصول الخليفة إلى بلد بدر أرسل وزيره الكندري، والأمراء، والحجاب، ~~وأصحبهم الخيام العظيمة، والسرادقات، والتحف من الخيل بالمراكب الذهب وغير ~~ذلك، فوصلوا إلى الخليفة وخدموه ورحلوا، ووصل الخليفة إلى النهروان في ~~الرابع والعشرين من ذي القعدة، وخرج السلطان إلى خدمته، فاجتمع به، وقبل ~~الأرض بين يديه، وهنأه بالسلامة، وأظهر الفرح بسلامته، واعتذر من تأخره ~~بعصيان إبراهيم، وأنه قتله عقوبة لما جرى منه من الوهن على الدولة ~~العباسية، وبوفاة أخيه داود بخراسان، وأنه اضطر إلى التريث حتى يرتب أولاده ~~بعده في المملكة، وقال: أنا أمضي خلف هذا الكلب، يعني البساسيري، وأقصد ~~الشام، وأفعل ms3467 في حق صاحب مصر ما أجازي به فعله! PageV04P0279 # وقلده الخليفة بيده سيفا، وقال: لم يبق مع أمير المؤمنين من داره سواه، ~~وقد تبرك به أمير المؤمنين، فكشف غشاء الخركاة حتى رآه الأمراء، فخدموا ~~وانصرفوا. ولم يبق ببغداد من أعيانها من يستقبل الخليفة غير القاضي أبي عبد ~~الله الدامغاني وثلاثة نفر من الشهود. وتقدم السلطان في المسير، فوصل إلى ~~بغداد، وجلس في باب النوبي مكان الحاجب، ووصل الخليفة فقام طغرلبك وأخذ ~~بلجام بغلته، حتى صار على باب حجرته، وكان وصوله يوم الاثنين لخمس بقين من ~~ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وعبر السلطان إلى معسكره، وكانت السنة مجدبة، ~~ولم ير الناس فيها مطرا، فجاء تلك الليلة وهنأ الشعراء الخليفة والسلطان ~~بهذا الأمر، ودام البرد بعد قدوم الخليفة نيفا وثلاثين يوما، ومات بالجوع ~~والعقوبة عدد لا يحصى، وكان أبو علي بن شبل ممن هرب من طائفة الغز، فوقع به ~~غيرهم فأخذوا ماله، فقال: خرجنا من قضاء الله خوفا، ... فكان فرارنا منه ~~إليه وأشقى الناس ذو عزم توالت ... مصائبه عليه، من يديه تضيق عليه طرق ~~العذر منها ... ويقسو قلب راحمه عليه ### || AUT ذكر قتل البساسيري # أنفذ السلطان بعد استقرار الخليفة في داره جيشا عليهم خمارتكين الطغراني ~~في ألفي فارس نحو الكوفة، فأضاف إليهم سرايا بن منيع الخفاجي، وكان قد قال ~~السلطان: أرسل معي هذه العدة حتى أمضي إلى الكوفة وأمنع البساسيري من ~~الإصعاد إلى الشام. وسار السلطان طغرلبك في أثرهم، فلم يشعر دبيس بن مزيد ~~والبساسيري إلا والسرية قد وصلت إليهم ثامن ذي الحجة من طريق الكوفة، بعد ~~أن نهبوها، وأخذ نور الدولة دبيس بن مزيد رحله جميعه وأحدره إلى البطيحة، ~~وجعل أصحاب نور الدولة دبيس يرحلون بأهليهم، فيتبعهم الأتراك، فتقدم نور ~~الدولة ليرد العرب إلى القتال، فلم يرجعوا، فمضى. ووقف البساسيري في ~~جماعته، وحمل عليه الجيش، فأسر من أصحابه أبو الفتح بن ورام، وأسر منصور ~~وبدران وحماد، بنو نور الدولة دبيس، وضرب فرس البساسيري بنشابة، وأراد قطع ~~تجفافه لتسهل عليه النجاة فلم ينقطع، ms3468 وسقط عن الفرس، ووقع في وجهه ضربة، ~~ودل عليه بعض الجرحى، فأخذه كمشتكين دواتي عميد الملك الكندري وقتله، وحمل ~~رأسه إلى السلطان، ودخل الجند في الظعن، فساقوه جميعه، وأخذت أموال أهل ~~بغداد وأموال البساسيري مع نسائه وأولاده، وهلك من الناس الخلق العظيم، ~~وأمر السلطان بحمل رأس البساسيري إلى دار الخلافة، فحمل إليها، فوصل منتصف ~~ذي الحجة سنة إحدى وخمسين، فنظف وغسل وجعل على قناة وطيف به، وصلب قبالة ~~باب النوبي. وكان في أسر البساسيري جماعة من النساء المتعلقات بدار ~~الخلافة، فأخذن، وأكرمن، وحملن إلى بغداد. ومضى نور الدولة دبيس إلى ~~البطيحة، ومعه زعيم الملك أبو الحسن عبد الرحيم، وكان من حق هذه الحوادث ~~المتأخرة أن تذكر سنة إحدى وخمسين، وإنما ذكرناها هاهنا لأنها كالحادثة ~~الواحدة يتلو بعضها بعضا. وكان البساسيري مملوكا تركيا من مماليك بهاء ~~الدولة بن عضد الدولة، تقلبت به الأمور حتى بلغ هذا المقام المشهور، واسمه ~~أرسلان، وكنيته أبو الحارث، وهو منسوب إلى بسا مدينة بفارس، والعرب تجعل ~~عوض الباء فاء فتقول فسا، والنسبة فساوي، ومنها أبو علي الفارسي النحوي، ~~وكان سيد هذا المملوك أولا من بسا، فقيل به البساسيري لذلك، وجعل العرب ~~الباء فاء فقيل فساسيري. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أقر السلطان طغرلبك مملان بن هسوذان بن مملان على ولاية ~~أبيه بأذربيجان. وفيها مات شهاب الدولة أبو الفوارس منصور بن الحسين ~~الأسدي، صاحب الجزيرة، عند خوزستان، واجتمعت عشيرته على ولده صدقة. وفيها ~~توفي الملك الرحيم، آخر ملوك بني بويه، بقلعة الري، وكان طغرلبك سجنه أولا ~~بقلعة السيروان، ثم نقله إلى قلعة الري فتوفي بها. وفيها عصى أبو علي بن ~~أبي الجبر بالبطائح، وكان متقدم بعض نواحيها، فأرسل إليه طغرلبك جيشا مع ~~عميد العراق أبي نصر، فهزمهم أبو علي. وفيها يوم النوروز أرسل السلطان مع ~~وزيره عميد الملك إلى الخليفة عشرة آلاف دينار سوى ما أضيف إليها من ~~الأعلاق النفيسة. وفيها، في صفر، توفي أبو الفتح بن شيطا القاري، الشاهد، ~~وكانت شهادته سنة خمس وأربعين ms3469 وأربعمائة. PageV04P0280 # وفيها، في شهر ربيع الأول، توفي القاضي أبو الطيب الطبري، الفقيه ~~الشافعي، وله مائة سنة وسنتان، وكان صحيح السمع والبصر، سليم الأعضاء، ~~يناظر ويفتي ويستدرك على الفقهاء، وحضر عميد الملك جنازته، ودفن عند قبر ~~أحمد، وله شعر حسن. وفي سلخه توفي قاضي القضاة أبو الحسين علي بن محمد بن ~~حبيب الماوردي، الفقيه الشافعي، وكان إماما، وله تصانيف كثيرة منها: الحاوي ~~وغيره في علوم كثيرة، وكان عمره ستا وثمانين سنة. وفي آخر هذه السنة توفي ~~أبو عبد الله الحسين بن علي الرفا، الضرير الفرضي، وكان إماما فيها على ~~مذهب الشافعي. وفيها، في شوال، كانت زلزلة عظيمة بالعراق، والموصل، ووصلت ~~إلى همذان، ولبثت ساعة، فخربت كثيرا من الدور، وهلك فيها الجم الغفير. ~~وفيها توفي أبو محمد عبد الله بن علي بن عياض المعروف بابن أبي عقيل، وكان ~~قد سمع الكثير من الحديث رواه. وتوفي أيضا القاضي أبو الحسن علي بن هندي ~~قاضي حمص، وكان وافر العلم والأدب. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وأربعمائة # ### || AUT ذكر وفاة فرخ زاد صاحب غزنة # ### || AUT وملك أخيه إبراهيم # في هذه السنة، في صفر، توفي الملك فرخ زاد بن مسعود بن محمود بن ~~سبكتكين، صاحب غزنة، وكان قد ثار به مماليكه سنة خمسين واتفقوا على قتله، ~~فقصدوه وهو في الحمام، وكان معه سيف، فأخذه وقاتلهم، ومنعهم عن نفسه حتى ~~أدركه أصحابه وخلصوه، وقتلوا أولئك الغلمان. وصار بعد أن نجا من هذه ~~الحادثة يكثر ذكر الموت ويحتقر الدنيا ويزدريها، وبقي كذلك إلى هذه السنة، ~~فأصابه قولنج فمات منه، وملك بعده أخوه إبراهيم بن مسعود بن محمود، فأحسن ~~السيرة، فاستعد لجهاد الهند، ففتح حصونا امتنعت على أبيه وجده، وكان يصوم ~~رجبا وشعبان ورمضان. ### || AUT ذكر الصلح بين الملك إبراهيم وجغري بك داود # في هذه السنة استقر الصلح بين الملك إبراهيم بن مسعود بن محمود بن ~~سبكتكين وبين داود بن ميكائيل بن سلجوق، صاحب خراسان، على أن يكون كل واحد ~~منهما على ما بيده، ويترك منازعة الآخر في ms3470 ملكه. وكان سبب ذلك أن العقلاء ~~من الجانبين نظروا فرأوا أن كل واحد من الملكين لا يقدر على أخذ ما بيد ~~الآخر، وليس يحصل غير إنفاق الأموال، وإتعاب العساكر، ونهب البلاد، وقتل ~~النفوس، فسعوا في الصلح، فوقع الاتفاق واليمين، وكتبت النسخ بذلك، فاستبشر ~~الناس، وسرهم لما أشرفوا عليه من العافية. ### || AUT ذكر وفاة داود وملك ابنه ألب أرسلان # في هذه السنة، في رجب، توفي جغري بك داود بن ميكائيل بن سلجوق، أخو ~~السلطان طغرلبك، وقيل كان موته في صفر سنة اثنتين وخمسين، وعمره نحو سبعين ~~سنة، وكان صاحب خراسان، وهو مقابل آل سبكتكين ومقاتلهم، ومانعهم عن خراسان، ~~فلما توفي ملك بعده خراسان ابنه السلطان ألب أرسلان، وخلف داود عدة أولاد ~~ذكور منهم: السلطان ألب أرسلان، وياقوتي، وسليمان، وقاروت بك، فتزوج أم ~~سليمان السلطان طغرلبك، بعد أخيه داود، ووصى به بالملك بعده، وكان من أمره ~~ما نذكره. وكان خيرا، عادلا، حسن السيرة، معترفا بنعمة الله تعالى عليه، ~~شاكرا عليها، فمن ذلك أنه أرسل إلى أخيه طغرلبك مع عبد الصمد، قاضي سرخس، ~~يقول له: بلغني إخرابك البلاد التي فتحتها وملكتها، وجلا أهلها عنها، وهذا ~~ما لا خفاء به في مخالفة أمر الله تعالى في عباده وبلاده، وأنت تعلم ما فيه ~~من سوء السمعة وإيحاش الرعية. وقد علمت أننا لقينا أعداءنا ونحن ثلاثين ~~رجلا، وهم ثلاثمائة، فغلبناهم، وكنا في ثلاثمائة، وهم في ثلاثة آلاف، ~~فغلبناهم، وكنا في ثلاثة آلاف، وهم في ثلاثين ألفا، فدفعناهم، وقاتلنا ~~بالأمس شاه ملك، وهو في أعداد كثيرة متوافرة، فقهرناه، وأخذنا مملكته ~~بخوارزم، وهرب من بين أيدينا إلى خمسمائة فرسخ من موضعه، فظفرنا به وأسرناه ~~وقتلناه، واستولينا على ممالك خراسان وطبرستان وسجستان، وصرنا ملوكا ~~متبوعين، بعد أن كنا أصاغر تابعين، وما تقتضي نعم الله علينا أن نقابلها ~~هذه المقابلة. فقال طغرلبك: قل له في الجواب: يا أخي أنت ملكت خراسان وهي ~~بلاد عامرة، فخربتها، ووجب عليك مع استقرار قدمك عمارتها، وأنا وردت بلادا ~~خربها من تقدمني، واجتاحها من كان ms3471 قبلي، فما أتمكن من عمارتها والأعداء ~~محيطة بها، والضرورة تقود إلى طرقها بالعساكر، ولا يمكن دفع مضرتها عنها. ~~PageV04P0281 # وله مناقب كثيرة تركناها خوف التطويل. ### || AUT ذكر حريق بغداد # في هذه السنة احترقت بغداد: الكرخ وغيره، وبين السورين، واحترقت فيه ~~خزانة الكتب التي وقفها أردشير الوزير، ونهبت بعض كتبها، وجاء عميد الملك ~~الكندري، فاختار من الكتب خيرها، وكان بها عشرة آلاف مجلد وأربعمائة مجلد ~~من أصناف العلوم منها: مائة مصحف بخطوط بني مقلة، وكان العامة قد نهبوا ~~بعضها لما وقع الحريق، فأزالهم عميد الملك، وقعد يختارها، فنسب ذلك إلى سوء ~~سيرته، وفساد اختياره، وشتان بين فعله وفعل نظام الملك الذي عمر المدارس، ~~ودون العلم في بلاد الإسلام جميعها، ووقف الكتب وغيرها. ### || AUT ذكر انحدار السلطان إلى واسط # ### || AUT وما فعل العسكر وإصلاح دبيس # في هذه السنة انحدر السلطان طغرلبك إلى واسط بعد فراغه من أمر بغداد، ~~فرآها قد نهبت، وحضر عنده هزارسب بن بنكير، وأصلح معه حال دبيس بن مزيد، ~~وأحضره معه إلى خدمة السلطان، وأصعد في صحبته إلى بغداد، وكذلك صدقة بن ~~منصور بن الحسين، وضمن واسطا أبو علي بن فضلان بمائتي ألف دينار، وضمن ~~البصرة الأغر أبو سعد سابور بن المظفر، وعبر السلطان إلى الجانب الشرقي من ~~دجلة، وسار إلى قرب البطائح، فنهب العسكر ما بين واسط والبصرة والأهواز. ~~وأصعد السلطان إلى بغداد في صفر سنة اثنتين وخمسين ومعه أبو الفتح بن ورام، ~~وهزارسب بن بنكير بن عياض، ودبيس بن مزيد، وأبو علي ابن الملك أبي كاليجار، ~~وصدقة بن منصور بن الحسين وغيرهم، واجتمع السلطان بالخليفة، وأمر الخليفة ~~بعمل طعام كثير حضره السلطان والأمراء وأصحابهم، وعمل السلطان أيضا سماطا ~~أحضر فيه الجماعة، وخلع عليهم، وسار إلى بلاد الجبل في شهر ربيع الأول سنة ~~اثنتين وخمسين، وجعل ببغداد شحنة الأمير برسق، وضمنها أبو الفتح المظفر بن ~~الحسين ثلاث سنين بأربع مائة ألف دينار. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل أبو الحسين بن المهتدي من الخطابة بجامع المنصور لأنه ms3472 ~~خطب للعلوي ببغداد في الفتنة، وأقيم مقامه بهاء الشرف أبو علي الحسن بن عبد ~~الودود بن المهتدي بالله. وفيها توفي علي بن محمود بن إبراهيم الزوزني أبو ~~الحسن، صحب أبا الحسن الجصري، وروى عن أبي عبد الرحمن السلمي، وهو الذي نسب ~~إليه رباط الزوزني المقابل لجامع المنصور. وفيها، في جمادى الأولى، توفي ~~محمد بن علي بن الفتح بن محمد بن علي أبو طالب العشاري، ومولده في المحرم ~~سنة ست وستين وثلاثمائة، وسمع الدارقطني وغيره. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة # ### || AUT ذكر عود ولي العهد إلى بغداد # ### || AUT مع أبي الغنائم بن المحلبان # في جمادى الآخرة ورد عدة الدين أبو القاسم المقتدي بأمر الله، ولي ~~العهد، ومعه جدته أم الخليفة، وخرج الناس لاستقباله، وجلس في الزبزب على ~~رأسه أبو الغنائم بن المحلبان، وقدم له بباب الغربة فرس، فحمله ابن ~~المحلبان على كتفه وأركبه وسلمه إلى مجلس الخليفة، فشكره، وخرج ابن ~~المحلبان فركب في الزبزب، وانحدر إلى دار أفردت له بباب المراتب، ودخل إلى ~~الخليفة واجتمع به. وكان سبب مصير ولي العهد مع ابن المحلبان أنه دخل داره، ~~فوجد زوجة رئيس الرؤساء وأولاده بها، وهم مطالبون من البساسيري، فعرفوه أن ~~رئيس الرؤساء أمرهم بقصده، فأدخلهم إلى أهله، وأقام لهم من حملهم إلى ~~ميافارقين، فساروا مع قرواش لما أصعد من بغداد، ولم يعلم بهم. ثم لقيه أبو ~~الفضل محمد بن عامر الوكيل، وعرفه ما عليه ولي العهد ومن معه من إيثار ~~الخروج من بغداد، وما هم عليه من تناقض الحال، فبعث ابن المحلبان زوجته، ~~فأتته بهم سرا، فتركهم عنده ثمانية أشهر، وكان يحضر ابن البساسيري وأصحابه، ~~ويعمل لهم الدعوات، وولي العهد ومن معه مستترون عنده، يسمعون ما يقول أولئك ~~فيهم. ثم اكترى لهم، وسار هو في صحبتهم إلى قريب سنجار، ثم حملوا إلى حران، ~~وسار مع صاحبها أبي الزمام منيع بن وثاب النميري، حين قصد الرحبة، وفتح ~~قرقيسيا، وعقد لعدة الدين على بنت منيع، وانحدروا إلى بغداد. ### || AUT ذكر ملك محمود ms3473 بن شبل الدولة حلب # PageV04P0282 # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، حضر محمود بن شبل الدولة بن صالح بن ~~مرداس الكلابي مدينة حلب، وضيق عليها، واجتمع مع جمع كثير من العرب، فأقام ~~عليها، فلم يتسهل له فتحها، فرحل عنها، ثم عاودها فحصرها، فملك المدينة ~~عنوة في جمادى الآخرة، بعد أن حصرها، وامتنعت القلعة عليه. وأرسل من بها ~~إلى المستنصر بالله، صاحب مصر ودمشق، يستنجدونه، فأمر ناصر الدولة أبا محمد ~~الحسين بن الحسن بن حمدان، الأمير بدمشق، أن يسير بمن عنده من العساكر إلى ~~حلب يمنعها من محمود، فسار إلى حلب، فلما سمع محمود بقربه منه خرج من حلب، ~~ودخلها عسكر ناصر الدولة فنهبوها. ثم إن الحرب وقعت بين محمود وناصر الدولة ~~بظاهر حلب، واشتد القتال بينهم، فانهزم ناصر الدولة وعاد مقهورا إلى مصر، ~~وملك محمود حلب، وقتل عمه معز الدولة، واستقام أمره بها، وهذه الوقعة تعرف ~~بوقعة الفنيدق، وهي مشهورة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خلع السلطان طغرلبك على محمود بن الأخرم الخفاجي، وردت ~~إليه إمارة بني خفاجة، وولاية الكوفة، وسقي الفرات، وضمن خواص السلطان هناك ~~بأربعة آلاف دينار كل سنة، وصرف عنها رجب بن منيع. وفيها توفي أبو محمد ~~النسوي، صاحب الشرطة ببغداد، وقد جاوز ثمانين سنة. وفيها سد بنو ورام بثق ~~النهروانات، وشرع العميد أبو الفتح في عمارة بثوق الكرخ. وفيها، في ذي ~~القعدة، توفيت خاتون زوجة السلطان طغرلبك بزنجان، فوجد عليها وجدا شديدا، ~~وحمل تابوتها إلى الري فدفنت بها. وفيها، ثالث جمادى الآخرة، انقض كوكب ~~عظيم القدر عند طلوع الفجر من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق، فطال لبثه. ~~وفيها، جمع عطية بن صالح بن مرداس جمعا وحصر الرحبة، وضيق على أهلها، ~~فملكها في صفر من هذه السنة. وفيها توفيت والدة الخليفة القائم بأمر الله، ~~واسمها قطر الندى، وقيل بدر الدجى، وقيل علم، وهي جارية أرمينية. وفيها ~~توفي محمد بن الحسين بن محمد بن الحسن أبو علي المعروف بالجازري النهرواني، ~~وكان مكثرا من الرواية، الجازري بالجيم وبعد ms3474 الألف زاي ثم راء. وفيها توفي ~~باي أبو منصور الفقيه الجيلي، بالباء الموحدة وبعد الألف ياء تحتها نقطتان، ~~ومحمد بن عبيد بن أحمد بن محمد أبو عمرو بن أبي الفضل، الفقيه المالكي. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة # ### || AUT ذكر وزارة ابن دارست للخليفة # لما عاد الخليفة إلى بغداد استخدم أبا تراب الأثيري في الإنهاء، وحضور ~~المواكب، ولقبه حاجب الحجاب، وكان قد خدمه بالحديث، وقرب منه، فخاطب الشيخ ~~أبو منصور بن يوسف في وزارة أبي الفتح منصور بن أحمد بن دارست، وقال إنه ~~يخدم بغير إقطاع، ويحمل مالا، فأجيب إلى ذلك، فأحضر من الأهواز إلى بغداد، ~~وخلع عليه خلعة الوزارة منتصف ربيع الآخر، وجلس في منصبه، ومدح الشعراء، ~~فممن مدحه وهنأه أبو الحسن الخباز بقصيدة منها: أمن الملك بالأمين أبي الفت ~~... ح وصدت عن صفوة الأقذاء دولة أصبحت، وأنت ولي ... الرأي فيها، لدولة ~~غراء وهي طويلة. وكان ابن دارست في أول أمره تاجرا للملك أبي كاليجار. ### || AUT ذكر موت المعز بن باديس # ### || AUT وولاية ابنه تميم # في هذه السنة توفي المعز بن باديس، صاحب إفريقية، من مرض أصابه، وهو ضعف ~~الكبد، وكانت مدة ملكه سبعا وأربعين سنة، وكان عمره لما ملك إحدى عشرة سنة، ~~وقيل ثماني سنين وستة أشهر. وكان رقيق القلب، خاشعا، متجنبا لسفك الدماء ~~إلا في حد، حليما، يتجاوز عن الذنوب العظام، حسن الصحبة مع عبيده وأصحابه، ~~مكرما لأهل العلم، كثير العطاء لهم، كريما، وهب مرة ألف دينار للمستنصر ~~الزناتي وكان عنده وقد جاء هذا المال، فاستكثره، فأمر به فأفرغ بين يديه، ~~ثم وهبه له، فقيل له: لم أمرت بإخراجه من أوعيته؟ قال: لئلا يقال لو رآه ام ~~سمحت نفسه به، وكان له شعر حسن. ولما مات رثاه الشعراء، فمنهم أبو الحسن بن ~~رشيق فقال: لكل حي وإن طال المدى هلك ... لا عز مملكة يبقى، ولا ملك ولى ~~المعز على أعقابه فرمى، ... أو كاد ينهد من أركانه الفلك مضى فقيدا، وأبقى ~~في خزائنه ... هام الملوك، وما أدراك ms3475 ما ملكوا PageV04P0283 # ما كان إلا حساما سله قدر ... على الذين بغوا في الأرض وانهمكوا كأنه لم ~~يخض للموت بحر وغى، ... خضر البحار، إذا قيست به، برك ولم يجد بقناطير ~~مقنطرة ... قد أرخت باسمه إبريزها السكك روح المعز وروح الشمس قد قبضا، ... ~~فانظر بأي ضياء يصعد الفلك ولما توفي ملك بعده ابنه تميم، وكان مولد تميم ~~بالمنصورية التي هي مقره، منتصف رجب سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وولاه ~~المهدية في صفر سنة خمس وأربعين، وأقام بها إلى أن وافاه أبوه المعز، لما ~~انتزح عن القيروان من العرب، وقام بخدمة أبيه، وأظهر من طاعته وبره ما بان ~~به كذب ما كان ينسب إليه. ولما استبد بالملك بعد أبيه سلك طريقه في حسن ~~السيرة، ومحبة أهل العلم، إلا أنه كان أصحاب البلاد قد طمعوا بسبب العرب، ~~وزالت الهيبة والطاعة عنهم في أيام المعز، فلما مات ازداد طمعهم، وأظهر ~~كثير منهم الخلاف، فممن أظهر الخلاف القائد حمو بن مليك، صاحب سفاقس، ~~واستعان بالعرب، وقصد المهدية ليحاصرها، فخرج إليه تميم وصافه، فاقتتلوا، ~~فانهزم حموا وأصحابه، وكثر القتل فيهم، ومضى حمو ونجا بنفسه، وتفرقت خيله ~~ورجاله، وكان ذلك سنة خمس وخمسين. ### || AUT ذكر وفاة قريش صاحب الموصل # ### || AUT وإمارة ابنه شرفة الدولة # في هذه السنة توفي قريش بن بدران صاحب الموصل ونصيبين، أصابه خروج الدم ~~من فيه وأنفه وعينيه وأذنيه، فحمله ابنه شرف الدولة إلى نصيبين، حتى حفظ ~~خزانته بها، وتوفي هناك. وسمع فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير ~~حاله، فسارا من دارا إلى نصيبين، وجمع بني عقيل على أن يؤمروا ابنه أبا ~~المكارم مسلم بن قريش عليهم، وكان القائم بأمره جابر بن ناشب، فزوجه فخر ~~الدولة بأخت مسلم، وزوج مسلما بابنة نصر بن منصور. ### || AUT ذكر وفاة نصر الدولة بن مروان # في هذه السنة توفي نصر الدولة أحمد بن مروان الكردي، صاحب ديار بكر، ~~ولقبه القادر بالله نصر الدولة، وكان عمره نيفا وثمانين سنة، وإمارته ~~اثنتين وخمسين سنة، واستولى على الأمور ببلاده استيلاء ms3476 تاما، وعمر الثغور ~~وضبطها، وتنعم تنعما لم يسمع بمثله عن أحد من أهل زمانه. وملك من الجواري ~~المغنيات ما اشترى بعضهن بخمسة آلاف دينار، وأكثر من ذلك، وملك خمسمائة ~~سرية سوى توابعهن، وخمسمائة خادم. وكان في مجلسه من الآلات ما تزيد قيمته ~~على مائتي ألف دينار، وتزوج من بنات الملوك جملة، وأرسل طباخين إلى الديار ~~المصرية، وغرم على إرسالهم جملة وافرة حتى تعلموا الطبخ من هناك. وأرسل إلى ~~السلطان طغرلبك هدايا عظيمة، من جملتها الجبل الياقوت الذي كان لبني بويه، ~~اشتراه من المكل العزيز أبي منصور بن جلال الدولة، وأرسل معه مائة ألف ~~دينار سوى ذلك. ووزر له أبو القاسم بن المغربي، وفخر الدولة بن جهير، ورخصت ~~الأسعار في أيامه، وتظاهر الناس بالأموال، ووفد إليه الشعراء، وأقام عنده ~~العلماء والزهاد. وبلغه أن الطيور في الشتاء تخرج من الجبال إلى القرى ~~فتصاد، فأمر أن يطرح لها الحب من الأهراء التي له، فكانت في ضيافته طول ~~عمره. ولما مات اتفق وزيره فخر الدولة بن جهير وابنه نصر، فرتب نصرا في ~~الملك بعد أبيه، وجرى بينه وبين أخيه سعيد حروب شديدة كان الظفر في آخرها ~~لنصر، فاستقر في الإمارة بميافارقين وغيرها، وملك أخوه سعيد آمد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في رجب خلع على الكامل أبي الفوارس طراد بن محمد الزينبي، وقلد نقابة ~~النقباء، ولقب الكامل ذا الشرفين. وفيها تولي شمس الدين أسامة بن أبي عبد ~~الله بن علي نقابة العلويين ببغداد، ولقب المرتضى. وفيها، في جمادى الأولى، ~~انكسفت الشمس جميعها، فظهرت الكواكب، وأظلمت الدنيا، وسقطت الطيور الطائرة. ~~وفيها، في شهر رمضان، توفي شكر العلوي الحسيني، أمير مكة، وله شعر حسن، ~~فمنه: قوض خيامك عن أرض تضام بها، ... وجانب الذل، إن الذل مجتنب وارحل إذا ~~كان في الأوطان منقصة ... فالمندل الرطب في أوطانه حطب وفيها توفي أبو ~~القاسم علي بن محمد بن يحيى الشمشاطي بدمشق، وكان عالما بالهندسة ~~والرياضيات من علوم الفلاسفة، وإليه ينسب الرباط الذي عند جامع دمشق. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع ms3477 وخمسين وأربعمائة # PageV04P0284 ### || AUT ذكر نكاح السلطان طغرلبك ابنة الخليفة # في هذه السنة عقد للسلطان طغرلبك على ابنة الخليفة القائم بأمر الله، ~~وكانت الخطبة تقدمت سنة ثلاث وخمسين مع أبي سعد قاضي الري، فانزعج الخليفة ~~من ذلك، وأرسل في الجواب أبا محمد التميمي، وأمره أن يستعفي، فإن أعفي، ~~وإلا تمم الأمر على أن يحمل السلطان ثلاثمائة ألف دينار، ويسلم واسطا ~~وأعمالها. فلما وصل إلى السلطان ذكر لعميد الملك الوزير ما ورد فيه من ~~الاستعفاء، فقال: لا يحسن أن يرد الس، وقد سأل وتضرع، ولا يجوز مقابلته ~~أيضا بطلب الأموال والبلاد، فهو يفعل أضعاف ما طلب منه. فقاتل التميمي: ~~الأمر لك، ومهما فعلته فهو الصواب، فبنى الوزير الأمر على الإجابة، وطالع ~~به الس، فسر به، وجمع الناس وعرفهم أن همته سمت به إلى الاتصال بهذه الجهة ~~النبوية، وبلغ من ذلك ما لم يبلغه سواه من الملوك. وتقدم إلى عميد الملك ~~الوزير أن يسير ومعه أرسلان خاتون، زوجة الخليفة، وأن يصحبها مائة ألف ~~دينار برسم الحمل، وما شاكلها من الجواهر وغيرها، ووجه معه فرامرز بن ~~كاكويه، وغيره من وجوه الأمراء وأعيان الري. فلما وصل إلى الإمام القائم ~~بأمر الله، وأوصل خاتون زوجة الخليفة إلى دارها، وأنهى حضوره وحضور من معه، ~~ذكر حال الوصلة، فامتنع الخليفة من الإجابة إليها وقال: إن أعفينا، وإلا ~~خرجنا من بغداد. فقال عميد الملك: كان الواجب الامتناع من غير اقتراح، وعند ~~الإجابة إلى ما طلب، فالامتناع سعي على دمي، وأخرج خيامه إلى النهروان، ~~فاستوقفه قاضي القضاة، والشيخ أبو منصور بن يوسف، وأنهيا إلى الخليفة عاقبة ~~انصرافه على هذا الوجه، وصنع له ابن دارست وزير الخليفة دعوة، فحضر عنده، ~~فرأى على مسجد مكتوبا: معاوية خال علي، فأمر بحكه. وكتب من الديوان إلى ~~خمارتكين الطغرائي كتابا يتضمن الشكوى من عميد الملك، فورد الجواب عليه ~~بالرفق، وكتب الخليفة إلى عميد الملك: نحن نرد الأمر إلى رأيك، ونعول على ~~أمانتك ودينك. فحضر يوما عند الخليفة، ومعه جماعة من الأمراء، والحجاب، ~~والقضاة والشهود، فأخذ ms3478 المجلس لنفسه، ولم يتكلم سواه، وقال للخليفة: أسأل ~~مولانا أمير المؤمنين التطول بذكر ما شرف به العبد المخلص شاهنشاه، ركن ~~الدين، فيما رغب فيه ليعرفه الجماعة. فغالطه، وقال: قد سطر في المعنى ما ~~فيه كفاية. فانصرف عميد الملك مغظا، ورحل في السادس والعشرين من جمادى ~~الآخرة وأخذ المال معه إلى همذان، وعرف السلطان أن السبب في اتفاق الحال من ~~خمارتكين الطغرائي. فتغير السلطان عليه، فهرب في ستة غلمان. وكتب السلطان ~~إلى قاضي القضاة والشيخ أبي منصور بن يوسف يعتب ويقول: هذا جزاء من الخليفة ~~الذي قتلت أخي في خدمته، وأنفقت أموالي في نصرته، وأهلكت خواصي في محبته. ~~وأطال العتاب، وعاد الجواب إليه بالاعتذار. وأما الطغرائي فإنه أدرك ~~ببروجرد فقال أولاد إبراهيم ينال للسلطان: إن هذا قتل أبانا، ونسأل أن نمكن ~~من قتله، وأعانهم عميد الملك، فأذن لهم في قتله، فساروا إلى طريقه وقتلوه، ~~وجعل مكانه ساوتكين، وبسط الكندري لسانه. وطلب طغرلبك ابنة أخيه، زوجة ~~الخليفة، لتعاد إليه، وجرى ما كاد يفضي إلى الفساد الكلي. فلما رأى الخليفة ~~شده الأمر أذن في ذلك، وكتب الوكالة باسم عميد الملك، وسيرت الكتب مع أبي ~~الغنائم بن المحلبان، وكان العقد في شعبان سنة أربع وخمسين بظاهر تبريز، ~~وهذا ما لم يجر للخلفاء مثله، فإن بني بويه مع تحكمهم ومخالفتهم لعقائد ~~الخلفاء لم يطمعوا في مثل هذا ولا ساموهم فعله. وحمل السلطان أموالا كثيرة، ~~وجواهر نفيسة للخليفة، ولولي العهد، وولجهة المطلوبة، ولوالدتها، وغيرهم، ~~وجعل بعقوبا وما كان بالعراق للخاتون زوجة السلطان التي توفيت للسيدة ابنة الخليفة. ### || AUT ذكر عزل ابن دارست # ### || AUT ووزارة ابن جهير # في هذه السنة عزل أبو الفتح محمد بن منصور بن دارست من وزراة الخليفة. ~~وسببه أنه وصل معه إنسان يهودي يقال له ابن علان، فضمن أعمال الوكلاء التي ~~لخاص الخليفة بستة آلاف كر غلة، ومائة ألف دينار، فصح منها ألفا كر، وثلاون ~~ألف دينار، وانكسر الباقي، فظهر عجز ابن دارست ووهنه، فعزل، وعاد إلى ~~الأهواز، فتوفي بها سنة سبع وستين. ms3479 PageV04P0285 # وكان فخر الدولة أبو نصر بن جهير، وزير نصر الدولة بن مروان، قد أرسل ~~يخطب الوزارة، وبذل فيها بذولا كثيرة، فأجيب إليها، وأرسل كامل طراد ~~الزينبي إلى ميافارقين كأنه رسول، فلما عاد سار معه ابن جهير كالمودع له، ~~فتمم السير معه. وخرج ابن مروان في أثره، فلم يدركه، فلما وصل إلى بغداد ~~خرج الناس إلى استقباله، وخلع عليه خلع الوزارة يوم عرفة، ولقب فخر الدولة، ~~واستقر في الوزارة، ومدحه وهنأه ابن الفضل وغيره من الشعراء. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عم الرخص جميع الأصقاع، فبيع بالبصرة ألف رطل من التمر ~~بثمانية قراريط. وفيها توفي القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر ~~القضاعي بمصر. وفيها سار السلطان طغرلبك إلى قلعة الطرم من بلاد الديلم، ~~وقرر على مسافر ملكها مائة ألف دينار وألف ثوب. وفيها مات أبو علوان ثمالل ~~بن صالح بن مرداس الملقب معز الدولة بحلب، وقام أخوه عطية مقامه. وتوفي ~~الحسن بن علي بن محمد أبو محمد الجوهري، ومولده سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، ~~وكان من الأئمة المكثرين من سماع الحديث وروايته، وهو آخر من حدث عن أبي ~~بكر القطيعي، والأبهري، وابن شاذان، وغيرهم. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وخمسين وأربعمائة # ### || AUT ذكر ورود السلطان بغداد # ### || AUT ودخوله بابنة الخليفة # في هذه السنة، في المحرم، توجه السلطان طغرلبك من أرمينية إلى بغداد، ~~وأراد الخليفة أن يستقبله، فاستعفاه من ذلك، وخرج الوزير ابن جهير ~~فاستقبله. وكان مع السلطان من الأمراء: أبو علي ابن الملك أبي كاليجار، ~~وسرخاب بن بدر، وهزارسب، وأبو منصور فرامرز بن كاكويه، فنزل عسكره في ~~الجانب الغربي، فزاد بهم أذى. ووصل عميد الملك إلى الخليفة، وطالب بالجهة، ~~وبات بالدار، فقيل له: خطك موجود بالشرط، وإن المقصود بهذه الوصلة الشرف لا ~~الإجتماع، وإنه إن كانت مشاهدة فتكون في دار الخلافة، فقال السلطان: نفعل ~~هذا، ولكن نفرد له من الدور والمساكن ما يكفيه، ومعه خواصه، وحجابه، ~~ومماليكه، فإنه لا يمكنه مفارقتهم. فحينئذ نقلت إلى دار المملكة في ms3480 منتصف ~~صفر، فجلست على سرير ملبس بالذهب، ودخل السلطان إليها، وقبل الأرض وخدمها، ~~ولم تكشف الخمار عن وجهها، ولا قامت هي له، وحمل لها شيئا كثيرا من الجواهر ~~وغيرها، وبقي كذلك يحضر كل يوم يخدم وينصرف. وخلع على عميد الملك وعمل ~~السماط عدة أيام، وخلع على جميع الأمراء، وظهر عليه سرور عظيم، وعقد ضمان ~~بغداد على أبي سعيد القايني بمائة وخمسين ألف دينار، فأعاد ما كان أطلقه ~~رئيس العراقين من المواريث والمكوس، وقبض على الأعرابي سعد، ضامن البصرة، ~~وعقد ضمان واسط على أبي جعفر بن صقالب بمائتي ألف دينار. ### || AUT ذكر وفاة السلطان طغرلبك # في هذه السنة سار السلطان من بغداد، في ربيع الأول، إلى بلد الجبل، فوصل ~~إلى الري واستصحب معه أرسلان خاتون ابنة أخيه، زوجة الخليفة، لأنها شكت ~~اطراح الخليفة لها، فأخذها معه، فمرض، وتوفي يوم الجمعة ثامن شهر رمضان، ~~وكان عمره سبعين سنة تقريبا، وكان عقيما لم يلد ولدا. وكان وزيره الكندري ~~على سبعين فرسخا، فأتاه الخبر، فسار، ووصل إليه في يومين وهو بعد لم يدفن ~~فدفنه. وجلس له الوزير فخر الدولة بن جهير ببغداد للعزاء. حكى عنه الكندري ~~أنه قال: رأيت، وأنا بخراسان، في المنام كأنني رفعت إلى السماء، وأنا في ~~ضباب لا أبصر معه شيئا، غير أني أشم رائحة طيبة، وأنني أنادى: إنك قريب من ~~الباري، جلت قدرته، فاسأل حاجتك لتقضى، فقلت في نفسي: أسأل طول العمر، ~~فقيل: لك سبعون سنة، فقلت: يا رب ما يكفيني، فقيل: لك سبعون سنة، فقلت: يا ~~رب لا يكفيني، فقيل: لك سبعون سنة. فلما مات حسب عميد الملك عمره، على ~~التقريب، فكان سبعين سنة. وكانت مملكته، بحضرة الخلافة، سبع سنين وأحد عشر ~~شهرا واثني عشر يوما. وأما الأحوال بالعراق، بعد وفاته، فإنه كتب من ديوان ~~الخلافة إلى شرف الدولة مسلم بن قريش، صاحب الموصل، وإلى نور الدولة دبيس ~~بن مزيد، وإلى هزارسب، وإلى بني ورام، وإلى بدر بن المهلهل، بالاستدعاء إلى ~~بغداد، وأرسل لشرف الدولة تشريف، وعمل أبو سعد ms3481 القايني، ضامن بغداد، سورا ~~على قصر عيسى، وجمع الغلات. فانحدر إبراهيم بن شرف الدولة إلى أوانا، وتسلم ~~أصحابه الأنبار، وانتشرت البادية في البلاد، وقطعوا الطرقات. PageV04P0286 # وقدم إلى بغداد دبيس بن مزيد، وخرج الوزير ابن جهير لاستقباله، وقدم أيضا ~~ورام، وتوفي ببغداد أبو الفتح بن ورام، مقدم الأكراد الجاوانية، فحمل إلى ~~جرجرايا، وفارق شرف الدولة مسلم بغداد، ونهب النواحي، فسار نور الدولة، ~~والأكراد، وبنو خفاجة إلى قتاله. ثم أرسل إليه من ديوان الخلافة رسول معه ~~خلعة له، وكوتب بالرضاء عنه، وانحدر إليه نور الدولة دبيس، فعمل له شرف ~~الدولة سماطا كثيرا، وكان في الجماعة الأشرف أبو الحسين بن فخر الملك أبي ~~غالب بن خلف، كان قصد شرف الدولة مستجديا، فمضغ لقمة، فمات من ساعته. وحكى ~~عنه بعض من صحبه أنه سمعه ذلك اليوم يقول: اللهم اقبضني، فقد ضجرت من ~~الإضافة! فلما توفي ورفع من السماط خاف شرف الدولة أن يظن من حضر أنه تناول ~~طعاما مسموما قصد به غيره، فقال: يا معشر العرب لا برح منكم أحد، ونهض وجلس ~~مكان ابن فخر الملك المتوفي، وجعل يأكل من الطعام الذي بين يديه، فاستحسن ~~الجماعة فعله، وعادوا عنه وخلع على دبيس وولده منصور وعاد إلى حلته. ولما ~~رأى الناس ببغداد انتشار الأعراب في البلاد ونهبها، حملوا السلاح لقتالهم، ~~وكان ذلك سببا لكثرة العيارين وانتشار المفسدين. ### || AUT ذكر شيء من سيرته # كان عاقلا حليما من أشد الناس احتمالا، وأكثرهم كتمانا لسره، ظفر ~~بملطفات كتبها بعض خواصه إلى الملك أبي كاليجار، فلم يطلعه على ذلك، ولا ~~تغير عليه، حتى أظهر بعد مدة طويلة لغيره. وحكى عنه أقضى القضاة الماوردي ~~قال: لما أرسلني القائم بأمر الله إليه سنة ثلاث وثلاثين كتبت كتابا إلى ~~بغداد أذكر فيها سيرته وخراب بلاده، وأطعن عليه بكل وجه، فوقع الكتاب من ~~غلامي، فحمل إليه، فوقف عليه وكتمه، ولم يحدثني فيه بشيء، ولا تغير عما كان ~~عليه من إكرامي. وكان، رحمه الله، يحافظ على الصلوات، ويصوم الاثنين، ~~والخميس، وكان لبسه الثياب البياض، ms3482 وكان ظلوما، غشوما، قاسيا، وكان عسكره ~~يغصبون الناس أموالهم، وأيديهم مطلقة في ذلك نهارا وليلا. وكان كريما، فمن ~~كرمه أن أخاه إبراهيم ينال أسر من الروم، لما غزاهم، بعض ملوكهم فبذل في ~~نفسه أربعمائة ألف دينار، فلم يقبل إبراهيم منه وحمله إلى طغرلبك، فأرسل ~~ملك الروم إلى نصر الدولة بن مروان حتى خاطب طغرلبك في فكاكه، فلما سمع ~~طغرلبك رسالته أرسل الرومي إلى ابن مروان بغير فداء، وسير معه رجلا علويا، ~~فأنفذ ملك الروم إلى طغرلبك ما لم يحمل في الزمان المتقدم، وهو ألف ثوب ~~ديباج، وخمسمائة ثوب أصناف، وخمسمائة رأس من الكراع إلى غير ذلك، وأنفذ ~~مائتي ألف دينار، ومائة لبنة فضة، وثلاثمائة شهري، وثلاثمائة حمار مصرية، ~~وألف عنز بيض الشعور، سود العيون والقرون، وأنفذ إلى ابن مروان عشرة أمناء ~~مسكا، وعمر ملك الروم الجامع الذي بناه مسلمة بن عبد الملك بالقسطنطينية، ~~وعمر منارته، وعلق فيه القناديل، وجعل في محرابه قوسا ونشابة، وأشاع المهادنة. ### || AUT ذكر ملك السلطان ألب أرسلان # لما مات السلطان طغرلبك أجلس عميد الملك الكندري في السلطنة سليمان بن ~~داود جغري بك، أخي السلطان طغرلبك، وكان طغرلبك قد عهد إليه بالملك، وكانت ~~والدة سليمان عند طغرلبك، فلما خطب له بالسلطنة اختلف الأمراء، فمضى باغي ~~سيان وأردم إلى قزوين، وخطبا لعضد الدولة ألب أرسلان محمد بن داود جغري بك، ~~وهو حينئذ صاحب خراسان، ومعه نظام الملك وزيره، والناس مائلون إليه. فلما ~~رأى عميد الملك الكندري انعكاس الحال عليه أمر بالخطبة بالري للسلطان ألب ~~أرسلان، وبعده لأخيه سليمان. ### || AUT ذكر خروج حمو عن طاعة تميم بن المعز بإفريقية # في هذه السنة خالف حمو بن مليك، صاحب مدينة سفاقس بإفريقية، على الأمير ~~تميم بن المعز بن باديس، فجمع أصحابه، واستعان بالعرب، وسار إلى المهدية، ~~فسمع تميم الخبر، فسار إليه بعساكر ومعه أيضا طائفة من العرب من زغبة، ~~ورياح، ووصل حمو إلى سلقطة، والتقى الفريقان بها، وكانت بينهما حرب شديدة ~~فانهزم حمو ومن معه، وأخذتهم السيوف، فقتل أكثر حماته وأصحابه، ms3483 ونجا بنفسه، ~~تفرقت رجاله، وعاد تميم مظفرا منصورا. ثم قصد، بعد هذه الحادثة، مدينة ~~سوسة، وكان أهلها قد خالفوا عليه، فملكها، وعفا عنهم وحقن دماءهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في المحرم، قبض بمصر على الوزير أبي الفرج بن المغربي. ~~PageV04P0287 # وفيها دخل الصليحي، صاحب اليمن، إلى مكة مالكا لها، فأحسن السيرة فيها، ~~وجلب إليها الأقوات، ورفع جور من تقدم، وظهرت منه أفعال جميلة. وفيها، في ~~ربيع الآخر، انقض كوكب عظيم، له ضوء كثير. وفيها، في شعبان، كان بالشام ~~زلزلة عظيمة خرب منها كثير من البلاد، وانهدم سور طرابلس. وفيها ملك أمير ~~الجيوش بدر دمشق للمستنصر، صاحب مصر، فوصل إليها في الثالث والعشرين من ~~ربيع الآخر، وأقام بها، واختلف هو والجند، فثاروا به، ووافقهم العامة، فضعف ~~عنهم، ففارقها في رجب سنة ست وخمسين. وفيها توفي سعيد بن نصر الدولة بن ~~مروان، صاحب آمد، من ديار بكر، وزهير بن الحسين بن علي أبو نصر الجذامي، ~~الفقيه الشافعي، تفقه على أبي حامد الأسفراييني، وسمع الحديث الكثير ورواه، ~~وكان موته بسرخس. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وخمسين وأربعمائة # ### || AUT ذكر القبض على عميد الملك وقتله # في هذه السنة قبض السلطان ألب أرسلان على الوزير عميد الملك أبي نصر ~~منصور بن محمد الكندري وزير طغرلبك. وسبب ذلك أن عميد الملك قصد خدمة نظام ~~الملك، وزير ألب أرسلان، وقدم بين يديه خمسمائة دينار، واعتذر، وانصرف من ~~عنده، فسار أكثر الناس معه، فخوف السلطان من غائلة ذلك، فقبض عليه وأنفذه ~~إلى مرو الروذ، وأتت عليه سنة في الاعتقال، ثم نفذ إليه غلامين فدخلا عليه ~~وهو محموم، فقالا له: تب مما أنت عليه، ففعل، ودخل فودع أهله، وخرج إلى ~~مسجد هناك فصلى ركعتين، وأراد الغلامان خنقه، فقال: لست بلص! وخرق خرقة من ~~طرف كمه وعصب عينيه، فضربوه بالسيف، وكان قتله في ذي الحجة، ولف في قميص ~~دبيقي من ملابس الخليفة، وخرقة كانت البردة التي عند الخلفاء فيها، وحملت ~~جثته إلى كندر، فدفن عند أبيه، وكان عمره ms3484 يوم قتل نيفا وأربعين سنة. وكان ~~سبب اتصاله بالسلطان طغرلبك أن السلطان لما ورد نيسابور طلب رجلا يكتب له، ~~ويكون فصيحا بالعربية، فدل عليه الموفق، والد أبي سهل، وأعطته السعادة، ~~وكان فصيحا، فاضلا، وانتشر من شعره ما قاله في غلام تركي صغير السن كان ~~واقفا على رأسه يقطع بالسكين قصبة، فقال عميد الملك فيه: أنا مشغول بحبه، ~~... وهو مشغول بلعبه لو أراد الله خيرا، ... وصلاحا لمحبه نقلت رقة خدي ... ~~ه إلى قسوة قلبه صانه الله فما أك ... ثر إعجابي بعجبه ومن شعره: إن كان ~~بالناس ضيق عن مناقشتي، ... فالموت قد وسع الدنيا على الناس مضيت، والشامت ~~المغبون يتبعني، ... كل لكأس المنايا شارب حاسي وقال أبو الحسن الباخرزي ~~يخاطب ألب أرسلان عند قتل الكندري: وعمك أدناه، وأعلى محله، ... وبوأه من ~~ملكه كنفا رحبا قضى كل مولى منكما حق عبده ... فخوله الدنيا، وخولته العقبى ~~وكان عميد الملك خصيا، قد خصاه طغرلبك لأنه أرسله يخطب عليه امرأة ليتزوجها ~~فتزوجها هو، وعصى عليه، فظفر به وخصاه، وأقره على خدمته. وقيل بل أعداؤه ~~أشاعوا عنه أنه تزوجها، فخصى نفسه ليخلص من سياسة السلطنة، فقال فيه علي بن ~~الحسن الباخرزي: قالوا: محا السلطان عنه بعزة ... سمة الفحول، وكان قرما ~~صائلا قلت: اسكتوا، فالآن زاد فحولة ... لما اغتدى عن أنثييه عاطلا فالفحل ~~يأنف أن يسمى بعضه ... أنثى، لذلك جذه مستأصلا يعني بالأنثى واحدة ~~الأنثيين. وكان شديد التعصب على الشافعية، كثير الوقعة في الشافعي، رضي ~~الله عنه، بلغ تعصبه أنه خاطب السلطان في لعن الرافضة على منابر خراسان، ~~فأذن في ذلك، فأمر بلعنهم، وأضاف إليهم الأشعرية، فأنف من ذلك أئمة خراسان، ~~منهم: الإمام أبو القاسم القشيري، والإمام أبو المعالي الجويني، وغيرهما، ~~ففارقوا خراسان، وأقام إمام الحرمين بمكة أربع سنين إلى أن انقضت دولته، ~~يدرس، ويفتي، فلهذا لقب إمام الحرمين، فلما جاءت الدولة النطامية أحضر من ~~انتزح منهم وأكرمهم، وأحسن إليهم، وقيل إنه تاب من الوقيعة في الشافعي، فإن ~~صح فقد أفلح، وإلا فعلى نفسها براقش تجني. PageV04P0288 # ومن العجب ms3485 أن ذكره دفن بخوارزم لما خصي، ودمه مسفوح بمرو، وجسده مدفون ~~بكندر، ورأسه ما عدا قحفه مدفون بنيسابور، ونقل قحفه إلى كرمان لأن نظام ~~الملك كان هناك، فاعتبروا يا أولي الأبصار. ولما قرب للقتل قال للقاصد ~~إليه: قل لنظام الملك: بئس ما عودت الأتراك قتل الوزراء، وأصحاب الديوان، ~~ومن حفر قليبا وقع فيه. ولم يخلف عميد الملك غير بنت. ### || AUT ذكر ملك ألب أرسلان ختلان وهراة وصغانيان # لما توفي طغرلبك وملك ألب أرسلان عصى عليه أمير ختلان بقلعته، ومنع ~~الخراج، فقصده السلطان، فرأى الحصن منيعا على شاهق، فأقام عليه وقاتله، فلم ~~يصل منه إلى مراده. ففي بعض الأيام باشر ألب أرسلان القتال بنفسه، وترجل، ~~وصعد في الجبل، فتبعه الخلق، وتقدموا عليه في الموقف، وألحوا في الزحف ~~والقتال، وكان صاحب القلعة على شرفة من سورها يحرض الناس على القتال، فأتته ~~نشابة من العسكر فقتلته، وتسلم ألب أرسلان القلعة وصارت في جملة ممالكه. ~~وكان عمه فخر الملك بيغو بن ميكائيل في هراة، فعصى أيضا عليه، وطمع في ~~الملك لنفسه، فسار إليه ألب أرسلان في العساكر العظيمة، فحصره وضيق عليه، ~~وأدام القتال ليلا ونهارا، فتسلم المدينة، وخرج عمه إليه، فأبقى عليه ~~وأكرمه وأحسن صحبته. وسار من هناك إلى صغانيان، وأميرها اسمه موسى، وكان قد ~~عصى عليه، فلما قاربه ألب أرسلان صعد موسى إلى قلعة على رأس جبل شاهق، ومعه ~~من الرجال الكماة جماعة كثيرة، فوصل السلطان إليه، وباشر الحرب لوقته، فلم ~~ينتصف النهار حتى صعد العسكر الجبل، وملكوا القلعة قهرا، وأخذ موسى أسيرا، ~~فأمر بقتله، فبذل في نفسه أموالا كثيرة، فقال السلطان: ليس هذا أوان تجارة، ~~واستولى على تلك الولاية بأسرها، وعاد إلى مرو، ثم منها إلى نيسابور. ### || AUT ذكر عود ابنة الخليفة إلى بغداد # ### || AUT والخطبة للسلطان ألب أرسلان ببغداد # في هذه السنة أمر السلطان ألب أرسلان السيدة ابنة الخليفة بالعود إلى ~~بغداد، وأعلمها أنه لم يقبض على عميد الملك إلا لما اعتمده من نقلها من ~~بغداد إلى الري بغير رضاء الخليفة، ms3486 وأمر الأمير ايتكين السليماني بالمسير ~~في خدمتها إلى بغداد، والمقام بها شحنة، وأنفذ أبا سهل محمد بن هبة الله، ~~المعروف بابن الموفق، للمسير في الصحبة، وأمره بالمخاطبة في إقامة الخطبة ~~له، فمات في الطريق مجدرا. وهذا أبو سهل من رؤساء أصحاب الشافعي بنيسابور، ~~وكان يحضر طعامه في رمضان، كل ليلة، أربع مائة متفقه، ويصلهم ليلة العيد ~~بكسوة ودنانير تعمهم، فلما سمع بموته أرسل العميد أبا الفتح المظفر بن ~~الحسين فمات أيضا في الطريق، فألزم السلطان رئيس العراقين بالمسير، فوصلوا ~~بغداد منتصف ربيع الآخر، وخرج عميد الدولة ابن الوزير فخر الدولة بن جهير ~~لتلقيهم، واقترح السلطان أن يخاطب بالولد المؤيد، فأجيب إلى ذلك، ولقب ضياء ~~الدين عضد الدولة. وجلس الخليفة جلوسا عاما سابع جمادى الأولى، وشافه الرسل ~~بتقليد ألب أرسلان للسلطنة، وسلمت الخلع بمشهد من الخلق، وأرسل إليه من ~~الديوان لأخذ البيعة النقيب طرادا الزينبي، فوصلوا إليه وهو بنقجوان من ~~أذربيجان، فلبس الخلع، وبايع للخليفة. ### || AUT ذكر الحرب بين ألب أرسلان وقتلمش # سمع ألب أرسلان أن شهاب الدولة قتلمش، وهو من السلجوقية أيضا، وهو جد ~~الملوك أصحاب قونية، وقيصرية، وأقصرا، وملطية، يومنا هذا، قد عصى عليه، ~~وجمع جموعا كثيرة، وقصد الري ليستولي عليها، فجهز ألب أرسلان جيشا عظيما ~~وسيرهم على المفازة إلى الري، فسبقوا قتلمش إليها. وسار ألب أرسلان من ~~نيسابور أول المحرم من هذه السنة، فلما وصل إلى دامغان أرسل إلى قتلمش ينكر ~~عليه فعله، وينهاه عن ارتكاب هذا الحال، ويأمره بتركها، فإنه يرعى له ~~القرابة والرحم، فأجاب قتلمش جواب مغتر بمن معه من الجموع، ونهب قرى الري، ~~وأجرى الماء على وادي الملح، وهي سبخة، فتعذر سلوكها، فقال نظام الملك: قد ~~جعلت لك من خراسان جندا ينصرونك ولا يخذلونك، ويرمون دونك بسهام لاتخطيء، ~~وهم العلماء والزهاد، فقد جعلتهم بالإحسان إليهم من أعظم أعوانك. وقرب ~~السلطان من قتلمش، فلبس الملك السلاح، وعبأ الكتائب، واصطف العسكران. ~~PageV04P0289 # وكان قتلمش يعلم علم النجوم، فوقف ونظر، فرأى أن طالعه في ذلك اليوم قد ~~قارنه نحوس ms3487 لا يرى معها ظفرا، فقصد المحاجزة، وجعل السبخة بينه وبين ألب ~~أرسلان ليمتنع من اللقاء. فسلك ألب أرسلان طريقا في الماء، وخاض غمرته، ~~وتبعه العسكر، فطلع منه سالما هو وعسكره، فصاروا مع قتلمش واقتتلوا، فلم ~~يثبت عسكر قتلمش لعسكر السلطان، وانهزموا لساعتهم، ومضى منهزما إلى قلعة ~~كردكوه، وهي من جملة حصونه ومعاقله، واستولى القتل والأسر على عسكره، فأراد ~~السلطان قتل الأسرى، فشفع فيهم نظام الملك فعفا عنهم وأطلقهم. ولما سكن ~~الغبار، ونزل العسكر، وجد قتلمش ميتا ملقى على الأرض لا يدري كيف كان موته، ~~قيل: إنه مات من الخوف، والله أعلم، فبكى السلطان لموته، وقعد لعزائه، وعظم ~~عليه فقده، فسلاه نظام الملك، ودخل ألب أرسلان إلى مدينة الري آخر المحرم ~~من السنة. ومن العجب أن قتلمش هذا كان يعلم علم النجوم، قد أتقنه، مع أنه ~~تركي، ويعلم غيره من علوم القوم، ثم إن أولاده من بعده لم يزالوا يطلبون ~~هذه العلوم الأولية، ويقربون أهلها، فنالهم بهذا غضاضة في دينهم، وسيرد من ~~أخبارهم ما يعلم منه ذلك وغيره من أحوالهم. ### || AUT ذكر فتح ألب أرسلان مدينة آني # ### || AUT وغيرها من بلاد النصرانية # ثم سار السلطان من الري أول ربيع الأول، وسار إلى أذربيجان، فوصل إلى ~~مرند عازما على قتال الروم وغزوهم، فلما كان بمرند أتاه أمير من أمراء ~~التركمان، كان يكثر غزو الروم، اسمه طغدكين، ومعه من عشيرته خلق كثيرر، قد ~~ألفوا الجهاد، وعرفوا تلك البلاد، وحثه على قصد بلادهم، وضمن له سلوك ~~الطريق المستقيم إليها، فسار معه، فسلك بالعساكر في مضايق تلك الأرض ~~ومخارمها، فوصل إلى نقجوان، فأمر بعمل السفن لعبور نهر أرس، فقيل له إن ~~سكان خوي، وسلماس، من أذربيجان، لم يقوموا بواجب الطاعة، وإنهم قد امتنعوا ~~ببلادهم، فسير إليهم عميد خراسان، ودعاهم إلى الطاعة، وتهددهم إن امتنعوا، ~~فأطاعوا، وصاروا من جملة حزبه وجنده، واجتمع عليه هناك من الملوك والعساكر ~~ما لا يحصى. فلما فرغ من جمع العساكر والسفن سار إلى بلاد الكرج، وجعل ~~مكانه في عسكره ولده ملكشاه، ms3488 ونظام الملك وزيره، فسار ملكشاه ونظام الملك ~~إلى قلعة فيها جمع كثير من الروم، فنزل أهلها منها، وتخطفوا من العسكر، ~~وقتلوا منهم فئة كثيرة، فنزل نظام الملك وملكشاه، وقاتلوا من بالقلعة، ~~وزحفوا إليهم، فقتل أمير القلعة وملكها المسلمون، وساروا منها إلى قلعة ~~سرماري، وهي قلعة فيها في المياه الجارية والبساتين، فقاتلوها وملكوها، ~~وأنزلوا منها أهلها، وكان بالقرب منها قلعة أخرى، ففتحها ملكشاه، وأراد ~~تخريبها، فنهاه نظام الملك عن ذلك، وقال: هي ثغر للمسلمين، وشحنها بالرجال ~~والذخائر والأموال والسلاح، وسلم هذه القلاع إلى أمير نقجوان. وسار ملكشاه ~~ونظام الملك إلى مدينة مريم نشين، وفيها كثير من الرهبان والقسيسين وملوك ~~النصارى وعامتهم يتقربون إلى أهل هذه البلدة، وهي مدينة حصينة، سورها من ~~الأحجار الكبار الصلبة، المشدودة بالرصاص والحديد، وعندها نهر كبير، فأعد ~~نظام الملك لقتالها ما يحتاج إليه من السفن وغيرها، وقاتلها، وواصل قتالها ~~ليلا ونهارا، وجعل العساكر عليها يقاتلون بالنوبة، فضجر الكفار، وأخذهم ~~الإعياء والكلال، فوصل المسلمون إلى سورها، ونصبوا عليه السلاليم، وصعد إلى ~~أعلاه، لأن المعاول كلت عن نقبه لقوة حجره. فلما رأى أهلها المسلمين على ~~السور فت ذلك في أعضادهم، وسقط في أيديهم، ودخل ملكشاه البلد، ونظام الملك، ~~وأحرقوا البيع، وخربوها، وقتلوا كثيرا من أهلها، وأسلم كثير فنجوا من ~~القتل. واستدعى ألب أرسلان إليه ابنه، ونظام الملك، وفرح بما يسره الله من ~~الفتح على يد ولده، وفتح ملكشاه في طريقه عدة من القلاع والحصون، وأسر من ~~النصارى ما لا يحصون كثرة. وساروا إلى سبيذ شهر، فجرى بين أهلها وبين ~~المسلمين حروب شديدة استشهد فيها كثير من المسلمين، ثم إن الله تعالى يسر ~~فتحها فملكها ألب أرسلان. PageV04P0290 # وسار منها إلى مدينة أعآل لآل، وهي حصينة، عالية الأسوار، شاهقة البنيان، ~~وهي من جهة الشرق والغرب على جبل عال، وعلى الجبل عدة من الحصون، ومن ~~الجانبين الآخرين نهر كبير لا يخاض، فلما رآها المسلمون علموا عجزهم عن ~~فتحها والاستيلاء عليها، وكان ملكها من الكرج، وهكذا ما تقدم من البلاد ~~التي ذكرنا فتحها، ms3489 وعقد السلطان جسرا على النهر عريضا، واشتد القتال، وعظم ~~الخطب، فخرج من المدينة رجلان يستغيثان، ويطلبان الأمان، والتمسا من ~~السلطان أن يرسل معهما طائفة من العسكر، فسير جمعا صالحا، فلما جاوزوا ~~الفصيل أحاط بهم الكرج من أهل المدينة وقاتلوهم فأكثروا القتل فيهم، ولم ~~يتمكن المسلمون من الهزيمة لضيق المسلك. وخرج الكرج من البلد وقصدوا ~~العسكر، واشتد القتال، وكان السلطان، ذلك الوقت، يصلي، فأتاه الصريخ، فلم ~~يبرح حتى فرغ من صلاته، وركب، وتقدم إلى الكفار، فقاتلهم، وكبر المسلمون ~~عليهم، فولوا منهزمين، فدخلوا البلد والمسلمون معهم، ودخلها السلطان ~~وملكها، واعتصم جماعة من أهلها في برج من أبراج المدينة، فقاتلهم المسلمون، ~~فأمر السلطان بإلقاء الحطب حول البرج وإحراقه، ففعل ذلك، وأحرق البرج ومن ~~فيه، وعاد السلطان إلى خيامه، وغنم المسلمون من المدينة ما لايحد ولا يحصى. ~~ولما جن الليل عصفت ريح شديدة، وكان قد بقي من تلك النار التي أحرق بها ~~البرج بقية كثيرة، فأطارتها الريح، فاحترقت المدينة بأسرها، وذلك في رجب ~~سنة ست وخمسين، وملك السلطان قلعة حصينة كانت إلى جانب تلك المدينة، ~~وأخذها، وسار منها إلى ناحية قرس، ومدينة آني وبالقرب منها ناحيتان يقال ~~لهما سيل ورده، ونورة، فخرج أهلهما مذعنين بالإسلام، وخربوا البيع، وبنوا ~~المساجد. وسار منها إلى مدينة آني فوصل إليها فرآها مدينة حصينة، شديدة ~~الامتناع، لا ترام، ثلاثة أرباعها على نهر أرس، والربع الآخر نهر عميق شديد ~~الجرية، لو طرحت فيه الحجارة الكبار لدحاها وحملها، والطريق إليها على خندق ~~عليه سور من الحجارة الصم، وهي بلدة كبيرة، عامرة، كثيرة الأهل، فيها ام ~~يزيد على خمسمائة بيعة، فحصرها وضيق عليها، إلا أن المسلمين قد أيسوا من ~~فتحها لما رأوا من حصانتها، فعمل السلطان برجا من خشب، وشحنه بالمقاتلة، ~~ونصب عليه المنجنيق، ورماه النشاب، فكشفوا الروم عن السور، وتقدم المسلمون ~~إليه لينقبوه، فأتاهم من لطف الله ما لم يكن في حسابهم، فانهدم قطعة كبيرة ~~من السور بغير سبب، فدخلوا المدينة وقتلوا من أهلها ما لا يحصى بحيث أن ~~كثيرا من ms3490 المسلمين عجزوا عن دخول البلد من كثرة القتلى، وأسروا نحوا مما ~~قتلوا. وسارت البشرى بهذه الفتوح في البلاد، فسر المسلمون، وقريء كتاب ~~الفتح ببغداد في دار الخلافة، فبرز خط الخليفة بالثناء على ألب أرسلان ~~والدعاء له. ورتب فيها أميرا في عسكر جرار، وعاد عنها، وقد أرسله ملك الكرج ~~في الهدنة، فصالحه على أداء الجزية كل سنة، فقبل ذلك. ولما رحل السلطان ~~عائدا قصد أصبهان، ثم سار منها إلى كرمان، فاستقبله أخوه قاروت بك بن جغري ~~بك داود، ثم سار منها إلى مرو، فزوج ابنه ملكشاه بابنة خاقان، ملك ما وراء ~~النهر، وزفت إليه في هذا الوقت، وزوج ابنه أرسلانشاه بابنة صاحب غزنة، ~~واتحد البيتان: البيت السلجوقي، والبيت المحمودي، واتفقت الكلمة. ؟؟ ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الأول، ظهر بالعراق وخوزستان وكثير من البلاد ~~جماعة من الأكراد، خرجوا يتصيدون، فرأوا في البرية خيما سودا، وسمعوا منها ~~لطما شديدا، وعويلا كثيرا، وقائلا يقول: قد مات سيدوك ملك الجن، وأي بلد لم ~~يلطم أهله عليه ويعملوا له العزاء قلع أصله، وأهلك أهله، فخرج كثير من ~~النساء في البلاد إلى المقابر يلطمن، وينحن، وينشرن شعورهن، وخرج رجال من ~~سفلة الناس يفعلون ذلك، وكان ذلك ضحكة عظيمة. ولقد جرى في أيامنا نحن في ~~الموصل، وما والاها من البلاد إلى العراق، وغيرها، نحو هذا، وذلك أن الناس ~~سنة ستمائة أصابهم وجع كثير في حلوقهم، ومات منه كثير من الناس، فظهر أن ~~امرأة من الجن يقال لها أم عنقود، مات ابنها عنقود، وكل من لا يعمل له ~~مأتما أصابه هذا المرض، فكثر فعل ذلك، وكانوا يقولون: يا أم عنقود اعذرينا. ~~قد مات عنقود ما درينا، وكان النساء يلطمن، وكذلك الأوباش. PageV04P0291 # وفيها ولي أبو الغنائم المعمر بن محمد بن عبيد الله العلوي نابة العلويين ~~ببغداد، وإمارة الموسم، ولقب بالطاهر ذي المناقب، وكان المرتضى أبو الفتح ~~أسامة قد استعفى من النقابة، وصاهر بني خفاجة، وانتقل معهم إلى البرية، ~~وتوفي أسامة بمشهد أمير المؤمنين علي، عليه السلام، ms3491 في رجب سنة اثنتين ~~وسبعين. وفيها في جمادى الآخرة توفي أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن برهان ~~الأسدي النحوي المتكلم، وكان له اختيار في الفقه، وكان عالما بالنسب، ويمشي ~~في الأسواق مكشوف الرأس، ولم يقبل من أحد شيئا، وكان موته في جمادى الآخرة، ~~وقد جاوز ثمانين سنة، وكان يميل إلى مذهب مرجئة المعتزلة، ويعتقد أن الكفار ~~لا يخلدون في النار. وفيها انقض كوكب عظيم، وكثر نوره فصار أكثر من نور ~~القمر، وسمع له دوي عظيم، ثم غاب. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وخمسين وأربعمائة # ؟؟ ### || AUT ذكر الحرب بين بني حماد والعرب # في هذه السنة كانت حرب بين الناصر بن علناس بن حماد ومن معه من رجال ~~المغاربة من صنهاجة ومن زناتة ومن العرب: عدي والأثبج، وبين رياح، وزغبة، ~~وسليم، ومع هؤلاء المعز بن زيري الزناتي، على مدينة سبتة. وكان سببها أن ~~حماد بن بلكين جد الناصر كان بينه وبين باديس بن المنصور من الخلف، وموت ~~باديس محاصرا قلعة حماد، ما هو مذكور، ولولا تلك القلعة لأخذ سريعا، وإنما ~~امتنع هو وأولاده بها بعده، وهي من أمنع الحصون، وكذلك ما استمر بين حماد ~~والمعز بن باديس، ودخول حماد في طاعته ما تقدم ذكره، وكذلك أيضا ما كان بين ~~القائد بن حماد وبين المعز، وكان القائد يضمر الغدر وخلع طاعة المعز، ~~والعجز يمنعه من ذلك، فلما رأى القائد قوة العرب، وما نال المعز منهم، خلع ~~الطاعة، واستبد بالبلاد، وبعده ولده محسن، وبعده ابن عمه بلكين بن محمد بن ~~حماد، وبعده ابن عمه الناصر بن علناس بن محمد بن حماد، وكل منهم متحصن ~~بالقلعة، وقد جعلوها دار ملكهم. فلما رحل المعز من القيروان وصبرة إلى ~~المهدية تمكنت العرب، ونهبت الناس، وخربت البلاد، فانتقل كثير من أهلها إلى ~~بلاد بني حماد لكونها جبالا وعرة يمكن الامتناع بها من العرب، فعمرت ~~بلادهم، وكثرت أموالهم، وفي نفوسهم الضغائن والحقود من باديس، ومن بعده من ~~أولادهم، يرثه صغير عن كبير. وولي تميم بن المعز بعد أبيه، ms3492 فاستبد كل من هو ~~ببلد وقلعة بمكانه وتميم صابر يداري ويتجلد. واتصل بتميم أن الناصر بن ~~علناس يقع فيه في مجلسه ويذمه، وأنه عزم على المسير إليه ليحاصره بالمهدية. ~~وأنه قد حالف بعض صنهاجة، وزناتة، وبني هلال ليعينوه على حصار المهدية. ~~فلما صح ذلك عند أرسل إلى أمراء بني رياح، فأحضرهم إليه وقال: أنتم تعلمون ~~أن المهدية حصن منيع، أكثره في البحر، لا يقاتل منه في البر غير أربعة ~~أبراج يحميها أربعون رجلا، وإنما جمع الناصر هذه العساكر إليكم. فقالوا له: ~~الذي تقول حق، ونحب منك المعونة، فأعطاهم المال، والسلاح من الرماح والسيوف ~~والدروع والدرق، فجمعوا قومهم، وتحالفوا، واتفقوا على لقاء الناصر. وأرسلوا ~~إلى من مع الناصر من بني هلال يقبحون عندهم مساعدتهم للناصر ويخوفونهم منه ~~إن قوي، وأنه يهلكهم بمن معه من زناتة وصنهاجة، وأنهم إنما يستمر لهم ~~المقام، والاستيلاء على البلاد، إذا تم الخلف وضعف السلطان. فأجابهم بنو ~~هلال إلى الموافقة، وقالوا: اجعلوا أول حملة تحملونها علينا، فنحن ننهزم ~~بالناس، ونعود عليهم، ويكون لنا ثلث الغنيمة. فأجابوهم إلى ذلك، واستقر ~~الأمر. PageV04P0292 # وأرسل المعز بن زيري الزناتي إلى من مع الناصر من زناتة بنحو ذلك، فوعدوه ~~أيضا أن ينهزموا، فحينئذ رحلت رياح وزناتة جميعها، وسار إليهم الناصر ~~بصنهاجة، وزناتة، وبني هلال، فالتقت العساكر بمدينة سبتة، فحملت رياح على ~~بني هلال، وحمل المعز على زناتة، فانهزمت الطائفتان، وتبعهم عساكر الناصر ~~منهزمين، ووقع فيهم القتل، فقتل فيمن قتل القاسم بن علناس، أخو الناصر في ~~نفر يسير، وغنمت العرب جميع ما كان في العسكر من مال وسلاح ودواب وغير ذلك، ~~فاقتسموها على ما استقر بينهم، وبهذه الوقعة تم للعرب ملك البلاد، فإنهم ~~قدموها في ضيق وفقر وقلة دواب فاستغنوا، وكثرت دوابهم وسلاحهم، وقل المحامي ~~عن البلاد، وأرسلوا الألوية والطبول وخيم الناصر بدوابها إلى تميم، فردها ~~وقال: يقبح بي أن آخذ سلب ابن عمي! فأرضى العرب بذلك. ### || AUT ذكر بناء مدينة بجاية # لما كانت هذه الوقعة بين بني حماد والعرب، وقويت العرب، اهتم ms3493 تميم بن ~~المعز لذلك، وأصابه حزن شديد، فبلغ ذلك الناصر، وكان له وزير اسمه أبو بكر ~~بن أبي الفتوح، وكان رجلا جيدا يحب الاتفاق بينهم، ويهوي دولة تميم، فقال ~~للناصر: ألم أشر عليك أن لا تقصد ابن عمك، وأن تتفقا على العرب، فإنكما لو ~~اتفقتما لأخرجتما العرب. فقال الناصر: لقد صدقت، ولكن لا مرد لما قدر، ~~فأصلح ذات بيننا. فأرسل الوزير رسولا من عنده إلى تميم يعتذر، ويرغب في ~~الإصلاح، فقبل تميم قوله، وأراد أن يرسل رسولا إلى الناصر، فاستشار أصحابه، ~~فاجتمع رأيهم على محمد بن البعبع، وقالوا له: هذا رجل غريب، وقد أحسنت ~~إليه، وحصل له منك الأموال والأملاك. فأحضره، وأعطاه مالا ودواب وعبيدا ~~وأرسله، فسار مع الرسول حتى وصل إلى بجاية، وكانت حينئذ منزلا فيه رعية من ~~البربر، فنظر إليها محمد بن البعبع، وقال في نفسه: إن هذا المكان يصلح أن ~~يكون به مرسى ومدينة، وسار حتى وصل إلى الناصر، فلما أوصل الكتاب وأدى ~~الرسالة قال للناصر: معي وصية إليك، وأحب أن تخلي المجلس، فقال الناصر: أنا ~~لا أخفي عن وزيري شيئا. فقال: بهذا أمرني الأمير تميم، فقام الوزير أبو بكر ~~وانصرف، فلما خرج قال الرسول: يا مولاي إن الوزير مخامر عليك، هواه مع ~~الأمير تميم، لا يخفي عنه من أمورك شيئا، وتميم مشغول مع عبيده قد استبد ~~بهم، واطرح صنهاجة وغير هؤلاء، ولو وصلت بعسكرك ما بت إلا فيها لبغض الجند ~~والرعية لتميم، وأنا أشير عليك بما تملك به المهدية وغيرها. وذكر له عمارة ~~بجاية، وأشار عليه أن يتخذها دار ملك، ويقرب من بلاد إفريقية، وقال له: أنا ~~أنتقل إليك بأهلي، وأدبر دولتك، فأجابه الناصر إلى ذلك، وارتاب بوزيره، ~~وسار مع الرسول إلى بجاية، وترك الوزير بالقلعة. فلما وصل الناصر والرسول ~~إلى بجاية أراه موضع الميناء والبلد والدار السلطانية، وغير ذلك، فأمر ~~الناصر من ساعته بالبناء والعمل، وسر بذلك، وشكره، وعاهده على وزارته إذا ~~عاد إليه، ورجعا إلى القلعة، فقال الناصر لوزيره: إن هذا الرسول محب لنا، ms3494 ~~وقد أشار ببناء بجاية، ويريد الانتقال إلينا، فاكتب له جواب كتبه، ففعل. ~~وسار الرسول، وقد ارتاب به تميم، حيث تجدد بناء بجاية عقيب مسيره إليهم، ~~وحضوره مع الناصر فيها، وكان الرسول قد طلب من الناصر أن يرسل معه بعض ~~ثقاته ليشاهد الأخبار ويعود بها، فأرسل معه رسولا يثق به، فكتب معه: إنني ~~لما اجتمعت بتميم لم يسألني عن شيء قبل سؤاله عن بناء بجاية، وقد عظم أمرها ~~عليه، واتهمني، فانظر إلى من تثق به من العرب ترسلهم إلى موضع كذا، فإني ~~سائر إليهم مسرعا، وقد أخذت عهود زويلة وغيرها على طاعتك. وسير الكتاب، ~~فلما قرأه الناصر سلمه إلى الوزير، فاستحسن الوزير ذلك، وشكره وأثنى عليه، ~~وقال: لقد نصح وبالغ في الخدمة، فلا تؤخر عنه إنفاذ العرب ليحضر معهم. ~~PageV04P0293 # ومضى الوزير إلى داره، وكتب نسخة الكتاب، وأرسل الكتاب بخط الرسول إلى ~~تميم، وكتابا منه يذكر له الحال من أوله إلى آخره. فلما وقف تميم على ~~الكتاب عجب من ذلك، وبقي يتوقع له سببا يأخذه به، إلا أنه جعل عليه من ~~يحرسه في الليل والنهار من حيث لا يشعر، فأتى بعض أولئك الحرس إلى تميم، ~~وأخبره أن الرسول صنع طعاما، وأحضر عنده الشريف الفهري، وكان هذا الشريف من ~~رجال تميم وخواصه، فأحضره تميم، فقال: كنت واصلا إليك، وحدثه أن ابن البعبع ~~الرسول دعاني، فلما حضرت عنده قال: أنا في ذمامك، أحب أن تعرفني مع من أخرج ~~من المهدية، فمنعته من ذلك وهو خائف، فأوقفه تميم على الكتاب الذي بخطه، ~~وأمره بإحضاره، فأحضره الشريف. فلما وصل إلى باب السلطان لقيه رجل بكتاب ~~العرب الذين سيرهم الناصر، ومعهم كتاب الناصر إليه يأمره بالحضور عنده، ~~فأخذ الكتاب وخرج الأمير تميم، فلما رآه ابن البعبع سقطت الكتب منه، فإذا ~~عنوان أحدها: من الناصر بن علناس إلى فلان، فقال له تميم: من أين هذه ~~الكتب؟ فسكت، فأخذها وقرأها، فقال الرسول ابن البعبع: العفو يا مولانا! ~~فقال: لا عفا الله عنك! وأمر به فقتل وغرقت جثته. ### || AUT ذكر ms3495 ملك ألب أرسلان جند وصيران # في هذه السنة عبر ألب أرسلان جيحون، وسار إلى جند وصيران، وهما عند ~~بخارى، وقبر جده سلجوق بجند، فلما عبر النهر استقبله ملك جند وأطاعه، وأهدى ~~له هدايا جليلة، فلم يغير ألب أرسلان عليه شيئا، وأقره على ما بيده، وعاد ~~عنه بعد أن أحسن إليه وأكرمه، ووصل إلى كركانج خوارزم، وسار منها إلى مرو. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ابتديء بعمارة المدرسة النظامية ببغداد. وفيها انقض كوكب ~~عظيم، وصار له شعاع كثير أكثر من شعاع القمر، وسمع له صوت مفزع. وفيها توفي ~~محمد بن أحمد أبو الحسين بن الآبنوسي، روى عن الدارقطني وغيره. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وأربعمائة # ### || AUT ذكر عهد ألب أرسلان بالسلطنة لابنه # في هذه السنة سار ألب أرسلان من مرو إلى رايكان، فنزل بظاهرها، ومعه ~~جماعة أمراء دولته، فأخذ عليهم العهود والمواثيق لولده ملكشاه بأنه السلطان ~~بعده، وأركبه، ومشى بين يديه يحمل الغاشية. وخلع السلطان على جميع الأمراء، ~~وأمرهم بالخطبة له في جميع البلاد التي يحكم عليها، ففعل ذلك، وأقطع ~~البلاد، فأقطع مازندران للأمير إينانج بيغو، وبلخ لأخيه سليمان بن دواد ~~جغري بك، وخوارزم لأخيه أرسلان أرغو، ومرو لابنه الآخر أرسلان شاه، ~~وصغانيان وطخارستان لأخيه إلياس، وولاية بغشور ونواحيها لمسعود بن أرتاش، ~~وهو من أقارب السلطان، وولاية أسفرار لمودود بن أرتاش. ### || AUT ذكر استيلاء تميم على مدينة تونس # في هذه السنة سير تميم، صاحب إفريقية، عسكرا كثيفا إلى مدينة تونس، وبها ~~أحمد بن خراسان قد أظهر عليه الخلاف. وسبب ذلك أن المعز بن باديس، أبا ~~تميم، لما فارق القيروان والمنصورية ورحل إلى المهدية، على ما ذكرناه، ~~استخلف على القيروان وعلى قابس قائد بن ميمون الصنهاجي، وأقام بها ثلاث ~~سنين، ثم غلبته هوارة عليها، فسلمها إليهم وخرج إلى المهدية، فلما ولي ~~الملك تميم بن المعز بعد أبيه رده إليها، وأقام عليها إلى الآن، ثم أظهر ~~الخلاف على تميم والتجأ إلى طاعة الناصر بن علناس بن حماد، فسير إليه ms3496 تميم ~~الآن عسكرا كثيرا، فلما سمع بهم قائد بن ميمون علم أنه لاطاقة له بهم، فترك ~~القيروان وسار إلى الناصر، فدخل عسكر تميم القيروان، وخربوا دور القائد، ~~وسار العسكر إلى قابس، وبها ابن خراسان، فحصروه بها سنة وشهرين، ثم أطاع ~~ابن خراسان تميما وصالحه. وأما قائد فإنه أقام عند الناصر، ثم أرسل إلى ~~أمراء العرب، فاشترى منهم إمارة القيراون، فأجابوه إلى ذلك، فعاد إليها ~~فبنى سورها وحصنها. ### || AUT ذكر ملك شرف الدولة الأنبار # ### || AUT وهيت وغيرهما # في هذه السنة سار شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران، صاحب الموصل، إلى ~~السلطان ألب أرسلان، فأقطعه الأنبار، وهيت، وحربى، والسن، والبوازيج، ووصل ~~إلى بغداد، فخرج الوزير فخر الدولة بن جهير في الموكب، فلقيه: ونزل شرف ~~الدولة بالحريم الطاهري، وخلع عليه الخليفة. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV04P0294 # في العشر الأول من جمادى الأولى ظهر كوكب كبير، له ذؤابة طويلة، بناحية ~~المشرق، عرضها نحو ثلاث أذرع، وهي ممتدة إلى وسط السماء، وبقي إلى السابع ~~والعشرين من الشهر وغاب، ثم ظهر أيضا آخر الشهر المذكور، عند غروب الشمس، ~~كوكب قد استدار نوره عليه كالقمر، فارتاع الناس وانزعجوا، ولما أظلم الليل ~~صار له ذوائب نحو الجنوب، وبقي عشرة أيام ثم اضمحل. وفيها، في جمادى ~~الآخرة، كانت بخراسان والجبال زلزلة عظيمة، بقيت تتردد أياما، تصدعت منها ~~الجبال، وأهلكت خلقا كثيرا، وانخسف منها عدة قرى، وخرج الناس إلى الصحراء ~~فأقاموا هناك. وفيها، في جمادى الأولى، وقع حريق بنهر معلى، فاحترق من باب ~~الجريد إلى آخر السوق الجديد من الجانبين. وفيها ولدت صبية بباب الأزج ولدا ~~برأسين، ورقبتين، ووجهين، وأربع أيد، على بدن واحد. وفي جمادى الآخرة توفي ~~الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، ومولده سنة سبع وثمانين ~~وثلاثمائة، وكان إماما في الحديث والفقه على مذهب الشافعي، وله فيه مصنفات ~~أحدها السنن الكبير، وعشرة مجلدات، وغيره من التصانيف الحسنة، وكان عفيفا، ~~زاهدا، ومات بنيسابور. وفي شهر رمضان منها توفي أبو يعلى محمد بن الحسين بن ~~الفراء ms3497 الحنبلي، ومولده سنة ثمانين وثلاثمائة، وعنه انتشر مذهب أحمد، رضي ~~الله عنه، وكان إليه قضاء الحريم ببغداد بدار الخلافة، وهو مصنف كتاب ~~الصفات أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض، تعالى ~~الله عن ذلك، وكان ابن تميمي الحنبلي يقول: لقد خريء أبو يعلى الفراء على ~~الحنابلة خرية لا يغسلها الماء. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وخمسين وأربعمائة # ### || AUT ذكر عصيان ملك كرمان على أرسلان # ### || AUT وعوده إلى طاعته # في هذه السنة عصى ملك كرمان، وهو قرا أرسلان، على السلطان ألب أرسلان. ~~وسبب ذلك أنه كان له وزير جاهل سولت له نفسه الاستبداد بالبلاد عن السلطان، ~~وأن صاحبه، إذا عصى، احتاج إلى التمسك به، فحسن لصاحبه الخلاف على السلطان، ~~فأجاب إلى ذلك، وخلع الطاعة، وقطع الخطبة. فسمع ألب أرسلان، فسار إلى ~~كرمان، فلما قاربها وقعت طليعته على طليعة قرا أرسلان، فانهزمت طليعة قرا ~~أرسلان بعد قتال، فلما سمع قرا أرسلان وعسكره بانهزام طليعتهم، خافوا ~~وتحيروا، فانهزموا لا يلوي أحد على آخر، فدخل قرا أرسلان إلى جيرفت وامتنع ~~بها، وأرسل إلى السلطان ألب أرسلان يظهر الطاعة ويسأل العفو عن زلته، فعفا ~~عنه، وحضر عند السلطان فأكرمه، وبكى وأبكى من عنده، فأعاده إلى مملكته، ولم ~~يغير عليه شيئا من حاله، فقال للسلطان: إن لي بنات تجهيزهن إليك، وأمورهن ~~إليك، فأجابه إلى ذلك، وأعطى كل واحدة منهن مائة ألف دينار سوى الثياب ~~والإقطاعات. ثم سار منها إلى فارس فوصل إلى إصطخر، وفتح قلعتها، واستنزل ~~واليها، فحمل إليه الوالي هدايا عظيمة جليلة المقدار، من جملتها قدح ~~فيروزج، فيه منوان من المسك، مكتوب عليه اسم جمشيد الملك، وأطاعه جميع حصون ~~فارس، وبقي قلعة يقال لها بهنزاد، فسار نظام الملك إليها، وحصرها تحت ~~جبلها، وأعطى كل من رمى بسهم وأصاب قبضة من الدنانير، ومن رمى حجرا ثوبا ~~نفيسا، ففتح القلعة في اليوم السادس عشر من نزوله، ووصل السلطان إليه بعد ~~الفتح، فعظم محل نظام الملك عنده، فأعلى منزلته، وزاد في تحكيمه. ### || AUT ذكر عدة ms3498 حوادث # في المحرم منها توفي الأغر أبو سعد، ضامن البصرة، على باب السلطان ~~بالري، وعقدت البصرة وواسط على هزراسب بثلاثمائة ألف دينار. وفي صفر منها ~~وصل إلى بغداد شرف الملك أبو سعد المستوفي، وبنى على مشهد أبي حنيفة، رضي ~~الله عنه، مدرسة لأصحابه، وكتب الشريف أبو جعفر بن البياضي على القبة التي ~~أحدثها: ألم تر أن العلم كان مشتتا، ... فجمعه هذا المغيب في اللحد كذلك ~~كانت هذه الأرض ميتة، ... فأنشرها فضل العميد أبي سعد وفيها، في جمادى ~~الأولى، وصلت أرسلان خاتون، أخت السلطان ألب أرسلان، وهي زوجة الخليفة، إلى ~~بغداد، واستقبلها فخر الدولة بن جهير الوزير على فراسخ. PageV04P0295 # وفيها، في ذي القعدة، احترقت تربة معروف الكرخي، رحمة الله عليه، وسبب ~~حريقها أن قيمها كان مريضا، فطبخ لنفسه ماء الشعير، فاتصلت النار بخشب ~~وبواري كانت هناك، فأحرقته واتصل الحريق، فأمر الخليفة أبا سعد الصوفي، شيخ ~~الشيوخ، بعمارتها. وفيها، في ذي القعدة، فرغت عمارة المدرسة النظامية، ~~وتقرر التدريس بها للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، فلما اجتمع الناس لحضور ~~الدرس، وانتظروا مجيئه، تأخر، فطلب، فلم يوجد. وكان سبب تأخره أنه لقيه ~~صبي، فقال له: كيف تدرس في مكان مغصوب؟ فتغيرت نيته عن التدريس بها، فلما ~~ارتفع النهار، وأيس الناس من حضوره، أشار الشيخ أبو منصور بن يوسف بأبي نصر ~~بن الصباغ، صاحب كتاب الشامل، وقال: لا يجوز أن ينفصل هذا الجمع إلا عن ~~مدرس، ولم يبق ببغداد من لم يحضر غير الوزير، فجلسس أبو نصر للدرس، وظهر ~~الشيخ أبو إسحاق بعد ذلك، ولما بلغ نظام الملك الخبر أقام القيامة على ~~العميد أبي سعد، ولم يزل يرفق بالشيخ أبي إسحاق حتى درس بالمدرسة، وكانت ~~مدة تدريس ابن الصباغ عشرين يوما. وفيها، في ذي القعدة، قتل الصليحي، أمير ~~اليمن، بمدينة المهجم، قتله أحد أمرائها وأقيمت الدعوة العباسية هناك، وكان ~~قد ملك مكة، على ما ذكرناه سنة خمس وخمسين، وأمن الحجاج في أيامه، فأثنوا ~~عليه خيرا، وكسا البيت بالحرير الأبيض الصيني، ورد حلى البيت إليه، وكان ~~بنو ms3499 حسن قد أخذوه وحملوه إلى اليمن، فابتاعه الصليحي منهم. وفيها توفي عمر ~~بن إسماعيل بن محمد أبو علي الطوسي، قاضيها، وكان يلقب العراقي لطول مقامه ~~ببغداد، وتفقه على أبي طاهر الأسفراييني الشافعي، وأبي محمد الشاشي وغيرهما. ### | AUT ثم دخلت سنة ستين وأربعمائة # ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كانت حرب بين شرف الدولة بن قريش وبين كلاب بالرحبة، وهم ~~في طاعة العلوي المصري، فكسرهم شرف الدولة، وأخذ أسلابهم، وأرسل أعلاما ~~كانت معهم، عليها سمات المصري، إلى بغداد، وكسرت، وطيف بها في البلد، ~~وأرسلت الخلع إلى شرف الدولة. وفيها، في جمادى الأولى، كانت بفلسطين ومصر ~~زلزلة شديدة خربت الرملة، وطلع الماء من رؤوس الآبار، وهلك من أهلها خمسة ~~وعشرون ألف نسمة، وانشقت الصخرة بالبيت المقدس، وعادت بإذن الله تعالى، ~~وعاد البحر من الساحل مسيرة يوم، فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون منه، فرجع ~~الماء عليهم فأهلك منهم خلقا كثيرا. وفيها، في رجب، ورد أبو العباس الخوافي ~~بغداد عميدا من جهة السلطان. وفيها عزل فخر الدولة بن جهير من وزارة ~~الخليفة، فخرج من بغداد إلى نور الدولة دبيس بن مزيد بالفلوجة، وأرسل ~~الخليفة إلى أبي يعلى والد الوزير أبي شجاع يستحضره ليوليه الوزارة، وكان ~~يكتب لهزارسب بن بنكير، فسار، فأدركه أجله في الطريق فمات، ثم شفع نور ~~الدولة في فخر الدولة بن جهير، فأعيد إلى الوزارة سنة إحدى وستين في صفر. ~~وفيها كان بمصر غلاء شديد، وانقضت سنة إحدى وستين وأربعمائة. وفيها حاصر ~~الناصر بن علناس مدينة الأربس بإفريقية ففتحها وأمن أهلها. وفيها، في ~~المحرم، توفي الشيخ أبو منصور بن عبد الملك بن يوسف، ورثاه ابن الفضل وغيره ~~من الشعراء، وعم مصابه المسلمين، وكان من أعيان الزمان، فمن أفعاله أنه ~~تسلم المارستان العضدي، وكان قد دثر واستولى عليه الخراب، فجد في عمارته، ~~وجعل فيه ثمانية وعشرين طبيبا، وثلاثة من الخزان، إلى غير ذلك، واشترى له ~~الأملاك النفيسة، بعد أن كان ليس به طبيب ولا دواء، وكان كثير المعروف ~~والصلات والخير، ولم ms3500 يكن يلقب في زمانه أحد بالشيخ الأجل سواه. وفي المحرم ~~أيضا توفي أبو جعفر الطوسي، فقيه الإمامية، بمشهد أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب، عليه السلام. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وستين وأربعمائة # ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في صفر، أعيد فخر الدولة بن جهير إلى وزارة الخليفة، على ~~ما ذكرناه، فلما عاد مدحه ابن الفضل فقال: قد رجع الحق إلى نصابه، ... وأنت ~~من كل الورى أولى به ما كنت إلا السيف سلته يد، ... ثم أعادته إلى قرابه ~~وهي طويلة. PageV04P0296 # وفي شعبان احترق جامع دمشق. وكان سبب احتراقه أنه وقع بدمشق حرب بين ~~المغاربة أصحاب المصريين والمشارقة، فضربوا دارا مجاورة للجامع بالنار، ~~فاحترقت، واتصلت بالجامع، وكانت العامة تعين المغاربة، فتركوا القتال ~~واشتغلوا بإطفاء النار من الجامع، فعظم الخطب واشتد الأمر، وأتى الحريق على ~~الجامع، فدثرت محاسنه، وزال ما كان فيه من الأعمال النفيسة. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وستين وأربعمائة # ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أقبل ملك الروم من القسطنطينية في عسكر كثيف إلى الشام، ~~ونزل على مدينة منبج ونهبها وقتل أهلها، وهزم محمود بن صالح بن مرداس، وبني ~~كلاب، وابن حسان الطائي، ومن معهما من جموع العرب، ثم إن ملك الروم ارتحل ~~وعاد إلى بلاده، ولم يمكنه المقام لشدة الجوع. وفيها سار أمير الجيوش بدر ~~من مصر في عساكر كثيرة إلى مدينة صور وحصرها، وكان قد تغلب عليها القاضي ~~عين الدولة بن أبي عقيل، فلما حصره أرسل القاضي إلى الأمير قرلوا، مقدم ~~الأتراك المقيمين بالشام، يستنجده، فسار في اثني عشر ألف فارس، فحصر مدينة ~~صيدا، وهي لأمير الجيوش بدر، فرحل حينئذ بدر، فعاد الأتراك، فعاود بدر حصر ~~صور برا وبحرا سنة، وضيق على أهلها حتى أكلوا الخبز كل رطل بنصف دينار، ولم ~~يبلغ غرضه فرحل عنها. وفيها صارت دار ضرب الدنانير ببغداد في يد وكلاء ~~الخليفة، وسبب ذلك أن البهرج كثر في أيدي الناس على السكك السلطانية، وضرب ~~اسم ولي العهد على الدينار، وسمي ms3501 الأميري، ومنع من التعامل بسواه. وفيها ~~ورد رسول صاحب مكة محمد بن أبي هاشم، ومعه ولده، إلى السلطان ألب أرسلان، ~~يخبره بإقامة الخطبة للخليفة القائم بأمر الله وللسلطان بمكة، وإسقاط خطبة ~~العلوي، صاحب مصر، وترك الأذان بحي على خير العمل، فأعطاه السلطان ثلاثين ~~ألف دينار، وخلعا نفيسة، وأجرى له كل سنة عشرة آلاف دينار، وقال: إذا فعل ~~أمير المدينة مهنأ كذلك، أعطيناه عشرين ألف دينار، وكل سنة خمسة آلاف ~~دينار. وفيها تزوج عميد الدولة بن جهير بابنة نظام الملك بالري وعاد إلى ~~بغداد. وفيها، في شهر رمضان، توفي تاج الملوك هزراسب بن بنكير بن عياض ~~بأصبهان وهو عائد من عند السلطان إلى خوزستان، وكان قد علا أمره، وتزوج ~~بأخت السلطان، وبغى على نور الدولة دبيس بن مزيد، وأغرى السلطان به ليأخذ ~~بلاده، فلما مات سار دبيس إلى السلطان، ومعه شرف الدولة مسلم، صاحب الموصل، ~~فخرج نظام الملك فلقيهما، وتزوج شرف الدولة بأخت السلطان التي كانت امرأة ~~هزارسب، وعادا إلى بلادهما من همذان. وفيها كان بمصر غلاء شديد، ومجاعة ~~عظيمة، حتى أكل الناس بعضهم بعضا، وفارقوا الديار المصرية، فورد بغداد منهم ~~خلق كثير هربا من الجوع، وورد التجار، ومعهم ثياب صاحب مصر وآلاته، نهبت من ~~الجوع، وكان فيها أشياء كثيرة نهبت من دار الخلافة وقت القبض على الطائع ~~لله سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، ومما نهب أيضا في فتنة البساسيري وخرج من ~~خزائنهم ثمانون ألف قطعة بلور كبار، وخمسة وسبعون ألف قطعة من الديباج ~~القديم، وأحد عشر ألف كزاغند، وعشرون ألف سيف محلى، وقال ابن الفضل يمدح ~~القائم بأمر الله، ويذكر الحال بقصيدة فيها: قد علم المصري أن جنوده ... ~~سنو يوسف منها، وطاعون عمواس أقامت به حتى استراب بنفسه، ... وأوجس منه ~~خيفة أي إيجاس في أبيات. وفيها توفي أبو الجوائز الحسن بن علي بن محمد ~~الواسطي، كان أديبا، شاعرا، حسن القول، فمن قوله: واحسرتي من قولها: ... ~~خان عهودي ولها وحق من صيرني ... وقفا عليها ولها ما خطرت بخاطري، ... إلا ~~كستني ولها وتوفي ms3502 محمد بن أحمد أبو غالب بن بشران الواسطي الأديب، وانتهت ~~الرحلة إليه في الأدب، وله شعر، فمنه في الزهد: يا شائدا للقصور كهلا ... ~~أقصر، فقصر الفتى الممات لم يجتمع شمل أهل قصر، ... إلا قصاراهم الشتات ~~وإنما العيش مثل ظل، ... منتقل ما له ثبات وفيها توفي القاضي أبو الحسين ~~محمد بن إبراهيم بن حزم، قاضي دمشق، وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن ~~أبي العجائز، الخطيب بدمشق. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وستين وأربعمائة # PageV04P0297 ### || AUT ذكر الخطبة للقائم بأمر الله # ### || AUT والسلطان بحلب # في هذه السنة خطب محمود بن صالح بن مرداس بحلب لأمير المؤمنين القائم ~~بأمر الله، وللسلطان ألب أرسلان. وسبب ذلك أنه رأى إقبال دولة السلطان، ~~وقوتها، وانتشار دعوتها، فجمع أهل حلب وقال: هذه دولة جديدة، ومملكة شديدة، ~~ونحن تحت الخوف منهم، وهم يستحلون دماءكم لأجل مذاهبكم، والرأي أن نقيم ~~الخطبة قبل أن يأتي وقت لا ينفعنا فيه قول ولا بذل فأجاب المشايخ ذلك، ولبس ~~المؤذنون السواد، وخطبوا للقائم بأمر الله والسلطان، فأخت العامة حصر ~~الجامع، وقالوا: هذه حصر علي بن أبي طالب، فليأت أبو بكر بحصر يصلي عليها ~~الناس. وأرسل الخليفة إلى محمود الخلع مع نقيب النقباء طراد بن محمد ~~الزينبي، فلبسها، ومدحه ابن سنان الخفاجي، وأبو الفتيان بن حيوس، وقال أبو ~~عبد الله بن عطية يمدح القائم بأمر الله، ويذكر الخطبة بحلب ومكة والمدينة: ~~كم طائع لك لم تجلب عليه، ولم ... تعرف لطاعته غير التقى سببا هذا البشير ~~بإذعان الحجاز، وذا ... داعي دمشق وذا المبعوث من حلبا ### || AUT ذكر استيلاء السلطان أرسلان على حلب # في هذه السنة سار السلطان ألب أرسلان إلى حلب، وجعل طريقه على ديار بكر، ~~فخرج إليه صاحبها، نصر بن مروان، وخدمه بمائة ألف، وحمل إليه إقامة عرف ~~السلطان أنه قسطها على البلاد، فأمر بردها. ووصل إلى آمد فرآها ثغرا منيعا، ~~فتبرك به، وجعل يمر يده على السور ويمسح بها صدره. وسار إلى الرها فحصرها ~~فلم يظفر منها بطائل، فسار إلى حلب وقد ms3503 وصلها نقيب النقباء أبو الفوراس ~~طراد بالرسالة القائمية، والخلع، فقال له محمود، صاحب حلب: أسألك الخروج ~~إلى السلطان، والاستعفاء لي من الحضور عنده، فخرج نقيب النقباء، وأخبر ~~السلطان بأنه قد لبس الخلع القائمية وخطب فقال: أي شيء تساوي خطبتهم وهم ~~يؤذنون حي على خير العمل؟ ولا بد من الحضور، ودوس بساطي، فامتنع محمود من ~~ذلك. فاشتد الحصار على البلد، وغلت الأسعار، وعظم القتال، وزحف السلطان ~~يوما وقرب من البلد، فوقع حجر منجنيق في فرسه، فلما عظم الأمر على محمود ~~خرج ليلا، ومعه والدته منيعة بنت وثاب النميري، فدخلا على السلطان وقالت ~~له: هذا ولدي، فافعل به ما تحب. فتلقاهما بالجميل، وخلع على محمود وأعاده ~~إلى بلده، فأنفذ إلى السلطان مالا جزيلا. ### || AUT ذكر خروج ملك الروم إلى خلاط # في هذه السنة خرج أرمانوس ملك الروم في مائتي ألف من الروم، والفرنج، ~~والغرب، والروس، والبجناك، والكرج، وغيرهم، من طوائف تلك البلاد، فجاؤوا في ~~تجمل كثير، وزي عظيم، وقصد بلاد الإسلام، فوصل إلى ملازكرد من أعمال خلاط. ~~فبلغ السلطان ألب أرسلان الخبر، وهو بمدينة خوي من أذربيجان، قد عاد من ~~حلب، وسمع ما هو ملك الروم فيه من كثرة الجموع، فلم يتمكن من جمع العساكر ~~لبعدها وقرب العدو، فسير الأثقال مع زوجته ونظام الملك إلى همذان، وسار هو ~~فيمن عنده من العساكر، وهم خمسة عشر ألف فارس. وجد في السير، وقال لهم: ~~أنني أقاتل محتسبا صابرا، فإن سلمت فنعمة من الله تعالى، وإن كانت الشهادة ~~فإن ابني ملكشاه ولي عهدي، وساروا. فلما قارب العدو جعل له مقدمة، فصادفت ~~مقدمته، عند خلاط، مقدم الروسية في نحو عشرة آلاف من الروم، فاقتتلوا، ~~فانهزمت الروسية، وأسر مقدمهم، وحمل إلى السلطان، فجدع أنفه، وأنفذ بالسلب ~~إلى نظام الملك، وأمره أن يرسله إلى بغداد، فلما تقارب العسكران أرسل ~~السلطان إلى ملك الروم يطلب منه المهادنة، فقال: لا هدنة إلا بالري، فانزعج ~~السلطان لذلك، فقال له إمامه وفقيهه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري، ~~الحنفي: إنك تقاتل ms3504 عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو ~~أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح، فالقهم يوم الجمعة، بعد ~~الزوال، في الساعة التي تكون الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين ~~بالنصر، والدعاء مقرون بالإجابة. فلما كانت تلك الساعة صلى بهم، وبكى ~~السلطان، فبكى الناس لبكائه، ودعا ودعوا معه، وقال لهم: من أراد الانصراف ~~فلينصرف، فما هاهنا سلطان يأمر وينهى، وألقى القوس والنشاب، وأخذ السيف ~~والدبوس، وعقد ذنب فرسه بيده، وفعل عسكره مثله، ولبس البياض، وتحنط، وقال: ~~إن قتلت فهذا كفني. PageV04P0298 # وزحف إلى الروم، وزحفوا إليه، فلما قاربهم ترجل وعفر وجهه على التراب، ~~وبكى، وأكثر الدعاء، ثم ركب وحمل وحملت العساكر معه، فحصل المسلمون في ~~وسطهم وحجز الغبار بينهم، فقتل المسلمون فيهم كيف شاؤوا، وأنزل الله نصره ~~عليهم، فانهزم الروم، وقتل منهم ما لا يحصى، حتى امتلأت الأرض بجثث القتلى، ~~وأسر ملك الروم، أسره بعض غلمان كوهارائين، أراد قتله ولم يعرفه، فقال له ~~خادم مع الملك: لاتقتله، فإنه الملك. وكان هذا الغلام قد عرضه كوهرائين على ~~نظام الملك، فرده استحقارا له، فأثنى عليه كوهرائين، فقال نظام الملك: عسى ~~أن يأتينا بملك الروم أسيرا، فكان كذلك. فلما أسر الغلام الملك أحضره عند ~~كوهرائين، فقصد السلطان وأخبره بأسر الملك، فأمر بإحضاره، فلما أحضر ضربه ~~السلطان ألب أرسلان ثلاث مقارع بيده وقال له: ألم أرسل إليك في الهدنة ~~فأبيت؟ فقال: دعني من التوبيخ، وافعل ما تريد! فقال الس: ما عزمت أن تفعل ~~بي إن أسرتني؟ فقال: أفعل القبيح. قال له: فما تظن أنني أفعل بك؟ قال: إما ~~أن تقتلني، وإما أن تشهرني في بلاد الإسلام، والأخرى بعيدة، وهي العفو، ~~وقبول الأموال، واصطناعي نائبا عنك. قال: ما عزمت على غير هذا. ففداه بألف ~~ألف دينار وخمس مائة ألف دينار، وأن يرسل إليه عساكر الروم أي وقت طلبها، ~~وأن يطلق كل أسير في بلاد الروم، واستقر الأمر على ذلك، وأنزله في خيمة، ~~وأرسل إليه عشرة آلاف دينار يتجهز بها، فأطلق له جماعة ms3505 من البطارقة، وخلع ~~عليه من الغد، فقال ملك الروم: أين جهة الخليفة؟ فدل عليها، فقام وكشف رأسه ~~وأومأ إلى الأرض بالخدمة، وهادنه السلطان خمسين سنة، وسيره إلى بلاده، وسير ~~معه عسكرا أوصلوه إلى مأمنه، وشيعه السلطان فرسخا. وأما الروم فلما بلغهم ~~خبر الوقعة وثب ميخائيل على المملكة فملك البلاد، فلما وصل أرمانوس الملك ~~إلى قلعة دوقية بلغه الخبر، فلبس الصوف وأظهر الزهد، وأرسل إلى ميخائيل ~~يعرفه ما تقرر مع السلطان، وقال: إن شئت أن تفعل ما استقر، وإن شئت أمسكت، ~~فأجابه ميخائيل بإيثار ما استقر، وطلب وساطته، وسؤال السلطان في ذلك. وجمع ~~أرمانوس ما عنده من المال فكان مائتي ألف دينار، فأرسله إلى السلطان، وطبق ~~ذهب عليه جواهر بتسعين ألف دينار، وحلف له أنه لا يقدر على غير ذلك، ثم إن ~~أرمانوس استولى على أعمال الأرمن وبلادهم. ومدح الشعراء السلطان، وذكروا ~~هذا الفتح، فأكثروا. ### || AUT ذكر ملك أتسز الرملة وبيت المقدس # في هذه السنة قصد أتسز بن أوق الخوارزمي، وهو من أمراء السلطان ملكشاه، ~~بلد الشام، فجمع الأتراك وسار إلى فلسطين، ففتح مدينة الرملة، وسار منها ~~إلى البيت المقدس وحصره، وفيه عساكر المصريين، ففتحه، وملك ما يجاورهما من ~~البلاد، ما عدا عسقلان، وقصد دمشق فحصرها، وتابع النهب لأعمالها حتى خربها، ~~وقطع الميرة عنها، فضاق الأمر بالناس، فصبروا، ولم يمكنوه من ملك البلد، ~~فعاد عنه، وأدام قصد أعماله وتخريبها حتى قلت الأقوات عندهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران ~~الفوراني، الفقيه الشافعي، مصنف كتاب الإبانة وغيره. وفي هذه السنة، في ذي ~~الحجة، توفي الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، صاحب التاريخ ~~والمصنفات الكثيرة ببغداد، وكان إمام الدنيا في زمانه، وممن حمل جنازته ~~الشيخ أبو إسحاق الشيرازي. وتوفي أيضا فيها، في شهر رمضان، أبو يعلى محمد ~~بن الحسين بن حمزة الجعفري، فقيه الإمامية، وحسان بن سعيد بن حسان بن محمد ~~بن عبد الله المنيعي المخزومي من أهل ms3506 مرو الروذ، كان كثير الصدقة والمعروف، ~~والعبادة، والقنوع بالقليل من القوت، والإعراض عن زينة الدنيا وبهجتها، ~~وكان السلاطين يزورونه ويتبركون به، وأكثر من بناء المساجد والخانقاهات ~~والقناطر، وغير ذلك من مصالح المسلمين. وتوفيت أيضا كريمة بنت أحمد بن محمد ~~المروزية، وهي التي تروي صحيح البخاري، توفيت بمكة، وإليها انتهى علو ~~الإسناد للصحيح إلى أن جاء أبو الوقت. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وستين وأربعمائة # ### | AUT ذكر ولاية سعد الدولة كوهرائين شحنكية بغداد # في ربيع الأول من هذه السنة ورد إيتكين السليماني شحنة بغداد من عند ~~السلطان إلى بغداد، فقصد دار الخلافة، وسأل العفو عنه، وأقام أياما، فلم ~~يجب إلى ذلك. PageV04P0299 # وكان سبب غضب الخليفة عليه أنه كان قد استخلف ابنه عند مسيره إلى ~~السلطان، وجعله شحنة ببغداد، فقتل أحد المماليك الدارية، فأنفذ قميصه من ~~الديوان إلى السلطان، ووقع الخطاب في عزله. وكان نظام الملك يعنى ~~بالسليماني، فأضاف إلى إقطاعه تكريت، فكوتب واليها، من ديوان الخلافة، ~~بالتوقف عن تسليمها. فلما رأى نظام الملك والسلطان إصرار الخليفة على ~~الاستقالة من ولايته شحنكية بغداد، سير سعد الدولة كوهرائين إلى بغداد ~~شحنة، وعزل السليماني عنها، اتباعا لما أمر به الخليفة القائم بأمر الله، ~~ولما ورد سعد الدولة خرج الناس لتلقيه، وجلس له الخليفة. ### || AUT ذكر تزويج ولي العهد بابنة السلطان # في هذه السنة أرسل الإمام القائم بأمر الله عميد الدولة بن جهير، ومعه ~~الخلع للسلطان ولولده ملكشاه، وكان السلطان قد أرسل يطلب من الخليفة أن ~~يأذن في أن يجعل ولده ملكشاه ولي عهده، فأذن، وسيرت له الخلع مع عميد ~~الدولة، وأمر عميد الدولة أن يخطب ابنة السلطان ألب أرسلان من سفري خاتون ~~لولي العهد المقتدي بأمر الله، فلما حضر عند السلطان خطب ابنته، فأجيب إلى ~~ذلك. وعقد النكاح بظاهر نيسابور، وكان عميد الدولة الوكيل في قبول النكاح، ~~ونظام الملك الوكيل من جهة السلطان في العقد، وكان النثار جواهر، وعاد عميد ~~الدولة من عند السلطان إلى ملكشاه، وكان ببلاد فارس، فلقيه بأصبهان، فأفاض ~~عليه الخلع، ms3507 فلبسها وسار إلى والده، وعاد عميد الدولة إلى بغداد، فدخلها في ذي الحجة. ### || AUT ذكر ولاية أبي الحسن بن عمار طرابلس # في هذه السنة، في رجب، توفي القاضي أبو طالب بن عمار، قاضي طرابلس، وكان ~~قد استولى عليها، واستبد بالأمر فيها، فلما توفي قام مكانه ابن أخيه جلال ~~الملك أبو الحسن بن عمار، فضبط البلد أحسن ضبط، ولم يظهر لفقد عمه أثر لكفايته. ### || AUT ذكر ملك السلطان ألب أرسلان قلعة فضلون بفارس # في هذه السنة سير السلطان ألب أرسلان وزيره نظام الملك في عسكر إلى بلاد ~~فارس، وكان بها حصن من أمنع الحصون والمعاقل، وفيه صاحبه فضلون، وهو لا ~~يعطي الطاعة، فنازله وحصره، ودعاه إلى طاعة السلطان فامتنع، فقاتله فلم ~~يبلغ بقتاله غرضا لعلو الحصن وارتفاعه، فلم يطل مقامهم عليه حتى نادى أهل ~~القلعة بطلب الأمان ليسلموا الحصن إليه، فعجب الناس من ذلك. وكان السبب فيه ~~أن جميع الآبار التي بالقلعة غارت مياهها في ليلة واحدة فقادتهم ضرورة ~~العطش إلى التسليم، فلما طلبوا الأمان أمنهم نظام الملك، وتسلم الحصن، ~~والتجأ فضلون إلى قلة القلعة، وهي أعلى موضع فيها، وفيه بناء مرتفع، فاحتمى ~~فيها، فسير نظام الملك طائفة من العسكر إلى الموضع الذي فيه أهل فضلون ~~وأقاربه ليحملوهم إليه وينهبوا مالهم، فسمع فضلون الخبر، ففارق موضعه ~~مستخفيا فيمن عنده من الجند، وسار ليمنع عن أهله، فاستقبلته طلائع نظام ~~الملك، فخافهم فتفرق من معه، واختفى في نبات الأرض، فوقع فيه بعض العسكر، ~~فأخذه أسيرا، وحمله إلى نظام الملك، فأخذه وسار به إلى السلطان فأمنه وأطلقه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي القاضي أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الصمد نب ~~المهتدي بالله الخطيب بجامع المنصور، وكان قد أضر، ومولده سنة أربع وثمانين ~~وثلاثمائة، وكان إليه قضاء واسط، وخليفته عليها أبو محمد السمال. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وستين وأربعمائة # ### || AUT ذكر قتل السلطان ألب أرسلان # PageV04P0300 # في أول هذه السنة قصد السلطان ألب أرسلان، واسمه محمد، وإنما غلب عليه ~~ألب ms3508 أرسلان ما وراء النهر، وصاحبه شمس الملك تكين، فعقد على جيحون جسرا ~~وعبر عليه في نيف وعشرين يوما، وعسكره يزيد على مائتي ألف فارس، فأتاه ~~أصحابه بمستحفظ قلعة يعرف بيوسف الخوارزمي، في سادس شهر ربيع الأول، وحمل ~~إلى قرب سريره مع غلامين، فتقدم أن تضرب له أربعة أوتاد وتشد أطرافه إليها، ~~فقال له يوسف: يا مخنث! مثلي يقتل هذه القتلة؟ فغضب السلطان ألب أرسلان، ~~وأخذ القوس والنشاب، وقال للغلامين: خلياه! ورماه الس بسهم فأخطأه، ولم يكن ~~يخطيء سهمه، فوثب يوسف يريده، والسلطان على سدة، فلما رأى يوسف يقصده قام ~~عن السدة ونزل عنها، فعثر، فوقع على وجهه، فبرك عليه يوسف وضربه بسكين كانت ~~معه في خاصرته، وكان سعد الدولة واقفا، فجرحه يوسف أيضا جراحات، ونهض الس ~~فدخل إلى خيمة أخرى، وضرب بعض الفراشين يوسف بمرزبة على رأسه، فقتله وقطعه ~~الأتراك. وكان أهل سمرقند لما بلغهم عبور السلطان النهر، وما فعل عسكره ~~بتلك البلاد لا سيما بخارى، اجتمعوا، وختموا ختمات، وسألوا الله أن يكفيهم ~~أمره، فاستجاب لهم. ولما جرح السلطان قال: ما من وجه قصدته، وعدو أردته، ~~إلا استعنت بالله عليه، ولما كان أمس صعدت على تل، فارتجت الأرض تحتي من ~~عظم الجيش وكثرة العسكر، فقلت في نفسي: أنا أملك الدنيا، وما يقدر أحد علي، ~~فعجزني الله تعالى بأضعف خلقه، وأنا أستغفر الله تعالى، وأستقيله من ذلك ~~الخاطر. فتوفي عاشر ربيع الأول من السنة، فحمل إلى مرو ودفن عند أبيه. ~~ومولده سنة أربع وعشرين وأربعمائة، وبلغ من العمر أربعين سنة وشهورا، وقيل ~~كان مولده سنة عشرين وأربعمائة، وكانت مدة ملكه منذ خطب له بالسلطنة إلى أن ~~قتل تسع سنين وستة أشهر وأياما، ولما وصل خبر موته إلى بغداد جلس الوزير ~~فخر الدولة بن جهير للعزاء به في صحن السلام. ### || AUT ذكر نسب ألب أرسلان # ### || AUT وبعض سيرته # هو ألب أرسلان محمد بن داود بن جغري بك من ميكائيل بن سلجوق، وكان ~~كريما، عادلا، عاقلا، لا يسمع السعايات، واتسع ملكه جدا، ودان ms3509 له العالم، ~~وبحق قيل له سلطان العالم. وكان رحيم القلب رفيقا بالفقراء، كثير الدعاء ~~بدوام ما أنعم الله به عليه. اجتاز يوما بمرو على فقراء الخرائين، فبكى، ~~وسأل الله تعالى أن يغنيه من فضله. وكان يكثر الصدقة، فيتصدق في رمضان ~~بخمسة عشر ألف دينار، وكان في ديوانه أسماء خلق كثير من الفقراء في جميع ~~ممالكه، عليهم الإدرارات والصلات، ولم يكن في جميع بلاده جناية ولا مصادرة، ~~قد قنع من الرعايا بالخراج الأصلي يؤخذ منهم كل سنة دفعتين رفقا بهم. وكتب ~~إليه بعض السعاة سعاية في نظام الملك وزيره، وذكر ما له في ممالكه من ~~الرسوم والأموال، وتركت على مصلاه، فأخذها فقرأها، ثم سلمها إلى نظام الملك ~~وقال له: خذ هذا الكتاب، فإن صدقوا في الذي كتبوه فهذب أخلاقك، وأصلح ~~أحوالك، وإن كذبوا فاغفر لهم زلتهم واشغلهم بمهم يشتغلون به عن السعاية ~~بالناس. وهذه حالة لا يذكر عن أحد من الملوك أحسن منها. وكان كثيرا ما يقرأ ~~عليه تواريخ الملوك وآدابهم، وأحكام الشريعة، ولما اشتهر بين الملوك حسن ~~سيرته، ومحافظته على عهوده، أذعنوا له بالطاعة والموافقة بعد الامتناع، ~~وحضروا عنده من أقاصي ما وراء النهر إلى أقصى الشام. وكان شديد العناية بكف ~~الجند عن أموال الرعية، بلغه أن بعض خواص مماليكه سلب من بعض الرستاقية ~~إزارا، فأخذ المملوك وصلبه، فارتدع الناس عن التعرض إلى مال غيرهم. ومناقبه ~~كثيرة لا يليق بهذا الكتاب أكثر من هذا القدر منها. وخلف ألب أرسلان من ~~الأولاد: ملكشاه، وهو صار السلطان بعده، وإياز، وتكش، وبوري برش، وتتش، ~~وأرسلان أرغو، وسارة، وعائشة، وبنتا أخرى. ### || AUT ذكر ملك السلطان ملكشاه # PageV04P0301 # لما جرح السلطان ألب أرسلان أوصى لابنه ملكشاه، وكان معه، وأمر أن يحلف ~~له العسكر، فحلفوا جميعهم، وكان المتولي للأمر في ذلك نظام الملك، وأرسل ~~ملكشاه إلى بغداد يطلب الخطبة له، فخطب له على منابرها، وأوصى ألب أرسلان ~~ابنه ملكشاه أيضا أن يعطي أخاه قاروت بك بن داود أعمال فارس وكرمان، وشيئا ~~عينه من المال، وأن يزوج بزوجته، ms3510 وكان قاروت بك بكرمان، وأوصى أن يعطى ابنه ~~إياز بن ألب أرسلان ما كان لأبيه داود، وهو خمسمائة ألف دينار، وقال: كل من ~~لم يرض بما أوصيت له فقاتلوه، واستعينوا بما جعلته له على حربه. وعاد ~~ملكشاه من بلاد ما وراء النهر، فعبر العسكر الذي قطع النهر في نيف وعشرين ~~يوما في ثلاثة أيام، وقام بوزارة ملكشاه نظام الملك، وزاد الأجناد في ~~معايشهم سبع مائة ألف دينار، وعادوا إلى خراسان، وقصدوا نيسابور، وراسل ~~ملكشاه جماعة الملوك أصحاب الأطراف يدعوهم إلى الخطبة له والانقياد إليه، ~~وأقام إياز أرسلان ببلخ وسار السلطان ملكشاه في عساكره من نيسابور إلى الري. ### || AUT ذكر ملك صاحب سمرقند مدينة ترمذ # في هذه السنة، في ربيع الآخر، ملك التكين صاحب سمرقند مدينة ترمذ. وسبب ~~ذلك أنه لما بلغه وفاة ألب أرسلان، وعود ابنه ملكشاه عن خراسان، طمع في ~~البلاد المجاورة له، فقصد ترمذ أول ربيع الآخر، وفتحها، ونقل ما فيها من ~~ذخائر وغيرها إلى سمرقند. وكان إياز بن ألب أرسلان قد سار عن بلخ إلى ~~الجوزجان، فخاف أهل بلخ، فأرسلوا إلى التكين يطلبون منه الأمان، فأمنهم، ~~فخطبوا له فيها، وورد إليها، فنهب عسكره شيئا من أموالل الناس، وعاد إلى ~~ترمذ، فثار أوباش بلخ بجماعة من أصحابه فقتلوهم، فعاد إليهم وأمر بإحراق ~~المدينة، فخرج إليه أعيان أهلها وسألوه الصفح، واعتذروا، فعفا عنهم، لكنه ~~أخذ أموال التجار فغنم شيئا عظيما. فلما وصل الخبر إلى إياز عاد من ~~الجوزجان إلى بلخ، فوصل غرة جمادى الأولى، فأطاعه أهلها، وسار عنها إلى ~~ترمذ في عشرة آلاف فارس في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، فلقيهم عسكر ~~التكين، فانهزم إياز، فغرق من عسكره في جيحون أكثرهم، وقتل كثير منهم، ولم ~~ينج إلا القليل. ### || AUT ذكر قصد صاحب غزنة سكلكند # وفي هذه السنة أيضا، في جمادى الأولى، وردت طائفة كثيرة من عسكر غزنة ~~إلى سكلكند، وبها عثمان عم السلطان ملكشاه، ويلقب بأمير الأمراء، فأخذوه ~~أسيرا، وعادوا به إلى غزنة مع خزائنه وحشمه، فسمع الأمير كمشتين ms3511 بلكابك، ~~وهو من أكابر الأمراء، فتبع آثارهم، وكان معه أنوشتكين جد ملوك خوارزم في ~~زماننا، فنهبوا مدينة سكلكند. ### || AUT ذكر الحرب بين السلطان ملكشاه وعمه قاورت بك # لما بلغ قاورت بك، وهو بكرمان، وفاة أخيه ألب أرسلان سار طالبا للري ~~يريد الاستيلاء على الممالك، فسبقه إليها السلطان ملكشاه ونظام الملك، ~~وسارا منها إليه، فالتقوا بالقرب من همذان في شعبان، وكان العسكر يميلون ~~إلى قاورت بك، فحملت ميسرة قاورت على ميمنة ملكشاه، فهزموها، وحمل شرف ~~الدولة مسلم بن قريش، وبهاء الدولة منصور بن دبيس بن مزيد، وهما مع ملكشاه، ~~ومن معهما من العرب والأكراد، على ميمنة قاورت بك فهزموها، وتمت الهزيمة ~~على أصحاب قاورت بك، ومضى المنهزمون من أصحاب السلطان ملكشاه إلى حلل شرف ~~الدولة، وبهاء الدولة، فنهبوها غيظا منهم، حيث هزموا عسكر قاورت بك، ونهبوا ~~أيضا ما كان لنقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي رسول الخليفة. وجاء رجل ~~سوادي إلى السلطان ملكشاه، فأخبره أن عمه قاورت بك في بعض القرى، فأرسل من ~~أخذه وأحضره، فأمر سعد الدولة كوهرائين فخنقه، وأقرر كرمان بيد أولاده، ~~وسير إليهم الخلع، وأقطع العرب والأكراد إقطاعات كثيرة لما فعلوه في ~~الوقعة. وكان السبب في حضور شرف الدولة، وبهاء الدولة، عند ملكشاه، أن ~~السلطان ألب أرسلان كان ساخطا على شرف الدولة، فأرسل الخليفة نقيب النقباء ~~طراد بن محمد الزينبي إلى شرف الدولة بالموصل، فأخذه وسار به إلى ألب ~~أرسلان ليشفع فيه عند الخليفة، فلما بلغ الزاب وقف على ملطفات كتبها وزيره ~~أبو جابر بن صقلاب، فأخذه شرف الدولة فغرقه، وسار مع طراد، فبلغهما الخبر ~~بوفاة ألب أرسلان، ومسير ابنه ملكشاه، فتمما إليه. وأما بهاء الدولة فإنه ~~كان قد سار بمال أرسله به أبوه إلى السلطان، فحضر الحرب بهذا السبب. ~~PageV04P0302 ### || AUT ذكر تفويض الأمور إلى نظام الملك # ثم إن عسكر ملكشاه بسطوا ومدوا أيديهم في أموال الرعية، وقالوا: ما يمنع ~~السلطان أن يعطينا الأموال إلا نظام الملك، فنال الرعية أذى شديد، فذكر ذلك ~~نظام الملك للسلطان، فبين له ms3512 ما في هذا الفعل من الوهن، وخراب البلاد، ~~وذهاب السياسة، فقال له: افعل في هذا ما تراه مصلحة! فقال له نظام الملك: ~~ما يمكنني أن أفعل إلا بأمرك. فقال السلطان: قد رددت الأمور كلها كبيرها ~~وصغيرها إليك، فأنت الوالد، وحلف له وأقطعه إقطاعا زائدا على ما كان، من ~~جملته طوس مدينة نظام الملك، وخلع عليه، ولقبه ألقابا من جملتها: أتابك، ~~ومعناه الأمير الوالد، فظهر من كفايته، وشجاعته، وحسن سيرته ما هو مشهور، ~~فمن ذلك أن امرأة ضعيفة استغاثت به، فوقف يكلمها وتكلمه، فدفعها بعض حجابه، ~~فأنكر ذلك عليه وقال: إنما استخدمتك لأمثال هذه، فإن الأمراء والأعيان لا ~~حاجة بهم إليك، ثم صرفه عن حجابته. ### || AUT ذكر قتل ناصر الدولة بن حمدان # في هذه السنة قتل ناصر الدولة أبو علي الحسن بن حمدان، وهو من أولاد ~~ناصر الدولة بن حمدان، بمصر، وكان قد تقدم فيها تقدما عظيما. ونذكر هاهنا ~~الأسباب الموجبة لقتله، فإنها تتبع بعضها بعضا، وفي حروب وتجارب، وكان أول ~~ذلك انحلال أمر الخلافة، وفساد أحوال المستنصر بالله العلوي، صاحبها، وسببه ~~أن والدته كانت غالبة على أمره، وقد اصطنعت أبا سعيد إبراهيم التستري، ~~اليهودي، وصار وزيرا لها، فأشار عليها بوزارة أبي نصر الفلاحي، فولته ~~الوزارة، واتفقا مدة، ثم صار الفلاحي ينفرد بالتدبير، فوقع بينهما وحشة، ~~فخافه الفلاحي أن يفسد أمره مع أم المستنصر، فاصطنع الغلمان الأتراك، ~~واستمالهم، وزاد في أرزاقهم، فلما وثق بهم وضعهم على قتل اليهودي، فقتلوه، ~~فعظم الأمر على أم المستنصر، وأغرت به ولدها، فقبض عليه، وأرسلت من قتله ~~تلك الليلة، وكان بينهما في القتل تسعة أشهر. ووزر بعده أبو البركات حسن بن ~~محمد، فوضعه على الغلمان الأتراك فأفسد أحوالهم، وشرع يشتري العبيد ~~للمستنصر، واستكثر منهم، فوضعته أم المستنصر ليغري العبيد المجردين ~~بالأتراك، فخاف عاقبة ذلك، وعلم أنه يورث شرا وفسادا، فلم يفعل، فتنكرت له، ~~وعزلته عن الوزارة. وولي بعده الوزارة أبو محمد اليازوري من قرية من قرى ~~الرملة اسمها يازور، فأمرته أيضا بذلك، فلم يفعل، وأصلح الأمور ms3513 إلى أن قتل. ~~ووزر بعده أبو عبد الله الحسين بن البابلي، فأمرته بما أمرت به غيره من ~~الوزراء من إغراء العبيد بالأتراك، ففعل، فتغيرت نياتهم. ثم إن المستنصر ~~ركب ليشيع الحجاج، فأجرى بعض الأتراك فرسه، فوصل به إلى جماعة العبيد ~~المحدثين، وكانوا يحيطون بالمستنصر، فضربه أحدهم فجرحه، فعظم ذلك على ~~الأتراك ونشبت بينهم الحرب، ثم اصطلحوا على تسليم الجارح إليهم، واستحكمت ~~العداوة، فقال الوزير للعبيد: خذوا حذركم، فاجتمعوا في محلتهم. وعرف ~~الأتراك ذلك، فاجتمعوا إلى مقدميهم، وقصدوا ناصر الدولة بن حمدان، وهو أكبر ~~قائد بمصر، وشكوا إليه، واستمالوا المصامدة، وكتامة، وتعاهدوا، وتعاقدوا، ~~فقوي الأتراك، وضعف العبيد المحدثون، فخرجوا من القاهرة إلى الصعيد ~~ليجتمعوا هناك، فانضاف إليهم خلق كثير يزيدون على خمسين ألف فارس وراجل، ~~فخاف الأتراك وشكوا إلى المستنصر، فأعاد الجواب أنه لا علم له بما فعل ~~العبيد، وأنه لا حقيقة له، فظنوا قوله حيلة عليهم. ثم قوي الخبر بقرب ~~العبيد منهم بكثرتهم، فأجفل الأتراك، وكتامة، والمصامدة، وكانت عدتهم ستة ~~آلاف، فالتقوا بموضع يعرف بكوم الريش، واقتتلوا، فانهزم الأتراك ومن معهم ~~إلى القاهرة، وكان بعضهم قد كمن في خمسمائة فارس، فلما انهزم الأتراك خرج ~~الكمين على ساقة العبيد ومن معهم، وحملوا عليهم حملة منكرة، وضربت البوقات، ~~فارتاع العبيد، وظنوها مكيدة من المستنصر، وأنه ركب في باقي العسكر، ~~فانهزموا، وعاد عليهم الأتراك وحكموا فيهم السيوف، فقتل منهم وغرق نحو ~~أربعين ألفا وكان يوما مشهودا. PageV04P0303 # وقويت نفوس الأتراك، وعرفوا حسن رأي المستنصر فيهم، وتجمعوا، وحشدوا، ~~فتضاعفت عدتهم، وزادت واجباتهم للإنفاق فيهم، فخلت الخزائن، واضطربت ~~الأمور، وتجمع باقي العسكر من الشام وغيره إلى الصعيد، فاجتمعوا مع العبيد، ~~فصاروا خمسة عشر ألف فارس وراجل، وساروا إلى الجيزة، فخرج عليهم الأتراك ~~ومن معهم، واقتتلوا في الماء عدة أيام، ثم عبر الأتراك النيل إليهم مع ناصر ~~الدولة بن حمدان، فاقتتلوا، فانهزم العبيد إلى الصعيد، وعاد ناصر الدولة ~~والأتراك منصورين. ثم إن العبيد اجتمعوا بالصعيد في خمسة عشر ألف فارس ~~وراجل، فقلق الأتراك لذلك، فحضر مقدموهم دار ms3514 المستنصر لشكوى حالهم، فأمرت ~~أم المستنصر من عندها من العبيد بالهجوم على المقدمين والفتك بهم، ففعلوا ~~ذلك، وسمع ناصر الدولة الخبر، فهرب إلى ظاهر البلد، واجتمع الأتراك إليه، ~~ووقعت الحرب بينهم وبين العبيد، ومن تبعهم من مصر، والقاهرة، وحلف الأمير ~~ناصر الدولة بن حمدان أنه لا ينزل عن فرسه ولا يذوق طعاما، حتى ينفصل الحال ~~بينهم، فبقيت الحرب ثلاثة أيام، ثم ظفر بهم ناصر الدولة، وأكثر القتل فيهم، ~~ومن سلم هرب، وزالت دولتهم من القاهرة. وكان بالإسكندرية جماعة كثيرة من ~~العبيد، فلما كانت هذه الحادثة طلبوا الأمان، فأمنوا وأخذت منهم ~~الإسكندرية، وبقي العبيد الذين بالصعيد. فلما خلت الدولة من الأتراك طمعوا ~~في المستنصر، وقل ناموسه عندهم، وطلبوا الأموال، فخلت الخزائن، فلم يبق ~~فيها شيء البتة، واختل ارتفاع الأعمال، وهم يطالبون، واعتذر المستنصر بعدم ~~الأموال عنده، فطلب ناصر الدولة العروض، فأخرجت إليهم، وقومت بالثمن البخس، ~~وصرفت إلى الجند، قيل إن واجب الأتراك كان في الشهر عشرين ألف، فصار الآن ~~في الشهر أربعمائة ألف دينار. وأما العبيد فإنهم أفسدوا، وقطعوا الطريق، ~~وأخافوا السبيل، فسار إليهم ناصر الدولة في عسكر كثير، فمضى العبيد من بين ~~يديه إلى الصعيد الأعلى، فأدركهم، فقاتلهم، وقاتلوه، فانهزم ناصر الدولة ~~منهم وعاد إلى الجيزة بمصر، واجتمع إليه من سلم من أصحابه، وشغبوا على ~~المستنصر، واتهموه بتقوية العبيد والميل إليهم. ثم جهزوا جيشا وسيروه إلى ~~طائفة من العبيد بالصعيد، وقاتلوهم، فقتلت تلك الطائفة من العبيد، فوهن ~~الباقون، وزالت دولتهم. وعظم أمر ناصر الدولة، وقويت شوكته، وتفرد بالأمر ~~دون الأتراك، فامتنعوا من ذلك، وعظم عليهم، وفسدت نياتهم له، فشكوا ذلك إلى ~~الوزير، وقالوا: كلما خرج من الخليفة مال أخذ أكثره له ولحاشيته، ولا يصل ~~إلينا منه إلا القليل. فقال الوزير: إنما وصل إلى هذا وغيره بكم، فلو ~~فارقتموه لم يتم له أمر. فاتفق رأيهم على مفارقة ناصر الدولة، وإخراجه من ~~مصر، فاجتمعوا، وشكوا إلى المستنصر، وسألوه أن يخرج عنهم ناصر الدولة، ~~فأرسل إليه يأمره بالخروج، ويتهدده إن لم يفعل، فخرج ms3515 من القاهرة إلى ~~الجيزة، ونهبت داره ودور حواشيه وأصحابه. فلما كان الليل دخل ناصر الدولة ~~مستخفيا إلى القائد المعروف بتاج الملوك شاذي، فقبل رجله، وقال: اصطنعني! ~~فقال: أفعل، فحالفه على قتل مقدم من الأتراك اسمه الدكز، والوزير الخطير، ~~وال ناصر الدولة لشاذي: تركب في أصحابك، وتسير بين القصرين، فإذا أمكنتك ~~الفرصة فيهما فاقتلهما. وعاد ناصر الدولة إلى موضعه إلى الجيزة. وفعل شاذي ~~ما أمره، فركب الدكز إلى القصر، فرأى شاذي في جمعه، فأنكره، وأسرع فدخل ~~القصر، ففاته، ثم أقبل الوزير في موكبه، فقتله شاذي، وأرسل إلى ناصر الدولة ~~يأمره بالركوب، فركب إلى باب القاهرة، فقال الدكز للمستنصر: إن لم تركب، ~~وإلا هلكت أنت ونحن. فركب، ولبس سلاحه، وتبعه خلق عظيم من العامة والجند، ~~واصطفوا للقتال، فحمل الأتراك على ناصر الدولة فانهزم، وقتل من أصحابه خلق ~~كثير، ومضى منهزما على وجهه لا يلوي على شيء، وتبعه فل أصحابه، فوصل إلى ~~بني سنبس، فأقام عندهم وصاهرهم فقوي بهم. PageV04P0304 # وتجهزت العساكر إليه ليبعدوه، فساروا حتى قربوا منه، وكانوا ثلاث طوائف، ~~فأراد أحد المقدمين أن يفوز بالظفر وحده دون أصحابه، فعبر فيمن معه إلى ~~ناصر الدولة، وحمل عليه فقاتله، فظفر به ناصر الدولة، فأخذه أسيرا، وأكثر ~~القتل في أصحابه، وعبر العسكر الثاني، ولم يشعروا بما جرى على أصحابهم، ~~فحمل ناصر الدولة عليهم، ورفع رؤوس القتلى على الرماح، فوقع الرعب في ~~قلوبهم، فانهزموا وقتل أكثرهم، وقويت نفس ناصر الدولة. وعبر العسكر الثالث، ~~فهزمه وأكثر القتل فيهم، وأسر مقدمهم، وعظم أمره، ونهب الريف فأقطعه، وقطع ~~الميرة عن مصر برا وبحرا، فغلت الأسعار بها، وكثر الموت بالجوع، وامتدت ~~أيدي الجند بالقاهرة إلى النهب والقتل، وعظم الوباء حتى إن أهل البيت ~~الواحد كانوا يموتون كلهم في ليلة واحدة. واشتد الغلاء، حتى حكي أن امرأة ~~أكلت رغيفا بألف دينار، فاستبعد ذلك، فقيل: إنها باعت عروضا قيمتها ألف ~~دينار بثلاثمائة دينار، واشترت بها حنطة، وحملها الحمال على ظهره، فنهبت ~~الحنطة في الطريق، فنهبت هي مع الناس، فكان الذي حصل لها ms3516 ما عملته رغيفا ~~واحدا. وقطع ناصر الدولة الطريق برا وبحرا، فهلك العالم، ومات أكثر أصحاب ~~المستنصر، وتفرق كثير منهم، فراسل الأتراك من القاهرة ناصر الدولة في ~~الصلح، فاصطلحوا على أن يكون تاج الملوك شاذي نائبا عن ناصر الدولة ~~بالقاهرة، يحمل المال إليه، ولا يبقى معه لأحد حكم. فلما دخل تاج الملوك ~~إلى القاهرة تغير عن القاعدة، واستبد بالأموال دون ناصر الدولة، ولم يرسل ~~إليه منها شيئا، فسار ناصر الدولة إلى الجيزة، واستدعى إليه شاذي وغيره من ~~مقدمي الأتراك، فخرجوا إليه إلا أقلهم، فقبض عليهم كلهم، ونهب ناحيتي مصر، ~~وأحرق كثيرا منهما، فسير إليه المستنصر عسكرا فكبسوه، فانهزم منهم ومضى ~~هاربا، فجمع جمعا، وعاد إليهم فقاتلهم فهزمهم، وقطع خطبة المستنصر ~~بالإسكندرية ودمياط، وكانا معه، وكذلك جميع الريف، وأرسل إلى الخليفة ~~ببغداد يطلب خلعا ليخطب له بمصر. واضمحل أمر المستنصر، وبطل ذكره، وتفرق ~~الناس من القاهرة، وأرسل ناصر الدولة إليه أيضا يطلب المال، فرآه الرسول ~~جالسا على حصير، وليس حوله غير ثلاثة خدم، ولم ير الرسول شيئا من آثار ~~المملكة، فلما أدى الرسالة قال: أما يكفي ناصر الدولة أن أجلس في مثل هذا ~~البيت على مثل هذا الحصير؟ فبكى الرسول، وعاد إلى ناصر الدولة فأخبره ~~الخبر، فأجرى له كل يوم مائة دينار، وعاد إلى القاهرة، وحكم فيها، وأذل ~~السلطان وأصحابه. وكان الذي حمله على ذلك أنه كان يظهر التسنن من بين أهله، ~~ويعيب المستنصر، وكان المغاربة كذلك فأعانوه على ما أراد، وقبض على أم ~~المستنصر، وصادرها بخمسين ألف دينار، وتفرق عن المستنصر أولاده وكثير من ~~أهله إلى الغرب، وغيره من البلاد، فمات كثير منهم جوعا. وانقضت سنة أربع ~~وستين وما قبلها بالفتن. وانحط السعر سنة خمس وستين، ورخصت الأسعار، وبالغ ~~ناصر الدولة في إهانة المستنصر، وفرق عنه عامة أصحابه، وكان يقول لأحدهم: ~~إنني أريد أن أوليك عمل كذا، فيسير إليه، فلا يمكنه من العمل ويمنعه من ~~العود، وكان غرضه بذلك أن يخطب للخليفة القائم بأمر الله، ولا يمكنه مع ~~وجودهم، ففطن لفعله ms3517 قائد كبير من الأتراك اسمه الدكز، وعلم أنه متى ما تم ~~ما أراد تمكن منه ومن أصحابه، فأطلع على ذلك غيره من قواد الأتراك، فاتفقوا ~~على قتل ناصر الدولة، وكان قد أمن لقوته، وعدم عدوه، فتواعدوا ليلة على ~~ذلك، فلما كان سحر الليلة التي تواعدوا فيها على قتله جاؤوا إلى باب داره، ~~وهي التي تعرف بمنازل العز، وهي على النيل، فدخلوا، من غير استئذان، إلى ~~صحن داره، فخرج إليهم ناصر الدولة في رداء لأنه كان آمنا منهم، فلما دنا ~~منهم ضربوه بالسيوف، فسبهم، وهرب منهم يريد الحرم، فلحقوه فضربوه حتى ~~قتلوه، وأخذوا رأسه. PageV04P0305 # ومضى رجل منهم، يعرف بكوكب الدولة، إلى فخر العرب، أخي ناصر الدولة، وكان ~~فخر العرب كثير الإحسان إليه، فقال للحاجب: استأذن لي على فخر العرب، وقل ~~صنيعتك فلان على الباب، فاستأذن له، فأذن له وقال: لعله قد دهمه أمر. فلما ~~دخل عليه أسرع نحوه كأنه يريد السلام عليه، وضربه بالسيف على كتفه، فسقط ~~على الأرض، فقطع رأسه، وأخذ سيفه، وكان ذا قيمة وافرة، وأخذ جارية له ~~أردفها خلفه، وتوجه إلى القاهرة، وقتل أخوهما تاج المعالي، وانقطع ذكر ~~الحمدانية بمصر بالكلية. فلما كان سنة ست وستين وأربعمائة ولي بمصر بدر ~~الجمالي، أمير الجيوش، وقتل الدكز والوزير ابن كدينة، وجماعة من المسلحية، ~~وتمكن من الدولة إلى أن مات، وولي بعده ابنه الأفضل، وسيرد ذكرهم إن شاء ~~الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أقيمت الدعوة العباسية بالبيت المقدس. وفيها توفي الأمير ~~ليث بن منصور صدقة بن الحسين بالدامغان، والشريف أبو الغنائم عبد الصمد بن ~~علي بن محمد بن المأمون ببغداد، وكان موته في شوال، ومولده سنة أربع وسبعين ~~وثلاثمائة، وكان عالي الإسناد في الحديث. وفيها، في ذي الحجة، توفي الشريف ~~أبو الحسين محمد بن علي بن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله، ~~المعروف بابن الغريق، وكان يسمى راهب بني العباس، وهو آخر من حدث عن ~~الدارقطني وابن شاهين وغيرهما، وكان موته ببغداد. وفيها قتل ناصر ms3518 الدولة ~~أبو علي الحسين بن حمدان بمصر، قتله الدكز التركي، وقد تقدم شرحه مستوفى. ~~وفيها توفي الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوزان القشيري، النيسابوري، ~~مصنف الرسالة وغيرها، وكان إماما، فقيها، أصوليا، مفسرا، كاتبا، ذا فضائل ~~جمة، وكان له فرس قد أهدي إليه، فركبه نحو عشرين سنة، فلما مات الشيخ لم ~~يأكل الفرس شيئا فعاش أسبوعا ومات. وفيها أيضا توفي علي بن الحسن بن علي بن ~~الفضل أبو منصور، الكاتب المعروف بابن صر بعر، وكان نظام الملك قال له أنت ~~ابن صر در، لا صر بعر، فبقي ذلك عليه، وهو من الشعراء المجيدين، وهجاه ابن ~~البياضي فقال: لئن نبز الناس قدما أباك، ... فسموه من شعره صر بعرا فإنك ~~تنظم ما صره ... عقوقا له، وتسميه شعرا وهذا ظلم من ابن البياضي، إنه كان ~~شاعرا محسنا، ومن شعر ابن صر در قوله: تزاورن عن أذرعات يمينا، ... نواشز ~~ليس يطقن البرينا كلفن بنجد، كأن الرياض ... أخذن لنجد عليها يمينا وأقسمن ~~يحملن إلا نحيلا ... إليه، ويبلغن إلا حزينا فلما استمعن زفير المشوق، ... ~~ونوح الحمام، تركن الحنينا إذا جئتما بانة الواديين، ... فأرخو النسوع، ~~وحلوا الوضينا فثم علائق من أجلهن، ... ملاء الدجى والضحى قد طوينا وقد ~~أنبأتهم مياه الجفون ... بأن بقلبك داء دفينا ### | AUT ثم دخلت سنة ست وستين وأربعمائة # ### || AUT ذكر تقليد السلطان ملكشاه السلطنة # ### || AUT والخلع عليه # في هذه السنة، في صفر، ورد كوهرائين، إلى بغداد من عسكر السلطان، وجلس ~~له الخليفة القائم بأمر الله، ووقف على رأسه ولي العهد المقتدي بأمر الله، ~~وسلم الخليفة إلى كوهرائين عهد السلطان ملكشاه بالسلطنة، وقرأ الوزير أوله، ~~وسلم إليه أيضا لواء عقده الخليفة بيده، ولم يمنع يومئذ أحد من الدخول إلى ~~دار الخلافة، فامتلأ صحن السلام بالعامة، حتى كان الإنسان تهمه نفسه ~~ليتخلص، وهنأ الناس بعضهم بعضا بالسلامة. ### || AUT ذكر غرق بغداد # في هذه السنة غرق الجانب الشرقي وبعض الغربي من بغداد. وسببه أن دجلة ~~زادت زيادة عظيمة، وانفتح القورج عند المسناة المعزية، وجاء في الليل سيل ms3519 ~~عظيم، وطفح الماء من البرية مع ريح شديدة، وجاء الماء إلى المنازل من فوق، ~~ونبع من البلاليع والآبار بالجانب الشرقي، وهلك خلق كثير تحت الهدم، وشدت ~~الزواريق تحت التاج خوف الغرق. وقام الخليفة يتضرع ويصلي، وعليه البردة، ~~وبيده القضيب، وأتى ايتكين السليماني من عكبرا، فقال للوزير: إن الملاحين ~~يؤذون الناس في المعابر فأحضرهم، وتهددهم بالقتل، وأمر بأخذ ما جرت به ~~العادة. PageV04P0306 # وجكع الناس، وأقيمت الخطبة للجمعة في الطيار مرتين، وغرق من الجانب ~~الغربي مقبرة أحمد، ومشهد باب التبن، وتهدم سوره، فأطلق شرف الدولة ألف ~~دينار تصرف في عمارته، ودخل الماء من شبابيك البيمارستان العضدي. ومن عجيب ~~ما يحكى في هذا الغرق أن الناس، في العام الماضي، كانوا قد أنكروا كثرة ~~المغنيات والخمور، فقطع بعضهم أوتار عود مغنية كانت عند جندي، فثار به ~~الجندي الذي كانت عنده، فضربه، فاجتمعت العامة ومعهم كثير من الأئمة منهم ~~أبو إسحاق الشيرازي، واستغاثوا بالخليفة، وطلبوا هدم المواخير والحانات ~~وتبطيلها، فوعدهم أن يكاتب السلطان في ذلك، فسكنوا وتفرقوا. ولازم كثير من ~~الصالحين الدعاء بكشفه، فاتفق أن غرقت بغداد، ونال الخليفة والجند من ذلك ~~أمر عظيم، وعمت مصيبته الناس كافة، فرأى الشريف أبو جعفر بن أبي موسى بعض ~~الحجاب الذين يقولون: نحن نكاتب السلطان، ونسعى في تفريق الناس، ويقول: ~~اسكنوا إلى أن يرد الجواب. فقال له أبو جعفر: قد كتبنا، وكتبتم، فجاء ~~جوابنا قبل جوابكم، يعني أنهم شكوا ما حل بهم إلى الله تعالى، وقد أجابهم ~~بالغرق، قبل ورود جواب السلطان. ### || AUT ذكر ملك السلطان ملكشاه ترمذ # ### || AUT والهدنة بينه وبين صاحب سمرقند # قد ذكرنا أن خاقان التكين صاحب سمرقند ملك ترمذ بعد قتل السلطان ألب ~~أرسلان، فلما استقامت الأمور للسلطان ملكشاه سار إلى ترمذ وحصرها، وطم ~~العسكر خندقها، ورماها بالمجانيق، فخاف من بها، فطلبوا الأمان فأمنهم، ~~وخرجوا منها وسلموها. وكان بها أخ لخاقان التكين، فأكرمه السلطان، وخلع ~~عليه وأحسن إليه وأطلقه، وسلم قلعة ترمذ إلى الأمير ساوتكين، وأمره ~~بعمارتها وتحصينها وعمارة سورها بالحجر المحكم، وحفر خندقها ms3520 وتعميقه، ففعل ~~ذلك. وسار السلطان ملكشاه يريد سمرقند، ففارقها صاحبها، وأنفذ يطلب ~~المصالحة، ويضرع إلى نظام الملك في إجابته إلى ذلك، ويعتذر من تعرضه إلى ~~ترمذ، فأجيب إلى ذلك، واصطلحوا، وعاد ملكشاه عنه إلى خراسان، ثم منها إلى ~~الري، وأقطع بلخ وطخارستان لأخيه شهاب الدين تكش. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها توفي زعيم الدولة أبو الحسن بن عبد الرحيم بالنيل فجأة، وله سبعون ~~سنة، وقد تقدم من أخباره ما فيه كفاية. وفيها توفي إياز أخو السلطان ~~ملكشاه، وكفي شره كما كفي شر عمه قاورت بك. وفيها، في ربيع الأول، توفي ~~القاضي أبو الحسين بن أبي جعفر السمناني حمو قاضي القضاة أبي عبد الله ~~الدامغاني، وولي ابنه أبو الحسن ما كان إليه من القضاء بالعراق والموصل، ~~وكان مولده سنة أربع وثمانين وثلاثمائة بسمنان، وكان هو وأبوه من المغالين ~~في مذهب الأشعري، ولأبيه فيه تصانيف كثيرة، وهذا مما يستطرف أن يكون حنفي ~~أشعريا. وفيها، في جمادى الآخرة، توفي عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن علي ~~أبو محمد الكتاني، الدمشقي، الحافظ، وكان مكثرا في الحديث، ثقة، وممن سمع ~~منه الخطيب أبو بكر البغدادي. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وستين وأربعمائة # ### || AUT ذكر وفاة القائم بأمر الله # ### || AUT وذكر بعض سيرته # في هذه السنة، ليلة الخميس ثالث شعبان، توفي القائم بأمر الله أمير ~~المؤمنين، رضي الله عنه، واسمه عبد الله أبو جعفر بن القادر بالله أبي ~~العباس أحمد ابن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد ~~بالله أبي العباس أحمد. وكان سبب موته أنه كان قد أصابه شرى، فافتصد، ونام ~~منفردا، فانفجر فصاده، وخرج منه دم كثير ولم يشعر، فاستيقظ وقد ضعف وسقطت ~~قوته، فأيقن بالموت، فأحضر ولي العهد، ووصاه بوصايا، وأحضر النقيبين وقاضي ~~القضاة وغيرهم مع الوزير ان جهير، وأشهدهم على نفسه أنه جعل ابن ابنه أبا ~~القاسم عبد الله بن محمد بن القائم بأمر الله ولي عهده. ولما توفي غسله ~~الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي، وصلى ms3521 عليه المقتدي بأمر الله. وكان ~~عمره ستا وسبعين سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام، وخلافته أربعا وأربعين سنة ~~وثمانية أشهر وأياما، وقيل كان مولده ثامن عشر ذي الحجة سنة إحدى وتسعين ~~وثلاثمائة، وعلى هذا يكون عمره ستا وسبعين سنة وتسعة أشهر وخمسة وعشرين ~~يوما. وأمه أم ولد تسمى قطر الندى، أرمينية، وقيل رومية، أدركت خلافته، ~~وقيل اسمها علم، وماتت في رجب سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. PageV04P0307 # وكان القائم جميلا، مليح الوجه، أبيض، مشربا حمرة، حسن الجسم، ورعا، ~~دينا، زاهدا، عالما، قوي اليقين بالله تعالى، كثير الصبر، وكان للقائم ~~عناية بالأدب، ومعرفة حسنة بالكتابة، ولم يكن يرتضي أكثر ما يكتب من ~~الديوان، فكان يصلح فيه أشياء، وكان مؤثرا للعدل والإنصاف يريد قضاء حوائج ~~الناس، لا يرى المنع من شيء يطلب منه. قال محمد بن علي بن عامر الوكيل: ~~دخلت يوما إلى المخزن، فلن يبق أحد إلا أعطاني قصة، فامتلأت أكمامي منها، ~~فقلت في نفسي: لو كان الخليفة أخي لأعرض عن هذه كلها، فألقيتها في بركة، ~~والقائم ينظر ولا أشعر، فلما دخلت إليه أمر الخدم بإخراج الرقاع من البركة، ~~فأخرجت، ووقف عليها، ووقع فيها بأغراض أصحابها، ثم قال لي: يا عامي! ما ~~حملك على هذا؟ فقلت: خوف الضجر منها، فقال: لا تعد إلى مثلها! فإنا ما ~~أعطيناهم من أموالنا شيئا، إنما نحن وكلاء. ووزر للقائم أبو طالب محمد بن ~~أيوب، وأبو الفتح بن دارست، ورئيس الرؤساء، وأبو نصر بن جهير، وكان قاضيه ~~ابن ماكولا، وأبو عبد الله الدامغاني. ### || AUT ذكر خلافة المقتدي بأمر الله # لما توفي القائم بأمر الله بويع المقتدي بأمر الله عبد الله بن محمد بن ~~القائم بالخلافة، وحضر مؤيد الملك بن نظام الملك، والوزير فخر الدولة بن ~~جهير وابنه عميد الدولة، والشيخ أبو إسحاق، وأبو نصر بن الصباغ، ونقيب ~~النقباء طراد، والنقيب الطاهر المعمر بن محمد، وقاضي القضاة أبو عبد الله ~~الدامغاني، وغيرهم من الأعيان والأماثل، فبايعوه. وقيل: كان أول من بايعه ~~الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي، فإنه لما ms3522 فرغ من غسل القائم بايعه، ~~وأنشده: إذا سيد منا مضى قام سيد ثم ارتج عليه، فقال المقتدي: قؤول بما قال ~~الكرام فعول فلما فرغوا من البيعة صلى بهم العصر. ولم يكن للقائم من أعقابه ~~ذكر سواه، فإن الذخيرة أبا العباس محمد بن القائم توفي أيام أبيه، ولم يكن ~~له غيره، فأيقن الناس بانقراض نسله، وانتقال الخلافة من البيت القادري إلى ~~غيره، ولم يشكوا في اختلال الأحوال بعد القائم، لأن من عدا البيت القادري ~~كانوا يخالطون العامة في البلد، ويجرون مجرى السوقة، فلو اضطر الناس إلى ~~خلافة أحدهم لم يكن له ذلك القبول، ولا تلك الهيبة، فقدر الله تعالى أن ~~الذخيرة أبا العباس كان له جارية اسمها أرجوان، وكان يلم بها، فلما توفي ~~ورأت ما نال القائم من المصيبة واستعظمه من انقراض عقبه، ذكرت أنها حامل، ~~فتعلقت النفوس بذلك، فولدت بعد موت سيدها بستة أشهر المقتدي، فاشتد فرح ~~القائم، وعظم سروره، وبالغ في الإشفاق عليه والمحبة له. فلما كانت حادثة ~~البساسيري كان للمقتدي قريب أربع سنين، فأخفاه أهله، وحمله أبو الغنائم بن ~~المحلبان إلى حران، كما ذكرنا، ولما عاد القائم إلى بغداد أعيد المقتدي ~~إليه. فلما بلغ الحلم جعله ولي عهد، ولما ولي الخلافة أقر فخر الدولة بن ~~جهير على وزارته بوصية من القائم بذلك، وسير عميد الدولة بن فخر الدولة بن ~~جهير إلى السلطان ملكشاه لأخذ البيعة، وكان مسيره في شهر رمضان، وأرسل معه ~~من أنواع الهدايا ما يجل عن الوصف. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في شوال، وقعت نار ببغداد في دكان خباز بنهر المعلى، ~~فاحترقت من السوق مائة وثمانون دكانا سوى الدور، ثم وقعت نار في المأمونية، ~~ثم في الظفرية، ثم في درب المطبخ، ثم في دار الخليفة، ثم في حمام ~~السمرقندي، ثم في باب الأزج وذرب خراسان، ثم في الجانب الغربي في نهر طابق، ~~ونهر القلائين، والقطيعة، وباب البصرة، واحتراق ما لا يحصى. وفيها أرسل ~~المستنصر بالله العلوي، صاحب مصر، إلى صاحب مكة ابن أبي ms3523 هاشم رسالة وهدية ~~جليلة، وطلب منه أن يعيد له الخطبة مكة، حرسها الله تعالى، وقال: إن أيمانك ~~وعهودك كانت للقائم، وللسلطان ألب أرسلان، وقد ماتا، فخطب به بمكة وقطع ~~خطبة المقتدي، وكانت مدة الخطبة العباسية بمكة أربع سنين وخمسة أشهر، ثم ~~أعيدت في ذي الحجة سنة ثمان وستين. وفيها كانت حرب شديدة بين بني رياح ~~وزغبة ببلاد إفريقية، فقويت بنو رياح على زغبة فهزموهم وأخرجوهم عن البلاد. ~~PageV04P0308 # وفيها جمع نظام الملك، والسلطان ملكشاه، جماعة من أعيان المنجمين، وجعلوا ~~النيروز أول نقطة من الحمل، وكان النيروز قبل ذلك عند حلول الشمس نصف ~~الحوت. وصار ما فعله السلطان مبدأ التقاويم. وفيها أيضا عمل الرصد للسلطان ~~ملكشاه، واجتمع من أعيان المنجمين في عمله منهم: عمر بن إبراهيم الخيامي، ~~وأبو المظفر الإسفزاري، وميمون ابن النجيب الواسطي، وغيرهم، وخرج عليه من ~~الأموال شيء عظيم، وبقي الرصد دائرا إلى أن مات السلطان سنة خمس وثمانين ~~وأربعمائة، فبطل بعد موته. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وستين وأربعمائة # ### || AUT ذكر ملك أقسيس دمشق # قد ذكرنا سنة ثلاث وستين ملك أقسيس الرملة، والبيت المقدس، وحصره مدينة ~~دمشق، فلما عاد عنها جعل يقصد أعمالها كل سنة عند إدراك الغلات فيأخذها، ~~فيقوى هو وعسكره، ويضعف أهل دمشق وجندها، فلما كان رمضان سنة سبع وستين سار ~~إلى دمشق فحصرها، وأميرها المعلى بن حيدرة من قبل الخليفة المستنصر، فلم ~~يقدر عليها، فانصرف عنها في شوال، فهرب أميرها المعلى في ذي الحجة. وكان ~~سبب هربه أنه أساء السيرة مع الجند والرعية وظلمهم، فكثر الدعاء عليه، وثار ~~به العسكر، وأعانهم العامة، فهرب منها إلى بانياس، ثم منها إلى صور، ثم أخذ ~~إلى مصر فحبس بها، فمات محبوسا. فلما هرب من دمشق اجتمعت المصادمة، وولوا ~~عليهم انتصار بن يحيى المصمودي، المعروف برزين الدولة، وغلت الأسعار بها ~~حتى أكل الناس بعضهم بعضا. ووقع الخلف بين المصامدة وأحداث البلد، وعرف ~~أقسيس ذلك، فعاد إلى دمشق، فنزل عليها في شعبان من هذه السنة، فحصرها، ~~فعدمت الأقوات، فبيعت الغرارة، إذا ms3524 وجدت، بأكثر من عشرين دينارا، فسلموها ~~إليه بأمان، وعوض انتصار عنها بقلعة بانياس، ومدينة يافا من الساحل، ودخلها ~~هو وعسكره في ذي القعدة، وخطب بها يوم الجمعة لخمس بقين من ذي القعدة، ~~للمقتدي بأمر الله الخليفة العباسي، وكان آخر ما خطب فيها للعلويين ~~المصريين، وتغلب على أكثر الشام، ومنع الأذان بحي على خير العمل، ففرح ~~أهلها فرحا عظيما، وظلم أهلها، وأساء السيرة فيهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ملك نصر بن محمود بن مرداس مدينة منبج وأخذها من الروم. ~~وفيها قدم سعد الدولة كوهرائين شحنة إلى بغداد من عسكر السلطان، ومعه ~~العميد أبو نصر ناظرا في أعمال بغداد. وفيها وثب الجند بالبطيحة على أميرها ~~أبي نصر بن الهيثم، وخالفوا عليه، فهرب منهم، وخرج من ملكه والذخائر ~~والأموال التي جمعها في المدة الطويلة، ولم يصحبه من ذلك جميعه شيء، وصار ~~نزيلا على كوهرائين شحنة العراق. وفيها انفجر البثوق بالفلوجة، وانقطع ~~الماء من النيل وغيره من تلك الأعمال من بلاد دبيس بن مزيد، فجلا أهل ~~البلاد، ووقع الوباء فيهم، ولم يزل كذلك إلى أن سده عميد الدولة بن جهير ~~سنة اثنتين وسبعين. وفي هذه السنة توفي أبو علي الحسن بن القاسم بن محمد ~~المقري، المعروف بغلام الهراس الواسطي، بها، وكان محدثا علامة في كثير من ~~العلوم. ويف شعبان توفي القاضي أبو الحسين محمد بن محمد البيضاوي الفقيه ~~الشافعي، وكان يدرس الفقه بدرب السلولي بالكرخ، وهو زوج ابنة القاضي أبي ~~الطيب الطبري، وعبد الرحمن بن محمد بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود أبو ~~الحسن بن أبي طلحة الداودي، راوي صحيح البخاري، ولد سنة أربع وسبعين ~~وثلاثمائة، وسمع الحديث وتفقه للشافعي على أبي بكر القفال، وأبي حامد ~~الأسفراييني، وصحب أبا علي الدقاق، وأبا عبد الرحمن السلمي، وكان عابدا ~~خيرا، قصده نظام الملك، فجلس بين يديه، فوعظه، وكان في قوله: إن الله تعالى ~~سلطك على عباده، فانظر كيف تجيبه إذا سألك عنهم، فبكى، وكان موته ببوشنج. ~~وفيها توفي أبو الحسن علي ms3525 بن أحمد بن محمد بن متويه الواحدي المفسر، مصنف ~~الوسيط، والبسيط، والوجيز، في التفسير، وهو نيسابوري، إمام مشهور، وأبو ~~الفتح منصور بن أحمد بن دارست، وزير القائم، توفي بالأهواز، ومحمد بن ~~القاسم بن حبيب بن عبدوس أبو بكر الصفار النيسابوري، الفقيه الشافعي، تفقه ~~على أبي محمد الجويني، وسمع من الحاكم أبي عبد الله وأبي عبد الرحمن السلمي ~~وغيرهما. وفيها توفي مسعود بن عبد العزيز بن المحسن بن الحسن بن عبد الرزاق ~~أبو جعفر البياضي الشاعر، له شعر مطبوع، فمنه قوله: PageV04P0309 # يا من لبست لبعده ثوب الضنى، ... حتى خفيت به عن العواد وأنست بالسهر ~~الطويل، فأنسيت ... أجفان عيني كيف كان رقادي إن كان يوسف بالجمال مقطع ال ~~... أيدي، فأنت مفتت الأكباد ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وستين وأربعمائة # ### || AUT ذكر حصر أقسيس مصر وعوده عنها # في هذه السنة سار أقسيس من دمشق إلى مصر، وحصرها، وضيق على أهلها، ولم ~~يبق غير أن يملكها، فاجتمع أهلها مع ابن الجوهري الواعظ في الجامع، وبكوا ~~وتضرعوا ودعوا، فقبل الله دعاءهم، فانهزم أقسيس من غير قتال، وعاد على أقبح ~~صورة بغير سبب، فوصل إلى دمشق وقد تفرق أصحابه، فرأى أهلها قد صانوا مخلفيه ~~وأمواله، فشكرهم، ورفع عنهم الخراج تلك السنة. وأتى البيت المقدس، فرأى ~~أهله قد قبحوا على أصحابه ومخلفيه، وحصروهم في محراب داود، عليه السلام، ~~فلما قارب البلد تحصن أهله منه وسبوه، فقاتلهم، ففتح البلد عنوة ونهبه، ~~وقتل من أهله فأكثر حتى قتل من التجأ إلى المسجد الأقصى، وكف عمن كان عند ~~الصخرة وحدها. هكذا يذكر الشاميون هذا الاسم أقسيس، والصحيح أنه أتسز، وهو ~~اسم تركي، وقد ذكر بعض مؤرخي الشام أن أتسز لما وصل إلى مصر جمع أمير ~~الجيوش بدر العساكر، واستمد العرب وغيرهم من أهل البلاد، فاجتمع معه خلق ~~كثير، واقتتلوا، فانهزم أتسز، وقتل أكثر أصحابه، وقتل أخ له، وقطعت يد أخ ~~آخر، وعاد منهزما إلى الشام في نفر قليل من عسكره، فوصل إلى الرملة، ثم سار ~~منها إلى دمشق. وحكى لي ms3526 من أثق به جماعة من فضلاء مصر: أن أتسز لما وصل إلى ~~مصر ونزل بظاهر القاهرة أساء أصحابه السيرة في الناس، وظلموهم، وأخذوا ~~أموالهم، وفعلوا الأفاعيل القبيحة، فأرسل رؤساء القرى ومقدموها إلى الخليفة ~~المستنصر بالله العلوي يشكون إليه ما نزل بهم، فأعاد الجواب بأنه عاجز عن ~~دفع هذا العدو، فقالوا له: نحن نرسل إليك من عندنا من الرجال المقاتلة ~~يكونون معك، ومن ليس له سلاح تعطيه من عندك سلاحا، وعسكر هذا العدو قد ~~أمنوا، وتفرقوا في البلاد، فنثور بهم في ليلة واحدة ونقتلهم، وتخرج أنت ~~إليه فيمن اجتمع عندك من الرجال، فلا يكون له بك قوة. فأجابهم إلى ذلك. ~~وأرسلوا إليه الرجال، وثاروا كلهم في ليلة واحدة بمن عندهم، فأوقعوا بهم، ~~وقتلوهم عن آخرهم، ولم يسلم منهم إلا من كان عنده في عسكره، وخرج إليه ~~العسكر الذي عند المستنصر بالقاهرة، فلم يقدر على الثبات لهم، فولى منهزما، ~~وعاد إلى الشام، وكفي أهل مصر شره وظلمه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ورد بغداد أبو نصر ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري حاجا، ~~وجلس في المدرسة النظامية يعظ الناس، وفي رباط شيخ الشيوخ، وجرى له مع ~~الحنابلة فتن لأنه تكلم على مذهب الأشعري، ونصره، وكثر أتباعه والمتعصبون ~~له، وقصد خصومه من الحنابلة، ومن تبعهم، سوق المدرسة النظامية وقتلوا ~~جماعة. وكان من المتعصبين للقشيري الشيخ أبو إسحاق، وشيخ الشيوخ، وغيرهما ~~من الأعيان، وجرت بين الطائفتين أمور عظيمة. وفيها تزوج الأمير علي بن أبي ~~منصور بن فرامرز بن علاء الدولة أبي جعفر بن كاكويه أرسلان خاتون بنت داود ~~عمة السلطان ملكشاه التي كانت زوجة القائم بأمر الله. وفيها كان بالجزيرة، ~~والعراق، والشام وباء عظيم، وموت كثير، حتى بقي كثير من الغلات ليس لها من ~~يعملها لكثرة الموت في الناس. وفيها مات محمود بن مرداس، صاحب حلب، وملك ~~بعده ابنه نصر، فمدحه ابن حيوس بقصيدة يقول فيها: ثمانية لم تفترق مذ ~~جمعتها، ... فلا افترقت ما ذب عن ناظر شعر ضميرك والتقوى وجودك والغنى ... ~~ولفظك ms3527 والمعنى وعزمك والنصر وكان لمحمود بن نصر سجية ... وغالب ظني أن ~~سيخلفها نصر فقال: والله لو قال سيضعفها نصر لأضعفتها له. وأمر له بما كان ~~يعطيه أبوه، وهو ألف دينار، في طبق فضة. وكان على بابه جماعة من الشعراء، ~~فقال بعضهم: على بابك المعمور منا عصابة ... مفاليس فانظر في أمور المفاليس ~~وقد قنعت منك العصابة كلها ... بعشر الي أعطيته لابن حيوس وما بيننا هذا ~~التقارب كله، ... ولكن سعيد لا يقاس بمنحوس PageV04P0310 # فقال لو قال: بمثل الذي أعطيته، لأعطيتهم ذلك، وأمر لهم بمثل نصفه. وفيها ~~توفي اسبهدوست بن محمد بن الحسن أبو منصور الديلمي الشاعر، وكان قد لقي ابن ~~الحجاج، وابن نباتة، وغيرهما، وكان يتشيع، وتركه، وقال في ذلك: وإذا سئلت ~~عن اعتقادي قلت: ما ... كانت عليه مذاهب الأبرار وأقول: خير الناس بعد محمد ~~... صديقه وأنيسه في الغار وفيها توفي رئيس العراقين أبو أحمد النهاوندي ~~الذي كان عميد بغداد، والشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي الحنبلي، ورزق ~~الله بن محمد بن أحمد بن علي أبو سعد الأنباري الخطيب، الفقيه، الحنفي، سمع ~~الحديث الكثير، وكان ثقة حافظا، وطاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي، المصري، ~~توفي في رجب، سقط من سطح جامع عمرو بن العاص بمصر فمات لوقته، وعبد الله بن ~~محمد بن عبد الله بن عمر بن أحمد المعروف بابن هزارمرد، الصريفيني، راوية ~~أحاديث علي بن الجعد، وهو آخر من رواها، وكان ثقة، صالحا، ومن طريقه سمعناها. ### | AUT ثم دخلت سنة سبعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ورد مؤيد الملك بن نظام الملك إلى بغداد من العسكر. وفيها ~~اصطلح تميم بن المعز بن باديس، صاحب إفريقية، مع الناصر بن علناس، وهو من ~~بني حماد، عم جده، وزوجه تميم ابنته بلارة، وسيرها إليه من المهدية في ~~عسكر، وأصحبها من الحلي والجهاز ما لا يحد، وحمل الناصر ثلاثين ألف دينار، ~~فأخذ منها تميم دينارا واحدا ورد الباقي. وفيها استعمل تميم ابنه مقلدا على ~~مدينة طرابلس الغرب. وكان ببغداد، في هذه ms3528 السنة، فتنة بين أهل سوق المدرسة ~~وسوق الثلاثاء بسبب الاعتقاد، فنهب بعضهم بعضا، وكان مؤيد الملك بن نظام ~~الملك ببغداد بالدار التي عند المدرسة، فأرسل إلى العميد والشحنة فحضرا ~~ومعهما الجند، فضربوا الناس، فقتل بينهم جماعة وانفصلوا. وفي هذه السنة، في ~~ربيع الأول، توفي القاضي أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن البيضاوي، ~~الفقيه الشافعي، وكان القاضي أبو الطيب الطبري جده لأمه. وفيها توفي أحمد ~~بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن النقور أبو الحسين البزاز في رجب، وكان ~~مكثرا من الحديث، ثقة في الرواية، وأحمد بن عبد الملك بن علي أبو صالح ~~المؤذن النيسابوري، كان يعظ ويؤذن، وكان كثير الرواية، حافظا، ومولده سنة ~~ثمان وثمانين وثلاثمائة، وعبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن ~~مندة الأصبهاني أبو القاسم بن أبي عبد الله الحافظ، له تصانيف كثيرة، منها: ~~تاريخ أصبهان، وله طائفة ينتمون إليه في الاعتقاد من أهل أصبهان، يقال لهم ~~العبد رحمانية. وفي شوال منها توفيت ابنة نظام الملك زوجة عميد الدولة بن ~~جهير، نفساء بولد مات من يومه، ودفنا بدار الخلافة، ولم تجر بذلك عادة ~~لأحد، فعل ذلك إكراما لأبيها، وجلس الوزير فخر الدولة بن جهير، وابنه عميد ~~الدولة زوجها، للعزاء في دار بباب العامة ثلاثة أيام. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر عزل ابن جهير من وزارة الخليفة # في هذه السنة عزل فخر الدولة أبو نصر بن جهير من وزارة الخليفة المقتدي ~~بأمر الله، ووزر بعده أبو شجاع محمد بن الحسين. وكان السبب في ذلك أن أبا ~~نصر بن القشيري ورد إلى بغداد، على ما تقدم ذكره، وجرى له الفتن مع ~~الحنابلة، لما ذكر مذهب الأشعرية، ونصره، وعاب من سواهم، وفعلت الحنابلة ~~ومن معهم ما ذكرناه، نسب أصحاب نظام الملك ما جرى إلى الوزير فخر الدولة، ~~وإلى الخدم، وكتب أبو الحسن محمد بن علي بن أبي الصقر الواسطي الفقيه ~~الشافعي إلى نظام الملك: يا نظام الملك قد حل ms3529 ... ببغداد النظام وابنك ~~القاطن فيها ... مستهان مستضام وبها أودى له قت ... لى غلام، وغلام والذي ~~منهم تبقى ... سالما فيه سهام يا قوام الدين لم يب ... قرواش ببغداد مقام ~~عظم الخطب، وللحر ... ب اتصال، ودوام فمتى لم تحسم الدا ... ء أياديك ~~الحسام ويكف القوم في بغ ... داد قتل، وانتقام فعلى مدرسة في ... ها، ومن ~~فيها السلام PageV04P0311 # واعتصام بحريم ... لك، من بعد، حرام فلما سمع نظام الملك ما جرى من ~~الفتن، وقصد مدرسته، والقتل بجوارها، مع أن ابنه مؤيد الملك فيها، عظم ~~عليه، فأعاد كوهرائين إلى شحنكية العراق، وحمله رسالة إلى الخليفة المقتدي ~~بأمر الله تتضمن الشكوى من بني جهير، وسأل عزل فخر الدولة من الوزارة، وأمر ~~كوهرائين بأخذ أصحاب بني جهير، وإيصال بني جهير، وإيصال المكروه إليهم وإلى ~~حواشيهم. فسمع بنو جهير الخبر، فسار عميد الدولة إلى المعسكر يريد نظام ~~الملك ليستعطفه، وتجنب الطريق، وسلك الجبال خوفا أن يلقاه كوهرائين ويناله ~~فيها أذى، فلما وصل كوهرائين إلى بغداد اجتمع بالخليفة وأبلغه رسالة نظام ~~الملك، فأمر فخر الدولة بلزوم منزله. ووصل عميد الدولة إلى المعسكر ~~السلطاني، ولم يزل يستصلح نظام الملك حتى عاد إلى ما ألفه منه، وزوجه بابنة ~~بنت له، وعاد إلى بغداد في العشرين من جمادى الأولى، فلم يرد الخليفة أباه ~~إلى وزارته، وأمرهما بملازمة منازلهما، واستوزر أبا شجاع محمد بن الحسين. ~~ثم إن نظام الملك الملك راسل الخليفة في إعادة بني جهير إلى الوزارة، وشفع ~~في ذلك، فأعيد عميد الدولة إلى الوزارة، وأذن لأبيه فخر الدولة في فتح ~~بابه، وكان ذلك في صفر سنة اثنتين وسبعين. ### || AUT ذكر استيلاء تتش على دمشق # في هذه السنة ملك تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان دمشق. وسبب ذلك أن أخاه ~~السلطان ملكشاه أقطعه الشام، وما يفتحه في تلك النواحي، سنة سبعين ~~وأربعمائة، فأتى حلب وحصرها، ولحق أهلها مجاعة شديدة، وكان معه جمع كثير من ~~التركمان، فأنفذ إليه أقسيس، صاحب دمشق، يستنجده، ويعرفه أن عساكر مصر قد ~~حصرته بدمشق. وكان أمير الجيوش بدر ms3530 قد سير عسكرا من مصر، ومقدمهم قائد يعرف ~~بنصر الدولة، فحصر دمشق، فأرسل أقسيس إلى تاج الدولة تتش يستنصره، فسار إلى ~~نصرة أقسيس، فلما سمع المصريون بقربه أجفلوا من بين يديه شبه المنهزمين، ~~وخرج أقسيس إليه يلتقيه عند سور البلد، فاغتاظ منه تتش حيث لم يبعد في ~~تلقيه، وعاتبه على ذلك، فاعتذر بأمور لم يقبلها تتش، فقبض عليه في الحال، ~~وقتله من ساعته، وملك البلد، وأحسن السيرة في أهله، وعدل فيهم. قد ذكر ابن ~~الهمذاني وغيره من العراقيين أن ملك تتش دمشق كان هذه السنة، وذكر الحافظ ~~أبو القاسم بن عساكر الدمشقي في كتاب تاريخ دمشق إياها كان سنة اثنتين وسبعين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ولد الملك بركيارق ابن السلطان ملكشاه. وفيها، في المحرم، ~~وصل سعد الدولة كوهرائين إلى بغداد، وضرب الطبل على باب داره، أوقات ~~الصلوات، وكان قد طلب ذلك من قبل، فلم يجب إليه لأنه لم تجر به عادة. وفيها ~~توفي سيف الدولة أبو النجم بدر بن ورام الكردي، الجاواني، في شهر ربيع ~~الأول، ودفن بطسفونج. وفي رجب توفي أبو علي بن البنا المقري الحنبلي، وله ~~مصنفات كثيرة، وسليم الجوري بناحية جور من دجيل، وكان زاهدا، يعمل، ويأكل ~~من كسبه، ولم يكلف أحدا حاجا، وأقام بطنزة من ديار بكر، وهي كثيرة الفواكه، ~~فلم يأكل بها فاكهة البتة. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر فتوح إبراهيم صاحب غزنة # ### || AUT في بلاد الهند # في هذه السنة غزا الملك إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين بلاد ~~الهند، فحصر قلعة أجود، وهي على مائة وعشرين فرسخا من لهاوور، وهي قلعة ~~حصينة، في غاية الحصانة، كبيرة، تحوي عشرة آلاف رجل من المقاتلة، فقاتلوه، ~~وصبروا تحت الحصر، وزحف إليهم غير مرة، فرأوا من شدة حربه ما ملأ قلوبهم ~~خوفا ورعبا، فسلموا القلعة إليه في الحادي والعشرين من صفر هذه السنة. وكان ~~في نواحي الهند قلعة يقال لها قلعة روبال، على رأس جبل شاهق، وتحتها غياض ~~أشبة، وخلفها ms3531 البحر، وليس عليها قتال إلا من مكان ضيق، وهو مملوء بالفيلة ~~المقاتلة، وبها من رجال الحرب ألوف كثيرة، فتابع عليهم الوقائع، وألح عليهم ~~بالقتال بجميع أنواع الحرب، وملك القلعة، واستنزلهم منها. PageV04P0312 # وفي موضع يقال له دره نوره أقوام من أولاد الخراسانيين الذين جعل أجدادهم ~~فيها أفراسياب التركي من قديم الزمان، ولم يتعرض إليهم أحد من الملوك، فسار ~~إليهم إبراهيم، ودعاهم إلى الإسلام أولا، فامتنعوا من إجابته، وقاتلوه، ~~فظفر بهم، وأكثر القتل فيهم، وتفرق من سلم في البلاد، وسبى واسترق من ~~النسوان والصبيان مائة ألف. وفي هذه القلعة حوض للماء يكون قطره نحو نصف ~~فرسخ لا يدرك قعره، يشرب منه أهل القلعة ما عندهم من دابة، ولا يظهر فيه ~~نقص. وفي بلاد الهند موضع يقال له وره، وهو بر بين خليجين، فقصده الملك ~~إبراهيم، فوصل إليه في جمادى الأولى، وفي طريقه عقبات كثيرة، وفيها أشجار ~~ملتفة، فأقام هناك ثلاثة أشهر ولقي الناس من الشتاء شدة، ولم يفارق الغزوة ~~حتى أنزل الله نصره على أوليائه، وذله على أعدائه، وعاد إلى غزنة سالما ~~مظفرا. هذه الغزوات لم أعرف تاريخها، وأما الأولى فكانت هذه السنة، فلهذا ~~أوردتها متتابعة في هذه السنة. ### || AUT ذكر ملك شرف الدولة مسلم مدينة حلب # في هذه السنة ملك شرف الدولة مسلم بن قريش العقيلي، صاحب الموصل، مدينة ~~حلب. وسبب ذلك أن تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان حصرها مرة بعد أخرى، فاشتد ~~الحصار بأهلها، وكان شرف الدولة يواصلهم بالغلات وغيرها. ثم إن تتش حصرها ~~هذه السنة، وأقام عليها أياما ورحل عنها وملك بزاعة والبيرة، وأحرق ربض ~~عزاز، وعاد إلى دمشق. فلما رحل عنها تاج الدولة استدعى أهلها شرف الدولة ~~ليسلموها إليه، فلما قاربها امتنعوا من ذلك، وكان مقدمهم يعرف بابن الحتيتي ~~العباسي، فاتفق أن ولده خرج يتصيد بضيعة له، فأسره أحد التركمان، وهو صاحب ~~حصن بنواحي حلب، وأرسله إلى شرف الدولة، فقرر معه أن يسلم البلد إليه إذا ~~أطلقه، فأجاب إلى ذلك، فأطلقه، فعاد إلى حلب، واجتمع بأبيه، وعرفه ms3532 ما ~~استقر، فأذعن إلى تسليم البلد، ونادى بشعار شرف الدولة، وسلم البلد إليه، ~~فدخله سنة ثلاث وسبعين، وحصر القلعة، واستنزل منها سابقا ووثابا ابني محمود ~~بن مرداس، فلما ملك البلد أرسل ولده، وهو ابن عمة السلطان، إلى السلطان ~~يخبره بملك البلد، وأنفذ معه شهادة فيها خطوط المعدلين بحلب بضمانها، وسأل ~~أن يقرر عليه الضمان، فأجابه السلطان إلى ما طلب، وأقطع ابن عمته مدينة بالس. ### || AUT ذكر مسير ملكشاه إلى كرمان # في أول هذه السنة سار السلطان ملكشاه إلى بلاد كرمان، فلما سمع صاحبها ~~سلطانشاه بن قاورت بك، وهو ابن عم السلطان، بوصوله إليه خرج إلى طريقه ~~ولقيه وحمل له الهدايا الكثيرة، وخدمه، وبالغ في الخدمة، فأقره السلطان على ~~البلاد، وأحسن إليه، وعاد عنه في المحرم سنة ثلاث وسبعين إلى أصبهان. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ولد للخليفة المقتدي بأمر الله أمير المؤمنين ولد سماه ~~موسى، وكناه أبا جعفر، وزينت بغداد سبعة أيام. وفيها وصل السلطان ملكشاه ~~إلى خوزستان متصيدا، فوصل معه خمارتكين وكوهرائين وكانا يسعيان في قتل ابن ~~علان اليهودي، ضامن البصرة، وكان ملتجئا إلى نظام الملك، وكان بين نظام ~~الملك وبين خمارتكين الشرابي وكوهرائين عداوة، فسعيا باليهودي لذلك، فأمر ~~السلطان بتغريقه فغرق، وانقطع نظام الملك عن الركوب ثلاثة أيام، وأغلق ~~بابه، ثم أشير عليه بالركوب فركب، وعمل للسلطان دعوة عظيمة قدم له فيها ~~أشياء كثيرة، وعاتبه على فعله، فاعتذر إليه. وكان أمر اليهودي قد عظم إلى ~~حد أن زوجته توفيت، فمشى خلف جنازتها كل من في البصرة، إلا القاضي، وكان له ~~نعمة عظيمة، وأموال كثيرة، فأخذ السلطان منه مائة ألف دينار، وضمن خمارتكين ~~البصرة كل سنة بمائة ألف دينار ومائة فرس. وفيها زادت الفرات تسع أذرع، ~~فخربت بعض دواليب هيت، وخربت فوهة نهر عيسى، وزادت تامرا نيفا وثلاثين ~~ذراعا، وعلا على قنطرتي طراستان وخانقين الكسرويتين فقطعهما. وفيها، في ذي ~~الحجة، توفي نصر بن مروان، صاحب ديار بكر، وملك بعده ابنه منصور ، ودبر ~~دولته ابن الأنباري. وفيها توفي ms3533 أبو منصور محمد بن عبد العزيز العكبري، ~~ومولده سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وهو من المحدثين المعروفين، وكان ~~صدوقا، ومحمد بن هبة الله بن الحسن بن منصور أبو بكر بن أبي القاسم الطبري ~~اللالكائي وولد سنة تسع وأربعمائة، وحدث عن هلال الحفار وغيره، وتوفي في ~~جمادى الأولى. PageV04P0313 # وفيها توفي أبو الفتيان محمد بن سلطان بن حيوس الشاعر المشهور، وحدث عن ~~جده لأمه القاضي أبي نصر محمد بن هارون بن الجندي. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر استيلاء تكش على بعض خراسان # ### || AUT وأخذها منه # في هذه السنة، في شعبان، سار السلطان ملكشاه إلى الري، وعرض العسكر، ~~فأسقط منهم سبعة آلاف رجل لم يرض حالهم، فمضوا إلى أخيه تكش، وهو ببوشنج، ~~فقوي بهم، وأظهر العصيان على أخيه ملكشاه، واستولى على مرو الروذ، ومرو ~~الشاهجان، وترمذ، وغيرها، وسار إلى نيسابور طامعا في ملك خراسان. وقيل إن ~~نظام الملك قال للسلطان لما أمر بإسقاطهم: إن هؤلاء ليس فيهم كاتب، ولا ~~تاجر، ولا خياط، ولا من له صنعة غير الجندية، فإذا أسقطوا لا نأمن أن ~~يقيموا منهم رجلا ويقولوا هذا السلطان، فيكون لنا منهم شغل، ويخرج عن ~~أيدينا أضعاف ما لهم من الجاري إلى أن نظفر بهم. فلم يقبل السلطان قوله، ~~فلما مضوا إلى أخيه وأظهر العصيان ندم على مخالفة وزيره حيث لم ينفع الندم. ~~واتصل خبره بالسلطان ملكشاه، فسار مجدا إلى خراسان، فوصل إلى نيسابور قبل ~~أن يستولي تكش عليها، فلما سمع تكش بقربه منها سار عنها، وتحصن بترمذ، ~~وقصده السلطان، فحصره بها، وكان تكش قد أسر جماعة من أصحاب السلطان، ~~فأطلقهم، واستقر الصلح بينهما، ونزل تكش إلى أخيه السلطان ملكشاه، ونزل عن ترمذ. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة تسلم مؤيد الملك بن نظام الملك تكريت من صاحبها المهرباط. ~~وفيها توفي أبو علي بن شبل الشاعر المشهور، ومن شعره في الزهد: أهم بترك ~~الذنب ثم يردني ... طموح شباب بالغرام موكل فمن لي إذا أخرت ذا اليوم توبة ~~... بأن ms3534 المنايا لي إلى الشيب تمهل أأعجز ضعفا عن أدا حق خالقي، ... وأحمل ~~وزرا فوق ما يتحمل وفيها أيضا توفي العميد أبو منصور بالبصرة. وفيها توفي ~~عبد السلام بن أحمد بن محمد أبو الفتح الصوفي من أهل فارس، سافر الكثير، ~~وسمع الحديث بالعراق، والشام، ومصر، وأصبهان وغيرها، وكانت وفاته بفارس، ~~ويوسف بن الحسن بن محمد بن الحسن أبو الهيثم التفكري، الزنجاني، ولد سنة ~~خمس وتسعين وثلاثمائة، وسمع من أبي نعيم الحافظ وغيره، وتفقه على أبي إسحاق ~~الشيرازي وأدرك أبا الطيب الطبري، وكان من العلماء العاملين، المشتغلين بالعبادة. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وسبعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر خطبة الخليفة ابنة السلطان ملكشاه # في هذه السنة أرسل الخليفة الوزير فخر الدولة أبا نصر بن جهير إلى ~~السلطان يخطب ابنته لنفسه، فسار فخر الدولة إلى أصبهان، إلى السلطان يخطب ~~ابنته، فأمر نظام الملك أن يمضي معه إلى خاتون زوجة السلطان في المعنى، ~~فمضيا إليها فخاطباها، فقالت إن ملك غزنة وملوك الخانية بما وراء النهر ~~طلبوها، وخطبوها لأولادهم، وبذولوا أربع مائة دينار، فإن حمل الخليفة هذا ~~المال فهو أحق منهم. فعرفتها أرسلان خاتون التي كانت زوجت القائم بأمر الله ~~ما يحصل لها من الشرف والفخر بالاتصال بالخليفة، وأن هؤلاء كلهم عبيده ~~وخدمه، ومثل الخليفة لا يطلب منه المال، فأجابت إلى ذلك، وشرطت أن يكون ~~الحمل المعجل خمسين ألف دينار، وأنه لا يبقي له سرية ولا زوجة غيرها، ~~فأجيبت إلى ذلك، فأعطى السلطان يده، وعاد فخر الدولة إلى بغداد. ### || AUT ذكر وفاة نور الدولة بن مزيد وإمارة ولده منصور # في هذه السنة، في شوال، توفي نور الدولة أبو الأغر دبيس بن علي بن مزيد ~~الأسدي بمطيراباذ، وكان عمره ثمانين سنة، وإمارته سبعا وخمسين سنة، وما زال ~~ممدحا في كل زمان مذكورا بالتفضل والإحسان، ورثاه الشعراء فأكثروا، وولي ~~بعده ما كان إليه ابنه أبو كامل منصور، ولقبه بهاء الدولة، فأحسن السيرة، ~~واعتمد الجميل، وسار إلى السلطان ملكشاه في ذي القعدة، واستقر له الأمر، ~~وعاد في صفر سنة ms3535 خمس وسبعين وخلع الخليفة أيضا عليه. ### || AUT ذكر محاصرة تميم بن المعز مدينة قابس # في هذه السنة حصر الأمير تميم بن المعز بن باديس، صاحب إفريقية، مدينة ~~قابس حصارا شديدا، وضيق على أهلها، وعاث عساكره في بساتينها المعروفة ~~بالغابة، فأفسدوها. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV04P0314 # في هذه السنة سار تتش، بعد عود شرف الدولة عن دمشق، وقصد الساحل الشامي، ~~فافتتح أنطرطوس، وبعضا من الحصون، وعاد إلى دمشق. وفيها ملك شرف الدولة، ~~صاحب الموصل، مدينة حران، وأخذها من بني وثاب النميريين، وصالحه صاحب ~~الرها، ونقش السكة باسمه. وفيها سد ظفر القائمي بثق نهر عيسى، وكان خرابا ~~منذ ثلاث وعشرين سنة، وسد مرارا، وتخرب إلى أن سده ظفر. وفيها أرسل السلطان ~~إلى بغداد ليخرج الوزير أبو شجاع الذي وزر للخليفة بعد بني جهير، فأرسله ~~الخليفة إلى نظام الملك، وسير معه رسولا، وكتب معه إلى نظام الملك كتابا ~~بخطه، يأمره بالرضا عن أبي شجاع، فرضي عنه وأعاده إلى بغداد. وفيها مات ابن ~~السلطان ملكشاه، واسمه داود، فجزع عليه جزعا شديدا، وحزن حزنا عظيما، ومنع ~~من أخذه وغسله، حتى تغيرت رائحته، وأراد قتل نفسه مرات، فمنعه خواصه، ولما ~~دفن لم يطق المقام، فخرج يتصيد، وأمر بالنياحة عليه في البلد، ففعل ذلك عدة ~~أيام، وجلس له وزير الخليفة في العزاء ببغداد. وفيها توفي عبد الله بن أحمد ~~بن رضوان أبو القاسم، وهو من أعيان أهل بغداد، وكان مرضه شقيقة، وبقي ثلاث ~~سنين في بيت مظلم لا يقدر يسمع صوتا ولا يبصر ضوءا. وفيها، في ذي الحجة، ~~توفي أبو محمد بن أبي عثمان المحدث، وكان صالحا، يقريء القرآن بمسجده بنهر ~~القلائين. وتوفي علي بن أحمد بن علي بو القاسم البسري البندار، ومولده سنة ~~ست وثمانين وثلاثمائة، سمع المخلص وغيره، وكان ثقة صالحا. وفيها توفي أبو ~~إسحاق إبراهيم بن عقيل بن حبش القرشي، النحوي. ؟ ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وسبعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر وفاة جمال الملك بن نظام الملك # في هذه السنة، في رجب، توفي جمال الملك ms3536 منصور بن نظام الملك، وورد الخبر ~~بوفاته إلى بغداد في شعبان، فجلس أخوه مؤيد الملك للعزاء، وحضر فخر الدولة ~~بن جهير، وابنه عميد الملك، معزيين، وأرسل الخليفة إليه في اليوم الثالث ~~فأقامه من العزاء. وكان سبب موته أن مسخرة كان للسلطان ملكشاه يعرف بجعفرك ~~يحاكي نظام الملك، ويذكره في خلواته مع السلطان، فبلغ ذلك جمال الملك، وكان ~~يتولى مدينة بلخ وأعمالها، فسار من وقته يطوي المراحل إلى والده والسلطان، ~~وهما بأصبهان، فاستقبله أخواه، فخر الملك ومؤيد الملك، فأغلظ لهما القول في ~~إغضائهما على ما بلغه عن جعفرك، فلما وصل إلى حضرة السلطان في هذا الجمع! ~~فلما خرج من عند السلطان أمر بالقبض على جعفرك، وأمر بإخراج لسانه من قفاه ~~وقطعه فمات. ثم سار مع السلطان وأبيه إلى خراسان، وأقاموا بنيسابور مدة، ثم ~~أرادوا العود إلى أصبهان، وتقدمهم نظام الملك، فأحضر السلطان عميد خراسان، ~~وقال له: أيما أحب لك رأسك أم رأس جمال الملك؟ فقال: بل رأسي. فقال: لئن لم ~~تعمل في قتله لأقتلنك. فاجتمع بخادم يختص بخدمة جمال الملك، وقال له سرا: ~~الأولى أن تحفظوا نعمتكم، ومناصبكم، وتدبر في قتل جمال الملك، فإن الس يريد ~~أن يأخذه ويقتله، ولأن تقتلوه أنتم سرا أصلح لكم من أن يقتله الس ظاهرا. ~~فظن الخادم أن ذلك صحيح، فجعل له سما في كوز فقاع، فطلب جمال الملك فقاعا، ~~فأعطاه الخادم ذلك الكوز، فشربه فمات، فلما علم الس بموته سار مجدا، حتى ~~لحق نظام الملك، فأعلمه بموت ابنه، وعزاه، وقال: أنا ابنك، وأنت أولى من ~~صبر واحتسب. ### || AUT ذكر الفتنة ببغداد بين الشافعية والحنابلة # ورد إلى بغداد، هذه السنة، الشريف أبو القاسم البكري، المغربي، الواعظ، ~~وكان أشعري المذهب، وكان قد قصد نظام الملك، فأحبه ومال إليه، وسيره إلى ~~بغداد، وأجرى عليه الجراية الوافرة، فوعظ بالمدرسة النظامية، وكان يذكر ~~الحنابلة ويعيبهم، ويقول: " وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا " ، والله ~~ما كفر أحمد ولكن أصحابه كفروا. ثم إنه قصد يوما دار قاضي القضاة أبي عبد ~~الله الدامغاني ms3537 بنهر القلائين، فجرى بين بعض أصحابه وبين قوم من الحنابلة ~~مشاجرة أدت إلى الفتنة، وكثر جمعه، فكبس دور بني الفراء، وأخذ كتبهم، وأخذ ~~منها كتاب الصفات لأبي يعلى، فكان يقرأ بين يديه وهو جالس على الكرسي ~~للوعظ، فيشنع به عليهم، وجرى له معهم خصومات وفتن. ولقب البكري من الديوان ~~بعلم السنة، ومات ببغداد، ودفن عند قبر أبي الحسن الأشعري. ### || AUT ذكر مسير الشيخ أبي إسحاق إلى السلطان في رسالة # PageV04P0315 # في هذه السنة، في ذي الحجة، أوصل الخليفة المقتدي بأمر الله الشيخ أبا ~~إسحاق الشيرازي إلى حضرته، وحمله رسالة إلى الس ملكشاه، ونظام الملك، تتضمن ~~الشكوى من العميد أبي الفتح بن أبي الليث، عميد العراق، وأمره أن ينهي ما ~~يجري على البلاد من النظار. فسار فكان كلما وصل إلى مدينة من بلاد العجم ~~يخرج أهلها إليه بنسائهم وأولادهم يتمسحون بركابه، ويأخذون تراب بغلته ~~للبركة. وكان في صحبته جماعة من أعيان بغداد منهم الإمام أبو بكر الشاشي ~~وغيره. ولما وصل إلى ساوة خرج جميع أهلها، وسأله فقهاؤها كل منهم أن يدخل ~~بيته، فلم يفعل، ولقيه أصحاب الصناعات، ومعهم ما ينثرونه على محفته، فخرج ~~الخبازون ينثرون الخبز، وهو ينهاهم، فلم ينتهوا، وكذلك أصحاب الفاكهة، ~~والحلواء، وغيرهم، وخرج إليه الأساكفة، وقد عملوا مداسات لطافا تصلح لأرجل ~~الأطفال، ونثروها، فكانت تسقط على رؤوس الناس، فكان الشيخ يتعجب، ويذكر ذلك ~~لأصحابه بعد رجوعه، ويقول: ما كان حظكم من ذلك النثار؟ فقال له بعضهم: ما ~~كان حظ سيدنا منه. فقال: أما أنا فغطيت بالمحفة، وهو يضحك. فأكرمه الس ~~ونظام الملك. وجرى بينه وبين إمام الحرمين أبي المعالي الجويني مناظرة ~~بحضرة نظام الملك، وأجيب إلى جميع ما التمسه، ولما عاد أهين العميد، وكسر ~~عما كان يعتمده، ورفعت يده عن جميع ما يتعلق بحواشي الخليفة. ولما وصل ~~الشيخ إلى بسطام خرج إليه السهلكي، شيخ الصوفية بها، وهو شيخ كبير، فلما ~~سمع الشيخ أبو إسحاق بوصوله خرج إليه ماشيا، فلما رآه السهلكي ألقى نفسه من ~~دابة كان عليها، وقبل يد ms3538 الشيخ أبي إسحاق، فقبل أبو إسحاق رجله، وأقعده ~~موضعه، وجلس أبو إسحاق بين يديه، وأظهر كل واحد منهما من تعظيم صاحبه ~~كثيرا، وأعطاه شيئا من حنطة ذكر أنها من عهد أبي يزيد البسطامي، ففرح بها ابو إسحاق. ### || AUT ذكر حصر شرف الدولة دمشق # ### || AUT وعوده عنها # في هذه السنة جمع تاج الدولة تتش جمعا كثيرا، وسار عن بغداد، وقصد بلاد ~~الروم: أنطاكية وما جاورها، فسمع شرف الدولة، صاحب حلب، الخبر، فخافه، فجمع ~~أيضا العرب من عقيل، والأكراد، وغيرهم، فاجتمع معه جمع كثير، فراسل الخليفة ~~بمصر يطلب منه إرسال نجدة إليه ليحصر دمشق، فوعده ذلك فسار إليها. فلما سمع ~~تتش الخبر عاد إلى دمشق، فوصلها أول المحرم سنة ست وسبعين سنة، ووصل شرف ~~الدولة أواخر المحرم، وحصر المدينة وقاتله أهلها. وفي بعض الأيام خرج إليه ~~عسكر دمشق وقاتلوه، وحمل على عسكره حملة صادقة، فانكشفوا وتضعضعوا، وانهزمت ~~العرب، وثبت شرف الدولة، وأشرف على الأسر، وتراجع إليه أصحابه، فلما رأى ~~شرف الدولة ذلك، ورأى أيضا أن مصر لم يصل إليه منها عسكر، وأتاه عن بلاده ~~الخبر أن أهل حران عصوا عليه رحل عن دمشق إلى بلاده، وأظهر أنه يريد البلاد ~~بفلسطين، فرحل أولا إلى مرج الصفر، فارتاع أهل دمشق وتتش واضطربوا، ثم إنه ~~رحل من مرج الصفر مشرقا في البرية وجد في مسيره، فهلك من المواشي الكثير مع ~~عسكره، ومن الدواب شيء كثير، وانقطع خلق كثير. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قدم مؤيد الملك بن نظام الملك إلى بغداد من أصبهان، فخرج ~~عميد الدولة بن جهير إلى لقائه، ونزل بالمدرسة النظامية، وضرب على بابه ~~الطبول، أوقات الصلوات الثلاث، فأعطي مالا جليلا حتى قطعه، وأرسل الطبول ~~إلى تكريت. وفيها توفي أبو عمرو عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن مندة ~~الأصبهاني، في جمادى الآخرة، بأصبهان، وكان حافظا فاضلا، والأمير أبو نصر ~~علي بن الوزير أبي القاسم هبة الله بن علي بن جعفر بن ماكولا، مصنف كتاب ~~الإكمال، ومولده سنة عشرين وأربعمائة، وكان ms3539 فاضلا حافظا، قتله مماليكه ~~الأتراك بكرمان، وأخذوا ماله. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وسبعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر عزل ابن جهير عن وزارة الخليفة # ### || AUT ومسير والده فخر الدولة إلى ديار بكر # PageV04P0316 # في هذه السنة، في صفر، عزل عميد الدولة بن جهير عن وزارة الخليفة، ووصل ~~يوم عزل رسول من السلطان، ونظام الملك، إلى الخليفة يطلبان أن يرسل إليهما ~~بنو جهير، فأذن لهما في ذلك، وساروا بجميع أهلهم ونسائهم إلى السلطان، ~~فصادفوا منه، ومن نظام الملك، الإكرام والاحترام، وعقد السلطان على فخر ~~الدولة بن جهير ديار بكر، وخلع عليه، وأعطاه الكوسات، وسير معه العساكر، ~~وأمره أن يقصدها ويأخذها من بني مروان، وأن يخطب لنفسه، ويذكر اسمه على ~~السكة، فسار إليها. ولما فارق بنو جهير بغداد رتب في الديوان أبو الفتح ~~المظفر ابن رئيس الرؤساء، وكان قبل ذلك على أبنية الدار وغيرها. ### || AUT ذكر عصيان أهل حران على شرف الدولة وفتحها # في هذه السنة عصى أهل حران على شرف الدولة مسلم بن قريش، وأطاعوا قاضيهم ~~ابن حلبة، وأرادوا هم وابن عطير النميري تسليم البلد إلى جبنق، أمير ~~التركمان، وكان شرف الدولة على دمشق، يحاصر تاج الدولة تتش بها، فبلغه ~~الخبر، فعاد إلى حران وصالح ابن ملاعب، صاحب حمص، وأعطاه سلمية ورفنية، ~~وبادر بالمسير إلى حران، فحصرها، ورماها بالمنجنيق، فخرب من سورها بدنة، ~~وفتح البلد في جمادى الأولى، وأخذ القاضي ومعه ابنان له، فصلبهم على السور. ### || AUT ذكر وزارة أبي شجاع محمد بن الحسين للخليفة # في هذه السنة عزل الخليفة أبا الفتح ابن رئيس الرؤساء من النيابة في ~~الديوان، واستوزر أبا شجاع محمد بن الحسين، وخلع عليه خلع الوزراة في ~~شعبان، ولقيه ظهير الدين، ومدحه الشعراء فأكثروا، فحسن مدحه وهنأه أبو ~~المظفر محمد بن العباس الآبيوردي بالقصيدة المشهورة التي أولها: ها إنها ~~مقل الظباء العين ... فتكت بسر فؤادي المكنون ومنها: فانهل أسراب الدموع ~~كأنها ... منح يتابعها ظهير الدين ### || AUT ذكر قتل أبي المحاسن بن أبي الرضا # في هذه السنة، في شوال، قتل سيد ms3540 الرؤساء أبو المحاسن بن كمال الملك أبي ~~الرضا، وكان قد قرب من السلطان ملكشاه قربا عظيما، كوان أبوه يكتب الطغراء، ~~فقال أبو المحاسن للسلطان: سلم إلي نظام الملك وأصحابه، وأنا أسلم إليك ~~منهم ألف ألف دينار، فإنهم يأكلون الأموال، ويقتطعون الأعمال، وعظم عنده ~~ذخائرهم. فبلغ ذلك نظام الملك، فعمل سماطا عظيما، وأقام عليه مماليكه، وهم ~~ألوف من الأتراك، وأقام خيلهم وسلاحهم على حيالهم، فلما حضر السلطان قال ~~له: إنني قد خدمتك، وخدمت أباك وجدك، ولي حق خدمة، وقد بلغك أخذي لعشر ~~أموالك، وصدق هذا، أنا آخذه وأصرفه إلى هؤلاء الغلمان الذين جمعتهم لك، ~~وأصرفه أيضا إلى الصدقات، والصلات، والوقوف التي أعظم ذكرها، وشكرها، ~~وأجرها لك، وأموالي، وجميع ما أملكه بين يديك، وأنا أقنع بمرقعة وزاوية. ~~فأمر السلطان بالقبض على أبي المحاسن وأن تسمل عيناه، وأنفذه إلى قلعة ~~ساوة. وسمع أبوه كمال الملك الخبر، فاستجار بدار نظام الملك، فسلم، وبذل ~~مائتي ألف دينار، وعزل عن الطغراء، ورتب مكانه مؤيد الملك بن نظام الملك. ### || AUT ذكر استيلاء مالك بن علوي على القيروان وأخذها منه # في هذه السنة جع مالك بن علوي الصخري العرب فأكثر، وسار إلى المهدية ~~فحصرها، فقام الأمير تميم بن المعز قياما تاما، ورحله عنها، ولم يظفر منها ~~بشيء، فسار مالك منها إلى القيروان فحصرها وملكها، فجرد إليه تميم العساكر ~~العظيمة، فحصروه بها، فلما رأى مالك أنه لا طاقة له بتميم خرج عنها وتركها، ~~فاستولى عليها عسكر تميم وعادت إلى ملكه كما كانت. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عم الرخص جميع البلاد، فبلغ كر الحنطة الجيدة ببغداد عشرة ~~دنانير. وفيها، في جمادى الآخرة، توفي الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وكان ~~مولده سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، وأكثر الشعراء مراثيه، فمنهم أبو الحسن ~~الخباز، والبندنيجي، وغيرهما، وكان، رحمة الله عليه، واحد عصره علما وزهدا ~~وعبادة وسخاء، وصلي عليه في جامع القصر، وجلس أصحابه للعزاء في المدرسة ~~النظامية ثلاثة أيام، ولم يتخلف أحد عن العزاء. PageV04P0317 # وكان مؤيد الملك بن نظام الملك ببغداد، ms3541 فرتب في التدريس أبا سعد عبد ~~الرحمن بن المأمون المتولي، فلما بلغ ذلك نظام الملك أنكره، وقال: كان يجب ~~أن تغلق المدرسة بعد الشيخ أبي إسحاق سنة، وصلي عليه بباب الفردوس، وهذا لم ~~يفعل على غيره، وصلى عليه الخليفة المقتدي بأمر الله، وتقدم في الصلاة عليه ~~أبو الفتح ابن رئيس الرؤساء، وهو ينوب في الوزارة، ثم صلي عليه بجامع ~~القصر، ودفن بباب أبرز. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وسبعين وأربعمائة # ### | AUT ذكر الحرب بين فخر الدولة بن جهير وابن مروان وشرف الدولة # قد تقدم ذكر مسير فخر الدولة بن جهير في العساكر السلطانية إلى ديار ~~بكر، فلما كانت هذه السنة سير السلطان إليه أيضا جيشا فيهم الأمير أرتق ابن ~~اكسب، وأمرهم بمساعدته. وكان ابن مروان قد مضى إلى شرف الدولة وسأله نصرته ~~على أن يسلم إليه آمد، وحلف كل واحد لصاحبه، وكل منهما يرى أن صاحبه كاذب ~~لما كان بينهما من العداوة المستحكمة، واجتمعا على حرب فخر الدولة، وسارا ~~إلى آمد، وقد نزل فخر الدولة بنواحيها، فلما رأى فخر الدولة اجتماعهما مال ~~إلى الصلح، وقال: لا أوثر أن يحل بالعرب بلاء على يدي. فعرف التركمان ما ~~عزم عليه، فركبوا ليلا وأتوا إلى العرب وأحاطوا بهم في ربيع الأول، والتحم ~~القتال واشتد، فانهزمت العرب، ولم يحضر هذه الوقعة الوزير فخر الدولة، ولا ~~أرتق، وغنم التركمان حلل العرب ودوابهم، وانهزم شرف الدولة، وحمى نفسه حتى ~~وصل إلى فصيل آمد، وحصره فخر الدولة ومن معه. فلما رأى شرف الدولة أنه ~~محصور خاف على نفسه، فراسل الأمير أرتق، وبذل له مالا، وسأله أن يمن عليه ~~بنفسه، ويمكنه من الخروج من آمد، وكان هو على حفظ الطرق والحصار. فلما سمع ~~أرتق ما بذل له شرف الدولة أذن له في الخروج، فخرج منها في الحادي والعشرين ~~من ربيع الأول، وقصد الرقة، وأرسل إلى أرتق بما كان وعده به، وسار ابن جهير ~~إلى ميافارقين، ومعه من الأمراء الأمير بهاء الدولة منصور بن مزيد، وابنه ~~سيف الدولة صدقة، ms3542 ففارقوه، وعادوا إلى العراق، وسار فخر الدولة إلى خلاط. ~~ولما استولى العسكر السلطاني على حلل العرب، وغنموا أموالهم، وسبوا حريمهم، ~~بذل سيف الدولة صدقة بن منصور بن مزيد الأموال، وافتك أسرى بني عقيل ~~ونساءهم وأولادهم وجهزهم جميعهم وردهم إلى بلادهم، ففعل أمرا عظيما، وأسدى ~~مكرمة شريفة، ومدحه الشعراء في ذلك فأكثروا، فمنهم محمد بن خليفة السنبسي ~~يذكر ذلك في قصيدة: كما أحرزت شكر بني عقيل ... بآمد يوم كظهم الحذار غداة ~~رمتهم الأتراك طرا ... بشهب في حوافلها ازورار فما جبنوا، ولكن فاض بحر ... ~~عظيم لا تقاومه البحار فحين تنازلوا تحت المنايا، ... وفيهن الرزية والدمار ~~مننت عليهم، وفككت عنهم، ... وفي أثناء حبلهم انتشار ولولا أنت لم ينفك ~~منهم ... أسير، حين أعلقه الإسار في أبيات كثيرة، وذكرها أيضا البندنيجي ~~فأحسن، ولولا خوف التطويل لذكرت أبياته. ### || AUT ذكر استيلاء عميد الدولة على الموصل # لما بلغ السلطان أن شرف الدولة انهزم وحصر بآمد لم يشك في أسره، فخلع ~~على عميد الدولة بن جهير، وسيره في جيش كثيف إلى الموصل، وكاتب أمراء ~~التركمان بطاعته، وسير معه من الأمراء آقسنقر، قسيم الدولة، جد ملوكنا ~~أصحاب الموصل، وهو الذي أقطعه السلطان بعد ذلك حلب. وكان الأمير أرتق قد ~~قصد السلطان، فعاد صحبة عميد الدولة من الطريق. فسار عميد الدولة حتى وصل ~~إلى الموصل، فأرسل إلى أهلها يشير عليهم بطاعة السلطان وترك عصيانه، ففتحوا ~~له البلد وسلموه إليه، وسار السلطان بنفسه وعساكره إلى بلاد شرف الدولة ~~ليملكها، فأتاه الخبر بخروج أخيه تكش بخراسان، على ما نذكره. PageV04P0318 # ورأى شرف الدولة قد خلص من الحصر، فأرسل مؤيد الملك بن نظام الملك إلى ~~شرف الدولة، وهو مقابل الرحبة، فأعطاه العهود والمواثيق، وأحضره عند ~~السلطان، وهو بالبوازيج، فخلع عليه آخر رجب، وكانت أمواله قد ذهبت، فاقترض ~~ما خدم به، وحمل للسلطان خيلا رائقة، من جملتها فرسه بشار، وهو فرسه ~~المشهور الذي نجا عليه من المعركة، ومن آمد أيضا، وكان سابقا لا يجارى، ~~فأمر السلطان بأن يسابق به الخيل، فجاء سابقا، فقام السلطان قائما ms3543 لما ~~تداخله من العجب. وأرسل الخليفة النقيب طرادا الزينبي في لقاء شرف الدولة، ~~فلقيه بالموصل، فزاد أمر شرف الدولة قوة، وصالحه السلطان، وأقره على بلاده، ~~وعاد إلى خراسان لحرب أخيه. ### || AUT ذكر عصيان تكش على السلطان ملكشاه # قد تقدم ذكره، وذكر مصالحته للسلطان، فلما كان الآن، ورأى بعد السلطان ~~عنه عاود العصيان، وكان أصحابه يؤثرون الاختلاط، فحسنوا له مفارقة طاعة ~~أخيه، فأجابهم، وسار معهم، فملك مرو الروذ وغيرها إلى قلعة تقارب سرخس وهي ~~لمسعود ابن الأمير ياخز، وقد حصنها جهده، فحصروه بها، ولم يبق غير أخذها ~~منه. فاتفق أبو الفتوح الطوسي، صاحب نظام الملك، وهو بنيسابور، وعميد ~~خراسان، وهو أبو علي، على أن يكتب أبو الفتوح ملطفا إلى مسعود بن ياخز، ~~وكان خط أبي الفتوح أشبه شيء بخط نظام الملك، يقول فيه: كتبت هذه الرقعة من ~~الري يوم كذا، ونحن سائرون من الغد نحوك، فاحفظ القلعة، ونحن نكبس العدو في ~~ليلة كذا. واستدعيا فيجا يثقون به، وأعطياه دنانير صالحة، وقالا: سر نحو ~~مسعود، فإذا وصلت إلى المكان الفلاني فأقم به ونم وأخف هذا الملطف في بعض ~~حيطانه، فستأخذك طلائع تكش، فلا تعترف لهم حتى يضربوك، فإذا فعلوا ذلك ~~وبالغوا فأخرجه لهم وقل إنك فارقت السلطان بالري ولك منا الحباء والكرامة. ~~ففعل ذلك، وجرى الأمر على ما وصفا، وأحضر بين يدي تكش وضرب، وعرض على ~~القتل، فأظهر الملطف وسلمه إليهم، وأخبرهم أنه فارق السلطان ونظام الملك ~~بالري في العساكر، وهو سائر، فلما وقفوا على الملطف، وسمعوا كلام الرجل، ~~وساروا من وقتهم، وتركوا خيامهم ودوابهم، والقدور على النار، فلم يصبروا ~~على ما فيها، وعادوا إلى قلعة ونج. وكان هذا من الفرج العجيب. فنزل مسعود ~~وأخذ ما في المعسكر، وورد السلطان إلى خراسان بعد ثلاثة أشهر، ولولا هذا ~~الفعل لنهب تكش إلى باب الري. ولما وصل السلطان قصد تكش وأخذه، وكان قد حلف ~~له بالأيمان أنه لا يؤذيه، ولا يناله منه مكروه، فأفتاه بعض من حضر بأن ~~يجعل الأمر إلى ولده أحمد، ففعل ms3544 ذلك، فأمر أحمد بكحله، فكحل وسجن. ### || AUT ذكر فتح سليمان بن قتلمش أنطاكية # في هذه السنة سار سليمان بن قتلمش، صاحب قونية وأقصروا وأعمالها من بلاد ~~الروم، إلى الشم، فملك مدينة أنطاكية من أرض الشام، وكانت بيد الروم من سنة ~~ثمان وخمسين وثلاثمائة. وسبب ملك سليمان المدينة أن صاحبها الفردوس الرومي ~~كان قد سار عنها إلى بلاد الروم، ورتب بها شحنة، وكان الفردوس مسيئا إلى ~~أهلها، وإلى جنده أيضا، حتى إنه حبس ابنه، فاتفق ابنة والشحنة على تسليم ~~البلد إلى سليمان بن قتلمش، وكاتبوه يستدعونه، فركب البحر في ثلاثمائة فارس ~~وكثير من الرجالة، وخرج منه، وسار في جبال وعرة، ومضايق شديدة، حتى وصل ~~إليها للموعد، فنصب السلاليم، باتفاق من الشحنة ومن معه، وصعد السور، ~~واجتمع بالشحنة وأخذ البلد في شعبان، فقاتله أهل البلد، فهزمهم مرة بعد ~~أخرى، وقتل كثيرا من أهلها، ثم عفا عنهم، وتسلم القلعة المعروفة بالقسيان، ~~وأخذ من الأموال ما يجاوز الإحصاء، وأحسن إلى الرعية، وعدل فيهم وأمرهم ~~بعمارة ما خرب، ومنع أصحابه من النزول في دورهم ومخالطتهم. ولما ملك سليمان ~~أنطاكية أرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره بذلك، وينسب هذا الفتح إليه لأنه من ~~أهله، وممن يتولى طاعته، فأظهر ملكشاه البشارة به، وهنأه الناس، فممن قال ~~فيه الآبيوردي من قصيدة مطلعها: لمعت كناصية الحصان الأشقر ... نار بمعتلج ~~الكثيب الأعفر وفتحت أنطاكية الروم التي ... نشرت معاقلها على الإسكندر ~~وطئت مناكبها جيادك، فانثنت ... تلقي أجنتها بنات الأصفر وهي طويلة. ### || AUT ذكر قتل شرف الدولة # ### || AUT وملك أخيه إبراهيم # PageV04P0319 # قد تقدم ذكر ملك سليمان بن قتلمش مدينة أنطاكية، فلما أرسل إليه شرف ~~الدولة مسلم بن قريش يطلب منه ما كان يحمله إليه الفردوس من المال، ويخوفه ~~معصية السلطان، فأجابه: أما طاعة السلطان، فهي شعاري، ودثاري، والخطبة له، ~~والسكة في بلادي، وقد كاتبته بما فتح الله على يدي بسعادته من هذا البلد، ~~وأعمال الكفار. وأما المال الذي كان يحمله صاحب أنطاكية قبلي، فهو كان ~~كافرا، وكان يحمل جزية رأسه وأصحابه، وأنا بحمد ms3545 الله مؤمن، ولا أحمل شيئا. ~~فنهب شرف الدولة بلد أنطاكية، فنهب سليمان أيضا بلد حلب، فلقيه أهل السواد ~~يشكون إليه نهب عسكره، فقال: أنا كنت أشد كراهية لما يجري، ولكن صاحبكم ~~أحوجني إلى ما فعلت، ولم تجر عادتي بنهب مال مسلم، ولا أخذ ما حرمته ~~الشريعة. وأمر أصحابه بإعادة ما أخذوه منهم فأعاده. ثم إن شرف الدولة جمع ~~الجموع من العرب والتركمان، وكان ممن معه جبق أمير التركمان في أصحابه، ~~وسار إلى أنطاكية ليحصرها. فلما سمع سليمان الخبر جمع عساكره وسار إليه، ~~فالتقيا في الرابع والعشرين من صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة في طرف من ~~أعمال أنطاكية، واقتتلوا، فمال تركمان جبق إلى سليمان، فانهزمت العرب، ~~تبعهم شرف الدولة منهزما، فقتل بعد أن صبر، وقتل بين يديه أربعمائة غلام من ~~أحداث حلب، وكان قتله يوم الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة ثمان وسبعين ~~وذكرته هاهنا لتتبع الحادثة بعضها بعضا. وكان أحول، وكان قد ملك من السندية ~~التي على نهر عيسى إلى منبج من الشام، وما والاها من البلاد، وكان في يده ~~ديار ربيعة ومضر من أرض الجزيرة والموصل وحلب، وما كان لأبيه وعمه قرواش، ~~وكان عادلا حسن السيرة، والأمن في بلاده عام، والرخص شامل، وكان يسوس بلاده ~~سياسة عظيمة بحيث يسير الراكب والراكبان فلا يخافان شيئا. وكان له في كل ~~بلد وقرية عامل، وقاض، وصاحب خبر، بحيث لا يتعدى أحد على أحد. ولما قتل قصد ~~بنو عقيل أخاه إبراهيم بن قريش، وهو محبوس، فأخرجوه وملكوه أمرهم، وكان قد ~~مكث في الحبس سنين كثيرة بحيث أنه لم يمكنه المشي والحركة لما أخرج، ولما ~~قتل شرف الدولة سار سليمان بن قتلمش إلى حلب فحصرها مستهل ربيع الأول سنة ~~ثمان وسبعين، فأقام عليها إلى خامس ربيع الآخر من السنة، فلم يبلغ منها ~~غرضا، فرحل عنها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في صفر، انقض كوكب من المشرق إلى المغرب، كان حجمه كالقمر ~~وضوءه كضوئه، وسار مدى بعيدا على مهل وتؤدة، في نحو ساعة، ms3546 ولم يكن له شبيه ~~من الكواكب. وفيها ولد السلطان سنجر بن ملكشاه في الخامس والعشرين من رجب، ~~بمدينة سنجار من أرض الجزيرة مقارب الموصل بينهما يومان، عند نزول السلطان ~~بها، وسماه أحمد، وإنما قيل له سنجر باسم المدينة التي ولد فيها، وأمه أم ~~ولد. وفي هذه السنة، في جمادى الأولى، توفي الشيخ أبو نصر عبد السيد بن ~~محمد بن عبد الواحد بن الصباغ، الفقيه الشافعي، صاحب الشامل والكامل، ~~وكفاية المسائل وغيرها من التصانيف، بعد أن أضر عدة سنين، وكان مولده سنة ~~أربعمائة، والقاضي أبو عبد الله الحسين بن علي البغداذي المعروف بابن ~~البقال، وهو من شيوخ أصحاب الشافعي، وكان إليه القضاء بباب الأزج، وحج لما ~~انقطع الحج على سبيل التجريد، وإسماعيل بن مسعدة بن إسماعيل بن أحمد بن ~~إبراهيم أبو القاسم الإسماعيلي، الجرجاني، ومولده سنة أربع وأربعمائة، وكان ~~إماما فقيها شافعيا، محدثا، أدبيا، وداره مجمع العلماء. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر استيلاء الفرنج على مدينة طليطلة # في هذه السنة استولى الفرنج، لعنهم الله، على مدينة طليطلة من بلاد ~~الأندلس، وأخذوها من المسلمين، وهي من أكبر البلاد وأحصنها. وسبب ذلك أن ~~الأذفونش، ملك الفرنج بالأندلس، كان قد قوي شأنه، وعظم ملكه، وكثرت عساكره، ~~مذ تفرقت بلاد الأندلس، وصار كل بلد بيد ملك، فصاروا مثل ملوك الطوائف، ~~فحينئذ طمع الفرنج فيهم، وأخذوا كثيرا من ثغورهم. وكان قد خدم قبل ذلك ~~صاحبها القادر بالله بن المأمون بن يحيى بن ذي النون، وعرف من أين يؤتى ~~البلد، وكيف الطريق إلى ملكه. فلما كان الآن جمع الأذفونش عساكره وسار إلى ~~مدينة طليطلة فحصرها سبع سنين، وأخذها من القادر، فازداد قوة إلى قوته. ~~PageV04P0320 # وكان المعتمد على الله أبو عبد الله محمد بن عباد أعظم ملوك الأندلس من ~~المسلمين، وكان يملك أكثر البلاد مثل: قرطبة وإشبيلية، وكان يؤدي إلى ~~الأذفونش ضريبة كل سنة. فلما ملك الأذفونش طليطلة أرسل إليه المعتمد ~~الضريبة على عادته، فردها عليه ولم يقبلها منه، فأرسل إليه يتهدده ويتوعده ~~أنه ms3547 يسير إلى مدينة قرطبة ويتملكها إلا أن يسلم إليه جميع الحصون التي في ~~الجبل، ويبقي السهل للمسلمين، وكان الرسول في جمع كثير كانوا خمسمائة فارس، ~~فأنزله محمد بن عباد، وفرق أصحابه على قواد عسكره، ثم أمر كل من عنده منهم ~~رجل أن يقتله، وأحضر الرسول وصفعه حتى خرجت عيناه، وسلم من الجماعة ثلاثة ~~نفر، فعادوا إلى الأذفونش فأخبروه الخبر، وكان متوجها إلى قرطبة ليحاصرها، ~~فلما بلغه الخبر عاد إلى طليطلة ليجمع آلات الحصار، ورحل المعتمد إلى إشبيلية. ### || AUT ذكر استيلاء ابن جهير على آمد # في المحرم من هذه السنة ملك ابن جهير مدينة آمد. وسبب ذلك أن فخر الدولة ~~بن جهير كان قد أنفذ إليها ولده زعيم الرؤساء أبا القاسم، ومعه جناح ~~الدولة، المعروف بالمقدم السالار، وأرادوا قلع كرومها وبساتينها، ولم يطمع ~~مع ذلك في فتحها لحصانتها، فعم أهلها الجوع، وتعذرت الأقوات، وكادوا ~~يهلكون، وهم صابرون على الحصار، غير مكترثين له. فاتفق أن بعض الجند نزل من ~~السور لحاجة لهم، وتركوا أسلحتهم مكانها، فصعد إلى ذلك المكان عدد من ~~العامة تقدمهم رجلمن السواد يعرف بأبي الحسن، فلبس السلاح، ووقف على ذلك ~~المكان، ونادى بشعار السلطان، وفعل من معه كفعله، وطلبوا زعيم الرؤساء، ~~فأتاهم، وملك البلد، واتفق أهل المدينة على نهب بيوت النصارى لما كانوا ~~يلقون من نواب بني مروان من الجور والحكم، وكان أكثرهم نصارى، فانتقموا منهم. ### || AUT ذكر ملكه أيضا ميافارقين # وفي هذه السنة أيضا، في سادس جمادى الآخرة، ملك فخر الدولة ميافارقين، ~~وكان مقيما على حصارها، فوصل إليه سعد الدولة كوهرائين في عسكره نجدة له، ~~فجد في القتال فسقط من سورها قطعة، فلما رأى أهلها ذلك نادوا بشعار ملكشاه، ~~وسلموا البلد إلى فخر الدولة وأخذ جميع ما استولى عليه من أموال بني مروان ~~وأنفذه إلى السلطان مع ابنه زعيم الرؤساء، فانحدر هو وكوهرائين إلى بغداد، ~~وسار زعيم الرؤساء منها إلى أصبهان، فوصلها في شوال، وأوصل ما معه إلى السلطان. ### || AUT ذكر ملك جزيرة ابن عمر # في هذه السنة ms3548 أرسل فخر الدولة جيشا إلى جزيرة ابن عمر، وهي لبني مروان ~~أيضا، فحصروها، فثار أهل بيت من أهلها يقال لهم بنو وهبان، وهم من أعيان ~~أهلها، وقصدوا بابا للبلد صغيرا يقال له باب البويبة لا يسلكه إلا الرجالة ~~لأنه يصعد إليه من ظاهر البلد بدرج، فكسروه، وأدخلوا العسكر، فملكه، ~~وانقرضت دولة بني مروان، فسبحان من لا يزول ملكه. وهؤلاء بنو وهبان، إلى ~~يومنا هذا، كلما جاء إلى الجزيرة من يحصرها يخرجون من البلد، ولم يبق منهم ~~من له شوكة، ولا منزلة يفعل بها شيئا، وإنما بتلك الحركة يؤخذون إلى الآن. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الأول، صار أمير الجيوش في عساكر مصر إلى الشام، ~~فحصر دمشق، وبها صاحبها تاج الدولة تتش، فضيق عليه، وقاتله، فلم يظفر منها ~~بشيء، فرحل عنها عائدا إلى مصر. وفيها كانت الفتنة بين أهل الكرخ وسائر ~~المحال من بغداد، وأحرقوا من نهر الدجاج درب الآجر وما قاربه، وأرسل الوزير ~~أبو شجاع جماعة من الجند، ونهاهم عن سفك الدماء تحرجا من الإثم، فلم يمكنهم ~~تلافي الخطب فعظم. وفيها كانت زلزلة شديدة بخوزستان وفارس، وكان أشدها ~~بأرجان، فسقطت الدور، وهلك تحتها خلق كثير. وفيها، في ربيع الأول، هاجت ريح ~~عظيمة سوداء بعد العشاء، وكثر الرعد والبرق، وسقط على الأرض رمل أحمر وتراب ~~كثير، وكانت النيران تضطرم في أطراف السماء، وكان أكثرها بالعراق وبلاد ~~الموصل، فألقت النخيل والأشجار وسقط معها صواعق في كثير من البلاد، حتى ظن ~~الناس أن القيامة قد قامت، ثم انجلى ذلك نصف الليل. وفيها، في ربيع الآخر، ~~توفي إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، ~~ومولده سنة سبع عشرة وأربعمائة، وهو الإمام المشهور في الفقه والأصولين ~~وغيرهما من العلوم، وسمع الحديث من أبي محمد الجوهري وغيره. PageV04P0321 # وفيها، في ذي الحجة، توفي محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن الوليد ~~أبو علي المتكلم، كان أحد رؤساء المعتزلة وأئمتهم، ولزم بيته خمسين سنة لم ~~يقدر على ms3549 أن يخرج منه من عامة بغداد، وأخذ الكلام عن أبي الحسين البصري ~~وعبد الجبار الهمذاني القاضي، ومن جملة تلاميذه ابن برهان، وهو أكبر منه. ~~وفي هذه السنة توفي القاضي أبو الحسن هبة الله بن محمد بن السيبي، قاضي ~~الحريم، بنهر معلى، ومولده سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، وكان يذاكر الإمام ~~المقتدي بأمر الله، وولي ابنه أبو الفرج عبد الوهاب بين يدي قاضي القضاة ~~ابن الدامغاني. وفيها، في جمادى الأولى، توفي أبو العز بن صدقة، وزير شرف ~~الدولة، ببغداد، وكان قد قبض عليه شرف الدولة وسجنه بالرحبة، فهرب منها إلى ~~بغداد، فمات بعد وصوله إلى مأمنه بأربعة أشهرر، وكان كريما متواضعا لم ~~تغيره الولاية عن إخوانه. وفيها، في رجب، توفي قاضي القضاة أبو عبد الله بن ~~الدامغاني، ومولده سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، ودخل بغداد سنة تسع عشرة ~~وأربعمائة، وكان قد صحب القاضي أبا العلاء بن صاعد، وحضر ببغداد مجلس أبي ~~الحسين القدوري، وولي قضاء القضاة بعده القاضي أبو بكر بن المظفر بن بكران ~~الشامي، وهو من أكبر أصحاب القاضي أبي الطيب الطبري. وفيها توفي عبد الرحمن ~~بن مأمون بن علي أبو سعد المتولي مدرس النظامية، وهو من أصحاب القاضي حسين ~~المروروذي وتمم كتاب الإبانة. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وسبعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر قتل سليمان بن قتلمش # لما قتل سليمان بن قتلمش شرف الدولة مسلم بن قريش على ما ذكرناه، أرسل ~~إلى ابن الحتيتي العباسي، مقدم أهل حلب، يطلب منه تسليمها إليه، فأنفذ ~~إليه، واستمهله إلى أن يكابت السلطان ملكشاه، وأرسل ابن الحتيتي إلى تتش، ~~صاحب دمشق، يعده أن يسلم إليه حلب، فسار تتش طالبا لحلب، فعلم سليمان بذلك، ~~فسار نحوه مجدا، فوصل إلى تتش وقت السحر على غير تعبئة، فلم يعلم به حتى ~~قرب منه، فعبأ أصحابه. وكان الأمير أرتق بن أكسب مع تتش، وكان منصورا لم ~~يشهد حربا إلا وكان الظفر له، وقد ذكرنا فيما تقدم حضوره مع ابن جهير على ~~آمد، وإطلاقه شرف الدولة من آمد، فلما فعل ذلك ms3550 خاف أن ينهي ابن جهير ذلك ~~إلى السلطان، ففارق خدمته، ولحق بتاج الدولة تتش، فأقطعه البيت المقدس، ~~وحضر معه هذه الحرب، فأبلى فيها بلاء حسنا، وحرض العرب على القتال، فانهزم ~~أصحاب سليمان، وثبت وهو في القلب، فلما رأى انهزام عساكره أخرج سكينا معه ~~فقتل نفسه، وقيل بل قتل في المعركة، واستولى تتش على عسكره. وكان سليمان بن ~~قتلمش، في السنة الماضية، في صفر، قد أنفذ جثة شرف الدولة إلى حلب على بغل ~~ملفوفة في إزار، وطلب من أهلها أن يسلموها إليه. وفي هذه السنة في صفر أرسل ~~تتش جثة سليمان في إزار ليسلموها إليه، فأجابه ابن الحتيتي أنه يكاتب ~~السلطان، ومهما أمره فعل، فحصر تتش البلد، وأقام عليه، وضيق على أهله. وكان ~~ابن الحتيتي قد سلم كل برج من أبراجها إلى رجل من أعيان البلد ليحفظه، وسلم ~~برجا فيها إلى إنسان يعرف بابن الرعوي. ثم إن ابن الحتيتي أوحشه بكلام أغلظ ~~له فيه، وكان هذا الرجل شديد القوة، ورأى ما الناس فيه من الشدة، فدعاه ذلك ~~إلى أن أرسل إلى تتش يستدعيه،وواعده ليلة يرفع الرجال إلى السورفي الحبال، ~~فأتى تتش للميعاد الذي ذكره، فأصعد الرجال في الحبال والسلاليم، وملك تتش ~~المدينة، واستجار ابن الحتيتي بالأمير أرتق فشفع فيه، وأما القلعة فكان بها ~~سالم بن مالك بن بدران، وهو ابن عم شرف الدولة مسلم بن قريش، فأقام تتش ~~يحصر القلعة سبعة عشر يوما، فبلغه الخبر بوصول مقدمة أخيه السلطان ملكشاه، فرحل عنها. ### || AUT ذكر ملك السلطان حلب وغيرها # PageV04P0322 # كان ابن الحتيتي قد كاتب السلطان ملكشاه يستدعيه ليسلم إليه حلب، لما خاف ~~تاج الدولة تتش، فسار إليه من أصبهان في جمادى الآخرة، وجعل على مقدمته ~~الأمير برسق، وبوزان، وغيرهما من الأمراء، وجعل طريقه على الموصل، فوصلها ~~في رجب، وسار منها، فلما وصل إلى حران سلمها إليه ابن الشاطر، فأقطعها ~~السلطان لمحمد بن شرف الدولة، وسار إلى الرها، وهي بيد الروم، فحصرها ~~وملكها، وكانوا قد اشتروها من ابن عطير، وتقدم ذكر ذلك، وسار ms3551 إلى قلعة ~~جعبر، فحصرها يوما وليلة وملكها، وقتل من بها من بني قشير، وأخذ جعبر من ~~صاحبها، وهو شيخ أعمى، وولدين له، وكانت الأذية بهم عظيمة يقطعون الطرق ~~ويلجأون إليها. ثم عبر الفرات إلى مدينة حلب، فملك في طريقه مدينة منبج، ~~فلما قارب حلب رحل عنها أخوه تتش، وكان قد ملك المدينة، كما ذكرناه، وسار ~~عنها يسلك البرية، ومعه الأمير أرتق، فأشار بكبس عسكر السلطان، وقال: إنهم ~~قد وصلوا، وبهم وبدوابهم من التعب ما ليس عندهم معه امتناع، ولو فعل لظفر ~~بهم. فقال تتش: لا أكسر جاه أخي الذي أنا مستظل بظله، فإنه يعود بالوهن علي ~~أولا. وسار إلى دمشق، ولما وصل السلطان إلى حلب تسلم المدينة، وسلم إليه ~~سالم بن مالك القلعة على أن يعوضه عنها قلعة جعبر، وكان سالم قد امتنع بها ~~أولا، فأمر السلطان أن يرمى إليه رشقا واحدا بالسهام، فرمى الجيش، فكادت ~~الشمس تحتجب لكثرة السهام، فصانع عنها بقلعة جعبر وسلمها، وسلم السلطان ~~إليه قلعة جعبر، فبقيت بيده وبيد أولاده إلى أن أخذها منهم نور الدين محمود ~~بن زنكي، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وأرسل إليه الأمير نصر بن علي بن ~~منقذ الكناني، صاحب شيزر، فدخل في طاعته، وسلم إليه اللاذقية، وكفر طاب، ~~وأفامية، فأجابه إلى المسالمة، وترك قصده، وأقر عليه شيزر. ولما ملك ~~السلطان حلب سلمها إلى قسيم الدولة آقسنقر، فعمرها، وأحسن السيرة فيها. ~~وأما ابن الحتيتي فإنه كان واثقا بإحسان السلطان ونظام الملك إليه، لأنه ~~استدعاهما، فلما ملك السلطان البلد طلب أهله أن يعفيهم من ابن الحتيتي، ~~فأجابهم إلى ذلك، واستصحبه معه، وأرسله إلى ديار بكر، فافتقر، وتوفي بها ~~على حال شديدة من الفقر، وقتل ولده بأنطاكية، قتله الفرنج لما ملكوها. ### || AUT ذكر وفاة بهاء الدولة منصور بن مزيد # ### || AUT وولاية ابنه صدقة # في هذه السنة، في ربيع الأول، توفي بهاء الدولة أبو كامل منصور بن دبيس ~~بن علي بن مزيد الأسدي، صاحب الحلة، والنيل، وغيرهما مما يجاورها، ولما سمع ~~نظام الملك ms3552 خبر وفاته قال: مات أجل صاحب عمامة، وكان فاضلا قرأ على علي بن ~~برهان، فبرع بذكائه في الذي استفاد منه، وله شعر حسن، فمنه: فإن أنا لم ~~أحمل عظيما ولم أقد ... لهاما، ولم أصبر على فعل معظم ولم أجر الجاني، ~~وأمنع حوزه، ... غداة أنادي للفخار وأنتمي وله في صاحب له يكنى أبا مالك ~~يرثيه: فإن كان أودى خدننا، ونديمنا، ... أبو مالك، فالنائبات تنوب فكل ابن ~~أنثى لا محالة ميت، ... وفي كل حي للمنون نصيب ولو رد حزن، أو بكاء لهالك، ~~... بكيناه ما هبت صبا وجنوب ولما توفي أرسل الخليفة إلى ولده سيف الدولة ~~صدقة نقيب العلويين أبا الغنائم يعزيه، وسار سيف الدولة إلى السلطان ~~ملكشاه، فخلع عليه، وولاه ما كان لأبيه، وأكثر الشعراء مراثي بهاء الدولة. ### || AUT ذكر وقعة الزلاقة بالأندلس # ### || AUT وهزيمة الفرنج # قد تقدم ملك الفرنج طليطلة، وما فعله المعتمد بن عباد برسول الأذفونش، ~~ملك الفرنج، وعود المعتمد إلى إشبيلية. فلما عاد إليها، وسمع مشايخ قرطبة ~~بما جرى، ورأوا قوة الفرنج، وضعف المسلمين، واستعانة بعض ملوكهم بالفرنج ~~على بعض، اجتمعوا وقالوا: هذه بلاد الأندلس قد غلب عليها الفرنج، ولم يبق ~~منها إلا القليل، وإن استمرت الأحوال على ما نرى عادت نصرانية كما كانت. ~~PageV04P0323 # وساروا إلى القاضي عبد الله بن محمد بن أدهم، فقالوا له: ألا تنظر إلى ما ~~فيه المسلمون من الصغار والذلة، وعطائهم الجزية بعد أن كانوا يأخذونها، وقد ~~رأينا رأيا نعرضه عليك. قال: ما هو؟ قالوا: نكتب إلى عرب إفريقية ونبذل ~~لهم، فإذا وصلوا إلينا قاسمناهم أموالنا، وخرجنا معهم مجاهدين في سبيل ~~الله. قال: نخاف، إذا وصلوا إلينا يخربون بلادنا، كما فعلوا بإفريقية، ~~ويتركون الفرنج ويبدأون بكم، والمرابطون أصلح منهم وأقرب إلينا. قالوا له: ~~فكاتب أمير المسلمين، وارغب إليه ليعبر إلينا، ويرسل بعض قواده. وقدم عليهم ~~المعتمد بن عباد، وهم في ذلك، فعرض عليه القاضي ابن أدهم ما كانوا فيه، ~~فقال له ابن عباد: أنت رسولي إليه في ذلك، فامتنع، وإنما أراد أن يبريء ~~نفسه من ms3553 تهمة، فألح عليه المعتمد، فسار إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، ~~فأبلغه الرسالة، وأعلمه ما فيه المسلمون من الخوف من الأذفونش. وكان أمير ~~المسلمين بمدينة سبتة، ففي الحال أمر بعبور العساكر إلى الأندلس، وأرسل إلى ~~مراكش في طلب من بقي من عساكره، فأقبلت إليه تتلو بعضها بعضا، فلما تكاملت ~~عنده عبر البحر وسار، فاجتمع بالمعتمد بن عباد بإشبيلية، وكان قد جمع ~~عساكره أيضا، وخرج من أهل قرطبة عسكر كثير. وقصده المتطوعة من سائر بلاد ~~الأندلس. ووصلت الأخبار إلى الأذفونش، فجمع فرسانه وسار من طليطلة، وكتب ~~إلى أمير المسلمين كتابا كتبه به بعض أدباء المسلمين، يغلظ له القول، ويصف ~~ما عنده من القوة والعدد والعدد، وبالغ الكاتب في الكتاب. فأمر أمير ~~المسلمين أبا بكر بن القصيرة أن يجيبه، وكان كاتبا مفلقا، فكتب فأجاد، فلما ~~قرأه على أمير المسلمين قال: هذا كتاب طويل، أحضر كتاب الأذفونش واكتب في ~~ظهره الذي يكون سترا له. فلما عاد الكتاب إلى الأذفونش ارتاع لذلك، وعلم ~~أنه بلي برجل له عزم وحزم، فازداد استعدادا، فرأى في منامه كأنه راكب فيل، ~~وبين يديه طبل صغير، وهو ينقر فيه، فقص رؤياه على القسيسين، فلم يعرفوا ~~تأويلها، فأحضر رجلا مسلما، عالما بتعبير الرؤيا، فقصها عليه، فاستعفاه من ~~تعبيرها، فلم يعفه، فقال: تأويل هذه الرؤيا من كتاب الله العزيز، وهو قوله ~~تعالى: " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " السورة، وقوله تعالى: " فإذا ~~نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير " ، ويقتضي هلاك ~~هذا الجيش الذي تجمعه. فما اجتمع جيشه رأى كثرته فأعجبته، فأحضر ذلك ~~المعبر، وقال له: بهذا الجيش ألقى إله محمد، صاحب كتابكم. فانصرف المعبر، ~~وقال لبعض المسلمين: هذا الملك هالك وكل من معه، وذكر قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم " ثلاث مهلكات " الحديث، وفيه: " وإعجاب المرء بنفسه " . ~~وسار أمير المسلمين، والمعتمد بن عباد، حتى أتوا أرضا يقال لها الزلاقة، من ~~بلد بطليوس، وأتى الأذفونش فنزل موضعا بينه وبينهم ثمانية عشر ميلا، فقيل ~~لأمير المسلمين: ms3554 إن ابن عباد ربما لم ينصح، ولا يبذل نفسه دونك. فأرسل إليه ~~أمير المسلمين يأمره أن يكون في المقدمة، ففعل ذلك، وسار، وقد ضرب الأذفونش ~~خيامه في لحف جبل، والمعتمد في سفح جبل آخر، يتراءون، وينزل أمير المسلمين ~~وراء الجبل الذي عنده المعتمد، وظن الأذفونش أن عساكر المسلمين ليس إلا ~~الذي يراه. وكان الفرنج في خمسين ألفا، فتيقنوا الغلب، وأرسل الأذفونش إلى ~~المعتمد في ميقات القتال، وقصده الملك، فقال: غدا الجمعة، وبعده الأحد، ~~فيكون اللقاء يوم الاثنين، فقد وصلنا على حال تعب، واستقر الأمر على هذا، ~~وركب ليلة الجمعة سحرا، وصبح بجيشه جيش المعتمد بكرة الجمعة، غدرا، وظنا ~~منه أن ذلك المخيم هو جميع عسكر المسلمين، فوقع القتال بينهم فصبر ~~المسلمون، فأشرفوا على الهزيمة. وكان المعتمد قد أرسل إلى أمير المسلمين ~~يعلمه بمجيء الفرنج للحرب، فقال: احملوني إلى خيام الفرنج، فسار إليها، ~~فبينما هم في القتال وصل أمير المسلمين إلى خيام الفرنج، فنهبها، وقتل من ~~فيها، فلما رأى الفرنج ذلك لم يتمالكوا أن انهزموا، وأخذهم السيف، وتبعهم ~~المعتمد من خلفهم، ولقيهم أمير المسلمين من بين أيديهم، ووضع فيهم السيف، ~~فلم يفلت منهم أحد، ونجا الأذفونش في نفر يسير، وجعل المسلمون من رؤوس ~~القتلى كوما كثيرة، فكانوا يؤذنون عليها إلى أن جيفت فأحرقوها. ~~PageV04P0324 # وكانت الوقعة يوم الجمعة في العشر الأول من شهر رمضان سنة تسع وسبعين، ~~وأصاب المعتمد جراحات في وجهه، وظهرت ذلك اليوم شجاعته. ولم يرجع من الفرنج ~~إلى بلادهم غير ثلاثمائة فارس، وغنم المسلمون كل ما لهم من مال وسلاح ودواب ~~وغير ذلك. وعاد ابن عباد إلى إشبيلية، ورجع أمير المسلمين إلى الجزيرة ~~الخضراء، وعبر إلى سبتة، وسار إلى مراكش، فأقام بها إلى العام المقبل، وعاد ~~إلى الأندلس، وحضر معه المعتمد بن عباد في عسكره، وعبد الله بن بلكين ~~الصنهاجي، صاحب غرناطة، في عسكره، وساروا حتى نزلوا على ليط، وهو حصن منيع ~~بيد الفرنج، فحصروه حصرا شديدا فلم يقدروا على فتحه، فرحلوا عنه بعد مدة، ~~ولم يخرج إليهم أحد ms3555 من الفرنج لما أصابهم في العام الماضي، فعاد ابن عباد ~~إلى إشبيلية، وعاد أمير المسلمين إلى غرناظة، وهي طريقه، ومعه عبد الله بن ~~بلكين، فغدر به أمير المسلمين، وأخذ غرناطة منه وأخرجه منها، فرأى في قصوره ~~من الأموال والذخائر ما لم يحوه ملك قبله بالأندلس، ومن جملة ما وجده سبحة ~~فيها أربعمائة جوهرة، قومت كل جوهر بمائة دينار، ومن الجواهر ما له قيمة ~~جليلة، إلى غير ذلك من الثياب والعدد وغيرها، وأخذ معه عبد الله، وأخاه ~~تميما ابني بلكين إلى مراكش، فكانت غرناطة أول ما ملكه من بلاد الأندلس. ~~وقد ذكرنا فيما تقدم سبب دخول صنهاجة إلى الأندلس، وعود من عاد منهم إلى ~~المعز بإفريقية، وكان آخر من بقي منهم بالأندلس عبد الله هذا، وأخذت ~~مدينته، ورحل إلى العدوة. ولما رجع أمير المسلمين إلى مراكش أطاعه من كان ~~لم يطعه من بلاد السوس، وورغة، وقلعة مهدي، وقال له علماء الأندلس إنه ليس ~~طاعته بواجبة حتى يخطب للخليفة، ويأتيه تقليد منه بالبلاد، فأرسل إلى ~~الخليفة المقتدي بأمر الله ببغداد، فأتاه الخلع، والأعلام، والتقليد، ولقب ~~بأمير المسلمين، وناصر الدين. ### || AUT ذكر دخول السلطان إلى بغداد # في هذه السنة دخل السلطان ملكشاه بغداد في ذي الحجة، بعد أن فتح حلب ~~وغيرها من بلاد الشام، والجزيرة، وهي أول قدمة قدمها، ونزل بدار المملكة، ~~وركب من الغد إلى الحلبة، ولعب بالجوكان والكرة، وأرسل إلى الخليفة هدايا ~~كثيرة، فقبلها الخليفة، ومن الغد أرسل نظام الملك إلى الخليفة خدمة كثيرة، ~~فقبلها، وزار السلطان ونظام الملك مشهد موسى بن جعفر، وقبر معروف، وأحمد بن ~~حنبل وأبي حنيفة، وغيرها من القبور المعروفة، فقال ابن زكرويه الواسطي ~~يهنيء نظام الملك بقصيدة منها: زرت المشاهد زورة مشهودة، ... أرضت مضاجع من ~~بها مدفون فكأنك الغيث استهل بتربها، ... وكأنها بك روضة ومعين فازت قداحك ~~بالثواب وأنجحت ... ولك الإله على النجاح ضمين وهي مشهورة. وطلب نظام الملك ~~إلى دار الخلافة ليلا، فمضى في الزبزب، وعاد من ليلته، ومضى السلطان ونظام ~~الملك إلى الصيد في ms3556 البرية، فزارا المشهدين: مشهد أمير المؤمنين علي، ومشهد ~~الحسين، عليه السلام، ودخل السلطان البر، فاصطاد شيئا كثيرا من الغزلان ~~وغيرها، وأمر ببناء منارة القرون بالسبيعي، وعاد السلطان إلى بغداد، ودخل ~~الخليفة، فخلع عليه الخلع السلطانية. ولما خرج من عنده لم يزل نظام الملك ~~قائما يقدم أميرا أميرا إلى الخليفة، وكلما قدم أميرا يقول: هذا العبد فلان ~~بن فلان، وأقطاعه كذا وكذا، وعدة عسكره كذا وكذا، إلى أن أتى على آخر ~~الأمراء، وفوض الخليفة إلى السلطان أمر البلاد والعباد، وأمره بالعدل فيهم، ~~وطلب السلطان أن يقبل يد الخليفة، فلم يجبه، فسأل أن يقبل خاتمه، فأعطاه ~~إياه فقبله، ووضعه على عينه، وأمره الخليفة بالعود فعاد. وخلع الخليفة أيضا ~~على نظام الملك، ودخل نظام الملك إلى المدرسة النظامية، وجلس في خزانة ~~الكتب، وطالع فيها كتبا، وسمع الناس عليه بالمدرسة جزء حديث، وأملى جزءا ~~آخر. وأقام السلطان ببغداد إلى صفر سنة ثمانين، وسار منها إلى أصبهان. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV04P0325 # في هذه السنة، في المحرم، جرى بين أهل الكرخ وأهل باب البصرة فتنة قتل ~~فيها جماعة، من جملتهم القاضي أبو الحسن ابن القاضي أبي الحسين بن الغريق ~~الهاشمي، الخطيب، أصابه سهم فمات منه، ولما قتل تولى ابنه الشريف أبو تمام ~~ما كان إليه من الخطابة، وكان العميد كمال الملك الدهستاني ببغداد، فسار ~~بخيله ورجله إلى القنطرة العتيقة، وأعان أهل الكرخ، ثم جرت بينهم ثانية في ~~شوال منها، فأعان الحجاج على أهل الكرخ، فانهزموا، وبلغ الناس إلى درب ~~اللؤلؤ، وكاد أهل الكرخ يهلكون، فخرج أبو الحسن بن برغوث العلوي إلى مقدم ~~الأحداث من السنة، فسأله العفو، فعاد عنهم ورد الناس. وفيها زاد الماء ~~بدجلة تاسع عشر حزيران، وجاء المطر يومين ببغداد. وفيها، في ربيع الأول، ~~أرسل العميد كمال الملك إلى الأنبار، فتسلمها من بني عقيل، وخرجت من ~~أيديهم. وفيها، في ربيع الآخر، فرغت المنارة بجامع القصر وأذن فيها. وفيها، ~~في جمادى الأولى، ورد الشريف أبو القاسم علي بن أبي يعلى الحسني الدبوسي ~~إلى بغداد، في ms3557 تجمل عظيم، لم ير مثله لفقيه، ورتب مدرسا بالنظامية بعد أبي ~~سعد المتولي. وفيها أمر السلطان أن يزاد في إقطاع وكلاء الخليفة نهر برزى ~~من طريق خراسان، وعشرة آلاف دينار من معاملة بغداد. وفيها أقطع السلطان ~~ملكشاه محمد بن شرف الدولة مسلم مدينة الرحبة وأعمالها، وحران، وسروج، ~~والرقة، والخابور، وزوجه بأخته زليخا خاتون، فتسلم البلاد جميعها ما عدا ~~حران، فإن محمد بن الشاطر امتنع من تسليمها، فلما وصل السلطان إلى الشام ~~نزل عنها ابن الشاطر، فسلمها السلطان إلى محمد. وفيها وقع ببغداد صاعقتان، ~~فكسرت إحداهما أسطوانتين، وأحرقت قطنا في صناديق، ولم تحترق الصناديق، ~~وقتلت الثانية رجلا. وفيها كانت زلازل بالعراق، والجزيرة، والشام، وكثير من ~~البلاد، فخربت كثيرا من البلاد، وفارق الناس مساكنهم إلى الصحراء، فلما ~~سكنت عادوا. وفيها عزل فخر الدولة بن جهير عن ديار بكر، وسلمها السلطان إلى ~~العميد أبي علي البلخي، وجعله عاملا عليها. وفيها أسقط اسم الخليفة المصري ~~من الحرمين الشريفين، وذكر اسم الخليفة المقتدي بأمر الله. وفيها أسقط ~~السلطان المكوس والاجتيازات بالعراق. وفيها حصر تميم بن المعز بن باديس ~~،صاحب إفريقية، مدينتي قابس وسفاقس في وقت واحد، وفرق عليهما العساكر. ~~وفيها، في ربيع الأول، توفي أبو الحسن بن فضال المجاشعي، النحوي، المقري. ~~وفي ربيع الآخر توفي شيخ الشيوخ أبو سعد الصوفي، النسابوري، وهو الذي تولى ~~بناء الرباط بنهر المعلى، وبنى وقوفه، وهو رباط شيخ الشيوخ الآن، وبنى وقوف ~~المدرسة النظامية، وكان عالي الهمة، كثير التعصب لمن يلتجيء إليه، وجدد ~~تربة معروف الكرخي بعد أن احترقت، وكانت له منزلة كبيرة عند السلطان، وكان ~~يقال: نحمد الله الذي أخرج رأس أبي سعد من مرقعة، ولو أخرجه من قباء ~~لهلكنا. وفيها توفي أبو علي محمد بن أحمد الشيري، البصري، وكان خيرا، حافظا ~~للقرآن، ذا مال كثير، وهو آخر من روى سنن أبي داود السجستاني عن أبي عمر ~~الهاشمي. وفيها توفي الشريف أبو نصر الزينبي، العباسي، نقيب الهاشميين، وهو ~~محدث مشهور عالي الإسناد. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمانين وأربعمائة # ### || AUT ms3558 ذكر زفاف ابنة السلطان إلى الخليفة # في المحرم نقل جهاز ابنة السلطان ملكشاه إلى دار الخلافة على مائة ~~وثلاثين جملا مجللة بالديباج الرومي، وكان أكثر الأحمال الذهب والفضة وثلاث ~~عماريات، وعلى أربع وسبعين بغلا مجللة بأنواع الديباج الملكي، وأجراسها ~~وقلائدها من الذهب والفضة، وكان على ستة منها اثنا عشر صندوقا من فضة لا ~~يقدر ما فيها من الجواهر والحلي، وبين يدي البغال ثلاثة وثلاثون فرسا من ~~الخيل الرائقة، عليها مراكب الذهب مرصعة بأنواع الجوهر، ومهد عظيم كثير ~~الذهب. وسار بين يدي الجهاز سعد الدولة كوهرائين، والأمير برسق، وغيرهما، ~~ونثر أهل نهر معلى عليهم الدنانير والثياب، وكان السلطان قد خرج عن بغداد ~~متصيدا، ثم أرسل الخليفة الوزير أبا شجاع إلى تركان خاتون، زوجة السلطان، ~~وبين يديه نحو ثلاثمائة موكبية، ومثلها مشاعل، ولم يبق في الحريم دكان إلا ~~وقد أشعل فيها الشمعة والاثنتان وأكثر من ذلك. PageV04P0326 # وأرسل الخليفة مع ظفر خادمه محفة لم ير مثلها حسنا، وقال الوزير لتركان ~~خاتون: سيدنا ومولانا أمير المؤمنين يقول: إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها، وقد أذن في نقل الوديعة إلى داره. فأجابت بالسمع ~~والطاعة، وحضر نظام الملك فمن دونه من أعيان دولة السلطان، وكل منهم معه من ~~الشمع والمشاعل الكثير، وجاء نساء الأمراء الكبار ومن دونهم كل واحدة منهن ~~منفردة في جماعتها وتجملها، وبين أيديهن الشمع الموكبيات والمشاعل يحمل ذلك ~~جميعه الفرسان. ثم جاءت الخاتون ابنة السلطان، بعد الجميع، في محفة مجللة، ~~عليها من الذهب والجواهر أكثر شيء، وقد أحاط بالمحفة مائتا جارية من ~~الأتراك بالمراكب العجيبة، وسارت إلى دار الخلافة، وكانت ليلة مشهودة لم ير ~~ببغداد مثلها. فلما كان الغد أحضر الخليفة أمراء السلطان لسماط أمر بعمله ~~حكي أن فيه أربعين ألف منا من السكر، وخلع عليهم كلهم، وعلى كل من له ذكر ~~في العسكر، وأرسل الخلع إلى الخاتون زوجة السلطان، وإلى جميع الخواتين، ~~وعاد السلطان من الصيد بعد ذلك. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ولد للسلطان ابن من تركان ms3559 خاتون، وسماه محمودا، وهو الذي ~~خطب له بالمملكة بعد. وفيها سلم السلطان ملكشاه مدينة حلب والقلعة إلى ~~مملوكة آقسنقر، فوليها، وأظهر فيها العدل وحسن السيرة، وكان زوج دادو ~~السلطان ملكشاه، وهي التي تحضنه وتربيه، وماتت بحلب سنة أربع وثمانين. ~~وفيها استبق ساعيان أحدهما للسلطان، فضلي، والآخر للأمير قماج، مرعوشي، ~~فسبق ساعي السلطان، وقد تقدم ذكر الفضلي والمرعوشي أيام معز الدولة بن ~~بويه. وفيها جعل السلطان ولي عهده ولده أبا شجاع أحمد، ولقبه ملك الملوك، ~~عضد الدولة، وتاج الملة، عدة أمير المؤمنين، وأرسل إلى الخليفة بعد مسيره ~~من بغداد، ليخطب له ببغداد بذلك، فخطب له في شعبان، ونثر الذهب على ~~الخطباء. وفيها، في شعبان، انحدر سعد الدولة كوهرائين إلى واسط لمحاربة ~~مهذب الدولة بن أبي الجبر، صاحب البطائح، ولما فارق بغداد كثرت فيها الفتن. ~~وفيها، في ذي القعدة، ولد للخليفة من ابنة السلطان ولد سماه جعفرا، وكناه ~~أبا الفضل، وزين البلد لأجل ذلك. وفيها استولى العميد كمال الملك أبو الفتح ~~الدهستاني، عميد العراق، على مدينة هيت، أخذها صلحا ومضى إليها، وعاد عنها ~~في ذي القعدة. وفيها وقعت فتنة بين أهل الكرخ وغيرها من المحال، قتل فيها ~~كثير من الناس. وفيها كسفت الشمس كسوفا كليا. وفيها توفي الأمير أبو منصور ~~قتلغ أمير الحاج، وحج أميرا اثنتي عشرة سنة، وكانت له في العرب عدة وقعات، ~~وكانوا يخافونه، ولما مات قال نظام الملك: مات اليوم ألف رجل، وولي إمارة ~~الحاج نجم الدولة خمارتكين. وفيها، في جمادى الأولى، توفي إسماعيل بن عبد ~~الله بن موسى بن سعد أبو القاسم الساوي، سمع الحديث الكثير من أبي سعد ~~الصيرفي وغيره، وروى عنه الناس، وكان ثقة، وطاهر بن الحسين أبو الوفا ~~البندنيجي، الهمذاني، كان شاعرا، أديبا، وكان يمدح لا لعرض الدنيا، ومدح ~~نظام الملك بقصيدتين كل واحدة منهما تزيد على أربعين بيتا، إحداهما ليس ~~فيها نقطة، والأخرى جميع حروفها منقوطة. وفيها توفيت فاطمة بنت علي المؤدب، ~~المعروفة ببنت الأقرع، الكاتبة، كانت من أحسن الناس خطا على طريقة ابن ms3560 ~~البواب، وسمعت الحديث وأسمعته. وفيها، في ذي القعدة، توفي غرس النعمة أبو ~~الحسن محمد بن الصابي، صاحب التاريخ، وظهر له مال كثير، وكان له معروف وصدقة. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وأربعمائة # ؟ ### || AUT ذكر الفتنة ببغداد # في هذه السنة، في صفر، شرع أهل باب البصرة في بناء القنطرة الجديدة، ~~ونقلوا الآجر في أطباق الذهب والفضة وبين أيديهم الدبادب، واجتمع إليهم أهل ~~المحال، وكثر عندهم أهلباب الأزج في خلق لا يحصى. PageV04P0327 # واتفق أن كوهرائين سار في سميرية، وأصحابه يسيرون على شاطيء دجلة بسيره، ~~فوقف أهل باب الأزج على امرأة كانت تسقي الناس من مزملة لها على دجلة، ~~فحملوا عليها، على عادة لهم، وجعلوا يكسرون الجرار، ويقولون: الماء للسبيل! ~~فلما رأت سعد الدولة كوهرائين استغاثت به، فأمر بإبعادهم عنها، فضربهم ~~الأتراك بالمقارع، فسل العامة سيوفهم وضربوا وجه فرس حاجبه سليمان، وهو أخص ~~أصحابه، فسقط عن الفرس، فحمل كوهرائين الحنق على أن خرج من السميرية إليهم ~~راجلا، فحمل أحدهم عليه، فطعنه بأسفل رمحه، فألقاه في الماء والطين، فحمل ~~أصحابه على العامة، فقاتلوهم، وحرصوا على الظفر بالذي طعنه، فلم يصلوا ~~إليه، وأخذ ثمانية نفرر، فقتل أحدهم، وقطع أعصاب ثلاثة نفر، وأرسل قباءه ~~إلى الديوان وفيه أثر الطعنة والطين يستنفر على أهل باب الأزج. ثم إن أهل ~~الكرخ عقدوا لأنفسهم طاقا آخر على باب طاق الحراني، وفعلوا كفعل أهل البصرة. ### || AUT ذكر إخراج الأتراك من حريم الخلافة # في هذه السنة، في ربيع الآخر، أمر الخليفة بإخراج الأتراك الذين مع ~~الخاتون زوجته ابنة السلطان من حريم دار الخلافة. وسبب ذلك أن تركيا منهم ~~اشترى من طواف الفاكهة، فتماكسا، فشتم الطواف التركي، فأخذ التركي صنجة من ~~الميزان وضرب بها رأس الطواف فشجه، فاجتمعت العامة، وكاد يكون بينهم وبين ~~الأتراك شر، واستغاثوا، وشنعوا، فأمر الخليفة بإخراج الأتراك، فأخرجوا عن ~~آخرهم، في ساعة واحدة، على أقبح صورة، وقت العشاء الآخرة. ### || AUT ذكر ملك الروم مدينة زويلة # ### || AUT وعودهم عنها # في هذه السنة فتح الروم مدينة زويلة من إفريقية، ms3561 وهي بقرب المهدية. وسبب ~~ذلك أن الأمير تميم بن المعز بن باديس، صاحبها، أكثر غزو بلادهم في البحر، ~~فخربها، وشتت أهلها، فاجتمعوا من كل جهة، واتفقوا على إنشاء الشواني لغزو ~~المهدية، ودخل معهم البيشانيون، والجنوبيون، وهما من الفرنج، فأقاموا ~~يعمرون الأسطول أربع سنين، واجتمعوا بجزيرة قوصرة في أربع مائة قطعة، فكتب ~~أهل قوصرة كتابا على جناح طائر يذكرون وصولهم وعددهم وحكمهم على الجزيرة، ~~فأراد تميم أن يسير عثمان بن سعيد المعروف بالمهر، مقدم الأسطول الذي له، ~~ليمنعهم من النزول، فمنعه من ذلك بعض قواده، واسمه عبد الله بن منكوت، ~~لعداوة بينه وبين المهر، فجاءت الروم، وأرسلوا، وطلعوا إلى البر، ونهبوا، ~~وخربوا، وأحرقوا، ودخلوا زويلة ونهبوها، وكانت عساكر تميم غائبة في قتال ~~الخارجين عن طاعته. ثم صالح تميم الروم على ثلاثين ألف دينار، ورد جميع ما ~~حووه من السبي، وكان تميم يبذل المال الكثير في الغرض الحقير، فكيف في ~~الغرض الكبير، حكي عنه أنه بذل للعرب، لما استولوا على حصن له يسمى قناطة ~~ليس بالعظيم، اثني عشر ألف دينار حتى هدمه، فقيل له: هذا سرف في المال، ~~فقال: هو شرف في الحال. ### || AUT ذكر وفاة الناصر بن علناس # ### || AUT وولاية ولده المنصور # في هذه السنة مات الناصر بن علناس بن حماد، وولي بعده ابنه المنصور، ~~فاقتفى آثار أبيه في الحزم والعزم والرئاسة، ووصله كتب الملوك ورسلهم ~~بالتعزية بأبيه والتهنئة بالملك، منهم: يوسف بن تاشفين، وتميم بن المعز، وغيرهما. ### || AUT ذكر وفاة إبراهيم ملك غزنة وملك ابنه مسعود # في هذه السنة توفي الملك المؤيد إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين، ~~صاحب غزنة، وكان عادلا، كريما، مجاهدا، وقد ذكرنا من فتوحه ما وصل إلينا، ~~وكان عاقلا، ذا رأي متين، فمن آرائه أن السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان ~~السلجوقي جمع عساكره وسار يريد غزنة، ونزل باسفرار، فكتب إبراهيم بن مسعود ~~كتابا إلى جماعة من أعيان أمراء ملكشاه يشكرهم، ويعتد لهم بما فعلوا من ~~تحسين قصد ملكشاه بلاده ليتم لنا ما استقر بيننا من ms3562 الظفر به، وتخليصهم من ~~يده، ويعدهم الإحسان على ذلك، وأمر القاصد بالكتب أن يتعرض لملكشاه في ~~الصيد، ففعل ذلك، فأخذ، وأحضر عند السلطان، فسأله عن حاله، فأنكره، فأمر ~~السلطان بجلده، فجلد، فدفع الكتب إليه بعد جهد ومشقة، فلما وقف ملكشاه ~~عليها تحيل من أمرائه وعاد، ولم يقل لأحد من أمرائه في هذا الأمر شيئا خوفا ~~أن يستوحشوا منه. PageV04P0328 # وكان يكتب بخطه، كل سنة، مصحفا، ويبعثه مع الصدقات إلى مكة، وكان يقول: ~~لو كنت موضع أبي مسعود، بعد وفاة جدي محمود، لما انفصمت عرى مملكتنا، ولكني ~~الآن عاجز عن أن أسترد ما أخذوه، واستولى عليه ملوك قد اتسعت مملكتهم، ~~وعظمت عساكرهم. ولما توفي ملك بعده ابنه مسعود، ولقبه جلال الدين، وكان قد ~~زوجه أبوه بابنة السلطان ملكشاه، وأخرج نظام الملك في هذا الإملاك والزفاف ~~مائة دينار. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة حج الوزير أبو شجاع، وزير الخليفة، واستناب ابنه ربيب ~~الدولة أبا منصور، ونقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي. وفيها أسقط السلطان ~~ما كان يؤخذ من الحجاج من الخفارة. وفيها جمع آقسنقر، صاحب حلب، عسكره وسار ~~إلى قلعة شيزر فحصرها، وصاحبها ابن منقذ، وضيق عليها، ونهب ربضها، ثم صالحه ~~صاحبها وعاد إلى حلب. وفيها توفي أبو بكر أحمد بن أبي حاتم عبد الصمد بن ~~أبي الفضل الغورجي، الهروي، والقاضي محمود بن محمد بن القاسم أبو عامر ~~الأزدي، المهلبي، راويا جامع الترمذي عن أبي محمد الجراحي، رواه عنهما أبو ~~الفتح الكروخي. وتوفي عبد الله بن محمد بن علي بن محمد أبو إسماعيل، ~~الأنصاري، الهروي، شيخ الإسلام، ومولده سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، وكان ~~شديد التعصب في المذاهب، ومحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الباقرحي، ~~ومولده في شعبان، وهو من أهل الحديث والرواية. وفي المحرم توفيت ابنة ~~الغالب بالله بن القادر ودفنت عند قبر أحمد، وكانت ترجع إلى دين، ومعروف ~~كثير، لم يبلغ أحد في فعل الخير ما بلغت. وفي شعبان توفي عبد العزيز ~~الصحراوي الزاهد. وفيها توفي الملك أحمد ابن ms3563 السلطان ملكشاه بمرو، وكان ولي ~~عهد أبيه في السلطنة، وكان عمره إحدى عشرة سنة، وجلس الناس ببغداد للعزاء ~~سبعة أيام في دار الخلافة، ولم يركب أحد فرسا، وخرج النساء ينحن في ~~الأسواق، واجتمع الخلق الكثير في الكرخ للتفرج والمناحات، وسود أهل الكرخ ~~أبواب عقودهم إظهارا للحزن عليه. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة # ### || AUT ذكر الفتنة ببغداد بين العامة # في هذه السنة، في صفر، كبس أهل باب البصرة الكرخ، فقتلوا رجلا وجرحوا ~~آخر، فأغلق أهل الكرخ الأسواق، ورفعوا المصاحف، وحملوا ثياب الرجلين وهي ~~بالدم، ومضوا إلى دار العميد كمال الملك أبي الفتح الدهستاني مستغيثين، ~~فأرسل إلى النقيب طراد بن محمد يطلب منه إحضار القاتلين، فقصد طراد دار ~~الأمير بوزان بقصر ابن المأمون، فطالبه بوزان بهم، ووكل به، فأرسل الخليفة ~~إلى بوزان يعرفه حال النقيب طراد، ومحله، ومنزلته، فخلى سبيله واعتذر إليه، ~~فسكن العميد كمال الملك الفتنة، وكف الناس بعضهم عن بعض، ثم سار إلى ~~السلطان، فعاد الناس إلى ما كانوا فيه من الفتنة، ولم ينقض يوم إلا عن قتلى وجرحى. ### || AUT ذكر ملك السلطان ملكشاه ما وراء النهر # في هذه السنة ملك السلطان ملكشاه ما وراء النهر. وسبب ذلك أن سمرقند كان ~~قد ملكها أحمد خان بن خضر خان، أخو شمس الملك، الذي كان قبله، وهو ابن أخي ~~تركان خاتون، زوجة السلطان ملكشاه، وكان صبيا ظالما، قبيح السيرة، يكثر ~~مصادرة الرعية، فنفروا منه، وكتبوا إلى السلطان سرا يستغيثون به، ويسألونه ~~القدوم عليهم ليملك بلادهم، وحضر الفقيه أبو طاهر بن علك الشافعي عند ~~السلطان شاكيا، وكان يخاف من أحمد خان لكثرة ماله، فأظهر السفر للتجارة ~~والحج، فاجتمع بالسلطان، وشكا إليه، وأطمعه في البلاد. فتحركت دواعي ~~السلطان إلى ملكها، فسار من أصبهان. وكان قد وصل إليه، وهو فيها، رسول ملك ~~الروم، ومعه الخراج المقرر عليه، فأخذه نظام الملك معهم إلى ما وراء النهر، ~~وحضر فتح البلاد، فلما وصل إلى كاشغر أذن له نظام الملك في العود إلى ~~بلاده، وقال: أحب أن ms3564 يذكر عنا في التواريخ أن ملك الروم حمل الجزية وأوصلها ~~إلى باب كاشغر لينهي إلى صاحبه سعة ملك السلطان ليعظم خوفه منه، ولا يحدث ~~نفسه بخلاف الطاعة. وهذا يدل على همة عالية تعلو على العيوق. PageV04P0329 # ولما سار السلطان من أصبهان إلى خراسان جمع العساكر من البلاد جميعها، ~~فعبر النهر بجيوش لا يحصرها ديوان، ولا تدخل تحت الإحصاء، فلما قطع النهر ~~قصد بخارى، وأخذ ما على طريقه، ثم سار إليها وملكها وما جاورها من البلاد، ~~وقصد سمرقند ونازلها، وكانت الملطفات قد قدمها إلى أهل البلد يعدهم النصر، ~~والخلاص مما هم فيه من الظلم، وحصر البلد، وضيق عليه، وأعانه أهل البلد ~~بالإقامات، وفرق أحمد خان، صاحب سمرقند، أبراج السور على الأمراء ومن يثق ~~به من أهل البلد، وسلم برجا يقال به برج العيار إلى رجل علوي كان مختصا به، ~~فنصح في القتال. فاتفق أن ولدا لهذا العلوي أخذ أسيرا ببخارى، فهدد الأب ~~بقتله، فتراخى عن القتال، فسهل الأمر على السلطان ملكشاه، ورمى من السور ~~عدة ثلم بالمنجنيقات، وأخذ ذلك البرج، فلما صعد عسكر السلطان إلى السور هرب ~~أحمد خان، واختفى في بيوت بعض العامة فغمز عليه وأخذ وحمل إلى السلطان وفي ~~رقبته حبل، فأكرمه السلطان، وأطلقه وأرسله إلى أصبهان، ومعه من يحفظه، ورتب ~~بسمرقند الأمير العميد أبا طاهر عميد خوارزم. وسار السلطان قاصدا كاشغر، ~~فبلغ إلى يوزكند، وهو بلد يجري على بابه نهر، وأرسل منها رسلا إلى ملك ~~كاشغر يأمره بإقامة الخطبة، وضرب السكة باسمه ويتوعده إن خالف بالمسير ~~إليه. ففعل ذلك وأطاع، وحضر عند السلطان، فأكرمه وعظمه، وتابع الإنعام ~~عليه، وأعاده إلى بلده. ورجع السلطان إلى خراسان، فلما أبعد عن سمرقند لم ~~يتفق أهلها وعسكرها المعروفون بالجكلية مع العميد أبي طاهر، نائب السلطان ~~عندهم، حتى كادوا يثبون عليه، فاحتال حتى خرج من عندهم، ومضى إلى خوارزم. ### || AUT ذكر عصيان سمرقند # كان مقدم العسكر المعروف بالجكلية، واسمه عين الدولة، قد خاف السلطان ~~لهذا الحادث، فكاتب يعقوب تكين أخا ملك كاشغر، ومملكته تعرف ms3565 بآب نباشي، ~~وبيده قلعتها، واستحضره، فحضر عنده بسمرقند، واتفقا، ثم إن يعقوب علم أن ~~أمره لا يستقيم معه، فوضع عليه الرعية الذين كان أساء إليهم، حتى ادعوا ~~عليه دماء قوم كان قتلهم، وأخذ الفتاوى عليه فقتله، واتصلت الأخبار ~~بالسلطان ملكشاه بذلك، فعاد إلى سمرقند. ### || AUT ذكر فتح سمرقند الفتح الثاني # لما اتصلت الأخبار بعصيان سمرقند بالسلطان ملكشاه، وقتل عين الدولة، ~~مقدم الجكلية، عاد إلى سمرقند، فلما وصل إلى بخارى هرب يعقوب المستولي على ~~سمرقند، ومضى إلى فرغانة، ولحق بولايته. ووصل جماعة من عسكره إلى السلطان ~~مستأمنين، فلقوه بقرية تعرف بالطواويس، ولما وصل السلطان إلى سمرقند ملكها، ~~ورتب بها الأمير أبر، وسار في أثر يعقوب حتى نزل بيوزكند، وأرسل العساكر ~~إلى سائر الأكناف في طلبه. وأرسل السلطان إلى ملك كاشغر، وهو أخو يعقوب، ~~ليجد في أمره، ويرسله إليه، فاتفق أن عسكر يعقوب شغبوا عليه، ونهبوا ~~خزائنه، واضطروه إلى أن هرب على فرسه، ودخل إلى أخيه بكاشغر مستجيرا به. ~~فسمع السلطان بذلك، فأرسل إلى ملك كاشغر يتوعده، إن لم يرسله إليه، أن يقصد ~~بلاده، ويصير هو العدو، فخاف أن يمنع السلطان، وأنف أن يسلم أخاه بعد أن ~~استجار به وإن كانت بينهما عداوة قديمة، ومنافسة في الملك عظيمة، لما يلزمه ~~فيه العار، فأداه اجتهاده إلى أن قبض على أخيه يعقوب، وأظهر أنه كان في ~~طلبه، فظفر به، وسيره مع ولده، وجماعة من أصحابه، وكلهم بيعقوب، وأرسل معهم ~~هدايا كثيرة للسلطان، وأمر ولده أنه إذا وصل إلى قلعة بقرب السلطان أن يسمل ~~يعقوب ويتركه، فإن رضي السلطان بذلك، وإلا سلمه إليه. فلما وصلوا إلى ~~القلعة عزم ابن ملك كاشغر أن يسمل عمه، وينفذ فيه ما أمره به أبوه، فتقدم ~~بكتفه وإلقائه على الأرض، ففعلوا به ذلك، فبينما هم على تلك الحال، وقد ~~أحموا الميل ليسلموه، إذ سمعوا ضجة عظيمة، فتركوه، وتشاوروا بينهم، وظهر ~~عليهم انكسار، ثم أرادوا بعد ذلك سمله، ومنع منه بعض، فقال لهم يعقوب: ~~أخبروني عن حالكم، وما يفوتكم الذي تريدونه ms3566 مني، وإذا فعلتم بي شيئا ربما ~~ندمتم عليه. PageV04P0330 # فقيل له: إن طغرل بن ينال أسرى من ثمانين فرسخا في عشرات ألوف من ~~العساكر، وكبس أخاك بكاشغر، فأخذه أسيرا، ونهب عسكره، وعاد إلى بلاده، فقال ~~لهم: هذا الذي تريدون تفعلونه بي ليس مما تتقربون به إلى الله تعالى وإنما ~~تفعلونه اتباعا لأمر أخي، وقد زال أمره، ووعدهم الإحسان فأطلقوه. فلما رأى ~~السلطان ذلك ورأى طمع طغرل بن ينال، ومسيره إلى كاشغر، وقبض صاحبها، وملكه ~~لها مع قربه منه، خاف أن ينحل بعض أمره وتزول هيبته، وعلم أنه متى قصد طغرل ~~سار من بين يديه، فإن عاد عنه رجع إلى بلاده، وكذلك يعقوب أخو صاحب كاشغر، ~~وأنه لا يمكنه المقام لسعة البلاد وراءه وخوف الموت بها، فوضع تاج الملك ~~على أن يسعى في إصلاح أمر يعقوب معه، ففعل ما أمره به السلطان، فاتفق هو ~~ويعقوب، وعاد إلى خراسان، وجعل يعقوب مقابل طغرل يمنعه من القوة، وملك ~~البلاد، وكل منهما يقوم في وجه الآخر. ### || AUT ذكر عود ابنة السلطان إلى أبيها # وفي هذه السنة أرسل السلطان إلى الخليفة يطلب ابنته طلبا لا بد منه. ~~وسبب ذلك أنها أرسلت تشكو من الخليفة، وتذكر أنه كثير الاطراح لها، ~~والإعراض عنها، فأذن لها في المسير، فسارت في ربيع الأول، وسار معها ابنها ~~من الخليفة أبو الفضل جعفر بن المقتدي بأمر الله، ومعهما سائر أرباب ~~الدولة، ومشى، مع محفتها، سعد الدولة كوهرائين، وخدم دار الخلافة الأكابر، ~~وخرج الوزير وشيعهم إلى النهروان وعاد. وسارت الخاتون إلى أصبهان، فأقامت ~~بها إلى ذي القعدة، وتوفيت، وجلس الوزير ببغداد للعزاء سبعة أيام، وأكثر ~~الشعراء مراثيها ببغداد، وبعسكر السلطان. ### || AUT ذكر فتح عسكر مصر عكا # ### || AUT وغيرها من الشام # في هذه السنة خرجت عساكر مصر إلى الشام في جماعة من المقدمين، فحصروا ~~مدينة صور، وكان قد تغلب عليها القاضي عين الدولة بن أبي عقيل، وامتنع ~~عليهم، ثم توفي، ووليها أولاده، فحصرهم العسكر المصري فلم يكن لهم من القوة ~~ما يمتنعون بها، فسلموها ms3567 إليهم. ثم سار العسكر عنها إلى مدينة صيدا، ففعلوا ~~بها كذلك. ثم ساروا إلى مدينة عكا، فحصروها، وضيقوا على أهلها، فافتتحوها. ~~وقصدوا مدينة جبيل، فملكوها أيضا، وأصلحوا أحوال هذه البلاد، وقرروا ~~قواعدها، وساروا عنها إلى مصر عائدين، واستعمل أمير الجيوش على هذه البلاد ~~الأمراء والعمال. ### || AUT ذكر الفتنة بين أهل بغداد ثانية # وفي هذه السنة، في جمادى الأولى، كثرت الفتن ببغداد بين أهل الكرخ ~~وغيرها من المحال، وقتل بينهم عدد كثير، واستولى أهل المحال على قطعة كبيرة ~~من نهر الدجاج، فنهبوها، وأحرقوها، فنزل شحنة بغداد، وهو خمارتكين النائب ~~عن كوهرائين، على دجلة في خيله ورجله، ليكف الناس عن الفتنة، فلم ينتهوا، ~~وكان أهل الكرخ يجرون عليه وعلى أصحابه الجرايات والإقامات. وفي بعض الأيام ~~وصل أهل باب البصرة إلى سويقة غالب، فخرج من أهل الكرخ من لم تجر عادته ~~بالقتال، فقاتلوهم حتى كشفوهم. فركب خدم الخليفة، والحجاب، والنقباء، ~~وغيرهم من أعيان الحنابلة، كابن عقيل، والكلوذاني، وغيرهما، إلى الشحنة، ~~وساروا معه إلى أهل الكرخ، فقرأ عليهم مثالا من الخليفة يأمرهم بالكف، ~~ومعاودة السكون، وحضور الجماعة والجمعة، والتدين بمذهب أهل السنة، فأجابوا ~~إلى الطاعة. فبينما هم كذلك أتاهم الصارخ من نهر الدجاج بأن السنة قد ~~قصدوهم، والقتال عندهم، فمضوا مع الشحنة، ومنعوا من الفتنة، وسكن الناس ~~وكتب أهل الكرخ على أبواب مساجدهم: خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن عند هذا اليوم ثار أهل الكرخ، ~~وقصدوا شارع ابن أبي عوف ونهبوه، وفي جملة ما نهبوا دار أبي الفضل بن خيرون ~~المعدل، فقصد الديوان مستنفرا، ومعه الناس، ورفع العامة الصلبان وهجموا على ~~الوزير في حجرته، وأكثروا من الكلام الشنيع، وقتل ذلك اليوم رجل هاشمي من ~~أهل باب الأزج بسهم أصابه، فثار العامة هناك بعلوي كان مقيما بينهم، فقتلوه ~~وحرقوه، وجرى من النهب، والقتل، والفساد أمور عظيمة، فأرسل الخليفة إلى سيف ~~الدولة صدقة بن مزيد، فأرسل عسكرا إلى بغداد، فطلبوا المفسدين والعيارين، ~~فهربوا منهم، ms3568 فهدمت دورهم، وقتل منهم ونفي وسكنت الفتنة، وأمن الناس. ### || AUT ذكر حيلة لأمير المسلمين ظهرت ظهورا غريبا # PageV04P0331 # كان بالمغرب إنسان اسمه محمد بن إبراهيم الكزولي، سيد قبيلة كزولة ومالك ~~جبلها، وهو جبل شامخ، وهي قبيلة كثيرة، وبينه وبين أمير المسلمين يوسف بن ~~تاشفين مودة واجتماع، فلما كان هذه السنة أرسل يوسف إلى محمد بن إبراهيم ~~يطلب الاجتماع به، فركب إليه محمد، فلما قاربه خافه على نفسه، فعاد إلى ~~جبله، واحتاط لنفسه، فكتب إليه يوسف، وحلف له أنه ما أراد به إلا الخير، ~~ولم يحدث نفسه بغدر. فلم يركن محمد إليه. فدعا يوسف حجاما، وأعطاه مائة ~~دينار، وضمن له مائة دينار أخرى، إن هو سار إلى محمد بن إبراهيم واحتال على ~~قتله. فسار الحجام، ومعه مشاريط مسمومة، فصعد الجبل، فلما كان الغد خرج ~~ينادي لصناعته بالقرب من مساكن محمد، فسمع محمد الصوت، فقال: هذا الحجام من ~~بلدنا؟ فقيل: إنه غريب، فقال: أراه يكثر الصياح، وقد ارتبت بذلك، ائتوني ~~به. فأحضر عنده، فاستدعى حجاما آخر وأمره أن يحجمه بمشاريطه التي معه، ~~فامتنع الحجام الغريب، فأمسك وحجم فمات، وتعجب الناس من فطنته. فلما بلغ ~~ذلك يوسف ازداد غيظه، ولج في السعي في أذى يوصله إليه، فاستمال قوما من ~~أصحاب محمد، فمالوا إليه، فأرسل إليهم جرارا من عسل مسموم، فحضروا عند محمد ~~وقالوا: قد وصل إلينا قوم معهم جرار من عسل أحسن ما يكون، وأردنا إتحافك ~~به، وأحضروها بين يديه، فلما رآه أمر بإحضار خبز، وأمر أولئك الذين أهدوا ~~إليه العسل أن يأكلوا منه، فامتنعوا، واستعفوه من أكله، فلم يقبل منهم، ~~وقال: من لم يأكل قتل بالسيف، فأكلوا، فماتوا عن آخرهم. فكتب إلى يوسف بن ~~تاشفين: إنك قد أردت قتلي بكل وجه، فلم يظفرك الله بذلك، فكف عن شرك، فقد ~~أعطاك الله المغرب بأسره، ولم يعطني غير هذا الجبل، وهو في بلادك كالشامة ~~البيضاء في الثور الأسود، فلم تقنع بما أعطاك الله، عز وجل. فلما رأى يوسف ~~أن سره قد انكشف وأنه لا يمكنه ms3569 في أمره شيء لحصانة جبله أعرض عنه وتركه. ### || AUT ذكر ملك العرب مدينة سوسة # ### || AUT وأخذها منهم # في هذه السنة نقض ابن علوي ما بينه وبين تميم بن المعز بن باديس أمير ~~إفريقية من العهد، وسار في جميع من عشيرته العرب، فوصل إلى مدينة سوسة من ~~بلاد إفريقية، وأهلها غارون لم يعلموا به، فدخلها عنوة، وجرى بينه وبين من ~~بها من العسكر والعامة قتال، فقتل من الطائفتين جماعة وكثر القتل في أصحابه ~~والأسر، وعلم أنه لا يتم له مع تميم حال، ففارقها، وخرج منها إلى حلته من ~~الصحراء. وكان بإفريقية هذه السنة غلاء شديد، وبقي كذلك إلى سنة أربع ~~وثمانين، وصلحت أحوال أهلها، وأخصبت البلاد، ورخصت الأسعار، وأكثر أهلها الزرع. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قطعت الحرامية الطريق على قفل كبير بولاية حلب، فركب ~~آقسنقر في جماعة من عسكره وتبعهم، ولم يزل حتى أخذهم وقتلهم، فأمنت الطرق ~~بولايته. وفيها ورد العميد الأغر أبو المحاسن عبد الجليل بن علي الدهستاني ~~إلى بغداد عميدا، وعزل أخوه كمال الملك على ما ذكرناه. وفيها درس الإمام ~~أبو بكر الشاشي في المدرسة التي بناها تاج الملك مستوفي السلطان بباب إبرز ~~من بغداد، وهي المدرسة التاجية المشهورة. وفيها عمرت منارة جامع حلب. وفيها ~~توفي الخطيب أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن عبد الواحد بن أبي الحديد ~~السلمي، خطيب دمشق، في ذي الحجة. وفيها توفي أحمد بن محمد بن صاعد بن محمد ~~أبو نصر النيسابوري رئيسها، ومولده سنة عشر وأربعمائة، وكان من العلماء، ~~وعاصم بن الحسن بن محمد بن علي بن عاصم العاصمي البغدادي من أهل الكرخ، كان ~~ظريفا كيسا، له شعر حسن، فمنه: ماذا على متلون الأخلاق ... لو زارني، فأبثه ~~أشواقي وأبوح بالشكوى إليه تذللا، ... وأفض ختم الدمع من آماقي فعساه يسمح ~~بالوصال لمدنف ... ذي لوعة، وصبابة، مشتاق أسر الفؤاد، ولم يرق لموثق ... ~~ما ضره لو جاد بالإطلاق إن كان قد لسبت عقارب صدغه ... قلبي، فإن رضابه ~~درياقي وقال أيضا: فديت من ذبت ms3570 شوقا من محبته، ... وصرت من هجره فوق الفراش ~~لقا سمعته يتغنى، وهو مصطبح، ... أفديه مصطبحا منه، ومغتبقا وأخلفتك ابنة ~~البكري ما وعدت، ... وأصبح الحبل منه واهيا خلقا PageV04P0332 # والصحيحأنه توفي سنة ثلاث وثمانين. وفيها، في جمادى الآخرة، توفي الشريف ~~أبو القاسم العلوي، الدبوسي، المدرس بالنظامية ببغداد، وكان فاضلا فصيحا. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة # ### || AUT ذكر وفاة فخر الدولة ابن جهير # في هذه السنة، في المحرم، توفي فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير ~~الذي كان وزير الخليفة بمدينة الموصل، ومولده بها سنة ثمان وتسعين ~~وثلاثمائة، وتزوج إلى أبي العقارب شيخها، ونظر في إملاك جارية قرواش، ~~المعروفة بسرهنك، ثم خدم بركة بن المقلد، حتى قبض على أخيه قرواش وحبسه، ~~ومضى بهدايا إلى ملك الروم، فاجتمع هو ورسول نصر الدولة بن مروان، فتقدم ~~فخر الدولة عليه، فنازعه رسول ابن مروان، فقال فخر الدولة لملك الروم: أنا ~~أستحق التقدم عليه لأن صاحبه يؤدي الخراج إلى صاحبي. فلما عاد إلى قريش بن ~~بدران أراد القبض عليه، فاستجار بأبي الشداد، وكانت عقيل تجير على أمرائها، ~~وسار إلى حلب، فوزر لمعز الدولة أبي ثمال ابن صالح. ثم مضى إلى ملطية، ~~ومنها إلى ابن مروان، فقال له: كيف أمنتني وقد فعلت برسولي ما فعلت عند ملك ~~الروم؟ فقال: حملني على ذلك نصح صاحبي. فاستوزره، فعمر بلاده. ووزر بعد نصر ~~الدولة لولده، ثم سار إلى بغداد، وولي وزارة الخليفة، على ما ذكرناه، وتولى ~~أخذ ديار بكر من بني مروان، على ما ذكرناه أيضا، ثم أخذها منه السلطان، ~~فسار إلى الموصل فتوفي بها. ### || AUT ذكر نهب العرب البصرة # وفي هذه السنة، في جمادى الأولى، نهب العرب البصرة نهبا قبيحا. وسبب ذلك ~~أنه ورد إلى بغداد، في بعض السنين، رجل أشقر من سواد النيل يدعي الأدب، ~~والنجوم، ويستجري الناس، فلقبه أهل بغداد تليا، وكان نازلا في بعض الخانات، ~~فسرق ثيابا من الديباج وغيره، وأخفاها في خلفا، وسار بهم، فرآها الذين ~~يحفظون الطريق، فمنعوه من السفر اتهاما ms3571 له، وحملوه إلى المقدم عليهم، ~~فأطلقه لحرمة العلم. فسار إلى أمير من أمراء العرب من بني عامر، وبلاده ~~متاخمة الأحساء، وقال له: أنت تملك الأرض، وقد فعل أجدادك بالحاج كذا وكذا، ~~وأفعالهم مشهورة، مذكورة في التواريخ، وحسن له نهب البصرة وأخذها، فجمع من ~~العرب ما يزيد على عشرة آلاف مقاتل، وقصد البصرة، وبها العميد عصمة، وليس ~~معه من الجند إلا اليسير، لكون الدنيا آمنة من ذاعر، ولأن الناس في جنة من ~~هيبة السلطان، فخرج إليهم في أصحابه، وحاربهم، ولم يمكنهم من دخول البلد، ~~فأتاه من أخبره أن أهل البلد يريدون أن يسلموه إلى العرب، فخاف، ففارقهم، ~~وقصد الجزيرة التي هي مكان القلعة بنهر معقل. فلما عاد أهل البلد بذلك ~~فارقوا ديارهم وانصرفوا، ودخل العرب حينئذ البصرة، وقد قويت نفوسهم، ونهبوا ~~ما فيها نهبا شنيعا، فكانوا ينهبون نهارا، وأصحاب العميد عصمة ينهبون ليلا، ~~وأحرقوا مواضع عدة، وفي جملة ما أحرقوا داران للكتب إحداهما وقفت قبل أيام ~~عضد الدولة ابن بويه، فقال عضد الدولة: هذه مكرمة سبقنا إليها، وهي أول دار ~~وقفت في الإسلام. والأخرى وقفها الوزير أبو منصور بن شاه مردان، وكان بها ~~نفائس الكتب وأعيانها، وأحرقوا أيضا النحاسين وغيرها من الأماكن. وخربت ~~وقوف البصرة التي لم يكن لها نظير، من جملتها: وقوف على الحمال الدائرة على ~~شاطيء دجلة، وعلى الدواليب التي تحمل الماء وترقيه إلى قنى الرصاص الجارية ~~إلى المصانع، وهي على فراسخ من البلد، وهي من عمل محمد بن سليمان الهاشمي ~~وغيره. وكان فعل العرب بالبصرة أول خرق جرى في أيام السلطان ملكشاه. فلما ~~فعلوا ذلك، وبلغ الخبر إلى بغداد، انحدر سعد الدولة كوهرائين، وسيف الدولة ~~صدقة بن مزيد إلى البصرة لإصلاح أمورها، فوجدوا العرب قد فارقوها. ثم إن ~~تليا أخذ بالبحرين، وأرسل إلى السلطان، فشهره ببغداد سنة أربع وثمانين على ~~جمل، وعلى رأسه طرطور، وهو يصفع بالدرة، والناس يشتمونه، ويسبهم، ثم أمر به فصلب. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قدم الإمام أبو عبد الله الطبري بغداد، ms3572 في المحرم، بمنشور ~~من نظام الملك بتوليته تدريس المدرسة النظامية، ثم ورد بعده، في شهر ربيع ~~الآخر من السنة، أبو محمد عبد الوهاب الشيرازي، وهو أيضا معه منشور ~~بالتدريس، فاستقر أن يدرس يوما، والطبري يوما. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وثمانين وأربعمائة # PageV04P0333 ### || AUT ذكر عزل الوزير أبي شجاع # ### || AUT ووزارة عميد الدولة بن جهير # في هذه السنة، في ربيع الأول، عزل الوزير أبو شجاع من وزارة الخليفة. ~~وكان سبب عزله أن إنسانا يهوديا ببغداد يقال له أبو سعد بن سمحا كان وكيل ~~السلطان ونظام الملك، فلقيه إنسان يبيع الحصر، فصفعه صفعة أزالت عمامته عن ~~رأسه، فأخذ الرجل، وحمل إلى الديوان، وسئل عن السبب في فعله، فقال: هو ~~وضعني على نفسه، فسار كوهرائين ومعه ابن سمحا اليهودي إلى العسكر يشكوان، ~~وكانا متفقين على الشكاية من الوزير أبي شجاع. فلما سارا خرج توقيع الخليفة ~~بإلزام أهل الذمة بالغيار، ولبس ما شرط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ~~رضي الله عنه فهربوا كل مهرب، أسلم بعضهم، فممن أسلم أبو سعد العلاء بن ~~الحسن بن وهب بن موصلايا الكاتب، وابن أخيه أبو نصر هبة الله بن الحسن بن ~~علي صاحب الخبر، أسلما على يدي الخليفة. ونقل أيضا عنه إلى السلطان ونظام ~~الملك أنه يكسر أغراضهم ويقبح أفعالهم، حتى إنه لما ورد الخبر بفتح السلطان ~~سمرقند قال: وما هذا مما يبشر به، كأنه قد فتح بلاد الروم، هل أتى إلا إلى ~~قوم مسلمين موحدين، فاستباح منهم ما لا يستباح من المشركين! فلما وصل ~~كوهرائين وابن سمحا إلى العسكر وشكوا من الوزير إلى السلطان ونظام الملك، ~~وأخبراهما بجميع ما يقول عنهما، ويكسر من أغراضهما، أرسلا إلى الخليفة في ~~عزله، فعزله، وأمره بلزوم بيته، وكان عزله يوم الخميس، فلما أمر بذلك أنشد: ~~تولاها وليس له عدو، ... وفارقها وليس له صديق فلما كان الغد، يوم الجمعة، ~~خرج من داره إلى الجامع راجلا، واجتمع الخلق العظيم عليه، فأمر أن لا يخرج ~~من بيته، ولما عزل استنيب في الوزراة أبو ms3573 سعد بن موصلايا، كاتب الإنشاء، ~~وأرسل الخليفة إلى السلطان ونظام الملك يستدعي عميد الدولة بن جهير ~~ليستوزره، فسير إليه، فاستوزره في ذي الحجة من هذه السنة، وركب إليه نظام ~~الملك، فهنأه بالوزارة في داره، وأكثر الشعراء تهنئته بالعود إلى الوزارة. ### || AUT ذكر ملك أمير المسلمين بلاد الأندلس التي للمسلمين # في هذه السنة، في رجب، ملك أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، صاحب بلاد ~~المغرب، من بلاد الأندلس ما هو بيد المسلمين: قرطبة وإشبيلية، وقبض على ~~المعتمد بن عباد صاحبها، وملك غيرها من الأندلس. ولقد جرى للرشيد بن ~~المعتمد حادثة شبيهة بحادثة الأمين محمد بن هارون الرشيد. قال أبو بكر عيسى ~~بن اللبانة الداني، من مدينة دانية: كنت يوما عند الرشيد بن المعتمد في ~~مجلس أنسه سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، فجرى ذكر غرناطة، وملك أمير ~~المسلمين لها، وقد ذكرنا أخذها في وقعة الزلاقة، فلما ذكرناها تفجع، وتلهف، ~~واسترجع، وذكر قصرها، فدعونا لقصره بالدوام، ولملكه بتراخي الأيام. فأمر ~~عند ذلك أبا بكر الإشبيلي بالغناء فغنى: يا دار مية بالعلياء فالسند ... ~~أقوت، وطال عليها سالف الأبد فاستحالت مسرته، وتجهمت أسرته. ثم أمر بالغناء ~~من ستارته فغني: إن شئت أن لا ترى صبرا لمصطبر، ... فانظر إلى أي حال أصبح ~~الطلل فتأكد تطيره، واشتد اربداد وجهه وتغيره، وأمر مغنية أخرى بالغناء، ~~فغنت: يا لهف نفسي على مال أفرقه ... على المقلين من أهل المروءات إن ~~اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي من إحدى المصيبات قال ابن ~~اللبانة: فتلافيت الحال بأن قمت فقلت: محل مكرمة لا هد مبناه، ... وشمل ~~مأثرة لا شته الله البيت كالبيت لكن زاد ذا شرفا، ... إن الرشيد مع المعتد ~~ركناه ثاو على أنجم الجوزاء مقعده، ... وراحل في سبيل الله مثواه حتم على ~~الملك أن يقوى وقد وصلت ... بالشرق والغرب يمناه ويسراه بأس توقد، فاحمرت ~~لواحظه ... ونائل شب، فاخضرت عذاراه فلعمري قد بسطت من نفسه، وأعدت عليه ~~بعض أنسه. على أني وقعت فيما وقع فيه الكل بقولي البيت كالبيت. وأمر إثر ~~ذلك بالغناء ms3574 فغني: ولما قضينا من منى كل حاجة، ... ولم يبق إلا أن تزم ~~الركائب PageV04P0334 # فأيقنا أن هذه الطير، تعقب الغير. فلما أراد أمير المسلمين ملك الأندلس ~~سار من مراكش إلى سبتة، وأقام بها، وسير العساكر مع سير بن أبي بكر وغيره ~~إلى الأندلس، فعبروا الخليج فأتوا مدينة مرسية، فملكوها وأعمالها، وأخرجوا ~~صاحبها أبا عبد الرحمن بن طاهر منها، وساروا إلى مدينة شاطبة ومدينة دانية ~~فملكوهما. وكانت بلنسية قد ملكها الفرنج قديما، بعد أن حصروها سبع سنين، ~~فلما سمعوا بوقعة الزلاقة فارقوها، فملكها المسلمون أيضا، وعمروها وسكنوها، ~~فصارت الآن للمرابطين. وكانوا قد ملكوا غرناطة نوبة الزلاقة، فقصدوا مدينة ~~إشبيلية، وبها صاحبها المعتمد بن عباد، فحصروه بها، وضيقوا عليه، فقاتل ~~أهلها قتالا شديدا، وظهر من شجاعة المعتمد، وشدة بأسه، وحسن دفاعه عن بلده ~~ما لم يشاهد من غيره ما يقاربه، فكان يلقي نفسه في المواقف التي لا يرجى ~~خلاصه منها، فيسلم بشجاعته، وشدة نفسه، ولكن إذا نفدت اامدة، لم تغن العدة. ~~وكانت الفرنج قد سمعوا بقصد عساكر المرابطين بلاد الأندلس، فخافوا أن ~~يملكوها ثم يقصدوا بلادهم، فجمعوا فأكثروا، وساروا ليساعدوا المعتمد، ~~ويعينوه على المرابطين، فسمع سير بن أبي بكر، مقدم المرابطين، بمسيرهم، ~~ففارق إشبيلية وتوجه إلى لقاء الفرنج، فلقيهم، وقاتلهم، وهزمهم، وعاد إلى ~~إشبيلية فحصرها، ولم يزل الحصار دائما، والقتال مستمرا إلى العشرين من رجب ~~من هذه السنة، فعظم الحرب ذلك اليوم، واشتد الأمر على أهل البلد، ودخله ~~المرابطون من واديه، ونهب جميع ما فيه، ولم يبقوا على سبد ولا لبد، وسلبوا ~~الناس ثيابهم، فخرجوا من مساكنهم يسترون عوراتهم بأيديهم، وسبيت المخدرات، ~~وانتهكت الحرمات، فأخذ المعتمد أسيرا، ومعه أولاده الذكور والإناث، بعد أن ~~استأصلوا جميع مالهم، فلم يصحبهم من ملكهم بلغة زاد. وقيل: إن المعتمد سلم ~~البلد بأمان، وكتب نسخة الأمان والعهد، واستحلفهم به لنفسه، وأهله، وماله، ~~وعبيده، وجميع ما يتعلق بأسبابه. فلما سلم إليهم إشبيلية لم يفوا له، ~~وأخذوهم أسراء، ومالهم غنيمة، وسير المعتمد وأهله إلى مدينة أغماث، فحبسوا ~~فيها، وفعل أمير ms3575 المسلمين بهم أفعالا لم يسلكها أحد ممن قبله، ولا يفعلها ~~أحد ممن يأتي بعده، إلا من رضي لنفسه بهذه الرذيلة، وذلك أنه سجنهم فلم يجر ~~عليهم ما يقوم بهم، حتى كانت بنات المعتمد يغزلن للناس بأجرة ينفقونها على ~~أنفسهم، وذكر ذلك المعتمد في أبيات ترد عند ذكر وفاته، فأبان أميرر ~~المسلمين بهذا الفعل عن صغر نفس ولؤم قدرة. وأغمات هذه مدينة في سفح جبل ~~بالقرب من مراكش، وسيرد من ذكر المعتمد عند موته، سنة ثمان وثمانين، ما ~~يعرف به محله. قال أبو بكر بن اللبانة: زرت المعتمد بعد أسره بأغمات، وقلت ~~أبياتا عند دخولي إليه، منها: لم أقل في الثقاف كان ثقافا، ... كنت قلبا ~~به، وكان شغافا يمكث الزهر في الكمام، ولكن ... بعد مكث الكمام يدنو قطافا ~~وإذا ما الهلال غاب بغيم ... لم يكن ذلك المغيب انكسافا إنما أنت درة ~~للمعالي، ... ركب الدهر فوقها أصدافا حجب البيت منك شخصا كريما، ... مثلما ~~تحجب الدنان السلافا أنت للفضل كعبة، ولو أني ... كنت أستطيع لالتزمت ~~الطوافا قال: وجرت بيني وبينه مخاطبات ألذ من غفلات الرقيب، وأشهى من رشفات ~~الحبيب، وأدل على السماح، من فجر على صباح. ولما أخذ المعتمد وأهله قتل ~~ولداه الفتح ويزيد بين يديه صبرا، فقال في ذلك: يقولون صبرا! لا سبيل إلى ~~الصبر، ... سأبكي، وأبكي ما تطاول من عمري أفتح لقد فتحت لي باب رحمة، ... ~~كما بيزيد، الله قد زاد في أجري هوى بكما المقدار عني، ولم أمت، ... فأدعى ~~وفيا، قد نكصت إلى الغدر ولو عدتما لاخترتما العود في الثرى ... إذا أنتما ~~أبصرتماني في الأسر أبا خالد أورثتني البث خالدا، ... أبا نصر مذ ودعت ~~ودعني نصري وكان المعتمد يكاتبه فضلاء البلاد، وهو محبوس، بالنثر والنظم، ~~يتوجعون له، ويذمون الزمان وأهله، حيث مثله منكوب، فمن ذلك ما قاله عبد ~~الجبار بن أبي بكر بن حمديس، وكتبه إليه يذكر مسيرهم عن إشبيلية إلى أغمات: ~~PageV04P0335 # جرى لك جد بالكرام عثور، ... وجار زمان كنت منه تجير لقد أصبحت بيض الظبى ~~في غمودها ... إناثا لترك ms3576 الضرب، وهي ذكور ولما رحلتم بالندى في أكفكم، ... ~~وقلقل رضوى منكم وثبير رفعت لساني بالقيامة قد أتت، ... ألا فانظروا كيف ~~الجبال تسير وقال شاعره ابن اللبانة في حادثته أيضا: تبكي السماء بدمع رائح ~~غادي ... على البهاليل من أبناء عباد على الجبال التي هدت قوعدها ... وكانت ~~الأرض منها تحت أوتاد عريسة دخلتها النائبات على ... أساود منهم فيها وآساد ~~وكعبة كانت الآمال تعمرها، ... فاليوم لا عاكف فيها، ولا باد ولما استقصى ~~عسكر أمير المسلمين ملوك الأندلس، وأخذ بلادهم، جمع ملوكهم وسيرهم إلى بلاد ~~الغرب، وفرقهم فيها " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها ~~أذلة " . ولما فرغ سير من إشبيلية سار إلى المرية فنازلها، وكان صاحبها ~~محمد بن معن بن صمادح، فقال لولده: ما دام المعتمد بإشبيلية فلا نبالي ~~بالمرابطين. فلما سمع بملكهم لها، وما جرى للمعتمد، مات في تلك الأيام غما ~~وكمدا، فلما مات سار ولده الحاجب وأهله في مراكب، ومعهم كل مالهم، وقصدوا ~~بلاد بني حماد، فأحسنوا إليهم. وكان عمر بن الأفطس، صاحب بطليوس، ممن أعان ~~سير على المعتمد، فلما فتحت إشبيلية رجع ابن الأفطس إلى بلده، فسار إليه ~~سير، وحاربه، فغلبه، وأخذ بلده منه، وأخذه أسيرا هو وولده الفضل، فقتلهما، ~~فقال عمر حين أرادوا قتله: قدموا ولدي قبلي للقتل ليكون في صحيفتي! فقتل ~~ولده قبله، وقتل هو بعده، واحتوى سير على ذخائرهم وأموالهم. ولم يترك من ~~ملوك الأندلس سوى بني هود، فإنه لم يقصد بلادهم، وهي شرق الأندلس، وكان ~~صاحبها حينئذ المستعين بالله بن هود، وهو من الشجعان الذين يضرب المثل بهم، ~~وكان قد أعد كل ما يحتاج إليه في الحصار، وترك عنده ما يكفيه عدة سنين ~~بمدينة روطة، وكانت قلعة حصينة، وكانت رعيته تخافه، ولم يزل يهادي أمير ~~المسلمين، قبل أن يقصد بلاد الأندلس ويملكها، ويواصله، ويكثر مراسلته، فرعى ~~له ذلك، حتى إنه أوصى ابنه علي بن يوسف عند موته بترك التعرض لبلاد بني ~~هود، وقال: اتركهم بينك وبين العدو، فإنهم شجعان. ### || AUT ذكر ملك الفرنج جزيرة ms3577 صقلية # في هذه السنة استولى الفرنج، لعنهم الله، على جميع جزيرة صقلية، أعادها ~~الله تعالى إلى الإسلام والمسلمين. وسبب ذلك أن صقلية كان الأمير عليها سنة ~~ثمان وثمانين وثلاثمائة أبا الفتوح يوسف بن عبد الله بن محمد بن أبي ~~الحسين، ولاه عليها العزيز العلوي، صاحب مصر وإفريقية، فأصابه هذه السنة ~~فالج، فتعطل جانبه الأيسر، وضعف جانبه الأيمن، فاستناب ابنه جعفرا، فبقي ~~كذلك ضابطا للبلاد، حسن السيرة في أهلها إلى سنة خمس وأربعمائة، فخالف عليه ~~أخوه علي، وأعانه جمع من البربر والعبيد، فأخرج إليه أخوه جعفر جندا من ~~المدينة، فاقتتلوا سابع شعبان، وقتل من البربر والعبيد خلق كثير، وهرب من ~~بقي منهم وأخذ علي أسيرا، فقتله أخوه جعفر، وعظم قتله على أبيه، فكان بين ~~خروجه وقتله ثمانية أيام. وأمر جعفر حينئذ أن ينفى كل بربري بالجزيرة، ~~فنفوا إلى إفريقية، وأمر بقتل العبيد، فقتلوا عن آخرهم وجعل جنده كلهم من ~~أهل صقلية. فقل العسكر بالجزيرة، وطمع أهل الجزيرة في الأمراء، فلم يمض إلا ~~يسير حتى ثار به أهل صقلية، وأخرجوه، وخلعوه، وأرادوا قتله. وسبب ذلك أنه ~~ولى عليهم إنسانا صادرهم، وأخذ الأعشار من غلاتهم، واستخف بقوادهم وشيوخ ~~البلد، وقهر جعفر إخوته، واستطال عليهم، فلم يشعر إلا وقد زحف إليه أهل ~~البلد كبيرهم وصغيرهم، فحصروه في قصره في المحرم سنة عشر وأربعمائة، ~~وأشرفوا على أخذه، فخرج إليهم أبوه يوسف في محفة، وكانوا له محبين، فلطف ~~بهم ورفق، فبكوا رحمة له من مرضه، وذكروا له ما أحدث ابنه عليهم، وطلبوا أن ~~يستعمل ابنه أحمد المعروف بالأكحل، ففعل ذلك. وخاف يوسف على ابنه جعفر ~~منهم، فسيره في مركب إلى مصر، وسار أبوه يوسف بعده، ومعهما من الأموال ~~ستمائة ألف دينار وسبعون ألفا، وكان ليوسف من الدواب ثلاثة عشر ألف حجرة، ~~سوى البغال وغيرها، ومات بمصر وليس له إلا دابة واحدة. PageV04P0336 # ولما ولي الأكحل أخذ أمره بالحزم والاجتهاد، وجمع المقاتلة، وبث سراياه ~~في بلاد الكفرة، فكانوا يحرقون، ويغنمون، ويسبون، ويخربون البلاد، وأطاعه ~~جميع قلاع صقلية التي ms3578 للمسلمين. وكان للأكحل ابن اسمه جعفر كان يستنيبه إذا ~~سافر، فخالف سيرة أبيه، ثم إن الأكحل جمع أهل صقلية وقال: أحب أن أشيلكم ~~على الإفريقيين الذين قد شاركوكم في بلادكم، والرأي إخراجهم، فقالوا: قد ~~صاهرناهم وصرنا شيئا واحدا، فصرفهم. ثم أرسل إلى الإفريقيين، فقال لهم مثل ~~ذلك، فأجابوه إلى ما أراد، فجمعهم حوله، فكان يحمي أملاكهم، ويأخذ الخراج ~~من أملاك أهل صقلية، فسار من أهل صقلية جماعة إلى المعز ابن باديس، وشكوا ~~إليه ما حل بهم، وقالوا: نحب أن نكون في طاعتك، وإلا سلمنا البلاد إلى ~~الروم، وذلك سنة سبع وعشرين وأربعمائة، فسير معهم ولده عبد الله في عسكر، ~~فدخل المدينة، وحصر الأكحل في الخلاصة. ثم اختلف أهل صقلية، وأراد بعضهم ~~نصرة الأكحل، فقتله الذين أحضروا عبد الله بن المعز. ثم إن الصقليين رجع ~~بعضهم على بعض، وقالوا: أدخلتم غيركم عليكم، والله لا كانت عاقبة أمركم فيه ~~إلى خير! فعزموا على حرب عسكر المعز، فاجتمعوا وزحفوا في المراكب إلى ~~إفريقية، وولى أهل الجزيرة عليهم حسنا الصمصام، أخا الأكحل، فاضطربت ~~أحوالهم، واستولى الأراذل، وانفرد كل إنسان ببلد، وأخرجوا الصمصام، فانفرد ~~القائد عبد الله بن منكوت بمازر وطرابنش وغيرهما، وانفرد القائد علي بن ~~نعمة، المعروف بابن الحواس، بقصريانة وجرجنت وغيرهما، وانفرد ابن الثمنة ~~بمدينة سرقوسة، وقطانية، وتزوج بأخت ابن الحواس. ثم إنه جرى بينها وبين ~~زوجها كلام فأغلظ كل منهما لصاحبه، وهو سكران، فأمر ابن الثمنة بفصدها في ~~عضديها، وتركها لتموت، فسمع ولده إبراهيم، فحضر، وأحضر الأطباء، وعالجها ~~إلى أن عادت قوتها، ولما أصبح أبوه ندم، واعتذر إليها بالسكر، فأظهرت قبول ~~عذره. ثم إنها طلبت منه بعد مدة أن تزو أخاها، فأذن لها، وسير معها التحف ~~والهدايا، فلما وصلت ذكرت لأخيها ما فعل بها، فحلف أنه لا يعيدها إليه، ~~فأرسل ابن الثمنة يطلبها، فلم يردها إليه، فجمع ابن الثمنة عسكره، وكان قد ~~استولى على أكثر الجزيرة، وخطب له بالمدينة، وسار، وحصر ابن الحواس ~~بقصريانة، فخرج إليه فقاتله، فانهزم ابن الثمنة، وتبعه إلى ms3579 قرب مدينتة ~~قطانية، وعاد عنه بعد أن قتل من أصحابه فأكثر. فلما رأى ابن الثمنة أن ~~عساكره قد تمزقت، سولت له نفسه الانتصار بالكفار لما يريده الله تعالى، ~~فسار إلى مدينة مالطة، وهي بيد الفرنج قد ملكوها لما خرج بردويل الفرنجي ~~الذي تقدم ذكره سنة اثنتين وسبعين وثلاث مائة، واستوطنها الفرنج إلى الآن، ~~وكان ملكها حينئذ رجار الفرنجي في جمع من الفرنج، فوصل إليهم ابن الثمنة ~~وقال: أنا أملككم الجزيرة! فقالوا: إن فيها جندا كثيرا، ولا طاقة لنا بهم، ~~فقال: إنهم مختلفون، وأكثرهم يسمع قولي، ولا يخالفون أمري. فساروا معه في ~~رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة، فلم يلقوا من يدافعهم، فاستولوا على ما ~~مروا به في طريقهم، وقصد بهم إلى قصريانة فحصروها، فخرج إليهم ابن الحواس، ~~فقاتلهم، فهزمه الفرنج، فرجع إلى الحصن، فرحلوا عنه، وساروا في الجزيرة، ~~واستولوا على مواضع كثيرة، وفارقها كثير من أهلها من العلماء والصالحين، ~~وسار جماعة من أهل صقلية إلى المعز بن باديس، وذكروا له ما الناس فيه ~~بالجزيرة من الخلف، وغلبة الفرنج على كثير منها، فعمر أسطولا كبيرا، وشحنه ~~بالرجال والعدد، وكان الزمان شتاء، فساروا إلى قوصرة، فهاج عليهم البحر، ~~فغرق أكثرهم، ولم ينج إلا القليل. وكان ذهاب هذا الأسطول مما أضعف المعز، ~~وقوى عليه العرب، حتى أخذوا البلاد منه. فملك حينئذ الفرنج أكثر البلاد على ~~مهل وتؤدة، لا يمنعهم أحد، واشتغل صاحب إفريقية بما دهمه من العرب، ومات ~~المعز سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، وولي ابنه تميم، فبعث أيضا أسطولا وعسكرا ~~إلى الجزيرة، وقدم عليه ولديه أيوب وعليا، فوصلوا لى صقلية، فنزل أيوب ~~والعسكر المدينة، ونزل علي جرجنت، ثم انتقل أيوب إلى جرجنت، فأمر علي بن ~~الحواسأن ينزل في قصره، وأرسل هدية كثيرة. PageV04P0337 # فلما أقام أيوب فيها أحبه أهلها، فحسده ابن الحواس، فكتب إليهم ليخرجوه، ~~فلم يفعلوا، فسار إليه في عسكره، وقاتله، فشد أهل جرجنت من أيوب، وقاتلوا ~~معه، فبينما ابن الحواس يقاتل أتاه سهم غرب فقتله، فملك العسكر عليهم أيوب. ~~ثم وقع بعد ذلك ms3580 بين أهل المدينة وبين عبيد تميم فتنة أدت إلى القتال، ثم ~~زاد الشر بينهم، فاجتمع أيوب وعلي أخوه، ورجعا في الأسطول إلى إفريقية سنة ~~إحدى وستين، وصحبهم جماعة من أعيان صقلية والأسطولية، ولم يبق للفرنج ~~ممانع، فاستولوا على الجزيرة، ولم يثبت بين أيديهم غير قصريانة وجرجنت، ~~فحصرهما الفرنج، وضيقوا على المسلمين بهما، فضاق الأمر على أهلهما حتى ~~أكلوا الميتة، ولم يبق عندهم ما يأكلونه. فأما جرجنت فسلموها إلى الفرنج، ~~وبقيت قصريانة بعدها ثلاث سنين، فلما اشتد الأمر عليهم أذعنوا إلى التسليم، ~~فتسلمها الفرنج، لعنهم الله، سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وملك رجار جميع ~~الجزيرة وأسكنها الروم والفرنج مع المسلمين، ولم يترك لأحد من أهلها حماما، ~~ولا دكانا، ولا طاحونا. ومات رجار، بعد ذلك، قبل التسعين والأربعمائة، وملك ~~بعده ولده رجار، فسلك طريق ملوك المسلمين من الجنائب والحجاب، والسلاحية، ~~والجاندارية، وغير ذلك، وخالف عادة الفرنج، فإنهم لا يعرفون شيئا منه، وجعل ~~له ديوان المظالم ترفع إليه شكوى المظلومين، فينصفهم ولو من ولده، وأكرم ~~المسلمين، وقربهم ومنع عنهم الفرنج، فأحبوه، وعمر أسطولا كبيرا، وملك ~~الجزائر التي بين المهدية وصقلية، مثل مالطة، وقوصرة، وجربة، وقرقنة، ~~وتطاول إلى سواحل إفريقية، فكان منه ما نذكره إن شاء الله. ### || AUT ذكر وصول السلطان إلى بغداد # في هذه السنة، في شهر رمضان، وصل السلطان إلى بغداد، وهي المرة الثانية، ~~ونزل بدار المملكة، ونزل أصحابه متفرقين، ووصل إليه أخوه تاج الدولة تتش، ~~وقسيم الدولة آقسنقر، صاحب حلب، وغيرهما من زعماء الأطراف، وعمل الميلاد ~~ببغداد، وتأنقوا في عمله، فذكر الناس أنهم لم يروا ببغداد مثله أبدا، وأكثر ~~الشعراء وصف تلك الليلة، فممن قال المطرز: وكل نار على العشاق مضرمة ... من ~~نار قلبي، أو من ليلة السذق نار تجلت بها الظلماء، واشتبهت ... بسدفة الليل ~~فيه غرة الفلق وزارت الشمس فيها البدر واصطلحا ... على الكواكب بعد الغيظ ~~والحنق مدت على الأرض بسطا من جواهرها ... ما بين مجتمع مار ومفترق مثل ~~المصابيح إلا أنها نزلت ... من السماء بلا رجم ولا حرق أعجب بنار ms3581 ورضوان ~~يسعرها ... ومالك قائم منها على فرق في مجلس ضحكت روض الجنان له ... لما ~~جلا ثغره عن واضح يقق وللشموع عيون كلما نظرت ... تظلمت من يديها أنجم ~~الغسق من كل مرهفة الأعطاف كالغصن ... المياد، لكنه عار من الورق إني لأعجب ~~منها، وهي وادعة ... تبكي، وعيشتها من ضربة العنق وفي هذه المرة أمر بعمارة ~~جامع السلطان، فابتديء في عمارته في المحرم سنة خمس وثمانين وأربعمائة، ~~وعمل قبلته بهرام منجمه، وجماعة من أصحاب الرصد، وابتدأ بعده نظام الملك، ~~وتاج الملوك، والأمراء الكبار بعمل دور لهم يسكنونها إذا قدموا بغداد، فلم ~~تطل مدتهم بعدها، وتفرق شملهم بالموت، والقتل، وغير ذلك في باقي سنتهم، ولم ~~تغن عنهم عساكرهم وما جمعوا شيئا، فسبحان الدائم الذي لا يزول أمره. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وصل ابن أبي هاشم من مكة مستغيثا من التركمان. وفي آخرها ~~مرض نظام الملك ببغداد، فعالج نفسه بالصدقة، فكان يجتمع بمدرسته من الفقراء ~~والمساكين من لا يحصى، وتصدق عنه الأعيان، والأمراء من عسكر السلطان، ~~فعوفي، وأرسل له الخليفة خلعا نفيسة. وفيها، في تاسع شعبان، كان بالشام، ~~وكثير من البلاد، زلازل كثيرة، وكان أكثرها بالشام، ففارق الناس مساكنهم، ~~وانهدم بأنطاكية كثير من المساكن، وهلك تحتها عالم كثير، وخرب من سورها ~~تسعون برجا، فأمر السلطان ملكشاه بعمارتها. PageV04P0338 # وفيها، في شوال، توفي أبو طاهر عبد الرحمن بن محمد بن علك الفقيه ~~الشافعي، وهو من رؤساء الفقهاء الشافعية، وهو الذي تقدم ذكره في فتح ~~سمرقند، ومشى أرباب الدولة السلطانية كلهم في جنازته، إلا نظام الملك، فإنه ~~اعتذر بعلو السن، وأكثر البكاء عليه، ودفن عند الشيخ أبي إسحاق بباب ابرز، ~~وزار السلطان قبره. وتفوي محمد بن عبد الله بن الحسين أبو بكر الناصح ~~الحنفي، قاضي الري، وكان من أعيان الفقهاء الحنفية يميل إلى الاعتزال، وكان ~~موته في رجب. وفيها في شعبان توفي أبو الحسن علي بن الحسين بن طاووس المقري ~~بمدينة صور. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وثمانين وأربعمائة # ### || AUT ذكر الحرب بين المسلمين والفرنج ms3582 بجيان # في هذه السنة جمع أذفونش عساكره، وجموعه، وغزا بلاد جيان من الأندلس، ~~فلقيه المسلمون وقاتلوه، واشتدت الحرب، فكانت الهزيمة أولا على المسلمين، ~~إن الله تعالى رد لهم الكرة على الفرنج، فهزموهم، وأكثروا القتل فيهم، ولم ~~ينج إلا الأذفونش في نفر يسير، وكانت هذه الوقعة من أشهر الوقائع، بعد ~~الزلاقة، وأكثر الشعراء ذكرها في أشعارهم. ### || AUT ذكر استيلاء تتش على حمص وغيرها من ساحل الشام # لما كان السلطان ببغداد قدم إليه أخوه تاج الدولة تتش من دمشق، وقسيم ~~الدولة آقسنقر من حلب، وبوزان من الرها، فلما أذن لهم السلطان في العود إلى ~~بلادهم أمر قسيم الدولة وبوزان أن يسيرا مع عساكرهما في خدمة أخيه تاج ~~الدولة، حتى يستولي على ما للخليفة المستنصر العلوي، بساحل الشام، من ~~البلاد، ويسير، وهم معه، إلى مصر ليملكها. فساروا أجمعون إلى الشام، ونزل ~~على حمص، وبها ابن ملاعب صاحبها، وكان الضرر به وبأولاده عظيما على ~~المسلمين، فحصروا البلد، وضيقوا على من به، فملكه تاج الدولة، وأخذ ابن ~~ملاعب وولديه، وسار إلى قلعة عرقة فملكها عنوة، وسار إلى قلعة أفامية ~~فملكها أيضا، وكان بها خادم للمصري، فنزل بالأمان فأمنه، ثم سار إلى طرابلس ~~فنازلها، فرأى صاحبها جلال الملك ابن عمار جيشا لا يدفع إلا بحيلة، فأرسل ~~إلى الأمراء الذين مع تاج الدولة، وأطمعهم ليصلحوا حاله، فلم ير فيهم ~~مطمعا. وكان مع قسيم الدولة آقسنقر وزير له اسمه زرين كمر، فراسله ابن عمار ~~فرأى عنده لينا، فأتحفه وأعطاه، فسعى مع صاحبها قسيم الدولة في إصلاح حاله ~~ليدفع عنه، وحمل له ثلاثين ألف دينار، وتحفا بمثلها، وعرض عليه المناشير ~~التي بيده من السلطان بالبلد، والتقدم إلى النواب بتلك البلاد بمساعدته، ~~والشد بيده، فأغلظ له تاج الدولة، وقال: هل أنت تابع لي؟ فقال آقسنقر: أنا ~~أتابعك إلا في معصية السلطان، ورحل من الغد عن موضعه، فاضطر تاج الدولة إلى ~~الرحيل، فرحل غضبان، وعاد بوزان أيضا إلى بلاده، فانتقض هذا الأمر. ### || AUT ذكر ملك السلطان اليمن # وكان ممن حضر أيضا ms3583 عند السلطان ببغداد جبق أمير التركمان، وهو صاحب ~~قرميسين وغيرها، فأمره السلطان أن يسير هو ومعه جماعة من أمراء السلطان ~~ذكرهم، إلى الحجاز واليمن، ويكون أمرهم إلى سعد الدولة كوهرائين، ليفتحوا ~~البلاد هناك، فاستعمل عليهم سعد الدولة أميرا اسمه ترشك، فساروا حتى وردوا ~~اليمن، فاستولوا عليها، وأساءوا السيرة في أهلها، ولم يتركوا فاحشة ولا ~~سيئة إلا ارتكبوها، وملكوا عدن، وظهر على ترشك الجدري، فتوفي في سابع يوم ~~من وصوله إليها، وكان عمره سبعين سنة، فعاد أصحابه إلى بغداد، وحملوه، ~~فدفنوه عند قبر أبي حنيفة، رحمة الله عليه. ### || AUT ذكر مقتل نظام الملك # في هذه السنة، عاشر رمضان، قتل نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن ~~إسحاق الوزير بالقرب من نهاوند، وكان هو والسلطان في أصبهان، وقد عاد إلى ~~بغداد، فلما كان بهذا المكان، بعد أن فرغ من إفطاره، وخرج في محفته إلى ~~خيمة حرمه، أتاه صبي ديلمي من الباطنية، في صورة مستميح، أو مستغيث، فضربه ~~بسكين كانت معه، فقضى عليه وهرب، فعثر بطنب خيمة، فأدركوه فقتلوه، وركب ~~السلطان إلى خيمه، فسكن عسكره وأصحابه. وبقي وزير السلطان ثلاثين سنة سوى ~~ما وزر للسلطان ألب أرسلان، صاحب خراسان، أيام عمه طغرلبك، قبل أن يتولى ~~السلطنة، وكان علت سنه، فإنه كان مولده سنة ثمان وأربعمائة. PageV04P0339 # وكان سبب قتله أن عثمان بن جمال الملك بن نظام الملك كان قد ولاه جده ~~نظام الملك رئاسة مرو، وأرسل السلطان إليها شحنة يقال له قودن، وهو من أكبر ~~مماليكه، ومن أعظم الأمراء في دولته، فجرى بينه وبين عثمان منازعة في شيء، ~~فحملت عثمان حداثة سنه، وتمكنه، وطمعه بجده، على أن قبض عليه، وأخرق به، ثم ~~أطلقه، فقصد السلطان مستغيثا شاكيا، فأرسل السلطان إلى نظام الملك رسالة مع ~~تاج الدولة ومجد الملك البلاساني وغيرهما من أرباب دولته يقول له: إن كنت ~~شريكي في الملك، ويدك مع يدي في السلطنة، فلذلك حكم، وإن كنت نائبي، ~~وبحكمي، فيجب أن تلزم حد التبعية والنيابة، وهؤلاء أولادك قد استولى كل ~~واحد ms3584 منهم على كورة عظيمة، وولي ولاية كبيرة، ولم يقنعهم ذلك، حتى تجاوزوا ~~أمر السياسة وطمعوا إلى أن فعلوا كذا وكذا، وأطال القول، وأرسل معهم الأمير ~~يلبرد، وكان من خواصه وثقاته، وقال له: تعرفني ما يقول، فربما كتم هؤلاء ~~شيئا. فحضروا عند نظام الملك وأوردوا عليه الرسالة، فقال لهم: قولوا ~~للسلطان إن كنت ما علمت أني شريكك في الملك فاعلم، فإنك ما نلت هذا الأمر ~~إلا بتدبيري ورأيي، أما يذكر حين قتل أبوه فقمت بتدبير أمره، وقمعت الخوارج ~~عليه من أهله، وغيرهم، منهم: فلان وفلان، وذكر جماعة من خرج عليه، وهو ذلك ~~الوقت يتمسك بي ويلزمني، ولا يخالفني، فلما قدت الأمور إليه، وجمعت الكلمة ~~عليه، وفتحت له الأمصار القريبة والبعيدة، وأطاعه القاصي والداني، أقبل ~~يتجنى لي الذنوب، ويسمع في السعايات؟ قولوا له عني: إن ثبات تلك القلنسوة ~~معذوق بهذه الدواة، وإن اتفاقهما رباط كل رغيبة وسبب كل غنيمة، ومتى أطبقت ~~هذه زالت تلك، فإن عزم على تغيير فليتزود للاحتياط قبل وقوعه، وليأخذ الحذر ~~من الحادث أمام طروقه، وأطال فيما هذا سبيله، ثم قال لهم: قولوا للسلطان ~~عني مهما أردتم، فقد أهمني ما لحقني من توبيخه وفت في عضدي. فلما خرجوا من ~~عنده اتفقوا على كتمان ما جرى عن السلطان، وأن يقولوا له ما مضمونه ~~العبودية والتنصل، ومضوا إلى منازلهم، وكان الليل قد انتصف، ومضى يلبرد إلى ~~السلطان فأعلمه ما جرى، وبكر الجماعة إلى السلطان، وهو ينتظرهم، فقالوا له ~~من الاعتذار والعبودية ما كانوا اتفقوا عليه، فقال لهم السلطان: إنه لم يقل ~~هذا، وإنما قال كيت وكيت، فأشاروا حينئذ بكتمان ذلك رعاية لحق نظام الملك، ~~وسابقته، فوقع التدبير عليه، حتى تم عليه من القتل ما تم. ومات السلطان ~~بعده بخمسة وثلاثين يوما، وانحلت الدولة، ووقع السيف، وكان قول نظام الملك ~~شبه الكرامة له، وأكثر الشعراء مراثيه، فمن جيد ما قيل فيه قول شبل الدولة ~~مقاتل بن عطية: كان الوزير نظام الملك لؤلؤة ... يتيمة صاغها الرحمن من شرف ~~عزت، فلم تعرف الأيام قيمتها ms3585 ... فردها، غيرة منه، إلى الصدف ورأى بعضهم ~~نظام الملك بعد قتله في المنام، فسأله عن حاله، فقال: كان يعرض علي جميع ~~عملي لولا الحديدة التي أصبت بها، يعني القتل. ### || AUT ذكر ابتداء حاله وشيء من أخباره # أما ابتداء حاله، فكان من أبناء الدهاقين بطوس، فزال ما كان لأبيه من ~~مال، وملك، وتوفيت أمه وهو رضيع، فكان أبوه يطوف به على المرضعات فيرضعنه ~~حسبة، حتى شب، وتعلم العربية، وسر الله فيه يدعوه إلى علو الهمة، والاشتغال ~~بالعلم، فتفقه، وصار فاضلا، وسمع الحديث الكثير، ثم اشتغل بالأعمال ~~السلطانية، ولم يزل الدهر يعلو به ويخفض حضرا وسفرا. وكان يطوف بلاد ~~خراسان، ووصل إلى غزنة في صحبة بعض المتصرفين، ثم لزم أبا علي بن شاذان ~~متولي الأمور ببلخ لداود والد السلطان ألب أرسلان، فحسنت حاله معه، وظهرت ~~كفايته وأمانته، وصار معروفا عندهم بذلك، فلما حضرت أبا علي بن شاذان ~~الوفاة أوصى الملك ألب أرسلان به، وعرفه حاله، فولاه شغله، ثم صار وزيرا له ~~إلى أن ولي السلطنة بعد عمه طغرلبك، واستمر على الوزارة لأنه ظهرت منه ~~كفاية عظيمة، وآراء سديدة قادت السلطنة إلى ألب أرسلان، فلما توفي ألب ~~أرسلان قام بأمر ابنه ملكشاه، وقد تقدم ذكر هذه الجمل مستوفى مشروحا. ~~PageV04P0340 # وقيل إن ابتداء أمره أنه كان يكتب للأمير تاجر، صاحب بلخ، وكان الأمير ~~يصادره في رأس كل سنة، ويأخذ ما معه، ويقول له: قد سمنت يا حسن! ويدفع إليه ~~فرسا ومقرعة ويقول: هذا يكفيك، فلما طال ذلك عليه أخفى ولديه فخر الملك، ~~ومؤيد الملك، وهرب إلى جغري بك داود، والد ألب أرسلان، فوقف فرسه في ~~الطريق، فقال: اللهم إني أسألك فرسا تخلصني عليه! فسار غير بعيد، فلقيه ~~تركماني وتحته فرس جواد، فقال لنظام الملك: انزل عن فرسك، فنزل عنه، فأخذه ~~التركماني وأعطاه فرسه، فركبه وقال له: لا تنسني يا حسن. قال نظام الملك: ~~فقويت نفسي بذلك، وعملت أنه ابتداء سعادة. فسار نظام الملك إلى مرو، ودخل ~~على داود، فلما رآه أخذ بيده، وسلمه إلى ms3586 والده ألب أرسلان، وقال له: هذا ~~حسن الطوسي، فتسلمه، واتخذه والدا ولا تخالفه. وكان الأمير تاجر لما سمع ~~بهرب نظام الملك سار في أثره إلى مرو، فقال لداود: هذا كاتبي ونائبي قد أخذ ~~أموالي، فقال له داود: حديثك مع محمد، يعني ألب أرسلان، فكان اسمه محمد، ~~فلم يتجاسر تاجر على خطابه، فتركه وعاد. وأما أخباره، فإنه كان عالما، ~~دينا، جوادا، عادلا، حليما، كثير الصفح عن المذنبين طويل الصمت، كان مجلسه ~~عامرا بالقراء، والفقهاء، وأئمة المسلمين، وأهل الخير والصلاح، أمر ببناء ~~المدارس في سائر الأمصار والبلاد، وأجرى لها الجرايات العظيمة، وأملى ~~الحديث بالبلاد: ببغداد وخراسان وغيرهما، وكان يقول: إني لست من أهل هذا ~~الشأن، لما تولاه، ولكني أحب أن أجعل نفسي على قطار نقلة حديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وكان إذا سمع المؤذن أمسك عن كل ما هو فيه وتجنبه، ~~فإذا فرغ لا يبدأ بشيء قبل الصلاة، وكان، إذا غفل المؤذن ودخل الوقت يأمره ~~بالأذان، وهذا غاية حال المنقطعين إلى العبادة في حفظ الأوقات، ولزوم ~~الصلوات. وأسقط المكوس والضرائب، وأزال لعن الأشعرية من المنابر، وكان ~~الوزير عميد الملك الكندري قد حسن للسلطان طغرلبك التقدم بلعن الرافضة، ~~فأمره بذلك، فأضاف إليهم الأشعرية، ولعن الجميع، فلهذا فارق كثير من الأئمة ~~بلادهم، مثل إمام الحرمين، وأبي القاسم القشيري، وغيرهما، فلما ولي ألب ~~أرسلان السلطنة أسقط نظام الملك ذلك جميعه، وأعاد العلماء إلى أوطانهم. ~~وكان نظام الملك إذا دخل عليه الإمام أبو القاسم القشيري، والإمام أبو ~~المعالي الجويني، يقوم لهما، ويجلس في مسنده، كما هو، وإذا دخل أبو علي ~~الفارمذي يقوم إليه، ويجلسه في مكانه، ويجلس هو بين يديه، فقيل له في ذلك، ~~فقال: إن هذين وأمثالهما إذ دخلوا علي يقولون لي: أنت كذا وكذا، يثنون علي ~~بما ليس في، فيزيدني كلامهم عجبا وتيها، وهذا الشيخ يذكر لي عيوب نفسي، وما ~~أنا فيه من الظلم، فتنكسر نفسي لذلك، وأرجع عن كثير مما أنا فيه. وقال نظام ~~الملك: كنت أتمنى أن يكون لي قرية ms3587 خالصة، ومسجد أتفرد فيه لعبادة ربي، ثم ~~بعد ذلك تمنيت أن يكون لي قطعة أرض أتقوت بريعها، ومسجد أعبد الله فيه، ~~وأما الآن فأنا أتمنى أن يكون لي رغيف كل يوم، ومسجد أعبد الله فيه. وقيل: ~~كان ليلة يأكل الطعام، وبجانبه أخوه أبو القاسم، وبالجانب الآخر عميد ~~خراسان، وإلى جانب العميد إنسان فقير، مقطوع اليد، فنظر نظام الملك، فرأى ~~العميد يتجنب الأكل مع المقطوع، فأمره بالانتقال إلى الجانب الآخر، وقرب ~~المقطوع إليه فأكل معه. وكانت عادته أن يحضر الفقراء طعامه، ويقربهم إليه، ~~ويدنيهم. وأخباره مشهورة كثيرة، قد جمعت لها المجاميع السائرة في البلاد. ### || AUT ذكر وفاة السلطان وذكر بعض سيرته # سار السلطان ملكشاه، بعد قتل نظام الملك، إلى بغداد، ودخلها في الرابع ~~والعشرين من شهر رمضان، ولقيه وزير الخليفة عميد الدولة بن جهير، وظهرت من ~~تاج الملك كفاية عظيمة، وكان السلطان قد أمر أن تفصل خلع الوزارة لتاج ~~الملك، وكان هو الذي سعى بنظام الملك، فلما فرغ من الخلع، ولم يبق غير ~~لبسها والجلوس في الدست، اتفق أن السلطان خرج إلى الصيد، وعاد ثالث شوال ~~مريضا، وأنشب الموت أظفاره فيه، ولم يمنع عنه سعة ملكه، وكثرة عساكره. وكان ~~سبب مرضه أنه أكل لحم صيد فحم وافتصد، ولم يستوف إخراج الدم، فثقل مرضه، ~~وكانت حمى محرقة، فتوفي ليلة الجمعة، النصف من شوال. PageV04P0341 # ولما ثقل نقل أرباب دولته أموالهم إلى حريم دار الخلافة، ولما توفي سترت ~~زوجته تركان خاتون المعروفة بخاتون الجلالية موته وكتمته، وأعادت جعفر ابن ~~الخليفة من ابنة السلطان إلى أبيه المقتدي بأمر الله، وسارت من بغداد ~~والسلطان معها محمولا، وبذلت الأموال للأمراء سرا، واستحلفتهم لابنها ~~محمود، وكان تاج الملك يتولى ذلك لها، وأرسلت قوام الدولة كربوقا الذي صار ~~صاحب الموصل إلى أصبهان بخاتم السلطان، فاستنزل مستحفظ القلعة، وتسلمها، ~~وأظهر أن السلطان أمره بذلك، ولم يسمع بسلطان مثله لم يصل عليه أحد، ولم ~~يلطم عليه وجه. وكان مولده سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وكان من أحسن الناس ~~صورة ومعنى، وخطب له ms3588 من حدود الصين إلى آخر الشام، ومن أقاصي بلاد الإسلام ~~في الشمال إلى آخر بلاد اليمن، وحمل إليه ملوك الروم الجزية، ولم يفته ~~مطلب، وانقضت أيامه على أمن عام، وسكون شامل، وعدل مطرد. ومن أفعاله أنه ~~لما خرج عليه أخوه تكش بخراسان اجتاز بمشهد علي بن موسى الرضا بطوس، فزاره، ~~فلما خرج قال لنظام الملك: بأي شيء دعوت؟ قال: دعوت الله أن ينصرك، فقال: ~~أما أنا فلم أدع بهذا بل قلت: اللهم انصر أصلحنا للمسلمين، وأنفعنا للرعية. ~~وحكي عنه أن سواديا لقيه وهو يبكي، فاستغاث به، وقال: كنت ابتعت بطيخا ~~بدريهمات لا أملك سواها، فغلبني عليه ثلاثة نفر من الأتراك، فأخذوه مني. ~~فقال السلطان له: اقعد! ثم أحضر فراشا وقال: قد اشتهيت بطيخا، وكان ذلك عند ~~أول استوائه، وأمره بطلبه من العسكر، فغاب ثم عاد ومعه البطيخ، فأمره ~~بإحضار من وجده عنده، فأحضره، فسأله السلطان من أين له ذلك البطيخ؟ فقال ~~غلماني جاؤوني به، فأمر أن يجيء بهم إليه، فمضى، وأمرهم بالهرب، وعاد فقال: ~~لم أجدهم، فقال للسوادي: خذ مملوكي هذا فقد وهبته لك عوضا عن بطيخك، ويحضر ~~الذين أخذوه، والله لئن أطلقته لأضربن عنقك. فأخذه السوادي، فاشترى الغلام ~~نفسه منه بثلاثمائة دينار، فعاد السوادي إلى الس، وقال: قد بعته نفسه ~~بثلاثمائة دينار، فقال: أرضيت بذلك؟ قال: نعم! قال: امض مصاحبا. وقال عبد ~~السميع بن داود العباسي: شاهدت ملكشاه وقد أتاه رجلان من أرض العراق ~~السفلى، من قرية الحدادية، يعرفان بابني غزال، فلقياه، فوقف لهما، فقالا: ~~إن مقطعنا الأمير خماراتكين قد صادرنا بألف وستمائة دينار، وقد كسر ثنيتي ~~أحدنا، وأراهما الس، وقد قصدناك لتقتص لنا منه، فإن أخذت بحقنا كما أوجب ~~الله عليك، وإلا فالله يحكم بيننا. قال فرأيت السلطان وقد نزل عن دابته ~~وقال: ليمسك كل واحد منكما بطرف كمي، واسحباني إلى خواجه حسن، يعني نظام ~~الملك، فامتنعا من ذلك، واعتذرا، وأقسم عليهما إلا فعلا، فأخذ كل واحد ~~منهما بكم من كميه ومشى معهما إلى نظام الملك، فبلغه الخبر، ms3589 فخرج مسرعا ~~فلقيه وقبل الأرض، وقال: يا سلطان العالم! ما حملك على هذا؟ فقال: كيف يكون ~~حالي غدا عند الله إذا طولبت بحقوق المسلمين، وقد قلدتك هذا الأمر لتكفيني ~~مثل هذا الموقف، فإن نال الرعية أذى فأنت المطالب، فانظر لي ولنفسك. فقبل ~~الأرض، ومشى في خدمته، وعاد من وقته، وكتب بعزل الأمير خمارتكين عن إقطاعه، ~~ورد المال عليهما، وأعطاهما مائة دينار من عنده، وأمرهما بإثبات البينة أنه ~~قلع ثنيتيه ليقلع ثنيتيه عوضهما، فرضيا وانصرفا. وقيل إنه ورد بغداد ثلاث ~~دفعات، فخافه الناس من غلاء الأسعار، وتعدي الجند، فكانت الأسعار أرخص منها ~~قبل قدومه، وكان الناس يخترقون عساكره ليلا ونهارا، فلا يخافون أحدا، ولم ~~يتعد عليهم أحد، وأسقط المكوس والمؤن من جميع البلاد، وعمر الطرق، ~~والقناطر، والربط التي في المفاوز، وحفر الأنهار الخراب، وعمر الجامع ~~ببغداد، وعمل المصانع بطريق مكة، وبنى البلد بأصبهان، وبنى منارة القرون ~~بالسبيعي بطريق مكة، وبنى مثلها بما وراء النهر، واصطاد مرة صيدا كثيرا، ~~فأمره بعده، فكان عشرة آلاف رأس، فأمر بصدقة عشرة آلاف دينار، وقال: إنني ~~خائف من الله تعالى كيف أزهقت أرواح هذه الحيوانات بغير ضرورة ولا مأكلة، ~~وفرق من الثياب والأموال بين أصحابه ما لا يحصى، وصار بعد ذلك كلما صاد ~~شيئا تصدق بعدده دنانير، وهذا فعل من يحاسب نفسه على حركاته وسكناته، وقد ~~أكثر الشعراء مراثيه أيضا. PageV04P0342 # وقيل إن بعض أمراء السلطان كان نازلا بهراة مع بعض العلماء اسمه عبد ~~الرحمن في داره، فقال يوما ذلك الأمير للسلطان، وهو سكران: إن عبد الرحمن ~~يشرب الخمر، ويعبد الأصنام من دون الله تعالى، ويحلل الحرام، فلم يجبه ~~ملكشاه، فلما كان الغد صحا ذلك الأمير، فأخذ السلطان السيف، وقال له: ~~اصدقني عن فلان، وإلا قتلتك! فطلب منه الأمان، فأمنه، فقال: إن عبد الرحمن ~~له دار حسناء، وزوجة جميلة، فأردت أن تقتله فأفوز بداره وزوجته، فأبعده ~~السلطان، وشكر الله تعالى على التوقف عن قبول سعايته، وتصدق بأموال جليلة المقدار. ### || AUT ذكر ملك ابنه الملك محمود # ### || AUT وما ms3590 كان من حال ابنه الأكبر بركيارق إلى أن ملك # لما مات السلطان ملكشاه كتمت زوجته تركان خاتون موته، كما ذكرناه، ~~وأرسلت إلى الأمراء سرا فأرضتهم، واستحلفتهم لولدها محمود، وعمره أربع سنين ~~وشهور، وأرسلت إلى الخليفة المقتدي في الخطبة لولدها أيضا، فأجابها، وشرط ~~أن يكون اسم السلطنة لولدها، والخطبة له، ويكون المدبر لزعامة الجيوش، ~~ورعاية البلد، هو الأمير أنر، ويصدر عن رأي تاج الملك، ويكون ترتيب العمال، ~~وجباية الأموال إلى تاج الملك أيضا، وكان تاج الملك هو الذي يدبر الأمر بين ~~يدي خاتون. فلما جاءت رسالة الخليفة إلى خاتون بذلك امتنعت من قبوله، فقيل ~~لها: إن ولدك صغير، ولا يجيز الشرع ولايته، وكان المخاطب لها في ذلك ~~الغزالي، فأذعنت له، وأجابت إليه، فخطب لولدها، ولقب ناصر الدنيا والدين، ~~وكانت الخطبة يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال من السنة، وخطب له ~~بالحرمين الشريفين. ولما مات السلطان ملكشاه أرسلت تركان خاتون إلى أصبهان ~~في القبض على بركيارق ابن السلطان، وهو أكبر أولاده، خافته أن ينازع ولدها ~~في السلطنة، فقبض عليه، فلما ظهر موت ملكشاه وثب المماليك النظامية على ~~سلاح كان لنظام الملك بأصبهان، فأخذوه وثاروا في البلد، وأخرجوا بركيارق من ~~الحبس، وخطبوا له بأصبهان وملكوه، وكانت والدة بركيارق زبيدة ابنة ياقوتي ~~بن داود، وهي ابنة عم ملكشاه، خائفة على ولدها من خاتون أم محمود، فأتاها ~~الفرج بالمماليك النظامية. وسارت تركان خاتون من بغداد إلى أصبهان، فطالب ~~العسكر تاج الملك بالأموال، فوعدهم، فلما وصلوا إلى قلعة برجين صعد إليها ~~لينزل الأموال منها، فلما استقر فيها عصى على خاتون، ولم ينزل خوفا من ~~العسكر، فساروا عنه، ونهبوا خزائنه، فلم يجدوا بها شيئا، فإنه كان قد علم ~~ما جرى، فاستظهر وأخفاه. ولما وصلت تركان خاتون إلى أصبهان لحقها تاج ~~الملك، واعتذر بأن مستحفظ القلعة حبسه، وأنه هرب منه إليها، فقبلت عذره. ~~وأما بركيارق فإنه لما قاربت خاتون وابنها محمود أصبهان خرج منها هو ومن ~~معه من النظامية، وساروا نحو الري، فلقيهم أرغش النظامي في عساكره، ومعه ms3591 ~~جماعة من الأمراء، وصاروا يدا واحدة، وإنما حمل النظامية على الميل إلى ~~بركيارق كراهتهم لتاج الملك لأنه عدو نظام الملك، والمتهم بقتله، فلما ~~اجتمعوا حصروا قلعة طبرك وأخذوها عنوة، فسيرت خاتون العساكر إلى قتال ~~بركيارق، فالتقى العسكران بالقرب من بروجرد، فانحاز جماعة من الأمراء الذين ~~في عسكر خاتون إلى بركيارق، منهم: الأمير يلبرد، وكمشتكين الجاندار، ~~وغيرهما، فقوي بهم، وجرت الحرب بينهم أواخر ذي الحجة، واشتد القتال، فانهزم ~~عسكر خاتون وعادوا إلى أصبهان، وسار بركيارق في أثرهم فحصرهم بأصبهان. ### || AUT ذكر قتل تاج الملك # كان تاج الملك مع عسكر خاتون، وشهد الوقعة، فهرب إلى نواحي بروجرد، فأخذ ~~وحمل إلى عسكر بركيارق، وهو يحاصر أصبهان، وكان يعرف كفايته، فأراد أن ~~يستوزره، فشرع تاج الملك في إصلاح كبار النظامية، وفرق فيهم مائتي ألف ~~دينار سوى العروض، فزال ما في قلوبهم. فلما بلغ عثمان نائب نظام الملك ~~الخبر ساءه، فوضع الغلمان الأصاغر على الاستغاثة، وأن لا يقنعوا إلا بقتل ~~قاتل صاحبهم، ففعلوا، فانفسخ ما دبره تاج الملك، وهجم النظامية عليه ~~فقتلوه، وفصلوا أجزاء، وكان قتله في المحرم سنة ست وثمانين، وحملت إلى ~~بغداد إحدى أصابعه. PageV04P0343 # وكان كثير الفضائل، جم المناقب، وإنما غطى محاسنه ممالأته على قتل نظام ~~الملك، وهو الذي بنى تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وعمل المدرسة التي إلى ~~جانبها، ورتب بها الشيخ أبا بكر الشاسي، وكان عمره حين قتل سبعا وأربعين سنة. ؟؟ ### || AUT ذكر ما فعله العرب بالحجاج والكوفة # سار الحجاج هذه السنة من بغداد، فقدموا الكوفة، ورحلوا منها، فخرجت ~~عليهم خفاجة، وقد طمعوا بموت السلطان، وبعد العسكر، فأوقعوا بهم، وقتلوا ~~أكثر الجند الذين معهم، وانهزم باقيهم، ونهبوا الحجاج، وقصدوا الكوفة ~~فدخلوها، وأغاروا عليها، وقتلوا في أهلها، فرماهم الناس بالنشاب، فخرجوا ~~بعد أن نهبوا، وأخذوا ثياب من لقوه من الرجال والنساء، وفصل الخبر إلى ~~بغداد، فسيرت العساكر منها، فلما سمع بنو خفاجة انهزموا، فأدركهم العسكر، ~~فقتل منهم خلق كثير، ونهبت أموالهم، وضعفت خفاجة بعد هذه الوقعة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # فيها، في ms3592 ربيع الأول، عاد السلطان من بغداد إلى أصبهان، وأخذ معه الأمير ~~أبا الفضل جعفر ابن الخليفة المقتدي بأمر الله من ابنة السلطان، وتفرق ~~الأمراء إلى بلادهم، ثم عاد إلى بغداد، فتوفي كما ذكرناه. وفيها، في جمادى ~~الأولى، احترق نهر المعلى، فاحترق عقد الحديد إلى خربة الهراس، إلى باب دار ~~الضرب، واحترق سوق الصاغة والصيارف، والمخلطين، والريحانيين، وكان الحريق ~~من الظهر إلى العصر، فاحترق منها الأمر العظيم في الزمان القليل، واحترق من ~~الناس خلق كثير، ثم ركب عميد الدولة بن جهير، وزير الخليفة، وجمع السقائين، ~~ولم يزل راكبا حتى طفئت النار. وفي هذه السنة توفي عبد الباقي بن محمد بن ~~الحسين بن ناقيا الشاعر البغدادي، سمع الحديث، وكان يتهم بأنه يطعن على ~~الشرائع، فلما مات كانت يده مقبوضة، فلم يطق الغاسل فتحها، فبعد جهد فتحت ~~فإذا فيها مكتوب: نزلت بجار لا يخيب ضيفه، ... أرجي نجاتي من عذاب جهنم ~~وإني على خوفي من الله واثق ... بإنعامه، والله أكرم منعم وفيها توفي هبة ~~الله بن عبد الوارث بن علي بن أحمد أبو القاسم الشيرازي الحافظ، أحد ~~الرحالين في طلب الحديث شرقا وغربا، وقدم الموصل من العراق، وهو الذي أظهر ~~سماع الجعديات لأبي محمد الصريفيني، ولم يكن يعرف ذلك. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وثمانين وأربعمائة # ### || AUT ذكر وزارة ابن نظام الملك لبركيارق # كان عز الملك أبو عبد الله الحسين بن نظام الملك مقيما بخوارزم، حاكما ~~فيها وفي كل ما يتعلق بها، إليه المرجع في كل أمورها السلطانية، فلما كان ~~قبل أن يقتل أبوه حضر عنده خدمة له وللسلطان، فقتل أبوه، ومات السلطان، ~~فأقام بأصبهان إلى الآن. فلما حصرها بركيارق، وكان أكثر عسكره النظامية، ~~خرج من أصبهان هو وغيره من إخوته، فلما اتصل ببركيارق احترمه، وأكرمه، وفوض ~~أمور دولته إليه، وجعله وزيرا له. ### || AUT ذكر حال تتش بن ألب أرسلان # كان تتش بن ألب أرسلان صاحب دمشق وما جاورها من بلاد الشام، فلما كان ~~قبل موت أخيه السلطان ملكشاه، سار من دمشق إليه ببغداد، ms3593 فلما كان بهيت بلغه ~~موته، فأخذ هيت، واستولى عليها، وعاد إلى دمشق يتجهز لطلب السلطنة، فجمع ~~العساكر، وأخرج الأموال وسار نحو حلب، وبها قسيم الدولة آقسنقر، فرأى قسيم ~~الدولة اختلاف أولاد صاحبه ملكشاه، وصغرهم، فعلم أنه لا يطيق دفع تتش، ~~فصالحه، وصار معه، وأرسل إلى باغي سيان، صاحب أنطاكية، وإلى بوزان، صاحب ~~الرها وحران، يشير عليهما بطاعة تاج الدولة تتش حتى يروا ما يكون من أولاد ~~ملكشاه، ففعلوا، وصاروا معه، وخطبوا له في بلادهم، وقصدوا الرحبة، فحصروها، ~~وملكوها في المحرم من هذه السنة، وخطب لنفسه بالسلطنة. ثم ساروا إلى ~~نصيبين، فحصروها، فسب أهلها تاج الدولة، ففتحها عنوة وقهرا، وقتل من أهلها ~~خلقا كثيرا، ونهبت الأموال، وفعل فيها الأفعال القبيحة، ثم سلمها إلى ~~الأمير محمد بن شرف الدولة العقيلي، وسار يريد الموصل، وأتاه الكافي بن فخر ~~الدولة بن جهير، وكان في جزيرة ابن عمر، فأكرمه، واستوزره. ### || AUT ذكر وقعة المضيع وأخذ الموصل من العرب # PageV04P0344 # كان إبراهيم بن قريش بن بدران، أمير بني عقيل، قد استدعاه السلطان ملكشاه ~~سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة ليحاسبه، فلما حضر عنده اعتقله، وأنفذ فخر ~~الدولة بن جهير إلى البلاد، فملك الموصل وغيرها، وبقي إبراهيم مع ملكشاه، ~~وسار معه إلى سمرقند، وعاد إلى بغداد، فلما مات ملكشاه أطلقته تركان خاتون ~~من الاعتقال، فسار إلى الموصل. وكان ملكشاه قد أقطع عمته صفية مدينة بلد، ~~وكانت زوجة شرف الدولة، ولها منه ابنها علي، وكانت قد تزوجت بعد شرف الدولة ~~بأخيه إبراهيم، فلما مات ملكشاه قصدت الموصل، ومعها ابنها علي، فقصدها محمد ~~بن شرف الدولة، وأراد أخذ الموصل، فافترقت العرب فرقتين: فرقة معه، وأخرى ~~مع صفية وابنها علي، واقتتلوا بالموصل عند الكناسة، فظفر علي، وانهزم محمد، ~~وملك علي الموصل. فلما وصل إبراهيم إلى جهينة، وبينه وبين الموصل أربعة ~~فراسخ، سمع أن الأمير عليا ابن أخيه شرف الدولة قد ملكها، ومعه أمه صفية، ~~عمة ملكشاه، فأقام مكانه، وراسل صفية خاتون، وترددت الرسل، فسلمت البلد ~~إليه، فأقام به. فلما ملك تتش نصيبين أرسل ms3594 إليه يأمره أن يخطب له بالسلطنة، ~~ويعطيه طريقا إلى بغداد لينحدر، ويطلب الخطبة بالسلطنة، فامتنع إبراهيم من ~~ذلك، فسار تتش إليه، وتقدم إبراهيم أيضا نحوه، فالتقوا بالمضيع، من أعمال ~~الموصل، في ربيع الأول، وكان إبراهيم في ثلاثين ألفا، وكان تتش في عشرة ~~آلاف، وكان آقسنقر على ميمنته، وبوزان على ميسرته، فحمل العرب على بوزان، ~~فانهزم، وحمل آقسنقر على العرب فهزمهم، وتمت الهزيمة على إبراهيم والعرب، ~~وأخذ إبراهيم أسيرا وجماعة من أمراء العرب، فقتلوا صبرا، ونهبت أموال العرب ~~وما معهم من الإبل والغنم والخيل وغير ذلك، وقتل كثير من نساء العرب أنفسهن ~~خوفا من السبي والفضيحة. وملك تتش بلادهم الموصل وغيرها، واستناب بها علي ~~بن شرف الدولة مسلم، وأمه صفية عمة تتش، وأرسل إلى بغداد يطلب الخطبة، ~~وساعده كوهرائين على ذلك، فقيل لرسوله: إنا ننتظر وصول الرسل من العسكر، ~~فعاد إلى تتش بالجواب. ### || AUT ذكر ملك تتش ديار بكر وأذربيجان # ### || AUT وعوده إلى الشام # فلما فرغ تاج الدولة تتش من أمر العرب، وملك الموصل وغيرها من بلادهم، ~~سار إلى ديار بكر في ربيع الآخر، فملك ميافارقين وسائر ديار بكر من ابن ~~مروان، وسار منها إلى أذربيجان. فانتهى خبره إلى ابن أخيه ركن الدين ~~بركيارق، وكان قد استولى على كثير من البلاد، منها: الري، وهمذان، وما ~~بينهما، فلما تحقق الحال سار في عساكره ليمنع عمه عن البلاد، فلما تقارب ~~العسكران قال قسيم الدولة آقسنقر لبوزان: إنما أطعنا هذا الرجل لننظر ما ~~يكون من أولاد صاحبنا، والآن فقد ظهر ابنه، ونريد أن نكون معه. فاتفقا على ~~ذلك وفارقا تتش، وصارا مع بركيارق. فلما رأى تاج الدولة تتش ذلك علم أنه لا ~~قوة له بهم، فعاد إلى الشام، واستقامت البلاد لبركيارق، فلما قوي أمره سار ~~كوهرائين إلى العسكر يعتذر من مساعدته لتاج الدولة تتش، وأعانه برسق، وتعصب ~~عليه كمشتكين الجاندار، فأخذ إقطاعه، وأعطي الأمير يلبرد زيادة، وولي ~~شحنكية بغداد عوض كوهرائين، وتفرق عن كوهرائين أصحابه، فكان ما يأتي ذكره ~~إن شاء الله تعالى. ### || AUT ms3595 ذكر حصر عسكر مصر صور # ### || AUT وملكهم لها # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، ملك عسكر المستنصر بالله العلوي، صاحب ~~مصر، مدينة صور. وسبب ذلك ما ذكرناه سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة: إن أمير ~~الجيوش بدرا، وزير المستنصر، سير العساكر إلى مدينة صور، وغيرها، من ساحل ~~الشام، وكان من بها قد امتنع من طاعتهم، فملكها، وقرر أمورها، وجعل فيها ~~الأمراء. وكان قد ولى مدينة صور الأمير الذي يعرف بمنير الدولة الجيوشي، ~~فعصى على المستنصر وأمير الجيوش، وامتنع بصور، فسيرت العساكر من مصر إليه، ~~وكان أهل صور قد أنكروا على منير الدولة عصيانه على سلطانه، فلما وصل ~~العسكر المصري إلى صور وحصروها وقاتلوها ثار أهلها، ونادوا بشعار المستنصر ~~وأمير الجيوش، وسلموا البلد، وهجم العسكر المصري بغير مانع ولا مدافع، ونهب ~~من البلد شيء كثير، وأسر منير الدولة ومن معه من أصحابه، وحملوا إلى مصر، ~~وقطع على أهل البلد ستون ألف دينار، فأجحفت بهم. ولما وصل منير الدولة إلى ~~مصر ومعه الأسرى قتلوا جميعهم ولم يعف عن واحد منهم. PageV04P0345 ### || AUT ذكر قتل إسماعيل بن ياقوتي # في هذه السنة، في شعبان، قتل إسماعيل بن ياقوتي بن داود، وهو خال ~~بركيارق، وابن عم ملكشاه. وسبب قتله أنه كان بأذربيجان أميرا عليها، فأرسلت ~~إليه تركان خاتون، زوجة ملكشاه، تطمعه أن تتزوج به، وتدعوه إلى محاربة ~~بركيارق، فأجابها إلى ذلك، وجمع خلقا كثيرا من التركمان وغيرهم، وصار أصحاب ~~سرهنك ساوتكين في خيله، وأرسلت إليه تركان خاتون كربوقا، وغيره من الأمراء، ~~في عسكر كثير مددا له، فجمع بركيارق عساكره، وسار إلى حرب خاله إسماعيل، ~~فالتقوا عند الكرج، فانحاز الأمير يلبرد إلى بركيارق، وصار معه، فانهزم ~~إسماعيل وعسكره، وتوجه إلى أصبهان، فأكرمته تركان خاتون، وخطبت له، وضربت ~~اسمه على الدينار بعد ابنها محمود بن ملكشاه. وكاد الأمر في الوصلة يتم ~~بينهما، فامتنع الأمراء من ذلك لا سيما الأمير أنر، وهو مدبر الأمر، وصاحب ~~الجيش، وآثروا خروج إسماعيل عنهم، وخافوه، وخاف هو أيضا منهم، ففارقهم، ~~وراسل أخته زبيدة والدة بركيارق ms3596 في اللحاق بهم، فأذنت له في ذلك، فوصل ~~إليهم، وأقام عندهم أياما يسيرة، فخلا به كمشتكين الجاندار، وآقسنقر، ~~وبوزان، وبسطوه في القول، فأطلعهم على سره، وأنه يريد السلطنة، وقتل ~~بركيارق، فوثبوا عليه فقتلوه، وأعلموا أخته خبره فسكتت عنه. ### || AUT ذكر أخذ الحجاج # في هذه السنة انقطع الحج من العراق لأسباب أوجبت ذلك، وسار الحاج من ~~دمشق مع أمير أقامه تاج الدولة تتش صاحبها، فلما قضوا حجهم وعادوا سائرين ~~سير أمير مكة، وهو محمد بن أبي هاشم، عسكرا فلحقوهم بالقرب من مكة، ونهبوا ~~كثيرا من أموالهم وجمالهم، فعادوا إليها، ولقوه، وسألوه أن يعيد عليهم ما ~~أخذ منهم، وشكوا إليه بعد ديارهم، فأعاد بعض ما أخذ منهم، فلما أيسوا منه ~~ساروا من مكة عائدين على أقبح صورة، فلما أبعدوا عنها ظهر عليهم جموع من ~~العرب في عدة جهات، فصانعوهم على مال أخذوه من الحاج، بعد أن قتل منهم ~~جماعة وافرة، وهلك فيه قوم بالضعف والانقطاع، وعاد السالم على أقبح صورة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في جمادى الأولى، قدم إلى بغداد أردشيرين بن منصور أبو ~~الحسين الواعظ، العبادي، وأكثر الوعظ بالمدرسة النظامية، وهو مروزي، وقدم ~~بغداد قاصدا للحج، وكان له قبول عظيم، بحيث أن الغزالي وغيره من الأئمة ~~ومشايخ الصوفية الكبار يحضرون مجلسه، وذرع في بعض المجالس الأرض التي فيها ~~الرجال، فكان طولها مائة وخمس وسبعين ذراعا، وعرضها مائة وعشرين ذراعا، ~~وكانوا يزدحمون ازدحاما كثيرا، وكان النساء أكثر من ذلك، وكان له كرامات ~~ظاهرة، وعبادات كثيرة. وكان سبب منعه من الوعظ أنه نهى أن يتعامل الناس ~~ببيع القراضة بالصحيح، وقال هو ربا، فمنع من الوعظ، وأخرج من البلد. وفيها ~~وقعت الفتنة ببغداد بني العامة، وقصد كل فريق الفريق الآخر، وقطعوا الطرقات ~~بالجانب الغربي، وقتل أهل النصرية مصلحيا، فأرسل كوهرائين فأحرقها، واتصلت ~~الفتنة بين أهل الكرخ وباب البصرة، وكان للعميد الأغر أبي المحاسن ~~الدهستاني في إطفاء هذه الفتنة أثر حسن. وفيها، في شعبان، سار سيف الدولة ~~صدقة بن مزيد إلى السلطان ms3597 بركيارق، فلقيه بنصيبين، وسار معه إلى بغداد، ~~فوصلها في ذي القعدة ومعه وزيره عز الملك بن نظام الملك، وخرج عميد الدولة ~~والناس إلى لقائه من عقرقوف. وفيها ولد للمستظهر بالله ولد سمي الفضل، وكني ~~أبا منصور، ولقب عمدة الدين، وهو المسترشد بالله. وفيها، في رمضان، قتل ~~الأمير يلبرد، قتله بركيارق، وكان من الأمراء الكبار مع أبيه، فزاده ~~بركيارق إقطاع كوهرائين، وشحنكية بغداد، فلما وصل إلى دقوقا أعيد منها لأنه ~~تكلم، فيما يتعلق بوالدة السلطان بركيارق، بكلام شنيع، فلما وصل إليه أصبح ~~مقتولا. وفيها، في المحرم، توفي علي بن أحمد بن يوسف أبو الحسن القرشي، ~~الهكاري، المعروف بشيخ الإسلام، وكان فاضلان عابدا، كثير السماع، إلا أن ~~الغرائب في حديثه كثيرة لا يدرى ما سببها، والأمير أبو نصر علي بن هبة الله ~~بن علي بن جعفر العجلي، المعروف بابن ماكولا، مصنف كتاب الإكمال، قتله ~~غلمانه الأتراك بكرمان، ومولده سنة اثنتين وأربعمائة، وكان حافظا. ~~PageV04P0346 # وفيها، في صفر، توفي أبو محمد عامر الضرير، وكان فقيها شافعيا، مقرئا، ~~نحويا، وكان يصلي في رمضان بالإمام المقتدي بأمر الله. وفي جمادى الأولى ~~توفي الأمير أبو الفضل جعفر بن المقتدي، وأمه ابنة السلطان ملكشاه، وإليه ~~تنسب الجعفريات. وفي رجب توفي الشيخ أبو سعد عبد الواحد بن أحمد بن المحسن ~~الوكيل بالمخزن، وكان فقيها شافعيا، كثير الإحسان إلى أهل العلم، وكان ~~محمودا في ولايته. وفيها توفي كمال الملك الدهستاني الذي كان عميد بغداد. ~~وفي رمضان توفي المشطب بن محمد الحنفي بالكحيل من أرض الموصل، وكان الخليفة ~~قد أرسله إلى بركيارق، وكان بالموصل، ومعه تاج الرؤساء أبو نصر بن ~~الموصلايا، وكان شيخا كبيرا، عالما، مكرما عند الملوك، وحمل إلى العراق، ~~ودفن عند أبي حنيفة. وفيه توفي القاضي أبو علي يعقوب بن إبراهيم المرزباني، ~~قاضي باب الأزج، وولي مكانه القاضي ابو المعالي عزيزي، وكان أبو المعالي ~~شافعيا، أشعريا، مغاليا، وله مع أهل باب الأزج أقاصيص وحكايات عجيبة. وفيها ~~توفي نصر بن الحسن بن القاسم بن الفضل أبو الليث، وأبو الفتح التنكتي، ms3598 له ~~كنيتان، سافر في البلاد شرقا وغربا، روى صحيح مسلم وغيره، وكان ثقة، ومولده ~~سنة ست وأربعمائة. وفي ذي الحجة منها توفي أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن ~~علي الحنبلي، الفقيه وكان وافر العلم، غزير الدين، حسن الوعظ والسمت. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وثمانين وأربعمائة # ### || AUT ذكر الخطبة للسلطان بركيارق # في هذه السنة، يوم الجمعة رابع عشر المحرم، خطب ببغداد للسلطان بركيارق ~~بن ملكشاه، وكان قدمها أواخر سنة ست وثمانين، وأرسل إلى الخليفة المقتدي ~~بأمر الله يطلب الخطبة، فأجيب إلى ذلك، وخطب له، ولقب ركن الدين. وحمل ~~الوزير عميد الدولة بن جهير الخلع إلى بركيارق، فلبسها، وعرض التقليد على ~~الخليفة ليعلم عليه، فعلم فيه، وتوفي فجأة على ما نذكره، إن شاء الله ~~تعالى، وولي ابنه الإمام المستظهر بالله الخلافة، فأرسل الخلع والتقليد إلى ~~السلطان بركيارق، فأقام ببغداد إلى ربيع الأول من السنة، وسار عنها إلى الموصل. ### || AUT ذكر وفاة المقتدي بأمر الله # في هذه السنة، يوم السبت خامس عشر المحرم، توفي الإمام المقتدي بأمر ~~الله أبو القاسم عبد الله بن الذخيرة بن القائم بأمر الله أمير المؤمنين ~~فجأة، وكان قد أحضر عنده تقليد السلطان بركيارق ليعلم فيه، فقرأه، وتدبره، ~~وعلم فيه، ثم قدم إليه طعام، فأكل منه، وغسل يديه، وعنده قهرمانته شمس ~~النهار، فقال لها: ما هذه الأشخاص التي دخلت علي بغير إذن؟ قالت: فالتفت ~~فلم أر شيئا، ورأيته قد تغيرت حالته، واسترخت يداه ورجلاه، وانحلت قوته، ~~وسقط إلى الأرض، فظننتها غشية قد لاحقته، فحللت أزرار ثوبه، فوجدته وقد ~~ظهرت عليه أمارات الموت، ومات لوقته. قالت: فتماسكت، وقلت لجارية عندي: ليس ~~هذا وقت إظهار الجزع والبكاء، فإن صحت قتلتك، وأحضرت الوزير فأعلمته الحال، ~~فشرعوا في البيعة لولي العهد، وجهزوا المقتدي، وصلى عليه ابنه المستظهر، ~~بالله، ودفنوه، وكان عمره ثمانيا وثلاثين سنة وثمانية أشهر وسبعة أيام، ~~وكانت خلافته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر غير يومين، وأمه أم ولد أرمنية ~~تسمى أرجوان، وتدعى قرة العين، أدركت خلافته، وخلافة ابنه المستظهر ms3599 بالله، ~~وخلافة ابن ابنه المسترشد بالله. ووزر له فخر الدولة أبو نصر بن جهير، ثم ~~أبو شجاع، ثم عميد الدولة أبو منصور بن جهير. وقضاته: أبو عبد الله ~~الدامغاني، ثم أبو بكر الشامي. وكانت أيامه كثيرة الخير، واسعة الرزق، ~~وعظمت الخلافة أكثر مما كان من قبله، وانعمرت ببغداد عدة محال في خلافته ~~منها: البصلية، والقطيعة، والحلبة، والمقتدية، والأجمة، ودرب القيار، وخربة ~~ابن جردة، وخربة الهراس، والخاتونيتين. وأمر بنفي المغنيات والمفسدات من ~~بغداد، وبيع دورهن، فنفين، ومنع الناس أن يدخل أحد الحمام إلا بمئزر، وقلع ~~الهرادي، والأبراج التي للطيور، ومنع من اللعب بها لأجل الاطلاع على حرم ~~الناس، ومنع من إجراء ماء الحمامات إلى دجلة، وألزم أربابها بحفر آبار ~~للمياه، وأمر أن من يغسل السمك المالح يعبر إلى النجمي فيغسله هناك، ومنع ~~الملاحين أن يحملوا الرجال والنساء مجتمعين، وكان قوي النفس، عظيم الهمة من ~~رجال بني العباس. PageV04P0347 ### || AUT ذكر خلافة المستظهر بالله # لما توفي المقتدي بأمر الله، أحضر ولده أبو العباس أحمد المستظهر بالله، ~~وأعلم بموته، وحضر الوزير فبايعه، وركب إلى السلطان بركيارق، فأعلمه الحال، ~~وأخذ بيعته للمستظهر بالله. فلما كان اليوم الثالث من موت المقتدي أظهر ~~ذلك، وحضر عز الملك ابن نظام الملك وزير بركيارق، وأخوه بهاء الملك، وأمراء ~~السلطان، وجمع أرباب المناصب: النقيبان طراد العباسي، والمعمر العلوي في ~~أصحابهما، وقاضي القضاة، والغزالي، والشاشي، وغيرهما من العلماء، فجلسوا في ~~العزاء، وبايعوا، وكان للمستظهر بالله لما بويع ست عشرة سنة وشهران. ### || AUT ذكر قتل قسيم الدولة آقسنقر # ### || AUT وملك تتش حلب والجزيرة وديار بكر وأذربيجان وهمذان والخطبة له ببغداد # في هذه السنة، في جمادى الأولى، قتل قسيم الدولة آقسنقر، جد ملوكنا ~~بالموصل الآن، أولاد الشهيد زنكي بن آقسنقر. وسبب قتله أن تاج الدولة تتش ~~لما عاد من أذربيجان منهزما لم يزل يجمع العساكر، فكثرت جموعه، وعظم حشده، ~~فسار في هذا التاريخ عن دمشق نحو حلب ليطلب السلطنة، فاجتمع قسيم الدولة ~~آقسنقر، وبوزان، وأمدهما ركن الدين بركيارق بالأمير كربوقا الذي صار بعد ms3600 ~~صاحب الموصل، فلما اجتمعوا ساروا إلى طريقه، فلقوه عند نهر سبعين قريبا من ~~تل السلطان، بينه وبين حلب ستة فراسخ، واقتتلوا، واشتد القتال، فخامر بعض ~~العسكر الذين مع آقسنقر، فانهزموا، وتبعهم الباقون، فتمت الهزيمة، وثبت ~~آقسنقر، فأخذ أسيرا، وأحضر عند تتش، فقال له: لو ظفرت بي ما كنت صنعت؟ قال: ~~كنت أقتلك! فقال له: أنا أحكم عليك بما كنت تحكم علي، فقتله صبرا. وسار نحو ~~حلب، وكان قد دخل إليها كربوقا، وبوزان، فحفظاها منه، وحصرها تتش ولج في ~~قتالها حتى ملكها، سلمها إليه المقيم بقلعة الشريف، ومنها دخل البلد، ~~وأخذهما أسيرين، وأرسل إلى حران والرها ليسلموه من بهما وكانتا لبوزان، ~~فامتنعوا من التسليم غليه، فقتل بوزان، وأرسل رأسه إليهم وتسلم البلدين. ~~وأم كربوقا فإنه أرسله إلى حمص، فسجنه بها إلى أن أخرجه الملك رضوان بعد ~~قتل أبيه تتش. وكان قسيم الدولة أحسن الأمراء سياسة لرعيته، وحفظا لهم، ~~وكانت بلاده بين رخص عام، وعدل شامل، وأمن واسع، وكان قد شرط على أهل كل ~~قرية من بلاده، متى أخذ عندهم قفل، أو أحد من الناس، غرم أهلها جميع ما ~~يؤخذ من الأموال من قليل وكثير، فكانت السيارة، إذا بلغوا قرية من بلاده، ~~ألقوا رحالهم وناموا، وحرسهم أهل القرية إلى أن يرحلوا، فأمنت الطرق. وأما ~~وفاؤه، وحسن عهده، فيكفيه فخرا أنه قتل في حفظ بيت صاحبه وولي نعمته. فلما ~~ملك تتش حران والرها سار إلى الديار الجزرية فملكها جميعها، ثم ملك ديار ~~بكر وخلاط، وسار إلى أذربيجان فملك بلادها كلها، ثم سار منها إلى همذان ~~فملكها، ورأى بها فخر الملك بن نظام الملك، وكان بخراسان، فسار منها إلى ~~السلطان بركيارق ليخدمه، فوقع عليه الأمير قماج، وهو من عسكر محمود ابن ~~السلطان ملكشاه بأصبهان، فنهب فخر الملك، فهرب منه ونجا بنفسه، فجاء إلى ~~همذان فصادفه تتش بها، فأراد قتله، فشفع فيه باغي سيان، وأشار عليه أن ~~يستوزره لميل الناس إلى بيته، فاستوزره، وأرسل إلى بغداد يطلب الخطبة من ~~الخليفة المستظهر بالله، وكان شحنته ببغداد ms3601 ايتكين جب، فلازم الخدمة ~~بالديوان، وألح في طلبها، فأجيب إلى ذلك، بعد أن سمعوا أن بركيارق قد انهزم ~~من عسكر عمه تتش، على ما نذكره. ### || AUT ذكر انهزام بركيارق من عمه تتش # ### || AUT وملكه أصبهان بعد ذلك # في هذه السنة، في شوال، انهزم بركيارق من عسكر عمه تتش. وكان بركيارق ~~بنصيبين، فلما سمع بمسير عمه إلى أذربيجان، سار هو من نصيبين، وعبر دجلة من ~~بلد فوق الموصل، وسار إلى إربل، ومنها إلى بلد سرخاب بن بدر إلى أن لقي ~~بينه وبين عمه تسعة فراسخ، ولم يكن معه غير ألف رجل، وكان عمه في خمسين ألف ~~رجل، فسار الأمير يعقوب بن آبق من عسكر عمه، فكبسه وهزمه، ونهب سواده، ولم ~~يبق معه إلا برسق، وكمشتكين الجاندار، واليارق، وهم من الأمراء الكبار، ~~فسار إلى أصبهان. PageV04P0348 # وكانت خاتون أم أخيه محمود قد ماتت، على ما نذكره، فمنعه من بها من ~~الدخول إليها، ثم أذنوا له خديعة منهم ليقبضوا عليه، فلما قاربها خرج أخوه ~~الملك محمود فلقيه، ودخل البلد، واحتاطوا عليه، فاتفق أن أخاه محمودا حم ~~وجدر، فأراد الأمراء أن يكحلوا بركيارق، فقال لهم أمين الدولة ابن التلميذ ~~الطبيب: إن الملك محمودا قد جدر، وما كأنه يسلم منه، وأراكم تكرهون أن ~~يليكم، ويملك البلاد تاج الدولة، فلا تعجلوا على بركيارق، فإن مات محمود ~~أقيموه ملكا، وإن سلم محمود فأنتم تقدرون على كحله. فمات محمود سلخ شوال، ~~فكان هذا من الفرج بعد الشدة، وجلس بركيارق للعزاء بأخيه. وكان مولد محمود ~~في صفر سنة ثمانين وأربعمائة. وقصده مؤيد الملك بن نظام الملك، فاستوزره في ~~ذي الحجة، وكان أخوه عز الملك بن نظام الملك قد مات لما كان مع بركيارق ~~بالموصل، وحمل إلى بغداد، فدفن بالنظامية، وكان أصبح الناس وجها، وأحسنهم ~~خلقا وسيرة، وكان قد أجرى الناس على ما بأيديهم من توقيعات أبيه في ~~الإطلاقات من خاصته، منها ببغداد مائتا كر غلة، وثمانية عشر ألف دينار ~~أميري. ثم إن بركيارق جدر، بعد أخيه، وعوفي وسلم، فلما عوفي ms3602 كاتب مؤيد ~~الملك وزيره الأمراء العراقيين، والخراسانيين، واستمالهم، فعادوا كلهم إلى ~~بركيارق، فعظم شأنه وكثر عسكره. ### || AUT ذكر وفاة أمير الجيوش بمصر # في هذه السنة، في ذي القعدة، توفي أمير الجيوش بدر الجمالي، صاحب الجيش ~~بمصر، وقد جاوز ثمانين سنة، وكان هو الحاكم في دولة المستنصر، والمرجوع ~~إليه. وكان قد استعمله على الشام سنة خمس وخمسين وأربعمائة، وجرى بينه وبين ~~الرعية والجند بدمشق ما خاف منه عى نفسه، فخرج عنها هاربا، وجمع وحشد، وقدم ~~إلى الشام فاستولى عليه بأسره سنة ست وخمسين، ثم خالفه أهل دمشق مرة أخرى، ~~فهرب منهم سنة ستين، وخرب العامة والجند قرص الإمارة، ثم مضى أمير الجيوش ~~إلى مصر، وتقدم بها، وصار صاحب الأمر. قال علقمة بن عبد الرزاق العليمي: ~~قصدت بدرا الجمالي بمصر، فرأيت أشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم على بابه، قد ~~طال مقامهم ولم يصلوا إليه، قال: فبينا أنا كذلك إذ خرج بدر يريد الصيد، ~~فخرج علقمة في أثره، وأقام إلى أن رجع من صيده، فلما قاربه وقف على نشز من ~~الأرض، وأومأ برقعة في يده، وأنشأ يقول: نحن التجا قنا، ... در وجود يمينك ~~المبتاع قلب، وفتشها بسمعك إنما ... هي جوهر تختاره الأسماع كسدت علينا ~~بالشآم، وكلما ... قل النفاق تعطل الصناع فأتاك يحملها إليك تجارها ... ~~ومطيها الآمال والأطماع حتى أناخوها ببابك، والرجا ... من دونك السمسار ~~والبياع فوهبت ما لم يعطه في دهره ... هرم، ولا كعب، ولا القعقاع وسبقت هذا ~~الناس في طلب العلى ... فالناس، بعدك كلهم أتباع يا بدر أقسم لو بك اعتصم ~~الورى، ... ولجوا إليك جميعهم، ما ضاعوا وكان على يد بدر بازي فألقاه ~~وانفرد عن الجيش، وجعل يسترد الأبيات وهو ينشدها إلى أن استقر في مجلسه، ثم ~~قال لجماعة غلمانه وخاصته: من أحبني فليخلع على هذا الشاعر، فخرج من عنده ~~ومعه سبعون بغلا، يحمل الخلع والتحف، وأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج من ~~عنده وفرق كثيرا من ذلك على الشعراء، ولما مات بدر قام بما كان إليه ابنه الأفضل. ### || AUT ذكر وفاة المستنصر ms3603 وولاية ابنه المستعلي # في هذه السنة، ثامن عشر ذي الحجة، توفي المستنصر بالله أبو تميم معد بن ~~أبي الحسن علي الظاهر لإعزاز دين الله العلوي، صاحب مصر والشام، وكانت ~~خلافته ستين سنة وأربعة أشهر، وكان عمره سبعا وستين سنة، وهو الذي خطب به ~~البساسيري ببغداد، وقد ذكرنا ذلك. وكان الحسن بن الصباح، رئيس هذه الطائفة ~~الإسماعيلية، قد قصده في زي تاجر، واجتمع به وخاطبه في إقامة الدعوة له ~~ببلاد العجم، فعاد ودعا الناس إليه سرا، ثم أظهرها، وملك القلاع، كما ~~ذكرناه، وقال للمستنصر: من إمامي بعدك؟ فقال: ابني نزار، وهو أكبر أولاده، ~~والإسماعيلية إلى يومنا هذا يقولون بإمامة نزار. PageV04P0349 # ولقي المستنصر شدائد وأهوالا، وانفتقت عليه بديار مصر، أخرج فيها أمواله ~~وذخائره إلى أن بقي لا يملك غير سجادته التي يجلس عليها، وهو مع هذا صابر ~~خاشع، وقد أتينا على ذكر هذا سنة سبع وستين وأربعمائة وغيرها. ولما مات ولي ~~بعده ابنه أبو القاسم أحمد المستعلي بالله، ومولده في المحرم سنة سبع وستين ~~وأربعمائة، وكان قد عهد في حياته بالخلافة لابنه نزار، فخلعه الأفضل وبايع ~~المستعلي بالله. وسبب خلعه أن الأفضل ركب مرة، أيام المستنصر، ودخل دهليز ~~القصر من باب الذهب راكبا، ونزار خارج، والمجاز مظلم، فلم يره الأفضل، فصاح ~~به نزار: انزل، يا أرمني، كلب، عن الفرس، ما أقل أدبك! فحقدها عليه، فلما ~~مات المستنصر خلعه خوفا منه على نفسه، وبايع المستعلي، فهرب نزار إلى ~~الإسكندرية، وبها ناصر الدولة أفتكين، فبايعه أهل الإسكندرية وسموه المصطفى ~~لدين الله، فخطب الناس، ولعن الأفضل، وأعانه أيضا القاضي جلال الدولة بن ~~عمار، قاضي الإسكندرية، فسار إليه الأفضل، وحاصره بالإسكندرية، فعاد عنه ~~مقهورا، ثم ازداد عسكرا، وسار إليه، فحصره وأخذه، وأخذ أفتكين فتقله، وتسلم ~~المستعلي نزارا فبنى عليه حائطا فمات، وقتل القاضي جلال الدولة بن عمار ومن أعانه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الآخر، رأى بعض اليهود بالغرب رؤيا أنهم سيطيرون، ~~فأخبر اليهود بذلك، فوهبوا أموالهم وذخائرهم، وجعلوا ينتظرون الطيران، فلم ms3604 ~~يطيروا، وصاروا ضحكة بين الأمم. وفي هذا الشهر كانت بالشام زلازل كثيرة ~~متتابعة يطول مكثها، إلا أنه لم يكن الهدم كثيرا. وفيها كانت الفتنة بين ~~أهل نهر طابق وأهل باب الأرجا، فاحترقت نهر طابق، وصارت تلولا، فلما احترقت ~~عبر يمن، صاحب الشرطة، فقتل رجلا مستورا، فنفر الناس منه، وعزل في اليوم ~~الثالث. وفيها توفي محمد بن أبي هاشم الحسيني، أمير مكة، وقد جاوز سبعين ~~سنة، ولم يكن له ما يمدح به، وكان قد نهب بعض الحجاج سنة ست وثمانين وقتل ~~منهم خلقا كثيرا. وفيها، في ربيع الأول، قتل السلطان بركيارق عمه تكش ~~وغرقه، وقتل ولده معه، وكان ملكشاه قد أخذه، لما خرج عليه، وكحله، وحبسه ~~بقلعة تكريت، فلما ملك بركيارق أحضره إليه ببغداد، وسار بمسيره، فظفر ~~بملطفات إليه من أخيه تتش يحثه على اللحاق به، وقيل إنه أراد المسير إلى ~~بلخ لأن أهلها كانوا يريدونه، فقتله، فلما غرق بقي بسر من رأى، فحمل إلى ~~بغداد، فدفن عند قبر أبي حنيفة. وفيها، في جمادى الآخرة، كانت وقعة بين ~~الأمير أنر وتورانشاه، ابن قاورت بك، وكانت تركان خاتون الجلالية، والدة ~~محمود بن ملكشاه، قد أرسلته في عسكر ليأخذ بلاد فارس من تورانشاه، ولم يحسن ~~الأمير أنر تدبير بلاد فارس، فاستوحش منه الأجناد، واجتمعوا مع تورانشاه ~~وهزموا أنر، ومات تورانشاه، بعد الكسرة بشهر، من سهم أصابه فيها. وفيها ~~استولى أصبهبذ بن ساوتكين على مكة، حرسها الله، عنوة، وهرب منها الأمير ~~قاسم بن أبي هاشم العلوي صاحبها، وأقام بها إلى شوال، وجمع الأمير قاسم ~~وكبسه بعسفان، وجرى بينهما حرب في شوال من هذه السنة، فانهزم أصبهبذ، ودخل ~~قاسم إلى مكة، ومضى أصبهبذ إلى الشام وقدم إلى بغداد. وفيها، في رجب، أحرق ~~شحنة بغداد، وهو أيتكين، جب باب البصرة، وسبب ذلك أن النقيب طرادا الزينبي ~~كان له كاتب يعرف بابن سنان، فقتل، فأنفذ النقيب إلى الشحنة يستدعي منه من ~~يقيم السياسة، فأنفذ حاجبه محمدا، فرجمه أهل باب البصرة، وأدموه، فرجع إلى ~~صاحبه فشكا إليه منهم، ms3605 فأمر أخاه بقصدهم ومعاقبتهم على فعلهم، فسار إليهم ~~في جماعة كثيرة، وتبعهم أهل الكرخ، فأحرقوا ونهبوا، فأرسل الخليفة إلى ~~الشحنة يأمره بالكف عنهم فكف. وفيها، في رمضان، توفيت تركان خاتون الجلالية ~~بأصبهان، وهي ابنة طفغاج خان، وهو من نسل افراسياب التركي، وكانت قد برزت ~~من أصبهان لتسير إلى تاج الدولة تتش لتتصل به، فمرضت وعادت وماتت، وأوصت ~~إلى الأمير أنر وإلى الأمير سرمز شحنة أصبهان بحفظ المملكة على ابنها ~~محمود، ولم يكن بقي بيداها سوى قصبة أصبهان، ومعها عشرة آلاف فارس أتراك. ~~وفيها، في ذي القعدة، توفي أبو الحسين بن الموصلايا، كاتب ديوان الزمام ببغداد. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وأربعمائة # ### || AUT ذكر دخول جمع من الترك إفريقية # ### || AUT وما كان منهم # PageV04P0350 # في هذه السنة غدر شاهملك التركي بيحيى بن تميم بن المعز بن باديس، وقبض ~~عليه. وكان شاهملك هذا من أولاد بعض الأمراء الأتراك ببلاد الشرق، فناله في ~~بلده أمر اقتضى خروجه منه، فسار إلى مصر في مائة فارس، فأكرمه الأفضل أمير ~~الجيوش، وأعطاه إقطاعا ومالا، ثم بلغه عنه أسباب أوجبت إخراجه من مصر، فخرج ~~هو وأصحابه هاربين، فاحتالوا حتى أخذوا سلاحا وخيلا وتوجهوا إلى المغرب، ~~فوصلوا إلى طرابلس الغرب، وأهل البلد كارهون لواليها، فأدخلوهم البلد، ~~وأخرجوا الوالي، وصار شاهملك أمير البلد. فسمع تميم الخبر، فأرسل العساكر ~~إليها، فحصروها، وضيقوا على الترك ففتحوها، ووصل شاهملك معهم إلى المهدية، ~~فسر به تميم وبمن معه، قال: ولد لي مائة ولد أنتفع بهم، وكانوا لا يخطيء ~~لهم سهم. فلم تطل الأيام حتى جرى منهم أمر غير تميما عليهم، فعلم شاهملك ~~ذلك، وكان داهيا، خبيثا، فخرج يحيى بن تميم إلى الصيد في جماعة من أعيان ~~أصحابه نحو مائة فارس، ومعه شاهملك، وكان أبوه تميم قد تقدم إليه أن لا ~~يقرب شاهملك، فلم يقبل. فلما أبعدوا في طلب الصيد غدر به شاهملك فقبض عليه، ~~وسار به وبمن أخذ معه من أصحابه إلى مدينة سفاقس. وبلغ الخبر تميما، فركب، ~~وسير العساكر في أثرهم، فلم ms3606 يدركوهم، ووصل شاهملك بيحيى بن تميم إلى سفاقس، ~~فركب صاحبها، واسمه حمو، وكان قد خالف على تميم، ولقي يحيى، ومشى في ركابه ~~راجلا، وقبل يده وعظمه، واعترف له بالعبودية، فأقام عنده أياما، ولم يذكره ~~أبوه بكلمة، وكان قد جعله ولي عهده، فلما أخذ أقام أبوه مقامه ابنا له آخر ~~اسمه المثنى. ثم إن صاحب سفاقس خاف يحيى على نفسه أن يثور معه الجند وأهل ~~البلد ويملكوه عليهم، فأرسل إلى تميم كتابا يسأله في إنفاذ الأتراك ~~وأولادهم إليه ليرسل ابنه يحيى، ففعل ذلك بعد امتناع، وقدم يحيى، فحجبه ~~أبوه عنه مدة، ثم أعاده إلى حاله، ورضي عنه، ثم جهز تميم عسكرا إلى سفاقس، ~~ويحيى معهم، فساروا إليها وحصروها برا وبحرا، وضيقوا على الأتراك بها، ~~وأقاموا عليها شهرين، واستولوا عليها، وفارقها الأتراك إلى قابس. وكان تميم ~~لما رضي عن ابنه يحيى عظم ذلك على ابنه الآخر المثنى، وداخله الحسد، فلم ~~يملك نفسه، فنقل عنه إلى أبيه ما غير قلبه عليه، فأمر بإخراجه من المهدية ~~بأهله وأصحابه، فركب البحر ومضى إلى سفاقس، فلم يمكنه عامله من الدخول ~~إليها، وقصد مدينة قابس، وبها أمير يقال له مكين بن كامل الدهسماني، فأنزله ~~وأكرمه، فحسن له المثنى الخروج معه إلى سفاقس والمهدية، وأطمعه فيهما، وضمن ~~الإنفاق على الجند من ماله، فجمع مكين من يمكنه جمعه، وسار إلى سفاقس، ~~ومعهما شاهملك التركي وأصحابه، فنزلوا على سفاقس وقاتلوها. وسمع تميم، فجرد ~~إليها جندا، فلما علم المثنى ومن معه أنهم لا طاقة لهم بها ساروا عنها إلى ~~المهدية، فنزلوا عليها وقاتلوها، وكان الذي يتولى القتال في المهدية يحيى ~~بن تميم، وظهرت منه شهامة، وشجاعة، وحزم، وحسن تدبير، فلم يبلغ أولئك منها ~~غرضا، فعادوا خائبين، وقد تلف ما كان مع المثنى من مال وغيره، وعظم أمر ~~يحيى، وصار وهو المشار إليه. ### || AUT ذكر قتل أحمد خان صاحب سمرقند # في هذه السنة، في المحرم، قتل أحمد خان، صاحب سمرقند، وكان قد كرهه ~~عسكره واتهموه بفساد الاعتقاد، وقالوا: هو زنديق. وكان سبب ms3607 ذلك أن السلطان ~~ملكشاه، لما فتح سمرقند وأسر أحمد خان هذا، قد وكل به جماعة من الديلم، ~~فحسنوا له معتقدهم، وأخرجوه إلى الإباحة، فلما عاد إلى سمرقند كان يظهر منه ~~أشياء تدل على انحلاله من الدين، فلما كرهه أصحابه، وعزموا على قتله، قالوا ~~لمستحفظ قلعة كاسان، وهو طغرل ينال بك، ليظهر العصيان ليسير أحمد خان معهم ~~من سمرقند إلى قتاله، فيتمكنوا من قتله، فعصى طغرل ينال بك، فسار أحمد خان ~~والعسكر إلى قتاله، فلما نازل القلعة تمكن العسكر منه، وقبضوا عليه، وعادوا ~~إلى سمرقند، وأحضروا القضاة والفقهاء، وأقاموا خصوصا ادعوا عليه الزندقة، ~~فجحد، فشهد عليه جماعة بذلك، فأفتى الفقهاء بقتله، فخنقوه، وأجلسوا ابن عمه ~~مسعودا مكانه وأطاعوه. ### || AUT ذكر ما فعله يوسف بن آبق ببغداد # PageV04P0351 # في هذه السنة، في صفر، سير الملك تتش يوسف بن آبق التركماني شحنة لبغداد، ~~ومعه جمع من التركمان، فمنع من دخول بغداد، وورد إليه صدقة بن مزيد صاحب ~~الحلة وكان يكره تتش، ولم يخطب له في بلاده، فلما سمع ابن آبق بوصوله عاد ~~إلى طريق خراسان ونهب باجسرا، وقاتله العسكر ببعقوبا، فهزمهم ونهبهم أفحش ~~نهب وأكثر معه من التركمان وعاد إلى بغداد. وكان صدقة قد رجع إلى الحلة، ~~فدخل يوسف بن آبق إلى بغداد، وأراد نهبها والإيقاع بأهلها، فمنعه أمير كان ~~معه من ذلك، ثم وصل إليه الخبر بقتل تتش، فرحل عن بغداد إلى الموصل، وسار ~~من هناك إلى حلب. ### || AUT ذكر الحرب بين بركيارق وتتش وقتل تتش # في هذه السنة، في صفر، قتل تتش بن ألب أرسلان. وكان سبب ذلك أنه لما هزم ~~السلطان بركيارق، كما ذكرناه، سار من موضع الوقعة إلى همذان، وقد تحصن بها ~~أمير آخر، فرحل تتش عنها، فتبعه أمير آخر لأجل أثقاله، فعاد عليه تتش ~~فكسره، فعاد إلى همذان، واستأمن إليه، وصار معه. وبلغ تتش مرض بركيارق، ~~فسار إلى أصبهان، فاستأذنه أمير آخر في قصد جرباذقان لإقامة الضيافة وما ~~يحتاج إليه، فأذن له، فسار إليها، ومنها إلى أصبهان، وعرفهم خبر ms3608 تتش. وعلم ~~تتش خبره، فنهب جرباذقان، وسار إلى الري، وراسل الأمراء الذين بأصبهان ~~يدعوهم إلى طاعته، ويبذل لهم البذول الكثيرة، وكان بركيارق مريضا بالجدري، ~~فأجابوه يعدونه بالانحياز إليه، وهم ينتظرون ما يكون من بركيارق. فلما عوفي ~~أرسلوا إلى تتش: ليس بيننا غير السيف، وساروا مع بركيارق من أصبهان، وهم في ~~نفر يسير، فلما بلغوا جرباذقان أقبلت إليهم العساكر من كل مكان، حتى صاروا ~~في ثلاثين ألفا، فالتقوا بموضع قريب من الري، فانهزم عسكر تتش وثبت هو، ~~فقتل، قيل قتله بعض أصحاب آقسنقر، صاحب حلب، أخذا بثأر صاحبه. وكان قد قبض ~~على فخر الملك بن نظام الملك، وهو معه، فأطلق، واستقام الأمر والسلطنة ~~لبركيارق، وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه، بالأمس ينهزم من عمه تتش، ويصل ~~إلى أصبهان في نفر يسير، فلا يتبعه أحد، ولو تبعه عشرون فارسا لأخذوه لأنه ~~بقي على باب أصبهان عدة أيام، ثم لما دخلها أراد الأمراء كحله، فاتفق أن ~~أخاه حم ثاني يوم وصوله، وجدر، فمات، فقام في الملك مقامه، ثم جدر هو ~~وأصابه مع سرسام، فعوفي، وبقي مذ كسره عمه إلى أن عوفي وسار عن أصبهان ~~أربعة أشهر لم يتحرك عمه، ولا عمل شيئا، ولو قصده وهو مريض أو وقت مرض أخيه ~~لملك البلاد: ولله سر في علاك، وإنما ... كلام العدى ضرب من الهذيان ### || AUT ذكر حال الملك رضوان وأخيه دقاق بعد قتل أبيهما # اكن تاج الدولة تتش قد أوصى أصحابه بطاعة ابن الملك رضوان، وكتب إليه من ~~بلد الجبل، قبل المصاف الذي قتل فيه، يأمره أن يسير إلى العراق، ويقيم بدار ~~المملكة، فسار في عدد كثير منهم: إيلغازي بن أرتق، وكان قد سار إلى تتش، ~~فتركه عند ابنه رضوان، ومنهم: الأمير وثاب بن محمود بن صالح بن مرداس، ~~وغيرهما، فلما قارب هيت بلغه قتل أبيه، فعاد إلى حلب، ومعه والدته، فملكها، ~~وكان بها أبو القاسم الحسن بن علي الخوارزمي، قد سلمها إليه تتش وحكمه في ~~البلد والقلعة. ولحق رضوان زوج أمه جناح الدولة الحسين ms3609 بن أيتكين، وكان مع ~~تتش، فسلم من المعركة، وكان مع رضوان أيضا أخواه الصغيران: أبو طالب ~~وبهرام، وكانوا كلهم مع أبي القاسم كالأضياف لتحكمه في البلد، واستمال جناح ~~الدولة المغاربة، وكانوا أكثر جند القلعة، فلما انتصف الليل نادوا بشعار ~~الملك رضوان، واحتاطوا على أبي القاسم، وأرسل إليه رضوان يطيب قلبه، ~~فاعتذر، فبل عذره، وخطب لرضوان على منابر حلب وأعمالها، ولم يكن يخطب له بل ~~كانت الخطبة لأبيه، بعد قتله، نحو شهرين. وسار جناح الدولة في تدبير ~~المملكة سيرة حسنة، وخالف عليهم الأمير باغي بن سيان بن محمد بن ألب ~~التركماني، صاحب أنطاكية، ثم صالحهم، وأشار على الملك رضوان بقصد ديار بكر، ~~لخلوها من وال يحفظها، فساروا جميعا، وقدم عليهم أمراء الأطراف الذين كان ~~تتش رتبهم فيها، وقصدوا سروج فسبقهم إليها الأمير سقمان بن أرتق جد أصحاب ~~الحصن اليوم، وأخذها، ومنعهم عنها، وأمر أهل البلد فخرجوا إلى رضوان ~~وتظلموا إليه من عساكره وما يفسدون من غلاتهم، ويسألونه الرحيل، فرحل عنهم ~~إلى الرها. PageV04P0352 # وكان بها رجل من الروم يقال له الفارقليط، وكان يضمن البلد من بوزان، ~~فقاتل المسلمين بمن معه، واحتمى بالقلعة، وشاهدوا من شجاعته ما لم يكونوا ~~يظنونه، ثم ملكها رضوان، وطلب باغي سيان القلعة من رضوان، فوهبها له، ~~فتسلمها وحصنها، ورتب رجالها، وأرسل إليهم أهل حران يطلبونهم ليسلموا إليهم ~~حران، فسمع ذلك قراجة أميرها، فاتهم ابن المفتي، وكان ابن المفتي هذا قد ~~اعتمد عليه تتش في حفظ البلد، فأخذه، وأخذ معه بني أخيه، فصلبهم. ووصل ~~الخبر إلى رضوان، وقد اختلف جناح الدولة وباغي سيان، وأضمر كل واحد منهما ~~الغدر بصاحبه، فهرب جناح الدولة إلى حلب، فدخلها، واجتمع بزوجته أم الملك ~~رضوان، وسار رضوان وباغي سيان، فعبرا الفرات إلى حلب، فسمعا بدخول جناح ~~الدولة إليها، ففارق باغي سيان الملك رضوان، وسار إلى أنطاكية، ومعه أبو ~~القاسم الخوارزمي، وسار رضوان إلى حلب. وأما دقاق بن تتش فإنه كان سيره ~~أبوه إلى عمه السلطان ملكشاه ببغداد، وخطب له ابنة السلطان، وسار بعد وفاة ms3610 ~~السلطان مع خاتون الجلالية وابنها محمود إلى أصبهان، وخرج إلى السلطان ~~بركيارق سرا، وصار معه، ثم لحق بأبيه، وحضر معه الوقعة التي قتل فيها. فلما ~~قتل أبوه أخذه غلام لأبيه اسمه أيتكين الحلبي، وسار به إلى حلب، وأقام عند ~~أخيه الملك رضوان، فراسله الأمير ساوتكين الخادم الوالي بقلعة دمشق سرا، ~~يدعوه ليملكه دمشق، فهرب من حلب سرا، وجد في السير، فأرسل أخوه رضوان عدة ~~من الخيالة، فلم يدركوه، فلما وصل إلى دمشق فرح به الخادم، وأظهر ~~الاستبشار، ولقيه، فلما دخلها أرسل إليه باغي سيان يشير عليه بالتفرد بملك ~~دمشق عن أخيه رضوان. واتفق وصول معتمد الدولة طغدكين إلى دمشق، ومعه جماعة ~~من خواص تتش وعسكره، وقد سلموا، فإنه كان قد شهد الحرب مع صاحبه، وأسر، ~~فبقي إلى الآن، وخلص من الأسر، فلما وصل إلى دمشق لقيه الملك دقاق وأرباب ~~دولته، وبالغوا في إكرامه، وكان زوج والدة دقاق فمال إليه لذلك، وحكمه في ~~بلاده، وعملوا على قتل الخادم ساوتكين، فقتلوه، وسار إليهم باغي سيان من ~~أنطاكية، ومعه أبو القاسم الخوارزمي، فجعله وزيرا لدقاق، وحكمه في دولته. ### || AUT ذكر وفاة المعتمد بن عباد # في هذه السنة توفي المعتمد بن عباد، الذي كان صاحب الأندلس، مسجونا ~~بأغمات، من بلد المغرب، وقد ذكرنا كيف أخذت بلاده منه سنة أربع وثمانين ~~وأربعمائة، فبقي مسجونا إلى الآن، وتوفي، وكان من محاسن الدنيا كرما، ~~وعلما، وشجاعة، ورئاسة تامة، وأخباره مشهورة، وآثاره مدونة. وله أشعار ~~حسنة، فمنها ما قاله لما أخذ ملكه وحبس: سلت علي يد الخطوب سيوفها ... ~~فجذذن من جسدي الحصيف الأمتنا ضربت بها أيدي الخطوب، وإنما ... ضربت رقاب ~~الآملين بها المنى يا آملي العادات من نفحاتنا، ... كفوا، فإن الدهر كف ~~أكفنا وله قصيدة يصف القيد في رجله: تعطف في ساقي تعطف أرقم، ... يساورها ~~عضا بأنياب ضيغم وإني من كان الرجال بسيبه، ... ومن سيفه في جنة وجهنم وقال ~~في يوم عيد: فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا، ... فساءك العيد في أغمات، ~~مأسورا قد كان دهرك إن تأمره ممتثلا، ms3611 ... فردك الدهر منهيا، ومأمورا من بات ~~بعدك في ملك يسر به، ... فإنما بات بالأحلام مسرورا وكان شاعره أبو بكر بن ~~اللبانة يأتيه وهو مسجون، فيمدحه لا لجدوى ينالها منه، بل رعاية لحقه ~~وإحسانه القديم إليه. فلما توفي أتاه، فوقف على قبره، يوم عيد، والناس عند ~~قبور أهليهم، وأنشد بصوت عال: ملك الملوك أسامع فأنادي، ... أم قد عداك عن ~~الجواب عوادي لما خلت منك القصور، ولم تكن ... فيها، كما قد كنت في الأعياد ~~فمثلت في هذا الثرى لك خاضعا ... وتخذت قبرك موضع الإنشاد وأخذ في إتمام ~~القصيدة، فاجتمع الناس كلهم عليه يبكون. ولو أخذنا في تفصيل مناقبه ومحاسنه ~~لطال الأمر، فلنقف عند هذا. ### || AUT ذكر وفاة الوزير أبي شجاع # PageV04P0353 # في هذه السنة توفي الوزير أبو شجاع محمد بن الحسين بن عبد الله، وزير ~~الخليفة، في جمادى الآخرة، وأصله من روذراور، وولد بالأهواز، وقرأ الفقه ~~على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وكان عالما بالعربية، وله تصانيف منها: ذيل ~~تجارب الأمم، وكان عفيفا، عادلا، حسن السيرة، كثير الخير والمعروف، وكان ~~موته بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مجاورا فيها. ولما حضره ~~الموت أمر فحمل إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فوقف بالحضرة وبكى، ~~وقال: يا رسول الله! قال الله عز وجل: " ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما " ، وقد جئت ~~معترفا بذنوبي وجرائمي أرجو شفاعتك. وبكى فأكثر، وتوفي من يومه، ودفن عند ~~قبر إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم. ### || AUT ذكر الفتنة بنيسابور # في هذه السنة، في ذي الحجة، جمع أمير كبير من أمراء خراسان جمعا كثيرا، ~~وسار بهم إلى نيسابور، فحصرها، فاجتمع أهلها وقاتلوه أشد قتال، ولازم ~~حصارهم نحو أربعين يوما، فلما لم يجد له مطمعا فيها سار عنها في المحرم سنة ~~تسع وثمانين، فلما فارقها وقعت الفتنة بها بين الكرامية وسائر الطوائف من ~~أهلها، فقتل بينهم قتلى كثيرة. وكان مقدم الشافعية أبا القاسم ابن إمام ~~الحرمين أبي المعالي الجويني، ومقدم ms3612 الحنفية القاضي محمد بن أحمد بن صاعد، ~~وهما متفقان على الكرامية، ومقدم الكرامية محمشاد، فكان الظفر للشافعية ~~والحنفية على الكرامية، فخربت مدارسهم، وقتل كثير منهم ومن غيرهم، وكانت ~~فتنة عظيمة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الآخر، شرع الخليفة في عمل سور على الحريم، وأذن ~~الوزير عميد الدولة بن جهير للعامة في التفرج والعمل، فزينوا البلد، وعملوا ~~القباب، وجدوا في عمارته. وفيها، في رمضان، جرح السلطان بركيارق، جرحه ~~إنسان ستري له، من أهل سجستان، في عضده، ثم أخذ الرجل، وأعانه رجلان أيضا ~~من أهل سجستان، فلما ضرب الرجل الجارح اعترف أن هذين الرجلين وضعاه، ~~واعترفا بذلك، فضربا الضرب الشديد، ليقرا على من أمرهما بذلك، فلم يقرا، ~~فقربا إلى الفيل ليجعلا تحت قوائمه، وقدم أحدهما، فقال: اتركوني أنا ~~أعرفكم، فتركوه، فقال لصاحبه: يا أخي لا بد من هذه القتلة، فلا تفضح أهل ~~سجستان بإفشاء الأسرار، فقتلا. وفيها توجه الإمام أبو حامد الغزالي إلى ~~الشام، وزار القدس، وترك التدريس في النظامية، واستناب أخاه، وتزهد، ولبس ~~الخشن، وأكل الدون، وفي هذه السفرة صنف إحياء علوم الدين، وسمعه منه الخلق ~~الكثير بدمشق، وعاد إلى بغداد بعدما حج في السنة التالية، وسار إلى خراسان. ~~وفيها، في ربيع الأول، خطب لولي العهد أبي الفضل منصور بن المستظهر بالله. ~~وفيها عزل بركيارق وزيره مؤيد الملك بن نظام الملك، واستوزره أخاه فخر ~~الملك، وسبب ذلك أن بركيارق لما هزم عمه تتش، وقتله، أرسل خادما ليحضر ~~والدته زبيدة خاتون من أصبهان، فاتفق مؤيد الملك مع جماعة من الأمراء، ~~وأشاروا عليه بتركها، فقال: لا أريد الملك إلا لها، وبوجودها عندي، فلما ~~وصلت إليه وعلمت الحال تنكرت على مؤيد الملك، وكان مجد الملك أبو الفضل ~~البلاساني قد صحبها في طريقها، وعلم أنه لا يتم له أمر مع مؤيد الملك، وكان ~~بين مؤيد الملك وأخيه فخر الملك تباعد بسبب جواهر خلفها أبوهم نظام الملك، ~~فلما علم فخر الملك تنكر أم السلطان على أخيه مؤيد الملك أرسل وبذل أموالا ~~جزيلة ms3613 في الوزارة، فأجيب إلى ذلك، وعزل أخوه وولي هو. وفي هذه السنة، في ~~جمادى الأولى، توفي أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، الفقيه ~~الحنبلي، وكان عارفا بعدة علوم، وكان قريبا من السلاطين. وفيها، في رجب، ~~توفي أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون المعروف بابن الباقلاني، وهو مشهور، ~~ومولده سنة ست وأربعمائة. PageV04P0354 # وفيها، في شعبان، توفي قاضي القضاة أبو بكر محمد بن المظفر الشامي، وكان ~~من أصحاب أبي الطيب الطبري، ولم يأخذ على القضاء أجرا، وأقر الحق مقره، ولم ~~يحاب أحدا من خلق الله، ادعى عنده بعض الأتراك على رجل شيئا، فقال: ألك ~~بينة؟ قال: نعم! فلان، والمشطب الفقيه الفرغاني، فقال: لا أقبل شهادة ~~المشطب لأنه يلبس الحرير، فقال التركي: فالسلطان ونظام الملك يلبسان ~~الحرير، فقال: لو شهدا عندي على باقة بقل لم أقبل شهادتهما، وولي القضاء ~~بعده أبو الحسن علي ابن قاضي القضاة أبي عبد الله محمد الدامغاني. وفيها ~~مات القاضي أبو يوسف عبد السلام بن محمد القزويني، ومولده سنة إحدى عشرة ~~وأربعمائة، وكان مغاليا في الاعتزال، وقيل كان زيدي المذهب. وفيها توفي ~~القاضي أبو بكر بن الرطبي، قاضي دجيل، وكان شافعي المذهب، وولي بعده أخوه ~~أبو العباس أحمد بن الحسن بن أحمد أبو الفضل الحداد الأصبهاني، صاحب أبي ~~نعيم الحافظ، روى عنه حلية الأولياء، وهو أكبر من أخيه أبي المعالي، وأبو ~~عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن حميد الحميدي الأندلسي، ولد ~~قبل العشرين وأربعمائة، وسمع الحديث ببلده، ومصر، والحجاز، والعراق، وهو ~~مصنف الجمع بين الصحيحين، وكان ثقة فاضلا، وتوفي في ذي الحجة، ووقف كتبه ~~فانتفع بها الناس. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وثمانين وأربعمائة # ### || AUT ذكر قتل يوسف بن آبق # في هذه السنة، في المحرم، قتل يوسف بن آبق الذي ذكرنا أنه سيره تاج ~~الدولة تتش إلى بغداد ونهب سوداها. وكان سبب قتله أنه كان بحلب، بعد قتل ~~تاج الدولة، وكان بحلب إنسان يقال له المجن، وهو رئيس الأحداث بها، وله ms3614 ~~أتباع كثيرون، فحضر عند جناح الدولة حسين، وقال له: إن يوسف بن آبق يكاتب ~~باغي سيان، وهو على عزم الفساد، واستأذنه في قتله، فأذن له، وطلب أن يعينه ~~بجماعة من الأجناد، ففعل ذلك، فقصد المجن الدار التي بها يوسف، فكبسها من ~~الباب والسطح، وأخذ يوسف فقتله، ونهب كل ما كان في داره، وبقي بحلب حاكما، ~~فحدثته نفسه بالتفرد بالحكم عن الملك رضوان، فقال لجناح الدولة: إن الملك ~~رضوان أمرني بقتلك، فخذ لنفسك، فهرب جناح الدولة إلى حمص، وكانت له، فلما ~~انفرد المجن بالحكم تغير عليه رضوان، وأراد منه أن يفارق البلد، فلم يفعل، ~~وركب في أصحابه، فلو هم بالمحاربة لفعل، ثم أمر أصحابه أن ينهبوا ماله، ~~وأثاثه، ودوابه، ففعلوا ذلك، واختفى، فطلب فوجد بعد ثلاثة أيام، فأخذ وعوقب ~~وعذب، ثم قتل هو وأولاده، وكان من السواد يشق الخشب، ثم بلغ هذه الحالة. ### || AUT ذكر وفاة منصور بن مروان # في هذه السنة، في المحرم، توفي منصور بن نظام الدين بن نصر الدولة بن ~~مروان، صاحب ديار بكر، وهو الذي انقرض أمر بني مروان على يده، حين حاربه ~~فخر الدولة بن جهير، وكان جكرمش قد قبض عليه بالجزيرة، وتركه عند رجل ~~يهودي، فمات في داره، وحملته زوجته إلى تربة آبائه، فدفنته ثم حجت، وعادت ~~إلى بلد البشنوية، فابتاعت ديرا من بلد فنك بقرب جزيرة ابن عمر، وأقامت فيه ~~تعبد الله. كوان منصور شجاعا، شديد البخل، له في البخل حكايات عجيبة. فتعسا ~~لطالب الدنيا، المعرض عن الآخرة، ألا ينظر إلى فعلها بأبنائها، بينما منصور ~~هذا ملك من بيت ملك آل أمره إلى أن مات في بيت يهودي، نسأل الله تعالى أن ~~يحسن أعمالنا، ويصلح عاقبة أمرنا في الدنيا والآخرة بمنه وكرمه. ### || AUT ذكر ملك تميم مدينة قابس أيضا # في هذه السنة ملك تميم بن المعز مدينة قابس، وأخرج منها أخاه عمرا. وسبب ~~ذلك أنها كان بها إنسان يقال له قاضي بن إبراهيم بن بلمونة فمات، فولى ~~أهلها عليهم عمرو بن المعز، فأساء السيرة، ms3615 وكان قاضي بن إبراهيم عاصيا على ~~تميم، وتميم يعرض عنه، فسلك عمرو طريقه في ذلك، فأخرج تميم العساكر إلى ~~أخيه عمرو ليأخذ المدينة منه، فقال له بعض أصحابه: يا مولانا لما كان فيها ~~قاضي توانيت عنه وتركته، فلما وليها أخوك جردت إليه العساكر، فقال: لما كان ~~فيها غلام من عبيدنا كان زواله سهلا علينا، وأما اليوم، وابن المعز ~~بالمهدية، وابن المعز بقابس، فهذا ما لا يمكن السكوت عليه. وفي فتحها يقول ~~ابن خطيب سوسة القصيدة المشهورة التي أولها: ضحك الزمان، وكان يلقى عابسا ~~... لما فتحت بحد السيف قابسا PageV04P0355 # الله يعلم ما حويت ثمارها ... إلا وكان أبوك، قبل، الغارسا من كان في زرق ~~الأسنة خاطبا، ... كانت له قلل البلاد عرائسا فابشر تميم بن المعز بفتكة ~~... تركتك من أكناف قابس قابسا ولوا، فكم تركوا هناك مصانعا ... ومقاصرا، ~~ومخالدا، ومجالسا فكأنها قلب، وهن وساوس، ... جاء اليقين، فذاد عنه وساوسا ### || AUT ذكر ملك كربوقا الموصل # في هذه السنة، في ذي القعدة، ملك قوام الدولة أبو سعيد كربوقا مدينة ~~الموصل، وقد ذكرنا أن تاج الدولة تتش أسره لما قتل آقسنقر وبوزان، فلما ~~أسره أبقى عليه، طمعا في استصلاح حميه الأمير أنر، ولم يكن له بلد يملكه ~~إذا قتله، كما فعل الأمير بوزان، فإنه قتله واستولى على بلاده الرها وحران. ~~ولم يزل قوام الدولة محبوسا بحلب إلى أن قتل تتش، وملك ابنه الملك رضوان ~~حلب فأرسل السلطان بركيارق رسولا يأمره بإطلاقه وإطلاق أخيه التونتاش، فلما ~~أطلقا سارا واجتمع عليهما كثير من العساكر البطالين، فأتيا حران فتسلماها، ~~وكاتبهما محمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش، وهو بنصيبين، ومعه ثروان بن ~~وهيب، وأبو الهيجاء الكردي، يستنصرون بهما على الأمير علي بن شرف الدولة، ~~وكان بالموصل قد جعله بها تاج الدولة تتش بعد وقعة المضيع. فسار كربوقا ~~إليهم، فلقيه محمد بن شرف الدولة على مرحلتين من نصيبين، واستحلفهما لنفسه، ~~فقبض عليه كربوقا بعد اليمين، وحمله معه، وأتى نصيبين، فامتنعت عليه، ~~فحصرها أربعين يوما، وتسلمها، وسار إلى الموصل فحصرها، فلم ms3616 يظفر منها بشيء، ~~فسار عنها إلى بلد، وقتل بها محمد بن شرف الدولة، وغرقه، وعاد إلى حصار ~~الموصل، ونزل على فرسخ منها بقرية باحلافا، وترك التونتاش شرقي الموصل، ~~فاستنجد علي بن مسلم صاحبها بالأمير جكرمش، صاحب جزيرة ابن عمر، فسار إليه ~~نجدة له، فلما علم التونتاش بذلك سار إلى طريقه، فقاتله، فانهزم جكرمش، ~~وعاد إلى الجزيرة منهزما، وصار في طاعة كربوقا، وأعانه على حصر الموصل، ~~وعدمت الأقوات بها وكل شيء، حتى ما يوقدونه، فأوقدوا القير، وحب القطن. ~~فلما ضاق بصاحبها علي الأمر وفارقها وسار إلى الأمير صدقة بن مزيد بالحلة، ~~وتسلم كربوقا البلد بعد أن حصره تسعة أشهر، وخافه أهله لأنه بلغهم أن ~~التونتاش يريد نهبهم، وأن كربوقا يمنعه من ذلك، فاشتغل التونتاش بالقبض على ~~أعيان البلد، ومطالبتهم بودائع البلد، واستطال على كربوقا، فأمر بقتله، ~~فقتل في اليوم الثالث، وأمن الناس شره، وأحسن كربوقا السيرة فيهم، وسار نحو ~~الرحبة، فمنع عنها، فملكها ونهبها واستناب بها وعاد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اجتمع ستة كواكب في برج الحوت، وهي الشمس، والقمر، ~~والمشتري، والزهرة، والمريخ، وعطارد، فحكم المنجمون بطوفان يكون في الناس ~~يقارب طوفان نوح، فأحضر الخليفة المستظهر بالله ابن عيسون المنجم، فسأله، ~~فقال: إن طوفان نوحان اجتمعت الكواكب السبعة في برج الحوت، والآن فقد اجتمع ~~ستة منها، وليس منها زحل، فلو كان معها لكان مثل طوفان نوح، ولكن أقول إن ~~مدينة، أو بقعة من الأرض يجتمع فيها عالم كثير من بلاد كثيرة، فيغرقون، ~~فخافوا على بغداد، لكثرة من يجتمع فيها من البلاد، فأحكمت المسنيات، ~~والمواضع التي يخشى منها الانفجار والغرق. فاتفق أن الحجاج نزلوا بوادي ~~المياقت، بعد نخلة، فأتاهم سيل عظيم فأغرق أكثرهم، ونجا من تعلق بالجبال، ~~وذهب المال، والداوب، والأزواد، وغير ذلك، فخلع الخليفة على المنجم. وفيها، ~~في صفر، درس الشيخ أبو عبد الله الطبري الفقيه الشافعي بالمدرسة النظامية ~~ببغداد، رتبه فيها فخر الملك بن نظام الملك، وزير بركيارق. وفيها أغارت ~~خفاجة على بلد سيف الدولة صدقة بن ms3617 مزيد، فأرسل في أثرهم عسكرا، مقدمه ابن ~~عمه قريش بن بدران بن دبيس بن مزيد، فأسرته خفاجة، وأطلقوه، وقصدوا مشهد ~~الحسين بن علي، عليه السلام، فتظاهروا فيه بالفساد والمنكر، فوجه إليهم ~~صدقة جيشا، فكبسوهم، وقتلوا منهم خلقا كثيرا في المشهد، حتى عند الضريح، ~~وألقى رجل منهم نفسه وهو على فرسه من على السور، فسلم هو والفرس. ~~PageV04P0356 # وفي هذه السنة، في صفر، توفي القاضي أبو مسلم وادع بن سليمان قاضي معرة ~~النعمان والمستولي على أمورها، وكان رجل زمانه همة وعلما. وفيها، في ربيع ~~الأول، توفي أبو بكر محمد بن عبد الباقي المعروف بابن الخاضبة، المحدث، ~~وكان عالما. وفيها، في رمضان، توفي أبو بكر عمر بن السمرقندي، ومولده سنة ~~ثمان وثمانين وثلاثمائة. وفيها، في رمضان، توفي أبو الفضل عبد الملك بن ~~إبراهيم المقدسي المعروف بالهمذاني، وكان عالما في عدة علوم، وقد قارب ~~ثمانين سنة. ### | AUT ثم دخلت سنة تسعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر قتل أرسلان أرغون # في هذه السنة، في المحرم، قتل أرسلان أرغون بن ألب أرسلان، أخو السلطان ~~ملكشاه، بمرو، وكان قد ملك خراسان. وسبب قتله أنه كان شديدا على غلمانه، ~~كثير الإهانة لهم والعقوبة، وكانوا يخافونه خوفا عظيما، فاتفق أنه الآن طلب ~~غلاما له، فدخل عليه وليس معه أحد، فأنكر عليه تأخره عن الخدمة، فاعتذر، ~~فلم يقبل عذره، وضربه، فأخرج الغلام سكينا معه وقتله، وأخذ الغلام، فقيل ~~له: لم فعلت هذا؟ فقال: لأريح الناس من ظلمه. وكان سبب ملكه خراسان أنه كان ~~له، أيام أخيه ملكشاه، من الإقطاع ما مقداره سبعة آلاف دينار، وكان معه ~~ببغداد لما مات، فسار إلى همذان في سبعة غلمان، واتصل به جماعة، فسار إلى ~~نيسابور، فلم يجد فيها مطمعا، فتمم إلى مرو، وكان شحنة مرو أمير اسمه قودن ~~من مماليك ملكشاه، وهو الذي كان سبب تنكر السلطان ملكشاه على نظام الملك، ~~وقد تقدم ذلك في قتل نظام الملك، فمال إلى أرسلان أرغون، وسلم البلد إليه، ~~فأقبلت العساكر إليه، وقصد بلخ، وبها فخر الملك بن نظام الملك، ms3618 فسار عنها، ~~ووزر لتاج الدولة تتش، على ما ذكرناه. وملك أرسلان أرغون بلخ، وترمذ، ~~ونيسابور، وعامة خراسان، وأرسل إلى السلطان بركيارق وإلى وزيره مؤيد الملك ~~بن نظام الملك يطلب أن يقر عليه خراسان، كما كانت لجده داود، ما عدا ~~نيسابور، ويبذل الأموال ولا ينازع في السلطنة. فسكت عنه بركيارق لاشتغاله ~~بأخيه محمود وعمه تتش، فلما عزل السلطان بركيارق مؤيد الملك عن وزارته، ~~ووليها أخوه فخر الملك، واستولى على الأمور مجد الملك البلاساني، قطع ~~أرسلان أرغون مراسلة بركيارق، وقال: لا أرضى لنفسي مخاطبة البلاساني، فندب ~~بركيارق حينئذ عمه بوربرس بن ألب أرسلان، وسيره في العساكر لقتاله. وكان قد ~~اتصل بأرسلان عماد الملك أبو القاسم بن نظام الملك، ووزر له، فلما وصلت ~~العساكر إلى خراسان لقيهم أرسلان أرغون، وقاتلهم، وانهزم منهم، وسار منهزما ~~إلى بلخ، وأقام بوربرس والعساكر التي معه بهراة. ثم جمع أرغون عساكر جمة ~~وسار إلى مرو، فحصرها أياما، وفتحها عنوة، وقتل فيها وأكثر، وقلع أبواب ~~سورها وهدمه، فسار إليه بوربرس من هراة، فالتقيا وتصافا، فانهزم بوربرس سنة ~~ثمان وثمانين. وسبب هزيمته أنه كان معه من جملة العساكر التي سيرها معه ~~بركيارق أمير آخر ملكشاه، وهو من أكابر الأمراء، والأمير مسعود بن تاجر، ~~وكان أبوه مقدم عسكر داود، جد ملكشاه، ولمسعود منزلة كبيرة، ومحل عظيم، عند ~~الناس كافة، وكان بين أمير آخر وبين أرسلان مودة قديمة، فأرسل إليه أرسلان ~~أرغون يستميله، ويدعوه إلى طاعته، فأجابه إلى ذلك. ثم إن مسعود بن تاجر قصد ~~أمير آخر زائرا له، ومعه ولده، فأخذهما وقتلهما، فضعف أمر بوربرس، وانهزم ~~من أرسلان أرغون، وتفرق عسكره، وأسر، وحمل إلى أرسلان أرغون، وهو أخوه، ~~فحبسه بترمذ، ثم أمر به فخنق بعد سنة من حبسه، وقتل أكابر عسكر خراسان ممن ~~كان يخافه ويخشى تحكمه عليه، وصادر وزيره عماد الملك بثلاثمائة ألف دينار، ~~وقتله، وخرب أسوار مدن خراسان، منها: سور سبزوار، وسور مرو الشاهجان، وقلعة ~~سرخس، وقهندز نيسابور، وسور شهرستان، وغير ذلك، خربه جميعه سنة تسع ~~وثمانين، ثم إنه ms3619 قتل هذه السنة كما ذكرنا. ### || AUT ذكر استيلاء عسكر مصر على مدينة صور # في هذه السنة، في ربيع الأول، وصل عسكر كثير من مصر إلى ثغر صور، بساحل ~~الشام، فحصرها وملكها. PageV04P0357 # وسبب ذلك أن الوالي بها، ويعرف بكتيلة، أظهر العصيان على المستعلي، صاحب ~~مصر، والخروج عن طاعته، فسير إليه جيشا، فحصروه بها، وضيقوا عليه وعلى من ~~معه من جندي وعامي، ثم افتتحها عنوة بالسيف، وقتل بها خلق كثير، ونهب منها ~~المال الجزيل، وأخذ الوالي أسيرا بغير أمان، وحمل إلى مصر فقتل بها. ### || AUT ذكر ملك بركيارق خراسان # ### || AUT وتسليمها إلى أخيه سنجر # كان بركيارق قد جهز العساكر مع أخيه الملك سنجر، وسيرها إلى خراسان ~~لقتال عمه أرسلان أرغون، وجعل الأمير قماج أتابك سنجر، ورتب في وزارته أبا ~~الفتح علي بن الحسين الطغرائي، فلما وصلوا إلى الدامغان بلغهم خبر قتله، ~~فأقاموا، حتى لحقهم السلطان بركيارق، وساروا إلى نيسابور، فوصل إليها خامس ~~جمادى الأولى من السنة وملكها بغير قتال، وكذلك سائر البلاد الخراسانية، ~~وساروا إلى بلخ. وكان عسكر أرسلان أرغون قد ملكوا بعد قتله ابنا له صغيرا، ~~عمره سبع سنين، فلما سمعوا بوصول السلطان أبعدوا إلى جبال طخارستان، ~~وأرسلوا يطلبون الأمان، فأجابهم إلى ذلك، فعادوا ومعهم ابن أرسلان أرغون، ~~فأحسن السلطان لقاءه، وأعطاه ما كان لأبيه من الإقطاع أيام ملكشاه، وكان ~~وصوله إلى السلطان في خمسة عشر ألف فارس، فما انقضى يومهم حتى فارقوه، ~~واتصلت كل طائفة منهم بأمير تخدمه، وبقي وحده مع خادم لأبيه، فأخذته والدة ~~السلطان بركيارق إليها، وأقامت له من يتولى خدمته وتربيته. وسار بركيارق ~~إلى ترمذ فسلمت إليه، وأقام عند بلخ سبعة أشهر، وأرسل إلى ما وراء النهر، ~~فأقيمت له الخطبة بسمرقند وغيرها، ودانت له البلاد. ### || AUT ذكر خروج أمير أميران بخراسان مخالفا # في هذه السنة لما كان السلطان بركيارق بخراسان خالف عليه أمير اسمه محمد ~~بن سليمان، ويعرف بأمير أميران، وهو ابن عم ملكشاه، وتوجه إلى بلخ، واستمد ~~من صاحب غزنة، فأمده بجيش كثير، وفيلة، وشرط عليه ms3620 أن يخطب له في جميع ما ~~يفتحه من خراسان، فقويت شوكته، ومد يده في البلاد، فسار إليه الملك سنجر بن ~~ملكشاه جريدة، ولا يعلم به أمير أميران، فكبسه، فجرى بينهما قتال ساعة، ثم ~~أسر، وحمل إلى بين يدي سنجر، فأمر به فكحل. ### || AUT ذكر عصيان الأمير قودن ويارقطاش على السلطان واستعمال حبشي على خراسان # في هذه السنة عصى يارقطاش وقدون على السلطان بركيارق. وسبب ذلك أن ~~الأمير قودن كان قد صار في جملة الأمير قماج، فتوفي، والسلطان بمرو، ~~فاستوحش قودن، وأظهر المرض، وتأخر بمرو بعد مسير السلطان إلى العراق، وكان ~~من جملة أمراء السلطان أمير اسمه اكنجي، وقد ولاه السلطان خوارزم، ولقبه ~~خوارزمشاه، فجمع عساكره وسار في عشرة آلاف فارس ليلحق السلطان، فسبق العسكر ~~إلى مرو في ثلاثمائة فارس، وتشاغل بالشرب، فاتفق قودن وأمير آخر اسمه ~~يارقطاش على قتله، فجمعا خمسمائة فارس وكبسوه وقتلوه، وساروا إلى خوارزم، ~~وأظهروا أن السلطان قد استعملهما عليها فتسلماها. وبلغ الخبر إلى السلطان، ~~فتم المسير إلى العراق، لما بلغه من خروج الأمير أنر ومؤيد الملك عن طاعته، ~~وأعاد أمير داذ حبشي بن التونتاق في جيش إلى خراسان لقتالهما، فسار إلى ~~هراة، وأقام ينتظر اجتماع العساكر معه، فعاجلاه في خمسة عشر ألفا، فعلم ~~أمير داذ أنه لا طاقة له بهما، فعبر جيحون، فسارا إليه، وتقدم يارقطاش ~~ليلحقه قودن، فعاجله يارقطاش وحده وقاتله، فانهزم يارقطاش وأخذ أسيرا. وبلغ ~~الخبر إلى قودن، فثار به عسكره، ونهبوا خزائنه وما معه، فبقي في سبعة نفر، ~~فهرب إلى بخارى، فقبض عليه صاحبها، ثم أحسن إليه، وبقي عنده، وسار من هناك ~~إلى الملك سنجر ببلخ، فقبله أحسن قبول، وبذل له قودن أن يكفيه أموره، ويقوم ~~بجمع العساكر على طاعته، فقدر أنه مات عن قريب، وأما يارقطاش فبقي أسيرا ~~إلى أن قتل أمير داذ، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر ابتداء دولة محمد بن خوارزمشاه # PageV04P0358 # في هذه السنة أمر بركيارق الأمير حبشي بن التونتاق على خراسان، كما ~~ذكرنا، ms3621 فلما صفت له، وقتل قودن، كما ذكرنا قبل، ولي خوارزم الأمير محمد بن ~~أنوشتكين، وكان أبوه أنوشتكين مملوك أمير من السلجوقية، اسمه بلكباك، قد ~~اشتراه من رجل من غرشستان فقيل له أنوشتكين غرشحه، فكبر، وعلا أمره، وكان ~~حسن الطريقة، كامل الأوصاف، وكان مقدما، مرجوعا إليه، وولد له ولد سماه ~~محمدا، وهو هذا، وعلمه، وخرجه، وأحسن تأديبه، وتقدم بنفسه، وبالعناية ~~الأزلية. فلما ولي أمير داذ حبشي خراسان كان خوارزمشاه اكنجي قد قتل، وقد ~~تقدم ذكره، ونظر الأمير حبشي فيمن يوليه خوارزم، فوقع اختياره على محمد بن ~~أنوشتكين، فولاه خوارزم، ولقبه خوارزمشاه، فقصر أوقاته على معدلة ينشرها، ~~ومكرمة يفعلها، وقرب أهل العلم والدين، فازداد ذكره حسنا، ومحله علوا. ولما ~~ملك السلطان سنجر خراسان أقر محمدا خوارزمشاه على خوارزم وأعمالها، فظهرت ~~كفايته وشهامته، فعظم سنجر محله وقدره. ثم إن بعض ملوك الأتراك جمع جموعا، ~~وقصد خوارزم، ومحمد غائب عنها، وكان طغرلتكين بن اكنجي، الذي كان أبوه ~~خوارزمشاه، قبل، عند السلطان سنجر، فهرب منه، والتحق بالأتراك على خوارزم، ~~فلما سمع خوارزمشاه محمد الخبر بادر إلى خوارزم، وأرسل إلى سنجر يستمده، ~~وكان بنيسابور، فسار في العساكر إليه، فلم ينتظره محمد، فلما قارب خوارزم ~~هرب الأتراك إلى منقشلاغ، وطغرلتكين أيضا رحل إلى حندخان، وكفي خوارزمشاه ~~شرهم. ولما توفي خوارزمشاه ولي بعده ابنه إتسز، فمد ظلال الأمن، وأفاض ~~العدل، وكان قد قاد الجيوش أيام أبيه، وقصد بلاد الأعداء، وباشر الحروب، ~~فملك مدينة منقشلاغ. ولما ولي بعد أبيه قربه السلطان سنجر، وعظمه، واعتضد ~~به، واستصحبه معه في أسفاره وحروبه، فظهرت منه الكفاية والشهامة، فزاده ~~تقدما وعلوا، وهو ابتداء ملك بيت خوارزمشاه تكش، وابنه محمد الذي ظهرت ~~التتر عليه، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر الحرب بين رضوان وأخيه دقاق # في هذه السنة سار الملك رضوان إلى دمشق، وبها أخوه دقاق، عازما على ~~أخذها منه، فلما قاربها، ورأى حصانتها وامتناعها، علم عجزه عنها، فرحل إلى ~~نابلس، وسار إلى القدس ليأخذه، فلم يمكنه، وانقطعت العساكر عنه، فعاد ms3622 ومعه ~~باغي سيان، صاحب أنطاكية، وجناح الدولة. ثم إن باغي سيان فارق رضوان، وقصد ~~دقاق، وحسن له محاصرة أخيه بحلب، جزاء لما فعله، فجمع عساكر كثيرة وسار ~~ومعه باغي سيان، فأرسل رضوان رسولا إلى سقمان بن أرتق، وهو بسروج، يستنجده، ~~فأتاه في خلق كثير من التركمان، فسار نحو أخيه، فالتقيا بقنسرين، فاقتتلا، ~~فانهزم دقاق وعسكره، ونهبت خيامهم وجميع مالهم، وعاد رضوان إلى حلب، ثم ~~اتفقا على أن يخطب لرضوان بدمشق قبل دقاق، وبأنطاكية، وقيل كانت هذه ~~الحادثة سنة تسع وثمانين. ### || AUT ذكر الخطبة للعلوي المصري بولاية رضوان # في هذه السنة خطب الملك رضوان في كثير من ولايته للمستعلي بأمر الله ~~العلوي، صاحب مصر. وسبب ذلك أنه كان عنده الأمير جناح الدولة، وهو زوج أمه، ~~فرأى من رضوان تغيرا، فسار إلى حمص، وهي له، فلما رأى باغي سيان بعده عن ~~رضوان صالحه، وقدم إليه بحلب، ونزل بظاهرها. وكان لرضوان منجم يقال له ~~الحكيم أسعد، وكان يميل إليه، فقدمه بعد مسير جناح الدولة، فحسن له مذاهب ~~العلويين المصريين، وأتته رسل المصريين يدعونه إلى طاعتهم، ويبذلون له ~~المال، وإنفاذ العساكر إليه ليملك دمشق، فخطب لهم بشيزر، وجميع الأعمال سوى ~~أنطاكية، وحلب، والمعرة، أربع جمع، ثم حضر عنده سقمان بن أرتق، وباغي سيان، ~~صاحب أنطاكية، فأنكرا ذلك واسعظماه، فأعاد الخطبة العباسية في هذه السنة، ~~وأرسل إلى بغداد يعتذر مما كان منه. وسار باغي سيان إلى أنطاكية، فلم يقم ~~بها غير ثلاثة أيام حتى وصل الفرنج إليها وحصروها، وكان ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كانت فتنة عظيمة بخراسان بين أهل سبزوار وأهل خسروجرد، ~~وقتال عظيم، فقتل بينهم جماعة كثيرة، وانهزم أهل خسروجرد. وفيها قتل عثمان، ~~وكيل دار نظام الملك، وكان سبب قتله أنه كان كاتب صاحب غزنة بالأخبار من ~~قبل السلطان، فأخذ وحبس بترمذ مدة، ثم اطلع عليه وهو في الحبس، أنه كان ~~يكاتبه أيضا فقتل. PageV04P0359 # وفي صفر منها قتل عبد الرحمن السميرمي، وزير أم السلطان بركيارق، ms3623 قتله ~~باطني غيلة، وقتل الباطني بعده. وفيها، في شعبان، ظهر كوكب كبير له ذؤابة، ~~وأقام يطلع عشرين يوما، ثم غاب ولم يظهر. وفيها توفي النقيب الطاهر أبو ~~الغنائم محمد بن عبد الله، وكان دينا، سخيا، كريما، متعصبا، حنفي المذهب، ~~وولي النقابة بعده ولده أبو الفتوح حيذرة. وفيها توفي أبو القاسم يحيى بن ~~أحمد السيبي وهو ابن مائة سنة وسنتين، وهو صحيح الحواس، وكان مقرئا، محدثا، ~~حاضر القلب. وفيها قتل أرغش النظامي، مملوك نظام الملك، بالري وكان قد بلغ ~~مبلغا عظيما بحيث أنه تزوج ابنة ياقوتي عم السلطان بركيارق، قتله باطني، ~~وقتل قاتله. وقتل برسق في شهر رمضان، وهو من أكابر الأمراء، قتله باطني، ~~وكان برسق من أصحاب السلطان طغرلبك، وهو أول شحنة كان ببغداد. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر ملك الفرنج مدينة أنطاكية # كان ابتداء ظهور دولة الفرنج، واشتداد أمرهم، وخروجهم إلى بلاد الإسلام، ~~واستيلائهم على بعضها، سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، فملكوا مدينة طليطلة ~~وغيرها من بلاد الأندلس، وقد تقدم ذكر ذلك. ثم قصدوا سنة أربع وثمانين ~~وأربعمائة جزيرة صقلية وملكوها، وقد ذكرته أيضا، وتطرقوا إلى أطراف ~~إفريقية، فملكوا منها شيئا وأخذ منهم، ثم ملكوا غيره على ما تراه. فلما كان ~~سنة تسعين وأربعمائة خرجوا إلى بلاد الشام، وكان سبب خروجهم أن ملكهم ~~بردويل جمع جمعا كثيرا من الفرنج، وكان نسيب رجار الفرنجي الذي ملك صقلية، ~~فأرسل إلى رجار يقول له: قد جمعت جمعا كثيرا، وأنا واصل إليك، وسائر من ~~عندك إلى إفريقية أفتحها، وأكون مجاورا لك. فجمع رجار أصحابه، واستشارهم في ~~ذلك، وقالوا: وحق الإنجيل هذا جيد لنا ولهم وتصبح البلاد بلاد النصرانية. ~~فرفع رجله وحبق حبقة عظيمة وقال: وحق ديني، هذه خير من كلامكم! قالوا: وكيف ~~ذلك؟ قال: إذا وصلوا إلي أحتاج إلى كفلة كثيرة، ومراكب تحملهم إلى إفريقية، ~~وعساكر من عندي أيضا، فإن فتحوا البلاد كانت لهم، وصارت المؤونة لهم من ~~صقلية، وينقطع عني ما يصل من المال من ثمن الغلات كل سنة، ms3624 وإن لم يفلحوا ~~رجعوا إلى بلادي، وتأذيت بهم، ويقول تميم غدرت بي، ونقضت عهدي، وتنقطع ~~الوصلة والأسفار بيننا، وبلاد إفريقية باقية لنا، متى وجدنا قوة أخذناها. ~~وأحضر رسوله، وقال له: إذا عزمتم على جهاد المسلمين، فأفضل ذلك فتح بيت ~~المقدس، تخلصونه من أيديهم ويكون لكم الفخر، وأما إفريقية فبيني وبين أهلها ~~أيمان وعهود. فتجهزوا، وخرجوا إلى الشام، وقيل: إن أصحاب مصر من العلويين، ~~لما رأوا قوة الدولة السلجوقية، وتمكنها واستيلاءها على بلاد الشام إلى ~~غزة، ولم يبق بينهم وبين مصر ولاية أخرى تمنعهم ودخول أقسيس إلى مصر ~~وحصرها، خافوا، وأرسلوا إلى الفرنج يدعونهم إلى الخروج إلى الشام ليملكوه، ~~ويكونوا بينهم وبين المسلمين، والله أعلم. فلما عزم الفرنج على قصد بلاد ~~الشام، ساروا إلى القسططينية ليعبروا المجاز إلى بلاد المسلمين، ويسيروا في ~~البر، فيكون أسهل عليهم، فلما وصلوا إليها منعهم ملك الروم من الاجتياز ~~ببلاده، وقال: لا أمكنكم من العبور إلى بلاد الإسلام حتى تحلفوا لي أنكم ~~تسلمون إلي أنطاكية، وكان قصده أن يحثهم على الخروج إلى بلاد الإسلام، ظنا ~~منه أنهم أتراك لا يبقون منهم أحدا، لما رأى من صرامتهم وملكهم البلاد. ~~فأجابوه إلى ذلك، وعبروا الخليج عند القسطنطينية سنة تسعين، ووصلوا إلى ~~بلاد قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، وهو قونية وغيرها، فلما وصلوا إليها ~~لقيهم قلج أرسلان في جموعه، ومنعهم، فقاتلوه فهزموه في رجب سنة تسعين، ~~واجتازوا في بلاده إلى بلاد ابن الأرمني، فسلكوها، وخرجوا إلى أنطاكية ~~فحصروها. PageV04P0360 # ولما سمع صاحبها باغي سيان بتوجههم إليها، خاف من النصارى الذي بها، ~~فأخرج المسلمين من أهلها، ليس معهم غيرهم، وأمرهم بحفر الخندق، ثم أخرج من ~~الغد النصارى لعمل الخندق أيضا، ليس معهم مسلم، فعملوا فيه إلى العصر، فلما ~~أرادوا دخول البلد منعهم، وقال لهم: أنطاكية لكم تهبونها لي حتى أنظر ما ~~يكون منا ومن الفرنج، فقالوا له: من يحفظ أبناءنا ونساءنا؟ فقال: أنا ~~أخلفكم فيهم، فأمسكوا، وأقاموا في عسكر الفرنج، فحصروها تسعة أشهر، وظهر من ~~شجاعة باغي سيان، وجودة رأيه، ms3625 وحزمه، واحتياطه ما لم يشاهد من غيره، فهلك ~~أكثر الفرنج موتا، ولو بقوا على كثرتهم التي خرجوا فيها لطبقوا بلاد ~~الإسلام، وحفظ باغي سيان أهل نصارى أنطاكية الذين أخرجهم، وكف الأيدي ~~المتطرقة إليهم. فلما طال مقام الفرنج على أنطاكية راسلوا أحد المستحفظين ~~للأبراج، وهو زراد يعرف بروزبه، وبذلوا له مالا وأقطاعا، وكان يتولى حفظ ~~برج يلي الوادي، وهو مبني على شباك في الوادي، فلما تقرر الأمر بينهم وبين ~~هذا الملعون الزراد، جاؤوا إلى الشباك ففتحوه ودخلوا منه، وصعد جماعة كثيرة ~~بالحبال، فلما زادت عدتهم على خمسمائة ضربوا البوق، وذلك عند السحر، وقد ~~تعب الناس من كثرة السهر والحراسة، فاستيقظ باغي سيان، فسأل عن الحال، ~~فقيل: إن هذا البوق من القلعة، ولا شك أنها قد ملكت، ولم يكن من القلعة، ~~وإنما كان من ذلك البرج، فدخله الرعب، وفتح باب البلد، وخرج هاربا في ~~ثلاثين غلاما على وجهه، فجاء نائبه في حفظ البلد، فسأل عنه، فقيل إنه هرب، ~~فخرج من باب آخر هاربا، وكان ذلك معونة للفرنج، ولو ثبت ساعة لهلكوا. ثم إن ~~الفرنج دخلوا البلد من الباب، ونهبوه، وقتلوا من فيه من المسلمين، وذلك في ~~جمادى الأولى. وأما باغي سيان فإنه لما طلع عليه النهار رجع إليه عقله، ~~وكان كالولهان، فرأى نفسه وقد قطع عدة فراسخ، فقال لمن معه: أين أنا؟ فقيل: ~~على أربعة فراسخ من أنطاكية، فندم كيف خلص سالما، ولم يقاتل حتى يزيلهم عن ~~البلد أو يقتل، وجعل يتلهف، ويسترجع على ترك أهله وأولاده والمسلمين، فلشدة ~~ما لحقه سقط عن فرسه مغشيا عليه، فلما سقط إلى الأرض أراد أصحابه أن ~~يركبوه، فلم يكن فيه مسكة قد قارب الموت فتركوه وساروا عنه، واجتاز به ~~إنسان أرمني كان يقطع الحطب، وهو بآخر رمق، فقتله وأخذ رأسه وحمله إلى ~~الفرنج بأنطاكية. وكان الفرنج قد كاتبوا صاحب حلب، ودمشق، بأننا لا نقصد ~~غير البلاد التي كانت بيد الروم، لا نطلب سواها، مكرا منهم وخديعة، حتى لا ~~يساعدوا صاحب أنطاكية. ### || AUT ذكر مسير المسلمين ms3626 إلى الفرنج # ### || AUT وما كان منهم # لما سمع قوام الدولة كربوقا بحال الفرنج، وملكهم أنطاكية، جمع العساكر ~~وسار إلى الشام، وأقام بمرج دابق، واجتمعت معه عساكر الشام، تركها وعربها ~~سوى من كان بحلب، فاجتمع معه دقاق بن تتش وطغتكين أتابك، وجناح الدولة، ~~صاحب حمص، وأرسلان تاش، صاحب سنجار، وسليمان بن أرتق، وغيرهم من الأمراء ~~ممن ليس مثلهم. فلما سمعت الفرنج عظمت المصيبة عليهم، وخافوا لما هم فيه من ~~الوهن، وقلة الأقوات عندهم، وسار المسلمون، فنازلوهم على أنطاكية، وأساء ~~كربوقا السيرة، فيمن معه من المسلمين، وأغضب الأمراء وتكبر عليهم ظنا منه ~~أنهم يقيمون معه على هذه الحال، فأغضبهم ذلك، وأضمروا له في أنفسهم الغدر، ~~إذا كان قتال، وعزموا على إسلامه عند المصدوقة. وأقام الفرنج بأنطاكية، بعد ~~أن ملكوها، اثني عشر يوما لي لهم ما يأكلونه، وتقوت الأقوياء بدوابهم، ~~والضعفاء بالميتة وورق الشجر، فلما رأوا ذلك أرسلوا إلى كربوقا يطلبون منه ~~الأمان ليخرجوا من البلد، فلم يعطهم ما طلبوا، وقال: لا تخرجون إلا بالسيف. ~~وكان معهم من الملوك بردويل، وصنجيل، وكندفري، والقمص، صاحب الرها، وبيمنت، ~~صاحب أنطاكية، وهو المقدم عليهم. وكان معهم راهب مطاع فيهم، وكان داهية من ~~الرجال، فقال لهم: إن المسيح، عليه السلام، كان له حربة مدفونة بالقسيان ~~الذي بأنطاكية، وهو بناء عظيم، فإن وجدتموها فإنكم تظفرون، وإن لم تجدوها ~~فالهلاك متحقق. PageV04P0361 # وكان قد دفن قبل ذلك حربة في مكان فيه، وعفى أثرها، وأمرهم بالصوم ~~والتوبة، ففعلوا ذلك ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع أدخلهم الموضع ~~جميعهم، ومعهم عامتهم، والصناع منهم، وحفروا في جميع الأماكن فوجدوها كما ~~ذكر، فقال لهم: أبشروا بالظفر، فخرجوا في اليوم الخامس من الباب متفرقين من ~~خمسة، وستة، ونحو ذلك، فقال المسلمون لكربوقا: ينبغي أن تقف على الباب، ~~فتقتل كل من يخرج، فإن أمرهم الآن، وهم متفرقون، سهل. فقال: لا تفعلوا! ~~أمهلوهم حتى يتكامل خروجهم فنقتلهم. ولم يمكن من معاجلتهم، فقتل قوم من ~~المسلمين جماعة من الخارجين، فجاء إليهم هو بنفسه، ومنعهم، ونهاهم. فلما ~~تكامل خروج ms3627 الفرنج، ولم يبق بأنطاكية أحد منهم، ضربوا مصافا عظيما، فولى ~~المسلمون منهزمين، لما عاملهم به كربوقا أولا من الاستهانة بهم، والإعراض ~~عنهم، وثانيا من منعهم عن قتل الفرنج، وتمت الهزيمة عليهم، ولم يضرب أحد ~~منهم بسيف، ولا طعن برمح، ولا رمى بسهم، وآخر من انهزم سقمان بن أرتق، ~~وجناح الدولة، لأنهما كانا في الكمين، وانهزم كربوقا معهم. فلما رأى الفرنج ~~ذلك ظنوه مكيدة، إذ لم يجر قتال ينهزم من مثله، وخافوا أن يتبعوهم، وثبت ~~جماعة من المجاهدين، وقاتلوا حسبة، وطلبا للشهادة، فقتل الفرنج منهم ألوفا، ~~وغنموا ما في العسكر من الأقوات والأموال والأثاث والدواب والأسلحة، فصلحت ~~حالهم، وعادت إليهم قوتهم. ### || AUT ذكر ملك الفرنج معرة النعمان # لما فعل الفرنج بالمسلمين ما فعلوا ساروا إلى معرة النعمان، فنازلوها، ~~وحصروها، وقاتلهم أهلها قتالا شديدا، ورأى الفرنج منهم شدة ونكاية، ولقوا ~~منهم الجد في حربهم، والاجتهاد في قتالهم، فعملوا عند ذلك برجا من خشب ~~يوازي سور المدينة، ووقع القتال عليه، فلم يضر المسلمين ذلك، فلما كان ~~الليل خاف قوم من المسلمين، وتداخلهم الفشل والهلع، وظنوا أنهم إذا تحصنوا ~~ببعض الدور الكبار امتنعوا بها، فنزلوا من السور وأخلوا الموضع الذي كانوا ~~يحفظونه، فرآهم طائفة أخرى، ففعلوا كفعلهم، فخلا مكانهم أيضا من السور. ولم ~~تزل ننبع طائفة منهم التي تليها في النزول، حتى خلا السور، فصعد الفرنج ~~إليه على السلاليم، فلما علوه تحير المسلمون، ودخلوا دورهم، فوضع الفرنج ~~فيهم السيف ثلاثة أيام، فقتلوا ما يزيد على مائة ألف، وسبوا السبي الكثير، ~~وملكوه، وأقاموا أربعين يوما. وساروا إلى عرقة فحصروها أربعة أشهر، ونقبوا ~~سورها عدة نقوب، فلم يقدروا عليها، وراسلهم منقذ، صاحب شيزر، فصالحهم ~~عليها، وساروا إلى حمص وحصروها، فصالحهم صاحبها جناح الدولة، وخرجوا على ~~طريق النواقير إلى عكا، فلم يقدروا عليها. ### || AUT ذكر الحرب بين الملك سنجر ودولتشاه # كان دولتشاه من أبناء الملوك السلجوقية، فاجتمع عليهم جمع من عساكر بيغو ~~أخي طغرلبك، وكانوا بطخارستان، فأخذوا ولوالج وكمنج، فسار إليهم السلطان ~~سنجر وعساكره. فوصل إلى بلخ، ms3628 فدخلها في رجب من هذه السنة، وخرج منها لقتال ~~دولتشاه، فلم يكن له من الجموع ما ثبت مقابل عسكر سنجر، فقاتلوا شيئا من ~~قتال، وانهزموا، وأخذوا دولتشاه أسيرا، وأحضر عند سنجر، فعفا عنه من القتل، ~~وحبسه، ثم بعد ذلك كحله، وسير سنجر جيشا إلى مدينة ترمذ، فملكوها، وأسلمها ~~إلى طغرلتكين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة فتح تميم بن المعز بن باديس، صاحب إفريقية، جزيرة جربة ~~وجزيرة قرقنة، ومدينة تونس، وكان بإفريقية غلاء شديد هلك فيه كثير من ~~الناس. وفيها أرسل الخليفة رسولا إلى السلطان بركيارق مستنفرا على الفرنج، ~~ومبالغا في تعظيم الأمر وتداركه قبل أن يزداد قوة. وفي هذه السنة، في ~~شعبان، توفي أبو الحسن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف، ومولده سنة ~~اثنتي عشرة وأربعمائة، وكان فاضلا في الحديث. وفيها توفي أبو الفضل عبد ~~الوهاب بن أبي محمد التميمي الحنبلي، وكان فاضلا، فصيحا. وفيها، في شوال، ~~توفي طراد بن محمد الزينبي، وهو عالي الإسناد في الحديث، وولي نقابة ~~العباسيين من بعده ابنه شرف الدين علي بن طراد. وفيها، في ذي القعدة، توفي ~~أبو الفتح المظفر بن رئيس الرؤساء أبي القاسم بن المسلمة، وكان بيته مجمع ~~الفضلاء وأهل الدين، ومن جملة من كان عنده إلى أن توفي الشيخ أبو إسحاق ~~الشيرازي. PageV04P0362 # وفيها توفي أبو الفرج سهل بن بشر بن أحمد الاسفراييني، وهو من أعيان المحدثين. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر عصيان الأمير أنر وقتله # لما سار السلطان بركيارق إلى خراسان ولى الأمير أنر بلاد فارس جميعها، ~~وكانت قد تغلب عليها الشوانكارة على اختلاف بطونهم وقبائلهم، واستعانوا ~~بصاحب كرمان إيران شاه بن قاورت، فاجتمعوا، وصافوا الأمير أنر، وكسروه، ~~وعاد مفلولا إلى أصبهان، وأرسل إلى السلطان يستأذنه في اللحاق به إلى ~~خراسان، فأمره بالمقام ببلد الجبال، وولاه إمارة العراق، وكاتب العساكر ~~المجاورة له بطاعته. فأقام بأصبهان، وسار منها إلى أقطاعه بأذربيجان، وعاد ~~وقد انتشر أمر الباطنية بأصبهان، فندب نفسه لقتالهم، وحصر قلعة على جبل ms3629 ~~أصبهان. واتصل به مؤيد الملك بن نظام الملك، وكان ببغداد، فسار منها إلى ~~الحلة، فأكرمه صدقة، وسار من عنده إلى الأمير أنر، فلما اجتمع بالأمير أنر ~~خوفه هو وغيره من السلطان بركيارق، وعظموا عليه الاجتماع به، وحسنوا له ~~البعد عنه، وأشاروا عليه بمكاتبة غياث الدين محمد بن ملكشاه، وهو إذ ذاك ~~بكنجة، فعزم على المخالفة للسلطان، وتحدث فيه، فظهر ذلك، فزاد خوفه من ~~السلطان، فجمع من العساكر المعروفين بالشجاعة نحو عشرة آلاف فارس، وسار من ~~أصبهان إلى الري، وأرسل إلى السلطان يقول: إنه مملوك، ومطيع، إن سلم إليه ~~مجد الملك البلاساني، وإن لم يسلمه إليه فهو عاص خارج عن الطاعة. فبينما هو ~~يفطر، وكان عادته أن يصوم أياما من الأسبوع، فلما قارب الفراغ من الإفطار ~~هجم عليه ثلاثة نفر من الأتراك المولدين بخوارزم، وهم من جملة خيله، فصدم ~~أحدهم المشعل فألقاه، وصدم الآخر الشمعة فأطفأها، وضربه الثالث بالسكين ~~فقتله، وقتل معه جانداره، واختلط الناس في الظلمة، ونهبوا خزائنه، وتفرق ~~عسكره، وبقي ملقى فلم يوجد ما يحمل عليه، ثم حمل إلى داره بأصبهان، ودفن ~~بها. ووصل خبر قتله إلى السلطان بركيارق، وهو بخوار الري، قد خرج من خراسان ~~عازما على قتاله، وهو على غاية الحذر من قتاله وعاقبة أمره، وفرح مجد الملك ~~البلاساني بقتله، وكان له مثل يومه عن قريب، وكان عمر أنر سبعا وثلاثين ~~سنة، وكان كثير الصوم والصلاة والخير والمحبة للصالحين. ### || AUT ذكر ملك الفرنج لعنهم الله البيت المقدس # كان البيت المقدس لتاج الدولة تتش، وأقطعه للأمير سقمان بن أرتق ~~التركماني، فلما ظفر الفرنج بالأتراك على أنطاكية، وقتلوا فيهم، ضعفوا، ~~وتفرقوا، فلما رأى المصريون ضعف الأتراك ساروا إليه، ومقدمهم الأفضل بن بدر ~~الجمالي، وحصروه وبه الأمير سقمان، وإيلغازي، ابنا أرتق، وابن عمهما سونج، ~~وابن أخيهما ياقوتي، ونصبوا عليه نيفا وأربعين منجنيقا، فهدموا مواضع من ~~سوره، وقاتلهم أهل البلد، فدام القتال والحصار نيفا وأربعين يوما، وملكوه ~~بالأمان في شعبان سنة تسع وثمانين وأربعمائة. وأحسن الأفضل إلى سقمان ~~وإيلغازي ومن معهما، ms3630 وأجزل لهم العطاء، وسيرهم فساروا إلى دمشق، ثم عبروا ~~الفرات، فأقام سقمان ببلد الرها وسار إيلغازي إلى العراق، واستناب المصريون ~~فيه رجلا يعرف بافتخار الدولة، وبقي فيه إلى الآن. فقصد الفرنج، بعد أن ~~حصروا عكا، فلم يقدروا عليها، فلما وصلوا إليه حصروه نيفا وأربعين يوما، ~~ونصبوا عليه برجين أحدهما من ناحية صهيون، وأحرقه المسلمون، وقتلوا كل من ~~به. فلما فرغوا من إحراقه أتاهم المستغيث بأن المدينة قد ملكت من الجانب ~~الآخر، وملكوها من جهة الشمال منه ضحوة نهار يوم الجمعة لسبع بقين من ~~شعبان، وركب الناس السيف، ولبث الفرنج في البلدة أسبوعا يقتلون فيه ~~المسلمين، واحتمى جماعة من المسلمين بمحراب داود، فاعتصموا به، وقاتلوا فيه ~~ثلاثة أيام، فبذل لهم الفرنج الأمان، فسلموه إليهم، ووفى لهم الفرنج، ~~وخرجوا ليلا إلى عسقلان فأقاموا بها. PageV04P0363 # وقتل الفرنج، بالمسجد الأقصى، ما يزيد على سبعين ألفا، منهم جماعة كثيرة ~~من أئمة المسلمين، وعلمائهم، وعبادهم، وزهادهم، ممن فارق الأوطان وجاور ~~بذلك الموضع الشريف، وأخذوا من عند الصخرة نيفا وأربعين قنديلا من الفضة، ~~وزن كل قنديل ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا تنورا من فضة وزنه أربعون ~~رطلا بالشامي، وأخذوا من القناديل الصغار مائة وخمسين قنديلا نقرة، ومن ~~الذهب نيفا وعشرين قنديلا، وغنموا منه ما لا يقع عليه الإحصاء. وورد ~~المستنفرون من الشام، في رمضان، إلى بغداد صحبة القاضي أبي سعد الهروي، ~~فأوردوا في الديوان كلاما أبكى العيون، وأوجع القلوب، وقاموا بالجامع يوم ~~الجمعة، فاستغاثوا، وبكوا وأبكوا، وذكر ما دهم المسلمين بذلك البلد الشريف ~~المعظم من قتل الرجال، وسبي الحريم والأولاد، ونهب الأموال، فلشدة ما ~~أصابهم أفطروا، فأمر الخليفة أن يسير القاضي أبو محمد الدامغاني، وأبو بكر ~~الشاشي، وأبو القاسم الزنجاني، وأبو الوفا بن عقيل، وأبو سعد الحلواني، ~~وأبو الحسين بن سماك، فساروا إلى حلوان، فبلغهم قتل مجد الملك البلاساني، ~~على ما نذكره، فعادوا من غير بلوغ أرب، ولا قضاء حاجة. واختلف السلاطين على ~~ما نذكره، فتمكن الفرنج من البلاد، فقال أبو المظفر الآبيوردي، في هذا ~~المعنى، أبياتا ms3631 منها: مزجنا دماء بالدموع السواجم، ... فلم يبق منا عرضة ~~للمراجم وشر سلاح المرء دمع يفيضه، ... إذا الحرب شبت نارها بالصوارم ~~فإيها، بني الإسلام، إن وراءكم ... وقائع يلحقن الذرى بالمناسم أتهويمة في ~~ظل أمن وغبطة، ... وعيش كنوار الخميلة ناعم وكيف تنام العين ملء جفونها، ~~... على هفوات أيقظت كل نائم وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم ... ظهور ~~المذاكي، أو بطون القشاعم تسومهم الروم الهوان، وأنتم ... تجرون ذيل الخفض ~~فعل المسالم وكم من دماء قد أبيحت، ومن دمى ... تواري حياء حسنها بالمعاصم ~~بحيث السيوف البيض محمرة الظبى ... وسمر العوالي داميات اللهاذم وبين ~~اختلاس الطعن والضرب وقفة ... تظل لها الولدان شيب القوادم وتلك حروب من ~~يغب عن غمارها ... ليسلم، يقرع بعدها سنجر نادم سللن بأيدي المشركين ~~قواضبا، ... ستغمد منهم في الطلى والجماجم يكاد لهن المستجن بطيبة ... ~~ينادي بأعلى الصوت يا آل هاشم أرى أمتي لا يشرعون إلى العدى ... رماحهم، ~~والدين واهي الدعائم ويجتنبون النار خوفا من الردى، ... ولا يحسبون العار ~~ضربة لازم أترضى صناديد الأعاريب بالأذى، ... ويغضي على ذل كماة الأعاجم ~~ومنها: فليتهم، إذ لم يذودوا حمية ... عن الدين، ضنوا غيرة بالمحارم وإن ~~زهدوا في الأجرن إذ حمس الوغى، ... فهلا أتوه رغبة في الغنائم لئن أذعنت ~~تلك الخياشم للبرى، ... فلا عطسوا إلا بأجدع راغم دعوناكم، والحرب ترنو ~~ملحة ... إلينا، بألحاظ النسور القشاعم تراقب فينا غارة عربية، ... تطيل ~~عليها الروم عض الأباهم فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه، ... رمينا إلى أعدائنا بالجرائم ### || AUT ذكر الحرب بين المصريين والفرنج # في هذه السنة، في رمضان، كانت وقعة بين العساكر المصرية والفرنج، وسببها ~~أن المصريين لما بلغهم ما تم على أهل القدس، جمع الأفضل أمير الجيوش ~~العساكر، وحشد، وسار إلى عسقلان، وأرسل إلى الفرنج ينكر عليهم ما فعلوا، ~~ويتهددهم، فأعادوا الرسول بالجواب ورحلوا على أثره، وطلعوا على المصريين، ~~عقيب وصول الرسول، ولم يكن عند المصريين خبر من وصولهم، ولا من حركتهم، ولم ~~يكونوا على أهبة القتال، فنادوا إلى ركوب خيولهم، ولبسوا أسلحتهم، وأعجلهم ~~الفرنج، فهزموهم، وقتلوا منهم من قتل، وغنموا ms3632 ما في المعسكر من مال وسلاح ~~وغير ذلك. PageV04P0364 # وانهزم الأفضل، فدخل عسقلان، ومضى جماعة من المنهزمين فاستتروا بشجر ~~الجميز، وكان هناك كثيرا، فأحرق الفرنج بعض الشجر، حتى هلك من فيه، وقتلوا ~~من خرج منه، وعاد الأفضل في خواصه إلى مصر، ونازل الفرنج عسقلان، وضايقوها، ~~فبذل لهم أهلها قطيعة اثني عشر ألف دينار، وقيل عشرين ألف دينار، ثم عادوا إلى القدس. ### || AUT ذكر ابتداء ظهور السلطان محمد بن ملكشاه # كان السلطان محمد وسنجر أخوين لأم وأب، أمهما أم ولد، ولما مات أبوه ~~ملكشاه كان محمد معه ببغداد، فسار مع أخيه محمود، وتركان خاتون زوجة والده ~~إلى أصبهان، ولما حصر بركيارق أصبهان خرج محمد متخفيا، ومضى إلى والدته، ~~وهي في عسكر أخيه بركيارق، وقصد أخاه السلطان بركيارق، وسار معه إلى بغداد ~~سنة ست وثمانين وأربعمائة، وأقطعه بركيارق كنجة وأعمالها، وجعل معه أتابكا ~~له الأمير قتلغ تكين، فلما قوي محمد قتله، واستولى على جميع أعمال أران ~~الذي من جملته كنجة، فعرف ذلك الوقت شهامة محمد. وكان السلطان ملكشاه قد ~~أخذ تلك البلاد من فضلون بن أبي الأسوار الروادي، وسلمها إلى سرهنك ساوتكين ~~الخادم، وأقطع فضلون أستراباذ، وعاد فضلون ضمن بلاده، ثم عصى فيها لما قوي، ~~فأرسل السلطان إليه الأمير بوزان، فحاربه وأسره، وأقطع بلاده لجماعة منهم: ~~باغي سيان، صاحب أنطاكية، ولما مات باغي سيان عاد ولده إلى ولاية أبيه في ~~هذه البلاد، وتوفي فضلون ببغداد سنة أربع وثمانين وهو على غاية من الإضاقة ~~في مسجد على دجلة. وقد ذكرنا فيما تقدم تنقل الأحوال بمؤيد الملك عبيد الله ~~بن نظام الملك، وأنه كان عند الأمير أنر، فحسن له عصيان السلطان بركيارق، ~~فلما قتل أنر سار إلى الملك محمد، فأشار عليه بمخالفة أخيه، والسعي في طلب ~~السلطنة واستوزر مؤيد الملك. واتفق قتل مجد الملك البلاساني، واستيحاش ~~العسكر من السلطان بركيارق، وفارقوه وساروا نحو السلطان محمد، فلقوه ~~بخرقان، فصاروا معه، وساروا نحو الري. وكان السلطان بركيارق لما فارقه ~~عسكره سار مجدا إلى الري، فأتاه بها الأمير ms3633 نيال بن أنوشتكين الحسامي، وهو ~~من أكابر الأمراء، ووصل إليه أيضا عز الملك منصور بن نظام الملك، وأمه ابنة ~~ملك الأبخاز، ومعه عساكر جمة، فبلغه مسير أخيه محمد إليه في العساكر، فسار ~~من الري إلى أصبهان، فلم يفتح أهلها له الأبواب، فسار إلى خوزستان، على ما ~~نذكره. وورد السلطان محمد إلى الري ثاني ذي القعدة، فوجد زبيدة خاتون والدة ~~السلطان بركيارق قد تخلفت بعد ابنها، فأخذها مؤيد الملك وسجنها في القلعة، ~~وأخذ خطها بخمسة آلاف دينار، وأراد قتلها، وأشار عليه ثقاته أن لا يفعل ~~ذلك، فلم يقبل منهم، وقالوا له: العسكر محبون لولدها، وإنما استوحشوا منه ~~لأجلها، ومتى قتلت عدلوا عليه، فلا تغتر بهؤلاء الجند، فإنهم غدروا بمن ~~أحسن إليهم أوثق ما كان بهم، فلم يصغ إلى قولهم، ورفعها إلى القلعة، وخنقت، ~~وكان عمرها اثنتين وأربعين سنة. فلما أسر السلطان بركيارق مؤيد الملك رأى ~~خطه في تذكرته بخمسة آلاف دينار، فكان أعظم الأسباب في قتله. ### || AUT ذكر الخطبة ببغداد للملك محمد # لما قوي أمر السلطان محمد سار إليه سعد الدولة كوهرائين من بغداد، وكان ~~قد استوحش من السلطان بركيارق، فاجتمع هو وكربوقا، صاحب الموصل، وجكرمش، ~~صاحب الجزيرة، وسرخاب بن بدر، صاحب كنكور، وغيرها، فساروا إلى السلطان ~~محمد، فلقوه بقم، فرد سعد الدولة إلى بغداد، وخلع عليه، وسار كربوقا وجكرمش ~~في خدمته إلى أصبهان، ولما وصل كوهرائين إلى بغداد خاطب الخليفة في الخطبة ~~للسلطان محمد، فأجاب إلى ذلك، وخطب له يوم الجمعة سابع عشر ذي الحجة، ولقب ~~غياث الدنيا والدين. ### || AUT ذكر قتل مجد الملك البلاساني # قد ذكرنا تحكم مجد الملك أبي الفضل أسعد بن محمد في دولة السلطان ~~بركيارق، وتمكنه منها. فلما بلغ الغاية التي لا مزيد عليها جاءته نكبات ~~الدنيا ومصائبها من حيث لا يحتسب. وأما سبب قتله، فإن الباطنية لما توالى ~~منهم قتل الأمراء الأكابر من الدولة السلطانية، نسبوا ذلك إليه، وأنه هو ~~الذي وضعهم على قتل من قتلوه، وعظم ذلك قتل الأمير برسق، فاتهم أولاده زنكي ~~واقبوري ms3634 وغيرهما، مجد الملك بقتله، وفارقوا السلطان. PageV04P0365 # وسار السلطان إلى زنجان لأنه بلغه خروج السلطان عليه، على ما ذكرناه، ~~فطمع حينئذ الأمراء، فأرسل أمير آخر، وبلكابك، وطغايرك ابن اليزن، وغيرهم، ~~إلى الأمراء بني برسق يستحضرونهم إليهم ليتفقوا معهم على مطالبة السلطان ~~بتسليم مجد الملك إليهم ليقتلوه، فحضروا عندهم، فأرسلوا إلى السلطان ~~بركيارق، وهم بسجاس، مدينة قريبة من همذان، يلتمسون تسليمه إليهم، ووافقهم ~~على ذلك العسكر جميعه، وقالوا: إن سلم إلينا فنحن العبيد الملازمون للخدمة، ~~وإن منعنا فارقنا، وأخذنا قهرا. فمنع السلطان منه، فأرسل مجد الملك إلى ~~السلطان يقول له: المصلحة أن تحفظ أمراء دولتك، وتقتلني أنت لئلا يقتلني ~~القوم فيكون فيه وهن على دولتك. فلم تطب نفس السلطان بقتله، وأرسل إليهم ~~يستحلفهم على حفظ نفسه، وحبسه في بعض القلاع. فلما حلفوا سلمه إليهم، فقتله ~~الغلمان قبل أن يصل إليهم، فسكنت الفتنة. ومن العجب أنه كان لا يفارقه كفنه ~~سفرا وحضرا، ففي بعض الأيام فتح خازنه صندوقا، فرأى الكفن، فقال: وما أصنع ~~بهذا؟ إن أمري لا يؤول إلى كفن، والله ما أبقى إلا طريحا على الأرض. فكان ~~كذلك، ورب كلمة تقول لقائلها دعني. ولما قتل حمل رأسه إلى مؤيد الملك بن ~~نظام الملك. وكان مجد الملك خيرا، كثير الصلاة بالليل، كثير الصدقة، لا ~~سيما على العلويين وأرباب البيوتات، وكان يكره سفك الدماء، وكان يتشيع إلا ~~أنه كان يذكر الصحابة ذكرا حسنا، ويلعن من يسبهم. ولما قتل أرسل الأمراء ~~يقولون للسلطان: المصلحة أن تعود إلى الري، ونحن نمضي إلى أخيك فنقاتله ~~ونقضي هذا المهم. فسار بعد امتناع، وتبعه مائتا فارس لا غير، ونهب العسكر ~~سرادق السلطان ووالدته وجميع أصحابه، وعاد إلى الري، وسار العسكر إلى ~~السلطان محمد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في شعبان، وصل الكيا أبو الحسن علي بن محمد الطبري ~~المعروف بالهراس، الفقيه الشافعي، ولقبه عماد الدين شمس الإسلام، برسالة من ~~السلطان بركيارق إلى الخليفة، وهو من أصحاب إمام الحرمين أبي المعالي ~~الجويني، ومولده سنة خمسين وأربعمائة، واعتنى بأمره ms3635 مجد الملك البلاساني، ~~وقام له الوزير عميد الدولة بن جهير لما دخل عليه. وفيها قتل أبو القاسم ~~ابن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني بنيسابور! وكان خطيبها، واتهم العامة ~~الزروع جميعها، ولحق الناس بعده وباء جارف، فمات منهم خلق كثير عجزوا عن ~~دفنهم لكثرتهم. وفيها، في شعبان، توفي أبو الغنائم الفارقي، الفقيه ~~الشافعي، بجزيرة ابن عمر، وكان إماما فاضلا زاهدا. وفيها، في صفر، توفي أبو ~~عبد الله الحسين بن طلحة النعالي، وعمره نحو تسعين سنة، وكان عالي الإسناد ~~في الحديث، وقيل توفي سنة ثلاث وتسعين. وفيها، في شعبان، توفي أبو غالب ~~محمد بن علي بن عبد الواحد بن الصباغ الفقيه الشافعي، تفقه على ابن عمه أبي ~~نصر، وكان حسن الخلق، متواضعا. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر إعادة خطبة السلطان بركيارق ببغداد # في هذه السنة أعيدت الخطبة للسلطان بركيارق ببغداد. وسبب ذلك أن بركيارق ~~سار في العام الماضي من الري إلى خوزستان، فدخلها وجميع من معه على حال ~~سيئة، وكان أمير عسكره حينئذ ينال ابن أنوشتكين الحسامي، وأتاه غيره من ~~الأمراء، وسار إلى واسط، فظلم عسكره الناس، ونهبوا البلاد، واتصل به الأمير ~~صدقة بن مزيد، صاحب الحلة، ووثب على السلطان قوم ليقتلوه، فأخذوا وأحضروا ~~بين يديه، فاعترفوا أن الأمير سرمز، شحنة أصبهان، وضعهم على قتله، فقتل ~~أحدهم، وحبس الباقون، وسار إلى بغداد، فدخلها سابع عشر صفر، وخطب له ببغداد ~~يوم الجمعة منتصف صفر قبل وصوله بيومين. وكان سعد الدولة كوهرائين ~~بالشفيعي، وهو في طاعة السلطان محمد، فسار إلى داي مرج، ومعه إيلغازي بن ~~أرتق وغيره من الأمراء، فأرسل إلى مؤيد الملك والسلطان محمد يستحثهما على ~~الوصول إليه، فأرسلا إليه كربوقا، صاحب الموصل، وجكرمش، صاحب جزيرة ابن ~~عمر، فأما جكرمش فاستأذن كوهرائين في العود إلى بلده، وقال إنه قد اختلت ~~الأحوال، فأذن له، وبقي مع كوهرائين جماعة من الأمراء، فاتفقوا على أن ~~يصدروا عن رأي واحد لا يختلفون، ثم اتفقت آراؤهم على أن كتبوا إلى السلطان ~~بركيارق يقولون له: ms3636 اخرج إلينا، فما فينا من يقاتلك. PageV04P0366 # وكان الذي أشار بذا كربوقا، وقال لكوهرائين: إننا لم نظفر من محمد ومؤيد ~~الملك بطائل، وكان منحرفا عن مؤيد الملك. فسار بركيارق إليهم، فترجلوا، ~~وقبلوا الأرض، وعادوا معه إلى بغداد، وأعاد إلى كوهرائين جميع ما كان أخذ ~~له من سلاح ودواب وغير ذلك، واستوزر بركيارق ببغداد الأعز أبا المحاسن عبد ~~الجليل بن علي بن محمد الدهستاني، وقبض على عميد الدولة ابن جهير، وزير ~~الخليفة، وطالبه بالحاصل من ديار بكر والموصل لما تولاها هو وأبوه أيام ~~ملكشاه، فاستقر الأمر على مائة ألف دينار وستين ألف دينار يحملها إليه، ~~وخلع الخليفة السلطان بركيارق. ### || AUT ذكر الوقعة بين السلطانين بركيارق ومحمد وإعادة خطبة محمد ببغداد # في هذه السنة سار بركيارق من بغداد على شهرزور، فأقام بها ثلاثة أيام، ~~والتحق به عالم كثير من التركمان وغيرهم، فسار نحو أخيه السلطان محمد ~~ليحاربه، فكاتبه رئيس همذان ليسير إليها ويأخذ أقطاع الأمراء الذين مع ~~أخيه، فلم يفعل، وسار نحو أخيه، فوقعت الحرب بينهم رابع رجب، وهو المصاف ~~الأول بين بركيارق وأخيه السلطان محمد بإسبيذروذ، ومعناه النهر الأبيض، وهو ~~على عدة فراسخ من همذان. وكان مع محمد نحو عشرين ألف مقاتل، وكان محمد في ~~القلب، ومعه الأمير سرمز، وعلى ميمنته أمير آخر، وابنه إباز، على ميسرته ~~مؤيد الملك، والنظامية، وكان السلطان بركيارق في القلب، ووزيره الأعز أبو ~~المحاسن، وعلى ميمنته كوهرائين وعز الدولة بن صدقة بن مزيد، وسرخاب بن بدر، ~~وعلى ميسرته كربوقا وغيره، فحمل كوهرائين من ميمنة بركيارق على ميسرة محمد، ~~وبها مؤيد الملك، والنظامية، فانهزموا، ودخل عسكر بركيارق في خيامهم، ~~فنهبوهم، وحملت ميمنة محمد على ميسرة بركيارق، فانهزمت الميسرة، وانضافت ~~ميمنة محمد إليه في القلب على بركيارق، ومن معه، فانهزم بركيارق، ووقف محمد ~~مكانه، وعاد كوهرائين من طلب المنهزمين الذين انهزموا بين يديه، وكبا به ~~فرسه، فأتاه خراساني فقتله، وأخذ رأسه، وتفرقت عساكر بركيارق، وبقي في ~~خمسين فارسا. وأما وزيره الأعز أبو المحاسن فإنه أخذ أسيرا، فأكرمه مؤيد ~~الملك ms3637 بن نظام الملك، ونصب له خيما وخركاة، وحمل إليه الفرش والكسوة، وضمنه ~~عمادة بغداد، وأعاده إليها، وأمره بالمخاطبة في إعادة الخطبة للسلطان محمد ~~ببغداد، فلما وصل إليها خاطب في ذلك، فأجيب إليه وخطب له يوم الجمعة رابع عشر رجب. ### || AUT ذكر قتل سعد الدولة كوهرائين # في هذه السنة، في رجب قتل سعد الدولة كوهرائين في الحرب المذكورة قبل، ~~وكان ابتداء أمره أنه كان خادما للملك أبي كاليجار بن سلطان الدولة بن ~~بويه، انتقل إليه من امرأة من قرقوب بخوزستان، وكان إذا توجه إلى الأهواز ~~حضر عندها، واستعرض حوائجها، وأصاب أهلها منه خيرا كثيرا، فأرسله أبو ~~كاليجار مع ابنه أبي نصر إلى بغداد، فلما قبض عليه السلطان طغرلبك مضى معه ~~إلى قلعة طبرك، فلما مات أبو نصر انتقل إلى خدمة السلطان ألب ارسلان، ووقاه ~~بنفسه لما جرحه يوسف الخوارزمي. وكان ألب أرسلان قد أقطعه واسط، وجعله شحنة ~~لبغداد، فلما قتل ألب أرسلان أرسله ابنه ملكشاه إلى بغداد، فأحضر له الخلع ~~والتقليد، ورأى ما لم يره خادم قبله من نفوذ الأمر، وتمام القدرة، وطاعة ~~أعيان الأمراء، وخدمتهم إياه، وكان حليما، كريما، حسن السيرة، لم يصادر ~~أحدا من أهل ولايته، ومناقبه كثيرة. ### || AUT ذكر حال السلطان بركيارق بعد الهزيمة # ### || AUT وانهزامه من أخيه سنجر أيضا وقتل أمير داذ حبشي # لما انهزم السلطان بركيارق من أخيه السلطان محمد سار قليلا، وهو في ~~خمسين فارسا، ونزل عتمة، واستراح، وقصد الري، وأرسل إلى من كان يعلم أنه ~~يريده، ويؤثر دولته، فاستدعاه، فاجتمع معه جمع صالح، فسار إلى اسفرايين، ~~وكاتب أمير داذ حبشي نب التونتاق، وهو بدامغان، يستدعيه، فأجابه يشير عليه ~~بالمقام بنيسابور حتى يأتيه، وكان حينئذ أكثر خراسان وطبرستان وجرجان، فلما ~~وصل بركيارق إلى نيسابور قبض على رؤياتها، وخرج بهم، وأطلقهم بعد ذلك، ~~وتمسك بعميد خراسان أبي محمد، وأبي القاسم بن أبي المعالي الجويني. فأما ~~أبو القاسم فمات مسموما في قبضه، وقد تقدم أنه قتل سنة اثنتين وتسعين. ~~PageV04P0367 # وعاد بركيارق فاستدعى أمير داذ، فاعتذر بقصد السلطان ms3638 سنجر بلاده في عساكر ~~بلخ، ويسأل السلطان بركيارق أن يصل إليه ليعينه على الملك سنجر، فسار إليه ~~في ألف فارس، فلم يعلم بقدومه إلا الأمراء الكبار من أصحاب سنجر، ولم ~~يعلموا الأصاغر لئلا ينهزموا. وكان مع أمير داذ عشرون ألف فارس، فيهم من ~~رجالة الباطنية خمسة آلاف، ووقع المصاف بين بركيارق وأخيه سنجر خارج ~~النوشجان، وكان الأمير بزغش في ميمنة سنجر، والأمير كندكز في ميسرته، ~~والأمير رستم في القلب، فحمل بركيارق على رستم فطعنه فقتله، وانهزم أصحابه ~~وأصحاب سنجر، واشتغل العسكر بالنهب، فحمل عليهم بزغش وكندكز، فقتلا ~~المنهزمين، وانهزم الرجالة إلى مضيق بين جبلين، فأرسل عليهم الماء فأهلكهم، ~~ووقعت الهزيمة على أصحاب بركيارق، وكان قد أخذ والدة أخيه سنجر لما انهزم ~~أصحابه أولا، فخافت أن يقتلها بأمه، فأحضرها وطيب قلبها، وقال: إنما أخذتك ~~حتى يطلق أخي سنجر من عنده من الأسرى، ولست كفؤا لوالدتي حتى أقتلك. فلما ~~أطلق سنجر الأسرى أطلقها بركيارق. وهرب أمير داذ إلى بعض القرى، وأخذه بعض ~~التركمان، فأعطاه في نفسه مائة ألف دينار، فلم يطلقه، وحمله إلى بزغش ~~فقتله. وسار بركيارق إلى جرجان ثم إلى دامغان، وسار في البرية، ورؤي في بعض ~~المواضع ومعه سبعة عشر فارسا، وجمازة واحدة، ثم كثر جمعه، وصار معه ثلاثة ~~آلاف فارس، منهم: جاولي سقاووا، وغيره، وسار إلى أصبهان بمكاتبة من أهلها، ~~فسمع السلطان محمد، فسبقه إليها، فعاد إلى سميرم. ### || AUT ذكر فتح تميم بن المعز مدينة سفاقس # في هذه السنة فتح تميم بن المعز مدينة سفاقس، وكان صاحبها حمو دق عاد ~~فتغلب عليها، واشتد أمره بوزير كان عنده قد قصده، وهو من كتاب المعز، كان ~~حسن الرأي والتدبير، فاستقامت به دولته، وعظم شأنه، فأرسل إليه تميم يطلبه ~~ليستخدمه، ووعده، وبالغ في استمالته، فلم يقبل، فسير تميم جيشا إلى حصار ~~سفاقس، وأمر الأمير الذي جعله مقدم الجيش أن يهدم ما حول المدينة ويحرقه، ~~ويقطع الأشجار سوى ما يتعلق بذلك الوزير فإنه لا يتعرض له، ويبالغ في ~~صيانته، ففعل ذلك، فلما رأى ms3639 حمو ما فعل بأملاك الناس، ما عدا الوزير، ~~اتهمه، فقتله، فانحل نظام دولته، وتسلم عسكر تميم المدينة، وخرج حمو منها، ~~وقصد مكن بن كامل الدهماني، فأقام عنده، فأحسن إليه، ولم يزل عنده حتى مات. ### || AUT ذكر عزل عميد الدولة من وزارة الخليفة ووفاته # لما أطلق مؤيد الدولة، وزير السلطان محمد، الأعز أبا المحاسن، وزير ~~بركيارق، وضمنه عمادة بغداد، أمره أن يخاطب الخليفة بعزل وزيره عميد الدولة ~~بن جهير، فسار من العسكر، وسمع عميد الدولة الخبر، فأمر أصبهبذ صباوة بن ~~خمارتكين بالخروج إلى طريق الأعز وقتله. وكان أصبهبذ قد حضر الحرب مع ~~بركيارق، ولما انهزم العسكر قصد بغداد، فخرج إلى طريق الأعز أبي المحاسن، ~~فلقيه قريبا من بعقوبا، فأوقع بمن معه، والتجأ الأعز إلى القرية واحتمى، ~~فلما رأى أصبهبذ صباوة ذلك أرسل إليه يقول له: إنك وزير السلطان بركيارق، ~~وأنا مملوكه، فإن كنت على خدمته فاخرج إلينا حتى نسير إلى بغداد ونقيم ~~الخطبة للسلطان، وأنت الصاحب الذي لا يخالف، وإن لم تجب إلى هذا، فما بيننا ~~غير السيف. فأجابه الأعز إلى ذلك، واجتمعا، فعرفه صباوة الذي أمره به عميد ~~الدولة من قتله، وباتا تلك الليلة، وأرسل الأعز إلى الأمير إيلغازي بن ~~أرتق، وكان قد ورد في صحبته، وفارقه نحو الراذان، فحضر في الليل، فانقطع ~~حينئذ أمل صباوة منه، وفارقه. وسار الأعز إلى بغداد وخاطب في عزل عميد ~~الدولة، فعزل في رمضان، وأخذ من ماله خمسة وعشرون ألف دينار، وقبض عليه ~~وعلى إخوته، وبقي معزولا إلى سادس عشر شوال، فتوفي محبوسا في دار الخلافة، ~~ومولده في المحرم سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وكان عاقلا، كريما، حليما، ~~إلا أنه كان عظيم الكبر، يكاد يعد كلامه عدا، وكان إذا كلم إنسانا كلمات ~~يسيرة هنيء ذلك الرجل بكلامه. ### || AUT ذكر ظفر المسلمين بالفرنج # PageV04P0368 # في ذي القعدة من هذه السنة لقي كمشتكين بن الدانشمند طايلو، وإنما قيل له ~~ابن الدانشمند لأن أباه كان معلما للتركمان وتقلبت به الأحوال، حتى ملك، ~~وهو صاحب ملطية وسيواس وغيرهما، بيمند الفرنجي، ms3640 وهو من مقدمي الفرنج، قريب ~~ملطية، وكان صاحبها قد كاتبه، واستقدمه إليه، فورد عليه في خمسة آلاف، ~~فلقيهم ابن الدانشمند، فانهزم بيمند وأسر. ثم وصل من البحر سبعة قمامصة من ~~الفرنج، وأرادوا تخليص بيمند، فأتوا إلى قلعة تسمى أنكورية، فأخذوها وقتلوا ~~من بها من المسلمين، وساروا إلى قلعة أخرى فيها إسماعيل بن الدانشمند، ~~وحصروها، فجمع ابن الدانشمند جمعا كثيرا، ولقي الفرنج، وجعل له كمينا، ~~وقاتلهم، وخرج الكمين عليهم، فلم يفلت أحد من الفرنج، وكانوا ثلاثمائة ألف، ~~غير ثلاثة آلاف هربوا ليلا وأفلتوا مجروحين. وسار ابن الدانشمند إلى ملطية، ~~فملكها وأسر صاحبها، ثم خرج إليه عسكر الفرنج من أنطاكية، فلقيهم وكسرهم، ~~وكانت هذه الوقائع في شهور قريبة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة زاد العيارين بالجانب الغربي من بغداد، في شعبان، وعظم ~~ضررهم، فأمر الخليفة كمال الدولة يمن بتهذيب البلد، فأخذ جماعة من أعيانهم، ~~وطلب الباقين فهربوا. وفيها أيضا انحلت الأسعار بالعراق، وكان كر الحنطة قد ~~بلغ سبعين دينارا، وربما زاد كثيرا في بعض الأوقات، وانقطعت الأمطار، ويبست ~~الأنهار، وكثر الموت، حتى عجزوا عن دفن الموتى، فحمل في بعض الأوقات ستة ~~أموات على نعش واحد، وعدمت الأدوية والعقاقير. وفيها، في رجب، سار بيمند ~~الفرنجي، صاحب أنطاكية، إلى قلعة أفامية، فحصرها، وقاتل أهلها أياما، وأفسد ~~زروعها ثم رحل عنها. وفيها. في آخر رمضان، قتل الأمير بلكابك سرمز بأصبهان، ~~بدار السلطان محمد، وكان كثير الاحتياط من الباطنية لا يفارقه لبس الدرع ~~ومن يمنع عنه، ففي ذلك اليوم لم يلبس درعا، ودخل دار السلطان في قلة، فقتله ~~الباطنية، فقتل واحد ونجا آخر. وفيها توفي أبو الحسن البسطامي الصوفي، ~~ورباطه مشهور على دجلة غربي بغداد، بناه أبو الغنائم بن المحلبان. وفيها ~~مات أبو نصر بن أبي عبد الله بن جردة، وأصله من عكبرا، وإليه ينسب مسجد ابن ~~جردة، وخرابة ابن جردة ببغداد. وفيها توفي أبو علي يحيى نب جزلة الطبيب، ~~وكان نصرانيا فأسلم، وهو مصنف كتاب المنهاج. وفيها، في شوال، توفي عبد ~~الرزاق الصوفي، ms3641 الغزنوي، المقيم برباط عتاب، وحج عدة حجات على التجريد، ولم ~~يخلف ما تكفن فيه، فقالت زوجته: إذا مت افتضحنا، قال: لم نفتضح؟ قالت: لأنك ~~ليس لك ما تكفن فيه. فقال: إنما أفتضح إذا خلفت ما أكفن فيه. وفيها، في ~~رمضان، توفي عز الدولة أبو المكارم محمد بن سيف الدولة صدقة بن مزيد. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وتسعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر الحرب بين السلطانين بركيارق ومحمد # ### || AUT وقتل مؤيد الملك # في هذه السنة، ثالث جمادى الآخرة، كان المصاف الثاني بين السلطان ~~بركيارق والسلطان محمد، وقد ذكرنا سنة ثلاث وتسعين انهزام السلطان بركيارق ~~من أخيه السلطان محمد، وتنقله في البلاد، إلى أصبهان، وأنه لم يدخلها، وسار ~~منها إلى خوزستان، وأتى عسكر مكرم، فأتاه الأميران زنكي والبكي ابنا برسق، ~~وصارا معه، وأقام بها شهرين، وسار منها إلى همذان، فاتصل به الأمير إياز. ~~وكان سبب ذلك أن أمير آخر قد مات مذ قريب، فاتهم إياز مؤيد الملك بأنه سقاه ~~السم، وقوى ذلك عنده أن وزير أمير آخر هرب عقيب موته، فازداد ظن إياز ~~باتهامه، فظفر بالوزير، فقتله. وكان إياز قد اتخذ أمير آخر ولدا، واتصل به ~~العسكر، ووصى له بجميع ماله، فحين استوحش لهذا السبب كاتب السلطان بركيارق، ~~واتصل به، ومعه خمسة آلاف فارس، وصار من جملة عسكره. وسار السلطان محمد إلى ~~لقاء أخيه، فلما تقارب العسكران استأمن الأمير سرخاب بن كيخسرو، صاحب آوة، ~~إلى السلطان بركيارق، فأكرمه. ووقع المصاف ثالث جمادى الآخرة، وكان مع ~~السلطان بركيارق خمسون ألفا، ومع أخيه السلطان محمد خمسة عشر ألفا، ~~فالتقوا، فاقتتلوا يومهم أجمع، وكان النفر بعد النفر يستأمنون من عسكر محمد ~~إلى بركيارق، فيحسن إليهم. PageV04P0369 # ومن العجب الدال على الظفر أن رجالة بركيارق احتاجوا إلى تراس، فوصل إليه ~~يوم المصاف بكرة اثنا عشر حملا سلاحا من همذان منها ثمانية أحمال تراس، ~~ففرقت فيهم، فلما وصلت نزل السلطان بركيارق، وصلى ركعتين شكرا لله تعالى. ~~ولم يزل القتال بينهم إلى آخر النهار، فانهزم السلطان محمد وعسكره، وأسر ~~مؤيد ms3642 الملك، أسره غلام لمجد الملك البلاساني وأحضر عند السلطان بركيارق، ~~فسبه، وأوقفه على ما اعتمده معه من سب والدته مرة، ونسبته إلى مذهب ~~الباطنية أخرى، ومن حمل أخيه محمد على عصيانه، والخروج عن طاعته إلى غير ~~ذلك، ومؤيد الملك ساكت لا يعيد كلمة، فقتله بركيارق بيده، وألقي على الأرض ~~عدة أيام، حتى سأل الأمير إياز في دفنه، فأذن فيه، فحمل إلى تربة أبيه ~~بأصبهان فدفن معه. وكان بخيلا، سيء السيرة مع الأمراء، إلا أنه كان كثير ~~المر والحيل في إصلاح أمر الملك، وكان عمره لما قتل نحو خمسين سنة. وكان ~~السلطان بركيارق قد استوزر في صفر الأعز أبا المحاسن عبد الجليل ابن علي ~~الدهستاني، فلما قتل مؤيد الملك أرسل الوزير أبو المحاسن رسولا إلى بغداد، ~~وهو أبو إبراهيم الأسداباذي، لأخذ أموال مؤيد الملك، فنزل ببغداد بدار مؤيد ~~الملك، وسلم إليه محمد الشرابي، وهو ابن خالة مؤيد الملك، فأخذت منه ~~الأموال والجواهر بعد مكروه أصابه، وعذاب ناله، وأخذ له ذخائر من مواضع أخر ~~ببلاد العجم منها: قطعة بلخش، وزنها واحد وأربعون مثقالا. ولما فرغ السلطان ~~بركيارق من هذه الوقعة سار إلى الري. فوصل إليه هناك قوام الدولة كربوقا، ~~صاحب الموصل، ونور الدولة دبيس بن صدقة بن مزيد. ### || AUT ذكر حال السلطان محمد بعد الهزيمة # ### || AUT واجتماع بأخيه الملك سنجر # لما انهزم السلطان محمد، سار طالبا خراسان إلى أخيه سنجر، وهما لأم ~~واحدة، فأقام بجرجان، وراسل أخاه يطلب منه مالا وكسوة، وغير ذلك، فسير إليه ~~ما طلب، وترددت الرسل بينهما، حتى تحالفا واتفقا. ولم يكن بقي مع السلطان ~~محمد غير أميرين في نحو ثلاثمائة فارس، فلما استقرت القواعد بينهما سار ~~الملك سنجر من خراسان في عساكره نحو أخيه السلطان محمد، فاجتمعا بجرجان، ~~وسارا منها إلى دامغان، فخربها العسكر الخراساني، ومضى أهلها هاربين إلى ~~قلعة كردكوه، وخرب العسكر ما قدروا عليه من البلاد، وعم الغلاء تلك ~~الأصقاع، حتى أكل الناس الميتة والكلاب، وأكل الناس بعضهم بعضا، وسارا إلى ~~الري، فلما وصلا إليها انضم ms3643 إليهما النظامية وغيرهم، فكثر جمعهما، وعظمت ~~شوكتهما، وتمكنت من القلوب هيبتهما. ### || AUT ذكر ما فعله السلطان بركيارق ودخوله بغداد # لما كان السلطان بركيارق بالري، بعد انهزام أخيه محمد، اجتمعت عليه ~~العساكر الكثيرة، فصار معه نحو مائة ألف فارس، ثم إنهم ضاقت عليهم الميرة، ~~فتفرقت العساكر، فعاد دبيس بن صدقة إلى أبيه، وخرج الملك مودود بن إسماعيل ~~بن ياقوتي بأذربيجان، فسير إليه قوام الدولة كربوقا في عشرة آلاف فارس، ~~واستأذن الأمير إياز في أن يقصد داره بهمذان يصوم بها شهر رمضان، ويعود بعد ~~الفطر، فأذن له، وتفرقت العساكر لمثل ذلك، وبقي في العدد القليل. فلما بلغه ~~أن أخويه قد جمعا الجموع، وحشدا الجنود، وأنهما لما بلغهما قلة من معه جدا ~~في المسير إليه، وطويا المنازل ليعاجلاه، قبل أن يجمع جموعه وعساكره، فلما ~~قارباه سار من مكانه، وقد طمع فيه من كان يهابه، وأيس منه من كان يرجوه، ~~فقصد نحو همذان ليجتمع هو وإياز، فبلغه أن إياز قد راسل السلطان محمدا ~~ليكون معه ومن جملة أعوانه، خوفا على ولايته، وهي همذان وغيرها، فلما سمع ~~ذلك عاد عنها، وقصد خوزستان، فلما قرب من تستر كاتب الأمراء بني برسق ~~يستدعيهم إليه، فلم يحضروا لما علموا أن إياز لم يحضر، وللخوف من السلطان ~~محمد، فسار نحو العراق، فلما بلغ حلوان أتاه رسول الأمير إياز يسأل التوقف ~~ليصل إليه. وسبب ذلك أن إياز راسل السلطان محمد في الانضمام إليه، والمصير ~~في جملة عسكره، فلم يقبله، وسير العساكر إلى همذان، ففارقها منهزما، ولحق ~~بالسلطان بركيارق، فأقام السلطان بركيارق بحلوان، ووصل إليه إياز، وساروا ~~جميعهم إلى بغداد. PageV04P0370 # وأخذ عسكر محمد ما تخلف للأمير إياز بهمذان من مال، ودواب، وبرك، وغير ~~ذلك، فإنه أعجل عنه، وكان من جملته خمسمائة حصان عربية، قيل كان يساوي كل ~~حصان منها ما بين ثلاثمائة دينار إلى خمسمائة دينار، ونهبوا داره، وصادروا ~~جماعة من أصحابه، وصودر رئيس همذان بمائة ألف دينار. ولما وصل إياز إلى ~~بركيارق تكاملت عدتهم خمسة آلاف فارس، وقد ذهبت خيامهم ms3644 وثقلهم، ووصل ~~بركيارق إلى بغداد سابع عشر ذي القعدة، وأرسل الخليفة إلى طريقه يلتقيه ~~أمين الدولة بن موصلايا في الموكب، ولما كان عيد الأضحى نفذ الخليفة منبرا ~~إلى دار السلطان، وخطب عليه الشريف أبو الكرم، وصلى صلاة العيد، ولم يحضر ~~بركيارق لأنه كان مريضا. وضاقت الأموال على بركيارق، فلم يكن عنده ما يخرجه ~~على نفسه وعلى عساكره، فأرسل إلى الخليفة يشكو الضائقة وقلة المال، ويطلب ~~أن يعان بما يخرجه، فتقرر الأمر بعد المراجعات على خمسين ألف دينار، حملها ~~الخليفة إليه، ومد بركيارق وأصحابه أيديهم إلى أموال الناس، فعم ضررهم، ~~وتمنى أهل البلاد زوالهم عنهم، ودعتهم الضرورة إلى أن ارتكبوا خطة شنعاء، ~~وذلك أنه قدم عليهم أبو محمد عبيد الله بن منصور، المعروف بابن صليحة، قاضي ~~جبلة من بلاد الشام وصاحبها، منهزما من الفرنج، على ما نذكره، ومعه أموال ~~جليلة المقدار، فأخذوها منه. ### || AUT ذكر خلاف صدقة بن مزيد على بركيارق # في هذه السنة خرج الأمير صدقة بن منصور بن دبيس بن مزيد، صاحب الحلة، عن ~~طاعة السلطان بركيارق، وقطع خطبته من بلاده، وخطب فيه للسلطان محمد. وسبب ~~ذلك أن الوزير الأعز أبا المحاسن الدهستاني، وزير السلطان بركيارق، أرسل ~~إلى صدقة يقول له: قد تخلف عندك لخزانة السلطان ألف ألف دينار، وكذا وكذا ~~دينار لسنين كثيرة، فإن أرسلتها، وإلا سيرنا العساكر إلى بلادك وأخذناها ~~منك. فلنا سمع هذه الرسالة قطع الخطبة، وخطب لمحمد. فلما وصل السلطان ~~بركيارق إلى بغداد على هذه الحال أرسل إليه مرة بعد مرة يدعوه إلى الحضور ~~عنده، فلم يجب إلى ذلك، فأرسل إليه الأمير إياز يشير عليه بقصد خدمة ~~السلطان، ويضمن له كل ما يريده، فقال: لا أحضر، ولا أطيع السلطان، إلا إذا ~~سلم وزيره أبا المحاسن إلي، وإن لم يفعل فلا يتصور مني الحضور عنده أبدا، ~~ويكون في ذلك ما يكون، فإن سلمه إلي، فأنا العبد المخلص في العبودية بالحسن ~~والطاعة. فلم يجب إلى ذلك، فتم على مقاطعته، وأرسل إلى الكوفة، وطرد عنها ~~النائب بها عن ms3645 السلطان واستضافها إليه. ### || AUT ذكر وصول السلطان محمد إلى بغداد # ### || AUT ورحيل السلطان بركيارق عنها # في هذه السنة، في السابع والعشرين من ذي الحجة، وصل السلطان محمد وسنجر ~~إلى بغداد، وكان السلطان محمد لما استولى على همذان وغيرها سار إلى بغداد، ~~فلما وصل إلى حلوان سار إليه إيلغازي بن أرتق في عساكره، وخدمه، وأحسن في ~~الخدمة، وكان عسكر محمد يزيد على عشرة آلاف فارس سوى الأتباع. فلما وصلت ~~الأخبار بذلك كان بركيارق على شدة من المرض، يرجف عليه خواصه بكرة وعشيا، ~~فماج أصحابه، وخافوا، واضطربوا، وحاروا، وعبروا به في محفة إلى الجانب ~~الغربي، فنزلوا بالرملة، ولم يبق في بركيارق غير روح يتردد، وتيقن أصحابه ~~موته، وتشاوروا في كفنه، وموضع دفنه. فبينما هم كذلك إذ قال لهم: إني أجد ~~نفسي قد قويت، وحركتي قد تزايدت، فطابت نفوسهم، وساروا، وقد وصل العسكر ~~الآخر، فتراءى الجمعان بينهما دجلة، وجرى بينهما مراماة وسباب، وكان أكثر ~~ما يسبهم عسكر يا باطنية، يعيرونهم بذلك، ونهبوا البلاد في طريقهم إلى أن ~~وصلوا إلى واسط. ووصل السلطان محمد إلى بغداد، فنزل بدار المملكة، فبرز ~~إليه توقيع الخليفة المستظهر بالله يتضمن الامتعاض من سوء سيرة بركيارق ومن ~~معه، والاستبشار بقدومه، وخطب به بالديوان، ونزل الملك سنجر بدار كوهرائين، ~~وكان محمد قد استوزر بعد مؤيد الملك خطير الملك أبا منصور محمد بن الحسين، ~~وقدم إليه في المحرم سنة خمس وتسعين الأمير سيف الدولة صدقة، وخرج الخلق ~~كلهم إلى لقائه. ### || AUT ذكر حال قاضي جبلة # PageV04P0371 # هو أبو محمد عبيد الله بن منصور المعروف بابن صليحة، وكان والده رئيسها ~~أيام كان الروم مالكين لها على المسلمين، يقضي بينهم، فلما ضعف أمر الروم، ~~وملكها المسلمون، وصارت تحت حكم جلال الملك أبي الحسن علي بن عمار، صاحب ~~طرابلس، وكان منصور على عادته في الحكم فيها. فلما توفي منصور قام ابنه أبو ~~محمد مقامه، وأحب الجندية، واختار الجند، فظهرت شهامته، فأراد ابن عمار أن ~~يقبض عليه، فاستشعر منه، وعصى عليه، وأقام الخطبة العباسية، فبذل ابن ms3646 عمار ~~لدقاق بن تتش مالا ليقصده ويحصره، ففعل، وحصره، فلم يظفر منه بشيء، وأصيب ~~صاحبه أتابك طغتكين بنشابة في ركبتيه وبقي أثرها. وبقي أبو محمد بها مطاعا ~~إلى أن جاء الفرنج، لعنهم الله، فحصروها، فأظهر أن السلطان بركيارق قد توجه ~~إلى الشام، وشاع هذا، فرحل الفرنج، فلما تحققوا اشتغال السلطان عنهم عاودوا ~~حصاره، فأظهر أن المصريين قد توجهوا لحربهم، فرحلوا ثانيا، ثم عادوا، فقرر ~~مع النصارى الذين بها أن يراسلوا الفرنج، ويواعدوهم إلى برج من أبراج البلد ~~ليسلموه إليهم ويملكوا البلد، فلما أتتهم الرسالة جهزوا نحو ثلاثمائة رجل ~~من أعيانهم وشجعانهم، فتقدموا إلى ذلك البرج، فلم يزالوا يرقون في الحبال، ~~واحدا بعد واحد، وكلما صار عند ابن صليحة، وهو على السور، رجل منهم قتله ~~إلى أن قتلهم أجمعين، فلما أصبحوا رمى الرؤوس إليهم فرحلوا عنه. وحصروه مرة ~~أخرى، ونصبوا على البلد برج خشب، وهدموا برجا من أبراجه، وأصبحوا وقد بناه ~~أبو محمد، ثم نقب في السور نقوبا، وخرج من الباب وقاتلهم، فانهزم منهم، ~~وتبعوه، فخرج أصحابه من تلك النقوب، فأتوا الفرنج من ظهورهم، فولوا منهزمين ~~وأسر مقدمهم المعروف بكند اصطبل، فافتدى نفسه بمال جزيل. ثم علم أنهم لا ~~يقعدون عن طلبه، وليس له من يمنعهم عنه، فأرسل إلى طغتكين أتابك يلتمس منه ~~إنفاذ من يثق به ليسلم إليه ثغر جبلة، ويحميه ليصل هو إلى دمشق بماله ~~وأهله، فأجابه إلى ما التمس، وسير إليه ولده تاج الملوك بوري، فسلم إليه ~~البلد، ورحل إلى دمشق، وسأله أن يسيره إلى بغداد، ففعل، وسيره ومعه من ~~يحميه إلى أن وصل إلى الأنبار. ولما صار بدمشق أرسل ابن عمار صاحب طرابلس ~~إلى الملك دقاق، وقال: سلم إلي ابن صليحة عريانا، وخذ ماله أجمع، وأنا ~~أعطيك ثلاثمائة ألف دينار، فلم يفعل. فلما وصل إلى الأنبار أقام بها أياما، ~~ثم سار إلى بغداد، وبها السلطان بركيارق، فلما وصل أحضره الوزير الأعز أبو ~~المحاسن عنده، وقال له: السلطان محتاج، والعساكر يطالبونه بما ليس عنده، ~~ونريد منك ثلاثين ألف ms3647 دينار، وتكون له منة عظيمة، تستحق بها المكافأة ~~والشكر. فقال: السمع والطاعة، ولم يطلب أن يحط شيئا، وقال: إن رحلي ومالي ~~في الأنبار بالدار التي نزلتها، فأرسل الوزير إليها جماعة، فوجدوا فيها ~~مالا كثيرا، وأعلاقا نفيسة، فمن جملة ذلك ألف ومائة قطعة مصاغ عجيب الصنعة، ~~ومن الملابس والعمائم التي لا يوجد مثلها شيء كثير. كان ينبغي أن نذكر هذه ~~الحوادث التي بعد انهزام السلطان محمد إلى ها هنا، بعد قتل الباطنية، فإنها ~~كانت أواخر السنة، وكان قتلهم في شعبان، وإنما قدمناها لنتبع بعض الحادثة ~~بعضا لا يفصل بينها شيء. وأما تاج الملوك بوري، فإنه لما ملك جبلة، وتمكن ~~منها، أساء السيرة هو وأصحابه مع أهلها، وفعلوا بهم أفعالا أنكروها، ~~فراسلوا القاضي فخر الملك أبا علي عمار بن محمد بن عمار، صاحب طرابلس، ~~وشكوا إليه ما يفعل بهم، وطلبوا منه أن يرسل إليهم بعض أصحابه ليسلموا إليه ~~البلد، ففعل ذلك، وسير إليهم عسكرا، فدخلوا جبلة، واجتمعوا بأهلها، وقاتلوا ~~تاج الملوك ومن معه، فانهزم الأتراك، وملك عسكر ابن عمار جبلة وأخذوا تاج ~~الملوك أسيرا، وحملوه إلى طرابلس، فأكرمه ابن عمار، وأحسن إليه، وسيره إلى ~~أبيه بدمشق، واعتذر إليه، وعرفه صورة الحال، وأنه خاف أن يملك الفرنج جبلة. ### || AUT ذكر قتل الباطنية # في هذه السنة، في شعبان، أمر السلطان بركيارق بقتل الباطنية، وهم ~~الإسماعيلية وهم الذين كانوا قديما يسمون قرامطة، ونحن نبتديء بأول أمرهم ~~الآن ثم بسبب قتلهم. PageV04P0372 # فأول ما عرف من أحوالهم، أعني هذه الدعوة الأخيرة التي اشتهرت بالباطنية، ~~والإسماعيلية، في أيام السلطان ملكشاه، فإنه اجتمع منهم ثمانية عشر رجلا، ~~فصلوا صلاة العيد في ساوة، ففطن بهم الشحنة، فأخذهم وحبسهم، ثم سئل فيهم ~~فأطلقهم، فهذا أول اجتماع كان لهم. ثم إنهم دعوا مؤذنا من أهل ساوة كان ~~مقيما بأصبهان، فلم يجبهم إلى دعوتهم، فخافوه أن ينم عليهم، فقتلوه، فهو ~~أول قتيل لهم، وأول دم أراقوه، فبلغ خبره إلى نظام الملك، فأمر بأخذ من ~~يتهم بقتله، فوقعت التهمة على نجار اسمه طاهر، فقتل، ms3648 ومثل به، وجروا برجله ~~في الأسواق، فهو أول قتيل منهم، وكان والده واعظا، وقدم إلى بغداد مع ~~السلطان بركيارق سنة ست وثمانين فحظي منه، ثم قصد البصرة فولي القضاء بها، ~~ثم توجه في رسالة إلى كرمان، فقتله العامة في الفتنة التي جرت، وذكروا أنه ~~باطني. ثم إن الباطنية قتلوا نظام الملك، وهي أول فتكة مشهورة كانت لهم، ~~وقالوا: قتل نجارا فقتلناه به. وأول موضع غلبوا عليه وتحصنوا به بلد عند ~~قاين، كان متقدمه على مذهبهم، فاجتمعوا عنده، وقووا به، فاجتازت بهم قافلة ~~عظيمة من كرمان إلى قاين، فخرج عليهم ومعه أصحابه والباطنية فقتل أهل القفل ~~أجمعين، ولم ينج منهم غير رجل تركماني، فوصل إلى قاين فأخبر بالقصة، فتسارع ~~أهلها مع القاضي الكرماني إلى جهادهم، فلم يقدروا عليهم. ثم قتل نظام ~~الملك، ومات السلطان ملكشاه، فعظم أمرهم، واشتدت شوكتهم، وقويت أطماعهم. ~~وكان سبب قوتهم بأصبهان أن السلطان بركيارق لما حصر أصبهان، وبها أخوه ~~محمود، وأمه خاتون الجلالية، وعاد عنهم ظهرت مقالة الباطنية بها، وانتشرت، ~~وكانوا متفرقين في المحال، فاجتمعوا، وصاروا يسرقون من قدروا عليه من ~~مخالفيهم ويقتلونهم، فعلوا هذا بخلق كثير، وزاد الأمر، حتى إن الإنسان كان ~~إذا تأخر عن بيته عن الوقت المعتاد تيقنوا قتله، وقعدوا للعزاء به، فحذر ~~الناس، وصاروا لا ينفرد أحد، وأخذوا في بعض الأيام مؤذنا، أخذه جار له ~~باطني، فقام أهله للنياحة عليه، فأصعده الباطنية إلى سطح داره وأروه أهله ~~كيف يلطمون ويبكون، وهو لا يقدر أن يتكلم خوفا منهم. ### || AUT ذكر ما فعل بهم العامة بأصبهان # لما عمت هذه المصيبة الناس بأصبهان، أذن الله تعالى في هتك أستارهم، ~~والانتقام منهم، فاتفق أن رجلا دخل دار صديق له، فرأى فيها ثيابا، ومداسات، ~~وملابس لم يعهدها، فخرج من عنده، وتحدث بما كان، فكشف الناس عنها، فعلموا ~~أنها من المقتولين. وثار الناس كافة يبحثون عمن قتل منهم، ويستكشفون، ~~فظهروا على الدروب التي هم فيها، وإنهم كانوا إذا اجتاز بهم إنسان أخذوه ~~إلى دار منها وقتلوه وألقوه في بئر ms3649 في الدار قد صنعت لذلك. وكان على باب ~~درب منها رجل ضرير، فإذا اجتاز به إنسان يسأله أن يقوده خطوات إلى باب ~~الدرب، فيفعل ذلك، فإذا دخل الدرب أخذ وقتل، فتجرد للانتقام منهم أبو ~~القاسم مسعود بن محمد الخجندي، الفقيه الشافعي، وجمع الجم الغفير بالأسلحة، ~~وأمر بحفر أخاديد، وأوقد فيها النيران، وجعل العامة يأتون بالباطنية أفواجا ~~ومنفردين، فيلقون في النار، وجعلوا إنسانا على أخاديد النيران وسموه مالكا، ~~فقتلوا منهم خلقا كثيرا. ### || AUT ذكر قلاعهم التي استولوا عليها ببلاد العجم # واستولوا على عدة حصون منها قلعة أصبهان، وهذه القلعة لم تكن قديما، ~~وإنما بناها السلطان ملكشاه. وسبب بنائها أنه كان أتاه رجل من مقدمي الروم، ~~فأسلم وصار معه، فاتفق أنه سار يوما إلى الصيد، فهرب منه كلب حسن الصيد، ~~وصعد هذا الجبل، فتبع السلطان والرومي معه، فوجده موضع القلعة، فقال له ~~الرومي: لو أن عندنا مثل هذا الجبل لجعلنا عليه حصنا ننتفع به، فأمر ببناء ~~القلعة، ومنع منها نظام الملك، فلم يقبل قوله، فلما فرغت جعل فيها دزدارا. ~~PageV04P0373 # فلما انقضت أيام السلطان ملكشاه، وصارت أصبهان بيد خاتون أزالت الدزدار، ~~وجعلت غيره فيها، وهو إنسان ديلمي اسمه زيار، فمات، وصار بالقلعة إنسان ~~خوزي، فاتصل به أحمد بن عطاش، وكان الباطنية قد ألبسوه تاجا، وجمعوا له ~~أموالا، وقدموه عليهم مع جهله، وإنما كان أبوه مقدما فيهم، فلما اتصل ~~بالدزدار بقي معه، ووثق به، وقلده الأمور، فلما توفي الدزدار استولى أحمد ~~بن عطاش عليها، ونال المسلمين منها ضرر عظيم من أخذ الأموال، وقتل النفوس، ~~وقطع الطريق، والخوف الدائم، فكانوا يقولون: إن قلعة يدل عليها كلب، ويشير ~~بها كافر لا بد وأن يكون خاتمة أمرها الشر. ومنها ألموت، وهي من نواحي ~~قزوين، قيل إن ملكا من ملوك الديلم كان كثير التصيد، فأرسل يوما عقابا، ~~وتبعه، فرآه سقط على موضع هذه القلعة، فوجده موضعا حصينا، فأمر ببناء قلعة ~~عليه، فسماها أله موت، ومعناه بلسان الديلم: تعليم العقاب، ويقال لذلك ~~الموضع وما يجاوره طالقان. وفيها قلاع حصينة ms3650 أشهرها ألموت، وكانت هذه ~~النواحي في ضمان شرفشاه الجعفري، وقد استناب فيها رجلا علويا، فيه بله ~~وسلامة صدر. وكان الحسن بن الصباح رجلا شهما، كافيا، عالما بالهندسة، ~~والحساب، والنجوم، والسحر، وغير ذلك، وكان رئيس الري إنسان يقال له أبو ~~مسلم، وهو صهر نظام الملك، فاتهم الحسن بن الصباح بدخول جماعة من دعاة ~~المصريين عليه، فخافه ابن الصباح، وكان نظام الملك يكرمه، وقال له يوما من ~~طريق الفراسة: عن قريب يضل هذا الرجل ضعفاء العوام، فلما هرب الحسن من أبي ~~مسلم طلبه فلم يدركه. وكان الحسن من جملة تلامذة ابن عطاش، الطبيب الذي ملك ~~قلعة أصبهان، ومضى ابن الصباح فطاف البلاد، ووصل إلى مصر، ودخل على ~~المستنصر صاحبها، فأكرمه، وأعطاه مالا، وأمره أن يدعو الناس إلى إمامته، ~~فقال له الحسن: فمن الإمام بعدك؟ فأشار إلى ابنه نزار، وعاد من مصر إلى ~~الشام، والجزيرة، وديار بكر، والروم، ورجع إلى خراسان، ودخل كاشغر، وما ~~وراء النهر، يطوف على قوم يضلهم، فلما رأى قلعة ألموت، واختبر أهل تلك ~~النواحي، أقام عندهم، وطمع في إغوائهم، ودعاهم في السر، وأظهر الزهد، ولبس ~~المسح، فتبعه أكثرهم، والعلوي صاحب القلعة حسن الظن فيه، يجلس إليه يتبرك ~~به، فلما أحكم الحسن أمره، دخل يوما على العلوي بالقلعة، فقال له ابن ~~الصباح: اخرج من هذه القلعة، فتبسم العلوي، وظنه يمزح، فأمر ابن الصباح بعض ~~أصحابه بإخراج العلوي، فأخرجوه إلى دامغان، وأعطاه ماله وملك القلعة. ولما ~~بلغ الخبر إلى نظام الملك بعث عسكرا إلى قلعة ألموت، فحصروه فيها، وأخذوا ~~عليه الطرق، فضاق ذرعه بالحصر، فأرسل من قتل نظام الملك، فلما قتل رجع ~~العسكر عنها. ثم إن السلطان محمد بن ملكشاه جهز نحوها العساكر، فحصرها، ~~وسيرد ذكر ذلك إن شاء الله تعالى. ومنها طبس، وبعض قهستان، وكان سبب ملكهم ~~لها أن قهستان كان قد بقي فيها بقايا من بني سيمجور، أمراء خراسان، أيام ~~السامانية، وكان قد بقي من نسلهم رجل يقال له المنور، وكان رئيسا مطاعا عند ~~الخاصة والعامة، فلما ولي كلسارغ ms3651 قهستان ظلم الناس وعسفهم، وأراد أختا ~~للمنور بغير حل، فحمل ذلك المنور على أن التجأ إلى الإسماعيلية، وصار معهم، ~~فعظم حالهم في قهستان، واستولوا عليها ومن جملتها خور، وخوسف، وزوزن، ~~وقاين، وتون، وتلك الأطراف المجاورة لها. ومنها قلعة وسنمكوه، ملكوها، وهي ~~بقرب أبهر، سنة أربع وثمانين، وتأذى بهم الناس، لاسيما أهل أبهر، فاستغاثوا ~~بالسلطان بركيارق، فجعل عليها من يحاصرها، فحوصرت ثمانية أشهر، وأخذت منهم ~~سنة تسع وثمانين، وقتل كل من بها عن آخرهم. ومنها قلعة خالنجان على خمسة ~~فراسخ من أصبهان، كانت لمؤيد الملك بن نظام الملك، وانتقلت إلى جاولي ~~سقاوو، فجعل بها إنسانا تركيا، فصادقه نجار باطني، وأهدى له هدية جميلة، ~~ولزمه حتى وثق به، وسلم إليه مفاتيح القلعة، فعمل دعوة للتركي وأصحابه، ~~فسقاهم الخمر، فأسكرهم، واستدعى ابن عطاش، فجاء في جماعة من أصحابه، فسلم ~~إليهم القلعة، فقتلوا من بها سوى التركي فإنه هرب، وقوي ابن عطاش بها، وصار ~~له على أهل أصبهان القطائع الكثيرة. ومن قلاعهم المذكورة أستوناوند، وهي ~~بين الري وآمل، ملكوها بعد ملكشاه، نزل منها صاحبها، فقتل وأخذت منه. ~~PageV04P0374 # ومنها أردهن، وملكها أبو الفتوح ابن أخت الحسن بن الصباح. ومنها كردكوة ~~وهي مشهورة. ومنها قلعة الناظر بخوزستان، وقلعة الطنبور وبينها وبين أرجان ~~فرسخان أخذها أبو حمزة الإسكاف، وهو من أهل أرجان، سافر إلى مصر، وعاد ~~داعية لهم. وقلعة خلادخان، وهي بين فارس وخوزستان، وأقام بها المفسدون نحو ~~مائتي سنة يقطعون الطريق حتى فتحها عضد الدولة بن بويه، وقتل من بها. فلما ~~صارت الدولة لملكشاه أقطعها الأمير أنر، فجعل بها دزدارا، فأنفذ إليه ~~الباطنية الذين بأرجان يطلبون مه بيعها فأبى، فقالوا له: نحن نرسل إليك من ~~يناظرك حتى يظهر لك الحق، فأجابهم إلى ذلك، فأرسلوا إليه إنسانا ديلميا ~~يناظره، وكان للدزدار مملوك قد رباه، وسلم إليه مفاتيح القلعة، فاستماله ~~الباطني، فأجابه إلى القبض على صاحبه، وتسليم القلعة إليهم، فقبض عليه، ~~وسلم القلعة إليهم، ثم أطلقه، واستولوا بعد ذلك على عدة قلاع هذه أشهرها. ### || AUT ذكر ما فعله ms3652 جاولي سقاووا بالباطنية # في هذه السنة قتل جاولي سقاوو خلقا كثيرا منهم. وسبب ذلك أن هذا الأمير ~~كانت ولايته البلاد التي بين رامهرمز وأرجان. فلما ملك الباطنية القلاع ~~المذكورة بخوزستان وفارس، وعظم شرهم، وقطعوا الطريق بتلك البلاد، واقف ~~جماعة من أصحابه، حتى أظهروا الشغب عليه، وفارقوه، وقصدوا الباطنية، ~~وأظهروا أنهم معهم، وعلى رأيهم، فأقاموا عندهم حتى وثقوا بهم. ثم أظهر ~~جاولي أن الأمراء بني برسق يريدون قصده وأخذ بلاده، وأنه عازم على مفارقتها ~~لعجزه عنهم، والمسير إلى همذان، فلما ظهر ذلك وسار قال من عند الباطنية من ~~أصحابه ممن لهم الرأي: إننا نخرج إليه طريقه ونأخذه وما معه من الأموال، ~~فساروا إليه في ثلاثمائة من أعيانهم وصناديدهم، فلما التقوا صار من معهم من ~~أصحاب جاولي عليهم، ووضعوا السيف فيهم فلم يفلت منهم سوى ثلاثة نفر، صعدوا ~~إلى الجبل وهربوا، وغنم جاولي ما معهم من دواب، وسلاح، وغير ذلك. ### || AUT ذكر قتل صاحب كرمان الباطني # ### || AUT وملك غيره # كان تيرانشاه بن تورانشاه بن قاورت بك هو الذي قتل الأتراك الإسماعيلية، ~~وليسوا منسوبين إلى هذه الطائفية الباطنية، إنما نسبوا إلى أمير اسمه ~~إسماعيل، وكانوا من أهل السنة، قتل منهم ألفي رجل صبرا، وقطع أيدي ألفين، ~~ووفد عليه إنسان يقال له: أبو زرعة، كان كاتبا بخوزستان، فحسن له مذهب ~~الباطنية، فأجاب إليه. وكان عنده فقيه حنفي يقال له: أحمد بن الحسين ~~البلخي، كان مطاعا في الناس، فأحضره عنده ليلا، وأطال الجلوس معه، فلما خرج ~~من عنده أتبعه بمن قتله، فلما أصبح الناس دخلوا عليه، وفيهم صاحب جيشه، ~~فقال لتيرانشاه: أيها الملك من قتل هذا الفقيه؟ فقال: أنت شحنة البلد، ~~تسألني من قتله؟ فقال: أنا أعرف قاتله! ونهض من عنده، ففارقه في ثلاثمائة ~~فارس، وسار إلى أصبهان، فأرسل في أثره ألفي فارس ليردوه، فقاتلهم، وهزمهم، ~~وسار إلى أصبهان، وبها السلطان محمد ومؤيد الملك، فأكرمه السلطان، وقال: ~~أنت والد الملوك. وامتعض عسكر كرمان بعد مسيره، واجتمعوا، وقاتلوا ~~تيرانشاه، وأخرجوه عن مدينة بردسير التي هي مدينة ms3653 كرمان، فلما فارقها اتفق ~~القاضي والجند، وأقاموا أرسلانشاه بن كرمانشاه بن قاورت بك، وسار تيرانشاه ~~إلى مدينة بم من كرمان، فحاربه أهلها ومنعوه منها، وأخذوا ما معه من أموال ~~وجواهر، وقصد قلعة سميرم وتحصن بها، وفيها أمير يعرف بمحمد بهستون، فأرسل ~~أرسلانشاه جيشا حصروا القلعة، فقال محمد بهستون لتيرانشاه: انصرف عني، فلست ~~أرى الغدر بك، وأنا رجل مسلم، ومقامك عندي يؤذيني، وأتهم بك في ديني. فلما ~~عزم على الخروج أرسل محمد بهستون إلى مقدم الجيش الذي يحاصرونهم يعلمه ~~بمسير تيرانشاه، فجرد عسكرا إلى طريقه، فخرجوا عليه، وأخذوه وما معه، ~~وأخذوا أيضا أبا زرعة، فأرسل أرسلانشاه فقتلهما، وتسلم جميع بلاد كرمان. ### || AUT ذكر السبب في قتل بركيارق الباطنية # لما اشتد أمر الباطنية، وقويت شوكتهم، وكثر عددهم، صار بينهم وبين ~~أعدائهم ذحول وإحن، فلما قتلوا جماعة من الأمراء الأكابر، وكان أكثر من ~~قتلوا من هو في طاعة محمد، مخالف للسلطان بركيارق، مثل شحنة أصبهان سرمز، ~~وأرغش، وكمش النظاميين، وصهره، وغيرهم، نسب أعداء بركيارق ذلك إليه، ~~واتهموه بالميل إليهم. PageV04P0375 # فلما ظفر السلطان بركيارق، وهزم أخاه السلطان محمدا، وقتل مؤيد الملك ~~وزيره، انبسط جماعة منهم في العسكر، واستغووا كثيرا منهم، وأدخلوهم في ~~مذهبهم، وكادوا يظهرون بالكثرة والقوة، وحصل بالعسكر منهم طائفة من وجوههم، ~~وزاد أمرهم، فصاروا يتهددون من لا يوافقهم بالقتل، فصار يخافهم من يخالفهم، ~~حتى إنهم لم يتجاسر أحد منهم، لا أمير ولا متقدم، على الخروج من منزله ~~حاسرا بل يلبس تحت ثيابه درعا، حتى إن الوزير الأعز أبا المحاسن كان يلبس ~~زردية تحت ثيابه، واستأذن السلطان بركيارق خواصه في الدخول عليه بسلاحهم، ~~وعرفوه خوفهم ممن يقاتلهم، فأذن لهم في ذلك. وأشاروا على السلطان أن يفتك ~~بهم قبل أن يعجز عن تلافي أمرهم، وأعلموه ما يتهمه الناس به من الميل إلى ~~مذهبهم، حتى إن عسكر أخيه السلطان محمد يشنعون بذلك، وكانوا في المصاف ~~يكبرون عليهم، ويقولون يا باطنية. فاجتمعت هذه البواعث كلها، فأذن السلطان ~~في قتلهم، والفتك بهم، وركب هو والعسكر معه، وطلبوهم، ms3654 وأخذوا جماعة من ~~خيامهم ولم يفلت منهم إلا من لم يعرف. وكان ممن اتهم بأنه مقدمهم الأمير ~~محمد بن دشمنزيار بن علاء الدولة أبي جعفر بن كاكويه، صاحب يزد، فهرب، وسار ~~يومه وليلته، فلما كان اليوم الثاني وجد في العسكر قد ضل الطريق ولا يشعر، ~~فقتل، وهذا موضع المثل: " أتتك بحائن رجلاه " ، ونهبت خيامه، فوجد عنده ~~السلاح المعد، وأخرج الجماعة المتهمون إلى الميدان فقتلوا، وقتل منهم جماعة ~~براء لم يكونوا منهم سعى بهم أعداؤهم، وفيمن قتل ولد كيقباذ، مستحفظ تكريت، ~~فلم يغير والده خطبة بركيارق، ولكن شرع في تحصين القلعة وعمارتها، ونقض ~~جامع البلد، وكان يقاربها، لئلا يؤتى منه، وجعل بيعة في البلد جامعا، وصلى ~~الناس فيه. وكتب إلى بغداد بالقبض على أبي إبراهيم الأسداباذي الذي كان قد ~~وصل إليها رسولا من بركيارق ليأخذ مال مؤيد الملك، وكان من أعيانهم ~~ورؤوسهم، فأخذ وحبس، فلما أرادوا قتله قال: هبوا أنكم قتلتموني، أتقدرون ~~على قتل من بالقلاع والمدن؟ فقتل، ولم يصل عليه أحد، وألقي خارج السور، ~~وكان له ولد كبير قتل بالعسكر معهم. وقد كان أهل عانة نسبوا إلى هذا المذهب ~~قديما، فأنهي حالهم إلى الوزير أبي شجاع أيام المقتدي بأمر الله، فأحضرهم ~~إلى بغداد، فسأل مشايخهم على الذي يقال فيهم، فأنكروا وجحدوا، فأطلقهم. ~~واتهم أيضا الكيا الهراس، المدرس بالنظامية، بأنه باطني، ونقل ذلك عنه إلى ~~السلطان محمد، فأمر بالقبض عليه، فأرسل المستظهر بالله من استخلصه، وشهد له ~~بصحة الاعتقاد، وعلو الدرجة في العلم، فأطلق. ### || AUT ذكر حصر الأمير بزغش قهستان وطبس # في هذه السنة جمع الأمير بزغش، وهو أكبر أمير مع السلطان سنجر، جموعا ~~كثيرة، وقواهم بالمال والسلاح، وسار إلى بلد الإسماعيلية، فنهبه، وخربه، ~~وقتل فيهم فأكثر، وحصر طبس، وضيق عليها، ورماها بالمنجنيق، فخرب كثيرا من ~~سورها، وضعف من بها، ولم يبق إلا أخذها، فأرسلوا إليها الرشا الكثيرة، ~~واستنزلوه عما كان يريده منهم، فرحل عنهم وتركهم، فعاودوا عمارة ما انهدم ~~من سورها، وملأوها ذخائر من سلاح وأقوات وغير ذلك، ثم عاودهم ms3655 بزغش سنة سبع ~~وتسعين، فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر ما ملك الفرنج من الشام # فيها سار كندفري، ملك الفرنج بالشام، وهو صاحب البيت المقدس، إلى مدينة ~~عكة، بشاحل الشام، فحصرها، فأصابه سهم فقتله، وكان قد عمر مدينة يافا ~~وسلمها إلى قمص من الفرنج اسمه: طنكري، فلما قتل كندفري سار أخوه بغدوين ~~إلى البيت المقدس في خمسمائة فارس وراجل، فبلغ الملك دقاق، صاحب دمشق، ~~خبره، فنهض إليه في عسكره، ومعه الأمير جناح الدولة في جموعه، فقاتله، فنصر ~~على الفرنج. وفيها ملك الفرنج مدينة سروج من بلاد الجزيرة، وسبب ذلك أن ~~الفرنج كانوا قد ملكوا مدينة الرها بمكاتبة من أهلها لأن أكثرهم أرمن، وليس ~~بها من المسلمين إلا القليل، فلما كان الآن جمع سقمان بسروج جمعا كثيرا من ~~التركمان، وزحف إليهم، فلقوه وقاتلوه، فهزموه في ربيع الأول. فلما تمت ~~الهزيمة على المسلمين سار الفرنج إلى سروج، فحصروها وتسلموها، وقتلوا كثيرا ~~من أهلها وسبوا حريمهم، ونهبوا أموالهم، ولم يسلم إلا من مضى منهزما. ~~PageV04P0376 # ومنها ملك الفرنج مدينة حيفا، وهي بالقرب من عكة على ساحل البحر، ملكوها ~~عنوة، وملكوا أرسوف بالأمان، وأخرجوا أهلها منها. وفيها، في رجب، ملكوا ~~مدينة قيسارية بالسيف، وقتلوا أهلها، ونهبوا ما فيها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في شهر رمضان، تقدم الخليفة المستظهر بالله بفتح جامع ~~القصر، وأن يصلى فيه صلاة التراويح، ولم تكن جرت بذلك عادة، وأمر بالجهر ~~ببسم الله الرحمن الرحيم، وهذا أيضا لم تجر به عادة، وإنما ترك الجهر ~~بالبسملة في جوامع بغداد لأن العلويين أصحاب مصر كانوا يجهرون بها، فترك ~~ذلك مخالفة لهم لا اتباعا لمذهب أحمد الإمام، وأمر أيضا بالقنوت على مذهب ~~الشافعي، فلما كانت الليلة التاسعة والعشرون ختم في جامع القصر، وازدحم ~~الناس عنده، وكان زعيم الرؤساء أبو القاسم علي بن فخر الدولة بن جهير أخو ~~عميد الدولة قد أطلق من الاعتقال، فاختلط الناس، وخرج إلى ظاهر بغداد من ~~ثلمة في السور، وسار إلى سيف الدولة صدقة بن ms3656 مزيد، فاستقبله وأنزله وأكرمه. ~~وفيها، في المحرم، توفي جمال الدولة أبو نصر بن رئيس الرؤساء بن المسلمة، ~~وهو أستاذ دار الخليفة. وفيه توفي القاضي أحمد بن محمد بن عبد الواحد أبو ~~منصور بن الصباغ الفقيه الشافعي، وأخذ الفقه عن ابن عمه الشيخ أبي نصر بن ~~الصباغ، وكان يصوم الدهر، وروى الحديث عن القاضي أبي الطيب الطبري وغيره. ~~وفيه توفي شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور المستوفي، الخوارزمي، بأصبهان، ~~وكان مستوفيا في ديوان السلطان ملكشاه، فبذل مائة ألف دينار حتى ترك ~~الاستيفاء، وبنى مشهدا على قبر أبي حنيفة، رحمة الله عليه، ومدرسة بباب ~~الطاق، ومدرسة بمرو جميعها للحنفيين. وفيها، في صفر، توفي القاضي أبو ~~المعالي عزيزي، وكان شافعيا، أشعريا، وهو من جيلان، وله مصنفات كثيرة حسنة، ~~وكان ورعا، وله مع أهل باب الأزج أخبار ظريفة، وكان قاضيا عليهم، وكانوا ~~يبغضونه ويبغضهم. وتوفي أسعد بن مسعود بن علي بن محمد أبو إبراهيم العتبي ~~من ولد عتبة بن غزوان نيسابوري، ولد سنة أربع وأربعمائة، وروى عن أبي بكر ~~الحيري وغيره. وتوفي في صفر محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن الحسن بن محمد ~~بن طوق أبو الفضائل الربعي الموصلي الفقيه الشافعي، تفقه على أبي إسحاق ~~الشيرازي، وسمع الحديث من أبي الطيب الطبري وغيره، وكان ثقا صالحا. وتوفي ~~في ربيع الأول منها محمد بن علي بن عبيد الله بن أحمد بن صالح بن سليمان بن ~~ودعان أبو نصر القاضي الموصلي، وهو صاحب الأربعين الودعانية وقد تكملوا ~~فيها، فقيل إنه سرقها، وكانت تصنيف زيد بن رفاعة الهاشمي، والغالب عال ~~حديثه المناكير. وتوفي فيها، في ربيع الأول، نصر بن أحمد بن عبد الله بن ~~البطر القاري أبو الخطاب، ومولده سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، سمع ابن ~~رزقويه وغيره، وصارت إليه الرحلة لعلو إسناده، وكان سماعه صحيحا. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وتسعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر وفاة المستعلي بالله # ### || AUT وولاية الآمر بأحكام الله # في هذه السنة توفي المستعلي بالله أبو القاسم أحمد بن معد المستنصر ~~بالله ms3657 العلوي، الخليفة المصري، لسبع عشرة خلت من صفر، وكان مولده في ~~العشرين من شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة، وكانت خلافته سبع سنين وقريب ~~شهرين، وكان المدبر لدولته الأفضل. ولما توفي ولي بعده ابنه أبو علي ~~المنصور، ومولده ثالث عشر المحرم سنة تسعين وأربعمائة، وبويع له بالخلافة ~~في اليوم الذي مات فيه أبوه، وله خمس سنين وشهر وأربعة أيام، ولقب الآمر ~~بأحكام الله، ولم يكن من تسمى بالخلافة قط أصغر منه ومن المستنصر، وكان ~~المستنصر أكبر من هذا، ولم يقدر يركب وحده على الفرس لصغر سنه، وقام بتدبير ~~دولته الأفضل ابن أمير الجيوش أحسن قيام، ولم يزل كذلك يدبر الأمر إلى أن ~~قتل سنة خمس عشرة وخمسمائة. ### || AUT ذكر الحرب بين السلطان بركيارق والسلطان محمد والصلح بينهما # في هذه السنة، في صفر، كان المصاف الثالث بين السلطانين بركيارق ومحمد. ~~PageV04P0377 # قد ذكرنا سنة أربع وتسعين قدوم السلطان محمد إلى بغداد، ورحيل السلطان ~~بركيارق عنها إلى واسط مريضا، فأقام السلطان محمد ببغداد إلى سابع عشر ~~المحرم من هذه السنة، وسار عنها هو وأخوه السلطان سنجر عائدين إلى بلادهما، ~~وسنجر يقصد خراسان، والسلطان محمد يقصد همذان. فلما سار محمد عن بغداد وصلت ~~الأخبار أن بركيارق قد اعترض خاص الخليفة بواسط وسمع منه في حق الخليفة ما ~~يقبح نقله، فأرسله الخليفة وأعاد السلطان محمدا إلى بغداد، وذكر له ما نقل ~~إليه، وعزم على الحركة مع محمد إلى قتال بركيارق، فقال السلطان محمد: لا ~~حاجة إلى حركة أمير المؤمنين، فإني أقوم في هذا القيام المرضي. وسار عائدا، ~~ورتب ببغداد أبا المعالي المفضل ابن عبد الرزاق في جباية الأموال وإيلغازي ~~شحنة. وكان لما دخل بغداد قد خلف عسكره بطريق خراسان، فنهبوا البلاد ~~وخربوها، فأخذهم السلطان محمد معه، وجد السير إلى روذراور. وأما السلطان ~~بركيارق فقد تقدم سنة أربع وتسعين أنه سار من بغداد عند وصول محمد إليها ~~قاصدا إلى واسط، فلما سمع عسكر واسط بقربه منهم، خافوا منه، وأخذوا نساءهم، ~~وأولادهم، وأموالهم، وجمعوا السفن جميعها، وانحدروا إلى ms3658 الزبيدية، فأقاموا ~~هناك. ووصل السلطان، وهو شديد المرض، يحمل في محفة، وقد هلك من دواب عسكره ~~ومتاعهم الكثير، فإنهم كانوا يجدون السرير خوفا أن يتبعهم السلطان محمد، أو ~~الأمير صدقة، صاحب الحلة، فكانوا كلما جازوا قنطرة هدموها، ليمتنع من يجتاز ~~بها من اتباعهم. ولما وصلوا إلى واسط عوفي بركيارق، ولم يكن له ولأصحابه ~~همة غير العبور من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي، فلم يجد هناك سفينة، ~~وكان الزمان شاتيا، شديد البرد، والماء زائدا، وكان أهل البلد قد خافوهم، ~~فلزموا الجامع وبيوتهم، فخلت الطرق والأسواق من مجتاز فيها، فخرج القاضي ~~أبو علي الفارقي إلى العسكر، واجتمع بالأمير إياز، والوزير، واستعطفهما ~~للخلق، وطلب إنفاذ شحنة لتطمئن القلوب، فأجابوه إلى ملتمسه، وقالوا له: ~~نريد أن تجمع لنا من يعبر دوابنا في الماء، ونسبح معها، فجمع لهم من شباب ~~واسط، وأعطاهم الأجرة الوافرة، فعبروا دوابهم من الخيل والبغال والجمال، ~~وكان الأمير إياز بنفسه يسوق الدواب، ويفعل ما يفعله الغلمان، ولم يكن معهم ~~غير سفينة واحدة انحدرت مع السلطان من بغداد، فعبروا أموالهم ورحالهم فيها. ~~فلما صاروا في الجانب الشرقي اطمأنوا، ونهب العسكر البلد، فرجع القاضي وجدد ~~الخطاب في الكف عنهم، فأجيب إلى ذلك، فأرسل معه من يمنع من النهب. ثم إن ~~عسكر واسط أرسلوا إلى السلطان بركيارق يطلبون الأمان ليحضروا الخدمة ~~فأمنهم، فحضر أكثرهم عنده، وساروا معه إلى بلاد بني برسق، فحضروا أيضا عنده ~~وخدموه، واجتمعت العساكر عليه. وبلغه مسير أخيه محمد عن بغداد، فسار يتبعه ~~على نهاوند، فأدركه بروذراور، وكان العسكران متقاربين في العدة، كل واحد ~~منهما أربعة آلاف فارس من الأتراك، فتصافوا، أول يوم، جميع النهار، ولم يجر ~~بينهم قتال لشدة البرد، وعادوا في اليوم الثاني، ثم تواقفوا كذلك، ثم كان ~~الرجل يخرج من أحد الصفين فيخرج إليه من يقاتله، فإذا تقاربا اعتنق كل واحد ~~منهما صاحبه، وسلم عليه، ويعود عنه. ثم خرج الأمير بلدجي وغيره من عسكر ~~محمد إلى الأمير إياز والوزير الأعز، فاجتمعوا، واتفقوا على الصلح، لما قد ~~عم الناس ms3659 من الضرر، والملل، والوهن، فاستقرت القاعدة أن يكون بركيارق ~~السلطان، ومحمد الملك، ويضرب له ثلاث نوب، ويكون له من البلاد جنزة ~~وأعمالها، وأذربيجان، وديار بكر، والجزيرة، والموصل، وأن يمده السلطان ~~بركيارق بالعساكر، حتى يفتح ما يمتنع عليه منها، وحلف كل واحد منهما ~~لصاحبه، وانصرف الفريقان من المصاف رابع ربيع الأول، وسار بركيارق إلى مرج ~~قراتكين قاصدا ساوة، والسلطان محمد إلى أسداباذ، وتفرق العسكران وقصد الملك ~~أمير أقطاعه. ### || AUT ذكر الحرب بين السلطان بركيارق ومحمد وانفساخ الصلح بينهما # في هذه السنة، في جمادى الأولى، كان المصاف الرابع بين السلطان بركيارق ~~وأخيه محمد. PageV04P0378 # وكان سببه أن السلطان محمدا سار من روذراور، من الوقعة المذكورة، إلى ~~أسداباذ، ومنها إلى قزوين، ونسب الأمراء الذين سعوا في الصلح إلى المخامرة ~~عليه، والتقاعد به، فوضع رئيس قزوين أن يتوسل إليه بأولئك الأمراء ليحضر ~~دعوته، فاستشفع الرئيس بهم إلى السلطان، فحضر دعوته، بعد أن امتنع، ووصى ~~خواصه بحمل السلاح تحت أقبيتهم، وحضر الدعوة ومعه الأمير أيتكين، وبسمل، ~~فقتل الأمير بسمل، وهو من أكابر الأمراء، وكحل الأمير أيتكين. وكان الأمير ~~ينال بن أنوشتكين الحسامي قد فارق بركيارق، وأقام مجاهدا للباطنية الذين في ~~القلاع والجبال، فقصد الآن السلطان محمدا، وسار معه إلى الري يضرب النوب ~~الخمس، واجتمعت إليه العساكر، وأقام ثمانية أيام، ووافاه أخوه السلطان ~~بركيارق في اليوم التاسع، ووقع بينهما المصاف عند الري، وكانت عدة ~~العسكريين متقاربة كل عسكر منهما عشرة آلاف فارس، فلما اصطفوا حمل الأمير ~~سرخاب بن كيخسرو الديلمي، صاحب أبة، على الأمير ينال، فهزمه، وتبعه في ~~الهزيمة جميع عسكر محمد، وتفرقوا، ومضى معظمهم نحو طبرستان، ولم يقتل في ~~هذا المصاف غير رجل واحد قتل صبرا. ومضى قطعة من المنهزمين نحو قزوين، ~~ونهبت خزائن محمد، ومضى في نفر يسير إلى أصبهان، وحمل هو علمه بيده ليتبعه ~~أصحابه، وسار في طلبه الأمير البكي بن برسق، والأمير إياز إلى قم، وتتبع ~~السلطان بركيارق أصحاب أخيه محمد، وأخذ أموالهم. ### || AUT ذكر حصار السلطان محمد بأصبهان # لما انهزم السلطان محمد ms3660 من الوقعة التي ذكرناها بالري، مضى إلى أصبهان ~~في سبعين فارسا، والبلد في حكمه، وفيه نائبه، ومعه من الأمراء ينال، وغيره ~~من الأمراء، ودخل المدينة في ربيع الأول، وأمر بتجديد ما تشعث من السور، ~~وهذا السور هو الذي بناه علاء الدولة بن كاكويه سنة تسع وعشرين وأربعمائة، ~~عند خوفه من طغرلبك، وأمر محمد بتعميق الخندق حتى صعد الماء فيه، وسلم إلى ~~كل أمير بابا، وكان معه في البلد ألف ومائة فارس وخمس مائة راجل، ونصب ~~المجانيق. ولما علم السلطان بركيارق بمسير أخيه محمد إلى أصبهان سار يتبعه، ~~فوصلها في جمادى الأولى، وعساكره كثيرة، تزيد على خمسة عشر ألف فارس، ومعها ~~مائة ألف من الحواشي، وأقام يحاصر البلد، وضيق عليه. وكان السلطان محمد ~~يدور كل ليلة على سور البلد ثلاث دفعات، فلما زاد الأمر في الحصار، أخرج ~~الضعفاء والفقراء من البلد، حتى خلت المحال، وعدمت الأقوات، وأكل الناس ~~الخيل، والجمال، وغير ذلك، وقلت الأموال، فاضطر السلطان محمد إلى أن يستقرض ~~من أعيان البلد، فأخذ مالا عظيما، ثم عاود الجند الطلب، فقسط على أهل البلد ~~شيئا آخر، وأخذه منهم بالشدة والعنف، فلم تزل الأسعار تغلو، حتى بلغ عشرة ~~أمنان من الحنطة بدينار، وأربعة أرطال لحما بدينار، وكل مائة رطل تبنا ~~بأربعة دنانير، ورخصت الأمتعة وهانت لعدم الطالب. وكانت الأسعار، في عسكر ~~بركيارق، رخيصة. فبقي الحصار على البلد إلى عاشر ذي الحجة، فلما رأى ~~السلطان محمد أنه لا قدرة له على الدفع عن البلد، وكلما جاء أمره يضعف، قوي ~~عزمه على مفارقته وقصد جهة أخرى، يجمع فيها العساكر، ويعود يدفع الخصم عن ~~الحصار، فسار عن البلد في مائة وخمسين فارسا، ومعه الأمير ينال، واستخلف ~~بالبلد جماعة من الأمراء الكبار في باقي العسكر، فلما فارق العسكر والبلد ~~لم يكن في دوابهم ما يدوم على السير، لقلة العلف في الحصار، فنزل على ستة ~~فراسخ. فلما سمع بركيارق بمسيره سير وراءه الأمير إياز في عسكر كثير، وأمره ~~بالجد في السير في طلبه، فقيل: إن محمدا سبقهم، ms3661 فلم يدركوه، فرجعوا، وقيل: ~~بل أدركوه، فأرسل إلى الأمير إياز يقول: أنت تعلم أنني لي في رقبتك عهود ~~وأيمان ما نقضت، ولم يكن مني إليك ما تبالغ في أذاي. فعاد عنه، وأرسل له ~~خيلا، وأخذ علمه، والجتر، وثلاثة أحمال دنانير، وعاد إلى بركيارق، فدخل ~~عليه، وأعلام أخيه السلطان محمد منكوسة، فأنكر بركيارق ذلك، وقال: إن كان ~~قد أساء، فلا ينبغي أن يعتمد معه هذا، فأخبره الخبر، فاستحسن ذلك منه. ~~PageV04P0379 # فلما فارق محمد أصبهان اجتمع من المفسدين، والسوادية، ومن يريد النهب، ما ~~يزيد على مائة ألف نفس، وزحفوا إلى البلد بالسلاليم، والدبابات، وطموا ~~الخندق بالتبن، والتصقوا بالسور، وصعد الناس في السلاليم فقاتلهم أهل البلد ~~قتال من يريد أن يحمي حريمه وماله، فعادوا خائبين، فحينئذ أشار الأمراء على ~~بركيارق بالرحيل، فرحل ثامن عشر ذي الحجة من السنة، واستخلف على البلد ~~القديم، الذي يقال له شهرستان، ترشك الصوابي في ألف فارس مع ابنه ملكشاه، ~~وسار إلى همذان، وكان هذا من أعجب ما سطر أن سلطانا محصورا قد تقطعت مواده، ~~وهو يخطب له في أكثر البلاد، ثم يخلص من الحصر الشديد، وينجو من العساكر ~~الكثيرة التي كلها قد شرع إليه رمحه، وفوق إليه سهمه. ### || AUT ذكر قتل الوزير الأعز # ### || AUT ووزارة الخطير أبي منصور # في هذه السنة، ثاني عشر صفر، قتل الوزير الأعز أبو المحاسن عبد الجليل ~~ابن محمد الدهستاني، وزير السلطان بركيارق على أصبهان، وكان مع بركيارق ~~محاصرا لها، فركب هذا اليوم من خيمته إلى خدمة السلطان، فجاء شاب أشقر، ~~قيل: إنه كان من غلمان أبي سعيد الحداد، وكان الوزير قتله في العام الماضي، ~~فانتهز الفرصة فيه، وقيل: كان باطنيا، فجرحه عدة جراحات، فتفرق أصحابه عنه، ~~ثم عادوا إليه، فجرح أقربهم منه جراحات أثخنته، وعاد إلى الوزير فتركه بآخر ~~رمق. وكان كريما، واسع الصدر، حسن الخلق، كثير العمارة، ونفر الناس منه ~~لأنه دخل في الوزارة، وقد تغيرت القوانين، ولم يبق دخل ولا مال، ففعل ~~للضرورة ما خافه الناس بسببه. وكان حسن المعاملة مع ms3662 التجار، فاستغنى به خلق ~~كثير، فكانوا يسألونه ليعاملهم، فلما قتل ضاع منهم مال كثير. حكي أن بعض ~~التجار باعه متاعا بألف دينار، فقال له: خذ بها حنطة من الراذان خمسين كرا، ~~كل كر بعشرين دينارا، فامتنع التاجر من أخذها، وقال: لا أريد غير الدنانير. ~~فلما كان من الغد دخل إليه التاجر، فقال له: يهنئك، يا فلان! فقال: وما هو؟ ~~قال: خبر حنطتك، فقال: ما لي حنطة، ولا أريدها، قال: بلى، وقد بيعت كل كر ~~بخمسين دينارا، فقال: أنا لم أتقبل بها! فقال الوزير: ما كنت لأفسخ عقدا ~~عقدته. قال: فخرجت، وأخذت ثمن الحنطة ألفين وخمسمائة دينار، وأضفت إليها ~~مثلها وعاملته، فقتل فضاع الجميع. وكان قد نفق عليه عمل الكيمياء، واختص به ~~إنسان كيميائي، فكان يعده الشهر بعد الشهر، والحول بعد الحول، وقال له بعض ~~أصحابه، وقد أحاله عليه بكر حنطة، فاستزاده: لو كان صادقا في عمله، لما كان ~~يستزيد من القدر القليل، وقتل ولم يصح له منه شيء. ولما قتل الأعز أبو ~~المحاسن وزر بعده الوزير الخطير أبو منصور الميبذي الذي كان وزير السلطان ~~محمد. وكان سبب فراقه لوزارة محمد أنه كان معه بأصبهان، وبركيارق يحاصره، ~~وقد سلم إليه محمد بابا من أبوابها ليحفظها، فقال له الأمير ينال بن ~~أنوشتكين: كنت قد كلفتنا، ونحن بالري، لنقصد همذان، وقلت: أنا أقيم بالعسكر ~~من مالي، وأحصل لهم ما يقوم بهم، ولا بد من ذلك. فقال الخطير: أنا أفعل ~~ذلك. فلما كان الليل فارق البلد، وخرج من الباب الذي كان مسلما إليه، وقصد ~~بلده ميبذ، وأقام بقلعتها متحصنا، فأرسل إليه السلطان بركيارق وحصره، فنزل ~~منها مستأمنا، فحمل على بغل بإكاف إلى العسكر، فوصله في طريقه قتل الوزير ~~الأعز، وكتاب السلطان له بالأمان، وطيب قلبه، فلما وصل إلى العسكر خلع عليه واستوزره. ### || AUT حادثة يعتبر بها # في سنة ثلاث وتسعين بيع رحل بني جهير ودورهم بباب العامة، ووصل ثمن ذلك ~~إلى مؤيد الملك، ثم قتل في سنة أربع وتسعين مؤيد الملك، وبيع ماله وبركة، ms3663 ~~وأخذ الجميع وحمل إلى الوزير الأعز، وقتل الوزير الأعز، هذه السنة، وبيع ~~رحله، واقتسمت أمواله، وأخذ السلطان ومن ولي بعده أكثرها، وتفرقت أيدي سبا، ~~وهذا عاقبة خدمة الملوك. ### || AUT ذكر الفتنة بين إيلغازي وعامة بغداد # في هذه السنة، في رجب، كانت فتنة شديدة بين عسكر الأمير إيلغازي ابن ~~أرتق، شحنة بغداد، وبين عامتها. PageV04P0380 # وسببها أن إيلغازي كان بطريق خراسان، فعاد إلى بغداد. فلما وصل أتى جماعة ~~من أصحابه إلى دجلة، فنادوا ملاحا ليعبر بهم، فتأخر، فرماه أحدهم بنشابة، ~~فوقعت في مشعره فمات، فأخذ العامة القاتل، وقصدوا باب النوبي، فلقيهم ولد ~~إيلغازي مع جماعة، فاستنقذوه، ورجمهم العامة بسوق الثلاثاء، فمضى إلى أبيه ~~مستغيثا، فأخذ حاجب الباب من له في هذه الحادثة عمل فلم يقنع إيلغازي ذلك، ~~فعبر بأصحابه إلى محلة الملاحين، المعروفة بمربعة القطانين، ويتبعهم خلق ~~كثير، فنهبوا ما وجدوا وقدروا عليه، فعطف عليهم العيارون فقتلوا أكثرهم. ~~ونزل من سلم في السفن ليعبروا دجلة، فلما توسطوها ألقى الملاحون أنفسهم في ~~الماء وتركوهم فغرقوا، فكان الغريق أكثر من القتيل، وجمع إيلغازي التركمان، ~~وأراد نهب الجانب الغربي، فأرسل الخليفة قاضي القضاة، والكيا الهراس، ~~المدرس بالنظامية، فمنعاه من ذلك، فامتنع. ### || AUT ذكر قصد صاحب البصرة مدينة واسط وعوده عنها # في هذه السنة، في العشرين من شوال، قصد الأمير إسماعيل، صاحب البصرة، ~~مدينة واسط للاستيلاء عليها. ونحن نبتديء بذكر إسماعيل، وتنقل الأحوال به ~~إلى أن ملك البصرة، وهو إسماعيل بن سلانجق، وكان إليه في أيام ملكشاه ~~شحنكية الري، ولما وليها كان أهل الري والرستاقية قد أعيوا من وليهم، وعجز ~~الولاة عنهم، فسلك معهم طريقا أصلحهم بها، وقتل منهم مقتلة عظيمة فتهذبوا ~~بها، وأرسل من شعورهم إلى السلطان ما عمل منه مقاود وشكلا للدواب، ثم عزل ~~عنها. ثم إن السلطان بركيارق أقطع البصرة للأمير قماج، فأرسل إليها هذا ~~الأمير إسماعيل نائبا عنه، فلما فارق قماج بركيارق، وانتقل إلى خراسان، ~~حدثته نفسه بالتغلب على البصرة، والاستبداد، فانحدر مهذب الدولة بن أبي ~~الجبر من البطيحة إليه ليحاربه، ومعه ms3664 معقل بن صدقة بن منصور بن الحسين ~~الأسدي، صاحب الجزيرة الدبيسية، فأقبلا في جمع كثير من السفن والخيل، ~~ووصلوا إلى مطارا. فبينما معقل يقاتل قريبا من القلعة التي بناها ينال ~~بمطارا، وجددها إسماعيل وأحكمها، أتاه سهم غرب فقتله، فعاد ابن أبي الجبر ~~إلى البطيحة، وأخذ إسماعيل سفنه، وذلك سنة إحدى وتسعين، فاستمد ابن أبي ~~الجبر كوهرائين، فأمده بأبي الحسن الهروي، وعباس بن أبي الجبر، فلقياه، ~~فكسرهما وأسرهما، وأطلق عباسا على مال أرسله أبوه، واصطلحا. وأما الهروي ~~فبقي في حبسه مدة، ثم أطلقه على خمسة آلاف دينار، فلم يصح له منها شيء. ~~وقوي حال إسماعيل، فبنى قلعة بالأبلة، وقلعة بالشاطيء مقابل مطارا، وصار ~~مخوف الجانب وأمن البصريون به، وأسقط شيئا من المكوس، واتسعت إمارته ~~باشتغال السلاطين، وملك المشان، واستضافها إلى ما بيده. فلما كان هذه السنة ~~كاتبه بعض عسكر واسط بالتسليم إليه، فقوي طمعه في واسط، فأصعد في السفن إلى ~~نهرابان، وراسلهم في التسليم، فامتنعوا من ذلك، وقالوا: راسلناك، وقد رأينا ~~غير ذلك الرأي. فأصعد إلى الجانب الشرقي، فخيم تحت النخيل، وسفنه بين يديه، ~~وخيم جند واسط حذاءه، وراسلهم، ووعدهم، وهم لا يجيبونه. واتفقت العامة مع ~~الجند، وشتموه أقبح شتم، فلما أيس منهم عاد إلى البصرة، وساروا بإزائه من ~~الجانب الآخر، فوصل إلى العمر، وعبر طائفة من أصحابه فوق البلد، وهو يظن أن ~~البلد خال، وأن الناس قد خرجوا منه، لما رأى كثرة من بإزائه، فيوقع الحريق ~~في البلد، فإذا رجع الأتراك عاد هو من ورائهم، فكان ظنه خائبا لأن العامة ~~كانوا على دجلة، أولهم في البلد، وآخرهم مع الأتراك بإزائه. فلما عبر ~~أصحابه عاد الأتراك عليهم، ومعهم العامة، فقتلوا منهم ثلاثين رجلا، وأسروا ~~خلقا كثيرا، وألقى الباقون أنفسهم في الماء، فأتاه من ذلك مصيبة لم يظنها، ~~وصار أعيان أصحابه مأسورين، وعاد إلى البصرة، وكان عوده من سعادته، فإنه ~~كان قد قصد الأمير أبو سعد محمد بن مضر بن محمود البصرة ذلك الوقت، وله ~~أعمال واسعة، منها: نصف عمان، وجنابة، وسيراف، ms3665 وجزيرة بني نفيس. ~~PageV04P0381 # وكان سبب قصده إياها أنه كان قد صار مع إسماعيل إنسان يعرف بجعفرك، وآخر ~~اسمه زنجويه، والثالث بأبي الفضل الأبلي، فأطمعوه في أن يعمل مراكب يرسل ~~فيها مقاتلة في البحر إلى أبي سعد هذا وغيره، فعمل نيفا وعشرين قطعة، فلما ~~علم أبو سعد الحال أرسل جماعة كثيرة من أصحابه في نحو خمسين قطعة، فأتوا ~~إلى دجلة البصرة، وذلك في السنة الخالية، فأقاموا بها محاربين، وظفروا ~~بطائفة من أصحاب إسماعيل، وقتلوا صاحب قلعة الأبلة، وكاتبوا بني برسق ~~بخوزستان يطلبون أن يرسلوا عسكرا ليساعدوهم على أخذ البصرة، فتمادى الجواب، ~~وركن الطائفتان إلى الصلح، على أن يسلم إليهم إسماعيل جعفرك ورفيقه، ~~ويقطعهم مواضع ذكروها من أعمال البصرة. فلما رجعوا لم يفعل شيئا من ذلك، ~~وأخذ مركبين لقوم من أصحاب أبي سعد، فحمله ذلك على أن سار بنفسه في قطع ~~كثيرة تزيد على مائة قطعة بين كبيرة وصغيرة، ووصل إلى فوهة نهر الأبلة. ~~وخرج عسكر إسماعيل في عدة مراكب، ووقع القتال بينهم، وكان البحريون في نحو ~~عشرة آلاف، وإسماعيل في سبعمائة، وأصعد البحريون في دجلة، فأحرقوا عدة ~~مواضع، وتفرق عسكر إسماعيل، فبعضه بالأبلة، وبعضه بنهر الدير، وبعضه في ~~مواضع أخر. فلما ضعف إسماعيل عن مقاومة أبي سعد طلب من وكيل الخليفة، على ~~ما يتعلق بديوانه من البلاد، أن يسعى في الصلح، فأرسل إليه في ذلك، فأعاد ~~الجواب يذكر قبح ما عامله به إسماعيل مرة بعد أخرى، وتكررت الرسائل بينهم، ~~فأجاب إلى الصلح، فاصطلحا، واجتمعا، وعاد أبو سعد إلى بلاده، وحمل كل واحد ~~منهما لصاحبه هدية جميلة. ### || AUT ذكر وفاة كربوقا وملك موسى التركماني الموصل وجكرمش بعده وملك سقمان # الحصن في هذه السنة، في ذي القعدة، توفي قوام الدولة كربوقا، عند مدينة ~~خوي، وكان السلطان بركيارق قد أرسله في العام الماضي إلى أذربيجان، كما ~~ذكرناه، فاستولى على أكثرها، وأتى إلى خوي، فمرض بها ثلاثة عشر يوما، وكان ~~معه أصبهبذ صباوة بن خمارتكين، وسنقرجه، فوصى إلى سنقرجه، وأمر الأتراك ~~بطاعته، وأخذ له على ms3666 عسكره العهد، ومات على أربعة فراسخ من خوي، ولف في ~~زلية لعدم ما يكفن فيه ودفن بخوي. وسار سنقرجه وأكثر العسكر إلى الموصل، ~~فتسلمها، فأقام بها ثلاثة أيام، وكان أعيان الموصل قد كاتبوا موسى ~~التركماني، وهو بحض كيفا ينوب عن كربوقا فيها، وسألوه أن يبادر إليهم ~~ليسلموا إليه البلد، فسار مجدا، فسمع سنقرجه بوصوله، فظن أنه جاء إليه خدمة ~~له، فخرج ليستقبله في أهل البلد، فلما تقاربا نزل كل واحد منهما لصاحبه عن ~~فرسه، واعتنقا، وبكيا على قوام الدولة، فتسايرا. فقال سنقرجه لموسى في جملة ~~حديثه: أنا مقصودي من جميع ما كان لصاحبنا المخدة، والمنصب، والأموال، ~~والولايات لكم وبحكمكم. فقال موسى: من نحن حتى يكون لنا مناصب ودسوت؟ الأمر ~~في هذا إلى السلطان يرتب فيه من يريد، ويولي من يختار. وجرى بينهما ~~محاورات، فجذب سنقرجه سيفه وضربه صفحا على رأسه فجرحه، فألقى موسى نفسه إلى ~~الأرض، وجذب سنقرجه فألقاه إلى الأرض، وكان مع موسى ولد منصور بن مروان ~~الذي كان أبوه صاحب ديار بكر، فجذب سكينا وضرب بها رأس سنقرجه فأبانه، ودخل ~~موسى البلد، وخلع على أصحاب سنقرجه، وطيب نفوسهم فصارت الولاية له. ولما ~~سمع شمس الدولة جكرمش، صاحب جزيرة ابن عمر، الخبر قصد نصيبين وتسلمها، وسار ~~موسى قاصدا إلى الجزيرة، فلما قارب جكرمش غدر بموسى عسكره، وصاروا مع ~~جكرمش، فعاد موسى إلى الموصل، وقصده جكرمش، وحصره مدة طويلة، فاستعان موسى ~~بالأمير سقمان بن أرتق، وهو يومئذ بديار بكر، وأعطاه حصن كيفا وعشرة آلاف ~~دينار، فسار سقمان إليه، فرحل جكرمش عنه. وخرج موسى لاستقبال سقمان، فلما ~~كان موسى عند قرية تسمى كراثا، وثب عليه عدة من الغلمان القوامية، فقتلوه: ~~رماه أحدهم بنشابة فقتله، فعاد أصحابه منهزمين، ودفن على تل هناك يعرف الآن ~~بتل موسى، ورجع الأمير سقمان إلى الحصن، فملكها وهي بيد أولاده إلى يومنا ~~هذا، سنة عشرين وستمائة، وصاحبها حينئذ غازي بن قرا أرسلان بن داود بن ~~سقمان بن أرتق. وقصد جكرمش الموصل وحصرها أياما، ثم تسلمها صلحا، وأحسن ms3667 ~~السيرة فيها، وأخذ القوامية الذين قتلوا موسى، فقتلهم واستولى بعد ذلك على ~~الخابور، وملك العرب والأكراد، فأطاعوه. ### || AUT ذكر حال صنجيل الفرنجي # PageV04P0382 ### || AUT وما كان منه في حصار طرابلس # كان صنجيل الفرنجي، لعنه الله، قد لقي قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، ~~صاحب قونية، وكان صنجيل في مائة ألف مقاتل، وكان قلج أرسلان في عدد قليل، ~~فاقتتلوا، فانهزم الفرنج وقتل منهم كثير، وأسر كثير، وعاد قلج أرسلان ~~بالغنائم، والظفر الذي لم يحسبه. ومضى صنجيل مهزوما في ثلاثمائة، فوصل إلى ~~الشام، فأرسل فخر الملك بن عمار، صاحب طرابلس، إلى الأمير ياخز، خليفة جناح ~~الدولة على حمص، فإلى الملك دقاق بن تتش، يقول: من الصواب أن يعاجل صنجيل ~~إذ هو في هذه العدة القريبة، فخرج الأمير ياخز بنفسه، وسير دقاق ألفي ~~مقاتل، وأتتهم الأمداد من طرابلس، فاجتمعوا على باب طرابلس، وصافوا صنجيل ~~هناك، فأخرج مائة من عسكره إلى أهل طرابلس، ومائة إلى عسكر دمشق، وخمسين ~~إلى عسكر حمص، وبقي هو في خمسين. فأما عسكر حمص فإنهم انكسروا عند ~~المشاهدة، وولوا منهزمين، وتبعهم عسكر دمشق. وأما أهل طرابلس فإنهم قاتلوا ~~المائة الذين قاتلوهم، فلما شاهد ذلك صنجيل حمل في المائتين الباقيتين، ~~فكسروا أهل طرابلس، وقتلوا منهم سبعة آلاف رجل، ونازل صنجيل طرابلس وحصرها. ~~وأتاه أهل الجبل فأعانوه على حصارها، وكذلك أهل السواد، وأكثرهم نصارى، ~~فقاتل من بها أشد قتال، فقتل من الفرنج ثلاثمائة، ثم إنه هادنهم على مال ~~وخيل، فرحل عنهم إلى مدينة أنطرسوس، وهي من أعمال طرابلس، فحصرها، وفتحها، ~~وقتل من بها من المسلمين، ورحل إلى حصن الطوبان، وهو يقارب رفنية، ومقدمه ~~يقال له ابن العريض، فقاتلهم، فنصر عليه أهل الحصن، وأسر ابن العريض منه ~~فارسا من أكابر فرسانه، فبذل صنجيل في فدائه عشرة آلاف دينار وألف أسير، ~~فلم يجبه ابن العريض إلى ذلك. ### || AUT ذكر ما فعله الفرنج # في هذه السنة أطلق الدانشمند بيمند الفرنجي، صاحب أنطاكية، وكان قد ~~أسره، وقد تقدم ذكر ذلك، وأخذ مائة ألف دينار، وشرط عليه إطلاق ms3668 ابنه باغي ~~سيان الذي كان صاحب أنطاكية، وكانت في أسره. ولما خلص بيمند من أسره عاد ~~إلى أنطاكية، فقويت نفوس أهلها به، ولم يستقر حتى أرسل إلى أهل العواصم ~~وقنسرين وما جاورها يطالبهم بالإتاوة، فورد على المسلمين من ذلك ما طمس ~~المعالم التي بناها الدانشمند. وفيها سار صنجيل إلى حصن الأكراد فحصره، ~~فجمع جناح الدولة عسكره ليسير إليه ويكبسه، فقتله باطني بالمسجد الجامع، ~~فقيل: إن الملك رضوان ربيبه وضع عليه من قتله، فلما قتل صبح صنجيل حمص من ~~الغد، ونازلها، وحصر أهلها، وملك أعمالها. ونزل القمص على عكة في جمادى ~~الآخرة، وضيق عليها، وكاد يأخذها، ونصب عليها المنجنيقات والأبراج، وكان له ~~في البحر ست عشرة قطعة، فاجتمع المسلمون من سائر السواحل، وأتوا إلى ~~منجنيقاتهم، وأبراجهم، فأحرقوها، وأحرقوا سفنهم أيضا، وكان ذلك نصرا عجيبا ~~أذل الله به الكفار. وفيها صار القمص الفرنجي، صاحب الرها، إلى بيروت من ~~ساحل الشام، وحصرها وضايقها، وأطال المقام عليها، فلم ير فيها طمعا فرحل ~~عنها. وفيها، في رجب، خرجت عساكر مصر إلى عسقلان ليمنعوا الفرنج عما بقي في ~~أيديهم من البلاد الشامية، فسمع بهم بردويل، صاحب القدس، فسار إليهم في ~~سبعمائة فارس، وقاتلهم، فنصر الله المسلمين، وانهزم الفرنج، وكثر القتل ~~فيهم، وانهزم بردويل، فاختفى في أجمة قصب، فأحرقت تلك الأجمة، ولحقت النار ~~بعض جسده، ونجا منها إلى الرملة، فتبعه المسلمون، وأحاطوا به فتنكر، وخرج ~~منها إلى يافا، وكثر القتل والأسر في أصحابه. ### || AUT ذكر عود قلعة خفتيذكان إلى سرخاب بن بدر # في هذه السنة عادت قلعة خفتيذكان إلى الأمير سرخاب بن بدر بن مهلهل. ~~وكان سبب أخذها منه أن القرابلي، وهو من قبيل من التركمان يقال لهم سلغر، ~~كان قد أتى إلى بلد سرخاب، فمنعه من المراعي، وقتل جماعة من أصحابه، فمضى ~~قرابلي إلى التركمان، واستجاش بهم، وجاء في عسكر كثير، فلقيه سرخاب وقاتله، ~~فقتل قرابلي من أصحابه الأكراد قريبا من ألفي رجل، وانهزم سرخاب إلى بعض ~~جباله في عشرين رجلا. PageV04P0383 # فلما سمع المستحفظان بقلعة خفتيذكان ms3669 ذلك، وكانا رجلين حدثتهما أنفسهما ~~بالاستيلاء عليها، وكان بها ذخائره، وأمواله، وقدرها يزيد على ألفي دينار، ~~فتملكاها، واجتاز بها السلطان بركيارق، فأنفذا إليه مائتي ألف دينار، ~~واستولى التركمان على جميع بلاد سرخاب بن بدر، سوى دقوقا وشهرزور، فلما كان ~~هذا الوقت قتل أحد المستحفظين الآخر، وأرسل إلى سرخاب يطلب منه الأمان ~~ليسلم إليه القلعة، فأمنه على نفسه، وعلى ما حصل بيده من أموالها، فسلمها ~~إليه ووفى له. ### || AUT ذكر قتل قدرخان صاحب سمرقند # قد ذكرنا قبل قدوم الملك سنجر مع أخيه السلطان محمد إلى بغداد وعوده إلى ~~خراسان، فلما وصل إلى نيسابور خطب لأخيه محمد بخراسان جميعها، ولما كان ~~ببغداد طمع قدرخان جبريل بن عمر، صاحب سمرقند، في خراسان لبعده عنها، وجمع ~~عساكر تملأ الأرض، قيل: كانوا مائة ألف مقاتل فيهم مسلمون وكفار، وقصد بلاد ~~سنجر. وكان أمير من أمراء سنجر، اسمه كندغدي، قد كاتب قدرخان بالأخبار، ~~وأعلمه مرض سنجر، بعد عوده إلى بلاده، وأنه قد أشفى على الهلاك، وقوى طمعه ~~بالاختلاف الواقع بين السلطانين بركيارق ومحمد، وبشدة عداوة بركيارق لسنجر، ~~وأشار عليه بالسرعة مهما الاختلاف واقع، وأنه متى أسرع ملك خراسان والعراق. ~~فبادر قدرخان وأقدم، وقصد البلاد، فبلغ السلطان سنجر الخبر، وكان قد عوفي، ~~فبادر وسار نحوه قاصدا قتاله ومنعه عن البلاد، وكان من جملة من معه كندغدي ~~المذكور، وهو لا يتهمه بشيء مما فعل، فوصل إلى بلخ في ستة آلاف فارس، فبقي ~~بينه وبين قدرخان نحو خمسة أيام، فهرب كندغدي إلى قدرخان، وحلف كل واحد ~~منهما لصاحبه على الاتفاق والمناصحة، وسار من عنده إلى ترمذ، فملكها. وكان ~~الباعث للكندغدي على ما فعل حسده للأمير بزغش على منزلته. ثم تقدم قدرخان، ~~فلما تدانى العسكران أرسل سنجر يذكر قدرخان العهود والمواثيق القديمة، فلم ~~يصغ إلى قوله، وأذكى سنجر العيون والجواسيس على قدرخان، فكان لا يخفى عنه ~~شيء من خبره، فأتاه من أخبره أنه نزل بالقرب من بلخ، وأنه خرج متصيدا في ~~ثلاثمائة فارس، فندب سنجر، عند ذلك، الأمير بزغش لقصده، ms3670 فسار إليه، فلحقه ~~وهو على تلك الحال، فقاتله، فلم يصبر من مع قدرخان، فانهزموا، وأسر كندغدي ~~وقدرخان، وأحضرهما عند سنجر، فأما قدرخان فإنه قبل الأرض واعتذر، فقال له ~~سنجر: إن خدمتنا، أو لم تخدمنا، فما جزاؤك إلا السيف، ثم أمر به فقتل. فلما ~~سمع كندغدي الخبر نجا بنفسه، ونزل في قناة، ومشى فيها فرسخين تحت الأرض، ~~على ما به من النقرس، وقتل فيها حيتين عظيمتين، وسبق أصحابه إلى مخرجها، ~~وسار منها في ثلاثمائة فارس إلى غزنة. وقيل: بل جمع سنجر عساكر كثيرة، ~~والتقى هو وقدرخان، وجرى بينهما مصاف، وقتال عظيم، أكثر فيه القتل فيهم، ~~فانهزم قدرخان وعسكره، وحمل أسيرا إلى سنجر، فقتله، وحصر ترمذ، وبها ~~كندغدي، فطلب الأمان، فأمنه سنجر، ونزل إليه، وسلم ترمذ، فأمره سنجر ~~بمفارقة بلاده، فسار إلى غزنة، فلما وصل إليها أكرمه صاحبها علاء الدولة، ~~وحل عنده المحل الكبير. واتفق أن صاحب غزنة عزم على قصد أوتان، وهي جبال ~~منيعة، على أربعين فرسخا من غزنة، وقد عصى عليه قوم، وتحصنوا بمعاقلها، ~~ووعور مسالكها، فقاتلهم عسكر علاء الدولة، فلم يظفروا منهم بطائل، فتقدم ~~كندغدي منفردا عنهم، فأبلى بلاء حسنا، ونصر عليهم، وأخذ غنائمهم، وحملها ~~إلى علاء الدولة، فلم يقبل منها شيئا، ووفرها عليه، فغضب العسكر، وحسدوه ~~على ذلك، وعلى قربه من صاحبهم، ونفاقه عليه، فأشاروا بقبضه، وقالوا: إنا لا ~~نأمن أن يقصد بعض الأماكن فيفعل في أمر الدولة ما لا يمكن تلافيه. فقال: قد ~~تحققت قصدكم، ولكن بمن أقبض عليه؟ فإني أخاف أن آمركم بالقبض عليه، فينالكم ~~منه ما تفتضحون به. فقالوا: الصواب أن توليه ولاية ويقبض عليه إذا سار ~~إليها. فولاه حصنين جرت عادته أن يسجن فيهما من يخاف جانبه، فسار إليهما. ~~PageV04P0384 # فلما قاربهما عرف ما يراد منه، فأحرق جميع ماله، ونحر جماله، وسار جريدة، ~~وكان في مدة مقامه بغزنة يسأل عن الطرق وتشعبها، فإنه ندم على قصد تلك ~~الجهة، فلما سار سأل راعيا عن الطريق التي يريدها، فدله، فأخذه معه خوفا أن ~~يكون قد غره، ولم ms3671 يزل سائرا إلى أن وصل إلى قريب هراة، فمات هناك، وهو من ~~مماليك تتش بن ألب أرسلان الذي كحله أخوه ملكشاه، وسجنه بتكريت، وقد تقدم ~~ذكر حادثته. ### || AUT ذكر ملك محمد خان سمرقند # في هذه السنة أحضر السلطان سنجر محمدا أرسلان خان بن سليمان بن داود ~~بلراخان، من مرو، وملكه سمرقند، بعد قتل قدرخان، وكان محمد خان هذا من ~~أولاد الخانية بما وراء النهر، وأمه ابنة السلطان ملكشاه، فدفع عسكر ملك ~~آبائه، فقصد مرو، وأقام بها إلى الآن. فلما قتل قدرخان ولاه سنجر أعماله، ~~وسير معه العساكر الكثيرة، فعبروا النهر، فأطاعه العساكر بتلك البلاد ~~جميعها، وعظم شأنه، وكثرت جموعه، إلا أنه انتصب له أمير اسمه هاغوبك، ~~وزاحمه في الملك، فطمع فيه، فجرى له معه حروب احتاج في بعضها إلى الاستنجاد ~~بعساكر سنجر، على ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى. ولما ملك محمد خان ~~البلاد أحسن إلى الرعايا بوصية من سنجر، وحقن الدماء، وصار بابه مقصدا، ~~وجنابه ملجأ. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الأول، خرج تاج الرؤساء ابن أخت أمين الدولة أبي ~~سعد بن الموصلايا إلى الحلة السيفية، مستجيرا بسيف الدولة صدقة. وسبب ذلك ~~أن الوزير الأعز وزير السلطان بركيارق كان ينسب إليه أنه هو الذي يميل جانب ~~الخليفة إلى السلطان محمد، فسار خائفا، واعتزل خاله أمين الدولة الديوان، ~~وجلس في داره، فلما قتل الوزير الأعز، على ما ذكرنا، عاد تاج الرؤساء من ~~الحلة إلى بغداد، وعاد خاله إلى منصبه. وفي ربيع الأول أيضا ورد العميد ~~المهذب أبو المجد، أخو الوزير الأعز، إلى بغداد، نائبا عن أخيه، ظنا منه أن ~~إيلغازي لا يخالفهم، حيث كان بركيارق ومحمد قد اتفقا، كما ذكرناه، فقبض ~~عليه إيلغازي، ولم يتغير عن طاعة محمد. وفيها، في جمادى الأولى، ورد إلى ~~بغداد ابن تكش بن ألب أرسلان، وكان قد استولى على الموصل، فخدعه من كان ~~بها، حتى سار عنها إلى بغداد، فلما وصل إليها زوجه إيلغازي بن أرتق ابنته. ~~وفيها، في شهر ms3672 رمضان، استوزر الخليفة سديد الملك أبا المعالي بن عبد ~~الرزاق، ولقب عضد الدين. وفيها، في صفر، قتل الربعيون بهيت قاضي البلد أبا ~~علي بن المثنى، وكان ورعا، فقيها، حنفيا، من أصحاب القاضي أبي عبد الله ~~الدامغاني، وكان هذا القاضي على ما جرت به عادة القضاة هناك من الدخول بين ~~القبائل، فنسبوه في ذلك إلى التحامل عليهم، فقتله أحدهم، فندم الباقون على ~~قتله، وقد فات الأمر. وفيها بنى سيف الدولة صدقة بن مزيد الحلة بالجامعين، ~~وسكنها، وإنما كان يسكن هو وآباؤه قبله في البيوت العربية. وفي جمادى ~~الأولى قتل المؤيد بن شرف الدولة مسلم بن قريش أمير بني عقيل، قتله بنو ~~نمير عند هيت قصاصا. وفيها توفي القاضي البندنيجي الضرير، الفقيه الشافعي، ~~انتقل إلى مكة، فجاور بها أربعين سنة يدرس الفقه، ويسمع الحديث، ويشتغل ~~بالعبادة. وفيها توفي أبو عبد الله الحسين بن محمد الطبري بأصبهان، وكان ~~يدرس فقه الشافعي بالمدرسة النظامية، وقد جاوز تسعين سنة، وهو من أصحاب أبي ~~إسحاق. وفيها توفي الأمير منظور بن عمارة الحسيني، أمير المدينة، على ~~ساكنها السلام، وقام ولده مقامه، وهو من ولد المهنا، وقد كان قتل المعمار ~~الذي أنفذه مجد الملك البلاساني لعمارة القبة التي على قبر الحسن بن علي ~~والعباس، رضي الله عنهما، وكان من أهل قم، فلما قتل البلاساني قتله منظور ~~بعد أن أمنه، وكان قد هرب منه إلى مكة، فأرسل إليه بأمانه. ؟؟ ### | AUT ثم دخلت سنة ست وتسعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر استيلاء ينال على الري # ### || AUT وأخذها منه ووصوله إلى بغداد # PageV04P0385 # كانت الخطبة بالري للسلطان بركيارق، فلما خرج السلطان محمد من أصبهان، ~~على ما ذكرناه، ومعه ينال بن أنوشتكين الحسامي، استأذنه في قصد الري وإقامة ~~الخطبة له بها، فأذن له، فسار هو وأخوه علي بن أنوشتكين، فوصلا إليها في ~~صفر، فأطاع من بها من نواب بركيارق، وخطب لمحمد بالري، واستولى ينال على ~~البلد، وعسف أهله، وصادرهم بمائتي ألف دينار، وأقام بها إلى النصف من ربيع ~~الأول، فورد إليه الأمير برسق بن برسق ms3673 من عند السلطان بركيارق، فوقع القتال ~~بينهم على باب الري، فانهزم ينال وأخوه علي. فأما علي فعاد إلى ولايته ~~قزوين، وسلك ينال الجبال، فقتل من أصحابه كثير، وتشتتوا، فأتى إلى بغداد في ~~سبعمائة رجل، فأكرمه الخليفة، واجتمع هو وإيلغازي وسقمان ابنا أرتق بمشهد ~~أبي حنيفة، وتحالفوا على مناصحة السلطان محمد، وساروا إلى سيف الدولة صدقة، ~~فحلف لهم أيضا على ذلك، وعادوا. ### || AUT ذكر ما فعله ينال بالعراق # قد ذكرنا وصول ينال بن أنوشتكين إلى بغداد قبل. فلما استقر ببغداد ظلم ~~الناس بالبلاد جميعا، وصادرهم، واستطال أصحابه على العامة بالضرب والقتل ~~والتقسيط، وصادر العمال. فأرسل إليه الخليفة قاضي القضاة أبا الحسن ~~الدامغاني ينهاه عن ذلك، ويقبح عنده ما يرتكبه من الظلم والعدوان، وتردد ~~أيضا إلى إيلغازي، وكان ينال قد تزوج هذه الأيام بأخته، وهي التي كانت زوجة ~~تاج الدولة تتش، حتى توسط الأمر معه، فمضوا إليه، وحلفوه على الطاعة، وترك ~~ظلم الرعية، وكف أصحابه، ومنعهم، فحلف، ولم يقف على اليمين، ونكث ودام على ~~الظلم وسوء السيرة. فأرسل الخليفة إلى سيف الدولة صدقة، وعرفه ما يفعله ~~ينال من نهب الأموال، وسفك الدماء، وطلب منه أن يحضر بنفسه ليكف ينال، فسار ~~من حلته في رمضان، ووصل بغداد رابع شوال، وضرب خيامه بالنجمي، واجتمع هو ~~وينال، وإيلغازي، ونواب ديوان الخليفة، وتقررت القواعد على مال يأخذه ويرحل ~~عن العراق، فطلب ينال المهلة، فعاد صدقة عاشر شوال إلى حلته، وترك ولده ~~دبيسا ببغداد ليمنعه من الظلم والتعدي عما استقر الأمر عليه، فبقي ينال إلى ~~مستهل ذي القعدة، وسار إلى أوانا، فنهب، وقطع الطريق، وعسف الناس، وبالغ في ~~الفعل القبيح، وأقطع القرى لأصحابه، فأرسل الخليفة إلى صدقة في ذلك، فأرسل ~~ألف فارس، وساروا إليه ومعهم جماعة من أصحاب الخليفة، وإيلغازي، شحنة ~~بغداد، فلما سمع ينال بقربهم منه عبر دجلة، وسار إلى باجسري وشعثها، وقصد ~~شهرابان، فمنعه أهلها، فقاتلهم، فقتل بينهم قتلى، ورحل عنهم، وسار إلى ~~أذربيجان قاصدا إلى السلطان محمد، وعاد دبيس بن صدقة، وإيلغازي، شحنة ~~بغداذ، ms3674 إلى مواضعهم. ### || AUT ذكر وصول كمشتكين القيصري شحنة إلى بغداد والفتنة بينه وبين إيلغازي # وسقمان وصدقة في هذه السنة، منتصف ربيع الأول، ورد كمشتكين القيصري إلى ~~بغداد، شحنة، أرسله إليها السلطان بركيارق، وقد ذكرنا في السنة المتقدمة ~~رحيل بركيارق من أصبهان إلى همذان، فلما وصلها أرسل إلى بغداد كمشتكين ~~شحنة، فلما سمع إيلغازي، وهو شحنة ببغداد، للسلطان محمد، أرسل إلى أخيه ~~سقمان بن أرتق، صاحب حصن كيفا، يستدعيه إليه ليعتضد به على منعه، وسار إلى ~~سيف الدولة صدقة بالحلة، واجتمع به، وسأله تجديد عهد في دفع من يقصده من ~~جهة بركيارق، فأجابه إلى ذلك وحلف له، فعاد إيلغازي. وورد سقمان في عساكر، ~~ونهب في طريقه تكريت، وسبب تمكنه منها أنه أرسل جماعة من التركمان إلى ~~تكريت، معهم أحمال جبن، وسمن، وعسل، فباعوا ما معهم، وأظهروا أن سقمان قد ~~عاد عن الانحدار، فاطمأن أهل البلد، ووثب التركمان، تلك الليلة، على الحراس ~~فقتلوهم، وفتحوا الأبواب، وورد إليها سقمان، ودخلها ونهبها، ولما وصل إلى ~~بغداد نزل بالرملة. PageV04P0386 # وأما كمشتكين فوصل، أول ربيع الأول، إلى قرميسين، وأرسل إلى من له هوى مع ~~بركيارق، وأعلمهم بقربه منهم، فخرج إليه جماعة منهم، فلقوه بالبندنيجين، ~~وأعلموه الأحوال، وأشاروا عليه بالمعاجلة، فأسرع السير، فوصل إلى بغداد ~~منتصف ربيع الأول، ففارق إيلغازي داره، واجتمع بأخيه سقمان، وأصعدا من ~~الرملة، ونهبا بعض قرى دجيل، فسار طائفة من عسكر كمشتكين وراءهما، ثم عادوا ~~عنهما، وخطب للسلطان بركيارق ببغداد، فأرسل كمشتكين القيصري إلى سيف الدولة ~~صدقة، ومعه حاجب من ديوان الخليفة، في طاعة بركيارق، فلم يجب إلى ذلك، وكشف ~~القناع ببغداد في مخالفته، وسار من الحلة إلى جسر صرصر، فقطعت خطبة بركيارق ~~ببغداد، ولم يذكر على منابرها أحد من السلاطين، واقتصر الخطباء على الدعاء ~~للخليفة لا غير. ولما وصل سيف الدولة إلى صرصر أرسل إيلغازي وسقمان، وكانا ~~بحربى، يعرفهما أنه قد أتى لنصرتهما، فعادا ونهبا دجيلا، ولم يبقيا على ~~قرية كبيرة ولا صغيرة، وأخذت الأموال، وافتضت الأبكار، ونهب العرب والأكراد ~~الذين مع ms3675 سيف الدولة بنهر ملك، إلا أنهم لم ينقل عنهم مثل التركمان من أخذ ~~النساء والفساد معهن، لكنهم استقصوا في أخذ الأموال بالضرب والإحراق، وبطلت ~~معايش الناس، وغلت الأسعار، فكان الخبز يساوي عشرة أرطال بقيراط، فصار ~~ثلاثة أرطال بقيراط، وجميع الأشياء كذلك. فأرسل الخليفة إلى سيف الدولة في ~~الإصلاح، فلم تستقر قاعدة، وعاد إيلغازي وسقمان ومعهما دبيس بن سيف الدولة ~~صدقة من دجيل، فخيموا بالرملة، فقصدهم جماعة كثيرة من العامة، فقاتلوهم، ~~فقتل من العامة أربعة نفر، وأخذ منهم جماعة، فأطلقوا بعد أن أخذت أسلحتهم، ~~وازداد الأمر شدة على الناس، فأرسل الخليفة قاضي القضاة أبا الحسن بن ~~الدامغاني، وتاج الرؤساء بن الموصلايا إلى سيف الدولة يأمره بالكف عن الأمر ~~الذي هو ملابسه، ويعرفه ما الناس فيه، ويعظم الأمر عليه، فأظهر طاعة ~~الخليفة، إن أخرج القيصري من بغداد، وإلا فليس غير السيف، وأرعد وأبرق. ~~فلما عاد الرسول استقر الأمر على إخراج القيصري من بغداد، ففارقها ثاني عشر ~~ربيع الآخر، وسار إلى النهروان، وعاد سيف الدولة إلى بلده، وأعيدت خطبة ~~السلطان محمد ببغداد، وسار القيصري إلى واسط، فخاف الناس منه، وأرادوا ~~الانحدار منها ليأمنوا، فمنعهم القيصري، وخطب لبركيارق بواسط ونهبوا كثيرا ~~من سوادها. فلما سمع صدقة ذلك سار إلى واسط، فدخلها، وعدل في أهلها، وكف ~~عسكره عن أذاهم، ووصل إليه إيلغازي بواسط، وفارقها القيصري، ونزل متحصنا ~~بدجلة، فقيل لسيف الدولة: إن هناك مخاضة، فسار إليها بعسكره وقد لبسوا ~~السلاح، فلما رآهم عسكر القيصري تفرقوا عنه، وبقي في خواص أصحابه، فطلب ~~الأمان من سيف الدولة، فأمنه، فحضر عنده، فأكرمه، وقال له: قد سمنت، قال: ~~وتركتنا نسمن؟ أخرجتنا من بغداد، ثم من واسط، ونحن لا نعقل. ثم بذل صدقة ~~الأمان لجميع عسكر واسط، ومن كان مع القيصري، سوى رجلين، فعادا إليه ~~فأمنهما، وعاد القيصري إلى بركيارق، وأعيدت خطبة السلطان محمد بواسط، وخطب ~~بعده لسيف الدولة وإيلغازي، واستناب كل واحد منهما فيها ولده، وعادا عنها ~~في العشرين من جمادى الأولى، وأمن أهل واسط مما كانوا يخافونه. فأما ms3676 ~~إيلغازي فإنه أصعد إلى بغداد، وأما سيف الدولة صدقة فإنه عاد إلى الحلة، ~~وأرسل ولده الأصغر منصورا مع إيلغازي إلى المستظهر بالله يسأله الرضا عنه، ~~فإنه كان قد سخط بسبب هذه الحادثة، فوصل إلى بغداد، وخاطب في ذلك، فأجيب إليه. ### || AUT ذكر استيلاء صدقة على هيت # كانت مدينة هيت لشرف الدولة مسلم بن قريش، أقطعه إياها السلطان ألب ~~أرسلان، ولم تزل معه حتى قتل، فنظر فيها عمداء بغداد إلى أن مات السلطان ~~ملكشاه، ثم أخذها أخوه تتش بن ألب أرسلان. فلما استولى السلطان بركيارق ~~أقطعها لبهاء الدولة ثروان بن وهب بن وهيبة، وأقام هو جماعة من بني عقيل ~~عند سيف الدولة صدقة، وكانا متصافيين، وكان صدقة يزوره كثيرا ثم تنافرا. ~~PageV04P0387 # وكان سبب ذلك أن صدقة زوج بنتا له من ابن عمه، وكان ثروان قد خطبها، فلم ~~يجبه إلى ذلك، فتحالفت عقيل، وهم في حلة سيف الدولة، أن يكونوا يدا واحدة ~~عليه، فأنكر صدقة ذلك، وحج ثروان عقيب ذلك وعاد مريضا، فوكل به صدقة، وقال: ~~لا بد من هيت، فأرسل ثروان حاجبه، وكتب خطه بتسليم البلد إليه. وكان بهيت ~~حينئذ محمد بن رافع بن رفاع بن ضبيعة بن مالك بن مقلد بن جعفر، وأرسل صدقة ~~ابنه دبيسا مع الحاجب ليتسلمها فلم يسلم إليه محمد، فعاد دبيس إلى أبيه، ~~فلما أخذ صدقة واسطا، هذه النوبة، أصعد في عسكره إلى هيت، فخرج إليه منصور ~~بن كثير ابن أخي ثروان، ومعه جماعة من أصحابه، فلقوا سيف الدولة، وحاربوه ~~ساعة من النهار. ثم إن جماعة من الربعيين فتحوا لسيف الدولة البلد، فدخله ~~أصحابه، فلما رأى ذلك منصور ومن معه سلموا البلد إليه، فملكه يوم نزوله، ~~وخلع على منصور وجماعة من وجوه أصحابه، وعاد إلى حلته، واستخلف عليه ابن ~~عمه ثابت بن كامل. ### || AUT ذكر الحرب بين بركيارق ومحمد # في هذه السنة، ثامن جمادى الآخرة، كان المصاف الخامس بين السلطان ~~بركيارق والسلطان محمد. وكانت كنجة وبلاد أران جميعها للسلطان محمد، وبها ~~عسكره، ومقدمهم الأمير غزغلي، فلما ms3677 طال مقام محمد بأصبهان محصورا توجه ~~غزغلي والأمير منصور بن نظام الملك وابن أخيه محمد بن مؤيد الملك بن نظام ~~الملك قاصدين لنصرته، ليراهم بعين الطاعة. وكان آخر ما تقام فيه الخطبة ~~لمحمد زنجان مما يلي أذربيجان، فوصلوا إلى الري في العشرين من ذي الحجة سنة ~~خمس وتسعين، ففارقه عسكر بركيارق، ودخلوه وأقاموا به ثلاثة أيام. ووصلهم ~~الخبر بخروج السلطان محمد من أصبهان، وأنه وصل إلى ساوة، فساروا إليه، ~~ولحقوه بهمذان ومعه ينال وعلي ابنا أنوشتكين الحسامي، فبلغ عددهم ستة آلاف ~~فارس، فأقاموا بها إلى أواخر المحرم، فأتاهم الخبر بأن السلطان بركيارق قد ~~أتاهم، فتلونوا في رأيهم، فسار ينال وعلي ابنا أنوشتكين إلى الري، على ما ~~ذكرناه، وعزم السلطان محمد على التوجه إلى شروان، فوصل إلى أردبيل، فأرسل ~~إليه الملك مودود بن إسماعيل بن ياقوتي، صاحب بعض أذربيجان، وكانت قبله ~~لأبيه إسماعيل بن ياقوتي، وهو خال السلطان بركيارق، وكانت أخته زوجة ~~السلطان محمد، وهو مطالب السلطان بركيارق بثأر أبيه، وقد تقدم مقتله أول ~~دولة بركيارق، وقال له: ينبغي أن تقدم إلينا لتجتمع كلمتنا على طاعتك، ~~وقتال خصمنا، فسار إليه مجدا، وتصيد في طريقه بين أردبيل وبيلقان، وانفرد ~~عن عسكره، فوثب عليه نمر، وهو غافل، فجرح السلطان محمدا في عضده، فأخذ ~~سكينا وشق بها جوف النمر فألقاه عن فرسه ونجا. ثم إن مودود بن إسماعيل توفي ~~في النصف من ربيع الأول، وعمره اثنتان وعشرون سنة، ولما بلغ بركيارق اجتماع ~~السلطان محمد والملك مودود سار غير متوقف، فوصل بعد موت مودود، وكان عسكر ~~مودود قد اجتمعوا على طاعة السلطان محمد، وحلفوا له، وفيهم سكمان القبطي، ~~ومحمد بن باغي سيان، الذي كان أبوه صاحب أنطاكية، وقزل أرسلان بن السبع ~~الأحمر، فلما وصل بركيارق وقعت الحرب بينهما على باب خوي من أذربيجان عند ~~غروب الشمس، ودامت إلى العشاء الآخرة. فاتفق أن الأمير إياز أخذ معه ~~خمسمائة فارس مستريحين، وحمل بهم، وقد أعيا العسكر من الجهتين، على عسكر ~~السلطان محمد، فكسرهم، وولوا الأدبار لا يلوي ms3678 أحد على أحد. فأما السلطان ~~بركيارق فإنه قصد جبلا بين مراغة وتبريز، كثير العشب والماء، فأقام به ~~أياما، وسار إلى زنجان. وأما السلطان محمد فإنه سار مع جماعة من أصحابه إلى ~~أرجيش، من بلاد أرمينية، على أربعين فرسخا من الوقعة، وهي من أعمال خلاط، ~~من جملة أقطاع الأمير سكمان القبطي، وسار منها إلى خلاط، واتصل به الأمير ~~علي صاحب أرزن الروم، وتوجه إلى آني، وصاحبها منوجهر أخو فضلون الروادي، ~~ومنها سار إلى تبريز من أذربيجان. وسنذكر باقي أخبارهم سنة سبع وتسعين عند ~~صلحهم إن شاء الله. PageV04P0388 # وكان الأمير محمد بن مؤيد الملك بن نظام الملك مع السلطان محمد في هذه ~~الوقعة، فمر منهما، ودخل ديار بكر، وانحدر منها إلى جزيرة ابن عمر، وسار ~~منها إلى بغداد، وكان في حياة أبيه يقيم ببغداد في سوق المدرسة، فاتصلت ~~الشكاوى منه إلى أبيه، فكتب إلى كوهرائين بالقبض عليه، فاستجار بدار ~~الخلافة، وتوجه سنة اثنتين وتسعين إلى مجد الملك البلاساني، ووالده حينئذ ~~بكنجة عند السلطان محمد، قبل أن يخطب لنفسه بالسلطنة، وتوجه بعد قتل مجد ~~الملك إلى والده، وقد صار وزير السلطان محمد، وخطب لمحمد بالسلطنة، وبقي ~~بعد قتل والده، واتصل بالسلطان محمد، وحضر معه هذه الحرب فانهزم. ### || AUT ذكر عزل سديد الملك وزير الخليفة ونظر أبي سعد بن الموصلايا في الوزارة # في هذه السنة، منتصف رجب، قبض على الوزير سديد الملك أبي المعالي، وزير ~~الخليفة، وحبس في دار بدار الخلافة، وكان أهله قد وردوا عليه من أصبهان، ~~فنقلوا إليه، وكان محبسه جميلا. وسبب عزله جهله بقواعد ديوان الخلافة، فإنه ~~قضى عمره في أعمال السلاطين، وليس لهم هذه القواعد، ولما قبض عاد أمين ~~الدولة بن الموصلايا إلى النظر في الديوان. ومن عجيب ما جرى من الكلام الذي ~~وقع بعد أيام أن سديد الملك كان يسكن في دار عميد الدولة بن جهير، وجلس ~~فيها مجلسا عاما يحضره الناس لوعظ المؤيد عيسى الغزنوي، فأنشدوا أبياتا ~~ارتجلها: سديد الملك سدت، وخضت بحرا ... عميق اللج، فاحفظ فيه روحك ms3679 وأحي ~~معالم الخيرات، واجعل ... لسان الصدق في الدنيا فتوحك وفي الماضين معتبر، ~~فأسرج ... مروحك في السلامة، أو جموحك ثم قال سديد الملك: من شرب من مرقة ~~السلطان احترقت شفتاه، ولو بعد زمان، ثم أشار إلى الدار وقرأ: " وسكنتم في ~~مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم " ، فقبض على الوزير بعد أيام. ### || AUT ذكر ملك الملك دقاق مدينة الرحبة # في هذه السنة، في شعبان، ملك الملك دقاق بن تتش، صاحب دمشق، مدينة ~~الرحبة، وكانت بيد إنسان اسمه قايماز من مماليك السلطان ألب أرسلان، فلما ~~قتل كربوقا استولى عليها، فسار دقاق وطغتكين أتابكه إليه، وحصراه بها، ثم ~~رحل عنه. وتوفي قايماز هذه السنة في صفر، وقام مقامه غلام تركي اسمه حسن، ~~فأبعد عنه كثيرا من جنده، وخطب لنفسه، وخاف من دقاق، فاستظهر، وأخذ جماعة ~~من السالارية الذين يخافهم، فقبض عليهم، وقتل جماعة من أعيان البلد، وحبس ~~آخرين وصادرهم. فتوجه دقاق إليه وحصره، فسلم العامة البلد إليه، واعتصم حسن ~~بالقلعة، فأمنه دقاق، فسلم القلعة إليه، فأقطعه إقطاعا كثيرا بالشام، وقرر ~~أمر الرحبة، وأحسن إلى أهلها، وجعل فيها من يحفظها، ورحل عنها إلى دمشق. ### || AUT ذكر أخبار الفرنج بالشام # كان الأفضل أمير الجيوش بمصر قد أنفذ ملوكا لأبيه، لقبه سعد الدولة، ~~ويعرف بالطواشي، إلى الشام لحرب الفرنج، فلقيهم بين الرملة ويافا، ومقدم ~~الفرنج يعرف ببغدوين، لعنه الله تعالى، وتصافوا واقتتلوا، فحملت الفرنج ~~حملة صادقة، فانهزم المسلمون. وكان المنجمون يقولون لسعد الدولة: إنك تموت ~~مترديا، فكان يحذر من ركوب الخيل، حتى إنه ولي بيروت وأرضها مفروشة ~~بالبلاط، فقلعه خوفا أن يزلق به فرسه، أو يعثر، فلم ينفعه الحذر عند نزول ~~القدر، فلما كانت هذه الوقعة انهزم، فتردى به فرسه، فسقط ميتا، وملك الفرنج ~~خيمه وجميع ما للمسلمين. فأرسل الأفضل بعده ابنه شرف المعالي في جمع كثير، ~~فالتقوا هم والفرنج بيازوز،، بقرب الرملة، فانهزم الفرنج، وقتل منهم مقتلة ~~عظيمة، وعاد من سلم منهم مغلولين، فلما رأى بغدوين شدة الأمر، وخاف القتل ~~والأسر، ألقى نفسه ms3680 في الحشيش واختفى فيه، فلما أبعد المسلمون خرج منه إلى ~~الرملة. وسار شرف المعالي بن الأفضل من المعركة، ونزل على قصر بالرملة، وبه ~~سبعمائة من أعيان الفرنج، وفيهم بغدوين، فخرج متخفيا إلى يافا، وقاتل ابن ~~الأفضل من بقي خمسة عشر يوما، ثم أخذهم، فقتل منهم أربعمائة صبرا، وأسر ~~ثلاثمائة إلى مصر. ثم اختلف أصحابه في مقصدهم، فقال يوم: نقصد البيت المقدس ~~ونتملكه، وقال قوم: نقصد يافا ونملكها. PageV04P0389 # فبينما هم في هذا الاختلاف، إذ وصل إلى الفرنج خلق كثير في البحر، قاصدين ~~زيارة البيت المقدس، فندبهم بغدوين للغزو معه، فساروا إلى عسقلان، وبها شرف ~~المعالي، فلم يكن يقوى بحربهم، فلطف الله بالمسلمين، فرأى الفرنج البحرية ~~حصانة عسقلان، وخافوا البيات، فرحلوا إلى يافا، وعاد ولد الأفضل إلى أبيه، ~~فسير رجلا يقال له تاج العجم في البر، وهو من أكبر مماليك أبيه، وجهز معه ~~أربعة آلاف فارس، وسير في البحر رجلا يقال له القاضي ابن قادوس، في الأسطول ~~على يافا، ونزل تاج العجم على عسقلان، فاستدعاه ابن قادوس إليه ليتفقا على ~~حرب الفرنج، فقال تاج العجم: ما يمكنني أن أنزل إليك إلا بأمر الأفضل، ولم ~~يحضر عنده، ولا أعانه، فأرسل القادوسي إلى قاضي عسقلان، وشهودها، وأعيانها، ~~وأخذ خطوطهم بأنه أقام على يافا عشرين يوما، واستدعى تاج العجم، فلم يأته، ~~ولا أرسل رجلا، فلما وقف الأفضل على الحال أرسل من قبض على تاج العجم، ~~وأرسل رجلا، لقبه جمال الملك، فأسكنه عسقلان، وجعله متقدم العساكر الشامية. ~~وخرجت هذه السنة وبيد الفرنج، لعنهم الله، البيت المقدس، وفلسطين، ما عدا ~~عسقلان، ولهم أيضا يافا، وأرسوف، وقيسارية، وحيفا، وطبرية، واللاذقية، ~~وأنطاكية، ولهم بالجزيرة الرها، وسروج. وكان صنجيل يحاصر مدينة طرابلس ~~الشام، والمواد تأتيها، وبها فخر الملك بن عمار، وكان يرسل أصحابه في ~~المراكب يغيرون على البلاد التي بيد الفرنج، ويقتلون من وجدوا، وقصد بذلك ~~أن يخلو السواد ممن يزرع لتقل المواد من الفرنج فيرحلوا عنه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، سادس المحرم، توفيت بنت أمير المؤمنين ms3681 القائم بأمر الله، ~~التي كانت زوجة السلطان طغرلبك، وكانت موصوفة بالدين، وكثرة الصدقة، وكان ~~الخليفة المستظهر بالله قد ألزمها بيتها، لأنه بلغ عنها أنها تسعى في إزالة ~~دولته. وفيها، في شعبان أيضا، استوزر المستظهر بالله زعيم الرؤساء أبا ~~القاسم بن جهير، واستقدمه من الحلة من عند سيف الدولة صدقة، وقد ذكرنا في ~~السنة المتقدمة سبب مسيره إليها، فلما قدم إلى بغداد وخرج كل أرباب الدولة ~~فاستقبلوه، وخلع عليه الخلع التامة، وأجلس في الديوان ولقب قوام الدين. ~~وفيه أيضا قتل أبو المظفر بن الخجندي بالري، وكان يعظ الناس، فقتله رجل ~~علوي حين نزل من كرسيه، وقتل العلوي ودفن الخجندي بالجامع، وأصل بيت ~~الخجندي من مدينة خجندة، بما وراء النهر، وينسبون إلى المهلب بن أبي صفرة، ~~وكان نظام الملك قد سمع أبا بكر محمد بن ثابت الخجندي يعظ بمرو، فأعجبه ~~كلامه، وعرف محله من الفقه والعلم، فحمله إلى أصبهان، وصار مدرسا بمدرسته ~~بها، فنال جاها عريضا، ودنيا واسعة، وكان نظام الملك يتردد إليه ويزوره. ~~وفيها جمع ساغربك، بما وراء النهر، جموعا كثيرة، وهو من أولاد الخانية، ~~وقصد محمد خان الذي ملكه السلطان سنجر سمرقند، ونازعه في ملكها، فضعف محمد ~~خان عنه، فأرسل إلى السلطان سنجر يستنجده، فسار إلى سمرقند، فأبعد عنه ~~ساغربك، وخافه، واحتمى منه، وأرسل يطلب الأمان من سنجر، والعفو، فأجابه إلى ~~ما طلب، وحضر ساغربك عنده، وقرر الصلح بينه وبين محمد خان، وحلف كل واحد ~~منهما لصاحبه، وعاد إلى خراسان، فوصل إلى مرو في ربيع الأول سنة سبع وتسعين ~~وأربعمائة. وفيها توفي أبو المعالي الصالح، ساكن باب الطاق، وكان مقلا من ~~الدنيا، له كرامات ظاهرة. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وتسعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر ملك بلك بن بهرام مدينة عانة # في هذه السنة، في المحرم، استولى بلك بن بهرام بن أرتق، وهو ابن أخي ~~إيلغازي بن أرتق، على مدينة عانة، والحديثة، وكان له مدينة سروج، فأخذها ~~الفرنج منه، فسار عنها إلى عانة وأخذها من بني يعيش بن عيسى بن خلاط، ms3682 فقصد ~~بنو يعيش سيف الدولة صدقة بن مزيد، ومعهم مشايخهم، فسألوه الإصعاد إليها، ~~وأن يتسلمها منهم، ففعل وأصعد معهم. فرحل التركمان وبهرام عنها، وأخذ صدقة ~~رهائنهم، وعاد إلى حلته، فرجع بلك إليها ومعه ألفا رجل من التركمان، فمانعه ~~أصحابه قليلا، واستدل على المخاضة إليها، فخاضها وعبر، وملكهم ونهبهم، وسبى ~~جميع حرمهم وانحدر طالبا هيت من الجانب الشامي، فبلغ إلى قريب منها، ثم رجع ~~من يومه، ولما سمع صدقة جهز العساكر، ثم أعادهم عند عود بلك. PageV04P0390 ### || AUT ذكر غارة الفرنج على الرقة وقلعة جعبر # في هذه السنة، في صفر، أغار الفرنج من الرها على مرج الرقة وقلعة جعبر، ~~وكانوا لما خرجوا من الرها افترقوا فرقتين، وأبعدوا يوما واحدا تكون الغارة ~~على البلدين فيه، ففعلوا ما استقر بينهم، وأغاروا، واستاقوا المواشي، ~~وأسروا من وقع بأيديهم من المسلمين، فكانت القلعة والرقة لسالم بن مالك بن ~~بدران بن المقلد بن المسيب سلمها إليه السلطان ملكشاه سنة تسع وسبعين، وقد ~~ذكرناه فيها. ### || AUT ذكر الصلح بين السلطان بركيارق ومحمد # في هذه السنة، في ربيع الآخر، وقع الصلح بين السلطانين بركيارق ومحمد ~~ابني ملكشاه. وكان سببه أن الحروب تطاولت بينهما، وعم الفساد، فصارت ~~الأموال منهوبة، والدماء مسفوكة، والبلاد مخربة، والقرى محرقة، والسلطنة ~~مطموعا فيها، محكوما عليها، وأصبح الملوك مقهورين، بعد أن كانوا قاهرين، ~~وكان الأمراء الأكابر يؤثرون ذلك ويختارونه ليدوم تحكمهم، وانبساطهم، ~~وإدلالهم. وكان السلطان بركيارق حينئذ بالري والخطبة له بها، وبالجبل، ~~وطبرستان، وخوزستان، وفارس، وديار بكر، والجزيرة، وبالحرمين الشريفين. وكان ~~السلطان محمد بأذربيجان، والخطبة له فيها، وببلاد أرانية، وأرمينية، ~~وأصبهان، والعراق، كلها ما عدا تكريت. وأما أعمال البطائح فيخطب ببعضها ~~لبركيارق، وببعضها لمحمد. وأما البصرة فكان يخطب فيها لهما جميعا. وأما ~~خراسان فإن السلطان سنجر كان يخطب له في جميعها، وهي من حدود جرجان إلى ما ~~وراء النهر، ولأخيه السلطان محمد. فلما رأى السلطان بركيارق المال عنده ~~معدوما، والطمع من العسكر زائدا، أرسل القاضي أبا المظفر الجرجاني الحنفي، ~~وأبا الفرج أحمد بن عبد الغفار الهمذاني، ms3683 المعروف بصاحب قراتكين، إلى أخيه ~~محمد في تقرير قواعد الصلح، فسارا إليه، وهو بالقرب من مراغة، فذكرا له ما ~~أرسلا فيه، ورغباه في الصلح وفضيلته، وما شمل البلاد من الخراب، وطمع عدو ~~الإسلام في أطراف الأرض. فأجاب إلى ذلك، وأرسل فيه رسلا، واستقر الأمر، ~~وحلف كل واحد منهما لصاحبه، وتقررت القاعدة: أن السلطان بركيارق لا يعترض ~~أخاه محمدا في الطبل، وأن لا يذكر معه على سائر البلاد التي صارت له، وأن ~~لا يكاتب أحدهما الآخر بل تكون المكاتبة من الوزيرين، ولا يعارض أحد من ~~العسكر في قصد أيهما شاء، وأن يكون للسلطان محمد من النهر المعروف ~~بإسبيذروذ، إلى باب الأبواب، وديار بكر، والجزيرة، والموصل، والشام، ويكون ~~له من بلاد العراق بلاد سيف الدولة صدقة. فأجاب بركيارق إلى هذا، وزال ~~الخلف، والشغب، وأرسل السلطان محمد إلى أصحابه بأصبهان يأمرهم بالانصراف عن ~~البلد، وتسليمه إلى أصحاب أخيه، وسار السلطان بركيارق إلى أصبهان، فلما ~~سلمها إليه أصحاب أخيه دعاهم إلى أن يكونوا معه، وفي خدمته، فامتنعوا، ~~ورأوا لزوم خدمة صاحبهم، فسماهم أهل العسكرين جميعا: أهل الوفاء، وتوجهوا ~~من أصبهان، ومعهم حريم السلطان محمد، إليه، وأكرمهم بركيارق، وحمل لأهل ~~أخيه المال الكثير، ومن الدواب ثلاثمائة جمل، ومائة وعشرين بغلا، تحمل ~~الثقل، وسير معهم العساكر يخدمونهم. ولما وصلت رسل السلطان بركيارق إلى ~~الخليفة المستظهر بالله بالصلح، وما استقرت القواعد عليه، حضر إيلغازي ~~بالديوان، وسأل في إقامة الخطبة لبركيارق، فأجيب إلى ذلك، وخطب له بالديوان ~~يوم الخميس تاسع عشر جمادى الأولى، وخطب له، من الغد، بالجوامع، وخطب له ~~أيضا بواسط. ولما خطب إيلغازي ببغداد لبركيارق، وصار في جملته، أرسل الأمير ~~صدقة إلى الخليفة يقول: كان أمير المؤمنين ينسب إلي كل ما يتجدد من إيلغازي ~~من إخلال بواجب الخدمة، وشرط الطاعة، ومن اطراح المراقبة، والآن، فقد أبدى ~~صفحته للسلطان الذي استنابه، وأنا غير صابر على ذلك، بل أسير لإخراجه عن ~~بغداد. فلما سمع إيلغازي ذلك شرع في جمع التركمان، وورد صدقة بغداد، فنزل ~~مقابل التاج، وقبل الأرض، ms3684 ونزل في مخيمه بالجانب الغربي، ففارق إيلغازي ~~بغداد إلى يعقوبا، وأرسل إلى صدقة يعتذر من طاعته لبركيارق بالصلح الواقع، ~~وأن إقطاعه حلوان وغيرها في جملة بلاده، وأن بغداد التي هو شحنة فيها قد ~~صارت له، فذلك الذي أدخله في طاعته. فرضي عنه صدقة، وعاد إلى الحلة. ~~PageV04P0391 # وفي ذي القعدة سيرت الخلع من الخليفة للسلطان بركيارق، وللأمير إياز، ~~ولوزير بركيارق، وهو الخطير، والعهد بالسلطنة، وحلفوا جميعهم للخليفة وعادوا. ### || AUT ذكر ملك الفرنج جبيل وعكا من الشام # في هذه السنة وصلت مراكب من بلاد الفرنج إلى مدينة اللاذقية، فيها ~~التجار، والأجناد، والحجاج، وغير ذلك، واستعان بهم صنجيل الفرنجي على حصار ~~طرابلس، فحصروها معه برا وبحرا، وضايقوها، وقاتلوها أياما، فلم يروا فيها ~~مطمعا، فرحلوا عنها إلى مدينة جبيل، فحصروها، وقاتلوا عليها قتالا شديدا. ~~فلما رأى أهلها عجزهم عن الفرنج أخذوا أمانا، وسلموا البلد إليهم، فلم تف ~~الفرنج لهم بالأمان، وأخذوا أموالهم، واستنقذوها بالعقوبات وأنواع العذاب. ~~فلما فرغوا من جبيل ساروا إلى مدينة عكا، استنجدهم الملك بغدوين، ملك ~~الفرنج، صاحب القدس على حصارها، فنازلوها، وحصروها في البر والبحر. وكان ~~الوالي بها اسمه بنا، ويعرف بزهر الدولة الجيوشي، نسبة إلى ملك الجيوش ~~الأفضل، فقاتلهم أشد قتال، فزحفوا إليه غير مرة، فعجز عن حفظ البلد، فخرج ~~منه، وملك الفرنج البلد بالسيف قهرا، وفعلوا بأهله الأفعال الشنيعة، وسار ~~الوالي به إلى دمشق، فأقام بها، ثم عاد إلى مصر، واعتذر إلى الأفضل فقبل عذره. ### || AUT ذكر غزو سقمان وجكرمش الفرنج # لما استطال الفرنج، خذلهم الله تعالى، بما ملكوه من بلاد الإسلام، واتفق ~~لهم اشتغال عساكر الإسلام، وملوكه، بقتال بعضهم بعضا، تفرقت حينئذ ~~بالمسلمين الآراء، واختلفت الأهواء، وتمزقت الأموال. وكانت حران لمملوك من ~~مماليك ملكشاه اسمه قراجه، فاستخلف عليها إنسانا يقال له محمد الأصبهاني، ~~وخرج في العام الماضي، فعصى الأصبهاني على قراجه، وأعانه أهل البلد لظلم ~~قراجه. وكان الأصبهاني جلدا، شهما، فلم يترك بحران من أصحاب قراجه سوى غلام ~~تركي يعرف بجاولي، وجعله أصفهسلار العسكر، وأنس به، فجلس معه ms3685 يوما للشرب، ~~فاتفق جاولي مع خادم له على قتله فقتلاه وهو سكران. فعند ذلك سار الفرنج ~~إلى حران وحصروها. فلما سمع معين الدولة سقمان، وشمس الدولة جكرمش ذلك، ~~وكان بينهما حرب، وسقمان يطالبه بقتل ابن أخيه، وكل منهما يستعد للقاء ~~صاحبه، وأنا أذكر سبب قتل جكرمش له، إن شاء الله تعالى، أرسل كل منهما إلى ~~صاحبه يدعوه إلى الاجتماع معه لتلافي أمر حران، ويعلمه أنه قد بذل نفسه لله ~~تعالى، وثوابه، فكل واحد منهما أجاب صاحبه إلى ما طلب منه، وسارا، فاجتمعا ~~على الخابور، وتحالفا، وسارا إلى لقاء الفرنج. وكان مع سقمان سبعة آلاف ~~فارس من التركمان، ومع جكرمش ثلاثة آلاف فارس من الترك، والعرب، والأكراد، ~~فالتقوا على نهر البليخ، وكان المصاف بينهم هناك، فاقتتلوا، فأظهر المسلمون ~~الانهزام، فتبعهم الفرنج نحو فرسخين، فعاد عليهم المسلمون فقتلوهم كيف ~~شاؤوا، وامتلأت أيدي التركمان من الغنائم، ووصلوا إلى الأموال العظيمة، لأن ~~سواد الفرنج كان قريبا، وكان بيمند، صاحب أنطاكية، وطنكري، صاحب الساحل، قد ~~انفردا وراء جبل ليأتيا المسلمين من وراء ظهورهم، إذا اشتدت الحرب، فلما ~~خرجا رأيا الفرنج منهزمين، وسوادهم منهوبا، فأقاما إلى الليل، وهربا، ~~فتبعهما المسلمون، وقتلوا من أصحابهما كثيرا، وأسروا كذلك، وأفلتا في ستة ~~فرسان. وكان القمص بردويل، صاحب الرها، قد انهزم مع جماعة من قمامصتهم، ~~وخاضوا نهر البليخ، فوجلت خيولهم، فجاء تركماني من أصحاب سقمان فأخذهم، ~~وحمل بردويل إلى خيم صاحبه، وقد سار فيمن معه لاتباع بيمند، فرأى أصحاب ~~جكرمش أن أصحاب سقمان قد استولوا على مال الفرنج، ويرجعون هم من الغنيمة ~~بغير طائل، فقالوا لجكرمش: أي منزلة تكون لنا عند الناس، وعند التركمان إذا ~~انصرفوا بالغنائم دوننا؟ وحسنوا له أخذ القمص، فأنفذ فأخذ القمص من خيم ~~سقمان، فلما عاد سقمان شق عليه الأمر، وركب أصحابه للقتال، فردهم، وقال ~~لهم: لا يقوم فرح المسلمين في هذه الغزاة بغمهم باختلافنا، ولا أؤثر شفاء ~~غيظي بشماتة الأعداء بالمسلمين. ورحل لوقته، وأخذ سلاح الفرنج، وراياتهم، ~~وألبس أصحابه لبسهم، وأركبهم خيلهم، وجعل يأتي حصون ms3686 شيحان، وبها الفرنج، ~~فيخرجون ظنا منهم أن اصحابهم نصروا، فيقتلهم ويأخذ الحصن منهم، فعل ذلك ~~بعدة حصون. PageV04P0392 # وأما جكرمش فإنه سار إلى حران، فتسلمها، واستخلف بها صاحبه. وسار إلى ~~الرها، فحصرها خمسة عشر يوما، وعاد إلى الموصل ومعه القمص الذي أخذه من ~~خيام سقمان، ففاداه بخمسة وثلاثين دينارا، ومائة وستين أسيرا من المسلمين، ~~وكان عدة القتلى من الفرنج يقارب اثني عشر ألف قتيل. ### || AUT ذكر وفاة دقاق وملك ولده # في هذه السنة، في شهر رمضان، توفي الملك دقاق بن تتش بن ألب أرسلان، ~~صاحب دمشق، وخطب أتابكه طغتكين لولد له صغير، له سنة واحدة، وجعل اسم ~~المملكة فيه، ثم قطع خطبته وخطب لبكتاش بن تتش، عم هذا الطفل، في ذي الحجة، ~~وله من العمر اثنتا عشرة سنة. ثم إن طغتكين أشار عليه بقصد الرحبة، فخرج ~~إليها فملكها وعاد، فمنعه طغتكين من دخول البلد، فمضى إلى حصون له، وأعاد ~~طغتكين خطبة الطف لولد دقاق. وقيل إن سبب استيحاش بكتاش من طغتكين أن ~~والدته خوفته منه، وقالت: إنه زوج والدة دقاق، وهي لا تتركه حتى يقتلك ~~ويستقيم الملك لولدها، فخاف، ثم إنه حسن له من كان يحسد طغتكين مفارقة ~~دمشق، وقصد بعلبك، وجمع الرجال، والاستنجاد بالفرنج، والعود إلى دمشق، ~~وأخذها من طغتكين، فخرج من دمشق سرا في صفر سنة ثمان وتسعين، ولحقه الأمير ~~أيتكين الحلبي، وهو من جملة من قرر مع بكتاش ذلك، وهو صاحب بصرى، فعاثا في ~~نواحي حوران، ولحق بهما كل من يريد الفساد، وراسلا بغدوين ملك الفرنج ~~يستنجدانه، فأجابهما إلى ذلك، وسار إليهما فاجتمعا به، وقررا القواعد معه، ~~وأقاما عنده مدة، فلم يريا منه غير التحريض على الإفساد في أعمال دمشق، ~~وتخريبها، فلما يئسا من نصره عادا من عنده، وتوجها في البرية إلى الرحبة، ~~فملكها بكتاش وعاد عنها. واستقام أمر طغتكين بدمشق واستبد بالأمر، وأحسن ~~إلى الناس، وبث فيهم العدل، فسروا به سرورا كثيرا. ### || AUT ذكر استيلاء صدقة على واسط # في هذه السنة، في شوال، انحدر سيف الدولة صدقة ms3687 بن مزيد من الحلة إلى ~~واسط في عسكر كثير، وأمر فنودي بها في الأتراك: من أقام فقد برئت منه ~~الذمة، فسار جماعة منهم إلى بركيارق، وجماعة إلى بغداد، وصار مع صدقة جماعة ~~منهم، ثم إنه أحضر مهذب الدولة بن أبي الجبر، صاحب البطيحة، فضمنه البلد ~~لمدة، آخرها آخر السنة، بخمسين ألف دينار، وعاد إلى الحلة، وأقام مهذب ~~الدولة بواسط إلى سادس ذي القعدة، وانحدر إلى بلده. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الأول، أطلق سديد الملك أبو المعالي من الاعتقال، ~~وهو الذي كان وزير الخليفة، ولما أطلق هرب إلى الحلة السيفية، ومنها إلى ~~السلطان بركيارق، فولاه الإشراف على ممالكه. وفيها توفي أمين الدولة أبو ~~سعد العلاء بن الحسن بن الموصلايا، فجأة، وكان قد أضر، وكان بليغا فصيحا، ~~وكان ابتداء خدمته للقائم بأمر الله سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، خدم ~~الخلفاء خمسا وستين سنة، كل يوم تزداد منزلته، حتى تاب عن الوزارة، وكان ~~نصرانيا، فأسلم سنة أربع وثمانين، وكان كثير الصدقة، جميل المحضر، صالح ~~النية، ووقف أملاكه على أبواب البر، ومكاتباته مشهورة حسنة، ولما مات خلع ~~على ابن أخته أبي نصر، ولقب نظام الحضرتين، وقلد ديوان الإنشاء. وفيها كانت ~~ببغداد بين العامة فتن كثيرة، وانتشر العيارون. وفيها قتل أبو نعيم بن ساوة ~~الطبيب الواسطي، وكان من الحذاق في الطب، وله فيه إصابات حسنة. ~~PageV04P0393 # وفيها عزل السلطان سنجر وزيره المجير أبا الفتح الطغرائي، وسبب ذلك أن ~~الأمير بزغش، وهو أصفهسلار العسكر السنجري، ألقي إليه ملطف فيه: لا يتم لك ~~أمر مع هذا السلطان، ووقع إلى سنجر، لا يتم لك أمر مع الأمير بزغش، مع كثرة ~~جموعه، فجمع بزغش أصحاب العمائم، وعرض عليهم الملطفين، فاتفقوا على كاتب ~~الطغرائي، وظهرت عليه فقتل، وقبض سنجر على الطغرائي، وأراد قتله، فمنعه ~~بزغش، وقال له: حق خدمة، فأبعده إلى غزنة. وفيها جمع بزغش كثيرا من عساكر ~~خراسان، وأتاه كثير من المتطوعة، وسار إلى قتال الإسماعيلية، فقصد طبس، وهي ~~لهم، فخربها وما جاورها من القلاع والقرى، ms3688 وأكثر فيهم القتل، والنهب، ~~والسبي، وفعل بهم الأفعال العظيمة، ثم إن أصحاب سنجر أشاروا بأن يؤمنوا، ~~ويشرط عليهم أنهم لا يبنون حصنا، ولا يشترون سلاحا، ولا يدعون أحدا إلى ~~عقائدهم، فسخط كثير من الناس هذا الأمان، وهذا الصلح، ونقموه على سنجر، ثم ~~إن بزغش، بعد عوده من هذه الغزاة، توفي، وكانت خاتمة أمره الجهاد، رحمه ~~الله. وفي هذه السنة توفي أبو بكر علي بن أحمد بن زكرياء الطريثثي، وكان ~~صوفيا محدثا مشهورا. وفي رجب توفي القاضي أبو الحسين أحمد بن محمد الثقفي، ~~قاضي الكوفة، ومولده في ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وهو من ~~ولد عروة بن مسعود، ومن تلاميذ القاضي الدامغاني، وولي القضاء بعده ابنه ~~أبو البركات. وفي ربيع الآخر توفي أبو عبد الله الحسين بن علي بن البسري ~~البندار، المحدث، ومولده سنة أربع وأربعمائة. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر وفاة السلطان بركيارق # في هذه السنة، ثاني عشر ربيع الآخر، توفي السلطان بركيارق بن ملكشاه، ~~وكان قد مرض بأصبهان، بالسل، والبواسير، فسار منها في محفة طالبا بغداد، ~~فلما وصل إلى بروجرد ضعف عن الحركة، فأقام بها أربعين يوما، فاشتد مرضه، ~~فلما أيس من نفسه خلع على ولده ملكشاه، وعمره حينئذ أربع سنين وثمانية ~~أشهر، وخلع على الأمير إياز، وأحضر جماعة من الأمراء، وأعلمهم أنه قد جعل ~~ابنه ولي عهده في السلطنة، وجعل الأمير إياز أتابكه، وأمرهم بالطاعة لهما، ~~ومساعدتهما على حفظ السلطنة لولده، والذب عنها، فأجابوا كلهم بالسمع ~~والطاعة، وبذل النفوس والأموال في حفظ ولده وسلطنته عليه، واستحلفهم على ~~ذلك، فحلفوا، وأمرهم بالمسير إلى بغداد، فساروا، فلما كانوا على اثني عشر ~~فرسخا من بروجرد وصلهم خبر وفاته، وكان بركيارق قد تخلف على عزم العود إلى ~~أصبهان فعاجلته منيته. فلما سمع الأمير إياز بموته أمر وزيره الخطير ~~المبيذي وغيره بأن يسيروا مع تابوته إلى أصبهان، فحمل إليها، ودفن في تربة ~~جددتها له سريته، ثم ماتت بعد أيام، فدفنت بإزائه، وأحضر إياز السرادقات، ~~والخيام، والجتر، والشمسة، وجميع ms3689 ما يحتاج إليه السلطان، فجعله برسم ولده ملكشاه. ### || AUT ذكر عمره وشيء من سيرته # لما توفي بركيارق كان عمره خمسا وعشرين سنة، ومدة وقوع اسم السلطنة عليه ~~اثنتي عشرة سنة وأربعة أشهر، وقاسى من الحروب واختلاف الأمور عليه ما لم ~~يقاسه أحد، واختلفت به الأحوال بين رخاء وشدة، وملك وزواله، وأشرف، في عدة ~~نوب، بعد إسلام النعمة، على ذهاب المهجة. ولما قوي أمره، في هذا الوقت، ~~وأطاعه المخالفون، وانقادوا له، أدركته منيته، ولم يهزم في حروبه غير مرة ~~واحدة، وكان أمراؤه قد طمعوا فيه للاختلاف الواقع، حتى إنهم كانوا يطلبون ~~نوابه ليقتلوهم، فلا يمكنه الدفع عنهم، وكان متى خطب به ببغداد وقع الغلاء، ~~ووقفت المعايش والمكاسب، وكان أهلها مع ذلك يحبونه، ويختارون سلطنه. وقد ~~ذكرنا من تغلب الأحوال به ما وقفت عليه، ومن أعجبها دخوله أصبهان هاربا من ~~عمه تتش، فمكنه عسكر أخيه محمود صاحبها من دخولها ليقبضوا عليه، فاتفق أن ~~أخاه محمودا مات، فاضطروا إلى أن يملكوه، وهذا من أحسن الفرج بعد الشدة. ~~وكان حليما، كريما، صبورا، عاقلا، كثير المداراة،، حسن القدرة، لا يبالغ في ~~العقوبة، وكان عفوه أكثر من عقوبته. ### || AUT ذكر الخطبة لملكشاه بن بركيارق # في هذه السنة خطب لملكشاه بن بركيارق بالديوان يوم الخميس سلخ ربيع ~~الآخر، وخطب له بجوار بغداد من الغد، يوم الجمعة. PageV04P0394 # وكان سبب ذلك أن إيلغازي، شحنة بغداد، سار في المحرم إلى السلطان ~~بركيارق، وهو بأصبهان، يحثه على الوصول إلى بغداد، ورحل مع بركيارق، فلما ~~مات بركيارق سار مع ولده ملكشاه والأمير إياز إلى بغداد، فوصلوها سابع عشر ~~ربيع الآخر، ولقوا في طريقهم بردا شديدا لم يشاهدوا مثله، بحيث أنهم لم ~~يقدروا على الماء لجموده. وخرج الوزير أبو القاسم علي بن جهير، فلقيهم من ~~ديالى، وكانوا خمسة آلاف فارس، وحضر إيلغازي، والأمير طغايرك، بالديوان، ~~وخاطبوا في إقامة الخطبة لملكشاه بن بركيارق، فأجيب إليها، وخطب له، ولقب ~~بألقاب جده ملكشاه، وهي جلال الدولة، وغيره من الألقاب، ونثرت الدنانير عند الخطبة له. ### || AUT ذكر ms3690 حصر السلطان محمد جكرمش بالموصل # لما اصطلح السلطان بركيارق والسلطان محمد، كما ذكرناه في السنة الخالية، ~~وسلم محمد مدينة أصبهان إلى بركيارق، وسار إليها، أقام محمد بتبريز من ~~أذربيجان إلى أن وصل أصحابه الذين بأصبهان، فلما وصلوا استوزر سعد الملك ~~أبا المحاسن لحسن أثره كان في حفظ أصبهان، وأقام إلى صفر من هذه السنة، ~~وسار إلى مراغة، ثم إلى إربل يريد قصد جكرمش، صاحب الموصل، ليأخذ بلاده. ~~فلما سمع جكرمش بمسيره إليه جدد سور الموصل، ورم ما احتاج إلى إصلاح، وأمر ~~أهل السواد بدخول البلد، وأذن لأصحابه في نهب من لم يدخل. وحصر محمد ~~المدينة، وأرسل إلى جكرمش يذكر له الصلح بينه وبين أخيه، وأن في جملة ما ~~استقر أن تكون الموصل وبلاد الجزيرة له، وعرض عليه الكتب من بركيارق إليه ~~بذلك، والأيمان على تسليمها إليه، وقال له: إن أطعت فأنا لا آخذها منك، بل ~~أقرها بيدك، وتكون الخطبة لي بها. فقال جكرمش: إن كتب السلطان وردت إلي، ~~بعد الصلح، تأمرني أن لا أسلم البلد إلى غيره. فلما رأى محمد امتناعه باكره ~~القتال، وزحف إليه بالنقابين، والدبابات، وقاتل أهل البلد أشد قتال، وقتلوا ~~خلقا كثيرا لمحبتهم لجكرمش لحسن سيرته فيهم، فأمر جكرمش ففتح في السور ~~أبواب لطاف يخرج منها الرجالة يقاتلون، فكانوا يكثرون القتل في العسكر، ثم ~~زحف محمد مرة، فنقب في السور أصحابه، وأدركهم الليل، فأصبحوا وقد عمره أهل ~~البلد، وشحنوه بالمقاتلة، وكانت الأسعار عندهم رخيصة في الحصار: كانت ~~الحنطة تساوي كل ثلاثين مكوكا بدينار، والشعير خمسين مكوكا بدينار. وكان ~~بعض عسكر جكرمش قد اجتمعوا بتل يعفر، فكانوا يغيرون على أطراف العسكر، ~~ويمنعون الميرة عنهم، فدام القتال عليهم إلى عاشر جمادى الأولى، فوصل الخبر ~~إلى جكرمش بوفاة السلطان بركيارق، فأحضر أهل البلد، واستشارهم فيما يفعله ~~بعد موت السلطان، فقالوا: أموالنا وأرواحنا بين يديك، وأنت أعرف بشأنك، ~~فاستشر الجند، فهم أعرف بذلك. فاستشار أمراءه، فقالوا: لما كان السلطان حيا ~~قد كنا على الامتناع، ولم يتمكن أحد من طروق بلدنا، وحيث ms3691 توفي فليس للناس ~~اليوم سلطان غير هذا، والدخول تحت طاعته أولى. فأرسل إلى محمد يبذل الطاعة، ~~ويطلب وزيره سعد الملك ليدخل إليه، فحضر الوزير عنده، وأخذ بيده، وقال: ~~المصلحة أن تحضر الساعة عند السلطان، فإنه لا يخالفك في جميع ما تلتمسه، ~~وأخذ بيده وقام، فسار معه جكرمش، فلما رآه أهل الموصل قد توجه إلى السلطان، ~~جعلوا يبكون، ويضجون، ويحثون التراب على رؤسهم، فلما دخل على السلطان محمد ~~أقبل عليه، وأكرمه، وعانقه، ولم يمكنه من الجلوس، وقال: ارجع إلى رعيتك، ~~فإن قلوبهم إليك، وهم متطلعون إلى عودك، فقبل الأرض وعاد ومعه جماعة من ~~خواص السلطان، وسأل السلطان من الغد أن يدخل البلد ليزين له، فامتنع من ~~ذلك، فعمل سماطا، بظاهر الموصل، عظيما، وحمل إلى السلطان من الهدايا والتحف ~~ولوزيره أشياء جليلة المقدار. ### || AUT ذكر وصول السلطان إلى بغداد وصلحه مع ابن أخيه والأمير إياز # لما وصل خبر وفاة السلطان بركيارق إلى أخيه السلطان محمد، وهو يحاصر ~~الموصل، جلس للعزاء، وأصلح جكرمش، صاحب الموصل، كما ذكرناه، وسار إلى بغداد ~~ومعه سكمان القطبي، وهو ينسب إلى قطب الدولة إسماعيل بن ياقوتي بن داود، ~~وإسماعيل ابن عم ملكشاه، وسار معه جكرمش وغيرهما من الأمراء. PageV04P0395 # وكان سيف الدولة صدقة، صاحب الحلة، قد جمع خلقا كثيرا من العساكر، فبلغت ~~عدتهم خمسة عشر ألف فارس، وعشرة آلاف راجل، وأرسل ولديه بدران ودبيسا إلى ~~السلطان محمد يستحثه على المجيء إلى بغداد، فاستصحبهما معه إلى بغداد. فلما ~~سمع الأمير إياز بمسيره إليه خرج هو والعسكر الذي معه من الدور، ونصبوا ~~الخيام بالزاهر، خارج بغداد، وجمع الأمراء، واستشارهم فيما يفعله، فبذلوا ~~له الطاعة واليمين على قتاله وحربه، ومنعه عن السلطنة، والاتفاق معه على ~~طاعة ملكشاه بن بركيارق. وكان أشدهم في ذلك ينال وصباوة، فإنهما بالغا في ~~الإطماع في السلطان محمد، والمنع له عن السلطنة، فلما تفرقوا قال له وزيره ~~الصفي أبو المحاسن: يا مولانا إن حياتي مقرونة بثبات نعمتك ودولتك، وأنا ~~أكثر التزاما بك من هؤلاء، وليس الرأي ما أشاروا ms3692 به، فإن كلامهم يقصد أن ~~يسلك طريقا، وأن يقيم سوقا لنفسه بك، وأكثرهم يناوئك في المنزلة، وإنما ~~يقعد بهم عن منازعتك قلة العدد والمال، والصواب مصالحة السلطان محمد ~~وطاعته، وهو يقرك على إقطاعك، ويزيدك عليه مهما أردت. فتردد الأمير إياز ~~بين الصلح والمباينة، إلا أن حركته في المباينة ظاهرة، وجمع السفن التي ~~ببغداد عنده، وضبط المشارع من متطرق إلى عسكره وإلى البلد. ووصل السلطان ~~محمد إلى بغداد يوم الجمعة لثمان بقين من جمادى الأولى، ونزل عند الجانب ~~الغربي بأعلى بغداد، وخطب له بالجانب الغربي، ولملكشاه بن بركيارق بالجانب ~~الشرقي، وأما جامع المنصور فإن الخطيب قال فيه: اللهم أصلح سلطان العالم! ~~وسكت. وخاف الناس من امتداد الشر والنهب، فركب إياز في عسكره، وهم عازمون ~~على الحرب، وسار إلى أشرف على عسكر السلطان محمد، وعاد إلى مخيمه، فدعا ~~الأمراء إلى اليمين مرة ثانية على المخالصة لملكشاه، فأجاب البعض، وتوقف ~~البعض، وقالوا: قد حلفنا مرة، ولا فائدة في إعادة اليمين، لأننا إن وفينا ~~بالأولى وفينا بالثانية، وإن لم نف بالأولى فلا نفي بالثانية. فأمر إياز ~~حينئذ وزيره الصفي أبا المحاسن بالعبور إلى السلطان محمد في الصلح، وتسليم ~~السلطنة إليه، وترك منازعته فيها، فعبر يوم السبت لسبع بقين من الشهر إلى ~~عسكر محمد، واجتمع بوزيره سعد الملك أبي المحاسن سعد بن محمد، فعرفه ما جاء ~~فيه، فحضرا عند السلطان محمد وأدى الصفي رسالة صاحبه إياز، واعتذاره عما ~~كان منه أيام بركيارق، فأجابه محمد جوابا لطيفا سكن به قلبه وطيب نفسه، ~~وأجاب إلى ما التمس منه من اليمين. فلما كان الغد حضر قاضي القضاة، ~~والنقيبان، والصفي وزير إياز، عند السلطان محمد، فقال له وزيره سعد الملك: ~~إن إياز يخاف لما تقدم منه، وهو يطلب العهد لملكشاه ابن أخيك، ولنفسه، ~~وللأمراء الذين معه. فقال السلطان: أما ملكشاه فإنه ولدي، ولا فرق بيني ~~وبين أخي، وأما إياز والأمراء فأحلف لهم، إلا ينال الحسامي وصباوة، ~~فاستحلفه الكيا الهراس، مدرس النظامية، على ذلك، وحضر الجماعة اليمين. فلما ~~كان من ms3693 الغد حضر الأمير إياز عند السلطان محمد، فلقيه وزير السلطان، والناس ~~كافة، ووصل سيف الدولة صدقة، ذلك الوقت، ودخلا جميعا إلى السلطان، ~~فأكرمهما، وأحسن إليهما، وقيل بل ركب السلطان ولقيهما، ووقف أحدهما عن ~~يمينه، والآخر عن يساره، وأقام السلطان ببغداد إلى شعبان، وسار إلى أصبهان، ~~وفعل فيها ما سنذكره، إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر قتل الأمير إياز # في هذه السنة، ثالث عشر جمادى الآخرة، قتل الأمير إياز، وقتله السلطان ~~محمد. وسبب ذلك أن إياز لما سلم السلطنة إلى السلطان محمد صار في جملته، ~~واستحلفه لنفسه، فلما كان ثامن جمادى الآخرة عمل دعوة عظيمة في داره، وهي ~~دار كوهرائين، ودعا السلطان إليها، وقدم له شيئا كثيرا من جملته الحبل ~~البلخش الذي أخذ من تركة مؤيد الملك بن نظام الملك، وقد تقدم ذكر ذلك، وحضر ~~مع السلطان سيف الدولة صدقة بن مزيد. PageV04P0396 # وكان من الاتفاق الرديء أن إياز تقدم إلى غلمانه ليلبسوا السلاح من ~~خزانته، ليعرضهم على السلطان، فدخل عليهم رجل من أبهر يتطايب معهم، ويضحكون ~~منه، مع كونه يتصوف، فقالوا له: لا بد من أن نلبسك درعا ونعرضك، فألبسوه ~~الدرع تحت قميصه، وتناولوه بأيديهم، وهو يسألهم أن يكفوا عنه، فلم يفعلوا، ~~فلشدة ما فعلوا هرب منهم، ودخل بين خواص السلطان معتصما بهم، فرآه السلطان ~~مذعورا، وعليه لباس عظيم، فاستراب به، فقال لغلام له بالتركية ليلمسه من ~~غير أن يعلم أحد، ففعل، فرأى الدرع تحت قميصه، فأعلم السلطان بذلك، ~~فاستشعر، وقال: إذا كان أصحاب العمائم قد لبسوا السلاح، فكيف الأجناد! وقوي ~~استشعاره لكونه في داره، وفي قبضته، فنهض وفارق الدار وعاد إلى داره. فلما ~~كان ثالث عشر الشهر استدعى السلطان الأمير صدقة، وإياز، وجكرمش، وغيرهم من ~~الأمراء، فلما حضروا أرسل إليهم: إنه بلغنا أن قلج أرسلان بن سليمان بن ~~قتلمش قصد ديار بكر ليتملكها، وسير منها إلى الجزيرة، وينبغي أن تجتمع ~~أراؤهم على من يسير إليه ليمنعه ويقاتله. فقال الجماعة: ليس لهذا غير ~~الأمير إياز، فقال إياز: ينبغي أن نجتمع أنا ms3694 وسيف الدولة صدقة بن مزيد على ~~هذا الأمر، والدفع لهذا القاصد، فقيل ذلك للسلطان، فأعاد الجواب يستدعي ~~إياز، وصدقة، والوزير سعد الملك ليحرر الأمر في حضرته، فنهضوا ليدخلوا ~~إليه. وكان قد أعد جماعة من خواصه ليقتلوا إياز إذا دخل إليه، فلما دخلوا ~~ضرب أحدهم رأسه فأبانه. فأما صدقة فغطى وجهه بكمه، وأما الوزير فإنه غشي ~~عليه، ولف إياز في مسح وألقي على الطريق عند دار المملكة، وركب عسكر إياز، ~~فنهبوا ما قدروا عليه من داره، فأرسل السلطان من حماها من النهب، وتفرق ~~أصحابه من يومهم، وكان زوال تلك النعمة العظيمة، والدولة الكبيرة، في لحظة، ~~بسبب هزل ومزاح، فلما كان من الغد كفنه قوم من المتطوعة، ودفنوه في المقابر ~~المجاورة لقبر أبي حنيفة، رحمه الله. وكان عمره قد جاوز أربعين سنة، وهو من ~~جملة مماليك السلطان ملكشاه، ثم صار بعد موته في جملة أمير آخر، فاتخذه ~~ولدا، وكان غزير المروة، شجاعا، حسن الرأي في الحرب. وأما وزيره الصفي فإنه ~~اختفى، ثم أخذ وحمل إلى دار الوزير سعد الملك، ثم قتل في رمضان وعمره ست ~~وثلاثون سنة، وكان من بيت رئاسة بهمذان. ### || AUT ذكر وفاة سقمان بن أرتق # كان فخر الملك بن عمار، صاحب طرابلس، قد كاتب سقمان يستدعيه إلى نصرته ~~على الفرنج، ويبذل له المعونة بالمال والرجال، فبينما هو يتجهز للمسير أتاه ~~كتاب طغتكين، صاحب دمشق، يخبره أنه مريض قد أشفى من الموت، وأنه يخاف إن ~~مات، وليس بدمشق من يحميها، أن يملكها الفرنج، ويستدعيه ليوصي إليه، وبما ~~يعتمده في حفظ البلد. فلما رأى ذلك أسرع في السير عازما على أخذ دمشق، وقصد ~~الفرنج في طرابلس، وإبعادهم عنها، فوصل إلى القريتين. واتصل خبره بطغتكين، ~~فخاف عاقبة ما صنع، ولقوة فكره زاد مرضه،. ولامه أصحابه على ما فرط في ~~تدبيره وخوفوه عاقبة ما فعل، وقالوا له: قد رأيت سيدك تاج الدولة لما ~~استدعاه إلى دمشق ليمنعه كيف قتله حين وقعت عينه عليه. فبينما هم يديرون ~~الرأي بأي حيلة يردونه أتاهم الخبر بأنه ms3695 وصل القريتين، ومات، وحمله أصحابه ~~وعادوا به، فأتاهم فرج لم يحسبوه، وكان مرضه الذي مات به الخوانيق، يعتريه ~~دائما، فأشار عليه صاحباه بالعود إلى حصن كيفا، فامتنع، وقال: بل أسير، فإن ~~عوفيت تممت ما عزمت عليه، ولا يراني الله تثاقلت عن قتال الكفار خوفا من ~~الموت، وإن أدركني أجلي كنت شهيدا سائرا في جهاد. فساروا، فاعتقل لسانه ~~يومين، ومات في صفر، وبقي ابنه إبراهيم في أصحابه، وجعل في تابوت وحمل إلى ~~الحصن، وكان حازما داهيا، ذا رأي، كثير الخير، وقد ذكرنا سبب أخذه لحصن ~~كيفا. وأما ملكه ماردين، فإن كربوقا خرج من الموصل، قفصد آمد، وحارب ~~صاحبها، فاستنجد صاحبها، وهو تركماني، بسقمان، فحضر عنده، وصاف كربوقا. ~~PageV04P0397 # وكان عماد الدين زنكي بن آقسنقر، حينئذ، صبيا قد حضر مع كربوقا، ومعه ~~جماعة كثيرة من أصحاب أبيه، فلما اشتد القتال ظهر سقمان، فألقى أصحاب ~~آقسنقر زنكي ولد صاحبهم بين أرجل الخيل، وقالوا: قاتلوا عن ابن صاحبكم! ~~فقاتلوا حينئذ قتالا شديدا، فانهزم سقمان، وأسروا ابن أخيه ياقوتي بن أرتق، ~~فسجنه كربوقا بقلعة ماردين، وكان صاحبها إنسانا مغنيا للسلطان بركيارق، ~~فطلب منه ماردين وأعمالها، فأقطعه إياها، فبقي ياقوتي في حبسه مدة، فمضت ~~زوجة أرتق إلى كربوقا وسألته إطلاقه فأطلقه، فنزل عند ماردين، وكانت قد ~~أعجبته، فأقام ليعمل في تملكها والاستيلاء عليها. وكان من عند ماردين من ~~الأكراد قد طمعوا في صاحبها المغني، وأغاروا على أعمال ماردين عدة دفعات، ~~فراسله ياقوتي يقول: قد صار بيننا مودة وصداقة، وأريد أن أعمر بلدك بأن ~~أمنع عنه الأكراد، وأغير على الأماكن، وآخذ الأموال أنفقها في بلدك وأقيم ~~في الربض، فأذن له في ذلك، فجعل يغير من باب خلاط إلى بغداد، فصار ينزل معه ~~بعض أجناد القلعة، طلبا للكسب، وهو يكرمهم، ولا يعترضهم، فأمنوا إليه. ~~فاتفق أن في بعض الأوقات نزل معه أكثرهم، فلما عادوا من الغارة أمر بقبضهم ~~وتقييدهم، وسبقهم إلى القلعة، ونادى من بها من أهليهم: إن فتحتم الباب، ~~وإلا ضربت أعناقهم، فامتنعوا، فقتل إنسانا منهم، فسلم القلعة ms3696 من بها إليه ~~وبقي بها. ثم إنه جمع جمعا وسار إلى نصيبين، وأغار على بلد جزير ابن عمر، ~~وهي لجكرمش، فلما عاد أصحابه بالغنيمة أتاهم جكرمش، وكان ياقوتي قد أصابه ~~مرض عجز معه عن لبس السلاح، وركوب الخيل، فحمل إلى فرسه فركبه، وأصابه سهم ~~فسقط منه، فأتاه جكرمش، وهو يجود بنفسه، فبكى عليه، وقال له: ما حملك على ~~ما صنعت يا ياقوتي؟ فلم يجبه، فمات، ومضت زوجة أرتق إلى ابنها سقمان، وجمعت ~~التركمان، وطلبت بثأر ابن ابنها، وحصر سقمان نصيبين، وهي لجكرمش، فسير ~~جكرمش إلى سقمان مالا كثيرا سرا، فأخذه ورضي، وقال: إنه قتل في الحرب، ولا ~~يعرف قاتله. وملك ماردين بعد ياقوتي أخوه علي، وصار في طاعة جكرمش، واستخلف ~~بها أميرا اسمه علي أيضا، فأرسل علي الوالي بماردين إلى سقمان يقول له: ابن ~~أخيك يريد أن يسلم ماردين إلى جكرمش، فسار سقمان بنفسه وتسلمها، فجاء إليه ~~علي ابن أخيه وطلب إعادة القلعة إليه، فقال: إنما أخذتها لئلا يخرب البيت، ~~فأقطعه جبل جور، ونقله إليه. وكان جكرمش يعطي عليا كل سنة عشرين ألف دينار، ~~فلما أخذ عمه سقمان ماردين منه، أرسل علي إلى جكرمش يطلب منه المال، فقال: ~~إنما كنت أعطيتك احتراما لماردين، وخوفا من مجاورتك، والآن فاصنع ما أنت ~~صانع، فلا قدرة لك علي. ### || AUT ذكر حال الباطنية هذه السنة بخراسان # في هذه السنة سار جمع كثير من الإسماعيلية من طريثيت، عن بعض أعمال ~~بيهق، وشاعت الغارة في تلك النواحي، وأكثروا القتل في أهلها، والنهب ~~لأموالهم، والسبي لنسائهم، ولم يقفوا على الهدنة المتقدمة. وفي هذه السنة ~~اشتد أمرهم، وقويت شوكتهم، ولم يكفوا أيديهم عمن يريدون قتله، لاشتغال ~~السلاطين عنهم. فمن جملة فعلهم: أن قفل الحاج تجمع، هذه السنة، مما وراء ~~النهر، وخراسان، والهند، وغيرها من البلاد، فوصلوا إلى جوار الري، فأتاهم ~~الباطنية وقت السحر، فوضعوا فيهم السيف، وقتلوهم كيف شاؤوا، وغنموا أموالهم ~~ودوابهم، ولم يتركوا شيئا. وقتلوا هذه السنة أبا جعفر بن المشاط، وهو من ~~شيوخ الشافعية، أخذ الفقه ms3697 عن الخجندي، وكان يدرس بالري، ويعظ الناس، فلما ~~نزل من كرسيه أتاه باطني فقتله. ### || AUT ذكر حال الفرنج هذه السنة مع المسلمين بالشام # في هذه السنة، في شعبان، كانت وقعة بين طنكري الفرنجي، صاحب أنطاكية، ~~وبين الملك رضوان، صاحب حلب، انهزم فيها رضوان. PageV04P0398 # وسببها أن طنكري حصر حصن أرتاح، وبه نائب الملك رضوان، فضيق الفرنج على ~~المسلمين، فأرسل النائب بالحصن إلى رضوان يعرفه ما هو فيه من الحصر الذي ~~أضعف نفسه ويطلب النجدة، فسار رضوان في عسكر كثير من الخيالة، وسبعة آلاف ~~من الرجالة، منهم ثلاثة آلاف من المتطوعة، فساروا حتى وصلوا إلى قنسرين، ~~وبينهم وبين الفرنج قليل، فلما رأى طنكري كثرة المسلمين أرسل إلى رضوان ~~يطلب الصلح، فأراد أن يجيب، فمنعه أصبهبذ صباوة، وكان قد قصده، وصار معه ~~بعد قتل إياز، فامتنع من الصلح، واصطفوا للحرب، فانهزمت الفرنج من غير ~~قتال، ثم قالوا: نعود ونحمل عليهم حملة واحدة، فإن كانت لنا، وإلا انهزمنا، ~~فحملوا على المسلمين فلم يثبتوا، وانهزموا، وقتل منهم وأسر كثير. وأما ~~الرجالة فإنهم كانوا قد دخلوا معسكر الفرنج لما انهزموا، فاشتغلوا بالنهب، ~~فقتلهم الفرنج، ولم ينج إلا الشريد فأخذ أسيرا، وهرب من في أرتاح إلى حلب، ~~وملكه الفرنج، لعنهم الله تعالى، وهرب أصبهبذ صباوة إلى طغتكين أتابك ~~بدمشق، فصار معه ومن أصحابه. ### || AUT ذكر حرب الفرنج والمصريين # في ذي الحجة من هذه السنة كانت وقعة بين الفرنج والمسلمين كانوا فيها ~~على السواء. وسببها أن الأفضل، وزير صاحب مصر، كان قد سير ولده شرف المعالي ~~في السنة الخالية إلى الفرنج، فقهرهم، وأخذ الرملة منهم، ثم اختلف المصريون ~~والعرب، وادعى كل واحد منهما أن الفتح له، فأتاهم سرية الفرنج، فتقاعد كل ~~فريق منهما بالآخر، حتى كاد الفرنج يظهرون عليهم، فرحل عند ذلك شرف المعالي ~~إلى أبيه بمصر، فنفذ ولده الآخر، وهو سناء الملك حسين، في جماعة من الأمراء ~~منهم جمال الملك، والنائب بعسقلان للمصريين، وأرسلوا إلى طغتكين أتابك ~~بدمشق يطلبون منه عسكرا، فأرسل إليهم أصبهبذ صباوة ومعه ألف ms3698 وثلاثمائة ~~فارس. وكان المصريون في خمسة آلاف، وقصدهم بغدوين الفرنجي، صاحب القدس، ~~وعكة، ويافا، في ألف وثلاثمائة فارس، وثمانية آلاف راجل، فوقع المصاف بينهم ~~بين عسقلان ويافا، فلم تظهر إحدى الطائفتين على الأخرى، فقتل من المسلمين ~~ألف ومائتان، ومن الفرنج مثلهم، وقتل جمال الملك، أمير عسقلان. فلما رأى ~~المسلمون أنهم قد تكافأوا في النكاية قطعوا الحرب وعادوا إلى عسقلان، وعاد ~~صباوة إلى دمشق، وكان مع الفرنج جماعة من المسلمين منهم بكتاش بن تتش، وكان ~~طغتكين قد عدل في الملك إلى ولد أخيه دقاق، وهو طفل، وقد ذكرناه، فدعاه ذلك ~~إلى قصد الفرنج، والكون معهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عظم فساد التركمان بطريق خراسان من أعمال العراق، قد كانوا ~~قبل ذلك ينهبون الأموال، ويقطعون الطريق، إلا أنهم عندهم مراقبة. فلما كانت ~~هذه السنة اطرحوا المراقبة، وعملوا الأعمال الشنيعة، فاستعمل إيلغازي بن ~~أرتق، وهو شحنة العراق، على ذلك البلد ابن أخيه بلك بن بهرام بن أرتق، ~~وأمره بحفظه وحياطته، ومنع الفساد عنه، فقام في ذلك القيام المرضي، وحمى ~~البلاد، وكف الأيدي المتطاولة، وسار بلك إلى حصن خانيجار، وهو من أعمال ~~سرخاب بن بدر، فحصره وملكه. وفيها، في شعبان، جعل السلطان محمد قسيم الدولة ~~سنقر البرسقي شحنة بالعراق، وكان موصوفا بالخير، والدين، وحسن العهد، لم ~~يفارق محمدا في حروبه كلها. وفيها أقطع السلطان محمد الكوفة للأمير قايماز، ~~وأوصى صدقة أن يحمي أصحابه من خفاجة، فأجاب إلى ذلك. وفيها، في شهر رمضان، ~~وصل السلطان محمد إلى أصبهان، فأمن أهلها، ووثقوا بزوال ما كان يشملهم من ~~الخبط، والعسف، والمصادرة، وشتان بين خروجه منها هاربا متخفيان وعوده إليها ~~سلطانا متمكنا، وعدل في أهلها، وأزال عنهم ما يكرهون، وكف الأيدي المتطرقة ~~إليهم من الجند وغيرهم، فصارت كلمة العامي أقوى من كلمة الجندي، ويد الجندي ~~قاصرة عن العامي من هيبة السلطان وعدله. وفيها كثر الجدري في كثير من ~~البلدان، لا سيما العراق، فإنه كان به كله، ومات به من الصبيان ما لا يحصى، ~~وتبعه وباء ms3699 كثير، وموت عظيم. وتوفي في هذه السنة، في شوال، أحمد بن محمد بن ~~أحمد أبو علي البرداني، الحافظ، ومولده سنة ست وعشرين وأربعمائة، سمع ابن ~~غيلان، والبرمكي، والعشاري وغيرهم. PageV04P0399 # وتوفي أبو المعالي ثابت بن بندار بن إبراهيم البقال، ومولده سنة ست عشرة ~~وأربعمائة، سمع أبا بكر البرقاني، وأبا علي بن شاذان، وكانت وفاته في جمادى ~~الآخرة من هذه السنة. وفي رابع جمادى الأولى توفي أبو الحسن محمد بن علي بن ~~الحسن بن أبي الصقر، الفقيه الشافعي، ومولده سنة تسع وأربعمائة، وكان ~~أديبا، شاعرا، فمن قوله: من قال لي جاه، ولي حشمة، ... ولي قبول عند مولانا ~~ولم يعد ذاك بنفع على ... صديقه، لا كان من كانا وفيها أيضا توفي أبو نصر ~~ابن أخت ابن الموصلايا، وكان كاتبا للخليفة جيد الكتابة، وكان عمره سبعين ~~سنة، ولم يخلف وارثا لأنه أسلم، وأهله نصارى، فلم يرثوه، وكان يبخل، إلا ~~أنه كان كثير الصدقة، وأبو المؤيد عيسى بن عبد الله بن القاسم الغزنوي، كان ~~واعظا، شاعرا، كاتبا، قدم بغداد، ووعظ بها، ونصر مذهب الأشعري، وكان له ~~قبول عظيم، وخرج منها، فمات باسفرايين. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وتسعين وأربعمائة # ### || AUT ذكر خروج منكبرس على السلطان محمد # في هذه السنة، في المحرم، أظهر منكبرس ابن الملك بوربرس بن ألب أرسلان، ~~وهو ابن عماد الملك السلطان محمد، العصيان للسلطان محمد والخلاف عليه. وسبب ~~ذلك: أنه كان مقيما بأصبهان، فلحقته ضائقة شديدة، وانقطعت المواد عنه، فخرج ~~منها وسار إلى نهاوند، فاجتمع عليه بها جماعة من العسكر، وظاهره على أمره ~~جماعة من الأمراء، وتغلب على نهاوند، وخطب لنفسه بها، وكاتب الأمراء بني ~~برسق يدعوهم إلى طاعته ونصرته. وكان السلطان محمد قد قبض على زنكي بن برسق، ~~فكاتب زنكي إخوته، وحذرهم من طاعة منكبرس، وما فيها من الأذى والخطر، ~~وأمرهم بتدبير الأمر في القبض عليه. فلما أتاهم كتاب أخيهم بذلك أرسلوا إلى ~~منكبرس يبذلون له الطاعة والموافقة، فسار إليهم، وساروا إليه، فاجتمعوا به، ~~وقبضوا عليه بالقرب من أعمالهم، وبلد خوزستان، ms3700 وتفرق أصحابه، وأخذوا منكبرس ~~إلى أصبهان، فاعتقله السلطان مع بني عمه تكش، وأخرج زنكي بن برسق، وأعاده ~~إلى مرتبته، واستنزله وإخوته عن أقطاعهم، وهي ليشتر، وسابور خواست وغيرهما، ~~ما بين الأهواز وهمذان، وأقطعهم عوضها الدينور وغيرها. واتفق أن ظهر ~~بنهاوند أيضا، في هذه السنة، رجل من السواد ادعى النبوة، فأطاعه خلق كثير ~~من السوادية، واتبعوه، وباعوا أملاكهم ودفعوا إليه أثمانها، فكان يخرج ذلك ~~جميعه، وسمى أربعة من أصحابه: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا، وقتل بنهاوند، ~~فكان أهلها يقولون: ظهر عندنا، في مدة شهرين، اثنان ادعى أحدهما النبوة، ~~والآخر المملكة، فلم يتم لواحد منهما أمره. ### || AUT ذكر الحرب بين طغتكين والفرنج # في هذه السنة، في صفر، كانت وقعة بين طغتكين أتابك، صاحب دمشق، وبين قمص ~~كبير من قمامصة الفرنج. وسبب ذلك: أنه تكررت الحروب، والمغاورات، بين عسكر ~~دمشق وبغدوين، فتارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء، ففي آخر الأمر بنى بغدوين حصنا ~~بينه وبين دمشق نحو يومين، فخاف طغتكين من عاقبة ذلك، وما يحدث به من ~~الضرر، فجمع عسكره وخرج إلى مقاتلتهم، فسار بغدوين ملك القدس، وعكا، ~~وغيرهما، إلى هذا القمص ليعاضده، ويساعده إلى المسلمين، فعرفه القمص غناه ~~عنه، وأنه قادر على مقارعة المسلمين إن قاتلوه، فعاد بغدوين إلى عكا. وتقدم ~~طغتكين إلى الفرنج، واقتتلوا، واشتد القتال، فانهزم أميران من عسكر دمشق، ~~فتبعهما طغتكين وقتلهما، وانهزم الفرنج إلى حصنهم، فاحتموا به، فقال ~~طغتكين: من أحسن قتالهم وطلب مني أمرا فعلته معه، ومن أتاني بحجر من حجارة ~~الحصن أعطيته خمسة دنانير. فبذل الرجالة نفوسهم، وصعدوا إلى الحصن وخربوه، ~~وحملوا حجارته إلى طغتكين، فوفى لهم بما وعدهم، وأمر بإلقاء الحجارة في ~~الوادي، وأسروا من بالحصن، فأمر بهم فقتلوا كلهم، واستبقى الفرسان أسراء، ~~وكانوا مائتي فارس، ولم ينج ممن كان في الحصن إلا القليل. وعاد طغتكين إلى ~~دمشق منصورا، فزين البلد أربعة أيام، وخرج منها إلى رفنية، وهو من حصون ~~الشام، وقد تغلب عليه الفرنج، وصاحبه ابن أخت صنجيل المقيم على حصار ~~طرابلس، فحصره طغتكين، وملكه، وقتل ms3701 به خمسمائة رجل من الفرنج. ### || AUT ذكر الحرب بين عبادة وخفاجة # في هذه السنة كانت حرب شديدة بين عبادة وخفاجة. PageV04P0400 # وسببها: أن رجلا من عبادة أخذ منه جماعة خفاجة جملين، فجاء إليهم وطالبهم ~~بهما، فلم يعطوه شيئا، فأخذ منهم غارة أحد عشر بعيرا، فلحقته خفاجة، وقتلوا ~~من أصحابه رجلا، وقطعوا يد آخر، وكان ذلك بالموقف من الحلة السيفية، ففرق ~~بينهم أهلها. فسمعت عبادة الخبر، فتواعدت، وانحدرت إلى العراق للأخذ ~~بثأرها، وساروا مع جماعة من أمرائهم، فبلغت عدتهم سبعمائة فارس، وكانت ~~خفاجة دون هذه العدة، فراسلتهم خفاجة يبذلون الدية ويصطلحون، فلم تجبهم إلى ~~ذلك عبادة، وأشار به سيف الدولة صدقة، فلم تقبل عبادة، فالتقوا بالقرب من ~~الكوفة، ومع عبادة الإبل والغنم بين البيوت، فكمنت لهم خفاجة ثلاثمائة ~~فارس، وقاتلوهم مطاردة من غير جد في القتال، فداموا كذلك ثلاثة أيام، ثم ~~إنهم اشتد بينهم القتال، واختلطوا، حتى تركوا الرماح، وتضاربوا بالسيوف. ~~فبينما هم كذلك، وقد أعيا الفريقان من القتال، إذ طلع كمين خفاجة، وهم ~~مستريحون، فانهزمت عبادة، وانتصرت عليهم خفاجة، وقتل من وجوه عبادة اثنا ~~عشر رجلا، ومن خفاجة جماعة، وغنمت خفاجة الأموال من الخيل، والإبل، والغنم، ~~والعبيد، والإماء. وكان الأمير صدقة بن مزيد قد أعان خفاجة سرا، فلما وصل ~~المنهزمون إليه هنأهم صدقة بالسلامة، فقال له بعضهم: ما زلت أقاتل، وأضارب، ~~وأنا طامع في الظفر بهم، حتى رأيت فرسك الشقراء تحت أحدهم، فعلمت أنهم ~~أجلبوا علينا بخيلك ورجلك، وأننا لا طاقة لنا بهم، فنصروا علينا بمعونتك، ~~وفلونا بحدك. فلم يجبه صدقة. ### || AUT ذكر ملك صدقة البصرة # في هذه السنة، في جمادى الأولى، انحدر سيف الدولة من الحلة إلى البصرة ~~فملكها. وقد ذكرنا فيما تقدم تمكن إسماعيل بن أرسلانجق من البصرة ونواحيها، ~~وأقام بها عشر سنين نافذ الأمر، وازداد قوة وتمكنا بالاختلاف الواقع بين ~~السلاطين، وأخذ الأموال السلطانية، وكان قد راسل صدقة، وأظهر له أنه في ~~طاعته وموافقته. فلما استقر الأمر للسلطان محمد أراد أن يرسل إلى البصرة ~~مقطعا يأخذها من إسماعيل، ms3702 فخاطب صدقة في معناه، حتى أقرت البصرة عليه، ~~فأنفذ السلطان عميدا إليها ليتولى ما يتعلق بالسلطان هناك، فمنعه إسماعيل، ~~ولم يمكنه من عمله، وفعل ما خرج به عن حد المجاملة، فأمر السلطان صدقة ~~بقصده، وأخذ البصرة منه، فتحرك لذلك. فاتفق ظهور منكبرس، وخلافه على ~~السلطان، وأنه على قصد واسط، فسر إسماعيل بذلك، وزاد انبساطه، وأرسل صدقة ~~حاجبا له، وكان قبله قد خدم أباه وجده، إلى إسماعيل يأمره بتسليم الشرطة ~~وأعمالها إلى مهذب الدولة بن أبي الجبر لأنها كانت في ضمانه، فوصل إلى ~~الشرطة، وأخذ منها أربعمائة دينار، فأحضره إسماعيل وحبسه، وأخذ الدنانير ~~منه، فلما رأى صدقة مكاشفته سار من حلته، وأظهر أنه يريد قصد الرحبة، ثم جد ~~السير إلى البصرة، فلم يشعر إسماعيل إلا بقربه منه، ففرق أصحابه في القلاع ~~التي استجدها بمطارا ونهر معقل، وغيرهما، واعتقل وجوه العباسيين، ~~والعلويين، وقاضي البصرة، ومدرسها، وأعيان أهلها. ونازلهم صدقة، فجرى قتال ~~بين طائفة من عسكره، وطائفة من البصريين، قتل فيه أبو النجم بن أبي القاسم ~~الورامي، وهو ابن خال سيف الدولة صدقة، فلما مدح به سيف الدولة، ورثي به ~~أبو النجم بن أبي القاسم، قول بعضهم: تهن، يا خير من يحمي حريم حمى، ... ~~فتحا أغثت به الدنيا مع الدين ركبت للبصرة الغراء في نخب ... غر، كجيش علي ~~يوم صفين هوى أبو النجم كالنجم المنير بها، ... لكنه كان رجما للشياطين ~~وأقام صدقة محاصرا لإسماعيل بالبصرة، فأشار على سيف الدولة صدقة بعض أصحابه ~~بالعود عنها، وأعلموه أنهم لا يظفرون بطائل، فأشار عليهم بالمقام، وقالوا: ~~إن رحلنا كانت كسرة، وكان رأي سيف الدولة المقام، وقال: إن تعذر علي فتح ~~البصرة لم يطعني أحد، واستعجزني الناس. PageV04P0401 # ثم إن إسماعيل خرج من البلد، وقاتل صدقة، فسار بعض أصحاب صدقة إلى مكان ~~آخر من البلد، ودخلوه، وقتلوا من السوادية، الذين جمعهم إسماعيل، خلقا ~~كثيرا وانهزم إسماعيل إلى قلعته بالجزيرة، فأدركه بعض أصحاب سيف الدولة ~~وأراد قتله، ففداه أحد غلمانه بنفسه، فوقعت الضربة فيه فأثخنته، فنهبت ~~البصرة، وغنم من ms3703 معه من عرب البر، وغيرهم، ما فيها، ولم يسلم منهم إلا ~~المحلة المجاورة لقبر طلحة والمربد، فإن العباسيين دخلوا المدرسة النظامية ~~وامتنعوا بها، وحموا المربد، وعمت المصيبة لأهل البلد، سوى من ذكرنا، ~~وامتنع إسماعيل بقلعته. فاتفق أن المهذب بن أبي الجبر انحدر في سفن كثيرة، ~~وأخذ القلعة التي لإسماعيل بمطارا، وقتل بها خلقا من أصحاب إسماعيل، وحمل ~~إلى صدقة كثيرا فأطلقهم. فلما علم إسماعيل بذلك أرسل إلى صدقة يطلب الأمان ~~على نفسه، وأهله، وأمواله، فأجابه إلى ذلك، وأجله سبعة أيام، فأخذ كل ما ~~يمكنه حمله مما يعز عليه، وما لم يقدر على حمله أهلكه بالماء وغيره، ونزل ~~إلى سيف الدولة، وأمن سيف الدولة أهل البصرة من كل أذى، ورتب عندهم شحنة، ~~وعاد إلى الحلة ثالث جمادى الآخرة، وكان مقامه بالبصرة ستة عشر يوما. وأما ~~إسماعيل فإنه لما سار صدقة إلى الحلة قصد هو الباسيان إلى أن وصله ماله في ~~المراكب، وسار نحو فارس، وصار يتعنت أصحابه، وزوجته، وقبض على جماعة من ~~خواصه وقال لهم: أنتم سقيتم ولدي أفراسياب السم حتى مات! وكان قد مات في ~~صفر من هذه السنة، ففارقه كثير منهم، حتى زوجته فارقته وسارت إلى بغداد. ~~وأخذته الحمى، وقويت عليه، فلما بلغ رامهرمز انفرد في خيمته، ولم يظهر ~~لأصحابه يوما وليلة، فظهر لهم موته، فنهبوا ماله وتفرقوا، فأرسل الأمير ~~برامهرمز فردهم وأخذ ما معهم من أمواله، ودفن بالقرب من إيذج، وكان عمره قد ~~جاوز خمسين سنة، وكانت سيرته قد حسنت في أهل البصرة أخيرا. ### || AUT ذكر حصر رضوان نصيبين وعوده عنها # في هذه السنة، في شهر رمضان، حصر الملك رضوان بن تتش نصيبين. وسبب ذلك: ~~أنه عزم على حرب الفرنج، واجتمع معه من الأمراء: إيلغازي بن أرتق، الذي كان ~~شحنة بغداد، وأصبهبذ صباوة، وألبى أرسلان تاش، صاحب سنجار، وهو صهر جكرمش، ~~صاحب الموصل، فقال إيلغازي: الرأي أننا نقصد بلاد جكرمش، وما والاها، ~~فنملكها، ونتكثر بعسكرها والأموال. ووافقه ألبى، فسار إلى نصيبين في عشرة ~~آلاف فارس، مستهل رمضان، وكان ms3704 قد جعل فيها أميرين من أصحابه في عسكر، ~~فتحصنوا بالبلد، وقاتلوا من وراء السور، فرمي ألي أرسلان بنشابة، فجرح جرحا ~~شديدا، فعاد إلى سنجار. وأما جكرمش فإنه بلغه الخبر بنزولهم على نصيبين، ~~وهو بالجامة، التي بالقرب من طنزة، يتداوى بمائها من مرضه، فرحل إلى ~~الموصل، وقد أجفل إليها أهل السواد، فخيم على باب البلد، عازما على حرب ~~رضوان، واستعمل المخادعة، فكاتب أعيان عسكر رضوان، ورغبهم، حتى أفسد ~~نياتهم، وتقدم إلى أصحابه بنصيبين بخدمة الملك رضوان، وبإخراج الإقامات ~~إليه مع الاحتراز منه، وأرسل إلى رضوان يبذل له خدمته، والدخول في طاعته، ~~ويقول له: إن السلطان محمدا قد حصرني، ولم يبلغ مني غرضا، فترحل عن صلح، ~~وإن قبضت على إيلغازي الذي قد عرفت أنت وغيرك فساده وشره فأنا معك، ومعينك ~~بالرجال والأموال والسلاح. فاتفق هذا، ورضوان قد تغيرت نيته مع إيلغازي، ~~فازداد تغيرا، وعزم على قبضه، فاستدعاه يوما، وقال له: هذه بلاد ممتنعة، ~~وربما استولى الفرنج على حلب، والمصلحة مصالحة جكرمش، واستصحابه معنا، فإنه ~~يسير بعساكر كثيرة ظاهرة التجمل، ونعود إلى قتال الفرنج، فإن ذلك مما يعود ~~باجتماع شمل المسلمين. فقال له إيلغازي: إنك جئت بحكمك، وأنت الآن بحكمي لا ~~أمكنك من المسير بدون أخذ هذه البلاد، فإن أقمت، وإلا بدأت بقتالك. وكان ~~إيلغازي قد قويت نفسه بكثرة من اجتمع عنده من التركمان، وكان الملك رضوان ~~قد واعد قوما من أصحابه ليقبضوا عليه، فلما جرى ما ذكرناه أمرهم رضوان ~~فقبضوا عليه وقيدوه، فلما سمع التركمان الحال أظهروا الخلاف والامتعاض، ~~ففارقوا رضوان والتجأوا إلى سور المدينة، وأصعد إيلغازي إلى قلعتها، وخرج ~~من بنصيبين من العسكر فأعانوه، فلما رأى التركمان ذلك تفرقوا، ونهبوا ما ~~قدروا عليه من المواشي وغيرها، ورحل رضوان من وقته وسار إلى حلب. ~~PageV04P0402 # وكان جكرمش قد رحل من الموصل قاصدا لحرب القوم، فلما بلغ تل يعفر أتاه ~~المبشرون بانصراف رضوان على اختلاف وافتراق، فرحل عند ذلك إلى سنجار، ووصلت ~~إليه رسل رضوان تستدعي منه النجدة، ويعتد عليه ما فعل بإيلغازي، فأجابه ms3705 ~~مغالطة، ولم يف له بما وعده، ونازل سنجار ليشفي غيظه من ظهره ألبي بن ~~أرسلان تاش بما اعتمده من معاداته، ومظاهرة أعدائه، وكان ألبي على شدة من ~~المرض بالسهم الذي أصابه على نصيبين، فلما نزل جكرمش عليها أمر ألبي أصحابه ~~أن يحملوه إليه، فحملوه في محفة، فحضر عنده، وأخذ يعتذر مما كان منه، وقال: ~~جئت مذنبا، فافعل بي ما تراه. فرق له وأعاده إلى بلده، فلما عاد قضى نحبه، ~~فلما مات عصى على جكرمش من كان بسنجار، وتمسكوا بالبلد، فقاتلهم بقية ~~رمضان، وشوالا، ولم يظفر منهم بشيء، فجاء تميرك أخو أرسلان تاش، عم ألبي، ~~فأصلح حاله مع جكرمش، وبذل له الخدمة، فعاد إلى الموصل. ### || AUT ذكر ملك طغتكين بصرى # قد ذكرنا سنة سبع وتسعين حال بكتاش بن تتش، وخروجه من دمشق، واتصاله ~~بالفرنج، ومعه أيتكين الحلبي، صاحب بصرى، وسيرهما إلى الرحبة، وعودهما ~~عنها، فلما ضعفت أحوالهم سار طغتكين إلى بصرى فحصرها، وبها أصحاب أيتكين، ~~فراسلوا طغتكين، وبذلوا له التسليم إليه، بعد أجل قرروه بينهم، فأجابهم إلى ~~ذلك، فرحل عنهم إلى دمشق، فلما انقضى الأجل، هذه السنة، تسلمها، وأحسن إلى ~~من بها، ووفى لهم بما وعدهم، وبالغ في إكرامهم، وكثر الثناء عليه، والدعاء ~~له، ومالت النفوس إليه، وأحبوه. ### || AUT ذكر ملك الفرنج حصن أفامية # في هذه السنة ملك الفرنج حصن أفامية من بلد الشام. وسبب ذلك: أن خلف بن ~~ملاعب الكلابي كان متغلبا على حمص، وكان الضرر به عظيما، ورجاله يقطعون ~~الطريق، فكثر الحرامية عنده، فأخذها منه تتش بن ألب أرسلان وأبعده عنها، ~~فتقلبت به الأحوال إلى أن دخل إلى مصر، فلم يلتفت إليه من بها، فأقام بها. ~~واتفق أن المتولي لأفامية من جهة الملك رضوان أرسل إلى صاحب مصر، وكان يميل ~~إلى مذهبهم، يستدعي منهم من يسلم إليه الحصن، وهو من أمنع الحصون، وطلب ابن ~~ملاعب منهم أن يكون هو المقيم به، وقال: إنني أرغب في قتال الفرنج، وأوثر ~~الجهاد. فسلموه إليه، وأخذوا رهائنه، فلما ملكه خلع طاعتهم ولم يرع ms3706 حقهم، ~~فأرسلوا إليه يتهددونه بما يفعلونه بولده الذي عندهم. فأعاد الجواب: إنني ~~لا أنزل من مكاني، وابعثوا إلي ببعض أعضاء ولدي حتى آكله، فأيسوا من رجوعه ~~إلى الطاعة، وأقام بأفامية يخيف السبيل، ويقطع الطريق، واجتمع عنده كثير من ~~المفسدين، فكثرت أمواله. ثم إن الفرنج ملكوا سرمين، وهي من أعمال حلب، ~~وأهلها غلاة في التشيع، فلما ملكها الفرنج تفرق أهلها، فتوجه القاضي الذي ~~بها إلى ابن ملاعب وأقام عنده، فأكرمه، وأحبه، ووثق به، فأعمل القاضي ~~الحيلة عليه، وكتب إلى أبي طاهر، المعروف بالصائغ، وهو من أعيان أصحاب ~~الملك رضوان، ووجوه الباطنية ودعاتهم، ووافقهم على الفتك بابن ملاعب، وأن ~~يسلم أفامية إلى الملك رضوان، فظهر شيء من هذا، فأتى إلى ابن ملاعب أولاده، ~~وكانوا قد تسللوا إليه من مصر، وقالوا له: قد بلغنا عن هذا القاضي كذا ~~وكذا، والرأي أن تعاجله، وتحتاط لنفسك، فإن الأمر قد اشتهر وظهر. فأحضره ~~ابن ملاعب، فأتاه في كمه مصحف، لأنه رأى أمارات الشر، فقال له ابن ملاعب ما ~~بلغه عنه، فقال له: أيها الأمير، قد علم كل أحد أني أتيتك خائفا جائعا، ~~فأمنتني، وأغنيتني، وعززتني، فصرت ذات مال وجاه، فإن كان بعض من حسدني على ~~منزلتي منك، وما غمرني من نعمتك سعى بي إليك، فأسألك أن تأخذ جميع ما معي، ~~وأخرج كما جئت. وحلف له على الوفاء والنصح، فقبل عذره وأمنه. PageV04P0403 # وعاود القاضي مكاتبة أبي طاهر بن الصائغ، وأشار عليه أن يوافق رضوان على ~~إنفاذ ثلاثمائة رجل من أهل سرمين، وينفذ معهم خيلا من خيول الفرنج، وسلاحا ~~من أسلحتهم، ورؤوسا من رؤوس الفرنج، ويأتوا إلى ابن ملاعب ويظهروا أنهم ~~غزاة ويشكوا من سوء معاملة الملك رضوان وأصحابه لهم، وأنهم فارقوه، فلقيهم ~~طائفة من الفرنج، فظفروا بهم، ويحملوا جميع ما معهم إليه، فإذا أذن لهم في ~~المقام اتفقت آراؤهم على إعمال الحيلة عليه، ففعل ابن الصائغ ذلك، ووصل ~~القوم إلى أفامية، وقدموا إلى ابن ملاعب بما معهم من الخيل وغيرها، فقبل ~~ذلك منهم، وأمرهم بالمقام عنده، وأنزلهم ms3707 في ربض أفامية. فلما كان في بعض ~~الليالي نام الحراس بالقلعة، فقام القاضي ومن بالحصن من أهل سرمين، ودلوا ~~الحبال وأصعدوا أولئك القادمين جميعهم، وقصدوا أولاد ابن ملاعب، وبني عمه، ~~وأصحابه، فقتلوهم، وأتى القاضي وجماعة معه إلى ابن ملاعب، وهو مع امرأته، ~~فأحس بهم، فقال: من أنت؟ فقال: ملك الموت جئت لقبض روحك! فناشده الله، فلم ~~يرجع عنه، وجرحه، وقتله، وقتل أصحابه، وهرب ابناه، فقتل أحدهما، والتحق ~~الآخر بأبي الحسن بن منقذ، صاحب شيزر، فحفظه لعهد كان بينهما. ولما سمع ابن ~~الصائغ خبر أفامية سار إليها، وهو لا يشك أنها له، فقال له القاضي: إن ~~وافقتني، وأقمت معي، فبالرحب والسعة، ونحن بحكمك، وإلا فارجع من حيث جئت. ~~فأيس ابن الصائغ منه، وكان أحد أولاد ابن ملاعب بدمشق عند طغتكين، غضبان ~~على أبيه، فولاه طغتكين حصنا، وضمن على نفسه حفظ الطريق، وأخذ القوافل، ~~فاستغاثوا إلى طغتكين منه، فأرسل إليه من طلبه، فهرب إلى الفرنج، واستدعاهم ~~إلى حصن أفامية، وقال: ليس فيه غير قوت شهر، فأقاموا عليه يحاصرونه، فجاع ~~أهله، وملكه الفرنج، وقتلوا القاضي المتغلب عليه، وأخذوا الصائغ فقتلوه، ~~وكان هو الذي أظهر مذهب الباطنية بالشام. هكذا ذكر بعضهم أن أبا طاهر ~~الصائغ قتله الفرنج بأفامية، وقد قيل إن ابن بديع، رئيس حلب، قتله سنة سبع ~~وخمسمائة، بعد وفاة رضوان، وقد ذكرناه هناك، والله أعلم. ### || AUT ذكر نهب العرب البصرة # قد ذكرنا استيلاء الأمير صدقة على البصرة، وأنه استناب بها مملوكا كان ~~لجده دبيس بن مزيد، اسمه التونتاش، وجعل معه مائة وعشرين فارسا. فاجتمعت ~~ربيعة والمنتفق ومن انضم إليها من العرب، وقصدوا البصرة في جمع كثير، ~~فقاتلهم التونتاش، فأسروه، وانهزم أصحابه، ولم يقدر من بها على حفظها، ~~فدخلوها بالسيف أواخر ذي القعدة، وأحرقوا الأسواق، والدور الحسان، ونهبوا ~~ما قدروا عليه، وأقاموا ينهبون ويحرقون اثنين وثلاثين يوما، وتشرد أهلها في ~~السواد، ونهبت خزانة كتب كانت موقوفة، وقفها القاضي أبو الفرج بن أبي ~~البقاء. وبلغ الخبر صدقة، فأرسل عسكرا، فوصلوا وقد فارقها العرب. ثم ms3708 إن ~~السلطان محمدا أرسل شحنة وعميدا إلى البصرة، وأخذها من صدقة، وعاد أهلها ~~إليها وشرعوا في عمارتها. ### || AUT ذكر حال طرابلس الشام مع الفرنج # كان صنجيل الفرنجي، لعنه الله، قد ملك مدينة جبلة، وأقام على طرابلس ~~يحصرها، فحيث لم يقدر أن يملكها، بنى بالقرب منها حصنا، وبنى تحته ربضا، ~~وأقام مراصدا لها، ومنتظرا وجود فرصة فيها، فخرج فخر الملك أبو علي بن ~~عمار، صاحب طرابلس، فأحرق ربضه، ووقف صنجيل على بعض سقوفه المتحرقة، ومعه ~~جماعة من القمامصة والفرسان، فانخسف بهم، فمرض صنجيل من ذلك عشرة أيام ~~ومات، وحمل إلى القدس فدفن فيه. ثم إن ملك الروم أمر أصحابه باللاذقية ~~ليحملوا الميرة إلى هؤلاء الفرنج الذين على طرابلس، فحملوها في البحر، ~~فأخرج إليها فخر الملك بن عمار أسطولا، فجرى بينهم وبين الروم قتال شديد، ~~فظفر المسلمون بقطعة من الروم، فأخذوها، وأسروا من كان بها وعادوا. ولم تزل ~~الحرب بين أهل طرابلس والفرنج خمس سنين إلى هذا الوقت، فعدمت الأقوات به، ~~وخاف أهله على نفوسهم وأولادهم وحرمهم، فجلا الفقراء، وافتقر الأغنياء، ~~وظهر من ابن عمار صبر عظيم، وشجاعة، ورأي سديد. ومما أضر بالمسلمين فيها أن ~~صاحبها استنجد سقمان بن أرتق، فجمع العساكر وسار إليه، فمات في الطريق، على ~~ما ذكرناه، وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه. PageV04P0404 # وأجرى ابن عمار الجرايات على الجند والضعفى، فلما قلت الأموال عنده شرع ~~يقسط على الناس ما يخرجه في باب الجهاد، فأخذ من رجلين من الأغنياء مالا مع ~~غيرهما، فخرج الرجلان إلى الفرنج وقالا: إن صاحبنا صادرنا، فخرجنا إليكم ~~لنكون معكم، وذكرا لهم أنه تأتيه الميرة من عرقة والجبل، فجعل الفرنج جميعا ~~على ذلك الجانب يحفظه من دخول شيء إلى البلد، فأرسل ابن عمار وبذل للفرنج ~~مالا كثيرا ليسلموا الرجلين إليه، فلم يفعلوا، فوضع عليهما من قتلهما غيلة. ~~وكانت طرابلس من أعظم بلاد الإسلام وأكثرها تجملا وثروة، فباع أهلها من ~~الحلى، والأواني الغريبة، ما لا حد عليه، حتى بيع كل مائة درهم نقرة ~~بدينار. وشتان بين هذه ms3709 الحالة وبين حال الروم أيام السلطان ألب أرسلان، وقد ~~ذكرت ظفره بهم سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وقد كان بعض أصحابه، وهو كمشتكين ~~دواتي، عميد الملك، هرب منه خوفا لما قبض على صاحبه عميد الملك، وسار إلى ~~الرقة فملكها، وصار مع كثير من التركمان، فيهم: الأفشين وأحمد شاه، فقتلاه، ~~وأرسلا أمواله إلى ألب أرسلان، ودخل الأفشين بلاد الروم، وقاتل الفردوس، ~~صاحب أنطاكية، فهزمه، وقتل من الروم خلقا كثيرا. وسار ملك الروم من ~~القسطنطينية إلى ملطية، فدخل الأفشين بلاده، ووصل إلى عمورية، وقتل في ~~غزاته مائة ألف آدمي، ولما عاد إلى بلاد الإسلام وتفرق من معه خرج عليه ~~عسكر الرها، وهي حينئذ للروم، ومعهم بنو نمير من العرب، فقاتلهم، ومعه ~~مائتا فارس، فهزمهم ونهبهم، ونهب بلاد الروم، فأرسل ملك الروم رسولا إلى ~~القائم بأمر الله يسأله الصلح، فأرسل إلى ألب أرسلان في ذلك، فصالح الروم ~~على مائة ألف دينار، وأربعة آلاف ثوب أصنافا، وثلاثمائة رأس بغالا. فشتان ~~بين الحالتين. وأقول شتان بين حال أولئك المرذولين الذين استعجزهم، وبين ~~حال الناس في زماننا هذا، وهو سنة ست عشرة وستمائة مع الفرنج أيضا والتتر، ~~وسترى ذلك مشروحا، إن شاء الله تعالى، لتعلم الفرق، نسأل الله تعالى أن ~~ييسر للإسلام وأهله قائما يقوم بنصرهم، وأن يدفع عنهم بمن أحب من خلقه، وما ~~ذلك على الله بعزيز. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ورد إلى بغداد إنسان من الملثمين، ملوك الغرب، قاصدا إلى ~~دار الخلافة، فأكرم، وكان معه إنسان يقال له الفقيه، من الملثمين أيضا، ~~فوعظ الفقيه في جامع القصر، واجتمع له العالم العظيم، وكان يعظ وهو متلثم ~~لا يظهر منه غير عينيه، وكان هذا الملثم قد حضر ابن الأفضل، أمير الجيوش ~~بمصر، وقعته مع الفرنج، وأبلى بلاء حسنا. وكان سبب مجيئه إلى بغداد: أن ~~المغاربة كانوا يعتقدون في العلويين، أصحاب مصر، الاعتقاد القبيح، فكانوا، ~~إذا أرادوا الحج، يعدلون عن مصر، وكان أمير الجيوش بدر والد الأفضل أراد ~~إصلاحهم، فلم يميلوا إليه، ولا قاربوه، فأمر ms3710 بقتل من ظفر به منهم، فلما ولي ~~ابنه الأفضل أحسن إليهم، واستعان بمن قاربه منهم على حرب الفرنج، وكان هذا ~~من جملة من قاتل معه، فلما خالط المصريين خاف العود إلى بلاده، فقدم بغداد، ~~ثم عاد إلى دمشق، ولم يكن للمصريين حرب مع الفرنج إلا وشهدها، فقتل في ~~بعضها شهيدا، وكان شجاعا فتاكا مقداما. وفيها، في ربيع الآخر، ظهر كوكب في ~~السماء له ذؤابة، كقوس قزح، آخذة من المغرب إلى وسط السماء، وكان يرى قريبا ~~من الشمس قبل ظهوره ليلا، وبقي يظهر عدة ليال، ثم غاب. وفيها وصل الملك قلج ~~أرسلان بن سليمان بن قتلمش، صاحب بلاد الروم، إلى الرها ليحصرها، وبها ~~الفرنج، فراسله أصحاب جكرمش المقيمون بحران ليسلموها إليه، فسار إليهم ~~وتسلم البلد، وفرح به الناس لأجل جهاد الفرنج، فأقام بحران أياما، ومرض ~~مرضا شديدا، أوجب عوده إلى ملطية، فعاد مريضا، وبقي أصحابه بحران. وفي هذه ~~السنة توفي الشيخ أبو منصور الخياط المقري، إمام مسجد ابن جردة، وكان خيرا ~~صالحا. وفيها قتل القاضي أبو العلاء صاعد بن أبي محمد النيسابوري الحنفي ~~بجامع أصبهان، قتله باطني. وفيها توفي أبو الفوارس الحسين بن علي بن الحسين ~~بن الخازن، صاحب الخط الجيد، وعمره سبعون سنة، قيل إنه كتب خمسمائة ختمة. ~~PageV04P0405 # وفيها، في المحرم، توفي القاضي أبو الفرج محمد بن عبيد الله بن الحسن، ~~قاضي البصرة، وله ثلاث وثمانون سنة، وكان من الفقهاء الشافعية المشهورين، ~~تفقه على الماوردي، وأبي إسحاق، وأخذ النحو عن الرقي، والدهان، وابن برهان، ~~وكان عفيفا، مقدما عند الخلفاء والسلاطين. وفيها، في المحرم، توفي سهل بن ~~أحمد بن علي الأرغياني، أبو الفتح الحاكم، تفقه على الجويني، وبرز، ثم ترك ~~المناظرة، وبنى رباطا، واشتغل بالعبادة وقراءة القرآن. وفيها، في صفر، توفي ~~الأمير مهارش بن مجلي وله نحو ثمانين سنة، وهو الذي كان الخليفة القائم ~~عنده بالحديثة، وكان كثير الصلاة والصوم، يحب الخير وأهله، ولما توفي ملك ~~الحديثة بعده ابنه سليمان. ### | AUT ثم دخلت سنة خمسمائة # ### || AUT ذكر وفاة يوسف بن تاشفين ms3711 # ### || AUT وملك ابنه علي # في هذه السنة توفي أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، ملك الغرب والأندلس، ~~وكان حسن السيرة، خيرا، عادلا، يميل إلى أهل الدين والعلم، ويكرمهم، ويصدر ~~عن رأيهم، ولما ملك الأندلس، على ما ذكرناه، جمع الفقهاء وأحسن إليهم، ~~فقالوا له: ينبغي أن تكون ولايتك من الخليفة لتجب طاعتك على الكافة، فأرسل ~~إلى الخليفة المستظهر بالله، أمير المؤمنين، رسولا ومعه هدية كثيرة، وكتب ~~معه كتابا يذكر ما فتح الله من بلاد الفرنج، وما اعتمده من نصرة الإسلام، ~~ويطلب تقليدا بولاية البلاد، فكتب له تقليد من ديوان الخلافة بما أراد، ~~ولقب أمير المسلمين، وسيرت إليه الخلع، فسر بذلك سرورا كثيرا، وهو الذي بنى ~~مدينة مراكش للمرابطين، وبقي على ملكه إلى سنة خمسمائة، فتوفي وملك بعده ~~البلاد ولده علي بن يوسف، وتلقب أيضا أمير المسلمين، فازداد في إكرام ~~العلماء والوقوف عند إشارتهم، وكان إذا وعظه أحدهم خشع عند استماع الموعظة، ~~ولان قلبه لها، وظهر ذلك عليه. وكان يوسف بن تاشفين حليما، كريما، دينا، ~~خيرا، يحب أهل العلم والدين، ويحكمهم في بلاده، وكان يحب العفو والصفح عن ~~الذنوب العظام، فمن ذلك أن ثلاثة نفر اجتمعوا، فتمنى أحدهم ألف دينار يتجر ~~بها، وتمنى الآخر عملا يعمل فيه لأمير المسلمين، وتمنى الآخر زوجته ~~النفزاوية، وكانت من أحسن النساء، ولها الحكم في بلاده، فبلغه الخبر، ~~فأحضرهم، وأعطى متمني المال ألف دينار، واستعمل الآخر، وقال للذي تمنى ~~زوجته: يا جاهل! ما حملك على هذا الذي لا تصل إليه؟ ثم أرسله إليها، فتركته ~~في خيمة ثلاثة أيام تحمل إليه كل يوم طعاما واحدا، ثم أحضرته وقالت له: ما ~~أكلت هذه الأيام؟ قال: طعاما واحدا، فقالت: كل النساء شيء واحد. فأمرت له ~~بمال وكسوة وأطلقته. ### || AUT ذكر قتل فخر الملك بن نظام الملك # في هذه السنة قتل فخر الملك أبو المظفر علي بن نظام الملك، يوم عاشوراء، ~~وكان أكبر أولاده، وقد ذكرنا سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وزارته للسلطان ~~بركيارق، فلما فارق وزارته قصد نيسابور، وأقام عند الملك سنجر ms3712 بن ملكشاه، ~~ووزر له، وأصبح يوم عاشوراء صائما، وقال لأصحابه: رأيت الليلة في المنام ~~الحسين بن علي، عليه السلام ، وهو يقول: عجل إلينا، وليكن إفطارك عندنا، ~~وقد اشتغل فكري به، ولا محيد عن قضاء الله وقدره! وقالوا: يحميك الله، ~~والصواب أن لا تخرج اليوم والليلة من دارك، فأقام يومه يصلي، ويقرأ القرآن، ~~وتصدق بشيء كثير. فلما كان وقت العصر خرج من الدار التي كان بها يريد دار ~~النساء، فسمع صياح متظلم، شديد الحرقة، وهو يقول: ذهب المسلمون، فلم يبق من ~~يكشف مظلمة، ولا يأخذ بيد ملهوف! فأحضره عنده، رحمة له، فحضر فقال: ما ~~حالك؟ فدفع إليه رقعة، فبينما فخر الملك يتأملها إذ ضربه بسكين فقضى عليه، ~~فمات، فحمل الباطني إلى سنجر، فقرره، فأقر على جماعة من أصحاب السلطان ~~كذبا، وقال: إنهم وضعوني على قتله، وأراد أن يقتل بيده وسعايته، فقتل من ~~ذكر، وكان مكذوبا عليهم، ثم قتل الباطني بعدهم، وكان عمر فخر الملك ستا وستين سنة. ### || AUT ذكر ملك صدقة بن مزيد تكريت # PageV04P0406 # في هذه السنة، في صفر، تسلم الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور بن مزيد ~~قلعة تكريت، وقد ذكرنا فيما تقدم أنها كانت لبني مقن العقيليين، وكانت إلى ~~آخر سنة سبع وعشرين وأربعمائة بيد رافع بن الحسين بن مقن، فمات، ووليها ابن ~~أخيه أبو منعة خميس بن تغلب بن حماد، ووجد بها خمسمائة ألف دينار سوى ~~المصاغ، وتوفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، ووليها ولده أبو غشام. فلما كان ~~سنة أربع وأربعين وثب عليه عيسى فحبسه، وملك القلعة والأموال، فلما اجتاز ~~به طغرلبك سنة ثمان وأربعين صالحه على بعض المال فرحل عنه. وخافت زوجته ~~أميرة، بعد موته، أن يعود غشام فيملك القلعة، فقتلته، وكان قد بقي في الحبس ~~أربع سنين، واستنابت في القلعة أبا الغنائم بن المحلبان، فسلمها إلى أصحاب ~~السلطان طغرلبك، فسارت إلى الموصل، فقتلها ابن أبي غشام بأبيه، وأخذ شرف ~~الدولة مسلم بن قريش مالها، ورد طغرلبك أمر القلعة إلى إنسان يعرف بأبي ~~العباس الرازي، فمات بها ms3713 بعد ستة أشهر، فملكها المهرباط، وهو أبو جعفر محمد ~~بن أحمد نب خشنام من بلد الثغر، فأقام بها إحدى وعشرين سنة ومات، ووليها ~~ابنه سنتين، وأخذتها منه تركان خاتون، ووليها لها كوهرائين. ثم ملكها بعد ~~وفاة ملكشاه قسيم الدولة آقسنقر، صاحب حلب، فلما قتل صارت للأمير كمشتكين ~~الجاندار، فجعل فيها رجلا يعرف بأبي المصارع، ثم عادت إلى كوهرائين إقطاعا، ~~ثم أخذها منه مجد الملك البلاساني، فولى عليها كيقباذ بن هزارسب الديلمي، ~~فأقام بها اثنتي عشرة سنة، فظلم أهلها، وأساء السيرة، فلما اجتاز به سقمان ~~بن أرتق سنة ست وتسعين ونهبها، كان كيقباذ ينهبها ليلا، وسقمان ينهبها ~~نهارا. فلما استقر السلطان محمد بعد موت أخيه بركيارق أقطعها للأمير آقسنقر ~~البرسقي، شحنة بغداد، فسار إليها وحصرها مدة تزيد على سبعة أشهر، حتى ضاق ~~على كيقباذ الأمر، فراسل صدقة بن مزيد ليسلمها إليه، فسار إليها في صفر هذه ~~السنة وتسلمها منه، وانحدر البرسقي ولم يملكها. ومات كيقباذ بعد نزوله من ~~القلعة بثمانية أيام، وكان عمره ستين سنة، واستناب صدقة بها ورام بن أبي ~~فراس بن ورام، وكان كيقباذ ينسب إلى الباطنية، وكان موته من سعادة صدقة ~~فإنه لو أقام عنده لعرض صدقة لظنون الناس في اعتقاده ومذهبه. ### || AUT ذكر الحرب بين عبادة وخفاجة # في هذه السنة، في ربيع الأول، كانت حرب بين عبادة وخفاجة، فظفرت عبادة، ~~وأخذت بثأرها من خفاجة. وكان سبب ذلك أن سيف الدولة صدقة أرسل ولده بدران ~~في جيش إلى طرف بلاده مما يلي البطيحة ليحميها من خفاجة لأنهم يؤذون أهل ~~تلك النواحي، فقربوا منه، وتهددوا أهل البلاد، فكتب إلى أبيه يشكو منهم، ~~ويعرفه حالهم، فأحضر عبادة، وكانت خفاجة قد فعلت بهم العام الماضي ما ~~ذكرناه، فلما حضروا عنده قال لهم ليتجهزوا مع عسكره ليأخذوا بثأرهم من ~~خفاجة، فساروا في مقدم عسكره، فأدركوا حلة من خفاجة من بني كليب ليلا، وهم ~~غارون، لم يشعروا بهم، فقالوا: من أنتم؟ فقالت عبادة: نحن أصحاب لديون، ~~فعلموا أنهم عبادة، فقاتلوهم، وصبرت خفاجة، فبينما ms3714 هم في القتال إذ سمع طبل ~~الجيش، فانهزموا، وقتلت منهم عبادة جماعة، وكان فيهم عشرة من وجوههم، ~~وتركوا حرمهم، فأمر صدقة بحراستهن وحمايتهن، وأمر العسكر أن يؤثروا عبادة ~~بما غنموه من أموال خفاجة، خلفا لهم عما أخذ منهم في العام الماضي. وأصاب ~~خفاجة من مفارقة بلادها، ونهب أموالها، وقتل رجالها، أمر عظيم، وانتزحت إلى ~~نواحب البصرة، وأقامت عبادة في بلاد خفاجة. ولما انهزمت خفاجة وتفرقت ونهبت ~~أموالها، جاءت امرأة منهم إلى الأمير صدقة، فقالت له: إنك سبيتنا، وسلبتنا ~~قوتنا، وغربتنا، وأضعت حرمتنا، قابلك الله في نفسك، وجعل صورة أهلك ~~كصورتنا، فكظم الغيظ واحتمل لها ذلك، وأعطاها أربعين جملا، ولم يمض غير ~~قليل حتى قابل الله صدقة في نفسه وأولاده، فإن دعاء الملهوف عند الله بمكان. ### || AUT ذكر مسير جاولي سقاوو إلى الموصل # ### || AUT وأسر صاحبها جكرمش # في هذه السنة، في المحرم، أقطع السلطان محمد جاولي سقاوو الموصل، ~~والأعمال التي بيد جكرمش، وكان جاولي قبل هذا قد استولى على البلاد التي ~~بين خوزستان وفارس، وأقام بها سنين، وعمر قلاعها وحصنها، وأساء السيرة في ~~أهلها، وقطع أيديهم وجدع أنوفهم وسمل أعينهم. PageV04P0407 # فلما تمكن السلطان محمد من السلطنة خافه جاولي، وأرسل السلطان إليه ~~الأمير مودود بن التونتكين، فتحصن منه جاولي، وحصره مودود ثمانية أشهر، ~~فأرسل جاولي إلى السلطان: إنني لا أنزل إلى مودود، فإن أرسلت غيره نزلت. ~~فأرسل إليه خاتمه مع أمير آخر، فنزل جاولي، وحضر الخدمة بأصبهان، فرأى من ~~السلطان ما يحب، وأمره السلطان بالمسير إلى الفرنج ليأخذ البلاد منهم، ~~وأقطعه الموصل وديار بكر والجزيرة كلها. وكان جكرمش لما عاد من عند السلطان ~~إلى بلاده، كما ذكرناه، وعد من نفسه الخدمة، وحمل المال، فلما استقر ببلاده ~~لم يف بما قال، وتثاقل في الخدمة وحمل المال، فأقطع بلاده لجاولي، فجاء إلى ~~بغداد، وأقام بها إلى أول ربيع الأول، وسار إلى الموصل، وجعل طريقه على ~~البوازيج، فملكها ونهبها أربعة أيام، بعد أن أمن أهلها، وحلف لهم أنه ~~يحميهم، فلما ملكها سار إلى إربل. وأما ms3715 جكرمش فإنه لما بلغه مسيره إلى ~~بلاده كتب في جمع العساكر، فأتاه كتاب أبي الهيجاء موسك الكردي الهذباني، ~~صاحب إربل، يذكر استيلاء جاولي على البوازيج، ويقول له: إن لم تعجل المجيء ~~لنجتمع عليه ونمنعه، وإلا اضطررت إلى موافقته والمصير معه. فبادر جكرمش ~~وعبر إلى شرقي دجلة، وسار في عسكر الموصل قبل اجتماع عساكره، وأرسل إليه ~~أبو الهيجاء عسكره مع أولاده، فاجتمعوا بقرية باكلبا من أعمال إربل. ~~ووافاهم جاولي وهو في ألف فارس، وكان جكرمش في ألفي فارس، ولا يشك أنه يأخذ ~~جاولي باليد، فلما اصطفوا للحرب حمل جاولي من القلب على قلب جكرمش فانهزم ~~من فيه، وبقي جكرمش وحده لا يقدر على الهزيمة لفالج كان به، فهو لا يقدر أن ~~يركب، وإنما يحمل في محفة، فلما انهزم أصحابه قاتل عنه ركابي أسود قتالا ~~عظيما، فقتل، وقاتل معه واحد من أولاد الملك قاورت بك بن داود، اسمه أحمد، ~~فقاتل بين يديه، فطعن فجرح وانهزم، فمات بالموصل، ولم يقدر أصحاب جاولي على ~~الوصول إلى جكرمش، حتى قتل الركابي الأسود فحينئذ أخذوه أسيرا وأحضروه عند ~~جاولي، فأمر بحفظه وحراسته. وكانت عساكر جكرمش التي استدعاها قد وصلت إلى ~~الموصل بعد مسيره بيومين، فساروا جرائد ليدركوا الحرب، فلقيهم المنهزمون ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ### || AUT ذكر حصر جاولي سقاوو الموصل # ### || AUT وموت جكرمش # لما انهزم العسكر، وأسر جكرمش، وصل الخبر إلى الموصل، فأقعدوا في الأمر ~~زنكي بن جكرمش، وهو صبي عمره إحدى عشرة سنة، وخطبوا له، وأحضروا أعيان ~~البلد، والتمسوا منهم المساعدة، فأجابوا إلى ذلك. وكان مستحفظ القلعة ~~مملوكا لجكرمش اسمه غزغلي، فقام في ذلك المقام المرضي، وفرق الأموال التي ~~جمعها جكرمش، والخيول، وغير ذلك على الجند، وكاتب سيف الدولة صدقة، وقلج ~~أرسلان، والبرسقي، شحنة بغداد، بالمبادرة إليهم، ومنع جاولي عنهم، ووعدوا ~~كلا منهم أن يسلموا البلد إليه. فأما صدقة فلم يجبهم إلى ذلك، ورأى طاعة ~~السلطان، وأما البرسقي وقلج أرسلان فنذكر حالهما. ثم إن جاولي حصر الموصل، ~~ومعه كرماوي بن خراسان التركماني، وغيره من ms3716 الأمراء، وكثر جمعه، وأمر أن ~~يحمل جكرمش كل يوم على بغل وينادى أصحابه بالموصل ليسلموا البلد ويخلصوا ~~صاحبهم مما هو فيه، ويأمرهم هو بذلك، فلا يسمعون منه، وكان يسجنه في جب، ~~ويوكل به من يحفظه لئلا يسرق، فأخرج في بعض الأيام ميتا، وعمره نحو ستين ~~سنة، وكان شأنه قد علا، ومنزلته قد عظمت، وكان قد شيد سور الموصل وقواه، ~~وبنى عليه فصيلا، وحفر خندقها، وحصنها غاية ما يقدر عليه. وكان مع جكرمش ~~رجل من أعيان الموصل يقال له أبو طالب بن كسيرات، وبنو كسيرات إلى الآن ~~بالموصل من أعيان أهلها، وكان أبو طالب قد تقدم عند جكرمش، وارتفعت منزلته، ~~واستولى على أموره، وحضر معه الحرب، فلما أسر جكرمش هرب أبو طالب إلى إربل، ~~وكان أولاد أبي الهيجاء، صاحب إربل، قد حضروا الحرب مع جكرمش، وأسرهم ~~جاولي، فأرسل إلى أبي الهيجاء يطلب ابن كسيرات، فأطلقه وسيره إليه، فأطلق ~~جاولي ابن أبي الهيجاء، فلما حضر ابن كسيرات عند جاولي ضمن له فتح الموصل ~~وبلاد جكرمش، وتحصيل الأموال، فاعتقله اعتقالا جميلا. PageV04P0408 # وكان قاضي الموصل أبو القاسم بن ودعان عدوا لأبي طالب، فأرسل إلى جاولي ~~يقول له: إن قتلت أبا طالب سلمت الموصل إليك. فقتله وأرسل رأسه إليه، فأظهر ~~الشماتة به، وأخذ كثيرا من أمواله وودائعه، فثار به الأتراك غضبا لأبي طالب ~~ولتفرده بما أخذ من أمواله، فقتلوه، وكان بينهما شهر واحد، وقد رأينا ~~كثيرا، وسمعنا ما لا نحصيه من قرب وفاة أحد المتعاديين بعد صاحبه. ### || AUT ذكر الحرب بين ملك القسطنطينية والفرنج # في هذه السنة كانت وحشة مستحكمة بين ملك الروم، صاحب القسطنطينية، وبين ~~بيمند الفرنجي، فسار بييمند إلى بلد ملك الروم ونهبه، وعزم على قصده، فأرسل ~~ملك الروم إلى الملك قلج أرسلان بن سليمان، صاحب قونية وأقصرا وغيرهما من ~~تلك البلاد، يستنجده، فأمده بجمع من عسكره، فقوي بهم، وتوجه إلى بيمند، ~~فالتقوا وتصافوا واقتتلوا، وصبر الفرنج بشجاعتهم، وصبر الروم ومن معهم ~~لكثرتهم، ودامت الحرب، ثم أجلت الوقعة عن هزيمة الفرنج، وأتى القتل ms3717 على ~~أكثرهم، وأسر كثير منهم، والذين سلموا عادوا إلى بلادهم بالشام، وعاد عسكر ~~قلج أرسلان إلى بلادهم عازمين على المسير إلى صاحبهم بديار الجزيرة، فأتاهم ~~خبر قتله، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، فتركوا الحركة وأقاموا. ### || AUT ذكر ملك قلج أرسلان الموصل # قد ذكرنا أن أصحاب جكرمش كتبوا إلى الأمير صدقة، وقسيم الدولة البرسقي، ~~والملك قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش السلجوقي، صاحب بلاد الروم يستدعون ~~كلا منهم إليهم ليسلموا البلد إليه. فأما صدقة فامتنع، ورأى طاعة السلطان، ~~وأما قلج أرسلان فإنه سار في عساكره فلما سمع جاولي سقاوو بوصوله إلى ~~نصيبين رحل عن الموصل، وأما البرسقي فإنه كان شحنة بغداد، فسار منها إلى ~~الموصل، فوصلها بعد رحيل جاولي عنها، فنزل بالجانب الشرقي فلم يلتفت أحد ~~إليه، ولا أرسلوا إليه كلمة واحدة، فعاد في باقي يومه. ثم إن قلج أرسلان ~~لما وصل إلى نصيبين أقام بها حتى كثر جمعه، فلما سمع جاولي بقربه رحل من ~~الموصل إلى سنجار، وأودع رحله بها، واتصل به الأمير إيلغازي بن أرتق وجماعة ~~من عسكر جكرمش، فصار معه أربعة آلاف فارس. فأتاه كتاب الملك رضوان يستدعيه ~~إلى الشام، ويقول له: إن الفرنج قد عجز من بالشام عن منعهم، فسار إلى ~~الرحبة. وأرسل أهل الموصل وعسكر جكرمش إلى قلج أرسلان، وهو بنصيبين، ~~فاستحلفوه لهم، فحلف، واستحلفهم على الطاعة له والمناصحة، وسار معهم إلى ~~الموصل، فملكها في الخامس والعشرين من رجب، ونزل بالمعرقة، وخرج إليه ولد ~~جكرمش وأصحابه، فخلع عليهم، وجلس على التخت، وأسقط السلطان محمدا، وخطب ~~لنفسه بعد الخليفة، وأحسن إلى العسكر، وأخذ القلعة من غزغلي، مملوك جكرمش، ~~وجعل له فيها دزدارا، ورفع الرسوم المحدثة في الظلم، وعدل في الناس ~~وتألفهم، وقال: من سعى إلي بأحد قتلته، فلم يسع أحد بأحد، وأقر القاضي أبا ~~محمد عبد الله نب القاسم بن الشهرزوري على القضاء بالموصل، وجعل الرئاسة ~~لأبي البركات محمد بن محمد بن خميس، وهو والد شيخنا أبي الربيع سليمان. ~~وكان في جملة قلج أرسلان الأمير ms3718 إبراهيم بن ينال التركماني، صاحب آمد، ~~ومحمد بن جبق التركماني، صاحب حصن زياد، وهو خرتبرت. فأما إبراهيم بن ينال ~~فكان سبب ملكه لمدينة آمد أن تاج الدولة تتش، حين ملك ديار بكر، سلمها ~~إليه، فبقيت بيده، وأما محمد بن جبق فكان سبب ملكه لحصن زياد أن هذا الحصن ~~كان بيد الفلادروس الرومي، ترجمان ملك الروم، وكانت الرها وأنطاكية من ~~أعماله، فلما ملك سليمان بن قتلمش، والد قلج أرسلان هذا، أنطاكية، وملك فخر ~~الدولة بن جهير ديار بكر، ضعف الفلادروس عن إقامة ما يحتاج إليه حصن زياد ~~من الميرة والإقامة، فأخذه جبق، وأسلم الفلادروس على يد السلطان ملكشاه، ~~وأمره على الرها، فلم يزل عليها حتى مات وأخذها الأمير بزان بعده. ~~PageV04P0409 # وكان بالقرب من حصن زياد حصن آخر بيد إنسان من الروم اسمه افرنجي، وكان ~~يقطع الطريق، ويكثر قتل المسلمين، فأرسل إليه جبق هدية، وخطب إليه مودته، ~~وأن يعين كل واحد منهما صاحبه، فأجابه إلى ذلك، فكان جبق يعين افرنجي على ~~قطع الطريق وغيره، وكذلك افرنجي يعين جبق، فلما وثق كل واحد بصاحبه أرسل ~~إليه جبق: إني أريد قصد بعض الأماكن، وطلب أن يرسل إليه أصحابه، فأرسلهم ~~إليه، فلما ساروا معه في الطريق تقدم بكتفهم، وحملهم إلى قلعة افرنجي، وقال ~~لأهليهم: والله لئن لم تسلموا إلي افرنجي لأضربن أعناقهم، ولآخذن الحصن ~~عنوة، ولأقتلنكم على دم واحد. ففتحوا له الحصن، وسلموا إليه افرنجي، فسلخه، ~~وأخذ أمواله وسلاحه، وكان عظيما، ومات جبق، فولي بعده ابنه محمد. ### || AUT ذكر قتل قلج أرسلان # ### || AUT وملك جاولي الموصل # قد ذكرنا أن قلج أرسلان لما وصل إلى نصيبين سار جاولي عن الموصل إلى ~~سنجار، ثم إلى الرحبة، فوصلها في رجب، وحصرها إلى الرابع والعشرين من شهر ~~رمضان، وكان صاحبها حينئذ يعرف بمحمد بن السباق، وهو من بني شيبان، رتبه ~~بها الملك دقاق لما فتحها، وأخذ ولده رهينة، وحمله معه إلى دمشق، فلما توفي ~~أرسل هذا الشيباني قوما سرقوا ولده وحملوه إليه، فلما وصل إليه خلع الطاعة ~~للدمشقيين، وخطب ms3719 في بعض الأوقات لقلج أرسلان. فلما وصل إليها جاولي وحصرها، ~~أرسل إلى الملك رضوان يعرفه أنه على الاجتماع به ومساعدته على من يحاربه، ~~ويشرط عليه أنه إذا تسلم البلاد سار معه ليكشف الفرنج عن بلاده، فلما ~~استقرت القاعدة بينهما حضر عنده رضوان، فاشتد الحصار على أهل البلد، وضاقت ~~عليهم الأمور. واتفق جماعة كانوا بأحد الأبراج، وأرسلوا إلى جاولي، ~~واستحلفوه على حفظهم وحراستهم، وأمروه أن يقصد البرج الذي هم فيه عند ~~انتصاف الليل، ففعل ذلك، فرفع من في البرج أصحابه إليهم في الجبال، فضربوا ~~بوقاتهم وطبولهم، فخذل من في البلد، ودخله أصحاب جاولي في اليوم الرابع ~~والعشرين من شهر رمضان، ونهبوه إلى الظهر، ثم أمر برفع النهب، ونزل إليه ~~محمد الشيباني صاحب البلد، وأطاعه، وصار معه. ثم إن قلج أرسلان لما فرغ من ~~أمر الموصل سار عنها إلى جاولي سقاوو ليحاربه، وجعل ابنه ملكشاه في دار ~~الإمارة، وعمره إحدى عشرة سنة، ومعه أمير يدبره، وجماعة من العسكر، وكانت ~~عدة عسكره أربعة آلاف فارس بالعدة الكاملة والخيل الجيدة. وسمع العسكر بقوة ~~جاولي، فاختلفوا، وكان أول من خالف عليه إبراهيم بن ينال، صاحب آمد، فإنه ~~فارق خيامه وأثقاله وعاد من الخابور إلى بلده، وكذلك غيره، وعمل قلج أرسلان ~~على المطاولة لما بلغه من قوة جاولي وكثرة جموعه، وأرسل إلى بلاده يطلب ~~عساكره لأنها كانت عند ملك الروم نجدة له على قتال الفرنج، كما ذكرناه، ~~فلما وصل إلى الخابور بلغت عدته خمسة آلاف. وكان مع جاولي أربعة آلاف، من ~~جملتهم الملك رضوان، وجماعة من عسكره، إلا أن شجعانه أكثر، واغتنم جاولي ~~قلة عسكر قلج أرسلان، فقاتله قبل وصول عساكره إليه، فالتقوا في العشرين من ~~ذي القعدة، فحمل قلج أرسلان على القوم بنفسه، حتى خالطهم، فضرب يد صاحب ~~العلم فأبانها، ووصل إلى جاولي بنفسه، فضربه بالسيف، فقطع الكزاغند ولم يصل ~~إلى بدنه، وحمل أصحاب جاولي على أصحابه فهزموهم، واستباحوا ثقلهم وسوادهم، ~~فلما رأى قلج أرسلان انهزام عسكره علم أنه إن أسر فعل به فعل من ms3720 يترك للصلح ~~موضعا، لا سيما وقد نازع السلطان في بلاده، واسم السلطنة، فألقى نفسه في ~~الخابور، وحمى نفسه من أصحاب جاولي بالنشاب، فانحدر به الفرس إلى ماء عميق ~~فغرق، وظهر بعد أيام فدفن بالشمسانية وهي من قرى الخابور. وسار جاولي إلى ~~الموصل، ولما وصل إليها فتح أهلها له بابها، ولم يتمكن من بها من أصحاب قلج ~~أرسلان من منعهم، ونزل بظاهر البلد، وأخذ كل واحد من أصحاب جكرمش الذين ~~حضروا الوقعة مع قلج أرسلان إلى جهة. فلما ملك جاولي الموصل أعاد خطبة ~~السلطان محمد، وصادر جماعة من بها من أصحاب جكرمش، وسار إلى جزيرة ابن عمر، ~~وبها حبشي بن جكرمش، ومعه أمير من غلمان أبيه اسمه غزغلي، فحصره مدة، ثم ~~إنهم صالحوه، وحملوا إليه ستة آلاف دينار، وغيرها من الدواب والثياب، ورحل ~~عنهم إلى الموصل، وأرسل ملكشاه بن قلج أرسلان إلى السلطان محمد. ### || AUT ذكر أحوال الباطنية بأصبهان وقتل ابن عطاش # PageV04P0410 # في هذه السنة ملك السلطان محمد القلعة التي كان الباطنية ملكوها بالقرب ~~من أصبهان، واسمها شاه دز، وقتل صاحبها أحمد بن عبد الملك بن عطاش، وولده، ~~وكانت هذه القلعة قد بناها ملكشاه، واستولى عليها بعده أحمد بن عبد الملك ~~بن عطاش. وسبب ذلك أنه اتصل بدزدار كان لها، فلما مات استولى أحمد عليها، ~~وكان الباطنية بأصبهان قد ألبسوه تاجا، وجمعوا له أموالا، وإنما فعلوا ذلك ~~به لتقدم أبيه عبد الملك في مذهبهم، فإنه كان أديبا بليغا، حسن الخط، سريع ~~البديهة، عفيفا، وابتلي بحب هذا المذهب، وكان ابنه أحمد هذا جاهلا لا يعرف ~~شيئا، وقيل لابن الصباح، صاحب قلعة ألموت: لماذا تعظم ابن عطاش مع جهله؟ ~~قال: لمكان أبيه، لأنه أستاذي. وصار لابن عطاش عدد كثير، وبأس شديد، ~~واستفحل أمره بالقلعة، فكان يرسل أصحابه لقطع الطريق، وأخذ الأموال، وقتل ~~من قدروا على قتله، فقتلوا خلقا كثيرا لا يمكن إحصاؤهم، وجعلوا له على ~~القرى السلطانية وأملاك الناس ضرائب يأخذونها ليكفوا عنها الأذى، فتعذر ~~بذلك انتفاع السلطان بقراه، والناس بأملاكهم، وتمشى لهم ms3721 الأمر بالخلف ~~الواقع بين السلطانين بركيارق ومحمد. فلما صفت السلطنة لمحمد، ولم يبق له ~~منازع، لم يكن عنده أمر أهم من قصد الباطنية وحربهم، والانتصاف للمسلمين من ~~جورهم وعسفهم، فرأى البداية بقلعة أصبهان التي بأيديهم، لأن الأذى بها ~~أكثر، وهي متسلطة على سرير ملكه، فخرج بنفسه فحاصرهم في سادس شعبان. وكان ~~قد عزم على الخروج أول رجب، فساء ذلك من يتعصب لهم من العسكر، فأرجفوا أن ~~قلج أرسلان بن سليمان قد ورد بغداد وملكها، وافتعلوا في ذلك مكاتبات، ثم ~~أظهروا أن خللا قد تجدد بخراسان، فتوقف السلطان لتحقيق الأمر، فلما ظهر ~~بطلانه عزم عزيمة مثله، وقصد حربهم، وصعد جبلا يقابل القلعة من غربيها، ~~ونصب له التخت في أعلاه، واجتمع له من أصبهان وسوادها لحربهم الأمم العظيمة ~~للذحول التي يطالبونهم بها، وأحاطوا بجبل القلعة ودوره أربعة فراسخ، ورتب ~~الأمراء لقتالهم، فكان يقاتلهم كل يوم أمير، فضاق الأمر بهم، واشتد الحصار ~~عليهم، وتعذرت عندهم الأقوات. فلما اشتد الأمر عليهم كتبوا فتوى فيها ما ~~يقول السادة الفقهاء أئمة الدين في قوم يؤمنون بالله وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر، وإن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، حق وصدق، وإنما يخالفون في ~~الإمام: هل يجوز للسلطان مهادنتهم وموادعتهم، وأن يقبل طاعتهم، ويحرسهم من ~~كل أذى؟ فأجاب أكثر الفقهاء بجواز ذلك، وتوقف بعضهم، فجمعوا للمناظرة، ~~ومعهم أبو الحسن علي بن عبد الرحمن السمنجاني، وهو من شيوخ الشافعية، فقال، ~~بمحضر من الناس، يجب قتالهم، ولا يجوز إقرارهم بمكانهم، ولا ينفعهم التلفظ ~~بالشهادتين، فإنهم يقال لهم: أخبرونا عن إمامكم، إذا أباح لكم ما حظره ~~الشرع، أو حظر عليكم ما أباحه الشرع أتقبلون أمره؟ فإنهم يقولون نعم، ~~وحينئذ تباح دماؤهم بالإجماع. وطالت المناظرة في ذلك. ثم إن الباطنية سألوا ~~السلطان أن يرسل إليهم من يناظرهم، وعينوا على أشخاص من العلماء منهم ~~القاضي أبو العلاء صاعد بن يحيى، شيخ الحنفية بأصبهان، وقاضيها، وغيره، ~~فصعدوا إليهم وناظروهم، وعادوا كما صعدوا، وإنما كان قصدهم التعلل ~~والمطاولة، فلج حينئذ السلطان في حصرهم، ms3722 فلما رأوا عين المحاقة أذعنوا إلى ~~تسليم القلعة على أن يعطوا عوضا عنها قلعة خالنجان، وهي على سبعة فراسخ من ~~أصبهان، وقالوا: إنا نخاف على دمائنا وأموالنا من العامة، فلا بد من مكان ~~نحتمي به منهم، فأشير على السلطان بإجابتهم إلى ما طلبوا، فسألوا أن يؤخرهم ~~إلى النوروز ليرحلوا إلى خالنجان ويسلموا قلعتهم، وشرطوا أن لا يسمع قول ~~متنصح فيهم، وإن قال أحد عنهم شيئا سلمه إليهم، وأن ما أتاه منهم رده ~~إليهم، فأجابهم إليه، وطلبوا أن يحمل إليهم من الإقامة ما يكفيهم يوما ~~بيوم، فأجيبوا إليه في كل هذا، وقصدهم المطاولة انتظارا لفتق أو حادث ~~يتجدد. PageV04P0411 # ورتب لهم وزير السلطان سعد الملك ما يحمل إليهم كل يوم من الطعام ~~والفاكهة، وجميع ما يحتاجون إليه، فجعلوا هم يرسلون، ويبتاعون من الأطعمة ~~ما يجمعونه ليمتنعوا في قلعتهم، ثم إنهم وضعوا من أصحابهم من يقتل أميرا ~~كان يبالغ في قتالهم، فوثبوا عليه وجرحوه، وسلم منهم، فحينئذ أمر السلطان ~~بإخراب قلعة خالنجان، وجدد الحصار عليهم، فطلبوا أن ينزل بعضهم، ويرسل ~~السلطان معهم من يحميهم إلى أن يصلوا إلى قلعة الناظر بأرجان، وهي لهم، ~~وينزل بعضهم، ويرسل معهم من يوصلهم إلى طبس، وأن يقيم البقية منهم في ضرس ~~من القلعة، إلى أن يصل إليهم من يخبرهم بوصول أصحابهم، فينزلون حينئذ، ~~ويرسل معهم من يوصلهم إلى ابن الصباح بقلعة ألموت، فأجيبوا إلى ذلك، فنزل ~~منهم إلى الناظر، وإلى طبس، وساروا، وتسلم السلطان القلعة وخربها. ثم إن ~~الذين ساروا إلى قلعة الناظر وطبس منهم من أخبر ابن عطاش بوصولهم، فلم يسلم ~~السن الذي بقي بيده، ورأى السلطان منه الغدر، والعود عن الذي قرره، فأمر ~~بالزحف إليه، فزحف الناس عامة ثاني ذي القعدة، وكان قد قل عنده من يمنع ~~ويقاتل، فظهر منهم صبر عظيم، وشجاعة زائدة، وكان قد استأمن إلى السلطان ~~إنسان من أعيانهم، فقال لهم: إني أدلكم على عورة لهم، فأتى بهم إلى جانب ~~لذلك السن لهم لا يرام، فقال لهم: اصعدوا من هاهنا، فقيل إنهم ms3723 قد ضبطوا هذا ~~المكان وشحنوه بالرجال، فقال: إن الذي ترون أسلحة وكزاغندات قد جعلوها ~~كهيئة الرجال لقلتهم عندهم. وكان جميع من بقي ثمانين رجلا، فزحف الناس من ~~هناك، فصعدوا منه، وملكوا الموضع، وقتل أكثر الباطنية، واختلط جماعة منهم ~~مع من دخل، فخرجوا معهم، وأما ابن عطاش فإنه أخذ أسيرا، فترك أسبوعا، ثم ~~إنه أمر به فشهر في جميع البلد، وسلخ جلده، فتجلد حتى مات، وحشي جدله تبنا، ~~وقتل ولده، وحمل رأساهما إلى بغداد، وألقت زوجته نفسها من رأس القلعة ~~فهلكت، وكان معها جواهر نفيسة لم يوجد مثلها، فهلكت أيضا وضاعت، وكانت مدة ~~البلوى بابن عطاش اثنتي عشرة سنة. ### || AUT ذكر الخلف بين سيف الدولة صدقة ومهذب الدولة صاحب البطيحة # في هذه السنة اختلف سيف الدولة صدقة بن مزيد، ومهذب الدولة السعيد ابن ~~أبي الجبر، صاحب البطيحة، وانضاف حماد بن أبي الجبر إلى صدقة، وأظهر معاداة ~~ابن عمه مهذب الدولة، ثم اتفقوا. وكان سبب ذلك أن صدقة لما أقطعه السلطان ~~محمد مدينة واسط ضمنها منه مهذب الدولة، واستناب في الأعمال أولاده ~~وأصحابه، فمدوا أيديهم في الأموال، وفرطوا فيها، وفرقوها، فلما انقضت السنة ~~طالبه صدقة بالمال، وحبسه، ثم سعى في خلاصه بدران بن صدقة، وهو صهر مهذب ~~الدولة، فأخرجه من الحبس وأعاده إلى بلده البطيحة. وضمن حماد بن أبي الجبر ~~واسط، فانحل على مهذب الدولة كثير من أمره، فآل الأمر إلى الاختلاف بعد ~~الاتفاق، فإن المصطنع إسماعيل، جد حماد، والمختص محمدا، والد مهذب الدولة، ~~أخوان، وهما ابنا أبي الجبر، وكانت إليهما رئاسة أهلهما وجماعتهما، فهلك ~~المصطنع، وقام ابنه أبو السيد المظفر، والد حماد، مقامه وهلك المختص محمد، ~~وقام ابنه مهذب الدولة مقامه، وصارا يتنازعان ابن الهيثم، صاحب البطيحة، ~~ويقاتلانه إلى أن أخذه مهذب الدولة، أيام كوهرائين، وسلمه إلى كوهرائين، ~~فحمله إلى أصبهان، فهلك في طريقها. فعظم أمر مهذب الدولة، وصيره كوهرائين ~~أمير البطيحة، فصار ابن عمه وجماعة تحت حكمه. PageV04P0412 # وكان حماد شابا، فأكرمه مهذب الدولة، وزوجه بنتا له، وزاد في إقطاعه، ~~فكثر ms3724 ماله، فصار يحسد مهذب الدولة، ويضمر بغضه، وربما ظهر في بعض الأوقات، ~~وكان مهذب الدولة يداريه بجهده، فلما هلك كوهرائين انتقل حماد عن مهذب ~~الدولة، وأظهر ما في نفسه، فاجتهد مهذب الدولة في إعادته إلى ما كان، فلم ~~يفعل، فسكت عنه، فجمع النفيس بن مهذب الدولة جمعا وقصد حمادا، فهرب منه إلى ~~سيف الدولة بالحلة، فأعاده صدقة ومعه جماعة من الجند، فحشد مهذب الدولة، ~~فأرسل حماد إلى صدقة يعرفه ذلك، فأرسل إليه كثيرا من الجند، فقوي عزم مهذب ~~الدولة على المحاربة لئلا يظن به العجز، فأشار عليه أهله بترك الخروج من ~~موضعه لحصانته، فلم يفعل، وسير سفنه وأصحابه في الأنهر، فجعل حماد وأخوه له ~~الكمناء، واندفعوا من بين أيديهم، فطمع أصحاب مهذب الدولة وتبعوهم، فخرج ~~عليهم الكمناء، فلم يسلم منهم إلا من لم يحضر أجله، فقتل منهم وأسر خلق ~~كثير، فقوي طمع حماد، وأرسل إلى صدقة يستنجده، فأرسل إليه مقدم جيشه سعيد ~~بن حميد العمري، وغيره من المقدمين، وجمعوا السفن ليقاتلوا مهذب الدولة، ~~فرأوا أمرا محكما، فلم يمكنهم الدخول إليه. وكان حماد بخيلا، ومهذب الدولة ~~جوادا، فأرسل إلى سعيد بن حميد الإقامات الوافرة، والصلات الكثيرة، ~~واستماله، فمال إليه، واجتمع به، وتقرر الأمر على أن أرسل مهذب الدولة ابنه ~~النفيس إلى صدقة، فرضي عنه، وأصلح بينهم وبين حماد ابن عمهم، وعادوا إلى ~~حال حسنة من الاتفاق، وكان صلحهم في ذي الحجة سنة خمسمائة. ### || AUT ذكر قتل وزير السلطان أحمد بن نظام الملك # في شوال من هذه السنة قبض السلطان محمد على وزيره سعد الملك أبي ~~المحاسن، وأخذ ماله، وصلبه على باب أصبهان، وصلب معه أربعة نفر من أعيان ~~أصحابه والمنتمين إليه، وأما الوزير فنسب إلى خيانة السلطان، وأما الآربعة ~~فنسبوا إلى اعتقاد الباطنية، وكانت مدة وزارته سنتين وتسعة أشهر، وكان في ~~ابتداء حاله يصحب تاج الملك أبا الغنائم، وتعطل بعده، ثم استعمله مؤيد ~~الملك بن نظام الملك، فجعله على ديوان الاستيفاء، وخدم السلطان محمدا لما ~~حصره أخوه السلطان بركيارق بأصبهان خدمة ms3725 حسنة، ولما فارقها محمد حفظها ~~الحفظ التام، وقام المقام العظيم، فاستوزره محمد، ووسع له في الإقطاع، ~~وحكمه في دولته، ثم نكبه، وهذا آخر خدمة الملوك، وما أحسن ما قال عبد الملك ~~بن مروان: أنعم الناس عيشا من له ما يكفيه، وزوجة ترضيه، ولا يعرف أبوابنا ~~هذه الخبيثة فتؤذيه. ولما قبض الوزير استشار السلطان في من يجعله وزيرا، ~~فذكر له جماعة، فقال السلطان: إن آبائي دروا على نظام الملك البركة، ولهم ~~عليه الحق الكثير، وأولاده أغذياء نعمتنا، ولا معدل عنهم. فأمر لأبي نصر ~~أحمد هذا بالوزارة، ولقب ألقاب أبيه: قوام الدين، نظام الملك، صدر الإسلام. ~~وكان سبب قدومه إلى باب السلطان أنه لما رأى انقراض دولة أهل بيته لزم داره ~~بهمذان، فاتفق أن رئيس همذان، وهو الشريف أبو هاشم، آذاه، فسار إلى السلطان ~~شاكيا منه ومتظلما، فقبض السلطان على الوزير، وحكمه ومكنه، وقوي أمره، وهذا ~~من الفرج بعد الشدة، فإنه حضر شاكيا، فصار حاكما. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في صفر، عزل الوزير أبو القاسم علي بن جهير، وزير ~~الخليفة، فقصد دار سيف الدولة صدقة ببغداد ملتجئا إليها، وكانت ملجأ لكل ~~ملهوف، فأرسل إليه صدقة من أخذه إليه إلى الحلة، وكانت وزارته ثلاث سنين ~~وخمسة أشهر وأياما، وأمر الخليفة بنقض داره التي بباب العامة، وفيها عبرة، ~~فإن أباه أبا نصر بن جهير بناها بأنقاض أملاك الناس، وأخذ، بسببها، أكثر ما ~~دخل فيها، فخربت عن قريب. ولما عزل استنيب قاضي القضاة أبو الحسن بن ~~الدامغاني، ثم تقررت الوزارة في المحرم من سنة إحدى وخمسمائة أبي المعالي ~~هبة الله بن محمد بن المطلب، وخلع عليه فيه. وفيها، في شوال، توفي الأمير ~~أبو الفوارس سرخاب بن بدر بن مهلهل، المعروف بابن أبي الشوك الكردي، وكانت ~~له أموال كثيرة، وخيول لا تحصى، وولي الإمرة بعده أبو منصور بن بدر، وقام ~~مقامه، وبقيت الإمارة في بيته مائة وثلاثين سنة، وقد تقدم من أخباره ما فيه ~~كفاية. PageV04P0413 # وفي هذه السنة توفي أبو الفتح أحمد بن ms3726 محمد بن أحمد بن سعيد الحداد ~~الأصبهاني ابن أخت عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن مندة، ومولده سنة ثمان ~~وأربعمائة، وكان مكثرا من الحديث، مشهورا بالرواية. وفيها توفي أبو محمد ~~جعفر بن أحمد بن الحسين السراج البغدادي في صفر، وهو مكثر من الرواية، وله ~~تصانيف حسنة، وأشعار لطيفة، وهو من أعيان الزمان، وعبد الوهاب بن محمد بن ~~عبد الوهاب أبو محمد الشيرازي، الفقيه، ولي التدريس بالنظامية ببغداد سنة ~~ثلاث وثمانين وأربعمائة، وكان يروي الحديث أيضا، وأبو الحسين المبارك بن ~~عبد الجبار بن أحمد الصيرفي المعروف بابن الطيوري البغدادي، ومولده سنة ~~إحدى عشرة وأربعمائة، وكان مكثرا من الحديث ثقة صالحا عابدا، وأبو الكرم ~~المبارك بن الفاخر بن محمد بن يعقوب النحوي، سمع الحديث من أبي الطيب ~~الطبري، والجوهري، وغيرهما، وكان إماما في النحو واللغة. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وخمسمائة # ### || AUT ذكر قتل صدقة بن مزيد # في هذه السنة، في رجب، قتل الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن ~~مزيد الأسدي، أمير العرب، وهو الذي بنى الحلة السيفية بالعراق، وكان قد عظم ~~شأنه، وعلا قدره، واتسع جاهه، واستجار به صغار الناس وكبارهم، فأجابهم. ~~وكان كثير العناية بأمور السلطان محمد، والتقوية ليده، والشد منه على أخيه ~~بركيارق، حتى إنه جاهر بركيارق بالعداوة، ولم يبرح على مصافاة السلطان ~~محمد، وزاده محمد إقطاعا من جملته مدينة واسط، وأذن له في أخذ البصرة. ثم ~~أفسد ما بينهما العميد أبو جعفر محمد بن الحسين البلخي، وقال في جملة ما ~~قال عنه: إن صدقة قد عظم أمره، وزاد حاله، وكثر إدلاله، ويبسط في الدولة ~~حمايته على كل من يفر إليه من عند السلطان، وهذا لا تحتمله الملوك ~~لأولادهم، ولو أرسلت بعض أصحابك لملك بلاده وأمواله. ثم إنه تعدى ذلك حتى ~~طعن في اعتقاده، ونسبه وأهل بلده إلى مذهب الباطنية، وكذب، وإنما كان مذهبه ~~التشيع لا غير، ووافق أرغون السعدي أبا جعفر العميد وانتهى ذلك إلى صدقة، ~~وكانت زوجة أرغون بالحلة وأهله، فلم يؤاخذهم بشيء ms3727 مما كان له أيضا هناك من ~~بقايا خراج ببلده، فأمر صدقة أن يخلص ذلك إليه بأجمعه ويسلم إلى زوجته. ~~وأما سبب قتله فإن صدقة كان، كما ذكرنا، يستجير به كل خائف من خليفة وسلطان ~~وغيرهما، وكان السلطان محمد قد سخط على أبي دلف سرخاب بن كيخسرو، صاحب ساوة ~~وآبة، فهرب منه وقصد صدقة فاستجار به، فأجاره، فأرسل السلطان يطلب من صدقة ~~أن يسلمه إلى نوابه، فلم يفعل، وأجاب: إنني لا أمكن منه بل أحامي عنه، ~~وأقول ما قاله أبو طالب لقريش لما طلبوا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ونسلمه، حتى نصرع حوله، ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل وظهر منه أمور ~~أنكرها السلطان فتوجه إلى العراق ليتلافى هذا الأمر، فلما سمع صدقة استشار ~~أصحابه في الذي يفعله، فأشار عليه ابنه دبيس بأن ينفذه إلى السلطان ومعه ~~الأموال، والخيل، والتحف، ليستعطف له السلطان، وأشار سعيد بن حميد، صاحب ~~جيش صدقة، بالمحاربة، وجمع الجند، وتفريق المال فيهم، واستطال في القول، ~~فمال صدقة إلى قوله، وجمع العساكر، واجتمع إليه عشرون ألف فارس، وثلاثون ~~ألف راجل، فأرسل إليه المستظهر بالله يحذره عاقبة أمره، وينهاه عن الخروج ~~عن طاعة السلطان، ويعرض له توسط الحال، فأجاب صدقة: إنني على طاعة السلطان، ~~لكن لا آمن على نفسي في الاجتماع به، وكان الرسول بذلك عن الخليفة نقيب ~~النقباء علي بن طراد الزينبي. ثم أرسل السلطان أقضى القضاة أبا سعيد الهروي ~~إلى صدقة يطيب قلبه، ويزيل خوفه، ويأمره بالانبساط على عادته، ويعزمه عزمه ~~على قصد الفرنج، ويأمره بالتجهز للغزاة معه. فأجاب: إن السلطان قد أفسد ~~أصحابه قلبه علي، وغيروا حالي معه، وأزال ما كان عليه في حقي من الإنعام، ~~وذكر سالف خدمته ومناصحته، وقال سعيد بن حميد، صاحب جيشه: لم يبق لنا في ~~صلح السلطان مطمع، ولترون خيولنا بحلوان، وامتنع صدقة من الاجتماع ~~بالسلطان. ووصل السلطان إلى بغداد في العشرين من ربيع الآخر، ومعه وزيره ~~نظام الملك بن أحمد بن نظام الملك، وسير البرسقي، شحنة بغداد، في جماعة من ms3728 ~~الأمراء إلى صرصر، فنزلوا عليها. PageV04P0414 # وكان وصول السلطان، جريدة، لا يبلغ عسكره ألفي فارس، فلما تيقن ببغداد ~~مكاشفة صدقة، أرسل إلى الأمراء يأمرهم بالوصول إليه والجد في السير، وتعجيل ~~ذلك، فوردوا إليه من كل جانب. ثم وصل كتاب صدقة إلى الخليفة، في جمادى ~~الأولى، يذكر أنه واقف عند ما يرسم له ويقرر من حاله مع السلطان، ومهما ~~أمرته من ذلك امتثله، فأنفذ الخليفة الكتاب إلى السلطان، فقال السلطان: أنا ~~ممتثل ما يأمر به الخليفة، ولا مخالفة عندي. فأرسل الخليفة إلى صدقة يعرفه ~~إجابة السلطان إلى ما طلب منه، ويأمره بإنفاذ ثقته ليستوثق له، ويحلف ~~السلطان على ما يقع الاتفاق عليه. فعاد صدقة عن ذلك الرأي، وقال: إذا رحل ~~السلطان عن بغداد أمددته بالمال والرجال، وما يحتاج إليه في الجهاد، وأما ~~الآن، وهو ببغداد، وعسكره بنهر الملك، فما عندي مال ولا غيره، وإن جاولي ~~سقاوو، وإيلغازي بن أرتق، قد أرسلا إلي بالطاعة لي والموافقة معي على ~~محاربة السلطان وغيره، ومتى أردتهما وصلا إلي في عساكرهما. وورد إلى ~~السلطان قرواش بن شرف الدولة، وكرماوي بن خراسان التركماني، وأبو عمران فضل ~~بن ربيعة بن حازم بن الجراح الطائي، وأباؤه كانوا أصحاب البلقاء والبيت ~~المقدس منهم: حسان بن المفرج الذي مدحه التهامي، وكان فضل تارة مع الفرنج، ~~وتارة مع المصريين، فلما رآه طغتكين أتابك على هذه الحال طرده من الشام، ~~فلما طرده التجأ إلى صدقة وعاقده، فأكرمه صدقة، وأهدى له هدايا كثيرة منها ~~سبعة آلاف دينار عينا. فلما كانت هذه الحادثة بني صدقة والسلطان سار في ~~الطلائع، ثم هرب إلى السلطان، فلما وصل خلع عليه وعلى أصحابه، وأنزله بدار ~~صدقة ببغداد، فلما سار السلطان إلى قتال صدقة استأذنه فضل في إتيان البرية ~~ليمنع صدقة من الهرب إن أراد ذلك، فأذن له، فعبر بالأنبار وكان آخر العهد ~~به. وأنفذ السلطان في جمادى الأولى إلى واسط الأمير محمد بن بوقا ~~التركماني، فأخرج عنها نائب صدقة، وأمن الناس كلهم، إلا أصحاب صدقة، ~~فتفرقوا، ولم ينهب أحد، وأنفذ ms3729 خيله إلى بلد قوسان، وهو من أعمال صدقة، ~~فنهبه أقبح نهب، وأقام عدة أيام، فأرسل صدقة إليه ثابت بن سلطان، وهو ابن ~~عم صدقة، ومعه عسكر، فلما وصلوا إليها خرج منها الأتراك، وأقام ثابت بها، ~~وبينه وبينهم دجلة. ثم إن بوقا عبر جماعة من الجند ارتضاهم، وعرف شجاعتهم، ~~فوقفوا على موضع مرتفع على نهر سالم، يكون ارتفاعه نحو خمسين ذراعا، فقصدهم ~~ثابت وعسكره فلم يقدروا أن يقربوا الترك من النشاب، والمدد يأتيهم من ابن ~~بوقا، وجرح ثابت في وجهه، وكثرت الجراح في أصحابه، فانهزم هو ومن معه، ~~وتبعهم الأتراك، فقتلوا منهم وأسروا، ونهب طائفة من الترك مدينة واسط، ~~واختلط بهم رجالة ثابت، فنهبت معهم، فسمع ابن بوقا الخبر، فركب إليهم ~~ومنعهم، وقد نهبوا بعض البلد، ونادى في الناس بالأمان، وأقطع السلطان، ~~أواخر جمادى الأولى، مدينة واسط لقسيم الدولة البرسقي وأمر ابن بوقا بقصد ~~بلد صدقة ونهبه، فنهبوا فيه ما لا يحد. وأما السلطان محمد فإنه سار عن ~~بغداد إلى الزعفرانية، ثاني جمادى الآخرة، فأرسل إليه الخليفة وزيره مجد ~~الدين بن المطلب يأمره بالتوقف، وترك العجلة خوفا على الرعية من القتل ~~والنهب، وأشار قاضي أصبهان بذلك، واتباع أمر الخليفة، فأجاب السلطان إلى ~~ذلك، فأرسل الخليفة إلى صدقة نقيب النقباء علي بن طراد، وجمال الدولة مختصا ~~الخادم، فسارا إلى صدقة فأبلغاه رسالة الخليفة يأمره بطاعة السلطان، وينهاه ~~عن المخالفة، فاعتذر صدقة، وقال: ما خالفت الطاعة، ولا قطعت الخطبة في ~~بلدي. وجهز ابنه دبيسا ليسير معهما إلى السلطان. فبينما الرسل وصدقة في هذا ~~الحديث، إذ ورد الخبر أن طائفة من عسكر السلطان قد عبروا من مطيراباذ، وأن ~~الحرب بينهم وبين أصحاب صدقة قائمة على ساق، فتجلد صدقة لأجل الرسل، وهو ~~يشتهي الركوب إلى أصحابه خوفا عليهم، وكان الرسل إذا سمعوا ذلك ينكرونه ~~لأنهم قد تقدموا إلى العسكر، عند عبورهم عليهم، أنه لا يتعرض أحد منهم إلى ~~حرب، حتى نعود، فإن الصلح قد قارب. فقال صدقة للرسول: كيف أثق أرسل ولدي ~~الآن، وكيف آمن ms3730 عليه، وقد جرى ما ترون؟ فإن تكفلتم برده إلي أنفذته. فلم ~~يتجاسروا على كفالته، فكتب إلى الخليفة يعتذر عن إنفاذ ولده بما جرى. ~~PageV04P0415 # وكان سبب هذه الوقعة أن عسكر السلطان لما رأوا الرسل اعتقدوا وقوع الصلح، ~~فقال بعضهم: الرأي أننا ننهب شيئا قبل الصلح، فأجاب البعض وامتنع البعض، ~~فعبر من أجاب النهر، ولم يتأخر من لم يجب لئلا ينسب إلى خور وجبن، ولئلا ~~يتم على من عبر وهن، فيكون عاره وأذاه عليهم، فعبروا بعدهم أيضا، فأتاهم ~~أصحاب صدقة وقاتلوهم، فكانت الهزيمة على الأتراك، وقتل منهم جماعة كثيرة، ~~وأسر جماعة من أعيانهم، وكثير من غيرهم، وغرق جماعة منهم: الأمير محمد بن ~~باغي سيان الذي كان أبوه صاحب أنطاكية، وكان عمره نيفا وعشرين سنة، وكان ~~محبا للعلماء وأهل الدين، وبنى بإقطاعه من أذربيجان عدة مدارس. ولم يجسر ~~الأتراك على أن يعرفوا السلطان بما أخذ منهم من الأموال والدواب خوفا منه، ~~حيث فعلوا ذلك بغير أمره. وطمع العرب بهذه الهزيمة، وظهر منهم الفخر والتيه ~~والطمع، وأظهروا أنهم باعوا كل أسير بدينار، وأن ثلاثة باعوا أسيرا بخمسة ~~قراريط وأكلوا خبزا وهريسة، وجعلوا ينادون: من يتغدى بأسير، ويتعشى بآخر؟ ~~وظهر من الأتراك اضطراب عظيم. وأعاد الخليفة مكاتبة صدقة بتحرير أمر الصلح، ~~فأجاب أنه لا يخالف ما يؤمر به، وكتب صدقة أيضا إلى السلطان يعتذر مما نقل ~~عنه، ومن الحرب التي كانت بين أصحابه وبين الأتراك، وأن جند السلطان عبرت ~~إلى أصحابه، فمنعوا عن أنفسهم بغير علمه، وأنه لم يحضر الحرب، ولم ينزع يدا ~~من طاعة، ولا قطع خطبته من بلده. ولم يكن صدقة كاتبه قبل هذا الكتاب، فأرسل ~~الخليفة نقيب النقباء، وأبا سعد الهروي إلى صدقة، فقصدا السلطان أولا، ~~وأخذا يده بالأمان لمن يقصده من أقارب صدقة، فلما وصلا إلى صدقة وقالا له ~~عن الخليفة: إن إصلاح قلب السلطان موقوف على إطلاق الأسرى، ورد جميع ما أخذ ~~من العسكر المنهزم، فأجاب أولا بالخضوع والطاعة، ثم قال: لوقدرت على الرحيل ~~من بين يدي السلطان لفعلت، لكن ms3731 ورائي من ظهري، وظهر أبي وجدي، ثلاثمائة ~~امرأة، ولا يحملهن مكان، ولو علمت أنني إذا جئت السلطان مستسلما قبلني ~~واستخدمني لفعلت، لكنني أخاف أنه لا يقبل عثرتي، ولا يعفو عن زلتي. وأما ما ~~نهب فإن الخلق كثير، وعندي من لا أعرفه، وقد نهبوا ودخلوا البر، فلا طاقة ~~لي عليهم، ولكن إذا كان السلطان لا يعارضني فيما في يدي، ولا فيمن أجرته، ~~وأن يقر سرخاب بن كيخسرو على إقطاعه بساوة، وأن يتقدم إلى ابن بوقا بإعادة ~~ما نهب من بلادي، وأن يخرج وزير الخليفة يحلفه بما أثق به من الأيمان على ~~المحافظة فيما بيني وبينه، فحينئذ أخدم بالمال، وأدوس بساطه بعد ذلك. ~~فعادوا بهذا، ومعهم أبو منصور بن معروف، رسول صدقة، فردهم الخليفة، وأرسل ~~السلطان معهم قاضي أصبهان أبا إسماعيل، فأما أبو إسماعيل فلم يصل إليه، ~~وعاد من الطريق، وأصر صدقة على القول الأول. فحينئذ سار السلطان، ثامن رجب، ~~من الزعفرانية، وسار صدقة في عساكر إلى قرية مطر، وأمر جنده بلبس السلاح، ~~واستأمن ثابت بن سلطان بن دبيس بن علي بن مزيد، وهو ابن عم صدقة، إلى ~~السلطان محمد، وكان يحسد صدقة، وهو الذي تقدم ذكره أنه كان بواسط، فأكرمه ~~السلطان، وأحسن إليه، ووعده الإقطاع. ووردت العساكر إلى السلطان منهم: بنو ~~برسق، وعلاء الدولة أبو كاليجار كرشاسب بن علي بن فرامرز أبي جعفر بن ~~كاكويه وآباؤه كانوا أصحاب أصبهان، وفرامرز هو الذي سلمها إلى طغرلبك، وقتل ~~أبوه مع تتش. وعبر عسكر السلطان دجلة، ولم يعبر هو، فصاروا مع صدقة على أرض ~~واحدة، بينهما نهر، والتقوا تاسع رجب، وكانت الريح في وجوه أصحاب السلطان، ~~فلما التقوا صارت في ظهورهم، وفي وجوه أصحاب صدقة، ثم إن الأتراك رموا ~~بالنشاب، فكان يخرج في كل رشقة عشرة آلاف نشابة، فلم يقع سهم إلا في فرس أو ~~فارس، وكان أصحاب صدقة كلما حملوا منعهم النهر من الوصول إلى الأتراك ~~والنشاب، ومن عبر منهم لم يرجع، وتقاعدت عبادة وخفاجة، وجعل صدقة ينادي: يا ~~آل خزيمة، يا آل ms3732 ناشرة، يا آل عوف، ووعد الأكراد بكل جميل لما ظهر من ~~شجاعتهم، وكان راكبا على فرسه المهلوب، ولم يكن لأحد مثله، فجرح الفرس ثلاث ~~جراحات، وأخذه الأمير أحمديل بعد قتل صدقة، فسيره إلى بغداد في سفينة، فمات ~~في الطريق. PageV04P0416 # وكان لصدقة فرس آخر قد ركبه حاجبه أبو نصر بن تفاحة، فلما رأى الناس وقد ~~غشوا صدقة هرب عليه، فناداه صدقة، فلم يجبه، وحمل صدقة على الأتراك، وضربه ~~غلام منهم على وجهه فشوهه، وجعل يقول: أنا ملك العرب، أنا صدقة! فأصابه سهم ~~في ظهره، وأدركه غلام اسمه بزغش، كان أشل، فتعلق به، وهو لا يعرفه، وجذبه ~~عن فرسه، فسقط إلى الأرض هو والغلام، فعرفه صدقة، فقال: يا بزغش ارفق، ~~فضربه بالسيف فقتله، وأخذ رأسه وحمله إلى البرسقي، فحمله إلى السلطان، فلما ~~رآه عانقه، وأمر لبزغش بصلة. وبقي صدقة طريحا إلى أن سار السلطان، فدفنه ~~إنسان من المدائن. وكان عمره تسعا وخمسين سنة، وكانت إمارته إحدى وعشرين ~~سنة، وحمل رأسه إلى بغداد، وقتل من أصحابه ما يزيد على ثلاثة آلاف فارس، ~~فيهم جماعة من أهل بيته، وقتل من بني شيبان خمسة وتسعون رجلا، وأسر ابنه ~~دبيس بن صدقة، وسرخاب بن كيخسرو الديلمي الذي كانت هذه الحرب بسببه، فأحضر ~~بين يدي السلطان، فطلب الأمان، فقال: قد عاهدت الله أنني لا أقتل أسيرا، ~~فإن ثبت عليك أنك باطني قتلتك، وأسر سعيد بن حميد العمري، صاحب جيش صدقة، ~~وهرب بدران بن صدقة إلى الحلة، فأخذ من المال وغيره ما أمكنه، وسير أمه ~~ونساءه إلى البطيحة إلى مهذب الدولة أبي العباس أحمد بن أبي الجبر، وكان ~~بدران صهر مهذب الدولة على ابنته، ونهب من الأموال ما لا حد عليه. وكان له ~~من الكتب المنسوبة الخط شيء كثير، ألوف مجلدات، وكان يحسن يقرأ، ولا يكتب، ~~وكان جوادا، حليما، صدوقا، كثير البر والإحسان، ما برح ملجأ لكل ملهوف، ~~يلقى من يقصده بالبر والتفضل، ويبسط قاصديه، ويزورهم، وكان عادلا، والرعايا ~~معه في أمن ودعة، وكان عفيفا لم يتزوج على ms3733 امرأته، ولا تسرى عليها، فما ظنك ~~بغير هذا؟ ولم يصادر أحدا من نوابه، ولا أخذهم بإساءة قديمة، وكان أصحابه ~~يودعون أموالهم في خزانته، ويدلون عليه إدلال الولد على الوالد، ولم يسمع ~~برعية أحبت أميرها كحب رعيته له. وكان متواضعا، محتملا، يحفظ الأشعار، ~~ويبادر إلى النادرة، رحمه الله، لقد كان من محاسن الدنيا. وعاد السلطان إلى ~~بغداد، ولم يصل إلى الحلة، وأرسل إلى البطيحة أمانا لزوجة صدقة، وأمرها ~~بالظهور فأصعدت إلى بغداد، فأطلق السلطان ابنها دبيسا، وأنفذ معه جماعة من ~~الأمراء إلى لقائها، فلما لقيها ابنها بكيا بكاء شديدا، ولما وصلت إلى ~~بغداد أحضرها السلطان، واعتذر من قتل زوجها، وقال: وددت أنه حمل إلي حتى ~~كنت أفعل معه ما يعجب الناس به من الجميل والإحسان، لكن الأقدار غلبتني. ~~واستحلف ابنها دبيسا أنه لا يسعى بفساد. ### || AUT ذكر وفاة تميم بن المعز صاحب إفريقية وولاية ابنه يحيى # في هذه السنة، في رجب، توفي تميم بن المعز بن باديس، صاحب إفريقية، وكان ~~شهما، شجاعا، ذكيا، له معرفة حسنة، وكان حليما، كثير العفو عن الجرائم ~~العظيمة، وله شعر حسن، فمنه أنه وقعت حرب بين طائفتين من العرب، وهم عدي، ~~ورياح، فقتل رجل من رياح، ثم اصطلحوا، وأهدروا دمه، وكان صلحهم مما يضر به ~~وببلاده، فقال أبياتا يحرض على الطلب بدمه، وهي: متى كانت دماؤكم تطل ... ~~أما فيكم بثأر مستقل أغانم ثم سالم إن فشلتم، ... فما كانت أوائلكم تذل ~~وتمتم عن طلاب الثأر، حتى ... كأن العز فيكم مضمحل وما كسرتم فيه العوالي، ~~... ولا بيض تفل، ولا تسل فعمد إخوة المقتول فقتلوا أميرا من عدي، واشتد ~~بينهم القتال، وكثرت القتلى، حتى أخرجوا بني عدي من إفريقية. قيل: إنه ~~اشترى جارية بثمن كثير، فبلغه أن مولاها الذي باعها ذهب عقله وأسف على ~~فراقها، فأحضره تميم إلى بين يديه، وأرسل الجارية إلى داره، ومعها من ~~الكسوات، والأواني الفضة، وغيرها، ومن الطيب، وغيره، شيء كثير، ثم أمر ~~مولاها بالانصراف، وهو لا يعلم بذلك، فلما وصل إلى داره ورآها على ms3734 تلك ~~الحال وقع مغشيا عليه لكثرة سروره، ثم أفاق. فلما كان الغد أخذ الثمن، ~~وجميع ما كان معها، وحمله إلى دار تميم، فانتهره، وأمره بإعادة جميع ذلك ~~إلى داره. PageV04P0417 # وكان له في البلاد أصحاب أخبار يجري عليهم أرزاقا سنية ليطالعوه بأحوال ~~أصحابه لئلا يظلموا الناس، فكان بالقيروان تاجر له مال وثروة، فذكر في بعض ~~الأيام التجار تميما، ودعوا له، وذلك التاجر حاضر، فترحم على أبيه المعز، ~~ولم يذكره، فرفع ذلك إلى تميم، فأحضره إلى قصره وسأله: هل ظلمتك؟ فقال: لا! ~~قال: فهل ظلمك بعض أصحابي؟ قال: لا! قال: فلم أطلقت لسانك أمس بذمي؟ فسكت، ~~فقال: لولا أن يقال شره في ماله لقتلتك، ثم أمر به فصفع في حضرته قليلا، ثم ~~أطلقه فخرج، وأصحابه ينتظرونه، فسألوه عن خبره، فقال: أسرار الملوك لا ~~تذاع، فصارت بإفريقية مثلا. ولما توفي كان عمره تسعا وسبعين سنة، وكانت ~~ولايته ستا وأربعين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما، وخلف من الذكور ما يزيد ~~على مائة، ومن البنات ستين بنتا، ولما توفي ملك بعده ابنه يحيى بن تميم، ~~وكانت ولادته بالمهدية لأربع بقين من ذي الحجة سنة سبع وخمسين وأربعمائة، ~~وكان عمره حين ولي ثلاثا وأربعين سنة وستة أشهر وعشرين يوما، ولما ولي فرق ~~أموالا جزيلة، وأحسن السيرة في الرعية. ### || AUT ذكر ملك يحيى قلعة قليبية # لما ملك يحيى بن تميم بعد أبيه، جرد عسكرا كثيفا إلى قلعة قليبية، وهي ~~من أحصن قلاع إفريقية، فنزل عليها، وحصرها حصارا شديدا، ولم يبرح حتى فتحها ~~وحصنها، وكان أبوه تميم قد رام فتحها، فلم يقدر على ذلك، ولم يزل مظفرا، ~~منصورا، لم يهزم له جيش. ### || AUT ذكر قدوم ابن عمار بغداد مستنفرا # في هذه السنة، في شهر رمضان، ورد القاضي فخر الملك أبو علي بن عمار، ~~صاحب طرابلس الشام، إلى بغداد، قاصدا باب السلطان محمد، مستنفرا على ~~الفرنج، طالبا تسيير العساكر لإزاحتهم، والذي حثه على ذلك أنه لما طال حصر ~~الفرنج لمدينة طرابلس، على ما ذكرناه، ضاقت عليه الأقوات وقلت، واشتد ms3735 الأمر ~~عليه وعلى أهل البلد، فمن الله عليهم، سنة خمسمائة، بميرة في البحر من ~~جزيرة قبرس، وأنطاكية، وجزائر البنادقة، فاشتدت قلوبهم وقووا على حفظ ~~البلد، بعد أن كانوا استسلموا. فلما بلغ فخر الملك انتظام الأمور للسلطان ~~محمد وزوال كل مخالف رأى لنفسه وللمسلمين قصده والانتصار به، فاستناب ~~بطرابلس ابن عمه ذا المناقب، وأمره بالمقام بها، ورتب معه الأجناد برا ~~وبحرا، وأعطاهم جامكية ستة أشهر سلفا، وجعل كل موضع إلى من يقوم بحفظه، ~~بحيث أن ابن عمه لا يحتاج إلى فعل شيء من ذلك، وسار إلى دمشق، فأظهر ابن ~~عمه الخلاف له، والعصيان عليه، ونادى بشعار المصريين، فلما عرف فخر الملك ~~ذلك كتب إلى أصحابه يأمرهم بالقبض عليه، وحمله إلى حصن الخوابي، ففعلوا ما ~~أمرهم. وكان ابن عمار قد استصحب معه من الهدايا ما لم يوجد عند ملك مثله من ~~الأعلاق النفيسة، والأشياء الغريبة، والخيل الرائقة، فلما وصلها لقيه ~~عسكرها، وطغتكين أتابك، وخيم على ظاهر البلد، وسأله طغتكين الدخول إليه، ~~فدخل يوما واحدا إلى الطعام، وأدخله حمامه، وسار عنها ومعه ولد طغتكين ~~يشيعه. فلما وصل إلى بغداد أمر السلطان الأمراء كافة بتلقيه وإكرامه، وأرسل ~~إليه شبارته وفيها دسته الذي يجلس عليه ليركب فيها، فلما نزل إليها قعد بين ~~يدي موضع السلطان، فقال له من بها من خواص السلطان: قد أمرنا أن يكون جلوسك ~~في دست السلطان، فلما دخل على السلطان أجلسه، وأكرمه، وأقبل عليه بحديثه. ~~وسير الخليفة خواصه، وجماعة أرباب المناصب، فلقوه، وأنزله الخليفة وأجرى ~~عليه الجراية العظيمة، وكذلك أيضا فعل السلطان، وفعل معه ما لم يفعل مع ~~الملوك الذين معهم أمثاله، وهذا جميعه ثمرة الجهاد في الدنيا، ولأجر الآخرة ~~أكبر. PageV04P0418 # ولما اجتمع بالسلطان قدم هديته، وسأله السلطان عن حاله، وما يعانيه في ~~مجاهدة الكفار، ويقاسيه من ركوب الخطوب في قتالهم، فذكر له حاله، وقوة ~~عدوه، وطول حصره، وطلب النجدة، وضمن أنه إذا سيرت العساكر معه أوصل إليهم ~~جميع ما يلتمسونه، فوعده السلطان بذلك، وحضر دار الخلافة، وذكر أيضا نحوا ~~مما ms3736 ذكره عند السلطان، وحمل هدية جميلة نفيسة، وأقام إلى أن رحل السلطان عن ~~بغداد في شوال، فأحضره عنده بالنهروان، وقد تقدم إلى الأمير حسين بن أتابك ~~قتلغ تكين ليسير معه العساكر التي سيرها إلى الموصل مع الأمير مودود لقتال ~~جاولي سقاوو، ليمضوا معه إلى الشام، وخلع عليه السلطان خلعا نفيسة، وأعطاه ~~شيئا كثيرا، وودعه، وسار ومعه الأمير حسين فلم يجد ذلك نفعا، وكان ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى. وأما أهل طرابلس فإنهم راسلوا الأفضل أمير الجيوش بمصر ~~يلتمسون منه واليا يكون عندهم، ومعه الميرة في البحر، فسير إليهم شرف ~~الدولة بن أبي الطيب واليا، ومعه الغلة وغيرها مما تحتاج إليه البلاد في ~~الحصار، فلما صار فيها قبض على جماعة من أهل ابن عمار وأصحابه، وأخذ ما ~~وجده من ذخائره وآلاته وغير ذلك، وحمل الجميع إلى مصر في البحر. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في شعبان، أطلق السلطان محمد الضرائب والمكوس، ودار ~~البيع، والاجتيازات، وغير ذلك مما يناسبه بالعراق، وكتبت به الألواح، وجعلت ~~في الأسواق. وفيها، في شهر رمضان، ولي القاضي أبو العباس بن الرطبي الحسبة ~~ببغداد. وفيه أيضا عزل الخليفة وزيره مجد الدين بن المطلب برسالة من ~~السلطان بذلك، ثم أعيد إلى الوزارة بإذن السلطان، وشرط عليه شروطا منها: ~~العدل، وحسن السيرة، وأن لا يستعمل أحدا من أهل الذمة. وفيها عاد أصبهبذ ~~صباوة من دمشق، وكان هرب عند قتل إياز، فلما قدم أكرمه السلطان، وأقطعه ~~رحبة مالك بن طوق. وفيها، سابع شوال، خرج السلطان إلى ظاهر بغداد، عازما ~~على العود إلى أصبهان، وكان مقامه هذه المرة خمسة أشهر وسبعة عشر يوما. ~~وفيها، في ذي الحجة، احترقت خرابة ابن جردة، فهلك فيها كثير من الناس، وأما ~~الأمتعة، والأموال، وأثاث البيوت، فهلك ما لا حد عليه، وخلص خلق بنقب نقبوه ~~في سور المحلة إلى مقبرة باب أبرز، وكان بها جماعة من اليهود، فلم ينقلوا ~~شيئا لتمسكهم بسبتهم، وكان بعض أهله قد عبروا إلى الجانب الغربي للفرجة، ~~على عادتهم في ms3737 السبت الذي يلي العيد، فعادوا فوجدوا بيوتهم قد خربت، وأهلهم ~~قد احترقوا، وأموالهم قد هلكت. ثم تبع ذلك حريق في عدة أماكن منها: درب ~~القيار، وقراح ابن رزين، فارتاع الناس لذلك، وبطلوا معايشتهم، وأقاموا ليلا ~~ونهارا يحرسون بيوتهم في الدروب، وعلى السطوح، وجعلوا عندهم الماء المعد ~~لإطفاء النار، فظهر أن سبب هذا الحريق أن جارية أحبت رجلا، فوافقته على ~~المبيت عندها في دار مولاها سرا، وأعدت له ما يسرقه إذا خرج، ويأخذها هي ~~أيضا معه، فلما أخذها طرحا النار في الدار، فخرجا، فأظهر الله عليهما، وعجل ~~الفضيحة لهما، فأخذا وحبسا. وفيها جمع بغدوين ملك الفرنج عسكره وقصد مدينة ~~صور وحصرها، وأمر ببناء حصن عندها، على تل المعشوقة، وأقام شهرا محاصرا ~~لها، فصانعه واليها على سبعة آلاف دينار، فأخذها ورحل عن المدينة، وقصد ~~مدينة صيدا، فحصرها برا وبحرا ونصب عليها البرج الخشب، ووصل الأسطول المصري ~~في الدفع عنها، والحماية لمن فيها، فقاتلهم أسطول الفرنج، فظهر المسلمون ~~عليهم، فاتصل الفرنج مسير عسكر دمشق نجدة لأهل صيدا، فرحلوا عنها بغير ~~فائدة. وفيها ظهر كوكب عظيم له ذوائب، فبقي ليالي كثيرة ثم غاب. توفي في ~~هذه السنة، في شعبان، إبراهيم بن مياس بن مهدي أبو إسحاق القشيري الدمشقي، ~~سمع الحديث الكثير من الخطيب البغدادي وغيره. وتوفي في ذي القعدة أبو سعيد ~~إسماعيل بن عمرو بن محمد النيسابوري المحدث، كان يقرأ الحديث للغرباء، قرأ ~~صحيح مسلم على عبد الغافر الفارسي عشرين مرة. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وخمسمائة # ### || AUT ذكر استيلاء مودود على الموصل # PageV04P0419 # في هذه السنة، في صفر، استولى مودود، والعسكر الذي أرسله السلطان معه، ~~على مدينة الموصل، وأخذوها من أصحاب جاولي سقاوو، وقد ذكرنا سنة خمسمائة ~~استيلاء جاولي عليها، وما جرى بينه وبين جكرمش والملك قلج أرسلان، وهلاكهما ~~على يده، وصار معه بعد ذلك العسكر الكثير، والعدة التامة، والأموال ~~الكثيرة، وكان السلطان محمد قد جعل إليه ولاية كل بلد يفتحه، فاستولى على ~~كثير من البلاد والأموال. وكان سبب أخذ البلاد منه: أنه لما ms3738 استولى عليها، ~~وعلى الأموال الكثيرة منها، لم يحمل إلى السلطان منها شيئا، فلما وصل ~~السلطان إلى بغداد، لقصد بلاد سيف الدولة صدقة، أرسل إلى جاولي يستدعيه ~~إليه بالعساكر، وكرر الرسل إليه، فلم يحضر، وغالط في الانحدار إليه، وأظهر ~~أنه يخاف أن يجتمع به، ولم يقنع بذلك، حتى كاتب صدقة، وأظهر له أنه معه، ~~ومساعده على حرب السلطان، وأطمعه في الخلاف والعصيان. فلما فرغ السلطان من ~~أمر صدقة، وقتله، كما ذكرناه، تقدم إلى الأمراء بني برسق، وسكمان القطبي، ~~ومودود نب التونتكين، وآقسنقر البرسقي، ونصر بن مهلهل بن أبي الشوك الكردي، ~~وأبي الهيجاء، صاحب إربل، بالمسير إلى الموصل، وبلاد جاولي، وأخذها منه، ~~فتوجهوا نحو الموصل، فوجدوا جاولي عاصيا قد شيد سور الموصل، وأحكم ما بناه ~~جكرمش، وأعد الميرة والأقوات والآلات، واستظهر على الأعيان بالموصل، ~~فحبسهم، وأخرج من أحداثها ما يزيد على عشرين ألفا، ونادى: متى اجتمع عاميان ~~على الحديث في هذا الأمر قتلتهما، وخرج عن البلد، ونهب السواد. وترك بالبلد ~~زوجته ابنة برسق، وأسكنها القلعة، ومعها ألف وخمسمائة فارس من الأتراك، سوى ~~غيرهم، وسوى الرجالة، ونزل العسكر عليها في شهر رمضان سنة إحدى وخمسمائة، ~~وصادرت زوجته من بقي بالبلد، وعسفت نساء الخارجين عنه، وبالغت في الاحتراز ~~عليهم، فأوحشهم ذلك، ودعاهم إلى الانحراف عنها، وقوتل أهل البلد قتالا ~~متتابعا، فتمادى الحصار بأهلها من خارج، والظلم من داخل إلى آخر المحرم، ~~والجند بها يمنعون عاميا من القرب من السور. فلما طال الأمر على الناس، ~~اتفق نفر من الجصاصين، ومقدمهم جصاص يعرف بسعدي، على تسليم البلد، وتحالفوا ~~على التساعد، وأتوا وقت صلاة الجمعة، والناس بالجامع، وصعدوا برجا، وأغلقوا ~~أبوابه، وقتلوا من به من الجند، وكانوا نياما، فلم يشعروا بشيء، حتى قتلوا، ~~وأخذوا سلاحهم، وألقوهم إلى الأرض، وملكوا برجا آخر. ووقعت الصيحة، وقصدهم ~~مائتا فارس من العسكر، ورموهم بالنشاب، وهم يقاتلون، وينادون بشعار ~~السلطان، فزحف عسكر السلطان إليهم، ودخلوا البلد من ناحيتهم، وملكوه، ودخله ~~الأمير مودود، ونودي بالسكون والأمن، وأن يعود الناس إلى دورهم وأملاكهم، ~~وأقامت ms3739 زوجة جاولي بالقلعة ثمانية أيام، وراسلت الأمير مودود في أن يفرج ~~لها عن طريقها، وأن يحلف لها على الصيانة والحراسة، فحلف، وخرجت إلى أخيها ~~برسق بن برسق، ومعها أموالها وما استولت عليه، وولي مودود الموصل وما ينضاف إليها. ### || AUT ذكر حال جاولي مدة الحصار # وأما جاولي فإنه لما وصل عسكر السلطان إلى الموصل، وحصرها، سار عنها، ~~وأخذ معه القمص، صاحب الرها، الذي كان قد أسره سقمان وأخذه منه جكرمش، وقد ~~ذكرنا ذلك، وسار إلى نصيبين، وهي حينئذ للأمير إيلغازي بن أرتق، وراسله، ~~وسأله الاجتماع به، واستدعاه إلى معاضدته، وأن يكونا يدا واحدة، وأعلمه أن ~~خوفهما من السلطان ينبغي أن يجمعهما على الاحتماء منه. فلم يجبه إيلغازي ~~إلى ذلك، ورحل عن نصيبين، ورتب بها ولده، وأمره بحفظهما من جاولي، وأن ~~يقاتله إن قصده، وسار إلى ماردين. فلما سمع جاولي ذلك عدل عن نصيبين، وقصد ~~دارا، وأرسل إلى إيلغازي ثانيا في المعاني، وسار بعد الرسول، فبينما رسوله ~~عند إيلغازي بمادرين، لم يشعر إلا وجاولي معه في القلعة وحده، وقصد أن ~~يتألفه ويستميله، فلما رآه إيلغازي قام إليه وخدمه، ولما رأى جاولي محسنا ~~للظن فيه، غير مستشعر منه، لم يجد إلى دفعه سبيلا، فنزل معه، وعسكرا بظاهر ~~نصيبين، وسارا منها إلى سنجار، وحاصراها مدة، فلم يجبهما صاحبها إلى صلح، ~~فتركاه وسارا نحو الرحبة، وإيلغازي يظهر لجاولي المساعدة، ويبطن الخلاف، ~~وينتظر فرصة لينصرف عنه، فلما وصلا إلى عرابان، من الخابور، هرب إيلغازي ~~ليلا وقصد نصيبين. PageV04P0420 ### || AUT ذكر إطلاق جاولي للقمص الفرنجي # لما هرب إيلغازي من جاولي سار جاولي إلى الرحبة، فلما وصل إلى ماكسين ~~أطلق القمص الفرنجي، الذي كان أسيرا بالموصل، وأخذه معه، وسمه بردويل، وكان ~~صاحب الرها وسروج وغيرهما، وبقي في الحبس إلى الآن، وبذل الأموال الكثيرة، ~~فلم يطلق، فلما كان الآن أطلقه جاولي، وخلع عليه، وكان مقامه في السجن ما ~~يقارب خمس سنين، وقرر عليه أن يفدي نفسه بمال، وأن يطلق أسرى المسلمين ~~الذين في سجنه، وأن ينصره متى أراد ذلك منه ms3740 بنفسه وعسكره وماله. فلما اتفقا ~~على ذلك سير القمص إلى قلعة جعبر، وسلمه إلى صاحبها سالم بن مالك، حتى ورد ~~عليه ابن خالته جوسلين، وهو من فرسان الفرنج وشجعانها، وهو صاحب تل باشر ~~وغيره، وكان أسر مع القمص في تلك الوقعة، ففدى نفسه بعشرين ألف دينار، فلما ~~وصل جوسلين إلى قلعة جعبر أقام رهينة عوض القمص، وأطلق القمص، وسار إلى ~~أنطاكية، وأخذ جاولي جوسلين من قلعة جعبر فأطلقه، وأخذ عوضه أخا زوجته، ~~وأخا زوجة القمص، وسيره إلى القمص ليقوى به، وليحثه على إطلاق الأسرى، ~~وإنفاذ المال وما ضمنه، فلما وصل جوسلين إلى منبج أغار عليها ونهبها، وكان ~~معه جماعة من أصحاب جاولي، فأنكروا عليه ذلك، ونسبوه إلى الغدر، فقال: إن ~~هذه المدينة ليست لكم. ### || AUT ذكر ما جرى بين هذا القمص وبين صاحب أنطاكية # لما أطلق القمص وسار إلى أنطاكية أعطاه طنكري صاحبها ثلاثين ألف دينار، ~~وخيلا، وسلاحا، وثيابا، وغيره ذلك، وكان طنكري قد أخذ الرها من أصحاب القمص ~~حين أسر، فخاطبه الآن في ردها عليه، فلم يفعل، فخرج من عنده إلى تل باشر، ~~فلما قدم عليه جوسلين، وقد أطلقه جاولي، سره ذلك، وفرح به. وسار إليهما ~~طنكري، صاحب أنطاكية، بعساكره ليحاربهما، قبل أن يقوى أمرهما، ويجمعا ~~عسكرا، ويلتحق بهما جاولي وينجدهما، فكانوا يقتتلون، فإذا فرغوا من القتال ~~اجتمعوا وأكل بعضهم مع بعض وتحادثوا. وأطلق القمص من الأسرى المسلمين مائة ~~وستين أسيرا كلهم من سواد حلب، وكساهم وسيرهم. وعاد طنكري إلى أنطاكية من ~~غير فصل حال في معنى الرها، فسار القمص وجوسلين وأغارا على حصون طنكري، ~~صاحب أنطاكية والتجأ إلى ولاية كواسيل، وهو رجل أرمني، ومعه خلق كثير من ~~المرتدين وغيرهم، وهو صاحب رعبان، وكيسوم، وغيرهما من القلاع، شمالي حلب، ~~فأنجد القمص بألف فارس من المرتدين، وألفي راجل، فقصدهم طنكري، فتنازعوا في ~~أمر الرها، فتوسط بينهم البطرك الذي لهم، وهو عندهم كالإمام الي للمسلمين، ~~لا يخالف أمره، وشهد جماعة من المطارنة والقسيسين: أن بيمند خال طنكري قال ~~له، لما أراد ms3741 ركوب البحر، والعود إلى بلاده، ليعيد الرها إلى القمص، إذا ~~خلص من الأسر، فأعادها عليه طنكري تاسع صفر، وعبر القمص الفرات، ليسلم إلى ~~أصحاب جاولي المال والأسرى، فأطلق في طريقه خلقا كثيرا من الأسرى من حران ~~وغيرها. وكان بسروج ثلاثمائة مسلم ضعفى، فعمر أصحاب جاولي مساجدهم، وكان ~~رئيس سروج مسلما قد ارتد، فسمعه أصحاب جاولي يقول في الإسلام قولا شنيعا، ~~فضربوه، وجرى بينهم وبين الفرنج بسببه نزاع، فذكر ذلك للقمص، فقال: هذا لا ~~يصلح لنا ولا للمسلمين، فقتله. ### || AUT ذكر حال جاولي بعد إطلاق القمص # لما أطلق جاولي القمص بماكسين سار إلى الرحبة، فأتاه أبو النجم بدران، ~~وأبو كامل منصور، ابنا سيف الدولة صدقة، وكانا، بعد قتل أبيهما بقلعة جعبر، ~~عند سالم بن مالك، فتعاهدوا على امساعدة والمعاضدة، ووعدهما أنه يسير معهما ~~إلى الحلة، وعزموا أن يقدموا عليهم بكتاش بن تكش بن ألب أرسلان. فوصل ~~إليهم، وهم على هذا العزم، أصبهبذ صباوة، وكان قد قصد السلطان فأقطعه ~~الرحبة وقد ذكرناه، فاجتمع بجاولي، وأشار عليه أن يقصد الشام، فإن بلاده ~~خالية من الأجناد، والفرنج قد استولوا على كثير منها، وعرفه أنه متى قصد ~~العراق، والسلطان بها، أو قريبا منها، لم يأمن شرا يصل إليه. فقبل قوله، ~~وأصعد عن الرحبة، فوصل إليه رسل سالم بن مالك، صاحب قلعة جعبر، يستغيث به ~~من بني نمير، وكانت الرقة بيد ولده علي بن سالم، فوقب جوشن النميري، ومعه ~~جماعة من بني نمير، فقتل عليا وملك الرقة. PageV04P0421 # فبلغ ذلك الملك رضوان، فسار من حلب إلى صفين، فصادف تسعين رجلا من الفرنج ~~معهم مال من فدية القمص، صاحب الرها، قد سيره إلى جاولي، فأخذه، وأسر عددا ~~منهم، وأتى الرقة، فصالحه بنو نمير على مال، فرحل عنهم إلى حلب، فاستنجد ~~سالم بن مالك جاولي، وسأله أن يرحل إلى الرقة ويأخذها، ووعده بما يحتاج ~~إليه. فقصد الرقة، وحصرها سبعين يوما، فضمن له بنو نمير مالا وخيلا، فأرسل ~~إلى سالم: إنني في أمر أهم من هذا، وأنا بإزاء عدو، ويجب ms3742 التشاغل به دون ~~غيره، وأنا عازم على الانحدار إلى العراق، فإن تم أمري فالرقة وغيرها لك، ~~ولا أشتغل عن هذا المهم بحصار خمسة نفر من بني نمير. ووصل إلى جاولي الأمير ~~حسين بن أتابك قتلغ تكين، وكان أبوه أتابك السلطان محمد، فقتله، وتقدم ولده ~~هذا عند السلطان، واختص به، فسيره السلطان مع فخر الملك بن عمار ليصلح ~~الحال مع جاولي، ويأمر العساكر بالمسير مع ابن عمار إلى جهاد الكفار، فحضر ~~عند جاولي، وأمر بتسليم البلاد، وطيب قلبه عن السلطان، وضمن الجميل، إذا ~~سلم البلاد، وأظهر الطاعة والعبودية، فقال جاولي: أنا مملوك السلطان، وفي ~~طاعته، وحمل إليه مالا وثيابا لها مقدار جليل، وقال له: سر إلى الموصل ورحل ~~العسكر عنها، فإني أرسل معك من يسلم ولدي إليك رهينة، وينفذ السلطان إليها ~~من يتولى أمرها وجباية أموالها، ففعل حسين ذلك، وسار ومعه صاحب جاولي، فلما ~~وصلا إلى العسكر الذي على الموصل، وكانوا لم يفتحوها بعد، أمرهم حسين ~~بالرحيل، فكلهم أجاب، إلا الأمير مودود فإنه قال: لا أرحل إلا بأمر ~~السلطان، وقبض على صاحب جاولي، وأقام على الموصل، حتى فتحها كما ذكرناه. ~~وعاد حسين بن قتلغ تكين إلى السلطان، فأحسن النيابة عن جاولي عنده، وسار ~~جاولي إلى مدينة بالس، فوصلها ثالث عشر صفر، فاحتمى أهلها منه، وهرب من بها ~~من أصحاب الملك رضوان، صاحب حلب، فحصرها خمسة أيام، وملكها بعد أن نقب برجا ~~من أبراجها، فوقع على النقابين، فقتل منهم جماعة، وملك البلد، وصلب جماعة ~~من أعيانه عند النقب، وأحضر القاضي محمد بن بد العزيز بن إلياس فقتله، وكان ~~فقيها صالحا، ونهب البلد، وأخذ منه مالا كثيرا. ### || AUT ذكر الحرب بين جاولي والفرنج # وفي هذه السنة، في صفر، كان المصاف بين جاولي سقاوو وبين طنكري الفرنجي، ~~صاحب أنطاكية. وسبب ذلك أن الملك رضوان كتب إلى طنكري، صاحب أنطاكية، يعرفه ~~ما هو جاولي عليه من الغدر، والمكر، والخداع، ويحذره منه، ويعلمه أنه على ~~قصد حلب، وأنه إن ملكها لا يبقي للفرنج معه بالشام مقام، ms3743 وطلب منه النصرة، ~~والاتفاق على منعه. فأجابه طنكري إلى منعه وبرز من أنطاكية، فأرسل إليه ~~رضوان ستمائة فارس، فلما سمع جاولي الخبر أرسل إلى القمص، صاحب الرها، ~~يستدعيه إلى مساعدته، وأطلق له ما بقي عليه من مال المفاداة، فسار إلى ~~جاولي فلحق به، وهو على منبج، فوصل الخبر إليه، وعلى هذه الحال، بأن الموصل ~~قد استولى عليها عسكر السلطان، وملكوا خزائنه وأمواله، فاشتد ذلك عليه، ~~وفارقه كثير من أصحابه منهم أتابك زنكي بن آقسنقر، وبكتاش النهاوندي، وبقي ~~جاولي في ألف فارس، وانضم إليه خلق من المطوعة، فنزل بتل باشر. وقاربهم ~~طنكري، وهو في ألف وخمسمائة فارس من الفرنج، وستمائة من أصحاب الملك رضوان، ~~سوى الرجالة، فجعل جاولي في ميمنته الأمير أقسيان، والأمير التونتاش ~~الابري، وغيرهما، وفي الميسرة الأمير بدران بن صدقة، وأصبهبذ صباوة، وسنقر ~~دراز، وفي القلب القمص، صاحب الرها، واشتد القتال، فأزاح طنكري القلب عن ~~موضعه، وحملت ميسرة جاولي على رجالة صاحب أنطاكية، فقتلت منهم خلقا كثيرا، ~~ولم يبق غير هزيمة صاحب أنطاكية، فحينئذ عمد أصحاب جاولي إلى جنائب القمص، ~~وجوسلين، وغيرهما من الفرنج، فركبوها وانهزموا، فمضى جاولي وراءهم ليردهم، ~~فلم يرجعوا، وكانت طاعته قد زالت عنهم حين أخذت الموصل منه، فلما رأى أنهم ~~لا يعودون معه أهمته نفسه، وخاف من المقام، فانهزم، وانهزم باقي عسكره. ~~PageV04P0422 # فأما أصبهبذ صباوة فسار نحو الشام، وأما بدران بن صدقة فسار إلى قلعة ~~جعبر، وأما ابن جكرمش فقصد جزيرة ابن عمر، وأما جاولي فقصد الرحبة، وقتل من ~~المسلمين خلق كثير، ونهب صاحب أنطاكية أموالهم وأثقالهم، وعظم البلاء عليهم ~~من الفرنج، وهرب القمص وجوسلين إلى تل باشر والتجأ إليهما خلق كثير من ~~المسلمين، ففعلا معهم الجميل، وداويا الجرحى، وكسوا العراة، وسيراهم إلى بلادهم. ### || AUT ذكر عود جاولي إلى السلطان # لما انهزم جاولي سقاوو قصد الرحبة، فلما قاربها بات دونها في عدة فوارس، ~~فاتفق أن طائفة من عسكر الأمير مودود، الذين أخذوا الموصل منه، أغاروا على ~~قوم من العرب يجاورون الرحبة، فقاربوا جاولي ولا يشعرون ms3744 به، ولو علموا ~~لأخذوه. فلما رأى الحال كذلك، علم أنه لا يقدر أن يقيم بالجزيرة، ولا ~~بالشام، ولا يقدر على شيء يحفظ به نفسه، ويرجع إليه، ويداوي به مرضه، غير ~~قصد باب السلطان محمد عن رغبة واختيار، وكان واثقا بالأمير حسين بن ~~قتلغتكين، فرحل من مكانه وهو خائف حذر، قد أخفى شخصه وكتم أمره، وسار إلى ~~عسكر السلطان، وكان بالقرب من أصبهان، فوصل إليه في سبعة عشر يوما من مكانه ~~لجده في السير، فلما وصل المعسكر قصد الأمير حسينا، فحمله إلى السلطان، ~~فدخل إليه وكفنه تحت يده، فأمنه، وأتاه الأمراء يهنونه بذلك، وطلب منه ~~السلطان الملك بكتاش بن تكش، فسلمه إليه، فاعتقله بأصبهان. ### || AUT ذكر الحرب بين طغتكين والفرنج # ### || AUT والهدنة بعدها. # في هذه السنة كانت حرب شديدة بين طغتكين أتابك والفرنج، وسببها أن ~~طغتكين سار إلى طبرية، وقد وصل إليها ابن أخت بغدوين الفرنجي، ملك القدس، ~~فتحاربا واقتتلا، وكان طغتكين في ألفي فارس، وكثير من الرجالة، وكان ابن ~~أخت ملك الفرنج في أربعمائة فارس وألفي رجل. فلما اشتد القتال انهزم ~~المسلمون، فترجل طغتكين، ونادى بالمسلمين، وشجعهم، فعادوا الحرب، وكسروا ~~الفرنج، وأسروا ابن أخت الملك، وحمل إلى طغتكين، فعرض طغتكين عليه الإسلام، ~~فامتنع منه، وبذل في فداء نفسه ثلاثين ألف دينار، وإطلاق خمسمائة أسير، فلم ~~يقنع طغتكين منه بغير الإسلام، فلما لم يجب قتله بيده، وأرسل إلى الخليفة ~~والسلطان الأسرى، ثم اصطلح طغتكين وبغدوين ملك الفرنج على وضع الحرب أربع ~~سنين، وكان ذلك من لطف الله تعالى بالمسلمين، ولولا هذه الهدنة لكان الفرنج ~~بلغوا من المسلمين، بعد الهزيمة الآتي ذكرها، أمرا عظيما. ### || AUT ذكر انهزام طغتكين من الفرنج # في هذه السنة، في شعبان، انهزم أتابك طغتكين من الفرنج. وسبب ذلك أن حصن ~~عرقة، وهو من أعمال طرابلس، كان بيد غلام للقاضي فخر الملك أبي علي بن علي ~~بن عمار، صاحب طرابلس، وهو من الحصون المنيعة، فعصى على مولاه، فضاق به ~~القوت، وانقطعت عنه الميرة، لطول مكث الفرنج في نواحيه، فأرسل ms3745 إلى أتابك ~~طغتكين، صاحب دمشق، وقال له: أرسل من يتسلم هذا الحصن مني، قد عجزت عن ~~حفظه، ولأن يأخذه المسلمون خير لي دنيا وآخرة من أن يأخذه الفرنج. فبعث ~~إليه طغتكين صاحبا له، اسمه إسرائيل، في ثلاثمائة رجل، فتسلم الحصن، فلما ~~نزل غلام ابن عمار منه رماه إسرائيل، في الأخلاط، بسهم فقتله، وكان قصده ~~بذلك أن لا يطلع أتابك طغتكين على ما خلفه بالقلعة من المال. وأراد طغتكين ~~قصد الحصن للاطلاع عليه، وتقويته بالعساكر، والأقوات، وآلات الحرب، فنزل ~~الغيث والثلج مدة شهرين، ليلا ونهارا، فمنعه، فلما زال ذلك سار في أربعة ~~آلاف فارس، ففتح حصونا للفرنج، منها حصن الأكمة. فلما سمع السرداني الفرنجي ~~بمجيء طغتكين، وهو على حصار طرابلس، توجه في ثلاثمائة فارس، فلما أشرف ~~أوائل أصحابه على عسكر طغتكين انهزموا، وخلوا ثقلهم ورحلهم ودوابهم للفرنج، ~~فغنموا، وقووا به، وزاد في تجملهم. ووصل المسلمون إلى حمص، على أقبح حال من ~~التقطع، ولم يقتل منهم أحد لأنه لم تجر حرب، وقصد السرداني إلى عرقة، فلما ~~نازلها طلب من كان بها الأمان، فأمنهم على نفوسهم، وتسلم الحصن، فلما خرج ~~من فيه قبض على إسرائيل، وقال: لا أطلقه إلا بإطلاق فلان، وهو أسير كان ~~بدمشق من الفرنج، منذ سبع سنين، ففودي به وأطلقا معا. PageV04P0423 # ولما وصل طغتكين إلى دمشق، بعد الهزيمة، أرسل إليه ملك القدس يقول له: لا ~~تظن أنني أنقص الهدنة للذي تم عليك من الهزيمة، فالملوك ينالهم أكثر مما ~~نالك، ثم تعود أمورهم إلى الانتظام والاستقامة، وكان طغتكين خائفا أن يقصده ~~بعد هذه الكسرة فينال من بلده كل ما أراد. ### || AUT ذكر صلح السنة والشيعة ببغداد # في هذه السنة، في شعبان، اصطلح عامة بغداد السنة والشيعة، وكان الشر ~~منهم على طول الزمان، وقد اجتهد الخلفاء، والسلاطين، والشحن في إصلاح ~~الحال، فتعذر عليهم ذلك، إلى أن أذن الله تعالى فيه، وكان بغير واسطة. وكان ~~السبب ذي ذلك أن السلطان محمدا لما قتل ملك العرب صدقة، كما ذكرناه، خاف ~~الشيعة ببغداد، أهل الكرخ ms3746 وغيرهم، لأن صدقة كان يتشيع هو وأهل بيته، فشنع ~~أهل السنة عليهم بأنهم نالهم غم وهم لقتله، فخاف الشيعة، وأغضوا على سماع ~~هذا، ولم يزالوا خائفين إلى شعبان، فلما دخل شعبان تجهز السنة لزيارة قبر ~~مصعب بن الزبير، وكانوا قد تركوا ذلك سنين كثيرة، ومنعوا منه لتقطع الفتن ~~الحادثة بسببه. فلما تجهزوا للمسير، اتفقوا على أن يجعلوا طريقهم في الكرخ، ~~فأظهروا ذلك، فاتفق رأي أهل الكرخ على ترك معارضتهم، وأنهم لا يمنعونهم، ~~فصارت السنة تسير أهل كل محلة منفردين، ومعهم من الزينة والسلاح شيء كثير، ~~وجاء أهل باب المراتب، ومعهم فيل قد عمل من خشب، وعليه الرجال بالسلاح، ~~وقصدوا جميعهم الكرخ ليعبروا فيه، فاستقبلهم أهله بالبخور والطيب، والماء ~~المبرد، والسلاح الكثير، وأظهروا بهم السرور، وشيعوهم حتى خرجوا من المحلة. ~~وخرج الشيعة، ليلة النصف منه، إلى مشهد موسى بن جعفر وغيره، فلم يعترضهم ~~أحد من السنة، فعجب الناس لذلك، ولما عادوا من زيارة مصعب لقيهم أهل الكرخ ~~بالفرح والسرور، فاتفق أن أهل باب المراتب انكسر فيلهم عند قنطرة باب حرب، ~~فقرأ لهم قوم: " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " إلى آخر السورة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عاد منصور بن صدقة بن مزيد إلى باب السلطان، فتقبله وأكرمه ~~وكان قد هرب، بعد قتل والده، إلى الآن، والتحق أخوه بدران بن صدقة بالأمير ~~مودود الذي أقطعه السلطان الموصل، فأكرمه وأحسن صحبته. وفيها، في نيسان، ~~زادت دجلة زيادة عظيمة، وتقطعت الطرق، وغرقت الغلات الشتوية والصيفية، وحدث ~~غلاء عظيم بالعراق، بلغت كارة الدقيق الخشكار عشرة دنانير إمامية، وعدم ~~الخبز رأسا، وأكل الناس التمر والباقلاء الخضراء، وأما أهل السواد فإنهم لم ~~يأكلوا جميع شهر رمضان، ونصف شوال، سوى الحشيش والتوت. وفيها، في رجب، عزل ~~وزير الخليفة أبو المعالي هبة الله بن المطلب، ووزر أبو القاسم علي بن أبي ~~نصر بن جهير. وفيها، في شعبان، تزوج الخليفة المستظهر بالله ابنة السلطان ~~ملكشاه، وهي أخت السلطان محمد، وكان الذي خطب خطبة النكاح القاضي أبو ms3747 ~~العلاء صاعد بن محمد النيسابوري، الحنفي، وكان المتولي لقبول العقد نظام ~~الملك أحمد بن نظام الملك، وزير السلطان، بوكالة من الخليفة، وكان الصداق ~~مائة ألف دينار، ونثرت الجواهر والدنانير، وكان العقد بأصبهان. وفيها توفي ~~مجاهد الدين بهروز شحنكية بغداد، وكان سبب ذلك أن السلطان محمدا كان قبض ~~على أبي القاسم الحسين بن عبد الواحد، صاحب المخزن، وعلى أبي الفرج بن رئيس ~~الرؤساء، واعتقلهما عنده، ثم أطلقهما الآن، وقرر عليهما مالا يحملانه إليه، ~~فأرسل مجاهد الدين بهروز لقبض المال، وأمره السلطان بعمارة دار المملكة، ~~ففعل ذلك وعمر الدار، وأحسن إلى الناس، فلما قدم السلطان إلى بغداد ولاه ~~شحنكية العراق جميعه، وخلع على سعيد بن حميد العمري، صاحب جيش صدقة، وولاه ~~الحلة السيفية، وكان صارما، حازما، ذا رأي وجلد. وفيها، في شوال، ملك ~~الأمير سكمان القطبي، صاحب خلاط، مدينة ميافارقين بالأمان، بعد أن حصرها ~~وضيق على أهلها عدة شهور، فعدمت الأقوات بها، واشتد الجوع بأهلها فسلموها. ~~PageV04P0424 # وفي هذه السنة، في صفر، قتل قاضي أصبهان عبيد الله بن علي الخطيبي ~~بهمذان، وكان قد تجرد، في أمر الباطنية، تجردا عظيما، وصار يلبس درعا حذرا ~~منهم، ويحتاط، ويحترز، فقصده إنسان أعجمي، يوم جمعة، ودخل بينه وبين أصحابه ~~فقتله، وقتل صاعد بن محمد بن عبد الرحمن أبو العلاء قاضي نيسابور، يوم عيد ~~الفطر، قتله باطني، وقتل الباطني، ومولده سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وسمع ~~الحديث، وكان حنفي المذهب. وفي هذه السنة سار قفل عظيم من دمشق إلى مصر، ~~فأتى الخبر إلى ملك الفرنج، فسار إليه وعارضه في البر، وأخذ كل من فيه، ولم ~~يسلم منهم إلا القليل، ومن سلم أخذه العرب. وفيها، في فصح النصارى، ثار ~~جماعة من الباطنية في حصن شيزر على حين غفلة من أهله في مائة رجل، فملكوه، ~~وأخرجوا من كان فيه، وأغلقوا بابه، وصعدوا إلى القلعة فملكوها، وكان ~~أصحابها بنو منقذ قد نزلوا منها لمشاهدة عيد النصارى، وكانوا قد أحسنوا، ~~إلى هؤلاء الذين أفسدوا، كل الإحسان، فبادر أهل المدينة الباشورة، فأصعدهم ~~النساء في ms3748 الحبال من الطاقات، وصاروا معهم، وأدركهم الأمراء بنو منقذ، ~~أصحاب الحصن، فصعدوا إليهم، فكبروا عليهم وقاتلوهم، فانخذل الباطنية، ~~وأخذهم السيف من كل جانب، فلم يفلت منهم أحد، وقتل من كان على مثل رأيهم في ~~البلد. وفيها وصل إلى المهدية ثلاثة نفر غرباء، فكتبوا إلى أميرها يحيى بن ~~تميم يقولون: إنهم يعملون الكيمياء، فأحضرهم عنده، وأمرهم أن يعملوا شيئا ~~يراه من صناعتهم، فقالوا: نعمل النقرة، فأحضر لهم ما طلبوا من آلة وغيرها، ~~وقعد معهم هو والشريف أبو الحسن، وقائد جيشه واسمه إبراهيم، وكانا يختصان ~~به، فلما رأى الكيماوية المكان خاليا من جمع ثاروا بهم، فضرب أحدهم يحيى بن ~~تميم على رأسه، فوقعت السكين في عمامته فلم تصنع شيئا، ورفسه يحيى فألقاه ~~على ظهره، ودخل يحيى بابا وأغلقه على نفسه، فضرب الثاني الشريف فقتله، وأخذ ~~القائد إبراهيم السيف فقاتل الكيماوية، ووقع الصوت، فدخل أصحاب الأمير يحيى ~~فقتلوا الكيماوية، وكان زيهم زي أهل الأندلس، فقتل جماعة من أهل البلد على ~~مثل زيهم، وقيل للأمير يحيى: إن هؤلاء رآهم بعض الناس عند المقدم بن خليفة، ~~واتفق أن الأمير أبا الفتوح بن تميم، أخا يحيى، وصل تلك الساعة إلى القصر ~~في أصحابه وقد لبسوا السلاح، فمنع من الدخول، فثبت عند الأمير يحيى أن ذلك ~~بوضع منهما، فأحضر المقدم بن خليفة، وأمر أولاد أخيه فقتلوه قصاصا، لأنه ~~قتل أباهم، وأخرج الأمير أبا الفتوح وزوجته بلارة بنت القاسم بن تميم، وهي ~~ابنة عمه، ووكل بهما في قصر زيادة بين المهدية وسفاقس، فبقي هناك إلى أن ~~مات يحيى، وملك بعده ابنه علي سنة تسع وخمسمائة، فسير أبا الفتوح وزوجته ~~بلارة إلى ديار مصر في البحر، فوصلا إلى إسكندرية، على ما نذكره إن شاء ~~الله. وفيها، في المحرم، قتل عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد أبو ~~المحاسن الروياني الطبري، الفقيه الشافعي، ومولده سنة خمس عشرة وأربعمائة، ~~وكان حافظا للمذهب، ويقول: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من قلبي. وفيها، ~~في جمادى الآخرة، توفي الخطيب أبو زكرياء يحيى بن ms3749 علي التبريزي، الشيباني، ~~اللغوي، صاحب التصانيف المشهورة، وله شعر ليس بالجيد. وفيها، في رجب، توفي ~~السيد أبو هاشم زيد الحسني، العلوي، رئيس همذان، وكان نافذ الحكم، ماضي ~~الأمر، وكانت مدة رئاسته لها سبعا وأربعين سنة، وجده لأمه الصاحب أبو ~~القاسم بن عباد، وكان عظيم المال جدا، فمن ذلك أنه أخذ منه السلطان محمد في ~~دفعة واحدة سبع مائة ألف دينار لم يبع لأجلها ملكا ولا استدان دينارا، ~~وأقام بعد ذلك بالسلطان محمد، عدة شهور، في جميع ما يريده، وكان قليل ~~المعروف. وفيها، في ذي الحجة، توفي أبو الفوارس الحسن بن علي الخازن، ~~الكاتب المشهور بجودة الخط، وله شعر منه: من المديد عنت الدنيا لطالبها، ~~... واستراح الزاهد الفطن عرف الدنيا، فلم يرها ... وسواه حظا الفتن كل ملك ~~نال زخرفها ... حظه مما حوى كفن يقتني مالا، ويتركه، ... في كلا الحالين ~~مفتتن أملي كوني على ثقة ... من لقاء الله مرتهن PageV04P0425 # أكره الدنيا، وكيف بها، ... والذي تسخو به وسن لم تدم قبلي على أحد، ... ~~فلماذا الهم والحزن؟ وقيل توفي سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وقد ذكر هناك. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وخمسمائة # ### || AUT ذكر ملك الفرنج طرابلس وبيروت # ### || AUT من الشام # في هذه السنة، حادي عشر ذي الحجة، ملك الفرنج طرابلس. وسبب ذلك أن ~~طرابلس كانت قد صارت في حكم صاحب مصر ونائبه فيها، والمدد يأتي إليها منه، ~~وقد ذكرنا ذلك سنة إحدى وخمسمائة. فلما كانت هذه السنة، أول شعبان، وصل ~~أسطول كبير من بلد الفرنج في البحر، ومقدمهم قمص كبير اسمه ريمند بن صنجيل ~~ومراكبه مشحونة بالرجال، والسلاح، والميرة، فنزل على طرابلس، وكان نازلا ~~عليها قبله السرداني ابن أخت صنجيل، وليس بابن أخت ريمند هذا، بل هو قمص ~~آخر، فجرى بينهما فتنة أدت إلى الشر والقتال، فوصل طنكري صاحب أنطاكية ~~إليها، معونة للسرداني، ووصل الملك بغدوين، صاحب القدس، في عسكره، فأصلح ~~بينهم، ونزل الفرنج جميعهم على طرابلس، وشرعوا في قتالها، ومضايقة أهلها، ~~من أول شعبان، وألصقوا أبراجهم بسورها، فلما رأى الجند وأهل البلد ms3750 ذلك سقط ~~في أيديهم، وذلت نفوسهم، وزادهم ضعفا تأخر الأسطول المصري عنهم بالميرة ~~والنجدة. وكان سبب تاخره: أنه فرغ منه، والحث عليه، واختلفوا فيه أكثر من ~~سنة، وسار، فردته الريح، فتعذر عليهم الوصول إلى طرابلس ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا. ومد الفرنج القتال عليها من الأبراج والزحف، فهجموا على البلد ~~وملكوه عنوة وقهرا يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من السنة، ~~ونهبوا ما فيها، وأسروا الرجال، وسبوا النساء والأطفال، ونهبوا الأموال، ~~وغنموا من أهلها من الأموال، والأمتعة، وكتب دور العلم الموقوفة، ما لا يحد ~~ولا يحصى، فإن أهلها كانوا من أكثر أهل البلاد أموالا وتجارة، وسلم الوالي ~~الذي كان بها، وجماعة من جندها كانوا التمسوا الأمان قبل فتحها، فوصلوا إلى ~~دمشق، وعاقب الفرنج أهلها بأنواع العقوبات، وأخذت دفائنهم وذخائرهم في مكامنهم. ### || AUT ذكر ملك الفرنج جبيل وبانياس # لما فرغ الفرنج من طرابلس سار طنكري، صاحب أنطاكية، إلى بانياس، وحصرها، ~~وافتتحها، وأمن أهلها، ونزل مدينة جبيل، وفيها فخر الملك بن عمار، الذي كان ~~صاحب طرابلس، وكان القوت فيها قليلا، فقاتلها إلى أن ملكها في الثاني ~~والعشرين من ذي الحجة من السنة بالأمان، وخرج فخر الملك بن عمار سالما. ~~ووصل، عقيب ملك طرابلس، الأسطول المصري بالرجال، والمال، والغلال، وغيرها، ~~ما يكفيهم سنة، فوصل إلى صور بعد أخذها بثمانية أيام للقضاء النازل بأهلها، ~~وفرقت الغلال التي فيه والذخائر في الجهات المنفذة إليها صور، وصيدا، ~~وبيروت. وأما فخر الملك بن عمار فإنه قصد شيزر، فأكرمه صاحبها الأمير سلطان ~~بن علي بن منقذ الكناني، واحترمه، وسأله أن يقيم عنده، فلم يفعل، وسار إلى ~~دمشق، فأنزله طغتكين صاحبها، وأجزل له في الحمل والعطية، وأقطعه أعمال ~~الزبداني، وهو عمل كبير من أعمال دمشق، وكان ذلك في المحرم سنة اثنتين وخمسمائة. ### || AUT ذكر الحرب بين محمد خان وساغربك # في هذه السنة عاد ساغربك وجمع العساكر الكثيرة من الأتراك وغيرهم وقصد ~~أعمال محمد خان بسمرقند وغيرها، فأرسل محمد إلى سنجر يستنجده، فسير إليه ~~الجنود، واجتمع معه ms3751 أيضا كثير من العساكر، وسار إلى ساغربك فالتقوا بنواحي ~~الخشب واقتتلوا فانهزم ساغربك وعساكره وأخذت السيوف منهم مأخذها وكثر الأسر ~~فيهم والنهب، فلما فرغوا من حربهم وأمن محمد خان من شر ساغربك عاد العسكر ~~السنجري إلى خراسان فعبروا النهر إلى بلخ. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في المحرم، سير السلطان وزيره نظام الملك أحمد بن نظام ~~الملك إلى قلعة ألموت لقتال الحسن بن الصباح ومن معه من الإسماعيلية، ~~فحصروهم، وهجم الشتاء عليهم فعادوا ولم يبلغوا منه غرضا. وفيها، في ربيع ~~الآخر، قدم السلطان إلى بغداد، وعاد عنها في شوال من السنة أيضا. وفيها، في ~~شعبان، توجه الوزير نظام الملك إلى الجامع، فوثب به الباطنية، فضربوه ~~بالسكاكين، وجرح في رقبته، فبقي مريضا مدة، ثم برأ، وأخذ الباطني الذي جرحه ~~فسقي الخمر حتى سكر، ثم سئل عن أصحابه، فأقر على جماعة بمسجد المأمونية، ~~فأخذوا وقتلوا. PageV04P0426 # وفيها عزل وزير الخليفة، وهو أبو المعالي بن المطلب، ووزر بعده الزعيم ~~أبو القاسم بن جهير، فخرج ابن المطلب من دار الخليفة مستترا هو وأولاده ~~واستجار بدار السلطان. وفيها جهز يحيى بن تميم، صاحب إفريقية، خمسة عشر ~~شينيا وسيرها إلى بلاد الروم، فلقيها أسطول الروم، وهو كبير، فقاتلوهم، ~~وأخذوا ست قطع من شواني المسلمين، ولم ينهزم بعد ذلك ليحيى جيش في البحر ~~والبر. وسير ابنه أبا الفتوح إلى مدينة سفاقس واليا عليها، فثار به أهلها، ~~فنهبوا قصره، وهموا بقتله، فلم يزل يحيى يعمل الحيلة عليهم، حتى فرق ~~كلمتهم، وبدد شملهم، وملك رقابهم فسجنهم، وعفا عن دمائهم وذنوبهم. وفيها ~~توفي الأمير إبراهيم ينال، صاحب آمد، وكان قبيح السيرة، مشهورا بالظلام، ~~فجلا كثير من أهلها لجوره، وملك بعده ولده، وكان أصلح حالا منه. وفيها، في ~~ثامن ذي القعدة، ظهر في السماء كوكب من الشرق له ذؤابة ممتدة إلى القبلة، ~~وبقي يطلع إلى آخر ذي الحجة، ثم غاب. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وخمسمائة # ### || AUT ذكر ملك الفرنج مدينة صيدا # في هذه السنة، في ربيع الآخر، ملك الفرنج ms3752 مدينة صيدا، من ساحل الشام. ~~وسبب ذلك: أنه وصل في البحر إلى الشام ستون مركبا للفرنج مشحونة بالرجال ~~والذخائر مع بعض ملوكهم ليحج البيت المقدس وليغزو بزعمه المسلمين، فاجتمع ~~بهم بغدوين ملك القدس، وتقررت القاعدة بينهم أن يقصدوا بلاد الإسلام، ~~فرحلوا من القدس، ونزلوا مدينة صيدا ثالث ربيع الآخر من هذه السنة، ~~وضايقوها برا وبحرا. وكان الأسطول المصري مقيما على صور، فلم يقدر على ~~إنجاد صيدا، فعمل الفرنج برجا من الخشب، وأحكموه، وجعلوا عليه ما يمنع ~~النار عنه والحجارة، وزحفوا به، فلما عاين أهل صيدا ذلك ضعفت نفوسهم، ~~وأشفقوا أن يصيبهم مثل ما أصاب أهل بيروت، فأرسلوا قاضيها ومعه جماعة من ~~شيوخها إلى الفرنج، وطلبوا من ملكهم الأمان فأمنهم على أنفسهم، وأموالهم، ~~والعسكر الذي عندهم، ومن أراد المقام بها عندهم أمنوه، ومن أراد المسير ~~عنهم لم يمنعوه، وحلف لهم على ذلك، فخرج الوالي، وجماعة كثيرة من أعيان أهل ~~البلد، في العشرين من جمادى الأولى إلى دمشق، وأقام بالبلد خلق كثير تحت ~~الأمان، وكانت مدة الحصار سبعة وأربعين يوما. ورحل بغدوين عنها إلى القدس، ~~ثم عاد إلى صيدا، بعد مدة يسيرة، فقرر على المسلمين الذين أقاموا بها عشرين ~~ألف دينار، فأفقرهم، واستغرق أموالهم. ### || AUT ذكر استيلاء المصريين على عسقلان # كانت عسقلان للعلويين المصريين، ثم إن الخليفة الآمر بأحكام الله استعمل ~~عليها إنسانا يعرف بشمس الخلافة، فراسل بغدوين ملك الفرنج بالشام، وهادنه، ~~وأدى إليه مالا وعروضا، فامتنع به من أحكام المصريين عليه، إلا فيما يريد ~~من غير مجاهدة بذلك. فوصلت الأخبار بذلك إلى الآمر بأحكام الله، صاحب مصر، ~~وإلى وزيره الأفضل، أمير الجيوش، فعظم الأمر عليهما، وجهزا عسكرا وسيراه ~~إلى عسقلان مع قائد كبير من قواده، وأظهرا أنه يريد الغزاة، ونفذا إلى ~~القائد سرا أن يقبض على شمس الخلافة إذا حضر عندهم، ويقيم هو عوضه بعسقلان ~~أميرا. فسار العسكر، فعرف شمس الخلافة الحال، فامتنع من الحضور عند العسكر ~~المصري، وجاهر بالعصيان، وأخرج من كان عنده من عسكر مصر خوفا منهم. فلما ~~عرف ms3753 الأفضل ذلك خاف أن يسلم عسقلان إلى الفرنج، فأرسل إليه وطيب قلبه، ~~وسكنه، وأقره على عمله، وأعاد عليه إقطاعه بمصر. ثم إن شمس الخلافة خاف أهل ~~عسقلان، فأحضر جماعة من الأرمن واتخذهم جندا، ولم يزل على هذه الحال إلى ~~آخر سنة أربع وخمسمائة، فأنكر الأمر أهل البلد، فوثب به قوم من أعيانه، وهو ~~راكب، فجرجروه، فانهزم منهم إلى داره، فتبعوه وقتلوه، ونهبوا داره وجميع ما ~~فيها، ونهبوا بعض دور غيره من أرباب الأموال بهذه الحجة، وأرسلوا إلى مصر ~~بجلية الحال إلى الآمر والأفضل، فسرا بذلك، وأحسنا إلى الواصلين بالبشارة، ~~وأرسلا إليه واليا يقيم به، ويستعمل مع أهل البلد الإحسان وحسن السيرة، فتم ~~ذلك، وزال ما كانوا يخافونه. ### || AUT ذكر ملك الفرنج حصن الأثارب # PageV04P0427 # في هذه السنة جمع صاحب أنطاكية عساكره من الفرنج، وحشد الفارس والراجل، ~~وسار نحو حصن الأثارب، وهو بالقرب من مدينة حلب بينهما ثلاثة فراسخ، وحصره، ~~ومنع عنه الميرة، فضاق الأمر على من به من المسلمين، فنقبوا من القلعة ~~نقبا، قصدوا أن يخرجوا منه إلى خيمة صاحب أنطاكية فيقتلوه، فلما فعلوا ذلك ~~وقربوا من خيمته استأمن إليه صبي أرمني، فعرفه الحال، فاحتاط، واحترز منهم، ~~وجد في قتالهم، حتى ملك الحصن قهرا وعنوة، وقتل من أهله ألفي رجل، وسبى ~~وأسر الباقين. ثم سار إلى حصن زردنا، فحصره، ففتحه، وفعل بأهله مثل ~~الأثارب، فلما سمع أهل منبج بذلك فارقوها خوفا من الفرنج، وكذلك أهل بالس، ~~وقصد الفرنج البلدين فرأوهما وليس بهما أنيس، فعادوا عنهما. وسار عسكر من ~~الفرنج إلى مدينة صيدا، فطلب أهلها منهم الأمان، فأمنوهم وتسلموا البلد، ~~فعظم خوف المسلمين منهم، وبلغت القلوب الحناجر، وأيقنوا باستيلاء الفرنج ~~على سائر الشام لعدم الحامي له والمانع عنه، فشرع أصحاب البلاد الإسلامية ~~بالشام في الهدنة معهم، فامتنع الفرنج من الإجابة إلا على قطيعة يأخذونها ~~إلى مدة يسيرة، فصالحهم الملك رضوان، صاحب حلب، على اثنين وثلاثين ألف ~~دينار، وغيرها من الخيول والثياب، وصالحهم صاحب صور على سبعة آلاف دينار، ~~وصالحهم ابن منقذ، صاحب ms3754 شيزر، على أربعة آلاف دينار، وصالحهم علي الكردي، ~~صاحب حماة، على ألفي دينار، وكانت مدة الهدنة إلى وقت إدراك الغلة وحصادها. ~~ثم إن مراكب أقلعت من ديار مصر، فيها التجار ومعهم الأمتعة الكثيرة، فوقع ~~عليها مراكب الفرنج، فأخذوها، وغنموا ما مع التجار، وأسروهم، فسار جماعة من ~~أهل حلب إلى بغداد، مستنفرين على الفرنج. فلما وردوا بغداد اجتمع معهم خلق ~~كثير من الفقهاء وغيرهم فقصدوا جامع السلطان، واستغاثوا، ومنعوا من الصلاة، ~~وكسروا المنبر، فوعدهم السلطان بإنفاذ العساكر للجهاد، وسير من دار الخلافة ~~منبرا إلى جامع السلطان. فلما كان الجمعة الثانية قصدوا جامع القصر بدار ~~الخلافة، ومعهم أهل بغداد، فمنعهم حاجب الباب من الدخول، فغلبوه على ذلك، ~~ودخلوا الجامع، وكسروا شباك المقصورة، وهجموا إلى المنبر فكسروه، وبطلت ~~الجمعة أيضا، فأرسل الخليفة إلى السلطان في المعنى يأمره بالاهتمام بهذا ~~الفتق ورتقه، فتقدم حينئذ إلى من معه من الأمراء بالمسير إلى بلادهم، ~~والتجهز للجهاد، وسير ولده الملك مسعودا مع الأمير مودود، صاحب الموصل، ~~وتقدموا إلى الموصل ليلحق بهم الأمراء ويسيروا إلى قتال الفرنج، وانقضت ~~السنة، وساروا في سنة خمس وخمسمائة، وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل نظام الملك أحمد من وزارة السلطان، ووزر بعده الخطير ~~محمد بن الحسين الميبذي. وفيها ورد رسول ملك الروم إلى السلطان يستنفره على ~~الفرنج، ويحثه على قتالهم ودفعهم عن البلاد، وكان وصول أهل حلب، وكان أهل ~~حلب يقولون للسلطان: أما تتقي الله تعالى أن يكون ملك الروم أكثر حمية منك ~~للإسلام، حتى قد أرسل إليك في جهادهم. وفيها، في رمضان، زفت ابنة السلطان ~~ملكشاه إلى الخليفة، وزينت بغداد، وغلقت، وكان بها فرحة عظيمة لم يشاهد ~~الناس مثلها. وفيها هبت بمصر ريح سوداء أظلمت بها الدنيا، وأخذت بأنفاس ~~الناس، ولم يقدر أحد أن يفتح عينيه، ومن فتحهما لا يبصر يده، ونزل على ~~الناس رمل، ويئس الناس من الحياة، وأيقنوا بالهلاك، ثم تجلى قليلا، وعاد ~~إلى الصفوة، وكان ذلك من أول وقت ms3755 العصر إلى بعد المغرب. وفيها، في المحرم، ~~توفي الكيا الهراس الطبري واسمه أبو الحسن علي بن محمد بن علي، وكان من ~~أعيان الفقهاء الشافعية، أخذ الفقه عن إمام الحرمين الجويني، ودرس بعده في ~~النظامية ببغداد، وتوفي بها، ودفن عند تربة الشيخ أبي إسحاق، ودرس بعده في ~~النظامية الإمام أبو بكر الشاشي. وفيها توفي أبو الحسين إدريس بن حمزة بن ~~علي الرملي الفقيه الشافعي من أهل الرملة بفلسطين، تفقه على أبي الفتح نصر ~~بن إبراهيم المقدسي، وعلى الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، ودخل خراسان، وولي ~~التدريس بسمرقند، فتوفي بها. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وخمسمائة # ### || AUT ذكر مسير العساكر إلى قتال الفرنج # PageV04P0428 # في هذه السنة اجتمعت العساكر التي أمرها السلطان بالمسير إلى قتال ~~الفرنج، فكانوا: الأمير مودود، صاحب الموصل، والأمير سكمان القطبي، صاحب ~~تبريز وبعض ديار بكر، والأميرين إيلبكي وزنكي ابني برسق، ولهما همذان وما ~~جاورها، والأمير أحمديل، وله مراغة، وكوتب الأمير أبو الهيجاء، صاحب إربل، ~~والأمير إيلغازي، صاحب ماردين، والأمراء البكجية، باللحاق بالملك مسعود، ~~ومودود، فاجتمعوا، ما عدا الأمير إيلغازي فإنه سير ولده إياز وأقام هو، ~~فلما اجتمعوا ساروا إلى بلدة سنجار، ففتحوا عدة حصون للفرنج، وقتل من بها ~~منهم، وحصروا مدينة الرها مدة، ثم رحلوا عنها من غير أن يملكوها. وكان سبب ~~رحيلهم عنها أن الفرنج اجتمعت جميعها، فارسها وراجلها، وساروا إلى الفرات ~~ليعبروه ليمنعوا الرها من المسلمين، فلما وصلوا إلى الفرات بلغهم كثرة ~~المسلمين، فلم يقدموا عليه، وأقاموا على الفرات، فلما رأى المسلمون ذلك ~~رحلوا عن الرها إلى حران ليطمع الفرنج ويعبروا الفرات إليهم ويقاتلوهم. ~~فلما رحلوا عنها جاء الفرنج، ومعهم الميرة والذخائر، إلى الرها، فجعلوا ~~فيها كل من فيه عجز وضعف وفقر، وعادوا إلى الفرات فعبروه إلى الجانب ~~الشامي، وطرقوا أعمال حلب، فأفسدوا ما فيها، ونهبوها، وقتلوا فيها وأسروا، ~~وسبوا خلقا كثيرا. وكان سبب ذلك أن الفرنج لما عبروا إلى الجزيرة خرج الملك ~~رضوان، صاحب حلب، إلى ما أخذه الفرنج من أعمالها، فاستعاد بعضه، ونهب منهم ~~وقتل، فلما ms3756 عادوا وعبروا الفرات فعلوا بأعماله ما فعلوا. وأما العسكر ~~السلطاني فلما سمعوا بعود الفرنج وعبورهم الفرات، رحلوا إلى الرها وحصروها، ~~فرأوا أمرا محكما، قد قويت نفوس أهلها بالذخائر التي تركت عندهم، وبكثرة ~~المقاتلين عنهم، ولم يجدوا فيهم مطمعا، فرحلوا عنها، وعبروا الفرات، فحصروا ~~قلعة تل باشر خمسة وأربعين يوما، ورحلوا عنها ولم يبلغوا غرضا. ووصلوا إلى ~~حلب، فأغلق الملك رضوان أبواب البلد، ولم يجتمع بهم، ثم مرض هناك الأمير ~~سكمان القطبي، فعاد مريضا، فتوفي في بالس، فجعله أصحابه في تابوت، وحملوه ~~عائدين إلى بلاده، فقصدهم إيلغازي ليأخذهم، ويغنم ما معهم، فجعلوا تابوته ~~في القلب، وقاتلوا بين يديه، فانهزم إيلغازي، وغنموا ما معه، وساروا إلى ~~بلادهم. ولما أغلق الملك رضوان أبواب حلب، ولم يجتمع بالعساكر السلطانية، ~~رحلوا إلى معرة النعمان، واجتمع بهم طغتكين، صاحب دمشق، ونزل على الأمير ~~مودود، فاطلع من الأمراء على نيات فاسدة في حقه، فخاف أن تؤخذ منه دمشق، ~~فشرع في مهادنة الفرنج سرا وكانوا قد نكلوا عن قتال المسلمين، فلم يتم ذلك، ~~وتفرقت العساكر. وكان سبب تفرقهم أن الأمير برسق بن برسق الذي هو أكبر ~~الأمراء كان به نقرس، فهو يحمل في محفة، ومات سكمان القطبي، كما ذكرنا، ~~وأراد الأمير أحمديل، صاحب مراغة، العود، ليطلب من السلطان أن يقطعه ما كان ~~لسكمان من البلاد، وأتابك طغتكين، صاحب دمشق، خاف الأمراء على نفسه، فلم ~~ينصحهم، إلا أنه حصل بنيه وبين مودود، صاحب الموصل، مودة وصداقة، فتفرقوا ~~لهذه الأسباب، وبقي مودود وطغتكين بالمعرة، فساروا منها، ونزلوا على نهر ~~العاصي. ولما سمع الفرنج بتفرق عساكر الإسلام طمعوا، وكانوا قد اجتمعوا ~~كلهم، بعد الاختلاف والتباين، وساروا إلى أفامية، فسمع بهم سلطان بن منقذ، ~~صاحب شيزر، فسار إلى مودود وطغتكين، وهون عليهما أمر الفرنج، وحرضهما على ~~الجهاد، فرحلوا إلى شيزر، ونزلوا عليها، ونزل الفرنج بالقرب منهم، فضيق ~~عليهم عسكر المسلمين الميرة، ولزوهم بالقتال، والفرنج يحفظون نفوسهم، ولا ~~يعطون مصافا، فلما رأوا قوة المسلمين عادوا إلى أفامية وتبعهم المسلمون، ~~فتخطفوا من أدركوه في ms3757 ساقتهم وعادوا إلى شيزر في ربيع الأول. ### || AUT ذكر حصر الفرنج مدينة صور # لما تفرقت العساكر اجتمعت الفرنج على قصد مدينة صور وحصرها، فساروا ~~إليها مع الملك بغدوين، صاحب القدس، وحشدوا، وجمعوا، ونازلوها وحصروها في ~~الخامس والعشرين من جمادى الأولى، وعملوا عليها ثلاثة أبراج خشب، علو البرج ~~سبعون ذراعا، وفي كل برج ألف رجل، ونصبوا عليها المجانيق، وألصقوا أحدها ~~إلى سور البلد، وأخلوه من الرجال. PageV04P0429 # وكانت صور للآمر بأحكام الله العلوي ونائبه بها عز الملك الأعز، فأحضر ~~أهل البلد، واستشارهم في حيلة يدفعون بها شر الأبراج عنهم، فقام شيخ من أهل ~~طرابلس وضمن على نفسه إحراقها، وأخذ معه ألف رجل بالسلاح التام، ومع كل رجل ~~منهم حزمة حطب، فقاتلوا الفرنج إلى أن وصلوا إلى البرج الملتصق بالمدينة، ~~فألقى الحطب من جهاته، وألقى فيه النار، ثم خاف أن يشتغل الفرنج الذين في ~~البرج بإطفاء النار، ويتخلصوا، فرماهم بجرب كان قد أعدها، مملوءة من ~~العذرة، فلما سقطت عليهم اشتغلوا بها وبما نالهم من سوء الرائحة والتلويث، ~~فتمكنت النار منه، فهلك كل من به، إلا القليل، وأخذ منه المسلمون ما قدروا ~~عليه بالكلاليب، ثم أخذ سلال العنب الكبار، وترك فيها الحطب الذي قد سقاه ~~بالنفط، والزفث، والكتان، والكبريت، ورماهم بسبعين سلة، وأحرق البرجين ~~الآخرين. ثم إن أهل صور حفروا سراديب تحت الأرض ليسقط فيها الفرنج إذا ~~زحفوا إليهم، ولينخسف برج إن عملوه وسيروه إليهم، فاستأمن نفر من المسلمين ~~إلى الفرنج، وأعلموهم بما عملوه، فحذروا منها. وأرسل أهل البلد إلى أتابك ~~طغتكين، صاحب دمشق، يستنجدونه، ويطلبونه ليسلموا البلد إليه، فسار في ~~عساكره إلى نواحي بانياس، وسير إليهم نجدة مائتي فارس، فدخلوا البلد، ~~فامتنع من في بهم، واشتد قتال الفرنج خوفا من اتصال النجدات، ففني نشاب ~~الأتراك، فقاتلوا بالخشب، وفني النفط، فظفروا بسرب تحت الأرض فيه نفط لا ~~يعلم من خزنه. ثم إن عز الملك، صاحب صور، أرسل الأموال إلى طغتكين ليكثر من ~~الرجال، ويقصدهم ليملك البلد، فأرسل طغتكين طائرا فيه رقعة ليعلمه وصول ~~المال، ms3758 ويأمره أن يقيم مركبا بمكان ذكره لتجيء الرجال إليه، فسقط الطائر ~~على مركب الفرنج، فأخذه رجلان: مسلم وفرنجي، فقال الفرنجي: نطلقه لعل فيه ~~فرجا لهم، فلم يمكنه المسلم، وحمله إلى الملك بغدوين، فلما وقف عليه سير ~~مركبا إلى المكان الذي ذكره طغتكين، وفيه جماعة من المسلمين الذين استأمنوا ~~إليه من صور، فوصل إليهم العسكر، فكلموهم بالعربية، فلم ينكرونهم، وركبوا ~~معهم، فأخذوهم أسرى، وحملوهم إلى الفرنج، فقتلوهم وطمعوا في أهل صور، فكان ~~طغتكين يغير على أعمال الفرنج من جميع جهاتها، وقصد حصن الحبيس في السواد، ~~من أعمال دمشق، وهو للفرنج، فحصره، وملكه بالسيف، وقتل كل من فيه، وعاد إلى ~~الفرنج الذين على صور. وكان يقطع الميرة عنهم في البر، فأحضروها في البحر، ~~وخندقوا عليهم، ولم يخرجوا إليه، فسار إلى صيدا، وأغار على ظاهرها، فقتل ~~جماعة من البحرية، وأحرق نحو عشرين مركبا على الساحل، وهو مع ذلك يواصل أهل ~~صور بالكتب يأمرهم بالصبر والفرنج يلازمون قتالهم، وقاتل أهل صور قتال من ~~أيس من الحياة، فدام القتال إلى أوان إدراك الغلات، فخاف الفرنج أن طغتكين ~~يستولي على غلات بلادهم، فساروا عن البلد، عاشر شوال، إلى عكة، وعاد عسكر ~~طغتكين إليه، وأعطاهم أهل صور الأموال وغيرها، ثم أصلحوا ما تشعث من سورها ~~وخندقها، وكان الفرنج قد طموه. ### || AUT ذكر انهزام الفرنج بالأندلس # في هذه السنة خرج أذفونش الفرنجي، صاحب طليطلة بالأندلس، إلى بلاد ~~الإسلام بها، يطلب ملكها، والاستيلاء عليها، وجمع وحشد فأكثر، وكان قد قوي ~~طمعه فيها بسبب موت أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، فسمع أمير المسلمين علي ~~بن يوسف بن تاشفين الخبر، فسار إليه في عساكره وجموعه، فلقيه، فاقتتلوا، ~~واشتد القتال، وكان الظفر للمسلمين، وانهزم الفرنج، وقتلوا قتلا ذريعا، ~~وأسر منهم بشر كثير، وسبى منهم، وغنم من أموالهم ما يخرج من الأحصاء، فخرج ~~الفرنج، بعد ذلك، وامتنعوا من قصد بلاده، وذل أذفونش حينئذ وعلم أن في ~~البلاد حاميا لها، وذابا عنها. وفي هذه السنة، في جمادى الآخرة، توفي ~~الإمام أبو حامد محمد بن ms3759 محمد بن محمد الغزالي، الإمام المشهور. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وخمسمائة # في هذه السنة، في المحرم، سار مودود، صاحب الموصل، إلى الرها، فنزل ~~عليها، ورعى عسكره زروعها، ورحل عنها إلى سروج، وفعل بها كذلك وأهمل ~~الفرنج، ولم يحترز منهم، فلم يشعر إلا وجوسلين، صاحب تل باشر، قد كبسهم، ~~وكانت دواب العسكر منتشرة في المرعى، فأخذ الفرنج كثيرا منها، وقتلوا كثيرا ~~من العسكر، فلما تأهب المسلمون للقائه، عاد عنهم إلى سروج. PageV04P0430 # وفيها رحل السلطان محمد من بغداد، وكان مقامه هذه المرة خمسة أشهر، فلما ~~وصل إلى أصبهان قبض على زي الملك أبي سعد القمي، وسلمه إلى الأمير كاميار ~~لعداوة بينهما، فلما وصل إلى الري أركبه كاميار على ردابة بمركب ذهب، وأظهر ~~أن السلطان خلع عليه على مال قرره عليه، فحصل بذلك مالا كثيرا من أهل ~~القمي، ثم صلبه، وكان سبب قبضه أنه كان يكثر الطعن على الخليفة والسلطان. ~~وفيها كان ببغداد رجل مغربي يعمل الكيمياء، بزعمه، اسمه أبو علي، فحمل إلى ~~دار الخلافة، وكان آخر العهد به. وفيها ورد إلى بغداد يوسف بن أيوب ~~الهمذاني، الواعظ، وكان من الزهاد العابدين، فوعظ الناس بها، فقام إليه رجل ~~متفقه، يقال له ابن السقاء، فآذاه في مسألة، وعاوده، فقال له: اجلس، فإني ~~أجد من كلامك رائحة الكفر، ولعلك تموت على غير دين الإسلام، فاتفق بعد ~~مديدة أن ابن السقاء خرج إلى بلاد الروم، وتنصر. وفيها، في ذي القعدة، سمع ~~ببغداد صوت هدة عظيمة، ولم يكن بالسماء غيم حتى يظن أنه صوت رعد، ولم يعلم ~~أحد أي صوت كان. وفيها توفي بسيل الأرمني، صاحب الدروب، ببلاد ابن لاون، ~~فسار طنكري، صاحب أنطاكية، أول جمادى الآخرة، إلى بلاده طمعا في أن يملكها، ~~فمرض في طريقه، فعاد إلى أنطاكية، فمات ثامن جمادى الآخرة، وملكها بعده ابن ~~أخته سرخالة، واستقام الأمر فيها، بعد أن جرى بين الفرنج خلف بسببه، فأصلح ~~بينهم القسوس والرهبان. وفيها توفي قراجة، صاحب حمص، وكان ظالما، وقام ولده ~~قرجان مكانه، وكان مثله في ms3760 قبح السيرة. وفي هذه السنة توفي المعمر بن علي ~~أبو سعد بن أبي عمامة الواعظ البغدادي، ومولده سنة تسع وعشرين وأربعمائة، ~~وكان له خاطر حاد، ومجون حسن، وكان الغالب على وعظه أخبار الصالحين. وتوفي ~~أحمد بن الفرج بن عمر الدينوري، والد شهدة، وكان يروي عن أبي يعلى بن ~~الفراء، وابن المأمون، وابن المهتدي، وابن النقور، وغيرهم، وكان حسن السيرة ~~متزهدا. وتوفي أبو العلاء صاعد بن منصور بن إسماعيل بن صاعد، الخطيب ~~النيسابوري، وكان من أعيان الفقهاء، وولي قضاء خوارزم، وكان يروي الحديث. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وخمسمائة # ### || AUT ذكر قتال الفرنج وانهزامهم وقتل مودود # في هذه السنة، في المحرم، اجتمع المسلمون، وفيهم الأمير مودود بن ~~التونتكين، صاحب الموصل، وتميرك، صاحب سنجار، والأمير إياز بن إيلغازي، ~~وطغتكين، صاحب دمشق. وكان سبب اجتماع المسلمين أن ملك الفرنج بغدوين تابع ~~الغارات على بلد دمشق، ونهبه، وخربه، أواخر سنة ست وخمسمائة، وانقطعت ~~المواد عن دمشق، فغلت الأسعار فيها، وقلت الأقوات، فأرسل طغتكين صاحبها إلى ~~الأمير مودود يشرح له الحال، ويستنجده، ويحثه على سرعة الوصول إليه، فجمع ~~عسكرا، وسار فعبر الفرات آخر ذي القعدة سنة ست وخمسمائة، فخافه الفرنج. ~~وسمع طغتكين خبره، فسار إليه، ولقيه بسلمية، واتفق رأيهم على قصد بغدوين، ~~ملك القدس، فساروا إلى الأردن، فنزل المسلمون عند الأقحوانة، ونزل الفرنج ~~مع ملكهم بغدوين وجوسلين، صاحب جيشهم، وغيرهما من المقدمين، والفرسان ~~المشهورين، ودخلوا بلاد الفرنج مع مودود، وجمع الفرنج، فالتقوا عند طبرية ~~ثالث عشر المحرم، واشتد القتال، وصبر الفريقان، ثم إن الفرنج انهزموا، وكثر ~~القتل فيهم والأسر، وممن أسر ملكهم بغدوين، فلم يعرف، فأخذ سلاحه وأطلق ~~فنجا، وغرق منهم في بحيرة طبرية ونهر الأردن كثير، وغنم المسلمون أموالهم ~~وسلاحهم، ووصل الفرنج إلى مضيق دون طبرية، فلقيهم عسكر طرابلس وأنطاكية، ~~فقويت نفوسهم بهم، وعاودوا الحرب، فأحاط بهم المسلمون من كل ناحية، وصعد ~~الفرنج إلى جبل غرب طبرية، فأقاموا به ستة وعشرين يوما، والمسلمون بإزائهم ~~يرمونهم بالنشاب فيصيبون من يقرب منهم، ومنعوا الميرة عنهم لعلهم ms3761 يخرجون ~~إلى قتالهم، فلم يخرج منهم أحد، فسار المسلمون إلى بيسان، ونهبوا بلاد ~~الفرنج بين عكا إلى القدس، وخربوها، وقتلوا من ظفروا به من النصارى، ~~وانقطعت المادة عنهم لبعدهم عن بلادهم، فعادوا ونزلوا بمرج الصفر. ~~PageV04P0431 # وأذن الأمير مودود للعساكر في العود والاستراحة، ثم الاجتماع في الربيع ~~لمعاودة الغزاة، وبقي في خواصه ودخل دمشق في الحادي والعشرين من ربيع الأول ~~ليقيم عند طغتكين إلى الربيع. فدخل الجامع يوم الجمعة في ربيع الأول، ليصلي ~~فيه وطغتكين، فلما فرغوا من الصلاة، وخرج إلى صحن الجامع، ويده في يد ~~طغتكين، وثب عليه باطني فضربه فجرحه أربح جراحات وقتل الباطني، وأخذ رأسه، ~~فلم يعرفه أحد، فأحرق. وكان صائما، فحمل إلى دار طغتكين، واجتهد به ليفطر، ~~فلم يفعل، وقال: لا لقيت الله إلا صائما، فمات من يومه، رحمه الله، فقيل إن ~~الباطنية بالشام خافوه وقتلوه، وقيل بل خافه طغتكين فوضع عليه من قتله. ~~وكان خيرا، عادلا، كثير الخير، حدثني والدي قال: كتب ملك الفرنج إلى ~~طغتكين، بعد قتل مودود، كتابا من فصوله: أن أمة قتلت عميدها. يوم عيدها. في ~~بيت معبودها. لحقيق على الله أن يبيدها. ولما قتل تسلم تميرك، صاحب سنجار، ~~ما معه من الخزائن والسلاح وحملها إلى السلطان، ودفن مودود بدمشق في تربة ~~دقاق صاحبها، وحمل بعد ذلك إلى بغداد، فدفن في جوار أبي حنيفة، ثم حمل إلى أصبهان. ### || AUT ذكر الخلف بين السلطان سنجر ومحمد والصلح بينهما # في هذه السنة كثر الحديث عند سنجر: أن محمد خان بن سليمان بن داود قد مد ~~يده إلى أموال الرعايا، وظلمهم ظلما كثيرا، وأنه خرب البلاد بظلمه وشره، ~~وأنه قد صار يستخف بأوامر سنجر، ولا يلتفت إلى شيء منها، فتجهز سنجر وجمع ~~عساكره وسار يريد قصده بما وراء النهر، فخاف محمد خان، فأرسل إلى الأمير ~~قماج، وهو أكبر أمير مع سنجر، يسأله أن يصلح الحال بينه وبين سنجر، وأرسل ~~أيضا إلى خوارزمشاه بمثل ذلك، وسألهما في إرضاء السلطان عنه، واعترف بأنه ~~أخطأ، فأجاب سنجر إلى صلحه ms3762 على شرط أن يحضر عنده ويطأ بساطه، فأرسل محمد ~~خان يذكر خوفه لسء صنيعه، ولكنه يحضر الخدمة، ويخدم السلطان، وبينهما نهر ~~جيحون، ثم يعاود بعد ذلك الحضور عنده، والدخول إليه، فحسنوا الإجابة إلى ~~ذلك، والاشتغال بغيره، فامتنع، ثم أجاب. وكان سنجر على شاطيء جيحون من ~~الجانب الغربي، وجاء محمد خان إلى الجانب الشرقي، فترجل وقبل الأرض وسنجر ~~راكب، وعاد كل واحد منهما إلى خيامه، ورجعوا إلى بلادهم، وسكنت الفتنة بينهما. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سار قفل عظيم من دمشق إلى مصر، فأتى الخبر إلى بغدوين ملك ~~الفرنج، فسار إليه، وعارضه في البر، فأخذهم أجمعين، ولم ينج منهم إلا ~~القليل، ومن سلم أخذه العرب. وفي هذه السنة توفي الوزير أبو القاسم علي بن ~~محمد بن جهير، وزير الخليفة المستظهر بالله، ووزر بعده الربيب أبو منصور ~~ابن الوزير أبي شجاع محمد بن الحسين وزير السلطان. وفيها توفي الملك رضوان ~~بن تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان، صاحب حلب، وقام بعده بحلب ابنه ألب ~~أرسلان الأخرس، وعمره ست عشرة سنة، وكانت أمور رضوان غير محمودة: قتل أخويه ~~أبا طالب وبهرام، وكان يستعين بالباطنية في كثير من أموره لقلة دينه، ولما ~~ملك الأخرس استولى على الأمور لؤلؤ الخادم، ولم يكن للأخرس معه إلا اسم ~~السلطنة، ومعناه للؤلؤ، ولم يكن ألب أرسلان أخرس، وإنما في لسانه حبسة ~~وتمتمة، وأمه بنت باغي سيان الذي كان صاحب أنطاكية، وقتل الأخرس أخوين له ~~أحدهما اسمه ملكشاه، وهو من أبيه وأمه، واسم الآخر مباركشاه، وهو من أبيه، ~~وكان أبوه فعل مثله، فلما توفي قتل ولداه، مكافأة لما اعتمده مع أخويه. ~~وكان الباطنية قد كثروا بحلب في أيامه، حتى خافهم ابن بديع رئيسها، وأعيان ~~أهلها، فلما توفي قال ابن بديع لألب أرسلان في قتلهم والإيقاع بهم، فأمره ~~بذلك، فقبض على مقدمهم أبي طاهر الصائغ، وعلى جميع أصحابه، فقتل أبا طاهر ~~وجماعة من أعيانهم، وأخذ أموال الباقين وأطلقهم، فمنهم من قصد الفرنج، ~~وتفرقوا في البلاد. وفي هذه السنة ms3763 توفي ببغداد أبو بكر أحمد بن علي بن ~~بدران الحلواني الزاهد، منتصف جمادى الأولى، روى الحديث عن القاضي أبي ~~الطيب الطبري، وأبي محمد الجوهري، وأبي طالب العشاري وغيرهم، وروى عنه خلق ~~كثير، ومن آخرهم أبو الفضل عبد الله بن الطوسي، خطيب الموصل. PageV04P0432 # وإسماعيل بن أحمد بن الحسين بن علي أبو علي بن أبي بكر البيهقي الإمام ~~ابن الإمام، ومولده سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وتوفي بمدينة بيهق، ولوالده ~~تصانيف كثيرة مشهورة. وشجاع بن أبي شجاع فارس بن الحسين بن فارس أبو غالب ~~الذهلي الحافظ، ومولده سنة ثلاثين وأربعمائة، وروى عن أبيه، وأبي القاسم، ~~وابن المهتدي والجوهري وغيرهم. والأديب أبو المظفر محمد بن أحمد بن محمد ~~الأبيوردي الشاعر المشهور، وله ديوان حسن، ومن شعره: تنكر لي دهري، ولم يدر ~~أنني ... أعز، وأحداث الزمان تهون وظل يريني الخطب كيف اعتداؤه ... وبت ~~أريه الصبر كيف يكون وله أيضا: ركبت طرفي، فأذرى دمعه أسفا ... عند انصرافي ~~منهم، مضمر الياس وقال: حتام تؤذيني، فإن سنحت ... حوائج لك، فاركبني إلى ~~الناس وكانت وفاته بأصبهان، وهو ولد عنبسة بن أبي سفيان بن حرب الأموي. ~~وتوفي أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي، الإمام الفقيه ~~الشافعي، في شوال، مولده سنة سبع وعشرين وأربعمائة، سمع أبا بكر الخطيب، ~~وأبا يعلى بن الفراء، وغيرهما، وتفقه على أبي عبد الله محمد بن الكازروني ~~بديار بكر، وعلى أبي إسحاق الشيرازي ببغداد، وعلى أبي نصر بن الصباغ. وفيها ~~توفي أبو نصر المؤتمن بن أحمد بن الحسن الساجي، الحافظ المقدسي، ومولده سنة ~~خمس وأربعين وأربعمائة، وكان مكثرا من الحديث، وتفقه على أبي سحاق، وكان ثقة. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وخمسمائة # ### | AUT ذكر مسير آقسنقر البرسقي إلى الشام لحرب الفرنج # في هذه السنة سير السلطان محمد الأمير آقسنقر البرسقي إلى الموصل ~~وأعمالها، واليا عليها، لما بلغه قتل مودود، وسير معه ولده الملك مسعودا في ~~جيش كثيف، وأمره بقتال الفرنج، وكتب إلى سائر الأمراء بطاعته، فوصل إلى ~~الموصل، واتصلت به عساكرها، وفيهم عماد ms3764 الدين زنكي بن آقسنقر، الذي ملك هو ~~وأولاده الموصل بعد ذلك، وكان له الشجاعة في الغاية. واتصل به أيضا تميرك ~~صاحب سنجار وغيرهما، فسار البرسقي إلى جزيرة ابن عمر، فسلمها إليه نائب ~~مودود بها، وسار معه إلى ماردين، فنازلها البرسقي، حتى أذعن له إيلغازي ~~صاحبها، وسير معه عسكرا مع ولده إياز، فسار عنه البرسقي إلى الرها في خمسة ~~عشر ألف فارس، فنازلها في ذي الحجة، وقاتلها، وصبر له الفرنج، وأصابوا من ~~بعض المسلمين غرة، فأخذوا منهم تسعة رجال وصلبوهم على سورها، فاشتد القتال ~~حينئذ، وحمي المسلمون، وقاتلوا، فقتلوا من الفرنج خمسين فارسا من أعيانهم، ~~وأقام عليها شهرين وأياما. وضاقت الميرة على المسلمين، فرحلوا من الرها إلى ~~سميساط، بعد أن خربوا بلد الرها وبلد سروج وبلد سميساط وأطاعه صاحب مرعش ~~على ما نذكره، ثم عاد إلى شحنان، فقبض على إياز بن إيلغازي، حيث لم يحضر ~~أبوه، ونهب سواد ماردين. ### || AUT ذكر طاعة صاحب مرعش وغيرها البرسقي # في هذه السنة توفي بعض كنود الفرنج، ويعرف بكواسيل، وهو صاحب مرعش، ~~وكيسوم، ورعبان وغيرها، فاستولت زوجته على المملكة، وتحصنت من الفرنج، ~~وأحسنت إلى الأجناد، وراسلت آقسنقر البرسقي، وهو على الرها، واستدعت منه ~~بعض أصحابه لتطيعه، فسير إليها الأمير سنقرجة دزدار، صاحب الخابور، فلما ~~وصل إليها أكرمته، وحملت إليه مالا كثيرا. وبينما هو عندها إذ جاء جمع من ~~الفرنج، فواقعوا أصحابه، وهم نحو مائة فارس، واقتتلوا قتالا شديدا ظفر فيه ~~المسلمون بالفرنج، وقتلوا منهم أكثرهم، وعاد سنقرجة دزدار، وقد أصحبته ~~الهدايا للملك مسعود والبرسقي، وأذعنت بالطاعة، ولما عرف الفرنج ذلك عاد ~~كثير ممن عندها إلى أنطاكية. ### || AUT ذكر الحرب بين البرسقي وإيلغازي وأسر إيلغازي # لما قبض البرسقي على إياز بن إيلغازي سار إلى حصن كيفا، وصاحبها الأمير ~~ركن الدولة داود ابن أخيه سقمان، فاستنجده، فسار معه في عسكره وأحضر خلقا ~~كثيرا من التركمان، وسار إلى البرسقي، فلقيه، أواخر السنة، واقتتلوا قتالا ~~شديدا صبروا فيه، فانهزم البرسقي وعسكره، وخلص إياز بن إيلغازي من الأسر، ~~فأرسل السلطان ms3765 إليه يتهدده، فخافه، وسار إلى الشام إلى حميه طغتكين، صاحب ~~دمشق، فأقام عنده أياما. PageV04P0433 # وكان طغتكين أيضا قد استوحش من السلطان لأنه نسب إليه قتل مودود، فاتفقا ~~على الامتناع، والالتجاء إلى الفرنج، والاحتماء بهم، فراسلا صاحب أنطاكية، ~~وحالفاه، فحضر عندهما على بحيرة قدس، عند حمص، وجددوا العهود، وعاد إلى ~~أنطاكية، وعاد طغتكين إلى دمشق، وسار إيلغازي إلى الرستن على عزم قصد ديار ~~بكر، وجمع التركمان والعود، فنزل بالرستن ليستريح، فقصده الأمير قرجان بن ~~قراجة، صاحب حمص، وقد تفرق عن إيلغازي أصحابه، فظفر به قرجان وأسره ومعه ~~جماعة من خواصه، وأرسل إلى السلطان يعرفه ذلك، ويسأله تعجيل إنفاذ العساكر ~~لئلا يغلبه طغتكين على إيلغازي. ولم بلغ طغتكين الخبر عاد إلى حمص، وأرسل ~~في إطلاقه، فامتنع قرجان، وحلف: إن لم يعد طغتكين لنقتلن إيلغازي، فأرسل ~~إيلغازي إلى طغتكين: إن الملاجة تؤذيني، وتسفك دمي، والمصلحة عودك إلى ~~دمشق. فعاد. وانتظر قرجان وصول العساكر السلطانية، فتأخرت عنه، فخاف أن ~~ينخدع أصحابه لطغتكين، ويسلموا إليه حمص، فعدل إلى الصلح مع إيلغازي على أن ~~يطلقه، ويأخذ ابنه إياز رهينة، ويصاهره، ويمنعه من طغتكين وغيره، فأجابه ~~إلى ذلك، فأطلقه، وتحالفا، وسلم إليه ابنه إياز، وسار عن حمص إلى حلب، وجمع ~~التركمان، وعاد إلى حمص، وطالب بولده إياز، وحصر قرجان إلى أن وصلت العساكر ~~السلطانية، فعاد إيلغازي على ما نذكره. ### || AUT ذكر وفاة علاء الدولة بن سبكتكين # ### || AUT وملك ابنه وما كان منه مع السلطان سنجر # في هذه السنة، في شوال، توفي الملك علاء الدولة أبو سعد مسعود بن أبي ~~المظفر إبراهيم بن أبي سعد مسعود بن محمود بن سبكتكين، صاحب غزنة، بها، ~~وملك بعده ابنه أرسلانشاه، وأمه سلجوقية، وهي أخت السلطان ألب أرسلان بن ~~داود، فقبض على إخوته وسجنهم، وهرب أخ له اسمه بهرام إلى خراسان، فوصل إلى ~~السلطان سنجر بن ملكشاه، فأرسل إلى أرسلانشاه في معناه، فلم يسمع منه، ولا ~~أصغى إلى قوله، فتجهز سنجر للمسير إلى غزنة، وإقامة بهرامشاه في الملك. ~~فأرسل أرسلانشاه إلى السلطان ms3766 محمد يشكو من أخيه سنجر، فأرسل السلطان إلى ~~أخيه سنجر يأمره بمصالحة أرسلانشاه، وترك التعرض له، وقال للرسول: إن رأيت ~~أخي وقد قصدهم، وسار نحوهم، أو قارب أن يسير، فلا تمنعه، ولا تبلغه ~~الرسالة، فإن ذلك يفت في عضده ويوهنه، ولا يعود، ولأن يملك أخي الدنيا أحب ~~إلي. فوصل الرسول إلى سنجر، وقد جهز العساكر إلى غزنة، وجعل على مقدمته ~~الأمير أنر، متقدم عسكره، ومعه الملك بهرامشاه، فساروا حتى بلغوا بست، ~~واتصل بهم فيها أبو الفضل نصر بن خلف، صاحب سجستان. وسمع أرسلانشاه الخبر، ~~فسير جيشا كثيفا، فهزماه، ونهباه، وعاد من سلم إلى غزنة على أسوأ حال، فخضع ~~حينئذ أرسلانشاه وأرسل إلى الأمير أنر يضمن له الأموال الكثيرة ليعود عنه، ~~ويحسن للملك سنجر العود عنه، فلم يفعل. وتجهز السلطان سنجر، بعد أنر، ~~للمسير بنفسه، فأرسل إليه أرسلانشاه امرأة عمه نصر تسأله الصفح والعود عن ~~قصده، وهي أخت الملك سنجر من السلطان بركيارق، وكان علاء الدولة أبو سعد قد ~~قتل زوجها، ومنعها من الخروج عن غزنة وتزوجها، فسيرها الآن أرسلانشاه، فلما ~~وصلت إلى أخيه أوصلت ما معها من الأموال والهدايا، وكان معها مائتا ألف ~~دينار، وغير ذلك، وطلب من سنجر أن يسلم أخاه بهرام إليه. PageV04P0434 # وكانت موغرة الصدر من أرسلانشاه، فهونت أمره على سنجر، وأطمعته في ~~البلاد، وسهلت الأمر عليه، وذكرت له ما فعل بإخوته، وكان قتل بعضا وكحل ~~بعضا من غير خروج منهم عن الطاعة. فسار الملك سنجر، فلما وصل إلى بست أرسل ~~خادما من خواصه إلى أرسلانشاه في رسالة، فقبض عليه في بعض القلاع، فسار ~~حينئذ سنجر مجدا، فلما سمع بقربه منه أطلق الرسول، ووصل سنجر إلى غزنة، ~~ووقع بينهما المصاف على فرسخ من غزنة، بصحراء شهراباذ، وكان أرسلانشاه في ~~ثلاثين ألف فارس، وخلق كثير من الرجالة، ومعه مائة وعشرون فيلا، على كل فيل ~~أربعة نفر، فحملت الفيلة على القلب، وفيه سنجر، فكان من فيه ينهزمون، فقال ~~سنجر لغلمانه الأتراك ليرموها بالنشاب، فتقدم ثلاثة آلاف غلام، فرموا ~~الفيلة رشقا ms3767 واحدا جميعا، فقتلوا منها عدة، فعدلت الفيلة عن القلب إلى ~~الميسرة، وبها أبو الفضل صاحب سجستان، وجالت عليهم، فضعف من في الميسرة، ~~فشجعهم أبو الفضل، وخوفهم من الهزيمة مع بعد ديارهم، وترجل عن فرسه بنفسه، ~~وقصد كبير الفيلة ومتقدمها، ودخل تحتها فشق بطنها، وقتل فيلين آخرين. ورأى ~~الأمير أنر، وهو في الميمنة، ما في الميسرة من الحرب، فخاف عليها، فحمل من ~~وراء عسكر غزنة، وقصد الميسرة، واختلط بهم، وأعانهم، فكانت الهزيمة على ~~الغزنوية، وكان ركاب الفيلة قد شدوا أنفسهم عليها بالسلاسل، فلما عضتهم ~~الحرب، وعمل فيهم السيف، ألقوا أنفسهم، فبقوا معلقين عليها. ودخل السلطان ~~سنجر غزنة في العشرين من شوال سنة عشر وخمسمائة، ومعه بهرامشاه. فأما ~~القلعة الكبيرة المشتملة على الأموال، وبينها وبين البلد تسعة فراسخ، وهي ~~عظيمة، فلا مطمع فيها، ولا طريق عليها. وكان أرسلانشاه قد سجن فيها أخاه ~~طاهرا الخازن، وهو صاحب بهرامشاه، واعتقل بها أيضا زوجة بهرامشاه، فلما ~~انهزم أرسلانشاه استمال أخوه طاهر المستحفظ بها، فبذل له وللأجناد ~~الزيادات، فسلموا القلعة إلى الملك سنجر. وأما قلعة البلد فإن أرسلانشاه ~~كان اعتقل بها رسول سنجر، فلما أطلقه بقي غلمانه بها، فسلموا القلعة أيضا ~~بغير قتال. وكان قد تقرر بين بهرامشاه وبين سنجر أن يجلس بهرام على سرير ~~جده محمود بن سبكتكين وحده، وأن تكون الخطبة بغزنة للخليفة، وللسلطان محمد، ~~وللملك سنجر، وبعدهم لبهرامشاه. فلما دخلوا غزنة كان سنجر راكبا، وبهرامشاه ~~بين يديه راجلا، حتى جاء السرير، فصعد بهرامشاه فجلس عليه، ورجع سنجر، وكان ~~يخطب له بالملك، ولبهرامشاه بالسلطان، على عادة آبائه، فكان هذا من أعجب ما ~~يسمع به. وحصل لأصحاب سنجر من الأموال ما لا يحد ولا يحصى من السلطان ~~والرعايا، وكان في دور لملوكها عدة دور على حيطانها ألواح الفضة، وسواقي ~~المياه إلى البساتين من الفضة أيضا، فقلع من ذلك أكثره، ونهب، فلما سمع ~~سنجر ما يفعل منه عنه بجهده، وصلب جماعة حتى كف الناس. وفي جملة ما حصل ~~للملك سنجر خمسة تيجان قيمة أحدها تزيد على ms3768 ألفي ألف دينار، وألف وثلاثمائة ~~قطعة مصاغة مرصعة، وسبعة عشر سريرا من الذهب والفضة. وأقام بغزنة أربعين ~~يوما، حتى استقر بهرامشاه، وعاد نحو خراسان، ولم يخطب بغزنة لسلجوقي قبل ~~هذا الوقت، حتى إن السلطان ملكشاه مع تمكنه وكثرة ملكه لم يطمع فيه، وكان ~~كلما رام ذلك منع منه نظام الملك. وأما أرسلانشاه فإنه لما انهزم قصد ~~هندوستان واجتمع عليه أصحابه، فقويت شوكته، فلما عاد سنجر إلى خراسان توجه ~~إلى غزنة، فلما عرف بهرامشاه قصده إياه توجه إلى باميان، وأرسل إلى الملك ~~سنجر يعلمه الحال، فأرسل إليه عسكرا. وأقام أرسلانشاه بغزنة شهرا واحدا، ~~وسار يطلب أخاه بهرامشاه، فبلغه وصول عسكر سنجر، فانهزم بغير قتال للخوف ~~الذي باشر قلوب أصحابه، ولحق بجبال أوغنان، فسار أخوه بهرامشاه وعسكر سنجر ~~في أثره، وخربوا البلاد التي هو فيها، وأرسلوا إلى أهلها يتهددونهم، فسلموه ~~بعد المضايقة، فأخذه متقدم جيش الملك سنجر، وأراد حمله إلى صاحبه، فخاف ~~بهرامشاه من ذلك، فبذل له مالا، فسلمه إليه، فخنقه ودفنه بتربة أبيه بغزنة، ~~وكان عمره سبعا وعشرين سنة، وكان أحسن إخوته صورا، وكان قتله في جمادى ~~الآخرة سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وإنما ذكرناه هاهنا لتتصل الحادثة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV04P0435 # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، كانت زلزلة شديدة بديار الجزيرة، والشام، ~~وغيرها، فخربت كثيرا من الرها، وحزان، وسميساط، وبالس وغيرها، وهلك خلق ~~كثير تحت الهدم. وفيها قتل تاج الدولة ألب أرسلان بن رضوان، صاحب حلب، قتله ~~غلمانه بقلعة حلب، وأقاموا بعده أخاه سلطان شاه بن رضوان، وكان المستولي ~~عليه لؤلؤ الخادم. وفيها توفي الشريف النسيب أبو القاسم علي بن إبراهيم بن ~~العباس الحسيني، في ربيع الآخر بدمشق. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وخمسمائة # ### || AUT ذكر انهزام عسكر السلطان من الفرنج # قد ذكرنا ما كان من عصيان إيلغازي وطغتكين على السلطان، وقوة الفرنج، ~~فلما اتصل ذلك بالسلطان محمد جهز عسكرا كثيرا، وجعل مقدمهم الأمير برسق بن ~~برسق، صاحب همذان، ومعه الأمير جيوش بك والأمير كنتغدي، وعساكر الموصل ~~والجزيرة، وأمرهم بالبداية ms3769 بقتال إيلغازي وطغتكين، فإذا فرغوا منهما قصدوا ~~بلاد الفرنج، وقاتلوهم، وحصروا بلادهم. فساروا في رمضان من سنة ثمان ~~وخمسمائة، وكان عسكرا كثير العدة، وعبروا الفرات، آخر السنة، عند الرقة، ~~فلما قاربوا حلب راسلوا المتولي لأمرها لؤلؤا الخادم، ومقدم عسكرها المعروف ~~بشمس الخواص، يأمرونهما بتسليم حلب، وعرضوا عليهما كتب السلطان بذلك، ~~فغالطا في الجواب، وأرسلا إلى إيلغازي وطغتكين يستنجدانهما، فسارا إليهم في ~~ألفي فارس، ودخلا حلب، فامتنع من بها حينئذ عن عسكر السلطان، وأظهروا ~~العصيان، فسار الأمير برسق بن برسق إلى مدينة حماة، وهي في طاعة طغتكين، ~~وبها ثقله، فحصرها، وفتحها عنوة، ونهبها ثلاثة أيام، وسلمها إلى الأمير ~~قرجان، صاحب حمص. وكان السلطان قد أمر أن يسلم إليه كل بلد يفتحونه، فلما ~~رأى الأمراء ذلك فشلوا وضعفت نياتهم في القتال، بحيث تؤخذ البلاد وتسلم إلى ~~قرجان، فلما سلموا حماة إلى قرجان سلم إليهم إياز بن إيلغازي، وكان قد سار ~~إيلغازي، وطغتكين، وشمس الخواص، إلى أنطاكية واستجاروا بصاحبها روجيل، ~~وسألوه أن يساعدهم على حفظ مدينة حماة، ولم يكن بلغهم فتحها. ووصل إليهم ~~بأنطاكية بغدوين، صاحب القدس، وصاحب طرابلس، وغيرهما من شياطين الفرنج، ~~واتفق رأيهم على ترك اللقاء لكثرة المسلمين، وقالوا إنهم عند هجوم الشتاء ~~يتفرقون، واجتمعوا بقلعة أفامية، وأقاموا نحو شهرين، فلما انتصف أيلول، ~~ورأوا عزم المسلمين على المقام، تفرقوا، فعاد إيلغازي إلى ماردين، وطغتكين ~~إلى دمشق، والفرنج إلى بلادها. وكانت أفامية وكفرطاب للفرنج، فقصد المسلمون ~~كفرطاب وحصروها، فلما اشتد الحصر على الفرنج، ورأوا الهلاك، قتلوا أولادهم ~~ونساءهم وأحرقوا أموالهم، ودخل المسلمون البلد عنوة وقهرا، وأسروا صاحبه، ~~وقتلوا من بقي فيه من الفرنج، وساروا إلى قلعة أفامية، فرأوها حصينة، ~~فعادوا عنها إلى المعرة، وهي للفرنج أيضا، وفارقهم الأمير جيوش بكل إلى ~~وادي بزاعة فملكه. وسارت العساكر عن المعرة إلى حلب، وتقدمهم ثقلهم ~~ودوابهم، على جاري العادة، والعساكر في أثره متلاحقة، وهم آمنون لا يظنون ~~أحدا يقدم على القرب منهم. وكان روجيل، صاحب أنطاكية، لما بلغه حصر كفرطاب، ~~سار في خمسمائة فارس وألفي ms3770 راجل للمنع، فوصل إلى المكان الذي ضربت فيه خيام ~~المسلمين، على غير علم بها، فرآها خالية من الرجال المقاتلة، لأنهم لم ~~يصلوا إليها، فنهب جميع ما هناك، وقتل كثيرا من السوقية، وغلمان العسكر، ~~ووصلت العساكر متفرقة، فكان الفرنج يقتلون كل من وصل إليهم. ووصل الأمير ~~برسق في نحو مائة فارس، فرأى الحال، فصعد تلا هناك، ومعه أخوه زنكي، وأحاط ~~بهم من السوقية والغلمان، واحتموا بهم، ومنعوا الأمير برسق من النزول، ~~فأشار عليه أخوه ومن معه بالنزول والنجاة بنفسه، فقال: لا أفعل، بل أقتل في ~~سبيل الله، وأكون فداء المسلمين، فغلبوه على رأيه، فنجا هو ومن معه، فتبعهم ~~الفرنج نحو فرسخ، ثم عادوا وتمموا الغنيمة والقتل، وأحرقوا كثيرا من الناس. ~~وتفرق العسكر، وأخذ كل واحد جهة. ولما سمع الموكلون بالأسرى المأخوذين من ~~كفرطاب ذلك قتلوهم، وكذلك فعل الموكل بإياز بن إيلغازي قتله أيضا، وخاف أهل ~~حلب وغيرها من بلاد المسلمين التي بالشام، فإنهم كانوا يرجون النصر من جهة ~~هذا العسكر، فأتاهم ما لم يكن في الحساب، وعادت العساكر عنهم إلى بلادها. ~~PageV04P0436 # وأما برسق وأخوه زنكي فإنهما توفيا في سنة عشر وخمسمائة، وكان برسق خيرا، ~~دينا، وقد ندم على الهزيمة، وهو يتجهز للعود إلى الغزاة، فأتاه أجله. ### || AUT ذكر ملك الفرنج رفنية وأخذها منهم # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، ملك الفرنج رفنية من أرض الشام، وهي ~~لطغتكين، صاحب دمشق، وقووها بالرجال والذخائر، وبالغوا في تحصينها، فاهتم ~~طغتكين لذلك، وقوي عزمه على قصد بلاد الفرنج بالنهب لها والتخريب، فأتاه ~~الخبر عن رفنية بخلوها من عسكر يمنع عنها، وليس هناك إلا الفرنج الذين ~~رتبوا لحفظها، فسار إليها جريدة، فلم يشعر من بها إلا وقد هجم عليهم البلد ~~فدخله عنوة وقهرا، وأخذ كل من فيه من الفرنج أسيرا، فقتل البعض، وترك ~~البعض، وغنم المسلمون من سوادهم، وكراعهم، وذخائرهم ما امتلأت منه أيديهم، ~~وعادوا إلى بلادهم سالمين. ### || AUT ذكر وفاة يحيى بن تميم # ### || AUT وولاية ابنه علي # في هذه السنة توفي يحيى بن تميم بن ms3771 المعز بن باديس، صاحب إفريقية، يوم ~~عيد الأضحى، فجأة، وكان منجم قد قال له في منستير مولده إن عليه قطعا في ~~هذا اليوم، فلا يركب، فلم يركب، وخرج أولاده وأهل دولته إلى المصلى، فلما ~~انقضت الصلاة حضروا عنده للسلام عليه وتهنئته، وقرأ القراء، وأنشد الشعراء، ~~وانصرفوا إلى الطعام، فقام يحيى من باب آخر ليحضر معهم على الطعام، فلم يمش ~~غير ثلاث خطا حتى وقع ميتا وكان ولده علي بمدينة سفاقس، فأحضر وعقدت له ~~الولاية، ودفن يحيى بالقصر، ثم نقل إلى التربة بمنستير، وكان عمره اثنتين ~~وخمسين سنة وخمسة عشر يوما، وكانت ولايته ثماني سنين وخمسة أشهر وخمسة ~~وعشرين يوما، وخلف ثلاثين ولدا، فقال عبد الجبار بن محمد بن حمديس الصقلي ~~يرثيه ويهنيء ابنه عليا بالملك: ما أغمد العضب إلا جرد الذكر، ... ولا ~~اختفى قمر حتى بدا قمر بموت يحيى أميت الناس كلهم، ... حتى إذا ما علي ~~جاءهم نشروا إن يبعثوا بسرور من تملكه ... فمن منية يحيى بالأسى قبروا أوفى ~~علي، فسن الملك ضاحكة، ... وعينها من أبيه دمعها همر شقت جيوب المعالي ~~بالأسى فبكت ... في كل أفق عليه الأنجم الزهر وقل لابن تميم حزن ما دهما، ~~... فكل حزن عظيم فيه محتقر قام الدليل ويحيى لا حياة له، ... إن المنية لا ~~تبقي، ولا تذر وكان يحيى عادلا في رعيته، ضابطا لأمور دولته، مدبرا لجميع ~~أحواله، رحيما بالضعفاء والفقراء، يكثر الصدقة عليهم، ويقرب أهل العلم ~~والفضل، وكان عالما بالأخبار، وأيام الناس، والطب، وكان حسن الوجه، أشهل ~~العين، إلى الطول ما هو. ولما استقر علي في الملك جهز أسطولا إلى جزيرة ~~جربة، وسببه أن أهلها كانوا يقطعون الطريق، ويأخذون التجار، فحصرها، وضيق ~~على من فيها فدخلوا تحت طاعته، والتزموا ترك الفساد، وضمنوا إصلاح الطريق، ~~وكف عنهم عند ذلك، وصلح أمر البحر، وأمن المسافرون. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في رجب، قدم السلطان محمد بغداد، ووصل إليه أتابك طغتكين، ~~صاحب دمشق، في ذي القعدة، وسأل الرضا عنه، فرضي عنه السلطان، وخلع عليه، ~~ورده ms3772 إلى دمشق. وفيها أمر الإمام المستظهر بالله ببيع البدرية، وهي منسوبة ~~إلى بدر غلام المعتضد بالله، وكانت من أحسن دور الخلفاء، وكان ينزلها ~~الراضي بالله، ثم تهدمت وصارت تلا، فأمر القادر بالله أن يسور عليها سور، ~~لأنها مع الدار الإمامية، ففعل ذلك، فلما كان الآن أمر ببيعها فبيعت، ~~وعمرها الناس. وفيها، في شعبان، وقعت الفتنة بين العامة، وسببها أن الناس ~~لما عادوا من زيارة مصعب اختصموا على من يدخل أولا، فاقتتلوا، وقتل بينهم ~~جماعة، وعادت الفتن بين أهل المحال كما كانت، ثم سكنت. وفيها أقطع السلطان ~~محمد الموصل وما كان بيد آقسنقر البرسقي للأمير جيوش بك، وسير ولده الملك ~~مسعودا، وأقام البرسقي بالرحبة، وهي إقطاعه، إلى أن توفي السلطان محمد، ~~وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها توفي إسماعيل بن محمد بن أحمد بن ~~ملة الأصبهاني، أبو عثمان بن أبي سعيد الواعظ، سمع الكثير، وحدس ببغداد ~~وغيرها، وعبد الله بن المبارك بن موسى السقطي، أبو البركات، له رحلة، وله ~~تصانيف، وكان أديبا. PageV04P0437 ### | AUT ثم دخلت سنة عشر وخمسمائة # ### || AUT ذكر قتل أحمديل بن وهسوذان # في هذه السنة، أول المحرم، حضر أتابك طغتكين، صاحب دمشق، دار السلطان ~~محمد ببغداد، وحضر جماعة الأمراء، ومعهم أحمديل بن إبراهيم بن وهسوذان ~~الروادي، الكردي، صاحب مراغة وغيرها من أذربيجان، وهو جالس إلى جانب ~~طغتكين، فأتاه رجل متظلم، وبيده رقعة، وهو يبكي، ويسأله أن يوصلها إلى ~~السلطان، فأخذها من يده، فضربه الرجل بسكين، فجذبه أحمديل وتركه تحته، فوثب ~~رفيق للباطني وضرب أحمديل سكينا أخرى، فأخذتهما السيوف، وأقبل رفيق لهما ~~وضرب أحمديل ضربة أخرى، فعجب الناس من إقدامه بعد قتل صاحبيه، وظن طغتكين ~~والحاضرون أن طغتكين كان المقصود بالقتل، وأنه بأمر السلطان، فلما علموا ~~أنهم باطنية زال هذا الوهم. ### || AUT ذكر وفاة جاولي سقاوو # ### || AUT وحال بلاد فارس معه # في هذه السنة توفي جاولي سقاوو، وكان السلطان ببغداد عازما على المقام ~~بها، فاضطر إلى المسير إلى أصبهان ليكون قريبا من فارس، لئلا تختلف عليه، ~~وقد ذكرنا ms3773 حال جاولي بالموصل إلى أن ملكت منه وأخذها السلطان، فلما قصد ~~السلطان ورضي عنه أقطعه بلاد فارس، فسار جاولي إليها، ومعه ولد السلطان ~~جغري، وهو طفل له من العمر سنتان، وأمره بإصلاحها، وقمع المفسدين بها، فسار ~~إليها، فأول ما اعتمده فيها أنه لم يتوسط بلاد الأمير بلدجي، وهو من كبار ~~مماليك السلطان ملكشاه، ومن جملة بلاده كليل وسرماه، وكان متمكنا بتلك ~~البلاد. وراسله جاولي ليحضر خدمة جغري، ولد السلطان، وعلم جغري أن يقول ~~بالفارسية خذوه، فلما دخل بلدجي قال جغري، على عادته: خذوه، فأخذ وقتل، ~~ونهبت أمواله. وكان لبلدجي، من جملة حصونه، قلعة إصطخر، وهي من أمنع القلاع ~~وأحصنها، وكان بها أهله وذخائره، وقد استناب في حفظها وزيرا له يعرف ~~بالجهرمي، فعصى عليه، وأخرج إليه أهله وبعض المال، ولم تزل في يد الجهرمي ~~حتى وصل جاولي إلى فارس فأخذها منه، وجعل فيها أمواله. وكان بفارس جماعة من ~~أمراء الشوانكارة، وهم خلق كثير لا يحصون، ومقدمهم الحسن بن المبارز، ~~المعروف بخسرو، وله فسا وغيرها، فراسله جاولي ليحضر خدمة جغري، فأجاب: إنني ~~عبد السلطان، وفي طاعته، فأما الحضور فلا سبيل إليه، لأنني قد عرفت عادتك ~~مع بلدجي وغيره، ولكنني أحمل إلى السلطان ما يؤثره. فلما سمع جاولي جوابه ~~علم أنه لا مقام له بفارس معه، فأظهر العود إلى السلطان، وحمل أثقاله على ~~الدواب، وسار كأنه يطلب السلطان، ورجع الرسول إلى خسرو فأخبره، فاغتر وقعد ~~للشرب، وأمن. وأما جاولي فإنه عاد من الطريق إلى خسرو جريدة في نفر يسير، ~~فوصل إليه وهو مخمور نائم، فكبسه، فأنبهه أخوه فضلوه، فلم يستيقظ، فصب عليه ~~الماء البارد، فأفاق، وركب من وقته وانهزم، وتفرق أصحابه، ونهب جاولي ثقله ~~وأمواله، وأكثر القتل في أصحابه، ونجا خسرو إلى حصنه، وهو بين جبلين، يقال ~~لأحدهما أنج. وسار جاولي إلى مدينة فسا فتسلمها، ونهب كثيرا من بلاد فارس ~~منها جهرم، وسار إلى خسرو، وحصره مدة، وضيق عليه، فرأى من امتناع حصنه ~~وقوته، وكثرة ذخائره ما علم معه أن المدة تطول عليه، ms3774 فصالحه ليشتغل بباقي ~~بلاد فارس، ورحل عنه إلى شيراز، فأقام بها، ثم توجه إلى كارزون فملكها، ~~وحصر أبا سعد محمد بن مما في قلعته، وأقام عليها سنتين صيفا وشتاء، فراسله ~~جاولي في الصلح، فقتل الرسول، فأرسل إليه قوما من الصوفية، فأطعمهم الهريسة ~~والقطائف، ثم أمر بهم فخيطت أدبارهم وألقوا في الشمس فهلكوا، ثم نفذ ما عند ~~أبي سعد، فطلب الأمان فأمنه، وتسلم الحصن. ثم إن جاولي أساء معاملته، فهرب، ~~فقبض على أولاده، وبث الرجال في أثره، فرأى بعضهم زنجيا يحمل شيئا، فقال: ~~ما معك؟ فقال: زادي، ففتشه، فرأى دجاجا، وحلواء السكر، فقال: ما هذا من ~~طعامك! فضربه، فأقر على أبي سعد، وأنه يحمل ذلك إليه، فقصدوه، وهو في شعب ~~جبل، فأخذه الجندي وحمله إلى جاولي فقتله. وسار إلى داربجرد، وصاحبها اسمه ~~إبراهيم، فهرب صاحبها منه إلى كرمان خوفا منه، وكان بينه وبين صاحب كرمان ~~صهر، وهو أرسلانشاه بن كرمانشاه بن أرسلان بك بن قاورت، فقال له: لو ~~تعاضدنا لم يقدر علينا جاولي، وطلب منه النجدة. PageV04P0438 # وسار جاولي بعد هربه منه إلى حصار رتيل رننه، يعني مضيق رننه، وهو موضع ~~لم يؤخذ قهرا قط، لأنه واد نحو فرسخين، وفي صدره قلعة منيعة على جبل عال، ~~وأهل داربجرد يتحصنون به إذا خافوا، فأقاموا به، وحفظوا أعلاه. فلما رأى ~~جاولي حصانته سار يطلب البرية نحو كرمان، كاتما أمره، ثم رجع من طريق كرمان ~~إلى داربجرد، مظهرا أنه من عسكر الملك أرسلانشاه، صاحب كرمان، فلم يشك أهل ~~الحصن أنهم مدد لهم مع صاحبهم، فأظهروا السرور، وأذنوا له في دخول المضيق، ~~فلما دخله وضع السيف فيمن هناك، فلم ينج غير القليل، ونهب أموال أهل ~~داربجرد وعاد إلى مكانه، وراسل خسرو يعلمه أنه عازم على التوجه إلى كرمان، ~~ويدعوه إليه، فلم يجد بدا من موافقته، فنزل إليه طائعا، وسار مع إلى كرمان، ~~وأرسل إلى صاحبها القاضي أبا طاهر عبد الله بن طاهر قاضي شيراز، يأمره ~~بإعادة الشوانكارة لأنهم رعية السلطان، يقول: إنه متى أعادهم عاد عن ms3775 قصد ~~بلاده، وإلا قصده، فأعاد صاحب كرمان جواب الرسالة يتضمن الشفاعة فيهم، حيث ~~استجاروا به. ولما وصل الرسول إلى جاولي أحسن إليه، وأجزل له العطاء، ~~وأفسده على صاحبه، وجعله عينا له عليه، وقرر معه إعادة عسكر كرمان ليدخل ~~البلاد وهم غارون، فلما عاد الرسول وبلغ السيرجان، وبها عساكر صاحب كرمان، ~~ووزيره مقدم الجيش، أعلم الوزير ما عليه جاولي من المقاربة، وأنه يفارق ما ~~كرهوه، وأكثر من هذا النوع، وقال: لكنه مستوحش من اجتماع العساكر ~~بالسيرجان، وإن أعداء جاولي طمعوا فيه بهذا العسكر، والرأي أن تعاد العساكر ~~إلى بلادها. فعاد الوزير والعساكر، وخلت السيرجان، وسار جاولي في أثر ~~الرسول، فنزل بفرج، وهي الحد بين فارس وكرمان، فحاصرها، فلما بلغ ذلك ملك ~~كرمان أحضر الرسول وأنكر عليه إعادة العسكر، فاعتذر إليه. وكان مع الرسول ~~فراش لجاولي ليعود إليه بالأخبار، فارتاب به الوزير، فعاقبه، فأقر على ~~الرسول، فصلب، ونهبت أمواله، وصلب الفراش، وندب العساكر إلى المسير إلى ~~جاولي، فساروا في ستة آلاف فارس. وكانت الولاية التي هي الحد بين فارس ~~وكرمان بيد إنسان يسمى موسى، وكان ذا رأي ومكر، فاجتمع بالعسكر، وأشار ~~عليهم بترك الجادة المسلوكة، وقال: إن جاولي محتاط منها، وسلك بهم طريقا ~~غير مسلوكة، بين جبال ومضايق. وكان جاولي يحاصر فرج، وقد ضيق على من بها، ~~وهو يدمن الشرب، فسير أميرا في طائفة من عسكره ليلقى العسكر المنفذ من ~~كرمان، فسار الأمير، فلم ير أحدا، فظن أنهم قد عادوا، فرجع إلى جاولي وقال: ~~إن العسكر كان قليلا، فعاد خوفا منا، فاطمأن حينئذ جاولي، وأدمن شرب الخمر. ~~ووصل عسكر كرمان إليه ليلا، وهو سكران، نائم، فأيقظه بعض أصحابه وأخبره، ~~فقطع لسانه، فأتاه غيره وأيقظه وعرفه الحال، فاستيقظ وركب وانهزم، وقد تفرق ~~عسكره منهزمين، فقتل منهم وأسر كثير، وأدركه خسرو وابن أبي سعد الذي قتل ~~جاولي أباه، فسارا معه في أصحابهما، فلم ير معه أحدا من أصحابه الأتراك، ~~فخاف على نفسه منهم، فقالا له: إنا لا نغدر بك، ولن ترى منا إلا الخير ms3776 ~~والسلامة، وسارا معه، حتى وصل إلى مدينة فسا، واتصل به المنهزمون من ~~أصحابه، وأطلق صاحب كرمان الأسرى وجهزهم، وكانت هذه الوقعة في شوال سنة ~~ثمان وخمسمائة. وبينما جاولي يدبر الأمر ليعاود كرمان، ويأخذ بثأره، توفي ~~الملك جغري ابن السلطان محمد، وعمره خمس سنين، وكانت وفاته في ذي الحجة سنة ~~تسع وخمسمائة، ففت ذلك في عضده، فأرسل ملك كرمان رسولا إلى السلطان، وهو ~~ببغداد، يطلب منه منع جاولي عنه، فأجابه السلطان أنه لا بد من إرضاء جاولي ~~وتسليم فرج إليه، فعاد الرسول في ربيع الأول سنة عشر وخمسمائة، فتوفي ~~جاولي، فأمنوا ما كانوا يخافونه، فلما سمع السلطان سار عن بغداد إلى ~~أصبهان، خوفا على فارس من صاحب كرمان. ### || AUT ذكر فتح جبل وسلات وتونس # في هذه السنة حصر عسكر علي بن يحيى، صاحب إفريقية، مدينة تونس، وبها ~~أحمد بن خراسان، وضيق على من بها، فصالحه على ما أراد. PageV04P0439 # وفيها فتح أيضا جبل وسلات بإفريقية، واستولى عليه، وهو جبل منيع، ولم يزل ~~أهله، طول الدهر، يفتكون بالناس، ويقطعون الطريق، فلما استمر ذلك منهم سير ~~إليهم جيشا، فكان أهل الجبل ينزلون إلى الجيش، ويقاتلون أشد قتال، فعمل ~~قائد الجيش الحيلة في الصعود إلى الجبل من شعب لم يكن أحد يظن أنه يصعد ~~منه، فلما صار في أعلاه، في طائفة من أصحابه، ثار إليه أهل الجبل، فصبر ~~لهم، وقاتلهم فيمن مع أشد قتال، وتتابع الجيش في الصعود إليه، فانهزم أهل ~~الجبل، وكثر القتل فيهم، ومنهم من رمى نفسه فتكسر، ومنهم من أفلت، واحتمى ~~جماعة كثيرة بقصر في الجبل، فلما أحاط بهم الجيش طلبوا أن يرسل إليهم من ~~يصلح حالهم، فأرسل إليهم جماعة من العرب والجند، فثار بهم أولئك بالسلاح، ~~فقتلوا بعضهم، وطلع الباقون إلى أعلى القصر، ونادوا أصحابهم من الجيش، ~~فأتوهم وقاتلوهم: بعضهم من أعلى القصر، وبعضهم من أسفله، فألقى من فيه من ~~أهل الجبل أيديهم، فقتلوا كلهم. ### || AUT ذكر الفتنة بطوس # في هذه السنة، في عاشوراء، كانت فتنة عظيمة بطوس، في مشهد علي ms3777 بن موسى ~~الرضا عليه السلام. وسببها: أن علويا خاصم، في المشهد، يوم عاشوراء، بعض ~~فقهاء طوس، فأدى ذلك إلى مضاربة، وانقطعت الفتنة، ثم استعان كل منهما ~~بحزبه، فثارت فتنة عظيمة حضرها جميع أهل طوس، وأحاطوا بالمشهد وخربوه، ~~وقتلوا من وجدوا، فقتل بينهم جماعة ونهبت أموال جمة، وافترقوا. وترك أهل ~~المشهد الخطبة أيام الجمعات فيه، فبنى عليه عضد الدين فرامرز بن علي سورا ~~منيعا يحتمي به من بالمشهد على من يريده بسوء، وكان بناؤه سنة خمس عشرة وخمسمائة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وقعت النار في الحظائر المجاورة للمدرسة النظامية ببغداد، ~~فاحترقت الأخشاب التي بها، واتصل الحريق إلى درب السلسلة، وتطاير الشرر إلى ~~باب المراتب، فاحترقت منه عدة دور، واحترقت خزانة كتب النظامية، وسلمت ~~الكتب، لأن الفقهاء لما أحسوا بالنار نقلوها. وفيها توفي عبد الله بن يحيى ~~بن محمد بن بهلول أبو محمد الأندلسي، السرقسطي، وكان فقيها، فاضلا، ورد ~~العراق نحو سنة خمسمائة، وسار إلى خراسان، فسكن مرو الروذ، فمات بها، وله ~~شعر حسن، فمنه: ومهفهف يختال في أبراده، ... مرح القضيب اللدن تحت البارح ~~أبصرت في مرآة فكري خده، ... فحكيت فعل جفونه بجوارحي ما كنت أحسب أن فعل ~~توهمي ... يقوى تعديه، فيجرح جارحي لا غرو إن جرح التوهم خده، ... فالسحر ~~يعمل في البعيد النازح وفيها، في شعبان، توفي أبو القاسم علي بن محمد بن ~~أحمد بن بيان الرزاز، ومولده في صفر سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وهو آخر من ~~حدث عن أبي الحسن بن مخلد، وأبي القاسم بن بشران. وفيها توفي أبو بكر محمد ~~بن منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، رئيس الشافعية، بمرو، ومولده سنة ~~ست وأربعين وأربعمائة، وسمع الحديث الكثير وصنف فيه، وله فيه أمال حسنة، ~~وتكلم على الحديث، فأحسن ما شاء. وفيها توفي محفوظ بن أحمد بن الحسن ~~الكلوذاني أبو الخطاب الفقيه الحنبلي، ومولده سنة اثنتين وثلاثين ~~وأربعمائة، وتفقه على أبي يعلى بن الفراء. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى عشرة وخمسمائة # ### || AUT ذكر وفاة السلطان محمد ms3778 # ### || AUT وملك ابنه محمود # في هذه السنة، في الرابع والعشرين من ذي الحجة، توفي السلطان محمد ابن ~~ملكشاه بن ألب أرسلان، وكان ابتداء مرضه في شعبان، وانقطع عن الركوب، ~~وتزايد مرضه، ودام، وأرجف عليه بالموت، فلما كان يوم عيد النحر حضر ~~السلطان، وحضر ولده السلطان محمود على السماط، فنهبه الناس، ثم أذن لهم ~~فدخلوا إلى السلطان محمد، وقد تكلف القعود لهم، وبين يديه سماط كبير، ~~فأكلوا وخرجوا. فلما انتصف ذو الحجة أيس من نفسه، فأحضر ولده محمودا، ~~وقبله، وبكى كل واحد منهما، وأمره أن يخرج ويجلس على تخت السلطنة، وينظر في ~~أمور الناس، وعمره إذ ذاك قد زاد على أربع عشرة سنة، فقال لوالده: إنه يوم ~~غير مبارك، يعني من طريق النجوم، فقال: صدقت، ولكن على أبيك، وأما عليك ~~فمبارك بالسلطنة. فخرج وجلس على التخت بالتاج والسوارين. PageV04P0440 # وفي يوم الخميس الرابع والعشرين أحضر الأمراء وأعلموا بوفاته، وقرئت ~~وصيته إلى ولده محمود يأمره بالعدل والإحسان، وفي الجمعة الخامس والعشرين ~~منه خطب لمحمود بالسلطنة. وكان مولد السلطان محمود ثامن عشر شعبان من سنة ~~أربع وسبعين وأربعمائة، وكان عمره سبعا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وستة أيام، ~~وأول ما دعي له بالسلطنة، ببغداد، في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين، وقطعت ~~خطبته عدة دفعات على ما ذكرناه، ولقي من المشاق والأخطار ما لا حد له، فلما ~~توفي أخوه بركيارق صفت له السلطنة، عظمت هيبته، وكثرت جيوشه وأمواله، وكان ~~اجتمع الناس عليه اثنتي عشرة سنة وستة أشهر. ### || AUT ذكر بعض سيرته # كان عادلا، حسن السيرة، شجاعا، فمن عدله أنه اشترى مماليك من بعض ~~التجار، وأحالهم بالثمن على عامل خوزستان، فأعطاهم البعض، ومطل بالباقي، ~~فحضروا مجلس الحكم، وأخذوا معهم غلمان القاضي، فلما رآهم السلطان قال ~~لحاجبه: انظر ما حال هؤلاء، فسألهم عن حالهم، فقالوا: لنا خصم يحضر معنا ~~مجلس الحكم، فقال: من هو؟ قالوا: السلطان، وذكروا قصتهم، فأعلمه ذلك، فاشتد ~~عليه وأكره، وأمر بإحضار العامل، وأمره بإيصال أموالهم، والجعل الثقيل، ~~ونكل به حتى يمتنع غيره عن مثل ms3779 فعله، ثم إنه كان يقول بعد ذلك: لقد ندمت ~~ندما عظيما حيث لم أحضر معهم مجلس الحكم، فيقتدي بي غيري، ولا يمتنع أحد عن ~~الحضور فيه وأداء الحق. فمن عدله: أنه كان له خازن يعرف بأبي أحمد القزويني ~~قتله الباطنية، فلما قتل أمر بعرض الخزانة، فعرض عليه فيها درج فيه جوهر ~~كثير نفيس، فقال إن هذا الجوهر عرضه علي، منذ أيام، وهو في ملك أصحابه، ~~وسلمه إلي خادم ليحفظه وينظر من أصحابه فيسلم إليهم، فسأل عنهم، وكانوا ~~تجارا غرباء، وقد تيقنوا ذهابه وأيسوا منه، فسكتوا، فأحضرهم وسلمه إليهم. ~~ومن عدله، أنه أطلق المكوس والضرائب في جميع البلاد، ولم يعرف منه فعل ~~قبيح، وعلم الأمراء سيرته، فلم يقدم أحد منهم على الظلم، وكفوا عنه. ومن ~~محاسن أعماله ما فعله مع الباطنية على ما نذكره. ### || AUT ذكر حال الباطنية أيام السلطان محمد # قد تقدم ذكر ما اعتمده من حصر قلاعهم، ونحن نذكر هاهنا زيادة اهتمامه ~~بأمرهم، فإنه، رحمه الله تعالى، لما علم أن مصالح البلاد والعباد منوطة ~~بمحو آثارهم، وإخراب ديارهم، وملك حصونهم وقلاعهم، جعل قصدهم دأبه. وكان، ~~في أيامه، المقدم عليهم، ولقيهم بأمرهم الحسن بن الصباح الرازي، صاحب قلعة ~~ألموت، وكانت أيامه قد طالت، وله منذ ملك قلعة ألموت ما يقارب ستا وعشرين ~~سنة، وكان المجاورون له في أقبح صورة من كثرة غزاته عليهم، وقتله وأسره ~~رجالهم، وسبي نسائهم، فسير إليه السلطان العساكر، على ما ذكرناه، فعادت من ~~غير بلوغ غرض. فلما أعضل داؤه ندب لقتاله الأمير أنوشتكين شيركير، صاحب ~~آبة، وساوة، وغيرهما، فملك منهم عدة قلاع منها قلعة كلام، ملكها في جمادى ~~الأولى سنة خمس وخمسمائة، وكان مقدمها يعرف بعلي بن موسى، فأمنه ومن معه، ~~وسيرهم إلى ألموت، وملك منهم أيضا قلعة بيرة، وهي على سبعة فراسخ من قزوين، ~~وأمنهم، وسيرهم إلى ألموت أيضا. وسار إلى قلعة ألموت فيمن معه من العساكر، ~~وأمده السلطان بعدة من الأمراء، فحصرهم، وكان هو، من بينهم، صاحب القريحة ~~والبصيرة في قتالهم، مع جودة رأي ms3780 وشجاعة، فبنى عليها مساكن يسكنها هو ومن ~~معه، وعين لكل طائفة من الأمراء أشهرا يقيمونها، فكانوا ينيبون، ويحضرون، ~~وهو ملازم الحصار، وكان السلطان ينقل إليه الميرة، والذخائر، والرجال، فضاق ~~الأمر على الباطنية، وعدمت عندهم الأقوات وغيرها، فلما اشتد عليهم الأمر ~~نزلوا نساءهم وأبناءهم مستأمنين، وسألوا أن يفرج لهم ولرجالهم عن الطريق، ~~ويؤمنوا، فلم يجابوا إلى ذلك، وأعادهم إلى القلعة، قصدا، ليموت الجميع ~~جوعا. PageV04P0441 # وكان ابن الصباح يجري لكل رجل منهم، في اليوم، رغيفا، وثلاث جوزات، فلما ~~بلغ بهم الأمر إلى الحد الذي لا مزيد عليه، بلغهم موت السلطان محمد، فقويت ~~نفوسهم، وطابت قلوبهم، ووصل الخبر إلى العسكر المحاصر لهم بعدهم بيوم، ~~وعزموا على الرحيل، فقال شيركير: إن رحلنا عنهم، وشاع الأمر، نزلوا إلينا، ~~وأخذوا ما أعددناه، من الأقوات والذخائر، والرأي أن نقيم على قلعتهم حتى ~~نفتحها، وإن لم يكن المقام، فلا بد من مقام ثلاثة أيام، حتى ينفد منا ثقلنا ~~وما أعددناه، ونحرق ما نعجز عن حمله لئلا يأخذه العدو. فلما سمعوا قوله ~~علموا صدقه، فتعاهدوا على الاتفاق والاجتماع، فلما أمسوا رحلوا من غير ~~مشاورة، ولم يبق غير شيركير، ونزل إليه الباطنية من القلعة، فدافعهم وحمى ~~من تخلف من سوقة العسكر وأتباعه، ولحق بالعسكر، فلما فارق القلعة غنم ~~بالباطنية ما تخلف عندهم. ؟؟ ### || AUT ذكر حصار قابس والمهدية # في هذه السنة جهز علي بن يحيى، صاحب إفريقية، أسطولا في البحر إلى مدينة ~~قابس، وحصرها. وسبب ذلك أن صاحبها رافع بن مكن الدهماني أنشأ مركبا بساحلها ~~ليحمل التجار في البحر، وكان ذلك آخر أيام الأمير يحيى، فلم ينكر يحيى ذلك، ~~جريا على عادته في المداراة، فلما ولي علي الأمر، بعد أبيه، أنف من ذلك ~~وقال: لا يكون لأحد من أهل إفريقية أن يناوئني في إجراء المراكب في البحر ~~بالتجار، فلما خاف رافع أن يمنعه علي التجأ إلى اللعين رجار ملك الفرنج ~~بصقلية، واعتضد به، فوعده رجار أن ينصره ويعينه على إجراء مركبه في البحر، ~~وأنفذ في الحال أسطولا إلى قابس، فاجتازوا بالمهدية، ms3781 فحينئذ تحقق علي ~~اتفاقهما، وكان يكذبه. فلما جاز أسطول رجار بالمهدية أخرج علي أسطوله في ~~أثره، فتوافى الجميع إلى قابس، فلما رأى صاحبها أسطول الفرنج والمسلمين لم ~~يخرج مركبه، فعاد أسطول الفرنج، وبقي أسطول علي يحصر رافعا بقابس مضيقا ~~عليها. ثم عادوا إلى المهدية، وتمادى رافع في المخالفة لعلي، وجمع قبائل ~~العرب، وسار بهم، حتى نزل على المهدية محصرا لها، وخادع عليا، وقال: إنني ~~إنما جئت للدخول في الطاعة، وطلب من يسعى في الصلح، وأفعاله تكذب أقواله، ~~فلم يجبه عن ذلك بحرف، وأخرج العساكر، وحملوا على رافع ومن معه حملة منكرة، ~~فألحقوهم بالبيوت، ووصل العسكر إلى البيوت، فلما رأى ذلك النساء صحن، ~~وولولن، فغارت العرب، وعاودت القتال، واشتد حينئذ الأمر إلى المغرب، ثم ~~افترقوا، وقد قتل من عسكر رافع بشر كثير، ولم يقتل من جند علي غير رجل واحد ~~من الرجالة. ثم خرج عسكر علي مرة أخرى، فاقتتلوا أشد من القتال الأول، وكان ~~الظهور فيه لعسكر علي، فلما رأى رافع أنه لا طاقة له بهم رحل عن المهدية ~~ليلا إلى القيروان، فمنعه أهلها من دخولها، فقاتلهم أياما قلائل، ثم دخلها، ~~فأرسل علي إليه عسكرا من المهدية، فحصروه فيها إلى أن خرج عنها، وعاد إلى ~~قابس، ثم إن جماعة من أعيان إفريقية، من العرب وغيرهم، سألوا عليا في ~~الصلح، فامتنع، ثم أجاب إلى ذلك، وتعاهد عليه. ### || AUT ذكر الوحشة بين رجار والأمير علي # كان رجار، صاحب صقلية، بينه وبين الأمير علي، صاحب إفريقية، مودة وكيدة، ~~إلى أن أعان رافعا كما تقدم قبل، فاستوحش كل منهما من صاحبه، ثم بعد ذلك ~~خاطبه رجار بما لم تجر عادتهم به، فتأكدت الوحشة، فأرسل رجار رسالة فيها ~~خشونة، فاحترز علي منه، وأمر بتجديد الأسطول، وإعداد الأهبة للقاء العدو، ~~وكاتب المرابطين بمراكش في الاجتماع معه على الدخول إلى صقلية، فكف رجار ~~عما كان يعتمده. ### || AUT ذكر قتل صاحب حلب واستيلاء إيلغازي عليها # في هذه السنة قتل لؤلؤ الخادم، وكان قد استولى على قلعة حلب وأعمالها، ~~بعد ms3782 وفاة الملك رضوان، وولي أتابكية ولده ألب أرسلان، فلما مات أقام بعده ~~في الملك سلطانشاه بن رضوان، وحكم في دولته أكثر من حكمه في دولة أخيه، ~~فلما كانت هذه السنة سار منها إلى قلعة جعبر ليجتمع بالأمير سالم بن مالك ~~صاحبها، فلما كان عند قلعة نادر نزل يريق الماء، فقصده جماعة من أصحابه ~~الأتراك، وصاحوا: أرنب، أرنب! وأوهموا أنهم يتصيدون، ورموه بالنشاب، فقتل، ~~فلما هلك نهبوا خزانته، فخرج إليهم أهل حلب، فاستعادوا ما أخذوه. ~~PageV04P0442 # وولي أتابكية سلطانشاه بن رضوان شمس الخواص يارو قتاش، فبقي شهرا، ~~وعزلوه، وولي بعده أبو المعالي بن الملحي الدمشقي، ثم عزلوه وصادروه. وقيل: ~~كان سبب قتل لؤلؤ أنه أراد قتل سلطانشاه، كما قتل أخاه ألب أرسلان قبله، ~~ففطن به أصحاب سلطانشاه، فقتلوه، وقيل كان قتله سنة عشر وخمسمائة، والله ~~أعلم. ثم إن أهل حلب خافوا من الفرنج، فسلموا البلد إلى نجم الدين إيلغازي، ~~فلما تسلمه لم يجد فيه مالا، ولا ذخيرة، لأن الخادم كان قد فرق الجميع، ~~وكان الملك رضوان قد جمع فأكثر، فرزقه الله غير أولاده، فلما رأى إيلغازي ~~خلو البلد من الأموال صادر جماعة من الخدم بمال صانع به الفرنج، وهادنهم ~~مدة يسيرة تكون بمقدار مسيره إلى ماردين، وجمع العساكر والعود، لما تمت ~~الهدنة سار إلى ماردين، على هذا العزم، واستخلف بحلب ابنه حسام الدين تمرتاش. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في رابع عشر، انخسف القمر انخسافا كليا. وفي هذه الليلة ~~هجم الفرنج على ربض حماة من الشام، وقتلوا من أهلها ما يزيد على مائة رجل ~~وعادوا. وفيها، في يوم عرفة، كانت زلزلة بالعراق، والجزيرة، وكثير من ~~البلاد، وخربت ببغداد دور كثيرة بالجانب الغربي. وفيها مات أحمد العربي ~~ببغداد، وكان من عباد الله الصالحين، له كرامات، وقبر يزار بها. وفي هذه ~~السنة، في شوال، توفي أبو علي محمد بن سعد بن إبراهيم بن نبهان الكاتب، ~~وعمره مائة سنة، وكان عالي الإسناد، وروى عن أبي علي بن شاذان وغيره، ~~والحسن بن أحمد بن ms3783 جعفر أبو عبد الله الشقاق الفرضي، الحاسب، وكان واحد ~~عصره في علم الفرائض والحساب، وسمع الحديث من أبي الحسين بن المهتدي وغيره. ~~وفيها مات الكزايكس ملك القسطنطينية، وملك بعده ابنه يوحنا، وسلك سيرته. ~~وفيها مات دوقس أنطاكية، وكفى الله شره. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وخمسمائة # ### || AUT ذكر ما فعله السلطان محمود بالعراق # ### || AUT وولاية البرسقي شحنكية بغداد # لما توفي السلطان محمد، وملك بعده ابنه محمود، ودبر دولته الوزير الربيب ~~أبو منصور، أرسل إلى الخليفة المستظهر بالله يطلب أن يخطب له ببغداد، فخطب ~~له في الجمعة ثالث عشر المحرم، وكان شحنة بغداد بهروز. ثم إن الأمير دبيس ~~بن صدقة كان عند السلطان محمد، مذ قتل والده، على ما ذكرناه، فأحسن إليه، ~~وأقطعه إقطاعا كثيرا، فلما توفي السلطان محمد خاطب السلطان محمودا في العود ~~إلى بلده الحلة، فأذن له في ذلك، فعاد إليها، فاجتمع عليه خلق كثير من ~~العرب، والأكراد، وغيرهم، وكان آقسنقر البرسقي مقيما بالرحبة، وهي إقطاعه، ~~وليس بيده من الولايات شيء، فاستخلف عليها ابنه عز الدين مسعود، وسار إلى ~~السلطان محمد، قبل موته، عازما على مخاطبته في زيادة إقطاعه، فبلغه وفاة ~~السلطان محمد قبل وصوله إلى بغداد. وسمع مجاهد الدين بهروز بقربه من بغداد، ~~فأرسل إليه يمنعه من دخولها، فسار إلى السلطان محمود، فلقيه توقيع السلطان ~~بولاية شحنكية بغداد، وهو بحلوان، وعزل بهروز. وكان الأمراء عند السلطان ~~يريدون البرسقي، ويتعصبون له، ويكرهون مجاهد الدين بهروز، ويحسدونه للقرب ~~الذي كان له عند السلطان محمد، وخافوا أن يزداد تقدما عند السلطان محمود ~~وحكما. فلما ولي البرسقي شحنكية بغداد هرب بهروز إلى تكريت، وكانت له. ثم ~~إن السلطان ولى شحنكية بغداد الأمير منكوبرس، وهو من أكابر الأمراء، وقد ~~حكم في دولة السلطان محمود، فلما أعطي الشحنكية سير إليها ربيبه الأمير ~~حسين بن أزبك، أحد الأمراء الأتراك، وهو صاحب أسداباذ، لينوب عنه ببغداد ~~والعراق، وفارق السلطان من باب همذان، واتصل به جماعة الأمراء البكجية ~~وغيرهم. فلما سمع البرسقي خاطب الخليفة المستظهر بالله ms3784 ليأمره بالتوقف إلى ~~أن يكاتب السلطان، ويفعل ما يرد به الأمر عليه، فأرسل إليه الخليفة، فأجاب: ~~إن يرسم الخليفة بالعود عدت، وإلا فلا بد من دخول بغداد. فجمع البرسقي ~~أصحابه وسار إليه، فالتقوا واقتتلوا، فقتل أخ لحسين، وانهزم هو ومن معه، ~~وعادوا إلى عسكر السلطان، فكان ذلك في شهر ربيع الأول، قبل وفاة المستظهر ~~بالله بأيام. ### || AUT ذكر وفاة المستظهر بالله # PageV04P0443 # في هذه السنة، سادس عشر ربيع الآخر، توفي المستظهر بالله أبو العباس أحمد ~~بن المقتدي بأمر الله، وكان مرضه التراقي، وكان عمره إحدى وأربعين سنة وستة ~~أشهر وستة أيام، وخلافته أربعا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما، ووزر ~~له عميد الدولة أبو منصور بن جهير، وسديد الملك أبو المعالي المفضل بن عبد ~~الرزاق الأصبهاني، وزعيم الرؤساء أبو القاسم بن جهير، ومجد الدين أبو ~~المعالي هبة الله بن المطلب، ونظام الدين أبو منصور الحسين بن محمد، وناب ~~عن الوزارة أمين الدولة أبو سعد بن الموصلايا، وقاضي القضاة أبو الحسن علي ~~بن الدامغاني، ومضى، في أيامه، ثلاثة سلاطين خطب لهم بالحضرة، وهم: تاج ~~الدولة تتش بن ألب أرسلان، والسلطان بركيارق، ومحمد ابنا ملكشاه. ومن غريب ~~الاتفاق أنه لما توفي السلطان ألب أرسلان توفي بعده القائم بأمر الله، ولما ~~توفي السلطان ملكشاه توفي بعده المقتدي بأمر الله، ولما توفي السلطان محمد ~~توفي بعده المستظهر بالله. ### || AUT ذكر بعض أخلاقه وسيرته # كان، رضي الله عنه، لين الجانب، كريم الأخلاق، يحب اصطناع الناس، ويفعل ~~الخير، ويسارع إلى أعمال البر والمثوبات، مشكور المساعي لا يرد مكرمة تطلب ~~منه. وكان كثير الوثوق بمن يوليه، غير مصغ إلى سعاية ساع، ولا ملتفت إلى ~~قوله، ولم يعرف منه تلون، وانحلال عزم، بأقوال أصحاب الأغراض. وكانت أيامه ~~أيام سرور للرعية، فكأنها من حسنها أعياد، وكان إذا بلغه ذلك فرح به وسره، ~~وإذا تعرض سلطان أو نائب له لأذى أحد بالغ في إنكار ذلك والزجر عنه. وكان ~~حسن الحظ، جيد التوقعات، لا يقاربه فيها أحد، يدل على فضل غزير، ms3785 وعلم واسع، ~~ولما توفي صلى عليه ابنه المسترشد بالله، وكبر أربعا، ودفن في حجرة له كان ~~يألفها. ومن شعره قوله: أذاب حر الهوى في القلب ما جمدا ... لما مددت إلى ~~رسم الوداع يدا وكيف أسلك نهج الاصطبار وقد ... أرى طرائق في مهوى الهوى ~~قددا قد أخلف الوعد بدر قد شغفت به، ... من بعد ما قد وفى دهري بما وعدا إن ~~كنت أنقض عهد الحب في خلدي ... من بعد هذا، فلا عاينته أبدا ### || AUT ذكر خلافة الإمام المسترشد بالله # لما توفي المستظهر بالله بويع ولده المسترشد بالله أبو منصور الفضل بن ~~أبي العباس أحمد بن المستظهر بالله، وكان ولي عهد قد خطب له ثلاثا وعشرين ~~سنة، فبايعه أخواه ابنا المستظهر بالله، وهما أبو عبد الله محمد، وأبو طالب ~~العباس، وعمومته بنو المقتدي بأمر الله، وغيرهم من الأمراء، والقضاة، ~~والأئمة، والأعيان. وكان المتولي لأخذ البيعة القاضي أبو الحسن الدامغاني، ~~وكان نائبا عن الوزارة، فأقره المسترشد بالله عليها، ولم يأخذ البيعة قاض ~~غير هذا، وأحمد بن أبي داود، فإنه أخذها للواثق بالله، والقاضي أبو علي ~~إسماعيل بن إسحاق، أخذها للمعتضد بالله. ثم إن المسترشد عزل قاضي القضاة عن ~~نيابة الوزارة، واستوزر أبا شجاع محمد بن الربيب أبي منصور، وزير السلطان ~~محمود، وكان والده خطب في معنى ولده، حتى استوزر، وقبض على صاحب المخزن أبي ~~طاهر يوسف بن أحمد الحزي. ### || AUT ذكر هرب الأمير أبي الحسن # ### || AUT أخي المسترشد وعوده # لما اشتغل الناس ببيعة المسترشد بالله، ركب أخوه الأمير أبو الحسن بن ~~المستظهر بالله سفينة، ومعه ثلاثة نفر، وانحدر إلى المدائن، وسار منها إلى ~~دبيس بن صدقة بالحلة، فكرمه دبيس، وعلم منه وفاة المستظهر بالله، وأقام له ~~الإقامات الكثيرة، فلما علم المسترشد بالله خبره أهمه ذلك وأقلقه، وأرسل ~~إلى دبيس يطلب منه إعادته، فأجاب بأنني عبد الخليفة، وواقف عند أمره، ومع ~~هذا، فقد استذم بي، ودخل منزلي، فلا أكرهه على أمر أبدا. وكان الرسول نقيب ~~النقباء شرف الدين علي بن طراد الزينبي، فقصد الأمير ms3786 أبا الحسن، وتحدث معه ~~في عوده، وضمن له عن الخليفة كل ما يريده، فأجاب إلى العود، وقال: إنني لم ~~أفارق أخي لشر أريده، وإنما الخوف حملني على مفارقته، فإذا أمنتني قصدته. ~~وتكفل دبيس بإصلاح الحال بنفسه، والمسير معه إلى بغداد، فعاد النقيب وأعلم ~~الخليفة الحال، فأجاب إلى ما طلبه منه. ثم حدث من أمر البرسقي ودبيس ~~ومنكوبرس ما ذكرناه، فتأخر الحال. PageV04P0444 # وأقام الأمير أبو الحسن عند دبيس إلى ثاني عشر صفر سنة ثلاث عشرة ~~وخمسمائة، ثم سار عن الحلة إلى واسط، وكثر جمعه وقوي الإرجاف بقوته، وملك ~~مدينة واسط، وخيف جانبه، فتقدم الخليفة المسترشد بالله بالخطبة لولي عهده ~~ولده أبي جعفر المنصور، وعمره حينئذ اثنتا عشرة سنة، فخطب له ثاني ربيع ~~الآخر ببغداد، وكتب إلى البلاد بالخطبة له، وأرسل إلى دبيس بن مزيد في معنى ~~الأمير أبي الحسن، وأنه الآن فارق جواره، ومد يده إلى بلاد الخليفة وما ~~يتعلق به، وأمره بقصده ومعاجلته قبل قوته، فأرسل دبيس العساكر إليه، ففارق ~~واسط، وقد تحير هو وأصحابه، فضلوا الطريق، ووصلت عساكر دبيس، فصادفوهم عند ~~الصلح، فنهبوا أثقاله، وهرب الأكراد من أصحابه، والأتراك، وعاد الباقون إلى ~~دبيس. وبقي الأمير أبو الحسن في عشرة من أصحابه وهو عطشان، وبينه وبين ~~الماء خمسة فراسخ، وكان الزمان قيظا، فأيقن بالتلف، وتبعه بدويان، فأراد ~~الهرب منهما، فلم يقدر، فأخذاه، وقد اشتد به العطش، فسقياه، وحملاه إلى ~~دبيس، فسيره إلى بغداد، وحمله إلى الخليفة، بعد أن بذل له عشرين ألف دينار، ~~فحمل إلى الدار العزيزة، وكان بين خروجه عنها وعوده إليها أحد عشر شهرا. ~~ولما دخل على المسترشد بالله قبل قدمه، وقبله المسترشد، وبكيا، وأنزله دارا ~~حسنة كان هو يسكنها قبل أن يلي الخلافة، وحمل إليه الخلع، والتحف الكثيرة، ~~وطيب نفسه وأمنه. ### || AUT ذكر مسير الملك مسعود وجيوش بك إلى العراق وما كان بينهما وبين البرسقي # ودبيس في هذه السنة، في جمادى الأولى، برز البرسقي، ونزل بأسفل الرقة، ~~في عسكره ومن معه، وأظهر أنه على قصد الحلة وإجلاء ms3787 دبيس بن صدقة عنها. وجمع ~~دبيس جموعا كثيرة من العرب والأكراد، وفرق الأموال الكثيرة والسلاح. وكان ~~الملك مسعود ابن السلطان محمد بالموصل مع أتابكه أي أبه جيوش بك، فأشار ~~عليهما جماعة ممن عندهما بقصد العراق فإنه لا مانع دونه، فسارا في جيوش ~~كثيرة، ومع الملك مسعود وزيره فخر الملك أبو علي بن عمار، صاحب طرابلس، ~~وقسيم الدولة زنكي بن آقسنقر جد ملوكنا الآن بالموصل، وكان من الشجاعة في ~~الغاية، ومعهم أيضا صاحب سنجار، وأبو الهيجاء، صاحب إربل، وكرباوي بن ~~خراسان التركماني، صاحب البوازيج. فلما علم البرسقي قربهم خافهم. وكان ~~البرسقي قديما قد جعله السلطان محمد أتابك ولده مسعود، على ما ذكرناه، ~~وإنما كان خوفه من جيوش بك، فلما قاربوا بغداد سار إليهم ليقاتلهم ويصدهم، ~~فلما علم مسعود وجيوش بك ذلك أرسلا إليه الأمير كرباوي في الصلح، وأعلمه ~~أنهم إنما جاءوا نجدة له على دبيس، واصطلحوا، وتعاهدوا، واجتمعوا. ووصل ~~مسعود إلى بغداد، ونزل بدار المملكة، ووصلهم الخبر بوصول الأمير عماد الدين ~~منكبرس، المقدم ذكره، في جيش كثير، فسار البرسقي عن بغداد ليحاربه ويمنعه ~~عنها، فلما علم به منكبرس قصد النعمانية، وعبر دجلة هناك، واجتمع هو ودبيس ~~بن صدقة. وكان دبيس قد خاف من الملوك مسعود والبرسقي، فبنى أمره على ~~المحاجزة والملاطفة، فأهدى لمسعود هدية حسنة، وللبرسقي، وجيوش بك، فلما ~~وصله خبر وصول منكبرس راسله، واستماله، واستحلفه، واتفقا على التعاضد ~~والتناصر، واجتمعا، وكل واحد منهما قوي بصاحبه، فلما اجتمعا سار الملك ~~مسعود، والبرسقي، وجيوش بك، ومن معهم، إلى المدائن للقاء دبيس ومنكبرس، ~~فلما وصلوا المدائن أتتهم الأخبار بكثرة الجمع معهما، فعاد البرسقي، والملك ~~مسعود، وعبرا نهر صرصر، وحفظا المخاضات عليه، ونهبت الطائفتان السواد نهبا ~~فاحشا: نهر الملك، ونهر صرصر، ونهر عيسى، وبعض دجيل، واستباحوا النساء. ~~فأرسل المسترشد بالله إلى الملك مسعود والبرسقي ينكر هذه الحال، ويأمرهما ~~بحقن الدماء، وترك الفساد، ويأمر بالموادعة والمصالحة، وكان الرسل: سديد ~~الدولة بن الأنباري، والإمام الأسعد الميهني، مدرس النظامية، فأنكر البرسقي ~~أن يكون جرى منهما شيء من ms3788 ذلك، وأجاب إلى العود إلى بغداد، فوصل من أخبره ~~أن منكبرس ودبيسا قد جهزا ثلاثة آلاف فارس مع منصور أخي دبيس، والأمير حسين ~~بن أزبك، ربيب منكبرس، وسيروهم، وعبروا عند درزيجان ليقطعوا مخاضة عند ~~ديالى إلى بغداد، لخلوها من عسكر يحميها ويمنع عنها. PageV04P0445 # فعاد البرسقي إلى بغداد، وعبر الجسر لئلا يخاف الناس، ولم يعلموا الخبر، ~~وخلف ابنه عز الدين مسعودا على عسكره بصرصر، واستصحب معه عماد الدين زنكي ~~بن آقسنقر، فوصل إلى ديالى، ومنع عسكر منكبرس من العبور، فأقام يومين، ~~فأتاه كتاب ابنه عز الدين مسعود يخبره أن الصلح قد استقر بين الفريقين، ~~فانكسر نشاطه، حيث جرى هذا الأمر ولم يعلم به، وعاد نحو بغداد، وعبر إلى ~~الجانب الغربي، وعبر منصور وحسين فسارا في عسكرهما خلفه، فوصلا بغداد عند ~~نصف الليل، فنزلا عند جامع السلطان. وسار البرسقي إلى الملك مسعود فأخذ ~~بركه وماله وعاد إلى بغداد، فخيم عند القنطرة العتيقة، وأصعد الملك مسعود، ~~وجيوش بك، فنزلا عند البيمارستان، وأصعد دبيس ومنكبرس فخيما تحت الرقة، ~~وأقام عز الدين مسعود بن البرسقي عند منكبرس منفردا عن أبيه. وكان سبب هذا ~~الصلح أن جيوش بك كان قد أرسل إلى السلطان محمود يطلب الزيادة له وللملك ~~مسعود، فوصل كتاب الرسول من العسكر يذكر أنه لقي من السلطان إحسانا كثيرا، ~~وأنه أقطعهما أذربيجان، فلما بلغه رحيلهما إلى بغداد اعتقد أنهما قد عصيا ~~عليه، فعاد عما كان استقر، ويقول إن السلطان قد جهز عسكرا إلى الموصل. فوقع ~~الكتاب بيد منكبرس، فأرسله إلى جيوش بك، وضمن له إصلاح السلطان له وللملك ~~مسعود، وكان منكبرس متزوجا بأم الملك مسعود، واسمها سرجهان، وكان يؤثر ~~مصلحته لذلك، واستقر الصلح، وخافا من البرسقي أن يمنع منه، فاتفقا على ~~إرسال العسكر إلى درزيجان لينفذ في مقابلته البرسقي ليخلو العسكر منه، ويقع ~~الاتفاق، فكان الأمر في مسيره على ما تقدم. وكان البرسقي محبوبا لدى أهل ~~بغداد لحسن سيرته فيهم، فلما استقر الصلح، ووصلوا إلى بغداد تفرق عن ~~البرسقي أصحابه وجموعه، وبطل ما كان ms3789 يحدث به نفسه من التغلب على العراق ~~بغير أمر السلطان، وسار عن العراق إلى الملك مسعود، فأقام معه، واستقر ~~منكبرس في شحنكية بغداد، وودعه دبيس بن صدقة، وعاد إلى الحلة، بعد أن طالب ~~بدار أبيه بدرب فيروز، وكانت قد دخلت في جامع القصر ببغداد، فصولح عنها ~~بمال. وأقام منكبرس ببغداد يظلم ويعسف بالرعية، ويصادرهم، فاختفى أرباب ~~الأموال، وانتقل جماعة إلى حريم دار الخلافة خوفا منه، وبطلت معايش الناس، ~~وأكثر أصحابه الفساد، حتى إن بعض أهل بغداد زفت إليه امرأة تزوجها، فعلم ~~بعض أصحاب منكبرس، فأتاه وكسر الباب وجرح الزوج عدة جراحات، وابتنى بزوجته، ~~فكثر الدعاء ليلا ونهارا، واستغاث الناس لهذه الحال، وأغلقوا الأسواق، فأخذ ~~الجندي إلى دار الخلافة فاعتقل أياما ثم أطلق. وسمع السلطان بما يفعله ~~منكبرس ببغداد، فأرسل إليه يستدعيه، ويحثه على اللحوق به، وهو يغالط ~~ويدافع، وكلما طلبه السلطان لج في جمع الأموال والمصادرات. فلما علم أهل ~~بغداد تغير السلطان عليه، واستدعاءه إياه، طمعوا فيه، فسار حينئذ منكبرس ~~عنهم خوفا أن يثوروا به، وكفى الناس شره، وظهر من كان مستترا. ### || AUT ذكر وفاة ملك الفرنج # ### || AUT وما كان بين الفرنج وبين المسلمين # في ذي الحجة من سنة إحدى عشرة وخمسمائة توفي بغدوين ملك القدس، وكان قد ~~سار إلى ديار مصر في جمع الفرنج، قاصدا ملكها والتغلب عليها، وقوي طمعه في ~~الديار المصرية، وبلغ مقابل تنيس، وسبح في النيل، فانتقض جرح كان به، فلما ~~أحس بالموت عاد إلى القدس، فمات، ووصى ببلاده للقمص صاحب الرها، وهو الذي ~~كان أسره جكرمش، وأطلقه جاولي سقاوو، واتفق أن هذا القمص كان قد سار إلى ~~القدس يزور بيعة قمامة، فلما وصى إليه بالملك قبله، واجتمع له القدس ~~والرها. وكان أتابك طغتكين قد سار عن دمشق لقتال الفرنج، فنزل بين دير أيوب ~~وكفر بصل باليرموك، فخفيت عنه وفاة بغدوين، حتى سمع الخبر بعد ثمانية عشر ~~يوما، وبينهم نحو يومين، فأتته رسل ملك الفرنج يطلب المهادنة، فاقترح عليه ~~طغتكين ترك المناصفة التي بينهم من جبل ms3790 عوف، والحنانة، والصلت، والغور، فلم ~~يجب إلى ذلك، وأظهر القوة، فسار طغتكين إلى طبرية فنهبها وما حولها، وسار ~~منها نحو عسقلان. PageV04P0446 # وكانت للمصريين وبها عساكرهم، كانوا قد سيروها لما عاد ملك القدس المتوفى ~~عن مصر، وكانوا سبعة آلاف فارس، فاجتمع بهم طغتكين، وأعلمه المقدم عليهم أن ~~صاحبهم تقدم إليه بالوقوف عند رأي طغتكين، والتصرف على ما يحكم به، فأقاموا ~~بعسقلان نحو شهرين، ولم يؤثروا في الفرنج أثرا، فعاد طغتكين إلى دمشق، ~~فأتاه الصريخ بأن مائة وثلاثين فارسا من الفرنج أخذوا حصنا من أعماله يعرف ~~بالحبس، يعرف بحصن جلدك، سلمه إليهم المستحفظ به وقصدوا أذرعات فنهبوها، ~~فأرسل إليهم تاج الملوك بوري بن طغتكين، فانحازوا عنه إلى جبل هناك، ~~فنازلهم، فأتاه أبوه ونهاه عنهم، فلم يفعل، وطمع فيهم، فلما أيس الفرنج ~~قاتلوا قتال مستقتل، فنزلوا من الجبل وحملوا على المسلمين حملة صادقة ~~هزموهم بها، وأسروا وقتلوا خلقا كثيرا، وعاد الفل إلى دمشق على أسوأ حال. ~~فسار طغتكين إلى حلب، وبها إيلغازي، فاستنجده، وطلب منه التعاضد على ~~الفرنج، فوعده بالمسير معه، فبينما هو بحلب أتاه الخبر بأن الفرنج قصدوا ~~حوران من أعمال دمشق، فنهبوا وقتلوا وسبوا وعادوا، فاتفق رأي طغتكين ~~وإيلغازي على عود طغتكين إلى دمشق، وحماية بلاده، وعود إيلغازي إلى ماردين، ~~وجمع العساكر، والاجتماع على حرب الفرنج، فصالح إيلغازي من يليه من الفرنج ~~على ما تقدم ذكره، وعبر إلى ماردين لجمع العساكر، وكان ما نذكره سنة ثلاث ~~عشرة، إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة انقطع الغيث، وعدمت الغلات في كثير من البلاد، وكان أشده ~~بالعراق، فغلت الأسعار، وأجلى أهل السواد، وتقوت الناس بالنخالة، وعظم ~~الأمر على أهل بغداد بما كان يفعله منكبرس بهم. وفيها أسقط المسترشد بالله ~~من الإقطاع المختص به كل جور، وأمر أن لا يؤخذ إلا ما جرت به العادة ~~القديمة، وأطلق ضمان غزل الذهب، وكان صناع السقلاطون، والممزج، وغيرهم ممن ~~يعمل منه، يلقون شدة من العمال عليها، وأذى عظيما. وفيها تأخر مسير الحجاج ~~تأخرا ms3791 أرجف بسببه بانقطاع الحج من العراق، فرتب الخليفة الأمير نظر، خادم ~~أمير الجيوش يمن، وولاه من أمر الحج ما كان يتولاه أمير الجيوش، وأعطاه من ~~المال ما يحتاج إليه في طريقه، وسيره، فأدركوا الحج وظهرت كفاية نظر. وفيها ~~وصل مركبان كبيران فيهما قوة ونجدة للفرنج بالشام، فغرقا، وكان الناس قد ~~خافوا ممن فيهما. وفيها وصل رسول إيلغازي، صاحب حلب وماردين، إلى بغداد ~~يستنفر على الفرنج، ويذكر ما فعلوا بالمسلمين في الديار الجزرية، وأنهم ~~ملكوا قلعة عند الرها، وقتلوا أميرها ابن عطير، فسيرت الكتب بذلك إلى ### || AUT السلطان محمود # . وفيها نقل المستظهر إلى الرصافة، وجميع من كان مدفونا بدار الخلافة، ~~وفيهم جدة المستظهر أم المقتدي، وكانت وفاتها بعد المستظهر، ورأت البطن ~~الرابع من أولادها. وفيها كثر أمر العيارين بالجانب الغربي من بغداد، فعبر ~~إليهم نائب الشحنة في خمسين غلاما أتراكا، فقاتلهم، فانهزم منهم، ثم عبر ~~إليهم من الغد في مائتي غلام، فلم يظفر بهم، ونهب العيارون يومئذ قطفتا. ~~وفي هذه السنة، في شعبان، توفي أبو الفضل بكر بن محمد بن علي بن الفضل ~~الأنصاري من ولد جابر بن عبد الله، وهو من بلد بخارى، وكان من أعيان ~~الفقهاء الحنفية، حافظا للمذهب. وتوفي أبو طالب الحسين بن محمد بن علي بن ~~الحسن الزينبي، نقيب النقباء ببغداد، في صفر، واستقال من النقابة، فوليها ~~أخوه طراد، وكان من أكابر الحنفية، وروى الحديث الكثير. وفيها، في ذي ~~الحجة، توفي أبو زكرياء يحيى بن عبد الوهاب بن مندة الأصبهاني، المحدث ~~المشهور من بيت الحديث، وله فيه تصانيف حسنة. وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن ~~الخازن، وكان أديبا، ظريفا، له شعر حسن، فمنه قوله، وقد قصد زيارة صديق له، ~~فلم يره، فأدخله غلمانه إلى بستان في الدار، وحمام، فقال في ذلك: وافيت ~~منزله، فلم أر صاحبا ... إلا تلقاني بوجه ضاحك والبشر في وجه الغلام نتيجة ~~... لمقدمات ضياء وجه المالك ودخلت جنته، وزرت جحيمه ... فشكرت رضوانا ورأفة مالك ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وخمسمائة # ### || AUT ذكر عصيان ms3792 الملك طغرل على أخيه # ### || AUT السلطان محمود # PageV04P0447 # كان الملك طغرل بن محمد لما توفي والده بقلعة سرجهان، وكان مولده سنة ~~ثلاث وخمسمائة في المحرم، وأقطعه والده، سنة أربع، ساوة وآوة وزنجان، وجعل ~~أتابكه الأمير شيركير الذي تقدم ذكره في حصار قلاع الإسماعيلية، فازداد ملك ~~طغرل بما فتحه شيركير من قلاعهم، فأرسل إليه السلطان محمود الأمير كنتغدي ~~ليكون أتابكا له، ومدبرا لأمره، ويحمله إليه، فلما وصل إليه حسن له مخالفة ~~أخيه، وترك المجيء إليه، واتفقا على ذلك. وسمع السلطان محمود الخبر، فأرسل ~~شرف الدين أنوشروان بن خالد، ومعه خلع وتحف وثلاثون ألف دينار، ووعد أخاه ~~بإقطاع كثير، زيادة على ما له، إذا قصده، واجتمع به، فلم تقع الإجابة إلى ~~الاجتماع، وأجاب كنتغدي بأننا في طاعة السلطان، وأي جهة أراد قصدناها، ~~ومعنا من العساكر ما نقاوم بها من يرسم بقصده. فبينما الخوض معهم في ذلك ~~ركب السلطان محمود من باب همذان في عشرة آلاف فارس، جريدة، في جمادى ~~الأولى، وكتم مقصده، وعزم على أن يكبس أخاه، والأمير كنتغدي، فرأى أحد ~~خواصه تركيا من أصحاب الملك طغرل، فأعلم السلطان به، فقبض عليه، فعلم رفيق ~~كان معه الحال، فسار عشرين فرسخا في ليلة، ووصل إلى الأمير كنتغدي، وهو ~~سكران، فأيقظه بعد جهد، وأعلمه الحال، فقصد الملك طغرل، فعرفه ذلك، وأخذ ~~متخفيا، وقصد قلعة سميران، فضلا عن الطريق إلى قلعة سرجهان، وكانا قد ~~فارقاها، وجمع العساكر، وكان ضلالهما هداية لهما إلى السلامة، فإن السلطان ~~محمودا جعل طريقه على سميران، وقال: إنها حصنهما الذي فيه الذخائر ~~والأموال، وإذا علما بوصوله إليهما سارا إليها، فربما صادفهما في الطريق، ~~فسلما منه بما ظناه عطبا لهما. ووصل السلطان إلى العسكر، فكبسه، ونهبه، ~~وأخذ من خزانة أخيه ثلاثمائة ألف دينار، وذلك المال الذي أنفذه له، وأقام ~~السلطان محمود بزنجان، وتوجه منها إلى الري، ونزل طغرل من سرجهان، ولحق هو ~~وكنتغدي بكنجة وقصده أصحابه، فقويت شوكته، وتمكنت الوحشة بينه وبين أخيه محمود. ### || AUT ذكر الحرب بين سنجر والسلطان محمود # في هذه ms3793 السنة، في جمادى الأولى، كانت حرب شديدة بين سنجر وابن أخيه ~~السلطان محمود، ونحن نذكر سياقة ذلك: قد ذكرنا سنة ثمان وخمسمائة مسير ~~السلطان سنجر إلى غزنة، وفتحها وما كان منه فيها، ثم عاد عنها إلى خراسان، ~~فلما بلغه وفاة أخيه السلطان محمد، وجلوس ولده السلطان محمود في السلطنة، ~~وهو زوج ابنة سنجر، لحقه حزن عظيم لموت أخيه، وأظهر من الجزع والحزن ما لم ~~يسمع بمثله، وجلس للعزاء على الرماد، وأغلق البلد سبعة أيام، وتقدم إلى ~~الخطباء بذكر السلطان محمد بمحاسن أعماله من قتال الباطنية، وإطلاق المكوس، ~~وغير ذلك. وكان سنجر يلقب بناصر الدين، فلما توفي أخوه محمد تلقب بمعز ~~الدين، وهو لقب أبيه ملكشاه، وعزم على قصد بلد الجبال والعراق وما بيد ~~محمود ابن أخيه، فندم على قتل وزيره أبي جعفر محمد بن فخر الملك أبي المظفر ~~بن نظام الملك. وكان سبب قتله أنه وحش الأمراء، واستخف بهم، فأبغضوه ~~وكرهوه، وشكوا منه إلى السلطان، وهو بغزنة، فأعلمهم أنه يؤثر قتله، وليس ~~يمكنه فعل ذلك بغزنة. وكان سنجر قد تغير على وزيره لأسباب منها: أنه أشار ~~عليه بقصد غزنة، فلما وصل إلى بست أرسل أرسلانشاه صاحبها إلى الوزير، وضمن ~~له خمسمائة ألف دينار ليثني سنجر عن قصده، فأشار عليه بمصالحته والعود عنه، ~~وفعل مثل ذلك بما وراء النهر، ومنها: أنه نقل عنه أنه أخذ من غزنة أموالا ~~جليلة عظيمة المقدار، ومنها: ما ذكر من إيحاشه الأمراء وغير هذه الأسباب. ~~فلما عاد إلى بلخ قبض عليه، وقتله وأخذ ماله، وكان له من الجواهر والأموال ~~ما لا حد عليه، والذي وجد له من العين ألفا ألف دينار، فلما قتله استوزر ~~بعده شهاب الإسلام عبد الرزاق ابن أخي نظام الملك، ويعرف بابن الفقيه، إلا ~~أنه لم تكن له منزلة ابن فخر الملك عند الناس في علو المنزلة. فلما اتصل به ~~وفاة أخيه ندم على قتله لأنه كان يبلغ به من الأغراض والملك ما لا يبلغه ~~بكثرة العساكر لميل الناس إليه، ومحله عندهم. PageV04P0448 # ثم ms3794 إن السلطان محمودا أرسل إلى عمه سنجر شرف الدين أنوشروان بن خالد وفخر ~~الدين طغايرك بن اليزن، ومعهما الهدايا والتحف، وبذل له النزول عن ~~مازندران، وحمل مائتي ألف دينار كل سنة، فوصلا إليه وأبلغاه الرسالة، فتجهز ~~ليسير إلى الري، فأشار عليه شرف الدين أنوشروان بترك القتال والحرب، فكان ~~جوابه في ذلك: أن ولد أخي صبي، وقد تحكم عليه وزيره والحاجب علي. فلما سمع ~~السلطان محمود بمسير عمه نحوه، ووصول الأمير أنر في مقدمته إلى جرجان، تقدم ~~إلى الأمير علي بن عمر، وهو أمير حاجب السلطان محمد، وبعده صار أمير حاجب ~~السلطان محمود، بالمسير، وضم إليه جمعا كثيرا من العساكر والأمراء، ~~فاجتمعوا في عشرة آلاف فارس، فساروا إلى أن قاربوا مقدمة سنجر التي عليها ~~الأمير أنر، فراسله الأمير علي بن عمر يعرفه وصية السلطان محمد بتعظيم سنجر ~~والرجوع إلى أمره ونهيه، والقبول منه، وأنه ظن أن سنجر يحفظ السلطنة على ~~ولده السلطان محمود، وأخذ علينا بذلك العهود، فليس لنا أن نخالفه، وحيث ~~جئتم إلى بلادنا لا نحتمل ذلك، ولا نغضي عليه، وقد علمت أن معك خمسة آلاف ~~فارس، فأنا أرسل إليك أقل منهم لتعلم أنكم لا تقاوموننا، ولا تقوون بنا. ~~فلما سمع الأمير أنر ذلك عاد عن جرجان ولحقه بعض عسكر السلطان محمود. ~~فأخذوا قطعة من سواده، وأسروا عدة من أصحابه. وكان السلطان محمود قد وصل ~~إلى الري، وهو بها، وعاد الأمير علي بن عمر إليه، فشكره على فعله، وأثنى ~~عليه وعلى عسكره الذين معه. وأشير على السلطان محمود بملازمة الري، والمقام ~~بها، وقيل: إن عساكر خراسان إذا علموا بمقامك فيها لا يفارقون حدودهم، ولا ~~يتعدون ولايتهم. فلم يقبل ذلك وضجر المقام، وسار إلى جرجان. ووصل السلطان ~~محمود والأمير منكبرس من العراق في عشرة آلاف فارس، والأمير منصور بن صدقة ~~أخو دبيس، والأمراء البكجية، وغيرهم، وسار محمود إلى همذان، وتوفي بها ~~وزيره الربيب، واستوزر أبا طالب السميرمي، وبلغه وصول عمه سنجر إلى الري، ~~فسار نحوه قاصدا قتاله، فالتقيا بالقرب من ساوة ms3795 ثاني جمادى الأولى من ~~السنة، وكان عسكر السلطان محمود قد عرفوا المفازة التي بين يدي عسكر سنجر، ~~وهي ثمانية أيام، فسبقوهم إلى الماء وملكوه عليهم. وكان العسكر الخراساني ~~في عشرين ألفا، ومعهم ثمانية عشر فيلا اسم كبيرها باذهو، ومن الأمراء ~~الكبار: ولد الأمير أبي الفضل، صاحب سجستان. وخوارزمشاه محمد، والأمير أنر، ~~والأمير قماج، واتصل به علاء الدولة كرشاسف بن فرامرز بن كاكويه، صاحب يزد، ~~وهو صهر السلطان محمد وسنجر على أختهما، وكان أخص الناس بالسلطان محمد، ~~فلما تولى السلطان محمود تأخر عنه، فأقطع بلده لقراجة الساقي الذي صار صاحب ~~بلاد فارس، فسار حينئذ علاء الدولة إلى سنجر، وهو من ملوك الديلم، وعرف ~~سنجر الأحوال، والطريق إلى قصد البلاد، وما فعله الأمراء من أخذ الأموال، ~~وما هم عليه من اختلاف الأهواء، وحسن قصد البلاد، وما فعله الأمراء من أخذ ~~الأموال، وما هم عليه من اختلاف الأهواء، وحسن قصد البلاد. وكان عسكر ~~السلطان محمود ثلاثين ألفا، ومن الأمراء الكبار: الأمير علي بن عمر، أمير ~~حاجب، والأمير منكبرس، وأتابكه غزغلي، وبنو برسق، وسنقر البخاري، وقراجة ~~الساقي، ومعه تسعمائة حمل من السلاح. واستهان عسكر محمود بعسكر عمه بكثرتهم ~~وشجاعتهم، وكثرة خيلهم، فلما التقوا ضعفت نفوس الخراسانية لما رأوا لهذا ~~العسكر من القوة والكثرة، فانهزمت ميمنة سنجر وميسرته، واختلط أصحابه، ~~واضطرب أمرهم، وساروا منهزمين لا يلوون على شيء، ونهب من أثقالهم شيء كثير، ~~وقتل أهل السواد كثيرا منهم. PageV04P0449 # ووقف سنجر بين الفيلة في جمع من أصحابه، وبإزائه السلطان محمود، ومعه ~~أتابكه غزغلي، فألجأت سنجر الضرورة، عند تعاظم الخطب عليه، أن يقدم الفيلة ~~للحرب، وكان من بقي معه قد أشاروا عليه بالهزيمة، فقال: إما النصر أو ~~القتل، وأما الهزيمة فلا. فلما تقدمت الفيلة، ورآها خيل محمود، تراجعت ~~بأصحابها على أعقابها، فأشفق سنجر على السلطان محمود في تلك الحال، وقال ~~لأصحابه: لا تفزعوا الصبي بحملات الفيلة، فكفوها عنهم، وانهزم السلطان ~~محمود ومن معه في القلب، وأسر أتابكه غزغلي، فكان يكاتب السلطان، ويعده أنه ~~يحمل إليه ابن أخيه، ms3796 فعاتبه على ذلك، فاعتذر بالعجز، فقتله، وكان ظالما قد ~~بالغ في ظلم أهل همذان، فعجل الله عقوبته. ولما تم النصر والظفر للسلطان ~~سنجر أرسل من أعاد المنهزمين من أصحابه إليه، ووصل الخبر إلى بغداد في عشرة ~~أيام، فأرسل الأمير دبيس بن صدقة إلى المسترشد بالله في الخطبة للسلطان ~~سنجر، فخطب له في السادس والعشرين من جمادى الأولى، وقطعت خطبة السلطان ~~محمود. وأما السلطان محمود فإنه سار من الكسرة إلى أصبهان، ومعه وزيره أبو ~~طالب السميري، والأمير علي بن عمر وقراجة. وأما سنجر فإنه سار إلى همذان، ~~فرأى قلة عسكره، واجتماع العساكر على ابن أخيه، فراسله في الصلح، وكانت ~~والدته تشير عليه بذلك، وتقول: قد استوليت على غزنة وأعمالها، وما وراء ~~النهر، وملكت ما لا حد عليه، وقررت الجميع على أصحابه، فاجعل ولد أخيك ~~كأحدهم. وكانت والدة سنجر هي جدة السلطان محمود، فأجاب إلى قولها، ثم كثرت ~~العساكر عند سنجر منهم البرسقي، وكان عند الملك مسعود بأذربيجان من حين ~~خروجه عن بغداد إلى هذه الغاية، فقوي بهم. فعاد الرسول وأبلغه عن الأمراء ~~الذين مع السلطان محمود أنهم لا يصالحونه حتى يعود إلى خراسان، فلم يجب إلى ~~ذلك، وسار من همذان إلى كرج، وأعاد مراسلة السلطان محمود في الصلح، ووعده ~~أن يجعله ولي عهده، فأجاب إلى ذلك، واستقر الأمير بينهما، وتحالفا عليه. ~~وسار السلطان محمود إلى عمه سنجر في شعبان، فنزل على جدته والدة سنجر، ~~وأكرمه عمه، وبالغ في ذلك، وحمل له السلطان محمود هدية عظيمة، فقبلها ~~ظاهرا، وردها باطنا، ولم تقبل منه سوى خمسة أفراس عربية، وكتب السلطان سنجر ~~إلى سائر الأعمال التي بيده كخراسان وغزنة، وما وراء النهر، وغيرها من ~~الولايات، بأن يخطب للسلطان محمود بعده، وكتب إلى بغداد مثل ذلك، وأعاد ~~عليه جميع ما أخذ من البلاد سوى الري، وقصد بأخذها أن تكون له في هذه ~~الديار لئلا يحدث السلطان محمود نفسه بالخروج. ### || AUT ذكر غزاة إيلغازي بلاد الفرنج # في هذه السنة سار الفرنج من بلادهم إلى نواحي حلب، ms3797 فملكوا بزاعة وغيرها، ~~وخربوا بلد حلب ونازلوها، ولم يكن بحلب من الذخائر ما يكفيها شهرا واحدا، ~~وخافهم أهلها خوفا شديدا، ولوا مكنوا من القتال لم يبق بها أحد، لكنهم ~~منعوا من ذلك، وصانع الفرنج أهل حلب على أن يقاسموهم على أملاكهم التي بباب ~~حلب. فأرسل أهل البلد إلى بغداد يستغيثون، ويطلبون النجدة، فلم يغاثوا. ~~وكان الأمير إيلغازي، صاحب حلب، ببلد ماردين يجمع العساكر والمتطوعة ~~للغزاة، فاجتمع عليه نحو عشرين ألفا، وكان معه أسامة بن المبارك بن شبل ~~الكلابي، والأمير طغان أرسلان بن المكر، صاحب بدليس وأرزن، وسار بهم إلى ~~الشام، عازما على قتال الفرنج. فلما علم الفرنج قوة عزمهم على لقائهم، ~~وكانوا ثلاثة آلاف فارس، وتسعة آلاف راجل، ساروا فنزلوا قريبا من الأثارب، ~~بموضع يقال له تل عفرين، بين جبال ليس لها طريق إلا من ثلاث جهات، وفي هذا ~~الموضع قتل شرف الدولة مسلم بن قريش. PageV04P0450 # وظن الفرنج أن أحدا لا يسلك إليهم لضيق الطريق، فأخلدوا إلى المطاولة، ~~وكانت عادة لهم، إذا رأوا قوة من المسلمين، وراسلوا إيلغازي يقولون له: لا ~~تتعب نفسك بالمسير إلينا، فنحن واصلون إليك، فأعلم أصحابه بما قالوه، ~~واستشارهم فيما يفعل، فأشاروا بالركوب من وقته، وقصدهم، ففعل ذلك، وسار ~~إليهم، ودخل الناس من الطرق الثلاثة، ولم تعتقد الفرنج أن أحدا يقدم عليهم، ~~لصعوبة المسلك إليهم، فلم يشعروا إلا وأوائل المسلمين قد غشيتهم، فحمل ~~الفرنج حملة منكرة، فولوا منهزمين، فلقوا باقي العسكر متتابعة، فعادوا ~~معهم، وجرى بينهم حرب شديدة، وأحاطوا بالفرنج من جميع جهاتهم، وأخذهم السيف ~~من سائر نواحيهم، فلم يفلت منهم غير نفر يسير، وقتل الجميع، وأسروا. وكان ~~من جملة الأسرى نيف وسبعون فارسا من مقدميهم، وحملوا إلى حلب، فبذلوا في ~~نفوسهم ثلاثمائة ألف دينار، فلم يقبل منهم، وغنم المسلمون منهم الغنائم ~~الكثيرة. وأما سيرجال، صاحب أنطاكية، فإنه قتل وحمل رأسه، وكانت الوقعة ~~منتصف شهر ربيع الأول، فمما مدح به إيلغازي في هذه الوقعة قول العظيمي: قل ~~ما تشاء، فقولك المقبول، ... وعليك بعد الخالق التعويل واستبشر ms3798 القرآن حين ~~نصرته، ... وبكى لفقد رجاله الإنجيل ثم تجمع من سلم من المعركة مع غيرهم، ~~فلقيهم إيلغازي أيضا، فهزمهم، وفتح منهم حصن الأثارب، وزردنا، وعاد إلى ~~حلب، وقرر أمرها، وأصلح حالها، ثم عبر الفرات إلى ماردين. ### || AUT ذكر وقعة أخرى من الفرنج # في هذه السنة سار جوسلين، صاحب تل باشر، في جمع من الفرنج، نحو مائتي ~~فارس، من طبرية، فكبس طائفة من طي يعرفون ببني خالد، فأخذهم، وأخذ غنائمهم، ~~وسألهم عن بقية قومهم من بني ربيعة، فأخبروه أنهم من وراء الحزن، بوادي ~~السلالة، بين دمشق وطبرية، فقدم جوسلين مائة وخمسين فارسا من أصحابه، وسار ~~هو في خمسين فارسا على طريق آخر، وواعدهم الصبح ليكبسوا بني ربيعة، فوصلهم ~~الخبر بذلك، فأرادوا الرحيل، فمنعهم أميرهم من بني ربيعة، وكانوا في مائة ~~وخمسين فارسا، فوصلهم المائة وخمسون من الفرنج، معتقدين أن جوسلين قد سبقهم ~~أو سيدركهم، فضل الطريق، وتساوت العدتان، فاقتتلوا، وطعنت العرب خيولهم، ~~فجعلوا أكثرهم رجالة، وظهر من أميرهم شجاعة، وحسن تدبير، وجودة رأي، فقتل ~~من الفرنج سبعون، وأسر اثنا عشر من مقدميهم، بذل كل واحد منهم في فداء نفسه ~~مالا جزيلا وعدة من الأسرى. وأما جوسلين فإنه ضل في الطريق، وبلغه خبر ~~الوقعة، فسار إلى طرابلس، فجمع جمعا، وأسرى إلى عسقلان، فأغار على بلدها، ~~فهزمه المسلمون هناك، فعاد مفلولا. ### || AUT ذكر قتل منكوبرس # في هذه السنة قتل الأمير منكوبرس الذي كان شحنة بغداد، وقد تقدم حاله. ~~وكان سبب قتله: أنه لما انهزم مع السلطان محمود وعاد إلى بغداد، ونهب عدة ~~مواضع من طريق خراسان، وأراد دخول بغداد، فسير إليه دبيس بن صدقة من منعه ، ~~فعاد وقد استقر الصلح بين السلطانين سنجر ومحمود، فقصد السلطان سنجر، فدخل ~~إليه ومعه سيف وكفن، فقال له: أنا لا أؤاخذ أحدا، وسلمه إلى السلطان محمود، ~~وقال: هذا مملوكك، فاصنع به ما تريد! فأخذه. وكان في نفسه منه غيظ شديد ~~لأسباب منها: أنه لما توفي السلطان محمد أخذ سريته، والدة الملك مسعود، ~~قهرا، قبل انقضاء عدتها، ومنها: ms3799 جرأته عليه، واستبداده بالأمور دونه، ~~ومسيره إلى شحنكية بغداد، والسلطان كاره لذلك لكنه لم يقدر على منعه، ~~ومنها: ما فعله بالعراق من الظلم، إلى غير ذلك، فقتله صبرا، وأراح العباد ~~والبلاد من شره. ### || AUT ذكر قتل الأمير علي بن عمر # في هذه السنة أيضا قتل الأمير علي بن عمر، حاجب السلطان محمد، وكان قد ~~صار أكبر أمير مع السلطان محمود، وانقادت العساكر له، فحسده الأمراء، ~~وأفسدوا حاله مع السلطان محمود، وحسنوا له قتله، فعلم، فهرب إلى قلعة ~~برجين، وهي بين بروجرد وكرج، وكان بها أهله وماله، وسار منها في مائتي فارس ~~إلى خوزستان، وكانت بيد أقبوري بن برسق، وابني أخويه: أرغلي بن يلبكي، ~~وهندو بن زنكي، فأرسل إليهم وأخذ عهودهم بأمانه وحمايته. PageV04P0451 # فلما سار إليهم أرسلوا عسكرا منعوه من قصدهم، فلقوه على ستة فراسخ من ~~تستر، فاقتتلوا، فانهزم هو وأصحابه، فوقف به فرسه، فانتقل إلى غيره، فتشبث ~~ذيله بسرجه الأول، فأزاله، فعاود التعلق، فأبطأ، فأدركوه وأسروه، وكاتبوا ~~السلطان محمودا في أمره، فأمرهم بقتله، فقتل وحمل رأسه إليه. ### || AUT ذكر الفتنة بين المرابطين وأهل قرطبة # في هذه السنة، وقيل سنة أربع عشرة، كانت فتنة بني عسكر أمير المسلمين ~~علي بن يوسف وبين أهل قرطبة. وسببها: أن أمير المسلمين استعمل عليها أبا ~~بكر يحيى بن رواد، فلما كان يوم الأضحى خرج الناس متفرجين، فمد عبد من عبيد ~~أبي بكر يده إلى امرأة فأمسكها، فاستغاثت بالمسلمين، فأغاثوها، فوقع بين ~~العبيد وبين أهل البلد فتنة عظيمة، ودامت جميع النهار، والحرب بينهم قائمة ~~على ساق، فأدركهم الليل، فتفرقوا، فوصل الخبر إلى الأمير أبي بكر، فاجتمع ~~إليه الفقهاء والأعيان، فقالوا: المصلحة أن تقتل واحدا من العبيد الذين ~~أثاروا الفتنة، فأنكر ذلك، وغضب منه، وأصبح من الغد، وأظهر السلاح والعدد ~~يريد قتال أهل البلد، فركب الفقهاء والأعيان والشبان من أهل البلد، وقاتلوه ~~فهزموه، وتحصن بالقصر، فحصروه، وتسلقوا إليه، فهرب منهم بعد مشقة وتعب، ~~فنهبوا القصر، وأحرقوا جميع دور المرابطين، ونهبوا أموالهم، وأخرجوهم من ~~البلد على أقبح صورة. ms3800 واتصل الخبر بأمير المسلمين فكره ذلك واستعظمه، وجمع ~~العساكر من صنهاجة، وزناتة، والبربر، وغيرهم، فاجتمع له منهم جمع عظيم، ~~فعبر إليهم سنة خمس عشرة وخمسمائة، وحصر مدينة قرطبة، فقاتله أهلها قتال من ~~يريد أن يحمي دمه وحريمه وماله، فلما رأى أمير المسلمين شدة قتالهم دخل ~~السفراء بينهم، وسعوا في الصلح، فأجابهم إلى ذلك على أن يغرم أهل قرطبة ~~المرابطين ما نهبوه من أموالهم، واستقرت القاعدة على ذلك، وعاد عن قتالهم. ### || AUT ذكر ملك علي بن سكمان البصرة # في هذه السنة استولى علي بن سكمان على البصرة. وسبب ذلك: أن السلطان ~~محمدا كان قد أقطع البصرة الأمير آقسنقر البخاري، فاستخلف بها نائبا يعرف ~~بسنقر البياتي، فأحسن السيرة إلى حد أن الماء بالبصرة ملح، فأقام سفنا ~~وجرارا للضعفاء والسابلة، تحمل لهم الماء العذب. فلما توفي السلطان محمد ~~عزم هذا الأمير سنقر على القبض على أمير اسمه غزغلي، مقدم الأتراك ~~الإسماعيلية، وهو مذكور، وحج بالناس على البصرة عدة سنين، وعلى أمير آخر ~~اسمه سنقر ألب، وهو مقدم الأتراك البلدقية، فاجتمعا عليه، وقبضاه وقيداه، ~~وأخذا القلعة وما وجداه له. ثم إن سنقر ألب أراد قتله، فمنعه غزغلي، فلم ~~يقبل منه، فلما قتله وثب غزغلي على سنقر ألب فقتله، ونادى في الناس ~~بالسكون، واطمأنوا. وكان أمير الحاج من البصرة هذه السنة، أمير اسمه علي بن ~~سكمان أحد الأمراء البلدقية، وكان في نفس غزغلي عليه حقد، حيث تم الحج على ~~يده، ولأنه خاف أن يأخذ بثأر سنقر ألب، إذ هو مقدم البلدقية، فأرسل غزغلي ~~إلى عرب البرية يأمرهم بقصد الحجاج ونهبهم، فطمعوا بذلك، وقصدوا الحجاج ~~فقاتلوهم، وحماهم ابن سكمان، وأبلى بلاء حسنا، وجعل يقاتلهم وهو سائر نحو ~~البصرة إلى أن بقي بينه وبين البصرة يومان، فأرسل إليه غزغلي يمنعه من قصد ~~البصرة، فقصد العوني، أسفل دجلة، هذا، والعرب يقاتلونه، فلما وصل إلى ~~العوني حمل على العرب حملة صادقة، فهزمهم. وسار غزغلي إلى علي بن سكمان في ~~عدد كثير، وكان علي في قلة، فتحاربا، واقتتلت الطائفتان، فأصابت ms3801 فرس غزغلي ~~نشابة فسقط وقتل، وسار علي إلى البصرة، فدخلها، وملك القلعة، وأقر عمال ~~آقسنقر البخاري ونوابه، وكاتبه بالطاعة، وكان عند السلطان، وسأله أن يكون ~~نائبا عنه بالبصرة، فلم يجبه آقسنقر إلى ذلك، فطرد حينئذ نواب آقسنقر، ~~واستولى على البلد، وتصرف تصرف الأصحاب، مستبدا، واستقر فيه، وأحسن السيرة ~~إلى سنة أربع عشرة، فسير السلطان محمود الأمير آقسنقر البخاري في عسكر إلى ~~البصرة، فأخذها من علي بن سكمان. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أمر السلطان سنجر بإعادة مجاهد الدين بهروز سجنكية العراق، ~~وكان بها نائب دبيس بن صدقة، فعزل عنها. PageV04P0452 # وفيها، في ربيع الأول، توفي الوزير ربيب الدولة، وزير السلطان محمود، ~~ووزر بعده الكمال السميرمي، وكان ولد ربيب الدولة، وزير المسترشد، فعزل، ~~واستعمل بعده عميد الدولة أبو علي بن صدقة، ولقب جلال الدين، وهذا الوزير، ~~وهو عماد الملك الوزير جلال الدين أبي الرضا صدقة، الذي وزر للراشد، ~~والأتابك زنكي على ما نذكره. وفيها ظهر قبر إبراهيم الخليل، وقبرا ولديه ~~إسحاق ويعقوب، عليهم السلام، بالقرب من البيت المقدس، ورآهم كثير من الناس ~~لم تبل أجسادهم، وعندهم في المغارة قناديل من ذهب وفضة، هكذا ذكره حمزة بن ~~أسد التميمي في تاريخه، والله أعلم. وفيها، في المحرم، توفي قاضي القضاة ~~أبو الحسن علي بن محمد الدامغاني، ومولده في رجب سنة تسع وأربعين ~~وأربعمائة، وولي القضاء بباب الطاق من بغداد إلى الموصل وله من العمر ست ~~وعشرون سنة، وهذا شيء لم يكن لغيره، ولما توفي ولي قضاء القضاة الأكمل أبو ~~القاسم علي بن أبي طالب الحسين بن محمد الزينبي، وخلع عليه ثالث صفر. وفيها ~~هدم تاج الخليفة على دجلة للخوف من انهدامه، وهذا التاج بناه أمير المؤمنين ~~المكتفي بعد سنة تسعين ومائتين. وفيها تأخر الحج، فاستغاث الناس، وأرادوا ~~كسر المنبر بجامع القصر، فأرسل الخليفة إلى دبيس بن صدقة ليساعد الأمير نظر ~~على تسيير الحجاج، فأجاب إلى ذلك، وكان خروجهم من بغداد ثاني عشر ذي ~~القعدة، وتوالت عليهم الأمطار إلى الكوفة. وفيها أرسل دبيس ms3802 بن صدقة القاضي ~~أبا جعفر عبد الواحد بن أحمد الثقفي، قاضي الكوفة، إلى إيلغازي بن أرتق ~~بماردين، يخطب ابنته، فزوجها منه إيلغازي، وحملها الثقفي معه إلى الحلة، ~~واجتاز بالموصل. وفيها، في جمادى الأولى، توفي أبو الوفا علي بن عقيل بن ~~محمد بن عقيل، شيخ الحنابلة، في وقته، ببغداد، وكان حسن المناظرة، سريع ~~الخاطر، وكان قد اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته على أبي الوليد، فأراد ~~الحنابلة قتله، فاستجار بباب المراتب عدة سنين، ثم أظهر التوبة حتى تمكن من ~~الظهور، وله مصنفات من جملتها كتاب الفنون. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع عشرة وخمسمائة # ### || AUT ذكر عصيان الملك مسعود على أخيه محمود # ### || AUT والحرب بينهما # في هذه السنة، في ربيع الأول، كان المصاف بين السلطان محمود وأخيه الملك ~~مسعود، ومسعود حينئذ له الموصل وأذربيجان. وكان سبب ذلك أن دبيس بن صدقة ~~كان يكاتب جيوش بك أتابك مسعود، يحثه على طلب السلطنة للملك مسعود، ويعده ~~المساعدة، وكان غرضه أن يختلفوا فينال من الجاه وعلو المنزلة ما ناله أبوه ~~باختلاف السلطانين بركيارق ومحمد ابني ملكشاه على ما ذكرناه. وكان قسيم ~~الدولة البرسقي، أتابك الملك مسعود، قد فارق شحنكية بغداد، وقد أقطعه مسعود ~~مراغة، مضافة إلى الرحبة، وبينه وبين دبيس عداوة محكمة، فكاتب دبيس جيوش بك ~~يشير عليه بقبض البرسقي، وينسبه إلى الميل إلى السلطان محمود، وبذل له مالا ~~كثيرا على قبضه، فعلم البرسقي ذلك، ففارقهم إلى السلطان محمود، فأكرمه ~~وأعلى محله وزاد في تقديمه. واتصل الأستاذ أبو إسماعيل الحسين بن علي ~~الأصبهاني الطغرائي بالملك مسعود، فكان ولده أبو المؤيد، محمد بن أبي ~~إسماعيل، يكتب الطغراء مع الملك، فلما وصل والده استوزره مسعود، بعد أن عزل ~~أبا علي بن عمار، صاحب طرابلس، سنة ثلاث عشرة بباب خوي، فحسن ما كان دبيس ~~يكاتب به من مخالفة السلطان محمود والخروج عن طاعته. وظهر ما هم عليه من ~~ذلك، فبلغ السلطان محمودا الخبر، فكتب إليهم يخوفهم إن خالفوه، ويعدهم ~~الإحسان إن أقاموا على طاعته وموافقته، فلم يصغوا إلى قوله، ms3803 وأظهروا ما ~~كانوا عليه، وما يسرونه، وخطبوا للملك مسعود بالسلطنة، وضربوا له النوب ~~الخمس، وكان ذلك على تفرق من عساكر السلطان محمود، فقوي طمعهم، وأسرعوا ~~السير إليه ليلقوه وهو مخفف من العساكر، فاجتمع إليه خمسة عشر ألفا، فسار ~~أيضا إليهم، فالتقوا عند عقبة أسداباذ، منتصف ربيع الأول، واقتتلوا من بكرة ~~إلى آخر النهار. PageV04P0453 # وكان البرسقي في مقدمة السلطان محمود، وأبلى يومئذ بلاء حسنا، فانهزم ~~عسكر الملك مسعود، آخر النهار، وأسر منهم جماعة كثيرة من أعيانهم ومقدميهم، ~~وأسر الأستاذ أبو إسماعيل وزير مسعود، فأمر السلطان بقتله، وقال: قد ثبت ~~عندي فساد دينه واعتقاده، فكانت وزارته سنة وشهرا، وقد جاوز ستين سنة، وكان ~~حسن الكتابة والشعر، يميل إلى صنعة الكيمياء، وله فيها تصانيف قد ضيعت من ~~الناس أموالا لا تحصى. وأما الملك مسعود فإنه لما انهزم أصحابه وتفرقوا قصد ~~جبلا بينه وبين الوقعة اثنا عشر فرسخا، فاختفى فيه ومعه غلمان صغار، فأرسل ~~ركابية عثمان إلى أخيه يطلب له الأمان، فسار إلى السلطان محمود وأعلمه حال ~~أخيه مسعود، فرق له، وبذل له الأمان، وأمر آقسنقر البرسقي بالمسير إليه، ~~وتطييب قلبه، وإعلامه بعفوه عنه، وإحضاره، فكان مسعود بعد أن أرسل يطلب ~~الأمان قد وصل بعض الأمراء إليه، وحسن له اللحاق بالموصل، وكانت له، ومعها ~~أذربيجان، وأشار عليه بمكاتبة دبيس بن صدقة ليجتمع به، ويكثر جمعه، ويعاود ~~طلب السلطنة، فسار معه من مكانه. ووصل البرسقي فلم يره، فأخبر بمسيره، فسار ~~في أثره، وعزم على طلبه ولو إلى الموصل، وجد في السير، فأدركه على ثلاثين ~~فرسخا من مكانه ذلك، وعرفه عفو أخيه عنه، وضمن له ما أراد، وأعاده إلى ~~العسكر، فأمر السلطان محمود العساكر باستقباله وتعظيمه، ففعلوا ذلك، وأمر ~~السلطان أن ينزل عند والدته، وجلس له، وأحضره، واعتنقا، وبكيا، وانعطف عليه ~~محمود، ووفى له بما بذله، وخلطه بنفسه في كل أفعاله، فعد ذلك من مكارم ~~محمود، وكانت الخطبة بالسلطنة لمسعود بأذربيجان، وبلد الموصل، والجزيرة، ~~ثمانية وعشرين يوما. وأما أتابكه جيوش بك فإنه سار إلى عقبة أسادباذ، ms3804 ~~وانتظر الملك مسعودا، فلم يره، وانتظر بمكان آخر، فلم يصل إليه، فلما أيس ~~منه سار إلى الموصل، ونزل بظاهرها، وجمع الغلات من السواد إليها، واجتمع ~~إليه عسكره، فلما سمع بما فعله السلطان مع أخيه، وأنه عنده، علم أنه لا ~~مقام له على هذا الحال، فسار كأنه يريد الصيد، فوصل إلى الزاب، وقال لمن ~~معه: إنني قد عزمت على قصد السلطان محمود، وأخاطر بنفسي، فسار إليه، فوصل ~~وهو بهمذان، ودخل إليه، فطيب قلبه وأمنه، وأحسن إليه. وأما دبيس بن مزيد ~~فإنه كان بالعراق، فلما بلغه خبر انهزام الملك مسعود نهب البلاد وخربها، ~~وفعل فيها الأفاعيل القبيحة، إلى أن أتاه رسول السلطان محمود، وطيب قلبه، فلم يلتفت. ### || AUT ذكر حال دبيس وما كان منه # لما كان منه ببغداد وسوادها من النهب والقتل والفساد ما لم يجر مثله، ~~أرسل إليه الخليفة المسترشد بالله رسالة ينكر عليه، ويأمره بالكف، فلم ~~يفعل، فأرسل إليه السلطان وطيب قلبه، وأمره بمنع أصحابه عن الفساد، فلم ~~يقبل، وسار بنفسه إلى بغداد، وضرب سرادقه بإزاء دار الخلافة، وأظهر الضغائن ~~التي في نفسه، وكيف طيف برأس أبيه، وتهدد الخليفة، وقال: إنك أرسلت تستدعي ~~السلطان، فإن أعدتموه، وإلا فعلت وصنعت. فأعيد جواب رسالته: أن عود ~~السلطان، وقد سار عن همذان، غير ممكن، ولكنا نصلح حالك معه. وكان الرسول ~~شيخ الشيوخ إسماعيل، فكف على أن تسير الرسل في الاتفاق بينه وبين السلطان، ~~وعاد عن بغداد في رجب. ووصل السلطان في رجب إلى بغداد، فأرسل دبيس زوجته ~~ابنة عميد الدولة بن جهير إليه، ومعها مال كثير، وهدية نفيسة، وسأل الصفح ~~عنه، فأجيب إلى ذلك على قاعدة امتنع منها، ولزم لجاجه، ونهب جشيرا للسلطان. ~~فسار السلطان عن بغداد، في شوال، إلى قصد دبيس بالحلة، واستصحب ألف سفينة ~~ليعبر فيها، فلما علم دبيس مسير السلطان أرسل يطلب الأمان، فأمنه، وكان ~~قصده أن يغالطه ليتجهز، فأرسل نساءه إلى البطيحة، وأخذ أمواله وسار عن ~~الحلة، بعد أن نهبها، إلى إيلغازي ملتجأ إليه، ووصل السلطان إلى الحلة، فلم ms3805 ~~ير أحدا، فبات بها ليلة واحدة وعاد. PageV04P0454 # وأقام دبيس عند إيلغازي، وتردد معه، ثم إنه أرسل أخاه منصورا في جيش من ~~قلعة جعبر إلى العراق، فنظر الحلة، والكوفة، وانحدر إلى البصرة، وأرسل إلى ~~يرنقش الزكوي يسأله أن يصلح حاله مع السلطان، فلم يتم أمره، فأرسل إلى أخيه ~~دبيس يعرفه ذلك، ويدعوه إلى العراق، فسار من قلعة جعبر إلى الحلة سنة خمس ~~عشرة، فدخلها وملكها، وأرسل إلى الخليفة والسلطان يعتذر، ويعد من نفسه ~~الطاعة، فلم يجب إلى ذلك. وسيرت إليه العساكر، فلما قاربوه فارق الحلة، ~~ودخل إلى الأزير، وهو نهر سنداد، ووصل العسكر إليها وهي فارغة قد أجلي ~~أهلها عنها، وليس بها إقامة، فكانت الميرة تنقل من بغدد، وكان مقدم العسكر ~~سعد الدولة يرنقش الزكوي، فترك بالحلة خمسمائة فارس، وبالكوفة جماعة أخرى ~~تحفظ الطريق على دبيس، وأرسل إلى عسكر واسط يحفظ طريق البطيحة، ففعلوا ذلك، ~~وعبر عسكر السلطان إلى دبيس، فبقي بين الطائفتين نهر يخاض فيه مواضع، ~~فتراسل يرنقش ودبيس، واتفقا على أن يرسل دبيس أخاه منصورا رهينا، ويلازم ~~الطاعة، ففعل، وعاد العسكر إلى بغداد سنة ست عشرة. ### || AUT ذكر خروج الكرج إلى بلاد الإسلام وملك تفليس # في هذه السنة خرج الكرج، وهم الخزر، إلى بلاد الإسلام، وكانوا قديما ~~يغيرون، فامتنعوا أيام السلطان ملكشاه إلى آخر أيام السلطان محمد، فلما ~~كانت هذه السنة خرجوا ومعهم قفجاق وغيرهم من الأمم المجاورة لهم، فتكاتب ~~الأمراء المجاورون لبلادهم، واجتمعوا، منهم: الأمير إيلغازي، ودبيس بن ~~صدقة، وكان عنده، والملك طغرل بن محمد، وأتابكه كنتغدي، وكان لطغرل بلد ~~أران، ونقجوان إلى أرس، فاجتمعوا وساروا إلى الكرج، فلما قاربوا تفليس، ~~وكان المسلمون في عسكر كثير يبلغون ثلاثين ألفا، التقوا واصطفت الطائفتان ~~للقتال، فخرج من القفجاق مائتا رجل، فظن المسلمون أنهم مستأمنون، فلم ~~يحترزوا منهم، ودخلوا بينهم، ورموا بالنشاب، فاضطرب صف المسلمين، فظن من ~~بعد أنها هزيمة، فانهزموا، وتبع الناس بعضهم بعضا منهزمين، ولشدة الزحام ~~صدم بعضهم بعضا، فقتل منهم عالم عظيم. وتبعهم الكفار عشرة فراسخ يقتلون ~~ويأسرون، ms3806 فقتل أكثرهم، وأسروا أربعة آلاف رجل، ونجا الملك طغرل، وإيلغازي، ~~ودبيس، وعاد الكرج فنهبوا بلاد الإسلام، وحصروا مدينة تفليس، واشتد قتالهم ~~لمن بها، وعظم الأمر، وتفاقم الخطب على أهلها، ودام الحصار إلى سنة خمس عشة ~~فملكوها عنوة. وكان أهلها لما أشرفوا على الهلاك قد أرسلوا قاضيها وخطيبها ~~إلى الكرج في طلب الأمان، فلم تصغ الكرج إليهما فأخرقوا بهما، ودخلوا البلد ~~قهرا وغلبة، واستباحوه ونهبوه، ووصل المستنفرون منهم إلى بغداد مستصرخين ~~ومستنصرين سنة ست عشرة، فبلغهم أن السلطان محمودا بهمذان، فقصدوه واستغاثوا ~~به فسار إلى أذربيجان، وأقام بمدينة تبريز شهر رمضان، وأنفذ عسكرا إلى ~~الكرج، وسيرد ذكر ما كان منهم، إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر غزوات إيلغازي هذه السنة # في هذه السنة أرسل المسترشد بالله خلعا مع سديد الدولة بن الأنباري لنجم ~~الدين إيلغازي، وشكره على ما يفعله من غزو الفرنج، ويأمره بإبعاد دبيس عنه، ~~وسار أبو علي بن عمار الذي كان صاحب طرابلس، مع ابن الأنباري إلى إيلغازي ~~ليقيم عنده، يعبر الأوقات بما ينعم به عليه، فاعتذر عن إبعاد دبيس، ووعد ~~به، ثم سار إلى الفرنج، وكان قد جمع لهم جمعا، فالتقوا بموضع اسمه ذات ~~البقل من أعمال حلب، فاقتتلوا، واشتد القتال، وكان الظفر له. ثم اجتمع ~~إيلغازي وأتابك طغتكين، صاحب دمشق، وحصروا الفرنج في معرة قنسرين يوما ~~وليلة، ثم أشار أتابك طغتكين بالإفراج عنهم، كيلا يحملهم الخوف على أن ~~يستقتلوا ويخرجوا إلى المسلمين، فربما ظفروا، وكان أكثر خوفه من دبر خيل ~~التركمان، وجودة خيل الفرنج، فأفرج لهم إيلغازي، فساروا عن مكانهم وتخلصوا، ~~وكان إيلغازي لا يطيل المقام في بلد الفرنج لأنه كان يجمع التركمان للطمع، ~~فيحضر أحدهم ومعه جراب فيه دقيق، وشاة، ويعد الساعات لغنيمة يتعجلها، ~~ويعود، فإذا طال مقامهم تفرقوا، ولم يكن له من الأموال ما يفرقها فيهم. ### || AUT ذكر ابتداء أمر محمد بن تومرت # ### || AUT وعبد المؤمن وملكهما # PageV04P0455 # في هذه السنة كان ابتداء أمر المهدي أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن ~~تومرت العلوي، الحسني، ms3807 وقبيلته من المصامدة، تعرف بهرغة في جبل السوس، من ~~بلاد المغرب، نزلوا به لما فتحه المسلمون مع موسى بن نصير، ونذكر أمره وأمر ~~عبد المؤمن هذه السنة إلى أن فرغ من ملك المغرب لنتبع بعض الحادثة بعضا. ~~وكان ابن تومرت قد رحل في شبيبته إلى بلاد الشرق في طلب العلم، وكان فقيها، ~~فاضلا، عالما بالشريعة، حافظا للحديث، عارفا بأصولي الدين والفقه، متحققا ~~بعلم العربية، وكان ورعا، ناسكا، ووصل في سفره إلى العراق، واجتمع ~~بالغزالي، والكيا، واجتمع بأبي بكر الطرطوشي بالإسكندرية، وقيل إنه جرى له ~~حديث مع الغزالي فيما فعله بالمغرب من التملك، فقال له الغزالي: إن هذا لا ~~يتمشى في هذه البلاد، ولا يمكن وقوعه لأمثالنا. كذا قال بعض مؤرخي المغرب، ~~والصحيح أنه لم يجتمع به، فحج من هناك وعاد إلى المغرب، ولما ركب البحر من ~~الإسكندرية، مغربا، غير المنكر في المركب، وألزم من به بإقامة الصلاة، ~~وقراءة القرآن، حتى انتهى إلى المهدية، وسلطانها حينئذ يحيى بن تميم، سنة ~~خمس وخمسمائة، فنزل بمسجد قبلي مسجد السبت، وليس له سوى ركوة، وعصا، وتسامع ~~به أهل البلد، فقصدوه يقرأون عليه أنواع العلوم، وكان إذا مر به منكر غيره ~~وأزاله، فلما كثر ذلك منه أحضره الأمير يحيى مع جماعة من الفقهاء، فلما رأى ~~سمته وسمع كلامه أكرمه واحترمه، وسأله الدعاء. ورحل عن المدينة وأقام ~~بالمنستير مع جماعة من الصالحين، مدة، وسار إلى بجاية ففعل فيها مثل ذلك، ~~فأخرج منها إلى قرية بالقرب منها اسمها ملالة، فلقيه بها عبد المؤمن بن ~~علي، فرأى فيه من النجابة والنهضة ما تفرس فيه التقدم، والقيام بالأمر، ~~فسأله عن اسمه وقبيلته، فأخبره أنه من قيس عيلان، ثم من بني سليم، فقال ابن ~~تومرت: هذا الذي بشر به النبي، صلى الله عليه وسلم، حين قال: " إن الله ~~ينصر هذا الدين، في آخر الزمان، برجل من قيس " ، فقيل: من أي قيس؟ فقال: " ~~من بني سليم " . فاستبشر بعبد المؤمن وسر بلقائه، وكان مولد عبد المؤمن في ~~مدينة تاجرة، من أعمال تلمسان، ms3808 وهو عائذ، قبيل من كومرة، نزلوا بذلك ~~الإقليم سنة ثمانين ومائة. ولم يزل المهدي ملازما للأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر في طريقه إلى أن وصل إلى مراكش دار مملكة أمير المسلمين يوسف بن ~~تاشفين، فرأى فيها من المنكرات أكثر مما عاينه في طريقه، فزاد في أمره ~~بالمعروف ونهيه عن المنكر، فكثر أتباعه، وحسنت ظنون الناس فيه، فبينما هو ~~في بعض الأيام في طريقه، إذ رأى أخت أمير المسلمين في موكبها، ومعها من ~~الجواري الحسان عدة كثيرة، وهن مسفرات، وكانت هذه عادة الملثمين يسفر ~~نساؤهم عن وجوههن، ويتلثم الرجال، فحين رأى النساء كذلك أنكر عليهن، وأمرهن ~~بستر وجوههن وضرب هو وأصحابه دوابهن، فسقطت أخت أمير المسلمين عن دابتها، ~~فرفع أمره إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، فأحضره، وأحضر الفقهاء ليناظروه، ~~فأخذ يعظه ويخوفه، فبكى أمير المسلمين، وأمر أن يناظره الفقهاء، فلم يكن ~~فيهم من يقوم له لقوة أدلته في الذي فعله. وكان عند أمير المسلمين بعض ~~وزرائه يقال له مالك بن وهيب، فقال: يا أمير المسلمين، إن هذا والله لا ~~يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما يريد إثارة فتنة، والغلبة على ~~بعض النواحي، فاقتله وقلدني دمه. فلم يفعل ذلك، فقال: إن لم تقتله فاحبسه، ~~وخلده في السجن، وإلا أثار شرا لا يمكن تلافيه. فأراد حبسه، فمنعه رجل من ~~أكابر الملثمين يسمى بيان بن عثمان، فأمر بإخراجه من مراكش، فسار إلى ~~أغمات، ولحق بالجبل، فسار فيه، حتى التحق بالسوس الذي فيه قبيلة هرغة ~~وغيرهم من المصامدة سنة أربع عشرة، فأتوه، واجتمعوا حوله. PageV04P0456 # وتسامع به أهل تلك النواحي، فوفدوا عليه، وحضر أعيانهم بين يديه، وجعل ~~يعظهم، ويذكرهم بأيام الله، ويذكر لهم شرائع الإسلام، وما غير منها، وما ~~حدث من الظلم والفساد، وأنه لا يجب طاعة دولة من هذه الدول لاتباعهم ~~الباطل، بل الواجب قتالهم، ومنعهم عما هم فيه، فأقام على ذلك نحو سنة، ~~وتابعته هرغة قبيلته، وسمى أتباعه الموحدين، وأعلمهم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، بشر بالمهدي الذي يملأ الأرض عدلا، ms3809 وأن مكانه الذي يخرج منه ~~المغرب الأقصى، فقام إليه عشرة رجال، أحدهم عبد المؤمن، فقالوا لا يوجد هذا ~~إلا فيك فأنت المهدي، فبايعوه على ذلك. فانتهى خبره إلى أمير المسلمين، ~~فجهز جيشا من أصحابه وسيرهم إليه، فلما قربوا من الجبل الذي هو فيه قال ~~لأصحابه: إن هؤلاء يريدونني، وأخاف عليكم منهم، فالرأي أن أخرج بنفسي إلى ~~غير هذه البلاد لتسلموا أنتم. فقال له ابن توفيان من مشايخ هرغة: هل تخاف ~~شيئا من السماء؟ فقال: لا، بل من السماء تنصرون، فقال ابن توفيان: فليأتنا ~~كل من في الأرض. ووافقه جميع قبيلته، فقال المهدي: أبشروا بالنصر بهذه ~~الشرذمة، وبعد قليل تستأصلون دولتهم، وترثون أرضهم. فنزلوا من الجبل، ولقوا ~~جيش أمير المسلمين، فهزموهم، وأخذوا أسلابهم، وقوي ظنهم في صدق المهدي، حيث ~~ظفروا كما ذكر لهم. وأقبلت إليه أفرواج القبائل، من الحلل التي حوله، شرقا ~~وغربا، وبايعوه، وأطاعته قبيلة هنتانة، وهي من أقوى القبائل، فأقبل عليهم، ~~واطمأن إليهم، وأتاه رسل أهل تين ملل بطاعتهم، وطلبوه إليهم، فتوجه إلى جبل ~~تين ملل واستوطنه، وألف لهم كتابا في التوحيد، وكتابا في العقيدة، ونهج لهم ~~طريق الأدب بعضهم مع بعض، والاقتصار على القصير من الثياب، القليل الثمن، ~~وهو يحرضهم على قتال عدوهم، وإخراج الأشرار من بين أظهرهم. وأقام بتين ملل ~~وبنى له مسجدا خارج المدينة، فكان يصلي فيه وجمع ممن معه عنده، ويدخل البلد ~~بعد العشاء الآخرة، فلما رأى كثرة أهل الجبل، وحصانة المدينة، خاف أن ~~يرجعوا عنه، فأمرهم أن يحضروا بغير سلاح، ففعلوا ذلك عدة أيام، ثم أمر ~~أصحابه أن يقتلوهم، فخرجوا عليهم وهم غارون فقتلوهم في ذلك المسجد، ثم دخل ~~المدينة فقتل فيها وأكثر، وسبى الحريم ونهب الأموال، فكان عدة القتلى خمسة ~~عشر ألفا، وقسم المساكن والأرض بين أصحابه، وبنى على المدينة سورا، وقلعة ~~على رأس جبل عال. وفي جبل تين ملل أنهار جارية، وأشجار، وزروع، والطريق ~~إليه صعب، فلا جبل أحصن منه، وقيل: إنه لما خاف أهل تين ملل نظر، فرأى كثير ~~من أولادهم ms3810 شقرا زرقا، والذي يغلب على الآباء السمرة، وكان لأمير المسلمين ~~عدة كثيرة من المماليك الفرنج والروم، ويغلب على ألوانهم الشقرة، وكانوا ~~يصعدون الجبل في كل عام مرة، ويأخذون ما لهم فيه من الأموال المقررة لهم من ~~جهة السلطان، فكانوا يسكنون بيوت أهله، ويخرجون أصحابها منها، فلما رأى ~~المهدي أولادهم سألهم: مالي أراكم سمر الألوان، وأرى أولادكم شقرا، زرقا؟ ~~فأخبروه خبرهم مع مماليك أمير المسلمين، فقبح الصبر على هذا، وأزرى عليهم، ~~وعظم الأمر عندهم، فقالوا له: فكيف الحيلة في الخلاص منهم، وليس لنا بهم ~~قوة؟ فقال: إذا حضروا عندكم في الوقت المعتاد، وتفرقوا في مساكنهم، فليقم ~~كل رجل منكم إلى نزيله فيقتله، واحفظوا جبلكم، فإنه لا يرام ولا يقدر عليه. ~~فصبروا حتى حضر أولئك العبيد، فقتلوهم على ما قرر لهم المهدي، فلما فعلوا ~~ذلك خافوا على نفوسهم من أمير المسلمين، فامتنعوا في الجبل، وسدوا ما فيه ~~من طريق يسلك إليهم، فقويت نفس المهدي بذلك. ثم إن أمير المسلمين أرسل ~~إليهم جيشا قويا، فحصروهم في الجبل، وضيقوا عليهم، ومنعوا عنهم الميرة، ~~فقلت عند أصحاب المهدي الأقوات، حتى صار الخبز معدوما عندهم، وكان يطبخ لهم ~~كل يوم من الحساء ما يكفيهم، فكان قوت كل واحد منهم أن يغمس يده في ذلك ~~الحساء ويخرجها، فما علق عليها قنع به ذلك اليوم، فاجتمع أعيان أهل تين مل، ~~وأرادوا إصلاح الحال مع أمير المسلمين، فبلغ الخبر بذلك المهدي بن تومرت، ~~وكان معه إنسان يقال له أبو عبد الله الونشريشي، يظهر البله، وعدم المعرفة ~~بشيء من القرآن والعلم، وبزاقه يجري على صدره، وهو كأنه معتوه، ومع هذا ~~فالمهدي يقربه، ويكرمه، ويقول: إن لله سرا في هذا الرجل سوف يظهر. ~~PageV04P0457 # وكان الونشريشي يلزم الاشتغال بالقرآن والعلم في السر بحيث لا يعلم أحد ~~ذلك منه، فلما كان سنة تسع عشرة وخاف المهدي من أهل الجبل، خرج يوما لصلاة ~~الصبح، فرأى إلى جانب محرابه إنسانا حسن الثياب، طيب الريح، فأظهر أنه لا ~~يعرفه، وقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو عبد ms3811 الله الونشريشي! فقال له المهدي: ~~إن أمرك لعجب! ثم صلى، فلما فرغ من صلاته نادى في الناس فحضروا، فقال: إن ~~هذا الرجل يزعم أنه الونشريشي، فانظروه، وحققوا أمره. فلما أضاء النهار ~~عرفوه، فقال له المهدي: ما قصتك؟ قال: إنني أتاني الليلة ملك من السماء، ~~فغسل قلبي، وعلمني الله القرآن، والموطأ، وغيره من العلوم والأحاديث. فبكى ~~المهدي بحضرة الناس، ثم قال له: نحن نمتحنك، فقال: افعل. وابتدأ يقرأ ~~القرآن قراءة حسنة من أي موضع سئل، وكذلك الموطأ، وغيره من كتب الفقه ~~والأصول، فعجب الناس من ذلك، واستعظموه. ثم قال لهم: إن الله تعالى قد ~~أعطاني نورا أعرف به أهل الجنة من أهل النار، وآمركم أن تقتلوا أهل النار، ~~وتتركوا أهل الجنة، وقد أنزل الله تعالى ملائكة إلى البئر التي في المكان ~~الفلاني يشهدون بصدقي. فسار المهدي، والناس معه وهم يبكون، إلى تلك البئر، ~~وصلى المهدي عند رأسها، وقال: يا ملائكة الله، إن أبا عبد الله الونشريشي ~~قد زعم كيت وكيت، فقال من بها: صدق! وكان قد وضع فيها رجالا يشهدون بذلك، ~~فلما قيل ذلك من البئر، قال المهدي: إن هذه مطهرة مقدسة قد نزل إليها ~~الملائكة، والمصلحة أن تطم لئلا يقع فيها نجاسة، أو ما لا يجوز، فألقوا ~~فيها من الحجارة والتراب ما طمها، ثم نادى في أهل الجبل بالحضور إلى ذلك ~~المكان، فحضروا للتمييز، فكان الونشريشي يعمد إلى الرجل الذي يخاف ناحيته، ~~فيقول: هذا من أهل النار، فيلقى من الجبل مقتولا، وإلى الشاب الغر، ومن لا ~~يخشى، فيقول: هذا من أهل الجنة، فيترك على يمينه، فكان عدة القتلى سبعين ~~ألفا. فلما فرغ من ذلك أمن على نفسه وأصحابه واستقام أمره. هكذا سمعت جماعة ~~من فضلاء المغاربة يذكرون في التمييز، وسمعت منهم من يقول: إن ابن تومرت ~~لما رأى كثرة أهل الشر والفساد في أهل الجبل، أحضر شيوخ القبائل، وقال لهم: ~~إنكم لا يصح لكم دين، ولا يقوى إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~وإخراج المفسد من بينكم، فابحثوا عن كل ms3812 ما عندكم من أهل الشر والفساد، ~~فانهوهم عن ذلك، فإن انتهوا، وإلا فاكتبوا أسماءهم وارفعوها إلي لأنظر في ~~أمرهم. ففعلوا ذلك، وكتبوا له أسماءهم من كل قبيلة، ثم أمرهم بذلك مرة ~~ثانية، وثالثة، ثم جمع المكتوبات فأخذه منها ما تكرر من الأسماء فأثبتها ~~عنده، ثم جمع الناس قاطبة، ورفع الأسماء التي كتبها، ودفعها إلى الونشريشي ~~المعروف بالبشير، وأمره أن يعرض القبائل، ويجعل أولئك المفسدين في جهة ~~الشمال، ومن عداهم في جهة اليمين، ففعل ذلك، وأمر أن يكتف من على شمال ~~الونشريشي، فكتفوا، وقال: إن هؤلاء أشقياء قد وجب قتلهم، وأمر كل قبيلة أن ~~يقتلوا أشقياءهم، فقتلوا عن آخرهم فكان يوم التمييز. ولما فرغ ابن تومرت من ~~التمييز، رأى أصحابه الباقين على نيات صادقة، وقلوب متفقة على طاعته، فجهز ~~منهم جيشا وسيرهم إلى جبال أغمات، وبها جمع من المرابطين، فقاتلوهم، فانهزم ~~أصحاب ابن تومرت، وكان أميرهم أبو عبد الله الونشريشي، وقتل منهم كثير، ~~وجرح عمر الهنتاتي، وهو من أكبر أصحابه، وسكن حسه ونبضه، فقالوا: مات! فقال ~~الونشريشي: أما إنه لم يمت، ولا يموت حتى يملك البلاد. فبعد ساعة فتح ~~عينيه، وعادت قوته إليه، فافتتنوا به، وعادوا منهزمين إلى ابن تومرت، ~~فوعظهم، وشكرهم على صبرهم. ثم لم يزل بعدها يرسل السرايا في أطراف بلاد ~~المسلمين، فإذا رأوا عسكرا تعلقوا بالجبل فأمنوا. وكان المهدي قد رتب ~~أصحابه مراتب، فالأولى يسمون أيت عشرة يعني أهل عشرة، وأولهم عبد المؤمن، ~~ثم أبو حفص الهنتاتي، وغيرهما، وهم أشرف أصحابه، وأهل الثقة عنده، ~~والسابقون إلى متابعته، والثانية: أيت خمسين، يعني أهل خمسين، وهم دون تلك ~~الطبقة، وهم جماعة من رؤساء القبائل، والثالثة: أيت سبعين، يعني أهل سبعين، ~~وهم دون التي قبلها، وسمي عامة أصحابه والداخلين في طاعته موحدين، فإذا ذكر ~~الموحدون في أخبارهم فإنما يعنى أصحابه وأصحاب عبد المؤمن بعده. ~~PageV04P0458 # ولم يزل أمر ابن تومرت يعلو إلى سنة أربع وعشرين، فجهز المهدي جيشا كثيفا ~~يبلغون أربعين ألفا، أكثرهم رجالة، وجعل عليهم الونشريشي، وسير معهم عبد ~~المؤمن، فنزلوا ms3813 وساروا إلى مراكش فحصروها، وضيقوا عليها، وبها أمير ~~المسلمين علي بن يوسف، فبقي الحصار عليها عشرين يوما، فأرسل أمير المسلمين ~~إلى متولي سجلماسة يأمره أن يحضر ومعه الجيوش، فجمع جيشا كثيرا وسار، فلما ~~قارب عسكر المهدي خرج أهل مراكش من غير الجهة التي أقبل منها، فاقتتلوا، ~~واشتد القتال، وكثر القتل في أصحاب المهدي، فقتل الونشريشي أميرهم، ~~فاجتمعوا إلى عبد المؤمن وجعلوه أميرا عليهم. ولم يزل القتال بينهم عامة ~~النهار، وصلى عبد المؤمن صلاة الخوف، الظهر والعصر، والحرب قائمة، ولم تصل ~~بالمغرب قبل ذلك، فلما رأى المصامدة كثرة المرابطين، وقوتهم، أسندوا ظهورهم ~~إلى بستان كبير هناك، والبستان يسمى عندهم البحيرة، فلهذا قيل وقعة ~~البحيرة، وعام البحيرة، وصاروا يقاتلون من جهة واحدة إلى أن أدركهم الليل، ~~وقد قتل من المصامدة أكثرهم، وحين قتل الونشريشي دفنه عبد المؤمن، فطلبه ~~المصامدة، فلم يروه في القتلى، فقالوا: رفعته الملائكة، ولما جنهم الليل ~~سار عبد المؤمن ومن سلم من القتلى إلى الجبل. ### || AUT ذكر وفاة المهدي وولاية عبد المؤمن # لما سير الجيش إلى حصار مراكش مرض مرضا شديدا، فلما بلغه خبر الهزيمة ~~اشتد مرضه، وسأل عن عبد المؤمن، فقيل: هو سالم، فقال: ما مات أحد، الأمر ~~قائم، وهو الذي يفتح البلاد. ووصى أصحابه باتباعه، وتقديمه، وتسليم الأمر ~~إليه، والانقياد له، ولقبه أمير المؤمنين. ثم مات المهدي، وكان عمره إحدى ~~وخمسين سنة، وقيل: خمسا وخمسين سنة، ومدة ولايته عشرين سنة، وعاد عبد ~~المؤمن إلى تين ملل، وأقام بها يتألف القلوب، ويحسن إلى الناس، وكان جوادا ~~مقداما في الحروب، ثابتا في الهزاهز، إلى أن دخلت سنة ثمان وعشرين ~~وخمسمائة، فتجهز وسار في جيش كثير، وجعل يمشي مع الجبل إلى أن وصل إلى ~~تادلة، فمانعه أهلها، وقاتلوه، فقهرهم، وفتحها وسائر البلاد التي تليها ~~ومشى في الجبال يفتح ما امتنع عليه، وأطاعته صنهاجة الجبل. وكان أمير ~~المسلمين قد جعل ولي عهده ابنه سير، فمات، فأحضر أمير المسلمين ابنه تاشفين ~~من الأندلس، وكان أميرا عليها، فلما حضر عنده جعله ولي عهده ms3814 سنة إحدى ~~وثلاثين، وجعل معه جيشا، وصار يمشي في الصحراء قبالة عبد المؤمن في الجبال. ~~وفي سنة اثنتين وثلاثين كان عبد المؤمن في النواظر، وهو جبل عال مشرف، ~~وتاشفين في الوطأة، وكان يخرج من الطائفتين قوم يترامون ويتطاردون، ولم يكن ~~بينهما لقاء، ويسمى عام النواظر. وفي سنة ثلاث وثلاثين توجه عبد المؤمن، مع ~~الجبل، في الشعراء، حتى انتهى إلى جبل كرناطة، فنزل في أرض صلبة، بين شجر، ~~ونزل تاشفين قبالته، في الوطأة، في أرض لا نبات فيها، وكان الفصل شاتيا، ~~فتوالت الأمطار أياما كثيرة لا تقلع، فصارت الأرض التي فيها تاشفين وأصحابه ~~كثيرة الوحل، تسوخ فيها قوائم الخيل إلى صدورها، ويعجز الرجل عن المشي ~~فيها، وتقطعت الطرق عنهم، فأوقدوا رماحهم، وقرابيس سروجهم، وهلكوا جوعا ~~وبردا وسوء حال. وكان عبد المؤمن وأصحابه في أرض خشنة صلبة في الجبل، لا ~~يبالون بشيء، والميرة متصلة إليهم، وفي ذلك الوقت سير عبد المؤمن جيشا إلى ~~وجرة من أعمال تلمسان، ومقدمهم أبو عبد الله محمد بن رقو، وهو من أيت ~~خمسين، فبلغ خبرهم إلى محمد بن يحيى بن فانوا، متولي تلمسان، فخرج في جيش ~~من الملثمين، فالتقوا بموضع يعرف بخندق الخمر، فهزمهم جيش عبد المؤمن، وقتل ~~محمد بن يحيى وكثير من أصحابه، وغنموا ما معهم ورجعوا، فتوجه عبد المؤمن ~~بجميع جيشه إلى غمارة، فأطاعوه قبيلة بعد قبيلة، وأقام عندهم مدة. وما برح ~~يمشي في الجبال، وتاشفين يحاذيه في الصحاري، فلم يزل عبد المؤمن كذلك إلى ~~سنة خمس وثلاثين، فتوفي أمير المسلمين علي بن يوسف بمراكش وملك بعده ابنه ~~تاشفين، فقوي طمع عبد المؤمن في البلاد، إلا أنه لم ينزل الصحراء. ~~PageV04P0459 # وفي سنة ثمان وثلاثين توجه عبد المؤمن إلى تلمسان، فنازلها، وضرب خيامه ~~في جبل بأعلاها، ونزل تاشفين على الجانب الآخر من البلد، وكان بينهم ~~مناوشة، فبقوا كذلك إلى سنة تسع وثلاثين، فرحل عبد المؤمن عنها إلى جبل ~~تاجرة، ووجه جيشا مع عمر الهنتاتي إلى مدينة وهران، فهاجمها بغتة، وحصل هو ~~وجيشه فيها، فسمع بذلك تاشفين ms3815 فسار إليها، فخرج منها عمر، ونزل تاشفين ~~بظاهر وهران، على البحر، في شهر رمضان سنة تسع وثلاثين، فجاءت ليلة سبع ~~وعشرين منه، وهي ليلة يعظمها أهل المغرب، وبظاهر وهران ربوة مطلة على ~~البحر، وبأعلاها ثنية يجتمع فيها المتعبدون، وهو موضع معظم عندهم، فسار ~~إليه تاشفين في نفر يسير من أصحابه متخفيا، لم يعلم به إلا النفر الذين ~~معه، وقصد التبرك بحضور ذلك الموضع مع أولئك الجماعة الصالحين، فبلغ الخبر ~~إلى عمر بن يحيى الهنتاتي، فسار لوقته بجميع عسكره إلى ذلك المتعبد، ~~وأحاطوا به، وملكوا الربوة، فلما خاف تاشفين على نفسه أن يأخذوه ركب فرسه ~~وحمل عليه إلى جهة البحر، فسقط من جرف عال على الحجارة فهلك، ورفعت جثته ~~على خشبة، وقتل كل من كان معه. وقيل إن تاشفين قصد حصنا هناك على رابية، ~~وله فيه بستان كبير فيه من كل الثمار، فاتفق أن عمر الهنتاتي، مقدم عسكر ~~عبد المؤمن، سير سرية إلى ذلك الحصن، يعلمهم بضعف من فيه، ولم يعلموا أن ~~تاشفين فيه، فألقوا النار في بابه فاحترق، فأراد تاشفين الهرب، فركب فرسه، ~~فوثب الفرس من داخل الحصن إلى خارج السور، فسقط في النار، فأخذ تاشفين، ~~فاعترف، فأرادوا حمله إلى عبد المؤمن، فمات في الحال لأن رقبته كانت قد ~~اندقت، فصلب، وقتل كل من معه، وتفرق عسكره ولم يعد لهم جماعة. وملك بعده ~~أخوه إسحاق بن علي بن يوسف. ولما قتل تاشفين أرسل عمر إلى عبد المؤمن ~~بالخبر، فجاء من تاجرة في يومه بجميع عسكره، وتفرق عسكر أمير المسلمين، ~~واحتمى بعضهم بمدينة وهران، فلما وصل عبد المؤمن دخلها بالسيف، وقتل فيها ~~ما لا يحصى. ثم سار إلى تلمسان، وهما مدينتان بينهما شوط فرس، إحداهما ~~تاهرت، وبها عسكر المسلمين، والأخرى أقادير، وهي بناء قديم، فامتنعت ~~أقادير، وغلقت أبوابها، وتأهب أهلها للقتال. وأما تاهرت، فكان فيها يحيى بن ~~الصحراوية، فهرب منها بعسكره إلى مدينة فاس، وجاء عبد المؤمن إليها، فدخلها ~~لما فر منها العسكر، ولقيه أهلها بالخضوع والاستكانة، فلم يقبل منهم ذلك، ms3816 ~~وقتل أكثرهم، ودخلها عسكره، ورتب أمرها، ورحل عنها، وجعل على أقادير جيشا ~~يحصرها، وسار إلى مدينة فاس سنة أربعين فنزل على جبل مطل عليها، وحصرها ~~تسعة أشهر، وفيها يحيى بن الصحراوية، وعسكره الذين فروا من تلمسان، فلما ~~طال مقام عبد المؤمن عمد إلى نهر يدخل البلد فسكره بالأخشاب والتراب وغير ~~ذلك، فمنعه من دخول البلد، وصار بحيرة تسير فيها السفن، ثم هدم السكر، فجاء ~~الماء دفعة واحدة فخرب سور البلد، وكل ما يجاور النهر من البلد، وأراد عبد ~~المؤمن أن يدخل البلد، فقاتله أهله خارج السور، فتعذر عليه ما قدره من ~~دخوله. وكان بفاس عبد الله بن خيار الجياني عاملا عليها وعلى جميع أعمالها، ~~فاتفق هو وجماعة من أعيان البلد، وكاتبوا عبد المؤمن في طلب الأمان لأهل ~~فاس، فأجابهم إليه، ففتحوا له بابا من أبوبها، فدخلها عسكره، وهرب يحيى بن ~~الصحراوية، وكان فتحها آخر سنة أربعين وخمسمائة، وسار إلى طنجة، ورتب عبد ~~المؤمن أمر مدينة فاس، وأمر فنودي في أهلها: من ترك عنده سلاحا وعدة قتال ~~حل دمه، فحمل كل من في البلد ما عندهم من سلاح إليه، فأخذه منهم. ثم رجع ~~إلى مكناسة، ففعل بأهلها مثل ذلك، وقتل من بها من الفرسان والأجناد. وأما ~~العسكر الذي كان على تلمسان فإنهم قاتلوا أهلها، ونصبوا المجانيق، وأبراج ~~الخشب، وزحفوا بالدبابات، وكان المقدم على أهلها الفقيه عثمان، فدام الحصار ~~نحو سنة، فلما اشتد الأمر على أهل البلد اجتمع جماعة منهم وراسلوا الموحدين ~~أصحاب عبد المؤمن، بغير علم الفقيه عثمان، وأدخلوهم البلد، فلم يشعر أهله ~~إلا والسيف يأخذهم، فقتل أكثر أهله، وسبيت الذرية والحريم، ونهب من الأموال ~~ما لا يحصى، ومن الجوهر ما لا تحد قيمته، ومن لم يقتل بيع بأوكس الأثمان، ~~وكان عدة القتلى مائة ألف قتيل، وقيل: إن عبد المؤمن هو الذي حصر تلمسان، ~~وسار منها إلى فاس، والله أعلم. PageV04P0460 # وسير عبد المؤمن سرية إلى مكناسة، فحصروها مدة، ثم سلمها إليهم أهلها ~~بالأمان فوفوا لهم. وسار عبد المؤمن من فاس إلى ms3817 مدينة سلا ففتحها، وحضر ~~عنده جماعة من أعيان سبتة، فدخلوا في طاعته، فأجابهم إلى بذل الأمان، وكان ~~ذلك سنة إحدى وأربعين. ### || AUT ذكر ملك عبد المؤمن مدينة مراكش # لما فرغ عبد المؤمن من فاس، وتلك النواحي، سار إلى مراكش، وهي كرسي ~~مملكة الملثمين، وهي من أكبر المدن وأعظمها، وكان صاحبها حينئذ إسحاق بن ~~علي بن يوسف بن تاشفين، وهو صبي، فنازلها، وكان نزوله عليها سنة إحدى ~~وأربعين، فضرب خيامه في غربيها على جبل صغير، وبنى عليه مدينة له ولعسكره، ~~وبنى بها جامعا وبنى له بناء عاليا يشرف منه على المدينة، ويرى أحوال ~~أهلها، وأحوال المقاتلين من أصحابه، وقاتلها قتالا كثيرا، وأقام عليها أحد ~~عشر شهرا، فكان من بها من المرابطين يخرجون يقاتلونهم بظاهر البلد، واشتد ~~الجوع على أهله، وتعذرت الأقوات عندهم. ثم زحف إليهم يوما، وجعل لهم كمينا، ~~وقال لهم: إذا سمعتم صوت الطبل فاخرجوا، وجلس هو بأعلى المنظرة التي بناها ~~يشاهد القتال، وتقدم عسكره، وقاتلوا، وصبروا، ثم إنهم انهزموا لأهل مراكش ~~ليتبعوهم إلى الكمين الذي لهم، فتبعهم الملثمون إلى أن وصلوا إلى مدينة عبد ~~المؤمن، فهدموا أكثر سورها، وصاحت المصامدة بعبد المؤمن ليأمر بضرب الطبل ~~ليخرج الكمين، فقال لهم: اصبروا حتى يخرج كل طامع في البلد، فلما خرج أكثر ~~أهله أمر بالطبل فضرب وخرج الكمين عليهم، ورجع المصامدة المنهزمون إلى ~~الملثمين فقتلوهم كيف شاءوا، وعادت الهزيمة على الملثمين، فمات في زحمة ~~الأبواب ما لا يحصيه إلا الله سبحانه. وكان شيوخ الملثمين يدبرون دولة ~~إسحاق بن علي بن يوسف لصغر سنة، فاتفق أن إنسانا من جملتهم يقال له عبد ~~الله بن أبي بكر خرج إلى عبد المؤمن مستأمنا وأطلعه على عوراتهم وضعفهم، ~~فقوي الطمع فيهم، واشتد عليهم البلاء، ونصب عليهم المنجنيقات والأبراج، ~~وفنيت أقواتهم، وأكلوا دوابهم، ومات من العامة بالجوع ما يزيد على مائة ألف ~~إنسان، فأنتن البلد من ريح الموتى. وكان بمراكش جيش من الفرنج كان ~~المرابطون قد استنجدوا بهم، فجاءوا إليهم نجدة، فلما طال عليهم الأمر ~~راسلوا عبد ms3818 المؤمن يسألون الأمان، فأجابهم إليه، ففتحوا له بابا من أبواب ~~البلد يقال له باب أغمات، فدخلت عساكره بالسيف، وملكوا المدينة عنوة، ~~وقتلوا من وجدوا، ووصلوا إلى دار أمير المسلمين، فأخرجوا الأمير إسحاق ~~وجميع من معه من أمراء المرابطين، فقتلوا، وجعل إسحاق يرتعد رغبة في ~~البقاء، ويدعو لعبد المؤمن ويبكي، فقام إليه الأمير سير بن الحاج، وكان إلى ~~جانبه مكتوفا، فبزق في وجهه، وقال: تبكي على أبيك وأمك؟ اصبر صبر الرجال، ~~فهذا رجل لا يخاف الله ولا يدين بدين. فقام الموحدون إليه بالخشب فضربوه ~~حتى قتلوه، وكان من الشجعان المعروفين بالشجاعة، وقدم إسحاق، على صغر سنه، ~~فضربت عنقه سنة اثنتين وأربعين، وآخر ملوك المرابطين وبه انقرضت دولتهم، ~~وكانت مدة ملكهم سبعين سنة، وولي منهم أربعة: يوسف وعلي وتاشفين وإسحاق. ~~ولما فتح عبد المؤمن مراكش أقام بها، واستوطنها واستقر ملكه. ولما قتل عبد ~~المؤمن من أهل مراكش فأكثر فيهم القتل اختفى كثير من أهلها، فلما كان بعد ~~سبعة أيام أمر فنودي بأمان من بقي من أهلها، فخرجوا، فأراد أصحابه المصامدة ~~قتلهم، فمنعهم، وقال: هؤلاء صناع، وأهل الأسواق من ننتفع به، فتركوا، وأمر ~~بإخراج القتلى من البلد، فأخرجوهم، وبنى بالقصر جامعا كبيرا، وزخرفه فأحسن ~~عمله، وأمر بهدم الجامع الذي بناه أمير المسلمين يوسف بن تاشفين. ولقد أساء ~~يوسف بن تاشفين في فعله بالمعتمد بن عباد، وارتكب بسجنه على الحالة ~~المذكورة أقبح مركب، فلا جرم سلط الله عليه في عقابه من أربى في الأخذ عليه ~~وزاد، فتبارك الحي الدائم الملك، الذي لا يزول ملكه، وهذه سنة الدنيا، فأف ~~لها، ثم أف، نسأل الله أن يختم أعمالنا بالحسنى، ويجعل خير أيامنا يوم ~~نلقاه بمحمد وآله. ### || AUT ذكر ظفر عبد المؤمن بدكالة # PageV04P0461 # في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة سار بعض المرابطين من الملثمين إلى دكالة، ~~فاجتمع إليه قبائلها، وصاروا يغيرون على أعمال مراكش، وعبد المؤمن لا يلتفت ~~إليهم، فلما كثر ذلك منهم سار إليهم سنة أربع وأربعين، فلما سمعت دكالة ~~بذلك انحشروا كلهم إلى ساحل البحر في ms3819 مائتي ألف راجل وعشرين ألف فارس، ~~وكانوا موصوفين بالشجاعة. وكان مع عبد المؤمن من الجيوش ما يخرج عن الحصر، ~~وكان الموضع الذي فيه دكالة كثير الحجر والحزونة، فكمنوا فيه كمناء ليخرجوا ~~على عبد المؤمن إذا سلكه، فمن الاتفاق الحسن له أنه قصدهم من غير الجهة ~~التي فيها الكمناء، فانحل عليهم ما قدروه، وفارقوا ذلك الموضع، فأخذهم ~~السيف، فدخلوا البحر، فقتل أكثرهم، وغنمت إبلهم وأغنامهم وأموالهم، وسبيت ~~نساؤهم وذراريهم، فبيعت الجارية الحسناء بدراهم يسيرة، وعاد عبد المؤمن إلى ~~مراكش مظفرا منصورا، وثبت ملكه، وخافه الناس في جميع المغرب، وأذعنوا له بالطاعة. ### || AUT ذكر حصر مدينة كتندة # في هذه السنة، يعني سنة أربع عشرة وخمسمائة، وخرج ملك من ملوك الفرنج ~~بالأندلس، يقال له ابن ردمير، فسار حتى انتهى إلى كتندة، وهي بالقرب من ~~مرسية، في شرق الأندلس، فحصرها، وضيق على أهلها، وكان أمير المسلمين علي بن ~~يوسف حينئذ بقرطبة، ومعه جيش كثير من المسلمين والأجناد المتطوعة، فسيرهم ~~إلى ابن ردمير، فالتقوا واقتتلوا أشد القتال، وهزمهم ابن أردمير هزيمة ~~منكرة، وكثر القتل في المسلمين، وكان فيمن قتل أبو عبد الله بن الفراء، ~~قاضي المرية، وكان من العلماء العاملين، والزهاد في الدنيا العادلين في القضاء. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كسر بلك بن أرتق عفراس الرومي، وقتل من الروم خمسة آلاف ~~رجل على قلعة سرمان من بلد الدكان وأسر عفراس وكثير من عسكره. وفيها أغار ~~جوسلين الفرنجي، صاحب الرها، على جيوش العرب والتركمان، وكانوا نازلين ~~بصفين، غربي الفرات، وغنم من أموالهم وخيلهم ومواشيهم شيئا كثيرا، ولما عاد ~~خرب بزاعة. وفيها تسلم أتابك طغتكين، صاحب دمشق، مدينة تدمر والشقيف. وفيها ~~أمر السلطان محمود الأمير جيوش بك بالمسير إلى حرب أخيه طغرل، فسار إليه، ~~فسمع طغرل وأتابكه كنتغدي ذلك، فسارا إلى كنجة من بين يدي العسكر، ولم يجر ~~قتال. وفيها، في المحرم، توفي خالصة الدولة أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب ~~بن السيبي صاحب المخزن ببغداد، وولي مكانه الكمال أبو الفتوح حمزة بن طلحة، ms3820 ~~المعروف بابن البقشلام، والد علم الدين الكاتب المعروف. وفي جمادى الأولى ~~منها توفي أبو سعد عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوزان القشيري، الإمام ابن ~~الإمام، وكان أخذ العلم من قرابته، والطريقة أيضا، ثم استفاد أيضا من إمام ~~الحرمين أبي المعالي الجويني، وسمع الحديث من جماعة، ورواه، وكان حسن ~~الوعظ، سريع الخاطر، ولما توفي جلس الناس في البلاد البعيدة للعزاء به، حتى ~~في بغداد برباط شيخ الشيوخ. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس عشرة وخمسمائة # ### || AUT ذكر إقطاع البرسقي الموصل # في هذه السنة، في صفر، أقطع السلطان محمود مدينة الموصل وأعمالها، وما ~~ينضاف إليها، كالجزيرة، وسنجار، وغيرهما، الأمير آقسنقر البرسقي. وسبب ذلك: ~~أنه كان في خدمة السلطان محمود، ناصحا له، ملازما له في حروبه كلها، وكان ~~له الأثر الحسن في الحرب المذكورة بين السلطان محمود وأخيه الملك مسعود، ~~وهو الذي أحضر الملك مسعودا عند أخيه السلطان محمود، فعظم ذلك عند السلطان ~~محمود، ولما حضر جيوش بك عند السلطان محمود وبقيت الموصل بغير أمير ولي ~~عليها البرسقي، وتقدم إلى سائر الأمراء بطاعته، وأمره بمجاهدة الفرنج وأخذ ~~البلاد منهم، فسار إليها في عسكر كثير وملكها، وأقام بطاعته، وأمره بمجاهدة ~~الفرنج وأخذ البلاد منهم، فسار إليها في عسكر كثير وملكها، وأقام يدبر ~~أمورها، ويصلح أحوالها. ### || AUT ذكر وفاة الأمير علي وولاية ابنه الحسن إفريقية # PageV04P0462 # في هذه السنة توفي الأمير علي بن يحيى بن تميم، صاحب إفريقية، في العشر ~~الأخير من ربيع الآخر، وكان مولده بالمهدية، وقد تقدم من حروبه وأعماله ما ~~يستدل به على علو همته، ولما توفي ولي الملك بعده ابنه الحسن، بعهد أبيه، ~~وقام بأمر دولته صندل الخصي، لأنه كان عمره حينئذ اثنتي عشرة سنة لا يستقل ~~بتدبير الملك، فقام صندل في الحفظ والاحتياط، فلم تطل أيامه حتى توفي، فوقع ~~الاختلاف بين أصحابه وقواده، كل منهم يقول: أنا المقدم على الجميع، وبيدي ~~الحل والشد، فلم يزالوا كذلك إلى أن فوض أمور دولته إلى قائد من أصحاب أبيه ~~يقال له أبو عزيز موفق، ms3821 فصلحت الأمور. ### || AUT ذكر قتل أمير الجيوش # في هذه السنة، في الثالث والعشرين من رمضان، قتل أمير الجيوش الأفضل بن ~~بدر الجمالي، وهو صاحب الأمر والحكم بمصر، وكان ركب إلى خزانة السلاح ~~ليفرقه على الأجناد، على جاري العادة في الأعياد، فسار معه عالم كثير من ~~الرجالة والخيالة، فتأذى بالغبار، فأمر بالبعد عنه، وسار منفردا، معه ~~رجلان، فصادفه رجلان بسوق الصياقلة، فضرباه بالسكاكين فجرحاه، وجاء الثالث ~~من ورائه، فضربه بسكين في خاصرته، فسقط عن دابته، ورجع أصحابه فقتلوا ~~الثلاثة، وحملوه إلى دار الأفضل، فدخل عليه الخليفة، وتوجع له، وسأله عن ~~الأموال، فقال: أما الظاهر منها فأبو الحسن بن أسامة الكاتب يعرفه، وكان من ~~أهل حلب، وتولى أبوه قضاء القاهرة، وأما الباطن فابن البطائحي يعرفه، ~~فقالا: صدق. فلما توفي الأفضل نقل من أمواله ما لا يعلمه إلا الله تعالى، ~~وبقي الخليفة في داره نحو أربعين يوما، والكتاب بين يديه، والدواب تحمل ~~وتنقل ليلا ونهارا، ووجد له من الأعلاق النفيسة، والأشياء الغريبة القليلة ~~الوجود، ما لا يوجد مثله لغيره، واعتقل أولاده، وكان عمره سبعا وخمسين سنة، ~~وكانت ولايته بعد أبيه ثمانيا وعشرين سنة، منها: آخر أيام المستنصر، وجميع ~~أيام المستعلي، إلى هذه السنة من أيام الآمر. وكان الإسماعيلية يكرهونه ~~لأسباب منها: تضييقه على إمامهم، وتركه ما يجب عندهم سلوكه معهم، ومنها ترك ~~معارضة أهل السنة في اعتقدهم، والنهي عن معارضتهم، وإذنه للناس في إظهار ~~معتقداتهم والمناظرة عليها، فكثر الغرباء ببلاد مصر. وكان حسن السيرة، ~~عادلا، حكي أنه لما قتل، وظهر الظلم بعده، اجتمع جماعة واستغاثوا بالخليفة، ~~وكان من جملة قولهم: إنهم لعنوا الأفضل، فسألهم عن سبب لعنهم إياه، فقالوا: ~~إنه عدل، وأحسن السيرة، ففارقنا بلادنا وأوطاننا، وقصدنا بلده لعدله، فقد ~~أصابنا بعده هذا الظلم، فهو كان سبب ظلمنا. فأحسن الخليفة إليهم، وأمر ~~بالإحسان إلى الناس. ومنها أن صاحبه الآمر بأحكام الله، صاحب مصر، وضع منه، ~~وسبب ذلك ما ذكرناه قبل، ففسد الأمر بينهما، فأراد الآمر أن يضع عليه من ~~يقتله إذا دخل عليه ms3822 قصره للسلام، أو في أيام الأعياد، فمنعه من ذلك ابن عمه ~~أبو الميمون عبد المجيد، وهو الذي ولي الأمر بعده بمصر، وقال له: في هذا ~~الفعل شناعة، وسوء سمعة، لأنه قد خدم دولتنا هو وأبوه خمسين سنة، ولم يعلم ~~الناس منهما إلا النصح لنا، والمحبة لدولتنا، وقد سار ذلك في أقطار البلاد، ~~فلا يجوز أن يظهر منا هذه المكافأة الشنيعة، ومع هذا فلا بد وأن نقيم غيره ~~مكانه ونعتمد عليه في منصبه، متمكن مثله، وأو ما يقاربه، فيخاف أن نفعل به ~~مثل فعلنا بهذا، فيحذر من الدخول إلينا خوفا على نفسه، وإن دخل علينا كان ~~خائفا مستعدا للامتناع، وفي هذا الفعل منهم ما يسقط المنزلة، والرأي أن ~~تراسل أبا عبد الله البطائحي، فإنه الغالب على أمر الأفضل، والمطلع على ~~سره، وتعده أن توليه منصبه، وتطلب منه أن يدبر الأمر في قتله لمن يقاتله، ~~إذا ركب، فإذا ظفرنا بمن قتله قتلناه، وأظهرنا الطلب بدمه، والحزن عليه، ~~فنبلغ غرضنا، ويزول عنا قبح الأحدوثة. ففعلوا ذلك فقتل كما ذكرناه. ولما ~~قتل ولي بعده أبو عبد الله بن البطائحي الأمر، ولقب المأمون، وتحكم في ~~الدولة، فبقي كذلك حاكما في البلاد إلى سنة تسع عشرة، فصلب كما نذكره إن ~~شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عصيان سليمان بن إيلغازي على أبيه # PageV04P0463 # في هذه السنة عصى سليمان بن إيلغازي بن أرتق على أبيه بحلب، وقد جاوز ~~عمره عشرين سنة، حمله على ذلك جماعة من عنده، فسمع والده الخبر، فسار مجدا ~~لوقته، فلم يشعر به سليمان حتى هجم عليه، فخرج إليه معتذرا، فأمسك عنه، ~~وقبض على من كان أشار عليه بذلك، منهم: أمير كان قد التقطه أرتق، والد ~~إيلغازي، ورباه، اسمه ناصر، فقلع عينيه، وقطع لسانه، ومنهم: إنسان من أهل ~~حماة من بيت قرناص، كان قد قدمه إيلغازي على أهل حلب، وجعل إليه الرئاسة، ~~فجزاه بذلك، وقطع يديه ورجليه، وسمل عينيه، فمات. وأحضر ولده، وهو، سكران، ~~فأراد قتله، فمنعه رقة الوالد، فاستبقاه، فهرب إلى دمشق، فأرسل طغتكين يشفع ms3823 ~~فيه، فلم يجبه إلى ذلك، واستناب بحلب سليمان ابن أخيه عبد الجبار بن أرتق، ~~ولقبه بدر الدولة، وعاد إلى ماردين. ### || AUT ذكر إقطاع ميافارقين إيلغازي # في هذه السنة أقطع السلطان محمود مدينة ميافارقين للأمير إيلغازي. وسبب ~~ذلك أنه أرسل ولده حسام الدين تمرتاش، وعمره سبع عشرة سنة، إلى السلطان ~~ليشفع في دبيس بن صدقة، ويبذل عنه الطاعة، وحمل الأموال، والخيل، وغيرها، ~~وأن يضمن الحلة كل يوم بألف دينار وفرس، وكان المتحدث عنه القاضي بهاء ~~الدين أبو الحسن علي بن القاسم بن الشهرزوري، فتردد الخطاب في ذلك، ولم ~~ينفصل حال، فلما أراد العود أقطع السلطان أباه مدينة ميافارقين، وكانت مع ~~الأمير سكمان، صاحب خلاط، فتسلمها إيلغازي، وبقيت في يده، ويد أولاده، إلى ~~أن ملكها صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة ثمانين وخمسمائة، وسنذكر ذلك إن شاء ~~الله تعالى. ### || AUT ذكر حصر بلك بن بهرام الرها # ### || AUT وأسر صاحبها # في هذه السنة سار بلك بن بهرام، ولد أخي إيلغازي، إلى مدينة الرها، ~~فحصرها وبها الفرنج، وبقي على حصرها مدة، فلم يظفر بها، فرحل عنها، فجاءه ~~إنسان تركماني وأعلمه أن جوسلين، صاحب الرها وسروج، قد جمع من عنده من ~~الفرنج، وهو عازم على كبسه، وكان قد تفرق عن بلك أصحابه، وبقي في أربعمائة ~~فارس، فوقف مستعدا لقتالهم. وأقبل الفرنج، فمن لطف الله تعالى بالمسلمين أن ~~الفرنج وصلوا إلى أرض قد نضب عنها الماء، فصارت وحلا غاصت خيولهم فيه فلم ~~تتمكن، مع ثقل السلاح والفرسان، من الإسراع والجري، فرماهم أصحاب بلك ~~بالنشاب، فلم يفلت منهم أحد، وأسر جوسلين وجعل في جلد جمل، وخيط عليه، وطلب ~~منه أن يسلم الرها، فلم يفعل، وبذل في فداء نفسه أموالا جزيلة، وأسرى ~~كثيرة، فلم يجبه إلى ذلك، وحمله إلى قلعة خرتبرت فسجنه بها، وأسر معه ابن ~~خالته، واسمه كليام، وكان من شياطين الكفار، وأسر أيضا جماعة من فرسانه ~~المشهورين، فسجنهم معه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفيت جدة السلطان محمود لأبيه، والدة السلطان سنجر، وكانت ~~تركية ms3824 تعرف بخاتون السفرية، وكان موتها بمرو، فجلس محمود ببغداد للعزاء ~~بها، وكان عزاء لم يشاهد مثله الناس. وفيها توفي الخطير محمد بن الحسين ~~الميبذي ببلاد فارس، وهو في وزارة الملك سلجوق ابن السلطان محمد، وكان ~~قديما وزر للسلطانين بركيارق ومحمد، وكان جوادا حليما، سمع أن الأبيوردي ~~هجاه، فلما سمع الهجو مضه، فعض على إبهامه، وصفح عنه، وخلع عليه ووصله. ~~وفيها توفي الشهاب أبو المحاسن عبد الرزاق بن عبد الله وزير السلطان سنجر، ~~وهو ابن أخي نظام الملك، وكان يتفقه قديما على إمام الحرمين الجويني فكان ~~يفتي ويوقع، ووزر بعده أبو طاهر سعد بن علي بن عيسى القمي، وتوفي بعد شهور، ~~فوزر بعده عثمان القمي. وفيها، في جمادى الأولى، أوقع أتابك طغتكين بطائفة ~~من الفرنج، فقتل منهم وأسر وأرسل الأسرى والغنيمة للسلطان وللخليفة. وفيها ~~تضعضع الركن اليماني من البيت الحرام، زاده الله شرفا، من زلزلة، وانهدم ~~بعضه، وتشعث بعض حرم النبي صلى الله عليه وسلم، وتشعث غيرها من البلاد، ~~وكان بالموصل كثير منها. وفيها احترقت دار السلطان، كان قد بناها مجاهد ~~الدين بهروز للسلطان محمد، ففرغت قبل وفاته بيسير، فلما كان الآن احترقت. ~~PageV04P0464 # وسبب الحريق أن جارية كانت تختضب ليلا، فأسندت شمعة إلى الخيش فاحترق، ~~وعلقت النار منه في الدار، واحترق فيها من زوجة السلطان محمود بنت السلطان ~~سنجر ما لا حد له من الجواهر، والحلى، والفرش، والثياب، وأقيم الغسالون ~~يخلصون الذهب وما أمكن تخليصه، وكان الجوهر جميعه قد هلك إلا الياقوت ~~الأحمر. وترك السلطان الدار لم تجدد عمارتها، وتطير منها، لأن أباه لم ~~يتمتع بها، ثم احترق فيها، من أموالهم، الشيء العظيم، واحترق قبلها بأسبوع ~~جامع أصبهان، وهو من أعظم الجوامع وأحسنها، وأحرقه قوم من الباطنية ليلا، ~~وكان السلطان قد عزم على أخذ حق البيع، وتجديد المكوس بالعراق، بإشارة ~~الوزير السميرمي عليه بذلك، فتجدد من هذين الحريقين ما هاله، واتعظ فأعرض ~~عنه. وفيها، في ربيع الآخر، انقض كوكب عشاء، وصار له نور عظيم، وتفرق منه ~~أعمدة عند انقضاضه، وسمع عند ms3825 ذلك صوت هدة عظيمة كالزلزلة. وفيها ظهر بمكة ~~إنسان علوي، وأمر بالمعروف، فكثر جمعه، ونازع أمير مكة ابن أبي هاشم، وقوي ~~أمره، وعزم على أن يخطب لنفسه، فعاد بان أبي هاشم وظفر به، ونفاه عن الحجاز ~~إلى البحرين، وكان هذا العلوي من فقهاء النظامية ببغداد. وفيها ألزم ~~السلطان أهل الذمة ببغداد بالغيار، فجرى فيه مراجعات انتهت إلى أن قرر ~~عليهم للسلطان عشرون ألف دينار، وللخليفة أربعة آلاف دينار. وفيها حضر ~~السلطان محمود وأخوه الملك مسعود عند الخليفة، فخلع عليهما، وعلى جماعة من ~~أصحاب السلطان، منهم: وزيره أبو طالب السميرمي، وشمس الملك عثمان بن نظام ~~الملك، والوزير أبو نصر أحمد بن محمد بن حامد المستوفي، وعلى غيرهم من ~~الأمراء. وفيها، في ذي القعدة، وهو الحادي والعشرون من كانون الثاني، سقط ~~بالعراق جميعه من البصرة إلى تكريت ثلج كبير، وبقي على الأرض خمسة عشر ~~يوما، وسمكه ذراع، وهلكت أشجار النارنج، والأترج، والليمون، فقال فيه بعض ~~الشعراء: يا صدور الزمان ليس بوفر ... ما رأيناه في نواحي العراق إنما عماد ~~الملك ظلمكم سائر الخل ... ق، فشابت ذوائب الآفاق وفيها هبت بمصر ريح سوداء ~~ثلاثة أيام، فأهلكت كثيرا من الناس، وغيرهم من الحيوانات. وفيها توفي أبو ~~محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري، صاحب المقامات المشهورة، ~~وهزارسب بن عوض الهروي، وكان قد سمع الحديث كثيرا. ### | AUT ثم دخلت سنة ست عشرة وخمسمائة # ### || AUT ذكر طاعة الملك طغرل لأخيه محمود # وفي المحرم من هذه السنة أطاع الملك طغرل أخاه السلطان محمودا، وكان قد ~~خرج عن طاعته، كما ذكرناه، وقصد أذربيجان في السنة الخالية ليتغلب عليها، ~~وكان أتابكه كنتغدي يحسن له ذلك، ويقويه عليه، فاتفق أنه مرض، وتوفي في ~~شوال سنة خمس عشرة. وكان الأمير آقسنقر الأحمديلي، صاحب مراغة، عند السلطان ~~محمود ببغداد، فاستأذنه في المضي إلى إقطاعه، فأذن له، فلما سار عن السلطان ~~ظن أنه يقوم مقام كنتغدي من الملك طغرل، فسار إليه، واجتمع به، وأشار عليه ~~بالمكاشفة لأخيه السلطان محمود، وقال له: إذا ms3826 وصلت إلى مراغة اتصل كب عشرة ~~آلاف فارس وراجل. فسار معه، فلما وصلوا إلى أردبيل أغلقت أبوابها دونهم، ~~فساروا عنها إلى قريب تبريز، فأتاهم الخبر أن السلطان محمودا سير الأمير ~~جيوش بك إلى أذربيجان، وأقطعه البلاد، وأنه نزل مراغة في عسكر كثيف من عند ~~السلطان. فلما تيقنوا ذلك عدلوا إلى خونج، وانتفض عليهم ما كانوا فيه، ~~وراسلوا الأمير شيركير الذي كان أتابك طغرل، أيام أبيه، يدعونه إلى ~~إنجادهم، وقد كان كنتغدي قبض عليه بعد موت السلطان محمد على ما ذكرناه، ثم ~~أطلقه السلطان سنجر، فعاد إلى إقطاعه، أبهر، وزنجان، وكاتبوه فأجابهم، ~~واتصل بهم، وسار معهم إلى أبهر، فلم يتم لهم ما أرادوا، فراسلوا السلطان ~~بالطاعة، فأجابهم إلى ذلك، فاستقرت القاعدة أول هذه السنة، وتمت. ### || AUT ذكر حال دبيس بن صدقة وما كان منه # قد ذكرنا سنة أربع عشرة حال دبيس بن صدقة، وصلحه على يد يرنقش الزكوي، ~~ومقامه بالحلة، وعود يرنقش إلى السلطان ومعه منصور بن صدقة، أخو دبيس، ~~وولده، رهينة، فلما علم الخليفة بذلك لم يرض به، وراسل السلطان محمودا في ~~إبعاد دبيس عن العراق إلى بعض النواحي. PageV04P0465 # وتردد الخطاب في ذلك، وعزم السلطان على المسير إلى همذان، فأعاد الخليفة ~~الشكوى من دبيس، وذكر أنه يطالب الناس بحقوده، منها قتل أبيه، وأشار أن ~~يحضر السلطان آقسنقر البرسقي من الموصل، ويوليه شحنكية بغداد والعراق، ~~ويجعله في وجه دبيس، ففعل السلطان ذلك، وأحضر البرسقي، فلما وصل إليه زوجه ~~والدة الملك مسعود، وجعله شحنة بغداد، وأمره بقتال دبيس إن تعرض للبلاد. ~~وسار السلطان عن بغداد في صفر من هذه السنة، وكان مقامه ببغداد سنة وسبعة ~~أشهر وخمسة عشر يوما، فلما فارق بغداد والعراق تظاهر دبيس بأمور تأثر بها ~~المسترشد بالله، وتقدم إلى البرسقي بالمسير إليه، وإزعاجه عن الحلة، فأرسل ~~البرسقي إلى الموصل، وأحضر عساكره، وسار إلى الحلة، وأقبل دبيس نحوه، ~~فالتقوا عند نهر بشير، شرقي الفرات، واقتتلوا، فانهزم عسكر البرسقي. وكان ~~سبب الهزيمة أنه رأى في مسيرته خللا، وبها الأمراء البكجية، فأمر ms3827 بإلقاء ~~خيمته، وأن تنصب عند الميسرة، ليقوي قلوب من بها، فلما رأوا الخيمة وقد ~~سقطت ظنوها عن هزيمة، فانهزموا، وتبعهم الناس والبرسقي. وقيل: بل أعطي رقعة ~~فيها: إن جماعة من الأمراء، منهم إسماعيل البكجي، يريدون الفتك به، ~~فانهزم،، وتبعه العسكر، ودخل بغداد ثاني ربيع الآخر، وكان في جملة العسكر ~~نصر بن النفيس بن مهذب الدولة أحمد بن أبي الجبر، وكان ناظرا بالبطيحة ~~لريحان محكويه، خادم السلطان، لأنها كانت من جملة إقطاعه، وحضر أيضا المظفر ~~بن حماد بن أبي الجبر، وبينهما عداوة شديدة، فالتقيا عند الانهزام بساباط ~~نهر ملك، فقتله المظفر ومضى إلى واسط وسار منها إلى البطيحة، وتغلب عليها ~~وكاتب دبيسا وأطاعه. وأما دبيس فإنه لم يعرض لنهر ملك، ولا غيره، وأرسل إلى ~~الخليفة أنه على الطاعة، ولولا ذلك لأخذ البرسقي وجميع من معه، وسأل أن ~~يخرج الناظر إلى القرى التي لخاص الخليفة لقبض دخلها. وكانت الوقعة في ~~حزيران، وحمى البلد، فأحمد الخليفة فعله، وترددت الرسل بينهما، فاستقرت ~~القاعدة أن يقبض المسترشد بالله على وزيره جلال الدين أبي علي بن صدقة ~~ليعود إلى الطاعة، فقبض على الوزير، ونهبت داره ودور أصحابه والمنتمين ~~إليه، وهرب ابن أخيه جلال الدين أبو الرضا إلى الموصل. ولما سمع السلطان ~~خبر الوقعة قبض على منصور بن صدقة، أخي دبيس، وولده ورفعهما إلى قلعة برحين ~~وهي تجاور كرج. ثم إن دبيسا أمر جماعة من أصحابه بالمسير إلى أقطاعهم ~~بواسط، فساروا إليها، فمنعهم أتراك واسط، فجهز دبيس إليهم عسكرا مقدمهم ~~مهلهل ابن أبي العسكر، وأرسل إلى المظفر بن أبي الجبر بالبطيحة ليتفق مع ~~مهلهل ويساعده على قتال الواسطيين، فاتفقا على أن تكون الوقعة تاسع رجب، ~~وأرسل الواسطيون إلى البرسقي يطلبون منه المدد، فأمدهم بجيش من عنده، وعجل ~~مهلهل في عسكره دبيس، ولم ينتظر المظفر ظنا منه أنه بمفرده ينال منهم ما ~~أراد، وينفرد بالفتح، فالتقى هو والواسطيون، ثامن رجب، فانهزم مهلهل ~~وعسكره، وظفر الواسطيون، وأخذ مهلهل أسيرا وجماعة من أعيان العسكر، وقتل ما ~~يزيد على ألف قتيل، ms3828 ولم يقتل من الواسطيين غير رجل واحد. وأما المظفر بن ~~أبي الجبر فإنه أصعد من البطيحة ونهب وأفسد، وجرى من أصحابه القبيح، فلما ~~قارب واسطا سمع بالهزيمة، فعاد منحدرا. وكان في جملة ما أخذ العسكر الواسطي ~~من مهلهل تذكرة بخط دبيس يأمره فيها بقبض المظفر بن أبي الجبر ومطالبته ~~بأموال كثيرة أخذها من البطيحة، فأرسلوا الخط إلى المظفر، وقالوا: هذا خط ~~الذي تختاره، وقد أسخطت الله تعالى والخلق كلهم لأجله، فمال إليهم وصار ~~معهم، فلما جرى على أصحاب دبيس من الواسطيين ما ذكرناه شمر عن ساعده في ~~الشر، وبلغه أن السلطان كحل أخاه، فجز شعره، ولبس السواد، ونهب البلاد، ~~وأخذ كل ما للخليفة بنهر الملك، فأجلى الناس إلى بغداد. وسار عسكر واسط إلى ~~النعمانية، فأجلوا عنها عسكر دبيس واستولوا عليها، وجرى بينهم هناك وقعة ~~كان الظفر فيها للواسطيين، وتقدم الخليفة إلى البرسقي بالتبريز إلى حرب ~~دبيس، فبرز في رمضان، وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر قتل السميرمي # PageV04P0466 # وفي هذه السنة قتل الوزير الكمال أبو طالب السميرمي، وزير السلطان محمود، ~~سلخ صفر، وكان قد برز مع السلطان ليسير إلى همذان، فدخل إلى الحمام، وخرج ~~بين يديه الرجالة والخيالة، وهو في موكب عظيم، فاجتاز بسوق المدرسة التي ~~بناها خمارتكين التتشي، واجتاز في منفذ ضيق فيه حظائر الشوك، فتقدم أصحابه ~~لضيق الموضع، فوثب عليه باطني وضربه بسكين، فوقعت في البغلة، وهرب إلى ~~دجلة، وتبعه الغلمان، فخلا الموضع، فظهر رجل آخر فضربه بسكين في خاصرته، ~~وجذبه عن البغلة إلى الأرض، وضربه عدة ضربات. وعاد أصحاب الوزير، فحمل ~~عليهم رجلان باطنيان، فانهزموا منهما، ثم عادوا وقد ذبح الوزير مثل الشاة، ~~فحمل قتيلا وبه نيف وثلاثون جراحة، وقتل قاتلوه. ولما كان في الحمام كان ~~المنجمون يأخذون له الطالع ليخرج، فقالوا: هذا وقت جيد، وإن تأخرت يفت طالع ~~السعد، فأسرج وركب، وأراد أن يأكل طعاما، فمنعوه لأجل الطالع، فقتل ولم ~~ينفعه قولهم. وكانت وزارته ثلاث سنين وعشرة أشهر، وانتهب ماله، وأخذ ~~السلطان خزانته، ووزر ms3829 بعده شمس الملك بن نظام الملك، وكانت زوجة السميرمي ~~قد خرجت هذا اليوم في موكب كبير، معها نحو مائة جارية، وجمع من الخدم، ~~والجميع بمراكب الذهب، فلما سمعن بقتله عدن حافيات حاسرات، وقد تبدلن بالعز ~~هوانا، وبالمسرة أحزانا. فسبحان من لا يزول ملكه. وكان السميرمي ظالما، ~~كثير المصادرة للناس، سيء السيرة، فلما قتل أطلق السلطان ما كان جدده من ~~المكوس، وما وضعه على التجار والباعة. ### || AUT ذكر القبض على ابن صدقة وزير الخليفة # ### || AUT ونيابة علي بن طراد # في جمادى الأولى قبض الخليفة على وزيره جلال الدين بن صدقة، وقد تقدم ~~ذكره قبل، وأقيم نقيب النقباء شرف الدين علي بن طراد الزينبي في نيابة ~~الوزارة، فأرسل السلطان إلى المسترشد بالله في معنى وزارة نظام الملك أبي ~~نصر أحمد بن نظام الملك، وكان أخو شمس الملك عثمان بن نظام الملك وزير ~~السلطان محمود، فأجيب إلى ذلك، واستوزر في شعبان. وكان قد وزر للسلطان محمد ~~سنة خمسمائة، ثم عزل، ولزم دارا استجدها ببغداد إلى الآن. فلما خلع على ~~نظام الملك، وجلس في الديوان، طلب أن يخرج ابن صدقة عن بغداد، فلما علم ابن ~~صدقة ذلك طلب من الخليفة أن يسير إلى حديثة عانة ليكون عند الأمير سليمان ~~بن مهارش، فأجيب إلى ما طلب. وسار إلى الحديثة، فخرج عليه في الطريق إنسان ~~من مفسدي التركمان يقال له يونس الحرامي، فأسره ونهب أصحابه، فخاف الوزير ~~أن يعلم دبيس فأرسل إلى يونس وبذل له مالا يأخذه منه للعداوة التي بينهما، ~~فقرر أمره مع يونس على ألف دينار يعجل منها ثلاثمائة، ويؤخر الباقي إلى أن ~~يرسله من الحديثة. وراسل عامل بلد الفرات في تخليصه، وإنفاذ من يضمن الباقي ~~الذي عليه، فأعمل العامل الحيلة في ذلك، فأحضر إنسانا فلاحا وألبسه ثيابا ~~فاخرة وطيلسانا، وأركبه وسير معه غلمانا، وأمره أن يمضي إلى يونس ويدعي أنه ~~قاضي بلد الفرات، ويضمن الوزير منه ما بقي من المال، فسار السوادي إلى ~~يونس، فلما حضر عند الوزير ويونس احترماه، وضمن السوادي الوزير ms3830 منه، وقال ~~له: أقيم عندك إلى أن يصل المال مع صاحب لك تنفذه مع الوزير، فاعتقد يونس ~~صدق ذلك وأطلق الوزير ومعه جماعة من أصحابه، فلما وصل الحديثة قبض على من ~~معه منهم، فأطلق يونس ذلك السوادي، والمال الذي أخذه، حتى أطلق الوزير ~~أصحابه، وعلم الحيلة التي تمت عليه. ولما سار الوزير من عند يونس لقي ~~إنسانا أنكره، فأخذه، فرأى معه كتابا من دبيس إلى يونس يبذل ستة آلاف دينار ~~ليسلم الوزير إليه، وكان خلاصه من أعجب الأشياء. ### || AUT ذكر قتل جيوش بك # في هذه السنة قتل الأمير جيوش بك الذي كان صاحب الموصل، وقد ذكرنا خروجه ~~على السلطان محمود، وعوده إلى خدمته، فلما رضي عنه أقطعه أذربيجان وجعله ~~مقدم عسكره، فجرى بينه وبين جماعة من الأمراء منافرة ومنازعات، فأغروا به ~~السلطان، فقتله في رمضان على باب تبريز. PageV04P0467 # وكان تركيا من مماليك السلطان محمد، عادلا، حسن السيرة، ولما ولي الموصل ~~والجزيرة كان الأكراد بتلك الأعمال قد انتشروا، وكثر فسادهم، وكثرت قلاعهم، ~~والناس معهم في ضيق، والطريق خائفة، فقصدهم، وحصر قلاعهم، وفتح كثيرا منها ~~ببلد الهكارية، وبلد الزوزان، وبلد البشنوية، وخافه الأكراد، وتولى قصدهم ~~بنفسه، فهربوا منه في الجبال والشعاب والمضايق، وأمنت الطرق، وانتشر الناس ~~واطمأنوا وبقي الأكراد لا يجسرون أن يحملوا السلاح لهيبته. ### || AUT ذكر وفاة إيلغازي وأحوال حلب بعده # في هذه السنة، في شهر رمضان، توفي إيلغازي بن أرتق بميافارقين، وملك ~~ابنه حسام الدين تمرتاش قلعة ماردين، وملك ابنه سليمان ميافارقين، وكان ~~بحلب ابن أخيه بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق، فبقي بها إلى أن ~~أخذها ابن عمه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أقطع السلطان محمود الأمير آقسنقر البرسقي مدينة واسط ~~وأعمالها، مضافا إلى ولاية الموصل وغيرها مما بيده، وشحنكية العراق، فلما ~~أقطعها البرسقي سير إليها عماد الدين زنكي بن آقسنقر الذي كان والده صاحب ~~حلب، وأمره بحمايتها، فسار إليها في شعبان ووليها، وقد ذكرنا أخبار زنكي في ~~كتاب الباهر في ذكر ملكه وملك أولاده ms3831 الذين هم ملوكنا الآن، فينظر منه. ~~وفيها ظهر معدن نحاس بديار بكر قريبا من قلعة ذي القرنين. وفيها زاد الفرات ~~زيادة عظيمة لم يعهد مثلها، فدخل الماء إلى ربض قلعة جعبر، وكان الفرات، ~~حينئذ بالقرب منها، فغرق أكثر دوره ومساكنه، وحمل فرسا من الربض وألقاه من ~~فوق السور إلى الفرات. وفيها بنيت مدرسة بحلب لأصحاب الشافعي. وفيها توفيت ~~ابنة السلطان سنجر زوج السلطان محمود. وفيها، في شعبان، قدم إلى بغداد ~~البرهان أبو الحسن علي بن الحسين الغزنوي وعقد مجلس الوعظ في جميع المواضع، ~~وورد بعده أبو القاسم علي بن يعلى العلوي، ونزل رباط شيخ الشيوخ، فوعظ في ~~جامع القصر، والتاجية، ورباط سعادة، وصار له قبول عند الحنابلة، وحصل له ~~مال كثير لأنه أظهر موافقتهم. وورد بعده أبو الفتوح الأسفراييني، ونزل ~~برباط شيخ الشيوخ أيضا، ووعظ في هذه المواضع، وفي النظامية، وأظهر مذهب ~~الأشعري، فصار له قبول كثير عند الشافعية، وحضر مجلسه الخليفة المسترشد ~~بالله، وسلم إليه رباط الأرجونية، والدة المقتدي بالله، بدرب زاخي. وفيها ~~توفي عبد الله بن أحمد بن عمر أبو محمد السمرقندي، أخو أبي القاسم بن ~~السمرقندي، ومولده بدمشق سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ونشأ ببغداد، وسمع ~~الصريفني وابن النقور وغيرهما، وسافر الكثير، وكان حافظا للحديث عالما به. ~~وفي ذي الحجة توفي عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف أبو ~~طالب، ومولده سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وسمع البرمكي، والجوهري، والعشاري، ~~وكان ثقة، حافظا للحديث. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع عشرة وخمسمائة # ### || AUT ذكر مسير المسترشد بالله لحرب دبيس # في هذه السنة كانت الحرب بين الخليفة المسترشد بالله، وبين دبيس بن ~~صدقة. وكان سبب ذلك: أن دبيسا أطلق عفيفا خادم الخليفة، وكان مأسورا عنده، ~~وحمله رسالة فيها تهديد للخليفة بإرسال البرسقي إلى قتاله، وتقويته بالمال، ~~وأن السلطان كحل أخاه، وبالغ في الوعيد، ولبس السواد، وجز شعره، وحلف ~~لينهبن بغداد، ويخربها، فاغتاظ الخليفة لهذه الرسالة، وغضب، وتقدم إلى ~~البرسقي بالتبريز إلى حرب دبيس، فبرز في رمضان سنة ms3832 ست عشرة. وتجهز الخليفة، ~~وبرز من بغداد، واستدعى العساكر، فأتاه سليمان بن مهارش، صاحب الحديثة، في ~~عقيل، وأتاه قرواش بن مسلم، وغيرهما، وأرسل دبيس إلى نهر ملك فنهب، وعمل ~~أصحابه كل عظيم من الفساد، فوصل أهله إلى بغداد، فأمر الخليفة فنودي ببغداد ~~لا يتخلف من الأجناد أحد، ومن أحب الجندية من العامة فليحضر، فجاء خلق ~~كثير، ففرق فيهم الأموال والسلاح. PageV04P0468 # فلما علم دبيس الحال كتب إلى الخليفة يستعطفه ويسأله الرضاء عنه، فلم يجب ~~إلى ذلك، وأخرجت خيام الخليفة في العشرين من ذي الحجة من سنة ست عشرة، ~~فنادى أهل بغداد: النفير النفير، الغزاة الغزاة! وكثر الضجيج من الناس، ~~وخرج منهم عالم كثير لا يحصون كثرة، وبرز الخليفة رابع عشر ذي الحجة، وعبر ~~دجلة وعليه قباء أسود، وعمامة سوداء، وطرحة، وعلى كتفه البردة، وفي يده ~~القضيب، وفي وسطه منطقة حديد صيني، ونزل الخيام ومعه وزير نظام الدين أحمد ~~بن نظام الملك، ونقيب الطالبيين، ونقيب النقباء علي بن طراد، وشيخ الشيوخ ~~صدر الدين إسماعيل وغيرهم من الأعيان. وكان البرسقي قد نزل بقرية جهار طاق، ~~ومعه عسكره، فلما بلغهم خروج الخليفة عن بغداد عادوا إلى خدمته، فلما رأوا ~~الشمسة ترجلوا بأجمعهم، وقبلوا الأرض بالبعد منه. ودخلت هذه السنة، فنزل ~~الخليفة، مستهل المحرم، بالحديثة، بنهر الملك، واستدعى البرسقي والأمراء، ~~واستحلفهم على المناصحة في الحرب، ثم ساروا إلى النيل، ونزلوا بالمباركة، ~~وعبأ البرسقي أصحابه، ووقف الخليفة من وراء الجميع في خاصته، وجعل دبيس ~~أصحابه صفا واحدا، ميمنة، وميسرة، وقلبا، وجعل الرجالة بين أيدي الخيالة ~~بالسلاح، وكان قد وعد أصحابه بنهب بغداد، وسبي النساء، فلما تراءت الفئتان ~~بادر أصحاب دبيس، وبين أيديهم الإماء يضربن بالدفوف، والمخانيث بالملاهي، ~~ولم ير في عسكر الخليفة غير قاريء، ومسبح، وداع، فقامت الحرب على ساق. وكان ~~مع أعلام الخليفة الأمير كرباوي بن خراسان، وفي الساقة سليمان ابن مهارش، ~~وفي ميمنة عسكر البرسقي الأمير أبو بكر بن إلياس مع الأمراء البكجية، فحمل ~~عنتر بن أبي العسكر في طائفة من عسكر دبيس على ms3833 ميمنة البرسقي، فتراجعت على ~~أعقابها، وقتل ابن أخ للأمير أبي بكر البكجي، وعاد عنتر وحمل حملة ثانية ~~على هذه الميمنة، فكان حالها في الرجوع على أعقابها كحالها الأول، فلما رأى ~~عسكر واسط ذلك، ومقدمهم الشهيد عماد الدين زنكي بن آقسنقر، حلم وهم معه على ~~عنتر ومن معه، وأتوهم من ظهورهم فبقي عنتر في الوسط، وعماد الدين وعسكر ~~واسط من ورائه، والأمراء البكجية بين يديه، فأسر عنتر، وأسر معه بريك بن ~~زائدة وجميع من معهما ولم يفلت أحد. وكان البرسقي واقفا على نشز من الأرض، ~~وكان الأمير آق بوري في الكمين في خمسمائة فارس، فلما اختلط الناس خرج ~~الكمين على عسكر دبيس، فانهزموا جميعهم وألقوا نفوسهم في الماء، فغرق كثير ~~منهم، وقتل كثير. ولما رأى الخليفة اشتداد الحرب جرد سيفه وكبر وتقدم إلى ~~الحرب، فلما انهزم عسكر دبيس وحملت الأسرى إلى بين يديه أمر الخليفة أن ~~تضرب أعناقهم صبرا. وكان عسكر دبيس عشرة آلاف فارس، واثني عشر ألف راجل، ~~وعسكر البرسقي ثمانية آلاف فارس، وخمسة آلاف راجل، ولم يقتل من أصحاب ~~الخليفة غير عشرين فارسا، وحصل نساء دبيس وسراريه تحت الأسر سوى بنت ~~إيلغازي، وبنت عميد الدولة بن جهير، فإنه كان تركهما في المشهد. وعاد ~~الخليفة إلى بغداد، فدخلها يوم عاشوراء من هذه السنة. ولما عاد الخليفة إلى ~~بغداد ثار العامة بها، ونهبوا مشهد باب التبن، وقلعوا أبوابه، فأنكر ~~الخليفة ذلك، وأمر نظر أمير الحاج بالركوب إلى المشهد، وتأديب من فعل ذلك، ~~وأخذ ما نهب، وفعل وأعاد البعض وخفي الباقي عليه. وأما دبيس بن صدقة فإنه ~~لما انهزم نجا بفرسه وسلاحه، وأدركته الخيل، ففاتها وعبر الفرات، فرأته ~~امرأة عجوز وقد عبر، فقالت له: دبير جئت؟ فقال: دبير من لم يجيء. واختفى ~~خبره بعد ذلك، وأرجف عليه بالقتل، ثم ظهر أمره أنه قصد غزية من عرب نجد، ~~فطلب منهم أن يحالفوه، فامتنعوا عليه وقالوا: إنا نسخط الخليفة والسلطان، ~~فرحل إلى المنتفق، واتفق معهم على قصد البصرة وأخذها، فساروا إليها ~~ودخلوها، ونهبوا أهلها، ms3834 وقتل الأمير سخت كمان مقدم عسكرها، وأجلي أهلها. ~~فأرسل الخليفة إلى البرسقي يعاتبه على إهماله أمر دبيس، حتى تم له من أمر ~~البصرة ما أخربها، فتجهز البرسقي للانحدار إليه، فسمع دبيس ذلك، ففارق ~~البصرة، وسار على البر إلى قلعة جعبر، والتحق بالفرنج، وحضر معهم حصار حلب، ~~وأطمعهم في أخذها، فلم يظفروا بها، فعادوا عنها، ثم فارقهم والتحق بالملك ~~طغرل ابن السلطان محمد، وأقام معه، وحسن له قصد العراق، وسنذكره سنة تسع ~~وعشرين، إن شاء الله تعالى. PageV04P0469 ### || AUT ذكر ملك الفرنج حصن الأثارب # في هذه السنة، في صفر، ملك الفرنج حصن الأثارب، من أعمال حلب. وسبب ذلك: ~~أنهم كانوا قد أكثروا قصد حلب وأعمالها بالإغارة، والتخريب، والتحريق، وكان ~~بحلب حينئذ بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق، وهو صاحبها، ولم يكن ~~له بالفرنج قوة، وخافهم، فهادنهم على أن يسلم الأثارب ويكفوا عن بلاده، ~~فأجابوه إلى ذلك، وتسلموا الحصن، وتمت الهدنة بنيهم، واستقام أمر الرعية ~~بأعمال حلب، وجلبت إليهم الأقوات وغيرها، ولم تزل الأثارب بأيدي الفرنج إلى ~~أن ملكها أتابك زنكي بن آقسنقر، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر ملك بلك حران وحلب # في هذه السنة، في ربيع الأول، ملك بلك بن بهرام مدينة حران، وكان قد ~~حصرها، فلما ملكها سار منها إلى مدينة حلب. وسبب مسيره إليها: أنه بلغه أن ~~صاحبها بدر الدولة قد سلم قلعة الأثارب إلى الفرنج، فعظم ذلك عليه، وعلم ~~عجزه عن حفظ بلاده، فقوي طمعه في ملكها، فسار إليها، ونازلها في ربيع ~~الأول، وضايقها، ومنع الميرة عنها، وأحرق زروعها، فسلم إليه ابن عمه البلد ~~والقلعة بالأمان، غرة جمادى الأولى من السنة، وتزوج ابنة الملك رضوان، وبقي ~~مالكا لها إلى أن قتل على ما نذكره. ### || AUT ذكر الحرب بين الفرنج والمسلمين بإفريقية # قد ذكرنا أن الأمير علي بن يحيى، صاحب إفريقية، لما استوحش من رجار صاحب ~~صقلية، جدد الأسطول الذي له، وكثر عدده وعدده، وكاتب أمير المسلمين علي بن ~~يوسف بن تاشفين بمراكش بالاجتماع ms3835 معه على قصد جزيرة صقلية، فلما علم رجار ~~ذلك كف عن بعض ما كان يفعله. فاتفق أن عليا مات سنة خمس عشرة، وولي ابنه ~~الحسن، وقد ذكرناه، فلما دخلت سنة ست عشرة وخمسمائة سير أمير المسلمين ~~أسطولا، ففتحوا نقوطرة بساحل بلاد قلورية، فلم يشك رجار أن عليا كان سبب ~~ذلك، فجد في تعمير الشواني والمراكب، وحشد فأكثر، ومنع من السفر إلى ~~إفريقية وغيرها من بلاد الغرب، فاجتمع له من ذلك ما لم يعهد مثله، قيل: كان ~~ثلاثمائة قطعة، فلما انقطعت الطريق عن إفريقية توقع الأمير الحسن بن علي ~~خروج العدو إلى المهدية، فأمر باتخاذ العدد، وتجديد الأسوار، وجمع ~~المقاتلة، فأتاه من أهل البلاد ومن العرب جمع كثير. فلما كان جمادى الآخرة ~~سنة سبع عشرة سار الأسطول الفرنجي في ثلاثمائة قطعة، فيها ألف فارس وفرس ~~واحد، إلا أنهم لما ساروا من مرسى علي فرقتهم الريح، وغرق منهم مراكب ~~كثيرة، ونازل من سلم منهم جزيرة قوصرة ففتحوها، وقتلوا من بها، وسبوا ~~وغنموا، وساروا عنها، فوصلوا إلى إفريقية، ونازلوا الحصن المعروف بالديماس ~~أواخر جمادى الأولى، فقاتلهم طائفة من العرب كانوا هناك، والديماس حصن ~~منيع، في وسطه حصن آخر، وهو مشرف على البحر. وسير الحسن من عنده من الجموع ~~إلى الفرنج، وأقام هو بالمهدية في جمع آخر يحفظها، وأخذ الفرنج حصن ~~الديماس، وجنود المسلمين محيطة بهم، فلما كان بعد ليال اشتد القتال على ~~الحصن الداخل، فلما كان الليل صاح المسلمون صيحة عظيمة ارتجت لها الأرض، ~~وكبروا، فوقع الرعب في قلوب الفرنج، فلم يشكوا أن المسلمين يهجمون عليهم، ~~فبادروا إلى شوانيهم، وقتلوا بأيديهم كثيرا من خيولهم، وغنم المسلمون منها ~~أربعمائة فرس، ولم يسلم معهم غير فرس واحد، وغنم المسلمون جميع ما تخلف عن ~~الفرنج، وقتلوا كل من عجز عن الطلوع إلى المراكب. فلما صعد الفرنج إلى ~~مراكبهم أقاموا بها ثمانية أيام لا يقدرون على النزول إلى الأرض، فلما ~~أيسوا من خلاص أصحابهم الذين في الديماس ساروا والمسلمون يكبرون عليهم ~~ويصيحون بهم، وأقامت عساكر المسلمين على ms3836 حصن الديماس في أمير داذ لا يحصون ~~كثرة، فحصروه، فلم يمكنهم فتحه لحصانته وقوته، فلما عدم الماء على من به من ~~الفرنج، وضجروا من مواصلة القتال ليلا ونهارا، فتحوا باب الحصن وخرجوا، ~~فقتلوا عن آخرهم، وذلك يوم الأربعاء منتصف جمادى الآخرة من السنة، وكانت ~~مدة إقامتهم في الحصن ستة عشر يوما. ولما رجع الفرنج مقهورين أرسل الأمير ~~الحسن البشري إلى سائر البلاد، وقال الشعراء في هذه الحادثة فأكثروا، تركنا ~~ذلك خوف التطويل. ### || AUT ذكر استيلاء الفرنج على خرتبرت # ### || AUT وأخذها منهم # في هذه السنة، في ربيع الأول، استولى الفرنج على خرتبرت من بلاد ديار ~~بكر. PageV04P0470 # وسبب ذلك: أن بلك بن بهرام بن أرتق كان صاحب خرتبرت، فحضر قلعة كركر، وهي ~~تقارب، خرتبرت، فسمع الفرنج بالشام الخبر، فسار بغدوين ملك الفرنج في جموعه ~~إليه ليرحله عنها، خوفا أن يقوى بملكها، فلما سمع بلك بقربه منه رحل إليه، ~~والتقيا في صفر، واقتتلا، فانهزم الفرنج، وأسر ملكهم ومعه جماعة من أعيان ~~فرسانهم، وسجنهم بقلعة خرتبرت، وكان بالقلعة أيضا جوسلين، صاحب الرها، ~~وغيره من مقدمي الفرنج كان قد أسرهم سنة خمس عشرة، وسار بلك عن خرتبرت إلى ~~حران في ربيع الأول فملكها، فأعمل الفرنج الحيلة باستمالة بعض الجند، ~~فظهروا وملكوا القلعة. فأما الملك بغدوين فإنه اتخذ الليل جملا ومضى إلى ~~بلاده، واتصل الخبر ببلك صاحبها، فعاد في عساكره إليها وحصرها، وضيق على من ~~بالقلعة، واستعادها من الفرنج، وجعل فيها من الجند من يحفظها، وعاد عنها. ### || AUT ذكر قتل وزير السلطان # ### || AUT وعود ابن صدقة إلى وزارة الخلافة # في هذه السنة قبض السلطان محمود على وزيره شمس الملك عثمان بن نظام ~~الملك وقتله. وسبب ذلك: أنه لما أشار على السلطان بالعود عن حرب الكرج، ~~وخالفه، وكانت الخيرة في مخالفته، تغير عليه، وذكره أعداؤه بالسوء، ونبهوا ~~على تهوره، وقلة تحصيله ومعرفته بمصالح الدولة، ففسد رأي السلطان فيه. ثم ~~إن الشهاب أبا المحاسن، وزير السلطان سنجر، كان قد توفي، وهو ابن أخي نظام ~~الملك، ووزر بعده أبو ms3837 طاهر القمي، وهو عدو للبيت النظامي، فسعى مع السلطان ~~سنجر، حتى أرسل إلى السلطان محمود يأمره بالقبض على وزيره شمس الملك، فصادف ~~وصول الرسول وهو متغير عليه، فقبض عليه وسلمه إلى طغايرك، فبعثه إلى بلده ~~خلخال، فحبسه فيها. ثم إن أبا نصر المستوفي، الملقب بالعزيز، قال للسلطان ~~محمود: لا نأمن أن يرسل السلطان سنجر يطلب الوزير، ومتى اتصل به لا نأمن ~~شرا يحدث منه. وكان بينهما عداوة، فأمر السلطان بقتله، فلما دخل عليه ~~السياف ليقتله قال: أمهلني حتى أصلي ركعتين، ففعل، فلما صلى جعل يرتعد، ~~وقال للسياف: سيفي أجود من سيفك، فاقتلني به ولا تعذبني، فقتل ثاني جمادى ~~الآخرة. فلما سمع الخليفة المسترشد بالله ذلك عزل أخاه نظام الدين أحمد من ~~وزارته، وأعاد جلال الدين أبا علي بن صدقة إلى الوزارة، وأقام نظام الدين ~~بالمثمنة التي في المدرسة النظامية ببغداد. وأما العزيز المستوفي فإنه لم ~~تطل أيامه حتى قتل، على ما نذكره، جزاء لسعيه في قتل الوزير. ### || AUT ذكر ظفر السلطان محمود بالكرج # في هذه السنة اشتدت نكاية الكرج في بلد الإسلام، وعظم الأمر على الناس، ~~لا سيما أهل دربند شروان، فسار منهم جماعة كثيرة من أعيانهم إلى السلطان، ~~وشكوا إليه ما يلقون منهم، وأعلموه بما هم عليه من الضعف والعجز عن حفظ ~~بلادهم، فسار إليهم والكرج قد وصلوا إلى شماخي، فنزل السلطان في بستان ~~هناك، وتقدم الكرج إليه، فخافهم العسكر خوفا شديدا. وأشار الوزير شمس الملك ~~عثمان بن نظام الملك على السلطان بالعود من هناك، فلما سمع أهل شروان بذلك ~~قصدوا السلطان وقالوا له: نحن نقاتل ما دمت عندنا، وإن تأخرت عنا ضعفت نفوس ~~المسلمين وهلكوا، فقبل قولهم، وأقام بمكانه. وبات العسكر على وجل عظيم، وهم ~~بنية المصاف، فأتاهم الله بفرج من عنده، وألقى بين الكرج وقفجاق اختلافا ~~وعداوة، فاقتتلوا تلك الليلة ورحلوا شبه المنهزمين، وكفى الله المؤمنين ~~القتال، وأقام السلطان بشروان مدة، ثم عاد إلى همذان فوصلها في جمادى الآخرة. ### || AUT ذكر الحرب بين المغاربة وعسكر مصر # في ms3838 هذه السنة وصل جمع كثير من لواثة من الغرب إلى ديار مصر، فأفسدوا ~~فيها ونهبوها، وعملوا أعمالا شنيعة، فجمع المأمون بن البطائحي، الذي وزر ~~بمصر بعد الأفضل، عسكر مصر، وسار إليهم فقاتلهم فهزمهم، وأسر منهم وقتل ~~خلقا كثيرا، وقرر عليهم خرجا معلوما كل سنة يقومون به، وعادوا إلى بلادهم، ~~وعاد المأمون إلى مصر مظفرا منصورا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في صفر، أمر المسترشد بالله بناء سور بغداد، وأن يجبى ما ~~يخرج عليه من البلد، فشق ذلك على الناس، وجمع من ذلك مال كثير، فلما علم ~~الخليفة كراهة الناس لذلك أمر بإعادة ما أخذ منهم، فسروا بذلك، وكثر الدعاء ~~له. PageV04P0471 # وقيل: إن الوزير أحمد بن نظام الملك بذل من ماله خمسة عشر ألف دينار، ~~وقال: نقسط الباقي على أرباب الدولة. وكان أهل بغداد يعملون بأنفسهم فيه، ~~وكانوا يتناوبون العمل: يعمل أهل كل محلة منفردين بالطبول والزمور، وزينوا ~~البلد، وعملوا فيه القباب. وفيها عزل نقيب العلويين، وهدمت دار علي بن ~~أفلح، وكان الخليفة يكرمه،، فظهر أنهما عين لدبيس يطالعانه بالأخبار، وجعل ~~الخليفة نقابة العلويين إلى علي بن طراد، نقيب العباسيين. وفيها جمع الأمير ~~بلك عساكره وسار إلى غزاة بالشام، فلقيه الفرنج، فاقتتلوا، فانهزم الفرنج ~~وقتل منهم وأسر بشر كثير من مقدميهم ورجالتهم. وفيها كان أكثر في البلاد ~~غلاء شديد، وكان أكثره بالعراق، فبلغ ثمن كارة الدقيق الخشكار ستة دنانير ~~وعشرة قراريط، وتبع ذلك موت كثير، وأمراض زائدة هلك فيها كثير من الناس. ~~وفيها، في صفر، توفي قاسم بن أبي هاشم العلوي الحسني أمير مكة، وولي بعده ~~ابنه أبو فليته، وكان أعدل منه، وأحسن السيرة، فأسقط المكوس، وأحسن إلى ~~الناس. وفيها توفي عبد الله بن الحسن بن أحمد بن الحسين أبو نعيم بن أبي ~~علي الحداد الأصبهاني، ومولده سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وهو من أعيان ~~المحدثين، سافر الكثير في طلب الحديث. وفيها سار طغتكين، صاحب دمشق، إلى ~~حمص، فهاجم المدينة ونهبها وأحرق كثيرا منها وحصرها، وصاحبها قرجان ~~بالقلعة، فاستمد صاحبها ms3839 طغان أرسلان، فسار إليه في جمع كثير، فعاد طغتكين ~~إلى دمشق. وفيها لقي أسطول مصر أسطول البنادقة من الفرنج، فاقتتلوا، وكان ~~الظفر للبنادقة، وأخذ من أسطول مصر عدة قطع، وعاد الباقي سالما. وفيها سار ~~الأمير محمود بن قراجة، صاحب حماة، إلى حصن أفامية، فهجم على الربض بغتة، ~~فأصابه سهم من القلعة في يده، فاشتد ألمه، فعاد إلى حماة، وقلع الزج من ~~يده، ثم عملت عليه، فمات منه، واستراح أهل عمله من ظلمه وجوره، فلما سمع ~~طغتكين، صاحب دمشق، الخبر سير إلى حماة عسكرا، فملكها وصارت في جملة بلاده، ~~ورتب فيها واليا وعسكرا لحمايتها. ### | AUT ثم دخلت سنة ثماني عشرة وخمسمائة # ### || AUT ذكر قتل بلك بن بهرام بن أرتق # ### || AUT وملك تمرتاش حلب # في هذه السنة، في صفر، قبض بلك بن بهرام بن أرتق، صاحب حلب، على الأمير ~~حسان البعلبكي، صاحب منبج، وسار إليها فحصرها، فملك المدينة، وحصر القلعة، ~~فامتنعت عليه، فسار الفرنج إليه ليرحلوه عنها لئلا يقوى بأخذها، فلما ~~قاربوه ترك على القلعة من يحصرها، وسار في باقي عسكره إلى الفرنج، فلقيهم ~~وقاتلهم، فكسرهم وقتل منهم خلقا كثيرا، وعاد إلى منبج فحصرها، فبينما هو ~~يقاتل من بها أتاه سهم فقتله، لا يدرى من رماه، واضطرب عسكره وتفرقوا، وخلص ~~حسان من الحبس، فكان حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق مع ابن عمه بلك، ~~فحمله مقتولا إلى ظاهر حلب، وتسلمها في العشرين من ربيع الأول من هذه ~~السنة، وزال الحصار عن قلعة منبج، وعاد إليها صاحبها حسان، واستقر تمرتاش ~~بحلب واستولى عليها. ثم إنه جعل فيها نائبا له يثق به، ورتب عنده ما يحتاج ~~إليه من جند وغيرهم وعاد إلى ماردين، لأنه رأى الشام كثيرة الحرب مع ~~الفرنج، وكان رجلا يحب الدعة والرفاهية، فلما عاد إلى ماردين أخذت حلب منه، ~~على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر ملك الفرنج مدينة صور بالشام # كانت مدينة صور للخلفاء العلويين بمصر، ولم تزل كذلك إلى سنة ست ~~وخمسمائة، فكان بها وال من ms3840 جهة الأفضل أمير الجيوش، وزير الآمر بأحكام الله ~~العلوي، يلقب عز الملك، وكان الفرنج قد حصروها، وضيقوا عليها، ونهبوا بلدها ~~غير مرة، فلما كانت سنة ست تجهز ملك الفرنج، وجمع عساكره ليسير إلى صور، ~~فخافهم أهل صور، فأرسلوا إلى أتابك طغتكين، صاحب دمشق، يطلبون منه أن يرسل ~~إليهم أميرا من عنده يتولاهم ويحميهم، ويكون البلد له، وقالوا له: إن أرسلت ~~إلينا واليا، وعسكرا، وإلا سلمنا البلد إلى الفرنج، فسير إليهم عسكرا، وجعل ~~عندهم واليا اسمه مسعود، وكان شهما، شجاعا، عارفا بالحرب ومكايدها، وأمده ~~بعسكر، وسير إليهم ميرة ومالا فرقه فيهم. PageV04P0472 # وطابت نفوس أهل البلد، ولم تغير الخطبة للآمر، صاحب مصر، ولا السكة، وكتب ~~إلى الأفضل بمصر يعرفه صورة الحال، ويقول: متى وصل إليها من مصر من ~~يتولاها، ويذب عنها، سلمتها إليه، ويطلب أن الأسطول لا ينقطع عنها بالرجال ~~والقوة. فشكره الأفضل على ذلك، وأثنى عليه، وصوب رأيه فيما فعله، وجهز ~~أسطولا، وسيره إلى صور، فاستقامت أحوال أهلها. ولم يزل كذلك إلى سنة ست ~~عشرة، بعد قتل الأفضل، فسير إليها أسطول، على جاري العادة، وأمروا المقدم ~~على الأسطول أن يعمل الحيلة على الأمير مسعود الوالي بصور من قبل طغتكين، ~~ويقبض عليه، ويتسلم البلد منه. وكان السبب في ذلك: أن أهل صور أكثروا ~~الشكوى منه إلى الآمر بأحكام الله، صاحب مصر، بما يعتمده من مخالفتهم، ~~والإضرار بهم، ففعلوا ذلك، وسار الأسطول فأرسي عند صور، فخرج مسعود إليه ~~للسلام على المقدم عليه، فلما صعد إلى المركب الذي فيه المقدم اعتقله، ونزل ~~البلد، واستولى عليه، وعاد الأسطول إلى مصر، وفيه الأمير مسعود، فأكرم ~~وأحسن إليه، وأعيد إلى دمشق. وأما الوالي من قبل المصريين فإنه طيب قلوب ~~الناس، وراسل طغتكين يخدمه بالدعاء والاعتضاد، وأن سبب ما فعل هو شكوى أهل ~~صور من مسعود، فأحسن طغتكين الجواب، وبذل من نفسه المساعدة. ولما سمع ~~الفرنج بانصراف مسعود عن صور قوي طمعهم فيها، وحدثوا نفوسهم بملكها، وشرعوا ~~في الجمع والتأهب للنزول عليها وحصرها، فسمع الوالي بها للمصريين الخبر، ms3841 ~~فعلم أنه لا قوة له، ولا طاقة على دفع الفرنج عنها، لقلة من بها من الجند ~~والميرة، فأرسل إلى الآمر بذلك، فرأى أن يرد ولاية صور إلى طغتكين، صاحب ~~دمشق، فأرسل إليه بذلك، فملك صور، ورتب بها من الجند وغيرهم ما ظن فيه ~~كفاية. وسار الفرنج إليهم ونازلوهم في ربيع الأول من هذه السنة، وضيقوا ~~عليهم، ولازموا القتال، فقلت الأقوات، وسئم من بها القتال، وضعفت نفوسهم ~~وسار طغتكين إلى بانياس ليقرب منهم، ويذب عن البلد، ولعل الفرنج إذا رأوا ~~قربه منهم رحلوا، فلم يتحركوا، ولزموا الحصار، فأرسل طغتكين إلى مصر ~~يستنجدهم، فلم ينجدوه، وتمادت الأيام، وأشرف أهلها على الهلاك، فراسل حينئذ ~~طغتكين، صاحب دمشق، وقرر الأمر على أن يسلم المدينة إليهم، ويمكنوا من بها ~~من الجند والرعية من الخروج منها بما يقدرون عليه من أموالهم ورحالهم ~~وغيرها، فاستقرت القاعدة على ذلك، وفتحت أبواب البلد، وملكه الفرنج، وفارقه ~~أهله، وتفرقوا في البلاد، وحملوا ما أطاقوا، وتركوا ما عجزوا عنه، ولم يعرض ~~الفرنج لأحد منهم، ولم يبق إلا الضعيف عجز عن الحركة. وملك الفرنج البلد في ~~الثالث والعشرين من جمادى الأولى من السنة، وكان فتحه وهنا عظيما على ~~المسلمين، فإنه من أحصن البلاد وأمنعها، فالله يعيده إلى الإسلام، ويقر ~~أعين المسلمين بفتحه، بمحمد وآله. ### || AUT ذكر عزل البرسقي عن شحنكية العراق # ### || AUT وولاية يرنقش الزكوي # في هذه السنة عزل البرسقي عن شحنكية العراق، ووليها سعد الدولة يرنقش ~~الزكوي. وسبب ذلك: أن البرسقي نفر عنه المسترشد بالله، فأرسل إلى السلطان ~~محمود يلتمس منه أن يعزل البرسقي عن العراق ويعيده إلى الموصل، فأجابه ~~السلطان إلى ذلك، وأرسل إلى البرسقي يأمره بالعود إلى الموصل، والاشتغال ~~بجهاد الفرنج، فلما علم البرسقي الخبر شرع في جباية الأموال، ووصل نائب ~~يرنقش، فسلم إليه البرسقي الأمر، وأرسل السلطان ولدا له صغيرا مع أمه إلى ~~البرسقي ليكون عنده، فلما وصل الصغير إلى العراق خرجت العساكر والمواكب إلى ~~لقائه، وحملت له الإقامات، وكان يوم دخوله يوما مشهودا، وتسلمه البرسقي، ~~وسار إلى ms3842 الموصل، وهو ووالدته معه. ولما سار البرسقي إلى الموصل كان عماد ~~الدين زنكي بن آقسنقر بالبصرة قد سيره البرسقي إليها ليحميها، فظهر من ~~حمايته لها ما عجب منه الناس، ولم يزل يقصد العرب ويقاتلهم في حللهم، حتى ~~أبعدوا إلى البر، فأرسل إليه البرسقي يأمره باللحاق به، فقال لأصحابه: قد ~~ضجرنا مما نحن فيه: كل يوم للموصل أمير جديد، ونريد نخدمه، وقد رأيت أن ~~أسير إلى السلطان فأكون معه، فأشاروا عليه بذلك، فسار إليه، فقدم عليه ~~بأصبهان فأكرمه، وأقطعه البصرة وأعاده إليها. ### || AUT ذكر ملك البرسقي مدينة حلب # في هذه السنة، في ذي الحجة، ملك آقسنقر البرسقي مدينة حلب وقلعتها. ~~PageV04P0473 # وسبب ذلك: أن الفرنج لما ملكوا مدينة صور، على ما ذكرناه، طمعوا، وقويت ~~نفوسهم، وتيقنوا الاستيلاء على بلاد الشام، واستكثروا من الجموع، ثم وصل ~~إليهم دبيس بن صدقة، صاحب الحلة، فأطمعهم طمعا ثانيا، لا سيما في حلب، وقال ~~لهم: إن أهلها شيعة، وهم يميلون إلي لأجل المذهب، فمتى رأوني سلموا البلد ~~إلي. وبذل لهم على مساعدته بذولا كثيرة، وقال: إنني أكون هاهنا نائبا عنكم ~~ومطيعا لكم. فساروا معه إليها وحصروها، وقاتلوا قتالا شديدا، ووطنوا نفوسهم ~~على المقام الطويل، وأنهم لا يفارقونها حتى يملكوها، وبنوا البيوت لأجل ~~البرد والحر. فلما رأى أهلها ذلك ضعفت نفوسهم، وخافوا الهلاك، وظهر لهم من ~~صاحبهم تمرتاش الوهن والعجز، وقلت الأقوات عندهم، فلما رأوا ما دفعوا إليه ~~من هذه الأسباب، أعملوا الرأي في طريق يتخلصون به، فرأوا أنه ليس لهم غير ~~البرسقي، صاحب الموصل، فأرسلوا إليه يستنجدونه ويسألونه المجيء إليهم ~~ليسلموا البلد إليه. فجمع عساكره وقصدهم، وأرسل إلى من بالبلد، وهو في ~~الطريق، يقول: إنني لا أقدر على الوصول إليكم، والفرنج يقاتلونكم، إلا إذا ~~سلمتم القلعة إلى نوابي، وصار أصحابي فيها، فإنني لا أدري ما يقدره الله ~~تعالى إذا أنا لقيت الفرنج، فإن انهزمنا منهم وليست حلب بيد أصحابي حتى ~~أحتمي أنا وعسكري بها، لم يبق منا أحد، وحينئذ تؤخذ حلب وغيرها. فأجابوه ~~إلى ذلك، وسلموا القلعة ms3843 إلى نوابه، فلما استقروا فيها، واستولوا عليها، سار ~~في العساكر التي معه، فلما أشرف عليها رحل الفرنج عنها، وهو يراهم، فأراد ~~من في مقدمة عسكره أن يحمل عليهم، فمنعهم هو بنفسه، وقال: قد كفينا شرهم، ~~وحفظنا بلدنا منهم، والمصلحة تركهم حتى يتقرر أمر حلب ونصلح حالها، ونكثر ~~ذخائرها، ثم حينئذ نقصدهم ونقاتلهم. فلما رحل الفرنج خرج أهل حلب ولقوه، ~~وفرحوا به، وأقام عندهم حتى أصلح الأمور وقررها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة انقطعت الأمطار في العراق، والموصل، وديار الجزيرة، ~~والشام، وديار بكر، وكثير من البلاد، فقلت الأقوات، وغلت الأسعار في جميع ~~البلاد، ودام إلى سنة تسع عشرة. وفيها وصل منصور بن صدقة أخو دبيس إلى ~~بغداد تحت الاستظهار، فمرض بها، فأحضر الخليفة الأطباء وأمرهم بمعالجته، ~~وأحضره عنده، وجعل في حجرة، وأدخل أصحابه إليه. وفيها سار دبيس من الشام، ~~بعد رحيله عن حلب، وقصد الملك طغرل، فأغراه بالخليفة، وأطعمه في العراق، ~~وكان ما نذكره سنة تسع عشرة إن شاء الله تعالى. وفيها مات الحسن بن الصباح، ~~مقدم الإسماعيلية، صاحب ألموت، وقد تقدم من أخباره ما يعلم به محله من ~~الشجاعة والرأي والتجربة. وفيها أيضا توفي داود ملك الأبخاز، وشمس الدولة ~~بن نجم الدين إيلغازي. وفيها ثار أهل آمد بمن فيها من الإسماعيلية، وكانوا ~~قد كثروا، فقتلوا منهم نحو سبعمائة رجل، فضعف أمرهم بها بعد هذه الوقعة. ~~وفيها، في صفر، توفي محمد بن مرزوق بن عبد الرزاق الزعفراني، وهو من أصحاب ~~الخطيب البغدادي. وفيها توفي أحمد بن علي بن برهان أبو الفتح، الفقيه ~~المعروف بابن الحمامي لأن أباه كان حماميا، وكان حنبليا، تفقه على ابن ~~عقيل، ثم صار شافعيا، وتفقه على الغزالي والشاشي. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع عشرة وخمسمائة # ### || AUT ذكر وصول الملك طغرل إلى العراق # قد ذكرنا مسير دبيس بن صدقة إلى الملك طغرل من الشام، فلما وصل إليه ~~لقيه، وأكرمه، وأحسن إليه، وجعله من أعيان خواصه وأمرائه، فحسن له دبيس قصد ~~العراق، وهون أمره عليه، وضمن له ms3844 أنه يملكه، فسار معه إلى العراق، فوصلوا ~~دقوقا في عساكر كثيرة. فكتب مجاهد الدين بهروز من تكريت يخبر الخليفة ~~خبرهما، فتجهز للمسير ومنعهما، وأمر يرنقش الزكوي، شحنة العراق، أن يكون ~~مستعدا للحرب، وجمع العساكر، والأمراء البكجية، وغيرهم، فبلغت عدة العساكر ~~اثني عشر ألفا سوى الرجالة، وأهل بغداد، وفرق السلاح. وبرز خامس صفر وبين ~~يديه أرباب الدولة رجالة، وخرج من باب النصر، وكان قد أمر بفتحه تلك ~~الأيام، وسماه باب النصر، ونزل صحراء الشماسية، ونزل يرنقش عند السبتي، ثم ~~سار فنزل الخالص تاسع صفر. PageV04P0474 # فلما سمع طغرل بخروج الخليفة عدل إلى طريق خراسان، وتفرق أصحابه في النهب ~~والفساد، ونزل هو رباط جلولاء، فسار إليه الوزير جلال الدين بن صدقة في ~~عسكر كثير، فنزل الدسكرة، وتوجه طغرل ودبيس إلى الهارونية وسار الخليفة ~~فنزل بالدسكرة هو والوزير، واستقر الأمر بين دبيس وطغرل أن يسيرا حتى يعبرا ~~ديالى وتامرا، ويقطعا جسر النهروان، ويقيم دبيس ليحفظ المعابر، ويتقدم طغرل ~~إلى بغداد فيملكها وينهبها، فسارا على هذه القاعدة، فعبرا تامرا، ونزل طغرل ~~بينه وبين ديالى. وسار دبيس على أن يلحقه طغرل، فقدر الله تعالى أن الملك ~~طغرل لحقه حمى شديدة، ونزل عليهم من المطر ما لم يشاهدوا مثله، وزادت ~~المياه وجاءت السيول والخليفة بالدسكرة، وسار دبيس في مائتي فارس، وقصد ~~معرة النهروان وهو تعبان سهران، وقد لقي أصحابه من المطر والبل ما آذاهم ~~وليس معهم ما يأكلون، ظنا منهم أن طغرل وأصحابه يلحقونهم، فتأخروا لما ~~ذكرناه، فنزلوا جياعا قد نالهم البرد، وإذا قد طلع عليهم ثلاثون جملا تحمل ~~الثياب المخيطة، والعمائم، والأقبية، والقلانس، وغيرها من الملبوس، وتحمل ~~أيضا أنواع الأطعمة المصنوعة، قد حملت من بغداد إلى الخليفة، فأخذ دبيس ~~الجميع، فلبسوا الثياب الجدد، ونزعوا الثياب الندية، وأكلوا الطعام، وناموا ~~في الشمس مما نالهم تلك الليلة. وبلغ الخبر أهل بغداد، فلبسوا السلاح، ~~وبقوا يحرسون الليل والنهار، ووصل الخبر إلى الخليفة والعسكر الذين معه أن ~~دبيسا قد ملك بغداد، فرحل من الدسكرة، ووقعت الهزيمة على العسكر إلى ~~النهروان، ms3845 وتركوا أثقالهم ملقاة بالطريق لا يلتفت إليها أحد، ولولا أن الله ~~تعالى لطف بهم بحمى الملك طغرل وتأخره لكان قد هلك العسكر، والخليفة أيضا، ~~وأخذوا، وكانت السواقي مملوءة بالوحل والماء من السيل، فتمزقوا، ولو لحقهم ~~مائة فارس لهلكوا. ووصلت رايات الخليفة ودبيس وأصحابه نيام، وتقدم الخليفة، ~~وأشرف على ديالى، ودبيس نازل غرب النهروان، والجسر ممدودة شرق النهروان، ~~فلما أبصر دبيس الخليفة قبل الأرض بين يدي الخليفة وقال: أنا العبد ~~المطرود، فليعف أمير المؤمنين عن عبده. فرق الخليفة له، وهم بصلحه، حتى وصل ~~الوزير ابن صدقة فثناه عن رأيه، وركب دبيس، ووقف بإزاء عسكر يرنقش الزكوي ~~يحادثهم ويتماجن معهم، ثم أمر الوزير الرجالة فعبروا ليمدوا الجسر آخر ~~النهار، فسار حينئذ دبيس عائدا إلى الملك طغرل، وسير الخليفة عسكرا مع ~~الوزير في أثره، وعاد إلى بغداد فدخلها، وكانت غيبته خمسة وعشرين يوما. ثم ~~إن الملك طغرل ودبيسا عادا وسارا إلى السلطان سنجر، فاجتازا بهمذان، فقسطا ~~على أهلها مالا كثيرا، وأخذاه وغابا في تلك الأعمال، فبلغ خبرهم السلطان ~~محمودا، فجد السير إليهم، فانهزموا من بين يديه، وتبعتهم العساكر، فدخلوا ~~خراسان إلى السلطان سنجر، وشكوا إليه من الخليفة ويرنقش الزكوي. ### || AUT ذكر فتح البرسقي كفر طاب # ### || AUT وانهزامه من الفرنج # في هذه السنة جمع البرسقي عساكره وسار إلى الشام، وقصد كفر طاب وحصرها، ~~فملكها من الفرنج، وسار إلى قلعة عزاز، وهي من أعمال حلب من جهة الشمال، ~~وصاحبها جوسلين، فحصرها، فاجتمعت الفرنج، فارسها وراجلها، وقصدوه ليرحلوه ~~عنها، فلقيهم وضرب معهم مصافا، واقتتلوا قتالا شديدا صبروا كلهم فيه، ~~فانهزم المسلمون وقتل منهم وأسر كثير. وكان عدد القتلى أكثر من ألف قتيل من ~~المسلمين، وعاد منهزما إلى حلب، فخلف بها ابنه مسعودا، وعبر الفرات إلى ~~الموصل ليجمع العساكر ويعاود القتال، وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر قتل المأمون بن البطائحي # في هذه السنة، في رمضان، قبض الآمر بأحكام الله العلوي، صاحب مصر، على ~~وزيره أبي عبد الله بن البطائحي، الملقب بالمأمون، وصلبه وإخوته. ms3846 وكان ~~ابتداء أمره أن أباه كان من جواسيس الأفضل بالعراق، فمات ولم يخلف شيئا، ~~فتزوجت أمه وتركته فقيرا، فاتصل بإنسان يتعلم البناء بمصر، ثم صار يحمل ~~الأمتعة بالسوق الكبير، فدخل مع الحمالين إلى دار الأفضل أمير الجيوش، مرة ~~بعد أخرى، فرآه الأفضل خفيفا رشيقا، حسن الحركة، حلو الكلام، فأعجبه، فسأل ~~عنه، فقيل هو ابن فلان، فاستخدمه مع الفراشين، ثم تقدم عنده، وكبرت منزلته، ~~وعلت حالته، حتى صار وزيرا. PageV04P0475 # وكان كريما، واسع الصدر، قتالا، سفاكا للدماء، وكان شديد التحرز، كثير ~~التطلع إلى أحوال الناس من العامة والخاصة من سائر البلاد: مصر، والشام، ~~والعراق، وكثر الغمازون في أيامه. وأما سبب قتله فإنه كان قد أرسل الأمير ~~جعفرا أخا الآمر ليقتل الآمر ويجعله خليفة، وتقررت القاعدة بينهما على ذلك، ~~فسمع بذلك أبو الحسن بن أبي أسامة، وكان خصيصا بالآمر، قريبا منه، وقد ناله ~~من الوزير أذى واطراح، فحضر عند الآمر وأعلمه الحال، فقبض عليه وصلبه، وهذا ~~جزاء من قابل الإحسان بالإساءة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي شمس الدولة سالم بن مالك، صاحب قلعة جعبر، وتعرف ~~قديما بقلعة دوس. وفيها قتل القاضي أبو سعد محمد بن نصر بن منصور الهروي ~~بهمذان، قتله الباطنية، وكان قد مضى إلى خراسان في رسالة الخليفة إلى ~~السلطان سنجر، فعاد فقتل، وكان ذا مروءة غزيرة، وتقدم كثير في الدولة ~~السلجوقية. وفي هذه السنة توفي هلال بن عبد الرحمن بن شريح بن عمر بن أحمد، ~~وهو من ولد بلال بن رباح، مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنيته أبو ~~سعد، طاف البلاد، وسمع وقرأ القرآن، وكان موته بسمرقند. ### | AUT ثم دخلت سنة عشرين وخمسمائة # ### || AUT ذكر حرب الفرنج والمسلمين بالأندلس # في هذه السنة عظم شأن ابن ردمير الفرنجي بالأندلس، واستطال على ~~المسلمين، فخرج في عساكر كثيرة من الفرنج، وجاس في بلاد الإسلام، وخاضها، ~~حتى وصل إلى قريب قرطبة، وأكثر النهب والسبي والقتل، فاجتمع المسلمون في ~~جيش عظيم زائد الحد في الكثرة، وقصدوه، فلم يكن له بهم ms3847 طاقة، فتحصن منهم في ~~حصن منيع له اسمه أرنيسول، فحصروه، وكبسهم ليلا، فانهزم المسلمون، وكثر ~~القتل فيهم، وعاد إلى بلاده. ### || AUT ذكر قصد بلاد الإسماعيلية بخراسان # في هذه السنة أمر الوزير المختص أبو نصر أحمد بن الفضل، وزير السلطان ~~سنجر، بغزو الباطنية، وقتلهم أين كانوا، وحيثما ظفر بهم، ونهب أموالهم، ~~وسبي حريمهم، وجهز جيشا إلى طريثيت، وهي لهم، وجيشا إلى بيهق من أعمال ~~نيسابور، وكان في هذه الأعمال قرية مخصوصة بهم اسمها طرز، ومقدمهم بها ~~إنسان اسمه الحسن بن سمين. وسير إلى كل طرف من أعمالهم جمعا من الجند، ~~ووصاهم أن يقتلوا من لقوه منهم، فقصد كل طائفة إلى الجهة التي سيرت إليها. ~~فأما القرية التي بأعمال بيهق فقصدها العسكر، فقتلوا كل من بها، وهرب ~~مقدمهم، وصعد منارة المسجد وألقى نفسه منها فهلك، وكذلك العسكر المنفذ إلى ~~طريثيت قتلوا من أهلها فأكثروا، وغنموا من أموالهم وعادوا. ### || AUT ذكر ملك الإسماعيلية قلعة بانياس # في هذه السنة عظم أمر الإسماعيلية بالشام، وقويت شوكتهم، وملكوا بانياس ~~في ذي القعدة منها. وسبب ذلك أن بهرام ابن أخت الأسداباذي، لما قتل خاله ~~ببغداد، كما ذكرناه، هرب إلى الشام، وصار داعي الإسماعيلية فيه، وكان يتردد ~~في البلاد، ويدعو أوباش الناس وطغامهم إلى مذهبه، فاستجاب له منهم من لا ~~عقل له، فكثر جمعه، إلا أنه يخفي شخصه فلا يعرف، وأقام بحلب مدة، ونفر إلى ~~إيلغازي صاحبها. وأراد إيلغازي أن يعتضد به لاتقاء الناس شره وشر أصحابه، ~~لأنهم كانوا يقتلون كل من خالفهم، وقصد من يتمسك بهم، وأشار إيلغازي على ~~طغتكين، صاحب دمشق، بأن يجعله عنده لهذا السبب. فقبل رأيه، وأخذه إليه، ~~فأظهر حينئذ شخصه، وأعلن دعوته، فكثر أتباعه من كل من يريد الشر والفساد، ~~وأعانه الوزير أبو طاهر بن سعد المرغيناني قصدا للاعتضاد به على ما يريد، ~~فعظم شره واستفحل أمره، وصار أتباعه أضعاف ما كانوا، فلولا أن عامة دمشق ~~يغلب عليهم مذاهب أهل السنة، وأنهم يشددون عليه فيما ذهب إليه لملك البلد. ~~ثم إن بهرام رأى ms3848 من أهل دمشق فظاظة وغلظة عليه، فخاف عاديتهم، فطلب من ~~طغتكين حصنا يأوي إليه هو ومن اتبعه، فأشار الوزير بتسليم قلعة بانياس ~~إليه، فسلمت إليه، فلما سار إليها اجتمع إليه أصحابه من كل ناحية، فعظم ~~حينئذ خطبه، وجلت المحنة بظهوره، واشتد الحال على الفقهاء والعلماء وأهل ~~الدين، لا سيما أهل السنة والستر والسلامة، إلا أنهم لا يقدرون على أن ~~ينطقوا بحرف واحد، خوفا من سلطانهم أولا، ومن شر الإسماعيلية ثانيا، فلم ~~يقدم أحد على إنكار هذه الحال، فانتظروا بهم الدوائر. ### || AUT ذكر قتل البرسقي وملك ابنه عز الدين مسعود # PageV04P0476 # في هذه السنة، ثامن ذي القعدة، قتل قسيم الدولة آقسنقر البرسقي، صاحب ~~الموصل، بمدينة الموصل، قتلته الباطنية يوم جمعة بالجامع، وكان يصلي الجمعة ~~مع العامة، وكان قد رأى تلك الليلة في منامه أن عدة كلاب ثارت به، فقتل ~~بعضها، ونال منه الباقي ما آذاه، فقص رؤياه على أحصابه، فأشاروا عليه بترك ~~الخروج من داره عدة أيام، فقال: لا أترك الجمع لشيء أبدا، فغلبوا على رأيه، ~~ومنعوه من قصد الجمعة، فعزم على ذلك، فأخذ المصحف يقرأ فيه، فأول ما رأى: " ~~وكان أمر الله قدرا مقدورا " ، فركب إلى الجامع على عادته، وكان يصلي في ~~الصف الأول، فوثب عليه بضعة عشر نفسا عدة الكلاب التي رآها، فجرحوه ~~بالسكاكين، فجرح هو بيده منهم ثلاثة، وقتل رحمه الله. وكان مملوكا تركيا، ~~خيرا، يحب أهل العلم والصالحين، ويرى العدل ويفعله، وكان من خير الولاة ~~يحافظ على الصلوات في أوقاتها، ويصلي من الليل متهجدا. حكى لي والدي، رحمه ~~الله، عن بعض من كان يخدمه قال: كنت فراشا معه، فكان يصلي كل ليلة كثيرا، ~~وكان يتوضأ هو بنفسه، ولا يستعين بأحد، ولقد رأيته في بعض ليالي الشتاء ~~بالموصل، وقد قام من فراشه، وعليه فرجية صغيرة وبر، وبيده إبريق، فمشى نحو ~~دجلة ليأخذ ماء، فمنعني البرد من القيام، ثم إنني خفته، فقمت إلى بين يديه ~~لآخذ الإبريق منه، فمنعني وقال: يا مسكين! ارجع إلى مكانك، فإن برد، ~~فاجتهدت لآخذ الإبريق، ms3849 فلم يعطني، وردني إلى مكاني ثم توضأ وقام يصلي. ولما ~~قتل كان ابنه عز الدين مسعود بحلب يحفظها من الفرنج، فأرسل إليه أصحاب أبيه ~~بالخبر، فسار إلى الموصل ودخلها أول ذي الحجة، وأحسن إلى أصحاب أبيه بها، ~~وأقر وزيره المؤيد أبا غالب بن عبد الخالق بن عبد الرزاق على وزارته، ~~وأطاعه الأمراء والأجناد، وانحدر إلى خدمة السلطان محمود، فأحسن إليه ~~وأعاده، ولم يختلف عليه أحد من أهل بلاد أبيه. ووقع البحث عن حال الباطنية، ~~والاستقصاء عن أخبارهم، فقيل إنهم كانوا يجلسون إلى إسكاف بدرب إيليا، ~~فأحضر ووعد الإحسان إن أقر، فلم يقر، فهدد بالقتل، فقال: إنهم وردوا من ~~سنين لقتله، فلم يتمكنوا منه إلى الآن، فقطعت يداه ورجلاه وذكره، ورجم ~~بالحجارة فمات. ومن العجب أن صاحب أنطاكية أرسل إلى عز الدين بن البرسقي ~~يخبره بقتل والده قبل أن يصل إليه الخبر، وكان قد سمعه الفرنج قبله لشدة ~~عنايتهم بمعرفة الأحوال الإسلامية. ولما استقر عز الدين في الولاية قبض على ~~الأمير بابكر بن ميكائيل، وهو من أكابر الأمراء، وطلب منه أن يسلم ابن أخيه ~~قلعة إربل إلى الأمير فضل وأبي علي، ابني أبي الهيجاء، وكان ابن أخيه قد ~~أخذها منه سنة سبع عشرة، فراسل ابن أخيه، فسلم إربل إلى المذكورين. ### || AUT ذكر الاختلاف الواقع بين المسترشد بالله والسلطان محمود # كان قد جرى بين يرنقش الزكوي، شحنة بغدادن وبين نواب الخليفة المسترشد ~~بالله نفرة تهدده الخليفة فيها، فخافه على نفسه، فسار عن بغداد إلى السلطان ~~محمود في رجب من هذه السنة، وشكا إليه، وحذره جانب الخليفة وأعلمه أنه قد ~~قاد العساكر، ولقي الحروب، وقويت نفسه، ومتى مل تعاجله بقصد العراق ودخول ~~بغداد، ازداد قوة وجمعا، ومنعه عنه، وحينئذ يتعذر عليه ما هو الآن بيده. ~~فتوجه السلطان نحو العراق، فأرسل إليه الخليفة يعرفه ما هي البلاد وأهلها ~~عليه من الضعف والوهن، بسبب دبيس، وإفساد عسكره فيها، وأن الغلاء قد اشتد ~~بالناس لعدم الغلات والأقوات، لهرب الأكرة عن بلادهم، ويطلب منه أن يتأخر ~~هذه ms3850 الدفعة إلى أن ينصلح حال البلاد ثم يعود إليها، فلا مانع له عنها، وبذل ~~له على ذلك مالا كثيرا. PageV04P0477 # فلما سمع السلطان هذه الرسالة قوي عنده ما قرره الزكوي، وأبى أن يجيب إلى ~~التأخر، وصمم العزم وسار إليها مجدا. فلما بلغ الخليفة الخبر عبر هو وأهله ~~وحرمه ومن عنده من أولاد الخلفاء إلى الجانب الغربي في ذي القعدة، مظهرا ~~للغضب والانتزاح عن بغداد إن قصدها السلطان، فلما خرج من داره بكى الناس ~~جميعهم بكاء عظيما لم يشاهد مثله. فلما علم السلطان ذلك اشتد عليه، وبلغ ~~منه كل مبلغ، فأرسل يستعطف الخليفة، ويسأله العود إلى داره، فأعاد الجواب ~~أنه لا بد من عودك هذه الدفعة، فإن الناس هلكى بشدة الغلاء، وخراب البلاد، ~~وأنه لا يرى في دينه أن يزداد ما بهم، وهو يشاهدهم، فإن عاد السلطان، وإلا ~~رحل هو عن العراق لئلا يشاهد ما يلقى الناس بمجيء العساكر. فغضب السلطان ~~لقوله، ورحل نحو بغداد، وأقام الخليفة بالجانب الغربي، فلما حضر عيد الأضحى ~~خطب الناس، وصلى بهم، فبكى الناس لخطبته، وأرسل عفيفا الخادم، وهو من ~~خواصه، في عسكر إلى واسط ليمنع عنها نواب السلطان، فأرسل السلطان إليه عماد ~~الدين زنكي بن آقسنقر، وكان له حينئذ البصرة، وقد فارق البرسقي، واتصل ~~بالسلطان، فأقطعه البصرة. فلما وصل عفيف إلى واسط سار إليه عماد الدين، ~~فنزل بالجانب الشرقي، وكان عفيف بالجانب الغربي، فأرسل إليه عماد الدين ~~يحذره القتال، ويأمره بالانتزاح عنها، فأبى ولم يفعل، فعبر إليه عماد ~~الدين، واقتتلوا، فانهزم عسكر عفيف، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر مثلهم، ~~وتغافل عن عفيف حتى نجا لمودة كانت بينهما. ثم إن الخليفة جمع السفن جميعها ~~إليه، ويسد أبواب دار الخلافة سوى باب التوبي، وأمر حاجب الباب ابن الصاحب ~~بالمقام فيه لحفظ الدار، ولم يبق من حواشي الخليفة بالجانب الشرقي سواه. ~~ووصل السلطان إلى بغداد في العشرين من ذي الحجة، ونزل بباب الشماسية، ودخل ~~بعض عسكره إلى بغداد، ونزلوا في دور الناس، فشكا الناس ذلك إلى السلطان، ~~فأمر بإخراجهم، ms3851 وبقي فيها من له دار، وبقي السلطان يراسل الخليفة بالعود، ~~ويطلب الصلح، وهو يمتنع. وكان يجري بين العسكرين مناوشة، والعامة من الجانب ~~الغربي يسبون السلطان أفحش سب. ثم إن جماعة من عسكر السلطان دخلوا دار ~~الخلافة، ونهبوا التاج، وحجر الخليفة، أول المحرم سنة إحدى وعشرين، وضج أهل ~~بغداد من ذلك، فاجتمعوا ونادوا الغزاة، فأقبلوا من كل ناحية، ولما رآهم ~~الخليفة خرج من السرادق والشمسة على رأسه، والوزير بين يديه، وأمر بضرب ~~الكوسات والبوقات، ونادى بأعلى صوته: يا آل هاشم! وأمر بتقديم السفن، ونصب ~~الجسر وعبر الناس دفعة واحدة، وكان له في الدار ألف رجل مختفين في ~~السراديب، فظهروا، وعسكر السلطان مشتغلون بالنهب، فأسر منهم جماعة من ~~الأمراء، ونهب العامة دار وزير السلطان، ودور جماعة من الأمراء، ودار عزيز ~~الدين المستوفي، ودار الحكيم أوحد الزمان الطبيب، وقتل منهم خلق كثير في ~~الدروب. ثم عبر الخليفة إلى الجانب الشرقي، ومعه ثلاثون ألف مقاتل من أهل ~~بغداد والسواد، وأمر بحفر الخنادق، فحفرت بالليل، وحفظوا بغداد من عسكر ~~السلطان، ووقع الغلاء عند العسكر، واشتد الأمر عليهم، وكان القتال كل يوم ~~عليهم عند أبواب البلد وعلى شاطيء دجلة، وعزم عسكر الخليفة على أن يكبسوا ~~عسكر السلطان، فغدر بهم الأمير أبو الهيجاء الكردي، صاحب إربل، وخرج كأنه ~~يريد القتال، فالتحق هو وعسكره بالسلطان. PageV04P0478 # وكان السلطان قد أرسل إلى عماد الدين بواسط يأمره أن يحضر هو بنفسه، ومعه ~~المقاتلة في السفن، وعلى الدواب في البر، فجمع كل سفينة في البصرة إلى ~~بغداد، وشحنها بالرجال المقاتلة، وأكثر من السلاح، وأصعد، فلما قارب بغداد ~~أمر كل من معه في السفن وفي البر بلبس السلاح، وإظهار ما عندهم من الجلد ~~والنهضة، فسارت السفن في الماء، والعسكر في البر على شاطيء دجلة قد انتشروا ~~وملأوا الأرض برا وبحرا، فرأى الناس منظرا عجيبا، كبر في أعينهم، وملأ ~~صدورهم، وركب السلطان والعسكر إلى لقائهم، فنظروا إلى ما لم يروا مثله، ~~وعظم عماد الدين في أعينهم، وعزم السلطان على قتال بغداد حينئذ، والجد في ms3852 ~~ذلك في البر والماء. فلما رأى الإمام المسترشد بالله الأمر على هذه الصورة، ~~وخروج الأمير أبي الهيجاء من عنده، أجاب إلى الصلح، وترددت الرسل بينهما، ~~فاصطلحا، واعتذر السلطان مما جرى، وكان حليما يسمع سبه بأذنه فلا يعاقب ~~عليه، وعف عن أهل بغداد جميعهم. وكان أعداء الخليفة يشيرون على السلطان ~~بإحراق بغداد، فلم يفعل، وقال: لا تساوي الدنيا فعل مثل هذا. وأقام ببغداد ~~إلى رابع شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين، وحمل الخليفة من المال إليه كما ~~استقرت القاعدة عليه، وأهدى له سلاحا وخيلا وغير ذلك، فمرض السلطان ببغداد، ~~فأشار عليه الأطباء بمفارقتها، فرحل إلى همذان، فلما وصلها عوفي. ### || AUT ذكر مصاف بين طغتكين أتابك والفرنج بالشام # في هذه السنة اجتمعت الفرنج وملوكها وقمامصتها وكنودها وساروا إلى نواحي ~~دمشق فنزلوا بمرج الصفر عند قرية يقال لها سقحبا بالقرب من دمشق، فعظم ~~الأمر على المسلمين واشتد خوفهم، وكاتب طغتكين أتابك صاحبها أمراء التركمان ~~من ديار بكر وغيرها وجميعهم وكان هو قد سار عن دمشق إلى جهة الفرنج واستخلف ~~بها ابنه تاج الملوك بوري فكان بها، كما جاءت طائفة أحسن ضيافتهم وسيرهم ~~إلى أبيه، فلما اجتمعوا سار بهم طغتكين إلى الفرنج فالتقوا أواخر ذي الحجة ~~واقتتلوا، واشتد القتال، فسقط طغتكين على فرسه، فظن أصحابه أنه قتل، ~~فانهزموا وركب طغتكين فرسه ولحقهم وتبعهم الفرنج وبقي التركمان لم يقدروا ~~أن يلحقوا بالمسلمين في الهزيمة فتخلفوا، فلما رأوا فرسان الفرنج قد تبعوا ~~المنهزمين وأن معسكرهم وراجلهم ليس له منع ولا حام حملوا على الرجالة ~~فقتلوهم ولم يسلم منهم إلا الشريد، ونهبوا معسكر الفرنج وخيامهم وأموالهم ~~وجميع ما معهم وفي جملته كنيسة وفيها من الذهب والجواهر ما لا يقوم كثرة ~~فنهبوا ذلك جميعه وعادوا إلى دمشق سالمين لم يعدم منهم أحد. ولما رجع ~~الفرنج من أثر المنهزمين ورأوا رجالتهم قتلى وأموالهم منهوبة تموا منهزمين ~~لا يلوي الأخ على أخيه، وكان هذا من الغريب أن طائفتين تنهزمان كل واحدة ~~منهما من صاحبتها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه ms3853 السنة حصر الفرنج رفنية من أرض الشام، وهي بيد المسلمين، وضيقوا ~~عليها فملكوها. وفيها توفي أبو الفتح أحمد بن محمد بن محمد الغزالي، ~~الواعظ، وهو أخو الإمام أبي حامد محمد، وقد ذمه أبو الفرج بن الجوزي بأشياء ~~كثيرة منها: روايته في وعظه الأحاديث التي ليست له بصحيحة، والعجب أنه يقدح ~~فيه بهذا، وتصانيفه هو ووعظه محشو به، مملوء منه، نسأل الله أن يعيذنا من ~~الوقيعة في الناس، ثم يا ليت شعري أما كان للغزالي حسنة تذكر مع ما ذكر من ~~المساويء التي نسبها إليه لئلا ينسب إلى الهوى والغرض؟ ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وخمسمائة # ### || AUT ذكر ولاية أتابك زنكي شحنكية العراق # في هذه السنة، في ربيع الآخر، أسند السلطان محمود شحنكية العراق إلى ~~عماد الدين زنكي بن آقسنقر. PageV04P0479 # وكان سبب ذلك: أن عماد الدين لما أصعد من واسط في التجمل والجمع الذي ~~ذكرناه، وقام في حفظ واسط والبصرة وتلك النواحي القيام الذي عجز غيره عنه، ~~عظم في صدر السلطان وصدور أمرائه، فلما عزم السلطان على المسير عن بغداد ~~نظر فيمن يصلح أن يلي شحنكية العراق ويأمن معه من الخليفة، فاعتبر أمراءه، ~~وأعيان دولته، فلم ير فيهم من يقوم في هذا الأمر مقام عماد الدين، فاستشار ~~في ذلك، فكل أشار به، وقالوا: لا نقدر على رفع هذا الخرق، وإعادة ناموس هذه ~~الولاية، ولا تقوى نفس أحد على ركوب هذا الخطر غير عماد الدين زنكي. فوافق ~~ما عنده، فأسند إليه الولاية وفوضها إليه مضافة إلى ما له من الأقطاع، وسار ~~عن بغداد وقد اطمأن قلبه من جهة العراق، فكان الأمر كما ظن. ### || AUT ذكر عود السلطان عن بغداد وزارة أنوشروان بن خالد # في هذه السنة، في عاشر ربيع الآخر، سار السلطان محمود عن بغداد، بعد ~~تقرير القواعد بها، ولما عزم على المسير حمل إليه الخليفة الخلع، والداوب ~~الكثيرة، فقبل ذلك جميعه وسار. ولما أبعد عن بغداد قبض على وزيره أبي ~~القاسم علي بن القاسم الأنساباذي في رجب، لأنه اتهمه بممالأة ms3854 المسترشد ~~بالله لقيامه في أمره وإتمام الصلح مقاما ظهر أثره، فسعى به أعداؤه، فلما ~~قبض عليه أرسل السلطان إلى بغداد فأحضر شرف الدين أنوشروان بن خالد، وكان ~~مقيما بها، فلما علم بذلك جاءته الهدايا من كلا أحد، حتى من الخليفة، وسار ~~عن بغداد خامس شعبان، فوصل إلى السلطان، وهو بأصبهان، فخلع عليه خلع ~~الوزارة، وبقي فيها نحو عشرة أشهر، ثم استعفى منها، وعزل نفسه، وعاد إلى ~~بغداد في شعبان سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. وأما الوزير أبو القاسم فإنه ~~بقي مقبوضا إلى أن خرج السلطان سنجر إلى الري سنة اثنتين وعشرين، فأخرجه من ~~الحبس في ذي الحجة، وأعاده إلى وزارة السلطان محمود، وهي الوزارة الثانية. ### || AUT ذكر وفاة عز الدين بن البرسقي # ### || AUT وولاية عماد الدين زنكي الموصل وأعمالها # في هذه السنة توفي عز الدين مسعود بن البرسقي، وهو صاحب الموصل، وكان ~~موته بمدينة الرحبة، وسبب مسيره إليها: أنه لما استقامت أموره في ولايته، ~~وراسل السلطان محمودا، وخطب له ولاية ما كان أبوه يتولاه من الموصل وغيرها، ~~أجاب السلطان إلى ما طلب، فرتب الأمور وقررها. فكثر جنده، وكان شجاعا، ~~شهما، فطمع في التغلب على بلاد الشام، فجمع عساكره وسار إلى الشام يريد قصد ~~دمشق، فابتدأ بالرحبة، فوصل إليها ونازلها، وقام يحاصرها، فأخذه مرض حاد ~~وهو محاصر لها، فتسلم القلعة ومات بعد ساعة، فندم من بها على تسليمها إليه. ~~ولما مات بقي مطروحا على بساط لم يدفن، وتفرق عنه عسكره، ونهب بعضهم بعضا، ~~فشغلوا عنه، ثم دفن بعد ذلك، وقام بعده أخ له صغير، واستولى على البلاد ~~مملوك للبرسقي يعرف بالجاولي، ودبر أمر الصبي، وأرسل إلى السلطان يطلب أن ~~يقرر البلاد على ولد البرسقي، وبذل الأموال الكثيرة على ذلك. وكان الرسول ~~في هذا الأمر القاضي بهاء الدين أبو الحسن علي بن القاسم الشهرزوري، وصلاح ~~الدين محمد أمير حاجب البرسقي، فحضرا دركاه السلطان ليخاطبا في ذلك، وكانا ~~يخافان جاولي، ولا يرضيان بطاعته والتصرف بما يحكم به، فاجتمع صلاح الدين، ~~ونصير الدين جقر الذي ms3855 صار نائبا عن أتابك عماد الدين بالموصل، وكان بينهما ~~مصاهرة، وذكر له صلاح الدين ما ورد فيه، وأفشى إليه سره، فخوفه نصير الدين ~~من جاولي، وقبح عنده طاعته، وقرر في نفسه أنه إنما أبقاه وأمثاله لحاجته ~~إليهم، ومتى أجيب إلى مطلوبه لا يبقي على أحد منهم. PageV04P0480 # وتحدث معه في المخاطبة في ولاية عماد الدين زنكي، وضمن له الولايات ~~والأقطاع الكثيرة، وكذلك للقاضي بهاء الدين الشهرزوري، فأجابه إلى ذلك، ~~وأحضره معه عند القاضي بهاء الدين، وخاطباه في هذا الأمر، وضمنا له كل ما ~~أراده فوافقهما على ما طلبا، وركب هو وصلاح الدين إلى دار الوزير، وهو ~~حينئذ شرف الدين أنوشروان بن خالد، وقالا له: قد علمت أنت والسلطان أن ديار ~~الجزيرة والشام قد تمكن الفرنج منها، وقويت شوكتهم بها، فاستولوا على ~~أكثرها، وقد أصبحت ولايتهم من حدود ماردين إلى عريش مصر، ما عدا البلاد ~~الباقية بيد المسلمين، وقد كان البرسقي مع شجاعته، وتجريبه، وانقياد ~~العساكر إليه، يكف بعض عاديتهم وشرهم، فمذ قتل ازداد طمعهم، وهذا ولده طفل ~~صغير، ولا بد للبلاد من رجل شهم، شجاع، ذي رأي وتجربة، يذب عنها ويحفظها ~~ويحمي حوزتها، وقد أنهينا الحال لئلا يجري خلل، أو وهن على الإسلام ~~والمسلمين، فيختص اللوم بنا، ويقال: ألا أنهيتم إلينا جلية الحال؟ . فرفع ~~الوزير قولهما إلى السلطان، فاستحسنه، وشكرهما عليه، وأحضرهما، واستشارهما ~~فيمن يصلح للولاية، فذكرا جماعة منهم عماد الدين زنكي، وبذلا عنه، تقربا ~~إلى خزانة السلطان، مالا جليلا، فأجاب السلطان إلى توليته، لما يعلمه من ~~كفايته لما يليه، فأحضره وولاه البلاد كلها، وكتب منشورة بها. وسار فبدأ ~~بالبوازيج ليملكها ويتقوى بها ويجعلها ظهره، لأنه خاف من جاولي أنه ربما ~~صده عن البلاد، فلما دخل البوازيج سار عنها إلى الموصل. فلما سمع جاولي ~~بقربه من البلد خرج إلى تلقيه ومعه جميع العسكر، فلما رآه جاولي نزل عن ~~فرسه وقبل الأرض بين يديه، وعاد في خدمته إلى الموصل، فدخلها في رمضان، ~~وأقطع جاولي الرحبة وسيره إليها، وأقام بالموصل يصلح أمورها، ويقرر ms3856 ~~قواعدها، فولى نصير الدين دزدارية القلعة بالموصل، وجعل إليه سائر دزدارية ~~القلاع، وجعل صلاح الدين محمدا أمير حاجب، وبهاء الدين قاضي قضاة بلاده ~~جميعها، وزاده أملاكا، وأقطاعا، واحتراما، وكان لا يصدر إلا عن رأيه. فلما ~~فرغ من أمر الموصل سار عنها إلى جزيرة ابن عمر، وبها مماليك البرسقي، ~~فامتنعوا عليه، فحصرهم وراسلهم، وبذل لهم البذول الكثيرة إن سلموا، فلم ~~يجيبوه إلى ذلك، فجد في قتالهم، وبينه وبين البلد دجلة، فأمر الناس، فألقوا ~~أنفسهم في الماء ليعبروه إلى البلد، ففعلوا، وعبر بعضهم سباحا، وبعضهم في ~~السفن، وبعضهم في الأكلاك، وتكاثروا على أهل الجزيرة، وكانوا قد خرجوا عن ~~البلد إلى أرض بين الجزيرة ودجلة، تعرف بالزلاقة، ليمنعوا من يريد عبور ~~دجلة، فلما عبر العسكر إليهم قاتلوهم ومانعوهم، فتكاثر عسكر عماد الدين ~~عليهم، فانهزم أهل البلد، ودخلوه، وتحصنوا بأسواره، واستولى عماد الدين على ~~الزلاقة، فلما رأى من بالبلد ذلك ضعفوا، ووهنوا، وأيقنوا أن البلد يملك ~~سلما، أو عنوة، فأرسلوا يطلبون الأمان، فأجابهم إلى ذلك، وكان هو أيضا مع ~~عسكره بالزلاقة، فسلموا البلد إليه، فدخله هو وعسكره. ثم إن دجلة زادت تلك ~~الليلة زيادة عظيمة لحقت سور البلد، وصارت الزلاقة ماء، فلو أقام ذلك اليوم ~~لغرق هو وعسكره، ولم ينج منهم أحد، فلما رأى الناس ذلك أيقنوا بسعادته، ~~وأيقنوا أن أمرا هذا بدايته لعظيم. ثم سار عن الجزيرة إلى نصيبين، وكانت ~~لحسام الدين تمرتاش، صاحب ماردين، فلما نازلها سار حسام الدين إلى ابن عمه ~~ركن الدولة داود بن سقمان بن أرتق، وهو صاحب حصن كيفا وغيرها، فاستنجده على ~~أتابك زنكي. فوعده النجدة بنفسه، وجمع عسكره، وعاد تمرتاش إلى ماردين، ~~وأرسل رقاعا على أجنحة الطيور إلى نصيبين يعرف من بها من العسكر أنه وابن ~~عمه سائران في العسكر الكثير إليهم، وإزاحة عماد الدين عنهم، ويأمرهم بحفظ ~~البلد خمسة أيام. PageV04P0481 # فبينما أتابك في خيمته إذ سقط طائر على خيمة تقابله، فأمر به فصيد، فرأى ~~فيه رقعة، فقرأها وعرف ما فيها، فأمر أن يكتب غيرها، يقول فيها: ms3857 من حسام ~~الدين إنني قصدت ابن عمي ركن الدولة، وقد وعدني النصرة وجمع العساكر، وما ~~يتأخر عن الوصول أكثر من عشرين يوما، ويأمرهم بحفظ البلد هذه المدة إلى أن ~~يصلوا، وجعلها في الطائر وأرسله، فدخل نصيبين، فلما وقف من بها على الرقعة ~~سقط في أيديهم، وعلموا أنهم لا يقدرون أن يحفظوا البلد هذه المدة، فأرسلوا ~~إلى الشهيد وصالحوه، وسلموا البلد إليه، فبطل على تمرتاش وداود ما كانا ~~عزما عليه، وهذا من غريب ما يسمع. فلما ملك نصيبين سار عنها إلى سنجار، ~~فامتنع من بها عليه، ثم صالحوه وسلموا البلد إليه، وسير منها الشحن إلى ~~الخابور، فملكه جميعه. ثم سار إلى حران، وهي للمسلمين، وكانت الرها، وسروج، ~~والبيرة، وتلك النواحي جميعها للفرنج، وأهل حران معهم في ضر عظيم، وضيق ~~شديد، لخلو البلد من حام يذب عنها، وسلطان يمنعها، فلما قارب حران خرج أهل ~~البلد وأطاعوه وسلموا إليه، فلما ملكها أرسل إلى جوسلين، صاحب الرها وتلك ~~البلاد، وراسله، وهادنه مدة يسيرة، وكان غرضه أن يتفرغ لإصلاح البلد، ~~وتجنيد الأجناد، وكان أهم الأمور إليه أن يعبر الفرات إلى الشام، ويملك ~~مدينة حلب وغيرها من البلاد الشامية، فاستقر الصلح بينهم، وأمن الناس، ونحن ~~نذكر ملك حلب، إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قتل معين الملك أبو نصر أحمد بن الفضل، وزير السلطان سنجر، ~~قتلته الباطنية، وكان له في قتالهم آثار حسنة، ونية صالحة، فرزقه الله ~~الشهادة. وفيها ولى السلطان شحنكية بغداد مجاهد الدين بهروز، لما سار أتابك ~~زنكي إلى الموصل. وفيها رتب الحسن بن سليمان في تدريس النظامية ببغداد. ~~وفيها أوقع السلطان سنجر بالباطنية في ألموت، فقتل منهم خلقا كثيرا، قيل ~~كانوا يزيدون على عشرة آلاف نفس. وتوفي هذه السنة علي بن المبرك أبو الحسن ~~المقري، المعروف بابن الفاعوس، الحنبلي، ببغداد، في شوال، وكان صالحا. وفي ~~شوال توفي محمد بن عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد أبو الحسن بن أبي الفضل ~~الهمذاني الفرضي، صاحب التاريخ. ### | AUT ثم دخلت سنة ms3858 اثنتين وعشرين وخمسمائة # ### || AUT ذكر ملك عماد الدين زنكي مدينة حلب # في هذه السنة، أول المحرم، ملك عماد الدين زنكي بن آقسنقر مدينة حلب ~~وقلعتها، ونحن نذكر كيف كان سبب ملكها، فنقول: قد ذكرنا ملك البرسقي لمدينة ~~حلب وقلعتها سنة ثماني عشرة، واستخلافه بها ابنه مسعودا، ولما قتل البرسقي ~~سار مسعود عنها إلى الموصل وملكها، واستناب بحلب أميرا اسمه قومان، ثم إنه ~~ولى عليها أميرا اسه قتلغ أبه، وسيره بتوقيع إلى قومان بتسليمها، فقال: ~~بيني وبين عز الدين علامة لم أرها، ولا أسلم إلا بها، وكانت العلامة بينهما ~~صورة غزال، وكان مسعود بن البرسقي حسن التصوير، فعاد قتلغ أبه إلى مسعود، ~~وهو يحاصر الرحبة، فوجده قد مات، فعاد إلى حلب مسرعا. وعرف الناس موته، ~~فسلم الرئيس فضائل بن بديع البلد، وأطاعه المقدمون به، واستنزلوا قومان من ~~القلعة، بعد أن صح عنده وفاة صاحبه مسعود، وأعطوه ألف دينار، فتسلم قتلغ ~~القلعة في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين، فظهر منه بعد ~~أيام جور شديد، وظلم عظيم، ومد يده إلى أموال الناس، لا سيما التركات، فإنه ~~أخذها، وتقرب إليه الأشرار، فنفرت قلوب الناس منه. وكان بالمدينة بدر ~~الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق الذي كان قديما صاحبها، فأطاعه أهلها، ~~وقاموا ليلة الثلاثاء ثاني شوال فقبضوا على كل من كان بالبلد من أصحاب قتلغ ~~أبه، وكان أكثرهم يشربون في البلد صبخة العيد، وزحفوا إلى القلعة، فتحصن ~~قتلغ أبه فيها بمن معه، فحصروه، ووصل إلى حلب حسان صاحب منبج، وحسن صاحب ~~بزاعة، لإصلاح الأمر فلم ينصلح. وسمع الفرنج بذلك، فتقدم جوسلين بعسكره إلى ~~المدينة، فصونع بمال، فعاد عنها، ثم وصل بعده صاحب أنطاكية في جمع من ~~الفرنج، فخندق الحلبيون حول القلعة، فمنع الداخل والخارج إليها من ظاهر ~~البلد، وأشرف الناس على الخطر العظيم إلى منتصف ذي الحجة من السنة. ~~PageV04P0482 # وكان عماد الدين قد ملك الموصل والجزيرة، فسير إلى حلب الأمير سنقرجة ~~دراز، والأمير حسن قراقوش، وهما من أكابر أمراء البرسقي، وقد ms3859 صاروا معه في ~~عسكر قوي، ومعه التوقيع من السلطان بالموصل، والجزيرة، والشام، فاستقر ~~الأمر أن يسير بدر الدولة بن عبد الجبار وقتلغ أبه إلى الموصل إلى عماد ~~الدين، فسارا إليه، وأقام حسن قراقوش بحلب واليا عليها ولاية مستعارة، فلما ~~وصل بدر الدولة وقتلغ أبه إلى عماد الدين أصلح بينهما، ولم يرد واحدا منهما ~~إلى حلب، وسير حاجبه صلاح الدين محمدا الياغيسياني إليها في عسكر، فصعد ~~القلعة، ورتب الأمور، وجعل فيها واليا. وسار عماد الدين زنكي إلى الشام في ~~جيوشه وعساكره، فملك في طريقه مدينة منبج وبزاعة، وخرج أهل حلب إليه، ~~فالتقوه، واستبشروا بقدومه، ودخل البلد واستولى عليه، ورتب أموره، وأقطع ~~أعماله الأجناد والأمراء، فلما فرغ من الذي أراده قبض على قتلغ أبه وسلمه ~~إلى ابن بديع، فكحله بداره بحلب، فمات قتلغ أبه، واستوحش ابن بديع، فهرب ~~إلى قلعة جعبر واستجار بصاحبها، فأجاره. وجعل عماد الدين في رئاسة حلب أبا ~~الحسن علي بن عبد الرزاق، ولولا أن الله تعالى من على المسلمين بملك أتابك ~~ببلاد الشام لملكها الفرنج لأنهم كانوا يحصرون بعض البلاد الشامية، وإذا ~~علم ظهير الدين طغتكين بذلك جمع عساكره وقصد بلادهم وحصرها وأغار عليها، ~~فيضطر الفرنج إلى الرحيل لدفعه عن بلادهم، فقدر الله تعالى أنه توفي هذه ~~السنة، فخلا لهم الشام من جميع جهاته من رجل يقوم بنصرة أهله، فلطف الله ~~بالمسلمين بولاية عماد الدين، ففعل الفرنج ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر قدوم السلطان سنجر إلى الري # في هذه السنة خرج السلطان سنجر من خراسان إلى الري في جيش كثير. وكان ~~سبب ذلك: أن دبيس بن صدقة لما وصل إليه هو والملك طغرل، على ما ذكرناه، لم ~~يزل يطمعه في العراق، ويسهل عليه قصده، ويلقي في نفسه أن المسترشد بالله ~~والسلطان محمود متفقان على الامتناع منه، ولم يزل به حتى أجابه إلى المسير ~~إلى العراق، فلما ساروا وصل إلى الري، وكان السلطان محمود بهمذان، فأرسل ~~إليه السلطان سنجر يستدعيه إليه لينظر هل هو على طاعته ms3860 أم قد تغير على ما ~~زعم دبيس، فلما جاءه الرسول بادر إلى المسير إلى عمه، فلما وصل إليه أمر ~~العسكر جميعه بلقائه، وأجلسه معه على التخت، وبالغ في إكرامه، وأقام عنده ~~إلى منتصف ذي الحجة، ثم عاد السلطان سنجر إلى خراسان، وسلم دبيسا إلى ~~السلطان محمود، ووصاه بإكرامه وإعادته إلى بلده، ورجع محمود إلى همذان ~~ودبيس معه، ثم سارا إلى العراق، فلما قاربا بغداد خرج الوزير إلى لقائه، ~~وكان قدومه تاسع المحرم سنة ثلاث وعشرين. وكان الوزير أبو القاسم ~~الأنساباذي قد قبض السلطان محمود عليه، فلما اجتمع بالسلطان سنجر أمر ~~بإطلاقه فأطلقه، وقرره سنجر في وزارته ابنته التي زوجها بالسلطان محمود، ~~فلما وصل معه إلى بغداد أعاده محمود إلى وزارته في الرابع والعشرين من ~~المحرم، وهي وزارته الثانية. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ثامن صفر توفي أتابك طغتكين، صاحب دمشق، وهو مملوك الملك ~~تتش بن ألب أرسلان، وكان عاقلا، خيرا، كثير الغزوات والجهاد للفرنج، حسن ~~السيرة في رعيته، مؤثرا للعدل فيهم، وكان لقبه ظهير الدين، ولما توفي ملك ~~بعده ابنه تاج الملوك بوري، وهو أكبر أولاده، بوصية من والده بالملك، وأقر ~~وزير أبيه أبو علي طاهر بن سعد المزدقاني على وزارته. وفيها، مستهل رجب، ~~توفي الوزير جلال الدين أبو علي بن صدقة، وزير الخليفة، وكان حسن السيرة، ~~جميل الطريقة، متواضعا، محبا لأهل العلم، مكرما لهم، وله شعر حسن ، فمنه في ~~مدح المسترشد بالله: وجدت الورى كالماء طعما ورقة، ... وأن أمير المؤمنين ~~زلاله وصورت معنى العقل شخصا مصورا، ... وأن أمير المؤمنين مثاله ولولا ~~طريق الدين والشرع والتقى ... لقلت من الإعظام جل جلاله وأقيم في النيابة ~~بعده شرف الدين علي بن طراد الزينبي، ثم جعل وزيرا، وخلع عليه آخر شهر ربيع ~~الآخر من سنة ثلاث وعشرين ولم يزر للخلفاء من بني العباس هاشمي غيره. ~~PageV04P0483 # وفيها هبت ريح شديدة اسودت لها الآفاق، وجاءت بتراب أحمر يشبه الرمل، ~~وظهر في السماء أعمدة كأنها نار، فخاف الناس، وعدلوا إلى الدعاء ~~والاستغفار، فانكشف عنهم ms3861 ما يخافونه. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة # ### || AUT ذكر قدوم السلطان محمود إلى بغداد # في هذه السنة، في المحرم، قدم السلطان محمود بغداد، بعد عوده من عند عمه ~~السلطان سنجر، ومعه دبيس بن صدقة، ليصلح حاله مع الخليفة المسترشد بالله، ~~فتأخر دبيس عن السلطان، ثم دخل بغداد، ونزل بدار السلطان، واسترضى عنه ~~الخليفة، فامتنع الخليفة من الإجابة إلى أن يولي دبيس شيئا من البلاد، وبذل ~~مائة ألف دينار لذلك. وعلم أتابك زنكي أن السلطان يريد أن يولي دبيس ~~الموصل، فبذل مائة ألف دينار، وحضر بنفسه إلى خدمة السلطان، فلم يشعر ~~السلطان به إلا وهو عند الستر، وحمل معه الهدايا الجليلة، فأقام عند ~~السلطان ثلاثة أيام، وخلع عليه، وأعاده إلى الموصل. وخرج السلطان يتصيد، ~~فعمل له شيخ المزرفة دعوة عظيمة امتار منها جميع عسكر السلطان، وأدخله إلى ~~حمام في داره، وجعل فيه عوض الماء ماء الورد، فأقام السلطان إلى رابع جمادى ~~الآخرة، وسار عنها إلى همذان، وجعل بهزور على شحنكية بغداد، وسلمت إليه ~~الحلة أيضا. ### || AUT ذكر ما فعله دبيس بالعراق # ### || AUT وعود السلطان إلى بغداد # لما رحل السلطان إلى همذان ماتت زوجته، وهي ابنة السلطان سنجر، وهي التي ~~كانت تعنى بأمر دبيس، وتدافع عنه، فلما ماتت انحل أمر دبيس. ثم إن السلطان ~~مرض مرضا شديدا، فأخذ دبيس ابنا له صغيرا وقصد العراق، فلما سمع المسترشد ~~بالله بذلك جند الأجناد وحشد، وكان بهروز بالحلة، فهرب منها، فدخلها دبيس ~~في شهر رمضان، فلما سمع السلطان الخبر عن دبيس أحضر الأميرين قزل، ~~والأحمديلي، وقال: أنتما ضمنتما دبيسا مني، وأريده منكما. فسار الأحمديلي ~~إلى العراق، إلى دبيس، ليكف شره عن البلاد، ويحضره إلى السلطان، فلما سمع ~~دبيس الخبر أرسل إلى الخليفة يستعطفه، ويقول: إن رضيت عني فأنا أرد أضعاف ~~ما أخذت، وأكون العبد المملوك، فتردد الرسل ودبيس يجمع الأموال، والرجال، ~~فاجتمع معه عشرة آلاف فارس، وكان قد وصل في ثلاثمائة فارس، ووصل الأحمديلي ~~بغداد في شوال، وسار في أثر دبيس. ثم إن ms3862 السلطان سار إلى العراق، فلما سمع ~~دبيس بذلك أرسل إليه هدايا جليلة المقدار، وبذل ثلاثمائة حصان منعلة ~~بالذهب، ومائتي ألف دينار، ليرضى عنه السلطان والخليفة، فلم يجبه إلى ذلك، ~~ووصل السلطان إلى بغداد في ذي القعدة، فلقيه الوزير الزينبي وأرباب ~~المناصب، فلما تيقن دبيس وصوله رحل إلى البرية، وقصد البصرة وأخذ منها ~~أموالا كثيرة، وما للخليفة والسلطان هناك من الدخل، فسير السلطان إثره عشرة ~~آلاف فارس، ففارق البصرة ودخل البرية. ### || AUT ذكر قتل الإسماعيلية بدمشق # قد ذكرنا فيما تقدم قتل إبراهيم الأسداباذي ببغداد، وهرب ابن أخته بهرام ~~إلى الشام، وملكه قلعة بانياس، ومسيره إليها، ولما فارق دمشق أقام له بها ~~خليفة يدعو الناس إلى مذهبه، فكثروا وانتشروا، وملك هو عدة حصون من الجبال ~~منها القدموس وغيره، وكان بوادي التيم، من أعمال بعلبك، وأصحاب مذاهب ~~مختلفة من النصيرية، والدرزية، والمجوس، وغيرهم، وأميرهم اسمه الضحاك، فسار ~~إليهم بهرام سنة اثنتين وعشرين وحصرهم وقاتلهم، فخرج إليه الضحاك في ألف ~~رجل، وكبس عسكر بهرام فوضع السيف فيهم، وقتل منهم مقتلة كثيرة، وقتل بهرام، ~~وانهزم من سلم، وعادوا إلى بانياس على أقبح صورة. وكان بهرام قد استخلف في ~~بانياس رجلا من أعيان أصحابه اسمه إسماعيل، فقام مقامه، وجمع شمل من عاد ~~إليه منهم، وبث دعاته في البلاد، وعاضده المزدقاني أيضا، وقوى نفسه على ما ~~عنده من الامتعاض بهذه الحادثة، والهم بسببها. PageV04P0484 # ثم إن المزدقاني أقام بدمشق عوض بهرام إنسانا اسمه أبو الوفاء، فقوي أمره ~~وعلا شأنه وكثر أتباعه، وقام بدمشق، فصار المستولي على من بها من المسلمين، ~~وحكمه أكثر من حكم صاحبها تاج الملوك. ثم إن المزدقاني راسل الفرنج ليسلم ~~إليهم مدينة دمشق، ويسلموا إليه مدينة صور، واستقر الأمر بينهم على ذلك، ~~وتقرر بينهم الميعاد يوم جمعة ذكروه، وقرر المزدقاني مع الإسماعيلية أن ~~يحتاطوا ذلك اليوم بأبواب الجامع فلا يمكنوا أحدا من الخروج منه ليجيء ~~الفرنج ويملكوا البلاد. فبلغ الخبر تاج الملوك، صاحب دمشق، فاستدعى ~~المزدقاني إليه، فحضر، وخلا معه، فقتله تاج الملوك، وعلق رأسه ms3863 على باب ~~القلعة، ونادى في البلد بقتل الباطنية، فقتل منهم ستة آلاف نفس، وكان ذلك ~~منتصف رمضان من السنة، وكفى الله المسلمين شرهم، ورد على الكافرين كيدهم. ~~ولما تمت هذه الحادثة بدمشق على الإسماعيلية خاف إسماعيل والي بانياس أن ~~يثور به وبمن معه الناس فيهلكوا، فراسل الفرنج، وبذل لهم تسليم بانياس ~~إليهم، والانتقال إلى بلادهم، فأجابوه، فسلم القلعة إليهم، وانتقل هو ومن ~~معه من أصحابه إلى بلادهم، ولقوا شدة وذلة وهوانا، وتوفي إسماعيل أوائل سنة ~~أربع وعشرين، وكفى الله المؤمنين شرهم. ### || AUT ذكر حصر الفرنج دمشق وانهزامهم # لما بلغ الفرنج قتل المزدقاني والإسماعيلية بدمشق عظم عليهم ذلك، ~~وتأسفوا على دمشق حيث لم يتم لهم ملكها، وعمتهم المصيبة، فاجتمعوا كلهم: ~~صاحب القدس، وصاحب أنطاكية، وصاحب طرابلس، وغيرهم من الفرنج وقمامصتهم، ومن ~~وصل إليهم في البحر للتجارة والزيارة، فاجتمعوا في خلق عظيم نحو ألفي فارس، ~~وأما الراجل فلا يحصى، وساروا إلى دمشق ليحصروها. ولما سمع تاج الملوك بذلك ~~جمع العرب والتركمان، فاجتمع معهم ثمانية آلاف فارس، ووصل الفرنج في ذي ~~الحجة، فنازلوا البلد، وأرسلوا إلى أعمال دمشق لجمع الميرة والإغارة على ~~البلاد، فلما سمع تاج الملوك أن جمعا كثيرا قد ساروا إلى حوران لنهبه، ~~وإحضاره الميرة، سير أميرا من أمرائه، يعرف بشمس الخواص، في جمع من ~~المسلمين إليهم، وكان خروجهم في ليلة شاتية، كثيرة المطر، ولقوا الفرنج من ~~الغد، فواقعوهم، واقتتلوا، وصبر بعضهم لبعض، فظفر بهم المسلمون وقتلوهم، ~~فلم يفلت منهم غير مقدمهم ومعه أربعون رجلا، وأخذوا ما معهم، وهي عشرة آلاف ~~دابة موقرة، وثلاثمائة أسير، وعادوا إلى دمشق لم يمسسهم قرح. فلما علم من ~~عليها من الفرنج ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب، فرحلوا عنها شبه ~~المنهزمين، وأحرقوا ما تعذر عليهم حمله من سلاح وميرة وغير ذلك، وتبعهم ~~المسلمون، والمطر شديد، والبرد عظيم، يقتلون كل من تخلف منهم، فكثر القتلى ~~منهم، وكان نزولهم ورحيلهم في ذي الحجة من هذه السنة. ### || AUT ذكر ملك عماد الدين زنكي مدينة حماة # في هذه السنة ms3864 ملك عماد الدين زنكي بن آقسنقر، صاحب الموصل، مدينة حماة. ~~وسبب ذلك: أنه عبر الفرات إلى الشام، وأظهر أنه يريد جهاد الفرنج، وأرسل ~~إلى تاج الملوك بوري بن طغتكين، صاحب دمشق، يستنجده، ويطلب منه المعونة على ~~جهادهم، فأجاب إلى المراد، وأرسل من أخذ له العهود والمواثيق، فلما وصلت ~~التوثقة جرد عسكرا من دمشق مع جماعة من الأمراء، وأرسل إلى ابنه سونج، وهو ~~بمدينة حماة، يأمره بالنزول إلى العسكر، والمسير معهم إلى زنكي، ففعل ذلك، ~~فساروا جميعهم، فوصلوا إليه، فأكرمهم، وأحسن لقاءهم، وتركهم أياما. ثم إنه ~~غدر بهم، فقبض على سونج ولد تاج الملوك، وعلى جماعة الأمراء المقدمين، ونهب ~~خيامهم وما فيها من الكراع، واعتقلهم بحلب، وهرب من سواهم، وسار من يومه ~~إلى حماة، فوصل إليها وهي خالية من الجند الحماة الذابين، فملكها واستولى ~~عليها، ورحل عنها إلى حمص، وكان صاحبها قرجان بن قراجة معه في عسكره، وهو ~~الذي أشار عليه بالغدر بولد تاج الملوك، فقبض عليه، ونزل على حمص وحصرها، ~~وطلب من قرجان صاحبها أن يأمر نوابه وولده الذين فيها بتسليمها، فأرسل ~~إليهم بالتسليم، فلم يقبلوا منه، ولا التفتوا إلى قوله، فأقام عليها محاصرا ~~لها، ومقاتلا لمن فيها مدة طويلة، فلم يقدر على ملكها، فرحل عنها عائدا إلى ~~الموصل، واستصحب معه سونج بن تاج الملوك ومن معه من الأمراء الدمشقيين. ~~PageV04P0485 # وترددت الرسل في إطلاقهم بينه وبين تاج الملوك، واستقر الأمر على خمسين ~~ألف دينار، فأجاب تاج الملوك إلى ذلك، ولم ينتظم بينهم أمر. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ملك بيمند، صاحب أنطاكية، حصن القدموس من المسلمين. وفي ~~هذه السنة أيضا وثب الإسماعيلية على عبد اللطيف بن الخجندي، رئيس الشافعية ~~بأصبهان، فقتلوه، وكان ذا رئاسة عظيمة وتحكم كثير. وفي هذه السنة توفي ~~الإمام أبو الفتح أسعد بن أبي نصر الميهني، الفقيه الشافعي، مدرس النظامية ~~ببغداد، وله طريقة مشهورة في الخلاف، وتفقه على أبي المظفر السمعاني، وكان ~~له قبول عظيم عند الخليفة، والسلطان، وسائر الناس. وفيها توفي حمزة بن هبة ms3865 ~~الله بن محمد بن الحسن الشريف العلوي، الحسني، النيسابوري، سمع الحديث ~~الكثير، ورواه، ومولده سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وجمع مع شرف النسب شرف ~~النفس والتقوى، وكان زيدي المذهب. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وعشرين وخمسمائة # ### || AUT ذكر ملك السلطان سنجر مدينة سمرقند # ### || AUT من محمد خان وملك محمود بن محمد خان المذكور # في هذه السنة، في ربيع الأول، ملك السلطان سنجر مدينة سمرقند. وسبب ذلك: ~~أنه كان قد رتب فيها، لما ملكها أولا، أرسلان خان محمد بن سليمان بن ~~بغراجان داود، فأصابه فالج، فاستناب ابنا له يعرف بنصرخان، وكان شهما، ~~شجاعا، وكان بسمرقند إنسان علوي، فقيه، مدرس، إليه الحل والعقد، والحكم في ~~البلد، فاتفق هو ورئيس البلد على قتل نصر خان، فقتلاه ليلا، وكان أبوه محمد ~~خان غائبا، فعظم عليه واشتد، وكان له ابن آخر غائب في بلاد تركستان. فأرسل ~~إليه واستدعاه، فلما قارب سمرقند خرج العلوي ورئيس البلد إلى استقباله، ~~فقتل العلوي في الحال، وقبض على الرئيس. وكان والده أرسلان خان قد أرسل إلى ~~السلطان سنجر رسولا يستدعيه، ظنا منه أن ابنه لا يتم أمره مع العلوي ~~والرئيس، فتجهز سنجر وسار يريد سمرقند، فلما ظفر ابن أرسلان خان بهما ندم ~~على استدعاء السلطان سنجر، فأرسل إليه يعرفه أنه قد ظفر بالعلوي والرئيس، ~~وأنه وابنه على الطاعة، ويسأله العود إلى خراسان، فغضب سنجر من ذلك، وأقام ~~أياما، فبينما هو في الصيد إذ رأى اثني عشر رجلا في السلاح التام، فقبض ~~عليهم وعاقبهم، فأقروا أن محمد خان أرسلهم ليقتلوه، فقتلهم، ثم سار إلى ~~سمرقند فملكها عنوة، ونهب بعضها، ومنع من الباقي، وتحصن منه محمد خان ببعض ~~تلك الحصون، فاستنزله السلطان سنجر بأمان، بعد مدة، فلما نزل إليه أكرمه ~~وأرسله إلى ابنته زوجة السلطان سنجر، فبقي عندها إلى أن توفي. وأقام سنجر ~~بسمرقند مدة حتى أخذ المال والسلاح والخزائن، وسلم البلد إلى الأمير حسن ~~تكين، وعاد إلى خراسان، فلم يلبث حسن تكين أن مات، فملك سنجر بعده عليها ~~محمود بن محمد خان ms3866 بن سليمان بن داود، المقدم ذكره، وقيل إن السبب غير ما ~~ذكرناه، وسيرد ذكره سنة ست وثلاثين للحاجة إلى ذكره هناك. ### || AUT ذكر فتح عماد الدين حصن الأثارب # ### || AUT وهزيمة الفرنج # لما فرغ عماد الدين زنكي من أمر البلاد الشامية، حلب وأعمالها، وما ~~ملكه، وقرر قواعده، عاد إلى الموصل، وديار الجزيرة، ليستريح عسكره، ثم ~~أمرهم بالتجهز للغزاة، فتجهزوا وأعدوا واستعدوا، وعاد إلى الشام، وقصد حلب، ~~فقوي عزمه على قصد حصن الأثارب، ومحاصرته، لشدة ضرره على المسلمين. وهذا ~~الحصن بينه وبين حلب نحو ثلاثة فراسخ، بينها وبين أنطاكية، وكان من به من ~~الفرنج يقاسمون حلب على جميع أعمالها الغربية، حتى على رحى لأهل حلب بظاهر ~~باب الجنان، بينها وبين البلد عرض الطريق، وكان أهل البلد معهم في ضر شديد، ~~وضيق، كل يوم قد أغاروا عليهم، ونهبوا أموالهم. فلما رأى الشهيد هذه الحال ~~صمم العزم على حصر هذا الحصن، فسار إليه ونازله. فلما علم الفرنج بذلك ~~جمعوا فارسهم وراجلهم، وعلموا أن هذه وقعة لها ما بعدها، فحشدوا وجمعوا، ~~ولم يتركوا من طاقتهم شيئا إلا استنفدوه، فلما فرغوا من أمرهم ساروا نحوه، ~~فاستشار أصحابه فيما يفعل، وكل أشار بالعود عن الحصن، فإن لقاء الفرنج في ~~بلادهم خطر لا يدرى على أي شيء تكون العاقبة. فقال لهم: إن الفرنج متى ~~رأونا قد عدنا من أيديهم طمعوا وساروا في أثرنا، وخربوا بلادنا، ولا بد من ~~لقائهم على كل حال. PageV04P0486 # ثم ترك الحصن وتقدم إليهم، فالتقوا، واصطفوا للقتال، وصبر كل فريق لخصمه، ~~واشتد الأمر بينهم، ثم إن الله تعالى أنزل نصره على المسلمين، فظفروا، ~~وانهزم الفرنج أقبح هزيمة، ووقع كثير من فرسانهم في الأسر، وقتل منهم خلق ~~كثير، وتقدم عماد الدين إلى عسكره بالإنجاز، وقال: هذا أول مصاف عملناه ~~معهم، فلنذقهم من بأسنا ما يبقى رعبه في قلوبهم، ففعلوا ما أمرهم، ولقد ~~اجتزت بتلك الأرض سنة أربع وثمانين وخمسمائة ليلا، فقيل لي: إن كثيرا من ~~العظام باق إلى ذلك الوقت. فلما فرغ المسلمون من ظفرهم عادوا ms3867 إلى الحصن ~~فتسلموه عنوة، وقتلوا وأسروا كل من فيه، وأخربه عماد الدين، وجعله دكا، ~~وبقي إلى الآن خرابا، ثم سار منه إلى قلعة حارم، وهي بالقرب من أنطاكية، ~~فحصرها، وهي أيضا للفرنج، فبذل له أهلها نصف دخل بلد حارم، وهادنوه، ~~فأجابهم إلى ذلك، وعاد عنهم وقد استدار المسلمون بتلك الأعمال، وضعفت قوى ~~الكافرين، وعلموا أن البلاد قد جاءها ما لم يكن لهم في حساب، وصار قصاراهم ~~حفظ ما بأيديهم بعد أن كانوا قد طمعوا في ملك الجميع. ### || AUT ذكر ملك عماد الدين مدينة سرجي # لما فرغ من أمر الأثارب وتلك النواحي، عاد إلى ديار الجزيرة، وكان قد ~~بلغه عن حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي، صاحب ماردين، وابن عمه ركن الدولة ~~داود بن سقمان، صاحب حصن كيفا، قوارص، فعاد إليهم، وحصر مدينة سرجي، وهي ~~بين ماردين ونصيبين، فاجتمع حسام الدين، وركن الدولة، وصاحب آمد، وغيرهم، ~~وجمعوا خلقا كثيرا من التركمان بلغت عدتهم عشرين ألفا، وساروا إليه، ~~فتصافوا بتلك النواحي، فهزمهم عماد الدين وملك سرجي. فحكى لي ولدي وقال: ~~لما انهزم ركن الدولة داود قصد بلد جزيرة ابن عمر ونهبه، فبلغ الخبر إلى ~~عماد الدين، فسار نحو الجزيرة، وأراد دخول بلد داود، ثم عاد عنه لضيق ~~مسالكه، وخشونة الجبال التي في الطريق، وسار إلى دارا فملكها، وهي من ~~القلاع في تلك الأعمال. ### || AUT ذكر وفاة الآمر وخلافة الحافظ العلوي # في هذه السنة، ثاني ذي القعدة، قتل الآمر بأحكام الله أبو علي بن ~~المستعلي العلوي، صاحب مصر، خرج إلى متنزه له، فلما عاد وثب عليه الباطنية ~~فقتلوه، لأنه كان سيء السيرة في رعيته، وكانت ولايته تسعا وعشرين سنة وخمسة ~~أشهر، وعمره أربعا وثلاثين سنة، وهو العاشر من ولد المهدي عبيد الله الذي ~~ظهر بسجلماسة وبنى المهدية بإفريقية، وهو أيضا العاشر من الخلفاء العلويين ~~من أولاد المهدي أيضا. ولما قتل لم يكن له ولده بعده، فولي بعده ابن عمه ~~الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم بن المستنصر بالله، ولم يبايع ~~بالخلافة، وإنما بويع ms3868 له لينظر في الأمر نيابة، حتى يكشف عن حمل إن كان ~~للآمر فتكون الخلافة فيه، ويكون هو نائبا عنه. ومولد الحافظ بعسقلان، لأن ~~أباه خرج من مصر إليها في الشدة، فأقام بها، فولد ابنه عبد المجيد هناك، ~~ولما ولي استوزر أبا علي أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي، واستبد بالأمر، ~~وتغلب على الحافظ، وحجر عليه، وأودعه في خزانة، ولا يدخل إليه إلا من يريده ~~أبو علي، وبقي الحافظ له اسم لا معنى تحته، ونقل أبو علي كل ما في القصر ~~إلى داره من الأموال وغيرها، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن قتل أبو علي سنة ست ~~وعشرين فاستقامت أمور الحافظ، وحكم في دولته، وتمكن من ولايته وبلاده. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفيت الخاتون ابنة السلطان سنجر، وهي زوجة السلطان محمود. ~~وفيها قتل بيمند الفرنجي صاحب أنطاكية. وفيها توفي نصير الدين محمود بن ~~مؤيد الملك بن نظام الملك، في شعبان، ببغداد، ووقع الحريق في داره بعد ~~وفاته، وفي حظائر الحطب، والسوق التتشي، فذهب من الناس أموال كثيرة. وفيها ~~وزر الرئيس أبو الذواد المفرج بن الحسن بن الصوفي لصاحب دمشق تاج الملوك. ~~وفيها كان الرصد بالدار السلطانية، شرقي بغداد، تولاه البديع الاصطرلابي، ~~ولم يتم. وفيها ظهر ببغداد عقارب طيارة ذوات شوكتين، فنال الناس منها خوف ~~شديد، وأذى عظيم. PageV04P0487 # وفيها، في ذي الحجة، خرج الملك مسعود بن محمد من خراسان، وكان عند عمه ~~السلطان سنجر، ووصل إلى ساوة، ووقع الإرجاف أن عزمه على مخالفة أخيه ~~السلطان محمود قوي، وأن عمه سنجر أمره بذلك، فاستشعر السلطان محمود، وسار ~~عن بغداد إلى همذان، فلما وصل إلى كرمانشاهان وصل إليه أخوه الملك مسعود ~~وخدمه، ولم يظهر للإرجاف أثر، فأقطعه السلطان مدينة كنجة وأعمالها وسيره ~~إليها. وفيها كانت زلزلة عظيمة، في ربيع الأول، بالعراق، وبلد الجبل، ~~والموصل، والجزيرة، فخربت كثيرا. وفيها ملك السلطان محمود قلعة ألموت. ~~وفيها توفي إبراهيم بن عثمان بن محمد أبو إسحاق الغزي من أهل غزة، مدينة ~~بفلسطين من الشام، ومولده ms3869 سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وهو من الشعراء ~~المجيدين، فمن قوله من قصيدة يصف فيها الأتراك: في فتية من جيوش الترك ما ~~تركت ... للرعد كراتهم صوتا ولا صيتا قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة ... ~~حسنا، وإن قوتلوا كانوا عفاريتا وله في الزهد: إنما هذه الحياة متاع، ... ~~والسفيه الغوي من يصطفيها ما مضى فات والمؤمل غيب ... ولك الساعة التي أنت ~~فيها وفيها توفي الحسين بن محمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن محمد الدباس ابو ~~عبد الله النحوي، الشاعر، المعروف بالبارع، أخو أبي الكرم بن فاخر النحوي ~~لأمه، ولد سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، وله شعر مليح، فمنه قوله: ردي علي ~~الكرى ثم اهجري سكني ... فقد قنعت بطيف منك في الوسن لا تحسبي النوم قد ~~أوشحت أطلبه، ... إلا رجاء خيال منك يؤنسني تركتني والهوى فردا أغالبه، ... ~~ونام ليلك عن هم يؤرقني وهي طويلة. وفيها توفي هبة الله بن القاسم بن محمد ~~بن عطا بن محمد أبو سعد المهرواني، النيسابوري، ومولده سنة إحدى وثلاثين ~~وأربعمائة، وكان محدثا، حافظا، صالحا. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وعشرين وخمسمائة # ### || AUT ذكر أسر دبيس بن صدقة # ### || AUT وتسليمه إلى عماد الدين زنكي # في هذه السنة، في شعبان، أسر تاج الملوك بوري بن طغتكين، صاحب دمشق، ~~الأمير دبيس بن صدقة، صاحب الحلة، وسلمه إلى أتابك الشهيد زنكي بن آقسنقر. ~~وسبب ذلك: أنه لما فارق البصرة، على ما ذكرناه، جاءه قاصد من الشام، من ~~صرخد، يستدعيه إليها، لأن صاحبها كان خصيا، فتوفي هذه السنة، وخلف جارية ~~سرية له، فاستولت على القلعة وما فيها، وعلمت أنها لا يتم لها ذلك إلا بأن ~~تتصل برجل له قوة ونجدة، فوصف لها دبيس بن صدقة وكثرة عشيرته، وذكر لها ~~حاله، وما هو عليه بالعراق، فأرسلت تدعوه إلى صرخد لتتزوج به، وتسلم القلعة ~~وما فيها من مال وغيره إليه. فأخذ الأدلاء معه، وسار من أرض العراق إلى ~~الشام، فضل به الأدلاء بنواحي دمشق، فنزل بناس من كلب كانوا شرقي الغوطة، ~~فأخذوه وحملوه إلى تاج الملوك، صاحب ms3870 دمشق، فحبسه عنده. وسمع أتابك عماد ~~الدين زنكي الخبر، وكان دبيس يقع فيه وينال منه، فأرسل إلى تاج الملوك يطلب ~~منه دبيسا ليسلمه إليه، ويطلق ولده، ومن معه من الأمراء المأسورين، وإن ~~امتنع من تسليمه سار إلى دمشق وحصرها وخربها ونهب بلدها، فأجاب تاج الملوك ~~إلى ذلك، وأرسل أتابك سونج بن تاج الملوك، والأمراء الذين معه، وأرسل تاج ~~الملوك دبيسا، فأيقن دبيس بالهلاك، ففعل زنكي معه خلاف ما ظن، وأحسن إليه، ~~وحمل له الأقوات، والسلاح والدواب وسائر أمتعة الخزائن، وقدمه حتى على ~~نفسه، وفعل معه ما يفعل أكابر الملوك. ولما سمع المسترشد بالله بقبضه بدمشق ~~أرسل سديد الدولة بن الأنباري، وأبا بكر بن بشر الجزري، من جزيرة ابن عمر، ~~إلى تاج الملوك يطلب منه أن يسلم دبيسا إليه، لما كان متحققا به من عداوة ~~الخليفة، فسمع سديد الدولة ابن الأنباري بتسليمه إلى عماد الدين، وهو في ~~الطريق، فسار إلى دمشق ولم يرجع، وذم أتابك زنكي بدمشق، واستخف به، وبلغ ~~الخبر عماد الدين، فأرسل إلى طريقه من يأخذه إذا عاد، فلما رجع من دمشق ~~قبضوا عليه، وعلى ابن بشر، وحملوهما إليه، فأما ابن بشر فأهانه وجرى في حقه ~~مكروه، وأما ابن الأنباري فسجنه. ثم إن المسترشد بالله شفع فيه فأطلق، ولم ~~يزل دبيس مع زنكي حتى انحدر معه إلى العراق، على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى. PageV04P0488 ### || AUT ذكر وفاة السلطان محمود # ### || AUT وملك ابنه داود # في هذه السنة، في شوال، توفي السلطان محمود ابن السلطان محمد بهمذان، ~~وكان قبل مرضه قد خاف وزيره أبو القاسم الأنساباذي من جماعة من الأمراء ~~وأعيان الدولة، منهم: عزيز الدين أبو نصر أحمد بن حامد المستوفي، والأمير ~~أنوشتكين المعروف بشيركير، وولده عمر، وهو أمير حاجب السلطان، وغيرهم، فأما ~~عزيز الدين فأرسله مقبوضا عليه إلى مجاهد الدين بهروز بتكريت، ثم قتل بها، ~~وأما شيركير وولده فقتلا في جمادى الآخرة. ثم إن السلطان مرض وتوفي في ~~شوال، وأقعد ولده الملك داود في السلطنة باتفاق من الوزير أبي ms3871 القاسم ~~وأتابكه آقسنقر الأحمديلي، وخطب له في جميع بلاد الجبل وأذربيجان، ووقعت ~~الفتنة بهمذان وسائر بلاد الجبل، ثم سكنت، فلما اطمأن الناس وسكنوا سار ~~الوزير بأمواله إلى الري، فأمن فيها حيث هي للسلطان سنجر. وكان عمر السلطان ~~محمود لما توفي نحو سبع وعشرين سنة، وكانت ولايته للسلطنة اثنتي عشرة سنة ~~وتسعة أشهر وعشرين يوما، وكان حليما، كريما، عاقلا، يسمع ما يكره ولا يعاقب ~~عليه، مع القدرة، قليل الطمع في أموال الرعايا، عفيفا عنها، كافا لأصحابه ~~عن التطرق إلى شيء منها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ثار الباطنية بتاج الملوك بوري بن طغتكين، صاحب دمشق، ~~فجرحوه جرحين، فبرأ أحدهما، وتنسر الآخر، وبقي فيه ألمه، إلا أنه يجلس ~~للناس، ويركب معهم على ضعف فيه. وفيها توفي الأمير أبو الحسن بن المستظهر ~~بالله أخو المسترشد بالله في رجب. وفيها، في شوال، توفي الحسن بن سليمان بن ~~عبد الله أبو علي الفقيه الشافعي الواعظ، مدرس النظامية ببغداد، وأصله من ~~الزوزان. والخطيب أبو نصر أحمد بن عبد القاهر المعروف بابن الطوسي، خطيب ~~الموصل، توفي في ربيع الأول. وحماد بن مسلم الدباس الرحبي الزاهد المشهور، ~~صاحب الكرامات، وسمع الحديث، وله أصحاب وتلامذة كثيرون ساروا، ورأيت الشيخ ~~أبا الفرج بن الجوزي قد ذمه وثلبه، ولهذا الشيخ أسوة بغيره من الصالحين، ~~فإن ابن الجوزي قد صنف كتابا سماه تلبيس إبليس لم يبق فيه على أحد من سادة ~~المسلمين وصالحيهم. وهبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني ~~الكاتب، ومولده سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، سمع أبا علي بن المهذب، وأبا ~~طالب بن غيلان وغيرهما، وهو راوي مسند أحمد بن حنبل والغيلانيات وغيرهما. ~~ومحمد بن الحسن بن علي بن الحسن أبو غالب الماوردي، ولد سنة خمسين ~~وأربعمائة بالبصرة، وسمع الحديث الكثير، وروى سنن أبي داود السجستاني، وكان صالحا. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وعشرين وخمسمائة # ### || AUT ذكر قتل أبي علي وزير الحافظ # ### || AUT ووزارة يانس وموته # في هذه السنة، في المحرم، قتل الأفضل أبو علي بن ms3872 الأفضل بن بدر الجمالي ~~وزير الحافظ لدين الله العلوي، صاحب مصر. وسبب قتله: أنه كان قد حجر على ~~الحافظ، ومنعه أن يحكم في شيء من الأمور، قليل أو جليل، وأخذ ما في قصر ~~الخلافة إلى داره، وأسقط من الدعاء ذكر إسماعيل الذي هو جدهم، وإليه تنسب ~~الإسماعيلية، وهو ابن جعفر بن محمد الصادق، وأسقط من الأذان حي على خير ~~العمل، ولم يخطب للحافظ، وأمر الخطباء أن يخطبوا له بألقاب كتبها لهم، وهي: ~~السيد الأفضل الأجل، سيد مماليك أرباب الدول، والمحامي عن حوزة الدين، ~~وناشر جناح العدل على المسلمين الأقربين والأبعدين، ناصر إمام الحق في ~~حالتي غيبته وحضوره، والقائم بنصرته بماضي سيفه وصائب رأيه وتدبيره، أمين ~~الله على عباده، وهادي القضاة إلى اتباع شرع الحق واعتماده، ومرشد دعاة ~~المؤمنين بواضح بيانه وإرشاده، مولى النعم، ورافع الجور عن الأمم، ومالك ~~فضيلتي السيف والقلم، أبو علي أحمد بن السيد الأجل الأفضل، شاهنشاه أمير ~~الجيوش. وكان إمامي المذهب، يكثر ذم الآمر، والتناقص به، فنفرت منه شيعة ~~العلويين ومماليكهم، وكرهوه، وعزموا على قتله، فخرج في العشرين من المحرم ~~من هذه السنة إلى الميدان يلعب بالكرة مع أصحابه، فكمن له جماعة منهم مملوك ~~فرنجي كان للحافظ، فخرجوا عليه، فحمل الفرنجي عليه، فطعنه فقتله، وحزوا ~~رأسه، وخرج الحافظ من الخزانة التي كان فيها، ونهب الناس دار أبي علي، وأخذ ~~منها ما لا يحصى، وركب الناس والحافظ إلى داره، فأخذ ما بقي فيها وحمله إلى ~~القصر. PageV04P0489 # وبويع يومئذ الحافظ بالخلافة، وكان قد بويع له بولاية العهد، وأن يكون ~~كافلا لحمل إن كان للآمر، فلما بويع بالخلافة استوزر أبا الفتح يانس ~~الحافظي في ذلك اليوم بعينه، ولقب أمير الجيوش، وكان عظيم الهيبة، بعيد ~~الغور، كثير الشر، فخافه الحافظ على نفسه، وتخيل منه أنس، فاحتاط، ولم يأكل ~~عنده شيئا، ولا شرب، فاحتال عليه الحافظ بأن وضع له فراشه في بيت الطهارة ~~ماء مسموما، فاغتسل به، فوقع الدود في سفله، وقيل له: متى قمت من مكانك ~~هلكت، فكان يعالج بأن يجعل ms3873 اللحم الطري في المحل، فيعلق به الدود فيخرج ~~ويجعل عوضه، فقارب الشفاء، فقيل للحافظ: إنه قد صلح، وإن تحرك هلك، فركب ~~إليه الحافظ كأنه يعوده، فقام له ومشى إلى بين يديه، وقعد الحافظ عنده، ثم ~~خرج من عنده، فتوفي من ليلته، وكان موته في السادس والعشرين من ذي الحجة من ~~هذه السنة. ولما مات يانس استوزر الحافظ ابنه حسنا، وخطبه له بولاية العهد، ~~وسيرد ذكر قتله سنة تسع وعشرين. وإنما ذكرت ألقاب أبي علي تعجبا منها، ومن ~~حماقة ذلك الرجل، فإن وزير صاحب مصر وحدها إذا كان هكذا فينبغي أن يكون ~~وزير السلاطين السلجوقية كنظام الملك وغيره يدعون الربوبية، على أن تربة ~~مصر هكذا تولد، ألا ترى إلى فرعون يقول: " أنا ربكم الأعلى " ، وإلى أشياء ~~أخر لا نطيل ذكرها. ### || AUT ذكر حال السلطان مسعود والملكين سلجوقشاه وداود واستقرار السلطنة بالعراق # لمسعود لما توفي السلطان محمود ابن السلطان محمد، وخطب، ببلاد الجبل ~~وأذربيجان، لولده الملك داود، على ما ذكرناه، سار الملك داود من همذان في ~~ذي القعدة من سنة خمس وعشرين إلى زنجان، فأتاه الخبر أن عمه السلطان مسعودا ~~قد سار من جرجان ووصل إلى تبريز واستولى عليها، فسار الملك داود إليه وحصره ~~بها، وجرى بينهما قتال، إلى سلخ المحرم سنة ست وعشرين ثم اصطلحا. وتأخر ~~الملك داود مرحلة، وخرج السلطان مسعود من تبريز، واجتمع عليه العساكر، وسار ~~إلى همذان، وأرسل يطلب الخطبة ببغداد، وكانت رسل الملك داود قد تقدمت في ~~طلب الخطبة، فأجاب المسترشد بالله أن الحكم في الخطبة إلى السلطان سنجر من ~~أراد خطب له، وأرسل إلى السلطان سنجر أن لا يأذن لأحد في الخطبة، فإن ~~الخطبة ينبغي أن تكون له وحده، فوقع ذلك منه موقعا حسنا. ثم إن السلطان ~~مسعودا كاتب عماد الدين زنكي، صاحب الموصل وغيرها، يستنجده، ويطلب مساعدته، ~~فوعده النصر، فقويت بذلك نفس مسعود على طلب السلطنة. ثم إن الملك سلجوقشاه ~~ابن السلطان محمد سار أتابكه قراجة الساقي، صابح فارس وخوزستان، في عسكر ~~كثير إلى بغداد، ms3874 فوصل إليها قبل وصول السلطان مسعود، ونزل في دار السلطان، ~~وأكرمه الخليفة، واستحلفه لنفسه. ثم وصل رسول السلطان مسعود يطلب الخطبة، ~~ويتهدد إن منعها، فلم يجب إلى ما طلبه، فسار حتى نزل عباسية الخالص، وبرز ~~عسكر الخليفة وعسكر سلجوقشاه وقراجة الساقي نحو مسعود إلى أن يفرغ من حرب ~~أتابك عماد الدين زنكي، وسار يوما وليلة إلى المعشوق، وواقع عماد الدين ~~زنكي فهزمه، وأسر كثيرا من أصحابه، وسار زنكي منهزما إلى تكريت، فعبر فيها ~~دجلة، وكان الدزدار بها حينئذ نجم الدين أيوب، فأقام له المعابر، فلما عبر ~~أمن الطلب، وسار إلى بلاده لإصلاح حاله وحال رجاله، وهذا الفعل من نجم ~~الدين أيوب كان سببا لاتصاله به والمصير في جملته، حتى آل بهم الأمر إلى ~~ملك مصر والشام وغيرهما على ما نذكره. وأما السلطان مسعود فإنه سار من ~~العباسية إلى الملكية، ووقعت الطلائع بعضها على بعض، ثم لم تزل المناوشة ~~تجري بينه وبين أخيه سلجوقشاه يومين. وأرسل سلجوقشاه إلى قراجة يستحثه على ~~المبادرة، فعاد سريعا وعبر دجلة إلى الجانب الشرقي، فلما علم السلطان مسعود ~~بانهزام عماد الدين زنكي رجع إلى ورائه، وأرسل إلى الخليفة يعرفه وصول ~~السلطان سنجر إلى الري، وأنه عازم على قصد الخليفة وغيره، وإن رأيتم أن ~~نتفق على قتاله ودفعه عن العراق، ويكون العراق لوكيل الخليفة، فأنا موافق ~~على ذلك. فأعاد الخليفة الجواب يستوقفه. PageV04P0490 # وترددت الرسل في الصلح، فاصطلحوا على أن يكون العراق لوكيل الخليفة، ~~وتكون السلطنة لمسعود، ويكون سلجوقشاه ولي عهده، وتحالفوا على ذلك، وعاد ~~السلطان مسعود إلى بغداد، فنزل بدار السلطان، ونزل سلجوقشاه في دار ~~الشحنكية، وكان اجتماعهم في جمادى الأولى. ### || AUT ذكر الحرب بين السلطان مسعود وعمه السلطان سنجر # لما توفي السلطان محمود سار السلطان سنجر إلى بلاد الجبال، ومعه الملك ~~طغرل ابن السلطان محمد، وكان عنده قد لازمه، فوصل إلى الري، ثم سار منها ~~إلى همذان، فوصل الخبر إلى الخليفة المسترشد بالله والسلطان مسعود بوصوله ~~إلى همذان، فاستقرت القاعدة بينهما على قتاله، وأن يكون الخليفة ms3875 معهم، ~~وتجهز الخليفة، فتقدم قراجة الساقي، والسلطان مسعود، وسلجوقشاه نحو السلطان ~~سنجر، وتأخر المسترشد بالله عن المسير معهم، فأرسل إلى قراجة، وألزمه، ~~وقال: إن الذي تخاف من سنجر آجلا أنا أفعله عاجلا. فبرز حينئذ وسار على ~~تريث، وتوقف إلى أن بلغ إلى خانقين وأقام بها. وقطعت خطبة سنجر من العراق ~~جميعه، ووصلت الأخبار بوصول عماد الدين زنكي ودبيس بن صدقة إلى قريب بغداد، ~~فأما دبيس فإنه ذكر أن السلطان سنجر أقطعه الحلة، وأرسل إلى المسترشد بالله ~~يضرع ويسأل الرضا عنه، فامتنع من إجابته إلى ذلك. وأما عماد الدين زنكي ~~فإنه ذكر أن السلطان سنجر قد أعطاه شحنكية بغداد، فعاد المسترشد بالله إلى ~~بغداد، وأمر أهلها بالاستعداد للمدافعة عنها، وجند أجنادا جعلهم معهم. ثم ~~إن السلطان مسعودا وصل إلى دادمرج، فلقيهم طلائع السلطان سنجر في خلق كثير، ~~فتأخر السلطان مسعود إلى كرمانشاهان، ونزل السلطان سنجر في أسداباذ في مائة ~~ألف فارس، فسار مسعود وأخوه سلجوقشاه إلى جبلين يقال لهما: كاو، وماهي، ~~فنزلا بينهما، ونزل السلطان سنجر وكنكور، فلما سمع بانحرافهم أسرع في ~~طلبهم، فرجعوا إلى ورائهم مسيرة أربعة أيام في يوم وليلة، فالتقى العسكران ~~بعولان، عند الدينور، وكان مسعود يدافع الحرب انتظارا لقدوم المسترشد، فلما ~~نازله السلطان سنجر لم يجدا من المصاف، وجعل سنجر على ميمنته طغرل ابن أخيه ~~محمد، وقماج، وأمير أميران، وعلى ميسرته خوارزمشاه أتسز بن محمد مع جمع من ~~الأمراء، وجعل مسعود على ميمنته قراجة الساقي، والأمير قزل، وعلى ميسرته ~~يرنقش بازدار، ويوسف جاووش، وغيرهما، وكان قزل قد واطأ سنجر على الانهزام. ~~ووقعت الحرب، وقامت على ساق، وكان يوما مشهودا، فحمل قراجة الساقي على ~~القلب، وفيه السلطان سنجر في عشرة آلاف فارس من شجعان العسكر، وبين يديه ~~الفيلة، فلما حمل قراجة على القلب، رجع الملك طغرل، وخوارزمشاه إلى وراء ~~ظهره، فصار قراجة في الوسط، فقاتل إلى أن جرح عدة جراحات، وقتل كثير من ~~أصحابه وأخذ هو أسيرا وبه جراحات كثيرة، فلما رأى السلطان مسعود ذلك انهزم ~~وسلم من ms3876 المعركة، وقتل يوسف جاووش، وحسنين أزبك، وهما من أكابر الأمراء، ~~وكانت الوقعة ثامن رجب من هذه السنة. فلما تمت الهزيمة على مسعود نزل سنجر ~~وأحضر قراجة، فلما حضر قراجة سبه وقال له: يا مفسد أي شيء كنت ترجو بقتالي؟ ~~قال: كنت أرجو أن أقتلك وأقيم سلطانا أحكم عليه. فقتله صبرا، وأرسل إلى ~~السلطان مسعود يستدعيه، فحضر عنده، وكان قد بلغ خونج، فلما رآه قبله، ~~وأكرمه، وعاتبه على العصيان عليه، ومخالفته، وأعاده إلى كنجة، وأجلس الملك ~~طغرل ابن أخيه محمد في السلطنة، وخطب له في جميع البلاد، وجعل في وزارته ~~أبا القاسم الأنساباذي، وزير السلطان محمود، وعاد إلى خراسان، فوصل إلى ~~نيسابور في العشرين من رمضان سنة ست وعشرين. وأما المسترشد بالله فكان منه ما نذكره. ### || AUT ذكر مسير عماد الدين إلى بغداد # PageV04P0491 # لما سار المسترشد بالله من بغداد، وبلغه انهزام السلطان مسعود، عزم على ~~العود إلى بغداد، فأتاه الخبر بوصول عماد الدين زنكي إلى بغداد، ومعه دبيس ~~بن صدقة، وكان السلطان سنجر قد كاتبهما، وأمرهما بقصد العراق، والاستيلاء ~~عليه فلما علم الخليفة بذلك أسرع العود إليها، وعبر إلى الجانب الغربي، ~~وسار فنزل بالعباسية، ونزل عماد الدين بالمنارية من دجيل، والتقيا بحصن ~~البرامكة في السابع والعشرين من رجب، فابتدأ زنكي فحمل على ميمنة الخليفة، ~~وبها جمال الدولة إقبال، فانهزموا منه، وحمل نظر الخادم من ميسرة الخليفة ~~على ميمنة عماد الدين ودبيس، وحمل الخليفة بنفسه، واشتد القتال، فانهزم ~~دبيس، وأراد عماد الدين الصبر، فرأى الناس قد تفرقوا عنه، فانهزم أيضا، ~~وقتل من العسكر جماعة، وأسر جماعة، وبات الخليفة هناك ليلته، وعاد من الغد إلى بغداد. ### || AUT ذكر حال دبيس بعد الهزيمة # وفيها عاد دبيس، بعد انهزامه المذكور، يلوذ ببلاد الحلة وتلك النواحي، ~~وجمع جمعا، وكانت تلك الولاية بيد إقبال المسترشدي، فأمد بعسكر من بغداد، ~~فالتقى هو ودبيس، فانهزم دبيس واختفى في أجمة هناك، وبقي ثلاثة أيام لم ~~يطعم شيئا، ولم يقدر على التخلص منها، حتى أخرجه حماس على ظهره. ثم جمع ~~جمعا ms3877 وقصد واسط، وانضم إليه عسكرها، وبختيار وشاق، وابن أبي الجبر، ولم يزل ~~فيها إلى أن دخلت سنة سبع وعشرين، فنفذ إليهم يرنقش بازدار، وأقبال الخادم ~~المسترشدي، في عسكر، فاقتتلوا في الماء والبر، فانهزم الواسطيون ودبيس، ~~وأسر بختيار وشاق وغيره من الأمراء. ### || AUT ذكر وفاة تاج الملوك صاحب دمشق # في هذه السنة، في رجب، توفي تاج الملوك بوري بن طغتكين، صاحب دمشق. وسبب ~~موته أن الجرح الذي كان به من الباطنية، وقد ذكرناه، اشتد عليه الآن، ~~وأضعفه، وأسقط قوته، فتوفي في الحادي والعشرين من رجب، ووصى بالملك بعده ~~لولده شمس الملوك إسماعيل، ووصى بمدينة بعلبك وأعمالها لولده شمس الدولة ~~محمد. وكان بوري كثير الجهاد، شجاعا، مقدما، سد مسد أبيه، وفاق عليه، وكان ~~ممدحا، أكثر الشعراء مدائحه، لا سيما ابن الخياط، وملك بعده ابنه شمس ~~الملوك، وقام بتدبير الأمر بني يديه الحاجب يوسف بن فيروز، شحنة دمشق، وهو ~~حاجب أبيه، واعتمد عليه، وابتدأ أمره بالرفق بالرعية، والإحسان إليهم، فكثر ~~الدعاء له والقصاد عليه. ### || AUT ذكر ملك شمس الملوك حصن اللبوة # ### || AUT وحصن رأس وحصره بعلبك # في هذه السنة ملك شمس الملوك إسماعيل، صاحب دمشق، حصن اللبوة، حصن راس. ~~وسبب ذلك: أنهما كانا لأبيه تاج الملوك، وفي كل واحد منهما مستحفظ يحفظه، ~~فلما ملك شمس الملوك بلغه أن أخاه شمس الدولة محمدا، صاحب بعلبك، قد ~~راسلهما، واستمالهما إليه، فسلما الحصنين إليه، وجعل فيهما من الجند ما ~~يكفيهما، فلم يظهر بذلك أثر بل راسل أخاه بلطف يقبح هذه الحال، ويطلب أن ~~يعيدهما إليه، فلم يفعل، فأغضى على ذلك، وتجهز من غير أن يعلم أحدا. وسار ~~هو وعسكره، آخر ذي القعدة، فطلب جهة الشمال، ثم عاد مغربا، فلم يشعر من ~~بحصن اللبوة إلا وقد نزل عليهم، وزحف لوقته، فلم يتمكنوا من نصب منجنيق ولا ~~غيره، فطلبوا الأمان، فبذله لهم، وتسلم الحصن من يومه، وسار من آخر النهار ~~إلى حصن راس، فبغتهم، وجرى الأمر فيه على تلك القضية، وتسلمه، وجعل فيهما ~~من يحفظهما. ثم رحل إلى ms3878 بعلبك وحصرها، وفيها أخوه شمس الدولة محمد، وقد ~~استعد، وجمع في الحصن ما يحتاج إليه من رجال وذخائر، فحصرهم شمس الملوك، ~~وزحف في الفارس والراجل، وقاتله أهل البلد على السور، ثم زحف عدة مرات، ~~فملك البلد بعد قتال شديد، وقتلى كثيرة، وبقي الحصن، فقاتله، وفيه أخوه، ~~ونصب المجانيق، ولازم القتال، فلما رأى أخوه شمس الدولة شدة الأمر أرسل ~~يبذل الطاعة، ويسأل أن يقر على ما بيده، وجعله أبوه باسمه، فأجابه إلى ~~مطلوبه، وأقر عليه بعلبك وأعمالها، وتحالفوا وعاد شمس الملوك إلى دمشق وقد ~~استقامت له الأمور. ### || AUT ذكر الحرب بين السلطان طغرل والملك داود # PageV04P0492 # في هذه السنة، في رمضان، كانت الحرب بين الملك طغرل وبين أخيه الملك داود ~~بن محمود، وكان سببها: أن السلطان سنجر أجلس الملك طغرل في السلطنة، كما ~~ذكرناه، وعاد إلى خراسان لأنه بلغه أن صاحب ما وراء النهر أحمد خان قد عصى ~~عليه، فبادر إلى العود لتلافي ذلك الخرق، فلما عاد إلى خراسان عصى الملك ~~داود على عمه طغرل، وخالفه، وجمع العساكر بأذربيجان، وبلاد كنجة، وسار إلى ~~همذان، فنزل، مستهل رمضان، عند قرية يقال لها وهان، بقرب همذان. وخرج إليه ~~طغرل، وعبأ كل واحد منهما أصحابه ميمنة وميسرة، وكان على ميمنة السلطان ~~طغرل ابن برسق، وعلى ميسرته قزل، وعلى مقدمته قراسنقر، وكان على ميمنة داود ~~يرنقش الزكوي، ولم يقاتل، فلما رأى التركمان ذلك نهبوا خيمه وبركه جميعه، ~~ووقع الخلف في عسكر داود، فلما رأى أتابكه آقسنقر الأحمديلي ذلك ولى هربا، ~~وتبعه الناس في الهزيمة، وقبض طغرل على يرنقش الزكوي، وعلى جماعة من ~~الأمراء. وأما الملك داود فإنه لما انهزم بقي متحيزا إلى أوائل ذي القعدة، ~~فقدم بغداد ومعه أتابكه آقسنقر الأحمديلي، فأكرمه الخليفة وأنزله بدار ~~السلطان، وكان الملك مسعود بكنجة، فلما سمع بانهزام الملك داود توجه نحو ~~بغداد، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض المسترشد بالله على وزيره شرف الدين علي بن طراد ~~الزينبي، واستوزر أنوشروان بن ms3879 خالد، بعد أن امتنع، وسأل الإقالة. وفي هذه ~~السنة قتل أحمد بن حامد بن محمد أبو نصر مستوفي السلطان محمود، الملقب ~~بالعزيز، بقلعة تكريت، وقد تقدم سبب ذلك سنة خمس وعشرين. وفي المحرم منها ~~قتل محمد بن محمد بن الحسين أبو الحسين بن أبي يعلى بن الفراء الحنبلي، ~~مولده في شعبان سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، وسمع الحديث من الخطيب أبي بكر، ~~وابن الحسين بن المهتدي، وغيرهما، وتفقه، قتله أصحابه غيلة، وأخذوا ماله. ~~وفي جمادى الأولى توفي أحمد بن عبيد الله بن كادش أبو العز العكبري، وكان ~~محدثا مكثرا. وتوفي فيها أبو الفضل عبد الله بن المظفر بن رئيس الرؤساء، ~~وكان أديبا، وله شعر حسن، فمنه ما كتبه إلى جلال الدين بن صدقة الوزير: ~~أمولانا جلال الدين، يا من ... أذكره بخدمتي القديمة ألم تك قد عزمت على ~~اصطناعي، ... فماذا صدقة عن تلك العزيمة؟ ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وعشرين وخمسمائة # ### || AUT ذكر ملك شمس الملوك بانياس # في هذه السنة، في صفر، ملك شمس الملوك، صاحب دمشق، حصن بانياس من ~~الفرنج. وسبب ذلك: أن الفرنج استضعفوه وطمعوا فيه، وعزموا على نقض الهدنة ~~التي بينهم، فتعرضوا إلى أموال جماعة من تجار دمشق بمدينة بيروت وأخذوها، ~~فشكا التجار إلى شمس الملوك، فراسل في إعادة ما أخذوه، وكرر القول فيه، فلم ~~يردوا شيئا، فحملته الأنفة من هذه الحالة، والغيظ، على أن جمع عسكره وتأهب، ~~ولا يعلم أحد أين يريد. ثم سار، وسبق خبره، أواخر المحرم من هذه السنة، ~~ونزل على بانياس أول صفر، وقاتلها لساعته، وزحف إليها زحفا متتابعا، وكانوا ~~غير متأهبين، وليس فيها من المقاتلة من يقوم بها، وقرب من سور المدينة، ~~وترجل بنفسه، وتبعه الناس من الفارس والراجل، ووصلوا إلى السور فنقبوه ~~ودخلوا البلد عنوة، والتجأ من كان من جند الفرنج إلى الحصن وتحصنوا به، ~~فقتل من البلد كثير من الفرنج، وأسر كثير، ونهبت الأموال، وقاتل القلعة ~~قتالا شديدا ليلا ونهارا، فملكها رابع صفر بالأمان، وعاد إلى دمشق فوصلها ~~سادسه. وأما الفرنج فإنهم ms3880 لما سمعوا نزوله على بانياس شرعوا يجمعون عسكرا ~~يسيرون به إليه، فأتاهم خبر فتحها، فبطل ما كانوا فيه. ### || AUT ذكر حرب بين المسلمين والفرنج # PageV04P0493 # في هذه السنة، في صفر، سار ملك الفرنج، صاحب البيت المقدس، في خيالته ~~ورجالته إلى أطراف أعمال حلب، فتوجه إليه الأمير أسوار، النائب بحلب، في من ~~عنده من العسكر، وانضاف إليه كثير من التركمان، فاقتتلوا عند قنسرين، فقتل ~~من الطائفتين جماعة كثيرة، وانهزم المسلمون إلى حلب، وتردد ملك الفرنج في ~~أعمال حلب، فعاد أسوار وخرج إليه فيمن معه من العسكر، فوقع على طائفة منهم، ~~فأوقع بهم، وأكثر القتل فيهم والأسر، فعاد من سلم منهزما إلى بلادهم، ~~وانجبر ذلك المصاب بهذا الظفر، ودخل أسوار حلب، ومعه الأسرى، ورؤوس القتلى، ~~وكان يوما مشهودا. ثم إن طائفة من الفرنج من الرها قصدوا أعمال حلب للغارة ~~عليها، فسمع بهم أسوار، فخرج إليهم هو والأمير حسان البعلبكي، فأوقعوا بهم، ~~وقتلوهم عن آخرهم في بلد الشمال، وأسروا من لم يقتل، ورجعوا إلى حلب سالمين. ### || AUT ذكر عود السلطان مسعود إلى السلطنة # ### || AUT وانهزام الملك طغرل # قد تقدم ذكر انهزام السلطان مسعود من عمه السلطان سنجر، وعوده إلى كنجة، ~~وولاية الملك طغرل السلطنة، وأنه تحارب هو والملك داود ابن أخيه محمود، ~~وانهزام داود ودخوله بغداد، فلما بلغ السلطان مسعودا انهزام داود وقصده ~~بغداد ، سار هو إلى بغداد أيضا، فلما قاربها لقيه داود، وترجل له وخدمه، ~~ودخلا بغداد. ونزل مسعود بدار السلطنة في صفر من هذه السنة، وخاطب في ~~الخطبة له، فأجيب إلى ذلك، وخطب له ولداود بعده، وخلع عليهما، ودخلا إلى ~~الخليفة فأكرمهما، ووقع الاتفاق على مسير مسعود وداود إلى أذربيجان، وأن ~~يرسل الخليفة معهما عسكرا، فساروا، فلما وصلوا إلى مراغة حمل آقسنقر ~~الأحمديلي مالا كثيرا، وإقامة عظيمة، وملك مسعود سائر بلاد أذربيجان، ~~وانهزم من بها من الأمراء مثل آقسنقر وغيره من بين يديه، وتحصن منه كثير ~~منهم بمدينة أردبيل، فقصدهم وحصرهم بها، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وانهزم ~~الباقون. ثم سار بعد ذلك ms3881 إلى همذان لمحاربة أخيه الملك طغرل، فلما سمع طغرل ~~بقربه برز إلى لقائه، فاقتتلوا إلى الظهر، ثم انهزم طغرل وقصد الري، ~~واستولى السلطان مسعود على همذان في شعبان، ولما استقر مسعود بهمذان قتل ~~آقسنقر الأحمديلي، قتله الباطنية، فقيل إن السلطان مسعودا وضع عليه من ~~قتله. ثم إن طغرل لما بلغ قم عاد إلى أصبهان ودخلها، وأراد التحصن بها، ~~فسار إليه أخوه مسعود ليحاصره بها، فرأى طغرل أن أهل أصبهان لا يطاوعونه ~~على الحصار، فرحل عنهم إلى بلاد فارس، واستولى مسعود على أصبهان، وفرح ~~أهلها به، وسار من أصبهان نحو فاسر يقتص أثر أخيه طغرل، فوصل إلى موضع بقرب ~~البيضاء، فاستأمن إليه أمير من أمراء أخيه معه أربعمائة فارس، فأمنه، فخاف ~~طغرل من عسكره أن ينحازوا إلى أخيه، فانهزم من بين يديه، وقصد الري في ~~رمضان، وقتل وزيره أبو القاسم الأنساباذي في الطريق، في شوال، قتله غلمان ~~الأمير شيركير الذي سعى في قتله، كما تقدم ذكره. وسار السلطان مسعود يتبعه، ~~فلحقه بموضع يقال له ذكراور، فوقع بينهما المصاف هناك، فلما اشتبكت الحرب ~~انهزم الملك طغرل، فوقع عسكره في أرض قد نضب عنها الماء، وهي وحل، فأسر ~~منهم جماعة من الأمراء منهم: الحاجب تنكر، وابن بغرا، فأطلقهم السلطان ~~مسعود، ولم يقتل في هذا المصاف إلا نفر يسير ورجع السلطان مسعود إلى همذان. ### || AUT ذكر حصر المسترشد بالله الموصل # في هذه السنة حصر المسترشد بالله مدينة الموصل في العشرين من شهر رمضان، ~~وسبب ذلك ما تقدم من قصد الشهيد زنكي بغداد على ما ذكرناه قبل. فلما كان ~~الآن قصد جماعة من الأمراء السلجوقية باب المسترشد بالله وصاروا معه فقوي ~~بهم. واشتغل السلاطين السلجوقية بالخلف الواقع بينهم، فأرسل الخليفة الشيخ ~~بهاء الدين أبا الفتوح الأسفراييني الواعظ إلى عماد الدين زنكي برسالة فيها ~~خشونة وزادها أبو الفتوح زيادة ثقة بقوة الخليفة وناموس الخلافة، فقبض عليه ~~عماد الدين زنكي وأهانه ولقيه بما يكره، فأرسل المسترشد بالله إلى السلطان ~~مسعود يعرفه الحال الذي جرى من زنكي ويعلمه ms3882 أنه على قصد الموصل وحصرها، ~~وتمادت الأيام إلى شعبان فسار عن بغداد في النصف منه في ثلاثين ألف مقاتل. ~~PageV04P0494 # فلما قارب الموصل فارقها أتابك زنكي في بعض عسكره وترك الباقي بها مع ~~نائبه نصير الدين جقر دزدارها والحاكم في دولته وأمرهم بحفظها، ونازلها ~~الخليفة وقاتلها وضيق على من بها، وأما عماد الدين فإنه سار إلى سنجار وكان ~~يركب كل ليلة ويقطع الميرة عن العسكر ومتى ظفر بأحد من العسكر أخذه ونكل ~~به. وضاقت الأمور بالعسكر أيضا وتواطأ جماعة من الجصاصين بالموصل على تسليم ~~البلد فسعي بهم فأخذوا وصلبوا. وبقي الحصار على الموصل نحو ثلاثة أشهر ولم ~~يظفر منها بشيء ولا بلغه عمن بها وهن ولا قلة ميرة وقوت، فرحل عنها عائدا ~~إلى بغداد، فقيل إن نظر الخادم وصل إليه من عسكر السلطان وأبلغه عن السلطان ~~مسعود ما أوجب مسيره وعوده إلى بغداد، وقيل بل بلغه أن السلطان مسعودا عزم ~~على قصد العراق فعاد بالجملة وأنه رحل عنها منحدرا في شبارة في دجلة فوصل ~~إلى بغداد يوم عرفة. ### || AUT ذكر ملك شمس الملوك مدينة حماة # وفي هذه السنة أيضا، في شوال، ملك شمس الملوك إسماعيل بن تاج الملوك ~~صاحب دمشق مدينة حماة وقلعتها، وهي لأتابك زنكي بن آقسنقر أخذها من تاج ~~الملوك كما ذكرناه. ولما ملك شمس الملوك قلعة بانياس أقام بدمشق إلى شهر ~~رمضان من هذه السنة وسار منها إلى حماة في العشر الأخير منه. وسبب طمعه أنه ~~بلغه أن المسترشد بالله يريد أن يحصر الموصل فطمع، وكان الوالي بحماة قد ~~سمع الخبر فتحصن واستكثر من الرجال والذخائر، ولم يبق أحد من أصحاب شمس ~~الملوك إلا وأشار عليه بترك قصدها لقوة صاحبها، فلم يسمع منهم، وسار إليها ~~وحصر المدينة وقاتل من بها يوم العيد، وزحف إليها من وقته، فتحصنوا منه ~~وقاتلوه فعاد عنهم ذلك اليوم. فلما كان الغد بكر إليهم وزحف إلى البلد من ~~جوانبه فملكه قهرا وعنوة، وطلب من به الأمان فأمنهم وحصر القلعة، ولم تكن ~~في الحصانة والعلو ms3883 على ما هي عليه اليوم، فإن تقي الدين عمر ابن أخي صلاح ~~الدين قطع جبلها وعملها هكذا في سنين كثيرة، فلما حصرها عجز الوالي بها عن ~~حفظها فسلمها إليه، فاستولى عليها وعلى ما بها من ذخائر وسلاح وغير ذلك، ~~وسار منها إلى قلعة شيزر وبها صاحبها من بني منقذ فحصرها ونهب بلدها، ~~فراسله صاحبها وصانعه بمال حمله إليه فعاد عنه إلى دمشق فوصل إليها في ذي ~~القعدة من السنة المذكورة. ### || AUT ذكر هزيمة صاحب طرابلس الفرنجي # وفي هذه السنة عبر إلى الشام جمع كثير من التركمان من بلاد الجزيرة، ~~وأغاروا على بلاد طرابلس وغنموا وقتلوا كثيرا، فخرج القمص صاحب طرابلس في ~~جموعه فانزاح التركمان من بين يديه، فتبعهم فعادوا إليه وقاتلوه فهزموه ~~وأكثروا القتل في عسكره، ومضى هو ومن سلم معه إلى قلعة بعرين فتحصنوا فيها ~~وامتنعوا على التركمان، فحصرهم التركمان فيها. فلما طال الحصار عليهم نزل ~~صاحب طرابلس ومعه عشرون فارسا من أعيان أصحابه سرا فنجوا وساروا إلى طرابلس ~~وترك الباقين في بعرين يحفظونها، فلما وصل إلى طرابلس كاتب جميع الفرنج ~~فاجتمع عنده منهم خلق كثير وتوجه بهم نحو التركمان ليرحلهم عن بعرين، فلما ~~سمع التركمان بذلك قصدوهم والتقوهم وقتل بينهم خلق كثير وأشرف الفرنج على ~~الهزيمة، فحملوا نفوسهم ورجعوا على حامية إلى رفنية فتعذر على التركمان ~~اللحاق بهم إلى وسط بلادهم فعادوا عنهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اشترى الإسماعيلية بالشام حصن القدموس من صاحبه ابن عمرون، ~~وصعدوا إليه وقاموا بحرب من يجاورهم من المسلمين والفرنج وكانوا كلهم ~~يكرهون مجاورتهم. وفيها، في جمادى الآخرة، أغار الأمير أسوار مقدم عسكر ~~زنكي بحلب على ولاية تل باشر فغنم الكثير، فخرج إليه الفرنج في جمع كثير ~~فقاتلوه، فظفر بهم وأكثر القتل فيهم، وكان عدة القتلى نحو ألف قتيل، وعاد ~~سالما. وفيها، تاسع ربيع الآخر، وثب على شمس الملوك صاحب دمشق بعض مماليك ~~جده طغدكين، فضربه بسيف فلم يعمل فيه شيئا، وتكاثر عليه مماليك شمس الملوك ~~فأخذوه وقرر ما الذي ms3884 حمله على ما فعل فقال: أردت إراحة المسلمين من شرك ~~وظلمك، ولم يزل يضرب حتى أقر على جماعة أنهم وضعوه على ذلك، فقتلهم شمس ~~الملوك من غير تحقيق، وقتل معهم أخاه سونج، فعظم ذلك على الناس ونفروا عنه. ~~وفيها توفي الشيخ أبو الوفاء الفارسي، وكان له جنازة مشهودة حضرها أعيان ~~بغداد. PageV04P0495 # وفيها، في رجب، توفي القاضي أبو العباس أحمد بن سلامة بن عبد الله ابن ~~مخلد المعروف بابن الرطبي الفقيه الشافعي قاضي الكرخ، وتفقه على أبي إسحاق ~~وأبي نصر بن الصباغ، وسمع الحديث ورواه، وكان قريبا من الخليفة يؤدب ~~أولاده. وتوفي أبو الحسين علي بن عبد الله بن نصر المعروف بابن الزاغوني ~~الفقيه الحنبلي الواعظ، وكان ذا فنون، توفي في المحرم. وتوفي علي بن يعلى ~~بن عوض بن القاسم الهروي العلوي، كان واعظا، وله بخراسان قبول كثير، وسمع ~~الحديث الكثير، ومحمد بن أحمد بن علي أبو عبد الله العثماني الديباجي، وهو ~~من أولاد محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. وكان محمد يلقب ~~بالديباج لحسنه، وأصله من مكة، وهو من أهل نابلس، وكان مغاليا في مذهب ~~الأشعري، وكان يعظ. توفي في صفر. وفيها توفي أبو فليتة أمير مكة، وولي ~~الإمارة بعده ابنه القاسم. وفيها توفي العزيز بن هبة الله بن علي الشريف ~~العلوي الحسيني فجأة بنيسابور. وكان جده نقيب النقباء بخراسان. وعرض على ~~العزيز هذا نقابة العلويين بنيسابور فامتنع، وعرض عليه وزارة السلطان ~~فامتنع، ولزم الانقطاع والاشتغال بأمر آخرته. وفيها توفي قاضي قضاة خراسان ~~أبو سعيد محمد بن أحمد بن صاعد، وكان خيرا صالحا. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وخمسمائة # ### || AUT ذكر ملك شمس الملوك شقيف تيرون # ### || AUT ونهبه بلد الفرنج # في هذه السنة، في المحرم، سار شمس الملوك إسماعيل من دمشق إلى شقيف ~~تيرون وهو في الجبل المطل على بيروت وصيدا، وكان بيد الضحاك بن جندل رئيس ~~وادي التيم، قد تغلب عليه وامتنع به، فتحاماه المسلمون والفرنج، يحتمي على ~~كل طائفة بالأخرى، فسار شمس الملوك ms3885 إليه في هذه السنة، وأخذه منه في ~~المحرم، وعظم أخذه على الفرنج لأن الضحاك كان لا يتعرض لشيء من بلادهم ~~المجاورة له، فخافوا شمس الملوك، فشرعوا في جمع عساكرهم، فلما اجتمعت ساروا ~~إلى بلد حوران، فخربوا أمهات البلد، ونهبوا ما أمكنهم نهبه نهبة عظيمة. ~~وكان شمس الملوك، لما رآهم يجمعون، جمع هو أيضا وحشد وحضر عنده جمع كثير من ~~التركمان وغيرهم، فنزل بإزاء الفرنج، وجرت بينهم مناوشة عدة أيام، ثم إن ~~شمس الملوك نهض ببعض عسكره، وجعل الباقي قبالة الفرنج، وهم لا يشعرون، وقصد ~~بلادهم طبرية والناصرة وعكا وما يجاورها من البلاد، فنهب وخرب وأحرق وأهلك ~~أكثر البلاد وسبى النساء والذرية، وامتلأت أيدي من معه من الغنائم، واتصل ~~الخبر بالفرنج، فانزعجوا، ورحلوا في الحال لا يلوي أخ على أخيه وطلبوا ~~بلادهم. وأما شمس الملوك فإنه عاد إلى عسكره على غير الطريق الذي سلكه ~~الفرنج، فوصل سالما ووصل الفرنج إلى بلادهم ورأوها خرابا ففت في أعضادهم ~~وتفرقوا، وراسلوا في تجديد الهدنة فتم ذلك في ذي القعدة للسنة. ### || AUT ذكر عود الملك طغرل إلى الجبل # ### || AUT وانهزام الملك مسعود # في هذه السنة عاد الملك طغرل بن محمد بن ملكشاه ملك بلاد الجبل جميعها ~~وأجلى عنها أخاه السلطان مسعودا. وسبب ذلك أن مسعودا لما عاد من حرب أخيه ~~بلغه عصيان داود ابن أخيه السلطان محمود بأذربيجان، فسار إليه وحصره بقلعة ~~روئين دز وكان قد تحصن بها واشتغل بحصره، فجمع الملك طغرل العساكر ومال ~~إليه بعض الأمراء الذين مع السلطان مسعود ولم يزل يفتح البلاد، فكثرت ~~عساكره وقصد مسعودا، فلما قارب قزوين سار مسعود نحوه، فلما تراءى العسكران ~~فارق مسعودا من أمرائه من كان قد استماله طغرل فبقي في قلة من العسكر، فولى ~~منهزما أواخر رمضان. وأرسل المسترشد بالله في القدوم إلى بغداد، فأذن له، ~~وكان نائبه بأصفهان البقش السلاحي، ومعه الملك سلجوقشاه، فلما سمع بانهزام ~~مسعود قصد بغداد أيضا، فنزل سلجوقشاه بدار السلطان، فأكرمه الخليفة، وأنفذ ~~إليه عشرة آلاف دينار، ثم قصد مسعود ms3886 بغداد وأكثر أصحابه ركاب جمال لعدم ما ~~يركبونه، ولقي في طريقه شدة، فأرسل إليه الخليفة الدواب والخيام والآلات ~~وغيرها من الأموال والثياب، فدخل الدار السلطانية ببغداد منتصف شوال وأقام ~~طغرل بهمذان. ### || AUT ذكر حصر أتابك زنكي آمد # ### || AUT والحرب بينه وبين داود وملك زنكي قلعة صور # PageV04P0496 # في هذه السنة اجتمع أتابك زنكي صاحب الموصل وتمرتاش صاحب ماردين وقصدا ~~مدينة آمد فحصراها، فأرسل صاحبها إلى داود بن سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا ~~يستنجده، فجمع من أمكنه جمعه وسار نحو آمد ليرحلهما عنها، فالتقوا على باب ~~آمد، وتصافوا في جمادى الآخرة، فانهزم داود، وعاد مفلولا، وقتل جماعة من ~~عسكره. وأقام زنكي وتمرتاش على آمد محاصرين لها، وقطعا الشجر، وشعثا البلد ~~وعادا عنها من غير بلوغ غرض، فقصد زنكي قلعة الصور من ديار بكر وحصرها ~~وضايقها، فملكها في رجب من هذه السنة، واتصل به ضياء الدين أبو سعيد بن ~~الكفرتوثي فاستوزره زنكي، وكان حسن الطريقة، عظيم الرئاسة والكفاية، محبا ~~للخير وأهله. ### || AUT ذكر ملك زنكي قلاع الأكراد الحميدية # في هذه السنة استولى عماد الدين زنكي على جميع قلاع الأكراد الحميدية ~~منها قلاع العقر وقلعة شوش وغيرهما. وكان لما ملك الموصل أقر صاحبها الأمير ~~عيسى الحميدي على ولايتها وأعمالها، ولم يعترضه على شيء مما هو بيده، فلما ~~حصر المسترشد بالله الموصل حضر عيسى هذا عنده وجمع الأكراد عنده فأكثر، ~~فلما رحل المسترشد بالله عن الموصل أمر زنكي أن تحصر قلاعهم فحصرت مدة ~~طويلة وقوتلت قتالا شديدا إلى أن ملكت هذه السنة، فاطمأن إذا أهل سواد ~~الموصل المجاورون لهؤلاء القوم فإنهم كانوا معهم في ضائقة كبيرة من نهب ~~أموالهم وخراب البلاد. ### || AUT ذكر ملك قلاع الهكارية وكواشي # وحكي عن بعض العلماء من الأكراد ممن له معرفة بأحوالهم أن أتابك زنكي ~~لما ملك قلاع الحميدية وأجلاهم عنها خاف أبو الهيجاء بن عبد الله صاحب قلعة ~~أشب والجزيرة ونوشي، فأرسل إلى أتابك زنكي من استحلفه له وحمل إليه مالا، ~~وحضر عند زنكي بالموصل فبقي مدة ثم ms3887 مات فدفن بتل توبة. ولما سار عن أشب إلى ~~الموصل أخرج ولده أحمد بن أبي الهيجاء منها خوفا أن يتغلب عليها، وأعطاه ~~قلعة نوشى، وأحمد هذا هو والد علي ابن أحمد المعروف بالمشطوب من أكابر ~~أمراء صلاح الدين بن أيوب بالشام. ولما أخرجه أبوه من أشب استناب بها كرديا ~~يقال له باو الأرجي، فلما مات أبو الهيجاء سار ولده أحمد بن نوشى إلى أشب ~~ليملكها، فمنعه باو، وأراد حفظها لولد صغير لأبي الهيجاء اسمه علي، فسار ~~زنكي بعسكره فنزل على أشب وملكها. وسبب ملكهم أن أهلها نزلوا كلهم إلى ~~القتال، فتركهم زنكي حتى قاربوه واستجرهم حتى أبعدوا عن القلعة ثم عطف ~~عليهم فانهزموا، فوضع السيف فيهم، فأكثر القتل والأسر، وملك زنكي القلعة في ~~الحال وأحضر جماعة من مقدمي الأكراد فيهم باو فقتلهم وعاد عنها إلى الموصل، ~~ثم سار عنها، ففي غيبته أرسل نصير الدين جقر نائب زنكي وخرب أشب وخلى كهيجة ~~ونوشى وقلعة الجلاب، وهي قلعة العمادية، وأرسل إلى قلعة الشعباني وفرح ~~وكوشر والزعفران وألقى ونيروة، وهي حصون المهرانية، فحصرها فملك الجميع، ~~واستقام أمر الجبل والزوزان، وأمنت الرعايا من الأكراد. وأما باقي قلاع ~~الهكارية جل صورا، وهرور، والملاسي، ومابرما وبابوخا وباكزا ونيسباس، فإن ~~قراجة صاحب العمادية فتحها من مدة طويلة بعد قتل زنكي، وقراجة هذا كان ~~أميرا قد أقطعه زين الدين علي بلد الهكارية بعد قتل زنكي، ولم أعلم تاريخ ~~فتح هذه القلاع فلهذا ذكرته هاهنا. وحكى غير هذا بعض فضلاء الأكراد وخالف ~~فيه فقال: إن زنكي لما فتح قلعة أشب وخربها وبنى قلعة العمادية ولم يبق في ~~الهكارية إلا صاحب جل صورا وصاحب هرور، ولم يكن لهما شوكة يخاف منها، عاد ~~إلى الموصل، فخافه أصحاب القلاع الجبلية، فاتفق أن عبد الله بن عيسى بن ~~إبراهيم صاحب الربية وألقى وفرح وغيرها وملكها بعده ولده علي، وكانت والدته ~~خديجة بنت الحسن أخت إبراهيم وعيسى، وهما من الأمراء، مع زنكي، وكانا ~~بالموصل، فأرسلها ولدها علي إلى أخويها وطلبا له الأمان من زنكي ms3888 وحلفاه له ~~ففعل، ونزل إلى خدمة زنكي وأقره على قلاعه واشتغل زنكي بفتح قلاع الهكارية، ~~وكان الشعباني بيد أمير من المهرانية اسمه الحسن بن عمر، فأخذه منه وقربه ~~منه لكبره وقلة أعماله. PageV04P0497 # وكان نصير الدين جقر يكره عليا صاحب الربية وغيرها، فحسن لزنكي القبض ~~عليه، فأذن له في ذلك، فقبض عليه ثم ندم زنكي على قبضه فأرسل إلى نصير ~~الدين أن يطلقه فرآه قد مات، قيل إن نصير الدين قتله. ثم أرسل العسكر إلى ~~قلعة الربية فنازلوهاا بغتة، فملكوها في ساعة، وأسروا كل من بها من ولد علي ~~وإخوته وأخواته، وكانت والدة علي خديجة غائبة فلم توجد، فلما سمع زنكي ~~الخبر بفتح الربية سره، وأمر أن تيسر العساكر إلى باقي القلاع التي لعلي، ~~فسارت العساكر، فحصروها، فرأوها منيعة، فراسلهم زنكي ووعدهم الإحسان، ~~فأجابوه إلى التسليم على شرط أن يطلق كل من في السجن منهم، فلم يجبهم إلى ~~ذلك، إلا أن يسلموا أيضا قلعة كواشى، فمضت خديجة والدة علي إلى صاحب كواشى ~~واسمه خول وهرون وهو من المهرانية، فسألته النزول عن كواشى، فأجابها إلى ~~ذلك، وتسلم زنكي القلاع وأطلق الأسرى، فلم يسمع بمثل هذا، فقال ينزل من مثل ~~كواشى لقول امرأة فإما أن يكون أعظم الناس مروءة لا يرد من دخل بيته، وإما ~~أن يكون أقل الناس عقلا، واستقامت ولاية الجبال. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أوقع الدانشمند صاحب ملطية بالفرنج الذين بالشام، فقتل ~~كثيرا منهم وأسر كثيرا، وفيها اصطلح الخليفة وأتابك زنكي، وفيها، في ربيع ~~الأول، عزل شرف الدين أنوشروان بن خالد عن وزارة الخليفة، وفيها توفيت أم ~~المسترشد بالله، وفيها سير المسترشد بالله عسكرا إلى تكريت فحصروا مجاهد ~~الدين بهروز فصانع عنها بمال فعادوا عنه. وفيها اجتمع جمع من العساكر ~~السنجرية مع الأمير أرغش، وحصروا قلعة كردكوه بخراسان، وهي للإسماعيلية، ~~وضيقوا على أهلها وطال حصرها، وعدمت عندهم الأقوات، فأصاب أهلها تشنج ~~وكزاز، وعجز كثير منهم عن القيام فضلا عن القتال، فلما ظهرت أمارات الفتح ~~رحل الأمير أرغش ms3889 فقيل إنهم حملوا إليه مالا كثيرا وأعلاقا نفيسة، فرحل ~~عنهم. وفيها توفي الأمير سليمان بن مهارش العقيلي أمير بني عقيل وولي ~~الإمارة بعده أولاده مع صغر سنهم، وطيف بهم في بغداد رعاية لحق جدهم مهارش، ~~فإنه هو الذي كان الخليفة القائم بأمر الله عنده في الحديثة لما فعل به ~~البساسيري ما ذكرنا. وفيها، في المحرم، توفي الفقيه أبو علي الحسن بن ~~إبراهيم بن فرهون الشافعي الفارقي، ومولده بميافارقين سنة ثلاث وثلاثين ~~وأربعمائة، وتفقه بها على أبي عبد الله الكازروني، فلما توفي الكازروني ~~انحدر إلى بغداد وتفقه على أبي إسحاق الشيرازي وأبي نصر الصباغ، وولي ~~القضاء بواسط، وكان خيرا فاضلا لا يواري ولا يحابي أحدا في الحكم. وفيها ~~توفي عبد الله بن محمد بن أحمد بن الحسن أبو محمد بن أبي بكر الفقيه ~~الشافعي، تفقه على أبيه وأفتى وناظر، وكان يعظ ويكثر في كلامه من التجانس، ~~فمن ذلك قوله: أين القدود العالية، والخدود الوردية، ملئت بها والله ~~العالية والوردية، وهما مقبرتان بنهر المعلى، ومن شعره: الدمع دما يسيل من ~~أجفاني ... إن عشت مع البكا فما أجفاني سجني شجني وهمني سماني ... العاذل ~~بالملام قد سماني والذكر لهم يزيد في أشجاني ... والنوح مع الحمام قد ~~أشجاني ضاقت ببعاد منيتي أعطاني ... والبين يد الهموم قد أعطاني وفيها توفي ~~ابن أبي الصلت الشاعر، ومن شعره يذم ثقيلا: لي صديق عجبت كيف استطاعت ... ~~هذه الأرض والجبال ثقله أنا أرعاه مكرما وبقلبي ... منه ما ينسف الجبال ~~أقله هو مثل المشيب أكره رؤيا ... ه ولكن أصونه وأجله وله أيضا: ساد صغار ~~الناس في عصرنا ... لا دام من عصر ولا كانا كالدست مهما هم أن ينقضي ... ~~صار به البيدق فرزانا وفيها توفي محمد بن علي بن عبد الوهاب أبو رشيد ~~الفقيه الشافعي من أهل طبرستان، وسمع الحديث أيضا ورواه، وكان زاهدا عابدا ~~أقام بجزيرة في البحر سنين منفردا يعبد الله، سبحانه وتعالى، وعاد إلى آمل ~~فتوفي فيها وقبره يزار. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وعشرين وخمسمائة # ### || AUT ذكر وفاة ms3890 الملك طغرل # ### || AUT وملك مسعود بلد الجبل # PageV04P0498 # قد ذكرنا قدوم السلطان مسعود إلى بغداد منهزما من أخيه الملك طغرل بن ~~محمد، فلما وصل إلى بغداد أكرمه الخليفة وحمل إليه ما يحتاج إليه مثله، ~~وأمره بالمسير إلى همذان وجمع العساكر ومنازعة أخيه طغرل في السلطنة ~~والبلاد، ومسعود يعد ويدافع الأيام، والخليفة يحثه على ذلك، ووعده أن يسير ~~معه بنفسه، وأمر أن تبرز خيامه إلى باب الخليفة. وكان قد اتصل الأمير البقش ~~السلاحي وغيره من الأمراء بالخليفة، وطلبوا خدمته، فاستخدمهم واتفق معهم. ~~واتفق أن إنسانا أخذ فوجد معه ملطفات من طغرل إلى هؤلاء الأمراء وخاتمه ~~بالإقطاع لهم، فلما رأى الخليفة ذلك قبض على أمير منهم اسمه أغلبك ونهب ~~ماله، فاستشعر غيره من الأمراء الذين مع الخليفة، فهربوا إلى عسكر السلطان ~~مسعود، فأرسل الخليفة إلى مسعود في إعادتهم إليه، فلم يفعل واحتج بأشياء، ~~فعظم ذلك على الخليفة وحدث بينهما وحشة أوجبت تأخره عن المسير معه، وأرسل ~~إليه يلزمه بالمسير معه أمرا جزما، فبينما الأمر على هذا إذ جاءه الخبر ~~بوفاة أخيه طغرل، وكانت وفاته في المحرم من هذه السنة، وكان مولده سنة ثلاث ~~وخمسمائة في المحرم، وكان خيرا عاقلا عادلا قريبا إلى الرعية محسنا إليها، ~~وكان قبل موته قد خرج من داره يريد السفر إلى أخيه السلطان مسعود فدعا له ~~الناس، فقال: ادعو بخيرنا للمسلمين. ولما توفي ووصل الخبر إلى مسعود سار من ~~ساعته نحو همذان، وأقبلت العساكر جميعها إليه، واستوزر شرف الدين أنوشروان ~~بن خالد، وكان قد خرج في صحبته هو وأهله، ووصل مسعود إلى همذان واستولى ~~عليها وأطاعته البلاد جميعها وأهلها. ### || AUT ذكر قتل شمس الملوك وملك أخيه # في هذه السنة، رابع عشر ربيع الآخر، قتل شمس الملوك إسماعيل بن تاج ~~الملوك بوري بن طغدكين صاحب دمشق، وسبب قتله أنه ركب طريقا شنيعا من الظلم ~~ومصادرات العمال وغيرهم من أعمال البلد، وبالغ في العقوبات لاستخراج ~~الأموال، وظهر منه بخل زائد ودناءة نفس بحيث أنه لا يأنف من أخذ الشيء ~~الحقير بالعدوان، ms3891 إلى غير ذلك من الأخلاق الذميمة وكرهه أهله وأصحابه ~~ورعيته. ثم ظهر عنه أنه كاتب عماد الدين زنكي يسلم إليه دمشق ويحثه على ~~سرعة الوصول، وأخلى المدينة من الذخائر والأموال، ونقل الجميع إلى صرخد، ~~وتابع الرسل إلى زنكي يحثه على الوصول إليه ويقول له: إن أهملت المجيء ~~سلمتها إلى الفرنج، فسار زنكي، وظهر الخبر بذلك في دمشق فامتعض أصحاب أبيه ~~وجده لذلك وأقلقهم، وأنهوا الحال لوالدته فساءها وأشفقت منه، ووعدتهم ~~بالراحة من هذا الأمر. ثم إنها ارتقبت الفرصة في الخلوة من غلمانه، فلما ~~رأته على ذلك أمرت غلمانها بقتله فقتل، وأمرت بإلقاءه في موضع من الدار ~~ليشاهده غلمانه وأصحابه، فلما رأوه قتيلا سروا لمصرعه وبالراحة من شره. ~~وكان مولده ليلة الخميس سابع جمادى الآخرة سنة ستة وخمسمائة، وقيل كان سبب ~~قتله أن والده كان له حاجب اسمه يوسف بن فيروز وكان متمكنا منه حاكما في ~~دولته، ثم في دولة شمس الملوك، فاتهم بأم شمس الملوك، ووصل الخبر إليه بذلك ~~فهم بقتل يوسف فهرب منه إلى تدمر، وتحصن بها، وأظهر الطاعة لشمس الملوك، ~~فأراد قتله أمه، فبلغها الخبر فقتلته خوفا منه، والله أعلم. ولما قتل ملك ~~بعده أخوه شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري وجلس في منصبه وحلف له ~~الناس كلهم واستقر في الملك، والله أعلم. ### || AUT ذكر حصر أتابك زنكي دمشق # في هذه السنة حصر أتابك زنكي دمشق، وكان نزوله عليها أول جمادى الأولى، ~~وسببه ما ذكرنا من إرسال شمس الملوك صاحبها إليه واستدعاءه ليسلمها إليه، ~~فلما وصلت كتبه ورسله بذلك سار إليها، فقتل شمس الملوك قبل وصوله، ولما عبر ~~الفرات أرسل إليه رسلا في تقرير قواعد التسليم، فرأوا الأمر قد فاته إلا ~~أنهم أكرموا وأحسن إليهم وأعيدوا بأجمل جواب، وعرف زنكي قتل شمس الملوك، ~~وأن القواعد عندهم مستقرة لشهاب الدين، والكلمة متفقة على طاعته، فلم يحفل ~~زنكي بهذا الجواب، وسار إلى دمشق فنازلها، وأجفل أهل السواد إلى دمشق، ~~واجتمعوا فيها على محاربته. PageV04P0499 # ونزل أولا شماليها ثم انتقل إلى ms3892 ميدان الحصار، وزحف وقاتل، فرأى قوة ~~ظاهرة وشجاعة عظيمة واتفاقا تاما على محاربته، وقام معين الدين أنز مملوك ~~جده طغدكين في الحادثة بدمشق قياما مشهودا، وظهر من معرفته بأمور الحصار ~~والقتال وكفايته ما لم ير وما كان سبب تقدمه واستيلاءه على الأمور بأسرها، ~~على ما نذكر إن شاء الله تعالى. فبينما هو يحاصرها ووصل رسول الخليفة ~~المسترشد بالله وهو أبو بكر بن بشر الجزري من جزيرة ابن عمر بخلع لأتابك ~~زنكي، ويأمره بمصالحة صاحب دمشق الملك ألب أرسلان محمود الذي مع أتابك ~~زنكي، فرحل عنها لليلتين بقيتا من جمادى الأولى من السنة المذكورة. ### || AUT ذكر قتل حسن بن الحافظ # قد ذكرنا سنة ست وخمسمائة أن الحافظ لدين الله صاحب مصر استوزر ابنه ~~حسنا، وخطب له بولاية العهد، فبقي إلى هذه السنة ومات مسموما، وسبب ذلك أن ~~أباه الحافظ استوزه وكان جريئا على سفك الدماء، وكان في نفس الحافظ على ~~الأمراء الذين أعانوا أبا علي بن الأفضل حقد، ويريد الانتقام منهم من غير ~~أن يباشر ذلك بنفسه، فأمر ابنه حسنا بذلك، فتغلب على الأمر جميعه، واستبد ~~به، ولم يبق لأبيه معه حكم، وقتل من الأمراء المصريين ومن أعيان البلاد ~~أيضا حتى إنه قتل في ليلته واحدة أربعين أميرا. فلما رأى أبوه تغلبه عليه ~~أخرج له خادما من من خدم القصر الأكابر، فجمع الجموع وحشد من الرجالة خلقا ~~كثيرا، وتقدم إلى البلد، فأخرج إليهم حسن جماعة من خواصه وأصحابه، ~~فقاتلوهم، فانهزم الخادم وقتل من الرجالة الذين معه خلق كثير، وعبر الباقون ~~إلى بر الجزيرة، فاستكان الحافظ، فصبر تحت الحجر. ثم إن الباقين من الأمراء ~~المصريين اجتمعوا واتفقوا على قتل حسن، وأرسلوا إلى أبيه الحافظ وقالوا له: ~~إما أنك تسلم ابنك إلينا لنقتله أو نقتلكما جميعا، فاستدعى ولده إليه ~~واحتاط عليه، وأرسل إلى الأمراء بذلك، فقالوا: لا نرضى إلا بقتله. فرأى أنه ~~إن سلمه إليهم طمعوا فيه وليس إلى إبقائه سبيل، فأحضر طبيبين كانا له ~~أحدهما مسلم والآخر يهودي، فقال لليهودي: نريد سما ms3893 نسقيه لهذا الولد ليموت ~~ونخلض من هذه الحادثة. فقال: أنا لا أعرف غير التقوع وماء الشعير وما شاكل ~~هذا من الأدوية. فقال: أنا أريد ما أخلص به من هذه المصيبة. فقال له: لا ~~أعرف شيئا. فأحضر الطبيب المسلم وسأله عن ذلك، فصنع له شيئا فسقاه الولد ~~فمات لوقته، فأرسل الحافظ إلى الجند يقول لهم: إنه قد مات. فقالوا: نريد أن ~~ننظر إليه، فأحضر بعضهم عنده فرأوه وظنوه قد عمل حيلة، فجرحوا أسافل رجليه ~~فلم يجر منها دم، فعلموا موته وخرجوا. ودفن حسن وأحضر الحافظ الطبيب المسلم ~~وقال له: ينبغي أن تخرج من عندنا من القصر، وجميع ما لك من الإنعام ~~والجامكية باق عليك، وأحضر اليهودي وزاده وقال له: أعلم أنك تعرف ما طلبته ~~منك ولكنك عاقل فتقيم في القصر عندنا. وكان حسن سيء السيرة ظالما جريئا على ~~سفك الدماء وأخذ الأموال، فهجاه الشعراء، فمن ذلك ما قال المعتمد بن ~~الأنصاري صاحب الترسل المشهور: لم تأت يا حسن بين الورى حسنا ... ولم تر ~~الحق في دنيا ولا دين قتل النفوس بلا جرم ولا سبب ... والجور في أخذ أموال ~~المساكين لقد جمعت بلا علم ولا أدب ... تيه الملوك وأخلاق المجانين وقيل إن ~~الحافظ لما رأى ابنه تغلب على الملك وضع عليه من سقاه السم فمات، والله ~~أعلم. ولما مات حسن استوزر الحافظ الأمير تاج الدولة بهرام، وكان نصرانيا، ~~فتحكم واستعمل الأرمن على الناس، فاستذلوا المسلمين، وسيأتي ذكر ذلك سنة ~~إحدى وثلاثين وخمسمائة إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر مسير المسترشد بالله إلى حرب السلطان مسعود وانهزامه # PageV04P0500 # في هذه السنة كانت الحرب بين الخليفة المسترشد بالله وبين السلطان مسعود ~~في شهر رمضان، وسبب ذلك أن السلطان مسعودا لما سافر من بغداد إلى همذان، ~~بعد موت أخيه طغرل، وملكها، فارقه جماعة من أعيان الأمراء منهم يرنقش ~~بازدار وقزل آخر وسنقر الخمارتكين والي همذان، وعبد الرحمن بن طغايرك، ~~وغيرهم، خائفين منه، مستوحش، ومعهم عدد كثير وانضاف إليهم دبيس بن صدقة. ~~وأرسلوا إلى الخليفة يطلبون منه ms3894 الأمان ليحضروا خدمته، فقيل له: إنها مكيدة ~~لأن دبيسا معهم، وساروا نحو خوزستان، واتفقوا مع برسق بن برسق، فأرسل ~~الخليفة إليهم سديد الدولة ابن الأنباري بتوقيعات إلى الأمراء المذكورين ~~بتطييب نفوسهم والأمر بحضورهم. وكان الأمراء المذكورون قد عزموا على قبض ~~دبيس والتقرب إلى الخليفة بحمله إليه، فبلغه ذلك فهرب إلى السلطان مسعود. ~~وسار الأمراء إلى بغداد في رجب، فأكرمهم الخليفة وحمل إليهم الإقامات ~~والخلع، وقطعت خطب السلطان مسعود من بغداد، وبرز الخليفة في العشرين من رجب ~~على عزم المسير إلى قتال مسعود وأقام في الشفيعي، فعصى عليه بكبه صاحب ~~البصرة فهرب إليها، فراسله وبذل له الأمان فلم إليه. وتريث الخليفة عن ~~المسير وهؤلاء الأمراء يحسنون له الرحيل، ويسهلون عليه الأمر، ويضعفون عنده ~~أمر السلطان مسعود، فسير مقدمته إلى حلوان فنهبوا البلاد، وأفسدوا ولم ينكر ~~عليهم أحد شيئا، ثم سار الخليفة ثامن شعبان ولحق به في الطريق الأمير برسق ~~بن برسق فبلغت عدتهم سبعة آلاف فارس، وتخلف بالعراق مع إقبال خادم المسترشد ~~بالله ثلاثة آلاف فارس. وكان السلطان مسعود بهمذان في نحو ألف وخمس مائة ~~فارس، وكان أكثر اصحاب الأطراف يكاتبون الخليفة ويبذلون له الطاعة، فتريث ~~في طريقه، فاستصلح السلطان مسعود اكثرهم حتى صاروا في نحو خمسة عشر الف ~~فارس، وتسلل جماعة كثيرة من عسكر الخليفة حتى بقي في خمسة آلاف، وارسل ~~أتابك زنكي نجدة فلم تلحق. وأرسل الملك داود ابن السلطان محمود وهو ~~بأذربيجان إلى الخليفة يشير بالميل إلى الدينور ليحضر بنفسه وعسكره، فلم ~~يفعل المسترشد ذلك وسار حتى بلغ دايمرج، وعبأ أصحابه، فجعل في الميمنة ~~يرنقش بازدار ونور الدولة سنقرجة وقزل آخر وبرسق بن برسق، وجعل في الميسرة ~~جاولي وبرسق شراب سلار وأغلبك الذي كان الخليفة قد قبض عليه وأخرجه من ~~محبسه. ولما بلغ السلطان مسعودا خبرهم سار إليه مجدا، فواقعهم بدايمرج عاشر ~~رمضان، وانحازت ميسرة الخليفة مخامرة عليه إلى السلطان مسعود فصارت معه، ~~واقتتلت ميمنته وميسرة السلطان قتالا ضعيفا، ودار به عسكر السلطان وهو ثابت ~~لم يتحرك من ms3895 مكانه، وانهزم عسكره وأخذ هو أسيرا ومعه جمع كثير من أصحابه ~~منهم الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي وقاضي القضاة وصاحب المخزن ابن ~~طلحة، وابن الأنباري والخطباء والفقهاء والشهود وغيرهم، وأنزل الخليفة في ~~خيمة وغنموا ما في معسكره وكان كثيرا، فحمل الوزير وقاضي القضاة وابن ~~الأنباري وصاحب المخزن وغيرهم من الأكابر إلى قلعة سرجهان، وباعوا الباقين ~~بالثمن الطفيف، ولم يقتل في هذه المعركة أحد وهذا من أعجب ما يحكى. وعاد ~~السلطان إلى همذان وأمر فنودي: من تبعنا إلى همذان من البغداديين قتلناه، ~~فرجع الناس كلهم على أقبح حالة لا يعرفون طريقا وليس معهم ما يحملهم، وسير ~~السلطان الأمير بك أبه المحمودي إلى بغداد شحنة فوصلها سلخ رمضان ومعه ~~عبيد، فقبضوا جميع أملاك الخليفة وأخذوا غلاتها. وثار جماعة من عامة بغداد، ~~فكسروا المنبر والشباك، ومنعوا من الخطبة، وخرجوا إلى الأسواق يحثون التراب ~~على رؤوسهم ويبكون ويصيحون، وخرج النساء حاسرات في الأسواق يلطمن، واقتتل ~~أصحاب الشحنة وعامة بغداد فقتل من العامة ما يزيد على مائة وخمسين قتيلا، ~~وهرب الوالي وحاجب الباب. وأما السلطان فإنه سار في شوال من همذان إلى ~~مراغة لقتال الملك داود ابن أخيه محمود، وكان قد عصى عليه، فنزل على فرسخين ~~من مراغة، والمسترشد معه، فترددت الرسل بين الخليفة وبين السلطان في الصلح، ~~فاستقرت القاعدة على ما نذكره إن شاء الله، والله الموفق. ### || AUT ذكر قتل المسترشد بالله # ### || AUT وخلافة الراشد بالله # PageV05P0001 # لما قبض المسترشد بالله أبو منصور بن الفضل بن المستظهر بالله أبي العباس ~~أحمد، على ما ذكرناه، أنزله السلطان مسعود في خيمة، ووكل به من يحفظه، وقام ~~بما يجب من الخدمة، وترددت الرسل بينهما في الصلح وتقرير القواعد على مال ~~يؤديه الخليفة، وأن لا يعود يجمع العساكر وأن لا يخرج من داره. فأجاب ~~السلطان إلى ذلك، وأركب الخليفة وحمل الغاشية بين يديه ولم يبق إلا أن يعود ~~إلى بغداد. فوصل الخبر أن الأمير قران خوان قد قدم رسولا من السلطان سنجر، ~~فتأخر مسير المسترشد لذلك، وخرج ms3896 الناس والسلطان مسعود إلى لقائه، وفارق ~~الخليفة بعض من كان موكلا به، وكانت خيمته منفردة عن العسكر، فقصده أربعة ~~وعشرون رجلا من الباطنية ودخلوا عليه فقتلوه، وجرحوه ما يزيد على عشرين ~~جراحة، ومثلوا به فجدعوا أنفه وأذنيه وتركوه عريانا، فقتل معه نفر من ~~أصحابه منهم أبو عبد الله بن سكينة، وكان قتله يوم الخميس سابع عشر ذي ~~القعدة على باب مراغة، وبقي حتى دفنه أهل مراغة. وأما الباطنية فقتل منهم ~~عشرة، وقيل: بل قتلوا جميعهم، والله أعلم. وكان عمره لما قتل ثلاثا وأربعين ~~سنة وثلاثة أشهر، وكانت خلافته سبع عشرة سنة وستة أشهر وعشرين يوما. وأمه ~~أم ولد، وكان شهما شجاعا، كثير الإقدام، بعيد الهمة، وأخباره المذكورة تدل ~~على ما ذكرناه. وكان فصيحا بليغا حسن الحظ، ولقد رأيت خطه في غاية الجودة ~~ورأيت أجوبته على الرقاع من أحسن ما يكتب وأفصحه. ولما قتل المسترشد بالله ~~بويع ولده أبو جعفر المنصور، ولقب الراشد بالله، وكان المسترشد قد بايع له ~~بولاية العهد في حياته، وجددت له البيعة بعد قتله يوم الاثنين السابع ~~والعشرين من ذي القعدة، وكتب السلطان مسعود إلى بك أبه الشحنة ببغداد فبايع ~~له، وحضر الناس البيعة، وحضر بيعته أحد وعشرون رجلا من أولاد الخلفاء، ~~وبايع له الشيخ أبو النجيب، ووعظه، وبالغ في الموعظة. وأما جمال الدولة ~~إقبال فإنه كان ببغداد في طائفة من العسكر، فلما جرت هذه الحادثة عبر إلى ~~الجانب الغربي، وأصعد إلى تكريت وراسل مجاهد الدين بهروز، وحلفه وصعد إليه بالقلعة. ### || AUT ذكر مسير السلطان سنجر إلى غزنة # في هذه السنة، في ذي القعدة، سار السلطان سنجر من خراسان إلى غزنة، وسبب ~~ذلك أنه نقل إليه عن صاحبها بهرام شاه أنه تغير عن طاعته، وأنه قد مد يده ~~إلى ظلم الرعايا واغتصاب أموالهم. وكان السلطان سنجر هو الذي ملك غزنة، وقد ~~ذكرناه سنة تسع وخمسمائة، فلما سمع هذه الأخبار المزعجة سار إلى غزنة ~~ليأخذها أو يصلحه، فلما سلك الطريق وأبعد أدركهم شتاء شديد البرد، كثير ~~الثلج، وتعذرت ms3897 عليهم الأقوات والعلوفات، فشكا العسكر إلى السلطان ذلك ~~وذكروا له ما هم فيه من الضيق وتعذر ما يحتاجون إليه، فلم يجدوا عنده غير ~~التقدم أمامه، فلما قارب غزنة أرسل بهرام شاه رسلا يضرع إلى سنجر ويسأل ~~الصفح عن جرمه، والعفو عن ذنبه، فأرسل إليه سنجر المقرب جوهرا الخادم، وهو ~~أكبر أميرعنده، ومن جملة أقطاعه مدينة الري، في جواب رسالته يجيبه عن العفو ~~عنه إن حضر عنده وعاد إلى طاعته، فلما وصل إلى بهرام شاه أجابه إلى ما طلب ~~منه من الطاعة وحمل المال والحضور بنفسه في خدمته، وأظهر من الطاعة ~~والانقياد لما يحكم به السلطان سنجر شيئا كثيرا. PageV05P0002 # وعاد المقرب جوهر ومعه بهرام شاه إلى سنجر، فسبقه المقرب إلى السلطان ~~سنجر وأعلمه بوصول بهرام شاه، وأنه بكرة غد يكون عنده، وعاد المقرب إلى ~~بهرام شاه ليجيء بين يديه، وركب سنجر من الغد في موكبه لتلقيه، وتقدم بهرام ~~شاه ومعه المقرب إلى سنجر، فلما عاين موكب سنجر والجتر على رأسه نكص على ~~عقبيه عائدا، فأمسك المقرب عنانه وقبح فعله، وخوفه عاقبة ذلك، فلم يرجع ~~وولى هاربا ولم يصدق بنجاته ظنا منه أن سنجر يأخذه ويملك بلده، وتبعه طائفة ~~من أصحابه وخواصه، ولم يعرج على غزنة، وسار سنجر إلى غزنة فدخلها وملكها ~~واحتوى على ما فيها وجبى أموالها، وكتب إلى بهرام شاه كتابا يلومه على ما ~~فعله ويحلف له أنه ما أراد به سوءا، ولا له في بلده مطمع، ولا هو ممن يكدر ~~صنيعته وتعقب حسنته معه بسيئة، وإنما قصده لإصلاحه، فأعاد بهرام شاه الجواب ~~يعتذر ويتنصل ويقول إن الخوف منعه من الحضور، ولا لوم على من خاف مثل ~~السلطان، ويضرع في عوده إلى الإحسان، فأجابه سنجر إلى إعادة بلده إليه ~~وفارق غزنة عائدا إلى بلاده، فوصل إلى بلخ في شوال سنة ثلاثين وخمسمائة ~~واستقر ملك غزنة لبهرام شاه ورجع إليها مالكا لها ومستوليا عليها. ### || AUT ذكر قتل دبيس بن صدقة بالتاريخ # في هذه السنة قتل السلطان مسعود دبيس بن صدقة على ms3898 باب سرادقه بظاهر ~~خونج، أمر غلاما أرمنيا بقتله، فوقف على رأسه وهو ينكت الأرض بإصبعه، فضرب ~~رقبته وهو لا يشعر، وكان ابنه صدقة بالحلة، فاجتمع إليه عسكر أبيه ~~ومماليكه، وكثر جمعه واستأمن إليه الأمير قتلغ تكين، وأمر السلطان مسعود بك ~~أبه أن يأخذ الحلة، فسار بعض عسكره إلى المدائن، وأقاموا مدة ينتظرون لحاق ~~بك أبه بهم فلم يسر إليهم جبنا وعجزا عن قصد الحلة لكثرة العسكر بها مع ~~صدقة. وبقي صدقة بالحلة إلى أن قدم السلطان مسعود إلى بغداد سنة إحدى ~~وثلاثين وخمسمائة فقصده وأصلح حاله معه ولزم خدمته. ومثل هذه الحادثة تقع ~~كثيرا وهي قرب موت المتعاديين، فإن كان دبيسا كان يعادي المسترشد بالله ~~ويكره خلافته، ولم يكن يعلم أن السلاطين إنما كانوا يبقون عليه ليجعلوه عدة ~~لمقاومة المسترشد، فلما زال السبب زال المسبب، والله أعلم بذلك. ### || AUT ذكر حصر عسكر يحيى المهدية # في هذه السنة سير يحيى بن العزيز بن حماد صاحب بجاية عسكرا ليحصروا ~~المهدية، وبها صاحبها الحسن بن علي بن تميم بن المعز بن باديس، وكان سبب ~~ذلك أن الحسن أحب ميمون بن زياد أمير طائفة كبيرة من العرب، وزاده على سائر ~~العرب، فحسده العرب فسار أمراؤها إلى يحيى بن العزيز بأولادهم، وجعلوهم ~~رهائن عنده، وطلبوا منه أن يرسل معهم عسكرا ليملكوا له المهدية، فأجابهم ~~إلى ذلك وهو متباطيء. فاتفق أنه وصله كتب من بعض مشايخ المهدية بمثل ذلك، ~~فوثق بما أتاه وسير عسكرا كثيفا واستعمل عليهم قائدا كبيرا من فقهاء أصحابه ~~يقال له مطرف بن حمدون. وكان يحيى هذا هو وآباؤه يحسدون أولاد المنصور أبي ~~الحسن هذا، فسارت العساكر الفارس والراجل ومعهم من العرب جمع كثير حتى ~~نزلوا على المهدية وحصروها برا وبحرا. وكان مطرف ظهر التقشف والتورع عن ~~الدماء، وقال: إنما أتيت الآن لأتسلم البلد بغير قتال، فخاف ظنه، فبقي ~~أياما لا يقاتل، ثم إنهم باشروا القتال فظهر أهل المهدية عليهم وأثروا ~~فيهم، وتوالى القتال وفي كل ذلك الظفر لأهل البلد، وقتل من الخارجين ms3899 جمادى ~~غفير. وجمع مطرف عسكره وزحف برا وبحرا لما يئس من التسليم، وقاتل أشد قتال، ~~فملكت شوانيه شاطيء البحر، وقربوا من السور، فاشتد الأمر، فأمر الحسن بفتح ~~الباب من الشاطيء وخرج أول الناس، وحمل هو ومن معه عليهم وقال: أنا الحسن! ~~فلما سمع من يقاتله دعواه سلموا عليه، وانهزموا عنه إجلالا له، ثم أخرج ~~الحسن شوانيه تلك الساعة من الميناء، فأخذ من تلك الشواني أربع قطع، وهزم ~~الباقي. ثم وصلته نجدة من رجار الفرنجي، صاحب صقلية، في البحر، في عشرين ~~قطعة، فحصرت شواني صاحب بجاية، فأمرهم الحسن بإطلاقها فأطلقوها، ثم وصل ~~ميمون بن زياد في جمع كثير من العرب لنصرة الحسن، فلما رأى ذلك مطرف وأن ~~النجدات تأتي الحسن في البر والبحر، علم أنه لا طاقة له بهم، فرحل عن ~~المهدية خائبا، وأقام رجار الفرنجي مظهرا للحسن أنه مهادنه وموافقه وهو مع ~~ذلك يعمر الشواني ويكثر عددها. PageV05P0003 ### || AUT ذكر استيلاء الفرنج على جزيرة جربة # كانت جزيرة جربة من بلاد إفريقية قد استولت في كثرة عمارتها وخيراتها، ~~غير أن أهلها طغوا فلا يدخلون تحت طاعة السلطان، ويعرفون بالفساد وقطع ~~الطريق، فخرج إليها جمع من الفرنج، أهل صقلية، في أسطول كثير وجم غفير، فيه ~~من مشهوري فرسان الفرنج جماعة، فنزلوا بساحتها وأداروا المراكب بجهاتها. ~~واجتمع أهلها وقاتلوا قتالا شديدا، فوقع بين الفريقين حرب شديد، فثبت أهل ~~جربة، فقتل منهم بشر كثير، فانهزموا وملك الفرنج الجزيرة، وغنموا أموالها ~~وسبوا نساءها وأطفالها، وهلك أكثر رجالها، ومن بقي منهم أخذوا لأنفسهم ~~أمانا من رجار ملك صقلية، وافتكوا أسراهم وسبيهم وحريمهم، والله أعلم بذلك. ### || AUT ذكر ملك الفرنج حصن روطة من بلاد الأندلس # في هذه السنة اصطلح المستنصر بالله بن هود والسليطين الفرنجي صاحب ~~طليطلة من بلاد الأندلس مدة عشر سنين. وكان السليطين قد أدمن غزو بلاد ~~المستنصر وقتاله، حتى ضعف المستنصر عن مقاومته لقلة جنوده وكثرة الفرنج، ~~فرأى أن يصالحه مدة يستريح فيها هو وجنوده، ويعتدون للمعاودة، فترددت الرسل ~~بينهم، فاستقر الصلح على أن يسلم ms3900 المستنصر إلى السليطين حصن روطة من ~~الأندلس، وهو من أمنع الحصون وأعظمها، فاستقرت القاعدة واصطلحوا وتسلم منه ~~الفرنج الحصن، وفعل المستنصر فعلة لم يفعلها قبله أحد. ### || AUT ذكر حصر ابن ردمير مدينة أفراغة وهزيمته وموته # وفي هذه السنة حصر ابن ردمير الفرنجي مدينة أفراغة من شرق الأندلس، وكان ~~الأمير يوسف بن تاشفين بن علي بن يوسف بمدينة قرطبة، فجهز الزبير بن عمرو ~~اللمتوني والي قرطبة ومعه ألفا فارس وسير معه ميرة كثيرة إلى أفراغة. وكان ~~يحيى بن غانية، الأمير المشهور، أمير مرسية وبلنسية من شرق الأندلس ووالي ~~أمرها لأمير المسلمين علي بن يوسف، فتجهز في خمس مائة فارس، وكان عبد الله ~~بن عياض صاحب مدينة لاردة، فتجهز في مائتي فارس، فاجتمعوا وحملوا الميرة ~~وساروا حتى أشرفوا على مدينة أفراغة، وجعل الزبير الميرة أمامه وابن غانية ~~أمام الميرة، وابن عياض أمام غانية، وكان شجاعا بطلا وكذلك جميع من معه. ~~وكان ابن ردمير في اثني عشر ألف فارس، فاحتقر جميع الواصلين من المسلمين، ~~فقال لأصحابه: اخرجوا وخذوا هذه الهدية التي أرسلها المسلمون إليكم، وأدركه ~~العجب، ونفذ قطعة كبيرة من جيشه. فلما قربوا من المسلمين حمل عليهم ابن ~~عياض وكسرهم، ورد بعضهم على بعض، وقتل فيهم، والتحم القتال، وجاء ابن ردمير ~~بنفسه وعساكره جميعها مدلين بكثرتهم وشجاعتهم، فحمل ابن غانية وابن عياض في ~~صدورهم واستحر الأمر بينهم وعظم القتال فكثر القتل في الفرنج، وخرج في ~~الحال أهل أفراغة ذكرهم وأنثاهم، صغيرهم وكبيرهم، إلى خيام الفرنج، فاشتتغل ~~الرجال بقتل من وجدوا في المخيم، واشتغل النساء بالنهب، فحمل جميع ما في ~~المخيم إلى المدينة من قوت وعدد وآلات وسلاح وغير ذلك. وبينما المسلمون ~~والفرنج في القتال إذ وصل إليهم الزبير في عسكره فانهزم ابن ردمير وولى ~~هاربا واستولى القتل على جميع عسكره فلم يسلم منهم إلا القليل، ولحق ابن ~~ردمير بمدينة سرقسطة، فلما رأى ما قتل من أصحابه مات مفجوعا بعد عشرين يوما ~~من الهزيمة، وكان أشد ملوك الفرنج بأسا، وأكثرهم تجردا لحرب المسلمين، ~~وأعظمهم ms3901 صبرا، كان ينام على طارقته بغير وطاء، وقيل له: هلا تسريت من بنات ~~أكابر المسلمين اللاتي سبيت؟ فقال: الرجل المحارب ينبغي أن يعاشر الرجال لا ~~النساء، وأراح الله منه وكفى المسلمين شره. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في شوال، زلزت الأرض بالعراق والموصل وبلاد الجبل وغيرها، ~~وكانت الزلزلة شديدة، وهلك فيها كثير من الناس، والله أعلم. ### | AUT المجلد السابع # ### || AUT بسم الله الرحمن الرحيم # ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاثين وخمسمائة # ### || AUT الحرب بين عسكر الراشد و عسكر السلطان مسعود # PageV05P0004 # في المحرم من هذه السنة وصل يرنقش الزكوي من عند السلطان مسعود يطالب ~~الخليفة بما كان قد استقر على المسترشد من المال، وهو أربعمائة ألف دينار، ~~فذكر أنه لا شيء عنده، وأن المال جميعه كان مع المسترشد بالله، فنهب في ~~الهزيمة المذكورة. ثم بلغ الراشد بالله أن يرنقش يريد الهجوم على دار ~~الخلافة وتفتيشها لأخذ المال، فجمع العساكر لمنع داره، وأمر عليهم كج أبه، ~~وأعاد عمارة السور. فلما علم يرنقش بذلك اتفق هو و بك أبه شحنة بغداد، وهو ~~من أمراء السلطان، على أن يهجموا على دار الخليفة يوم الجمعة، فبلغ ذلك ~~الراشد بالله فاستعد لمنعهم، وركب يرنقش ومعه العسر السلطاني والأمراء ~~البكجية، و محمد بن عكر، في نحو خمسة آلاف فارس، ولقيهم عسكر الخليفة و ~~متقدمهم كج أبه واقتتلوا قتالا شديدا، وساعد العامة عسكر الخليفة على قتال ~~العسكر السلطاني حتى أخرجهم إلى دار السلطان، فلما جنهم الليل ساروا إلى ~~طريق خراسان، ثم انحدر بك أبه إلى واسط، وسار يرنقش إلى البندنيجين، ونهب ~~أهل بغداد دار السلطان. ### || AUT ذكر اجتماع أصحاب الأطراف على حرب مسعود ببغداد وخروجهم عن طاعته # في هذه السنة اجتمع كثير من الأمراء وأصحاب الأطراف على الخروج عن طاعة ~~السلطان مسعود، فسار الملك داود ابن السلطان محمود في عسكر أذربيجان إلى ~~بغداد، فوصلها رابع صفر، ونزل بدار السلطان، ووصل أتابك عماد الدين زنكي ~~بعده من الموصل؛ ووصل يرنقش بازدار صاحب قزوين وغيرها، والبقش الكبير صاحب ~~أصفهان، ms3902 وصدقة بن دبيس صاحب الحلة، ومعه عنتر بن أبي العسكر الجاواني ~~يدبره، ويتمم نقص صباه، وابن برسق، وابن الأحمديلي، وخرج إليهم من عسكر ~~بغداد كج أبه والطرنطاوي وغيرهما، وجعل الملك داود في شحنكية بغداد يرنقش ~~بازدار، و قبض الخليفة الراشد بالله على ناصح الدولة أبي عبد الله الحسن بن ~~جهير أستاذ الدار، وهو كان السبب في ولايته، وعلى جمال الدولة إقبال ~~المسترشدي، وكان قد قدم إليه من تكريت، وعلى غيرهما من أعيان دولته، فتغيرت ~~نيات أصحابه عليه وخافوه. فأما جمال الدولة فإن أتابك زنكي شفع فيه شفاعة ~~تحتها إلزام، فأطلق وصار إليه ونزل عنده. وخرج موكب الخليفة مع وزيره جلال ~~الدين أبي الرضى بن صدقة إلى عماد الدين لتهنئته بالقدوم، فأقام الوزير ~~عنده وسأله أن يمنعه من الخليفة، فأجابه إلى ذلك، وعاد الموكب بغير وزير، ~~وأرسل زنكي من حرس دار الوزير من النهب، ثم أصلح حاله مع الخليفة، وأعاده ~~إلى وزارته. وكذلك أيضا عبر عليه قاضي القضاة الزينبي، وسار معه إلى ~~الموصل، ثم إن الخليفة جد في عمارة السور، فأرسل الملك داود من قلع أبوابه ~~وأخرب قطعة منه، فانزعج الناس ببغداد، ونقلوا أموالهم إلى دار الخلافة، ~~وقطعت خطبة السلطان مسعود، وخطب للملك داود وجرت الأيمان بين الخليفة ~~والملك داود وعماد الدين زنكي، وأرسل الخليفة إلى أتابك زنكي ثلاثين ألف ~~دينار لينفقها. ووصل الملك سلجوقشاه إلى واسط فدخلها وقبض على الأمير بك ~~أبه ونهب ماله وانحدر أتابك زنكي إليه لدفعه عنها واصطلحا وعاد زنكي إلى ~~بغداد وعبر إلى طريق خراسان، وحث على جمع العساكر للقاء السلطان مسعود. ~~وسار الملك داود نحو خراسان أيضا، فنهب العسكر البلاد وأفسدوا، ووصلت ~~الأخبار بمسير السلطان إلى بغداد لقتال الملك، وفارق الملك داود وأتابك ~~زنكي، فعاد أتابك زنكي إلى بغداد، وفارق الملك داود، وأظهر له أن يمضي إلى ~~مراغة إذ فارق السلطان مسعود إلى همذان، فبرز الراشد بالله إلى ظاهر بغداد ~~أول رمضان، وسار إلى طريق خراسان، ثم عاد بعد ثلاثة أيام ونزل عند جامع ~~السلطان، ms3903 ثم دخل إلى بغداد خامس رمضان، وأرسل إلى داود وسائر الأمراء ~~يأمرهم بالعود إلى بغداد، فعادوا، ونزلوا في الخيام، وعزموا على قتال ~~السلطان مسعود من داخل سور بغداد. ووصلت رسل السلطان مسعود يبذل من نفسه ~~الطاعة والموافقة للخليفة والتهديد لمن اجتمع عنده، فعرض الخليفة الرسالة ~~عليهم، فكلهم رأى قتاله، فقال الخليفة: وأنا معكم على ذلك. ### || AUT ذكر ملك شهاب الدين ملك حمص # PageV05P0005 # في هذه السنة، في الثاني والعشرين من ربيع الأول، تسلم شهاب الدين محمود، ~~صاحب دمشق، مدينة حمص وقلعتها. وسبب ذلك أن أصحابها أولاد الأمير خيرخان بن ~~قراجا، والوالي بها من قبلهم، ضجروا من كثرة تعرض عسكر عماد الدين زنكي ~~إليها وإلى أعمالها، وتضييقهم على من بها من جندي وعامي، فراسلوا شهاب ~~الدين في أن يسلموها إليه، ويعطيهم عوضا عنها تدمر، فأجابهم إلى ذلك، وسار ~~إليها وتسلمها منهم في التاريخ المذكور، وسلم إليهم تدمر، وأقطع حمص مملوك ~~جده معين الدين أنر، وجعل فيها نائبا عنه ممن يثق به من أعيان أصحابه وعاد ~~عنها إلى دمشق. فلما رأى عسكر زنكي الذين بحلب وحماة خروج حمص عن أيديهم ~~تابعوا الغارات إلى بلدها والنهب له، والاستيلاء على كثير منه، فجرى بينهم ~~عدة وقائع، وأرسل شهاب الدين إلى زنكي في المعنى واستقر الصلح بينهم، وكف ~~كل منهم عن صاحبه. ### || AUT ذكر الفتنة بدمشق # في هذه السنة وقعت الفتنة بدمشق بين صاحبها والجند. وسبب ذلك أن الحاجب ~~يوسف بن فيروز كان أكبر حاجب عند أبيه وجده، ثم إنه خاف أخاه شمس الملوك، ~~وهرب منه إلى تدمر، فلما كانت هذه السنة سأل أن يحضر إلى دمشق، وكان يخاف ~~جماعة المماليك لأنه كان أساء إليهم وعاملهم أقبح معاملة، فكلهم عليه حنق، ~~ولا سيما في الحادثة التي خرج فيها شمس الملوك، وقد تقدمت، فإنه أشار بقتل ~~جماعه أبرياء وبقتل سونج بن تاج الملوك، فصاروا كلهم أعداء مبغضين. فلما ~~طلب الآن الحضور إلى دمشق أجيب إلى ذلك، فأنكر جماعة الأمراء والمماليك ~~قربه وخافوه أن يفعل بهم مثل فعله ms3904 الأول، فلم يزل يتوصل معهم حتى حلف لهم ~~واستحلفهم وشرط على نفسه أنه لا يتولى من الأمور شيئا. ثم إنه جعل يدخل ~~نفسه في كثير من الأمور، فأتفق أعدائه على قتله، فبينما هو يسير مع شمس ~~الملوك في الميدان وإلى جانبه أمير اسمه بزاوش يحادثه، إذ ضربه بزاوش ~~بالسيف فقتله، فحمل ودفن عند تربة والده بالعقيبة ثم إن بزاوش والمماليك ~~خافوا شمس الملوك، فلم يدخلوا البلد، ونزلوا بظاهره، وأرسلوا يطلبون قواعد ~~استطالوا فيها، فأجابهم إلى البعض، فلم يقبلوا منه؛ ثم ساروا إلى بعلبك، ~~وبها شمس الدولة محمد بن تاج الملوك صاحبها، فصروا معه، فالتحق بهم كثير من ~~التركمان وغيرهم، وشرعوا في العيث والفساد، واقتضت الحال مراسلتهم ~~وملاطفتهم وإجابتهم إلى ما طلبوا، واستقرت الحال على ذلك، وحلف كل منهم ~~لصاحبه. فعادوا إلى ظاهر دمشق وليدخلوا البلد. وخرج شهاب الدين، صاحب دمشق، ~~إليهم واجتمع بهم وتجددت الأيمان، وصار بزاوش مقدم العسكر وإليه الحل ~~والعقد، وذلك في شعبان، وزال الخلف، ودخلوا البلد والله أعلم. ### || AUT ذكر غزاة العسكر الأتابكي لبلاد الأفرنج # في هذه السنة، في شعبان، اجتمعت عسكر أتابك زنكي، صاحب حلب وحماة، مع ~~الأمير أسوار نائبه بحلب، وقصدوا بلد الفرنج على حين غفلة منهم، وقصدوا ~~أعمال اللاذقية بغتة، ولم يتمكن أهلها من الانتقال عنها والاحتراز، فنهبوا ~~منها ما يزيد عن الوصف، وقتلوا وأسروا وفعلوا في بلد الفرنج ما لم يفعله ~~غيرهم. وكان الأسرى سبعة آلاف أسير ما بين رجل وامرأة وصبي، ومائة ألف رأس ~~من الدواب ما بين فرس وبغل وحمار وبقر وغنم، وأما ما سوى ذلك من الأقمشة ~~والعين والحلي فيخرج عن الحد،و أخربوا بلد اللاذقية وما جاورها ولم يسلم ~~منها إلا القليل، وخرجوا إلى شيزر بما معهم من الغنائم سالمين،منتصف رجب، ~~فامتلأ الشام من الأسارى والدواب، وفرح المسلمون فرحا عظيما، ولم يقدر ~~الفرنج على شيء يفعلونه مقابل هذه الحادثة، عجزا ووهنا. ### || AUT ذكر وصول السلطان مسعود إلى العراق # ### || AUT وتفرق أصحاب الأطراف ومسير الراشد بالله إلى الموصل وخلعه # لما بلغ ms3905 السلطان مسعودا اجتماع الأمراء والملوك، ببغداد، على خلافه، ~~والخطبة للملك داود ابن أخيه السلطان محمود، جمع العساكر وسار إلى بغداد، ~~فنزل بالمالكية، فسار بعض العسكر حتى شارفوا عسكره وطاردهم، وكان في ~~الجماعة زين الدين علي أمير من أمراء أثابك زنكي، ثم عادوا، ووصل السلطان ~~فنزل على بغداد وحصرها وجميع العساكر فيها. PageV05P0006 # وثار العيارون ببغداد وسائر محالها،وأفسدوا ونهبوا، وقتلوا حتى إنه وصل ~~صاحب لأتابك زنكي ومعه كتب، فخرجوا عليه وأخذوها منه وقتلوه، فحضر جماعة من ~~أهل المحال عند الأتابك زنكي، وأشاروا عليه بنهب المحال الغربية، فليس فيها ~~غير عيار ومفسد، فامتنع من ذلك، ثم أرسل بنهب الحريم الطاهري فأخذ منه من ~~الأموال الشيء الكثير؛ وسبب ذلك أن العيارين كثروا فيه وأخذوا أموال الناس. ~~ونهبت العساكر غير الحريم من المحال، وحصرهم السلطان نيفا وخمسين يوما فلم ~~يظفر بهم، فعاد إلى النهروان عازما على العود إلى همذان، فوصله طرنطاي صاحب ~~واسط ومعه سفن كثيرة، فعاد إليها وعبر فيها إلى غربي دجلة، وأراد العسكر ~~البغدادي منعه فسبقهم إلى العبور، واختلفت كلمتهم، فعاد الملك داود إلى ~~بلاده في ذي القعدة وتفرق الأمراء. وكان عماد الدين زنكي بالجانب الغربي ~~فعبر إليه الخليفة الراشد بالله وسار معه إلى الموصل في نفر يسير من ~~أصحابه، فلما سمع السلطان مسعود بمفارقة الخليفة وزنكي بغداد سار إليها ~~واستقر بها، ومنع أصحابه من الأذى والنهب. وكان وصوله منتصف ذي القعدة، ~~فسكن الناس واطمأنوا بعد الخوف الشديد، وأمر فجمع القضاة والشهود والفقهاء ~~وعرض عليهم اليمين التي حلف بها الراشد بالله لمسعود وفيها بخط يده: إني ~~متى جندت أو خرجت أو لقيت أحدا من أصحاب السلطان بالسيف، فقد خلعت نفسي من ~~الأمر؛ فأفتوا بخروجه من الخلافة، وقيل غير ذلك وسنذكره في خلافة المقتفي ~~لأمر الله. وكان الوزير شرف الدين علي بن طراد وصاحب المخزن كمال الدين بن ~~البقشلامي وابن الأنباري قد حضروا مع السلطان لأنهم كانوا عنده مذ أسرهم مع ~~المسترشد بالله، فقدحوا في الراشد ووافقهم على ذلك جميع أصحاب المناصب ~~ببغداد، إلا ms3906 اليسير، لأنهم كانوا يخافونه، وكان قد قبض بعضهم وصادر بعضا، ~~واتفقوا على ذمه، فتقدم السلطان بخلعه وإقامة من يصلح للخلافة، فخلع وقطعت ~~خطبته في بغداد في ذي القعدة وسائر البلاد. وكانت خلافته أحد عشر شهرا وأحد ~~عشر يوما، وقتله الباطنيه على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر خلافة المقتفي لأمر الله # لما قطعت خطبة الراشد بالله استشار السلطان جماعة من أعيان بغداد منهم ~~الوزير علي بن طراد، وصاحب المخزن، وغيرهما، فيمن يصلح أن يلي الخلافة. ~~فقال الوزير: أحد عمومة الراشد، وهو رجل صالح. قال. من هو ؟ قال: لا أقدر ~~أن أفصح باسمه لئلا يقتل، فتقدم إليهم بعمل محضر في خلع الراشد، فعملوا ~~محضرا ذكروا فيه ما ارتكبه من أخذ الأموال وأشياء تقدح في الإمامة ثم كتبوا ~~فتوى: ما يقول العلماء فيمن هذه صفته، هل يصلح للإمامة أم لا؟ فأفتوا أن من ~~هذه صفته لا يصلح أن يكون إماما. فلما فرغوا من ذلك أحضروا القاضي أبا طاهر ~~بن الكرخي، فشهدوا عنده بذلك، فحكم بفسقه وخلعه، وحكم بعده غيره، ولم يكن ~~قاضي القضاة حاضرا ليحكم فإنه كان عند أتابك زنكي بالموصل. ثم إن شرف الدين ~~الوزير ذكر للسلطان أبا عبد الله الحسين، وقيل محمد ابن المستظهر بالله، ~~ودينه، وعقله، وعفته، ولين جانبه، فحضر السلطان دار الخلافة ومعه الوزير ~~شرف الدين الزينبي، وصاحب المخزن ابن البقشلاني وغيرهما، وأمر بإحضار ~~الأمير أبي عبد الله بن المستظهر من المكان الذي يسكن فيه، فأحضر وأجلس في ~~المثمنة، ودخل السلطان إليه والوزير شرف الدين وتحالفا، وقرر الوزير ~~القواعد بينهما، وخرج السلطان من عنده وحضر الأمراء وأرباب المناصب والقضاة ~~والفقهاء وبايعوا ثامن عشر ذي الحجة ولقب المقتفي لأمر الله. قيل سبب اللقب ~~أنه رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، قبل أن يلي الخلافة بستة أيام، وهو ~~يقول له: إن هذا الأمر يصير إليك، فاقتف بي؛ فلقب بذلك. ولما استخلف سيرت ~~الكتب الحكيمة بخلافته إلى سائر الأمصار واستوزر شرف الدين علي بن طراد ~~الزينبي فأرسل إلى الموصل، ms3907 وأحضر قاضي القضاة أبا القاسم علي بن الحسين ~~الزينبي عم الوزير، وأعاده إلى منصبه، وقرر كمال الدين حمزة بن طلحة على ~~منصبه صاحب المخزن، وجرت الأمور على أحسن نظام. PageV05P0007 # وبلغني أن السلطان مسعودا أرسل إلى الخليفة المقتفي لأمر الله في تقرير ~~إقطاع يكون لخاصته، فكان جوابه: إن في الدار ثمانين بغلا تنقل الماء من ~~دجلة، فلينظر السلطان ما يحتاج إليه من يشرب هذا الماء ويقوم به؛ فتقررت ~~القاعدة على أن يجعل له ما كان للمستظهر بالله، فأجاب إلى ذلك. وقال ~~السلطان لما بلغه قوله: لقد جعلنا في الخلافة رجلا عظيما نسأل. والمقتفي عم ~~الراشد هو والمسترشد ابنا المستظهر، وليا الخلافة، وكذلك السفاح والمنصور ~~أخوان، وكذلك المهدي والرشيد أخوان، وكذلك الواثق والمتوكل أخوان، وأما ~~ثلاثة أخوة ولوا الخلافة فلأمين والمأمون والمعتصم أولاد الرشيد، والمكتفي ~~والمقتدر والقاهر بنو المعتضد، والراضي والمتقي والمطيع بنو المقتدر، وأما ~~أربعة إخوة ولوها فالوليد وسليمان ويزيد وهشام بنو عبد الملك بن مروان لا ~~يعرف غيرهم. وحين استقرت الخلافة للمقتفي أرسل إليه الراشد بالله رسولا من ~~الموصل مع أتابك زنكي، فأما رسول الراشد فلم تسمع رسالته، وأما أتابك زنكي ~~فكان كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري، فأحضر في الديوان وسمعت ~~رسالته، وحكى لي والدي عنه قال: لما حضرت الديوان قيل لي: تبايع أمير ~~المؤمنين ؟ فقلت: أمير المؤمنين عندنا في الموصل وله في أعناق الخلق بيعة ~~متقدمة. وطال الكلام وعدت إلى منزلي. فلما كان الليل جاءتني امرأة عجوز ~~سرا، واجتمعت بي وأبلغتني رسالة عن المقتفي لأمر الله مضمونها عتابي على ما ~~قلته واستنزالي عنه. فقلت: غدا أخدم خدمة يظهر أثرها. فلما كان الغد أحضرت ~~الديوان وقيل لي في معنى البيعة، فقلت: أنا رجل فقيه قاض، ولا يجوز لي أن ~~أبايع إلا بعد أن يثبت عندي خلع المتقدم. فأحضروا الشهود وشهدوا عندي في ~~الديوان بما أوجب خلعه، فقلت: هذا ثابت لا كلام فيه، ولكن لا بد لنا في هذه ~~الدعوة من نصيب، لأن أمير المؤمنين قد حصل له خلافة ms3908 الله في أرضه، ~~والسلطان، فقد استراح ممن كان يقصده، ونحن بأي شيء نعود ؟ فرفع الأمر إلى ~~الخليفة، فأمر أن يعطى أتابك زنكي صريفين ودرب هرون وحربي ملكا، وهي من خاص ~~الخليفة ويزاد في ألقابه، وقال: هذه قاعدة لم يسمح بها لأحد من زعماء ~~الأطراف أن يكون لهم نصيب في خاص الخليفة. فبايعت وعدت مقضي الحوائج قد حصل ~~لي جملة صالحة من المال والتحف. وكانت بيعة وخطب للمقتفي في الموصل في رجب ~~سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، ولما عاد كمال الدين بن الشهرزوري سير على يده ~~المحضر الذي عمل بخلع الراشد، فحكم به قاضي القضاة الزينبي بالموصل، وكان ~~عند أتابك زنكي. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل السلطان مسعود وزيره شرف الدين أنو شروان بن خالد وعاد ~~إلى بغداد، وأقام بداره معزولا، ووزر بعده كمال الدين أبو البركات ابن سلمة ~~الدركزيني وهو من خراسان. وفيها ثار العيارون ببغداد عند اجتماع العساكر ~~بها، وقتلوا في البلد ونهبوا الأموال ظاهرا وكثر الشر، فقصد الشحنة شارع ~~دار الرقيق، وطلب العيارين، فثار عليه أهل المحال الغربية فقاتلهم، وأحرق ~~الشارع، فاحترق فيه خلق كثير، ونقل الناس أموالهم إلى الحريم الطاهري، ~~فدخله الشحنة، ونهب منه مالا كثيرا. ثم وقعت فتنة ببغداد بين أهل باب الأزج ~~وبين أهل المأمونية، وقتل بينهم جماعة ثم اصطلحوا. وفيها ثار قراسنقر في ~~عساكر كثيرة في طلب الملك داود ابن السلطان محمود، فأقام السلطان مسعود ~~ببغداد، ولم يزل قراسنقر يطلب داود حتى أدركه عند مراغة، فالتقيا وتصافا ~~واقتتل العسكران قتالا عظيما، فانهزم داود وأقام قراسنقر بأذربيجان، وأما ~~داود فإنه قصد خوزستان فاجتمع عليه هناك عساكر كثيرة من التركمان وغيرهم ~~وبلغت عدتهم نحو عشرة آلاف فارس، فقصد تستر وحاصرها، وكان عمه الملك ~~سلجوقشاه ابن السلطان محمد بواسط، فأرسل إلى أخيه السلطان مسعود يستنجده، ~~فأمده بالعساكر، فسار إلى داود وهو يحاصر تستر، فتصافا، فانهزم سلجوقشاه. ~~وفيها توفي محمد بن حموية أبو عبد الله الجويني، وهو من مشايخ الصوفية ~~المشهورين، وله كرامات كثيرة ورواية الحديث. ms3909 وتوفي أيضا محمد بن عبد الله ~~بن أحمد بن حبيب العامري الصوفي مصنف شرح الشهاب وأنشد لما حضره الموت: ها ~~قد مددت يدي إليك فردها ... بالفضل لا بشماتة الأعداء PageV05P0008 # وتوفي أيضا أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الفراوي الصاعدي راوي ~~صحيح مسلم عن عبد الغافر الفارسي، وطريقه اليوم أعلى الطرق، وإليه المرحلة ~~من الشرق والغرب، وكان فقيها مناظرا ظريفا يخدم الغرباء بنفسه، وكان يقال: ~~الفراوي ألف راو، رحمه الله ورضي عنه. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة # ### || AUT ذكر تفرق العساكر عن السلطان مسعود # في هذه السنة، في المحرم، أذن السلطان مسعود للعساكر التي عنده ببغداد ~~بالعود إلى بلادهم، لما بلغه أن الراشد بالله قد فارق أتابك زنكي من ~~الموصل، فإنه كان يتمسك بالعساكر عنده خوفا أن ينحدر به إلى العراق فيملكه ~~عليه، فلما أراد أن يأذن للأمير صدقة بن دبيس،صاحب الحلة، زوجه أبنته تمسكا ~~به. وقدم على السلطان مسعود جماعة من الأمراء اللذين حاربوه مع الملك داود ~~منهم البقش السلاحي وبرسق ابن برسق صاحب تستر، وسنقر الخمارتكين شحنة ~~همذان،فرضي عنهم، وأمنهم، وولي البقش شحنكية بغداد،فعسف الناس وظلمهم. وكان ~~السلطان مسعود بعد تفرق العساكر عنه قد بقي معه ألف فارس. وتزوج الخليفة ~~فاطمة خاتون أخت السلطان مسعود في رجب، والصداق مائة ألف دينار، وكان ~~الوكيل في قبول النكاح وزير الخليفة علي بن طراد الزينبي، والوكيل عن ~~السلطان وزيره الكمال الدركزيني ووثق السلطان حيث صار الخليفة وصدقة بن ~~دبيس بن صدقة صهريه، وحيث سار الراشد بالله من عند زنكي الأتابك، و الله أعلم. ### || AUT ذكر عزل بهرام عن وزارة الحافظ # ### || AUT ووزارة رضوان # في هذه السنة في جمادى الأولى، هرب تاج الدولة بهرام وزير الحافظ لدين ~~الله العلوي صاحب مصر، وكان قد استوزره بعد قتل أبنه حسن سنة تسع وعشرين ~~وخمسمائة، وكان نصرانيا أرمنيا فتمكن في البلاد واستعمل الأرمن وعزل ~~المسلمين، وأساء السرة فيهم وأهانهم هو والأرمن الذين ولاهم وطمعوا فيهم، ~~فلم يكن في أهل مصر من أنف ms3910 ذلك إلا رضوان بن الريحيني،فإنه لما ساءه ذلك ~~وأقلقه جمع جمعا كثيرا وقصد القاهرة، فسمع به بهرام،فهرب إلى الصعيد من غير ~~حرب ولا قتال، وقصد مدينة أسوان فمنعه واليها من الدخول إليها وقاتله فقتل ~~السودان من الأرمن كثيرا، فلما لم يقدر على الدخول إلى أسوان أرسل إلى ~~الحافظ يطلب الأمان، فأمنه، فعاد إلى القاهرة، فسجن بالقصر، فبقي مدة، ثم ~~ترهب وخرج من الحبس. وأما رضوان فإنه وزر للحافظ ولقب بالملك الأفضل، وهو ~~أول وزير للمصريين لقب بالملك، ثم فسد ما بينه وبين الحافظ فعمل الحافظ في ~~إخراجه، فثار الناس عليه منتصف شوال سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وهرب من ~~داره وتركها بما فيها، فنهب الناس منها ما لا يحد ولا يحصى، وركب الحافظ ~~فسكن الناس، ونقل ما بقي في دار رضوان إلى قصره. وأما رضوان فإنه سار يريد ~~الشام يستنجد الأتراك ويستنصرهم، فأرسل إليه الحافظ الأمير ابن مصال ليرده ~~بالعهد والأمان أنه لا يؤذيه، فرجع إلى القاهرة، فحبسه الحافظ عنده في ~~القصر، وقيل إنه توجه إلى الشام، وهو الصحيح، وقصد صرخد فوصل إليها في ذي ~~القعدة ونزل على صاحبها أمين الدولة كمشتكين، فأكرمه وعظمه، وأقام عنده. ثم ~~عاد إلى مصر سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، ومعه عسكر، فقاتل المصريين عند باب ~~النصر وهزمهم، وقتل منهم جماعة كثيرة، وأقام ثلاثة أيام، فتفرق عنه كثير ~~ممن معه، فعزم على العود إلى الشام، فأرسل إليه الحافظ الأمير ابن ~~مصال،فرده وحبسه عنده في القصر، وجمع بينه وبين عياله، فأقام في القصر إلى ~~سنة ثلاث وأربعين، فنقب الحبس وخرج منه،وقد أعدت له خيل، فهرب عليها، وعبر ~~النيل إلى الجيزة فحشد وجمع المغاربة وغيرهم، وعاد إلى القاهرة، فقاتل ~~المصريين عند جامع ابن طولون وهزمهم، ودخل إلى القاهرة فنزل عند جامع ~~الأقمر، فأرسل إليه الحافظ عشرين ألف دينار، فقسمها، وكثر عليه الناس، وطلب ~~زيادة، فأرسل إليه عشرين ألف دينار أخرى، ففرقها، فتفرق الناس عنه وخفوا ~~عنده، فإذا الصوت قد وقع، وخرج إليه جمع كثير من السودان وضعهم الحافظ ~~عليه، ms3911 فحملوا على غلمانه فقاتلوهم، فقام يركب، فقدم إليه بعض أصحابه فرسا ~~ليركبه، فلما أراد ركوبه ضرب الرجل رأسه بالسيف فقتله، وحمل رأسه إلى ~~الحافظ، فأرسله إلى زوجته، فوضع في حجرها، فألقته وقالت: هكذا يكون الرجال، ~~ولم يستوزر الحافظ بعده أحدا، وباشر الأمور بنفسه إلى أن مات. PageV05P0009 ### || AUT ذكر فتح المسلمين حصن وادي ابن الأحمر من الفرنج # وفي هذه السنة، فيرجب، سار عسكر دمشق مع مقدمهم الأمير بزاوش إلى طرابلس ~~الشام، فاجتمع معه من الغزاة المتطوعة والتركمان أيضا خلق كثير، فلما سمع ~~القمص صاحبها بقربهم من ولايته سار إليهم في جموعه وحشوده، فقاتلهم وانهزم ~~الفرنج وعادوا إلى طرابلس على صورة سيئة قد قتل كثير من فرسانهم وشجعانهم ~~فنهب المسلمون من أعمالهم الكثير وحصروا حصن وادي ابن الأحمر فملكوه عنوة ~~ونهبوا ما فيه، وقتلوا المقاتلة، وسبوا الحريم والذرية، وأسروا الرجال ~~فاشتروا أنفسهم بمال جليل، وعادوا إلى دمشق سالمين، والله أعلم. ### || AUT ذكر حصار زنكي مدينة حمص # في هذه السنة، في شعبان، سار أتابك زنكي إلى مدينة حمص وقدم إليها صلاح ~~الدين محمد الياغيسياني، وهو أكبر أمير معه، وكان ذا مكر وحيل، أ رسله ~~ليتوصل مع من فيها ليسلموها إليه فوصل إليها وفيها معين الدين أنز، وهو ~~الوالي عليها والحاكم فيها، وهو أيضا أكبر أمير بدمشق وحمص أقطاعة كما سبق ~~ذكره، فلم ينفذ فيه مكره، فوصل حينئذ زنكي إليها وحصرها وعاود مراسلة أنز ~~في التسليم غير مرة، تارة بالوعد وتارة بالوعيد، واحتج بأنها ملك صاحبه ~~شهاب الدين وأنها أمانة ولا يسلمها إلا عن غلبة فأقام عليها إلى العشرين من ~~شوال ورحل عنها من غير بلوغ غرض إلى بعرين فحصرها، وكان منه ومن الفرنج ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر ملك زنكي قلعة بعرين وهزيمة الفرنج # وفي هذه السنة من شوال، سار أتابك زنكي من الموصل إلى الشام وحصر قلعة ~~بعرين، وهي تقارب مدينة حماة، وهي من أمنع معاقل الفرنج وأحصنها، فلما نزل ~~عليها قاتلها، وزحف إليها، فجمع الفرنج فارسهم وراجلهم، وساروا ms3912 في قضهم ~~وقضيضهم، وملوكهم وقمامصتهم وكنودهم، إلى أتابك ليرحلوه عن بعرين، فلم يرحل ~~وصبر لهم إلى أن وصلوا إليه، فلقيهم وقاتلهم أشد قتال رآه الناس، وصبر ~~الفريقان ثم أجلت الوقعة عن هزيمة الفرنج، وأخذتهم سيوف المسلمين من كل ~~جانب، واحتمى ملوكهم وفرسانهم بحصن بعرين لقربه منهم، فحصرهم زنكي فيه ومنع ~~عنهم كل شيء حتى الأخبار فكان من به منهم لا يعلم شيئا من أخبار بلادهم ~~لشدة ضبط الطرق وهيبته على جنده. ثم إن القسوس والرهبان دخلوا بلاد الروم ~~وبلاد الفرنج وما والاها مستنفرين على المسلمين، وأعلموهم أن زنكي أخذ قلعة ~~بعرين ومن فيها من الفرنج ملك جميع بلادهم فبأسرع وقت، وأن المسلمين ليس ~~لهم همة إلا قصد البيت المقدس، فحينئذ اجتمعت النصرانية وساروا على الصعب ~~والذلول، وقصدوا الشام، وكان منهم ما نذكره. وأما زنكي فإنه جد في قتال ~~الفرنج، فصبروا وقلت عليهم الذخيرة، فإنهم كانوا غير مستعدين، ولم يكونوا ~~يعتقدون أن أحدا يقدم عليهم بل كانوا يتوقعون ملك باقي الشام، فلما قلت ~~الذخيرة أكلوا دوابهم، وأذعنوا بالتسليم ليؤمنهم، ويتركهم يعودون إلى ~~بلادهم، فلم يجبهم إلى ذلك، فلما سمع باجتماع من بقي من الفرنج ووصول من ~~قرب إليهم أعطى لمن في الحصن الأمان، وقرر عليهم خمسين ألف دينار يحملونها ~~إليه، فأجابوه إلى ذلك فأطلقهم فخرجوا وسلموا إليه، فلما فارقوه بلغهم ~~اجتماع من اجتمع بسببهم، فندموا على التسليم حيث لا ينفعهم الندم، وكان لا ~~يصلهم شيء من الأخبار البتة، فلهذا سلموا. وكان زنكي في مدة مقامه عليهم قد ~~فتح المعرة وكفر طاب من الفرنج فكان أهلها وأهل سائر الولايات التي بين حلب ~~وحماة مع أهل بعرين في الخزي لأن الحرب بينهم قائمة على ساق، والنهب والقتل ~~لا يزال بينهم، فلما ملكها أمن الناس، وعمرت البلاد وعظم دخلها، وكان فتحا ~~مبينا ومن رآه علم صحة قولي. ومن أحسن الأعمال وأعدلها ما عمله زنكي مع أهل ~~المعرة، فإن الفرنج لما ملكوا المعرة كانوا قد أخذوا أموالهم وأملاكهم، ~~فلما فتحها زنكي الآن حضر من بقي ms3913 من أهلها ومعهم أعقاب من هلك، وطلبوا ~~أملاكهم، فطلب منهم كتبها، فقالوا: إن الفرنج أخذوا كل ما لنا، والكتب التي ~~للأملاك فيها. فقال: اطلبوا دفاتر حلب وكل من عليه خراج على ملك يسلم إليه، ~~ففعلوا ذاك، وأعاد على الناس أملاكهم، وهذا من أحسن الأفعال وأعدلها. ### || AUT ذكر خروج ملك الروم من بلاده إلى الشام # PageV05P0010 # قد تقدم أن الفرنج أرسلوا إلى ملك القسطنطينية يستصرخون به ويعرفونه ما ~~فعله زنكي فيهم ويحثونه على لحاق البلاد قبل أن تملك، ولا ينفعه حينئذ ~~المجيء، فتجهز وسار مجدا فابتدأ وركب البحر وسار إلى مدينة أنطاليا، وهي له ~~على ساحل البحر، فأرسى فيها، وأقام ينتظر وصول المراكب التي فيها أثقاله ~~وسلاحه، فلما وصلت سار عنها إلى مدينة نيقية وحصرها، فصالحه أهلها على مال ~~يؤدونه إليه، وقيل: بل ملكها وسار عنها إلى مدينة أدنة ومدينة المصيصة، ~~وهما بيد ابن ليون الأرمني، صاحب قلاع الدروب، فحصرهما وملكهما. ورحل إلى ~~عين زربة فملكها عنوة، وملك تل حمدون، وحمل أهله إلى جزيرة قبرس، وعبر ~~ميناء الإسكندرونة ثم خرج إلى الشام فحصر مدينة أنطاكية في ذي القعدة، وضيق ~~على أهلها، وبها صاحبها الفرنجي ريمند، فترددت الرسل بينهما، فتصالحا ورحل ~~عنها إلى بغراص، ودخل منها بلد ابن ليون الأرمني، فبذل له ابن ليون أموالا ~~كثيرة ودخل في طاعته، والله أعلم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، وفي الرابع والعشرين من أيار، ظهر بالشام سحاب أسود أظلمت ~~له الدنيا، وصار الجو كالليل الظلم، ثم طلع بعد ذلك سحاب أحمر كأنه نار ~~أضاءت له الدنيا، وهبت ريح عاصف ألقت كثيرا من الشجر، وكان أشد ذلك بحوران ~~ودمشق، وجاء بعده مطر شديد وبرد كبار وفيها عاد مؤيد الدين أبو الفوارس ~~المسيب بن علي بن الحسين المعروف بابن الصوفي من صرخد إلى دمشق. وكان قد ~~أخرج هو وأهله من دمشق إلى صرخد، فبقوا فيها إلى الآن، وعادوا، وولي أبو ~~الفوارس الرئاسة بدمشق، وكان محبوبا عند أهلها، وتمكن تمكنا عظيما، وكان ذا ~~رئاسة عظيمة ومروءة ظاهرة. ms3914 وفيها كثرت الأمراض ببغداد وكثر الموت فجأة ~~بأصفهان وهمذان. وفيها سار أتابك زنكي إلى دقوقا فحصرها وملكها بعد أن قاتل ~~على قلعتها قتالا شديدا. وفيها توفي أبو سعيد أحمد بن محمد بن ثابت الخجندي ~~رئيس الشافعية بأصفهان، وتفقه على والده، ودرس بالنظامية بأصفهان. وتوفي ~~هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري، ومولده يوم عاشوراء سنة خمس وثلاثين ~~وأربعمائة، وهو أخر من روى عن أبي الحسن زوج الحرة. وقد روى الخطيب أبو بكر ~~بن ثابت عن زوج الحرة أيضا، وكانت وفاة الخطيب سنة ثلاث وستين وأربعمائة. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة # ### || AUT ذكر ملك أتابك زنكي حمص # ### || AUT وغيرها من أعمال دمشق # وفي هذه السنة، في المحرم، وصل أتابك إلى حماة وسار منها إلى بقاع ~~بعلبك، فملك حصن المجدل، وكان لصاحب دمشق، وراسله مستحفظ بانياس وأطاعه، ~~وهو أيضا لصاحب دمشق، وسار إلى حمص فحصرها، وأدام قتالها، فلما نازل ملك ~~الروم حلب رحل عنها إلى سلمية، فلما انجلت حادثة الروم، على ما ذكرناه، ~~عاود منازلة حمص، وأرسل إلى شهاب الدين صاحب دمشق يخطب إليه أمه ليتزوجها، ~~واسمها زمرد خاتون، ابنة جاولي، وهي التي قتلت ابنها شمس الملوك، وهي التي ~~بنت المدرسة بظاهر دمشق المطلة على وادي شقرا ونهر بردى، فتزوجها، وتسلم ~~حمص مع قلعتها. وحملت خاتون إليه في رمضان، وإنما حمله على التزوج بها ما ~~رأى من تحكمها في دمشق فظن أنه يملك البلد بالاتصال بها، فلما تزوجها خاب ~~أمله ولم يحصل على شيء فأعرض عنها. ### || AUT ذكر وصول ملك الروم إلى الشام # ### || AUT وملكه بزاعة وما فعله بالمسلمين # قد ذكرنا سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة خروج ملك الروم من بلاده واشتغاله ~~بالفرنج وابن ليون، فلما دخلت هذه السنة وصلت إلى الشام وخافه الناس خوفا ~~عظيما، وقصد بزاعة فحصرها، وهي مدينة لطيفة على ستة فراسخ من حلب، فمضى ~~جماعة من أعيان حلب إلى أتابك زنكي وهو يحاصر حمص، فاستغاثوا به واستنصروه، ~~فسير معهم كثيرا من العساكر، فدخلوا إلى حلب ليمنعوها من ms3915 الروم إن حصروها. ~~ثم إن ملك الروم قاتل بزاعة، ونصب عليها منجنبقات، وضيق على من بها فملكها ~~بالأمان في الخامس والعشرين من رجب، ثم غدر بأهلها فقتل منهم وأسر وسبى. ~~وكان عدة من جرح فيها من أهلها خمسة آلاف وثمانمائة نفس، وتنصر قاضيها ~~وجماعة من أعيانها نحو أربع مائة نفس. وأقام الروم بعد ملكها عشرة أيام ~~يتطلبون من أختفى، فقيل لهم: إن جمعا كثيرا من أهل هذه الناحية قد نزلوا ~~إلى المغارات، فدخنوا عليهم، وهلكوا في المغاور. PageV05P0011 # ثم رحلوا إلى حلب فنزلوا على قويق ومعهم الفرنج الذين بساحل الشام، ~~وزحفوا إلى حلب من الغد في خيلهم ورجلهم، فخرج إليهم أحداث حلب، فقاتلوهم ~~قتالا شديدا، فقتل من الروم وجرح خلق كثير، وقتل بطريق جليل القدر عندهم، ~~وعادوا خاسرين، وأقاموا ثلاثة أيام فلم يروا فيها طمعا، فرحلوا إلى قلعة ~~الأثارب، فخاف من فيها من المسلمين، فهربوا عنها تاسع شعبان فملكها الروم ~~وتركوا فيها سبايا بزاعة والأسرى ومعهم جمع من الروم يحفظونهم ويحمون ~~القلعة وساروا، فلما سمع الأمير أسوار بحلب ذلك رحل فيمن عنده من العسكر ~~إلى الأثارب، فأوقع بمن فيها من الروم، فقتلهم، وخلص السبي والأسرى وعاد ~~إلى حلب. وأما عماد الدين زنكي فإنه فارق حمص وسار إلى سلمية فنازلها، وعبر ~~ثقله الفرات إلى الرقة، وأقام جريدة ليتبع الروم ويقطع عنهم الميرة، وأما ~~الروم فإنهم قصدوا قلعة شيزر، فإنها من أمنع الحصون، وإنما قصدوها لأنها لم ~~تكن لزنكي، فلا يكون له في حفظها الاهتمام العظيم، وإنما كانت للأمير أبي ~~العساكر سلطان بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني، فنازلوها وحصروها، ~~ونصبوا عليها ثمانية عشر منجنيقا، فأرسل صاحبها إلى زنكي يستنجده، فسار ~~إليه فنزل على نهر العاصي بالقرب منها، بينها وبين حماة، وكان يركب كل يوم ~~ويسير إلى شيزر هو و عساكره ويقفون بحيث يراهم الروم، ويرسل السرايا فتأخذ ~~من ظفرت به منهم. ثم إنه أرسل إلى ملك الروم يقول له: إنكم قد تحصنتم مني ~~بهذه الجبال، فأنزلوا منها إلى الصحراء ms3916 حتى نلتقي، فإن ظفرت بكم أرحت ~~المسلمين منكم، وإن ظفرتم استرحتم وأخذتم شيزر وغيرها. ولم يكن له بهم قوة ~~وإنما كلن يرهبهم بهذا القول وأشباهه، فأشار فرنج الشام على ملك الروم ~~بمصافته،وهونوا أمره عليه، فلم يفعل، وقال: أتظنون أنه ليس له من العسكر ~~إلا ما ترون ؟إنما هو يريد أن تلقوه فيجيئه من نجدات المسلمين ما لا حد له. ~~وكان زنكي يرسل أيضا إلى ملك الروم يوهمه بأن فرنج الشام خائفون منه، فلو ~~فارق مكانه لتخلوا عنه، ويرسل إلى فرنج الشام يخوفهم من ملك الروم ويقول ~~لهم :إن ملك بالشام حصنا واحدا ملك بلادكم جميعا؛ فاستشعر كل من صاحبه، ~~فرحل ملك الروم عنها في رمضان، وكان مقامه عليها أربعة و عشرين يوما، وترك ~~المجانيق و آلات الحصار بحالها، فسار أتابك زنكي يتبع ساقة العسكر، فظفر ~~بكثير ممن تخلف منهم، وأخذ جميع ما تركوه. ولما كان الفرنج على بزاعة أرسل ~~زنكي القاضي كمال الدين أبا الفضل محمد بن عبد الله بن قاسم الشهرزوري إلى ~~السلطان مسعود يستنجده، ويطلب العساكر، فمضى إلى بغداد، وانهى الحال إلى ~~السلطان، وعرفه عاقبة الإهمال، وأنه ليس بينه و بين الروم إلا أن يملكوا ~~حلب و ينحدروا مع الفرات إلى بغداد، فلم يجد عنده حركة، فوضع إنسانا من ~~أصحابه، يوم جمعة، فمضى إلى جامع القصر، و معه جماعة من رنود العجم، وأمر ~~أن يثور بهم إذا صعد الخطيب المنبر، ويصيح و يصيحوا معه: وا إسلامه، وا دين ~~محمداه ! ويشق ثيابه، ويرمي عمامته من رأسه، ويخرج إلى دار السلطان والناس ~~معه يستغيثون،كذلك ووضع إنسانا آخر يفعل بجامع السلطان مثله. فلما صعد ~~الخطيب المنبر قام ذلك الرجل ولطم رأسه، وألقى عمامته وشق ثوبه، وأولئك ~~معه، وصاحوا، فبكى الناس وتركوا الصلاة، ولعنوا السلطان، وساروا من الجامع ~~يتبعون الشيخ إلى دار السلطان فوجدوا الناس في جامع السلطان كذلك، وأحاط ~~الناس بدار السلطان يستغيثون ويبكون، فخاف السلطان، فقال أحضروا إلي ابن ~~الشهرزوري، فأحضر، فقال كمال الدين :لقد خفت منه مما رأيت، فلما ms3917 دخلت عليه ~~قال لي :أي فتنة أثرت ؟فقلت ما فعلت شيئا. أنا كنت في بيتي، وإنما الناس ~~يغارون للدين والإسلام، ويخافون عاقبة هذا التواني، فقال: اخرج إلى الناس ~~ففرقهم عنا واحضر غدا واختر من العسكر من تريد، ففرقت الناس وعرفتهم ما أمر ~~به من تجهيز العساكر وحضرت من الغد إلى الديوان، فجهزوا لي طائفة عظيمة من ~~الجيش ن فأرسلت إلى نصير الدين بالموصل أعرفه ذلك، وأخوفه من العسكر إن ~~طرقوا البلاد، فإنهم يملكونها، فأعاد الجواب يقول: البلاد لا شك مأخوذة ~~فلأن يأخذها المسلمون خير من أن يأخذها الكافرون. PageV05P0012 # NOTMATCH ### || AUT ذكر الحرب بين السلطان مسعود والملك داود ومن معه من الأمراء NOTMATCH # فشرعنا في التحميل للرحيل، وإذ قد وصلني كتاب أتابك زنكي من الشام يخبر ~~برحيل ملك الروم ويأمرني بأن لا استصحب من العسكر أحدا، فعرفت السلطان ذلك ~~فقال: العسكر قد تجهز، ولابد من الغزاة إلى الشام، فبعد الجهد وبذل الخدمة ~~العظيمة له ولأصحابه أعاد العسكر. ولما عاد ملك الروم عن شيزر مدح الشعراء ~~أتابك زنكي وأكثروا، فمن ذلك ما قاله المسلم بن خضر بن قسيم الحموي من ~~قصيدة أولها : بعزمك أيها الملك العظيم ... تذل لك الصعاب وتستقيم ومنها : ~~ألم تر أن كلب الروم لما ... تبين أنه الملك الرحيم فجاء يطبق الفلوات خيلا ~~... كأن الجحفل الليل البهيم وقد نزل الزمان على رضاه ... ودان لخطبه الخطب ~~العظيم فحين رميته بكفي خميس ... تيقن أن ذلك لا يدوم وأبصر في المفاضة منك ~~جيشا ... فأحرب لا يسير ولا يقيم كأنك في العجاج شهاب نور ... توقد وهو ~~شيطان رجيم أراد بقاء مهجته فولى ... وليس سوى الحمام له حميم وهي قصيدة ~~طويلة، ومن عجيب ما يحكى أن ملك الروم لما عزم على حصر شيزر سمع من بها ~~ذلك، فقال الأمير مرشد بن علي أخو صاحبها وهو يفتح مصحفا: اللهم بحق من ~~أنزلته عليه إن قضيت بمجيء ملك الروم فاقبضني إليك ! فتوفي بعد أيام. ### || AUT الحرب بين السلطان مسعود والملك داود # ذكر ### || AUT الحرب بين السلطان مسعود ms3918 والملك داود # ومن معه من الأمراء لما فارق الراشد بالله أتابك زنكي من الموصل سار نحو ~~أذربيجان، فوصل مراغة، وكان الأمير منكبرس صاحب فارس، ونائبه بخوزستان ~~الأمير بوزابة، والأمير عبد الرحمن طغايرك صاحب خلخال، والملك داود ابن ~~السلطان محمود، مستشعرين من السلطان مسعود،خائفين منه،فتجمعوا ووافقوا ~~الراشد على الاجتماع معهم لتكون أيديهم واحدة، ويردوه إلى الخلافة، فأجابهم ~~إلى ذلك إلا أنه لم يجتمع معهم. ووصل الخبر إلى السلطان مسعود وهو ببغداد ~~باجتماعهم، فسار عنها في شعبان نحوهم، فالتقوا ببنجن كشت، فاقتتلوا، فهزمهم ~~السلطان مسعود، وأخذ الأمير منكبرس أسيرا فقتل بين يديه صبرا، وتفرق عسكر ~~مسعود في النهب واتباع المنهزمين. وكان بوزابة وعبد الرحمن طغايرك على نشز ~~من الأرض، فرأيا السلطان مسعودا وقد تفرق عسكره عنه، فحملا عليه وهو في قلة ~~فلم يثبت لهما وانهزم، وقبض بوزابة على جماعة من الأمراء: منهم صدقة بن ~~دبيس صاحب الحلة، ومنهم ولد أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان، وعنتر بن أبي ~~العسكر وغيرهم وتركهم عنده. فلم ا بلغه قتل صاحبه منكبرس قتلهم جميعا وصار ~~العسكران مهزومين، وكان هذا من أعجب الاتفاق. وقصد السلطان مسعود أذربيجان، ~~وقصد الملك داود همذان، ووصل إليها الراشد بعد الوقعة فاختلفت آراء ~~الجماعة، فبعضهم أشار بقصد العراق والتغلب عليه، وبعضهم أشار باتباع ~~السلطان مسعود للفراغ منه، فإن ما بعده يهون عليهم. وكان بوزابة أكبر ~~الجماعة فلم ير ذلك، وكان عرضه المسير إلى بلاد فارس وأخذها بعد قتل صاحبها ~~منكبرس قبل أن يمتنع من بها عليه، فبطل عليهم ما كانوا فيه، وسار إليها ~~فملكها، وصارت له مع خوزستان. وسار سلجوق شاه ابن السلطان محمد إلى بغداد ~~ليملكها، فخرج إليه البقش الشحنة بها ونظر الخادم أمير الحاج وقاتلوه ~~ومنعوه، وكان عاجزا مستضعفا، ولما قتل صدقة بن دبيس أقر السلطان مسعود ~~الحلة على أخيه محمد بن دبيس وجعل معه مهلهل بن ابي العسكر أخا عنتر ~~المقتول يدبر أمره. ولما كان البقش شحنة بغداد يقاتل سلجوقشاه ثار العيارون ~~ببغداد ونهبوا الأموال، وقتلوا الرجال، وزاد أمرهم حتى كانوا ms3919 يقصدون أرباب ~~الأموال ظاهرا، ويأخذون منهم ما يريدون، ويحملون الأمتعة على رؤوس ~~الحمالين، فلما عاد الشحنة قتل منهم وصلب، وغلت الأسعار وكثر الظلم منه، ~~وأخذ المستورين بحجة العيارين، فجلا الناس عن بغداد إلى المصل وغيرها من البلاد. ### || AUT ذكر قتل الراشد بالله # PageV05P0013 # لما وصل الراشد بالله إلى همذان، وبها الملك داود وبوزابة ومن معهما من ~~المراء والعساكر بعد انهزام السلطان مسعود وتفرق العساكر، على ما تقدم ~~ذكره، سار الرشد بالله إلى خوزستان مع الملك داود، ومعه خوارزم شاه، فقاربا ~~الحويزة، فسار السلطان مسعود إلى بغداد ليمنعهم عن العراق، فعاد الملك داود ~~إلى فارس وعاد خوارزم شاه إلى بلاده، وبقي الراشد وحده، فلما أيس من عساكر ~~العجم سار إلى أصفهان. فلما كان الخامس والعشرون من رمضان وثب عليه نفر من ~~الخراسانية الذين كانوا في خدمته، فقتلوه وهو يريد القيلولة، وكان في أعقاب ~~مرض وقد برىء منه، ودفن بظاهر أصفهان بشهرستان، فركب من معه فقتلوا ~~الباطنية. ولما وصل الخبر إلى بغداد جلسوا للعزاء به في بيت النوبة يوما ~~واحدا. وكان أبيض أشقر، حسن اللون مليح الصورة، مهيبا شديد القوة والبطش. ~~قال أبو بكر الصولي: الناس يقولون إن كل سادس يقوم بأمر الناس من أول ~~الإسلام لا بد من أن يخلع، وربما قتل. قال: فتأملت ذلك، فرأيته كما قيل، ~~فإن أول من قام بأمر هذه الأمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أبو ~~بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن، رضي الله عنهم، فخلع ثم معاوية ويزيد ابنه، ~~ومعاوية بن يزيد، ومروان، وعبد الملك بن مروان، وعبد الله بن الزبير،فخلع ~~وقتل؛ثم الوليد بن عبد الملك، وأخوه سليمان، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد، ~~وهشام ابنا عبد الملك،والوليد بن يزيد ابن عبد الملك،فخلع وقتل؛ ثم لم ~~ينتظم أمر بني أمية؛ثم ولي السفاح،والمنصور والمهدي والهادي والرشيد ~~والأمين،فخلع وقتل؛ والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر ~~والمستعين، فخلع وقتل؛ والمعتز والمهتدي والمعتمد والمعتضد والمكتفي ~~والمقتدر،فخلع، ثم رد، ثم قتل، ثم القاهر والراضي والمتقي والمستكفي ~~والمطيع والطائع، فخلع؛ ثم القادر ms3920 والقائم والمقتدي والمستظهر والمسترشد ~~والراشد،، فخلع وقتل. قلت: وفي هذا نظر لأن البيعة لأبن الزبير كانت قبل ~~البيعة لعبد الملك بن مروان ، وكونه جعله بعده لا وجه له ، والصولي إنما ~~ذكر إلى أيام المقتدر بالله ومن بعده ذكره غيره. ### || AUT ذكر حال ابن بكران العيار # في هذه السنة، في ذي الحجة، عظم أمر ابن بكران العيار بالعراق، وكثر ~~أتباعه، وصار يركب ظاهر في جمع من المفسدين، وخافه الشريف أبو الكرم الوالي ~~ببغداد، فأمر ابا القاسم ابن أخيه حامي باب الأزج أن يشتد عليه ليأمن شره. ~~وكان ابن بكران يكثر المقام بالسواد، ومعه رفيق له يعرف بابن البزاز، ~~فانتهى أمرهما إلى أنهما أرادا أن يضربا باسمهما سكة في الأنبار، فأرسل ~~الشحنة والوزير شرف الدين الزينبي إلى الوالي أبي الكرم وقالا: إما أن تقتل ~~ابن بكران، وإما أن نقتلك؛ فأحضر ابن أخيه وعرفه ما جرى، وقال له: إما أن ~~تختارني ونفسك، وإما أن تختار أبن بكران؛ فقال أنا أقتله. وكان لابن بكران ~~عادة يجيء في بعض الليالي إلى ابن أخي أبي الكرم، فيقيم في داره ويشرب ~~عنده،فلما جاء على عادته وشرب، أخذ أبو القاسم سلاحه ووثب به فقتله وأراح ~~الناس من شره، ثم أخذ بعده بيسير ، رفيقه ابن البزاز ، وصلب، وقتل معه ~~جماعة من الحرامية، فسكن الناس واطمأنوا وهدأت الفتنة. ### || AUT ذكر قتل الوزير الدركزيني ووزارة الخازن # في هذه السنة قبض السلطان مسعود على وزيره العماد أبي البركات بن سلمة ~~الدركزيني، واستوزر بعده كمال الدين محمد بن الحسين الخازن، وكان الكمال ~~شهما، شجاعا، عادلا، نافذ الحكم، حسن السيرة، أزال المكوس ورفع المظالم، ~~وكان يقيم مؤونة السلطان ووظائفه، وجمع له خزائن كثيرة، وكشف أشياء كثيرة ~~كانت مستورة يخان فيها ويسرق، فثقل على المتصرفين وأرباب الأعمال، فأوقعوا ~~بينه وبين الأمراء، لاسيما قراسنقر صاحب اذربيجان فإنه فارق السلطان وأرسل ~~يقول: إما أن تنفذ رأس الوزير وإلا خدمنا سلطانا آخر. فاشار من حضر من ~~الأمراء بقتله، وحذروه فتنة لا تتلافى، فقتله على كره منه، وأرسل إلى ms3921 ~~قراسنقر فرضي. وكانت وزارته سبعة أشهر، وكان قتله سنة ثلاث وثلاثين ~~وخمسمائة. ووزر بعده أبو العز طاهر بن محمد البروجردي وزير قراسنقر، ولقب ~~عز الملك، وضاقت الأمور على السلطان مسعود، واستقطع الأمراء البلاد بغير ~~اختياره، ولم يبق له شيء من البلاد البتة إلا اسم السلطنة لا غير.؟؟؟ ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV05P0014 # في هذه السنة ملك حسام الدين تمرتاش إيلغازي، صاحب ماردين، قلعة الهتاخ ~~من بلاد ديار بكر، أخذها من بعض بني مروان الذين كانوا ملوك ديار بكر ~~جميعها، وهذا أخر من بقي منهم له ولاية، فسبحان الحي الدائم الذي لا يزول ~~ملكه ولا يتطرق إليه النقص ولا التغيير. وفيما انقطعت كسوة الكعبة، لما ~~ذكرناه من الاختلاف، فقام بكسوتها رامشت التاجر الفارسي، كساها من الثياب ~~الفاخرة بكل ما وجد إليه سبيل، فبلغ ثمن الكسوة ثمانية عشر ألف دينار ~~مصرية؛ وهو من التجار المسافرين إلى الهند كثير المال. وفيها توفيت زبيدة ~~خاتون ابنة السلطان بركيارق، زوج السلطان مسعود، وتزوج بعدها سفري ابنة ~~دبيس بن صدقة في جمادى الأولى، وتزوج ابنة قاروت، وهو من البيت السلجوقي، ~~إلا أنه كان لا يزال يعاقر الخمر ليلا ونهارا، فلهذا سقط اسمه وذكره. وفيها ~~قتل السلطان مسعود ابن البقش السلاحي شحنة بغداد، وكان قد ظلم الناس ~~وعسفهم، وفعل ما لم يفعله غيره من الظلم، فقبض عليه وسيره إلى تكريت، فسجنه ~~بها عند مجاهد الدين بهروز، ثم أمر بقتلهن فلما أرادوا قتله ألقى بنفسه في ~~دجلة فغرق، فأخذ رأسه وحمل إلى السلطان، وجعل السلطان شحنة العراق مجاهد ~~الدين بهروز، فعمل أعمالا صالحة منها: أنه عمل مسناة النهروان وأشباهها، ~~وكان حسن السيرة كثير الإحسان. وفيها درس الشيخ أبو منصور بن الرزاز ~~بالنظامية في بغداد. وأرسل إلى أتابك زنكي في إطلاق قاضي القضاة الزينبي، ~~فأطلق وانحدر إلى بغداد، فخلع عليه الخليفة وأقره على منصبه. وفيها كان ~~بخراسان غلاء شديد طالت مدته، وعظم أمره، حتى أكل الناس الكلاب والسنانير ~~وغيرهما من الدواب، وتفرق أكثر أهل البلاد من الجوع. وفيها توفي طغان ms3922 ~~أرسلان صاحب بدليس وأرزن من ديار بكر وولي بعده ابنه فرني واستقام له ~~الأمر. وفيها، في شهر صفر، جاءت زلزلة عظيمة بالشام والجزيرة وديار بكر ~~والموصل والعراق وغيرها من البلاد، فخربت كثيرا منها، وهلك تحت الهدم عالم ~~كثير. وفيها توفي أحمد بن محمد بن أبي بكر بن أبي الفتح الدينوري الفقيه ~~الحنبلي ببغداد، وكان ينشد كثيرا هذه الأبيات: تمنيت أن تمسي فقيها مناظرا ~~... بغير عياء والجنون فنون وليس اكتساب المال دون مشقة ... تلقيتها فالعلم ~~كيف يكون وفيها توفي محمد بن عبد الملك بن عمر أبو الحسن الكرخي، ومولده ~~سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وكان فقيها محدثا سمع الحديث بكرخ وأصفهان ~~وهمذان وغيرها. وفي شعبان منها توفي القاضي أبو العلاء صاعد بن الحسين بن ~~إسماعيل ابن صاعد، وهو ابن عم القاضي أبي سعيد، وولي القضاء بنيسابور بعد أبي سعيد. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة # ### || AUT ذكر الحرب بين السلطان سنجر وخوارزم شاه # في هذه السنة، في المحرم، سار السلطان سنجر بن ملكشاه إلى خوارزم محاربا ~~لخوارزم شاه أتسز بن محمد. وسبب ذلك أن سنجر بلغه أن أتسز يحدث نفسه ~~بالامتناع عليه وترك الخدمة له، وأن هذا الأمر قد ظهر على كثير من أصحابه ~~وأمرائه، فأوجب ذلك قصده واخذ خوارزم منه، فجمع عساكره وتوجه نحوه،فلما قرب ~~من خوارزم خرج خوارزم شاه إليه في عساكره، فلقيه مقابلا وعبأ كل واحد منهما ~~عساكره وأصحابه، فاقتتلوا، فلم يكن للخوارزمية قوة بالسلطان، فلم يثبتوا، ~~وولوا منهزمين، وقتل منهم خلق كثير، ومن جملة القتلى ولد لخوارزم شاه، فحزن ~~عليه أبوه حزنا عظيما، ووجد وجدا شديدا. وملك سنجر خوارزمن وأقطعها غياث ~~الدين سليمان شاه ولد أخيه محمد، ورتب له وزيرا وأتابكا وحاجبا، وقرر ~~قواعده، وعاد إلى مرو في جمادى الأخرى من هذه السنة؛ فلما فارق خوارزم ~~عائدا انتهز خوارزم شاه الفرصة فرجع إليها، وكان أهلها يكرهون العسكر ~~السنجري ويؤثرون عودة خوارزم شاه، فلما عاد أعانوه على ملك البلد، ففارقهم ~~سليمان شاه ومن معه ورجع إلى عمه السلطان ms3923 سنجر، وفسد الحال بين سنجر ~~وخوارزم واختلفا بعد الاتفاق، ففعل خوارزم شاه في خراسان سنة ست وثلاثين ~~وخمسمائة ما نذكره إن شاء الله. ### || AUT ذكر قتل محمود صاحب دمشق # ### || AUT وملك أخيه محمد # PageV05P0015 # في هذه السنة،في شوال، قتل شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري بن ~~طغدكين،صاحب دمشق، على فراشه غيلة، قتله ثلاثة من غلمانه هم خواصه واقرب ~~الناس منه في خلوته وجلوته،وكانوا ينامون عنده ليلا، فقتلوه وخرجوا من ~~القلعة وهربوا، فنجا أحدهم وأخذ الآخران فصلبا. وكتب من بدمشق إلى أخيه ~~جمال الدين محمد بن بوري صاحب بعلبك، بصورة الحال واستدعوه ليملك بد أخيه، ~~فحضر في أسرع وقت، فلما دخل البلد جلس للعزاء بأخيه، وحلف له الجند وأعيان ~~الرعية، وسكن الناس، وفوض أمر دولته إلى معين الدين أنز،مملوك جده،وزاد في ~~علو مرتبته، وصار هو الجملة والتفصيل؛ وكان أنز خيرا عاقلا حسن السيرة فجرت ~~الأمور عنده على أحسن نظام. ### || AUT ذكر ملك زنكي بعلبك # في هذه السنة، في ذي القعدة، سار عماد الدين أتابك زنكي بن آقسنقر إلى ~~بعلبك،فحصرها ثم ملكها؛ وسبب ذلك أن محمودا صاحب دمشق لما قتل كانت والدته ~~زمرد خاتون عند اتابك زنكي بحلب، قد تزوجها،فوجدت لقتل ولدها وجدا شديدا، ~~وحزنت عليه، وأرسلت إلى زنكي وهو بديار الجزيرة تعرفه الحادثة، وتطلب منه ~~أن يقصد دمشق ويطلب بثأر ولدها. فلما وقف على هذه الرسالة بادر في الحال من ~~غير توقف ولا تريث، وسار مجدا ليجعل ذلك طريقا إلى ملك البلد، وعبر الفرات ~~عازما على قصد دمشق، فاحتاط من بها، واستعدوا، واستكثروا من الذخائر، ولم ~~يتركوا شيئا مما يحتاجون إليه ألا وبذلوا الجهد في تحصيله، وأقاموا ينتظرون ~~وصوله إليهم، فتركهم وسار إلى بعلبك. وقيل: كان السبب في ملكها أنها كانت ~~لمعين الدين أنز، كما ذكرناه، وكان له جارية يهواها، فلما تزوج أم جمال ~~الدين سيرها إلى بعلبك، فلما سار زنكي إلى الشام عازما على قصد دمشق سير ~~إلى أنز يبذل له البذول العظيمة ليسلم إليه دمشق، فلم يفعل. وسار أتابك ms3924 إلى ~~بعلبك فوصل إليها في العشرين من ذي الحجة من السنة فنازلها في عساكره، وضيق ~~عليها، وجد في محاربتها، ونصب عليها من المنجنيقات أربعة عشر عددا ترمي ~~ليلا ونهارا، فأشرف من بها على الهلاك، وطلبوا الأمان، وسلموا إليه ~~المدينة، وبقيت القلعة وبها جماعة من شجعان الأتراك، فقاتلهم، فلما أيسوا ~~من معين ونصير طلبوا الأمان فأمنهم، فسلموا القلعة إليه، فلما نزلوا منها ~~وملكها غدر بهم وأمر بصلبهم فصلبوا ولم ينج منهم إلا القليل، فاستقبح الناس ~~ذلك من فعله واستعظموهن وخافه غيرهم وحذروه ولاسيما أهل دمشق فإنهم قالوا: ~~لو ملكنا لو ملكنا لفعل بنا مثل فعله بهؤلاء؛ فازدادوا نفورا وجدا في ~~محاربته. ولما ملك زنكي بعلبك أخذ الجارية التي كانت لمعين الدين أنز بها، ~~فتزوجها بحلب، فلم تزل بها إلى أن قتل، فسيرها أبنه نور الدين محمود إلى ~~معين الدين أنز، وهي كانت أعظم الأسباب في المودة بين نور الدين وبين أنز، ~~والله أعلم. ### || AUT ذكر استيلاء قراسنقر على بلاد فارس وعوده عنها # وفي هذه السنة جمع أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان عساكر كثيرة وحشد، وسار ~~طالبا بثأر أبيه الذي قتله بوزابة في الصاف المقدم ذكره، فلما قارب السلطان ~~مسودا أرسل إليه يطلب منه قتل وزيره الكمال، فقتله كما ذكرناه، فلما قتل ~~سار قراسنقر إلى بلاد فارس، فلما قاربها تحصن بوزابة منه في القلعة ~~البيضاء، ووطىء قراسنقر البلاد، وتصرف فيها، وليس له فيها دافع ولا مانع ~~إلا أنه لم يمكنه المقام، وملك المدن التي في فارس، فسلم البلاد إلى ~~سلجوقشاه ابن السلطان محمود وقال له: هذه البلاد لك فاملك الباقي؛ وعاد إلى ~~أذربيجان فنزل حينئذ بوزابة من القلعة سنة أربع وثلاثين، وهزم سلجوقشاه ~~وملك البلاد، واسر سلجوقشاه وسجنه في قلعة بفارس. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في صفر، توفي الوزير شرف الدين أنو شروان بن خالد معزولا ~~ببغداد، وحضر جنازته وزير الخليفة فمن دونه، ودفن في داره، ثم نقل إلى ~~الكوفة، فدفن في مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه ms3925 السلام. وكان ~~فيه تشيع، وهو كان السبب في عمل المقامات الحريرية، وكان رجلا عاقلا شهما، ~~دينا خيرا، ووزر للخليفة المسترشد وللسلطان محمود وللسلطان مسعود، وكان ~~يستقيل من الوزارة فيجاب إلى ذلك ثم يخطب إليها فيجيب كارها. PageV05P0016 # وفيها قدم السلطان مسعود بغداد في ربيع الأول، وكان الزمان شتاء، وصار ~~يشتي بالعراق، ويصيف بالجبال، ولما قدمها أزال المكوس، وكتب الألواح ~~بإزالتها، ووضعت على أبواب الجوامع وفي الأسواق، وتقدم أن لا ينزل جندي في ~~دار عامي من أهل بغداد إلا بإذن، فكثر الدعاء له والثناء عليه، وكان السبب ~~في ذلك الكمال الخازن وزير السلطان. وفيها، في صفر، كانت زلازل كثيرة هائلة ~~بالشام والجزيرة وكثير من البلاد، وكان أشدها بالشام، وكانت متوالية، كل ~~ليلة عدة دفعات، فخرب كثير من البلاد، ولاسيما حلب فإن أهلها لما كثرت ~~عليهم فارقوا بيوتهم، وخرجوا إلى الصحراء، وعدوا ليلة واحدة جاءتهم ثمانين ~~مرة، ولم تزل بالشام تتعاهدهم من رابع صفر إلى التاسع عشر منه، وكان معها ~~صوت وهزة شديدة. وفيها أغار الفرنج على أعمال بانياس، فسار عسكر دمشق في ~~أثرهم، فلم يدركوهم فعادوا. وفيها توفي أبو القاسم زاهر بن طاهر الشحامي ~~النيسابوري بها، ومولده سنة ست وأربعين وأربعمائة، وكان إماما في الحديث، ~~مكثرا عالي الإسناد. وتوفي عبد الله بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف ~~أبو القاسم ابن أبي الحسين البغدادي بها، ومولده سنة اثنتين وخمسين وأربع ~~مائة؛ وعبد العزيز بن عثمان بن إبراهيم أبو محمد الأسدي البخاري، كان قاضي ~~بخارى، وكان من الفقهاء أولاد الأئمة حسن السيرة. وتوفي محمد بن شجاع بن ~~أبي بكر بن علي بن إبراهيم اللفتواني الأصفهاني بأصفهان في جمادى الأخرة، ~~ومولده سنة سبع وتسعين وأربعمائة، وسمع الحديث الكثير بأصفهان وبغداد وغيرهما. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وخمسمائة # ### || AUT ذكر حصار أتابك زنكي دمشق # في هذه السنة حصر أتابك زنكي دمشق مرتين، فأما المرة الأولى فإنه سار ~~إليها في ربيع الأول من بعلبك بعد الفراغ من أمرها، وتقرير قواعدها وإصلاح ~~ما تشعث ms3926 منها، ليحصرها، فنزل في البقاع، وأرسل إلى جمال الدين صاحبها يبذل ~~له بلدا يقترحه ليسلم إليه دمشق، فلم يجبه إلى ذلك، فرحل وقصد دمشق، فنزل ~~على داريا ثالث عشر ربيع الأول فالتفت الطلائع واقتتلوا، وكان الظفر لعسكر ~~زنكي وعاد الدمشقيون منهزمين، فقتل كثير منهم . ثم تقدم زنكي إلى دمشق، ~~فنزل هناك، ولقيه جمع كثير من جند دمشق وأحداثها ورجالة الغوطة، فقاتلوه، ~~فانهزم الدمشقيون، وأخذهم السيف، فقتل فيهم وأكثر، وأسر كذلك، ومن سلم عاد ~~جريحا. وأشرف البلد ذلك اليوم على أن يملك، اكن عاد زنكي عن القتال وأمسك ~~عنه عدة أيام، وتابع الرسل إلى صاحب دمشق، وبذل له بعلبك وحمص وغيرهما مما ~~يختاره من البلاد، فمال إلى التسليم، وامتنع غيره من أصحابه من ذلك، وخوفوه ~~عاقبة فعله، وأن يغدر به كما غدر بأهل بعلبك، فلما لم يسلموا إليه عاود ~~القتال والزحف. ثم إن جمال الدين صاحب دمشق مرض ومات ثامن شعبان، وطمع زنكي ~~حينئذ في البلد، وزحف إليه زحفا شديدا ظنا منه أنه ربما يقع بين المقدمين ~~والأمراء خلاف فيبلغ غرضه، وكان ما أمله بعيدا، فلما مات جمال الدين ولي ~~بعده مجير الدين أبق ولده، وتولى تدبير دولته معين الدين أنز فلم يظهر لموت ~~أبيه أثر مع أن عدوهم على باب المدينة؛ فلما رأى أنز أن زنكي لا يفارقهم، ~~ولا يزول عن حصرهم، راسل الفرنج، واستدعاهم إلى نصرته، وأن يتفقوا على منع ~~زنكي عن دمشق، وبذل لهم بذولا من جملتها أن يحصر بانياس ويأخذها ويسلمها ~~إليهم، وخوفهم من زنكي إن ملك دمشق؛ فعملوا صحة قوله إنه إن ملكها لم يبق ~~لهم معه بالشام مقام، فاجتمعت الفرنج وعزموا على السير إلى دمشق ليجتمعوا ~~مع صاحبها وعسكرها على قتال زنكي، فحين علم زنكي بذلك سار إلى حوران خامس ~~رمضان، عازما على قتال الفرنج قبل أن يجتمعوا بالدمشقيين، فلما سمع الفرنج ~~خبره لم يفارقوا بلادهم، فلما رآهم كذلك عاد إلى حصر دمشق ونزل بعذرا ~~شماليها سادس شوال، فأحرق عدة قرى من المرج والغوطة ورحل ms3927 عائدا إلى بلاده. ~~PageV05P0017 # ووصل الفرنج إلى دمشق واجتمعوا بصاحبها وقد رحل زنكي، فعادوا،فسار معين ~~الدين أنز إلى بانياس في عسكر دمشق،وهي في طاعة زنكي،كما تقدم ذكرها، ~~ليحصرها ويسلمها إلى الفرنج؛ وكان واليها قد سار قبل ذلك منها في جمع من ~~جمعه إلى مدينة صور للإغارة على بلادها، فصادفه صاحب أنطاكية وهو قاصد إلى ~~دمشق نجدة لصاحبها على زنكي، فاقتتلا، فانهزم المسلمون وأخذوا والي بانياس ~~فقتل، ونجا من سلم منهم إلى بانياس، وجمعوا معهم كثيرا من البقاع وغيرها، ~~وحفظوا القلعة، فنازلها معين الدين، فقاتلهم، وضيق عليهم، ومعه طائفة من ~~الفرنج، فأخذها وسلمها إلى الفرنج. وأما الحصر الثاني لدمشق، فإن أتابك لما ~~سمع الخبر بحصر بانياس عاد إلى بعلبك ليدفع عنها من يحصرها، فأقام هناك، ~~فلما عاد عسكر دمشق، بعد أن ملكوها وسلموها إلى الفرنج،فرق أتابك زنكي ~~عسكره على الإغارة على حوران وأعمال دمشق، وسار هو جريدة مع خواصه، فنازل ~~دمشق سحرا ولم يعلم به أحد من أهلها، فلما أصبح الناس ورأوا عسكره خافوا، ~~وارتج البلد، واجتمع العسكر والعامة على السور وفتحت الأبواب وخرج الجند، ~~والرجالة فقاتلوه، فلم يمكن زنكي عسكره من الإقدام في القتال لأن عامة ~~عسكره تفرقوا في البلاد للنهب والتخريب، وإنما قصد دمشق لئلا يخرج منها ~~عسكره إلى عسكرهم وهم متفرقون، فلما اقتتلوا ذلك اليوم قتل بينهم جماعة ثم ~~أحجم زنكي عنهم وعاد إلى خيامه ورحل إلى مرج راهط، وأقام بنتظر عودة عسكره، ~~فعادوا إليه وقد ملأوا أيديهم من الغنائم، لأنهم طرقوا البلاد وأهلها ~~غافلون، فلما اجتمعوا عنده رحل بهم عائدا إلى بلادهم. ### || AUT ذكر ملك زنكي شهرزور وأعمالها # في هذه السنة ملك أتابك زنكي شهرزور وأعمالها وما يجاورها من الحصون، ~~وكانت بيد قفجاق بن أرسلان تاش التركماني، وكان حكمه نافذا على قاضي ~~التركمان ودانيهم، وكلمته لا تخالف، يرون طاعته فرضا، فتحامى الملوك قصده، ~~ولم يتعرضوا لولايته لهذا ولأنها منيعة كثيرة المضايق، فعظم شأنه وازداد ~~جمعه، وأتاه التركمان من كل فج عميق. فلما كان هذه السنة سير إله أتابك ms3928 ~~زنكي عسكرا، فجمع أصحابه ولقيهم فتصافوا واقتتلوا، فانهزم قفجاق واستبيح ~~عسكره، وسار الجيش الأتابكي في أعقابهم فحصروا الحصون والقلاع فملكوها ~~جميعها وبذلوا الأمان لقفجاق فصار إليهم، وانخرط في سلك العساكرولم يزلهو ~~وبنوه في خدمة البيت الأتابكي على أحسن فضية إلى بعد سنة ستمائة بقليل وفارقوها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة جرى بين أمير المؤمنين المقتفي لأمر الله وبين الوزير شرف ~~الدين علي بن طراد الزينبي منافرة، وسببها أن الوزير كان يعترض الخليفة في ~~كل ما يأمر به، فنفر الخليفة من ذلك،فغضب الوزير، ثم خاف فقصد دار السلطان ~~في سميرية، وقت الظهر، ودخل إليها واحتمى بها، فأرسل إليه الخليفة في العود ~~إلى منصبه، فامتنع؛ وكانت الكتب تصدر باسمه، واستنيب قاضي القضاة الزينبي، ~~وهو ابن عم الوزير، وأرسل الخليفة إلى السلطان رسلا في معنى الوزير، فأرخص ~~له السلطان في عزله، فحينئذ أسقط أسمه من الكتب، وأقام بدار السلطان؛ ثم ~~عزل الزينبي من النيابة وناب سديد الدولة بن الأنباري. وفيها قتل المقرب ~~جوهر وهو من خدم السلطان سنجر، وكان قد حكم في دولته جميعها، ومن جملة ~~أقطاعه الري، ومن جملة مماليكه العباس صاحب الري، وكان سائر عسكر السلطان ~~سنجر يخدمونه ويقفون ببابه وكان قتله بيد الباطنية، وقف له جماعة منهم بزي ~~النساء واستغثن به، فوقف يسمع كلامهم فقتلوه، فلما قتل جمع صاحبه عباس ~~العساكر وقصد الباطنية، فقتل منهم وأكثر، وفعل بهم ما لم يفعله غيره، ولم ~~يزل يغزوهم ويقتل منهم ويخرب بلادهم إلى أن مات. وفيها زلزلت كنجة وغيرها ~~من أعمال أذربيجان وأران إلا أن أشدها كان بكنجة فخرب منها الكثير وهلك ~~عالم لا يحصون كثرة. قيل: كان الهلكى مائتي ألف وثلاثين ألف، وكان من جملة ~~الهلكى ابنان لقرابسنقر صاحب البلاد، وتهدمت قلعة هناك لمجاهد الدين بهروز، ~~وذهب له فيها من الذخائر والأموال الشيء الكثير. PageV05P0018 # وفيها شرع مجاهد الدين في عمل النهروانات: سكر سكرا عظيما يرد الماء إلى ~~مجراه الأول، وحفر مجرى الماء القديم، وخرق إليه مجراة تأخذ من ديالى ثم ms3929 ~~استحال بعد ذلك وجرى الماء ناحية السكر، وبقي السكر في البئر لا ينتفع به ~~أحدا، ولم يتعرض أحد لرده إلى مجراه عند السكر إلى وقتنا هذا. وفيها انقطع ~~الغيث ببغداد والعراق، ولم يجيء غير مرة واحدة في آذار، ثم انقطع، ووقع ~~الغلاء، وعدمت الأقوات بالعراق . وفيها، في جمادى الأخرى، دخل الخليفة ~~بفاطمة خاتون بنت السلطان مسعود، وكان يوم حملها إلى دار الخليفة يوما ~~مشهودا، أغلقت بغداد عدة أيام وزينت وتزوج السلطان مسعود بابنة الخليفة ~~المقتفي لأمر الله، وعقد عليها، واستقر أن يتأخر زفافها خمس سنين لصغرها؛ ~~وفيها، في ربيع الأول، توفي القاضي أبو الفضل يحيى ابن قاضي دمشق المعروف بالزكي. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وخمسمائة # ### || AUT ذكر مسير جهاردانكي إلى العراق # في هذه السنة أمر السلطان مسعود الأمير إسماعيل المعروف بجهاردانكي، ~~والبقش كون خر، بالمسير إلى خوزستان وفارس وأذهما من بوزابة، وأطلق لهما ~~نفقة على بغداد، فسار فيمن معهما إلى بغداد، فمنعهم مجاهد الدين بهروز من ~~دخولها، فلم يقبلوا منه،فأرسل إلى المعابر فخسفها وغرقها، وجد في عمارة ~~السور، وسد باب الظفرية وباب كلوازي، وأغلق باقي الأبواب، وعلق عليها ~~السلاح وضرب الخيام للمقاتلة. فلما علما بذلك عبرا بصرصر، وقصدا الحلة، ~~فمنعا منها، فقصدا واسط، فخرج إليهما الأمير طرنطاي وتقاتلوا، فانهزم ~~طرنطاي، ودخلوا واسط فنهبوها ونهبوا بلد فرسان والنعامية، وانضم طرنطاي إلى ~~حماد بن أبي الخير صاحب البطيحة، ووافقهم عسكر البصرة، وفارق اسماعيل ~~والبقش بعض عسكرهما وصارا مع طرنطاي، فضعف أولئك، فسار إلى تستر واستشفع ~~إسماعيل إلى السلطان فعفا عنه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وصل رسول من السلطان سنجر، ومعه بردة النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، والقضيب، وكانا قد أخذا من المسترشد، فأعادهما الآن إلى المقتفي . ~~وفي هذه السنة توفي أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان وأرانية بمدينة أردبيل، ~~وكان مرضه السل، وطال به، وكان من مماليك الملك طغرل، وسلمت أذربيجان ~~وأرانية إلى الأمير جاولي الطغرلي. وكان قراسنقر علا شأنه على سلطانه وخافه ~~السلطان. وفيها كان بين أتابك زنكي ms3930 وبين داود سقمان، بن أرتق، صاحب حصن ~~كيفا، حرب شديدة، وانهزم داود بن سقمان، وملك زنكي من بلاده قلعة بهمرد ~~وأدركه الشتاء فعاد إلى الموصل. وفيها ملك الإسماعلية حصن مصيات بالشام، ~~وكان واليه مملوكا لبني منقذ أصحاب شيزر، فاحتالوا عليه، ومكروا به حتى ~~صعدوا إليه وقتلوه، وملكوا الحصن، وهو بأيديهم إلى الآن. وفيها توفي سديد ~~الدولة بن الأنباري واستوزر الخليفة بعده نظام الدين أبا نصر محمد بن محمد ~~بن جهير، وكان قبل ذلك أستاذ الدار ز وفيها توفي يرنقش بازدار صاحب قزوين. ~~وفيها، في رجب، ظفر ابن الدانشمند، صاحب ملطية وغيرها من تلك النواحي، بجمع ~~من الروم فقتلهم وغنم ما معهم. وفيها، في رمضان، سارت طائفة من الفرنج ~~بالشام إلى عسقلان ليغيروا على أعمالها، وهي لصاحب مصر، فخرج إليهم العسكر ~~الذي بعسقلان فقاتلهم، فظفر المسلمون وقتلوا من الفرنج كثيرا، فعادوا ~~منهزمين. وفيها بنيت المدرسة الكمالية ببغداد، بناها كمال الدين أبو الفتوح ~~بن طلحة صاحب المخزن، ولما فرغت درس فيها الشيخ أبو الحسن بن الخل، وحضره ~~أرباب المناصب وسائر الفقهاء. وفيها، في رجب، مات القاضي أبو بكر محمد بن ~~عبد الباقي الأنصاري، قاضي المارستان، وغيرها من علوم الأوائل، وهو أخر من ~~؛دث في الدنيا عن أبي إسحق البرمكي والقاضي أبي الطيب الطبري وأبي طالب ~~العشاري وأبي محمد الجوهري وغيرهم. وتوفي الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل ~~بن محمد بن الفضل الأصفهاني عاشر ذي الحجة، ومولده سنة تسع وخمسين، وله ~~التصانيف المشهورة. وتوفي يوسف بن الحسن أبو يعقوب الهمذاني من أهل بروجرد، ~~وسكن مرو، وتفقه على أبي إسحق الشيرازي، وروى الحديث واشتغل بالرياضيات ~~والمجاهدات، ووعظ ببغداد، فقام إليه متفقه يقال له ابن السقاء وسأله وآذاه ~~في السؤال فقال: اسكت، إني أشم فيك ريح الكفر! فسافر الرجل إلى بلد الروم ~~وتنصر. PageV05P0019 # NOTMATCH ### || AUT ذكر انهزام السلطان سنجر من الأتراك الخطا وملكهم ما وراء النهر NOTMATCH # وفيها مات أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر المشهور. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وثلاثين وخمسمائة # ### || AUT انهزام السلطان ms3931 سنجر من الأتراك الخطا # ذكر ### || AUT انهزام السلطان سنجر من الأتراك الخطا # وملكهم ما وراء النهر قد ذكر أصحاب التواريخ في هذه الحادثة أقاويل نحن ~~نذكرها جميعها للخروج من عهدتها، فنقول: في هذه السنة، في المحرم، انهزم ~~السلطان سنجر من الترك الكفار. وسبب ذلك أن سنجر كان قتل ابنا لخوارزم شاه ~~أتسز بن محمد، كما ذكرناه قبل، فبعث خوارزم شاه إلى الخطا، وهم بما وراء ~~النهر، يطمعهم في البلاد ويروج عليهم أمرها، وتزوج إليهم، وحثهم على قصد ~~مملكة السلطان سنجر، فساروا في ثلاثمائة ألف فارس، وسار إليهم سنجر في ~~عساكره، فالتقوا بما وراء النهر، واقتتلوا أشد قتال، وانهزم سنجر في جميع ~~عساكره، وقتل منهم مائة ألف قتيل، منهم أحد عشر ألف صاحب عمامة، وأربعة ~~آلاف امرأة، وأسرت زوجة السلطان سنجر، وتم سنجر منهزما إلى ترمذ، وسار منها ~~إلى بلخ. ولما انهزم سنجر قصد خوارزم شاه مدينة مرو، فدخلها مراغمة للسلطان ~~سنجر، وقتل بها، وقبض على أبي الفضل الكرماني الفقيه الحنفي وعلى جماعة من ~~الفقهاء وغيرهم من أعيان البلد. ولم يزل السلطان سنجر مسعودا إلى وقتنا هذا ~~لم تنهزم له راية، ولما تمت عليه هذه الهزيمة أرسل إلى السلطان مسعود وأذن ~~له في التصرف في الري وما يجري معها على قاعدة أبيه السلطان محمد، وأمره أن ~~يكون مقيما فيها بعساكره بحيث أن دعت حاجة استدعاه لأجل هذه الهزيمة، فوصل ~~عباس صاحب الري إلى بغداد بعساكره، وخدم السلطان مسعودا خدمة عظيمة، وسار ~~السلطان إلى الري امتثالا لأمر سنجر. وقيل: إن بلاد تركستان، وهي كاشغر، ~~وبلاساغون، وختن، وطراز وغيرها مما يجاورها من بلاد ما وراء النهر كانت بيد ~~الملوك الخانية الأتراك، وهم مسلمون من نسل افراسياب التركي، إلا أنهم ~~مختلفون، وكان سبب إسلام جدهم اظلول واسمه سبق قراخاقان أنه رأى في منامه ~~كأن رجلا نزل من السماء فقال بالتركية ما معناه: أسلم تسلم في الدنيا ~~والآخرة، فأسلم في منامه، وأصبح فأظهر إسلامه، فلما مات قام مقامه ابنه ~~موسى بن سبق، ولم يزل الملك ms3932 بتلك الناحية في أولاده إلى أرسلان خان محمد ~~ابن سليمان بن داود يغراخان بن إبراهيم الملقب بطمغاج خان بن أيلك الملقب ~~بنصر أرسلان بن علي بن موسى بن سبق، فخرج على قدرخان فانتزع الملك منه، ~~فقتل سنجر قدر خان، كما ذكرناه، سنة أربع وتسعين وأربعمائة، وأعاد الملك ~~إلى أرسلان خان، وثبت قدمه، وخرج خوارج، فاستصرخ السلطان سنجر فنصره وأعاد ~~ملكه أيضا. وكان من جنده نوع من الأتراك يقال لهم الفارغلية والأتراك ~~الغزية الذين نهبوا خراسان على ما نذكره إن شاء الله، وهم نوعان: نوع يقال ~~لهم أجق، وأميرهم طوطى بن دادبك؛ ونوع يقال لهم برق، وأميرهم قرعوت بن عبد ~~الحميد، فحسن الشريف الأشرف بن محمد بن أبي شجاع العلوي السمرقندي لولد ~~أرسلان خان المعروف بنصر خان طلب الملك من أبيه وأطعمه، فسمع محمد خان ~~الخبر، فقتل الابن والشريف الأشرف. وجرت بين أرسلان خان وبين جنده ~~القارغلية وحشة دعتهم إلى العصيان عليه وانتزاع الملك منه، فعاود الاستغاثة ~~بالسلطان سنجر، فعبر جيحون بعساكره سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وكان بينهما ~~مصاهرة، فوصل إلى سمرقند، وهرب القارغلية من بين يديه. واتفق أن السلطان ~~سنجر خرج إلى الصيد، فرأى خيالة، فقبض عليهم فأقروا بأن أرسلان خان وضعهم ~~على قتله فعاد إلى سمرقند، فحصر أرسلان خان بالقلعة فملكها، وأخذه أسيرا، ~~وسيره إلى بلخ فمات بها؛ وقيل قد غدر به سنجر، واستضعفه، فملك البلد منه ~~فأشاع عنه ذلك. PageV05P0020 # فلما ملك سمرقند استعمل عليها بعده قلج طمغاج أبا المعلي الحسن بن علي بن ~~علي بن عبد المؤمن المعروف بحسن تكين، وكان من أعيان بيت الخانية، إلا أ ن ~~أرسلان خان اطرحه، فلما ولي سمرقند لم تطل أيامه، فمات عن قليل، فأقام سنجر ~~مقامه الملك محمود بن أرسلان خان محمد بن سليمان بن داود بغراخان، و هو ابن ~~الذي أخذ منه سنجر سمرقند، وكان محمود هذا ابن أخت سنجر، وكان قبل ذلك، سنة ~~اثنتين وعشرين وخمسمائة، قد وصل الأعور الصيني إلى حدود كاشغر في عدد كثير ~~لا يعلمهم إلا ms3933 الله، فاستعد له صاحب كاشغر، وهو الخان أحمد بن الحسن، وجمع ~~جنوده، فخرج إليه والتقوا، فاقتتلوا، وانهزم الأعور الصيني، وقتل كثير من ~~أصحابه، ثم إنه مات، فقام مقامه كوخان الصيني. وكو بلسان الصين لقب لأعظم ~~ملوكهم، وخان لقب لملوك الترك فمعناه أعظم الملوك. وكان يلبس لبسة ملوكهم ~~من المقنعة والخمار، وكان مانوي المذهب. ولما خرج من الصين إلى تركستان ~~انضاف إليه الأتراك الخطا، وكانوا قد خرجوا قبله من الصين، وهم في خدمة ~~الخانية أصحاب تركستان. وكان أرسلان خان محمد بن سليمان يسير كل سنة عشرة ~~آلاف خركاو وينزلهم على الدروب التي بينه وبين الصين، يمنعون أحدا من ~~الملوك أن يتطرق إلى بلاده، وككان لهم على ذلك جرايات وإقطاعات، فاتفق أنه ~~وجد عليهم في بعض السنين، فمنعهم عن نسائهم لئلا يتوالدوا، فعظم عليهم، ولم ~~يعرفوا وجها يقصدونه وتحيروا، فاتفق أنه اجتاز بهم قفل عظيم فيه الأموال ~~الكثيرة والأمتعة النفيسة، فأخذوه وأحضروا التجار وقالوا لهم: إن كنتم ~~تريدون أموالكم فتعرفونا بلدا كثير المرعى فسيحا يسعنا ومعنا أموالنا؛ ~~فاتفق رأي التجارعلى بلد بلاساغون فوصفوه لهم، فأعادوا إليهم أموالهم، ~~وأخذوا الموكلين بهم لمنعهم عن نسائهم وكتفوهم، وأخذوا نسائهم وساروا إلى ~~بلاساغون، وكان أرسلان خان يغزوهم ويكثر جهادهم فخافوه خوفا عظيما. فلما ~~طال ذلك عليهم وخرج كوخان الصيني انضافوا إليه أيضا، فعظم شأنهم وتضاعف ~~جمعهم، وملكوا بلاد تركستان، وكانوا إذا ملكوا المدينة لا يغيرون على أهلها ~~شيئا، بل يأخذون من كل بيت دينارا من أهل البلاد وغيرها من القرى، وأما ~~المزروعات وغير ذلك فلأهله، وكل من أطاعهم من الملوك شد في وسطه شبه لوح ~~فضة، فتلك علامة من أطاعهم. ثم ساروا إلى بلاد ما راء النهر، فاستقبلهم ~~الحاقان محمود بن محمد بن حدود خجندة في رمضان سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، ~~واقتتلوا، فانهزم الخاقان محمود بن محمد، وعاد إلى سمرقند، فعظم الخطب على ~~أهلها، واشتد الخوف والحزن، وانتظروا البلاء صباحا ومساء، وكذلك أهل بخارى ~~وغيرها من بلاد ما وراء النهر، وأرسل الخاقان محمود إلى السلطان سنجر ms3934 ~~يستمده وينهي إليه ما لقي المسلمون، ويحثه على نصرتهم، فجمع العساكر، ~~فاجتمع عنده ملوك خراسان: صاحب سجستان والغور، وملك غزنة، وملك مازندران ~~وغيرهم، فاجتمع له أكثر من مائة ألف فارس وبقي العرض ستة أشهر. وسار سنجر ~~إلى لقاء الترك، فعبر إلى ما وراء النهر في ذي الحجة سنة خمسا وثلاثين ~~وخمسمائة، فشكا إليه محمود بن محمد خان من الأتراك القارغلية، فقصدهم سنجر، ~~فالتجأوا إلى كوخان الصيني ومن معه من الكفار، وأقام سنجر بسمرقند، فكتب ~~إليه كوخان كتابا يتضمن الشفاعة في الأتراك القارغلية، ويطلب منه أن يعفوا ~~عنهم، فلم يشفعه فيهم، وكتب إليه يدعوه إلى الإسلام ويتهدده إن لم يجب غليه ~~ويتوعده بكثرة عساكره، ووصفهم، وبالغ في قتالهم بأنواع السلاح حتى قال: ~~وإنهم يشقون الشعر بسهامهم؛ فلم يرض هذا الكتاب وزيره طاهر بن فخر الملك بن ~~نظام الملك، فلم يصغي إليه، وسير الكتاب، فلما قرأ الكتاب على كوخان أمر ~~بنتف لحية الرسول، وأعطاه إبرة، وكلفه شق شعرة من لحيته فلم يقدر أن يفعل ~~ذلك، فقال: كيف يشق غيرك شعرة بسهم وأنت عاجز عن شقها بإبرة؟ واستعد كوخان ~~للحرب، وعنده جنود الترك والصين والخطا وغيرهم، وقصد السلطان سنجر، فالتقى ~~العسكران، وكانا كالبحرين العظيمين،بموضع يقال له قطوان، وطاف بهم كوخان ~~حتى ألجأهم إلى واد يقال له درغم، وكان على ميمنة سنجر الأمير قماج، وعلى ~~ميسرته ملك سجستان، والأثقال ورائهم، فاقتتلوا خامس صفر سنة ست وثلاثين ~~وخمسمائة. PageV05P0021 # وكانت الأتراك القارغلية الذين هربوا من سنجر من أشد الناس قتالا، ولم ~~يكن ذلك اليوم من عسكر السلطان سنجر أحسن قتالا من صاحب سجستان، فأجلت ~~الحرب عن هزيمة المسلمين، فقتل منهم ما لا يحصى من كثرتهم، واشتمل وادي ~~درغم على عشرة آلاف من القتلى والجرحى، ومضى السلطان سنجر منهزما، وأمر ~~صاحب سجستان والأمير قماج وزوجة السلطان سنجر، وهي ابنة أرسلان خان، ~~فأطلقهم الكفار، وممن قتل الحسام عمر بن عبد العزيز بن مازة البخاري الفقيه ~~الحنفي المشهور. ولم يكن في الإسلام وقعة أعظم من هذه ولا أكثر ممن ms3935 قتل ~~فيها بخراسان. واستقرت دولة الخطا والترك الكفار بما وراء النهر، وبقي ~~كوخان إلى رجب من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة فمات فيه. وكان جميلا، حسن ~~الصورة، لا يلبس إلا الحرير الصيني ، له هيبة عظيمة على أصحابه، ولم يسلط ~~أميرا على أقطاع بل كان يعطيهم من عنده، ويقول: متى أخذوا الأقطاع ظلموا؛ ~~وكان لا يقدم أميرا على أكثر من مائة فارس حتى لا يقدر على العصيان عليه؛ ~~وكان ينهى أصحابه عن الظلم، وينهى عن السكر ويعاقب عليه، ولا ينهى عن الزنا ~~ولا يقبحه. وملك له بعده ابنة له فلم تطل مدتها حتى ماتت ، فملك بعدها أمها ~~زوجة كوخان وابنة عمه، وبقي ما وراء النهر بيد الخطا إلى أن أخذه منهم علاء ~~الدين محمد خوارزم شاه سنة اثنتي عشرة وستمائة، على ما نذكره إن شاء الله. ### || AUT ذكر ما فعله خوارزم شاه بخراسان # قد ذكرنا قبل قصد السلطان سنجر خوارزم، وأخذها من خوارزم شاه أتسز،وعوده ~~إليها،وقتل ولد خوارزم شاه،وأنه هو الذي راسل الخطا وأطمعهم في بلاد ~~الإسلام، فلما لقيهم السلطان سنجر وعاد منهزما سار خوارزم شاه إلى خراسان، ~~فقصد سرخس في ربيع الأول من السنة. فلما وصل إليها لقيه الإمام أبو محمد ~~الزيادي، وكان قد جمع بين الزهد والعلم، فأكرمه خوارزم شاه إكراما عظيما، ~~ورحل من هناك إلى مرو الشاهجان، فقصده الإمام أحمد الباخرزي، وشفع في أهل ~~مرو، وسأل ألا يتعرض لهم أحد من العسكر، فأجابه إلى ذلك، ونزل بظاهر البلد، ~~واستدعى أبا الفضل الكرماني الفقيه وأعيان أهلها، فثار عامة مرو وقتلوا بعض ~~أهل خوارزم شاه، وأخرجوا أصحابه من البلد، وأغلقوا أبوابه، واستعدوا ~~للامتناع، فقاتلهم خوارزم شاه، ودخل مدينة مرو سابع عشر ربيع الأول من ~~السنة، وقتل كثيرا من أهلها. وممن قتل: إبراهيم المروزي الفقيه الشافعي ~~وعلي بن محمد بن أرسلان، وكان ذا فنون كثيرة من العلم،وقتل الشريف علي بن ~~إسحق الموسوي، وكان رأس فتنة وملقح شر، وقتل كثيرا من أعيان أهلها وعاد إلى ~~خوارزم، واستصحب معه علماء كثيرين من أهلها منهم: ms3936 أبو الفضل الكرماني وأبو ~~منصور العبادي والقاضي الحسين بن محمد الأرسابندي وأبو محمد الخرقي ~~الفيلسوف وغيرهم . ثم سار في شوال من السنة إلى نيسابور، فخرج إليه جماعة ~~من فقهائها وعلمائها وزهادها، وسألوه ألا يفعل بأهل نيسابور ما فعل بأهل ~~مرو، فأجابهم إلى ذلك لكنه استقصى في البحث عن أموال أصحاب السلطان فأخذها، ~~وقطع خطبة السلطان سنجر، أول ذي القعدة، وخطبوا له؛ فلما ترك الخطيب ذكر ~~السلطان سنجر وذكر خوارزم شاه صاح الناس وثاروا، وكادت الفتنة تثور والشر ~~يعود جديدا، وإنما منع الناس من ذلك ذوو الرأي والعقل نظرا في العاقبة، ~~فقطعت إلى أول المحرم سنة سبع وثلاثين ثم أعيدت خطبة السلطان سنجر. ثم سير ~~خوارزم شاه جيشا إلى أعمال بيهق، فأقاموا بها يقاتلون أهلها خمسة أيام، ثم ~~سار عنها ذلك الجيش ينهبون البلاد، وعملوا بخراسان أعمالا عظيمة، ومنع ~~السلطان سنجر من مقاتلة أتسز خوارزم شاه خوفا من قوة الخطا بما وراء النهر، ~~ومجاورتهم خوارزم وغيرها من بلاد خراسان. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ملك أتابك زنكي بن آقسنقر مدينة الحديثة، ونقل من كان بها ~~من آل مهراش إلى الموصل، ورتب أصحابه فيها. وفيها خطب لزنكي أيضا بمدينة ~~آمد، وصار صاحبها في طاعته، وكان قبل ذلك موافقا لداود على قتال زنكي، فلما ~~رأى قوة زنكي صار معه. PageV05P0022 # وفيها عزل مجاهد الدين بهروز عن شحنكية بغداد، ووليها قزل وهو من مماليك ~~السلطان محمود، وان له برجرد والبصرة، فأضيف إليه شحنكية بغداد، ثم وصل ~~السلطان مسعود إلى بغداد، فرأى من تبسط العيارين وفسادهم ما ساءه، فأعاد ~~بهروز إلى الشحنكية، فتاب كثير نهم، ولم ينتفع الناس بذلك، لأن ولد الوزير ~~وأخا امرأة السلطان كانا يقاسمان العيارين، فلم يقدر بهروز على منعهم. ~~وفيها تولى عبد الرحمن طغايرك حجبة السلطان، واستولى على المملكة وعزل ~~الأمير تتر الطغرلي عنها، وآل أمره إلى أن يمشي في ركاب عبد الرحمن. وفيها ~~توفي إبراهيم السهاوي مقدم الإسماعيلية، فأحرقه ولد عباس صاحب الري في ~~تابوته. وفيها حج كمال الدين ms3937 بن طلحة صاحب المخزن، وعاد وقد لبس ثياب ~~الصوفية، وتخلى عن جميع ما كان فيه، وأقام في داره مرعي الجانب محروس ~~القاعدة. وفيها وصل السلطان إلى بغداد وكان الوزير الزينبي بدار السلطان، ~~كما ذكرناه، فسأل السلطان أن يشفع فيه ليرده الخليفة إلى داره، فأرسل ~~السلطان وزيره إلى دار الخلافة ومعه الوزير شرف الدين الزينبي، وشفع في أن ~~يعود إلى داره، فأذن له في ذلك، وأعيد أخوه إلى نقابة النقباء، فلزم الوزير ~~داره، ولم يخرج منها إلا إلى الجامع. وفيها أغار عسكر أتابك زنكي من حلب ~~على بلاد الفرنج، فنهبوا وأحرقوا وظفروا بسرية الفرنج، فقتلوا فيهم ~~وأكثروا، فكان عدة القتلى سبع مائة رجل. وفيها أفسد بنو خفاجة بالعراق، ~~فسير السلطان مسعود سرية إليهم من العسكر، فنهبوا حلتهم، وقتلوا من ظفروا ~~به منهم وعدوا سالمين. وفيها سير رجال الفرنجي صاحب صقية أسطولا إلى أطراف ~~إفريقية، فأخوا مراكب سيرت من مصر إلى الحسن صاحب إفريقية، وغدر بالحسن، ثم ~~راسله الحسن، وجدد الهدنة لأجل حمل الغلات من صقيلية إلى إفريقية لأن ~~الغلاء كان فيها شديدا والموت كثيرا. وفيها توفي أبو القاسم عبد الوهاب بن ~~عبد الواحد الحنبلي الدمشقي، وكان عالما صالحا. وفيها توفي ضياء الدين أبو ~~سعيد بن الكفرتوثي وزير أتابك زنكي، وكان حسن السيرة في وزارته كريما ~~رئيسا. وفيها توفي أبو محمد بن طاووس إمام الجامع بدمشق في المحرم، وكان ~~رجلا صالحا فاضلا. وفيها توفي أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر بن أبي ~~الأشعث المعروف بابن السمرقندي، ولد بدمشق سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وكان ~~مكثرا من الحديث. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وخمسمائة # ### || AUT ذكر ملك أتابك زنكي قلعة أشب # ### || AUT وغيرها من الهكارية # في هذه السنة أرسل أتابك زنكي جيشا إلى قلعة أشب، وكانت أعظم حصون ~~الأكراد الهكارية وأمنعها، وبها أموالهم وأهلهم، فحصروها وضيقوا على من بها ~~فملكوها، فأمر بإخرابها وبناء القلعة المعروفة بالعمادية عوضا عنها. وكانت ~~العمادية حصنا عظيما من حصونهم، فخربوه لكبره لأنه كبير جدا، وكانوا يعجزون ~~عن ms3938 حفظه، فخربت آلان أشب وعمرت العمادية، وإنما سميت العمادية نسبة إلى ~~لقبه؛ وكان نصير الدين جقر نائبه بالموصل قد فتح أكثر القلاع الجبلية. ### || AUT ذكر حصر الفرنج طرابلس الغرب # وفي هذه السنة سارت مراكب الفرنج من صقلية إلى طرابلس الغرب فحصروها، ~~وسبب ذلك أن أهلها في أيام الأمير الحسن صاحب إفريقية، لم يدخلوا يدا في ~~طاعته، ولم يزالوا مخالفين مشاقين له، قد قدموا عليهم من بني مطروح مشايخ ~~يدبرن أمرهم، فلما رآهم ملك صقيلية كذلك جهز إليهم جيشا في البحر، فوصلوا ~~إليهم تاسع ذي الحجة، فنازلوا البلد وقاتلوه، وعلقوا الكلاليب في سوره ~~ونقبوه. فلما كان الغد وصل جماعة من العرب نجدة لأهل البلد، فقوي أهل ~~طرابلس فيهم، فخرجوا إلى الأسطولية، فحملوا عليهم حملة منكرة، فانهزموا ~~هزيمة فاحشة، وقتل منهم خلق كثير، ولحق الباقون بالأسطول، وتركوا الأسلحة ~~والأثقال والدواب، فنهبها العرب وأهل البلد. ورجع الفرنج إلى صقيلية، ~~فجددوا أسلحتهم وعادوا إلى المغرب، فوصلوا إلى جيجل، فلما رآهم أهل البلد ~~هربوا إلى البراري والجبال، فدخلها الفرنج وسبوا من أدركوا فيها وهدموها، ~~وأحرقوا القصر الذي بناه يحيى بن عبد العزيز بن حماد للنزهة ثم عادوا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خرج الأمير حسن أمير الأمراء على السلطان سنجر بخراسان. ~~PageV05P0023 # وفيها توفي محمد بن دانشمند صاحب ملطية والثغر، واستولى على بلاده الملك ~~مسعود بن قلج آرسلان صاحب قونية وهو من السلجوقية. وفيها خرج من الروم عسكر ~~كثير إلى الشام، فحصروا الفرنج بأنطاكية، فخرج صاحبها واجتمع بملك الروم ~~وأصلح حاله معه، وعاد إلى مدينة انطاكية ومات في رمضان من هذه السنة؛ ثم إن ~~ملك الروم بعد أن صالح صاحب أنطاكية سار إلى طرابلس فحصرها ثم سار عنها. ~~وفيها قبض السلطان مسعود على الأمير ترشك وهو من خواص الخليفة، ثم أطلقه ~~السلطان حفظا لقلب الخليفة. وفيها كان بمصر وباء عظيم فهلك فيه أكثر أهل البلاد. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة # ### || AUT ذكر صلح الشهيد والسلطان مسعود # في هذه السنة وصل السلطان مسعود ms3939 إلى بغداد على عادته في كل ستة، وجمع ~~العساكر، وتجهز لقصد أتابك زنكي، وكان حقد عليه حقدا شديدا.وسبب ذلك أن ~~أصحاب الأطراف الخارجين على السلطان مسعود كانوا يخرجون عليه على ما تقدم ~~ذكره، فكان ينسب ذلك إلى أتابك زنكي ويقول إنه هو الذي سعى فيه وأشار به ~~لعلمه أنهم كلهم كانوا يصدرون عن رايه؛ فكان أتابك زنكي لا شك يفعل ذلك ~~لئلا يخلو السلطان فيتمكن منه ومن غيره؛ فلما تفرغ السلطان، هذه السنة، جمع ~~العساكر ليسير إلى بلاده، فسير أتابك يستعطفه ويستميله، فأرسل إليه السلطان ~~أبا عبد الله بن الأنباري في تقرير القواعد، فاستقرت القاعدة على مائة ألف ~~دينار يحملها إلى السلطان ليعود عنه، فحمل عشرين ألف دينار أكثرها عروض؛ ثم ~~تنقلت الأحوال بالسلطان إلى أن احتاج إلى مداراة أتابك وأطلق له الباقي ~~استمالة له وحفظا لقلبه، وكان أعظم الأسباب في قعود السلطان عنه ما يعلمه ~~من حصانة بلاده وكثة عساكره وكثرة أمواله. ومن جيد الرأي ما فعله الشهيد في ~~هذه الحادثة، فإنه كان ولده الأكبر سيف الدين غازي لا يزال عند السلطان ~~سفرا وحضرا بأمر والده، فأرسل إليه الآن يأمره بالهرب من عند السلطان إلى ~~الموصل، فأرسل إلى نائبه بها نصير الدين جقر يقول له ليمنعه عن الدخول ~~والوصول إليه، فهرب غازي. وبلغ الخبر والده، فأرسل إليه يأمره بالعود لى ~~السلطان، ولم يجتمع به، وأرسل معه رسولا إلى السلطان يقول له: إن ولدي هرب ~~خوفا من السلطان لما رأى تغيره علي، وقد أعدته إلى الخدمة، ولم أجتمع به، ~~فإنه مملوكك، والبلاد لك، فحل ذلك من السلطان محلا عظيما. ### || AUT ذكر ملك أتابك بعض ديار بكر # وفي هذه السنة سار أتابك زنكي لى ديار بكر ففتح منها عدة حصون، فمن ذلك: ~~مدينة طنزة، ومدينة اسعرد، ومدينة حيزان، وحصن الروق، وحصن قطليس، وحصن ~~ناتاسا، وحصن ذي القرنين، وغير ذلك مما لم يبلغ شهرة هذه الأماكن، وأخذ ~~أيضا من بلد ماردين مما هو بيد الفرنج حملين، والموزر، وتل موزن وغيرها من ~~حصون ms3940 جوسلين،ورتب أمور الجميع وجعل فيها من الأجناد من يحفظها، وقصد مدينة ~~آمد وحاني فحصرهما، وأقام بتلك الناحية مصلحا لما فتحه، ومحاصرا لما لم يفتحه. ### || AUT ذكر أمر العيارين ببغداد # وفي هذه السنة زاد أمر العيارين وكثروا لأمنهم من الطلب بسبب ابن الوزير ~~وابن قاروت أخي زوجة السلطان، لأنهما كان لهما نصيب في الذي يأخذه العيارون ~~. وكان النائب في شحنكية بغداد يومئذ مملوك اسمه إيلدكز، وكان صارما ، ~~مقداما، ظالما، فحمله الإقدام إلى أن حضرعند السلطان، فقال له السلطان: إن ~~السياسة قاصرة، والناس قد هلكوا، فقال: يا سلطان العالم إذا كان عقيد ~~العيارين ولد وزيرك وأخا امرأتك فأي قدرة لي على المفسدين؟ وشرح له الحال، ~~فقال له: الساعة تخرج وتكبس عليهما أين كانا، وتصلبهما، فإن فعلت وإلا ~~صلبتك؛ فأخذ خاتمه وخرج فكبس على ابن الوزير فلم يجده، فأخذ من كان عنده، ~~وكبس على ابن قاروت فأخذه وصلبه، فأصبح الناس وهرب ابن الوزير وشاع في ~~الناس الأمر ورثي ابن قاروت مصلوبا، فهرب أكثر العيارين، وقبض على من أقام ~~وكفى الناس شرهم، ### || AUT ذكر حصر سنجر خوارزم # ### || AUT وصلحه مع خوارزم شاه # قد ذكرنا سنة اثنتين وثلاثين مسير سنجر إلى خوارزم، وملكه لها، وعود ~~أتسز خوارزم شاه إليها وأخذها، وما كان منه بخراسان بعد ذلك؛ فلما كان في ~~هذه السنة سار السلطان سنجر إلى خوارزم، فجمع خوارزم شاه عساكره، وتحصن ~~بالمدينة، ولم يخرج منها لقتال، لعلمه أنه لا يقوى لسنجر. PageV05P0024 # وكان القتال يجري بين الفريقين من وراء السور، فاتفق في يوم من بعض ~~الأيام ان هجم أمير من أمراء سنجر اسمه سنقر على البلد من الجانب الشرقي ~~ودخله، ودخل أمير آخر اسمه مثقال التاجي من الجانب الغربي، فلم يبق غير ~~ملكه قهرا وعنوة، انصرف مثقال عن البلد حسدا لسنقر، فقوي عليه خوارزم شاه ~~أتسز، فأخرجه من البلد، وبقي سنقر وحده، واشتد في حفظه، فلما رأى السلطان ~~قوة البلد وامتناعه عزم على العود إلى مرو، ولم يمكنه من غير قاعدة تستقر ~~بينهما، فاتفق أن خوارزم ms3941 شاه أرسل رسلا يبذل المال والطاعة والخدمة ويعود ~~إلى ما كان عليه من الانقياد، فأجابه إلى ذلك واصطلحا، وعاد سنجر إلى مرو ~~وأقام خوارزم شاه بخوارزم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سير أتابك زنكي عسكرا إلى مدينة عانة من أعمال الفرات ~~فملكوها. وفيها، في المحرم توفي أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد ~~الأنباطي، الحافظ ببغداد، ومولده سنة اثنتين وستين وأربعمائة. وفيها توفي ~~أبو الفتوح محمد بن الفضل بن محمد الأسفراييني الوعظ، من أهل اسفرايين من ~~خراسان، وأقام مدة ببغداد يعظ، وسار إلى خراسان، فمات ببسطام، وكان إماما ~~فاضلا صالحا وكان بينه وبين علي الغزنوي تحاسد، فلما مات حضر الغزنوي عزاءه ~~ببغداد وبكى وأكثر، فقال بعض أصحاب أبي الفتوح للغزنوي كلا ما أغلظ له فيه، ~~فلما قام الغزنوي لامه بعض تلامذته على حضور العزاء وكثرة البكاء وقال له: ~~كنت مهاجرا لهذا الرجل، فلما مات حضرت عزاءه وأكثرت البكاء وأظهرت الحزن؟ ~~قال: كنت أبكي على نفسي، كان يقال فلان وفلان، فمن يعدم النظير أيقن ~~بالرحيل؛ وأنشد هذه الأبيات: ذهب المبرد وانقضت أيامه ... وسينقضي بعد ~~المبرد ثعلب بيت من الآداب أصبح نصفه ... خربا وباق نصفه فسيخرب فتزودوا من ~~ثعلب فبمثل ما ... شرب المبرد عن قليل يشرب أوصيكم أن تكتبوا أنفاسه ... إن ~~كانت الأنفاس مما يكتب وفيها توفي الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي، ~~في رمضان، معزولا ودفن بداره بباب الآزج، ثم نقل إلى الحربية. وفيها توفي ~~أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري النحوي المفسر، وزمخشر إحدى قرى خوارزم. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وخمسمائة # ### || AUT ذكر فتح الرها وغيرها من بلاد الجزيرة # ### || AUT مما كان بيد الفرنج # في هذه السنة، سادس جمادى الأخرة، فتح أتابك عماد الدين زنكي بن آقسنقر ~~مدينة الرها من الفرنج، وفتح غيرها من حصونهم بالجزيرة أيضا، وكان ضررهم قد ~~عم بلاد الجزيرة وشرهم قد استطار فيها، ووصلت غاراتهم إلى أدانيها ~~وأقاصيها، وبلغت آمد ونصيبين ورأس عين والرقة. وكانت مملكتهم بهذه الديار ~~من قريب ms3942 ماردين إلى الفرات مثل الرها، وسروج، والبيرة، وسن ابن عطير ، ~~وحملين، والموزر والقرادي وغير ذلك. وكانت هذه الأعمال مع غيرها مما هو غرب ~~الفرات لجوسلين، وكان صاحب رأي الفرنج والمقدم على عساكرهم، لما هو عليه من ~~الشجاعة والمكر. وكان أتابك يعلم أنه متى قصد حصرها اجتمع فيها من الفرنج ~~من يمنعها، فيتعذر عليه ملكها لا هي عليه من الحصانة، فاشتغل بديار بكر ~~ليوهم الفرنج أنه غير متفرغ لقصد بلادهم. فلما رأوا أنه غير قادر على ترك ~~الملوك الأرتقية وغيرهم من ملوك ديار بكر، حيث أنه محارب لهم، اطمأنوا، ~~وفارق جوسلين الرها وعبر الفرات إلى بلاد الغربية، فجاءت عيون أتابك إليه ~~فأخبرته فنادى العسكر بالرحيل وأن لا يتخلف عن الرها أحد من غد يومه،وجمع ~~الأمراء عنده، وقال: قدموا الطعام؛ وقال: لا يأكل معي على مائدتي هذه إلا ~~من يطعن غدا معي على باب الرها؛ فلم يتقدم إليه غير أمير واحد وصبي لا ~~يعرف، لما يعلمون من إقدامه وشجاعته، وأن أحدا لا يقدر على مجاراته في ~~الحرب، فقال الأمير لذلك الصبي: ما أنت في هذا المقام؟ فقال أتابك: دعه ~~فوالله إني أرى وجها لا يتخلف عني. PageV05P0025 # وسار والعساكر معه، ووصل إلى الرها، وكان هو أول من حمل على الفرنج ومعه ~~ذلك الصبي، وحمل فارس من خيالة الفرنج على أتابك عرضا، فاعترضه ذلك الأمير ~~فطعنه فقتله، وسلم الشهيد، ونازل البلد، وقاتله ثمانية وعشرين يوما، فزحف ~~إليه عدة دفعات، وقدم النقابين فنقبوا سور البلد، ولج في قتاله خوفا من ~~اجتماع الفرنج والمسير أليه واستنقاذ البلد منه، فسقطت البدنة التي نقبها ~~النقابون وأخذ البلد عنوة وقهرا، وحصر قلعته فملكها أيضا، ونهب الناس ~~الأموال وسبوا الذرية وقتلوا الرجال. فلما رأى أتابك البلد أعجبه، ورأى أن ~~تخريب مثله لا يجوز في السياسة، فأمر فنودي في العساكر برد من أخذوه من ~~الرجال والنساء والأطفال إلى بيوتهم، وإعادة ما غنموه من أثاثهم وأمتعتهم، ~~فردوا الجميع عن آخره لم يفقد منهم أحد إلا الشاذ النادر الذي أخذ وفارق من ~~أخذه ms3943 العسكر،فعاد البلد إلى حاله الأول، وجعل فيه عسكرا يحفظه، وتسلم مدينة ~~سروج وسائر الأماكن التي كانت بيد الفرنج شرقي الفرات ما عدا البيرة فإنها ~~حصينة منيعة وعلى شاطئ الفرات، فسار إليها وحاصرها، وكانوا قد اكثروا ~~ميرتها ورجالها، فبقي على حصارها إلى أن رحل عنها، على ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى. حكي أن بعض العلماء بالأنساب والتواريخ قال: كان صاحب جزيرة ~~صقلية قد أرسل سرية في البحر إلى طرابلس الغرب وتلك الأعمال، فنهبوا ~~وقتلوا، وكان بصقلية إنسان من العلماء المسلمين، وهو من أهل الصلاح، وكان ~~صاحب صقلية يكرمه ويحترمه، ويرجع إلى قوله، ويقدمه على من عنده من القسوس ~~والرهبان؛ وكان أهل ولايته يقولون إنه مسلم بهذا السبب. ففي بعض الأيام كان ~~جالسا في منظرة له تشرف على البحر وإذ قد أقبل مركب لطيف، وأخبره من فيه أن ~~عسكر دخلوا بلاد الإسلام، وغنموا وقتلوا وظفروا؛ وكان المسلم إلى جانبه وقد ~~أغفى، فقال له الملك: يأفلان! أما تسمع ما يقولون؟ قال: لا: إنهم يخبرون ~~بكذا وكذا. أين كان محمد عن تلك البلاد وأهلها؟ فقال له: كان قد غلب عنهم، ~~وشهد فتح أرها، وقد فتحها المسلمون الآن؛ فضحك منه من هناك من إفرنج، فقال ~~الملك: لا تضحكوا، فالله ما يقول إلا الحق؛ فبعد أيام وصلت الأخبار من فزنج ~~الشام بفتحها. وحكى لي جماعة من أهل الدين والصلاح أن إنسانا صالحا رأى ~~الشهيد في منامه فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بفتح ألرها. ### || AUT ذكر قتل نصير الدين جقر وولاية زين الدين علي كوجك قلعة الموصل # في هذه السنة، في ذي القعدة، قتل نظير الدين جقر نائب أتابك زنكي ~~بالموصل والأعمال جميعها التي شرق الفرات. وسبب قتله أن الملك ألب أرسلان ~~المعروف بالخفاجي، ولد السلطان محمود، كان عند أتابك الشهيد، وكان يظهر ~~للخلفاء والسلطان مسعود .أصحاب الأطراف أن هذه البلاد لهذا الملك، وأنا ~~نائبه فيها، وكان ينتظر وفاة السلطان مسعود ليخطب له بالسلطنة، ويملك ~~البلاد باسمه، وكان هذا الملك بالموصل، هذه ms3944 السنة، ونصير الدين يقصده كل ~~يوم ليقوم بخدمة إن عرضت له، فحسن له بعض المفسدين طلب الملك، وقال له: إن ~~قتلت نصير الدين ملكت الموصل وغيرها من البلاد، ولا يبقى مع أتابك زنكي ~~فارس واحد. فوقع هذا منه موقعا حسنا وظنه صدقا، فلما دخل نصير الدين إليه ~~وثب عليه من عنده من أجناد أتابك ومماليكه فقتلوه، وألقوا برأسه إلى أصحابه ~~ظنا منهم أن أصحابه يتفرقون ويخرج الملك ويملك البلد. وكان الأمر خلاف ما ~~ظنوه، فإن أصحابه وأصحاب أتابك الذين في خدمته لما رأوا رأسه قاتلوا من ~~بالدار مع الملك، واجتمع معهم الخلق الكثير، وكانت دولة أتابك مملوءة ~~بالرجال والأجلاد ذوي الرأي والتجربة، ثم دخل إليه القاضي تاج الدين يحيى ~~الشهرزوري ولم يزل به يخدعه، وكان فيما قال له حين رآه منزعجا: يامولانا لم ~~تحرد من هذا الكلب؟ هذا واستاذه مماليك، والحمد لله الذي أراحنا منه ومن ~~صاحبه على يدك، وما الذي يقعدك في هذه الدار؟ قم لتصعد القلعة وتأخذ ~~الأموال والسلاح وتملك البلد وتجمع الجند، وليس دون البلاد بعد الموصل ~~مانع. فقام معه وركب القلعة، فلما قاربها أراد من بها من النقيب والأجناد ~~القتال، فتقدم إليهم تاج الدين وقال لهم: افتحوا الباب وتسلموه، وافعلوا به ~~ما أردتم؟ ففتحوا الباب ودخل الملك والقاضي إليها ومعهما من أعان على قتل ~~نصير الدين، فسجنوا ونزل القاضي. PageV05P0026 # وبلغ الخبر أتابك زنكي وهو يحاصر قلعة البيرة، وقد أشرف على ملكها، فخاف ~~أن تختلف البلاد الشرقية بعد قتل نصير الدين، ففارق البيرة وأرسل زين الدين ~~علي بن بكتكين إلى قلعة الموصل واليا على ما كان نصير الدين يتولاه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض السلطان مسعود على وزيره البروجردي، ووزر بعده ~~المرزبان ابن عبيد الله بن نصر الأصفهاني، وسلم إليه البروجردي، فاستخرج ~~أمواله، ومات مقبوضا. وفيها كان أتابك عماد الدين زنكي يحاصر البيرة، وهي ~~للفرنج شرق الفرات بعد ملك الرها، وهي من أمنع الحصون، وضيق عليها وقارب أن ~~يفتحها، فجاءه خبر قتل نصير الدين ms3945 نائبه بالموصل، فرحل عنها، وأرسل نائبا ~~إلى الموصل، وأقام ينتظر الخبر، فخاف من بالبيرة من الفرنج أن يعود إليهم، ~~وكانوا يخافونه خوفا شديدا، فأرسلوا إلى نجم الدين صاحب ماردين وسلموها له، ~~فملكها المسلمون. وفيها خرج أسطول الفرنج من صقلية إلى ساحل إفريقية ~~والغرب، ففتحوا مدينة برشك وقتلوا أهلها، وسبوا حريمهم وباعوه بصقلية على ~~المسلمين. وفيها توفي تاشفين بن علي بن يوسف صاحب الغرب، وكانت ولايته تزيد ~~على أربع سنين، وولي بعده أخوه، وضعف أمر الملثمين، وقوي عبد المؤمن، وقد ~~ذكرنا ذلك سنة أربع عشرة وخمسمائة. وفيها، في شوال ظهر كوكب عظيم له ذنب من ~~جانب المشرق، وبقي إلى نصف ذي القعدة، ثم غاب، ثم طلع من جانب الغرب، فقيل ~~هو هو وقيل بل غيره. وفيها كانت فتنة عظيمة بين الأمير هاشم بن فليتة بن ~~القاسم العلوي الحسيني، أمير مكة، والأمير نظر الخادم أمير الحاج، فنهب ~~أصحاب هاشم الحجاج وهم في المسجد يطوفون ويصلون، ولم يرقبوا فيهم إلا ولا ~~ذمة. وفيها في ذي الحجة، توفي عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ~~حمدويه أبو المعالي المروزي بمرو، وسافر الكثير، وسمع الحديث الكثير، وبنى ~~بمرو رباطا، ووقف فيه كتبا كثيرة، وكان كثير الصدقة والعبادة. وتوفي محمد ~~بن عبد الملك بن حسن بن إبراهيم بن خيرون أبو منصور المقري، ومولده في رجب ~~سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وهو آخر من روى عن الجوهري بالإجازة، وتوفي في ~~رجب. وفي ذي الحجة منها توفي أبو منصور سعيد بن محمد بن عمر المعروف بابن ~~الرزاز مدرس النظامية ببغداد، ومولده سنة اثنتين وأربعمائة، وتفقه على ~~الغزالي والشامي ودفن في تربة الشيخ أبي إسحق. ### | AUT ثم دخلت سنة أربعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر اتفاق بوزابة وعباس على منازعة السلطان # في هذه السنة سار بوزابة، صاحب فارس وخوزستان، وعساكره إلى قاشان، ومعه ~~الملك محمد ابن السلطان محمود، ووصل إليهما الملك سليمان شاه ابن السلطان ~~محمد، واجتمع بوزابة والأمير عباس صاحب الري، واتفقا على الخروج عن طاعة ~~السلطان مسعود ms3946 وملكا كثيرا من بلاده. ووصل الخبر إليه وهو ببغداد ومعه ~~الأمير عبد الرحمن طغايرك، وهو أمير حاجب، حاكم في الدولة، وكان ميله ~~إليهما، فسار السلطان في رمضان عن بغداد، ونزل بها الأمير مهلهل، ~~ونظر،وجماعة من غلمان بهروز؛ وسار السلطان وعبد الرحمن معه، فتقارب ~~العسكران، ولم يبق إلا المصاف، فلحق سليمان شاه بأخيه مسعود ، وشرع عبد ~~الرحمن في تقرير الصلح على القاعدة التي أرادوها، وأضيف إلى عبد الرحمن ~~ولاية أذربيجان وأرانية إلى ما بيده، وصار أبو الفتح بن دارست وزير السلطان ~~مسعود، وهو وزير بوزابة، فصار السلطان معهم تحت الحجر، وأبعدوا بك أرسلان ~~بن بلنكري المعروف بخاص بك، وهو ملازم السلطان وتربيته، وصار في خدمة عبد ~~الرحمن ليحقن دمه، وصار الجماعة في خدمة السلطان صورة لا معنى تحتها والله أعلم . ### || AUT ذكر استيلاء علي بن دبيس على الحلة # في هذه السنة سار علي بن دبيس هاربا، فملكها؛ وكان سبب ذلك أن السلطان ~~لما أراد الرحيل من بغداد أشار عليه المهلهل أن يحبس علي ابن دبيس بقلعة ~~تكريت، فعلم ذلك، فهرب في جماعة يسيرة نحو خمسة عشر، فمضى إلى الأزيز، وجمع ~~بني أسد وغيرهم،وسار إلى الحلة وبها أخوه محمد بن دبيس، فقاتله، فانهزم ~~محمد، وملك علي الحلة. واستهان السلطان أمره أولا، فاستفحل وضم إليه جمعا ~~من غلمانه وغلمان أبيه وأهل بيته وعساكرهم، وكثر جمعهم، فسار إليه مهلهل ~~فيمن معه في بغداد من العسكر، وضربوا معه مصافا، فكسرهم وعادوا منهزمين إلى ~~بغداد. PageV05P0027 # وكان أهلها يتعصبون لعلي بن دبيس، وكانوا يصيحون، إذا ركب مهلهل وبعض ~~أصحابه: يا علي! كله. وكثر ذلك منهم بحيث امتنع مهلهل من الركوب. ومد علي ~~يده في أقطاع الأمراء بالحلة، وتصرف فيها، وصار شحنة بغداد ومن فيها على ~~وجل منه، وجمع الخليفة جماعة وجعلهم على السور لحفظه، وراسل عليا، فأعاد ~~الجواب بأنني العبد المطيع مهما رسم لي فعلت؛ فسكن الناس، ووصلت الأخبار ~~بعد ذلك أن السلطان مسعودا تفرق خصومه عنه، فازداد سكون الناس ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ms3947 حج بالناس قايماز الأرجواني صاحب أمير الحاج نظر، واحتج ~~نظر بأن بركة نهب في كسرة الحلة، وأن بينه وبين أمير مكة من الحروب ما لا ~~يمكنه معه الحج. وفيها اتصل بالخليفة عن أخيه أبي طالب ما كرهه، فضيق عليه، ~~واحتاط على غيرهمن أقربه. وفيها ملك الفرنج، لعنهم الله، مدينة شنترين، ~~وباجة، وماردة، وأشبونة، وسائر المعاقل المجاورة لها من بلاد الأندلس، ~~وكانت للمسلمين، فاختلفوا، فطمع العدو، وأخذ هذه المدن وقوي بها قوة تمكن ~~معها وتيقن ملك سائر البلاد الإسلامية بالأندلس، فخيب الله ظنه وكان ما ~~نذكره. وفيها سار أسطول الفرنج من صقلية، ففتحوا جزيرة قرنة من إفريقية، ~~فقتلوا رجالها، وسبوا حريمهم، فأرسل الحسن صاحب إفريقية إلى رجار ملك صقلية ~~يذكره العهود التي بينهم، فاعتذر بأنهم غير مطيعين له. وفي هذه السنة توفي ~~مجاهد الدين بهروز الغياثي، وكان حاكما قي العراق نيفا وثلاثين سنة؛ ويرنقش ~~الزكوي، صاحب أصفهان، وكان أيضا شحنة بالعراق، وهو خادم أرمني لبعض التجار. ~~وتوفي الأمير إيلدكز شحنة بغداد، والشيخ أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد ~~بن الخضر الجواليقي اللغوي، ومولده في ذي الحجة سنة خمس وستين وأربعمائة، ~~وأخذ اللغة عن أبي زكرياء التبريزي، وكان يؤم بالمقتفي أمير المؤمنين. ~~وتوفي أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن أحمد بن سليمان أبو سعيد ابن أبي ~~الفضل الأصفهاني، ومولده سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وروى الحديث الكثير، ~~وكان على سيرة السلف، كثير الاتباع للسنة، رحمة الله عليه. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر ملك الفرنج طرابلس الغرب # في هذه السنة ملك الفرنج، لعنهم الله، طرابلس الغرب، وسبب ذلك أن رجار ~~ملك صقيلية جهز أسطولا كثيرا وسيره إلى طرابلس الغرب، فأحاطوا بها برا ~~وبحرا، ثالث المحرم، فخرج إليهم أهلها وأنشبوا القتال، فدامت الحرب بينهم ~~ثلاثة أيام. فلما كان اليوم الثالث سمع الفرنج بالمدينة ضجة عظيمة، وخلت ~~الأسوار من المقاتلة، وسبب ذلك أن أهل طرابلس كانوا قبل وصول الفرنج بأيام ~~يسيرة قد اختلفوا، فأخرج طائفة منهم بني مطروح، وقدموا ms3948 عليهم رجلا ملثما ~~قدم يريد الحج ومعه جماعة، فولوه أمرهم، فلما نازلهم الفرنج أعادت الطائفة ~~الأخرى بني مطروح، فوقعت الحرب بين الطائفتين، وخلت الأسوار فانتهز الفرنج ~~الفرصة ونصبوا السلالم، وصعدوا على السور، واشتد القتال فملكت الفرنج ~~المدينة عنوة بالسيف، فسفكوا دماء أهلها وسبوا نساءهم، وهرب من قدر على ~~الهرب، والتجأ إلى البربر والعرب، فنودي بالأمان في الناس كافة، فرجع كل من ~~فر منها. وأقام الفرنج ستة أشهر حتى حصنوا أسوارها وحفروا خندقها، ولما ~~عادوا أخذوا رهائن أهلها، ومعهم بنو مطروح والملثم، ثم أعادوا رهائنهم، ~~وولوا عليها رجلا من بني مطروح، وتركوا رهائنه وحده، واستقامت أمور المدينة ~~وألزم أهل صقيلية والروم بالسفر إليها فانعمرت سريعا وحسن حالها. ### || AUT ذكر حصر زنكي حصني جعبر وفنك # وفي هذه السنة سار أتابك إلى حصن جعبر، وهو مطل على الفرات، وكان بيد ~~سالمبن مالك العقيلي سلمه السلطان ملك شاه إلى أبيه لما أخذ منه حلب، وقد ~~ذكرناه، فحصره وسير جيشا إلى قلعة فنك، وهي تجاور جزيرة ابن عمر، بينها ~~فرسخان، فحصرها أيضا، وصاحبها حينئذ الأمير حسام الدين الكردي البشنوي. ~~PageV05P0028 # وكان سبب ذلك أنه كان لا يريد أن يكون في وسط بلاده ما هو ملك غيره، حزما ~~واحتياطا، فنازل قلعة جعبر وحصرها، وقاتله بها، فلما طال عليه ذاك أرسل ~~إلىصاحبها، مع الأمير حسان المنبجي لمودة كانت بينهما، في معنى تسليمها، ~~وقال له: تضمن عني الأقطاع الكثير والمال الجزيل، فإن أجاب إلى التسليم، ~~وإلا فقلله: والله لأقيمن عليك إلى أن أملكها عنوة، ثم لا أبقي عليك، ومن ~~الذي يمنعك مني؟ فصعد إليه حسان وأدى إليه الرسالة، ووعده، وبذل له ما قيل ~~له، فامتنع من التسليم، فقال له حسان: فهو يقول لك من يمنعك مني؟ فقال: ~~يمنعني منه الذي منعك من الأمير بللك. فعاد حسان وأخبر الشهيد بامتناعه، ~~ولم يذكر لن هذا، فقتل أتابك بعد أيام. وكانت قصة حسان مع بللك ابن أخي ~~إيلغازي أن حسان كان صاحب منبج، فحصره بللك وضيق عليه، فبينما هو في بعض ~~الأيام ms3949 يقاتله، جاءه سهم لا يعرف من رماه فقتله، وخلص حسان من الحصر، وقد ~~تقدم ذكره، وكان هذا القول من الاتفاق الحسن.ولما قتل أتابك زنكي رحل ~~العسكر الذين كانوا يحاصرون قلعة فنك عنها، وهي بيد أعقاب صاحبها إلى الآن، ~~وسمعتهم يذكرون أن لهم بها نحو ثلاثمائة سنة، ولهم مقصد، وفيهم وفاء ~~وعصبية، يأخذون بيد كل من يلتجىء إليهم ويقصدهم، ولا يسلمونه كائن من كان. ### || AUT ذكر قتل أتابك زنكي وشيء من سيرته # في هذه السنة لخمس مضين من ربيع الأخر،قتل أتابك عماد الدين زنكي بن ~~آقسنقر، صاحب الموصل والشام، وهو يحاصر قلعة جعبر، على ما ذكرناه، قتله ~~جماعة من مماليكه غيلة، وهربوا إلى قلعة جعبر، فصاح من بها من أهلها إلى ~~العسكر يعلمونهم بقتله، وأظهروا الفرح، فدخل أصحابه إليه، فأدركوه وبه رمق. ~~حدثني والدب عن بعض خواصه قال: دخلت إليه في الحال وهو حي، فحين رآني ظن ~~أني أريد قتله، فأشار إلي بإصبعه السبابة يستعطفني، فوقعت مني هيبته، فقات ~~يا مولاي من فعل بك هذا؟ فلم يقدر على الكلام، وفاضت نفسه لوقته، رحمه ~~الله. قال: وكان حسن الصورة ، أسمر اللون، مليح العينين، قد وخطه الشيب، ~~وكان قد زاد عمره على ستين سنة، لأنه كان لما قتل والده صغيرا، كما ذكرناه ~~قبل، ولما قتل دفن بالرقة. وكان شديد الهيبة على عسكره ورعيته، عظيم ~~السياسة، لا يقدر القوي على ظلم الضعيف؛ وكانت البلاد، قبل أن يملكها، ~~خرابا من الظلم، وتنقل الولاة، ومجاورة الفرنج، فعمرها وامتلأت أهلا ~~وسكانا. حكى لي والدي قال: رأيت الموصل وأكثرها خراب، بحيث يقف الإنسان ~~قريب محلة الطبالين ويرى الجامع العتيق، والعرصة ودار السلطان، ليس بين ذلك ~~عمارة؛ وكان الإنسان لا يقدر على المشي إلى الجامع العتيق إلا ومعه من ~~يحميه، لبعده عن العمارة، وهو الأن في وسط العمارة وليس في هذه البقاع ~~المذكورة كلها أراض براح،وحدثني أيضا أنه وصل إلى الجزيرة في الشتاء، فدخل ~~الأمير عز الدين الدبيسي، هو من أكابر أمرائه، ومن جملة أقطاعه مدينة ~~دقوقا،ونزل في دار ms3950 إنسان يهودي، فاستغاث اليهودي إلى اتابك، وأنهى حاله ~~إليه، فنظر إلى الدبيسي، فتأخر، ودخل البلد، وأخرج بركه وخيامه. قال: فلقد ~~رأيت غلمانه ينصبون خيامه في الوحل، وقد جعلوا على الأرض تبنا يقيهم الطين، ~~وخرج فنزلها، وكانت سياسته إلى هذا الحد. وكانت الموصل من أقل بلاد الله ~~فاكهة، فصارت في أيامه وما بعدها، من أكثر البلاد فواكه ورياحين وغير ذلك. ~~وكان أيضا شديد الغيرة ولا سيما على نساء الأجناد، وكان يقول: إن لم نحفظ ~~نساء الأجناد بالهيبة، وإلا فسدن لثرة غيبة أزواجهن في الأسفار. وكان أشجع ~~خلق الله؛ أما قبل أن يملك فيكفيه أنه حضر مع الأمير مودود صاحب الموصل ~~مدينة طبرية، وهي للفرنج، فوصلت طعنته باب البلد وأثر فيه، وحما أيضا على ~~قلعة عقر الحميدية، وهي على جبل عال، فوصلت طعنته إلى سورها، إلى أشياء ~~أخر. PageV05P0029 # وأما بعد الملك فقد كان الأعداء محدقين ببلاده، وكلهم يقصدها، ويريد ~~أخذها، وهو لا يقنع بحفظها، حتى أنه لا ينقضي عليه عام إلا ويفتح من ~~بلادهم. فقد كان الخليفة المسترشد بالله مجاوره في ناحية تكريت، وقصد ~~الموصل وحصرها، ثم إلى جانبه ، من ناحية شهرزور ويلك الناحية، السلطان ~~مسعود؛ ثم ابن سقمان صاحب خلاط؛ ثم داود بن سقمان صاحب حصن كيفا؛ ثم صاحب ~~آمد وماردين؛ ثم الفرنج من مجاورة ماردين إلى دمشق؛ ثم أصحاب دمشق، فهذه ~~الولايات قد أحاطت بولايته من كل جهاتها، فهو يقصد هذا مرة وهذا مرة، ويأخذ ~~من هذا ويصنع هذا، إلى أن ملك من كل من يليه طرفا من بلاده. وقد أتينا على ~~أخباره في كتاب الباهر في تاريخ دولته ودولة أولاده، فيطلب من هناك. ### || AUT ذكرملك ولديه سيف الدين ونور الدين # لما قتل أتابك زنكي أخذ نور الدين محمود ولده خاتمه من يده، وكان حاضرا ~~معه، وسار إلى حلب فملكها. وكان حينئذ يتولى ديوان زنكي، ويحكم في دولته من ~~أصحاب العمائم جمال الدين محمد بن علي وهو المنفرد بالحكم، ومعه أمير حاجب ~~صلاح الدين محمد الياغيسياني، فاتفقا على حفظ الدولة، ms3951 وكان مع الشهيد أتابك ~~الملك ألب أرسلان ابن السلطان محمود، فركب ذلك اليوم، وأجمعت العساكر عليه، ~~وحضر عنده جمال الدين وصلاح الدين وحسنا له الأشتغال بالشرب والمغنيات ~~والجواري، وأدخلاه الرقة، فبقي فيها أياما لا يظهر، ثم سار إلى ماكسين، ~~فدخلها، وأقام بها أياما، وجمال الدين يحلف الأمراء لسيف الدين غازي بن ~~أتابك زنكي، ويسيرهم إلى الموصل. ثم سار من ماكسين إلى سنجار، وكان سيف ~~الدين قد وصل إلى الموصل، فلما وصلوا إلى سنجار أرسل جمال الدين إلى ~~الدزدار يقول له ليرسل إلى ولد السلطان يقول له: إني مملوكك، ولكني تبع ~~الموصل، فمتى ملكتها سلمت إليك سنجار. فسار إلى الموصل، فأخذه جمال الدين ~~وقصد به مدينة بلد، وقد بقي معه من العسكر القليل، فأشار عليه بعبور دجلة، ~~فعبرها إلى الشرق في نفر يسير. وكان سيف الدين غازي بمدينة شهرزور، وهي ~~إقطاعه،فأرسل إليه زين الدين بن علي كوجك نائب أبيه بالموصل أرسل إليه ~~يعرفه قلة من مع الملك، فأرسل إليه بعض عسكره، فقبضوا عليه، وحبس في قلعة ~~الموصل، واستقر ملك سيف الدين البلاد، وبقي أخوه نور الدين بحلب وهي له، ~~وسار إليه صلاح الدين الياغسياني يدبر أمره ويقوم بحفظ دولته، وقد استقصينا ~~شرح هذه الحادثة في التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية، ### || AUT ذكر عصيان الرها لما قتل أتابك # كان جوسلين الفرنجي الذي كان صاحب الرها في ولايته، وهي تل باشر وما ~~يجاورها، فراسل أهل الرها وعامتهم من الأرمن وحملهم على العصيان، والامتناع ~~على المسلمين، وتسليم البلد، فأجابوه إلى ذلك، وواعدهم يوما يصل إليهم فيه، ~~وسار في عساكره إلى الرها، وملك البلد، وامتنعت القلعة عليه بمن فيها من ~~المسلمين، فقاتلهم، فبلغ الخبر إلى نور الدين محمود بن زنكي، وهو بحلب، ~~فسار مجدا إليه في عسكره، فلما قاربها خرج جوسلين هاربا عائدا إلى بلده، ~~ودخل نور الدين المدينة، ونهبها حينئذ، وسبى لأهلها. وفي هذه الدفعة نهبت ~~وخلت من أهلها، ولم يبق بها منهم إلا القليل، وكثير من الناس يظن أنها نهبت ~~لما فتحها الشهيد، ms3952 وليس كذلك. وبلغ الخبر إلى سيف الدين غازي بعصيان الرها، ~~فسير العساكر إليها، فسمعوا بملك نور الدين البلد واستباحته، وهم في ~~الطريق، فعادوا. ومن أعجب ما يروى أن زين الدين عليا، الذي كان نائب الشهيد ~~وأولاده بقلعة الموصل، جاءه هدية أرسلها إليه نور الدين من هذا الفتح، وفي ~~الجملة جارية، فلما دخل إليها، وخرج من عندها وقد اغتسل، قال لمن عنده: ~~تعلمون ما جرى لي في يومنا هذا؟ قالوا لا! قال: لما فتحنا الرها مع الشهيد ~~وقع في يدي من النهب جارية رائقة أعجبني حسنها ومال قلبي إليها، فلم يكن ~~بأسرع من أن أمر الشهيد فنودي برد السبي والمال المنهوب، وكان مهيبا مخوفا، ~~فرددتها وقلبي متعلق بها، فلما كان الأن جاءتني هدية نور الدين وفيها عدة ~~جوار منهن تلك الجارية فوطئتها خوفا أن يقع رد تلك الدفعة. ### || AUT ذكر استيلاء عبد المؤمن على جزيرة الأندلس # PageV05P0030 # في هذه السنة سير عبد المؤمن جيشا إلى جزيرة الأندلس، فملكوا ما فيها من ~~بلاد الإسلام. وسبب ذلك أن عبد المؤمن لما كان يحاصر مراكش جاء إليه جماعة ~~من أعيان الأندلس منهم أبو جعفر أحمد بن محمد بن حمدين، ومعهم مكتوب يتضمن ~~بيعة أهل البلاد التي هم فيها لعبد المؤمن ودخولهم في زمرة أصحابه ~~الموحدين، وإقامتهم لأمره، فقبل عبد المؤمن ذلك منهم، وشكرهم عليه، وطيب ~~قلوبهم، وطلبوا منه النصرة على الفرنج، فجهز جيشا كثيفا وسيره معهم، وعمر ~~أسطولا وسيره في البحر، فسار الأسطول إلى الأندلس، وقصدوا مدينة ~~إشبيلية،وصعدوا في نهرها، وبها جيش من الملثمين، فحصروها برا وبحرا وملكوها ~~عنوة، وقتل فيها جماعة وأمن الناس فسكنوا واستولت العساكر على البلاد، وكان ~~لعبد المؤمن من بها ### || AUT ذكر قتل عبد الرحمن طغايرك # ### || AUT وعباس صاحب الري # في هذه السنة قتل السلطان مسعود أمير حاجب عبد الرحمن طغايرك، وهو صاحب ~~خلخال وبعض أذربيجان والحاكم في دولة السلطان، وليس للسلطان معه حكم. وكان ~~سبب قتله لما ضيق عليه عبد الرحمن بقي معه شبه الأسير ليس له في البلاد ~~حكم، ms3953 حتى إن عبد الرحمن قصد غلاما كان للسلطان، وهو بك أرسلان، المعروف ~~بخاص بك بن بلنكري، وقد رباه السلطان وقربه فأبعده عنه، وصار لا يراه، وكان ~~في خاص بك عقل وتدبير وجودة قريحة، وتوصل لما يريد أن يفعله، فجمع عبد ~~الرحمن العساكر وخاص بك فيهم، وقد استقر بينه وبين السلطان مسعود أن يقتل ~~عبد الرحمن، إلا رجلا اسمه زنكي وكان جاندارا، فإنه بذل من نفسه أن يبدأه ~~بالقتل،ووافق خاص بك على القيام في الأمر جماعة من الأمراء، فبينما عبد ~~الرحمن في موكبه ضربه زنكي الجاندار بمقرعة حديد كانت في يده على رأسه، ~~فسقط إلى الأرض، فأجهز عليه خاص بك، وأعانه على حماية زنكي والقائمين معه ~~من كان واطأه على ذلك من الأمراء، وكان قتله بظاهر جنزة. وبلغ الخبر إلى ~~السلطان مسعود وهو ببغداد، ومعه الأمير عباس صاحب الري، وعسكره أكثر من ~~عسكر السلطان، فأنكر ذلك، وامتعض منه، فداراه السلطان ولطف به، واستدعى ~~الأمير البقش كونخر من اللحف وتتر الذي كان حاجبا فلما قوي بهما أحضر عباسا ~~إليه في داره،فلما دخل إليه منع أصحابه من الدخول معه، وعدلوا به إلى حجرة، ~~وقالوا له: اخلع الرزية؛ فقال: إن لي مع السلطان أيمانا وعهودا؛ فلكموه، ~~وخرج له غلمان أعدوا لذلك، فحينئذ تشاهد وخلع الرزية وألقاها، وضربوه ~~بالسيوف، واحتزوا رأسه وألقوه إلى أصحابه، ثم ألقوا جسده، ونهب رحله وخيمه ~~وانزعج البلد لذلك. وكان عباس من غلمان السلطان محمود، حسن السيرة، عادلا ~~في رعيته، كثير الجهاد للباطنية، قتل منهم خلقا كثيرا، وبنى من رؤوسهم ~~منارة بالري، وحصر قلعة ألموت، ودخل إلى قرية من قراهم فألقى فيها النار ~~فأحرق كل من فيها من رجل وامرأة وصبي وغير ذلك؛ فلما قتل دفن بالجانب ~~الغربي، ثم أرسلت ابته فحملته إلى الري فدفنته هناك، وكان مقتله في ذي ~~القعدة. ومن الاتفاق العجيب أن العبادي كان يعظ يوما، فحضره عباس، فأسمع ~~بعض من في المجلس ورمى بنفسه نحو الأمير عباس ، فضربه أصحابه ومنعوه خوفا ~~عليه لأنه كان شديد احتراس من ms3954 الباطنية لا يزال لابسا الزردية لا تفارقه ~~الغلمان الأجلاد، فقال له العبادي: يا أمير إلام هذا الاحتراز؟ والله لئن ~~قضي عليك بأمر لتحلن أنت بيدك أزرار الزردية فينفذ القضاء فيك. وكان كما ~~قال، وقد كان السلطان استوزر ابن دارست، وزير بوزابة، كارها على ما تقدم ~~ذكره، فعزله الآن لأنه اختار العزل والعود إلى صاحبه بوزابة فلما عزله قرر ~~معه أن يصلح له بوزابة، ويزيل ما عنده من الاستشعار بسبب قتل عبد الرحمن ~~وعباس، فسار الوزير وهو لا يعتقد النجاة، فوصل إلى بوزابة وكان ما نذكره. ؟ ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة حبس السلطان مسعود أخاه سليمان شاه بقلعة تكريت. وفيها ~~توفي الأمير جاولي الطغرلي صاحب آرانية وبعض أذربيجان، وكان قد تحرك ~~للعصيان، وكان موته فجأة، مد قوسا فنزف دما فمات. وتوفي شيخ الشيوخ صدر ~~الدين إسماعيل بن أبي سعد الصوفي، مات ببغداد ودفن بظاهر رباط الزوزني بباب ~~البصرة، ومولده سنة أربع وستين وأربعمائة، وقام في منصبه ولده صدر الدين ~~شيخ الشيوخ عبد الرحيم. PageV05P0031 # وفيها توفي نقيب النقباء محمد بن طراد الزينبي أخو شرف الدين الوزير. ~~وفيها ولي مسعود بن بلال شحنكية بغداد، وسار السلطان عنها. وفيها كان ~~بالعراق جراد كثير أحل أكثر البلاد. وفيها ورد العبادي الواعظ رسولا من ~~السلطان سنجر إلى الخليفة، ووعظ ببغداد، وكان له قبول بها، وحضر مجلسه ~~السلطان مسعود فمن دونه، وأما العامة فإنهم كانوا يتركون أشغالهم لحضور ~~مجلسه والمسابقة إليه. وفيها بعد قتل الشهيد زنكي بن آقسنقر قصد صاحب دمشق ~~حصن بعلبك وحصره وكان به نجم الدين أيوب بن شاذي مستحفظا لها، فخاف أن ~~أولاد زنكي لا يمكنهم إنجاده بالعاجل، فصالحه وسلم القلعة إليه، وأخذ منه ~~إقطاعا ومالا، وملكه عدة قرى من بلد دمشق، وانتقل أيوب إلى دمشق فسكنها ~~وأقام فيها. وفي هذه السنة، في ربيع الآخر، توفي عبد الله بن علي بن أحمد ~~أبو محمد المقري ابن بنت الشيخ أبي منصور، ومولده في شعبان سنة أربع وستين ~~وأربعمائة، وكان مقرئا نحويا محدثا، وله ms3955 تصانيف في القراءات. ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ~~؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ~~؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ~~؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر قتل بوزابة # لما اتصل بالأمير بوزابة قتل عباس جمع عساكره من فارس وخوزستان وسار إلى ~~أصفهان فحصرها، وسير عسكرا آخر إلى همذان، وعسكرا ثالثا إلى قلعة الماهكي ~~من بلد اللحف، فأما عسكره الذي بالماهكي فإنه سار إليهم الأمير البقش كون ~~خر فدفعهم عن أعماله وكانت أقطاعة، ثم إن بوزابة سار عن أصفهان يطلب ~~السلطان مسعودا، فراسله السلطان في الصلح، فلم يجب إليه، وسار مجدا فالتقيا ~~بمرج قراتكين، وتصافا، فاقتتل العسكران، فانهزمت ميمنة السلطان مسعود ~~وميسرته؟ ، واقتتل القلبان أشد قتال وأعظمه، صبر فيه الفريقان، ودامت الحرب ~~بينهما، فسقط بوزابة عن فرسه بسهم أصابه، وقيل بل عثر به الفرس فأخذ أسيرا ~~وحمل إلى السلطان وقتل بين يديه، وانهزم أصحابه لما أخذ هو أسيرا. وبلغت ~~هزيمة العسكر السلطاني من الميمنة والميسرة إلى همذان، وقتل بين الفريقين ~~خلق كثير، وكانت هذه الحرب من أعظم الحروب بين الأعاجم. ؟ ### || AUT ذكر طاعة أهل قابس للفرنج # ### || AUT وغلبة المسلمين عليها # كان صاحب مدينة قابس، قبل هذه السنة، إنسانا اسمه رشيد، توفي وخلف ~~أولادا، فعمد مولى له اسمه يوسف إلى ولده الصغير، واسمه محمد، فولاه الأمر، ~~وأخرج ولده الكبير واسمه معمر، واستولى يوسف على البلد، وحكم على محمد لصغر ~~سنه. ؟؟؟؟؟؟وجرى منه أشياء من التعرض إلى حرم سيده، والعهدة على ناقله، ~~وكان من جملتهم امرأة من بني قرة، فأرسلت إلى أخوتها تشكو إليهم ما هي فيه، ~~فجاء أخوتها لأخذهم فمنعهم، وقال: هذه حرمة مولاي؛ ولم يسلمها، فسار بنو ~~قرة ومعمر بن رشيد إلى الحسن صاحب إفريقية،وشكوا إليه ما يفعل يوسف، فكاتبه ~~الحسن في ذلك، فلم يجب إليه، وقال: ائن لم يكف الحسن عني وإلا سلمت قابس ~~إلى صاحب صقيلية؛ فجهز الحسن العسكر إليه، فلما سمع يوسف بذلك أرسل إلى ~~رجار الفرنجي، صاحب صقيلية، وبذل له الطاعة، وقال له: أريد منك خلعة وعهدا ~~بولاية قابس لأكون نائبا عنك كما فعلت مع بني مطروح في طرابلس؛ فسير إليه ms3956 ~~رجار الخلعة والعهد، فلبسها وقرىء العهد بمجمع من الناس. فجد حينئذ الحسن ~~في تجهيز العسكر إلى قابس، فساروا إليها ونازلوها وحصروها، فثار أهل البلد ~~بيوسف لما اعتمده من طاعة الفرنج، وسلموا البلد إلى عسكر الحسن، وتحصن يوسف ~~في القصر، فقاتلوه حتى فتحوه، وأخذ يوسف أسيرا، فتولى عذابه معمر بن رشيد ~~وبنو قرة، فقطعوا ذكره وجعلوه في فمه وعذب بأنواع العذاب. وولي معمر قابس ~~مكان أخيه محمد، وأخذ بنو قرة أختهم، وهرب عيسى أخو يوسف وولد يوسف وقصدوا ~~رجار، صاحب صقيلية، فاستجاروا به وشكوا إليه ما لقوا من الحسن، فغضب لذلك، ~~وكان ما نذكره سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة من فتح المهدية، إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر حادثة ينبغي أن يحتاط العاقل من مثلها # PageV05P0032 # كان يوسف هذا صاحب قابس قد أرسل رسولا إلى رجار بصقيلية، فاجتمع هو ورسول ~~الحسن صاحب المهدية عنده، فجرى بين الرسولين مناظرة، فذكر رسول يوسف الحسن ~~وما نال منه وذمه، ثم إنهما عادا في وقت واحد، وركبا البحر كل واحد منهما ~~في مركبه ، فأرسل رسول الحسن رقعة إلى صاحبه على جناح طائر يخبره بما كان ~~من رسول يوسف، فسير الحسن جماعة من أصحابه في البحر، فأخذوا رسول يوسف ~~وأحضروه عند الحسن، فسبه وقال: ملكت الفرنج بلاد المسلمين وطولت لسانك ~~بذمي! ثم أركبه جملا وعلى رأسه طرطور بجلاجل وطيف به في البلد ونودي عليه: ~~هذا جزاء من سعى أن يملك بلاد المسلمين؛ فلما توسط المهدية ثار به العامة ~~فقتلوه بالحجارة، ### || AUT ذكر ملك الفرنج المرية # ### || AUT وغيرها من بلاد الأندلس # في هذه السنة، في جمادى الأولى، حصر الفرنج مدينة المرية من الأندلس، ~~وضيقوا عليها برا وبحرا، فملكوها عنوة، وأكثروا القتل بها والنهب، وملكوا ~~أيضا مدينة بياسة وولاية جيان، وكلها بالأندلس، ثم استعادها المسلمون بعد ~~ذلك منهم، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر ملك نور الدين محمود بن زنكي عدة مواضع من بلد الفرنج # في هذه السنة دخل محمود بن زنكي صاحب حلب، بلد الفرنج، ففتح ms3957 منه مدينة ~~ارتاح باسيف ونهبها وحصن مابولة وبصرفون وكفر لاثا. وكان الفرنج بعد قتل ~~والده زنكي قد طمعوا، وظنوا أنهم بعده يستردون ما أخذه، فلما رأوا من نور ~~الدين هذا الجد في أول أمره علموا أن ما أملوه بعيد. ### || AUT ذكر أخذ الحلة من علي بن دبيس # ### || AUT وعوده إليها # في هذه السنة كثر فساد علي بن دبيس بالحاة وما جاورها، وكثرت الشكاوى ~~منه، فأقطع السلطان مسعود الحلة للأمير سلار كرد، فسار إليها من همذان ومعه ~~عسكر وانضاف إليهم جماعة من عسكر بغداد، وقصدوا الحلة، واحتاط على أهل علي ~~ورجعت العساكر، وأقام هو بالحلة في مماليكه وأصحابه، وسار عليبن دبيس فلحق ~~بالبقش كون خر، وكان بإقطاعه، في اللحف، متجنيا على السلطان، فاستنجده، ~~فسار معه إلى واسط، واتفق هو والطرنطاي، وقصدوا الحلة فاستنقذوها من سلار ~~كرد في ذي الحجة، وفارقها سلار كرد وعاد إلى بغداد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في جمادى الأولى، خطب للمستنجد بالله يوسف بن المقتفي ~~لأمر الله بولاية العهد. وفيها ولي عون الدين يحيى بن هبيرة كتابة ديوان ~~الزمام ببغداد، وولي زعيم الدين يحيى بن جعفر المخزن. وفيها، في ربيع الأول ~~، مات أبو القاسم طاهر بن سعيد بن أبي سعيد بن أبي الخير الميهني شيخ رباط ~~البسطامي ببغداد، وفي ربيع الآخر توفيت فاطمة خاتون بنت السلطان محمد زوجة ~~المقتفي لأمر الله. وفي رجب منها مات أبو الحسن محمد بن المظفر علي بن ~~المسلمة، ابن رئيس الرؤساء، ومولده سنة أربع وثمانين، وكان قد تصوف، وجعل ~~داره التي في القصر رباطا للصوفية. وفيها سار سيف الدين غازي بن زنكي إلى ~~قلعة دارا، فملكها وغيرها من بلد ماردين، ثم سار إلى ماردين وحصرها وخرب ~~بلدها ونهبه. وكان سبب ذلك أن أتابك زنكي لما قتل تطاول صاحب ماردين وصاحب ~~الحصن إلى ما كان قد فتحه من بلادهما فأخذاه، فلما ملك سيف الدين وتمكن سار ~~إلى ماردين وحصرها، وفعل ببلدها الأفاعيل العظيمة، فلما رأى صاحبها، وهو ~~حينئذ حسام الدين تمرتاش، ms3958 ما يفعل في بلده قال: كنا نشكو من أتابك الشهيد، ~~وأين أيامه؟ لقد كانت أعيادا. قد حصرنا غير مرة، فلم يأخذ هو ولا أحد من ~~عسكره مخلاة تبن بغير ثمن، ولا تعد هو وعسكره حاصل السلطان، وأرى هذا ينهب ~~البلاد ويخربها. ثم راسله وصالحه، وزوجه ابنته، ورحل سيف الدين عنه وعاد ~~إلى الموصل، وجهزت ابنة حسام الدين وسيرت إليه، فوصلت وهو مريض قد أشفى على ~~الموت، فلم يدخل بها وبقيت عنده إلى أن توفي وملك قطب الدين مودود، ~~فتزوجها، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها أشتد الغلاء بإفريقية ~~ودامت أيامه، فإن أوله كان سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، وعظم الأمر على أهل ~~البلاد حتى أكل بعضهم بعضا، وقصد أهل البوادي المدن من الجوع، فأغلقها ~~أهلها دونهم، وتبعه وباء وموت كثير، حتى خلت البلاد، وكان أهل البيت لا ~~يبقى منهم أحد، وسار كثير منهم إلى صقيلية في طلب القوت، ولقوا أمرا عظيما. ؟؟؟ ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة # PageV05P0033 ### || AUT ذكر ملك الفرنج مدينة المهدية بإفريقية # قد ذكرنا سنة إحدى وأربعين وخمسمائة مسير أهل يوسف، صاحب قابس، إلى رجار ~~ملك صقلية، واستغاثتهم به، فغضب لذلك، وكان بينه وبين الحسن بن علي بن يحيى ~~بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي صاحب إفريقية، صلح وعهود إلى مدة ~~سنتين، وعلم أنه فاته فتح لبلاد في هذه الشدة التي أصابتهم، وكانت الشدة ~~دوام الغلاء في جميع المغرب من سنة سبع وثلاثين إلى هذه السنة، وكان أشد ~~ذلك سنة اثنتين وأربعين، فأن الناس فارقوا البلاد والقرى، ودخل أكثرهم إلى ~~مدينة صقيلية، وأكل الناس بعضهم بعضا، وكثر الموت في الناس، فاغتنم رجار ~~هذه الشدة، فعمر الأسطول، وأكثر منه، فبلغ نحو مائتين وخمسين شينيا مملوءة ~~رجالا وسلاحا وقوتا. وسار الأسطول عن صقلية إلى جزيرة قوصرة، وهي بين ~~المهدية وصقلية، فصادفوا بها مركبا وصل من المهدية، فأخذ أهله وأحضروا بين ~~يدي جرجي مقدم الأسطول، فسألهم عن حال إفريقية، ووجد في المركب قفص حمام، ~~فسألهم هل أرسلوا منها، ms3959 فحلفوا أنهم لم يرسلوا منها شيئا، فأمر الرجل الذي ~~كان الحمام صحبته أن يكتب بخطه: إننا لما وصلنا جزيرة قوصرة وجدنا بها ~~مراكب من صقلية، فسألناهم عن الأسطول المخذول، فذكروا أنه أقلع إلى جزائر ~~القسطنطينية. وأطلق الحمام فوصل إلى المهدية، فسر الأمير الحسن والناس؛ ~~وأراد جرجي بذلك أن يصل بغتة، ثم سار، وقدر وصولهم إلى المهدية وقت السحر ~~ليحيط بها قبل أن يخرج أهلها، فلو تم له ذلك لم يسام منهم أحد، فقدر الله ~~تعالى أن أرسل عليهم ريحا هائلة عكستهم، فلم يقدروا على المسير إلا ~~بالمقاذيف، فطلع النهار ثاني صفر في هذه السنة قبل وصولهم، فرآهم الناس، ~~فلما وصلوا رأى جرجي ذلك وأن الخديعة فاتته، أرسل إلى الأمير الحسن يقول: ~~إنما جئت بهذا الأسطول طالبا بثأر محمد بن رشيد صاحب قابس ورده إليها، وأما ~~أنت فبيننا وبينك عهود وميثاق إلى مدة، ونريد منك عسكرا يكون معنا، فجمع ~~الحسن الناس من الفقهاء والأعيان وشاورهم، فقالوا: نقاتل عدونا، فإن بلدنا ~~حصين. فقال: أخاف أن ينزل إلى البر ويحصرنا برا وبحرا، ويحول بيننا وبين ~~الميرة، وليس عندنا ما يقوتنا شهرا، فنؤخذ قهرا . وأنا أرى سلامة المسلمين ~~من الأسر والقتل خيرا من الملك، وقد طلب مني عسكرا إلى قابس، فإذا فعلت فما ~~يحل لي معونة الكفار على المسلمين، وإذا امتنعت يقول، انتقض ما بيننا من ~~الصلح، وليس يريد إلا أن يثبطنا حتى يحول بيننا وبين البر، وليس لنا بقتاله ~~طاقة، والرأي أن نخرج بالأهل والولد ونترك البلد، فمن أراد أن يفعل كفعلنا ~~فليبادر معنا. وأمر في الحال بالرحيل، وأخذ معه من حضره وما خف حمله، وخرج ~~الناس على وجوههم بأهليهم وأولادهم وما خف من أموالهم وأثاثهم، ومن الناس ~~من اختفى عند النصارى وفي الكنائس، وبقي الأسطول في البحر تمنعه الريح من ~~الوصول إلى المهدية إلى ثلثي النهار، فلم يبق في البلد ممن عزم على الخروج ~~أحد، فوصل الفرنج ودخلوا البلدبغير مانع ولا دافع، ودخل جرجي القصر فوجده ~~على حاله لم يأخذ الحسن منه ms3960 إلا ما خف من ذخائر الملوك، وفيه جماعة من ~~حظاياه، ورأى الخزائنمملوءة من الذخائر النفيسة وكل شيىء غريب يقل وجود ~~مثله، فختم عليه، وجمع سراري الحسن في قصره.وكان عدة من ملك منهم من زيري ~~بن مناد إلى الحسن تسعة ملوك، ومدة ولايتهم مائتا سنة وثماني سنوات، من سنة ~~خمس وثلاثين وثلاثمائة إلى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة؛ وكان بعض القواد قد ~~أرسله الحسن إلى رجار برسالة، فأخذ لنفسه وأهله منه أمانا، فلم يخرج معهم، ~~ولما ملك المدينة نهبت مقدار ساعتين، ونودي بالأمان ، فخرج من كان مستخفيا، ~~وأصبح جرجي من الغد، لفأرسل إلى من قرب من العرب، فدخلوا إليه، فأحسن إليهم ~~وأعطاهم أموالا جزيلة، وأرسل من جند المهدية الذين تخافوا بها جماعة، ومعهم ~~أمان لأهل المهدية الذين خرجوا منها، ودواب يحملون عليها الأطفال والنساء، ~~وكانوا قد أشرفوا على الهلاك من الجوع، ولهم بالمهدية خبايا وودائع، فلما ~~وصل إليهم الأمان رجعوا، فلم تمض جمعة حتى رجع أكثر أهل البلد. ~~PageV05P0034 # وأما الحسن فإنه سار بأهله وأولاده، وكانوا اثني عشر ولدا ذكرا غير ~~الإناث، وخواص خدمه، قاصدا إلى محرز بن زياد، وهو بالمعلقة ، فلقيه في ~~طريقه أمير من العرب يسمى حسن بن ثعلب ، فطلب منه مالا انكسر له في ديوانه، ~~فلم يمكن الحسن إخراج مال لئلا يؤخذ، فسلم إليه ولده يحي رهينة وسار، فوصل ~~في اليوم الثاني إلى محرز، وكان الحسن قد فضله على جميع العرب وأحسن إليه، ~~ووصله بكثير من المال، فلقيه محرز لقاء جميلا، وتوجع لما حل به، فأقام عنده ~~شهورا، والحسن كاره للإقامة، فأراد المسير فأراد المسير إلى ديار مصر إلى ~~الخليفة الحافظ العلوي، واشترى مركبا لسفره، فسمع جرجي الفرنجي، فجهز شواني ~~ليأخذه، فعاد الحسن عن ذلك، وعزم على المسير إلى عبد المؤمن بالمغرب، فأرسل ~~كبار أولاده يحيى وتميما وعليا إلى يحيا بن عبد العزيز، وهو من بني حماد، ~~وهما أولاد عم، يستأذنه في الوصول إليه، وتجديد العهد به، والمسير من عنده ~~إلى عبد المؤمن، فأذن له يحيى، فسار إليه، فلما وصل ms3961 لم يجتمع به يحيى وسيره ~~إلى جزيرة بني مزغناي هو وأولاده ووكل به من يمنعهم من التصرف، فبقوا كذلك ~~إلى أن ملك عبد المؤمن بجاية سنة سبع وأربعين، فحضر عنده وقد ذكرنا حاله ~~هناك . ولما استقر جرجي بالمهدية سير اسطولا، بعد أسبوع، إلى مدينة سفاقس، ~~وسير أسطولا آخر إلى مدينة سوسة، فأما سوسة فإن أهلها لما سمعوا خبر ~~المهدية، وكان واليها علي بن الحسن الأمير، فخرج إلى أبيه، وخرج الناس ~~لخروجه، فدخلها الفرنج بلا قتال ثاني عشر صفر؛ وأما سفاقس فإن أهلها أتاهم ~~كثير من العرب، فامتنعوا بهم، فقاتلهم الفرنج، فخرج إليهم أهل البلد فأظهر ~~الفرنج الهزيمة، وتبعهم الناس حتى أبعدوا عن البلد، ثم عطفوا عليهم، فانهزم ~~قوم إلى البلد وقوم إلى البرية، وقتل منهم جماعة، ودخل الفرنج البلد فملكوه ~~بعد قتال شديد وقتلى كثيرة، وأسر من بقي من الرجال وسبي الحريم، وذلك في ~~الثالث والعشرين من صفر، ثم نودي بالأمان، فعاد أهلها إليها، وافتكوا حرمهم ~~وأولادهم، ورفق بهم وبأهل سوسة والمهدية، وبعد ذلك وصلت كتب من رجار لجميع ~~أهل إفريقية بالأمان والمواعيد الحسنة. ولما استقرت أحوال البلاد سار جرجي ~~في أسطول إلى قلعة إقليبية، وهي قلعة حصينة، فلما وصل إليها سمعته العرب، ~~فاجتمعوا إليها، ونزل إليهم الفرنج، فاقتتلوا فانهزم الفرنج وقتل منهم خلق ~~كثير، فرجعوا خاسرين إلى المهدية، وصار للفرنج من طرابلس الغرب إلى قريب ~~تونس ومن المغرب إلى دون القيروان، والله أعلم. ### || AUT ذكر حصر الفرنج دمشق # ### || AUT وما فعل سيف الدين غازي بن زنكي # في هذه السنة سار ملك الألمان من بلاده في خلق كثير وجمع عظيم من ~~الفرنج، عازما على قصد بلاد الإسلام، وهو لا يشك في ملكها بأيسر قتال لكثرة ~~جموعه، وتوفر أمواله وعدده، فلما وصل إلى الشام قصده من به من الفرنج ~~وخدموه، وامتثلوا أمره ونهيه، فأمرهم بالمسير معهم إلى دمشق ليحصرها ~~ويملكها بزعمه، فساروا معه ونازلوها وحصروها، وكان صاحبها مجير الدين أبق ~~بن نوري بن طغدكين، وليس له من الأمر شيء، وإنما الحكم ms3962 في البلدلمعين الدين ~~أنر مملوك جده طغدكين، وهو الذي أقام مجير الدين؛ وكان معين الدين عاقلا، ~~عادلا خيرا، حسن السيرة، فجمع العساكر وحفظ البلد. وأقام الفرنج يحاصرونهم، ~~ثم إنهم زحفوا سادس ربيع الأول بفارسهم وراجلهم، فخرج إليهم أهل البلد ~~والعسكر فقاتلوهم، وصبروا لهم، وفيمن خرج للقتال الفقيه حجة الدين يوسف بن ~~دي ناس الفندلاوي المغربي، وكان شيخا كبيرا، فقيها عالما، فلما رآه معين ~~الدين،وهو راجل، قصده وسلم عليه، وقال له: ياشيخ أنت معذور لكبر سنك، ونحن ~~نقوم بالذب عن المسلمين؛ سأله أن يعود، فلم يفعل وقال له: قد بعت واشترى ~~مني، فوالله لا أقلته ولا استقلته؛ فعنى قول الله تعالى: (إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) وتقدم فقاتل الفرنج حتى قتل عند ~~النيرب نحو نصف فرسخ عن دمشق PageV05P0035 # وقوي الفرنج وضعف السلمين، فتقدم ملك الألمان حتى نزل بالميدان الأخضر، ~~فأيقن الناس بأنه يملك البلد. وكان معين الدين قد أرسل إلى سيف الدين غازي ~~بن أتابك يدعوه إلى نصرة المسلمين وكف العدو عنهم، فجمع عساكره وسار إلى ~~الشام، واستصحب معه أخاه نور الدين محمود من حلب، فنزلوا بمدينة حمص، وأرسل ~~إلى معين الدين يقول له: قد حضرت ومعي كل من يحمل السلاح من بلادي، فأريد ~~أن يكون نوابي بمدينة دمشق لأحضر وألقى الفرنج، فإن انهزمت دخلت أنا وعسكري ~~البلد، واحتمينا به، وإن ظفرت فالبلد لكم لا أنازعكم فيه. فأرسل إلى الفرنج ~~يتهددهم إن لم يرحلوا عن البلد، فكف الفرنج عن القتال خوفا من كثرة الجراح، ~~وربما اضطروا إلى قتال سيف الدين، فأبقوا على نفوسهم، فقوي أهل البلد على ~~حفظه، واستراحوا من لزوم الحرب، وأرسل معين الدين إلى الفرنج الغرباء: إن ~~ملك المشرق قد حضر، فإن رحلتم، وإلا سلمت البلد إليه، وحينئذ تندمون؛ وأرسل ~~إلى فرنج الشام يقوللهم: بأي عقل تساعدون هؤلاء علينا، وأنتم تعلمون أنهم ~~إن ملكوا دمشق أخذوا ما بأيديكم من البلاد الساحلية، وأما أنا فإن رأيت ~~الضعف عن حفظ البلد سلمته إلى سيف الدين،وأنتم تعلمون ms3963 أنه إن ملك دمشق لا ~~يبقى لكم معه مقام في الشام؛ فأجابوه إلى التخلي عن ملك الألمان، وبذل لهم ~~تسليم حصن بانياس إليهم. واجتمع الساحلية بملك الألمان، وخوفوه من سيف ~~الدين وكثرة عساكره وتتابع الأمداد إليه، وأنه ربما أخذ دمشق وتضعف عن ~~مقاومته؛ ولم يزالوا به حتى رحل عن البلد، وتسلموا قلعة بانياس، وعاد ~~الفرنج الألمانية إلى بلادهم وهي من وراء القسطنطينية، وكفى الله المؤمنين ~~شرهم. وقد ذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق: أن بعض العلماء ~~حكى له أنه رأى الفندلاوي في المنام، فقال له: ما فعل الله بك، وأين أنت؟ ~~فقال غفر لي، وأنا في جنات عدن على سرر متقابلين. ### || AUT ذكر ملك نور الدين محمود حصن العريمة # لما سار الفرنج عن دمشق رحل نور الدين إلى حصن العريمة، وهو للفرنج، ~~فملكه. وسبب ذلك أن ملك الألمان لما خرج إلى الشام كان معه ولد الفنش، وهو ~~من أولاد ملوك الفرنج، وكان جده هو الذي أخذ طرابلس الشام من المسلمين، ~~فأخذ حصن العريمة وتملكه، وأظهر أته يريد أخذ طرابلس من القمص، فأرسل القمص ~~إلى نور الدين محمود، وقد اجتمع هو ومعين الدين أنر ببعلبك، يقول له ولمعين ~~الدين ليقصدا حصن العريمة ويملكاه من ولد الفنش،فسارا إليه مجدين في ~~عساكرهما، وأرسلا إلى سيف الدين وهو بحمص يستنجدانه، فأمدهما بعسكر كثير مع ~~الأمير عز الدين أبي بكر الدبيسي، صاحب جزيرة ابن عمر وغيرها، فنازلوا ~~الحصن وحصروه، وبه ابن الفنش، فحماه وامتنع به، فزحف المسلمون إليه غير ~~مرة، وتقدم إليه النقابون فنقبوا السور، فستسلم حينئذ من به من الفرنج، ~~فملكه المسلمون وأخذوا كل من به من فارس وراجل وصبي وامرأة، وفيهم ابن ~~الفنش كما قيل: خرجت النعامة تطلب قرنين فعادت بلا أذنين، ### || AUT ذكر الخلف بين السلطان مسعود وجماعة من الأمراء # ### || AUT ووصولهم إلى بغداد وما كان منهم في العراق # في هذه السنة فارق السلطان مسعودا جماعة من أكابر الأمراء، وهم من ~~أذربيجان:إيلدكرالمسعودي، صاحب كنجة وأرانية، وقيصر، ومن الجبل: البقش ms3964 كون ~~خر، وتتر الحاجب، وهو من مماليك مسعود أيضا، وطرنطاي المحمودي، شحنة واسط، ~~والدكز، وقرقوب وابن طغايرك. وكان سبب ذلك ميل السلطان إلى خاص بك واطراحه ~~لهم، فخافوا أن يفعل بهم مثل فعله بعبد الرحمن وعباس وبوزابة، ففارقوه ~~وساروا نحو العراق، وغلت الأسعار، وتقدم الإمام المقتفي لأمر الله بإصلاح ~~السور وترميمه، وأرسل الخليفة إليهم بالعبادي الواعظ، فلم يرجعوا إلى قوله، ~~ووصلوا إلى بغداد في ربيع الأخر، والملك محمد ابن السلطان محمود معه من ~~ونزلوا بالجانب الشرقي، وفارق مسعود بلال شحنة بغداد البلد خوفا من ~~الخليفة، وسار إلى تكريت وكانت له، فعظم الأمر على أهل بغداد، ووصل إليهم ~~علي بن دبيس صاحب الحلة، فنزل بالجانب الغربي، فجند الخليفة أجنادا يحتمي ~~بهم. PageV05P0036 # ووقع القتال بين الأمراء وبين عامة بغداد ومن بها من العسكر، واقتتلوا ~~عدة دفعات، ففي بعض الأيام انهزم الأمراء الأعاجم من عامة بغداد مكرا ~~وخديعة، وتبعهم العامة، فلما أبعدوا عادوا عليهم وصار بعض العسكر من ~~ورائهم، ووضعوا السيف فقتل من العامة خلق كثير، ولم يبقوا على صغير ولا ~~كبير، وفتكوا فيهم، فأصيب أهل بغداد بما لم يصابوا بمثله، وكثر القتلى ~~والجرحى وأسر منهم خلق كثير فقتل البعض وشهر البعض، ودفن الناس من عرفوا، ~~ومن لم يعرف ترك طريحا بالصحراء، وتفرق العسكر في المحال الغربية، فأخذوا ~~من أهلها الأموال الكثيرة، ونهبوا بلد دجيل وغيره، وأخذوا النساء والولدان. ~~ثم إن الأمراء اجتمعوا ونزلوا مقابل التاج وقبلوا الأرض واعتذروا، وترددت ~~الرسل بينهم وبين الخليفة إلى آخر النهار،وعادوا إلى خيامهم، ورحلوا إلى ~~النهروان، فنهبوا البلاد، وافسدوا فيها، وعاد مسعود بلال شحنة بغداد من ~~تكريت إلى بغداد. ثم إن هؤلاء الأمراء تفرقوا وفارقوا العراق، وتوفي الأمير ~~قيصر بأذربيجان، هذا كله والسلطان مسعود مقيم ببلد الجبل، والرسل بينه وبين ~~عمه السلطان سنجر متصلة؛ وكان السلطان سنجر قد أرسل إليه يلومه على تقديم ~~خاص بك، ويأمره بإبعاده، ويتهدده بأنه إن لم يفعل فسيقصده ويزيله عن ~~السلطنة؛ وهو يغالط ولا يفعل، فسار السلطان سنجر إلى الري، فلما علم ms3965 ~~السلطان مسعود بوصوله سار إليه وترضاه، واستنزله عما في نفسه فسكن. وكان ~~اجتماعهما سنة أربع وأربعين على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ؟؟ ### || AUT ذكر انهزام الفرنج بيغرى # في هذه السنة هزم نور الدين محمود بن زنكي الفرنج بمكان اسمه يغرى من ~~أرض الشام ، وكانوا قد تجمعوا ليقصدوا أعمال حلب ليغيروا عليها، فعلم بهم، ~~فسار إليهم في عسكره، فالتقوا بيغرى واقتتلوا قتالا شديدا وأجلت المعركة عن ~~انهزام الفرنج، وقتل كثير منهم، وأسر جماعة من مقدميهم، ولم ينج من ذلك ~~الجمع إلا القليل؛ وأرسل من الغنيمة والأسارى إلى أخيه سيف الدين وإلى ~~الخليفة ببغداد وإلى السلطان مسعود وغيرهم. وفي هذه الوقعة يقول ابن ~~القيسراني في قصيدته التي أولها: ياليت أن الصد مصدود ... أولا، فليت النوم ~~مردود ومنها في ذكر نور الدين: وكيف لا نثني على عيشنا ال ... محمود ~~والسلطان محمود وصارم الإسلام لا ينثني ... إلا وشلو الكفر مقدود مكارم لم ~~تك موجودة ... إلا ونور الدين موجود وكم له من وقعة يومها ... عند الملوك ، ~~الكفر مشهود ### || AUT ذكر ملك الغورية غزنة وعودهم عنها # في هذه السنة قصد سوري بن الحسين ملك الغور مدينة غزنة فملكها. وسبب ذلك ~~أن أخاه ملك الغورية قبله محمد بن الحسين كان قد صاهر بهرام شاه مسعود بن ~~إبراهيم، صاحب غزنة، وهو من بيت سبكتكين، فعظم شأنه بالمصاهرة، وعلت همته، ~~فجمع جموعا كثيرة وسار إلى غزنة ليملكها، وقيل: إنما سار إليها مظهرا ~~الخدمة والزيارة، وهو يريد المكر والغدر، فعلم به بهرام شاه، فأخذه وسجنه، ~~ثم قتله، فعظم قتله على الغورية ، ولم يمكنهم الأخذ بثأره. ولما قتل ملك ~~بعده أخاه سام بن الحسين، فمات بالجدري، وملك بعده أخوه الملك سوري بن ~~الحسين بلاد الغور، وقوي أمره، وتمكن في ملكه، فجمع عسكره من الفارس ومن ~~الراجل وسار إلى غزنة طالبا بثأر أخيه المقتول وقاصدا ملك غزنة، فلما وصل ~~إليها ملكها في جمادى الأولى، سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. وفارقها بهرام ~~شاه إلى بلاد الهند ، وجمع جموعا كثيرة ، وعاد إلى غزنة وعلى ms3966 مقدمته السلار ~~الحسن بن إبراهيم العلوي أمير هندوستان. وكان عسكر غزنة، الذين أقاموا مع ~~سوري بن الحسين الغوري وخدموه، قلوبهم مع بهرام شاه، وإنما هم بظواهرهم مع ~~سوري، فلما التقى سوري وبهررام شاه رجع عسكر غزنة إلى بهرام شاه وصاروا ~~معه، وسلموا إلى سوري ملك الغورية، وملك بهرام شاه غزنة في المحرم سنة أربع ~~وأربعين، وصلب الملك سوري مع السيد الماهياني في المحرم أيضا من السنة. ~~وكان سوري أحد الأجواد، له الكرم الغزير، والمروءة العظيمة، حتى أنه كان ~~يرمي الدراهم في المقاليع إلى الفقراء لتقع بيد من يتفق له. PageV05P0037 # ثم عاود الغورية وملكوها، وخربوها، وقد ذكرناه سنة سبع وأربعين وذكرنا ~~هناك ابتداء دولة الغورية لأنهم في ذلك الوقت عظم محلهم، وفارقوا الجبال ~~وقصدوا خراسان، وعلا شأنهم، وفي بعض الخلف كما ذكرناه، والله أعلم. ### || AUT ذكر ملك الفرنج مدنا من الأندلس # في هذه السنة ملك الفرنج بالأندلس مدينة طرطوشة، وملكوا معها جميع ~~قلاعها وحصون لاردة وأفراغة، ولم يبق للمسلمين في تلك الجهات شيء إلا ~~واستولى الفرنج على جميعه لاختلاف المسلمين بينهم، وبقي بأيديهم إلى الآن. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي أبو بكر المبارك بن الكامل بن أبي غالب البغدادي ~~المعروف أبوه بالخفاف، سمع الحديث الكثير وكان مفيد بغداد. وفيها غلت ~~الأسعار بالعراق وتعذرت الأقوات بسبب العسكر الوارد، وقدم أهل السواد إلى ~~بغداد منهزمين قد أخذت أموالهم، وهلكوا جوعا وعريا، وكذلك أيضا كان الغلاء ~~في أكثر البلاد: خراسان، وبلاد الجبل، وأصفهان، وديار فارس، والجزيرة ~~والشام، وأما المغرب فكان أشد غلاء بسبب انقطاع الغيث ودخول العدو إليها. ~~وفيها توفي إبراهيم بن نبهان الغنوي الرقي، ومولده سنة تسع وخمسين ~~وأربعمائة، وصحب الغزالي والشاشي، وروى الجمع بين الصحيحين للحميدي عن ~~مصنفه. وفيها ، في ذي القعدة، توفي الأمام أبو الفضل الكرماني الفقيه ~~الحنفي إمام خراسان. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وأربعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر وفاة سيف الدين بن أتابك زنكي # ### || AUT وبعض سيرته وملك أخيه قطب الدين # في هذه السنة توفي سيف الدين ms3967 غازي بن أتابك زنكي صاحب الموصل بها بمرض ~~حاد، ولما اشتد مرضه أرسل إلى بغداد واستدعى أوحد الزمان، فحضر عنده، فرأى ~~شدة مرضه، فعالجه فلم ينجع فيه الدواء، وتوفي أواخر جمادى الأجرة، وكانت ~~ولايته ثلاث سنين وشهرا وعشرين يوما؛ وكان حسن الصورة والشباب، وكانت ~~ولادته سنة خمسمائة، ودفن بالمدرسة التي بناها بالموصل، وخلف ولدا ذكرا، ~~فرباه عمه نور الدين محمود، وأحسن تربيته، وزوجه ابنة أخيه قطب الدين ~~مودود، فلم تطل أيامه وتوفي في عنفوان شبابه، فانقرض عقبه. وكان كريما ~~شجاعا عاقلا، وكان يصنع لعسكره كل يوم طعاما كثيرا مرتين بكرة وعشية، فأما ~~الذي بكرة فيكون مائة رأس غنم جيدة، وهو أول من حمل على رأسه السنجق، وأمر ~~الأجناد ألا يركبوا إلا بالسيف في أوساطهم والدبوس تحت ركبهم، فلما فعل ذلك ~~اقتدى به أصحاب الأطراف ، بني المدرسة الأتابكية العتيقة بالموصل، وهي من ~~أحسن المدارس، ووقفها على الفقهاء الحنفية والشافعية، وبنى رباطا للصوفية ~~بالموصل أيضا على باب المشرعة، ولم تطلأيامه ليفعل ما في نفسه من الخير، ~~وكان عظيم الهمة، ومن جملة كرمه أنه قصده شهاب الدين الحيص بيص وامتدحه ~~بقصيدته التي أولها: إلام يراك المجد في زي شاعر ... وقد نحلت شوقا فروع ~~المنابر فوصله بألف دينار عينا سوى الخلع وغيرها. ولما توفي سيف الدين غازي ~~كان أخوه قطب الدين مقيما بالموصل، فاتفق جمال الدين الوزير وزين الدين علي ~~أمير الجيش على تمليكه، فأحضروه، واستحلفوه وحلفوا له، وأركبوه إلى دار ~~السلطنة، وزين الدين في ركابه، وأطاعه جميع بلاد أخيه سيف الدين كالموصل ~~والجزيرة والشام. ولما ملك تزوج الخاتون ابنة حسام الدين تمرتاش التي كان ~~قد تزوجها أخوه سيف الدين وتوفي قبل الدخول بها، وهي أم أولاد قطب الدين : ~~سيف الدين وعز الدين، وغيرهما من أولاده. ### || AUT ذكر استيلاء نور الدين على سنجار # لما ملك قطب الدين مودود الموصل بعد أخيه سيف الدين غازي كان أخوه ~~الأكبر نور الدين محمود بالشام، وله حلب وحماة، فكاتبه جماعة من الأمراء ~~وطلبوه، وفيمن كاتبه المقدم عبد الملك ms3968 والد شمس الدين محمد، وكان حينئذ ~~مسحفظا بسنجار، فأرسل إليه يستدعيه ليتسلم سنجار، فسار جريدة في سبعين ~~فارسا من أمراء دولته، فوصل إلى ماكسين في نفر يسير قد سبق أصحابه. وكان ~~يوما شديد المطر، فلم يعرفهم الذي يحفظ الباب، فأخبر الشحنة أن نفر من ~~التركمان المجندين قد دخلوا البلد، فلم يستتم كلامه حتى دخل نور الدين ~~الدار على الشحنة، فقام إليه وقبل يده، ولحق به باقي أصحابه، ثم سار إلى ~~سنجار، فوصلها وليس معه سوى ركابي وسلاح دار، ونزل بظاهر البلد ~~PageV05P0038 # وأرسل إلى المقدم يعلمه بوصوله، فرآه الرسول وقد سار إلى الموصل وترك ~~ولده شمس الدين محمدا بالقلعة، فأعلمه بمسير والده إلى الموصل، وأقام من ~~لحق أباه بالطريق، فأعلمه بوصول نور الدين، فعاد إلى سنجار فسلمها إليه، ~~فدخلها نور الدين، وأرسل إلى فخر الدين قرا أرسلان، صاحب الحصن، يستدعيه ~~إليه لمودة كانت بينهما، فوصل إليه في عسكره؛ فلما سمع أتابك قطب الدين، ~~وجمال الدين وزين الدين بالموصل بذلك جمعوا عساكرهم وساروا نحو سنجار، ~~فوصلوا إلى تل يعفر، وترددت الرسل بينهم بعد أن كانوا عازمين على قصده ~~بسنجار، فقال لهم جمال الدين: ليس من الرأي محاقته وقتاله، فإننا نحن قد ~~عظمنا محله عند السلطان وما هو بصدده من الغزاة، وجعلنا أنفسنا دونه، وهو ~~يظهر للفرنج تعظيما وأنه تبعنا، ولا يزال يقول لهم: إن كنتم كما يجب، وإلا ~~سلمت البلاد إلى صاحب الموصل وحينئذ يفعل بكم ويصنع، فإذا لقيناه، فأن ~~هزمناه طمع السلطان فينا، ويقول: هذا الذي كانوا يعظمونه ويحتمون به أضعف ~~منهم، وقد هزموه، وإن هو هزمنا طمع فيه الفرنج، ويقولون إن الذي كان يحتمي ~~بهم أضعف منه، وقد هزمهم، وبالجملة فهو ابن أتابك الكبير. وأشار بالصلح، ~~وسار هو إليه فاصطلح وسلم سنجار إلى أخيه قطب الدين، وسلم مدينة حمص ~~والرحبة بأرض الشام وبقي الشام له، وديار الجزيرة لأخيه، واتفقا، وعاد نور ~~الدين إلى الشام، وأخذ معه ما كان قد ادخره أبوه أتابك الشهيد فيها من ~~الخزائن وكانت كثيرة جدا. ### || AUT ms3969 ذكر وفاة الحافظ وولاية الظافر # ### || AUT ووزارة ابن السلار # في هذه الستة، في جمادى الآخرة، توفي الحافظ لدين الله عبد المجيد ابن ~~الأمير أبي القاسم بن المستنصر بالله العلوي، صاحب مصر. وكانت خلافته عشرين ~~ستة إلا خمسة أشهر، وعمره نحو من سبع وسبعين سنة، ولم يزل في جميعها محكوما ~~عليه، يحكم عليه وزراؤه، حتى إنه جعل أبنه حسنا وزيرا وولي عهده فحكم عليه ~~واستبد بالأمر دونه، وقتل كثيرا من أمراء دولته وصادر كثيرا، فلما رأى ~~الحافظ ذلك سقاه سما فمات، وقد ذكرناه. ولم يل الأمر من العلويين المصريين ~~من أبوه غير خليفة غير الحافظ العاضد، وسيرد ذكر نسب العاضد؛ وولي الخلافة ~~بعده في مصر ابنه الظافر بأمر الله أبو منصور إسماعيل بن عبد المجيد ~~الحافظ، واستوزر ابن مصال، فبقي أربعين يوما يدبر الأمور، فقصده العادل بن ~~السلار من ثغر الأسكندرية، ونازعه في الوزارة، وكان ابن مصال قد خرج من ~~القاهرة في طلب بعض المفسدين من السودان، فحلفه العادل بالقاهرة وصار ~~وزيرا. وسير عباس بن أبي الفتوح بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس ~~الصنهاجي في عسكر وهو ربيب العادل، إلى ابن مصال، فظفر به وقتله، وعاد إلى ~~القاهرة، واستقر العادل وتمكن، ولم يكن للخليفة معه حكم. وأما سبب وصول ~~عباس إلى مصر فإن جده يحيى أخرج أباه أبا الفتوح من المهدية، فلما توفي ~~يحيى وولي بعده بلاد إفريقية ابنه علي بن يحيى بن تميم بن يحيى صاحب ~~إفريقية، أخرج أخاه أبا الفتوح بن يحيى والد عباس من إفريقية سنة تسع ~~وخمسمائة، فسار إلى الديار المصرية ومعه زوجته بلارة ابنة القاسم بن تميم ~~بن المعز بن باديس، وولده عباس هذا وهو صغير يرضع؛ ونزل أبو الفتوح ~~بالأسكندرية فأرم وأقام بها مدة يسيرة، وتوفي وتزوجت بعده امرأته بلارة ~~بالعدل بن السلار. وشب العباس، وتقدم عند الحافظ، حتى ولي الوزارة بعد ~~العادل؛ فأن العادل قتل في المحرم سنة ثمان وأربعين. قيل: وضع عليه عباس من ~~قتله، فلما قتل ولي الوزارة بعده، وتمكن ms3970 فيها، وكان جلدا حازما، ومع هذا ~~أخذ الفرنج في أيامه عسقلان، واشتد وهن الدولة بذلك؛ وفي أيامه أخذ نور ~~الدين محمود دمشق من مجير الدين آبق، وصار الأمر بعد هذا إلى إن أخذت مصر ~~منهم على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عود جماعة من الأمراء إلى العراق # في هذه السنة، في رجب، عاد البقش كون خر والطرنطاي وابن دبيس ومعهم ~~ملكشاه ابن السلطان محمود إلى العراق، وراسلوا الخليفة في الخطبة لملكشاه، ~~فلم يلتفت إليهم وجمع العساكر وحصن بغداد، وأرسل إلى السلطان مسعود يعرفه ~~الحال، فوعده بالوصول إلى بغداد ولم يحضر. PageV05P0039 # وكان سبب ذلك ما ذكرناه من وصول عمه السلطان سنجر إلى الريفي معنى خاص ~~بك، فلما وصل إلى الري سار إليه السلطان مسعود، ولقيه واسترضاه، فرضي عنه؛ ~~فلما علم البقش بمراسلة الخليفة إلى مسعود نهب النهروان، وقبض على الأمير ~~علي بن دبيس في رمضان، فلما علم الطرنطاي بذلك هرب إلى النعمانية. ووصل ~~السلطان مسعود إلى بغداد منتصف شوال، ورحل البقش كون خر من النهروان، وأطلق ~~علي بن دبيس، فلما وصل السلطان إلى بغداد قصده علي، وألقى بنفسه بين يديه ~~واعتذر، فرضي عنه. وذكر بعض المؤرخين هذه الحادثة سنة أربع وأربعين، وذكر ~~أيضا مثلها سنة ثلاث وأربعين، فظنهما حادثتين، وأنا أظنها واحدة ولكنا ~~تبعناه في ذلك ونبهنا عليه. ### || AUT ذكر قتل البرنس صاحب أنطاكية وهزيمة الفرنج # في هذه السنة غزا نور الدين محمود بن زنكي بلاد الفرنج من ناحية ~~أنطاكية، وقصد حصن حارم، وهو للفرنج، فحصره وخرب ربضه، ونهب سواده، ثم رحل ~~إلى حصن أنب فحصره أيضا، فاجتمع الفرنج مع البرنس صاحب أنطاكية وحارم وتلك ~~الأعمال، وساروا إلى نور الين ليرحلوه عن إنب، فلقيهم واقتتلوا قتالا ~~عظيما. وباشر نور الدين القتال ذلك اليوم، فانهزم الفرنج أقبح هزيمة، وقتل ~~منهم جمع كثير، وأسر مثلهم. وكان ممن قتل البرنس صاحب أنطاكية، وكان عاتيا ~~من عتاة الفرنج وعظيما من عظمائهم، ولما قتل البرنس ملك بعده ابنه بيمند، ~~وهو طفل، فتزوجت أمه ms3971 ببرنس أخر ليدبر البلد إلى أن يكبر أبنها، وأقام معها ~~بأنطاكية. ثم إن نور الدين غزاهم غزوة أخرى، فاجتمعوا ولقوه، فهزمهم وقتل ~~فيهم وأسر، وكان فيمن أسر البرنس الثاني زوج أم بيمند، فتمكن حينئذ بيمند ~~بأنطاكية؛ وأكثر الشعراء بمديح نور الدين وتهنئته بهذا الظفر، فإن قتل ~~البرنس كان عظيما عند الطائفتين؛ وممن قال فيه القيسراني في قصيدته ~~المشهورة التي أولها: هذي العزائم لا ما تدعي القضب ... وذي المكارم لا ما ~~قالت الكتب وهذه الهمم االلاتي متى خطبت ... تعثرت خلفها الأشعار والخطب ~~صافحت ياابن عماد الدين ذروتها ... براحة للمساعي دونها تعب مازال جدك يبني ~~كل شاهقة ... حتى بنى قبة أوتادها الشهب أغرت سيوفك بالإفرنج راجفة ... ~~فؤاد رومية الكبرى لها يجب ضربت كبشهم منها بقاصمة ... أودى بها الصلب ~~وانحطت بها الصلب طهرت أرض الأعادي من دمائهم ... طهارة كل سيف عندها جنب ### || AUT ذكر الخلف بين صاحب صقلية وملك الروم # في هذه السنة اختلف رجار الفرنجي صاحب صقلية وملك القسطنطينية، وجرى ~~بينهما حروب كثيرة دامت عدة سنين، فاشتغل بعضهم ببعض عن المسلمين، ولولا ~~ذلك لملك رجار جميع بلاد إفريقية. وكان القتال بينهم برا وبحرا، والظفر في ~~جميع ذلك لصاحب صقلية، حتى إن أسطوله، في بعض السنين، وصل إلى مدينة ~~القسطنطينية، ودخل فم الميناء، وأخذوا عدة شوان من الروم، وأسروا جمعا ~~منهم؛ ورمى الفرنج طاقات قصر الملك بالنشاب، وكان الذي يفعل هذا بالروم ~~والمسلمين جرجي وزير صاحب صقلية، فمرض عدة أمراض منها البواسير والحصى، ~~ومات سنة ست وأربعين وخمسمائة، فسكنت الفتنة، واستراح الناس من شره وفساده، ~~ولم يكن عند صاحب صقلية من يقوم مقامه بعده. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة زلزلت الأرض زلزلة عظيمة، فقيل أن جبلا مقابل حلوان ساخ في ~~الأرض. وفيها ولي أبو المظفر يحيى بن هبيرة وزارة الخليفة المقتفي لأمر ~~الله، وكان قبل ذلك صاحب ديوان الزمام، وظهر له كفاية عظيمة عندما نزل ~~العساكر بظاهر بغداد، وحسن قيام في ردهم، فرغب الخليفة فيه، فاستوزره يوم ~~الأربعاء رابع ربيع الآخر ms3972 سنة أربع وأربعين، وكان القمر على تربيع زحل، ~~فقيل له: لو أخرت لبس الخلعة لهذه التربيعات؟ فقال: وأي سعادة أكبر من ~~وزارة الخليفة؟ ولبسها ذلك اليوم. وفيها، في المحرم، توفي قاضي القضاة علي ~~بن الحسين الزينبي، وولي القضاء عماد الدين أبو الحسن علي بن أحمد ~~الدامغاني. وفيها، في المحرم، رخصت الأسعار بالعراق، وكثرت الخيرات، وخرج ~~أهل السواد إلى قراهم. PageV05P0040 # وفيها توفي الأمير نظر أمير الحاج، وكان قد سار بالحاج إلى الحلة، فمرض ~~واشتد مرضه، واستخلف على الحاج قايماز الأرجواني، وعاد إلى بغداد مريضا، ~~فتوفي في ذي القعدة، وكان خصيا عاقلا خيرا له معروف كثير وصدقات وافرة. ~~وفيها توفي أحمد بن نظام الملك الذي كان وزير السلطان محمد والمسترشد ~~بالله. وفيها توفي علي بن رافع بن خليفة الشيباني، وهو من أعيان خراسان، ~~وله مائة وسبع سنين شمسية. ومات الإمام مسعود الصوابي في المحرم منها وفيها ~~توفي معين الدين أنر نائب أبق صاحب دمشق، وهو كان الحاكم والأمر إليه، وكان ~~أبق صورة أمير لا معنى تحتها. وفيها توفي القاضي أحمد بن محمد بن الحسين ~~الأرجاني أبو بكر قاضي تستر، وله شعر حسن فمنه قوله: ولما بلوت الناس أطلب ~~عندهم ... أخا ثقة عند اعتراض الشدائد تطلعت في حالي رخاء وشدة ... وناديت ~~في الأحياء: هل من مساعد فلم أر فيما ساءني غير شامت ... ولم أر فيما سرني ~~غير حاسد تمتعتما ياناظري بنظرة ... وأوردتما قلبي أمر الموارد أعيني كفا ~~عن فؤادي فإنه ... من البغي سعي اثنين في قتل واحد وفيها توفي أبو عبد الله ~~عيسى بن هبة الله بن عيسى البزاز، وكان ظريفا، وله شعر حسن؛ كتب إليه صديق ~~له رقعة وزاد في خطابه فأجابه: قد زدتني في الخطاب حتى ... خشيت نقصا من ~~الزيادة فاجعل خطابي خطاب مثلي ... ولا تغير علي عاده ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وأربعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر أخذ العرب الحجاج # في هذه السنة، رابع عشر المحرم، خرج العرب، زعب ومن انضم إليها، على ~~الحجاج بالغرابي، بين مكة والمدينة، فأخذوهم ولم يسلم ms3973 منهم إلا القليل. ~~وكان سبب ذلك أن نظر أمير الحاج لما عاد من الحلة على ما ذكرناه وسار على ~~الحاج قايماز الأرجواني، وكان حدثا غرا، سار بهم إلى مكة، فلما رأى أمير ~~مكة قايماز استصغره وطمع في الحاج، وتلطف قايماز الحال معه إلى أن عادوا. ~~فلما سار عن مكة سمع باجتماع العرب، فقال للحاج: المصلحة أنا لا نمضي إلى ~~المدينة؛ وضج العجم وتهدده بالشكوى منه إلى السلطان سنجر ، فقال لهم: ~~فأعطوا العرب مالا نستكف به شرهم! فامتنعوا من ذلك، فسار بهم إلى الغرابي، ~~وهو منزل يخرج إليه من مضيق بين جبلين، فوقفوا على فم مضيق، وقاتلهم قايماز ~~ومن معه، فلما رأى عجزه أخذ لنفسه أمانا، وظفروا بالحجاج، وغنموا أموالهم ~~وجميع ما عندهم، وتفرق الناس في البر، وهلك منهم خلق كثير لا يحصون كثرة، ~~ولم يسلم إلا القليل، فوصل بعضهم إلى المدينة وتحملوا منها إلى البلاد، ~~وأقام بعضهم مع العرب حتى توصل إلى البلاد. ثم إن الله تعالى انتصر للحاج ~~من زعب فلم يزالوا في نقص وذلة، ولقد رأيت شابا منهم بالمدينة سنة ست ~~وسبعين وخمسمائة، وجرى بيني وبينه مفاوضة قلت له فيها: إنني والله كنت أميل ~~إليك حتى سمعت أنك من زعب فنفرت وخفت شرك. فقال: ولم؟ فقلت: بسبب أخذكم ~~الحاج. فقال لي: أنل لم أدرك ذلك الوقت، وكيف رأيت الله صنع بنا؟ والله ما ~~أفلحنا، ولا نجحنا، قل العدد وطمع العدو فينا. ### || AUT ذكر فتح حصن فاميا # في هذه السنة فتح نور الدين محمود ابن الشهيد زنكي حصن فاميا من الفرنج ~~وهو مجاور شيزر وحماة على تل عال من أحصن القلاع وأمنعها، فسار إليه نور ~~الدين وحصره وبه الفرنج وقاتلهم وضيق على من به منهم، فاجتمع من الشام من ~~الفرنج وساروا نحوه ليرحلوه عنهم فلم يصلوا إلا وقد ملكه وملأه ذخائر ~~وسلاحا ورجالا وجميع ما يحتاج إليه، فلما بلغه مسير الفرنج إليه، رحل عنه ~~وقد فرغ من أمر الحصن وسار إليهم يطلبهم، فحين رأوا أن الحصن قد ملك وقوة ms3974 ~~عزم نور الدين على لقائهم عدلوا عن طريقه ودخلوا بلادهم وراسلوه في ~~المهادنة وعاد سالما مظفرا ومدحه الشعراء وذكروا هذا الفتح، فمن ذلك قول ~~ابن الرومي من قصيدة أولها: أسنى الممالك ما أطلت منارها ... وجعلت مرهفة ~~الدسار دسارها وأحق من ملك البلاد وأهلها ... رؤف تكنف عدله أقطارها ومنها ~~في وصف الحصن: أدركت ثأرك في البغاة وكنت يا ... مختار أمة أحمد مختارها ~~PageV05P0041 # طابت نجومك فوقها ولربما ... باتت تنافثها النجوم سرارها عارية الزمن ~~المعير شمالها ... منك المعيرة واسترد معارها أمست مع الشعري العبور وأصبحت ~~... شعراء تستغلي الفحول شوارها وهي طويلة. ### || AUT ذكر حصر الفرنج قرطبة ورحيلهم عنها # في هذه السنة سار السليطين، وهو الأذوفونش، وهو ملك طليطلة وأعمالها، ~~وهو من ملوك الجلالقة، نوع من الفرنج، في أربعين ألف فارس إلى مدينة قرطبة، ~~فحصرها، وهي في ضعف وغلاء، فبلغ الخبر إلى عبد المؤمن وهو في مراكش، فجهز ~~عسكرا كثيرا، وجعل مقدمهم أبا ذكرياء يحيى بن يرموز ونفذهم إلى قرطبة، فلما ~~قربوا منها لم يقدروا أن يلقوا عسكر السليطين في الوطاء وأرادوا الاجتماع ~~بأهل قرطبة ليمنعوها لخطر العاقبة بعد القتال، فسلكوا الجبال الوعرة ~~والمضايق المتشعبة، فساروا نحو خمسة وعشرين يوما في الوعر في مسافة أربعة ~~أيام في السهل، فوصلوا إلى جبل مطل على قرطبة، فلما رآهم السليطين وتححق ~~أمرهم رحل عن قرطبة. وكان فيها القائد أبو الغمرالسائبمن ولد القائد ابن ~~غلبون، وهو من أبطال أهل الأندلس وأمرائها فلما رحل الفرنج خرج منها لوقته ~~وصعد إلى ابن يرموز، وقال له:انزلوا عاجلا وادخلوا البلد؛ ففعلوا، وباتوا ~~فيها، فلما أصبحوا من الغد رأوا عسكر السليطين على رأس الجبل الذي كان فيه ~~عسكر عبد المؤمن، فقال لهم أبو الغمر: هذا الذي خفته عليكم لأني علمت أن ~~السليطين ما أقلع إلا طالبا لكم، فإن من الموضع الذي كان فيه إلى الجبل ~~طريقا سهلة، ولو لحقكم هناك لنال مراده منكم ومن قرطبة، فلما رأى السليطين ~~أنهم قد فاتوه علم أنه لم يبق له طمع في قرطبة، فرحل عائدا إلى بلاده، ms3975 وكان ~~حصره لقرطبة ثلاثة أشهر، والله أعلم. ### || AUT ذكر ملك الغورية هراة # في هذه السنة سار ملك الغور الحسن بن الحسين من بلاد الغور إلى هراة ~~فحصرها، وكان أهلها قد كاتبوه، وطلبوا ان يسلموا إليه البلد هربا من ظلم ~~الأتراك لهم، وزوال هيبة السلطنة عنهم، فامتنع أهل هراة عليه ثلاثة أيام، ~~ثم خرجوا إليه وسلموا البلد وأطاعوه، فأحسن إليهم، وأفاض عليهم النعم، ~~وغمرهم بالعدل، وأظهر طاعة السلطان سنجر والقيام على الوفاء له والأنقياد إليه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أمر علاء الدين محمود بن مسعود، الغالب على أمر طريثيث ~~التي بيد الإسماعيلية، بإقامة الخطبة للخليفة، ولبس السواد، ففعل الخطيب ~~ذلك، فثار به عمه وأقاربه ومن وافقهم، وقاتلوه ، وكسروا المنبر وقتلوا ~~الخطيب. وكان فعل علاء الدين هذا لأن أباه كان مسلما، فلما تغلب ~~الإسماعيلية على طريثيث أظهر موافقتهم، وأبطن اعتقاد الشريعة، وكان يناظر ~~على مذهب الشافعي، وازداد تقدما بطريثيث وجرت أمورها بإرادته؛ فلما حضره ~~الموت أوصى أن يغسله فقيه شافعي، وأوصى إلى ابنه علاء الدين، إن أمكنه أن ~~يعيد فيها إظهار شريعة الإسلام فعل. فلما رأى من نفسه قوة فعله فلم يتم له. ~~وفيها كثر المرض بالعراق لا سيما بغداد، وكثر الموت أيضا فيها، ففارقها ~~السلطان مسعود. وفيها توفي الأمير علي بن دبيس بن صدقة صاحب الحلة بأسدباد، ~~واتهم طبيبه محمد بن صالح بالمواطأة عليه، فمات الطبيب بعده بقريب.وفيها ~~استوزر عبد المؤمن صاحب بلاد المغرب أبا جعفر بن أبي أحمد الأندلسي، وكان ~~ماسورا عنده، فوصف له بالعقل وجودة الكتابة، فأخرجه من الحبس واستوزره، وهو ~~أول وزير كان للموحدين. وفي هذه السنة، في المحرم، جلس يوسف الدمشقي مدرسا ~~في النظامية ببغداد، وكان جلوسه بغير أمر الخليفة، فمنع، يوم الجمعة، من ~~دخول الجامع، فصلى في جامع السلطان ومنع من التدريس، فتقدم السلطان مسعود ~~إلى الشيخ أبي النجيب بأن يدرس فيها، فامتنع بغير أمر الخليفة، فاستخرج ~~السلطان إذن الخليفة في ذلك، فدرس منتصف المحرم من السنة. وفيها توفي أبو ~~عبد الله محمد ms3976 بن علي مهران الفقيه الشافعي، تفقه على الهراسي، و ولي قضاء ~~نصيبين، ثم ترك القضاء وتزهد فأقام بجزيرة ابن عمر، ثم انتقل إلى جبل ببلد ~~الحصن، في زاوية ، وكان له كرامات ظاهرة. PageV05P0042 # وفيها مات الحسن بن ذي النون بن أبي القاسم بن أبي الحسن المسعري أبو ~~المفاخر النيسابوري، سمع الحديث، سمع الحديث الكثير، وكان فقيها دائم ~~الأشغال يعظ الناس، وكان مما ينشد: مات الكرام وولوا وانقضوا ومضوا ... ~~ومات من بعدهم تلك الكرامات وخلفوني في قوم ذوي سفه ... لو أبصروا طيف ضيف ~~في الكرى ماتوا ### | AUT ثم دخلت سنة ست وأربعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر انهزام نور الدين من جوسلين # ### || AUT وأسر جوسلين بعد ذلك # في هذه السنة جمع نور الدين محمود عسكره وسار إلى بلاد جوسلين الفرنجي، ~~وهي شمالي حلبن منها تل باشر، وعين تاب، وإعزاز وغيرها، وعزم على محاصرتها ~~وأخذها، وكان جوسلين لعنه الله، فارس الفرنج غير مدافع، قد جمع الشجاعة ~~والرأي، فلما علم بذلك جمع الفرنج فأكثر، وسار نحو نور الدين فالتقوا ~~واقتتلوا، فانهزم المسلمون وقتل منهم وأسر جمع كثير، وكان في جملة من أسر ~~سلاح دار نور الدين، فأخذه جوسلين، ومعه سلاح نور الدين، فسيره إلى الملك ~~مسعود بن قلج أرسلان، صاحب قونية، وأقصرا، وقال له : هذا سلاح زوج ابنتك، ~~وسيأتيك بعده ما هو أعظم منه. فلما علم نور الدين الحال عظم عليه ذلك، ~~وأعمل الحيلة على جوسلين، وهجر الراحة ليأخذ بثأره، وأحضر جماعة من أمراء ~~التركمان، وبذل لهم الرغائب إن هم ظفروا بجوسلين وسلموه إليه إما قتيلا أو ~~أسيرا لأنه علم أنه متى قصده بنفسه احتمى بجموعه وحصونه، فجعل التركمان ~~عليه العيون،فخرج متصيدا، فلحقت به طائفة منهم وظفروا به فأخذوه أسيرا، ~~فصانعهم على مال يؤديه إليهم، فأجابوه إلى إطلاقه إذا حضر المال، فأرسل في ~~إحضاره،فمضى بعضهم إلى أبو بكر بن الداية، نائب نور الدين بحلب، فأعلمه ~~الحال، فسير عسكرا معه، فكسبوا أولئك التركمان وجوسلين معهم، فأخذوه أسيرا ~~وأحضروه عنده، وكان أسره من أعظم الفتوح لأنه كان شيطانا ms3977 عاتيا، شديدا على ~~المسلمين، قاسي القلب، وأصيبت النصرانية كافة بأسره. ولما أسر سار نور ~~الدين إلى قلاعه فملكها، وهي تل باشر، وعين تاب، وإعزاز، وتل خالد، وقورس، ~~والراوندان،وبرج الرصاص، وحصن البارة، وكفرسود، وكفرلاثا، ودلوك، ومرعش، ~~ونهر الجوز، وغير ذلك من أعماله، في مدة يسيرة يرد تفصيلها. وكان نور الدين ~~كلما فتح منها حصنا نقل إليه من كل ما تحتاج إليه الحصون، خوفا من نكسة ~~تلحق بالمسلمين من الفرنج، فتكون بلادهم غير محتاجة إلى ما يمنعها من ~~العدو؛ ومدحه الشعراء، فممن قال فيه القيسراني من قصيدة في ذكر جوسلين: كما ~~أهدت الأقدار للقمص أسره ... وأسعد قرن من حواه لك اسر طغى وبغى عدوا على ~~غلوائه ... فأوبقه الكفران عدواه والكفر وأمست عزاز كاسمها بك عزة ... تشق ~~على النسرين لو أنها وكر فسر واملإ الدنيا ضياء وبهجة، ... فبالأفق الداجي ~~إلى ذا السنة قفر كأني بهذا العزم لا فل حده ... وأقصاه بالأقصى وقد قضي ~~الأمر وقد أصبح البيت المقدس طاهرا ... وليس سوى جاري الماء له طهر ### || AUT ذكر حصر غرناطة والمرية من بلاد الأندلس # في هذه السنة سير عبد المؤمن جيشا كثيفا، نحو عشرين ألف فارس، إلى ~~الأندلس مع أبي حفص عمر بن أبي يحيى الهنياتي، وسير معهم نساءهم، فكن يسرن ~~مفردات عليهن البرانس السود، ليس معهن غير الخدم، ومتى قرب منهن رجل ضرب ~~بالسياط. فلما قطعوا الخليج ساروا إلى غرناطة وبها جمع المرابطون، فحصرها ~~عمر وعسكره، وضيقوا عليها، فجاء إليه أحمد بن ملحان، صاحب مدينة آش ~~وأعمالها، بجماعته، ووحدوا، وصاروا معه، وأتاهم إبراهيم ابن همشك ابن ~~مردنيش، صاحب جيان، وأصحابه، ووحدوا، وصاروا أيضا معه، فكثر جيشه، وحرضوه ~~على المسارعة إلى ابن مردينش، ملك بلاد شرق الأندلس، ليبغته بالحصار قبل أن ~~يتجهز. PageV05P0043 # فلما سمع ابن مردنيش ذلك خاف على نفسه، فأرسل إلى ملك برشلونة، من بلاد ~~الفرنج، يخبره، ويستنجده، ويستحثه على الوصول إليه، فسار إليه الفرنجي في ~~عشرة آلاف فارس، وسار عسكر عبد المؤمن، فوصلوا إلى حمة بلقوارة، وبينها ~~وبين مرسية، التي هي مقر ms3978 ابن مردنيش، مرحاة، فسمعوا بةصول الفرنج، فرجع ~~وحصر مدينة المرية، وهي للفرنج، عدة شهور، فاشتد الغلاء بالعسكر، وعدمت ~~الأقوات، فرحلوا عنها وعادوا إلى إشبيلية فأقاموا بها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الآخر، توفي العبادي الواعظ، واسمه المظفر ابن ~~أردشير، بخوزستان، وكان الخليفة المقتفي أمر اللهقد سيره في رسالة إلى ~~الملك محمد ابن السلطان محمود ليصلح بينه وبين الحويزي، فتوفي هناك وجلس ~~ولده ببغداد للعزاء، وأقيم بحاجب من الديوان العزيز. وكان يجلس ويعظ ويذكر ~~والده ويبكي هو والناس كافة، ونقل العبادي إلى بغداد ودفن بالشويزي، ومولد ~~سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، وسمع الحديث من أبي بكر الشيروي، وزاهر الشحامي ~~وغيرهما، ورواه. وفيها انفجر بثق النهروان الذي أتمه بهروز بكثرة الزيادة ~~في تامرا وإهمال أمرها، حتى عظم ذلك وتضرر به الناس. وفيها سار الأمير قجق ~~في طائفة من عسكر السلطان سنجر إلى طريثيث بخراسان، وأغار على بلاد ~~الإسماعيلية، فنهب، وسبى وخرب، وأحرق المساكن، وفعل بهم أفاعيل عظيمة وعاد سالما. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وأربعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر ملك عبد المؤمن بجاية وملك بني حماد # في هذه السنة سار عبد المؤمن بن علي إلى بجاية وملكها، وملك جميع ممالك ~~بني حماد. وكان لما أراد قصدها سار من مراكش إلى سبتة سنة ست وأربعين، ~~فأقام مدة يعمر الأسطول، ويجمع العساكر القريبة منه. وأما ما هو على طريقه ~~إلى بجاية من البلاد، فكتب إليهم ليتجهزوا ويكونوا على الحركة أي وقت ~~طلبهم، والناس يظنون أنه يريد العبور إلى الأندلس، فأرسل في قطع السابلة عن ~~بلاد شرق المغرب برا وبحرا. وسار من سبتة في صفر سنة سبع وأربعين، فأسرع ~~السير وطوى المراحل، والعساكر تلقاه في طريقه، فلم يشعر أهل بجاية إلا وهو ~~في أعمالها، وكان ملكها يحيى بن العزيز بن حماد آخر ملوك بني حماد، وكان ~~مولعا بالصيد واللهم لا ينظر في شيء من أمور مملكته ، قد حكم فيها بني ~~حمدون، فلما اتصل الخبر بميمون بن حمدون جمع العساكر وسار عن بجاية نحو ms3979 عبد ~~المؤمن، فلقيهم مقدمته، وهو يزيد على عشرين ألف فارس، فانهزم أهل بجاية من ~~غير قتال، ودخلت مقدمة عبد المؤمن بجاية قبل وصول عبد المؤمن بيومين، وتفرق ~~جميع عسكر يحيى بن عبد العزيز، وهبوا برا وبحرا، وتحصن يحيى بقلعة قسنطينة ~~الهواء، وهرب أخواه الحارث وعبد الله إلى صقلية، ودخل عبد المؤمن بجاية، ~~وملك جميع بلاد ابن العزيز بغير قتال. ثم إن يحيى نزل إلى عبد المؤمن ~~بالأمان، فأمنه، وكانيحيى قد فرح لما أخذت بلاد إفريقية من الحسن بن علي ~~فرحا ظهر عليه، فكان يذمه، ويذكر معايبه، فلم تطل المدة حتى أخذت بلاده، ~~ووصل الحسن بن علي إلى عبد المؤمن في جزائر بني مزغنان، وقد ذكرنا سنة ثلاث ~~وأربعين سبب مصيره إليها، واجتمعا عنده، فأرسل عبد المؤمن يحيى ابن العزيز ~~إلى بلاد المغرب، وأقام بها، وأجرى عليه شيئا كثيرا. وأما الحسن بن علي ~~فإنه أحسن إليه، وألزمه صحبته، وأعلى مرتبته، فلزمه إلى أن فتح عبد المؤمن ~~المهدية فجعله فيها، وأمر واليها أن يقتدي برأيه ويرجع إلى قوله. ولما فتح ~~عبد المؤمن بجاية لم يتعرض إلى مال أهلها ولا غيره، وسبب ذلك أن بني حمدون ~~استأمنوا فوفى بأمانه. ### || AUT ذكر ظفر المؤمن بصنهاجة # لما ملك عبد المؤمن بجاية تجمعت صنهاجة في أمم لا يحصيها إلا الله ~~تعالى، وتقدم عليهم رجل اسمه ابو قصبة، واجتمع معهم من كتامة ولواتة ~~وغيرهما خلق كثير، وقصدوا حرب عبد المؤمن، فأرسل إليهم جيشا كثيرا، ومقدمهم ~~ابو سعيد يخلف، وهو من الخمسين، فالتقوا في عرض الجبلن شرقي بجاية، فانهزم ~~أبو قصبة وقتل أكثر من معه، ونهبت اموالهم، وسبيت نسائهم وذراريهم. ~~PageV05P0044 # ولما فرغوا من صنهاجة ساروا إلى قلعة بني حماد، وهي من أحصبن القلاع ~~وأعلاها لا ترام، على رأس جبل شاهق يكاد الطرف لا يحققها لعلوها، ولكن ~~القدر إذا جاء لا يمنع منه معقل ولا جيوش، فلما رأى أهلها عساكر الموحدين ~~هربوا منها في رؤوس الجبال، وملكت القلعة، وأخذ جميع ما فيها من مال وغيره ~~وحمل إلى عبد المؤمن ms3980 فقسمه. ### || AUT ذكر وفاة السلطان مسعود # ### || AUT وملك ملكشاه محمد بن محمود # في هذه السنة، أول رجب، توفي السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه بهمذان، ~~وكان مرضه حمى حادة نحو أسبوع، وكان مولده سنة اثنتين وخمسمائة في ذي ~~القعدة، ومات معه سعادة البيت الجوقي لم يقم له بعده راية يعتد بها ولا ~~يلتفت إليها: فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما وكان ~~رحمه الله حسن الأخلاق، كثير المزاح والانبساط مع الناس، فمن ذلك أن أتابك ~~زنكي، صاحب الموصل، أرسل إليه القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله بن ~~القاسم الشهرزوري في رسالة، فوصل إليه وأقام معه في العسكر، فوقف يوما على ~~خيمة الوزير، حتى قارب أذان المغرب، فعاد إلى خيمته، فأذن المغرب وهو في ~~الطريق، فرأى أنسانا فقيها في خيمة، فنزل إليه فصلى معه المغرب، ثم سأله ~~كمال الدين من أين هو؟ فقال: أنا قاضي مدينة كذا. فقال له كمال الدين: ~~القضاة ثلاثة قاضيان في النار، وهو أنا وأنت، وقاض في الجنة وهو من لم يعرف ~~أبواب هؤلاء الظلمة ولا يراهم؛ فلما كان الغد أرسل السلطان وأحضر كمال ~~الدين إليه،فلما دخل عليه ورآه ضحك وقال: القضاة ثلاثة. فقال كمال الدين: ~~نعم يا مولانا. فقال: والله صدقت، ما أسعد من لا يرانا ولا نراه! ثم أمر أن ~~تقضى حاجته وأعاده من يومه.وكان كريما عفيفا عن الأموال التي للرعايا، حسن ~~السيرة فيهم، من أصلح السلاطين سيرة وألينهم عريكة، سهل الأخلاق لطيفا، فمن ~~ذلك أنه أجتاز يوما في بعض أطراف بغداد، فسمع امرأة تقول لأخرى: تعالي ~~انظري إلى السلطان؛ فوقف وقال: حتى تجيء هذه الست تنظر إلينا. وله فضائل ~~كثيرة ومناقب جمة، وكان عهد إلى ملكشاه ابن أخيه السلطان محمود، فلما توفي ~~خطب لم الأمير خاص بك بن بلنكري بالسلطنة، ورتب الأمور، وقررها بين يديه، ~~وأذعن له جميع العسكر بالطاعة. ولما وصل الخبر إلى بغداد بموت السلطان ~~مسعود هرب الشحنة بها، وهو مسعود بلال، إلى تكريت، واستظهر الخليفة المقتفي ~~لأمر ms3981 الله على داره، ودور أصحاب السلطان ببغداد، وأخذ كل ما لهم فيها، وكل ~~من كان عنده وديعة لأحد منهم أحضرها بالديوان، وجمع الخليفة الرجال ~~والعساكر وأكثر التجنيد، وتقدم بإراقة الخمور من مساكن أصحاب السلطان، ووجد ~~في دار مسعود بلال، شحنة بغداد، كثير من الخمر، فأريق، ولم يكن الناس يظنون ~~أنه شرب الخمر بعد الحج، وقبض على المؤيد الألوسي الشاعر، وعلى الحيص بيص ~~الشاعر، ثم أطلق الحيص بيص، وأعيد عليه ما أخذ منه. ثم إن السلطان ملكشاه ~~سير سلار كرد في عسكر إلى الحلة، فدخلها، فسار إليه مسعود بلال ، شحنة ~~بغداد، وأظهر له الأتفاق معه، فلما اجتمعا قبض عليه مسعود بلال وغرقه، ~~واستبد بالحلة، فلما علم الخليفة ذلك سير العساكر إليه مع الوزير عون الدين ~~بن هبيرة، فسار إليه، فلما قاربوا الحلة عبر مسعود بلال الفرات إليهم ~~وقاتلهم، فانهزم من عسكر الخليفة، ونادى أهل الحلة بشعار الخليفة، فلم ~~يدخلها، وتمت الهزيمة عليه وعلى أصحابه، فعاد إلى تكريت، وملك عسكر الخليفة ~~الحلة، وسير الوزير عسكرا إلى الكوفة وعسكرا إلى واسط، فملكوها. ثم إن ~~عساكر السلطان وصلت إلى واسط، ففارقها عسكر الخليفة، فلما سمع الخليفة ذلك ~~تجهز بنفسه وسار عن بغداد إلى واسط، ففارقها العسكر السلطاني، وملكها ~~الخليفة، وسار منها إلى الحلة، ثم عاد إلى بغداد، فوصلها تاسع عشر ذي ~~القعدة، وكانت غيبته خمسة وعشرين يوما. ثم إن خاص بك بن بلنكري قبض على ~~الملك ملك شاه الذي خطب له بالسلطنة بعد مسعود، وأرسل إلى أخيه الملك محمد ~~سنة ثمان وأربعين وهو بخوزستان يستدعيه، وكان قصده أن يحضر عنده فيقبضه ~~ويخطب لنفسه بالسلطنة، فسار الملك محمد إليه، فلما وصل أجلسه على تخت ~~السلطنة أوائل صفر، وخطب له بالسلطنة، وخدمه، وبالغ في خدمته، وحمل له ~~هدايا عظيمة جليلة المقدار. PageV05P0045 # ثم إنه دخل الملك محمد ثاني يوم وصوله، فقتله محمد، وقتل معه زنكي ~~الجاندار، وألقى برأسيهما، فتفرق أصحابهما، ولم ينتطح فيها عنزان، وكان ~~إيدغدي التركماني المعروف بشملة مع خاص بك، فنهاه عن الدخول إلى الملك ms3982 ~~محمد، فلم ينته، فقتل ونجا شملة، فنهب جشير الملك محمد، ومضى طالبا ~~خوزستان، وأخذ محمد من أموال خاص بك شيئا كثيرا واستقر محمد في السلطنة ~~وتمكن، وبقي خاص بك ملقى حتى أكلته الكلاب؛ وكان صبيا تركمانيا اتصل ~~بالسلطان مسعود، فتقدم على سائر الأمراء وكان هذا خاتمة أمره. ### || AUT ذكر الحرب بين نور الدين محمود والفرنج # في هذه السنة تجمعت الفرنج، وحشدت الفارس والراشد، وساروا نحو نور ~~الدين، وهو ببلاد جوسلين، ليمنعوه عن ملكها، فوصلوا إليه وهو بدلوك، فلما ~~قربوا منه رجع إليهم ولقيهم، وجرى المصاف بينهم عند دلوك، واقتتلوا أشد ~~قتال رآه الناس، وصبر الفريقان، ثم انهزم الفرنج، وقتل منهم وأسر كثير، ~~وعاد نور الدين إلى دلوك، فملكها واستولى عليها، ومما قيل في ذلك: أعدت ~~بعصرك هذا الأني ... ق فتوح النبي وأعصارها فواطأت يا حبذا حديها ... ~~وأسررت من بدر أبدارها وكان مهاجرها تابعي ... ك وأنصار رأيك أنصارها فجددت ~~إسلام سلمانها ... وعمر جدك عمارها وما يوم إنب إلا كذا ... ك بل طال ~~بالبوع أشبارها صدمت عزيمتها صدمة ... أذابت مع الماء أحجارها وفي تل باشر ~~باشرتهم ... بزحف تسور أسوارها وإن دالكتهم دلوك فقد ... شددت فصدقت أخبارها ### || AUT ذكر الحرب بين سنجر والغورية # في هذه السنة كان بين السلطان سنجر والغورية حرب، وكانت دولتهم أول ما ~~قد ظهرت، وأول من ملك منهم رجل أسمه الحسين بن الحسين ملك جبال الغور ~~ومدينة فيروز كوه، وهي تقارب أعمال غزنة، وقوي أمره، وتلقب بعلاء الدين، ~~وتعرض إلى أعمال؛ ثم جمع جيشا عظيما وقصد هراة محاصرا لها، فنهب عسكره ناب ~~وأوبة ومارباج من هراة والروز، وسار إلى بلخ وحصرها، فقاتله الأمير قماج، ~~ومعه جمع من الغز، فغدروا به، وصاروا مع الغوري فملك بلخ، فلما سمع السلطان ~~سنجر بذلك سار إليه ليمنعه، فثبت له علاء الدين، واقتتلوا، فانهزم الغورية، ~~وأسر علاء الدين، وقتل من الغورية خلق كثير ، لاسيما الرجالة، وأحضر ~~السلطان سنجر علاء الدين بين يديه، وقال له يا حسين لو ظفرت بي ما كنت تفعل ~~بي؟ فأخرج ms3983 له قيد فضة وقال: كنت أقيدك بهذا وأحملك إلى فيروز كوه؛ فخلع ~~عليه سنجر ورده إلى فيروز كوه فبقي بها مدة. ثم إنه قصد غزنة وملكها حينئذ ~~بهرام شاه بن إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين فلم يثبت بها بين يدي ~~علاء الدين، بل فارقها إلى كرمان، وهي مدينة بين غزنة والهند وسكانها قوم ~~يقال لهم أبغان، وليست هذه بالولاية المعروفة بكرمان. فلما فارق بهرام شاه ~~غزنة ملكها علاء الدين الغوري، وأحسن السيرة في اهلها واستعمل عليهم أخاه ~~سيف الدين سوري، وأجلسه على تخت المملكة، وخطب لنفسه ولأخيه سيف الدين ~~بعده. ثم عاد علاء الدين إلى بلد الغور، وأمر أخاه أن يخلع على أعيان البلد ~~خلعا نفيسة، ويصلهم بصلات سنية، ففعل ذلك وأحسن إليهم، فلما جاء الشتاء، ~~ووقع الثلج، وعلم أهل غزنة أن الطريق قد انقطع إليهم كاتبو بهرام شاه الذي ~~كان صاحبها،واستدعوه إليهم، فسار نحوهم في عسكره فلما قارب البلد ثار أهله ~~على سيف الدين فأخذوه بغير قتال، وكان العلويون هم الذين تولوا أسره، ~~وانهزم الذين كانوا معه، فمنهم من نجا ، ومنهم من أخذ، ثم إنهم سودوا وجه ~~سيف الدين، وأركبوه بقرة وطافوا به البلد، ثم صلبوه، وقالوا فيه أشعارا ~~يهجونه بها وغنى بها حتى النساء PageV05P0046 # فلما بلغ الخبر إلى أخيه علاء الدين الحسين قال شعرا معناه: إن لم أقلع ~~غزنة في مرة واحدة، فليت الحسين بن الحسين؛ ثم توفي بهرام شاه وملك بعده ~~ابنه خسروشاه، وتجهز علاء الدين الحسين وسار إلى غزنة سنة خمسين وخمسمائة، ~~فلما بلغ الخبر إلى خسروشاه سار عنها إلى لهاوور، وملكها علاء الدين، ~~ونهبها ثلاثة أيام، واخذ العلويين الذين أسروا أخاه فألقاهم من رؤوس ~~الجبال، وخرب المحلة التي صلب فيها أخوه، وأخذ النساء اللواتي قيل عنهم ~~إنهن كن يغنين بهجاء أخيه والغورية، فأدخلهن حماما ومنعهن من الخروج حتى ~~متن فيه. وأقام بغزنة حتى أصلحها، ثم عاد إلى فيروزكوه، ونقل معه من أهل ~~غزنة خلقا كثيرا،وحملهم المخالي مملوءة ترابا، فبنى به قلعة في فيروزكوه، ms3984 ~~وهي موجودة إلى الآن، وتلقب بالسلطان المعظم وحمل الجتر على عادة السلاطين ~~السلجوقية، وقد تقدم سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة من أخبارهم، وفيه مخالفة ~~لهذا في بعض الأمر، وكلا سمعناه ورأيناه في مصنفاتهم، فلهذا ذكرنا الأمرين، ~~وأقام الحسين على ذلك مدة، واستعمل ابني أخيه، وهما غياث الدين وشهاب الدين. ### || AUT ذكر ملك غياث الدين وشهاب الدين الغوريين # لما قوي أمر عمهما علاء الدين الحسين بن الحسين استعمل العمال والأمراء ~~على البلاد، وكان ابنا أخيه، وهما غياث الدين ابو الفتح محمد بن سام، وشهاب ~~الدين أبو المظفر محمد بن شام، فيمن استعمل على بلد من بلاد الغور اسمه ~~سنجة، وكان غياث الدين يلقب حينئذ شمس الدين، ويلقب الأخر شهاب الدين، فلما ~~استعملهما احسنا السيرة في عملهما وعدلا، وبذلا الأموال، فمال الناس ~~إليهما، وانتشر ذكرهما، فسعى بهما يحسدهما إلى عمهما علاء الدين، وقال: ~~إنهما يريدان الوثوب بك، وقتلك، والاستيلاء على الملك، فأرسل عمهما ~~يستدعيهما إليه، فامتنعا، وكانا قد بلغهما الخبر، فلما امتنعا عليه جهز ~~إليهما عسكرا مع قائد يسمى خروش الغوري، فلما التقوا انهزم خروش ومن معه، ~~وأسر هو، وأبقيا عليه، وأحسنا إليه، وخلعا عليه، وأظهرا عصيان عمهما وقطعا ~~خطبته؛ فتوجه إليهما علاء الدين، وسارا هما أيضا إليه، فالتقوا واقتتلوا ~~قتالا شديدا، فانهزم علاء الدين وأخذ أسيرا وانهزم عسكرهن فنادى فيهم ابنا ~~أخيه بالأمان، فأحضرا عمهما وأجلساه على التخت، ووقفا في خدمته، فبكى علاء ~~الدين وقال: هذان صبيان قد فعلا ما لو قدرت عليه منهما لم أفعله؛ ثم أحضر ~~عمهما القاضي في الحال، وزوج غياث الدين بنتا له، وجعله ولي عهده، وبقي ~~كذلك إلى أن مات. فلما توفي ملك غياث الدين بعده وخطب لنفسه في الغور وغزنة ~~بالملك، وبقي كذلك إلى أن ملك الغز غزنة بعد موت علاء الدين، معوا فيها ~~بموته، وبقيت بأيديهم خمس عشرة سنة يصبون على أهلها العذاب، ويتابعون اللم ~~كعادتهم في كل بلدة ملكوها، ولو انهم لما ملكوا احسنوا السيرة في الرعايا ~~لدام ملكهم، فلم يزل الغز بغزنة هذه ms3985 المدة، وغياث الدين يقوي أمره، ويحسن ~~السيرة، والناس يميلون إليه ويقصدونه. ### || AUT ذكر ملك غياث الدين غزنة وما جاورها # لما قوي أمر غياث الدين جهز جيشا كثيفا مع أخيه شهاب الدين إلى غزنة، ~~فيه أصناف الغورية والخلج والخراسانية، فساروا إليها، فلقيهم الغز ~~وقاتلوهم، فانهزم الغورية، وثبت شهاب الدين وسار الغز خلف المنهزمين فعطف ~~شهاب الدين فيمن ثبت معه على صاحب علمهم فقتله وأخذ العلم، وتركه على حاله، ~~فتراجع الغز، ولم يكونوا علموا ماكان من شهاب الدين، فجاؤوا يطلبون علمهم، ~~فكلما جاء إليه طائفة قتلهم، فأتى على أكثرهم، ودخل غزنة وتسلمها واحسن ~~السيرة في أهلها وأفاض العدل. وسار من غزنة إلى كرمان وشنوران فملكهما، ثم ~~تعدى إلى ماء السند وعمل على العبور إلى بلد الهند، وقصد لهاوور، وبها ~~يومئذ خسروشاه ابن بهرام شاه المقدم ذكر والده؛ فلما سمع خسروشاه بذلك سار ~~فيمن معه إلى ماء السند، فمنعه من العبور، فرجع عنه وقصد خرشابور فملكها ~~وما يليها من جبال الهند، وأعمال الأبغان، والله أعلم. ### || AUT ذكر ملك شهاب الدين لهاوور # PageV05P0047 # لما ملك شهاب الدين جبال الهند قوي أمره وجنانه، وعظمت هيبته في قلوب ~~الناس، وأحبوه لحسن سيرته، فلما خرج الشتاء، وأقبل الربيع من سنة تسع ~~وسبعين وخمسمائة، سار نحو لهاوور في جمع عظيم، وحشد كثير من خراسان والغور ~~وغيرهما، فعبر إلى لهاوور وحصرها، وأرسل إلى صاحبها خسروشاه وإلى أهلها ~~يتهددهم إن منعوه، وأعلمهم أنه لايزول حتى يملك البلد، وبذل لخسروشاه ~~الأمان على نفسه وأهله وماله، ومن الأقطاع ما أراد، وأن يزوج ابنته بابن ~~خسروشاه على أن يطأ بساطه ويخطب لأخيه، فامتنع عليهن وأقام شهاب الدين ~~محاصرا له، مضيقا عليه، فلما رأى أهل البلد والعسكر ذلك ضعفت نياتهم في ~~نصرة صاحبهم، فخذلوه،فأرسل لما رأى ذلك القاضي والخطيب يطلبان له الأمان، ~~فأجابه شهاب الدين إلى ذلك وحلف له، وخرج إليه، ودخل الغورية إلى المدينة، ~~وبقي كذلك شهرين مكرما عند شهاب الدين، فورد رسول من غياث الدين إلى شهاب ~~الدين يامره بإنفاذ خسروشاه إليه. ### || AUT ms3986 ذكر انقراض دولة سبكتكين # لما أنفذ غياث الدين إلى أخيه شهاب الدين يطلب إنفاذ خسروشاه إليه أمره ~~شهاب الدين بالتجهيز والمسير، فقال: أنا لا أعرف أخاك، ولا لي حديث إلا ~~معك، ولا يمين إلا في عنقك، فمناه وطيب قلبه، وجهزه وسيره وسير معه ولده، ~~وأصحبهما جيشا يحفظونهما، فسارا كارهين؛ فلما بلغا فرشابور خرج أهلها ~~إليهما يبكون ويدعون لهما، فزجرهم الموكلون بهما، وقالوا: سلطان يزور سلطان ~~أخر، لأي شيء تبكون؟ وضربوهم فعادوا، وخرج ولد خطيبها إلى خسروشاه عن أبيه ~~متوجعا له، قال: فلما دخلت عليه أعلمته رسالة أبي، وقلت: أنه قد اعتزل ~~الخطابة، ولا حاجة به إلى خدمة غيركم. فقال لي : سلم عليه. وأعطاني فرجية ~~فوطا ومصلى من عمل الصوفية، وقال: هذه تذكرة ابيه عند أبي، فسلمها إليه وقل ~~له: در مع الدهر كيف دار؛ وأنشد بلسان فصيح: وليس كعهد الدار يا أم مالك ~~... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل قال: فانصرفت إلى أبي وعرفته الحال، فبكى، ~~وقال: قد أيقن الرجل بالهلاك، ثم رحلوا. فلما بلغوا بلد الغور لم يجتمع ~~بهما غياث الدين بل أمر بهما فرفعا إلى بعض القلاع، فكان آخر العهد بهما. ~~وهو آخر ملوك آل سبكتكين، وكان ابتداء دولتهم سنة ست وستين وثلاثمائة، ~~فتكون مدة ولايتهم مائتي سنة وثلاث عشرة سنة تقريبا. وكان ملوكهم من أحسن ~~الملوك سيرة، ولا سيما جده محمود، فإن آثاره في الجهاد معروفة، وأعماله ~~للآخرة مشهورة: لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم ~~قعدوا فتبارك الذي لا يزول ملكه، ولا تغيره الدهور، فأف لهذه الدنيا ~~الدنية، وكيف تفعل هذا بأبنائها؛ نسأل الله تعالى أن يكشف عن قلوبنا حتى ~~نراها بعين الحقيقة، وأن يقبل بنا إليه، وأن يشغلنا به عما سواه، إنه على ~~كل شيء قدير. هكذا ذكر بعض فضلاء خراسان أن خسروشاه آخر ملوك آل ~~سبكتكين،وقد ذكر غيره أنه توفي في الملك، وملك بعده ابنه ملكشاه. وسنذكره ~~في سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وبالجملة فابتداء دولة الغورية عندي فيه خلف ~~لو ينكشف الحق ms3987 فأصلحه إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر الخطبة لغياث الدين بالسلطنة # لما استقر ملكهم بلهاوور واتسعت مملكتهم وكثرت عساكرهم وأمالهم كتب غياث ~~الدين إلى أخيه شهاب الدين، فتلقب غياث الدين والدنيا معين الإسلام قسيم ~~أمر المؤمنين؛ ولقب أخاه معز الدين، ففعل شهاب الدين ذلك وخطب له بالسلطنة. ### || AUT ذكر ملك غياث الدين هراة # ### || AUT وغيرها من خراسان # لما فرغ شهاب الدين من إصلاح أمر لهاوور وتقرير قواعدها، سار إلى أخيه ~~غياث الدين، فلما اجتمع به استقر رأيهما على المسير إلى خراسان وقصد مدينة ~~هراة ومحاصرتها، فسارا في العساكر الكثيرة إليها، وكان بها جماعة من ~~الأتراك السنجرية، فنازلا البلد وحصراه، وضيقا على من به، فاستسلموا ~~إليهما، وأرسلوا يطلبون الأمان منهما، فأجاباهم إلى ذلك وأمناهم، فتسلما ~~البل PageV05P0048 # وأخرجا من به من الأمراء السنجرية، واستناب فيه غياث الدين خزنك الغوري، ~~وسار غياث الدين وأخوه إلى فوشنج فملكاها، ثم إلى باذغيس وكالين وبيوار ~~فملكاها أيضا، وتسلم ذلك جميعه غياث الدين وأحسن السيرة في أهل البلاد، ~~ورجع إلى فيروزكوه، ورجع شهاب الدين إلى غزنة، وكان ينبغي أن حوادث الغورية ~~تذكر بالسنين، وإنما جمعناها ليتلو بعضها بعضا ولأن فيه ما لم يعرف تاريخه ~~فتركناه بحاله. ### || AUT ذكر ملك شهاب الدين مدينة آجرة # لما رجع شهاب الدين من خراسان إلى غزنة أقام بها حتى أراح واستراح هو ~~وعساكره، ثم سار إلى بلد الهند، فحاصر مدينة آجرة، وبها ملك من ملوك الهند، ~~فلم يظفر منه بطائل، وكان للهندي زوجة غالبة على أمره، فراسلها شهاب الدين ~~أنه يتزوجها، فأعادت الجواب أنها لا تصلح له، وأن لها ابنة جميلة تزوجه ~~إياها، فأرسل إليها يجيبها إلى التزوج بابنتها، فسقت زوجها سما فمات وسلمت ~~البلد إليه. فلما أخذ الصبية فأسلمت، وتزوجها وحماها إلى غزنة، وأجرى عليها ~~الجرايات الوافرة، ووكل بها من علمها القرآن، وتشاغل عنها، فتوفيت والدتها، ~~ثم توفيت هي بعد عشر سنين، ولم يرها ولم يقربها، فبنى لها مشهدا ودفنها ~~فيه، وأهل غزنة يزورون قبرها. ثم عاد إلى بلد الهند، فذل ms3988 له صعابها، وتيسر ~~له فتح الكثير من بلادهم، ودوخ ملوكهم، وبلغ منه ما لم يبلغه أحد قبله من ~~ملوك المسلمين. ### || AUT ذكر ظفر الهند على المسلمين # لما اشتدت نكاية شهاب الدين في بلاد الهند وإثخانه في أهلها واستيلائه ~~عليها، اجتمع ملوكهو وتآمروا بينهم، ووبخ بعضهم بعضا، فاتفق رأيهم على ~~الاجتماع والتعاضد على حربه، فجمعوا عساكرهم وحشدوا، وأقبل إليهم الهنود من ~~كل فج عميق على الصعب والذلول، وجاؤوا بحدهم وحديدهم، وكان الحاكم على جميع ~~الملوك المجتمعين امرأة هي من أكبر ملوكهم. فلما سمع باجتماعهم ومسيرهم ~~إليه تقدم هو إليهم في عسكر عظيم من الغورية والخلج والخراسانية وغيرهم، ~~فالتقوا واقتتلوا، فلم يكن بينهم كثير قتال حتى انهزم المسلمون وركبهم ~~الهنود يقتلون ويأسرون، وأثخنوا فيهم، وأصاب شهاب الدين ضربة بطلت منها يده ~~اليسرى، وضربة أخرى على رأسه سقط منها على الأرض، وحجز الليل بين الفريقين، ~~فأحس شهاب الدين جماعة من غلمانه الأتراك في ظلمة الليل وهم يطلبونه في ~~القتلى ويبكون، وقد رجع الهنود إلى ورائهم، وكلمهم وهو على ما به من الجند، ~~فجاؤوا إليه مسرعين، وحملوه على رؤوسهم رجالة يتناوبون حماه، حتى بلغوا ~~مدينة آجرة مع الصباح. وشاع خبر سلامته في الناس، فجاؤوا إليه يهنئونه من ~~أقطار البلاد، فأول ما عمل أنه أخذ أمراؤهم وسألوه أن يكف عنهم، ويتركهم في ~~مراعيهم، ويعطونه من كل بيت مائتي درهم فضة، فلم يجبهم إلى ذلك وشدد عليهم ~~في الأنتزاح عن بلده، فعادوا عنه، واجتمعوا وقاتلوه، فانهزم قماج ونهبوا ~~ماله ومال عسكره، وأكثروا القتل في العسكر والرعايا، واسترقوا النساء ~~والأطفال، وعملوا كل عظيمة ، وقتلوا الفقهاء وخربوا المدارس. PageV05P0049 # وانتهت الهزيمة بقماج إلى مرو، وبها السلطان سنجر، فأعلمه الحال، فراسلهم ~~سنجر ، يتهددهم، فأمرهم بمفارقة بلاده، فاعتذروا، وبذلوا بذلا كثيرا ليكف ~~عنهم ويتركهم في مراعيهم، فلم يجبهم إلى ذلك، وجمع عسلكره من أطراف البلاد، ~~واجتمع معه ما يزيد على مائة ألف فارس، وقصدهم ووقع بينهم حرب شديدة، ~~فانهزمت عساكر سنجر، وانهزم هو أيضا، وتبعهم الغز قتلا وأسرا، فصار قتلى ~~العسكر ms3989 كالتلال، وقتل علاء الدين قماج، وأسر السلطان سنجر، وأسر معه جماعة ~~من الأمراء، فأما الأمراء فضربوا أعناقهم، وأما السلطان سنجر، فإن أمراء ~~الغز اجتمعوا، وقبلوا الأرض بين يديه، وقالوا : نحن عبيدك لا نخرج عن ~~طاعتك، فقد علمنا أنك لا ترد قتالنا، وإنما حملت عليه، فأنت السلطان ونحن ~~العبيد؛ فمضى على ذلك شهران، أو ثلاثة، ودخلوا معه إلى مرو وهي كرسي ملك ~~خراسان، وطلبها منه بختيار إقطاعا، فقال السلطان: هذه دار الملك ولا يجوز ~~أن تكون إقطاعا لأحد. فضحكوا منه وحبق له بختيار بفمه، فلما رأى ذلك نزل عن ~~سرير الملك ودخل خانكاه مرو وتاب عن الملك.واستولى الغز على البلاد، وظهر ~~منهم من الجور ما لم يسمع بمثله، وولوا على نيسابور واليا، فقسط على الناس ~~كثيرا وعصفهم وضربهم، وعلق في الأسواق ثلاث غرائر، وقال: أريد ملء هذه ~~ذهبا، فثار عليه العامة وقتلوه ومن معه، فركب الغز ودخلوا نيسابور ونهبوها ~~نهبا مجحفا، وجعلوها قاعا صفصفا، وقتلوا الكبار والصغار وأحرقوها، وقتلوا ~~القضاة والعلماء في البلاد كلها، فممن قتل الحسين بن محمد الأرسابندي، ~~والقاضي علي بن مسعود، والشيخ محمد بن يحيى، وأكثر الشعراء في مراثي محمد ~~بن يحيى فممن قال فيه علي بن إبراهيم الكاتب: مضى الذي كان يجنى الدر من ~~فيه ... يسيل بالفضل والإفضال واديه مضى ابن يحيىالذي قد كان صوب حيا ... ~~لأبرشهر ومصباحا لداجيه خلا خراسان من علم ومن ورع ... لما نعاه إلى الآفاق ~~ناعيه لما أماتوه مات الدين واأسفا ... من ذا الذي بعد محي الدين يحييه ~~ويتعذر وصف ما جرى منهم على تلك البلاد جميعها، ولم يسلم من خراسان شيء لم ~~تنهبه الغز غير هراة ودهستان لأنها كانت حصينة فامتنعت. وقد ذكر بعض مؤرخي ~~خراسان من أخبارهم ما فيه زيادة وضوح فقال: إن هؤلاء الغز قوم انتقلوا من ~~ضواحي الثغر من أقاصي الترك إلى ما وراء النهر في أيام المهدي، وأسلموا ~~واستنصر بهم المقنع صاحب المخاريق والشعبذة، حتى تم أمره، فلما سارت ~~العساكر إليه خذله الغز وأسلموه، وهذه عادتهم في كل ms3990 دولة كانوا فيها؛ ~~وفعلوا مثل ذلك مع الملوك الخاقانية، إلا أن الأتراك القارغلية قمعوهم، ~~وطردوهم عن أوطانهم، فجعاهم الأمير زنكي بن خليفة الشيباني المستولي على ~~حدود طخارستان إليه، وأنزلهم بلاده، وكانت بينه وبين الأمير قماج عداوة ~~أحكمتها الأيام للمجاورة التي بينهما، وكل منهما يريد أن يعلو على الآخر ~~ويحكم عليه، فتقوى بهم زنكي، وساروا معه إلى بلخ لمحاربة قماج، فكاتبهم ~~قماج، فمالوا إليه، وخذلوا زنكي عند الحرب، فأخذ زنكي وابنه أسيرين، فقتل ~~قماج ابن زنكي، وجعل يطعم أباه لحمه، ثم قتل الأب أيضا، وأقطع قماج الغز ~~مواضع، وأباحهم مراعي بلاده. فلما قام الحسين بن الحسين الغوري بغزنة وقصد ~~بلخ خرج إليه قماج وعساكره ومعه الغز، ففارقه الغز وانضموا إلى الغوري حتى ~~ملك مدينة بلخ، فسار السلطان سنجر إلى بلخ، ففارقها الغوري بعد قتال وانهزم ~~منه، ثم دخل على السلطان سنجر لعجزه عن مقاومته، فرده إلى غزنة. وبقي الغز ~~بنواحي طخارستان وفي نفس قماج منهم الغيظ العظيم لما فعلوه معهن فأراد ~~صرفهم عن بلاده، فتجمعوا، وانضم إليهم طوائف من الترك، وقدموا عليهم أرسلان ~~بوقا التركي، فجمع قماج عسكره ولقيهم فاقتتلوا يوما كاملا إلى الليل، ~~فانهزم قماج وعسكره، وأسر هو وابنه بكر، فقتلوهما، واستولوا على نواحي بلخ، ~~وعاثوا فيها وافسدوا بالنهب والقتل والسلب. PageV05P0050 # وبلغ السلطان سنجر الخبر، فجمع عساكره وسار إليهم، فراسلوه يعتذرون ~~ويتنصلون، فلم يقبل عذرهم، ووصل إليهم مقدمة السلطان، وفيها محمد بن أبي ~~بكر بن قماج المقتول، والمؤيد أي أبه في المحرم من سنة ثمان وأربعين ~~وخمسمائة، ووصل بعدهم السلطان سنجر، فالتقاه الغز بعد أن أرسلوا يعتذرون ~~ويبذلون الأموال والطاعة والانقياد إلى كل ما يؤمرون به، فلم يقبل سنجر ذلك ~~منهم، وسار إليهم، فلقوه وقاتلوه وصبروا له، ودام قتالهم، فانهزم عسكر سنجر ~~وهو معهم، فتوجهوا إلى بلخ على أقبح صورة،وتبعهم الغز، واقتتلوا ثانية، ~~فانهزم السلطان سنجر أيضا، ومضى منهزما إلى مرو في صفر من السنة، فقصد الغز ~~إليها، فلما سمع أمراء الغورية الذين انهزموا عنه وأسلموه، فملأ مخالي ~~خيلهم شعيرا، ms3991 وحاف لئن لم يأكلوه ليضربن أعناقهم، فأكلوه ضرورة. وبلغ الخبر ~~إلى أخيه غياث الدين فكتب إليه يلومه على عجلته وإقدامه وانفذ إليه جيشا عظيما. ### || AUT ذكر ظفر المسلمين بالهند # لما سلم شهاب الدين وعاد إلى آجرة، وأتاه المدد من أخيه غياث الدين، عاد ~~الهنود فجددوا سلاحهم، ووفروا جمعهم، وأقاموا عوض من قتل منهم، وسارت ~~ملكتهم وهم معها في عدد يضيق عنه الفضاء، فراسلها شهاب الدين يخدعها بأنه ~~يتزوجها، فلم تجبه إلى ذلك، وقالت: إما الحرب وإما أن تسلم بلاد الهند ~~وتعود إلى غزنة؛ فأجابها إلى العود إلى غزنة، وأنه يستأذن أخاه غياث الدين ~~فعل ذلك مكرا وخديعة. وكان بين العسكرين نهر، وقد حفظ الهنود المخاضات، فلا ~~يقدر أحد من المسلمين أن يجوزه، وأقاموا ينتظرون ما يكون من جواب غياث ~~الدين بزعمهم، فبينما هم كذلك إذ وصل إنسان هندي إلى شهاب الدين وأعلمه ~~بأنه يعرف مخاضا قريبا من عسكر الهنود، وطلب أن يحضر جيشا يعبرهم المخاض، ~~ويكسبون الهنود وهم غارون غافلون، فخاف شهاب الدين أن تكون خديعة ومكرا، ~~فأقام له ضمناء من أهل آجرة والمولتان، فأرسل معه جيشا كثيفا ، وجعل عليهم ~~الأمير الحسين بن خرميل الغوري، وهو الذي صار بعد صاحب هراة، وكان من ~~الشجاعة والرأي بالمنزلة المشهورة. فسار الجيش مع الهندي، فعبروا النهر، ~~فلم يشعر الهنود إلا وقد خالطهم المسلمون ووضعوا السيف فيهم، فاشتغل ~~الموكلون بحفظ المخاضات، فعبر شهاب الدين وباقي العساكر، وأحاطوا بالهنود، ~~وأكثروا القتل فيهم، ونادوا بشعار الإسلام، فلم ينج من الهنود إلا من عجز ~~المسلمون عن قتله وأسره، وقتلت ملكتهم، وتمكن شهاب الدين بعد هذه الوقعة من ~~بلاد الهند، وأمن معرة فسادهم، والتزموا له بالأموال وسلموا الرهائن ~~وصالحوه، وأقطع مملوكه قطب الدين أيبك مدينة دهلي، وهي كرسي الممالك التي ~~فتحها من الهند، فأرسل عسكرا من الخلج مع محمد بن بختيار، فملكوا من بلاد ~~الهند مواضع ما وصل إليها مسلم قبله، حتى قاربوا حدود الصين من جهة المشرق. ~~وقد حدثني صديق لي من التجار بوقعتين تشبهان هاتين الوقعتين ms3992 المذكورتين ~~وبينهما بعض الخلاف، وقد ذكرناهما سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي يعقوب الكاتب ببغداد، وكان يسكن بالمدرسة النظامية، ~~وحضر متولي المتروكات وختم على الغرفة التي كان يسكنها بالمدرسة، فثار ~~الفقهاء وضربوا المتولي وأخذوا التركة، وهذه عادتهم فيمن يموت بها وليس له ~~وارث، فقبض حاجب الباب على رجلين من الفقهاء وعاقبهما، وحبسهما، فأغلق ~~الفقهاء المدرسة، وألقوا كرسي الوعاظ في الطريق، وصعدوا سطح المدرسة ليلا، ~~واستغاثوا وتركوا الأدب. وكان حينئذ مدرسهم الشيخ أبا النجيب، فجاء وألقى ~~نفسه تحت التاج يعتذر، فعفي عنه. وفيها توفي حام الدين تمرتاش صاحب ماردين ~~وميافارقين، وكانت ولايته نيفا وثلاثين سنة، وتولى بعده ابنه نجم الدين ~~البي. وفيها مات أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف الأرموي الشافعي المحدث، ~~ومولده سنة تسع وخمسين وأربعمائة. وفيها توفي أبو الأسعد عبد الرحمن ~~القشيري في شوال، وهو شيخ شيوخ خراسان. وفيها، في المحرم باض ديك ببغداد بيضة. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر انهزام سنجر من الغز # ### || AUT ونهبهم خراسان وما كان منهم # PageV05P0051 # في هذه السنة، في المحرم، انهزم السلطان سنجر من الأتراك الغز، وهم طائفة ~~من الترك مسلمون، كانوا بما وراء النهر، فلما ملك الخطا أخرجوهم منه، كما ~~ذكرنا، فقصدوا خراسان وكانوا خلقا كثيرا، فأقاموا بنواحي بلخ يرعون في ~~مراعيها، وكان لهم أمراء اسم أحدهم دينار، والآخر بختيار، والآخر طوطى، ~~والآخر جغر، والآخر محمود، فأراد الأمير قماج وهو مقطع بلخ، إبعادهم، ~~فصانعوه بشيء بذلوه له، فعاد عنهم، فأقاموا على حالة حسنة لا يؤذون أحدا، ~~ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة. ثم إن قماج عاودهم وأمرهم بالانتقال عن ~~بلده، فامتنعوا، وانضم بعضهم إلى بعض، واجتمع معهم غيرهم من طوائف الترك، ~~فسار قماج إليهم في عشرة آلاف فارس، فجاء إليه العسكر الخراساني بقربهم ~~منهم أجفلوا من بين يديه هاربين لما دخل قلوبهم من خوفهم والرعب منهم؛ فلما ~~فارقها السلطان والعسكر دخلها الغز ونهبوها أفحش نهب وأقبحه، وذلك في جمادى ~~الأولى من السنة، وقتل بها ms3993 كثير من أهلها وأعيانها، منهم قاضي القضاة الحسن ~~بن محمد الأرسابندي، والقاضي علي بن مسعود وغيرهما من الأئمة والعلماء. ~~ولما خرج سنجر من مرو قصد اندرابة وأخذه الغز أسيرا، وأجلسوه على تخت ~~السلطنة على عادته، وقاموا بين يديه، وبذلوا له الطاعة، ثم عاودوا الغارة ~~على مرو في رجب من السنة، فمنعهم أهلها،وقاتلوهم قتالا بذلوا فيه جهدهم ~~وطاقتهم، ثم إنهم عجزوا، فاستسلموا إليهم، فنهبوها أقبح من النهب الأول ولم ~~يتركوا بها شيئا. وكان قد فارق سنجر جميع أمراء خراسان ووزيره طاهر بن فخر ~~الملك ابن نظام الملك، ولم يبق عنده غير نفر يسير من خواصه وخدمه؛ فلما ~~وصلوا إلى نيسابور أحضروا الملك سليمان شاه ابن السلطان محمد، فوصل إلى ~~نيسابور تاسع عشر من جمادى الآخرة من السنة، فاجتمعوا عليه، وخطبوا له ~~بالسلطنة، وسار في هذا الشهر جماعة من العسكر السلطاني إلى طائفة كثيرة من ~~الغز ، فأوقعوا بهم، وقتلوا منهم كثيرا، وانهزم الباقون إلى أمرائهم الغزية ~~فاجتمعوا معهم. ولما اجتمعت العساكر على الملك سليمان شاه ساروا إلى مرو ~~يطلبون الغز، فبرز الغز إليهم، فساعة رآهم العسكر الخراساني انهزموا وولوا ~~على أدبارهم، وقصدوا نيسابور، وتبعهم الغز، فمروا بطوس، وهي معدن العلماء ~~والزهاد فنهبوها، وسبوا نسائها، وقتلوا رجالها، وخربوا مساجدها ومساكن ~~أهلها، ولم يسلم من جميع ولاية طوس إلا البلد الذي فيه مشهد علي بن موسى ~~الرضي، ومواضع أخر لها اسوار. وممن قتل من أعيان أهلها محمد المارشكي، ~~ونقيب العلويين بها علي الموسوي، وخطيبها إسماعيل بن المحسن، وشيخ شيوخها ~~محمد بن محمد، وأفنوا من بها من الشيوخ الصالحين، وساروا منها إلى نيسابور، ~~فوصلوا إليها في شوال سنة تسع وأربعين، ولم يجدوا دونها مانعا ولا مدافعا، ~~فنهبوها نهبا ذريعا ، وقتلوا أهلها، فأكثروا حتى ظنوا انهم لم يبقوا بها ~~أحدا، حتى إنه أحصي في محلتين خمسة عشر ألف قتيل من الرجال دون النساء ~~والصبيان، وسبوا نسائها وأطفالها، وأخذوا أموالهم، وبقي القتلى في الدروب ~~كالتلال بعضهم فوق بعض، واجتمع أكثر أهلها بالجامع المنيعي وتحصنوا به، ~~فحصرهم الغز ms3994 فعجز أهل نيسابور عن منعهم، فدخل الغز إليهم فقتلوهم عن آخرهم، ~~وكانوا يطلبون من الرجل المال، فإذا أعطاهم الرجل ماله قتلوه، وقتلوا كثيرا ~~من أئمة العلماء والصالحين، منهم محمد بن يحيى الفقيه الشافعي الذي لم يكن ~~في زمانه مثله، كان رحلة الناس من أقصى الغرب والشرق إليه، ورثاه جماعة من ~~العلماء، منهم أبو الحسن علي بن أبي القاسم البيهقي فقال: ياسافكا دم عالم ~~متبحر ... قد طار أقصى في الممالك صيته بالله قل يا ظلوم ولا تخف ... من ~~كان يحيي الدين كيف تميته PageV05P0052 # ومنهم الزاهد عبد الرحمن بن عبد الصمد الأكاف، وأحمد بن الحسين الكاتب ~~سبط القشيري، وأبو البركات الفراوي، والإمام علي الصباغ المتكلم، وأحمد بن ~~محمد بن حامد، وعبد الهاب الملقاباذي، والقاضي صاعد بن عبد الملك بن صاعد، ~~والحسن بن عبد الحميد الرازي وخلق كثير من الأئمة والزهاد والصالحين، ~~واحرقوا ما بها من خزائن الكتب ولم يسلم إلا بعضها.وحصروا شارستان، وهي ~~منيعة، فأحاطوا بها، وقاتلهم أهلها من فوق سورها، وقصدوا جوين فنهبوها، ~~وقاتلهم أهل بحراباذ من أعمال جوين، وبذلوا نفوسهم لله تعالى، وحموا بيضتهم ~~والباقي أتى النهب والقتل عليه؛ ثم قصدوا أسفرايين فنهبوها وخربوها، وقتلوا ~~في أهلها فأكثروا. وممن قتل عبد الرشيد الأشعثي، وكان من أعيان دولة ~~السلطان، فتركها وأتى على الاشتغال بالعلم وطلب الآخرة؛ وأبو الحسن ~~الفندروجي، وكان من ذوي الفضائل لا سيما في علم الأدب. ولما فرغ الغز من ~~جوين وأسفرايين عاودوا نيسابور، فنهبوا ما بقي فيها بعد النهب الأول، وكان ~~قد لحق بشهرستان كثير من أهلها، فحصرهم الغز واستولوا عليها، ونهبوا ما كان ~~فيها لأهلها ولأهل نيسابور، ونهبوا الحرم والأطفال، وفعلوا ما لم يفعله ~~الكفار مع المسلمين، وكان العيارون أيضا ينهبون نيسابور أشد من نهب الغز ~~ويفعلون أقبح من فعلهم. ثم إن أمر الملك سليمان شاه ضعف، وكان قبيح السيرة ~~سيء التدبير، وإن وزيره طاهر بن فخر الملك بن نظام الملك توفي في شوال سنة ~~ثمان وأربعين فضعف أمره، واستوزر سليمان شاه بعده ابنه نظم الملك أبا ms3995 علي ~~الحسن بن طاهر وانحل أمر دولته بالكلية، ففارق خراسان في صفر سنة تسع ~~وأربعين وعاد إلى جرجان، فاجتمع الأمراء وراسلوا الخان محمود بن محمد بن ~~بغراخان، وهو ابن أخت السلطان سنجر ، وخطبوا له على منابر خراسان، واستدعوه ~~إليهم، فملكوه أمورهم، وانقادوا له في شوال سنة تسع وأربعين وخمسمائة، ~~وساروا معه إلى الغز وهم يحاصرون هراة، وجرت بينهم حروب كان الظفر في ~~أكثرها للغز، ورحلوا في جمادى الأولى من سنة خمسين وخمسمائة من على هراة ~~إلى مرو وعاودوا المصادرة لأهلها. وسار خاقان محمود بن محمد إلى نيسابور ~~وقد غلب عليها المؤيد، على ما نذكره، وراسل الغز في الصلح، فاصطلحوا في رجب ~~من سنة خمسين وخمسمائة، هدنة على دخن، وسيرد باقي أخبارهم سنة اثنتين وخمسين. ### || AUT ذكر ملك المؤيد نيسابور وغيرها # كان للسلطان سنجر مملوك اسمه أي أبه، ولقبه المؤيد ، فلما كانت هذه ~~الفتنة تقدم، وعلا شأنه، وأطاعه كثير من الأمراء، واستولى على نييسابور ~~وطوس ونسا وأبيورد وشهرستان والدامغان، وأزاح الغز عن الجميع، وقتل منهم ~~خلقا كثيرا، وأحسن السيرة ، وعدل في الرعية، واستمال الناس، ووفر الخراج ~~على أهله، وبالغ في مراعاة أرباب البيوت، فاستقرت البلاد له، ودانت له ~~الرعية لحسن سيرته، وعظم شأنه وكثرت جموعه، فراسله خاقان محمود بن محمد في ~~تسليم البلاد والحضور عنده، فامتنع، وترددت الرسل بينهم، حتى استقر على ~~المؤيد مال يحمله إلى الملك محمود، فكف عنه محمود، وأقام المؤيد بالبلاد هو ~~والملك محمود ### || AUT ذكر ملك إينانج الري # كان إينانج أحد مماليك السلطان سنجر، فلما كان من فتنة الغز، ما ذكرناه ~~هرب من خراسان، ووصل إلى الري، فاستولى عليها وأقام بها، فأرسل إلى السلطان ~~محمد شاه بن محمود صاحب همذان، وأصفهان، وغيرهما، خدمه وهداه هدايا فأرضاه ~~بها، وأظهر له الطاعة، وبقي بها إلى أن مات الملك محمود، فاستولى عليها ~~وعلى عدة بلاد تجاور الري، فملكها، فعظم أمره وعلا شأنه وصارت عساكره عشرة ~~آلاف فارس. فلما ملك سليمان شاه همذان، على ما نذكره، حضر عنده ، وأطاعه ~~لأنسه به. ms3996 كان أيام مقام سليمان شاه بخراسان، فتقوى أمره بذلك. ### || AUT ذكر قتل ابن السلار وزير الظافر # ### || AUT ووزارة عباس # في هذه السنة، وفي المحرم، قتل العادل بن السلار وزير الظافر بالله، ~~قتله ربيبه عباس بن أبي الفتوح بن يحيى الصنهاجي، وأشار عليه بذلك الأمير ~~أسامة بن منقذ، ووافق عليه الخليفة الظافر بالله، فأمر ولده نصرا، فدخل على ~~العادل وهو عند جدته أم عباس، فقتله وولي الوزارة بعده ربيبه عباس. ~~PageV05P0053 # وكان عباس قد قدم من المغرب، كما ذكرناه، إلى مصر، وتعلم الخياطة، وكان ~~خياطا حسنا، فلما تزوج ابن السلار بأمه أحبه، وأحسن تربيته، فجازاه بأن ~~قتله وولي بعده. وكانت الوزارة في مصر لمن غلب، والخلفاء من وراء الحجاب، ~~والوزراء كالمتملكين، وقل أن وليها أحد بعد الأفضل إلا بحرب وقتل وشاكل ~~ذلك، فلذلك ذكرناهم في تراجم مفردة، والله أعلم. ### || AUT ذكر الحرب بين العرب وعساكر عبد المؤمن # في هذه السنة، في صفر، كانت الحرب بين عسكر عبد المؤمن والعرب عند مدينة ~~سطيف. وسبب ذلك أن العرب، وهم بنو هلال والأبتح وعدي ورياح وزغب، وغيرهم من ~~العرب، لما ملك عبد المؤمن بلاد حماد اجتمعوا من أرض طرابلس إلى أقصى ~~المغرب، وقالوا: إن جاورنا عبد المؤمن أجلانا من المغرب، وليس الرأي إلا ~~إلقاء الجد معه، وإخراجه من البلاد قبل أن يتمكن. وتحالفوا على التعاون ~~والتضافر، وأن لا يخون بعضهم بعضا، وعزموا على لقائه بالرجال والأهل والمال ~~ليقاتلوا قتال الحريم. واتصل الخبر بالملك رجار الفرنجي، صاحب صقلية، فأرسل ~~إلى أمراء العرب، وهم محرز بن زياد، وجبارة بن كامل، وحسن بن ثعلب، وعيسى ~~ابن حسن وغيرهم، يحثهم على لقاء عبد المؤمن ويعرض عليهم أن يرسل إليهم خمسة ~~آلف فارس من الفرنج يقاتلون معهم على شرط أن يرسلوا إليه الرهائن؛ فشكروه ~~وقالوا: ما بنا حاجة إلى نجدته ولا نستعين بغير المسلمين. وساروا في عدد لا ~~يحصى، وكان عبد المؤمن قد رحل من بجاية إلى بلاد المغرب، فلما بلغه خبرهم ~~جهز جيشا من الموحدين يزيد على ثلاثين ألف ms3997 فارس، واستعمل عليهم عبد الله بن ~~عمر الهنتاني، وسعد الله بن يحيى، وكان العرب أضعافهم، فاستجرهم الموحدون ~~وتبعهم العرب إلى أن وصلوا إلى أرض سطيف، بين جبال، فحمل عليهم جيش عبد ~~المؤمن فجاءه والعرب على غير أهبة، والتقى الجمعان، واقتتلوا أشد قتال ~~وأعظمه، فانجلت المعركة عن انهزام العرب ونصرة الموحدين. وترك العرب جميع ~~ما لهم من أهل ومال وأثاث ونعم، فأخذ الموحدون جميع ذلك، وعاد الجيش إلى ~~عبد المؤمن بجميعه، فقسم جميع الأموال على عسكره، وترك النساء والأولاد تحت ~~الاحتياط، وكل بهم من الخدم الخصيان من يخدمهم ويقوم بحوائجهم، وأمر ~~بصيانتهم، فلما وصلوا معه إلى مراكش أنزلهم في المساكن الفسيحة، وأجرى لهم ~~النفقات الواسعة، وأمر عبد المؤمن ابنه محمدا أن يكاتب أمراء العرب ويعلمهم ~~أن نسائهم تحت الحفظ والصيانة، وأمرهم أن يحضروا ليسلم إليهم أبوه ذلك ~~جميعه، وأنه قد بذل لهم الأمان والكرامة. فلما وصل كتاب محمد إلى العرب ~~سارعوا إلى المسير إلى مراكش، فلما وصلوا إليها أعطاهم عبد المؤمن نسائهم ~~وأولادهم وأحسن إليهم وأعطاهم أموالا جزيلة، فاسترق قلوبهم بذلك، وأقاموا ~~عنده، وكان بهم حفيا، واستعان بهم على ولاية أبنه محمد للعهد، على ما نذكره ~~سنة إحدى وخمسين. ### || AUT ذكر ملك الفرنج مدينة بونة وموت رجار وملك ابنه غليالم # في هذه السنة سار أسطول رجار ملك الفرنج بصقلية إلى مدينة بونة، وكان ~~المقدم عليهم فتاه فيلب المهدوي فحصرها واستعان بالعرب عليها، فأخذها في ~~رجب، وسبى أهلها، وملك ما فيها، غير أنه أغضى عن جماعة من العلماء ~~والصالحين، حتى خرجوا بأهليهم وأموالهم إلى القرى، فأقام بها عشرة أيام، ~~وعاد إلى المهدية وبعض الأسرى معه، وعاد إلى صقلية فقبض رجار عليه لما ~~اعتمده من الرفق بالمسلمين في بونة. وكان فيلب، يقال أنه وجميع فتيانه ~~مسلمون، يكتمونه ذلك، وشهدوا عليه أنه لا يصوم مع الملك، وأنه مسلم، فجمع ~~رجار الأساقفة والقسوس والفرسان، فحكموا بأن يحرق، فأحرق في رمضان، وهذا ~~أول وهن دخل على المسلمين بصقلية. ولم يمهل الله رجار بعده إلا يسيرا حتى ms3998 ~~مات في العشر الأول من ذي الحجة من السنة، وكان مرضه الخوانيق، وكان عمره ~~قريب ثمانين سنة، وكان ملكه نحو ستين سنة؛ ولما مات ملك بعده ابنه غليالم، ~~وكان فاسد التدبير سيء التصوير، فاستوزر مايو البرصاني، فأساء التدبير، ~~فاختلفت عليه حصون من جزيرة صقلية، وبلاد فلورية، وتعدى الأمر إلى إفريقية ~~على ما نذكره. ### || AUT ذكر وفاة بهرام شاه صاحب غزنة # PageV05P0054 # في هذه السنة، في رجب ، توفي السلطان بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم أبن ~~مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة بها ، وقام بل ملك بعده ولد نظام ~~الدين خسرو شاه ، وكانت ولاية بهرام شاه ستا وثلاثين سنة ، وكان عادلا، حسن ~~السيرة ، جميل الطريقة، محبا للعلماء، مكرما لهم، باذلا لهم الأموال ~~الكثيرة ، جامعا للكتب تقرأ بين يديه، ويفهم مضمونها؛ ولما مات ملك ولده خسروشاه. ### || AUT ذكر ملك الفرنج مدينة عسقلان # في هذه السنة ملك الفرنج بالشام مدينة عسقلان، وكانت من جملة مملكة ~~الظافر بالله العلوي المصري، وكان الفرنج كل سنة يقصدونها ويحصرونها، فلا ~~يجدون إلى ملكها سبيلا، وكان الوزراء بمصر لهم الحكم في البلاد،والخلفاء ~~معهم اسم لا معنى تحته، وكان الوزراء كل سنة يرسلون إليها الذخائر والأسلحة ~~والأموال والرجال من يقوم بحفظها، فلما كان في هذه السنة قتل ابن السلار ~~الوزير، على ما ذكرناه، واختلفت الأهواء في مصر، وولي عباس الوزارة، إلى أن ~~استقرت قاعدة، اغتنم الفرنج اشتغالهم عن عسقلان، فاجتمعوا وحصروها، فصبر ~~أهلها، وقاتلوهم قتالا شديدا، حتى إنهم بعض الأيام قاتلوا خارج السور، ~~وردوا الفرنج إلى خيامهم مقهورين، وتبعهم أهل البلد إليها فأيس حينئذ ~~الفرنج من ملكه. فبينما هم على عزم الرحيل إذ أتاهم الخبر ان الخلف قد وقع ~~بين أهله، وقتل بينهم قتلى، فصبروا؛ وكان سبب هذا الاختلاف أنهم لما عادوا ~~عن قتال الفرنج قاهرين منصورين، أدعت كل طائفة منهم أن النصرة من جهتهم ~~كانت، وأنهم هم الذين ردوا الفرنج خاسرين، فعظم الخصام بينهم إلى أن قتل من ~~إحدى الطائفتين قتيل، واشتد الخطب حينئذ، وتفاقم الشر، ووقعت الحرب ms3999 بينهم، ~~فقتل بينهم قتلى، فطمع الفرنج، وزحفوا إليه وقاتلوهم عليه، فلم يجدوا من ~~يمنعهم فملكوه. ### || AUT ذكر حصر عسكر الخليفة تكريت وعودهم عنها # في هذه السنة سير الخليفة المقتفي لأمر الله عسكرا إلى تكريت ليحصروها، ~~وأرسل معهم مقدما عليهم أبا البدر ابن الوزير عون الدين بن هبيرة وترشك، ~~وهو من خواص الخليفة،وغيرهما ، فجرى بين أبي البدر وترشك منافرة أوجبت أن ~~كتب ابن الوزير يشكو من ترشك ، فأمر الخليفة بالقبض على ترشك ، فعرف ذلك ، ~~فأرسل إلى مسعود بلال ، صاحب تكريت ، وصالحه وقبض على ابن الوزير ومن معه ~~من المتقدمين ، وسلمهم إلى مسعود بلال فانهزم العسكر وغرق منه كثير وسار ~~مسعود بلال وترشك من تكريت إلى طريق خراسان فنهبا وأفسدا ، فسار المقتفي عن ~~بغداد لدفعهما، فهربا من بين يديه، فقصد تكريت، فحصرها أياما وجرى له مع ~~أهلها حروب من وراء السور، فقتل من العسكر جماعة بالنشاب، فعاد الخليفة ~~عنها، ولم يملكها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وصلت مراكب من صقلية، فيها جمع من الفرنج، فنهبوا مدينة ~~تنيس بالديار المصرية. وفيها كان بين الكرج بأرمينية وبين صليق، صاحب أرزن ~~الروم، مصاف وحرب شديدة، وانهزم صليق وأسره الكرخ ثم أطلقوه. وفيها توفي ~~أبو العباس أحمد بن أبي غالب الوراق المعروف بابن الطلاية الزاهد البغدادي ~~بها، وكان من الصاحين، وله حديث ورواية. وتوفي عبد الملك بن عبد الله بن ~~أبي سهل أبو الفتح بن أبي القاسم الكروخي الهروي، راوي جامع الترمذي، ~~ومولده سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وتفي ببغداد في ذي الحجة. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وأربعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر قتل الظافر وخلافة ابنه الفائز # في هذه السنة، في المحرم، قتل الظاهر بالله أبو إسماعيل بن الحافظ لدين ~~الله عبد المجيد العلوي، صاحب مصر. PageV05P0055 # وكان سبب قتله أن وزيره عباسا كان له ولد اسمه نصر، فأحبه الظافر، وجعله ~~من ندمائه واحبابه الذين لا يقدر على فراقهم ساعة واحدة، فاتفق أن قدم من ~~الشام مؤيد الدولة الأمير أسامة بن منقذ الكناني في وزارة ابن ms4000 السلار، ~~واتصل بعباس، فحسن له قتل العادل بن السلار زوج أمه، فقتله، وولاه الظافر ~~الوزارة، فاستبد بالأمر، وتم له ذلك.وعلم الأمراء والأجناد أن ذلك من فعل ~~أبن منقذ، فعزموا على قتله، فخلا بعباس وقال له: كيف تصبر على ما أسمع من ~~قبيح القول؟ قال: وما ذلك؟ قال: الناس يزعمون أن الظافر يفعل بابنك نصر؛ ~~وكان نصر خصيصا بالظافر، وكان ملازما له ليله ونهاره، وكان من أجمل الناس ~~صورة، وكان الظافر يتهم به، فانزعج لذلك وعظم عليه، وقال: كيف الحيلة؟ قال: ~~تقتله فيذهب عنك العار؛ فذكر الحال لولده نصر، فاتفقا على قتله . وقيل أن ~~الظافر أقطع نصر بن عباس قرية قليوب، وهي من أعظم قرى مصر، فدخل إليه مؤيد ~~الدولة بن منقذ، وهو عند أبيه عباس. قال له نصر: قد أقطعني مولانا قرية ~~قليوب. فقال له مؤيد الدولة: ما هي في مهرك بكثير؛ فعظم عليه وعلى أبيه، ~~وأنف من هذه الحال، وشرع في قتل الظافر بأمر أبيه، فحضر نصر عند الظافر ~~وقال له: أشتهي أن تجيء إلى داري لدعوة صنعتها، ولا تكثر من الجمع؛ فمشى ~~معه في نفر يسير من الخدم ليلا، فلما دخل الدار قتله وقتل من معه، وأفلت ~~خادم صغير اختبأ فلم يروه، ودفن القتلى في داره. وأخبر أخاه عباسا الخبر، ~~فبكر إلى القصر، وطلب إلى الخدم الخصيصين بخدمة الظافر أن يطلبوا له إذنا ~~في الدخول عليه لأمر يريد أن يأخذ رأيه فيه. فقالوا: إنه ليس في القصر. ~~فقال: لا بد منه. وكان غرضه أن يفني التهمة عنه بقتله، وأن يقتل من بالقصر ~~ممن يخاف أن ينازعه فيمن يقيمه في الخلافة؛ فلما ألح عليهم عجزوا عن ~~إحضاره. فبينما هم يطلبونه حائرين دهشين لا يدرون ما الخبر إذ وصل إليهم ~~الخادم الصغير الذي شاهد قتله، وقد هرب من دار عباس عند غفلتهم عنه، ~~وأخبرهم بقتل الظافر، فخرجوا إلى عباس، وقالوا له: سل ولدك عنه فإنه يعرف ~~أين هو لأنهما خرجا جميعا. فلما سمع ذلك منهم قال: أريد أن أعتبر القصر ms4001 ~~لئلا يكون قد اغتاله أحد من أهله؛ فاستعرض القصر، فقتل أخوين للظافر، وهما ~~يوسف وجبريل، وأجلس الفائز بنصر الله أبا القاسم عيسى ابن الظافر بأمر ~~إسماعيل ثاني يوم قتل أبوه، وله من العمر خمس سنين، فحمله عباس على كتفه ~~وأجلسه على سرير الملك وبايع له الناس، وأخذ عباس من القصر من الأموال ~~والجواهر والأعلاق النفيسة ما أراد، ولم يترك فيه إلا ما لا خير فيه. ### || AUT ذكر وزارة الصالح طلائع بن رزيك # كان السبب في وزارة الصالح طلائع بن رزيك أن عباسا، لما قتل الظافر ~~وأقام الفائز، ظن أن الأمر لم يتم له على ما يريده، فكان الحال خلاف ما ~~أعتقده، فإن الكلمة اختلفت عليه، وثار به الجند والسودان، وصار إذا أمر ~~بالأمر لا يلتفت إليه ولا يسمع قوله، فأرسل من بالقصر من النساء والخدم إلى ~~الصالح طلائع بن رزيك يستغيثون به، وأرسلوا شعورهم طي الكتب؛ وكان في منية ~~بني خصيب واليا عليها وعلى أعمالها، وليست من الأعمال الجليلة، وإنما كانت ~~أقرب الأعمال إليهم،وكان فيه شهامة، فجمع ليقصد عباسا، وسار إليه، فلما سمع ~~عباس ذلك خرج من مصر نحو الشام بما معه من الأموال التي لا تحصى كثرة، ~~والتحف والأشياء التي لا توجد إلا هناك مما كان أخذه من القصر. فلما سار ~~وقع به الفرنج فقتلوه وأخذوا جميع ما معه فتقووا به. وسار الصالح فدخل ~~القاهرة بأعلام سود وثياب سود حزنا على الظافر، والشعور التي أرسلت إليه من ~~القصر على رؤوس الرماح، وكان هذا من الفأل العجيب، فإن الأعلام السود ~~العباسية دخلتها وأزالت الأعلام العلوية بعد خمس عشر سنة. ولما دخل الصالح ~~القاهرة خلع عليه خلع الوزارة، واستقر في الأمر وأحضر الخادم الذي شاهد قتل ~~الظافر، فأراه موضع دفنه، فأخرجه ونقله إلى مقابرهم في القصر. ولما قتل ~~الفرنج عباسا أسروا ابنه، فأرسل الصالح إلى الفرنج وبذل لهم مالا وأخذه ~~منهم، فسار من الشام مع أصحاب الصالح، فلم يكلم أحدا منهم كلمة إلى أن رأى ~~القاهرة فأنشد: بلى نحن كنا أهلها ms4002 فأبادنا ... صروف الليالي والجدود ~~العواثر PageV05P0056 # وادخل القصر، فكان أخر العهد به، فإنه قتل، وصلب على باب زويلة، واستقصى ~~الصالح بيوت الكبار والأعيان بالديار المصرية فأهلك أهلها وأبعدهم عن ~~ديارهم، وأخذ أموالهم، فمنهم من هلك ومنهم من تفرق في بلاد الحجاز واليمن ~~وغيرهما؛ فعل ذلك خوفا من أن يثوروا عليه وينازعوه في الوزارة؛ وكان ابن ~~منقذ قد هرب مع عباس، فلما قتل هرب إلى الشام. ### || AUT ذكر حصر تكريت ووقعة بكمزا # في هذه السنة أرسل الخليفة المقتفي لأمر الله رسولا إلى والي تكريت، ~~بسبب من عندهم من المأسورين، وهم ابن الوزير وغيره، فقبضوا على الرسول، ~~فسير الخليفة عسكرا إليهم، فخرج أهل تكريت، فقاتلوا العسكر ومنعوه من ~~الدخول إلى البلد؛ فسار الخليفة بنفسه مستهل صفر فنزل على البلد، فهرب ~~أهله، فدخل العسكر فشعثوا ونهبوا بعضه، ونصب على القلعة ثلاث عشر منجنيقا، ~~فسقط من أسوارها برج وبقي الحصر كذلك إلى الخامس والعشرين من ربيع الأول. ~~وأمر الخليفة بالقتال والزحف، فاشتد القتال، وكثر القتلى، ولم يبلغ منها ~~غرضا فرحل عائدا إلى بغداد، فدخلها أخر الشهر، ثم أمر الوزير عون الدين بن ~~هبيرة بالعود إلى محاصرتها، والاستعداد، والاستكثار من الآلات للحصار، فسار ~~إليها سادس ربيع الآخر، ونازلها وضيق عليها، فوصل الخبر بأن مسعود بلال وصل ~~إلى شهربان ومعه البقش كون خر وترشك في عسكر كثير ونهبوا البلاد، فعاد ~~الوزير إلى بغداد. وكان سبب وصول هذا العسكر أنهم حثوا الملك محمدا ابن ~~السلطان محمود على قصد العراق، فلم يتهيأ له ذلك، فسير هذا العسكر، وانضاف ~~إليهم خلق كثير من التركمان ، فخرج الخليفة إليهم، فأرسل مسعود بلال إلى ~~تكريت، وأخرج منها الملك أرسلان بن السلطان طغرل بن محمد، وكان محبوسا ~~بتكريت، وقال: هذا السلطان نقاتل بين يديه إزاء الخليفة. والتقى العسكران ~~عند بكمزا بالقرب من بعقوبا، ودام بينهم المناوشة والمحاربة ثمانية عشر ~~يومان ثم إنهم التقوا أخر رجب فاقتتلوا، فانهزمت ميمنة عسكر الخليفة وبعض ~~القلب، حتى بلغت الهزيمة بغداد، ونهبت خزائنه، وقتل خازنه، فحمل الخليفة ~~بنفسه هو ms4003 وولي عهده وصاح: يا آل هاشم ! كذب الشيطان؛ وقرأ: (ورد الله الذين ~~كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا)؛ وحمل باقي العسكر معه فانهزم مسعود والبقش ~~وجميع من معهم، وتمت الهزيمة، وظفر الخليفة بهم، وغنم عسكره جميع مال ~~التركمان من دواب وغنم وغير ذلك، فبيع كل كبش بدانق؛ وكانوا قد حضروا ~~بنسائهم وأولادهم وخركاتهم وجميع ما لهم، فأخذ جميعه، ونودي: من أخذ من مال ~~التركمان شيئا فليرده؛ فردوه، فأخذ البقش كون خر الملك أرسلان، وانهزم إلى ~~البلد اللحف وقلعة الماهكي. وفي هذه الحرب غدر بنو عوف من عسكر الخليفة، ~~ولحقوا بالعجم، ومضى هندي الكردي أيضا معهم. وكان الملك محمد قد أرسل عسكرا ~~مع خاص بك بن آقسنقر نجدة لكون خر، فلما وصلوا إلى الراذان بلغهم خبر ~~الهزيمة فعادوا، ورجع الخليفة إلى بغداد فدخلها أوائل شعبان، فوصله الخبر ~~أن مسعود بلال وترشك قصدا مدينة واسط فنهبا وخربا، فسير الخليفة الوزير بن ~~هبيرة في عسكر خامس عشر شعبان، فانهزم العجم، فلقيهم عسكر الخليفة ونب نهم ~~شيئا كثيرا، وعادوا إلى بغداد، فلقب الوزير سلطان العراق ملك الجيوش. وسير ~~الخليفة عسكرأ إلى بلد اللحف فأخذه وصار في جملته، وأما الملك ألب أرسلان ~~بن طغرل فإن البقش أخذه معه إلى بلده، فأرسل إليه الملك محمد يقول له ليحضر ~~عنده وأرسلان معه، فمات البقش كون خر في رمضان في هذه السنة، وبقي أرسلان ~~مع ابن البقش وحسن الجاندار، فحملاه إلى الجبل، فخاف الملك محمد أن يصل ~~أرسلان إلى زوج أمه فصار معه، وهو أخو البهلوان بن إيلدكز لأمه، وطغرل الذي ~~قتله خوارزمشاه ولد أرسلان هذا، وكان طغرل آخر السلجوقية. ### || AUT ذكرملك نور الدين محمود مدينة دمشق # في هذه السنة، في صفر ، نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر مدينة دمشق، ~~وأخذها من صاحبها مجير الدينأبق بن محمد بن بوري بن طغدكين أتابك. ~~PageV05P0057 # وكان سبب جده في ملكها أن الفرنج لما ملكوا في العام الماضي مدينة عسقلان ~~لم يكن انور الدين طريق إلى أزعاجهم عنها لاعتراض دمشق بينه وبين ms4004 عسقلان، ~~فلما ملك الفرنج عسقلان طمعوا في دمشق، حتى أنهم استعرضوا كل من بها من ~~مملوك وجارية من النصارى، فمن أراد المقام بها تركوه، ومن أراد العود إلى ~~وطنه أخذوه قهرا شاء صاحبه أم أبى. وكان لهم على أهلها كل سنة قطيعة ~~يأخذونها منهم، فكان رسلهم يدخلون البلد ويأخذونها منهم، فلما رأى نور ~~الدين ذلك خاف أن يملكها الفرنج فلا يبقى حينئذ بالشام مقام، فأعمل الحيلة ~~في أخذها حيث علم أنها لا تملك قوة، لأن صاحبها متى رأى غلبه راسل الفرنج ~~واستعان بهم فأعانوه لئلا يملكها من يقوى على قتالهم؛ فراسل مجير الدين ~~صاحبها واستماله، وواصله بالهدايا، وأظهر له المودة حتى وثق به فكان نور ~~الدين يقول له في بعض الأوقات: إن فلانا قد كاتبني في تسليم دمشق؛ يعني بعض ~~أمراء مجير الدين؛ فكان يبعد الذي قيل عنه ويأخذ أقطاعه، فلما لم يبق عنده ~~من الأمراء أحد قدم أميرا يقال له عطا بن حفاظ السلمي الخادم، وكان شهما ~~شجاعا، وفوض إليه أمر دولته، فكان نور الدين لا يتمكن معه من أخذ دمشق، ~~فقبض عليه مجير الدين وقتله، فسار نور الدين حينئذ إلى دمشق، وكان قد كاتب ~~من بها من الأحداث واستمالهم، فوعدوه بالتسليم إليه، فلما حصر نور الدين ~~البلد أرسل مجير الدين إلى الفرنج يبذل لهم الأموال وتسليم قلعة بعلبك ~~إليهم لينجدوه وليرحلوا نور الدين عنه، فشرعوا في جمع فارسهم وراجلهم ~~ليرحلوا نور الدين عن البلد، فإلى أن اجتمع لهم ما يريدون تسلم نور الدين ~~البلد، فعادوا بخفي حنين. وأما كيفية تسليم دمشق فإنه لما حصرها ثار ~~الأحداث الذين راسلهم، فسلموا إليه البلد من الباب الشرقي وملكه، وحصر مجير ~~الدين في القلعة، وراسله في تسليمها وبذل له أقطاعا من جملته مدينة حمص، ~~فسلمها إليه وسار إلى حمص، ثم إنه راسل أهل دمشق ليسلموا إليه، فعلم نور ~~الدين ذلك فخافه، فأخذ منه حمص، وأعطاه عوضا عنها بالس، فلم يرضها، وسار ~~منها إلى العراق، وأقام ببغداد وابتنى بها دارا بالقرب من النظامية، ms4005 وتوفي بها. ### || AUT ذكر قصد الإسماعيلية خراسان والظفر بهم # في هذه السنة، في ربيع الأخر، اجتمع جمع كثير من الإسماعيلية من قهستان، ~~بلغت عدتهم سبعة آلاف رجل ما بين فارس وراجل، وساروا يريدون خراسان لاشتغال ~~عساكرها بالغز، وقصدوا أعمال خواف وما يجاورها، فلقيهم الأمير فرخشاه بن ~~محمود الكاساني في جماعة من حشمه وأصحابه، فعلم أنه لا طاقة له بهم، فتركهم ~~وسار عنهم، وأرسل إلى الأمير محمد بن أنر، وهو من أكابر أمراء خراسان ~~وأشجعهم، يعرفه الحال، وطلب منه المسير إليهم بعسكره ومن قدر عليه من ~~الأمراء ليجتمعوا عليه ويقاتلوهم. فسار محمد بن أنر في جماعة من الأمراء ~~وكثير من العسكر، واجتمعوا هم وفرخشاه، وواقعوا الإسماعلية وقاتلوهم، وطالت ~~الحرب بينهم، ثم نصر الله المسلمين وانهزم الإسماعيلية، وكثر القتل فيهم، ~~وأخذهم بالسيف من كل مكان،وهلك أعيانهم وسادتهم: بعضهم قتل، وبعضهم أسر، ~~ولم يسلم منهم إلا القليل الشريد، وخلت قلاعهم وحصونهم من حام ومانع، فلولا ~~أشتغال العساكر بالغز لكانوا ملكوها بلا تعب ولا مشقة، وأراحوا المسلمين ~~منهم، ولكن لله أمر هو بالغه. ### || AUT ذكر ملك نور الدين تل باشر # في هذه السنة أو التي بعدها، ملك نور الدين محمود بن زنكي قلعة تل باشر، ~~وهي شمالي حلب من أمنع القلاع. وسبب ملكها أن الفرنج لما رأوا ملك نور ~~الدين دمشق خافوه، وعلموا أنه يقوى عليهم، ولا يقدرون على الانتصاف منه، ~~لما كانوا يرون منه قبل ملكها، فراسله من بهذه القلعة من الفرنج، وبذلوا له ~~تسليمها، فسير إليهم الأمير حسان المنبجي، وهو من أكابر أمراءه، وكان ~~أقطاعه ذلك الوقت مدينة منبج، وهي تقارب تل باشر، وأمره أن يسير إليها ~~ويتسلمها، فسار إليهم وتسلمها منهم، وحصنها ورفع إليها من الذخائر ما ~~يكفيها سنين كثيرة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة مات أستاذ الدار أبو الفتوح عبد اله بن المظفر ابن رئيس ~~الرؤساء، وكان له صدقات، ومعروف كثير، ومجالسة للفقراء. ولما مات ولى ~~الخليفة ابنه الأكبر عضد الدين أبا الفرج محمد بن عبد الله ما ms4006 كان إلى ~~أبيه. PageV05P0058 # NOTMATCH ### || AUT ذكر عصيان الجزائر وإفريقية على ملك الفرنج بصقلية وما كان منهم NOTMATCH # وتوفي عبد الرحمن بن عبد الصمد بن أحمد بن علي أبو القاسم الأكاف ~~النيسابوري. كان زاهدا، عابدا، فقيها، مناظرا، وكان السلطان سنجر يزوره ~~ويتبرك بدعائه، وكان ربما حجبه فلا يمكنه من الدخول إليه. وفيها توفي ثقة ~~الدولة أبو الحسن علي بن محمد الدويني، وكان يخدم أبا نصر أحمد بن الفرج ~~الأبري، فرباه حتى قيل ابن الأبري، وزوجه ابنته شهدة الكاتبة، فقربه ~~المقتفي لأمر الله، ووكله فبنى مدرسة بباب الأزج. ### | AUT ثم دخلت سنة خمسين وخمسمائة # في هذه السنة سار الخليفة المقتفي لأمر الله إلى دقوتا فحصرها وقاتل من ~~بها، ثم رحل عنها لأنه بلغه أن عسكر الموصل قد تجهزوا للمسير لمنعه عنها، ~~فرحل ولم يبلغ غرضا. وفيها استولى شملة التركماني على خوزستان، وكان قد جمع ~~جمعا كثيرا من التركمان وسار يريد خوزستان، وصاحبه حينئذ ملكشاه بن محمد، ~~فسير الخليفة إليه عسكرا، فلقيهم شملة في رجب، وقاتلهم، فانهزم عسكر ~~الخليفة، وأسر وجوههم، ثم أحسن إليهم وأطلقهم، وأرسل يعتذر، فقبل عذره، ~~وسار إلى خوزستان فملكها وأزاح عنها ملكشاه ابن السلطان محمود. وفيها سار ~~الغز إلى نيسابور، فملكوها بالسيف، فدخلوها وقتلوا محمد ابن يحيى الفقيه ~~الشافعي ونحوا من ثلاثين ألفا، وكان السلطان سنجر له اسم السلطنة، وهو ~~معتقل لا يلتفت إليه، حتى إنه أراد كثيرا من الأيام أن يركب، فلم يكن له من ~~يحمل سلاحه، فشده على وسطه وركب. وكان إذا قدم له طعام يدخر منه ما يأكله ~~وقتا آخر، خوفا من انقطاعه عنه، لتقصيرهم في واجبه، ولأنهم ليس هذا مما ~~يعرفونه. وفيها وثب قسوس الأرمن بمدينة آني فاخذوها من الأمير شداد وسلموها ~~إلى أخيه فضلون. وفيها، في ذي الحجة، قتل الأتراك القارغلية طمغاج خان بن ~~محمد بما وراء النهر، وألقوه في الصحراء، ونسبوه ألى أشياء قبيحة؛ وكان مدة ~~ملكه مستضعفا غير مهيب. وفيها كان في العراق وما جاوره من البلاد زلزلة ~~كبيرة في ذي الحجة. ms4007 وفيها توفي يحيى الغساني النحوي الموصلي وكان فاصلا ~~خيرا؛ وتاج الدين أبو طاهر يحيى بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري، قاضي ~~جزيرة ابن عمر. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وخمسمائة # ### || AUT عصيان الجزائر وإفريقية على ملك الفرنج # ذكر ### || AUT عصيان الجزائر وإفريقية على ملك الفرنج # بصقلية وما كان منهم قد ذكرنا سنة ثمان وأربعين وخمسمائة موت رجار ملك ~~صقلية وملك ولده غليالم، وأنه كان فاسد التدبير، فخرج من حكمه عدة من حصون ~~صقلية. فلما كان هذه السنة قوي طمع الناس فيه، فخرج عن طاعته جزيرة جربة ~~وجزيرة قرقنة، وأظهروا الخلاف عليه، وخالف عليه أهل إفريقية، فأول من أظهر ~~الخلاف عليه، وخالف عليه أهل إفريقية، فأول من أظهر الخلاف عليه عمر بن أبي ~~الحسين الفرياني بمدينة سفاقس، وكان رجار قد استعمل عليها، لما فتحها، أباه ~~أبا الحسن، وكان من العلماء الصالحين، فأظهر العجز والضعف وقال: استعمل ~~ولدي فاستعمله، وأخذ أباه رهينة إلى صقلية. فلما أراد المسير إليها قال ~~لولده عمر: إنني كبير السن، وقد قارب أجلي، فمتى أمكنتك الفرصة في الخلاف ~~على العدو فافعل، ولا تراقبهم، ولا تنظر في أنني أقتل واحسب أني قد مت؛ ~~فلما وجد هذه الفرصة دعا أهل المدينة إلى الخلاف وقال: يطلع جماعة منكم إلى ~~السور، وجماعة يقصدون مساكن الفرنج والنصارى جميعهم، ويقتلونهم كلهم. ~~فقالوا له : إن سيدنا الشيخ والدك نخاف عليه. قال: هو أمرني بهذا، وإذا قتل ~~بالشيخ ألوف من الأعداء فما مات؛ فلم تطلع الشمس حتى قتلوا الفرنج عن ~~آخرهم، وكان ذلك أول سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. ثم أتبعه أبو محمد بن مطروح ~~بطرابلس وبعدهما محمد بن رشيد بقابس، وسار عسكر عبد المؤمن إلى بونة فملكها ~~وخرج جميع إفريقية عن حكم الفرنج ما عدا المهدية وسوسة. PageV05P0059 # وأرسل عمر بن إبي الحسين إلى زويلة، وهي مدينة بينها وبين المهدية نحو ~~ميدان، يحرضهم على الوثوب على من معهم فيها من النصارى، ففعلوا ذلك، وقدم ~~عرب البلاد إلى زويلة، فأعانوا أهلها على من بالمهدية من الفرنج، وقطعوا ms4008 ~~الميرة عن المهدية.فلما اتصل الخبر بغليالم ملك صقلية أحضر أبا الحسين ~~وعرفه ما فعل ابنه، فأمر أن يكتب إليه ينهاه عن ذلك، ويأمره بالعود إلى ~~طاعته، ويخوفه عاقبة فعله، فقال: من قدم على هذا لم يرجع بكتاب؛ فأرسل ملك ~~صقلية إليه رسولا يتهدده، ويأمره بترك ما ارتكبه، فلم يمكنه عمر من دخول ~~البلد يومه ذلك، فلما كان الغد خرج أهل البلد جميعهم ومعهم جنازة، والرسول ~~يشاهدهم، فدفنوها وعادوا، وأرسل عمر إلى الرسول يقول له: هذا أبي قد دفنته، ~~وقد جلست للعزاء به، فاصنعوا به ما أردتم. فعاد الرسول إلى غليالم فأخبره ~~بما صنع عمر بن أبي الحسين، فأخذ أباه وصلبه، فلم يزل يذكر الله تعالى حتى ~~مات. وأما أهل زويلة فإنهم كثر جمعهم بالعرب وأهل سفاقس وغيرهم، فحصروا ~~المهدية وضيقوا عليها، وكانت الأقوات بالمهدية قليلة، فسير إليهم صاحب ~~صقلية عشرين شينيا فيها الرجال والطعام والسلاح، فدخلوا البلد، وأرسلوا إلى ~~العرب وبذلوا لهم مالا لينهزموا، وخرجوا من الغد، فاقتتلوا هم وأهل زويلة، ~~فانهزمت العرب، وبقي أهل زويلة وأهل سفاقس يقاتلون الفرنج بظاهر البلد، ~~وأحاط بهم الفرنج، فانهزم أهل سفاقس وركبوا في البحر فنجوا، وبقي أهل ~~زويلة، فحمل عليهم الفرنج فانهزموا إلى زويلة، فوجدوا أبوابها مغلقة ~~فقاتلوا تحت السور، وصبروا حتى قتل أكثرهم ولم ينج إلا القليل فتفرقوا، ~~ومضى بعضهم إلى عبد المؤمن. فلما قتلوا هرب من بها من الحرم والصبيان ~~والشيوخ في البر، ولم يعرجوا على شيء من أموالهم، ودخل الفرنج زويلة وقتلوا ~~من وجدوا فيها من النساء والأطفال، ونهبوا الأموال، واستقر الفرنج بالمهدية ~~إلى أن أخذها عبد المؤمن منهم على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر القبض على سليمان شاه وحبسه بالموصل # في هذه السنة قبض زين الدين علي كوجك نائب قطب الدين مودود ابن زنكي بن ~~آقسنقر، صاحب الموصل، على الملك سليمان شاه ابن السلطان محمد بن ملكشاه عند ~~عمه السلطان سنجر قديما، وقد جعله ولي عهده، وخطب له في منابر خراسان، فلما ~~جرى لسنجر مع الغز ms4009 ما ذكرناه، وتقد م على عسكر خراسان، وضعفوا عن الغز، مضى ~~إلى خوارزمشاه فزؤجه ابنة أخيه أقسيس، ثم بلغه عنه ما كرهه فأبعده، فجاء ~~إلى أصفهان فمنعه شحنتها من الدخول، فضى إلى قاشان، فسير إليه محمد شاه ابن ~~أخيه محمود بن محمد عسكرا أبعدوه عنها،فسار إلى خوزستان، فمنعه ملكشاه ~~عنها، فقصد اللحف ونزل البندنيجين، وأرسل رسولا إلى المقتفي يعلمه بوصوله، ~~وترددت الرسل بينهما، إلى أن أستقر الأمر على أن يرسل زوجته تكون رهينة، ~~فأرسلها إلى بغداد ومعها كثير من الجواري والأتباع، وقال: قد أرسلت هؤلاء ~~رهائن، فإن أذن أمير المؤمنين في دخول بغداد فعلت وإلا رجعت. فأكرم الخليفة ~~زوجته ومن معها، وأذن له في القدوم إليه، فقدم ومعه عسكر خفيف يبلغون ~~ثلاثمائة رجل، فخرج ولد الوزير ابن هبيرة يلتقيه، ومعه قاضي القضاة ~~والنقيبان، ولم يترجل له ابن الوزير، ودخل بغداد وعلى رأسه الشمسة، وخلع ~~عليه الخليفة، وأقام ببغداد إلى أن دخل المحرم من سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ~~فأحضر فيه سليمان شاه إلى دار الخلافة، وأحضر قاضي القضاة والشهود وأعيان ~~العباسيين، وحلف للخليفة على النصح والموافقة ولزوم الطاعة، وأنه لا يتعرض ~~إلى العراق بحال. فلما حاف خطب له ببغداد ولقب ألقاب أبيه غياث الدنيا ~~والدين وباقي ألقابه، وخلع عليه خلع السلطنة، وسير معه من عسكر بغداد ثلاثة ~~آلاف فارس، وجعل الأمير قويدان صاحب الحلة أمير حاجب معه، وسار نحو بلاد ~~الجبل في ربيع الأول، وسار الخليفة إلى حلوان، وأرسل إلى ملكشاه ابن ~~السلطان محمود اخي السلطان محمد صاحب همذانوغيرها يدعوه إلى موافقته، فقدم ~~في ألفي فارس، فحلف كل منهما لصاحبه وجعل ملكشاه ولي عهد سليمان شاه، ~~وقواهما الخليفة بالمال والأسلحة وغيرها، فساروا واجتمعوا هم وإيلدكز، ~~فصاروا في جمع كبير. PageV05P0060 # فلما سمع السلطان محمد خبرهم أرسل إلى قطب الدين مودود، صاحب الموصل ~~ونائبه زين الدين يطلب منهما المساعدة والمعاضدة، ويبذل لهما البذول ~~الكثيرة إن ظفر، فأجاباه إلى ذلك ووافقا، فقويت نفسه وسار إلى لقاء سليمان ~~شاه ومن اجتمع معه من عساكره، ووقعت ms4010 الحرب بينهم في جمادى الأولى، واشتد ~~القتال بين الفريقين، فانهزم سليمان شاه ومن معه، وتشتت العسكر ووصل من ~~عسكر الخليفة، وكانوا ثلاثة آلاف رجل، نحو من خمسين رجلا، ولم يقتل منهم ~~أحد، وإنما أخذت خيولهم وأموالهم، وتشتتوا وجاؤوا متفرقين. وفارق سليمان ~~شاه إيلدكز وسار نحو بغداد على شهرزور، فخرج إليه زين الدين علي في جماعة ~~من عسكر الموصل، وكان بشهرزور الأمير بزان مقطعا لها من جهة زين الدين، ~~فخرج زين الدين وسار، فوقفا على طريق سليمان شاه، فأخذاه أسيرا، وحمله زين ~~الدين إلى قلعة الموصل وحبسه بها مكرما محترما، إلى أن كان من أمره ما ~~نذكره سنة خمس وخمسين أن شاء الله؛ فلما قبض سليمان شاه أرسل زين الدين إلى ~~السلطان محمود يعرفه ذلك، ووعده المعاضدة على كل ما يريده منه. ### || AUT ذكر حصر نور الدين قلعة حارم # في هذه السنة سار نور الدين محمود بن زنكي إلى قلعة حارم، وهي للفرنج، ~~ثن لبيمند، صاحب أنطاكية، وهي تقارب أنطاكية من شرقيها، وحصرها وضيق على ~~أهلها، وهي قلعة منيعة في نحور المسلمين، فاجتمعت الفرنج بالقرب منها ومن ~~بعد، وساروا نحوه ليرحلوه عنها. وكان بالحصن شيطان من شياطينهم يعرفون عقله ~~ويرجعون إلى رأيه، فأرسل إليهم يقول: إننا نقدر على حفظ القلعة، وليس بنا ~~ضعف، فلا تخاطروا أنتم باللقاء، فإنه إن هزمكم أخذها وغيرها، والرأي ~~مطاولته؛ فأرسلوا إليه وصالحوه على أن يعطوه نصف أعمال حارم، فاصطلحوا على ~~ذلك،ورحل عنهم، فقال بعض الشعراء: ألبست دين محمد يا نوره ... عزا له فوق ~~السها آساد ما زلت تشمله بمياد القنا ... حتى تثقف عوده المياد لم يبق مذ ~~أرهفت عزمك دونه ... عدد يراع به، ولا استعداد إن المنابر لو تطيق تكلما ~~... حمدتك عن خطبائها الأعواد ملق بأطراف القريحة كلكلا ... طرفاه ضرب صادق ~~وجلاد حاموا فلما عاينوا خطب الردى ... حاموا فرائس كيدهم أو كادوا ورأى ~~البرنس وقد تبرنس ذلة ... حزما لحارم والمصاد مصاد من منكر أن ينسف السيل ~~الربى ... وأبوه ذلك العارض المداد أو أن يعيد الشمس كاسفة ms4011 السنا ... نار ~~لها ذاك الشهاب زناد لا ينفع الآباء ما سمكوا من ال ... علياء حتى يرفع ~~الأولاد وهي طويلة. ### || AUT ذكر وفاة خوارزم شاه أتسز وغيره من الملوك # في هذه السنة، تاسع جمادى الآخرة، توفي خوارزمشاه أتسز بن محمد أبن ~~أنوشتكين، وكان قد أصابه فالج، فتعالج منه، فلم يبرأ، فاستعمل أدوية شديدة ~~الحرارة بغير أمر الأطباء، فاستد مرضه، وضعفت قوته، فتوفي، وكان يقول عند ~~الموت: (ما أغنى عني ماليه. هلك عني سلطانيه). وكانت ولادته في رجب سنة ~~تسعين وأربعمائة. ولما توفي ملك بعده ابنه أرسلان، فقتل نفرا من أعمامه، ~~وسمل أخا له فمات بعد ثلاثة أيام؛ وقيل بل قتل نفسه. وأرسل إلى السلطان ~~سنجر، وكان قد هرب من أسر الغز، على ما نذكره، ببذل الطاعة والأنقياد، فكتب ~~له منشورا بولاية خوارزم، وسير له الخلع في رمضان، فبقي في ولايته ساكنا ~~أمنا. وكان أتسز حسن السيرة، كافأ عن أموال رعيته، منصفا لهم محبوبا إليهم، ~~مؤثرا للإحسان والخير إليهم، وكان الرعية معه بين أمن غامر وعدل شامل. وفي ~~سابع عشر الشهر الذكور توفي أبو الفوارس بن محمد بن أرسلان شاه ملك كرمان، ~~وملك بعده ابنه سلجوقشاه. وفيها توفي الملك مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان ~~بن قتلمش، صاحب قونية وما يجاورها من بلاد الروم، وملك بعده ابنه قلج أرسلان. ### || AUT ذكر هرب السلطان سنجر من الغز # PageV05P0061 # في هذه السنة ، في رمضان، هرب السلطان سنجر بن ملكشاه من أسر الغز هو ~~وجماعة من الأمراء الذين معه، وسار إلى ترمذ، واستظهر بها على الغز،وكان ~~خوارزمشاه أتسز بن محمد بن أنوشتكين، والخاقان محمود بن محمد، يقصدان الغز ~~فيقاتلانهم فيمن معهما، فكانت الحرب بينهم سجالا، وغلب كل واحد من الغز ~~والخراسانيين على ناحية من خراسان، فهو يأكل دخلها، لا رأس لهم يجمعهم. ~~وسار السلطان سنجر من ترمذ إلى جيحون يريد العبور إلى خراسان، فاتفق أن ~~مقدم الأتراك القارغلية، اسمه علي بك، توفي، وكان أشد شيء على السلطان سنجر ~~وعلى غيره، من سائر الأمم من أقاصي البلاد ms4012 وأدانيها، وعاد إلى دار ملكه في ~~رمضان؛ فكانت مدة أسره مع الغز من سادس جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين إلى ~~رمضان سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. ### || AUT ذكر البيعة لمحمد بن عبد المؤمن # ### || AUT بولاية عهد أبيه # في هذه السنة أمر عبد المؤمن بالبيعة لولده محمد بولاية عهده، وكان ~~الشرط والقاعدة بين عبد المؤمن وبين عمر هنتاني أن يلي عمر الأمر بعد عبد ~~المؤمن؛ فلما تمكن عبد المؤمن من الملك وكثر أولاده أحب أن ينقل الملك ~~إليهم، فأحضر أمراء العرب من هلال ورعبة وعبدي وغيرهم إليه ووصلهم وأحسن ~~إليهم، ووضع عليهم من يقول لهم ليطلبوا من عبد المؤمن، ويقولوا له: نريد أن ~~نجعل لنا ولي عهد من ولدك يرجع الناس إليه بعدك، ففعلوا ذلك، فلم يجبهم ~~إكراما لعمر هنتاني لعلو منزلته في الموحدين، وقال لهم: إن الأمر لأبي حفص ~~عمر؛ فلما علم عمر ذلك خاف على نفسه، فحضر عند عبد المؤمن وأجاب إلى خلع ~~نفسه، فحينئذ بويع لمحمد بولاية العهد، وكتب إلى جميع بلاده بذلك، وخطب له ~~فيها جميعها، فأخرج عبد المؤمن من الأموال في ذلك اليوم شيئا كثيرا. ### || AUT ذكر استعمال عبد المؤمن أولاده على البلاد # في هذه السنة استعمل عبد المؤمن أولاده على البلاد، فاستعمل ولده أبا ~~محمد عبد الله على بجاية وأعمالها؛ واستعمل ابنه ابا الحسن عليا على فاس ~~وأعمالها، واستعمل ابنه ابا حفص عمر على مدينة تلمسان وأعمالها، وولى ابنه ~~ابا سعيد سبتة والجزيرة الخضراء ومالقة؛ وكذلك غيرهم. ولقد سلك في ~~استعمالهم طريقا عجيبا، وذلك أنه كان قد استعمل على اللاد شيوخ الموحدين ~~المشهورين من أصحاب المهدي محمد بن تومرت، وكان يتعذر عليه أن يعزلهم، فأخذ ~~أولادهم، وتركهم عنده يشتغلون ي العلوم، فلما مهروا فيها وصاروا يقتدى بهم ~~قال لآبائهم: إني أريد أن تكونوا عندي أستعين بكم على ما أنا بصدده، ويكون ~~ألوادكم في الأعمال لأنهم علماء فقهاء؛ فأجابوا إلى ذلك وهم فرحون مسرورون، ~~فولى أولادهم ثم وضع عليهم بعضهم ممن يعتمد عليه، فقال لهم: إني أرى ms4013 أمرا ~~عظيما قد فعلتموه؛ فارقتم فيه الحزم والأدب. فقالوا وما هو؟ فقال: أولادكم ~~في الأعمال وأولاد أمير المؤمنين ليس لهم منها شيء مع ما فيهم من العلم ~~وحسن السياسة، وأني أخاف أن ينظر في هذا فتسقط منزلتكم عنده؛ فعلموا صدق ~~القائل، فحضروا عند عبد المؤمن وقالوا: نحب أن تستعمل على البلاد السادة ~~أولادك. فقال لا أفعل؛ فلم يزالوا به حتى فعل ذلك بسؤالهم. ### || AUT ذكر حصر السلطان محمد بغداد # في هذه السنة، في ذي الحجة، حصر السلطان محمد بغداد، وسبب ذلك أن ~~السلطان محمد بن محمود كان قد أرسل إلى الخليفة يطلب أن يخطب له ببغداد ~~والعراق، فامتنع الخليفة من إجابته إلى ذلك، فسار من همذان في عساكر كثيرة ~~نحو العراق، ووعده أتابك قطب الدين، صاحب الموصل، ونائبه زين الدين علي ~~بإرسال العساكر إليه نجدة له على حصر بغداد، فقدم العراق في ذي الحجة سنة ~~إحدى وخمسين، واضطرب الناس ببغداد، وأرسل الخليفة يجمع العساكر فأقبل ~~خطلبرس من واسط وعصى أرغش، صاحب البصرة، وأخذ واسط، ورحل مهلهل إلى الحلة ~~فأخذها، واهتم الخليفة وعمن الدين بن هبيرة بأمر الحصار، وجمع جميع السفن ~~وقطع الجسر وجعل الجميع تحت التاج، ونودي، منتصف المحرم سنة اثنتين وخمسين، ~~أن لا يقيم أحد بالجانب الغربي، فأجفل الناس وأهل السواد، ونقلت الأموال ~~إلى حريم دار الخلافة، وخرب الخليفة قصر عيسى والمربعة والقرية والمستجدة ~~والنجمي، ونهب أصحابه ما وجدوا؛ وخرب أصحاب محمد شاه نهر القلابين، ~~والتوثة، وشارع ابن رزق الله وباب الميدان وقطفتا. PageV05P0062 # وأما أهل الكرخ وأهل باب البصرة فإنهم خرجوا إلى عسكر محمد، وكسبوا معهم ~~أموالا كثيرة. وعبر السلطان محمد فوق حربي إلى الجانب الغربي، ونهبت أوانا، ~~واتصل به زين الدين هناك، وساروا، فنزل محمد شاه عند الرملة، وفرق الخليفة ~~السلاح على الجند والعامة، ونصب المجانيق والعرادات. فلما كان في العشرين ~~من المحرم ركب عسكر محمد شاه وزين الدين علي، ووقفوا عند الرقة، ورموا ~~بالنشاب إلى ناحية التاج، فعبر إليهم عامة بغداد فقاتلوهم، ورموهم بالنفط ~~وغيره، ثم جرى ms4014 بينهم عدة حروب. وفي ثالث صفر عاودوا القتال، واشتدت الحرب، ~~وعبر كثير من أهل بغداد سباحة وفي السفن، فقتلوا؛ وكان يوما مشهودا. ولم ~~تزل الحرب بينهم كل وقت، وعمل الجسر على دجلة وعبر عليه أكثر العسكر إلى ~~الجانب الشرقي، وصار القتال في الجانبين، وبقي زين الدين في الجانب الغربي، ~~وأمر الخليفة فنودي: كل من جرح فله خمسة دنانير؛ فكان كلما جرح إنسان يحضر ~~عند الوزير فيعطيه خمسة دنانير، فاتفق أن بعض العامة جرح جرحا ليس بكبير، ~~فحضر يطلب الدنانير، فقال له الوزير ليس هذا الجرح بشيء؛ فعاود القتال، ~~فضرب فانشق جوفه وخرج شيء من شحمه، فحمل إلى الوزير فقال: يامولانا الوزير ~~أيرضيك هذا؟ فضحك منه، وأضعف له، ورتب له من يعالج جراحته إلى أن برىء. ~~وتعذرت الأقوات في العسكر إلا أن اللحم والفواكه والخضر كثيرة، وكانت ~~الغلات في بغداد كثيرة لأن الوزير كان يفرقها في الجند عوض الدنانير ~~فيبيعونها، فلم تزل الأسعار عندهم رخيصة، إلا أن اللحم والخضر والفاكهة ~~قليلة عندهم. واشتد الحصار على أهل بغداد لانقطاع المواد عنهم وعدم المعيشة ~~لأهلها؛ وكان زين الدين وعسكر الموصل غير مجدين في القتال لأجل الخليفة ~~والمسلمين؛ وقيل لأن نور الدين محمودبن زنكي، وهو أخو قطب الدين، صاحب ~~الموصل الأكبر، أرسل إلى زين الدين يلومه على قتال الخليفة، ففتر وأقصر. ~~فلم تزل الحروب في أكثر الأيام، وعمل السلطان محمد أربعمائة سلم ليصعد ~~الرجال فيها إلى السور، وزحفوا، وقاتلوا، ففتح أهل بغداد أبواب البلد ~~وقالوا: أي حاجة بكم إلى السلاليم؟ هذه الأبواب مفتحة فأدخلوا منها؛ فلم ~~يقدروا على أن يقربوها. فبينما الأمر على ذلك إذ وصل الخبر إلى السلطان ~~محمد أن أخاه ملكشاه وإيلدكز، صاحب بلاد آران، ومعه الملك أرسلان ابن الملك ~~طغرل بن محمد، وهو ابن امرأة إيلدكز، قد دخلوا همذان واستولوا عليها، ~~وأخذوا أهل الأمراء الذين مع محمد شاه وأموالهم، فلما سمع محمد شاه ذلك جد ~~في القتال لعله يبلغ غرضا، فلم يقدر على شيء ورحل عنها نحو همذان في الرابع ~~والعشرين ms4015 من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة. وعاد زين الدين إلى ~~الموصل، وتفرق ذلك الجمع على عزم العود إذا فرغ محمد شاه من إصلاح بلاده، ~~فلم يعودوا يجتمعون؛ وفي كثرة حروبهم لم يقتل منهم إلا نفر يسير، وإنما ~~الجراح كانت كثيرة، ولما ساروا نهبوا بعقوبا وغيرها من طريق خراسان. ولما ~~رحل العسكر من بغداد أصاب أهلها أمراض شديدة حادة، وموت كثير للشدة التي ~~مرت بهم؛ وأما ملكشاه وإيلدكز ومن معهما فإنهم ساروا من همذان إلى الري، ~~فخرج إليهم إينانج شحنتها وقاتلهم فهزموه، فأنفذ السلطان محمد الأمير سقمس ~~بن قيماز الحرامي في عسكر نجدة لإينانج، فسار سقمس، وكان إيلدكز وملكشاه ~~ومن معهما قد عادوا من الري يريدون محاصرة الخليفة، فلقيهم سقمس وقاتلهم، ~~فهزموه ونهبوا عسكره وأثقالهم، فاحتاج السلطان محمد إلى الإسراع، فسار، ~~فلما بلغ حلوان بلغه أن إيلدكز بالدينور، وأتاه رسول من نائبه إينانج أنه ~~دخل همذان، وأعاد الخطبة له فيها، فقويت نفسه وهرب شملة،صاحب خوزستان، إلى ~~بلاده، وتفرق أكثر جمع إيلدكز وملكشاه، وبقيا في خمسة آلاف فارس، فعاد إلى ~~بلادهما شبه الهارب. ولما رحل محمد شاه إلى همذان أراد التجهز لقصد بلاد ~~إيلدكز، فابتدأ به مرض السل، وبقي به إلى أن مات. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الأول، أطلق أبو البدر ابن الوزير ابن هبيرة من ~~حبس تكريت؛ ولما قدم بغداد خرج أخوه والموكب يتلقونه، وكان يوما مشهودا، ~~وكان مقامه في الحبس يزيد على ثلاث سنين. PageV05P0063 # وفيها احترقت بغداد في ربيع الآخر، وكثر الحريق بها، واحترق درب فراشا، ~~ودرب الدواب ودرب اللبان، وخرابة ابن حربة، والظفرية، والخاتونية، ودار ~~الخلافة، وباب الأزج، وسوق السلطان وغير ذلك. وفيها في شوال، قصد ~~الإسماعيلية طبس في خراسان، فأوقعوا بها وقعة عظيمة، وأسروا جماعة من أعيان ~~دولة السلطان، ونهبوا أموالهم ودوابهم وقتلوا فيهم. وفيها، في ذي القعدة، ~~توفي شيخ الإسلام أبو المعالي الحسن بن عبيد الله بن أحمد بن محمد المعروف ~~بابن الرزاز بنيسابور، وهو من أعيان الأفاضل. وفي هذه السنة ms4016 توفي مريد ~~الدين بن نيسان رئيس آمد والحاكم فيها على صاحبها، وولي ما كان إليه بعده ~~ابنه كمال الدين أبو القاسم. وفيها توفي أبو الحسن علي بن الحسين الغزنوي، ~~الواعظ المشهور، ببغداد، وكان قدم إليها سنة ستة عشرة وخمسمائة، وكان له ~~قبول عظيم عند السلاطين والعامة والخلفاء، إلا أن المقتفي أعرض عنه بعد موت ~~السلطان مسعود لإقبال السلطان عليه، وكان موته في المحرم. وتوفي أبو الحسن ~~بن الخل الفقيه الشافعي، شيخ الشافعية ببغداد، وهو من أصحاب أبي بكر ~~الشاشي، وجمع بين العلم والعمل، وكان يؤم بالخليفة في الصلاة. وتوفي ابن ~~الآمدي الشاعر، وهو من أهل النيل من أعيان الشعراء في طبقة الغزي ~~والأرجاني، وكان عمره قد زاد على تسعين سنة. وفيها قتل مظفر بن حماد بن أبي ~~الخير صاحب البطيحة، قتله نفيس ابن فضل بن أبي الخير في الحمام، وولي ابنه ~~بعده. وفيها توفي الوأواء الحلبي الشاعر المشهور. وفيها، في رمضان، توفي ~~الحكيم أبو جعفر محمد البخاري بأسفرايين، وكان صاحب معرفة بعلوم الحكماء الأوائل. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة # ### || AUT ذكر الزلازل بالشام # في هذه السنة، في رجب، كان بالشام زلازل كثيرة قوية خربت كثيرا من ~~البلاد، وهلك فيها ما لا يحصى كثرة، فخرب منها بالمرة حماة وشيزر وكفر طاب ~~والمعرة وأفاميا وحمص وحصن الأكراد وعرقة واللاذقية وطرابلس وأنطاكية. وأما ~~ما لم يكثر فيه الخراب ولكن خرب أكثره فجميع الشام، وتهدمت أسوار البلاد ~~والقلاع، فقال نور الدين محمود في ذلك المقام المرضي، وخاف على بلاد ~~الإسلام من الفرنج حيث خربت الأسوار، فجمع عساكره وأقام بأطراف بلاده يغير ~~على بلاد الفرنج ويعمل في الأسوار في سائر البلاد، فلم يزل كذلك حتى فرغ من ~~جميع أسوار البلاد. وأما كثرة القتلى، فيكفي فيه أن معلما كان بالمدينة، ~~وهي مدينة حماة، ذكر أنه فارق المكتب لمهم عرض له فجاءت الزلزلة فخربت ~~البلد، وسقط المكتب على الصبيان جميعهم. قال المعلم: فلم يأت أحد يسأل عن ~~صبي كان له. ### || AUT ذكر ملك نور الدين ms4017 حصن شيزر # نبتدىء بذكر هذا الحصن، ولمن كان قبل أن يملكه نور الدين محمود بن زنكي، ~~فنقول: هذا الحصن قريب من حماة، بينهما نصف نهار، وهو على جبل عال نميع لا ~~يسلك إليه إلا من طريق واحدة. وكان لآل منقذ الكنانيين يتوارثونه من أيام ~~صالح بن مرداس إلى أن انتهى الأمر إلى أبي المرهف بنصر بن علي بن المقلد ~~بعد أبيه أبي الحسن علي، فبقي بيده إلى أن مات سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، ~~وكان شجاعا كريما؛ فلما حضره الموت استخلف أخاه أبا سلامة مرشد بن علي، ~~فقال: والله لا وليته ولأخرجن من الدنيا كما دخلتها. وكان عالما بالقرآن ~~والأدب، وهو والد مؤيد الدولة أسامة بن منقذ، فولاها أخاه الأصغر سلطان بن ~~علي، واصطحبا أجمل صحبة مدة من الزمان، فأولد مرشد عدة أولاد ذكور، وكبروا ~~وسادوا، منهم: عز الدولة أبو الحسن علي، ومؤيد الدولة أسامة وغيرهما؛ ولم ~~يولد لأخيه سلطان ولد ذكر إلى أن كبر فجاءه أولاد ذكور، فحسد أخاه على ذلك، ~~وخاف أولاد أخيه على أولاده، وسعى بينهم المفسدون فغيروا كل ا منهما على ~~أخيه، فكتب سلطان إلى أخيه مرشد شعر يعاتبه على أشياء بلغته عنه، فأجابه ~~بشعر في معناه رأيت إثبات ما تمس الحاجة إليه منه، وهي هذه الأبيات: ظلوم ~~أبت في الظلم إلا تماديا ... وفي الصد والهجان إلا تناهيا شكت هجرنا والذنب ~~في ذاك ذنبها ... فيا عجبا من ظالم جاء شاكيا وطاوعت الواشين في وطالما ... ~~عصيت عذولا في هواها وواشيا PageV05P0064 # ومال بها تيه الجمال إلى القلى ... وهيهات أن أمسي لها الدهر قاليا ولا ~~ناسيا ما أودعت من عهودها ... وإن هي أبدت جفوة وتناسيا ولما أتاني من ~~قريضك جوهر ... جمعت المعالي فيه والمعانيا وكنت هجرت الشعر حينا لأنه ... ~~تولى برغمي حين ولى شبابيا وأين من الستين لفظ مفوق ... إذا رمت منه أدنى ~~القول عصانيا وقلت: أخي يرعى بني وأسرتي ... ويحفظ عهدي فيهم وذماميا ~~ويجزيهم ما لم أكلفه فعله ... لنفسي فقد أعددته من تراثيا فما لك لما أن ~~حنى الدهر ms4018 صعدتي ... وثلم مني صارما كان ماضيا تنكرت حتى صار برك قسوة ... ~~وقربك منهم جفوة وتنابيا وأصبحت صفر الكف مما رجوته ... أرى اليأس قد عفى ~~سبيل رجائيا على أنني ما حلت عما عهدته ... ولا غيرت هذي السنون وداديا فلا ~~غرو عند الحادثات، فإنني ... أراك يميني والأنام شماليا تحل بها عذراء لو ~~قرنت بها ... نجوم السماء لم تعد دراريا تحلت بدر من صفاتك زانها ... كما ~~زان منظوم اللآلي الغوانيا وعش بانيا للمجد ما كان واهيا ... مشيدا من ~~الإحسان ما كان هاويا وكان الأمر بينهما فيه تماسك، فلما توفي مرشد سنة ~~إحدى وثلاثين وخمسمائة قاب أخوه لأولاده ظهر المجن، وبادأهم بما يسوءهم، ~~وأخرجهم من شيزر، فتفرقوا، وقصد أكثرهم نور الدين وشكوا إليه ما لقوا من ~~عمهم، فغاظه ذلك، ولم يمكنه قصده والأخذ بثأرهم وإعادتهم إلى وطنهم ~~لاشتغاله بجهاد الفرنج، ولخوفه أن يسلم شيزر إلى الفرنج. ثم توفي سلطان ~~وبقي بعده أولاده، فبلغ نور الدين عنهم مراسلة الفرنج، فاشتد حنقه عليهم، ~~وانتظر فرصة تمكنه، فلما خربت القلعة في هذه السنة بما ذكرناه من الزلزلة ~~لم ينج من بني منقذ الذين بها أحد. وسبب هلاكهم أجمعين أن صاحبها منهم كان ~~قد ختن ولدا له، وعمل دعوة للناس، وأحضر جميع بني منقذ عنده في داره، وكان ~~له فرس يحبه، ويكاد لا يفارقه، وإذا كان في مجلس أقيم الفرس على بابهن وكان ~~المهر في ذلك اليوم على باب الدار فجاءت الزلزلة، فقام الناس ليخرجوا من ~~الدار، فلما وصلوا مجفلين إلى الباب ليخرجوا من الدار رمح الفرس رجلا كان ~~أولهم فقتله، وامتنع الناس من الخروج، فسقطت الدار عليهم كلهم، وخربت ~~القلعة وسقط سورها وكل بناء فيها، ولم ينج منها إلا الشريد، فبادر إليها ~~بعض أمرائه، وكان بالقرب منها فملكها وتسلمها نور الدين منه، فملكها وعمر ~~أسوارها ودورها، وأعادها جديدة. ### || AUT ذكر وفاة الدبيسي صاحب جزيرة ابن عمر واستيلاء قطب الدين مودود على # الجزيرة كانت الجزيرة لأتابك زنكي، فلما قتل سنة إحدى وأربعين أقطعها ~~أبنه سيف الدين غازي للأمير ms4019 أبي بكر الدبيسي، وكان من أكابر أمراء والدهن ~~فبقيت بيده إلى الآن، وتمكن منها وصار بحيث يتعذر على قطب الدين أخذها منه، ~~فمات في ذي الحجة سنة إحدى وخمسين، ولم يخلف ولدا، فاستولى عليها مملوك له ~~اسمه غلبك، وأطاعه جندها، فحصرهم مودود ثلاثة أشهر ثم تسلمها من غلبك في ~~صفر من سنة ثلاث وخمسين، وأعطاه عوضها إقطاعا كثيرا. ### || AUT ذكر وفاة السلطان سنجر # في هذه السنة في ربيع الأول توفي السلطان سنجر بن ملكشاه بن ألب أرسلان، ~~أبو الحرث، أصابه قولنج، ثم بعده إسهال، فمات منه، ومولده سنجار، من ديار ~~الجزيرة، في رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وسكن خراسان، واستوطن مدينة ~~مرو، ودخل بغداد مع أخيه السلطان محمد، واجتمع معه بالخليفة المستظهر ~~بالله، فعهد إلى محمد بالسلطنة وجعل سنجر ولي عهد. فلما مات محمد خوطب سنجر ~~بالسلطان، واستقام أمره، وأطاعه السلاطين، وخطب له على أكثر منابرالإسلام ~~بالسلطنة نحو أربعين سنة، وكان قبلها يخاطب بالملك عشرين سنةئئن ولم يزل ~~أمره عاليا وجده متراقيا إلى أن أسره الغز على ما ذكرناه، ثم إنه خلص بعد ~~مدة وجمع إليه أطرافه بمرو، وكاد يعود إليه ملكه، فأدركه أجله، وكان مهيبا ~~رفيقا بالرعية، وكانت البلاد في زمانه آمنة. PageV05P0065 # ولما مات دفن في قبة بناها لنفسه سماها دار الآخرة؛ ولما وصل خبر موته ~~إلى بغداد قطعت خطبته، ولم يجلس له في الديوان للعزاء . ولما حضر السلطان ~~سنجر الموت استخلف على خراسان الملك محمود بن محمد بن بغراجان وهو ابن أخت ~~السلطان سنجر، فأقام بها خائفا من الغز، فقصد جرجان يستظهر بها، وعاد الغز ~~إلى مرو وخراسان، واجتمع طائفة من عساكر خراسان على أي أبه المؤيد، فاستولى ~~على طرف من خراسان، وبقيت خراسان على هذا الاختلال إلى سنة أربع وخمسين. ~~وأرسل الغز إلى الملك محمود بن محمد وسألوه أن يحضر عندهم ليملكوه عليهم، ~~فلم يثق بهم، وخافهم على نفسه؛ فأرسل أبنه إليهم فأطاعوه مديدة ثم لحق بهم ~~الملك محمود على ما نذكره سنة ثلاث وخمسين. ### || AUT ذكر ms4020 ملك المسلمين مدينة المرية # ### || AUT وانقراض دولة الملثمين بالأندلس # في هذه السنة انقرضت دولة الملثمين بالأندلس، وملك أصحاب عبد المؤمن ~~المرية من الفرنج. وسبب ذلك أن عبد المؤمن لما استعمل ابنه أبا سعيد علي ~~على الجزيرة الخضراء ومالقة عبر أبو سعيد البحر إلى مالقة، واتخذها دارا، ~~وكاتبه ميمون بن بدر اللمتوني، صاحب غرناطة، أن يوحد ويسلم إليه غرناطة، ~~فقبل أبو سعيد ذلك منه وتسلم غرناطة، فسار ميمون إلى مالقة بأهله وولده، ~~فتلقاه أبو سعيد، وأكرمه، ووجهه إلى مراكش، فأقبل عليه عبد المؤمن وانقرضت ~~دولة الملثمين ولم يبق لهم إلا جزيرة ميورقة مع حمو بن غانية. فلما ملك أبو ~~سعيد غرناطة جمع الجيوش وسار إلى مدينة المرية، وهي بأيدي الفرنج، أخذوها ~~من المسلمين سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، فلما نازلها وافاه الأسطول من ~~سبتة وفيه خلق كثير من المسلمين، فحصروا المرية برا وبحرا، وجاء الفرنج إلى ~~حصنها، فحصرهم فيها ونزل عسكره على الجبل المشرف عليها، وبنى أبو سعيد سورا ~~على الجبل المذكور إلى البحر، وعمل عليه خندقا، فصارت المدينة والحصن الذي ~~فيه الفرنج محصورين بهذا السور والخندق، ولا يمكن من ينجدهما أن يصل ~~إليهما، فجمع الأذفونش ملك الفرنج بالأندلس، والمعروف بالسليطين، وفي اثني ~~عشر ألف فارس من الفرنج، ومعه محمد بن سعد بن مردنيش في ستة آلاف فارس من ~~المسلمين، وراموا الوصول إلى مدينة المرية ودفع المسلمين عنها، فلم يطيقوا ~~ذلك، فرجع السليطين وابن مردنيش خائبين، فمات السليطين في عوده فبل أن يصل ~~إلى طليطلة. وتمادى الحصار على المرية ثلاثة أشهر، فضاقت الميرة، وقلت ~~الأقوات على الفرنج، فطلبوا الأمان ليسلموا الحصن، فأجابهم أبو سعيد إليه ~~وأمنهم، وتسلم الحصن، ورحل الفرنج في البحر عائدين إلى بلادهم فكان ملكهم ~~المرية عشر سنين. ### || AUT ذكر غزو صاحب طبرستان الإسماعيلية # في هذه السنة جمع شاه مازندران رستم بن علي بن شهريار عسكره، وسار ولم ~~يعلم أحد جهة مقصده، وسلك المضايق، وجد السير إلى بلد الموت، وهي ~~للإسماعيلية، فأغار عليها وأحرق القرى والسواد، وقتل فأكثر، وغنم أموالهم، ms4021 ~~وسبى نسائهم، واسترق أبنائهم فباعهم في السوق وعاد سالما غانما، وانخذل ~~الإسماعيلية، ودخل عليهم من الوهن ما لم يصابوا بمثله، وخرب من بلادهم ما ~~لا يعمر في السنين الكثيرة. ### || AUT ذكر أخذ حجاج خراسان # في هذه السنة، في ربيع الأول، سار حجاج خراسان، فلما رحلوا عن بسطام ~~أغار عليهم جمع من الجند الخراسانية قد قصدوا طبرستان، فأخذوا من أمتعتهم، ~~وقتلوا نفرا منهم، وسلم الباقون وساروا من موضعهم. فبينما هم سائرون إذ طلع ~~عليهم الإسماعيلية، فقاتلهم الحجاج قتالا عظيما، وصبروا صبرا عظيما، فقتل ~~أميرهم، فانخذلوا، وألقوا بأيديهم، واستسلموا وطلبوا الأمان، وألقوا ~~أسلحتهم مستأمنين، فأخذهم الإسماعيلية وقتلوهم، ولم يبقوا منهم إلا شرذمة ~~يسيرة؛ وقتل فيهم من الأئمة والعلماء والزهاد والصلحاء جمع كثير، وكانت ~~مصيبة عظيمة عمت بلاد الإسلام، وخصت خراسان، ولم يبق بلد إلا وفيه المأتم. ~~فلما كان الغد طاف شيخ في القتلى والجرحى ينادي: يا مسلمون، يا حجاج، ذهب ~~الملاحدة، وأنا رجل مسلم، فمن أراد الماء سقيته؛ فمن كلمه قتله وأجهز عليه، ~~فهلكوا جميعهم إلا من سلم وولى هاربا؛ وقليل ما هم. ### || AUT ذكر الحرب بين المؤيد والأمير إيثاق # PageV05P0066 # قد ذكرنا تقدم الأمير المؤيد أي أبه مملوك السلطان سنجر، وتقدمه على عسكر ~~خراسان، فحسده جماعة من الأمراء السنجرية، وانحرف عنه، وكان تارة يقصد ~~خوارزمشاه، وتارة شاه مازندران، وتارة يظهر الموافقة للمؤيد، ويبطن ~~المخالفة. فلما كان الآن فارق مازندران ومعه عشرة آلاف فارس، وقد اجتمع معه ~~كل من يريد الغارة على البلاد، وكل منحرف عن المؤيد، وقصد خراسان، وأقام ~~بنواحي نسا وأبيورد، لا يظهر المخالفة للمؤيد بل يراسله بالموافقة ~~والمعاضدة له، ويبطن ضدها. وانتقل المؤيد من المكاتبة إلى المكافحة، وسار ~~إليه جريدة، فأغار عليه وأوقع به، فتفرق عنه جموعه ونجا بحشاشة نفسه، وغنم ~~المؤيد وعسكره كل ما لا يثاق، ومضى منهزما إلى مازندران؛ وكان ملكها رستم ~~بينه وبين أخ له اسمه علي تنازع على الملك، وقد قوي رستم، فلما وصل إلى ~~مازندران قتل عليا وحمل رأسه إلى أخيه رستم، فعظم ذلك على ms4022 رستم، واشتد ~~واستشاط غضبا، وقال: أكل لحمي ولا أطعمه غيري. ولم يزل إيثاق يتردد في ~~خراسان بالنهب والغارة، لا سيما مدينة اسفرايين فإنه أكثر من قصدها حتى ~~خربت، فراسله السلطان محمود بن محمد والمؤيد يدعوانه إلى الموافقة، فامتنع، ~~فسارا إليه في العساكر، فلما قارباه أتاهما كثير من عسكره، فمضى من بين ~~أيديهما إلى طبرستان في صفر سنة ثلاث وخمسين فتبعاه في عساكرهما، فأرسل شاه ~~مازندران يطلب الصلح، فأجاباه واصطلحوا، وحمل شاه مازندران أموالا جليلة ~~وهدايا نفيسة، وسير إيثاق ابنه رهينة فعادا عنه. ### || AUT ذكر الحرب بين المؤيد وسنقر العزيري # كان سنقر العزيري من أمراء السلطان سنجر، وممن يناوىء أيضا المؤيد أي ~~أبه، فلما اشتغل المؤيد بحرب إيثاق سار ستقر من عسكر السلطان محمود بن محمد ~~إلى هراة ودخلها وبها جماعة من الأتراك وتحصن بها، فأشير عليه بأن يعتضد ~~بالملك الحسين ملك الغورية، فلم يفعل، واستبد بنفسه منفردا لأنه رأى اختلاف ~~الأمراء على السلطان محمود بن محمد، فطمع وحدث نفسه بالقوة، فقصده المؤيد ~~إلى هراة، فلما وصل إليها قاتل من بها شيئا من قتال، ثم عن الأتراك مالوا ~~إلى المؤيد وأطاعوه، وانقطع خبر سنقر العزيري من ذلك الوقت، ولم يعلم ما ~~كان منه، فقيل: إنه سقط من فرسه فمات، وقيل: بل اغتاله الأتراك فقتلوه. ~~وتقدم السلطان محمود إلى ولاية هراة في عساكره وجنوده، والتحق جماعة من ~~عسكر سنقر بالأمير إيثاق، وأغاروا على طوس وقراها، فبطلت الزروع والحرث، ~~واستولى الخراب على البلاد وعمت الفتن أطراف خراسان، وأصابتهم العين، فإنهم ~~كانوا أيام السلطان سنجر في أرغد عيش وأمنه، وهذا دأب الدنيا لا يصفوا ~~نعيمها وخيرها من كدر وشوائب وآفات، وقلما يخلص شرها من خير، نسأل الله أن ~~يحسن لنا العقبى بمحمد وآله. ### || AUT ذكر ملك نور الدين بعلبك # في هذه السنة ملك نور الدين محمد بعلبك وقلعتها، وكانت بيد إنسان يقال ~~له ضحاك البقاعي، منسوب إلى بقاع بعلبك، وكان قد ولاه إياها صاحب دمشق؛ ~~فلما ملك نور الدين دمشق امتنع ضحاك بها، فلم ms4023 يمكن نور الدين محاصرته لقربه ~~من الفرنج، فتلطف الحال معه إلى الآن، فملكها واستولى عليها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قلع الخليفة المقتفي لأمر الله باب الكعبة، وعمل عوضه بابا ~~مصفحا بالنقرة المذهبة، وعمل لنفسه من الباب الأول تابوتا يدفن فيه إذا ~~مات. وفيها توفي محمد بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت أبو بكر الخجندي، رئيس ~~أصحاب الشافعي بأصفهان، وسمع الحديث بها من أبي علي الحداد، وكان صدرا ~~مقدما عند السلاطين، وكان ذا حشمة عظيمة وجاه عريض، ووقعت لموته فتنة عظيمة ~~بأصفهان وقتل فيها خلق كثير. وفيها كان بخراسان غلاء شديد أكلت فيه سائر ~~الدواب، حتى الناس، وكان بنيسابور طباخ، فذبح إنسانا علويا وطبخه، وباعه في ~~الطبيخ، ثم ظهر عليه انه فعل ذلك، فقتل؛ وأسفر الغلاء، وصلحت أحوال الناس. ~~وفيها توفي القاضي أبو العباس أحمد بن بختيار بن علي المانداي الواسطي ~~قاضيها، وكان فقيها عالما. وفيها، في ربيع الآخر، توفي القاضي برهان الدين ~~أبو القاسم منصور ابن أبي سعد محمد بن أبي نصر أحمد الصاعدي قاضي نيسابور، ~~وكان من أئمة الفقهاء الحنفية. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة # ### || AUT ذكر الحرب بين سنقر وأرغش # PageV05P0067 # في هذه السنة كانت حرب شديدة بين سنقر الهمذاني وأرغش المسترشدي، وسببها ~~أن سنقر الهمذاني كان قد نهب سواد بغداد بطريق خراسان، وكثر جمعه، فخرج ~~الخليفة المقتفي لأمر الله، جمادى الأولى، بنفسه يطلبه، فلما وصل إلى بلد ~~اللحف قال له الأمير خطلبرس: أنا أكفيك هذا المهم؛ وكان بينه وبين سنقر ~~مودة، فركب إليه، وتلاقيا وجرى بينهما عتاب طويل لأجل خرجه عن طاعة ~~الخليفة، فأجاب سنقر إلى الطاعة، وعاد خطلبرس وأصلح حاله مع الخليفة وأقطعه ~~بلد اللحف له وللأمير أرغش المسترشدي. فلما توجها إلى اللحف جرى بينهما ~~منازعة، فأراد سنقر قبض أرغش، فرآه محترزا، فتحاربا، واقتتلا قتالا شديدا، ~~وغدر بأرغش أصحابه، فعاد منهزما إلى بغداد، وانفرد سنقر ببلد اللحف وخطب ~~فيه للملك محمد، فسير من بغداد عسكرا لقتاله مقدمهم خطلبرس، فجرت بينهما ~~حرب ms4024 شديدة انهزم في أخرها سنقر، وقتلت رجاله، ونهبت أمواله التي في العسكر، ~~وسار هو إلى قلعة الماهكي وأخذ ما كان بها، واستخلف فيها بعض غلمانه، وسار ~~هو إلى همذان، فلم يلتفت إليه الملك محمد شاه، فعاد إلى قلعة الماهكي وأقام بها. ### || AUT ذكر الحرب بين شملة وقايماز السلطاني # في هذه السنة أيضا كان قتال بين شملة صاحب خوزستان، ومعه ابن مكلية، ~~وبين قايماز السلطاني في ناحية بادرايا، فجمعا عسكرهما وسارا إليه، فأتاه ~~البر بذلك وهو يشرب، فلم يحفل بذلك، وركب إليهم في نحو ثلاثمائة فارس، وكان ~~معجبا بنفسه فحمل عليهم واختلط بهم، فأحدقوا به، وقاتل أشد قتال، فانهزم ~~أصحابه، وأخذ هو أسيرا، فتسلمه إنسان تركماني كان له عليه دم، لأنه قتل ~~ابنا للتركماني، فقتله بابنه وأرسل برأسه إلى محمد شاه. وأرسل الخليفة ~~عسكرا ليقاتل شملة ومن معه فانزاحوا من بين أيديهم، ولحقوا بالملك ملكشاه ~~بخوزستان فهلك كثير منهم بالبرد. ### || AUT ذكر معاودة الغز الفتنة بخراسان # كان الأتراك الغزية قد أقاموا بمدينة بلخ واستوطنوها، وتركوا النهب ~~والقتل ببلاد خراسان، واتفقت الكلمة بها على طاعة السلطان خاقان محمود بن ~~أرسلان، وكان المتولي لأمور دولته المؤيد أي أبه، وعن رأيه يصدر محمود. ~~فلما كان هذه السنة، في شعبان، سار الغز من بلخ إلى مرو، وكان السلطان ~~محمود بسرخس في العساكر، فسار المؤيد بطائفة من العسكر إليهم، فأوقع بطائفة ~~منهم، وظفر بهم، ولم يزل يتبعهم إلى أن دخلوا إلى مرو أوائل رمضان وغنم من ~~أموالهم، وقتل كثيرا وعاد إلى سرخس، فاتفق هو والسلطان محمود على قصد الغز ~~وقتالهم، فجمعا العساكر وحشدا، وسارا إلى الغز، فالتقوا سادس شوال من هذه ~~السنة، وجرت بينهم حرب طال مداها، فبقوا يقتتلون من يوم الاثنين تاسع شوال ~~إلى نصف الليل من ليلة الأربعاء الحادي عشر من الشهر، تواقعوا عدة وقعات ~~متتابعة، ولم يكن بينهم راحة، ولا نزول، إلا لما لا بد منه؛ انهزم الغز ~~فيها ثلاث دفعات، وعادوا إلى الحرب. فلما أسفر الصبح يوم الأربعاء انكشف ~~الحرب عن هزيمة ms4025 عسكر خراسان وتفرقهم في البلاد، وظفر الغز بهم، وقتلوا ~~فأكثروا فيهم، وأما الأسرى والجرحى فأكثر من ذلك. وعاد المؤيد ومن سلم معه ~~إلى طوس، فاستولى الغز على مرو، وأحسنوا السيرة، وأكرموا العلماء والأئمة ~~مثل تاج الدين أبي سعيد السمعاني وشيخ الإسلام علي البلخي وغيرهما؛ وأغاروا ~~على سرخس، وخربت القرى، وجلا أهلها وقتل من أهل سرخس عشرة آلاف قتيل، ~~ونهبوا طوس أيضا وقتلوا أهلها وعادوا إلى مرو. وأما السلطان محمود بن محمد ~~الخان والعساكر التي معه فلم يقدروا على المقام بخراسان من الغز، فساروا ~~إلى جرجان ينتظرون ما يكون من الغز؛ فلما دخلت سنة أربع وخمسين وخمسمائة ~~أرسل الغز ألى السلطان محمود يسألونه أن يحضر عندهم ليملكوه أمرهم، فلم يثق ~~بهم وخافهم على نفسه، فأرسلوا يطلبون منه أن يرسل أبنه جلال الدين محمدا ~~إليهم ليملكوه أمرهم، ويصدروا عن أمره ونهيه في قليل الأمور وكثيرها، ~~وترددت الرسل واتاط السلطان محمود لولده بالعهد والمواثيق، وتقرير القواعد، ~~ثم سيره من جرجان إلى خراسان، فلما سمع الأمراء الغزية بقدومه ساروا من مرو ~~إلى طريقه، فالتقوه بنيسابور، وأكرموه وعظموه، وجخل نيسابور، واتصلت به ~~العساكر الغزية، واجتمعوا عنده في الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة أربع ~~وخمسين وخمسمائة. PageV05P0068 # ثم إن السلطان محمودا سار من جرجان إلى خراسان في الجيوش التي معه من ~~الأمراء السنجرية، وتخلف عه المؤيد أي أبه، فوصل إلى حدود النسا وأبيورد، ~~وأقطع نسا لأمير اسمه عمر بن حمزة النسوي، فقام في حفظها المقام المرضي، ~~ومنع عنها أيدي المفسدين، وأقام السلطان محمود بظاهر نسا حتى انسلخ جمادى ~~الآخرى من السنة. ولما كان الغز بنيسابور هذه السنة أرسلوا إلى أهل طوس ~~يدعونهم إلى الطاعة والموافقة فامتنع أهل رايكان من إجابتهم إلى ذلك، ~~واغتروا بسور بلدهم وبما عندهم من الشجاعة والقوة والعدة الوافرة والذخائر ~~الكثيرة، فقصدها طائفة من الغز وحصروهم، وملكوا البلد، وقتلوا فيهم ونهبوا ~~وأكثروا، ثم عادوا إلى نيسابور، وساروا مع جلال الدين محمد ابن السلطان ~~محمود الخان إلى بيهق، وحصروا سابزوار سابع عشر جمادى الآخرى ms4026 سنة أربع ~~وخمسين وخمسمائة، فامتنع أهلها عليهم وقام بأمرهم النقيب عماد الدين بن ~~محمد بن يحيى العلوي الحسيني، نقيب العلويين، واجمعوا معه، ورجعوا إلى أمره ~~ونهيه، ووقفوا عند إشارته، فامتنعوا على الغز، وحفظوا البلد منهم، وصبروا ~~على القتال. فلما رأى الغز امتناعهم عليهم وقوتهم أرسلوا إليهم يطلبون ~~الصلح، فاصطلحوا، ولم يقتل من أهل سابزوار، في تلك الحروب، غير رجل واحد، ~~ورحل الملك جلال الدين والغز عن سابزوار في السابع والعشرين من جمادى ~~الآخرة سنة أربع وخمسين وخمسمائة، وساروا إلى نسا وأبيورد. ### || AUT ذكر أسر المؤيد وخلاصه # قد ذكرنا أن المؤيد أي أبه تخلف عن السلطان ركن الدين محمود بن محمد ~~بجرجان، فلما كان الآن سار من جرجان إلى خراسان، فنزل بقرية من قرى خبوشان، ~~اسمها زانك، وبها حصن، فسمع الغز بوصوله إلى زانك، فساروا إليه وحصروه بها، ~~فخرج منه هاربا، فرآه واحد من الغز، فأخذه، فوعده بمال جزيل إن أطلقه، فقال ~~الغزي: وأين المال؟ فقال: هو مودع في بعض هذه الجبال. فسار هو والغزي، ~~فوصلا إلى جدار قرية فيها بساتين وعيون، فقال للفارس: المال هاهنا؛ وصعد ~~الجدار ونزل من ظهره ومضى هاربا، فرأى الغز قد ملأوا الأرض، فدخل قرية، ~~فعرفه طحان فيها، فأعلم زعيم القرية به، وطلب منه مركبا، فأتاه بما أراد، ~~وأعانه على الوصول إلى نيسابور، فوصل إليها، واجتمعت عليه العساكر وقوي ~~أمره وعاد إلى حاله، وأحسن إلى الطحان، وبالغ في الإحسان إليه. ### || AUT ذكر اجتماع السلطان محمود مع الغز # ### || AUT وعودهم إلى نيسابور # لما عاد الغز ومعهم الملك محمد بن محمود الخان إلى نسا وأبيورد، كما ~~ذكرناه، خرج والده السلطان محمود الجان، وكان هناك فيمن معه من العساكر ~~الخراسانية، فاجتمع بهم واتفقت الكلمة على طاعته،وأراد عمارة البلاد ~~وحفظها، فلم يقدر على ذلك، فلما اجتمعوا ساروا إلى نيسابور، وبها المؤيد أي ~~أبه، في شعبان، فلما سمع بقربهم منه رحل عنها إلى خواف في السادس عشر منه، ~~ووصلوا إليها في الحادي والعشرين منه ونزلوا فيه، وخافهم الناس خوفا عظيما، ~~فلم ms4027 يفعلوا بهم شيئا، وساروا عنها في السادس والعشرين منه إلى سرخس ومرو، ~~وكان بها الفقيه المؤيد بن الحسين الموفقي، رئيس الشافعية، وله بيت قديم، ~~وهو من أحفاد الإمام أبي سهل الصعلوكي، وله مصاهرة إلى بيت أبي المعالي ~~الجويني، وهو المقدم في البلد والمشار إليه، وله من الأتباع ما لا يحصى. ~~فاتفق أن بعض أصحابه قتل إنسانا من الشافعية، اسمه أبو الفتوح الفستقاني، ~~خطأ، وأبو الفتوح هذا له تعلق بنقيب العلويين بنيسابور، وهو ذخر الين أبو ~~القاسم زيد بن الحسن الحسيني، وكان هذا النقيب هو الحاكم هذه المدة في ~~نيسابور، فغضب من ذلك وأرسل إلى الفقيه المؤيد يطلب منه القاتل ليقتص منه، ~~ويتهدده إن لم يفعل، فامتنع المؤيد من تسليمه، وقال: لا مدخل لك مع ~~أصحابنا، إنما حكمك على الطائفة العلويين؛ فجمع النقيب أصحابه ومن يتبعه ~~وقصد الشافعية، فاجتمعوا له وقاتلوه، فقتل منهم جماعة، ثم أن النقيب أحرق ~~سوق العطارين، وأحرقوا سكة معاذ أيضا وسكة باغ ظاهر، ودار إمام الحرمين أبي ~~المعالي الجويني، وكان الفقيه المؤيد الشافعي بها للصهر الذي بينهم. ~~PageV05P0069 # وعظمت المصيبة على الناس كافة، وجمع بعد ذلك المؤيد الفقيه جموعا من طوس ~~واسفرايين وجوين وغيرهم، وقتلوا واحدا من اتباع النقيب زيد يعرف بابن ~~الحاجي الأشناني، فأهم العلوية ومن معهم، فاقتتلوا ثامن عشر شوال من سنة ~~أربع وخمسين، وقامت الحرب على ساق وأحرقت المدارس والأسواق والمساجد وكثر ~~القتل في الشافعية، فالتجأ المؤيد إلى قلعة فرخك، وقصر باع الشافعية عن ~~القتال، ثم انتقل المؤيد إلى قرية من قرى طوس، وبطلت دروس الشافعية ~~بنيسابور، وخرب البلد وكثر القتل فيه. ### || AUT ذكر حصر صاحب ختلان ترمذ # ### || AUT وعوده وموته # في هذه السنة، في رجب، سار الملك أبو شجاع فرخشاه وهو يزعم أنه من أولاد ~~بهرام جور، وقد تقدم ذكره أيام كسرى أبرويز، إلى ترمذ وحصرها. وكان سبب ذلك ~~أنه في طاعة السلطان سنجر. فلما خرج عليه الغز طلبه ليحضر معه حربه لهم، ~~فجمع عسكره، وأظهر أنه واصل فيمن عنده من العساكر إليه، وأقام ms4028 ينتظر ما ~~يكون منه، فلما ظفر حضر، وقال له: سبقتني بالحرب؛ وإن كان الظفر للغز قال: ~~إنما تأخرت محبة وإرادة أن تملكوا! فلما انهزم سنجر، وكان ما ذكرناه، بقي ~~إلى الآن، فسار إلى ترمذ ليحصرها، فجمع صاحبها فيروز شاه أحمد بن أبي بكر ~~بن قماج عسكره، ولقيه ليمنعه، فاقتتلوا فانهزم فيروزشاه، ومضى منهزما لا ~~يلوي على شيء، فأصابه في الطريق قولنج فمات منه. ### || AUT ذكر عود المؤيد إلى نيسابور # ### || AUT وتخريب ما بقي مها # في هذه السنة عاد المؤيد أي أبه إلى نيسابور في عساكره ومعه الإمام ~~المؤيد الموفقي الشافعي الذي تقدم ذكر الفتنة بينه وبين ذخر الدين نقيب ~~العلويين وخروجه من نيسابور، فلما خرج منها صار مع المؤيد وحضر معه حصار ~~نيسابور، وتحصن النقيب العلوي بشارستان واشتد الخطب وطالت الحرب وسفكت ~~الدماء وهتكت الأستار وخربوا ما بقي من نيسابور من الدور وغيرها، وبالغ ~~الشافعية ومن معهم بالانتقام فخربوا المدرسة الصندلية لأصحاب أبي حنيفة ~~وخربوا غيرها وحصروا قهندز، وهذه الفتنة استأصلت نيسابور، ثم رحل المؤيد أي ~~أبه عنها إلى بيهق في شوال من سنة أربع وخمسين وخمسمائة؛ كان ينبغي أن تكون ~~هذه الحوادث الغزية الواقعة سنة أربع وخمسين مذكورة في سنتها وإنما قدمناها ~~هاهنا ليتلو بعضها بعضا فيكون أحسن لسياقتها. ### || AUT ذكر ملك ملكشاه خوزستان # في هذه السنة ملك ملكشاه ابن السلطان محمود بلد خوزستان وأخذه من شملة ~~التركماني، وسبب ذلك أن الملك محمدا بن السلطان محمود لما عاد من حصار ~~بغداد، كما ذكرناه، مرض وبقي مريضا في همذان، ومضى أخوه ملكشاه إلى قم ~~وقاشان وما والاها، فنهبها جميعها، وصادر أهلها وجمع أموالا كثيرة، فراسله ~~أخوه محمد شاه يأمرم بالكف عن ذلك ليجعله ولي عهده في الملك، فلم يفعل، ~~ومضى إلى أصفهان، فلما قاربها أرسل رسولا إلى ابن الخجندي وأعيان البلد في ~~تسليم البلد إليه، فامتنعوا من ذلك، وقالوا لأخيك في رقابنا يمين، ولا نغدر ~~به، فحينئذ شرع ملكشاه في الفساد والمصادرة لأهل القرى. فلما سمع محمد شاه ~~الخبر سار ms4029 عن همذان، وعلى مقدمته كرد بازوه الخادم، فتفرقت جموع ملكشاه ~~فانهزم إلى بغداد، فلم يتبعه محمد شاه لمرضه، فنزل ملكشاه عند قرمسين، فلحق ~~به قويدان، وكان قد فارق المقتفي لأمر الله، واتفق مع سنقر الهمذاني، فلحق ~~كلاهما به، وحسنا له قصد بغداد، فسار عن بلد خزستان إلى واسط، ونزل بالجانب ~~الشرقي، وهم على غاية الضر من الجوع ومن البرد، فنهبوا القرى نهبا فاحشا، ~~ففتح بثق بتلك الناحية فغرق منهم كثير، ونجا ملكشاه ومن سلم معه، وساروا ~~إلى خوزستان، فمنعه شملة من العبور، فراسله ليمكنه من العبورإلى أخيه الملك ~~محمد شاه، فلم يجبه إلى ذلك، وكاتب حينئذ الأكراد الكر الذين هناك، ~~واستدعاهم إليه، ففرحوا به، ونزل إليه من تلك الجبال خلق كثير، فأطاعوه، ~~فرحل ونزل على كرخايا، وطلب من شملة الحرب، فألان له شملة القول، وقال: أنا ~~أخطب لك وأكون معك؛ فلم يقبل منه، فاضطر شملة إلى الحرب، فجمع عسكره وقصده، ~~فلقيه ملكشاه ومعه سنقر الهمذاني وقويدان، وغيرهما من الأمراء، فاقتتلوا ~~فانهزم شملة، وقتل كثير من أصحابه، وصعد إلى قلعة دندرزين، وملك ملك شاه ~~البلاد، وجبى الأموال الكثيرة وأظهر العدل وتوجه إلى أرض فارس. ### || AUT ذكر الحرب بين التركمان والإسماعيلية بخراسان # PageV05P0070 # كان بنواحي قهستان طائفة من التركمان، فنزل إليهم جمع من الإسماعيلية من ~~قلاعهم، وهم ألف وسبعمائة، فأوقعوا بالتركمان، فلم يجدوا الرجال، وكانوا قد ~~فارقوا بيوتهم، فنهبوا الأموال، وأخذوا النساء والأطفال، وأحرقوا ما لم ~~يقدروا على حمله. وعاد التركمان ورأوا ما فعل بهم، فتبعوا أثر الإسماعيلية، ~~فأدركوهم وهم يقتسمون الغنيمة، فكبروا وحملوا عليهم، ووضعوا فيهم السيف، ~~فقتلوهم كيف شاؤوا، فانهزم الإسماعيلية وتبعهم التركمان حتى أفنوهم قتلا ~~وأسرا، ولم ينج إلا تسعة رجال. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كثر فساد التركمان أصحاب برجم الإيوائي بالجبل، فسير إليهم ~~من بغداد عسكر مقدمهم منكبرس المسترشدي، فلما قاربهم اجتمع التركمان، ~~فالتقوا واقتتلوا هم ومنكبرس، فانهزم التركمان أقبح هزيمة، وقتا بعضهم ، ~~وأسر بعض، وحملت الرؤوس والأسارى إلى بغداد. وفيها حج الناس، فلما وصلوا ~~إلى ms4030 مدينة النبي، صلى الله عليه وسلم، أتاهم الخبر أن العرب قد اجتمعت ~~لتأخذهم، فتركوا الطريق وسلكوا طريق خيبر، فوجدوا مشقة شديدة، ونجوا من ~~العرب. وفيها توفي الشيخ نصر بن منصور بن الحسين العطار أبو القاسم ~~الحراني، ومولده بحران سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وأقام ببغداد وكثر ماله ~~وصدقاته أيضا، وكان يقرأ القرآن؛ وهو والد ظهير الدين الذي حكم في دولة ~~المستضيء بالله على ما نذكره إنشاء الله. وفيها توفي أبو الوقت عبد الأول ~~بن عيسى بن شعيب السجزي ببغداد، وهو سجزي الأصل، هروي المنشأ، وكان قدم إلى ~~بغداد سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة يريد الحج، فسمع الناس به عليه صحيح ~~البخاري؛ وكان عالي الأسناد، فتأخر لذلك عن الحج، فلما كان هذه السنة عزم ~~على الحج فمات. وفيها توفي يحيى بن سلامة بن الحسن بن محمد أبو الفضل ~~الحصكفي الأديب بميافارقين، وله شعر حسن ورسائل جيدة مشهورة، وكان يتشيع؛ ~~ومولده بطنزة، فمن شعره. وخليع بت اعذله ... ويرى عذلي من العبث قلت: إن ~~الخمر مخبثة ... قال: حاشاها من الخبث قلت: فالأرفاث تتبعها ... قال: طيب ~~العيش في الرفث قلت: منها القيء، قال: أجل ... شرفت عن مخرج الحدث ~~وسأسلوها، فقلت: متى؟ ... قال: عند الكون في الجدث ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وخمسين وخمسمائة # ### | AUT ذكر ملك عبد المؤمن مدينة المهدية من الفرنج وملكه جميع إفريقية # قد ذكرنا سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ملك الفرنج مدينة المهدية من صاحبها ~~الحسن بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي، وقد ذكرنا أيضا سنة إحدى وخمسين ~~ما فعله الفرنج بالمسلمين في زويلة المدينة المجاورة للمهدية من القتل ~~والنهب، فلما قتلهم الفرنج، ونهبوا أموالهم، هرب منهم جماعة وقصدوا عبد ~~المؤمن صاحب المغرب، وهو بمراكش، يستجيرونه، فلما وصلوا إليه ودخلوا عليه ~~أكرمهم، وأبروه بما جرى على المسلمين، وأنه ليس من ملوك الإسلام من يقصد ~~سواه، ولا يكشف هذا الكرب غيره، فدمعت عيناه وأطرق، ثم رفع رأسه وقال: ~~أبشروا، لأنصرنكم ولو بعد حين. وأمر بإنزالهم وأطلق لهم ألفي دينار، ثم أمر ~~بعمل الروايا والقرب ms4031 والحياض وما يحتاج إليه العسكر في السفر، وكتب إلى ~~جميع نوابه في المغرب، وكان قد ملك إلى قريب تونس، يأمرهم بحفظ ما يتحصل من ~~الغلات، وأن يترك في سنبله، ويخزن في مواضعه، وأن يحفروا الأبار في الطرق، ~~ففعلوا جميع ما أمرهم به، وجمعوا الغلات ثلاث سنين ونقلوها إلى المنازل، ~~وطينوا عليها، فصارت كأنها تلال. فلما كان في صفر من هذه السنة سار عن ~~مراكش، وكان أكثر أسفاره في صفر، فسار يطلب إفريقية، واجتمع من العساكر ~~مائة ألف مقاتل، ، ومن الأتباع والسوقة أمثالهم، وبلغ من حفظه لعساكره أنهم ~~كانوا يمشون بين الزروع فلا تتأذى منهم سنبلة، وإذا نزلوا صلوا جميعهم مع ~~إمام واحدد بتكبيرة واحدة، لا يتخلف منهم أحد كائن من كان. PageV05P0071 # وقدم بين يديه الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي، ~~الذي كان صاحب المهدية وإفريقية، وقد ذكرنا سبب مصيره عند عبد المؤمن، فلم ~~يزل يسير إلى أن وصل إلى مدينة تونس في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة من ~~السنة، وبها صاحبها أحمد بن خراسان، وأقبل أسطوله في البحر في سبعين شينيا ~~وطريدة وشلندى، فلما نازلها أرسل إلى أهلها يدعوهم إلى طاعته، فامتنعوا، ~~فقاتلهم من الغد أشد قتال، فلم يبق إلا أخذها، ودخول الأسطول إليها، فجاءت ~~ريح عاصف منعت الموحدين من دخول البلد، فرجعوا ليباكروا القتال ويملكوه. ~~فلما جن الليل نزل سبعة عشر رجلا من أعيان أهلها إلى عبد المؤمن يسألونه ~~الأمان لأهل بلدهم، فأجابهم إلى الأمان لهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم ~~لمبادرتهم إلى الطاعة، وأما ما عداهم من أهل البلد فيؤمنهم في أنفسهم ~~وأهاليهم، ويقاسمهم على أموالهم وأملاكهم نصفين، وأن يخرج صاحب البلد هو ~~وأهله؛ فاستقر ذلك، وتسلم البلد، وأرسل إليه من يمنع العسكر من الدخول، ~~وأرسل أمناءه ليقاسموا الناس على أموالهم، وأقام عليها ثلاثة أيام، وعرض ~~الإسلام على من بها من اليهود والنصارى، فمن أسلم سلم، ومن امتنع قتل، ~~وأقام أهل تونس بها بأجرة تؤخذ عن نصف مساكنهم. وسار عبد المؤمن منها إلى ms4032 ~~المهدية والأسطول يحاذيه في البحر، فوصل إليها ثامن عشر رجب، وكان حينئذ ~~بالمهدية أولاد ملوك الفرنج وأبطال الفرسان، وقد أخلوا زويلة، وبينها وبين ~~المهدية غلوة سهم، فدخل عبد المؤمن زويلة، وامتلأت بالعساكر والسوقة فصارت ~~مدينة معمورة في ساعة، ومن لم يكن له موضع من العسكر نزل بظاهرها، وانضاف ~~إليه من صنهاجة والعرب وأهل البلاد ما يخرج عن الإحصاء، وأقبلوا يقاتلون ~~المهدية مع الأيام، فلا يؤثر فيها لحصانتها وقوة سورها وضيق موقع القتال ~~عليها، لأن البحر دائر بأكثرها، فكأنها كف في البحر، وزندها متصل بالبر. ~~وكانت الفرنج تخرج شجعانهم إلى أطراف العسكر، فتنال منه وتعود سريعا؛ فأمر ~~عبد المؤمن أن يبنى سور من غرب المدينة يمنعهم من الخروج، وأحاط الأسطول ~~بها في البحر، وركب عبد المؤمن في شيني، ومعه الحسن ابن علي الذي كان ~~صاحبها، وطاف بها في البحر، فهاله ما رأى من حصانتها، وعلم أنها لا تفتح ~~بقتال برا ولا بحرا، وليس لها إلا المطاولة، وقال للحسن: كيف نزلت عن مثل ~~هذا الحصن؟ فقال: لقلة ما يوثق به، وعدم القوت، وحكم القدر. فقال: صدقت! ~~وعاد من البحر، وأمر بجمع الغلات والأقوات وترك القتال، فلم يمض غير قليل ~~حتى صار في العسكر كالجبلين من الحنطة والشعير، فكان من يصل إلى العسكر من ~~بعيد يقولون: متى حدثت هذه الجبال هاهنا؟ فيقال لهم: هي حنطة وشعير؛ ~~فيعجبون من ذلك. وتمادى الحصار، وفي مدته أطاع سفاقس عبد المؤمن، وكذلك ~~مدينة طرابلس، وجبال نفوسة، وقصور إفريقية وما والاها، وفتح مدينة قابس ~~بالسيف، وسير ابنه أبا محمد عبد الله في جيش ففتح بلادا، ثم أن أهل مدينة ~~قفصة لما رأوا تمكن عبد المؤمن أجمعوا على المبادرة إلى طاعته، وتسليم ~~المدينة إليه، فتوجه صاحبها يحيى بن تميم بن المعز، ومعه جماعة من أعيانها، ~~وقصدوا عبد المؤمن، فلما أعلمه حاجبه بهم قال له عبد المؤمن: قد اشتبه ~~عليك، ليس هؤلاء أهل قفصة؛ فقال له: لم يشتبه علي؛ قال له عبد المؤمن: كيف ~~يكون ذلك والمهدي يقول إن أصحابنا ms4033 يقطعون أشجارها ويهدمون أسوارها، ومع هذا ~~فنقبل منهم ونكف عنهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا.فأرسل إليهم طائفة من ~~أصحابه، ومدحه شاعر بقصيدة أولها: ما هز عطفيه بين البيض والأسل ... مثل ~~الخليفة عبد المؤمن بن علي PageV05P0072 # فوصله بألف دينار، ولما كان في الثاني والعشرين من شعبان، من السنة جاء ~~اسطول صاحب صقلية في مائة وخمسين شينيا غير الطرائد، وكان قدومه من جزيرة ~~يابسة من بلاد الأندلس وقد سبى أهلها وأسرهم وحملهم معه، فأرسل إليهم ملك ~~الفرنج يأمرهم بالمجيء إلى المهدية، فقدموا في التاريخ، فلما قاربوا ~~المهدية حطوا شراعهم ليدخلوا الميناء، فخرج إليهم أسطول عبد المؤمن، وركب ~~العسكر جميعه، ووقفوا على جانب البحر، فاستعظم الفرنج ما رأوه من كثرة ~~العساكر، ودخل الرعب قلوبهم، وبقي عبد المؤمن يمرغ وجهه على الأرض، ويبكي ~~ويدعوا للمسلمين بالنصر، واقتتلوا في البحر، فانهزمت شواني الفرنج، وأعادوا ~~القلوع، وتبعهم المسلمون، فأخذوا منهم سبع شوان، ولو كان معهم قلوع لأخذوا ~~أكثرها، وكان أمرا عجيبا، وفتحا قريبا. وعاد أسطول المسلمين مظفرا منصورا، ~~وفرق فيهم عبد المؤمن الأموال؛ ويئس أهل المهدية حينئذ من النجدة، وصبروا ~~على الحصار ستة أشهر إلى آخر شهر ذي الحجة من السنة، فنزل حينئذ من فرسان ~~الفرنج إلى عبد المؤمن عشرة، وسألوا الأمان لمن فيها من الفرنج على أنفسهم ~~وأموالهم ليخرجوا منها ويعودوا إلى بلادهم، وكان قوتهم قد فني حتى أكلوا ~~الخيل، فعرض عليهم الإسلام، ودعاهم إليه فلم يجيبوا، ولم يزالوا يترددون ~~إليه أياما واستعطفوه بالكلام اللين، فأجابهم إلى ذلك، وأمنهم وأعطاهم سفنا ~~فركبوا فيها وساروا، وكان الزمان شتاء، فغرق أكثرهم ولم يصل منهم إلى صقلية ~~غلا النفر اليسير. وكان صاحب صقلية قد قال: إن قتل عبد المؤمن أصحابنا في ~~المهدية قتلنا المسلمين الذين هم بجزيرة صقلية، وأخذنا حرمهم وأموالهم؛ ~~فأهلك الله الفرنج غرقا، وكانت مدة ملكهم المهدية اثنتي عشرة سنة. ودخل عبد ~~المؤمن المهدية بكرة عاشوراء من المحرم سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وسماها ~~عبد المؤمن سنة الأخماس، وأقام بالمهدية عشرين يوما، فرتب أحوالها، وأصلح ~~ما انثلم ms4034 من سورها، ونقل إليها الذخائر من القوات والرجال والعدد، واستعمل ~~عليها بعض أصحابه، وجعل معه الحسن بن علي الذي كان صاحبها، وأمره أن يقتدي ~~برأيه في أفعاله، وأقطع الحسن بها أقطاعا، وأعطاه دورا نفيسة يسكنها، وكذلك ~~فعل بأولاده، ورحل من المهدية أول صفر من السنة إلى بلاد الغرب. ### || AUT ذكر إيقاع عبد المؤمن بالعرب # لما فرغ عبد المؤمن من أمر المهدية وأراد العود إلى الغرب جمع أمراء ~~العرب من بني رياح الذين كانوا بإفريقية، وقال لهم: قد وجبت علينا نصرة ~~الإسلام، فإن المشركين قد استفحل أمرهم بالأندلس، واستولوا على كثير من ~~البلاد التي كانت بأيدي المسلمين، وما يقاتلهم أحد مثلكم، فبكم فتحت البلاد ~~أول الإسلام، وبكم يدفع عنها العدو الآن، ونريد منكم عشرة ألاف فارس من أهل ~~النجدة والشجاعة يجاهدون في سبيل الله. فأجابوا بالسمع والطاعة، فحلفهم على ~~ذلك بالله تعالى، وبالمصحف، فحلفوا، ومشوا معه إلى مضيق جبل زغوان. وكان ~~منهم إنسان يقال له يوسف بن مالكن وهو من أمرائهم ورؤوس القبائل فيها، فجاء ~~إلى عبد المؤمن بالليل وقال له سرا: إن العرب قد كرهت المسير إلى الأندلس، ~~وقالوا ما غرضه إلا إخراجنا من بلادنا، وإنهم لا يفون بما حلفوا عليه؛ ~~فقال: يأخذ الله، عز وجل الغادر. فلما كانت الليلة الثانية هربوا إلى ~~عشائرهم، ودخلوا البر، ولم يبق منهم إلا يوسف بن مالك، فسماه عبد المؤمن ~~يوسف الصادق. ولم يحدث عبد المؤمن في أمرهم شيء، وسار مغريا يحث السير حتى ~~قرب القسنطينة، فنزل في موضع خصب يقال له. وادي النساء، والفصل ربيع، ~~والكلأ مستحسن، فأقام به وضبط الطرق، فلا يسير من العسكر أحد البتة، ودام ~~ذلك عشرين يوما، فبقي الناس في جميع البلاد لا يعرفون لهذا العسكر خبرا مع ~~كثرته وعظمه، ويقولون: ما أزعجه إلا خبر وصله من الأندلس، فحث لأجله السير، ~~فعادت العرب الذين جفلوا منه من البرية إلى البلاد لما أمنوا جانبه، وسكنوا ~~البلاد التي ألفوها، واستقروا في البلاد. فلما علم عبد المؤمن برجوعهم جهز ~~إليهم ولديه أبا ms4035 محمد وأبا عبد الله في ثلاثين ألف مقاتل من أعيان الموحدين ~~وشجعانهم، فجدوا السير، وقطعوا المفاوز، فما شعر العرب إلا والجيش قد أقبل ~~بغتة من ورائهم، من جهة الصحراء، ليمنعوهم الدخول إليها إن راموا ذلك. ~~PageV05P0073 # وكانوا قد نزلوا جنوبا من القيروان عند جبل يقال له جبل القرن، وهم زهاء ~~ثمانين ألف بيت، والمشاهير من مقدميهم: أبو محفوظ محرز بن زياد، ومسعود بن ~~زمام، وجبارة بن كامل، وغيرهم، فلما أطلت عليهم عساكر عبد المؤمن أضطربوا، ~~واختلفت كلمتهم، ففر مسعود وجبارة بن كامل ومن معهما من عشائرهما، وثبت ~~محرز بن زياد، وأمرهم بالثبات والقتال ، فلم يلتفتوا إليه، فثبت هو ومن معه ~~من جمهور العرب ، فناجزهم الموحدون القتال في العشر الأوسط من ربيع الآخر ~~من السنة، وثبت الجمعان، واشتد العراك بينهما وكثر القتل، فاتفق أن محرز بن ~~زياد قتل، ورفع رأسه على رمح، فانهزمت جموع العرب عند ذلك، وأسلموا البيوت ~~والحريم والأولاد والأموال، وحمل جميع ذلك إلى عبد المؤمن وهو بذلك المنزل، ~~فأمر بحفظ النساء العربيات الصرائح، وحملهن معه تحت الحفظ والبر والصيانة ~~إلى بلاد الغرب، وفعل معهم مثل ما فعل في حريم الأبثج. ثم أقبلت إليه وفود ~~رياح مهاجرين في طلب حريمهم كما فعل الأبثج، فأجمل الصنيع لهم، ورد الحريم ~~إليهم، فلم يبق منهم أحد إلا وصار عنده، وتحت حكمه، وهو يخفض لهم الجناح ~~ويبذل فيهم الإحسان، ثم إنه جهزهم إلى ثغور الأندلس على الشرط الأول، وجمعت ~~عظام العرب المقتولين في هذه المعركة عند جبل القرن، فبقيت دهرا طويلا ~~كالتل العظيم يلوح للناظرين من مكان بعيد، وبقيت إفريقية مع نواب عبد ~~المؤمن آمنة ساكنة لم يبق فيها من أمراء العرب خارجا عن طاعته إلا مسعود بن ~~زمام، وطائفته في أطراف البلاد. ### || AUT ذكر غرق بغداد # في هذه السنة ، ثامن ربيع الآخر، كثرت الزيادة في دجلة، وخرق القورج فوق ~~بغداد، وأقبل الد إلى البلد، فامتلأت الصحاري وخندق البلد، وأفسد الماء ~~السور وأحدث فيه فتحة يوم السبت تاسع عشر الشهر، فوقع بعض السور عليها ms4036 ~~فسدها، ثم فتح الماء فتحة أخرى، وأهملوها ظنا أنها تنفث عن السور لئلا يقع، ~~فغلب الماء، وتعذر سده، فغرق قراح ظفر، والأجمة، والمختارة، والمقتدية، ~~ودرب القبار، وخرابة ابن جردة، والريان، وقراح القاضي، وبعض القطيعة، وبعض ~~باب الأزج، وبعض المأمونية، وقراح أبي الشحم، وبعض قراح ابن رزين، وبعض ~~الظفرية. ودب الماء تحت الأرض إلى أماكن فوقعت وأخذ الناس يعبرون إلى ~~الجانب الغربي، فبلغت المعبرة عدة دنانير، ولم يكن يقدر عليها، ثم نقص ~~الماء وتهدم السور وبقي الماء الذي داخل السور يدب في المحال التي لم ~~يركبها الماء، فكثر الخراب، وبقيت المحال لا تعرف إنما هي تلول، فأخذ الناس ~~حدود دورهم بالتخمين. وأما الجانب الغربي فغرقت فيه مقبرة أحمد بن حنبل ~~وغيرها من المقابر، وانخسفت القبور المبنية، وخرج الموتى على رأس الماء، ~~وكذلك المشهد والحربية، وكان أمرا عظيما. ### || AUT ذكر عود سنقر الهمذاني إلى اللحف وانهزامه # في هذه السنة عاد سنقر الهمذاني إلى إقطاعه، وهو قلعة الماهكي وبلد ~~اللحف، وكان الخليفة قد أقطعه للأمير قايماز العميدي، ومعه أربعمائة فارس، ~~فأرسل إليه يقول له: ارحل عن بلدي؛ فامتنع، فسار إليه، وجرى بينهم قتال ~~شديد انهزم فيه العميدي، ورجع إلى بغداد بأسوء حال. فبرز الخليفة، وسار في ~~عساكره إلى سنقر، فوصل إلى العمانية وسير العساكر مع ترشك ورجع إلى بغداد، ~~ومضى ترشك نحو سنقر الهمذاني، فتوغل سنقر في الجبال هاربا، ونهب ترشك ما ~~وجد له ولعسكره من مال وسلاح وغير ذلك، وأسر وزيره، وقتل من رأى من أصحابه، ~~ونزل على الماهكي وحصرها أياما، ثم عاد إلى البندنيجين، وأرسل إلى بغداد ~~بالبشارة. وأما سنقر فإنه لحق بملكشاه فاستنجده، فسير معه خمس مائة فارس، ~~فعاد ونزل على قلعة هناك، وأفسد أصحابه في البلاد، وأرسل ترشك إلى بغداد ~~يطلب نجدة، فجاءته، فأراد سنقر أن يكبس ترشكن فعرف ذلك، فاحترز، فعدل سنقر ~~إلى المخادعة، فأرسل رسولا إلى ترشك يطلب منه أن يصلح حاله مع الخليفة، ~~فاحتبس ترشك الرسول عنده وركب فيمن خف من أصحابه، فكبس سنقر ليلا، فانهزم ms4037 ~~هو وأصحابه، وكثر القتل فيهم، وغنم ترشك أموالهم ودوابهم وكل ما لهم ونجا ~~سنقر جريحا. ### || AUT ذكر الفتنة بين عامة استراباذ # PageV05P0074 # في هذه السنة وقع في استراباذ فتنة عظيمة بين العلويين ومن يتبعهم من ~~الشيعة وبين الشافعية ومن معهم. وكان سببها أن الإمام محمدا الهروي وصل إلى ~~استراباذ، فعقد مجلس الوعظ، وكان قاضيها أبو نصر سعد بن محمد بن إسماعيل ~~النعيمي شافعي المذهب أيضا فثار العلويين ومن يتبعهم من الشيعة بالشافعية ~~ومن يتبعهم باستراباذ، ووقعت بين الطائفتين فتنة عظيمة انتصر فيها ~~العلويون، فقتل من الشافعية جماعة، وضرب القاضي ونهبت داره ودور من معه، ~~وجرى عليهم من الأمور الشنيعة ما لا حد عليه. فسمع شاه مازندران الخبر ~~فاستعظمه، وأنكر على العلويين فعلهم، وبالغ في الإنكار مع أنه شديد التشيع، ~~وقطع عنهم جرايات كانت لهم، ووضع الجبايات والمصادرات على العامة، فتفرق ~~كثير منهم وعاد القاضي إلى منصبه وسكنت الفتنة. ### || AUT ذكر وفاة الملك محمد بن محمود بن ملكشاه # في هذه السنة، في ذي الحجة، توفي السلطان محمد بن محمود بن محمد، وهو ~~الذي حاصر بغداد طالبا السلطنة وعاد عنها، فأصابه سل، وطال بهن فمات بباب ~~همذان، وكان مولده في ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. فلما حضره ~~الموت أمر العساكر فركبت وأحضر أمواله وجواهره وحظاياه ومماليكه، فنظر إلى ~~الجميع من طيارة تشرف على ما تحتها، فلما رآه بكى، وقال: هذه العساكر ~~والأموال والمماليك والسراري ما أرى يدفعون عني مقدار ذرة، ولا يزيدون في ~~أجلي لحظة. وأمر بالجميع فرفع بعد أن فرق منه شيئا كثيرا. وكان حليما كريما ~~عاقلا كثير التأني في أموره؛ وكان له ولد صغير، فسلمه إلى آقسنقر الأحمديلي ~~وقال له: أنا أعلم أن العساكر لا تطيع مثل هذا الطفل، وهو وديعة عندك، ~~فارحل به إلى بلادك. فرحل إلى مراغة، فلما مات اختلفت الأمراء، فطائفة ~~طلبوا ملكشاه أخاه، وطائفة طلبوا سليمان شاه، وهم الأكثر، وطائفة طلبوا ~~أرسلان الذي مع إيلدكز؛ فإما ملكشاه فإنه سار من خوزستان، ومعه دكلا صاحب ~~فارسن وشملة ms4038 التركماني وغيرهما، فوصل إلى أصفهان، فسلمها إليه ابن الخجندي، ~~وجمع له مالا أنفقه عليه، وأرسل إلى العساكر بهمذان يدعوهم إلى طاعته، فلم ~~يجيبوه لعدم الاتفاق بينهم، ولأن أكثرهم كان يريد سليمان شاه. ### || AUT ذكر أخذ حران من نور الدين # ### || AUT وعوده إليها # في هذه السنة مرض نور الدين محمود بن زنكي، صاحب حلب، مرضا شديدا وأرجف ~~بموته؛ وكان بقلعة حلب، ومعه أخوه الأصغر أمير أميران، فجمع الناس وحصر ~~القلعة، وكان شيركوه، وهو أكبر أمرائه بحمص، فبلغه خبر موته، فسار إلى دمشق ~~ليتغلب عليها وبها أخوه نجم الدين أيوب، فأنكر عليه أيوب ذلك وقال: ~~أهلكتنا! والمصلحة أن تعود إلى حلب، فإن كان نور الدين حيا خدمته في هذا ~~الوقت، وإن كان قد مات فإنا في دمشق نفعل ما نريد من ملكها، فعاد إلى حلب ~~مجدا وصعد القلعة، وأجلس نور الدين في مكان يراه فيه الناس، وكلمهم، فلما ~~رأوه حيا تفرقوا عن أخيه أمير أميران، فسار إلى حران فملكها. فلما عوفي نور ~~الدين قصد حران ليخلصها، فهرب أخوه منه، وترك أولاده بحران في القلعة، ~~فملكها نور الدين، وسلمها إلى زين الدين علي نائب أخيه قطب الدين، صاحب ~~الموصل، ثم سار نور الدين بعد أخذ حران إلى الرقة، وبها أولاد أميرك ~~الجاندار، وهو من أعيان الأمراء، وقد توفي وبقي أولاده، فنازلها، فشفع ~~جماعة من الأمراء فيهم، فغضب من ذلك، وقال: هلا شفعتم في أولاد أخي لما ~~أخذت منهم حران، وكانت الشفاعة فيهم من أحب الأشياء إلي! فلم يشفعهم وأخذها منهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة مرض الخليفة المقتفي لأمر الله، واشتد مرضه، وعوفي فضربت ~~البشائر ببغداد، وفرقت الصدقات من الخليفة ومن أرباب الدولة، وغلق البلد ~~أسبوعا. وفيها عاد ترشك إلى بغداد، ولم يشعر به أحد إلا وقد ألقى نفسه تحت ~~التاج ومعه سيف وكفن، وكان قد عصى الخليفة والتحق بالعجم، فعاد الآن فرضي ~~عنه، وأذن له في دخول دار الخلافة وأعطي مالا. PageV05P0075 # وفيها، في جمادى الأولى، أرسل محمد بن أنز صاحب ms4039 قهستان عسكرا إلى بلد ~~الإسماعيلية ليأخذ نهم الخراج الذي عليهم، فنزل عليهم الإسماعيلية من ~~الجبال، فقتلوا كثيرا من العسكر، وأسروا الأمير الذي كان مقدما عليهم اسمه ~~قتيبة، وهو صهر ابن أنز، فبقي أسيرا عندهم عدة شهور، حتى زوج ابنته من رئيس ~~الإسماعيلية علي بن الحسن، وخلص من الأسر. وفيها توفي شرف الدين علي بن أبي ~~القاسم منصور بن أبي سعيد الصاعدي قاضي نيسابور في شهر رمضان، وكان موته ~~بالري، ودفن في مقبرة محمد ابن الحسن الشيباني، صاحب أبي حنيفة، رضي الله ~~عنهما، وكان القاضي حنفيا أيضا. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وخمسين وخمسمائة # ### || AUT ذكر مسير سليمان شاه إلى همذان # في هذه السنة سار سليمان شاه من الموصل إلى همذان ليتولى السلطنة، وقد ~~تقدم سبب قبضه وأخذه إلى الموصل. وسبب مسيره إليها أن الملك محمدا ابن ~~السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه لما مات أرسل أكابر الأمراء من همذان إلى ~~أتابك قطب الدين مودود بن زنكي، صاحب الموصل، يطلبون منه إرسال الملك ~~سليمان شاه ابن السلطان محمد بن ملك شاه إليهم ليولوه السلطنة، فاستقرت ~~القاعدة بينهم أن يكون سليمان شاه سلطانا وقطب الدين أتابكه، وجمال الدين ~~وزير قطب الدين وزيرا للملك سليمان شاه، وزين الدين علي أمير العساكر ~~الموصلية مقدم جيش سليمان شاه، وتحالفوا على هذا وجهز سليمان شاه بالأموال ~~الكثيرة والبرك والدواب والآلات وغير ذلك مما يصلح للسلاطين، وسار ومعه زين ~~الدين علي في عسكر الموصل إلى همذان . فلما قاربوا بلاد الجبل أقبلت ~~العساكر إليهم إرسالا كل يوم يلقاه طائفة وأمير، فاجتمع مع سليمان شاه عسكر ~~عظيم، فخافهم زين الدين على نفسه لأنه رأى من تسلطهم على السلطان واطراحهم ~~للأدب معه ما أوجب الخوف منه، فعاد إلى الموصل، فحين عاد عنه لم ينتظم ~~أمره، ولم يتم له ما أراده، وقبض العسكر عليه بهمذان في شوال سنة ست ~~وخمسين، وخطبوا لأرسلان شاه ابن الملك طغرل، وهو الذي تزوج إيلدكز بأمه، ~~وسيذكر مشروحا إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر وفاة الفائز ms4040 وولاية العاضد العلويين # في هذه السنة، في صفر، توفي الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى بن ~~إسماعيل الظافر، صاحب مصر، وكانت خلافته ست سنين ونحو شهرين؛ وكان له لما ~~ولي خمس سنين، كما ذكرناه. ولما مات دخل الصالح بن رزيك القصر، واستدعى ~~خادما كبيرا، وقال له: من هاهنا يصلح للخلافة؟ فقال: هاهنا جماعة؛ وذكر ~~أسمائهم، وذكر له منهم إنسان كبير السن، فأمر بإحضاره، فقال له بعض أصحابه ~~سرا: لا يكون عباس أحزم منك حيث اختار الصغير وترك الكبار واستبد بالأمر؛ ~~فأعاد الصالح الرجل إلى موضعه، وأمر حينئذ بإحضار العاضد لدين الله أبي ~~محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ، ولم يكن أبوه خليفة، وكان العاضد في ذلك ~~الوقت مراهقا قارب البلوغ، فبايع له بالخلافة، وزوجه الصالح ابنته، ونقل ~~معها من الجهاز ما لا يسمع بمثله، وعاشت بعد موت العاضد وخروج الأمر من ~~العلويين إلى الأتراك وتزوجت ؟ ### || AUT ذكر موت الخليفة المقتفي لأمر الله # ### || AUT وشيء من سيرته # في هذه السنة، ثاني ربيع الأول، توفي أمير المؤمنين المقتفي لأمر الله ~~أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن المقتدي بأمر ~~الله، رضي الله عنه، بعلة التراقي؛ وكان مولده ثاني عشر ربيع الآخر سنة تسع ~~وثمانين وأربعمائة، وأمه أم ولد تدعى ياعي؛ وكانت خلافته أربعا وعشرين سنة ~~وثلاثة أشهر وستة عشر يوما، ووافق أباه المستظهر بالله في علة التراقي ~~وماتا جميعا في ربيع الأول. وكان حليما كريما عادلا حسن السيرة من الرجال ~~ذوي الرأي والعقل الكثير. وهو أول من استبد بالعراق منفردا عن سلطان يكون ~~معه من أول أيام الدليم إلى الآن، وأول خليفة تمكن من الخلافة وحكم على ~~عسكره وأصحابه من حين تحكم المماليك على الخلفاء من عهد المستنصر إلى الآن، ~~إلا أن يكون المعتضد، وكان شجاعا مقداما مباشرا للحروب بنفسه، وكان يبذل ~~الأموال العظيمة لأصحاب الأخبار في جميع البلاد حتى كان لا يفوته شيءمنها. ؟ ### || AUT ذكر خلافة المستنجد بالله # PageV05P0076 # وفي هذه السنة بويع المستنجد بالله أمير المؤمنين، ms4041 واسمه يوسف، وأمه أم ~~ولد تدعى طاووس، بعد موت والده؛ وكان للمقتفي حظية، وهي أم ولده أبي علي، ~~فلما اشتد مرض المقتفي وأيست منه أرسلت إلى جماعة من الأمراء وبذلت لهم ~~الإقطاعات الكثيرة والأموال الجزيلة ليساعدوها على أن يكون ولدها الأمير ~~أبو علي خليفة. قالوا: كيف الحيلة مع ولي العهد؟ فقالت: إذا دخل على والده ~~قبضت عليه. وكان يدخل على أبيه كل يوم. فقالوا: لا بد لنا من أحد من أرباب ~~الدولة؛ فوقع اختيارهم على ابي المعالي ابن الكيا الهراسي، فدعوه إلى ذلك، ~~فأجابهم على أن يكون وزيرا، فبذلوا له ما طلب. فلما استقرت القاعدة بينهم ~~وعلمت أم أبي علي أحضرت عدة من الجواري وأعطتهن السكاكين، وأمرتهن بقتل ولي ~~العهد المستنجد بالله. وكان له خصي صغير يرسله كل وقت يتعرف أخبار والده، ~~فرأى الجواري بأيديهن السكاكين، ورأى بيد أبي علي وأمه سيفين، فعاد إلى ~~المستنجد فأخبره، وأرسلت هي إلى المستنجد تقول له إن والده قد حضره الموت ~~ليحضر ويشاهده، فاستدعى أستاذ الدار عضد الدين وأخذه معه وجماعة من ~~الفراشين، ودخل الدار وقد لبس الدرع وأخذ بيده السيف، فلما دخل ثارت به ~~الجواري، فضرب واحدة منهن فجرحها، وكذلك أخرى، فصاح ودخل أستاذ الدار ومعه ~~الفراشون، فهرب الجواري وأخذ أخاه أبا علي وأمه فسجنهما، وأخذ الجواري فقتل ~~منهن، وغرق منهن ودفع الله عنه. فلما توفي المقتفي لأمر الله جلس للبيعة، ~~فبايعه أهله وأقاربه، وأولهم عمه أبو طالب، ثم أخوه أبو جعفر بن المقتفي، ~~وكان أكبر من المستنجد، ثم بايعه الوزير بن هبيرة، وقاضي القضاة، وأرباب ~~الدولة والعلماء، وخطب له يوم الجمعة، ونثرت الدراهم والدنانير. حكى عنه ~~الوزير عون الدين بن هبيرة أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ~~المنام منذ خمس عشرة سنة، وقال لي: يبقى أبوك في الخلافة خمس عشرة سنة؛ ~~فكان كما قال، صلى الله عليه وسلم. قال: ثم رأيته قبل موت أبي المقتفي ~~بأربعة أشهر، فدخل بي في باب كبير، ثم ارتقى إلى رأس جبل، وصلى ms4042 بي ركعتين، ~~ثم ألبسني قميصا، ثم قال لي: قل اللهم اهدني فيمن هديت؛ وذكر دعاء القنوت. ~~ولما ولي الخلافة أقر ابن هبيرة على وزارته وأصحاب الولايات على ولاياتهم، ~~وأزال المكوس والضرائب، وقبض على القاضي ابن الرخم وقال: وكان بئس الحاكم، ~~وأخذ منه مالا كثيرا، وأخذت كتبه فأحرق منها في الرحبة ما كان من علوم ~~الفلاسفة، فكان منها كتاب الشفاء لابن سينا، وكتاب أخوان الصفا، وما ~~شاكلهما، وقدم عضد الدين بن رئيس الرؤساء، وكان أستاذ الدار يمكنه، وتقدم ~~إلى الوزير أن يقوم له، وعزل قاضي القضاة أبا الحسن علي بن أحمد الدامغاني، ~~ورتب مكانه أبا جعفر عبد الواحد الثقفي، وخلع عليه. ### || AUT ذكر الحرب بين عسكر خوارزم والأتراك البرزية # في هذه السنة، في ربيع الأول، سار طائفة من عسكر خوارزم إلى أجحه، ~~وهجموا على يغمر خان بن أودك ومن معه من الأتراك البرزية، فأوقعوا بهم، ~~وأكثروا القتل، فانهزم يغمرخان، وقصد السلطان محمد بن محمد الخان والأتراك ~~الغزية الذين معه وتوسل إليهم بالقرابة، وظن يغمرخان أن أختيار الدين إيثاق ~~هو الذي هيج الخوارزمية عليه، فطلب من الغز إنجاده. ### || AUT ذكر أحوال المؤيد بخراسان هذه السنة # قد ذكرنا سنة ثلاث وخمسين عود المؤيد أي أبه إلى نيسابور، وتمكنه منها، ~~وأن ذلك كان سنة أربع وخمسين؛ فلما دخلت سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ورأى ~~المؤيد تحكمه في نيسابور وتمكنه في دولته، وكثرة جنده وعسكره، أحسن السيرة ~~في الرعية، ولا سيما أهل نيسابور، فإنه جبرهم وبالغ في الإحسان إليهم، وشرع ~~في إصلاح أعمالها وولاياتها، فسير طائفة من عسكره إى ناحية اسقيل، وكان بها ~~جمع قد تمردوا أكثروا العيث والفساد في البلاد، وطال تماديهم في طغيانهم، ~~فأرسل إليهم المؤيد يدعوهم إلى ترك الشر والفساد ومعاودة الطاعة والصلاح، ~~فلم يقبلوا، ولم يرجعوا عما هم عليه، فسير إليهم سرية كثيرة، فقاتلهم ~~وأذاقهم عاقبة ما صنعوا فأكثروا القتل فيهم وخربوا حصنهم. PageV05P0077 # وسار المؤيد من نيسابور إلى بيهق، فوصلها رابع عشر ربيع الأخر من السنة، ~~وقصد منها حصن خسروجرد، وهو حصن ms4043 منيع بناه كيخسرو الملك قبل فراغه من قتل ~~افراسياب، وفيه رجال شجعان، فامتنعوا على المؤيد، فحصرهم ونصب عليهم ~~الجانيق، وجد في القتال، فصبر أهل الحصن حتى نفذ صبرهم، ثم ملك المؤيد ~~القلعة وأخرج كل من فيها ورتب فيها من يحفظها، وعاد منها إلى نيسابور في ~~الخامس والعشرين من جمادى الأولى من السنة. ثم سار إلى هراة، فلم يبلغ منها ~~غرضا، فعاد إلى نيسابور، وقصد مدينة كندر، وهي من أعمال طريثيث، وقد تغلب ~~عليها رجل اسمه أحمد كان خربندة، واجتمع معه جماعة من الرنود وقطاع الطريق ~~والمفسدين، فخربوا الكثير من البلاد، وقتلوا كثيرا من الخلق، وغنموا من ~~الأموال ما لا يحصى. وعظمت المصيبة بهم على خراسان وزاد البلاء، فقصدهم ~~المؤيد، فتحصنوا بالحصن الذي لهم، فقوتلوا أشد قتال، ونصب عليهم العرادات ~~والمنجنيقات، فأذعن هذا الخربندة أحمد إلى طاعة المؤيد والانخراط في سلك ~~أصحابه وأشياعه، فقبله أحسن قبول، وأحسن إليه وأنعم عليه. ثم إنه عصى ~~المؤيد، وتحصن بحصنه، فأخذه منه المؤيد قهرا وعنوة، وقيده، واحتاط عليه، ثم ~~قتله وأراح المسلمين منه ومن شره وفساده، وقصد المؤيد في شهر رمضان ناحية ~~بيهق عازما على قتالهم لخروجهم عن طاعته، فلما قاربها أتاه زاهد من أهلها ~~ودعاه إلى العفو عنهم والحلم عن ذنوبهم، ووعظه وذكره، فأجابه إلى ذلك ورحل ~~عنهم؛ فأرسل السلطان ركن الدين محمود بن محمد الخان إلى المؤيد بتقرير ~~نيسابور وطوس وأعمالها عليه، ورد الحكم فيها إليه، فعاد إلى نيسابور رابع ~~ذي القعدة من السنة، ففرح الناس بما تقرر بينه وبين الملك محمود وبين الغز ~~من إبقاء نيسابور عليه ليزول الخلف والفتن عن الناس. ### || AUT ذكر الحرب بين شاه مازندران ويغمرخان # لما قصد يغمرخان الغز وتوسل إليهم لينصروه على إيثاق لظنه انه هو الذي ~~حسن للخوارزمية قصده، أجابوه إلى ذلك، وساروا معه على طريق نسا وأبيورد، ~~ووصلوا إلى الأمير إيثاق فلم يجد لنفسه بهم قوة، فاستنجد شاه مازندران، ~~فجاءه ومعه من الأكراد والديلم والأتراك والتركمان الذين يسكنون نواحي ~~ابسكون جمع كثير، فاقتتلوا ودامت الحرب ms4044 بينهم، وانهزم الأتراك الغزية ~~والبرزية من شاه مازندران خمس مرات ويعودون. وكان على ميمنة الأمير ~~مازندران الأمير إيثاق، فحملت الأتراك الغزية عليه لما أيسوا من الظفر بقلب ~~شاه مازندران، فانهزم إيثاق وتبعه باقي العسكر، ووصل شاه مازندران إلى ~~سارية، وقتل من عسكره أكثرهم. وحكي أن بعض التجار كفن ودفن من هؤلاء القتلى ~~سبعة آلاف رجل. وأما إيثاق فإنه قصد في هربه خوارزم وأقام بها، وسار الغز ~~من المعركة إلى دهستان، وكان الحرب قريبا منها، فنقبوا سورها، وأوقعوا ~~بأهلها ونهبوهم أوائل سنة ست وخمسين وخمسمائة، بعد أن خربوا جرجان وفرقوا ~~أهلها وعادوا إلى خراسان. ### || AUT ذكر وفاة خسرشاه صاحب غزنة وملك ابنه بعده # في هذه السنة، في رجب، توفي السلطان خسروشاه بن بهرام شاه بن مسعود بن ~~إبراهيم بن مسعود بن محمود سبكتكين، صاحب غزنة، وكان عادلا، حسن السيرة في ~~رعيته، محبا للخير وأهله، مقربا للعلماء محسنا إليهم راجعا إلى قولهم؛ وكان ~~ملكه تسع سنين. وملك بعده ابنه ملكشاه فلما ملك نزل علاء الدين الحسين، ملك ~~الغور، إلى غزنة فحصرها، وكان الشتاء شديدا والثلج كثيرا، قلم يمكنه المقام ~~عليها، فعاد إلى بلاده في صفر سنة ست وخمسين. ### || AUT ذكر الحرب بين إيثاق وبغراتكين # في هذه السنة، منتصف شعبان، كان بين الأمير إيثاق والأمير بغراتكين برغش ~~الجركاني حرب، وكان إيثاق قد سار إلى بغراتكين في آخر أعمال جوين، فنهبه، ~~واخذ أمواله وكل ما له، وكان ذا نعمة عظيمة وأموال جسيمة، فانهزم بغراتكين ~~عنها وخلاها فافتتحها إيثاق واستغنى بها، وقويت نفسه بسببها، وكثرت جموعه، ~~وقصده الناس. وأما بغراتكين فإنه راسل المؤيد صاحب نيسابور، وصار في جملته ~~ومعدودا من أصحابه، فتلقاه المؤيد بالقبول. ### || AUT ذكر وفاة ملكشاه بن محمود # PageV05P0078 # في هذه السنة توفي ملكشاه ابن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه بن ألب ~~أرسلان بأصفهان مسموما؛ وكان سبب ذلك انه لما كثر جمعه بأصفهان أرسل إلى ~~بغداد وطلب أن يقطعوا خطبة عمه سليمان شاه ويخطبوا له ويعيدوا القواعد ~~بالعراق إلى ما كانت عليه أولا، ms4045 وإلا قصدهم، فوضع الوزير عون الدين بن ~~هبيرة خصيا كان خصيصا به، يقال له أغلبك الكوهراييني، فمضى إلى بلاد العجم، ~~واشترى جارية من قاضي همذان بألف دينار، وباعها من ملكشاه، وكان قد وضعها ~~على سمه ووعدها أمورا عظيمة، ففعلت ذلك وسمته في لحم مشوي فأصبح ميتا، وجاء ~~الطبيب إلى دكلا وشملة فعرفهما انه مسموم، فعرفوا أن ذلك من فعل الجارية، ~~فأخذت وضربت وأقرت، وهرب أغلبك، ووصل إلى بغداد، ووفى له الوزير بجميع ما ~~استقر الحال عليه. ولما مات أخرج أهل أصفهان أصحابه من عندهم، وخطبوا ~~لسليمان شاه واستقر ملكه بتلك البلاد، وعاد شملة إلى خوزستان فأخذ ما كان ~~ملكشاه تغلب عليه منها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة حج أسد الدين شيركوه بن شاذي مقدم جيوش نور الدين محمود بن ~~زنكي صاحب الشام؛ وشيركوه هذا هو الذي ملك الديار المصرية، وسير ذكره إن ~~شاء اله تعالى. وفيها أرسل زين الدين علي نائب قطب الدين، صاحب الموصل، ~~رسولا إلى المستنجد يعتذر مما جناه من مساعدة محمد شاه في حصار بغداد، ~~ويطلب أن يؤذن له في الحج، فأرسل إليه يوسف الدمشقي، مدرس النظامية، ~~وسليمان بن قتلمش يطيبان قلبه عن الخليفة ويعرفانه الإذن في الحج، فحج ودخل ~~إلى الخليفة، فأكرمه وخلع عليه. وفيها توفي قايماز الأرجواني أمير الحاج، ~~سقط عن الفرس وهو يلعب بالأكرة، فسال مخه من منخريه وأذنيه فمات. وفيها، في ~~ربيع الأول، توفي محمد بن يحيى بن علي بن مسلم أبو عبد الله الزبيدي، من ~~أهل زبيد وهي مدينة مشهورة باليمن، وقدم بغداد سنة تسع وخمسمائة، وكان يأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر؛ وكان نحويا واعظا، وصحبه الوزير ابن هبيرة مدة، ~~وكان موته ببغداد. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وخمسين وخمسمائة # ### || AUT ذكر الفتنة ببغداد # في هذه السنة ، في ربيع الأول، خرج الوزير ابن هبيرة من داره إلى ~~الديوان، والغلمان يطرقون له، وأرادوا أن يردوا باب المدرسة الكمالية بدار ~~الخليفة، فمنعهم الفقهاء وضربوهم بالآجر، فشهر أصحاب الوزير السيوف وأرادوا ~~ضربهم، فمنعهم ms4046 الوزير، ومضى إلى الديوان، فكتب الفقهاء مطالعة يشكون أصحاب ~~الوزير، فأمر الخليفة بضرب الفقهاء وتأديبهم ونفيهم من الدار، فمضى أستاذ ~~الدار وعاقبهم هناك، واختفى مدرسهم الشيخ أبو طالب، ثم إن الوزير أعطى كل ~~فقير دينارا، واستحل منهم، وأعادهم إلى المدرسة وظهر مدرسهم. ### || AUT ذكر قتل ترشك # في هذه الأيام قصد جمع من التركمان إلى البندنيجين، فأمر الخليفة بتجهيز ~~عسكر إليهم، وأن يكون مقدمهم الأمير ترشك، وكان في أقطاعه بلد اللحف، فأرسل ~~إلى الخليفة يستدعيه، فامتنع من المجيء إلى بغداد وقال: يحضر العسكر فأنا ~~أقاتل بهم؛ وكان عازما على الغدر؛ فجهز العسكر وساروا إليه، وفيهم جماعة من ~~الأمراء، فلما اجتمعوا بترشك قتلوه، وأرسلوا رأسه إلى بغداد، وكان قتل ~~مملوكا للخليفة، فدعا أولياء القتيل وقيل لهم: إن أمير المؤمنين قد اقتص ~~لأبيكم ممن قتله. ### || AUT ذكر قتل سليمان شاه والخطبة لأرسلان # PageV05P0079 # في هذه السنة، في ربيع الآخر، قتل السلطان سليمان شاه ابن السلطان محمد ~~بن ملكشاه، وسبب ذلك أنه كان فيه تهور وخرق، وبلغ به شرب الخمر حتى أنه ~~شربها في رمضان نهارا، وكان يجمع المساخر ولا يلتفت إلى الأمراء، فأهمل ~~العسكر أمره، وصاروا لا يحضرون بابه، وكان قد رد جميع الأمور إلى شرف الدين ~~كردبازو الخادم، وهو من مشايخ الخدم السلجوقية يرجع إلى دين وعقل وحسن ~~تدبير، فكان الأمراء يشكون إليه وهو يسكنهم.فاتفق أنه شرب يوما بظاهر همذان ~~في الكشك الأخضر فحضر عنده كردبازو، فلامه على فعله، فأمر سليمان شاه من ~~عنده من المساخر فعبثوا بكردبازو، حتى أن بعضهم كشف له عن سوءته، فخرج ~~مغضبا، فلما صحا سليمان أرسل له يعتذر، فقبل عذره، إلا أنه تجنب الحضور ~~عنده، فكتب سليمان إلى إينانج صاحب الري يطلب منه أن ينجده على كردبازو، ~~فوصل الرسول وإينانج مريض، فأعاد الجواب يقول: إذا أفقت من مرضي حضرت إليك ~~بعسكري؛ فبلغ الخبر كردبازو، فازداد استيحاشا، فأرسل إليه سليمان يوما ~~يطلبه، فقال: إذا جاء إينانج حضرت؛ وأحضر الأمراء واستحلفهم على طاعته، ~~وكانوا كارهين لسليمان، فحلفوا له، فأول ما ms4047 عمل أن قتل المساخرة الذين ~~لسليمان، وقال: إنما أفعل ذلك صيانة لملكك؛ ثم اصطلحا، وعمل كردبازو دعوة ~~عظيمة حضرها السلطان والأمراء، فلما صار السلطان سليمان شاه في داره قبض ~~عليه كردبازو وعلى وزيره ابن القاسم محمود بن عبد العزيز الحامدي، وعلى ~~أصحابه، في شوال سنة خمس وخمسين وخمسمائة، فقتل وزيره وخواصه، وحبس سليمان ~~شاه في قلعة، ثم أرسل إليه من خنقه؛ وقيل بل حبسه في دار مجد الدين العلوي ~~رئيس همذان، وفيها قتل؛ وقيل بل سقي سما فمات، والله اعلم. وأرسل إلى ~~إيلدكز، صاحب آران وأكثر بلاد أذربيجان، يستدعيه إليه ليخطب للملك أرسلان ~~شاه الذي معه، وبلغ الخبر إلى إينانج صاحب بلاد الري، فسار ينهب البلاد إلى ~~أن وصل إلى همذان، فتحصن كردبازو، فطلب منه إينانج أن يعطيه مصافا، فقال: ~~أنا لا أحاربك حتى يصل الأتابك الأعظم إيلدكز. وسار إيلدكو في عساكره جميعا ~~يزيد على عشرين ألف فارس، ومعه أرسلان شاه بن طغرل بن محمد بن ملكشاه، فوصل ~~إلى همذان، فلقيهم كردبازو، وأنزله دار المملكة، وخطب لأرسلان شاه بالسلطنة ~~بتلك البلاد، وكان إيلدكز قد تزوج بأم أرسلان شاه، وهي أم البهلوان بن ~~إيلدكز، وكان إيلدكز أتابكه، والبهلوان حاجبه، وهو أخوه لأمه، وكان إيلدكز ~~هذا أحد مماليك السلطان مسعود واشتراه في أول أمره، فلما ملك أقطعه أران ~~وبعض أذربيجان؛ واتفق الحروب والاختلاف، فلم يحضر عنده أحد من السلاطين ~~السلجوقية، وعظم شأنه وقوي أمره، وتزوج بأم الملك أرسلان شاه، فولدت له ~~أولادا منهم البهلوان محمد، وقزل أرسلان عثمان. وقد ذكرنا سبب انتقال ~~أرسلان شاه إليهن وبقي عنده إلى الآن، فلما خطب له بهمذان أرسل إيلدكز إلى ~~بغداد يطلب الخطبة لأرسلان شاه أيضا، وأن تعاد القواعد إلى ما كانت عليه ~~أيام السلطان مسعود، فأهين رسوله وأعيد إليه على أقبح حالة؛ وأما إيناننج ~~صاحب الري فإن إيلدكز راسله ولاطفه فاصطلحا وتحالفا على الاتفاق، وتزوج ~~البهلوان بن إيلدكز بابنة إينانج ونقلت إليه بهمذان. ### || AUT ذكر الحرب بين ابن آقسنقر وعسكر إيلدكز # لما استقر الصلح بين ms4048 إيلدكز وإينانج أرسل إلى ابن آقسنقر الأحمديلي، ~~صاحب مراغة، يدعوه إلى الحضور في خدمة السلطان أرسلان شاه، فامتنع من ذلك ~~وقال: إن كففتم عني، وإلا فعندي سلطان، وكان عنده ولد محمد شاه بن محمود، ~~كما ذكرناه، وكان الوزير ابن هبيرة قد كاتبه يطمعه بالخطبة لولد محمد شاه، ~~فجهز إيلدكز عسكرا مع ولده البهلوان، فبلغ الخبر إلى ابن آقسنقر فأرسل إلى ~~شاه أرمن، صاحب خلاط، وحالفه، وصارا يدا واحدة، فسير إليه شاه أرمن عسكرا ~~كثيرا، واعتذر عن تأخره بنفسه لأنه في ثغر لا يمكنه مفارقته، فقوي بهم ابن ~~آقسنقر، وكثر جمعه، وسار نحو البهلوان، فالتقيا على نهر اسبيرود، فاشتد ~~القتال بينهم، فانهزم البهلوان أقبح هزيمةن ووصل هو وعسكره إلى همذان على ~~أقبح صورة، واستأمن أكثر أصحابه إلى أقسنقر، وعاد إلى بلده منصورا. ### || AUT ذكر الحرب بين إيلدكز وإينانج # PageV05P0080 # لما مات ملكشاه ابن السلطان محمود، كما ذكرناه، أخذ طائفة من أصحابه ابنه ~~محمودا وانصرفوا به نحو بلاد فارس، فخرج عليهم صاحبها زنكي بن دكلا السلغري ~~فأخذه منهم وتركه في قلعة إصطخر، فلما ملك إيلدكز والسلطان أرسلان شاه الذي ~~معه البلاد، وأرسل إيلكز إلى بغداد يطلب الخطبة للسلطان، كما ذكرناهن شرع ~~الوزير عون الدين أبو المظفر يحيى بن هبيرة، وزير الخليفة، في إثارة أصحاب ~~الأطراف عليه، وراسل الأحمديلي، وكان ما ذكرناه، وكاتب زنكي بن دكلا صاحب ~~بلاد فارس يبذل له أن يخطب للملك الذي عندهن وهو ابن ملكشاه، وعلق الخطبة ~~له بظفره بإيلدكزن فخطب ابن دكلا للملك الذي عنده، وأنزله من القلعة، وضرب ~~الطبل على بابه خمس نوب، وجمع عساكره وكاتب إينانج صاحب الري يطلب منه ~~الموافقة. وسمع الخبر إيلدكز، فحشد وجمع، وكثر عسكره وجموعه فكانت أربعين ~~ألفا، وسار إلى أصفهان يريد بلاد فارس، وأرسل إلى زنكي بن دكلا يطلب منه ~~الموافقة على أن يعود يخطب لأرسلان شاه، فلم يفعل، وقال: إن الخليفة قد ~~أقطعني بلاده وأنا سائر إليه، فرحل إيلدكز، وبلغه أن لأرسلان بوقا، وهو ~~أمير من أمراء زنكي، وفي أقطاعه أرجان، ms4049 بالقرب منه، فأنفذ سرية للغارة ~~عليه، فاتفق أن أرسلان بوقا عزم على تغيير الخيل التي معه لضعفها، وأخذ ~~عوضها من ذلك الجشير، فسار في عسكره إلى الجشير، فصادف العسكر الذي سيره ~~إيلدكز لأخذ دوابه، فقاتلهم وأخذهم وقتلهم، وأرسل الرؤوس إلى صاحبه، فكتب ~~بذلك إلى بغداد وطلب المدد، فوعد بذلك. وكان الوزير عون الدين أيضا قد كاتب ~~الأمراء الذين مع إيلدكز يوبخهم على طاعته، ويضعف رأيهم، ويحرضهم على ~~مساعدة زنكي ابن دكلا وإينانج؛ وكان إينانج قد برز من الري في عشرة آلاف ~~فارس، فأرسل إليه ابن آقسنقر الأحمديلي خمسة آلاف فارس، وهرب ابن البازدار، ~~صاحب قزوين، وابن طغيرك وغيرهما، فلحقوا بإينانج وهو في صحراء ساوة. واما ~~إيلدكز فإنه استشار نصحائه، فأشاروا بقصد إينانج لأنه أهم، فرحل إليه، ونهب ~~زنكي بن دكلا سهيرم وغيرها، فرد إيلدكز إليه أميرا في عسرة آلاف فارس لحفظ ~~البلاد. فسار زنكي إليهم، فلقيهم وقاتلهم، فانهزم عسكر إيلدكز إليه، فتجلد ~~لذلك وأرسل يطلب عساكر أذربيجان، فجاءته مع ولده قزل أرسلان. وسير زنكي بن ~~دكلا عسكرا كثيرا إلى إينانج، واعتذر عن الحضور بنفسه عنده لخوفه على بلاده ~~من شملة، صاحب خوزستان، فسار إيلدكز إلى إينانج وتدانى العسكران، فالتقوا ~~تاسع شعبان وجرى بينهم حرب عظيمة أجلت عن هزيمة إينانج، فانهزم أقبح هزيمة ~~وقتلت رجاله ونهبت أمواله، ودخل الري، وتحصن في قلعة طبرك، وحصر إيلدكز ~~الري، ثم شرع في الصلح، واقترح إينانج أقتراحات، فأجابه إيلدكز إليها، ~~وأعطاه جرباذقان وغيرها، وعاد إيلدكو إلى همذان؛ كان ينبغي أن تتأخر هذه ~~الحادثة والتي قبلها، وإنما قدمت لتتبع أخواتها. ### || AUT ذكر وفاة ملك الغور وملك ابنه محمد # في هذه السنة، في ربيع الآخر، توفي الملك علاء الدين الحسين بن الحسين ~~الغوري ملك الغور بعد انصرافه عن غزنة؛ وكان عادلا من أحسن الملوك سيرة في ~~رعيته، ولما مات ملك بعده ابنه سيف الدين محمد، وأطاعه الناس وأحبوه، وكان ~~قد صار في بلادهم جماعة من دعاة الإسماعيلية، وكثر أتباعهم، فأخرجوا من تلك ~~الديار جميعها، ولم يبق فيها ms4050 منهم أحدا، وراسل الملوك وهاداهم، واستمال ~~المؤيد أي أبه، صاحب نيسابور، وطلب موافقته. ### || AUT ذكر الفتنة بنيسابور وتخريبها # كان أهل العيث والفساد بنيسابور قد طمعوا في نهب الأموال وتخريب البيوت، ~~وفعل ما أرادوا، فإذا نهوا لم ينتهوا، فلما كان الآن تقدم المؤيد أي أبه ~~بقبض أعيان نيسابور، منهم نقيب العلويين أبو القاسم زيد بن الحسن الحسيني ~~وغيره، وحبسهم في ربيع الآخر سنة ست وخمسين، وقال: أنتم الذين أطمعتم ~~الرنود والمفسدين حتى فعلوا هذه الفعال، ولو أردتم منعهم لامتنعوا. وقتل من ~~أهل الفساد جماعة، فخربت نيسابور بالكلية، ومن جملة ما خرب مسجد عقيل، كان ~~مجمعا لأهل العلم، وفيه خزائن الكتب الموقوفة، وكان من أعظم منافع نيسابور؛ ~~وخرب أيضا من مدارس الحنفية ثماني مدارس، ومن مدارس الشافعية سبع عشرة ~~مدرسة، وأحرق خمس خزائن للكتب، ونهب سبع خزائن كتب وبيعت بأبخس الأثمان؛ ~~هذا ما أمكن إحصاؤه سوى ما لم يذكر. PageV05P0081 ### || AUT ذكر خلع السلطان محمود ونهب طوس # ### || AUT وغيرها من خراسان # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، قصد السلطان محمود بن محمد الخان، وهو ~~ابن أخت السلطان سنجر، وقد ذكرنا أنه ملك خراسان بعده، ففي هذه السنة حصر ~~المؤيد صاحب نيسابور بشاذياخ، وكان الغز مع السلطان محمود، فدامت الحرب إلى ~~سنة ست وخمسين وخمسمائة. ثم إن محمودا أظهر أنه يريد دخول الحمام، فدخل إلى ~~شهرستان، آخر شعبان، كالهارب من الغز، وأقاموا على نيسابور إلى أخر شوال، ~~ثم عادوا راجعين، فعاثوا في القرى ونهبوها، ونهبوا طوس نهبا فاحشا، وحضروا ~~المشهد الذي لعلي بن موسى، وقتلوا كثيرا ممن فيه ونهبوهم، ولم يعرضوا للقبة ~~التي فيها القبر. فلما دخل السلطان محمود إلى نيسابور أمهله المؤيد إلى أن ~~دخل رمضان منسنة سبع وخمسين وخمسمائة وأخذه وكحله وأعماه، وأخذ ما كان معه ~~من الأموال والجواهر والأعلاق النفيسةن وكان يخفيها خوفا عليها من الغز، ~~لما كان معهم، وقطع المؤيد خطبته من نيسابور وغيرها مما هو في تصرفه، وخطب ~~لنفسه، بعد الخليفة المستنجد بالله، وأخذ ابنه جلال الدين محمدا الذي ms4051 كان ~~قد ملكه الغز أمرهم قبل أبيه، وقد ذكرنا ذلك، وسلمه أيضا، وسجنهما، ومعهما ~~جواريهما وحشمهما ، وبقيا فيها فلم تطل أيامهما، ومات السلطان محمود، ثم ~~مات ابنه بعده من شدة وجده لموت أبيه، والله أعلم. ### || AUT ذكر عمارة شاذياخ نيسابور # كانت شاذياخ قد بناها عبد الله بن طاهر بن الحسين، لما كان أميرا على ~~خراسان للمأمون، وسبب عمارتها أنه رأى امرأة جميلة تقود فرسا تريد سقيه، ~~فسألها عن زوجها، فأخبرته به، فأحضره وقال له: خدمة الخيل بالرجال أشبه، ~~فلما تقعد أنت في دارك وترسل امرأتك مع فرسك؟ فبكى الرجل، وقال له: ظلمك ~~يحملنا على ذلك. فقال: وكيف؟ قال: لأنك تنزل الجند معنا في دورنا، فإن خرجت ~~أنا وزوجتي بقي البيت فارغان فيأخذ الجندي ما لنا فيه، وإن سقيت أنا الفرس ~~فلا آمن على زوجتي من الجندي، فرأيت أن أقيم أنا في البيت وتخدم زوجتي ~~الفرس. فعظم الأمر عليه وخرج من البلد لوقته، ونزل في الخيام، وأمر الجند ~~فخرجوا من دور الناس، وبنى شاذياخ دارا له ولجنده وسكنها وهم معه، ثم إنها ~~دثرت بعد ذلك. فلما كان أيام السلطان ألب أرسلان، ذكرت له هذه القصة فأمر ~~بتجديدها، ثم إنها تشعثت بعد ذلك، فلما كان الآن وخربت نيسابور ولم يمكن ~~حفظها، والغز تطرق البلاد وتنهبها، وأمر المؤيد حينئذ بعمل سورها، وسد ثلمه ~~وسكناه، ففعل ذلك وسكنها هو والناس وخربت حينئذ نيسابور كل خراب، ولم يبق فيها أنيس. ### || AUT ذكر قتل الصالح بن رزيك ووزارة ابنه زريك # في هذه السنة، في شهر رمضان، قتل الملك الصالح أبو الغارات طلائع بن ~~رزيك الأرمني، وزير العاضد العلوي، صاحب مصر ، وكان سبب قتله أنه تحكم ~~بالدولة التحكم العظيم، واستبد بالأمر والنهي وجباية الأموال إليه، لصغر ~~العاضد، ولأنه هو الذي ولاه، ووتر الناس، فإنه أخرج كثيرا من أعيانه وفرقهم ~~في البلاد ليأمن وثوبهم عليه؛ ثم إنه زوج أبنته من العاضد فعاداه أيضا ~~الحريم من القصر،فأرسلت عمة العاضد الأموال إلى الأمراء المصريين، ودعتهم ~~إلى قتله. وكان أشدهم في ms4052 ذلك إنسان يقال له ابن الراعي، فوقفوا في دهليز ~~القصر، فلما دخل ضربوه بالسكاكين على دهش منه فجرحوه جراحات مهلكة، إلا أنه ~~حمل إلى داره وفيه حياة، فأرسل إلى العاضد يعاتبه على الرضى في قتله مع ~~أثره في خلافته، فأقسم العاضد بأنه لا يعلم بذلك، ولم يرضى به. فقال : إن ~~كنت بريئا فسلم عمتك إلي حتى انتقم منها؛ فأمر بأخذها، فأرسل إليها قهرا، ~~وأحضرت عنده فقتلها ووصى بالوزارة لابنه رزيك ولقب العادل، فانتقل الأمر ~~إليه بعد وفاة والده. وللصالح أشعار حسنة بليغة تدل على فضل غزير، فمنها في ~~الأفتخار: أبى الله إلا أن يدوم لنا الدهر ... ويخدمنا في ملكنا العز ~~والنصر علمنا بأن المال تفنى ألوفه ... ويبقى لنا من بعده الأجر والذكر ~~خلطنا الندى بالبأس حتى كأننا ... سحاب لديه البرق والرعد والقطر قرانا إذا ~~رحنا إلى الحرب مرة ... يرانا ومن أضيافنا الذئب والنسر كما أنا في السلم ~~نبذل جودنا ... ويرتع في إنعامنا العبد والحر وهي طويلة. PageV05P0082 # وكان الصالح كريما فيه أدب، وله شعر جيد، وكان لأهل العلم عنده أنفاق، ~~ويرسل إليهم العطاء الكثير، بلغه أن الشيخ أبا محمد الدهان النحوي البغدادي ~~المقيم بالموصل قد شرح بيتا من شعره وهو هذا: تجنب سمعي ما يقول العواذل ~~... وأصبح لي شغل من الغزو شاغل فجهز إليه هدية سنية ليرسلها إليه، فقتل ~~قبل إرسالها. وبلغه أيضا أن إنسانا من أهل الموصل قد أثنى عليه بمكة، فأرسل ~~إليه كتابا يشكره ومعه هدية. وكان الصلح إماميا لم يكن على مذهب العلويين ~~المصريين، ولما ولي العاضد الخلافة؛ ركب سمع الصالح ضجة عظيمة، فقال: ما ~~الخبر؟ فقيل: إنهم يفرحون بالخليفة . فقال: كأني بهؤلاء الجهلة وهم يقولون ~~ما مات الأول حتى استخلف هذا، وما علموا أنني كنت من ساعة أستعراضهم ~~استعراض الغنم. قال عمارة: دخلت إلى الصالح قبل قتله بثلاثة أيام، فناولني ~~قرطاسا فيه بيتان من شعره وهما: نحن في غفلة ونوم وللمو ... ت عيون يقظانة ~~لا تنام قد رحلنا إلى الحمام سنينا ... ليت شعري متى يكون الحمام فكان ms4053 آخر ~~عهدي به. وقال عمارة أيضا: ومن عجيب الاتفاق أنني أنشدت ابنه قصيدة أقول ~~فيها. أبوك الذي تسطو الليالي بحده ... وأنت يمين إن سطا وشمال لرتبته ~~العظمى وإن طال عمره ... إليك مصير واجب ومنال تخالسك اللحظ المصون ودونها ~~... حجاب شريف لا انقضا وحجال فانتقل الأمر إليه بعد ثلاثة أيام. ### || AUT ذكر الحرب بين العرب وعسكر بغداد # في هذه السنة، في شهر رمضان، اجتمعت خفاجة إلى الحلة والكوفة، وطالبوا ~~برسومهم من الطعام والتمر وغير ذلك، فمنعهم أمير الحاج أرغش، وهو مقطع ~~الكوفة، ووافقه على قطعه الأمير قيصر شحنة الحلة، وهما من مماليك الخليفة، ~~فأفسدت خفاجة، ونهبوا سواد الكوفة والحلة، فأسرى إليهم الأمير قيصر، شحنة ~~الحلة، في مائتين وخمسين فارسا، وخرج إليه أرغش في عسكر وسلاح، فانتزحت ~~خفاجة من بين أيديهم، وتبعهم العسكر إلى رحبة الشام، فأرسل خفاجة يعتذرون ~~ويقولون: قد قنعنا بلبن الإبل وخبز الشعير، وأنتم تمنعوننا رسومنا؛ وطلبوا ~~الصلح، فلم يجبهم أرغش وقيصر. وكان قد اجتمع مع خفاجة كثير من العرب، ~~فتصافوا واقتتلوا، وأرسلت العرب طائفة إلى خيام العسكر وخيامهم فحالوا ~~بينهم وبينها، وحمل العرب حملة منكرة، فانهزم العسكر، وقتل كثير منهم، وقتل ~~الأمير قيصر، وأسرت جماعة أخرى، وجرح أمير الحاج جراحة شديدة، وخل الرحبة، ~~فحماه شيخها وأخذ له الأمان وسيره إلى بغداد، ومن نجا مات عطشا في البرية. ~~وكان إماء العرب يخرجن بالماء يسقين الجرحى، فإذا طلبه منهن أحد من العسكر ~~أجهزن عليه. وكثر النوح والبكاء ببغداد على القتلى، وتجهز الوزير عون الدين ~~بن هبيرة والعساكر معه، فخرج في طلب خفاجة فدخلوا البر وخرجوا إلى البصرة، ~~ولما دخلوا البر عاد الوزير إلى بغداد، وأرسل بنو خفاجة يعتذرون ويقولون: ~~بغي علينا، وفارقنا البلاد، فتبعونا واضطررنا إلى القتال وسألوا العفو ~~عنهم، فأجيبوا إلى ذلك. ### || AUT ذكر حصر المؤيد شارستان # في هذه السنة حصر المؤيد أي أبه مدينة شارستان، قرب نيسابور، وقاتله ~~أهلها، وبصب المجانيق والعرادات، فصبر أهلها خوفا على أنفسهم من المؤيد، ~~وكان معه جلال الدين المؤيد الموفقي الفقيه الشافعي، فبينما ms4054 هو راكب إذ وصل ~~إليه حجر منجنيق فقتله خامس جمادى الآخرة من السنة، وتعدى الحجر منه إلى ~~شيخ من شيوخ بيهق فقتله، فعظمت المصيبة بقتل جلال الدين على أهل العلم، ~~وخصوصا أهل السنة والجماعة، وكان في عنفوان شبابه رحمه الله لما قتل . ودام ~~الحصار إلى شعبان سنة سبع وخمسين وخمسمائة، فنزل خواجكي صاحبها بعد ما كثر ~~القتل، ودام الحصر، وكان لهذه القلعة ثلاثة رؤساء هم أصحاب النهي والأمر، ~~هم الذين حفظوها وقاتلوا عنها، أحدهم خواجكي هذا، والثاني داعي بن محمد بن ~~أخي حرب العلوي، والثالث الحسين بن أبي طالب العلوي الفارسي، فنزلوا كلهم ~~أيضا إلى المؤيد أي أبه، فيمن معهم من أشياعهم وأتباعهم. فأما خواجكي فإنه ~~ثبت عليه بأنه قتل زوجته ظلما وعدوانا وأخذ مالها، فقتل بها وملك المؤيد ~~شارستان، وصفت له، فنهبها عسكره إلا انهم لم يقتلوا امرأة ولا سبوها. ~~PageV05P0083 ### || AUT ذكر ملك الكرج مدينة آني # في هذه السنة، في شعبان، اجتمعت الكرج مع ملكهم، وساروا إلى مدينة آني ~~من بلاد آران وملكوها، وقتلوا فيها خلقا كثيرا، فانتدب لهم شاه أرمن بن ~~إبراهيم بن سكمان صاحب خلاط، وجمع العساكر، واجتمع معه من المتطوعة خلق ~~كثير، وسار إليهم، فلقوه وقاتلوه، فانهزم المسلمون، وقتل أكثرهم، وأسر كثير ~~منهم، وعاد شاه ارمن مهزوما لم يرجع معه غير أربع مائة فارس من عسكره. ### || AUT ذكر ولاية عيسى مكة حرسها الله # كان أمير مكة، هذه السنة، قاسم بن فليتة بن قاسم بن أبي هاشم العلوي ~~الحسنين فلما سمع بقرب الحجاج من مكة صادر المجاورين وأعيان أهل مكة، وأخذ ~~كثيرا من أموالهم، وهرب من مكة خوفا من أمير الحاج أرغش. وكان قد حج هذه ~~السنة زين الدين علي بن بكتكين، صاحب جيش الموصل، ومعه طائفة صالحة من ~~العسكر، فلما وصل أمير الحاج إلى مكة رتب مكان قاسم بن فليتة عمه عيسى بن ~~قاسم بن أبي هاشم، فبقي كذلك إلى شهر رمضان، ثم إن قاسم بن فليتة جمع جمعا ~~كثيرا من العرب أطمعهم في مال له ms4055 في مكة، فاتبعوه، فسار بهم إليها، فلما ~~سمع عمه عيسى فارقها، ودخلها قاسم فأقام بها أميرا أياما، ولم يكن له مال ~~يوصله إلى العرب، ثم إنه قتل قائدا كان معه أحسن السيرة، فتغيرت نيات ~~أصحابه عليه، وكاتبوا عمه عيسى، فقدم عليهم، فهرب وصعد جبل أبي قبيس، فسقط ~~عن فرسه، فأخذه أصحاب عيسى وقتلوه، فعظم عليه قتله، فأخذه وغسله ودفنه ~~بالمعلى عند أبيه فليتة، واستقر الأمر لعيسى، والله أعلم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سار عبد المؤمن، صاحب المغرب، إلى جبل طارق، وهو على ساحل ~~الخليج مما يلي الأندلس، فعبر المجاز إليه، وبنى عليه مدينة حصينة، وأقام ~~بها عدة شهور، وعاد إلى مراكش. وفيها، في المحرم، ورد نيسابور جمع كثير من ~~التركمان بلاد فارس ومعهم أغنام كثيرة للتجارة فباعوها وأخذوا الثمن وساروا ~~ونزلوا على مرحلتين من طابس كنكلي، وناموا هناك، فنزل إليهم الإسماعيلية ~~وكبسوهم ليلا، ووضعوا السيف فيهم، فقتلوا وأكثروا، ولم ينجو منهم إلا ~~الشريد، وغنم الإسماعيلية جميع ما معهم من مال وعروض، وعادوا إلى قلاعهم. ~~وفيها كثرت الأمطار في أكثر البلاد، ولا سيما خراسان، فإن الأمطار توالت ~~فيها من العشرين من المحرم إلى منتصف صفر لم تنقطع، ولا رأى الناس فيها ~~شمسا. وفيها كان بين الكرج وبين الملك صلتق بن علي، صاحب أرزن الروم، قتال ~~وحرب انهزم فيه صلتق وعسكره، وأسر هو، وكانت أخته شاه بانوار قد تزوجها شاه ~~أرمن سكمان بن ابراهيم بن سكمان صاحب خلاط، فأرسلت إلى ملك الكرج هدية ~~جليلة المقدار، وطلبت منه أن يفاديها بأخيها، فأطلقه، فعاد إلى ملكه. وفيها ~~قصد صاحب صيدا من الفرنج نور الدين محمود، صاحب الشام، ملتجئا إليه، فأمنه ~~وسير معه عسكرا يمنعه من الفرنج أيضا، فظهر عليهم في الطريق كمينا للفرنج، ~~فقتلوا من المسلمين جماعة وانهزم الباقون. وفيها ملك قرا أرسلان، صاحب حصن ~~كيفا، قلعة شاتان، وكانت لطائفة من الأكراد يقال لهم الجونيه، فلما ملكها ~~خربها وأضاف ولايتها إلى حصن طالب. وفيها توفي الكمال حمزة بن علي بن طلحة ms4056 ~~صاحب المخزن، كان جليل القدر أيام المسترشد بالله، وولي المقتفي، وبنى ~~مدرسة لأصحاب الشافعي بالقرب من داره، ثم حج وعاد وقد لبس الفوط وزي ~~الصوفية وترك الأعمال، فقال بعض الشعراء به: يا عضد الإسلام يا من سمت ... ~~إلى العلا همته الفاخرة كانت لك الدنيا، فلم ترضها ... ملكا فأخلدت إلى ~~الآخرة وبقي منقطعا في بيته عشرين سنة، ولم يزل محترما يغشاه الناس كافة. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وخمسين وخمسمائة # ### || AUT ذكر فتح المؤيد طوس وغيرها # في هذه السنة، في السابع والعشرين من صفر، نازل المؤيد أي أبه أبا بكر ~~جاندار بقلعة وسكره خوي من طوس وكان قد تحصن بها، وهي حصينة منيعة لا ترام، ~~فقاتله وأعانه أهل طوس على أبي بكر لسوء سيرته فيهم وظلمه، فلما رأى أبو ~~بكر ملازمة المؤيد ومواصلة القتال عليه خضع وذل واستكان، ونزل من القلعة ~~بالأمان في العشرين من ربيع الأول من السنة، فلما نزل منها حبسه المؤيد ~~وأمر بتقييده. PageV05P0084 # ثم سار منها إلى كرستان، وصاحبها أبو بكر فاخر، فنزل من قلعته، وهي من ~~أمنع الحصون على رأس جبل عال، وصار في طاعة المؤيد، ودان له ووافقه، وسير ~~جيشا في جمادى الآخرة منها إلى أسفرايين، فتحصن رئيسها عبد الرحمن بن محمد ~~بن علي الحاج بالقلعة، وكان أبوه كريم خراسان على الإطلاق، ولكن كان عبد ~~الرحمن هذا بئس الخلف، فلما تحصن أحاط به العسكر المؤيدي، واستنزلوه من ~~الحصن، وحملوه مقيدا إلى شاذياخ وحبس فيها؛ وقيل في ربيع الآخر سنة ثمان ~~وخمسين وخمسمائة. وملك المؤيد أيضا قهندز نيسابور، واستدارت مملكة المؤيد ~~حول نيسابور وعادت إلى ما كانت عليه قبل، إلا أن أهلها انتقلوا إلى شاذياخ، ~~وخربت المدينة العتيقة. وسير المؤيد جيشا إلى خواف، وبها عسكر مع بعض ~~الأمراء اسمه أرغش، فكمن أرغش جمعا في تلك المضايق والجبال، وتقدم إلى عسكر ~~المؤيد فقاتلهم وطلع الكمين، فانهزم عسكر المؤيد وقتل منهم جمع، وعاد ~~الباقون إلى المؤيد بنيسابور. وسير جيشا إلى بوشنج هراة، وهي في طاعة الملك ~~محمد بن الحسين ms4057 الغوري، فحصروها، واشتد الحصار عليها، ودام القتال والزحف، ~~فسير الملك محمد الغوري جيشا إليها ليمنع عنها، فلما قاربوا هراة فارقها ~~العسكر الذي يحصرها، وعاودوا عنها وصفت تلك الولاية للغورية. ### || AUT ذكر أخذ ابن مردنيش غرناطة من عبد المؤمن وعودها إليه # في هذه السنة أرسل أهل غرناطة من بلاد الأندلس، وهي لعبد المؤمن، إلى ~~الأمير إبراهيم بن همشك صهر ابن مردنيشن فاستدعوه إليهم ليسلموا إليه ~~البلد؛ وكان قد وحد، وصار من أصحاب عبد المؤمن، وفي طاعته، وممن يحرضه على ~~قتل ابن مردنيش. ففارق طاعة عبد المؤمن وعاد إلى موافقة ابن مردنيش. ~~فامتنعوا بحصنها، فبلغ الخبر أبا سعيد عثمان بن عبد المؤمن وهو بمدينة ~~مالقة، فجمع الجيش الذي كان عنده وتوجه إلى غرناطة لنصرة من فيها من ~~أصحابهم، فعلم بذلك إبراهيم بن همشك فاستنجد ابن مردنيش، ملك البلاد بشرق ~~الأندلس، فأرسل إليه ألفي فارس من أنجاد أصحابه ومن الفرنج الذين جندهم ~~معه، فاجتمعوا بضواحي غرناطة، فالتقوا هم ومن بغرناطة من عسكر عبد المؤمن ~~قبل وصول أبي سعيد إليهم، فاشتد القتال بينهم فانهزم عسكر عبد المؤمن، وقدم ~~أبو سعيد، واقتتلوا أيضا، فانهزم كثير من أصحابه، وثبت معه طائفة من ~~الأعيان والفرسان المشهورين، والرجالة الأجلاد، حتلا قتلوا عن آخرهم وانهزم ~~حينئذ أبو سعيد ولحق بمالقة. وسمع عبد المؤمن الخبر، وكان قد سار إلى مدينة ~~سلا، فسير إليهم في الحال ابنه ابا يعقوب يوسف في عشرين ألف مقاتل، فيهم ~~جماعة من شيوخ الموحدين، فجدوا المسير، فبلغ ذلك ابن مردنيش فسار بنفسه ~~وجيشه إلى غرناطة ليعين ابن همشك، فاجتمع منهم بغرناطة جمع كثير، فنزل ابن ~~مردنيش في الشريعة بظاهرها، ونزل العسكر الذي كان أمد به ابن همشك أولان ~~وهم ألفا فارس، بظاهر القلعة الحمراء، ونزل ابن همشك بباطن القلعة الحمراء ~~بمن معه، ووصل عسكر عبد المؤمن إلى جبل قريب من غرناطة، فأقاموا في سفحه ~~أياما ثم سيروا سرية أربعة ألاف فارس، فبينوا العسكر الذي بظاهر القلعة ~~الحمراء، وقاتلوهم من جهاتهم، فما لحقوا يركبون، فقتلوهم عن آخرهم. ms4058 وأقبل ~~عسكر عبد المؤمن بجملته، فنزلوا بضواحي غرناطة، فعلم ابن مردنيش وابن همشك ~~أنهم لا طاقة لهم بهم، ففروا في الليلة الثانية، ولحقوا ببلادهم، واستولى ~~الموحدون على غرناطة في باقي السنة المذكورة، وعاد عبد المؤمن من مدينة سلا إلى مراكش. ### || AUT ذكر حصر نور الدين حارم # في هذه السنة جمع نور الدين بن محمود بن آقسنقر، صاحب الشام، العساكر ~~بحلب، وسار إلى قلعة حارم، وهي للفرنج غربي حلب، ، فحصرها وجد في قتالها، ~~فامتنعت عليه بحصانتها، وكثرة من بها من فرسان الفرنج ورجالتهم وشجعانهم، ~~فلما علم الفرنج ذلك جمعوا فارسهم وراجلهم من سائر البلاد، وحشدوا، ~~واستعدوا، وساروا نحوها ليرحلوه عنها، فلما قاربوه طلب منهم المصاف، فلم ~~يجيبوه إليه، وراسلوه، وتلطفوا الحال معه، فلما رأى أنه لا يمكنه أخذ ~~الحصن، ولا يجيبونه إلى المصاف، عاد إلى بلاده PageV05P0085 # وممن كان معه في هذه الغزوة مؤيد الدولة أسامة بن مرشد بن منقذ الكناني، ~~وكان من الشجاعة في الغاية، فلما عاد إلى حلب دخل إلى مسجد شيزر، وكان قد ~~دخله في العام الماضي سائرا إلى الحج، فلما دخله الآن كتب على حائطه: لك ~~الحمد يا مولاي كم لك منة ... علي وفضلا لا يحيط به شكري نزلت بهذا المسجد ~~العام قافلا ... من الغزو موفور النصيب من الأجر ومنه رحلت العيس في عامي ~~الذي ... مضى نحو بيت الله والركن والحجر فأديت مفروضي وأسقطت ثقل ما ... ~~تحملت من وزر الشبيبة عن ظهري ### || AUT ذكر ملك الخليفة قلعة الماهكي # في هذه السنة، في رجب، ملك الخليفة المستنجد بالله قلعة الماهكي، وسبب ~~ذلك أن سنقر الهمذاني، صاحبها، سلمها إلى أحد مماليكه ومضى إلى همذان، فضعف ~~هذا المملوك عن مقاومة ما حولها من التركمان والأكراد، فأشير عليه ببيعها ~~من الخليفة، فراسل في ذلك، فاستقرت على خمسة عشر ألف دينار وسلاح وغير ذلك ~~من الأمتعة، وعدة من القرى، فسلمها واستلم ما استقر له، وأقام ببغداد. وهذه ~~القلعة لم تزل من أيام المقتدر بالله بأيدي التركمان والأكراد وإلى الآن. ### || AUT ذكر الحرب بين ms4059 المسلمين والكرج # في هذه السنة، في شعبان، اجتمعت الكرج في خلق كثير يبلغون ثلاثين ألف ~~مقاتل، ودخلوا بلاد الإسلام، وقصدوا مدينة دوين من أذربيجان، فملكوها ~~ونهبوها، وقتلوا من أهلها وسوادها نحو عشرة آلاف قتيل، وأخذوا النساء ~~سبايا، وأسروا كثيرا، وأعروا النساء وقادوهم حفاة عراة، وأحرقوا الجوامع ~~والمساجد؛ فلما وصلوا إلى بلادهم أنكر نساء الكرج مافعلوا بنساء المسلمين، ~~وقلن لهم: قد أحوجتم المسلمين أن يفعلوا بنا مثل ما فعلتم بنسائهم؛ ~~وكسونهن.ولما بلغ الخبر إلى شمس الدين إيلدكز، صاحب أذربيجان والجبل ~~وأصفهان، جمع عساكره وحشدها، وانضاف إليه شاه أرمن بن سكمان القطبي، صاحب ~~خلاط، وابن آقسنقر، صاحب مراغة وغيرها، فاجتمعوا في عسكر كثير يزيدون على ~~خمسين ألف مقاتل، وساروا إلى بلاد الكرج في صفر سنة ثمان وخمسين ونهبوها، ~~وسبوا النساء والصبيان، وأسروا الرجال، ولقيهم الكرج، واقتتلوا أشد قتال ~~صبر فيه الفريقان، ودامت الحرب بينهم أكثر من شهر، وكان الظفر للمسلمين، ~~فانهزم الكرج وقتل منهم كثير وأسر كذلك. وكان سبب الهزيمة ان بعض الكرج حضر ~~عند إيلدكز، فأسلم على يديه، وقال له: تعطيني عسكرا حتى أسير بهم في طريق ~~أعرفها وأجيء إلى الكرج من ورائهم وهم لا يشعرون! فاستوثق منه، وسير معه ~~عسكرا وواعده يوما يصل فيه إلى الكرج، فلما كان ذلك اليوم قاتل المسلمون ~~الكرج، فبينما هم في القتال وصل ذلك الكرجي الذي أسلم ومعه العسكر، وكبروا ~~وحملوا على الكرج من ورائهم، فانهزموا، وكثر القتل فيهم والسر، وغنم ~~المسلمون من أموالهم ما لا يدخل تحت الإحصاء لكثرته، فإنهم كانوا متيقنين ~~النصر لكثرتهم، فخيب الله ظنهم، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ثلاثة أيام ~~بلياليها، وعاد المسلمون منصورين قاهرين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، وصل الحجاج إلى منى، ولم يتم الحج لأكثر الناس لصدهم عن ~~دخول مكة والطواف والسعي، فمن دخل يوم النحر مكة وطاف وسعى كمل حجه، ومن ~~تأخر عن ذلك منع دخول مكة لفتنة جرت بين أمير الحاج وأمير مكة. كان سببها ~~أن جماعة من عبيد مكة أفسدوا في الحاج بمنى، ms4060 فنفر عليهم بعض أصحاب أمير ~~الحاج فقتلوا منهم جماعة، ورجع من سلم إلى مكة، وجمعوا جمعا وأغاروا على ~~جمال الحاج، واخذوا منها قريبا من ألف جمل، فنادى أمير الحاج في جنده، ~~فركبوا بسلاحهم، ووقع القتال بينهم، فقتل جماعة، ونهب جماعة من الحاج وأهل ~~مكة، فرجع أمير الحاج ولم يدخل مكة، ولم يقم بالزاهر غير يوم واحد، وعاد ~~كثير من الناس رجالة لقلة الجمال، ولقوا شدة. وممن حج في هذه السنة جدتنا ~~أم أبينا، ففاتها الطواف والسعي، فاستفتي لها الإمام الشيخ أبو القاسم بن ~~البرري، فقال: تدوم على ما بقي عليها من إحرامها إلى قابل، وتعود إلى مكة، ~~فتطوف وتسعى، فكمل الحجة الأولى، ثم تحرم إحراما ثانيا، وتعود إلى عرفات، ~~فتقف وترمي الجمار، وتطوف وتسعى، فتصير لها حجة ثانية؛ فبقيت على إحرامها ~~إلى قابل، وحجت وفعلت كما قال، فتم حجها الأول والثاني. PageV05P0086 # وفيها نزل بخراسان برد كثير عظيم المقدار، أواخر نيسان، وكان أكثره بجوين ~~ونيسابور وما والاهما، فأهلك الغلات، ثم جاء بعده مطر كثير دام عشرة أيام. ~~وفيها في جمادى الآخرة، وقع الحريق ببغداد، احترق سوق الطيوريين والدور ~~التي تليه مقابله إلى سوق الصفر الجديد، والخان الذي في الرحبة، ودكاكين ~~البزورين وغيرها. وفيها توفي الكيا الصباحي، صاحب الموت، مقدم الإسماعيلية، ~~وقام ابنه مقامه، فأظهر التوبة، وأعاد هو ومن معه الصلوات وصيام شهر رمضان، ~~وأرسلوا إلى قزوين يطلبون من يصلي بهم، ويعلمهم حدود الإسلام، فأرسلوا ~~إليهم. وفيها في رجب، درس شرف الدين يوسف الدمشقي في المدرسة النظامية ~~ببغداد؛ وفيها توفي شجاع الفقيه الحنفي ببغداد، وكان مدرسا بمدرسة أبي ~~حنيفة، وكان موته في ذي القعدة. وفيها توفي صدقة بن وزير الواعظ. وفيها، في ~~المحرم، توفي الشيخ عدي بن مسافر الزاهد المقيم ببلد الهكارية من أعمال ~~الموصل، وهو من الشام، من بلد بعلبك، فانتقل إلى الموصل، وتبعه أهل السواد ~~والجبال بتلك النواحي وأطاعوه، وحسنوا الظن فيه، وهو مشهور جدا. ؟ ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وخمسمائة # ؟؟ ### || AUT ذكر وزارة شاور للعاضد بمصر # ### || AUT ثم ms4061 وزارة الضرغام بعده # في هذه السنة، في صفر، وزر شاور للعاضد لدين الله العلوي صاحب مصر، وكان ~~ابتداء أمره ووزارته أنه كان يخدم الصالح بن رزيك ولزمه، فأقبل عليه الصالح ~~وولاه الصعيد، وهو أكبر الأعمال بعد الوزارة، فلما ولي الصعيد ظهرت منه ~~كفاية عظيمة وتقدم زائد، واستمال الرعية والمقدمين من العرب وغيرهم، فعسر ~~أمره على الصالح، ولم يمكنه عزله، فاستدام استعماله لئلا يخرج عن طاعته. ~~فلما جرح الصالح كان من جملة وصيته لولده العادل: إنك لا تغير على شاور، ~~فإنني أنا أقوى منك وقد ندمت على استعماله، ولم يمكني عزله، فلا تغيروا ما ~~به فيكون لكم منه ما تكرهون. فلما توفي الصالح من جراحته وولي ابنه العادل ~~الوزارة حسن له أهله عزل شاور واستعمال بعضهم مكانه، وخوفوه منه إن أقروه ~~على عمله، فأرسل إليه بالعزل، فجمع جموعا كثيرة وسار إلى القاهرة بهم، فهرب ~~منه العادل ابن الصالح بن زريك فأخذ وقتل، فكانت مدة وزارته ووزارة أبيه ~~قبله تسع سنين وشهرا وأياما، وصار شاور وزيرا، وتلقب بأمير الجيوش، وأخذ ~~أموال بني رزيك وودائعهم وذخائرهم، وأخذ منه أيضا طي والكامل ابنا شاور ~~والمصريين إلى الأتراك. ثم إن الضرغام جمع جموعا كثيرة، ونازع شاور ~~بالوزارة في شهر رمضان، وظهر أمره، وانهزم شاور منه إلى الشام، على ما ~~نذكره سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وصار ضرغام وزيرا. وكان هذه السنة ثلاثة ~~وزراء: العادل بن زريك، وشاور ، وضرغام، فلما تمكن ضرغام من الوزارة قتل ~~كثيرا من الوزراء المصريين لتخلو له البلاد من منازع، فضعفت الدولة بهذا ~~السبب حتى خرجت البلاد عن أيديهم. ### || AUT ذكر وفاة عبد المؤمن وابنه يوسف # في هذه السنة، في العشرين من جمادى الآخرة، توفي عبد المؤمن بن علي، ~~صاحب بلاد المغرب، وإفريقية، والأندلس، وكان قد سار من مراكش إلى سلا، فمرض ~~بها ومات. ولما حضره الموت جمع شيوخ الموحدين من أصحابه، وقال لهم: قد جربت ~~ابني محمدا، فام أره يصلح لهذا الأمر، وإنما يصلح له ابني يوسف، وهو أولى ~~بها، فقدموه لها، ms4062 ووصاهم بها، وبايعوه ودعي بأمير المؤمنين، وكتما موت عبد ~~المؤمن، وحمل فمن سلا في محفة بصورة أنه مريض إلى أن وصل إلى مراكش. وكان ~~ابنه أبو حفص في تلك المدة حاجبا لأبيه، فبقي مع أخيه على مثل حاله مع أبيه ~~يخرج فيقول للناس: أمير المؤمنين أمر بكذا، ويوسف لم يقعد مقعد أبيه إلى أن ~~كملت المبايعة له في جميع البلاد، واستقرت قواعد الأمور له، ثم أظهر موت ~~أبيه عبد المؤمن، فكانت ولايته ثلاثا وثلاثين سنة وشهورا، وكان عاقلا، ~~حازما، سديد الرأي، حسن السياسة للأمور، كثير البذل للأموال، إلا أنه كان ~~كثير السفك لدماء المسلمين على الذنب الصغير. وكان يعظم أمر الدين ويقويه، ~~ويلزم الناس في سائر بلاده بالصلاة، ومن رؤي وقت الصلاة غير تصل قتل وجمع ~~الناس على مذهب مالك في الفروع، وعلى مذهب أبي الحسن الأشعري في الأصول، ~~وكان الغالب على مجلسه أهل العلم والدين، المرجع إليهم، والكلام معهم ولهم. ~~PageV05P0087 ### || AUT ذكر ملك المؤيد أعمال قومس # ### || AUT والخطبة للسلطان أرسلان بخراسان # في هذه السنة، سار المؤيد أي أبه، صاحب نيسابور إلى بلاد قومس، فملك ~~بسطام ودامغان، واسنناب بقومس مملوكه تنكز، فأقام تنكز بمدينة بسطام، فجرى ~~بين تنكز وبين شام مازندران اختلاف أدى إلى الحرب، فجمع كل منهما عسكره، ~~والتقوا أوائل ذي الحجة في هذه السنة، واقتتلوا، فانهزم عسكر مازندران، ~~وأخذت أسلابهم، وقتل منه طائفة كبيرة. ولما ملك المؤيد بلاد قومس أرسل إليه ~~السلطان أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه خلعا نفيسة، وألوية معقودة، ~~وهدية جليلة، وأمره أن يهتم باستيعاب بلاد خراسان ويتولى ذلك أجمع، وأن ~~يخطب له، فلبس المؤيد الخلع، فخطب له في البلاد التي هي بيده. وكان السبب ~~في هذا أتابك شمس الدين إيلدكز، فانه كان هو الذي يحكم في مملكة أرسلان، ~~وليس لأرسلان غير الاسم؛ وكان بين إيلدكز وبين المؤيد مودة عظيمة ذكرناها ~~عند قتل المؤيد، فلما أطاع المؤيد السلطان أرسلان خطب له ببلاده، مهي بلاد ~~قومس ونيسابور وطوس وأعمال نيسابور جميعها، ومن نسا إلى طبس ms4063 كنكلي، وكان ~~يخطب لنفسه بعد أرسلان، وكانت الخطبة في جرجان ودهستان لخوارزم شاه أيل ~~أرسلان بن أتسز، وبعده للأمير إيثاق؛ وكانت الخطبة في مرو وبلخ وهراة ~~وسرخس، وهذه البلاد بيد الغز، إلا هراة فكانت بيد الأمير ايتكين، وهو مسالم ~~للغز، فكانوا يخطبون للسلطان سنجر فيقولون: اللهم اغفر للسلطان السعيد ~~المبارك على المسلمين سنجر، وبعده للأمير الذي هو حاكم على تلك البلاد. ### || AUT ذكر قتل الغز ملك الغور # في هذه السنة، في رجب، قتل سيف الدين محمد بن الحسين الغور، ملك الغور، ~~قتله الغز. وسبب ذلك أنه جمع عساكره وحشد فأكثر، وسار في بلاد الغور يريد ~~الغز وهم ببلخ، واجتمعوا، وتقدموا إليه، فاتفق أن ملك الغور خرج من معسكره ~~في جماعة من خاصته، جريدة، فسمع به أمراء الغز، فساروا يطلبونه مجدين قبل ~~أن يعود إلى معسكره، فأوقعوا به، فقاتلهم أشد قتال رآه الناس، فقتل ومعه ~~نفر ممن كانوا معه، واسر طائفة، وهربت طائفة، فلحقوا بمعسكرهم وعادوا إلى ~~بلادهم منهزمين لا يقف الأب على ابنه ولا الولد على أخيه، وتركوا كل ما ~~معهم بحاله ونجوا بنفوسهم. فكان عمر ملك الغور لما قتل عشرين سنة، وكان ~~عادلا حسن السيرة، فمن عدله وخوفه عاقبة الظلم انه حاصر أهل هراة، فلما ~~ملكها أراد عسكره أن ينهبوها، فنزل على درب المدينة، وأحضر الأموال ~~والثياب، فأعطى جميع عسكره منها، وقال: هذا خير لكم من أن تنهبوا أموال ~~المسلمين وتسخطوا الله تعالى، فإن الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على ~~الظلم؛ ولما قتل عاد الغز إلى بلخ ومرو وقد غنموا من العسكر الغوري الشيء ~~الكثير لأن أهله تركوه ونجوا. ### || AUT ذكر انهزام نور الدين محمود من الفرنج # في هذه السنة انهزم نور الدين محمود بن زنكي من الفرنج، تحت حصن ~~الأكراد، وهي الوقعة المعروفة بالبقيعة، وسببها أن نور الدين جمع عساكره ~~دخل بلاد الفرنج ونزل في البقيعة تحت حصن الأكراد، محاصرا له عازما على قصد ~~طرابلس ومحاصرتها، فبينما الناس يوما في خيامهم، وسط النهار، لم يرعهم إلا ~~ظهور ms4064 صلبان الفرنج من وراء الجبل الذي عليه حصن الأكراد، وذلك أن الفرنج ~~اجتمعوا واتفق رأيهم على كبسة المسلمين نهارا، فإنهم يكونوا آمنين، فركبوا ~~من وقتهم، ولم يتوقفوا حتى يجمعوا عساكرهم، وساروا مجدين، فلم يشعر بذلك ~~المسلمين إلا وقد قربوا منهم، فأرادوا منعهم، فلم يطيقوا ذلك، فأرسلوا إلى ~~نور الدين يعرفونه الحال، فرهقهم الفرنج بالحملة، فلم يثبت المسلمون، ~~وعادوا يطلبون معسكر المسلمين، والفرنج في ظهورهم، فوصلوا معا إلى العسكر ~~النوري، فلم يتمكن المسلمون من ركوب الخيل، وأخذ السلاح، إلا وقد خالطوهم، ~~فأكثروا القتل والأسر. وكان أشدهم على المسلمين الدوقس الرومي، فإنه كان قد ~~خرج من بلاده إلى الساحل في جمع كثير من الروم، فقاتلوا محتسبين في زعمهم، ~~فلم يبقوا على أحد، وقصدوا خيمة نور الدين وقد ركب فيها فرسه ونجا بنفسه، ~~ولسرعته ركب الفرس والشبحة في رجله، فنزل إنسان كردي قطعها، فنجا نور ~~الدين، وقتل الكردي، فأحسن نور الدين إلى مخلفيه، ووقف عليهم الوقوف. ~~PageV05P0088 # ونزل نور الدين على بحيرة قدس بالقرب من حمص، وبينه وبين المعركة أربعة ~~فراسخ، وتلاحق به من سلم من العسكر، وقال له بعضهم ليس من الرأي أن تقيم ~~هاهنا، فإن الفرنج ربما حملهم الطمع على المجيء إلينا، فنؤخذ ونحن على هذه ~~الحال؛ فوبخه وأسكته، وقال: إذا كان معي ألف فارس لقيتهم ولا أبالي بهم، ~~ووالله لا أستظل بسقف حتى آخذ بثأري وثأر الإسلام؛ ثم أرسل إلى حلب ودمشق، ~~وأحضر الأموال والثياب والخيام والسلاح والخيل، فأعطى اللباس عوض ما أخذ ~~منهم جميعه بقولهم، فعاد العسكر كأن لم تصبه هزيمة، وكل من قتل أعطى أقطاعه ~~لأولاده. وأما الفرنج فإنهم كانوا عازمين على قصد حمص بعد الهزيمة لأنها ~~أقرب البلاد إليهم، فلما بلغهم نزول نور الدين بينها وبينهم قالوا: لم يفعل ~~هذا إلا وعنده قوة يمنعنا بها. ولما رأى أصحاب نور الدين كثرة خرجه قال له ~~بعضهم: إن لك في بلادك إدرارات وصدقات كثيرة على الفقهاء والفقراء والصوفية ~~والقراء وغيرهم، فلو استعنت بها في هذا الوقت لكان أصلح؛ فغضب من ms4065 ذلك وقال: ~~والله إني لا أرجو النصر إلا بأولئك فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم؛ كيف ~~أقطع صلات قوم يدافعون عني، وأنا نائم على فراشي، بسهام لا تخطئ، وأصرفها ~~إلى من لا يقاتل عني إلا إذا رآني بسهام قد تصيب وقد تخطئ، وهؤلاء القوم ~~لهم نصيب في بيت المال كيف يحل لي أن أعطيه غيرهم؟ ثم إن الفرنج راسلوا نور ~~الدين يطلبون منه الصلح، فلم يجبهم، وتركوا عند حصن الأكراد من يحميه ~~وعادوا إلى بلادهم. ### || AUT ذكر إجلاء بني أسد من العراق # في هذه السنة أمر الخليفة المستنجد بالله بإهلاك بني أسد أهل الحلة ~~المزيدية، لما ظهر من فسادهم، ولما كان في نفس الخليفة منهم من مساعدتهم ~~السلطان محمدا لما حصر بغداد، فأمر يزدن بن قماج بقتالهم وإجلائهم عن ~~البلاد، وكانوا منبسطين في البطائح، فلا يقدر عليهم، فتوجه يزدن إليهم، ~~وجمع عساكر كثيرة من راجل وفارس، وأرسل إلى ابن معروف مقدم المنتفق، وهو ~~بأرض البصرة، فجاء في خلق كثير فحصرهم وسد عليهم الماء، وصابرهم مدة، فأرسل ~~الخليفة إلى يزدن يعتب عليه ويعجزه وينسبه إلى موافقتهم في التشيع، وكان ~~يزدن يتشيع، فجد هو وابن معروف في قتالهم والتضييق عليهم، وسد مسالكهم في ~~الماء ، فاستسلموا حينئذ، فقتل منهم أربعة آلاف قتيل، ونادى فيمن بقي: من ~~وجد بعد هذا في المزيدية فقد حل دمه؛ فتفرقوا في البلاد، ولم يبق منهم في ~~العراق من يعرف، وسلمت بطائحهم وبلادهم إلى ابن معروف. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وقع في بغداد حريق في باب درب فراشا إلى مشرعة الصباغين من ~~الجانبين. وفيها، في رجب، توفي سديد الدولة أبو عبد الله مجمد بن عبد ~~الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم المعروف بابن الأنباري، كاتب الإنشاء ~~بديوان الخليفة، وكان فاضلا أديبا ذا تقدم كثير عند الخلفاء والسلاطين، ~~وخدم من سنة ثلاثين وخمسمائة إلى الآن في ديوان الخلافة، وعاش حتى قارب ~~تسعين سنة. وتوفي في رمضان هبة الله بن الفضل بن عبد العزيز بن محمد أبو ~~القاسم المتوثي، سمع ms4066 الحديث؛ وهو من الشعراء المشهورين، إلا أنه كثير ~~الهجو، ومن شعره: يا من هجرت ولا تبالي ... هل ترجع دولة الوصال هل أطمع يا ~~عذاب قلبي ... أن ينعم في هواك بالي الطرف كما عهدت بالي ... والجسم كما ~~ترين بال ما ضرك أن تعلليني ... في الوصل بموعد المحال أهواك وأنت حظ غيري ~~... يا قاتلتي فما احتيالي وهي أكثر من هذا. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وخمسين وخمسمائة # ### | AUT ذكر مسير شيركوه وعساكر نور الدين إلى ديار مصر وعودهم عنها # في هذه السنة، في جمادى الأولى، سير نور الدين محمود بن زنكي عسكرا ~~كثيرا إلى مصر، وجعل عليهم الأمير أسد الدين شيركوه بن شاذي، وهو مقدم ~~عسكره، وأكبر أمراء دولته، وأشجعهم، وسنذكر سنة أربع وستين سبب اتصاله بنور ~~الدين وعلو شأنه عنده إن شاء الله تعالى. PageV05P0089 # وكان سبب إرسال هذا الجيش أن شاور وزير العاضد لدين الله العلوي، صاحب ~~مصر، نازعه في الوزارة ضرغام، وغلب عليها، فهرب شاور منه إلى الشام، ملتجئا ~~إلى نور الدين ومستجيرا به، فأكرم مثواه، وأحسن إليه، وأنعم عليه، وكان ~~وصوله في ربيع الأول من السنة، وطلب منه إرسال العساكر معه إلى مصر ليعود ~~إلى منصبه ويكون لنور الدين ثلث دخل البلاد بعد إقطاعات العسكر، ويكون ~~شيركوه مقيما بعساكره في مصر، ويتصرف هو بأمر نور الدين واختياره؛ فبقي نور ~~الدين يقدم إلى هذا العرض رجلا ويؤخر أخرى، فتارة يحمله رعاية لقصد شاور ~~بابه، وطلب الزيادة من الملك والتقوي على الفرنج، وتارة يمنعه خطر الطريق، ~~وأن الفرنج فيه؛ وتخوف أن شاور إن استقرت قاعدته ربما لا يفي. ثم قوى عزمه ~~على إرسال الجيوش، فتقدم بتجهيزها وإزالة عللها، وكان هوى أسد الدين في ~~ذلك، وعنده من الشجاعة وقوة النفس ما لا يبالي بمخافة، فتجهز، وساروا جميعا ~~وشاور في صحبتهم، في جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين، وتقدم نور الدين إلى ~~شيركوه أن يعيد شاور إلى منصبه، وينتقم له ممن نازعه فيه. وسار نور الدين ~~إلى طرف بلاد الفرنج مما يلي دمشق ms4067 بعساكره ليمنع الفرنج من التعرض لأسد ~~الدين ومن معه، فكان قصارى الفرنج حفظ بلادهم من نور الدين، ووصل أسد الدين ~~ومن معه من العساكر إلى مدينة بلبيس، فخرج إليهم ناصر الدين أخو ضرغام ~~بعسكر المصريين ولقيهم، فانهزم وعاد إلى القاهرة مهزوما. ووصل أسد الدين ~~فنزل على القاهرة أواخر جمادى الآخرة، فخرج ضرغام من القاهرة سلخ الشهر ~~فقتل عند مشهد السيدة نفيسة، وبقي يومين، ثم حمل ودفن بالقرافة، وقتل أخوه ~~فارس المسلمين، وخلع عن شاور مستهل رجب، وأعيد إلى الوزارة، وتمكن منها، ~~وأقام أسد الدين بظاهر القاهرة، فغدر به شاور، وعاد كما كان قرره لنور ~~الدين من البلاد المصرية، ولأسد الدين أيضا، وأرسل إليه يأمره بالعود إلى ~~الشام، فأعاد الجواب بالامتناع، وطلب ما كان قد استقر بينهم، فلم يجبه شاور ~~إليه، فلما رأى ذلك أرسل نوابه فتسلموا مدينة بلبيس، وحكم على البلاد ~~الشرقية، فأرسل شاور إلى الفرنج يستمدهم ويخوفهم من نور الدين إن ملك مصر. ~~وكان الفرنج قد أيقنوا بالهلاك إن تم ملكه لها، فلما أرسل شاور يطلب منهم ~~أن يساعدوه على إخراج أسد الدين من البلاد جاءهم فرج لم يحتسبوه، وسارعوا ~~إلى تلبية دعوته ونصرته وطمعوا في ملك الديار المصرية، وكان قد بذل لهم ~~مالا على المسير إليه، وتجهزوا وساروا، فلما بلغ نور الدين ذلك سار بعساكره ~~إلى أطراف بلادهم ليمتنعوا عن المسير، فلم يمنعهم ذلك لعلمهم أن الخطر في ~~مقامهم، إذا ملك أسد الدين مصر، أشد، فتركوا في بلادهم من يحفظها، وسار ملك ~~القدس في الباقين إلى مصر. وكان قد وصل إلى الساحل جمع كثير من الفرنج في ~~البحر لزيارة البيت المقدس، فاستعان بهم الفرنج الساحلية، فأعانوهم، فسار ~~بعضهم معهم، وأقام بعضهم في البلاد لحفظها، فلما قارب الفرنج مصر فارقها ~~أسد الدين، وقصد مدينة بلبيس، فأقام بها هو وعسكره، وجعلها له ظهرا يتحصن ~~به، فاجتمعت العساكر المصرية والفرنج، ونازلوا أسد الدين شيركوه بمدينة ~~بلبيس، وحصروه بها ثلاثة أشهر، وهو ممتنع بها مع أن سورها قصير جدا، وليس ~~لها خندق، ms4068 ولا فصيل يحميها، وهو يغاديهم القتال ويراوحهم، فلم يبلغوا منه ~~غرضا، ولا نالوا منه شيئا. فبينما هم كذلك إذ أتاهم الخبر بهزيمة الفرنج ~~على حارم وملك نور الدين حارم ومسيره إلى بانياس، على ما نذكره عن شاء الله ~~تعالى،فحينئذ سقط في أيديهم ، وأرادوا العودة إلى بلادهم، ليحفظوها، ~~فراسلوا أسد الدين في الصلح والعد إلى الشام، ومفارقة مصر، وتسليم ما بيده ~~منها إلى المصريين، فأجابهم إلى ذلك لأنه لم يعلم ما فعله نور الدين بالشام ~~بالفرنج، ولأن الأقوات والذخائر قلت عليهن وخرج من بلبيس في ذي الحجة. ~~PageV05P0090 # فحدثني من رأى أسد الدين حين خرج من بلبيس قال: أخرج أصحابه بين يديه، ~~وبقي في آخرهم وبيده لت من حديد يحمي ساقتهم، والمسلمون والفرنج ينظرون ~~إليه. قال: فأتاه فرنجي من الغرباء الذين خرجوا من البحر، فقال له:أما تخاف ~~أن يغدر بك هؤلاء المصريون والفرنج، وقد أحاطوا بك وبأصحابك، ولا يبقى لكم ~~بقية؟ فقال شيركوه: يا ليتهم علوه حتى كنت ترى ما أفعله؛ كنت والله أضع ~~السيف، فلا يقتل منا رجل حتى يقتل منهم رجالا، وحينئذ يقصدهم الملك العادل ~~نور الدين ، وقد ضعفوا وفني شجعانهم، فنملك بلادهم ويهلك من بقي منهم، ~~والله لو أطاعني هؤلاء لخرجت إليكم من أول يوم، ولكنهم امتنعوا. فصلب على ~~وجهه، وقال: كنا نعجب من فرنج هذه البلاد ومبالغتهم في صفتك وخوفهم منك، ~~والآن فقد عذرناهم؛ ثم رجع عنه. وسار شيركوه إلى الشام، فوصل سالما، وكان ~~الفرنج قد وضعوا له على مضيق في الطريق رصدا ليأخذوه أو ينالوا منه ظفرا، ~~فعلم بهم فعاد عن ذلك الطريق، ففيه يقول عمارة التميمي: أخذتم على الإفرنج ~~كل ثنية ... وقلتم لأيدي الخيل مري على مري لئن نصبوا في البر جسرا فإنكم ~~... عبرتم ببحر من حديد على الجسر ولفظة مري في أخر البيت الأول اسم ملك الفرنج. ### || AUT ذكر هزيمة الفرنج وفتح حارم # في هذه السنة، في شهر رمضان، فتح نور الدين محمود زنكي قلعة حارم من ~~الفرنج؛ وسبب ذلك أن نور الدين لما عاد ms4069 منهزما من البقيعة، تحت حصن ~~الأكراد، كما ذكرناه من قبل، فرق الأموال والسلاح، وغير ذلك من الآلات على ~~ما تقدم، فعاد العسكر كأنهم لم يصابوا وأخذوا في الاستعداد للجهاد والأخذ ~~بثأره. واتفق مسير بعض الفرنج مع ملكهم في مصر، كما ذكرناه، فأراد أن يقصد ~~بلادهم ليعودوا عن مصر،فأرسل إلى أخيه قطب الدين مودود، صاحب الموصل وديار ~~الجزيرة، وإلى فخر الدين قرا أرسلان، صاحب حصن كيفا، وإلى نجم الدين ألبي، ~~صاحب ماردين، وغيرهم من أصحاب الأطراف يستنجدهم؛ فأما قطب الدين فإنه جمع ~~عسكره وسار مجدا، وفي مقدمته زين الدين علي أمير جيشه؛ وأما فخر الدين، ~~صاحب الحصن، فبلغني عنه أنه قال له ندماؤه وخواصه: على أي شيء عزمت؟ فقال: ~~فقال: على القعود، فإن نور الدين قد تحشف من كثرة الصوم والصلاة، وهو يلقي ~~نفسه والناس معه في المهالك، فكلهم وافقه على هذا الرأي، فلما كان الغد أمر ~~بالتجهز للغزاة، فقال له أولئك: ما عدا مما بدا؟ فارقناك أمس على حالة، ~~فنرى اليوم ضدها؟ فقال: إن نور الدين قد سلك معي طريقا إن لم أنجده خرج أهل ~~بلادي عن طاعتي، واخرجوا البلاد عن يدي، فإنه قد كاتب زهادها وعبادها ~~والمنقطعين عن الدنيا، فلم يذكر لهم ما لقي المسلمون من الفرنج وما نالهم ~~من القتل والأسر، ويستمد نهم الدعاء، ويطلب أن يحثوا المسلمين على الغزاة ~~فقد قعد كل واحد من اولئك، ومعه أصحابه وأتباعه، وهم يقرؤون كتب نور الدين، ~~ويبكون ويلعنونني، ويدعون علي، فلا بد من المسير إليه؛ ثم تجهز وسار بنفسه. ~~وأما نجم الدين فإنه سير عسكرا، فلما اجتمعت العساكر سار نحو حارم فحصرها ~~ونصب عليها المجانيق وتابع الزحف إليها، فاجتمع من بقي بالساحل من الفرنج، ~~فجاؤوا في حدهم وحديدهم، وملوكهم وفرسانهم، وقسيسهم ورهبانهم، وأقبلوا إليه ~~من كل حدب ينسلون، وكان المقدم عليهم البرنس بيمند، صاحب أنطاكية، وقمص، ~~صاحب طرابلس وأعمالها، وابن جوسلين، وهو من مشاهير الفرنج، والدوك، وهو ~~مقدم كبير من الروم، وجمعوا الفارس والراجل، فلما قاربوه رحل عن حارم إلى ms4070 ~~أرتاح طمعا أن يتبعوه فيتمكن منهم لبعدهم عن بلادهم إذا لقوه، فساروا، ~~فنزلوا على غمر ثم علموا عجزهم عن لقائه، فعادوا إلى حارم، فلما عادوا ~~تبعهم نور الدين في أبطال المسلمين على تعبئة الحرب. PageV05P0091 # فلما تقاربوا اصطفوا للقتال، فبدأ الفرنج بالحملة على ميمنة المسلمين، ~~وفيها عسكر حلب وصاحب الحصن، فانهزم المسلمون فيها، وتبعهم الفرنج، فقيل ~~كانت تلك الهزيمة من الميمنة على اتفاق ورأي دبروه، وهو أن يتبعهم الفرنج ~~فيبعدوا عن راجلهم، فيميل عليهم من بقي من المسلمين بالسيوف فيقتلوهم، فإذا ~~عاد فرسانهم لم يلقوا راجلا يلجأون إليه، ولا وزرا يعتمدون عليه، ويعود ~~المنهزمون في أثارهم، فيأخذهم المسلمون من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن ~~أيمانهم وعن شمائلهم، فكان الأمر على ما دبروه: فإن الفرنج لما تبعوا ~~المنهزمين عطف زين الدين علي في عسكر الموصل على راجل الفرنج فأفناهم قتلا ~~وأسرا، وعاد خيالتهم، ولم يمعنوا في الطلب خوفا على راجلهم، فعاد المنهزمون ~~في آثارهم، فلما وصل الفرنج رأوا رجالهم قتلى وأسرى، فسقط في أيديهم، ورأوا ~~أنهم قد هلكوا وبقوا في الوسط قد أحدق بهم المسلمون من كل جانب، فاشتدت ~~الحرب، وقامت على ساق، وكثر القتل في الفرنج، وتمت عليهم الهزيمة، فعدل ~~حينئذ المسلمون من القتل إلى الأسر، فأسروا ما لا يحد، وفي جملة الأسرى ~~صاحب أنطاكية والقمص، صاحب طرابلس، وكان شيطان الفرنج، وأشدهم شكيمة على ~~المسلمين، والدوك مقدم الروم، وابن جوسلين، وكانت عدة القتلى تزيد على عشرة ~~آلاف قتيل. وأشار المسلمون على نور الدين بالمسير إلى أنطاكية وتملكها ~~لخلوها من حام يحميها ومقاتل يذب عنها، فلم يفعلن وقال: أما المدينة فأمرها ~~سهل، وأما القلعة فمنيعة، وربما سلموها إلى ملك الروم لأن صاحبها ابن أخيه ~~ومجاوره بيمند أحب إلي من مجاورة صاحب قسطنطينية؛ وبث السرايا في تلك ~~الأعمال فنهبوها وأسروا أهلها وقتلوهم، ثم إنه فادى بيمند البرنس، صاحب ~~أنطاكية، بمال جزيل وأسرى من المسلمين كثيرة أطلقهم. ### || AUT ذكر ملك نور الدين قلعة بانياس من الفرنج أيضا # في ذي الحجة من هذه السنة فتح ms4071 نور الدين محمود قلعة بانياس، وهي بالقرب ~~من دمشق، وكانت بيد الفرنج من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، ولما فتح حارم ~~أذن لعسكر الموصل وديار بكر بالعود إلى بلادهم، وأظهر أنه يريد طبرية، فجعل ~~من بقي من الفرنج همتهم حفظها وتقويتها، فسار محمود إلى بانياس لعلمه بقلة ~~من فيها من الحماة الممانعين عنها، ونازلها، وضيق عليها وقاتلها، وكان في ~~جملة عسكره أخوه نصرة الدين أمير أميران، فأصابه سهم فأذهب إحدى عينيه، ~~فلما رآه نور الدين قال له: لو كشف لك عن الآجر الذي أعد لك لتمنيت ذهاب ~~الأخرى، وجد في حصارها، فسمع الفرنج، فجمعوا، فلم تتكامل عدتهم، حتى فتحها؛ ~~على أن الفرنج كانوا قد ضعفوا بقتل رجالهم بحارم وأسرهم فملك القلعة، ~~وملأها ذخائر وعدة ورجالا وشاطر الفرنج في أعمال طبرية، وقرروا له على ~~الأعمال التي لم يشاطرهم عليها مالا في كل سنة. ووصل خبر ملك حارم وحصر ~~بانياس إلى الفرنج بمصر، فصالحوا شيركوه، وعادوا ليدركوا بانياس، فلم يصلوا ~~إلا وقد ملكها، ولما عاد منها إلى دمشق كان بيده خاتم بفص ياقوت من أحسن ~~الجوهر، وكان يسمى الجبل لكبره وحسنه، فسقط من يده في شعاري بانياس، وهي ~~كثيرة الأشجار ملتفة الأغصان، فلما أبعد عن المكان الذي ضاع فيه علم به، ~~فأعاد بعض أصحابه في طلبه ودلهم على المكان الذي كان آخر عهده به فيه، ~~وقال: أظن هناك سقط؛ فعادوا إليه فوجدوه، فقال بعض الشعراء الشاميين أظنه ~~ابن منير يمدحه ويهنئه بهذه الغزاة ويذكر الجبل الياقوت: إن يمتر الشكاك ~~فيك بأنك ال ... مهدي مطفي جمرة الدجال فلعودة الجبل الذي أضللته ... ~~بالأمس بين غياطل وجبال لم يعطها إلا سليمان وقد ... الربا بموشك الأعجال ~~رحرحى لسرير ملكك إنه ... كسريره على كل حد عال فلو البحار السبعة استهوينه ~~... وأمرتهن قذفنه في الحال ولما فتح الحصن كان معه ولد معين الدين أنز ~~الذي سلم بانياس إلى الفرنج، فقال له: للمسلمين بهذا الفتح فرحة واحدة، ولك ~~فرحتان؛ فقال : كيف ذاك؟ قال: لأن اليوم برد الله جلد والدك من ms4072 نار جهنم. ### || AUT ذكر أخذ الأتراك غزنة من ملكشاه وعوده إليها # PageV05P0092 # في هذه السنة قصد بلاد غزنة الأتراك المعروفون بغز ونهبوها وخربوها، ~~وقصدوا غزنة وبها صاحبها ملكشاه بن خسروشاه المحمودي، فعلم أنه لا طاقة له ~~بهم، ففارقها وسار إلى مدينة لهاور، وملك الغز مدينة غزنة، وكان القيم ~~بأمرهم أمير اسمه زنكي بن علي بن خليفة الشيباني؛ ثم إن صاحبها ملكشاه جمع ~~وعاد إلى غزنة، ففارقها زنكي وعاد ملكها ملكشاه ودخلهافي جمادى الآخرة سنة ~~تسع وخمسين وخمسمائة وتمكن من دار ملكه. ### || AUT ذكر وفاة جمال الدين الوزير # ### || AUT وشيء من سيرته # في هذه السنة توفي جمال الدين أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور ~~الأصفهاني، وزير قطب الدين، صاحب الموصل، في شعبان مقبوضا، وكان قد قبض ~~عليه سنة ثمان وخمسين، فبقي في الحبس نحو سنة، حكى لي أنسان صوفي يقال له ~~أبو القاسم كان مختصا بخدمته في الحبس قال: لم يزل محبوسا في محبسه بأمر ~~آخرته ،وكان يقول: كنت أخشى أن أنقل من الدست إلى القبر؛ فلما مرض قال لي ~~في بعض الأيام: يا أبا القاسم! إذا جاء طائر أبيض إلى الدار فعرفني. قال: ~~فقلت في نفسي قد اختلط عقله؛ فلما كان الغد أكثر السؤال عنه، وإذا طائر ~~أبيض لم أرى مثله قد سقط، فقلت: جاء الطائر؛ فاستبشر ثم قال: جاء الحق؛ ~~وأقبل على الشهادة وذكر الله تعالى، إلى أن توفي فلما توفي طار ذلك الطائر، ~~فعلمت أنه رأى شيئا في معناه. ودفن بالموصل عند فتح الكرامي، رحمة الله ~~عليهما، نحو سنة، ثم نقل إلى المدينة فدفن بالقرب من حرم النبي صلى الله ~~عليه وسلم، في رباط بناه لنفسه هناك، وقال لأبي القاسم: بيني وبين أسد ~~الدين شيركوه عهد، من مات منا قبل صاحبه حمله إلى المدينة النبوية فدفنه ~~بها في التربة التي عملها، فإذا أنا مت فامض إليه وذكره؛ فلما توفي سار أبا ~~القاسم إلى شيركوه في المعنى، فقال له:شيركوه: كم تريد؟ فقال: أريد أجرة ~~جمل يحمله وجمل يحملني ms4073 وزادي؛ فانتهره وقال: مثل جمال الدين يحمل هكذا إلى ~~مكة! وأعطاه مالا صالحا ليحمل معه جماعة يحجون عن جمال الدين، وجماعة ~~يقرأون عليه بين يدي تابوته إذا حمل، وإذا نزل عن الجمل؛ وإذا وصل مدينة ~~يدخل أولئك القراء ينادون للصلاة عليه، فيصلى عليه من كل بلدة يجتاز بها، ~~وأعطاه أيضا مالا للصدقة عنه، فصلي عليه في تكريت وبغداد والحلة، وفيد مكة ~~والمدينة، وكان يجتمع له في كل بلد من الخلق ما لا يحصى، ولما أرادوا ~~الصلاة عليه بالجلة صعد شاب على موضع مرتفع وأنشد بأعلى صوته: سرى نعشه فوق ~~الرقاب وطالما ... سرى جوده فوق الركاب ونائله يمر على الوادي فتثني رماله ~~... عليه وبالنادي فتثني أرامله فلم نر باكيا أكثر من ذلك اليوم، ثم وصلوا ~~به إلى مكة فطافوا به حول الكعبة، وصلوا عليه بالحرم الشريف؛ وبين قبره ~~وقبر النبي، صلى الله عليه وسلم، نحو خمسة عشر ذراعا. وأما سيرته فكان رحمه ~~الله، أسخى الناس، وأكثرهم بذلا للمال، رحيما بالخلق، متعطفا عليهم، عادلا ~~فيهم؛ فمن أعماله الحسنة أنه جدد بناء مسجد الخيف بمنى، وغرم عليه أموالا ~~جسيمة، وبنى الحجر بجانب الكعبة، وزخرف الكعبة وذهبها، وعملها بالرخام؛ ~~ولما أراد ذلك أرسل إلى المقتفي لأمر الله هدية جليلة، وطلب منه ذلك، وأرسل ~~إلى الأمير عيسى أمير مكة هدية كثيرة، وخلعا سنية، منها عمامة مشتراها ~~ثلاثمائة دينار، حتى مكنه من ذلك.وعمر أيضا المسجد الذي على جبل عرفات ~~والدرج التي يصعد فيها إليه، وكان الناس يلقون شدة في صعودهم، وعمل بعرفات ~~أيضا مصانع للماء، وأجرى الماء إليها من نعمان في طرق معمولة تحت الأرض، ~~فخرج عليها مال كثير. وكان يجري الماء في المانع كل سنة أيام عرفات؛ وبنى ~~سورا على مدينة النبي ، صلى الله عليه وسلم، وعلى فيد، وبنى لها أيضا ~~فصيلا. وكان يخرج من باب داره، كل يوم، للصعاليك والفقراء مائة دينار ~~أميري، هذا سوى الإدارات والتعهدات للأئمة والصالحين وأرباب البيوتات. ~~PageV05P0093 # ومن أبنيته العجيبة التي لم ير الناس مثلها الجسر الذي بناه على دجلة ms4074 عند ~~جزيرة ابن عمر بالحجر المنحوت والحديد والرصاص والكلس، فقبض قبل أن يفرغ؛ ~~وبنى عندها أيضا جسرا كذلك على النهر المعروف بالارباد، وبنى الربط، وقصده ~~الناس من أقطار الأرض، ويكفيه أن ابن الخجندي رئيس أصحاب الشافعي بأصفهان، ~~قصده وابن الكافي قاضي قضاة همذان، فاخرج عليهما مالا عظيما، وكانت صدقاته ~~وصلاته من أقاصي خراسان إلى حدود اليمن. وكان يشتري الأسرى كل سنة بعشرة ~~آلاف دينار، هذا من الشام حسب، سوى ما يشتري من الكرج. حكى لي وادي عنه ~~قال: كثيرا ما كنت أرى جمال الدين، إذا قدم إليه الطعام، يأخذ منه ومن ~~الحلوى ويتركه في خبز بين يديه، فكنت أنا ومن يراه يظن أنه يحمله إلى أم ~~ولده علي، فاتفق أنه في بعض السنين جاء إلى الجزيرة مع قطب الدين، وكنت ~~أتولى ديوانها، وحمل جاريته أم ولده إلى داري لتدخل الحمام، فبقيت في الدار ~~أياما، فبينما أنا عنده في الخيام وقد أكل الطعام، فعل كما كان يفعل ثم ~~تفرق الناس، فقمت، فقال: اقعد. فقعدت، فلما خلا المكان قال لي: قد آثرتك ~~اليوم على نفسي، فإنني في الخيام ما يمكنني أن أفعل ما كنت أفعله؛ خذ هذا ~~الخبز واحمله أنت في كمك في هذا المنديل، واترك الحماقة من رأسك، وعد إلى ~~بيتك، فإذا رأيت في طريقك فقيرا يقع في نفسك أنه مستحق فاقعد أنت بنفسك ~~وأطعمه هذا الطعام. قال: ففعلت ذلك. وكان معي جمع كثير، ففرقتهم في الطريق ~~لئلا يروني أفعل ذلك، وبقيت في غلماني، فرأيت في موضع إنسانا أعمى، وعنده ~~أولاده وزوجته، وهم من الفقر في حال شديد، فنزلت عن دابتي إليهم، وأخرجت ~~الطعام وأطعمتهم إياه، وقلت للرجل: تجيء غدا بكرة إلى دار فلان، أعني داري، ~~ولم أعرفه نفسي، فإنني أخذ لك من صدقة جمال الدين شيئا؛ ثم ركبت إليه ~~العصر، فلما رآني قال: ما الذي فعلت في الذي قلت لك ؟ فأخذت أذكر له شيئا ~~يتعلق بدولتهم؛ فقال: ليس عن هذا أسألك إنما أسألك عن الطعام الذي سلمته ~~إليك؛ فذكرت له ms4075 الحال، ففرح ثم قال: بقي أنك لو قلت للرجل يجيء إليك هو ~~وأهله فتكسوهم وتعطيهم دنانير،وتجري لهم كل شهر دينارا. قال: فقلت له: قد ~~قلت للرجل حتى بجيء إلي؛ فازداد فرحا، وفعلت بالرجل ما قال، ولم يزل يصل ~~إليه رسمه حتى قبض. وله من هذا كثير، فمن ذلك أنه تصدق بثيابه من على بدنه ~~في بعض السنين التي تعذرت الأقوات فيها. ### || AUT ذكر إجلاء القارغلية من وراء النهر # كان خان خانان الصيني ملك الخطا قد فوض ولاية سمرقند وبخارى إلى الخان ~~جغري خان ابن حين تكين، واستعمله عليها، وهو من بيت الملك، قديم الأبوة، ~~فبقي فيها مدبر لأمورها، فلما كان الآن أرسل إليه ملك الخطا بإجلاء الأتراك ~~القارغلية من أعمال بخارى وسمرقند إلى كاشغر، وأن يتركوا حمل السلاح ~~ويشتغلوا بالزراعة وغيرها من الأعمال، فتقدم جغري خان إليهم بذلك، ~~فامتنعوا، فالزمهم وألح عليهم بالانتقال ، فاجتمعوا وصارت كلمتهم واحدة، ~~فكثروا وساروا إلى بخارى، فأرسل الفقيه محمد بن عمر بن برهان الدين عبد ~~العزيز بن مازة، رئيس بخارى، إلى جغري خان يعلمه ذلك ويحثه على الوصول ~~إليهم بعساكره قبل أن يعظم شرهم، وينهبوا البلاد. وأرسل إليهم ابن مازة ~~يقول لهم: إن الكفار بالأمس لما طرقوا هذه البلاد امتنعوا عن النهب والقتل، ~~وأنتم مسلمون، غزاة، يقبح منكم مد الأيدي إلى الأموال والدماء، وأنا أبذل ~~لكم من الأموال ما ترضون به لتكفوا عن النهب والغارة؛ فترددت الرسل بينهم ~~في تقرير القاعدة، وابن مازة يطاول بهم ويمادي الأيام إلى أن وصل جغري خان، ~~فلم يشعر الأتراك القارغلية إلا وقد دهمهم جغري خان في جيوشه وجموعه بغتة ~~ووضع السيف فيهم، فانهزموا وتفرقوا، وكثر القتل فيهم والنهب، واختفى طائفة ~~منهم في الغياض والآجام ثم ظفر بهم أصحاب جغري خان فقطعوا دابرهم، ودفعوا ~~عن بخارى وضواحيها ضررهم، وخلت تلك الأرض منهم. ### || AUT ذكر استيلاء سنقر على الطالقان وغرشستان # في هذه السنة استولى الأمير صلاح الدين سنقر، وهو من مماليك السنجرية، ~~وعلى بلاد الطالقان، وأغار على حدود غرشستان، وتابع الغارات ms4076 عليها حتى ~~ملكها، فصارت الولايتان له وبحكمه، وله فيها حصون منيعة، وقلاع حصينة، ~~وصالح الأمراء الغزية وحمل لهم الإتاوة كل سنة. ### || AUT ذكر قتل صاحب هراة # PageV05P0094 # كان صاحب هراة الأمير إيتكين بينه وبين الغز مهادنة، فلما توفي ملك الغور ~~محمد طمع في بلادهم، فغزاهم غير مرة، ونهب وأغار، فلما كان في شهر رمضان من ~~هذه السنة، جمع إيتكين جموعه وسار إلى بلاد الغور، وساروا إلى باميان وإلى ~~ولاية بست والرخج فسلمهما إلى بعض أولاد ملك الغور؛ وأما إيتكين فإنه توغل ~~في بلاد الغور، فأتاه أهلها وقاتلوه وصدوه، وصدقوه القتال، فانهزم عسكره، ~~وقتل هو في المعركة. ### || AUT ذكر ملك شاه مازندران قومس وبسطام # قد ذكرنا استيلاء المؤيد صاحب نيسابور على قومس وبسطام وتلك البلاد، ~~وأنه استناب بها مملوكه تنكز، فلما كان هذه السنة جهز شاه مازندران جيشا ~~واستعمل عليهم أميرا له يعرف بسابق الدين القزويني، فسار إلى دامغان ~~فملكها، فجمع تنكز من عنده من العساكر وسار إليه إلى دامغان، فخرج إليه ~~القزويني، فوصل إلى تنكز على غرة منه، فلم يشعر ه وعسكره إلا وقد كبسهم ~~القزويني ووضع السيف فيهم، فتفرقوا وولوا منهزمين، واستولى عسكر شاه ~~مازندران على تلك البلاد، وعاد تنكز إلى المؤيد صاحب نيسابور، واشتغل ~~بالغرة على بسطام وبلاد قومس. ### || AUT ذكر عصيان غمارة بالمغرب # لما تحقق الناس موت عبد المؤمن سنة تسع وخمسين، ثارت قبائل غمارة مع ~~مفتاح بن عمرو، وكان مقدما كبيرا فيهم، وتبعوه بأجمعهم، وامتنعوا في ~~جبالهم، وهي معاقل مانعة، وهم أمم جمة، فتجهز إليهم أبو يعقوب يوسف بن عبد ~~المؤمن، ومعه أخواه عمرو وعثمان، في جيش كبير من الموحدين والعرب، وتقدموا ~~إليهم، فاقتتلوا سنة إحدى وستين وخمسمائة، فانهزمت غمارة، وقتل منهم كثير، ~~وفيمن قتل مفتاح بن عمرو مقدمهم، وجماعة من أعيانهم ومقدميهم، وملكوا ~~بلادهم عنوة. وكان هناك قبائل كثيرة يريدون الفتنة، فانتظروا ما يكون من ~~غمارة، فلما قتلوا ذلت تلك القبائل وانقادوا للطاعة، ولم يبق متحرك لفتنة ~~ومعصية فسكنت الدهماء في جميع المغرب. ### || AUT ذكر عدة ms4077 حوادث # في هذه السنة أغار الأمير محمد بن أنز على بلد الإسماعيلية بخراسان ~~وأهلها غافلون، فقتل منهم وغنم وسبى وأكثر وملأ أصحابه أيديهم من ذلك. ~~وفيها توفي أبو الفضل نصر بن خلف ملك سجستان، وعمره أكثر من مائة سنة، ومدة ~~ملكه ثمانون سنة، وملك بعده ابنه شمس الدين أبو الفتح احمد بن نصر؛ وكان ~~أبو الفضل ملكا عادلا عفيفا عن رعيته، وله آثار حسنة في نصرة السلطان سنجر ~~في غير موقف. وفيها خرج ملك الروم من القسطنطينية في عساكر لا تحصى وقصد ~~بلاد الإسلام التي بيد قلج أرسلان وابن دانشمند، فاجتمع التركمان في تلك ~~البلاد في جمع كبير، فكانوا يغيرون على أطراف عسكره ليلا، فإذا أصبح لا يرى ~~أحدا. وكثر القتل في الروم حتى بلغت عدة القتلى عشرات ألوف، فعاد إلى ~~القسطنطينية، ولما عاد ملك المسلمون منه عدة حصون. وفيها توفي الإمام عمر ~~الخوارزمي خطيب بلخ ومفتيها بها؛ والقاضي أبو بكر المحمودي صاحب التصانيف ~~والأشعار، وله مقامات بالفارسية على نمط مقامات الحريري بالعربية. ### | AUT ثم دخلت سنة ستين وخمسمائة # ### || AUT ذكر وفاة شاه مازندران وملك ابنه بعده # في هذه السنة، ثامن ربيع الأول، توفي شاه مازندران رستم بن علي ابن ~~شهريار بن قارن، ولما توفي كتم ابنه الحسن بن علاء الدين موته أياما، حتى ~~استولى على سائر الحصون والبلاد ثم أظهره، فلما ظهر خبر وفاته أظهر إيثاق ~~صاحب جرجان ودهستان المنازعة لولده في الملك، ولم يرع حق أبيه عليه، فإنه ~~لم يزل يذب عنه ويحميه إذا التجأ إليه، ولكن الملك عقيم، ولم يحصل من ~~منازعته على شيء غير سوء السمعة وقبح الأحدوثة. ### || AUT ذكر حصر عسكر المؤيد نسا ورحيلهم عنها # كان المؤيد قد سير جيشا إلى مدينة نسا، فحصرها إلى جمادى الأولى في هذه ~~السنة، فسير خوارزم شاه ايل أرسلان بن أتسز جيشا إلى نسا، فلما قربوها رحل ~~عنها عسكر المؤيد وعادوا إلى نيسابور أواخر جمادى الأولى. وسار عسكر المؤيد ~~إلى عسكر خوارزم، لأنهم توجهوا إلى نيسابور، فتقدم العسكر المؤيدي ms4078 ليردهم ~~عنها، فلما سمع العسكر الخوارزم بهم رجع عنهم، وصار صاحب نسا في طاعة ~~خوارزمشاه والخطبة له فيها. PageV05P0095 # وسار عسكر خوارزم إلى دهستان، فالتجأ صاحبها الأمير إيثاق إلى المؤيد، ~~صاحب نيسابور، بعد تمكن الوحشة بينهما، فقبله المؤيد وسير إليه جيشا كثيفا، ~~فأقاموا عنده حتى دفع الضرر عن نفسه وبلده من جهة طبرستان، وأما دهستان فإن ~~عسكر خوارزم غلبوا عليها وصار لهم فيها شحنة. ### || AUT ذكر استيلاء المؤيد على هراة # قد ذكرنا قتل صاحب هراة سنة تسع وخمسين، فلما قتل تجهز الأمراء الغزية ~~وساروا إلى هراة وحصروها، وقد تولى أمرها إنسان يلقب أثير الدين، وكان له ~~ميل إلى الغز، وهو يحاربهم ظاهرا، ويراسلهم باطنا، فهلك لهذا السبب خلق ~~كثير من اهل هراة، فاجتمع أهلها فقتلوه، وقام مقامه أبو الفتوح علي بن فضل ~~الله الطغرائي، فأرسل أهلها إلى المؤيد أي أبه، صاحب نيسابور، بالطاعة ~~والانقياد إليه، فسير إليهم مملوكه سيف الدين تنكز في جيش، وسير جيشا آخر ~~أغاروا على سرخس، ، ومرو، فاخذوا دواب الغز وعادوا سالمين. فلما سمع الغز ~~بذلك رحلوا عن هراة إلى مرو. ### || AUT ذكر الحرب بين قلج ارسلان وبين ابن دانشمند # في هذه السنة كانت الفتنة بين الملك قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان، ~~صاحب قونية وما يجاورها من بلد الروم، وبين ياغي أرسلان بن دانشمند، صاحب ~~ملطية وما يجاورها من بلد الروم، وجرى بينهما حرب شديدة. وسببها ان قلج ~~أرسلان تزوج ابنة الملك صليق بن علي بن أبي القاسم، فسيرت الزوجة إلى قلج ~~أرسلان مع جهاز كثير لا يعلم قدره، وأغار ياغي أرسلان صاحب ملطية عليه، ~~وأخذ العروس وما معها وأراد أن يزوجها بابن أخيه ذي النون بن محمد بن ~~دانشمند، فامرها بالردة عن الإسلام ففعلت لينفسخ النكاح من قج أرسلان ثم ~~عادت إلى اللإسلام، فزوجها من ابن أخيه، فجمع قلج ارسسلان عسكره وسار إلى ~~ابن دانشمند، فالتقيا واقتتلا، فانهزم قلج أرسلان، والتجأ إلى ملك الروم، ~~واستنصره، فأرسل إليه جيشا كثيرا، فمات ياغي أرسلان بن دانشمند في ms4079 تلك ~~الأيام، وملك قلج أرسلان بعض بلاده، واصطلح هو والملك إبراهيم بن محمد بن ~~دانشمند، لأنه ملك البلاد بعد عمه أرسلان، واستولى ذو النون بن محمد بن ~~دانشمند على مدينة قيسارية، وملك شاهان شاه بن مسعود أخو قلج أرسلان على ~~مدينة أنكورية واستقرت القاعدة بينهم واتفقوا. ### || AUT ذكر الفتنة بين نور الدين وقلج أرسلان # في هذه السنة كانت وحشة متأكدة بين نور الدين محمود بن زنكي، صاحب ~~الشام، وبين قلج ارسلان بن مسعود بن قلج أرسلان، صاحب الروم، أدت إلى الحرب ~~والتضاغن، فلما بلغ خبرها إلى مصر كتب الصالح بن رزيك، وزير صاحب مصر، إلى ~~قلج أرسلان ينهاه عن ذلك ويأمره بموافقته، وكتب فيه شعرا: نقول ولكن أين من ~~يتفهم ... ويعلم وجه الرأي والرأي مبهم وما كل من قاس الأمور وساسها ... ~~يوفق للأمر الذي هو أحزم وما أحد في الملك يبقى مخلدا ... وما أحد مما قضى ~~الله يسلم أمن بعد ما ذاق العدى طعم حربكم ... بفيهم وكانت وهي صاب وعلقم ~~رجعتم إلى حكم التنافس بينكم ... وفيكم من الشحناء نار تضرم أما عندكم من ~~يتقي الله وحده ... أما في رعاياكم من الناس مسل تعالوا لعل الله ينصر دينه ~~... إذا ما نصرنا الدين نحن وأنتم وننهض نحو الكافرين بعزمة ... بأمثالها ~~تحوى البلاد وتقسم وهي أطول من هذا. هكذا ذكر بعض العلماء هذه الحادثة وأن ~~الصالح أرسل بهذا الشعر، فإن كان الشعر للصالح فينبغي ان تكون قبل هذا ~~التاريخ، لأن الصالح قتل سنة ست وخمسين في رمضان، وإن لم يكن الشعر له ~~فالحادثة في هذا التاريخ، ويحتمل أن يكون هذا التنافس كان أيام الصالح فكتب ~~الأبيات ثم امتد إلى الآن. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في صفر، وقع بأصفهان فتنة عظيمة بين صدر الدين عبد اللطيف ~~بن الخجندي وبين القاضي وغيره من أصحاب المذاهب، بسبب التعصب للمذاهب، فدام ~~القتال بين الطائفتين ثمانية أيام متتابعة قتل فيها خلق كثير، واحترق وهدم ~~كثير من الدور والأسواق، ثم افترقوا على أقبح صورة. PageV05P0096 # وفيها بنى ms4080 الإسماعيلية قلعة بالقرب من قزوين فقيل لشمس الدين إيلدكز ~~عنها، فلم يكن له إنكار لهذه الحال خوفا من شرهم وغائلتهم، فتقدموا بعد ذلك ~~إلى قزوين فحصروها، وقاتلهم أهلها أشد قتال رآه الناس. وحكى لي بعض ~~أصدقائنا بل مشايخنا من الأئمة الفضلاء قال: كنت بقزوين أشتغل بالعلم، وكان ~~بها إنسان يقود جمعا كبيرا، وكان موصوفا بالشجاعة، وله عصابة حمراء، إذا ~~قاتل عصب بها رأسه، قال: كنت أحبه وأشتهي الجلوس معه؛ فبينما أنا عنده يوما ~~إذا هو يقول: كأني بالملاحدة وقد قصدوا البلد غدا، فخرجنا إليهم وقاتلناهم، ~~فكنت أول الناس وأنا متعصب بهذه العصابة، فقاتلناهم فلم يقتل غيري، ثم ترجع ~~الملاحدة، ويرجع أهل البلد. قال: فوالله لما كان الغد إذ وقع الصوت بوصول ~~الملاحدة، فخرج الناس؛ قال: فذكرت قول الرجل، فخرجت والله ليس لي همة إلا ~~أن أنظر هل يصح ما قال أم لا. قال: فلم يكن إلا قليل حتى عاد الناس وهو ~~محمول على أيديهم قتيلا بعصابته الحمراء، وذكروا أنه لم يقتل بينهم غيره، ~~فبقيت متعجبا من قوله كيف صح، ولم يتغير منه شيء، ومن أين له هذا اليقين؟ ~~ولما حكى لي هذه الحكاية لم أسأله عن تاريخها، وإنما كان في هذه المدة في ~~تلك البلاد، فلهذا أثبتها هذه السنة على الظن والتخمين. وفيها قبض المؤيد ~~أي أبه، صاحب نيسابور، على وزيره ضياء الملك بن أبي طالب سعد بن أبي القاسم ~~محمود الرازي وحبسه، واستوزر بعده نصير الدين أبا بكر محمد بن أبي نصر محمد ~~المستوفي، وكان أيام السلطان سنجر يتولى إشراف ديوانه، وهو من أعيان الدولة ~~السنجرية. وفي هذه السنة وردت الأخبار أن الناس حجوا سنة تسع وخمسين، ولقوا ~~شدة، وانقطع منهم خلق كثير في فيد والثعلبية وواقصة وغيرها، وهلك كثير، ولم ~~يمض الحاج إلى مدينة النبي، صلى الله عليه وسلم، لهذه الأسباب، ولشدة ~~الغلاء فيها، وعدم ما يقتات، ووقع الوباء في البادية وهلك منهم عالم لا ~~يحصون، وهلكت مواشيهم، وكانت الأسعار بمكة غالية. وفيها، في صفر، قبض ~~المستنجد بالله ms4081 على الأمير توبة بن العقيلي، وكان قد هرب منه قربا عظيما ~~بحيث يخلو معه، وأحبه المستنجد محبة كثيرة، فحسده الوزير ابن هبيرة، فوضع ~~كتبا من العجم مع قوم وأمرهم أن يتعرضوا ليؤخذوا، ففعلوا ذلك وأخذوا ~~وأحضروا عند الخليفة، فأظهروا الكتب بعد الامتناع الشديد، فلما وقف الخليفة ~~عليها خرج إلى نهر الملك يتصيد، وكانت حلل توبة على الفرات، فحضر عنده، ~~فأمر بالقبض عليه، فقبض وأدخل بغداد ليلا وحبس، فكان آخر العهد به، فلم ~~يمتع الوزير بعده بالحياة بل مات بعد ثلاثة أشهر. وكان توبة من أكمل العرب ~~مروءة وعقلا وسخاء وإجازة، واجتمع فيه من خلال الكمال ما تفرق في الناس. ~~وفيها، في ربيع الأول، توفي الشهاب محمود بن عبد العزيز الحامدي الهروي ~~وزير السلطان أرسلان، ووزير أتابكه شمس الدين إيلدكز. وفيها توفي عون الدين ~~الوزير ابن هبيرة، واسمه يحيى بن محمد أبو المظفر، ، ووزير الخليفة، وكان ~~موته في جمادى الأولى ومولده سنة تسعين وأربعمائة، ودفن بالمدرسة التي ~~بناها للحنابلة بباب البصرة، وكان حنبلي المذهب، دينا، خيرا، عالما، يسمع ~~حديث النبي، صلى الله عليه وسلم، وله فيه التصانيف الحسنة؛ وكان ذا رأي ~~سديد، ونافق على المقتفي نفاقا عظيما، حتى إن المقتفي كان يقول: لم يزر ~~لبني العباس مثله؛ ولما مات قبض على أولاده وأهله. وتوفي بهذه السنة محمد ~~بن سعد البغدادي بالموصل، وله شعر حسن، فمن قوله: أفدي الذي وكلني حبه ... ~~بطول إعلال وإمراض ولست أدري بعد ذا كله ... أساخط مولاي أم راض وفيها توفي ~~الشيخ الإمام أبو القاسم عمر بن عكرمة بن البرزي الشافعي، تفقه على الفقيه ~~الكيا الهراسي، وكان واحد عصره في الفقه تأتيه الفتاوى من العراق وخراسان ~~وسائر البلاد، وهو من جزيرة ابن عمر. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وستين وخمسمائة # ### || AUT ذكر فتح المنيطرة من بلد الفرنج # PageV05P0097 # في هذه السنة فتح نور الدين محمود بن زنكي حصن المنيطرة من الشام، وكان ~~بيد الفرنج، ولم يحشد له، ولا جمع عساكره، وإنما سار إليه جريدة على غرة ~~منهم، وعلم أنه ms4082 إن جمع العساكر حذروا وجمعوا، وانتهز الفرصة وسار إلى ~~المنيطرة وحصره، وجد في قتاله، فأخذه عنوة وقهرا، وقتل من بها وسبى، وغنم ~~غنيمة كثيرة، فإن الذين به كانوا أمنين، فأخذتهم خيا الله بغتة وهم لا ~~يشعرون، ولم يجتمع للفرنج لدفعه إلا وقد ملكه، ولو علوا أنه جريدةفي قلة من ~~العساكر لأسرعوا إليه، وإنما ظنوه أنه في جمع كثير، فلما ملكه تفرقوا ~~وأيسوا من رده. ### || AUT ذكر قتل خطلبرس مقطع واسط # في هذه السنة قتل خطلبرس مقطع واسط، قتله ابن أخي شملة صاحب خوزستان. ~~وسبب ذلك أن ابن سنكا، وهو ابن أخي شملة، كان قد صاهر منكوبرس مقطع البصرة، ~~فاتفق أن المستنجد بالله قتل منكوبرس سنة تسع وخمسين وخمسمائة، فلما قتل ~~قصد ابن سنكا البصرة ونهب قراها، فأرسل من بغداد إلى كمشتكين، صاحب البصرة، ~~بمحاربة ابن سنكا، فقال: أنا عامل لست بصاحب جيش؛ يعني أنه ضامن لا يقدر ~~على إقامة عسكر، فطمع ابن سنكا، وأصعد إلى واسط، ونهب سوادها، فجمع خطلبرس ~~مقطعها جمعا وخرج إلى قتاله. وكاتب ابن سنكا الأمراء الذين مع خطلبرس، ~~فاستمالهم ثم قاتلهم فانهزم عسكره فقتله، وأخذ ابن سنكا علم خطلبرس فنصبه، ~~فلما رآه أصحابه ظنوه باقيا، فجعلوا يعودون إليه، وكل من رجع أخذه ابن سنكا ~~فقتله وأسره. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خرج الكرج في جمع كثير، وأغاروا على البلدان حتى بلغوا ~~كنجة، فقتلوا واسروا وسبوا ونهبوا ما لا يحصى. وفيها توفي الحسن بن العباس ~~بن رستم أبو عبد الله الأصفهاني الرستمي، الشيخ الصالح، وهو مشهور ويروي عن ~~أحمد بن خلف وغيره. وفيها، في ربيع الآخر، توفي الشيخ عبد القادر بن أبي ~~صالح أبو محمد الجيلي، المقيم ببغداد، ومولده سنة سبعين وأربعمائة، وكان من ~~الصلاح على حالة كبيرة، وهو حنبلي المذهب، ومدرسته ورباطه مشهوران ببغداد. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وستين وخمسمائة # ### || AUT ذكر عود أسد الدين شيركوه إلى مصر # قد ذكرناه سنة تسع وخمسين مسير أسد الدين شيركوه إلى مصر، وما كان منه، ~~وقفوله ms4083 إلى الشام، فلما وصل إلى الشام أقام على حاله في خدمة نور الدين إلى ~~الآن. وكان بعد عوده منها لا يزال يتحدث بها وبقصدها، وكان عنده من الحرص ~~على ذلك كثير، فلما كان هذه السنة تجهز وسار في ربيع الآخر في جيش قوي، ~~وسير معه نور الدين جماعة من الأمراء، فبلغت عدتهم ألفي فارس، وكان كارها ~~لذلك، ولكن لما رأى جد أسد الدين في المسير لم يمكنه إلا أن يسير معه جمعا ~~خوفا من حادث يتجدد عليهم فيضعف الإسلام، فلما اجتمع معه عسكره سار إلى مصر ~~على البر، وترك بلاد الفرنج على يمينه، فوصل الديار المصرية، فقصد اطفيح، ~~وعبر النيل عندها إلى الجانب الغربي، ونزل بالجيزة مقابل مصر، وتصرف في ~~البلاد الغربية، وحكم عليها، وأقام نيفا وخمسين يوما. وكان شاور لما بلغه ~~مجيء أسد الدين إليهم قد أرسل إلى الفرنج يستنجدهم، فأتوه على الصعب ~~والذلول، طمعا في ملكها وخوفا أن يملكها أسد الدين فلا يبقى لهم في بلادهم ~~مقام معه ومع نور الدين، فالرجاء يقودهم، والخوف يسوقهم؛ فلما وصلوا إلى ~~مصر عبروا إلى الجانب الغربي، وكان أسد الدين وعساكره قد ساروا إلى الصعيد، ~~فبلغ مكانا يعرف بالبابين، وسارت العساكر المصرية والفرنج وراءه، فأدركوه ~~بها في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة وكان أرسل إلى المصريين والفرنج ~~جواسيس، فعادوا إليه وأخبروه بكثرة عددهم وعددهم، وجدهم في طلبه، فعزم على ~~قتالهم، إلا أنه خاف من أصحابه أن تضعف نفوسهم عن الثبات في هذا المقام ~~الخطر الذي عطبهم فيه أقرب من سلامتهم، لقلة أعدادهم وبعدهم عن أوطانهم ~~وبلادهم، وخطر الطريق، فاستشارهم، فكلهم أشاروا عليه بعبور النيل إلى ~~الجانب الشرقي والعود إلى الشام، وقالوا له: إن نحن انهزمنا، وهو الذي يغلب ~~على الظن، فإلى أين نلتجئ، وبمن نحتمي، وكل من في هذه الديار من جندي وعامي ~~وفلاح عدو لنا؟ PageV05P0098 # فقام أميرمن مماليك نور الدين يقال له شرف الدين بزغش، صاحب شقيف، وكان ~~شجاعا، وقال: من يخاف القتل والأسر فلا يخدم الملوك بل يكون في بيته ms4084 مع ~~امرأته، والله لئن عدنا إلى نور الدين من غير غلبة ولا بلاء نعذر فيه ~~ليأخذن مالنا من أقطاع وجامكية، وليعودن علينا بجميع ما أخذناه منذ خدمناه ~~إلى يومنا هذا ويقول: تأخذون أموال المسلمين وتفرون عن عدوهم، وتسلمون مثل ~~مصر إلى الكفار! والحق بيده. فقال أسد الدين: هذا الرأي، وبه أعمل؛ وقال ~~ابن أخيه صلاح الدين مثله، وكثر الموافقون لهم، واجتمعت الكلمة على القتال، ~~فأقام بمكانه حتى أدركه المصريون والفرنج وهو على تعبئة، وجعل الأثقال في ~~القلب يتكثر بها، ولأنه لم يمكنه أن يتركها بمكان آخر فينهبها أهل البلاد، ~~وجعل صلاح الدين في القلب، وقال له ولمن معه: إن المصريين والفرنج يجعلون ~~حملتهم على القلب ظنا منهم أني فيه، فإذا حملوا عليكم فلا تصدقوهم القتال، ~~ولا تهلكوا نفوسكم، واندفعوا بين أيديهم فإذا عادوا عنكم فارجعوا في ~~أعقابهم. واختار هو من شجعان عسكره جمعا يثق بهم ويعرف صبرهم في الحرب، ~~ووقف بهم في الميمنة، فلما تقاتل الطائفتان فعل الفرنج ما ذكره، وحملوا على ~~القلب، فقاتلهم من به قتالا يسيرا، وانهزموا بين أيديهم غير متفرقين وتبعهم ~~الفرنج، فحمل حينئذ أسد الدين فيمن معه على من تخلف عن الذين حملوا من ~~المسلمين والفرنج الفارس والراجل، فهزمهم، ووضع السيف فيهم، فأثخن وأكثر ~~القتل والأسر، فلما عاد الفرنج من المنهزمين رأوا عسكرهم مهزوما، والأرض ~~منهم قفرا، فانهزموا أيضا، وكان هذا من أعجب ما يؤرخ أن ألفي فارس تهزم ~~عساكر مصر وفرنج الساحل. ### || AUT ذكر ملك أسد الدين الإسكندرية # ### || AUT وعوده إلى الشام # لما انهزم الفرنج والمصريون من أسد الدين بالبابين سار إلى ثغر ~~الإسكندرية وجبى ما في القرى على طريقه من الأموال، ووصل إلى الإسكندرية، ~~فتسلمها بمساعدة من ألها سلموها إليه، فاستناب بها صلاح الدين ابن أخيه ~~وعاد إلى الصعيد فملكه وجبى أمواله وأقام به حتى صام رمضان. وأما المصريون ~~والفرنج فإنهم عادوا واجتمعوا على القاهرة، وأصلحوا حال عساكرهم، وجمعوا ~~وساروا إلى الإسكندرية، فحصروا صلاح الدين بها، واشتد الحصار، وقل الطعام ~~على من بها، فصبر ms4085 أهلها على ذلك، وسار أسد الدين من الصعيد إليهم، وكان ~~شاور قد افسد من معه من التركمان، فوصل رسل الفرنج والمصريين يطلبون الصلح، ~~وبذلوا له خمسين ألف دينار سوى ما أخذه من البلاد، فأجابوا إلى ذلك وشرط ~~على الفرنج أن لا يقيموا بالبلاد ولا يتملكوا منها قرية واحدة، فأجابوا إلى ~~ذلك، واصطلحوا وعاد إلى الشام، ونسلم المصريون الإسكندرية في نصف شوال، ~~ووصل شيركوه إلى دمشق ثامن عشر ذي القعدة. وأما الفرنج فإنهم استقر بينهم ~~وبين المصريين أن يكون لهم بالقاهرة شحنة، وتكون أبوابها بيد فرسانهم ~~ليمتنع نور الدين من إنفاذ عسكر إليهم، ويكون لهم من دخل مصر كل سنة مائة ~~ألف دينار. هذا كله استقر مع شاور، فإن العاضد لم يكن له معه حكم لأنه قد ~~حجر عليه وحجبه عن الأمور كلها، وعاد الفرنج إلى بلادهم بالساحل الشامي، ~~وتركوا بمصر جماعة من مشاهير فرسانهم، وكان الكامل شجاع بن شاور قد أرسل ~~إلى نور الدين مع بعض الأمراء ينهي محبته وولاءه، ويسأله الدخول في طاعته، ~~وضمن على نفسه إن يفعل هذا ويجمع الكلمة بمصر على طاعته، وبذل مالا يحمله ~~كل سنة، فأجابه إلى ذلك، وحمل إليه مالا جزيلا، فبقي الأمر على ذلك إلى أن ~~قصد الفرنج مصر سنة أربع وستين وخمسمائة، فكان ما نذكره هناك إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر ملك نور الدين صافيثا وعريمة # في هذه السنة جمع نور الدين العساكر، فسار إليه أخوه قطب الدين من ~~الموصل وغيره، فاجتمعوا على حمص، فدخل نور الدين بالعساكر بلاد الفرنج، ~~فاجتازوا حصن الأكراد، فأغاروا ونهبوا وقصدوا عرقة فنازلوها وحصروها وقصدوا ~~حلبة وأخذوها وخربوها، وسارت عساكر المسلمين في بلادهم يمينا وشمالا تغير ~~وتخرب البلاد، وفتحوا العريمة وصافيثا، وعادوا إلى حمص فصاموا بها رمضان. ~~PageV05P0099 # ثم ساروا إلى بانياس، وقصدوا حصن هونين، وهو للفرنج أيضا، من أمنع حصونهم ~~ومعاقلهم، فانهزم الفرنج عنه وأحرقوه، فوصل نور الدين من الغد فهدم سوره ~~جميعه، وأراد الدخول إلى بيروت، فتجدد في العسكر خلف أوجب التفرق، فعاد قطب ~~الدين ms4086 إلى الموصل، وأعطاه نور الدين مدينة الرقة على الفرات، وكانت له، ~~فأخذها في طريقه وعاد إلى الموصل. ؟ ### || AUT ذكرقصد ابن سنكا البصرة # في هذه السنة عاد ابن سنكا فقصد البصرة، ونهب بلدها وخربه من الجهة ~~الشرقية، وسار إلى مطارا، فخرج إليه كمشتكين، صاحب البصرة، وواقعه واقتتلوا ~~قتالا صبر فيه الفريقان ثم انهزم كمشتكين إلى واسط فاجتمع بشرف الدين أبي ~~جعفر بن البلدي الناظر فيها، ومعهما مقطعهما أرغش، واتصلت الأخبار بأن ابن ~~سنكا واصل إلى واسط، فخاف الناس منه خوفا شديدا، فلم يصل إليها. ### || AUT ذكر قصد شملة العراق # في هذه السنة وصل شملة صاحب خوزستان إلى قلعة الماهكي، من أعمال بغداد، ~~وأرسل إلى الخليفة المستنجد بالله يطلب شيئا من البلاد، ويشتط بالطلب، فسير ~~الخليفة إليه أكثر عساكره ليمنعوه، وأرسل إليه يوسف الدمشقي يلومه ويحذره ~~عاقبة فعله، فاعتذر بأن إيلدكز والسلطان أرسلان شاه أقطعا الملك الذي عنده، ~~وهو ولد ملكشاه، البصرة وواسط والحلة وعرض التوقيع بذلك، وقال: أنا أقنع ~~بثلث ذلك؛ فعاد الدمشقي بذلك، فأمر الخليفة بلعنه، وأنه من الخوارج، وجمعت ~~العساكر وسيرت إلى أرغش المسترشدي، وكان بالنعمانية هو وشرف الدين أبو جعفر ~~بن البلدي، ناظر واسط، مقابل شملة. ثم إن شملة أرسل قلج ابن أخيه في طائفة ~~من العسكر لقتال طائفة من الأكراد، فركب أرغش في بعض العسكر الذي عنده وسار ~~إلى قلج فحاربه، فأسر قلج وبعض أصحابه وسيرهم إلى بغداد، وبلغ شملة وطلب ~~الصلح، فلم تقع الإجابة إليه، ثم إن ارغش سقط عن فرسه بعد الوقعة فمات وبقي ~~شملة مقيما مقابل عسكر الخليفة، فلما علم انه لا قدرة له عليهم رحل وعاد ~~إلى بلاده، وكانت مدة سفره أربعة أشهر. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عصى غازي بن حسان المنبجي على نور الدين محمود بن زنكي ~~صاحب الشام، وكان نور الدين قد اقطعه مدينة منبج، فامتنع عليه فيها، فسير ~~إليهم عسكرا فحصروه وأخذوها منه، وأقطعها نور الدين أخاه قطب الدين ينال بن ~~حسان، وكان عادلا، خيرا، محسنا إلى ms4087 الرعية، جميل السيرة، فبقي فيها إلى أن ~~أخذها منه صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وفيها توفي ~~فخر الدين قرا أرسلان بن داود بن سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا واكثر ديار ~~بكر، ولما اشتد مرضه أرسل إلى نور الدين محمود، صاحب الشام، يقول له: بيننا ~~صحبة في جهاد الكفار أريد أن ترعى بها ولدي؛ ثم توفي، وملك بعده ولده نور ~~الدين محمد، فقام نور الدين الشامي بنصرته والذب عنه، بحيث أن أخاه قطب ~~الدين مودودا، صاحب الموصل أراد قصد بلاده، فأرسل إليه أخوه نور الدين ~~يمنعه، ويقول له: إن قصدته او تعرضت إلى بلاده منعتك قهرا؛ فامتنع من قصده. ~~وفيها توفي أبو المعالي محمد بن الحسين بن حمدون الكاتب ببغداد، وكان على ~~ديوان الزمام، فقبض عليه فمات محبوسا. وفيها توفي قماج المسترشدي ولد ~~الأمير يزدن، وهو من أكابر الأمراء ببغداد. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وستين وخمسمائة # ### || AUT ذكر فراق زين الدين الموصل # ### || AUT وتحكم قطب الدين في البلاد # في هذه السنة فارق زين الدين علي بن بكتكين، النائب عن قطب الدين مودود ~~بن زنكي، صاحب الموصل، خدمة صاحبه الموصل، وسار إلى إربل، وكان هو الحاكم ~~بالدولة، وأكثر البلاد بيده، منها إربل، وفيها بيته واولاده وخزائنه، ومنها ~~شهرزور وجميع القلاع التي معها، وجميع بلد الهكارية وقلاعه، ومنها العمادية ~~وغيرها، وبلد الحميديه، وتكريت وسنجار وحران، وقلعة الموصل هو بها، وكان قد ~~أصابه طرش وعمى ايضا، فلما عزم على مفارقة الموصل إلى بيته بإربل سلم جميع ~~ما كان بيده من البلاد إلى قطب الدين مودود، وبقي معه إربل حسب. وكان ~~شجاعا، عادلا، حسن السيرة، سليم القلب، ميمون النقيبة، لم ينهزم في حرب قط، ~~وكان PageV05P0100 # كريما كثير العطاء للجند وغيرهم، مدحه الحيص بيص بقصيدة، فلما أراد أن ~~ينشده قال: أنا لا أعرف ما يقول، ولكني أعلم أنه يريد شيئا؛ فأمر له ~~بخمسمائة دينار وفرس وخلعة وثياب مجموع ذلك ألف دينار، ولم يزل بإربل إلى ~~أن مات بها بهذه السنة.ولما ms4088 فارق زين الدين قلعة الموصل سلمها قطب الدين ~~إلى فخر الدين عبد المسيح، وحكمه في البلاد، فعمر القلعة، وكانت خرابا لأن ~~زين الدين كان قليل الالتفات إلى العمارة، وسار عبد المسيح سيرة سديدة ~~وسياسة عظيمة، وهو خصي أبيض من مماليك زنكي أتابك عماد الدين. ### || AUT ذكر الحرب بين البهلوان وصاحب مراغة # في هذه السنة أرسل آقسنقر الأحمديلي، صاحب مراغة، إلى بغداد يسأل أن ~~يخطب للملك الذي هو عنده، وهو ولد السلطان محمد شاه، ويبذل أنه لا يطأ أرض ~~العراق، ولا يطلب شيئا غير ذلك، وبذل مالا يحمله إذا أجيب إلى ما التمسه، ~~فأجيب بتطييب قلبه. وبلغ الخبر إيلدكز صاحب البلاد، فساءه ذلك، وجهز عسكرا ~~كثيفا، وجعل المقدم عليهم ابنه البهلوان، وسيرهم إلى آقسنقر، فوقعت بينهم ~~حرب أجلت عن هزيمة آقسنقر وتحصنه بمراغة. ونازله البهلوان بها وحصره وضيق ~~عليه. ثم ترددت الرسل بينهم، فاصطلحوا، وعاد البهلوان إلى أبيه بهمذان. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة استوزر الخليفة المستنجد بالله شرف الدين أبا جعفر أحمد بن ~~محمد بن سعيد المعروف بابن البلدي، وكان ناظرا بواسط أبان في ولايتها عن ~~كفاية عظيمة، فأحضره الخليفة واستوزره، وكان عضد الدين أبو الفرج ابن رئيس ~~الرؤساء قد تحكم تحكما عظيما، فتقدم الخليفة إلى ابن البلدي بكف يده وأيدي ~~أهله وأصحابه، ففعل ذلك ووكل بتاج الدين أخي أستاذ الدار، وطالبه بحساب نهر ~~الملك، لأنه كان يتولاه من أيام المقتفي، وكذلك فعل بغيره، فحصل بذلك ~~أموالا جمة، وخافه أستاذ الدار على نفسه، فحمل مالا كثيرا. وفي هذه السنة ~~توفي عبد الكريم بن محمد بن منصور أبو سعيد بن أبو بكر ابن أبي المظفر ~~السمعاني المروزي، الفقيه الشافعي وكان مكثرا من سماع الحديث سافر في طلبه ~~وسمع منه ما لم يسمعه غيره، ورحل إلى ما وراء النهر وخراسان دفعات، ودخل ~~إلى بلاد البل وأصفهان والعراق والموصل والجزيرة والشام وغير ذلك من ~~البلاد، وله التصانيف المشهورة منها: ذيل تاريخ بغداد وتاريخ مدينة مرو، ~~وكتاب النسب، وغير ذلك، أحسن فيها ms4089 ما شاء، وقد جمع مشيخته فزادت عدتهم على ~~أربعة آلاف شيخ، وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي فقطعه. فمن جملة قوله فيه ~~أنه كان يأخذ الشيخ ببغداد ويعبر به إلى فوق نهر عيسى فيقول: حدثني فلان ~~بما وراء النهر، وهذا بارد جدا فإن الرجل سافر إلى ما وراء النهر حقا، وسمع ~~في عامة بلاده من عامة شيوخه، فأي حاجة به إلى هذا التلبيس البارد؟ وإنما ~~ذنبه عند ابن الجوزي انه شافعي، وله أسوة بغيره، فإن ابن الجوزي لم يبق على ~~أحد إلا مكسري الحنابلة. وفيها توفي قاضي القضاة أبو البركات جعفر بن عبد ~~الواحد الثقفي في جمادى الآخرة. وفيها توفي يوسف الدمشقي مدرس النظامية ~~بخوزستان، وكان قد سار رسولا إلى شملة. وفيها توفي الشيخ أبو النجيب ~~الشهرزوري الصوفي الفقيه، وكان من الصالحين المشهورين، ودفن في بغداد. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وستين وخمسمائة # ### || AUT ذكر ملك نور الدين قلعة جعبر # في هذه السنة ملك نور الدين محمود بن زنكي قلعة جعبر، أخذها من صاحبها ~~شهاب الدين مللك بن علي بن مالك العقيلي، وكانت بيده ويد آبائه من قبله من ~~أيام السلطان ملك شاه، وقد تقدم ذكر ذلك، وهي من أمنع القلاع وأحصنها مطلة ~~على الفرات من الجانب الشرقي. PageV05P0101 # وأما سبب ملكها فإن صاحبها نزل منها يتصيد، فأخذوه بنو كلاب وحملوه إلى ~~نور الدين في رجب سنة ثلاث وستين، فاعتقله وأحسن إليه، ورغبه في المال ~~والإقطاع ليسلم إليه القلعة، فلم يفعل، فعدل إلى الشدة والعنف، وتهدده، فلم ~~يفعل، فسير إليها نور الدين عسكرا مقدمه الأمير فخر الدين مسعود بن أبي علي ~~الزعفراني، فحصرها مدة، فلم يظفر منها بشيء، فأمدهم بعسكر آخر، وجعل على ~~الجميع الأمير مجد الدين أبا بكر المعروف بابن الداية، وهو رضيع نور الدين ~~، وأكبر أمرائه، فحصرها أيضا فلم ير له فيها مطمعا، فسلك مع صاحبها طريق ~~اللين، وأشار عليه أن يأخذ من نور الدين العوض ولا يخاطر في حفظها بنفسه، ~~فقبل قوله وسلمها، فاخذ عوضا عنها سروج وأعمالها ms4090 والملاحة التي بين حلب ~~وباب بزاعة، وعشرين ألف دينار معجلة، وهذا إقطاع عظيم جدا، إلا أنه لا حصن ~~فيه. وهذا آخر أمر بني مالك بالقلعة ولكل أمر أمد ولكل ولاية نهاية. بلغني ~~أنه قيل لصاحبها: أيما أحب إليك وأحسن مقاما، سروج الشام أم القلعة؟ هذه ~~أكثر مالا وأما العز ففارقناه بالقلعة. ### || AUT ذكر ملك أسد الدين مصر وقتل شاور # في هذه السنة، في ربيع الأول، سار أسد الدين شيركوه بن شاذي إلى ديار ~~مصر، فملكها ومعه العساكر النورية. وسبب ذلك من مكن الفرنج من البلاد ~~المصرية، وأنهم جعلوا لهم في القاهرة شحنة وتسلموا أبوابها، وجعلوا لهم ~~فيها جماعة من شجعانهم واعيان فرسانهم، وحكموا المسلمين حكما جائرا، ~~وركبوهم بالأذى العظيم، فلما رأوا ذلك، وأن البلاد ليس فيها من يردهم، ~~أرسلوا إلى ملك الفرنج ، بالشام، وهو مري ولم يكن للفرنج مذ ظهر مثله شجاعة ~~ومكرا ودهاء، يستدعونه ليملكها، وأعلموه خلوها من ممانع، وهونوا أمرها ~~عليه، فلم يجبهم إلى ذلك، فاجتمع إليه فرسان الفرنج وذوو الرأي منهم، ~~وأشاروا عليه بقصدها وتملكها، فقال لهم: الرأي عندي أننا لا نقصدها، فإنها ~~طعمة لنا، وأموالها تساق إلينا، نتقوى بها على نور الدين، وإن نحن قصدناها ~~لنتملكها فإن صاحبها وعساكره، وعامة بلاده وفلاحيها، لا يسلمونها إلينا، ~~ويقاتلوننا دونها، ويحملهم الخوف منا إلى تسليمها إلى نور الدين، ولئن ~~أخذها وصار له فيها مثل أسد الدين، فهو هلاك الفرنج وإجلائهم من أرض الشام؛ ~~فلم يقبلوا قوله، وقالوا له: لا مانع فيها ولا حامي، وغلى أن يتجهز عسكر ~~نور الدين، ويسير إليها، نكون نحن قد ملكناها، وفرغنا من أمرها، وحينئذ ~~يتمنى نور الدين منا السلامة. فسار معهم على كره وشرعوا يتجهزون ويظهرون ~~أنهم يريدون قصد مدينة حمص، فلما سمع نور الدين شرع أيضا يجمع عساكره، ~~وأمرهم بالقدوم عليه، وجد الفرنج في السير إلى مصر، فقدموها ، ونازلوا ~~مدينة بلبيس، وملكوها قهرا مستهل صفر، ونهبوها وقتلوا فيها وأسروا وسبوا. ~~وكان جماعة من أعيان المصريين قد كاتبوا الفرنج، ووعدوهم النصرة عداوة منهم ~~لشاور، ms4091 منهم ابن الخياط، وابن فرجلة، فقوي جنان الفرنج، وساروا من بلبيس ~~إلى مصر ، فنزلوا على القاهرة عاشر صفر وحصروها، فخاف الناس منهم أن يفعلوا ~~بهم كما فعلوا بأهل بلبيس، فحملهم الخوف منهم على الامتناع، فحفظوا البلد، ~~وقاتلوا دونه وبذلوا جهدهم في حفظه، فلو أن الفرنج أحسنوا السيرة في بلبيس ~~لملكوا مصر والقاهرة، ولكن الله تعالى حسن لهم ما فعلوا ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا. وأمر شاور بإحراق مدينة مصر تاسع صفر، وأمر أهلها بالانتقال ~~منها إلى القاهرة، وأن ينهب البلد، فانتقلوا، وبقوا على الطرق، ونهبت ~~المدينة وافتقر أهلها، وذهبت أموالهم ونعمتهم قبل نزول الفرنج عليهم بيوم، ~~خوفا أن يملكها الفرنج، فبقيت النار تحرقها أربعة وخمسين يوما. وأرسل ~~الخليفة العاضد إلى نور الدين يستغيث به، ويعرفه ضعف المسلمين عن دفع ~~الفرنج، وأرسل في الكتب شعور النساء وقال: هذه شعور نسائي من قصري يستغثن ~~بك لتنقذهن من الفرنج؛ فشرع في تسيير الجيوش. PageV05P0102 # وأما الفرنج فإنهم اشتدوا في حصار القاهرة وضيقوا على أهلها، وشاور هو ~~المتولي للأمر والعساكر والقتال، فضاق به الأمر، وضعف عن ردهم فأخلد إلى ~~أعمال الحيلة، فأرسل إلى ملك الفرنج يذكر له مودته ومحبته القديمة له، وان ~~هواه معه لخوفه من نور الدين والعاضد، وإنما المسلمون لا يوافقونه على ~~التسليم إليه، ويشير بالصلح، وأخذ مال لئلا يتسلم نور الدين، فأجابه إلى ~~ذلك على أن يعطوه ألف ألف دينار مصرية، يعجل البعض، ويمهل البعض فاستقرت ~~القاعدة على ذلك. ورأى الفرنج أن البلاد قد امتنعت عليهم وربما سلمت إلى ~~نور الدين، فأجابوا كارهين، وقالوا: نأخذ المال فنتقوى به، ونعاود البلاد ~~بقوة لا نبالي معها بنور الدين (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) آل ~~عمران) فعجل لهم شاور مائة ألف ألف دينار، وسألهم الرحيل عنه ليجمع لهم ~~المال، فرحلوا قريبا، وجعل شاور يجمع لهم المال من أهل القاهرة ومصر، فلم ~~يتحصل له إلا قدر لا يبلغ خمسة آلاف دينار، وسببه أن أهل مصر كانوا قد ~~احترقت دورهم وما، وما سلم نهب، وهم لا ms4092 يقدرون على الأقوات فضلا عن ~~الأقساط. وأما القاهرة فالأغلب على أهلها الجند وغلمانهم، فلهذا تعذرت ~~عليهم الأموال، وهم في خلال هذا يراسلون نور الدين بما الناس فيه، وبذلوا ~~له ثلث بلاد مصر، وأن يكون أسد الدين مقيما عندهم في عسكر، وأقطاعهم في ~~الديار المصرية أيضا خارجا عن الثلث الذي لهم. وكان نور الدين لما وصله كتب ~~العاضد بحلب أرسل إلى أسد الدين يستدعيه إليه، فخرج القاصد في طلبه، فلقيه ~~على باب حلب، وقد قدمها من حمص وكان إقطاعه، وكان سبب وصوله ان كتب ~~المصريين وصلته أيضا في المعنى، فسار أيضا إلى نور الدين، واجتمع به، وعجب ~~نور الدين من حضوره في الحال، وسره ذلك، وتفاءل به، وأمر بالتجهيز إلى مصر، ~~وأعطاه مائتي ألف دينار سوى الثياب والدواب والأسلحة وغير ذلك، وحكمه في ~~العسكر والخزائن، واختار من العسكر ألفي فارس، وأخذ المال، وجمع ستة آلاف ~~فارس، وسار هو ونور الدين إلى دمشق، فوصلها سلخ صفر، ورحل إلى رأس الماء، ~~وأعطى نور الدين كل فارس ممن مع أسد الدين عشرين دينارا معونة غير محسوبة ~~من جامكيته، وأضاف إلى أسد الدين جماعة أخرى من الأمراء منهم: مملوكه عز ~~الدين جورديك، وعز الدين قلج، وشرف الدين بزغش، وعين الدولة الياروقي، وقطب ~~الدين ينال بن حسان المنبجي، وصلاح الدين يوسف بن أيوب، أخي شيركوه، على ~~كره منه، (عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ~~((البقرة) أحب نور الدين مسير صلاح الدين، وفيه ذهاب بيته؛ وكره صلاح الدين ~~المسير، وفيه سعادته وملكه، وسيد ذلك عند موت شيركوه، إن شاء الله تعالى. ~~وسار أسد الدين شيركوه من رأس الماء مجدا منتصف ربيع الأول، فلما قارب مصر ~~رحل الفرنج عنها عائدين إلى بلادهم بخفي حنين خائبين مما أملوا، وسمع نور ~~الدين بعودهم، فسره ذلك، وأمر بضرب البشائر في البلاد، وبث رسله في الآفاق ~~مبشرين بذلك، فإنه كان فتحا جديدا لمصر وحفظا لسائر بلاد الشام وغيرها. ~~فأما أسد الدين فإنه وصل إلى ms4093 القاهرة سابع جمادى الآخرة، ودخل إليها، ~~واجتمع بالعاضد لدين الله، وخلع عليه وعاد إلى خيامه بالعاضدية، وفرح به ~~أهل مصر، وأجريت عليه وعلى عسكره الجرايات الكثيرة، والإقامات الوافرة، ولم ~~يمكن شاور المنع عن ذلك لأنه رأى العساكر كثيرة مع شيركوه وهوى العاضد ~~معهم، فلم يتجاسر على إظهار ما في نفسه، وشرع يماطل أسد الدين في تقرير ما ~~كان بذل لنور الدين من المال، وإقطاع الجند، وإفراد ثلث البلاد لنور الدين، ~~وهو يركب كل يوم إلى أسد الدين ويسير معه ويعده ويمنيه (وما يعدهم الشيطان ~~إلا غرورا ) ثم إنه عزم على أن يعمل دعوة يدعو إليها أسد الدين والأمراء ~~الذين معه ويقبض عليهم، ويستخدم من معهم من الجند فيمنع بهم البلاد من ~~الفرنج، فنهاه ابنه الكامل، وقال له: والله لئن عزمت على هذا لأعرفن ~~شيركوه. فقال له أبوه: والله لئن لم نفعل هذا لنقتلن جميعا. فقال: صدقت ~~ولئن نقتل ونحن مسلمون والبلاد إسلامية، خير من أن نقتل وقد ملكها الفرنج، ~~فإنه ليس بينك وبين عود الفرنج إلا أن يسمعوا بالقبض على شيركوه، وحينئذ لو ~~مشى العاضد إلى نور الدين لم يرسل معه فارسا واحدا ويملكون البلاد؛ فترك ما ~~كان عزم عليه. PageV05P0103 # ولما رأى العسكر النوري مطل شاور خافوا شره، فاتفق صلاح الدين يوسف بن ~~أيوب وعز الدين جورديك وغيرهما على قتل شاور، فاعلموا أسد الدين فنهاهم ~~عنه، فسكتوا وهم على ذلك العزم من قتله، فاتفق أن شاور قصد عسكر أسد الدين ~~على عادته، فلم يجده في الخيام، وكان قد مضى يزور قبر الإمام الشافعي رضي ~~الله عنه، فلقيه صلاح الدين يوسف وجورديك في جمع من العسكر، وخدموه، ~~واعلموه بأن شيركوه في زيارة قبر الإمام الشافعي، فقال: نمضي إليه، فساروا ~~جميعا، فسايره صلاح الدين وجورديك وألقياه عن فرسه إلى الأرض، فهرب أصحابه ~~عنه، فاخذ أسيرا، فلم يمكنهم قتله بغير أسد الدين، فتوكلوا بحفظه، وسيروا ~~فأعلوا أسد الدين الحال، فحضر، ولم يمكنه إلا إتمام ما عملوه، وسمع الخليفة ~~العاضد صاحب مصر الخبر، فأرسل ms4094 إلى أسد الدين يطلب منه إنفاذ رأس شاور، ~~وتابع الرسل بذلك، فقتل وأرسل رأسه إلى العاضد في السابع عشر من ربيع ~~الآخر. ودخل أسد الدين القاهرة، فرأى من اجتماع الخلق فخافهم على نفسه، ~~فقال لهم: أمير المؤمنين، يعني العاضد، يأمركم بنهب دار شاور؛ فتفرق الناس ~~عنه إليها فنهبوها، وقصد هو قصر العاضد، فخلع عليه خلع الوزارة، ولقب املك ~~المنصور أمير الجيوش، وسار بالخلع إلى دار الوزارة، وهي التي كان فيها ~~شاور، فلم ير فيها ما يقعد عليه، واستقر في الأمر، وغلب عليه، ولم يبق له ~~مانع ولا منازع، واستعمل على الأعمال من يثق به من أصحابه واقطع البلاد ~~لعساكره. وأما الكامل بن شاور فإنه لما قتل أبوه دخل القصر هو وأخوته ~~معتصمين به، فكان آخر العهد بهم، فكان شيركوه يتأسف عليه كيف عدم لأنه بلغه ~~ما كان منه مع أبيه في منعه من قتل شيركوه، وكان يقول: وددت أنه بقي لأحسن ~~إليه جزاء الصنيعة. ### || AUT ذكر وفاة أسد الدين شيركوه # لما ثبت قدم أسد الدين، وظن أنه لم يبق له منازع، أتاه أجله (حتى إذا ~~فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة (، فتوفي يوم السبت الثاني والعشرين من جمادى ~~الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة، وكانت ولايته شهرين وخمسة أيام. وأما ~~ابتداء أمره واتصاله بنور الدين، فإنه كان هو وأخوه نجم الدين أيوب ابنا ~~الشاذي من بلد دوين، وأصلهما من الأكراد الروادية، وهذا النسل هم أشرف ~~الأكراد، فقدما العراق، وخدما مجاهد الدين بهروز شحنة بغداد، فرأى من نجم ~~الدين عقلا ورأيا وافرا وحسن سيرة، وكان أكبر من شيركوه، فجعله مستحفظا ~~لقلعة تكريت، وهي له، فسار إإليها ومعه أخوه شيركوه، فلما انهزم أتابك ~~الشهيد زنكي بن آقسنقر بالعراق من قراجة الساقي على ما ذكرناه سنة ست ~~وعشرين وخمسمائة، وصل منهزما إلى تكريت، فخدمه نجم الدين، وأقام له السفن ~~فعبر دجلة هناك، وتبعه أصحابه، فأحسن أيوب صحبتهم وسيرهم.ثم إن شيركوه قتل ~~إنسانا بتكريت لملاحة جرت بينهما، فأخرجهما بهروز من القلعة، فسارا إلى ~~الشهيد زنكي، فأحسن ms4095 إليهما، وعرف لهما خدمتهما، وأقطعهما إقطاعا حسنا، فلما ~~ملك قلعة بعلبك جعل أيوب مستحفظا عليها؛ فلما قتل الشهيد حصر عسكر دمشق ~~بعلبك وهو بها، فضاق عليه المر، وكان سيف الدين غازي بن زنكي مشغولا عنه ~~بإصلاح البلاد، فاضطر إلى تسليمها إليهم، فسلمها على إقطاع ذكره، فأجيب إلى ~~ذلك، وصار من اكبر الأمراء بدمشق. واتصل أخوه أسد الدين شيركوه بنور الدين ~~محمود بعد قتل زنكي، وكان يخمه في أيام والدهن فقربه وقدمه، ورأى منه شجاعة ~~يعجز عنها غيره، فزاده حتى صار له حمص والرحبة وغيرهما، وجعله مقدم عسكره، ~~فلما أراد نور الدين ملك دمشق أمره فراسل أخاه أيوب وهو بها، وطاب منه ~~المساعدة على فتحها، فأجاب إلى ما يراد منه على إقطاع ذكره له ولأخيه، وقرى ~~يتملكانها، فأعطاهما ما طلبا، وفتح دمشق على ما ذكرناه، ووفى لهما، وصارا ~~أعظم أمراء دولته. فلما أراد أن يرسل العساكر إلى مصر، لم ير لهذا الأمر ~~العظيم والمقام الخطير غيره، فأرسله، ففعل ما ذكرناه. ### || AUT ذكر ملك صلاح الدين مصر # لما توفي أسد الدين شيركوه كان معه صلاح الدين ابن أخيه أيوب ابن شاذي ~~قد سار معه على كره منه للمسير. PageV05P0104 # حكى لي عنه بعض أصدقائنا ممن كان قريبا إليه خصيصا به قال: لما وردت كتب ~~العاضد على نور الدين يستغيث به من الفرنج، ويطلب إرسال العساكر، أحضرني ~~وأعلمني الحال، وقال: تمضي إلى عمك أسد الدين بحمص مع رسولي إليه ليحضر، ~~وتحثه أنت على الإسراع، فما يحتمل الأمر التأخير؛ ففعلت وخرجنا من حلب، فما ~~كنا على ميل من حلب حتى لقيناه قادما في هذا المعنى، فأمره نور الدين ~~بالمسير، فلما قال له نور الدين ذلك التفت عمي إلي فقال لي: تجهز يا يوسف! ~~فقلت: والله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها، فلقد قاسيت بالإسكندرية ما لا ~~أنساه أبدا. فقال لنور الدين: لا بد من مسيره معي فتأمر به، فأمرني نور ~~الدين، وأنا أستقيل، وانقضى المجلس. وتجهز أسد الدين، ولم يبق غير المسير؛ ~~قال لي ms4096 نور الدين: لا بد من مسيرك مع عمك؛ فشكوت إليه الضائقة وعدم البرك، ~~فأعطاني ما تجهزت به فكأنما أساق إلى الموت، فسرت معه وملكها، ثم توفي ~~فملكني الله ما لم اكن أطمع في بعضه. وأما كيفية ولايته، فإن جماعة من ~~الأمراء النورية الذين كانوا بمصر طلبوا التقدم على العساكر، وولاية ~~الوزارة العاضدية بعده، منهم عين الدولة الياروقي، وقطب الدين، وسيف الدين ~~المشطوب الهكاري، وشهاب الدين محمود الحارمي، وهو خال صلاح الدين، وكل واحد ~~من هؤلاء يخطبها، وقد جمع أصحابه ليغال عليها، فأرسل العاضد إلى صلاح الدين ~~فأحضره عنده، وخلع عليه، وولاه الوزارة بعد عمه. وكان الذي حمله على ذلك أن ~~أصحابه قالوا: ليس في الجماعة أضعف ولا أصغر سنا من يوسف، والرأي أن يولى، ~~فإنه لا يخرج من تحت حكمنا، ثم نضع على العساكر من يستميلهم إلينا، فيصير ~~عندنا من الجنود من نمنع بهم البلاد، ثم نأخذ يوسف أو نخرجه. فلما خلع عليه ~~لقب الناصر لم يطعه أحد من أولئك الأمراء الذين يريدون الأمر لأنفسهم، ولا ~~خدموه. وكان الفقيه عيسى الهكاري معه، فسعى مع المشطوب حتى أماله إليه، ~~وقال له: إن هذا الأمرلا يصل إليك مع عين الدولة والحارمي وغيرهما؛ ثم قصد ~~الحارمي وقال: هذا صلاح الدين هو ابن أختك وعزه وملكه لك، وقد استقام له ~~الأمر فلا تكن أول من يسعى في إخراجه عنه ولا يصل إليك؛ فمال إليه أيضا، ثم ~~فعل مثل هذا بالباقين، وكلهم أطاع غير عين الدولة الياروقي فإنه قال: أنا ~~لا أخدم يوسف؛ وعاد إلى نور الدين بالشام ومعه غيره من الأمراء، وثبت قدم ~~صلاح الدين، ومع هذا فهو نائب عن نور الدين. وكان نور الدين يكاتبه بالأمير ~~الأسفهسلار، ويكتب علامته على رأس الكتاب تعظيما عن أن يكتب اسمه، وكان لا ~~يفرده بكتاب بل يكتب الأمير الأسفهسلار صلاح الدين وجميع الأمراء بالديار ~~والمصرية يفعلون كذا. واستمال صلاح الدين قلوب الناس، وبذل الأموال، فمالوا ~~إليه وأحبوه وضعف أمر العاضد، ثم أرسل صلاح الدين يطلب من نور ms4097 الدين أن ~~يرسل إليه أخوته وأهله، فأرسلهم إليه، وشرع عليهم طاعته والقيام بأمره ~~ومساعدته، وكلهم فعل ذلك، وأخذت إقطاعات الأمراء المصريين فأعطاها أهله ~~والأمراء الذين معه، وزادهم، فازدادوا له حبا وطاعة. قد اعتبرت التواريخ، ~~فرأيت كثيرا من التواريخ الإسلامية التي يمكن ضبطها، ورأيت كثيرأ ممن يبتدئ ~~الملك تنتقل الدولة عن صلبه إلى بعض أهله وأقاربه، منهم أول الإسلام: ~~معاوية بن أبي سفيان، أول من ملك من أهل بيته، فنقل الملك عن أعقابه إلى ~~بني مروان من بني عمه؛ ثم السامانية أول من استبد منهم نصر بن أحمد، فانتقل ~~الملك عنه إلى أخيه إسماعيل بن أحمد وأعقابه؛ ثم يعقوب الصفار، وهو أول من ~~ملك من أهل بيته، فانتقل الملك إلى أخيه عمرو وأعقابه؛ ثم عماد الدولة ~~بنبويه أول من ملك من أهله انتقل الملك عنه إلى أخويه ركن الدولة وعز ~~الدولة؛ ثم خلص في أعقاب ركن الدولة، ومعز الدولة؛ ثم خلص في أعقاب ركن ~~الدولة؛ ثم الدولة السلجوقية أول من ملك منهم طغرل بك انتقل الملك إلى ~~أولاد أخيه، داود؛ ثم شيركوه هذا كما ذكرناه انتقل الملك إلى أعقاب أخيه ~~أيوب؛ ثم إن صلاح الدين لما أنشأ الدولة وعظمها، وصار كأنه أول لها، نقل ~~الملك إلى أعقاب أخيه العادل ولم يبق بيد أعقابه غير حلب. PageV05P0105 # وهذه اعظم الدول الإسلامية، ولولا خوف التطويل لذكرنا أكثر من هذا، والذي ~~أظنه السبب في ذلك أن الذي يكون أول دولة يكثر ويأخذ الملك وقلوب من كان ~~فيه متعلقة به فلهذا يحرمه الله أعقابه ومن يفعل ذلك من أجلهم عقوبة له. ### || AUT ذكر وقعة السودان بمصر # في هذه السنة في أوائل ذي القعدة قتل مؤتمن الخلافة، وهو خصي كان بقصر ~~العاضد، إليه الحكم فيه، والتقدم على جميع من يحويه، فاتفق هو وجماعة من ~~المصريين على مكاتبة الفرنج واستدعائهم إلى البلاد، والتقوي بهم على صلاح ~~الدين ومن معه، وسيروا الكتب مع إنسان يثقون به، وأقاموا ينتظرون جوابه، ~~وسار ذلك القاصد إلى البئر البيضاء، فلقيه إنسان تركماني، فرأى ms4098 معه نعلين ~~جديدين، فأخذهما منه وقال في نفسه: لو كانا مما يلبسه هذا الرجل لكانا ~~خلقين، فإنه رث الهيئة، وارتاب به وبهما، فأتي بهما صلاح الدين ففتقهما، ~~فرأى الكتاب فيهما، فقرأه وسكت عليه. وكان مقصود مؤتمن الخلافة ان يتحرك ~~الفرنج إلى الديار المصرية، فإذا وصلوا إليها خرج صلاح الدين في العساكر ~~إلى قتالهم، فيثور مؤتمن الخلافة بمن معه من المصريين على مخلفيهم ~~فيقتلونهم، ثم يخرجون بأجمعهم يتبعون صلاح الدين، فيأتونه من وراء ظهره، ~~والفرنج من بين يديه، فلا يبق لهم باقية.فلما قرأ الكتاب سأل عن كاتبه ~~فقيل: رجل يهودي، فأحضر، فأمر بضربه تقريره، فابتدأ وأسلم وأخبره الخبر، ~~وأخفى صلاح الدين الحال. واستشعر مؤتمن الخلافة فلازم القصر ولم يخرج منه ~~خوفا، وإذا خرج لم يبعد صلاح الدين لا يظهر له شيئا من الطلب، لئلا ينكر ~~الحال ذلك، فلما طال الأمر خرج من القصر إلى قرية له تعرف بالحرقانية ~~للتنزه، فلما علم به صلاح الدين أرسل إليه جماعة، فأخذوه وقتلوه وأتوه ~~برأسه، وعزل جميع الخدم الذين يتولون أمر الخلافة واستعمل على الجميع بهاء ~~الدين قراقوش، وهو خصي أبيض، وكان لا يجري في القصر صغير ولا كبير إلا ~~بأمره وحكمه، فغضب السودان الذين بمصر لقتل مؤتمن الخلافة حمية، ولنه كان ~~يتعصب لهم، فحشدوا وأجمعوا، فزادت عدتهم على خمسين ألفا، وقصدوا حرب ~~الأجناد الصلاحية، فاجتمع العسكر أيضا وقاتلوهم بين القصرين. وكثر القتل في ~~الفريقين، فأرسل صلاح الدين إلى محلتهم المعروفة بالمنصورة، فأحرقها على ~~أموالهم وأولادهم وحرمهم، فلما أتاهم الخبر بذلك ولوا منهزمين، فركبهم ~~السيف، وأخذت عليهم أفواه السكك فطلبوا الأمان بعد أن كثر فيهم القتل، ~~فاجيبوا إلى ذلك، فأخرجوا من مصر إلى الجيزة، فعبر إليهم وزير الدولة ~~توارنشاه أخو صلاح الدين الأكبر في طائفة من العسكر، فأبادهم بالسيف، ولم ~~يبق منهم إلا القليل الشريد، وكفى الله تعالى شرهم، والله أعلم. ### || AUT ذكر ملك شملة فارس وإخراجه عنها # في هذه السنة ملك شملة صاحب خوزستان بلاد فارس، وأخرج عنها، وسبب ذلك أن ~~زنكي بن دكلا ms4099 صاحبها أساء السيرة مع عسكره فأرسلوا إلى شملة بخوزستان ~~وحسنوا له قصد فارس، فجمع عساكره وتجهز وسار إليها، فخرج إليه زنكي بن ~~دكلا، ووقعت بينهم حرب خامر فيها أصحاب زنكي عليه، فانهزم في شرزمة من ~~عسكره، ونجا بنفسه، وقصد الأكراد الشوانكار والتجأ إليهم، فاجاره صاحبها، ~~وأحسن ضيافته. ونزل شملة ببلاد فارس فملكها، فأساء السيرة إلى أهلها، ونهب ~~ابن أخيه ابن سنكا البلاد فتغيرت بواطن أهلها عليه، واجتمع إلى زنكي بعض ~~العسكر الذين خامروا عليه، ولما رأوا من سوء سيرة شملة فيهم، فكثر جمعه مع ~~الأكراد الشوانكار ونزل بهم إلى البلاد وكاتب عسكره ووعدهم الإحسان فأقبلوا ~~إليه فقصد شملة واستعاد زنكي بلاده ورجع إلى ملكه وعاد شملة إلى بلاده خوزستان. ### || AUT ذكر ملك إيلدكز الري # في هذه السنة ملك إيلدكز مدينة الري والبلاد التي كانت بيد إينانج. ~~PageV05P0106 # وسبب ذلك أن إيلدكز كان قد استقر الأمر بينه وبين إينانج على مال يؤديه ~~إلى إيلدكز، فمنعه سنتين، فأرسل إيلدكز يطلب المال فاعتذر بكثرة حاشيته ~~وغلمانه، فتجهز إيلدكز وطلب الري، فالتقاه إينانج وحاربه حربا عظيمة، ~~فانهزم إينانج ومضى منهزما، فتحصن بقلعة طبرق، فحصره إيلدكز فيها وأرسل سرا ~~جماعة من مماليكه، فأطمعهم في الإقطاعات والأموال والإحسان العظيم ليقتلوا ~~إينانج، فقتلوه، وكانوا جماعة كثيرة، وسلموا البلد إلى إيلدكز، فرتب فيه ~~عمر بن علي ياغ، وعاد إلى همذان، ولم يف للغلمان الذين قتلوا إينانج وسلموا ~~البلد إليه بما وعدهم وقال: مثل هؤلاء ينبغي أن لا يستخدم؛ وأبعدهم عنه، ~~فتفرقوا في البلاد، فسار بعضهم، وهو الذي تولى قتله، إلى خوارزم شاه، فصلبه ~~خوارزم شاه نكالا بما فعل بصاحبه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة رؤي في دار الخليفة المستنجد بالله رجل غريب في الطريق ~~الذي يركب فيه وفي زنده سكين صغيرة، وفي يده سكين أخرى كبيرة، فأخذوه ~~وقرروه ، فقال: أنا من حلب. فحبس وعوقب البواب، ولم يعلم من أين دخل. وفيها ~~قبض ابن البلدي وزير الخليفة على الحسين بن محمد المعروف بابن السيبي، وعلى ~~أخيه الأصغر، وكانا ms4100 ابني عمة عضد الدين أستاذ الدار، وكان الأصغر عامل ~~البيمارستان، فقطعت يده ورجله، قيل كان عنده صنج زائدة يقبض بها وتحمل إلى ~~الديوان بالصنج الصحيحة؛ وقيل غير ذلك، وحمل إلى البيمارستان فمات فيه. ~~وكان شاعرا، فمن شعره وهو في الحبس هذه الأبيات: سلام على أهلي وصحبي ~~وجلاسي ... ومن في فؤادي ذكرهم راسب راسي أعالج فيكم كل هم ولا أرى ... ~~لداء همومي غير رؤيتكم آسي لقد أبدت الأيام لي كل شدة ... تشيب لها الأكباد ~~فضلا عن الراسي فيا ابنة عبد الله صبرا على الذي ... لقيت فهذا الحكم من ~~مالك الناس فلو أبصرت عيناك ذلي بكيت لي ... بدمع سوي بالمدامع رجاس أقول ~~لقلبي والهموم تنوشه ... وقد حدثته النفس بالضر والياس فلو هم طيف من خيال ~~يزوركم ... لمانعه دون المغالق حراس وما حذري إلا على النفس لا على ... ~~سواها لأني حلف فقر وإفلاس وفيها توفي المعمر ابن عبد الواحد بن رجار أبو ~~أحمد الأصفهاني الحافظ، يروي عن أصحاب أبي نعيم، وكان موته بالبداية ذاهبا ~~إلى الحج في ذي القعدة. وفي رجب منها توفي الشيخ ابو محمد الفارقي المتكلم ~~على الناس، وكان أحد الزهاد، له كرامات كثيرة، وكان يتكلم على الخاطر، ~~وكلامه مجموع مشهور. وفيها مات جعيفر الرقاث من ندماء دار الخلافة. وفي ~~شوال منها توفي القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن يحيى القريشي الدمشقي. وفي ~~ذي الحجة توفي نجم الدين بن محمد بن علي بن القاسم الشهرزوري قاضي الموصل، ~~وولي ابنه حجة الدين عبد القاهر القضاء . ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وستين وخمسمائة # ### || AUT ذكر حصر الفرنج دمياط # في هذه السنة، في صفر، نزل الفرنج على مدينة دمياط من الديار المصرية ~~وحصروها، وكان الفرنج بالشام ، لما ملك أسد الدين شيركوه مصر، قد خافوه ، ~~وأيقنوا بالهلاك، وكاتبوا الفرنج الذين بصقلية والأندلس وغيرهما يستمدونهم ~~ويعرفونهم ما تجدد من ملك الأتراك مصر، وأنهم خائفون على البيت المقدس ~~منهم، فأدخلوا جماعة من القسوس والرهبان يحرضونهم على الحركة، فأمدوهم ~~بالأموال والرجال والسلاح، واتعدوا للنزول على دمياط ظنا ms4101 منهم أنهم ~~يملكونها، ويتخذونها ظهرا يملكون به الديار المصرية (ورد الله الذين كفروا ~~بغيظهم لم ينالوا خيرا (فإلى أن دخلوا كان أسد الدين قد مات وملك صلاح ~~الدين، فاجتمعوا عليها وحصروها، وضيقوا على من بها . فأرسل إليها صلاح ~~الدين العساكر في النيل وحشر فيها كل من عنده، وأمدهم بالأموال والسلاح ~~والذخائر، وأرسل إلى نور الدين يشكو ما هم فيه من المخافة، ويقول: إني إن ~~تأخرت عن دمياط ملكها الفرنج، وإن سرت إليها خلفني المصريون في أهلها ~~وأموالها بالشر، وخرجوا عن طاعتي، وساروا في أثري، والفرنج من أمامي، فلا ~~يبقى لنا باقية. PageV05P0107 # فسير نور الدين العساكر إليه أرسالا يتلو بعضها بعضا، ثم سار هو بنفسه ~~إلى بلاد الفرنج الشامية، ونهبها ، وأغار عليها واستباحها، فوصلت الغارات ~~إلى ما لم تكن تبلغه قبل، لخل البلاد من مانع. فلما رأى الفرنج تتابع ~~العساكر إلى مصر، ودخول نور الدين إلى بلادهم ونهبها وتخريبها، رجعوا ~~خائبين لم يظفروا بشيء، ووجدوا بلادهم خرابا، وأهلها بين قتيل وأسير، ~~فكانوا موضع المثل : (خرجت النعامة تطلب قرنين فرجعت بلا أذنين (. وكانت ~~مدة مقامهم على دمياط خمسين يوما أخرج فيها صلاح الدين أموالا لا تحصى. حكي ~~لي أنه قال: ما رأيت أكرم من العاضد أرسل إلي مدة لمقام الفرنج على دمياط ~~ألف ألف دينار مصرية سوى الثياب وغيرها. ### || AUT ذكر حصر نور الدين الكرك # في هذه السنة، في جمادى الآخرة سار نورالدين إلى بلاد الفرنج، فحصر ~~الكرك، وهو امنع المعاقل على طرف البر. وكان سبب ذلك أن صلاح الدين أرسل ~~إلى نور الدين يطلب أن يرسل إليه والده نجم الدين أيوب، فجهزه نور الدين ~~وسيره، وسير معه عسكرا، واجتمع معه من التجار خلق كثير، وانضاف إليهم من ~~كان له مع صلاح الدين أنس وصحبة، فخاف نور الدين عليهم من الفرنج، فسار في ~~عساكره إلى الكرك، فحصره وضيق عليه ونصب عليه المجانيق، فأتاه الخبر أن ~~الفرنج قد جمعوا له، وساروا إليه، وقد جعلوا في مقدمتهم إليه ابن هنفري ~~وقريب بن الرقيق، وهما ms4102 فارسا الفرنج في وقتهما، فرحل نور الدين نحو هذين ~~المقدمين ليلقاهما ومن معهما قبل أن يلتحق بهما باقي الفرنج، فلما قاربهما ~~رجعا القهقري واجتمعا بباقي الفرنج. وسلك نور الدين وسط بلادهم ينهب ويحرق ~~ما على طريقه من القرى إلى أن وصل إلى بلاد الإسلام، فنزل على عشترا، وأقام ~~ينتظر حركة الفرنج ليلقاهم، فلم يبرحوا من مكانهم، فأقام هو حتى أتاه خبر ~~الزلزلة الحادثة فرحل. وأما نجم الدين أيوب فإنه وصل إلى مصر سالما هو ومن ~~معه وخرج العاضد الخليفة فالتقاه إكراما له. ### || AUT ذكر غزوة لسرية نورية # كان شهاب الدين إلياس بن إيلغازي بن أرتك، صاحب قلعة البيرة، قد سار في ~~عسكره، وهو في مائتي فارس، إلى نور الدين وهو بعشترا، فلما وصل إلى قرية ~~اللبوة، وهي من عمل بعلبك، ركب متصيدا، فصادف ثلاثمائة فارس من الفرنج قد ~~ساروا للإغارة على بلاد الإسلام سابع عشر شوال، فوقع بعضهم على بعض ، ~~واقتتلوا واشتد القتال، وصبر الفريقان لاسيما المسلمون، فإن ألف فارس لا ~~يصبرون لحملة ثلاثمائة فارس إفرنجية، وكثر القتلى بين الطائفتين، فانهزم ~~الفرنج، وعمهم القتل والأسر، فلم يفلت منهم إلا من لا يعتد به. وسار شهاب ~~الدين برؤوس القتلى والأسرى إلى نور الدين، فركب نور الدين والعسكر، ~~فلقوهم، فرأى نور الدين في الرؤوس رأس مقدم الإسبتار، صاحب حصن الأكراد، ~~وكان من الشجاعة بمحل كبير، وكان شجا في حلوق المسلمين. ### || AUT ذكر الزلزلة وما فعلته بالشام # في هذه السنة أيضا، ثاني عشر شوال، كانت زلازل عظيمة متتابعة هائلة لم ~~ير الناس مثلها، وعمت اكثر البلاد من الشام والجزيرة والموصل والعراق ~~وغيرها من البلاد، وأشدها كان بالشام، فخربت كثيرا من دمشق وبعلبك وحمص ~~وحماة وشيزر وبعرين وحلب وغيرها، وتهدمت أسوارها وقلاعها، وسقطت الدور على ~~أهلها، وهلك منهم ما يخرج عن الحد. فلما أتاه الخبر سار إلى بعلبك ليعمر ما ~~انهدم من سورها وقلعتها ، فلما وصلها أتاه خبر باقي البلاد وخراب أسوارها ~~وقلاعها، وخلوها من أهلها، فجعل ببعلبك من يعمرها ويحميها ويحفظها، وسار ~~إلى ms4103 حمص ففعل مثل ذلك، ثم إلى حماة ثم إلى بعرين، وكان شديد الحذر على سائر ~~البلاد من الفرنج، ثم أتى مدينة حلب، فرأى فيها من آثار الزلزلة ما ليس ~~بغيرها من البلاد، فإنها كانت قد أتت عليها وبلغ الرعب ممن نجا كل مبلغ، ~~وكانوا لا يقدرون أن يأووا إلى مساكنهم خوفا من الزلزلة ، فأقام بظاهرها، ~~وباشر عمارتها بنفسه، فلم يزل كذلك حتى أحكم أسوار البلاد وجوامعها. وأما ~~بلاد الفرنج فان الزلازل أيضا عملت بها كذلك فاشتغلوا بعمارة بلادهم خوفا ~~من نور الدين عليها، فاشتغل كل منهم بعمارة بلاده خوفا من الآخر. ### || AUT ذكر وفاة قطب الدين مودود بن زنكي # ### || AUT وملك ابنه سيف الدين غازي # PageV05P0108 # في هذه السنة،في ذي الحجة، مات قطب الدين مودود بن زنكي، ابن آقسنقر،صاحب ~~الموصل بالموصل، وكان مرضه حمى حادة، ولما اشتد مرضه أوصى بالملك بعده ~~لأبنه الأكبر عماد الدين زنكي، ثم عدل عنه إلى ابنه الأكبر سيف الدين غازي، ~~وإنما صرف الملك عن ابنه الأكبر عماد الدين زنكي بن مودود لأن القيم بأمور ~~دولته، والمقدم فيها، كان خادما له يقال له فخر الدين عبد المسيح، وكان ~~يكره عماد الدين لأنه كان طوع عمه نور الدين، لكثرة مقامه عنده، ولأنه زوج ~~ابنته، وكان نور الدين يبغض عبد المسيح، فاتفق فخر الدين وخاتون ابنة حسام ~~الدين تمرتاش بن إيلغازي، وهي والدة سيف الدين، على صرف الملك عن عماد ~~الدين إلى سيف الدين، فرحل عماد الدين إلى عمه نور الدين مستنصرا به ليعينه ~~على أخذ الملك لنفسه. وتوفي قطب الدين وعمره نحو أربعين سنة، وكان ملكه ~~إحدى وعشرين سنة وخمسة اشهر ونصفا، وكان فخر الدين هو المدبر للأمور ~~والحاكم في الدولة، وكان قطب الدين من أحسن الملوك سيرة وأعفهم عن أموال ~~رعيته، محسنا إليهم ، كثير الإنعام عليهم، محبوبا إلى كبيرهم وصغيرهم، ~~عطوفا على شريفهم ووضيعهم، كريم الأخلاق، حسن الصحبة معهم، فكأن القائل ~~أراد بقوله: خلق كماء المزن طيب مذاقه ... والروضة الغناء طيب نسيم كالسيف ~~لكن فيه حلم واسع ms4104 ... عمن جنى والسيف غير حليم كالغيث إلا أن وابل جوده ... ~~أبدا وجود الغيث غير مقيم كالدهر إلا أنه ذو رحمة ... والدهر قاسي القلب ~~غير رحيم وكان سريع الانفعال للخير، بطيئا عن الشر، جم المناقب، قليل ~~المعايب، رحمه الله ورضي عنه وعن جميع المسلمين بمنه وكرمه، إنه جواد كريم . ### || AUT ذكر حالة ينبغي للملوك أن يحترزوا من مثلها # حدثني والدي، رحمه الله، قال: كنت أتولى جزيرة ابن عمر، لقطب الدين، كما ~~علمتم، فلما كان قبل موته بيسير أتانا كتاب من الديوان بالموصل يأمرون ~~بمساحة جميع بساتين العقيمة، وهذه العقيمة هي قرية تحاذي الجزيرة بينهما ~~دجلة، ولها بساتين كثيرة بعضها يمسح فيؤخذ منه على كل جريب شيء معلوم، ~~وبعضها عليه خراج، وبعضها مطلق من الجميع. قال: وكان لي فيها ملك كثير، ~~فكنت أقول: إن المصلحة أن لا يغير على الناس شيئا، وما أقول هذا لأجل ملكي، ~~فإنني أنا أمسح ملكي، وإنما أريد أن يدوم الدعاء من الناس للدولة، فجاءني ~~كتاب النائب يقول: لا بد من المساحة. قال: فأظهرت الأمر، وكان بها قوم ~~صالحون، لي بهم أنس، وبيننا مودة، فجاءني الناس كلهم، وأولئك معهم، يطلبون ~~المراجعة، فأعلمتهم أنني رجعت وما أجبت إلى ذلك، فجاءني منهم رجلان أعرف ~~صلاحهما، وطلبا مني المعاودة والمخاطبة ثانية، ففعلت، فأصروا على المسح ~~فعرفتهما الحال. قال: فما مضى إلا عدة أيام، وإذ قد جاءني الرجلان، فلما ~~رايتهما ظننت أنهما جاءا يطلبان المعاودة، فعجبت منهما، وأخذت أعتذر ~~إليهما، فقالا: ما جئنا إليك في هذا، وإنما جئنا نعرفك إن حاجتنا قضيت. ~~قال: فظننت أنهما قد أرسلا إلى الموصل إلى من يشفع لهما. فقلت: من الذي ~~خاطب في هذا بالموصل؟ فقالا: إن حاجتنا قد قضيت من السماء، ولكافة أهل ~~العقيمة. قال: فظننت أن هذا مما حدثا به نفوسهما، ثم قاما عني، فلم يمض غير ~~عشرة أيام وإذ قد جاءنا كتاب من الموصل يأمرون بإطلاق المساحة والمحبسين ~~والمكوس، ويأمرون بالصدقة، ويقال: إن السلطان، يعني قطب الدين، مريض، يعني ~~على حالة شديدة ، ثم بعد ms4105 يومين أو ثلاثة جاءنا الكتاب بوفاته، فعجبت من ~~قولهما، واعتقدته كرامة لهما، فصار والدي بعد ذلك يكثر إكرامهما واحترامهما ويزورهما. ### || AUT ذكر الحرب بين عساكر عبد المؤمن وابن مردنيش # كان محمد بن سعيد بن مردنيش، ملك شرق الأندلس، قد اتفق هو والفرنج، ~~وامتنع على عبد المؤمن وابنه بعده، فاستفحل أمره، لا سيما بعد وفاة عبد ~~المؤمن، فلما كان هذه السنة جهز إليه يوسف بن عبد المؤمن العساكر الكثيرة ~~مع أخيه عمر بن عبد المؤمن، فجاسوا بلاده وخربوها، وأخذوا مدينتين من ~~بلاده، وأخافوا عساكر جنوده، وأقاموا ببلاده مدة يتنقلون فيها ويجبون الأموال. ### || AUT ذكر وفاة صاحب كرمان # ### || AUT والخلف بين أولاده # PageV05P0109 # في هذه السنة توفي الملك طغرل بن قاورت صاحب كرمان، واختلف أولاده بهرام ~~شاه وأرسلان شاه، وهو الأكبر، وجرى بينهما قتال انهزم فيه بهرامشاه ومعه أخ ~~له اسمه تركان شاه، فملك البلاد أرسلان شاه ومضى بهرام شاه إلى خراسان، ~~فدخل على المؤيد صاحب نيسابور واستنجده، فأنجده بعساكر سار بها إلى كرمان، ~~فجرى بين الأخوين حرب ظفر بها بهرام شاه، وهرب أرسلان شاه، فقصد أصفهان ~~مستجيرا بإيلدكز، فأنفذ معه عسكرا، واستنقذوا البلاد من بهرامشاه وسلموها ~~إلى أخيه أرسلان شاه فعاد بهرام شاه إلى نيسابور مستجيرا بالمؤيد صاحبها، ~~فأقام عنده، فاتفق أن أخاه ارسلان شاه مات، فسار إلى كرمان فملكها، وأقام ~~بها بغير منازع. ### || AUT ذكرعدة حوادث # في هذه السنة، كثرت الأذية من عبد الملك بن محمد بن عطاء، وتطرق بلاد ~~حلوان، ونهب وأفسد، وتطرق الحجاج، فأنفذ إليه من بغداد عسكر فنازلوه في ~~قلاعه وضايقوه، ونهبوا أمواله، وأموال أهله، حتى أذعن بالطاعة، ولا يعاود ~~أذى الحجاجولا غيرهم، فعاد العسكر عنه. وفيها توفي مجد الدين أبو بكر بن ~~الداية، وهو رضيع نور الدين، وكان أعظم الأمراء منزلة عنده، وله أقطاعة حلب ~~وحارم وقلعة جعبر، فلما توفي رد نور الدين ما كان له إلى أخيه شمس الدين ~~علي بن الداية. وفيها ، في شعبان، توفي أحمد ابن صالح بن شافع أبو الفضل ~~الجيلي ببغداد، وهو ms4106 من مشهوري المحدثين. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وستين وخمسمائة # ### || AUT ذكر وفاة المستنجد بالله # في هذه السنة ، تاسع ربيع الآخر، توفي المستنجد بالله أبو المظفر يوسف ~~ابن المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله، وقد تقدم باقي ~~النسب في غير موضع، وأمه أم ولد، اسمها طاووس، وقيل نرجس، رومية، ومولده ~~مستهل ربيع الآخر سنة عشر وخمسمائة، وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وشهرا وستة ~~أيام، وكان أسمر، تام القامة، طويل اللحية. وكان سبب موته أنه مرض واشتد ~~مرضه، وكان قد خافه أستاذ الدار عضد الدين أبو الفرج بن رئيس الرؤساء، وقطب ~~الدين قايماز المقتفوي، وهو حينئذ أكبر أمير ببغداد، فلما اشتد مرض الخليفة ~~اتفقا، ووضعا الطبيب على أن يصف له ما يؤذيه، فوصف له دخول الحمام، فامتنع ~~لضعفه، ثم إنه دخل وأغلق الباب عليه فمات. وهكذا سمعته من غير واحد ممن ~~يعلم الحال، وقيل إن الخليفة كتب إلى وزيره مع طبيبه ابن صفية يأمره بالقبض ~~على أستاذ الدار وقطب الدين وصلبهما، فاجتمع ابن صفية بأستاذ الدار، وأعطاه ~~خط الخليفة، فقال له: تعود وتقول إنني أوصلت الخط إلى الوزير؛ ففعل ذلك، ~~وأحضر أستاذ الدار قطب الدين ويزدن وأخاه تنامش، وعرض الخط عليهم، فاتفقوا ~~على قتل الخليفة، فدخل إليه يزدن وقايماز الحميدي، فحملاه إلى الحمام وهو ~~يستغيث وألقياه، وأغلقا الباب عليه وهو يصيح إلى أن مات، رحمه الله. وكان ~~وزيره حينئذ أبا جعفر البلدي، وبينه وبين أستاذ الدار عضد الدين عداوة ~~مستحكمة، لأن المستنجد بالله كان يأمره بأشياء تتعلق بهما فيفعلها، فكانا ~~يظنان أنه هو الذي يسعى بهما، فلما مرض المستنجد، وأرجف بموته، ركب الوزير ~~ومعه الأمراء والأجناد وغيرهم بالعدة، فلم يتحقق عنده خبر موته، فأرسل إليه ~~عضد الدين يقول: إن أمير المؤمنين قد خف مابه من مرض، وأقبلت العافية، فخاف ~~الوزير أن يدخل دار الخلافة بالجند، فربما أنكر عليه ذلك، فعاد إلى داره ~~وتفرق الناس عنه، وكان عضد الدين وقطب الدين قد استعدا للهرب لما ركب ~~الوزير خوفا ms4107 منه إن دخل الدار أن يأخذهما، فلما عاد أغلق أستاذ الدار أبواب ~~الدار، وأظهروا وفاة المستنجد، وأحضر هو وقطب الدين ابنه أبا محمد الحسن، ~~وبايعاه بالخلافة، ولقباه المستضيئ بأمر الله، وشرطا عليه شروطا أن يكون ~~عضد الدين وزيرا، وابنه كمال الدين أستاذ الدار، وقطب الدين أمير العسكر، ~~فأجابهم إلى ذلك. ولم يتولى الخلافة من اسمه الحسن إلا الحسن بن علي بن أبي ~~طالب والمستضيئبأمر الله، واتفقا في الكنية والكرم، فبايعه أهل بيته البيعة ~~الخاصة يوم توفي أبوه، وبايعه الناس في الغد في التاج بيعة عامة، وأظهر من ~~العدل أضعاف ما عمل أبوه، وفرق أموالا جليلة المقدار. PageV05P0110 # وعلم الوزير ابن البلدي فسقط في يده وقرع سنه ندما على ما فرط في عوده ~~حيث لا ينفعه، واتاه من يستدعيه للجلوس للعزاء والبيعة للمستضيئ، فمضى إلى ~~دار الخلافة، فلما دخلها صرف إلى موضع وقتل وقطع قطعا، وألقي في دجلة، رحمه ~~الله، وأخذ جميع ما في داره، فرأيا فيها خطوط المستنجد بالله يأمره فيها ~~بالقبض عليهما، وخط الوزير قد راجعه في ذلك، وصرفه عنه، فلما وقفا عليهما ~~عرفا براءته مما كانا يظنان فيه، فندما حيث فرطا في قتله. وكان المستنجد ~~بالله من أحسن الخلفاء سيرة مع الرعية، عادلا فيهم، كثير الرفق بهم، وأطلق ~~كثيرا من المكوس، ولم يترك بالعراق منها شيئا، وكان شديدا على أهل العيث ~~والفساد والسعاية بالناس. بلغني أنه قبض على إنسان كان يسعى بالناس، فأطال ~~حبسه، فشفع فيه بعض أصحابه المختصين بخدمته، وبذل عنه عشرة آلاف دينار، ~~فقال: أنا أعطيك عشرة آلاف دينار وتحضر لي إنسانا آخر مثله لأكف شره عن ~~الناس؛ ولم يطلقه. ورد كثيرا من الأموال على أصحابها، وقبض على القاضي ابن ~~المرخم، وأخذ منه مالا كثيرا، فأعاده على أصحابه أيضا، وكان ابن المرخم ~~ظالما جائرا في أحكامه. ### || AUT ذكر ملك نور الدين الموصل # ### || AUT وإقرار سيف الدين عليها # لما بلغ نور الدين محمودا وفاة أخيه قطب الدين مودود، صاحب الموصل، وملك ~~ولده سيف الدين غازي الموصل والبلاد التي ms4108 كانت لأبيه، بعد وفاته، وقيام فخر ~~الدين عبد المسيح بالأمر معه، وتحكمه عليه، أنف لذلك وكبر لديه وعظم عليه، ~~وكان يبغض فخر الدين لما يبلغه عنه من خشونة سياسته، فقال: أنا أولى بتدبير ~~أولاد أخي وملكهم؛ وسار عند انقضاء العزاء جريدة في قلة من العسكر، وعبرت ~~الفرات، عند قلعة جعبر، مستهل المحرم من هذه السنة، وقصد الرقة فحصرها ~~وأخذها. ثم سار إلى الخابور فملكه جميعه، وملك نصيبين وأقام فيها يجمع ~~العساكر، فاتاه بها نور الدين محمد بن قرا ارسلان بن داود، صاحب حصن كيفا، ~~وكثر جمعه، وكان قد ترك أكثر عساكره في الشام لحفظ ثغوره، فلما اجتمعت ~~العساكر سار إلى سنجار فحصرها، ونصب عليها المجانيق وملكها، وسلمها إلى ~~عماد الدين ابن أخيه قطب الدين. وكان قد جاءته كتب الأمراء الذين بالموصل ~~سرا، يبذلون له الطاعة، ويحثونه على الوصول إليهم، فسار إلى الموصل فأتى ~~مدينة بلد، وعبر دجلة عندها مخاضة إلى الجانب الشرقي، وسار فنزل شرق الموصل ~~على حصن نينوى، ودجلة بينه وبين الموصل. ومن العجب أن يوم نزوله سقط من سور ~~الموصل بدنة كبيرة. وكان سيف الدين غازي وفخر الدين قد سيرا عز الدين مسعود ~~بن قطب الدين إلى أتابك شمس الدين إيلدكز، صاحب همذان وبلد الجبل، ~~وأذربيجان، وأصفهان، والري وتلك البلاد يستنجده على عمه نور الدين، فأرسل ~~إيلدكز رسولا إلى نور الدين ينهاه عن التعرض للموصل، ويقول له: إن هذه ~~البلاد للسلطان، فلا تقصدها؛ فلم يلتفت إليه، وقال للرسول: قل لصاحبك أنا ~~أصلح لأولاد أخي منك، فلم تدخل نفسك بيننا؟ وعند الفراغ من إصلاح بلادهم ~~يكون الحديث معك على باب همذان، فإنك قد ملكت هذه المملكة العظيمة، وأهملت ~~الثغور حتى غلب الكرج عليها، وقد بليت أنا، ولي مثل ربع بلادك، بالفرنج، ~~وهم أشجع العالم، فأخذت معظم بلادهم، وأسرت ملوكهم، ولا يحل لي السكوت عنك، ~~فإنه يجب علينا القيام بحفظ ما أهملت وإزالة الظلم عن المسلمين.فأقام نور ~~الدين على الموصل، فعزم من بها من الأمراء على مجاهرة فخر الدين عبد ms4109 المسيح ~~بالعصيان، وتسليم البلد إلى نور الدين فعلم ذلك، فأرسل إلى نور الدين ~~بتسليم البلد إليه على أن يقره بيد سيف الدين، ويطلب لنفسه الأمان ولماله، ~~فأجابه إلى ذلك، وشرط أن فخر الدين يأخذه معه إلى الشام، ويعطيه عنده ~~إقطاعا يرضيه، فتسلم البلد ثالث عشر جمادى الأولى من هذه السنة، ودخل ~~القلعة من باب السر لأنه لما بلغه عصيان عبد المسيح عليه حلف أن لا يدخلها ~~إلا من أحصن موضع فيها، ولما ملكها أطلق ما بها من المكوس وغيرها من أبواب ~~المظالم، وكذلك فعل بنصيبين وسنجار والخابور، وهكذا كان جميع بلاده من ~~الشام ومصر. PageV05P0111 # ووصله ، وهو على الموصل يحاصرها، خلعة من الخليفة المستضيئ بأمر الله، ~~فلبسها، ولما ملك الموصل خلعها على سيف الدين ابن أخيه، وأمره وهو بالموصل ~~بعمارة الجامع النوري، وركب هو بنفسه إلى موضعه فرآه، وصعد منارة مسجد أبي ~~حاضر فأشرف منها على موضع الجامع، فأمر أن يضاف إلى الأرض التي شاهدها ما ~~يجاورها من الدور والحوانيت، وأن لا يؤخذ منها شيء بغير اختيار أصحابه. ~~وولى الشيخ عمر الملا عمارته، وكان من الصالحين الأخيار، فاشترى الأملاك من ~~أصحابها بأوفر الأثمان، وعمره، فخرج عليه أموال كثيرة، وفرغ من عمارته سنة ~~ثمان وستين وخمسمائة. وعاد إلى الشام واستناب في قلعة الموصل خصيا له اسمه ~~كمشتكين، ولقبه سعد الدين، وأمر سيف الدين أن لا ينفرد عنه بقليل من الأمور ~~ولا بكثير، وحكمه في البلاد واقطع مدينة سنجار لعماد الدين ابن أخيه قطب ~~الدين، فلما فعل ذلك قال كمال الدين بن الشهرزوري: هذا طريق إلى أذى يحصل ~~لبيت أتابك لأن عماد الدين كبير لا يرى طاعة سيف الدين، وسيف الدين هو ~~الملك لا يرى الإغضاء لعماد الدين فيحصل الخلف، ويطمع الأعداء، فكان كذلك ~~على ما نذكره سنة سبعين وخمسمائة، وكان مقام نور الدين بالموصل أربعة ~~وعشرين يومان واستصحب معه فخر الدين عبد المسيح، وغير اسمه فسماه عبد الله، ~~وأقطعه إقطاعا كبيرا. ### || AUT ذكر غزو صلاح الدين بلاد الفرنج # ### || AUT وفتح إيلة # وفي ms4110 هذه السنة سار صلاح الدين أيضا عن مصر إلى بلاد الفرنج، فأغار على ~~أعمال عسقلان والرملة، وهجم على ربض غزة فنهبه، واتاه ملك الفرنج في قلة من ~~العسكر مسرعين لرده عن البلاد، فقاتلهم وهزمهم، وأفلت ملك الفرنج بعد ان ~~اشرف أن يؤخذ أسيرا، وعاد إلى مصر، وعمل مراكب مفصلة، وحملها قطعا على ~~الجبال في البر، وقصد إيلة، فجمع قطع المراكب وألقاها في البحر، وحصر إيلة ~~برا وبحرا، وفتحها في العشر الأول من ربيع الآخر، واستباح أهلها وما فيها ~~وعاد إلى مصر. ### || AUT ذكر ما اعتمده صلاح الدين بمصر # كان بمصر دارا للشحنة تسمى دار المعونة يحبس فيها من يريد حبسه فهدمها ~~صلاح الدين، وبناها مدرسة للشافعية، وأزال ما كان بها من الظلم، وبنى دار ~~العدل مدرسة للشافعية أيضا، وعزل القضاة المصريين، وكانوا شيعة، وأقام ~~قاضيا شافعيا في مصر، فاستناب القضاة الشافعية في جميع البلاد، في العشرين ~~من جمادى الآخرة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اشترى تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين منازل العز بمصر، ~~وبناها مدرسة للشافعية. وفيها أغار شمس الدولة توارنشاه أخو صلاح الدين ~~أيضا على الأعراب الذين بالصعيد، وكانوا قد أفسدوا في البلاد، ومدوا ~~أيديهم، فكفوا عما كانوا يفعلونه. وفيها مات القاضي ابن الخلال من اعيان ~~الكتاب المصريين وفضلائهم، وكان صاحب ديوان الإنشاء بها. وفيها وقع حريق ~~ببغداد في درب المطبخ، وفي خرابة ابن جردة. وفيها توفي الأمير نصر بن ~~المستظهر بالله، عم المستنجد بالله وحموه، وهو أخر من مات من أولاد ~~المستظهر بالله، وكان موته في ذي القعدة، ودفن في الترب بالرصافة. وفيها ~~جعل ظهير الدين أبو بكر نصر بن العطار صاحب المخزن ببغداد، ولقب ظهير ~~الدين. وفيها حج بالناس الأمير طاشتكين المستنجدي، وكان نعم الأمير، رحمه الله. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وستين وخمسمائة # ### || AUT ذكر إقامة الخطبة العباسية بمصر # ### || AUT وانقراض الدولة العلوية # في هذه السنة، في ثاني جمعة من المحرم، قطعت خطبة العاضد لدين الله أبي ~~محمد الإمام عبد الله بن ms4111 يوسف بن الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد ~~ابن أبي القاسم محمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين ~~الله أبي الحسن علي بن الحاكم بأمر الله أبي علي المنصور بن العزيز بالله ~~أبي منصور ابن نزار بن المعز لدين الله أبي تميم معد بن المنصور بالله أبي ~~الظاهر إسماعيل ابن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن المهدي بالله أبي ~~محمد عبيد الله، وهو أول العلويين من هذا البيت الذين خطب لهم بالخلافة، ~~وخوطبوا بإمرة المؤمنين. PageV05P0112 # وكان سبب الخطبة العباسية بمصر أن صلاح الدين بن أيوب لما ثبت قدمه بمصر ~~وزال المخالفون له، وضعف أمر الخليفة العاضد بها، وصار قصره يحكم فيه صلاح ~~الدين ونائبه قراقوش، وهو خصي، كان من أعيان الأمراء الأسدية، كلهم يرجعون ~~إليه، فكتب إليه نور الدين محمود بن زنكي يأمره بقطع الخطبة العاضدية ~~وإقامة الخطبة المستضيئية، فامتنع صلاح الدين، واعتذر بالخوف من أهل الديار ~~المصرية عليه لميلهم إلى العلويين. وكان صلاح الدين يكره قطع الخطبة لهم، ~~ويريد بقاءهم خوفا من نور الدين، فإنه كان يخافه أن يدخل الديار المصرية ~~ويأخذها منه، فكان يريد ان يكون العاضد معه، حتى إذا قصده نور الدين امتنع ~~به وبأهل مصر عليه؛ فلما اعتذر إلى نور الدين بذلك لم يقبل عذره، وألح عليه ~~بقطع خطبته، والزمه إلزاما لا فسحة له في مخالفته، وكان على الحقيقة نائب ~~نور الدين، واتفق أن العاضد مرض هذا الوقت مرضا شديدا، فلما عزم صلاح الدين ~~على قطع خطبته استشار أمراءه، فمنهم من أشار به ولم يفكر بالمصريين، ومنهم ~~من خافهم إلا أنه ما يمكنه إلا امتثال أمر نور الدين. وكان قد دخل إلى مصر ~~إنسان أعجمي يعرف بالأمير العالم، رأيته أنا بالموصل، فلما رأى ما هم فيه ~~من الإحجام، وأن أحدا لا يتجاسر أن يخطب للعباسيين قال: أنا أبتدئ بالخطبة ~~لهم؛ فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب ودعا للمستضيئ ~~بأمر الله فلم ينكر أحد ذلك، فلما كان ms4112 الجمعة الثانية أمر صلاح الدين ~~الخطباء بمصر والقاهرة أن يقطعوا خطبة العاضد ويخطبوا للمستضيئ، ففعلوا ذلك ~~فلم ينتتطح فيها عنزان، وكتب بذلك إلى سائر بلاد مصر، ففعل. وكان العاضد قد ~~اشتد مرضه فلم يعلمه أحد من أهله وأصحابه بقطع الخطبة، وقالوا: إن عوفي فهو ~~يعلم، وإن توفي فلا ينبغي أن نفجعه بمثل هذه الحادثة قبل موته، فتوفي يوم ~~عاشوراء ولم يعلم بقطع الخطبة. ولما توفي جلس صلاح الدين للعزاء، واستولى ~~على قصر الخلافة، وعلى جميع ما فيه، فحفظه بهاء الدين قراقوش الذي كان قد ~~رتبه قبل موت العاضد، فحمل الجميع إلى صلاح الدين، وكان من كثرته يخرج عن ~~الإحصاء، وفيه من الأعلاق النفيسة والأشياء الغريبة ما تخلو الدنيا بمثله، ~~ومن الجواهر التي لم توجد عند أحد غيرهم، فمنه الجبل الياقوت، وزنه سبعة ~~عشر درهما، أو سبعة عشر مثقالا، أنا لا أشك، لأنني رأيته ووزنته؛ واللؤلؤ ~~الذي لم يوجد مثله، ومنه النصاب الزمرد الذي طوله أربع أصابع في عرض عقد ~~كبير؛ ووجد فيه طبل كان بالقرب من موضع العاضد، وقد احتاطوا عليه بالحفظ، ~~فلما رأوه ظنوه عمل لأجل اللعب به فسخروا من العاضد، فاخذه إنسان فضرب به ~~فضرط فتضاحكوا منه، ثم آخر كذلك، وكان كل من ضرب به ضرط، فألقاه أحدهم ~~فكسره فإذا الطبل لأجل قولنج فندموا على كسره لما قيل لهم ذلك. وكان فيه من ~~الكتب النفيسة المعدومة المثل ما لا يعد، فباع جميع ما فيه، ونقل أهل ~~العاضد إلى موضع من القصر، ووكل بهم من يحفظهم، وأخرج جميع من فيه من أمة ~~وعبدن فباع البعض، وأعتق البعض، ووهب البعض، وخلى القصر من سكانه كأن لم ~~يغن بالأمس، فسبحان الحي الدائم الذي لا يزول ملكه، ولا تغيره الدهور ولا ~~يقرب النقص حماه. ولما اشتد مرض العاضد أرسل إلى صلاح الدين يستدعيه، فظن ~~ذلك خديعة، فلم يمض إليه، فلما توفي علم صدقه، فندم على تخلفه عنه، وكان ~~يصفه كثيرا بالكرم، ولين الجانب، وغلبة الخير على طبعه، وانقياده؛ وكان في ~~نسبه تسعة ms4113 خطب لهم بالخلافة وهم: الحافظ والمستنصر والظاهر والحاكم والعزيز ~~والمعز والمنصور والقائم والمهدي؛ ومنهم من لم يخطب له بالخلافة: أبوه يوسف ~~بن الحافظ، وجد أبيه، وهو الأمير أبو القاسم محمد بن المستنصر، وبقي من خطب ~~له بالخلافة وليس من آبائه: المستعلي ، والآمر، والظافر، والفائز، وجميع من ~~خطب له منهم بالخلافة أربعة عشر خليفة منهم بإفريقية: المهدي، والقائم، ~~والمنصور ، والمعز، إلى أن سار إلى مصر ، ومنهم بمصر: المعز المذكور، وهو ~~أول من خرج إليها من إفريقية، والعزيز، والحاكم، والظاهر، والمستنصر، ~~والمستعلي، والأمر، والحافظ، والظافر، والفائز، والعاضد، وجميع مدة ملكهم ~~من حين ظهر المهدي بسجلماسة في ذي الحجة من سنة تسع وتسعين ومائتين إلى أن ~~توفي العاضد مائتان واثنتان وسبعون سنة وشهر تقريبا. PageV05P0113 # وهذا دأب الدنيا لم تعط إلا واستردت، ولم تحلو إلا وتمرمرت، ولم تصف إلا ~~وتكدرت، بل صفوها لا يخلو من الكدر وكدرها قد يخلو من الصفو. نسأل الله ~~تعالى أن يقبل بقلوبنا إليه ويرينا الدنيا حقيقة، ويزهدنا فيها، ويرغبنا في ~~الآخرة، إنه سميع الدعاء قريب من الإجابة. ولما وصلت البشارة إلى بغداد ~~بذلك ضربت البشائر بها عدة أيام، وزينت بغداد وظهر من الفرح والجذل ما لا ~~حد عليه. وسيرت الخلع مع عماد الدين صندل، وهو من خواص الخدم المقتفوية ~~والمقدمين في الدولة لنور الدين وصلاح الدين، فسار صندل إلى نور الدين ~~وألبسه الخلعة، وسير الخلعة التي لصلاح الدين وللخطباء بالديار المصرية، ~~والأعلام السود، ثم إن صندلا هذا صار أستاذ الدار للخليفة المستضيئ بأمر ~~الله في بغداد، وكان يدري الفقه على المذهب الشافعي، وسمع الحديث ورواه، ~~ويعرف أشياء حسنة، وفيه دين، وله معروف كثير، وهو من محاسن بغداد. ### || AUT ذكر الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين # في هذه السنة جرت أمور أوجبت أن تأثر نور الدين من صلاح الدين، ولم يظهر ~~ذلك. وكان سببه أن صلاح الدين يوسف بن أيوب سار عن مصر في صفر من هذه السنة ~~إلى بلاد الفرنج غازيا ونازل حصن الشوبك، وبينه وبين الكرك يوم، وحصره، ms4114 ~~وضيق على من به من الفرنج، وأدام القتال، وطلبوا الأمان واستمهلوه عشرة ~~أيام، فأجابهم إلى ذلك. فلما سمع نور الدين بما فعله صلاح الدين سار عن ~~دمشق قاصدا بلاد الفرنج ليدخل إليها من جهة أخرى، فقيل لصلاح الدين : إن ~~دخل نور الدين بلاد الفرنج وهم على هذه الحال: أنت من جانب ونور الدين من ~~جانب، ملكها، ومتى زال الفرنج عن الطريق وأخذ ملكهم لم يبق بديار مصر مقام ~~مع نور الدين، وإن جاء نور الدين إليك وأنت هاهنا، فلا بد لك من الاجتماع ~~به، وحينئذ يكون هو المتحكم فيك بما شاء، إن شاء تركك وغن شاء عزلك، فقد لا ~~تقدر على الامتناع عليه؛ والمصلحة الرجوع إلى مصر. فرحل عن الشوبك عائدأ ~~إلى مصر، ولم يأخذه من الفرنج، وكتب إلى نور الدين يعتذر باختلال الديار ~~المصرية لأمور بلغته عن بعض شيعته العلويين، وأنهم عازمون على الوثوب بها، ~~فإنه يخاف عليها من البعد عنها أن يقوه أهلها على من تخلف بها وان يخرجوهم ~~وتعود ممتنعة، وأطال الاعتذار، فلم يقبلها نور الدين منه، وتغير عليه وعزم ~~على الدخول إلى مصر وإخراجه عنها. وظهر ذلك فسمع صلاح الدين الخبر، فجمع ~~أهله، وفيهم أبوه نجم الدين أيوب، وخاله شهاب الدين الحارمي، ومعهم سائر ~~الأمراء، وأعلمهم ما بلغه من عزم نور الدين وحركته إليه ، واستشارهم فلم ~~يجبه أحد بكلمة واحدة، فقام تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين فقال: إذا ~~جاءنا قاتلناه، ومنعناه عن البلاد؛ ووافقه غيره من أهلهم، فشتم نجم الدين ~~أيوب، وأنكر ذلك، واستعظمه، وشتم تقي الدين وأقعده، وقال لصلاح الدين: أنا ~~أبوك وهذا خالك شهاب الدين، ونحن أكثر محبة لك من جميع ما ترى، ووالله لو ~~رأيت أنا وخالك هذا نور الدين، لم يمكننا إلا أن نقبل الأرض بين يديه، ولو ~~أمرنا أن نضرب عنفك بالسيف لفعلنا، فإذا كنا نحن هكذا، فما ظنك بغيرنا؟ وكل ~~من تراه عندك من الأمراء لو رأوا نور الدين وحده لم يتجاسروا على الثبات ~~على سروجهم، وهذه البلاد ms4115 له، ونحن مماليكه ونوابه بها، فإن أراد عزلك سمعنا ~~وأطعنا؛ والرأي أن تكتب كتابا من نجاب تقول فيه: بلغني بأنك تريد الحركة ~~لأجل البلاد، فأي حاجة إلى هذا؟ يرسل المولى نجابا يضع في رقبتي منديلا ~~ويأخذني إليك، وما هاهنا من يمنع عليك. وأقام الأمراء وغيرهم وتفرقوا على ~~هذا، فلما خلا به أيوب قال له: بأي عقل فعلت هذا؟ أما تعلم أن نور الدين ~~إذا سمع عزمنا على منعه ومحاربته جعلنا أهم الوجوه إليه، وحينئذ لا تقوى ~~به، وأما الآن، إذا بلغه ما جرى وطاعتنا له تركنا واشتغل بغيرنا؛ والأقدار ~~تعمل عملها. ووالله لو أراد نور الدين قصبة من قصب السكر لقاتلته أنا عليها ~~حتى أمنعه أو أقتل. ففعل صلاح الدين ما أشار به، فترك نور الدين قصده ~~واشتغل بغيره، فكان الأمر كما ظنه أيوب، فتوفي نور الدين ولم يقصده، وملك ~~صلاح الدين البلاد، وكان هذا من أحسن الآراء وأجودها. ### || AUT ذكر غزوة إلى الفرنج بالشام # PageV05P0114 # في هذه السنة خرج مركبان من مصر إلى الشام فأرسيا بمدينة لاذقية، فأخذهما ~~الفرنج، وهما مملوءان من الأمتعة والتجار، وكان بينهم وبين نور الدين هدنة، ~~فنكثوا وغدروا، فأرسل نور الدين إليهم في المعنى وإعادة ما أخذوه من أموال ~~التجار، فغالطوه، واحتجوا بأمور منها أن المركبين كانا قد انكسرا ودخلهما ~~الماء. وكان الشرط أن كل مركب ينكسر ويدخله الماء يأخذونه، فلم يقبل ~~مغالطتهم، وجمع العساكر، وبث السرايا في بلادهم بعضها نحو أنطاكية، وبعضها ~~نحو طرابلس، وحصر هو حصن عرقة، وخرب ربضه، وأرسل طائفة من العسكر إلى حصن ~~صافيثا وعريمة، فأخذهما عنوة، ونهب وخرب، وغنم المسلمون غنائم كثيرة، ~~وعادوا إليه وهو بعرقة، فسار في العساكر جميعها إلى أن قارب طرابلس ينهب ~~ويخرب ويحرق ويقتل. وأما الذين ساروا إلى أنطاكية ففعلوا في ولايتها مثل ما ~~فعل نور الدين في ولاية طرابلس، فراسله الفرنج، وبذلوا إعادة ما أخذوه من ~~المركبين، وتجديد الهدنة معهم، فأجابهم إلى ذلك، وأعادوا ما أخذوا وهم ~~صاغرون، وقد خربت بلادهم وغنمت أموالهم. ### || AUT ذكر وفاة ms4116 ابن مردنيش # ### || AUT وملك يعقوب بن عبد المؤمن بلاده # في هذه السنة توي الأمير محمد بن سعد بن مردنيش، صاحب البلاد بشرق ~~الأندلس، وهي: مرسية وبلنسية وغيرهما، ووصى أولاده ان يقصدوا بعد موته ~~الأمير أبا يوسف يعقوب بن عبد المؤمن، صاحب المغرب والأندلس، وتسلموا ~~البلاد وتدخلوا في طاعته، فلما مات قصدوا يعقوب، وكان قد اجتاز إلى الأندلس ~~في مائة ألف مقاتل قبل موت ابن مردنيش، فحين رآهم يوسف فرح بهم، وسره ~~قدومهم عليه، وتسلم بلادهم وتزوج أختهم، وأكرمهم، وعظم أمرهم، ووصلهم ~~بالأمال الجزيلة، وأقاموا معه. ### || AUT ذكر عبور الخطا جيحون # ### || AUT والحرب بينهم وبين خوارزمشاه # في هذه السنة عبر الخطا نهرجيحون يريدون خوارزم، فسمع صاحبها خوارزمشاه ~~أرسلان بن أتسز، فجمع عساكره وسار إلى آموية ليقاتلهم ويصدهم، فمرض، وأقام ~~بها، وسير بعض جيشه مع أمير كبير إليهم، فلقيهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، ~~فانهزم الخوارزميون، وأسر مقدمهم، ورجع به الخطا إلى ما وراء النهر، وعاد ~~خوارزم شاه إلى خوارزم مريضا. في هذه السنة اتخذ نور الدين بالشام الحمام ~~الهوادي، وهي التي يقال لها المناسيب، وهي تطير من البلاد البعيدة إلى ~~أوكارها، وجعلها في جميع بلاده. وسبب ذلك أنه لما اتسعت بلاده، وطالت ~~مملكته وعرضت أكنافها، وتباعدت أوائلها عن أواخرها، ثم إنها جاورت بلاد ~~الفرنج، وكانوا ربما نازلوا حصنا من ثغوره، فإلى أن يصل الخبر، ويسير إليهم ~~يكونون قد بلغوا غرضهم منه، فأمر بالحمام ليصل الخبر إليه في يومه،وأجرى ~~الجرايات على المرتبين لحفظها وإقامتها، فحصل منها الراحة العظيمة، والنفع ~~الكبير للمسلمين. وفيها عزل الخليفة المستضيئ بأمر الله وزيره عضد الدين ~~أبا الفرج بن رئيس الرؤساء مكرها لأن قطب الدين قايماز ألزمه بعزله، فلم ~~يمكنه مخالفته. وفيها مات أبو محمد عبد الله بن أحمد الخشاب اللغوي، وكان ~~قيما بالعربية وسمع الحديث الكثير إلى أن مات. وفيها مات البوري الفقيه ~~الشافعي، تفقه على محمد بن يحيى، وقدم بغداد ووعظ، وكان يذم الحنابلة، ~~وكثرت أتباعه، فأصابه إسهال، فمات هو وجماعة من أصحابه، فقيل: إن الحنابلة ~~أهدوا إليه ms4117 حلوى فمات هو وكل من أكل منها. وفيها مات القرطبي أبو بكر يحيى ~~بن سعدون بن تمام الأزدي، وكان إماما في القراءة والنحو وغيره من العلوم، ~~زاهدا عابدا، انتفع به الناس بالموصل، وفيها كانت وفاته. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وستين وخمسمائة # ### || AUT ذكر وفاة خوارزم شاه أرسلان # ### || AUT وملك ولده سلطان شاه وبعده ولده الآخر تكش وقتل المؤيد وملك ابنه # في هذه السنة توفي خوارزم شاه أرسلان بن أتسز بن محمد بن أنوشتكين، قد ~~عاد من قتال الخطا مريضا، فتوفي، وملك بعده سلطان شاه مسعود، ودبرت والدته ~~المملكة والعساكر. PageV05P0115 # وكان ابنه الأكبر علاء الدين تكش مقيما في الجند قد أقطعه أبوه إياها، ~~فلما بلغه موت أبيه وتولية أخيه الصغير انف من ذلك، وقصد ملك الخطا، ~~واستمده على أخيه واستمده على أخيه، وأطمعه في الأموال وذخائر خوارزم، فسير ~~معه جيشا كثيفا مقدمهم قوما، فساروا حتى قاربوا خوارزم، فخرج سلطان شاه ~~وأمه إلى المؤيد، فأهدى له هدية جليلة المقدار، ووعده أموال خوارزم ~~وذخائرها،فاغتر بقوله، وجمع جيوشه وسار معه حتى بلغ سوبرني، بليدة على ~~عشرين فرسخا من خوارزم، وكان تكش قد عسكر بالقرب منها، فتقدم إليهم، فلما ~~تراءى الجمعان انهزم عسكر المؤيد، وكسر المؤيد وأخذ أسيرا، وجيء به إلى ~~خوارزم شاه تكش، فأمر بقتله، فقتل بين يديه صبرا. وهرب سلطان شاه، وأخذ إلى ~~دهستان، فقصده خوارزم شاه تكش، فافتتح المدينة عنوة، فهرب سلطان شاه وأخذت ~~أمه فقتلها تكش، وعاد خوارزم. ولما عاد المنهزمون من عسكر المؤيد إلى ~~نيسابور ملكوا ابنه طغان شاه أبا بكر بن المؤيد، واتصل به سلطان شاه، ثم ~~سار من هناك إلى غياث الدين ملك الغورية، فأكرمه وعظمه وأحسن ضيافته. وأما ~~علاء الدين تكش، فإنه لما ثبت قدمه بخوارزم اتصلت به رسل الخطا بالاقتراحات ~~والتحكم كعادتهم، فأخذته حمية الملك والدين، وقتل أحد أقارب الملك، وكان قد ~~ورد إليه ومعه جماعة أرسلهم ملكهم في مطالبة خوارزم شاه بالمال، فأمر ~~خوارزم شاه أعيان خوارزم،فقتل كل واحد منهم رجلا من الخطا، فلم ms4118 يسلم منهم ~~أحد، ونبذوا إلى ملك الخطا عهده. وبلغ ذلك سلطان شاه، فسار إلى ملك الخطا ~~واغتنم الفرصة بهذه الحال واستنجده على أخيه علاء الدين تكش، وزعم له أن ~~أهل خوارزم معه يريدونه، ويختارون ملكه عليهم، ولو رأوه لسلموا البلد إليه، ~~فسير معه جيشا كثيرا من الخطا مع قوما أيضا، فوصلوا إلى خوارزم، فحصروها، ~~فأمر خوارزم شاه علاء الدين بإجراء ماء جيحون عليهم فكادوا يغرقون، فرحلوا ~~ولم يبلغوا منها غرضا، ولحقهم الندم حيث لم ينفعهم، ولاموا سلطان شاه ~~وعنفوه، فقال لقوما: لو أرسلت معي جيشا إلى مرو لاستخلصتها من يد دينار ~~الغزي؛ وكان قد استولى عليها من حين كانت فتنة الغز إلى الآن، فسير معه ~~جيشا، فنزل على سرخس على غرة من أهلها، وهجموا على الغز فقتلوا منهم مقتلة ~~عظيمة، فلم يتركوا بها أحدا منهم، وألقى دينار ملكهم نفسه في خندق القلعة، ~~فأخرج منه ودخل القلعة وتحصن بها. وسار سلطان شاه إلى مور فملكها، وعاد ~~الخطا إلى ما وراء النهر، وجعل سلطان شاه دأبه قتال الغز وقصدهم، والقتل ~~فيهم، والنهب منهم، فلما عجز دينار عن مقاومته أرسل إلى نيسابور إلى طغان ~~شاه ابن المؤيد يقول له ليرسل إليه من يسلم إليه قلعة سرخس، فأرسل إليه ~~جيشا مع أمير اسمه قراقوش، فسلم إليه دينار القلعة ولحق بطغان شاه، فقصد ~~سلطان شاه سرخس وحصر قلعتها، وبلغ ذلك طغان شاه، فجمع جيوشه وقصد سرخس فلما ~~التقى هو وسلطان شاه فر طغان شاه إلى نيسابور، وذلك سنة ست وسبعين ~~وخمسمائة، فأخلى قراقوش قلعة سرخس ولحق بصاحبه، وملكها سلطان شاه، ثم أخذ ~~طوس، وإلزام، وضيق الأمر على طغان شاه بعلو همته، وقلة قراره، وحرصه على ~~طلب الملك. وكان طغان شاه يحب الدعة ومعاقرة الخمر، فلم يزل الحال كذلك إلى ~~أن مات طغان شاه سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة في المحرم، وملك ابنه سنجر ~~شاه، فغلب عليه مملوك جده المؤيد، اسمه منكلي تكين، فتفرق الأمراء أنفة من ~~تحكمه ، واتصل أكثرهم بسلطان شاه، وسار الملك دينار إلى كرمان، ms4119 ومعه الغز، ~~فملكها. وأما منكلي تكين فإنه أساء السيرة في الرعية، وأخذ أموالهم، وقتل ~~بعض الأمراء، فسمع خوارزم شاه بذلك، فسار إليه فحصره في نيسابور في ربيع ~~الأول سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، فحصرها شهرين فلم يظفر بها وعاد إلى ~~خوارزم، ثم رجع سنة ثلاث وثمانين إلى نيسابور فحصرها، وطلبوا منه الأمان، ~~فأمنهم، فسلموا البلد إليه، فقتل منكلي تكين وأخذ سنجر شاه وأكرمه، وأنزله ~~بخوارزم، وأحسن إليه، فأرسل إلى نيسابور يستميل أهلها ليعود إليهم، فسمع به ~~خوارزم شاه، فأخذ سنجر شاه فسلمه، وكان قد تزوج بأمه وزوجه انته، فماتت، ~~فزوجه بأخته، وبقي عنده إلى أن مات سنة خمس وتسعين وخمسمائة. PageV05P0116 # ذكر هذا أبو الحسن بن أبي القاسم البيهقي في كتاب مشارب التجارب، وقد ذكر ~~غيره من العلماء بالتواريخ هذه الحوادث مخالفة لهذا في بعض الأمور مع تقديم ~~وتأخير، ونحن نوردها، فقال إن تكش خوارزم شاه ايل أرسلان أخرج اخاه سلطان ~~شاه من خوارزم، وكان قد ملكها بعد موت أبيه، فجاء إلى مرو فأزاح الغز عنها، ~~فخرجوا أياما، ثم عادوا عليه فأخرجوه منها، وانتهبوا خزانته، وقتلوا أكثر ~~رجاله، فعبر إلى الخطا فاستنجدهم، وضمن لهم مالا ، وجاء بجيش عظيم، فاخرج ~~الغز عن مرو وسرخس ونسا وأبيورد وملكها ورد الخطا. فلما ابعدوا كاتب غياث ~~الدين الغوري يطلب منه أن ينزل عن هراة وبوشنج وباذغيس وما والاها، ويتوعده ~~إن هو لم ينزل عن ذلك، فأجابه غياث الدين يطلب منه إقامة الخطبة له بمرو ~~وسرخس وما ملكه من بلاد خراسان، فلما سمع الرسالة سار عن مرو وشن الغارات ~~على باذغيس وبيوار وما والاها، وحصر بوشنج ونهب الرساتيق، وصادر الرعايا، ~~فلما سمع غياث الدين ذلك لم يرض لنفسه أن يسير هو بل سير ملك سجستان، وكاتب ~~ابن أخته بهاء الدين سام، صاحب باميان، باللحاق به، لأن أخاه شهاب الدين ~~كان بالهند، والزمان شتاء، فجاء بهاء الدين ابن أخت غياث الدين وملك سجستان ~~ومن معهما من العساكر، ووافق ذلك وصول سلطان شاه إلى هراة، فلما علم ~~بوصولهم عاد ms4120 إلى مرو من غير أن يقاتلها، وأحرق كل ما مر به من البلاد ~~ونهبه، وأقام بمرو إلى الربيع، وأعاد مراسلة غياث الدين في المعنى، فأرسل ~~إلى أخيه شهاب الدين يعرفه الحال، فنادى في عساكره الرحيل لساعته، وعاد إلى ~~خراسان، واجتمع هو وأخوه غياث الدين وملك سجستان وغيرهم من العساكر، وقصدوا ~~سلطان شاه، فلما علم ذلك جمع عساكره واجتمع عليه، من الغز المفسدين، وقطاع ~~الطرق، ومن عنده طمع، خلق كثير، فنزل غياث الدين ومن معه من الطالقان، ونزل ~~سلطان شاه بمرو الروذ، وتقدم عسكر الغورية إليه، وتواعدوا للمصاف. وبقوا ~~كذلك شهرين والرسل تتردد بين غياث الدين وبين سلطان شاه، وشهاب الدين يطلب ~~من أخيه غياث الدين الإذن في الحرب، فلا يتركه، وتقرر الأمر على أن يسلم ~~غياث الدين إلى سلطان شاه بوشنج وباذغيس وقلاع بيوار، وكره ذلك شهاب الدين ~~وبهاء الدين سام صاحب باميان، إلا أنهما لم يخالفا غياث الدين؛ وفي آخر ~~الأمر حضر رسول سلطان شاه يطلب أن يحضر شهاب الدين وبهاء الدين هذا الأمر؛ ~~فأرسل غياث الدين إليهما، فأعادا الجواب: إننا مماليك ومهما تفعل لا يمكننا ~~مخالفتك. فبينما الناس مجتمعون في تحرير الأمر وإذ قد أقبل مجد الدين ~~العلوي الهروي، وكان خصيصا بغياث الدين بحيث يفعل في ملكه ما لا يخالف، ~~فجاء العلوي ويده في يد ألب غازي ابن أخت غياث الدين، قد كتبوا الكتاب، وقد ~~أحضر غياث الدين أخاه شهاب الدين وبهاء الدين سام ملك الباميان، فجاء ~~العلوي كأنه يسار غياث الدين، ووقف في وسط الحلقة، وقال للرسول: يا فلان! ~~تقول لسلطان شاه: قد تم لك الصلح من جانب السلطان الأعظم، ومن شهاب الدين، ~~وبهاء الدين، ويقول لك العلوي خصمك: أنا ومولانا ألب غازي بيننا وبينك ~~السيف؛ ثم صرخ صرخة ومزق ثيابه، وحثا التراب على رأسه وأقبل على غياث ~~الدين، وقال له: هذا واحد طرده أخوك، وأخرجه فريدا وحيدا، لم تترك له ما ~~ملكناه بأسيافنا من الغز والأتراك السنجرية؟ فإذا سمع هذا عنا يجيئ أخوه ~~يطلب منازعته الهند ms4121 وجميع ما بيدك؛ فحرك غياث الدين رأسه ولم يتفوه بكلمة، ~~فقال الملك سجستان للعلوي: اترك الأمر ينصلح. فلما لم يتكلم غياث الدين مع ~~العلوي قال شهاب الدين لجاووشيته: نادوا في العسكر بالتجهز للحرب، والتقدم ~~إلى مرو الروذ؛ وقام، وأنشد العلوي بيتا من الشعر عجميا معناه: إن الموت ~~تحت السيوف أسهل من الرضى بالدنية؛ فرجع الرسول إلى سلطان شاه وأعلمه ~~الحال، فرتب عساكره للمصاف، والتقى الفريقان واقتتلوا، فصبروا للحرب، ~~فانهزم سلطان شاه وعساكره، وأخذ أكثر أصحابه أسرى، فأطلقهم غياث الدين ، ~~ودخل سلطان شاه مرو في عشرين فارسا، ولحق به من أصحابه نحو ألف خمسمائة ~~فارس. PageV05P0117 # ولما سمع خوارزم شاه تكش بما جرى لأخيه سار من خوارزم في ألفي فارس وأرسل ~~إلى جيحون ثلاثة آلاف فارس يقطعون الطريق على أخيه عن أراد الخطا، وجد في ~~السير ليقبض على أخيه قبل أن يقوى، فأتت الأخبار سلطان شاه بذلك، فلم يقدر ~~على عبور جيحون إلى الخطا، فسار إلى غياث الدين وكتب إليه يعلمه قصده إليه، ~~فكتب إلى هراة و غيرها من بلاده بإكرامه واحترامه وحمل الإقامات إليه ،ففعل ~~به ذلك ،وقدم على غياث الدين ،والتقاه ،وأكرمه وأنزله معه في داره، وأنزل ~~أصحاب سلطان شاه كل إنسان منهم عند من هو في طبقته، فأنزل الوزير عند ~~وزيره، والعارض عند عارضه، وكذلك غيرهم، وأقام عنده حتى انسلخ الشتاء فأرسل ~~علاء الدين بن خوارزم شاه إلى غياث الدين يذكره ما صنعه أخوه سلطان شاه معه ~~من تخريب بلاده، وجمع العساكر عليه، ويشير بالقبض عليه ورده إليه، فأنزل ~~الرسول، وإذ قد أتاه كتاب نائبه بهراة يخبره أن كتاب خوارزم شاه جاءه ~~يتهدده، فأجابه انه لا يظهر لخوارزمشاه أنه اعلمه بالحال، واحضر الرسول، ~~وقال له: تقول لعلاء الدين: أما قولك إن سلطان شاه اخرب البلاد وأراد ~~ملكها، فلعمري أنه ملك وابن ملك، وله همة عالية، وإذا أراد الملك، فمثله ~~أراده، وللأمور مدبر يوصلها إلى مستحقها، وقد التجأ إلي، وينبغي أن تنزاح ~~عن بلاده، وتعطيه نصيبه مما خلف أبوه، ومن ms4122 الأملاك التي خلف، والأموال، ~~وأحلف لكما يمينا على المودة والمصافاة، وتخطب لي بخوارزم، وتزوج أخي شهاب ~~الدين بأختك. فلما سمع خوارزم شاه الرسالة امتعض لذلك وكتب إلى غياث الدين ~~كتابا يتهدده بقصد بلاده، فجهز غياث الدين العساكر مع ابن أخت ألب غازي ~~وصاحب سجستان، وسيرهما مع سلطان شاه إلى خواروم، وكتب إلى المؤيد صاحب ~~نيسابور يستنجده، وكان قد صار بينهما مصاهرة: زوج المؤيد ابنة طغان شاه ~~بابنة غياث الدين، فجمع المؤيد عساكره، وأقام بظاهر نيسابور على طريق ~~خواروم. وكان خوارزم شاه قد سار عن خوارزم إلى لقاء عسكر الغورية الذين مع ~~أخيه سلطان شاه، وقد نزلوا بطرف الرمل، فبينما هو في مسيره أتاه خبر المؤيد ~~انه قد جمع عساكره، وانه على قصد خوارزم إذا فارقها، فسقط في يديه وعاد ~~فوقع في قلبه، وعاد إلى خوارزم، فأخذ أمواله وذخائره وعبر جيحون إلى الخطا، ~~وأخلى خوارزم فوقع بها خبط عظيم، فحضر جماعة من أعيانها عند ألب غازي ~~وسألوه إرسال أمير معهم يضبط البلد، فخاف أن تكون مكيدة، فلم يفعل. فبينما ~~هم في ذلك توفي سلطان شاه، سلخ رمضان سنة تسع وثمانين وخمسمائة، فكتب ألب ~~غازي إلى غياث الدين يعلمه الخبر، فكتب إليه يأمره بالعود إليه، فرجع ومعه ~~أصحاب سلطان شاه، فأمر غياث الدين بأن يستخدموا، وأقطع الأجناد الإقطاعات ~~الجيدة، وكلهم قابل إحسانه بكفران، وسنذكر باقي أخبارهم. ولما سمع خوارزم ~~شاه تكش بوفاة أخيه عاد إلى خوارزم، وأرسل إلى سرخس ومرو شحناء، فجهز إليهم ~~أمير هراة عمر المرغني جيشا فأخبرهم، وقال: حتى نستأذن السلطان غياث الدين؛ ~~وأرسل خوارزم شاه رسولا إلى غياث الدين يطلب الصلح والمصاهرة، وسير مع ~~رسوله جماعة من الفقهاء خراسان والعلويين، ومعهم وجيه الدين محمد بن محمود، ~~وهو الذي جعل غياث الدين شافعيا، وكان له عنده منزلة كبيرة، فوعظوه، وخوفوه ~~الله تعالى، وأعلموه أن خوارزم شاه يراسلهم ويتهددهم بأنه يجيئ بالأتراك ~~والخطا ويستبيح حريمهم وأموالهم، وقالوا له: إما أن تحضر أنت بنفسك، وتجعل ~~مرو دار ملكك، حتى ينقطع طمع الكافرين ms4123 عن البلاد ويأمن أهلها، وإما أن ~~تصالح خوارزم شاه؛ فأجاب إلى الصلح وترك معارضة البلاد. فلما سمع من ~~بخراسان من الغز بذاك طمعوا في البلاد، فعادوا إلى النهب والإحراق ~~والتخريب، فسمع خوارزم شاه فجمع عساكره وحضر بخراسان، ودخل مرو وسرخس ونسا ~~وأبيورد وغيرها، وأصلح البلاد، وتطرق إلى طوس وهي للمؤيد صاحب نيسابور،فجمع ~~المؤيد جيوشه وسار إليه، فلما سمع خوارزم شاه بمسيره إليه عاد إلى خوارزم، ~~فلما وصل إلى الرمل أقام بطرفه، فلما سمع المؤيد بعود خوارزم شاه طمع فيه ~~وتبعه، فلما سمع خوارزم شاه بذلك أرسل إلى المناهل التي في البرية فألقى ~~فيها الجيف والتراب بحيث لم يمكن الانتفاع بها. PageV05P0118 # فلما توسط المؤيد البرية طلب الماء فلم يجده، فجاء خوارزم شاه إليه وهو ~~على تلك الحال،ومعه الماء على الجمال، فأحاط به، فأما عسكره فاستسلموا ~~بأسرهم، وجيئ بالمؤيد أسيرا إلى خوارزم شاه، فأمر بضرب عنقه، فقال: يا مخنث ~~هذا فعال الناس؟ فلم يلتفت إليه، وقتله وحمل رأسه إلى خوارزم. فلما قتل ملك ~~نيسابور ملك ما كان له ابنه طغان شاه. فلما كان من قابل جمع خوارزم شاه ~~عساكره وسار إلى نيسابور، فحاصرها وقاتلها، فمنعه طغان شاه فعاد عنه ثم رجع ~~إليه، فخرج إليه طغان شاه فقاتله، فأسر طغان شاه وأخذه فزوجه أخته، وحمله ~~معه إلى خوارزم، وملك نيسابور وجميع ما كان لطغان شاه من الملك وعظم شأنه ~~وقوي أمره. هذا الذي ذكره في هذه الرواية مخالف لما تقدم، ولو أمكن الجمع ~~بين الروايتين لفعلت، فإن أحدهما قد قدم ما أخره الآخر، فلهذا أوردنا جميع ~~ما قالاه، ولبعد البلاد عنا لم نعلم أي القولين أصح أن نذكره ونترك الآخر، ~~وإنما أوردتها في موضع واحد لأن أيام سلطان شاه لم تطل له ولأعقابه حتى ~~تتفرق على السنين، فلهذا أوردتها متتابعة. ### || AUT ذكر غاره الفرنج على بلد حوران # ### || AUT وغارة المسلمين على بلد الفرنج # في هذه السنة، في ربيع الأول، اجتوعت الفرنج وساروا إلى بلد حوران من ~~أعمال دمشق للغارة عليه، وبلغ الخبر إلى ms4124 نور الدين وكان قد برز ونزل هو ~~وعسكره بالكسوة، فسار إليهم مجدا، وقدم بجموعه عليهم، فلما علموا بقربه ~~منهم دخلوا إلى السواد، وهو من أعمال دمشق أيضا، ولحقهم المسلمون وتخطفوا ~~من في ساقتهم ونالوا منهم، وسار نور الدين فنزل في عشترا، وسير منها سرية ~~إلى أعمال طبرية، فشنوا الغارات عليها، فنهبوا وسبوا، وأحرقوا وخربوا،فسمع ~~الفرنج ذلك، فرحلوا إليهم ليمنعوه عن بلادهم، فلما وصلوا كان المسلمون قد ~~فرغوا من نهبهم وغنيمتهم، وعادوا وعبروا النهر. وأدركهم الفرنج، فوقف ~~مقابلهم شجعان المسلمين وحماتهم يقاتلونهم، فاشتد القتال وصبر الفريقان، ~~الفرنج يرومون أن يلحقوا الغنيمة فيردوها، والمسلمون يريدون أن يمنعونهم ~~عنها لينجو بها من قد سار معها، فلما طال القتال بينهم وأبعدت الغنيمة ~~وسلمت مع المسلمين عاد الفرنج ولم يقدروا أن يستردوا منها شيئا. ### || AUT ذكر مسير شمس الدولة إلى بلد النوبة # في هذه السنة، في جمادى الأولى، سار شمس الدولة توارنشاه بن أيوب أخو ~~صلاح الدين الأكبر من مصر إلى بلد النوبة، فوصل إلى أول بلادهم ليتغلب عليه ~~ويتملكه. وكان سبب ذلك أن صلاح الدين وأهله كانوا يعلمون أن نور الدين كان ~~على عزم الدخول إلى مصر وأخذها منهم، فاستقر الرأي بينهم أنهم يتملكون إما ~~بلاد النوبة أو بلاد اليمن، حتى إذا وصل إليهم نور الدين لقوه وصدوه عن ~~البلاد، فإن قووا على منعه أقاموا بمصر، وإن عجزوا عن ذلك ركبوا البحر ~~ولحقوا بالبلاد التي افتتحوها؛ فجهز شمس الدولة وسار إلى أسوان؛ ومنها إلى ~~بلد النوبة، فنازل قلعة اسمها أبريم، فحصرها، وقاتله أهلها، فلم يكن لهم ~~بقتال العسكر الإسلامي قوة، لأنهم ليس لهم جنة تقيهم السهام وغيرها من آلة ~~الحرب، فسلموها، فملكها وأقام فيها، ولم ير للبلاد دخلا يرغب فيه وتحتمل ~~المشقة لأجله، وقوتهم الذرة، فلما رأى عدم الحاصل، وقشف العيش مع مباشرة ~~الحروب ومعاناة التعب والمشقة، وتركها وعاد إلى مصر بما غنم، وكان عامة ~~غنيمتهم العبيد والجواري. ؟ذكر ظفر لمليح بن ليون بالروم في هذه السنة، في ~~جمادى الأولى، هزم مليح بن ليون ms4125 الأرمني، صاحب بلاد الدروب المجاورة لحلب، ~~عسكر الروم من القسطنطينية. وسبب ذلك أن نور الدين كان قد استخدم مليحا ~~المذكور، وأقطعه إقطاعا سنيا وكان ملازم الخدمة لنور الدين، ومشاهدا لحروبه ~~مع الفرنج، ومباشرا لها؛ وكان هذا من جيد الرأي وصائبه، فغن نور الدين لما ~~قيل له في معنى استخدامه وإعطائه الإقطاع من بلاد الإسلام قال: استعين به ~~على قتال أهل ملته، وأريح طائفة من عسكري تكون بإزائه لتمنعه من الإغارة ~~على البلاد المجاورة له. PageV05P0119 # وكان مليح أيضا يتقوى بنور الدين على ما يجاوره من الأرمن والروم، وكانت ~~مدينة أدنة والمصيصة وطرسوس بيد ملك الروم، صاحب القسطنطينية، فأخذها مليح ~~منهم لأنها تجاور بلاده، فسير إليه ملك الروم جيشا كثيفا ، وجعل عليهم بعض ~~أعيان البطارقة من أقاربه، فلقيهم مليح ومعه طائفة من عسكر نور الدين ~~فقاتلهم وصدقهم القتال، وصابرهم، فانهزمت الروم، وكثر فيهم القتل والأسر، ~~وقويت شوكة مليح، وانقطع أمل الروم من تلك البلاد. وأرسل مليح إلى نور ~~الدين كثيرا من غنائمهم ومن الأسرى ثلاثين رجلا من مشهوريهم وأعيانهم، فسير ~~نور الدين بعض ذلك إللى الخليفة المستضيئ بأمر الله، وكتب يعتد بهذا الفتح ~~لأن بعض جنده فعلوه. ؟ ### || AUT ذكر وفاة إيلدكز # في هذه السنة، توفي أتابك إيلدكز بهمذان، وملك بعده ابنه محمد البهلوان، ~~ولم يختلف عليه أحد، وكان إيلدكز هذا مملوكا للكمال السميرمي، وزير السلطان ~~محمود، فلما قتل الكمال، كما ذكرناه، صار إيلدكز إلى السلطان محمود، فلما ~~ولي السلطان مسعود السلطنة ولاه أرانية، فمضى إليها، ولم يعد يحضر عند ~~السلطان مسعود ولا غيره، ثم ملك أكثر أذربيجان وبلاد الجبل وهمذان وغيرها، ~~واصفهان والري وما والاهما من البلاد، وخطب بالسلطنة لابن امرأته أرسلان ~~شاه بن طغرل؛ وكان عسكره خمسين ألف فارس سوى الأتباع، واتسع ملكه من باب ~~تفليس إلى كرمان، ولم يكن السلطان أرسلان شاه معه حكم إنما كان له جراية ~~تصل إليه. وبلغ من تحكمه عليه أنه شرب ذات ليلة، فوهب ما في خزانته، وكان ~~كثيرا، فلما سمع إيلدكز بذلك استعاده جميعه، ms4126 وقال له: متى أخرجت المال في ~~غير وجههن أخذته أيضا من غير وجهه، وظلمت الرعية. وكان إيلدكز عاقلا، حسن ~~السيرة، يجلس بنفسه للرعية، ويسمع شكاويهم، وينصف بعضهم من بعض ### || AUT ذكر وصول الترك إلى إفريقية # ### || AUT وملكهم طرابلس وغيرها # في هذه السنة سارت طائفة من الترك من ديار مصر مع قراقوش مملوك تقي ~~الدين عمر ابن أخي صلاح الدين يوسف بن أيوب، إلى جبال نفوسة، واجتمع مسعود ~~بن زمام المعروف بمسعود البلاط، وهو من أعيان العرب هناك، وكان خارجا عن ~~طاعة عبد المؤمن وأولاده، فاتفقا، وكثر جمعهما، ونزلا على طرابلس الغرب ~~فحاصراها وضيقا على أهلها، ثم فتحت فاستولى قراقوش، وأسكن اهله قصرها، وملك ~~كثيرا من بلاد إفريقية ما خلا المهدية وسفاقس وقفصة وتونس وما والاها من ~~القرى والمواضع. وصار مع قراقوش عسكر كثير، فحكم على تلك البلاد بمساعدة ~~الععرب بما جبلت عليه من التخريب والنهب، والإساد بقطع الأشجار والثمار، ~~وغير ذلك، فجمع بها أموالا عظيمة وجعلها بمدينة قابس، وقويت نفسه وحدثته ~~بالاستيلاء على جميع لإفريقية لبعد أبي يعقوب بن عبد المؤمن صاحبها عنها، ~~وكان ما سنذكره إن شاء الله. ### || AUT ذكر غزو ابن عبد المؤمن الفرنج بالأندلس # في هذه السنة جمع أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن عساكره وسار من إشبيلية ~~إلى الغزو، فقصد بلاد الفرنج، ونزل على مدينة رندة، وهي بالقرب من طليطلة ~~شرقا منها، وحصرها، واجتمعت الفرنج على ابن الأذفونش ملك طليطلة في جمع ~~كثير، فلم يقدروا على لقاء المسلمين. فاتفق أن الغلاء اشتد على المسلمين، ~~وعدمت الأقوات عندهم، وهم في جمع كثير، فاضطروا إلى مفارقة بلاد الفرنج، ~~فعادوا إلى إشبيلية، وأقام أبو يعقوب بها سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وهو في ~~ذلك يجهز العساكر ويسيرها إلى غزو بلاد الفرنج في كل وقت، فكان فيها عدة ~~وقائع وغزوات ظهر فيها من العرب من الشجاعة ما لا يوصف، وصار الفارس من ~~العرب يبرز بين الصفين ويطلب مبارزة الفارس المشهور من الفرنج، فلا يبرز ~~إليه أحد، ثم عاد أبو يعقوب إلى ms4127 مراكش. ### || AUT ذكر نهب نهاوند # PageV05P0120 # في هذه السنة نهب عسكر شملة نهاوند. وسبب ذلك أن شملة كان أيام إيلدكز لا ~~يزال يطلب منه نهاوند لكونها مجاورة بلاده، ويبذل فيها الأموال، فلا يجيبه ~~إلى ذلك، فلما مات إيلدكز، وملك بعده محمد البهلوان، وسار إلى أذربيجان ~~لإصلاحها أنفذ شملة ابن أخيه ابن سنكا لأخذ نهاوند، وبلغ أهل البلد الخبر، ~~فتحصنوا، وحصرهم، وقاتلهم وقاتلوهن وأفحشوا في سبه، فلما علم أنه لا طاقة ~~له بهم رجع إلى تستر، وهي قريبة منها، وأرسل أهل نهاوند إلى البهلوان ~~يطلبون منه نجدة، فتأخرت عنهم، فلما اطمأنوا خرج ابن سنكا من تستر في خمس ~~مائة فارس جريدة، وسار يوما وليلة فقطع أربعين فرسخا حتى وصل إلى نهاوند، ~~وضرب البوق وأظهر أنه من أصحاب البهلوان، لأنه جاءهم من ناحيته، ففتح أهل ~~البلد له الأبواب فدخله، فلما توسط قبض على القاضي والرؤساء وصلبهم، ونهب ~~البلد وأحرقه، وقطع أنف الوالي وأطلقه، وتوجه نحو ماسبذان قاصدا العراق. ### || AUT ذكر قصد نور الدين بلاد قلج أرسلان # في هذه السنة سار نور الدين محمود بن زنكي إلى مملكة عز الدين قلج ~~أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان، وهي ملطية وسيواس وأقصرا وغيرها، عازما على ~~حربه وأخذ بلاده منه. وكان سبب ذلك أن ذي النون بن دانشمند صاحب ملطية ~~وسيواس قصده قلج أرسلان وأخذ بلاده، وأخرجه عنها طريدا فريدا، فسار إلى نور ~~الدين مستجيرا به وملتجئا إليه، فأكرم نزله، وأحسن إليه، وحمل له ما يليق ~~أن يحمل إلى الملوك ووعده النصرة والسعي في رد ملكه إليه. ثم أنه أرسل إلى ~~قلج أرسلان يشفع إليه في إعادة بلاد ذي النون إليه، فلم يجبه إلى ذلك، فسار ~~نور الدين إليه فابتدئ بكيسون وبهنسى ومرعش ومرزبان، فملكها وما بينها؛ ~~وكان ملكه لمرعش أوائل ذي القعدة، والباقي بعدها، فلما ملكها سير طائفة من ~~عسكره إلى سيواس فملكوها. وكان قلج أرسلان لما سار نور الدين إلى بلاده قد ~~سار من طرفها الذي يلي الشام إلى وسطها، وراسل نور الدين يستعطفه ms4128 ويسأله ~~الصلح، فتوقف نور الدين عن قصده رجاء أن ينصلح الأمر بغير حرب، فأتاه عن ~~الفرنج ما أزعجه، فأجابه إلى الصلح، وشرط عليه أن ينجده بعساكر إلى الغزاة، ~~وقال له: أنت مجاور الروم ولا تغزوهم، وبلادك قطعة كبيرة من بلاد الإسلام، ~~ولا بد من الغزاة معي. فأجابه إلى ذلك، وتبقى سيواس على حالها بيد نواب نور ~~الدين وهي لذي النون، فبقي العسكر فيها في خدمة ذي النون إلى أن مات نور ~~الدين، فلما مات رحل عسكره عنها، وعاد قلج أرسلان وملكها، وهي بيد أولاده ~~إلى الآن سنة عشرين وستمائة. ولما كان نور الدين في هذه السفرة جاءه رسول ~~كمال الدين أبي الفضل محمد بن عبد الله بن الشهرزوري من بغداد ومعه منشور ~~من الخليفة بالموصل والجزيرة وبإربل وخلاط الشام بلاد قلج أرسلان وديار مصر. ### || AUT ذكر رحيل صلاح الدين عن مصر # ### || AUT إلى الكرك وعوده عنها # في هذه السنة، في شوال، رحل صلاح الدين يوسف بن أيوب من مصر بعساكره ~~جميعها إلى بلاد الفرنج يريد حصر الكرك، والاجتماع مع نور الدين عليهن ~~والإتفاق على قصد بلاد الفرنج من جهتين كل واحد منهما في جهة بعسكره. وسبب ~~ذلك ان نور الدين لما أكر على صلاح الدين عوده من بلاد الفرنج في العام ~~الماضي، وأراد نور الدين قصد مصر وأخذها منه، أرسل يعتذر، ويعد من نفسه ~~بالحركة على ما يقرره نور الدين، فاستقرت القاعدة بينهما أن صلاح الدين ~~يخرج من مصر ونور الدين يسير من دمشق، فأيهما سبق صاحبه يقيم إلى أن يصل ~~الآخر إليه، وتواعدا على يوم معلوم يكون فيه وصولهما؛ فسار صلاح الدين عن ~~مصر لأن طريقه أصعب وأبعد وأشق، ووصل إلى الكرك وحصره. وأما نور الدين فإنه ~~لما وصل إليه كتاب صلاح الدين برحيله من مصر فرق الأموال، وحصل الأزواد وما ~~يحتاج إليه، وسار إلى الكرك فوصل إلى الرقيم، وبينه وبين الكرك مرحلتان. ~~فلما سمع صلاح الدين بقربه خافه هو وجميع أهله، واتفق رأيهم على العود إلى ~~مصر، وترك ms4129 الاجتماع بنور الدين، لأنهم علموا أنه إن اجتمعا كان عزله على ~~نور الدين سهلا. PageV05P0121 # فلما عاد أرسل الفقيه عيسى إلى نور الدين يعتذر عن رحيله بأنه كان قد ~~استخلف أباه نجم الدين أيوب على ديار مصر، وأنه مريض شديد المرض، ويخاف أن ~~يحدث عليه حادث الموت فتخرج البلاد عن أيديهم، وأرسل معه من التحف والهدايا ~~ما يجل عن الوصف؛ فجاء الرسول إلى نور الدين واعلمه ذلك فعظم عليه وعلم ~~المراد من العود، إلا أنه لم يظهر للرسول تأثرا بل قال له: حفظ مصر أهم ~~عندنا من غيرنا. وسار صلاح الدين إلى مصر فوجد أباه قد قضى نحبه ولحق بربه، ~~ورب كلمة تقول لقائلها دعني. وكان سبب موت نجم الدين انه ركب يوما فرسا ~~بمصر، فنفر به الفرس نفرة شديدة، فسقط عن ظهره فحمل إلى قصره وقيذا، وبقي ~~أياما ، ومات في السابع والعشرين من ذي الحجة، وكان خيرا، عاقلا، حسن ~~السيرة كريما جوادا كثير الإحسان إلى الفقراء والصوفية. والمجالسة لهم. وقد ~~تقدم من ذكره وابتداء أمره وأمر أخيه شيركوه ما لا حاجة إلى إعادته. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة زادت دجلة زيادة كثيرة أشرفت بها بغداد على الغرق في ~~شعبان، وسدوا أبواب الدروب، ووصل الماء إلى قبة احمد بن حنبل ووصل إلى ~~النظامية ورباط شيخ الشيوخ، واشتغل العالم بالعمل في القورج، ثم نقص وكفى ~~الناس شره. وفيها وقعت النار ببغداد من درب بهروز إلى باب جامع القصر، ومن ~~الجانب الآخر من حجر النحاس إلى دار أم الخليفة. وفيها أغار بنو حزن من ~~خفاجة على سواد العراق، وسبب ذلك أن الحماية كانت لهم لسواد العراق، فلما ~~تمكن يزدن من البلاد وتسلم الحلة أخذها منهم، وجعلها لبني كعب من خفاجة. ~~وأغار بنو حزن على السواد، فسار يزدن في عسكر ومعه الغضبان الخفاجي، وهو من ~~بني كعب، لقتال بني حزن، فبينما هم سائرون ليلا رمى بعض الجند الغضبان بسهم ~~فقتله لفساده، وكان في السواد فلما قتل عاد العسكر إلى بغداد وأعيدت خفارة ms4130 ~~السواد إلى بني حزن. وفيها خرج برجم الإيوائي في جمع من التركمان، في حياة ~~إيلدكز، وتطرق أعمال همذان، ونهب الدينور، واستباح الحريم. وسمع إيلدكز ~~الخبر وهو بنقجوان، فسار مجدا فيمن خف معه من عسكره، فقصده، فهرب برجم إلى ~~أن قارب بغداد، وتبعه إيلدكز فظن الخليفة أنها حيلة ليصل إلى بغداد فجأة، ~~فشرع في جمع العساكر وعمل السور، فأرسل إلى إيلدكز الخلع والألقاب الكبيرة، ~~فاعتذر أنه لم يقصد إلا كف فساد هؤلاء، ولم يتعد قنطرة خانقين وعاد؛ وفيها ~~توفي الأمير يزدن، وهو من أكابر أمراء بغداد، وكان يتشيع، فوقع بسببه فتنة ~~بين السنة والشيعة بواسط لأن الشيعة جلسوا له للعزاء وأظهر السنة الشماتة ~~به فآل إلى القتال فقتل بينهم جماعة. ولما مات أقطع أخوه تنامش ما كان ~~لأخيه وهو مدينة واسط، ولقب علاء الدين. وفيها أرسل نور الدين محمود بن ~~زنكي رسولا إلى الخليفة وكان الرسول القاضي كمال الدين أبا الفضل محمد بن ~~عبد الله الشهرزوري، قاضي بلاده جميعها مع الوقوف والديوان، وحمله رسالة ~~مضمونها الخدمة للديوان، وما هو عليه من جهاد الكفار، وفتح بلادهم، ويطلب ~~تقليدا بما بيده من البلاد، مصر والشام والجزيرة والموصل، وبما في طاعته ~~كديار بكر وما يجاور ذلك كخلاط وبلاد قلج أرسلان، وأن يعطى من الأقطاع ~~بسواد العراق ما كان لأبيه زنكي وهو: صريفين ودرب هارون، والتمس أرضا على ~~شاطئ دجلة يبنيها مدرسة للشافعية، ويوقف عليها صريفين ودرب هارون، فأكرم ~~كمال الدين إكراما لم يكرم به رسول قبله، وأجيب إلى ما التمسه، فمات نور ~~الدين قبل الشروع في بناء المدرسة، رحمه الله. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وستين وخمسمائة # ### || AUT ذكر ملك شمس الدولة زبيد وعدن # ### || AUT وغيرهما من بلاد اليمن # قد ذكرنا قبل أن صلاح الدين يوسف بن أيوب، صاحب مصر، وأهله كانوا يخافون ~~من نور الدين محمود أن يدخل إلى مصر فيأخذها منهم، فشرعوا في تحصيل مملكة ~~يقصدونها ويتملكونها تكون عدة لهم إن أخرجهم نور الدين من مصر ساروا إليها ~~وأقاموا بها، فسيروا شمس ms4131 الدولة تورانشاه بن أيوب، وهو أخوا صلاح الدين ~~الأكبر، إلى بلد النوبة، فكان ما ذكرناه. فلما عاد إلى مصر استأذنوا نور ~~الدين في أن يسير إلى اليمن لقصد عبد النبي، صاحب زبيد لأجل قطع الخطبة ~~العباسية، فأذن في ذلك. PageV05P0122 # وكان بمصر شاعر اسمه عمارة من أهل اليمن، فكاك يحسن لشمس الدولة قصد ~~اليمن، ويصف البلاد له، ويعظم ذلك في عينه، فزاده قوله رغبة فيها، فشرع ~~يتجهز ويعد الأزواد والروايا والسلاح وغيره من الآلات، وجند الأجناد، فجمع ~~وحشد، وسار عن مصر مستهل رجب، فوصل إلى مكة، أعزها الله تعالى، ومنها إلى ~~زبيد، وفيها صاحبها المتغلب عليها المعروف بعبد النبي، فلما قرب منها رآه ~~أهلها، فاستقلوا من معه، فقال لهم عبد النبي: كأنكم بهؤلاء وقد حمي عليهم ~~الحر فهلكوا وما هم إلى أكلة رأس؛ فخرج إليهم بعسكره، فقاتلهم شمس الدولة ~~ومن معه، فلم يثبت أهل زبيد وانهزموا، ووصل المصريون إلى سور زبيد، فلم ~~يجدوا عليه من يمنعهم، فنصبوا السلالم، وصعدوا السور، فملكوا البلد عنوة ~~ونهبوه وأكثروا النهب، واخذوا عبد النبي أسيرا وزوجته المدعوة بالحرة، ~~وكانت امرأة صالحة كثيرة الصدقة لا سيما إذا حجت، فإن فقراء الحاج كانوا ~~يجدون عندها صدقة دارة ، وخيرا كثيرا، ومعروفا عظيمان وسلم شمس الدولة عبد ~~النبي إلى بعض أمراءه، يقال له سيف الدولة مبارك بن كامل من بني منقذ، ~~أصحاب شيزر، وأمره أن يستخرج منه الأموال، فأعطاه منها شيئا كثيرا، ثم إنه ~~دلهم على قبر قكان قد صنعه لوالدهن وبنى عليه بنية عظيمة، وله هناك دفائن ~~كثيرة، فأعلمهم بها، فاستخرجت الأموال من هناك وكانت جليلة المقدار، وأما ~~الحرة فإنها أيضا تدلهم على ودائع لها، فأخذ منها مالا كثيرا. ولما ملكوا ~~زبيد واستقر الأمر لهم بها، ودان أهلها، وأقيمت فيها الخطبة العباسية، ~~اصلحوا حالها، وساروا إلى عدن، وهي على البحر، ولها مرسى عظيم، وهي فرضة ~~الهند والزنج والحبشة، وعمان وكرمان، وكيس، وفارس ، وغير ذلك، وهي من جهة ~~البر من أمنع البلاد وأحصنها، وصاحبها إنسان اسمه ياسر، فلو أقام بها ms4132 ولم ~~يخرج عنها لعادوا خائبين، وإنما حمله جهله وانقضاء مدته على الخروج إليهم ~~ومباشرة قتالهم، فسار إليهم وقاتلهم، فانهزم ياسر ومن معه، وسبقهم بعض عسكر ~~شمس الدولة، فدخلوا البلد قبل أهله، فملكوه، وأخذوا صاحبه ياسر أسيرا، ~~وأرادوا نهب البلد، فمنعهم شمس الدولة، وقال: ما جئنا لنخرب البلاد، وغنما ~~جئنا لنملكها ونعمرها وننتفع بدخلها؛ فلم ينهب منها أحد شيئا، فبقيت على ~~حالها وثبت ملكه واستقر أمره. ولما مضى إلى عدن كان معه عبد النبي صاحب ~~زبيد مأسورا، فلما دخل إلى عدن قال: سبحان الله! كنت قد علمت أنني ادخل إلى ~~عدن في موكب كبير فأنا انتظر ذلك وأسر به، ولم أكن أعلم أنني أدخلها على ~~هذه الحال. ولما فرغ شمس الدولة من أمر عدن عاد إلى زبيد، وملك أيضا قلعة ~~التعكر والجند وغيرها من المعاقل والحصون، واستناب بعدن عز الدين عثمان بن ~~الزنجيلي، وبزبيد سيف الدولة مبارك ابن منقذ، وجعل في كل قلعة نائبا من ~~أصحابه، وألقى ملكهم باليمن جرانه ودام، وأحسن شمس الدولة إلى أهالي ~~البلاد، واستصفى طاعتهم بالعدل والإحسان، وعادت زبيد إلى أحسن أحوالها من ~~العمارة والأمن. ### || AUT ذكر قتل جماعة من المصريين # ### || AUT أرادوا الوثوب بصلاح الدين # في هذه السنة، ثاني رمضان، صلب صلاح الدين يوسف بن أيوب جماعة ممن ~~أرادوا الوثوب به من أصحاب الخلفاء العلويين. وسبب ذلك أن جماعة من شيعة ~~العلويين منهم عمارة بن أبي الحسن اليمني الشاعر، وعبد الصمد الكاتب، ~~والقاضي العويرس، وداعي الدعاة، وغيرهم من جند المصريين ورجالتهم السودان، ~~وحاشية القصر، ووافقهم جماعة من أمراء صلاح الدين وجنده، واتفق رأيهم على ~~استدعاء الفرنج من صقلية، ومن ساحل الشام إلى ديار مصر على شيء بذلوه لهم ~~من المال والبلاد، فإذا قصدوا البلاد، فإن خرج صلاح الدين إليهم بنفسه ~~ثاروا هم بالقاهرة ومصر وأعادوا الدولة العلوية، وعاد من معه من العسكر ~~الذين وافقوهم عنه، فلا يبقى له مقام مقابل الفرنج، وإن كان صلاح الدين ~~يقيم ويرسل العساكر إليهم ثاروا به، وأخذوه أخذا باليد لعدم وجود ms4133 الناصر له ~~والمساعد، وقال لهم عمارة: وأنا قد أبعدت أخاه إلى اليمن خوفا أن يسد مسده ~~وتجتمع الكلمة عليه بعده. PageV05P0123 # وأرسلوا إلى الفرنج بصقلية والساحل في ذلك، وتقررت القاعدة بينهم، ولم ~~يبق إلا رحيل الفرنج، وكان من لطف الله بالمسلمين أن الجماعة المصريين ~~ادخلوا معهم في هذا الأمر الأمير زين الدين علي بن نجا الواعظ، المعروف ~~بابن نجية، ورتبوا الخليفة والوزير والحاجب والداعي والقاضي، إلا أن بني ~~رزيك قالوا: يكون الوزير منا؛ وبني شاور قالوا: يكون الوزير منا؛ فلما علم ~~ابن نجا الحال حضر عند صلاح الدين، وأعلمه حقيقة الأمر، فأمر بملازمتهم، ~~ومخالطتهم، ومواطأتهم على ما يريدون ان يفعلوه، وتعريفه ما يتجدد أولا ~~بأول، ففعل ذلك وصار يطالعه بكل ما عزموا عليه. ثم وصل رسول من ملك الفرنج ~~بالساحل الشامي إلى صلاح الدين بهدية ورسالة، وهو في الظاهر إليه، والباطن ~~إلى أولئك الجماعة، وكان يرسل إليهم بعض النصارى وتأتيه رسلهم، فأتى الخبر ~~إلى صلاح الدين من بلاد الفرنج بجلية الحال، فوضع صلاح الدين على الرسول ~~بعض من يثق به من النصارى، وداخله، فأخبره الرسول بالخبر على حقيقته، فقبض ~~حينئذ على المقدمين في هذه الحادثة منهم: عمارة وعبد الصمد والعويرس وغيرهم ~~وصلبهم. وقيل في كشف أمرهم إن عبد الصمد المذكور كان إذا لقي القاضي الفاضل ~~الكاتب الصلاحي يخدمه ويتقرب إليه بجهده وطاقته، فلقيه يوما، فلم يلتفت ~~إليه، فقال القاضي الفاضل: ما هذا إلا لسبب. وخاف أن يكون قد صار له باطن ~~من صلاح الدين، فأحضر علي بن نجا الواعظ وأخبره الحال، وقال: أريد أن تكشف ~~لي الأمر؛ فسعى في كشفه فلم ير لم من جانب صلاح الدين شيئا، فعدل إلى ~~الجانب الآخر، فكشف الحال، وحضر عند القاضي العادل وأعلمه، فقال: تحضر ~~الساعة عند صلاح الدين وتنهي الحال إليه، فحضر عند صلاح الدين وهو في ~~الجامع، فذكر له الحال، فقام وأخذ الجماعة وقررهم، فأقروا، فأمر بصلبهم. ~~وكان عمارة بينه وبين الفاضل عداوة من أيام العاضد وقبلها، فلما أراد صلبه ~~قام القاضي الفاضل ms4134 وخاطب صلاح الدين في إطلاقه، وظن عمارة أنه يحرض على ~~هلاكه، فقال لصلاح الدين: يامولانا لا تسمع منه في حقي، فغضب الفاضل وخرج، ~~وقال صلاح الدين لعمارة: إنه كان يشفع فيك؛ فندم، ثم أخرج عمارة ليصلب، ~~فطلب أن يمر به على مجلس الفاضل، فاجتازوا به عليه، فأغلق بابه ولم يجتمع ~~به، فقال عمارة: عبد الرحيم قد احتجب ... إن الخلاص هو العجب ثم صلب هو ~~والجماعة، ونودي في أجناد المصريين بالرحيل من ديار مصر ومفارقتها إلى ~~أقاصي الصعيد، واحتيط على من بالقصر من سلالة العاضد وغيره من أهله. وأما ~~الذين نافقوا على صلاح الدين من جنده فلم يعرض لهم، ولا أعلمهم انه علم ~~بحالهم، وأما الفرنج، فإن فرنج صقلية قصدوا الإسكندرية على ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى، لأنهم لم يتصل بهم ظهور الخبر عند صلاح الدين؛ وأما فرنج الشام ~~فإنهم لم يتحركوا لعلمهم بحقيقة الحال. وكان عمارة شاعرا مفلقا، فمن شعره: ~~لو أن قلبي يوم كاظمة معي ... لملكته وكظمت فيض الأدمع قلب كفاك من الصبابة ~~أنه ... لبى نداء الظاعنين وما دعي ما القلب أول غادر فألومه ... هي شيمة ~~الأيام مذ خلقت معي ومن الظنون الفاسدات توهمي ... بعد اليقين بقاءه في ~~أضلعي وله أيضا: لي في هوى الرشا العذري إعذار ... لم يبق لي مذ أقر الدمع ~~إنكار لي في القدود وفي لثم الخدود وفي ... ضم النهود لبانات وأوطار هذا ~~اختياري فوافق إن رضيت به ... أو لا فدعني وما أهوى وأختار وله ديوان شعر ~~مشهور في غاية الحسن والرقة والملاحة. ### || AUT ذكر وفاة نور الدين محمود بن زنكي # في هذه السنة توفي نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر، صاحب الشام وديار ~~الجزيرة ومصر، يوم الأربعاء حادي عشر شوال، بعلة الخوانيق، ودفن بقلعة ~~دمشق، ونقل منها إلى المدرسة التي أنشأها بدمشق، عند سوق الخواصين. ومن ~~عجيب الاتفاق أنه ركب ثاني شوال وإلى جانبه بعض الأمراء الأخيار، فقال له ~~الأمير: سبحان من يعلم هل نجتمع هنا في العام المقبل أم لا؟ فقال نور ms4135 ~~الدين: لا تقل هكذا، بل سبحان من يعلم هل نجتمع بعد شهر أم لا؟ فمات نور ~~الدين رحمه الله، بعد أحد عشر يوما، ومات الأمير قبل الحول، فأخذ كل منهما ~~بما قاله. PageV05P0124 # وكان قد شرع يتجهز للدخول إلى مصر لأخذها من صلاح الدين يوسف ابن أيوب، ~~فإنه رأى منه فتورا في غزو الفرنج من ناحيته، وكان يعلم انه إنما يمنع صلاح ~~الدين من الغزو الخوف منه ومن الاجتماع به، فإنه يؤثر كون الفرنج في الطريق ~~ليمتنع بهم عن نور الدين، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر يطلب ~~العساكر للغزاة، وكان عزمه أن يتركها مع ابن أخيه سيف الدين غازي، صاحب ~~الموصل بالشام، ويسير هو بعساكره إلى مصر، فبينما هو يتجهز لذلك أتاه أمر ~~الله الذي لا مرد له. حكى لي طبيب يعرف بالطبيب الرحبي وهو كان يخدم نور ~~الدين، وهو من حذاق الأطباء، قال: استدعاني نور الدين في مرضه الذي توفي ~~فيه مع غيري من الأطباء، فدخلنا إليه وهو في بيت صغير في قلعة دمشق، وقد ~~تمكنت الخوانيق منه، وقارب الهلاك، فلا يكاد يسمع صوته؛ وكان يخلو فيه ~~للتعبد، فابتدأ به المرض، فلم ينتقل عنه، فلما دخلنا ورأيت ما به قلت له: ~~كان ينبغي أن لا تؤخر إحضارنا إلى أن يشتد بك المرض الآن، وينبغي أن تعجل ~~الانتقال من هذا المكان إلى مكان فسيح مضيء، فله اثر في هذا المرض. وشرعنا ~~في علاجه، وأشرنا بالفصد، فقال: ابن ستين لا يفتصد، وامتنع به، فعالجناه ~~بغيره، فلم ينجع فيه الدواء، وعظم الداء، ومات، رحمه الله ورضي عنه. وكان ~~أسمر، طويل القامة، ليس له لحية إلا في حنكه، وكان واسع الجبهة، حسن ~~الصورة، حلو العينين، وكان قد اتسع ملكه جدا، وخطب له بالحرمين الشريفين، ~~وباليمن، لما دخلها شمس الدولة بن أيوب وملكها، وكان مولده سنة إحدى عشرة ~~وخمسمائة، وطبق ذكره الأرض بحسن سيرته وعدله. وقد طالعت سير الملوك ~~المتقدمين، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من ~~سيرته، ms4136 ولا أكثر تحريا للعدل منه. وقد أتينا على كثير من ذلك في كتاب ~~الباهر من أخبار دولتهم، ولنذكر هاهنا نبذة مختصرة لعل يقف عليها من له حكم ~~فيقتدي به؛ فمن ذلك زهده وعبادته وعلمه، فإنه كان لا يأكل ولا يلبس ولا ~~يتصرف في الذي يخصه إلا من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة ومن ~~الأموال المرصدة لمصالح المسلمين، ولقد شكت إليه زوجته من الضائقة، فأعطاها ~~ثلاث دكاكين في حمص كانت له، منها يحصل له في السنة نحو عشرين دينارا، فلما ~~استقلتها قال: ليس لي إلا هذا، وجميع ما يدي أنا خازن فيه للمسلمين لا ~~أخونهم فيه، ولا أخوض نار جهنم لأجلك. وكان يصلي كثيرا بالليل، وله فيه ~~أوراد حسنة، وكان كما قيل: جمع الشجاعة والخشوع لربه ... ما أحسن المحراب ~~في المحراب وكان عارفا بالفقه على مذهب أبي حنيفة، ليس عنده فيه تعصب، وسمع ~~الحديث، واسمعه طلبا للأجر. وأما عدله، فإنه لم يترك في بلاده ، على سعتها، ~~وكسا ولا عشرا بل أطلقها جميعها في مصر والشام والجزيرة والموصل، وكان يعظم ~~الشريعة، ويقف عند أحكامها؛ وأحضره إنسان إلى مجلس الحكم، فمضى معه إليه، ~~وأرسل إلى القاضي كمال الدين الشهرزوري يقول: قد جئت محاكما، فاسلك معي ما ~~تسلك مع الخصوم؛ وظهر الحق له، فوهبه الخصم الذي أحضره، وقال: أردت أن أترك ~~له ما يدعيه، وإنما خفت أن يكون الباعث لي على ذلك الكبر والأنفة من الحضور ~~إلى مجلس الشريعة، فحضرت، ثم وهبته ما يدعيه. وبنى دار العدل في بلاده، ~~وكان يجلس هو والقاضي بها ينصف المظلوم، ولو أنه يهودي، من الظالم ولو أنه ~~ولده أم أكبر أمير عنده. وأما شجاعته فإليها النهاية، وكان في الحرب يأخذ ~~قوسين وتركشين ليقاتل بها، فقال له القطب النشاوي الفقيه: بالله عليك لا ~~تخاطر بنفسك وبالإسلام والمسلمين، فإن أصبت في معركة لا يبقى من المسلمين ~~أحد إلا أخذه السيف. فقال له نور الدين: ومن محمود حتى يقال له ذلك؟ من ~~قبلي من حفظ البلاد والإسلام؟ ms4137 ذلك الله الذي لا إله إلا هو. PageV05P0125 # وأما فعله الصالح، فإنه بنى أسوار مدن الشام جميعها وقلاعها، فمنها دمشق ~~وحمص وحماة وحلب وشيزر وبعلبك وغيرها، وبنى المدارس الكثيرة للحنفية ~~والشافعية، وبنى الجامع النوري بالموصل، وبنى البيمارستانات والخانات في ~~الطرق، وبنى الخانكاهات للصوفية في جميع البلاد، ووقف على الجميع الوقوف ~~الكثيرة. سمعت أن حاصل وقفه كل شهر تسعة آلاف دينار صوري. وكان يكرم ~~العلماء وأهل الدين ويعظمهم ويعطيهم ويقوم إليهم ويجلسهم معه، وينبسط معهم، ~~ولا يرد لهم قولا، ويكاتبهم بخط يده؛ وكان وقورا مهيبا مع تواضعه، وبالجملة ~~فحسناته كثيرة ومناقبه غزيرة لا يحتملها هذا الكتاب. ### || AUT ذكر ملك ولده الملك الصالح # لما توفي نور الدين قام ابنه الملك الصالح إسماعيل بالملك بعده، وكان ~~عمره إحدى عشرة سنة، وحلف له الأمراء والمقدمون بدمشق، وأقام بها، وأطاعه ~~الناس بالشام وصلاح الدين بمصر، وخطب له بها، وضرب السكة باسمه، وتولى ~~تربيته الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدم، وصار مدبر ~~دولته؛ فقال له كمال الدين بن الشهرزوري ولمن معه من الأمراء: قد علمتم أن ~~صلاح الدين صاحب مصر هو من مماليك نور الدين ونوابه أصحاب نور الدين، ~~والمصلحة أن نشاوره في الذي نفعله، ولا نخرجه من بيننا فيخرج عن طاعتنا، ~~ويجعل ذلك حجة علينا، وهو أقوى منا، لأنه قد انفرد اليوم بملك مصر؛ فلم ~~يوافق هذا القول أغراضهم، وخافوا أن يدخل صلاح الدين ويخرجهم، فلم يمض غير ~~قليل حتى وردت كتب صلاح الدين إلى الملك الصالح يعزيه ويهنئه بالملك، وأرسل ~~دنانير مصرية عليها اسمه ويعرفه أن الخطبة والطاعة له كما كانت لأبيه. فلما ~~سار سيف الدين غازي، صاحب الموصل، وملك البلاد الجزرية، على ما نذكرهن أرسل ~~صلاح الدين أيضا إلى الملك الصالح يعتبه حيث لم يعلمه قصد سيف الدولة بلاده ~~وأخذها، ليحضر في خدمته ويكف سيف الدين، وكتب إلى كمال الدين والأمراء ~~يقول: لو أن نور الدين يعلم أن فيكم من يقوم مقامي ن أو يثق به مثل ثقته بي ~~لسلم ms4138 إليه مصر التي هي اعظم ممالكه وولاياته، ولو لم يعجل عليه الموت لم ~~يعهد إلى أحد بتربية ولده والقيام بخدمته غيري، وأراكم قد تفردتم بمولاي ~~وابن مولاي دوني، وسوف أصل إلى خدمته، وأجازي إنعام والده بخدمة يظهر ~~أثرها، وأجازي كلا منكم على سوء صنيعه في ترك الذب عن بلاده. وتمسك ابن ~~المقدم وجماعة من الأمراء بالملك الصالح، ولم يرسلوه إلى حلب، خوفا أن ~~يغلبهم عليه شمس الدين علي بن الداية، فإنه كان أكبر الأمراء النورية، ~~وإنما منعه من الاتصال به والقيام على خدمته مرض لحق به، وكان هو وأخوته ~~بحلب، وأمرها إليهم، وعساكرها معهم في حياة نور الدين وبعده، ولما عجز عن ~~الحركة أرسل إلى الملك الصالح يدعوه إلى حلب ليمنع به البلاد الجزرية من ~~سيف الدين ابن عمه قطب الدين، فلم يمكنه الأمراء الذين معه من الانتقال إلى ~~حلب لما ذكرناه. ### || AUT ذكر ملك سيف الدين البلاد الجزرية # كان نور الدين قبل أن يمرض قد أرسل إلى البلاد الشرقية، الموصل وديار ~~الجزيرة وغيرها، يستدعي العساكر منها للغزاة، والمراد غيرها، وقد تقدم ~~ذكره، فسار سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن زنكي، صاحب الموصل، في ~~عساكره، وعلى مقدمته الخادم سعد الدين كمشتكين الذي كان قد جعله نور الدين ~~بقلعة الموصل مع سيف الدين، فلما كانوا ببعض الطريق وصلت الأخبار بوفاة نور ~~الدين، فأما سعد الدين فإنه كان في المقدمة، فهرب جريدة. وأما سيف الدين ~~فأخذ كل ما كان له من برك وغيره، وعاد إلى نصيبين فملكها، وأرسل الشحن إلى ~~الخابور فاستولوا عليه، وأقطعه، وسار هو إلى حران فحصرها عدة أيام، وبها ~~مملوك لنور الدين يقال له قايماز الحراني، فامتنع بها، وأطاع بعد ذلك على ~~أن تكون حران له، ونزل إلى خدمة سيف الدين، فقبض عليه وأخذ حران منه، وسار ~~إلى الرها فحصرها وملكها، وكان بها خادم خصي أسود لنور الدين فسلمها وطلب ~~عوضا عنها قلعة الزعفران من أعمال جزيرة ابن عمر، فأعطيها، ثم أخذت منه، ثم ~~صار إلى أن ms4139 يستعطي ما يقوته. وسير سيف الدين إلى الرقة فملكها، وكذلك سروج، ~~واستكمل ملك جميع بلاد الجزيرة سوى قلعة جعبر، فإنها كانت منيعة، وسوى رأس ~~عين، فإنها كانت لقطب الدين، صاحب ماردين، وهو ابن خال سيف الدين، فلم ~~يتعرض إليها. PageV05P0126 # وكان شمس الدين علي بن الداية، وهو أكبر الأمراء النورية، بحلب مع ~~عساكرها، فلم يقدر على العبور إلى سيف الدين ليمنعه من أخذ البلاد، لفالج ~~كان به، فأرسل إلى دمشق يطلب الملك الصالح، فلم يرسل إليه، لما ذكرناه؛ ~~ولما ملك سيف الدين الديار الجزرية قال له فخر الدين عبد المسيح، وكان قد ~~وصل إليه من سيواس بعد موت نور الدين ، وهو الذي أقر له الملك بعد أبيه قطب ~~الدين، فظن أن سيف الدين يرعى له ذلكن فلم يجن ثمرة ما غرس، وكان عنده كبعض ~~الأمراء، قال له: الرأي أن تعبر إلى الشام فليس به مانع؛ فقال له أكبر ~~أمراءه، وهو أمير يقال له عز الدين محمود المعروف بزلفندار: قد ملكت أكثر ~~ما كان لأبيك، والمصلحة أن تعود؛ فرجع إلى قوله، وعاد إلى الموصل ليقضي ~~الله مرا كان مفعولا. ### || AUT ذكر حصر الفرنج بانياس وعودهم عنها # لما مات نور الدين محمود ، صاحب الشام، اجتمعت الفرنج وساروا إلى قلعة ~~بانياس من أعمال دمشق فحصروها، فجمع شمس الدين محمد بن المقدم العسكر عنده ~~بدمشق، فخرج عنها، فراسلهم، ولاطفهم، ثم أغلظ لهم بالقول، وقال لهم: إن ~~أنتم صالحتمونا وعدتم عن بانياس، فنحن على ما كنا عليه، وإلا فنرسل إلى سيف ~~الدين، صاحب الموصل، ونصالحه، ونستنجده، ونرسل إلى صلاح الدين بمصر ~~فنستنجده، ونقصد بلادكم من جهاتها كلها، ولا تقومون لنا. وأنتم تعلمون أن ~~صلاح الدين كان يخاف أن يجتمع بنور الدين، والآن قد زال ذلك الخوف، وإذا ~~طلبناه إلى بلادكم فلا يمتنع. فعلموا صدقه، فصالحوه على شيء من المال أخذوه ~~وأسرى أطلقوا كانوا عند المسلمين وتقررت الهدنة. فلما سمع صلاح الدين بذلك ~~أنكره واستعظمه، وكتب إلى الملك الصالح والأمراء الذين معه يقح لهم ما ~~فعلوه ويبذل ms4140 من نفسه قصد بلاد الفرنج ومقارعتهم وإزعاجهم عن قصد شيء من ~~بلاد الملك الصالح؛ وكان قصده أن يصير له طريق إلى بلاد الشام ليتملك ~~البلاد، والأمراء الشاميون إنما صالحوا الفرنج خوفا منه ومن سيف الدين ~~غازين صاحب الموصل، فإنه كان قد أخذ البلاد الجزرية، وخافوا منه أن يعبر ~~إلى الشام، فرأوا صلح الفرنج أصلح من أن يجيء هذا من الغرب وهذا من الشرق، ~~وهم مشغولون عن ردهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في المحرم، وقع الحريق ببغداد فاحترق أكثر الظفرية ومواضع ~~غيرها، ودام الحريق إلى بكرة وطفئت النار. وفيها، في شعبان، بنى ابن سنكا، ~~وهو ابن أخي شملة، صاحب خوزستان، قلعة بالقرب من الماهكي ليتقوى بها على ~~الاستيلاء على تلك الأعمال، فسير إليه الخليفة العساكر من بغداد لمنعه، ~~فالتقوا وحمل بنفسه على الميمنة فهزمها، واقتتل الناس قتالا عظيما، وأسر ~~ابن أخي شملة، وحمل رأسه إلى بغداد، فعلق بباب النوبي، وهدمت القلعة. ~~وفيها، في رمضان، توالت الأمطار في ديار بكر والجزيرة والموصل، فدامت ~~أربعين يوما ما رأينا الشمس فيها غير مرتين، كل مرة مقدار لحظة، وخربت ~~المساكن وغيرها، وكثر الهدم، ومات تحته كثير من الناس، وزادت دجلة زيادة ~~عظيمة، وكان أكثرها ببغداد، فإنها زادت على كل زيادة تقدمت منذ بنيت بغداد ~~بذراع وكسر، وخاف الناس الغرق، وفارقوا البلد، وأقاموا على شاطئ دجلة خوفا ~~من انفتاح القورج وغيره، وكانوا كلما انفتح موضع بادروا بسده، ونبع الماء ~~في البلاليع، وخرب كثيرا من الدور، ودخل الماء إلى البيمارستان العضدي، ~~ودخلت السفن من الشبابيك التي له، فإنها كانت قد تقلعت، فمن الله على الناس ~~بنقص الماء بعد أن أشرفوا على الغرق. وفيها في جمادى الأولى، كانت الفتنة ~~ببغداد بين قطب الدين قايماز والخليفة، وسببها أن الخليفة أمر بإعادة عضد ~~الدين بن رئيس الرؤساء إلى الوزارة، فمنع منه قطب الدين، وأغلق باب النوبي ~~وباب العامة، وبقيت دار الخليفة كالمحاصرة، فأجاب الخليفة إلى ترك وزارته، ~~فقال قطب الدين: لا أقنع إلا بإخراج عضد الدين من ms4141 بغداد؛ فأمر بالخروج ~~منها، فالتجأ إلى صدر الدين شيخ الشيوخ عبد الرحيم بن إسماعيل، فأخذه إلى ~~رباطه وأجاره، ونقله إلى دار الوزير بقطفتا، فأقام بها، ثم عاد إلى بيته في ~~جمادى الآخرة. PageV05P0127 # وفيها سقط الأمير أبو العباس أحمد بن الخليفة، وهو الذي صر خليفة، من قبة ~~عالية إلى ارض التاج ومعه غلام له اسمه نجاح، فألقى نفسه بعده، وسلم ابن ~~الخليفة ونجاح، فقيل لنجاح: لم ألقيت نفسك؟ فقال: ما كنت أريد البقاء بعد ~~مولاي؛ فرعى له الأمير أبو العباس ذلك؛ فلما صار خليفة جعله شرابيا، وصارت ~~الدولة جميعها بحكمه، ولقبه الملك الرحيم عز الدين، وبالغ في الإحسان إليه ~~والتقديم له، وخدمه جميع الأمراء بالعراق والوزراء وغيرهم. وفيها، في ~~رمضان، وقع ببغداد برد كبار ما رأى الناس مثله، فهدم الدور، وقتل جماعة من ~~الناس وكثيرا من المواشي، فوزنت بردة منها فكانت سبعة أرطال، وكان عامته ~~كالنارنج يكسر الأغصان. هكذا ذكره أبو الفرج بن الجوزي في تاريخه، والعهدة ~~عليه. وفيها كانت وقعة عظيمة بين المؤيد، ن صاحب نيسابور، وبين شاه ~~مازندران، قتل فيها كثير من الطائفتين، فانهزم شاه مازندران، ودخل المؤيد ~~بلد الديلم وخربه وفتك بأهله وعاد عنه. وفيها وقعت وقعة كبيرة بين أهل باب ~~البصرة وأهل باب الكرخ، وسببها أن الماء لما زاد سكر أهل الكرخ سكرا رد ~~الماء عنهم، فغرق مسجد فيه شجرة، فانقلعت، فصاح أهل الكرخ انقلعت الشجرة، ~~لعن الله العشرة! فقامت الفتنة، فتقدم الخليفة إلى علاء الدين تنامش بكفهم، ~~فمال على أهل باب البصرة لأنه كان شيعيا، وأراد خول المحلة، فمنعه أهلها، ~~وأغلقوا الأبواب ووقفوا على السور؛ وأراد إحراق الأبواب، فبلغ ذلك الخليفة ~~فأنكره أشد إنكار، وأمر بإعادة تنامش، فعاد، ودامت الفتنة أسبوعا، ثم انفصل ~~الحال من غير توسط سلطان. وفيها عبر الروم خليج القسطنطينية وقصد بلاد قلج ~~ارسلان، فجرى بينهما حرب استظهر فيها المسلمون، فلما رأى ملك الروم عجزه ~~عاد إلى بلاده، وقد قتل من عسكره جماعة كثيرة. وفيها في جمادى الأولى، مات ~~أحمد بن علي بن ms4142 المعمر بن محمد بن عبد الله أبو عبد الله العلوي الحسيني ~~نقيب العلويين ببغداد. وفيها توفي الحافظ أبو العلاء الحسن بن احمد بن ~~الحسن بن أحمد بن محمد العطار الهمذاني، سافر الكثير في طلب الحديث وقراءة ~~القرآن واللغة، وكان من أعيان المحدثين في زمانه، وكان له قبول عظيم ببلده ~~عند العامة والخاصة. وفيها توفي أبو محمد سعيد بن المبارك المعروف بابن ~~الدهان النحوي البغدادي بالموصل، وكان إماما في النحو، له التصانيف ~~المشهورة منها الغرة وغيرها. ### | AUT ثم دخلت سنة سبعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر وصول أسطول صقلية إلى الإسكندرية # ### || AUT وانهزامه عنها # في هذه السنة، في المحرم، ظفر أهل الإسكندرية وعسكر مصر بأسطول الفرنج ~~من صقلية، وكان سبب ذلك ما ذكرناه من إرسال أهل مصر إلى ملك الفرنج بساحل ~~الشام، وإلى صاحب صقلية، ليقصدوا ديار مصر ليثوروا بصلاح الدين ويخرجوه من ~~مصر، فجهز صاحب صقلية أسطولا كثيرا، عدته مائتا شيني تحمل الرجالة، وست ~~وثلاثون طريدة تحمل الخيل، وستة مراكب تحمل آلة الحرب، وأربعون مركبا تحمل ~~الأزواد، وفيها من الراجل خمسون ألفا، ومن الفرسان ألف وخمسمائة، منها ~~خمسمائة تركبلي. PageV05P0128 # وكان المقدم عليهم ابن عم صاحب صقلية، وسيره إلى الإسكندرية من ديار مصر، ~~فوصلوا إليها في التاسع والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وستين، على حين غفلة ~~من أهلها وطمأنينة، فخرج أهل الإسكندرية بعدتهم وسلاحهم ليمنعوهم من ~~النزول، وابعدوا عن البلد، فمنعهم الوالي من ذلك، وأمرهم بملازمة السور، ~~ونزل الفرنج إلى البر مما يلي البحر والمنارة وتقدموا إلى المدينة ونصبوا ~~عليها الدبابات والمجانيق وقاتلوا أشد قتال، وصبر لهم أهل البلد، ولم يكن ~~عندهم من العسكر إلا القليل، ورأى الفرنج من شجاعة أهل الإسكندرية وحسن ~~سلاحهم ما راعهم وسيرت الكتب بالحال إلى صلاح الدين يستدعونه لدفع العدو ~~عنهم، ودام القتال أول يوم إلى آخر النهار، ثم عاود الفرنج القتال في اليوم ~~الثاني، وجدوا، ولازموا الزحف، حتى وصلت الدبابات إلى قرب السور، ووصل ذلك ~~اليوم من العساكر الإسلامية كل من كان له في أقطاعة، وهو ms4143 قريب من ~~الإسكندرية، فقويت بهم نفوس أهلها، وأحسنوا القتال والصبر، فلما كان اليوم ~~الثالث فتح المسلمون باب البلد وخرجوا منه على الفرنج من كل جانب، وهم ~~غارون، وكثر الصياح من كل الجهات، فارتاع الفرنج واشتد القتال، فوصل ~~المسلمون إلى الدبابات فأحرقوها، وصبروا للقتال فأنزل الله نصره عليهم، ~~وظهرت أماراته، ولم يزالوا مباشرين القتال حتى أخر النهار، ودخل أهل البلد ~~إليه وهم فرحون مستبشرون بما رأوا من تباشير الظفر وقوتهم، وفشل الفرنج ~~وفتور حربهم، وكثرة القتل والجراح في رجالاتهم. وأما صلاح الدين فإنه لما ~~وصله الخبر سار بعساكره، وسير مملوكا له ومعه ثلاث جنائب ليجد السير عليها ~~إلى الإسكندرية يبشر بوصوله، وسير طائفة من العسكر إلى دمياط خوفا عليها، ~~واحتياطا لها، فسار ذلك المملوك، فوصل الإسكندرية من يومه وقت العصر، ~~والناس قد رجعوا من القتال، فنادى في البلد بمجيء صلاح الدين والعساكر ~~مسرعين، فلما سمع الناس ذلك عادوا إلى القتال، و قد زال ما بهم من تعب وألم ~~الجراح، وكل منهم يظن ان صلاح الدين معه، فهو يقاتل قتال من يريد أن يشاهد ~~قتاله. وسمع الفرنج بقرب صلاح الدين في عساكره، فسقط في أيديهم، وازدادوا ~~تعبا وفتورا، فهاجمهم المسلمون عند اختلاط الظلام، ووصلوا إلى خيامهم ~~فغنموها بما فيها من الأسلحة الكثيرة والتحملات العظيمة، وكثر القتل في ~~رجالة الفرنج، فهرب كثير منهم إلى البحر، وقربوا شوانيهم إلى إلى الساحل ~~ليركبوا فيها، فسلم بعضهم وركب، وغرق بعضهم، وغاص بعض المسلمين بالماء وخرق ~~بعض شواني الفرنج فغرقت، فخاف الباقون من ذلك، فولوا هاربين، واحتمى ~~ثلاثمائة من فرسان الفرنج على رأس تل، فقاتلهم المسلمون إلى بكرة، ودام ~~القتال إلى أن أضحى النهار، فغلبهم أهل البلد وقهروهم فصاروا بين قتيل ~~وأسير، كفى الله المسلمين شرهم وحاق بالكافرين مكرهم. ### || AUT ذكر خلاف الكنز بصعيد مصر # في أول هذه السنة خالف الكنز بصعيد مصر، واجتمع إليه من رعية البلاد ~~والسودان والعرب وغيرهم خلق كثير، وكان هناك أمير من الصلاحية في أقطاعه، ~~وهو أخو الأمير أبو الهيجاء السمين، فقتله ms4144 الكنز، فعظم قتله على أخيه، وهو ~~من أكبر الأمراء وأشجعهم، فسار إلى قتال الكنز، وسير معه صلاح الدين جماعة ~~من الأمراء، وكثيرا من العسكر، ووصلوا إلى مدينة طود، فاحتمت عليهم، ~~فقاتلوا من بها، وظفروا بهم، وقتلوا منهم كثيرا، وذلوا بعد العز وقهروا ~~واستكانوا. ثم سار العسكر بعد فراغهم من طود إلى الكنز، وهو في طغيانه ~~يعمه، فقاتلوه، فقتل هو ومن معه من الأعراب وغيرهم، وأمنت بعده البلاد ~~واطمأن أهلها. ### || AUT ذكر ملك صلاح الدين دمشق # PageV05P0129 # في هذه السنة، سلخ ربيع الأول، ملك صلاح الدين يوسف بن أيوب مدينة دمشق. ~~وسبب ذلك أن نور الدين لما مات وملك ابنه الملك الصالح بعده كان بدمشق، كان ~~سعد الدين كمشتكين قد هرب من سيف الدين غازي إلى حلب، كما ذكرناه، فأقام ~~بها عند شمس الدين بن الداية، فلما استولى سيف الدين على البلاد الجزرية ~~خاف ابن الداية أن يغير إلى حلب فيملكها، فأرسل سعد الدين إلى دمشق ليحضر ~~الملك الصالح ومعه العساكر إلى حلب، فلما قارب دمشق سير إليه شمس الدين ~~محمد بن المقدم عسكرا فنهبوه، وعاد منهزما إلى حلب، فأخلف عليه ابن الداية ~~عوض ما أخذ منه، ثم إن الأمراء الذين بدمشق نظروا في المصلحة، فعلموا أن ~~مسيره إلى حلب أصلح للدولة من مقامه بدمشق، فأرسلوا إلى ابن الدية يطلبون ~~إرسال سعد الدين ليأخذ الملك الصالح، فجهزه وسيره وعلى نفسها براقش تجني، ~~فسار إلى دمشق في المحرم من هذه السنة، واخذ الملك الصالح وعاد إلى حلب، ~~فلما وصلوا إليها قبض سعد الدين على شمس الدين بن الداية وأخوته، وعلى ابن ~~الخشاب رئيس حلب ومقدم الأحداث فيها، ولولا مرض شمس الدين بن الداية لم ~~يتمكن من ذلك. واستبد سعد الدين بتدبير الملك الصالح، فخافه ابن المقدم ~~وغيره من الأمراء الذين بدمشق وقالوا: إذا استقر أمر حلب أخذ الملك الصالح ~~وسار به إلينا، وفعل مثل ما فعل بحلب؛ وكاتبوا سيف الدين غازي صاحب الموصل ~~ليعبر الفرات إليهم ليسلموا إليه دمشق فيمنع عنها ويقصده ابن ms4145 عمه وعسكر حلب ~~من وراء ظهره فيهلك. وأشار عليه بهذا زلفندار عز الدين، والجبان يقدر ~~البعيد من الشر قريبا، ويرى الجبن حزما كما قال: يرى الجبناء أن الجبن حزم ~~... وتلك طبيعة الرجل الجبان فلما أشار عيه بهذا الرأي زلفندار قبله وامتنع ~~عن قصد دمشق، وراسل سعد الدين الملك الصالح وصالحهما على ما أخذه من ~~البلاد، فلما امتنع عن العبور إلى دمشق عظم خوفهم، وقالوا: حيث صالحهم سيف ~~الدين لم يبق لهم مانع عن المسير إلينا؛ فكاتبوا حينئذ صلاح الدين يوسف بن ~~أيوب، صاحب مصر، واستدعوه ليملكوه عليهم، وكان كبيرهم في ذلك شمس الدين بن ~~المقدم، ومن أشبه أباه فما ظلم، وقد ذكرنا مخامرة أبيه في تسليم سنجار سنة ~~أربع وأربعين وخمسمائة. فلما وصلت الرسل إلى صلاح الدين بذلك لم يلبث، وسار ~~جريدة في سبع مائة فارس والفرنج في طريقه، فلم يبال بهم، فلما وطئ ارض ~~الشام قصد بصرى، وكان بها حينئذ صاحبها وهو من جملة من كاتبه، فخرج ولقيه، ~~فلما رأى قلة من معه خاف على نفسه، واجتمع بالقاضي الفاضل وقال: ما أرى ~~معكم عسكرا، وهذا بلد عظيم لا يقصد بمثل هذا العسكر ولو منعكم من به ساعة ~~من النهار أخذكم أهل السواد، فإن كان معكم مال سهل الأمر. فقال معنا مال ~~كثير يكون خمسين ألف دينار؛ فضرب صاحب بصرى على رأسه وقال: هلكتم ~~وأهلكتمونا؛ وجميع ما كان معهم عشرة آلاف دينار. ثم سار صلاح الدين إلى ~~دمشق فخرج كل من بها من العسكر إليه، فلقوه وخدموه، ودخل البلد، ونزل في ~~دار والده المعروفة بدار العقيقي، وكانت القلعة بيد خادم اسمه ريحان، فأحضر ~~صلاح الدين كمال الدين بن الشهرزوري وهو قاضي البلد والحاكم في جميع أموره ~~من الديوان والوقف وغير ذلك، وأرسله إلى ريحان ليسلم القلعة إليه، وقال: ~~أنا مملوك الملك الصالح، وما جئت إلا لأنصره وأخدمه، وأعيد البلاد التي ~~أخذت منه إليه؛ وكان يخطب له في بلاده كلها، فصعد كمال الدين إلى ريحان، ~~ولم يزل معه حتى سلم القلعة، ms4146 فصعد صلاح الدين غليها، وأخذ ما فيها من ~~الأموال، وأخرجها واتسع بها وثبت قدمه، وقويت نفسه، وهو مع هذا يظهر الطاعة ~~للملك الصالح، ويخاطبه بالمملوك، والخطبة والسكة باسمه. ### || AUT ذكر ملك صلاح الدين مدينتي حمص وحماة # PageV05P0130 # لما استقر ملك صلاح الدين لدمشق، وقرر أمرها، استخلف بها أخاه سيف ~~الإسلام طغدكين بن أيوب، وسار إلى مدينة حمص مستهل جمادى الأولى، وكانت حمص ~~وحماة وقلعة بعين وسلمية وتل خالد والرها من بلد الجزيرة في أقطاع الأمير ~~فخر الدين مسعود الزعفراني، فلما مات نور الدين لم يمكنه المقام بها لسوء ~~سيرته في أهلها، ولم يكن له في قلاع هذه البلاد حكم إنما فيها ولاة لنور ~~الدين. وكان بقلعة حمص وال يحفظها، فلما نزل صلاح الدين على حمص، حادي عشر ~~الشهر المذكور، راسل من فيها بالتسليم، فامتنعوا، فقاتلهم من الغد، فملك ~~البلد وأمن أهله، وامتنعت عليه القلعة وبقيت ممتنعة إلى أن عاد من حلب، على ~~ما نذكره إن شاء الله، وترك بمدينة حمص من يحفظها، ويمنع من بالقلعة من ~~التصرف، وأن تصعد إليهم ميرة. وسار إلى مدينة حماة، وهو في جميع أحواله لا ~~يظهر إلا طاعة الملك الصالح بن نور الدين، وانه إنما خرج لحفظ بلاده عليه ~~من الفرنج، واستعادة ما أخذه سيف الدين صاحب الموصل من البلاد الجزرية، ~~فلما وصل إلى حماة ملك المدينة مستهل جمادى الآخرة، وكان بقلعتها الأمير عز ~~الدين جورديك، وهو من المماليك النورية، فامتنع من التسليم إلى صلاح الدين، ~~فأرسل إليه صلاح الدين ما يعرفه ما هو عليه من طاعة الملك الصالح، وإنما ~~يريد حفظ بلاده عليه، فاستحلفه جورديك على ذلك فحلف له وسيره إلى حلب في ~~اجتماع الكلمة على طاعة الملك الصالح، وفي إطلاق شمس الدين علي وحسن وعثمان ~~أولاد الداية من السجن، فسار جورديك إلى حلب، واستخلف بقلعة حماة أخاه ~~ليحفظها، فلما وصل جورديك إلى حلب قبض عليه كمشتكين وسجنه، فلما علم أخوه ~~بذلك سلم القلعة إلى صلاح الدين فملكها. ### || AUT ذكر حصر صلاح الدين حلب وعوده ms4147 عنها # ### || AUT وملكه قلعة حمص وبعلبك # لما ملك صلاح الدين حماة سار إلى حلب فحصرها ثالث جمادى الآخرة، فقاتله ~~أهلها، وركب الملك الصالح، وهو صبي عمره اثنتا عشر سنة، وجمع أهل حلب وقال ~~لهم: قد عرفتم إحسان أبي إليكم ومحبته لكم وسيرته فيكم، وأنا يتيمكم، وقد ~~جاء هذا الظالم الجاحد إحسان والدي إليه يأخذ بلدي ولا يراقب الله تعالى، ~~ولا الخلق، وقال من هذا كثير وبكى فأبكى الناس، فبذلوا له الأموال والأنفس، ~~واتفقوا على القتال دونه، والمنع عن بلده، وجدوا في القتال، وفيهم شجاعة، ~~وقد ألفوا الحرب واعتادوها، حيث كان الفرنج بالقرب نهم، فكانوا يخرجون ~~ويقاتلون صلاح الدين عند جبل حوشن، فلا يقدر على القرب من البلد. وأرسل سعد ~~الدين كمشتكين إلى سنان مقدم الإسماعيلية، وبذل له أموالا كثيرة ليقتلوا ~~صلاح الدين، فأرسلوا جماعة منهم إلى عسكره، فلما وصلوا رآهم أمير اسمه ~~خمارتكين، صاحب قلعة أبي قبيس، فعرفهم لأنه جارهم في البلاد،كثير الاجتماع ~~بهم والقتال لهم، فلما رآهم قال لهم: ما الذي أقدمكم وفي أي شيء جئتم؟ ~~فجرحوه جراحات مثخنة، وحمل أحدهم على صلاح الدين ليقتله، فقتل دونه، وقاتل ~~الباقون من الإسماعيلية، فقتلوا جماعة ثم قتلوا. وبقي صلاح الدين محاصرا ~~لحلب إلى سلخ جمادى الآخرة، ورحل عنها مستهل رجب وسبب رحيله أن القمص ريمند ~~الصنجيلي، صاحب طرابلس، كان قد أسره نور الدين على حارم سنة تسع وخمسين ~~وخمسمائة، وبقي في الحبس إلى هذه السنة، فأطلقه سعد الدين بمائة ألف وخمسين ~~ألف دينار صورية وألف أسير، فلما وصل إلى بلده اجتمع الفرنج عليه يهنئونه ~~بالسلامة، وكان عظيما فيهم من أعيان شياطينهم، فاتفق أن مري ملك الفرنج، ~~لعنه الله، مات أول هذه السنة، وكان أعظم ملوكهم شجاعة وأجودهم رأيا ومكرا ~~ومكيده، فلما توفي خلف ابنا مجذوما عاجزا عن تدبير الملك، فملكه الفرنج ~~صورة لا معنى تحتها، وتولى القمص ريمند تدبير الملك، وإليه الحل والعقد، عن ~~أمره يصدرون، فأرسل إليه من بحلب يطلبون منه أن يقصد بعض البلاد التي بيد ~~صلاح الدين ليرحل ms4148 عنهم، فسار إلى حمص ونازلها سابع رجب، فلما تجهز لقصدها ~~سمع صلاح الدين الخبر فرحل عن حلب، فوصل إلى حماة ثامن رجب، بعد نزول ~~الفرنج على حمص بيوم، ثم رحل إلى الرستن، فلما سمع الفرنج بقربه رحلوا عن ~~حمص، ووصل صلاح الدين إليها، فحصر القلعة إلى أن ملكها في الحادي والعشرين ~~من شعبان من السنة، فصار أكثر الشام بيده. PageV05P0131 # ولما ملك حمص سار منها إلى بعلبك، وبها خادم اسمه يمن، وهو وال عليها من ~~أيام نور الدين، فحصرها صلاح الدين، فأرسل يمن يطلب الأمان له ولمن عنده، ~~فأمنهم صلاح الدين، وسلم القلعة رابع شهر رمضان من السنة المذكورة. ### || AUT ذكر حصر سيف الدين أخاه عماد الدين بسنجار # لما ملك صلاح الدين دمشق وحمص وحماة كتب الملك الصالح إسماعيل ابن نور ~~الدين إلى ابن عمه سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود، يستنجده على صلاح ~~الدين، ويطلب أن يعبر إليه ليقصدوا صلاح الدين ويأخذوا البلاد منه، فجمع ~~سيف الدولة عساكره، وكاتب أخاه عماد الدين زنكي، صاحب سنجار، يأمره أن ينزل ~~إليه بعساكره ليجتمعا على المسير إلى الشام، فامتنع من ذلك. وكان صلاح ~~الدين قد كاتب عماد الدين وأطمعه في الملك لأنه هو الكبير، فحمله الطمع على ~~الامتناع عن أخيه، فلما رأى سيف الدين امتناعه جهز أخاه عز الدين مسعودا في ~~عسكر كثير، هو معظم عسكره، وسيره إلى الشام، وجعل المقدم على العسكر مع ~~أخيه عز الدين محمود ويلقب أيضا زلفندار،وجعله المدبر للأمر، وسار سيف ~~الدين إلى سنجار فحصرها في شهر رمضان وقاتلها، وجد في القتال، وامتنع عماد ~~الدين بها، وأحسن حفظها والذب عنها، فدام الحصار عليها، فبينما هو يحاصرها ~~أتاه الخبر بانهزام عسكره مع أخيه عز الدين مسعود من صلاح الدين، فراسل ~~حينئذ أخاه عماد الدين وصالحه على ما بيده، ورحل إلى الموصل، وثبت قدم صلاح ~~الدين بعد الهزيمة، وخافه الناس، وترددت الرسل بينه وبين سيف الدين غازي في ~~الصلح، فلم يستقر حال. ### || AUT انهزام سيف الدين من صلاح الدين # ### || AUT ms4149 ذكر انهزام عسكر سيف الدين من صلاح الدين وحصره مدينة حلب # في هذه السنة سار عسكر سيف الدين مع أخيه عز الدين وعز الدين زلفندار ~~إلى حلب، واجتمع معهما عساكر حلب، وساروا كلهم إلى صلاح الدين ليحاربوه، ~~فارسل صلاح الدين إلى سيف الدين يبذل تسليم حمص وحماة، وأن يقر بيده مدينة ~~دمشق، وهو فيها نائب الملك الصالح، فلم يجب إلى ذلك، وقال: لا بد من تسليم ~~جميع ما أخذ من بلاد الشام ويعود إلى مصر. وكان صلاح الدين يجمع عساكره ~~ويتجهز للحرب، فلما امتنع سيف الدين من إجابته إلى ما بذل سار في عساكره ~~إلى عز الدين مسعود وزلفندار، فالتقوا تاسع عشر رمضان، بالقرب من مدينة ~~حماة، بموضع يقال له قرون حماة، وكان زلفندار جاهلا بالحروب والقتال، غير ~~عالم بتدبيرها، مع جبن فيه، إلا انه قد رزق سعادة وقبولا من سيف الدين، ~~فلما التقى الجمعان لم يثبت العسكر السيفي، وانهزموا لا يلوي أخ على أخيه، ~~وثبت عز الدين أخو سيف الدين بعد انهزام أصحابه، فلما رأى صلاح الدين ثباته ~~قال: إما أن هذا أشجع الناس، أم أنه لا يعرف الحرب؛ وأمر أصحابه بالحملة ~~عليه، فحملوا فأزاحوه عن موقفه،وتمت الهزيمة عليهم. وتبعهم صلاح الدين ~~وعسكره حتى جازوا معسكرهم، وغنموا منهم غنائم كثيرة، وآلة، وسلاحا عظيما ~~ودواب فارهة، وعادوا بعد طول البيكار مستريحين، وعاد المنهزمون إلى حلب، ~~وتبعهم صلاح الدين، فنازلهم بها محاصرا لها ومقاتلا، وقطع خطبة الملك ~~الصالح بن نور الدين، وأزال اسمه عن السكة في بلاده، ودام محاصرا لهم، فلما ~~طال الأمر عليهم راسلوه في الصلح على أن يكون له ما بيده من بلاد الشام ~~ولهم ما بأيديهم منها، فأجابهم إلى ذلك، وانتظم الصلح ورحل عن حلب في العشر ~~الأول من شوال ووصل إلى حماة، ووصلت إليه بها خلع الخليفة مع رسوله. ### || AUT ذكر ملك صلاح الدين قلعة بعرين # PageV05P0132 # في هذه السنة، في العشر الأول من شوال، ملك صلاح الدين قلعة بعرين من ~~الشام،وكان صاحبها فخر الدين مسعود بن الزعفراني، ms4150 وهو من أكابر الأمراء ~~النورية، فلما رأى قوة صلاح الدين نزل منها، واتصل بصلاح الدين، ظن أنه ~~يكرمه ويشاركه في ملكه، ولا ينفرد عنه بأمر مثل ما كان مع نور الدين، فلم ~~ير من ذلك شيئا، ففارقه، ولم يكن بقي من أقطاعه الذي كان له في الأيام ~~النوريه غير بعرين ونائبه بها، فلما صالح صلاح الدين الملك الصالح بحلب، ~~عاد إلى حماة وسار منها إلى بعرين، وهي قريبة منها، فحصرها ونصب عليها ~~المجانيق، وأدام قتالها، فسلمها واليها بالأمان، فلما ملكها عاد إلى حماة، ~~فأقطعها خاله شهاب الدين محمود بن تكش الحارمي، وأقطع حمص ناصر الدين محمد ~~ابن عمه شيركوه، وسار منها إلى دمشق فدخلها أواخر شوال من السنة. ### || AUT ذكر ملك البهلوان مدينة تبريز # في هذه السنة ملك البهلوان بن إيلدكز مدينة تبريز، وهي من جملة بلاد ~~آقسنقر الأحمديلي، وسبب ذلك أن البهلوان سار إلى مراغة وحصرها، وكان ابن ~~أقسنقر الأحمديلي صاحبها قد مات ووصى بالملك لابنه فلك الدين، فقصده ~~البهلوان، ونزل على قلعة روبين دز وحصرها فامتنعت عليه، فتركها، وحصر ~~مراغة، وسير أخاه قزل أرسلان في جيش إلى مدينة تبريز فحصرها أيضا. وكان ~~البهلوان يقاتل أهل مراغة فظفروا بطائفة من عسكره فخلع عليهم صدر الدين ~~قاضي مراغة، وأطلقهم، فحسن ذلك عند البهلوان، وشرع القاضي في الصلح على ان ~~يسلموا تبريز إلى البهلوان، فأجيب إلى ذلك، واستقرت القاعدة عليه، وحلف كل ~~واحد منهما إلى صاحبه، وتسلم البهلوان تبريز وأعطاها أخاه قزل أرسلان، ورحل عن مراغة. ### || AUT ذكر وفاة شملة # في هذه السنة، مات شملة التركماني، صاحب خوزستان، وكان قد كثرت ولايته، ~~وعظم شانه، وبنى عدة حصون، وبقي كذلك زيادة على عشرين سنة. وكان سبب موته ~~انه قصد بعض التركمان، فعلموا بذلك، فاستعانوا بشمس الدين البهلوان بن ~~إيلدكز، صاحب عراق العجم، فسير إليهم جيشا، فاقتتلوا فأصاب شملة سهم، ثم ~~أخذ أسيرا وولده وابن أخيه، وتوفي بعد يومين، وهو من التركمان الأقشرية، ~~ولما مات ملك ابنه بعده. ### || AUT ذكر هرب قطب الدين ms4151 قايماز من بغداد # في هذه السنة، في شوال، سير علاء الدين تنامش، وهو من اكابر الأمراء ~~ببغداد، وهو ابن أحمد قطب الدين قايماز زوج اخته، عسكرا إلى الغراف، فنهبوا ~~أهله وبالغوا في أذاهم، فجاء منهم جماعة إلى بغداد واستغاثوا، فلم يغاثوا ~~لضعف الخليفة مع قايماز وتنامش، وتحكمهما عليه، فقصدوا جامع القصر ~~واستغاثوا فيهن ومنعوا الخطيب، وفاتت الصلاة اكثر الناس، فأنكر الخليفة ما ~~جرى، فلم يلتفت قطب الدين وتنامش إلى ما فعل، واحتقروه، فلا جرم لم يمهلهم ~~الله تعالى لاحتقارهم الدعاء وازدرائهم أهله. فلما كان الخامس من ذي القعدة ~~قصد قطب الدين قايماز أذى ظهير الدين بن العطار، وكان صاحب المخزن، وهو خاص ~~الخليفة، وله به عناية تامة، فلم يراع الخليفة في صاحبه، فارسل إليه ~~يستدعيه ليحضر عنده، فهرب، فاحرق قطب الدين داره، وحال الأمراء على ~~المساعدة والمظاهرة له، وجمعهم، وقصد دار الخليفة لعلمه أن ابن العطار ~~فيها، فلما علم الخليفة ذلك ورأى الغلبة صعد إلى سطح داره وظهر للعامة وأمر ~~خادما فصاح واستغاث، وقال للعامة: مال قطب الدين لكم ودمه لي؛ فقصد الخلق ~~كلهم دار قطب الدين للنهب، فلم يمكنه المقام لضيق الشوارع وغلبة العامة، ~~فهرب من داره من باب فتحة فيظهرها، لكثرة الخلق على بابها، وخرج من بغداد ~~ونهبت داره، وأخذ منها من الأموال ما لا يحد ولا يحصى، فرؤي فيها من التنعم ~~ما ليس لأحد مثله، فمن جملة ذلك ان بيت الطهارة الذي كان له فيه سلسلة ذهب ~~من السقف إلى محاذي وجه القاعد على الخلا، وفي أسفلها كرة كبيرة ذهب، ~~مخرمة، محشوة بالمسك والعنبر ليشمها إذا قعد، فتشبث بها إنسان وقطعها ~~وأخذها، ودخل بعض الصعاليك فاخذ عدة أكياس مملوءة دنانير. PageV05P0133 # وكان الأقوياء قد وقفوا على الباب يأخذون ما يخرج به الناس، فلما أخذ ذلك ~~الصعلوك الأكياس قصد المطبخ فاخذ منه قدرا مملوئة طبيخا، وألقى الأكياس ~~فيها وحملها على رأسه وخرج بها، والناس يضحكون منه، فيقول: أنا أريد شيئا ~~أطعمه عيالي اليوم؛ فنجا بما معه، فاستغنى بعد ذلك، ms4152 فظهر المال، ولم يبق من ~~نعمة قطب الدين في ساعة واحدة كثير ولا قليل. ولما خرج من البلد تبه تنامش ~~وجماعة من الأمراء، فنهبت دورهم أيضا، وأخذت أموالهم واحرق أكثرها، وسار ~~قطب الدين إلى الحلة ومعه الأمراء، فسير الخليفة غليه صدر الدين شيخ ~~الشيوخ، فلم يزل به يخدعه حتى سار عن الحلة إلى الموصل على البر، فلحقه ومن ~~معه عطش شديد فهلك أكثرهم من شدة الحر والعطش، ومات قطب الدين قبل وصوله ~~إلى الموصل فحمل ودفن بظاهر باب العمادي وقبره مشهور هناك. وهذا عاقبة ~~عصيان الخليفة، وكفران الإحسان، والظلم، سوء التدبير، فإنه ظلم أهل العراق، ~~وكفر إحسان الخليفة الذي كان قد غمره، ولو أقام بالحلة وجمع العساكر عاود ~~بغداد لاستولى على الأمور كلها كما كان، فإن عامة بغداد كانوا يريدونه، ~~وكان قوي بالاستيلاء على البلاد فأطاعوه. ولما مات في ذي الحجة وصل علاء ~~الدين تنامش إلى الموصل، فأقام مديدة، ثم أمره الخليفة بالقدوم إلى بغداد، ~~فعاد إليها، وبقي فيها إلى أن مات بغير إقطاع، وكان هذا آخر أمرهم. ولما ~~أقام قطب الدين بالحلة امتنع الحاج من السفر، فتأخروا إلى أن رحل عنها، ~~فدخلوا من الكوفة إلى عرفات في ثمانية عشر يوما، وهذا ما لم يسمع بمثله، ~~وفات كثير منهم الحج. ولما هرب قطب الدين خلع الخليفة على عضد الدين الوزير ~~وأعيد إلى الوزارة. قال بعض الشعراء في قطب الدين وتنامش هذه الأبيات: إن ~~كنت معتبرا بملك زائل ... وحوادث عنقية الإدلاج فدع العجائب والتواريخ ~~الأولى ... وانظر إلى قايماز وابن قماج عطف الزمان عليهما فسقاهما ... من ~~كأسه صرفا بغير مزاج فتبدلوا بعد القصور وظلها ... ونعيمها بمهامه وفجاج ~~فليحذر الباقون من أمثالها ... نكبات دهر خائن مزعاج وكان قطب الدين كريما، ~~طلق الوجه، محبا للعدل والإحسان، كثير البذل للمال. والذي كان جرى منه غنما ~~كان يحمله عليه تنامش ولم يكن بإرادته. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة مات زعيم الدين صاحب المخزن، واسمه يحيى بن عبد الله ابن ~~محمد بن المعمر بن جعفر ms4153 أبو الفضل، وحج بالناس عدة سنين، وغليه الحكم في ~~الطريق، وناب عن الوزارة، وتنقل في هذه الأعمال اكثر من عشرين سنة، وكان ~~يحفظ القرآن. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر انهزام سيف الدين من صلاح الدين # في هذه السنة، عاشر شوال، كان المصاف بين سيف الدين غازي بن مودود وبين ~~صلاح الدين يوسف بن أيوب بتل السلطان، على مرحلة من حلب، على طريق حماة، ~~وانهزم سيف الدين. وسبب ذلك أنه لما انهزم أخوه عز الدين مسعود من صلاح ~~الدين في العام الماضي وصالح سيف الدين أخاه عماد الدين صاحب سنجار، عاد ~~إلى الموصل، وجمع عساكره، وفرق فيهم الأموال، واستنجد صاحب حصن كيفا، وصاحب ~~ماردين وغيرها، فاجتمعت معه عساكره كثيرة بلغت عدتهم ستة آلاف فارس، فسار ~~إلى نصبين في ربيع الأول من هذه السنة، وأقام بها فأطال المقام حتى انقضى ~~الشتاء وهو مقيم، فضجر العسكر ونفدت نفقاتهم، وصار العود إلى بيوتهم مع ~~الهزيمة أحب إليهم من الظفر لما يتوقعونه، إن ظفروا، من طول المقام بالشام ~~بعد هذه المدة. PageV05P0134 # ثم سار إلى حلب، فنزل إليه سعد الدين كمشتكين الخادم، مدبر دولة الملك ~~الصالح، ومعه عساكر حلب، وكان صلاح الدين في قلة من العساكر لأنه كان صالح ~~الفرنج في المحرم من هذه السنة، على ما نذكره إن شاء الله، وقد سير عساكره ~~إلى مصر، فأرسل يستدعيها، فلو عاجلوه لبلغوا غرضهم منه، لكنهم تريثوا ~~وتأخروا عنه، فجاءته عساكره، فسار من دمشق إلى ناحية حلب، ليلقى سيف الدين، ~~فالتقى العسكران بتل السلطان، وكان سيف الدين قد سبقه، فلما وصل صلاح الدين ~~كان وصوله العصر، وقد تعب هو وأصحابه وعطشوا، فألقوا نفوسهم إلى الأرض ليس ~~بهم حركة، فأشار جماعة على سيف الدين بقتالهم وهم على هذا الحال، فقال ~~زلفندار: ما بنا هذه الحاجة إلى قتال هذا الخارجي في هذه الساعة، غدا بكرة ~~نأخذهم كلهم؛ فترك القتال إلى الغد. فلما اصبحوا اصطفوا للقتال، فجعل ~~زلفندار، وهو المدبر للعسكر السيفي، أعلامهم في وهدة من الأرض، ms4154 لا يراها ~~إلا من هو بالقرب منها، فلما لم يرها الناس ظنوا أن السلطان قد هزم، فلم ~~يثبتوا وانهزموا، ولم يلو أخ على أخيه، ولم يقتل بين الفريقين على كثرتهم ~~غير رجل واحد، ووصل سيف الدين إلى حلب، وترك بها أخاه عز الدين مسعودا في ~~جمع من العسكر، ولم يقم هو، وعبر الفرات، وسار إلى الموصل، وهو لا يصدق أنه ~~ينجو. وظن أن صلاح الدين يعبر الفرات ويقصده بالموصل، فاستشار وزيره جلال ~~الدين، ومجاهد الدين قايماز، في مفارقة الموصل، والاعتصام بقلعة عقر ~~الحميدية، فقال له مجاهد الدين: أرأيت إن ملكت الموصل عليك، أتقدر أن تمنع ~~ببعض أبراج الفصيل؟ فقال : لا. فقال: برج في الفصيل خير من القعر؛ وما زال ~~الملوك ينهزمون ويعاودون الحرب، واتفق هو والوزير على شد أزره، وتقوية ~~قلبه، فثبت ثم أعرض عن زلفندار وعزله واستعمل مكانه على إمارة الجيوش مجاهد ~~الدين قايماز، على ما نذكره إن شاء الله. وقد ذكر العماد الكاتب في كتاب ~~البرق الشامي في تاريخ الدولة الصلاحية أن سيف الدين كان عسكره في هذه ~~الوقعة عشرين ألف فارس، ولم يكن كذلكن غنما كان على التحقيق يزيد على ستة ~~آلاف فارس اقل من خمسمائة، فإنني وقفت على جريدة العرض، وترتيب العسكر ~~للمصاف ميمنة وميسرة وقلبان وجاليشة، وغير ذلك، وكان المتولي لذلك والكاتب ~~له أخي مجد الدين أبا السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم، رحمه الله، ~~وإنما قصد العماد أن يعظم أمر صاحبه بأنه هزم بستة آلاف عشرين ألفا، والحق ~~أحق أن يتبع، ثم ياليت شعري كم هي الموصل وأعمالها إلى الفرات حتى يكون لها ~~وفيها عشرون ألف فارس؟ ### || AUT ذكر ملك صلاح الدين بعد الكسرة # ### || AUT من بلاد الصالح نور الدين # لما انهزم سيف الدين وعسكره ووصلوا إلى حلب عاد سيف الدين إلى الموصل ~~كما ذكرناه، وترك بحلب أخاه عز الدين مسعودا في طائفة من العسكر نجدة للملك ~~الصالح، وأما صلاح الدين فإنه لما استولى على أثقال العسكر الموصلي هو ~~وعسكره، وغنموها واتسعوا بها ms4155 وقووا، سار إلى بزاعة فحصرها، وقاتله من ~~بالقلعة، ثم تسلمها وجعل بها من يحفظها، وسار إلى مدينة منبج فحصرها آخر ~~شوال، وبها صاحب قطب الدين ينال بن حسان المنبجي، وكان شديد العداوة لصلاح ~~الدين والتحريض عليه، والإطماع فيه، والطعن فيه، فصلاح الدين حنق عليه ~~متهدد له، فأما المدينة فملكها، ولم تمتنع عليه، وبقي القلعة وبها صاحبها ~~قد جمع إليها الرجال والذخائر والسلاح، فحصره صلاح الدين وضيق عليه وزحف ~~إلى القلعة، فوصل النقابون إلى السور فنقبوها وملكوها عنوة، وغنم العسكر ~~الصلاحي كل ما بها، وأخذ صاحبها ينال أسيرا، فأخذ صلاح الدين كل ماله واصبح ~~فقيرا لا يملك نقيرا، ثم أطلقه صلاح الدين فسار إلى الموصل، فأقطعه سيف ~~الدين غازي مدينة الرقة. PageV05P0135 # ولما فرغ صلاح الدين من منبج سار إلى قلعة إعزاز، فنازلها ثالث ذي القعدة ~~من السنة، وهي من أحصن القلاع وأمنعها، فنازلها وحصرها، وأحاط بها وضيق على ~~من فيها ونصب عليها المجانيق، وقتل عليها كثير من العسكر؛ فبينما صلاح ~~الدين يوما في خيمة لبعض أمراءه يقال له جاولي، وهو مقدم الطائفة الأسدية، ~~إذ وثب عليه باطني فضربه بسكين في رأسه فجرحه، فلولا أن المغفر الزند كانت ~~تحت القلنسوة لقتله، فأمسك صلاح الدين يد الباطني بيده، إلا انه لا يقدر ~~على منعه من الضرب بالكلية، إنما يضرب ضربا ضعيفا، فبقي الباطني يضربه في ~~رقبته بالسكين، وكان عليه كزاغند فكانت الضربات تقع في زيق الكزاغند ~~فتقطعه، والزرد يمنعها من الوصول إلى رقبته لبعد اجله فجاء أمير من أمراءه ~~اسمه يازكش، فأمسك السكين بكفه فجرحه الباطني، ولم يطلقها من يده إلى أن ~~قتل الباطني، وجاء آخر من الإسماعيلية فقتل أيضا، وثلث فقتل، وركب صلاح ~~الدين إلى خيمته كالمذعور لا يصدق بنجاته، ثم اعتبر جنده، فمن أنكره أبعده، ~~ومن عرفه اقره على خدمته، ولازم حصار إعزاز ثمانية وثلاثين يوما، كل يوم ~~اشد قتالا مما قبله، وكثرت النقوب فيهان فأذعن من بها، وسلموا القلعة غليه، ~~فتسلمها حادي عشر ذي الحجة. ### || AUT ذكر حصر صلاح الدين ms4156 مدينة حلب # ### || AUT والصلح عليها # لما ملك صلاح الدين إعزاز رحل إلى حلب فنازلها منتصف ذي الحجة وحصرها، ~~وبها الملك الصالح ومن معه من العساكر، وقد قام العامة في حفظ البلد القيام ~~المرضي، بحيث انهم منعوا صلاح الدين من القرب من البلد، لأنه كان إذا تقدم ~~للقتال خسر هو وأصحابه، كثر الجراح فيهم والقتل، كانوا يخرجون ويقاتلونه ~~خارج البلد، فترك القتال وأخلد للمطاولة. وانقضت سنة إحدى وسبعين ودخلت سنة ~~اثنتين وسبعين، وهو محاصر لها، ثم ترددت الرسل بينهم في الصلح في العشرين ~~من المحرم، فوقعت الإجابة إليه من الجانبين، لأن أهل حلب خافوا من طول ~~الحصار، فإنهم ربما ضعفوا، وصلاح الدين رأى انه لا يقدر على الدنو من ~~البلد، ولا على قتال من به، فأجاب أيضا، وتقررت القاعدة في الصلح للجميع، ~~للملك الصالح، ولسيف الدين صاحب الموصل، ولصاحب الحصن، ولصاحب ماردين، ~~وتحالفوا واستقرت القاعدة ان يكونوا كلهم عونا على الناكث الغادر. فلما ~~انفصل الأمر وتم الصلح رحل صلاح الدين عن حلب، بعد أن أعاد قلعة إعزاز إلى ~~الملك الصالح، فإنه اخرج إلى صلاح الدين أختا له طفلة، فأكرمها صلاح الدين ~~وحمل لها شيئا كثيرا، وقال لها : ما تريدين؟ قالت: أريد قلعة إعزاز؛ وكانوا ~~قد علموها ذلك، فسلمها إليهم، ورحل إلى بلد الإسماعيلية. ### || AUT ذكر الفتنة بمكة وعزل أميرها وإقامة غيره # في هذه السنة، في ذي الحجة، كان بمكة حرب شديدة بين أمير الحاج طاشتكين ~~وبين الأمير مكثر أمير مكة، وكان الخليفة قد أمر أمير الحاج بعزل مكثر ~~وإقامة أخيه داود مقامه. وسبب ذلك أنه كان قد بنى قلعة على جبل أبي قبيس، ~~فلما سار الحاج من عرفات لم يبيتوا بالمزدلفة، وإنما اجتازوا بها، فلم ~~يرموا الجمار، إنما بعضهم رمى بعضها وهو سائر، ونزلوا الأبطح فخرج إليهم ~~ناس من أهل مكة فحاربوهم، وقتل من الفريقين جماعة، وصاح الناس: الغزاة إلى ~~مكة، فهجموا عليها، فهرب أمير مكة مكثر، فصعد القلعة التي بناها على جبل ~~أبي قبيس فحصروه بها، ففارقها وسار عن مكة، ms4157 وولي أخوه داود الإمارة، ونهب ~~كثير من الحاج مكة وأخذوا من أموال التجار المقيمين بها الشيء الكثير، ~~وأحرقوا دورا كثيرة. ومن أعجب ما جرى فيها أن إنسانا زراقا ضرب دارا ~~بقارورة نفط فأحرقها، وكانت لأيتام، فأحرقت ما فيها، ثم أخذ قارورة أخرى ~~ليضرب فيها مكانا آخر، فأتاه حجر فأصاب القارورة فكسرها، فاحترق هو بها، ~~فبقي ثلاثة أيام يعذب بالحريق ثم مات. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في شهر رمضان، انكسفت الشمس جميعها، وأظلمت الأرض حتى بقي ~~الوقت كأنه ليل مظلم، وظهرت الكواكب، وكان ذلك ضحوة النهار، يوم الجمعة ~~التاسع والعشرين منه، وكنت حينئذ صبيا بظاهر جزيرة ابن عمر مع شيخ لنا من ~~العلماء أقرأ عليه الحساب، فلما رأيت ذلك خفت خوفا شديدا، وتمسكت به، فقوي ~~قلبي، وكان عالما بالنجوم أيضا ، وقال لي: الآن تر هذا جميعه، فانصرف ~~سريعا. PageV05P0136 # وفيها ولي الخليفة المستضيء بأمر الله حجابة الباب أبا طالب نصر بن علي ~~الناقد، وكان يلقب في صغره قنبرا، فصاروا يصيحون به ذلك إذا خرج، فأمر ~~الخليفة أن يركب معه جماعة من الأتراك ويمنعوا الناس من ذلك، فامتنعوا، ~~فلما كان العيد خلع عليه ليركب في الموكب، فاشترى جماعة من أهل بغداد من ~~القنابر شيئا كثيرا، وعزموا على إرسالها في الموكب إذا رأوا ابن الناقد، ~~فأنهي ذلك إلى الخليفة، وقيل له يصير الموكب ضحكة، فعزله وولى ابن المعوج. ~~وفيها، في ذي الحجة، يوم العيد، وقعت فتنة ببغداد، بين العامة وبعض الأتراك ~~بسبب أخذ جمال النحر، فقتل بينهم جماعة ونهب شيء كثير من الأموال، ففرق ~~الخليفة أموالا جليلة فيمن نهب ماله. وفيها زلزلت بلاد العجم من حد العراق ~~إلى ما وراء الري، وهلك فيها خلق كثير، وتهدمت دور كثيرة، وأكثر ذلك كان ~~بالري وقزوين. وفيها، في ربيع الآخر، استوزر سيف الدين غازي جلال الدين أبا ~~الحسن علي بن جمال الدين محمد بن علي، وكان ابوه جمال الدين وزير البيت ~~الأتابكي، وقد تقدمت أخباره، وهو المشهود بالجود والأفضال، ولما ولي جلال ~~الدين الوزارة ms4158 ظهرت منه كفاية عظيمة، ومعرفة تامة بقوانين الوزارة، وله ~~مكاتبات وعهود حسنة مدونة مشهورة، وكان جوادا فاضلا خيرا، عمره، لما ولي ~~الوزارة خمس وعشرون سنة. وفيها، في ذي الحجة ، استناب سيف الدين أيضا عنه ~~بقلعة الموصل مجاهد الدين قايماز، وفوض إليه الأمور، وكان قبل ذلك قد فوض ~~إليه الأمر بمدينة إربل وأعمالها، وكان ، رحمه الله، من صالحي الأمراء ~~وأرباب المعروف، بنى كثيرا من الجوامع والخانات في الطرق، والقناطر على ~~الأنهار والربط وغير ذلك من أبواب البر، وكان دائم الصدقة، كثير الإحسان، ~~عادل السيرة، رحمه الله. وفيها قبض الخليفة علي عماد الدين صندل المقتفوي، ~~أستاذ الدار، ورتب مكانه أبا الفضل هبة الله بن علي بن هبه الله بن الصاحب. ~~وفيها، في رمضان، قدم شمس الدولة توارنشاه بن أيوب الذي ملك اليمن إلى دمشق ~~لما سمع أن أخاه صلاح الدين قد ملكها، وقد حن إلى الوطن والأتراب، ففارق ~~اليمن وسار إلى الشام، وأرسل من الطريق إلى أخيه يعلمه بوصوله، وكتب في ~~الكتاب شعرا من قول ابن المنجم المصري: وإلى صلاح الدين أشكو أنني ... من ~~بعده مضنى الجوانح مولع جزعا لبعد الدار منه ولم أكن ... لولا هواه لبعد ~~دار أجزع فلأركبن إليه متن عزائمي ... ويخب بي ركب الغرام ويوسع ولأقطعن من ~~النهار هواجرا ... قلب النهار بحرها يتقطع ولأسرين الليل لا يسرى به ... ~~طيف الخيال ولا البروق اللمع وأقدمن إليه قلبي مخبرا ... أني بجسمي من قريب ~~أتبع حتى أشاهد منه أسعد طلعة ... من أفقها صبح السعادة يطلع وفي هذه ~~السنة، في المحرم، برز صلاح الدين من دمشق، وقد عظم شأنه بما ملكه من بلاد ~~الشام، وبكسره عسكر الموصل، فخافه الفرنج وغيرهم، وعزم على دخول بلدهم، ~~ونبه والإغارة عليه، فأرسلوا إليه يطلبون الهدنة معه، فأجابهم إليها ~~وصالحهم، فأمر العساكر المصرية بالعود إلى مصر، والاستراحة إلى أن يعود ~~طلبهم، وشرط عليهم أنه متى أرسل يستدعيهم لا يتأخرون، فساروا إليها وأقاموا ~~بها إلى أن استدعاهم للحرب مع سيف الدين على ما نذكره. وفيها مات أبو الحسن ~~علي ms4159 بن عساكر البطائحي المقرئ، وكان قد سمع الحديث الكثير ورواه، وكان ~~نحويا جيدا. وفي ذي الحجة، منها ، توفي أبو سعد محمد بن سعيد بن محمد بن ~~الرزاز، سمع الحديث ورواه، وله شعر جيد، فمن ذلك أنه كتب إليه بعض أصدقائه ~~مكاتبة وضمنها شعرا، فأجابه: يا من أياديه تغني من يعددها ... وليس يحصي ~~مالها من لها يصف عجزت عن شكر ما أوليت من كرم ... وصرت عبدا ولي في ذلك ~~الشرف أهديت منظوم شعر كله درر ... فكل ناظم عقد دونه يقف إذا أتيت ببيت ~~منه كان لنا ... قصرا ودر المعاني له شرف وإن أتيت أنا بيت يناقضه ... أتيت ~~ولكن ببيت سقفه يكف ما كنت منه ولا من أهله أبدا ... وإنما حين أدنو منه ~~أقتطف PageV05P0137 # NOTMATCH ### || AUT ذكر عصيان صاحب شهرزور على سيف الدين وعوده إلى طاعته NOTMATCH # وقيل كانت وفاته سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة وهو الصحيح. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر نهب صلاح الدين بلد الإسماعيلية # لما رحل صلاح الدين من حلب، على ما ذكرناه قبل، قصد بلاد الإسماعيلية، ~~في المحرم ليقاتلهم بما فعلوه من الوثوب عليه وإرادة قتله، فنهب بلدهم ~~وخربه وأحرقه، وحصر قلعة مصياب، وهي أعظم حصونهم، وأحصن قلاعهم، فنصب عليها ~~المجانيق، وضيق على من بها، ولم يزل كذلك، فأرسل سنان مقدم الإسماعيلية إلى ~~شهاب الدين الحارمي، صاحب حماة، وهو ابن خال صلاح الدين، يسأله أن يدخل ~~بينهم ويصلح الحال ويشفع فيهم، ويقول له: إن لم تفعل قتلناك وجميع أهل صلاح ~~الدين وأمراءه، فحضر شهاب الدين عند صلاح الدين وشفع فيهم وسأل الصفح عنهم، ~~فأجابه إلى ذلك، وصالحهم، ورحل عنهم. وكان عسكره قد ملوا من طول البيكار، ~~وقد امتلأت أيديهم من غنائم عسكر الموصل، ونهب بلد الإسماعيلية، فطلبوا ~~العود إلى بلادهم للراحة، فأذن لهم، وسار هو إلى مصر مع عسكرها، لأنه قد ~~طال بعده عنها، ولم يمكنه المضي إليها فيما تقدم خوفا على بلاد الشام؛ فلما ~~انهزم سيف الدين، وحصر هو حلب، وملك بلادها، واصطلحوا، امن ms4160 على البلاد، ~~فسار إلى مصر، فلما وصل إليها أمر ببناء سور على مصر في الشعاري والغياض ~~والقاهرة والقلعة التي على جبل المقطم، دوره تسعة وعشرون ألف ذراع ~~وثلاثمائة ذراع بالذراع الهاشمي، ولم يزل العمل فيه إلى أن مات صلاح الدين. ### || AUT ذكر ظفر المسلمين بالفرنج والفرنج بالمسلمين # كان شمس الدين محمد بن عبد الملك بن المقدم صاحب بعلبك، قد أتاه خبرا ان ~~جمعا من الفرنج قد قصدوا البقاع من أعمال بعلبك، وأغاروا عليها، فسار ~~إليهم، وكمن لهم في الشعاري والغياض، وأوقع بهم، وقتل فيهم وأكثر، وأسر نحو ~~مائتي رجل منهم وسيرهم إلى صلاح الدين. وكان شمس الدولة توارنشاه، أخو صلاح ~~الدين، وهو الذي ملك اليمن، قد وصل إلى دمشق، كما ذكرناه، وهو فيها، فسمع ~~أن طائفة من الفرنج قد خرجوا من بلادهم إلى أعمال دمشق، فسار إليهم ولقيهم ~~عند عين الجر في تلك المروج، فلم يثبت لهم، وانهزم عنهم، فظفروا بجمع من ~~أصحابه، فأسروهم، منهم سيف الدين أبو بكر بن السلار، وهو من أعيان الجند ~~الدمشقيين، واجترأ الفرنج بعده، وانبسطوا في تلك الولاية، وجبروا الكسر ~~الذي ناله منهم ابن المقدم. ### || AUT عصيان صاحب شهرزور على سيف الدين # ذكر ### || AUT عصيان صاحب شهرزور على سيف الدين # وعوده إلى طاعته في هذه السنة عصى شهاب الدين محمد بن بزان، صاحب ~~شهرزور، على سيف الدين غازي وكان في طاعته وتحت حكمه. وكان سبب ذلك أن ~~مجاهد الدين قايماز كان متوليا مدينة أربل، وكان بينه وبين ابن بزان عداوة ~~محكمة، فلما استناب سيف الدين مجاهد الدين بالموصل خاف ابن بزان ان يناله ~~منه أذى، فأظهر الامتناع من النزول إلى الخدمة، فأرسل إليه جلال الدين ~~وزيره سيف الدين كتابا يأمره بمعاودة الطاعة، ويحذره عاقبة المخالفة، وهو ~~من احسن الكتب وأبلغها في هذا المعنى، ولولا خوف التطويل لذكرته، فليطلب من ~~مكاتباته؛ فلما وصل إليه الكتاب والرسول، بادر إلى حضور الخدمة بالموصل ~~وزال الخلف. ### || AUT ذكر فرج بعد شدة يتعلق بالتاريخ # بالقرب من جزيرة ابن عمر حصن ms4161 منيع من امنع المعاقل اسمه فنك، وهو على ~~راس جبل عال، وهو للأكراد البشنوية، له بأيديهم نحو ثلاثمائة سنة؛ وكان ~~صاحبه هذه السنة أمير منهم اسمه إبراهيم، وله أخ اسمه عيسى، قد خرج منه، ~~وهو لا يزال يسعى في أخذه من أخيه إبراهيم ن فأطاعه بعض بطانة إبراهيم، ~~وفتح باب السر ليلا، واصعد منه إلى رأس القلعة نيفا وعشرين رجلا من أصحاب ~~عيسى، فقبضوا على إبراهيم ومن عنده، ولم يكن عنده إلا نفر من خواصه، وهذه ~~قلة على صخرة كبيرة مرتفعة عن سائر القلعة ارتفاعا كثيرا؛ وبها يسكن الأمير ~~وأهله وخواصه، وباقي الجند في القلعة تحت القلة، فلما قبضوا إبراهيم جعلوه ~~في خزانة، وضربه بعضهم بسيف في يده على عاتقه، فلم يصنع شيئا، فلما جعل في ~~الخزانة وكل به رجلان، وصعد الباقون إلى سطح القلة، ولا يشكون ان القلعة ~~لهم لا مانع عنها. PageV05P0138 # ووصل من الغد بكرة الأمير عيسى ليتسلم القلعة، وبينها دجلة، وكانت امرأة ~~الأمير إبراهيم في خزانة أخرى، وفيها شباك حديد ثقيل يشرف على القلعة، ~~فجذبته بيدها فانقلع، وجند زوجها في القلعة لا يقدرون على شيء، فلما قلعت ~~الشباك أرادت أن تدلي حبلا ترفع به الرجال إليها، فلم يكن عندها غير ثياب ~~خام، فوصلت بعضها ببعض ودلتها إلى القلعة، وشدت طرفيها عندها في عود فأصعدت ~~إليها عشرة رجال، ولم يكن يراهم الذين على السطح. ورأى الأمير عيسى، هو على ~~جانب دجلة، الرجال يصعدون، فصاح هو ومن معه إلى أولئك الذين على السطح ~~ليحذروا، وكانوا كلما صاحوا صاح أهل القلعة لتختلف الأصوات فلا يفهم الذين ~~على السطح، فينزلون ويمنعون من ذلك، فلما اجتمع عندها عشرة رجال أرسلت مع ~~خادم عندها إلى زوجها قدح شراب وأمرته أن يقرب منه كأنه يسقيه الشراب ~~ويعرفه الحال، ففعل ذلك، وجلس بين يديه ليسقيه، وعرفه الحال، فقال: ازدادوا ~~من الرجال، فأصعدت عشرين رجلا، وخرجوا من عندها، فمد إبراهيم يده إلى ~~الرجلين الموكلين به، فأخذ شعورهما، وأمر الخادم بقتلهما، وكان عنده، ~~فقتلهما بسلاحهما، فخرج واجتمع ms4162 بأصحابه وأرادوا فتح القلعة ليصعد إليه ~~أصحابه من القلعة، فلم يجد المفاتيح،وكانت مع أولئك الرجال الذين على ~~السطح، فاضطروا إلى الصعود إلى سطح القلة ليأخذوا أصحاب عيسى، فعلموا ~~الحال، فجاؤوا ووقفوا على راس الممرق فلم يقدر أحد ان يصعد، فاخذ بعض أصحاب ~~إبراهيم ترسا وجعله على رأسه، وحصل في الدرجة، وصعد وقاتل القوم على رأس ~~الممرق، حتى صعد أصحابه فقتلوا الجماعة وبقي منهم رجل ألقى نفسه من السطح، ~~فنزل إلى أسفل الجبل فتقطع. فلما رأى عيسى ما حل بأصحابه عاد خائبا مما ~~أمله، واستقر الأمير إبراهيم في قلعته على حاله. ### || AUT ذكر نهب البندنيجين # في هذه السنة وصل الملك الذي بخوزستان عند شملة، وهو ابن ملكشاه ابن ~~محمود، إلى البندنيجين، فخربها ونهبها وفتك في الناس، وسبى حريمهم، وفعل كل ~~قبيح. ووصل الخبر إلى بغداد فخرج الوزير عضد الدين وعرض العسكر، ووصل عسكر ~~الحلة وواسط مع طاشتكين أمير الحاج وغرغلي، وساروا نحو العدو، فلما سمع ~~بوصولهم فارق مكانه وعاد، وكان معه من التركمان جمع كثير، فنهبهم عسكر ~~بغداد، ورجعوا من غير أمر بالعود، فأنكر عليهم ذلك، وأمروا بالعود إلى ~~مواقفهم، فعادوا لأوائل شهر رمضان، وقد رجع الملك فنهب من البندنيجين ما ~~كان نهب من النهب الأول، ووقعت بينهم وبين الملك وقعة، ثم افترقوا، فمضى ~~الملك وفارق ولاية العراق وعاد عسكر بغداد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في جمادى الأولى، أقيمت الجمعة في الجامع الذي بناه فخر ~~الدولة بن المطلب بقصر المأمون غربي بغداد . وفيها أمر صلاح الدين ببناء ~~المدرسة التي على قبر الشافعي، رضي الله عنه، بمصر، وعمل بالقاهرة ~~بيمارستان، ووقف عليهما الوقوف العظيمة الكبيرة. وفيها رأيت بالموصل خروفين ~~ببطن واحد ورأسين ورقبتين وظهرين وثماني قوائم كأنهما خروفين ببطن واحد، ~~وجه أحدهما إلى وجه الآخر، وهذا من العجائب. وفيها انقض كوكب أضاءت له ~~الأرض إض اءة كثيرة، وسمع له صوت عظيم وبقي أثره في السماء مقدار ساعة ~~وذهب. وفيها توفي تاج الدين علي الحسن بن عبد الله بن المظفر ms4163 بن رئيس ~~الرؤساء أخو الوزير عضد الدين وزير الخليفة. وفيها، في المحرم، توفي القاضي ~~كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله ابن القاسم الشهرزوري، قاضي دمشق ~~وجميع الشام، وإليه الوقوف بها والديوان، وكان جوادا فاضلا رئيسا ذا عقل ~~ومعرفة في تدبير الدول، رحمه الله ورضي عنه. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر انهزام صلاح الدين بالرملة # PageV05P0139 # في هذه السنة، أواخر جمادى الأولى، سار صلاح الدين يوسف بن أيوب من مصر ~~إلى ساحل الشام لقصد بلاد الفرنج، وجمع معه عساكر كثيرة وجنودا غزيرة، فلم ~~يزالوا يجدون السير حتى وصلوا عسقلان في الرابع والعشرين منه، فنهبوا ~~واسروا وقتلوا واحرقوا وتفرقوا في تلك الأعمال مغيرين. فلما رأوا أن الفرنج ~~لم يظهر لهم عسكر ولا اجتمع لهم من يحمي البلاد من المسلمين، طمعوا، ~~وانبسطوا، وساروا في الأرض آمنين مطمئنين، ووصل صلاح الدين إلى الرملة، ~~عازما على أن يقصد بعض حصونهم ليحصره، فوصل إلى نهر، فازدحم الناس للعبور، ~~فلم يرعهم إلا والفرنج أشرفت عليهم بأبطالها وطلابها، وكان مع صلاح الدين ~~بعض العسكر، لأن أكثرهم تفرقوا في طلب الغنيمة، فلما رآهم وقف لهم فيمن ~~معه، وتقدم بين يديه تقي الدين عمر بن محمد ابن أخي صلاح الدين، فباشر ~~القتال بنفسه بين يدي عمه، فقتل من أصحابه جماعة، وكذلك الفرنج، وكان لتقي ~~الدين ولد اسمه أحمد، وهو من احسن الشباب أول ما تكاملت لحيته، فأمره أبوه ~~بالحملة عليهم، فحمل عليهم وقاتلهم وعاد سالما قد أثر فيهم أثرا كثيرا، ~~فأمره بالعودة إليهم ثانية، فحمل عليهم فقتل شهيدا، ومضى حميدا، رحمه الله ~~ورضي عنه. وكان اشد الناس قتالا ذلك اليوم الفقيه عيسى، رحمه الله، وتمت ~~الهزيمة على المسلمين، وحمل بعض الفرنج على صلاح الدين فقاربه حتى كاد ان ~~يصل إليهن فقتل الفرنجي بين يديه، وتكاثر الفرنج عليه ن فمضى منهزما، يسير ~~قليلا ويقف ليلحقه العسكر إلى ان دخل الليل، فسلك البرية إلى ان مضى في نفر ~~يسير إلى مصر، ولقوا في طريقهم مشقة شديدة وقل ms4164 عيهم القوت والماء، وهلك ~~كثير من دواب العسكر جوعا وعطشا وسرعة سير. وأما العسكر الذين كانوا دخلوا ~~بلاد الفرنج في الغارة، فإن أكثرهم ذهب ما بين قتيل وأسير. وكان من جملة من ~~اسر الفقيه عيسى الهكاري، وهو من أعيان الأسدية، وكان جمع العلم والدين ~~والشجاعة، واسر أيضا أخوه الظهير، وكانا قد سارا منهزمين فضلا الطريق، ~~فأخذا ومعهما جماعة من أصحابهما، وبقوا في الأسر سنين، فافتدى صلاح الدين ~~الفقيه عيسى بستين ألف دينار جماعة كثيرة من الأسرى. ووصل صلاح الدين إلى ~~القاهرة نصف جمادى الآخرة، ورأيت كتابا كتبه صلاح الدين بخط يده إلى أخيه ~~شمس الدولة تورانشاه وهو بدمشق، يذكر الوقعة، وفي أوله: ذكرتك والخط يخطر ~~بيننا ... وقد نهلت منا المثقفة السمر ويقول فيه: لقد أشرفنا على الهلاك ~~غير مرة، وما أنجانا الله سبحانه منه إلا لمر يريده سبحانه: وما ثبتت إلا ~~وفي نفسها أمر. ### || AUT ذكر حصر الفرنج مدينة حماة # في هذه السنة، في جمادى الأولى، حصر الفرنج أيضا مدينة حماة، وسبب ذلك ~~أنه وصل من البحر إلى الساحل الشامي كند كبير من الفرنج من اكبر طواغيتهم، ~~فرأى صلاح الدين بمصر قد عاد منهزما، فاغتنم خلو البلاد، لأن شمس الدولة بن ~~أيوب كان بدمشق ينوب عن صلاح الدين، وليس عده كثير من العسكر، وكان أيضا ~~كثير الانهماك في اللذات مائلا إلى الراحات، فجمع ذلك الكند الفرنجي من ~~بالشام من الفرنج، وفرق فيهم الأموال، وسار إلى مدينة حماة فحصرها وبها ~~صاحبها شهاب الدين محمد الحارمين خال صلاح الدين، وهو مريض شديد المرض، ~~وكان طائفة من العسكر الصلاحي بالقرب منها، فدخلوا إليها وأعانوا من بها. ~~وقاتل الفرنج على البلد قتالا شديدا وهجموا بعض الأيام على طرف منه، وكادوا ~~يملكون البلد قهرا وقسرا، فاجتمع أهل البلد مع العسكر إلى تلك الناحية ~~واشتد القتال، وعظم الخطب على الفريقين، واستقل المسلمون وحاموا عن الأنفس ~~والأهل والمال، فاخرجوا الفرنج من البلد إلى ظاهره، ودام القتال ظاهر البلد ~~ليلا ونهارا، وقويت نفوس المسلمين حين أخرجوهم من البلد، ms4165 وطمعوا فيهمن ~~واكثروا فيهم القتل، فرحل الفرنج حينئذ خائبين، وكفى الله المسلمين شرهم، ~~وساروا إلى حارم فحصروها، وكان مقامهم على حماة أربعة أيام، ولما رحل ~~الفرنج عن حماة مات صاحبها شهاب الدين الحارمي، وكان له ابن من أحسن الشباب ~~مات قبله بثلاثة أيام. ### || AUT ذكر قتل كمشتكين وحصر الفرنج حارم # PageV05P0140 # في هذه السنة قبض الملك الصالح بن نور الدين على سعد الدين كمشتكين، وكان ~~المتولي لمر دولته والحاكم فيها؛ وسبب قبضه انه كان بحلب إنسان من أعيان ~~أهلها يقال له أبو صالح بن العجمي، وكان مقدما عند نور الدين محمد، فلما ~~مات نور الدين تقدم أيضا في دولة ولده الملك الصالح، وصار بمنزلة الوزير ~~الكبير المتمكن لكثرة اتباعه بحلب ولأن كل من كان يحسد كمشتكين انضم إلى ~~صالح، وقووا جنانه، وكثروا سواده؛ وكان عنده إقدام وجرأة فصار واحد الدولة ~~بحلب ومن يصدر الجماعة عن رأيه وبأمره. فبينما هو في بعض الأيام بالجامع ~~وثب به الباطنية فقتلوه ومضى شهيدا، وتمكن بعده سعد الدين وقوي حاله، فلما ~~قتل أحال الجماعة قتله على سعد الدين، وقالوا: هو وضع الباطنية عليه حتى ~~قتلوه، وذكروا ذلك للملك الصالح، ونسبوه إلى العجز، وانه ليس له حكم، وأن ~~سعد الدين قد تحكم عليه واحتقره واستصغره، وقتل وزيره، ولم يزالوا به حتى ~~قبض عليه. وكانت قلعة حارم لسعد الدين قد اقطعه إياها الملك الصالح، فامتنع ~~من بها بعد قبضه، وتحصنوا بها، فسير سعد الدين غليها تحت الاستظهار ليأمر ~~أصحابه بتسليمها إلى الملك الصالح، فأمرهم بذلك، فامتنعوا، فعذب كمشتكين ~~وأصحابه لا يرونه ولا يرحمونه، فمات في العذاب، وأصر أصحابه على الامتناع ~~والعصيان. فلما رأى الفرنج ذلك ساروا إلى حارم من حماة في جمادى الأولى، ~~على ما نذكره، ظنا منهم أنهم لا ناصر لهم، وان الملك الصالح صبي قليل ~~العسكر، وصلاح الدين بمصر، فاغنموا هذه الفرصة ونازلوها وأطالوا المقام ~~عليها مدة أربعة أشهر، ونصبوا عليها المجانيق والسلالم، فلم يزالوا كذلك ~~إلى أن بذل لهم الملك الصالح مالا، وقال لهم: إن ms4166 صلاح الدين واصل إلى ~~الشام، وربما أسلم القلعة ومن بها إليه، فأجابوه حينئذ إلى الرحيل عنها، ~~فلما رحلوا عنها سير إليها الملك الصالح جيشا فحصروها، وقد بلغ الجهد منهم ~~بحصار الفرنج، وصاروا أنهم طلائع، وكان قد قتل من أهلها وجرح الكثير، ~~فسلموا القلعة إلى الملك الصالح، فاستناب بها مملوكا كان لأبيه، اسمه سرخك. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في المحرم، خطب للسلطان طغرل بن أرسلان بن طغرل ابن محمد ~~بن ملكشاه المقيم عند إيلدكز بهمذان، وكان أبوه أرسلان قد توفي. وفيها، ~~سابع شوال، هبت ببغداد ريح عظيمة، فزلزلت الأرض، واشتد الأمر على الناس حتى ~~ظنوا أن القيامة قد قامت، فبقي ذلك ساعة ثم انجلت، وقد وقع كثير من الدور، ~~ومات فيها جماعة كثيرة. وفيها، رابع ذي القعدة، قتل عضد الدين أبو الفرج ~~محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر بن رئيس الرؤساء أبي القاسم بن ~~المسلمة وزير الخليفة، وكان قد عزم على الحج فعبر دجلة ليسير، وعبر معه ~~أرباب المناصب، وهو في موكب عظيم، وتقدم إلى أصحابه أن لا يمنعوا عنه أحدا، ~~فلما وصل إلى باب قطفتا لقيه كهل فقال: أنا مظلوم؛ وتقدم ليسمع الوزير ~~كلامه فضربه بسكين في خاصرته، فصاح الوزير: قتلني! ووقع من الدابة، وسقطت ~~عمامته، فغطى رأسه بكمه، وضرب الباطني بسيف، وعاد إلى الوزير فضربه، وأقبل ~~حاجب الباب ابن المعوج لينصر الوزير، فضربه الباطني بسكين وقيل بل ضربه ~~رفيق كان للباطني، ثم قتل الباطني ورفيقه؛ وكان لهما رفيق ثالث، فصاح وبيده ~~سكين وقتل ولم يعمل شيئا، وأحرقوا ثلاثتهم وحمل الوزير إلى دار له هناك، ~~وحمل حاجب الباب مجروحا إلى بيته، فمات هو والوزير، وحمل الوزير فدفن عند ~~أبيه بمقبرة الرباط عند جامع المنصور. وكان الوزير قد رأى في المنام أنه ~~معانق عثمان بن عفان ، وحكى عنه ولده أنه أغتسل قبل خروجه، وقالك هذا غسل ~~الإسلام، وانا مقتول بلا شك؛ وكان مولده في جمادى الأولى سنة أربع عشرة ~~وخمسمائة، وكان أبوه أستاذ دار المقتفي ms4167 لأمر الله، فلما مات ولي هو مكانه، ~~فبقي كذلك إلى أن مات الممقتفي، فأقره المستنجد على ذلك ورفع قدره، فلما ~~ولي المستضيئ استوزره، وكان حافظا للقرآن ، سمع الحديث، وله معروف كثير، ~~وكانت دارم مجمعا للعلماء، وختمت اعماله بالشهادة وهو على قصد الحج. ~~PageV05P0141 # وفيها كانت فتنة ببغداد، وسببها أنه حضر قوم من مسلمي المدائن إلى بغداد، ~~فشكوا من يهودها، وقالوا: انا مسجد نؤذن فيه ونصلي، وهم مجاور الكنيسة، ~~فقال لنا اليهود: قد آذيتمونا بكثرة الآذان، فقال المؤذن: ما نبالي بذلك، ~~فاختصموا، وكانت فتنة استظهر فيها اليهود، فجاء المسلمون يشكون منهم، فأمر ~~ابن العطار، وهو صاحب المخزن ، بحبسهم، ثم أخرجوا ، فقصدوا جامع القصر، ~~واستغاثوا قبل صلاة الجمعة، فخفف الخطيب الخطبة والصلاة ، فعادوا يستغيثون، ~~فأتاهم جماعة من الجند ومنعوهم، فلما رأى العامة ما فعل بهم غضبوا نصرة ~~للإسلام، فاستغاثوا، وقالوا أشياء قبيحة، وقلعوا طوابيق الجامع، ورجما ~~الجند فهربوا، ثم قصد العامة دكاكين المخلطين، لأن أكثرهم يهود، فنهبوها، ~~وأراد حاجب الباب منعهم، فرجموه فهرب منهم، وانقلب البلد وخربوا الكنيسة ~~التي عند دار البساسيري، وأحرقوا التوراة فاختفى اليهود، وأمر الخليفة ان ~~تنقض الكنيسة التي بالمدائن وتجعلوا مسجدا ونصب بالرحبة أخشاب ليصلب عليها ~~قوم من المفسدين، فظنها العامة نصبت تخويفا لهم لأجل ما فعلوا، فعلقوا ~~عليها في الليل جرذانا ميتة، وأخرج جماعة من الحبس لصوص فصلبوا عليها. ~~وفيها، في شعبان، قبض سيف الدين غازي، صاحب الموصل، على وزيره جلال الدين ~~علي بن جمال الدين بغير جرم ولا عجز، ولا تقصير، بل لعجز سيف الدين ، فإن ~~جلال الدين كان بينه وبين مجاهد الدين قايماز مشاحنة، فقال مجاهد الدين ~~لسيف الدين: لا بد من قبض الوزير؛ فقض عليه كارها لذلك، ثم شفع فيه ابن ~~نيسان رئيس آمد لصهر بينهما، فأخرجن وسار إلى آمد فمرض بها، وعاد إلى ~~دنيسر، فمات سنة أربع وسبعين وعمره سبع وعشرون سنة، وحمل إلى مدينة النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، فدفن عند والده في الرباط الذي بناه بها. وكان، رحمه ~~الله، من محاسن الدنيا، ms4168 جمع كرما، وعلما، ودينا، وعفة، وحسن سيرة، واستحلفه ~~سيف الدين أنه لا يمضي إلى صلاح الدين لأنه خاف أن يمضي إليه للمودة التي ~~كانت بين جمال الدين وبين نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه، فبلغني أن ~~صلاح الدين طلبه فلم يقصده لليمين. وفيها اجتمع طائفة من الفرنج وقصدوا ~~أعمال حمص، فنهبوها وغنموا، وأسروا وسبوا، فسار ناصر الدين محمد بن شيركوه، ~~صاحب حمص وسبقهم ووقف على طريقهم، وكمن لهم، فلما وصلوا إليه خرج إليهم هو ~~والكمين، ووضعوا السيف فيهم، فقتل أكثرهم، وأسر جماعة من مقدميهم، ومن سلم ~~منهم لم يفلت إلا وهو مثخن بالجراح، واسترد منهم جميع ما غنموا فرده على ~~أصحابه. وفيها، في ربيع الآخر توفي صدقة بن الحسين الحداد، الذي ذيل تاريخ ~~ابن الزغوني ببغداد، وفيها، في جمادى الأولى، توفي محمد بن أحمد بن عبد ~~الجبار الفقيه الحنفي المعروف بالمشطب ببغداد. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وسبعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر قصد الفرنج مدينة حماة أيضا # في هذه السنة، في ربيع الأول، سار جمع كثير من الفرنج بالشام إلى مدينة ~~حماة، وكثر جمعهم من الفرسان والرجالة طمعا في النهب والغارة، فشنوا ~~الغارة، ونهبوا وخربوا القرى، وأحرقوا، واسروا، وقتلوا، فلما سمع العسكر ~~المقيم بحماة ساروا إليهم، وهم قليل، متوكلين على الله تعالى، فالتقوا، ~~واقتتلوا، وصدق المسلمون القتال، فنصرهم الله تعالى، وانهزم الفرنج، وكثر ~~القتل والأسر فيهم، واستردوا منهم ما غنموه من السواد. وكان صلاح الدين قد ~~عاد من مصر إلى الشام في شوال من السنة المتقدمة، وهو نازل بظاهر حمص، ~~فحملت الرؤوس والأسرى والأسلاب إليه، فأمر بقتل الأسرى فقتلوا. ### || AUT ذكر عصيان ابن المقدم على صلاح الدين # ### || AUT وحصر بعلبك وأخذ البلد منه # PageV05P0142 # في هذه السنة عصى شمس الدين محمد بن عبد الملك المقدم على صلاح الدين ~~ببعلبك، وكانت له قد سلمها إليه صلاح الدين لما فتحها جزاء له حيث سلم إليه ~~ابن المقدم دمشق، على ما سبق ذكره، فلم تزل بيده إلى الآن، فطلب شمس الدولة ~~بن أيوب أخو صلاح ms4169 الدين منه بعلبك، وألح عليه في طلبها لأن تربيته ومنشأه ~~كان بها، وكان يحبها، ويختارها على غيرها من البلاد، وكان الأكبر، فلم يمكن ~~صلاح الدين مخالفته، فأمر شمس الدين بتسليمها إلى أخيه ليعوضه عنها، فلم ~~يجب إلى ذلك، وذكره العهود التي له، وما اعتمده معه من تسليم البلاد، فلم ~~يصغ إليه ولج عليه في أخذها، وسار ابن المقدم إليها، واعتصم بها، فتوجه ~~إليه صلاح الدين، وحصره بها مدة، ثم رحل عنها من غير أن يأخذها، وترك عليه ~~عسكرا يحصره، فلما طال عليه الحصار أرسل إلى صلاح الدين يطلب العوض عنها ~~ليسلمها إليه، فعوضه عنها وسلمها، فأقطعها صلاح الدين أخاه شمس الدولة. ### || AUT ذكر الغلاء والوباء العام # في هذه السنة انقطعت الأمطار بالكلية في سائر البلاد الشامية والجزيرة ~~والبلاد العراقية، والديار بكرية، والموصل وبلاد الجبل وخلاط، وغير ذلك، ~~واشتد الغلاء، وكان عاما في سائر البلاد، فبيعت غرارة الحنطة بدمشق، وهي ~~اثنا عشر مكوكا بالموصلي، بعشرين دينارا صورية عتقا، وكان الشعير بالموصل ~~كل ثلاثة مكاكي بدينار أميري، وفي سائر البلاد ما يناسب ذلك. واستسقى الناس ~~في أقطار الأرض، فلم يسقوا ، وتعذرت الأقوات، وأكلت الناس الميتة وما ~~ناسبها، ودام كذلك إلى آخر سنة خمس وسبعين؛ ثم تبعه بعد ذلك وباء شديد عام ~~أيضا، كثر فيه الموت، وكان مرض الناس شيئا واحدا، وهو السرسام، وكان الناس ~~لا يلحقون يدفنون الموتى، إلا أن بعض البلاد كان أشد من البعض. ثم إن الله ~~تعالى رحم العباد والبلاد والدواب وأرسل الأمطار، وأرخص الأسعار. ومن عجيب ~~ما رأيت أنني قصدت رجلا من العلماء الصالحين بالجزيرة لأسمع عليه شيئا من ~~حديث النبي، عليه السلام، في شهر رمضان سنة خمس وسبعين، والناس أشد ما ~~كانوا غلاء وقنوطا من الأمطار، وقد توسط الربيع ولم تجئ قطرة واحدة من ~~المطر، فبينا أنا جالس ومعي جماعة ننتظر الشيخ، إذ أقبل إنسان تركماني قد ~~أثر عليه الجوع، وكأنه قد أخرج من قبر، فبكى وشكا الجوع، فأرسلت من يشتري ~~له خبزا، فتأخر إحضاره لعدمه، وهو ms4170 يبكي ويتمرغ، على الأرض ويشكو الجوع، فلم ~~يبقى فينا إلا من بكى رحمة له وللناس، ففي الحال تغيمت السماء وجاءت نقط من ~~المطر متفرقة، فضج الناس واستغاثوا،ثم جاء الخبز، فأكل التركماني بعضه، ~~وأخذ الباقي بعضه، وأخذ الباقي ومشى واشتد المطر ودام المطر من تلك الساعة. ### || AUT ذكر غارات الفرنج على بلاد المسلمين # في هذه السنة، في ذي القعدة، اجتمع الفرنج وساروا إلى بلد دمشق مع ~~ملكهم، فأغاروا على أعمالها فنهبوها وأسروا وقتلوا وسبوا، فأرسل صلاح الدين ~~فرخشاه، ولد أخيه، في جمع من العسكر إليهم، وأمره إذا قاربهم يرسل غليه ~~يخبره على جناح طائر ليسير إليه، وتقدم إليه أن يأمر أهل البلاد بالانتزاح ~~من بين يديي الفرنج، فسار فرخشاه في عسكره يطلبهم، فلم يشعر إلا والفرنج قد ~~خالطوه، فاضطر إلى القتال، فاقتتلوا اشد قتال رآه الناس، وألقى فرخشاه نفسه ~~عليهم، وغشي الحرب ولم يكلها إلى سواه، فانهزم الفرنج ونصر المسلمون عليهم، ~~وقتل من مقدميهم جماعة ومنهم همفري، وما أدراك ما همفري؟ به كان يضرب المثل ~~في الشجاعة والرأي في الحرب، وكان بلاء صبه الله على المسلمين، فأراح الله ~~من شره. وقتل غيره من أضرابه، ولم يبلغ عسكر فرخشاه ألف فارس.وفيها أيضا ~~أغار البرنس صاحب أنطاكية ولاذقية على جشير المسلمين بشيزر وأخذه، وأغار ~~صاحب طرابلس على جمع كثير من التركمان، فاحتجف أموالهم، وكان صلاح الدين ~~على بانياس، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، فسير ولد أخيه تقي الدين عمر ~~إلى حماة وابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه إلى مصر، وأمرهما بحفظ ~~البلاد، وحياطة أطرافها من العدو، دمرهم الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # ليلة النصف من ربيع الآخر، انكسف القمر نحو نصف الليل الأخير وغاب ~~منكسفا. وفيها أيضا، في التاسع والعشرين، انكسفت الشمس وقت العصر، فغربت ~~منكسفة. PageV05P0143 # وفي هذه السنة، في شعبان، توفي الحيص بيص الشاعر، واسمه سعد ابن محمد بن ~~سعد أبو الفوارس، وكان قد سمع الحديث، ومدح الخلفاء والسلاطين والأكابر، ~~وشعره مشهور، فمنه قوله: كلما أوسعت حلمي جاهلا ms4171 ... أوسع فحش له فحش المقال ~~وإذا شاردة فهت بها ... سبقت مر النعامة والشمال لا تلمني في شقائي بالعلى ~~... رغد العيش لربات الحجال سيف عز زانه رونقه ... فهو بالطبع غني عن سقال ~~وفي المحرم ماتت شهدة بنت احمد بن عمر الإبري الكاتبة وسمعت الحديث من ~~السراج وطراد وغيرهما، وعمرت حتى قاربت مائة سنة، وسمع عليها خلق كثير ~~الحديث لعلو إسنادها. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر تخريب الحصن الذي بناه الفرنج # ### || AUT عند مخاضة الأحزان # كان الفرنج قد بنوا حصنا منيعا يقارب بانياس، عند بيت يعقوب ، عليه ~~السلام، بمكان يعرف بمخاضة الأحزان؛ فلما سمع صلاح الدين بذلك سار من دمشق ~~إلى بانياس، وأقام بها، وبث الغارات على بلاد الفرنج، ثم سار إلى الحصن ~~ليخبره ثم يعود إليه عند اجتماع العساكر؛ فلما نازل الحصن قاتل من به من ~~الفرنج، ثم عاد عنه، فلما دخلت سنة خمس وسبعين لم يفارق بانياس بل أقام بها ~~وخيله تغير على بلاد العدو. وأرسل جماعة من عسكره مع جالبي الميرة، فلم ~~تشعر إلا والفرنج مع ملكهم قد خرجوا عليهم، فأرسلوا إلى صلاح الدين يعرفونه ~~الخبر، فسار في العساكر مجدا حتى وافاهم في القتال، فقاتل الفرنج قتالا ~~شديدا، وحملوا على المسلمين عدة حملات كادوا يزيلونهم عن مواقفهم، ثم أنزل ~~الله نصره على المسلمين، وهزم المشركين، وقتلت منهم مقتلة كثيرة، ونجا ~~ملكهم فريدا وأسر منهم كثير، منهم: ابن البيرزان صاحب الرملة ونابلس، وهو ~~أعظم الفرنج محلا بعد الملك، وأسروا أيضا أخا صاحب جبيل، وصاحب طبرية، ~~ومقدم الداوية، ومقدم الاسبارتية، وصاحب جنين وغيرهم، من مشاهير فرسانهم ~~وطواغيتهم، فأما ابن البيرزان فإنه فدى نفسه بمائة ألف وخمسين ألف دينار ~~صورية، وإطلاق ألف أسير من المسلمين، وكان أكثر العمل في هذا اليوم لعز ~~الدين فرخشاه ابن أخي صلاح الدين؛ وحكي عنه أنه قال: ذكرت في تلك الحال ~~بيتي المتنبي وهما: فإن تكن الدولات قسما فإنها ... لمن يرد الموت الزؤام ~~تؤول ومن هون الدنيا على النفس ساعة ... وللبيض في هام ms4172 الكماة صليل فهان ~~الموت في عيني، فألقيت نفسي إليه، وكان ذلك سبب الظفر؛ ثم عاد صلاح الدين ~~إلى بانياس من موضع المعركة، وتجهز للدخول إلى ذلك الحصن ومحاصرته، فسار ~~إليه في ربيع الأول، وأحاط به، وقوى طمعه بالهزيمة المذكورة في فتحه، وبث ~~العساكر في بلد الفرنج للإغارة، ففعلوا ذلك، وجمعوا من الأخشاب والزرجون ~~شيئا كثيرا ليجعله متارس للمجانيق، فقال له جاولي الأسدي وهو مقدم الأسدية ~~وأكابر الأمراء: الرأي أننا نجربهم بالزحف أول مرة، ونذوق قتال من به، ~~وننظر الحال معهم، فإن استضعفناهم، وإلا فنصب المجانيقما يفوت. فقبل رأيه، ~~وأمر فنودي بالزحف إليه، والجد في قتاله، فزحفوا واشتد القتال، وعظم المر، ~~فصعد إنسان من العامة بقميص خلق في باشورة الحصن وقاتل على السور لما علاه ~~وتبعه غيره من أضرابه، ولحق بهم الجند فملكوا الباشورة، فصعد الفرنج حينئذ ~~منها إلى أسوار الحصن ليحموا نفوسهم وحصنهم إلى أن يأتيهم المدد. ~~PageV05P0144 # وكان الفرنج قد جمعوا في طبرية، فألح المسلمون في قتال الحصن، خوفا من ~~وصول الفرنج وإزاحتهم عنه، وأدركهم الليل، فأمر صلاح الدين بالمبيت ~~بالباشورة إلى الغد، ففعلوا، فلما كان الغد أصبحوا وقد نقبوا الحصن، وعمقوا ~~النقب، وأشعلوا النيران فيه، وانتظروا سقوط السور، فلم يسقط لعرضه، فإنه ~~كان تسعة أذرع بالنجاري، يكون الذراع ذراعا ونصفا، فانتظروه يومين ليسقط ~~فلم يسقط، فأمر صلاح الدين بإطفاء النار التي في النقب، فحمل الماء والقي ~~عليها فطفئت، وعاد النقابون فنقبوا، وخرقوا السور، وألقوا فيه النار، فسقط ~~يوم الخميس لست بقين من ربيع الأول، ودخل المسلمون الحصن عنوة واسروا كل من ~~فيه، وأطلقوا من كان به من أسارى المسلمين، ؛ وقتل صلاح الدين كثيرا من ~~أسرى الفرنج، وأدخل الباقين إلى دمشق، وأقام صلاح الدين بمكانه حتى هدم ~~الحصن، وعفى أثره، وألحقه بالأرض، وكان قد بذل الفرنج ستين ألف دينار مصرية ~~ليهدموه بغير قتال، فلم يفعلوا ظنا منهم أنه إذا بقي بناؤه تمكنوا به من ~~كثير من بلاد الإسلام، وأما الفرنج فاجتمعوا بطبرية ليحموا الحصن، فلما ~~أتاهم الخبر بأخذه فت في ms4173 أعضادهم، فتفرقوا إلى بلادهم، وأكثر الشعراء فيه، ~~فمن ذلك قول صديقنا النشو بن نفاذة، رحمه الله: هلاك الفرنج أتى عاجلا ... ~~وقد آن تكسير صلبانها ولو لم يكن قد دنا حتفها ... لما عمرت بيت أحزانها ~~وقول علي بن محمد الساعاتي الدمشقي: أتسكن أوطان النبيين عصبة ... تمين لدى ~~أيمانها وهي تحلف نصحتكم والنصح للدين واجب ... ذروا بيت يعقوب فقد جاء يوسف ### || AUT ذكر الحرب بين عسكر صلاح الدين وعسكر قلج أرسلان # في هذه السنة كانت الحرب بين عسكر صلاح الدين يوسف بن أيوب ومقدمه ابن ~~أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وبين عسكر الملك قلج أرسلان بن ~~مسعود بن قلج أرسلان، صاحب بلاد قونية، وأقصرا. وسببها أن نور الدين محمود ~~بن زنكي بن آقسنقر، رحمه الله، كان قد أخذ قديما من قلج أرسلان حصن رعبان، ~~وكان بيد شمس الدين بن المقدم إلى الآن، فطمع فيه قلج أرسلان بسبب أن الملك ~~الصالح بحلب بينه وبين صلاح الدين، فأرسل إليه من يحصره، فاجتمع عليه جمع ~~كثير، يقال: كانوا عشرين ألفا، فأرسل إليهم صلاح الدين تقي الدين في ألف ~~فارس، فواقعهم وقاتلهم وهزمهم، وأصلح حال تلك الولاية، وعاد إلى صلاح ~~الدين، ولم يحضر معه تخريب حصن الأحزان، فكان يفتخر ويقول: هزمت بألف مقاتل ~~عشرين ألفا. ### || AUT ذكر وفاة المستضئ بأمر الله وخلافة الناصر لدين الله # في هذه السنة، في ثاني ذي القعدة، توفي الإمام المستضيء بأمر الله أمير ~~المؤمنين أبو محمد الحسن بن يوسف المستنجد، رضي الله عنه، وأمه أم ولد ~~أرمنية تدعى غضة؛ وكانت خلافته نحو تسع سنين وسبعة أشهر؛ وكان مولده سنة ست ~~وثلاثين وخمسمائة، وكان عادلا حسن السيرة في الرعية، كثير البذل للأموال، ~~غير مبالغ في ما جرت العادة في أخذه؛ وكان الناس معه في أمن عام وإحسان ~~شامل، وطمأنينة وسكون،لم يروا مثله، وكان حليما قليل المعاقبة على الذنوب، ~~محبا للعفو والصفح عن المذنبين، فعاش حميدا، ومات سعيدا، رضي الله عنه، ~~فكانت أيامه كما قيل: كأن أيامه من حسن سيرته ms4174 ... مواسم الحج والأعياد ~~والجمع ووزر له عضد الدين أبو الفرج بن رئيس الرؤساء إلى أن قتل في ذي ~~القعدة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، ولما قتل حكم في الدولة ظهير الدين أبو ~~بكر منصور بن نصر المعروف بابن العطار، وكان خيرا، حسن السيرة، كثير ~~العطاء، وتمكن تمكنا كثيرا، فلما مات المستضيء شرع ظهير الدين ابن العطار ~~في اخذ البيعة لولده الناصر لدين الله، أمير المؤمنين، فلما تمت البيعة صار ~~الحاكم في الدولة أستاذ الدار مجد الدين أبو الفضل بن الصاحب. PageV05P0145 # وفي سابع ذي القعدة، قبض على ابن العطار ظهير الدين، ووكل عليه في داره، ~~ثم نقل إلى التاج، وقيد ووكل به، وطلبت ودائعه وأمواله، وفي ليلة الأربعاء ~~ثامن عشر ذي القعدة اخرج ميتا على رأس حمال سرا، فغمز به بعض الناس، فثار ~~به العامة، فألقوه على رأس الحمال، وكشفوا سوءته، وشدوا في ذكره حبلا ~~وسحبوه في البلد، وكانوا يضعون بيده مغرفة يعني أنها قلم وقد غمسوها في ~~العذرة ويقولون: وقع لنا يا مولانا، إلى غير هذا من الأفعال الشنيعة، ثم ~~خلص من أيديهم ودفن، هذا فعلهم به مع حسن سيرته فيهم وكفه عن أموالهم ~~وأعراضهم؛ وسيرت الرسل إلى الآفاق لأخذ البيعة، فسير صدر الدين شيخ الشيوخ ~~إلى البهلوان، صاحب همذان وأصفهان والري وغيرها، فامتنع من البيعة، فراجعه ~~صدر الدين، واغلظ له في القول، حتى أنه قال لعسكره في حضرته: ليس لهذا ~~عليكم طاعة ما لم يبايع أمير المؤمنين، بل يجب عليكم أن تخلعوه من الأمارة، ~~وتقاتلوه، فاضطر إلى المبايعة والخطبة، وأرسل إلى رضي الدين القزويني مدرس ~~النظامية إلى الموصل لأخذ البيعة، فبايع صاحبها، وخطب للخليفة الناصر لدين ~~الله أمير المؤمنين. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة هبت ريح سوداء مظلمة بالديار الجزرية والعراق وغيرها، وعمت ~~اكثر البلاد من الظهر إلى أن مضى من الليل ربعه، وبقيت الدنيا مظلمة لا ~~يبصر الإنسان صاحبه، وكنت حينئذ بالموصل، فصلينا الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء الآخرة على الظن والتخمين، وأقبل الناس على التوبة والتضرع ~~والاستغفار، ms4175 وظنوا ان القيامة قد قامت، فلما مضى مقدار ربع الليل زال ذاك ~~الظلام والعتمة التي غطت السماء، فنظرنا فرأينا النجوم، فعلمنا مقدار ما ~~مضى من الليل، لأن الظلام لم يزدد بدخول الليل، وكان كل من يصل من جهة من ~~الجهات يخبر بمثل ذلك. وفيها في ذي القعدة، نزل شمس الدولة أخو صلاح الدين ~~عن بعلبك، وطلب عوضا عنها الإسكندرية، فأجابه صلاح الدين إلى ذلك واقطع ~~بعلبك لعز الدين فرخشاه ابن أخيه، فسار إليها، وجمع أصحابه، وأغار على بلاد ~~الفرنج، حتى وصل إلى قلعة صفد، وهي مطلة على طبرية، فسبى وأسر وغنم وخرب ~~وفعل بالفرنج أفاعيل عظيمة. وأما شمس الدولة فإنه سار إلى مصر وأقام ~~بالإسكندرية، وإذا أراد الله أن يقبض رجلا بأرض جعل له إليها حاجة، فإنه ~~أقام بها إلى أن مات بها. وفيها قارب الجامع الذي بناه مجاهد الدين قايماز ~~بظاهر الموصل منجهة باب الجسر الفراغ، وأقيمت فيه الصلوات الخمس والجمعة، ~~وهو من احسن الجوامع. وفيها توفي أحمد بن عبد الرحمن الصوفي شيخ رباط ~~الزوزني، وسمع الحديث وكان يصوم الدهر؛ وعبد الحق بن عبد الخالق بن يسف، ~~سمع الحديث ورواه، وهو من بيت الحديث؛ والقاضي عمر بن علي بن الخضر أبو ~~الحسن الدمشقي، سمع الحديث ورواه وولي قضاء الحريم؛ وعلي بن أحمد الزيدي، ~~سمع الحديث الكثير، وله وقف كتب كثيرة ببغداد، وكان زاهدا، خيرا، صالحا؛ ~~ومحمد بن علي بن حمزة أبو علي الأقساسي نقيب العلويين بالكوفة، وكان ينشد ~~كثيرا: رب قوم في خلائقهم ... عرر قد صيروا غررا ستر المال القبيح لهم ... ~~سترى إن زال ما سترا ومحمد بن محمد بن عبد الكريم المعروف بابن سديد الدولة ~~الأنباري، كاتب الإنشاء بعد أبيه؛ وأبو الفتوح بصر بن عبد الرحمن الدامغاني ~~الفقيه، كان مناظرا حسن المناظرة، كثير العبادة، ودفن عند قبر أبي حنيفة. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وسبعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر وفاة سيف الدين صاحب الموصل # ### || AUT وولاية أخيه عز الدين بعده # في هذه السنة، ثالث صفر، توفي سيف الدين غازي ms4176 بن مودود بن زنكي، صاحب ~~الموصل وديار الجزيرة، وكان مرضه السل، وطال به، ثم أدركه في آخره سرسام، ~~ومات. PageV05P0146 # ومن عجيب ما يحكى ان الناس خرجوا سنة خمس وسبعين يستسقون لانقطاع الغيث ~~وشدة الغلاء، وخرج سيف الدين في موكبه، فثار به الناس وقصدوه بالاستغاثة، ~~وطلبوا منه ان يأمر بالمنع من بيع الخمر، فأجابهم إلى ذلك، فدخلوا البلد ~~وقصدوا مساكن الخمارين، وخربوا أبوابها، ودخلوها، ونهبوها، وأراقوا ما بها ~~من خمور، وكسروا الظروف، وعملوا ما لا يحل، فاستغاث أصحاب الدور إلى نواب ~~السلطان ، وخصوا بالشكوى رجلا من الصالحين يقال له أبو الفرج الدقاق، ولم ~~يكن له يد في الذي فعله العامة من النهب، وما لا يجوز فعله، إنما هو أراق ~~الخمور، ونهى العامة على الذي يفعلونه، فلم يسمعوا منه، فلما شكى الخمارون ~~منه أحضر بالقلعة، وضرب على رأسه، فسقطت عمامته، فلما أطلق لينزل من القلعة ~~نزل مكشوف الرأس، فأرادوا تغطيته بعمامته، فلم يفعل، وقال: والله لا غطيت ~~رأسي حتى ينتقم الله لي ممن ظلمني! فلم يمض غير أيام حتى توفي الدزدار الذي ~~تولى أذاه، ثم بعقبه موت سيف الدين، واستمر بها إلى أن مات، وعمره حينئذ ~~نحو ثلاثين سنة. وكانت ولايته عشر سنين وثلاثة أشهر، وكان حسن الصورة، مليح ~~الشباب، تام القامة، ابيض اللون، وكان عاقلا وقورا، قليل الالتفات إذا ركب ~~وإذا جلس، عفيفا لم يذكر عنه ما ينافي العفة. وكان غيورا شديد الغيرة لا ~~يدخل دوره غير الخدم الصغار، فإذا كب أحدهم منعه، وكان لا يحب سفك الدماء، ~~ولا أخذ الأموال على شح فيه وجبن. ولما اشتد مرضه أراد ان يعهد بالملك ~~لابنه معز الدين سنجر شاه، وكان عمره حينئذ اثنتي عشر سنة، فخاف على الدولة ~~من ذلك لأن صلاح الدين يوسف بن أيوب كان قد تمكن بالشام، وقوي أمره، وامتنع ~~أخوه عز الدين مسعود بن مودود من الإذعان لذلك، والإجابة إليه، فأشار ~~الأمراء الأكابر ومجاهد الدين قايماز بأن يجعل الملك بعده في عز الدين ~~أخيه، لما هو عليه من الكبر ms4177 في السن والشجاعة والعقل وقوة النفس، وأن يعطي ~~ابنيه بعض البلاد، ويكون مرجعهما إلى هز الدين عمهما والمتولي لأمرهما ~~مجاهد الدين قايماز، ففعل ذلك، وجعل الملك في أخيه، وأعطى جزيرة ابن عمر ~~وقلاعها لولده سنجر شاه، وقلعة عقر الحميدية لولده الصغير ناصر الدين ~~كسك.فلما توفي سيف الدين ملك بعده الموصل والبلاد أخوه عز الدين، وكان ~~المدبر للدولة مجاهد الدين، وهو الحاكم في الجميع، واستقرت الأمور ولم ~~يختلف اثنان. ### || AUT ذكر مسير صلاح الدين لحرب قلج أرسلان # في هذه السنة سار صلاح الدين يوسف بن أيوب من الشام إلى بلاد قلج أرسلان ~~بن مسعود بن قلج أرسلان، وهي ملطية وسيواس وما بينهما، وقونية، ~~ليحاربه.وسبب ذلك أن نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود، صاحب حصن كيفا ~~وغيره من ديار بكر، كان قد تزوج ابنة قلج أرسلان المذكور، وبقيت عنده مدة، ~~ثم إنه أحب مغنية، فتزوجها، ومال إليها، وحكمت في بلاده وخزائنه، واعرض عن ~~ابنة قلج أرسلان، وتركها نسيا منسيا، فبلغ أباها الخبر، فعزم على قصد نور ~~الدين واخذ بلاده، فأرسل نور الدين إلى صلاح الدين يستجير به ويسأله كف يد ~~قلج ارسلان عنه، فأرسل صلاح الدين إلى قلج أرسلان في المعنى، فأعاد الجواب: ~~إنني كنت قد سلمت إلى نور الدين عدة حصون مجاورة بلاده لما تزوج ابنتي، ~~فحيث آل الأمر معه إلى ما تعلمهن فأنا أريد أن يعيد إلي ما أخذه مني. ~~PageV05P0147 # NOTMATCH ### || AUT ذكر ملك يوسف بن عبد المؤمن مدينة قفصة بعد خلاف صاحبها عليه NOTMATCH # وترددت الرسل بينهما، فلم يستقر حال فيها، فهادن صلاح الدين الفرنج، وسار ~~في عساكره، وكان الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود صاحب حلب فيها، ~~فتركها ذات اليسار، وسار على تل باشر إلى رعبان، فأتاه بها نور الدين محمد ~~وأقام عنده، فلما سمع قلج أرسلان بقربه منه أرسل إليه أكبر أمير عنده، ~~ويقول له: إن هذا الرجل فعل مع ابنتي كذا، ولا بد من قصد بلاده، وتعريفه ~~محل نفسه، فلما وصل الرسول، واجتمع ms4178 بصلاح الدين، وأدى الرسالة،امتعض صلاح ~~الدين لذلك واغتاظ، وقال للرسول: قل لصاحبك والله الذي لا غله إلا هو لئن ~~لم يرجع لأسيرن إلى ملطية وبيني وبينها يومان، ولا أنزل عن فرسي إلا في ~~البلد، ثم أقصد جميع بلاده وآخذها منه.فرأى الرسول أمرا شديدا، فقام من ~~عنده، وكان قد رأى العسكر وما هو عليه من القوة والتجمل، وكثرة السلاح ~~والدواب وغير ذلك، وليس عنده ما يقاربه، فعلم أنه إن قصدهم أخذ بلادهم، ~~فأرسل إليه من الغد يطلب أن يجتمع به، فأحضره فقال له: أريد أن أقول شيئا ~~من عندي ليس رسالة من عند صاحبي، واحب ان تنصفني. فقال له: قل!! قال: يا ~~مولانا ما هو قبيح بمثلك، وأنت من اعظم السلاطين وأكبرهم شأنا، أن تسمع ~~الناس عنك انك صالحت الفرنج، وتركت الغزو ومصالح المملكة، وأعرضت عن كل ما ~~فيه صلاح لك ولرعيتك وللمسلمين عامة، وجمعت العساكر من أطراف البلاد ~~البعيدة والقريبة، وسرت وخسرت أنت وعساكرك الأموال الكثيرة من أجل قحبة ~~مغنية؟ ما يكون عذرك عند الله تعالى، ثم عند الخليفة وملوك الإسلام والعالم ~~كافة؟ واحسب ان أحدا ما يواجهك بهذا، أما يعلمون أن الأمر هكذا؟ ثم احسب أن ~~قلج ارسلان مات، وهذه ابنته أرسلتني إليك تستجير بك، وتسألك أن تنصفها من ~~زوجها، فإن فعلت، فهو الظن بك أن لا تردها. فقال: والله الحق بيدك، وإن ~~الأمر لكما تقولن ولكن هذا الرجل دخل علي وتمسك بي ويقبح بي تركه، لكنك أنت ~~اجتمع به، واصلح الحال بينكم على ما تحبون، وأنا أعينكم عليه وأقبح فعله ~~عنده؛ ووعد من نفسه بكل جميل، فاجتمع الرسول بصاحب الحصن، وتردد القول ~~بينهم، فاستقر أن صاحب الحصن يخرج المغنية من عنده بعد سنة، وإن كان لا ~~يفعل ينزل صلاح الدين عن نصرته، ويكون هو وقلج أرسلان عليه، واصطلحوا على ~~ذلك، وعاد صلاح الدين عنه إلى الشام، وعاد نور الدين إلى بلاده ، فلما ~~انقضت المدة أخرج نور الدين المغنية عنه، فتوجهت إلى بغداد، وأقامت بها إلى أن ماتت. ### || AUT ms4179 ذكر قصد صلاح الدين بلد ابن ليون # وفيها قصد صلاح الدين بلد ابن ليون الأرمني بعد فراغه من أمر قلج ~~أرسلان، وسبب ذلك أن أبن ليون الأرمني قد استمال قوما من التركمان وبذل لهم ~~الأمان، فأمرهم أن يرعوا مواشيهم في بلاده، وهي بلاد حصينة كلها حصون ~~منيعة، والدخول إليها صعب، لأنها مضائق وجبال وعرة، ثم غدر بهم وسبى ~~حريمهم، واخذ أموالهم، وأسر رجالهم بعد أن قتل منهم من حان أجله. ونزل صلاح ~~الدين على النهر الأسود، وبث الغارات على بلاده، فخاف ابن ليون على حصن له ~~على رأس جبلن أن يؤخذ فخربه وأحرقه، ، فسمع صلاح الدين بذلك، فأسرع السير ~~إليه، فأدركه قبل أن ينقل ما فيه من ذخائر وأقوات، فغنمها، وانتفع المسلمون ~~بما غنموه، فأرسل ابن ليون يبذل إطلاق ما عنده من الأسرى والسبي وإعادة ~~أموالهم على أن يعودوا عن بلاده، فأجابه صلاح الدين إلى ذلك واستقر الحال، ~~وأطلق الأسرى وأعيدت أموالهم، وعاد صلاح الدين عنه في جمادى الآخرة. ### || AUT ملك يوسف بن عبد المؤمن مدينة قفصة # ذكر ### || AUT ملك يوسف بن عبد المؤمن مدينة قفصة # بعد خلاف صاحبها عليه في هذه السن ة سار أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ~~إلى إفريقية،وملك قفصة. PageV05P0148 # وكان سبب ذلك أن صاحبها ابن عبد المعز بن المعتز لما رأى دخول الترك إلى ~~إفريقية واستيلائهم على بعضها، وانقياد العرب إليهم، طمع أيضا في الاستبداد ~~والانفراد عن يوسف وكان في طاعته، فأظهر ما في نفسه وخالفه وأظهر العصيان، ~~ووافقه أهل قفصة، فقتلوا كل من كان عندهم من الموحدين أصحاب أبي يعقوب، ~~وكان ذلك في شوال سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، فأرسل والي بجاية إلى يوسف ~~بن عبد المؤمن يخبره باضطراب أمور البلاد، واجتماع كثير من العرب إلى ~~قراقوش التركي الذي دخل إلى إفريقية وقد تقدم ذكر ذلك وما جرى في قفصة من ~~قتل الموحدين ومساعدة أهل قفصة صاحبهم على ذلك، فشرع في سد الثغور التي ~~يخافها بعد مسيره، فلما فرغ من جميع ذلك جهز العسكر وسار ms4180 نحو إفريقية سنة ~~خمس وسبعين، ونزل على مدينة قفصة وحصرها ثلاثة أشهرن وهي بلدة حصينة، ~~وأهلها أنجاد، وقطع شجرها. فلما اشتد الأمر على صاحبها وأهلهان خرج منها ~~مستخفيا لم يعرف به أحد من أهل قفصة ولا من عسكره، وسار إلى خيمة يوسف، ~~وعرف حاجبه انه قد حضر إلى أمير المؤمنين يوسف، فدخل الحاجب واعلم يوسف ~~بوصول صاحب قفصة إلى باب خيمته، فعجب منه كيف أقدم على الحضور عنده بغير ~~عهد، وأمر بإدخاله عليه، فدخل وقبل يده، وقال: قد حضرت أطلب عفو أمير ~~المؤمنين عني وعن أهل بلدي، وان يفعل ما هو أهله؛ واعتذر، فرق له يوسف فعفا ~~عنه وعن أهل البلد، وتسلم المدينة أول سنة ست وسبعين وسير على بن المعز ~~صاحبها إلى بلاد المغرب، فكان فيه مكرما عزيزا، وأقطعه ولاية كبيرة؛ ورتب ~~يوسف لقفصة طائفة من أصحابه الموحدين، وحضر مسعود بن زمام أمير العرب عند ~~يوسف أيضا، فعفا عنه وسيره إلى مراكش، وسار يوسف إلى المهدية، فاتاه بها ~~رسول ملك الفرنج، صاحب صقلية، يلتمس الصلح منه، فهادنه عشر سنين، وكانت ~~بلاد إفريقية مجدبة فتعذر على العسكر القوت وعلف الدواب، فسار إلى المغرب ~~مسرعا، والله أعلم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي شمس الدولة تورانشاه بن أيوب، أخو صلاح الدين الأكبر، ~~بالإسكندرية، وكان قد أخذها من أخيه إقطاعا، فأقام بها فتوفي، وكان له أكثر ~~بلاد اليمن، ونوابه هناك يحملون له الأموال من زبيد وعدن، وكل ما بينهما من ~~البلاد والمعاقل، وكان أجود الناس وأسخاهم كفا، يخرج كل ما يحمل إليه من ~~أموال اليمن، ودخل الإسكندرية، وحكمه في بلاد أخيه صلاح الدين وأمواله ~~نافذ، ومع هذا، فلما مات كان عليه نحم مائتي ألف دينار مصرية دينا، فوفاها ~~أخوه صلاح الدين عنه لما دخل إلى مصر، فإنه لما بلغه خبر وفاته سار إلى مصر ~~في شعبان من السنة،واستخلف بالشام عز الدين فرخشاه ابن أخيه شاهتشاه، وكان ~~عاقلا حازما شجاعا. وفيها توفي الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن سلفة ~~الأصفهاني ms4181 بالإسكندرية، وكان حافظ الحديث وعالما به سافر في طلب الكثير. ~~وتوفي أيضا في المحرم علي بن عبد الرحيم المعروف بابن العصار اللغوي ~~ببغداد، وسمع الحديث وكان من أصحاب ابن الجواليقي. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وسبعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر غزاة إلى بلد الكرك من الشام # في هذه السنة سار فرخشاه نائب صلاح الدين بدمشق إلى أعمال الكرك ونهبها. ~~وسبب ذلك أن البرنسن صاحب الكر، كان من شياطين الفرنج ومردتهم، وأشدهم ~~عداوة للمسلمين، فتجهز ، وجمع عسكره ومن أمكنه الجمع، وعزم على المسير في ~~البر إلى تيماء، ومنها إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، للاستيلاء على ~~تلك النواحي الشريفة، فسمع عز الدين فرخشاه ذلك، فجمع العساكر الدمشقية ~~وسار إلى بلده ونهبه وخربه، وعاد إلى طرف بلادهم، وأقام ليمنع البرنس من ~~بلاد الإسلام، فامتنع بسببه عن مقصده، فلما طال مقام كل واحد منهم في ~~مقابلة الآخر علم البرنس أن المسلمين لا يعودون حتى يفرق جمعه، ففرقهم ~~وانقطع طمعه من الحركة، فعاد فرخشاه إلى دمشق، وكفى الله المؤمنين شر الكفار. ### || AUT ذكر تلبيس ينبغي أن يحتاط من مثله # PageV05P0149 # كان سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ الكناني ينوب عن شمس الدولة أخي ~~صلاح الدين باليمن وتحكم في الأموال والبلاد بعد أن فارقها شمس الدولة،كما ~~ذكرنا، وكان هواه بالشام لأنه وطنه، فأرسل إلى شمس الدولة يطلب الإذن له ~~المجيء إليه، فأذن له في المجيء، فاستناب بزبيد أخاه حطان ابن كامل بن منقذ ~~الكناني، وعاد إلى شمس الدولة، وكان معه بمصر. فمات شمس الدولة، وبقي مع ~~صلاح الدين فقيل عنه: إنه أخذ أموال اليمن وادخرها، وسعى به أعداؤه، فلم ~~يعارضه صلاح الدين. فلما كان هذه السنة وصلاح الدين بمصر اصطنع سيف الدولة ~~طعاما وعمل دعوة كبيرة، ودعا إليها أعيان الدولة الصلاحية بقرية تسمى ~~العدوية. وأرسل أصحابه يتجهزون من البلد، ويشترون ما يحتاجون إليه من ~~الأطعمة وغيرها، فقيل لصلاح الدين أن ابن منقذ يريد الهرب، وأصحابه يتزودون ~~له، ومتى دخل اليمن أخرجه عن طاعتك؛ فأرسل صلاح ms4182 الدين فأخذه والناس عنده ~~وحبسه، فلما سمع صلاح الدين جلية الحال علم أن الحيلة تمت لأعدائه في قبضه، ~~فخفف ما كان عنده عليه، وسهل أمره وصانعه على ثمانين ألف دينار مصرية، سوى ~~ما لحقها من الحمل لأخوة صلاح الدين وأصحابه وأطلقه وأعاده إلى منزلته، ~~وكان أديبا شاعرا. ### || AUT ذكر إرسال صلاح الدين العساكر إلى اليمن # في هذه السنة سير صلاح الدين جماعة من أمرائه منهم صارم الدين قتلغ أبه، ~~والي مصر، إلى اليمن، للاختلاف الواقع بها بين نواب أخيه شمس الدولة، وهم ~~عز الدين عثمان بن الزنجيلي، والي عدن، وحطان بن منقذ والي زبيد وغيرهما، ~~فإنهم لما بلغهم وفاة صاحبهم اختلفوا وجرت بين عز الدين عثمان وبين حطان ~~حرب، وكل واحد منهما يروم أن يغلب الآخر على ما بيده، واشتد الأمر، فخاف ~~صلاح الدين أن يطمع أهل البلاد فيها بسبب الاختلاف بين أصحابه وأن يخرجوهم ~~من البلاد، فأرسل هؤلاء الأمراء إليها. واستولى قتلغ أبه على زيبد وأزال ~~حطان عنها. ثم مات قتلغ أبه، فعاد حطان إلى إمارة زبيد، وأطاعه الناس لجوده وشجاعته. ### || AUT ذكر وفاة الملك الصالح # ### || AUT وملك ابن عمه عز الدين مسعود مدينة حلب # في هذه السنة، في رجب، توفي الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود ~~صاحب حلب بها، وعمره نحو تسع عشرة سنة، ولما اشتد مرضه وصف له الأطباء شرب ~~الخمر للتداوي، فقال: لا أفعل حتى أستفتي الفقهاء؛ فاستفتى، فأفتاه فقيه من ~~مدرسي الحنفية بجواز ذلك، فقال له: أرأيت إن قدر الله تعالى بقرب الأجل ~~أيؤخره شرب الخمر؟ فقال له الفقيه: لا فقال: والله لا لقيت الله سبحانه وقد ~~استعملت ما حرمه علي؛ ولم يشربها. فلما أيس من نفسه، أحضر الأمراء، وسائر ~~الأجناد، ووصاهم بتسليم البلد إلى ابن عمه عز الدين مسعود بن مودود بن ~~زنكي، واستحلفهم على ذلك، فقال له بعضهم: إن عماد الدين ابن عمك أيضا، وهو ~~زوج أختك، وكان والدك يحبه ويؤثره، وهو تولى تربيته، وليس له غير سنجار، ~~فلو أعطيته البلد لكان ms4183 أصلحن وعز الدين له من البلاد من نهر الفرات إلى ~~همذان، ولا حاجة به إلى بلدك، فقال له: إن هذا لم يغب عني، ولكن قد علمتم ~~أن صلاح الدين قد تغلب على عامة بلاد الشام سوى ما بيدي، ومتى سلمت حلب إلى ~~عماد الدين يعجز عن حفظها وإن ملكها صلاح الدين لم يبق لأهانا معه مقام، ~~وإن سلمتها إلى عز الدين أمكنه حفظها بكثرة عساكره وبلاده. فاستحسنوا قوله ~~وعجبوا من جودة فطنته مع شدة مرضه وصغر سنه. ثم مات، وكان حليما كريما عفيف ~~اليد والفرج واللسان، ملازما للدين، لا يعرف له شيء مما يتعاطاه الملوك ~~والشباب من شرب خمر أو غيره، حسن السيرة في رعيته عادلا فيهم. PageV05P0150 # ولما قضى نحبه أرسل الأمراء إلى أتابك عز الدين يستدعونه إلى حلب، فسار ~~هو ومجاهد الدين قايماز إلى الفرات، وأرسل فأحضر الأمراء عنده من ~~حلب،فحضروا، وساروا جميعا إلى حلب، ودخلها في العشرين من شعبان، وكان صلاح ~~الدين حينئذ بمصر، ولولا ذلك لزاحمهم عليها وقاتلهم، فلما اجتاز طريقه إلى ~~الفرات كان تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين بمدينة منبج، فسار عنها هاربا ~~إلى حماة، وثار أهل حماة، ونادوا بشعار عز الدين، فأشار عسكر حلب على عز ~~الدين بقصد دمشق، وأطمعوه فيها وفي غيرها من بلاد الشام، وأعلموه محبة ~~أهلها له ولأهل بيته، فلم يفعل، وقال:بيننا يمين فلا نغدر به؛ وأقام بحلب ~~عدة شهور، ثم سار عنها إلى الرقة. ### || AUT ذكر تسليم حلب إلى عماد الدين # ### || AUT وأخذ سنجار عوضا عنها # لما وصل عز الدين إلى الرقة جاءته رسل أخيه عماد الدين، صاحب سنجار، ~~يطلب أن يسلم إليه حلب ويأخذ عنها مدينة سنجار، فلم يجبه إلى ذلك، ولج عماد ~~الدين، وقال: إن سلمتم إلي حلب، وإلا سلمت أنا سنجار إلى صلاح الدين ، ~~فأشار حينئذ جماعة من الأمراء بتسليمها إليه، وكان أشدهم في ذلك مجاهد ~~الدين قايماز، فلم يمكن عز الدين مخالفته لتمكنه في الدولة، وكثرة عساكره ~~وبلاده، وإنما حمل مجاهد الدين على ذلك خوفه ms4184 من عز الدين، لأنه عظم في ~~نفسه، وكثر معه العسكر. وكان الأمراء الحلبيون لا يلتفتون إلى مجاهد الدين، ~~ولا يسلكون معه من الأدب ما يفعله عساكر الموصل، فاستقر الأمر على تسليم ~~حلب إلى عماد الدين واخذ سنجار بدلا عنها، فسار عماد الدين فتسلمها، وسلم ~~سنجار إلى أخيه، وعاد إلى الموصل. وكان صلاح الدين بحلب قد وصله خبر ملك عز ~~الدين حلب، فعظم عليه الأمر، وخاف أن يسير منها إلى دمشق وغيرها، ويملك ~~الجميع، وأيس من حلب، فلما بلغه خبر ملك عماد الدين لها برز من يومه وسار ~~إلى الشام، وكان من الوهن على دولة عز الدين ما نذكره إن شاء الله. ### || AUT ذكر حصر صاحب ماردين قلعة البيرة ومصير صاحبها مع صلاح الدين # كانت قلعة البيرة، وهي مطلة على الفرات من أرض الجزيرة، لشهاب الدين ~~الآرتقي، وهو أبن عم قطب الدين إيلغازي بن ألبي بن تورتاش بن إيلغازي بن ~~ارتق صاحب ماردين، وكان في طاعة نور الدين محمود بن زنكي، صاحب الشام، فمات ~~شهاب الدين وملك القلعة بعده ولده وصار في طاعة عز الدين مسعود صاحب ~~الموصل. فلما كان هذه السنة أرسل صاحب ماردين إلى عز الدين يطلب منه أن ~~يأذن له في حصر البيرة وأخذها، فأذن له في ذلك، فسار في عسكره إلى قلعة ~~سميساط، وهي له، ونزل بها وسير العسكر إلى البيرة، فحصرها، فلم يظفر منها ~~بطائل، إلا أنهم لازموا الحصار، فأرسل صاحبها إلى صلاح الدين وقد خرج من ~~ديار مصر، على ما نذكره، يطلب منه أن ينجده ويرحل العسكر المارديني عنه، ~~ويكون هو في خدمته، كما كان أبوه في خدمة نور الدين، فأجابه إلى ذلك، وأرسل ~~رسولا إلى صاحب ماردين يشفع فيه، ويطلب أن يرحل عسكره عنه، فلم يقبل ~~شفاعته. واشتغل صلاح الدين بما نذكره من الفرنج، فلما رأى صاحب ماردين طول ~~مقام عسكره على البيرة، ولم يبلغوا منها غرضا، أمرهم بالرحيل عنها، وعاد ~~إلى ماردين، فسار صاحبها إلى صلاح الدين، وكان معه حتى عبر معه الفرات، ms4185 على ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كثرت المنكرات ببغداد، فأقام حاجب الباب جماعة لإراقة ~~الخمور، وأخذ المفسدات، فبينما امرأة منهم في موضع، علمت بمجيء أصحاب حاجب ~~الباب، فاضطجعت،وأظهرت أنها مريضة، وارتفع أنينها، فرأوها على تلك الحال، ~~فتركوها وانصرفوا، فاجتهدت بعدهم أن تقوم، فلم تقدر، وجعلت تصيح: الكرب ~~الكرب، إلى أن ماتت. وهذا من أعجب ما يحكى. وفيها، عاشر ذي الحجة، توفي ~~الأمير همام الدين تتر، صاحب قلعة تكريت بالمزدلفة، كان قد استخلف الأمير ~~عيسى ابن أخي مودود وحج، فتوفي، ودفن بالمعلى مقبرة مكة. وفيها، في شعبان، ~~توفي عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن أبي سعيد أبو البركات النحوي ~~المعروف بابن الأنباري ببغداد، وله تصانيف حسنة في النحو، وكان فقيها ~~صالحا. وفيها توفي إبراهيم بن مهران الفقيه الشافعي بجزيرة ابن عمر، وكان ~~فاضلا كثير الورع. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر مسير صلاح الدين إلى الشام # PageV05P0151 ### || AUT وإغارته على الفرنج # في هذه السنة، خامس المحرم، سار صلاح الدين عن مصر إلى الشام، ومن عجيب ~~ما يحكى من التطير أنه لما برز من القاهرة أقام بخيمته حتى تجتمع العساكر ~~والناس عنده، وأعيان دولته والعلماء وأرباب الآداب، فمن بين مدع له وسائر ~~معه، وكل منهم يقول شيئا في الوداع والفراق، وما هم بصدده من السفر، وفي ~~الحاضرين معلم لبعض أولاده، فاخرج رأسه من بين الحاضرين وانشد: تمتع من ~~شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار فانقبض صلاح الدين من بعد ~~انبساطه وتطير، وتنكد المجلس على الحاضرين، فلم يعد إليها إلى أن مات بعد ~~طول المدة. ثم سار عن مصر وتبعه من التجار وأهل البلاد، ومن كان قصد مصر من ~~الشام بسبب الغلاء بالشام وغيره، عالم كثير، فلما سار جعل طريقه على أيلة، ~~فسمع أن الفرنج قد جمعوا له ليحاربوه ويصدوه عن المسير، فلما قارب بلادهم ~~سير الضعفاء والأثقال مع أخيه تاج الملوك بوري إلى دمشق، وبقي هو في ~~العساكر ms4186 المقاتلة لا غير، فشن الغارات بأطراف بلادهم، وأكثر ذلك ببلد الكرك ~~والشوبك، فلم يخرج إليه منهم أحد، ولا أقدم على الدنو منه، ثم سار فأتى ~~دمشق، فوصلها حادي عشر صفر من السنة. ### || AUT ذكر ملك المسلمين شقيفا من الفرنج # في هذه السنة أيضا، في صفر، فتح المسلمون بالشام شقيفا من الفرنج، يعرف ~~بحبس جلدك، وهو من أعمال طبرية، مطل على السواد. وسبب فتحه أن الفرنج لما ~~سمعوا بمسير صلاح الدين من مصر إلى الشام جمعوا له، وحشدوا الفارس والراجل، ~~واجتمعوا بالكرك بالقرب من الطريق، لعلهم ينتهزون فرصة، أو يظفرون بنصرة، ~~وربما عاقوا المسلمين عن المسير بأن يقفوا على بعض المضايق، فلما فعلوا ذلك ~~خلت بلادهم من ناحية الشام، فسمع فرخشاه الخبر، فجمع من عنده من عساكر ~~الشام، ثم قصد بلاد الفرنج وأغار عليها، ونهب دبورية وما يجاورها من القرى، ~~واسر الرجال وقتل فيهم واكثر وسبى النساء، وغنم الأموال وفتح منهم الشقيف، ~~وكان على المسلمين منه أذى شديد، ففرح المسلمون بفتحه فرحا عظيما، وأرسل ~~إلى صلاح الدين بالبشارة، فلقيه في الطريق، ففت ذلك في عضد الفرنج، وانكسرت شوكتهم. ### || AUT ذكر إرسال سيف الإسلام إلى اليمن وتغلبه عليه # في هذه السنة سير صلاح الدين أخاه سيف الإسلام طغدكين إلى بلاد اليمن ~~وأمره بتملكها وقطع الفتن بها، وفوض إليه أمرها، وكان بها حطان بن منقذ، ~~كما ذكرناه قبل، وكتب عز الدين عثمان الزنجيلي متولي عدن إلى صلاح الدين ~~يعرفه باختلال البلاد، ويشير بإرسال بعض أهله إليها لأن حطان كان قوي عليه، ~~فخافه عثمان، فجهز صلاح الدين أخاه سيف الإسلام وسيره إلى أهل اليمن، فوصل ~~إلى زبيد، فخافه حطان ابن منقذ واستشعر منه، وتحصن في بعض القلاع، فلم يزل ~~به سيف الإسلام يؤمنه ويهدي إليه ويتلطفه حتى نزل إليه، فأحسن صحبته، ~~واعتمد معه ما لم يكن يتوقعه من الإحسان؛ فلم يثق حطان به، وطلب نه دستورا ~~ليقصد الشام، فامتنع في إجابته إظهارا للرغبة في كونه عنده، فلم يزل حطان ~~يراجعه حتى أذن له، فأخرج ms4187 أثقاله، وأمواله، وأهله، وأصحابه وكل ما له، وسير ~~الجميع بين يديه. فلما كان الغد دخل على سيف الإسلام ليودعه، قبض عليه ~~واسترجع جميع ماله فأخذه عن أخره لم يسلم منه قليل ولا كثير، ثم سجنه في ~~بعض القلاع، وكان أخر العهد به، فقيل أنه قتله، وكان في جملة ما اخذ منه ~~الأموال والذهب والعين في سبعين غلافا زردية مملوءة عينا. وأما عز الدين ~~عثمان الزنجيلي فإنه لما سمع ما جرى على حطان خاف فسار نحو الشام خائفا ~~يترقب، وسير معظم أمواله في البحر، فصادفهم مراكب فيها أصحاب سيف الإسلام، ~~فخذوا كل ما لعز الدين، ولم يبق إلا ما صحبه في الطريق، وصفت زبيد وعدن وما ~~معهما من البلاد لسيف الإسلام. ### || AUT ذكر إغارة صلاح الدين على الغور # ### || AUT وغيره من بلاد الفرنج # PageV05P0152 # لما وصل صلاح الدين إلى دمشق، كما ذكرناه، أقام أياما يريح ويستريح هو ~~وجنده، ثم سار إلى بلاد الفرنج في ربيع الأول، فقصد طبرية، فنزل بالقرب ~~منها، وخيم في الأقحوانة من الأردن، وجاءت الفرنج بجموعها فنزلت في طبرية، ~~فسير صلاح الدين ابن أخيه فرخشاه إلى بيسان، فدخلها قهرا ، وغنم ما فيها، ~~وقتل وسبى، وجحف الغور غارة شعواء، فعم أهله قتلا وأسرا، وجاءت العرب ~~فأغارت على جنين واللجون وتلك الولاية، حتى قاربوا مرج عكا. وسار الفرنج من ~~طبرية، فنزلوا تحت جبل كوكب، فتقدم صلاح الدين إليهم، وأرسل العساكر عليهم ~~يرمونهم بالنشاب، فلم يبرحوا، ولم يتحركوا للقتال، فأمر أبني أخيه تقي ~~الدين عمر وعز الدين فرخشاه، فحملا على الفرنج فيمن معهما، فقاتلوا قتالا ~~شديدا، ثم إن الفرنج انحازوا على حاميتهم، فنزلوا غفربلا، فلما رأى صلاح ~~الدين ما قد أثخن فيهم وفي بلادهم عاد عنهم إلى دمشق. ### || AUT ذكر حصر بيروت # ثم إنه سار عن دمشق إلى بيروت، فنهب بلدها، وكان قد أمر الأسطول المصري ~~بالمجيء في البحر إليها، فساروا ونازلوها، وأغاروا عليها وعلى بلدها، وسار ~~صلاح الدين فوافاهم ونهب ما لم يصل الأسطول إليه، وحصرها عدة أيام. وكان ~~عازما على ms4188 ملازمتها إلى أن يفتحها، فأتاه الخبر وهو عليها أن البحر قد ألقى ~~بطسة للفرنج فيها جمع عظيم منهم إلى دمياط، وكانوا قد خرجوا لزيارة البيت ~~المقدس، فأسروا من بها إلى أن غرق منهم الكثير فكان عدة الأسرى ألفا ~~وستمائة وستة وسبعين أسيرا، فضربت بذلك البشائر. ### || AUT ذكر عبور صلاح الدين الفرات # ### || AUT وملكه ديار الجزيرة # في هذه السنة عبر صلاح الدين الفرات إلى الديار الجزرية وملكها. وسبب ~~ذلك أن مظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين، وهو مقطع حران كان ~~قد أقطعه إياها عز الدين أتابك، المدينة والقلعة، ثقة به واعتمادا عليه، ~~أرسل إلى صلاح الدين هو يحاصر بيروت يعلمه بها أنه معه محب لدولته، ووعده ~~النصرة له إن عبر الفرات، ويطمعه في البلاد ويحثه على الوصول إليها، فسار ~~صلاح الدين عن بيروت، ورسل مظفر الدين تترى إليه يحثه على المجيء، فجد صلاح ~~الدين السير مظهرا أنه يريد حصر حلب سترا للحال. فلما قارب الفرات سار إليه ~~مظفر الدين فعبر الفرات واجمع به وعاد معه فقصد البيرة، وهي قلعة منيعة على ~~الفرات، من الجانب الجزري، وكان صاحبها قد سار مع صلاح الدين، وفي طاعته، ~~وقد ذكرنا سبب ذلك قبل، فعبر هو وعسكره الفرات على الجسر الذي عند البيرة. ~~وكان عز الدين صاحب الموصل ومجاهد الدين لما بلغهما وصول صلاح الدين إلى ~~الشام قد جمعا العسكر وسارا إلى نصيبين، ليكونا على أهبة واجتماع لئلا ~~يتعرض صلاح الدين إلى حلب، ثم تقدما إلى دارا، فنزلا عندها، فجاءهما أمر لم ~~يكن في الحساب، فلما بلغهما عبور صلاح الدين الفرات، عادا إلى الموصل ~~وأرسلا إلى الرها عسكرا يحميها ويمنعها، فلما سمع صلاح الدين ذلك قوي طمعه ~~في البلاد، ولما عبر صلاح الدين الفرات، كاتب الملوك أصحاب الأطراف ووعدهم، ~~وبذل لهم البذول على نصرته، فأجابه نور الدين محمد بن قراآرسلان، صاحب ~~الحصن، إلى ما طلب منه، لقاعدة كانت قد استقرت بينهما لما كان نور الدين ~~عنده بالشام، فإنه استقر الحال أن صلاح الدين ms4189 يحصر آمد ويملكها، ويسلمها ~~إليه، وسار صلاح الدين إلى مدينة الرها، فحصرها في جمادى الأولى، وقاتلها ~~أشد قتال. فحدثني بعض من كان بها من الجند انه عد في غلاف رمح أربعة عشر ~~خرقا وقد خرقته السهام. ووالى الزحف عليها، وكان بها حينئذ مقطعها، وهو ~~الأمير فخر الدين مسعود بن الزعفراني، فحيث رأى شدة القتال أذعن إلى ~~التسليم، وطلب الأمان وسلم البلد، وصار في خدمة صلاح الدين، فلما ملك ~~المدينة زحف إلى القلعة، فسلمها إليه الدزدار الذي بها على مال أخذه، فلما ~~ملكها سلمها إلى مظفر الدين مع حران، ثم سار عنها، على حران، إلى الرقة، ~~فلما وصل إليها كان بها مقطعها قطب الدين ينال بن حسان المنبجي، فسار عنها ~~إلى عز الدين أتابك، وملكها صلاح الدين، وسار إلى الخابور، قرقيسيا، ~~وماكسين وعابان، فملك جميع ذلك. PageV05P0153 # فلما استولى على الخابور جميعه سار إلى نصيبين، فملك المدينة لوقتها، ~~وبقيت القلعة، فحصرها عدة أيام، فملكها أيضا، وأقام بها ليصلح شانها، ثم ~~أقطعها أميرا كان معه يقال له أبو الهيجاء السمين، وسار عنه ومعه نور الدين ~~صاحب الحصن. وأتاه الخبر أن الفرنج قصدوا دمشق، ونهبوا القرى، ووصلوا إلى ~~داريا، وأرادوا تخريب جامعها، فأرسل النائب بدمشق إليهم جماعة من النصارى ~~يقولون لهم: إذا خربتم الجامع جددنا عمارته، وخربنا كل بيعة لكم في بلادنا، ~~ولا نمكن أحدا من عمارتها، فتركوه، ولما وصل الخبر إلى صلاح الدين بذلك ~~أشار عليه من يتعصب لعز الدين بالعود، فقال: يخربون قرى ونملك عوضها بلادا، ~~ونعود نعمرها، ونقوى على قصد بلادهم؛ ولم يرجع، فكان كما قال. ### || AUT ذكر حصر صلاح الدين الموصل # لما ملك صلاح الدين نصيبين، جمع أمراءه وأرباب المشورة عنده، واستشارهم ~~بأي البلاد يبدأ، وأيها يقصد، بالموصل أم بسنجار أم بجزيرة ابن عمر، ~~فاختلفت آراؤهم، فقال له مظفر الدين كوكبري بن زين الدين: لا ينبغي أن يبدأ ~~بغير الموصل، فإنها في أيدينا لا مانع لها، فإن عز الدين ومجاهد الدين متى ~~سمعا بمسيرنا إليها تركاها وسارا عنها إلى بعض ms4190 القلاع الجبلية. ووافقه ناصر ~~الدين محمد ابن عمه شيركوه، وكان قد بذل لصلاح الدين مالا كثيرا ليقطعه ~~الموصل إذا ملكها، وقد أجابه صلاح الدين إلى ذلك، فأشار بهذا الرأي لهواه، ~~فسار صلاح الدين إلى الموصل، وكان عز الدين صاحبها ومجاهد الدين قد جمعا ~~العساكر الكثيرة ما بين فارس وراجل، وأظهرا من السلاح وآلات الحصار ما حارت ~~له الأبصار، وبذلا الأموال الكثيرة، واخرج مجاهد الدين من ماله كثيرا، ~~واصطلى الأمور بنفسه، فأحسن تدبيرها، وشحنوا ما بقي بأيديهم من البلاد، ~~كالجزيرة وسنجار وإربل وغيرها من البلاد، بالرجال والسلاح والأموال. وسار ~~صلاح الدين حتى قارب الموصل وترك عسكره، وانفرد هو ومظفر الدين وابن عمه ~~ناصر الدين بن شيركوه، ومعهما نفر من أعيان دولته، وقربوا من البلد، فلما ~~قربه رآه وحققه، فرأى ما هاله وملأ صدره وصدور أصحابه، فإنه رأى بلدا عظيما ~~كبيرا، ورأى السور والفصيل ملئا من الرجال، وليس فيه شرافة غلا وعليها رجل ~~يقاتل سوى من عليه من عامة البلد المتفرجين، فلما رأى ذلك علم انه لا يقدر ~~على أخذه، وانه يعود خائبا، فقال لناصر الدين ابن عمه: إذا رجعنا إلى ~~المعسكر فاحمل ما بذلت من المال فنحن معك على القول. فقال ناصر الدين: قد ~~رجعت عما بذلت من المال، فإن هذا البلد لا يرام. فقال له ولمظفر الدين: ~~غررتماني وأطمعتماني في غير مطمع، ولو قصدت غيره قبله لكان أسهل أخذا ~~بالاسم والهيبة التي حصلت لنا، ومتى نازلناه، وعدنا منه، ينكسر ناموسنا ~~ويفل حدنا وشوكتنا. PageV05P0154 # ثم رجع إلى معسكره وصبح البلد، وكان نزوله عليه في رجب، فنازله وضايقه، ~~ونزل محاذي باب كندة، وانزل صاحب الحصن بباب الجسر، وانزل أخاه تاج الملوك ~~عند الباب العمادي، وانشب القتال، فلم يظفر، وخرج غليه يوما بعض العامة، ~~فنالوا منه، ولم يمكن عز الدين ومجاهد الدين أحدا من العسكر أن يخرجوا ~~لقتال بل ألزموا الأسوار؛ ثم عن تقي الدين أشار على عمه صلاح الدين بنصب ~~منجنيق، فقال: مثل هذا البلد لا ينصب عليه منجنيق، ومتى نصبناه أخذوه، ms4191 ولو ~~خربنا برجا وبدنة من يقدر على الدخول للبلد وفيه هذا الخلق الكثير؟ فألح ~~تقي الدين وقال: نجربهم به؛ فنصب منجنيقا، فنصب عليه من البلد تسعة مجانيق، ~~وخرج جماعة من العامة فأخذوه وجرى عنده قتال كثير، فأخذ بعض العامة لألكة ~~من رجليه، فيها المسامير الكثيرة، ورمى بها أميرا يقال له جاولي الأسدي، ~~مقدم الأسدية وكبيرهم، فأصاب صدره، فوجد لذلك ألما شديدا، وأخذ اللاكة وعاد ~~عن القتال إلى صلاح الدين وقال: قد قاتلنا أهل الموصل بحماقات ما رأينا بعد ~~مثلها؛ وألقى اللاكة، وحلف أنه لا يعود يقاتل عليها أنفة حيث ضرب بهذه.ثم ~~إن صلاح الدين رحل من قرب لبلد، ونزل متأخرا، خوفا من البيات، فإنه لقربه ~~كان لا يأمن ذلك، وكان سببه أيضا أن مجاهد الدين اخرج في بعض الليالي جماعة ~~من باب السر الذي للقلعة، ومعهم المشاعل، فكان أحدهم يخرج من الباب وينزل ~~إلى دجلة، مما يلي عين الكبريت، ويطفئ المشعل، فرأى العسكر الناس يخرجون، ~~فلو يشكوا في الكبسة، فحملهم ذلك على الرحيل والتأخر ليتعذر البيات على أهل ~~الموصل. وكان صدر الدين شيخ الشيوخ، رحمه الله، وقد وصل إليه، قبل نزوله ~~على الموصل، ومعه بشير الخادم، وهم من خواص الخليفة الناصر لدين الله، في ~~الصلح، فأقاما معه على الموصل، وترددت الرسل إلى عز الدين ومجاهد الدين في ~~الصلح، فطلب عز الدين إعادة البلاد التي أخذت منهم، فأجاب صلاح الدين إلى ~~ذلك بشرط أن تسلم إليه حلب، فامتنع عز الدين ومجاهد الدين، ثم نزل عن ذلك، ~~وأجاب إلى تسليم البلاد بشرط أن يتركوا إنجاد صاحب حلب عليه، فلم يجيبوه ~~إلى ذلك أيضا، وقال عز الدين: هو أخي وله العهود والمواثيق ولا يسعني ~~نكثها. ووصلت أيضا رسل قزل أرسلان صاحب أذربيجان، ورسل شاه أرمن صاحب خلاط، ~~في المعنى، فلم ينتظم أمر ولا تم صلح؛ فلما رأى صلاح الدين أنه لا ينال من ~~الموصل غرضا، ولا يحصل على غير العناء والتعب، وأن من بسنجار من العساكر ~~الموصلية يقطعون طريق من يقصدونه من عساكره ms4192 وأصحابه، سار من الموصل إليها. ### || AUT ذكر ملكه مدينة سنجار # لما سار صلاح الدين عن الموصل إلى سنجار، سير مجاهد الدين إليها عسكرا ~~قوة لها ونجدة، فسمع بهم صلاح الدين، فمنعهم من الوصول إليها، وأوقع بهم، ~~وأخذ سلاحهم ودوابهم وسار إليها ونازلها، وكان بها شرف الدين أمير أميران ~~هندوا أخو عز الدين، صاحب الموصل، في عسكر معه، فحصر البلد وضايقه، وألح في ~~قتاله، فكاتبه بعض أمراء الأكراد الذين به من الزرزارية، وخامر معه، وأشار ~~بقصده من الناحية التي هو بها ليسلم إليه البلد، فطرقه صلاح الدين ليلا، ~~فسلم إليه ناحيته، فملك الباشورة لا غير. فلما سمع شرف الدين الخبر استكان ~~وخضع، و طلب الأمان، فأمن، ولو قاتل على تلك الناحية لأخرج العسكر الصلاحي ~~عنها، ولو امتنع بالقلعة لحفظها ومنعها، ولكنه عجز، فلما طلب الأمان أجابه ~~صلاح الدين إليه، فأمنه وملك البلد. وسار شرف الدين ومن معه إلى الموصل، ~~واستقر جميع ما ملكه صلاح الدين بملك سنجار، فإنه كان قصد أن يسترده ~~المواصلة إذا فارقه، لأنه لم يكن فيه حصن غير الرها، فلما ملك سنجار صارت ~~على الجميع كالسور، واستناب بها سعد الدين بن معين الدين أنز، وكان من ~~أكابر الأمراء وأحسنهم صورة ومعنى. ؟ ### || AUT ذكر عود صلاح الدين إلى حران # لما ملك صلاح الدين سنجار وقرر قواعدها سار إلى الصين، فلقيه أهلها ~~شاكين من أبي الهيجاء السمين، باكين من ظلمه، متأسفين على دولة عز الدين ~~وعدله فيهم، فلما سمع ذلك أنكر على أبي الهيجاء ظلمه، وعزله عنهم، وأخذه ~~معه، وسار إلى حران، وفرق عساكره ليستريحوا، وبقي جريدة في خواصه وثقات ~~أصحابه، وكان وصوله إليها أوائل ذي القعدة من السنة. ### || AUT ذكر اجتماع عز الدين وشاه أرمن # PageV05P0155 # في هذه السنة، في ذي الحجة، اجتمع أتابك عز الدين، صاحب الموصل، وشاه ~~أرمن صاحب خلاط، على قتال صلاح الدين. وسبب ذلك أن رسل عز الدين ترددت إلى ~~شاه أرمن يستنجده ويستنصره على صلاح الدين، فأرسل شاه أرمن إلى صلاح الدين ~~عدة رسل في ms4193 الشفاعة إليه بالكف عن الموصل وما يتعلق بعز الدين، فلم يجبه ~~إلى ذلك، وغالطه، فأرسل إليه أخيرا مملوكه سيف الدين بكتمر الذي ملك خلاط ~~بعد شاه أرمن، فأتاه وهو يحاصر سنجار يطلب إليه أن يتركها ويرحل عنها، وقال ~~له: إن رحل عنها وإلا فتهدده بقصده ومحاربته؛ فأبلغه بكتمر الشفاعة، فسوفه ~~في الجواب رجاء أن يفتحها، فلما رأى بكتمر ذلك أبلغه الرسالة الثانية ~~بالتهديد، وفارقه غضبان، ولم يقبل منه خلعة ولا صلة، وأخبر صاحبه الخبر، ~~وخوفه عاقبة الإهمال والتواني عن صلاح الدين، فسار شاه أرمن من خلاط، وكان ~~مخيما بظاهرها، وسار إلى ماردين، وصاحبها حينئذ قطب الدين بن نجم الدين ~~ألبي، وهو ابن أخت شاه أرمن، وابن خال عز الدين وحموه، لأن عز الدين كان قد ~~زوج ابنته قطب الدين، وحضر مع شاه أرمن دولة شاه صاحب بدليس وأرزن، وسار ~~أتابك عز الدين من الموصل في عسكره جريدة من الأثقال. وكان صلاح الدين قد ~~ملك سنجار، وسار عنها إلى حران، وفرق عساكره، فلما سمع باجتماعهم سير إلى ~~تقي الدين ابن أخيه، وهو بحماة، يستدعيه، فوصل إليه مسرعا، وأشار عليه ~~بالرحيل وحذره منه آخرون وكان هوى صلاح الدين في الرحيل، فرحل إلى راس عين، ~~فلما سمعوا برحيله تفرقوا، فعاد شاه أرمن إلا خلاط، واعتذر بأنني أجمع ~~العساكر وأعود، ورجع عز الدين إلى الموصل، وأقام قطب الدين بماردين، وسار ~~صلاح الدين فنزل بحرزم تحت ماردين عدة أيام. ### || AUT ذكر الظفر بالفرنج في بحر عيذاب # في هذه السنة عمل البرنس صاحب الكرك أسطولا، وفرغ منه بالكرك، ولم يبق ~~إلا جمع قطعه بعضها إلى بعض، وحملها إلى بحر أيله، وجمعها في أسرع وقت. ~~وفرغ منها وشحنها بالمقاتلة وسيرها، فساروا في البحر، وافترقوا فرقتين: ~~فرقة أقامت على حصن أيلة وهو للمسلمين يحصرونه، ويمنع أهله من ورود الماء، ~~فنال أهله شدة شديدة وضيق عظيم؛ وأما الفرقة الثانية فإنهم ساروا نحو ~~عيذاب، وأفسدوا في السواحل، ونهبوا، وأخذوا ما وجدوا من المراكب الإسلامية ~~ومن فيها من التجار، وبتغوا الناس ms4194 في بلادهم على حين غفلة منهم، فإنهم لم ~~يعهدوا بهذا البحر فرنجيا قط لا تاجرا ولا محاربا. وكان بمصر الملك العادل ~~أبو بكر بن أيوب ينوب عن أخيه صلاح الدين، فعمر أسطولا وسيره، وفيه جمع ~~كثير من المسلمين، ومقدمهم حسام الدين لؤلؤ، وهو متولي الأسطول بديار مصر، ~~وكان مظفرا فيه، شجاعا، كريما، فسار لؤلؤ مجدا في طلبهم، فأبتدأ بالذين على ~~أيلة فانقض عليهم انقضاض العقاب على صيدها، فقاتلهم، فقتل بعضهم، وأسر ~~الباقي؛ وسار من وقته بعد الظفر يقص أثر الذين قصدوا عيذاب، فلم يرهم، ~~وكانوا قد أغاروا على ما وجدوه بها، وقتلوا من لقوه عندها، وساروا إلى غير ~~ذلك المرسى ليفعلوا كما فعلوا فيه؛ وكانوا عازمين على الدخول إلى الحجاز ~~مكة والمدينة، حرسهما الله تعالى، وأخذ الحاج ومنعهم عن البيت الحرام، ~~والدخول بعد ذلك إلى اليمن. فلما وصل لؤلؤ إلى عيذاب ولم يرهم سار يقفو ~~أثرهم، فبلغ رابغ وساحل الجوزاء وغيرهما، فأدركهم بساحل الجوزاء، فأوقع بهم ~~هناك، فلما رأوا العطب وشاهدوا الهلاك خرجوا إلى البر، واعتصموا ببعض تلك ~~الشعاب، فنزل لؤلؤ من مراكبه إليهم، وقاتلهم أشد قتال، وأخذ خيلا من ~~الأعراب الذين هناك، فركبها، وقاتلهم فسانا ورجالة، فظفر بهم وقتل أكثرهم، ~~وأخذ الباقين أسرى، وأرسل بعضهم إلى منى لينحروا بها عقوبة لمن رام إخافة ~~حرم الله تعالى وحرم رسوله صلى الله عليه وسلم، وعاد بالباقين إلى مصر، ~~فقتلوا جميعهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في جمادى الأولى، توفي عز الدين فرخشاه ابن أخي صلاح ~~الدين، وكان ينوب عنه بدمشق، وهو ثقته من أهله، وكان اعتماده عليه أكثر من ~~جميع أهله وامرأته، وكان شجاعا كريما، فاضلا، عالما بالأدب وغيره، وله شعر ~~جيد من بين أشعار الملوك. PageV05P0156 # وكان ابتداء مرضه أنه خرج من دمشق إلى غزو الفرنج، فمرض، وعاد مريضا، ~~فمات، ووصل خبر موته إلى صلاح الدين، وقد عبر الفرات إلى الديار الجزرية، ~~فأعاد شمس الدين محمد بن المقدم إلى دمشق ليكون مقدما على عسكرها. وفيها ~~مات فخر الدولة أبو ms4195 المظفر بن الحسن بن هبة الله بن المطلب. كان أبوه وزير ~~الخليفة، وأخوه أستاذ الدار، فتصوف هو من زمن الصبا، وبنى مدرسة ورباطا ~~ببغداد عند عقد المصطنع، وبنى جامعا بالجانب الغربي منها. وفيها توفي ~~الأمير أبو منصور هاشم ولد المستضيء بأمر الله ودفن عند أبيه. وفيها توفي ~~أبو العباس أحمد بن علي بن الرفيعي من سواد واسط، وكان صالحا ذا قبول عظيم ~~عند الناس، وله من التلامذة ما لا يحصى. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وسبعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر ملك صلاح الدين آمد # ### || AUT وتسليمها إلى صاحب الحصن # قد ذكرنا نزول صلاح الدين بحرزم، تحت ماردين، فلم ير لطمعه وجها، وسار ~~عنها إلى آمد، على طريق البارعية، وكان نور الدين محمد بن قرا أرسلان ~~يطالبه في كل وقت بقصدها وأخذها وتسليمها إليه، على ما استقرت القاعدة ~~بينهما، فوصل إلى آمد سابع عشر ذي الحجة من سنة ثمان وسبعين ونازلها، و ~~أقام يحاصرها. وكان المتولي لأمرها والحاكم فيها بهاء الدين بن نيسان؛ وكان ~~صاحبها ليس له من الأمر شيء مع ابن نيسان، فلما نازلها صلاح الدين أساء ابن ~~نيسان التدبير، ولم يعط الناس من الذخائر شيئا، ولا فرق فيهم دينارا ولا ~~قوتا، وقال لأهل البلد: قاتلوا عن نفوسكم. فقال له بعض أصحابه: ليس العدو ~~بكافر حتى يقاتلوا عن نفوسهم. فلم يفعل شيئا. وقاتلهم صلاح الدين، ونصب ~~المجانيق، وزحف إليها، وهي الغاية في الحصانة والمنعة، بها وبسورها يضرب ~~المثل، وابن نيسان على حاله من الشح بالمال، وتصرفه تصرف من ولت سعادته ~~وأدبرت دولته؛ فلما رأى الناس ذلك منه تهاونوا بالقتال، وجنحوا إلى ~~السلامة. وكانت أيام ابن نيسان قد طالت، وثقلت على أهل البلد لسوء صنيعهم ~~وملكتهم وتضييقهم عليهم في مكاسبهم، فالناس كارهون لهان محبون لانقراضها. ~~وأمر صلاح الدين أن يكتب على السهام إلى أهل البلد يعدهم الخير والإحسان إن ~~أطاعوه، ويتهددهم إن قاتلوه، فزادهم ذلك تقاعدا وتخاذلا، وأحبوا ملكه ~~وتركوا القتال؛ فوصل النقابون إلى السور، فنقبوه وعلقوه، فلما رأى الجند ~~وأهل البلد ms4196 ذلك طمعوا في ابن نيسان واشتطوا في المطالب. فحين صارت الحال ~~كذلك أخرج ابن نيسان نساءه إلى القاضي الفاضل، وزير صلاح الدين، يسأله أن ~~يأخذ له الأمان ولأهله وماله، وأن يؤخره ثلاثة أيام حتى ينقل ما له بالبلد ~~من الأموال والذخائر؛ فسعى له الفاضل في ذلك، فأجابه صلاح الدين إليه، فسلم ~~البلد في العشر الأول من المحرم هذه السنة، وأخرج خيمه إلى ظاهر البلد، ~~ورام نقل ماله، فتعذر ذلك عليه لزوال حكمه عن أصحابه، واطراحهم أمره ونهيه، ~~فأرسل إلى صلاح الدين يعرفه الحال، ويسأله مساعدته على ذلك، فأمده بالدواب ~~والرجال، فنقل البعض وسرق البعض وانقضت الأيام الثلاثة قبل الفراغ فمنع من ~~الباقي. وكانت أبراج المدينة مملوءة من أنواع الذخائر، فتركها بحالها، ولو ~~أخرج البعض منها لحفظ البلد وسائر نعمه وأمواله، لكن إذا أراد الله أمرا ~~هيأ أسبابه؛ فلما تسلمها صلاح الدين سلمها نور الدين إلى صاحب الحصن، فقيل ~~له قبل تسليمها: إن هذه المدينة فيها من الذخائر ما يزيد على ألف ألف ~~دينار، فلو أخذت ذلك وأعطيته جندك وأصحابك، وسلمت البلد إليه فارغا، لكان ~~راضيا، فإنه لا يطمع في غيره. فامتنع من ذلك، وقال: ما كنت لأعطيه الأصل ~~وأبخل بالفرع؛ فلما تسلم نور الدين البلد اصطنع دعوة عظيمة، ودعا إليها ~~صلاح الدين وأمراءه، ولم يكن دخل البلد، وقدم له ولأصحابه من التحف ~~والهدايا أشياء كثيرة. ### || AUT ذكر ملك صلاح الدين تل خالد # ### || AUT وعين تاب من أعمال الشام # لما فرغ صلاح الدين من أمر آمد سار إلى الشام، وقصد تل خالد، وهي من ~~أعمال حلب، فحصرها ورماها بالمنجنيق، فنزل أهلها وطلبوا الأمان فأمنهم، ~~وتسلمها في المحرم أيضا. PageV05P0157 # ثم سار منها إلى عين تاب فحصرها وبها ناصر الدين محمد، وهو أخو الشيخ ~~إسماعيل الذي كان خازن نور الدين محمود بن زنكي وصاحبه، وكان قد سلمها إليه ~~نور الدين، فبقيت معه إلى الآن. فلما نازله صلاح الدين أرسل إليه يطلب أن ~~يقر الحصن بيده وينزل إلى خدمته ويكون تحت حكمه وطاعته، فأجابه ms4197 صلاح الدين ~~إلى ذلك، وحلف له عليه، فنزل إليه، وسار في خدمته؛ وكان أيضا في المحرم من هذه السنة. ### || AUT ذكر وقعتين مع الفرنج في البحر والشام # في هذه السنة، في العاشر من المحرم، سار أسطول المسلمين من مصر في ~~البحر، فلقوا بطسة فيها نحو ثلثمائة من الفرنج بالسلاح التام، ومعهم ~~الأموال والسلاح إلى فرنج الساحل، فقاتلوهم، وصبير الفريقان، وكان الظفر ~~للمسلمين، وأخذوا الفرنج أسرى، فقتلوا بعضهم وأبقوا بعضهم أسرى، وغنموا ما ~~معهم وعادوا إلى مصر سالمين. وفيها أيضا سارت عصابة كبيرة من الفرنج من ~~نواحي الدارم إلى نواحي مصر ليغيروا وينهبوا، فسمع بهم المسلمون، فخرجوا ~~إليهم على طريق صدر وأيلة، فانتزح الفرنج من بين أيديهم فنزلوا بماء يقال ~~له العسيلة، وسبقوا المسلمين إليه، فأتاهم المسلمون وهم عطاش قد أشرفوا على ~~الهلاك، فرأوا الفرنج قد ملكوا الماء، فأنشأ الله سبحانه وتعالى، بلطفه ~~سحابة عظيمة فمرطوا منها حتى رووا، وكان الزمان قيظا، والحر شديدا في بر ~~مهلك، فلما رأوا ذلك قويت نفوسهم، ووثقوا بنصر الله لهم، وقاتلوا الفرنج، ~~فنصرهم الله عليهم فقتلوهم، ولم يسلم منهم إلا الشريد الفريد، وغنم ~~المسلمون ما معهم من سلاح ودواب، وعادوا منصورين قاهرين بفضل الله. ### || AUT ذكر ملك صلاح الدين حلب # وفي هذه السنة سار صلاح الدين من عين تاب إلى حلب، فنزل عليها في المحرم ~~أيضا، في الميدان الأخضر، وأقام به عدة أيام، ثم انتقل إلى جبل جوشن فنزل ~~بأعلاه، وأظهر أنه يريد أن يبني مساكن له ولأصحابه وعساكره، وأقام عليها ~~أياما والقتال بين العسكرين كل يوم. وكان صاحب حلب عماد الدين زنكي بن ~~مودود بن زنكي، ومعه العسكر النوري، وهم مجدون في القتال، فلما رأى كثرة ~~الخرج، كأنه شح بالمال، فحضر يوما عنده بعض أجناده، وطلبوا منه شيئا، ~~فاعتذر بقلة المال عنده، فقال له بعضهم: من يريد أن يحفظ مثل حلب يخرج ~~الأموال، ولو باع حلي نسائه؛ فمال حينئذ إلى تسليم حلب وأخذ العوض منها، ~~وأرسل مع الأمير طمان الياروقي، وكان يميل إلى صلاح ms4198 الدين وهواه معه، فلهذا ~~أرسله فقرر قاعدة الصلح على أن يسلم عماد الدين حلب إلى صلاح الدين ويأخذ ~~عوضها سنجار، ونصيبين، والخابور، والرقة وسروج، وجرت اليمن على ذلك وباعها ~~بأوكس الأثمان، أعطى حصنا مثل حلب، وأخذ عوضها قرى ومزارع، فنزل عنها عشر ~~صفر، وتسلمها صلاح الدين، فعجب الناس كلهم من ذلك، وقبحوا ما أتى، حتى إن ~~بعض عامة حلب أحضر اجانة وماء وناداه: أنت لا يصلح لك الملك، وإنما يصلح لك ~~أن تغسل الثياب؛ وأسمعوه المكروه. واستقر ملك صلاح الدين بملكها، وكان ~~مزلزلا، فثبت قدمه بتسليمها وكان على شفا جرف هار، وإذا أراد الله أمرا فلا ~~مرد له. وسار عماد الدين إلى البلاد التي أعطيها عوضا عن حلب فتسلمها، وأخذ ~~صلاح الدين حلب، واستقر الحال بينهما: إن عماد الدين يحضر في خدمة صلاح ~~الدين بنفسه وعسكره، إذا استدعاه لا يحتج بحجة؛ ومن الاتفاقات العجيبة أن ~~محيي الدين بن الزكي، قاضي دمشق، مدح صلاح الدين بقصيدة منها: وفتحكم حلبا ~~بالسيف في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب فوافق فتح القدس في رجب سنة ~~ثلاث وثمانين وخمسمائة، على ما ذكرناه إن شاء الله تعالى. ومما كتبه القاضي ~~الفاضل في المعنى عن صلاح الدين: فأعطيناه عن حلب كذا وكذا، وهو صرف على ~~الحقيقة أخذنا فيه الدنانير وأعطيناه الدراهم، ونزلنا عن القرى، وأحرزنا ~~العواصم. وكتب أيضا: أعطيناه ما لم يخرج عن اليد، يعني أنه متى شاء أخذه ~~لعدم حصانته. PageV05P0158 # وكان ي جملة من قتل على حلب تاج الملوك بوري، أخو صلاح الدين الأصغر، ~~وكان فارسا شجاعا، كريما حليما، جامعا لخصال الخير، ومحاسن الأخلاق، طعن في ~~ركبته فانفكت، فمات منعها بعد أن استقر الصلح بين عماد الدين وصلاح الدين ~~على تسليم حلب قبل أن يدخلها صلاح الدين، فلما استقر أمر الصلح حضر صلاح ~~الدين عند أخيه يعوده، وقال له: هذه حلب قد أخذناها، وهي لك؛ فقال: ذلك لو ~~كان وأنا حي. ووالله لقد أخذتها غالية حيث تفقد مثلي. فبكى صلاح الدين ~~وأبكى. ولما خرج عماد ms4199 الدين إلى صلاح الدين، وقد عمل له دعوة احتفل فيها، ~~فبينما هم في سرور إذ جاء إنسان فأسر إلى صلاح الدين بموت أخيه، فلم يظهر ~~هلعا، ولا جزعا، وأمر بتجهيزه سرا، ولم يعلم عماد الدين ومن معه في الدعوة، ~~واحتمل الحزن وحده لئلا يتنكر ما هم فيه، وكان هذا من الصبر الجميل. ### || AUT ذكر فتح صلاح الدين حارم # لما ملك صلاح الدين حلب كان بقلعة حارم، وهي من أعمال حلب، بعض المماليك ~~النورية، واسمه سرحك، وولاه عليها الملك الصالح عماد الدين، فامتنع من ~~تسليمها إلى صلاح الدين، فراسله صلاح الدين في التسليم، وقال له: اطلب من ~~الإقطاع ما أردت؛ ووعده الإحسان، فاشتط في الطلب، وترددت الرسل بينهما، ~~فراسل الفرنج ليحتمي بهم، فسمع من معه من الأجناد أنه يراسل الفرنج، فخافوا ~~أن يسلمها إليهم، فوثبوا عليه وقبضوه وحبسوه، وراسلوا صلاح الدين يطلبون ~~منه الأمان والإنعام، فأجابهم إلى ما طلبوا، وسلموا إليه الحصن فرتب به ~~دزدارا بعض خواصه. وأما باقي قلاع حلب، فإن صلاح الدين أقر عين تاب بيد ~~صاحبها، كما تقدم، وأقطع تل خالد لأمير يقال له داروم الباروقي، وهو صاحب ~~تل باشر. وأما قلعة إعزاز، فإن عماد الدين إسماعيل كان قد خربها، فأقطعها ~~صلاح الدين لأمير يقال له دلدرم سلمان بن جندر، فعمرها. وأقام صلاح الدين ~~بحلب إلى أن فرغ من تقرير قواعدها وأحوالها وديوانها، وأقطع أعمالها، وأرسل ~~منها فجمع العساكر من جميع بلاده. ### || AUT ذكر القبض على مجاهد الدين # ### || AUT وما حصل من الضرر بذلك # في هذه السنة، في جمادى الأولى، قبض عز الدين مسعود، صاحب الموصل، على ~~نائبه مجاهد الدين قايماز، وكان إليه الحكم في جميع البلاد، واتبع في ذلك ~~هوى من أراد المصلحة لنفسه، ولم ينظر في مضرة صاحبه. وكان الذي أشار بذلك ~~عز الدين محمود زلفندار، وشرف الدين أحمد ابن أبي الخير الذي كان أبوه صاحب ~~الغراف، وهما من أكابر الأمراء، فلما أراد القبض عليه لم يقدم على ذلك لقوة ~~مجاهد الدين، فأظهر أنه مريض، وانقطع ms4200 عن الركوب عدة أيام، فدخل إليه مجاهد ~~الدين وحده، وكان خصيا لا يمتنع من الخول على النساء، فلما دخل عليه قبض ~~عليه، وركب لوقته إلى القلعة، فاحتوى على الأموال التي لمجاهد الدين ~~وخزائنه، وولى زلفندار قلعة الموصل بعد مجاهد الدين، وجعل ابن صاحب الغراف ~~أمير حاجب وحكمهما في دولته. وكان تحت حكم مجاهد الدين حينئذ إربل ~~وأعمالها، ومعه فيها زين الدين يوسف بن زين الدين علي، وهو صبي صغير ليس له ~~من الحكم شيء والحكم والعسكر إلى مجاهد الدين، وتحت حكمه أيضا جزيرة ابن ~~عمر، وهي لمعز الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازي بن مودود، وهو أيضا صبي، ~~والحكم والنواب والعسكر لمجاهد الدين، وبيده أيضا شهرزور وأعمالها، ونوابه ~~فيها، ودقوقا، ونائبه فيها، وقلعة عقر الحميدية، ونائبه فيها، ولم يبق لعز ~~الدين مسعود بعد أن أخذ صلاح الدين البلاد الجزرية سوى الموصل وقلعتها بيد ~~مجاهد الدين، وهو على الحقيقة الملك واسمه لعز الدين، فلما قبض عليه امتنع ~~صاحب إربل من طاعة عز الدين، واستبد، وكذلك أيضا صاحب جزيرة ابن عمر، وأرسل ~~الخليفة إلى دقوقا فحصرها وأخذها، ولم يحصل لعز الدين مسعود غير شهر زور ~~والعقر، وصارت إربل والجزيرة أضر شيء على صاحب الموصل، وأرسل صاحبها إلى ~~صلاح الدين بالطاعة له، والكون في خدمته. PageV05P0159 # وكان الخليفة الناصر لدين الله قد أرسل صدر الدين شيخ الشيوخ، ومعه بشير ~~الخادم الخاص، إلى صلاح الدين في الصلح مع عز الدين، صاحب الموصل، وسير عز ~~الدين معه القاضي محيي الدين أبا حامد بن الشهرزوري في المعنى، فأجاب صلاح ~~الدين إلى ذلك وقال: ليس لكم مع الجزيرة وإربل حديث؛ فامتنع محيي الدين عن ~~ذلك وقال: هما لنا؛ فلم يجب صلاح الدين إلى الصلح إلا بأن تكون إربل ~~والجزيرة معه، فلم يتم أمره، وقوي طمع صلاح الدين في الموصل بقبض مجاهد ~~الدين، فلما رأى صاحب الموصل الضرر بقبض مجاهد الدين قبض على شرف الدين ~~أحمد بن صاحب الغراف وزلفندار، عقوبة لهما، ثم أخرج مجاهد الدين، على ما ms4201 ~~نذكره إن شاء الله. ### || AUT ذكر غزو بيسان # لما فرغ صلاح الدين من أمر حلب جعل فيها ولده الملك الظاهر غازي، وهو ~~صبي، وجعل معه الأمير سيف الدين يازكج، وكان أكبر الأمراء الأسدية، وسار ~~إلى دمشق، وتجهز للغزو، ومعه عساكر الشام والجزيرة، وديار بكر، وسار إلى ~~بلد الفرنج، فعبر نهر الأردن تاسع جمادى الآخرة من السنة، فرأى أهل تلك ~~النواحي فقد فارقوها خوفا، فقصد بيسان فأحرقها وخربها، وأغار على ما هناك، ~~فاجتمع الفرنج، وجاءوا إلى قبالته، فحين رأوا كثرة عساكره لم يقدموا عليه، ~~فأقام عليهم، وقد استندوا إلى جبل هناك، وخندقوا عليهم، فأحاط بهم، وعساكر ~~الإسلام ترميهم بالسهام، وتناوشهم القتال، فلم يخرجوا وأقاموا كذلك خمسة ~~أيام، وعاد المسلمون عنهم سابع عشر الشهر، لعل الفرنج يطمعون ويخرجون، ~~فيستدرجونهم ليبلغوا منهم غرضا، فلما رأى الفرنج ذلك لم يطمعوا أنفسهم في ~~غير السلامة. وأغار المسلمون على تلك الأعمال يمينا وشمالا، ووصلوا إلى ما ~~لم يكونوا يطمعون في الوصول إليه والإقدام عليه، فلما كثرت الغنائم معهم ~~رأوا العود إلى بلادهم بما غنموا مع الظفر أولى، فعادوا إلى بلادهم على عزم الغزو. ### || AUT ذكر غزو الكرك وملك العادل حلب # لما عاد صلاح الدين والمسلمون من غزوة بيسان تجهزوا غزو الكرك، فسار ~~إليه في العساكر، وكتب إلى أخيه العادل أبي بكر بن أيوب، وهو نائبه بمصر، ~~يأمره بالخروج بجميع العساكر إلى الكرك. وكان العادل قد أرسل إلى صلاح ~~الدين يطلب منه مدينة حلب وقلعتها، فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يخرج معه ~~بأهله وماله، فوصل صلاح الدين إلى الكرك في رجب، ووافاه أخوه العادل في ~~العسكر المصري، وكثر جمعه، وتمكن من حصره، وصعد المسلمون إلى ربضه وملكه، ~~وحصر الحصن من الربض، وتحكم عليه في القتال؛ ونصب عليه سبعة مجانيق لا تزال ~~ترمي بالحجارة ليلا ونهارا. وكان صلاح الدين يظن أن الفرنج لا يمكنونه من ~~حصر الكرك، وأنهم يبذلون جهدهم في رده عنهم، فلم يستصحب معه من آلاف الحصار ~~ما يكفي لمثل ذلك الحصن العظيم والمعقل المنيع، فرحل ms4202 عنه منتصف شعبان، وسير ~~تقي الدين ابن أخيه إلى مصر نائبا عنه ليتولى ما كان أخوه العادل يتولاه، ~~واستصحب أخاه العادل معه إلى دمشق، وأعطاه مدينة حلب وقلعتها وأعمالها، ~~ومدينة منبج وما يتعلق بها، وسيره إليها في شهر رمضان من السنة، وأحضر ولده ~~الظاهر منها إلى دمشق. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة فتح الرباط الذي بنته أم الخليفة بالمأمونية. وفيها، في ذي ~~الحجة، توفي مكرم بن بختيار أبو الخير الزاهد ببغداد. روى الحديث، وكان ~~كثير البكاء. وفي جمادى الآخرة توفي محمد بن بختيار بن عبد الله أبو عبد ~~الله المولد الشاعر ويعرف بالأبله، فمن جملة شعره: أرق دمعي لا بل أراق دمي ~~... ظلما بظلم من ريقه الشبم ذو قامة كالقضيب ناضرة ... وناظر من سقامه ~~سقمي حصلت من وعده على أصدق ال ... وعد ومن وصله على التهم ### | AUT ثم دخلت سنة ثمانين وخمسمائة # ### || AUT ذكر إطلاق مجاهد الدين من الحبس # ### || AUT وانهزام العجم # PageV05P0160 # في هذه السنة، في المحرم، أطلق أتابك عز الدين، صاحب الموصل، مجاهد الدين ~~قايماز من الحبس بشفاعة شمس الدين البهلوان، صاحب همذان، وبلاد الجبل، ~~وسيره إلى البهلوان وأخيه قزل يستنجدهما على صلاح الدين، فسار إلى قزل ~~أولا، وهو صاحب أذربيجان، فلم يمكنه من المضي إلى البهلوان، وقال: ما ~~تختاره أنا أفعله؛ وجهز معه عسكرا كثيرا نحو ثلاثة آلاف فارس، وساروا نحو ~~إربل ليحصروها، فلما قاربوها أفسدوا في البلاد وخربوها، ونهبوا وسبوا، ~~وأخذوا النساء قهرا، ولم يقدر مجاهد الدين على منعهم، فسار إليهم زين الدين ~~يوسف، صاحب إربل، في عسكره، فلقيهم وهم متفرقون في القرى ينهبون ويحرقون، ~~فانتهز الفرصة فيهم بتفرقهم، وألقى بنفسه وعسكره على أول من لقيه منهم، ~~فهزمهم وتمت الهزيمة على الجميع، وغنم الأربليون أموالهم ودوابهم وسلاحهم، ~~وعاد العجم إلى بلادهم منهزمين، وعاد صاحب إربل إلى بلده مظفرا غانما، وعاد ~~مجاهد الدين إلى الموصل، فكان يحكي: إنني ما زلت أنتظر العقوبة من الله ~~تعالى على سوء أفعال العجم، فإنني رأيت منهم ما لم أكن أظنه ms4203 يفعله مسلم ~~بمسلم، وكنت أنهاهم فلا يسمعون، حتى كان من الهزيمة ما كان. ### || AUT ذكر وفاة يوسف بن عبد المؤمن # ### || AUT وولاية ابنه يعقوب # في هذه السنة سار أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن إلى بلاد الأندلس، وجاز ~~البحر إليها في جمع عظيم من عساكر المغرب، فإنه جمع وحشد الفارس والراجل؛ ~~فلما عبر الخليج قصد غربي البلاد، فحصر مدينة شنترين، وهي للفرنج، شهرا، ~~فأصابه بها مرض فمات منه في ربيع الأول، وحمل في تابوت إلى مدينة إشبيلية ~~من الأندلس. وكانت مدة ملكه اثنتين وعشرين سنة وشهرا، ومات عن غير وصية ~~بالملك لأحد من أولاده، فاتفق رأي قواد الموحدين وأولاد عبد المؤمن على ~~تمليك ولده أبي يوسف يعقوب بن يوسف ابن عبد المؤمن فملكوه من الوقت الذي ~~مات فيه أبوه لئلا يكونوا بغير ملك يجمع كلمتهم لقربهم من العدو؛ فقام في ~~ذلك أحسن قيام، وأقام راية الجهاد، وأحسن السيرة في الناس. وكان دينا مقيما ~~للحدود في الخاص والعام، فاستقامت له الدولة وانقادت إليه بأسرها مع سعة ~~أقطارها، ورتب ثغور الأندلس وشحنها بالرجال، ورتب المقاتلة في سائر بلادها، ~~وأصلح أحوالها وعاد إلى مراكش. وكان أبوه يوسف حسن السيرة، وكان طرقه ألين ~~من طريق أبيه مع الناس، يحب العلماء ويقربهم ويشاورهم، وهم أهل خدمته ~~وخاصته. وأحبه الناس ومالوا إليه، وأطاعه من البلاد ما امتنع على أبيه، ~~وسلك في جباية الأموال ما كان أبوه يأخذه، ولم يتعده إلى غيره، واستقامت له ~~البلاد بحسن فعله مع أهلها، ولم يزل كذلك إلى أن توفي، رحمه الله تعالى. ### || AUT ذكر غزو صلاح الدين الكرك # في هذه السنة، في ربيع الآخر، سار صلاح الدين من دمشق يريد الغزو، وجمع ~~عساكره، فأتته من كل ناحية، ومن أتاه نور الدين محمد بن قرا أرسلان، صاحب ~~الحصن. وكتب إلى مصر ليحضر عسكرها عنده على الكرك، فنازل الكرك وحصره، وضيق ~~على من به، وأمر بنصب المجانيق على ربضه، واشتد القتال، فملك المسلمون ~~الربض، وبقي الحصن، وهو الربض على سطح جبل واحد، إلا ms4204 أن بينهما خندقا عظيما ~~عمقه نحو ستين ذراعا، فأمر صلاح الدين بإلقاء الأحجار والتراب فيه ليطمه، ~~فلم يقدر أحد على الدنو منه لكثرة الرمي عليهم بالسهام من الجرخ والقوس ~~والأحجار من المجانيق، فأمر أن يبني بالأخشاب واللبن ما يمكن الرجال يمشون ~~تحته إلى الخندق ولا يصل إليهم شيء من السهام والأحجار، ففعل ذلك، فصاروا ~~يمشون تحت السقائف ويلقون في الخندق ما يطمه، ومجانيق المسلمين مع ذلك ترمي ~~الحصن ليلا نهارا. PageV05P0161 # وأرسل من فيه من الفرنج إلى ملكهم وفرسانهم يستمدونهم ويعرفونهم عجزهم ~~وضعفهم عن حفظ الحصن، فاجتمعت الفرنج عن آخرها، وساروا إلى نجدتهم عجلين، ~~فلما بلغ الخبر بمسيرهم إلى صلاح الدين رحل عن الكرك إلى طرقهم ليلقاهم ~~ويصاففهم، ويعود بعد أن يهزمهم إلى الكرك، فقرب منهم وخيم ونزل، ولم يمكنه ~~الدنو منهم لخشونة الأرض وصعوبة المسلك إليهم وضيقه، فأقام أياما ينتظر ~~خروجهم من ذلك المكان ليتمكن منهم، فلم يبرحوا منه خوفا على نفوسهم، فلما ~~رأى ذلك رحل عنهم عدة فراسخ، وجعل بإزائهم من يعلمه بمسيرهم، فساروا ليلا ~~إلى الكرك، فلما علم صلاح الدين ذلك علم أنه لا يتمكن حينئذ ولا يبلغ غرضه، ~~فسار إلى مدينة نابلس، ونهب كل ما على طريقه من البلاد؛ فلما وصل إلى نابلس ~~أحرقها وخربها ونهبها، وقتل فيها وأسر من المسلمين، فاستنقذهم، ورحل إلى ~~جينين فنهبها وخربها، وعاد إلى دمشق ونهب ما على طريه وخربه، وبث السرايا ~~في طريقه يمينا وشمالا يغنون ويخربون، ووصل إلى دمشق. ### || AUT ذكر ملك الملثمين بجاية # ### || AUT وعودها إلى أولاد عبد المؤمن # في هذه السنة في شعبان، خرج علي بن إسحاق المعروف بابن غانية وهو من ~~أعيان الملثمين الذين كانوا ملوك المغرب، وهو حينئذ صاحب جزيرة ميورقة، إلى ~~بجاية فملكها، وسبب ذلك أنه لما سمع بوفاة يوسف بن عبد المؤمن عمر أسطوله ~~فكان عشرين قطعة وسار في جموعه فأرسى في ساحل بجاية، وخرجت خيله ورجاله من ~~الشواني فكانوا نحو مائتي فارس من الملثمين وأربعة آلاف راجل، فدخل مدينة ~~بجاية بغير قتال لأنه ms4205 اتفق أن واليها سار عنها قبل ذلك بأيام إلى مراكش ولم ~~يترك فيها جيشا ولا ممانعا لعدم عدو يحفظها منه، فجاء الملثم ولم يكن في ~~حسابهم أنه يحدث نفسه بذلك، فأرسى بها ووافقه جماعة من بقايا الدولة بين ~~حماد وصاروا معه فكثر جمعه بهم وقويت نفسه، فسمع خبره والي بجاية فعاد من ~~طريقه ومعه من الموحدين ثلثمائة فارس، فجمع من العرب والقبائل الذين في تلك ~~الجهات نحو ألف فارس، فسمع بهم الملثم وبقربهم منه، فخرج إليهم وقد صار معه ~~قدر ألف فارس، وتواقفوا ساعة فانضاف جميع الجموع التي كانت مع والي بجاية ~~إلى الملثم، فانهزم حينئذ والي بجاية ومن معه من الموحدين وساروا إلى ~~مراكش، وعاد الملثم إلى بجاية فجمع جيشه وخرج إلى أعمال بجاية فأطاعه ~~جميعهم إلا قسنطينة الهوى فحصرها إلى أن جاء جيش من الموحدين من مراكش في ~~صفر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة في البر والبحر وكان بها يحيى وعبد الله أخو ~~علي بن إسحق الملثم، فخرجا منها هاربين ولحقا بأخيهما فرحل عن قسنطينة وسار ~~إلى إفريقية. وكان سبب إرسال الجيش من مراكش أن والي بجاية وصل إلى يعقوب ~~بن يوسف صاحب المغرب وعرفه ما جرى ببجاية واستيلاء الملثمين عليها وخوفه ~~عاقبة التواني فجهز العساكر في البر عشرين ألف فارس وجهز الأسطول في البحر ~~في خلق كثير واستعادوها. ### || AUT ذكر وفاة صاحب ماردين وملك ولده # في هذه السنة مات قطب الدين إيلغازي بن نجم الدين بن ألبي بن تمرتاش ابن ~~إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين، وملك بعده ابنه حاسم الدين بولق أرسلان وهو ~~طفل وقام بتربيه وتدبير مملكته نظام الدين البقش مملوك أبيه، وكان شاه أرمن ~~صاحب خلاط خال قطب الدين فحكم في دولته، وهو رتب البقش مع ولده، وكان البقش ~~دينا خيرا عادلا حسن السيرة حليما، فأحسن تربيته وتزود أمه، فلما كبر الولد ~~لم يمكنه النظام من مملكته لخبط وهوج فيه، وكان لنظام الدين هذا مملوك اسمه ~~لؤلؤ قد تحكم في دولته وحكم فيها فكان يحمل النظام ms4206 على ما يفعله مع الولد، ~~ولم يزل الأمر كذلك إلى أن مات الولد وله أخ أصغر منه لقبه قطب الدين فرتبه ~~النظام في الملك وليس له منه إلا الاسم والحكم إلى النظام ولؤلؤ، فبقي كذلك ~~إلى سنة إحدى وستمائة، فمرض النظام البقش فأتاه قطب الدين يعوده، فلما خرج ~~من عنده معه لؤلؤ وضربه قطب الدين بسكين معه فقتله ثم دخل إلى النظام وبيده ~~السكين فقتله أيضا وخرج وحده ومعه غلام له وألقى الرأسين إلى الأجناد ~~وكانوا كلهم قد أنشأهم النظام ولؤلؤ فأذعنوا له بالطاعة، فلما تمكن أخرج من ~~أراد وترك من أراد واستولى على قلعة ماردين وأعمالها وقلعة البارعية وصور ~~وهو إلى الآن حاكم فقيها حازم في أفعاله. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV05P0162 # في هذه السنة توفي صدر الدين شيخ الشيوخ عبد الرحمن بن شيخ الشيوخ ~~إسماعيل بن شيخ الشيوخ أبي سعيد أحمد في شعبان، وكان قد سار في ديوان ~~الخلافة رسولا إلى صلاح الدين ومعه شهاب الدين بشير الخادم في معنى الصلح ~~بينه وبين عز الدين صاحب الموصل، فوصلا إلى دمشق وصلاح الدين بحصر الكرك، ~~فأقاما إلى أن عاد فلم يستقر في الصلح أمر ومرضا وطلبا العودة إلى العراق، ~~فأشار عليهما صلاح الدين بالمقام إلى أن يصطلحا، فلم يفعل وسارا في الحر ~~فمات بشير بالحسنة. ومات صدر الدين بالرحبة، ودفن بمشهد البوق، وكان واحد ~~زمانه، قد جمع بين رياسة الدين والدنيا، وكان ملجأ لكل خائف، صالحا، كريما، ~~حليما، وله مناقب كثيرة، ولم يستعمل في مرضه هذا دواء توكلا على الله ~~تعالى. وفيها توفي عبد اللطيف بن محمد بن عبد اللطيف الخجندي الفقيه ~~الشافعي، رئيس أصفهان، وكان موته بباب همذان وقد عاد الحج، وله شعر فمنه: ~~بالحمى دار سقاها مدمعي ... يا سقى الله الحمى من مربع ليت شعري والأماني ~~ضلة ... هل إلى وادي الغض من مرجع أذنت علوة للواشي بنا ... ما على علوة لو ~~لم تسمع أو تحرت رشدا فيما وشى ... أو عفت عني فما قلبي معي رحمه الله، ~~ورضي عنه ms4207 وأرضاه. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وخمسمائة # ### || AUT ذكر حصر صلاح الدين الموصل # ### || AUT ورحيله عنها لوفاة شاه أرمن # في هذه السنة حصر صلاح الدين يوسف بن أيوب الموصل مرة ثانية، وكان مسيره ~~من دمشق في ذي القعدة من السنة الماضية، فوصل إلى حلب، وأقام بها إلى أن ~~خرجت السنة، وسار منها فعبر إلى أرض الجزيرة. فلما وصل حران قبض على مظفر ~~الدين كوكبري بن زين الدين الذي كان سبب ملكه الديار الجزرية. وسبب قبضه ~~عليه أن مظفر الدين كان يراسل صلاح الدين كل وقت، ويشير عليه بقصد الموصل، ~~ويحسن له ذلك ويقوي طمعه، حتى إنه بذل له، إذا سار إليها، خمسين ألف دينار، ~~فلما وصل صلاح الدين إلى حران لم يف له بما بذل من المال، وأنكر ذلك، فقبض ~~عليه، ووكل به، ثم أطلقه، وأعاد إليه مدينتي حران والرها، وكان قد أخذهما ~~منه، وإنما أطلقه لأنه خاف انحراف الناس عنه بالبلاد الجزرية، لأنهم كلهم ~~علموا بما اعتمده مظفر الدين معه من تمليكه البلاد فأطلقه. وسار صلاح الدين ~~عن حران في ربيع الأول، فحضر عنده عساكر الحصن ودارا ومعز الدين سنجر شاه، ~~صاحب الجزيرة، وهو ابن عز الدين صاحب الموصل، وكان قد فارق طاعة عمه بعد ~~قبض مجاهد الدين، وسار مع صلاح الدين إلى الموصل، فلما وصلوا إلى مدينة بلد ~~سير أتابك عز الدين والدته إلى صلاح الدين ومعها ابنة عمه نور الدين محمود ~~بن زنكي وغيرهما من النساء، وجماعة من أعيان الدولة، يطلبون منه المصالحة، ~~وبذلوا الموافقة، والإنجاد بالعساكر ليعود عنهم، وإنما أرسلهن لأنه وكل من ~~عنده ظنوا أنهن إذا طلبن منه الشام أجابهن إلى ذلك، لا سيما ومعهن ابنة ~~مخدومه وولي نعمته نور الدين، فلما وصلن إليه أنزلهن، وأحضر أصحابه ~~واستشارهم فيما يفعله ويقوله، فأشار أكثرهم بإجابتهن إلى ما طلبن منه؛ وقال ~~له الفقيه عيسى وعلي نب أحمد المشطوب، وهما من بلد الهكارية من أعمال ~~الموصل: مثل الموصل لا يترك لامرأة، فإن عز الدين ما أرسلهن إلا ms4208 وقد عجز عن ~~حفظ البلد. ووافق ذلك هواه، فأعادهن خائبات، واعتذر بأعذار غير مقبولة، ولم ~~يكن إرسالهن عن ضعف ووهن، إنما أرسلهن طلبا لدفع الشر بالتي هي أحسن. فلما ~~عدن رحل صلاح الدين إلى الموصل وهو كالمتيقن أنه يملك البلد، وكان الأمر ~~بخلاف ذلك، فلما قارب البلد نزل على فرسخ منه، وامتد عسكره في تلك الصحراء ~~بنواحي الحلة المراقية، وكان يجري بين العسكرين مناوشات بظاهر الباب ~~العمادي، وكنت إذا ذاك بالموصل، وبذل العامة نفوسهم غيظا وحنقا لرده ~~النساء؛ فرأى صلاح الدين ما لم يكن يحسبه، فندم على رجه النساء ندامة ~~الكسعي، حيث فاته حسن الذكر وملك البلد، وعاد على الذين أشاروا بردهن ~~باللوم والتوبيخ. PageV05P0163 # وجاءته كتب القاضي الفاضل وغيره ممن ليس له هوى في الموصل يقبحون فعله ~~وينكرونه، وأتاه وهو على الموصل زين الدين يوسف بن زين الدين صاحب إربل، ~~فأنزله ومعه أخوه مظفر الدين كوكبري وغيرهما من الأمراء بالجانب الشرقي من ~~الموصل، وسير من المنزلة علي بن أحمد المشطوب الهكاري إلى قلعة الجديدة من ~~بلد الهكارية، فحصرها واجتمع عليه من الأكراد والهكارية كثير، وبقي هناك ~~إلى أن رحل صلاح الدين عن الموصل. وكان عامة الموصل يعبرون دجلة فيقاتلون ~~من الجانب الشرقي من العسكر ويعودون؛ ولما كان صلاح الدين يحاصر الموصل بلغ ~~أتابك عز الدين صاحبها أن نائبه بالقلعة زلفندار يكاتبه، ويصدر عن رأيه، ~~وضبط الأمور، وأصلح ما كان فسد من الأحوال، حتى آل الأمر إلى الصلح، على ما ~~نذكره إن شاء الله. وحضر عند صلاح الدين إنسان بغدادي أقام بالموصل، ثم خرج ~~إلى صلاح الدين، فأشار عليه بقطع دجلة عن الموصل إلى ناحية نينوى، وقال: إن ~~دجلة إذا نقلت عن الموصل عطش أهلها فملكناها بغير قتال. فظن صلاح الدين أن ~~قوله صدق، فعزم على ذلك، حتى علم أنه لا يمكن قطعه بالكلية، فإن المدة ~~تطول، والتعب يكثر، ولا فائدة وراءه، وقبحه عنده أصحابه، فأعرض عنه. وأقام ~~بمكانه من أول ربيع الآخر إلى أن قارب آخره، ثم رحل عنها إلى ms4209 ميافارقين. ~~وكان سبب ذلك أن شاه أرمن، صاحب خلاط، توفي بها تاسع ربيع الآخر، فوصل ~~الخبر بوفاته في العشرين منه، فعزم على الرحيل إليها وتملكها، حيث إن شاه ~~أرمن لم يخلف ولدا ولا أحدا من أهل بيته يملك بلاده بعده، وإنما قد استولى ~~عليها مملوك له اسمه بكتمر ولقبه سيف الدين، فاستشار صلاح الدين أمراءه ~~ووزراءه، فاختلفوا، فأما من هواه بالموصل فيشير بالمقام وملازمة الحصار ~~لها؛ وأما من يكره أذى البيت الأتابكي فإنه أشار بالرحيل، وقال: إن ولاية ~~خلاط أكبر وأعظم، وهي سائبة لا حافظ لها، و هذه لها سلطان يحفظها ويذب ~~عنها، وإذا ملكنا تلك سهل أمر هذه وغيرها؛ فتردد في أمره، فاتفق أنه جاءه ~~كتب جماعة من أعيان خلاط، من أهلها وأمرائها، يستدعونه ليسلموا إليه البلد، ~~فسار عن الموصل، وكانت مكاتبة من كاتبه خديعة ومكرا، فإن شمس الدين ~~البهلوان بن إيلدكز، صاحب أذربيجان وهمذان وتلك المملكة، قد قصدهم ليأخذ ~~البلاد منهم، وكان قبل ذلك قد زوج شاه أرمن، على كبر سنه، بنتا له ليجعل ~~ذلك طريقا إلى ملك خلاط وأعمالها، فلما بلغهم مسيره إليهم كاتبوا صلاح ~~الدين يستدعونه إليهم ليسلموا البلد إليه ليدفعوا به البهلوان يدفعوه ~~بالبهلوان، ويبقى البلد بأيديهم؛ فسار صلاح الدين وسير في مقدمته ابن عمه ~~ناصر الدين محمد بن شيركوه، ومظفر الدين بن زين الدين وغيرهم، فساروا إلى ~~خلاط، ونزلوا بطوانة بالقرب من خلاط، وسار صلاح الدين إلى ميافارقين،؛ وأما ~~البهلوان فإنه سار إلى خلاط، ونزل قريبا منها، وترددت رسل أهل خلاط بينهم ~~وبينه وبين صلاح الدين، ثم إنهم أصلحوا أمرهم مع البهلوان، وصاروا من حزبه وخطبوا له. ### || AUT ذكر وفاة نور الدين صاحب الحصن # في هذه السنة توفي نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود، صاحب الحصن ~~وآمد، لما كان صلاح الدين على الموصل، وخلف ابنين، فملك الأكبر منهما واسمه ~~سقمان، ولقبه قطب الدين، وتولى تدبير الأمور وزيره القوام بن سماقا ~~الأسعردي. وكان عماد الدين بن قرا أرسلان قد سيره أخوه نور الدين ms4210 في عساكره ~~إلى صلاح الدين، وهو يحاصر الموصل، وهو معه، فلما بلغه خبر وفاة أخيه سار ~~ليملك البلاد بعد لصغر أولاده، فتعذر عليه ذلك، فسار إلى خرت برت فملكها، ~~وهي بيد أولاده إلى سنة عشرين وستمائة، ولما حصر صلاح الدين ميافارقين حضر ~~عنده ولد نور الدين فأقره على ملك أبيه، ومن جملته آمد، وكانوا خافوا أن ~~يأخذها منهم، فلم يفعل، وردهم إلى بلادهم، وشرط عليهم أن يراجعوه فيما ~~يفعلونه، ويصدروا عن أمره ونهيه، ورتب معه أميرا لقبه صلاح الدين من أصحابه أبيه. ### || AUT ذكر ملك صلاح الدين ميافارقين # PageV05P0164 # لما سار صلاح الدين إلى خلاط جعل طريقه على ميافارقين مطمع ملكها، حيث ~~كان صاحبه قطب الدين، صاحب ماردين، قد توفي كما ذكرنا، وملك بعد ابنه، وهو ~~طفل، وكان حكمها إلى شاه أرمن، وعسكره فيها، فلما توفي طمع في أخذها، فلما ~~نازلها رآها مشحونة بالرجال، وبها زوجة قطب الدين المتوفي، ومعها بنات لها ~~منه، وهي أخت نور الدين محمد، صاحب الحصن، فأقام صلاح الدين عليها يحصرها ~~من أول جمادى الأولى. وكان المقدم على أجنادها أميرا اسمه يرنقش، ولقبه أسد ~~الدين، وكان شجاعا شهما، يحفظ البلد، فأحسن إليه، واشتد القتال عليه ونصبت ~~المجانيق والعرادات، فلم يصل صلاح الدين إلى ما يريد منها؛ فلما رأى ذلك ~~عدل عن القوة والحرب إلى أعمال الحيلة، فراسل امرأة قطب الدين المقيمة ~~بالبلد يقول لها: إن أسد الدين يرنقش قد مال إلينا في تسليم البلد ونحن ~~نرعى حق أخيك نور الدين فيك بعد وفاته، ونريد أن يكون لك في هذا الأمر ~~نصيب، وأنا أزوج بناتك بأولادي وتكون ميافارقين وغيرها لك وبحكمك؛ ووضع من ~~أرسل إلى أسد يعرفه أن الخاتون قد مالت للمقاربة والانقياد إلى السلطان، ~~وأن من بخلاط قد كاتبوه ليسلموا إليه، فخذ لنفسك. واتفق أن رسولا وصله من ~~خلاط، يبذلون له الطاعة، وقالوا له من الاستدعاء إليهم ما كانوا يقولونه، ~~فأمر صلاح الدين الرسول، فدخل إلى ميافارقين، وقال لأسد: أنت عمن تقاتل، ~~وأنا قد جئت في تسليم ms4211 خلاط إلى صلاح الدين! فسقط في يده، وضعفت نفسه، وأرسل ~~يقترح أقطاعا ومالا، فأجيب إلى ذلك، وسمل البلد سلخ جمادى الأولى، وعقد ~~النكاح لبعض أولاده على بعض بنات الخاتون، وأقر بيدها قلعة الهتاخ لتكون ~~فيها هي وبناتها. ### || AUT ذكر عود صلاح الدين إلى بلد الموصل # ### || AUT والصلح بينه وبين أتابك عز الدين # لما فرغ صلاح الدين من أمر ميافارقين، وأحكم قواعدها، وقرر أقطاعها ~~وولاياتها، أجمع على العود إلى الموصل، فسار نحوها، وجعل طريقه على نصيبين، ~~فوصل إلى كفر زمار، والزمان شتاء، فنزلها في عسكره، وعزم على المقام بها ~~وإقطاع جميع بلاد الموصل، وأخذ غلالها ودخلها، وإضعاف الموصل بذلك، إذ علم ~~أنه لا يمكنه التغلب عليها؛ وكان نزوله في شعبان، وأقام بها شعبان ورمضان، ~~وتردد الرسل بينه وبين عز الدين، صاحب الموصل، وصار مجاهد الدين يراسل ~~ويتقرب، وكن قوله مقبولا عند سائر الملوك لما علموا من صحته. فبينما الرسل ~~تتردد في الصلح، إذ مرض صلاح الدين، وسار من كفر زمار عائدا إلى حران، ~~فلحقه الرسل بالإجابة إلى ما طلب، فتقرر الصلح، وحلف على ذلك، وكاتب ~~القاعدة أن يسلم إليه عز الدين شهرزور وأعمالها وولاية القرابلي، وجميع ما ~~وراء الزاب من الأعمال، وأن يخطب له على منابر بلاده، ويضرب اسمه على ~~السكة، فلما حلف أرسل رسله فحلف عز الدين له، وتسلموا البلاد التي استقرت ~~القاعدة على تسليمها. ووصل صلاح الدين إلى حران، فأقام بها مريضا، وأمنت ~~الدنيا، وسكنت الدهماء، وانحسمت مادة الفتن، وكان ذلك بتوصل مجاهد الدين ~~قايماز، رحمه الله. وأما صلاح الدين فإنه طال مرضه بحران، وكان عنده من ~~أهله أخوه الملك العادل، وله حينئذ حلب، وولده الملك العزيز عثمان، واشتد ~~مرضه حتى أيسوا من عافيته، فحلف الناس لأولاده، وجعل لكل منهم شيئا من ~~البلاد معلوما، وجعل أخاه العادل وصيا على الجميع، ثم إنه عوفي وعاد إلى ~~دمشق في المحرم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. PageV05P0165 # ولما كان مريضا بحران كان عنده ابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه، وله ~~من الأقطاع حمص ms4212 والرحبة، فسار من عنده إلى حمص، فاجتاز بحلب وأحضر جماعة من ~~أحداثها وأعطاهم مالا، ولما وصل إلى حمص راسل جماعة من الدمشقيين وواعدهم ~~على تسليمهم البلد إليه إذا مات صلاح الدين، وأقام بحمص ينتظر موته ليسير ~~إلى دمشق فيملكها، فعوفي وبلغه الخبر على جهته، فلم يمض غير قليل حتى مات ~~ابن شيركوه ليلة عيد الأضحى فإنه شرب الخمر وأكثر منها، فأصبح ميتا، ~~فذكروا، والعهدة عليهم، أن صلاح الدين وضع عليه إنسانا يقال له الناصح بن ~~العميد، وهو من دمشق، فحضر عنده، ونادمه وسقاه سما، فلما أصبحوا من الغد لم ~~يروا الناصح، فسألوا عنه، فقيل: إنه سار من ليلته إلى صلاح الدين؛ فكان هذا ~~مما قوى الظن. فلما توفي أعطى أقطاعه لولده شيركوه، وعمره اثنتا عشرة سنة. ~~وخلف ناصر الدين من الأموال والخيل والآلات شيئا كثيرا، فحضر صلاح الدين في ~~حمص واستعرض تركته، وأخذ أكثرها ولم يترك إلا ما لا خير فيه. وبلغني أن ~~شيركوه بن ناصر الدين حضر عند صلاح الدين، بعد موت أبيه بسنة، فقال له: إلى ~~أين بلغت من القرآن؟ فقال: إلى قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) النساء 10، فعجب صلاح ~~الدين والحاضرون من ذكائه. ### || AUT ذكر الفتنة بين التركمان والأكراد # ### || AUT بديار الجزيرة والموصل # في هذه السنة ابتدأت الفتنة بين التركمان والأكراد ### || AUT بديار الجزيرة والموصل # وديار بكر وخلاط والشام وشهرزور وأذربيجان، وقتل فيها من الخلق ما لا ~~يحصى، ودامت عدة سنين، وتقطعت الطرق، ونهبت الأموال، وأريقت الدماء. وكان ~~سببها أن امرأة من التركمان تزوجت بإنسان تركماني، واجتازوا في طريقهم ~~بقلعة من الزوزان للأكراد، فجاء أهلها وطلبوا من التركمان وليمة العرس، ~~فامتنعوا من ذلك، وجرى بينهم كلام صاروا منه إلى القتال، فنزل صاحب تلك ~~القلعة فأخذ الزوج فقتله، فهاجت الفتنة، وقام التركمان على ساق، وقتلوا ~~جمعا كثيرا من الأكراد، وثار الأكراد فقتلوا من التركمان أيضا كذلك، وتفاقم ~~الشر ودام. ثم إن مجاهد الدين قايماز، رحمه الله، جمع عنده ms4213 جمعا من رؤساء ~~الأكراد والتركمان، وأصلح بينهم، وأعطاهم الخلع والثياب وغيرها، وأخرج ~~عليهم مالا جما، فانقطعت الفتنة وكفى الله شرها، وعاد الناس إلى ما كانوا ~~عليه من الطمأنينة والأمان. ### || AUT ذكر ملك الملثمين والعرب إفريقية وعودها إلى الموحدين # قد ذكرنا سنة ثمانين ملك علي بن إسحق الملثم بجاية، وإرسال يعقوب ابن ~~يوسف بن عبد المؤمن، صاحب المغرب، العساكر واستعادتها، فسار علي إلى ~~إفريقية، فلما وصل إليها اجتمع سليم ورباح ومن هناك من العرب، وانضاف إليهم ~~الترك الذين كانوا قد دخلوا من مصر مع قراقوش، وقد تقدم ذكر وصوله إليها، ~~ودخل أيضا من أتراك مصر مملوك لتقي الدين ابن أخي صلاح الدين، اسمه بوزابة، ~~فكثر جمعهم، وقويت شوكتهم، فلما اجتمعوا بلغت عدتهم مبلغا كثيرا، وكلهم ~~كاره لدولة الموحدين، واتبعوا جميعهم علي ابن إسحاق الملثم، لأنه من بيت ~~المملكة والرياسة القديمة، وانقادوا إليه، ولقبوه بأمير المسلمين، وقصدوا ~~بلاد إفريقية فملكوها جميعها شرقا وغربا إلا مدينتي تونس والمهدية، فإن ~~الموحدين أقاموا بهما، وحفظوهما على خوف وضيق شدة، وانضاف إلى المفسد ~~الملثم كل مفسد في تلك الأرض، ومن يريد الفتنة والنهب والفساد والشر، ~~فخربوا البلاد والحصون والقرى، وهتكوا الحزم، وقطعوا الأشجار. PageV05P0166 # وكان الوالي على إفريقية حينئذ عبد الواحد بن عبد الله الهنتاتي وهو ~~بمدينة تونس، فأرسل إلى ملك المغرب يعقوب وهو بمراكش يعلمه الحال، وقصد ~~اللثم جزيرة باشرا، وهي بقرب تونس، تشتمل على قرى كثيرة، فنازلها وأحاط ~~بها، فطلب أهلا منه الأمان، فأمنهم، فلما دخلها العسكر نهبوا جميع ما فيها ~~من الأموال والدواب والغلات، وسلبوا الناس حتى أخذوا ثيابهم، وامتدت الأيدي ~~إلى النساء والصبيان، وتركوهم هلكى، فقصدوا مدينة تونس، فأما الأقوياء ~~فكانوا يخدمون ويعملون ما يقوم بقوتهم، وأما الضعفاء فكانوا يستعطون ~~ويسألون الناس؛ ودخل عليهم فصل الشتاء، فأهلكهم البرد ووقع فيهم الوباء، ~~فأحصي الموتى منهم فكانوا اثنتي عشر ألفا، هذا من موضع واحد، فما الظن ~~بالباقي؟. ولما استولى الملثم على إفريقية قطع خطبة أولاد عبد المؤمن وخطب ~~للإمام الناصر لدين الله الخليفة العباسي، وأرسل ms4214 إليه يطلب الخلع والأعلام ~~السود. وقصد في سنة اثنتين وثمانين مدينة قفصة فحصرها، فأخرج أهلها ~~الموحدين من عساكر ولد عبد المؤمن وسلموها إلى الملثم، فرتب فيها جندا من ~~الملثمين والأتراك، وحصنها بالرجال مع حصانتها في البناء. وأما يعقوب بن ~~يوسف بن عبد المؤمن فإنه لما وصله الخبر اختار من عساكره عشرين ألف فارس من ~~الموحدين، وقصد قلة العسكر لقلة القوت في البلاد، ولما جرى فيها من التخريب ~~والأذى، وسار في صفر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، فوصل إلى مدينة تونس، ~~وأرسل ستة آلاف فارس مع ابن أخيه، فساروا إلى علي بن إسحق الملثم ليقاتلوه، ~~وكان بقفصة، فوافوه، وكان مع الموحدين جماعة من الترك، فخامروا عليهم، ~~فانهزم الموحدون، وقتل جماعة من مقدميهم، وكان ذلك في ربيع الأول سنة ثلاث ~~وثمانين. فلما بلغ يعقوب الخبر أقام بمدينة تونس إلى نصف رجب من السنة، ثم ~~خرج فيمن معه من العساكر يطلب الملثم والأتراك، فوصل إليهم، فالتقوا بالقرب ~~من مدينة قابس، واقتتلوا، فانهزم الملثم ومن معه، فأكثر الموحدون القتل حتى ~~كادوا يفنونهم، فلم ينج منهم إلا القليل فقصدوا البر، ورجع يعقوب من يومه ~~إلى قابس ففتحها وأخذ منها أهل قراقوش وأولاده وحملهم إلى مراكش، وتوجه إلى ~~مدينة قفصة فحصرها ثلاثة أشهر، وقطع أشجارها، وخرب ما حولها، فأرسل إليه ~~الترك الذين فيها يطلبون الأمان لأنفسهم ولأهل البلد، فأجابهم إلى ذلك، ~~وخرج الأتراك منها سالمين، وسير الأتراك إلى الثغور لما رأى من شجاعتهم ~~ونكايتهم في العدو، وتسلم يعقوب البلد وقتل من فيه من الملثمين، وهدم ~~أسواره، وترك المدينة مثل قرية، وظهر ما أنذر به المهدي بن تومرت، فإنه قال ~~إنها تخرب أسوارها وتقطع أشجارها، وقد تقدم ذلك ذلك؛ فلما فرغ يعقوب من أمر ~~قفصة واستقامت إفريقية عاد إلى مراكش، وكان وصوله إليها سنة أربع وثمانين وخمسمائة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة فارق الرضي أبو الخير إسماعيل القزويني الفقيه الشافعي ~~بغداد، وكان مدرس النظامية بها، وعاد إلى قزوين، ودرس فيها بعده الشيخ أبو ~~طالب المبارك صاحب ms4215 ابن الخل، وكان من العلماء الصالحين. وفيها كان بني أهل ~~الكرخ ببغداد وبين أهل باب البصرة فتنة عظيمة جرح فيها كثير منهم وقتل، ثم ~~أصلح النقيب الظاهر بينهم. وفيها توفي الفقيه مهذب الدين عبد الله بن أسعد ~~الموصلي، وكان عالما بمذهب الشافعي، وله نظم حسن ونثر أجاد فهي، وكان من ~~محاسن الدنيا، وكانت وفاته بحمص. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة # ### || AUT ذكر نقل العادل من حلب # ### || AUT والملك العزيز إلى مصر وإخراج الأفضل من مصر إلى دمشق وإقطاعه إياها # في هذه السنة أخرج صلاح الدين ولده الأفضل عليا من مصر إلى دمشق، ~~وأقطعها له، وأخذ حلب من أخيه العادل، وسيره مع ولده العزيز عثمان إلى مصر، ~~وجعل نائبا عنه، واستدعي تقي الدين منها. PageV05P0167 # وسبب ذلك أنه كان قد استناب تقي الدين بمصر، كما ذكرناه، وجعل معه ولده ~~الأكبر الأفضل عليا، فأرسل تقي الدين يشكو من الأفضل، ويذكر أنه قد عجز عن ~~جباية الخراج معه لأنه كان حليما كريما إذا أراد تقي الدين معاقبة أحد ~~منعه؛ فأحضر ولده الأفضل، وقال لتقي الدين: لا تحتج في الخراج وغيره بحجة؛ ~~وتغير عليه بذلك، وظن أنه يريد إخراج ولده الأفضل لينفرد بمصر حتى يملكها ~~إذا مات صلاح الدين، فلما قوي هذا الخاطر عنده أحضر أخاه العادل من حلب ~~وسيره إلى مصر ومعه ولده العزيز عثمان، واستدعى تقي الدين إلى الشام، ~~فامتنع من الحضور، وجمع الأجناد والعساكر ليسير إلى المغرب، إلى مملوكه ~~قراقوش، وكان قد استولى على جبال نفوسة وبرقة وغيرها، وقد كتب إليه يرغبه ~~في تلك البلاد، فتجهز للمسير إليه، واستصحب معه أنجاد العسكر وأكثر منهم. ~~فلم سمع ذلك صلاح الدين ساءه، وعلم أنه إن أرسل إليه يمنعه لم يجبه، فأرسل ~~إليه يقول له: أريد أن تحضر عندي لأودعك، وأوصيك بما تفعله؛ فلما حضر عنده ~~منعه، وزاد في إقطاعه، فصار إقطاعه عندي لأودعك، وأوصيك بما تفعله؛ فلما ~~حضر عنده منعه، وزاد في إقطاعه، فصار إقطاعه حماة، ومنبج، والمعزة، وكفر ~~طاب، وميافارقين، وجبل ms4216 جور، بجميع أعمالها، وكان تقي الدين قد سير في ~~مقدمته مملوكه بوزابة، فاتصل بقراقوش، وكان منهم ما ذكرناه سنة إحدى ~~وثمانين وخمسمائة. وقد بلغني من خبير بأحوال صلاح الدين أنه إنما حمله على ~~أخذ حلب من العادل وإعادة تقي الدين إلى الشام، أن صلاح الدين لما مرض ~~بحران، على ما ذكرناه، أرجف بمصر أنه قد مات، فجرى من تقي الدين حركات من ~~يريد أن يستبد بالملك، فلما عوفي صلاح الدين بلغه ذلك، فأرسل الفقيه عيس ~~الهكاري، وكان كبير القدر عنده، مطاعا في الجند، إلى مصر، وأمره بإخراج تقي ~~الدين والمقام بمصر؛ فسار مجدا، فلم يشعر تقي الدين إلا وقد دخل الفقيه عيس ~~إلى داره بالقاهرة، وأرسل إليه يأمره بالخروج منا، فطلب أن يمهل إلى أن ~~يتجهز، فلم يفعلن وقال: تقيم خارج المدينة وتتجهز. فخرج وأظهر أنه يريد ~~الدخول إلى الغرب، فقال له: اذهب حيث شئت؛ فلما سمع صلاح الدين الخبر أرسل ~~إليه يطلبه، فسار إلى الشام، فأحسن إليه ولم يظهر له شيئا مما كان لأنه كان ~~حليما، كريما، صبورا، رحمه الله. وأما أخذ حلب من العادل، فإن السبب فيه ~~أنه كان من جملة جندها أمير كبير اسمه سليمان بن جندر، بينه وبين صلاح ~~الدين صحبة قدية، قبل الملك، وكان صلاح الدين يعتمد عليه، وكان عاقلا ذا ~~مكر ودهاء، فاتفق أن الملك العادل لما كان بحلب مل يفعل معه ما كان يظنه، ~~وقدم غيره عليه، فتأثر بذلك. فلما مرض صلاح الدين، وعوفي، سار إلى الشام، ~~فسايره يوما سليمان ابن جندر، فجرى حديث مرضه، فقال له سليمان: بأي رأي كنت ~~تظن أنك تمضي إلى الصيد فلا يخالفونك؟ بالله ما تستحي يكون الطائر أهدى منك ~~إلى المصلحة؟ قال: وكيف ذلك؟ وهو بضحك، قال: إذا أراد الطائر أن يعمل عشا ~~لفراخه قصد أعالي الشجر ليحمي فراخه، وأنت، سلمت الحصون إلى أهلك، وجعلت ~~أولادك على الأرض. هذه حلب بيد أخيك، وحماه بيد تقي الدين، وحصن بيد ابن ~~شيركوه، وابنك العزيز مع تقي الدين بمصر يخرجه ms4217 أي وقت أراد، وهذا ابنك ~~الآخر مع أخيك في خيمه يفعل به ما أراد. فقال له: صدقت، واكتم هذا الأمر؛ ~~ثم أخذ حلب من أخيه، وأخرج تقي الدين من مصر، ثم أعطى أخاه العادل حران ~~والرها وميافارقين ليخرجه من الشام ومصر، لتبقى لأولاده، فلم ينفعه ما فعل ~~لما أراد الله تعالى نقل الملك عن أولاده على ما نذكر. ### || AUT ذكر وفاة البهلوان وملك أخيه قزل # في هذه السنة، في أولها، توفي البهلوان محمد بن إيلدكز، صاحب بلد الجبل ~~والري وأصفهان وأذربيجان وأرانية وغيرها من البلاد، وكان عادلا، حسن ~~السيرة، عاقلا، حليما، ذا سياسة حسنة للملك، وكانت تلك البلاد في أيامه ~~آمنة والرعايا مطمئنة، فلما مات جرى بأصفهان بين الشافعية والحنفية من ~~الحروب والقتل والإحراق والنهب ما يجل عن الوصف، وكان قاضي البلد رأس ~~الحنفية، وابن الخجندي رأس الشافعية، وكان بمدينة الري أيضا فتنة عظيمة بني ~~السنة والشيعة، وتفرق أهلها وقتل منهم، وخربت المدينة وغيرها من البلاد. ~~PageV05P0168 # ولما مات البهلوان ملك أخوه قزل أرسلان واسمه عثمان، وكان السلطان طغرل ~~بن أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه مع البهلوان، والخطبة له في البلاد ~~بالسلطنة، وليس له من الأمر شيء، وإنما البلاد والأمراء والأموال بحكم ~~البهلوان، فلما مات البهلوان خرج طغرل عن حكم قزل، ولحق به جماعة من ~~الأمراء والجند، فاستولى على بعض البلاد، وجرت بينه وبين قزل حروب نذكرها ~~إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر اختلاف الفرنج بالشام # ### || AUT وإنحياز القمص صاحب طرابلس إلى صلاح # كان القمص، صاحب طرابلس، واسمه ريمند بن ريمند الصنجيلي، قد تزوج ~~بالقومصة، صاحبة طبرية، وانتقل إليها، وأقام عندها بطبرية، ومات ملك الفرنج ~~بالشام، وكان مجذوما، وأوصى بالملك إلى ابن أخت له، وكان صغيرا، فكفه ~~القمص، وقام بسياسة الملك وتدبيره لأنه لم يكن للفرنج ذلك الوقت أكبر من ~~شأنا، ولا أشجع ولا أجود رأيا منه، فطمع في الملك بسبب هذا الصغير؛ فاتفق ~~أن الصغير توفي، فانتقل الملك إلى أمه، فبطل ما كان القمص يحدث نفسه به. ثم ms4218 ~~إن هذه الملكة هويت رجلا من الفرنج الذين قدموا الشام من الغرب اسمه كي، ~~فتزوجته، ونقلت الملك إليه، وجعلت التاج على رأسه، وأحضرت البطريك والقسوس ~~والرهبان والإسبتارية والدواية والبارونية، وأعلمتهم أنها قد ردت الملك ~~إليه، وأشهدتهم عليها بذلك، فأطاعوه، ودانوا له، فعظم ذلك على القمص، وسقط ~~في يديه، طولب بحساب ما جبى من الأموال مدة ولاية ذلك الصبي، فأدعى أنه ~~أنفقه عليه، وزاده ذلك نفورا، وجاهر بالمشاقة والمباينة، وراسل صلاح الدين، ~~وانتمى إليه، واعتضد به، وطلب منه المساعدة على بلوغ غرضه من الفرنج، ففرح ~~صلاح الدين والمسلمون بذلك، ووعده النصرة، والسعي له في كل ما يريده، وضمن ~~له أنه يجعله ملكا مستقلا للفرنج قاطبة، وكان عنده جماعة من فرسان القمص ~~أسرى فأطلقهم، فحل ذلك عنده أعظم محل، وأظهر طاعة صلاح الدين، ووافقه على ~~ما فعل جماعة من الفرنج، فاختلفت كلمتهم وتفرق شملهم، وكان ذلك من أعظم ~~الأسباب الموجبة لفتح بلادهم، واستنفاذ البيت المقدس منهم، على ما نذكره إن ~~شاء الله. وسير صلاح الدين السرايا من ناحية طبرية، فشنت الغارات على بلاد ~~الفرنج، وخرجت سالمة غانمة، فوهن الفرنج بذلك، وضعفوا وتجرأ المسلمون عليهم ~~وطمعوا فيهم. ### || AUT ذكر غدر البرنس أرناط # كان البرنس أرناط، صاحب الكرك، من أعظم الفرنج وأخبثهم، وأشدهم عداوة ~~للمسلمين، وأعظمهم ضررا عليهم، فلما رأى صلاح الدين ذلك منه قصد بالحصر مرة ~~بعد مرة، وبالغارة على بلاده كرة بعد أخرى، فذل، وخضع، وطلب الصلح من صلاح ~~الدين، فأجابه إلى ذلك، وهادنه وتحالفا، وترددت القوافل من الشام إلى مصر، ~~ومن مصر إلى الشام. فلا كان هذه السنة اجتاز به قافلة عظيمة غزيرة الأموال، ~~كثيرة الرجال، ومعها جماعة صالحة من الأجناد، فغدر اللعين بهم، وأخذهم عن ~~آخرهم، وغنم أموالهم ودوابهم وسلاحهم، وأودع السجون من أسره منهم؛ فأرسل ~~إليه صلاح الدين يلومه، ويقبح فعله وغدره، ويتهدده إن لم يطلب الأسى ~~والأموال، فلم يجب إلى ذلك، وأصر على الامتناع، فنذر صلاح الدين نذرا أن ~~يقتله إن ظفر به، فكان ما نذكره إن شاء ms4219 الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # كان المنجون قديما وحديثا قد حكموا أن هذه السنة التاسع والعشرين من ~~جمادى الآخرة تجتمع الكواكب الخمسة في برج الميزان، ويحدث باقترانها رياح ~~شديدة، وتراب يهلك العباد ويخرب البلاد، فلما دخلت هذه السنة لم يكن لذلك ~~صحة، ولم يهب من الرياح شيء البتة، حتى إن غلال الحنطة والشعير تأخر نجازها ~~لعدم الهواء الذي يذري به الفلاحون، فأكذب الله أحدوثة المنجمين وأخزاهم. ~~وفيها توفي عبد الله بن بري بن عبد الجبار بن بري النحوي المصري، وكان ~~إماما في النحو، رحمه الله تعالى. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة # اتفق أول هذه السنة يوم السبت، وهو يوم النوروز السلطاني، ورابع عشر ~~آذار سنة ألف وأربع مائة وثمان وتسعين إسكندرية؛ وكان القمر والشمس في ~~الحمل، واتفق أول سنة العرب، وأول سنة الفرس التي جددوها أخيرا، وأول سنة ~~الروم، والشمس والقمر في أول البروج، وهذا يبعد وقوع مثله. ### || AUT ذكر حصر صلاح الدين الكرك # PageV05P0169 # في هذه السنة كتب صلاح الدين إلى جميع البلاد يستنفر الناس للجهاد، وكتب ~~إلى الموصل وديار الجزيرة وإربل وغيرها من بلاد الشرق، وإلى مصر وسائر بلاد ~~الشام، يدعوهم إلى الجهاد، ويحثهم عليه، ويأمرهم بالتجهز له بغاية الإمكان. ~~ثم خرج من دمشق، أواخر المحرم، في عسكرها الخاص فسار إلى رأس الماء، ~~وتلاحقت به العساكر الشامية، فلما اجتمعوا جعل عليهم ولده الملك الأفضل ~~عليا ليجتمع إليه من يرد إليه منها، وسار هو إلى بصرى، جريدة. وكان سبب ~~مسيره وقصده إليها أنه أتته الأخبار أن البرنس أرناط، صاحب الكرك، يريد أن ~~يقصد الحجاج ليأخذهم من طريقهم، وأظهر أنه إذا فرغ من أخذ الحجاج يرجع إلى ~~طريق العسكر المصري يصدهم عن الوصول إلى صلاح الدين، فسار إلى بصرى ليمنع ~~البرنس أرناط من طلب الحجاج، ويلزم بلده خوفا عليه. وكان من الحجاج جماعة ~~من أقاربه منهم محمد بن لاجين، وهو ابن أخت صلاح الدين، وغيره، فلما سمع ~~أرناط بقرب صلاح الدين من بلده لم يفارقه، وانقطع عما طمع ms4220 فيه، فوصل الحجاج ~~سالمين؛ فلما وصلوا وفرغ سره من جهتهم سار إلى الكرك فحصره وضيق عليه الكرك ~~والشوبك وغيرهما، فنهبوا وخربوا وأحرقوا، والبرنس محصور لا يقدر على المنع ~~عن بلده، وسائر الفرنج قد لزموا طرف بلادهم، خوفا من العسكر الذي مع ولده ~~الأفضل، فتمكن من الحصر والنهب والتحريق والتخريب، هذا فعل صلاح الدين. ### || AUT ذكر الغارة على بلد عكا # أرسل صلاح الدين إلى ولده الأفضل يأمره أن يرسل قطعة صالحة من الجيش إلى ~~بلد عكا ينهبونه ويخربونه، فسير مظفر الدين كوكبري بن زين، وهو صاحب حران ~~والرها، وأضاف إليه قايماز النجمي ودلدرم اليارقي، وهما من أكابر الأمراء، ~~وغيرهما، فساروا ليلا، وصبحوا صفورية أواخر صفر، فخرج إليهم الفرنج في جمع ~~من الدواية والاسبتارية وغيرهما، فالتقوا هناك، وجرت بينهم حرب تشيب لها ~~المفارق السود. ثم أنزل الله تعالى نصره على المسلمين، فانهزم الفرنج، وقتل ~~منهم جماعة، وأسر الباقون، وفيمن قتل مقدم الاسبتارية، وكان من فرسان ~~الفرنج المشهورين، وله النكايات العظيمة في المسلمين، ونهب المسلمون ما ~~جاورهم من البلاد، وغنموا وسبوا، وعادوا سالمين، وكان عودهم على طبرية، ~~وبها القمص، فلم ينكر ذلك، فكان فتحا كثيرا، فإن الداوية والاسبتارية هم ~~جمرة الفرنج، وسيرت البشائر إلى البلاد بذلك. ### || AUT ذكر عود صلاح الدين إلى عسكره # ### || AUT ودخوله إلى الفرنج # لما أتت صلاح الدين البشارة بهزيمة الاسبتارية والدواية، وقتل من قتل ~~منهم، وأسر من أسر، عاد عن الكرك إلى العسكر الذي مع ولده الملك الأفضل، ~~وقد تلاحقت سائر الأمداد والعساكر، واجتمع بهم، وساروا جميعا، وعرض العسكر، ~~فبلغت عدتهم اثني عشر ألف فارس ممن له الأقطاع والجامكية، وسوى المتطوعة، ~~فعبا عسكره قلبا وجناحين، وميمنة وميسرة، وجالشية وساقة، وعرف كل منهم ~~موضعه وموقفه، وأمره بملازمته، وسار على تعبئة، فنزل بالأقحوانة بقرب ~~طبرية، وكان القمص قد انتمى إلى صلاح الدين، كما ذكرنا، وكبه متصلة إليه ~~يعده النصرة، ويمنيه المعاضدة، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. فلما رأى ~~الفرنج اجتماع العساكر الإسلامية، وتصميم العزم على قصد بلادهم، أرسلوا إلى ~~القمص البطرك ms4221 والقوس والرهبان، وكثيرا من الفرسان، فأنكروا عليه انتماءه ~~إلى صلاح الدين، و قالوا له: لا شك أنك أسلمت، و إلا لم تصبر على ما فعل ~~المسلمون أمس بالفرنج، يقتلون الداوية والاسبتارية، ويأسرونهم، ويجتازون ~~بهم عليك، وأنت لا تنكر ذلك ولا تمنع عنه؛ ووافقهم على ذلك من عنده من عسكر ~~طبرية وطرابلس، وتهدده البطرك أنه يحرمه، ويفسخ نكاح زوجته، إلى غير ذلك من ~~التهديد؛ فلما رأى القمص شدة الأمر عليه خاف، فاعتذر وتنصل وتاب، فقبلوا ~~عذره، وغفروا زلته، وطلبوا منه الموافقة على المسلمين، والمؤازرة على حفظ ~~بلادهم، فأجابهم إلى المصالحة والانضمام إليهم، والاجتماع معهم، وسار معهم ~~إلى ملك الفرنج، واجتمعت كلمتهم بعد فرقتهم، ولم تغن عنهم من الله شيئا، ~~وجمعوا فارسهم وراجلهم، ثم ساروا من عكا إلى صفورية، وهم يقدمون رجلا ~~ويؤخرون أخرى، قد ملئت قلوبهم رعبا. ### || AUT ذكر فتح صلاح الدين طبرية # PageV05P0170 # لما اجتمع الفرنج وساروا إلى صفورية، جمع صلاح الدين أمراءه ووزراءه ~~واستشارهم، فأشار أكثرهم عليه بترك اللقاء، وأن يضعف الفرنج بشن الغارات، ~~وإخراب الولايات ومرة بعد مرة، فقال له بعض أمرائه: الرأي عندي أننا نجوس ~~بلادهم، وننهب، ونخرب، ونحرق، ونسبي، فإن وقف أحد من عسكر الفرنج بن أيدينا ~~لقيناه، فإن الناس بالمشرق يلعنوننا ويقولون ترك قتال الكفار، وأقبل يريد ~~قتال المسلمين؛ والرأي أن نفعل فعلا نعذر فيه ونكف الألسنة عنا؛ فقال صلاح ~~الدين: الرأي عندي أن نلقي بجمع المسلمين جمع الكفار، فإن الأمور لا تجري ~~بحكم الإنسان، ولا نعلم قدر الباقي من أعمارنا، ولا ينبغي أن نفرق هذا ~~الجمع إلا بعد الجد بالجهاد. ثم رحل من الأقحوانة، اليوم الخامس من نزوله ~~بها، وهو يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر، فسار حتى خلف طبرية وراء ~~ظهره، وصعد جبلها، وتقدم حتى قارب الفرنج، فلم ير الفرنج من يمنعهم من ~~القتال، ونزل جريدة إلى طبرية وقاتلهم، ونقب بعض أبراجها، وأخذ المدينة ~~عنوة في ليلة، ولجأ من بها إلى القلعة التي لها، فامتنعوا بها، وفيها ~~صاحبتها، ومعها أولادها، فنهب المدينة وأحرقها. ms4222 فلما سمع الفرنج نزول صلاح ~~الدين إلى طبرية وملكه المدينة، وأخذ ما فيها، وإحراقها، وإحراق ما تخلف ~~مما لا يحمل، اجتمعوا للمشورة، فأشار بعضهم بالتقدم إلى المسلمين وقتالهم، ~~ومنعهم عن طبرية، فقال القمص: إن طبرية لي ولزوجتي، وقد فعل صلاح الدين ~~بالمدينة ما فعل، وبقي القلعة، وفيها زوجتي، وقد رضيت أن يأخذ القلعة ~~وزوجتي وما لنا بها ويعود، فوالله لقد رأيت عساكر الإسلام قديما وحديثا ما ~~رأيت مثل هذا العسكر الذي مع صلاح الدين كثرة وقوة، وإذا أخذ طبرية لا ~~يمكنه المقام بها، فمتى فارقها وعاد عنها أخذناها، وإن أقام بها لا يقدر ~~على المقام بها إلا بجميع عساكره، ولا يقدرون على الصبر طول الزمان عن ~~أوطانهم وأهليهم، فيضطر إلى تركها، ونفتك من أسر منا. فقال له برنس أرناط، ~~صاحب الكرك: قد أطلت في التخويف من المسلمين، ولا شك أنك تريدهم، وتميل ~~إليهم، وإلا ما كنت تقول هذا، وأما قولك: إنهم كثيرون، فإن النار لا يضرها ~~كثرة الحطب. فقال: أنا واحد منكم إن تقدمتم تقدمت، وإن تأخرتم تأخرت، ~~وسترون ما يكون. فقوي عزمهم على التقدم إلى المسلمين وقتالهم، فرحلوا من ~~معسكرهم الذي لزموه، وقربوا من عساكر الإسلام؛ فلما سمع صلاح الدين بذلك ~~عاد عن طبرية إلى عسكره، وكان قريبا منه، وإنما كان قصده بمحاصرة طبرية أن ~~يفارق الفرنج مكانهم لتمكن من قتالهم. وكان المسلمون قد نزلوا على الماء، ~~والزمان قيظ شديد الحر، فوجد الفرنج العطش، ولم يتمكنوا من الوصول إلى ذلك ~~الماء من المسلمين، وكانوا قد أفنوا ما هناك من ماء الصهاريج ولم يتمكنوا ~~من الرجوع خوفا من المسلمين، فبقوا على حالهم إلى الغد، وهو يوم السبت، وقد ~~أخذ العطش منهم. وأما المسلمون فإنهم طمعوا فيهم، وكانوا من قبل يخافونهم، ~~فباتوا يحرض بعضهم بعضا، وقد وجدوا ريح النصر والظفر، وكلما رأوا حال ~~الفرنج خلاف عادتهم مما ركبهم من الخذلان، زاد طمعهم وجرأتهم، فأكثروا ~~التكبير والتهليل طول ليلتهم، ورتب السلطان تلك الليلة الجاليشية، وفرق ~~فيهم النشاب. ### || AUT ذكر انهزام الفرنج بحطين ms4223 # أصبح صلاح الدين والمسلمون يوم السبت لخمس بقين من ربيع الآخر، فركبوا ~~وتقدموا إلى الفرنج، فركب الفرنج، ودنا بعضهم من بعض، إلا أن الفرنج قد ~~اشتد بهم العطش وانخذلوا، فاقتتلوا، واشتد القتال، وصبر الفريقان، ورمى ~~جاليشية المسلمين من النشاب ما كان كالجراد المنتشر، فقتلوا من خيول الفرنج ~~كثيرا. هذا القتال بينهم، والفرنج قد جمعوا نفوسهم براجلهم وهم يقاتلون ~~سائرين نحو طبرية، لعلهم يردون الماء. PageV05P0171 # فلما علم صلاح الدين مقصدهم صدهم عن مرادهم، ووقف بالعسكر في وجوههم، ~~وطاف بنفسه على المسلمين يحرضهم، ويأمرهم بما يصلحهم، وينهاهم عما يضرهم، ~~والناس يأتمرون لقوله، ويقفون عند نهيه، فحمل مملوك من مماليكه الصبيان ~~حملة منكرة على صف الفرنج، فقاتل قتالا عجب منه الناس، ثم تكاثر الفرنج ~~عليه فقتلوه، فحين قتل حمل المسلمون حملة منكرة فضعضعوا الكفار وقتلوا منهم ~~كثيرا. فلما رأى القمص شدة الأمر علم أنهم لا طاقة لهم بالمسلمين، فاتفق هو ~~وجماعته وحملوا على من يليهم وكان المقدم من المسلمين، في تلك الناحية، تقي ~~الدين عمر ابن أخي صلاح الدين، فلما رأى حملة الفرنج حملة مكروب، علم أنه ~~لا سبيل إلى الوقوف في وجوههم، فأمر أصحابه أن يفتحوا لهم طريقا يخرجون ~~منه، ففعلوا، فخرج القمص وأصحابه ثم التأم الصف. وكان بعض المتطوعة من ~~المسلمين قد ألقى في تلك الأرض نارا، وكان الحشيش كثيرا فاحترق، وكانت ~~الريح على الفرنج، فحملت حر النار والدخان إليهم، فاجتمع عليهم العطش وحر ~~الزمان وحر النار، والدخان، وحر القتال، فلما انهزم القمص سقط في أيديهم ~~وكادوا يستسلمون، ثم علموا أنهم لا ينجيهم من الموت إلا الإقدام عليه، ~~فحملوا حملات متداركة كادوا يزيلون بها المسلمين، على كثرتهم، عن مواقفهم ~~لولا لطف الله بهم، إلا أن الفرنج لا يحملون حملة فيرجعون إلا وقد قتل ~~منهم، فوهنوا لذلك وهنا عظيما، فأحاط بهم المسلمون إحاطة الدائرة بقطرها، ~~فارتفع من بقي من الفرنج إلى تل بناحية حطين، وأرادوا أن ينصبوا خيامهم، ~~ويجموا نفوسهم به، فاشتد القتال لعيهم من سائر الجهات، ومنعوهم عما أرادوا، ~~ولم يتمكنوا ms4224 من نصب خيمة غير خيمة ملكهم، وأخذ المسلمون صليبهم الأعظم الذي ~~يسمونه صليب الصلبوت، ويذكرون أن فيه قطعة من الخشبة التي صلب عليها ~~المسيح، عليه السلام، بزعمهم، فكان أخذه عندهم من أعظم المصائب عليهم، ~~وأيقنوا بعده بالقتل والهلاك، هذا والقتل والأسر يعملان في فرسانهم ~~ورجالتهم، فبقي الملك على التل في مقدار مائة وخمسين فارسا من الفرسان ~~المشهورين والشجعان المذكورين. فحكي لي عن الملك الأفضل، ولد صلاح الدين، ~~قال: كنت إلى جانب أبي في ذلك الصاف، وهو أول مصاف شاهدته، فلما صار ملك ~~الفرنج على التل في تلك الجماعة حملوا حملة منكرة على من بإزائهم من ~~المسلمين حتى ألحقوهم بوالدي. قال: فنظرت إليه، وقد علته كآبة، وأربد لونه، ~~وأمسك بلحيته، وتقدم، وهو يصيح: كذب الشيطان. قال: فعاد المسلمون على ~~الفرنج، فرجعوا فصعدوا إلى التل، فلما رأيت الفرنج قد عادوا، والمسلمون ~~يتبعونهم، صحت من فرحي: هزمناهم! فعاد الفرنج فحملوا حملة ثانية مثل الأولى ~~حتى ألحقوا المسلمين بوالدي، وفعل مثل ما فعل أولا، وعطف المسلمون عليهم ~~فألحقوهم بالتل، فصحت أنا أيضا: هزمناهم! لالتفت والدي إلي وقال: اسكت! ما ~~نهزمهم حتى تسقط تلك الخيمة، قال: فهو يقول لي، وإذا الخيمة قد سقطت، فنزل ~~السلطان وسجد شكرا لله تعالى، وبكى من فرحه. وكان سبب سقوطها أن الفرنج لما ~~حملوا تلك الحملات ازدادوا عطشا، وقد كانوا يرجون الخلاص في بعض تلك ~~الحملات مما هم فيه، فلما لم يجدوا إلى الخلاص طريقا، نزلوا عن دوابهم ~~وجلسوا على الأرض، فصعد المسلمون إليهم، فألقوا خيمة الملك، وأسروهم على ~~بكرة أبيهم، وفيهم الملك وأخوه والبرنس أرناط، صاحب الكرك، ولم يكن للفرنج ~~أسد منه عداوة للمسلمين، وأسروا أيضا صاحب جبيل، وابن هنفري، ومقدم ~~الداوية، وكان من أعظم الفرنج شأنا، وأسروا أيضا جماعة من الداوية، وجماعة ~~من الاسبتارية، وكثر القتل والأسر فيهم، فكان من يرى القتلى لا يظن أنهم ~~أسروا واحدا، ومن يرى الأسرى لا يظن أنهم قتلوا أحدا، وما أصيب الفرنج، منذ ~~خرجوا إلى الساحل، وهو سنة إحدى وتسعين وأربعمائة إلى ms4225 الآن، بمثل هذه ~~الوقعة. PageV05P0172 # فلما فرغ المسلمون منهم نزل صلاح الدين في خيمته، وأحضر ملك الفرنج عنده، ~~وبرنس صاحب الكرك، وأجلس الملك إلى جانبه وقد أهلكه العطش، فسقاه ماء ~~مثلوجا، فشرب، وأعطى فضله برنس صاحب الكرك، فشرب، فقال صلاح الدين: إن هذا ~~الملعون لم يشرب الماء بإذني فينال أماني؛ ثم كلم البرنس، وقرعه بذنوبه، ~~وعدد عليه غدارته، وقام إليه بنفسه فضرب رقبته وقال: كنت نذرت دفعتين أن ~~أقتله إن ظفرت به: إحداهما لما أراد المسير إلى مكة والمدينة، والثانية لما ~~أخذ القفل غدرا؛ فلما قتله وسحب وأخرج ارتعدت فرائض الملك، فسكن جأشه ~~وأمنه. وأما القمص، صاحب طرابلس، فإنه لما نجا من المعركة، كما ذكرناه، وصل ~~إلى صور، ثم قصد طرابلس، ولم يلبث إلا أياما قلائل حتى مات غيظا وحنقا مما ~~جرى على الفرنج خاصة، وعلى دين النصرانية عامة. ### || AUT ذكر عود صلاح الدين إلى طبرية # ### || AUT وملك قلعتها مع المدينة # لما فرغ صلاح الدين من هزيمة الفرنج أقام بموضعه باقي يومه، وأصبح يوم ~~الأحد، فعاد إلى طبرية ونازلها، فأرسلت صاحبتها تطلب الأمان لها ولأولادها ~~وأصحابها ومالها، فأجابها إلى ذلك، فخرجت بالجميع، فوفى لها، فسارت آمنة، ~~ثم أمر بالملك وجماعة من أعيان الأسرى فأرسلوا إلى دمشق، وأمر بمن أسر من ~~الداوية والاسبتارية أن يجمعوا ليقتلهم. ثم علم أن من عنده أسير لا يسمح به ~~لما يرجوا من فدائه، فبذل في كل أسير من هذين الصنفين خمسين دينارا مصرية، ~~فأحضر عنده في الحال مائتا أسير منهم، فأمر بهم فضربت أعناقهم، وإنما خص ~~هؤلاء بالقتل لأنهم أشد شوكة من جميع الفرنج، فأراح الناس من شرهم؛ وكتب ~~إلى نائبه خص هؤلاء بالقتل لأنهم أشد شوكة من جميع الفرنج، فأراح الناس من ~~شرهم؛ وكتب إلى نائبه بدمشق ليقتل من دخل البلد منهم سواء كان له أو لغيره، ~~ففعل ذلك، ولقد اجتزت بموضع الوقعة بعدها بنحو سنة، فرأيت الأرض ملأى من ~~عظامهم تبين على البعد، منها المجتمع بعضه على بعض، ومنها المفترق، هذا سوى ~~ما جحفته ms4226 السيول، وأخذته السباع في تلك الأكام والوهاد. ### || AUT ذكر فتح مدينة عكا # لما فرغ صلاح الدين من طبرية سار عنها يوم الثلاثاء ووصل إلى عكا يوم ~~الأربعاء، وقد صعد أهلها على سورها يظهرون الامتناع والحفظ، فعجب هو والناس ~~من ذلك لأنهم علموا أن عساكرهم من فارس وراجل بين قتيل وأسير، وأنهم لم ~~يسلم منهم إلا القليل، إلا أنه نزل يومه، وركب يوم الخميس، وقد صمم على ~~الزحف إلى البلد وقتاله، فبينما هو ينظر من أين يزحف ويقاتل إذ خرج كثير من ~~ألها يضرعون، ويطلبون الأمان، فأجابهم إلى ذلك، وأمنهم على أنفسهم ~~وأموالهم، وخيرهم بين الإقامة والظعن، فاختاروا الرحيل خوفا من المسلمين، ~~وساروا عنها متفرقين، وحملوا ما أمكنهم حمله من أموالهم، وتركوا الباقي على ~~حاله. ودخل المسلمون إليها يوم الجمعة مستهل جمادى الأولى، وصلوا بها ~~الجمعة في جامع كان للمسلمين قديما، ثم جعله الفرنج ببيعة، ثم جعله صلاح ~~الدين جامعا، وهذه الجمعة أول جمعة أقيمت بالساحل الشامي بعد أن ملكه ~~الفرنج. وسلم البلد إلى ولده الأفضل، وأعطى جميع ما كان فيه للداوية من ~~أقطاع وضياع وغير ذلك للفقيه عيسى، وغنم المسلمون ما بقي مما لم يطق الفرنج ~~حمله، وكان من كمثرته يعجز الإحصاء عنه، فرأوا فيها من الذهب والجوهر ~~والسقلاط، والبندقي، والشكر، والسلاح، وغير ذلك من أنواع الأمتعة كثيرا، ~~فإنها كانت مقصدا للتجار الفرنج والروم وغيرهم، من أقصى البلاد وأدناها، ~~وكان كثير منها قد خزنه التجار، وسافروا عنه لكساده، فلم يكن له من ينقله، ~~ففرق صلاح الدين وابنه الأفضل ذلك جميعه على أصحابهما، وأكثر ذلك فعله ~~الأفضل لأنه كان مقيما بالبلد، وأنت شيمته في الكرم معروفة. و أقام صلاح ~~الدين بعكا عدة أيام لإصلاح حالها. وتقرير قواعدها. ### || AUT ذكر فتح مجدليابة # لما هزم صلاح الدين الفرنج أرسل إلى أخيه العادي بمصر يبشره بذلك، ~~ويأمره بالمسير إلى بلاد الفرنج من جهة مصر بمن بقي عنده من العسكر، ~~ومحاصرة ما يليه منها، فسارع إلى ذلك، وسار عن مصر فنازل حصن مجليابة وحصره ~~وغنم ms4227 ما فيه. وورد كتابه بذلك إلى صلاح الدين، وكانت بشارة كبيرة. ### || AUT ذكر فتح عدة حصون # PageV05P0173 # في مدة مقام صلاح الدين بعكا تفرق عسكره إلى الناصرة، وقيسارية، وحيفا، ~~وصفورية، ومعليا، والشقيف، والفولة، وغيرها من البلاد المجاورة لعكا، ~~فملكوها ونهبوها وأسروا رجالها، وسبوا نساءها وأطفالها، وقدموا من ذلك بما ~~سد القضاء، وسير تقي الدين فنزل على تبنين ليقطع المرة عنها وعن صور، وسير ~~حسام الدين عمر بن لاجين في عسكره إلى نابلس فدخلها وحصر قلعتها واستنزل من ~~فيها بالأمان، وتسلم القلعة، وأقام أهل البلد به، وأقرهم على أملاكهم وأموالهم. ### || AUT ذكر فتح يافا # لما خرج العادل من مصر، وفتح مجدليابة، كما ذكرنا، سار إلى مدينة يافا، ~~وهي على الساحل، فحصرها وملكها عنوة، ونهبها، وأسر الرجال، وسبى الحريم، ~~وجرى على أهلها ما لم يجر على أحد من أهل تلك البلاد. وكان عندي جارية من ~~أهلها، وأنا بحلب، ومعها طفل عمره نحو سنة، فسقط من يدها فانسلخ وجهه، فبكت ~~عليه كثيرا، فسكنتها وأعلمتها أنه ليس بولدها ما يوجب البكاء؛ فقالت: ما له ~~أبكي، إنما أبكي لما جرى علينا. كان لي ستة أخوة هلكوا جميعهم، وزوج أختان ~~لا أعلم ما كان منهم. هذا من امرأة واحدة والباقي بالنسبة، ورأيت بحلب ~~امرأة فرنجية قد جاءت مع سيدها إلى باب، فطرقه سيدها، فخرج صاحب البيت ~~فكلمهما، ثم أخرج امرأة فرنجية، فحين رأتها الأخرى صاحتا واعتنقتا، وهما ~~تصرخان وتبكيان، وسقطتا إلى الأرض، ثم قعدتا تتحدثان، وإذا هما أختان؛ وكان ~~لهما عدة من الأهل ليس لهما علم بأحد منهم. ### || AUT ذكر فتح تبنين وصيدا وجبيل وبيروت # فأما تبنين، فقد ذكرنا إنفاذ صلاح الدين تقي الدين ابن أخيه إلى تبنين، ~~فلما وصلها نازلها، وأقام عليها، فرأى حصرها لا يتم إلا بوصول عمه صلاح ~~الدين إليه، فأرسل إليه يعلمه الحال ويحثه على الوصول إليه، فرحل ثامن ~~جمادى الأولى، ونزل عليه في الحادي عشر منه، فحصرها، وضايقها، وقاتلها ~~بالزحف، وهي من القلاع المنيعة على جبل، فلما ضاق عليهم الأمر واشتد الحصر ms4228 ~~أطلقوا من عندهم من أسرى المسلمين، وهم يزيدون على مائة رجل، فلما دخلوا ~~العسكر أحضرهم صلاح الدين وكساهم، وأعطاهم نفقة، وسيرهم إلى أهليهم. وبقي ~~الفرنج كذلك خمسة أيام ثم أرسلوا يطلبون الأمان، فأمنهم على أنفسهم فسلموها ~~إليه، ووفى لهم وسيرهم إلى مأمنهم. وأما صيدا فإن صلاح الدين لما فرغ من ~~تبنين رحل عنها إلى صيدا، فاجتاز في طريقه بصرفند فأخذها صفوا عفوا بغير ~~قتال، وسار عنها إلى صيدا، وهي من مدن الساحل المعروفة، فلما سمع صاحبها ~~بمسيره نحوه سار عنها وتركها فارغة من مانع ومدافع. فلما وصلها صلاح الدين ~~تسلمها ساعة وصوله وكان ملكها حادي عشر جمادى الأولى. وأما بيروت فهي من ~~أحصن مدن الساحل وأنزهها أطيبها. فلما فتح صلاح الدين صيدا سار عنها من ~~يومه نحو بيروت ووصل إليها من الغد فرأى أهلها قد صعدوا عل سورها وأظهروا ~~القوة والجلد والعدة وقاتلوا على سورها عدة أيام قتالا شديدا واغتروا ~~بحصانة البلد، وظنوا أنهم قادرون على حفظه، وزحف المسلمون إليهم مرة بعد ~~مرة، فبينما الفرنج على السور يقاتلون إذ سمعوا من البلد جلبة عظيمة وغلبة ~~زائدة، فأتاهم من أخبرهم أن البلد قد دخله المسلمون من الناحية الأخرى قهرا ~~وغلبة، فأرسلوا ينظرون ما الخبر وإذا ليس له صحة، فأرادوا تسكين من به فلم ~~يمكنهم ذلك لكثرة ما اجتمع فيه من السواد، فلما خافوا على أنفسهم من ~~الاختلاف الواقع أرسلوا يطلبون الأمان، فأمنهم على أنفسهم وأموالهم وتسلمها ~~في التاسع والعشرين من جمادى الأولى من السنة فكان مدة حصرها ثمانية أيام. ~~وأما جبيل فإن صاحبها كان من جملة الأسى الذين سيروا إلى دمشق مع ملكهم ~~فتحدث مع نائب صلاح الدين بدمشق في تسليم جبيل على شرط إطلاقه، فعرف صلاح ~~الدين بذلك، فأحضره مقيدا عنده تحت الاستظهار والاحتياط، وكان العسكر حينئذ ~~على بيروت، فسلم حصنه وأطلق أسرى المسلمين الذين به، وأطلقه صلاح الدين كما ~~شرط له، وكان صاحب جبيل هذا من أعيان الفرنج وأصحاب الرأي والمكر والشر به ~~يضرب المثل بينهم، وكان للمسلمين منه ms4229 عدو أزرق، وكان إطلاقه من الأسباب ~~الموهنة للمسلمين على ما يأتي بيانه. ### || AUT ذكر خروج المركيش إلى صور # PageV05P0174 # لما انهزم القمص صاحب طرابلس من حطين إلى مدينة صور أقام بها، وهي أعظم ~~بلاد الساحل حصانة وأشدها امتناعا على من رامها، فلما رأى السلطان قد ملك ~~تبنين وصيدا وبيوت، خاف أن يقصد صلاح الدين صور وهي فارغة ممن يقاتل فيها ~~ويحميها ويمنعها فلا يقوى على حفظها، وتركها وسار إلى مدينة طرابلس فبقيت ~~صور شاغرة لا مانع لها ولا عاصم من المسلمين، فلو بدأ بها صلاح الدين قبل ~~تبنين وغيرها لأخذها بغير مشقة، لكنه استعظمها لحصانتها فأراد أن يفرغ باله ~~مما يجاورها من نواحيها ليسهر أخذها، فكان ذلك سبب حفظها وكان أمر الله ~~قدرا مقدورا، واتفق أن إنسانا من الفرنج الذين داخل البحر يقال له المركيش، ~~لعنه الله، خرج في البحر بمال كثير للزيارة والتجارة، ولم يشعر بما كان من ~~الفرنج فأرسى بعكا، وقد رابه ما رأى من ترك عوائد الفرنج عند وصول المراكب ~~من الفرنج وضرب الأجراس وغير ذلك، وما رأى أيضا من زي أهل البلد، فوقف ولم ~~يدر ما الخبر، وكانت الريح قد ركدت، فأرسل الملك الأفضل إليه بعض أصحابه في ~~سفينة يبصر من هو وما يريد، فأتاه القاصد فسأله المركيش عن الأخبار لما ~~أنكره فأخبره بكسرة الفرنج وأخذ عكا وغيرها، وأعلمه أن صور بيد الفرنج ~~وعسقيلان وغيرها، وحكى الأمر له على وجهه فلم يمكنه الحركة لعدم الريح، فرد ~~الرسول يطلب الأمان ليدخل البلد بما معه من متاع ومال، فأجيب إلى ذلك فردده ~~مرارا كل مرة يطلب شيئا لم يطلبه في المرة الأولى، وهو يفعل ذلك انتظارا ~~لهبوب الهواء ليسير به، فبينما هو في مراجعاته إذ هبت الريح فسار نحو صور، ~~وسير الملك الأفضل الشواني في طلبه فلم يدركوه، فأتى صور وقد اجتمع بها من ~~الفرنج خلق كثير لأن صلاح الدين كان كلما فتح مدينة من عكا وبيوت وغيرهما ~~ما ذكرنا أعطى أهلها الأمان، فساروا كلهم إلى صور وكثر الجمع ms4230 بها إلا أنهم ~~ليس لهم رأس يجمعهم، ولا مقدم يقاتل بهم، وليسوا أهل حرب، وهم عازمون على ~~مراسلة صلاح الدين وطلب الأمان وتسليم البلد إليه، فأتاهم المركيش وهم على ~~ذلك العزم، فردهم عنه وقوى نفوسهم وضمن لهم حفظ المدينة وبذل ما معه من ~~الأموال وشرط عليهم أن تكون المدينة وأعمالها له دون غيره، فأجابوه إلى ~~ذلك، فأخذ أيمانهم عليه وأقام عندهم ودبر أحوالهم، وكان من شياطين الإنس ~~حسن التدبير والحفظ، وله شجاعة عظيمة، وشرع في تحصينها فجدد حفر خنادقها ~~وعمل أسوارها، وزاد في حصانتها واتفق من بها على الحفظ والقتال دونها. ### || AUT ذكر فتح عسقلان وما يجاورها # لما ملك صلاح الدين بيروت وجبيل وغيرهما، كان أمر عسقلان والقدس أهم ~~عنده من غيرهما لأسباب منها أنهما على طريق مصر، يقطع بينهما وبين الشام. ~~وكان يختار أن تتصل الولايات له ليسهل خروج العسكر منها ودخولهم إليها، ~~ولما في فتح القدس من الذكر الجميل والصيت العظيم، إلى غير ذلك من الأغراض، ~~فسار عن بيروت نحو عسقلان، واجتمع بأخيه العادل ومن معه من عساكر مصر، ~~ونازلوها يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة، وكان صلاح الدين قد أحضر ملك ~~الفرنج ومقدم الداوية إليه من دمشق، وقال لهما: إن سلمتما البلاد إلي فلكما ~~الأمان؛ فأرسلا إلى من بعسقلان من الفرنج يأمرانهم بتسليم البلد، فلم ~~يسمعوا أمرهما وردوا عليهما أقبح رد وجبهوهما بما يسوءهما. فلما رأى ~~السلطان ذلك جد في قتال المدينة ونصب المجانيق عليها، وزحف مرة بعد أخرى، ~~وتقدم النقابون إلى السور، فنالوا من باشورته شيئا. هذا وملكهم يكرر ~~المراسلات إليهم بالتسليم، ويشير عليهم، ويعدهم أنه إذا أطلق من الأسر أضرم ~~البلاد على المسلمين نارا، واستنجد الفرنج من البحر، و أجلب الخيل والرجل ~~إليهم من أقاصي بلاد الفرنج وأدانيها، وهم لا يجيبون إلى ما يقول ولا ~~يسمعون ما يشير به. PageV05P0175 # ولما رأوا أنهم كل يوم يزدادون ضعفا ووهنا، وإذا قتل منهم الرجل لا يجدون ~~له عوضا، ولا لهم نجدة ينتظرونها، راسلوا ملكهم المأسور في تسليم البلد ms4231 على ~~شروط اقترحوها، فأجابهم صلاح الدين إليها، وكانوا قتلوا في الحصار أميرا ~~كبيرا من المهرانية، فخافوا عند مفارقة البلد أن عشيرته يقتلون منهم بثأره، ~~فاحتاطوا فيما اشترطوا لأنفسهم، فأجيبوا إلى ذلك جميعه، وسلموا المدينة سلخ ~~جمادى الآخرة من السنة، وكانت مدة الحصار أربعة عشر يوما، وسيرهم صلاح ~~الدين ونساءهم وأموالهم وأولادهم إلى بيت القدس، ووفي لهم بالأمان. ### || AUT ذكر فتح البلاد والحصون المجاورة لعسقلان. # لما فتح صلاح الدين عسقلان أقام بظاهرها، وبث السرايا في أطراف البلاد ~~المجاورة لها، ففتحوا الرملة، والداروم، وغزة، ومشهد إبراهيم الخليل، عليه ~~السلام، ويبنى، وبيت لحم، وبيت جبريل، والنظرون، وكل ما كان للداوية. ### || AUT ذكر فتح البيت المقدس # لما فرغ صلاح الدين من أمر عسقلان وما يجاورها من البلاد، على ما تقدم، ~~وكان قد أرسل إلى مصر أخرج الأسطول الذي بها في جمع من المقاتلة، ومقدمهم ~~حسام الدين لؤلؤ الحاجب، وهو معروف بالشجاعة، والشهامة، ويمن النقيبة، ~~فأقاموا في البحر يقطعون الطريق على الفرنج، كلما رأوا لهم مركبا غنموه، ~~وشانيا أخذوه، فحين وصل الأسطول وخلا سره من تلك الناحية سار عن عسقلان إلى ~~البيت المقدس، وكان به البطرك المعظم عندهم، وهو أعظم شأنا من ملكهم، وبه ~~أيضا باليان بن بيرزان، صاحب الرملة، وكانت مرتبته عندهم تقارب مرتبة ~~الملك، وبه أيضا من خلص من فرسانهم من حطين، وقد جمعوا وحشدوا، واجتمع أهل ~~تلك النواحي، عسقلان وغيرها، فاجتمع به كثير من الخلق، كلهم يرى الموت أيسر ~~عليه من أن يملك المسلمون البيت المقدس ويأخذوه منهم، ويرى أن بذل نفسه ~~وماله وأولاده بعض ما يجب عليه من حفظه، وحصنوه تلك الأيام بما وجدوا إليه ~~سبيلا، وصعدوا على سوره بحدهم وحديدهم، مجمعين على حفظه والذب عنه بجهدهم ~~وطاقتهم، مظهرين العزم على المناضلة دونه بحسب استطاعتهم، ونصبوا المجانيق ~~على أسواره ليمنعوا من يريد الدنو منه والنزول عليه. ولما قرب صلاح الدين ~~منه تقدم أمير في جماعة من أصحابه، غير محتاط ولا حذرن فلقيه جمع من الفرنج ~~قد خرجوا من القدس ليكونوا يزكا، ms4232 فقاتلوهم، فقتلوه وقتلوا جماعة ممن معه، ~~فأهم المسلمين قتله، وفجعوا بفقده، وساروا حتى نزلوا على القدس منتصف رجب، ~~فلما نزلوا عليه رأى المسلمون على سوره من الرجال ما هالهم، وسمعوا لأهله ~~من الجلبة والضجيج من وسط المدينة ما استدلوا به على كثرة الجمع، و بقي ~~صلاح الدين خمسة أيام يطوف حول المدينة لينظر من أين يقاتله، لأنه في غاية ~~الحصانة والامتناع فلم يجد عليه موضع قتال إلا من جهة الشمال نحو باب ~~عمودا، وكنيسة صهيون، فانتقل إلى هذه الناحية في العشرين من رجب ونزلها، ~~ونصب تلك الليلة المجانيق، فأصبح من الغد وقد فرغ من نصبها، ورمى بها. ونصب ~~الفرنج على سور البلد مجانيق ورموا بها، وقوتلوا أشد قتال رآه أحد من ~~الناس، كل واحد من الفريقين يرى ذلك دينا، وحتما واجبا، فلا يحتاج إلى باعث ~~سلطاني بل كانوا يمنعون ولا يمتنعون ويزجرون ولا ينزجرون. وكان خيالة ~~الفرنج كل يوم يخرجون إلى ظاهر البلد يقاتلون ويبارزون، فيقتل من الفريقين؛ ~~وممن استشهد من المسلمين الأمير عز الدين عيسى ابن مالك، وهو من أكابر ~~الأمراء، وكان أبوه صاحب قلعة جعبر، وكان يصطلي القتال بنفسه كل يوم، فقتل ~~إلى رحمة الله تعالى، وكان محبوبا إلى الخاص والعام، فلما رأى المسلمون ~~مصرعه عظم عليهم ذلك، وأخذ من قلوبهم، فحملوا حملة رجل واحد، فأزالوا ~~الفرنج عن مواقفهم، فأدخلوهم بلدهم، و وصل المسلمون إلى الخندق، فجاوزه ~~والتصقوا إلى السور فنقبوه، وزحف الرماة يحمونهم، والمجانيق توالي الرمي ~~لتكشف الفرنج عن الأسوار ليتمكن المسلمون من النقب، فلما نقبوه حشوه بما ~~جرت به العادة. PageV05P0176 # فلما رأى الفرنج شدة قتال المسلمين، وتحكم المجانيق بالرمي المتدارك، ~~وتمكن النقابين من النقب، وأنهم قد أشرفوا على الهلاك، اجتمع مقدموهم ~~يتشاورون فيما يأتون ويذرون، فاتفق رأيهم على طلب الأمان، وتسليم البيت ~~المقدس إلى صلاح الدين، فأرسلوا جماعة من كبرائهم وأعيانهم في طلب الأمان، ~~فلما ذكروا ذلك للسلطان امتنع من إجابتهم، وقال: لا أفعل بكم إلا كما فعلتم ~~بأهله حين ملكتموه سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، من ms4233 القتل والسبي وجزاء ~~السيئة بمثلها. فلما رجع الرسل خائبين محرومين، أسل باليان بن بيرزان وطلب ~~الأمان لنفسه ليحضر عند صلاح الدين في هذا الأمر وتحريره، فأجيب إلى ذلك، ~~وحضر عنده، ورغب في الأمان، وسأل فيه، فلم يجبه إلى ذلك، واستعطفه فلم يعطف ~~عليه، واسترحمه فلم يرحمه. فلما أيس من ذلك قال له: أيها السلطان اعلم أننا ~~في هذه المدينة في خلق كثير لا يعلمهم إلا الله تعالى، وإنما يفترون عن ~~القتال رجاء الأمان، ظنا منهم أنك تجيبهم إليه كما أجبت غيرهم، وهم يكرهون ~~الموت ويرغبون في الحياة، فإذا رأينا أن الموت لا بد منه، فوالله لنقتلن ~~أبناءنا ونساءنا ونحرق أموالنا وأمتعتنا، ولا نترككم تغنمون منها دينارا ~~واحدا ولا درهما، ولا تسبون وتأسرون رجلا ولا امرأة، وإذا فرغنا من ذلك ~~أخربنا الصخرة والمسجد الأقصى وغيرهما من المواضع، ثم نقتل من عندنا من ~~أسارى المسلمين، وهم خمسة آلاف أسير، ولا نترك لنا دابة ولا حيوانا إلا ~~قتلناه ثم خرجنا إليكم كلنا فقاتلناكم قتال من يريد أن يحمي دمه ونفسه، ~~وحينئذ لا يقتل الرجل حتى يقتل أمثاله، ونموت أعزاء أو نظفر كراما. فاستشار ~~صلاح الدين أصحابه، فأجمعوا على إجابتهم إلى الأمان، وأن لا يخرجوا ويحملوا ~~على ركوب ما لا يدري عاقبة الأمر فيه عن أي شيء تنجلي، ونحسب أنهم أسارى ~~بأيدينا، فنبيعهم نفوسهم بما يستقر بيننا وبينهم، فأجاب صلاح الدين حينئذ ~~إلى بذل الأمان للفرنج، فاستقر أن يزن الرجل عشرة دنانير يستوي فيه الغني ~~والفقير، ويزن الطفل من الذكور والبنات دينارين، وتزن المرأة خمسة دنانير، ~~فمن أدى ذلك إلى أربعين يوما فقد نجا، ومن انقضت الأربعون يوما عنه ولم يؤد ~~ما عليه فقد صار مملوكا، فبذل باليان بن بيرزان عن الفقراء ثلاثين ألف ~~دينار، فأجيب إلى ذلك. وسلمت المدينة يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب، ~~وكان يوما مشهودا، ورفت الأعلام الإسلامية على أسوارها، ورتب صلاح الدين ~~على أبواب البلد، في كل باب، أمينا من الأمراء ليأخذوا من أهله ما استقر ~~عليهم، فاستعملوا الخيانة، ms4234 ولم يؤدوا فيه أمانة، واقتسم الأمناء الأموال، ~~وتفرقت أيدي سبا، ولو أديت فيه الأمانة لملأ الخزائن، وعم الناس، إنه كان ~~فيه على الضبط ستون ألف رجل ما بين فارس وراجل سوى من يتبعهم من النساء ~~والولدان، ولا يعجب السامع من ذلك، فإن البلد كبير، واجتمع إليه من تلك ~~النواحي من عسقلان وغيرها، والداروم، والرملة، وغزة، وغيرها من القرى، بحيث ~~امتلأت الطرق والكنائس، وكان الإنسان لا يقدر أن يمشي. ومن الدليل على كثرة ~~الخلق أن أكثرهم وزن ما استقر من القطيعة، وأطلق باليان بن بيرزان ثمانية ~~عشر ألف رجل وزن عنهم ثلاثين ألف دينار، وبقي بعد هذا جميعه من لم يكن معه ~~ما يعطي، وأخذ أسيرا ستة عشر ألف آدمي ما بين رجل وامرأة وصبي، هذا بالضبط ~~واليقين. ثم إن جماعة من الأمراء ادعى كل واحد منهم أن جماعة من رعية ~~إقطاعه مقيمون بالبيت المقدس، فيطلقهم ويأخذ هو قطيعتهم، وكان جماعة من ~~الأمراء يلبسون الفرنج زي الجند المسلمين، ويخرجونهم، ويأخذون منهم قطيعة ~~قرروها، واستوهب جماعة من صلاح الدين عددا من الفرنج، فوهبهم لهم، فأخذوا ~~قطيعتهم، وبالجملة فلم يصل إلى خزائنه إلا القليل. وكان بالقدس بعض نساء ~~الملوك من الروم قد ترهبت وأقامت به، ومعها من الحشم والعبيد والجواري خلق ~~كثير، ولها من الأموال والجواهر النفيسة شيء عظيم، فطلب الأمان لنفسها ومن ~~معها، فأمنها وسيرها. وكذلك أيضا أطلق ملكة القدس التي كان زوجها الذي أسره ~~صلاح الدين قد ملك الفرنج بسببها، ونيابة عنها كان يقوم بالملك، وأطلق ~~مالها وحشمها، واستأذنته في المصير إلى زوجها، وكان حينئذ محبوسا بقلعة ~~نابلس، فأذن لها، فأتته وأقامت عنده. PageV05P0177 # وأتته أيضا امرأة للبرنس أرناط صاحب الكرك، وهو الذي قتله صلاح الدين ~~بيده يوم المصاف بحطين، فشفعت في ولدها مأسور، فقال لها صلاح الدين: إن ~~سلمت الكرك أطلقته؛ فسارت إلى الكرك، فلم يسمع منها الفرنج الذين فيه، ولم ~~يسلموه، فلم يطلق ولدها، ولكنه أطلق ما لها ومن تبعها. وخرج البطريك الكبير ~~الذي للفرنج، ومعه من أموال البيع منها: ms4235 الصخرة والأقصى، وقمامة وغيرها، ما ~~لا يعلمه إلا الله تعالى، وكان له من المال مثل ذلك، فلم يعرض له صلاح ~~الدين، فقيل له ليأخذ ما معه يقوي به المسلمين، فقال: لا أغدر به؛ ولم يأخذ ~~منه غير عشرة دنانير، وسير الجميع ومعهم من يحميهم إلى مدينة صور. وكان على ~~رأس قبة الصخرة صليب كبير مذهب. فلما دخل المسلمون البلد يوم الجمعة تسلق ~~جماعة منهم إلى أعلى القبة ليقلعوا الصليب، فلما فعلوا وسقط صاح الناس كلهم ~~صوتا واحدا من البلد ومن ظاهره المسلمون والفرنج: أما المسلمون فكبروا ~~فرحا، وأما الفرنج فصاحوا تفجعا وتوجعا، فسمع الناس ضجة كادت الأرض أن تميد ~~بهم لعظمها وشدتها. فلما ملك البلد وفارقه الكفار أمر صلاح الدين بإعادة ~~الأبنية إلى حالها القديم، فإن الداوية بنوا غربي الأقصى أبنية ليسكونها، ~~وعملوا فيها ما يحتاجون إليه من هري ومستراح وغير ذلك، وأدخلوا بعض الأقصى ~~في أبنيتهم فأعيد إلى الأول، وأمر بتطهير المسجد والصخرة من الأقذار ~~والأنجاس، ففعل ذلك أجمع. ولما كان الجمعة الأخرى، رابع شعبان، صلى ~~المسلمون فيه الجمعة، ومعهم صلاح الدين، وصلى في قبة صلاح الدين خطيبا ~~وإماما برسم الصلوات الخمس، وأمر أن يعمل له منبر، فقيل له: إن نور الدين ~~محمودا كان قد عمل بحلب منبرا أمر الصناع بالمبالغة في تحسينه وإتقانه، ~~وقال: هذا قد عملناه لينصب بالبيت المقدس، فعمله النجارون في عدة سنين لم ~~يعمل في الإسلام مثله، فأمر بإحضاره، فحمل من حلب ونصب بالقدس، وكان بين ~~عمل المنبر وحمله ما يزيد على عشرين سنة، وكان هذا من كرامات نور الدين ~~وحسن مقاصده، رحمه الله. ولما فرغ صلاح الدين من صلاة الجمعة تقدم بعمارة ~~المسجد الأقصى واستنفاد الوسع في تحسينه وترصيفه، وتدقيق نقوشه، فأحضروا من ~~الرخام الذي لا يوجد مثله، ومن الفص المذهب القسطنطيني وغير ذلك مما ~~يحتاجون إليه، قد ادخر على طول السنين، فشرعوا في عمارته، ومحوا ما كان في ~~تلك الأبنية من الصور، وكان الفرنج فرشوا الرخام فوق الصخرة وغيبوها، فأمر ~~بكشفها. وكان سبب ms4236 تغطيتها بالفرش أن القسيسين باعوا كثيرا منها للفرنج ~~الواردين إليهم من داخل البحر للزيارة، فكانوا يشترونه بوزنه ذهبا رجاء ~~بركتها، وكان أحدهم إذا دخل إلى بلاده باليسير منها بني له الكنيسة، ويجعل ~~في مذبحها، فخاف بعض ملوكهم أن تفنى، فأمر بها ففرش فوقها حفظا لها؛ فلما ~~كشفت نقل إليها صلاح الدين المصاحف الحسنة، و الربعات الجيدة، ورتب ~~القراءة، وأدر عليهم الوظائف الكثيرة، فعاد الإسلام هناك غضا طريا، وهذه ~~المكرمة من فتح البيت المقدس لم يفعلها بعد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ~~غير صلاح الدين، رحمه الله، وكفاه ذلك فخرا وشرفا. وأما الفرنج من أله ~~فإنهم أقاموا، وشرعوا في بيع ما لا يمكنهم حمله من أمتعتهم وذخائرهم ~~وأموالهم، وما لا يطيقون حمله، وباعوا ذلك بأرخص الثمن، فاشتراه التجار من ~~أهل العسكر، واشتراه النصارى من أهل القدس الذين ليسوا من الفرنج، فإنهم ~~طلبوا من صلاح الدين أ، يمكنهم من المقام في مساكنهم ويأخذ منهم الجزية، ~~فأجابهم إلى ذلك، فاشتروا حينئذ من أموال الفرنج، وترك الفرنج أيضا أشياء ~~كثيرة لم يمكنهم بيعها من الأسرة والصناديق والبتيات، وغير ذلك، وتركوا ~~أيضا من الرخام الذي لا يوجد مثله، من الأساطين والألواح والفص وغيره، شيئا ~~كثيرا، ثم ساروا. ### || AUT ذكر رحيل صلاح الدين إلى صور # ### || AUT ومحاصرتها # PageV05P0178 # لما فتح صلاح الدين البيت المقدس أقام بظاهره إلى الخامس والعشرين من ~~شعبان يرتب أمور البلد وأحواله، وتقدم بعمل الربط والمدارس، فجعل دار ~~الاسبتار مدرسة للشافعية، وهي في غاية ما يكون من الحسن؛ فلما فرغ من أمر ~~البلد سار إلى مدينة صور، وكانت قد اجتمع فيها من الفرنج عالم كثير، وقد ~~صار المركيش صاحبها والحاكم فيها، وقد ساسهم أحسن سياسة، وبالغ في تحصين ~~البلد، ووصل صلاح الدين إلى عكا، وأقام بها أياما، فلما سمع المركيش بوصوله ~~إليها جد في عمل سور صور وخنادقها وتعميقها، ووصلها من البحر إلى البحر من ~~الجانب الآخر، فصارت المدينة كالجزيرة في وسط الماء لا يمكن الوصول إليها ~~ولا الدنو منها. ثم رحل صلاح ms4237 الدين من عكا، فوصل إلى صور تاسع شهر رمضان، ~~فنزل على نهر قريب من البلد بحيث يراه، حتى اجتمع الناس وتلاحقوا، وسار في ~~الثاني والعشرين من رمضان، فنزل على تل يقارب سور البلد، بحيث يرى القتال، ~~وقسم القتال على العسكر كل جمع منهم له وقت معلوم يقاتلون فيه، بحيث يتصل ~~القتال على أهل البلد لحفظه، وعليه الخنادق التي قد وصلت من البحر إلى ~~البحر، فلا يكاد الطير يطير عليها، فإن المدينة كالكف في البحر، والساعد ~~متصل بالبر والبحر من جانبي الساعد، والقتال إنما هو في الساعد، فزنف ~~المسلمون مرة بالمجانيق، والعرادات، والجروخ، والدبابات، وكان أهل صلاح ~~الدين يتناوبون القتال مثل: ولده الأفضل، وولده الظاهر غازي، وأخيه العادل ~~بن أيوب، وابن أخيه تقي الدين، وكذلك سائر الأمراء. وكان للفرنج شوان ~~وحراقات يركبون فيها في البحر، ويقفون من جانبي الموضع الذي يقاتل المسلمون ~~منه أهل البلد، فيرمون المسلمين من جانبهم بالجوخ، ويقاتلونهم. وكان ذلك ~~يعظم عليهم، لأن أهل البلد يقاتلونهم من بين أيديهم، وأصحاب الشواني ~~يقاتلونهم من جانبيهم، فكانت سهامهم تنفذ من أحد الجانبين إلى الجانب الآخر ~~لضيق الموضع، فكثرت الجراحات في المسلمين والقتل، ولم يتمكنوا من الدنو إلى ~~البلد؛ فأرسل صلاح الدين إلى الشواني التي جاءت من مصر، وهي عشر قطع، وكانت ~~بعكا، فأحضرها برجالها ومقاتلتها وعدتها، وكانت في البحر تمنع شواني أه صور ~~من الخروج إلى قتال المسلمين، فتمكن المسلمون حينئذ من القرب من البلد، ومن ~~قتالهن فقاتلوه برا وبحرا وضايقوه حتى كادوا يظفرون، فجاءت الأقدار بما لم ~~يكن في الحساب، وذلك أن خمس قطع من شواني المسلمين باتت، في بعض تلك ~~الليالي، مقابل ميناء صور ليمنعوا من الخروج منه والدخول إليه، فباتوا ~~ليلتهم يحرسون، وكان مقدمهم عبد السلام المغربي الموصوف بالحذق في صناعته ~~وشجاعته، فلما كان وقت السحر أمنوا فناموا، فما شعروا إلا بشواني الفرنج قد ~~نازلتهم وضايقتهم، فأوقعت بهم، فقتلوا من أرادوا قتله، وأخذوا الباقين ~~بمراكبهم، وأدخلوهم ميناء صور، والمسلمون في البر ينظرون إليهم، ورمى جماعة ~~من المسلمين ms4238 أنفسهم من الشواني في البحر، فمنهم من سبح فنجا، ومنهم من ~~غريق. وتقدم السلطان إلى الشواني الباقية بالمسير إلى بيروت لعدم انتفاعه ~~بها لقلتها، فسارت، فتبعها شواين الفرنج، فحين رأى من في شواني المسلمين ~~الفرنج مجدين في طلبهم ألقوا نفوسهم في شوانيهم إلى البر فنجوا وتركوها، ~~فأخذها صلاح الدين، ونقضها وعاد إلى مقاتلة صور في البر، وكان ذلك قليل ~~الجدوى لضيق المجال. وفي بعض الأيام خرج الفرنج فقاتلوا المسلمين من وراء ~~خنادقهم، فاشتد القتال بين الفريقين، ودام إلى آخر النهار؛ كان خروجهم قبل ~~العصر، وأسر مهم فارس كبير مشهور، بعد أن كثر القتال والقتل عليه من ~~الفريقين، لما سقط، فلما أسر قتل، وبقوا كذلك عدة أيام. ### || AUT ذكر الرحيل عن صور إلى عكا # ### || AUT وتفريق العساكر # PageV05P0179 # لما رأى صلاح الدين أن أمر صور يطول رحل عنها، وهذه كانت عادته، متى ثبت ~~البلد بين يديه ضجر منه ومن حصاره فرحل عنه. وكان هذه السنة لم يطل مقامه ~~على مدينة بل فتح الجميع في الأيام القريبة، كما ذكرناه، بغير تعب ولا ~~مشقة. فلما رأى هو وأصحابه شدة أمر صور ملوها، وطلبوا الانتقال عنها، ولم ~~يكن لأحد ذنب في أمرها غير صلاح الدين، فإنه هو جهز إليها جنود الفرنج، ~~وأمدها بالرجال والأموال من أهل عكا وعسقلان والقدس وغير ذلك، كما سبق ~~ذكره؛ كان يعطيهم الأمان ويرسلهم إلى صور، فصار فيها من سلم من فرسان ~~الفرنج بالساحل، بأموالهم وأموال التجار وغيرهم، فحفظوا المدينة وراسلوا ~~الفرنج داخل البحر يستمدونهم، فأجابوهم بالتلبية لدعوتهم، ووعدوهم بالنصرة، ~~وأمروهم بحفظ صور لتكون دار هجرتهم يحتمون بها ويلجأون إليها، فزادهم ذلك ~~حرصا على حفظها والذب عنها. وسنذكر إن شاء الله ما صار إليه الأمر بعد ذلك ~~ليعلم أن الملك لا ينبغي أن يترك الحزم، وإن ساعدته الأقدار، فلأن يعجز ~~حازما خير له من أن يظفر مفرطا، مضيعا للحزم، وأعذر له عند الناس. ولما ~~أراد الرحيل استشار أمراءه، فاختلفوا، فجماعة يقولون: الرأي أن نرحل، فقد ~~جرح الرجال، وقتلوا، وملوا، وفنيت النفقات، ms4239 وهذا الشتاء قد حضر، والشوط ~~بطين، فنريح ونستريح في هذا البرد، فإذا جاء الربيع اجتمعنا وعاودناها ~~وغيرها. وكان هذا قول الأغنياء منهم، وكأنهم خافوا أن السلطان يقترض منهم ~~ما ينفقه في العسكر إذا أقام لخلو الخزائن وبيوت الأموال من الدرهم ~~والدينار، فإنه كان يخرج كل ما حمل إليه منها. وقالت الطائفة الأخرى: الرأي ~~أن نصابر البلد ونضايقه، فهو الذي يعتمدون عليه من حصونهم، ومتى أخذناه ~~منهم انقطع طمع من داخل البحر من هذا الجانب وأخذنا باقي البلاد صفوا عفوا. ~~فبقي صلاح الدين مترددا بين الرحيل والإقامة، فلما رأى من يرى الرحيل ~~إقامته أخل بما رد إليه من المحاربة والرمي بالمنجنيق، واعتذروا بجراح ~~رجالهم، وأنهم قد أرسلوا بعضهم ليحضروا نفقاتهم والعلوفات لدوابهم والأقوات ~~لهم، إلى غير ذلك من الأعذار، فصاروا مقيمين بغير قتال، فاضطر إلى الرحيل، ~~فرحل عنها آخر شوال، وكان أول كانون الأول، إلى عكا، فأذن للعساكر جميعها ~~بالعود إلى أوطانهم والاستراحة في الشتاء، والعود في الربيع، فعادت عساكر ~~الشرق والموصل وغيرها، وعساكر الشام، وعساكر مصرن وبقي حلقته الخاص مقيما ~~بعكا، فنزل بقلعتها، ورد أمر البلد إلى عز الدين جورديك، وهو من أكابر ~~المماليك النورية، جمع الديانة والشجاعة وحسن السيرة. ### || AUT ذكر فتح هونين # لما فتح صلاح الدين تبنين امتنع من بهونين من تسليمها، وهي من أحسن ~~القلاع وأمنعها، فلم ير التعريج عليها ولا الاشتغال بمحاصرتها، بل سير ~~إليها جماعة من العسكر والأمراء فحصروها، ومنعوا من حمل الميرة إليها؛ ~~واشتغل بما تقدم ذكره من فتح عسقلان والبيت المقدس وغير ذلك، فلما كان ~~يحاصر مدينة صور أرسل من فيها يطلبون الأمان، فأمنهم، فسلموا، ونزلوا منها ~~فوفى لهم بأمانهم. ### || AUT ذكر حصر صفد وكوكب والكرك # لما سار صلاح الدين إلى عسقلان جعل على قلعة كوكب، وهي مطلة على الأردن، ~~من يحصرها، ويحفظ الطريق للمجتازين لئلا ينزل من به من الفرنج يقطعونه، ~~وسير طائفة أخرى من العسكر أيضا إلى قلعة صفد فحصروها، وهي مطلة على مدينة ~~طبرية. وكان حصن كوكب للإسبتار، وحصن صفد ms4240 للداوية، وهما قريبان من حطين، ~~موضع المصاف، فلجأ إليها جمع ممن سلم من الداوية والإسبتار فحموهما، فلما ~~حصرهما المسلمون استراح الناس من شر من فيهما، واتصلت الطرق حتى كان يسير ~~فيها المنفرد فلا يخاف. PageV05P0180 # وكان مقدم الجماعة الذين يحصرون قلعة كوكب أميرا يقال له سيف الدين، وهو ~~أخو جاولي الأسدي، وكان شهما شجاعا، يرجع إلى دين وعبادة، فأقام عليه إلى ~~آخر شوال، وكان أصحابه يحرسون نوبا مرتبة، فلما كان آخر ليلة من شوال غفل ~~الذي كانت نوبته في الحراسة، وكان قد صلى ورده من الليل إلى السحر، وكانت ~~ليلة كثيرة الرعد والبرق، والريح والمطر، فلم يشعر المسلمون وهم نازلون إلا ~~والفرنج قد خالطوهم بالسيوف، ووضعوا السلاح فيهم، فقتلوهم أجمعين، وأخذوا ~~ما كان عندهم من طعام وسلاح وغيره وعادوا إلى قلعتهم، فقووا بذلك قوة عظيمة ~~أمكنتهم أن يحفظوا قلعتهم إلى أن أخذت أواخر سنة أربع وثمانين، على ما ~~سنذكره إن شاء الله. وأتى الخبر إلى صلاح الدين بذلك، عند رحيله عن صور، ~~فعظم ذلك عليه، مضافا إلى ما ناله من أخذ شوانيه ومن فيها، ورحيله عن صور، ~~ثم رتب على حصن كوكب الأمير قايماز النجمي في جماعة أخرى من الأجناد، فحصروها. ### || AUT ذكر الفتنة بعرفات وقتل ابن المقدم # في هذه السنة، يوم عرفة، قتل شمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن ~~المقدم بعرفات، وهو أكبر الأمراء الصلاحية، وقد تقدم من ذكره ما فيه كفاية. ~~وسبب قتله أنه لما فتح المسلمون البيت المقدس طلب إذنا من صلاح الدين ليحج ~~ويحرم من القدس، ويجمع في سنة بين الجهاد والحج وزيارة الخليل، عليه ~~السلام، وما بالشام من مشاهد الأنبياء، وبين زيارة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أجمعين، فأذن له. وكان قد اجتمع تلك السنة من الحجاج بالشام الخلق ~~العظيم من البلاد: العراق، والموصل، وديار بكر، والجزيرة، وخلاط، وبلاد ~~الروم ومصر وغيرها، ليجمعوا بين زيارة البيت المقدس ومكة، فجعل ابن المقدم ~~أميرا عليهم فساروا حتى وصلوا إلى عرفات سالمين، ووقفوا في تلك المشاعر، ms4241 ~~وأدوا الواجب والسنة. فلما كان عشية عرفة تجهز هو وأصحابه ليسيروا من ~~عرفات، فأمر بضرب كوساته التي هي أمارة الرحيل، فضربها أصحابه، فأرسل إليه ~~أمير الحاج العراقي، وهو مجبر الدين طاش تكين، ينهاه عن الإفاضة من عرفات ~~قبله، ويأمره بكف أصحابه عن ضرب كوساته، فأرسل إليه : إني ليس لي معك تعلق، ~~أنت أمير الحاج العراقي، وأنا أمير الحاج الشامي، وكل منا يفعل ما يراه ~~ويختاره؛ وسار ولم يقف، ولم يسمع قوله، فلما رأى طاش تكين إصراره على ~~مخالفته ركب في أصحابه وأجناده، وتبعه من غوغاء الحاج العراقي وبطاطيهم، ~~وطاعتهم، والعالم الكثير، والجم الغفير، وقصدوا حاج الشام مهولين عليهم، ~~فلما قربوا منهم خرج الأمر من الضبط، وعجزوا عن تلافيه، فهجم طماعة العراق ~~على حاج الشام وفتكوا فيهم، وقتلوا جماعة ونهيت أموالهم وسبيت جماعة من ~~نسائهم، إلا أنهن رددن عليهم، وجرح ابن المقدم عدة جراحات، وكان يكف أصحابه ~~عن القتال، ولو أذن لهم لانتصف منهم وزاد، لكنه راقب الله تعالى، وحرمة ~~المكان واليوم، فلما أثخن بالجراحات أخذه طاش تكين إلى خيمته، وأنزله عنده ~~ليمرضه ويستدرك الفارط في حقه، وساروا تلك الليلة من عرفات، فلما كان الغد ~~مات بمنى، ودفن بمقبرة المعلى، ورزق الشهادة بعد الجهاد، و شهود فتح البيت ~~المقدس، رحمه الله تعالى. ### || AUT ذكر قوة السلطان طغرل على قزل # في هذه السنة قوي أمر السلطان طغرل، وكثر جمعه، وملك كثيرا من البلاد، ~~فأرسل قزل إلى الخليفة يستنجده، ويخوفه من طغرل، ويبذل من نفسه الطاعة ~~والتصرف على ما يختارونه، وأرسل طغرل رسولا إلى بغداد يقول: أريد أن يتقدم ~~الديوان بعمارة دار السلطنة لأسكنها إذا وصلت؛ فأكرم رسول قزل ووعده ~~بالنجدة، ورد رسول السلطان طغرل بغير جواب، وأمر الخليفة بنقض دار السلطنة، ~~فهدمت إلى الأرض وعفي أثرها. ### || AUT ذكر ملك شرستي من الهند وغيرها وانهزام المسلمين بعدها # في آخر هذه السنة سار شهاب الدين الغوري، ملك غزنة، إلى بلاد الهند، ~~وقصد بلاد أجمير، وتعرف بولاية السوالك، واسم ملكهم كولة، وكان شجاعا شهما، ~~فلما ms4242 دخل المسلمون بلاده ملكوا مدينة تبرندة، وهي حصن منيع عامر، وملكوا ~~شرستي، وملكوا كورام. PageV05P0181 # فلما سمع ملكهم جمع العساكر فأكثر، وسار إلى المسلمين، فالتقوا، وقامت ~~الحرب على ساق، وكان مع الهند أربعة عشر فيلا، فلما اشتدت الحرب انهزمت ~~ميمنة المسلمين وميسرتهم، فقال لشهاب الدين بعض خواصه: قد انكسرت الميمنة ~~والميسرة، فانج بنفسك لا يهلك المسلمون؛ فأخذ شهاب الدين الرمح وحمل على ~~الهنود، فوصل إلى الفيلة، فطعن فيلا منها في كتفه، وجرح الفيل لا يندمل، ~~فلما وصل شهاب الدين إلى الفيلة زرقه بعض الهنود بحربة، فوقعت الحربة في ~~ساعده، فنفذت الحربة من الجانب الآخر، فوقع حينئذ إلى الأرض، فقاتل عليه ~~أصحابه ليخلصوه، وحرصت الهنود على أخذه، وكان عنده حرب لم يسمع بمثلها، ~~وأخذه أصحابه فركبوه فرسه وعادوا به منهزمين، فلم يتبعهم الهنود، فلما ~~أبعدوا عن موضع الوقعة بمقدار فرسخ أغمي على شهاب الدين من كثرة خروج الدم، ~~فحمله الرجال على أكتافهم في محفة اليد أربعة وعشرين فرسخا، فلما وصل إلى ~~لهاوور أخذ الأمراء الغورية، وهم الذين انهزموا ولم يثبتوا، وعلق على كل ~~واحد منم عليق شعير؛ وقال: أنتم دواب ما أنتم أمراء! وسار إلى غزنة، وأمر ~~بعضهم فمشى إليها ماشيا، فلما وصل إلى غزنة أقام بها ليستريح الناس، ونذكر ~~ما فعله بملك الهند الذي هزمه سنة ثمان وثمانين إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الأول، قتل مجد الدين أبو الفضل بن الصاحب، وهو ~~أستاذ دار الخليفة، أمر الخليفة بقتله، وكان متحكما في الدولة، ليس للخليفة ~~معه حكم؛ وكان هو القيم بالبيعة له، وظهر له أموال عظيمة، أخذ جميعها، وان ~~حسن السيرة عفيفا عن الأموال، وكان الذي سعى به إنسان من أصحابه وصنائعه، ~~يقال له عبيد الله بن يونس، فسعى به إلى الخليفة، وقبح آثاره، فقبض عليه ~~وقتله. وفيها، في ربيع الآخر، وقع حريق في الحظائر ببغداد، واحترقت أحطاب ~~كثيرة، وسببه أن فقيها بالمدرسة النظامية كان يطبخ طعاما يأكله، فغفل عن ~~النار والطبيخ، فعلقت النار ms4243 واتصلت إلى الحظائر، فاحترقت جميعها، واحترق ~~درب السلسلة وغيره مما يجاوره. وفيها، في شوال، استوزر الخليفة الناصر لدين ~~الله أبا المظفر عبيد الله ابن يونس، ولقبه جلال الدين، ومشى أرباب الدولة ~~في ركابه، حتى قضى القضاة، وكان ابن يونس من شهوده. وكان يمشي ويقول: لعن ~~الله طول العمر. وفيها، في المحرم، توفي عبد المغيث بن زهير الحري ببغداد، ~~وكان من أعيان الحنابلة، قد سمع الحديث الكثير، وصنف كتابا في فضائل يزيد ~~ابن معاوية أتى فيه بالعجائب، وقد رد عليه أبو الفرج بن الجوزي، وكان ~~بنيهما عداوة. وفيها توفي قاضي القضاة أبو الحسن بن الدامغاني، وولي قضاء ~~القضاة للمقتفي بعد موت الزينبي، ثم للمستنجد بالله، ثم عزل، ثم أعيد إلى ~~المستضيء بأمر الله. وفيها توفي الوزير جلال الدين أبو الحسن علي بن جمال ~~الدين أبي جعفر محمد بن أبي منصور وزير صاحب الموصل، وهو الجواد ابن ~~الجواد، وقد ذكرنا من أخباره وأخبار أبيه ما يعلم به محلهما، وحمل إلى ~~مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فدفن بها عند أبيه علي بن خطاب بن ظفر ~~الشيخ الصالح من جزيرة ابن عمر، وكان من الأولياء أرباب الكرامات، وصحبته ~~أنا مدة، فلم أر مثله حسن خلق وسمت وكرم وعبادة، رحمه الله. وفيها ولدت ~~امرأة من سواد بغداد بنتا لها أسنان. وفيها توفي نصر بن فتيان بن مطر أبو ~~الفتح بن المني الفقيه الحنبلي، لم يكن لهم مثله، رحمه الله. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة # ### || AUT ذكر حصر صلاح الدين كوكب # في هذه السنة، في المحرم انحسر الشتاء، فسار صلاح الدين من عكا فيمن ~~تخلف عنده من العسكر إلى قلعة كوكب، فحصرها، ونازلها، ظنا منه أن ملكها سهل ~~وأن أخذها، وهو في قلة من العسكر، متيسر، فلما رآها عالية منيعة أدرك أن ~~الوصول إليها متعذر، وكان عنده منها ومن صفد والكرك المقيم المقعد، لأن ~~البلاد الساحلية، من عكا إلى جهة الجنوب، كانت قد ملك جميعها، ما عدا هذه ~~الحصون، وكان يختار أن يبقى ms4244 في وسطها ما يشغل قلبه، ويقسم همه، ويحتاج إلى ~~حفظه، ولئلا ينال الرعايا والمجتازين منهم الضرر والعظيم. PageV05P0182 # فلما حصر كوكب، ورآها منيعة، يبطئ ملكها وأخذها، رحل عنها، وجعل عليها ~~قايماز النجمي، مستديما لحصاره. وكان رحيله عنها في ربيع الأول. وأتاه رسل ~~الملك قلج أرسلان. وقزل أرسلان وغيرهما. وينئونه بالفتح والظفر، وسار من ~~كوكب إلى دمشق، ففرح الناس بقدومه، وكتب إلى البلاد جميعها باجتماع ~~العساكر. وأقام بها إلى أن سار إلى الساحل. ### || AUT ذكر رحيل صلاح الدين إلى بلد الفرنج # لما أراد صلاح الدين المسير عن دمشق حضر عند القاضي الفاضل مودعا له ~~ومستشيرا، وكان مريضا، وودعه وسار عن دمشق منتصف ربيع الأول إلى حمص، فنزل ~~على بحيرة قدس، غربي حمص، وجاءته العساكر: فأول من أتاه من أصحاب الأطراف ~~عماد الدين زنكي بن مودود بن اقسنقر. صاحب سنجار، ونصيبين. الخابور، ~~وتلاحقت العساكر من الموصل وديار الجزيرة وغيرها. فاجتمعت عليه، وكثرت ~~عنده. فسار حتى نزل تحت حصن الأكراد من الجانب الشرقي؛ وكنت معه حينئذ، ~~فأقام يومين، وسار جريدة، وترك أثقال العسكر موضعها تحت الحصن، ودخل إلى ~~بلد الفرنج، فأغار على صافيثا، والعريمة، ويحمور، وغيرها من البلاد ~~والولايات، ووصل إلى قرب طرابلس، وأبصر البلاد، وعرف من أين يأتيها، وأين ~~يسلك منها، ثم عاد إلى معسكره سالما. وقد غنم العسكر من الدواب، على اختلاف ~~أنواعها، ما لا حد له، وأقام تحت حصن الأكراد إلى آخر ربيع الآخر. ### || AUT ذكر فتح جبلة # لما أقام صلاح الدين تحت حصن الأكراد، أتاه قاضي جبلة، وهو منصور بن ~~نبيل، يستدعيه إليها ليسلمها إليه، وكان هذا القاضي عند بيمند، صاحب ~~أنطاكية وجبلة، مسموع القول مقبول الكلمة، له الحرمة الوافرة، والمنزلة ~~العالية، وهو يحكم على جميع المسلمين، بجبلة ونواحيها، على ما يتعلق ~~بالبيمند، فحملته الغيرة للدين على قصد السلطان، وتكفل له بفتح جبلة ~~ولاذقية والبلاد الشمالية، فسار صلاح الدين معه رابع جمادى الأولى، فنزل ~~بأنطرطوس سادسه، فرأى الفرنج قد أخلوا المدينة، واحتموا في برجين حصينين، ~~كل واحد منهما قلعة حصينة ms4245 ومعقل منيع، فخرب المسلمون دورهم ومساكنهم وسور ~~البلد، ونهبوا ما وجدوه من ذخائرهم. وكان الداوية بأحد البرجين، فحصرهما ~~صلاح الدين، فنزل إليه من في أحد البرجين بأمان وسلموه، فأمنهم، وخرب البرج ~~وألقى حجارته في البحر، وبقي الذي فيه الداوية لم يسلموه، وكان معهم مقدمهم ~~الذي أسره صلاح الدين يوم المصاف، وكان قد أطلقه لما ملك البيت المقدس، فهو ~~الذي حفظ هذا الحصن، فخرب صلاح الدين ولاية أنطرطوس، ورحل عنها وأتى مرقية، ~~وقد أخلاها أهلها، ورحلوا عنها، وساروا إلى المرقب، وهو من حصونهم التي لا ~~ترام، ولا يحدث أحد نفسه بملكه لعلوه وامتناعه، وهو للإسبتار، والطريق ~~تحته، فيكون الحصن على يمين المجتاز إلى جبلة، والبحر عن يساره، والطريق ~~مضيق لا يسلكه إلا الواحد بعد الواحد. فاتفق أن صاحب صقلية من الفرنج قد ~~سير نجدة إلى فرنج الساحل في ستين قطعة من الشواني، وكانوا بطرابلس، فلما ~~سمعوا بمسير صلاح الدين جاؤوا ووقفوا في البحر، تحت المرقب، في شوانيهم، ~~ليمنعوا من يجتاز بالسهام. فلما رأى صلا الدين ذلك أمر بالطارقيات ~~والجفتيات، فصفت على الطريق ما يلي البحر من أول المضيق إلى آخره، وجعل ~~وراءها الرماة، فمنعوا الفرنج من الدنو إليهم. فاجتاز المسلمون عن آخرهم، ~~حتى عبروا المضيق ووصلوا إلى جبلة ثامن عشر جمادى الأولى. وتسلمها وقت ~~وصوله. وكان قاضيها قد سبق إليها ودخل. فلما وصل صلاح الدين رفع أعلامه على ~~سورها وسلمها إليه ، وتحصن الفرنج الذين كانوا بها بحصنها، واحتموا ~~بقلعتها، فما زال قاضي جبلة يخوفهم ويرغبهم، حتى استنزلهم بشرط الأمان، وأن ~~يأخذ رهائنهم يكونون عنده إلى أن يطلق الفرنج رهائن المسلمين من أهل جبلة. ~~PageV05P0183 # وكان بيمند. صاحبها، قد أخذ رهائن القاضي ومسلمي جبلة، وتركهم عنده ~~بأنطاكية، فأخذ القاضي رهائن الفرنج فأنزلهم عنده حتى أطلق بيمند رهائن ~~المسلمين فأطلق المسلمون رهائن الفرنج، وجاء رؤساء أهل الجبل إلى صلاح ~~الدين بطاعة أهله، وهو من أمنع الجبال وأشقها مسلكا، وفيه حصن يعرف ~~ببكسرائيل، بين جبلة ومدينة حماة، فملكه المسلمون، وصار الطريق في هذا ~~الوقت عليه ms4246 من بلاد الإسلام إلى العسكر، وكان الناس يلقون شدة في سلوكه. ~~وقرر صلاح الدين أحوال جبلة، وجعل فيها لحفظها الأمير سابق الدين عثمان بن ~~الداية، صاحب شيزر، وسار عنها. ### || AUT ذكر فتح لاذقية # لما فرغ السلطان من أمر جبلة، سار عنها إلى لاذقية، فوصل إليها في ~~الرابع والعشرين من جمادى الأولى، فترك الفرنج المدينة لعجزهم عن حفظها، ~~وصعدوا إلى حصنين لها على الجبل فامتنعوا بهما، فدخل المسلمون المدينة ~~وحصروا القلعتين اللتين فيهما الفرنج، وزحفوا إليهما، ونقبوا السور ستين ~~ذراعا، وعلقوه، وعظم القتال، واشتد الأمر عند الوصول إلى السور؛ فلما أيقن ~~الفرنج بالعطب، ودخل إليهم قاضي جبلة فخوفهم من المسلمين، طلبوا الأمان ~~فأمنهم صلاح الدين، ورفعوا الأعلام الإسلامية إلى الحصنين، وكان ذلك في ~~اليوم الثالث من النزول عليها. وكانت عمارة اللاذقية من أحسن الأبنية ~~وأكثرها زخرفة مملوءة بالرخام على اختلاف أنواعها، فخرب المسلمون كثيرا ~~منها، ونقلوا رخامها، وشعثوا كثيرا من بيعها التي قد غرم على كل واحد منها ~~الأموال الجليلة المقدار، وسلمها إلى ابن أخيه تقي الدين عمر، فعمرها، وحصن ~~قلعتها، حتى إذا رآها اليوم من رآها قبل ينكرها، فلا يظن أن هذه تلك؛ وكان ~~عظيم الهمة في تحصين القلاع والغرامة الوافرة عليها، كما فعل بقلعة حماة. ### || AUT ذكر حال أسطول صقلية # لما نازل صلاح الدين لاذقية جاء أسطول صقلية الذي تقدم ذكره، فوقف بإزاء ~~ميناء لاذقية، فلما سلمها الفرنج الذين بها إلى صلاح الدين، عزم أهل هذا ~~الأسطول على أخذ من يخرج منها من أهلها غيظا وحنقا، حيث سلموها سريعا، فسمع ~~بذلك أهل لاذقية، فأقاموا، وبذلوا الجزية، وكان سبب مقامهم. ثم إن مقدم هذا ~~الأسطول طلب من السلطان الأمان ليحضر عنده، فأمنع، وحضر وقبل الأرض بين ~~يديه، وقال ما معناه: إنك سلطان رحيم وكريم، وقد فعلت بالفرنج ما فعلت ~~فذلوا، فاتركهم يكونون مماليكك وجندك تفتح بهم البلاد والممالك، وترد عليهم ~~بلادهم، وإلا جاءك من البحر ما لا طاقة لك به، فيعظم عليك الأمر ويشتد ~~الحال. فأجابه صلاح الدين بنحو من ms4247 كلامه من إظهار القوة والاستهانة بكل من ~~يجيء من البحر، وإنهم إن خرجوا أذاقهم ما أذاق أصحابهم من القتل والأسر؛ ~~فصلب على وجهه، ورجع إلى أصحابه. ### || AUT ذكر فتح صهيون وعدة من الحصون # ثم رحل صلاح الدين عن لاذقية في السابع والعشرين من جمادى الأولى، وقصد ~~قلعة صهيون، وهي قلعة منيعة شاهقة في الهواء، صعبة المرتقى، على قرنة جبل، ~~يطيف بها واد عميق، فيه ضيق في بعض المواضع، بحيث إن حجر المنجنيق يصل منه ~~إلى الحصن، إلا أن الجبل متصل بها من جهة الشمال، وقد عملوا لها خندقا ~~عميقا لا يرى قعره، وخمسة أسوار منيعة، فنزل صلاح الدين على هذا الجبل ~~الملتصق بها، ونصب عليه المجانيق ورماها، وتقدم إلى ولده الظاهر، صاحب حلب، ~~فنزل على المكان الضيق من الوادي، ونصب عليه المجانيق أيضا، فرمى الحصن ~~منه. وكان معه من الرجالة الحلبيين كثير، وهم في الشجاعة بالمنزلة ~~المشهورة، ودام رشق السهام من قسي اليد، والجرخ، والزنبورك، والزيار، فجرح ~~أكثر من بالحصن، وهم يظهرون التجلد والامتناع، وزحف المسلمون إليهم ثاني ~~جمادى الآخرة، فتعلقوا بقرنة من ذلك الجبل قد أغفل الفرنج إحكامها، فتسلقوا ~~منها بين الصخور، حتى التحقوا بالسور الأول فقاتلوهم عليه حتى ملكوه، ثم ~~إنهم قاتلوهم على باقي الأسوار فملكا منها ثلاثة وغنموا ما فيها من أبقار ~~ودواب وذخائر وغير ذلك، واحتمى الفرنج بالقلة التي للقلعة، فقاتلهم ~~المسلمون عليها، فنادوا وطلبوا الأمان، فلم يجبهم صلاح الدين إليه، فقرروا ~~على أنفسهم مثل قطيعة البيت المقدس، وتسلم الحصن وسلمه إلى أمير يقال له ~~ناصر الدين منكوبرس، صاح قلعة أبي قبيس، فحصنه وجعله من أحصن الحصون. ~~PageV05P0184 # ولما ملك المسلمون صهيون تفرقوا في تلك النواحي، فملكوا حصن بلاطنوس، ~~وكان من به من الفرنج قد هربوا منه وتركوه خوفا ورعبا. وملك أيضا حصن ~~العيدو، وحصن الجماهرتين، فاتسعت المملكة الإسلامية بتلك الناحية، إلا أن ~~الطريق إليها من البلاد الإسلامية على عقبة بكسرائيل شاق شديد، لان الطريق ~~السهلة كانت غير مسلوكة، لأن بعضها بيد الإسماعيلية، وبعضها بيد الفرنج. ### || AUT ms4248 ذكر فتح حصن بكاس والشغر # ثم سار صلاح الدين عن صهيون، ثالث جمادى الآخرة، فوصل إلى قلعة بكاس ~~فرأى الفرنج قد أخلوها، وتحصنوا بقلعة الشغر، فملك قلعة بكاس بغير قتال، ~~وتقدم إلى قلعة الشغر وحصرها، وهي وبكاس على الطريق السهل المسلوك إلى ~~لاذقية وجبلة، والبلاد التي افتتحها صلاح الدين من بلاد الشام الإسلامية. ~~فلما نازلها رآها منيعة حصينة لا ترام، ولا يوصل إليها بطريق من الطرق؛ إلا ~~أنه أمر بمزاحفتهم ونصب منجنيق عليهم، ففعلوا ذلك، ورمى بالمنجنيق، فلم يصل ~~من أحجاره إلى القلعة شيء إلا القليل الذي لا يؤذي، فبقي المسلمون عليه ~~أياما لا يرون فيه طمعا، وأهله غير مهتمين بالقتال لامتناعهم عن ضرر يتطرق ~~إليهم، وبلاء ينزل عليهم. فبينما صلاح الدين جالس، وعنده أصحابه، وهم في ~~ذكر القلعة وإعمال الحلية في الوصول إليها. قال بعضهم: هذا الحصن كما قال ~~الله تعالى: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا) الكهف 97، فقال ~~صلاح الدين: أو يأتي الله بنصر من عنده وفتح. فبينما هم في هذا الحديث إذ ~~قد أشرف عليهم فرنجي ونادى بطلب الأمان لرسول يحضر عند صلاح الدين، فأجيب ~~إلى ذلك، ونزل رسول، وسأل إنظارهم ثلاثة أيام، فإن جاءهم من يمنعهم، وإلا ~~سلموا القلعة بما فيها من ذخائر ودواب وغير ذلك، فأجابهم إليه وأخذ رهائنهم ~~على الوفاء به. فلما كان اليوم الثالث سلموها إليه، واتفق يوم الجمعة سادس ~~عشر جمادى الآخرة؛ وكان سبب استمهالهم أنهم أرسلوا إلى البيمند، صاحب ~~أنطاكية، وكان هذا الحصن له، يعرفونه أنهم محصورون، ويطلبون منه أن يرحل ~~عنهم المسلمين، فإن فعل، إلا سلموها، وإنما فعلوا ذلك لرعب قذفه الله تعالى ~~في قلوبهم، وإلا فلو أقاموا الدهر الطويل لم يصل إليهم أحد، ولا بلغ ~~المسلمون منهم غرضا؛ فلما تسلم صلاح الدين الحصن سلمه إلى أمير يقال له ~~قلج، وأمره بعمارته، ورحل عنه. ### || AUT ذكر فتح سرمينية # لما كان صلاح الدين مشغولا بهذه القلاع والحصون، سير ولده الظاهر غازي، ~~صاحب حلب، فحصر سرمينية، وضيق على أهلها، واستنزلهم ms4249 على قطيعة قررها عليهم، ~~فلما أنزلهم، وأخذ منهم المقاطعة، هدم الحصن وعفى أثره وعالي بنيانه. وكان ~~فيه وفي هذه الحصون من أسارى المسلمين الجم الغفير، فأطلقوا، وأعطوا كسوة ~~ونفقة، وكان فتحه في يوم الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الآخرة. واتفق أن ~~فتح هذه المدن والحصون جميعها من جبلة إلى سرمينية، مع كثرتها، كان في ست ~~جمع مع أنها في أيدي أشجع الناس وأشدهم عداوة للمسلمين، فسبحان من إذا أراد ~~أن يسهل الصعب فعل؛ وهي جميعها من أعمال أنطاكية، ولم يبق لها سوى القصير، ~~وبغراس، ودرب ساك، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في مكانه. ### || AUT ذكر فتح برزية # لما رحل صلاح الدين من قلعة الشغر سار إلى قلعة برزية، وكانت قد وصفت ~~له، وهي تقابل حصن أفامية، وتناصفها في أعمالها، وبينهما بحيرة تجتمع من ~~ماء العاصي وعيون تتفجر من جبيل برزية وغيره، وكان أهلها أضر شيء على ~~المسلمين، يقطعون الطريق، ويبالغون في الأذى، فلما وصل إليها نزل شرقيها في ~~الرابع والعشرين من جمادى الآخرة، ثم ركب من الغد وطاف عليها لينظر موضعا ~~يقاتلها منه، فلم يجد إلا من جهة الغرب، فنصب له هناك خيمة صغيرة، ونزل ~~فيها ومعه بعض العسكر جريدة لضيق المواضع. وهذا القلعة لا يمكن أن تقاتل من ~~جهة الشمال والجنوب البتة، فإنها لا يقدر أحد أن يصعد جبلها من هاتين ~~الجهتين، وأما الجانب الشرقي فيمكن الصعود منه لكن لغير مقاتل، لعلوه ~~وصعوبته، وأما جهة الغرب فإن الوادي المطيف بجبلها قد ارتفع هناك ارتفاعا ~~كثيرا، حتى قارب القلعة، بحيث يصل منه حجر المنجنيق والسهام، فنزله ~~المسلمون ونصبوا عليه المجانيق، ونصب أهل القلعة عليها منجنيقا بطلها. ~~PageV05P0185 # ورأيت أنا من رأس جبل عال يشرف على القلعة، لكنه لا يصل منه شيء إليها، ~~امرأة ترمي من القلعة عن المنجنيق، وهي التي بطلت منجنيق المسلمين، فلما ~~رأى صلاح الدين أن المنجنيق لا ينتفعون به، عزم على الزحف، ومكاثرة أهلها ~~بجموعه، فقسم عسكره ثلاثة أقسام: يزحف قسم، فإذا تعبوا وكلوا عادوا وزحف ~~القسم ms4250 الثاني، فإذا تعبوا وضجروا عادا وزحف القسم الثالث، ثم يدور الدور ~~مرة بعد أخرى حتى يتعب الفرنج وينصبوا، فإنهم لم يكن عندهم من الكثرة ما ~~يتقسمون كذلك، فإذا تعبوا وأعيوا سلموا القلعة. فلما كان الغد، وهو السابع ~~والعشرون من جمادى الآخرة، تقدم أحد الأقسام، وكان المقدم عليهم عماد الدين ~~زنكي بن مودود بن زنكي، صاحب سنجار، وزحفوا، وخرج الفرنج من حصنهم، فقاتلهم ~~على فصليهم، ورماهم المسلمون بالسهام من وراء الجفتيات والجنويات ~~والطارقيات، ومشوا إليهم حتى قربوا إلى الجبل، فلا قاربوا الفرنج عجوزا عن ~~الدنو منهم لخشونة المرتقى، وتسلط الفرنج عليهم، لعلو مكانهم، بالنشاب ~~والحجارة، فإنهم كانوا يلقون الحجارة الكبار فتتدحرج إلى أسفل الجبل، فلا ~~يقوم لها شيء. فلما تعب هذا القسم انحدروا، وصعد القسم الثاني، وكانوا ~~جلوسا ينتظرونهم، وهم حلقة صلاح الدين الخاص، فقاتلوا قتالا شديدا، وكان ~~الزمان حرا شديدا، فاشتد الكرب على الناس، وصلاح الدين في سلاحه يطوف عليهم ~~ويحرضهم، وكان تقي الدين ابن أخيه كذلك، فقاتلوهم إلى قريب الظهر ثم تعبوا، ~~ورجعوا. فلما رآهم صلاح الدين قد عادوا تقدم إليهم وبيده جماق يردهم، وصاح ~~في القسم الثالث، وهم جلوس ينتظرون نوبتهم، فوثبوا ملبين، وساعدوا إخوانهم، ~~وزحفوا معهم، فجاء الفرنج ما لا قبل لهم به، وكان أصحاب عماد الدين قد ~~استراحوا، فقاموا أيضا معهم، فحينئذ اشتد الأمر على الفرنج وبلغت القلوب ~~الحناجر، وكانوا قد اشتد تعبهم ونصبهم، فظهر عجزهم عن القتال، وضعفهم عن ~~حمل السلاح لشدة الحر والقتال، فخالطهم المسلمون فعاد الفرنج يدخلون الحصن، ~~فدخل المسلمون معهم، وكان طائفة قليلة في الخيام، شرقي الحصن، فرأوا الفرنج ~~قد أهملوا ذلك الجانب، لأنهم لا يرون فيه مقاتلا، وليكثروا في الجهة التي ~~فيها صلاح الدين، فصعدت تلك الطائفة من العسكر، فلم يمنعهم مانع، فصعدوا ~~أيضا الحصن من الجهة الأخرى، فالتقوا مع المسلمين الداخلين مع الفرنج؛ ~~فملكوا الحصن عنوة وقهرا، ودخل الفرنج القلة التي للحصن، وأحاط بها ~~المسلمون، وأرادوا نقبها. وكان الفرنج قد رفعوا من عندهم من أسرى المسلمين ~~إلى سطح القلة، وأرجلهم ms4251 في القيود والخشب المنقوب، فلما سمعوا تكبير ~~المسلمين في نواحي القلعة كبروا في سطح القلة، وظن الفرنج أن المسلمين قد ~~صعدوا على السطح فاستسلموا وألقوا بأيديهم إلى الأسر، فملكها المسلمون ~~عنوة، ونهبوا ما فيها، وأسروا وسبوا من فيها، وأخذوا صاحبها وأهلها، وأمست ~~خالية لا ديار بها، وألقى المسلمون النار في بعض بيوتهم فاحترقت. ومن أعجب ~~ما يحكى من السلامة أنني رأيت رجلا من المسلمين على هذا الحصن قد جاء من ~~طائفة من المؤمنين شمالي القلعة إلى طائفة أخرى من المسلمين جنوبي القلعة، ~~وهو يعدو في الجبل عرضا، فألقيت عليه الحجارة، وجاءه حجر كبير لو ناله ~~لبعجه، فنزل عليه، فناداه الناس يحذرونه، فالتفت ينظر ما الخبر، فسقط على ~~وجهه من عثرة، فاسترجع الناس، وجاء الحجر إليه، فلا قاربه وهو منبطح على ~~وجهه، لقيه حجر آخر ثابت في الأرض فوق الرجل، فضبه المنحدر فارتفع عن ~~الأرض، وجاز الرجل، ثم عاد إلى الأرض من جانبه الآخر لم ينله منه أذى ولا ~~ضرر، وقام يعدو حتى لحق بأصحابه، فكان سقوطه سبب نجاته فتعست أم الجبان. ~~وأما صاحب برزية، فإنه أسر هو وامرأته وأولاده، ومنهم بنت له معها زوجها، ~~فتفرقهم العسكر، فأرسل صلاح الدين في الوقت وبحث عنهم واشتراهم، وجمع شمل ~~بعضهم ببعض؛ فلما قارب أنطاكية أطلقهم وسيرهم إليها، وكانت امرأة صاحب ~~برزية أخت امرأة بيمند، صاحب أنطاكية، وكانت تراسل صلاح الدين وتهاديه، ~~وتعلمه كثيرا من الأحوال التي تؤثر، فأطلق هؤلاء لأجلها. ### || AUT ذكر فتح درب ساك # PageV05P0186 # لما فتح صلاح الدين حصن برزية رحل عنه من الغد، فأتى جسر الحديد، وهو على ~~العاصي، بالقرب من أنطاكية، فأقام عليه حتى وافاه من تخلف عنه من عسكره، ثم ~~سار عنه إلى قلعة درب ساك، فنزل عليها ثامن رجب، وهي من معاقل الداوية ~~الحصينة وقلاعهم التي يدخرونها لحماياتهم عند نزول الشدائد. فلما نزل عليها ~~نصب المجانيق، وتابع الرمي بالحجارة، فهدمت من سورها شيئا يسيرا، فلم يبال ~~من فيه بذلك، فأمر بالزحف عليها ومهاجمتها، فبادرها العسكر بالزحف ~~وقاتلوها، وكشفوا ms4252 الرجال عن سورها، وتقدم النقابون فنقبوا منها برجا ~~وعلقوه، فسقط واتسع المكان الذي يريد المقاتلة أن يدخلوا منه، وعادوا يومهم ~~ذلك، ثم باكروا الزحف من الغد. وكان من فيه قد أرسلوا إلى صاحب أنطاكية ~~يستنجدونه، فصروا، وأظهروا الجلد، وهم ينظرون وصول جوابه إما بإنجادهم ~~وإزاحة المسلمين عنهم، وإما بالتخلي عنهم ليقوم عذرهم في التسليم، فلما ~~علموا عجزه عن نصرتهم، وخافوا هجوم المسلمين عليها، وأخذهم السيف، وقتلهم ~~وأسرهم، ونهب أموالهم، طلبوا الأمان، فأمنهم على شرط أن لا يخرج أحد إلا ~~بثيابه التي عليه بغير مال، ولا سلاح، ولا أثاث بيت، ولا دابة، ولا شيء مما ~~بها، ثم أخرجهم منه وسيرهم إلى أنطاكية، وكان فتحه تاسع عشر رجب. ### || AUT ذكر فتح بغراس # ثم سار عن درب ساك إلى قلعة بغراس، فحصرها، بعد أن اختلف أصحابه في ~~حصرها، فمنهم من أشار به، ومنهم من نهى عنه وقال: هو حصن حصين، وقلعة ~~منيعة، وهو بالقرب من أنطاكية، ولا فرق بين حصره وحصرها، ويحتاج أن يكون ~~أكثر العسكر في اليزك مقابل أنطاكية، فإذا كان الأمر كذلك قل المقاتلون ~~عليها، ويتعذر حينئذ الوصول إليها. فاستخار الله تعالى وسار إليها، وجعل ~~أكثر عسكره يزكا مقابل أنطاكية، يغيرون على أعمالها، وكانوا حذرين من الخوف ~~من أهلها، إن غفلوا، لقربهم منها، وصلاح الدين في بعض أصحابه على القلعة ~~يقاتلها، ونصب المجانيق، فلم يؤثر فيها شيئا لعلوها وارتفاعها، فغلب على ~~الظنون تعذر فتحها وتأخر ملكها، وشق على المسلمين قلة الماء عندهم، إلا أن ~~صلاح الدين نصب الحياض، وأمر بحمل الماء إليها، فخفف الأمر عليهم. فبينما ~~هو على هذه الحال إذ قد فتح باب القلعة، وخرج منه إنسان يطلب الأمان ليحضر، ~~فأجيب إلى ذلك، فأذن له في الحضور، فحضر، وطلب الأمان لمن في الحصن حتى ~~يسلموه إليه، بما فيه على قاعدة درب ساك، فأجابهم إلى ما طلبوا؛ فعاد ~~الرسول ومعه الأعلام الإسلامية، فرفعت على رأس القلعة، ونزل من فيها، وتسلم ~~المسلمون القلعة بما فيها من ذخائر وأموال وسلاح، وأمر صلاح الدين ms4253 بتخريبه، ~~فخرب، وكان ذلك مضرة عظيمة وأتقنه، وجعل فيه جماعة من عسكره يغيرون منه على ~~البلاد، فتأذى بهم السواد الذي بحلب، وهو إلى الآن بأيديهم. ### || AUT ذكر الهدنة بين المسلمين وصاحب أنطاكية # لما فتح صلا الدين بغراس عزم على التوجه إلى أنطاكية وحصرها، فخاف ~~البيمند صاحبها من ذلك، وأشفق منه، فأرسل إلى صلاح الدين يطلب الهدنة، وبذل ~~إطلاق كل أسير عنده من المسلمين، فاستشار من عنده من أصحاب الأطراف وغيرهم، ~~فأشار أكثرهم بإجابته إلى ذلك ليعود الناس ويستريحوا ويجددوا ما يحتاجون ~~إليه، فأجاب إلى ذلك، واصطلحوا ثمانية أشهر، أولها: أول تشرين الأول، ~~وآخرها: آخر أيار، وسير رسوله إلى صاحب أنطاكية يستخلفه، ويطلق من عنده من ~~الأسرى. وكان صاحب أنطاكية، في هذا الوقت، أعظم الفرنج شأنا، وأكثرهم ملكا، ~~فإن الفرنج كانوا قد سلموا إليه طرابلس، بعد موت القمص، وجميع أعمالها، ~~مضافا إلى ما كان له، أن القمص لم يخلف ولدا، فلما سلمت إليه طرابلس جعل ~~ولده الأكبر فيها نائبا عنه. وأما صلاح الدين فإنه عاد إلى حلب ثالث شعبان، ~~فدخلها وسار منها إلى دمشق، وفرق العساكر الشرقية، كعماد الدين زنكي بن ~~مودود صاحب سنجار والخابور، وعسكر الموصل، وغيرها، ثم رحل من حلب إلى دمشق، ~~وجعل طريقه على قبر عمر بن عبد العزيز، فزاره، وزار الشيخ الصالح أبا ~~زكرياء المغربي، وكان مقيما هناك، وكان من عباد الله الصالحين، وله كرامات ~~ظاهرة. PageV05P0187 # وكان مع صلاح الدين الأمير عز الدين أبو الفليتة قاسم بن المهنا العلوي ~~الحسيني، وهو أمير مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، كان قد حضر عنده، وشهد ~~معه مشاهده وفتوحه، وكان صلاح الدين قد تبارك برؤيته، وتيمن بصحبته، وكان ~~يكرمه كثيرا، وينبسط معه، ويرجع إلى قوله في أعماله كلها، ودخل دمشق أول ~~شهر رمضان، فأشير عليه بتفريق العساكر، فقال: إن العمر قصير والأجل غير ~~مأمون؛ وقد بقي بيد الفرنج هذه الحصون: كوكب، وصفد، والكرك، وغيرها، ولا بد ~~من الفراغ منها، فإنها في وسط بلاد الإسلام، ولا يؤمن شر أهلها، وإن ~~أغفلناهم ms4254 ندمنا فيما بعد، والله أعلم. ### || AUT ذكر فتح الكرك وما يجاوره # كان صلاح الدين قد جعل على الكرك عسكرا يحصره، فلازموا الحصار هذه المدة ~~الطويلة، حتى فنيت أزواد الفرنج وذخائرهم، وأكلوا دوابهم، وصبروا حتى لم ~~يبق للصبر مجال، فراسلوا الملك العادل، أخا صلاح الدين، وان جعله صلاح ~~الدين على قلعة الكرك في جمع من العسكر يحصرها، ويكون مطلعا على هذه ~~الناحية من البلاد لما أبعد هو إلى درب ساك، وبغراس، فوصلته رسل الفرنج من ~~الكرك يبذلون تسليم القلعة إليه، ويطلبون الأمان، فأجابهم إلى ذلك، وأرسل ~~إلى مقدم العسكر الذي يحصرها في المعنى، فتسلم القلعة منهم وأمنهم. وتسلم ~~أيضا ما يقاربه من الحصون كالشوبك وهرمز والوعيرة والسلع، وفرغ القلب من ~~تلك الناحية، وألقى الإسلام هناك جرانه، وأمنت قلوب من في ذلك السقع من ~~البلاد، كالقدس وغيره، فإنهم كانوا ممن بتلك الحصون وجلين، ومن شرهم مشفقين. ### || AUT ذكر فتح قلعة صفد # لما وصل صلاح الدين إلى دمشق، وأشير عليه بتفريق العساكر، وقال: لا بد ~~من الفراغ من صفد وكوكب وغيرهما، أقام بدمشق إلى منتصف رمضان، وسار عن دمشق ~~إلى قلعة صفد فحصرها وقاتلها، ونصب عليها المجانيق، وأدام الرمي إليها ليلا ~~ونهارا بالحجارة والسهام. وكان أهلها قد قاربت ذخائرهم وأزوادهم أن تفنى في ~~المدة التي كانوا فيها محاصرين، فإن عسكر صلاح الدين كان يحاصرهم، كما ~~ذكرناه، فلما رأى أهله جد صلاح الدين في قتالهم، خافوا أن يقيم إلى أن يفنى ~~ما بقي معهم من أقواتهم، وكانت قليلة، ويأخذهم عنوة ويهلكهم، أو أنهم ~~يضعفون عن مقاومته قبل فناء ما عندهم من القوت فيأخذهم، فأرسلوا يطلبون ~~الأمان، فأمنهم وتسلمها منهم، فخرجوا عنها وساروا إلى مدينة صور، وكفى الله ~~المؤمنين شرهم، فإنهم كانوا وسط البلاد الإسلامية. ### || AUT ذكر فتح كوكب # لما كان صلاح الدين يحاصر صفد، اجتمع من بصور من الفرنج، وقالوا: إن فتح ~~المسلمون قلعة صفد لم تبق كوكب، ولو أنها معلقة بالكوكب، وحينئذ ينقطع ~~طمعنا من هذا الطرف من البلاد؛ فاتفق رأيهم على إنفاذ ms4255 نجدة لها سرا من رجال ~~وسلاح وغير ذلك، فأخرجوا مائتي رجل من شجعان الفرنج وأجلادهم، فساروا الليل ~~مستخفين، وأقاموا النهار مكمنين. فاتفق من قدر الله تعالى أن رجلا من ~~المسلمين الذين يحاصرون كوكب خرج متصيدا، فلقي رجلا من تلك النجدة، ~~فاستغربه بتلك الأرض، فضربه ليعلمه بحاله، وما الذي أقدمه إلى هناك، فأقر ~~بالحال، ودله على أصحابه، فعاد الجندي المسلم إلى قايماز النجمي، وهو مقدم ~~ذلك العسكر، فأعلمه الخبر، والفرنجي معه، فركب في طائفة من العسكر إلى ~~الموضع الذي قد اختفى فيه الفرنج، فكبسهم، فأخذهم، وتتبعهم في الشعاب ~~والكهوف، فلم يفلت منهم أحد، فكان معهم مقدمان من فرسان الإسبتار، فحملا ~~إلى صلاح الدين وهو على صفد، فأحضرهما ليقتلهما، وكانت عادته قتل الداوية ~~والإسبتارية لشدة عداوتهم للمسلمين وشجاعتهم، فلما أمر بقتلهما قال له ~~أحدهما: ما أظن ينالنا سوء وقد نظرنا إلى طلعتك المباركة ووجهك الصبيح. ~~وكان رحمه الله، كثير العفو، يفعل الاعتذار والاستعطاف فيه، فيعفو ويصفح، ~~فلما سمع كلامهما لم يقتلهما، وأمر بهما فسجنا. ولما فتح صفد سار عنها إلى ~~كوكب ونازلها وحصرها، وأرسل إلى من بها من الفرنج يبذل لهم الأمان إن ~~سلموا، ويتهددهم بالقتل والسبي والنهب إن امتنعوا، فلم يسمعوا قولهن وأصروا ~~على الامتناع، فجد في قتالهم، ونصب عليهم المجانيق، وتابع رمي الأحجار ~~إليهم، وزحف مرة بعد مرة، وكانت الأمطار كثيرة، لا تنقطع ليلا ولا نهارا، ~~فلم يتمكن المسلمون من القتال على الوجه الذي يريدوه، وطال مقامهم عليها. ~~PageV05P0188 # وفي آخر الأمر زحفوا إليها دفعات متناوبة في ويم واحد، ووصلوا إلى باشورة ~~القلعة، ومعهم النقابون والرماة يحمونهم بالنشاب عن قوس اليد والجروخ، فلم ~~يقدر أحد منهم أن يخرج رأسه من أعلى السور، فنقبوا الباشورة فسقطت، وتقدموا ~~إلى السور الأعلى، فلما رأى الفرنج ذلك أذعنوا بالتسليم، وطلبوا الأمان ~~فأمنهم، وتسلم الحصن منهم منتصف ذي القعدة، وسيرهم إلى صور، فوصلوا إليها. ~~واجتمع بها من شياطين الفرنج وشجعانهم كل صنديد، فاشتدت شوكتهم، وحميت ~~جمرتهم، وتابعوا الرسل إلى من بالأندلس وصقلية وغيرهما من جزائر البحر ms4256 ~~يستغيثون ويستنجدون، والأمداد كل قليل تأتيهم، وكان ذلك كله بتفريط صلاح ~~الدين في إطلاق كل من حصره، حتى عض بنانه ندما وأسفا حيث لم ينفعه ذلك. ~~واجتمع للمسلمين بفتح كوكب وصفد من حد أيلة إلى أقصى أعمال بيروت، لا يفصل ~~بينه غير مدينة صور، وجميع أعمال أنطاكية، سوى القصير، ولما ملك صلاح الدين ~~صفد سار إلى البيت المقدس، فعيد فيه عيد الأضحى، ثم سار منه إلى عكا، فأقام ~~بها حتى انسلخت السنة. ### || AUT ذكر ظهور طائفة من الشيعة بمصر # في هذه السنة ثار بالقاهرة جماعة من الشيعة، عدتهم اثنا عشر رجلا، ليلا، ~~ونادوا بشعار العلويين،: يال علي، يال علي، وسلكوا الدروب ينادون، ظنا منهم ~~أن رعية البلد يلبون ويملكون البلد، فلم يلتفت أحد منهم إليهم، ولا أعارهم ~~سمعه. فلما رأوا ذلك تفرقوا خائفين، فأخذوا، وكتب بذلك إلى صلاح الدين، ~~فأهمه أمرهم وأزعجه، فدخل عله القاضي الفاضل، فأخبره الخبر، فقال القاضي ~~الفاضل: ينبغي أن تفرح بذلك ولا تحزن ولا تهتم، حيث علمت من بواطن رعيتك ~~المحبة لك والنصح، وترك الميل إلى عدوك، ولو وضعت جماعة يفعلون مثل هذه ~~الحالة لتعلم بواطن أصحابك ورعيتك، وخسرت الأموال الجليلة عليهم، لكان ~~قليلا؛ فسري عنه. وكان هذا القاضي صاحب دولة صلاح الدين، وأكبر من بها، ~~وستأتي مناقبه عند وفاته، ما تراه. ### || AUT ذكر انهزام عسكر الخليفة من السلطان طغرل # في هذه السنة جهز الخليفة الناصر لدين الله عسكرا كثيرا، وجعل المقدم ~~عليهم وزيره جلال الدين عبيد الله بن يونس، وسيرهم إلى مساعدة قزل، ليكف ~~السلطان طغرل عن البلاد، فسار العسكر ثالث صفر إلى أن قارب همذان، فلم يصل ~~قزل إليهم، وأقبل طفرل إليهم في عساكره، فالتقوا ثامن ربيع الأول بداي مرج ~~عند همذان، واقتتلوا، فلم يثبت عسكر بغداد، بل انهزموا وتفرقوا، وثبت ~~الوزير قائما، ومعه مصحف وسيف، فأتاه من عسكره طغرل من أسره، وأخذ ما معه ~~من خزانة وسلاح ودواب وغير ذلك، وعاد العسكر إلى بغداد متفرقين. وكنت حينئذ ~~بالشام في عسكر صلاح الدين يريد ms4257 الغزاة، فأتاه الخبر مع النجابين بميسر ~~العسكر البغدادي، فقال: كأنكم وقد وصل الخبر بانهزامهم. فقال له بعض ~~الحاضرين: وكيف ذلك؟ فقال: لا شك أن أصحابي وأهيل أعرف بالحرب من الوزير، ~~وأطوع في العسكر منه، ومع هذا، فما أرسل أحدا منهم في سرية للحرب إلا وأخاف ~~عليه، وهذا الوزير غير عارف بالحرب، وقريب العهد بالولاية، ولا يراه ~~الأمراء أهلا أن يطاع، وفي مقابلة سلطان شجاع قد باشر الحرب بنفسه، ومن معه ~~يطيعه، وكان الأمر كذلك، ووصل الخبر إليه بانهزامهم فقال لأصحابه: كنت ~~أخبرتكم بكذا وكذا، وقد وصل الخبر بذلك. ولما عادت عساكر بغداد منهزمة قال ~~بعض الشعراء، وهو أحمد بن الواثق بالله: أتركونا من جائحات الجريمة ... ~~طلعة طلعة تكون وخيمة بركات الوزير قد شملتنا ... فلهذا أمورنا مستقيمة ~~خرجت جندنا تريد خراسا ... ن جميعا بأبهات عظيمة بخيول وعدة وعديد ... ~~وسيوف مجربات قديمة ووزير وطاق طنب ونفش ... وخيول معدة للهزيمة هم رأوا ~~غرة العدو وقد أق ... بل ولوا وانحل عقد العزيمة وأتونا ولا بخفي حنين ... ~~بوجوه سود قباح دميمة لو رأى صاحب الزمان ولوعا ... ين أفعالهم وقبح ~~الجريمة قابل الكل بالنكال وناهي ... ك بها سبة عليهم مقيمة كان ينبغي أن ~~تتقدم هذه الحادثة، وإنما أخرتها لتتبع الحوادث المتقدمة بعضها بعضا، لتعلق ~~كل واحدة منها بالأخرى. PageV05P0189 ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي شيخنا أبو محمد عبد الله بن علي بن عبد الله بن سويدة ~~التكريتي، كان عالما بالحديث، وله تصانيف حسنة. وفيها توفيت سلجوقة خاتون ~~بنت قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان زوجة الخليفة وكانت قبله زوجة نور ~~الدين محمد بن قرا أرسلان، صاحب الحصن، فلما توفي عنها تزوجها الخليفة، ~~ووجد الخليفة عليها وجدا عظيما ظهر للناس كلهم، وبنى على قبرها تربة ~~بالجانب الغربي، وإلى جانب التربة رباطه المشهور بالرملة. وفيها توفي علاء ~~الدين تنامش وحمل تابوته إلى مشهد الحسين، عليه السلام. وفيها توفي خالص ~~خادم الخليفة، و كان أكبر أمير ببغداد؛ ومات أبو الفرج بن النقور العدل ~~ببغداد، وسمع الحديث ms4258 الكثير، وهو بيت الحديث، رحمه الله. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وثمانين وخمسمائة # ### || AUT ذكر فتح شقيف أرنون # في هذه السنة، في ربيع الأول، سار صلاح الدين إلى شقيف أرنون، وهو من ~~أمنع الحصون، ليحصره، فنزل بمرج عيون، فنزل صاحب الشقيف، وهو أرناط صاحب ~~صيدا، وكان أرناط هذا من أعظم الناس دهاء ومكرا، فدخل إليه واجتمع به، ~~وأظهر له الطاعة والمودة، وقال له: أنا محب لك، ومعترف بإحسانك، وأخاف أن ~~يعرف المركيس ما بيني وبينك، فينال أولادي وأهلي منه أذى، فإنهم عنده، ~~فأشتهي أن تمهلني حتى أتوصل في تخليصهم من عنده، وحينئذ أحضر أنا وهم عندك، ~~ونسلم الحصن إليك، ونكون في خدمتك، ونقنع بما تعطينا من إقطاع؛ فظن صلاح ~~الدين صدقه، فأجابه إلى ما سأل، فاستقر الأمر بينهما أن يسلم الشقيف في ~~جمادى الآخرة. وأقام صلاح الدين بمرج عيون ينتظر الميعاد، وهو قلق مفكر، ~~لقرب انقضاء مدة الهدنة بينه وبين البيمند، صاحب أنطاكية، فأمر تقي الدين ~~ابن أخيه أن يسير في من معه من عساكره، ومن يأتي من بلاد المشرق، ويكون ~~مقابل أنطاكية لئلا يغير صاحبها على بلاد الإسلام عند انقضاء الهدنة. وكان ~~أيضا منزعج الخاطر، كثير الهم، لما بلغه من اجتماع الفرنج بمدينة صور، وما ~~يتصل بهم من الأمداد في البحر، وأن ملك الفرنج الذي كان قد أسره صلاح الدين ~~وأطلقه، بعد فتح القدس، قد اصطلح هو والمركيس، بعد اختلاف كان بينهما، ~~وأنهم قد اجتمعوا في خلق لا يحصون، فإنهم قد خرجوا من مدينة صور إلى ~~ظاهرها؛ فكان هذا وأشباهه مما يزعجه، ويخاف من ترك الشقيف وراء ظهره ~~والتقدم إلى صور وفيها الجموع المتوافرة فتنقطع الميرة عنه، إلا أنه مع هذه ~~الأشياء مقيم على العهد مع أرناط صاحب الشقيف. وكان أرناط، في مدة الهدنة، ~~يشتري الأقوات من سوق العسكر والسلاح وغير ذلك مما يحصن به شقيفه، وكان ~~صلاح الدين يحسن الظن، وإذا قيل له عنه مما هو فيه من المكر، وإن قصده ~~المطاولة إلى أن يظهر الفرنج من صور، ms4259 وحينئذ يبدي فضيحته، ويظهر مخالفته، ~~لا يقبل فيه، فلما قارب انقضاء الهدنة تقدم صلاح الدين من معسكره إلى القرب ~~من شقيف أرنون وأحضر عنده أرناط وقد بقي من الأجل ثلاثة أيام، فقال له في ~~معنى تسليم الشقيف، فاعتذر بأولاده وأهله، وأن المركيس لم يمكنهم من المجيء ~~إليه وطلب التأخير مدة أخرى، فحينئذ علم السلطان مكره وخداعه، فأخذه وحبسه، ~~وأمره بتسليم الشقيف، فطلب قسيسا، ذكره، لحمله رسالة إلى من بالشقيف ~~ليسلموه، فأحضروه عنده، فساره بما لم يعلموا، فمضى ذلك القسيس إلى الشقيف، ~~فأظهر أهله العصيان، فسير صلاح الدين أرناط إلى دمشق وسجنه، وتقدم إلى ~~الشقيف فحصره وضيق عليه، وجعل عليه من يحفظه ويمنع عنه الذخيرة والرجال. ### || AUT ذكر وقعة اليزك مع الفرنج # لما كان صلاح الدين بمرج عيون، وعلى الشقيف، جاءته كتب من أصحابه الذين ~~جعلهم يزكا في مقابل الفرنج على صور، يخبرونه فيها أن الفرنج قد أجمعوا على ~~عبور الجسر الذي لصور، وعزموا على حصار صيدا، فسار صلاح الدين جريدة في ~~شجعان أصحابه، سوى من جعله على الشقيف، فوصل إليهم وقد فات الأمر. ~~PageV05P0190 # وذلك أن الفرنج قد فارقوا صور وساروا عنها لمقصدهم، فلقيهم اليزك على ~~مضيق هناك، وقاتلوهم ومنعوهم، وجرى لهم معهم حرب شديدة يشيب لها الوليد، ~~وأسروا من الفرنج جماعة، وقتلوا جماعة منهم سبعة رجال من فرسانهم المشهورين ~~وجرحوا جماعة، وقتل من المسلمين أيضا جماعة منهم مملوك لصلاح الدين كان من ~~أشجع الناس، فحمل وحده على صف الفرنج، فاختلط بهم، وضربهم بسيفه يمينا ~~وشمالا، فتكاثروا عليه فقتلوه، رحمه الله؛ ثم إن الفرنج عجوزا عن الوصول ~~إلى صيدا فعادوا إلى مكانهم. ### || AUT ذكر وقعة ثانية للغزاة المتطوعة # لما وصل صلاح الدين إلى اليزك وقد فاتته تلك الوقعة أقام عندهم في خيمة ~~صغيرة، ينتظر عودة الفرنج لينتقم منهم، ويأخذ بثأر من قتلوه من المسلمين. ~~فركب في بعض الأيام في عدة يسيرة على أن ينظر إلى مخيم الفرنج من الجبل ~~ليعمل بمقتضى ما يشاهده، وظن من هناك من غزاة العجم والعرب المتطوعين ms4260 أنه ~~على قصد المصاف والحرب، فساروا مجدين وأوغلوا في أرض العدو مبعدين، وفارقوا ~~الحزم، وخلفوا السلطان وراء ظهورهم، وقاربوا الفرنج، فأرسل صلاح الدين عدة ~~من الأمراء يردونهم ويحمونهم إلى أن يخرجوا، فلم يسمعوا ولم يقبلوا. وكان ~~الفرنج قد اعتقدوا أن وراءهم كمينا، فلم يقدموا عليهم، فأرسلوا من ينظر ~~حقيقة الأمر، فاهم الخبر أنهم منقطعون عن المسلمين، وليس وراءهم ما يخاف، ~~فحملت الفرنج عليهم حملة رجل واحد، فقاتلوهم، وفلم يلبثوا أن أناموهم، وقتل ~~معهم جماعة من المعروفين، وشق على صلاح الدين والمسلمين ما جرى عليهم، وكان ~~ذلك بتفريطهم في حق أنفسهم، رحمهم الله ورضي عنهم. وكانت هذه الوقعة تاسع ~~جمادى الأولى، فلما رأى صلاح الدين ذلك انحدر من الجبل إليهم في عسكره، ~~فحملوا على الفرنج فألقوهم إلى الجسر وقد أخذوا طريقهم، فألقوا أنفسهم في ~~الماء، فغرق منهم نحو مائة دارع سوى من قتل، وعزم السلطان على مصابرتهم ~~ومحاصرتهم، فتسامع الناس، فقصدوه من كل ناحية واجتمع معه خلق كثير، فلما ~~رأى الفرنج ذلك عادوا إلى مدينة صور، فلما عادوا إليها سار صلاح الدين إلى ~~تبنين، ثم إلى عكا ينظر حالها، ثم عاد إلى العسكر والمخيم. ### || AUT ذكر وقعة ثالثة # لما عاد صلاح الدين إلى العسكر أتاه الخبر أن الفرنج يخرجون من صور ~~للاحتطاب والاحتشاش، متبددين، فكتب إلى من بعكا من العسكر وواعدهم يوم ~~الاثنين ثامن جمادى الآخرة ليلاقوهم من الجانبين، ورتب كمناء في موضع من ~~تلك الأدوية والشعاب، واختار جماعة من شجعان عسكره، وأمرهم بالتعرض للفرنج، ~~وأمرهم أنهم إذا حمل عليهم الفرنج قاتلوهم شيئا من قتال، ثم تطاردوا لهم، ~~وأروهم العجز عن مقاتلتهم، فإذا تبعهم الفرنج استجروهم إلى أن يجوزوا موضع ~~الكمين، ثم يعطفوا عليهم، ويخرج الكمين من خلفهم؛ فخرجوا على هذه العزيمة. ~~فلما تراءى الجمعان، والتقت الفئتان واقتتلوا، أنف فرسان المسلمين أن يظهر ~~عنهم اسم الهزيمة، وثبتوا، فقاتلوهم، وصبر بعضهم لبعض، واشتد القتال وعظم ~~الأمر، ودامت الحرب، وطال على الكمناء الانتظار، فخافوا على أصحابهم فخرجوا ~~من مكامنهم نحوهم مسرعين، وإليهم قاصدين، ms4261 فأتوهم وهم في شدة الحرب، فازداد ~~الأمر شدة على شدة، وكان فيهم أربعة أمراء من ربيعة وطي، وكانوا يجهلون تلك ~~الأرض، فلم يسلكوا مسلك أصحابهم، فسلكوا الوادي ظنا منهم أنه يخرج بهم إلى ~~أصحابهم، وتبعهم بعض مماليك صلاح الدين، فلما رآهم الفرنج بالوادي علموا ~~أنهم جاهلون فأتوهم وقاتلوهم. وأما المملوك فإنه نزل عن فرسه، وجلس على ~~صخرة، وأخذ قوسه بيده، وحمى نفسه، وجعلوا يرمونه بسهام الزنبورك وهو يرميهم ~~فجرح منهم جماعة وجرحوه جراحات كثيرة، فسقط فأتوه وهو بآخر رمق، فتركوه ~~وانصرفوا وهم يحسبونه ميتا؛ ثم إن المسلمين جاؤوا من الغد إلى موضعهم، ~~فرأوا القتلى، ورأوا المملوك حيا، فحملوه في كساء، وهو يكاد لا يعرف من ~~كثرة الجراحات، فأيسوا من حياته، فأعرضوا عنه وعرضوا عليه الشهادة، وبشروه ~~بالشهادة، فتركوه، ثم عادوا إليه، فرأوه وقد قويت نفسه، فأقبلوا عليه ~~بمشروب، فعوفي، ثم كان بعد ذلك لا يحضر مشهدا إلا كان له فيه الأثر العظيم. ### || AUT ذكر مسير الفرنج إلى عكا ومحاصرتها # PageV05P0191 # لما كثر جمع الفرنج بصور على ما ذكرناه من أن صلاح الدين كان كلما فتح ~~مدينة أو قلعة أعطى أهلها الأمان، وسيرهم إليها بأموالهم ونسائهم وأولادهم، ~~فاجتمع بها منهم عالم كثير لا يعد ولا يحصى، ومن الأموال ما لا يفنى على ~~كثرة الإنفاق في السنين الكثيرة، ثم إن الرهبان والقسوس وخلقا كثيرا من ~~مشهوريهم وفرسانهم لبسوا السواد، وأظهروا الحزن على خروج البيت المقدس من ~~أيديهم، وأخذهم البطرك الذي كان بالقدس، ودخل بهم بلاد الفرنج يطوفها بهم ~~جميعا، ويستنجدون أهلها، ويستجيرون بهم، ويحثونهم على الأخذ بثأر البيت ~~المقدس، وصوروا المسيح، عليه السلام، وجعلوه مع صورة عربي يضربه، وقد جعلوا ~~الدماء على صورة المسيح، عليه السلام، وقالوا لهم: هذا المسيح يضربه محمد ~~نبي المسلمين وقد جرحه وقتله. فعظم ذلك على الفرنج، فحشروا وحشدوا حتى ~~النساء، فإنهم كان معهم على عكا عدة من النساء يبارزن الأقران، على ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى، ومن لم يستطع الخروج استأجر من يخرج عوضه، أو ~~يعطيهم مالا ms4262 على قدر حالهم، فاجتمع لهم من الرجال والأموال ما لا يتطرق ~~إليه الإحصاء. ولقد حدثني بعض المسلمين المقيمين بحصن الأكراد، وهو من ~~أجناد أصحابه الذين سلموه إلى الفرنج قديما، وكان هذا الرجل قد ندم على ما ~~كان منه من موافقة الفرنج في الغارة على بلاد الإسلام، و القتال معهم، ~~والسعي معهم، وكان سبب اجتماعي به ما أذكره سنة تسعين وخمسمائة، إن شاء اله ~~تعالى. قال لي هذا الرجل إنه دخل مع جماعة من الفرنج من حصن الأكراد إلى ~~البلاد البحرية التي للفرنج والروم في أربع شوان، يستنجدون؛ قال: فانتهى ~~بنا التطواف إلى رومية الكبرى، فخرجنا منها، وقد ملأنا الشواني نقرة. ~~وحدثني بعض الأسرى منهم أنه له والدة ليس لها ولد سواه، ولا يملكون من ~~الدنيا غير بيت باعته وجهزته بثمنه، وسيرته لاستنقاذ بيت واحد فأخذ أسيرا. ~~وكان عند الفرنج من الباعث الديني والنفساني ما هذا حده، فخرجوا على الصعب ~~والذلول، برا وبحرا، من كل فج عميق، ولولا أن الله تعالى لطف بالمسلمين، ~~وأهلك ملك الألمان لما خرج على ما نذكره عند خروجه إلى الشام ، وإلا كان ~~يقال: إن الشام ومصر كانتا للمسلمين. فهذا كان سبب خروجهم، فلما اجتمعوا ~~بصور تموج بعضهم في بعض، ومعهم الأموال العظيمة، والبحر بمدهم بالأقوات ~~والذخائر، والعدد والرجال، من بلادهم، فضاقت عليهم صور، باطنها وظاهرها، ~~فأرادوا قصد صيدا، وكان ما ذكرناه، فعادوا واتفقوا على قصد عكا ومحاصرتها ~~ومصابرتها، فساروا إليها بفارسهم وراجلهم، وقضهم وقضيضهم، ولزموا البحر في ~~مسيرهم لا يفارقونه في السهل والوعر، والضيق السعة، ومراكبهم تسير مقابلة ~~في البحر، فيها سلاحهم وذخائرهم، ولتكون عدة لهم، إن جاءهم ما لا قبل لهم ~~به ركبوا فيها وعادوا؛ وكان رحيلهم ثامن رجب، ونزولهم على عكا في منتصفه، ~~ولما كانوا سائرين كان يزك المسلمين يتخطفونهم، ويأخذون المنفرد منهم. ولما ~~رحلوا جاء الخبر إلى صلاح الدين برحيلهم، فسار حتى قاربهم، ثم جمع أمراءه ~~واستشارهم: هل يكون المسير محاذاة الفرنج ومقاتلتهم وهم سائرون، أو يكون في ~~غير الطريق التي سلكوها؟ فقالوا: ms4263 لا حاجة بنا إلى احتمال المشقة في ~~مسايرتهم، فإن الطريق وعر وضيق ولا يتهيأ لنا ما نريده منهم، والرأي أننا ~~نسير في الطريق المهيع، ونجتمع عليهم عند عكا، فتفرقهم ونمزقهم. فعلم ميلهم ~~إلى الراحة المعجمة، فوافقهم، وكان رأيه مسايرتهم ومقاتلتهم وهم سائرون، ~~وقال: إن الفرنج إذا نزلوا لصقوا بالأرض، فلا يتهيأ لنا إزعاجهم، ولا نيل ~~الغرض منهم، والرأي قتالهم قبل الوصول إلى عكا؛ فاخالفوه، فتبعهم، وساروا ~~على طريق كفر كنا، فسبقهم الفرنج، وكان صلا الدين قدج جعل في مقابل الفرنج ~~جماعة من الأمراء يسايرونهم، ويناوشونهم القتال، ويتخطفونهم، ولم يقدم ~~الفرنج عليهم مع قتلهم، فلو أن العساكر اتبعت رأي صلاح الدين في مسايرتهم ~~ومقاتلتهم قبل نزولهم على عكا، لكان بلغ غرضه وصدهم عنها، ولكن إذا أراد ~~الله أمرا هيأ أسبابه. PageV05P0192 # ولما وصل صلاح الدين إلى عكا رأى الفرنج قد نزلوا عليها من البحر إلى ~~البحر، من الجانب الآخر، ولم يبق للمسلمين إليها طريق، فنزل صلاح الدين ~~عليهم، وضرب خيمته على تل كيسان، وامتدت ميمنته إلى تل الغياظية، وميسرته ~~إلى النهر الجاري، ونزلت الأثقال بصفورية، وسير الكتب إلى الأطراف باستدعاء ~~العساكر، فأتاه عسكر الموصل، وديار بكر، وسنجار وغيرها من بالد الجزيرة، ~~وأتاه تقي الدين ابن أخيه، وأتاه مظفر الدين بن زين الدين، وهو صاحب حران ~~والرها. وكانت الأمداد تأتي المسلمين في البر وتأتي الفرنج في البحر، وكان ~~بين الفريقين مدة مقامهم على عكا حروب كثيرة ما بين صغيرة وكبيرة، منها ~~اليوم المشهور ومنها ما هو دون ذلك، وأنا أذكر الأيام الكبار لئلا يطول ~~ذلك، ولأن ما عداها كان قتالا يسيرا من بعضهم مع بعض، فلا حاجة إلى ذكره. ~~ولما نزل السلطان عليهم لم يقدر على الوصول إليهم، ولا إلى عكا حروب كثيرة ~~ما بين صغيرة وكبيرة، منها اليوم المشهور ومنها ما هو دون ذلك. وأنا أذكر ~~الأيام الكبار لئلا يطول ذلك، ولأن ما عداها كان قتالا يسيرا من بعضهم مع ~~بعض، فلا حاجدة إلى ذكره. ولما نزل السلطان عليهم لم يقدر على ms4264 الوصول ~~إليهم، ولا إلى عكا، حتى انسلخ رجل، قم قاتلهم مستهل شعبان، فلم ينل منهم ~~ما يريد، وبات الناس على تعبئة، فلما كان الغد باكرهم القتال بحده وحديده، ~~واستدار عليهم من سائر جهاتهم من بكرة إلى الظهر، وصبر الفريقان صبرا حار ~~له من رآه. فلما كان وقت الظهر حمل عليهم تقي الدين حملة منكرة من الميمنة ~~على من يليه منهم، فأزاحهم عن مواقفهم يركب بعضهم لا يلوي أخ على أخ، ~~والتجأوا إلى من يليهم من أصحابهم، واجتمعوا بهم واحتموا بهم، وأخلوا نصف ~~البلد، وملك تقي الدين مكانهم، والتصق بالبلد، وصار ما أخلوه بيده، ودخل ~~المسلمون البلد، وخرجوا منه، واتصلت الطرق، وزال الحصر عمن فيه، وأدخل صلاح ~~الدين إليه من أراد من الرجال، وما أراد من الذخائر والأموال والسلاح وغير ~~ذلك، ولو أن المسلمين لزموا قتالهم إلى الليل لبلغوا ما أرادوه، فإن للصدمة ~~الأولى روعة، لكنهم لما نالوا منهم هذا القدر أخلدوا إلى الراحة، وتركوا ~~القتال وقالوا: نباكرهم غدا، ونقطع دابرهم. وكان في جملة من أدخله صلاح ~~الدين إلى عكا من جملة الأمراء حسام الدين أبو الهيجاء السمين، وهو من ~~أكابر أمراء عسكره، وهو من الأكراد الحكيمة من بلد إربل. وقتل من الفرنج ~~هذا اليوم جماعة كبيرة. ### || AUT ذكر وقعة أخرى ووقعة العرب # ثم إن المسلمين نهضوا إلى الفرنج من الغد وهو سادس شعبان عازمين على بذل ~~جهدهم، واستنفاد وسعهم في اسئصالهم فتقدموا على تعبئتهم، فرأوا الفرنج ~~حذرين محتاطين، قد ندموا على ما فرطوا فيه بالأمس، وهم قد حفظوا أطرافهم ~~ونواحيهم، وشرعوا في حفر خندق يمنع من الوصول إليهم، فألح المسلمون عليهم ~~في القتال، فلم يتقدم الفرنج إليهم، ولا فارقوا مرابضهم؛ فلما رأى المسلمون ~~ذلك عادوا عنهم. ثم إن جماعة من العرب بلغهم أن الفرنج تخرج من الناحية ~~الأخرى إلى الاحتطاب وغيره من أشغالهم، فكمنوا لهم في معاطف النهر ونواحيه ~~سادس عشر شعبان، فلما خرج جمع من الفرنج على عادتهم حملت عليهم العرب، ~~فقتلوهم عن آخرهم، وغنموا ما كان معهم، وحملوا ms4265 الرؤوس إلى صلاح الدين، ~~فأحسن إليهم، وأعطاهم الخلع. ### || AUT ذكر الوقعة الكبرى على عكا # لما كان بعد هذه الوقعة المذكورة بقي المسلمون إلى العشرين من شعبان، كل ~~يوم يغادرون القتال مع الفرنج ويرواحونه، والفرنج لا يظهرون من معسكرهم ولا ~~يفارقونه، ثم إن الفرنج اجتمعوا للمشورة، فقالوا: إن عسكر مصر لم يحضر ~~والحال مع صلاح الدين هكذا، فكيف يكون إذا حضر، والرأي أننا نلقي المسلمين ~~غدا لعلنا نظفر بم قبل اجتماع العساكر والأمداد إليهم. وكان كثير من عسكر ~~صلاح الدين غائبا عنه، بعضها مقابل أنطاكية ليردوا عادية بيمند صاحبها عن ~~أعمال حلب، وبعضها في حمص مقابل طرابلس لتحفظ ذلك الثغر أيضا، وعسكر في ~~مقابل صور لحماية ذلك البلد، وعسكر بمصر يكون بثغر دمياط والإسكندرية ~~وغيرهما، والذي بقي من عسكر مصر كانوا لم يصلوا لطول بيكارهم، كما ذكرناه ~~قبل، وكان هذا مما أطمع الفرنج في الظهور إلى قتال المسلمين. PageV05P0193 # وأصبح المسلمون على عادتهم، منم من يتقدم إلى القتال، ومنهم من هو في ~~خيمته، ومنهم من قد توجه في حاجته من زيارة صديق وتحصيل ما يحتاج إليه هو ~~وأصحابه ودوابه، إلى غير ذلك، فخرج الفرنج من معسكرهم كأنهم الجراد ~~المنتشر، يدبون على وجه الأرض، قد ملأوها طولا وعرضا، وطلبوا ميمنة ~~المسلمين وعليها تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين، فلما رأى الفرنج نحوه ~~قاصدين حذر هو وأصحابه، فتقدموا إليه، فلما قربوا منه تأخر عنهم. فلما رأى ~~صلاح الدين الحال، وهو في القلب، أمد تقي الدين برجال من عنده ليتقوى بهم، ~~وكان عسكر ديار بكر وبعض الشرقيين في جناح القلب، فلما رأى الفرنج قلة ~~الرجال في القلب، وأن كثيرا منهم قد سار نحو الميمنة مددا لهم، عطفوا على ~~القلب، فحملوا حملة رجل واحد، فاندفعت العساكر بين أيديهم منهزمين، وثبت ~~بعضهم، فاستشهد جماعة منهم كالأمير مجلى بن مروان والظهير أخي الفقيه عيس، ~~وكان والي بعضهم، فاستشهد جماعة منهم كالأمير مجلى بن مروان والظهير أخي ~~الفقيه عيسى، وكان والي البيت المقدس قد جمع بين الشجاعة والعلم ms4266 والدين، ~~وكالحاجب خليل الهكاري وغيرهم من الشجعان الصابرين في مواطن الحرب، ولم يبق ~~بين أيديهم في القلب من يردهم، فقصدوا التل الذي عليه خيمة صلاح الدين، ~~فقتلوا من مروا به، ونهبوا، وقتلوا عند خيمة صلاح الدين جماعة، منهم شيخنا ~~جمال الدين أبو علي بن رواحة الحموي، وهو من أهل العلم، وله شعر حسن، وما ~~ورث الشهادة من بعيد، فإن جده عبد الله بن رواحة، صاحب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قتله الروم يوم مؤتة، وهذا قتله الفرنج يوم عكا، وقتلوا غيره، ~~وانحدروا إلى الجانب الآخر من التل، فوضعوا السيف فيمن لقوه، وكان من لطف ~~الله تعالى بالمسلمين أن الفرنج لم يلقوا خيمة صلاح الدين، ولو لقوها لعلم ~~الناس وصولهم إليها، وانهزام العساكر بين أيديهم، فكانوا انهزموا أجمعون. ~~ثم إن الفرنج نظروا وراءهم، فرأوا أمدادهم قد انقطعت عنهم، فرجعوا خوفا أن ~~ينقطعوا عن أصحابهم، وكان سبب انقطاعهم أن الميمنة وقفت مقابلتهم، فاحتاج ~~بعضهم أن يقف مقابلها، وحملت ميسرة المسلمين على الفرنج، فاشتغل المدد ~~بقتال من بها عن الاتصال بأصحابهم، وعادوا إلى طرف خنادقهم، فحملت الميسرة ~~على الفرنج، الواصلين إلى خيمة صلاح الدين، فصادفوهم وهم راجعون، فقاتلوهم، ~~وثار بهم غلمان العسكر. وكان صلاح الدين لما انهزم القلب قد تبعهم يناديهم، ~~ويأمرهم بالكرة، ومعاودة القتال، فاجتمع معه منهم جماعة صالحة، فحمل بهم ~~على الفرنج من وراء ظهورهم وهم مشغولين بقتال الميسرة، فأخذتهم سيوف الله ~~من كل جانب، فلم يفلت منهم أحد، بل قتل أكثرهم، وأخذ الباقون أسرى، وفي ~~جملة من أسر مقدم الداوية الذي كان قد أسره صلاح الدين وأطلقه، فلما ظفر به ~~الآن قتله. وكانت عدة القتلى، سوى من كان إلى جانب البحر، نحو عشرة آلاف ~~قتيل، فأمر بهم، فألقوا في النهر الذي يشرب الفرنج منه؛ وكان عامة القتلى ~~من فرسان الفرنج، فإن الرجالة لم يلحقوهم، وكان في جملة الأسرى ثلاث نسوة ~~فرنجيات كن يقاتلن على الخيل، فلما أسرن، وألقي عنهن السلاح عرفن أنهن ~~نساء. وأما المنهزمون من المسلمين، فمنهم من ms4267 رجع من طبرية، ومنهم من جاز ~~الأردن وعاد، ومنهم من بلغ دمشق، ولولا أن العساكر تفرقت في الهزيمة لكانوا ~~بلغوا من الفرنج من الاستئصال، والإهلاك، مرادهم، على أن الباقين بذلوا ~~جهدهم، وجدوا في القتال وصمموا على الدخول مع الفرنج إلى معسكرهم لعلهم ~~يفزعون منهم، فجاءهم الصريخ بأن رحالهم وأموالهم قد نهبت، وكان سبب هذا ~~النهب أن الناس لما رأوا الهزيمة حملوا أثقالهم على الدواب، فثار بهم أوباش ~~العسكر وغلمانه، فنهبوه وأتوا عليه، وكان في عزم صلاح الدين أن يباكرهم ~~القتال والزحف، فرأى اشتغال الناس بما ذهب من أموالهم، وهم يسعون في جمعها ~~وتحصيلها، فأمر بالنداء بإحضار ما أخذ، فأحضر منه ما ملأ الأرض من المفارش، ~~والعيب المملوءة والثياب والسلاح وغير ذلك، فرد الجميع على أصحابه، ففاته ~~ذلك اليوم ما أراد، فسكن روع الفرنج، وأصلحوا شأن الباقين منهم. ### || AUT ذكر رحيل صلاح الدين عن الفرنج # ### || AUT وتمكنهم من حصر عكا # PageV05P0194 # لما قتل من الفرنج ذلك العدد الكثير، جافت الأرض من نتن ريحهم، وفسد ~~الهواء والجو، وحدث للأمزجة فساد، وانحرف مزاج صلاح الدين، وحدث له قولنج ~~مبرح كان يعتاده، فحضر عنده الأمراء، وأشاروا عليه بالانتقال من ذلك ~~الموضع، وترك مضايقة الفرنج، وحسنوه له، وقالوا: قد ضيقنا على الفرنج، ولو ~~أرادوا الانفصال عن مكانهم لم يقدروا، والرأي أننا نبعد عنهم بحيث يتمكنون ~~من الرحيل والعود، فإن رحلوا، وهو ظاهر الأمر، فقد كفينا شرهم وكفوا شرنا، ~~وإن أقاموا عاودنا القتال ورجعنا معهم إلى ما نحن فيه، ثم إن مزاجك منحرف، ~~والألم شديد، ولو وقع إرجاف لهلك الناس، والرأي على كل تقدير البعد عنهم. ~~ووافقهم الأطباء على ذلك، فأجابهم إليه إلى ما يريد الله يفعله: (وإذا أراد ~~الله بقوم سواء فلا مرد له وما لهم من دونه من وال) الرعد 11، فرحلوا إلى ~~الخروبة رابع شهر رمضان وأمر من بعكا من المسلمين بحفظها، وإغلاق أبوابها، ~~والاحتياط، وأعلمهم بسبب رحيله. فلما رحل هو وعساكره أمن الفرنج وانبسطوا ~~في تلك الأرض، وعادوا فحصروا عكا، وأحاطوا بها من البحر ms4268 إلى البحر، ~~ومراكبهم أيضا في البحر تحصرها، وشرعوا في حفر الخندق، وعمل السور من ~~التراب الذي يخرجونه من الخندق، وجاؤوا بما لم يكن في الحساب؛ وكان اليزك ~~كل يوم يوافقهم، وهم لا يقاتلون، ولا يتحركون، إنما هم مهتمون بعمل الخندق ~~والسور عليهم ليتحصنوا به من صلاح الدين، إن عاد إلى قتالهم، فحينئذ ظهر ~~رأي المشيرين بالرحيل. وكان اليزك كل يوم يخبرون صلاح الدين بما يصنع ~~الفرنج، ويعظمون الأمر عليه، وهو مشغول بالمرض، لا يقدر على النهوض للحرب، ~~وأشار عليه بعضهم بأن يرسل العساكر جميعها إليهم ليمنعهم من الخندق والسور، ~~ويقاتلوهم، ويتخلف هو عنهم، فقال: إذا لم أحضر معهم لا يفعلون شيئا، وربما ~~كان من الشر أضعاف ما نرجوه من الخير؛ فتأخر الأمر إلى أن عوفي، فتمكن ~~الفرنج وعملوا ما أرادوا، وأحكموا أمورهم، وحصنوا نفوسهم بما وجدوا إليه ~~السبيل، وكان من بعكا يخرجون إليهم كل يوم، ويقاتلونهم، وينالون منهم بظاهر البلد. ### || AUT ذكر وصول عسكر مصر والأسطول المصري في البحر # في منتصف شوال وصلت العساكر المصرية، ومقدمها الملك العادل سيف الدين ~~أبو بكر بن أيوب، فلما وصل قويت نفوس الناس به وبمن معه، واشتدت ظهورهم، ~~وأحضر معه من آلات الحصار، من الدرق والطارقيات والنشاب والأقواس، شيئا ~~كثيرا، ومعهم من الرجالة الجم الغفير، وجمع صلاح الدين من البلاد الشامية ~~راجلا كثيرا، وهو على عزم الزحف إليهم بالفارس والراجل. ووصل بعده الأسطول ~~المصري، ومقدمه الأمير لؤلؤ، وكان شهما، شجاعا، مقداما، خبيرا بالبحر ~~والقتال فيه، ميمون النقيبة، فوصل بغتة، فوقع على بطسة كبيرة للفرنج، ~~فغنمها، وأخذ منها أموالا كثيرة وميرة عظيمة، فأدخلها إلى عكا، فسكنت نفوس ~~من بها بوصول الأسطول وقوي جنانهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في صفر، خطب لولي العهد أبي نصر محمد بن الخليفة الناصر ~~لدين الله ببغداد، ونثرت الدنانير والدراهم، وأرسل إلى البلاد في إقامة ~~الخطبة، ففعل ذلك. وفيها، في شوال، ملك الخليفة تكريت، وسب ذلك أن صاحبها، ~~وهو الأمير عيسى، قتله إخوته، وملكوا القلعة بعده، فسير الخليفة ms4269 إليهم ~~عسكرا فحصروها وتسلموها، ودخل أصحابه إلى بغداد فأعطوا أقطاعا. وفيها، في ~~صفر، فتح الرباط الذي بناه الخليفة بالجانب الغربي من بغداد، وحضر الخلق ~~العظيم، فكان يوما مشهودا. وفي هذه السنة، في رمضان، مات شرف الدين أبو سعد ~~عبد الله بن محمد ابن هبة الله بن أبي عصرون، الفقيه الشافعي بدمشق، وكان ~~قاضيها، وأضر، وولي القضاء بعده ابنه، وكان الشيخ من أعيان الفقهاء ~~الشافعية. وفيها، في ذي القعدة، توفي الفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري ~~بالخروبة مع صلاح الدين، وهو من أعيان أمراء عسكره، ومن قدماء الأسدية، ~~وكان فقيها، جنديا، شجاعا، كريما، ذا عصبية ومروءة، وهو من أصحاب الشيخ ~~الإمام أبي القاسم بن البرزي، تفقه عليه بجزيرة ابن عمر، ثم اتصل بأسد ~~الدين شيركوه فصار إماما له، فرأى من شجاعته ما جعل له أقطاعا، وتقدم عند ~~صلاح الدين تقدما عظيما. PageV05P0195 # وفيها، في صفر توفي شيخنا أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن وهبان، ~~المعروف بابن أفضل الزمان، بمكة، وكان رحمه الله عالما متبحرا في علوم ~~كثيرة، خلاف فقه مذهبه والأصولين، والحساب والفرائض، والنجوم، والهيئة، ~~والمنطق، وغير ذلك، وختم أعماله بالزهد، ولبس الخشن، وأقام بمكة، حرسها ~~الله تعالى، مجاورا، فتوفي بها، وكان من أحسن الناس صحبة وخلقا. وفيها، في ~~ذي القعدة، مات أبو طالب المبارك بن المبارك بن المبارك الكرخي مدرس ~~النظامية، وكان من أصحاب أبي الحسن بن الخل، وكان صالحا خيرا له عند ~~الخليفة والعامة حرمة عظيمة، وجاه عريض، وكان حسن الخط يضرب به المثل. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وثمانين وخمسمائة # ### || AUT ذكر وقعة الفرنج واليزك # ### || AUT وعود صلاح الدين إلى منازلة الفرنج # قد ذكرنا رحيل صلاح الدين عن عكا إلى الخروبة لمرضه، فما برأ أقام ~~بمكانه إلى أن ذهب الشتاء؛ وفي مدة مقامه بالخروبة كان يزكه وطلائعه لا ~~تنقطع عن الفرنج. فلما دخل صفر من سنة ست وثمانين وخمسمائة سمع الفرنج أن ~~صلاح الدين قد سار للصيد، ورأى العسكر الذي ي اليزك عندهم قليلا، وأن الوحل ~~الذي في مرج ms4270 عكا كثير يمنع من سلوكه من أراد أن ينجد اليزك، فاغتنموا ذلك، ~~وخرجوا من خندقهم على اليزك وقت العصر، فقاتلهم المسلمون، وحموا أنفسهم ~~بالنشاب، وأحجم الفرنج عنهم، وحتى فني نشابهم، فحملوا عليهم حينئذ حملة رجل ~~واحد، فاشتد القتال، وعظم الأمر، وعلم المسلمون أنه لا ينجيهم إلا الصبر ~~وصدق القتال، فقاتلوا قتال مستقتل إلى أن جاء الليل، وقتل من الفريقين ~~جماعة كثيرة، وعاد الفرنج إلى خندقهم. ولما عاد صلاح الدين إلى المعسكر سمع ~~خبر الوقعة، فندب الناس إلى نصر إخوانهم، فأتاه الخبر أن الفرنج عادوا إلى ~~خندقهم، فأقام، ثم إنه رأى الشتاء قد ذهب، وجاءته العساكر من البلاد ~~القريبة منه دمشق وحمص وحماة وغيرها، فتقدم من الخروبة نحو عكا، فنزل بتل ~~كيسان، وقاتل الفرنج كل يوم ليشغلهم عن قتال من بعكا من المسلمين، فكانوا ~~يقاتلون الطائفين ولا يسأمون. ### || AUT ذكر إحراق الأبراج ووقعة الأسطول # كان الفرنج، في مدة مقامهم على عكا، قد عملوا ثلاثة أبراج من الخشب ~~عالية جدا، طول كل برج منها في السماء ستون ذراعا، وعملوا كل برج منها خمس ~~طبقات، كل طبقة مملوءة من المقاتلة، وقد جمعوا أخشابها من الجزائر، فإن مثل ~~هذه الأبراج العظيمة لا يصلح لها من الخشب إلا القليل النادر، وغشوها ~~بالجلود والخل والطين والأدوية التي تمنع النار من إحراقها، وأصلحوا الطرق ~~لها، وقدموها نحو مدينة عكا من ثلاث جهات، وزحفوا بها في العشرين من ربيع ~~الأول، فأشرفت على السور، وقاتل من بها من عليه، فانكشفوا، وشرعوا في طم ~~خندقها، فأشرف البلد على أن يملك عنوة وقهرا. فأرسل أهله إلى صلاح الدين ~~إنسانا سبح في البحر، فأعلمه ما هم فيه من الضيق، وما قد أشرفوا عليه من ~~أخذهم وقتلهم، فركب هو وعساكره وتقدموا إلى الفرنج وقاتلوهم من جميع جهاتهم ~~قتالا عظيما دائما يشغلهم عن مكاثرة البلد، فافترق الفرنج فرقتين: فرقة ~~تقاتل صلاح الدين، وفرقة تقاتل أهل عكا، إلا أن الأمر قد خف عمن بالبلد، ~~ودام القتال ثمانية أيام متتابعة، آخرها الثامن والعشرون من الشهر، وسئم ms4271 ~~الفريقان القتال، وملوا منه لملازمته ليلا ونهارا، والمسلمون قد تيقنوا ~~استيلاء الفرنج على البلد، لما رأوا من عجز من فيه عن دفع الأبراج، فإنهم ~~لم يتركوا حيلة إلا وعملوها، فلم يفد ذلك ولم يغن عنهم شيئا، وتابعوا رمي ~~النفط الطيار عليها، فلم يؤثر فيها، فأيقنوا بالبوار والهلاك، فأتاهم الله ~~بنصر من عنده وإذن في إحراق الأبراج. وكان سبب ذلك أن إنسانا من أهل دمشق ~~كان مولعا بجمع آلات النفاطين، وتحصيل عقاقير تقوي عمل النار، فكان من ~~يعرفه يلومه على ذلك وينكره عليه، وهو يقول: هذه حالة لا أباشرها بنفسي ~~إنما أشتهي معرفتها، وكان بعكا لأمر يريده الله، فلما رأى الأبراج قد نصبت ~~على عكا شرع في عمل ما يعرفه من الأدوية المقوية للنار، بحيث لا يمنعها شيء ~~من الطين والخل وغيرهما، فلما فرغ منها حضر عند الأمير قراقوش، وهو متولي ~~الأمور بعكا والحاكم فيها، وقال له: تأمر المنجنيقي أن يرمي في المنجنيق ~~المحاذي لبرج من هذه الأبراج ما أعطيه حتى أحرقه. PageV05P0196 # وكان عند قراقوش من الغيظ والخوف على البلد ومن فيه ما يكاد يقتله، ~~فازداد غيظا بقوله وحرد عليه، فقال له: قد بالغ أهل هذه الصناعة في الرمي ~~بالنفط وغيره فلم يفلحوا؛ فقال له من حضر: لعل الله تعالى قد جعل الفرنج ~~على يد هذا، ولا يضرنا أن نوافقه على قوله؛ فأجابه إلى ذلك، وأمر المنجنيقي ~~بامتثال أمره، فرمى عدة قدور نفطا وأدوية ليس فيها نار، فكان الفرنج إذا ~~رأوا القدر لا يحرق شيئا يصيحون، ويرقصون، ويلعبون على سطح البرج، حتى إذا ~~علم أن الذي ألقاه قد تمكن من البرج، ألقى قدرا مملوءة وجعل فيها النار ~~فاشتعل البرج، وألقى قدرا ثانية وثالثة، فاضطرمت النار في نواحي البرج، ~~وأعجلت من في طبقاته الخمس عن الهرب والخلاص، فاحترق هو ومن فيه، وكان فيه ~~من الزرديات والسلاح شيء كثير. وكان طمع الفرنج بما رأوا أن القدور الأولى ~~لا تعمل شيئا يحملها على الطمأنينة وترك السعي في الخلاص، حتى عجل الله لهم ~~النار في ms4272 الدنيا قبل الآخرة، فلما احترق البرج الأول انتقل إلى الثاني، وقد ~~هرب من فيه لخوفهم، فأحرقه، وكذلك الثالث، وكان يوما مشهودا لم ير الناس ~~مثله، والمسلمون ينظرون ويفرحون، وقد أسفرت وجوههم بعد الكآبة فرحا بالنصر ~~وخلاص المسلمين من القتل لأنهم ليس فيهم أحد ألا وله في البلد إما نسيب ~~وإما صديق. وحمل ذلك الرجل إلى صلاح الدين فبذل له الأموال الجزيلة ~~والإقطاع الكثير فلم يقبل منه الحبة الفرد، وقال: إنما عملته لله تعالى، ~~ولا أريد الجزاء إلا منه. وسيرت الكتب إلى البلاد بالبشائر، وأرسل يطلب ~~العساكر الشرقية، فأول من أتاه عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي، وهو صاحب ~~سنجار وديار الجزيرة، ثم أتاه علاء الدين ولد عز الدين مسعود بن مودود بن ~~زنكي، سيره أبوه مقدما على عسكره وهو صاحب الموصل، ثم وصل زين الدين يوسف ~~صاحب إربل؛ وكان كل منهم إذا وصل يتقدم إلى الفرنج بعسكره، وينضم إليه ~~غيرهم، ويقاتلونهم، ثم ينزلون. ووصل الأسطول من مصر، فلما سمع الفرنج بقربه ~~منهم جهزوا إلى طريقه أسطولا ليلقاه ويقاتله، فركب صلاح الدين في العساكر ~~جميعها، وقاتلهم من جهاتهم ليشتغلوا بقتاله عن قتال الأسطول ليتمكن من دخول ~~عكا، فلم يشتغلوا عن قصده بشيء، فكان القتال بين الفريقين برا وبحرا، وكان ~~يوما مشهودا لم يؤرخ مثله، وأخذ المسلمون من الفرنج مركبا بما فيه من ~~الرجال والسلاح، وأخذ الفرنج من المسلمين مثل ذلك، إلا أن القتل في الفرنج ~~كان أكثر منه في المسلمين، ووصل الأسطول الإسلامي سالما. ### || AUT ذكر وصول ملك الألمان إلى الشام # في هذه السنة خرج ملك الألمان من بلاده، وهم نوع من الفرنج، من أكثرهم ~~عددا، وأشدهم بأسا، وكان قد أزعجه ملك الإسلام البيت المقدس، فجمع عساكره، ~~وأزاح علتهم، وسار عن بلاده وطريقه على القسطنطينية، فأرسل ملك الروم بها ~~إلى صلاح الدين يعرفه الخبر ويعد أنه لا يمكنه من العبور في بلاده. فلما ~~وصل ملك الألمان إلى القسطنطينة عجز ملكها عن منعه من العبور لكثرة جموعه، ~~لكنه منع عنهم الميرة، ms4273 ولم يمكن أحدا من رعيته من حمل ما يريدونه إليهم، ~~فضاقت بهم الأزواد والأقوات، وساروا حتى عبروا خليج القسطنطينية، وصاروا ~~على أرض بلاد الإسلام، وهي مملكة الملك قلج أرسلان ابن مسعود بن سليمان بن ~~قتلمش بن سلجق. فلما وصلوا إلى أوائلها ثار بهم التركمان الأوج، فما زالوا ~~يسايرونهم ويقتلون من انفرد ويسرقون ما قدروا عليه، وكان الزمان شتاء ~~والبرد يكون في تلك البلاد شديدا، والثلج متراكما، فأهلكهم البرد والجوع ~~والتركمان فقل عددهم. PageV05P0197 # فلما قاربوا مدينة قونية خرج إليهم الملك قطب الدين ملكشاه بن قلج أرسلان ~~ليمنعهم، فلم يكن له بهم قوة، فعاد إلى قونية وبها أبوه قد حجر ولده ~~المذكور عليه، وتفرق أولاده في بلاده، وتغلب كل واحد منهم على ناحية منها، ~~فلما عاد عنهم قطب الدين أسرعوا السير في أثره، فنازلوا قونية، وأرسلوا إلى ~~قلج أرسلان هدية وقالوا له: ما قصدنا بلادك ولا أردناها، وإنما قصدنا البيت ~~المقدس؛ وطلبوا منه أن يأذن لرعيته في إخراج ما يحتاجون إليه من قوت وغيره، ~~فأذن في ذلك، فأتاهم ما يريدون، فشبعوا، وتزودوا، وساروا؛ ثم طلبوا من قطب ~~الدين أن يأمر رعيته بالكف عنهم، وأن يسلم إليهم جماعة من أمرائه رهائن، ~~وكان يخافهم، فسلم إليهم نيفا وعشرين أميرا كان يكرههم، فساروا بهم معهم ~~ولم يمتنع اللصوص وغيرهم من قصدهم والتعرض إليهم، فقبض ملك الألمان على من ~~منعه من الأمراء وقيدهم، فمنهم من هلك في أسره، ومنهم من فدى نفسه. وسار ~~ملك الألمان حتى أتى بلاد الأرمن وصاحبها لافون بن اصطفانة بن ليون، فأمدهم ~~بالأقوات والعلوفات، وحكمهم في بلاده، وأظهر الطاعة لهم، ثم ساروا نحو ~~أنطاكية، وكان في طريقهم نهر، فنزلوا عنده، ودخل ملكهم إليه ليغتسل، فغرق ~~في مكان منه لا يبلغ الماء وسط الرجل وكفى الله شره. وكان معه ولد له، فصار ~~ملكا بعده، وسار إلى أنطاكية، فاختلف أصحابه عليه، فأحب بعضهم العود إلى ~~بلاده، فتخلف عنه، وبعضهم مال إلى تمليك أخ له، فعاد أيضا، وسار فيمن صحت ~~نيته له، فعرضهم، وكانوا نيفا ms4274 وأربعين ألفا، ووقع فيهم الوباء والموت، ~~فوصلوا إلى أنطاكية وكأنهم قد نبشوا من القبور، فتبرم بهم صاحبها، وحسن لهم ~~المسير إلى الفرنج الذين على عكا، فساروا على جبلة ولاذقية وغيرهما من ~~البلاد التي ملكها المسلمون، وخرج أهل حلب وغيرها إليهم، وأخذوا منهم خلقا ~~كثيرا، ومات أكثر ممن أخذ، فبلغوا طرابلس، وأقاموا بها أياما، فكثر فيهم ~~الموت، فلم يبق منهم إلا نحو ألف رجل، فركبوا في البحر إلى الفرنج الذين ~~على عكا، ولما وصولا ورأوا ما نالهم في طريقهم وما هم فيه من الاختلاف ~~عادوا إلى بلادهم فغرقت بهم المراكب ولم ينج منهم أحد. وكان الملك قلج ~~أرسلان يكاتب صلاح الدين بأخبارهم، ويعده أنه يمنعهم من العبور في بلاده، ~~فلما عبروها وخلفوها أرسل يعتذر بالعجز عنهم، لأن أولاده حكموا عليه، ~~وحجروا عليه، وتفرقوا عنه، وخرجوا عن طاعته. وأما صلاح الدين عند وصول ~~الخبر بعبور ملك الألمان، فإنه استشار أصحابه، فأشار كثير منهم عليه ~~بالمسير إلى طريقهم ومحاربتهم قبل أن يتصلوا بمن على عكا، فقال: بل نقيم ~~إلى أن يقربوا منا، وحينئذ نفعل ذلك لئلا يستسلم من بعكا من عساكرنا؛ لكنه ~~سير بعض من عنده من العساكر، منها عسكر حلب وجبلة ولاذقية وشيزر وغير ذلك، ~~إلى أعمال حلب ليكونوا في أطراف البلاد يحفظونها من عاديتهم، وكان حال ~~المسلمين كما قال الله عز وجل: (إذ جاءكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت ~~الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلى المؤمنون ~~وزلزلوا زلزالا شديدا) الأحزاب 10 - 11، فكفى الله شرهم ورد كيدهم في ~~نحرهم. ومن شدة خوفهم أن بعض أمراء صلاح الدين كان له ببلد الموصل قرية، ~~وكان أخي، رحمه الله، يتولاها، فحصل دخلها من حنطة وشعير وتبن، فأرسل إليه ~~في بيع الغلة، فوصل كتابه يقول: لا تبع الحبة الفرد، واستكثر لنا من التبن؛ ~~ثم بعد ذلك وصل كتابه يقول: تبيع الطعام فما بنا حاجة إليه، ثم إن ذلك ~~الأمير قدم الموصل، فسألناه عن المنع من بيع الغلة، ثم الإذن فيها بعد ms4275 مدة ~~يسيرة، فقال: لما وصلت الأخبار بوصول ملك الألمان أيقنا أننا ليس لنا ~~بالشام مقام، فكتبت بالمنع من بيع الغلة لتكون ذخيرة لنا إذا جئنا إليكم، ~~فلما أهلكهم الله تعالى وأغنى عنها كتبت ببيعها والانتفاع بثمنها. ### || AUT ذكر وقعة للمسلمين والفرنج على عكا # PageV05P0198 # وفي هذه السنة، في العشرين من جمادى الآخرة، خرجت الفرنج فأرسلها وراجلها ~~من وراء خنادقهم، وتقدموا إلى المسلمين، وهم كثير لا يحصى عددهم، وقصدوا ~~نحو عسكر مصر، ومقدمهم الملك العادل أبو بكر بن أيوب، وكان المصريون قد ~~ركبوا واصطفوا للقاء الفرنج، فالتقوا، واقتتلوا قتالا شديدا، فانحاز ~~المصريون عنهم، ودخل الفرنج خيامهم، ونهبوا أموالهم، فعطف المصريون عليهم، ~~فقاتلوهم من وسط خيامهم فأخرجوهم عنها، وتوجهت طائفة من المصريين نحو خنادق ~~الفرنج، فقطعوا المدد عن أصحابهم الذين خرجوا، وكانوا متصلين كالنمل، فلما ~~انقطعت أمدادهم ألقوا بأيديهم، وأخذتهم السيوف من كل ناحية فلم ينج منهم ~~إلا الشريد، وقتل منهم مقتلة عظيمة، يزيد عدد القتلى على عشرة آلاف قتيل. ~~وكانت عساكر الموصل قريبة من عسكر مصر، وكان مقدمهم علاء الدين خرمشاه بن ~~عز الدين مسعود صاحب الموصل، فحملوا أيضا على الفرنج، وبالغوا في قتالهم، ~~ونالوا منهم نيلا كثيرا، هذا جميعه، ولم يباشر القتال أحد من الحلقة التي ~~مع صلاح الدين، ولا أحد من الميسرة، وكان بها عماد الدين زنكي، صاحب سنجار، ~~وعسكر إربل وغيرهم. ولما جرى على الفرنج هذه الحادثة خمدت جمرتهم، ولانت ~~عريكتهم، وأشار المسلمون على صلاح الدين بمباكرتهم القتال، ومناجزتهم وهم ~~على هذه الحال من الهلع والجزع، فاتفق أنه وصله من الغد كتاب من حلب يخبر ~~فيه بموت ملك الألمان، وما أصاب أصحابه من الموت والقتل والأسر، وما صار ~~أمرهم إليه من القلة والذلة، واشتغل المسلمون بهذه البشرى والفرح بها عن ~~قتال من بإزائهم، وظنوا أن الفرنج إذا بلغهم هذا الخبر ازدادوا وهنا على ~~وهنهم وخوفا على خوفهم؛ فلما كان بعد يومين أتت الفرنج أمداد في البحر مع ~~كند كبير من الكنود البحرية يقال له الكند هري ابن أخي ملك ms4276 إفرنسيس لأبيه، ~~وابن أخي ملك انكلتار لأمه، ووصل معه من الأموال شيء كثير يفوق الإحصاء، ~~فوصل إلى الفرنج، فجند الأجناد، وبذل الأموال فعادت نفوسهم فقويت واطمأنت، ~~وأخبرهم أن الأمداد واصلة إليهم يتلو بعضها بعضا، فتماسكوا وحفظوا مكانهم، ~~ثم أظهروا أنهم يريدون الخروج إلى لقاء المسلمين وقتالهم، فانتقل صلاح ~~الدين من مكانه إلى الخروبة في السابع والعشرين من جمادى الآخرة، ليتسع ~~المجال، وكانت المنزلة قد أنتنت بريح القتلى. ثم إن الكند هري نصب منجنيقا ~~ودبابات وعرادات، فخرج من بعكا من المسلمين فأخذوها، وقتلوا عندها كثيرا من ~~الفرنج؛ ثم إن الكند هري بعد أخذ مجانيقه أراد أن ينصب منجنيقا، فلم يتمكن ~~من ذلك لأن المسلمين بعكا كانوا يمنعون من عمل ستائر يستتر بها من يرمي من ~~المنجنيق، فعمل تلا من تراب بالبعد من البلد. ثم إن الفرنج كانوا ينقلون ~~التل إلى البلد بالتدريج، ويستترون به، ويقربونه إلى البلد، فلما صار من ~~البلد بحيث يصل من عنده حجر منجنيق، نصبوا وراءه منجنيقين، وصار التل سترة ~~لهما، وكانت الميرة قد قلت بعكا، فأرسل صلاح الدين إلى الإسكندرية يأمرهم ~~بإنفاذ الأقوات واللحوم وغير ذلك في المراكب إلى عكا، فتأخر إنفاذها، فسير ~~إلى نائبه بمدينة بيروت في ذلك، فسير بطسة عظيمة مملوءة من كل ما يريدونه، ~~وأمر من بها فلبسوا ملبس الفرنج وتشبهوا بهم ورفعوا عليها الصلبان، فلما ~~وصلوا إلى عكا لم يشك الفرنج أنها لهم، فلم يتعرضوا لها، فلما حاذت ميناء ~~عكا أدخلها من بها، ففرح بها المسلمون، وانتعشوا وقيت نفوسهم، وتبلغوا بما ~~فيها إلى أن أتتهم الميرة من الإسكندرية. وخرجت ملكة من الفرنج من داخل ~~البحر في نحو ألف مقاتل، فأخذت بنواحي الإسكندرية، وأخذ من معها، ثم إن ~~الفرنج وصلهم كتاب من بابا، وهو كبيرهم الذي يصدرون عن أمره، وقوله عندهم ~~كقول النبيين لا يخالف، والمحروم عندهم من حرمه، والمقرب من قربه، وهو صاحب ~~رومية الكبرى، يأمرهم بملازمة ما هم بصدده، ويعلمهم أنه قد أرسل إلى جميع ~~الفرنج يأمرهم بالمسير إلى نجدتهم برا وبحرا، ms4277 ويعلمهم بوصول الأمداد إليهم، ~~فازدادوا قوة وطمعا. ### || AUT ذكر خروج الفرنج من خنادقهم # PageV05P0199 # لما تتابعت الأمداد إلى الفرنج، وجند لهم الكند هري جمعا كثيرا بالأموال ~~التي وصلت معه عزموا على الخروج من خنادقهم ومناجزة المسلمين، فتركوا على ~~عكا من يحصرها ويقاتل أهلها، وخرجوا، حادي عشر شوال، في عدد كالرمل كثرة ~~وكالنار جمرة؛ فلما رأى صلاح الدين ذلك نقل أثقال المسلمين إلى قيمون، وهو ~~على ثلاثة فراسخ عن عكا، وكان قد عاد إليه من فرق من عساكره لما هلك ملك ~~الألمان، ولقي الفرنج على تعبئة حسنة. وكان أولاده الأفضل علي والظاهر غازي ~~والظافر مما يلي القلب، وأخوه العادل أبو بكر في الميمنة، ومعه عساكر مصر ~~ومن انضم إليهم، وكان في الميسرة عماد الدين، صاحب سنجار، وتقي الدين، صاحب ~~حماة، ومعز الدين سنجر شاه، صاحب جزيرة ابن عمر، مع جماعة من أمرائه، واتفق ~~أن صلاح الدين أخذه مغس كان يعتاده، فنصب له خيمة صغيرة على تل مشرف على ~~العسكر، ونزل فيها ينظر إليهم، فسار الفرنج، شرقي نهر هناك، حتى وصلوا إلى ~~رأس النهر، فشاهدوا عساكر الإسلام وكثرتها، فارتاعوا لذلك، ولقيهم ~~الجالشية، وأمطروا عليهم من السهام ما كاد يستر الشمس، فلما رأوا ذلك ~~تحولوا إلى غربي النهر، ولزمهم الجالشية يقاتلونهم، والفرنج قد تجمعوا، ~~ولزم بعضهم بعضا، وكان غرض الجالشية أن تحمل الفرنج عليهم، فيلقاهم ~~المسلمون ويلتحم القتال، فيكون الفصل، ويستريح الناس، وكان الفرنج قد ندموا ~~على مفارقة خنادقهم، فلزموا مكانهم، وباتوا ليلتهم تلك. فلما كان الغد ~~عادوا نحو عكا ليعتصموا بخندقهم، والجالشية في أكتافهم يقاتلونهم تارة ~~بالسيوف وتارة بالرماح وتارة بالسهام، وكلما قتل من الفرنج قتيل أخذوه معهم ~~لئلا يعلم المسلمون ما أصابهم، فلولا ذلك الألم الذي حدث بصلاح الدين لكانت ~~هي الفصيل، وإنما لله أمر هو بالغه، فلما بلغ الفرنج خندقهم، ولم يكن لهم ~~بعدها ظهور منه، عاد المسلمون إلى خيامهم، وقد قتلوا من الفرنج خلقا كثيرا. ~~وفي الثالث والعشرين من شوال أيضا كمن جماعة من المسلمين، وتعرض للفرنج ~~جماعة أخرى، فخرج ms4278 إليهم أربع مائة فارس، فقاتلهم المسلمون شيئا من قتال، ~~وتطاردوا لهم، وتبعهم الفرنج حتى جازوا الكمين، فخرجوا عليهم فلم يفلت منهم ~~أحد. واشتد الغلاء على الفرنج، حتى بلغت غرارة الحنطة أكثر من مائة دينار ~~صوري، فصبروا على هذا، وكان المسلمون يحملون إليهم الطعام من البلدان منهم ~~الأمير أسامة، مستحفظ بيروت، كان يحمل الطعام وغيره؛ ومنهم سيف الدين علي ~~بن أحمد المعروف بالمشطوب، كان يحمل من صيدا أيضا إليهم؛ وكذلك من عسقلان ~~وغيرها، ولولا ذلك لهلكوا جوعا خصوصا في الشتاء عند انقطاع مراكبهم عنهم ~~لهياج البحر. ### || AUT ذكر تسيير البدل إلى عكا والتفريط فيه حتى أخذت # لما هجم الشتاء، وعصفت الرياح، خاف الفرنج على مراكبهم التي عندهم لأنها ~~لم تكن في الميناء، فسيروها إلى بلاد صور والجزائر، فانفتح الطريق إلى عكا ~~في البحر، فأرسل أهلها إلى صلاح الدين يشكون الضجر والملل والسآمة، وكان ~~بها الأمير حسام الدين أبو الهيجاء السمين مقدما على جندها، فأمر صلاح ~~الدين بإقامة البدل وإنفاذه إليها، وإخراج من فيها، وأمر أخا الملك العادل ~~بمباشرة ذلك، فانتقل إلى جانب البحر، ونزل تحت جبل حيفا، وجمع المراكب ~~والشواني، وكلما جاءه جماعة من العسكر سيرهم إليها، وأخرج عوضهم، فدخل ~~إليها عشرون أميرا، وكان بها ستون أميرا، فكان الذين دخلوا قليلا بالنسبة ~~إلى الذين خرجوا، وأهمل نواب صلاح الدين تجنيد الرجال وإنفاذهم. وكان على ~~خزانة ماله قوم من النصارى، وكانوا إذا جاءهم جماعة قد جندوا تعنتوهم ~~بأنواع شتى، تارة بإقامة معرفة، وتارة بغير ذلك، فتفرق بهذا السبب خلق ~~كثير، وانضاف إلى ذلك تواني صلاح الدين ووثوقه بنوابه، وإهمال النواب، ~~فانحسر الشتاء والأمر كذلك، وعادت مراكب الفرنج إلى عكا وانقطع الطريق إلا ~~من سابح يأتي بكتاب. PageV05P0200 # وكان من جملة الأمراء الذين دخلوا إلى عكا سيف الدين علي بن أحمد ~~المشطوب، وعز الدين أرسل مقدم الأسدية بعد جاولي وابن جاولي، وغيرهم، وكان ~~دخولهم عكا أول سنة سبع وثمانين، وكان قد أشار جماعة على صلاح الدين بأن ~~يرسل إلى من بعكا النفقات الواسعة والذخائر ms4279 والأقوات الكثيرة، ويأمرهم ~~بالمقام، فإنهم قد جربوا وتدربوا واطمأنت نفوسهم على ما هم فيه، فلم يفعل، ~~وظن فيهم الضجر والملل، وأن ذلك يحملهم على العجز والفشل، فكان الأمر بالضد. ### || AUT ذكر وفاة زين الدين يوسف صاحب إربل ومسير أخيه مظفر الدين إليها # كان زين الدين يوسف بن زين الدين علي، صاحب إربل، قد حضر عند صلاح الدين ~~بعساكره، فمرض ومات ثامن عشر شهر رمضان، وذكر العماد الكاتب في كتابه البرق ~~الشامي قال: جئنا إلى مظفر الدين نعزيه بأخيه، وظننا به الحزن، وليس له أخ ~~غيره، ولا ولد يشغله عنه، فإذا هو في شغل شاغل عن العزاء، مهتم بالاحتياط ~~على ما خلفه، وهو جالس في خيام أخيه المتوفي، وقد قبض على جماعة من أمرائه، ~~واعتقلهم، وعجل عليهم، وما أغفلهم، منهم بلداجي، صاحب قلعة خفتيذكان، وأرسل ~~إلى صلاح الدين يطلب منه إربل لنزل عن حران والرها، فأقطعه إياها، وأضاف ~~إليها شهرزور وأعمالها ودربند قرابلي، وبنيث قفجاق؛ ولما مات زين الدين ~~كاتب من كان بإربل مجاهد الدين قايماز لهواهم فيه، وحسن سيرته فيهم، وطلبوه ~~إليهم لملكوه، فلم يجسر هو ولا صاحبه عز الدين أتابك مسعود بن مودود على ~~ذلك، خوفا من صلاح الدين. وكان أعظم الأسباب في تركها أن عز الدين كان قد ~~قبض على مجاهد الدين، فتمكن زين الدين من إربل، ثم إن عز الدين أخرج مجاهد ~~الدين من القبض، وولاه نيابته، وقد ذكرنا ذلك أجمع. فلما ولاه النيابة عنه ~~لم يمكنه، وجعل معه إنسانا كان من بعض غلمان مجاهد الدين، فكان يشاركه في ~~الحكم ويحل عليه ما يعقده، فلحق مجاهد الدين من ذلك غيظ شديد، فلما طلب إلى ~~إربل قال لمن يثق به: لا أفعل لئلا يحكم فيها فلان، ويكف يدي عنها؛ فجاء ~~مظفر الدين إليها وملكها، وبقي غصة في حلق البيت الأتابكي لا يقدرون على ~~إساغتها. وسنذكر ما اعتمده معهم مرة بعد أخرى، إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر ملك الفرنج مدينة شلب # ### || AUT وعودها إلى المسلمين # في هذه السنة ms4280 ملك ابن الرنك، وهو من ملوك الفرنج، غرب بلاد الأندلس، ~~مدينة شلب وهي من كبار مدن المسلمين بالأندلس، واستولى عليها، فوصل الخبر ~~بذلك إلى الأمير أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، صاحب الغرب ~~والأندلس، فتجهز في العساكر الكثيرة وسار إلى الأندلس، وعبر المجاز، وسير ~~طائفة كثيرة من عسكره في البحر، ونازلها وحصرها، وقاتل من بها قتالا شديدا، ~~حتى ذلوا وسألوا الأمان فأمنهم وسلموا البلد وعادوا إلى بلادهم. وسير جيشا ~~من الموحدين ومعهم جمع من العرب إلى بلاد الفرنج، ففتحوا أربع مدن كان ~~الفرنج قد ملكوها قبل ذلك بأربعين سنة، وفتكوا في الفرنج، فخافهم ملك ~~طليطلة من الفرنج، وأرسل يطلب الصلح، فصالحه خمس سنين، وعاد أبو يوسف إلى ~~مراكش، وامتنع من هذه الهدنة طائفة منالفرنج لم يرضوها ولا أمكنهم إظهار ~~الخلاف، فبقوا متوقفين حتى دخلت سنة تسعين وخمسمائة، فتحركوا. وسنذكر خبرهم ~~هناك، إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر الحرب بين غياث الدين وسلطان شاه بخراسان # كان سلطان شاه أخو خوارزم شاه قد تعرض إلى بلاد غياث الدين ومعز الدين ~~ملكي الغورية، من خراسان، فتجهز غياث الدين وخرج من فيروزكوه إلى خراسان ~~سنة خمس وثمانين وخمسمائة، فبقي يتردد بين بلاد الطالقان، وبنجده، ومرو، ~~وغيرها يريد حرب سلطان شاه، فلم يزل كذلك إلى أن دخلت سنة ست وثمانين، فجمع ~~سلطان شاه عساكره وقصد غياث الدين، فتصافا واقتتلا، فانهزم سلطان شاه، وأخذ ~~غياث الدين بعض بلاده وعاد إلى غزنة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV05P0201 # في هذه السنة، في ربيع الأول، تسلم الخليفة الناصر لدين الله حديثة عانة، ~~وكان سير إليها جيشا حصروها سنة خمس وثمانين فقاتلوا عليها قتالا شديدا، ~~ودام الحصار، وقتل من الفريقين خلق كثير، فلما ضاقت عليهم الأقوات سلموها ~~على أقطاع عينوها، ووصل صاحبها وأهلها إلى بغداد وأعطوا أقطاعا ثم تفرقوا ~~في البلاد واشتدت الحاجة بهم حتى رأيت بعضهم وإنه ليتعرض بالسؤال وبعض خدم ~~الناس، ونعوذ بالله من زوال نعمته وتحول عافيته. وفي هذه السنة توفي مسعود ~~بن النادر الصفار ببغداد، ms4281 وكان مكثرا من الحديث، حسن الخط، خيرا ثقة. وفيها ~~توفي أبو حامد محمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري بالموصل، وكان ~~قاضيها، وقبلها ولي قضاء حلب وجميع الأعمال بها، وكان رئيسا جوادا ذا مروءة ~~عظيمة، يرجع إلى دين وأخلاق جميلة. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وثمانين وخمسمائة # ### || AUT ذكر حصر عز الدين صاحب الموصل الجزيرة # في هذه السنة، في ربيع الأول، سار أتابك عز الدين مسعود بن مودود ابن ~~زنكي صاحب الموصل إلى جزيرة ابن عمر، فحصرها، وكان بها صاحبها سنجر شاه بن ~~سيف الدين غازي بن مودود، وهو ابن أخي عز الدين. وكان سبب حصره أن سنجر شاه ~~كان كثير الأذى لعمه عز الدين، والشناعة عليه، والمراسلة إلى صلاح الدين في ~~حقه، تارة يقول إنه يريد قصد بلادك، وتارة يقول إنه يكاتب أعداءك ويحثهم ~~على قصدك، إلى غير ذلك من الأمور المؤذية، وعز الدين يصبر منه على ما يكره ~~لأمور تارة للرحم، وتارة خوفا من تسليمها إلى صلاح الدين؛ فلما كان في ~~السنة الماضية سار صاحبها إلى صلاح الدين، وهو على عكا، في جملة من سار من ~~أصحابه الأطراف، وأقام عنده قليلا، وطلب دستورا للعود إلى بلده، فقال له ~~صلاح الدين: عندنا من أصحاب الأطراف جماع منهم عماد الدين، صاحب سنجار ~~وغيرها، وهو أكبر منك، ومنهم ابن عمك عز الدين، وهو أصغر منك، وغيرهم، ومتى ~~فتحت هذا الباب اقتدى بك غيرك؛ فلم يلتفت إلى قوله، وأصر على ذلك. وكان عند ~~صلاح الدين جماعة من أهل الجزيرة يستغيثون على سنجر شاه لأنه ظلمهم، وأخذ ~~أموالهم وأملاكهم، فكان يخافه لهذا. ولم يزل في طلب الإذن في العود إلى ~~ليلة الفطر من سنة ست وثمانين، فركب تلك الليلة في السحر وجاء إلى خيمة ~~صلاح الدين أرسل يطلب الإذن عليه، وكان صلاح الدين قد بات محموما، وقد عرق، ~~فلم يمكن أن يأذن له، فبقي كذلك مترددا على باب خيمته إلى أن أذن له، فلما ~~دخل عليه هنأه بالعيد، وأكب عليه يودعه، ms4282 فقال له: ما علمنا بصحة عزمك على ~~الحركة، فتصبر علينا حتى نرسل ما جرت به العادة، فما يجوز أن تنصرف عنا، ~~بعد مقامك عندنا، على هذا الوجه. فلم يرجع وودعه وانصرف. وكان تقي الدين ~~عمر ابن أخي صلاح الدين قد أقبل من بلده حماة في عسكره، فكتب إليه صلاح ~~الدين يأمره بإعادة سنجر شاه طوعا أو كرها؛ فحكى له عن تقي الدين أنه قال: ~~ما رأيت مثل سنجر شاه، لقيته بعقبة فيق، فسألته عن سبب انصرافه، فغالطني، ~~فقلت له: سمعت بالحال، ولا يليق أن تنصرف بغير تشريف السلطان وهديته، فيضع ~~تعبك؛ وسألته العود فلم يصغ إلى قولي، فكلمني كأنني بعض مماليكه، فلما رأيت ~~ذلك منه قلت له: إن رجعت بالتي هي أحسن، وإلا أعدتك كارها؛ فنزل عن دابته ~~وأخذ ذيلي وقال: قد استجرت بك؛ وجعل يبكي، فعجبت من حماقته أولا، وذلته ~~ثانيا، فعاد معي. فلما عاد بقي عند صلاح الدين عدة أيام، وكتب صلاح الدين ~~إلى عز الدين أتابك يأمره بقصد الجزيرة، ومحاصرتها، وأخذها، وأنه يرسل إلى ~~طريق سنجر شاه ليقبض عليه إذا عاد؛ فخاف عز الدين أن صلاح الدين قد فعل ذلك ~~مكيدة ليشنع عليه بنكث العهد، فلم يفعل شيئا من ذلك بل أرسل إليه يقول: ~~أريد خطك بذلك ومنشورا منك بالجزيرة؛ فترددت الرسل في ذلك إلى أن انقضت سنة ~~ست وثمانين، ودخلت هذه السنة فاستقرت القاعدة بينهما، فسار عز الدين إلى ~~الجزيرة، فحصرها أربعة أشهر وأياما آخرها شعبان، ولم يملكها بل استقرت ~~القاعدة بينه وبين سنجر شاه على يد رسول صلاح الدين، فإنه كان قد أرسله بعد ~~قصدها يقول: إن صاحب سنجار، وصاحب إربل وغيرهما قد شفعا في سنجر شاه، ~~فاستقر الصلح على أن لعز الدين نصف أعمال الجزيرة، ولسنجر شاه نصفها، وتكون ~~الجزيرة بيد سنجر شاه من جملة النصف. PageV05P0202 # وعاد عز الدين في شعبان إلى الموصل، وكان صلاح الدين بعد ذلك يقول: ما ~~قيل لي عن أحد شيء من الشر فرأيته إلا كان دون ما يقال فيه، ms4283 إلا سنجر شاه، ~~فإنه كان يقال لي عنه شيئا استعظمتها، فلما رأيته صغر في عيني ما قيل فيه. ؟؟ ### || AUT ذكر عبور تقي الدين الفرات # ### || AUT وملكه حران وغيرها من البلاد الجزرية ومسيره إلى خلاط ومؤتة # في هذه السنة، في صفر، سار تقي الدين من الشام إلى البلاد الجزرية: حران ~~والرها، كان قد أقطعه إياها عمه صلاح الدين، بعد أخذها من مظفر الدين، ~~مضافا إلى ما كان له بالشام، وقرر معه أنه يقطع البلاد للجند، ويعود وهم ~~معه إليه ليتقوى بهم على الفرنج؛ فلما عبر الفرات، وأصلح حال البلاد، سار ~~إلى ميافارقين، وكانت له، فلما بلغها تجدد له طمع في غيرها من البلاد ~~المجاورة لها، فقصد مدينة حاني من ديار بكر، فحصرها وملكها، وكان في سبع ~~مائة فارس؛ فلما سمع سيف الدين بكتمر، صاحب خلاط، بملكه حاني جمع عساكره ~~وسار إليه، فاجتمعت عساكره أربعة آلاف فارس، فلما التقوا اقتتلوا فلم يثبت ~~عسكر خلاط لتقي الدين، بل انهزموا، وتبعهم تقي الدين، ودخل بلادهم. وكان ~~بكتمر قد قبض على مجد الدين بن رشيق، وزير صاحبه شاه أرمن، وسجنه في قلعة ~~هناك، فلما انهزم كتب إلى مستحفظ القلعة يأمره بقتل ابن رشيق، فوصل القاصد ~~وتقي الدين قد نازل القلعة، فأخذ الكتاب، وملك القلعة، وأطلق ابن رشيق، ~~وسار إلى خلاط فحصرها، ولم يكن في كثرة من العسكر فليم يبلغ منها غرضا، ~~فعاد عنها، وقصد ملازكرد وحصرها، وضيق على من بها، وطال مقامه عليها؛ فلما ~~ضاق عيهم الأمر طلبوا منه المهلة أياما ذكروها، فأجابهم إليها. ومرض تقي ~~الدين، فمات قبل انقضاء الأجل بيومين، وتفرقت العساكر عنها، وحمله ابنه ~~وأصحابه ميتا إلى ميافارقين، وعاد بكتمر فقوي أمره، وثبت ملكه بعد أن أشرف ~~على الزوال، وهذه الحادثة من الفرج بعد الشدة، فإن ابن رشيق نجا من القتل ~~وبكتمر نجا من أن يؤخذ. ### || AUT ذكر وصول الفرنج من الغرب في البحر إلى عكا # وفي هذه السنة وصلت أمداد الفرنج في البحر إلى الفرنج الذين على عكا، ~~وكان أول من ms4284 وصل منهم الملك فليب، ملك إفرنسيس، وهو من أشرف ملوكهم نسبا، ~~وإن كان ملكه ليس بالكثير، وان وصوله إليها ثاني عشر ربيع الأول، ولم يكن ~~في الكثرة التي ظنوها وإنما كان معه ست بطس كبار عظام فقويت به نفوس من على ~~عكا منهم، ولجوا في قتال المسلمين الذين فيها. وكان صلاح الدين على شفرعم، ~~فكان يركب كل يوم ويقصد الفرنج ليشغلهم بالقتال عن مزاحفة البلد، وأرسل إلى ~~الأمير أسامة، مستحفظ بيروت، يأمره بتجهيز ما عنده من الشواني والمراكب ~~وتشحينها بالمقاتلة، وتسييرها في البحر ليمنع الفرنج من الخروج إلى عكا، ~~ففعل ذلك، وسير الشواني في البحر، فصادفت خمسة مراكب مملوءة رجالا من أصحاب ~~ملك انكلتار الفرنج، كان قد سيرهم بين يديه، وتأخر هو بجزيرة قبرس ليملكها، ~~فأقبلت شواني المسلمين مع مراكب الفرنج، فاستظهر المسلمون عليهم، وأخذوهم، ~~وغنموا ما معهم من قوت ومتاع ومال وأسروا الرجال. وكتب أيضا صلاح الدين إلى ~~من بالقرب من النواب له يأمرهم بمثل ذلك ففعلوا. وأما الفرنج الذين على ~~عكا، فإنهم لازموا قتال من بها، ونصبوا عليها سبعة مجانيق رابع جمادى ~~الأولى، فلما رأى صلاح الدين ذلك تحول من شفرعم، ونزل عليهم لئلا يتعب ~~العسكر كل يوم في المجيء إليهم والعود عنهم، فقرب منهم. وكانوا كلما تحركوا ~~للقتال ركب وقاتلهم من وراء خندقهم، فكانوا يشتغلون بقتالهم، فيخف القتال ~~عمن بالبلد. ثم وصل ملك انكلتار ثالث عشر جمادى الأولى. وكان قد استولى في ~~طريقه على جزيرة قبرس، وأخذها من الروم؛ فإنه لما وصل إليها غدر بصاحبها ~~وملكها جميعا، فكان ذلك زيادة في ملكه وقوة للفرنج؛ فلما فرغ منها سار عنها ~~إلى من على عكا من الفرنج، فوصل إليهم في خمس وعشرين قطعة كبارا مملوءة ~~رجالا وأموالا، فعظم به شر الفرنج، واشتدت نكايتهم في المسلمين. وكان رجل ~~زمانه شجاعة ومكرا وجلدا وصبرا، وبلي المسلمون منه بالداهية التي لا مثل ~~لها. PageV05P0203 # ولما وردت الأخبار بوصوله أمر صلاح الدين بتجهيز بطسة كبيرة مملوءة من ~~الرجال والعدة والقوت، فجهزت وسيرت من بيروت، ms4285 وفيها سبع مائة مقاتل، فلقيها ~~ملك إنكلتار مصادفة، فقاتلها، وصبر من فيها على قتالها، فلما أيسوا من ~~الخلاص نزل مقدم من بها إلى أسفلها، وهو يعقوب الحلبي مقدم الجندارية، يعرف ~~بغلام ابن شقين، فخرقها خرقا واسعا لئلا يظفر الفرنج بمن فيها وما معهم من ~~الذخائر، فغرق جميع ما فيها. وكانت عكا محتاجة إلى رجال لما ذكرناه من سبب ~~نقصهم، ثم إن الفرنج عملوا دبابات زحفوا بها فأحرق المسلمون بعضها وأخذوا ~~بعضها، ثم عملوا كباشا وزحفوا بها، فخرج المسلمون وقاتلوهم بظاهر البلد، ~~وأخذوا تلك الكباش، فلما رأى الفرنج أن ذلك جميعه لا ينفعهم عملوا تلا ~~كبيرا من التراب مستطيلا، وما زالوا يقربونه إلى البلد ويقاتلون من ورائه ~~لا ينالهم من البلد أذى، حتى صار على نصف علوه، فكانوا يستظلون به، ~~ويقاتلون من خلفه، فلم يكن للمسلمين فيه حيلة لا بالنار ولا بغيرها، فحينئذ ~~عظمت المصيبة على من بعكا من المسلمين، فأرسلوا إلى صلاح الدين يعرفونه ~~حالهم، فلم يقدر لهم على نفع. ### || AUT ذكر ملك الفرنج عكا # في يوم الجمعة، سابع عشر جمادى الآخرة، استولى الفرنج، لعنهم الله، على ~~مدينة عكا، وكان أول وهن دخل على من بالبلد أن الأمير سيف الدين علي بن ~~أحمد الهكاري، المعروف بالمشطوب، كان فيها، ومعه عدة من الأمراء كان هو ~~أمثلهم وأكبرهم، خرج إلى ملك إفرنسيس وبذل له تسليم البلد بما فيه على أن ~~يطلق المسلمين الذين فيه، ويمكنهم من اللحاق بسلطانهم، فلم يجبه إلى ذلك، ~~فعاد علي بن أحمد إلى البلد، فوهن من فيه، وضعفت نفوسهم، وتخاذلوا، وأهمتهم ~~أنفسهم. ثم إن أميرين ممن كان بعكا، لما رأوا ما فعلوا بالمشطوب، وأن ~~الفرنج لم يجيبوا إلى الأمان، اتخذوا الليل جملا، وركبوا في شيني صغير، ~~وخرجوا سرا من أصحابهم، ولحقوا بعسكر المسلمين، وهم عز الدين أرسل الأسدي، ~~وابن عز الدين جاولي، ومعهم غيرهم، فلما أصبح الناس ورأوا ذلك ازدادوا وهنا ~~إلى وهنهم، وضعفا إلى ضعفهم، وأيقنوا بالعطب. ثم إن الفرنج أرسلوا إلى صلاح ~~الدين في معنى تسليم ms4286 البلد، فأجابهم إلى ذلك، والشرط بينهم أن يطلق من ~~أسراهم بعدد من في البلد ليطلقوا هم من بعكا، وأن يسلم إليهم صليب الصلبوت، ~~فلم يقنعوا بما بذل، فأرسل إلى من بعكا من المسلمين يأمرهم أن يخرجوا من ~~عكا يدا واحدة ويسيروا مع البحر ويحملوا على العدو حملة واحدة، ويتركوا ~~البلد بما فيه، ووعدهم أنه يتقدم إلى تلك الجهة التي يخرجون منها بعساكره، ~~يقاتل الفرنج فيها ليلحقوا به، فشرعوا في ذلك، واشتغل كل منهم باستصحاب ما ~~يملكه، فما فرغوا من أشغالهم حتى أسفر الصبح، فبطل ما عزموا عليه لظهوره. ~~فلما أصبحوا عجز الناس عن حفظ البلد، وزحف إليهم الفرنج بحدهم وحديدهم، ~~فظهر من بالبلد على سوره يحركون أعلامهم ليراها المسلمون، وكانت هي العلامة ~~إذا حزبهم أمر، فلما رأى المسلمون ذلك ضجوا بالبكاء والعويل، وحملوا على ~~الفرنج من جميع جهاتهم ظنا منهم أن الفرنج يشتغلون عن الذين بعكا، وصلا ~~الدين يحرضهم، وهو في أولهم. وكان الفرنج قد زحفوا من خنادقهم ومالوا إلى ~~جهة البلد، فقرب المسلمون من خنادقهم، حتى كادوا يدخلونها عليهم ويضعون ~~السيف فيهم، فوقع الصوت فعاد الفرنج ومنعوا المسلمين، وتركوا في مقابلة من ~~بالبلد من يقاتلهم. فلما رأى المشطوب أن صلاح الدين لا يقدر على نفع، ولا ~~يدفع عنهم ضرا، خرج إلى الفرنج، وقرر معهم تسليم البلد، وخروج من فيه ~~بأموالهم وأنفسهم، وبذلك لهم عن ذلك مائتي ألف دينار وخمسمائة أسير من ~~المعروفين، وإعادة صليب الصلبوت، وأربعة عشر ألف دينار للمركيس صاحب صور، ~~فأجابوه إلى ذلك، وحلفوا له عليه، وأن تكون مدة تحصيل المال والأسرى إلى ~~شهرين. فلما حلفوا له سلم البلد إليهم، ودخلوه سلما، فلما ملكوه غدروا ~~واحتاطوا على من فيه من المسلمين وعلى أموالهم، وحبسوهم، وأظهروا أنهم ~~يفعلون ذلك ليصل إليهم ما بذل لهم، وراسلوا صلاح الدين في إرسال المال ~~والأسرى والصليب، حتى يطلقوا من عندهم، فشرع في جمع المال، وكان هو لا مال ~~له، إنما يخرج ما يصل إليه من دخل البلاد أولا بأول. PageV05P0204 # فلما اجتمع عنده ms4287 من المال مائة ألف دينار جمع الأمراء واستشارهم، فأشاروا ~~بأن لا يرسل شيئا حتى يعود فيستحلفهم على إطلاق أصحابه، وأن يضمن الداوية ~~ذلك، لأنهم أهل تدين يرون الوفاء. فراسلهم صلاح الدين في ذلك، فقال ~~الداوية: لا نحلف ولا نضمن لأننا نخاف غدر من عندنا؛ وقال ملوكهم: إذا ~~سلمتم إلينا المال والأسرى والصليب فلنا الخيار فيمن عندنا؛ فحينئذ علم صلا ~~الدين عزمهم على الغدر، فلم يرسل إليهم شيئا، وأعاد الرسالة إليهم، وقال: ~~نحن نسلم إليكم هذا المال والأسرى والصليب، ونعطيكم رهنا على الباقي، ~~وتطلقون أصحابنا، وتضمن الداوية الرهن، ويحلفون على الوفاء لهم؛ فقالوا: لا ~~نحلف، إنما ترسل إلينا المائة ألف دينار التي حصلت، والأسرى، والصليب، ونحن ~~نطلق من أصحابكم من نريد ونترك من نريد حتى يجيء باقي المال؛ فعلم الناس ~~حينئذ غدرهم، وإنما يطلقون غلمان العسكر والفقراء والأكراد ومن لا يؤبه له، ~~ويمسكون عندهم الأمراء وأرباب الأموال، يطلبون منهم الفداء، فلم يجبهم ~~السلطان إلى ذلك. فلما كان يوم الثلاثاء السابع والعشرين من رجب، ركب ~~الفرنج، وخرجوا إلى ظاهر البلد بالفارس والراجل، وركب المسلمون إليهم ~~وقصدوهم، وحملوا عليهم، فانكشفوا عن موقفهم، وإذا أكثر من كان عندهم من ~~المسلمين قتلى قد وضعوا فيهم السيف وقتلوهم واستبقوا الأمراء والمقدمين ومن ~~كان له مال، وقتلوا من سواهم من سوادهم وأصحابهم ومن لا مال له، فلما رأى ~~صلاح الدين ذلك تصرف في المال الذي كان جمعه، ورد الأسرى والصليب إلى دمشق. ### || AUT ذكر رحيل الفرنج إلى ناحية عسقلان # لما فرغ الفرنج، لعنهم الله، من إصلاح أمر عكا، برزوا منها في الثامن ~~والعشرين من رجب، وساروا مستهل شعبان نحو حيفا مع شاطئ البحر لا يفارقونه؛ ~~فلما سمع صلاح الدين برحيلهم نادى في عسكره بالرحيل فساروا. وكان على ~~اليزك، ذلك اليوم، الملك الأفضل ولد صلاح الدين، ومعه سيف الدين إيازكوش ~~وعز الدين جورديك، وعدة من شجعان الأمراء، فضايقوا الفرنج في مسيرهم، ~~وأرسلوا عليهم من السهام ما كاد يحجب الشمس، ووقعوا على ساقة الفرنج، ~~فقتلوا منها جماعة، وأسروا جماعة. ms4288 وأرسل الأفضل إلى والده يستمده ويعرفه ~~الحال، فأمر العساكر بالمسير إليه، فاعتذروا بأنهم ما ركبوا بأهبة الحرب، ~~وإنما كانوا على عزم المسير لا غير، فبطل المدد وعاد ملك الإنكلتار إلى ~~ساقة الفرنج، فحماها، وجمهم، وساروا حتى أتوا حيفا، فنزلوا بها، ونزل ~~المسلمون بقيمون، قرية بالقرب منهم، وأحضر الفرنج من عكا عوض من قتل منهم ~~وأسر ذلك اليوم، وعوض ما هلك من الخيل، ثم ساروا إلى قيسارية، والمسلمون ~~يسايرونهم ويتخطفون منهم من قدروا عليه فيقتلونه، لأن صلاح الدين كان قد ~~أقسم أنه لا يظفر بأحد منهم إلا قتله بمن قتلوا ممن بعكا. فلما قاربوا ~~قيسارية لاصقهم المسلمون، وقاتلوهم أشد قتال، فنالوا منهم نيلا كثيرا، ونزل ~~الفرنج بها، وبات المسلمون قريبا منهم، فلما نزلوا خرج من الفرنج جماعة ~~فأبعدوا عن جماعتهم، فأوقع بهم المسلمون الذين كانوا في اليزك، فقتلوا منهم ~~وأسروا، ثم ساروا من قيسارية إلى أرسوف، وكان المسلمون قد سبقوهم إليها، ~~ولم يمكنهم مسايرتهم لضيق الطريق، فلما وصل الفرنج إليهم حمل المسلمون علهم ~~حملة منكرة وألحقوهم بالبحر، ودخله بعضهم فقتل منهم كثير. فلما رأى الفرنج ~~ذلك اجتمعوا، وحملت الخيالة على المسلمين حملة رجل واحد، فولوا منهزمين لا ~~يلوي أحد على أحد. وكان كثير من الخيالة والسوقة قد ألفوا القيام وقت الحرب ~~قريبا من المعركة، فلما كان ذلك اليوم كانوا على حالهم، فلما انهزم ~~المسلمون عنهم قتل خلق كثير، والتجأ المنهزمون إلى القلب، وفيه صلاح الدين، ~~فلو علم الفرنج أنها هزيمة لتبعوهم واستمرت الهزيمة وهلك المسلمون، لكن كان ~~بالقرب من المسلمين شعرة كثيرة الشجر، فدخلوها وظنها الفرنج مكيدة، فعادوا، ~~وزال عنهم ما كانوا فيه من الضيق، وقتل من الفرنج كند كبير من طواغيتهم، ~~وقتل من المسلمين مملوك لصلاح الدين اسمه أياز الطويل، وهو من الموصوفين ~~بالشجاعة والشهامة لم يكن في زمانه مثله. فلما نزل الفرنج نزل المسلمون ~~وأعنة خيلهم بأيديهم، ثم سار الفرنج إلى يافا فنزلوها، ولم يكن بها أحد من ~~المسلمين، فملكوها. PageV05P0205 # ولما كان من المسلمين بأرسوف من الهزيمة ما ذكرناه، ms4289 سار صلاح الدين عنهم ~~إلى الرملة، واجتمع بأثقاله بها، وجمع الأمراء واستشارهم فيما يفعل، ~~فأشاروا عليه بتخريب عسقلان، وقالوا له: قد رأيت ما كان منا بالأمس، وإذا ~~جاء الفرنج إلى عسقلان ووقفنا في وجوههم نصدهم عنها فهم لا شك يقاتلوننا ~~لننزاح عنها فينزلوا عليها، فإذا كان ذلك عدنا إلى مثل ما كنا عليه على ~~عكا، ويعظم الأمر علينا، لأن العدو قد قوي بأخذ عكا وما فيها من الأسلحة ~~وغيرها، وضعفنا نحن بما خرج عن أيدينا، ولم تطل المدة حتى نستجد غيرها. فلم ~~تسمح نفسه بتخريبها، وندب الناس إلى دخولها وحفظها، فلم يجبه أحد إلى ذلك ~~وقالوا: إن أردت حفظها فادخل أنت معنا، أو بعض أولادك الكبار، وإلا فما ~~يدخلها منا أحد لئلا يصيبنا ما أصاب أهل عكا، فلما رأى الأمر كذلك سار إلى ~~عسقلان، وأمر بتخريبها، فخربت تاسع عشر شعبان، وألقيت حجارتها في البحر، ~~وهلك فيها من الأموال والذخائر التي للسلطان والرعية ما لا يمكن حصره، وعفى ~~أثرها حتى لا يبقى للفرنج في قصدها مطمع. ولما سمع الفرنج بتخريبها أقاموا ~~مكانهم ولم يسيروا إليها، وكان المركيس، لعنه الله، لما أخذ الفرنج عكا قد ~~أحس من ملك إنكلتار بالغدر به، فهرب من عنده إلى مدينة صور، وهي له وبيده، ~~وكان رجل الفرنج رأيا شجاعة، وكل هذه الحروب هو أثارها، فلما خربت عسقلان ~~أرسل إلى ملك إنكلتار يقول له: مثلك لا ينبغي أن يكون ملكا ويتقدم على ~~الجيوش، تسمع أن صلاح الدين قد خرب عسقلان وتقيم مكانك؟ يا جاهل، لما بلغك ~~أنه قد شرع في تخريبها كنت سرت إليه مجدا فرحلته وملكتها صفوا بغير قتال ~~ولا حصار، فإنه ما خربها إلا وهو عاجز عن حفظها. وحق المسيح لو أنني معك ~~كانت عسقلان اليوم بأيدينا لم يخرب منها غير برج واحد. فلما خربت عسقلان ~~رحل صلاح الدين عنها ثاني شهر رمضان، ومضى إلى الرملة فخربت حصنها وخب ~~كنيسة لد، وفي مدة مقامه لتخريب عسقلان كانت العساكر مع الملك العادل أبي ~~بكر بن أيوب ms4290 نجاه الفرنج، ثم سار صلا الدين إلى القدس بعد تخريب الرملة، ~~فاعتبره وما فيه من سلاح وذخائر، وقرر قواعده وأسبابه، وما يحتاج إليه، ~~وعاد إلى المخيم ثامن رمضان. وفي هذه الأيام خرج ملك إنكلتار من يافا، ومعه ~~نفر من الفرنج من معسكرهم، فوقع به نفر من المسلمين، فقاتلوهم قتالا شديدا، ~~وكاد ملك إنكلتار يؤسر، ففداه بعض أصحابه بنفسه، فتخلص الملك وأسر ذلك ~~الرجل. وفيها أيضا كانت وقعة بين طائفة من المسلمين وطائفة من الفرنج انتصر ~~فيها المسلمون. ### || AUT ذكر رحيل الفرنج إلى نطرون # لما رأى صلاح الدين أن الفرنج قد لزموا يافا ولم يفارقوها، وشرعوا في ~~عمارتها. رحل من منزلته إلى النطرون ثالث عشر رمضان، وخيم به، فراسله ملك ~~إنكلتار يطلب المهادنة، فكانت الرسل تتردد إلى الملك العادل أبي بكر بن ~~أيوب، أخي صلاح الدين، فاستقرت القاعدة أن ملك إنكلتار يزوج أخته من العادل ~~أبي بكر بن أيوب، أخي صلاح الدين، فاستقرت القاعدة أن ملك إنكلتار يزوج ~~أخته من العادل، ويكون القدس وما بأيدي المسلمين من بلاد الساحل للعادل، ~~وتكون عكا وما بيد الفرنج من البلاد لأخت ملك إنكلتار، مضافا إلى مملكة ~~كانت لها داخل البحر قد ورثتها من زوجها، وأن يرضى الداوية بما يقع الاتفاق ~~عليه، فعرض العادل ذلك على صلاح الدين، فأجاب إليه، فلما ظهر الخبر اجتمع ~~القسيسون، والأساقفة، والرهبان إلى أخت ملك إنكلتار وأنكروا عيها، فامتنعت ~~من الإجابة، وقيل كان المانع منه غير ذلك، والله أعلم. وكان العادل وملك ~~إنكلتار يجتمعان بعد ذلك ويتجاريان حديث الصلح، وطلب من العادل أن يسمعه ~~غناء المسلمين، فأحضر له مغنية تضرب بالجنك، فغنت له، فاستحسن ذلك، ولم يتم ~~بينهما صلح، وكان ملك إنكلتار يفعل ذلك خديعة ومكرا. PageV05P0206 # ثم إن الفرنج أظهروا العزم على قصد البيت المقدس، فسار صلاح الدين إلى ~~الرملة، جريدة، وترك الأثقال بالنطرون، وقرب من الفرنج، وبقي عشرين يوما ~~ينتظرهم، فلم يبرحوا، فكن بين الطائفتين، مدة المقام، عدة وقعات في كلها ~~ينتصر المسلمون على الفرنج، وعاد صلاح الدين إلى ms4291 النطرون، ورحل الفرنج من ~~يافا إلى الرملة ثالث ذي القعدة، على عزم قصد البيت المقدس، فقرب بعضهم من ~~بعض فعظم الخطب واشتد الحذر، فكان كل ساعة يقع الصوت في العسكرين بالنفير ~~فلقوا من ذلك شدة شديدة، وأقبل الشتاء، وحالت الأوحال والأمطار بينهما. ### || AUT ذكر مسير صلاح الدين إلى القدس # لما رأى صلاح الدين أن الشتاء قد هجم، والأمطار متوالية متتابعة، والناس ~~منها في ضنك وحرج، ومن شدة البرد ولبس السلاح والسهر في تعب دائم، وكان ~~كثير من العساكر قد طال بيكارها، فأذن لهم في العود إلى بلادهم للاستراحة ~~والإراحة، وسار هو إلى البيت المقدس فيمن بقي معه، فنزلوا جميعا داخل ~~البلد، فاستراحوا مما كانوا فيه، ونزل هو بدار الأقسا مجاور بيعة قمامة، ~~وقدم إليه عسكر من مصر مقدمهم الأمير أبو الهيجاء السمين، فقويت نفوس ~~المسلمين بالقدس. وسار الفرنج من الرملة إلى النطرون ثالث ذي الحجة، على ~~عزم قصد القدس، فكانت بينهم وبين يزك المسلمين وقعات، أسر المسلمون في وقعة ~~منها نيفا وخمسين فارسا من مشهوري الفرنج وشجعانهم، وكان صلاح الدين لما ~~دخل القدس أمر بعمارة سوره، وتجديد ما رث منه، فأحكم الموضع الذي ملك البلد ~~منه، وأتقنه، وأمر بحفر خندق خارج الفصيل، وسلم كل برج إلى أمير يتولى ~~عمله، فعمل ولده الأفضل من ناحية باب عمود إلى باب الرحمة، وأرسل أتابك عز ~~الدين مسعود، صاحب الموصل، جماعة من الحصاصين، ممن له في قطع الصخر اليد ~~الطولى، فعملوا له هناك برجا وبدنة، وكذلك جميع الأمراء. ثم إن الحجارة قلت ~~عند العمالين، فكان صلاح الدين، رحمه الله يركب وينقل الحجارة بنفسه على ~~دابته من الأمكنة البعيدة، فيقتدي به العسكر، فكان يجمع عنده ن العمالين في ~~اليوم الواحد ما يعملونه عدة أيام. ### || AUT ذكر عود الفرنج إلى الرملة # في العشرين من ذي الحجة عاد الفرنج إلى الرملة، وكان سبب عودهم أنهم ~~كانوا ينقلون ما يريدونه من الساحل، فلما أبعدوا عنه كان المسلمون يخرجون ~~على من يجلب لهم الميرة فيقطعون الطريق ويغنمون ما معهم، ms4292 ثم إن ملك إنكلتار ~~قال لمن معه من الفرنج الشاميين: صوروا لي مدينة القدس، فإني ما رأيتها؛ ~~فصوروها له، فرأى الوادي يحيط بها ما عدا موضعا يسير من جهة الشمال، فسأل ~~عن الوادي وعن عمقه، فأخبر أنه عميق، وعر المسلك. فقال: هذه مدينة لا يمكن ~~حصرها ما دام صلاح الدين حيا وكلمة المسلمين مجتمعة، لأننا إن نزلنا في ~~الجانب الذي يلي المدينة بقيت سائر الجوانب غير محصورة، فيدخل إليهم منها ~~الرجال والذخائر وما يحتاجون إليه، وإن نحن افترقنا فنزل بعضنا من جانب ~~الوادي وبعضنا من الجانب الآخر، جمع صلاح الدين عسكره وواقع إحدى ~~الطائفتين، ولم يمكن الطائفة الأخرى إنجاد أصحابهم، لأنهم إن فارقوا مكانهم ~~خرج من بالبلد من المسلمين فغنموا ما فيه، وإن تركوا فيه من يحفظه وساروا ~~نحو أصحابهم، فإلى أن يتخلصوا من الوادي ويلحقوا بهم يكون صلاح الدين قد ~~فرغ منهم، هذا سوى ما يتعذر علينا من إيصال ما يحتاج إليه من العلوفات ~~والأقوات. فلا قال لهم ذلك علموا صدقه، ورأوا قلة الميرة عندهم، وما يجري ~~للجالبين لها من المسلمين، فأشاروا عليه بالعود إلى الرملة، فعادوا خائبين خاسرين. ### || AUT ذكر قتل قزل أرسلان # في شعبان من هذه السنة قتل قزل أرسلان، واسمه عثمان بن إيلدكز، وقد ~~ذكرنا أنه ملك البلاد، بعد وفاة أخيه البهلوان، ملك أران، وأذربيجان، ~~وهمذان، وأصفهان، والري، وما بينها، وأطاعه صاحب فارس وخوزستان، واستولى ~~على السلطتان طغرل بن أرسلان بن طغرل، فاعتقله في بعض القلاع، ودانت له ~~البلاد. PageV05P0207 # وفي آخر أمره سار إلى أصفهان، والفتن بها متصلة من لدن توفي البهلوان إلى ~~ذلك الوقت، فتعصب على الشافعية، وأخذ جماعة من أعيانهم فصلبهم، وعاد إلى ~~همذان، وخطب لنفسه بالسلطنة، وضرب النوب الخمس، ثم إنه دخل ليلة قتل إلى ~~منزله لينام، وتفرق أصحابه، فدخل إليه من قتله على فراشه، ولم يعرف قاتله، ~~فأخذ أصحابه صاحب بابه ظنا وتخمينا؛ وكان كريما حسن الأخلاق، يحب العدل ~~ويؤثره، ويرجع إلى حلم وقلة عقوبة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ms4293 قدم معز الدين قيصر شاه بن قلج أرسلان، صاحب بلاد الروم، ~~على صلاح الدين في رمضان، وكان سب قدومه أن والده عز الدين قلج أرسلان فرق ~~مملكته على أولاده، وأعطى ولده هذا ملطية وأعطى ولده قطب الدين ملك شاه ~~سيواس، فاستولى قطب الدين على أبيه، وحجر عليه، وأزال حكمه، وألزمه أن يأخذ ~~ملطية من أخيه هذا ويسلمها إليه، فخاف معز الدين، فسار إلى صلاح الدين ~~ملتجئا إليه، معتضدا به، فأكرمه صلاح الدين، وزوجه بابنه أخيه الملك ~~العادل، فامتنع قطب الدين من قصده، وعاد معز الدين إلى ملطية في ذي القعدة. ~~وحدثني من أثق به قال: رأيت صلاح الدين وقد ركب ليودع معز الدين هذا، فترجل ~~له معز الدين، وترجل صلاح الدين، وودعه راجلا، فلما أراد الركوب عضده معز ~~الدين هذا، وأركبه، وسوى ثيابه علاء الدين خرمشاه بن عز الدين، صاحب ~~الموصل، قال: فعجبت من ذلك، وقلت ما تبالي يا ابن أيوب أي موتة تموت؟ يركبك ~~ملك سلجوقي وابن أتابك زنكي. وفيها توفي حسام الدين محمد بن لاجين، وهو ابن ~~أخت صلاح الدين؛ وعلم الدين سليمان بن جندر، وهو من أكابر أمراء صلاح الدين ~~أيضا. وفي رجب توفي الصفي بن القابض، وكان متولي دمشق لصلاح الدين، يحكم في ~~جميع بلاده. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وخمسمائة # ### || AUT ذكر عمارة الفرنج عسقلان # في هذه السنة، في المحرم، رحل الفرنج نحو عسقلان وشرعوا في عمارتها، ~~وكان صلاح الدين بالقدس، فسار ملك إنكلتار، جريدة، من عسقلان إلى يزك ~~المسلمين، فواقعهم، وجرى بين الطائفتين قتال شديد انتصف بعضهم من بعض. وفي ~~مدة مقام صلاح الدين بالقدس ما برحت سراياه تقصد الفرنج، فتارة تواقع طائفة ~~منهم، وتارة تقطع الميرة عنهم، ومن جملتها سرية كان مقدمها فارس الدين ~~ميمون القصري، وهو من مقدمي المماليك الصلاحية، خرج على قافلة كبيرة ~~للفرنج، فأخذها وغنم ما فيها. ### || AUT ذكر قتل المركيس وملك الكندهر # في هذه السنة، في ثالث عشر ربيع الآخر، قتل المركيس الفرنجي، لعنه الله، ~~صاحب صور، وهو ms4294 أكبر شياطين الفرنج. وكان سبب قتله أن صلاح الدين راسل مقدم ~~الإسماعيلية، وهو سنان، وبذل له أن يرسل من يقتل ملك إنكلتار، وإن قتل ~~المركيس فله عشرة آلاف دينار، فلم يمكنهم قتل ملك إنكلتار، ولم يره سنان ~~مصلحة لهم لئلا يخلو وجه صلاح الدين من الفرنج ويتفرغ لهم، وشره في أخذ ~~المال، فعدل إلى قتل المركيس، فأرسل رجلين في زي الرهبان، واتصلا بصاحب ~~صيدا وابن بارزان، صاحب الرملة، وكانا مع المركيس بصور، فأقاما معهما ستة ~~أشهر يظرهان العبادة، فأنس بهما المركيس، ووثق بهما، فلما كان بعد التاريخ ~~عمل الأسقف بصور دعوة للمركيس، فحضرها، وأكل طعامه، وشرب مدامه، وخرج من ~~عنده، فوثب عليه الباطنيان المذكوران، فجرحاه جراحا وثيقة، وهرب أحدهما، ~~ودخل كنيسة يختفي فيها، فاتفق أن المركيس حمل إليها ليشد جراحه، فوثب عليه ~~ذلك الباطني فقتله، وقتل الباطنيان بعده. ونسب الفرنج قتله إلى وضع من ملك ~~إنكلتار لينفرد بملك الساحل الشامي، فلما قتل ولي بعده مدينة صور كند من ~~الفرنج، من داخل البحر، يقال له الكند هري، وتزوج بالملكة في ليلته، ودخل ~~بها وهي حامل، وليس الحمل عندهم مما يمنع النكاح. وهذا الكند هري هو ابن ~~أخت ملك إفرنسيس من أبيه، وابن أخت ملك إنكلتار من أمه، وملك كند هري هذا ~~بلاد الفرنج بالساحل بعد عود ملك إنكلتار، وعاش إلى سنة أربع وتسعين ~~وخمسمائة، فسقط من سطح فمات؛ وكان عاقلا، كثير المدارة والاحتمال. ولما رحل ~~ملك إنكلتار إلى بلاده أرسل كند هري هذا إلى صلاح الدين يستعطفه، ويستميله، ~~يطلب منه خلعة، وقال: أنت تعلم أن لبس القباء والشربوش عندنا عيب، وأنا ~~ألبسهما منك محبة لك؛ فأنفذ إليه خلعة سنية منها القباء والشربوش، فلبسهما ~~بعكا. PageV05P0208 ### || AUT ذكر نهب بني عامر البصرة # في هذه السنة، في صفر، اجتمع بنو عامر في خلق كثير، وأميرهم اسمه عميرة، ~~وقصدوا البصرة، وكان الأمير بها اسمه محمد بن إسمعيل، ينوب عن مقطعها ~~الأمير طغرل، مملوك الخليفة الناصل لدين الله، فوصلوا إليها يوم السبت سادس ~~صفر، فخرج إليهم ms4295 الأمير محمد فيمن معه من الجند، فوقعت الحرب بينهم بدرب ~~الميدان، بجانب الخريبة، ودام القتال إلى آخر النهار، فلما جاء الليل ثلم ~~العرب في السور عدة ثلم، ودخلوا البلد من الغد، فقاتلهم أهل البلد، فقتل ~~بينهم قتلى كثيرة من الفريقين، ونهبت العرب الخانات بالشاطئ وبعض محال ~~البصرة، وعبر أهلها إلى شاطئ الملاحين، وفارق العرب البلد في يومهم وعاد ~~أهله إليه. وكان سبب سرعة العرب في مفارقة البلد أنهم بلغهم أن خفاجة ~~والمنتفق قد قاربوهم، فساروا إليهم وقاتلوهم أشد قتال، فظفرت عامر، وغنمت ~~أموال خفاجة والمنتفق، وعادوا إلى البصرة بكرة الاثنين، وكان الأمير قد جمع ~~من أهل البصرة والسواد جمعا كثيرا، فلما عادت عامر قاتلهم أهل البصرة ومن ~~اجتمع معهم، فلم يقوموا للعرب وانهزموا، ودخل العرب البصرة ونهبوها، وفارق ~~البصرة أهلها، ونهبت أموالهم، وجرت أمور عظيمة، ونهبت القسامل وغيرها ~~يومين، وفارقها العرب وعاد أهلها إليها، وقد رأيت هذه القصة بعينها في سنة ~~ثلاث وتسعين وخمسمائة، والله أعلم. ### || AUT ذكر ما كان من ملك إنكلتار # في تاسع جمادى الأولى من هذه السنة استولى الفرنج على حصن الداروم، ~~فخربوه، ثم ساروا إلى البيت المقدس وصلاح الدين فيه، فبلغوا بيت نوبة. وكان ~~سبب طمعهم أن صلاح الدين فرق عساكره الشرقية وغيرها لأجل الشتاء، ~~وليستريحوا، وليحضر البدل عوضهم، وسار بعضهم مع ولده الأفضل وأخيه العادل ~~إلى البلاد الجزرية، لما نذكره إن شاء الله تعالى، وبقي من حلقته الخاص بعض ~~العساكر المصرية، فظنوا أنهم ينالون غرضا، فلما سمع صلاح الدين بقربهم منه ~~فرق أبراج البلد على الأمراء، وسار الفرنج من بيت نوبة إلى قلونية، سلخ ~~الشهر، وهي على فرسخين من القدس، فصب المسلمون عليهم البلاء، وتابعوا إرسال ~~السرايا فبلي الفرنج منهم بما لا قبل لهم به، وعلموا أنهم إذا نازلوا القدس ~~كان الشر إليهم أسرع والتسلط عليهم أمكن، فرجعوا القهقرى، وركب المسلمون ~~أكتافهم بالرماح والسهام. ولما أبعد الفرنج عن يافا سير صلاح الدين سرية من ~~عسكره إليها، فقاربوها، وكمنوا عندها، فاجتاز بهم جماعة من فرسان الفرنج ms4296 مع ~~قافلة، فخرجوا عليهم، فقتلوا منهم وأسروا وغنموا، وكان ذلك آخر جمادى الأولى. ### || AUT ذكر استيلاء الفرنج على عسكر المسلمين # في تاسع جمادى الآخرة بلغ الفرنج الخبر بوصول عسكر من مصر، ومعهم قفل ~~كبير، ومقدم العسكر فلك الدين سليمان، أخو العادل لأمه، ومعه عدة من ~~الأمراء، فأسرى الفرنج إليهم، فواقعهم بنواحي الخليل، فانهزم الجند، ولم ~~يقتل منهم رجل من المشهورين إنما قتل من الغلمان والأصحاب، وغنم الفرنج ~~خيامهم وآلاتهم؛ وأما القفل فإنه أخذ بعضه، وصعد من نجا جبل الخليل، فلم ~~يقدم الفرنج على أتباعهم، ولو اتبعوهم نصف فرسخ لأتوا عليهم؛ وتمزق من نجا ~~من القفل، وتقطعوا، ولقوا شدة إلى أن اجتمعوا. حكى لي بعض أصحابنا، وكنا قد ~~سيرنا معه شيئا للتجارة إلى مصر، وكان قد خرج في هذا القفل، قال: لما وقع ~~الفرنج علينا كنا قد رفعنا أحمالنا للسير، فحملوا علينا وأوقعوا بنا، فضربت ~~أحمالي وصعدت الجبل ومعي عدة أحمال لغيري. فلحقنا قوم من الفرنج، فأخذوا ~~الأحمال التي في صحبتي، وكنت بين أيديهم بمقدار رمية سهم، فلم يصلوا إلي، ~~فنجوت بما معي، وسرت لا أدري أين أقصد، وإذ قد لاح لي بناء كبير على جبل، ~~فسألت عنه، فقيل لي: هذا الكرك؛ فوصلت إليه ثم عدت منه إلى القدس سالما. ~~وسار هذا الرجل من القدس سالما، فلما بلغ بزاعة، عند حلب، أخذه الحرامية، ~~فنجا من العطب، وهلك عند ظنه السلامة. ### || AUT ذكر سير الأفضل والعادل إلى بلاد الجزيرة # PageV05P0209 # قد تقدم ذكر موت تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين، واستيلاء ولده ناصر ~~الدين محمد على بلاد الجزيرة، فلما استولى عليها أرسل إلى صلاح الدين يطلب ~~تقريرها عليه، مضافا إلى ما كان لأبيه بالشام، فلم ير صلاح الدين أن مثل ~~تلك البلاد تسلم إلى صبي، فما أجابه إلى ذلك، فحدث نفسه بالامتناع على صلاح ~~الدين لاشتغاله بالفرنج، فطلب الأفضل علي بن صلاح الدين من أبيه أن يقطعه ~~ما كان لتقي الدين، وينزل عن دمشق، فأجابه إلى ذلك، وأمره بالمسير إليها، ~~فسار إلى ms4297 حلب في جماعة من العسكر، وكتب صلاح الدين إلى أصحاب البلاد ~~الشرقية، مثل صاحب الموصل، وصاحب سنجار، وصاحب الجزيرة، وصاحب ديار بكر، ~~وغيرها، يأمرهم بإنفاذ العساكر إلى ولده الأفضل. فلما رأى ولد تقي الدين ~~ذلك علم أنه لا قوة له بهم، فراسل الملك العادل، عم أبيه، يسأله إصلاح حاله ~~مع صلاح الدين، فأنهى ذلك إلى صلاح الدين، وأصلح حاله، وقرر قاعدته بأن ~~يقرر له ما كان لأبيه بالشام، وتؤخذ منه البلاد الجزرية، واستقرت القاعدة ~~على ذلك. وأقطع صلاح الدين البلاد الجزرية، وهي حران، والرها، وسميساط، ~~وميافارقين، وحاني العادل، وسيره إلى ابن تقي الدين ليتسلم منه البلاد، ~~ويسيره إلى صلاح الدين، ويعيد الملك الأفضل أين أدركه؛ فسار العادل، فلحق ~~الأفضل بحلب، فأعاده إلى أبيه، وعبر العادل الفرات وتسلم البلاد من ابن تقي ~~الدين وجعل نوابه فيها، واستصحب ابن تقي الدين معه، وعاد إلى صلاح الدين ~~بالعساكر، وكان عوده في جمادى الآخرة من هذه السنة. ### || AUT ذكر عود الفرنج إلى عكا # لما عاد الملك الأفضل فيمن معه، وعاد الملك العادل وابن تقي الدين فيمن ~~معهما من عساكرهما، ولحقتهم العساكر الشرقية، عسكر الموصل وعسكر ديار بكر ~~وعسكر سنجار وغير ذلك من البلاد، واجتمعت العساكر بدمشق، أيقن الفرنج أنهم ~~لا طاقة لهم بها، إذا فارقوا البحر، فعادوا نحو عكا يظهرون العزم على قصد ~~بيوت ومحاصرتها، فأمر صلاح الدين ولده الأفضل أن يسير إليها في عسكره ~~والعساكر الشرقية جميعها، معارضا للفرنج في مسيرهم نحوها، فسار إلى مرج ~~العيون، واجتمعن العساكر معه، فأقام هنالك ينتظر مسير الفرنج، فلما بلغهم ~~ذلك أقاموا بعكا ولم يفارقوها. ### || AUT ذكر ملك صلاح الدين يافا # لما رحل الفرنج نحو عكا كان قد اجتمع عند صلاح الدين عسكر حلب وغيره، ~~فسار إلى مدينة يافا، وكانت بيد الفرنج، فنازلها وقاتل من بها منهم، وملكها ~~في العشرين من رجب بالسيف عنوة، ونهبها المسلمون، وغنموا ما فيها، وقتلوا ~~الفرنج وأسروا كثيرا، وكان بها أكثر ما أخذوه من عسكر مصر والقفل الذي كان ~~معهم، وقد ذكر ms4298 ذلك. وكان جماعة من المماليك الصلاحية قد وقفوا على أبواب ~~المدينة، وكل من خرج من الجند ومعه شيء من الغنيمة أخذوه منه، فإن امتنع ~~ضربوه وأخذوا ما معه قهرا، ثم زحفت العساكر إلى القلعة، فقاتلوا عيها آخر ~~النهار، وكادوا يأخذونها، فطلب من بالقلعة الأمان على أنفسهم، وخرج البطرك ~~الكبير الذي لهم، ومعه عدة من أكابر الفرنج، في ذلك، وترددوا، وكان قصدهم ~~منع المسلمين عن القتال، فأدركهم الليل، وواعدوا المسلمين أن ينزلوا بكرة ~~غد ويسلموا القلعة. فلما أصبح الناس طالبهم صلاح الدين بالنزول عن الحصن، ~~فامتنعوا، وإذا قد وصلهم نجدة من عكا، وأدركهم ملك إنكلتار، فأخرج من بيافا ~~من المسلمين، وأتاه المدد من عكا وبرز إلى ظاهر المدينة، واعترض المسلمين ~~وحده، وحمل علهم، فلم يتقدم إليه أحد، فوقف بين الصفين واستدعى طعاما من ~~المسلمين، ونزل فأكل، فأمر صلاح الدين عسكره بالحملة عليهم، وبالجد في ~~قتالهم، فتقدم إليه بعض أمرائه يعرف بالجناح، وهو أخو المشطوب ابن عي بن ~~أحمد الهكاري، فقال له: يا صلاح الدين قل لمماليكك الذين أخذوا أمس ~~الغنيمة، وضربوا الناس بالحماقات، أن يتقدموا فيقاتلوا، إذا كان القتال ~~فنحن، وإذا كان الغنيمة فلهم. فغضب صلاح الدين من كلامه وعاد عن الفرنج. ~~وكان رحمه الله حليما كريما كثير العفو عند المقدرة، ونزل في خيامه، وأقام ~~حتى اجتمعت العساكر، وجاء إليه ابنه الأفضل وأخوه العادل وعساكر الشرق، ~~فرحل بهم إلى الرملة لينظر ما يكون منه ومن الفرنج، فلزم الفرنج يافا ولم ~~يبرحوا منها. ### || AUT ذكر الهدنة مع الفرنج # ### || AUT وعود صلاح الدين إلى دمشق # PageV05P0210 # في العشرين من شعبان من هذه السنة عقدت بين المسلمين والفرنج هدنة لمدة ~~ثلاث سنين وثمانية أشهر، أولها هذا التاريخ، وافق أول أيلول؛ وكان سبب ~~الصلح أن ملك إنكلتار لما رأى اجتماع العساكر، وأنه لا يمكنه مفارقة ساحل ~~البرح، وليس بالساحل للمسلمين بلد يطمع فيه، وقد طالت غيبته عن بلاده، راسل ~~صلاح الدين في الصلح، وأظهر من ذلك ضد ما كان يطلب منه المصاف والحرب، ~~فأعاد الفرنجي رسله ms4299 مرة بعد مرة، ونزل عن تتمة عمارة عسقلان وعن غزة ~~والداروم والرملة، وأرسل إلى الملك العادل في تقرير هذه القاعدة، فأشار هو ~~وجماعة الأمراء بالإجابة إلى الصلح، وعرفوه ما عند العسكر من الضجر والملل، ~~وما قد هلك من أسلحتهم ودوابهم ونفد من نفقاتهم، وقالوا: إن هذا الفرنجي ~~إنما طلب الصلح ليركب البحر ويعود إلى بلاده، فإن تأخرت إجابته إلى أن يجيء ~~الشتاء وينقطع الركوب في البحر نحتاج للبقاء هاهنا سنة أخرى، وحينئذ يعظم ~~الضرر على المسلمين. وأكثروا القول له في هذا المعنى، فأجاب حينئذ إلى ~~الصلح، فحضر رسل الفرنج وعقدوا الهدنة، وتحالفوا على هذه القاعدة، وكان في ~~جملة من حضر عند صلاح الدين باليان بن بارزان الذي كان صاحب الرملة ونابلس، ~~فلما حلف صلاح الدين قال له: اعلم أنه ما عمل أحد في الإسلام ما عملت، ولا ~~هلك من الفرنج مثل ما هلك منهم هذه المدة فإننا أحصينا من خرج إلينا في ~~البحر من المقاتلة، فكانوا ستمائة ألف رجل ما عاد منهم إلى بلادهم من كل ~~عشرة واحد، بعضهم قتلته أنت، وبعضهم مات، وبعضهم غرق. وأما صلاح الدين، ~~فإنه بعد تمام الهدنة سار إلى البيت المقدس، وأمر بإحكام سوره، وعمل ~~المدرسة والرباط والبيمارستان وغير ذلك من مصالح المسلمين، ووقف عليها ~~الوقوف، وصام رمضان بالقدس، وعزم على الحج والإحرام منه، فلم يمكنه ذلك، ~~فسار عنه خامس شوال نحو دمشق، واستناب بالقدس أميرا اسمه عز الدين جورديك، ~~وهو من المماليك النورية. ولما سار عنه جعل طريقه على الثغور الإسلامية ~~كنابلس وطبرية وصفد وتبنين وقصد بيروت، وتعهد هذه البلاد، وأمر بإحكامها، ~~فلما كان في بيروت أتاه بيمند صاحب أنطاكية وأعمالها، واجتمع به وخدمه، ~~فخلع عليه صلاح الدين وعاد إلى بلده، فلما عاد رحل صلاح الدين إلى دمشق، ~~فدخلها في الخامس والعشرين من شوال، وكان يوم دخوله إليها يوما مشهودا، ~~وفرح الناس به فرحا عظيما لطول غيبته، وذهاب العدو عن بلاد الإسلام. ### || AUT ذكر وفاة قلج أرسلان # في هذه السنة، منتصف شعبان، توفي الملك ms4300 قلج أرسلان بن مسعود بن قلج ~~أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن سلجوق السلجوقي بمدينة قونية، وكان له من ~~البلاد قونية وأعمالها، وأقصرا، وسيواس، وملطية، وغير ذلك من البلاد، وكانت ~~مدة ملكه نحو تسع وعشرين سنة، وكان ذا سياسة حسنة، وهيبة عظيمة، وعدل وافر، ~~وغزوات كثيرة إلى بلاد الروم، فلما كبر فوق بلاده على أولاده، فاستضعفوه، ~~ولم يلتفتوا إليه، وحجر عليه ولده قطب الدين. وكان قلج أرسلان قد استناب، ~~في تدبير ملكه، رجلا يعرف باختيار الدين حسن، فلما غلب قطب الدين على الأمر ~~قتل حسنا، ثم أخذ والده وسار به إلى قيسارية ليأخذها من أخيه الذي سلمها ~~إليه أبوه، فحصرها مدة، فوجد والده قلج أرسلان فرصة، فهرب ودخل قيسارية ~~وحده. فلما علم قطب الدين ذلك عاد إلى قونية وأقصر فملكهما، ولم يزل قلج ~~أرسلان يتحول من ولد إلى ولد، وكل منهم يتبرم به، حتى مضى إلى ولده غياث ~~الدين كيخسرو، صاحب مدينة برغلوا، فلما رآه فرح به، وخدمه، وجمع العساكر، ~~وسار هو معه إلى قونية، فملكها، وسار إلى اقصرا ومعه والده قلج أرسلان، ~~فحصرها، فمرض أبوه، فعاد به إلى قونية فتوفي بها ودفن هناك، وبقي ولده غياث ~~الدين في قونية مالكا لها، حتى أخذتها منه أخوه ركن الدين سليمان، على ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى. وقد حدثني بعض من أثق به من أهل العلم بما يحكيه، ~~وكان قد وصل تلك البلاد بغير هذا، ونحن نذكره، قال إن قلج أرسلان قسم بلاده ~~بين أولاده في حياته، فسلم دوقاط إلى ابنه ركن الدين سليمان، وسلم قونية ~~إلى ولده كيخسر وغياث الدين، وسلم أنقرة، وهي التي تسمى انكشورية إلى ولده ~~محيي الدين، وسلم ملطية إلى ولده معز الدين قيصر شاه، وسلم أبلستين إلى ~~ولده قطب الدين، وسلم نكسار إلى ولد آخر، وسلم أماسيا إلى ولد أخيه. ~~PageV05P0211 # هذه أمهات البلاد، وينضاف إلى كل بلد من هذه ما يجاورها من البلاد الصغار ~~التي ليست مثل هذه، ثم إنه ندم على ذلك، وأراد أن يجمع ms4301 الجميع لولده الأكبر ~~قطب الدين، وخطب له ابنه صلاح الدين يوسف، صاحب مصر والشام، ليقوى به، فلما ~~سمع باقي أولاده بذلك امتنعوا عليه، وحرجوا عن طاعته، وزال حكمه عنهم، فسار ~~يتردد بينهم على سبيل الزيارة، فيقيم عند كل واحد منهم مدة، وينتقل إلى ~~الآخر، ثم إنه مضى إلى ولده كيخسرو، صاحب قونية، على عادته، فخرج إليه، ~~ولقيه، وقبل الأرض بين يديه، وسلم قونية إليه وتصرف عن أمره، فقال لكيخسرو: ~~أريد أن أسير إلى ولدي الملعون محمود، وهو صاحب قيسارية، وتجيء أنت معي ~~لأخذها منه؛ فتجهز وسار معه، وحصر محمودا بقيسارية، فمرض قلج أرسلان، وتوفي ~~عليها. فعاد كيخسرو، وبقي كل واحد من الأولاد على البلد الذي بيده. وكان ~~قطب الدين، صاحب أقصرا وسيواس، إذا أراد أن يسير من إحدى المدينتين إلى ~~الأخرى يجعل طريقه على قيسارية، وبها أخوه نور الدين محمود، وليست على ~~طريقه إنما كان يقصدها ليظهر المودة لأخيه والمحبة له، وفي نفسه الغدر، ~~فكان أخوه محمود يقصده ويجتمع به، ففي بعض المرات نزل بظاهر البلد على ~~عادته، وحضر أخوه محمود عنده غير محتاط، فقتله قطب الدين، وألقى رأسه إلى ~~أصحابه، وأراد أخذ البلد، فامتنع من به من أصحاب أخيه عليه، ثم إنهم سلموه ~~إليه على قاعدة استمرت بينهم. وكان عند محمود أمير كبير، وكان يحذره من ~~أخيه قطب الدين ويخوفه، فلم يصغ إليه، وكان جوادا، كثير الخير، والتقدم في ~~الدولة عند نور الدين، فلما قتل قطب الدين أخاه قتل حسنا معه، وألقاه على ~~الطريق، فجاء كلب يأكل من لحمه، فثار الناس، وقالوا: لا سمعا ولا طاعة! هذا ~~رجل مسلم، وله هاهنا مدرسة، وتربة، وصدقات دارة، وأفعال حسنة، لا نتركه ~~تأكله الكلاب؛ فأمر به فدفن في مدرسته، وبقي أولاد قلج أرسلان على حالهم. ~~ثم إن قطب الدين مرض ومات، فسار أخوه ركن الدين سليمان صاحب دوقاط إلى ~~سيواس، وهي تجاوره، فملكها، ثم سار منها إلى قيسارة وأقصرا، ثم بقي مديدة، ~~وسار إلى قونية وبها أخوه غياث الدين، وفحصره بها وملكها ms4302 ففارقها غياث ~~الدين إلى الشام، ثم إلى بلد الروم، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى؛ ثم سار بعد ذلك إلى ركن الدين إلى نكسار وأماسيا، فملكها، وسار إلى ~~ملطية سنة سبع وتسعين وخمسمائة، فملكها وفارقها أخوه معز الدين إلى الملك ~~العادل أبي بكر بن أيوب، وكان معز الدين هذا تزوج ابنة للعادل، فأقام عنده. ~~واجتمع لركن الدين ملك جميع الإخوة ما عدا أنقرة فإنه منيعة لا يوصل إليها، ~~فجعل عليها عسكرا يحصرها صيفا وشتاء ثلاث سنين، فتسلمها سنة إحدى وستمائة، ~~ووضع على أخيه الذي كان بها من يقتله إذ فارقها، فلما سار عنها قتل. وتوفي ~~ركن الدين في تلك الأيام، ولم يسمع خبر قتل أخيه بل عاجله الله تعالى لقطع ~~رحمه. وإنما أوردنا هذه الحادثة هاهنا لنتبع بعضها بعضا، ولأني لم أعلم ~~تاريخ كل حادثة منها لأثبتها فيه. ### || AUT ذكر ملك شهاب الدين أجمير # ### || AUT وغيرها من الهند # قد ذكرنا سنة ثلاث وثمانين غزوة شهاب الدين الغوري إلى بلد الهند، ~~وانهزامه، وبقي إلى الآن وفي نفسه الحقد العظيم على الجند الغورية الذين ~~انهزموا، وما ألزمهم من الهوان. فلما كان هذه السنة خرج من غزنة وقد جمع ~~عساكره وسار منهم يطلب عدوه الهندي الذي هزمه تلك النوبة، فلما وصل إلى ~~برشاوور تقدم إليه شيخ من الغورية كان يدل عليه، فقال له: قد قربنا من ~~العدو؛ وما يعلم أحد أني نمضي ولا من نقصد ولا نرد على الأمراء سلاما، وهذا ~~لا يجوز فعله، فقال له السلطان: اعلم أنني منذ هزمني هذا الكافر ما نمت مع ~~زوجتي، ولا غيرت ثياب البياض عني، وأنا سائر إلى عدوي، ومعتمد على الله ~~تعالى لا على الغورية، ولا على غيرهم، فإن نصرني الله، سبحانه، ونصر دينه ~~فمن فضله وكرمه، وإن انهزمنا فلا تطلبوني فيمن انهزم، ولو هلكت تحت حوافر ~~الخيل. فقال له الشيخ: سوف ترى بني عمك من الغورية ما يفعلون، فينبغي أن ~~تكلمهم وترد سلامهم. ففعل ذلك، وبقي أمراء الغورية يتضرعون بين يديه، ms4303 ~~ويقولون سوف ترى ما نفعل. PageV05P0212 # وسار إلى أن وصل إلى موضع المصاف الأول، وجازه مسيرة أربعة أيام، وأخذ ~~عدة مواضع من بلاد العدو، فلما سمع الهندي تجهز، وجمع عساكره، وسار يطلب ~~المسلمين، فلما بقي بين الطائفتين مرحلة عاد شهاب الدين وراءه والكافر في ~~أعقابه أربع منازل، فأرسل الكافر إليه يقول له: أعطني يدك، إنك تصاففني في ~~باب غزنة حتى أجيء وراءك إلا فنحن مثقلون، ومثلك لا يدخل البلاد شبه اللصوص ~~ثم يخرج هاربا، ما هذا فعل السلاطين، فأعاد الجواب: إنني لا أقدر على حربك. ~~وتم على حاله عائدا إلى أن بقي بينه وبين بلاد الإسلام ثلاثة أيام، والكافر ~~في أثره يتبعه، حتى لحقه قريبا من مرندة فجرد شهاب الدين من عسكره سبعين ~~ألفا، وقال: أريد هذه الليلة تدورون حتى تكونوا وراء عسكر العدو، وعند صلاة ~~الصبح تأتون أنتم من تلك الناحية، وأنا من هذه الناحية؛ ففعلوا ذلك، وطلع ~~الفجر. ومن عادة الهنود أنهم لا يبرحون من مضجعهم إلى أن تطلع الشمس، فلما ~~أصبحوا حمل عليهم عسكر المسلمين من كل جانب، وضربت الكوسات، فلم يلتفت ملك ~~الهند إلى ذلك وقال: من يقدم علي، أنا هذا؟ والقتل قد كثر في الهنود، ~~والنصر قد ظهر للمسلمين؛ فلما رأى ملك الهند ذلك أحضر فرسا له سابقا، وركب ~~ليهرب، فقال له أعيان أصحابه: إنك حلفت لنا أنك لا تخلينا وتهرب؛ فنزل عن ~~الفرس وركب الفيل ووقف موضعه، والقتال شديد، والقتل قد كثر في أصحابه، ~~فانتهى المسلمون إليه وأخذوه أسيرا، وحينئذ عظم القتل والأسر في الهنود، ~~ولم ينج منهم إلا القليل. وأحضر الهندي بين يدي شهاب الدين، فلم يخدمه فأخذ ~~بعض الحجاب بلحيته، وجذبه إلى الأرض، حتى أصابها جبينه، وأقعده بين يدي ~~شهاب الدين، فقال له شهاب الدين: لو استأسرتني ما كنت تفعل بي؟ فقال ~~الكافر: كنت استعملت لك قيدا من ذهب أقيدك به، فقال شهاب الدين: بل نحن ما ~~نجعل لك من القذر ما نقيدك. وغنم المسلمون من الهنود أموالا كثيرة وأمتعة ~~عظيمة، وفي جملة ms4304 ذلك أربعة عشر فيلا، من جملتها الفيل الذي جرح شهاب الدين ~~في تلك الوقعة. وقال ملك الهند لشهاب الدين: إن كنت طالب بلاد، فما بقي ~~فيها من يحفظها، وإن كنت طالب مال، فعندي أموال تحمل أجمالك كلها. فسار ~~شهاب الدين وهو معه إلى الحصن الذي له يعول عليه، وهو أجمير، فأخذه، وأخذ ~~جميع البلاد التي تقاربه، وأقطع جميع البلاد لمملوكه قطب الدين أيبك، وعاد ~~إلى غزنة، وقتل ملك الهند. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض على أمير الحاج طاشتكين ببغداد، وكان نعم الأمير، ~~عادلا في الحاد، رفيقا بهم، نحبا لهم، له أوراد كثيرة من صلوات وصيام، وكان ~~كثير الصدقة، لا جرم، وقفت أعماله بين يديه فخلص من السجن، على ما نذكره إن ~~شاء الله تعالى. وفيها خرج السلطان طغرل بن أرسلان بن طغرل من الحبس بعد ~~موت قزل أرسلان بن إيلدكز، والتقى هو وقتلغ إينانج بن البهلوان بن إيلدكز، ~~فانهزم إينانج إلى الري، وكان ما نذكره، إن شاء الله تعالى، سنة تسعين ~~وخمسمائة. وفيها، في رجب، توفي الأمير السيد علي بن المرتضى العلوي الحنفي ~~مدرس جامع السلطان ببغداد. وفي شعبان منها توفي أبو علي الحسن بن هبة الله ~~بن البوقي، الفقيه الشافعي الواسطي، وكان عالما بالمذهب انتفع به الناس. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وثمانين وخمسمائة # ### || AUT ذكر وفاة صلاح الدين وبعض سيرته # في هذه السنة في صفر، توفي صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي، صاحب مصر ~~والشام والجزيرة وغيرها من البلاد، بدمشق، ومولده بتكريت، وقد ذكرنا سبب ~~انتقالهم منها، وملكهم مصر سنة أربع وستين وخمسمائة. وكان سبب مرضه أن خرج ~~يتلقى الحاج، فعاد، ومرض من يومه مرضا حادا بقي به ثمانية أيام وتوفي، رحمه ~~الله. PageV05P0213 # وكان قبل مرضه قد أحضر ولده الأفضل عليا وأخاه الملك العادل أبا برك، ~~واستشارهما فيما يفعل، وقال: قد تفرغنا من الفرنج، وليس لنا في هذه البلاد ~~شاغل، فأي جهة نقصد؟ فأشار عليه أخوه العادل بقصد خلاط، لأنه كان قد وعده، ~~إذا ms4305 أخذهتا، أن يسلمها إليه، وأشار ولده الأفضل بقصد بلد الروم التي بيد ~~أولاد قلج أرسلان، وقال: هي أكثر بلادا وعسكرا ومالا وأسرع مأخذا، وهي أيضا ~~طريق الفرنج إذا خرجوا على البر، فإذا ملكناها منعناهم من العبور فيها. ~~فقال: كلاكما مقصر، ناقص الهمة، بل أقصد أنا بلد الروم، وقال لأخيه: تأخذ ~~أنت بعض أولادي وبعض العسكر وتقصد خلاط، فإذا فرغت أنا من بلد الروم جئت ~~إليكم، وندخل منها أذربيجان، ونتصل ببلاد العجم، فما فيها من يمنع عنها. ثم ~~أذن لأخيه العادل في المضي إلى الكرك، وكان له، وقال له: تجهز واحضر لتسير؛ ~~فلما سار إلى الكرك مرض صلاح الدين، و توفي قبل عوده. وكان رحمه الله، ~~كريما، حليما، حسن الأخلاق، متواضعا، صبورا عل ما يكره، كثير التغافل عن ~~ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره ولا يعلمه بذلك ولا يتغير عليه. وبلغني ~~أنه كان يوما جالسا وعنده جماعة، فرمى بعض المماليك بعضا بسرموز فأخطأته ~~ووصلت إلى صلاح الدين فأخطأته ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى ~~يكلم جليسه ليتغافل عنها. وطلب مرة الماء فلم يحضر، وعاود الطلب في مجلس ~~واحد خمس مرات فلم يحضر، فقال: يا أصحابنا، والله قد قتلني العطش! فأحضر ~~الماء، فشربه ولم ينكر التواني في إحضاره. وكان مرة قد مرض مرضا شديدا أرجف ~~عليها بالموت، فلما برئ منه وأدخل الحمام كان الماء حارا، فطلب ماء باردا، ~~فأحضره الذي يخدمه، فسقط من الماء شيء على الأرض، فناله منه شيء، فتأمل له ~~لضعفه، ثم طلب البارد أيضا، فأحضر، فلما قاربه سقطت الطاسة على الأرض، فوقع ~~الماء جميعه عليه، فكاد يهلك، فلم يزد على أن قال للغلام: إن كنت تريد قتلي ~~فعرفني! فاعتذر إليه، فسكت عنه. وأما كرمه، فإنه كان كثير البذل لا يقف في ~~شيء يخرجه، ويكفي دليلا على كرمه أنه لما مات لم يخلف في خزائنه غير دينار ~~واحد صوري، وأربعين درهما ناصرية، وبلغني أنه أخرج في مدة مقام على عكا ~~قبالة الفرنج ثمانية عشر ألف دابة من فرس ms4306 وبغل سوى الجمال، وأما العين ~~والثياب والسلاح فإنه لا يدخل تحت الحصر، ولما انقرضت الدولة العلوية بمصر ~~أخذ من ذخائرهم من سائر الأنواع ما يفوت الإحصاء ففرقه جميعه. وأما تواضعه، ~~فإنه كان ظاهرا لم يتكبر على أحد من أصحابه، وكان يعيب الملوك المتكبرين ~~بذلك، وكان يحضر عنده الفقراء والصوفية، ويعمل لهم السماع، فإذا قام أحدهم ~~لرقص أو سماع يقوم له فلا يقعد حتى يفرغ الفقير. ولم يلبس شيئا مما ينكره ~~الشرع، وكان عنده علم ومعرفة، وسمع الحديث وأسمعه، وبالجملة كان نادرا في ~~عصره، كثير المحاسن والأفعال الجميلة، عظيم الجهاد في الكفار، وفتوحه تدل ~~على ذلك، وخلف سبعة عشر ولدا ذكرا. ### || AUT ذكر حال أهله وأولاده بعده # لما مات صلاح الدين بدمشق كان معه بها ولده الأكبر والأفضل نور الدين ~~علي، وكان قد حلف له العساكر جميعها، غير مرة، في حياته، فلما مات ملك ~~دمشق، والساحل، والبيت المقدس، وبعلبك، وصرخد، وبصرى، وبانياس، وهونين، ~~وتبنين، وجمع الأعمال إلى الداروم. وكان ولده الملك العزيز عثمان بمصر، ~~فاستولى عليها، وعلى جميع أعمالها، مثل: حارم، وتل باشر، وإعزاز، وبرزية، ~~ودرب ساك، ومنبج وغير ذلك. وكان بحماة محمود بن تقي الدين عمر فأطاعه وصار ~~معه. وكان بحمص شيركوه بن محمد بن شيركوه، فأطاع الملك الأفضل. ~~PageV05P0214 # وكان الملك العادل قد سار إليه، كما ذكرنا، فامتنع فيه، لم يحضر عند أحد ~~من أولاد أخيه، فأرسل إليه الملك الأفضل يستدعيه ليحضر عنده، فوعده ولم ~~يفعل، فأعاد مراسلته، وخوفه من الملك العزيز، صاح مصر، ومن أتابك عز الدين، ~~صاحب الموصل، فإنه كان قد سار عنها إلى بلاد العادل الجزرية، على ما نذكره، ~~ويقول له: إن حضرت جهزت العساكر وسرت إلى بلادك فحفظتها، وإن أقمت قصدك أخي ~~الملك العزيز لما بينكما من العداوة، وإذا ملك عز الدين بلادك فليس له دون ~~الشام مانع؛ وقال لرسوله: إن حضر معك، وإلا فقل له قد أمرني، إن سرت إليه ~~بدمشق عدت معك، وإن لم تفعل أسير إلى الملك العزيز أحالفه على ما يختار. ~~فلما ms4307 حضر الرسول عنده وعده بالمجيء، فلما رأى أن ليس معه منه غير الوعد ~~أبلغه ما قيل له في معنى موافقة العزيز، فحينئذ سار إلى دمشق، وجهز الأفضل ~~معه عسكرا من عنده، وأرسل إلى صاحب حمص، وصاحب حماة، وإلى أخيه الملك ~~الظاهر بحلب، يحثهم على إنفاذ العساكر مع العادل إلى البلاد الجزرية ~~ليمنعها من صاحب الموصل، ويخوفهم إن هم لم يفعلوا. ومما قال لأخيه الظاهر: ~~قد عرفت صحبة أهل الشام لبيت أتابك، فوالله لئن ملك عز الدين حران ليقومن ~~أهل حلب عليك، ولتخرجن منها وأننت لا تعقل، وكذلك يفعل بي أهل دمشق، فاتفقت ~~كلمتهم على تسيير العساكر معه، فجهزوا عساكرهم وسيروها إلى العادل وقد عبر ~~الفرات. فعسكرت عساكرهم بنواحي الرها بمرج الريحان، وسنذكر ما كان منه إن ~~شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر مسير أتابك عز الدين # ### || AUT إلى بلاد العادل وعوده بسبب مرضه # لما بلغ أتابك عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، صاحب الموصل، وفاة صلاح ~~الدين جمع أهل الرأي من أصحابه، وفيهم مجاهد الدين قايماز، كبير دولته، ~~والمقدم على كل من فيها، وهو نائبه فيهم، واستشارهم فيما يفعل، فسكتوا. ~~فقال له بعضهم، وهو أخي مجد الدين أبو السعادات المبارك: أنا أرى أنك تخرج ~~مسرعا جريدة فيمن خف من أصحابك وحلقتك الخاص، وتتقدم إلى الباقين باللحاق ~~بك، وتعطي من هو محتاج إلى شيء ما يتجهز به ما يخرجه ويلحق بك إلى نصيبين، ~~وتكاتب أصحاب الأطراف مثل مظفر الدين بن زين الدين، وصاحب إربل، وسنجر شاه ~~ابن أخيك صاحب جزيرة ابن عمر، وأخيك عماد الدين صاحب سنجار ونصيبين، تعرفهم ~~أنك قد سرت، وتطلب منهم المساعدة وتبذل لهم اليمين على ما يلتمسونه، فمتى ~~رأوك قد سرت خافوك، وإن أجابك أخوك صاح بسنجار ونصيبين إلى الموافقة، وإلا ~~بدأ بنصيبين فأخذتها وتركت عسكره مقابل أخيك يمنعه الحركة، إن أرادها، أو ~~قصدت الرقة، فلا تمنع نفسها، وتأتي حران والرها، فليس فيها من يحفظها لا ~~صاحب ولا عسكر ولا ذخيرة، فإن العادل أخذهما من ابن تقي ms4308 الدين، ولم يقم ~~فيهما ليصلح حالهما، وكان القوم يتكلون على قوتهم، فلم يظنوا هذا الحادث، ~~فإذا فرغت من ذلك الطرف عدت إلى من امتنع من طاعتك فقاتلته، وليس وراءك ما ~~تخاف عليه، فإن بلدك عظيم لا يبالي بكل من وراءك. فقال مجاهد الدين: ~~المصلحة أننا نكاتب أصحاب الأطراف، ونأخذ رأيهم في الحركة، ونستميلهم، فقال ~~له أخي: إن أشاروا بترك الحركة تقبلون منهم؟ قال: لا! قال: إنهم لا يشيرون ~~إلا بتركها، لأنهم لا يريدون أن يقوى هذا السلطان خوفا منه، وكأني بهم ~~يغالطونكم ما دامت البلاد الجزرية فارغة من صاحب وعسكر فإذا جاء إليها من ~~يحفظها جاهروكم بالعداوة. ولم يمكنه أكثر من هذا القول خوفا من مجاهد ~~الدين، حيث رأى ميله إلى ما تكلم به، فانفصلوا على أن يكاتبوا أصحاب ~~الأطراف، فكاتبوهم، فكل أشار بترك الحركة إلى أن ينظر ما يكون من أولاد ~~صلاح الدين وعمهم فتثبطوا. PageV05P0215 # ثم إن مجاهد الدين كرر المراسلات إلى عماد الدين، صاحب سنجار، يعده ~~ويستميله، فبينما هم على ذلك إذ جاءهم كتاب الملك العادل من المناخ بالقرب ~~من دمشق، وقد سار عن دمشق إلى بلاده، يذكر فيه موت أخيه، وأن البلاد قد ~~استقرت ولده الملك الأفضل، والناس متفقون على طاعته، وأنه هو المدبر لدولة ~~الأفضل، وقد سيره في عسكر جم، كثير العدد، لقصد ماردين لما بلغه أن صاحبها ~~تعرض إلى بعض القرى التي له، وذكر من هذا النحو شيئا كثيرا، فظنوه حقا وأن ~~قوله لا ريب فيه، ففتروا عن الحركة، وذلك الرأي، فسيروا الجواسيس، فأتتهم ~~الأخبار بأنه في ظاهر حران نحو من مائتي خيمة لا يغر، فعادوا فتحركوا، فإلى ~~أن تقررت القواعد بينهم وبين صاحب سنجار، وصلته العساكر الشامية التي سيرها ~~الأفضل وغيره إلى العادل، فامتنع بها وسار أتابك عز الدين عن الموصل إلى ~~نصيبين، واجتمع هو وأخوه عماد الدين بها، وساروا على سنجار نحو الرها، وكان ~~العادل قد عسكر قريبا منها بمرج الربحان، فخافهم خوفها عظيما. فلما وصل ~~أتابك عز الدين إلى تل موزن مرض ms4309 بالإسهال، فأقام عدة أيام فضعف عن الحركة، ~~وكثر مجيء الدم من، فخاف الهلاك، فترك العساكر مع أخيه عماد الدين وعاد ~~جريدة في مائتي فارس، ومعه مجاهد الدين وأخي مجد الدين، فلما وصل إلى دنيسر ~~استولى عليه الضعف، فأحضر أخي وكتب وصية، ثم سار فدخل الموصل وهو مريض أول رجب. ### || AUT ذكر وفاة أتابك عز الدين # ### || AUT وشيء من سيرته # في هذه السنة توفي أتابك عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي بن أاقسنقر، ~~صاحب الموصل، بالموصل، وقد ذكرنا عوده إلهيا مريضا، فبقي في مرضه إلى ~~التاسع والعشرين من شعبان، فتوفي، رحمه الله، ودفن بالمدرسة التي أنشأها ~~مقابل دار الملكة، وكان قد بقي ما يزيد على عشرة أيام لا يتكلم إلا ~~بالشهادتين، وتلاوة القرآن، وإذا تكلم بغيرها استغفر الله، ثم عاد إلى ما ~~كان عليه، فرزق خاتمة خير، رضي الله عنه. وكان، رحمه الله، خير الطبع، كثير ~~الخير والإحسان، لا سيما إلى شيوخ قد خدموا أباه، فإنه كان يتعهدهم بالبر ~~والإحسان، والصلة والإكرام، ويرجع إلى قولهم، ويزور الصالحين، ويقربهم، ~~ويشفعهم. وكان حليما، قليل المعاقبة، كثير الحياء، لم يكلم جليسا له إلا ~~وهو مطرق، وما قال في شيء يسأله: لا، حياء وكرم طبع. وكان قد حج، ولبس ~~بمكة، حرسها الله، خرقة التصوف، وكان يلبس تلك الخرقة كل ليلة، ويخرج إلى ~~المسجد قد بناه في داره، ويصلي فيه نحو ثلث الليل؛ وكان رقيق القلب، شفيقا ~~على الرعية. بلغني عنه أنه قال، بعض الأيام: إنني سهرت الليلة كثيرا، وسبب ~~ذلك أني سمعت صوت نائحة، فظننت أن ولد فلان قد مات، وكان قد سمع أنه مريض، ~~قال: فضاق صدري، وقمت من فراشي أدور في السطح، فلما طال علي الأمر أرسلت ~~خادما إلى الجاندارية، فأرسل منهم واحدا يستعلم الخبر، فعاد وذكر إنسانا لا ~~أعرفه، فسكن بعض ما عندي فنمت، ولم يكن الرجل الذي ظن أن ابنه مات من ~~أصحابه إنما كان من رعيته. كان ينبغي أن تتأخر وفاته، وإنما قدمناها لتتبع ~~أخباره بعضها بعضا. ### || AUT ذكر ms4310 قتل بكتمر صاحب بخلاط # في هذه السنة، أول جمادى الأولى، قتل سيف الدين بكتمر، صاحب خلاط، وكان ~~بين قتله وموت صلاح الدين شهران، فإنه أسرف في إظهار الشماتة بموت صلاح ~~الدين، فلم يمهله الله تعالى، ولما بلغه موت صلاح الدين فرح فرحا كثيرا، ~~وعمل تختا جلس عليه، ولقب نفسه بالسلطان المعظم صلاح الدين، وكان لقبه سيف ~~الدين، فغيره، وسمي نفسه عبد العزيز، وظهرت منه اختلال وتخليط، وتجهز ليقصد ~~ميافارقين يحصرها، فأدركته منيته. وكان سبب قتله أن هزار ديناري، وهو أيضا ~~من مماليك شاه أرمن ظهير الدين، كان قد قوي وكثر جمعه، وتزوج ابنة بكتمر، ~~فطمع في الملك، فوضع عليه من قتله، فلما قتل ملك بعده هزار ديناري بلاد ~~خلاط وأعمالها. وكان بكتمر دينا، خيرا، صالحا، كثير الخير، والصلاح، ~~والصدقة، محبا لأهل الدين والصوفية، كثير الإحسان إليهم، قريبا منهم ومن ~~سائر رعيته، محبوبا إليهم، عادلا فيهم، وكان جوادا شجاعا عادلا في رعيته ~~حسن السيرة فيهم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV05P0216 # في هذه السنة شتى شهاب الدين ملك غزنة في برشاوور، وجهز مملوكه أيبك في ~~عساكر كثيرة، فأدخله بلاد الهند يغنم ويسبي، ويفتح من البلاد ما يمكنه، ~~فدخلها، وعاد فخرج هو وعساكره سالما، قد ملأوا أيديهم من الغنائم. وفيها، ~~في رمضان، توفي سلطان شاه، صاحب مرو وغيرها من خراسان، وملك أخوه علاء ~~الدين تكش بلاده، وسنذكر سنة تسعين إن شاء الله تعالى. وفيها أمر الخليفة ~~الناصر لدين الله بعمارة خزانة الكتب بالمدرسة النظامية ببغداد، ونقل إليها ~~من الكتب النفيسة ألوفا لا يوجد مثلها. وفيها، في ربيع الأول فرغ من عمارة ~~الرباط الذي أمر بإنشائه الخليفة أيضا بالحريم الطاهري، غربي بغداد على ~~دجلة، وهو من أحسن الربط، ونقل إليه كتبا كثيرة من أحسن الكتب. وفيها ملك ~~الخليفة قلعة من بلاد خوزستان، وسبب ذلك أن صاحبها سوسيان بن شملة جعل فيها ~~دزدارا، فأساء السيرة مع جندها، فغدر به بعضهم فقتله، ونادوا بشعار ~~الخليفة، فأرسل إليها وملكها. وفيها انقض كوكبان عظيمان، وسمع صوت هدة ~~عظيمة، وذلك ms4311 بعد طاوع الفجر، وغلب ضوءهما القمر وضوء النهار. وفيها مات ~~الأمير داود بن عيسى بن محمد بن أبي هشام، أمير مكة، وما زالت إمارة مكة ~~تكون له تارة، ولأخيه مكثر تارة، إلى أن مات. وفي هذه السنة توفي أبو ~~الرشيد الحاسب البغدادي، وكان قد أرسله الخليفة الناصر لدين الله في رسالة ~~إلى الموصل فمات هناك. ### | AUT ثم دخلت سنة تسعين وخمسمائة # ### | AUT ذكر الحرب بين شهاب الدين وملك بنارس الهندي # كان شاب الدين الغوري، ملك غزنة، وقد جهز مملوكه قطب الدين أيبك، وسيره ~~إلى بلد الهند للغزاة، فدخلها فقتل فيها و سبى وغنم وعاد، فلما سمع به ملك ~~بنارس، وهو أكبر ملك في الهند، ولايته من حد الصين إلى بلاد ملاوا طولا، ~~ومن البحر إلى مسيرة عشرة أيام من لهاوور عرضا، وهو ملك عظيم، فعندها جمع ~~جيوشه، وحشرها، وسار يطلب بلاد الإسلام. ودخلت سنة تسعين فسار شهاب الدين ~~الغوري من غزنة بعساكره نحوه، فالتقى العسكران على ماجون، وهو نهر كير ~~يقارب دجلة بالموصل، وكان مع الهندي سبع مائة فيل، ومن العسكر على ما قيل ~~ألف ألف رجل، ومن جملة عسكره عدة أمراء مسلمين، كانوا في تلك البلاد أبا عن ~~جد، من أيام السلطان محمود بن سبكتكين، يلازمون شريعة الإسلام، ويواظبون ~~على الصلوات وأفعال الخير، فلما التقى المسلمون والهنود اقتتلوا، فصبر ~~الكفار لكثرتهم، وصبر المسلمون لشجاعتهم، فانهزم الكفار، ونصر المسلمون، ~~وكثر القتل في الهنود، حتى امتلأت الأرض وجافت، وكانوا لا يأخذون إلا ~~الصبيان والجواري، وأما الرجال فيقتلون، وأخذ منهم تسعين فيلا، وباقي ~~الفيلة قتل بعضها، وانهزم بعضها، وقتل ملك الهند، ولم يعرفه أحد، إلا أنه ~~كانت أسنانه قد ضعفت أصولها، فأمسكوها بشريط الذهب، فبذلك عرفوه. فلما ~~انهزم الهنود دخل شهاب الدين بلاد بنارس، وحمل من خزائنها على ألف وأربع ~~مائة جمل، وعاد إلى غزنة ومعه الفيلة التي أخذها من جملتها فيل أبيض، حدثني ~~من رآه: لما أخذت الفيلة، وقدمت إلى شهاب الدين، أمرت بالخدمة، فخدمت ~~جميعها إلا الأبيض فإنه لم يخدم، ms4312 ولا يعجب أحد من قولنا الفيلة تخدم، فإنها ~~تفهم ما يقال لها، ولقد شاهدت فيلا بالموصل وفياله يحدثه، فيفعل ما يقول له. ### || AUT ذكر قتل السلطان طغرل # ### || AUT وملك خوارزم شاه الري ووفاة أخيه سلطان شاه # قد ذكرنا سنة ثمان وثمانين خرج السلطان طغرل بن ألب أرسلان بن طغرل بن ~~محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي من الحبس، وملكه همذان وغيرها، وكان ~~قد جرى بينه وبين قتلغ إينانج بن البهلوان، صاحب البلاد، حرب انهزم فيها ~~قتلغ إينانج، وتحصن بالري. PageV05P0217 # وسار طغرل إلى همذان، وأرسل قتلغ إينانج إلى خوارزم شاه علاء الدين تكش ~~يستنجده، فسار إليه في سنة ثمان وثمانين، فلما تقاربا ندم قتلغ إينانج على ~~استدعاء خوارزم شاه، وخاف على نفسه فمضى من بين يديه وتحصن في قلعة له، ~~فوصل خوارزم شاه إلى الري وملكها، وحصر قلعة طبرك ففتحها في يومين، وراسله ~~طغرل، واصطلحا، وبقيت الري في يد خوارزم، فجد في السير خوفا عليها، فأتاه ~~الخبر، وهو في الطريق، أن أهل خوارزم منعوا سلطان شاه عنها، ولم يقددر على ~~القرب منها، وعاد عنها خائبا، فشتى خوارزم شاه بخوارزم، فلما انقضى الشتاء ~~سار إلى مرو لقصد أخيه سنة تسع وثمانين، فترددت الرسل بينهما في الصلح. ~~فبينما هم في تقرير الصلح ورد على خوارزم شاه رسول من مستحفظ قلعة سرخس ~~لأخيه سلطان شاه يدعوه ليسلم إليه القلعة لأنه قد استوحش من صاحبه سلطان ~~شاه، فسار خوارزم شاه إليه مجدا، فتسلم القلعة وصار معه. وبلغ ذلك سلطان ~~شاه في عضده، وتزايد كمده، فمات سلخ رمضان سنة تسع وثمانين وخمسمائة؛ فلما ~~سمع خوارزم شاه بموته سار من ساعته إلى مرو فتسلمها، وتسلم مملكة أخيه ~~سلطان شاه جميعها وخزائنه، وأرسل إلى ابنه علاء الدين محمد، وكان يلقب ~~حينئذ قطب الدين، وهو بخوارزم، فأحضره فولاه نيسابور، وولى ابنه الأكبر ~~ملكشاه مرو، وذلك في ذي الحجة سنة تسع وثمانين. فلما دخلت سنة تسعين ~~وخمسمائة قصد السلطان طغرل بلد الري فأغار على من به من أصحاب خوارزم ms4313 شاه، ~~ففر منه قتلغ إينانج بن البهلوان، وأرسل إلى خوارزم شاه يعتذر ويسأل إنجاده ~~مرة ثانية؛ ووافق ذلك وصول رسول الخليفة إلى خوارزم شاه يشكو من طغرل، ~~ويطلب إنجاده مرة ثانية؛ ووافق ذلك وصول رسول الخليفة إلى خوارزم شاه يشكو ~~من طغرل، ويطلب منه قصد بلاده ومعه منشور بإقطاعه البلاد، فسار من نيسابور ~~إلى الري، فتلقاه قتلغ إينانج ومن معه بالطاعة، وساروا معه، فلما سمع ~~السلطان طغرل بوصوله كانت عساكره متفرقة، فلم يقف ليجمعها، بل سار إليه ~~فيمن معه، فقيل له: إن الذي تفعله ليس برأي، والمصلحة أن تجمع العساكر؛ فلم ~~يقبل، وكان فيه شجاعة، بل تمم مسيره، فالتقى العسكران بالقرب من الري، فحمل ~~طغرل بنفسه في وسط عسكر خوارزم شاه، فأحاطوا به وألقوه عن فرسه وقتلوه في ~~الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول، وحمل رأسه إلى خوارزم شاه، فسيره من ~~يومه إلى بغداد فنصب بها بباب النوبي عدة أيام. وسار خوارزم شاه إلى همذان، ~~وملك تلك البلاد جميعها، وكان الخليفة الناصر لدين الله قد سير عسكرا إلى ~~نجدة خوارزم شاه، وسير له الخلع السلطانية مع وزيره مؤيد الدين بن القصاب، ~~فنزل على فرسخ من همذان، فأرسل إليه خوارزم شاه يطلبه إليه، فقال مؤيد ~~الدين: ينبغي أن تحضر أنت وتلبس الخلعة من خيمتي؛ وترددت الرسل بينهما في ~~ذلك، فقيل لخوارزم شاه: إنها حيلة عليك حتى تحضر عنده ويقبض عليك؛ فرحل ~~خوارزم شاه إليه قصدا لأخذه، فاندفع من بين يديه والتجأ إلى بعض الجبال ~~فامتنع به، فرجع خوارزم شاه إلى همذان، ولما ملك همذان وتلك البلاد سلمها ~~إلى قتلغ إينانج، وأقطع كثيرا منها لمماليكه وجعل المقدم عليهم مياجق، وعاد ~~إلى خوارزم. ### || AUT ذكر مسير وزير الخليفة إلى خوزستان وملكها # في هذه السنة، في شعبان، خلع الخليفة الناصر لدين الله على النائب في ~~الوزارة مؤيد الدين أبي عبد الله محمد بن علي المعروف بابن القصاب، خلع ~~الوزارة، وحكم في الولاية، وبرز في رمضان، وسار إلى بلاد خوزستان؛ وولي ~~الأعمال بها، وصار له ms4314 فيها أصحاب وأصدقاء ومعارف، وعرف البلاد ومن أي وجه ~~يمكن الدخول إليها والاستيلاء عليها، فلما ولي ببغداد نيابة الوزارة أشار ~~على الخليفة بأن يرسله في عسكر إليها ليملكها له، وكان عزمه أنه إذا ملك ~~البلاد واستقر فيها أقام مظهرا للطاعة، مستقلا بالحكم فيها، ليأمن على ~~نفسه. فاتفق أن صاحبها ابن شملة توفي، واختلف أولاده بعده، فراسل بعضهم ~~مؤيد الدين يستنجده لما بينهم من الصحبة القديمة، فقوي الطمع في البلاد، ~~فجهزت العساكر وسيرت معه إلى خوزستان، فوصلها سنة إحدى وتسعين وجرى بينه ~~وبين أصحاب البلاد مراسلات ومحاربة عجزوا عنها، وملك مدينة تستر في المحرم، ~~وملك غيرها من البلاد، وملك القلاع، وأنفذ بني شملة أصحاب بلاد خوزستان إلى ~~بغداد، فوصلوا في ربيع الأول. PageV05P0218 ### || AUT ذكر حصر العزيز مدينة دمشق # في هذه السنة وصل الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين، وهو صاحب مصر، إلى ~~مدينة دمشق، فحصرها وبها أخوه الأكبر الملك الأفضل علي بن صلاح الدين، وكنت ~~حينئذ بدمشق، فنزل بنواحي ميدان الحصى، فأرسل الأفضل إلى عمه الملك العادل ~~أبي بكر بن أيوب، وهو صاحب الديار الجزرية، يستنجده، وكان الأفضل غاية ~~الواثق به والمعتمد عليه، وقد سبق ما يدل على ذلك، فسار الملك العادل إلى ~~دمشق هو والملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، صاحب حلب، وناصر الدين محمد بن ~~تقي الدين، صاحب حماة، وأسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه، صاحب حمص، ~~وعسكر الموصل وغيرها، كل هؤلاء اجتمعوا بدمشق، واتفقوا على حفظها، علما ~~منهم أن العزيز إن ملكها أخذ بلادهم. فلما رأى العزيز اجتماعهم علم أنه لا ~~قدرة له على البلد، فترددت الرسل حينئذ في الصلح، فاستقرت القاعدة على أن ~~يكون البيت المقدس وما جاوره من أعمال فلسطين للعزيز، وتبقى دمشق وطبرية ~~وأعمالها والغور للأفضل، على ما كانت عليه، وأن يعطي الأفضل أخاه الملك ~~الظاهر جبلة ولاذقية بالساحل الشامي، وأن يكون للعادل بمصر إقطاعه الأول، ~~واتفقوا على ذلك، وعاد العزيز إلى مصر، ورجع كل واحد من الملوك إلى بلده. ### || AUT ذكر عدة حوادث ms4315 # في هذه السنة كانت زلزلة في ربيع الأول بالجزيرة والعراق وكثير من ~~البلاد، سقطت منها الجبانة التي عند مشهد أمير المؤمنين علي، عليه السلام. ~~وفيها، في جمادى الآخرة، اجتمعت زعب وغيرها من العرب، وقصدوا مدينة النبي ~~صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم هاشم بن قاسم، أخو أمير المدينة، فقاتلهم ~~فقتل هاشم، وكان أمير المدينة قد توجه إلى الشام، فلهذا طمعت العرب فيه. ~~وفيها توفي القاضي أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الصمد الطرسوسي الحلبي ~~بها، في شعبان، وكان من عباد الله الصالحين، رحمه الله تعالى. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر ملك وزير الخليفة همذان # ### || AUT وغيرها من بلاد العجم # قد ذكرنا ملك مؤيد الدين بن القصاب بلاد خوزستان، فلما ملكها سار منها ~~إلى ميسان من أعمال خوزستان، فوصل إليه قتلغ إينانج بن البهلوان، صاحب ~~البلاد، وقد تقدم ذكر تغلب خوارزم شاه عليها، ومعه جماعة من الأمراء، ~~فأكرمه وزير الخليفة وأحسن إليه. وكان سبب مجيئه أنه جرى بينه وبين عسكر ~~خوارزم شاه ومقدمهم مياجق مصاف عند زنجان، واقتتلوا، فانهزم قتلغ إينانج ~~وعسكره، وقصد عسكر الخليفة ملتجئا إلى مؤيد الدين الوزير، فأعطاه الوزير ~~الخيل والخيام وغير ذلك مما يحتاج إليه، وخلع عليه وعلى من معه من الأمراء، ~~ورحلوا إلى كرماشاهان. ورحل منها إلى همذان، وكان بها ولد خوارزم شاه ~~ومياجق والعسكر الذي معهما، فلما قاربهم عسكر الخليفة فارقها الخوارزميون ~~وتوجهوا إلى الري، واستولى الوزير على همذان في شوال من هذه السنة، ثم رحل ~~هو وقتلغ إينانج خلفهم، فاستولوا على كل بلد جازوا به منها: خرقان، ~~ومزدغان، وساوة، وآوة، وساروا إلى الري، ففارقها الخوارزميون إلى خوار ~~الري، فسير الوزير خلفهم عسكرا، ففارقها الخوارزميون إلى دامغان، وبسطام، ~~وجرجان، فعاد عسكر الخليفة إلى الري فأقاموا بها، فاتفق قتلغ إينانج ومن ~~معه من الأمراء على الخلاف على الوزير وعسكر الخليفة لأنهم رأوا البلاد قد ~~خلت من عسكر خوارزم شاه، فطمعوا فيها. فدخلوا الري، فحصرها وزير الخليفة، ~~ففارقها قتلغ إينانج، وملكها الوزير، ms4316 ونهبها العسكر، فأمر الوزير بالنداء ~~بالكف عن النهب. وسار قتلغ إينانج ومن معه من الأمراء إلى مدينة آوة وبها ~~شحنة الوزير، فمنعهم من دخولها، فساروا عنها، ورحل الوزير في أثرهم نحو ~~همذان، فبلغه وهو في الطريق أن قتلغ أينانج قد اجتمع معه عسكر، وقصد مدينة ~~كرج، وقد نزل على دربند هناك، فطلبهم الوزير من موضع المصاف إلى همذان، ~~فنزل بظاهرها، فأقام نحو ثلاثة أشهر، فوصله رسول خوارزم شاه تكش، وكان قد ~~قصدهم منكرا أخذه البلاد من عسكره، ويطلب إعادتها، وتقرير قواعد الصلح، فلم ~~يجب الوزير إلى ذلك، فسار خوارزم شاه مجدا إلى همذان. PageV05P0219 # وكان الوزير مؤيد الدين بن القصاب قد توفي في أوائل شعبان، فوقع بينه ~~وبين عسكره الخليفة مصاف، نصف شعبان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، فقتل ~~بينهم كثير من العسكرين، وانهزم عسكر الخليفة، وغنم الخوارزميون منهم شيئا ~~كثيرا، وملك خوارزم شاه همذان، ونبش الوزير من قبره وقطع رأسه وسيره إلى ~~خوارزم، وأظهر أنه قتله في المعركة؛ ثم إن خوارزم شاه أتاه من خراسان ما ~~أوجب أن يعود إليها، فترك البلاد وعاد إلى خراسان. ### || AUT ذكر غزو ابن عبد المؤمن الفرنج بالأندلس # في هذه السنة، في شعبان، غزا أبو يوسف يعقوب بن عبد المؤمن، صاحب بلاد ~~المغرب والأندلس، بلاد الفرنج بالأندلس؛ وسبب ذلك أن ألفنش ملك الفرنج بها، ~~ومقر ملكه مدينة طليطلة، كتب إلى يعقوب كتابا نسخته: باسمك اللهم فاطر ~~السموات والأرض؛ أما بعد أيها الأمير، فإنه لا يخفى على كل ذي عقل لازب، ~~ولا ذي لب وذكاء ثاقب، أنك أمير الملة الحنيفية، كما أنا أمير الملة ~~النصرانية، وأنك من لا يخفى عليه ما هم عليه رؤساء الأندلس من التخاذل ~~والتواكل، وإهمال الرعية، واشتمالهم على الراحات، وأنا أسومهم الخسف وأخلي ~~الديار، وأسبي الذاراري، وأمثل بالكهول، وأقتل الشباب، ولا عذر لك في ~~التخلف عن نصرتهم، وقد أمكنتك يد القدرة، وأنتم تعتقدون أن الله فرض عليكم ~~قتال عشرة منا بواحد منكم، والآن خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم ضعفا، فقد ~~فرض عليكم ms4317 قتال اثنين منا بواحد منكم، ونحن الآن نقاتل عددا منكم بواحد ~~منا، ولا تقدرون دفاعا، ولا تستطيعون امتناعا. ثم حكي لي عنك أنك أخذت في ~~الاحتفال، وأشرفت على ربوة القتال، وتمطل نفسك عاما بعد عام، تقدم رجلا ~~وتؤخر أخرى، ولا أدري الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما أنزل عليك. ثم حكي لي ~~عنك أنك لا تجد سبيلا للحرب لعلك ما يسوغ لك التقحم فيها، فها أنا أقول لك ~~ما فيه الراحة، وأعتذر عنك، ولك أن توافيني بالعهود والمواثيق والأيمان أن ~~تتوجه بجملة من عندك في المراكب والشواني، وأجوز إليك بجملتي وأبارزك في ~~أعز الأماكن عندك، فإن كانت لك فغنيمة عظيمة جاءت إليك، وهدية مثلت بين ~~يديك، وإن كانت لي كانت يدي العليا عليك، واستحققت إمارة الملتين، والتقدم ~~على الفئتين، والله يسهل الإرادة، ويوفق السعادة بمنه لا رب غيره، ولا خير ~~إلا خيره. فلما وصل كتابه وقرأه يعقوب كتب في أعلاه هذه الآية: (ارجع إليهم ~~فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون) النمل 37، ~~وأعاده إليه، وجمع العساكر العظيمة من المسلمين وعبر المجاز إلى الأندلس. ~~وقيل: كان سبب عبوره إلى الأندلس أن يعقوب لما قاتل الفرنج سنة ست وثمانين ~~وصالحهم، بقي طائفة من الفرنج لم ترض الصلح، كما ذكرناه، فلما كان الآن ~~جمعت تلك الطائفة جمعا من الفرنج، وخرجوا إلى بلاد الإسلام، فقتلوا وسبوا ~~وغنموا وأسروا، وعاثوا فيها عيثا شديدا، فانتهى ذلك إلى يعقوب، فجمع ~~العساكر، وعبر المجاز إلى الأندلس في جيش يضيق عنهن الفضاء، فسمعت الفرنج ~~بذلك، فجمعت قاصيهم ودانيهم، وأقبلوا إليه مجدين على قتاله، واثقين بالظفر ~~لكثرتهم، فالتقوا، تاسع شعبان، شمالي قرطبة عند قلعة رياح، بمكان يعرف بمرج ~~الحديد، فاقتتلوا قتالا شديدا، فكانت الدائرة أولا على المسلمين، ثم عادت ~~على الفرنج، فانهزموا أقبح هزيمة وانتصر المسلمون عليهم (وجعل كلمة الذين ~~كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم) التوبة 40. وكان عدد ~~من قتل من الفرنج مائة ألف وستة وأربعين ألفا، وأسر ثلاثة عشر ألفا، وغنم ms4318 ~~المسلمون منهم شيئا عظيما، فمن الخيام مائة ألف وثلاثة وأربعون ألفا، ومن ~~الخيل ستة وأربعون ألفا، ومن البغال مائة ألف، ومن الحمير مائة ألف. وكان ~~يعقوب قد نادى في عسكره: من غنم شيئا فهو له سوى السلاح؛ وأحصى ما حمل إليه ~~منه، فكان زيادة على سبعين ألف لبس، وقتل من المسلمين نحو عشرين ألفا. ولما ~~انهزم الفرنج اتبعهم أو يوسف، فرآهم قد أخذوا قلعة رياح، وساروا عنها من ~~الرعب والخوف، فملكها، وجعل فيها واليا، وجندا يحفظونها، وعاد إلى مدينة ~~إشبيلية. PageV05P0220 # وأما ألفنش، فإنه لما انهزم حلق رأسه، ونكس صليبه، وركب حمارا، وأقسم أن ~~لا يركب فرسا ولا بغلا حتى تنصر النصرانية، فجمع جموعا عظيمة، وبلغ الخبر ~~بذلك إلى يعقوب، فأرسل إلى بلاد الغرب مراكش وغيرها يستنفر الناس من غير ~~إكراه، فأتاه من المتطوعة والمرتزقين جمع عظيم، فالتقوا في ربيع الأول سنة ~~اثنتين وتسعين وخمسمائة، فانهزم الفرنج هزيمة قبيحة، وغنم المسلمون ما معهم ~~من الأموال والسلاح والدواب وغيرها، وتوجه إلى مدينة طليلطة فحصرها، ~~وقاتلها قتالا شديدا، وقطع أشجارها، وشن الغارة على ما حولها من البلاد، ~~وفتح فيها عدة حصون، فقتل رجالها، وسبى حريمها، وخرب دورها، وهدم أسوارها، ~~فضعفت النصرانية حينئذ، وعظم أمر الإسلام بالأندلس، وعاد يعقوب إلى إشبيلية ~~فأقام بها. فلما دخلت سنة ثلاث وتسعين سار عنها إلى بلاد الفرنج، وذلوا، ~~واجتمع ملوكها، وأرسلوا يطلبون الصلح، فأجابهم إليه بعد أن كان عازما على ~~الامتناع مريدا لملازمة الجهاد إلى أن يفرغ منهم، فأتاه خبر علي بن إسحق ~~الملثم الميورقي أنه فعل بإفرقية ما نذكره من الأفاعيل الشنيعة، فترك عزمه، ~~وصاحلهم مدة خمس سنين، وعاد إلى مراكش آخر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. ### || AUT ذكر فعلة الملثم بإفريقية # لما عبر أبو يوسف يعقوب، صاحب المغرب، إلى الأندلس، كما ذكرنا، وأقام ~~مجاهدا ثلاث سنين، انقطعت أخباره عن إفريقية، فقوي طمع علي بن إسحق الملثم ~~الميورقي، وكان بالبرية مع العرب، فعاود قصد إفريقية، فانبث جنوده في ~~البلاد فخربوها، وأكثروا الفساد فيها، فمحيت آثار تلك البلاد وتغيرت، ms4319 وصارت ~~خالية من الأنيس، خاوية على عروشها. وأراد المسير إلى بجاية ومحاصرتها ~~لاشتغال يعقوب بالجهاد، وأظهر أنه إذا استولى على بجاية سار إلى المغرب؛ ~~فوصل الخبر إلى يعقوب بذلك، فصالح الفرنج على ما ذكرناه، وعاد إلى مراكش ~~عازما على قصده، وإخراجه من البلاد، كما فعل سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وقد ذكرناه. ### || AUT ذكر ملك عسكر الخليفة أصفهان # في هذه السنة جهز الخليفة الناصر لدين الله جيشا وسيره إلى أصفهان، ~~ومقدمهم سيف الدين طغرل، مقطع بلد اللحف من العراق، وكان بأصفهان عسكر ~~لخوارزم شاه مع ولده. وكان أهل أصفهان يكرهونهم، فكاتب صدر الدين الخجندي ~~رئيس الشافعية بأصفهان الديوان ببغداد يبذل من نفسه تسليم البلد إلى من يصل ~~الديوان من العساكر، وكان هو الحكام بأصفهان على جميع أهلها، فسيرت ~~العساكر، فوصلوا إلى أصفهان، ونزلوا بظاهر البلد، وفارقه عسكر خوارزم شاه، ~~وعادوا إلى خراسان، وتبعهم بعض عسكر الخليفة، فتخطفوا منهم، وأخذوا من ساقة ~~العسكر من قدروا عليه، ودخل عسكر الخليفة إلى أصفهان وملكوها. ### || AUT ذكر ابتداء حال كوكجه # ### || AUT وملكه بلد الري وهمذان وغيرهما # لما عاد خوارزم شاه إلى خرسان، كما ذكرنا، اتفق المماليك الذين للبهلوان ~~والأمراء، وقدموا على أنفسهم كوكجه، وهو من أعيان المماليك البهلوانية، ~~واستولوا على الري وما جاورها من البلاد، وساروا إلى أصفهان لإخراج ~~الخوارزمية منها، فلما قاربوها سمعوا بعسكر الخليفة عندها، فأرسل إلى مملوك ~~الخليفة سيف الدين طغرل يعرض نفسه على خدمة الديوان، ويظهر العبودية، وأنه ~~إنما قصد أصفهان في طلب العساكر الخوارزمية، وحيث رآهم فارقوا أصفهان سار ~~في طلبهم، فلم يدركهم، وسار عسكر الخليفة من أصفهان إلى همذان. وأما كوكجه ~~فإنه تبع الخوارزمية إلى طبس، وهي من بلاد الإسماعيلية، وعاد فقصد أصفهان ~~وملكها، وأرسل إلى بغداد يطلب أن يكون له الري وخوار الري وساوة وقم وقاجان ~~وما ينضم إليها إلى حد مزدغان، وتكون أصفهان وهمذان وزنجان وقزوين لديوان ~~الخليفة، فأجيب إلى ذلك، وكتب له منشور بما طلب، وأرسلت له الخلع، فعظم ~~شأنه، وقوي أمره، وكثرت عساكره، وتعظم على ms4320 أصحابه. ### || AUT ذكر حصر العزيز دمشق ثانية # ### || AUT وانهزمه عنها # وفي هذه السنة أيضا خرج الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين من مصر في ~~عساكره إلى دمشق يريد حصرها، فعاد عنها منهزما. PageV05P0221 # وسبب ذلك أن من عنده من مماليك أبيه، وهم المعروفون بالصلاحية: فخر الدين ~~جركس، وسرا سنقر، وقراجا، وغيرهم كانوا منحرفين عن الأفضل علي بن صلاح ~~الدين لأنه كان قد أخرج من عنده منهم مثل: ميمون القصري، وسنقر الكبير، ~~وأيبك وغيرهم، فكانوا لا يزالون يخوفون العزيز من أخيه، ويقولون: إن ~~الأكراد والمماليك الأسدية من عسكر مصر يريدون أخاك، ونخاف أن يميلوا إليه ~~ويخرجوك من البلاد، والمصلحة أن نأخذ دمشق؛ فخرج من العام الماضي وعاد، كما ~~ذكرناه، فتجهز هذه السنة ليخرج، فبلغ الخبر إلى الأفضل، فسار من دمشق إلى ~~عمه الملك العادل، فاجتمع به بقلعة جعبر، ودعاه إلى نصرته، وسار من عنده ~~إلى حلب، إلى أخيه الملك الظاهر غازي، فاستنجد به، وسار الملك العادل من ~~قلعة جعبر إلى دمشق، فسبق الأفضل إليها ودخلها، وكان الأفضل لثقته به قد ~~أمر نوابه بإدخاله إلى القلعة ثم عاد الأفضل من حلب إلى دمشق ووصل الملك ~~العزيز إلى قرب دمشق، فأرسل مقدم الأسدية، وهو سيف الدين أيازكوش، وغيره ~~منهم، ومن الأكراد أبو الهيجاء السمين وغيره، إلى الأفضل والعادل بالانحياز ~~إليهما والكون معهما، ويأمرهما بالاتفاق على العزيز والخروج من دمشق ~~ليسلموه إليهما. وكان سبب الانحراف عن العزيز وميلهم إلى الأفضل أن العزيز ~~لما ملك مصر مال إلى المماليك الناصرية، وقدمهم، ووثق بهم، ولم يلتفت إلى ~~هؤلاء الأمراء، فامتعضوا من ذلك، ومالوا إلى أخيه، وأرسلوا إلى الأفضل ~~والعادل فاتفقا على ذلك، واستقرت القاعدة بحضور رسل الأمراء أن الأفضل يملك ~~الديار المصرية، ويسلم دمشق إلى عمه الملك العادل، وخرجا من دمشق، فانحاز ~~إليهما من ذكرنا، فلم يمكن العزيز المقام، بل عاد منهزما يطوي المراحل خوف ~~الطلب ولا يصدق بالنجاة، وتساقط أصحابه عنه إلى أن وصل إلى مصر. وأما ~~العادل والأفضل فإنهما أرسلا إلى القدس، وفيه نائب العزيز، ms4321 فسلمه إليهما، ~~وسارا فيمن معهما من الأسدية والأكراد إلى مصر، فرأى العادل انضمام العساكر ~~إلى الأفضل، واجتماعهم عليه، فخاف أنه يأخذ مصر، ولا يسلم إليه دمشق، فأرسل ~~حينئذ سرا إلى العزيز يأمره بالثبات، وأن يجعل بمدينة بلبيس من يحفها، ~~وتكفل بأنه يمنع الأفضل وغيره من مقاتلة من بها، فجعل العزيز الناصرية ~~ومقدمهم فخر الدين جركس بها ومعهم غيرهم، ووصل العادل والأفضل إلى بلبيس، ~~فنازلوا من بها من الناصرية، وأراد الأفضل مناجزتهم، أو تركهم بها والرحيل ~~إلى مصر، فمنعه العادل من الأمرين، وقال: هذه عساكر الإسلام، فإذا اقتتلوا ~~في الحرب فمن يرد العدو الكافر، وما بها حاجة إلى هذا، فإن البلاد لك ~~وبحكمك، ومتى قصدت مصر والقاهرة وأخذتهما قهرا زالت هيبة البلاد، وطمع فيها ~~الأعداء، وليس فيها من يمنعك عنها. وسلك معه أمثال هذا، فطالت الأيام، ~~وأرسل إلى العزيز سرا يأمره بإرسال القاضي الفاضل، وكان مطاعا عند البيت ~~الصلاحي لعلو منزلته كانت عند صلاح الدين، فحضر عندهما، وأجرى ذكر الصلح، ~~وزاد القول ونقص، وانفسخت العزائم واستقر الأمر على أن يكون للأفضل القدس ~~وجميع البلاد بفلسطين وطبرية والأردن وجميع ما بيده، ويكون للعادل إقطاعه ~~الذي كان قديما، ويكون مقيما بمصر عند العزيز، إنما اختار ذلك لأن الأسدية ~~والأكراد لا يريدون العزيز، فهم يجتمعون معه، فلا يقدر العزيز على منعه عما ~~يريد، فلما استقر الأمر على ذلك وتعاهدوا عاد الأفضل إلى دمشق وبقي العادل ~~بمصر عند العزيز. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في ذي القعدة، التاسع عشر منه، وقع حريق عظيم ببغداد بعقد المصطنع ~~فاحترقت المربعة التي بين يديه، ودكان ابن البخيل الهراس، وقيل كان ابتداؤه ~~من دار ابن البخيل. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر ملك شهاب الدين بهنكر # ### || AUT وغيرها من بلد الهند # PageV05P0222 # في هذه السنة سار شهاب الدين الغوري، صاحب غزنة، إلى بلد الهند، وحصر ~~قلعة بهنكر، وهي قلعة عظيمة منيعة، فحصرها، فطلب أهلها منه الأمان على أن ~~يسلموا إليه، فأمنهم وتسلمها، وأقام عندها عشرة أيام حتى رتب ms4322 جندها ~~وأحوالها وسار عنها إلى قلعة كوالير، وبينهما مسيرة خمسة أيام، وفي الطريق ~~نهر كبير، فجازه، ووصل إلى كوالير، وهي قلعة منيعة حصينة على جبل عال لا ~~يصل إليها حجر منجنيق، ولا نشاب، وهي كبيرة، فأقام عليها صفرا جميعه ~~يحاصلها، فلم يبلغ منها غرضا، فراسله من بها في الصلح، فأجابهم إليه على أن ~~يقر القلعة بأيديهم على مال يحملونه إليه، فحملوا إليه فيلا حمله ذهب، فرحل ~~عنها إلى بلاد آي وسور، فأغار عليها ونهبها، وسبى وأسر ما يعجز العاد عن ~~حصره، ثم عاد إلى غزنة سالما. ### || AUT ذكر ملك العادل مدينة دمشق من الأفضل # في هذه السنة، في السابع والعشرين من رجب، ملك الملك العادل أبو بكر ابن ~~أيوب مدينة دمشق من ابن أخيه الأفضل علي بن صلاح الدين. وكان أبلغ الأسباب ~~في ذلك وثوق الأفضل بالعادل، وأنه بلغ من وثوقه به أنه أدخله بلده وهو غائب ~~عنه، ولقد أرسل إليه أخوه الظاهر غازي، صاحب حلب، يقول له: أخرج عمنا من ~~بيننا فإنه لا يجيء علينا منه خير، ونحن ندخل لك تحت كل ما تريد، وأنا أعرف ~~به منك، وأقرب إليه، فإنه عمي مثل ما هو عمك، وأنا زوج ابنته، ولو علمت أنه ~~يريد لنا خيرا لكنت أولى به منك. فقال له الأفضل: أنت سيء الظن في كل أحد؛ ~~أي مصلحة لعمنا في أن يؤذينا؟ ونحن إذا اجتمعت كلمتنا، وسيرنا معه العساكر ~~من عندنا كلنا، ملك من البلاد أكثر من بلادنا، ونربح سوء الذكر. وهذا كان ~~أبلغ الأسباب، ولا يعلمها كل أحد، وأما غير هذا، فقد ذكرنا مسير العادل ~~والأفضل إلى مصر وحصارهم بلبيس، وصلحهم مع الملك العزيز بن صلاح الدين، ~~ومقام العادل معه بمصر، فلما أقام عنده استماله، وصلحهم مع الملك العزيز بن ~~صلاح الدين، ومقام العادل معه بمصر، فلما أقام عنده استماله، وقرر معه أنه ~~يخرج معه إلى دمشق ويأخذها من أخيه ويسلمها إليه، فسار معه من مصر إلى ~~دمشق، وحصروها، واستمالوا أميرا من أمراء الأفضل يقال له ms4323 العزيز بن أبي ~~غالب الحمصي، وكان الأفضل كثير الإحسان إليه، والاعتماد عليه، والوثوق به، ~~فسلم إليه بابا من أبواب دمشق يعرف بالباب الشرقي ليحفظه، فمال إلى العزيز ~~والعادل، ووعدهما أنه يفتح لهما الباب، ويدخل العسكر منه إلى البلد غيلة، ~~ففتحه اليوم السابع والعشرين من رجب، وقت العصر، وأدخل الملك العادل منه ~~ومعه جماعة من أصحابه، فلم يشعر الأفضل إلا وعمه معه في دمشق، وركب الملك ~~العزيز، ووقف بالميدان الأخضر غربي دمشق. فلما رأى الأفضل أن البلد قد ملك ~~خرج إلى أخيه، وقت المغرب، واجتمع به، ودخلا كلاهما البلد، واجتمعا ~~بالعادل، وقد نزل في دار أسد الدين شيركوه، وتحادثوا، فاتفق العادل والعزيز ~~على أن أوهما الأفضل أنهما يبقيان عليه البلد خوفا أنه ربما جمع من عنده من ~~العسكر وثار بهما، ومعه العامة، فأخرجهم من البلد، لأن العادل لم يكن في ~~كثرة؛ وأعاد الأفضل إلى القلعة، وبات العادل في دار شيركوه، وخرج العزيز ~~إلى الخيم فبات فيها، وخرج العادل من الغد إلى جوسقه فأقام به وعساكره في ~~البلد في كل يوم يخرج الأفضل إليهما، ويجتمع بهما، فبقوا كذلك أياما، ثم ~~أرسلا إليه وأمراه بمفارقة القلعة وتسليم البلد على قاعدة أن تعطى قلعة ~~صرخد له، ويسلم جميع أعمال دمشق، فخرج الأفضل، ونزل في جوسق بظاهر البلد، ~~غربي دمشق، وتسلم العزيز القلعة، ودخلها، وأقام بها أياما، فجلس يوما في ~~مجلس شرابه، فلما أخذت منه الخمر جرى على لسانه أنه يعيد البلد إلى الأفضل، ~~فنقل ذلك إلى العادل في وقته، فحضر المجلس في ساعته، والعزيز سكران، فلم ~~يزل به حتى سلم البلد إليه، وخرج منه، وعاد إلى مصر، وسار الأفضل إلى صرخد، ~~وكان العادل يذكر أن الأفضل سعى في قتله، فلهذا أخذ البلد منه، وكان الأفضل ~~ينكر ذلك ويتبرأ منه (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون) البقرة 113. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في المحرم، هبت ريح شدية بالعراق، واسودت لها الدنيا، ~~ووقع رمل أحمر، واستعظم الناس ذلك وكبروا، واشتعلت الأضواء ms4324 بالنهار. ~~PageV05P0223 # وفيها قتل صدر الدين محمود بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت الخجندي، رئيس ~~الشافعية بأصفهان، قتله فلك الدين سنقر الطويل، شحنة أصفهان بها، وكان قدم ~~بغداد سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، واستوطنها، وولي النظر في المدرسة ~~النظامية ببغداد، ولما سار مؤيد الدين بن القصاب إلى خوزستان سار في صحبته، ~~فلما ملك الوزير أصفهان أقام ابن الخجندي بها في بيته وملكه ومنصبه، فجرى ~~بينه وبين سنقر الطويل شحنة أصفهان للخليفة منافرة فقتله سنقر. وفي رمضان ~~درس مجير الدين أبو القاسم محمود بن المبارك البغدادي، الفقيه الشافعي ~~بالمدرسة النظامية ببغداد. وفي شوال منها استنيب نصير الدين ناصر بن مهدي ~~العلوي الرازي في الوزارة ببغداد، وكان قد توجه إلى بغداد لما ملك ابن ~~القصاب الري. وفيها ولي أبو طالب يحيى بن سعيد بن زيادة ديوان الإنشاء ~~ببغداد، وكان كاتبا مفلقا، وله شعر جيد. وفي صفر منها توفي الفخر محمود بن ~~علي القوفاني الفقيه الشافعي بالكوفة، عائدا من الحج، وكان من أعيان أصحابه ~~محمد بن يحيى. وفي رجب منها توفي أبو الغنائم محمد بن علي بن المعلم الشاعر ~~الهرثي، والهرث بضم الهاء والثاء المثلثة قرية من أعمال واسط، عن إحدى ~~وتسعين سنة. وفي رابع شعبان منها توفي الوزير مؤيد الدين أبو الفضل محمد بن ~~علي بن القصاب بهمذان، وقد ذكرنا من كفايته ونهضته ما فيه كفاية. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر إرسال الأمير أبي الهيجاء إلى همذان # في هذه السنة، في صفر، وصل إلى بغداد أمير كبير من أمراء مصر اسمه أبو ~~الهيجاء، ويعرف بالسمين، لأنه كان كثير السمن، وكان من أكابر أمراء مصر، ~~وكان في إقطاعه أخيرا البيت المقدس وغيره مما يجاوره، فلما ملك العزيز ~~والعادل مدينة دمشق من الأفضل، أخذ القدس منه ففارق الشام، وعبر الفرات إلى ~~الموصل، ثم انحدر إلى بغداد، لأنه طلب من ديوان الخلافة، فلما وصل إليها ~~أكرم إكراما كثيرا، ثم أمر بالتجهيز والمسير إلى همذان مقدما على العساكر ~~البغدادية، فسار إليها والتقي عندها ms4325 بالملك أوزبك بن البهلوان وأمير علم ~~وابنه، وابن سطمس وغيرهم، وهم قد كاتبوا الخليفة بالطاعة، فلما اجتمع بهم ~~وثقوا به ولم يحذروه، فقبض على أوزبك وابن سطمس وابن قرا بموافقة من أمير ~~علم، فلما وصل الخبر بذلك إلى بغداد أنكرت هذه الحال على أبي الهيجاء، وأمر ~~بالإفراج عن الجماعة وسيرت لهم الخلع من بغداد تطيبا لقلوبهم، فلم يسكنوا ~~بعد هذه الحادثة ولا أمنوا، ففارقوا أبا الهيجاء السمين، فخاف الديوان، فلم ~~يرجع إليه، ولم يمكنه أيضا المقام، فعاد يريد إربل لأنه من بلدها هو، فتوفي ~~قبل وصوله إليها، وهو من الأكراد الحكمية من بلد إربل. ### || AUT ذكر ملك العادل يافا من الفرنج # ### || AUT وملك الفرنج بيروت من المسلمين وحصر الفرنج تبنين ورحيلهم عنها # في هذه السنة، في شوال، ملك العادل أبو بكر بن أيوب مدينة يافا من ~~الساحل الشامي وهي بيد الفرنج، لعنهم الله. وسبب ذلك أن الفرنج كان قد ~~ملكهم الكند هري، على ما ذكرناه قبل، وكان الصلح قد استقر بين المسلمين ~~والفرنج أيام صلاح الدين يوسف بن أيوب، رحمه الله تعالى، فلما توفي وملك ~~أولاده بعده، كما ذكرناه، جدد الملك العزيز الهدنة مع الكند هري وزاد في ~~مدة الهدنة، وبقي ذلك إلى الآن. PageV05P0224 # وكان بمدينة بيروت أمير يعرف بأسامة، وهو مقطعها، فكان يرسل الشواني تقطع ~~الطريق على الفرنج، فاشتكى الفرنج من ذلك غير مرة إلى الملك العادل بدمشق، ~~وإلى الملك العزيز بمصر، فلم يمنعا أسامة من ذلك، فأرسلوا إلى ملوكهم الذين ~~داخل البحر يشتكون إليهم ما يفعل بهم المسلمون، ويقولون: إن لم تنجدونا، ~~وإلا أخذ المسلمون البلاد؛ فأمدهم الفرنج بالعساكر الكثيرة، وكان أكثرهم من ~~ملك الألمان، وكان المقدم عليهم قسيس يعرف بالخنصلير، فلما سمع العادل بذلك ~~أسل إلى العزيز بمصر يطلب العساكر، وأرسل إلى ديار الجزيرة الموصل يطلب ~~العساكر، فجاءته الأمداد واجتمعوا على عين الجالوت، فأقاموا شهر رمضان وبعض ~~شوال، ورحلوا إلى يافا، وملكوا المدينة، وامتنع من بها بالقلعة التي لها، ~~فخرب المسلمون المدينة، وحصروا القلعة، فملكوها عنوة وقهرا ms4326 بالسيف في ~~يومها، وهو يوم الجمعة، وأخذ كل ما بها غنيمة وأسرا وسبيا، ووصل الفرنج من ~~عكا إلى قيسارية ليمنعوا المسلمين عن يافا، فوصلهم الخبر بها بملكها ~~فعادوا. وكان سبب تأخرهم أن ملكهم الكندي هري سقط من موضع علا بعكا فمات، ~~فاختلت أحوالهم فتأخروا لذلك. وعاد المسلمون إلى عين الجالوت، فوصلهم الخبر ~~بأن الفرنج على عزم قصد بيروت، فرحل العادل والعسكر في ذي القعدة إلى مرج ~~العيون، وعزم على تخريب بيروت، فسار إليها جمع من العسكر، وهدموا سور ~~المدينة سابع ذي الحجة، وشرعوا في تخريب دورها وتخريب القلعة، فمنعهم أسامة ~~من ذلك، وتكفل بحفظها. ورحل الفرنج من عكا إلى صيدا، وعاد عسكر المسلمين من ~~بيروت، فالتقوا الفرنج بنواحي صيدا، وجرى بينهم مناوشة، فقتل من الفريقين ~~جماعة، وحجز بينهم الليل، وسار الفرنج تاسع ذي الحجة، فوصلوا إلى بيروت، ~~فلما قاربوها هرب منها أسامة وجميع من معه من المسلمين، فملكوها صفوا عفوا ~~بغير حرب ولا قتال، فكانت غنيمة باردة؛ فأسل العادل إلى صيدا من خرب ما كان ~~بقي منها، فإن صلاح الدين كان قد خرب أكثرها، وسارت العساكر الإسلامية إلى ~~صور، فقطعوا أشجارها، وخربوا ما لها من قرى وأبراج، فلما سمع الفرنج بذلك ~~رحلوا من بيروت إلى صور، وأقاموا عليها. ونزل المسلمون عند قلعة هونين وأذن ~~للعساكر الشرقية بالعود ظنا منه أن الفرنج يقيمون ببلادهم، وأراد أن يعطي ~~العساكر المصرية دستورا بالعود، فأتاه الخبر، منتصف المحرم، أن الفرنج قد ~~نازلوا حصن تبنين، فسير العادل إليه عسكرا يحمونه ويمنعون عنه، ورحل الفرنج ~~من صور، ونازلوا تبنين أول صفر سنة أربع وتسعين وقاتلوا من به، وجدوا في ~~القتال، ونقبوه من جهاتهم، فلما علم العادل بذلك أرسل إلى العزيز بمصر يطلب ~~منه أن يحضر هو بنفسه، ويقول له: إن حضرت، وإلا فلا يمكن حفظ هذا الثغر؛ ~~فسار العزيز مجدا فيمن بقي معه من العساكر. وأما من بحصن تبنين فإنهم لما ~~رأوا النقوب قد خربت تل القلعة، ولم يبق إلا أن يملكوها بالسيف، نزل بعض من ms4327 ~~فيها إلى الفرنج يطلب الأمان على أنفسهم وأموالهم ليسلموا القلعة، وكان ~~المرجع إلى القسيس الخنصلير من أصحاب ملك الألمان، فقال لهؤلاء المسلمين ~~بعض الفرنج الذين من ساحل الشام: إن سلمتم الحصن استأسركم هذا وقتلكم؛ ~~فاحفظوا نفوسكم؛ فعادوا كأنهم يراجعون من في القلعة ليسلموا، فلما صعد ~~إليها أصروا على الامتناع، وقاتلوا قتال من يحمي نفسه، فحموها إلى أن وصل ~~الملك العزيز إلى عسقلان في ربيع الأول، فلما سمع الفرنج بوصوله واجتماع ~~المسلمين، وأن الفرنج ليس لهم ملك يجمعهم، وأن أمرهم إلى امرأة، وهي ~~الملكة، اتفقوا وأرسلوا إلى ملك قبرس واسمه هيمري، فأحضروه، وهو أخو الملك ~~الذي أسر بحطين، كما ذكرناه، فزوجوه بالملكة زوجة الكند هري، وكان رجلا ~~عاقلا يحب السلامة والعافية، فلما ملكهم لم يعد إلى الزحف على الحصن، ولا ~~قاتله. واتفق وصول العزيز أول شهر ربيع الآخر، ورحل هو والعساكر إلى جبل ~~الخليل الذي يعرف بجبل عاملة، فأقاموا أياما، والأمطار متداركة، فبقي إلى ~~ثالث عشر الشهر، ثم سار وقارب الفرنج، وأرسل رمالة النشاب، فرموهم ساعة ~~وعادوا، ورتب العساكر ليزحف إلى الفرنج ويجد في قتالهم، فرحلوا إلى صور ~~خامس عشر الشهر المذكور ليلا، ثم رحلوا إلى عكا، فسار المسلمون فنزلوا ~~اللجون، وتراسلوا في الصلح، وتطاول الأمر، فعاد العزيز إلى مصر قبل انفصال ~~الحال. PageV05P0225 # وسبب رحيله أن جماعة من الأمراء، وهم ميمون القصري، وأسامة، وسرا سنقر، ~~والحجاف، وابن المشطوب، وغيرهم، قد عزموا على الفتك به وبفخر الدين جركس ~~مدبر دولته، وضعهم العادل على ذلك، فلما سمع بذلك سار إلى مصر وبقي العادل، ~~وترددت الرسل بينه وبين الفرنج في الصلح، فاصطلحوا على أن تبقى بيروت بيد ~~الفرنج، وكان الصلح في شعبان سنة أربع وتسعين، فلما انتظم الصلح عاد العادل ~~إلى دمشق، وسار منها إلى ماردين، من أرض الجزيرة، فكان ما نذكره، إن شاء ~~الله تعالى. ### || AUT ذكر وفاة سيف الإسلام وملك ولده # في شوال من هذه السنة توفي سيف الإسلام طغتكين بن أيوب: أخو صلاح الدين، ~~وهو صاحب اليمن، بزبيد، وقد ذكرنا كيف ms4328 ملك. وكان شديد السيرة، مضيقا على ~~رعيته، يشتري أموال التجار لنفسه ويبيعها كيف شاء. وأراد ملك مكة، حرسها ~~الله تعالى، فأرسل الخليفة الناصر لدين الله إلى أخيه صلاح الدين في ~~المعنى، فمنعه من ذلك، وجمع من الأموال ما لا يحصى، حتى إنه من كثرته كان ~~يسبك الذهب ويجعله كالطاحون ويدخره. ولما توفي ملك بعده ابنه إسمعيل، وكان ~~أهوج، كثير التخليط بحيث إنه ادعى أنه قرشي من بني أمية، وخطب لنفسه ~~بالخلافة، وتلقب بالهادي، فلما سمع عمه الملك العادل ذلك ساءه وأهمه، وكتب ~~إليه يولمه ويوبخه، ويأمره بالعود إلى نسبه الصحيح، وبترك ما ارتكبه مما ~~يضحك الناس منه، فلم يلتفت إليه ولم يرجع وبقي كذلك، وانضاف إلى ذلك أنه ~~أساء السيرة مع أجناده وأمرائه، فوثبوا عليه فقتلوه، وملكوا عليهم بعده ~~أميرا من مماليك أبيه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الآخر، توفي أبو بكر عبد الله بن منصور بن عمران ~~الباقلاني المقري الواسطي بها عن ثلاث وتسعين سنة وثلاثة أشهر وأيام، وهو ~~آخر من بقي من أصحاب القلانسي. وفي جمادى الآخرة توفي قاضي القضاة أبو طالب ~~علي بن علي بن البخاري ببغداد ودفن بتربته في مشهد باب التين. وفيها، في ~~ربيع الآخر، توفي ملكشاه بن خوارزم شاه تكش بنيسابور، وكان أبوه قد جعله ~~فيها، وأضاف إليه عساكر جميع بلاده التي بخراسان وجعله ولي عهده في الملك، ~~وخلف ولدا اسمه هندوخان، فلما مات جعل فيها أبوه خوارزم شاه بعد ولده الآخر ~~قطب الدين محمدا، وهو الذي ملك بعد أبيه، وكان بين الأخوين عداوة مستحكمة ~~أفضت إلى أن محمدا لما ملك بعد أبيه هرب هندوخان بن ملكشاه منه على ما ~~نذكره. وفيها توفي شيخنا أبو القاسم يعيش بن صدقة بن علي الفراتي الضرير، ~~الفقيه الشافعي، كان إماما في الفقه، مدرسا صالحا كثير الصلاح، سمعت عليه ~~كثيرا، لم أر مثله، رحمه الله تعالى. ولقد شاهدت منه عجبا يدل على دينه ~~وإرادته، بعمله، وجه الله تعالى، وذلك أني كنت أسمع عليه ببغداد ms4329 سنن أبي ~~عبد الرحمن النسائي، وهو كتاب كبير، والوقت ضيق لأني كنت مع الحجاج قد عدنا ~~من مكة، حرسها الله، فبينما نحن نسمع عليه مع أخي الأكبر مجد الدين أبي ~~السعادات، إذ قد أتاه إنسان من أيان بغداد، وقال له: قد برز الأمر لتحضر ~~لأمر كذا؛ فقال: أنا مشغول بسماع هؤلاء السادة، ووقتهم يفوت، والذي يراد ~~مني لا يفوت؛ فقال: أنا لا أحسن أذكر هذا في مقابل أمر الخليفة. فقال: لا ~~عليك! قل: قال أبو القاسم لا أحضر حتى يفرغ السماع؛ فسألناه ليمشي معه، فلم ~~يفعل ذلك، وقال: اقرأوا؛ فقرأنا، فلما كان الغد حضر غلام لنا، وذكر أن أمير ~~الحاج الموصلي قد رحل، فعظم الأمر علينا فقال: ولم يعظم عليكم العود إلى ~~أهلكم وبلدكم؟ فقلنا: لأجل فراغ هذا الكتاب؛ فقال: إذا رحلتم أستعير دابة ~~وأركبها، فأسير معكم وأنتم تقرأون، فإذا فرغتم عدت. فمضى الغلام ليتزود، ~~ونحن نقرأ، فعاد وذكر أن الحاج لم يرحلوا، ففرغنا من الكتاب؛ فانظر إلى هذا ~~الدين المتين يرد أمر الخليفة وهو يخافه ويرجوه، ويريد أن يسير معنا ونحن ~~غرباء لا يخافنا ولا يرجونا. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وتسعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر وفاة عماد الدين # ### || AUT وملك ولده قطب الدين محمد # PageV05P0226 # في هذه السنة، في المحرم، توفي عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي ابن ~~اقسنقر، صاحب سنجار ونصيبين، والخابور والرقة، وقد تقدم ذكره كيف ملكها سنة ~~تسع وسبعين، وملك بعده ابنه قطب الدين محمد، وتولى تدبير دولته مجاهد الدين ~~يرنقش مملوك أبيه، وكان دينا خيرا عادلا، حسن السيرة في رعيته، عفيفا عن ~~أموالها وأملاكهم، متواضعا، يحب أهل العلم والدين، ويحترمهم، ويجلس معهم، ~~ويرجع إلى أقوالهم، وكان رحمه الله شديد التعصب على مذهب الحنفية، كثير ~~الذم للشافعية، فمن تعصبه أنه بني مدرسة للحنفية بسنجار، وشرط أن يكون ~~النظر للحنفية من أولاده دون الشافعية، وشرط أن يكون البواب والفراش على ~~مذهب أبي حنيفة، وشرط للفقهاء طبيخا يطبخ لهم كل يوم، وهذا نظر حسن، رحمه الله. ### || AUT ذكر ms4330 ملك نور الدين نصيبين # في هذه السنة، في جمادة الأولى، سار نور الدين أرسلان شاه بن مسعود ابن ~~مودود صاحب الموصل، إلى مدينة نصيبين، فملكها، وأخذها من ابن عمه قطب الدين ~~محمد. وسبب ذلك أن عمه عماد الدين كان له نصيبين، فتطاول نوابه بها، ~~واستولوا على عدة قرى من أعمال بين النهرين من ولاية الموصل، وهي تجاور ~~نصيبين، فبلغ الخبر مجاهد الدين قايماز القائم بتدبير مملكة نور الدين ~~بالموصل وأعمالها والمرجوع إليه فيها، فلم يعلم مخدومه نور الدين بذلك، لما ~~علم من قلة صبره على احتمال مثل هذا، وخاف أن يجري خلف بينهم، فأرسل من ~~عنده رسولا إلى عماد الدين في المعنى، وقبح هذا الفعل الذي فعله النواب ~~بغير أمره، وقال: أنني ما أعلمت نور الدين بالحال لئلا يخرج عن يدك، فإنه ~~ليس كوالده، وأخاف أن يبدو منه ما يخرج الأمر فيه عن يدي؛ فأعاد الجواب: ~~إنهم لم يفعلوا إلا ما أمرتهم به، وهذه القرى من أعمال نصيبين. فترددت ~~الرسل بينهما، فلم يرجع عماد الدين عن أخذها، فحينئذ أعلم مجاهد الدين نور ~~الدين بالحال، فأرسل نور الدين رسولا من مشايخ دولته ممن خدم جدهم الشهيد ~~زنكي ومن بعده، وحمله رسالة فيها بعض الخشونة، فمضى الرسول فلحق عماد الدين ~~وقد مرض، فلما سمع الرسالة لم يلتفت، وقال: لا أعيد ملكي؛ فأشار الرسول من ~~عنده، حيث هو من مشايخ دولتهم، بترك اللجاج، وتسليم ما أخذه، وحذره عاقبة ~~ذلك؛ فأغلظ عليه عماد الدين القول، وعرض بذم نور الدين واحتقاره، فعاد ~~الرسول وحكى لنور الدين جلية الحال، فغضب لذلك، وعزم على المسير إلى نصيبين ~~وأخذها من عمه. فاتفق أن عمه مات، وملك بعده ابنه، فقوي طمعه، فمنعه مجاهد ~~الدين فلم يمتنع وتجهز وسار إليها، فلما سمع قطب الدين صاحبها سار إليها من ~~سنجار في عسكره، ونزل عليها ليمنع نور الدين عنها، فوصل نور الدين، وتقدم ~~إلى البلد، وكان بينهما نهر، فجازه بعض أمرائه، وقاتل من بإزائه، فلم ~~يثبتوا له، فعبر جميع العسكر النوري، وتمت ms4331 الهزيمة على قطب الدين، فصعد هو ~~ونائبه مجاهد الدين يرنقش إلى قلعة نصيبين، وأدركهم الليل، فخرجوا منها ~~هاربين إلى حان، وراسلوا الملك العادل أبا بكر بن أيوب، صاحب حران وغيرها، ~~وهو بدمشق، وبذلوا له الأموال الكثيرة لينجدهم ويعيد نصيبين إليهم. وأقام ~~نور الدين بنصيبين مالكا لها، فتضعضع عسكره بكثرة الأمراض، وعودهم إلى ~~الموصل، وموت كثير منهم، ووصل العادل إلى الديار الجزرية، فحينئذ فارق نور ~~الدين نصيبين وعاد إلى الموصل في شهر رمضان، فلما فارقها تسلمها قطب الدين. ~~وممن توفي من أمراء الموصل: عز الدين جورديك، وشمس الدين عبد الله بن ~~إبراهيم، وفخر الدين عبد الله بن عيسى المهرانيان، ومجاهد الدين قايماز، ~~وظهير الدين يولق بن بلنكري، وجمال الدين محاسن وغيرهم، ولما عاد نور الدين ~~إلى الموصل قصد العادل قلعة ماردين فحصرها، وضيق على أهلها، على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر ملك الغورية مدينة بلخ # ### || AUT من الخطا الكفرة # في هذه السنة ملك بهاء الدين سام بن محمد بن مسعود، وهو ابن أخت غياث ~~الدين وشهاب الدين صاحبي غزنة وغيرها، وله باميان، مدينة بلخ، وكان صاحبها ~~تركيا اسمه أزيه، وكان يحمل الخراج كل سنة إلى الخطا، بما وراء النهر، ~~فتوفي هذه السنة، فسار بهاء الدين سام إلى المدينة، فملكها، وتمكن فيها، ~~وقطع الحمل إلى الخطا، وخطب لغياث الدين، وصارت من جملة بلاد الإسلام بعد ~~أن كانت في طاعة الكافر. PageV05P0227 ### || AUT ذكر انهزام الخطا من الغورية # وفي هذه السنة عبر الخطا نهر جيحون إلى ناحية خراسان، فعاثوا في البلاد ~~وأفسدوا، فلقيهم عسكر غياث الدين الغوري وقاتلهم فانزم الخطا. وكان سبب ذلك ~~أن خوارزم شاه تكش كان قد سار إلى بلد الري، وهمذان وأصفهان وما بينهما من ~~البلاد، وملكها، وتعرض إلى عساكر الخليفة، وأظهر طلب السلطنة والخطبة ~~ببغداد، فأرسل الخليفة إلى غياث الدين ملك الغور وغزنة يأمره بقصد بلاد ~~خوارزم شاه ليعود عن قصد العراق، وكان خوارزم شاه قد عاد إلى خوارزم، ~~فراسله غياث الدين يقبح له فعله، ويتهدده بقصد ms4332 بلاده وأخذها، فأرسل خوارزم ~~شاه إلى الخطا يشكو إليهم من غياث الدين، ويقول: إن لم تدركوه بإنفاذ ~~العساكر، وإلا أخذ غياث الدين بلاده، كما أخذ مدين بلخ، وقصد بعد ذلك ~~بلادهم، ويتعذر عليهم منعه، ويعجزون عنه، ويضعفون عن رده عما وراء النهر؛ ~~فجهز ملك الخطا جيشا كثيفا، وجعل مقدمهم المعروف بطاينكوا، وهو كالوزير له، ~~فساروا وعبروا جيحون في جمادى الآخرة، وكان الزمان شتاء، وكان شهاب الدين ~~الغوري أخو غياث الدين ببلاد الهند، والعساكر معه، وغياث الدين به من ~~النقرس ما يمنعه من الحركة، إنما يحمل في محفة، والذي يقود الجيش ويباشر ~~الحروب أخوه شهاب الدين، فلما وصل الخطا إلى جيحون سار خوارزم شاه إلى طوس، ~~عازما على قصد هراة ومحاصرتها، وعبر الخطا النهر، ووصلوا إلى بلاد الغور ~~مثل: كرزبان وسرقان وغيرهما، وقتلوا وأسروا ونهبوا وسبوا كثيرا لا يحصى، ~~فاستغاث الناس بغياث الدين، فلم يكن عنده من العساكر ما يلقاهم بها، فراسل ~~الخطا بهاء الدين سام ملك باميان يأمرونه بالإفراج عن بلخ، أو أنه يحمل ما ~~كان من قبله يحمله من المال، فلم يجبهم إلى ذلك. وعظمت المصيبة على ~~المسلمين بما فعله الخطا، فانتدب الأمير محمد بن جربك الغوري، وهو مقطع ~~الطالقان من قبل غياث الدين، وكان شجاعا، وكاتب الحسين بن خرميل، وكان ~~بقلعة كرزبان، واجتمع معهما الأمير حروش الغوري، وساروا بعساكرهم إلى ~~الخطا، فبيتوهم، وكبسوهم ليلا، ومن عادة الخطا أنهم لا يخرجون من خيامهم ~~ليلا، ولا يفارقونها، فآتاهم هؤلاء الغورية وقاتلوهم، وأكثروا القتل في ~~الخطا، وانهزم من سلم منهم من القتل، وأين ينهزمون والعسكر الغوري خلفهم، ~~وجيحون بن أيديهم؟ وظن الخطا أن غياث الدين قد قصدهم في عساكره، فلما ~~أصبحوا، وعرفوا من قاتلهم، وعلموا أن غياث الدين بمكانه، قويت قلوبهم، ~~وثبتوا واقتتلوا عامة نهارهم فقتل من الفريقين خلق عظيم، ولحقت المتطوعة ~~بالغوريين، وأتاهم مدد من غياث الدين وهم في الحرب، فثبت المسلمون، وعظمت ~~نكايتهم في الكفار. وحمل الأمير حروش على قلب الخطا، وكان شيخا كبيرا، ~~فأصابه جراحة توفي منها، ثم ms4333 إن محمود بن جربك، وابن خرميل حملا في ~~أصحابهما، وتمادوا: لا يرم أحد بقوس، ولا يطعن برمح؛ وأخذوا اللتوت، وحملوا ~~على الخطا فهزموهم وألحقوهم بجيحون، فمن صبر قتل، ومن ألقى نفسه في الماء ~~غرق. ووصل الخبر إلى ملك الخطا فعظم عليه وأرسل إلى خوارزم شاه يقول له: ~~أنت قتلت رجالي، وأريد عن كل قتيل عشرة آلاف دينار؛ وكان القتلى اثني عشر ~~ألفا، وأنفذ إليه من رده إلى خوارزم، وألزموه بالحضور عنده، فأرسل حينئذ ~~خوارزم شاه إلى غياث الدين يعرفه حاله مع الخطا، ويشكو إليه ويستعطفه غير ~~مرة، فأعاد الجواب يأمره بطاعة الخليفة، وإعادة ما أخذه الخطا من بلاد ~~الإسلام، فلم ينفصل بينهما حال. ### || AUT ذكر ملك خوارزم شاه مدينة بخارى # لما ورد رسول ملك الخطا على خوارزم شاه بما ذكرناه، أعاد الجواب: إن ~~عسكرك إنما قصد انتزاع بلخ، ولم يأتوا إلى نصرتي، ولا اجتمعت بهم، ولا ~~أمرتهم بالعبور، إن كنت فعلت ذلك، فأنا مقيم بالمال المطلوب مني، ولكن حيث ~~عجزتم أنتم عن الغورية عدتم علي بهذا القول وهذا المطلب، وأما أنا فقد ~~أصلحت الغورية، ودخلت في طاعتهم، ولا طاعة لكم عندي. PageV05P0228 # فعاد الرسول بالجواب، فجهز ملك الخطا جيشا عظيما وسيره إلى خوارزم ~~فحصروها، فكان خوارزم شاه يخرج إليهم كل ليلة، ويقتل منهم خلقا، وأتاه من ~~المتطوعة خلق كثير، فلم يزل هذا فعله بهم حتى أتى على أكثرهم، فدخل الباقون ~~إلى بلادهم، ورحل خوارزم شاه في أثارهم، وقصد بخاري فنازلها وحصرها، وامتنع ~~أهلها منه، وقاتلوه مع الخطا، حتى إنهم أخذوا كلبا أعور وألبسوه قباء ~~وقلنسوة، وقالوا: هذا خوارزم شاه، لأنه كان أعور، وطافوا به على السور، ثم ~~ألقوه في منجنيق إلى العسكر، وقالوا: هذا سلطانكم. وكان الخوارزميون ~~يسبونهم ويقولون: يا أجناد الكفار، أنتم قد ارتددتم عن الإسلام، فلم يزل ~~هذا دأبهم حتى ملك خوارزم شاه البلد، بعد أيام يسيرة، عنوة وعفا عن أهله، ~~وأحسن إليهم، وفرق فيهم مالا كثيرا، وأقام به مدة ثم عاد إلى خوارزم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في ms4334 هذه السنة، في ذي الحجة، توفي أبو طالب يحيى بن سعيد بن زيادة، كاتب ~~الإنشاء بديوان الخليفة، وكان عالما فاضلا، له كتابة حسنة، وكان رجلا عاقلا ~~خيرا، كثير النفع للناس، وله شعر جيد. وفيها حصر الملك العادل أبو بكر بن ~~أيوب قلعة ماردين في شهر رمضان، وقاتل من بها، وكان صاحبها حسام الدين يولق ~~أرسلان بن إيلغازي بن ألبي ابن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق، كل هؤلاء ملوك ~~ماردين، وقد تقدم من أخبارهم ما يعلم به محلهم، وكان صبيا والحاكم في بلده ~~ودولته مملوك أبيه النظام يرنقش، وليس لصاحبه معه حكم البتة في شيء من ~~الأمور، ولما حصر العادل ماردين ودام عليها سلم إليه بعض أهلها الربض ~~بمخامرة بينهم، فنهب العسكر أهله نهبا قبيحا، وفعلوا بهم أفعالا عظيمة لم ~~يسمع بمثلها، فلما تسلم الربض تمكن من حصر القلعة وقطع الميرة عنها، وبقي ~~عليها إلى أن رحل عنها خمسة وتسعين على ما نذكره إن شاء الله. وفيها توفي ~~الشيخ أبو علي الحسن بن مسلم بن أبي الحسن القادسي الزاهد، المقيم ببغداد، ~~والقادسية التي ينسب إليها قرية بنهر عيس من أعمال بغداد، وكان من عباد ~~الله الصالحين العاملين، ودفن بقريته. وأبو المجد علي بن أبي الحسن علي بن ~~الناصر بن محمد الفقيه الحنفي مدرس أصحاب أبي حنيفة ببغداد، وكان من أولاد ~~محمد بن الحنفية ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وتسعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر وفاة الملك العزيز # ### || AUT وملك أخيه الأفضل ديار مصر # في هذه السنة، في العشرين من المحرم، توفي الملك العزيز عثمان بن صلاح ~~الدين يوسف بن أيوب، صاحب ديار مصر، وكان سبب موته أنه خرج إلى الصيد، فوصل ~~إلى الفيوم متصيدا. فرأى ذئبا فركض فرسه في طلبه، فعثر الفرس فسقط عنه في ~~الأرض ولحقته حمى، فعاد إلى القاهرة مريضا، فبقي كذلك إلى أن توفي، فلما ~~مات كان الغالب على أمره مملوك والده فخر الدين جهاركس، وهو الحاكم في ~~بلده، فأحضر ms4335 إنسانا كان عندهم من أصحاب الملك العادل أبي بكر بن أيوب، ~~وأراه العزيز ميتا، وسيره إلى العادل وهو يحاصر ماردين، كما ذكرناه، ~~ويستدعيه ليملكه البلاد، فسار القاصد مجدا، فلما كان بالشام رأى بعض أصحاب ~~الأفضل علي بن صلاح الدين، فقال له: قل لصاحبك إن أخاه العزيز توفي، وليس ~~في البلاد من يمنعها، فليسر إليها فليس دونها مانع. PageV05P0229 # وكان الأفضل محببا إلى الناس يريدونه، فلم يلتفت الأفضل إلى هذا القول، ~~وإذا قد وصله رسل الأمراء من مصر يدعونه إليهم لملكوه، وكان السب في ذلك أن ~~الأمير سيف الدين يازكج مقدم الأسدية، والفرقة الأسدية والأمراء الأكراد ~~يريدونه ويميلون إليه، وكان المماليك الناصرية الذين هم ملك أبيه يكرهونه، ~~فاجتمع سيف الدين، مقدم الأسدية، وفخر الدين جهاركس، مقدم الناصرية، ~~ليتفقوا على من يولونه الملك، فقال فخر الدين: نولي ابن الملك العزيز؛ فقال ~~سيف الدين: إنه طفل، وهذه البلاد ثغر الإسلام، ولا بد من قيم بالملك يجمع ~~العساكر، ويقاتل بها، والرأي أننا نجعل الملك في هذا الطفل الصغير، ونجعل ~~معه بعض أولاد صلاح الدين يدبره إلى أن يكبر، فإن العساكر لا تطيع غيرهم، ~~ولا تنقاد لأمير؛ فاتفقا على هذا، فقال جهاركس: فمن يتولى هذا؟ فأشار يازكج ~~بغير الأفضل ممن بينه وبين جهاركس منازعة لئلا يتهم وينفر جهاركس عنه، ~~فامتنع من ولايته، فلم يزل يذكر من أولاد صلاح الدين واحدا بعد آخر إلى أن ~~ذكر آخرهم الأفضل، فقال جهاركس: هو بعيد عنا؛ وكان بصرخد مقيما فيها من حين ~~أخذت منه دمشق، فقال يازكج: نرسل إليه من يطلبه مجدا؛ فأخذ جهاركس يغالطه، ~~فقال يازكج: تمضي إلى القاضي الفاضل ونأخذ رأيه؛ فاتفقا على ذلك، وأرسل ~~يازكج يعرفه ذلك، ويشير بتمليك الأفضل، فلما اجتمعا عنده، وعرفاه صورة ~~الحال، أشار بالأفضل، فأرسل يازكج في الحال القصاد وراءه، فسار عن صرخد ~~لليلتين بقيتا من صفر، متنكرا في تسعة عشر نفسا، لأن البلاد كانت للعادل، ~~ويضبط نوابه الطرق، لئلا يجوز إلى مصر ليجيء العادل ويملكها. فلما قارب ~~الأفضل القدس، وقد عدل عن ms4336 الطريق المؤدي إليه، لقيه فارسان قد أرسلا إليه ~~من القدس، فأخبراه أن من بالقدس قد صار في طاعته، وجد في السير، فوصل إلى ~~بليس خامس ربيع الأول، ولقيه إخوته، وجماعته الأمراء المصرية، وجميع ~~الأعيان، فاتفق أن أخاه الملك المؤيد مسعودا صنع له طعاما، وصنع له فخر ~~الدين مملوك أبيه طعاما، فابتدأ بطعام أخيه ليمين حلفها أخوه أنه يبدأ به، ~~فظن جهاركس أنه فعل هذا انحرافا عنه وسوء اعتقاد فيه، فتغيرت نيته، وعزم ~~على الهرب، فحضر عند الأفضل وقال: إن طائفة من العرب قد اقتتلوا، ولئن مل ~~تمض إليهم تصلح بينهم يؤد ذلك إلى فساد؛ فأذن له الأفضل في المضي إليهم ، ~~ففارقه، وسار مجدا حتى وصل إلى البيت المقدس، ودخله، وتغلب عليه، ولحقه ~~جماعة من الناصرية منهم قراجة الزره كش، وسرا سنقر، وأحضروا عندهم ميمونا ~~القصري صاحب نابلس، وهو أيضا من المماليك الناصرية، فقويت شوكتهم به، ~~واجتمعت كلمتهم على خلاف الأفضل، وأرسلوا إلى الملك العادل وهو ماردين ~~يطلبونه إليهم ليدخلوا معه إلى مصر ليملكوها، فلم يسر إليهم لأنه كانت ~~أطماعه قد قويت في أخذ ماردين، وقد عجز من بها عن حفظها، فظن أنه يأخذها، ~~والذي يريدونه منه لا يفوته. وأما الأفضل فإنه دخل إلى القاهرة سابع ربيع ~~الأول، وسمع بهرب جهاركس، فأمه ذلك، وترددت الرسل بينه وبينهم ليعودوا ~~إليه، فلم يزدادوا إلا بعدا، ولحق بهم جماعة من الناصرية أيضا، فاستوحش ~~الأفضل من الباقين، فقبض عليهم، وهم شقيرة وأيبك فطيس، والبكي الفارس، وكل ~~هؤلاء بطل مشهور ومقدم مذكور، سوى من ليس مثلهم في التقدم وعلو القدر، ~~وأقام الأفضل بالقاهرة وأصلح الأمور، وقرر القواعد، والمرجع في جميع الأمور ~~إلى سيف الدين يازكج. ### || AUT ذكر حصر الأفضل مدينة دمشق # ### || AUT وعوده عنها # PageV05P0230 # لما ملك الأفضل مصر، واستقر بها، ومعه ابن أخيه الملك العزيز، اسم الملك ~~له لصغره، واجتمعت الكلمة على الأفضل بها، وصل إليه رسول أخيه الملك الظاهر ~~غازي، صاح بحلب، ورسل ابن عمه أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه، صاحب ~~حمص، يحثانة ms4337 على الخروج إلى دمشق، واغتنام الفرصة بغيبة العادل عنها، وبذلا ~~له المساعدة بالمال والنفس والرجال، فبرز من مصر، منتصف جمادى الأولى من ~~السنة، على عزم المسير إلى دمشق، وأقام بظاهر القاهرة إلى ثالث رجب، ورحل ~~فيه تعوق في مسيره، ولو بادر وعجل المسير لملك دمشق، لكنه تأخر، فوصل إلى ~~دمشق ثالث عشر شعبان، فنزل عند جسر الخشب على فرسخ ونصف من دمشق، وكان ~~العادل قد أرسل إليه نوابه بدمشق يعرفونه قصد الأفضل لهم، ففارق ماردين ~~وخلف ولده الملك الكامل محمدا في جميع العساكر على حصارها، وسار جريدة فجد ~~في السير، فسبق الأفضل، فدخل دمشق قبل الأفضل بيومين. وأما الأفضل فإنه ~~تقدم إلى دمشق من الغد، وهو رابع عشر شعبان، ودخل ذلك اليوم بعينه طائفة ~~يسيرة من عسكره إلى عسقلان إلى دمشق من باب السلامة، وسبب دخولهم أن قوما ~~من أجناده، ممن بيوتهم مجاورة الباب، اجتمعوا بالأمير مجد الدين أخي الفقيه ~~عيسى الهكاري، وتحدثوا معه في أن يقصد هو والعسكر باب السلامة ليفتحوه لهم، ~~فأراد مجد الدين أن يختص بفتح الباب وحده، فلم يعلم الأفضل، ولا أخذ معه ~~أحدا من الأمراء، بل سار وحده بمفرده، ومعه نحو خمسين فارسا من أصحابه، ~~ففتح له الباب، فدخله هو ومن معه، فلما رآهم عامة البلد نادوا بشعار الأفضل ~~واستسلم من به من الجند، ونزلوا عن الأسوار، وبلغ الخبر إلى الملك العادل، ~~فكاد يستسلم، وتماسك. وأما الذين دخلوا البلد فإنهم وصولا إلى باب البريد، ~~فلما رأى عسكر العادل بدمشق قلة عددهم، وانقاطع مددهم، وثبوا بهم وأخرجوهم ~~منه، وكان الأفضل قد نثب خيمة بالميدان الأخضر وقارب عسكره الباب الحديد، ~~وهو من أبواب القلعة، فقدر الله تعالى أن أشير على الأفضل بالانتقال إلى ~~ميدان الحصى، ففعل ذلك، فقويت نفوس من فيه، وضعفت نفوس العسكر المصري، ثم ~~إن الأمراء الأكراد منهم تحالفوا فصاروا يدا واحدة يغضبون لغضب الدمشقيين، ~~فرحلوا من موضعهم، وتأخروا في العشرين من شعبان، ووصل بعده الملك الظاهر، ~~صاحب حلب، ثاني عشر شهر رمضان، وأرادوا الزحف ms4338 إلى دمشق، فمنعهم الملك ~~الظاهر مكرا بأخيه وحسدا له، ولم يشعر أخوه الأفضل بذلك. وأما الملك العادل ~~فإنه لما رأى كثرة العساكر وتتابع الأمداد إلى الأفضل عظم عليه، فأرسل إلى ~~المماليك الناصرية بالبيت المقدس يستدعيهم إليه، فساروا سلخ شعبان، فوصل ~~خبرهم إلى الأفضل، فسير أسد الدين، صاحب حمص، ومعه جماعة من الأمراء إلى ~~طريقهم ليمنعوهم، فسلكوا غير طريقهم، فجاء أولئك ودخلوا دمشق خامس رمضان، ~~فقوي العادل بهم قوة عظيمة، وأيس الأفضل ومن معه من دمشق، وخرج عسكر دمشق ~~في شوال، فكبسوا العسكر المصري، فوجدوهم قد حذروهم، فعادوا عنهم خاسرين. ~~وأقام العسكر على دمشق ما بين قوة وضعف، وانتصار وتخاذل، حتى أرسل الملك ~~العادل خلف ولده الملك الكامل محمد، وكان قد رحل عن ماردين، على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى، وهو بحران، فاستدعاه إليه بعسكره، فسار على طريق البر، ~~فدخل إلى دمشق ثاني عشر صفر سنة ست وتسعين وخمسمائة، فعند ذلك رحل العسكر ~~عن دمشق إلى ذيل جبل الكسوة سابع عشر صفر، واستقر أن يقيموا بحوران حتى ~~يخرج الشتاء، فرحلوا إلى رأس الماء، وهو موضع شديد البرد، فتغير العزم عن ~~المقام، واتفقوا على أن يعود كل منهم إلى بلده، فعاد الظاهر، صاحب حلب، ~~وأسد الدين، صاح بحمص، إلى بلادهما، وعاد الأفضل إلى مصر، فكان ما نذكره إن ~~شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر وفاة يعقوب بن يوسف # ### || AUT وولاية ابنه محمد # PageV05P0231 # في هذه السنة، ثامن عشر ربيع الآخر، وقيل جمادى الأولى، توفي أبو يوسف ~~يعقوب بن أبي يعقوب يوسف ين عبد المؤمن، صاحب المغرب والأندلس، بمدينة سلا، ~~وكان قد سار إليها من مراكش، وكان قد بنى مدينة محاذية لسلا، وسماها ~~المهدية، من أحسن البلاد وأنزهها، فسار إلهيا يشاهدها، فتوفي بها؛ وكانت ~~ولايته خمس عشرة سنة، وكان ذا جهاد للعدو، ودين، وحسن سيرة، وكان يتظاهر ~~بمذهب الظاهرية، وأعرض عن مذهب مالك، فعظم أمر الظاهرية في أيامه، وكان ~~بالمغرب منهم خلق كثير يقال لهم الحزمية منسوبون إلى ابن محمد بن حزم، رئيس ~~الظاهرية، ms4339 إلا أنهم مغمورون بالمالكية. ففي أيامه ظهروا وانتشروا، ثم في ~~آخر أيامه استقضى الشافعية على بعض البلاد ومال إليهم، ولما مات قام ابنه ~~أبو عبد الله محمد بالملك بعده، وكان أبوه قد ولاه عهده في حياته، فاستقام ~~الملك له وأطاعه الناس، وجهز جمعا من العرب وسيرهم إلى الأندلس احتياطا من الفرنج. ### || AUT ذكر عصيان أهل المهدية على يعقوب # ### || AUT وطاعتها لولده محمد # كان أبو يوسف يعقوب، صاحب المغرب، لما عاد من إفريقية، كما ذكرناه سنة ~~إحدى وثمانين وخمسمائة، استعمل أبا سعيد عثمان، وأبا علي يونس بن عمر ~~اينتي، وهما وأبوهما من أعيان الدولة، فولى عثمان مدينة تونس، وولى أخاه ~~المهدية، وجعل قائد الجيش بالمهدية محمد بن عبد الكريم، وهو شجاع مشهور، ~~فعظمت نكايته في العرب، فلم يبق منهم إلا من يخافه. فاتفق أنه أتاه الخبر ~~بأن طائفة من عوف نازلون بمكان، فخرج إليهم، وعدل عنهم حتى جازهم، ثم أقبل ~~عائدا يطلبهم، وأتاهم الخبر بخروجه إليهم، فهربوا من بين يديه، فلقوه ~~أمامهم، فهربوا وتركوا المال والعيال من غير قتال، فأخذ الجميع ورجع إلى ~~المهدية وسلم العيال إلى الوالي، وأخذ من الأسلاب والغنيمة ما شاء، وسمل ~~الباقي إلى الوالي وإلى الجند. ثم إن العرب من بني عوف قصدوا أبا سعيد بن ~~عمر اينتي، فوحدوا وصاروا من حزب الموحدين، واستجاروا به في رد عيالهم، ~~فأحضر محمد بن عبد الكريم، وأمره بإعادة ما أخذ لهم من النعم، فقال: أخذه ~~الجند، ولا أقدر على رده، فأغلظ له في القول، وأراد أن يبطش به، فاستمهله ~~إلى أن يرجع إلى المهدية ويسترد من الجند ما يجده عندهم، وما عدم منه غرم ~~العوض عنه من ماله، فأمهله، فعاد إلى المهدية وهو خائف، فلما وصلها جمع ~~أصحابه وأعلمهم ما كان من أبي سعيد، وحالفهم على موافقته، فحلفوا له، فقبض ~~على أبي علي يونس، وتغلب على المهدية وملكها، فأرسل إليه أبو سعيد في معنى ~~إطلاق أخيه يونس، فأطلقه على اثني عشر ألف دينار، فلما أرسلها إليه أبو ~~سعيد فرقها في ms4340 الجند وأطلق يونس، وجمع أبو سعيد العساكر، وأراد قصده ~~ومحاصرته، فأرسل محمد بن عبد الكريم إلى علي بن إسحاق الملثم فحالفه واعتضد ~~به، فامتنع أبو سعيد من قصده. ومات يعقوب، وولي ابنه محمد، فسير عسكرا مع ~~عمه في البحر، وعسكرا آخر في البر مع ابن عمه الحسن بن أبي حفص بن عبد ~~المؤمن، فلما وصل عسكر البحر إلى بجاية، وعسكر البر إلى قسنطينة الهوى، هرب ~~الملثم ومن معه من العرب من بلاد إفريقية إلى الصحراء، ووصل الأسطول إلى ~~المهدية، فشكا محمد بن عبد الكريم ما لقي من أبي سعيد، وقال: أنا على طاعة ~~أمير المؤمنين محمد، ولا أسلمها إلى أبي سعيد، وإنما أسلمها إلى من يصل من ~~أمير المؤمنين؛ فأرسل محمد من يتسلمها منه، وعاد إلى الطاعة. ### || AUT ذكر رحيل عسكر الملك العادل عن ماردين # PageV05P0232 # في هذه السنة زال الحصار عن ماردين، ورحل عسكر الملك العادل عنها مع ولده ~~الملك الكامل، وسبب ذلك أن الملك العادل لما حصر ماردين عظم ذلك على نور ~~الدين، صاحب الموصل، وغيره من ملوك ديار بكر والجزيرة، وخافوا إن ملكها أن ~~يبقي عليهم، إلا أن العجز عن منعه حملهم على طاعته؛ فلما توفي العزيز، صاحب ~~مصر، وملك الأفضل مصر، كما ذكرناه، وبينه وبين العادل اختلاف، أرسل أحد ~~عسكر مصر من عنده، وأرسل إلى نور الدين، صاحب الموصل، وغيره من الملوك ~~يدعوهم إلى موافقته، فأجابوه إلى ذلك، فلما رحل الملك العادل عن ماردين إلى ~~دمشق، كما ذكرناه، برز نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود، صاحب ~~الموصل، عنها ثاني شعبان، وسار إلى دنيسر فنزل عليها، ووافقه ابن عمه قطب ~~الدين محمد ابن زنكي بن مودود، صاحب سنجار، وابن عمه الآخر معز الدين سنجر ~~شاه بن غازي بن مودود، صاحب جزيرة ابن عمر، فاجتمعوا كلهم بدنيسر إلى أن ~~عيدوا عيد الفطر، ثم ساروا عنها سادس شوال ونزلوا بحرزم، وتقدم العسكر إلى ~~تحت الجبل ليرتادوا موضعا للنزول. وكان أهل ماردين قد عدمت الأقوات عندهم، ~~وكثرت الأمراض فيهم، ms4341 حتى إن كثيرا منهم كان لا يطيق القيام، فلما رأى ~~النظام، وهو الحاكم في دولة صاحبها، ذلك أرسل إلى ابن العادل في تسليم ~~القلعة إليه إلى أجل معلوم ذكره على شرط أن يتركهم يدخل إليهم من الميرة ما ~~ولد العادل بباب القلعة أميرا لا يترك يدخلها من الأطعمة إلا ما يكفيهم ~~يوما بيوم، فأعطى من بالقلعة ذلك الأمير شيئا، فمكنهم من إدخال الذخائر ~~الكثيرة. فبينما هم كذلك إذ أتاهم خبر وصول نور الدين، صاحب الموصل، فقويت ~~نفوسهم، وعزموا على الامتناع، فلما تقدم عسكره إلى ذيل جبل ماردين، قدر ~~الله تعالى أن الملك الكامل بن العادل نزل بعسكر من ربض ماردين إلى لقاء ~~نور الدين وقتاله، ولو أقاموا بالربض لم يمكن نور الدين ولا غيره الصعود ~~إليهم، ولا إزالتهم، لكن نزلوا ليقضي الله أمرا كان مفعولا، فلما أصحروا من ~~الجبل اقتتلوا، وكان من عجيب الاتفاق أن قطب الدين، صاحب سنجار، قد واعد ~~العسكر العادلي أن ينهزم إذا التقوا، ولم يعلم بذلك أحدا من العسكر، فقدر ~~الله تعالى أنه لما نزل العسكر العادلي واصطفت العساكر للقتال ألجأت قطب ~~الدين الضرورة بالزحمة إلى أن وقف في سفح شعب جبل ماردين ليس إليه طريق ~~للعسكر العادلي، ولا يرى الحرب الواقعة بينهم وبين نور الدين، ففاته ما ~~أراده من الانهزام؛ فلما التقى العسكران واقتتلوا، حمل ذلك اليوم نور الدين ~~بنفسه، واصطلى الحرب، فألقى الناس أنفسهم بني يديه، فانهزم العسكر العادلي، ~~وصعدوا في الجبل إلى الربض، وأسر منهم كثير، فحملوا إلى بين يدي نور الدين، ~~فأحسن إليهم، ووعدهم الإطلاق إذا انفضوا، ولم يظن أن الملك الكامل ومن معه ~~يرحلون عن ماردين سريعا، فجاءهم أمر لم يكن في الحساب، فإن الملك الكامل ~~لما صعد إلى الربض رأى أهل القلعة قد نزلوا إلى الذين جعلهم بالربض من ~~العسكر، فقاتلوهم ونالوا منهم ونهبوا، فألقى الله الرعب في قلوب الجميع، ~~فأعملوا رأيهم على مفارقة الربض ليلا، فرحلوا إليه الاثنين سابع شوال، ~~وتركوا كثيرا من أثقالهم ورحالهم وما أعدوه، فأخذه أهل ms4342 القلعة، ولو ثبت ~~العسكر العادلي بمكانه لم يمكن أحدا أن يقرب منهم. ولما رحلوا نزل صاحب ~~ماردين حسام الدين يولق بن إيلغازي إلى نور الدين، ثم عاد إلى حصنه، وعاد ~~أتابك إلى دنيسر، ورحل عنها إلى رأس عين على عزم قصد حران وحصرها، فأتاه ~~رسول من الملك الظاهر يطلب الخطبة والسكة وغير ذلك، فتغيرت نية نور الدين، ~~وفتر عزمه عن نصرتهم، فعزم على العودة إلى الموصل، فهو يقدم إلى العرض رجلا ~~ويؤخر أخرى إذ أصابه مرض، فتحقق عزم العود إلى الموصل، فعاد إليها، وأرسل ~~رسولا إلى الملك الأفضل والملك الظاهر يعتذر عن عوده بمرضه، فوصل الرسول ~~ثاني ذي الحجة إليهم وهم على دمشق. وكان عود نور الدين من سعادة الملك ~~العادل، فإنه كان هو وكل من عنده ينتظرون ما يجيء من أخباره، فإن من بحران ~~استسلمونا فقدر الله تعالى أنه عاد، فلما عاد جاء الملك الكامل إلى حران، ~~وكان قد سار عن ماردين إلى ميافارقين، فلما رجع نور الدين سار الكامل إلى ~~حران، وسار إلى أبيه بدمشق على ما ذكرناه، فازداد به قوة، والأفضل ومن معه ~~ضعفا. PageV05P0233 ### || AUT ذكر الفتنة بفيروزكوه من خراسان # في هذه السنة كانت فتنة عظيمة بعسكر غياث الدين، ملك الغور وغزنة، وهو ~~بفيروزكوه، عمت الرعية والملوك والأمراء، وسببها أن الفخر محمد بن عمر بن ~~الحسين الرازي، الإمام المشهور، الفقيه الشافعي، كان قدم إلى غياث الدين ~~مفارقا لبهاء الدين سام، صاحب باميان، وهو ابن أخت غياث الدين، فأكرمه غياث ~~الدين، واحترمه، وبالغ في إكرامه، وبنى له مدرسة بهراة بالقرب من الجامع، ~~فقصده الفقهاء من البلاد، فعظم ذلك على الكرامية، وهم كثيرون بهراة؛ وأما ~~الغورية فكلهم كرامية، وكرهوه، وكان أشد الناس عليه الملك ضياء الدين، وهو ~~ابن عم غياث الدين، وزوج ابنته، فاتفق أن حضر الفقهاء من الكرامية الحنفية ~~والشافعية عند غياث الدين بفيروزكوه للمناظرة، وحضر فخر الدين الرازي ~~والقاضي مجد الدين عبد المجيد ابن عمر، المعروف بابن القدوة، وهو من ~~الكرامية الهيصمية، وله عندهم محل كبير لزهده ms4343 وعلمه وبيته، فتكلم الرازي، ~~فاعترض عليه ابن القدوة، طال الكلام، فقام غياث الدين فاستطال عليه الفخر، ~~وسبه وشتمه، وبالغ في أذاه، وابن القدوة لا يزيد على أن يقول لا يفعل ~~مولانا إلا وأخذك الله؛ أستغفر الله؛ فانفصلوا على هذا. وقام ضياء الدين في ~~هذه الحادثة وشكا إلى غياث الدين، وذم الفخر، ونسبه إلى الزندقة ومذهب ~~الفلاسفة، فلم يصغ غياث الدين إليه، فلما كان الغد وعظ ابن عم المجد نب ~~القدوة بالجامع، فلما صعد المنبر قال، بعد أن حمد الله وصلى على النبي صلى ~~الله عليه وسلم: لا إله إلا الله، ربنا آمنا بما أنزلت، واتبعنا الرسول، ~~فاكتبنا مع الشاهدين؛ أيها الناس، إنا لا نقول إلا ما صح عندنا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأما علم أرسطاطاليس، وكفريات ابن سينا، وفلسفة ~~الفارابي، فلا نعلمها، فلأي حال يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن ~~دين الله، وعن سنة نبيه! وبكى وضج الناس، وبكى الكرامية واستغاثوا، وأعانهم ~~من يؤثر بعد الفجر الرازي عن السلطان، وثار الناس من كل جانب، وامتلأ البلد ~~فتنة، وكادوا يقتتلون، يجري ما يهلك فيه خلق كثير، فبلغ ذلك السلطان، فأرسل ~~جماعة من عنده إلى الناس وسكنهم، ووعدهم بإخراج الفخر من عندهم، وتقدم إليه ~~بالعود إلى هراة، فعاد إليها. ### || AUT ذكر مسير خوارزم شاه إلى الري # في هذه السنة، في ربيع الأول، سار خوارزم شاه علاء الدين تكش إلى الري ~~وغيرها من بلاد الجبل، لأنه بلغه أن نائبه بها مياجق قد تغير عن طاعته، ~~فسار إليه، فخافه مياجق، فجعل يفر من بين يديه، وخوارزم شاه في طلبه يدعوه ~~إلى الحضور عنده، وهو يمتنع، فاستأمن: أكثر أصحابه إلى خوارزم شاه، وهرب ~~هو، فحصل بقلعة من أعمال مازندران فامتنع بها، فسارت العساكر في طلبه فأخذ ~~منها وأحضر بين يدي خوارزم شاه فأمر بحبسه بشفاعة أخيه أقجة. وسيرت الخلع ~~من الخليفة لخوارزم شاه ولولده قطب الدين محمد، وتقليد بما بيده من البلاد، ~~فلبس الخلعة، واشتغل بقتال الملاحدة، فافتتح قلعة على ms4344 باب قزوين تسمى ~~أرسلان كشاه، وانتقل إلى حصار الموت، فقتل عليها صدر الدين محمد بن الوزان ~~رئيس الشافعية بالري، وكان قد تقدم عنده تقدما عظيما، قتله الملاحدة، وعاد ~~خوارزم شاه إلى خوارزم، فوثب الملاحدة على وزيره نظام الملك مسعود بن علي ~~فقتلوه في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، فأمر تكش ولده قطب الدين بقصد ~~الملاحدة، فقصد قلعة ترشيش وهي من قلاعهم، فحصرها فأذعنوا له بالطاعة، ~~وصالحوه على مائة ألف دينار، ففارقها، وإنما صالحهم لأنه بلغه خبر مرض ~~أبيه، وكانوا يراسلونه بالصلح فلا يفعل، فلما سمع بمرض أبيه لم يرحل حتى ~~صالحهم على المال المذكور والطاعة ورحل. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الأول، توفي مجاهد الدين قايماز، رحمه الله، ~~بقلعة الموصل، وهو الحاكم في دولة نور الدين، والمرجوع إليه فيها، وكان ~~ابتداء ولايته قلعة الموصل في ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وولي ~~إربل سنة تسع وخمسين وخمسمائة، فلما مات زين الدين علي كوجك سنة ثلاث وستين ~~بقي هو الحاكم فيها، ومعه من يختاره من أولاد زين الدين ليس لواحد منهم معه ~~حكم. PageV05P0234 # وكان عاقلا، دينا، خيرا، فاضلا، يعرف الفقه على مذهب أبي حنيفة، ويحفظ، ~~من التاريخ والأشعار والحكايات، شيئا كثيرا. وكان كثير الصوم، يصوم من كل ~~سنة نحو سبعة أشهر، وله أوراد كثيرة حسنة كل ليلة، ويكثر الصدقة، وكان يكثر ~~الصدقة، وكان له فراسة حسنة فيمن يستحق الصدقة ويعرف الفقراء المستحقين ~~ويبرهم، وبنى عدة جوامع منها الجوامع منها الجامع الذي يظاهر الموصل بباب ~~الجسر، وبنى الربط والمدارس والخانات في الطرق، وله من المعروف شيء كثير، ~~رحمه الله، فلقد كان من محاسن الدنيا. وفيها فارق غياث الدين، صاحب غزنة ~~وبعض خراسان، مذهب الكرامية، وصار شافعي المذهب، وكان سبب ذلك أنه كان عنده ~~إنسان يعرف بالفخر مبارك شاه يقول الشعر بالفارسية، متفننا في كثير من ~~العلوم، فأوصل إلى غياث الدين الشيخ وحيد الدين أبا الفتح محمد بن محمود ~~المروروذي الفقيه الشافعي، فأوضح له مذهب الشافعي، وبين له فساد ms4345 مذهب ~~الكرامية، فصار شافعيا، وبنى المدارس للشافعية، وبنى بغزنة مسجدا لهم أيضا، ~~وأكثر مراعاتهم، فسعى الكرامية في أذى وحيد الدين فلم يقدرهم الله تعالى ~~على ذلك. وقيل إن غياث الدين وأخاه شهاب الدين لما ملكا في خراسان قيل ~~لهما: إن الناس في جميع البلاد يزرون على الكرامية ويحتقرونهم. والرأي أن ~~تفارقوا مذاهبهم، فصارا شافعيين؛ وقيل: إن شهاب الدين كان حنفيا، والله ~~أعلم. وفي هذه السنة توفي أبو القاسم يحيى بن علي بن فضلان الفقيه الشافعي، ~~وكان إماما فاضلا، ودرس ببغداد، وكان من أعيان أصحاب محمد بن يحيى نجى ~~النيسابوري. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وتسعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر ملك العادل الديار المصرية # قد ذكرنا سنة خمس وتسعين حصر الأفضل والظاهر ولدي صلاح الدين دمشق، ~~ورحيلها إلى رأس الماء، على عزم المقام بحوران إلى أن يخرج الشتاء، فلما ~~أقاموا برأس الماء وجد العسكر بردا شديدا، لأن البرد في ذلك المكان في ~~الصيف موجود، فكيف في الشتاء، فتغير العزم عن المقام، واتفقوا على أن يعود ~~كل إنسان منهم إلى بلده، ويعودوا إلى الاجتماع، فتفرقوا تاسع ربيع الأول، ~~فعاد الظاهر وصاحب حمص إلى بلادهما، وسار الأفضل إلى مصر، فوصل بلبيس، ~~فأقام بها، ووصلته الأخبار بأن عمه الملك العادل قد سار من دمشق قاصدا مصر ~~ومعه المماليك الناصرية، وقد حلفوه على أن يكون ولد الملك العزيز هو صاحب ~~البلاد، وهو المدبر للملك، إلى أن يكبر، فساروا على هذا. وكان عسكره بمصر ~~قد تفرق عن الأفضل من الخشبي، فسار كل منهم إلى إقطاعه ليربعوا دوابهم، ~~فرام الأفضل جمعهم من أطراف البلاد، فأعجله الأمر عن ذلك، ولم يجتمع منهم ~~إلا طائفة يسيرة ممن قرب إقطاعه، ووصل العادل، فأشار بعض الناس على الأفضل ~~أن يخرب سور بلبيس ويقيم بالقاهرة، وأشار غيرهم بالتقدم إلى أطراف البلاد، ~~ففعل ذلك، فسار عن بلبيس، ونزل موضعا يقال له السائح إلى طرف البلاد، ولقاء ~~العادل قبل دخول البلاد سابع ربيع الآخر، فانهزم الأفضل، ودخل القاهرة ~~ليلا. وفي تلك الليلة توفي القاضي الفاضل ms4346 عبد الرحيم بن علي البيساني كاتب ~~الإنشاء لصلاح الدين ووزيره، فحضر الأفضل الصلاة عليه، وسار العادل فنزل ~~على القاهرة وحصرها، فجمع الأفضل من عنده من الأمراء واستشارهم، فرأى منهم ~~تخاذلا، فأرسل رسولا إلى عمه في الصلح وتسليم البلاد إليه، وأخذ العوض ~~عنها، وطلب دمشق، فلم يجبه العادل، فنزل عنها إلى حران والرها فمل يجبه، ~~فنزل إلى ميافارقين وحاني وجبل جور، فأجابه إلى ذلك، وتحالفوا عليه، وخرج ~~الأفضل من مصر ليلة السبت ثامن عشر ربيع الآخر، واجتمع بالعادل، وسار إلى ~~صرخد، ودخل العادل إلى القاهرة يوم السبت ثامن عشر ربيع الآخر. ولما وصل ~~الأفضل إلى صرخد أرسل من تسلم ميافارقين وحاني وجبل جور، فامتنع نجم الدين ~~أيوب ابن الملك العادل من تسليم ميافارقين، وسلم ما عداها، فترددت الرسل ~~بين الأفضل والعادل في ذلك، والعادل يزعم أن ابنه عصاه، فأمسك عن المراسلة ~~في ذلك لعلمه أن هذا فعل بأمر العادل. ولما ثبتت قدم العادل بمصر قطع خطبة ~~الملك المنصور ابن الملك العزيز في شوال من السنة وخطب لنفسه، وحاقق الجند ~~في إقطاعاتهم، واعتراضهم في أصحابهم ومن عليهم من العسكر المقرر، فتغيرت ~~لذلك نياتهم، فكان ما نذكره سنة سبع وتسعين إن شاء الله. PageV05P0235 ### || AUT ذكر وفاة خوارزم شاه # في هذه السنة، في العشرين من رمضان، توفي خوارزم شاه تكش بن ألب أرسلان، ~~صاحب خوارزم وبعض خراسان والري وغيرها من البلاد الجبالية، بشهرستانة بين ~~نيسابور وخوارزم. وكان قد سار من خوارزم إلى خراسان، وكان به خوانيق، فأشار ~~عليه الأطباء بترك الحركة، فامتنع، وسار، فلما قارب شهرستانة اشتد مرضه ~~ومات، ولما اشتد مرضه أرسلوا إلى ابنه قطب الدين محمد يستدعونه، ويعرفونه ~~شدة مرض أبيه، فسار إليهم وقد مات أبوه، فولي الملك بعده، ولقب علاء الدين، ~~لقب أبيه، وكان لقبه قطب الدين، وأمر فحمل أبوه ودفن بخوارزم في تربة عملها ~~في مدرسة بناها كبيرة عظيمة، وكان عادلا حسن السيرة، له معرفة حسنة وعلم، ~~يعرف الفقه على مذهب أبي حنيفة، ويعرف الأصول. وكان ولده علي شاه بأصفهان، ms4347 ~~فأرسل إليه أخوه خوارزم شاه محمد يستدعيه، فسار إليه، فنهب أهل أصفهان ~~خزانته ورحله، فلما وصل إلى أخيه ولاه حرب أهل خراسان، والتقدم على جندها، ~~وسلم إليه نيسابور، وكان هندوخان بن ملكشاه بن خوارزم شاه تكش يخاف عمه ~~محمدا، فهرب منه، ونهب كثيرا من خزائن جده تكش لما مات، وكان معه، وسار إلى ~~مرو. ولما سمع غياث الدين ملك غزنة بوفاة خوارزم شاه أمر أن لا تضرب نوبته ~~ثلاثة أيام، وجلس للعزاء على ما بينهما من العداوة والمحاربة، فعل ذلك عقلا ~~منه ومروءة، ثم إن هندوخان جمع جمعا كثيرا يخرسان، فسير إليه عمه خوارزم ~~شاه محمد جيشا مقدمهم جقر التركي، فلما سمع هندوخان بمسيرهم هرب عن خراسان ~~وسار إلى غياث الدين يستنجده على عمه، فأكرم لقاءه وإنزاله، وأقطعه، ووعده ~~النصرة، فأقام عنده، ودخل جقر مدينة مرو، وبها والدة هندوخان وأولاده، ~~فاستظهر عليهم، وأعلم صاحبه، فأمره بإرسالهم إلى خوارزم مكرمين؛ فلما سمع ~~غياث الدين ذلك أرسل إلى محمد بن جربك، صاحب الطالقان، يأمره أن يرسل إلى ~~جقر يتهدده، ففعل ذلك وسار من الطالقان، فأخذ مرو الروذ، والخمس قرى وتسمى ~~بالفارسية بنج ده، وأرسل إلى جقر يأمره بإقامة الخطبة بمرو لغياث الدين، أو ~~يفارق البلد، فأعاد الجواب يتهدد ابن جربك ويتوعده، وكتب إليه سرا يسأله أن ~~يأخذ له أمانا من غياث الدين ليحضر خدمته، فكتب إلى غياث الدين بذلك، فلما ~~قرأ كتابه علم أن خوارزم شاه ليس له قوة، فلهذا طلب جقر الانحياز إليه، ~~فقوي طمعه في البلاد، وكتب إلى أخيه شهاب الدين يأمره بالخوارج إلى خراسان، ~~ليتفقا على أخذ بلاد خوارزم شاه محمد. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، وثب الملاحدة الإسماعيلية على نظام ~~الملك مسعود بن علي، وزير خوارزم شاه تكش، فقتلوه، وكان صالحا كثير الخير، ~~حسن السيرة، شافعي المذهب، بنى للشافعية بمرو جامعا مشرفا على جامع ~~الحنفية، فتعصب شيخ الإسلام وهو مقدم الحنابلة بها، قديم الرياسة، وجمع ~~الأوباش، فأحرقه. فأنفذ خوارزم شاه فأحضر شيخ الإسلام ms4348 وجماعة ممن سعى في ~~ذلك، فأغرمهم مالا كثيرا. وبنى الوزير أيضا مدرسة عظيمة بخوارزم وجامعا ~~وجعل فيها خزانة كتب، وله آثار حسنة بخراسان باقية، لوما مات خلف ولدا ~~صغيرا، فاستوزره خوارزم شاه رعاية لحق أبيه، فأشير عليه أن يصلح له إلى أن ~~أكبر، فإن كنت أصلح فأنا المملوك؛ فقال خوارزم شاه: لست أعفيك، وأنا وزيرك، ~~فكن مراجعي في الأمور، فإنه لا يقف منها شيء. فاستحسن الناس هذا، ثم إن ~~الصبي لم تطل أيامه، فتوقبل خوارزم شاه بيسير. وفي هذه السنة، في ربيع ~~الأول، توفي شيخنا أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن سعد بن صدقة بن ~~الخضر بن كليب الحراني المقيم ببغداد وله ست وتسعون سنة وشهران، وكان عالي ~~الإسناد في الحديث، وكان ثقة صحيح السماع. وفي ربيع الآخر منها توفي القاضي ~~الفاضل عبد الرحيم البيساني الكاتب المشهور، لم يكن في زمانه أحسن كتابة ~~منه، ودفن بظاهر مصر بالقرافة، وكان دينا كثير الصدقة والعبادة، وله وقوف ~~كثيرة على الصدقة وفك الأسارى، وكان يكثر الحج والمجاورة مع اشتغاله بخدمة ~~السلطان، وكان السلطان صلاح الدين يعظمه ويحترمه ويكرمه، ويرجع إلى قوله، ~~رحمهما الله. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وتسعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر ملك الملك الظاهر صاحب حلب منبج # ### || AUT وغيرها من الشام وحصره هو وأخوه الأفضل مدينة دمشق وعودهما عنها # PageV05P0236 # قد ذكرنا قبل ملك العادل ديار مصر، وقطعه خطبة الملك المنصور ولد الملك ~~العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، وأنه لما فعل ذلك لم يرضه ~~الأمراء المصريون، وخبثت نياتهم في طاعته، فراسلوا أخويه: الظاهر بحلب، ~~والأفضل بصرخد، وتكررت المكاتبات والمراسلات بينهم، يدعونهم إلى قصد دمشق ~~وحصرها ليخرج الملك العادل إليهم، فإذا خرج إليهم من مصر أسلموه، وصاروا ~~معهما، فيملكان البلاد. وكثر ذلك، حتى فشا الخبر واتصل بالملك العادل، ~~وانضاف إلى ذلك أن النيل لم يزد بمصر الزيادة التي تركب الأرض ليزرع الناس، ~~فكثر الغلاء فضعفت قوة الجند، وكان فخر الدين جركس قد فارق مصر إلى الشامخ ~~هو وجماعة من ms4349 المماليك الناصرية لحصار بانياس ليأخذها لنفسه بأمر العادل، ~~وكانت لأمير كبير تركي اسمه بشارة، قد اتهمنه العادل، فأمر جركس بذلك. وكان ~~أمير من أمراء العادل يعرف بأسامة قد حج هذه السنة، فلما عاد من الحج، ~~وقارب صرخد، نزل الملك الأفضل، فلقيه وأكرمه، ودعاه إلى نفسه، فأجابه وحلف ~~له، وعرفه الأفضل جلية الحال، وكان أسامة من بطانة العادل، وإنما حلف ~~لينكشف له الأمر، فلما فارق الأفضل أرسل إلى العادل، وهو بمصر، يعرفه الخبر ~~جميعه، فأرسل إلى ولده الذي بدمشق يأمره بحصر الأفضل بصرخد، وكتب إلى إياس ~~جركس وميمون القصري، صاحب بلبيس، وغيرهما من الناصرية، يأمرهم الاجتماع مع ~~ولده على حصر الأفضل. وسمع الأفضل الخبر، فسار إلى أخيه الظاهر بحلب مستهل ~~جمادى الأولى من السنة، ووصل إلى حلب عاشر الشهر، وكان الظاهر قد أرسل ~~أميرا كبيرا من أمرائه إلى عمه العادل، فمنعه العادل من الوصول إليه، وأمره ~~بأن يكتب رسالته، فلم يفعل وعاد لوقته، فتحرك الظاهر لذلك وجمع عسكره وقصد ~~منبج فملكها للسادس والعشرين من رجب، وسار إلى قلعة نجم وحصرها، فتسلمها ~~سلخ رجب. وأما ابن العادل المقيم بدمشق فإنه سار إلى بصرى، وأرسل إلى جركس ~~ومن معه، وهم على بانياس يحصرونها، يدعوهم إليه، فلم يجيبوه إلى ذلك بل ~~غالطوه، فلما طال مقامه على بصرى عاد إلى دمشق، وأرسل الأمير أسامة إليهم ~~يدعوهم إلى مساعدته، فاتفق أنه جرى بينه وبين البكى الفارس، بعض المماليك ~~الكبار الناصرية، منافرة فأغلظ له البكى القول، وتعدى إلى الفعل باليد، ~~وثار العسكر جميعه على أسامة، فاستذم بميمون، فأمنه وأعاده إلى دمشق، ~~واجتمعوا كلهم عند الملك الظافر خضر بن صلاح الدين، وأنزلوه من صرخد، ~~وأرسلوا إلى الملك الظاهر والأفضل يحثونهما على الوصول إليهم، والملك ~~الظاهر يتربص ويتعوق، فوصل من منبج إلى حماة في عشرين يوما، وأقام على حماة ~~يحصرها وبها صاحبها ناصر الدين محمد بن تقي الدين إلى تاسع عشر شهر رمضان، ~~فاصطلحا وحمل له ابن تقي الدين ثلاثين ألف دينار صورية، وساروا منها إلى ~~حمص، ثم سارا ms4350 منها إلى دمشق على طريق بعلبك، فنزلوا عليها عند مسجد القدم، ~~فلما نزلوا على دمشق أتاهم المماليك الناصرية مع الملك الظافر خضر بن صلاح ~~الدين، وكانت القاعدة استقرت بني الظاهر وأخيه الأفضل أنهم إذا ملكوا دمشق ~~تكون بيد الأفضل، وكانت القاعدة استقرت بني الظاهر وأخيه الأفضل أنهم إذا ~~ملكوا دمشق تكون بيد الأفضل، ويسيرون إلى مصر، فإذا ملكوها تسلم الظاهر ~~دمشق، فيبقى الشام جميعه له، وتبقى مصر للأفضل، وسلم الأفضل صرخد إلى زين ~~الدين قراجة مملوك والده ليحضر في خدمته، وأنزل والدته وأهله منها وسيرهم ~~إلى حمص، فأقاموا عند أسد الدين شيركوه صاحبها. PageV05P0237 # وكان الملك العادل قد سار من مصر إلى الشام، فنزل على مدينة نابلس وسير ~~جمعا من العسكر إلى دمشق ليحفظها، فوصلوا قبل وصول الظاهر والأفضل، وحضر ~~فخر الدين جركس وغيره من الناصرية عند الظاهر، وزحفوا إلى دمشق وقاتلوها ~~رابع عشر ذي القعدة، واشتد القتال عليها، فالتصق الرجل بالسور، فأدركهم ~~الليل، فعادوا وقد قوي الطمع في أخذها، ثم زحفوا إليها مرة ثانية وثالثة، ~~فلم يبق إلا ملكها، لأن العسكر صعد إلى سطح خان ابن المقدم، وهو ملاصق ~~السور، فلو لم يدركهم الليل لملكوا البلد؛ فلما أدركهم الليل، وهم عازمون ~~على الزحف بكرة، وليس لهم عن البلد مانع، حسد الظاهر أخاه الأفضل، فأرسل ~~إليه يقول له تكون دمشق له وبيده ويسير العساكر معه إلى مصر. فقال له ~~الأفضل، قد علمت أن والدتي وأهلي، وهم أهلك أيضا، على الأرض، ليس لهم موضع ~~يأوون إليه، فاحسب أن هذا البلد لك تعيرناه ليسكنه أهلي هذه المدة إلى أن ~~يملك مصر. فلم يجبه الظاهر إلى ذلك، ولج، فلما رأى الأفضل ذلك الحال قال ~~للناصرية وكل من جاء إليهم من الجند: إن كنتم جئتم إلي فقد أذنت لكم في ~~العود إلى العادل، وإن كنتم جئتم إلى أخي الظاهر فأنتم وهو أخبر، وكان ~~الناس كلهم يريدون الأفضل، فقالوا: ما نريد سواك، والعادل أحب إلينا من ~~أخيك؛ فأذن لهم في العود، فهرب فخر الدين جركس وزين ms4351 الدين قراجة الذي أعطاه ~~الأفضل صرخد، فمنهم من دخل دمشق، ومنهم من عاد إلى إقطاعه، فلما انفسخ ~~الأمر عليهم عادوا إلى تجديد الصلح مع العادل، فترددت الرسل بينهم واستقر ~~الصلح على أن يكون للظاهر منبج، وأفامية وكفر طاب، وقرى معينة من المعرة، ~~ويكون للأفضل سميساط، وسروج، ورأس عين، وحملين، ورحلوا عن دمشق أول المحرم ~~سنة ثمان وتسعين، فقصد الأفضل حمص فأقام بها، وسار الظاهر إلى حلب، ووصل ~~العادل إلى دمشق تاسع المحرم، وسار الأفضل إليه من حمص، فاجتمع به بظاهر ~~دمشق، وعاد من عنده إلى حمص، وسار منها ليتسلم سميساط، فتسلمها، وتسلم باقي ~~ما استقر له: رأس عين وسروج وغيرهما. ### || AUT ذكر ملك غياث الدين وأخيه # ### || AUT ما كان لخوارزم شاه بخراسان # قد ذكرنا مسير محمد بن خرميل من الطلقان. واستيلاء على مرو الروذ وسؤال ~~جقر اتركي نائب علاء الدين محمد خوارزم شاه بمرو أن يكون في جملة عسكر غياث ~~الدين، ولما وصل كتاب ابن خرميل إلى غياث الدين في معنى جقر، علم أن هذا ~~إنما دعاه إلى الانتماء إليهم ضعف صاحبه، فأرسل إلى أخيه شهاب الدين ~~يستدعيه إلى خراسان، فسار من غزنة في عساكره وجنوده وعدته وما يحتاج إليه. ~~وكان بهراة الأمير عمر بن محمد المرغني نائبا عن غياث الدين، وكان يكره ~~خروج غياث الدين إلى خراسان، فأحضره غياث الدين واستشاره، فأشار بالكف عن ~~قصدها، وترك المسير إليها، فأنكر عليه ذلك، و أراد إبعاده عنه، ثم تركه، ~~ووصل شهاب الدين في عساكره وعساكر سجستان وغيرها في جمادى الأولى من هذه ~~السنة، فلما وصلوا إلى ميمنة، وهي قرية بين الطالقان وكرزيان، وصل إلى شهاب ~~الدين كتاب جقر مستحفظ مرو، يطلبه ليسلمها إليه، فاستأذن أخاه غياث الدين، ~~فأذن له، فسار إليها، فخرج أهلها مع العسكر الخوارزمي وقاتلوه، فأمر أصحابه ~~بالحملة عليهم والجد في قتالهم، فحملوا عليهم، فأدخلوهم البلد، وزحفوا ~~بالفيلة إلى أن قاربوا السور، فطلب أهل البلد الأمان، فأمنهم وكف الناس عن ~~التعرض إليهم، وخرج جقر إلى شهاب الدين فوعده الجميل. ms4352 ثم حضر غياث الدين ~~إلى مرو بعد فتحها، فأخذ جقر وسيره إلى هراة مكرما، وسلم مرو إلى هندوخان ~~بن ملكشاه بن خوارزم شاه تكش، وقد ذكرنا هربه من عمه خوارزم شاه محمد بن ~~تكش إلى غياث الدين، ووصاه بالإحسان إلى أهلها. PageV05P0238 # ثم سار غياث الدين إلى مدينة سرخس، فأخذها صلحا، وسلمها إلى الأمير زنكي ~~بن مسعود، وهو من أولاد عمه، وأقطعه معها نسا وأبيورد؛ ثم سار بالعساكر إلى ~~طوس، فأراد الأمير الذي بها أن يمتنع فيها ولا يسلمها، فأغلق باب البلد ~~ثلاثة أيام، فبلغ الخبز ثلاثة أمناء بدينار ركني، فضج أهل البلد عليه، ~~فأرسل إلى غياث الدين يطلب الأمان، فأمنه، فخرج إليه، فخلع عليه وسيره إلى ~~هراة؛ ولما ملكها أرسل إلى علي شاه بن خوارزم شاه تكش، وهو نائب أخيه علاء ~~الدين. وكان مع علي شاه عسكر من خوارزم شاه، فاتفقوا على الامتناع من تسليم ~~البلد، وحصنوه، وخربوا ما بظاهره من العمارة، وقطعوا الأشجار. وسار غياث ~~الدين إلى نيسابور، فوصل إليها أوائل رجب، وتقدم عسكر أخيه شهاب الدين إلى ~~القتال؛ فلما رأي غياث الدين ذلك قال لولده محمود: قد سبقنا عسكر غزنة بفتح ~~مرو، ومن يريدون أن يفتحوا نيسابور، فيحصلون بالاسم، فاحمل إلى البلد، ولا ~~ترجع حتى تصل إلى السور، فحمل، وحمل معه وجوه الغورية، فلم يردهم أحد من ~~السور، حتى اصعدوا علم غياث الدين إليه، فلما رأى شهاب الدين علم أخيه على ~~السور قال لأصحابه: اقصدوا بنا هذه الناحية، واصعدوا السور من هاهنا؛ وأشار ~~إلى مكان فيه، فسقط السور منهدما، فضج الناس بالتكبير، وذهل الخوارزميون ~~وأهل البلد، ودخل الغورية البلد، وملكوه عنوة، ونهبوه ساعة من نهار، فبلغ ~~الخبر إلى غياث الدين فأمر بالنداء: من نهب مالا أو أذى أحدا فدمه حلال؛ ~~فأعاد الناس ما نهبوه عن آخره. ولقد حدثني بعض أصدقائنا من التجار، وكان ~~بنيسابور في هذه الحادثة: نهب من متاعي شيء من جملته سكر، فلما سمع العسكر ~~النداء ردوا جميع ما أخذوا مني، وبقي لي بساط وشيء من ms4353 السكر، فرأيت السكر ~~مع جماعة، فطلبته منهم، فقالوا: أما السكر فأكلناه، فنسألك ألا يسمع أحد، ~~وإن أردت ثمنه أعطيناك؛ فقلت: أنتم في حل منه؛ ولم يكن البساط مع أولئك، ~~قال: فمشيت إلى باب البلد مع النظارة، فرأيت البساط الذي لي قد ألقي عند ~~باب البلد لم يجسر أحد على أن يأخذه، فأخذته وقلت: هذا لي؛ فطلبوا مني من ~~يشهد به، فأحضرت من شهد لي وأخذته. ثم إن الخوارزميين تحصنوا بالجامع، ~~فأخرجهم أهل البلد، فأخذهم الغورية ونهبوا ما لهم، وأخذ علي شاه بن خوارزم ~~شاه وأحضر عند غياث الدين رجلا، فأنكر ذلك على من أحضره، وعظم الأمر فيه، ~~وحضرت داية كانت لعلي شاه، وقالت لغياث الدين: أهكذا يفعل بأولاد الملوك؟ ~~فقال: لا! بل هكذا، وأخذ بيده، وأقعده معه على السرير، وطيب نفسه، وسير ~~جماعة الأمراء الخوارزمية إلى هراة تحت الاستظهار، وأحضر غياث الدين ابن ~~عمه، وصهره على ابنته، ضياء الدين محمد بن أبي علي الغوري، وولاه حرب ~~خراسان وخراجها، ولقبه علاء الدين، وجعل معه وجوه الغورية، ورحل إلى هراة، ~~وسلم علي شاه إلى أخيه شهاب الدين، وأحسن إلى أهل نيسابور وفرق فيهم مالا ~~كثيرا. ثم رحل بعده شهاب الدين إلى ناحية قهستان، فوصل إلى قرية، فذكر له ~~أن أهلها إسماعيلية، فأمر بقتل المقاتلة، ونهب الأموال، وسبي الذراري، وخرب ~~القرية فجعلها خاوية على عروشها، ثم سار إلى كناباد وهي من المدن التي جميع ~~أهلها إسماعيلية، فنزل عليها وحصرها، فأرسل صاب قهستان إلى غياث الدين يشكو ~~أخاه شهاب الدين، ويقول: بيننا عهد، فما الذي بدا منا حتى تحاصر بلدي؟ ~~واشتد خوف الإسماعيلية الذين بالمدينة من شهاب الدين، فطلبوا الأمان ~~ليخرجوا منها، فأمنهم، وأخرجهم وملك المدينة وسلمها إلى بعض الغورية، فأقام ~~بها الصلاة، وشعار الإسلام، ورحل شهاب الدين فنزل على حصن آخر للإسماعيلية، ~~فوصل إليه رسول أخيه غياث الدين، فقال الرسول: معي تقدم من السلطان، فلا ~~يجري حرد إن فعلته؟ فقال: لا فقال: إنه يقول لك ما لك ولرعيتي، ارحل، قال: ~~لا أرحل! قال: ms4354 إذن أفعل ما أمرني. قال: افعل؛ فسل سيفه وقطع أطناب سرادق ~~شهاب الدين، وقال: ارحل بتقدم السلطان، فرحل شهاب الدين والعسكر وهو كاره، ~~وسار إلى بلد الهند، ولم يقم بغزنة غضبا لما فعله أخوه معه. ### || AUT ذكر قصد نور الدين بلاد العادل # ### || AUT والصلح بينهما # PageV05P0239 # في هذه السنة أيضا تجهز نور الدين أرسلان شاه، صاحب الموصل، وجمع عساكره ~~وسار إلى بلاد الملك العادل بالجزيرة: حران والرها؛ وكان سبب حركته أن ~~الملك العادل لما ملك مصر، على ما ذكرناه قبل، اتفق نور الدين والملك ~~الظاهر، صاحب حلب وصاحب ماردين وغيرهما، على أن يكونوا يدا واحدة، متفقين ~~على منع العادل عن قصد أحدهم، فلما تجددت حركة الأفضل والظاهر أرسلا إلى ~~نور الدين ليقصد البلاد الجزرية، فسار عن الموصل في شعبان من هذه السنة، ~~وسار معه ابن عمه قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي، صاحب سنجار ونصيبين، ~~وصاحب ماردين، ووصل إلى رأس عين، وكان الزمان قيظا، فكثرت الأمراض في ~~عسكره. وكان بحران ولد العادل يلقب بالملك الفائز ومعه عسكر يحفظ البلاد، ~~فلما وصل نور الدين إلى رأس عين جاءته رسل الفائز ومن معه من أكابر الأمراء ~~يطلبون الصلح ويرغبون فيه، وكان نور الدين قد سمع بأن الصلح بدأ يتم بين ~~الملك العادل والملك الظاهر والأفضل، وانضاف إلى ذلك كثرة الأمراض في ~~عسكره، فأجاب إليه، وحلف الملك لفائز ومن عنده من أكابر الأمراء عل القاعدة ~~التي استقرت، وحلفوا له أنهم يحلفون الملك العادل له، فإن امتنع كانوا معه ~~عليه، وحلف هو للملك العادل. وسارت الرسل من عنده ومن عند ولده في طلب ~~اليمين من العادل، فأجاب إلى ذلك، وحلف له، واستقرت القاعدة، وأمنت البلاد ~~وعاد نور الدين إلى الموصل في ذي القعدة من السنة. ### || AUT ذكر ملك شهاب الدين نهرواله # لما سار شهاب الدين من خراسان، على ما ذكرناه، لم يقم بغزنة، وقصد بلاد ~~الهند، وأرسل مملوكه قطب الدين أيبك إلى نهرواله، فوصلها سنة ثمان وتسعين، ~~فلقيه عسكر الهنود، فقاتلوه قتالا شديدا، فهزمهم ms4355 أيبك، واستباح معسكرهم، ~~وما لهم فيه من الدواب وغيرها، وتقدم إلى نهرواله فملكها عنوة، وهرب ملكها، ~~فجمع وحشد، فكثر جمعه. وعلم شهاب الدين أنه لا يقدر على حفظها إلا بأن يقيم ~~هو فيها ويخليها من أهلها، ويتعذر عليه ذلك، فإن البلد عظيم، هو أعظم بلاد ~~الهند، وأكثرهم أهلا، فصالح صاحبها على مال يؤديه إليه عاجلا وآجلا، وأعاد ~~عساكره عنها وسلمها إلى صاحبها. ### || AUT ذكر ملك ركن الدين ملطية من أخيه وأرزن الروم # في هذه السنة، في شهر رمضان، ملك ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان مدينة ~~ملطية، وكانت لأخيه معز الدين قيصر شاه، فسار إليه وحصره أياما وملكها، ~~وسار منها إلى أرزن الروم، وكانت لولد الملك ابن محمد بن صلتق، وهم بيت ~~قديم قد ملكوا أرزن الروم هذه مدة طويلة، فلما سار إليها وقاربها خرج ~~صاحبها إليه ثقة به ليقرر معه الصلح على قاعدة يؤثرها ركن الدين، فقبض عليه ~~واعتقله عنده وأخذ البلد، وكان هذا آخر أهل بيته الذين ملكوا، فتبارك الله ~~الحي القيوم الذي لا يزول ملكه أبدا سرمدا. ### || AUT ذكر وفاة سقمان صاحب آمد # ### || AUT وملك أخيه محمود # في هذه السنة توفي قطب الدين سقمان بن محمد بن قرا أرسلان بن داود بن ~~سقمان، صاحب آمد وحصن كيفا، سقط من سطح جوسق كان له بظاهر حصن كيفا فمات، ~~وكان شديد الكراهة لأخيه هذا، والنفور عنه، قد أبعده وأنزله حصن منصور في ~~آخر بلادهم، واتخذ مملوكا اسمه إياس، فزوجه أخته، وأحبه حبا شديدا، وجعله ~~ولي عهده، فلما توفي ملك بعده عدة أيام، وتهدد وزيرا كان لقطب الدين، وغيره ~~من أمراء الدولة، فأرسلوا إلى أخيه محمود سرا يستدعونه، فسار مجدا، فوصل ~~إلى آمد وقد سبقه إليها إياس مملوك أخيه، فلم يقدم على الامتناع، فتسلم ~~محمود البلاد جميعها وملكها، وحبس المملوك فبقي مدة محبوسا، ثم شفع له صاحب ~~بلاد الروم، فأطلق من الحبس، وسار إلى الروم، فصار أميرا من أمراء الدولة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اشتد الغلاء بالبلاد ms4356 المصرية لعدم زيادة النيل، وتعذرت ~~الأقوات حتى أكل الناس الميتة، وأكل بعضهم بعضا، ثم لحقهم عليه وباء وموت ~~كثير أفنى الناس. وفي شعبان منها تزلزلت الأرض بالموصل، وديار الجزيرة ~~كلها، والشام، ومصر، وغيرها، فأثرت في الشام آثارا قبيحة، وخربت كثيرا من ~~الدور بدمشق، وحمص، وحماة، وانخسفت قرية من قرى بصرى، وأثرت في الساحل ~~الشامي أثرا كثيرا، فاستولى الخراب على طرابلس، وصور، وعكا، ونابلس، وغيرها ~~من القلاع، ووصلت الزلزلة إلى بلاد الروم، وكانت بالعراق يسيرة لم تهدم ~~دورا. PageV05P0240 # وفيها ولد ببغداد طفل له رأسان، وذلك أن جبهته مفروقة بمقدار ما يدخل ~~فيها ميل. وفي هذه السنة، في شهر رمضان، توفي أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ~~ابن الجوزي الحنبلي الواعظ ببغداد، وتصانيفه مشهورة، وكان كثير الوقيعة في ~~الناس لا سيما في العلماء المخالفين لمذهبه والموافقين له، وكان مولده سنة ~~عشر وخمسمائة. وفيه أيضا توفي عيسى بن نصير النميري الشاعر، وكان حسن ~~الشعر، وله أدب وفضل، وكان موته ببغداد. وفيها توفي العماد أبو عبد الله ~~محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن أله، أوله باللام المشددة، وهو العماد ~~الكاتب الأصفهاني، كتب لنور الدين محمود ابن زنكي ولصلاح الدين يوسف بن ~~أيوب، رضي الله عنهما، وكان كاتبا مفلقا، قادرا على القول. وفيها جمع عبد ~~الله بن حمزة العلوي المتغلب على جبال اليمن جموعا كثيرة فيها اثنا عشر ألف ~~فارس، ومن الرجالة ما لا يحصى كثرة، وكان قد انضاف إليه من جند المعز بن ~~إسمعيل بن سيف الإسلام طغدكين بن أيوب، صاحب اليمن، خوفا منه، وأيقنوا بملك ~~البلاد، واقتسموها، وخافهم ابن سيف الإسلام خوفا عظيما، فاجتمع قواد عسكر ~~ابن حمزة ليلا ليتفقوا على رأي يكون العمل بمقتضاه، وكانوا اثني عشر قائدا ~~فنزلت عليهم صاعقة أهلكتهم جميعهم، فأتى الخبر ابن سيف الإسلام في باقي ~~الليلة بذلك، فسار إليهم مجدا فأوقع بالعسكر المجتمع، فلم يثبتوا له، ~~وانهزموا بين يديه، ووضع السيف فيهم، فقتل منهم ستة آلاف قتيل أو أكثر من ~~ذلك وثبت ملكه واستقر بتلك ms4357 الأرض. وفيها وقع في بني عنزة بأرض الشراة، بين ~~الحجاز واليمن، وباء عظيم، وكانوا يسكنون في عشرين قرية، فوقع الوباء في ~~ثماني عشرة قرية، فلم يبق منهم أحد. وكان الإنسان إذا قرب من تلك القرى ~~يموت ساعة ما يقاربها، فتحاماها الناس، وبقيت إبلهم وأغنامهم لا مانع لها، ~~وأما القريتان الأخريان فلم يمت فيهما أحد، ولا أحسوا بشيء مما كان فيه أولئك. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر ملك خوارزم شاه # ### || AUT ما كان أخذه الغورية من بلاده # قد ذكرنا في سنة سبع وتسعين ملك غياث الدين وأخيه شهاب الدين ما كان ~~لخوارزم شاه محمد بن تكش بخراسان ومرو ونيسابور وغيرها، وعودهما عنها بعد ~~أن أقطعا البلاد، ومسير شهاب الدين إلى الهند، فلما اتصل بخوارزم شاه علاء ~~الدين محمد بن تكش عود العساكر الغورية عن خراسان، ودخول شهاب الدين الهند، ~~أرسل إلى غياث الدين يعاتبه، ويقول: كنت أعتقد أن تخلف علي بعد أبي، وأن ~~تنصرني على الخطا، وتردهم عن بلادي، فحيث لم تفعل فلا أقل من أن لا تؤذيني ~~وتأخذ بلادي، والذي أريده أن تعيد ما أخذته مني إلي، وإلا استنصرت عليك ~~بالخطا وغيرهم من الأتراك، إن عجزت عن أخذ بلادي، فإنني إنما شغلني عن ~~منعكم عنها الاشتغال بعزاء والدي وتقرير أمر بلادي، وإلا فما أنا عاجز عنكم ~~وعن أخذ بلادكم بخراسان وغيرها؛ فغالطه غياث الدين في الجواب لتميد الأيام ~~بالمراسلات، ويخرج أخوه شهاب الدين من الهند بالعساكر، فإن غياث الدين كان ~~عاجزا باستيلاء النقرس عليه. فلما وقف خوارزم شاه على رسالة غياث الدين ~~أرسل إلى علاء الدين الغوري، نائب غياث الدين بخراسان، يأمره بالرحيل عن ~~نيسابور، ويتهدده إن لم يفعل، فكتب علاء الدين إلى غياث الدين بذلك، ويعرفه ~~ميل أهل البلد إلى الخوارزميين، فأعاد غياث الدين جوابه يقوي قلبه، ويعده ~~النصرة والمنع عنه. وجمع خوارزم شاه عساكره وسار عن خوارزم نصف ذي الحجة ~~سنة سبع وتسعين وخمسمائة، فلا قارب نسا وأبيورد هرب هندوخان ابن أخي ملكشاه ~~من ms4358 مرو إلى غياث الدين بفيروزكوه، وملك خوارزم شاه مدينة مرو، وسار إلى ~~نيسابور وبها علاء الدين، فحصره، وقاتله قتالا شديدا، وطال مقامه عليها، ~~وراسله غير مرة في تسليم البلد إليه، وهو لا يجيب إلى ذلك انتظارا للمدد من ~~غياث الدين، فبقي نحو شهرين، فلما أبطأ عنه النجدة أرسل إلى خوارزم شاه ~~يطلب الأمان لنفسه ولمن معه من الغورية، وأنه لا يتعرض إليهم بحبس ولا غيره ~~من الأذى، فأجابه إلى ذلك، وحلف لهم، وخرجوا من البلد وأحسن خوارزم شاه ~~إليهم، ووصلهم بمال جليل وهدايا كثيرة، وطلب من علاء الدين أن يسعى في ~~الصلح بينه وبين غياث الدين وأخيه، فأجابه إلى ذلك. PageV05P0241 # وسار إلى هراة، ومنها إلى إقطاعه، ولم يمض إلى غياث الدين تجنيا عليه ~~لتأخر أمداده، ولما خرج الغورية من نيسابور أحسن خوارزم شاه إلى الحسين ابن ~~خرميل، وهو من أعيان أمرائهم، زيادة على غيره، وبالغ في إكرامه، فقيل إنه ~~من ذلك اليوم استحلفه لنفسه، وأن يكون معه بعد غياث الدين وأخيه شهاب ~~الدين. ثم سار خوارزم شاه إلى سرخس، وبها الأمير زنكي، فحصره أربعين يوما، ~~وجرى بين الفريقين حروب كثيرة، فضاقت الميرة على أهل البلد، لا سيما الحطب، ~~فأرسل زنكي إلى خوارزم شاه يطلب منه أن يتأخر عن باب البلد حتى يخرج هو ~~وأصحابه ويترك البلد له، فراسله خوارزم شاه في الاجتماع به ليحسن إليه وإلى ~~من معه، فلم يجبه إلى ذلك، واحتج بقرب نسبه من غياث الدين، فأبعد خوارزم ~~شاه عن باب البلد بعساكره، فخرج زنكي فأخذ من الغلات وغيرها التي في ~~المعسكر ما أراد لا سيما من الحطب، وعاد إلى البلد وأخرج منه من كان قد ضاق ~~به الأمر، وكتب إلى خوارزم شاه: العود أحمد؛ فندم حيث لم ينفعه الندم؛ ورحل ~~عن البلد، وترك عليه جماعة من الأمراء يحصرونه. فلما أبعد خوارزم شاه سار ~~محمد بن جربك من الطالقان، وهو من أمراء الغورية، وأرسل إلى زنكي أمير سرخس ~~يعرفه أنه يريد أن يكبس الخوارزميين لئلا ينزعج إذا سمع ms4359 الغلبة، وسمع ~~الخوارزميون الخبر، ففارقوا سرخس، وخرج زنكي ولقي محمد بن جربك وعسكر في ~~مرو الروذ، وأخذ خراجها وما يجاورها، فسير إليهم خوارزم شاه عسكرا مع خاله، ~~فلقيهم محمد بم جربك وقاتلهم، وحمل بلت في يده على صاحب علم الخوارزمية ~~فضربه فقتله، وألقى علمهم، وكسر كوساتهم، فانقطع صوتها عن العسكر، ولم يروا ~~أعلامهم، فانزموا، وركبهم الغورية قتلا وأسرا نحو فرسخين فكانوا ثلاثة آلاف ~~فارس وابن جربك في تسع مائة فارس، وغنم جميع معسكرهم؛ فلما سمع خوارزم شاه ~~ذلك عاد إلى خوارزم، وأرسل إلى غياث الدين في الصلح، فأجابه عن رسالته مع ~~أمير كبير من الغورية يقال له الحسين بن محمد المرغني، ومرغن من قرى الغور، ~~فقبض عليه خوارزم شاه. ### || AUT ذكر حصر خوارزم شاه هراة # ### || AUT وعوده عنها # لما أرسل خوارزم شاه إلى غياث الدين في الصلح، وأجابه عن رسالته مع ~~الحسين المرغني مغالطا، قبض خوارزم شاه على الحسين، وسار إلى هراة ~~ليحاصرها، فكتب الحسين إلى أخيه عمر بن محمد المرغني، أمير هراة، يخبره ~~بذلك، فاستعد للحصار. وكان سبب قصد خوارزم شاه حصار هراة أن رجلين أخوين، ~~ممن كان يخدم محمدا سلطان شاه، اتصلا بغياث الدين، بعد وفاة سلطان شاه، ~~فأكرمهما غياث الدين، وأحسن إليهما، يقال لأحدهما الأمير الحاجي، فكاتبا ~~خوارزم شاه، وأطمعاه في البلد، وضمنا له تسليمه إليه، فسار لذلك، ونازل ~~المدينة وحصرها، فسلم الأمر عمر المرغني، أمير البلد، مفتاح الأبواب ~~إليهما، وجعلهما على القتال ثقة منه بهما، وظنا منه أنهما عدوا خوارزم شاه ~~تكش وابنه محمد بعده، فاتفق أن بعض الخوارزمية أخبر الحسين المرغني المأسور ~~عند خوارزم شاه بحال الرجلين، وأنهما هما اللذان يدبران خوارزم شاه ~~ويأمرانه بما يفعل، فلم يصدقه، وأتاه بخط الأمير الحاجي، فأخذه وأرسله إلى ~~أخيه عمر أمير هراة، فأخذهما واعتقلهما وأخذ أصحابهما. ثم إن ألب غازي، وهو ~~ابن أخت غياث الدين، جاء في عسكر من الغورية، فنزل على خمسة فراسخ من هراة، ~~فكان يمنع الميرة عن عسكر خوارزم شاه؛ ثم إن خوارزم شاه سير ms4360 عسكرا إلى ~~أعمال الطالقان للغارة عليها، فلقيهم الحسن بن خرميل فقاتلهم، فظفر بهم فلم ~~يفلت منهم أحد. وسار غياث الدين عن فيروزكوه إلى هراة في عسكره، فنزل برباط ~~رزين بالقرب من هراة، ولم يقدم على خوارزم شاه لقلة عسكره لان أكثر عساكره ~~كانت مع أخيه بالهند وغزنة، فأقام خوارزم شاه على هراة أربعين يوما، وعزم ~~على الرحيل لأنه بلغه انهزام أصحابه بالطالقان وقرب غياث الدين، وكذلك أيضا ~~قرب ألب غازي؛ وسمع أيضا أن شهاب الدين قد خرج من الهند إلى غزنة، وكان ~~وصوله إليها في رجب من هذه السنة، فخاف أن يصل بعساكره فلا يمكنه المقام ~~على البلد، فأرسل إلى أمير هراة عمر المرغني في الصلح فصالحه على مال حمله ~~إليه وارتحل عن البلد. PageV05P0242 # وأما شهاب الدين، فإنه لما وصل إلى غزنة بلغه الخبر بما فعله خوارزم شاه ~~بخراسان وملكه لها، فسار إلى خراسان، فوصل إلى بلخ ومنها إلى باميان ثم إلى ~~مرو، عازما على حرب خوارزم شاه، وكان نازلا هناك، فالتقت أوائل عسكريهما، ~~واقتتلوا، فقتل من الفريقين خلق كثير، ثم إن خوارزم شاه ارتحل عن مكانه شبه ~~المنهزم، وقطع القناطر، وقتل الأمير سنجر، صاحب نيسابور، لأنه اتهمه ~~بالمخامرة عليه، وتوجه شهاب الدين إلى طوس فأقام بها تلك الشتوة على عزم ~~المسير إلى خوارزم ليحصرها، فأتاه الخبر بوفاة أخيه غياث الدين، فقصد هراة ~~وترك ذلك العزم. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة درس مجد الدين أبو علي يحيى بن الربيع، الفقيه الشافعي، ~~بالنظامية ببغداد في ربيع الأول. وفيها توفيت بنفشة جارية الخليفة ~~المستضيء، بأمر الله، وكان كثير الميل إليها، والمحبة لها، وكانت كثير ~~المعروف والإحسان والصدقة. وفيها أيضا توفي الخطيب عبد الملك بن زيد ~~الدولعي، خطيب دمشق، وكان فقيها شافعيا، هو من الدولعية قرية من أعمال الموصل. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وتسعين وخمسمائة # ### || AUT ذكر حصر عسكر العادل ماردين # ### || AUT وصلحه مع صاحبها # في هذه السنة، في المحرم، سير الملك العادل أبو بكر بن أيوب، صاحب دمشق ~~ومصر، ms4361 عسكرا مع ولده الملك الأشرف موسى إلى ماردين، فحصروها، وشحنوا على ~~أعمالها، وانضاف إليه عسكر الموصل وسنجار وغيرهما، ونزلوا بخرزم تحت ~~ماردين، ونزل عسكر من قلعة البارعية، وهي لصاحب ماردين، يقطعون الميرة عن ~~العسكر العادلي، فسار إليهم طائفة من العسكر العادلي، فاقتتلوا، فانهزم ~~عسكر البارعية. وثار التركمان وقطعوا الطريق في تلك الناحية، وأكثروا ~~الفساد، فتعذر سلوك الطريق إلى لجماعة من أرباب السلاح، فسار طائفة من ~~العسكر العادلي إلى رأس عين لإصلاح الطرق، وكف عادية الفساد، وأقام ولد ~~العادل، ولم يحصل له غرض، فدخل الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف، صاحب ~~حلب، في الصلح بينهم، وأرسل إلى عمه العادل ي ذلك، فأجاب إليه على قاعدة أن ~~يحمل هل صاحب ماردين مائة وخمسين ألف دينار، فجاء صرف الدينار أحد عشر ~~قيراطا من أميري، ويخطب له ببلاده، ويضرب اسمه على السكة، ويكون عسكره في ~~خدمته أي وقت طلبه، وأخذ الظاهر عشرين ألف دينار من النقد المذكور، وقرية ~~القرادي من أعمال شيختان، فرحل ولد العادل عن ماردين. ### || AUT ذكر وفاة غياث الدين ملك الغور # ### || AUT وشيء من سيرته # في هذه السنة، في جمادى الأولى، توفي غياث الدين أبو الفتح محمد بن سام ~~الغوري، صاحب غزنة وبعض خراسان وغيرها، وأخفيت وفاته، وكان أخوه شهاب الدين ~~بطوس، عازما على قصد خوارزم شاه، فأتاه الخبر بوفاة أخيه، فسار إلى هراة، ~~فلما وصل إليها جلس للعزاء بأخيه في رجب، وأظهرت وفاته حينئذ. وخلف غياث ~~الدين من الولد ابنا اسمه محمود، لقب بعد موت أبيه غياث الدين، وسنورد من ~~أخباره كثيرا. ولا سار شهاب الدين من طوس استخلف بمرو الأمير محمد بن جربك، ~~فسار إليه جماعة من الأمراء الخوارزمية، فخرج إليهم محمد ليلا، وبيتهم، فمل ~~ينج منهم إلا القليل، وأنفذ الأسرى والرؤوس إلى هراة، فأمر شهاب الدين ~~بالاستعداد لقصد خوارزم على طريق الرمل، وجهز خوارزم شاه جيشا وسيرهم مع ~~بوفور التركي إلى قتال محمد بن جربك، فسمع بهم، فخرج إليهم، ولقيهم على ~~عشرة فراسخ من مرو، فاقتتلوا قتالا ms4362 شديدا، قتل بين الفريقين خلق كثير، ~~وانهزم الغورية ودخل محمد بن جربك مرو في عشرة فرسان، وجاء الخوارزميون ~~فحصروه خمسة عشر يوما، فضعف عن الحفظ، فأرسل في طلب الأمان، فحلفوا له إن ~~خرج إليهم على حكمهم أنهم لا يقتلونه، فخرج إليهم، فقتلوه، وأخذوا كل ما ~~معه. PageV05P0243 # وسمع شهاب الدين الخبر فعظم عليه، وتردد الرسل بينه وبين خوارزم شاه، فلم ~~يستقر الصلح، وأراد العود إلى غزنة، فاستعمل على هراة ابن أخيه ألب غازي، ~~وفك الملك علاء الدين محمد بن أبي علي الغوري على مدينة فيروزكوه، وجعل ~~إليه حرب خراسان وأمر كل ما يتعلق بالملكة، وأتاه محمود ابن أخيه غياث ~~الدين، فولاه مدينة بست واسفرار، وتلك الناحية، وجعله بمعزل من الملك ~~جميعه، ولم يحسن الخلافة عليه بعد أبيه، ولا على غيره من أهله، فمن جملة ~~فعله أن غياث الدين كانت له زوجة كانت مغنية، فهويها وتزوجها، فلا مات غياث ~~الدين قبض عليها وضربها ضربا مبرحا، وضرب ولدها غياث الدين، وزوج أختها، ~~وأخذ أموالهم وأملاكهم وسيرهم إلى بلد الهند، فكانوا في أقبح صورة؛ وكانت ~~قد بنت مدرسة، ودفنت فيها أباها وأمها وأخاها، فهدمها، ونبش قبور الموتى، ~~ورمى بعظامهم منها. وأما سيرة غياث الدين وأخلاقه، فإنه كان مظفرا منصورا ~~في حروبه، لم تنهزم له راية قط، وكان قليل المباشرة للحروب، وإنما كان له ~~دهاء ومكر، وكان جوادا، حسن الاعتقاد، كثير الصدقات والوقوف بخراسان، بنى ~~المساجد والمدارس بخراسان لأصحاب الشافعي، وبنى الخانكاهات في الطرق، وأسقط ~~المكوس، ولم يتعرض على مال أحد من الناس، ومن مات ببلده يسلم ماله إلى أهل ~~بلده من التجار، فإن لم يجد أحدا، يسلمه إلى القاضي، ويختم عليه إلى أن يصل ~~من يأخذه بمقتضى الشرع. وكان إذا وصل إلى بلد عم إحسانه أهله والفقهاء وأهل ~~الفضل، يخلع عليهم، ويفرض لهم الأعطيات كل سنة من خزانته، ويفرق الأموال في ~~الفقراء، وكان يراعي كل من وصل إلى حضرته من العلويين والشعراء وغيرهم، ~~وكان فيه فضل غزير، وأدب مع حسن خط وبلاغة، وكان رحمه ms4363 الله، ينسخ المصاحف ~~بخطه ويقفها في المدارس التي بناها، ولم يظهر منه تعصب على مذهب، ويقول: ~~التعصب في المذاهب من الملك قبيح؛ إلا أنه كان شافعي المذهب، فهو يميل إلى ~~الشافعية من غير أن يطمعهم في غيرهم، ولا أعطاهم ما ليس لهم. ### || AUT ذكر أخذ الظاهر قلعة نجم من الأفضل # في هذه السنة أخذ الظاهر غازي قلعة نجم من أخيه الأفضل، وكانت في جملة ~~ما أخذ من العادل ملا صالحه سنة سبع وتسعين، فلما كان هذه السنة أخذ العادل ~~من الأفضل سروج وحملين ورأس عين، وبقي بيد سمساط، وقلعة نجم، فأرسل الظاهر ~~إليه يطلب منه قلعة نجم، وضمن له أنه يشفع إلى عمه العادل في إعادة ما أخذ ~~منه، فلم يعطه، فتهدده بأن يكون إلبا عليه؛ ولم تزل الرسل تتردد حتى سلمها ~~إليه في شعبان، وطلب منه أن يعوضه قرى أو مالا، فلم يفعل، وكان هذا من أقبح ~~ما سمع عن ملك يزاحم أخاه في مثل قلعة نجم مع خستها وحقارتها، وكثرة بلاده ~~وعدمها لأخيه. وأما العادل، فإنه لما أخذ سروج ورأس عين من الأفضل أرسل ~~والدته إليه لتسأل في رجهما، فلم يشفعها، وردها خائبة، ولقد عوقب البيت ~~الصلاحي بما فعله أبوهم مع البيت الأتابكي، فإنه لما قصد حصار الموصل سنة ~~ثمانين وخمسمائة أرسل صاحب الموصل والدته وابنة عمه نور الدين إليه يسألانه ~~أن يعود، فلم يشفعهما، فجرى لأولاده هذا، وردت زوجته خائبة، كما فعل. ولما ~~رأى الأفضل عمه وأخاه قد أخذا ما كان بيده أرسل إلى ركن الدين سليمان بن ~~قلج أرسلان، صاحب ملطية وقونية، وما بينهما من البلاد، يبذل له الطاعة، وأن ~~يكون في خدمته، ويخطب له ببلده، ويضرب السكة باسمه، فأجابه ركن الدين إلى ~~ذلك، وأرسل له خلعة فلبسها الأفضل، وخطب له بسميساط في سنة ستمائة وصار في جملته. ### || AUT ذكر ملك الكرج مدينة دوين # PageV05P0244 # في هذه السنة استولى الكرج على مدينة دوي، من أذربيجان، ونهبوها، ~~واستباحوها، وأكثروا القتل في أهلها؛ وكانت هي وجميع بلاد أذربيجان للأمير ms4364 ~~أبي بكر بن البهلوان، وكان على عادته مشغولا بالشرب ليلا نهارا، لا يفيق، ~~ولا يصحو، ولا ينظر في أمر مملكته ورعيته وجنده، قد ألقى الجميع عن قلبه، ~~وسلك طريق من ليس له علاقة؛ وكان أهل تلك البلاد قد أكثرت الاستغاثة به، ~~وإعلامه بقصد الكرج بلادهم بالغارة مرة بعد أخرى، فكأنهم ينادون صخرة صماء؛ ~~فلما حصر الكرج، هذه السنة، مدينة دوين، سار منهم جماعة يستغيثون، فلم ~~يغثهم وخوفه جماعة من أمرائه عاقبة إهماله وتوانيه وإصراره على ما هو فيه ~~فلم يصغ إليهم؛ فلما طال الأمر على أهلها ضعفوا، وعجزوا، وأخذهم الكرج عنوة ~~بالسيف، وفعلوا ما ذكرنا. ثم إن الكرج بعد أن استقر أمرهم بها أحسنوا إلى ~~من بقي من أهلها، فالله تعالى ينظر إلى المسلمين، ويسهل لثغورهم من يحفظها ~~ويحميها، فإنها مستباحة، لا سيما هذه الناحية، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ~~فلقد بلغنا من فعل الكرج بأهل دوين من القتل والسبي والأمر ما تقشعر منه الجلود. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أحضر الملك العادل محمدا ولد العزيز صاحب مصر إلى الرها، ~~وسبب ذلك أنه لما قطع خطبته من مصر سنة ست وتسعين، كما ذكرناه، خاف شيعة ~~أبيه أن يجتمعوا عليه، ويصير له معهم فتنة، فأخرجه سنة ثمان وتسعين إلى ~~دمشق، ثم نقله هذه السنة إلى الرها، فأقام بها ومعه جميع إخوته وأخواته ~~ووالدته ومن يخصه. وفيها، في رجب، توفي الشيخ وجيه الدين محمد بن محمود ~~المروروذي، الفقيه الشافعي، وهذا الذي كان السبب في أن صار وحيد الدين ~~شافعيا. وفي ربيع الأول منها توفي أبو الفتوح عبيد الله بن أبي المعمر ~~الفقيه الشافعي المعروف بالمستملي ببغداد، وله خط حسن. وفي ربيع الآخر ~~توفيت زمرد خاتون أم الخليفة الناصر لدين الله، وأخرجت جنازتها ظاهرة، وصلى ~~الخلق الكثير عليها، ودفنت في التربة التي بنتها لنفسها، وكانت كثيرة المعروف. ### | AUT ثم دخلت سنة ستمائة # ### || AUT ذكر حصار خوارزم شاه هراة ثانية # في هذه السنة، أول رجب، وصل خوارزم شاه محمد إلى مدينة هراة، ms4365 فحصرها، ~~وبها ألب غازي ابن أخت شهاب الدين الغوري ملك غزنة، بعد مراسلات جرت بينه ~~وبين شهاب الدين في الصلح، فلم يتم. وكان شهاب الدين قد سار عن غزنة إلى ~~لهاوور عازما على غزو الهند، فأقام خوارزم شاه على حصار هراة إلى سلخ ~~شعبان. وكان القتال دائما، والقتل بين الفريقين كثيرا، وممن قتل رئيس ~~خراسان، وكان كير القدر يقيم بمشهد طوس؛ وكان الحسين بن خرميل بكرزيان، وهي ~~إقطاعة، فأرسل إلى خوارزم شاه يقول له: أرسل إلي عسكرا لنسلم إليهم الفيلة ~~وخزانة شهاب الدين؛ فأرسل إليه ألف فارس من أعيان عسكره إلى كرزيان، فخرج ~~عليه هو والحسين بن محمد المرغني، فقتلوهم إلا القليل، فبلغ الخبر إلى ~~خوارزم شاه، فسقط في يده وندم على إنفاذ العسكر، وأرسل إلى ألب غازي يطلب ~~منه أن يخرج إليه من البلد ويخدمه خدمة سلطانية ليرحل عنه، فلم يجبه إلى ~~ذلك، فاتفق أن ألب غازي مرض واشتد مرضه، فخاف أن يشتغل بمرضه فيملك خوارزم ~~شاه البلد، فأجاب إلى ما طلب منه، واستحلفه على الصلح، وأهدى له هدية ~~جليلة، وخرج من البلد ليخدمه، فسقط إلى الأرض ميتا، ولم يشعر أحد بذلك، ~~وارتحل خوارزم شاه عن البلد وأحرق المجانيق وسار إلى سرخس فأقام بها. ### || AUT ذكر عود شهاب الدين من الهند # ### || AUT وحصره خوارزم وانهزامه من الخطا # في هذه السنة، في رمضان، عاد شهاب الدين الغوري إلى خراسان من قصد ~~الهند، وسبب ذلك أنه بلغه حصر خوارزم شاه هراة، وموت ألب غازي نائبه بها، ~~فعاد حنقا على خوارزم شاه، فلما بلغ ميمند عدل على طريق أخرى قاصدا إلى ~~خوارزم، فأرسل إليه خوارزم شاه يقول له: ارجع إلي لأحاربك، وإلا سرت إلى ~~هراة، ومنها إلى غزنة. PageV05P0245 # وكان خوارزم شاه قد سار من سرخس إلى مرو، فأقام بظاهرها، فأعاد إليه شهاب ~~الدين جوابه: لعلك تنهزم كما فعلت تلك الدفعة، لكن خوارزم تجمعنا؛ ففرق ~~خوارزم شاه عساكره، وأحرق ما جمعه من العلف، ورحل يسابق شهاب الدين إلى ~~خوارزم، فسبقه إليها، فقطع الطريق، ms4366 وأجرى المياه فيها، فتعذر على شهاب ~~الدين سلوكها، وأقام أربعين يوما يصلحها حتى أمكنه الوصول إلى خوارزم، ~~والتقى العسكران بسوقرا، ومعناه الماء الأسود، فجرى بينهم قتال شديد كثير ~~القتلى فيه بين الفريقين، وممن قتل من الغورية الحسني المرغني وغيره، وأسر ~~جماعة من الخوارزمية، فأمر شهاب الدين بقتلهم فقتلوا. وأرسل خوارزم شاه إلى ~~الأتراك الخطا يستنجدهم، وهم حينئذ أصحاب ما وراء النهر، فاستعدوا، وساروا ~~إلى بلاد الغورية، فلما بلغ شهاب الدين ذلك عاد من خوارزم، فلقي أوائلهم في ~~صحراء أندخوي أول صفر سنة إحدى وستمائة، فقتل فيهم وأسر كثيرا، فلما كان ~~اليوم الثاني دهمه من الخطا ما لا طاقة له بهمم، فانهزم المسلمون هزيمة ~~قبيحة، وكان أول من انهزم الحسين بن خرميل صاب طالقان وتبعه الناس وبقي ~~شهاب الدين في نفر يسير، وقتل بيده أربعة أفيال لأنها أعيت، وأخذ الكفار ~~فيلين، ودخل شهاب الدين أندخوي فيمن معه، وحصره الكفار، ثم صالحوه على أن ~~يعطيهم فيلا آخر، ففعل، وخلص. ووقع الخبر في جميع بلاده بأنه قد عدم، وكثرت ~~الأراجيف بذلك، ثم وصل إلى الطالقان في سبعة نفر، وقد قتل أكثر عسكره، ~~ونهبت خزائنه جميعها، فلم يبق منها شيء، فأخرج له الحسين بن خرميل، صاحب ~~الطالقان، خياما وجميع ما يحتاج إليه، وسار إلى غزنة، وأخذ معه الحسين بن ~~خرميل، لأنه قيل له عنه إنه شديد الخوف لانهزامه، وإنه قال: إذا سار ~~السلطان هربت إلى خوارزم شاه؛ فأخذه معه، وجعله أمير حاجب. ولما وقع الخبر ~~بقتله جمع تاج الدين الدز، وهو مملوك اشتراه شهاب الدين، أصحابه وقصد قلعة ~~غزنة ليصعد إليها، فمنعه مستحفظها، فعاد إلى داره فأقام بها، وأفسد الخلج ~~وسائر المفسدين في البلاد، وقطعوا الطرق، وقتلوا كثيرا، فلما عاد شهاب ~~الدين إلى غزنة بلغه ما فعله الدز، فأراد قتله، فشفع فيه سائر المماليك، ~~فأطلقه، ثم اعتذر، وسار شهاب الدين في البلاد، فقتل من المفسدين من تلك ~~الأمم نفرا كثيرا. وكان له أيضا مملوك آخر اسمه أيبك بال تر، فسلم من ~~المعركة، ولحق بالهند، ms4367 ودخل المولتان، وقتل نائب السلطان بها، وملك البلد، ~~وأخذ الأموال السلطانية، وأساء السيرة في الرعية، وأخذ أموالهم، وقال: قتل ~~السلطان، وأنا السلطان؛ وكان يحمله على ذلك، ويحسنه له إنسان اسمه عمر ابن ~~يزان، وكان زنديقا، ففعل ما أمره، وجمع المفسدين، وأخذ الأموال، فأخاف ~~الطريق، فبلغ خبره إلى شهاب الدين فسار إلى الهند، وأرسل إليه عسكرا، ~~فأخذوه ومعه عمر بن يزان فقتلهما أقبح قتلة، وقتل من وافقهما، في جمادى ~~الآخرة من سنة إحدى وستمائة؛ ولما رآهم قتلى قرأ: (إنما جزاء الذين يحاربون ~~الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا) الآية المائدة: ~~33، وأمر شاب الدين فنودي في جميع بلاده بالتجهز لقتال الخطا وعزوهم والأخذ ~~بثأرهم. PageV05P0246 # وقيل: كان سبب انهزامه أنه لما عاد إلى الخطا من خوارزم فرق عسكره في ~~المفازة التي في طريقه لقلة الماء، وكان الخطا قد نزلوا على طريق المفازة، ~~فكلما خرج من أصحابه طائفة فتكوا فيهم بالقتل والأسر، ومن سلم من عسكره ~~انهزم نحو البلاد، ولم يرجع إليه أحد يعلم الحال، وجاء شهاب الدين في ساقة ~~العسكر في عشرين ألف فارس ولم يعلم الحال، فلما خرج من البرية لقيه الخطا ~~مستريحين، وهو ومن معه قد تعبوا وأعيوا، وكان الخطا أضعاف أصحابه، فقاتلهم ~~عامة نهاره، وحمى نفسه منهم، وحصروه في أندخوي، فجرى بينهم في عدة أيام ~~أربعة عشر مصافا منها مصاف واحد كان من العصر إلى الغد بكرة، ثم إنه بعد ~~ذلك سير طائفة من عسكره ليلا سرا، وأمرهم أن يرجعوا إليه بكرة كأنهم قد ~~أتوه مددا من بلاده، فلما فعلوا ذلك خافه الخطا، وقال لهم صاحب سمرقند، ~~وكان مسلما، وهو في طاعة الخطا، وقد خاف على الإسلام والمسلمين إن هم ظفروا ~~بشهاب الدين، فقال لهم: إن هذا الرجل لا تجدونه قط أضعف منه لما خرج من ~~المفازة، ومع ضعفه وتعبه وقلة من معه لم نظفر به، والأمداد أتته، وكأنكم ~~بعساكره وقد أقبلت من كل طريق، وحينئذ نطلب الخلاص منه فلا نقدر عليه، ~~والرأي لنا الصلح معه، ms4368 فأجابوا إلى ذلك، فأرسلوا إليه في الصلح. وكان صاحب ~~سمرقند قد أرسل إليه وعرفه الحال سرا، وأمره بإظهار الامتناع من الصلح أولا ~~والإجابة إليه أخيرا؛ فلما أتته الرسل امتنع، وأظهر القوة بانتظار الأمداد، ~~وطال الكلام، فاصطلحوا على أن الخطا لا يعبرون النهر إلى بلاده، ولا هو ~~يعبره إلى بلادهم، ورجعوا عنه، وخلص هو وعاد إلى بلاده، والباقي نحو ما تقدم. ### || AUT ذكر قتل طائفة من الإسماعيلية بخراسان # في هذه السنة وصل رسول إلى شهاب الدين الغوري من عند مقدم الإسماعيلية ~~بخراسان برسالة أنكرها، فأمر علاء الدين محمد بن أبي علي متولي بلاد الغور ~~بالمسير في عساكر إليهم ومحاصرة بلادهم، فسار في عساكر كثيرة إلى قهستان، ~~وسمع به صاحب زوزن، فقصده وصار معه وفارق خدمة خوارزم شاه، ونزل علاء الدين ~~على مدينة قاين، وهي للإسماعيلية، وحصرها، وضيق على أهلها، ووصل خبر قتل ~~شهاب الدين، على ما نذكره، فصالح أهلها على ستين ألف دينار ركنية، ورحل ~~عنهم، وقصد حصن كاخك فأخذه وقتل المقاتلة، وسبى الذرية، ورحل إلى هراة ~~ومنها إلى فيروزكوه. ### || AUT ذكر ملك القسطنطينية من الروم # في هذه السنة، في شعبان ملك الفرنج مدينة القسطنطينية من الروم، وأزالوا ~~ملك الروم عنها، وكان سبب ذلك أن ملك الروم بها تزوج أخت ملك إفرنسيس، وهو ~~من أكبر ملوك الفرنج، فرزق منها ولدا ذكرا، ثم وثب على الملك أخ له، فقبض ~~عيه، وملك البلد منه، وسمل عينيه، وسجنه، فهرب ولده ومضى إلى خاله مستنصرا ~~به عل عمه. فاتفق ذلك وقد اجتمع كثير من الفرنج ليخرجوا إلى بلاد الشام ~~لاستنقاذ البيت المقدس من المسلمين، فأخذوا ولد الملك معهم، وجعلوا طريقهم ~~على القسطنطينية قصدا لإصلاح الحال بينه وبين عمه، ولم يكن له طمع في سوى ~~ذلك، فلما وصلوا خرج عمه في عساكر الروم محاربا لهم، فوقع القتال بينهم في ~~رجب سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فانهزمت الروم، ودخلوا البلد، فدخله الفرنج ~~معهم، فهرب ملك الروم إلى أطراف البلاد، وقيل إن ملك الروم لم يقاتل الفرنج ~~بظاهر البلد، ms4369 وإنما حصروه فيها. PageV05P0247 # وكان بالقسطنطينية من الروم من يريد الصبي، فألقوا النار في البلد، ~~فاشتغل الناس بذلك، ففتحوا بابا من أبواب المدينة، فدخلها الفرنج، وخرج ~~ملكها هاربا، وجعل الفرنج الملك في ذلك الصبي، وليس له من الحكم شي، ~~وأخرجوا أباه من السجن، إنما الفرنج هم الحكام في البلد، فثقلوا الوطأة على ~~أهله، وطلبوا منهم أموالا عجزوا عنها، وأخذوا أموال البيع وما فيها من ذهب ~~ونقرة وغير ذلك حتى ما على الصلبان، وما هو عل صورة المسيح، عليه السلام، ~~والحواريين، وما على الأناجيل من ذلك أيضا، فعظم ذلك على الروم، وحملوا منه ~~خطبا عظيما، فعمدوا إلى ذلك الصبي الملك فقتلوه، وأخرجوا الفرنج من البلد، ~~وأغلقوا الأبواب، وكان ذلك في جمادى الأولى سنة ستمائة، فأقام الفرنج ~~بظاهره محاصرين للروم، وقاتلوهم، ولازموا قتالهم ليلا ونهارا، وكان الروم ~~قد ضعفوا ضعفا كثيرا، فأرسلوا إلى السلطان ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان، ~~صاحب قونية وغيرها من البلاد، يستنجدونه، فلم يجد إلى ذلك سبيلا. وكان ~~بالمدينة كثير من الفرنج، مقيمين، يقاربون ثلاثين ألفا، ولعظم البلد لا ~~يظهر أمرهم، فتواضعوا هم والفرنج الذين بظاهر البلد، ووثبوا فيه، وألقوا ~~النار مرة ثانية، فاحترق نحو ربع البلد، وفتحوا الأبواب فدخلوها ووضعوا ~~السيف ثلاثة أيام، وفتكوا بالروم قتلا ونهبا، فأصبح الروم كلهم ما بين قتيل ~~أو فقير لا يملك شيئا، ودخل جماعة من أعيان الروم الكنيسة العظمة التي تدعى ~~صوفيا، فجاء الفرنج إليها، فخرج إليهم جماعة من القسيسين والأساقفة ~~والرهبان، بأيديهم الإنجيل والصليب يتوسلون بهما إلى الفرنج ليبقوا عليهم، ~~فلم يلتفتوا إليهم، وقتلوهم أجمعين ونهبوا الكنيسة. وكانوا ثلاثة ملوك: ~~دوقس البنادقة، وهو صاحب المراكب البحرية، وفي مراكبه ركبوا إلى ~~القسطنطينية، وهو شيخ أعمى، إذا ركب تقاد فرسه؛ والأخر يقال له المركيس، ~~وهو مقدم الإفرنسيس، والآخر يقال له كند أفلند، وهو أكثرهم عددا، فلما ~~استولوا على القسطنطينية اقترعوا على الملك، فخرجت القرعة على كند أفلند، ~~فأعادوا القرعة ثانية وثالثة، فخرجت ليه، فملكوه، والله يؤتي ملكه من يشاء، ~~وينزعه ممن يشاء، فلما ms4370 خرجت القرعة عليه ملكوه عليها وعلى ما يجاورها، ~~وتكون لدوقس البنادقة الجزائر البحرية مثل جزيرة إقريطش وجزيرة رودس ~~وغيرهما، ويكون لمركيس الإفرنسيس البلاد التي هي شرقي الخليج مثل أزنيق ~~ولاذيق، فلم يحصل لأحد منهم شيء غير الذي أخذ القسطنطينية، وأما الباقي فلم ~~يسلم من به من الروم، وأما البلاد التي كانت لملك القسطنطينية، شرقي ~~الخليج، المجاورة لبلاد ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان، ومن جملتها أزنيق ~~ولاذيق، فإنها تغلب عليها بطريق كبير من بطارقة الروم، اسمه لشكري، وهي ~~بيده إلى الآن. ### || AUT ذكر انهزام نور الدين صاحب الموصل # ### || AUT من العساكر العادلية # في هذه السنة، في العشرين من شوال، انهزم نور الدين أرسلان شاه، صاحب الموصل، ### || AUT من العساكر العادلية # ، وسبب ذلك أن نور الدين كان بينه وبين عمه قطب الدين محمد بن زنكي، صاحب ~~سنجار، وحشة مستحكمة أولا ثم اتفقا، وسار معه إلى ميافارقين سنة خمس ~~وتسعين، وقد ذكرناه، فلما كان الآن أرسل الملك العادل أبو بكر بن أيوب، ~~صاحب مصر ودمشق وبلاد الجزيرة، إلى قطب الدين، واستماله، فمال إليه، وخطب ~~له، فلما سمع نور الدين ذلك سار إلى مدينة نصيبين، وسلخ شعبان، وهي لقطب ~~الدين، فحصرها، وملك المدينة، وبقيت القلعة فحصرها عدة أيام، فبينما هو ~~يحاصرها وقد أشرف على أن يتسلمها أتاه الخبر أن مظفر الدين دوكبري بن زين ~~الدين علي، صاحب إربل، قد قصد أعمال الموصل، فنهب نينوى، وأحرق غلاتها، ~~فلما بلغه ذلك من نائبه المراتب بالموصل يحفظها، سار عن نصيبين إلى الموصل ~~على عزم العبور إلى بلد إربل ونهبه جزاء بما فعل صاحبها ببلده، فوصل إلى ~~مدينة بلد، وعاد مظفر الدين إلى بلده، وتحقق نور الدين أن الذي قيل له وقع ~~فيه زيادة، فسار إلى تل أعفر من بلد وحصرها، وأخذها ورتب أمورها، وأقام ~~عليها سبعة عشر يوما. PageV05P0248 # وكان الملك الأشرف موسى ابن الملك العادل بن أيوب قد سار من مدينة حران ~~إلى رأس عين نجدة لقطب الدين، صاح بسنجار ونصيبين، وقد اتفق هو ومظفر ~~الدين، ms4371 صاح إربل، وصاحب الحصن وآمد، وصاحب جزيرة ابن عمر، وغيرهم، على ذلك، ~~وعلى منع نور الدين من أخذ شيء من بلاده، وكلهم خائفون منه، ولم يمكنهم ~~الاجتماع وهو على نصيبين، فلما فارقها نور الدين سار الأشرف إليها، وأتاه ~~صاحب الحصن، وصاحب الجزيرة، وصاحب دارا، وساروا عن نصيبين نحو بلد البقعا ~~قريبا من بوشرى، وسار نور الدين من تل أعفر إلى كفر زمار، وعزم على ~~المطاولة ليتفرقوا، فأتاه كتاب من بعض مماليكه، يسمى جرديك، وقد أرسله ~~يتجسس أخبارهم، فيقللهم في عينه، ويطمعه فيهم، ويقول: إن أذنت لي لقيتهم ~~بمفردي؛ فسار حينئذ نور الدين إلى بوشرى فوصل إليها من الغد الظهر وقد تعبت ~~دوابه وأصحابه، ولقوا شدة من الحر، فنزل بالقرب منهم أقل من ساعة. وأتاه ~~الخبر أن عساكر الخصم قد ركبوا، فركب هو وأصحابه وساروا نحوهم، فلم يروا ~~لهم أثرا، فعاد إلى خيامه، ونزل هو وعساكره، وتفرق كثير منهم في القرى ~~لتحصيل العلوفات وما يحتاجون إليه، فجاءه من أخبره بحركة الخصم وقصده، فركب ~~نور الدين وعسكره، وتقدموا إليهم، وبينهم نحو فرسخين، فنزلوا وقد ازداد ~~تعبهم، والخصم مستريح، فالتقوا، واقتتلوا، فلم تطل الحرب بينهم حتى انهزم ~~عسكر نور الدين، وانهزم هو أيضا، وطلب الموصل، فوصل إليها في أربعة أنفس، ~~وتلاحق الناس، وأتى الأشرف ومن معه، فنزلوا في كفر زمار، ونهبوا البلاد ~~نهبا عظيما، وأهلكوا ما لم يصلح لهم لا سيما مدينة بلد فإنهم أفحشوا في ~~نهبها. ومن أعجب ما سمعنا أن امرأة كانت تطبخ، فرأت النهب، فألقت سوارين ~~كانا في يديها في النار وهربت، فجاء بعض الجند ونهب ما في البيت، فرأى فيه ~~بيضا، فأخذه وجعله في النار ليأكله، فحركها، فرأى السوارين فيها فأخذهما. ~~وطال مقامهم والرسل تتردد في الصلح، فوقف الأمر على إعادة تل أعفر، ويكون ~~الصلح على القاعدة الأولى، وتوقف نور الدين في إعادة تل أعفر، فلما طال ~~الأمر سلمها إليهم، وأصطلحوا أوائل سنة إحدى وستمائة، وتفرقت العساكر من البلاد. ### || AUT ذكر خروج الفرنج بالشام إلى بلد الإسلام والصلح معهم ms4372 # في هذه السنة خرج كثير من الفرنج في البحر إلى الشام، وسهل الأمر عليهم ~~بذلك لملكهم قسطنطينية، وأرسلوا بعكا، وعزموا على قصد البيت المقدس، حرسه ~~الله، واستنقاذه من المسلمين، فلما استراحوا بعكا ساروا فنهبوا كثيرا من ~~بلاد الإسلام بنواحي الأردن، وسبوا، وفتكوا في المسلمين. وكان الملك العادل ~~بدمشق، فأرسل في جمع العساكر من بلاد الشام ومصر، وسار فنزل عند الطور ~~بالقرب من عكا، لمنع الفرنج من قصد بلاد الإسلام، ونزل الفرنج بمرج عكا، ~~وأغاروا على كفركنا، فأخذوا كل من بها وأموالهم، والأمراء يحثون العادل على ~~قصد بلادهم ونهبها، فلم يفعل، فبقوا كذلك إلى أن انقضت السنة، وذلك سنة ~~إحدى وستمائة، فاصطلح هو والفرنج على دمشق وأعمالها، وما بيد العادل من ~~الشام، ونزل لهم عن جميع المناصفات في الصيدا والرملة وغيرهما، وأعطاهم ~~ناصرة وغيرها، وسار نحو الديار المصرية. فقصد الفرنج مدينة حماة، فلقيهم ~~صاحبها ناصر الدين محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، فقاتلهم، ~~وكان في قلة، فهزموه وتبعوه إلى البلد، فخرج العامة إلى قتالهم، فقتل ~~الفرنج منهم جماعة وعاد الفرنج. ### || AUT ذكر قتل كوكجة ببلاد الجبل # قد ذكرنا قبل تغلب كوكجة مملوك البهلوان على الري، وهمذان، وبلد الجبل، ~~وبقي إلى الآن، وكان قدج اصطنع مملوكا آخر للبهلوان، اسمه إيدغمش، وقدمه، ~~وأحسن إليه، ووثق به، فجمع إيدغمش الجموع من المماليك وغيرهم، ثم قصد ~~كوكجة، فتصافا، واقتتل الفريقان، فقتل كوكجة في الحرب، واستولى إيدغمش على ~~البلاد، وأخذ معه أوزبك بن البهلوان، له اسم الملك، وإيدغمش هو المدبر له ~~والقيم بأمر المملكة، وكان شهما، شجاعا، ظالما، وكان كوكجة عادلا حسن ~~السيرة، رحمه الله. ### || AUT ذكر وفاة ركن الدين بن قلج أرسلان # ### || AUT وملك ابنه بعده # PageV05P0249 # وفي هذه السنة، سادس ذي القعدة، توفي ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان بن ~~مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن سلجوق، صاحب ديار الروم، ما بين ~~ملطية وقونية، وكان موته بمرض القولنج في سبعة أيام، وكان قبل مرضه بخمسة ~~أيام قد غدر بأخيه ms4373 صاحب أنكورية، وتسمى أيضا أنقرة، وهي مدين منيعة، وكان ~~مشاقا لركن الدين، فحصره عدة سنين حتى ضعف وقلت الأقوات عنده، فأذعن ~~بالتسليم على عوض يأخذه، فعوضه قلعة في أطراف بلده وحلف له عليها، فنزل ~~أخوه عن مدينة أنقرة، وسلمها، ومعه ولدان له، فوضع ركن الدين عليه من أخذه، ~~وأخذ أولاده معه، فقتله، فلم يمض غير خمسة أيام حتى أصابه القولنج فمات. ~~واجتمع الناس على ولده قلج أرسلان، وكان صغيرا، فبقي في الملك إلى بعض سنة ~~إحدى وستمائة، وأخذ منه، على ما نذكره هناك. وكان ركن الدين شديدا على ~~الأعداء، قيما بأمر الملك، إلا أن الناس كانوا ينسبونه إلى فساد الاعتقاد؛ ~~كان يقال إنه يعتقد أن مذهبه مذهب الفلاسفة، وكان كل من يرمى بهذا المذهب ~~يأوي إليه، ولهذه الطائفة منه إحسان كثير، إلا أنه كان عاقلا يحب ستر هذا ~~المذهب لئلا ينفر الناس عنه. حكي لي أنه كان عنده إنسان، وكان يرمى ~~بالزندقة ومذهب الفلاسفة، وهو قريب منه، فحضر يوما عنده فقيه، فتناظرا، ~~فأظهر شيئا من اعتقاد الفلاسفة، فقام الفقيه إليه ولطمه وشتمه بحضرة ركن ~~الدين، وركن الدين ساكت، وخرج الفقيه فقال لكرن الدين: يجري علي مثل هذا في ~~حضرتك ولا تنكره؟ فقال: لو تكلمت لقتلنا جميعا، ولا يمكن إظهار ما تريده ~~أنت؛ ففارقه. ### || AUT ذكر قتل الباطنية بواسط # في هذه السنة قتل الباطنية بواسط، وسبب كونهم بها وقتلهم أنه ورد إليها ~~رجل يعرف بالزكم محمد بن طالب بن عصية، وأصله من القارب، من قرى واسط، وكان ~~باطنيا ملحدا، ونزل مجاورا لدور بني الهروي، وغشيه الناس، وكثر أتباعه. ~~وكان ممن يغشاه رجل يعرف بحسن الصابوني، فاتفق أنه اجتاز بالسويقة، فكلمه ~~رجل نجار في مذهبهم، فرد عليه الصابوني ردا غليظا، فقام إليه النجار وقتله، ~~وتسامع الناس بذلك، فوثبوا وقتلوا من وجدوا ممن ينتسب إلى هذا المذهب، ~~وقصدوا دار ابن عصية وقد اجتمع إليه خلق من أصحابه، وأغلقوا الباب، وصعدوا ~~إلى سطحها، ومنعوا الناس عنهم، فصعدوا إليهم من بعض الدور من على السطح، ms4374 ~~وتحصن من بقي في الدار بإغلاق الأبواب والممارق، فكسروها، ونزلوا فقتلوا من ~~وجدوا في الدار وأحرقوا، وقتل ابن عصية، وفتح الباب، وهرب منهم جماعة ~~فقتلوا؛ وبلغ الخبر إلى بغداد، وانحدر فخر الدين أبو البدر بن أمسينا ~~الواسطي لإصلاح الحال، وتسكين الفتنة. ### || AUT ذكر استيلاء محمود على مرباط # ### || AUT وغيرها من حضرموت # في هذه السنة استولى إنسان اسمه محمود بن محمد الحميري على مدينة مرباط ~~وظفار وغيرهما من حضرموت، وإن ابتداء أمره أنه له مركب يكريه في البحر ~~للتجار، ثم وزر لصاحب مرباط، وفيه كرم وشجاعة وحسن سيرة، فلما توفي صاحب ~~مرباط ملك المدينة بعده، وأطاعه الناس محبة له لكرمه وسيرته، ودامت أيامه ~~بها؛ فلما كان سنة تسع عشرة وستمائة خرب مرباط وظفار، وبنى مدينة جديدة على ~~ساحل البحر بالقرب من مرباط، وعندها عين عذبة كبيرة أجراها إلى المدينة، ~~وعمل عليها سورا وخندقا، وحصنها وسماها الأحمدية، وكان يحب الشعر، ويكثر ~~الجائزة عليه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خرج أسطول من الفرنج إلى الديار المصرية، فنهبوا مدينة ~~فوة، وأقاموا خمسة أيام يسبون وينهبون، وعساكر مصر مقابلهم، بينهم النيل، ~~ليس لهم وصول إليهم لأنهم لم تكن لهم سفن. وفيها كانت زلزلة عظيمة عمت أكثر ~~البلاد مصر، والشام، والجزيرة، وبلاد الروم، وصقلية، وقبرس، ووصلت إلى ~~الموصل والعراق وغيرهما، وخرب من مدينة صور سورها وأثرت في كثير من الشام. ~~وفيها، في رجب، اجتمع جماعة من الصوفية برباط شيخ الشيوخ ببغداد وفيهم صوفي ~~اسمه أحمد بن إبراهيم الداري من أصحاب شيخ الشيوخ عبد الرحيم بن إسمعيل، ~~رحمهم الله، ومعهم مغن يغني ويقول الشعر: عويذلتي أقصري كفى بمشيبي عذل ... ~~شباب كأن لم يكن وشيب كأن لم يزل وحق ليالي الوصال أواخرها والأول ... ~~وصفرة لون المحب عند استماع العذل PageV05P0250 # لئن عاد عيشي بكم ... حلا العيش لي واتصل فتحرك الجماعة، عادة الصوفية في ~~السماع، وطرب الشيخ المذكور، وتواجد، ثم سقط مغشيا عيه، فحركوه فإذا هو ~~ميت، فصلي عليه ودفن، وكان رجلا صالحا. وفيها توفي أبو الفتوح أسعد ms4375 بن ~~محمود العجلي، الفقيه الشافعي، بأصفهان في صفر، وكان إماما فاضلا. وفي ~~رمضان منها توفي قاضي هراة عمدة الدين الفضل بن محمود بن صاعد الساوي، وولي ~~بعده ابنه صاعد. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وستمائة # ### || AUT ملك كيخسرو بلاد الروم من ابن أخيه # ### || AUT ذكر ملك كيخسرو بن قلج أرسلان بلاد الروم من ابن أخيه # في هذه السنة، في رجب، ملك غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بلاد الروم ~~التي كانت بيد أخيه ركن الدين سليمان وانتقلت بعد موته إلى ابنه قلج أرسلان ~~بن ركن الدين. وكان سبب ملك غياث الدين لها أن ركن الدين كان قد أخذ ما كان ~~لأخيه غياث الدين، وهو مدينة قونية، فهرب غياث الدين منه، وقصد الشام إلى ~~الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، صاحب حلب، فلم يجد عنده قبولا، وقصر به، ~~فسار من عنده، وتقلب في البلاد إلى أن وصل إلى القسطنطينية، فأحسن إليه ملك ~~الروم وأقطعه وأكرمه، فأقام عنده، وتزوج بابنة بعض البطارقة الكبار. وكان ~~لهذا البطريق قلعة من عمل القسطنطينية، فلما ملك الفرنج القسطنطينية هرب ~~غياث الدين إلى حميه، وهو بقلعته، فأنزله عنده وقال له: نشترك في هذه ~~القلعة، ونقنع بدخلها. فأقام عنده؛ فلما مات أخوه سنة ستمائة، كما ذكرناه، ~~اجتمع الأماء على ولده، وخالفهم الأتراك الأوج، وهم كثير بتلك البلاد، وأنف ~~من اتباعهم، وأرسل إلى غياث الدين يستدعيه إليه ليملكه البلاد، فسار إليه، ~~فوصل في جمادى الأولى، واجتمع به، وكثر جمعه، وقصد مدينة قونية ليحصرها، ~~وكان ولد ركن الدين والعساكر بها، فأخرجوا إليه طائفة من العسكر، فلقوا ~~فهزموه، فبقي حيران لا يدري أين يتوجه، فقصد بلدة صغيرة يقال لها أوكرم ~~بالقرب من قونية. فقدر الله تعالى أن أهل مدينة أقصر وثبوا على الوالي ~~فأخرجوه منها ونادوا بشعار غياث الدين، فلما سمع أهل قونية بما فعله أهل ~~أقصرا قالوا: نحن أولى من فعل هذا؛ لأنه كان حسن السيرة فيهم لما كان ~~مالكهم، فنادوا باسمه أيضا، وأخرجوا من عندهم، واستدعوه، فحضر عندهم، وملك ms4376 ~~المدينة وقبض على ابن أخيه ومن معه، وآتاه الله الملك، وجمع له البلاد ~~جميعها في ساعة واحدة، فسبحا من إذا أراد أمرا هيأ أسبابه. وكان أخوه قيصر ~~شاه الذي كان صاحب ملطية، لما أخذها ركن الدين منه سنة سبع وتسعين، خرج ~~منها، وقصد الملك العادل أبا بكر بن أيوب، لأنه كان تزوج ابنته مستنصرا به، ~~فأمره بالمقام بمدينة الرها، فأقام بها، فلما سمع بملك أخيه غياث الدين سار ~~إليه، فلم يجد عنده قبولا، إنما أعطاه شيئا وأمره بمفارقة البلاد، فعاد إلى ~~الرها وأقام بها، فلما استقر ملك غياث الدين سار إليه الأفضل صاحب سميساط، ~~فلقيه بمدينة قيسارية، وقصده أيضا نظام الدين صاحب خرت برت، وصار معه، فعظم ~~شأنه وقوي أمره. ### || AUT ذكر حصر صاحب آمد خرت برت # ### || AUT ورجوعه عنها # كانت خرت برت لعماد الدين بن قرا أرسلان، فمات، وملكها بعده ابنه نظام ~~الدين أبو بكر، والتجأ إلى ركن الدين بن قلج أرسلان، وبعده إلى أخيه غياث ~~الدين ليمتنع به من ابن عمه ناصر الدين محمود بن محمد بن قرا أرسلان، ~~فامتنع به. PageV05P0251 # وكان صاح بآمد ملتجئا إلى الملك العادل، وفي طاعته، وحضر مع ابنه الملك ~~الأشرف قتال صاحب الموصل على شرط أنه يسير معه في عساكره، ويأخذ له خرت ~~برت، وإنما طمع فيها بموت ركن الدين، فلما دخلت هذه السنة طلب ما كان استقر ~~الأمر عليه، فسار معه الملك الأشرف وعساكر ديار الجزيرة من سنجار، وجزيرة ~~ابن عمر، والموصل، وغيرها، وكان نزولهم عليها في شعبان؛ وفي رمضان تسلموا ~~ربضها؛ وكان صاحبها قد اجتمع بغياث الدين، بعد أن ملك البلاد الرومية، وصار ~~معه في طاعته، فلما نزل صاحب آمد على خرت برت خاطب صاحبها غياث الدين ينجده ~~بعسكره يرحلهم عنه، فجهز عسكرا كثيرا عدتهم ستة آلاف فارس، وسيرهم مع الملك ~~الأفضل علي بن صلاح الدين وهو صاحب سميساط، فلما وصل العسكر إلى ملطية فارق ~~صاحب آمد ومن معه من خرت برت، ونزلوا إلى الصحراء، وحصروا البحيرة المعروفة ~~ببحيرة سمنين وبها ms4377 حصنان أحدهما لصاحب خرت برت، فحصره وزاحفه، ففتحه ثاني ~~ذي الحجة. ووصل صاحب خرت برت مع العسكر الرومي إلى خرت برت، فرحل صاحب آمد ~~عن البحيرة وقوى الحصن الذي فتحه فيها، فأزاح علته، ورحل إلى خلف مرحلة ~~ونزل، وترددت الرسل؛ والعسكر الرومي يطلب البحيرة، وصاحب آمد يمتنع من ذلك، ~~فلما طال الأمر بقي الحصن بيد صاحب آمد، وانفصل العسكران، وعاد كل فريق إلى بلاده. ### || AUT ذكر الفتن ببغداد # في سابع عشر رمضان جرت فتنة ببغداد بين أهل باب الأزج وأهل المأمونية، ~~وسببها أن أهل باب الأزج قتلوا سبعا وأرادوا أن يطوفوا به، فمنعهم أهل ~~المأمونية، فوقعت الفتنة بينهما عند البستان الكبير، فجرح منه خلق كثير، ~~وقتل جماعة، وركب صاحب الباب لتسكين الفتنة فجرح فرسه، فعاد. فلما كان الغد ~~سار أهل المأمونية إلى أهل باب الأزج، فوقعت بينهم فتنة شديدة وقتال ~~بالسيوف والنشاب، واشتد الأمر، فنهبت الدور القريبة منهم، وسعى الركن ابن ~~عبد القادر ويوسف العقاب في تسكين الناس، وركب الأتراك، فصاروا يبيتون تحت ~~المنظرة، فامتنع أهل الفتنة من الاجتماع، فسكنوا. وفي العشرين منه جرت فتنة ~~بين أهل قطفتا والقرية، من محال الجانب الغربي، بسبب قتل سبع أيضا، أراد ~~أهل قطفتا أن يجتمعوا ويطوفوا به، فمنعهم أهل القرية أن يجوزوا به عندهم، ~~فاقتتلوا، وقتل بينهم عدة قتلى، فأرسل إليهم عسكر من الديوان لتلافي الأمر ~~ومنع الناس عن الفتنة، فامتنعوا. وفي تاسع رمضان كانت فتنة بين أهل سوق ~~السلطان والجعفرية، منشأها أن رجلين من المحلتين اختصما وتوعد كل واحد ~~منهما صاحبه، فاجتمع أهل المحلتين. واقتتلوا في مقبرة الجعفرية، فسير إليهم ~~من الديوان من تلافى الأمر وسكنه؛ فلما كثرت الفتن رتب أمير كبير من مماليك ~~الخليفة، ومعه جماعة كثيرة، فطاف في البلد، وقتل جماعة من فيه شبهة، فسكن الناس. ### || AUT ذكر غارة الكرج على بلاد الإسلام # في هذه السنة أغارت الكرج على بلاد الإسلام من ناحية أذربيجان، فأكثروا ~~العيث والفساد والنهب والسبي، ثم أغاروا على ناحية خلاط من أرمينية، ~~فأوغلوا في البلاد حتى ms4378 بلغوا ملازكرد، ولم يخرج إليهم أحد من المسلمين ~~يمنعهم، فجاسوا خلال البلاد ينهبون ويأسرون ويسبون، وكلما تقدموا تأخرت ~~عساكر المسلمين عنهم، ثم إنهم رجعوا، فالله تعالى ينظر إلى الإسلام وأهله، ~~وييسر لهم من يحمي بلادهم، ويحفظ ثغورهم، ويغزو أعداءهم. وفيها أغارت الكرج ~~على بلاد خلاط، فأتوا إلى أرجيش ونواحيها، فنهبوا، وسبوا، وخربوا البلاد، ~~وساروا إلى حصن التين، من أعمال خلاط، وهو مجاور أرزن الروم، فجمع صاحب ~~خلاط عسكره وسار إلى ولد قلج أرسلان، صاحب أرزن الروم، فاستنجده على الكرج، ~~فسير عسكره جميعه معه، فتوجهوا نحو الكرج، فلقوهم، وتصافوا، واقتتلوا، ~~فانهزمت الكرج، وقتل زكري الصغير، وهو من أكابر مقدميهم، وهو الذي كان مقدم ~~هذا العسكر من الكرج والمقاتل بهم، وغنم المسلمون ما معهم من الأموال ~~والسلاح والكراع وغير ذلك، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وأسروا كذلك، وعاد إلى بلاده. ### || AUT ذكر الحرب بين أمير مكة وأمير المدينة # PageV05P0252 # وفي هذه السنة أيضا كانت الحرب بين الأمير قتادة الحسني، أمير مكة، وبين ~~الأمير سالم بن قاسم الحسيني، أمير المدينة، ومع كل واحد منهما جمع كثير، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا، وكانت الحرب بذي الحليفة، بالقرب من المدينة، وكان ~~قتادة قد قصد المدينة ليحصرها ويأخذها، فلقيه سالم بعد أن قصد الحجرة، على ~~ساكنها الصلاة والسلام، فصلى عندها، ودعا وسار فلقيه، فانهزم قتادة، وتبعه ~~سالم إلى مكة فحصره بها، فأرسل قتادة إلى من مع سالم من الأمراء، فأفسدهم ~~عليه، فمالوا إليه وحالفوه، فلما رأى سالم ذلك رحل عنه عائدا إلى المدينة ~~وعاد أمر قتادة قويا. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في يوم الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة، قطعت خطبة ولي ~~العهد، وأظهر خط قرئ بالدار الوزير نصير الدين ناصر بن مهدي الرازي، وإذا ~~هو خط ولي العهد الأمير أبي نصر ابن الخليفة إلى أبيه الناصر لدين الله ~~أمير المؤمنين، يتضمن العجز عن القيام بولاية العهد، ويطلب الإقالة، وشهد ~~عدلان أنه خطه، وأن الخليفة أقاله، وعمل بذلك محضر شهد فيه القضاة والعدول ~~والفقهاء. وفي هذه السنة ولدت ms4379 امرأة ببغداد ولدا له رأسان وأربع أرجل ~~ويدان، ومات في يومه. وفيها أيضا وقع الحريق في خزانة السلاح التي للخليفة، ~~فاحترق فيها منه شيء كثير، وبقيت النار يومين، وسار ذكر هذا الحريق في ~~البلدان، فحمل الملوك من السلاح إلى بغداد شيئا كثيرا. وفي هذه السنة وقع ~~الثلج بمدينة هراة أسبوعا كاملا، فلما سكن جاء بعده سيل من الجبل من باب ~~سرا، خرب كثيرا من البلد، ورمى من حصنه قطعة عظيمة، وجاء بعده برد شديد ~~أهلك الثمار، فلم يكن بها تلك السنة شيء إلا اليسير. وفيها، في شعبان، خرج ~~عسكر من الغورية مقدمهم الأمير زنكي بن مسعود إلى مدينة مرو، فلقيهم نائب ~~خوارزم شاه بمدينة سرخس، وهو الأمير جقر، وكمن لهم كمينا، فلما وصولا إليه ~~هزمهم، وأخذ وجوه الغورية أسرى، فلم يفلت منهم إلا القليل، وأخذ أميرهم ~~زنكي أسيرا، فقتل صبرا، وعلقت رؤوسهم بمرو أياما. وفيها، في ذي القعدة، سار ~~الأمير عماد الدين عمر بن الحسين الغوري، صاحب بلخ، إلى مدينة ترمذ، وهي ~~للأتراك الخطا، فافتتحها عنوة، وجعل بها ولده الأكبر، وقتل من بها من ~~الخطا، ونقل العلويين منها إلى بلخ، وصارت ترمذ دار إسلام، وهي من أمنع ~~الحصون وأقواها. وفيها توفي صدر الدين السجزي شيخ خانكاه السلطان بهراة. ~~وفيها، في صفر، توفي أبو علي الحسن بن محمد بن عبدوس الشاعر الواسطي، وهو ~~من الشعراء المجيدين، واجتمعت به بالموصل، وردها مادحا لصاحبها نور الدين ~~أرسلان شاه وغيره من المقدمين، وكان نعم الرجل، حسن الصحبة والعشرة. وفيها ~~اجتمع ببغداد رجلان أعميان على رجل أعمى أيضا، وقتلاه بمسجد طمعا في أن ~~يأخذا منه شيئا، فلم يجدا معه ما يأخذانه، وأدركهما الصباح، فهربا من الخوف ~~يريدان الموصل، ورؤي الرجل مقتولا، ولم يعلم قاتله، فاتفق أن بعض أصحاب ~~الشحنة اجتاز من الحريم في خصومة جرت، فرأى الرجلين الضريرين، فقال لمن ~~معه: هؤلاء الذين قتلوا الأعمى؛ يقوله مزحا، فقال أحدهما: هذا والله قتله؛ ~~فقال الآخر: بل أنت قتلته، فأخذا إلى صاحب الباب، فأقرا، فقتل أحدهما، وصلب ms4380 ~~الآخر على باب المسجد الذي قتلا فيه الرجل. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وستمائة # ### || AUT ذكر الفتنة بهراة # في هذه السنة، في المحرم، ثار العامة بهراة، وجرت فيه فتنة عظيمة بين ~~أهل السوقين: الحدادين والصفارين، قتل فيها جماعة، ونهبت الأموال، وخربت ~~الديار، فخرج أمير البلد ليكفهم، فضربه بعض العامة بحجر ناله منه ألم شديد، ~~واجتمع الغوغاء عليه، فرفع إلى القصر الفيروزي، واختفى أياما إلى أن سكنت ~~الفتنة ثم ظهر. ### || AUT ذكر قتال شهاب الدين الغوري بني كوكر # PageV05P0253 # قد ذكرنا انهزام شهاب الدين محمد بن سام الغوري، صاحب غزنة، من الخطا ~~الكفار، وأن الخبر ظهر ببلاده أنه عدم من المعركة ولم يقف أصحابه له على ~~خبر، فلما اشتهر هذا الخبر ثار المفسدون في أطراف البلاد، وكان ممن أفسد ~~دانيال، صاحب جبل الجودي، فإنه كان قد أسلم، فلما بلغه الخبر ارتد عن ~~الإسلام، وتابع بني كوكر، وكان في جملة الخارجين عليه بنو كوكر ومساكنهم في ~~جبال بين لهاوور والمولتان حصينة منيعة، وكانوا قد أطاعوا شهاب الدين، ~~وحملوا له الخراج، فلما بلغهم خبر عدمه ثاروا فيمن معهم من قبائلهم ~~وعشائرهم، وأطاعهم صاحب جبل الجودي وغيره من القانطين بتلك الجبال، ومنعوا ~~الطريق من لهاوور وغيرها إلى غزنة. فلما فرغ شهاب الدين من قتل مملوكه أيبك ~~باك، وقد ذكرناه، أرسل إلى نائبه بلهاوور والمولتان، وهو محمد بن أبي علي، ~~يأمره بحمل المال لسنة ستمائة، وسنة إحدى وستمائة، ليتجهز به لحرب الخطا، ~~فأجاب أن أولاد كوكر قد قطعوا الطريق، لا يمكنه إرسال المال، وحضر جماعة من ~~التجار، وذكروا أن قفلا كبيرا أخذه أولاد كوكر، ولم ينج منه إلا القليل؛ ~~فأمر شهاب الدين مملوكه أيبك، مقدم عساكر الهند، أن يراسل بني كوكر يدعوهم ~~إلى الطاعة، ويتهددهم إن لم يجيبوا إلى ذلك، ففعل ذلك، فقال ابن كوكر: لأي ~~معنى لم يرسل السلطان إلينا رسولا؟ فقال له الرسول: وما قدركم أنتم حتى ~~يرسل إليكم، وإنما مملوكه يبصركم رشدكم، ويهددكم. فقال ابن كوكر: لو كان ~~شهاب الدين حيا لراسلنا، وقد ms4381 كنا ندفع الأموال إليه، فحيث عدم فقل لأيبك ~~يترك لنا لهاوور وما والاها، وفرشابور، ونحن نصالحه؛ فقال الرسول: أنفذ أنت ~~جاسوسا تثق به فيأتيك بخبر شهاب الدين ن فرشابور؛ فلم يصغ إلى قوله، فرده، ~~فعاد وأخبر بما سمع ورأى، فأمر شهاب الدين مملوكه قطب الدين أيبك بالعود ~~إلى بلاده، وجمع العساكر، وقتال بني كوكر، فعاد إلى دهلي، وأمر عساكره ~~بالاستعداد، فأقام شهاب الدين في فرشابور إلى نصف شعبان من سنة إحدى ~~وستمائة، ثم عاد إلى غزنة فوصلها أول رمضان، وأمر بالنداء في العساكر ~~بالتجهز لقتال الخطا، وأن المسير يكون أول شوال، فتجهزوا لذلك. فاتفق أن ~~الشكايات كثرت من بني كوكر وما يتعهدونه من إخافة السبل وأنهم قد أنفذوا ~~شحنة إلى البلاد، ووافقهم أكثر الهنود، وخرجوا من طاعة أمير لهاوور ~~والمولتان وغيرهما. ووصل كتاب الوالي يذكر ما قد دهمه منهم، وأن عماله قد ~~أخرجهم بنو كوكر، وجبوا الخراج، وأن ابن كوكر مقدمهم أرسل إليه ليترك له ~~لهاوور والبلاد والفيلة ويقول أن يحضر شهاب وإلا قتله، ويقول: إن لم يحضر ~~السلطان شهاب الدين بنفسه ومعه العساكر وإلا خرجت البلاد من يده. وتحدث ~~الناس بكثرة من معهم من الجموع، وما هم من القوة، فتغير عزم شهاب الدين ~~حينئذ عن غزو الخطا، وأخرج خيامه وسار عن غزنة خامس ربيع الأول سنة اثنتين ~~وستمائة، فلما سار وأبعد انقطعت أخباره عن الناس بغزنة وفرشابور، حتى أرجف ~~الناس بانهزامه. وكان شهاب الدين لما سار عن فرشابور أتاه خبر ابن كوكر أنه ~~نازل في عساكره ما بين جيلم وسودرة، فجد السير إليه، فدهمه قبل الوقت الذي ~~كان يقدر وصوله فيه، فاقتتلوا قتالا شديدا يوم الخميس لخمس بقين من ربيع ~~الآخر، من بكرة إلى العصر، واشتد القتال، فبينما هم في القتال أقبل قطب ~~الدين أيبك في عساكره، فنادوا بشعار الإسلام، وحملوا حملة صادقة، فانهزم ~~الكوكرية ومن انضم إليهم، وقتلوا بكل مكان، وقصدوا أجمة هناك، فاجتمعوا ~~بها، وأضرموا نارا، فكان أحدهم يقول لصاحبه: لا تترك المسلمين يقتلونك؛ ثم ~~يلقي نفسه ms4382 في النار فيلقي صاحبه نفسه بعده فيها، فعمهم الفناء قتلا وحرقا، ~~ف (بعدا للقوم الظالمين) هود 44. وكان أهلهم وأموالهم معهم لم يفارقوها، ~~فغنم المسلمون منهم ما لم يسمع بمثله، حتى أن المماليك كانوا يباعون كل ~~خمسة بدينار ركني ونحوه، وهرب ابن كوكر بعد أن قتل إخوته وأهله. ~~PageV05P0254 # وأما ابن دانيال، صاحب جبل الجودي، فإنه جاء ليلا إلى قطب الدين أيبك، ~~فاستجار به، فأجاره، وشفع فيه إلى شهاب الدين، فشفعه فيه، وأخذ منه قلعة ~~الجودي؛ فلما فرغ منهم سار نحو لهاوور ليأمن أهلها ويسكن روعهم، وأمر الناس ~~بالرجوع إلى بلادهم والتجهز لحرب بلاد الخطا، وأقام شهاب الدين بلهاوور إلى ~~سادس عشر رجب، وعاد نحو غزنة، وأرسل إلى بهاء الدين سام، صاحب باميان، ~~ليتجهز للمسير إلى سمرقند، ويعمل جسرا ليعبر هو وعساكره عليه. ### || AUT ذكر الظفر بالتيراهية # كان من جملة الخارجين المفسدين أيضا على شهاب الدين التيراهية، فإنهم ~~خرجوا إلى حدود سوران ومكرهان للغارة على المسلمين، فأوقع بهم نائب تاج ~~الدين الدز، مملوك شهاب الدين بتلك الناحية، ويعرف بالحلحي، وقتل منهم خلقا ~~كثيرا، وحمل رؤوس المعروفين فعلقت ببلاد الإسلام. وكانت فتنة هؤلاء ~~التيراهية على بلاد الإسلام عظيمة قديما وحديثا؛ وكانوا إذا وقع بأيديهم ~~أسير من المسلمين عذبوه بأنواع العذاب. وكان أهل فرشابور معهم في ضر شديد ~~لأنهم يحيطون بتلك الولاية من جوانبها، لا سيما آخر أيام بيت سكتكين، فإن ~~الملوك ضعفوا وقوي هؤلاء عليهم، وكانوا يغيرون على أطراف البلاد، وكانوا ~~كفارا لا دين لهم يرجعون إليه، ولا مذهب يعتمدون عليه، إلا أنهم كانوا إذا ~~ولد لأحدهم بنت وقف على باب داره ونادى: من يتزوج هذه؟ من يقبلها؟ فإن ~~أجابه أحد تركها، وإلا قتلها، ويكون للمرأة عدة أزواج، فإذا كان أحدهم ~~عندها جعل مداسه على الباب، فإذا جاء غيره من أزواجها ورأى مداسه عاد. ولم ~~يزالوا كذلك حتى أسلم طائفة منهم آخر أيام شهاب الدين الغوري، فكفوا عن ~~البلاد. وسبب إسلامهم أنهم أسروا إنسانا من فرشابور، فعذبوه فلم يمت، ودامت ~~أيامه عندهم، فأحضره ms4383 يوما مقدمهم وسأله عن بلاد الإسلام، وقال له: لو حضرت ~~أنا عند شهاب الدين ماذا كان يعطيني؟ فقال له المعلم: كان يعطيك الأموال ~~والأقطاع ويرد إليك حكم جميع البلاد التي لكم؛ فأرسله إلى شهاب الدين في ~~الدخول في الإسلام، فأعاده ومعه رسول بالخلع والمنشور بالأقطاع، فلما وصل ~~إليه الرسول سار هو وجماعة من أهله إلى شهاب الدين، فأسلموا وعادوا، وكان ~~للناس بهم راحة؛ فلما كانت هذه الفتنة واختلفت البلاد نزل أكثرهم من ~~الجبال، فلم يكن لهذه الطائفة بهم قدرة ليمنعوهم، فأفسدوا وعملوا ما ذكرناه. ### || AUT ذكر قتل شهاب الدين الغوري # في هذه السنة، أول ليلة من شعبان، قتل شهاب الدين أبو المظفر محمد ابن ~~سام الغوري، ملك غزنة وبعض خراسان، بعد عوده من لهاوور، بمنزل يقال له ~~دميل، وقت صلاة العشاء. وكان سبب قتله أن نفرا من الكفار الكوكرية لزموا ~~عسكره عازمين على قتله، كما فعل بهم من القتل والأسر والسبي، فلما كان هذه ~~الليلة تفرق عنه أصحابه، وكان قد عاد ومعه من الأموال ما لا يحد، فإنه كان ~~عازما على قصد الخطا، والاستكثار من العساكر، وتفريق المال فيهم؛ وقد أمر ~~عساكره بالهند باللحاق به، وأمر عساكره الخراسانية بالتجهز إلى أن يصل ~~إليهم، فأتاه الله من حيث لم يحتسب، ولم يغن عنه ما جمع من مال وسلاح ~~ورجال، لكن كان على نية صالحة من قتال الكفار. فلما تفرق عنه أصحابه، وبقي ~~وحده في خركاه، ثار أولئك النفر، فقتل أحدهم بعض الحراس بباب سرادق شهاب ~~الدين، فلما قتلوه صاح، فثار أصحابه من حول السرادق لينظروا ما بصاحبهم، ~~فأخلوا مواقفهم، وكثر الزحام، فاغتنم الكوكرية غفلتهم عن الحفظ، فدخلوا على ~~شهاب الدين وهو في الخركاه، فضربوه بالسكاكين اثنتين وعشرين ضربة فقتلوه، ~~فدخل عليه أصحابه، فوجدوه على مصلاه قتيلا وهو ساجد، فأخذوا أولئك الكفار ~~فقتلوهم، وكان فيهم اثنان مختونان. وقيل إنما قتله الإسماعيلية لأنهم خافوا ~~خروجه إلى خراسان، وكان له عسكر يحاصر بعض قلاعهم على ما ذكرناه. فلما قتل ~~اجتمع الأمراء عند وزيره مؤيد ms4384 الملك بن خوجا سجستان، فتحالفوا على حفظ ~~الخزانة والملك، ولزوم السكينة إلى أن يظهر من يتولاه، وأجلسوا شهاب الدين ~~وخيطوا جراحه وجعلوه في المحفة وساروا به، ورتب الوزير الأمور، وسكن الناس ~~بحيث لم ترق محجمة دم، ولم يوجد في أحد شيء. PageV05P0255 # وكانت المحفة محفوفة بالحشم، والوزير، والعسكر، والشمسة، على حاله في ~~حياته، وتقدم الوزير إلى أمير داذ العسكر بإقامة السياسة، وضبط العسكر، ~~وكانت الخزانة التي في صحبته ألفي حمل ومائتي حمل؛ وشغب الغلمان الأتراك ~~الصغار لينهبوا المال، فمنعهم الوزير والأمراء الكبار من المماليك، وهو ~~صونج صهر الدز وغيره، وأمروا كل من له إقطاع عند قطب الدين أيبك مملوك شهاب ~~الدين ببلاد الهند بالعود إليه، وفرقوا فيهم أموالا كثيرة فعادوا. وسار ~~الوزير ومعه من له إقطاع وأهل بغزنة، وعلموا أنه يكون بين غياث الدين محمود ~~بن غياث الدين أخي شهاب الدين الأكبر، وبين بهاء الدين صاحب باميان، وهو ~~ابن أخت شهاب الدين، حروب شديدة، وكان ميل الوزير والأتراك وغيرهم إلى غياث ~~الدين محمود، وكان الأمراء الغورية يميلون إلى بهاء الدين سام، صاحب ~~باميان، فأرسل كل طائفة إلى من يميلون إليه يعرفونه قتل شهاب الدين وجلية ~~الأمور، وجاء بعض المفسدين من أهل غزنة، فقال للماليك: إن فخر الدين الرازي ~~قتل مولاكم لأنه هو أوصل من قتله، بوضع من خوارزم شاه، فثاروا به ليقتلوه، ~~فهرب، وقصد مؤيد الملك الوزير، فأعلمه الحال فسيره سرا إلى مأمنه. ولما وصل ~~العسكر والوزير إلى فرشابور اختلفوا، فالغورية يقولون نسير إلى غزنة على ~~طريق مكرهان، وكان غرضهم أن يقربوا من باميان ليخرج صاحبها بهاء الدين سام ~~فيملك الخزانة، وقال الأتراك بل نسير على طريق سوران، وكان مقصودهم أن ~~يكونوا قريبا من تاج الدين الدز مملوك شهاب الدين، وهو صاحب كرمان، مدينة ~~بين غزنة ولهاوور، وليست بكرمان التي تجاور بلاد فارس، ليحفظ الدز الخزانة، ~~ويرسلوا من كرمان إلى غياث الدين يستدعونه إلى غزنة ويملكونه. وكثر بينهم ~~الاختلاف، حتى كادوا يقتتلون، فتوصل مؤيد الملك مع الغورية حتى أذنوا له ~~وللأتراك ms4385 بأخذ الخزانة والمحفة التي فيها شهاب الدين والمسير على كرمان، ~~وساروا هم على طريق مكرهان؛ ولقي الوزير ومن معه مشقة عظيمة، وخرج عليهم ~~الأمم الذين في تلك الجبال التيراهية وأوغان وغيرهم، فنالوا من أطراف ~~العسكر إلى أن وصلوا إلى كرمان، فخرج إليهم تاج الدين الدز يستقبلهم، فلما ~~عاين المحفة، وفيها شهاب الدين ميتا، نزل وقبل الأرض على عادته في حياة ~~شهاب الدين، وكشف عنه، فلما رآه ميتا مزق ثيابه وصاح وبكى فأبكى الناس، ~~وكان يوما مشهورا. ### || AUT ذكر ما فعله الدز # كان الدز من أول مماليك شهاب الدين وأكبرهم وأقدمهم، وأكبرهم محلا عنده، ~~بحيث إن أهل شهاب الدين كانوا يخدمونه ويقصدونه في أشغالهم؛ فلما قتل صاحبه ~~طمع أن يملك غزنة، فأول ما عمل أنه سأل الوزير مؤيد الملك عن الأموال ~~والسلاح والدواب، فأخبره بما خرج من ذلك وبالباقي معه، فأنكر الحال، وأساء ~~أدبه في الجواب، وقال: إن الغورية قد كاتبوا بهاء الدين سام صاحب باميان ~~ليملكوه غزنة، وقد كتب إلي غياث الدين محمود، وهو مولاي، يأمرني أنني لا ~~أترك أحدا يقرب من غزنة، وقد جعلني نائبه فيها وفي سائر الولاية المجاورة ~~لها لأنه مشتغل بأمر خراسان. وقال للوزير: إنه قد أمرني أيضا أن أتسلم ~~الخزانة منك؛ فلم يقدر على الامتناع لميل الأتراك إليه، فسلمها إليه، وسار ~~بالمحفة والمماليك والوزير إلى غزنة، فدفن شهاب الدين في التربة بالمدرسة ~~التي أنشأها ودفن ابنته فيها، وكان وصوله إليها في الثاني والعشرين من ~~شعبان من السنة. ### || AUT ذكر بعض سيرة شهاب الدين # كان رحمه الله شجاعا مقدما، كثير الغزو إلى بلاد الهند، عادلا في رعيته، ~~حسن السيرة فيهم، حاكما بينهم بما يوجبه الشرع المطهر، وكان القاضي بغزنة ~~يحضر داره كل إسبوع السبت والأحد والاثنين والثلاثاء، ويحضر معه أمير حاجب، ~~وأمير داذ، وصاحب البريد، فيحكم القاضي، وأصحاب السلطان ينفذون أحكامه على ~~الصغير والكبير، والشريف والوضيع؛ وإن طلب أحد الخصوم الحضور عنده أحضره ~~وسمع كلامه، وأمضى عليه، أوله، حكم الشرع، فكانت الأمور جارية على أحسن ~~نظام. ms4386 حكي لي عنه أنه لقيه صبي علوي، عمره نحو خمس سنين، فدعا له، وقال: لي ~~خمسة إيام ما أكلت شيئا؛ فعاد من الركوب لوقته، ومعه الصبي، فنزل في داره، ~~وأطعمه العلوي أطيب الطعام بحضرته، ثم أعطاه مالا، بعد أن أحضر أباه وسلمه ~~إليه، وفرق في سائر العلويين مالا عظيما. PageV05P0256 # وحكي عنه أن تاجرا من مراغة كان بغزنة، وله على بعض مماليك شهاب الدين ~~دين مبلغه عشرة آلاف دينار، فقتل المملوك في حرب كانت له، فرفع التاجر ~~حاله، فأمر بأن يقر أقطاع المملوك بيد التاجر إلى أن يستوفي دينه، ففعل ~~ذلك. وحكي عنه أنه كان يحضر العلماء بحضرته، فيتكلمون في المسائل الفقهية ~~وغيرها، وكان فخر الدين الرازي يعظ في داره، فحضر يوما فوعظ، وقال في آخر ~~كلامه: يا سلطان، لا سلطانك يبقى ولا تلبيس الرازي، وإن مردنا إلى الله! ~~فبكى شهاب الدين حتى رحمه الناس لكثرة بكائه. وكان رقيق القلب، وكان شافعي ~~المذهب مثل أخيه؛ قيل: وكان حنفيا، والله أعلم. ### || AUT ذكر مسير بهاء الدين سام إلى غزنة # لما ملك غياث الدين باميان أقطعها ابن عمه شمس الدين محمد بن مسعود، ~~وزوجه أخته، فأتاه منها ولد اسمه سام، فبقي فيها إلى أن توفي، وملك بعده ~~ابنه الأكبر، واسمه عباس، وأمه تركية، فغضب غياث الدين وأخوه شهاب الدين ~~منن ذلك، وأرسلا من أحضر عباسا عندهما، فأخذا الملك منه، وجعلا ابن أختهما ~~سام ملكا على باميان، وتقلب بهاء الدين، وعظم شأنه ومحله، وجمع الأموال ~~ليملك لبلاد بعد خاليه، وأحبه الغورية حبا شديدا وعظموه. فلما قتل خاله ~~شهاب الدين سار بعض الأمراء الغورية إلى بهاء الدين سام فأخبره بذلك، فلما ~~بلغه قتله كتب إلى من بغزنة من الأمراء الغورية يأمرهم بحفظ البلد، ويعرفهم ~~أنه على الطريق سائر إليهم. وكان والي قلعة غزنة، ويعرف بأمير داذ، وقد ~~أرسل ولده إلى بهاء الدين سام يستدعيه إلى غزنة، فأعاد جوابه أنه ت جهز، ~~ويصل إليه، ويعده الجميل والإحسان. وكتب بهاء الدين إلى علاء الدين محمد بن ~~أبي ms4387 علي ملك الغور يستدعيه إليه؛ وإلى غياث الدين محمود بن غياث الدين، ~~وإلى ابن خرميل، وإلي هراة، يأمرهما بإقامة الخطبة له، وحفظ ما بأيديهما من ~~الأعمال، ولم يظن أن أحدا يخالفه، فأقام أهل غزنة ينتظرون وصوله، أو وصول ~~غياث الدين محمود، والأتراك، ويقولون: لا نترك غير ابن سيدنا، يعنون غياث ~~الدين، يدخل غزنة. والغورية يتظاهرون بالميل إلى بهاء الدين ومنع غيره، ~~فسار من باميان إلى غزنة في عساكره، ومعه ولداه علاء الدين محمد وجلال ~~الدين، فلما سار عن باميان مرحلتين وجد صداعا، فنزل يستريح، ينتظر خفته ~~عنه، فازداد الصداع، وعظم الأمر عليه، فأيقن بالموت، فأحضر ولديه، وعهد إلى ~~علاء الدين، وأمرهما بقصد غزنة، وحفظ مشايخ الغورية، وضبط الملك، وبالرفق ~~بالرعايا، وبذلك الأموال، وأمرهما أن يصالحا غياث الدين على أن يكون له ~~خراسان وبلاد الغور، ويكون لهما غزنة وبلاد الهند. ### || AUT ذكر ملك علاء الدين غزنة وأخذها منه # لما فرغ بهاء الدين من وصيته توفي، فسار ولداه إلى غزنة، فخرج أمراء ~~الغورية وأهل البلد فلقوهما، وخرج الأتراك معهم على كره منهم، ودخلوا البلد ~~وملكوه، ونزل علاء الدين وجلال الدين دار السلطنة مستهل رمضان، وكانوا قد ~~وصلوا في ضر وقلة من العسكر، وأراد الأتراك منعهم، فنهاهم مؤيد الملك وزير ~~شهاب الدين لقلتهم، ولإشتغال غياث الدين بابن خرميل، والي هراة، على ما ~~نذكره، فلم يرجعوا عن ذلك. وملا استقرا بالقلعة، ونزلا بدار السلطانية، ~~راسلهما الأتراك بأن يخرجا من الدار وإلا قاتلوهما، ففرقا فيهم أموالا ~~كثيرة، واستحلفاهم فحلفوا، واستثنوا غياث الدين محمودا، وأنفذا خلعا إلى ~~تاج الدين الدز، وهو بإقطاعه، مع رسول، وطلباه إلى طاعتهما، ووعداه ~~بالأموال والزيادة في الإقطاع، وإمارة الجيش، والحكم في جميع المماليك؛ ~~فأتاه الرسول فلقيه وقد سار عن كرمان في جيش كثير من الترك والخلج والغز ~~وغيرهم يريد غزنة، فأبلغه الرسالة، فلم يلتفت إليه، وقال له: قل لهما أن ~~يعودا إلى باميان، وفيها كفاية، فإني قد أمرني مولاي غياث الدين أن أسير ~~إلى غزنة وأمنعهما عنها، فإن عادا إلى بلدهما، ms4388 وإلا فعلت بهما وبمن معهما ~~ما يكرهون. ورد ما معهما من الهدايا والخلع، لم يكن قصد الدز بهذا حفظ بيت ~~صاحبه، وإنما أراد أن يجعل هذا طريقا إلى ملك غزنة لنفسه. PageV05P0257 # فعاد الرسول وأبلغ علاء الدين رسالة الدز، فأرسل وزيره، وكان قبله وزير ~~أبيه، إلى باميان وبلخ وترمذ وغيرها من بلادهم، ليجمع العساكر ويعود إليه، ~~فأرسل الدز إلى الأتراك الذين بغزنة يعرفهم أن غياث الدين أمره أن يقصد ~~غزنة ويخرج علاء الدين وأخاه منها، فحضروا عند ابن وزير علاء الدين، وطلبوا ~~منه سلاحا، ففتح خزانة السلاح، وهرب ابن الوزير إلى علاء الدين وقال له: قد ~~كن كذا وكذا؛ فلم يقدر أن يفعل شيئا. وسمع مؤيد الملك، وزير شهاب الدين، ~~فركب وأنكر على الخازن تسليم المفاتيح، وأمره فاسترد ما نهبه الترك جميعه، ~~لأنه كان مطاعا فيهم. ووصل الدز إلى غزنة، فأخرج إليه علاء الدين جماعة من ~~الغورية ومن الأتراك، وفيهم صونج صهر الدز، فأشار عليه أصحابه أن لا يفعل، ~~وينتظر العسكر مع وزيره، فلم يقبل منهم، وسير العساكر، فالتقوا خامس رمضان، ~~فلما لقوه خدمه الأتراك وعادوا معه على عسكر علاء الدين فقاتلوهم فهزموهم ~~وأسروا مقدمهم، وهو محمد بن علي بن حردون، ودخل عسكر الدز المدينة فنهبوا ~~بيوت الغورية والبامانية، وحصر الدز القلعة، فخرج جلال الدين منها في عشرين ~~فارسا، وسار عن غزنة، فقالت له امرأة تستهزئ به: أين تمضي؟ خذ الجتر ~~والشمسة معك! ما أقبح خروج السلاطين هكذا! فقال لها: إنك سترين اليوم، ~~وأفعل بكم ما تقرون به بالسلطنة لي. وكان قد قال لأخيه: احفظ القلعة إلى أن ~~آتيك بالعساكر؛ فبقي الدز يحاصرها، وأراد من مع الدز نهب البلد، فنهاهم عن ~~ذلك، وأرسل إلى علاء الدين يأمره بالخروج من القلعة، ويتهدده إن لم يخرج ~~منها، وترددت الرسل إلى علاء الدين يأمره بالخروج من القلعة، ويتهدده إن لم ~~يخرج منها، وترددت الرسل بينهما في ذلك، فأجاب إلى مفارقتها والعود إلى ~~بلده، وأرسل من حلف له الدز أن لا يؤذيه، ولا يتعرض له، ms4389 ولا لأحد ممن يحلف ~~له. وسار عن غزنة، فلما رآه الدز وقد نزل من القلعة عدل إلى تربة شهاب ~~الدين مولاه، ونزل إليها، ونهب الأتراك ما كان منع علاء الدين، وألقوه عن ~~فرسه، وأخذوا ثيابه، وتركوه عريانا بسراويله. فلما سمع الدز ذلك أرسل إليه ~~بدواب وثياب ومال، واعتذر إليه، فأخذ ما لبسه ورد الباقي، فلما وصل إلى ~~باميان لبس ثياب سوادي، وركب حمارا، فأخرجوا له مراكب ملوكية، وملابس ~~جميلة، فلم يركب، ولم يلبس، وقال: أريد أن يراني الناس وما صنع بي أهل ~~غزنة، حتى إذا عدت إليها وخربتها ونهبتها لا يلومني أحد. ودخل دار الإمارة ~~وشرع في جمع العساكر. ### || AUT ذكر ملك الدز غزنة # قد ذكرنا استيلاء الدز على الأموال والسلاح والدواب وغير ذلك مما كان ~~صحبة شهاب الدين وآخذه من الوزير مؤيد الملك، فجمع به العساكر من أنواع ~~الناس، الأتراك والخلج والغز وغيرهم، وسار إلى غزنة وجرى له مع علاء الدين ~~ما ذكرنا. فلما خرج علاء الدين من غزنة أقام الدز بداره أربعة أيام يظهر ~~طاعة غياث الدين، إلا أنه لم يأمر الخطيب بالخطبة له ولا لغيره، وإنما يخطب ~~للخليفة، ويترحم على شهاب الدين الشهيد حسب. فلما كان في اليوم الرابع أحضر ~~مقدمي الغورية والأتراك، وذم من كاتب علاء الدين وأخاه، وقبض على أمير داذ ~~والي غزنة، فلما كان الغد، وهو سادس عشر رمضان، أحضر القضاة والفقهاء ~~والمقدمين وأحضر أيضا رسول الخليفة، وهو الشيخ مجد الدين أبو علي بن ~~الربيع، الفقيه الشافعي مدرس النظامية ببغداد، وكان قد ورد إلى غزنة رسولا ~~إلى شهاب الدين، فقتل شهاب الدين وهو بغزنة، فأرسل إليه وإلى قاخضي غزنة ~~يقول له: إنني أريد أن أنتقل إلى دار السلطانية، وأن أخاطب بالملك، ولا بد ~~من حضورك؛ والمقصود من هذا أن تستقر أمور الناس، فحضر عنده، فركب الدز، ~~والناس في خدمته، وعليه ثياب الحزن، وجلس في الدار في غير المجلس الذي كان ~~يجلس فيه شهاب الدين، فتغيرت لذلك نيات كثير من الأتراك، لأنهم كانوا ~~يطيعونه ظنا ms4390 منهم أنه يريد الملك لغياث الدين، فحيث رأوه يريد الانفراد ~~تغيروا عن طاعته، حتى إن بعضهم بكى غيظا من فعله؛ وأقطع الإقطاعات الكثيرة، ~~وفرق الأموال الجليلة. PageV05P0258 # وكان عند شهاب الدين جماعة من أولاد ملوك الغور وسمرقند وغيرهم، فأنفوا ~~من خدمة الدز، وطلبوا منه أن يقصد خدمة غياث الدين، فأذن لهم وفارقه كثير ~~من أصحابه إلى غياث الدين وإلى علاء الدين وأخيه صاحبي باميان، وأرسل غياث ~~الدين إلى الدز يشكره، ويثني عليه لإخراج أولاد بهاء الدين من غزنة، وسير ~~له الخلع، وطلب منه الخطبة والسكة، فلم يفعل، وأعاد الجواب فغالطه، وطلب ~~منه أن يخاطبه بالملك، وأن يعتقه من الرق لأن غياث الدين ابن أخي سيده لا ~~وارث له سواه، وأن يزوج ابنه بابنة الدز، فلم يجبه إلى ذلك. واتفق أن جماعة ~~من الغوريين، من عسكر صاحب باميان، أغاروا على أعمال كرمان وسوران، وهي ~~أقطاع الدز القديمة، فغنموا، وقتلوا، فأرسل صهره صونج في عسكر، فلقوا عسكر ~~الباميان فظفر بهم، وقتل منهم كثيرا، وأنفذ رؤوسهم إلى غزنة فنصبت بها. ~~وأجرى الدز في غزنة رسوم شهاب الدين، وفرق في أهلها أموالا جليلة المقدار، ~~وألزم مؤيد الملك أن يكون وزيرا له، فامتنع من ذلك، فألح عليه، فأجابه على ~~كره منه، فدخل على مؤيد الملك صديق له يهنئه، فقال: بماذا تهنئني؟ من بعد ~~ركوب الجواد بالحمار؟ وأنشد: ومن ركب الثور بعد الجوا ... د أنكر إطلاقه ~~والغبب بينا الدز يأتي إلى بابي ألف مرة حتى آذن له في الدخول أصبح على ~~بابه! ولولا حفظ النفس مع هؤلاء الأتراك لكان لي حكم آخر. ### || AUT ذكر حال غياث الدين بعد قتل عمه # وأما غياث الدين محمود بن غياث الدين فإنه كان في إقطاعه، وهو بست ~~وأسفزار، لما قتل عمه شهاب الدين، وكان الملك علاء الدين بن محمد بن أبي ~~علي قد ولاه شهاب الدين بلاد الغور وغيرها من أرض الروان، فلما بلغه قتله ~~سار إلى فيروزكوه خوفا أن يسبقه إليها غياث الدين فيملك البلد ويأخذ ~~الخزائن التي بها. وكان ms4391 علاء الدين حسن السيرة من أكابر بيوت الغورية، إلا ~~أن الناس كرهوه لميلهم إلى غياث الدين، وأنف الأمراء من خدمته مع وجود ولد ~~غياث الدين سلطانهم، ولأنه كان كراميا مغالبا في مذهبه، وأهل فيروزكوه ~~شافعية، وألزمهم أن يجعلوا الإقامة مثنى؛ فلما وصل إلى فيروزكوه أحضر جماعة ~~من الأمراء منهم: محمد المرغني وأخوه، ومحمد بن عثمان، وهم من أكابر ~~الأمراء، وحلفهم على مساعدته على قتال خوارزم شاه وبهاء الدين، صاحب ~~باميان، ولم يذكر غياث الدين احتقارا له، فحلفوا له ولولده من بعده. وكان ~~غياث الدين بمدينة بست لم يتحرك في شيء انتظارا لما يكون من صاحب باميان، ~~لأنهما كانا قد تعاهدا أيام الدين أن تكون خراسان لغياث الدين وغزنة والهند ~~لبهاء الدين، وكان بهاء الدين صاحب باميان بعد موت شهاب الدين أقوى منه، ~~فلهذا لم يفعل شيئا، فلما بلغه خبر موت بهاء الدين جلس على التخت، وخطب ~~لنفسه بالسلطنة عاشر رمضان، وحلف الأمراء الذين قصدوه، وهم إسمعيل الخلجي، ~~وسونج أمير أشكار، وزنكي بن خرجوم، وحسين الغوري صاحب تكياباذ وغيرهم، ~~وتلقب بألقاب أبيه غياث الدنيا والدين، وكتب إلى علاء الدين محمد بن أبي ~~علي وهو بفيروزكوه يستدعيه إليه، ويستعطفه ليصدر عن رأيه، ويسلم مملكته ~~إليه؛ وكتب إلى الحسين بن خرميل، والي هراة، مثل ذلك أيضا، ووعده الزيادة ~~في الإقطاع. فأما علاء الدين فأغلظ له في الجواب، كتب إلى الأمراء الذين ~~معه يتهددهم، فرحل غياث الدين إلى فيروزكوه، فأرسل علاء الدين عسكرا مع ~~ولده، وفرق فيهم مالا كثيرا، وخلع عليهم لمنعوا غياث الدين، فقوه قريبا من ~~فيروزكوه، فلما تراءى الجمعان كشف إسمعيل الخلجي المغفر عن وجهه وقال: ~~الحمد لله إذ الأتراك الذين لا يعرفون آباءهم لم يضيعوا حق التربية، وردوا ~~ابن ملك باميان، وأنتم مشايخ الغورية الذين أنعم عليكم والد هذا السلطان، ~~ورباكم، وأحسن إليكم كفرتم الإحسان، وجئتم تقاتلون ولده، أهذا فعل الأحرار؟ ~~فقال محمد المرغني، وهو مقدم العسكر الذين يصدرون عن رأيه: لا والله! ثم ~~ترجل عن فرسه، وألقى سلاحه، وقصد غياث ms4392 الدين، وقبل الأرض بين يديه، وبكرى ~~بصوت عال، وفعل سائر الأمراء كذلك، فانهزم أصحاب علاء الدين مع ولده. ~~PageV05P0259 # فلما بلغه الخبر خرج عن فيروزكوه هاربا نحو الغور، وهو يقول: أنا أمشي ~~أجاور بمكة؛ فأنفذ غياث الدين خلفه من رده إليه، فأخذه وحبسه، وملك ~~فيروزكوه، وفرح به أهل البلد، وقبض غياث الدين على جماعة من أصحاب علاء ~~الدين الكرامية، وقتل بعضهم. ولما دخل غياث الدين فيروزكوه ابتدأ بالجامع ~~فصلى فيه، ثم ركب إلى دار أبيه فسكنها، وأعاد رسوم أبيه، واستخدم حاشية، ~~وقدم عليه عبد الجبار بن محمد الكيراني، وزير أبيه، واستوزره، وسلك طريق ~~أبيه في الإحسان والعدل. ولما فرغ غياث الدين من علاء الدين لم يكن له همة ~~إلا ابن خرميل بهراة واجتذابه إلى طاعته، فكاتبه وراسله، واتخذه أبا، ~~واستدعاه إليه. وكان ابن خرميل قد بلغه موت شهاب الدين ثامن رمضان، فجمع ~~أعيان الناس، منهم: قاضي هراة صاعد بن الفضل السياري، وعلي بن عبد الخلاق ~~بن زياد مدرس النظامية بهراة، وشيخ الإسلام رئيس هراة، ونقيب العلويين ~~ومقدمي المحال، وقال لهم: قد بلغني وفاة السلطان شهاب الدين أنا في نحر ~~خوارزم شاه، وأخاف الحصار، وأريد أن تحلفوا لي على المساعدة على كل من ~~نازعني. فأجابه القاضي وابن زياد: إننا نحلف على كل الناس إلا ولد غياث ~~الدين؛ فحقدها عليهما، فلما وصل كتاب غياث الدين خاف ميل الناس إليه، ~~فغالطه في الجواب. وكان ابن خرميل قد كاتب خوارزم شاه يطلب منه أن يرسل ~~إليه عسكرا ليصير في طاعته ويمتنع به على الغورية، فطلب منه خوارزم شاه ~~إنفاذ ولده رهينة، ويرسل إليه عسكرا، فسير ولده إلى خوارزم شاه، فكتب ~~خوارزم شاه إلى عسكره الذين بنيسابور وغيرها من بلاد خراسان يأمرهم بالتوجه ~~إلى هراة، وأن يكونوا يتصرفون بأمر ابن خرميل ويتمثلون أمره. هذا وغياث ~~الدين يتابع الرسل إلى ابن خرميل، وهو يحتج بشيء بعد شيء انتظارا لعسكر ~~خوارزم شاه، ولا يؤيسه من طاعته، ولا يخطب له ويطيعه طاعة غير مستوية. ثم ~~إن الأمير علي بن ms4393 أبي علي، صاحب كالوين، أطلع غياث الدين على حال ابن ~~خرميل، فعزم غياث الدين على التوجه إلى هراة، فثبطه بعض الأمراء الذين معه، ~~و أشاروا عليه بانتظار آخر أمره وترك محاقته. واستشار ابن خرميل الناس في ~~أمر غياث الدين، فقال له علي بن عبد الخلاق بن زياد، مدرس النظامية بهراة، ~~وهو متولي وقوف خراسان التي بيد الغورية جميعها: ينبغي أن تخطب للسلطان ~~غياث الدين، وتترك المغالطة؛ فأجابه: إنني أخافه على نفسي، فامض أنت وتوثق ~~لي منه. وكان قصده أن يبعده عن نفسه، فمضى برسالته إلى غياث الدين، وأطلعه ~~على ما يريد ابن خرميل بفعله من الغدر به، والميل إلى خوارزم شاهن وحثه على ~~قصد هراة، وقال له: أنا أسلمها إليك ساعة تصل إليها؛ ووافقه بعض الأمراء، ~~وخالفه غيرهم،! وقال: ينبغي أن لا تترك له حجة، فترسل إليه تقليدا بولاية ~~هراة، ففعل ذلك، وسيره مع ابن زياد وبعض أصحابه. ثم إن غياث الدين كاتب ~~أميران بن قيصر، صاحب الطالقان، يستدعيه إليه، فتوقف؛ و أرسل إلى صاحب مرو ~~ليسير إليه، فتوقف أيضا، فقال له أهل البلد: إن لم تسلم البلد إلى غياث ~~الدين، وتتوجه إليه، وإلا سلمناك، وقيدناك، وأرسلناك إليه، فاضطر إلى ~~المجيء إلى فيروزكوه، فخلع عليه غياث الدين، وأقطعه إقطاعا، وأقطع الطالقان ~~سونج مملوك أيبه المعروف بأمير أشكار. ### || AUT ذكر استيلاء خوارزم شاه على بلاد الغورية # قد ذكرنا مكاتبة الحسين بن خرميل، والي هراة، خوارزم شاه، ومراسلته في ~~الانتماء إليه والطاعة له، ترك طاعة الغورية، وخداعه لغياث الدين، ومغالطته ~~له بالخطبة له والطاعة، انتظارا لوصول عسكر خوارزم شاه، ووصول رسول غياث ~~الدين وابن زياد بالخلع إلى ابن خرميل، فلما وصلت الخلع إليه لبسها هو ~~وأصحابه، وطالبه رسول غياث الدين بالخطبة، فقال: يوم الجمعة نخطب له. فاتفق ~~قرب عسكر خوارزم شاه منهم، فلما كان يوم الجمعة قيل له في معنى الخطبة، ~~فقال: نحن في شغل أهم منها بوصول هذا العدو، فطالت المجادلات بينهم في ذلك، ~~وهو مصر على الامتناع منها، ووصل عسكر ms4394 خوارزم شاه، فلقيهم ابن خرميل، ~~وأنزلهم على باب البلد، فقالوا له: قد أمرنا خوارزم شاه أن لا نخالف لك ~~أمرا؛ فشكرهم على ذلك؛ وكان يخرج إليهم كل يوم، وأقام لهم الوظائف الكثيرة. ~~PageV05P0260 # وأتاه الخبر أن خوارزم شاه نزل على بلخ فحاصرها، فلقيه صاحبها، وقاتله ~~بظاهر البلد، فلم ينزل بالقرب منها، فنزل على أربعة فراسخ، فندم ابن خرميل ~~على طاعة خوارزم شاه، وقال لخواصه: لقد أخطأنا حيث صرنا مع هذا الرجل، ~~فإنني أراه عاجزا. وشرع في إعادة العسكر، فقال للأمراء: إن خوارزم شاه قد ~~أرسل إلى غياث الدين يقول له: إنني على العهد الذي بيننا، وأنا أترك ما كان ~~لأبيك بخراسان؛ والمصلحة أن ترجعوا حتى ننظر ما يكون. فعادوا، وأرسل إليهم ~~الهدايا الكثيرة. وكان غياث الدين حيث اتصل به وصول عسكر خوارزم شاه إلى ~~هراة، فأخذ إقطاع ابن خرميل وأرسل إلى كرزبان وأخذ كل ما له بها من مال. ~~وأولاد، ودواب، وغير ذلك. وأخذ أصحابه في القيود، وأتاه كتب من يميل إليه ~~من الغوية يقولون له: إن رآك غياث الدين قتلك. ولما سمع أهل هراة بما فعل ~~غياث الدين بأهل ابن خرميل وماله عزموا على قبضه والمكاتبة إلى غياث الدين ~~بإنفاذ من يتسلم البلد، وكتب القاضي صاعد، قاضي هراة، وابن زياد إلى غياث ~~الدين بذلك؛ فلما سمع ابن خرميل بما فعله غياث الدين بأهله، وبما عزم عليه ~~أهل هراة، خاف أن يعاجلوه بالقبض، فحضر عند القاضي، وأحضر أعيان البلد، ~~وألان لهم القول، وتقرب إليهم، وأظهر طاعة غياث الدين، وقال: قد رددت عسكر ~~خورازم شاه، وأريد أن أرسل رسولا إلى غياث الدين بطاعتي، والذي أوثره منكم ~~أن تكتبوا معه كتابا بطاعتي. فاستحسنوا قوله، وكتبوا له بما طلب، وسير ~~رسوله إلى فيروزكوه، وأمره، إذا جنه الليل، أن يرجع على طريق نيسابور يلحق ~~عسكر خوارزم شاه ويجد السير فإذا لحقهم ردهم إليه. ففعل الرسول ما أمره، ~~ولحق العسكر على يومين من هراة، فأمرهم بالعود، فعادوا، فلما كان اليوم ~~الرابع من سير الرسول وصلوا إلى ms4395 هراة والرسول بين أيديهم، فلقيهم ابن ~~خرميل، وأدخلهم البلد والطبول تضرب بين أيديهم، فلما دخلوا أخذ ابن زياد ~~الفقيه فسلمه، وأخرج القاضي صاعدا من البلد، فسار إلى غياث الدين ~~بفيروزكوه، وأخرج من عنده من الغورية، وكل من يعلم أنه يريدهم، و سلم أبواب ~~البلد إلى الخوارزمية. وأما غياث الدين فإنه برز عن فيروزكوه نحو هراة، ~~وأرسل عسكرا، فأخذوا حشيرا كان لأهل هراة، فخرج الخوارزمية، فشنوا الغارة ~~على هراة الروذ وغيرها، فأمر غياث الدين عسكره بالتقدم إلى هراة، وجعل ~~المقدم عليهم علي بن أبي علي، وأقام هو بفيروزكوه لما بلغه أن خوارزم شاه ~~على بلخ، فسار العسكر وعلى يزكه الأمير أميران بن قيصر الذي كان صاحب ~~الطالقان، وكان منحرفا عن غياث الدين حيث أخذ منع الطالقان، فأرسل إلى ابن ~~خرميل يعرفه أنه على اليزك، ويأمره بالمجيء إليه، فإنه لا يمنعه، وحلف له ~~على ذلك. فسار ابن خرميل في عسكره، فكبس عسكر غياث الدين، فلم يلحقوا ~~يركبون خيولهم حتى خالطوهم، فقتلوا فيهم، فكف ابن خرميل أصحابه عن الغورية ~~خوفا أن يهلكوا، وغنم أموالهم وأسر إسمعيل الخلجي، وأقام بمكانه، وأرسل ~~عسكره فشنوا الغارة على البلاد باذغيس وغيرها. وعظم الأمر على غياث الدين، ~~فعزم على المسير إلى هراة بنفسه، فأتاه الخبر أن علاء الدين، صاحب باميان، ~~قد عاد إلى غزنة على ما نذكره، فأقام ينتظر ما يكون منهم من الدز. وأما بلخ ~~فإن خوارزم شاه لما بلغه قتل شهاب الدين أخرج من كان عنده من الغوريين ~~الذين كان أسرهم في المصاف على باب خوارزم، فخلع عليهم، وأحسن إليهم، ~~وأعطاهم الأموال، وقال: إن غياث الدين أخي، ولا فرق بيني وبينه، فمن أحب ~~منكم المقام عندي فليقم، ومن أحب أن يسير إليه فإنني أسيره، ولو أراد مني ~~مهما أراد نزلت له عنه. PageV05P0261 # وعهد إلى محمد بن علي بن بشير، وهو من أكابر الأمراء الغورية، فأحسن ~~إليه، وأقطعه استمالة للغورية، وجعله سفيرا بينه وبين صاحب بلخ، فسير أخاه ~~علي شاه بين يديه في عسكره إلى بلخ، فلما ms4396 قاربها خرج إليه عماد الدين عمر ~~بن الحسني الغورية أميرها، فدفعه عن النزول عليها، فنزل على أربعة فراسخ ~~عنها، فأرسل إلى أخيه خوارزم شاه يعلمه قوتهم، فسار إليها في ذي القعدة من ~~السنة، فلما وصل إلى بلخ خرج صاحبها فقاتلهم، فلم يقو بهم لكثرتهم، فنزلوا ~~فصار يوقع بهم ليلا، فكانوا معه على أقبح صورة، فأقام صاحب بلخ محاصرا وهو ~~ينتظر المداد من أصحابه أولاد بهاء الدين، صاحب باميان، وكانوا قد اشتغلوا ~~عنه بغزنة على ما نذكره. فأقام خوارزم شاه على بلخ أربعين يوما، كل يوم ~~يركب إلى الحرب، فيقتل من أصحابه كثير، ولا يظفر بشيء، فراسل صاحبها عماد ~~الدين مع محمد بن علي بن بشير الغوري في بذل بذله له ليسلم إليه البلد، فلم ~~يجبه إلى ذلك، وقال: لا أسلم البلد إلا إلى أصحابه؛ فعزم على المسير إلى ~~هراة، فلما سار أصحابه أولاد بهاء الدين، صاحب باميان، إلى غزنة، المرة ~~الثانية، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، وأسرهم تاج الدين الدز، عاد عن ~~ذلك العزم، وأرسل محمد بن علي بن بشير إلى عماد الدين نائبه يعرفه حال ~~أصحابه وأسرهم، وأنه لم يبق عليه حجة، ولا له في التأخر عنه عذر. فدخل ~~إليه، ولم يزل يخدعه تارة يرغبه، وتارة يرهبه، حتى أجاب إلى طاعة خوارزم ~~شاه والخطبة له، وذكر اسمه على السكة، وقال: أنا أعلم أنه لا يفي لي؛ فأرسل ~~من يستحلفه على ما أراد، فتم الصلح، وخرج إلى خوارزم شاه، فخلع عليه، ~~وأعاده إلى بلده، وكان سلخ ربيع الأول سنة ثلاث وستمائة. ثم سار خوارزم شاه ~~إلى كرزبان ليحاصرها، وبها علي بن أبي علي، وأرسل إلى غياث الدين يقول: إن ~~هذه كان قد أقطعها عمك لابن خرميل، فتنزل عنها؛ فامتنع، وقال، بيني وبينكم ~~السيف؛ فأرسل اله خوارزم شاه مع محمد بن علي بن بشير فرغبه، وآيسه من نجدة ~~غياث الدين، ولم يزل به حتى نزل عنها وسلمها، وعاد إلى فيروزكوه، فأمر غياث ~~الدين بقتله، فشفع فيه الأمراء، فتركه، وسلم ms4397 خوارزم شاه كرزبان إلى ابن ~~خرميل. ثم أسل إلى عماد الدين، صاحب بلخ، يطلبه إليه، ويقول: قد حضر مهم ~~ولا غنى عن حضورك، فأنت اليوم من أخص أوليائنا؛ فحضر عنده، فقبض عيه وسيره ~~إلى خوارزم، ومضى هو إلى بلخ، فأخذها واستناب بها جعفرا التركي. ### || AUT ذكر ملك خوارزم شاه ترمذ # ### || AUT وتسليمها إلى الخطا # لما أخذ خوارزم شاه مدينة بلخ سار عنها إلى مدينة ترمذ مجدا، وبها ولد ~~عماد الدين كان صاحب بلخ، فأرسل إليه محمد بن بشير يقول له: إن أباك قد صار ~~من أخص أصحابي وأكابر أمراء دولتي، وقد سلم إلى بلخ، وإنما ظهر لي منه ما ~~أنكرته، فسيرته إلى خوارزم مكرما محترما، وأما أنت فتكون عندي أخا. ووعده، ~~وأقطعه الكثير، فخدعه محمد بن علي، فرأى صاحبها أن خوارزم شاه قد حصره من ~~جانب والخطا قد حصره من جانب آخر، وأصحابه قد أسرهم الدز بغزنة، فضعف نفسه، ~~وأرسل من يستحلف له خوارزم شاه، فحلف له، وتسلم منه ترمذ وسلمها إلى الخطا، ~~فلقد اكتسب بها خوارزم شاه سبة عظيمة، وذكرا قبيحا في عاجل الأمر؛ ثم ظهر ~~للناس، بعد ذلك، أنه إنما سلمها إليهم ليتمكن بذلك من ملك خراسان، ثم يعود ~~إليهم فيأخذها وغيرها منها، لأنه لمتا ملك خراسان وقصد بلاد الخطا وأخذها ~~وأفناهم علم الناس أنه فعل ذلك خديعة ومكرا، غفر الله له. ### || AUT ذكر عود أولاد صاحب باميان إلى غزنة # قد ذكرنا قبل وصول الدز التركي إلى غزنة، وإخراجه علاء الدين وجلال ~~الدين ولدي بهاء الدين سام، صاحب باميان، منها، بعد أن ملكها، وأقام هو في ~~غزنة من عاشر رمضان سنة اثنتين وستمائة إلى خامس ذي القعدة من السنة، يحسن ~~السيرة، ويعدل في الرعية، وأقطع البلاد للأجناد، فبعضهم أقام، وبعضهم سار ~~إلى غياث الدين بفيروزكوه، وبعضهم سار إلى علاء الدين، صاحب باميان، ولم ~~يخطب لأحد، ولا لنفسه، وكان يعد الناس بأن رسولي عند مولاي غياث الدين، ~~فإذا عاد خطبت؛ ففرح الناس بقوله. PageV05P0262 # وكان يفعل ذلك مكرا وخديعة بهم ms4398 وبغياث الدين، لأنه لو لم يظهر ذلك لفارقه ~~أكثر الأتراك وسائر الرعايا، وكان حينئذ يضعف عن مقاومة صاحب باميان، في ~~العساكر الكثيرة، وأنهم قد عزموا على نهب غزنة، واستباحة الأموال والأنفس، ~~فخاف الناس خوفا شديدا، وجهز الدز كثيرا من عسكره وسيرهم إلى طريقهم، فلقوا ~~أوائل العسكر، فقتل من الأتراك جماعة، و أدركهم العسكر، فلم يكن لهم قوة ~~بهم، فانهزموا، وتبعهم عسكر علاء الدين يقتلون ويأسرون، فوصل المنهزمون إلى ~~غزنة، فخرج عنها الدز منهزما يطلب بلده كرمان، فأدركه بعض عسكر باميان، نحو ~~ثلاثة آلاف فارس، فقاتلهم قتالا شديدا، فردهم عنه، وأحضر من كرمان مالا ~~كثيرا، وسلاحا، ففرقه في العسكر. وأما علاء الدين وأخوه فإنهما تركا غزنة ~~لم يدخلاها، وسارا في أثر الدز، فسمع بهم، فسار عن كرمان، فنهب الناس بعضهم ~~بعضا، وملك علاء الدين كرمان، وأمنوا أهلها، وعزموا على العود إلى غزنة ~~ونهبها، فسمع أهلها بذلك، فقصدوا القاضي سعيد بن مسعود وشكوا إليه حالهم، ~~فمشى إلى وزير علاء الدين المعروف بالصاحب، وأخبره بحال الناس، فطيب ~~قلوبهم، و أخبرهم غيره ممن يثقون به أنهم مجمعون على النهب، فاستعدوا ~~وضيقوا أبواب الدروب والشوارع، وأعدوا العرادات والأحجار، وجاءت التجار من ~~العراق، والموصل، والشام، وغيرها، وشكوا إلى أصحاب السلطان، فلم يشكهم أحد، ~~فقصدوا دار مجد الدين بن الربيع، رسول الخليفة، واستغاثوا به، فسكنهم، ~~ووعدهم الشفاعة فيهم وفي أهل البلد، فأرسل إلى أمير كبير من الغورية يقال ~~له سليمان بن سيس، وكان شيخا كبيرا يرجعون إلى قوله، يعرفه الحال، ويقول له ~~ليكتب إلى علاء الدين وأخيه يتشفع في الناس، ففعل، وبالغ في الشفاعة، ~~وخوفهم من أهل البلد إن أصروا على النهب، فأجابوه إلى العفو عن الناس بعد ~~مراجعات كثيرة. وكانوا قد وعدوا من معهم من العساكر بنهب غزنة، فعوضوهم من ~~الخزانة، فسكن الناس، وعاد العسكر إلى غزنة أواخر ذي القعدة ومعهم الخزانة ~~التي أخذها الدز من مؤيد الملك لما عاد ومعه شهاب الدين قتيلا، فكانت مع ما ~~أضيف إليها من الثياب والعين تسع مائة حمل، ومن ms4399 جملة ما كان فيها من الثياب ~~الممزج، المنسوج بالذهب، اثنا عشر ألف ثوب. وعزم علاء الدين أن يستوزر مؤيد ~~الملك، فسمع أخوه جلال الدين، فأحضره وخلع عليه، على كراهة منه للخلعة، ~~واستوزره؛ فلما سمع علاء الدين بذلك قبض على مؤيد الملك، وقيده، وحبسه، ~~فتغيرت نيات الناس، واختلفوا، ثم إن علاء الدين وجلال الدين اقتسما ~~الخزانة، وجرى بينهما من المشاحنة في القسمة ما لا يجري بين التجار، فاستدل ~~بذلك الناس على أنهما لا يستقيم لهما حال لبخلهما، واختلافهما، وندم ~~الأمراء على ميلهم إليهما، وتركهم غياث الدين مع ما ظهر من كرمه وإحسانه. ~~ثم إن جلال الدين وعمه عباسا سارا في بعض العسكر إلى باميان، وبقي علاء ~~الدين بغزنة، فأساء وزيره عماد الملك السيرة مع الأجناد والرعية، ونهبت ~~أموال الأتراك، حتى إنهم باعوا أمهات أولادهم وهن يبكين ويصرخن ولا يلتفت إليهن. ### || AUT ذكر عود الدز إلى غزنة # لما سار جلال الدين عن غزنة، وأقام بها أخوه علاء الدين، جمع الدز ومن ~~معه من الأتراك عسكرا كثيرا وعادوا إلى غزنة، فوصلوا إلى كلوا فملكوها ~~وقتلوا جماعة من الغورية، ووصل المنهزمون منها إلى كرمان، فسار الدز إليهم، ~~وجعل على مقدمته مملوكا كبيرا من مماليك شهاب الدين، اسمه أي دكز التتر، في ~~ألفي فارس من الخلج والأتراك والغز والغورية وغيرهم. وكان بكرمان عسكر ~~لعلاء الدين مع أمير يقال له ابن المؤيد، ومعه جماعة من الأمراء، منهم أبو ~~علي بن سليمان بن سيس، وهو وأبوه من أعيان الغورية، وكانا مشتغلين باللعب ~~واللهو والشرب، لا يفتران عن ذلك، فقيل لهما: إن عسكر الأتراك قد قربوا ~~منكم؛ فلم يلتفتا إلى ذلك، ولا تركا منا كانا عليه، فهجم عليهم أي دكز ~~التتر ومن معه من الأتراك، فلم يمهلهم يركبون خيولهم، فقتلوا عن آخرهم، ~~منهم من قتل في المعركة، ومنهم من قتل صبرا، ولم ينج إلا من تركه الأتراك ~~عمدا. PageV05P0263 # ولما وصل الدز فرأى أمراء الغورية كلهم قتلى قال: كل هؤلاء قاتلونا؟ فقال ~~أي دكز التتر: لا بل قتلناهم صبرا؛ ms4400 فلامه على ذلك، ووبخه، وأحضر رأس ابن ~~المؤيد بين يديه، فسجد شكرا لله تعالى، وأمر بالمقتولين فغسلوا ودفنوا، ~~وكان في جملة القتلى أبو علي بن سليمان بن سيس. ووصل الخبر إلى غزنة في ~~العشرين من ذي الحجة من هذه السنة، فصلب علاء الدين الذي جاء بالخبر، ~~فتغميت السماء، وجاء مطر شديد خرب بعض غزنة، وجاء بعه برد كبار مثل بيض ~~الدجاج، فضج الناس إلى علاء الدين بإنزال المصلوب، فأنزله آخر النهار، ~~فانكشفت الظلمة، وسكن ما كانوا فيه. وملك الدز كرمان، وأحسن إلى أهلها، ~~وكانوا في ضر شديد مع أولئك. ولما صح الخبر عند علاء الدين أرسل وزيره ~~الصاحب إلى أخيه جلال الدين في باميان يخبره بحال الدز، ويستنجده، وكان قد ~~أعد العساكر ليسير إلى بلخ يرحل عنها خوارزم شاه، فلما أتاه هذا الخبر ترك ~~بلخ وسار إلى غزنة، وكان أكثر عسكره من الغورية قد فارقوه، وفارقوا أخاه، ~~وقصدوا غياث الدين، فلما كان أواخر ذي الحجة وصل الدز إلى غزنة، ونزل هو ~~وعسكره بإزاء قلعة غزنة، وحصر علاء الدين، وجرى بينهم قتال شديد، وأمر الدز ~~فنودي في البلد بالأمان، وتسكين الناس من أهل البلد، والغورية، وعسكر ~~باميان، وأقام الدز محاصرا للقلعة، فوصل جلال الدين في أربعة آلاف من عسكر ~~باميان وغيرهم، فرحل الدز إلى طريقهم، وكان مقامه إلى أن سار إليهم أربعين ~~يوما، فلما سار الدز سير علاء الدين من كان عنده من العسكر، وأمرهم أن ~~يأتوا الدز من خلفه، ويكون أخوه من بين يديه، فلا يسلم من عسكره أحد. فلما ~~خرجوا من القلعة سار سليمان بن سيس الغوري إلى غياث الدين بفيروزكوه، فلما ~~وصل إليه أكرمه وعظمه، وجعله أمير داذ فيروزكوه، وكان ذلك في صفر سنة ثلاث ~~وستمائة. وأما الدز فإنه سار إلى طريق جلال الدين، فالتقوا بقرية بلق، ~~فاقتتلوا قتالا صبروا فيه، فانهزم جلال الدين وعسكره، وأخذ جلال الدين ~~أسيرا، وأتى به إلى الدز، فلما رآه ترجل وقبل يده، وأمر الاحتياط عليه، ~~وعاد إلى غزنة وجلال الدين معه وألف ms4401 أسير من الباميانية، وغنم أصحابه ~~أموالهم. ولما عاد إلى غزنة أرسل إلى علاء الدين يقول له ليسلم القلعة ~~إليه، وإلا قتل من عنده من الأسرى، فلم يسلمها، فقتل منهم أربع مائة أسير ~~بإزاء القلعة، فلما رأى علاء الدين ذلك أرسل مؤيد الملك يطلب الأمان، فأمنه ~~الدز، فلما خرج قبض عليه ووكل به وبأخيه من يحفظهما، وقبض على وزيره عماد ~~الملك لسوء سيرته، وكان هندوخان بن ملكشاه بن خوارزم شاه تكش مع علاء الدين ~~بقلعة غزنة، فلما خرج منها قبض عليه أيضا، وكتب إلى غياث الدين بالفتح، ~~وأرسل إليه الأعلام وبعض الأسرى. ### || AUT ذكر قصد صاحب مراغة وصاحب إربل أذربيخان # في هذه السنة اتفق صاحب مراغة، وهو علاء الدين، هو ومظفر الدين كوكبري، ~~صاحب إربل، على قصد أذربيجان وأخذها من صاحبها أبي بكر بن البهلوان، ~~لاشتغاله بالشرب ليلا ونهارا، وتركه النظر في أحوال المملكة، وحفظ العساكر ~~والرعايا، فسار صاحب إربل إلى مراغة، واجتمع هو وصاحبها علاء الدين، وتقدما ~~نحو تبريز، فلا علم صاحبها أبو بكر أرسل إلى إيدغمش، صاحب بلاد الجبل، ~~همذان وأصفهان والري وما بينها من البلاد، وهو مملوك أبيه البهلوان، وهو في ~~طاعة أبي بكر، إلا أنه قد غلب على البلاد، فلا يلتفت إلى أبي بكر، فأرسل ~~إليه أبو بكر يستنجده، ويعرفه الحال، وكان حينئذ ببلد الإسماعيلية، فلما ~~أتاه الخبر سار إليه في العساكر الكثيرة. فلما حضر عنده أرسل إلى صاحب إربل ~~يقول له: إننا كنا نسمع عنك أنك تحب أهل العلم والخير وتحسن إليهم، فكنا ~~نعتقد فيك الخير والدين، فلما كان الآن ظهر لنا منك ضد ذلك لقصدك بلاد ~~الإسلام، وقتال المسلمين، ونهب أموالهم، وإثارة الفتنة، فإذا كنت كذلك فما ~~لك عقل؛ تجيء إلينا، وأنت صاحب قرية، ونحن لنا من باب خراسان إلى خلاط وإلى ~~إربل، واحسب أنك هزمت هذا، أما تعلم أن له مماليك، أنا أحدهم، ولو أخذ من ~~كل قرية شحنة، أو من كل مدينة عشرة رجال، لاجتمع له أضعاف عسكر، فالمصلحة ~~أنك ترجع إلى بلدك؛ ms4402 وإنما أقول لك هذا إبقاء عليك. PageV05P0264 # ثم سار نحوه عقيب هذه الرسالة، فلما سمعها مظفر الدين وبلغه مسير إيدغمش ~~عزم على العود؛ فاجتهد به صاحب مراغة ليقيم بمكانه، ويسلم عسكره إليه، وقال ~~له: إنني قد كاتبني جميع أمرائه ليكونوا معي إذا قصدتهم؛ فلم يقبل مظفر ~~الدين من قوله، وعاد إلى بلده، وسلك الطريق الشاقة، والمضايق الصعبة، ~~والعقاب الشاهقة، خوفا من الطلب. ثم سار نحوه عقيب هذه الرسالة، فلما سمعها ~~مظفر الدين وبلغه مسير إيدغمش عزم على العود، فاجتهد به صاحب مراغة ليقيم ~~بمكانه، ويسلم عسكره إليه، وقال له: إنني قد كاتبني جميع أمرائه ليكونوا ~~معي إذا قصدتهم؛ فلم يقبل مظفر الدين من قوله، وعاد إلى بلده، وسلك الطريق ~~الشاقة، والمضايق الصعبة، والعقاب الشاهقة، خوفا من الطلب. ثم إن أبا بكر ~~وإيدغمش قصد مراغة وحصراها، فصالحهما صاحبها على تسليم قلعة من حصونه إلى ~~أبي بكر، وهي كانت سبب الاختلاف، وأقطعه أبو بكر مدينتي أستوا وأرمية وعاد عنه. ### || AUT ذكر الغارة من ابن ليون على أعمال حلب # وفي هذه السنة توالت الغارة من ابن ليون الأرمني، صاحب الدروب، على ~~ولاية حلب، فنهب، وحرق، وأسر، وسبى، فجمع الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين ~~يوسف، صاحب حلب، عساكره، واستنجد غيره من الملوك، فجمع كثيرا من الفارس ~~والراجل، وسار عن حلب نحو ابن ليون. وكان ابن ليون قد نزل في طرف بلاده مما ~~يلي بلد حلب، فليس إليه طريق، لأن جميع بلاده لا طريق إليها إلا من جبال ~~وعرة، ومضايق صعبة، فلا يقدر غيره على الدخول إليها، لا سيما من ناحية حلب، ~~فإن الطريق منها متعذر جدا، فنزل الظاهر على خمسة فاراسخ من حلب، وجعل على ~~مقدمته جماعة من عسكره مع أمير كبير من مماليك أبيه، يعرف بميمون القصري، ~~ينسب إلى قصر الخلفاء العلويين بمصر، لأن أباه منهم أخذه، فأنفذ الظاهرة ~~ميرة وسلاحا إلى حصن له مجاور لبلاد ابن ليون، اسمه دربساك، وأنفذ إلى ~~ميمون ليرسل طائفة من العسكر الذين عنده إلى طريق هذه الذخيرة ms4403 ليسيروا معها ~~إلى دربساك، ففعل ذلك، وسير جماعة كثيرة من عسكره، وبقي في قلة، فبلغ الخبر ~~إلى ابن ليون، فجد، فوافاه وهو مخف من العسكر، فقاتله، واشتد القتال بينهم، ~~فأرسل ميمون إلى الظاهر يعرفه، وكان بعيدا عنه، فطالت الحرب بينهم، وحمى ~~ميمون نفسه وأثقاله على قلة من المسلمين وكثرة من الأرمن، فانهزم المسلمون، ~~ونال العدو منهم، فقتل وأسر، وكذلك أيضا فعل المسلمون بالأرمن من كثرة ~~القتل. وظفر الأرمن بأثقال المسلمين فغنموها وساروا بها، فصادفهم المسلمون ~~الذين كانوا قد ساروا مع الذخائر إلى دربساك، فلم يشعروا بالحال، فلم يرعهم ~~إلا العدو وقد خالطهم ووضع السيف فيهم، فاقتتلوا أشد قتال، ثم انهزم ~~المسلمون أيضا، وعاد الأرمن إلى بلادهم بما غنموا واعتصموا بجبالهم وحصونهم. ### || AUT ذكر نهب الكرج أرمينة # في هذه السنة قصدت الكرج في جموعها ولاية خلاط من أرمينية، ونهبوا، ~~وقتلوا، وأسروا وسبوا أهلها كثيرا، وجاسوا خلال الديار آمنين، ولم يخرج ~~إليهم من خلاط من يمنعهم فبقوا متصرفين في النهب والسبي، والبلاد شاغرة لا ~~مانع لها، لأن صاحبها صبي، والمدبر لدولته ليست له تلك الطاعة على الجند. ~~فلما اشتد البلاء على الناس تذامروا، وحرض بعضهم بعضا، واجتمعت العساكر ~~الإسلامية التي بتلك الولاية جميعها، وانضاف إليهم من المتطوعة كثير، ~~فساروا جميعهم نحو الكرج وهم خائفون، فرأى بعض الصوفية الأخيار الشيخ محمدا ~~البستي، وهو من الصالحين، وكان قد مات، فقال له الصوفي: أراك ها هنا؟ فقال: ~~جئت لمساعدة المسلمين على عدوهم. فاستيقظ فرحا بمحل البستي من الإسلام، ~~وأتى إلى مدبر العسكر، والقيم بأمره، وقص عليه رؤياه، ففرح بذلك، وقوي عزمه ~~على قصد الكرج، وسار بالعساكر إليهم فنزل منزلا. فوصلت الأخبار إلى الكرج؛ ~~فعزموا على كبس المسلمين، فانتقلوا من موضعهم بالوادي إلى أعلاه، فنزلوا ~~فيه ليكبسوا المسلمين إذا أظلم الليل، فأتى المسلمين الخبر، فقصدوا الكرج ~~وأمسكوا عليهم رأس الوادي وأسفله، وهو واد ليس إليه غير هذين الطريقين، ~~فلما رأى الكرج ذلك أيقنوا بالهلاك، وسقط في أيديهم، وطمع المسلمون فيهم، ~~وضايقوهم، وقاتلوهم، فقتلوا منهم كثيرا، وأسروا ms4404 مثلهم، ولم يفلت من الكرج ~~إلا القليل، وكفى الله المسلمين شرهم بعد أن كانوا أشرفوا على الهلاك. ~~PageV05P0265 ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، توفي الأمير طاشتكين مجير الدين، أمير ~~الحاج، بتستر، وكان قد ولاه الخليفة على جميع خوزستان، وكان أمير الحاج ~~سنين كثيرة، وكان خيرا صالحا، حسن السيرة، كثير العبادة، بتشيع. ولما مات ~~ولى الخليفة على خوزستان مملوكه سنجر، وهو صهر طاشتكين زوج ابنته. وفيها ~~قتل سنجر بن مقلد بن سليمان بن مهارش، أمير عبادة، بالعراق. وكان سبب قتله ~~أنه سعى بأبيه مقلد إلى الخليفة الناصر لدين الله، فأمر بالتوكيل على أبيه، ~~فبقي مدة ثم أطلقه الخليفة، ثم إن سنجر قتل أخا له اسمه ........ فأوغر ~~بهذه الأسباب صدور أهله وإخوته، فلما كان هذه السنة في شعبان نزل بأرض ~~المعشوق، وركب في بعض الأيام، ومعه إخوته وغيرهم من أصحابه، فلما انفرد عن ~~أصحابه ضربه أخوه علي بن مقلد بالسيف فسقط إلى الأرض، فنزل إخوته إليه ~~فقتلوه. وفيها تجهز غياث الدين خسروشاه، صاحب مدينة الروم، إلى مدينة ~~طرابزون، وحصر صاحبها لأنه كان قد خرج عن طاعته، فضيق عليه. فانقطعت لذلك ~~الطرق من بلاد الروم، والروس، قفجاق وغيرها، برا وبحرا، ولم يخرج منهم أحد ~~إلى بلاد غياث الدين، فدخل بذلك ضرر عظيم على الناس، لأنهم كانوا يتجرون ~~معهم، ويدخلون بلادهم، ويقصدهم التجار من الشام، والعراق، والموصل، ~~والجزيرة وغيرها، فاجتمع منهم بمدينة سيواس خلق كثير، فحيث لم ينفتح الطريق ~~تأذوا أذى كثيرا، فكان السعيد منهم من عاد إلى رأس ماله. وفيها تزوج أبو ~~بكر بن البهلوان، صاحب أذربيجان وأران، بابنة ملك الكرج، وسبب ذلك أن الكرج ~~تابعة الغارات منهم على بلاده لما رأوا من عجزه وانهماكه في الشرب واللعب ~~وما جانسهما، وإعراضه عن تدبير الملك وحفظ البلاد، فلما رأى هو أيضا ذلك، ~~ولم يكن عنده من عدل إلى الذب عنها بأيره، فخطب ابنة ملكهم، فتزوجها، فكف ~~الكرج عن النهب والإغارة والقتل، فكان كما قيل: أغمد سيفه، وسل أيره. وفيها ~~حمل ms4405 إلى أزبك خروف وجهه صورة آدمي، وبدنه بدن خروف، وكان هذا من العجائب. ~~وفيها توفي القاضي أبو حامد محمد بن المانداي الوسطي بها. وفيها، في شوال، ~~توفي فخر الدين مبارك شاه بن الحسن المروروذي، وكان حسن الشعر بالفارسية ~~والعربية، وله منزلة عظيمة عند غياث الدين الكبير، صاحب غزنة وهراة ~~وغيرهما، وكان له دار ضيافة، فيها كتب وشطرنج، فالعلماء يطالعون الكتب، ~~والجهال يلعبون بالشطرنج. وفيها، في ذي الحجة توفي أبو الحسن علي بن علي بن ~~سعادة الفارقي، الفقيه الشافعي، ببغداد، وبقي مدة طويلة معيدا بالنظامية، ~~وصار مدرسا بالمدرسة التي أحدثتها أم الخليفة الناصر لدين الله، وكان مع ~~علمه صالحا، طلب للنيابة في القضاء ببغداد، فامتنع فألزم بذلك، فوليه ~~يسيرا، ثم في بعض الأيام مشى إلى جامع ابن المطلب، فنزل، ولبس مئزر صوف ~~غليظ، وغير ثيابه، وأمر الوكلاء وغيرهم بالانصراف عنه، وأقام به حتى سكن ~~الطلب عنه، وعاد إلى منزله بغير ولاية. وفيها وقع الشيخ أبو موسى المكي، ~~المقيم بمقصورة جامع السلطان ببغداد، من سطح الجامع، فمات، وكان رجلا صالحا ~~كثير العبادة. وفيها أيضا توفي العفيف أبو المكارم عرفة بن علي بن بصلا ~~البندنيجي ببغداد، وكان رجلا صالحا، منقطعا إلى العبادة، رحمه الله. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وستمائة # ### || AUT ذكر ملك عباس باميان # ### || AUT وعودها إلى ابن أخيه # في هذه السنة ملك عباس باميان من علاء الدين وجلال الدين ولدي أخيه بهاء ~~الدين. وسبب ذلك أن عسكر باميان لما انهزموا من الدز، وعادوا إليها، أخبروا ~~أن علاء الدين وجلال الدين أسرا، وأن الدز ومن معه غنموا ما في العسكر فأخذ ~~وزير أبيهما، المعروف بالصاحب، من الأموال كثيرا، ومن الجواهر وغيرها من ~~التحف، وأخذ فيلا، وسار إلى خوارزم شاه يستنجده على الدز ليسير معه عسكرا ~~يستخلص به صاحبيه. PageV05P0266 # فلما فارق باميان، ورأى عمهما عباس خلو البلد منه ومن ابني أخيه، جمع ~~أصحابه وقام في البلد فملكه، وصعد إلى القلعة فملكها، وأخرج أصحاب ابني ~~أخيه علاء الدين وجلال الدين منها؛ فبلغ الخبر إلى ms4406 الوزير السائر إلى ~~خوارزم شاه، فعاد إلى باميان، وجمع الجموع الكثيرة، وحصر عباسا في القلعة، ~~وكان مطاعا في جميع ممالك بهاء الدين وولديه من بعده، وأقام عليه محاصرا، ~~إلا أنه لم يكن معه من المال ما يقوم بما يحتاج إليه، إنما كان معه ما أخذه ~~ليحمله إلى خوارزم. فلما خلص جلال الدين من أسر الدز، على ما نذكره، سار ~~إلى باميان، فوصل إلى أرصف، وهي مدينة باميان، وجاء إليه وزير أبيه الصاحب، ~~واجتمع به، وساروا إلى القلاع، وراسلوا عباسا المتغلب عليها، ولاطفوه، فسلم ~~الجميع إلى جلال الدين وقال: إنما حفظتها خوفا أن يأخذها خوارزم شاه؛ ~~فاستحسن فعله، وعاد إلى ملكه. ### || AUT ذكر ملك خوارزم شاه الطالقان # لما سلم خوارزم شاه ترمذ إلى الخطا سار عنها إلى ميهنة وأندخوي وكتب إلى ~~سونج أمير أشكار، نائب غياث الدين محمود بالطالقان، يستميله، فعاد الرسول ~~خائبا لم يجبه سونج إلى ما أراد منه، وجمع عسكره وخرج يحارب خوارزم شاه، ~~فالتقوا بالقرب من الطالقان. فلما تقابل العسكران حمل سونج وحده مجدا، حتى ~~قارب عسكر خوارزم شاه، فألقى نفسه إلى الأرض، ورمى سلاحه عنه، وقبل الأرض، ~~وسأل العفو، فظن خوارزم شاه أنه سكران، فلما علم أنه صاح ذمه وسبه، وقال: ~~من يثق بهذا وأشباهه! ولم يلتفت إليه، وأخذ ما بالطالقان من مال وسلاح ~~ودواب وأنفذه إلى غياث الدين مع رسول، وحمله رسالة تتضمن التقرب إليه ~~والملاطفة له، واستناب بالطالقان بعض أصحابه، وسار إلى قلاع كالوين وبيوار، ~~فخرج إليه حسام الدين علي بن أبي علي، صاحب كالوين، وقاتله على رؤوس ~~الجبال، فأرسل إليه خوارزم شاه يتهدده إن لم يسلم إليه، فقال: أما أنا ~~فمملوك، وأما هذه الحصون فهي أمانة بيدي، ولا أسلمها إلا إلى صاحبها؛ ~~فاستحسن خوارزم شاه منه هذا، وأثنى عليه، وذم سونج. ولما بلغ غياث الدين ~~خبر سونج، وتسليمه الطالقان إلى خوارزم شاه، عظم عنده وشق عليه، فسلاه ~~أصحابه، وهونوا الأمر. ولما فرغ خوارزم شاه من الطالقان سار إلى هراة، فنزل ~~بظاهرها، ولم يمكن ابن ms4407 خرميل أحدا من الخوارزميين أن يتطرق بالأذى إلى ~~أهلها، وإنما كانوا يجتمع منهم الجماعة بعد الجماعة، فيقطعون الطريق، وهذه ~~عادة الخوارزميين. ووصل رسول غياث الدين إلى خوارزم شاه بالهدايا، ورأى ~~الناس عجبا، وذلك أن الخوارزميين لا يذكرون غياث الدين الكبير والد غياث ~~الدين هذا، ولا يذكرون أيضا شهاب الدين أخاه، وهما حيان، إلا بالغوري، ~~وصاحب غزنة، وكان وزير خوارزم شاه الآن، مع عظم شأنه وقلة شأن غياث الدين ~~هذا، لا يذكره إلا بمولانا السلطان مع ضعفه وعجزه وقلة بلاده. وأما ابن ~~خرميل فإنه سار من هراة في جمع من عسكر خوارزم شاه، فنزل على أسفزار في ~~صفر، وكان صاحبها قد توجه إلى غياث الدين فحصرها وأرسل من بها يقسم بالله ~~لئن سلموها أن يؤمنهم، وإن امتنعوا أقام عليهم إلى أن يأخذهم، فإذا أخذهم ~~قهرا لا يبقى على كبير ولا صغير، فخافوا، فسلموها في ربيع الأول، فأمنهم ~~ولم يتعرض إلى أهلها بسوء؛ فلما أخذها أرسل إلى حرب بن محمد، صاحب سجستان، ~~يدعوه إلى طاعة خوارزم شاه والخطبة له ببلاده، فأجابه إلى ذلك، وكان غياث ~~الدين قد راسله قبل ذلك في الخطبة والدخول في طاعته، فغالطه ولم يجبه إلى ~~ما طلب. ولما كان خوارزم شاه على هراة عاد إليها القاضي صاعد بن الفضل الذي ~~كان ابن خرميل قد أخرجه من هراة في العام الماضي، وسار إلى غياث الدين، ~~فعاد الآن من عنده، فلما وصل قال ابن خرميل لخوارزم شاه: إن هذا يميل إلى ~~الغورية، ويريد دولتهم، ووقع فيه، فسجنه خوارزم شاه بقلعة زوزن، وولى ~~القضاء بهراة الصفي أبا بكر محمد السرخسي، وكان ينوب عن صاعد وابنه في ~~القضاء بهراة. ### || AUT ذكر حال غياث الدين مع الدز وأيبك # PageV05P0267 # لما عاد الدز إلى غزنة، وأسر علاء الدين وأخاه جلال الدين، كما ذكرناه، ~~كتب إليه غياث الدين يطالبه بالخطبة له، فأجابه جواب مدافع، وكان جوابه في ~~هذه المرة أشد منه فيما تقدم، فأعاد غياث الدين إليه يقول: إما أن تخطب ~~لنا، وإما أن تعرفنا ما ms4408 في نفسك؛ فلما وصل الرسول بهذا أحضر خطيب غزنة ~~وأمره أن يخطب لنفسه بعد الترحم على شهاب الدين، فخطب لتاج الدين الدز ~~بغزنة. فلما سمع الناس ذلك ساءهم، وتغيرت نياتهم، ونيات الأتراك الذين معه، ~~ولم يروه أهلا أن يخدموه، وإنما كانوا يطيعونه ظنا منهم أنه ينصر دولة غياث ~~الدين، فلما خطب له أرسل إلى غياث الدين يقول له: بماذا تشتط علي، وتتحكم ~~في هذه الخزانة؟ نحن جمعناها بأسيافنا، وهذا الملك قد أخذته، وأنت قد اجتمع ~~عندك الذين هم أساس الفتنة، وأقطعتهم الإقطاعات، ووعدتني بأمور لم تقف ~~عليها، فإن أنت أعتقتني خطبت لك وحضرت خدمتك. فلما وصل الرسول أجابه غياث ~~الدين إلى عتق الدز، بعد الامتناع الشديد، والعزم على مصالحة خوارزم شاه ~~على ما يريد، وقصد غزنة ومحاربته بها؛ فلما أجابه إلى العتق أشهد عليه به، ~~وأشهد عليه أيضا بعتق قطب الدين أيبك، مملوك شهاب الدين ونائبه ببلاد ~~الهند، وأرسل إلى كل واحد منهما ألف قباء، وألف قلنسوة، ومناطق الذهب، ~~وسيوفا كثيرة وجترين، ومائة رأس من الخيل، وأرسل إلى كل واحد منهما رسولا، ~~فقبل الدز الخلع، ورد الجتر، وقال: نحن عبيد ومماليك، والجتر له أصحاب. سار ~~رسول أبيك إليه، وكان بفرشابور قد ضبط المملكة وحفظ البلاد، ومنع المفسدين ~~من الفساد والأذى، والناس معه في أمن، فلما قرب الرسول منه لقيه على بعد، ~~وترجل وقبل حافر الفرس، ولبس الخلعة، وقال: أما الجتر فلا يصلح للمماليك، ~~وأما العتق فمقبول، وسوف أجاريه بعبودية الأبد. وأما خوارزم شاه فإنه أرسل ~~إلى غياث الدين يطلب منه أن يتصاهرا، ويطلب منه ابن خرميل صاحب هراة إلى ~~طاعته، ويسير معه في العساكر إلى غزنة، فإذا ملكها من الدز اقتسموا المال ~~أثلاثا: ثلث لخوارزم شاه، وثلث لغياث الدين، وثلث للعسكر؛ فأجابه إلى ذلك، ~~ولم يبق إلا الصلح، فوصل الخبر إلى خوارزم شاه بموت صاحب مازندران، فسار عن ~~هراة إلى مرو، وسمع الدز بالصلح، فجزع لذلك جزعا عظيما ظهر أثره عليه، ~~وأرسل إلى غياث الدين: ما حملك على هذا؟ فقال: ms4409 حملني عليه عصيانك وخلافك ~~علي. فسار الدز إلى نكياباذ فأخذها، وإلى بست وتلك الأعمال فملكها، وقطع ~~خطبة غياث الدين منها، وأرسل إلى صاحب سجستان يأمره بإعادة الترحم على شهاب ~~الدين، وقطع خطبة خوارزم شاه، وأرسل إلى ابن خرميل، صاحب هراة، بمثل ذلك، ~~وتهددهما بقصد بلادهما، فخافهما الناس. ثم إن الدز أخرج جلال الدين، صاحب ~~باميان، من أسره، وسير معه خمسة آلاف فارس مع أي دكز التتر، مملوك شهاب ~~الدين، إلى باميان ليعيدوه إلى ملكه ويزيلوا ابن عمه عنه، وزوجه ابنته؛ ~~وسار ومعه أي دكز، فلا خلا به وبخه على لبسه خلعة الدز وقال له: أنتم ما ~~رضيتم أن تلبسوا خلعة غياث الدين، وهو أكبر سنا منكم، وأشرف بيتا، تلبس ~~خلعة هذا المأبون! يعين الدز، ودعاه إلى العود معه إلى غزنة، وأعلمه أن ~~الأتراك كلهم مجمعون على خلاف الدز. فلم يجبه إلى ذلك، فقال أي دكز: فإنني ~~لا أسير معك؛ وعاد إلى كابل، وهي إقطاعه، فلما وصل أي دكز إلى كابل لقيه ~~رسول من قطب الدين أيبك إلى الدز يقبح له فعله، ويأمره بإقامة خطبة غياث ~~الدينم، ويخبره أنه قد خطب له في بلاده، ويقول له إن لم يخطب له هو أيضا ~~بغزنة ويعود إلى طاعته، وإلا قصده وحاربه. فلما علم أي دكز ذلك قويت نفسه ~~على مخالفة الدز، وصمم العزم على قصد غزنة، ووصل أيضا رسول أيبك إلى غياث ~~الدين بالهدايا والتحف، ويشير عليه بإجابة خوارزم شاه إلى ما طلب الآن، ~~وعند الفراغ من أمر غزنة تسهل أمور خوارزم شاه وغيره، وأنفذ له ذهبا عليه ~~اسمه، فكتب أي دكز إلى أيبك يعرفه عصيان الدز على غياث الدين وما فعله في ~~البلاد، وأنه على عزم مشاققه الدز، وهو ينتظر أمره؛ فأعاد أيبك جوابه يأمره ~~بقصد غزنة، فإن حصلت له القلعة أقام بها إلى أن يأتيه، وأن لم تحصل له ~~القلعة وقصده الدز انحاز إليه، أو إلى غياث الدين، أو يعود إلى كابل. ~~PageV05P0268 # فسار إلى غزنة، وكان جلال الدين قد كتب إلى ms4410 الدز يخبره خبر أي دكز وما ~~عزم عليه، فكتب الدز إلى نوابه بقلعة غزنة يأمرهم بالاحتياط منه، فوصلها أي ~~دكز أول رجب من السنة، وقد حذروه فلم يسلموا إليه القلعة، ومنعوه عنها، ~~فأمر أصحابه بنهب البلد، فنهبوا عدة مواضع منه، فتوسط القاضي الحال بأن سلم ~~إليه من الخزانة خمسين ألف دينار ركنية، وأخذ له من التجار شيئا آخر، وخطب ~~أي دكز بغزنة لغياث الدين، وقطع خطبة الدز، ففرح الناس بذلك. وكان مؤيد ~~الملك ينوب عن الدز بالقلعة، ووصل الخبر إلى الدز بوصول أي دكز إلى غزنة، ~~ووصول رسول أيبك إليه، ففت في عضده، وخطب لغياث الدين في تكياباذ، وأسقط ~~اسمه من الخطبة، فخطب له، ورحل إلى غزنة؛ فلما قاربها رحل أي دكز عنها إلى ~~بلد الغور، فأقام في تمران، وكتب إلى غياث الدين يخبره بحاله، وأنفذ إليه ~~المال الذي أخذه من الخزانة ومن أموال الناس، فأرسل إليه خلعا وأعتقه، ~~وخاطبه بملك الأمراء، ورد عليه المال الذي كان أخذه من الخزانة، وقال له: ~~أما مال الخزانة فقد أعدناه إليك لتخرجه، وأما أموال التجار وأهل البلد فقد ~~أرسلته مع رسولي ليعاد إلى أربابه لئلا نفتتح دولتنا بالظلم، وقد عوضتك عنه ~~ضعفه. وأرسل أموال الناس إلى غزنة، إلى قاضي غزنة، وأمره أن يرد المال ~~المنفذ على أربابه، فأنهى القاضي الحال إلى الدز، وأشار عليه بالخطبة لغياث ~~الدين، وقال: أنا أسعى في الوصلة بينكما والصهر والصلح، فأمر بذلك، فبلغ ~~الخبر إلى غياث الدين، فأرسل إلى القاضي ينهاه عن المجيء إليه، وقال: لا ~~تسأل في عبد أبق قد بان فساده واتضح عناده؛ فأقام بغزنة هو والدز، وسير ~~غياث الدين، وقد أقطعها لبعض الأمراء، فهجموا على صاحبها، فنهبوا ماله، ~~وأخذوا أولاده، فنجا وحده إلى غياث الدين، فاقتضى الحال أن سار غياث الدين ~~إلى بست وتلك الولاية، فاستردها وأحسن إلى أهلها، وأطلق لهم خراج سنة لما ~~نالهم من الدز من الأذى. ### || AUT ذكر وفاة صاحب مازندران والخلف بين أولاده # في هذه السنة توفي حسام الدين أردشير، صاحب ms4411 مازندران، وخلف ثلاثة أولاد، ~~فملك بعده ابنه الأكبر، وأخرج أخاه الأوسط من البلاد، فقصد جرجان، وبها ~~الملك علي شاه بن خوارزم شاه تكش، أخو خوارزم شاه محمد، وهو ينوب عن أخيه ~~فيها، فشكا إليه ما صنع به أخوه من إخراجه من البلاد، وطلب منه أن ينجده ~~عليه، ويأخذ له البلاد ليكون في طاعته، فكتب علي شاه إلى أخيه خوارزم شاه ~~في ذلك، فأمر بالمسير معه إلى مازندران، وأخذ البلاد له، وإقامة الخطبة ~~لخوارزم شاه فيها. فساروا عن جرجان، فاتفق أن حسام الدين، صاحب مازندران، ~~مات في ذلك الوقت، وملك البلاد بعده أخوه الأصغر، واستولى على القلاع ~~والأموال، فدخل علي شاه البلاد، ومعه صاحب مازندران، فنهبوها وخربوها، ~~وامتنع منهم الأخ الصغير بالقلاع، وأقام بقلعة كور، وهي التي فيها الأموال ~~والذخائر، وحصروه فيها بعد أن ملكوا أسامة البلاد مثل: سارية وآمل وغيرهما ~~من البلاد والحصون، وخطب لخوارزم شاه فيها جميعها، سوى القلعة التي فيها ~~أخوه الأصغر، وهو يراسله، ويستميله، ويستعطفه، وأخوه لا يرد جوابا، ولا ~~ينزل عن صنه. ### || AUT ذكر ملك غياث الدين مدينة أنطاكية # في هذه السنة، ثالث شعبان، ملك غياث الدين كيخسرو، صاحب قونية وبلد ~~الروم، مدينة أنطاكية بالأمان، وهي للروم على ساحل البحر. وسبب ذلك أنه كان ~~حصرها قبل هذا التاريخ، وأطال المقام عليها، وهدم عدة أبراج من سورها، ولم ~~يبق إلا فتحها عنوة، فأرسل من بها من الروم إلى الفرنج الذين بجزيرة قبرس، ~~وهي قريبة منها، فاستنجدوهم، فوصل إليها جماعة منهم، فعند ذلك يئس غياث ~~الدين منها، ورحل عنها، وترك طائفة من عسكره بالقرب منها، بالجبال التي ~~بينها وبين بلاده، وأمرهم بقطع الميرة منها. PageV05P0269 # فاستمر الحال على ذلك مدة حتى ضاق بأهل البلد، واشتد الأمر عليهم، فطلبوا ~~من الفرنج الخروج لدفع المسلمين عن مضايقتهم، فظن الفرنج أن الروم يريدون ~~إخراجهم من المدينة بهذا السبب، فوقع الخلف بينهم، فاقتتلوا، فأرسل الروم ~~إلى المسلمين، وطلبوهم ليسلموا إليهم البلد، فوصلوا إليهم، واجتمعوا على ~~قتال الفرنج، فانهزم الفرنج ودخلوا الحصن فاعتصموا به، ms4412 فأرسل المسلمون ~~يطلبون غياث الدين، وهو بمدينة قونية، فسار إليهم مجدا في طائفة من عسكره، ~~فوصلها ثاني شعبان، وتقرر الحال بينه وبين الروم، وتسلم المدينة ثالثة، ~~وحصر الحصن الذي فيه الفرنج، وتسلمه وقتل كل من كان به من الفرنج. ### || AUT ذكر عزل ولد بكتمر صاحب خلاط # ### || AUT وملك بلبان ومسير صاحب ماردين إلى خلاط وعوده # وفي هذه السنة قبض عسكر خلاط على صاحبها ولد بكتمر، وملكها بلبان مملوك ~~شاه أرمن بن سكمان، وكتب أهل خلاط إلى ناصر الدين أرتق ابن إيلغازي بن البي ~~بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق يستدعونه إليها. وسبب ذلك أن ولد بكتمر كان ~~صبيا جاهلا، فقبض على الأمير شجاع الدين قتلغ؛ مملوك من مماليك شاه أرمن، ~~وهو كان أتابكه، ومدبر بلاده، وكان حسن السيرة مع الجند والرعية، فلما قتله ~~اختلفت الكلمة عليه من الجند والعامة، واشتغل هو باللهو واللعب وإدمان ~~الشرب، فكاتب جماعة من عامة خلاط، وجماعة من جند ناصر الدين، صاحب ماردين ~~يستدعونه إليهم؛ وإنما كاتبوه دون غيره من الملوك لأن أباه قطب الدين ~~إيلغازي كان ابن أخت شاه أرمن بن سكمان، وكان شاه أرمن قد حلف له الناس في ~~حياته لأنه لم يكن له ولد، فلما تجددت بعده هذه الحادثة تذاكروا تلك ~~الأيمان، وقالوا: نستدعيه ونملكه، فإنه من أهل بيت شاه أرمن فكاتبوه وطلبوه ~~إليهم. ثم إن بعض مماليك شاه أرمن، اسمه بلبان، وكان قد جاهر ولد بكتمر ~~بالعداوة والعصيان، سار من خلاط إلى ملازكرد وملكها، واجتمع الأجناد عليه، ~~وكثر جمعه، وسار إلى خلاط فحصرها، واتفق وصول صاحب ماردين إليها، وهو يظن ~~أن أحدا لا يمتنع عليه، خلاط قد اتهموني بالميل إليك، وهم ينفرون من العرب، ~~والرأي أنك ترحل عائدا مرحلة واحدة وتقيم، فإذا تسلمت البلد سلمته إليك، ~~لأنني لا يمكنني أن أملكه أنا. ففعل صاحب ماردين ذلك، فلما أبعد عن خلاط ~~أرسل إليه يقول له: تعود إلى بلدك، وإلا جئت إليك وأوقعت بك وبمن معك. وكان ~~في قلة من الجيش، فعاد إلى ماردين. ms4413 وكان الملك الأشرف موسى بن العادل أبي ~~بكر بن أيوب، صاحب حران وديار الجزيرة، قد أرسل إلى صاحب ماردين، لما سمع ~~أنه يريد قصد خلاط، يقول له: إن سرت إلى خلاط قصدت بلدك؛ وإنما خاف أن يملك ~~خلاط فيقوى عليهم، فلما سار إلى خلاط جمع الأشرف العساكر وسار إلى ولاية ~~ماردين، فأخذ دخلها، وأقام بدنيسر يجبي الأموال إليه، فلما فرغ منه عاد إلى ~~حران، فكان مثل صاحب ماردين كما قيل: خرجت النعامة تطلب قرنين فعادت بلا ~~أذنين. وأما بلبان فإنه جمع العسكر وحشد، وحصر خلاط وضيق على أهلها، وبها ~~ولد بكتمر، فجمع من عنده بالبلد من الأجناد والعامة، و خرج إليه، فالتقوا، ~~فانهزم بلبان ومن معه من بين يديه، وعاد إلى الذي بيده من البلاد، وهو: ~~ملازكرد وأرجيش وغيرهما من الحصون، وجمع العساكر، واستكثر منها، وعاود حصار ~~خلاط وضيق على أهلها، فاضطرهم إلى خذلان ولد بكتمر لصغره، وجهله بالملك، ~~واستغاله بلهوه ولعبه، ثم قبضوا عليه في القلعة، وأرسلوا إلى بلبان وحلفوه ~~على ما أرادوا، سلموا إليه البلد وابن بكتمر، واستولى على جميع أعمال خلاط، ~~وسجن ابن بكتمر في قلعة هناك، و استقر ملكه، فسبحان من إذا أراد أمرا هيأ ~~أسبابه؛ بالأمس يقصدها شمس الدين محمد البهلوان وصلاح الدين يوسف بن أيوب، ~~فلم يقدر أحدهما عليها، والآن يظهر هذا المملوك العاجز، القاصر عن الرجال ~~والبلاد والأموال، فيملكها صفوا عفوا. ثم إن نجم الدين أيوب بن العادل، ~~صاحب ميافارقين، سار نحو ولاية خلاط؛ وكان قد استولى على عدة حصون من ~~أعمالها منها: حصن موسى ومدينته، فلما قارب خلاط أظهر له بلبان العجز عن ~~مقابلته، فطمع، وأوغل في القرب، فأخذ عليه بلبان الطريق وقاتله فهزمه، ولم ~~يفلت من أصحابه إلا القليل وهم جرحى، وعاد إلى ميافارقين. ### || AUT ذكر ملك الكرج مدينة قرس # ### || AUT وموت ملك الكرج # PageV05P0270 # في هذه السنة ملك الكرج حصن قرس، من أعمال خلاط، وكانوا قد حصروه مدة ~~طويلة، وضيقوا على من فيه، وأخذوا دخل الولاية عدة سنين، وكل من يتولى ms4414 خلاط ~~لا ينجدهم، ولا يسعى في راحة تصل إليهم. وكان الوالي بها يواصل رسله في طلب ~~النجدة، وإزاحة من عليه من الكرج، فلا يجاب له دعاء، فلما طال الأمر عليه، ~~ورأى أن لا ناصر له، صالح الكرج على تسليم القلعة على مال كثير وإقطاع ~~يأخذه منهم، وصارت دار شرك بعد أن كانت دار توحيد، فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون، ونسأل الله أن يسهل للإسلام وأهله نصرا من عنده، فإن ملومك زماننا ~~قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم وظلمهم عن سد الثغور وحفظ البلاد. ثم إن الله ~~تعالى نظر إلى قلة ناصر الإسلام، فتولاه هو، فأمات ملكة الكرج، واختلفوا ~~فيما بينهم وكفى الله شرهم إلى آخر السنة. ### || AUT ذكر الحرب بين عسكر الخليفة # ### || AUT وصاحب لرستان # في هذه السنة، في رمضان، سار عسكر الخليفة من خوزستان مع مملوكه سنجر، ~~وهو كان المتولي لتلك الأعمال؛ وليها بعد موت طاشتكين أمير الحاج، لأنه زوج ~~ابنة طاشتكين، إلى جبال لرستان، وصاحبها يعرف بأبي طاهر، وهي جبال منيعة ~~بني فارس وأصبهان وخوزستان، فقاتلوا أهلها وعادوا منهزمين. وسبب ذلك أن ~~مملوكا للخليفة الناصر لدين الله اسمه قشتمر من أكاب مماليكه كان قد فارق ~~الخدمة لتقصير رآه من الوزير نصير الدين العلوي الرازي، واجتاز بخوزستان، ~~وأخذ منها ما أمكنه ولحق بأبي طاهر صاحب لرستان، فأكرمه وعظمه وزوجه ابنته، ~~ثم توفي أبو طاهر فقوي أمر قشتمر، وأطاعه أهل تلك الولاية. فأمر سنجر بجمع ~~العساكر وقصده وقتاله، ففعل سنجر ما أمر به، وجمع العساكر وسار إليه، فأرسل ~~قشتمر يعتذر، ويسأل أن لا يقصد ولا يخرج عن العبودية، فلم يقبل عذره، فجمع ~~أهل تلك الأعمال، ونزل إلى العسكر، فلقيهم، فهزمهم، وأرسل إلى صاحب فارس بن ~~دكلا وشمس الدين إيدغمش، صاحب أصبهان وهمذان والري، يعرفهما الحال، ويقول: ~~إنني لا قوة لي بعسكر الخليفة، وربما أضيف إليهم عساكر أخرى من بغداد ~~وعادوا إلى حربي، وحينئذ لا أقدر بهم؛ وطلب منهما النجدة، وخوفهما من عسكر ~~الخليفة إن ملك تلك الجبال، فأجاباه إلى ما طلب، فقوي ms4415 جنانه، واستمر على حاله. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قتل صبي صبيا آخر ببغداد، وكانا يتعاشران، وعمر كل واحد ~~منهما يقارب عشرين سنة، فقال أحدهما للآخر: الساعة أضربك بهذه السكين؛ ~~يمازحه بذلك، وأهوى نحوه بها، فدخلت في جوفه فمات، فهرب القاتل ثم أخذ وأمر ~~به ليقتل، فلما أرادوا قتله طلب دواة ورقعه بيضاء، وكتب فيها من قوله: قدمت ~~على الكريم بغير زاد ... من الأعمال بالقلب السليم وسوء الظن أن تعتد زادا ~~... إذا كان القدوم على كريم وفيها حج برهان الدين صدر جهان محمد بن أحمد ~~بن عبد العزيز بن مارة البخاري رأس الحنفية ببخارى، وهو كان صاحبها على ~~الحقيقة، يؤدي الخراج إلى الخطا، وينوب عنهم في البلد، فلما حج لم تحمد ~~سيرته في الطريق، ولم يصنع معروفا، وكان قد أكرم ببغداد عند قدومه من ~~بخارى، فلما عاد لم يلتفت إليه لسوء سيرته مع الحاج، وسماه الحجاج صدر ~~جهنم. وفيها، في شوال، مات شيخنا أبو الحرم مكي بن ريان بن شبة النحوي ~~المقري بالموصل، وكان عارفا بالنحو واللغة والقراآت، لم يكن في زمانه مثله، ~~وكان ضريرا، وكان يعرف سوى هذه العلوم من الفقه والحساب وغير ذلك معرفة ~~حسنة؛ وكان من خيار عباد الله وصالحيهم، كثير التواضع، لا يزال الناس ~~يشتغلون عليه من بكرة إلى الليل. وفيها فارق أمير الحاج مظفر الدين سنقر ~~مملوك الخليفة المعروف بوجه السبع الحاج بموضع يقال له المرجوم، ومضى في ~~طائفة من أصحابه إلى الشام، وسار الحاج ومعهم الجند، فوصولا سالمين، ووصل ~~هو إلى الملك العادل أبي بكر بن أيوب، فأقطعه إقطاعا كثيرا بمصر، وأقام ~~عنده إلى أن عاد إلى بغداد سنة ثمان وستمائة في جمادى الأولى؛ فإنه لما قبض ~~الوزير أمن على نفسه، وأرسل يطلب العود، فأجيب إليه، فلما وصل أكرمه ~~الخليفة وأقطعه الكوفة. PageV05P0271 # وفيها، في جمادى الآخرة، توفي أبو الفضل عبد المنعم بن عبد العزيز ~~الإسكندراني، المعروف بابن النطروني، في مارستان بغداد، وكان قد مضى إلى ~~المايورقي في رسالة بإفريقية، فحصل له منه ms4416 عشرة آلاف دينار مغربية، فرقها ~~جميعها في بلده على معارفه وأصدقائه، وكان فاضلا خيرا، نعم الرجل، رحمه ~~الله وله شعر حسن، وكان قيما بعلم الأدب، وأقام بالموصل مدة، واشتغل على ~~الشيخ أبي الحرم، واجتمعت به كثيرا عنده. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وستمائة # ### || AUT ذكر ملك خوارزم شاه ما وراء النهر # ### || AUT وما كان بخراسان من الفتن وإصلاحها # في هذه السنة عبر علاء الدين محمد بن خوارزم شاه نهر جيحون لقتال الخطا. ~~وسبب ذلك أن الخطا كانوا قد طالت أيامهم ببلاد تركستان، وما وراء النهر، ~~وثقلت وطأتهم على أهلها، ولهم في كل مدينة نائب يجبي إليهم الأموال، وهم ~~يسكنون الخركاهات على عادتهم قبل أن يملكوا، وكان مقامهم بنواحي أوزكند، ~~وبلاساغون، وكاشغر، وتلك النواحي، فاتفق أن سلطان سمرقند وبخارى، ويلقب خان ~~خانان، يعني سلطان السلاطين، وهو من أولاد الخانية، عريق النسب في الإسلام ~~والملك، أنف وضجر من تحكم الكفار على المسلمين، فارسل إلى خوارزم شاه يقول ~~له: إن الله، عز وجل، قد أوجب عليك بما أعطاك من سعة الملك وكثرة الجنود أن ~~تستنقذ المسلمين وبلادهم من أيدي الكفار، وتخلصهم مما يجري عليهم من التحكم ~~في الأموال والأبشار، ونحن نتفق معك على محاربة الخطا، ونحمل إليك ما نحمله ~~إليهم، ونذكر اسمك في الخطبة وعلى السكة؛ فأجابه إلى ذلك، وقال: أخاف أنكم ~~لا تفون لي. فسير إليه صاحب سمرقند وجوه أهل بخار وسمرقند، بعد أن حلفوا ~~صاحبهم على الوفاء بما تضمنه، وضمنوا عنه الصدق والثبات على ما بذل، وجعلوا ~~عنده رهائن، فشرع في إصلاح أمر خراسان، وتقرير قواعدها، فولى أخاه علي شاه ~~طبرستان مضافة إلى جرجان، وأمره بالحفظ والاحتياط، وولى الأمير كزلك خان، ~~وهو من أقارب أمه وأعبان دولته، بنيسابور، وجعل معه عسكرا، وولى الأمير ~~جلدك مدينة الخام، وولى الأمير أمين الدين أبا بكر مدينة زوزن. وكان أمين ~~الدين هذا حمالا، ثم صار أكبر الأمراء، وهو الذي ملك كرمان، على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى، وأقر الأمير الحسين على هراة، وجعل معه ms4417 فيها ألف فارس ~~من الخوارزمية، وصالح غياث الدين محمودا على ما بيده من بلاد الغور، ~~وكرمسير، واستناب في مرو وسرخس وغيرهما من خراسان نوابا، وأمرهم بحسن ~~السياسة، والحفظ، والاحتياط، وجمع عساكره جميعها، وسار إلى خوارزم، وتجهز ~~منها، وعبر جيحون، واجتمع بسلطان سمرقند، وسمع الخطا، فحشدوا، وجمعوا، ~~وجاؤوا إليه فجرى بينهم وقعات كثيرة ومغاورات، فتارة له وتارة عليه. ### || AUT ذكر قتل ابن خرميل وحصر هراة # ثم إن ابن خرميل، صاحب هراة، رأى سوء معاملة عسكر خوارزم شاه للرعية، ~~وتعديهم إلى الأموال، فقبض عليهم وحبسهم، وبعث رسولا إلى خوارزم شاه يعتذر، ~~ويعرفه ما صنعوا، فعظم عليه، ولم يمكنه محاقته لاشتغاله بقتال الخطا، فكتب ~~إليه يستحسن فعله، ويأمره بإنفاذ الجند الذين قبض عليهم لحاجتاه إليهم، ~~وقال له: إنني قد أمرت عز الدين جلدك بن طغرل، صاحب الخام، أن يكون عندك ~~لما أعلمه من عقله، وحسن سيرته؛ وأرسل إلى جلدك يأمره بالمسير إلى هراة ~~وأمر إليه أن يحتال في القبض على حسين بن خرميل ولو أول ساعة يلقاه. فسار ~~جلدك في ألفي فارس، وكان أبوه طغرل، أيام السلطان سنجر، واليا بهراة، فهوى ~~إليها بالأشواق يختارها على جميع خراسان، فلما قارب هراة أمر ابن خرميل ~~الناس بالخروج لتلقيه؛ وكان للحسين وزير يعرف بخواجه الصاحب، وكان كبيا قد ~~حنكته التجارب، فقال لابن خرميل: لا تخرج إلى لقائه، ودعه يدخل إليك ~~منفردا، فإنني أخاف أن يغدر بك، وأن يكون خوارزم شاه أمر بذلك. فقال: لا ~~يجوز أن يقدم مثل هذا الأمير ولا ألتقيه، وأخاف أن يضطغن ذلك علي خوارزم ~~شاه، وما أظنه يتجاسر علي. PageV05P0272 # فخرج إليه الحسين بن خرميل، فلما بصر كل واحد منهما بصاحبه ترجل ~~للالتقاء، وكان جلدك قد أمر أصحابه بالقبض عليه، فاختلطوا بهما، وحالوا بين ~~ابن خرميل وأصحابه، وقبضوا عليه، فانهزم أصحابه ودخلوا المدينة وأخبروا ~~الوزير بالحال، فأمر بإغلاق الباب والطوع إلى الأسوار، واستعد للحصار، ونزل ~~جلدك على البلد، وأرسل إلى الوزير يتهدده، إن لم يسلم البلد، بقتل ابن ~~خرميل، فنادى الوزير بشعار غياث ms4418 الدين محمود الغوري، وقال لجلدك: لا أسلم ~~البلد إليك، ولا إلى الغادر ابن خرميل، وإنما هو لغياث الدين، ولأبيه قبله. ~~فقدموا ابن خرميل إلى السور، فخاطب الوزير، وأمره بالتسليم، فلم يفعل، فقتل ~~ابن خرميل، وهذه عاقبة الغدر، فقد تقدم من أخباره عند شهاب الدين الغوري ما ~~يدل على غدره، وكفرانه الإحسان ممن أحسن إليه. فلما قتل ابن خرميل كتب جلدك ~~إلى خوارزم شاه بجلية الحال، فأنفذ خوارزم شاه إلى كزلك خان، والي نيسابور، ~~وإلى أمين الدين أبي بكر، صاحب زوزن، يأمرهم بالمسير إلى هراة وحصارها ~~وأخذها، فسارا في عشرة آلاف فارس، فنزلوا على هراة، وراسلوا الوزير ~~بالتسليم، فلم يلتفت إليهم، وقال: ليس لكم من المحل ما يسلم إليكم مثل ~~هراة، لكن إذا وصل السلطان خوارزم شاه سلمتها إليه. فقاتلوه، وجدوا في ~~قتاله، فلم يقدروا عليه. وكان ابن خرميل قد حصن هراة، وعمل لها أربعة أسوار ~~محكمة، وحفر خندقها، وشحنها بالميرة، فلما فرغ من كل ما أراد قال: بقيت ~~أخاف على هذه المدينة شيئا واحدا، وهو أن تسكر المياه التي لها أياما ~~كثيرة، ثم ترسل دفعة واحدة فتخرق أسوارها. فلما حصرها هؤلاء سمعوا قول ابن ~~خرميل، فسكروا المياه حتى اجتمعت كثيرا، ثم أطلقوها على هراة فأحاطت بها ~~ولم تصل إلى السور لأن أرض المدينة مرتفعة، فامتلأ الخندق ماء، وصار حولها ~~وحلا، فانتقل العسكر عنهم، ولم يمكنهم القتال لبعدهم عن المدينة، فأقاموا ~~مدة حتى نشف الماء، فكان قول ابن خرميل من أحسن الحيل. ونعود إلى قتال ~~خوارزم شاه الخطا وأسره؛ وأما خوارزم شاه فإنه دام القتال بينه وبين الخطا، ~~ففي بعض الأيام اقتتلوا، واشتد القتال، ودام بينهم، ثم انهزم المسلمون ~~هزيمة قبيحة، وأسر كثير منهم، وقتل كثير منهم، وكان من جملة الأسرى خوارزم ~~شاه، وأسر معه أمير كبير يقال له فلان بن شهاب الدين مسعود أسرهما رجل ~~واحد. ووصلت العساكر الإسلامية إلى خوارزم، ولم يروا السلطان معهم، فأرسلت ~~أخت كزلك خان، صاحب نيسابور، وهو يحاصر هراة، وأعلمته الحال، فلما أتاه ~~الخبر سار ms4419 عن هراة ليلا إلى نيسابور، وأحس به الأمير أمين الدين أبو بكر، ~~صاح زوزن، فأراد هو ومن عنده من الأمراء منعه، مخافة أن يجري بينهم حرب ~~يطمع بسببها أهل هراة فيهم، فيخرجون إليهم فيبلغون منهم ما يريدونه، ~~فأمسكوا عن معارضته. وكان خوارزم شاه قد خرب سور نيسابور لما ملكها من ~~الغورية، فشرع كزلك خان يعمره، وأدخل إليها الميرة، واستكثر من الجند، وعزم ~~على الاستيلاء على خراسان إن صح فقد السلطان. وبلغ خبر عدم السلطان إلى ~~أخيه علي شاه وهو بطبرستان، فدعا إلى نفسه، وقطع خطبة أخيه واستعد لطلب ~~السلطنة، واختلطت خراسان اختلاطا عظيما. وأما السلطان خوارزم شاه، فإنه لما ~~أسر قال له ابن شهاب الدين مسعود: يجب أن تذع السلطنة في هذه الأيام، وتصير ~~خادما لعلي أحتال في خلاصك؛ فشرع يخدم ابن مسعود، ويقدم له الطعام، ويخلعه ~~ثيابه وخفه، ويعظمه، فقال الرجل الذي أسرهما لابن مسعود: أرى هذا الرجل ~~يعظمك، فمن أنت؟ فقال: أنا فلان، وهذا غلامي؛ فقام إليه وأكرمه، وقال: ~~ولولا أن القوم عرفوا بمكانك عندي لأطلقتك؛ ثم تركته أياما، فقال له ابن ~~مسعود: إني أخاف أن يرجع المنهزمون، فلا يراني أهلي معهم، فيظنون أني قتلت، ~~فيعملون العزاء والمأتم، وتضيق صدورهم لذلك، ثم يقتسمون مالي فأهلك، وأحب ~~أن تقرر علي شيئا من المال حتى أحمله إليك؛ فقرر عليه مالا، وقال له: أريد ~~أن تأمر رجلا عاقلا يذهب بكتابي إلى أهلي ويخبرهم بعاقبتي، ويحضر معه من ~~يحمل المال. PageV05P0273 # ثم قال: إن أصحابكم لا يعرفون أهلنا، ولكن هذا غلامي أثق به، ويصدقه ~~أهلي؛ فأذن له الخطائي بإنفاذه، فسيره وأرسل معه الخطائي فرسا، وعدة من ~~الفرسان يحمونه، فساروا حتى قاربوا خوارزم، وعاد الفرسان عن خوارزم شاه، ~~ووصل خوارزم شاه إلى خوارزم، فاستبشر به الناس وضربت البشائر، وزينوا ~~البلد، وأتته الأخبار بما صنع كزلك بنيسابور، وبما صنع أخوه علي شاه بطبرستان. ### || AUT ذكر ما فعله خوارزم شاه بخراسان # لما وصل خوارزم شاه إلى خوارزم أتته الأخبار بما فعله كزلك خان وأخوه ~~علي شاه ms4420 وغيرهما، فسار إلى خراسان، وتبعته العساكر، فتقطعت، ووصل هو إليها ~~في اليوم السادس ومعه ستة فرسان، وبلغ كزلك خان وصوله، فأخذ أمواله وعساكره ~~وهرب نحو العراق، وبلغ أخاه علي شاه، فخافه، وسار على طريق قهستان ملتجئا ~~إلى غياث الدين محمود الغوري، صاحب فيروزكوه، فتلقاه، وأكرمه، وأنزله عنده. ~~أما خوارزم شاه فإنه دخل نيسابور، وأصلح أمرها، وجعل فيها نائبا، وسار إلى ~~هراة، فنزل عليها مع عسكره الذين يحاصرونه، وأحسن إلى أولئك الأمراء، ووثق ~~بهم لأنهم صبروا على امتثال أمره في تلك الحال ولم يتغيروا، ولم يبلغوا من ~~هراة غرضا بحسن تدبير ذلك الوزير؛ فأرسل خوارزم شاه إلى الوزير يقول له: ~~إنك وعدت عسكري أنك تسلم المدينة إذا حضرت، وقد حضرت فسلم. فقال: لا أفعل، ~~لأني أعرف أنكم غدارون، لا تبقون على أحد، ولا أسلم البلد إلا إلى غياث ~~الدين محمود. فغضب خوارزم شاه من ذلك، وزحف إليه بعسكره، فلم يكن فيه حيلة، ~~فاتفق جماعة من أهل هراة وقالوا: هلك الناس من الجوع والقلة، وقد تعطلت ~~علينا معايشنا، وقد مضى سنة وشهر، وكان الوزير يعد بتسليم البلد إلى خوارزم ~~شاه إذا وصل إليه، وقد حضر خوارزم شاه ولم يسلم، ويجب أن نحتال في تسليم ~~البلد والخلاص من هذه الشدة التي نحن فيها. فانتهى ذلك إلى الوزير، فبعث ~~إليهم جماعة من عسكره، وأمرهم بالقبض عليهم، فمضى الجند إليهم، فثارت فتنة ~~في البلد عظم خطبها، فاحتاج الوزير إلى تداركها بنفسه، فمضى لذلك، فكتب من ~~البلد إلى خوارزم شاه بالخبر، وزحف إلى البلد وأهله مختلطون، فخربوا برجين ~~من السور، ودخلوا البلد فملكوه، وقبضوا على الوزير، فقتله خوارزم شاه، وملك ~~البلد، وذلك سنة خمس وستمائة، وأصلح حاله، وسلمه إلى خاله أمير ملك، وهو من ~~أعيان أمرائه، فلم يزل بيده حتى هلك خوارزم شاه. وأما ابن شهاب الدين مسعود ~~فإنه أقام عند الخطا مديدة، فقال له الذي استأسره يوما: إن خوارزم شاه قد ~~عدم فإيش عندك من خبره؟ فقال له: أما تعرفه؟ قال: لا! قال: هو أسيرك ms4421 الذي ~~كان عندك. فقال: لم لم تعرفني حتى كنت أخدمه، وأسير بين يديه إلى مملكته؟ ~~قال: خفتكم عيه، فقال الخطائي: سر بنا إليه، فسار إليه، فأكرمهما، وأحسن ~~إليهما، وبالغ في ذلك. ### || AUT ذكر قتل غياث الدين محمود # لا سلم خوارزم شاه هراة إلى خاله أمير ملك وسار إلى خوارزم، أمره أن ~~يقصد غياث الدين محمود بن غياث الدين محمد بن سام الغوري، صاحب الغور ~~وفيروزكوه، وأن يقبض عليه وعلى أخيه علي شاه بن خوارزم شاه، ويأخذ فيروزكوه ~~من غياث الدين. فسار أمير ملك إلى فيروزكوه؛ وبلغ ذلك إلى محمود، فأرسل ~~يبذل الطاعة ويطلب الأمان، فأعطاه ذلك، فنزل إليه محمود، فقبض عليه أمير ~~ملك، وعلى علي شاه أخي خوارزم شاه، فسألاه أن يحملهما إلى خوارزم شاه ليرى ~~فيهما رأيه، فأرسل إلى خوارزم شاه يعرفه الخبر، فأمره بقتلهما، فقتلا في ~~يوم واحد، واستقامت خراسان كلها لخوارزم شاه، وذلك سنة خمس وستمائة أيضا. ~~وغياث الدين هذا هو آخر ملوك الغورية، وقد كانت دولتهم من أحسن الدول سيرة، ~~وأعدلها وأكثرها جهادا، وكان محمود هذا عادلا، حليما، كريما، من أحسن ~~الملوك سيرة وأكرمهم أخلاقا، رحمه الله تعالى. ### || AUT ذكر عود خوارزم شاه إلى الخطا # لما استقر أمر خراسان لخوارزم شاه وعبر نهر جيحون، جمع له الخطا جمعا ~~عظيما وساروا إليه، والمقدم عليهم شيخ دولتهم، القائم مقام الملك فيهم، ~~المعروف بطاينكوه، وكان عمره قد جاوز مائة سنة، ولقي حروبا كثيرة، وكان ~~مظفرا، حسن التدبير والعقل، واجتمع خوارزم شاه وصاحب سمرقند، وتصافوا هم ~~والخطا سنة ست وستمائة، فجرت حروب لم يكن مثلها شدة وصبرا، فانهزم الخطا ~~هزيمة منكرة، وقتل منه وأسر خلق لا يحصى. PageV05P0274 # وكان فيمن أسر طاينكوه مقدمهم، وجيء به إلى خوارزم شاه، فأكرمه، وأجلسه ~~على سريرنه، وسيره إلى خوارزم، ثم قصد خوارزم شاه إلى بلاد ما وراء النهر، ~~فملكها مدينة مدينة، وناحية ناحية، حتى بلغ إلى مدينة أوزكند، وجعل نوابه ~~فيها وعاد إلى خوارزم ومعه سلطان سمرقند، وكان من أحسن الناس صورة، فكان ~~أهل خوارزم ms4422 يجتمعون حتى ينظروا إليه، فزوجه خوارزم شاه بابنته، ورده إلى ~~سمرقند، وبعث معه شحنة يكون بسمرقند على ما كان رسم الخطا. ### || AUT ذكر غدر صاحب سمرقند بالخوارزميين # لما عاد صاحب سمرقند إليها، ومعه شحنة لخوارزم شاه، أقام معه نحو سنة، ~~فرأى من سوء سيرة الخوارزميين، وقبح معاملتهم، ما ندم معه على مفارقة ~~الخطا، فأرسل إلى ملك الخطا يدعوه إلى سمرقند ليسلمها إليه، ويعود إلى ~~طاعته، وأمر بقتل كل من في سمرقند من الخوارزمية ممن سكنها قديما وحديثا، ~~وأخذ أصحاب خوارزم شاه، فكان يجعل الرجل منهم قطعتين ويعلقهم في الأسواق ~~كمنا يعلق القصاب اللحم، وأساء غاية الإساءة، ومضى إلى القلعة ليقتل زوجته ~~ابنة خوارزم شاه، فأغلقت الأبواب، ووقفت بجواريها تمنعه، وأرسلت إليه تقول: ~~أنا امرأة وقتل مثلي قبيح ولم يكن مني إليك ما استوجب به هذا منك، ولعل ~~تركي أحمد عاقبة، فاتق الله في! فتركها وكل بها من يمنعها التصرف في نفسها. ~~ووصل الخبر إلى خوارزم شاه فقامت قيامته، وغضب غضبا شديدا، وأمر بقتل كل من ~~بخوارزم من الغرباء، فمنعته أمه عن ذلك، وقالت: إن هذا البلد قد أتاه الناس ~~من أقطار الأرض، ولم يرض كلهم بما كان من هذا الرجل، فأمر بقتل أهل سمرقند، ~~فنهته أمه، فانتهى، وأمر عساكره بالتجهيز إلى ما وراء النهر، وسيرهم ~~أرسالا، كلما تجهز جماعة عبروا جيحون، فعبر منهم خلق كثير لا يحصى، ثم عبر ~~هو بنفسه في آخرهم، ونزل على سمرقند، وأنفذ إلى صاحبها يقول له: قد فعلت ما ~~لم يفعله مسلم، واستحللت من دماء المسلمين ما لا يفعله عاقل لا مسلم ولا ~~كافر، وقد عفا الله عما سلف، فأخرج من البلاد وامض حيث شئت؛ فقال: لا أخرج ~~وافعل ما بدا لك. فأمر عساكره بالزحف، فأشار عليه بعض من معه بأن يأمر بعض ~~الأمراء، إذا فتحوا البلد، أن يقصدوا الدرب الذي يسكنه التجار، فيمنع من ~~نهبه والتطرق إليهم بسوء، فإنهم غرباء، وكلهم كارهون لهذا الفعل. فأمر بعض ~~الأمراء بذلك، وزحف، ونصب السلاليم على السور، فلم ms4423 يكن بأسرع من أن أخذوا ~~البلد، وأذن لعسكره بالنهب، وقتل من يجدونه من أهل سمرقند، فنهب البلد، ~~وقتل أهله، ثلاثة أيام، فيقال إنهم قتلوا منهم مائتي ألف إنسان، وسلم ذلك ~~الدرب الذي فيه الغرباء، فلم يعدم منهم الفرد ولا الآدمي الواحد. ثم أمر ~~بالكف عن النب والقتل، ثم زحف إلى القلعة فرأى صاحبها ما ملأ قلبه هيبة ~~وخوفا، فأرسل يطلب الأمان، فقال: لا أمان لك عندي؛ فزحفوا عليها. فملكوها، ~~وأسروا صاحبها، وأحضروه عند خوارزم شاه، فقبل الأرض وطلب العفو، فلم يعف ~~عنه، وأمر بقتله، فقتل صبرا، وقتل معه جماعة من أقاربه، ولم يترك أحدا ممن ~~ينسب إلى الخانية، ورتب فيها وفي سائر البلاد نوابه، ولم يبق أحد معه في ~~البلاد حكم. ### || AUT ذكر الوقعة التي أفنت الخطا # لما فعل خوارزم شاه بالخطا ما ذكرناه مضى من سلم منهم إلى ملكهم، فإنه ~~لم يحضر الحرب، فاجتمعوا عنده؛ وكان طائفة عظيمة من التتر قد خرجوا من ~~بلادهم، حدود الصين قديما، ونزلوا وراء بلاد تركستان، وكان بينهم وبين ~~الخطا عداوة وحروب، فلما سمعوا بما فعله خوارزم شاه بالخطا قصدوهم مع ملكهم ~~كشلي خان، فلما رأى ملك الخطا ذلك أرسل إلى خوارزم شاه يقول له: أما ما كان ~~منك من أخذ بلادنا وقتل رجالنا فعفو عنه، وقد أتى من هذا العدو من لا قبل ~~لنا به، وإنهم إن انتصروا علينا، وملكونا، فلا دافع لهم عنك، والمصلحة أن ~~تسير إلينا بعساكرك وتنصرنا على قتالهم، ونحن نحلف لك أننا إذا ظفرنا بهم ~~لا نتعرض إلى ما أخذت من البلاد، ونقنع بما في أيدينا. وأرسل إليه كشلي خان ~~ملك التتر يقول: إن هؤلاء الخطا أعداؤك وأعداء آبائك وأعداؤنا، فساعدنا ~~عليهم، ونحلف أننا إذا انتصرنا عليهم لا نقرب بلادك، ونقنع بالمواضع التي ~~ينزلونها، فأجاب كلا منهما: إنني معك، ومعاضدك على خصمك. PageV05P0275 # وسار بعسكره إلى أن نزل قريبا من الموضع الذي تصافوا فيه، فلم يخالطهم ~~مخالطة يعلم بها أنه من أحدهما، فكانت كل طائفة منهم تظن أنه معها، وتواقع ms4424 ~~الخطا والتتر، فانهزم الخطا هزيمة عظيمة، فمال حينئذ خوارزم شاه، وجعل ~~يقتل، ويأسر، وينهب، ولم يترك أحدا ينجو منهم، فلم يسلم منهم إلا طائفة ~~يسيرة مع ملكهم في موضع من نواحي الترك يحيط به جبل ليس إليه طريق إلا من ~~جهة واحدة، تحصنوا فيه؛ وانضم إلى خوارزم شاه منهم طائفة، وساروا في عسكره، ~~وأنفذ خوارزم شاه إلى كشلي خان ملك التتر يمن عليه بأنه حضر لمساعدته، ~~ولولاه لما تمكن من الخطا، فاعترف له كشلي خان بذلك مدة، ثم أرسل إليه يطلب ~~منه المقاسمة على بلاد الخطا، وقال: كما أننا اتفقنا على إبادتهم ينبغي أن ~~نقتسم بلاهم؛ فقال: ليس لك عندي غير السيف، ولستم بأقوى من الخطا شوكة، ولا ~~أعز ملكا، فإن قنعت بالمساكتة، وإلا سرت إليك، وفعلت بك شرا مما فعلت بهم. ~~وتجهز وسار حتى نزل قريبا منهم، وعلم خوارزم شاه أنه لا طاقة له به، فكان ~~يراوغه، فإذا سار إلى موضع قصد خوارزم شاه أهله وأثقالهم فينهبها، وإذا سمع ~~أن طائفة سارت عن مواطنهم سار إليها فأوقع بها، فأرسل إليه كشلي خان يقول ~~له: ليس هذا فعل الملوك! هذا فعل اللصوص، وإلا إن كنت سلطانا، كما تقول، ~~فيجب أن نلتقي، فإما أن تهزمني وتملك البلاد التي بيدي، وإما أفعل أنا بك ~~ذلك. فكان يغالطه ولا يجيبه إلى ما طلب، لكنه أمر أهل الشاش وفرغاته ~~وأسفيجاب وكاسان، وما حولها من المدن التي لم يكن في الدنيا أنزه منها، ولا ~~أحسن عمارة، بالجلاء منها، واللحاق ببلاد الإسلام، ثم خربها جميعها خوفا من ~~التتر أن يملكوها. ثم اتفق خروج هؤلاء التتر الآخر الذين خربوا الدنيا ~~وملكهم جنكزخان النهرجي على كشلي خان ملك التتر الأول، فاشتغل بهم كشلي خان ~~عن خوارزم شاه، فخلا وجهه، فعبر النهر إلى خراسان. ### || AUT ذكر ملك نجم الدين ابن الملك العادل خلاط # في هذه السنة ملك الملك الأوحد نجم الدين أيوب ابن مالك العادل أبي بكر ~~ابن أيوب مدينة خلاط. وسبب ذلك أنه كان بمدينة ميافارقين من أبيه، ms4425 فلما كان ~~من ملك بلبان خلاط ما ذكرناه، قصد هو مدينة موش، وحصرها، وأخذها، وأخذ معها ~~ما يجاورها. وكان بلبان لم تثبت قدمه حتى منعه، فلما ملكها طمع في خلاط، ~~فسار إليها، فزهمه بلبان، كما ذكرناه أيضا، فعاد إلى بلده، وجمع وحشد، وسير ~~إليه أبوه جيشا، فقصد خلاط، فسار إليه بلبان، فتصافا واقتتلا، فانهزم ~~بلبان، وتمكن نجم الدين من البلاد، وازداد منها. ودخل بلبان خلاط واعتصم ~~بها، وأرسل رسولا إلى مغيث الدين طغرل شاه بن قلج أرسلان، وهو صاحب أرزن ~~الروم، يستنجده على نجم الدين، فحضر بنفسه ومعه عسكره، فاجتمعا، وهزما نجم ~~الدين، وحصرا موش، فأشرف الحصن على أن يملك، فغدر ابن قلج أرسلان بصاحب ~~خلاط وقتله طمعا في البلاد، فلما قتله سار إلى خلاط، فمنعه أهلها عنها، ~~فسار إلى ملازكرد، فرده أهلها أيضا، وامتنعوا عليه، فلما لم يجد في شيء من ~~البلاد مطمعا عاد إلى بلده. فأرسل أهل خلاط إلى نجم الدين يستدعونه إليهم ~~ليملكوه، فحضر عندهم، وملك خلاط وأعمالها سوى اليسير منها، وكره الملوك ~~المجاورون له ملكه لها خوفا من أبيه، وكذلك أيضا خافه الكرج وكرهوه، ~~فتابعوا الغارات على أعمال خلاط وبلادها، ونجم الدين مقيم بخلاط لا يقدر ~~على مفارقتها، فلقي المسلمون من ذلك أذى شديدا. واعتزل جماعة من عسكر خلاط، ~~واستولوا على حصن وان، وهو من أعظم الحصون وأمنعها، وعصوا على نجم الدين، ~~واجتمع إليهم جمع كثير، وملكوا مدينة أرجيش، فأرسل نجم الدين إلى أبيه ~~الملك العادل يعرفه الحال، ويطلب منه أن يمده بعسكر، فسير إليه أخاه الملك ~~الأشرف موسى بن العادل في عسكر، فاجتمعا في عسكر كثير، وحصرا قلعة وان وبها ~~الخلاطية، وجدوا في قتالهم، فضعف أولئك عن مقاومتهم، فسلموها صلحا وخرجوا ~~منها، وتسلمها نجم الدين، واستقر ملكه بخلاط وأعمالها، وعاد أخوه الأشرف ~~إلى بلده حران والرها. ### || AUT ذكر غارات الفرنج بالشام # PageV05P0276 # وفي هذه السنة كثر الفرنج الذين بطرابلس وحصن الأكراد، وأكثروا الإغارة ~~على بلد حمص وولاياتها، ونازلوا مدينة حمص، وكان جمعهم كثيرا لم يكن ~~لصاحبها ms4426 أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه بهم قوة ولا يقدر على دفعهم ~~ومنعهم، فاستنجد الظاهر غازي، صاحب حلب، وغيره من ملوك الشام، فلم ينجده ~~إلا الظاهر، فإنه سير له عسكرا أقاموا عنده، ومنعوا الفرنج عن ولايته. ثم ~~إن الملك العادل خرج من مصر بالعساكر الكثيرة، وقصد مدينة عكا، فصالحه ~~صاحبها الفرنجي على قاعدة استقرت من إطلاق أسرى من المسلمين وغير ذلك، ثم ~~سار إلى حمص، فنزل على بحيرة قدس، وجاءته عساكر الشرق وديار الجزيرة، ودخل ~~إلى بلاد طرابلس، وحاصر موضعا يسمى القليعات، وأخذه صلحا، وأطلق صاحبه، ~~وغنم ما فيه من دواب وسلاح، وخربه، وتقدم إلى طرابلس، فنهب، وأحرق، وسبى، ~~وغنم وعاد، وكانت مدة مقامه في بلد الفرنج اثني عشر يوما، وعاد إلى بحير ~~قدس. وترددت الرسل بينه وبين الفرنج في الصلحخ، فلم تستقر قاعدة، ودخل ~~الشتاء، وطلبت العساكر الشرقية العود إلى بلادهم قبل البرد الشديد، فنزل ~~طائفة من العسكر بحمص عند صاحبها، وعاد إلى دمشق فشتى بها، وعادت عساكر ~~ديار الجزيرة إلى أماكنها. وكان سبب خروجه من مصر بالعساكر أن أهل قبرس من ~~الفرنج أخذوا عدة قطع من أسطول مصر، وأسروا من فيها، فأرسل العادل إلى صاحب ~~عكا في رد ما أخذ، ويقول: نحن صلح، فلم غدرتم بأصحابنا؟ فاعتذر بأن أهل ~~قبرس ليس لي عليهم حكم، و أن مرجعهم إلى الفرنج الذين بالقسطنطينية، ثم إن ~~أهل قبرس ساروا إلى القسطنطنية بسبب غلاء كان عندهم وتعذرت عليهم الأقوات، ~~وعاد حكم قبرس إلى صاحب عكا، وأعاد العادل مراسلته فلم ينفصل حال، فخرج ~~بالعساكر، وفعل بعكا ما ذكرنا، فأجابه حينئذ صاحبها إلى ما طلب وأطلق الأسرى. ### || AUT ذكر الفتنة بخلاط وقتل كثير من أهلها # لما تم ملك خلاط وأعمالها للملك الأوحد بن العادل سار عنها إلى ملازكرد ~~ليقرر قواعدها أيضا، ويفعل ما ينبغي أن يفعله فيها، فلما فارق خلاط وثب ~~أهلها على من بها من العسكر فأخرجوه من عندهم، وعصوا، وحصروا القلعة وبها ~~أصحاب الأوحد، ونادوا بشعار شاه أرمن، وإن كان ميتا، ms4427 يعنون بذلك رد الملك ~~إلى أصحابه ومماليكه. فبلغ الخبر إلى الملك الأوحد، فعاد إليهم وقد وافاه ~~عسكر من الجزيرة فقوي بهم، وحصر خلاط، فاختلف أهلها، فمال إليه بعضهم حسدا ~~للآخرين، فملكها، وقتل بها خلقا كثيرا من أهلها، وأسر جماعة من الأعيان، ~~فسيرهم إلى ميافارقين؛ وكان كل يوم يرسل إليهم يقتل منهم جماعة، فلم يسلم ~~إلا القليل، وذل أهل خلاط بعد هذه الواقعة، وتفرقت كلمة الفتيان وكان الحكم ~~إليهم، وكفي الناس شرهم، فإنهم كانوا قد صاروا يقيمون ملكا ويقتلون آخر، ~~والسلطنة عندهم لا حكم لها وإنما الحكم لهم وإليهم. ### || AUT ذكر ملك أبي بكر بن البهلوان مراغة # في هذه السنة ملك الأمير نصرة الدين أبو بكر بن البهلوان، صاحب ~~أذربيجان، مدينة مراغة. وسبب ذلك أن صاحبها علاء الدين قراسنقر مات هذه ~~السنة، وولي بعده ابن له طفل، وقام بتدبير دولته وتربيته خادم كان لأبيه، ~~فعصى عليه أمير كان مع أبيه وجمع جمعا كثيرا، فأرسل إليه الخادم من عنده من ~~العسكر، فقاتلهم ذلك الأمير، فانهزموا، واستقر ملك ولد علاء الدين، إلا أنه ~~لم تطل أيامه حتى توفي في أول سنة خمس وستمائة، وانقرض أهل بيته، ولم يبق ~~منهم أحد. فلما توفي سار نصرة الدين أبو بكر من تبريز إلى مراغة فملكها ~~واستولى عل جميع مملكة آل قراسنقر، ما عدا قلعة روين دز فإنها اعتصم بها ~~الخادم، وعنده الخزائن والذخائر، فامتنع بها على الأمير أبي بكر. ### || AUT ذكر عزل نصير الدين وزير الخليفة # كان نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي هذا من أهل الري، من بيت كبير، فقدم ~~بغداد لما ملك مؤيد الدين بن القصاب وزير الخليفة الري، ولقي من الخليفة ~~قبولا، فجعله نائب الوزارة، ثم جعله وزيرا، وحكمه وجعل ابنه صاحب المخزن. ~~PageV05P0277 # فلما كان في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة عزل، وأغلق ~~بابه، وكان سبب عزله أنه أساء السيرة مع أكابر مماليك الخليفة، فمنهم أمير ~~الحاج مظفر الدين سنقر المعروف بوجه السبع، فإنه هرب من يده إلى الشام سنة ms4428 ~~ثلاث وستمائة، فارق الحاج بالمرخوم، وأرسل يعتذر من هربه ويقول: إنني هربت ~~من يد الوزير؛ ثم أتبعه الأمير جمال الدين قشتمر، وهو أخص المماليك وآثرهم ~~عنده، ومضى إلى لرستان وأرسل يعتذر ويقول: إن الوزير يريد أن لا يبقي في ~~خدمة الخليفة أحدا من مماليكه، ولا شك أنه يريد أن يدعي الخلافة؛ وقال ~~الناس في ذلك فأكثروا، وقالوا الشعر، فمن ذلك قول بعضهم: ألا مبلغ عني ~~الخليفة أحمدا ... توق وقيت السوء ما أنت صانع وزيرك هذا بين أمرين فيهما ~~... فعالك، يا خير البرية، ضائع فإن كان حقا من سلالة أحمد ... فهذا وزير ~~في الخلافة طامع وإن كان فيما يدعي غير صادق ... فأضيع ما كانت لديه ~~الصنائع فعزله، وقيل في سبب ذلك غيره؛ ولما عزل أرسل إلى الخليفة يقول: ~~إنني قدمت إلى هاهنا وليس لي دينار ولا درهم، وقد حصل لي من الأموال ~~والأعلاق النفيسة وغير ذلك ما يزيد على خمسة آلاف دينار؛ ويسأل أن يؤخذ منه ~~الجميع ويفرج عنه ويمكن من المقام بالمشهد أسوة ببعض العلويين. فأجابه: ~~إننا ما أنعمنا عليك بشيء فنوينا استعادته منك، ولو كان ملء الأرض ذهبا، ~~ونفسك في أمان الله وأماننا، ولم يبلغنا عنك ما تستوجب به ذلك، غير أن ~~الأعداء قد أكثروا فيك، فاختر لنفسك موضعا تنتقل إليه موفورا محترما. ~~فاختار أن يكون تحت الاستظهار من جانب الخليفة لئلا يتمكن منه العدو فتذهب ~~نفسه، ففعل به ذلك. وكان حسن السيرة، قريبا إلى الناس، حسن اللقاء لهم ~~والانبساط معهم، عفيفا عن أموالهم غير ظالم لهم، فلما قبض عاد أمير الحاج ~~من مصر وكان في الخدمة العادلية، وعاد أيضا قشتمر، وأقيم في النيابة ي ~~الوزارة فخر الدين أبو البدر محمد بن أحمد بن أمسينا الواسطي إلا أنه لم ~~يكن متحكما. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ليلة الأربعاء لخمس بقين من رجب زلزلت الأرض وقت السحر، ~~وكنت حينئذ بالموصل، ولم تكن بها شديدة، وجاءت الأخبار من كثير من البلاد ~~بأنها زلزلت ولم تكن بالقوية. وفيها أطلق الخليفة ms4429 الناصر لدين الله جميع حق ~~البيع وما يؤخذ من أرباب الأمتعة من المكوس من سائر المبيعات، وكان مبلغا ~~كثيرا. وكان سبب ذلك أن بنتا لعز الدين نجاح شرابي الخليفة توفيت، فاشتري ~~لها بقر لتذبح ويتصدق بلحمها عنها، فرفعوا في حساب ثمنها مؤونة البقر، ~~فكانت كثيرة، فوقف الخليفة على ذلك، وأمر بإطلاق المؤونة جميعها. وفيها في ~~شهر رمضان، أمر الخليفة ببناء دور في المحال ببغداد ليفرط فيها الفقراء، ~~وسميت دور الضيافة، يطبخ فيها اللحم الضأن، والخبز الجيد، عمل ذلك في جانبي ~~بغداد، وجعل في كل دار من يوثق بأمانته، وكان يعطي كل إنسان قدحا مملوءا من ~~الطبيخ واللحم، ومنا من الخبز، فكان يفرط كل ليلة على طعامه خلق لا يحصون ~~كثرة. وفيها زادت دجلة زيادة كثيرة، ودخل الماء في خندق بغداد من ناحية باب ~~كلواذى، فخيف على البلد من الغرق، فاهتم الخليفة بسد الخندق، وركب فخر ~~الدين نائب الوزارة وعز الدين الشرابي ووقفا ظاهر البلد، فلم يبرحا حتى سد ~~الخندق. وفيها توفي الشيخ حنبل بن عبد الله بن الفرنج المكبر بجامع ~~الرصافة، وكان عالي الإسناد، روى عن ابن الحصين مسند أحمد بن حنبل، وله ~~إسناد حسن، وقدم الموصل، وحدث بها وبغيرها. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وستمائة # ### || AUT ذكر ملك الكرج أرجيش وعودهم عنها # في هذه السنة سارت الكرج في جموعها إلى ولاية خلاط، وقصدوا مدينة أرجيش، ~~فحصروها وملكوها عنوة، ونهبوا جميع ما بها من الأموال والأمتعة وغيها، ~~وأسروا وسبوا أهلها، وأحرقوها، وخربوها بالكلية، ولم يبق بها من أهلها أحد؛ ~~فأصبحت خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس. PageV05P0278 # وكان نجم الدين أيوب، صاحب أرمينية، بمدينة خلاط، وعنده كثير من العساكر، ~~فلم يقدم على الكرج لأسباب: منها كثرتهم، وخوفه من أهل خلاط لما كان أسلف ~~إليهم من القتل والأذى؛ خاف أن يخرج منها فلا يمكن من العود إليها؛ فلما لم ~~يخرج إلى قتال الكرج، عادوا إلى بلادهم سالمين، لم يذعروهم ذاعر، وهذا ~~جميعه، وإن كان عظيما شديدا على الإسلام وأهله، فإنه يسير ms4430 بالنسبة إلى ما ~~كان مما نذكره سنة أربع عشرة إلى سنة سبع عشرة وستمائة. ### || AUT ذكر قتل سنجر شاه وملك ابنه محمود # في هذه السنة قتل سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر، صاحب ~~جزيرة ابن عمر، وهو ابن عم نور الدين، صاحب الموصل؛ قتله ابنه غازي؛ ولقد ~~سلك ابنه في قتله طريقا عجيبا يدل على مكر ودهاء. وسبب ذلك أن سنجر كان سيء ~~السيرة مع الناس كلهم من الرعية والجند والحريم والأولاد، وبلغ من قبح فعله ~~مع أولاده أنه سير ابنيه محمودا ومودودا إلى قلعة فرح من بلد الزوزان، ~~وأخرج ابنه هذا إلى دار بالمدينة أسكنه فيها، ووكل به من يمنعه من الخروج. ~~وكانت الدار إلى جانب بستان لبعض الرعية، فكان يدخل إليه منها الحيات، ~~والعقارب، وغيرهما من الحيوان المؤذي، ففي بعض الأيام اصطاد حية وسيرها في ~~منديل إلى أبيه لعله يرق له، فلم يعطف عليه، فأعمل الحيلة حتى نزل من الدار ~~التي كان بها واختفى، ووضع إنسانا كان يخدمه، فخرج من الجزيرة وقصد الموصل، ~~وأظهر أنه غازي بن سنجر، فلما سمع نور الدين بقربه منها أرسل نفقة، وثيابا، ~~وخيلا، وأمره بالعود، وقال: إن أباك يتجنى لنا الذنوب التي لم نعملها، ~~ويقبح ذكرنا، فإذا صرت عند جعل ذلك ذريعة للشناعات والبشاعات، ونقع معه في ~~صراع لا ينادي وليده؛ فسار إلى الشام. وأما غازي بن سنجر فإنه تسلق إلى دار ~~أبيه، واختفى عند بعض سراريه، وعلم به أكثر من بالدار، فسترت عليه بغضا ~~لأبيه، وتوقعا للخلاص منه لشدته عليهن، فبقي كذلك، وترك أبوه الطلب له ظنا ~~منه أنه بالشام، فاتفق أن أباه، في بعض الأيام، شرب الخمر بظاهر البلد مع ~~ندمائه، فكان يقترح على المغنين أن يغنوا في الفراق وما شاكل ذلك، ويبكي، ~~ويظهر في قوله قرب الأجل، ودنوا الموت، وزوال ما هو فيه، فلم يزل كذلك إلى ~~أخر النهار، وعاد إلى داره، وسكر عند بعض حظاياه، ففي الليل دخل الخلاء؛ ~~وكان ابنه عند تلك الحظية، فدخل ms4431 إليه داره فضربه بالسكين أربع عشرة ضربة، ~~ثم ذبحه، وتركه ملقى، ودخل الحمام وقعد يلعب مع الجواري، فلو فتح باب الدار ~~وأحضر الجند واستحلفهم لملك البلد، لكنه أمن واطمأن، ولم يشك في الملك. ~~فاتفق أن بعض الخدم الصغار خرج إلى الباب وأعلم أستاذ دار سنجر الخبر، ~~فأحضر أعيان الدولة وعرفهم ذلك، وأغلق الأبواب على غازي، واستحلف الناس ~~لمحمود بن سنجر شاه، وأرسل إليه فأحضره من فرح ومعه أخوه مودود، فلما حلف ~~الناس وسكنوا فتحوا باب الدار على غازي، ودخلوا عليه ليأخذوه، فمانعهم عن ~~نفسه، فقتلوه وألقوه على باب الدار، فأكلت الكلاب بعض لحمه، ثم دفن باقيه. ~~ووصل محمود إلى البلد وملكه، ولقب بمعز الدين، لقب أبيه، فلما استقر أخذ ~~كثيرا من الجواري اللواتي لأبيه فغرقهن في دجلة. ولقد حدثني صديق لنا أنه ~~رأى بدجلة في مقدار غلوة سهم سبع جوار مغرقات، منهن ثلاث قد أحرقت وجوههن ~~بالنار، فلم أعلم سبب ذلك الحريق حتى حدثتني جارية اشتريتها بالموصل من ~~جواريه، أن محمودا كان يأخذ الجارية فيجعل وجهها في النار، فإذا احترقت ~~ألقاها في دجلة، وباع من لم يغرقه منهن، فتفرق أهل تلك الدار أيدي سبا. ~~وكان سنجر شاه قبيح السيرة، ظالما، غاشما، كثير المخاتلة والمواربة، والنظر ~~في دقيق الأمور وجليلها، لا يمتنع من قبيح يفعله مع رعيته، وغيرهم، من أخذ ~~الأموال والأملاك، والقتل، والإهانة؛ وسلك معهم طريقا وعرا من قطع الألسنة ~~والأنوف والآذان، وأما اللحى فإنه حلق منها ما لا يحصى. وكان جل فكره في ~~ظلم يفعله. PageV05P0279 # وبلغ من شدة ظلمه أنه كان إذا استدعى إنسانا ليحسن إليه لا يصل إلا وقد ~~قارب الموت من شدة الخوف؛ واستعلى في أيامه السفهاء، ونفقت سوق الأشرار ~~والساعين بالناس، فخرب البلد، وتفرق أهله، لا جزم سلط الله عليه أقرب الخلق ~~إليه فقتله ثم قتل ولده غازي، وبعد قليل قتل ولده محمود أخاه مودودا، وجرى ~~في داره من التحريق والتغريق والتفريق ما ذكرنا بعضه، ولو رمنا شرح قبح ~~سيرته لطال، والله تعالى بالمرصاد لكل ظالم. ms4432 ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، ثاني المحرم، توفي أبو الحسن ورام بن أبي فراس الزاهد ~~بالحلة السيفية، وهو منها، وكان صالحا. وفي صفر توفي الشيخ مصدق بن شبيب ~~النحوي، وهو من أهل واسط. وفي شعبان توفي القاضي محمد بن أحمد بن المنداي، ~~والواسطي، بها، وكان كثير الرواية للحديث، وله إسناد عال، وهو آخر من حدث ~~بمسند أحمد بن حنبل عن ابن الحصين. وفيه توفي القوام أبو الفوارس نصر بن ~~ناصر بن مكي المدائني، صاحب المخزن ببغداد، وكان أديبا، فاضلا، كامل ~~المروءة يحب الأدب وأهله، ويحب الشعر، ويحسن الجوائز عليه، ولما توفي ولي ~~بعده أبو الفتوح المبارك ابن الوزير عضد الدين أبي الفرج بن رئيس الرؤساء، ~~وأكرم، وأعلي محله، فبقي متوليا إلى سابع ذي القعدة وعزل لعجزه. وفيها كانت ~~زلزلة عظيمة بنيسابور وخراسان، وكان أشدها بنيسابور وخرج أهلها إلى الصحراء ~~أياما حتى سكنت وعادوا إلى مساكنهم. ؟؟ ### | AUT ثم دخلت سنة ست وستمائة # ### || AUT ذكر ملك العادل الخابور ونصيبين # ### || AUT وحصره سنجار وعوده عنها واتفاق نور الدين أرسلان شاه ومظفر الدين # في هذه السنة ملك العادل أبو بكر بن أيوب بلد الخابور ونصيبين، وحصر ~~مدينة سنجار، والجميع من أعمال الجزيرة، وهو بيد قطب الدين محمد بن زنكي بن ~~مودود. وسبب ذلك أن قطب الدين المذكور كان بينه وبين ابن عمه نور الدين ~~أرسلان شاه بن مسعود بن مودود، صاحب الموصل، عداوة مستحكمة، وقد تقدم ذكر ~~ذلك، فلما كان سنة خمس وستمائة حصلت مصاهرة بين نور الدين والعادل، فإن ~~ولدا للعادل تزوج بابنة لنور الدين، وكان لنور الدين وزراء يحبون أن يشتغل ~~عنهم، فحسنوا له مراسلة العادل والاتفاق معه على أن يقتسما بالبلاد التي ~~لقطب الدين، وبالولاية التي لولد سنجر شاه بن غازي بن مودود، وهي جزيرة ابن ~~عمر وأعمالها، فيكون ملك قطب الدين للعادل، وتكون الجزيرة لنور الدين. ~~فوافق هذا القول هوى نور الدين، فأرسل إلى العادل في المعنى، فأجابه إلى ~~ذلك مستبشرا، وجاءه ما لم يكن يرجوه لأنه علم ms4433 أنه متى ملك هذه البلاد أخذ ~~الموصل وغيرها؛ وأطمع نور الدين أيضا في أن يعطي هذه البلاد، إذا ملكها، ~~لولده الذي هو زوج ابنة نور الدين، ويكون مقامه في خدمته بالموصل، واستقرت ~~القاعدة على ذلك، وتحالفا عليها، فبادر العادل إلى المسير من دمشق إلى ~~الفرات في عساكره، وقصد الخابور فأخذه. فلما سمع نور الدين بوصوله كأنه خاف ~~واستشعر، فأحضر من يرجع إلى رأيهم وقولهم، وعرفهم وصول العادل، واستشارهم ~~فيما يفعله، فأما من أشاروا عليه بذلك فسكتوا، وكان فيهم من لم يعلم هذه ~~الحال، فعظم الأمر، وأشار بالاستعداد للحصار، وجمع الرجال، وتحصيل الذخائر ~~وما يحتاج إليه. فقال نور الدين: نحن فعلنا ذلك؛ وخبره الخبر. فقال: بأي ~~رأي تجيء إلى عدو لك هو أقوى منك، وأكثر جمعا، وهو بعيد منك، متى تحرك ~~لقصدك تعلم به، فلا يصل إلا وقد فرغت من جميع ما تريده، تسعى حتى يصير ~~قريبا منك، ويزداد قوة إلى قوته. ثم إن الذي استقر بينكما أنه له يملكه ~~أولا بغير تعب ولا مشقة، وتبقى أنت لا يمكنك أن تفارق الموصل إلى الجزيرة ~~وتحصرها والعادل هاهنا، هذا إن وفى لك بما استقرت القاعدة عليه لا يجوز أن ~~تفارق الموصل، وإن عاد إلى الشام، لأنه قد صار له ملك خلاط وبعض ديار بكر ~~وديار بكر وديار الجزيرة جميعها، والجميع بيد أولاده، متى سرت عن الموصل ~~أمكنهم أمكنهم أن يحلوا بينك وبينها، فما زدت على أن آذيت نفسك وابن عمك، ~~وقويت عدوك، وجعلته شعارك، وقد فات الأمر، وليس يجوز إلا أن تقف معه على ما ~~استقر بينكما لئلا يجعل كل حجة ويبتدئ بك. PageV05P0280 # هذا والعادل قد ملك الخابور ونصيبين، وسار إلى سنجار فحصرها، وكان في عزم ~~صاحبها قطب الدين أن يسلمها إلى العادل بعوض يأخذه عنها، فمنعه من ذلك أمير ~~كان معه، اسمه أحمد بن يرنقش، مملوك أبيه زنكي، وقام بحفظ المدينة والذب ~~عنها، وجهز نور الدين عسكرا مع ولده الملك القاهر ليسيروا إلى الملك ~~العادل. فبينما الأمر على ذلك إذ جاءهم ms4434 أمر لم يكن لهم في حساب، وهو أن ~~مظفر الدين كوكبري، صاحب إربل، أرسل وزيره إلى نور الدين يبذل من نفسه ~~المساعدة على منع العادل عن سنجار، وأن الاتفاق معه على ما يريده، فوصل ~~الرسول ليلا فوقف مقابل دار نور الدين وصاح، فعبر إليه سفينة عبر فيها، ~~واجتمع بنور الدين ليلا وأبلغه الرسالة، فأجاب نور الدين إلى ما طلب من ~~الموافقة، وحلف له على ذلك، وعاد الوزير من ليلته، فسار مظفر الدين، واجتمع ~~هو ونور الدين، ونزلا بعساكرهما بظاهر الموصل. وكان سبب ما فعله مظفر الدين ~~أن صاحب سنجار أرسل ولده إلى مظفر الدين يستشفع به إلى العادل ليبقي عليه ~~سنجار؛ وكان مظفر الدين يظن أنه لو شفع في نصف ملك العادل لشفعه، لأثره ~~الجميل في خدمته، وقيامه في الذب عن ملكه غير مرة كما تقدم؛ فشفع إليه فلم ~~يشفعه العادل، وظنا منه أنه بعد اتفاقه مع نور الدين لا يبالي بمظفر الدين، ~~فلما رد العادل شفاعته راسل نور الدين في الموافقة عليه. ولما وصل إلى ~~الموصل، واجتمع بنور الدين، أرسلا إلى الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، ~~وهو صاحب حلب، وإلى كيخسرو بن قلج أرسلان، صاحب بلاد الروم، بالاتفاق ~~معهما، فكلاهما أجاب إلى ذلك، فتواعدوا على الحركة وقصد بلاد العادل إن ~~إمتنع من الصلح والإبقاء على صاحب سنجار، وأرسلا أيضا إلى الخليفة الناصر ~~لدين الله ليرسل رسولا إلى العادل في الصلح أيضا؛ فقويت حينئذ نفس صاحب ~~سنجار على الامتناع، ووصلت رسل الخليفة، وهو هبة الله بن المبارك بن ~~الضحاك، أستاذ الدار، والأمير آق باش، وهو من خواص مماليك الخليفة وكبارهم، ~~فوصلا إلى الموصل، وسارا منها إلى العادل وهو يحاصر سنجار، وكان من معه لا ~~يناصحونه في القتال لا سيما أسد الدين شيركوه، صاحب حمص والرحبة، فإنه كان ~~يدخل إليها الأغنام وغيرها من الأقوات ظاهرا، ولا يقاتل عليها، وكذلك غيره. ~~فلما وصلت رسل الخليفة إلى العادل أجاب أولا إلى الرحيل، ثم امتنع عن ذلك، ~~وغالط، وأطال الأمر لعله يبلغ منها ms4435 غرضا، فلم ينل منها ما أمله، وأجاب إلى ~~الصلح على أن يكون له ما أخذ وتبقى سنجار لصاحبها. واستقرت القاعدة على ~~ذلك، وتحالفوا على هذا كلهم، وعلى أن يكونوا يدا واحدة على الناكث منهم؛ ~~ورحل العادل عن سنجار إلى حران، وعاد مظفر الدين إلى إربل، وبقي كل واحد من ~~الملوك في بلده، وكان مظفر الدين عند مقامه بالموصل قد زوج ابنتين له ~~بولدين لنور الدين وهما عز الدين مسعود، وعماد الدين زنكي. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الأول، عزل فخر الدين بن أمسينا عن نيابة الوزارة ~~للخليفة، وألزم بيته، ثم نقل إلى المخزن على سبيل الاستظهار عليه، وولي ~~بعده نيابة الوزارة مكين الدين محمد بن محمد بن عبد الكريم بن برز القمي، ~~كاتب الإنشاء، ولقب مؤيد الدين، ونقل إلى دار الوزارة مقابل باب النوبي. ~~وفيها، في شوال، توفي مجد الدين يحيى بن الربيع، الفقيه الشافعي، مدرس ~~النظامية ببغداد. وفيها توفي فخر الدين أبو الفضل محمد بن عمر ابن خطيب ~~الري، الفقيه الشافعي، صاحب التصانيف المشهورة في الفقه والأصولين وغيرهما، ~~وكان إمام الدين في عصره، وبلغني أن مولده سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. ~~وفيها، سلخ ذي الحجة، توفي أخي مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن ~~عبد الكريم الكاتب، مولده في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين، وكان عالما في ~~عدة علوم مبرزا فيها، منها: الفقه، والأصولان، والنحو، والحديث، واللغة، ~~وله تصانيف مشهورة في التفسير والحديث، والنحو، والحساب، وغريب الحديث، وله ~~رسائل مدونة، وكان كاتبا مفلقا يضرب به المثل، ذا دين متين، ولزوم طريق ~~مستقيم، رحمه الله ورضي عنه، فلقد كان من محاسن الزمان، ولعل من يقف على ما ~~ذكرته يتهمني في قولي، ومن عرفه من أهل عصرنا يعلم أني مقصر. وفيها توفي ~~المجد المطرزي، النحوي الخوارزمي، وكان إماما في النحو، له في تصانيف حسنة. ~~PageV05P0281 # وفيها توفي المؤيد بن عبد الرحيم بن الإخوة بأصفهان، وهو من أهل الحديث، رحمه الله. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وستمائة # ### || AUT ذكر ms4436 عصيان سنجر مملوك الخليفة بخوزستان # ### || AUT ومسير العساكر إليه # كان قطب الدين سنجر، مملوك الخليفة الناصر لدين الله، قد ولاه الخليفة ~~خوزستان، بعد طاشتكين أمير الحاج كما ذكرناه، فلما كان سنة ست وستمائة بدا ~~منه تغير عن الطاعة، فروسل في القدوم إلى بغداد، فغالط ولم يحضر؛ وكان يظهر ~~الطاعة، ويبطن التغلب على البلاد، فبقي الأمر كذلك إلى الأول من هذه السنة، ~~فتقدم الخليفة إلى مؤيد الدين، نائب الوزارة، وإلى عز الدين بن نجاح ~~الشرابي، خاص الخليفة، بالمسير بالعساكر إليه بخوزستان وإخراجه عنها، فسارا ~~في عساكر كثيرة إلى خوزستان، فلما تحقق سنجر قصدهم إليه فارق البلاد، ولحق ~~بصاحب شيراز، وهو أتابك عز الدين سعد ابن دكلا، ملتجئا إليه، فأكرمه وقام ~~دونه. ووصل عسكر الخليفة إلى خوزستان في ربيع الآخر بغير ممانعة، فلما ~~استقروا في البلاد راسلوا سنجر يدعونه إلى الطاعة، فلم يجب إلى ذلك، فساروا ~~إلى أرجان عازمين على قصد صاحب شيراز، فأدركهم الشتاء، فأقاموا شهورا ~~والرسل مترددة بينهم وبين صاحب شيراز، فلم يجبهم إلى تسليمه، فلما دخل شوال ~~رحلوا يريدون شيراز، فحينئذ أرسل صاحبها إلى الوزير والشرابي يشفع فيه، ~~ويطلب العهد له على أن لا يؤذى، فأجيب إلى ذلك، وسلمه إليهم هو وماله ~~وأهله، فعادوا إلى بغداد وسنجدر معهم تحت الاستظهار، وولى الخليفة بلاد ~~خوزستان مملوكه ياقوتا أمير الحاج. ووصل الوزير إلى بغداد في المحرم سنة ~~ثمان وستمائة هو والشرابي والعساكر، وخرج أهل بغداد إلى تلقيهم، فدخلوها ~~وسنجر معهم راكبا على بغل بإكاف، وفي رجله سلسلتان، في يد كل جندي سلسلة، ~~وبقي محبوسا إلى أن دخل صفر، فجمع الخلق الكثير من الأمراء والأعيان إلى ~~دار مؤيد الدين نائب الوزارة، فأحضر سنجر، وقرر بأمور نسبت إليه منكرة، ~~فأقر بها، فقال مؤيد الدين للناس: قد عرفتم ما تقتضيه السياسة من عقوبة هذا ~~الرجل، وقد عفا أمير المؤمنين عنه، وأمر بالخلع عليه، فلبسها وعاد إلى ~~داره، فعجب الناس من ذلك. وقيل إن أتابك سعد نهب مال سنجر وخزانته ودوابه، ~~وكل ماله ولأصحابه، وسيرهم، ms4437 فلما وصل سنجر إلى الوزير والشرابي طلبوا ~~المال، فأرسل شيئا يسيرا، والله أعلم. ### || AUT ذكر وفاة نور الدين أرسلان شاه # ### || AUT وشيء من سيرته # في هذه السنة، أواخر رجب، توفي نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود ~~بن زنكي بن آقسنقر، صاحب الموصل، وكان مرضه قد طال، ومزاجه قد فسد، وكانت ~~مدة ملكه سبع عشرة سنة واحد وأحد عشر شهرا، وكان شهما شجاعا، ذا سياسة ~~للرعايا، شديدا على أصحابه، فكانوا يخافونه خوفا شديدا، وان ذلك مانعا من ~~تعدي بعضهم على بعض؛ وكان له همة عالية، أعاد ناموس البيت الأتابكي وجاهه، ~~وحرمته، بعد أن كانت قد ذهبت، وخافه الملوك؛ وكان سريع الحركة في طلب الملك ~~إلا أنه لم يكن له صبرا، فلهذا لم يتسع ملكه، ولو لم يكن له من الفضيلة إلا ~~أنه لما رحل الكامل بن العادل عن ماردين، كما ذكرناه سنة خمس وتسعين ~~وخمسمائة، عف عنها، وأبقاها على صاحبها، ولو قصدها وحصرها لم يكن فيها قوة ~~الامتناع، لأن من كانوا بها كانوا قد هلكوا وضجروا، ولم يبق لهم رمق، ~~فأبقاها على صاحبها. ولما ملك استغاث به إنسان من التجار، فسأل عن حاله، ~~فقيل إنه قد أدخل قماشه إلى البلد ليبيعه، فلم يتم له البيع، ويريد إخراجه، ~~وقد منع من ذلك، فقال: من منعه؟ فقيل: ضامن البز يريد منه ما جرت به العادة ~~من المكس؛ وكان القيم بتدبير مملكته مجاهد الدين قايماز، وهو إلى جانبه، ~~فسأله عن العادة كيف هي؟ فقال: إن اشترط صاحبه إخراج متاعه مكن من العادة ~~مدبرة، إنسان لا يبيع متاعه لأي شيء يؤخذ منه ماله؟ فقال مجاهد الدين: لا ~~شك في فساد العادة مدبة، إنسان لا يبيع متاعه لأي شيء يؤخذ منه ماله؟ فقال ~~مجاهد الدين: لا شك في فساد هذه العادة مدبرة، إنسان لا يبيع متاعه لأي شيء ~~يؤخذ منه ماله؟ فقال مجاهد الدين: لا شك في فساد هذه العادة؛ فقال: إذا قلت ~~أنا وأنت إنها عادة فاسدة، فما المانع من تركها؟ وتقدم بإخراج ms4438 مال الرجل، ~~وأن لا يؤخذ إلا ممن باع. PageV05P0282 # وسمعت أخي مجد الدين أبا السعادات، رحمه الله، وكان من أكثر الناس ~~اختصاصا به، يقول: ما قلت له يوما في فعل خير فامتنع منه بل بادر إليه بفرح ~~واستبشار؛ واستدعى في بعض الأيام أخي المذكور، فركب إلى داره، فلما كان ~~بباب الدار لقيته امرأة وبيدها رقعة، وهي تشكو، وتطلب عرضها على نور الدين، ~~فأخذها، فلما دخل إليه جاراه في مهم له، فقال: قبل كل شيء تقف على هذه ~~الرقعة، وتقضي شغل صاحبتها؛ فقال: لا حاجة إلى الوقوف عليها، عرفنا إيش ~~فيها. فقال: والله لا أعلم إلا أنني رأيت امرأة بباب الدار، وهي متظلمة، ~~شاكية. فقال: نعم عرفت حالها؛ ثم انزعج فظهر منه الغيظ والغضب، وعنده رجلان ~~هما القيمان بأمور دولته، فقال لأخي: أبصر إلى أي شيء قد دفعت مع هذين. هذه ~~المرأة كان لها ابن، وقد مات من مدة في الموصل، وهو غريب، وخلف قماشا ~~ومملوكين، فاحتاط نواب بيت المال على القماش، وأحضروا المملوكين إلينا، ~~فبقيا عندنا ننتظر حضور من يستحق التركة ليأخذها، فحضرت هذه المرأة ومعها ~~كتاب حكمي بأن المال الذي مع ولدها لها، فتقدم منا بتسليم مالها إليها، ~~وقلت لهذين: اشتريا المملوكين منها، وأنصفاها في الثمن؛ فعادا وقالا: لم ~~يتم بيننا بيع، لأنها طلبت ثمنا كبيرا، فأمرتهما بإعادة المملوكين إليها من ~~مدة شهرين وأكثر، وإلى الآن ما عدت سمعت لها حديثا، وظننت أنها أخذت مالها، ~~ولا شك أنها لم يسلما المملوكين إليها، وقد استغاثت بهما، فلم ينصفاها، ~~فجاءت إليك، وكل من رأى هذه المرأة تشكو وتستغيث يظن أني أنا منعتها أن ~~تتسلم أنت المملوكين وتسلمها إليها؛ فأخذت المرأة مالها، وعادت شاكرة ~~داعية، وله من هذا الجنس كثير لا نطول بذكره. ### || AUT ذكر ولاية ابنه الملك القاهر # لما حضر نور الدين الموت أمر أن يرتب في الملك بعده ولده الملك القاهر ~~عز الدين مسعود، وحلف له الجند وأعيان الناس، وكان قد عهد إليه قبل موته ~~بمدة، فجدد العهد له عند وفاته، ms4439 وأعطى ولده الأصغر عماد الدين زنكي قلعة ~~عقر الحميدية، وقلعة شوش، وولايتهما، وسيره إلى العقر، وأمر أن يتولى تدبير ~~مملكتهما، ويقوم بحفظهما، والنظر في مصالحهما، فتاه الأمير بدر الدين لؤلؤ ~~ملا رأى من عقله وسداده، وحسن سياسته وتدبيره، وكمال خلال السيادة فيه، ~~وكان عمر القاهر حينئذ عشر سنين. وملا اشتد مرضه وأيس من نفسه أمره الأطباء ~~بالانحدار إلى الحامة المعروفة بعين القيارة، وهي بالقرب من الموصل، فانحدر ~~إليها، فلم يجد بها راحة، وازداد ضعفا، فأخذه بدر الدين وأصعده في الشبارة ~~إلى الموصل، فتوفي في الطريق ليلا ومعه الملاحون والأطباء، بينه وبينهم ~~ستر. وكان مع بدر الدين، عند نور الدين، مملوكان، فلما توفي نور الدين قال ~~لهما: لا يسمع أحد بموته؛ وقال للأطباء والملاحين: لا يتكلم أحد، فقد نام ~~السلطان؛ فسكتوا، ووصلوا إلى الموصل في الليل، فأمر الأطباء والملاحين ~~بمفارقة الشبارة لئلا يروه ميتا، وأبعدوا، فحمله هو والمملوكان، وأدخله ~~الدار، وتركه في الموضع الذي كان فيه ومعه المملوكان، ونزل على بابه من يثق ~~به لا يمكن أحدا من الدخول والخروج، وقعد مع الناس يمضي أمورا كان يحتاج ~~إلى إتمامها. فلما فرغ من جميع ما يريده أظهر موته وقت العصر، ودفن ليلا ~~بالمدرسة التي أنشأنها مقابل داره، وضبط البلد تلك الليلة ضبطا جيدا بحيث ~~إن الناس في الليل لم يزالوا مترددين لم يعدم من أحد ما مقداره الحبة ~~الفرد، واستقر الملك لولده، وقام بدر الدين بتدبير الدولة والنظر في مصالحها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في شهر ربيع الآخر، درس القاضي أبو زكرياء يحيى بن القاسم ~~ابن المفرج، قاضي تكريت، بالمدرسة النظامية ببغداد، استدعي من تكريت إليها. ~~وفيها نقصت دجلة بالعراق نقصا كثيرا، حتى كان الماء يجري ببغداد في نحو ~~خمسة أذرع، وأمر الخليفة أن يكرى دجلة، فجمع الخلق الكثير، وكانوا كلما ~~حفروا شيئا عاد الرمل فغطاه، وكان الناس يخوضون دجلة فوق بغداد، وهذا مل ~~يعهد مثله. وحج بالناس هذه السنة علاء الدين محمد ولد الأمير مجاهد الدين ~~ياقوت أمير ms4440 الحاج، وكان أبوه قد ولاه الخليفة خوزستان، وجعله هو أمير ~~الحاج، وجعل معه من يدبر الحاج، لأنه كان صبيا. PageV05P0283 # وفيها، في العشرين من ربيع الآخر، توفي ضياء الدين أبو أحمد عب الوهاب ~~ابن علي بن عبد الله الأمير البغدادي ببغداد، وهو سبط صدر الدين إسمعيل شيخ ~~الشيوخ، وعمره سبع وثمانون سنة وشهور، وكان صوفيا، فقيها، محدثا، سمعنا منه ~~الكثير، رحمه الله؛ وكان من عباد الله الصالحين كثير العبادة والصلاح. ~~وفيها توفي شيخنا أبو حفص عمر بن محمد بن المعمر بن طبرزد البغدادي، وكان ~~عالي الإسناد. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وستمائة # ### || AUT ذكر استيلاء منكلي على بلاد الجبل وأصفهان # ### || AUT وغيرها وهرب إيدغمش # في هذه السنة، في شعبان قدم إيدغمش، صاحب همذان وأصفهان والري وما ~~بينهما من البلاد، إلى بغداد، هاربا من منكلي. وسبب ذلك أن إيدغمش كان قد ~~تمكن في البلاد، وعظمك شأنه، وانتشر صيته، وكثر عسكره، حتى إنه حصر صاحبه ~~أبا بكر البهلوان، صاحب هذه البلاد: أذربيجان وأران، كما ذكرناه. فلما كان ~~الآن خرج عليه مملوك اسمه منكلي، ونازعه في البلاد، وكثر أتباعه، وأطاعه ~~المماليك البهلوانية، فاستولى عليها، وهرب منه شمس الدين إيدغمش إلى بغداد، ~~فلما وصل إليها أمر الخليفة بالاحتفال له في اللقاء، فخرج الناس كافة، وكان ~~يوم وصوله مشهودا، ثم قدمت زوجته في رمضان في محمل، فأكرمت وأنزلت عند ~~زوجها، وأقام ببغداد إلى سنة عشر وستمائة، فسار عنها، فكان من أمره ما نذكره. ### || AUT ذكر نهب الحاج بمنى # وفي هذه السنة نهب الحاج بمنى؛ وسبب ذلك أن باطنيا وثب على بعض أهل ~~الأمير قتادة، صاحب مكة، فقتله بمنى ظنا منه أنه قتادة، فلما سمع قتادة ذلك ~~جمع الأشراف والعرب والعبيد وأهل مكة، وقصدوا الحاج، ونزلوا عليهم من ~~الجبل، ورموهم بالحجارة والنبل وغير ذلك، وكان أمير الحاج ولد الأمير ياقوت ~~المقدم ذكره، وهو صبي لا يعرف كيف يفعل، فخاف وتحير، وتمكن أمير مكة من نهب ~~الحاج، فنهبوا منهم من كان في الأطراف، وأقاموا على حالهم إلى الليل. ms4441 ~~فاضطرب الحاج، وباتوا بأسوإ حال من شدة الخوف من القتل والنهب. فقال بعض ~~الناس لأمير الحاج لينتقل بالحجاج إلى منزلة حجاج الشام، فأمر بالرحيل، ~~فرفعوا أثقالهم على الجمال تؤخذ بأحمالها، والتحق من سلم بحجاج الشام، ~~فاجتمعوا بهم، ثم رحلوا إلى الزاهر، ومنعوا من دخول مكة، ثم أذن لهم في ~~ذلك، فدخلوها وتمموا حجهم وعادوا. ثم أرسل قتادة ولده وجماعة من أصحابه إلى ~~بغداد، فدخلوها ومعهم السيوف مسلولة والأكفان، فقلبوا العتبة، واعتذروا مما ~~جرى على الحجاج. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أظهر الإسماعيلية، ومقدمهم الجلال بن الصباح، الانتقال عن ~~فعل المحرمات واستحلالها، وأمر بإقامة الصلوات وشرائع الإسلام ببلادهم من ~~خراسان والشام، وأرسل مقدمهم رسلا إلى الخليفة، وغيره من ملوك الإسلام، ~~يخبرهم بذلك، وأرسل والدته إلى الحج، فأكرمت ببغداد إكراما عظيما، وكذلك ~~بطريق مكة. وفيها، سلخ جمادى الآخرة، توفي أبو حامد محمد بن يونس بن ميعة، ~~الفقيه الشافعي، بمدينة الموصل، وكان إماما فاضلا، إليه انتهت رياسة ~~الشافعية، لم يكن في زمانه مثله، وكان حسن الأخلاق، كثير التجاوز عن ~~الفقهاء والإحسان إليهم، رحمه الله. وفي شهر ربع الأول توفي القاضي أبو ~~الفضائل علي بن يوسف بن أحمد بن الآمدي الواسطي، قاضيها، وكان نعم الرجل. ~~وفي شعبان توفي المعين أبو الفتوح عبد الواحد بن أبي أحمد بن علي الأمين، ~~شيخ الشيوخ ببغداد، وكان موته بجزيرة كاس، مضى إليها رسولا من الخليفة، ~~وكان من أصدقائنا، وبيننا وبينه مودة متأكدة، وصحبة كثيرة، وكان من عباد ~~الله الصالحين، رحمه الله ورضي عنه؛ وله كتابة حسنة، وشعر جيد، وكان عالما ~~بالفقه وغيره، ولما توفي رتب أخوه زين الدين عبد الرزاق ابن أبي أحمد، وكان ~~ناظرا على المارستان العضدي، فتركه واقتصر على الرباط. وفي ذي الحجة توفي ~~محمد بن يوسف بن محمد بن عبيد الله النيسابوري الكاتب الحسن الخط، وكان ~~يؤدي طريقه ابن البواب، وكان فقيها، حاسبا، متكلما. وتوفي عمر بن مسعود أبي ~~العز أبو القاسم البزاز البغدادي بها، وكان من الصالحين، يجتمع إليه ~~الفقراء كثيرا، ويحسن ms4442 إليهم. وتوفي أيضا أبو سعيد الحسن بن محمد بن الحسن ~~بن حمدون الثعلبي العدوي، وهو ولد مصنف التذكرة، وكان عالما. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع وستمائة # PageV05P0284 ### || AUT ذكر قدوم ابن منكلي بغداد # في هذه السنة، في المحرم، قدم محمد بن منكلي المستولي على بلاد الجبل ~~إلى بغداد. وسبب ذلكم أن أباه منكلي لما استولى على بلاد الجبل وهرب إيدغمش ~~صاحبها منها إلى بغداد خاف أن يساعده الخليفة، ويرسل معه العساكر، فيعظم ~~الأمر عليه، لأنه لم يكن قد تمكن في البلاد، فأرسل ولده محمدا ومعه جماعة ~~من العسكر، فيعظم الأمر عليه، لأنه لم يكن قد تمكن في البلاد، فأرسل ولده ~~محمدا ومعه جماعة من العسكر، فخرج الناس ببغداد على طبقاتهم يلتقونه، وأنزل ~~وأكرم، وبقي ببغداد إلى أن قتل إيدغمش، فخلع عليه وعلى من معه، وأكرموا، ~~وسيرهم إلى أبيه. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض الملك العادل أبو بكر بن أيوب، صاحب مصر والشام، على ~~أمير اسمه أسامة، كان له إقطاع كثير من جملته حصن كوكب من أعمال الأردن ~~بالشام، وأخذ منه حصن كوكب وخربه وعفى أثره، ومن بعده بني حصنا بالقرب من ~~عكا على جبل يسمى الطور، وهو معروف هناك، وشحنه بالرجال والذخائر والسلاح. ~~وفيها توفي الفقيه محمد بن إسمعيل بن أبي الصيف اليمني، فقيه الحرم الشريف بمكة. ### | AUT ثم دخلت سنة عشر وستمائة # ### || AUT ذكر قتل إيدغمش # في هذه السنة، في المحرم قتل إيدغمش الذي كان صاحب همذان، وقد ذكرنا سنة ~~ثمان أنه قدم إلى بغداد وأقام بهتا، فأنعم عليه الخليفة، وشرفه بالخلع، ~~وأعطاه الكوسات وما يحتاج إليه، وسيره إلى همذان، فسار في جمادى الآخرة عن ~~بغداد قاصدا إلى همذان، فوصل إلى بلاد ابن ترجم واجتمعا، وأقام ينتظر وصول ~~عساكر بغداد إليه ليسير معه على قاعدة استقرت بينهم. وكان الخليفة قد عزل ~~سليمان بن ترجم عن الإمارة على عشيرته من التركمان الإيوانية، وولى أخاه ~~الأصغر، فأرسل سليمان إلى منكلي يعرفه بحال إيدغمش، ومضى هو على وجهه، ~~فأخذوه ms4443 فقتلوه، وحملوا رأسه إلى منكلي، وتفرق من معه من أصحابه في البلاد ~~لا يلوي أخ على أخيه. ووصل الخبر بقتله إلى بغداد، فعظم على الخليفة ذلك، ~~وأرسل إلى منكلي ينكر عليه ما فعل، فأجاب جوابا شديدا، وتمكن من البلاد، ~~وقوي أمره، وكثرت جموع عساكره، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله. ### || AUT ### || AUT ذكر عدة حوادث # حج بالناس في هذه السنة أبو فراس بن جعفر بن فراس الحلي، نيابة عن أمير ~~الحاج ياقوت، ومنع ابن ياقوت عن الحج لما جرى للحاج في ولايته. وفيها، في ~~المحرم، توفي الحكيم المهذب علي بن أحمد بن هبل، الطبيب المشهور، كان أعلم ~~أهل زمانه بالطب، روى الحديث، وكن مقيما بالموصل، وبها مات، وكان كثير ~~الصدقة، حسن الأخلاق، وله تصنيف حسن في الطب. وفيه توفي الضيا أحمد بن علي ~~البغدادي، الفقيه الحنبلي، صاحب ابن المني. وفيه توفي أيضا أحمد بن مسعود ~~التركستاني، الفقيه الحنفي ببغداد، وهو مدرس مشهد أبي حنيفة. وفيها، في ~~جمادى الأولى، توفي معز الدين أبو المعاني سعد بن علي المعروف بابن حديد ~~الذي كان وزير الخليفة الناصر لدين الله، وكان قد ألزم بيته، ولما توفي حمل ~~تابوته إلى مشهد أمير المؤمنين علي، عليه السلام، بالكوفة، وكان حسن السيرة ~~في وزارته، كثير الخير والنفع للناس. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى عشرة وستمائة # ### || AUT ذكر ملك خوارزم شاه كرمان ومكران والسند # هذه الحادثة لا أعلم الحقيقة أي سنة كانت، إنما هي إما هذه السنة، أو ~~قبلها، أو بعدها بقليل، لأن الذي أخبر بها كان من أجناد الموصل، وسافر إلى ~~تلك البلاد وأقام بها عدة سنين، وسار مع الأمير أبي بكر الذي فتح كرمان ثم ~~عاد فأخبرني بها على شك من وقتها، وقد حضرها فقال: خوارزم شاه محمد بن تكش ~~كان من جملة أمراء أبيه أمير اسمه أبو بكر، ولقبه تاج الدين. PageV05P0285 # وكان في ابتداء أمره جمالا يكري الجمال في الأسفار، ثم جاءته السعادة، ~~فاتصل بخوارزم شاه، وصار سيروان جماله، فرأى منه جلدا وأمانة، ms4444 فقدمه إلى أن ~~صار من أعيان أمراء عسكره، فولاه مدينة زوزن، وكان عاقلا ذا رأي، وحزم، ~~وشجاعة، فتدم عند خوارزم شاه تقدما كثيرا، فوثق به أكثر من جميع أمراء ~~دولته، فقال أبو بكر لخوارزم شاه: إن بلاد كرمان مجاورة لبلدي، فلو أضاف ~~السلطان إلي عسكرا لملكتها في أسرع وقت. فسير معه عسكرا كثيرا فمضى إلى ~~كرمان، وصاحبها اسمه حرب بن محمد بن أبي الفضل الذي كان صاحب سجستان أيام ~~السلطان سنجر، فقاتله، فلم يكن له به قوة، وضعف، فملك أبو بكر بلاده في ~~أسرع وقت، وسار منها إلى نواحي مكران فملكها كلها إلى السند، من حدود كابل، ~~وسار إلى هرمز، مدينة على ساحل بحر مكران، فأطاعه صاحبها، واسمه ملنك، وخطب ~~بها لخوارزم شاه، وحمل عنها مالا، وخطب له بقلهات، وبعض عمان، لأن أصحابها ~~كانوا يطيعون صاحب هرمز. وسبب طاعتهم له، مع بعد الشقة، والبحر يقطع بينهم، ~~أنهم يتقربون إليه بالطاعة ليأمن أصحاب المراكب التي تسير إليهم عنده، فإن ~~هرمز مرسى عظيم، ومجمع للتجار من أقاصي الهند والصين واليمن، وغيرها من ~~البلاد، وكان بين صاحب هرمز وبين صاحب كيش حروب ومغاورات، وكل منهما ينهى ~~أصحاب المراكب أن ترسي ببلد خصمه، وهم كذلك إلى الآن؛ وكان خوارزم شاه يصيف ~~بنواحي سمرقند لأجل التتر أصحاب كشلي خان، لئلا يقصد بلاده؛ وكان سريع ~~السير، إذا قصد سبق خبره إليها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قتل مؤيد الملك الشحري، وكان قد وزر لشهاب الدين الغوري، ~~ولتاج الدين الدز بعده، و كان حسن السيرة، جميل الاعتقاد، محسنا إلى ~~العلماء وأهل الخير وغيرهم، يزورهم ويبرهم، ويحضر الجمعة ماشيا وحده. وكان ~~سبب قتله أن بعض عسكر الدز كرهوه، وكان كل سنة يتقدم إلى البلاد الحارة بين ~~يدي الدز، أول الشتاء، فسار هذه السنة كعادته، فجاء أربعون نفرا أتراكا ~~وقالوا له: السلطان يقول لك تحضر جريدة في عشرة نفر لمهم تجدد؛ فسار معهم ~~جريدة في عشرة مماليك، فلما وصلوا إلى نهوند، بالقرب من ماء السند، قتلوه ~~وهربوا، ms4445 ثم إنهم ظفر بهم خوارزم شاه محمد فقتلهم. وفيها، في رجب، توفي ~~الركن أبو منصور عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر الجليلي، ~~البغدادي، وكان قد ولي عدة ولايات، وكان يتهم بمذهب الفلاسفة، حتى إنه رأى ~~أبوه يوما عليه قميصا بخاريا، فقال: ما هذا القميص؟ فقال: بخاري؛ فقال ~~أبوه: هذا عجب! ما زلنا نسمع: مسلم والبخاري، وأما كافر والبخاري فما ~~سمعنا. وأخذت كتبه قبل موته بعدة سنين، وأظهرت في ملأ من الناس، ورؤي فيها ~~من تبخير النجوم ومخاطبة زحل بالإلهية، وغير ذلك من الكفريات، ثم أحرقت ~~بباب العامة، وحبس، ثم أفرج عنه بشفاعة أبيه، واستعمل بعد ذلك. وفيها أيضا ~~توفي أبو العباس أحمد بن هبة الله بن العلاء المعروف بابن الزاهد ببغداد، ~~وكان عالما بالنحو واللغة. وفي شعبان منها توفي أبو المظفر محمد بن علي بن ~~البل اللوري الواعظ، ودفن برباط على نهر عيسى، ومولده سنة عشر وخمسمائة. ~~وفي شوال منها توفي عبد العزيز بن محمود بن المبارك بن محمود بن الأخضر، ~~وكان من فضلاء المحدثين، وله سبع وثمانون سنة. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وستمائة # ### || AUT ذكر قتل منكلي وولاية أغملش # ### || AUT ما كان بيده من الممالك # في هذه السنة في جمادى الأولى، انهزم منكلي صاحب همذان وأصفهان والري ~~وما بينهما من البلاد، ومضى هابا، فقتل. PageV05P0286 # وسبب ذلك أنه كان قد ملك البلاد، كما ذكرناه، وقتل إيدغمش فأرسل إليه من ~~الديوان الخليفي رسول ينكر ذلك عليه، وكان قد أوحش الأمير أوزبك ابن ~~البهلوان، صاحب أذربيجان، وهو صاحبه ومخدومه، فأرسل إليه يحرضه على منكلي ~~ويعده النصرة، وأرسل أيضا إلى جلال الدين الإسماعيلي، صاحب قلاع ~~الإسماعيلية ببلاد العجم، الموت وغيرها، يأمره بمساعدة أوزبك على قتال ~~منكلي، واستقرت القواعد بينهم على أن يكون للخليفة بعض البلاد، ولأوزبك ~~بعضها، ويعطي جلال الدين بعضها، فلما استقرت القواعد بينهم على ذلك جهز ~~الخليفة عسكرا كثيرا، وجعل مقدمهم مملوكه مظفر الدين سنقر، الملقب بوجه ~~السبع، وأرسل إلى مظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي ms4446 كوجك، وهو إذ ذاك ~~صاحب إربل وشهرزور وأعمالها، يأمره أن يحضر بعساكره، ويكون مقدم العساكر ~~جميعها، وإليه المرجع في الحرب. فحضر، وحضر معه عسكر الموصل وديار الجزيرة، ~~وعسكر حلب، فاجتمعت عساكر كثيرة وساروا إلى همذان، فاجتمعت العساكر كلها ~~فانزاح منكلي من بين أيديهم وتعلق بالجبال، وتبعوه، فنزلوا بسفح جبل هو في ~~أعلاه بالقرب من مدينة كرج، وضاقت الميرة والأقوات على العسكر الخليفي ~~جميعه ومن معهم، فلو أقام منكلي بموضعه لم يمكنهم المقام عليه أكثر من عشرة ~~أيام، لكنه طمع فنزل ببعض عسكره من الجبل مقابل الأمير أوزبك، فحملوا عليه، ~~فلم يثبت أوزبك، ومضى منهزما، فعاد أصحاب منكلي وصعدوا الجبل، وعاد أوزبك ~~إلى خيامه، فطمع منكلي حينئذ، ونزل من الغد في جميع عسكره، واصطفت العساكر ~~للحرب، واقتتلوا أشد قتال يكون، فانهزم منكلي وصعد الجبل، فلو أقام بمكانه ~~لم يقدر أحد على الصعود إليه، وكان قصاراهم العود عنه، لكنه اتخذ الليل ~~جملا، وفارق موضعه ومضى منهزما، فتبعه نفر يسير ن عسكره، وفارقه الباقون ~~وتفرقوا أيدي سبا. واستولى عسكر الخليفة وأوزبك على البلاد، فأعطى جلال ~~الدين، ملك الإسماعيلية، من البلاد ما كان استقر له، وأخذ الباقي أوزبك، ~~فسلمه إلى أغلمش مملوك أخيه، وكان قد توجه إلى خوارزم شاه علاء الدين محمد، ~~وبقي عنده، ثم عاد عنه، وشهد الحرب وأبلى فيها، فولاه أوزبك البلاد، وعاد ~~كل طائفة من العسكر إلى بلادهم. وأما منكلي فإنه مضى منهزما إلى مدينة ~~ساوة، وبها شحنة هو صديق له. فأرسل إليه يستأذنه في الدخول إلى البلد، فأذن ~~له، وخلج إليه فلقيه، وقبل الأرض بين يديه، وأدخله البلد، وأنزله في داره، ~~ثم أخذ سلاحه، وأراد أن يقيده ويرسله إلى أغلمش، فسأله أن يقتله هو ولا ~~يرسله، فقتله، وأرسل رأسه إلى أوزبك، وأرسله أوزبك إلى بغداد، وكان يوم ~~دخولها يوما مشهودا إلا أنه لم تتم المسرة للخليفة بذلك، فإنه وصل ومات ~~ولده في تلك الحال، فأعيد ودفن. ### || AUT ذكر وفاة ابن الخليفة # في هذه السنة في العشرين من ذي القعدة، توفي ms4447 ولد الخليفة، وهو الأصغر، ~~وكان يلقب الملك المعظم، و اسمه أبو الحسن لعي، وكان أحب ولدي الخليفة ~~إليه، وقد رشحه لولاية العهد بهده، وعزل ولده الأكبر عن ولاية العهد واطرحه ~~لأجل هذا الولد. وكان رحمه الله، كريما كثير الصدقة والمعروف، حسن السيرة، ~~محبوبا إلى الخاص والعام، وكان سبب موته أنه أصابه إسهال فتوفي، وحزن عليه ~~الخليفة حزنا لم يسمع بمثله، حتى إنه أرسل إلى أصحاب الأطراف ينهاهم عن ~~إنفاذ رسول إليه يعزيه بولده، ولم يقرأ كتابا ولا سمع رسالة، وانقطع، وخلا ~~بهمومه وأحزانه، ورؤي عليه من الحزن والجزع ما لم يسمع بمثله. ولما توفي ~~أخرج نهارا، ومشى جميع الناس بين يدي تابوته إلى تربة جدته عند قبر معروف ~~الكرخي، فدفن عندها، ولما أدخل التابوت أغلقت الأبواب، وسمع الصراخ العظيم ~~من داخل التربة، فقيل إن ذلك صوت الخليفة. وأما العامة ببغداد فإنهم وجدوا ~~عليه وجدا شديدا، ودامت المناحات عليه في أقطار بغداد ليلا ونهارا، ولم يبق ~~ببغداد محلة إلا وفيها النوح، ولم تبق امرأة إلا وأظهرت الحزن، وما سمع ~~ببغداد مثل ذلك في قديم الزمان وحديثه. وكان موته وقت وصول رأس منكلي إلى ~~بغداد، فإن الموكب أمر بالخروج إلى لقاء الرأس، فخرج الناس كافة، فلما ~~دخلوا بالرأس إلى رأس درب حبيب وقع الصوت بموت ابن الخليفة، فأعيد الرأس، ~~وهذا دأب الدنيا، لا يصفو أبدا فرحها من ترح، وقد تخلص مصائبها من شائبة ~~الفرح. PageV05P0287 ### || AUT ذكر ملك خوارزم شاه غزنة وأعمالها # في هذه السنة، في شعبان، ملك خوارزم شاه محمد بن تكش مدينة غزنة ~~وأعمالها. وسبب ذلك أن خوارزم شاه لما استولى على عامة خراسان وملك باميان ~~وغيرها، أرسل إلى تاج الدين، صاحب غزنة، وقد تقدمت أخباره حتى ملكها، يطلب ~~منه أن يخطب له، ويضرب السكة باسمه، ويرسل إليه فيلا واحدا ليصالحه ويقر ~~بيده غزنة، ولا يعارضه فيها، فأحضر الأمراء وأعيان دولته واستشارهم. وكان ~~فيهم أكبر أمير اسمه قتلغ تكين، وهو من مماليك شهاب الدين الغوري أيضا، ~~وإليه الحكم في دولة الدز، ms4448 وهو النائب عنه بغزنة، فقال: أرى أن تخطب له، ~~وتعطيه ما طلب، وتستريح من الحرب والقتال، وليس لنا بهذا السلطان قوة. فقال ~~الجماعة مثل قوله، فأجاب إلى ما طلب منه، وخطب لخوارزم شاه، وضرب السكة ~~باسمه، وأرسل إليه فيلا، وأعاد رسوله إليه، ومضى إلى الصيد. فأرسل قتلغ ~~تكين، والي غزنة، إلى خوارزم شاه يطلبه ليسلم إليه غزنة، فسار مجدا، وسبق ~~خبره، فسلم إليه قتلغ تكين غزنة وقلعتها، فلما دخل إليها قتل من بها من ~~عسكر الغورية لا سيما الأتراك، وفوصل الخبر إلى الدز بذلك فقال: ما فعل ~~قتلغ تكين، وكيف ملك القلعة مع وجوده فيها؟ فقيل: هو الذي أحضره وسلم إليه؛ ~~فمضى هاربا هو ومن معه إلى لهاوور، وأقام خوارزم شاه بغزنة، فلما تمكن منها ~~أحضر قتلغ تكين فقال له: كيف حالك مع الدز؟ وكان عالما به، وإنما أراد أن ~~تكون له الحجة عليه. فقال: كلانا مماليك شهاب الدين، ولم يكن الدز يقيم ~~بغزنة إلا أربعة أشهر الصيف، وأنا الحكم فيها، والمرجع إلي في كل الأمور. ~~فقال له خوارزم شاه: إذا كنت لا ترعى لرفيقك ومن أحسن إليك صحبته وإحسانه، ~~فكيف يكون حالي أنا معك، وما الذي تصنع مع ولدي إذا تركته عندك؟ فقبض عليه، ~~وأخذ منه أموالا جمة حملها ثلاثون دابة من أصناف الأموال والأمتعة، وأحضر ~~أربع مائة مملوك، فلما أخذ ماله قتله وترك ولده جلال الدين بغزنة مع جماعة ~~من عسكره وأمرائه وقيل إن ملك خوارزم شاه غزنة كان سنة ثلاث عشرة وستمائة. ### || AUT ذكر استيلاء الدز على لهاوور وقتله # لما هرب الدز من غزنة إلى لهاوور لقيه صاحبها ناصر الدين قباجة، وهو من ~~مماليك شهاب الدين الغوري أيضا، وله من البلاد لهاوور، وملتان، وأوجه، ~~وديبل، وغير ذلك، إلى ساحل البحر، ومعه نحو خمسة عشر ألف فارس؛ وكان قد بقي ~~مع الدز نحو ألف وخمسمائة فارس، فوقع بينهما مصاف، واقتتلوا، فانهزمت ميمنة ~~الدز وميسرته، وأخذت الفيلة التي معه، ولم يبق له غير فيلين معه في القلب. ~~فقال الفيال: ms4449 إذا أخاطر بسعادتك؛ وأمر أحد الفيلين أن يحمل على العلم الذي ~~لقباجة يأخذه، وأمر الفيل الآخر الذي له أيضا أن يأخذ الجتر الذي له، فأخذه ~~أيضا، والفيلة المعلمة تفهم ما يقال لها؛ هذا رأيناه، فحمل الفيلان، وحمل ~~معهما الدز فيمن بقي عنده من العسكر، وكشف رأسه، وقال بالعجمية ما معناه: ~~إما ملك، وإما هلك! واختلط الناس بعضهم ببعض، وفعل الفيلان ما أمرهما ~~الفيال من أخذ العلم والجتر، فانهزم قباجة وعسكره، وملك الدز مدينة لهاوور. ~~ثم سار إلى بلاد الهند ليملك مدينة دهلة وغيرها مما بيد المسلمين، وكان ~~صاحب دهلة أمير اسمه الترمش، ولقبه شمس الدين، وهو من مماليك قطب الدين ~~أيبك، مملوك شهاب الدين أيضا، وكان قد ملك الهند بعد سيده، فلما سمع به ~~الترمش سار إليه في عساكره كلها، فلقيه عند مدينة سماتا، فاقتتلوا، فانهزم ~~الدز وعسكره، وأخذ وقتل. وكان الدز محمود السيرة في ولايته، كثير العدل ~~والإحسان إلى الرعية، لا سيما التجار والغرباء، ومن محاسن أعماله أنه كان ~~له أولاد، ولهم معلم يعلمهم، فضرب المعلم أحدهم فمات، فاحضره الدز وقال له: ~~يا مسكين! ما حملك على هذا؟ فقال: والله ما أردت إلا تأديبه. فاتفق أن مات. ~~فقال: صدقت؛ وأعطاه نفقة، وقال له: تغيب، فإن أمه لا تقدر على الصبر، فربما ~~أهلكتك، ولا أقدر أمنع عنك. فلما سمعت أم الصبي بموته طلبت الأستاذ لتقتله، ~~فلم تجده، فسلم، وكان هذا من أحسن ما يحكى عن أحد من الناس. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV05P0288 # في هذه السنة توفي الوجيه المبارك بن أبي الأزهر سعيد بن الدهان الواسطي ~~النحوي، الضرير، كان نحريرا فاضلا، قرأ على الكمال عبد الرحمن بن الأنباري ~~وعلى غيره، وكان حنبليا، فصار حنفيا، ثم صار شافعيا، فقال فيه أبو البركات ~~بن زيد التكريتي: ألا مبلغا عني الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدي لديه ~~الرسائل تمذهبت للنعمان من بعد حنبل ... وفارقته إذ غورتك المآكل وما اخترت ~~رأي الشافعي تدينا ... ولكنما تهوى الذي هو حاصل وعما قليل أنت لا شك صائر ~~... إلى ms4450 مالك، فافطن لما أنا قاتل ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وستمائة # ### || AUT ذكر وفاة الملك الظاهر صاحب حلب # في هذه السنة، في جمادى الآخر، توفي الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين ~~يوسف بن أيوب، وهو صاحب مدينة حلب ومنبج وغيرهما من بلاد الشام، وكان مرضه ~~إسهالا، وكان شديد السيرة، ضابطا لأموره كلها، كثير الجمع للأموال من غير ~~جهاتها المعتادة، عظيم العقوبة على الذنب، لا يرى الصفح، وله مقصد يقصده ~~كثير من أهل البيوتات من أطراف البلاد، والشعراء، وأهل الدين وغيرهم، ~~فيكرمهم، ويجري عليهم الجاري الحسن. ولما اشتدت علته عهد بالملك بعده لولد ~~له صغير اسمه محمد، ولقبه الملك العزيز غياث الدين، عمره ثلاث سنين، وعدل ~~عن ولد كبير لأن الصغير كانت أمه ابنة عمه الملك العادل أبي بكر بن أيوب، ~~صاحب مصر ودمشق وغيرهما من البلاد، فعهد بالملك له ليبقى عمه البلاد عليه، ~~ولا ينازعه فيها. ومن أعجب ما يحكى أن الملك الظاهر، قبل مرضه، أرسل رسولا ~~إلى عمه العادل بمصر، يطلب منه أن يحلف لولده الصغير، فقال العادل: سبحان ~~الله! أي حاجة إلى هذه اليمين؟ الملك الظاهر مثل بعض أولادي. فقال الرسول: ~~قد طلب هذا واختاره، ولا بد من إجابته إليه. فقال العادل: كم من كبش في ~~المرعى وخروف عند القصاب؛ وحلف. فاتفق في تلك الأيام أن توفي الملك الظاهر ~~والرسول في الطريق، ولما عهد الظاهر إلى ولده بذلك جعل أتابكه ومربيه خادما ~~روميا، اسمه طغرل، ولقبه شهاب الدين، وهو من خيار عباد الله، كثير الصدقة ~~والمعروف. ولما توفي الظاهر أحسن شهاب الدين هذا السيرة في الناس، وعدل ~~فيهم، وأزال كثيرا من السنن الجارية، وأعاد أملاكا كانت قد أخذت من ~~أربابها، وقام بتربية الطفل أحسن قيام، وحفظ بلاده، واستقامت الأمور بحسن ~~سيرته وعدله، وملك ما كان يتعذر على الظاهر ملكه، فمن ذلك تل باشر، كان ~~الملك الظاهر لا يقدر أن يتعرض إليه، فلما توفي ملكها كيكاوش، ملك الروم، ~~كما نذكره إن شاء الله تعالى، انتقلت إلى شهاب الدين، ms4451 وما أقبح بالملوك ~~وأبناء الملوك أن يكون هذا الرجل الغريب المنفرد أحسن سيرة، وأعف عن أموال ~~الرعية، وأقرب إلى الخير منهم، ولا أعلم اليوم في ولاة أمور المسلمين أحسن ~~سيرة منه، فالله يبقيه، ويدفع عنه، فلقد بلغني عنه كل حسن وجميل. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في المحرم، وقع بالبصرة برد كثير، وهو مع كثرته عظيم ~~القدر؛ قيل. كان أصغره مثل النازنجة الكبيرة، وقيل في أكبره ما يستحي ~~الإنسان أن يذكره، فكسر كثيرا من رؤوس النخيل. وفي المحرم أيضا سير الخليفة ~~الناصر لدين الله ولدي ابنه المعظم علي إلى تستر، وهما المؤيد والموفق، ~~وسار معهما مؤيد الدين النائب عن الوزارة، وعز الدين الشرابي، فأقاما بها ~~يسيرا، ثم عاد الموفق مع الوزير والشرابي إلى بغداد أواخر ربيع الآخر. ~~وفيها، في صفر، هبت ببغداد ريح سوداء شديدة، كثيرة الغبار والقتام، وألقت ~~رملا كثيرا، وقلعت كثيرا من الشجر، فخاف الناس وتضرعوا، ودامت من العشاء ~~الآخرة إلى ثلث الليل وانكشفت. وفيهما توفي التاج زيد بن الحسن بن زيد بن ~~الحسن بن زيد بن الحسن بن سعيد بن عصمة الكندي أبو اليمن، البغدادي المولد ~~والمنشإ، انتقل إلى الشام فأقام بدمشق، وكان إماما في النحو واللغة، وله ~~الإسناد العالي في الحديث؛ وكان ذا فنون كثيرة من أنواع العلوم، رحمه الله. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع عشرة وستمائة # ### || AUT ذكر ملك خوارزم شاه بلد الجبل # في هذه السنة سار خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش إلى بلاد الجبل ~~فملكها. PageV05P0289 # وكان سبب حركته، في هذا الوقت، أشياء، أحدها: أنه كان قد استولى على ما ~~وراء النهر، وظفر بالخطا، وعظم أمره، وعلا شأنه، وأطاعه القريب والبعيد؛ ~~ومنها: أنه كان يهوى أن يخطب له ببغداد. ويلقب بالسلطان. وكان الأمر بالضد ~~لأنه كان لا يجد من ديوان الخلافة قبولا، وكان سبيله إذا ورد إلى بغداد أن ~~يقدم غيره عليه، ولعل في عسكره مائة مثل الذي يقدم سبيله عليه، فكان إذا ~~سمع ذلك يغضبه؛ ومنها: أن أغلمش لما ملك ms4452 بلاد الجبل خطب له فيها جميعها، ~~كما ذكرناه، فلما قتله الباطنية غضب له، وخرج لئلا تخرج البلاد عن طاعته، ~~فسار مجدا في عساكر تطبق الأرض، فوصل إلى الري فملكها. وكان أتابك سعد بن ~~دكلا، صاحب بلاد فارس، لما بلغه مقتل أغلمش جمع عساكره وسار نحو بلاد الجبل ~~طمعا في تملكها لخلوها عن حام وممانع، فوصل إلى أصفهان، فأطاعه أهلها، وسار ~~منها يريد الري، ولم يعلم بقدوم خوارزم شاه، فلقيه مقدمه خوارزم شاه فظنها ~~عساكر تلك الديار قد اجتمعت لقتاله ومنعه عن البلاد، فقاتلهم، وجد في ~~محاربتهم حتى كاد يهزمهم. فبينما هو كذلك إذ هو قد ظهر له جتر خوارزم شاه، ~~فسأل عنه، فأخبر به فاستلم، وانهزمت عساكره، وأخذ أسيرا، وحمل إلى بين يدي ~~خوارزم شاه، فأكرمه، ووعده الإحسان والجميل، وأمنه على نفسه، واستحلفه على ~~طاعته، واستقرت القاعدة بينهما على أن يسلم بعض البلاد إليه، ويبقي بعضها، ~~وأطلقه وسير معه جيشا إلى بلاد فارس ليسلم إليهم ما استقرت القاعدة عليه؛ ~~فلما قدم على ولده الأكبر رآه قد تغلب على بلاد فارس، فامتنع من التسليم ~~إلى أبيه. ثم إنه ملك البلاد، كما نذكره، وخطب فيها لخوارزم شاه، وسار ~~خوارزم شاه إلى ساوة فملكها، وأقطعها لعماد الملك عارض جيشه، وهو من أهلها، ~~ثم سار إلى قزوين وزنجان وأبهر، فملكها كلها بغير ممانع ولا مدافع، ثم سار ~~إلى همذان فملكها، وأقطع البلاد لأصحابه، وملك أصفها، وكذلك قم وقاشان، ~~واستوعب ملك جميع البلاد، واستقرت القاعدة بينه وبين أوزبك بن البهلوان، ~~صاحب أذربيجان وأران، بأن يخطب له أوزبك في بلاده ويدخل في طاعته. ثم إنه ~~عزم على المسير إلى بغداد، فقدم بين يديه أميرا كبيرا في خمسة عشر ألف ~~فارس، وأقطعه حلوان، فسار حتى وصل إليها؛ ثم أتبعه بأمير آخر، فلما سار عن ~~همذان يومين أو ثلاثة سقط عليهم من الثلج ما لم يسمع بمثله، فهلكت دوابهم، ~~ومات كثير منهم، طمع فيمن بقي بنو ترجم الأتراك، وبنو هكار الأكراد، ~~فتخطفوهم، فلم يرجع منهم إلى خوارزم شاه ms4453 إلا اليسير، فتطير خوارزم شاه من ~~ذلك الطريق، وعزم على العود إلى خراسان خوفا من التتر، لأنه طن أنه يقضي ~~حاجته، ويفرغ من إرادته في المدة اليسيرة، فخاب ظنه، ورأى البيكار بين يديه ~~طويلا، فعزم على العود، فولى همذان أميرا من أقاربه من جهة والدته، يقال له ~~طائيسي، وجعل في البلاد جميعها ابنه ركن الدين، وجعل معه متوليا لأمر دولته ~~عماد الملك الساوي، وكان عظيم القدر عنده، وكان يحرص على قصد العراق. وعاد ~~خوارزم شاه إلى خراسان، فوصل إلى مرو في المحرم سنة خمس عشرة وستمائة، وسار ~~من وجهه إلى ما وراء النهر؛ ولما قدم إلى نيسابور جلس يوم الجمعة عند ~~المنبر، وأمر الخطيب بترك الخطبة للخليفة الناصر لدين الله، وقال: إنه قد ~~مات؛ وكان ذلك في ذي القعدة سنة أربع عشرة وستمائة؛ ولما قدم مرو قطع ~~الخطبة بها، وكذلك ببلخ وبخارى وسرخس، وبقي خوارزم وسمرقند وهراة لم تقطع ~~الخطبة فيها إلا عن قصد لتركها، لأن البلاد كانت لا تعارض من أشباه هذا، إن ~~أحبوا خطبوا، وإن أرادوا قطعوا، فبقيت كذلك إلى أن كان منه ما كان. وهذه من ~~جملة سعادات هذا البيت الشريف العباسي لم يقصد أحد بأذى إلا لقيه فعله، ~~وخبث نيته، لا جرم لم يمهل خوارزم شاه هذا حتى جرى له ما نذكره مما لم يسمع ~~بمثله في الدنيا قديما ولا حديثا. ### || AUT ذكر ما جرى لأتابك سعد مع أولاده # PageV05P0290 # لما قتل أغلمش، صاحب بلاد الجبل، همذان وأصفهان وما بينهما من البلاد، ~~جمع أتابك سعد بن دكلا، صاحب فارس، عساكره وسار عن بلاده إلى أصفهان فملكها ~~وأطاعه أهلها، فطمع في تلك البلاد جميعها، فسار عن أصفهان إلى الري، فلما ~~وصل إليها لقي عساكر خوارزم شاه قد وصلت، كما ذكرناه، فعزم على محاربة ~~مقدمة العسكر، فقاتلها حتى كاد يهزمها، فظهرت عساكر خوارزم شاه، ورأى ~~الجتر، فسقط في يده، وألقى نفسه، وضعفت قوته وقوة عسكره، فولوا الأدبار، ~~وأخذ أتابك سعد أسيرا، وأحضر بين يدي خوارزم شاه، فأكرمه، وطيب نفسه، ms4454 ووعده ~~الإحسان واستصحبه معه، إلى أن وصل إلى أصفهان، فسيره منها إلى بلاده، وهي ~~تجاورها، وسير معه عسكرا مع أمير كبير ليتسلم منه ما كان استقر بينهما، ~~فإنهما اتفقا على أن يكون لخوارزم شاه بعض البلاد ولأتابك سعد بعضها، وتكون ~~الخطبة لخوارزم شاه في البلاد جميعها. وكان أتابك سعد قد استخلف ابنا له ~~على البلاد، فلما سمع الابن بأسر أبيه خطب لنفسه بالمملكة وقطع خطبة أبيه، ~~فلما وصل أبوه ومعه عسكر خوارزم شاه امتنع الابن من تسليم البلاد إلى أبيه، ~~وجمع العساكر وخرج يقاتله، فلما تراءى الجمعان انحازت عساكر فارس إلى ~~صاحبها أتابك سعد، وتركوا ابنه في خاصته، فحمل على أبيه، فلما رآه أبوه ظن ~~أنه لم يعرفه، فقال له: أنا فلان! فقال: إياك أردت؛ فحينئذ امتنع منه وولى ~~الابن منهزما. ووصل أتابك سعد إلى البلاد فدخلها مالكا لها وأخذ ابنه ~~أسيرا، فسجنه إلى الآن، إلا أنني سمعت الآن، وهو سنة عشرين وستمائة، أنه قد ~~خفف حبسه ووسع عليه. ولما عاد خوارزم شاه إلى خراسان غدر سعد بالأمير الذي ~~عنده فقتله، ورجع عن طاعة خوارزم شاه، واشتغل خوارزم شاه بالحادثة العظمى ~~التي شغلته عن هذا وغيره، ولكن الله انتقم له بابنه غياث الدين، كما ذكرناه ~~سنة عشرين وستمائة، لأن سعدا كفر إحسان خوارزم شاه وكفر الإحسان عظيم العقوبة. ### || AUT مدينة دمياط وعودها إلى المسلمين # كان من أول هذه الحادثة إلى آخرها أربع سنين غير شهر، وإنما ذكرناها ~~هاهنا لأن ظهورهم كن فيها، وسقناها سياقة متتابعة ليتلو بعضها بعضا، فنقول: ~~في هذه السنة وصلت أمداد الفرنج في البحر من رومية الكبرى وغيرها من بلاد ~~الفرنج في الغرب والشمال، إلا أن المتولي لها كان صاحب رومية، لأنه يتنزل ~~عند الفرنج بمنزلة عظيمة، لا يرون مخالفة أمره ولا العدول عن حكمه فيما ~~سرهم وساءهم، فجهز العساكر من عنده مع جماعة من مقدمي الفرنج، وأمر غيره من ~~ملوك الفرنج إما أن يسير بنفسه، أو يرسل جيشا، ففعلوا ما أمرهم، فاجتمعوا ~~بعكا من ساحل الشام. ms4455 وكان الملك العادل أبو بكر بن أيوب بمصر، فسار منها ~~إلى الشام، فوصل إلى الرملة، ومنها إلى لد، وبرز الفرنج من عكا ليقصدوه، ~~فسار العادل نحوهم، فوصل إلى نابلس عازما على أن يسبقهم إلى أطراف البلاد ~~مما يلي عكا ليحميها منهم، فساروا هم فسبقوه، فنزل على بيسان من الأردن، ~~فتقدم الفرنج إليه في شعبان عازمين على محاربته لعلمهم أنه في قلة من ~~العسكر، لأن العساكر كانت متفرقة في البلاد. فلما رأى العادل قربهم منه لم ~~ير أن يلقاهم في الطائفة التي معه، خوفا من هزيمة تكون عليه، وكان حازما، ~~كثير الحذر، ففارق بيسان نحو دمشق ليقيم بالقرب منها، ويرسل إلى البلاد ~~ويجمع العساكر، فوصل إلى مرج الصفر فنزل فيه. وكان أهل بيسان، وتلك ~~الأعمال، لما رأوا الملك العادل عندهم اطمأنوا، فلم يفارقوا بلادهم ظنا ~~منهم أن الفرنج لا يقدمون عليه، فلما أقدموا سار على غفلة من الناس، فلم ~~يقدر على النجاة إلا القليل، فأخذ الفرنج كل ما في بيسان من ذخائر قد جمعت، ~~وكانت كثيرة، وغنموا شيئا كثيرا، ونهبوا البلاد من بيسان إلى بانياس، بثوا ~~السرايا في القرى فوصلت إلى خسفين، ونوى وأطراف البلاد، ونازلوا بانياس، ~~وأقاموا عليها ثلاثة أيام، ثم عادوا عنها إلى مرج عكا ومعهم من الغنائم ~~والسبي والأسرى ما لا يحصى كثرة، سوى ما قتلوا، وأحرقوا، وأهلكوا، فأقاموا ~~أياما استراحوا خلالها. ثم جاؤوا إلى صور، وقصدوا بلد الشقيف، ونزلوا بينهم ~~وبين بانياس مقدار فرسخين، فنهبوا البلاد: صيدا والشقيف، وعادوا إلى عكا؛ ~~وكان هذا من نصف رمضان إلى العيد، والذي سلم من تلك البلاد كان مخفا حتى ~~قدر على النجاة. PageV05P0291 # ولقد بلغني أن العادل لما سار إلى مرج الصفر رأى في طريقه رجلا يحمل ~~شيئا، وهو يمشي تارة، وتارة يقعد ليستريح، فعدل العادل إليه وحده، فقال له: ~~يا شيخ لا تعجل، وارفق بنفسك! فعرفه الرجل، فقال: يا سلطان المسلمين! أنت ~~لا تعجل، فإنا إذا رأيناك قد سرت إلى بلادك وتركتنا مع الأعداء كيف لا ~~نعجل! وبالجملة الذي فعله ms4456 العادل هو الحزم والمصلحة لئلا يخاطر باللقاء على ~~حال تفرق من العساكر؛ ولما نزل العادل على مرج الصفر سير ولده الملك المعظم ~~عيسى، وهو صاحب دمشق في قطعة صالحة من الجيش إلى نابلس ليمنع الفرنج عن ~~البيت المقدس. ### || AUT ذكر حصر الفرنج قلعة الطور وتخريبها # لما نزل الفرنج بمرج عكا تجهزوا، وأخذوا معهم آلة الحصار من مجانيق ~~وغيرها، وقصدوا قلعة الطور، وهي قلعة منيعة على رأس جبل بالقرب من عكا ~~العادل قد بناها عن قريب، فتقدموا إليها وحصروها وزحفوا إليها، وصعدوا في ~~جبلها حتى وصلوا إلى سورها وكادوا يملكونه. فاتفق أن بعض المسلمين ممن فيها ~~قتل بعض ملوكهم، فعادوا عن القلعة فتركوها، وقصدوا عكا، وكانت مدة مقامهم ~~على الطور سبعة عشر يوما. ولما فارقوا الطور أقاموا قريبا، ثم ساروا في ~~البحر إلى ديار مصر، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، فتوجه الملك المعظم ~~إلى قلعة الطور فخربها إلى أن ألحقها بالأرض لأنها بالقرب من عكا ويتعذر حفظها. ### || AUT ذكر حصر الفرنج دمياط إلى أن ملكوها # لما عاد الفرنج من حصار الطور أقاموا بعكا إلى أن دخلت سنة خمس عشرة ~~وستمائة، فساروا في البحر إلى دمياط، فوصلوا في صفر، فأرسلوا على بر ~~الجيزة، بينهم وبين دمياط النيل، فإن بعض النيل يصب في البحر المالح عند ~~دمياط، وقد بني في النيل برج كبير منيع، وجعلوا فيه سلاسل من حديد غلاظ، ~~ومدوها في النيل إلى سور دمياط لتمنع المراكب الواصلة في البحر المالح أن ~~تصعد في النيل إلى ديار مصر، ولولا هذا البرج وهذه السلاسل لكانت مراكب ~~العدو لا يقدر أحد على منعها عن أقاصي ديار مصر وأدانيها. فلما نزل الفرنج ~~على بر الجيزة، وبينهم وبين دمياط النيل، بنوا عليه سورا، وجعلوا خندقا ~~يمنعهم من يريدهم، وشرعوا في قتال من بدمياط، وعملوا آلات، ومرمات، وأبراجا ~~متحركة يزحفون بها في المراكب إلى هذا البرج ليقاتلوه ويملكوه. وكان البرج ~~مشحونا بالرجال، وقد نزل الملك الكامل ابن الملك العادل، وهو صاحب ديار ~~مصر، بمنزلة تعرف ms4457 بالعادلية، بالقرب من دمياط، والعساكر متصلة من عنده إلى ~~دمياط، ليمنع العدو من العبور إلى أرضهم. وأدام الفرنج قتال البرج وتابعوه، ~~فلم يظفروا منه بشيء، وكسرت مرماتهم وآلاتهم، ومع هذا فهم ملازمون لقتاله، ~~فبقوا كذلك أربعة أشهر ولم يقدروا على أخذه؛ فلما ملكوه قطعوا السلاسل ~~لتدخل مراكبهم من البحر المالح في النيل ويتحكموا في البر، فنصب الملك ~~الكامل عوض السلاسل جسرا عظيما امتنعوا به من سلوك النيل، ثم أنهم قاتلوا ~~عليه أيضا قتالا شديدا، كثيرا، متتابعا حتى قطعوه، فلا قطع أخذ الملك ~~الكامل عدة مراكب كبار وملأها وخرقها وغرقها في النيل، فمنعت المراكب من ~~سلوكه. فلما رأى الفرنج ذلك قصدوا خليجا هناك يعرف بالأزرق، كان النيل يجري ~~فيه قديما، فحفروا ذلك الخليج وعمقوه فوق المراكب التي جعلت في النيل، ~~وأجروا الماء فيه إلى البحر المالح، وأصعدوا مراكبهم فيه إلى موضع يقال له ~~بورة، على أرض الجيزة أيضا، مقابل المنزلة التي فيها الملك الكامل ليقاتلوه ~~من هناك، فإنهم لم يكن لهم إليه طريق يقاتلونه فيها؛ كانت دمياط تحجز بينهم ~~وبينه، فلما صاروا في بورة حاذوه فقاتلوه في الماء، وزحفوا غير مرة، فلم ~~يظفروا بطائل. ولم يتغير على أهل دمياط شيء لأن الميرة والأمداد متصلة بهم، ~~والنيل يحجز بينهم وبين الفرنج، فهم ممتنعون لا يصل إليهم أذى، وأبوابها ~~مفتحة، وليس عليها من الحصر ضيق ولا ضرر. فاتفق، كما يريد الله عز وجل، أن ~~الملك العادل توفي في جمادى الآخرة من سنة خمس عشرة وستمائة، على ما نذكره ~~إن شاء الله، فضعفت نفوس الناس لأنه السلطان حقيقة، وأولاده، وإن كانوا ~~ملوكا إلا أنهم يحكمه، والأمر إليه، وهو ملكهم البلاد، فاتفق موته والحال ~~هكذا من مقاتلة العدو. PageV05P0292 # وكان من جملة الأمراء بمصر أمير يقال له عماد الدين أحمد بن علي، ويعرف ~~بابن المشطوب، وهو من الأكراد الهكارية، وهو أكبر أمير بمصر، وله لفيف ~~كثير، وجميع الأمراء، وأرادوا أن يخلعوا الملك الكامل من الملك ويملكوا ~~أخاه الملك الفائز بن العادل ليصير الحكم إليهم عليه وعلى ms4458 البلاد، فبلغ ~~الخبر إلى الكامل، ففارق المنزلة ليلا جريدة، وسار إلى قرية يقال لها أشموم ~~طناح، فنزل عندها، وأصبح العسكر وقد فقدوا سلطانهم، فركب كل إنسان منهم ~~هواه، ولم يقف الأخ على أخيه، ولم يقدروا على أخذ شيء من خيامهم وذخائرهم ~~وأموالهم وأسلحتهم إلا اليسير الذي يخف حمله، وتركوا الباقي بحاله من ميرة، ~~وسلاح، ودواب، وخيام وغير ذلك، ولحقوا بالكامل. وأما الفرنج فإنهم أصبحوا ~~من الغد، فلم يروا من المسلمين أحدا على شاطئ النيل كجاري عادتهم، فبقوا لا ~~يدرون ما الخبر، وإذ قد أتاهم من أخبرهم الخبر على حقيقة، فعبروا حينئذ ~~النيل إلى بر دمياط آمنين بغير منازع ولا ممانع، وكان عبورهم في العشرين من ~~ذي القعدة سنة خمس عشرة وستمائة، فغنموا ما في معسكر المسلمين، فكان عظيما ~~يعجز العادين. وكان الملك الكامل يفارق الديار المصرية لأنه لم يثق بأحد من ~~عسكره، وكان الفرنج ملكوا الجميع بغير تعب ولا مشقة، فاتفق من لطف الله ~~تعالى بالمسلمين أن الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل وصل إلى أخيه ~~الكامل بعد هذه الحركة بيومين، والناس في أمر مريج، فقوي به قلبه، واشتد ~~ظهره، وثبت جنانه، وأقام بمنزلته، وأخرجوا ابن المشطوب إلى الشام، فاتصل ~~بالملك الأشرف وصار من جنده. فلما عبر الفرنج إلى أرض دمياط اجتمعت العرب ~~على اختلاف قبائلها، ونهبوا البلاد المجاورة لدمياط، وقطعوا الطريق، ~~وأفسدوا، وبالغوا في الإفساد، فكانوا أشد على المسلمين من الفرنج، وكان أضر ~~شيء على أهل دمياط أنها لم يكن بها من العسكر أحد لأن السلطان ومن معه من ~~العساكر كانوا عندها يمنعون العدو عنها، فأتتهم هذه الحركة بغتة، فلم ~~يدخلها أحد من العسكر، وكان ذلك من فعل ابن المشطوب، لا جرم لم يمهله الله، ~~وأخذه أخذة رابية، على ما نذكره إن شاء الله. وأحاط الفرنج بدمياط، ~~وقاتلوها برا وبحرا، وعملوا عليهم خندقا يمنعهم من يريدهم من المسلمين، ~~وهذه كانت عادتهم، وأداموا القتال، واشتد الأمر على أهلها، وتعذرت عليهم ~~الأقوات وغيرها، وسئموا القتال وملازمته، لأن الفرنج كانوا يتناوبون القتال ms4459 ~~عليهم لكثرتهم، وليس بدمياط من الكثرة ما يجعلون القتال بينهم مناوبة، ومع ~~هذا فقد صبروا صبرا لم يسمع بمثله، وكثر القتل فيهم والجراح والموت ~~والأمراض، ودام الحصار عليهم إلى السابع والعشرين من شعبان سنة ست عشرة ~~وستمائة، فعجز من بقي من أهلها عن الحفظ لقلتهم، وتعذر القوت عندهم، فسلموا ~~البلد إلى الفرنج، في هذا التاريخ، بالأمان، فخرج منهم قوم وأقام آخرون ~~لعجزهم عن الحركة، فتفرقوا أيدي سبا. ### || AUT ذكر ملك المسلمين دمياط من الفرنج # لما ملك الفرنج دمياط أقاموا بها، وبثوا سراياهم في كل ما جاورهم من ~~البلاد، ينهبون ويقتلون، فجلا أهلها عنها، وشرعوا في عمارتها وتحصينها، ~~وبالغوا في ذلك حتى إنها بقيت لا ترام. وأما الملك الكامل فإنه أقام بالقرب ~~منهم في أطراف بلاده يحميها منهم. ولما سمع الفرنج في بلادهم بفتح دمياط ~~على أصحابهم أقبلوا إليهم يهرعون من كل فج عميق، وأصبحت دار هجرتهم، وعاد ~~الملك المعظم صاحب دمشق إلى الشام فخرب البيت المقدس، وإنما فعل ذلك لأن ~~الناس كافة خافوا الفرنج، وأشرف الإسلام وجميع أهله وبلاده على خطة خسف في ~~شرق الأرض وغربها: أقبل التتر من المشرق حتى وصلوا إلى نواحي العراق ~~وأذربيجان وأران وغيرها، على ما نذكره إن شاء الله تعالى؛ وأقبل الفرنج من ~~المغرب فملكوا مثل دمياط في الديار المصرية، مع عدم الحصون المانعة بها من ~~الأعداء، وأشرف سائر البلاد بمصر والشام على أن تملك، وخافهم الناس كافة، ~~وصاروا يتوقعون البلاء صباحا ومساء. وأراد أهل مصر الجلاء عن بلادهم خوفا ~~من العدو، (ولات حين مناص)، والعدو قد أحاط بهم من كل جانب، ولو مكنهم ~~الكامل من ذلك لتركوا البلاد خاوية على عروشها، وإنا منعوا منه فثبتوا. ~~PageV05P0293 # وتابع الملك الكامل كتبه إلى أخويه المعظم صاحب دمشق، والملك الأشرف موسى ~~بن العادل، صاحب ديار الجزيرة وأرمينية وغيرهما، يستنجدهما، ويحثهما على ~~الحضور بأنفسهما، فإن لم يكن فيرسلان العساكر إليه، فسار صاحب دمشق إلى ~~الأشرف بنفسه بحران فرآه مشغولا عن إنجادهم بما دهمه من اختلاف الكلمة ~~عليه، وزوال الطاعة ms4460 عن كثير ممن كان يطيعه؛ ونحن نذكر ذلك سنة خمس عشرة ~~وستمائة إن شاء الله عند وفاة الملك القاهر، صاحب الموصل، فليطلب من هناك، ~~فعذره، وعاد عنه، وبقي الأمر كذلك مع الفرنج. فأما الملك الأشرف فزال الخلف ~~من بلاده، ورجع الملوك الخارجون عن طاعته إليه، واستقامت له الأمور إلى سنة ~~ثماني عشرة وستمائة؛ والملك الكامل مقابل الفرنج. فلما دخلت سنة ثماني عشرة ~~وستمائة علم بزوال مانع الملك الأشرف عن إنجاده، فأرسل يستنجده وأخاه، صاحب ~~دمشق، فسار صاحب دمشق المعظم إلى الأشرف يحثه على المسير، ففعل، وسار إلى ~~دمشق فيمن معه من العساكر، وأمر الباقين باللحاق به إلى دمشق وأقام بها ~~ينتظرهم، فأشار عليه بعض أمرائه وخواصه بإنفاذ العساكر والعود إلى بلاده ~~خوفا من اختلاف يحدث بعده، فلم يقبل قولهم، وقال: قد خرجت للجهاد، ولا بد ~~من إتمام ذلك العزم؛ فسار إلى مصر. وكان الفرنج قد ساروا عن دمياط في ~~الفارس والراجل، وقصدوا الملك الكامل، ونزلوا مقابله، بينهما خليج من النيل ~~يسمى بحر أشموم، وهم يرمون بالمنجنيق والجرخ إلى عسكر المسلمين، وقد تيقنوا ~~هم وكل الناس أنهم يملكون الديار المصرية. وأما الأشراف فإنه سار حتى وصل ~~مصر، فلما سمع أخوه الكامل بقربه منهم توجه إليه، فلقيه، واسبتشر هو وسائر ~~المسلمين باجتماعهما، لعل الله يحدث بذلك نصرا وظفرا. وأما الأشرف فإنه سار ~~حتى وصل مصر، فلما سمع أخوه الكامل بقربه منهم توجه إليه، فلقيه، واسبتشر ~~هو وسائر المسلمين باجتماعهما، لعل الله يحدث بذلك نصرا وظفرا. وأما الملك ~~المعظم، صاحب دمشق، فإنه سار أيضا إلى ديار مصر، وقصد دمياط ظنا منه أن ~~أخويه وعسكريهما قد نازلوها، وقيل بل أخبر في الطريق أن الفرنج قد توجهوا ~~إلى دمياط، فسابقهم إليها ليلقاهم من بين أيديهم، وأخواه من خلفهم، والله ~~أعلم. ولما اجتمع الأشراف بالكامل استقر الأمر بينهما على التقدم إلى خليج ~~من النيل يعرف ببحر المحلة فتقدموا إليه، فقاتلوا الفرنج، وازدادوا قربا، ~~وتقدمت شواني المسلمين من النيل، وقاتلوا شواني الفرنج، فأخذوا منها ثلاث ~~قطع بمن ms4461 فيها من الرجال، وما فيها من الأموال والسلاح، ففرح المسلمون بذلك، ~~واسبتشروا، وتفاءلوا، وقويت نفوسهم، واستطالوا على عدوهم. هذا يجري والرسل ~~مترددة بينهم في تقرير قاعدة الصلح، وبذل المسلمون لهم تسليم البيت المقدس، ~~وعسقلان، وطبرية، وصيدا، وجبلة، واللاذقية، وجميع ما فتحه صلاح الدين من ~~الفرنج بالساحل وقد تقدم ذكره ما عدا الكرك، ليسلموا دمياط، فلم يرضوا ~~وطلبوا ثلاثمائة ألف دينار عوضا عن تخريب القدس ليعمروه بها، فلم يتم بينهم ~~أمر وقالوا: لا بد من الكرك. فبينما الأمر في هذا، وهم يمتنعون، اضطر ~~المسلمون إلى قتالهم، وكان الفرنج لاعتدادهم بنفوسهم لم يستصحبوا معهم ما ~~يقوتهم عدة أيام، ظنا منهم أن العساكر الإسلامية لا تقوم لهم، وأن القرى ~~والسواد جميعه يبقى بأيديهم، ويأخذون منه ما أرادوا من الميرة، لأمر يريده ~~الله تعالى بهم، فعبر طائفة من المسلمين إلى الأرض التي عليها الفرنج، ~~ففجروا النيل، فركب الماء أكثر تلك الأرض، ولم يبق للفرنج جهة يسلكون منها ~~غير جهة واحدة فيها ضيق، فنصب الكامل حينئذ الجسور على النيل، عند أشموم، ~~وعبرت العساكر عليها، فملك الطريق الذي يسلكه الفرنج إن أرادوا العود إلى ~~دمياط، فلم يبق لهم خلاص. واتفق في تلك الحال أنه وصل إليهم مركب كبير ~~للفرنج من أعظم المراكب يسمى مرمة، وحوله عدة حراقات تحميه، والجميع مملوء ~~من الميرة والسلاح، وما يحتاجون إليه، فوقع عليها شواني المسلمين، ~~وقاتلوهم، فظفروا بالمرمة وبما معها من الحراقات وأخذوها، فلما رأى الفرنج ~~ذلك سقط في أيديهم، ورأوا أنهم قد ضلوا الصواب بمفارقة دمياط في أرض ~~يجهلونها. PageV05P0294 # هذا وعساكر المسلمين محيطة بهم يرمونهم بالنشاب، ويحملون على أطرافهم، ~~فلما اشتد الأمر على الفرنج أحرقوا خيامهم، ومجانيقهم، وأثقالهم، وأرادوا ~~الزحف إلى المسلمين ومقاتلتهم، لعلم يقدرون على العود إلى دمياط، فرأوا ما ~~أملوه بعيدا، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، لكثرة الوحل والمياه حولهم، ~~والوجه الذي يقدرون على سلوكه قد ملكه المسلمون. فلما تيقنوا أنهم قد أحيط ~~بهم من سائر جهاتهم، وأن ميرتهم قد تعذر عليهم وصولها، وأن المنايا قد كشرت ~~لهم ms4462 عن أنيابها، ذلت نفوسهم، وتكسرت صلبانهم، وضل عنهم شيطانهم، فراسلوا ~~الملك الكامل والأشرف يطلبون الأمان ليسلموا دمياط بغير عوض، فبينما ~~المراسلات مترددة إذ أقبل جمع كبير، لهم رهج شديد، وجلبة عظيمة، من جهة ~~دمياط، فظنه المسلمون نجدة أتت للفرنج، فاستشعروا، وإذا هو الملك المعظم، ~~صاحب دمشق، قد وصل إليهم، وكان قد جعل طريقه على دمياط، لما ذكرناه، فاشتدت ~~ظهور المسلمين، وازداد الفرنج خذلانا وكان قد جعل طرقه على دمياط، لما ~~ذكرناه، فاشتدت ظهور المسلمين، وازداد الفرنج خذلانا ووهنا، وتمموا الصلح ~~على تسليم دمياط، واستقرت القاعدة والأيمان سابع رجب من سنة ثماني عشرة ~~وستمائة، وانتقل ملوك الفرنج، وكنودهم وقمامصتهم إلى الملك الكامل والأشرف ~~رهائن على تسليم دمياط ملك عكا، ونائب بابا صاحب رومية، وكند ريش، وغيرهم، ~~وعدتهم عشون ملكا، وراسلوا قسوسهم ورهبانهم إلى دمياط في التسليم، فلم ~~يمتنع من هبا، وسلموها إلى المسلمين تاسع رجب المذكور، وكان يوما مشهودا. ~~ومن العجب أن المسلمين لما تسلموها وصلت للفرنج نجدة في البحر، فلو سبقوا ~~المسلمين إليها لامتنعوا من تسليمها، ولكن سبقهم المسلمون ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا، ولم يبق بها من أهلها إلا آحاد، وتفرقوا أيدي سبا، وبعضهم سار ~~عنها باختياره، وبعضهم مات، وبعضهم أخذه الفرنج. ولما دخلها المسلمون رأوها ~~وقد حصنها الفرنج تحصينا عظيما بحيث بقيت لا ترام، ولا يوصل إليها، وأعاد ~~الله، سبحانه وتعالى، الحق إلى نصابه، ورده إلى أربابه، وأعطى المسلمين ~~ظفرا مل يكن في حسابهم، فإنهم كانت غاية أمانيهم أن يسلموا البلاد التي ~~أخذت منهم بالشام ليعيدوا دمياط، فرزقهم الله إعادة دمياط، وبقيت البلاد ~~بأيديهم على حالها، فالله المحمود المشكور على ما أنعم به على الإسلام ~~والمسلمين من كف عادية هذا العدو، وكفاهم شر التتر، على ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في المحرم، كانت ببغداد فتنة بين أهل المأمونية وبني أهل ~~باب الأزج بسبب قتل سبع؛ وزاد الشر بينهم، واقتتلوا، فجرح بينهم كثير، فحضر ~~نائب الباب وكفهم عن ذلك، فلم يقبلوا ms4463 ذلك، وأسمعوه ما يكره، فأرسل من ~~الديوان أمير من مماليك الخليفة، فرد أهل كل محلة إلى محلتهم، وسكنت ~~الفتنة. وفيها كثر الفأر ببلدة دجيل من أعمال بغداد، فكان الإنسان لا يقدر ~~أن يجلس إلا ومعه عصا يردج الفأر عنه، وكان يرى الكثير منه ظاهرا يتبع بعضه ~~بعضا. وفيها زادت دجلة زيادة عظيمة لم يشاهد في قديم الزمان مثلها، وأشرفت ~~بغداد على الغرق، فركب الوزير والأمراء والأعيان كافة، وجمعوا الخلق العظيم ~~من العامة وغيرهم لعمل القورج حول البلد، وقلق الناس لذلك، وانزعجوا، ~~وعاينوا الهلاك، وأعدوا السفن لينجوا فيها، وظهر الخليفة للناس وحثهم على ~~العمل؛ وكان مما قال لهم: لو كان يفدى ما أرى بمال أو غيره لفعلت، ولو دفع ~~بحرب لفعلت، ولكن أمر الله لا يرد. ونبع الماء من البلاليع والآبار من ~~الجانب الشرقي، وغرق كثير منه، وغرق مشهد أبي حنيفة، وبعض الرصافة، وجامع ~~المهدي، وقرية الملكية، والكشك، وانقطعت الصلاة بجامع السلطان. وأما الجانب ~~الغربي، فتهدم أكثر القرية، ونهر عيسى، والشطيات، وخربت البساتين، ومشهد ~~باب التبن، ومقبرة أحمد ابن حنبل، والحريم الطاهري، وبعض باب البصرة والدور ~~التي على نهر عيسى، وأكثر محلة قطفتا. وفيها توفي أحمد بن أبي الفضائل عبد ~~المنعم بن أبي البركات محمد بن طاهر ابن سعيد بن فضل الله بن سعيد بن أبي ~~الخير الميهني، الصوفي، أبو الفضل شيخ رباط الخليفة ببغداد، وكان صالحا من ~~بيت التصوف والصلاح. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس عشرة وستمائة # ### || AUT ذكر وفاة الملك القاهر وولاية ابنه # PageV05P0295 ### || AUT نور الدين وما كان من الفتن بسبب موته إلى أن استقرت الأمور # في هذه السنة توفي الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود ~~ابن مودود بن زنكي بن آقسنقر، صاحب الموصل، ليلة الاثنين لثلاث بقين من شهر ~~ربيع الأول، وكانت ولايته سبع سنين وتسعة أشهر. وكان سبب موته أنه أخذته ~~حمى، ثم فارقته الغد، وبقي يومين موعوكا، ثم عاودته الحمى مع فيء كثير، ~~وكرب شديد، وقلق متتابع، ثم برد بدنه، وعرق، وبقي ms4464 كذلك إلى وسط الليل، ثم ~~توفي. وكان كريما حليما، قليل الطمع في أموال الرعية، كافا عن أذى يوصله ~~إليهم، مقبلا على لذاته كأنما ينهبها ويبادر بها الموت؛ وكن عنده رقة ~~شديدة، ويكثر ذكر الموت. حكى لي بعض من كان يلازمه قال: كنا ليلة، قبل ~~وفاته بنصف شهر، عنده، فقال لي: قد وجدت ضجرا من القعود، فقم بنا نتمشى إلى ~~الباب العمادي؛ قال: فقمنا، فخرج من داره نحو الباب العمادي، فوصل التربة ~~التي عملها لنفسه عند داره، فوقف عندها مفكرا لا يتكلم، ثم قال لي: والله ~~ما نحن في شيء! أليس مصيرنا إلى هاهنا، وندفن تحت الأرض؟ وأطال الحديث في ~~هذا ونحوه، ثم عاد إلى الدار، فقلت له: ألا نمشي إلى الباب العمادي؟ فقال: ~~ما بقي عندي نشاط إلى هذا ولا إلى غيره، ودخل داره وتوفي بعد أيام. وأصيب ~~أهل بلاده بموته، وعظم عليهم فقده، وكان محبوبا إليهم، قريبا من قلوبهم، ~~ففي كل دار لأجله رنة وعويل؛ ولما حضرته الوفاة أوصى بالملك لولده الأكبر ~~نور الدين أرسلان شاه، وعمره حينئذ نحو عشر سنين، وجعل الوصي عليه والمدبر ~~لدولته بدر الدين لؤلؤ، وهو الذي كان يتولى دولة القاهر ودولة أبيه نور ~~الدين قبله، وقد تقدم من أخباره ما يعرف به محله، وسيرد منها أيضا ما يزيد ~~الناظر بصيرة فيه. فلما قضى نحبه قام بدر الدين بأمر نور الدين، وأجلسه في ~~مملكة أبيه، وأرسل إلى الخليفة يطلب له التقليد والتشريف، وأرسل إلى ~~الملوك، وأصحاب الأطراف المجاورين لهم، يطلب منهم تجديد العهد لنور الدين ~~على القاعدة التي كانت بينهم وبين أبيه، فلم يصبح إلا وقد فرغ من كل ما ~~يحتاج إليه، وجلس للعزاء، وحلف الجند والرعايا، وضبط المملكة من التزلزل ~~والتغير مع صغر السلطان وكثرة الطامعين في الملك، فإنه كان معه في البلد ~~أعمام أبيه، وكان عمه عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه بولايته، وهي قلعة عقر ~~الحميدية، يحدث نفسه بالملك، لا يشك في أن الملك يصير إليه بعد أخيه، فرقع ~~بدر الدين ذلك ms4465 الخرق، ورتق ذلك الفتق، وتابع الإحسان والخلع على الناس ~~كافة، وغير ثياب الحداد عنهم، فلم يخص بذلك شريفا دون مشروف، ولا كبيرا دون ~~صغير، وأحسن السيرة، وجلس لكف ظلامات الناس، وإنضاف بعضهم من بعض. وبعد ~~أيام وصل التقليد من الخليفة لنور الدين بالولاية، ولبدر الدين بالنظر في ~~أمر دولته، والتشريفات لهما أيضا، وأتتهما رسل الملوك بالتعزية، وبذل ما ~~طلب منهم من العهود، واستقرت القواعد لهما. ### || AUT ذكر ملك عماد الدين زنكي قلاع الهكارية والزوزان # قد ذكرنا عند وفاة نور الدين سنة سبع وستمائة أنه أعطى ولده الأصغر زنكي ~~قلعتي العقر وشوش، وهما بالقرب من الموصل، فكان تارة يكون بالموصل، وتارة ~~بولايته، متجنيا لكثرة تلونه، وكان بقلعة العمادية مستحفظ من مماليك جده عز ~~الدين مسعود بن مودود، قيل إنه جرى له منع زنكي مراسلات في معنى تسليم ~~العمادية إليه، فنمى الخبر بذلك إلى بدر الدين، فبادره بالعزل مع أمير كبير ~~وجماعة من الجند لم يمكنه الامتناع، وسلم القلعة إلى نائب بدر الدين كذلك، ~~وجعل بدر الدين في غير العمادية من القلاع نوابا له. وكان نور الدين بن ~~القاهر لا يزال مريضا من جروح كانت به، وغيرها من الأمراض، وكان يبقى المدة ~~الطويلة لا يركب، ولا يظهر للناس، فأرسل زنكي إلى من بالعمادية من الجند ~~يقول: إن ابن أخي توفي، ويريد بدر الدين أن يملك البلاد، وأنا أحق بملك ~~آبائي وأجدادي؛ فلم يزل حتى استدعاه الجند منها، وسلموا إليه، ثامن عشر ~~رمضان سنة خمس عشرة وستمائة، وقبضوا على النائب البدري وعلى من معه. ~~PageV05P0296 # فوصل الخبر إلى بدر الدين ليلا فجد في الأمر، ونادى في العسكر لوقته ~~بالرحيل، فساروا مجدين إلى العمادية وبها زنكي ليحصروه فيها، فلم يطلع ~~الصبح إلا وقد فرغ من تسيير العساكر، فساروا إلى العمادية وحصروها، وكان ~~الزمان شتاء، والبرد شديد، والثلج هناك كثير، فلم يتمكنوا من قتال من بها، ~~لكنهم أقاموا يحصرونها، وقام مظفر الدين كوكبري بن زين الدين، صاحب إربل، ~~في نصر عماد الدين، وتجرد لمساعدته، فراسله بدر ms4466 الدين يذكره الأيمان ~~والعهود التي من جملتها أنه لا يتعرض إلى شيء من أعمال الموصل، ومنها قلاع ~~الهكارية والزوزان بأسمائها، ومتى تعرض إليها أحد من الناس، من كان، منعه ~~بنفسه وعساكره، وأعان نور الدين وبدر الدين على منعه، ويطالبه بالوفاء بها. ~~ثم نزل عن هذا، ورضي منه بالسكوت لا لهم ولا عليهم، فلم يفعل، وأظهر معاضدة ~~عماد الدين زنكي، فحينئذ لم يمكن مكاثرة زنكي بالرجال والعساكر لقرب هذا ~~الخصم من الموصل وأعمالها، إلا أن العسكر البدري محاصر للعمادية وبها زنكي. ~~ثم إن بعض الأمراء من عسكر الموصل، ممن لا علم له بالحرب، وكان شجاعا وهو ~~جديد الإمارة أراد أن يظهر شجاعته ليزداد بها تقدما، أشار على من هناك من ~~العسكر بالتقدم إليها ومباشرتا بالقتال، وكانوا قد تأخروا عنها شيئا يسيرا ~~لشدة البرد والثلج، فلم يوافقوه، وقبحوا رأيه، فتركهم ورحل متقدما إليهم ~~ليلا، فاضطروا إلى اتباعه خوفا عليه من أذى يصيبه ومن معه، فساروا إليه على ~~غير تعبئة لضيق المسلك، ولأنه أعجلهم عن ذلك، وحكم الثلج عليهم أيضا. فسمع ~~زنكي ومن مه، فنزلوا، ولقوا أوائل الناس، وأهل مكة أخبر بشعابها، فلم ~~يثبتوا لهم، وانهزموا وعادوا إلى منزلتهم، ولم يقف العسكر عليهم، فاضطروا ~~إلى العود، فلما عادوا راسل زنكي باقي قلاع الهكارية والزوزان، واستدعاهم ~~إلى طاعته، فأجابوه، وسلموا إليه، فجعل فيها الولاة، وتسلمها وحكم فيها. ### || AUT ذكر اتفاق بدر الدين مع الملك الأشرف # لما رأى بدر الدين خروج القلاع عن يده، واتفاق مظفر الدين وعماد الدين ~~عليه، ولم ينفع معهما اللين ولا الشدة، وإنهما لا يزالان يسعيان في أخذ ~~بلاده، ويتعرضان إلى أطرافها بالنهب والأذى، أرسل إلى الملك الأشرف موسى ~~ابن الملك العادل، وهو صاحب ديار الجزيرة كلها، إلا القليل، وصاحب خلاط ~~وبلادها، يطلب منه الموافقة والمعاضدة، وانتمى إليه، وصار في طاعته منخرطا ~~في سلك موافقته، فأجابه الأشرف بالقبول لذلك والفرح به والاستبشار، وبذل له ~~المساعدة والمعاضدة، والمحاربة دونه، واستعادة ما أخذ من القلاع التي كانت ~~له. وكان الملك الأشرف حينئذ بحلب، ms4467 نازلا بظاهرها، لما ذكرناه من تعرض ~~كيكاوس، ملك بلاد الروم التي بيد المسلمين، قونية وغيرها، إلى أعمالها، ~~وملكه بعض قلاعها، فأرسل إلى مظفر الدين يقبح هذه الحالة، ويقول له: إن هذه ~~القاعدة تقررت بين جميعنا بحضور رسلك، وإننا نكون على الناكث إلى أن يرجع ~~الحق، ولا بد من إعادة ما أخذ من بلد الموصل لندوم على اليمين التي استقرت ~~بيننا، فإن امتنعت، وأصررت على معاضدة زنكي ونصرته، فأنا أجيء بنفسي ~~وعساكري، وأقصد بلادك وغيرها، وأسترد ما أخذتموه وأعيده إلى أصحابه، ~~والمصلحة أنك توافق، وتعود إلى الحق، لنجعل شغلنا جمع العساكر، وقصد الديار ~~المصرية، وإجلاء الفرنج عنها قبل أن يعظم خطبهم ويستطير شرهم. فلم تحصل ~~الإجابة منه إلى شيء من ذلك؛ وكان ناصر الدين محمود، صاحب الحصن وآمد، قد ~~امتنع عن موافقة الأشرف ذلك جهز عسكرا وسيره إلى نصيبين نجدة لبدر الدين إن ~~احتاج إليهم. ### || AUT ذكر انهزام عماد الدين من العسكر البدري # لما عاد العسكر البدري من حصار العمادية وبها زنكي، كما ذكرناه، قويت ~~نفسه، وفارقها، وعاد إلى قلعة العقر التي له ليتسلط على أعمال الموصل ~~بالصحراء، فإن بلد الجبل كان قد فرغ منه، وأمده مظفر الدين بطائفة كثيرة من ~~العسكر. PageV05P0297 # فلما اتصل الخبر ببدر الدين سير طائفة من عسكره إلى أطراف بلد الموصل ~~يحمونها، فأقاموا على أربعة فراسخ من الموصل، ثم إنهم اتفقوا بينهم على ~~المسير إلى زنكي، وهو عند العقر في عسكره، ومحاربته، ففعلوا ذلك، ولم ~~يأخذوا أمر بدر الدين بل أعلموه بمسيرهم جريدة ليس معهم إلا سلاحهم، ودواب ~~يقاتلون عليها، فساروا ليلتهم، وصبحوا زنكي بكرة الأحد لأربع بقين من ~~المحرم من سنة ست عشرة وستمائة، فالتقوا واقتتلوا تحت العقر، وعظم الخطب ~~بينهم، فأنزل الله نصره على العسكر البدري، فانهزم عماد الدين وعسكره، وسار ~~إلى إربل منهزما، وعاد العسكر البدري إلى منزلته التي كان بها، وحضرت الرسل ~~من الخليفة الناصر لدين الله ومن الملك الأشرف في تجديد الصلح، فاصطلحوا، ~~وتحالفوا بحضور الرسل. ### || AUT ذكر وفاة نور الدين صاحب ms4468 الموصل # ### || AUT وملك أخيه # ولما تقرر الصلح توفي نور الدين أرسلان شاه ابن مالك القاهرة، صاحب ~~الموصل، وكان لا يزال مريضا بعدة أمراض، فرتب بدر الدين في الملك بعده أخاه ~~ناصر الدين محمودا وله من العمر نحو ثلاث سنين، ولم يكن للقاهر ولد غيره، ~~وحلف له الجند، وركبه، فطابت نفوس الناس، لأن نور الدين كان لا يقدر على ~~الركوب لمرضه، فلما ركبوا هذا علموا أن لهم سلطانا من البيت الأتابكي، ~~فاستقروا واطمأنوا، وسكن كثير من الشغب بسببه. ### || AUT ذكر انهزام بدر الدين من مظفر الدين # لما توفي نور الدين، وملك أخوه ناصر الدين، تجدد لمظفر الدين ولعماد ~~الدين طمع لصغر سن ناصر الدين، فجمعا الرجال، وتجهز للحركة، فظهر ذلك، وقصد ~~بعض أصحابهم طرف ولاية الموصل بالنهب والفساد. وكان بدر الدين قد سير ولده ~~الأكبر في جمع صالح من العسكر إلى الملك الأشرف بحلب، نجدة له بسبب اجتماع ~~الفرنج بمصر، وهو يريد أن يدخل بلاد الفرنج التي بساحل الشام ينهبها، ~~ويخربها، ليعود بعض من بدمياط إلى بلادهم، فيخف الأمر على الملك الكامل، ~~صاحب مصر؛ فلما رأى بدر الدين تحرك مظفر الدين وعماد الدين، وأن بعض عسكره ~~بالشام، أرسل إلى عسكر الملك الأشرف الذي بنصيبين يستدعيهم ليعتضد بهم، ~~وكان المقدم عليهم مملوك الأشرف، اسمه أيبك، فساروا إلى الموصل رابع رجب ~~سنة ست عشرة. فلما رآهم بدر الدين استقلهم لأنهم كانوا أقل من العسكر الذي ~~له بالشام، أو مثلهم، فألح أيبك على عبور دجلة وقصد بلاد إربل، فمنعه بدر ~~الدين من ذلك، وأمره بالاستراحة، فنزل بظاهر الموصل أياما، وأصر على عبور ~~دجلة، فعبرها بدر الدين موافقة له، ونزلوا على فرسخ من الموصل، شرقي دجلة، ~~فلما سمع مظفر الدين ذلك جمع عسكره وسار إليهم ومعه زنكي، فعبر الزاب وسبق ~~خبره، فسمع به بدر الدين فعبأ أصحابه، وجعل أيبك في الجالشية، ومعه شجعان ~~أصحابه، وأكثر معه منهم، بحيث إنه لم يبق معه إلا اليسير، وجعل في ميسرته ~~أميرا كبيرا، وطلب الانتقال عنها إلى الميمنة، فنقله. ms4469 فلما كان وقت العشاء ~~الآخرة أعاد ذلك الأمير الطلب بالانتقال من الميمنة إلى الميسرة، والخصم ~~بالقرب منهم، فمنعه بدر الدين، وقال: متى انتقلت أنت ومن معك في هذا الليل، ~~ربما ظنه الناس هزيمة فلا يقف أحد؛ فأقام بمكانه، وهو في جمع كبير من ~~العسكر، فلما انتصف الليل سار أيبك، فأمره بدر الدين بالمقام إلى الصبح ~~لقرب العدو منهم، فلم يقبل لجهله بالحرب، فاضطر الناس لاتباعه، فتقطعوا في ~~الليل والظلمة، والتقوا هم والخصم في العشرين من رجب على ثلاثة فراسخ من ~~الموصل، فأما عز الدين فإنه تيامن والتحق بالميمنة، وحمل في اطلابه هو ~~والميمنة على ميسرة مظفر الدين، فهزمها وبها زنكي. وكان الأمير الذي انتقل ~~إلى الميمنة قد أبعد عنها، فلم يقاتل ، فلما رأى أيبك قد هزم الميسرة تبعها ~~والتحق به وانهزمت ميسرة بدر الدين فبقي هو في النفر الذين معه، وتقدم إليه ~~مظفر الدين فيمن معه في القلب لم يتفرقوا، فلم يمكنه الوقوف، فعاد إلى ~~الموصل، وعبر دجلة إلى القلعة، ونزل منها إلى البلد؛ فلما رآه الناس فرحوا ~~به، وساروا معه، وقصد باب الجسر، والعدو بإزائه، بينهما دجلة، فنزل مظفر ~~الدين فيمن سلم معه من عسكره وراء تل حصن نينوى، فأقام ثلاثة أيام. ~~PageV05P0298 # فلما رأى اجتماع العسكر البدري بالموصل، وأنهم لم يفقد منهم إلا اليسير، ~~وبلغه الخبر أن بدر الدين يريد العبور إليه ليلا بالفارس والراجل، على ~~الجسور وفي السفن، ويكبسه، رحل ليلا من غير أن يضرب كوسا أو بوقا، وعادوا ~~نحو إربل، فلما عبروا الزاب نزلوا، ثم جاءت الرسل وسعوا في الصلح، فاصطلحوا ~~على أن كل من بيده شيء هو له، وتقررت العهود والأيمان على ذلك. ### || AUT ذكر ملك عماد الدين قلعة كواشى وملك بدر الدين تل يعفر وملك الملك الأشرف # سنجار كواشى هذه من أحصن قلا الموصل وأعلاها وأمنعها، وكان الجند الذين ~~بها، لما رأوا ما فعل أهل العمادية وغيرها من التسليم إلى زنكي، وأنهم قد ~~تحكموا في القلاع، لا يقدر أحد على الحكم عليهم، أحبوا أن يكونا ms4470 كذلك، ~~فأخرجوا نواب بدر الدين عنهم، وامتنعوا بها، وكانت رهائنهم بالموصل، وهم ~~يظهرون طاعة بدر الدين، ويبطنون المخالفة، فترددت الرسل في عودهم إلى ~~الطاعة، فلم يفعلوا، وراسلوا زنكي في المجيء إليهم، فسار إليهم وتسلم ~~القلعة، وأقام عندهم، فرسول مظفر الدين يذكر بالأيمان القريبة العهد، ويطلب ~~منه إعادة كواشى، فلم تقع الإجابة إلى ذلك، فأرسل حينئذ بدر الدين إلى ~~الملك الأشرف، وهو بحلب، يستنجده، فسار وعبر الفرات إلى حران، واختلفت عليه ~~الأمور من عدة جهات منعته من سرعة السير. وسبب هذا الاختلاف أن مظفر الدين ~~كان يراسل الملوك أصحاب الأطراف ليستميلهم، ويحسن لهم الخروج على الأشرف، ~~ويخوفهم منه، إن خلا وجهه، فأجابه إلى ذلك عز الدين كيكاوس بن كيخسرو بن ~~قلج أرسلان، صاحب بلاد الروم، وصاحب آمد، وحصن كيفا، وصاحب ماردين، واتفقوا ~~كلهم على طاعة كيكاوس، وخطبوا له في بلادهم، ونحن نذكر ما كان بينه وبين ~~الأشراف عند منبج لما قصد بلاد حلب، فهو موغر الصدر عليه. فاتفق أن كيكاوس ~~مات في ذلك الوقت، وكفي الأشرف وبدر الدين شره، ولا جد إلا ما أقعص عنك ~~الرجال، وكان مظفر الدين قد راسل جماعة من الأمراء الذين مع الأشرف، ~~واستمالهم، فأجابوه، منهم: أحمد بن علي بن المشطوب، الذي ذكرنا أنه فعل على ~~دمياط ما فعل، وهو أكبر أمير معه، ووافقه غيره، منهم: عز الدين محمد بن بدر ~~الحميدي وغيرهما، وفارقوا الأشرف، ونزلوا بدنيسر، تحت ماردين، ليجتمعوا مع ~~صاحب آمد، ويمنعوا الأشراف من العبور إلى الموصل لمساعدة بدر الدين. فلما ~~اجتمعوا هناك عاد صاحب آمد إلى موافقة الأشرف، وفارقهم، واستقر الصلح ~~بينهما، وسلم إليه الأشرف مدينة حاني، وجبل جور، وضمن له أخذ دارا وتسليمها ~~إليه، فلما فارقهم صاحب آمد انحل أمرهم، فاضطر بعض أولئك الأمراء إلى العود ~~إلى طاعة الأشرف، وبقي ابن المشطوب وحده، فسار إلى نصيبين ليسير إلى إربل، ~~فخرج إليه شحنة نصيبين فيمن عنده من الجند، فاقتتلوا، فانهزم ابن المشطوب، ~~وتفرق من معه من الجمع، ومضى منهزما، فاجتاز بطرف بلد سنجار، فسير ms4471 إليه ~~صاحبها فروخ شاه بن زنكي ابن مودود بن زنكي عسكرا فهزموه وأخذوه أسيرا ~~وحملوه إلى سنجار، وكان صاحبها موافقا للأشرف وبدر الدين. فلما صار عند ابن ~~المشطوب حسن عنده مخالفة الأشرف، فأجابه إلى ذلك وأطلقه، فاجتمع معه من ~~يريد الفساد، فقصدوا البقعا من أعمال الموصل، ونهبوا فيها عدة قرى، وعادوا ~~إلى سنجار، ثم ساروا وهو معهم إلى تل يعفر، وهي لصاحب سنجار، ليقصدوا بلد ~~الموصل وينهبوا في تلك الناحية، فلما سمع بدر الدين بذلك سير إليه عسكرا، ~~فقاتلوهم، فمضى منهزما، وصعد إلى تل يعفر، واحتمى بها منعم، ونازلوه وحصروه ~~فيها، فسار بدر الدين من الموصل إليه يوم الثلاثاء لتسع بقين من ربيع الأول ~~سنة سبع عشرة وستمائة، وجد في حصره، وزحف إليها مرة بعد أخرى، فملكها سابع ~~عشر ربيع الآخر من هذه السنة، وأخذ ابن المشطوب معه إلى الموصل فسجنه بها، ~~ثم أخذه منه الأشرف فسجنه بحران إلى أن توفي في ربيع الآخر سنة تسع عشرة ~~وستمائة، ولقاه الله عقوبة ما صنع بالمسلمين بدمياط. PageV05P0299 # وأما الملك الأشرف، فإنه لما أطاعه صاحب الحصن وآمد، وتفرق الأمراء عنه ~~كما ذكرناه، رحل من حران إلى دنيسر، فنزل علها، واستولى على بلد ماردين، ~~وشحن عليه، وأقطعه، ومنع الميرة عن ماردين، وحضر معه صاحب آمد وترددت الرسل ~~بينه وبين صاحب ماردين في الصلح، فاصطلحوا على أن يأخذ الأشرف رأس عين، ~~وكان هو قد أقطعها لصاحب ماردين، ويأخذ منه أيضا ثلاثين ألف دينار، ويأخذ ~~منه صاحب آمد الموزر، من بلد شبختان. فلما تم الصلح سار الأشرف من دنيسر ~~إلى نصيبين يريد الموصل، فبينما هو في الطريق لقيه رسل صاحب سنجار يبذل ~~تسليمها إليه، ويطلب العوض عنها مدينة الرقة. وكان السبب في ذلك أخذ تل ~~يعفر منه، فانخلع قلبه، وانضاف إلى ذلك أن ثقاته ونصحاءه خانوه، وزادوه ~~رعبا وخوفا، لأنه تهددهم، فتغدوا به قبل أن يتعشى بهم، ولأنه قطع رحمه، ~~وقتل أخاه الذي ملك سنجار بعد أبيه؛ وقتله كما نذكره إن شاء الله، وملكها، ~~فلقاه الله ms4472 سوء فعله، ولم يمتنعه بها، فلما تيقن رحيل الأشرف تحير في أمره، ~~فأرسل في التسليم إليه، فأجابه الأشرف إلى العوض، وسلم إليه الرقة، وتسلم ~~سنجار مستهل جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة، وفارقها صاحبها وإخوته ~~بأهليهم وأموالهم، وكان هذا آخر ملوك البيت الأتابكي بسنجار، فسبحا الحي ~~الدائم الذي ليس لملكه آخر. وكان مدة ملكهم لها أربعا وتسعين سنة، وهذا دأب ~~الدنيا بأبنائها، فتعسا لها من دار ما أغدرها بأهلها! ### || AUT ذكر وصول الأشرف إلى الموصل # ### || AUT والصلح مع مظفر الدين # لما ملك الملك الأشرف سنجار سار يري الموصل ليجتاز منها، فقدم بين يديه ~~عساكره، فكان يصل كل يوم منهم جمع كثير، ثم وصل هو في آخرهم يوم الثلاثاء ~~تاسع عش جمادى الأولى من السنة المذكورة، وكان يوم وصوله مشهودا، وأتاه رسل ~~الخليفة ومظفر الدين في الصلح، وبذل تسليم القلاع المأخوذة جميعها إلى بدر ~~الدين، ما عدا قلعة العمادية فإنها تبقى بيد زنكي، وإن المصلحة قبول هذا ~~لتزول الفتن، ويقع الاشتغال بجهاد الفرنج. وطال الحديث في ذلك نحو شهرين، ~~ثم رحل الأشرف يريد مظفر الدين صاحب إربل، فوصل إلى قرية السلامية، بالقرب ~~من نهر الزاب، وكان مظفر الدين نازلا عليها من جانب إربل، فأعاد الرسل، وان ~~العسكر قد طال بيكاره، والناس قد ضجروا، وناصر الدين صاحب آمد يميل إلى ~~مظفر الدين، فأشار بالإجابة إلى ما بذل، وأعانه عليه غيره، فوقعت الإجابة ~~إليه، واصطلحوا على ذلك، وجعل لتسليمها أجل، وحمل زنكي إلى الملك الأشرف ~~يكون عنده رهينة إلى حين تسليم القلاع. وسملت قلعة العقر، وقلعة شوش أيضا، ~~وهما لزنكي، إلى نواب الأشرف، رهنا على تسليم ما استقر من القلاع، فإذا ~~سلمت أطلب زنكي، وأعيد عليه قلعة العقر، وقلعة شوس، وحفوا على هذا، وسلم ~~الأشرف زنكي القلعتين وعاد إلى سنجار، وكان رحيله عن الموصل ثاني شهر رمضان ~~من سنة سبع عشرة وستمائة، فأرسلوا إلى القلاع لتسلم إلى نواب بدر الدين، ~~فلم يسلم إليه غير قلعة جل صورا، من أعمال الهكارية، وأما باقي القلاع ms4473 فإن ~~جندها أظهروا الامتناع من ذلك، ومضى الأجل ولم يسلم غير جل صورا. ولزم عماد ~~الدين زنكي لشهاب الدين غازي ابن الملك العادل، وخدمه، وتقرب إليه، فاستعطف ~~له أخاه الملك الأشرف، فمال إليه وأطلقه، وأزال نوابه من قلعة العقر وقلعة ~~شوش، وسلمهما إليه. وبلغ بدر الدين عن الملك الأشرف ميل إلى قلعة تل يعفر، ~~وإنها كانت لسنجار من قديم الزمان وحديثه وطال الحديث في ذلك، فسلمها إليه بدر الدين. ### || AUT ذكر عود قلاع الهكارية والزوزان إلى بدر الدين # لما ملك زنكي قلاع الهكارية والزوزان لم يفعل مع أهلها ما ظنوه من ~~الإحسان والإنعام، بل فعل ضده، وضيق عليهم، وكان يبلغهم أفعال بدر الدين مع ~~جنده ورعاياه، وإحسانه إليهم، وبذله الأموال لهم، وكانوا يريدون العود ~~إليه، ويمنعهم الخوف منه لما أسلفوه من ذلك، فلما كان الآن أعلنوا بما فعل ~~معهم، فأرسلوا إلى بدر الدين في المحرم سنة ثماني عشرة وستمائة في التسليم ~~إليه، وطلبوا منه اليمين، والعفو عنهم، وذكروا شيئا من إقطاع يكون لهم، ~~فأجابهم إلى ذلك، وأرسل إلى الملك الأشرف يستأذنه في ذلك، فلم يأذن له. ~~PageV05P0300 # وعاد زنكي من عند الأشرف، فجمع جموعا، وحصر قلعة العمادية، فلم يبلغ منهم ~~غرضا، وأعادوا مراسلة بدر الدين في التسليم إليه، فكتب إلى الملك الأشرف في ~~المعنى، وبذل هل قلعة جديدة نصيبين، وولاية بني النهرين ليأذن له في أخذها، ~~فأذن له، فأرسل إليها كلها النواب وتسلموها، وأحسن إلى أهلها، ورحل زنكي ~~عنها، ووفى له بدر الدين بما بذله لهم. فلما سمع جند باقي القلاع بما فعلوا ~~وما وصلهم من الإحسان والزيادة، رغبوا كلهم في التسليم إليه، فسير إليهم ~~النواب، واتفقت كلمة أهلها على طاعته والانقياد إليه؛ والعجب أن العساكر ~~اجتمعت من الشام، والجزيرة، وديار بكر، وخلاط، وغيرها، في استعادة هذه ~~القلاع، فلم يقدروا على ذلك، فلما تفرقوا حضر أهلها وسألوا أن تؤخذ منهم، ~~فعادت صفوا عفوا بغير منة، ولقد أحسن من قال: لا سهل إلا ما جعلت سهلا ... ~~وإن تشأ تجعل بحزن وحلا فتبارك ms4474 الله الفعال لما يريد، لا مانع لما أعطى، ~~ولا معطي لما منع، وهو على كل شيء قدير. ### || AUT ذكر قصد كيكاوس ولاية حلب # ### || AUT وطاعة صاحبها للأشرف وانهزام كيكاوس # في هذه السنة سار عز الدين كيكاوس بن كيخسرو ملك الروم إلى ولاية حلب، ~~قصدا للتغلب عليها، ومعه الأفضل بن صلاح الدين يوسف. وسبب ذلك أنه كان بحلب ~~رجلان فيما شر كثير وسعاية بالناس، فكانا ينقلان إلى صاحبها الملك الظاهر ~~بن صلاح الدين عن رعيته، فأوغرا صدره، فلقي الناس منهما شدة؛ فلما توفي ~~الظاهر وولي الأمر شهاب الدين طغرل أبعدهما وغيرهما ممن يفعل مثل فعلهما، ~~وسد هذا الباب على فاعله، ولم يطرق إليه أحدا من أهله؛ فلما رأى الرجلان ~~كساد سوقهما لزما بيوتهما، وثار بهما الناس، وآذوهما، وتهددوهما لما كانا ~~أسلفاه من الشر، فخافا، ففارقا حلب، وقصدا كيكاوس فأطمعاه فيها، وقررا في ~~نفسه أنه متى قصدها لا تثبت بين يديه، وأنه يملكها، ويهون عليه ملك ما ~~بعدها. فلما عزم على ذلك أشار عليه ذوو الرأي من أصحابه، وقالوا له: لا يتم ~~لك هذا إلا بأن يكون معك أحد من بيت أيوب ليسهل على أهل البلاد وجندها ~~الانقياد إليه؛ وهذا الأفضل بن صلاح الدين هو في طاعتك، والمصلحة أنك ~~تستصحبه معك، وتقرر بينكما قاعدة فيما تفتحانه من البلاد، فمتى كان معك ~~أطاعك الناس وسهل عليك ما تريد. فأحضر الأفضل من سميساط إليه، وأكرمه وحمل ~~إليه شيئا كثيرا من الخيل والخيام والسلاح وغير ذلك، واستقرت القواعد ~~بينهما أن يكون ما يفتحه نم حلب وأعمالها للأفضل، وهو في طاعة كيكاوس، ~~والخطبة له في ذلك أجمع، ثم يقصدون ديار الجزيرة، فما يفتحونه مما بيد ~~الملك الأشرف مثل: حران والرها من البلاد الجزرية، تكون لكيكاوس. وجرت ~~الأيمان على ذلك، وجمعوا العساكر وساروا، فملكوا قلعة رغبان، فتسلمها ~~الأفضل، فمال الناس حينئذ إليهما. ثم سارا إلى قلعة تل باشر، وفيها صاحبها ~~ولد بدر الدين دلدرم الياروقي، فحصروه، وضيقوا عليه، وملكوها منه، فأخذها ~~كيكاوس لنفسه، ولم يسلمها إلى الأفضل، ms4475 فاستشعر الأفضل من ذلك، وقال: هذا ~~أول الغدر؛ وخاف أنه إن ملك حلب يفعل به هكذا، فلا يحصل إلا أن يكون قد قلع ~~بيته لغيره،، ففترت نيته، وأعرض عما كان يفعله؛ وكذلك أيضا أهل البلاد، ~~فكانوا يظنون أن الأفضل يملكها، فيسهل عليهم الأمر، فلما رأوا ضد ذلك ~~وقفوا. وأما شهاب الدين أتابك ولد الظاهر، صاحب حلب، فإنه ملازمه قلعة حلب ~~لا ينزل منها، ولا يفارقها البتة، وهذه كانت عادته مذ مات الظاهر، خوفا من ~~ثائر يثور به، فلما حدث هذا الأمر خاف أن يحصروه، وربما سلم أهل البلد ~~والجند المدينة إلى الأفضل لميلهم إليه، فأرسل إلى الملك الأشرف ابن الملك ~~العادل، صاحب الديار الجزرية وخلاط وغيرها، يستدعيه إليه لتكون طاعتهم له، ~~ويخطبون له، ويجعل السكة باسمه، ويأخذ من أعمال حلب ما اختار، ولأن ولد ~~الظاهر هو ابن أخته، فأجاب إلى ذلك، وسار إليهم في عساكره التي عنده، وأرسل ~~إلى الباقين يطلبهم إليه، وسره ذلك للمصلحة العامة لجميعهم، وأحضر إليه ~~العرب من طيء وغيرهم، ونزل بظاهر حلب. PageV05P0301 # ولما أخذ كيكاوس تل باشر كان الأفضل يشير بمعاجلة حلب قبل اجتماع العساكر ~~بها، وقبل أن يحتاطوا ويتجهزوا، فعاد عن ذلك، وصار يقول: الرأي أننا نقصد ~~منبج وغيرها لئلا يبقى لهم وراء ظهورنا شيء، قصدا للتمادي ومرور الزمان في ~~لا شيء؛ فتوجهوا من تل باشر إلى جهة منبج، وتقدم الأشرف نحوهم، وسارت العرب ~~في مقدمته؛ وكان طائفة من عسكر كيكاوس، نحو ألف فارس، قد سبقت مقدمته له، ~~فالتقوا هم والعرب ومن معهم من العسكر الأشرفي، فاقتتلوا، فانهزم عسكر ~~كيكاوس، وعادوا إليه منهزمين، وأكثر العرب الأسر منهم والنهب لجودة خيلهم ~~ودبر خيل الروم. فلما وصل إليه أصحابه منهزمين لم يثبت، بل ولى على أعقابه ~~يطوي المراحل إلى بلاده خائفا يترقب. فلما وصل إلى أطرافها أقام. وإنما فعل ~~هذا لأنه صبي غر لا معرفة له بالحرب، وإلا، فالعساكر ما برحت تقع مقدماتها ~~بعضها على بعض، فسار حينئذ الأشرف، فملك رعبان، وحصر تل باشر، وبها جمع من ms4476 ~~عسكر كيكاوس، فقاتلوه حتى غلبوا، فأخذت القلعة منهم، وأطلقهم الأشرف، فلما ~~وصولا إلى كيكاوس جعلهم في دار وأحرقها عليهم، فهلكوا، فعظم ذلك على الناس ~~كافة، واستقبحوه، واستضعفوه، لا جرم لم يمهله الله تعالى لعدم الرحمة في ~~قلبه، ومات عقيب هذه الحادثة. وسلم الأشرف تل باشر وغيرها من بلد حلب إلى ~~شهاب الدين أتابك، صاحب حلب، وكان عازما على اتباع كيكاوس، ودخول بلاده، ~~فأتاه الخبر بوفاة أبيه الملك العادل، فاقتضت المصلحة العود إلى حلب، لأن ~~الفرنج بديار مصر، ومثل ذلك السلطان العظيم إذا توفي ربما جرى خلل في ~~البلاد لا تعرف العاقبة فيه، فعاد إليها، وكفي كل منهما أذى صاحبه. ### || AUT ذكر وفاة الملك العادل وملك أولاده بعده # توفي الملك العادل أبو بكر بن أيوب سابع جمادى الآخرة من سنة خمس عشرة ~~وستمائة؛ وقد ذكرنا ابتداء دولتهم عند ملك عمه أسد الدين شيركوه ديار مصر ~~سنة أربع وستين وخمسمائة؛ ولما ملك أخوه صلاح الدين يوسف بن أيوب ديار مصر، ~~بعد عمه، وسار إلى الشام استخلفه بمصر ثقة به، واعتمادا عليه، وعلما بما هو ~~عليه من توفر العقل وحسن السيرة. فلما توفي أخوه صلاح الدين ملك دمشق وديار ~~مصر، كما ذكرناه، وبقي مالكا للبلاد إلى الآن، فلما ظهر الفرنج، كما ذكرناه ~~سنة أربع عشرة وستمائة، قصد هو مرج الصفر، فلما سار الفرنج إلى ديار مصر ~~انتقل هو إلى عالقين، فأقام به، ومرض، وتوفي، وحمل إلى دمشق، فدفن بالتربة ~~التي له بها. وكان عاقلا، ذا رأي سديد، ومكر شديد، وخديعة، صبورا حليما، ذا ~~أناة، يسمع ما يكره، ويغضي عليه حتى كأنه لم يسمعه، كثير الحرج وقت الحاجة ~~لا يقف في شيء وإذا لم تكن حاجة فلا. وكان عمره خمسا وسبعين سنة وشهورا لأن ~~مولده كان في المحرم من سنة أربعين وخمسمائة، وملك دمشق في شعبان سنة ~~اثنتين وتسعين وخمسمائة من الأفضل ابن أخيه، وملك مصر في ربيع الآخر من سنة ~~ست وتسعين منه أيضا. ومن أعجب ما رأيت من منافاة الطوالع أنه لم ms4477 يملك ~~الأفضل مملكة قط إلا وأخذها منه عمه العادل، فأول ذلك أن صلاح الدين أقطع ~~ابنه الأفضل حران، والها، وميافارقين، سنة ست وثمانين، بعد وفاة تقي الدين، ~~فسار إليها، فلما وصل إلى حلب أرسل أبوه الملك العادل بعده، فرده من حلب، ~~وأخذ هذه البلاد منه. ثم ملك الأفضل بعد وفاة أبيه مدينة دمشق فأخذها منه؛ ~~ثم ملك مصر بعد وفاة أخيه الملك العزيز فأخذها أيضا منه، ثم ملك صرخد ~~فأخذها منه. وأعجب من هذا أنني رأيت بالبيت المقدس سارية من الرخام ملقاة ~~في بيعة صهيون، ليس مثلها، فقال القس الذي بالبيعة: هذه كان قد أخذها الملك ~~الأفضل لينقلها إلى دمشق، ثم إن العادل أخذها بعد ذلك من الأفضل؛ طلبها منه ~~فأخذها. وهذا غاية، وهو من أعجب ما يحكى. PageV05P0302 # وكان العادل قد قسم البلاد في حياته بني أولاده، فجعل بمصل ملك الكامل ~~محمدا، وبدمشق، والقدس، وطبرية، والأردن والكرك وغيرها من الحصون المجاورة ~~لها، ابنه المعظم عيسى؛ وجعل بعض ديار الجزيرة وميافارقين وخلاط وأعمالها ~~لابنه الملك الأشرف موسى، وأعطى الرها لولده شهاب الدين غازي، وأعطى قلعة ~~جعبر لولده الحافظ أرسلان شاه؛ فلما توفي ثبت كل منهم في المملكة التي ~~أعطاه أبوه، واتفقوا اتفاقا حسنا لم يجر بنيهم من الاختلاف ما جرت العادة ~~أن يجري بين أولاد الملوك بعد آبائهم، بل كانوا كالنفس الواحدة، كل منهم ~~يثق بالآخر بحيث يحضر عنده منفردا من عسكره ولا يخافه، فلا جرم زاد ملكهم، ~~ورأوا من نفاذ الأمر والحكم ما لم يره أبوهم. ولعمري إنهم نعم الملوك، فيهم ~~الحلم، والجهاد، والذب عن الإسلام، وفي نوبة دمياط كفاية؛ وأما الملك ~~الأشرف فليس للمال عنده محل، بل يمطره مطرا كثيرا لعفته عن أموال الرعية، ~~دائم الإحسان، لا يسمع سعاية ساع. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ذي القعدة، رحل الملك الكامل بن العادل عن أرض دمياط، ~~لأنه بلغه أن جماعة من الأمراء قد اجتمعوا على تمليك أخيه الفائز عوضه، ~~فخافهم، ففارق منزلته، فانتقل الفرنج إليها، وحصروا حينئذ ms4478 دمياط برا وبحرا، ~~وتمكنوا من ذلك، وقد تقدم مستقضى سنة أربع عشرة وستمائة. وفيها، في المحرم، ~~توفي شرف الدين محمد بن علوان بن مهاجر، الفقيه الشافعين وكان مدرسا في عدة ~~مدارس بالموصل، وكان صالحا كثير الخير والدين، سليم القلب، رحمه الله. ~~وفيها توفي عز الدين نجاح الدين الشرابي خاص الخليفة، وأقرب الناس إليه، ~~وكان الحاكم في دولته، كثير العدل والإحسان والمعروف والعصبية للناس؛ وأما ~~عقله وتدبيره فإليه كانت النهاية وبه يضرب المثل. وفيها توفي علي بن نصر بن ~~هرون أبو الحسن الحلي، النحوي، الملقب بالحجة، قرأ على ابن الخشاب وغيره. ### | AUT ثم دخلت سنة ست عشرة وستمائة # ### || AUT ذكر وفاة كيكاوس وملك كيقباذ أخيه # في هذه السنة توفي الملك الغالب عز الدين كيكاوس بن كيخسرو بن قلج ~~أرسلان، صاحب قونية، وأقصرا وملطية وما بينهما من بلد الروم، وكان قد جمع ~~عساكره، وحشد، وسار إلى ملطية على قصد بلاد الملك الأشرف لقاعدة استقرت ~~بينه وبين ناصر الدين، صاحب آمد، ومظفر الدين، صاحب إربل، وكانوا قد خطبوا ~~له، وضربوا اسمه على السكة في بلادهم، واتفقوا على الملك الأشرف وبدر الدين ~~بالموصل. فسار كيكاوس إلى ملطية ليمنع الملك الأشرف بها عن المسير إلى ~~الموصل نجدة لصاحبها بدر الدين، لعل مظفر الدين يبلغ من الموصل غرضا، وكان ~~قد علق به السل، فلما اشتد مرضه عاد عنها، فتوفي وملك بعده أخوه كيقباذ، ~~وكان محبوسا، قد حبسه أخوه كيكاوس لما أخذ البلاد منه، وأشار عليه بعض ~~أصحابه بقتله، فلم يفعل، فلما توفي لم يخلف ولدا يصلح للملك لصغرهم، فأخرج ~~الجند كيقباذ وملكوه. ومن (بغي عليه لنصرنه الله). وقيل بل أرسل كيكاوس لما ~~اشتد مرضه، فأحضره عنده من السجن، ووصى له بالملك وحلف الناس له؛ فلما ملك ~~خالفه عمه صاحب أرزن الروم، وخاف أيضا من الروم المجاورين لبلاده، فأرسل ~~إلى الملك الأشرف وصالحه، وتعاهدا على المصافاة والتعاضد، وتصاهرا، وكفي ~~الأشرف شر تلك الجهة، وتفرغ باله لإصلاح ما بين يديه، ولقد صدق القائل: (لا ~~جد إلا ما أقعص ms4479 عنك الرجال). وكأنه بقوله أراد: (وجدك طعان بغير سنان). ~~وهذا ثمرة حسن النية، فإنه حسن النية لرعيته وأصحابه، كاف عن أذى يتطرق ~~إليهم منه، غير قاصد إلى البلاد المجاورة لبلاده بأذى وملك مع ضعف أصحابها ~~وقوته، لا جرم تأتيه البلاد صفوا عفوا. ؟؟ ### || AUT ذكر موت صاحب سنجار # ### || AUT وملك ابنه ثم قتل ابنه وملك أخيه # وفي هذه السنة، ثامن صفر، توفي قطب الدين محمد بن زنكي بن مودود ابن ~~زنكي، صاحب سنجار، وكان كريما، حسن السيرة في رعيته، حسن المعاملة مع ~~التجار، كثير الإحسان إليهم، وأما أصحابه فكانوا معه في أرغد عيش يعمهم ~~بإحسانه، ولا يخافون أذاه، وكان عاجزا عن حفظ بلده، مسلما الأمور إلى ~~نوابه. PageV05P0303 # ولما توفي ملك بعده ابنه عماد الدين شاهنشاه، وركب الناس معه، وبقي مالكا ~~لسنجار عدة شهور، وسار إلى تل أعفر وهي له، فدخل عليه أخوه عمر بن محمد بن ~~زنكي، ومعه جماعة، فقتلوه، وملك أخوه عمر بعده فبقي كذلك إلى أن سلم سنجار ~~إلى الملك الأشرف، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، ولم يمتع بملكه الذي ~~قطع رحمه، وأراق الدم الحرام لأجله. ولما سلم سنجار أخذ عوضها الرقة، ثم ~~أخذت منه عن قريب، وتوفي بعد أخذها منه بقليل، وعدم روحه وشبابه. وهذه ~~عاقبة قطيعة الرحم، فإن صلتها تزيد في العمر وقطيعتها تهدم العمر. ### || AUT ذكر إجلاء بني معروف عن البطائح وقتلهم # في هذه السنة، في ذي القعدة، أمر الخليفة الناصر لدين الله الشريف معدا، ~~متولي بلاد واسط، أن يسير إلى قتال بني معروف، فتجهز، وجمع معه من الرجالة ~~من تكريت، وهيت، والحديثة، والأنبار، والحلة، والكوفة، وواسط، والبصرة، ~~وغيرها، خلقا كثيرا، وسار إليهم، ومقدمهم حينئذ معلى بن معروف، وهم قوم من ~~ربيعة. وكانت بيوتهم غبي الفرات، تحت سوراء، وما يتصل بذلك من البطائح، ~~وكثر فسادهم وأذاهم لما يقاربهم من القرى، وقطعوا الطريق، وأفسدوا في ~~النواحي المقاربة لبطيحة العراق، فشكا أهل تلك البلاد إلى الديوان منهم، ~~فأمر معدا أن يسير إليهم في الجموع، فسار إليهم، ms4480 فاستعد بنو معروف لقتاله، ~~فاقتتلوا بموضع يعرف بالمقبر، وهو تل كبير بالبطيحة بقرب العراق، وكثر ~~القتل بينهم، ثم انهزم بنو معروف، وكثر القتل فيهم، والأسر، والغرق، وأخذت ~~أموالهم، حملت رؤوس كثيرة من القتلى إلى بغداد في ذي الحجة من السنة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في المحرم، انهزم عماد الدين زنكي من عسكر بدر الدين. ~~وفيها، في العشرين من رجب، انهزم بدر الدين من مظفر الدين، صاحب إربل، وعاد ~~مظفر الدين إلى بلده، وقد تقدم ذلك مستوفى في سنة خمس عشرة وستمائة. وفيها، ~~ثامن صفر، توفي قطب الدين محمد بن زنكي بن مودود ابن زنكي، صاحب سنجار، ~~وملك بعده ابنه شاهنشاه. وفيها، في التاسع والعشرين من شعبان، ملك الفرنج ~~مدينة دمياط، وقد ذكر سنة أربع عشرة مشروحا. وفيها توفي افتخار الدين عبد ~~المطلب بن الفضل الهاشمي العباسي، الفقيه الحنفي، رئيس الحنيفية بحلب، روى ~~الحديث عن عمر البسطامي نزيل بلخ، وعن أبي سعد السمعاني وغيرهما. وفيها ~~توفي أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري، الضرير، النحوي ~~وغيره، وفيها توفي أبو الحسن علي بن أبي محمد القاسم بن علي بن الحسن بن ~~عبد الله الدمشقي، الحافظ ابن الحافظ، المعروف بابن عساكر، وكان قد قصد ~~خراسان وسمع بها الحديث فأكثر، وعاد إلى بغداد، فوقع على القفل حرامية، ~~فجرح، وبقي ببغداد، وتوفي في جمادى الأولى، رحمه الله. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع عشرة وستمائة # ### || AUT ذكر خروج التتر إلى بلاد الشام # لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها، كارها ~~لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عله أن يكتب نعي ~~الإسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ~~ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسيا منسيا، إلا أني حثني جماعة من الأصدقاء على ~~تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعا، فنقول: عمت الخلائق، ~~وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله ms4481 سبحانه وتعالى آدم، ~~وإلى الآن، لم يبتلوا بمثلها؛ لكان صادقا، فإن التواريخ لم تتضمن ما ~~يقاربها ولا ما يدانيها. ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بخت نصر ~~ببني إسرائيل ن القتل، وتخريب البيت المقدس، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ~~ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد، التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس، ~~وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قتلوا، فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر ~~من بني إسرائيل، ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم، ~~وتفنى الدنيا، إلا يأجوج ومأجوج. وأما الدجال فإنه يبقي على من اتبعه، ~~ويهلك من خالفه، وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال ~~والأطفال، شقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. PageV05P0304 # لهذه الحادثة التي استطار شررها، وعم ضررها، وسارت في البلاد كالسحاب ~~استدبرته الريح، فإن قوما خرجوا من أطراف الصين، فقصدوا بلا تركستان مثل ~~كاشغر وبلاساغون، ثم منها إلى بلاد ما وراء النهر، مثل سمرقند وبخارى ~~وغيرهما، فيملكونها، ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثم تعبر طائفة منهم إلى ~~خراسان، فيفرغون منها ملكا، وتخريبا، وقتلا، ونهبا، ثم يتجاوزونها إلى ~~الري، وهمذان، وبلد الجبل وما فيه من البلاد إلى حد العراق، ثم يقصدون بلاد ~~أذريبجان وأرانية، ويخربونها، ويقتلون أكثر أهلها، ولم ينج إلا الشريد ~~النادر في أقل من سنة، هذا ما لم يسمع مثله. ثم لما فرغوا من أذربيجان ~~وأرانية ساروا إلى دربند شروان فملكوا مدنه، ولم يسلم غير القلعة التي بها ~~ملكهم، وعبروا عندها إلى بلد اللان، واللكز، ومن في ذلك الصقع من الأمم ~~المختلفة، فأوسعوهم قتلا، ونهبا، وتخريبا؛ ثم قصدوا بلاد قفجاق، وهم من ~~أكثر الترك عددا، فقتلوا كل من وقف لهم، فهرب الباقون إلى الغياض ورؤس ~~الجبال، وفارقوا بلادهم، واستولى هؤلاء التتر عليها، فعلوا هذا في أسرع ~~زمان، ولم يلبثوا إلا بمقدار مسيرهم لا غير. ومضى طائفة أخرى غير هذه ~~الطائفة إلى غزنة وأعمالها، وما يجاورها ms4482 من بلاد الهند وسجستان وكرمان، ~~ففعلوا فيه مثل فعل هؤلاء وأشد. هذا ما لم يطرق الأسماع مثله، فإن الإسكندر ~~الذي اتفق المؤرخون على أنه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة، إنما ~~ملكها في نحو عشر سنين، ولم يقتل أحدا، إنما رضي من الناس بالطاعة؛ وهؤلاء ~~قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه، وأكثره عمارة وأهلا، وأعدل أهل ~~الأرض أخلاقا وسيرة، في نحو سنة، ولم يبق أحد في البلاد التي لم يطرقوها ~~إلا وهو خائف يتوقعها، ويترقب وصولهم إليه. ثم إنهم لا يحتاجون إلى ميرة ~~ومدد يأتيهم، فإنهم معهم الأغنام، والبقر، والخيل، وغير ذلك من الدواب، ~~يأكلون لحومها لا غير؛ وأما دوابهم التي يركبونها فإنها تحفر الأرض ~~بحوافرها، وتأكل عروق النبات لا تعرف الشعير، فهم إذا نزلوا منزلا لا ~~يحتاجون إلى شيء من خارج. وأما ديانتهم، فإنهم يسجدون للشمس عند طلوعها، ~~ولا يحرمون شيئا، فإنهم يأكلون جميع الدواب، حتى الكلاب، والخنازير، ~~وغيرها، ولا يعرفون نكاحا بل المرأة يأتيها غير واحد من الرجال، فإذا جاء ~~الولد لا يعرف أباه. ولقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم ~~يبتل بها أحد من الأمم، منها هؤلاء التتر، قبحهم الله، أقبلوا من المشرق، ~~ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها، وستراها مشروحة متصلة، إن شاء ~~الله تعالى. ومنها خروج الفرنج، لعنهم الله، من المغرب إلى الشام، وقصدهم ~~ديار مصر، وملكهم ثغر دمياط منها، وأشرفت ديار مصر والشام وغيرها على أن ~~يملكوها لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم، وقد ذكرناه سنة أربع عشرة ~~وستمائة. ومنها الذي سلم من هاتين الطائفتين فالسيف بينهم مسلول، والفتنة ~~قائمة على ساق، وقد ذكرناه أيضا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، نسأل الله أن ~~ييسر للإسلام والمسلمين نصرا من عنده، فإن الناصر، والمعين، والذاب عن ~~الإسلام معدوم، (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من ~~وال)، فإن هؤلاء التتر إنما استقام لهم هذا الأمر لعدم المانع. وسبب عدمه ~~أن خوارزم شاه محمدا كان قد ms4483 استولى على البلاد، وقتل ملوكها، وأفناهم، وبقي ~~هو وحده سلطان البلاد جميعها، فلما انهزم منهم لم يبق في البلاد من يمنعهم، ~~ولا من يحميها (ليقضي الله أمرا كان مفعولا)، وهذا حين نذكر ابتداء خروجهم ~~إلى البلاد. ### || AUT ذكر خروج التتر إلى تركستان # ### || AUT وما وراء النهر وما فعلوه # في هذه السنة ظهر التتر إلى بلاد الإسلام، وهم نوع كثير من الترك، ~~ومساكنهم جبال طمغاج من نحو الصين، وبينها وبين بلاد الإسلام ما يزيد على ~~ستة أشهر. PageV05P0305 # وكان السب في ظهورهم أن ملكهم، ويسمى بجنكزخان، المعروف بتموجين، كان قد ~~فارق بلاده وسار إلى نواحي تركستان، وسير جماعة من التجار والأتراك، ومعهم ~~شيء كثير من النقرة والقندر وغيرهما، إلى بلاد ما وراء النهر سمرقند وبخارى ~~ليشتروا له ثيابا للكسوة، فوصلوا إلى مدينة من بلاد الترك تسمى أوترا، وهي ~~آخر ولاية خوارزم شاه، وكان له نائب هناك، فلما ورد عليه هذه الطائفة من ~~التتر أرسل إلى خوارزم شاه يعلمه بوصولهم ويذكر له ما معهم من الأموال، ~~فبعث إليه خوارزم شاه يأمره بقتلهم وأخذ ما معهم من الأموال وإنفاذه إليهم، ~~فقتلهم، وسير ما معهم، وكان شيئا كثيرا، فلما وصل إلى خوارزم شاه فرقه على ~~تجار بخارى، وسمرقند، وأخذ ثمنه منهم. وكان بعد أن ملك ما وراء النهر من ~~الخطا قد سد الطرق عن بلاد تركستان وما بعدها من البلاد، وإن طائفة من ~~التتر أيضا كانوا قد خرجوا قديما والبلاد للخطا، فلما ملك خوارزم شاه ~~البلاد بما وراء النهر من الخطا، وقتلهم، واستولى هؤلاء التتر على تركستان: ~~كاشغار، وبلاساغون وغيرهما، وصاروا يحاربون عساكر خوارزم شاه، فلذلك منع ~~الميرة عنهم من الكسوات وغيرها. وقيل في سبب خروجهم إلى بلاد الإسلام غير ~~ذلك مما لا يذكر في بطون الدفاتر: فكان ما كان ما لست أذكره ... فظن خيرا ~~ولا ولا تسأل عن الخبر فلما قتل نائب خوارزم شاه أصحاب جنكزخان أرسل جواسيس ~~إلى جنكزخان لينظر ما هو، وكم مقدار ما معه من الترك، وما يريد أن يعمل، ~~فمضى ms4484 الجواسيس، وسلكوا المفازة والجبال التي على طريقهم، حتى وصوا إليه، ~~فعادوا بعد مدة طويلة وأخبروه بكثرة عددهم، وأنهم يخرجون عن الإحصاء، وأنهم ~~من أصبر خلق الله على القتال لا يعرفون هزيمة، وأنهم يعملون ما يحتاجون ~~إليه من السلاح بأيديهم، فندم خوارزم شاه على قتل أصحابهم وأخذ أموالهم، ~~وحصل عنده فكر زائد، فأحضر الشهاب الخيوفي، وهو فقيه فاضل، كبير المحل ~~عنده، لا يخالف ما يشير به، فحضر عنده، فقال له: قد حدث أمر عظيم لا بد من ~~الفكر فيه وأخذ رأيك في الذي نفعله، وذاك أنه قد تحرك إلينا خصم من ناحية ~~الترك في كثرة لا تحصى. فقال له: في عساكرك كثرة ونكاتب الأطراف، ونجمع ~~العساكر، ويكون النفير عاما، فإنه يجب على المسلمين كافة مساعدتك بالمال ~~والنفس، ثم نذهب بجميع العساكر إلى جانب سيحون، وهو نهر كبير يفصل بين بلاد ~~الترك وبلاد الإسلام، فنكون هناك، فإذا جاء العدو، وقد سار مسافة بعيدة، ~~لقيناه ونحن مستريحون، وهو وعساكره قد مسهم النصب والتعب. فجمع خوارزم شاه ~~أمراءه ومن عنده من أرباب المشورة، فاستشارهم، فلم يوافقوه على رأيه، بل ~~قالوا: الرأي أن نتركهم يعبرون سيحون إلينا، ويسلكون هذه الجبال والمضايق، ~~فإنهم جاهلون بطرقهم، ونحن عارفون بها، فنقوى حينئذ عليهم، ونهلكهم فلا ~~ينجو منهم أحد. فبينما هم كذلك إذ ورد رسول من هذا اللعين جنكزخان معه ~~جماعة يتهد خوارزم شاه، ويقول: تقتلون أصحابي وتجاري وتأخذون مالي منهم! ~~استعدوا للحرب فإني واصل إليكم بجمع لا قبل لكم به. وكان جنكزخان قد سار ~~إلى تركستان، فملك كاشغار، وبلاساغون، وجميع تلك البلاد، وأزال عنها التتر ~~الأولى، فلم يظهر لهم خبر، ولا بقي لهم أثر، بل بادوا كما أصاب الخطا، ~~وأرسل الرسالة المذكورة إلى خوارزم شاه؛ فلما سمعها خوارزم شاه أمر بقتل ~~رسوله، فقتل، وأمر بحلق لحى الجماعة الذين كانوا معه، وأعادهم إلى صاحبهم ~~جنكزخان يخبرونه بما فعل بالرسول، ويقولون له: إن خوارزم شاه يقول لك: أنا ~~سائر إليك ولو أنك في آخر الدنيا، حتى أنتقم وأفعل بك كما ms4485 فعلت بأصحابك. ~~وتجهز خوارزم شاه، وسار بعد الرسول مبادرا ليسبق خبره ويكسبهم، فأدمن ~~السير، فمضى، وقطع مسيرة أربعة أشهر، فوصل إلى بيوتهم، فلم ير فيها إلا ~~النساء والصبيان والأثقال، فأوقع بهم وغنم الجميع، وسبى النساء والذرية. ~~وكان سبب غيبة الكفار عن بيوتهم أنهم ساروا إلى محاربة ملك من ملوك الترك ~~يقال له كشلوخان، فقاتلوه، وهزموه، وغنموا أمواله وعادوا، فلقيهم في الطريق ~~الخبر بما فعل خوارزم شاه بمخلفيهم، فجدوا السير، فأدركوه قبل أن يخرج عن ~~بيوتهم، وتصافوا للحرب، واقتتلوا قتالا لم يسمع بمثله، فبقوا في الحرب ~~ثلاثة أيام بلياليها، فقتل من الطائفتين ما لا يعد، ولم ينهزم أحد منهم. ~~PageV05P0306 # أما المسلمون فإنهم صبروا حمية للدين، وعلموا أنهم إن انهزموا لم يبق ~~للمسلمين باقية، وأنهم يؤخذون لبعدهم عن بلادهم. وأما الكفار فصبروا ~~لاستنقاذ أهليهم وأموالهم، واشتد بهم الأمر، حتى إن أحدهم كان ينزل عن فرسه ~~ويقاتل قرنه رجلا، ويتضاربون بالسكاكين، وجرى الدم على الأرض، حتى صارت ~~الخيل تزلق من كثرته، واستنفذ الطائفتان وسعهم في الصبر والقتال. هذا ~~القتال جميعه مع ابن جنكزخان ولم يحضر أبوه الوقعة، ولم يشعر بها، فأحصي من ~~قتل من المسلمين في هذه الوقعة فكانوا عشرين ألفا، وأما من الكفار فلا يحصى ~~من قتل منهم. فلما كان الليلة الرابعة افترقوا، فنزل بعضهم مقابل بعض، فلما ~~أظلم الليل أوقد الكفار نيرانهم وتركوها بحالها وساروا، وكذلك فعل المسلمون ~~أيضا، كل منهم سئم القتال؛ فأما الكفار فعادوا إلى ملكهم جنكزخان؛ وأما ~~المسلمون فرجعوا إلى بخارى، فاستعد للحصار لعلمه بعجزه، لأن طائفة عسكره لم ~~يقدر خوارزم شاه على أن يظفر بهم، فكيف إذا جاؤوا جميعهم مع ملكهم؟ فأمر ~~أهل بخار وسمرقند بالاستعداد للحصار، وجمع الذخائر للامتناع، وجعل في بخارى ~~عشرين ألف فارس من العسكر يحمونها، وفي سمرقند خمسين ألفا، وقال لهم: ~~احفظوا البلد حتى أعود إلى خوارزم وخراسان وأجمع العساكر واستنجد بالمسلمين ~~وأعود إليكم. فلما فرغ من ذلك رحل عائدا إلى خراسان، فعبر جيحون، ونزل ~~بالقرب من بلخ فعسكر هناك. وأما الكفار فإنهم ms4486 رحلوا بعد أن استعدوا يطلبون ~~ما وراء النهر، فوصلوا إلى بخارى بعد خمسة أشهر من وصول خوارزم شاه، ~~وحصروها، وقاتلوهما ثلاثة أيام قتالا شديدا متتابعا، فلم يكن للعسكر ~~الخوارزمي بهم قوة، ففارقوا البلد عائدين إلى خراسان، فلما أصبح أهل البلد ~~وليس عندهم من العسكر أحد ضعفت نفوسهم، فأرسلوا القاضي، وهو بدر الدين قاضي ~~خان، ليطلب الأمان للناس، فأعطوهم الأمان. وكان قد بقي من العسكر طائفة لم ~~يمكنهم الهرب مع أصحابهم، فاعتصموا بالقلعة، فلما أجابهم جنكزخان إلى ~~الأمان فتحت أبواب المدينة يوم الثلاثاء رابع ذي الحجة من سنة ست عشرة ~~وستمائة، فدخل الكفار بخارى، ومل يتعرضوا لأحد بل قالوا لهم: كل ما هو ~~للسلطان عندكم من ذخيرة وغيره أخرجوه إلينا، وساعدونا على قتال من بالقلعة؛ ~~وأظهروا عندهم العدل وحسن السيرة، ودخل جنكزخان بنفسه وأحاط بالقلعة، ونادى ~~في البلد بأن لا يتخلف أحد ون تخلف قتل، فحضروا جميعهم، فأمرهم بطم الخندق، ~~فطموه بالأخشاب والتراب وغير ذلك، حتى إن الكفار كانوا يأخذون المنابر ~~وربعات القرآن فيلقونهم في الخندق، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وبحق سمى ~~الله نفسه صبورا حليما، وإلا كان خسف بهم الأرض عند فعل مثل هذا. ثم تابعوا ~~الزحف إلى القلعة وبها نحو أربع مائة فارس من المسلمين، فبذلوا جهدهم، ~~ومنعوا القلعة اثني عشر يوما يقاتلون جميع الكفار وأهل البلد، فقتل بعضهم، ~~ولم يزالوا كذلك حتى زحفوا إليهم، ووصل النقابون إلى سور القلعة فنقبوه، ~~واشتد حينئذ القتال، ومن بها من المسلمين يرمون ما يجدون من حجارة ونار ~~وسهام، فغضب اللعين، ورد أصحابه ذلك اليوم، وباكرهم من الغد، فجدوا في ~~القتال، وقد تعب من بالقلعة ونصبوا، وجاءهم ما لا قبل لهم به، فقهرهم ~~الكفار ودخلوا القلعة، وقاتلهم المسلمون الذين فيها حتى قتلوا عن آخرهم، ~~فلما فرغ من القلعة نادى أن يكتب له وجوه الناس ورؤساؤهم، ففعلوا ذلك، فلما ~~عرضوا عليه أمر بإحضارهم فحضروا، فقال: أريد منكم النقرة التي باعكم خوارزم ~~شاه، فإنها لي، ومن أصحابي أخذت، وهي عندكم. فأحضر كل من كان ms4487 عنده شيء منها ~~بين يديه، ثم أمرهم بالخرج من البلد، فخرجوا من البلد مجردين من أموالهم، ~~ليس مع أحد منه غير ثيابه التي عليه، ودخل الكفار البلد فنهبوه وقتلوا من ~~وجدوا فيه، وأحاط بالمسلمين، فأمر أصحابه أن يقتسموهم، فاقتسموهم. ~~PageV05P0307 # وكان يوما عظيما من كثرة البكاء من الرجال والنساء والولدان، وتفرقوا ~~أيدي سبا، وتمزقوا كل ممزق، واقتسموا النساء أيضا، وأصبحت بخارى خاوية على ~~عروشها كأن لم تغن بالأمس، وارتكبوا من النساء العظيم، والناس ينظرون ~~ويبكون، ولا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم شيئا مما نزل بهم، فمنهم من لم ~~يرض بذلك، واختار الموت على ذلكن فقاتل حتى قتل، وممن فعل ذلك واختار أن ~~يقتل ولا يرى ما نزل بالمسلمين، الفقيه الإمام ركن الدين إمام زاده وولده، ~~فإنهما لما رأيا ما يفعل بالحرم قاتلا حتى قتلا. وكذلك فعل القاضي صدر ~~الدين خان، ومن استسلم أخذ أسيرا، وألقوا النار في البلد، والمدارس، ~~والمساجد، وعذبوا الناس بأنواع العذاب في طلب المال؛ ثم رحلوا نحو سمرقند ~~وقد تحققوا عجز خوارزم شاه عنهم، وهم بمكانه بين ترمذ وبلخ، واستصحبوا معهم ~~من سلم من أهل بخارى أسارى، فساروا بهم مشاة على أقبح صورة، فكل من أعيا ~~وعجز عن المشي قتلوه، فلما قاربوا سمرقند قدموا الخيالة، وتركوا الرجالة ~~والأسارى والأثقال وراءهم، حتى تقدموا شيئا فشيئا، ليكون أرعب لقلوب ~~المسلمين؛ فلما رأى أهل البلد سوادهم استعظموه. فلما كان اليوم الثاني وصل ~~الأسارى والرجالة والأثقال، ومع كل عشرة من الأسارى علم، فظن أهل البلد أن ~~الجميع عساكر مقاتلة، وأحاطوا بالبلد وفيه خمسون ألف مقاتل من الخوارزمية، ~~وأما عامة البلد فلا يحصون كثرة، فخرج إليهم شجعان أهله، وأهل الجلد والقوة ~~رجالة، ولم يخرج معهم من العسكر الخوارزمي أحد لما في قلوبهم من خوف هؤلاء ~~الملاعين، فقاتلهم الرجالة بظاهر البلد، فلم يزل التتر يتأخرون، وأهل البلد ~~يتبعونهم، ويطمعون فيهم، وكان الكفار قد كمنوا لهم كمينا، فلما جاوزوا ~~الكمين خرج عليهم وحال بينهم وبين البلد، ورجع الباقون الذين أنشبوا القتال ~~أولا، فبقوا في الوسط، ms4488 وأخذهم السيف من كل جانب، فلم يسلم منهم أحد؛ قتلوا ~~عن آخرهم شهداء، رضي الله عنهم، وكانوا سبعين ألفا على ما قيل. فلما رأى ~~الباقون من الجند والعامة ذلك ضعفت نفوسهم وأيقنوا بالهلاك، فقال الجند، ~~وكانوا أتراكا: نحن من جنس هؤلاء ولا يقتلوننا؛ فطلبوا الأمان، فأجابوهم ~~إلى ذلك، ففتحوا أبواب البلد، ولم يقدر العامة على منعهم، وخرجوا إلى ~~الكفار بأهلهم وأموالهم، فقال لهم الكفار: ادفعوا إلينا سلاحكم وأموالكم ~~ودوابكم ونحن نسيركم إلى مأمنكم؛ ففعلوا ذلك، فلما أخذوا أسلحتهم ودوابهم ~~وضعوا السيف فيهم وقتلوهم عن آخرهم، وأخذوا أموالهم ودوابهم ونساءهم. فلما ~~كان اليوم الرابع نادوا في البلد أن يخرج أهله جميعهم، ومن تأخر قتلوه، ~~فخرج جميع الرجال والنساء والصبيان، ففعلوا مع أهل سمرقند مثل فعلهم مع أهل ~~بخارى من النهب، والقتل، والسبي، والفساد، ودخلوا البلد فنهبوا ما فيه، ~~وأحرقوا الجامع وتركوا باقي البلد على حاله، وافتضوا الأبكار، وعذبوا الناس ~~بأنواع العذاب في طلب المال، وقتلوا من لم يصلح للسبي، وكان ذلك في المحرم ~~سنة سبع عشرة وستمائة. وكان خوارزم شاه بمنزلته كلما اجتمع إليه عسكر سيره ~~إلى سمرقند، فيرجعون ولا يقدرون على الوصول إليها، نعوذ بالله من الخذلان؛ ~~سير مرة عشرة آلاف فارس فعادوا كالمنهزمين من غير قتال، وسير عشرين ألفا ~~فعادوا أيضا. ### || AUT ذكر مسير التتر الكفار إلى خوارزم شاه # ### || AUT وانهزامه وموته # لما ملك الكفار سمرقند عمد جنكزخان، لعنه الله، وسير عشرين ألف فارس، ~~وقال لهم: اطلبوا خوارزم شاه أين كان، ولو تعلق بالسماء، حتى تدركوه ~~وتأخذوه. وهذه الطائفة تسميها التتر المغربة لأنها سارت نحو غرب خراسان ~~ليقع الفرق بينهم وبين غيرهم منهم، لأنهم هم الذين أوغلوا في البلاد؛ فلما ~~أمرهم جنكزخان بالمسير ساروا وقصدوا موضعا يسمى بنج آب، ومعناه خمسة مياه، ~~فوصلوا إليه، فلم يجدوا هناك سفينة، فعلموا من الخشب مثل الأحواض الكبار ~~وألبسوها جلود البقر لئلا يدخلها الماء، ووضعوا فيها سلاحهم وأمتعتهم ~~وألقوا الخيل في الماء، وأمسكوا أذنابها، وتلك الحياض التي من الخشب مشدودة ~~إليهم، فكان الفرس ms4489 يجذب الرجل والرجل يجذب الحوض المملوء من السلاح وغيره، ~~فعبروا كلهم دفعة واحدة، فلم يشعر خوارزم شاه إلا وقد صاروا معه على أرض ~~واحدة. PageV05P0308 # وكان المسلمون قد ملئوا منهم رعبا وخوفا، وقد اختلفوا فيما بينهم، إلا ~~أنهم كانوا يتماسكون بسبب أن نهر جيحون بينهم، فلما عبروه إليهم لم يقدروا ~~على الثبات، ولا على المسير مجتمعين، بل تفرقوا أيدي سبا، وطلب كل طائفة ~~منهم جهة، ورحل خوارزم شاه لا يلوي على شيء في نفر من خاصته، وقصدوا ~~نيسابور، فلا دخلها اجتمع عليه بعض العسكر، فلم يستقر حتى وصل أولئك التتر ~~إليها. وكانوا لا يتعرضون في مسيرهم لشيء لا بنهب ولا قتل بل يجدون السير ~~في طلبه لا يمهلونه حتى يجمع لهم، فلما سمع بقربهم منه رحل إلى مازندران، ~~وهي له أيضا، فرحل التتر المغربون في أثره، ولم يعرجوا على نيسابور بل ~~تبعوه، فكان كلما رحل عن منزلة نزلوها، فوصل إلى مرسى من بحر طبرستان يعرف ~~بباب سكون، وله هناك قلعة في البحر، فلما نزل هو وأصحابه في السفن وصلت ~~التتر، فلما رأوا خوارزم شاه وقد دخل البحر وقفوا على ساحل البحر، فلما ~~أيسوا من لحاق خوارزم شاه رجعوا، فهم الذين قصدوا الري وما بعدها، على ما ~~نذكره إن شاء الله. هكذا ذكر لي بعض الفقها ممن كان ببخارى وأسروه معهم إلى ~~سمرقند، ثم نجا منهم ووصل إلينا، وذكر غيره من التجار أن خوارزم شاه سار من ~~مازندان حتى وصل إلى الري، ثم منها إلى همذان، والتتر في أثره، ففارق همذان ~~في نفر يسير، جريدة، ليستر نفسه ويكتم خبر، وعاد إلى مازندران وركب في ~~البحر إلى هذه القلعة. وكان هذا هو الصحيح، فإن الفقيه كان حينئذ مأسورا، ~~وهؤلاء التجار أخبروا أنهم كانوا بهمذان، ووصل خوارزم شاه، ثم وصل بعده من ~~أخبره بوصول التتر، ففارق همذان، وكذلك أيضا هؤلاء التجار فارقوها، ووصل ~~التتر إليها بعدهم ببعض نهار، فهم يخبرون عن مشاهدة؛ ولما وصل خوارزم شاه ~~إلى هذه القلعة المذكورة توفي فيها. ### || AUT ذكر ms4490 صفة خوارزم شاه وشيء من سيرته # هو علاء الدين محمد بن علاء الدين تكش، وكان مدة ملكه إحدى وعشرين سنة ~~وشهورا تقريبا، واتسع ملكه، وعظم محله، وأطاعه العالم بأسره، ولم يملك بعد ~~السلجوقية أحد مثل ملكه، فإنه ملك من حد العراق إلى تركستان، وملك بلاد ~~غزنة وبعض الهند، وملك سجستان وكرمان وطبرستان وجرجان وبلاد الجبال وخراسان ~~وبعض فارس، وفعل بالخطا الأفاعيل العظيمة، وملك بلادهم. وكان فاضلا، عالما ~~بالفقه والأصول وغيرهما، وكان مكرما للعلماء محبا لهم محسنا إليهم، يكثر ~~مجالستهم ومناظراتهم بين يديه، وكان صبورا على التعب وإدمان السير، وغير ~~متنعم، ولا مقبل على اللذات، إنما همه في الملك وتدبيره، وحفظه ورعاياه؛ ~~وكان معظما لأهل الدين، مقبلا عليهم، متبركا بهم. حكى لي بعض خدم حجرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقد عاد من خراسان، قال: وصلت إلى خوارزم، فنزلت ~~ودخلت الحمام، ثم قصدت باب السلطان علاء الدين، فحين حضرت لقيني إنسان، ~~فقال: ما حاجتك؟ فقلت له: أنا من خدم حجرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~فأمرني بالجلوس، وانصرف عني قليلا، ثم عاد إلي وأخذني وأدخلني إلى دار ~~السلطان، فتسلمني منه حاجب من حجاب السلطان، وقال لي: قد أعلمت السلطان ~~خبرك فأمر بإحضارك عنده؛ فدخلت إليه وهو جالس في صدر إيوان كبير، فحين ~~توسطت صحن الدار قام قائما، ومشى إلى بين يدي، فأسرعت السير فلقيته في وسط ~~الإيوان، فأردت أن أقبل يده، فمنعني، واعتقني، وجلس وأجلسني إلى جانبه، ~~وقال لي: أنت تخدم حجرة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: نعم؛ فأخذ يدي ~~وأمرها على وجهه، وسألني عن حالنا وعيشنا، وصفة المدينة، ومقدارها، وأطال ~~الحديث معين فلما خرجت من عنده قال: لولا أننا على عزم السفر هذه الساعة ~~لما ودعتك، إنا نريد أن نعبر جيحون إلى الخطا، وهذا طريق مبارك حيث رأينا ~~من يخدم حجرة النبي، صلى الله عليه وسلم؛ وثم ودعني وأرسل إلي جملة كثيرة ~~من النفقة، ومضى، وكان منه ومن الخطا ما ذكرناهن وبالجملة فاجتمع فيه ما ~~تفرق في غيره من ms4491 ملوك العالم، رحمه الله، ولو أردنا ذكر مناقبه لطال ذلك. ### || AUT ذكر استيلاء التتر المغربة على مازندران # PageV05P0309 # لما أيس التتر المغربة من إدراك خوارزم شاه، عادوا فقصدوا بلاد مازندران، ~~فملكوها في أسرع وقت، مع حصانتها وصعوبة الدخول إليها، وامتنا قلاعها، ~~فإنها لم تزل ممتنعة قديمة الزمان وحديثة، حتى إن المسلمين لما ملكوا بلاد ~~الأكاسرة جميعها، من العراق إلى أقاصي خراسان، بقيت أعمال مازندران يؤخذ ~~منهم الخراج، ولا يقدرون على دخول البلاد، إلى أن ملكت أيام سليمان بن عبد ~~الملك سنة تسعين، وهؤلاء الملاعين ملكوها صفوا عفوا لأمر يريده الله تعالى. ~~ولما ملكوا بلد مازندران قتلوا، وسبوا، ونهبوا، وأحرقوا البلاد، ولما فرغوا ~~من مازندران سلكوا نحو الري، فرأوا في الطريق والدة خوارزم شاه ونساءه، ~~وأموالهم، وذخائرهم التي لم يسمع بمثلها من الأعلاق النفيسة، وكان سبب ذلك ~~أن والدة خوارزم شاه لما سمعت بما جرى على ولدها خافت، ففارقت خوارزم وقصدت ~~نحو الري لتصل إلى أصفهان وهمذان وبلد الجبل تمتنع فيها، فصادفوها في ~~الطريق، فأخذوها وما معها قبل وصولهم إلى الري، فكان فيه ما ملأ عيونهم ~~وقلوبهم، وما لم يشاهد الناس مثله من كل غريب من المتاع، ونفيس من الجواهر، ~~وغير ذلك، وسيروا الجميع إلى جنكزخان بسمرقند. ### || AUT ذكر وصول التتر إلى الري وهمذان # في سنة سبع عشرة وستمائة وصل التتر، لعنهم الله، إلى الري في طلب خوارزم ~~شاه محمد، لأنهم بلغهم أنه مضى منهزما منهم نحو الري، فجدوا السير في أثره، ~~وقد انضاف إليهم كثير من عساكر المسلمين والكفار، وكذلك أيضا من المفسدين ~~من يريد النهب والشر، فوصلوا إلى الري على حين غفلة من أهلها، فلم يشعروا ~~بهم إلا وقد وصلوا إليها، وملكوها، ونهبوها، وسبوا الحريم، واستقرقوا ~~الأطفال، وفعلوا الأفعال التي لم يسمع بمثلها، ولم يقيموا، ومضوا مسرعين في ~~طلب خوارزم شاه، فنهبوا في طريقهم كل مدينة وقرية مروا عليها، وفعلوا في ~~الجميع أضعاف ما فعلوا في الري، وأحرقوا، وخربوا ووضعوا السيف في الرجال ~~والنساء والأطفال، فلم يبقوا على شيء. وتموا ms4492 على حالهم إلى همذان، وكان ~~خوارزم شاه قد وصل إليها في نفر من أصحابه، ففارقها وكان آخر العهد به، فلا ~~يدرى ما كان منه فيما حكاه بعضهم عنه، وقيل غير ذلك، وقد ذكرناه. فلما ~~قاربوا همذان خرج رئيسها ومعه الحمل من الأموال والثياب والدواب وغير ذلك، ~~يطلب الأمان لأهل البلد، فأمنوهم، ثم فارقوها وساروا إلى زنجان ففعلوا ~~أضعاف ذلك؛ وساروا ووصلوا إلى قزوين، فاعتصم أهلها منهم بمدينتهم، ~~فقاتلوهم، وجدوا في قتالهم، ودخلوها عنوة بالسيف، فاقتتلوا هم وأهل البلد ~~في باطنه، حتى صاروا يقتتلون بالسكاكين، فقتل من الفريقين ما لا يحصى، ثم ~~فارقوا قزوين، فعد القتلى من أهل قزوين، فزادوا على أربعين ألف قتيل. ### || AUT ذكر وصول التتر إلى أذربيجان # لما هجم الشتاء على التتر في همذان، وبلد الجبل، رأوا بردا شديدا، وثلجا ~~متراكما، فساروا إلى أذربيجان، ففعلوا في طريقهم بالقرى والمدن الصغار من ~~القتل والنهب مثل ما تقدم منهم، وخربوا وأحرقوا، ووصلوا إلى تبريز وبها ~~صاحب أذربيجان أوزبك بن البهلوان، فلم يخرج إليهم، ولا حدث نفسه بقتالهم ~~لاشتغاله بما هو بصدده من إدمان الشرب ليلا ونهارا لا يخرج إليهم، ولا حدث ~~نفسه بقتالهم لاشتغاله بما هو بصدده من إدمان الشرب ليلا ونهارا لا يفيق، ~~وإنما أرسل إليهم وصالحهم على مال، وثياب، ودواب، وحمل الجميع إليهم، ~~فساروا من عنده يريدون ساحل البحر، لأنه يكون قليل البرد، ليشتوا عليه ~~والمراعي به كثيرة لأجل دوابهم، فوصلوا إلى موقان، تطرقوا في طريقهم إلى ~~بلاد الكرج، فجاء إليهم من الكرج جمع كثير من العسكر، نحو عشرة آلاف مقاتل، ~~فقاتلوهم، فانهزمت الكرج، وقتل أكثرهم. PageV05P0310 # وأرسل الكرج إلى أوزبك، صاحب أذربيجان، يطلبون منه الصلح والاتفاق معهم ~~على دفع التتر، فاصطلحوا ليجتمعوا إذا انحسر الشتاء؛ وكذلك أرسلوا إلى ~~الملك الأشرف ابن الملك العادل، صاحب خلاط وديار الجزيرة، يطلبون منه ~~الموافقة عليهم، وظنوا جميعهم أن التتر يصبرون في الشتاء إلى الربيع، فلم ~~يفعلوا كذلك، بل تحركوا وساروا نحو بلاد الكرج، وانضاف إليهم مملوك تركي من ~~مماليك أوزبك، اسمه أقوش، ms4493 وجمع أهل تلك الجبال والصحراء من التركمان ~~والأكراد وغيرهم، فاجتمع معه خلق كثير؛ وراسل التتر في الانضمام إليهم، ~~فأجابوه إلى ذلك، ومالوا إليه للجنسية، فاجتمعوا وساروا في مقدمة التتر إلى ~~الكرج، فملكوا حصنا من حصونهم وخربوه، ونهبوا البلاد وخربوها، وقتلوا ~~أهلها، ونهبوا أموالهم، حتى وصلوا إلى قرب تفليس. فاجتمعت الكرج وخرجت ~~بحدها وحديدها إليهم، فلقيهم أقوش ألا فيمن اجتمع إليه، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا صبروا فيه كلهم، فقتل من أسحاب أقوش خلق كثير، وأدركهم التتر وقد تعب ~~الكرج من القتال، وقتل منهم أيضا كثير، فلم يثبتوا للتتر، وانهزموا أقبح ~~هزيمة، وركبهم السيف من كل جانب، فقتل منهم ما لا يحصى كثرة، وكانت الوقعة ~~في ذي القعدة من هذه السنة ونهبوا من البلاد ما كان سلم منهم. ولقد جرى ~~لهؤلاء التتر ما لم يسمع بمثله من قديم الزمان وحديثه: طائفة تخرج من حدود ~~الصين لا تنقضي عليهم سنة حتى يصل بعضهم إلى بلاد أرمينية من هذه الناحية، ~~ويجاوزوا العراق من ناحية همذان، وتالله لا شك أن من يجيء بعدنا، إذا بعد ~~العهد، ويرى هذه الحادثة مسطورة ينكرها، ويستبعدها، والحق بيده، فمتى يجيء ~~بعدنا، إذا بعد العهد، ويرى هذه الحادثة مسطورة ينكرها، ويستبعدها، والحق ~~بيده، فمتى استبعد ذلك فلينظر أننا سطرنا نحن، وكل من جمع التاريخ في ~~أزماننا هذه في وقت كل من فيه يعلم هذه الحادثة، استوى في معرفتها العالم ~~والجاهل لشهرتها، يسر اله للمسلمين والإسلام من يحفظهم ويحوطهم، فلقد دفعوا ~~من العدو إلى عظيم، ومن الملوك المسلمين إلى من لا تتعدى همته بطنه وفرجه، ~~ولم ينل المسلمين أذى وشدة مذ جاء النبي، صلى الله عليه وسلم إلى هذا الوقت ~~مثل ما دفعوا إليه الآن. هذا العدو الكافر التتر قد وطئوا بلاد ما وراء ~~النهر وملكوها وخربوها، وناهيك به سعة بلاد، وتعدت هذه الطائفة منهم النهر ~~إلى خراسان فملكوها وفعلوا مثل ذلك، ثم إلى الري وبلد الجبل وأذربيجان، وقد ~~اتصلوا بالكرج فغلبوهم على بلادهم. والعدو الآخر الفرنج قد ظهروا من بلادهم ~~في ms4494 أقصى بلاد الروم، بين الغرب والشمال، ووصلوا إلى مصر فملكوا مثل دمياط، ~~وأقاموا فيها، ولم يقدر المسلمون على إزعاجهم عنها، ولا إخراجهم منها، ~~وباقي ديار مصر على خطر، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم. ومن أعظم الأمور على المسلمين أن سلطانهم خوارزم شاه ~~محمدا قد عدم لا يعرف حقيقة خبره، فتارة يقال مات عند همذان وأخفي موته، ~~وتارة دخل أطراف بلاد فارس ومات هناك وأخفي موته لئلا يقصدها التتر في ~~أثره، وتارة يقال عاد إلى طبرستان وركب البحر، فتوفي في جزيرة هناك، ~~وبالجملة فقد عدم، ثم صح موته ببحر طبرستان، وهذا عظيم، إن مثل خراسان ~~وعراق العجم أصبح سائبا لا مانع له، ولا سلطان يدفع عنه، والعدو يجوس ~~البلاد، يأخذ ما أراد ويترك ما أراد، على أنهم لم يبقوا على مدينة إلا ~~خربوا كل ما مروا عليه، وأحرقوه، ونهبوه، وما لا يصلح لهم أحرقوه، فكانوا ~~يجمعون الإبريسم تلالا ويلقون فيه النار، وكذلك غيره من الأمتعة. ؟؟ ### || AUT ذكر ملك التتر مراغة # في صفر سنة ثماني عشرة وستمائة ملك التتر مدينة مراغة من أذربيجان. ~~PageV05P0311 # وسبب ذلك أننا ذكرنا سنة سبع عشرة وستمائة ما فعله التتر بالكرج، وانقضت ~~تلك السنة وهم في بلاد الكرج، فلما دخلت سنة ثماني عشرة وستمائة ساروا من ~~ناحية الكرج لأنهم رأوا أن بين أيديهم شوكة قوية، ومضايق تحتاج إلى قتال ~~وصراع، فعدلوا عنهم، وهذه كانت عادتهم، إذا قصدوا مدينة ورأوا عندها ~~امتناعا عدلوا عنها، فوصلوا إلى تبريز، وصانعهم صاحبها بمال وثياب ودواب، ~~فساروا عنه إلى مدينة مراغة، فحصروها وليس بها صاحب يمنعها، لأن صاحبها ~~كانت امرأة، وهي مقيمة بقلعة رويندز، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة). فلما حصروها قاتلهم أهلها، فنصبوا عليها ~~المجانيق، وزحفوا إليها، وكانت عادتهم إذا قاتلوا مدينة قدموا من معهم من ~~أسارى المسلمين بين أيديهم يزحفون ويقاتلون، فإن عادوا قتلوهم، فكانوا ~~يقاتلون كرها، وهم المساكين، كما قيل: (كالأشقر إن تقدم ينحر ms4495 وإن تأخر ~~يعقر)؛ وكانوا هم يقاتلون وراء المسلمين، فيكون القتل في المسلمين الأسارى، ~~وهم بنجوة منه. فأقاموا عليها عدة أيام، ثم ملكوا عنوة وقهرا رابع صفر، ~~ووضعوا السيف في أهلها، فقتل منهم ما يخرج عن الحد والإحصاء، ونهبوا كل ما ~~يصلح لهم، وما لا يصلح لهم أحرقوه، واختفى بعض الناس منهم، فكانوا يأخذون ~~الأسارى ويقولون لهم: نادوا في الدرب أن التتر قد رحلوا؛ فإذا نادى أولئك ~~خرج من اختفى فيؤخذ ويقتل. وبلغني أن امرأة من التتر دخلت دارا وقتلت جماعة ~~من أهلها وهم يظنونها رجلا، فوضعت السلاح وإذا هي امرأة، فقتلها رجل أخذته ~~أسيرا؛ وسمعت من بعض أهلها أن رجلا من التتر دخل دربا فيه مائة رجل، فما ~~زال يقتلهم واحدا واحدا حتى أفناهم، ولم يمد أحد يده إليه بسوء، ووضعت ~~الذلة على الناس فلا يدفعون عن نفوسهم قليلا ولا كثيرا، نعوذ بالله من ~~الخذلان. ثم رحلوا عنها نحو مدينة إربل، ووصل الخبر إلينا بذلك بالموصل، ~~فخفنا، حتى إن بعض الناس هم بالجلاء خوفا من السيف، وجاءت كتب مظفر الدين، ~~صاحب إربل، إلى بدر الدين، صاحب الموصل، يطلب منه نجدة من العساكر، فسير ~~إليه جمعا صالحا من عسكره، وأراد أن يمضي إلى طرف بلاده من جهة التتر، ~~ويحفظ المضايق لئلا يجوزها أحد، فإنها جميعها جبال وعرة ومضايق لا يقدر أن ~~يجوزها إلا الفارس بعد الفارس، ويمنعهم من الجواز إليه. ووصلت كتب الخليفة ~~ورسله إلى الموصل وإلى مظفر الدين يأمر الجميع بالاجتماع مع عساكره بمدينة ~~دقوقا لمنعوا التتر، فإنهم ربما عدلوا عن جبال إربل، لصعوبتها، إلى هذه ~~الناحية، ويطرقون العراق، فسار مظفر الدين من إربل في صفر، وسار إليهم جمع ~~من عسكر الموصل، وتبعهم من المتطوعة كثير. وأرسل الخليفة أيضا إلى الملك ~~الأشرف يأمره بالحضور بنفسه في عساكره ليجتمع الجميع على قصد التتر ~~وقتالهم، فاتفق أن الملك المعظم ابن الملك العادل وصل من دمشق إلى أخيه ~~الأشرف وهو بحران يستنجده على الفرنج الذين بمصر، وطلب منه أن يحضر بنفسه ~~ليسروا كلهم ms4496 إلى مصر ليستنقذوا دمياط من الفرنج، فاعتذر إلى الخليفة بأخيه، ~~وقوة الفرنج، وإن لم يتداركها، وإلا خرجت هي وغيرها، وشرع يتجهز للمسير إلى ~~الشام ليدخل مصر. وكان ما ذكرناه من استنقاذ دمياط. فلما اجتمع مظفر الدين ~~والعساكر بدقوقا سير الخليفة إليهم مملوكه قشتمر، وهو أكبر أمير بالعراق، ~~ومعه غيره من الأمراء، في نحو ثماني مائة فارس، فاجتمعوا هناك ليتصل بهم ~~باقي عسكر الخليفة، وكان المقدم على الجميع مظفر الدين، فلما رأى قلة ~~العسكر لم يقدم على قصد التتر. وحكى مظفر الدين قال: لما أرسل إلي الخليفة ~~في معنى قصد التتر قلت له: إن العدو قوي، وليس لي من العسكر ما ألقاه به، ~~فإن اجتمع معي عشرة آلاف فارس استنقذت ما أخذ من البلاد؛ فأمرين بالمسير، ~~ووعدني بوصول العسكر، فلما سرت لم يحضر عندي غير عدد لم يبلغوا ثماني مائة ~~طواشي، فأقمت، وما رأيت المخاطرة بنفسي وبالمسلمين. ولما سمع التتر باجتماع ~~العساكر لهم رجعوا القهقرى ظنا منهم أن العسكر يتبعهم، فلما لم يروا أحدا ~~يطلبهم أقاموا، وأقام العسكر الإسلامي عند دقوقا، فلما لم يروا العدو ~~يقصدهم، ولا المدد يأتيهم، تفرقوا، وعادوا إلى بلادهم. ### || AUT ذكر ملك التتر همذان وقتل أهلها # PageV05P0312 # لما تفرق العسكر الإسلامي عاد التتر إلى همذان، فنزلوا بالقرب منها، وكان ~~لهم بها شحنة يحكم فيها، فأرسلوا إليه ليطلب من أهلها مالا وثيابا، وكانوا ~~قد استنقذوا أموالهم في طول المدة. وكان رئيس همذان شريفا علويا، وهو من ~~بيت رئاسة قديمة لهذه المدينة، هو الذي يسعى في أمورهم أهل البلد مع التتر، ~~ويوصل إليهم ما يجمعه من الأموال؛ فلما طلبوا الآن منهم المال لم يجد أهل ~~همذان ما يحملونه إليهم، فحضروا عند الرئيس ومعه إنسان فقيه قد قام في ~~اجتماع الكلمة على الكفار قياما مرضيا، فقالوا لهما: هؤلاء الكفار قد أفنوا ~~أموالنا، ولم يبق لنا ما نعطيهم، وقد هلكنا من أخذهم أموالنا، وما يفعله ~~النائب عنهم بنا من الهوان. وكانوا قد جعلوا بهمذان شحنة لهم يحكم في أهلها ~~بما يختاره، فقال ms4497 الشريف: إذا كنا نعجز عنهم فكيف الحيلة؟ فليس لنا إلا ~~مصانعتهم بالأموال؛ فقالوا له: أنت أشد علينا من الكفار! وأغلظوا له في ~~القول، فقال: أنا واحد منكم، فاصنعوا ما شئتم. فأشار الفقيه بإخراج شحنة ~~التتر من البلد والامتناع فيه، ومقاتلة التتر؛ فوثب العامة على الشحنة ~~فقتلوه وامتنعوا في البلد؛ فتقدم التتر إليهم وحصروهم، وكانت الأقوات ~~متعذرة في تلك البلاد جميعها، لخرابها، وقتل أهلها، وجلاء من سلم منهم، فلا ~~يقدر أحد على الطعام إلا قليلا؛ وأما التتر فلا يبالون بعدم الأقوات لأنهم ~~لا يأكلون إلا اللحم، ولا تأكل دوابهم إلا نبات الأرض، حتى إنها تحفر ~~بحوافرها الأرض عن عروق النبات فتأكلها. فلما حصروا همذان قاتلهم أهلها ~~والرئيس والفقيه في أوائلهم، فقتل من التتر خلق كثير، وجرح الفقيه عدة ~~جراحات، وافترقوا، ثم خرجوا من الغد فاقتتلوا أشد من القتال الأول، وقتل ~~أيضا من التتر أكثر من اليوم الأول، وجرح الفقيه أيضا عدة جراحات وهو صابر؛ ~~وأرادوا أيضا الخروج، اليوم الثالث، فلم يطق الفقيه الركوب، وطلب الناس ~~الرئيس العلوي فلم يجدوه، كان قد هرب في سرب صنعه إلى ظاهر البلد هو وأهله ~~إلى قلعة هناك على جبل عال فامتنع فيها. فلما فقده الناس بقوا حيارى لا ~~يدرون ما يصنعون، إلا أنهم اجتمعت كلمتهم على القتال إلى أن يموتوا، ~~فأقاموا في البلد ولم يخرجوا منه. وكان التتر قد عزموا على الرحيل عنهم ~~لكثرة من قتل منهم؛ فلما لم يروا أحدا خرج إليهم من البلد طمعوا واستدلوا ~~على ضعف أهله، فقصدوهم وقاتلوهم في رجب من سنة ثماني عشرة وستمائة، ودخلوا ~~المدينة بالسيف، وقاتلهم الناس في الدروب، فبطل السلاح للزحمة، واقتتلوا ~~بالسكاكين، فقتل من الفريقين ما لا يحصيه إلا الله تعالى، وقوي التتر على ~~المسلمين فأفنوهم قتلا، ولم يسلم إلا من كان عمل له نفقا يختفي فيه، وبقي ~~القتل في المسلمين عدة أيام، ثم ألقوا النار في البلد فأحرقوه ورحلوا عنه ~~إلى مدينة أردويل. وقيل كان السبب في ملكها أن أهل البلد لما شكوا إلى ~~الرئيس ms4498 الشريف ما يفعل بهم الكفار، أشار عليهم بمكاتبة الخليفة لينفذ إليهم ~~عسكرا مع أمير يجمع كلمتم، فاتفقوا على ذلك، فكتب إلى الخليفة ينهي إليه ما ~~هم عليه من الخوف والذل، وما يركبهم به العدو من الصغار والخزي، ويطلب نجدة ~~ولو ألف فارس مع أمير يقاتلون معه ويجتمعون عليه؛ فلما سار القصاد بالكتب ~~أرسل بعض من علم بالحال إلى التتر يعلمهم ذلك، فأرسلوا إلى الطريق فأخذوهم، ~~وأخذوا الكتب منهم، وأرسلوا إلى الرئيس ينكرون عليه الحال، فجحد، فأرسلوا ~~إليه كتبه وكتب الجماعة، فسقط في أيديهم، وتقدم إليهم التتر حينئذ ~~وقاتلوهم، وجرى في القتال كما ذكرنا. ### || AUT ذكر مسير التتر إلى أذربيجان # ### || AUT وملكهم أردويل وغيرها # لما فرغ التتر من همذان ساروا إلى أذربيجان، فوصلوا إلى أردويل فملكوها ~~وقتلوا فيها وأكثروا، وخربوا أكثرها، وساروا منها إلى تبريز، وكان قد قام ~~بأمرها شمس الدين الطغرائي، وجمع كلمة أهلها، وقد فارقها صاحبها أوزبك بن ~~البهلوان، وكان أميرا متخلفا، لا يزال منهمكا في الخمر ليلا ونهارا، يبقى ~~الشهر والشهرين لا يظهر، وإذا سمع هيعة طار مجفلا له، وله جميع أذربيجان ~~وأران، وهو أعجز خلق الله عن حفظ البلاد من عدو يريدها ويقصدها. ~~PageV05P0313 # فلما سمع بمسير التتر من همذان فارق هو تبريز وقصد نقجوان، وسير أهله ~~ونساءه إلى خوي ليبعد عنهم، فقام هذا الطغرائي بأمر البلد، وجمع الكلمة ~~وقوى نفوس الناس على الامتناع، وخذرهم عاقبة التخاذل والتواني، وحصن البلد ~~بجهده وطاقته؛ فلما قاربه التتر، وسمعوا بما أهل البلد عليه من اجتماع ~~الكلمة على قتالهم، وأنهم قد حصنوا المدينة، وأصلحوا أسواها وخندقها، ~~أرسلوا يطلبون منهم مالا وثيابا، فاستقر الأمر بينهم عل قدر معلوم من ذلك، ~~فسيروه إليهم، فأخذوه ورحلوا إلى مدينة سراو فنهبوها، وقتلوا كل من فيها. ~~ورحلوا منها إلى بيلقان، من بلاد أران، فنهبوا كل ما مروا به من البلاد ~~والقرى، وخربوا، وقتلوا من ظفروا به من أهلها، فلما وصولا إلى بيلقان ~~حصروها، فاستدعى أهلها منهم رسولا يقرون معه الصلح، فأرسلوا إليهم رسولا من ~~أكابرهم ومقدميهم، فقتله ms4499 أهل البلد، فزحف التتر إليهم وقاتلوهم، ثم إنهم ~~ملكوا البلد عنوة في شهر رمضان سنة ثماني عشرة ووضعوا فيهم السيف فلم يبقوا ~~على صغير ولا كبير، ولا امرأة، حتى إنهم كانوا يشقون بطون الحبالى، ويقتلون ~~الأجنة، وكانوا يفجرون بالمرأة ثم يقتلونها، وكان الإنسان منهم يدخل الدرب ~~فيه الجماعة، فيقتلهم واحدا بعد واحد حتى يفرغ من الجميع لا يمد أحد منهم ~~إليه يدا. فلما فرغوا منها استقصوا ما حولها بالنهب والتخريب، وساروا إلى ~~مدينة كنجة، وهي أم بلاد أران، فعلموا بكثرة أهلها وشجاعتهم لكثرة ذريتهم ~~بقتال الكرج، وحصانتها، فلم يقدموا عليها، فساروا إلى أهلها يطلبون منهم ~~المال والثياب، فحملوا إليهم ما طلبوا، فساروا عنهم. ### || AUT ذكر قصد التتر بلاد الكرج # لما فرغ التتر من بلاد المسلمين بأذربيجان وأران، بعضه بالملك، وبعضه ~~بالصلح، ساروا إلى بلاد الكرج من هذه الأعمال أيضا، وكان الكرج قد أعدوا ~~لهم، واستعدوا، وسيروا جيشا كثيرا إلى طرف بلادهم ليمنعوا التتر عنها، فوصل ~~إليهم التتر، فالتقوا، فلم يثبت الكرج بل ولوا منهزمين، فأخذهم السيف، فلم ~~يسلم منهم إلا الشريد. ولقد بلغني أنهم قتل منهم نحو ثلاثين ألفا، ونهبوا ~~ما وصلوا إليه من بلادهم، وخربوها، وفعلوا بها ما هو عادتهم، فلما وصل ~~المنهزمون إلى تفليس وبها ملكهم جمعوا جموعا أخرى وسيرهم إلى التتر أيضا ~~ليمنعوهم من توسط بلادهم، فرأوا التتر وقد دخلوا البلاد لم يمنعهم جبل ولا ~~مضيق ولا غير ذلك، فلما رأوا فعلهم عادوا إلى تفليس، فأخلوا البلاد، ففعل ~~التتر فيها ما أرادوا من النهب، والقتل، والتخريب، ورأوا بلادا كثيرة ~~المضايق والدربندات، فلم يتجاسروا على الوغول فيها، فعادوا عنها. وداخل ~~الكرج منهم خوف عظيم، حتى سمعت عن بعض أكابر الكرج، قدم رسولا، أنه قال: من ~~حدثكم أن التتر انهزموا وأسروا فلا تصدقوه، وإذا حدثتم أنهم قتلوا فصدقوا، ~~فإن القوم لا يفرون أبدا، ولقد أخذنا أسيرا منهم، فألقى نفسه من الدابة ~~وضرب رأسه بالحجر إلى أن مات، ولم يسلم نفسه للأسر. ### || AUT ذكر وصولهم إلى دربند شروان # ### || AUT وما ms4500 فعلوه فيه # لما عاد التتر من بلد الكرج قصدوا دربند شروان، فحصروا مدينة شماخي ~~وقاتلوا أهلها، فصبروا على الحصر، ثم إن التتر صعدوا سورها بالسلاليم، وقيل ~~بل جمعوا كثيرا من الجمال والبقر والغنم وغير ذلك، ومن قتلى الناس منهم ومن ~~غيرهم، وألقوا بعضه فوق بعض، فصار مثل التل، وصعدوا عليه فأشرفوا على ~~المدينة وقاتلوا أهلها، فصبروا، واشتد القتال ثلاثة أيام، فأشرفوا على أن ~~يؤخذوا، فقالوا: السيف لا بد منه، فالصبر أولى بنا نموت كراما. فصبوا تلك ~~الليلة، فأنتنت تلك الجيف وانهضمت، فلم يبق للتتر على السور استعلاء، ولا ~~تسلط على الحرب، فعاودوا الزحف وملازمة القتال، فضجر أهلها، ومسهم التعب ~~والكلال والإعياء، فضعفوا، فملك التتر البلد، وقتلوا فيه فأكثروا، ونهبوا ~~الأموال فاحتازوها. PageV05P0314 # فلما فرغوا منه أرادوا عبور الدربند، فلم يقدروا على ذلك، فأرسلوا رسولا ~~إلى شروان شاه ملك دربند شروان يقولون له ليرسل إليهم رسولا يسعى بينهم في ~~الصلح، فأرسل عشرة رجال من أعيان أصحابه، فأخذوا أحدهم فقتلوه، ثم قالوا ~~للباقين: إن أنتم عرفتمونا طريقا نعبر فيه فلكم الأمان، وإن لم تفعلوا ~~قتلناكم كما قتلنا هذا. فقالوا لهم: إن هذا الدربند ليس فيه طريق البتة، ~~ولكن فيه موضع هو أسهل ما فيه من الطرق؛ فساروا معهم إلى ذلك الطريق، ~~فعبروا فيه، وخلفوه وراء ظهورهم. ذكر ما فعلوه باللان وقفجاق لما عبر التتر ~~دربند شروان ساروا في تلك الأعمال، وفيها أمم كثيرة منهم: اللان واللكز، ~~وطوائف من الترك، فنهبوا، وقتلوا من اللكز كثيرا، وهم مسلمون وكفار، ~~وأوقعوا بمن عداهم من أهل تلك البلاد، ووصلوا إلى اللان، وهم أمم كثيرة، ~~وقد بلغهم خبرهم، فحذروا، وجمعوا عندهم جمعا من قفجاق، فقاتلوهم، فلم تظفر ~~أحدى الطائفتين بالأخرى، فأرسل التتر إلى قفجاق يقولون: نحن وأنتم جنس ~~واحد، وهؤلاء اللان ليسوا منكم حتى تنصروهم، ولا دينكم مثل دينهم، ونحن ~~نعاهدكم أننا لا نتعرض لكم، ونحمل إليكم من الأموال والثياب ما شئتم ~~وتتركون بيننا وبينهم. فاستقر الأمر بينهم على مال حملوه وثياب وغير ذلك، ~~فحملوا إليهم ما استقر ms4501 وفارقهم قفجاق فأوقع التتر باللان، فقتلوا منهم ~~وأكثروا ونهبوا، وسبوا، وساروا إلى قفجاق وهم آمنون متفرقون لما استقر ~~بينهم من الصلح، فلم يسمعوا بهم إلا وقد طرقوهم ودخلوا بلادهم فأوقعوا بهم ~~الأول فالأول، وأخذوا منهم أضعاف ما حملوا إليهم، وسمع من كان بعيد الدار ~~من قفجاق الخبر، ففروا من غير قتال، وأبعدوا، فبعضهم اعتصم بالغياض، وبعضهم ~~بالجبال، وبعضهم لحق ببلاد الروس. وأقام التتر في بلاد قفجاق، وهي أرض ~~كثيرة المراعي في الشتاء والصيف، وفيها أماكن باردة في الصيف كثيرة المرعى، ~~وأماكن حارة في الشتاء كثيرة المرعى، وهي غياض على ساحل البحر، ووصلوا إلى ~~مدينة سوادق، وهي مدينة قفجاق التي منها مادتهم، فإنهم على بحر الخزر، ~~والمراكب تصل إليها وفيها الثياب، فيشتري قفجاق منهم ويبيعون عليهم ~~الجواري، والمماليك، والبرطاسي، والقندر، والسنجاب، وغير ذلك مما هو في ~~بلادهم، وبحر الخزر هذا هو بحر متصل بخليج القسطنطينية. ولما وصل التتر إلى ~~سوادق ملكوها، وتفرق أهلها منها، فبعضهم صعد الجبال بأهله وماله، وبعضهم ~~ركب البحر وسار إلى بلاد الروم التي بيد المسلمين من أولاد قلج أرسلان. ذكر ~~ما فعله التتر بقفجاق والروس لما استولى التتر على أرض قفجاق، وتفرق قفجاق، ~~كما ذكرنا، سار طائفة كثيرة منهم إلى بلاد الروس، وهي بلاد كثيرة، طويلة ~~عريضة، تجاورهم، وأهلها يدينون بالنصرانية، فلما وصلوا إليهم اجتمعوا كلهم، ~~واتفقت كلمتهم على قتال التتر إن قصدوهم، وأقام التتر بأرض قفجاق مدة، ثم ~~إنهم ساروا سنة عشرين وستمائة إلى بلاد الروس، فسمع الروس وقفجاق خبرهم، ~~وكانوا مستعدين لقتالهم، فساروا إلى طريق التتر ليلقوهم قبل أن يصلوا إلى ~~بلادهم ليمنعوهم عنها، فبلغ مسيرهم إلى التتر، فعادوا على أعقابهم راجعين، ~~فطمع الروس وقفجاق فيهم، وظنوا أنهم عادوا خوفا منهم وعجزا عن قتالهم، ~~فجدوا في اتباعهم، ولم يزل التتر راجعين، وأولئك يقفون أثرهم، اثني عشر ~~يوما. ثم إن التتر عطفوا على الروس وقفجاق، فلم يشعروا بهم إلا وقد لقوهم ~~على غرة منهم، لأنهم كانوا قد أمنوا التتر، واستشعروا القدرة عليهم، فلم ~~تتكامل عدتم للقتال ms4502 إلا وقد بلغ التتر منهم مبلغا عظيما، فصبر الطائفتان ~~صبرا لم يسمع بمثله. ودام القتال بينهم عدة أيام، ثم إن التتر ظفروا ~~واستظهروا، فانهزم قفجاق والروس هزيمة عظيمة بعد أن أثخن فيهم التتر، وكثر ~~القتل في المنهزمين فلم يسلم منهم إلا القليل، ونهب جميع ما معهم، ومن سلم ~~وصل إلى البلاد على أقبح صورة لبعد الطريق والهزيمة، وتبعهم التتر يقتلون ~~وينهبون ويخربون البلاد، حتى خلا أكثرها، فاجتمع كثير من أعيان تجار الروس ~~وأغنيائهم وحملوا ما يعز عليهم، وساروا يقطعون البحر إلى بلاد الإسلام في ~~عدة مراكب. PageV05P0315 # فلما قاربوا المرسى الذي يريدونه انكسر مركب من مراكبهم، فغرق إلا أن ~~الناس نجوا، وكانت العادة جارية أن السلطان له كل مركب ينكسر، فأخذ من ذلك ~~شيئا كثيرا، وسلم باقي المراكب، وأخبر من بها بهذه الحال. ### || AUT ذكر عود التتر من بلاد الروس # ### || AUT وقفجاق إلى ملكهم # لما فعل التتر بالروس ما ذكرناه، ونهبوا بلادهم، عادوا عنها وقصدوا ~~بلغار أواخر سنة عشرين وستمائة، فلما سمع أهل بلغار بقربهم منهم كمنوا لهم ~~في عدة مواضع، وخرجوا إليهم فلقوهم، واستجروهم إلى أن جاوزوا موضع الكمناء، ~~فخرجوا عليهم من وراء ظهورهم، فبقوا في الوسط، وأخذهم السيف من كل ناحية، ~~فقتل أكثرهم، ولم ينج منهم إلا القليل. قيل: كانوا نحو أربعة آلاف رجل، ~~فساروا إلى سقسين عائدين إلى ملكهم جنكزخان، وخلت أرض قفجاق منهم، فعاد من ~~سلم منهم إلى بلادهم، وكان الطريق منقطعا مذ دخلها التتر، فلم يصل منهم شيء ~~من البرطاسي والسنجاب والقندر وغيرها مما يحمل من تلك البلاد، فلما فارقوها ~~عادوا إلى بلادهم، واتصلت الطريق، وحملت الأمتعة كما كانت. هذه أخبار التتر ~~المغربة قد ذكرناها سياقة واحدة لئلا تنقطع. ### || AUT ذكر ما فعله التتر بما وراء النهر بعد بخارى وسمرقند # قد ذكرنا ما فعله التتر المغربة التي سيرها ملكهم جنكزخان، لعنه الله، ~~إلى خوارزم شاه؛ وأما جنكزخان فإنه بعد أن سير هذه الطائفة إلى خوارزم شاه ~~وبلغه انهزام خوارزم شاه من خراسان، قسم أصحابه عدة أقسام، ms4503 فسير قسما منها ~~إلى بلاد فرغانة ليملكوها؛ وسيسر قسما آخر منها إلى ترمذ؛ وسير قسما منها ~~إلى كلانة، وهي قلعة حصينة على جانب جيحون، من أحصن القلاع وأمنع الحصون، ~~فسارت كل طائفة إلى الجهة التي أمرت بقصدها، ونازلتها، واستولت عليها، ~~وفعلت من القتل، والأسر، والسبي، والنهب، والتخريب، وأنواع الفساد، مثل ما ~~فعل أصحابها. فلما فرغوا من ذلك عادوا إلى ملكهم جنكزخان وهو بسمرقند، فجهز ~~جيشا عظيما مع أحد أولاده وسيرهم إلى خوارزم، وسير جيشا فعبروا جيحون إلى خراسان. ### || AUT ذكر ملك التتر خراسان # لما سار الجيش المنفذ إلى خراسان عبروا جيحون، وقصدوا مدينة بلخ، فطلب ~~أهلها الأمان، فأمنوهم، فسلم البلد سنة سبع عشرة وستمائة، ولم يتعرضوا له ~~بنهب ولا قتل، بل جعلوا فيه شحنة وساروا وقصدوا الزوزان، وميمند، وأندخوي، ~~وقاريات، فملكوا الجميع وجعلوا فيه ولاة، ولم يتعرضوا لأهلها بسوء ولا أذى، ~~سوى أنهم كانوا يأخذون الرجال ليقاتلوا بهم من يمتنع عليهم، حتى وصلوا إلى ~~الطالقان، وهي ولاية تشتمل على عدة بلاد، وفيها قلعة حصينة يقال لها ~~منصوركوه، لا ترام علوا وارتفاعا، وبها رجال يقاتلون، شجعان، فحصروها مدة ~~ستة أشهر يقاتلون أهلها ليلا ونهارا ولا يظفرون منها بشيء. فأرسلوا إلى ~~جنكزخان يعرفونه عجزهم عن ملك هذه القلعة، لكثرة من فيها من المقاتلة، ~~ولامتناعها بحصانتها، فسار بنفسه وبمن عنده من جموعه إليهم، وحصرها، ومعه ~~خلق كثير من المسلمين أسرى، فأمرهم بمباشرة القتال وإلا قتلهم، فقاتلوا ~~معه، وأقام عليها أربعة أشهر أخرى فقتل من التتر عليها خلق كثير، فلما رأى ~~ملكهم ذلك أمر أن يجمع له من الحطب والأخشاب ما أمكن جمعه، ففعلوا ذلك، ~~وصاروا يعملون صفا من خشب، وفوقه صفا من تراب، فلم يزالوا كذلك حتى صار تلا ~~عاليا يوازي القلعة، وصعد الرجالة فوقه ونصبوا عليه منجنيقا فصار يرمي إلى ~~وسط القلعة وحملوا على التتر حملة واحدة فسلم الخيالة منهم ونجوا، وسلكوا ~~تلك الجبال والشعاب. وأما الرجالة فقتلوا، ودخل التتر القلعة، وسبوا النساء ~~والأطفال، ونهبوا الأموال والأمتعة. ثم إن جنكزخان جمع أهل ms4504 البلاد الذين ~~أعطاهم الأمان ببلخ وغيرها، وسيرهم مع بعض أولاده إلى مدينة مرو، فوصلوا ~~إليها وقد اجتمع بها من الأعراب والأتراك وغيرهم ممن نجا من المسلمين ما ~~يزيد على مائتي ألف رجل، وهم معسكرون بظاهر مرو، وهم عازمون على لقاء ~~التتر، ويحدثون نفوسهم بالغلبة لهم، والاستيلاء عليهم؛ فلما وصل التتر ~~إليهم التقوا واقتتلوا، فصبر المسلمون؛ وأما التتر فلا يعرفون الهزيمة، حتى ~~إن بعضهم أسر، فقال وهو عند المسلمين: إن قيل إن التتر يقتلون فصدقوا، وإن ~~قيل إنهم انهزموا فلا تصدقوا. PageV05P0316 # فلما رأى المسلمون صبر التتر وإقدامهم، ولو منهزمين، فقتل التتر منهم ~~وأسروا الكثير، ولم يسلم إلا القليل، ونهبت أموالهم، وسلاحهم، ودوابهم، ~~وأرسل التتر إلى ما حولهم من البلاد يجمعون الرجال لحصار مرو، فلما اجتمع ~~لهم ما أرادوا تقدموا إلى مرو وحصروها، وجدوا في حصرها، ولازموا القتال. ~~وكان أهل البلد قد ضعفوا بانهزام ذلك العسكر، وكثرة القتل والأسر فيهم، ~~فلما كان اليوم الخامس من نزولهم أسل التتر إلى الأمي الذي بها متقدما على ~~من فيها يقولون له: لا تهلك نفسك وأهل البلد، واخرج إلينا فنحن نجعلك أمير ~~هذه البلدة ونرحل عنك؛ فأرسل يطلب الأمان لنفسه ولأهل البلد، فأمنهم، فخرج ~~إليهم، فخلع عليه ابن جنكزخان، واحترمه، وقال له: أريد أن تعرض علي أصحابك ~~حتى ننظر من يصلح لخدمتنا استخدمناه، وأعطيناه إقطاعا، ويكون معنا. فلما ~~حضروا عنده، وتمكن منهم، قبض عليهم وعلى أميرهم، وكتفوهم؛ فلما فرغ منهم ~~قال لهم: اكتبوا إلى تجار البلد ورؤسائه، وأرباب الأموال في جريدة، واكتبوا ~~إلى أرباب الصناعات والحرف في نسخة أخرى، واعرضوا ذلك علينا؛ ففعلوا ما ~~أمرهم، فلما وقف على النسخ أمر أن يخرج أهل البلد منه بأهليهم، فخرجوا ~~كلهم، ولم يبق فيه أحد، فجلس على كرسي من ذهب وأمر أن يحضر أولئك الأجناد ~~الذين قبض عليهم، فأحضروا، وضربت رقابهم صبرا والناس ينظرون إليهم ويبكون. ~~وأما العامة فإنهم قسموا الرجال والنساء والأطفال والأموال، فكان يوما ~~مشهودا من كثرة الصراخ والبكاء والعويل، وأخذوا أرباب الأموال فضربوهم، ~~وعذبوهم بأنواع العقوبات ms4505 في طلب الأموال، فربما مات أحدهما من شدة الضرب، ~~ولم يكن بقي له ما يفتدي به نفسه، ثم إنهم أحرقوا البلد، وأحرقوا تربة ~~السلطان سنجر، ونبشوا القبر طلبا للمال، فبقوا كذلك ثلاثة أيام، فلما كان ~~اليوم الرابع أمر بقتل أهل البلد كافة، وقال: هؤلاء عصوا علينا، فقتلوهم ~~أجمعين؛ وأمر بإحصاء القتلى، فكانوا نحو سبعمائة ألف قتيل، فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون مما جرى على المسلمين ذلك اليوم. ثم ساروا إلى نيسابور فحصروها ~~خمسة أيام، وبها جمع صالح من العسكر الإسلامي، فلم يكن لهم بالتتر قوة، ~~فملكوا المدينة، وأخرجوا أهلها إلى الصحراء فقتلوهم، وسبوا حريمهم، وعاقبوا ~~من اتهموه بالمال، كما فعلوا بمرو، وأقاموا خمسة عشر يوما يخربون، ويفتشون ~~المنازل عن الأموال. وكانوا لما قتلوا أهل مرو قيل لهم إن قتلاهم سلم منهم ~~كثير، ونجوا إلى بلاد الإسلام، فأمروا بأهل نيسابور أن تقطع رؤوسهم لئلا ~~يسلم من القتل أحد، فلما فرغوا من ذلك سيروا طائفة منهم إلى طوس، ففعلوا ~~بها كذلك أيضا، وخربوها وخربوا المشهد الذي فيه علي بن موسى الرضى، ~~والرشيد، حتى جعلوا الجميع خرابا. ثم ساروا إلى هراة، وهي من أحصن البلاد، ~~فحصروها عشرة أيام فملكوها وأمنوا أهلها، وقتلوا منهم البعض، وجعلوا عند من ~~سلم منهم شحنة، وساروا إلى غزنة، فلقيهم جلال الدين بم خوارزم شاه فقاتلهم ~~وهزمهم على ما نذكره إن شاء الله، فوثب أهل هراة على الشحنة فقتلوه، فلما ~~عاد المنهزمون إليهم دخلوا البلد قهرا وعنوة، وقتلوا كل من فيه، ونهبوا ~~الأموال وسوبا الحريم، ونهبوا السواد وخربوا المدينة جميعها وأحرقوها، ~~وعادوا إلى ملكهم جنكزخان وهو بالطالقان يرسل السرايا إلى جميع بلاد ~~خراسان، ففعلوا بها كذلك، ولم يسلم من شرهم وفسادهم شيء من البلاد، وكان ~~جميع ما فعلوه بخراسان سنة سبع عشرة. ### || AUT ذكر ملكهم خوارزم وتخريبها # وأما الطائفة من الجيش التي سيرها جنكزخان إلى خوارزم، فإنها كانت أكثر ~~السرايا جميعها لعظم البلد، فساروا حتى وصلوا إلى خوارزم وفيها عسكر كبير، ~~وأهل البلد معروفون بالشجاعة والكثرة، فقاتلوهم أشد قتال ms4506 سمع به الناس، ~~ودام الحصر لهم خمسة أشهر، فقتل من الفريقين خلق كثير، إلا أن القتلى من ~~التتر كانوا أكثر لأن المسلمين كان يحميهم السور. PageV05P0317 # فأرسل التتر إلى ملكهم جنكزخان يطلبون المدد، فأمدهم بخلق كثير، فلما ~~وصلوا إلى البلد زحفوا زحفا متتابعا، فملكوا طرفا منه، فاجتمع أهل البلد ~~وقاتلوهم في طرف الموضع الذي ملكوا، فلم يقدروا على إخراجهم، ولم يزالوا ~~يقاتلونهم، والتتر يملكون منهم محلة بعد محلة، وكلما ملكوا محلة قاتلهم ~~المسلمون في المحلة التي تليهم، فكان الرجال والنساء والصبيان يقاتلون، فلم ~~يزالوا كذلك حتى ملكوا البلد جميعه، وقتلوا كل من فيه، ونهبوا كل ما فيه؛ ~~ثم إنهم فتحوا السكر الذي يمنع ماء جيحون عن البلد فدخله الماء، فغرق البلد ~~جميعه، وتهدمت الأبنية، وبقي موضعه ماء، ولم يسلم من أهله أحد البتة، فإن ~~غيره من البلاد قد كان يسلم بعض أهله، منهم من يختفي، ومنهم من يهرب، ومنهم ~~من يخرج ثم يسلم، ومنهم من يلقي نفسه بين القتلى فينجو؛ وأما أهل خوارزم ~~فمن اختفى من التتر غرقه الماء، أو قتله الهدم، فأصبحت خرابا يبابا: كأن لم ~~يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر وهذا لم يسمع بمثله ~~في قديم الزمان وحديثه، نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الخذلان بعد ~~النصر، فلقد عمت هذه المصيبة الإسلامية وأهله، فكم من قتيل من أهل خراسان ~~وغيرها، لأن القاصدين من التجار وغيرهم كانوا كثيرا، مضى الجميع تحت السيف. ~~ولما فرغوا من خراسان وخوارزم عادوا إلى ملكهم بالطالقان. ### || AUT ذكر ملك التتر غزنة وبلاد الغور # لما فرغ التتر من خراسان وعادوا إلى ملكهم جهز جيشا كثيفا وسيره إلى ~~غزنة وبها جلال الدين بن خوارزم شاه مالكا لها، وقد اجتمع إليه من سمل من ~~عسكر أبيه، قيل: كانوا ستين ألفا، فلما وصلوا إلى أعمال غزنة خرج إليهم ~~المسلمون مع ابن خوارزم شاه إلى موضع يقال له بلق، فالتقوا هناك واقتتلوا ~~قتالا شديدا، وبقوا كذلك ثلاثة أيام، ثم أنزل الله نصره على المسلمين، ms4507 ~~فانهزم التتر وقتلهم المسلمون كيف شاؤوا، ومن سلم منهم عاد إلى ملكهم ~~بالطالقان، فلما سمع أهل هراة بذلك ثاروا بالوالي الذي عندهم للتتر فقتلوه، ~~فسير إليهم جنكزخان عسكرا فملكوا البلد وخربوه كما ذكرناه. فما انهزم التتر ~~أرسل جلال الدين رسولا إلى جنكزخان يقول له: في أي موضع تريد أن يكون الحرب ~~حتى نأتي أليه؟ فجهز جنكزخان عسكرا كثيرا، أكثر من الأول مع بعض أولاده، ~~وسيره إليه، فوصل إلى كابل، فتوجه العسكر الإسلامي إليهم، وتصافوا هناك، ~~وجرى بنيهم قتال عظيم، فانهزم الكفار ثانيا، فقتل كثير منهم، وغنم المسلمون ~~ما معهم، وكان عظيما؛ وكان معهم من أسارى المسلمين خلق كثير، فاستنقذوهم ~~وخلصوهم. ثم إن المسلمين جرى بينهم فتنة لأجل الغنيمة، وسبب ذلك أن أميرا ~~منهم يقال له سيف الدين بغراق، أصله من الأتراك الخلج، كان شجاعا مقداما، ~~ذا رأي في الحرب ومكيدة، واصطلى الحرب مع التتر بنفسه، وقال العسكر جلال ~~الدين: تأخروا أنتم فقد ملثم منهم رعبا؛ وكان معهم من أسارى المسلمين خلق ~~كثير، فاستنقذوهم وخلصوهم. وكان من المسلمين أيضا أمير كبير يقال له ملك ~~خان، بينه وبين خوارزم شاه نسب، وهو صاحب هراة، فاختلف هذان الأميران في ~~الغنيمة، فاقتتلوا، فقتل بينهم أخ لبغراق. فقال بغراق: أنا أهزم الكفار ~~ويقتل أخي لأجل هذا السحت! فغضب وفارق العسكر وسار إلى الهند، فتبعه من ~~العسكر ثلاثون ألفا كلهم يريدونه، فاستعطفه جلال الدين بكل طريق، وسار ~~بنفسه إليه، وذكره الجهاد، وخوفه من الله تعالى، وبكى بين يديه، فلم يرجع، ~~وسار مفارقا، فانكسر لذلك المسلمون وضعفوا. فبينما هم كذلك إذ ورد الخبر أن ~~جنكزخان قد وصل في جموعه وجيوشه، فلما رأى جلال الدين ضعف المسلمين لأجل من ~~فارقهم من العسكر، ولم يقدر على المقام، سار نحو بلاد الهند، فوصل إلى ماء ~~السند، وهو نهر كبير، فلم يجد من السفن ما يعبر فيه. PageV05P0318 # وكان جنكزخان يقص أثره مسرعا، فلم يتمكن جلال الدين من العبور، حتى أدركه ~~جنكزخان في التتر، فاضطر المسلمون حينئذ إلى القتال والصبر لتعذر العبور ms4508 ~~عليهم، وكانوا في ذلك كالأشقر إن تأخر يقتل وإن تقدم يعقر، فتصافوا ~~واقتتلوا أشد قتال، اعترفوا كلهم أن كل ما مضى من الحروب كان لعبا بالنسبة ~~إلى هذا القتال، فبقوا كذلك ثلاثة أيام، فقتل الأمير ملك خان المقدم ذكره ~~وخلق كثير، وكان القتل في الكفار أكثر، و الجراح أعظم، فرجع الكفار عنهم، ~~فأبعدوا، ونزلوا على بعد، فلما رأى المسلمون أنهم لا مدد لهم، وقد ازدادوا ~~ضعفا بمن قتل منهم وجرح، ولم يعلموا بما أصاب الكفار من ذلك، أرسلوا يطلبون ~~السفن، فوصلت، وعبر المسلمون ليقضي الله أمرا كان مفعولا. فلما كان الغد ~~عاد الكفار إلى غزنة، وقد قويت نفسوهم بعبور المسلمين الماء إلى جهة الهند ~~وبعدهم، فلما وصلوا إليها ملكوها لوقتها لخلوها من العسكر والمحامي، فقتلوا ~~أهلها، ونهبوا الأموال، وسبوا الحريم، ولم يبق أحد، وخربوها وأحرقوها، ~~وفعلوا بسوادها كذلك، ونهبوا وقتلوا وأحرقوا، فأصبحت تلك الأعمال جميعها ~~خالية من الأنيس، خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس. ### || AUT ذكر تسليم الأشرف خلاط إلى أخيه # ### || AUT شهاب الدين غازي # أواخر هذه السنة أقطع الملك الأشرف موسى بن العادل مدينة خلاط وجميع ~~الأعمال: أرمينية، ومدينة ميافارقين من ديار بكر، ومدينة حاني، أخاه ### || AUT شهاب الدين غازي # بن العادل، وأخذ منه مدينة الرها، ومدينة سروج من بلاد الجزيرة، وسيره ~~إلى خلاط أول سنة ثماني عشرة وستمائة. وسب ذلك أن الكرج لما قصد التتر ~~بلادهم وهزموهم، ونهبوها، وقتلوا كثيرا من أهلها، أرسلوا إلى أوزبك، صاحب ~~أذربيجان وأران، يطلبون منه المهادنة والموافقة على دفع التتر، وأرسلوا إلى ~~الملك الأشرف في هذا المعنى، وقالوا للجميع: إن لم توافقونا على قتال هؤلاء ~~القوم ودفعهم عن بلادنا، وتحضروا بنفوسكم وعساكركم لهذا المهم، وإلا ~~صالحناهم عليكم. فوصلت رسلهم إلى الأشرف وهو يتجهز إلى الديار المصرية لأجل ~~الفرنج، وكانوا عنده أهم الوجوه، لأسباب: أولها أن الفرنج كانوا قد ملكوا ~~دمياط، وقد أشرفت الديار المصرية على أن تملك، فلو ملكوها لم يبق بالشام ~~ولا غيره معهم ملك لأحد. وثانيها أن الفرنج أشد شكيمة، ms4509 وطالبوا ملك، فإذا ~~ملكوا قرية لا يفارقونها إلا بعد أن يعجزوا عن حفظها يوما واحدا. وثالثها ~~أن الفرنج قد طمعوا في كرسي مملكة البيت العادلي، وهي مصر، والتتر لم يصلوا ~~إليها، ولم يجاوزوا شيئا من بلادهم، وليسوا أيضا ممن يريد المنازعة في ~~الملك، وما غرضهم إلا النهب، والقتل، وتخريب البلاد، والانتقال من بلد إلى ~~آخر. فلما أتاه رسل الكرج بما ذكرناه، أجابهم يعتذر بالمسير إلى مصر لدفع ~~الفرنج، ويقول لهم: إنني قد أقطعت ولاية خلاط لأخي، وسيرته إليها ليكون ~~بالقرب منكم، وتركت عنده العساكر، فمتى احتجتم إلى نصرته حضر لدفع التتر؛ ~~وسار هو إلى مصر كما ذكرناه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الآخر، ملك بدر الدين قلعة تل أعفر. وفيها، في ~~جمادى الأولى، ملك الأشرف مدينة سنجار. وفيها أيضا وصل الموصل، وأقام ~~بظاهرها، ثم سار يريد إربل لقصد صاحبها، فترددت الرسل بينهم في الصلح، ~~فاصطلحوا في شعبان، وقد تقدم هذا جميعه مفصلا سنة خمس عشرة وستمائة. وفيها ~~وصل التتر الري فملكوها وقتلوا كل من فيها، ونهبوها، وساروا عنها، فوصلوا ~~إلى همذان، فلقيهم رئيسها بالطاعة والحمل، فأبقوا على أهلها وساروا إلى ~~أذربيجان، فخربوا، وحرقوا البلاد، وقتلوا، وسبوا، وعملوا ما لم يسمع بمثله، ~~وقد تقدم أيضا مفصلا. وفيها توفي نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي الذي كان ~~وزير الخليفة، وصلي عليه بجامع القصر، وحضره أرباب الدولة ودفن بالمشهد. ~~وفيها توفي صدر الدين أبو الحسن محمد بن حموية الجويني، شيخ الشيوخ بمصر ~~والشام، وكان موته بالموصل وردها رسولا، وكان فقيها فاضلا، وصوفيا صالحا، ~~من بيت كبير من خراسان، رحمه الله، كان نعم الرجل. PageV05P0319 # وفيها عاد جمع بني معروف إلى مواضعهم من البطيحة، وكانوا قد ساروا إلى ~~الأجنا والقطيف، فلم يمكنهم المقام لكثرة أعدائهم، فقصدوا شحنة البصرة، ~~وطلبوا منه أن يكاتب الديوان ببغداد بالرضى عنهم، فكتب معهم بذلك وسيرهم مع ~~أصحابه إلى بغداد، فلما قاربوا واسط لقيهم قاصد من الديوان بقتلهم، فقتلوا. ؟ ### | AUT ثم دخلت سنة ثماني عشرة وستمائة # ### || AUT ms4510 ذكر وفاة قتادة أمير مكة # ### || AUT وملك ابنه الحسن وقتل أمير الحاج # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، توفي قتادة بن إدريس العلوي، ثم الحسني، ~~أمير مكة، حرسها الله، بها، وكان عمره نحو تسعين سنة، وكانت ولايته قد ~~اتسعت من حدود اليمن إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وله قلعة ينبع ~~بنواحي المدينة، وكثر عسكره، واستكثر من المماليك، وخافه العرب في تلك ~~البلاد خوفا عظيما. وكان، في أول ملكه، لما ملك مكة، حرسها الله، حسن ~~السيرة أزال عنها العبيد المفسدين، وحمى البلاد، وأحسن إلى الحجاج، ~~وأكرمهم، وبقي كذلك مدة، ثم إنه بعد ذلك أساء السيرة، وجدد المكوس بمكة، ~~وفعل أفعالا شنيعة، ونهب الحاج في بعض السنين كما ذكرناه. ولما مات ملك ~~بعده ابنه الحسن، وكان له ابن آخر اسمه راجح، مقيم في العرب بظاهر مكة، ~~يفسد، وينازع أخاه في ملك مكة، فلما سار حاج العراق كان الأمير عليهم ~~مملوكا من مماليك الخليفة الناصر لدين الله اسمه أقباش، وكان حسن السيرة مع ~~الحاج في الطريق، كثير الحماية، فقصده راجح ابن قتادة، وبذل له وللخليفة ~~مالا ليساعده على ملك مكة، فأجابه إلى ذلك، ووصولا إلى مكة، ونزلوا ~~بالزاهر، وتقدم إلى مكة مقاتلا لصاحبها حسن. وكان حسن قد جمع جموعا كثيرة ~~من العرب وغيرها، فخرج إليه من مكة وقاتله، وتقدم أمير الحاج من بين يدي ~~عسكره منفردا، وصعد الجبل إدلالا بنفسه، وأنه لا يقدم أحد عليه، فأحاط به ~~أصحاب حسن، وقتلوه، وعلقوا رأسه، فانهزم عسكر أمير المؤمنين، وأحاط أصحاب ~~حسن بالحاج لينهبوهم، فأرسل إليهم حسن عمامته أمانا للحجاج، فعاد أصحابه ~~ولم ينهبوا منهم شيئا وسكن الناس، وأذن لهم حسن في دخول مكة وفعل ما ~~يريدونه من الحج والبيع وغير ذلك، وأقاموا بمكة عشرة أيام، وعادوا، فوصلوا ~~إلى العراق سالمين، وعظم الأمر على الخليفة، فوصلت رسل حسن يعتذرون، ~~ويطلبون العفو عنه، فأجيب إلى ذلك. وقيل في موت قتادة: إن ابنه حسنا خنقه ~~فمات؛ وسبب ذلك أن قتادة جمع جموعا كثيرة وسار عن مكة ms4511 يريد المدينة، فنزل ~~بوادي الفرع وهو مريض، وسير أخاه على الجيش ومعه ابنه الحسن بن قتادة، فلما ~~أبعدوا بلغ الحسن أن عمه قال لبعض الجند: إن أخي مريض، وهو ميت لا محالة؛ ~~وطلب منهم أن يحلفوا له ليكون هو الأمير بعد أخيه قتادة، فحضر الحسن عند ~~عمه، واجتمع إليه كثير من الأجناد والمماليك الذي لأبيه، فقال الحسن لعمه: ~~قد فعلت كذا وكذا، فقال: لم أفعل؛ فأمر حسن الحاضرين بقتله، فلم يفعلوا، ~~وقالوا: أنت أمير وهذا أمير، ولا نمد أيدينا إلى أحدكما. فقال له غلامان ~~لقتادة: نحن عبيدك، فمرنا بما شئت؛ فأمرهم أن يجعلا عمامة عمه في عنقه، ~~ففعلا، ثم قتله. فسمع قتادة الخبر، فبلغ منه الغيظ كل مبلغ، وحلف ليقتلن ~~ابنه، وكان على ما ذكرناه من المرض، فكتب بعض أصحابه إلى الحسن يعرفه ~~الحال، ويقول له: ابدأ به قبل أن يقتلك؛ فعاد الحسن إلى مكة، فلما وصلها ~~قصد دار أبيه في نفر يسير فوجد على باب الدار جمعا كثيرا، فأمرهم بالانصراف ~~إلى منازلهم، ففارقوا الدار وعادوا إلى مساكنهم، ودخل الحسن إلى أبيه، فلما ~~رآه أبوه شمته، وبالغ في ذمه وتهديده، فوثب إليه الحسن فخنقه لوقته، وخرج ~~إلى الحرم الشريف، وأحضر الأشراف، وقال: إن أبي قد اشتد مرضه، وقد أمركم أن ~~تحلفوا لي أن أكون أنا أميركم؛ فحلفوا له، ثم إنه أظهر تابوتا ودفنه ليظن ~~الناس أنه مات، وكان قد دفنه سرا. فلما استقرت الإمارة بمكة له أرسل إلى ~~أخيه الذي بقلعة الينبع على لسان أبيه يستدعيه، وكتم موت أبيه عنه، فلما ~~حضر أخوه قتله أيضا، واستقر أمره، وثبت قدمه، وفعل بأمير الحاج ما تقدم ~~ذكره، فارتكب عظيما: قتل أباه وعمه وأخاه في أيام يسيرة، لا جرم لم يمهله ~~الله، سبحانه وتعالى، نزع ملكه، وجعله طريدا شريدا خائفا يترقب. ~~PageV05P0320 # وقيل إن قتادة كان يقول شعرا، فمن ذلك أنه طلب ليحضر عند أمير الحاج، كما ~~جرت عادة أمراء مكة، فامتنع، فعوتب من بغداد، فأجاب بأبيات شعر منها: ولي ~~كف ضرغام أدل ببطشها ms4512 ... وأشري بها بين الورى وأبيع تظل ملوك الأرض تلثم ~~ظهرها ... وفي وسطها للمجدبين ربيع أأجعلها تحت الرحا ثم أبتغي ... خلاصا ~~لها؟ إني إذا لرقيع! وما أنا إلا المسك في كل بلدة ... يضوع، وأما عندكم فيضيع ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة استعاد المسلمون مدينة دمياط بالديار المصرية من الفرنج، ~~وقد تقدم ذكرها مشروحا مفصلا. وفيها، في صفر، ملك التتر مراغة وخربوها ~~وأحرقوها وقتلوا أكثر أهلها ونهبوا أموالهم وسبوا حريمهم. وسار التتر منها ~~إلى همذان وحصروها، فقاتلهم أهلها وظفر بهم التتر منهم ما لا يحصى، ونهبوا ~~البلد. وساروا إلى أذربيجان فاعادوا النهب، ونهبوا ما بقي من البلاد، ولم ~~ينهبوه أولا. ووصلوا إلى بيلقان من بلاد أران، فحصروها وملكوها وقتلوا ~~أهلها حتى كادوا يفنونهم ونهبوا أموالهم، وساروا إلى بلاد الكرج من ~~أذربيجان وأران، فلقيهم خلق كثير من الكرج فقاتلوهم وانهزم الكرج وكثر ~~القتل فيهم ونهب أكثر بلادهم وقتل أهلها، وساروا من هناك إلى دربند شروان، ~~فحصروا مدينة شماخي وملكوها، وقتلوا كثيرا من أهلها. وساروا إلى بلد اللان ~~واللكز ومن عندهم من الأمم، فأوقعوا، ورحلوا عن فقجاق، وأجلوهم عنها، ~~واستولوا عليها، وساحوا في تلك الأرض حتى وصولا إلى بلاد الروس، وقد تقدم ~~ذكر جميعه مستقصى، وإنما أوردناه هاهنا جملة ليعلم الذي كان في هذه السنة ~~من حوادثهم. وفيها توفي صديقنا أمين الدين ياقوت الكاتب الموصلي، ولم يكن ~~في زمانه من يكتب ما يقاربه، ولا من يؤدي طريقة ابن البواب مثله؛ وكان ذا ~~فضائل جمة من علم الأدب وغيره، وكان كثير الخير، نعم الرجل، مشهورا في ~~الدنيا، والناس متفقون على الثناء الجميل عليه والمدح له، ولهم فيه أقوال ~~كثيرة نظما ونثرا، فمن ذلك ما قاله نجيب الدين الحسين بن علي الواسطي من ~~قصيدة يمدحه بها: جامع شارد العلوم ولولا ... ه لكانت أم الفضائل ثكلى ذو ~~يراع تخاف سطوته الأس ... د وتعنو له الكتائب ذلا وإذا افتر ثغره عن سواد ~~... في بياض فالبيض والسمر خجلى أنت بدر والكاتب ابن هلال ... كأبيه لا فخر ~~فيمن ms4513 تولى ومنها: إن يكن أولا، فإنك بالتف ... ضيل أولى، لقد سبقت وصلى وهي ~~طويلة، والكاتب ابن هلال هو ابن البواب الذي هو أشهر من أن يعرف. وفيها ~~توفي جلال الدين الحسن، وهو من أولاد الحسن بن الصباح، الذي تقدم ذكره، ~~صاحب الموت وكردكوه، وهو مقدم الإسماعيلية؛ وقد ذكرنا أنه كان قد أظهر ~~شريعة الإسلام من الأذان والصلاة، وولي بعد ابنه علاء الدين محمد. ### | AUT ثم دخلت سنة تسع عشرة وستمائة # ### || AUT ذكر خروج طائفة من قفجاق إلى أذربيخان # ### || AUT وما فعلوه بالكرج وما كان منهم # في هذه السنة اجتمع طائفة كثيرة من القفجاق وفارقوا بلادهم لما استولى ~~عليها التتر، وساروا إلى دربند شروان، وأرسلوا إلى صاحبه، واسمه رشيد، ~~وقالوا له: إن التتر قد ملكوا بلادنا، ونهبوا أموالنا، وقد قصدناك لنقيم في ~~بلادك، ونحن مماليك لك، ونفتح البلاد لك، وأنت سطاننا؛ فمنعهم من ذلك ~~وخافهم، فأعادوا الرسالة إليه: إننا نحن نرهن عندك أولادنا ونساءنا على ~~الطاعة والخدمة لك، والانقياد لحكمك؛ فلم يجبهم إلى ما طلبوا، فسألوه أن ~~يمكنهم ليتزودوا من بلده، تدخل عشرة عشرة، فإذا اشتروا ما يحتاجون إليه ~~فارقوا بلاده، فأجابهم إلى ذلك، فصاروا يدخلون متفرقين، ويشترون ما يريدون، ~~ويخرجون. PageV05P0321 # ثم إن بعض كبرائهم والمقدمين منهم جاء إلى رشيد وقال: إنني كنت في خدمة ~~السلطان خوارزم شاه، وأنا مسلم، والدين يحملني على نصحك؛ اعلم أن قفجاق ~~أعداؤك، ويريدون الغدر بك، فلا تمكنهم من المقام ببلادك، فأعطني عسكرا حتى ~~أقاتلهم وأخرجهم من البلاد. ففعل ذلك، وسلم إليه طائفة من عسكره، وأعطاهم ~~ما يحتاجون إليه من سلاح وغيره، فساروا معه، فأوقعوا بطائفة من قفجاق، فقتل ~~منهم جماعة ونهب منهم، فلم يتحرك قفجاق لقتال بل قالوا: نحن مماليك الملك ~~شروان شاه رشيد، ولولا ذلك لقاتلنا عسكره؛ فلما عاد ذلك المقدم القفجاقي ~~ومعه عسكر رشيد سالمين، فرح بهم. ثم إن قفجاق فارقوا موضعهم، فساروا ثلاثة ~~أيام فقال ذلك القفجاقي لرشيد: أريد عسكرا أتبعهم؛ فأمر له من العسكر بما ~~أراد، فسار يقفو أثر القفجاق، فأوقع ms4514 بأواخرهم، وغنم منهم. وقصده جمع كثير ~~من قفجاق من الرجال والنساء يبكون، وقد جزوا شعورهم، ومعهم تابوت، وهم ~~محيطون به يبكون حلوه، وقالوا له: إن صديقك فلانا مات، وقد أوصى أن نحمله ~~إليك فتدفنه في أي موضع شئت، ونكون نحن عندك؛ فحمله معه والذين يبكون عليه ~~أيضا، وعاد إلى شروان شاه رشيد، وأعلمه أن الميت صديق له، وقد حمله معه، ~~وقد طلب أهله أن يكونوا عنده في خدمته، فأمر أن يدخلوا البلد، وأنزلهم فيه. ~~فكان أولئك الجماعة يسيرون مع ذلك المقدم، ويركبون بركوبه، ويصعدون معه إلى ~~القلعة التي لرشيد، ويقعدون عنده، ويشربون معه هم ونساؤهم، فأحب رشيد امرأة ~~ذلك الرجل الذي قيل له: إنه ميت، ولم يكن مات، وإنما فعلوا هكذا مكيدة حتى ~~دخلوا البلد والذي أظهروا موته معهم في المجلس، ولا يعرفه رشيد، وهو من ~~أكبر مقدمي قفجاق، فبقوا كذلك عدة أيام، فكل يوم يجيء جماعة من قفجاق ~~متفرقين، فاجتمع بالقلعة منهم جماعة، وأرادوا قبض رشيد وملك بلاده، ففطن ~~لذلك، فخرج عن القلعة من باب السر، وهرب ومضى إلى شروان. وملك قفجاق ~~القلعة، وقالوا لأهل البلد: نحن خير لكم من رشيد؛ وأعادوا باقي أصحابهم ~~إليهم، وأخذوا السلاح الذي في البلد جميعه، واستولوا على الأموال التي كانت ~~لرشيد في القلعة، ورحلوا عن القلعة، وقصدوا قبلة، وهي للكرج، فنزلوا عليها ~~وحصروها. فلما سمع رشيد بمفارقتهم القلعة رجع إليها وملكها، وقتل من بها من ~~قفجاق، ولم يشعر القفجاق الذين عند قبلة بذلك، فأرسلوا طائفة منهم إلى ~~القلعة، فقتلهم رشيد أيضا، فبلغ الخبر إلى القفجاق، فعادوا إلى دربند، فلم ~~يكن لهم في القلعة طمع. وكان صاحب قبلة، لما كانوا يحصرونه، قد أرسل إليهم، ~~وقال لهم: أنا أرسل إلى ملك الكرج حتى يرسل إليكم الخلع والأموال، ونجتمع ~~نحن وأنتم ونملك البلاد، فكفوا عن نهب ولايته أياما، ثم إنهم مدوا أيديهم ~~بالنهب والفساد، ونهبوا بلاد قبلة جميعها، وساروا إلى قرب كنجة من بلاد ~~أران، وهي للمسلمين، فنزلوا هناك، فأرسل إليهم الأمير بكنجة، وهو مملوك ~~لأوزبك ms4515 صاحب أذربيجان اسمه كوشخرة، عسكرا فمنعهم من الوصول إلى بلاده، وسير ~~رسولا إليهم يقول لهم: غدرتم بصاحب شروان، وأخذتم قلعته، وغدرتم بصاحب ~~قبلة، ونهبتم بلاده، فما يثق بكم أحد؛ فأجابوا: إننا ما جئنا إلا قصدا ~~لخدمة سلطانكم، فمنعنا شروان شاه عنكم، فلهذا قصدنا بلاده، وأخذنا قلعته، ~~ثم تركناها من غير خوف؛ وأما صاحب قبلة فهو عدوكم وعدونا، ولو أردنا أن ~~نكون عند الكرج لما كنا جعلنا طريقنا على دربند شروان، فإنه أصعب وأشق ~~وأبعد، وكنا جئنا إلى بلادهم على عادتنا ونحن نوجه الرهائن إليكم. فلما سمع ~~كوشخرة هذا سار إليهم، فسمع به قفجاق، فركب أميران منهم، هما مقدماهم، في ~~نفر يسير، وجاءوا إليه ولقوه وخدموه، وقالوا له: قد أتيناك جريدة في قلة من ~~العدد لتعلم أننا ما قصدنا إلا الوفاء والخدمة لسلطانكم، فأمرهم كوشخرة ~~بالرحيل والنزول عند كنجة، وتزوج ابنه أحدهم، وأرسل إلى صاحبه وأزبك يعرفه ~~حالهم، فأمر لهم بالخلع النزول بجبل كيلكون، ففعلوا ذلك. PageV05P0322 # وخافهم الكرج، فجمعوا لهم ليكبسوهم، فوصل الخبر بذلك إلى كوشخرة أمير ~~كنجة، فأخبر قفجاق، وأمرهم بالعود والنزول عند كنجة، فعادوا ونزلوا عندها، ~~وسار أمير من أمراء قفجاق في جمع منهم إلى الكرج، فكبسهم، وقتل كثيرا منهم، ~~وهزمهم، وغنم ما معهم، وأكثر القتل فيهم والأسر منهم، وتمت الهزيمة عليهم، ~~ورجع قفجاق إلى جبل كيلكون، فنزلوا فيه كما كانوا. فلما نزلوا أراد الأمير ~~الآخر من أمراء قفجاق أن يؤثر في الكرج مثل ما فعل صاحبه، فسمع كوشخرة، ~~فأرسل إليه ينهاه عن الحركة إلى أن يكشف له خبر الكرج، فلم يقف، فسار إلى ~~بلادهم في طائفته، ونهب وخرب وأخذ الغنائم، فسار الكرج في طريق يعرفونها ~~وسبقوه، فلما وصل إليهم قاتلوه، وحملوا عليه وعلى من معه على غرة وغفلة، ~~فوضعوا السيف فيهم، وأكثروا القتل فيهم، واستنقذوا الغنائم منه، فعاد هو ~~ومن معه على أقبح حالة، وقصدوا برذعة. وأرسلوا إلى كوشخرة يطلبون أن يحضر ~~عندهم هو بنفسه وعسكره ليقصدوا الكرج فيأخذوا بثأرهم منهم، فلم يفعل، ~~وأخافهم، وقال: أنتم خالفتموني، وعملتم ms4516 برأيكم، فلا أنجدكم بفارس واحد؛ ~~فأرسلوا يطلبون الرهائن الذين لهم، فلم يعطهم، فاجتمعوا وأخذوا كثيرا من ~~المسلمين عوضا من الرهائن، فثأر بهم المسلمون من أهل البلاد، وقاتلوهم، ~~فقتلوا منهم جماعة كثيرة، فخافوا، وساروا نحو شروان، وجازوا إلى بلد اللكز، ~~فطمع الناس فيهم، المسلمون والكرج واللكز وغيرهم، فأفنوهم قتلا ونهبا وأسرا ~~وسبيا بحيث إن المملوك منهم كان يباع في دربند شروان بالثمن البخس. ### || AUT ذكر نهب الكرج بيلقان # في هذه السنة، في شهر رمضان، سار الكرج من بلادهم إلى بلاد أران وقصدوا ~~مدينة بيلقان، وكان التتر قد خربوها، ونهبوها كما ذكرناه قبل، فلما سرا ~~التتر إلى بلاد قفجاق عاد من سلم من أهلها إليها، وعمروا ما أمكنهم عمارته ~~من سورها. فبينما هم كذلك إذ أتاهم الكرج ودخلوا البلد وملكوه. وكان ~~المسلمون في تلك البلاد ألفوا من الكرج أنهم إذا ظفروا ببلد صانعوه بشيء من ~~المال فيعودون عنهم، فكانوا أحسن الأعداء مقدرة؛ فلما كانت هذه الدفعة ظن ~~المسلمون أنهم يفعلون مثل ما تقدم، فلم يبالغوا في الامتناع منهم، ولا ~~هربوا من بين أيديهم، فلما ملك الكرج المدينة وضعوا السيف في أهلها، وفعلوا ~~من القتل والنهب أكثر مما فعل بهم التتر. هذا جميعه يجري، وصاحب بلاد ~~أذربيجان أوزبك بن البهلوان بمدينة تبريز، ولا يتحرك في صلاح، ولا يتجه ~~لخير بل قد قنع بالأكل وإدمان الشرب والفساد، فقبحه الله، ويسر للمسلمين من ~~يقوم بنصرهم وحفظ بلادهم بمحمد وآله. ### || AUT ذكر ملك بدر الدين قلعة شوش # في هذه السنة ملك بدر الدين، صاحب الموصل، قلعة شوش من أعمال الحميدية، ~~وبينها وبين الموصل اثنا عشر فرسخا. وسبب ذلك أنها كانت هي وقلعة العقر ~~متجاورتين لعماد الدين زنكي ابن أرسلان شاه، وكان بينهما من الخلف ما تقدم ~~ذكره. فلما كان هذه السنة سار زنكي إلى أذربيجان ليخدم صاحبها أوزبك ابن ~~البهلوان، فاتصل به، وصار معه، وأقطعه إقطاعات، وأقام عنده، فسار بدر الدين ~~إلى قلعة شوش فحاصرها، وضيق عليها، وهي على راس جبل عال فطال مقامه عليها ~~لحصانتها، ms4517 فعاد إلى الموصل، وترك عسكره محاصرا لها، فلما طال الأمر على من ~~بها، ولم يروا من يرحله عنهم، ولا من ينجدهم، سلموها على قاعدة استقرت ~~بينهم، من أقطاع وخلع وغير ذلك، فتسلمها نوابه في التاريخ، ورتبوا أمورها ~~وعادوا إلى الموصل. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في العشرين من شعبان، ظهر كوكب في السماء في الشرق، كبير ~~له ذؤابة طويلة غليظة، وكان طلوعه وقت السحر، فبقي كذلك عشرة أيام، ثم إنه ~~ظهر أول الليل في الغرب مما يلي الشمال، فكان كل ليلة يتقدم إلى جهة الجنوب ~~نحو عشرة أذرع في رأي العين، فلم يزل يقرب من الجنوب حتى صار غربا محضا، ثم ~~صار غربا مائلا إلى الجنوب، بعد أن كان غربا مما يلي الشمال، فبقي كذلك إلى ~~آخر شهر رمضان من السنة ثم غاب. وفيها توفي ناصر الدين محمود بن محمد قرا ~~أرسلان، صاحب حصن كيفا وآمد، وكان ظالما قبيح السيرة في ريعته. قيل: إنه ~~كان يتظاهر بمذهب الفلاسفة في أن الأجساد لا تحشر؛ كذبوا لعنهم الله. ولما ~~مات ملك ابنه الملك المسعود. ### | AUT ثم دخلت سنة عشرين وستمائة # PageV05P0323 ### || AUT ذكر ملك صاحب اليمن مكة # ### || AUT حرسها الله تعالى # في هذه السنة سار الملك المسعود أتسز ابن الملك الكامل محمد، صاحب مصر، ~~إلى مكة وصاحبها حينئذ حسن بن قتادة بن إديس، العلوي الحسيني، قد ملكها بعد ~~أبيه، كما ذكرناه. وكان حسن قد أساء إلى الأشراف والمماليك الذين كانوا ~~لأبيه، وقد تفرقوا عنه، ولم يبق عنده غير أخواله من غيره، فوصل صاحب اليمن ~~إلى مكة، ونهبها عسكره إلى العصر. فحدثني بعض المجاورين المتأهلين أنهم ~~نهبوها، حتى أخذوا الثياب عن الناس، وأفقروهم، وأمر صاحب اليمن أن ينبش قبر ~~قتادة ويحرق، فنبشوه، فظهر التابوت الذي دفنه انبه الحسن والناس ينظرون ~~إليه، فلم يروا فيه شيئا، فعلموا حينئذ أن الحسن دفن أباه سرا، وأنه لم ~~يجعل في التابوت شيئا. وذاق الحسن عاقبة قطيعة الرحم، وعجل الله مقابلته، ~~وأزال عنه ما قتل أباه وأخاه ms4518 وعمه لأجله؛ خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو ~~الخسران المبين. ### || AUT ذكر حرب بين المسلمين والكرج بأرمينية # في هذه السنة، في شعبان، سار صاحب قلعة سرماري، وهي من أعمال أرمينية ~~إلى خلاط، لأنه كان في طاعة صاحب خلاط، وهو حينئذ شهاب الدين غازي بن ~~العادل أبي بكر بن أيوب، فحضر عنده، واستخلف ببلده أميرا من أمرائه، فجمع ~~هذا الأمير جمعا وسار إلى بلاد الكرج، فنهب منها عدة قرى وعاد. فسمعت الكرج ~~بذلك، فجمع صاحب دوين، واسمه شلوة، وهو من أكابر أمراء الكرج، عسكره وسار ~~إلى سرماري فحضرها أياما، ونهب بلدها وسوادها ورجع. فسمع صاحب سرماري ~~الخبر، فعاد إلى سرماري، فوصل إليها في اليوم الذي رحل الكرج عنها، فأخذ ~~عسكره وتبعهم، فأوقع بساقتهم، فقتل منهم وغنم، واستنقذ بعض ما أخذوا من ~~غنائم بلاده. ثم إن صاحب دوين جمع عسكره وسار إلى سرماري ليحصرها، فوصل ~~الخبر إلى صاحبها بذلك، فحصنها، وجمع الذخائر وما يحتاج إليه، فأتاه من ~~أخبره أن الكرج نزلوا بوادي بني دوين وسرماري، وهو وادي ضيق، فسار بجميع ~~عسكره جريدة، وجد السير ليكبس الكرج، فوصل إلى الوادي الذي هم فيه وقت ~~السحر، ففرق عسكره فرقتين: فرقة من أعلى الوادي، وفرقة من أسفله، وحملوا ~~عليهم وهم غافلون، ووضعوا السيف فيهم، فقتلوا وأسروا، فكان في جملة الأسرى ~~شلوة أمير دوين، في جماعة كثيرة من مقدميهم، ومن سلم من الكرج عاد إلى ~~بلدهم على حال سيئة. ثم إن ملك الكرج أرسل إلى الملك الأشرف موسى بن ~~العادل، صاحب ديار الجزيرة، وهو الذي أعطى خلاط وأعمالها الأمير شهاب ~~الدين، يقول له: كنا نظن أننا صلح، والآن فقد عمل صاحب سرماري هذا العمل، ~~فإن كنا على الصلح فنريد إطلاق أصحابنا من الأسر، وإن كان الصلح قد انفسخ ~~بيننا فتعرفنا حتى ندبر أمرنا. فأرسل الأشرف إلى صاحب سرماري يأمره بإطلاق ~~الأسرى وتجديد الصلح مع الكرج، ففعل ذلك واستقرت قاعدة الصلح، وأطلق الأسرى. ### || AUT ذكر الحرب بين غياث الدين وخاله # في هذه السنة في جمادى الآخرة، انهزم إيغان ms4519 طائيسي، وهو خال غياث الدين ~~بن خوارزم شاه محمد بن تكش، وغياث الدين هذا هو صاحب بلاد الجبل والري ~~وأصبهان وغير ذلك، وله أيضا بلاد كرمان. وكان سبب ذلك أن خاله إيغان طائيسي ~~كان معه، وفي خدمته، وهو أكبر أمير معه لا يصدر غياث الدين إلا عن رأيه، ~~والحكم إليه في جميع المملكة، فلما عظم شأنه حدث نفسه بالاستيلاء على ~~الملك، وحسن له ذلك غيره، وأطمعه فيه، قيل: إن الخليفة الناصر لدين الله ~~أقطعه البلاد سرا، وأمره بذلك، فقويت نفسه على الخلاف، فاستفسد جماعة من ~~العسكر واستمالهم. فلما تم له أمره أظهر الخلاف على غياث الدين، وخرج عن ~~طاعة أوزبك، وصار في البلاد يفسد، ويقطع الطريق، وينهب ما أمكنه من القرى ~~وغيرها. وانضاف إليه جمع كثير من أهل العنف والفساد، ومعه مملوك آخر اسمه ~~أيبك الشامي، وساروا جميعهم إلى غياث الدين ليقاتلوه ويملكوا بلاده ويخرجوه ~~منها، فجمع غياث الدين عسكره والتقوا بنواحي ..... واقتتلوا، فانهزم خال ~~غياث الدين ومن معه، وقتل من عسكره وأسر كثير، وعاد المنهزمون إلى أذربيجان ~~على أقبح حال، وأقام غياث الدين في بلاده وثبت قدمه. ### || AUT حادثة غريبة لم يوجد مثلها # PageV05P0324 # كان أهل المملكة في الكرج لم يبق منهم غير امرأة، وقد انتهى الملك إليها ~~فوليته، وقامت بالأمر فيهم، وحكمت، فطلبوا لها رجلا يتزوجها ويقوم بالملك ~~نيابة عنها، ويكون من أهل بيت مملكة، فلم يكن فيهم من يصلح لهذا الأمر. ~~وكان صاحب أرزن الروم، هذا الوقت، هو مغيث الدين طغرل شاه بن قلج أرسلان بن ~~مسعود قلج أرسلان، وبيته مشهور من أكابر ملوك الإسلام، وهم من الملوك ~~السلجوقية، وله ولد كبير، فأرسل إلى الكرج يطلب الملكة لولده ليتزوجها، ~~فامتنعوا من إجابته، وقالوا: لا نفعل هذا، لأننا لا يمكنا أن يملك أمرنا ~~مسلم. فقال لهم: إن ابني يتنصر ويتزوجها؛ فأجابوه إلى ذلك، فأمر ابنه فتنصر ~~ودان بالنصرانية، وتزوج الملكة، وانتقل إليها، وأقام عند الكرج حاكما في ~~بلادهم، واستمر على النصرانية، نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله أن يجعل خير ms4520 ~~أعمالنا آخرها، وخير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه. ثم كانت هذه ~~الملكة الكرجية تهوى مملوكا لها، فكان زوجها يسمع عنها القبائح ولا يمكنه ~~الكلام لعجزه، ثم إنه يوما دخل عليها فرآها نائمة مع مملوكها في فراش، ~~فأنكر ذلك وواجهها بالمنع منه، فقالت: إن رضيت بهذا، وإلا أنت أخبر. فقال: ~~إنني لا أرضى بهذا، فنقلته إلى بلد آخر، ووكلت به من يمنعه من الحركة، ~~وحجرت عليه، وأرسلت إلى بلد اللان وأحضرت رجلين كانا قد وصفا بحسن الصورة، ~~فتزوجت أحدهما، فبقي معها يسيرا، ثم إنها فارقته، وأحضرت إنسانا آخر من ~~كنجة، وهو مسلم، فطلبت منه أن يتنصر ليتزوجها، فلم يفعل، فأرادت أن تتزوجه ~~وهو مسلم، فقام عليها جماعة من الأمراء، ومعهم إيواني، وهو مقدم العساكر ~~الكرجية، فقالوا لها: قد افتضحنا بين الملوك بما تفعلين ثم تريدين أن ~~يتزوجك مسلم، وهذا لا نمكن منه أبدا، والأمر بينهم متردد والرجل الكنجي ~~عندهم لم يجبهم إلى الدخول في النصرانية وهي تهواه. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كان الجراد في أكثر البلاد، وأهلك كثيرا من الغلات والخضر ~~بالعراق والجزيرة وديار بكر وكثير من الشام وغيرها. وفيها، في رمضان، توفي ~~عبد الرحمن بن هبة الله بن عساكر، الفقيه الشافعي الدمشقي، بها، وكان غزير ~~العلم، عالما بالمذهب، كثير الصلاح والزهد والخير، رحمه الله. وفيها خرج ~~العرب في خلق كثير على حجاج الشام، وأرادوا قطع الطريق عليهم وأخذهم، وكان ~~الأمير على الحجاج شرف الدين يعقوب، بن محمد، وهو من أهل الموصل، أقام ~~بالشام، وتقدم فيه، فمنعهم بالرغبة والرهبة، ثم صانعهم بمال وثياب وغير ~~ذلك، فأعطى الجميع من ماله، ولم يأخذ من الحجاج الدرهم الفرد، وفعل فعلا ~~جميلا. وكان عنده كثير من العلوم، ويرجع إلى دين متين. ### | AUT ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وستمائة # ### || AUT ذكر عود طائفة من التتر إلى الري # ### || AUT وهمذان وغيرهما # أول هذه السنة وصل طائفة من التتر من عند ملكهم جنكزخان، وهؤلاء غير ~~الطائفة الغربية التي ذكرنا أخبارها قبل وصول هؤلاء الري؛ ms4521 وكان من سلم من ~~أهلها قد عادوا إليها وعمروها، فلم يشعوا بالتتر إلا وقد وصلوا إليها، فلم ~~يمتنعوا عنهم، فوضعوا في أهلها السيف وقتلوهم كيف شاؤوا، ونهبوا البلد ~~وخربوه، وساروا إلى ساوة ففعلوا بها كذلك، ثم إلى قم وقاشان، وكانتا قد ~~سلمتا من التتر أولا، فإنهم لم يقربوهما، ولا أصاب أهلهما أذى، فأتاهما ~~هؤلاء وملكوهما، وقتلوا أهلهما، وخربوها، وألحقوهما بغيرهما من البلاد ~~الخراب. ثم ساروا في البلاد يخربون ويقتلون وينهبون، ثم قصدوا همذان، وكان ~~قد اجتمع بها كثير ممن سلم من أهلها، فأبادوهم قتلا وأسرا ونهبا، وخربوا ~~البلد. PageV05P0325 # وكانوا لما وصلوا إلى الري رأوا بها عسكرا كثيرا من الخوارزمية، فكبسوهم ~~وقتلوا منهم، وانهزم الباقون إلى أذربيجان، فنزلوا بأطرافها، فلم يشعروا ~~إلا والتتر أيضا قد كبسوهم ووضوا السيف فيهم، فولوا منهزمين، فوصل طائفة ~~منهم إلى تبريز، وأرسلوا إلى صاحبها أوزبك بن البهلوان يقولون: إن كنتم ~~موافقنا فسلم إلينا من عندك من الخوارزمية، وإلا فعرفنا أنك غير موافق لنا، ~~ولا في طاعتنا؛ فعمد إلى من عنده من الخوارزمية فقتل بعضهم وأسر بعضهم، ~~وحمل الأسرى والرؤوس إلى التتر، وأنفذ معها من الأموال والثياب والدواب ~~شيئا كثيرا، فعادوا عن بلاده نحو خراسان، فعلوا هذا وليسوا في كثرة؛ كانوا ~~نحو ثلاثة آلاف فارس، وكان الخوارزمية الذين انهزموا منهم نحو ستة آلاف ~~راجل، وعسكر أوزبك أكثر من الجميع، ومع هذا فلم يحدث نفسه ولا الخوارزمية ~~بالامتناع منهم. نسأل الله أن ييسر للإسلام والمسلمين من يقوم بنصرتهم، فقد ~~دفعوا إلى أمر عظيم من قتل النفوس، ونهب الأموال، واسترقاق الأولاد، وسبي ~~الحريم وقتلهن، وتخريب البلاد. ### || AUT ذكر ملك غياث الدين بلاد فارس # قد ذكرنا أن غياث الدين بن خوارزم شاه محمد كان بالري، وله معها أصفهان ~~وهمذان وما بينهما من البلاد، وله أيضا بلاد كرمان، فلما هلك أبوه، كما ~~ذكرناه، وصل التتر إلى بلاه، وامتنع بأصفهان، وحصره التتر فيها فلم يقدروا ~~عليها، فلما فارق التتر بلاده، وساروا إلى بلاد قفجاق، عاد ملك البلاد وعمر ~~ما أمكنه منها، وأقام ms4522 بها إلى أواخر سنة عشرين وستمائة، وجرى له ما ذكرناه. ~~ففي آخر سنة عشرين وستمائة سار إلى بلا فارس فلم يشعر صاحبها، وهو أتابك ~~سعد بن دكلا، إلا وقد وصل غياث الدين إلى أطراف بلاده، فلم يتمكن من ~~الامتناع، فقصد قلعة إصطخر فاحتمى بها، وسار غياث الدين إلى مدينة شيراز، ~~وهي كرسي مملكة فارس، وأكبرها وأعظمها، فملكها بغير تعب أو سنة إحدى وعشرين ~~وستمائة، وبقي غياث الدين بها، واستولى على أكثر البلاد، ولم يبق بيد سعد ~~إلا الحصون المنيعة. فلما طال الأمر على سعد صالح غياث الدين على أن يكون ~~لسعد من البلاد قسم اتفقوا عليه، ولغياث الدين الباقي، وأقام غياث الدين ~~بشيراز، وازداد إقامة وعزما على ذلك لما سمع أن التتر قد عادوا إلى الري ~~والبلاد التي له وخربوها. ### || AUT عصيان شهاب الدين على الملك الأشرف # ### || AUT ذكر عصيان شهاب الدين غازي على أخيه الملك الأشرف وأخذ خلاط منه # كان الملك الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيوب قد أقطع أخاه شهاب ~~الدين غازي مدينة خلاط وجميع أعمال أرمينية، وأضاف إليها ميافارقين وخاني ~~وجبل جور، ولم يقنع بذلك حتى جعله ولي عهده في البلاد التي له جميعها، وحلف ~~له جميع النواب والعساكر في البلاد. فلما سلم إليه أرمينية سار إليها، كما ~~ذكرناه، وأقام بها إلى آخر سنة عشرين وستمائة، فأظهر مغاضبة أخيه الملك ~~الأشرف، والتجني عليه والعصيان، والخروج عن طاعته، فراسله الأشرف يستميله ~~ويعاتبه على ما فعل، فلم يرعوا، ولا ترك ما هو عليه، بل أصر على ذلك، واتفق ~~هو وأخوه المعظم عيسى، صاحب دمشق، ومظفر الدين بن زيد الدين، صاحب إربل، ~~على الخلاف للأشرف، والاجتماع على محاربته، وأظهروا ذلك. وعلم الأشرف فأرسل ~~إلى أخيه الكامل بمصر يعرفه ذلك، وكانا متفقين، وطلب منه نجدة، فجهز ~~العساكر وأرسل إلى أخيه، صاحب دمشق، يقول له: إن تحركت من بلدك سرت إليه ~~وأخذته؛ وكان قد سار نحو ديار الجزيرة للميعاد الذي بينهم، فلما وصلت إليه ~~رسالة أخيه، وسمع بتجهيز العساكر، وعاد ms4523 إلى دمشق. وأما صاحب إربل فإنه جمع ~~العساكر وسار إلى الموصل، فكان منه ما نذكره إن شاء الله. وأما الأشرف فإنه ~~لما تيقن عصيان أخيه جمع العساكر من الشام، والجزيرة، والموصل، وسار إلى ~~خلاط، فلما قرب منها خافه أخوه غازي، ولم يكن له قوة على أن يلقاه محاربا، ~~ففرق عسكره في البلاد ليحصنها، وانتظر أخوه صاحب دمشق أن يسير صاحب إربل ~~إلى ما يجاوره من الموصل وسنجار، وأن يسير أخوه إلى بلاد الأشراف عند ~~الفرات: الرقة وحران وغيرهما، فيضطر الأشرف حينئذ إلى العود عن خلاط. ~~PageV05P0326 # فسار الأشرف إليه، وقصد خلاط، وكان أهلها يريدونه، ويختارون دولته لحسن ~~سيرته، كانت فيهم، وسوء سيرة غازي، فلما حصرها سلمها أهلها إليه يوم ~~الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة، وبقي غازي في القلعة ممتنعا، فلما جنه ~~الليل نزل إلى أخيه معتذرا ومتنصلا، فعاتبه الأشرف وأبقى عليه ولم يعاقبه ~~على فعله، لكن أخذ البلاد منه وأبقى عله ميافارقين. ### || AUT ذكر حصار صاحب إربل الموصل # قد ذكرنا اتفاق مظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي، صاحب إربل، وشهاب ~~الدين غازي، صاحب خلاط، المعظم عيسى، صاحب دمشق، على قصد بلاد الملك ~~الأشرف، فأما صاحب دمشق فإنه سار عنها مراحل يسيرة وعاد إليها لأن أخاه ~~صاحب مصر أرسل إليه يتهدده إن سار عن دمشق أنه يقصدها ويحصرها، فعاد. وأما ~~غازي فإنه استحصر في خلاط، وأخذت منه كما ذكرناه. وأما صاحب إربل فإنه جمع ~~عسكره وسار إلى بلد الموصل وحصرها ونازلها يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى ~~الآخرة، ظنا منه أن الملك الأشرف إذا سمع بنزوله عليها رحل عن خلاط، ويخرج ~~غازي في طلبه، فتتخبط أحواله، وتقوى نفس صاحب دمشق على المجيء إليهم، فلا ~~نازل الموصل كان صاحبها بدر الدين لؤلؤ قد أحكم أمورها من استخدام الجند ~~على الأسوار، وإظهار آلة الحصار، وإخراج الذخائر. وإنما قوي طمع صاحب إربل ~~على حصر الموصل لأن أكثر عسكرها كان قد سار إلى الملك الأشرف إلى خلاط وقد ~~قل العسكر فيها، وكان الغلاء شديدا في البلاد ms4524 جميعها، والسعر في الموصل كل ~~ثلاثة مكاكيك بدينار، فلهذا السبب أقدم على حصرها؛ فلما نزل عليها أقام ~~عشرة أيام ثم رحل عنها يوم الجمعة لتسع بقين من جمادى الآخرة. وكان سبب ~~رحيله أنه رأى امتناع البلد عليه، وكثرة من فيه، وعندهم من الذخائر ما ~~يكفيهم الزمان الكثير، ووصل إليه خبر الملك الأشرف أنه ملك خلاط، فانفسخ ~~عليه كل ما كان يؤمله من صاحبها ومن دمشق، وبقي وحده متلبسا بالأمر، فلما ~~وصلت الأخبار إليه بذلك سقط في يده، ورأى أنه قد أخطأ الصواب، فرحل عائدا ~~إلى بلده، وأقام على الزاب؛ ومدة مقامه على الموصل لم يقاتلها، إنما كان في ~~بعض الأوقات يجيء بعض اليزك الذين له يقاتلون البلد، فيخرج إليهم بعض ~~الفرسان، وبعض الرجال، فيجري بينهم قتال ليس بالكثير ثم يتفرقون، وترجع كل ~~طائفة إلى صاحبها. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، أول آب، جاء ببغداد مطر برعد وبرق، وجرت المياه بباب ~~البصرة والحربية، وكذلك بالمحول، بحيث إن الناس كانوا يخوضون في الماء ~~والوحل بالمحول. وفيها سار صاحب المخزن إلى بعقوبا في ذي القعدة، فعسف ~~أهلها، فنقل إليه عن إنسان منها أنه يسبه، فأحضره وأمر بمعاقبته، وقال له: ~~لم تسبني؟ فقال له: أنتم تسبون أبا بكر وعمر لأجل أخذهما فدك، وهي عشر ~~نخلات لفاطمة، عليها السلام، وأنتم تأخذون مني ألف نخلة ولا أتكلم؟ فعفا ~~عنه. وفيها وقعت فتنة بواسط بين السنة والشيعة على جاري عادتهم. وفيها قلت ~~الأمطار في البلاد، فمل يجيء منها شيء إلى سباط، ثم إنها كانت تجيء في ~~الأوقات المتفرقة مجيئا قريبا لا يحصل منه الري للزرع، فجاءت الغلات قليلة، ~~ثم خرج عليها الجراد، ولم يكن في الأرض من النبات ما يشتغل به عنها، فأكلها ~~إلا القليل، وكان كثيرا خارجا عن الحد، فغلت الأسعار في العراق، والموصل، ~~وسائر ديار الجزيرة، وديار بكر، وغيرها، وقلت الأقوات، إلا أن أكثر الغلاء ~~كان بالموصل وديار الجزيرة. ### | AUT ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وستمائة # ### || AUT ذكر حصر الكرج مدينة كنجة # في ms4525 هذه السنة سارت الكرج في جموعها إلى مدينة كنجة من بلاد أران قصدا ~~لحصرها، واعتدوا لها بما أمكنهم من القوة لأن أهل كنجة كثير عددهم، قوية ~~شوكتهم، وعندهم شجاعة كثيرة من طول ممارستهم للحرب مع الكرج، فلما وصلوا ~~إليها ونازلوها قاتلوا أهلها، عدة أيام، من وراء السور، لم يظهر من أهلها ~~أحد، ثم في بعض الأيام خرج أهل كنجة ومن عندهم من العسكر من البلد، وقاتلوا ~~الكرج بظاهر البلد أشد قتال وأعظمه، فلما رأى الكرج ذلك علموا أنهم لا طاقة ~~لهم بالبلد، فرحلوا بعد أن اثخن أهل كنجة فيهم. (ورد الله الذين كفروا ~~بغيظهم لم ينالوا خيرا) الأحزاب: 25. ### || AUT ذكر وصول جلال الدين بن خوارزم شاه إلى خوزستان والعراق # PageV05P0327 # في أول هذه السنة وصل جلال الدين بن خوارزم شاه محمد بن تكش إلى بلاد ~~خوزستان والعراق، وكان مجيئه من بلاد الهند، لأنه كان وصل إليها لما قصد ~~التتر غزنة، وقد ذكرنا ذلك جميعه، فلما تعذر عليه المقام ببلاد الهند سار ~~عنها على كرمان، ووصل إلى أصفهان، وهي بيد أخيه غياث الدين، وقد تقدمت ~~أخباره فملكها، وسار عنها إلى بلاد فارس، وكان أخوه قد استولى على بعضها، ~~كما ذكرناه، فأعاد ما كان أخوه أخذه منها إلى أتابك سعد صاحبها، وصالحه، ~~وسار من عنده إلى خوزستان، فحصر مدينة تستر في المحرم وبها الأمير مظفر ~~الدين المعروف بوجه السبع، مملوك الخليفة الناصر لدين الله، حافظا لها، ~~وأميرا عليها، فحصره جلال الدين، وضيق عليه، فحفظها وجه السبع، وبالغ في ~~الحفظ والاحتياط، وتفرق الخوارزمية ينهبون، حتى وصلوا إلى بادرايا وباكسايا ~~وغيرهما، وانحدر بعضهم إلى ناحية البصرة، فنهبوا هنالك، فسار إليهم شحنة ~~البصرة، وهو الأمير ملتكين، فسار إليهم فأوقع بهم، وقتل منهم جماعة، فدام ~~الحصار نحو شهرين، ثم رحل عنها بغتة. وكانت عساكر الخليفة، مع مملوكه جمال ~~الدين قشتمر، بالقرب منه، فلما رحل جلال الدين لم يقدر العسكر على منعه، ~~فسار إلى أن وصل إلى بعقوبا، وهي قرية مشهورة بطريق خراسان، بينها وبين ~~بغداد نحو سبعة ms4526 فراسخ، فلما وصل الخبر إلى بغداد تجهزوا للحصار، وأصلحوا ~~السلاح من الجروخ، والقسي والنشاب، والنفط، وغير ذلك، وعاد عسكر الخليفة ~~إلى بغداد. وأما عسكر جلال الدين فنهب البلاد وأهلكها، وكان قد وصل هو ~~وعسكره إلى خوزستان في ضر شديد وجهد جهيد، وقلة من الدواب، والذي معهم فهو ~~من الضعف فهو من الضعف إلى حد لا ينتفع به، فغنموا من البلاد جميعها، ~~واستغنوا، وأكثروا من أخذ الخيل والبغال، فإنهم كانوا في غاية الحاجة ~~إليها. وسار من بعقوبا إلى دقوقا فحصرها، فصعد أهلها إلى السور وقاتلوه، ~~وسبوه، وأكثروا من التكبير، فعظم ذلك عنده، وشق عليه، وجد في قتالهم، ~~ففتحها عنوة وقهرا، ونهبتها عساكره، وقتلوا كثيرا من أهلها، فهرب من سلم ~~منهم من القتل وتفرقوا في البلاد. ولما كان الخوارزميون على دقوقا سارت ~~سرية منهم إلى البت والراذان، فهرب أهلها إلى تكريت، فتبعهم الخوارزمية، ~~فجرى بينهم وبين عسكر تكريت وقعة شديدة، فعادوا إلى العسكر. ولقد رأيت بعض ~~أعيان أهل دقوقا وهم بنو يعلى، وهم أغنياء، فنهبوا، وسلم أحدهم، ومعه ولدان ~~له، وشيء يسير من المال، فسير ما سلم معه إلى الشام مع الولدين ليتجر بما ~~ينفعون به وينفقونه على نفوسهم، فمات أحد الولدين بدمشق، واحتاط الحاكم على ~~ما معهم، فلقد رأيت أباهم على حالة شديدة لا يعلمها إلا الله، يقول: أخذت ~~الأموال والأملاك، وقتل بعض الأهل، وفارق من سلم منهم الوطن بهذا القدر ~~الحقير، أردنا أن نكف به وجوهنا من السؤال، ونصون أنفسنا، فقد ذهب الولد ~~والمال. ثم سار إلى دمشق ليأخذ ما سلم مع ابنه الآخر، فأخذه وعاد إلى ~~الموصل، فلم يبق غير شهر حتى توفي؛ إن الشقي بكل حبل يخنق. وأما جلال الدين ~~فإنه لما فعل بأهل دقوقا ما فعل خافه أهل البوازيج، و هي لصاحب الموصل، ~~فأرسلوا إليه يطلبون منه إرسال شحنة إليهم يحميهم، وبذلوا له شيئا من ~~المال، فأجابهم إلى ذلك، وسير إليهم من يحميهم، قيل: كان بعض أولاد ~~جنكزخان، مل التتر، أسره جلال الدين في بعض حروبه مع ms4527 التتر، فأكرمه، ~~فحماهم، وأقام بمكانه إلى أواخر ربيع الآخر، والرسل مترددة بينه وبين مظفر ~~الدين، صاحب إربل، فاصطلحوا، فسار جلال الدين إلى أذربيجان، وفي مدة مقام ~~جلال الدين بخوزستان والعراق ثارت العرب في البلاد يقطعون الطريق، وينهبون ~~القرى، ويخيفون السبيل، فنال الخلق منهم أذى شديد، وأخذوا في طريق العراق ~~قفلين عظيمين كانا سائرين إلى الموصل، فلم يسلم منهما شيء البتة. ### || AUT ذكر وفاة الملك الأفضل وغيره من الملوك # PageV05P0328 # في هذه السنة، في صفر، توفي الملك الأفضل علي بن صلاح الدين يوسف ابن ~~أيوب فجأة بقلعة سميساط، وكان عمره نحو سبع وخمسين سنة، وقد ذكرنا سنة تسع ~~وثمانين وخمسمائة عند وفاة والده، رحمه الله، ملكه مدينة دمشق والبيت ~~المقدس، وغيرهما من الشام، وذكرنا سنة اثنتين وتسعين أخذ الجميع منه، ثم ~~ذكرنا سنة خمس وتسعين ملكه ديار مصر، وذكرنا سنة ست وتسعين أخذها منه، ~~وانتقل إلى سميساط وأقام بها، ولم يزل بها إلى الآن، فتوفي بها. وكان رحمه ~~الله، من محاسن الزمان، لم يكن في الملوك مثله، كان خيرا عادلا فاضلا حليما ~~كريما قل أن عاقب على ذنب، ولم يمنع طالبا، وكان يكتب خطا حسنا، وكتابة ~~جيدة، وبالجملة، فاجتمع فيه من الفضائل والمناقب ما تفرق في كثير من ~~الملوك، لا جرم حرم الملك والدنيا، وعاداه الدهر، ومات بموته كل فعل جليل، ~~فرحمه الله ورضي عنه. ورأيت من كتابته أشياء حسنة، فما بقي على خاطري منها ~~أنه كتب إلى بعض أصحابه، لما أخذت دمشق منه، كتابا من فصوله: وأما أصحابنا ~~بدمشق فلا علم لي بأحد منهم، وسبب ذلك أني: أي صديق سألت عنه، ففي الذ ... ~~ل وتحت الخمول في الوطن وأي ضد سألت حالته ... سمعت ما لا تحبه أذني فتركت ~~السؤال عنهم؛ وهذا غاية الجودة في الاعتذار عن ترك السؤال والصاحب. ولما ~~مات اختلف أولاده وعمهم قطب الدين موسى، ولم يقو أحد منهم على الباقين ~~ليستبد بالأمر. ومات في هذه السنة صاحب أرزن الروم، وهو مغيث الدين طغرل بن ~~قلج أرسلان، وهو الذي ms4528 سير ولده إلى الكرج، وتنصر وتزوج ملكة الكرج؛ ولما ~~مات ملك بعده ابنه. ومات فيها ملك أرزنكان. وتوفي فيها عز الدين الخضر بن ~~إبراهيم بن أبي بكر بن قرا أرسلان بن داود أبن سقمان، صاحب خرت برت، وملك ~~بعده ابنه نور الدين أرتق شاه، وكان المدبر لدولته ولدولته ودولة والده ~~معين الدين بدر بن عبد الرحمن البغدادي الأصل الموصلي المنشإ. ### || AUT ذكر خلع شروان شاه وظفر المسلمين بالكرج # في هذه السنة ثار على شروان شاه ولده فنزعه من الملك، وأخرجه من البلاد، ~~وملك بعده. وسبب ذلك أن شروان شاه كان سيء السيرة، كثير الفساد والظلم، ~~يتعرض لأموال الرعايا وأملاكهم؛ وقيل أيضا: إنه كان يتعرض للنساء والولدان، ~~فاشتدت وطأته على الناس، فاتفق بعض العسكر مع ولده، وأخرجوا أباه من ~~البلاد، وملك الابن، وأحسن السيرة، فأحبه العساكر والرعية، وأرسل الولد إلى ~~أبيه يقول له: إني أردت أن أتركك في بعض القلاع وأجري لك الجرايات الكثيرة، ~~ولكل من تحب أن يكون عندك، والذين حملني على ما فعلت معك سوء سيرتك وظلمك ~~لأهل البلاد، وكراهيتهم لك ولدولتك. فلما رأى الأب ذلك سار إلى الكرج ~~واستنصر بهم، وقرر معهم أن يرسلوا معه عسكرا يعيدونه إلى ملكه، ويعطيهم نصف ~~البلاد، فسيروا معه عسكرا كثيرا، فسار حتى قارب مدينة شروان، فجمع ولده ~~العسكر، وأعلمهم الحال، وقال: إن الكرج متى حصرونا ربما ظفروا بنا، وحينئذ ~~لا يبقي أبي على أحد منا، ويأخذ الكرج نصف البلاد، وربما أخذوا الجميع، ~~وهذا أمر عظيم، والرأي أننا نسير إليهم جريدة ونلقاهم، فإن ظفرنا بهم ~~فالحمد لله، وإن ظفروا بنا فالحصر بين أيدينا؛ فأجابوه إلى ذلك. فخرج في ~~عسكره، وهم قليل، نحو ألف فارس، ولقوا الكرج وهم في ثلاثة آلاف مقاتل، ~~فالتقوا واقتتلوا، وصبر أهل شروان، فانهزم الكرج، فقتل كثير منهم، وأسر ~~كثير، ومن سلم عاد بأسوإ حال، وشروان شاه المخلوع معهم، فقال له مقدمو ~~الكرج: إننا لم نلق بسببك خيرا، ولا نؤاخذك بما كن منك، فلا تقم ببلادنا؛ ~~ففارقهم وبقي مترددا لا ms4529 يأوي إلى أحد، واستقر ولده في الملك وأحسن إلى ~~الجند والرعية، وأعاد إلى الناس أملاكهم ومصارداتهم، فاغتبطوا بولايته. ### || AUT ذكر ظفر المسلمين بالكرج أيضا # وفي هذه السنة أيضا سار جمع من الكرج من تفليس يقصدون أذربيجان والبلاد ~~التي بيد أوزبك، فنزلوا وراء مضيق في الجبال لا يسلك إلا للفارس بعد ~~الفارس، فنزلوا آمنين من المسلمين استضعافا لهم، واغترارا بحصانة موضعهم، ~~وأنه لا طريق إليهم. PageV05P0329 # وركب طائفة من العساكر الإسلامية وقصدوا الكرج، فوصلوا إلى ذلك المضيق، ~~فجاوزوه مخاطرين، فلم يشعر الكرج إلا وقد غشيهم المسلمون ووضعوا فيهم السيف ~~فقتلوهم كيف شاؤوا، وولى الباقون منهزمين لا يلوي والد على ولده، ولا أخ ~~على أخيه، وأسر منهم جمع كثير صالح، فعظم الأمر عليهم، وعزموا على الأخذ ~~بثأرهم، والجد في قصد أذربيجان واستئصال المسلمين منه، وأخذوا يتجهزون على ~~قدر عزمهم. فبينما هم في ذلك إذ وصل إليهم الخبر بوصول جلال الدين بن ~~خوارزم شاه إلى مراغة، على ما نذكره إن شاء الله، فتركوا ذلك وأرسلوا إلى ~~أوزبك، صاحب أذربيجان، يدعونه إلى الموافقة على رد جلال الدين، وقالوا: إن ~~لم نتفق نحن وأنت، وإلا أخذك، ثم أخذنا؛ فعاجلهم جلال الدين قبل اتفاقهم ~~واجتماعهم، فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر ملك جلال الدين أذربيجان # في هذه السنة استولى جلال الدين على أذربيجان؛ وسبب ذلك أنه لما سار من ~~دقوقا، كما ذكرناه، قصد مراغة فملكها وأقام بها، وشرع في عمارة البلد، ~~فاستحسنه؛ فلما وصل إليها أتاه الخبر أن الأمير إيغان طائيس، وهو خال أخيه ~~غياث الدين، قد قصد همذان قبل وصول جلال الدين بيومين. وكان إيغان طائيسي ~~هذا قد جمع عسكرا كثيرا يبلغون خمسة آلاف فارس. ونهب كثيرا من أذربيجان، ~~وسار إلى البحر من بلد أران، فشتى هنالك لقلة البرد، ولما عاد إلى همذان ~~نهب أذربيجان أيضا مرة ثانية. وكان سبب مسيره إلى همذان أن الخليفة الناصر ~~لدين الله راسله وأمره بقصد همذان وأقطعه إياها وغيرها، فسار ليستولي عليها ~~كما أمر، فلما سمع جلال ms4530 الدين بذلك سار جريدة إليه، فوصل إلى إيغان طائيسي ~~ليلا، وكان إذا نزل جعل حول عسكره جميع ما غنموا من أذربيجان وأران من خيل، ~~وبغال، وحمير، وبقر، وغنم. فلما وصل جلال الدين أحاط بالجميع، فلما أصبح ~~عسكر إيغان طائيسي ورأى العسكر والجتر الذي يكون على رأس السلطان، علموا ~~أنه جلال الدين، وبقي إيغان طائيسي وحده إلى أن أضاف إليه جلال الدين عسكرا ~~غير عسكره، وعاد إلى مراغة، و أعجبه المقام بها. وكان أوزبك بن البهلوان، ~~صاحب أذربيجان وأران، قد سار من تبريز إلى كنجة خوفا من جلال الدين، وأرسل ~~جلال الدين إلى من في تبريز من وال وأمير ورئيس يطلب منهم ن يتردد عسكره ~~إليهم يمتارون، فأجابوه إلى ذلك وأطاوه، فتردد العسكر إليها، وباعوا ~~واشتورا الأقوات والكسوات وغيرها، ومدوا أيديهم إلى أموال الناس، فكان ~~أحدهم يأخذ الشيء ويعطي الثمن ما يريد؛ فشكا بعض أهل تبريز إلى جلال الدين ~~منهم، فأرسل إليهم شحنة يكون عندهم، وأمره أن يقيم بتبريز، ويكف أيدي الجند ~~عن أهلها، ومن تعدى على أحد منهم صلبه. فأقام الشحنة، ومنع الجند من التعدي ~~على أحد من الناس، وكانت زوجة أوزبك، وهي ابنة السلطان طغرا بن أسلان بن ~~طغرل بن محمد بن ملكشاه، مقيمة بتبريز، وهي كانت الحاكمة في بلاد زوجها، ~~وهو مشغول بلذاته من أكل وشرب ولعب. ثم إن أهل تبريز شكو شكوا من الشحنة ~~وقالوا: إنه يكلفنا أكثر من طاقتنا؛ فأمر جلال الدين أنه لا يعطى إلا ما ~~يقمي به لا غير، فعلوا ذلك، وسار جلال الدين إلى تبريز وحصرها خمسة أيام، ~~وقاتل أهلها قتالا شديدا، وزحف إليها فوصل العسكر إلى السور، فأذعن أهلها ~~بالطاعة، وأرسلوا يطلبون الأمان منه لأنه كان يذمهم، ويقول: قتلوا أصحابنا ~~المسلمين وأرسلوا رؤوسهم إلى التتر الكفار؛ وقد تقدمت الحادثة سنة إحدى ~~وعشرين وستمائة، فخافوا منه لذلك، فلما طلبوا الأمان ذكر لهم فعلهم بأصحاب ~~أبيه وقتلهم، فاعتذروا بأنهم لم يفعلوا شيئا من ذلكن وإنما فعله صاحبهم، ~~ولم يكن لهم من القدرة ما يمنعونه، ms4531 فعذرهم، وأمنهم، وطلبوا منه أن يؤمن ~~زوجة أوزبك، ولا يعارضها في الذي لها بأذربيجان وهو مدينة خوي وغيرها من ~~ملك ومال وغيره. فأجابهم إلى ذلك. وملك البلد سابع عشر رجب من هذه السنة، ~~وسير زوجة أوزبك إلى خوي، ومعها طائفة من العسكر، مع رجل كبير القدر، عظيم ~~المنزلة، وأمرهم بخدمتها، فإذا وصلت إلى خوي عادوا عنها. PageV05P0330 # ولما رحل جلال الدين إلى تبريز أمر أن لا يمنعوا عنه أحدا من أهلها، ~~فأتاه الناس مسلمين عليه، فلم يحجبوا عنه، وأحسن إليهم، وبث فيهم العدل، ~~ووعدهم الإحسان والزيادة منه، وقال لهم: قد رأيتم ما فعلت بمراغة من ~~الإحسان والعمارة بعد أن كانت خرابا، وسترون كيف أصنع معكم من العدل فيكم، ~~وعمارة بلادكم. وأقام إلى يوم الجمعة، فحضر الجامع، فلما خطب الخطيب ودعا ~~للخليفة قام قائما، ولم يزل كذلك حتى فرغ من الدعاء وجلس. ودخل إلى كشك كان ~~أوزبك قد عمره، وأخرج عليه من الأموال كثيرا، فهو في غاية الحسن، مشرف على ~~البساتين، فلما طاف فيه خرج منه وقال: هذا مسكن الكسالى لا يصلح لنا. وأقام ~~أياما استولى فيها على غيرها من البلاد، وسير الجيوش إلى بلاد الكرج. ### || AUT ذكر انهزام الكرج من جلال الدين # قد ذكرنا فيما تقدم من السنين ما كان الكرج يفعلونه في بلاد الإسلام: ~~خلاط، وأذربيجان، وأران، وأرزن الروم، ودربند شروان؛ وهذه ولايات تجاور ~~بلادهم، وما كانوا يسفكون من دماء المسلمين، وينهبون من أموالهم، ويملكون ~~من بلادهم، والمسلمون معهم في هذه البلاد تحت الذل والخزي، كل يوم قد ~~أغاروا عليهم وقتلوا فيهم، وقاطعوهم على ما شاؤوا من الأموال، فكنا كلما ~~سمعنا بشيء من ذلك سألنا الله تعالى، نحن والمسلمون، في أن ييسر للإسلام ~~والمسلمين من يحميهم وينصرهم، ويأخذ بثأرهم، فإن أوزبك، صاحب أذربيجان، ~~منعكف على شهوة بطنه وفرجه، لا يفيق من سكره، وإن أفاق فهو مشغول بالقمار ~~بالبيض. وهذا ما لم يسمع بمثله أن أحدا من الملوك فعله، لا يهتدي لمصلحة، ~~ولا يغضب لنفسه بحيث إن بلاده مأخوذة، وعساكره طماعة، ms4532 ورعيته قد قهرها، وقد ~~كان كل من أراد أن يجمع جمعا ويتغلب على بعض البلاد فعل، كما ذكرناه من حال ~~بغدي، وأيبك الشامي، وإيغان طائيسي، فنظر الله تعالى إلى أهل هذه البلاد ~~المساكين بعين الرحمة؛ فرحمهم ويسر لهم جلال الدين هذا، ففعل بالكرج ما ~~تراه، وانتقم للإسلام والمسلمين منهم فنقول: في هذه السنة كان المصاف بين ~~جلال الدين بن خوارزم شاه وبين الكرج، في شهر شعبان، فإن جلال الدين من حين ~~وصل إلى هذه النواحي لا يزال يقول: إنني أريد أقصد بلاد الكرج وأقاتلهم ~~وأملك بلادهم؛ فلما ملك أذربيجان أسل إليهم يؤذنهم بالحرب، فأجابوه بأننا ~~قد قصدنا التتر الذين فعلوا بأبيك، وهو أعظم منك ملكا، وأكثر عسكرا، وأقوى ~~نفسا، ما تعلمه، وأخذوا بلادكم، فلم نبال بهم، وكان قصاراهم السلامة منا. ~~وشرعوا يجمعون العساكر، فجمعوا ما يزيد على سبعين ألف مقاتل، فسار إليهم، ~~فملك مدينة دوين، وهي للكرج، كانوا قد أخذوها من المسلمين، كما ذكرناه، ~~وسار منهم إليهم، فلقوه وقاتلوه أشد قتال وأعظمه، وصبر كل منهم لصاحبه، ~~فانهزم الكرج، وأمر أن يقتلوا بكل طريق، ولا يبقوا على أحد منهم؛ فالذي ~~تحققناه أنه قتل منهم عشرون ألفا، وقيل: أكثر من ذلك، فقيل: الكرج جميعهم ~~قتلوا، وافترقوا، وأسر كثير من أعيانهم، من جملتهم شلوة، فنمت الهزيمة ~~عليهم، ومضى إيواني منهزما، وهو المقدم على الكرج جميعهم، ومرجعهم إليه، ~~ومعولهم عليه، وليس لهم ملك، إنما الملك امرأة، ولقد صدق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، حيث يقول: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة). فلما انهزم ~~إيواني أدركه الطلب، فصعد قلعة لهم على طريقهم، فاحتمى فيها، وجعل جلال ~~الدين عليها من يحصرها ويمنعه من النزول، وفرق عساكره في بلاد الكرج ~~ينهبون، ويقتلون، ويسبون، ويخربون البلاد، فلولا ما أتاه من تبريز ما أوجب ~~عوده لملك البلاد بغير تعب ولا مشقة، لأن أهلها كانوا قد هلكوا، فهم بين ~~قتيل وأسير وطريد. ### || AUT ذكر عود جلال الدين إلى تبريز # ### || AUT وملكه مدينة كنجة ونكاحه زوجة أوزبك # لما فرغ جلال ms4533 الدين من هزيمة الكرج، ودخل البلاد وبث العساكر فيها، ~~أمرهم بالمقام بها مع أخيه غياث الدين، وعاد إلى تبريز. PageV05P0331 # وسبب عوده أنه كان قد خلف وزيره شرف الملك في تبريز ليحفظ البلد، وينظر ~~في مصالح الرعية، فبلغه عن رئيس تبريز وشمس الدين الطغرائي، وهو المقدم على ~~كل من في البلد، وعن غيرهما من المقدمين، أنهم قد اجتمعوا، وتحالفوا على ~~الامتناع على جلال الدين، وإعادة البلد إلى أوزبك، وقالوا: إن جلال الدين ~~قد قصد بلاد الكرج، فإذا عصينا عليه وأحضرنا أوزبك ومن معه من العساكر، ~~يضطر جلال الدين إلى العود، فإذا عاد تبعه الكرج فلا يقدر على المقام، ~~ويجتمع أوزبك والكرج ويقصدونه، فينحل نظام أمره، وتتم عليه الهزيمة. فبنوا ~~أمرهم على أن جلال الدين يسير الهوينا إلى بلاد الكرج، ويتريث في الطريق ~~احتياطا منهم؛ فلما اتفقوا على ذلك أتى الخبر إلى الوزير، فأرسل إلى جلال ~~الدين يعرفه الحال، فأتاه الخبر، وقد قارب بلاد الكرج، فلم يظهر من ذلك ~~شيئا، وسار نحو الكرج مجدا، فلقيهم وهزمهم، فلما فرغ منهم قال لأمراء ~~عسكره: إنني قد بلغني من الخبر كذا وكذا، فتقيمون أنتم في البلاد على ما ~~أنتم عليه من قتل من ظفرتم به، وتخريب ما أمكنكم من بلادهم، فإنني خفت أن ~~أعرفكم قبل هزيمة الكرج لئلا يلحقكم وهن وخوف. فأقاموا على حالهم، وعاد هو ~~إلى تبريز، وقبض على الرئيس والطغرائي وغيرهما، فأما الرئيس فأمر أن يطاف ~~به على أهل البلد، وكل من له عليه مظلمة فليأخذها منه، وكان ظالما، ففرح ~~الناس بذلك، ثم قتله؛ وأما الباقون فحبسوا، فلما فرغ منهم واستقام له أمر ~~البلد تزوج زوجة أوزبك ابنة السلطان طغرل، وإنما صح له نكاحها لأنه ثبت عن ~~أوزبك أنه حلف بطلاقها أنه لا يقتل مملوكا له اسمه ... ثم قتله، فلما وقع ~~الطلاق بهذه اليمن نكحها جلال الدين، وأقام بتبريز مدة، وسير منها جيشا إلى ~~مدينة كنجة فملكوها، وفارقها أوزبك إلى قلعة كنجة فتحصن فيها. فبلغني أن ~~عساكر جلال الدين تعرضوا لأعمال هذه القلعة ms4534 بالنهب والأخذ، فأرسل أوزبك إلى ~~جلال الدين يشكو، ويقول: كنت لا أرضى بهذه الحال لبعض أصحابي، فأنا أسأل أن ~~تكف الأيدي المتطرقة إلى هذه الأعمال عنها. فأرسل جلال الدين إليها من ~~يحميها من التعرض لها من أصحابه وغيرهم. ### || AUT ذكر وفاة الخليفة الناصر لدين الله # في هذه السنة، آخر ليلة من شهر رمضان، توفي الخليفة الناصر لدين الله ~~أبو العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن بن المستنجد بالله ~~أبي عبد الله بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن المظفر يوسف بن المقتفي ~~لأمر الله أبي العباس محمد بن المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله بن ~~الذخيرة محمد بن القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن القادر بالله أبي ~~العباس أحمد بن إسحق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبي ~~العباس أحمد بن الموفق أبي أحمد محمد بن جعفر المتوكل على الله، ولم يكن ~~الموفق خليفة، وإنما كان ولي عهد أخيه المعتمد على الله، فمات قبل المعتمد، ~~فصاروا ولده المعتضد بالله ولي عهد المعتمد على الله. وكان المتوكل على ~~الله ابن المعتصم بالله أبي إسحق محمد بن هرون الرشيد ابن محمد المهدي بن ~~أبي جعفر عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد ~~المطلب، رضي الله عنهم. نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نورا، ومن فلق ~~الصباح عمودا فكان في آبائه أربعة عشر خليفة، وهم كل من له لقب، والباقون ~~غير خلفاء، وكان فيهم من ولي العهد محمد بن القائم، والمرفق بن المتوكل، ~~وأما باقي الخلفاء من بني العباس فلم يكونوا من آبائه، فكان الشفاح أبو ~~العباس عبد الله أخا المنصور ولي قبله، وكان موسى الهادي أخا الرشيد ولي ~~قبله؛ وكان محمد الأمين وعبد الله المأمون ابنا الرشيد أخوي المعتصم وليا ~~قبله، وكان محمد المنتصر بن المتوكل ولي بعده. ثم ولي بعد المنتصر بالله ~~المستعين بالله أبو العباس أحمد بن محمد بن المعتصم، وولي بعد المستعين ~~المعاز ms4535 بالله محمد، وقيل طلحة، وهو ابن المتوكل، وولي بعد المعتز المهتدي ~~بالله محمد بن الواثق، ثم ولي بعده المعتمد على الله أحمد بن المتوكل، ~~فالمنتصر، والمعتز، والمعتمد إخوة الموفق، والمهتدي ابن عمه، والموفق من ~~أجداد الناصر لدين الله. PageV05P0332 # ثم ولي المعتضد بعد المعتمد، وولي بعد المعتضد ابنه أبو محمد علي المكتفي ~~بالله، وهو أخو المقتدر بالله، وولي بعد المقتدر بالله أخوه القاهر بالله ~~أبو منصور محمد بن المعتضد، وولي بعد القاهر الراضي بالله أبو العباس محمد ~~بن المقتدر. ثم ولي بعده المتقي لله أبو إسحق إبراهيم بن المقتدر؛ ثم ولي ~~بعده المستكفي بالله أبو القاسم عبد الله بن المكتفي بالله علي بن المعتضد، ~~ثم ولي بعده المطيع لله أبو بكر عبد الكريم، فالقاهر، والراضي، والمتقي، ~~والمطيع بنوه، والمستكفي ابن أخيه المكتفي. ثم ولي الطائع لله بن المقتدر؛ ~~ثم ولي بعد الطائع القادر بالله، وهو من أجداد الناصر لدين الله؛ ثم ولي ~~بعده المستظهر بالله؛ ثم ولي بعده ابنه المسترشد بالله أبو منصور، وولي بعد ~~المسترشد بالله ابنه الراشد أبو جعفر، فالمسترشد أخو المتقي، والراشد بالله ~~ابن أخيه، فجمع من ولي الخلافة ممن ليس في سياق نسب الناصر تسعة عشر خليفة. ~~وكانت أم الناصر أم ولد، تركية، اسمها زمرد، وكانت خلافته ستا وأربعين سنة ~~وعشرة أشهر وثمانية وعشرين يوما، وكان عمره نحو سبعين سنة تقريبا، فلم يل ~~الخلافة أطول مدة منه إلا ما قيل عن المستنصر بالله العلوي، صاحب مصر، فإنه ~~ولي ستين سنة، ولا اعتبار به، فإنه ولي وله سبع سنين فلا تصح ولايته. وبقي ~~الناصر لدين الله ثلاث سنين عاطلا عن الحركة بالكلية، وقد ذهبت إحدى عينيه ~~والأخرى يبصر بها إبصارا ضعيفا، وفي آخر الأمر أصابه دوسنطاريا عشرين يوما ~~ومات. ووزر له عدة وزراء، وقد تقدم ذكرهم، ولم يطلق في طول مرضه شيئا كان ~~أحدثه من الرسوم الجائرة؛ وكان قبيح السيرة في رعيته، ظالما، فخرب في أيامه ~~العراق، وتفرق أهله في البلاد، وأخذ أملاكهم وأموالهم، وكان يفعل الشيء ~~وصده، ms4536 فمن ذلك أنه عمل دور الضيافة ببغداد ليفطر الناس عليها في رمضان، ~~فبقيت مدة، ثم قطع ذلك، ثم عمل دور الضيافة للحجاج، فبقيت مدة، ثم بطلها، ~~وأطلق بعض المكوس التي جددها ببغداد خاصة، ثم أعادها. وجعل جل همه في رمي ~~البندق، والطيور المناسيب، وسراويلات الفتوة، فبطل الفتوة في البلاد ~~جميعها، إلا من يلبس منه سراويل يدعى إليه، ولبس كثير من الملوك منه ~~سراويلات الفتوة. وكذلك أيضا مع الطيور المناسيب لغيره إلا ما يؤخذ من ~~طيوره، ومنع الرمي بالندق إلا من ينتمي إليه؛ فأجابه الناس بالعراق وغيره ~~إلى ذلك إلا إنسانا واحدا يقال له ابن السفت من بغداد، فإنه هرب من العراق ~~ولحق بالشام، فأرسل إليه يرغبه في المال الجزيل ليرمي عنه، وينسب في الرمي ~~إليه: فلم يفعل، فبلغني أن بعض أصدقائه أنكر عليه الامتناع من أخذ المال، ~~فقال: يكفيني فخرا أنه ليس في الدنيا أحد إلا يرمي للخليفة، إلا أنا. فكان ~~غرام الخليفة بهذه الأشياء من أعظم الأمور، وكان سبب ما ينسبه العجم إليه ~~صحيحا من أنه هو الذي أطمع التتر في البلاد، وراسلهم في ذلك، فهو الطامة ~~الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب. ### || AUT ذكر خلافة الظاهر بأمر الله # قد ذكرنا سنة خمس وثمانين وخمسمائة الخطبة للأمير أبي نصر محمد ابن ~~الخليفة الناصر لدين الله بولاية العهد في العراق وغيره من البلاد، ثم بعد ~~ذلك خلعه الخليفة من ولاية العهد، وأرسل إلى البلاد في قطع الخطبة له، ~~وإنما فعل ذلك لأنه كان يميل إلى ولده الصغير علي، فاتفق أن الولد الصغير ~~توفي سنة اثنتي عشرة وستمائة، ولم يكن للخليفة ولد غير ولي العهد، فاضطر ~~إلى إعادته، إلا أنه تحت الاحتياط والحجر لا يتصرف في شيء. فلما توفي أبوه ~~ولي الخلافة، وأحضر الناس لأخذ البيعة، وتلقب بأمر الله، وعنى أن أباه ~~وجميع أصحابه أرادوا صرف الأمر عنه، فظهر وولي الخلافة بأمر الله لا بسعي ~~أحد. PageV05P0333 # ولما ولي الخلافة أظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سنة العمرين، فلو ~~قيل إنه ms4537 لم يل الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقا، فإنه ~~أعاد الخراج القديم في جميع العراق، وأن يسقط جميع ما جدده أبوه، وكان ~~كثيرا لا يحصى؛ فمن ذلك أن قرية بعقوبا كان يحصل منها قديما نحو عشرة آلاف ~~دينار، فلما تولى الناصر لدين الله كان يؤخذ منها كل سنة ثمانون ألف دينار، ~~فحضر أهلها واستغاثوا، وذكروا أن أملاكهم أخذت حتى صار يحصل منها هذا ~~المبلغ، فأمر أن يؤخذ الخراج القديم وهو عشرة آلاف دينار، فقيل له إن هذا ~~المبلغ يصل إلى المخزن، فمن أين يكون العوض؟ فأقام لهم العوض من جهات أخرى؛ ~~فإذا كان المطلق من جهة واحدة سبعين ألف دينار، فما الظن بباقي البلاد؟ ومن ~~أفعاله الجميلة أنه أمر بأخذ الخراج الأول من باقي البلاد جميعها، فحضر ~~كثير من أهل العراق، وذكروا أن الأملاك التي كان يؤخذ منها الخراج قديما ~~يبس أكثر أشجارها وخربت، ومتى طولبوا بالخراج الأول لا يفي دخل الباقي ~~بالخراج، فأمر أن لا يؤخذ الخراج إلا من كل شجرة سليمة، وأما الذاهب فلا ~~يؤخذ منه شيء، وهذا عظيم جدا. ومن ذلك أيضا أن المخزن كان له صنجة الذهب ~~تزيد على صنجة البلد نصف قيراط، يقبضون بها المال، ويعطون بالصنجة التي ~~للبلد يتعامل بها الناس، فسمع بذلك فخرج خطه إلى الوزير، وأوله (ويل ~~للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم ~~يخسرون، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم) المطففين: 1. قد بلغنا أن ~~الأمر كذا وكذا، فتعاد صنجة المخزن إلى الصنجة التي يتعامل بها المسلمون، ~~واليهود، والنصارى. فكتب بعض النواب إليه يقول: إن هذا مبلغ كثير، وقد ~~حسبناه فكان في السنة الماضية خمسة وثلاثين ألف دينار؛ فأعاد الجواب ينكر ~~على القائل، ويقول: لو أنه ثلاث مائة ألف وخمسون ألف دينار يطلق. وكذلك ~~أيضا فعل في إطلاق زيادة الصنجة التي للديوان، وهي في كل دينار حبة، وتقدم ~~إلى القاضي أن كل من عرض عليه كتابا صحيحا بملك يعيده إليه من غير إذن؛ ms4538 ~~وأقام رجلا صالحا في ولاية الحشري وبيت المال، وكان الرجل حنبليا، فقال: ~~إنني من مذهبي أن أورث ذوي الأرحام، فإن أذن أمير المؤمنين أن أفعل ذلك ~~وليت وإلا فلا. فقال له: أعط كل ذبي حق حقه، واتق الله ولا تتق سواه. ومنها ~~أن العادة كانت ببغداد أن الحارس بكل درب يبكر، ويكتب مطالعة إلى الخليفة ~~بما تجدد في دربه من اجتماع بعض الأصدقاء ببعض على نزهة، أو سماع، أو غير ~~ذلك، ويكتب ما سوى ذلك من صغير كبير، فكان الناس من هذا في حجر عظيم، فلما ~~ولي هذا الخليفة، جاه الله خيرا، أتته المطالعات على العادة، فأمر بقطعها، ~~وقال: أي غرض لنا في معرفة أحوال الناس في بيوتهم؟ فلا يكتب أحد إلينا إلا ~~ما يتعلق بمصالح دولتنا؛ فقيل له: إن العامة تفسد بذلك، ويعظم شرها؛ فقال: ~~نحن ندعو الله أن يصلحهم. ومنها أنه لما ولي الخلافة وصل صاحب الديوان من ~~واسط، وكان قد سار إليها أيام الناصر لتحصيل الأموال، فأصعد، ومعه من المال ~~ما يزيد على مائة ألف دينار، وكتب مطالعة تتضمن ذكر ما معه، ويستخرج الأمر ~~في حمله؛ فأعاد الجواب بأن يعاد إلى أربابه، فلا حاجة لنا إليه، فأعيد ~~عليهم. ومنها أنه أخرج كل من كان في السجون، وأمر بإعادة ما أخذ منهم. ~~وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليعطيها عن كل من هو محبوس في حبس الشرع ~~وليس له مال. ومن سن نيته للناس أن الأسعار في الموصل وديار الجزيرة كانت ~~غالية، فرخصت الأسعار، وأطلق حمل الأطعمة إليها، وأن يبيع كل من أراد البيع ~~للغلة، فحمل منها الكثير الذي لا يحصى، فقيل له: إ، السعر قد غلا شيئا، ~~والمصلحة المنع منه؛ فقال: أولئك مسلمون، وهؤلاء مسلمون، وكما يجب علينا ~~النظر في أمر هؤلاء كذلك يجب علينا النظر لأولئك. وأمر أن يباع من الأهراء ~~التي له طعام أرخص ما يبيع غيره، ففعلوا ذلك، فرخصت الأسعار عندهم أيضا ~~أكثر مما كانت أولا، وكان السعر في الموصل، لما ولي، كل مكوك ms4539 بدينار وثلاثة ~~قراريط، فصار كل أربعة مكاكيك بدينار في أيام قليلة، وكذلك باقي الأشياء من ~~التمر، والدبس، والأرز، والسمسم وغيرها، فالله تعالى يؤيده، وينصره، ~~ويبقيه، فإنه غريب في هذا الزمان الفاسد. PageV05P0334 # ولقد سمعت عنه كلمة أعجبتني جدا، وهي أنه قيل له في الذي يخرجه ويطلقه من ~~الأموال التي لا تسمح نفس ببعضها؛ فقال لهم: أنا فتحت الدكان بعد العصر، ~~فاتركوني أفعل الخير، فكم أعيش؟ وتصدق ليله عيد الفطر من هذه السنة، وفرق ~~في العلماء وأل الدين مائة ألف دينار. ### || AUT ذكر ملك بدر الدين قلعتي العمادية وهرور # في هذه السنة ملك بدر الدين قلعة العمادية من أعمال الموصل، وقد تقدم ~~ذكر عصيان أهلها عليه سنة خمس عشرة وستمائة، وتسليمها إلى عماد الدين زنكي، ~~ثم عودهم إلى طاعة بدر الدين، وخلافهم على عماد الدين، فلما عادوا إلى بدر ~~الدين أحسن إليهم، وأعطاهم الإقطاع الكثير، وملكهم القرى، ووصلهم بالأموال ~~الجزيلة والخلع السنية، فبقوا كذلك مدة يسيرة. ثم شرعوا يراسلون عماد الدين ~~زنكي، ومظفر الدين صاحب إربل، وشهاب الدين غازي بن العادل، لما كان بخلاط، ~~ويعدون كلا منهم بالانحياز إليه والطاعة له، وأظهروا من المخالفة لبدر ~~الدين ما كانوا يبطنونه، فكانوا لا يمكنون أن يقيم عندهم من أصحاب بدر ~~الدين إلا من يريدونه، ويمنعون من كرهوه، فطال الأمر، وهو يحتمل فعلهم ~~ويداريهم، وهم لا يزدادون إلا طمعا وخروجا عن الطاعة. وكانوا جماعة، ~~فاختلفوا، فقوي بعضهم، وهم أولاد خواجه إبراهيم وأخوه ومن معهم، على ~~الباقين، فأخرجوهم عن القلعة، وغلبوا عليها، وأصروا على ما كانوا عليه من ~~النفاق. فلما كان هذه السنة سار بدر الدين إليهم في عساكره، فأتاهم بغتة، ~~فحصرهم، وضيق عليهم، وقطع الميرة عنهم، وأقام بنفسه عليهم، وجعل قطعة من ~~الجيش على قلعة هرور يحصرونها، وهي من أمنع الحصون وأحصنها، لا يوجد مثلها، ~~وكان أهلها أيضا قد سلكوا طريق أهل العمادية من عصيان، وطاعة، ومخادعة، ~~فأتاهم العسكر وحصروهم وهم في قلة من الذخيرة، فحصروها أياما، ففني ما في ~~القلعة، فاضطر أهلها إلى التسليم، ms4540 فسلموها ونزلوا منها. وعاد العسكر إلى ~~العمادية، فأقاموا عليها مع بدر الدين، فبقي بدر الدين بعد أخذ هرور يسيرا، ~~وعاد إلى الموصل، وترك العسكر بحاله مع ابنه أمين الدين لؤلؤ، فبقي الحصار ~~إلى أول ذي القعدة، فأرسلوا يذعنون بالطاعة، ويطلبون العوض عنها ليسلموها، ~~فاستقرت القواعد على العوض من قلعة يحتمون فيها، وأقطاع، ومال ، وغير ذلك، ~~فأجابهم بدر الدين إلى ما طلبوا، وحضر نوابهم ليحلفوا بدر الدين. فبينما هو ~~يريد أن يحلف لهم وقد أحضر من يشهد اليمين إذ قد وصل طائر من العمادية وعلى ~~جناحه رقعة من أمين الدين لؤلؤ يخبر أنه قد ملك العمادية قهرا وعنوة، وأسر ~~بني خواجه الذين كانوا تغلبوا عليه، فامتنع بدر الدين من اليمين. وأما سبب ~~غلبة أمين الدين عليها، فإنه كان قد ولاه بدر الدين عليها لما عاد أهلها ~~إلى طاعته، فبقي فيها مدة، وأحسن فيهم، واستمال جماعة منهم ليتقوى بهم على ~~الحرب للذين عصوا أولا، فنمى الخبر إليهم، فأساؤوا مجاورته، واستقالوا من ~~ولايته عليهم، ففارقهم إلى الموصل. وكان أولئك الذين استمالهم يكاتبونه ~~ويراسلونه، فلما حصرهم كانوا أيضا يكاتبونه في النشاب يخبرونه بكل ما يفعله ~~أولاد خواجة من إنفاذ رسول وغير ذلك، وبما عندهم من الذخائر وغيرها، إلا ~~إنهم لم يكونوا من الكثرة إلى حد أنهم يقهرون أولئك. فلما كان الآن واستقرت ~~القواعد من التسليم لم يذكر أولاد خواجه أحدا من جند القلعة في نسخة اليمين ~~بمال، ولا غيره من أمان، وإقطاع، فسخطوا هذه الحال، وقالوا لهم: قد حلفتم ~~لأنفسكم بالحصون والقرى والمال، ونحن قد خربت بيوتنا لأجلكم، فلم تذكرونا؛ ~~فأهانوهم، ولم يلتفتوا إليهم، فحضر عند أمين الدين رجلان منهم ليلا، وطلبوا ~~منه أن يرسل إليهم جمعا يصعدونهم إلى القلعة، ويثبون بأولئك ويأخذونهم، ~~فامتنع، فقال: أخاف أن لا يتم هذا الأمر ويفسد علينا كل ما فعلناه. فقالوا: ~~نحن نقبض عليهم غدا بكرة، وتكون أنت والعسكر على ظهر، فإذا سمعتم النداء ~~باسم بدر الدين وشعاره تصعدون إلينا؛ فأجابهم إلى ذلك. PageV05P0335 # وركب بنفسه بكرة هو والعسكر ms4541 على العادة، وأما أولئك فإنهم اجتمعوا، ~~وقبضوا على أولاد خواجة ومن معهم، ونادوا بشعار بدر الدين، فبينما العسكر ~~قيام إذا الصوت من القلعة باسم بدر الدين، فصعدوا إليها وملكوها، وتسلم ~~أمين الدين أولاد خواجه فحبسهم، وكتب الرقعة على جناح الطائر بالحال، ~~وملكوا القلعة صفوا وعفوا بغير عوض، وكان يريد أن يغرم مالا جليلا، وأقطاعا ~~كثير، وحصنا منيعا، فتوفر الجميع عليه، وأخذ منهم كل ما احتقبوه وادخروه؛ ~~وإذا أراد الله أمرا فلا مرد له. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ليلة الأحد العشرين من صفر زلزلت الأرض بالموصل، وديار ~~الجزيرة والعراق، وغيرها، زلزلة متوسطة. وفيها اشتد الغلاء بالموصل، وديار ~~الجزيرة جميعها، فأكل الناس الميتة، والكلاب، والسنانير، فقلت الكلاب ~~والسنانير بعد أن كانت كثيرة. ولقد دخلت يوما إلى داري، فرأيت الجواري ~~يقطعن اللحم ليطبخنه، فرأيت سنانير استكثرتا، فعددتها، فكانت اثني عشر ~~سنورا، ورأيت اللحم في هذا الغلاء في الدار وليس عنده من يحفظه من السنانير ~~لعدمها، وليس بين المرتين كثير. وغلا مع الطعام كل شيء فبيع رطل الشيرج ~~بقيراطين بعد أن كان بنصف قيراط قبل الغلاء، وأما قبل ذلك فكان كل ستين ~~رطلا بدينار. ومن العجب أن السلق والجزر والشلجم بيع كل خمسة أرطال بدرهم، ~~وبيع البنفسج كل ستة أرطال بدرهم، وبيع في بعض الأوقات كل سبعة أرطال ~~بدرهم، وهذا ما لم يسمع بمثله. فإن الدنيا ما زالت قديما وحديثا، إذا غلت ~~الأسعار، متى جاء المطر رخصت، إلا هذه السنة فإن الأمطار ما زالت متتابعة ~~من أول الشتاء إلى آخر الربيع، وكلما جاء المطر غلت الأسعار، وهذا ما لم ~~يسمع بمثله، فبلغت الحنطة مكوك وثلث بدينار وقيراط، يكحون وزنه خمسة ~~وأربعين رطلا دقيقا بالبغدادي، وكان الملح مكوك بدرهم، فصار المكوك بعشرة ~~دراهم، وكان الأرز مكوك باثني عشر درهما، فصار المكوك بخمسين درهما، وكان ~~التمر كل أربعة أرطال وخمسة أرطال بقيراط، فصار كل رطلين بقيراط. ومن عجيب ~~ما يحكى أن السكر النادر الأسمر كان كل رطل بدرهم وربع، وكان السكر الأبلوج ~~المصري ms4542 النقي كل رطل بدرهمين، فصار السكر الأسمر كل رطل بثلاثة دراهم ونصف، ~~والسكر الأبلوج كل رطل بثلاثة دراهم وربع؛ وسبه أن الأمراض لما كثرت، واشتد ~~الوباء، قالت النساء: هذه الأمراض باردة والسكر الأسمر حار فينفع منها، ~~والأبلوج بارد يقويها؛ وتبعهن الأطباء استمالة لقلوبهن، ولجهلهم، فغلا ~~الأسمر بهذا السبب؛ وهذا من الجهل المفرط. وما زالت الأشياء هكذا إلى أول ~~الصيف، واشتد الوباء، وكثر الموت والمرض في الناس، فكان يحمل على النعش ~~الواحد عدة من الموتى، فممن مات فيه شيخنا عبد المحسن بن عبد الله الخطيب، ~~الطوسي، خطيب الموصل، وكان من صالحي المسلمين، وعمره ثلاث وثمانون سنة ~~وشهور. وفيها انخسف القمر ليلة الثلاثاء خامس عشر صفر. وفيها هرب أمير حاج ~~العراق، وهو حسام الدين أبو فراس الحلي، الكردي، والورامي، وهو ابن أخي ~~الشيخ ورام؛ وكان عمه من صالحي المسلمين وخيارهم من أهل الحلة السيفية، ~~فارق الحاج بين مكة والمدينة وسار إلى مصر. حكى لي بعض أصدقائه أنه إنما ~~حمله على الهرب كثرة الخرج في الطريق، وقلة المعونة من الخليفة، ولما فارق ~~الحاج خافوا خوفا شديدا من العرب، فأمن الله خوفهم، ولم يذعرهم ذاعر في ~~جميع الطريق، ووصلوا آمنين، إلا أن كثيرا من الجمال هلك، أصابها غدة عظيمة ~~فلم يسلم إلا القليل. وفيها، في آب، جاء مطر شديد ورعد وبرق، ودام حتى جرت ~~الأودية، وامتلأت الطرق بالوحل؛ ثم جاء الخبر من العراق، والشام، والجزيرة، ~~وديار بكر، أنه كان عندهم مثله، ولم يصل إلينا بالموصل أحد إلا وأخبر أن ~~المطر كان عندهم مثله في ذلك التاريخ. وفيها كان في الشتاء ثلج كثير، ونزلت ~~بالعراق، فسمعت أنه نزل في جميع العراق، حتى في البصرة؛ أما إلى واسط فلا ~~شك فيه؛ وأما البصرة فإن الخبر لم يكثر عندنا بنزوله فيها. وفيها خربت قلعة ~~الزعفران من أعمال الموصل، وهي حصن مشهور يعرف قديما بدير الزعفران، وهو ~~على جبل عال قريب من فرشابور. وفيها أيضا خربت قلعة الجديدة من بلد ~~الهكارية، من أعمال الموصل أيضا، وأضيف عملها وقراها ms4543 إلى العمادية. ~~PageV05P0336 # وفيها، في ذي الحجة، سار جلال الدين بن خوارزم شاه من تبريز إلى بلد ~~الكرج قاصدا لأخذ بلادهم واستئصالهم، وخرجت السنة ولم يبلغنا أنه فعل بهم ~~شيئا، ونحن نذكر ما فعله بهم سنة ثلاث وعشرين وستمائة إن شاء الله. وفيها، ~~ثالث شباط، سقط ببغداد ثلج، وبرد الماء بردا شديدا، وقوي البرد حتى مات به ~~جماعة من الفقراء. وفيه، في ربيع الأول، زادت دجلة زيادة عظيمة، واشتغل ~~الناس بإصلاح سكر القورج، وخافوا، فبلغت الزيادة قريبا من الزيادة الأولى ~~ثم نقص الماء واستبشر الناس. ### | AUT ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وستمائة # ### || AUT ذكر ملك جلال الدين تفليس # في هذه السنة، ثامن ربيع الأول، فتح جلال الدين بن خوارزم شاه مدينة ~~تفليس من الكرج؛ وسبب ذلك أنا قد ذكرنا سنة اثنتين وعشرين وستمائة الحرب ~~بينه وبينهم، وانهزامهم منه، وعوده إلى تبريز بسبب الخلف الواقع فيها، فلما ~~استقر الأمر في أذربيجان عاد إلى بلد الكرج في ذي الحجة من السنة، وخرجت ~~سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ودخلت هذه السنة، فقصد بلادهم، وقد عادوا ~~فحشدوا وجمعوا من الأمم المجاورة لهم اللان واللكز وقفجاق وغيرهم، فاجتمعوا ~~في جمع كثير لا يحصى، فطمعوا بذلك، ومنتهم أنفسهم الأباطيل، ووعدهم الشيطان ~~الظفر، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، فلقيهم، وجعل لهم الكمين في عدة ~~مواضع، والتقوا واقتتلوا، فولى الكرج منهزمين لا يلو ي الأخ على أخيه، ولا ~~الوالد على ولده، وكل منهم قد أهمته نفسه، وأخذتهم سيوف المسلمين من كل ~~جانب، فلم ينج منهم إلا اليسير الشاذ الذي لا يعبأ به؛ وأمر جلال الدين ~~عسكره أن لا يبقوا على أحد، وأن يقتلوا من وجدوا، فتبعوا المنهزمين ~~يقتلونهم، وأشار عليه أصحابه بقصد تفليس دار ملكهم، فقال: لا حاجة لنا إلى ~~أن نقتل رجالنا تحت الأسوار، إنما إذا أفنيت الكرج أخذت البلاد صفوا عفوا. ~~ولم تزل العساكر تتبعهم وتستقصي في طلبهم إلى أن كادوا يفنونهم، فحينئذ قصد ~~تفليس ونزل بالقرب منها. وسار في بعض الأيام في طائفة من العسكر، وقصدها ~~لينظر ms4544 إليها، ويبصر مواضع النزول عليها، وكيف يقاتلها، فلما قاربها كمن ~~أكثر العسكر الذي معه في عدة مواضع، ثم تقدم إليها في نحو ثلاثة آلاف فارس، ~~فلما رآه من بها من الكرج طمعوا فيه لقلة من معه، ولم يعلموا أنه معهم، ~~فظهروا إليه فقاتلوه، فتأخر عنهم، فقوي طمعهم فيه لقلة من معه، فظنوه ~~منهزما، فتبعوه، فلما توسطوا العساكر خرجوا عليهم ووضعوا السيف فيهم، فقتل ~~أكثرهم، وانهزم الباقون إلى المدينة فدخلوها، وتبعهم المسلمون، فلما وصلوا ~~إليها نادى المسلمون من أهلها بشعار الإسلام، وباسم جلال الدين، فألقى ~~الكرج بأيديهم واستسلموا، لأنهم كانوا قد قتل رجالهم في الوقعات المذكورة، ~~فقل عددهم، وملئت قلوبهم خوفا ورعبا، فملك المسلمون البلد عنوة وقهرا بغير ~~أمان، وقتل كل من فيه من الكرج، ولم يبق على كبير ولا صغير إلا من أذعن ~~بالإسلام، وأقر بكلمتي الشهادة، فإنه أبقى عليه، وأمرهم فتختنوا وتركهم. ~~ونهب المسلمون الأموال، وسبوا النساء واسترقوا الأولاد، ووصل إلى المسلمين ~~الذين بها بعض الأذى من قتل ونهب وغيره. وتفليس هذه من أحصن البلاد ~~وأمنعها، وهي على جانبي نهر الكر، وهو نهر كبير، ولقد جل هذا الفتح وعظم ~~موقعه في بلاد الإسلام وعند المسلمين، فإن الكرج كانوا قد استطالوا عليهم، ~~وفعلوا بهم ما أرادوا، فكانوا يقصدون أي بلاد أذربيجان أرادوا، فلا يمنعهم ~~عنها مانع، ولا يدفعهم عنها دافع؛ وهكذا أرزن الروم، حتى إن صاحبها لبس ~~خلعة ملك الكرج، ورفع على رأسه علما في أعلاه صليب، وتنصر ولده رغبة في ~~نكاح ملكة الكرج، وخوفا منهم، ليدفع الشر عنه، وقد تقدمت القصة، وهكذا ~~دربند شروان. وعظم أمرهم إلى حد أن ركن الدين بن قلج أرسلان، صاحب قونية، ~~وأقصرا، وملطية، وسائر بلاد الروم التي للمسلمين، جمع عساكره، وحشد معها ~~غيرها فاستكثر، وقصد أرزن الروم، وهي لأخيه طغرل شاه بن قلج أرسلان، فأتاه ~~الكرج وهزموه، وفعلوا به وبعسكره كل عظيم، وكان أهل دربند شروان معهم في ~~الضنك والضيقة. PageV05P0337 # وأما أرمينية، فإن الكرج دخلوا مدينة أرجيش، وملكوا قرس وغيرها، وحصروا ~~خلاط، فلولا أن ms4545 الله سبحانه من على المسلمين بأسر إيواني، مقدم عساكر ~~الكرج، لملكوها، فاضطر أهلها إلى أن بنوا لهم بيعة في القلعة يضرب فيها ~~الناقوس، فرحلوا عنهم، وقد تقدم تفصيل هذه الحلمة. ولم يزل هذا الثغر من ~~أعظم الثغور ضررا على المجاورين له من الفرس، قبل الإسلام، وعلى المسلمين ~~بعدهم، من أول الإسلام إلى الآن، ولم يقدر أحد عليهم هذا الإقدام، ولا فعل ~~بهم هذه الأفاعيل، فإن الكرج ملكوا تفليس سنة خمس عشرة وخمسمائة، والسلطان ~~حينئذ محمود بن محمود بن ملكشاه السلجوقي، وهو من أعظم السلاطين منزلة، ~~وأوسعهم مملكة، وأكثرهم عساكر، فلم يقدر على منعهم عنها؛ هذا مع سعة بلاده، ~~فإنه كان له الري وأعمالها، وبلد الجبل، وأصفهان، وفارس، وخوزستان، ~~والعراق، وأذربيجان، وأران، وأرمينية، وديار بكر، والجزيرة، والموصل، ~~والشام، وغير ذلك، وعمه السلطان سنجر له خراسان وما وراء النهر، فكان أكثر ~~بلاد الإسلام بأيديهم، ومع هذا فإنه جمع عساكره سنة تسع عشرة وخمسمائة، ~~وسار إليهم بعد أن ملكوها، فلم يقدر عليهم. ثم ملك بعده أخوه السلطان ~~مسعود، وملك الدكز بلد الجبل والري وأصفهان وأذربيجان وأران، وأطاعه صاحب ~~خلاط، وصاحب فارس، وصاحب خوزستان، وجمع وحشد لهم، وكان قصاره أن يتخلص ~~منهم، ثم ابنه البهلوان بعده؛ وكانت البلاد في أيام أولئك عامرة كثيرة ~~الأموال والرجال، فلم يحدثوا أنفسهم بالظفر بهؤلاء، حتى جاء هذا السلطان ~~والبلاد خراب قد أضعفها الكرج أولا، ثم استأصلها التتر، لعنهم الله، على ما ~~ذكرنا، ففعل بهم هذه الأفاعيل، فسبحان من إذا أراد أمرا قال له كن فيكون. ### || AUT ذكر مسير مظفر الدين صاحب إربل إلى الموصل وعوده عنها # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، سار مظفر الدين بن زين الدين، صاحب ~~إربل، إلى أعمال الموصل، قاصدا إليها. وكان السبب في ذلك أنه استقرت ~~القاعدة بينه وبين جلال الدين بن خوارزم شاه وبين الملك المعظم، صاحب دمشق، ~~وبين صاحب آمد، وبين ناصر الدين، صاحب ماردين، ليقصدوا البلاد التي بيد ~~الأشرف، ويتغلبوا عليها، ويكون لكل منهم نصيب ذكره؛ واستقرت القواعد بينهم ~~على ms4546 ذلك، فبادر فظفر الدين إلى الموصل. وأما جلال الدين فإنه سار من تفليس ~~يريد خلاط، فأتاه الخبر أن نائبه ببلاد كرمان، واسمه بلاق حاجب، قد عصى ~~عليه، على ما نذكره، فلما أتاه الخبر بذلك ترك خلاط ولم يقصدها، إلا أن ~~عسكره نهب بعض بلدها وخرب كثيرا منه، وسار مجدا إلى كرمان، فانفسخ جميع ما ~~كانوا عزموا عليه، إلا أن مظفر الدين سار من إربل ونزل على جانب الزابن ولم ~~يمكنه العبور إلى بلد الموصل. وكان بدر الدين قد أرسل من الموصل إلى ~~الأشرف، وهو بالرقة، يستنجده، ويطلب منه أن يحضر بنفسه الموصل ليدفع مظفر ~~الدين، فسار منها إلى حران، ومن حران إلى دنيسر، فخرب بلد ماردين وأهله ~~تخريبا ونهبا. وأما المعظم، صاحب دمشق، فإنه قصد بلاد حمص وحماة، وأرسل إلى ~~أخيه الأشرف يقول: إن رحلت عن ماردين وحلب، وأنا عن حمص وحماة، وأرسلت إلى ~~مظفر الدين ليرجع عن بلد الموصل؛ فرحل الأشرف عن ماردين وعاد كل منهم إلى ~~بلده، وخربت أعمال الموصل، وأعمال ماردين بهذه الحركة، فإنها كانت قد أجحف ~~بها تتابع الغلاء وطول مدته، وجلاء أكثر أهلها، فأتتها هذه الحادثة فازدادت ~~خرابا على خراب. ### || AUT ذكر عصيان كرمان على جلال الدين # ### || AUT ومسيره إليها # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، وصل الخبر إلى جلال الدين أن نائبه ~~بكرمان، وهو أمير كبير اسمه بلاق حاجب، قد عصى عليه، وطمع في البلاد أن ~~يتملكها ويستبد بها لبعد جلال الين عنها، واشتغاله بما ذكرناه من الكرج ~~وغيرهم، وأنه أرسل إلى التتر يعرفهم قوة جلال الدين وملكه كثيرا من البلاد، ~~وإن أخذ الباقي عظمت مملكته، وكثرت عساكره، وأخذ ما بأيديكم من البلاد. ~~PageV05P0338 # فلما سمع جلال الدين ذلك كان قد سار يريد خلاط، فتركها وسار إلى كرمان ~~يطوي المراحل، وأرسل بين يديه رسولا إلى صاحب كرمان، ومعه الخلع ليطمئن ~~ويأتيه وهو غير محتاط ولا مستعد للامتناع منه؛ فلما وصل الرسول علم أن ذلك ~~مكيدة عليه لما يعرفه من عادته، فأخذ ما يعز عليه، وصعد ms4547 إلى قلعة منيعة ~~فتحصن بها، وجعل من يثق به من أصحابه في الحصون يمتنعون بها، وأسل إلى جلال ~~الدين يقول: إنني أنا العبد والمملوك؛ ولما سمعت بمسيرك إلى هذه البلاد ~~أخليتها لك لأنها بلادك، ولو علمت أنك تبقي علي لحضرت بابك، ولكني أخاف هذا ~~جميعه؛ والرسول يحلف له أن جلال الدين بتفليس، وهو لا يلتفت إلى قوله، فعاد ~~الرسول، فعلم جلال الدين أنه لا يمكنه أخذ ما بيده من الحصون لأنه يحتاج أن ~~يحصرها مدة طويلة، فوقف بالقرب من أصفهان، وأرسل إليه الخلع، وأقره على ~~ولايته. فبينما الرسل تتردد إذ وصل رسول من وزير جلال الدين إليه من تفليس ~~يعرفه أن عسكر الملك الأشرف الذي بخلاط قد هزموا بعض عسكره وأوقعوا بهم، ~~ويحثه على العود إلى تفليس فعاد إليهم مسرعا. ### || AUT ذكر الحب بين عسكر الأشرف وعسكر جلال الدين # لما سار جلال الدين إلى كرمان ترك بمدينة تفليس عسكرا مع وزيره شرف ~~الملك، فقلت عليهم الميرة، فساروا إلى أعمال أرزن الروم، فوصلوا إليها، ~~ونهبوها، وسبوا النساء، وأخذوا من الغنائم شيئا كثيرا لا يحصى، وعادوا فكان ~~طريقهم على أطراف ولاية خلاط، فسمع النائب عن الأشرف بخلاط، وهو الحاجب ~~حسام الدين علي الموصل، فجمع العسكر وسار إليهم، فأوقع بهم، واستنقذ ما ~~معهم من الغنائم، وغنم كثيرا مما معهم، وعاد هو وعساكره سالمين. فلما فعل ~~ذلك خاف وزير جلال الدين منهم، فأرسل إلى صاحبه بكرمان يعرفه الحال، ويحثه ~~على العود إليه، ويخوفه عاقبة التواني والإهمال، فرجع فكان ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى. ### || AUT ذكر وفاة الخليفة الظاهر بأمر الله # في هذه السنة، في الرابع عشر من رجب، توفي الإمام الظاهر بأمر الله أمير ~~المؤمنين أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء ~~بأمر الله، وقد تقدم نسبه عند وفاة أبيه، رضي الله عنهما، فكانت خلافته ~~تسعة أشهر وأربعة وعشرين يوما، وكان نعم الخليفة، جمع الخشوع مع الخضوع ~~لربه، والعدل والإحسان إلى رعيته، وقد تقدم عند ذكر ولايته الخلافة ms4548 من ~~أفعاله ما فيه كفاية؛ ولم يزل كل يوم يزداد من الخير والإحسان إلى الرعية، ~~فرضي الله عنه وأرضاه، وأحسن منقلبه ومثواه، فلقد جدد من العدل ما كان ~~دارسا، وأذكر من الإحسان ما كان منسيا. وكان قبل وفاته أخرج توقيعا إلى ~~الوزير بخطه ليقرأه على أرباب الدولة، وقال الرسول: أمير المؤمنين يقول: ~~ليس غرضنا أن يقال برز مرسوم، أو نفذ مناك، ثم لا يبين له أثر، بل أنتم إلى ~~إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال؛ فقرأوه، فإذا في أوله بعد البسملة: ~~اعلموا أنه ليس إمهالنا إهمالا، ولا إغضاؤنا إغفالا، ولكن لنبلوكم أيكم ~~أحسن عملا، وقد عفونا لكم ما سلف من إخراب البلاد، وتشريد الرعايا، وتقبيح ~~السمعة، وإظهار الباطل الجلي في صورة الحق الخفي حيلة ومكيدة، وتسمية ~~الاستئصال والاجتياح استيفاء واستدراكا لأغراض انتهزتم فرصتها مختلسة من ~~براثن ليث باسل، وأنياب أسد مهيب، تتفقون بألفاظ مختلفة على معنى واحد ~~وأنتم أمناؤه وثقاته، فتميلون رأيه إلى هواكم، وتمرجون باطلكم بحقه، ~~فيطيعكم وأنتم له عاصون، ويوافقكم وأنتم له مخالفون، والآن قد بدل الله ~~سبحانه بخوفكم أمنا، وبفقركم غنى، وبباطلكم حقا، ورزقكم سلطانا يقيل العثرة ~~ويقبل المعذرة، ولا يؤاخذ إلا من أصر، ولا ينتقم إلا ممن استمر؛ يأمركم ~~بالعدل وهو يريده منكم، وينهاكم عن الجور وهو يكرهه لكم، يخاف الله تعالى، ~~فيخوفكم مكره، ويرجوا الله تعالى، ويرغبكم في طاعته، فإن سلكتم مسالك خلفاء ~~الله في أرضه وأمنائه على خلقه وإلا هلكتم، والسلام. ولما توفي وجدوا في ~~بيت، في داره، ألوف رقاع كلها مختومة لم يفتحها، فقيل له ليفتحها، فقال: لا ~~حاجة لنا فيها، كلها سعايات. ولم أزل، علم الله سبحانه، مذ ولي الخلافة، ~~أخاف عليه قصر المدة لخبث الزمان وفساد أهله، وأقول لكثير من أصدقائنا: وما ~~أخوفني أن تقصر مدة خلافته، لأن زماننا وأهله لا يستحقون خلافته؛ فكان ~~كذلك. PageV05P0339 ### || AUT ذكر خلافة ابنه المستنصر بالله # لما توفي الظاهر بأمر الله بويع بالخلافة ابنه الأكبر أبو جعفر المنصور، ~~ولقب المستنصر بالله، وسلك في الخير والإحسان ms4549 إلى الناس سيرة أبيه، رضي ~~الله عنه، وأمر فنودي ببغداد بإفاضة العدل، وإن من كان له حاجة، أو مظلمة ~~يطالع بها، تقضى حاجته، وتكشف مظلمته. فلما كان أول جمعة أتت على خلافته ~~أراد أن يصلي الجمعة في المقصورة التي كان يصلي فيها الخلفاء، فقيل له إن ~~المطبق الذي يسلك يه إليها خراب لا يمكن سلوكه، فركب فرسا وسار إلى الجامع، ~~جامع القصر، ظاهرا يراه الناس بقميص أبيض وعمامة بيضاء، بسكاكين حرير، ولم ~~يترك أحدا يمشي معه بل أمر كل من أراد أن يمشي معه من أصحابه بالصلاة في ~~الموضع الذي كان يصلي فيه، وسار هو ومعه خادمان وركابدار لا غير، وكذلك ~~الجمعة الثانية حتى أصلح له المطبق. وكان السعر قد تحرك بعد وفاة الظاهر ~~بأمر الله، رضي الله عنه، فبلغت الكارة ثمانية عشر قيراطا، فأمر أن تباع ~~الغلات التي له كل كارة بثلاثة عشر قيراطا، فرخصت الأسعار واستقامت الأمور. ### || AUT ذكر الحرب بين كيقباذ وصاحب آمد # في هذه السنة، في شعبان، سار علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو ابن قلج ~~أرسلان، ملك بلاد الروم، إلى بلاد المللك المسعود، صاحب آمد، وملك عدة من ~~حصونه. وسبب ذلك ما ذكرناه من اتفاق صاحب آمد مع جلال الدين بن خوارزم شاه ~~والملك المعظم، صاحب دمشق، وغيرهما على خلاف الأشرف؛ فلما رأى الأشرف ذلك ~~أرسل إلى كيقباذ، ملك الروم، وكانا متفقين، يطلب منه أن يقصد بلد صاحب آمد ~~ويحاربه، وكان الأشرف حينئذ على ماردين، فسار ملك الروم إلى ملطية، وهي له، ~~فنزل عندها، وسير العساكر إلى ولاية صاحب آمد، ففتحوا حصن منصور وحصن ~~سمكاراد وغيرهما؛ فلما رآى صاحب آمد ذلك راسل الأشرف، وعاد إلى موافقته، ~~فأرسل الأشرف إلى كيقباذ يعرفه ذلك، ويقول له ليعيد إلى صاحب آمد ما أخذ ~~منه، فلم يفعل، وقال: لم أكن نائبا للأشرف يأمرني وينهاني. فاتفق أن الأشرف ~~سار إلى دمشق ليصلح أخاه الملك المعظم، وأمر العساكر التي له بديار الجزيرة ~~بمساعدة صاحب آمد، إن أصر ملك الروم على قصده، فسارت ms4550 عساكر الأشرف إلى صاحب ~~آمد وقد جمع عسكره، ومن ببلاده ممن يصلح للحرب وسار إلى عسكر ملك الروم وهم ~~يحاصرون قلعة الكختا بعد الهزيمة، وهي من أمنع الحصون والمعاقل، فلما ~~ملكوها عادوا إلى صاحبها. ### || AUT ذكر حصر جلال الدين مدينتي آني وقرس # في هذه السنة، في رمضان، عاد جلال الدين من كرمان، كما ذكرناه؛ إلى ~~تفليس، وسار منها إلى مدينة آني، وهي للكرج، وبها إيواني مقدم عساكر الكرج ~~فيمن بقي معه من أعيان الكرج، فحصره وسير طائفة من العسكر إلى مدينة قرس ~~وهي للكرج أيضا، وكلاهما من أحصن البلاد وأمنعها، فنازلهما وحصرهما، وقاتل ~~من بهما، ونصب عليهما المجانيق، وجد في القتال عليهما، وحفظهما الكرج، ~~وبالغوا في الحفظ والاحتياط لخوفهم منه أن يفعل بهم ما فعل بأشياعهم من قبل ~~بمدينة تفليس، وأقام عليهما إلى أن مضى بعض شوال، ثم ترك العسكر عليهم ~~يحصرونهم وعاد إلى تفليس. وسار من تفليس مجدا إلى بلاد ابخار وبقايا الكرج، ~~فأوقع بمن فيها، فنهب، وقتل، وسبى، وخرب البلاد وأحرقها، وغنم عساكره ما ~~فيها، وعاد منها إلى تفليس. ### || AUT ذكر حصر جلال الدين خلاط # قد ذكرنا أن جلال الدين عاد من مدينة آني إلى تفليس ودخل بلاد ابخاز، ~~وكان رحيله مكيدة لأنه بلغه أن النائب عن الملك الأشرف، وهو الحاجب حسام ~~الدين علي بمدينة خلاط، قد احتاط، واهتم بالأمر وحفظ البلد لقربه منه؛ فعاد ~~إلى تفليس ليطمئن أهل خلاط ويتكروا الاحتياط والاستظهار ثم يقصدهم بغتة؛ ~~فكانت غيبته ببلاد ابخاز عشرة أيام، وعاد، وسار مجدا يطوي المراحل على ~~عادته، فلو لم يكن عنده من يراسل نواب الأشرف بالأخبار لفجأهم على حين غفلة ~~منهم، وإنما كان عنده بعض ثقاته يعرفهم أخباره، وكتب إليهم فوصل الخبر ~~إليهم قبل وصوله بيومين. PageV05P0340 # ووصل جلال الدين فنازل مدينة ملازكرد يوم السبت ثالث عشر ذي القعدة، ثم ~~رحل عنها؛ فنازل مدينة خلاط يوم الاثنين خامس عشر ذي القعدة، فلم ينزل حتى ~~زحف إليها، وقاتل أهلها قتالا شديدا، فوصل عسكره سور البلد، وقتل بينهم قتل ms4551 ~~كثيرة، ثم زحف إليها مرة ثانية، وقاتل أهل البلد قتالا عظيما، فعظمت نكاية ~~العسكر في أهل خلاط، ووصلوا إلى سور البلد، ودخلوا الربض الذي له، ومدوا ~~أيديهم في النهب وسبي الحريم. فلما رأى أهل خلاط ذلك تذامروا، وحرض بعضهم ~~بعضا، فعادوا إلى العسكر فقاتلوهم فأخرجوهم من البلد، وقتل بينهم خلق كثير، ~~وأسر العسكر الخوارزمي من أمراء خلاط جماعة، وقتل منهم كثير، وترجل الحاجب ~~علي، ووقف في نحر العدو، وأبلى بلاء عظيما. ثم إن جلال الدين استراح عدة ~~أيام، وعاود الزحف مثل أول يوم، فقاتلوه حتى أبعدوا عسكره عن البلد. وكان ~~أهل خلاط مجدين في القتال، حريصين على المنع عن أنفسهم، لما رأوا من سوء ~~سيرة الخوارزميين ونهبهم البلاد، وما فيهم من الفساد، فهم يقاتلون قتال من ~~يمنع عن نفسه وحريمه وماله، ثم أقام عليها إلى أن اشتد البرد، ونزل شيء من ~~الثلج، فرحل عنها يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة من السنة، وكان سبب ~~رحيله مع خوف الثلج ما بلغه عن التركمان الإيوانية من الفساد ببلاده. ### || AUT ذكر إيقاع جلال الدين بالتركمان الإيوانية # كان التركمان الإيوانية قد تغلبوا على مدينة أسنة وأرمية، من نواحي ~~أذربيجان، وأخذوا الخراج من أهل خوي ليكفوا عنهم، واغتروا باشتغال جلال ~~الدين بالكرج، وبعدهم بخلاط، وازداد طمعهم، وانبسطوا بأذربيجان ينهبون، ~~ويقطعون الطريق؛ والأخبار تأتي إلى خوارزم شاه جلال الدين بن خوارزم شاه، ~~وهو يتغافل عنهم لاشتغاله بما هو المهم عنده؛ وبلغ من طمعهم أنهم قطعوا ~~الطريق بالقرب من تبريز، وأخذوا من تجار أهلها شيئا كثيرا، ومن جملة ذلك ~~أنهم اشتروا غنما من أرزن الروم وقصدوا بها تبريز، فلقيهم الإيوانية قبل ~~وصولهم إلى تبريز، فأخذوا جميع ما معهم، ومن جملته عشرون ألف رأس غنم. فلما ~~اشتد ذلك على الناس وعظم الشر أرسلت زوجة جلال الدين ابنة السلطان طغرل ~~ونوابه في البلاد إليه يستغيثون، ويعرفونه أن البلاد قد خربها الإيوانية، ~~ولئن لم يلحقها، وإلا هلكت بالمرة. فاتفق هذا إلى خوف الثلج، فرحل عن خلاط، ~~وجد السير إلى ms4552 الإيوانية، وهم آمنون مطمئنون، لعلمهم أن خوارزم شاه على ~~خلاط، وظنوا أنه لا يفارقها، فلولا هذا الاعتقاد لصعدوا إلى جبال لهم منيعة ~~شاقة لا يرتقى إليها إلا بمشقة وعناء، فإنهم كانوا إذا خافوا صعدوا إليها ~~وامتنعوا بها، فلم يرعهم إلا والعساكر الجلالية قد أحاطت بهم، وأخذهم السيف ~~من كل جانب، فأكثروا القتل فيهم، والنهب، والسبي، واسترقوا الحريم ~~والأولاد، وأخذوا من عندهم ما لا يدخل تحت الحصر، فرأوا كثيرا من الأمتعة ~~التي أخذوها من التجار بحالها في الشذوات، هذا سوى ما كانوا قد حلوه ~~وفصلوه، فلما فرغ عاد إلى تبريز. ### || AUT ذكر الصلح بين المعظم والأشراف # نبتدئ بذكر سبب الاختلاف، فنقول: لما توفي الملك العادل أبو بكر ابن ~~أيوب، اتفق أولاده الملوك بعده اتفاقا حسنا، وهم: الملك الكامل محمد، صاحب ~~مصر، والملك المعظم عيسى، صاحب دمشق، والملك الأشرف موسى، وهو صاحب ديار ~~الجزيرة وخلط، واجتمعت كلمتهم على دفع الفرنج عن الديار المصرية. ولما رحل ~~الكامل عن دمياط لما كان الفرنج يحصرونها، صادفه أخوه المعظم من الغد، ~~وقويت نفسه، وثبت قدمه، ولولا ذلك لكان الأمر عظيما، وقد ذكرنا ذلك مفصلا، ~~ثم إنه عاد من مصر وسار إلى أخيه الأشرف ببلاد الجزيرة مرتين يستنجده على ~~الفرنج، ويحثه على مساعدة أخيهما الكامل، ولم يزل به حتى أخذه وسار إلى ~~مصر، وأزالوا الفرنج، ويحثه على مساعدة أخيهما الكامل، ولم يزل به حتى أخذه ~~وسار إلى مصر، وأزالوا الفرنج عن الديار المصرية، كما ذكرناه قبل، فكان ~~اتفاقهم على الفرنج سببا لحفظ بلاد الإسلام، وسر الناس أجمعون بذلك. فلما ~~فارق الفرنج مصر وعاد كل من الملوك أولاد العادل إلى بلده بقوا كذلك يسيرا، ~~ثم سار الأشرف إلى أخيه الكامل بمصر، فاجتاز بأخيه المعظم بدمشق، فلم ~~يستصحبه معه، وأطال المقام بمصر، فلا شك أن المعظم ساءه ذلك. PageV05P0341 # ثم إن المعظم سار إلى مدينة حماة وحصرها، فأرسل إليه أخو من مصر ورحلاه ~~عنها كارها، فازداد نفورا، وقيل: إنه نقل إليه عنهما أنهما اتفقا عليه، ~~والله أعلم بذلك. ثم انضاف ms4553 إلى ذلك أن الخليفة الناصر لدين الله، رضي الله ~~عنه، كان قد استوحش من الكامل لما فعله ولده صاحب اليمن من الاستهانة بأمير ~~الحاج العراقي، فأعرض عنه وعن أخيه الأشرف لاتفاقهما، وقاطعهما، وراسل مظفر ~~الدين كوكبري بن زين الدين علي، صاحب إربل، يعلمه بانحرافه عن الأشرف، ~~واستماله، واتفقا على مراسلة المعظم، وتعظيم الأمر عليه، فمال إليهما، ~~وانحرف عن إخوته. ثم اتفق ظهور جلال الدين وكثرة ملكه، فاشتد الأمر على ~~الأشرف بمجاورة جلال الدين خوارزم شاه ولاية خلاط، ولأن المعظم بدمشق يمنع ~~عنه عساكر مصر أن تصل إليه، وكذلك عساكر حلب وغيرها من الشام، فرأى الأشرف ~~أن يسير إلى أخيه المعظم بدمشق، فسار إليه في شوال واستماله وأصلحه، فلما ~~سمع الكامل بذلك عظم عليه؛ ثم إنها راسلاه، أعلماه بنزول جلال الدين على ~~خلاط، وعظما الأمر عليه، وأعلماه أن هذه الحال تقتضي الاتفاق لعمارة البيت ~~العادلي، وانقضت السنة والأشرف بدمشق والناس عل مواضعهم ينتظرون خروج ~~الشتاء ما يكون من الخوارزميين، وسنذكر ما يكون سنة أربع وعشرين وستمائة إن ~~شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر الفتنة بين الفرنج والأرمن # في هذه السنة جمع البرنس الفرنجي، صاحب أنطاكية، جموعا كثيرة وقصد ~~الأرمن الذين في الدروب بلاد ابن ليون، فكان بينهم حرب شديد. وسبب ذلك أن ~~ابن ليون الأرمني، صاحب الدروب، توفي قبل ولم يخلف ولدا ذكرا، إنما خلف ~~بنتا، فملكها الأرمن عليهم، ثم علموا أن الملك لا يقوم بامرأة، فزوجوها من ~~ولد البرنس، فتزوجها، وانتقل إلى بلدهم، واستقر في الملك نحو سنة، ثم ندموا ~~على ذلك، وخافوا أن يستولي الفرنج على بلادهم، فثاروا بابن البرنس، فقبضوا ~~عليه وسجنوه، فأرسل أبوه يطلب أن يطلق ويعاد في الملك، فلم يفعلوا، فأرسل ~~إلى بابا ملك الفرنج برومية الكبرى يستأذنه في قصد بلادهم، وملك رومية هذا ~~أمره عند الفرنج لا يخالف، فمنعه عنهم، وقال: إنهم أهل ملتنا، ولا يجوز قصد ~~بلادهم، فخالفه وأرسل إلى علاء الدين كيقباذ ملك قونية وملطية وما بينهما ~~من بلاد المسلمين، وصالحه، ووافقه على قصد ms4554 بلاد ابن ليون، والاتفاق على ~~قصدها، فاتفقا على ذلك، وجمع البرنس عساكره ليسير إلى بلاد الأرمن، فخالف ~~عليه الداوية والاسبتارية، وهما جمرة الفرنج، فقالوا: إن ملك رومية نهانا ~~عن ذلك؛ إلا أنه أطاعه غيرهم، فدخل أطراف بلاد الأرمن، وهي مضايق وجبال ~~وعرة، فلم يتمكن من فعل ما يريد. وأما كيكاوس، فإنه قصد بلاد الأمن من ~~جهته، وهي أسهل من جهة الشام، فدخلها سنة اثنتين وعشرين وستمائة، فنهبها، ~~وأحرقها، وحصر عدة حصون، ففتح أربعة حصون، وأدركه الشتاء فعاد عنها. فلما ~~سمع بابا ملك الفرنج برومية أرسل إلى الفرنج بالشام يعلمهم أنه قد حرم ~~البرنس، فكان الداوية والاسبتارية وكثير من الفرسان لا يحضرون معه، ولا ~~يسمعون قوله؛ وكان أهل بلاده، وهي أنطاكية وطرابلس، إذا جاءهم عيد يخرج من ~~عندهم، فإذا فرغوا من عيدهم دخل البلد. ثم إنه أرسل إلى ملك رومية يشكو من ~~الأرمن، وأنهم لم يطلقوا ولده، ويستأذنه في أن يدخل بلادهم ويحاربهم إن لم ~~يطلقوا ابنه، فأرسل إلى الأرمن يأمرهم بإطلاق ابنه وإعادته إلى الملك، فإن ~~فعلوا وإلا فقد أذن له في قصد بلادهم؛ فلما بلغتهم الرسالة لم يطلقوا ولده، ~~فجمع البرنس وقصد بلاد الأرمن، فأسل الأرمن إلى الأتابك شهاب الدين بحلب ~~يستنجدونه، ويخوفونه من البرنس وقصد بلاد الأرمن، فأرسل الأرمن إلى الأتابك ~~شهاب الدين بحلب يستنجدونه، ويخفونه من البرنس إن استولى على بلادهم لأنها ~~تجاور أعمال حلب، فأمدهم بجند وسلاح. فلما سمع البرنس ذلك صمم العزم على ~~قصد بلادهم، فسار إليهم وحاربهم، فلم يحصل على غرض، فعاد عنهم. حدثني بهذا ~~رجل من عقلاء النصارى ممن دخل تلك البلاد وعرف حالها، وسألت غيره، فعرف ~~البعض وأنكر البعض. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV05P0342 # في هذه السنة انخسف القمر مرتين: أولاهما ليلة رابع عشر صفر، وفيها كانت ~~أعجوبة بالقرب من الموصل حامة تعرف بعين القيارة، شديدة الحرارة، تسميها ~~الناس عين ميمون، ويخرج مع الماء قليل من القار، فكان الناس يسبحون فيها ~~دائما في الربيع والخريف، لأنها تنفع من الأمراض الباردة، كالفالج وغيره، ~~نفعا ms4555 عظيما، فكان من يسبح فيها يجد الكرب الشديد من حرارة الماء، ففي هذه ~~السنة برد الماء فيها، حتى كان السابح فيها يجد البر، فتركوها وانتقلوا إلى ~~غيرها. وفيها كثيرت الذئاب والخنازير والحيات، فقتل كثير، فقد بلغني أن ~~ذئبا دخل الموصل فقتل فيها، وحدثني صديق لنا له بستان بظاهر الموصل أنه قتل ~~فيه، في سنة اثنتين وعشرين وستمائة، جميع الصيف حيتين، وقتل هذه السنة إلى ~~أول حزيران سبع حيات لكثرتها. وفيها انقطع المطر بالموصل وأكثر البلاد ~~الجزرية من خامس شباط إلى ثاني عشر نيسان، ولم يجر شيء يعتد به، لكنه سقط ~~اليسير منه في بعض القرى، فجاءت الغلات قليلة، ثم خرج الجراد الكثير، ~~فازداد الناس أذى، وكانت الأسعار قد صلحت شيئا، فعاد لكثرة الجراد فغلت، ~~ونزل أيضا في أكثر القرى برد كبير أهلك زروع أهلها وأفسدها، واختلفت أقاويل ~~الناس في أكبره، كان وزن بردة مائتي درهم، وقيل رطل، وقيل غير ذلك، إلا أنه ~~أهلك كثيرا من الحيوان، وانقضت هذه السنة والغلاء باق وأشده بالموصل. وفيها ~~اصطاد صديق لنا أرنبا فرآه وله أنثيان وذكر وفرج أنثى، فلما شقوا بطنها ~~رأوا فيها حريفين، سمعت هذا منه ومن جماعة كانوا معه، وقالوا: ما زلنا نسمع ~~أن الأرنب يكون سنة ذكرا وسنة أنثى، ولا نصدق ذلك، فلما رأينا هذا علمنا ~~أنه قد حمل، وهو أنثى، وانقضت السنة فصار ذكرا، فإن كان كذلك وإلا فيكون في ~~الأرانب كالخنثى في بني آدم، يكون لأحدهم فرج الرجل وفرج الأنثى، كما أن ~~الأرنب تحيض كما تحيض النساء، فإني كنت بالجزيرة، ولنا جار له بنت اسمها ~~صفية، فبقيت كذلك نحو خمس عشرة سنة، وإذا قد طلع لها ذكر رجل، ونبتت لحيته، ~~فكان له فرج امرأة وذكر رجل. وفيها ذبح إنسان عندنا رأس غنم، فوجد لحمه مرا ~~شديد المرارة، حتى رأسه وأكارعه ومعلاقه وجميع أجزائه، وهذا ما لم يسمع ~~بمثله. وفيها يوم الأربعاء الخامس والعشرين من ذي القعدة، ضحوة النهار، ~~زلزلت الأرض بالموصل وكثير من البلاد العربية والعجمية، وكان أكثرها ~~بشهرزور، ms4556 فإنها خرب أكثرها، ولا سيما القلعة، فإنها أجحفت بها؛ وخرب من تلك ~~الناحية ست قلاع، وبقيت الزلزلة تتردد فيها نيفا ثلاثين يوما، ثم كشفها ~~الله عنهم؛ وأما القرى بتلك الناحية فخرب أكثرها. وفيها، في رجب، توفي ~~القاضي الحاج أبو المظفر بن عبد القاهر بن الحسن بن علي بن القاسم ~~الشهرزوري، قاضي الموصل، بها، وكان قد أضر قبل وفاته بنحو سنتين، وكان ~~عالما بالقضاء، عفيفا، نزها، ذا رئاسة كبيرة، وله صلات دارة للمقيم ~~والوارد، رحمه الله، فلقد كان من محاسن الدنيا، ولم يخلف غير بنت توفيت ~~بعده بثلاثة أشهر. ### | AUT ثم دخلت سنة أربع وعشرين وستمائة # ### || AUT ذكر دخول الكرج مدينة تفليس وإحراقه # في هذه السنة، في بيع الأول، وصل الكرج مدينة تفليس، ولم يكن بها من ~~العسكر الإسلامي من يقوم بحمايته أن وسبب ذلك أن جلال الدين لما عاد من ~~خلاط، كما ذكرنا قبل، وأوقع بالإيوانية، فرق عساكره إلى المواضع الحارة ~~الكثيرة المرعى، ليشتوا بها، وكان عسكره قد أساؤوا السيرة في رعية تفليس، ~~وهم مسلمون، وعسفوهم، فكاتبوا الكرج يستدعونهم إليهم، ليملكوهم البلد، ~~فاغتنم الكرج ذلك لميل أهل البلد إليهم، وخلوه من العسكر، فاجتمعوا، وكانوا ~~بمدينتي قرس وآني وغيرهما من الحصون، وساروا إلى تفليس، وكانت خالية كما ~~ذكرناه، ولأن جلال الدين استضعف الكرج الكثرة من قتل منهم، ولم يظن فيهم ~~حركة، فملكوا البلد، ووضعوا السيف فيمن بقي من أهله، وعلموا أنهم لا يقدرون ~~على حفظ البلد من جلال الدين، فأحرقوه جميعه. وأما جلال الدين فإنه لما ~~بلغه الخبر سار فيمن عنده من العساكر ليدركهم، فلم ير منهم أحدا، كانوا قد ~~فارقوا تفليس لما أحرقوها. ### || AUT ذكر نهب جلال الدين بلد الإسماعيلية # PageV05P0343 # في هذه السنة قتل الإسماعيلية أميرا كبيرا من أمراء جلال الدين، وكان قد ~~أقطعه جلال الدين مدينة كنجة وأعمالها، وكان نعم الأمير، كثير الخير، حسن ~~السيرة، ينكر على جلال الدين ما يفعله عسكره من النهب وغيره من الشر. فلما ~~قتل ذلك الأمير عظم قتله على جلال الدين، واشتد عليه، فسار ms4557 في عساكره إلى ~~بلاد الإسماعيلية، من حدود الموت إلى كردكوه بخراسان، فخرب الجميع، وقتل ~~أهلها، ونهب الأموال، وسبى الحريم، واسترق الأولاد، وقتل الرجال، وعمل بهم ~~الأعمال العظيمة، وانتقم منهم؛ وكانوا قد عظم شرهم وازداد ضرهم، وطمعوا مذ ~~خرج التتر إلى بلاد الإسلام إلى الآن، فكف عاديتهم وقمعهم، ولقاهم الله ما ~~عملوا بالمسلمين. ### || AUT ذكر الحب بين جلال الدين والتتر # لما فرغ جلال الدين من الإسماعيلية بلغه الخبر أن طائفة من التتر عظيمة ~~قد بلغوا إلى دامغان. بالقرب من الري، عازمين على قصد بلاد الإسلام، فسار ~~إليهم وحاربهم، واشتد القتال بينهم، فانهزموا منه، فأوسعهم قتلا، وتبع ~~المنهزمين عدة أيام يقتل ويأسر، فبينما هو كذلك قد أقام بنواحي الري خوفا ~~من جمع آخر للتتر، إذ أتاه الخبر بأن كثيرا منهم واصلون إليه، فأقام ~~ينتظرهم، وسنذكر خبرهم سنة خمس وعشرين وستمائة. ### || AUT ذكر دخول العساكر الأشرفية إلى أذربيجان وملك بعضها # في هذه السنة، في شعبان، سار الحاجب علي حسام الدين، وهو النائب عن ~~الملك الأشرف بخلاط، والمقدم على عساكرها، إلى بلاد أذربيجان فيمن عنده من ~~العساكر. وسبب ذلك أن سيرة جلال الدين كانت جائرة، وعساكره طامعة في ~~الرعايا، وكانت زوجته ابنة السلطان طغرل السلجوقي، وهي التي كانت زوجة ~~أوزبك بن البهلوان، صاحب أذربيجان، فتزوجها جلال الدين، كما ذكرناه قبل، ~~وكانت مع أوزبك تحكم في البلاد جميعها، ليس له ولا لغيره معها حكم. فلما ~~تزوجها جلال الدين أهملها ولم يلتفت إليها، فخافته مع ما حرمته من الحكم ~~والأمر والنهي، فأسلت هي وأهل خوي إلى حسام الدين الحاجب يستدعونه ليسلموا ~~البلاد، فسار ودخل البلاد، بلاد أذربيجان، فملك مدينة خوي وما يجاورها من ~~الحصون التي بيد امرأة جلال الدين، وملك مرند، وكاتبه أهل مدينة نقجوان، ~~فمضى إليهم، فسلموها إليه، وقويت شوكتهم بتلك البلاد، ولو داموا لملكوها ~~جميعها، وإنما عادوا إلى خلاط، واستصحبوا معهم زوجة جلال الدين ابنة ~~السلطان طغرل إلى خلاط، وسنذكر باقي خبرهم سنة خمس وعشرين إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر وفاة المعظم صاحب ms4558 دمشق # ### || AUT وملك ولده # في هذه السنة توفي الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل يوم الجمعة سلخ ~~ذي القعدة، وكان مرضه دوسنطاريا، وكان ملكه لمدينة دمشق، من حين وفاة والده ~~الملك العادل، عشر سنين وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوما. وكان عالما بعدة ~~علوم، فاضلا فيها، منها الفقه على مذهب أبي حنيفة، فإنه كان قد اشتغل به ~~كثيرا، وصار من المتيزين فيه، ومنها علم النحو، فإنه اشتغل به أيضا اشتغالا ~~زائدا، وصار فيه فاضلا، وكذلك اللغة وغيرها، وكان قد أمر أن يجمع له كتاب ~~في اللغة جامع كبير، فيه كتاب الصحاح للجوهري، ويضاف إليه ما فات الصحاح من ~~التهذيب للأرموي والجمهرة لابن دريد وغيرهما، وكذلك أيضا أمر بأن يرتب مسند ~~أحمد بن حنبل على الأبواب، ويرد كل حديث إلى الباب الذي يقتضيه معناه، ~~مثاله: أن يجمع أحاديث الطهارة، وكذلك يفعل في الصلاة وغيرها من الرقائق، ~~والتفسير، والغزوات، فيكون كتابا جامعا. وكان قد سمع المسند من بعض أصحاب ~~ابن الحصين، ونفق العلم في سوقه، وقصده العلماء من الآفاق، فأكرمهم، وأجرى ~~عليهم الجرايات الوافرة، وقربهم، وكان يجالسهم، ويستفيد منهم، ويفيدهم، ~~وكان يرجع إلى علم وصبر على سماع ما يكره، لم يسمع أحد ممن يصحبه منه كلمة ~~تسوءه. وكان حسن الاعتقاد يقول كثيرا: إن اعتقادي في الأصول ما سطره أبو ~~جعفر الطحاوي؛ ووصى عند موته بأن يكفن في البياض، ولا يجعل في أكفانه ثوب ~~فيه ذهب، وأن يدفن في لحد، ولا يبنى عليه بناء بل يكون قبره في الصحراء تحت ~~السماء، ويقول في مرضه: لي عند الله تعالى في أمر دمياط ما أرجو أن يرحمني ~~به. ولما توفي ولي بعده ابنه داود ويلقب الملك الناصر، وكان عمره قد قارب عشرين سنة. ### || AUT ذكر عدة حوادث # PageV05P0344 # في هذه السنة دام الغلاء في ديار الجزيرة، ودامت الأسعار تزيد قليلا ~~وتنقص قليلا، وانقطع المطر جميع شباط وعشرة أيام من آذار، فازداد الغلاء، ~~فبلغت الحنطة كل مكوكين بدينار وقيراطين بالموصل، والشعير كل ثلاثة مكاكيك ~~بالموصلي بدينار وقيراطين أيضا، ms4559 وكل شيء بهذا السنة في الغلاء. وفيها، في ~~الربيع، قل لحم الغنم بالموصل، وغلا سعره، حتى بيع كل رطل لحم بالبغدادي ~~بحبتين بالصنجة، وربما زاد في بعض الأيام على هذا الثمن. وحكى لي من يتولى ~~بيع الغنم بالموصل أنهم باعوا خروفا واحدا لا غير، وفي بعضها خمسة أرؤس، ~~وفي بعضها ستة، وأقل وأكثر، وهذا ما لم يسمع بمثله، ولا رأيناه في جميع ~~أعمارنا، ولا حكي لنا مثله لأن الربيع مظنة رخص اللحم بها، لأن التركمان ~~والأكراد والكيلكان ينتقلون من الأمكنة التي شتوا بها إلى الزوزان فيبيعون ~~الغنم رخيصا. وكان اللحم كل سنة في هذا الفصل كل ستة أرطال وسبعة بقيراط، ~~صار هذه السنة الرطل بحبتين. وفيها عاشر آذار، وهو العشرون من ربيع الأول، ~~سقط الثلج بالموصل مرتين، وهذا غريب جدا لم يسمع بمثله، فأهلك الأزهار التي ~~خرجت كزهر اللوز، والمشمش، والإجاص، والسفرجل وغيرها، ووصلت الأخبار من ~~العراق جميعه مثل ذلك، فهلكت به أزهارها والثمار، وهذا أعجب من حال ديار ~~الجزيرة والشام فإنه أشد حرا من جميعها. وفيها ظفر جمع من التركمان، كانوا ~~بأطراف أعمال حلب، بفارس مشهور من الفرنج الدواية بأنطاكية فقتلوه، فعلم ~~الداوية بذلك فساروا وكبسوا التركمان، فقتلوا منهم وأسروا، وغنموا من ~~أموالهم، فبلغ إلى أتابك شهاب الدين المتولي لأمور حل، فراسل الفرنج، ~~وتهددهم بقصد بلادهم، واتفق أن عسكر حلب قتلوا فارسين كبيرين من الداوية ~~أيضا، فأذعنوا بالصلح، وردوا إلى التركمان كثيرا من أموالهم وحريمها ~~وأسراهم. وفيها، في رجب، اجتمع طائفة كثيرة من ديار بكر، وأرادوا الإغارة ~~على جزيرة ابن عمر، وكان صاحب الجزيرة قد قتل، فلما قصدوا بلد الجزيرة ~~اجتمع أهل قرية كبيرة من بلد الجزيرة اسمها سلكون، ولقوهم من ضحوة النهار ~~إلى العصر، وطال القتال بينهم، ثم حمل أهل القرية على الأكراد فهزموهم ~~وقتوا فيهم، وخرجوا ونهبوا ما معهم وعادوا سالمين. ### | AUT ثم دخلت سنة خمس وعشرين وستمائة # ### || AUT ذكر الخلف بين جلال الدين وأخيه # في هذه السنة خاف غياث الدين بن خوارزم شاه، وهو أخو جلال ms4560 الدين من ~~أبيه، أخاه، وخافه معه جماعة من الأمراء، واستشعروا منه، وأرادوا الخلاص ~~منه، فلم يتمكنوا من ذلك إلى أن خرجت التتر، واشتغل بهم جلال الدين، فهرب ~~غياث الدين ومن معه، وقصدوا خوزستان، وهي من بلاد الخليفة، وأرادوا الدخول ~~في طاعة الخليفة، فلم يمكنهم النائب بها من الدخول إلى البلد، مخافة أن ~~تكون هذه مكيدة، فبقي هناك، فلما طال عليه الأمر فارق خوزستان وقصد بلاد ~~الإسماعيلية، فوصل إليهم، واحتمى بهم واستجار بهم. وكان جلال الدين قد فرغ ~~من أمر التتر وعاد إلى تبريز، فأتاه الخبر وهو بالميدان يلعب بالكرة أن ~~أخاه قد قصد أصفها، فألقى الجوكان من يده، وسار مجدا، فسمع أن أخاه قد قصد ~~الإسماعيلية ملتجئا إليهم، ولم يقصد أصفهان، فعاد إلى بلاد الإسماعيلية ~~لينهب بلادهم إن لم يسلموا إليه أخاه، وأرسل يطلبه من مقدم الإسماعيلية، ~~فأعاد الجواب يقول: إن أخاك قد قصدنا، وهو سلطان ابن سلطان، ولا يجوز لنا ~~أن نسلمه، لكن نحن نتركه عندنا ولا نكنه أن يأخذ شيئا من بلادك، ونسألك أن ~~تشفعني فيه والضمان علينا بما قلنا، ومتى كان منه ما تكره في بلادك، ~~فبلادنا حينئذ بين يديك تفعل فيها ما تختار. فأجابهم إلى ذلك، واستحلفهم ~~على الوفاء بذلك، وعاد عنهم وقصد خلاط، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر الحرب بين جلال الدين والتتر # في هذه السنة عاود التتر الخروج إلى الري، وجرى بينهم وبين جلال الدين ~~حروب كثيرة اختلف الناس علينا في عددها، كان أكثرها عليه، وفي الأخير كان ~~الظفر له. PageV05P0345 # وكانت أول حرب بينهم عجائب غريبة، وكان هؤلاء التتر قد سخط ملكهم جنكزخان ~~على مقدمهم، وأبعده عنه، وأخرجه من بلاده، فقصد خراسان، فرآها خرابا، فقصد ~~الري ليتغلب على تلك النواحي والبلاد، فلقيه بها جلال الدين، فاقتتلوا أشد ~~قتال، ثم انهزم جلال الدين وعاد ثم انهزم، وقصد أصفهان، وأقام بنيها وبين ~~الري، وجمع عساكره ومن في طاعته، فكان فيمن أتاه صاحب بلاد فارس، وهو ابن ~~أتابك سعد ملك بعد وفاة أبيه، ms4561 كما ذكرناه، وعاد جلال الدين إلى التتر ~~فلقيهم. فبينما هم مصطفون كل طائفة مقابل الأخرى انعزل غياث الدين أخو جلال ~~الدين فيمن وافقه من الأمراء على مفارقة جلال الدين، واعتزلوا، وقصدوا جهة ~~ساروا إليها، فلما رآهم التتر قد فارقوا العسكر ظنوهم يريدون أن يأتوهم من ~~وراء ظهورهم ويقاتلوهم من جهتين، فانهزم التتر لهذا الظن وتبعهم صاحب بلاد ~~فارس. وأما جلال الدين فإنه لما رأى مفارقة أخيه إياه ومن معه من الأمراء ~~ظن أن التتر قد رجعوا خديعة ليستدرجوه، فعاد منهزما، ولم يجسر أن يدخل ~~أصفهان لئلا يحصره التتر، فمضى إلى سميرم. وأما صاحب فارس فلما أبعد في أثر ~~التتر، ولم ير جلال الدين ولا عسكره معه، خاف التتر فعاد عنهم. وأما التتر ~~فلما لم يروا في آثارهم أحدا يطلبهم وقفوا، ثم عادوا إلى أصفهان، فلم يجدوا ~~في طريقهم من يمنعهم، فوصلوا إلى أصفهان فحصروها، وأهلها يظنون أن جلال ~~الدين قد عدم، فبينما هم كذلك والتتر يحصرونهم إذ وصل قاصد من جلال الدين ~~إليهم يعرفهم سلامته، ويقول: إني أدور حتى يجتمع إلي من سلم من العسكر ~~وأقصدكم ونتفق أنا وأنتم على إزعاج التتر وترحيلهم عنكم. فأرسلوا إليه ~~يستدعونه إليهم، ويعدونه النصرة والخروج معه إلى عدوه، وفيهم شجاعة عظيمة، ~~فسار إليهم، واجتمع بها، وخرج أهل أصفهان معه، فقاتلوا التتر، فانهزم التتر ~~أقبح هزيمة، وتبعهم جلال الدين إلى الري يقتل ويأسر، فلما أبعدوا عن الري ~~أقام بها، وأرسل إليه ابن جنكزخان يقول: إن هؤلاء ليسوا من أصحابنا، إنما ~~نحن أبعدناهم عنا، فلما أمن جانب جنكزخان أمن وعاد إلى أذربيجان. ### || AUT ذكر خروج الفرنج إلى الشام وعمارة صيدا # وفي هذه السنة خرج كثير من الفرنج من بلادهم، التي هي في الغرب من صقلية ~~وما وراءها من البلاد، إلى بلادهم التي بالشام: عكا وصور وغيرهما من ساحل ~~الشام، فكثر جمعهم، وكان قد خرج قبل هؤلاء جمع آخر أيضا إلا أنهم لم تمكنهم ~~الحركة والشروع في أمر الحب لأجل أن ملكهم الذي هو المقدم عليهم هو ms4562 ملك ~~الألمان، ولقبه أنبرور، قيل: معناه ملك الأمراء، ولأن المعظم كان حيا، وكان ~~شهما شجاعا مقداما، فلما توفي المعظم، كما ذكرناه، وولي بعده ابنه وملك ~~دمشق طمع الفرنج، وظهروا من عكا وصور وبيروت إلى مدينة صيدا، وكانت مناصفة ~~بينهم وبين المسلمين، وسورها خراب، فعمروها، واستولوا عليها. وإنما تم لهم ~~ذلك بسبب تخريب الحصون القريبة منها، تبنين وهونين وغيرهما. وقد تقدم ذكر ~~ذلك قبل مستقصى؛ فعظمت شوكة الفرنج، وقوي طمعهم، واستولى في طريقه على ~~جزيرة قبرس، وملكها، وسار منها إلى عكا، فارتاع المسلمون لذلك، والله تعالى ~~يخذله وينصر المسلمين بمحمد وآله؛ ثم إن ملكهم أنبرور وصل إلى الشام. ### || AUT ذكر ملك كيقباذ أرزنكان # وفي هذه السنة ملك علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قلج أرسلان، وهو صاحب ~~قونية، وأقصرا، وملطية، وغيرها من بلاد الروم، أرزنكان. وسبب ملكه إياها أن ~~صاحبها بهرام شاه كان قد طال ملكه لها، وجاوز ستين سنة، توفي ولم يزل في ~~طاعة قلج أرسلان وأولاده بعده، فلما توفي ملك بعده ولده علاء الدين داود ~~شاه، فأرسل إليه كيقباذ يطلب منه عسكرا ليسير معه إلى مدينة أرزن الروم ~~ليحصرها، ويكون هو مع العسكر، ففعل ذلك، وسار في عسكره إليه، فلما وصل قبض ~~عليه، وأخذ مدينة أرزنكان منه، وله حصن من أمنع الحصون اسمه كماخ، وفيه ~~مستحفظ لداود شاه، فأرسل إليه ملك الروم يحصره، فلم يقدر العسكر على القرب ~~منه لعلوه وارتفاعه وامتناعه، فتهدد داود شاه إن لم يسلم كماخ، فأرسل إلى ~~نائبه في التسليم، فسلم القلعة إلى كيقباذ. PageV05P0346 # وأراد كيقباذ المسير إلى أرزن الروم ليأخذها وبها صاحبها ابن عمه طغرل ~~شاه بن قلج أرسلان، فلما سمع صاحبها بذلك أرسل إلى الأمير حسام الدين علي، ~~النائب عن الملك الأشرف بخلاط، يستنجده، وأظهر طاعة الأشرف، فسار حسام ~~الدين فيمن عنده من العساكر، وكان قد جمعها من الشام، وديار الجزيرة، خوفا ~~من ملك الروم، خافوا أنه إذا ملك أرزن الروم يتعدى، ويقصد خلاط، فسار ~~الحاجب حسام الدين إلى الروم ومنع عنها. ولما ms4563 سمع كيقباذ بوصول العساكر ~~إليها لم يقدم على قصدها، فسار من أرزنكان إلى بلاده، وكان قد أتاه الخبر ~~أن الروم الكفار المجاورين لبلاده قد ملكوا منه حصنا يسمى صنوب، وهو من ~~أحصن القلاع، مطل على البحر السياه بحر الخزر، فلما وصل إلى بلاده سير ~~العسكر إليه وحصره برا وبحرا، فاستعاده من الروم، وسار إلى أنطاكية ليشتي ~~بها على عادته. ### || AUT ذكر خروج الملك الكامل # في هذه السنة، في شوال، سار الملك الكامل محمد ابن الملك العادل، صاحب ~~مصر، إلى الشام، فوصل إلى البيت المقدس، حرسه الله تعالى، وجعله دار ~~الإسلام أبدا؛ ثم سار عنه، وتولى بمدينة نابلس، وشحن على تلك البلاد ~~جميعها، وكانت من أعمال دمشق، فلما سمع الأشرف يستنجده، ويطلبه ليحضر عنده ~~بدمشق، فسار إليه جريدة، فدخل دمشق. فلما سمع الكامل بذلك لم يتقدم لعلمه ~~أن البلد منيع، وقد صار به من يمنعه ويحميه؛ وأرسل إليه الملك الأشرف ~~يستعطفه، ويعرفه أنه ما جاء إلى دمشق إلا طاعة له، وموافقة لأغراضه، ~~والاتفاق معه على منع الفرنج عن البلاد، فأعاد الكامل الجواب يقول: إنني ما ~~جئت إلى هذه البلاد إلا بسبب الفرنج، فإنهم لم يكن في البلاد من يمنعهم عما ~~يريدونه، وقد عمروا صيدا، وبعض قيسارية، ولم يمنعوا، وأنت تعلم أن عمنا ~~السلطان صلاح الدين فتح البيت المقدس، فصار لنا بذلك الجميل على تقضي ~~الأعصار وممر الأيام، فإن أخذه الفرنج حصل لنا من سوء الذكر وقبح الأحدوثة ~~ما ينقض ذلك الذكر الجميل الذي ادخره عمنا، وأي وجه يبقى لنا عند الناس ~~وعند الله تعالى؟ ثم إنهم ما يقنعون حينئذ بمن أخذوه، ويتعدون إلى غيره، ~~وحيث قد حضرت أنت فأنا أعود إلى مصر، واحفظ أنت البلاد، ولست بالذي يقال ~~عني إني قاتلت أخي، وحصرته، حاشا لله تعالى. وتأخر عن نابلس نحو الديار ~~المصرية، ونزل تل العجول، فخاف الأشرف والناس قاطبة بالشام، وعلموا أنه إن ~~عاد استولى الفرنج على البيت المقدس وغيره مما يجاوره، لا مانع دونه، ~~فترددت الرسل، وسار الأشرف بنفسه إلى ms4564 الكامل أخيه، فحضر عنده، وكان وصلوه ~~ليلة عيد الأضحى، ومنعه من العود إلى مصر، فأقام بمكانها. ### || AUT ذكر نهب جلال الدين بلاد أرمينة # في هذه السنة وصل جلال الدين خوارزم شاه إلى بلاد خلاط، وتعدى خلاط إلى ~~صحراء موش، وجبل جور، ونهب الجميع، وسبى الحريم، واسترق الأولاد، وقتل ~~الرجال، وخرب القرى، وعاد إلى بلاده. ولما وصل الخبر إلى البلاد الجزرية: ~~حران وسروج وغيرهما، أنه قد جاز خلاط إلى جور، وأنه قد قرب منهم، خاف أهل ~~البلاد أن يجيء إليهم، لأن الزمان كان شتاء، وظنوا أنه يقصد الجزيرة ليشتي ~~بها، لأن البرد بها ليس بالشديد، وعزموا على الانتقال من بلادهم إلى الشام، ~~ووصل بعض أهل سروج إلى منبج من أرض الشام، فأتاهم الخبر أنه قد نهب البلاد ~~وعاد، فأقاموا، وكان سبب عوده أن الثلج سقط ببلاد خلاط كثيرا، لم يعهد ~~مثله، فأسرع العود. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة رخصت الأسعار بديار الجزيرة جميعها، وجاءت الغلات التي لهم ~~من الحنطة والشعير جيدا، إلا أن الرخص لم يبلغ الأول الذي كان قبل الغلاء، ~~إنما صارت الحنطة كل خمسة مكاكيك بدينار، والشعير كل سبعة عشر مكوكا ~~بالموصلي بدينار. ### | AUT ثم دخلت سنة ست وعشرين وستمائة # ### || AUT ذكر تسليم البيت المقدس إلى الفرنج # في هذه السنة، أول ربيع الآخر، تسلم الفرنج، لعنهم الله، البيت المقدس ~~صلحا، أعاده الله إلى الإسلام سريعا. PageV05P0347 # وسبب ذلك ما ذكرناه سنة خمس وعشرين وستمائة من خروج الأنبرور، ملك ~~الفرنج، في البحر من داخل بلاد الفرنج إلى ساحل الشام، وكانت عساكره قد ~~سبقته، و نزلوا بالساحل، وأفسدوا فيما يجاورهم من بلاد المسلمين، ومضى ~~إليهم، وهم بمدينة صور، طائفة من المسلمين يسكنون الجبال المجاورة لمدينة ~~صور وأطاعوهم، وصاروا معهم، وقوي طمع الفرنج بموت الملك المعظم عيسى ابن ~~الملك العادل أبي بكر بن أيوب، صاحب دمشق. ولما وصل الأنبرور إلى الساحل ~~نزل بمدينة عكا، وكان الملك الكامل، رحمه الله تعالى، ابن الملك العادل، ~~صاحب مصر، قد خرج من الديار المصرية يريد ms4565 الشام بعد وفاة أخيه المعظم، وهو ~~نازل بتل العجول، يريد أن يملك دمشق من الناصر داود ابن أخيه المعظم، وهو ~~صاحبها يومئذ، وكان داود لما سمع بقصد عمه الملك الكامل له قد أرسل إلى عمه ~~الملك الأشرف، صاحب البلاد الجزرية، يستنجده، ويطلب منه المساعدة على دفع ~~عمه عنه، فسار إلى دمشق، وترددت الرسل بينه وبين أخيه الملك الكامل في ~~الصلح، فاصطلحا، واتفقا، وسار الملك الأشرف إلى الملك الكامل واجتمع به. ~~فلما اجتمعا ترددت الرسل بينهما وبين الأنبرور، ملك الفرنج، دفعات كثيرة، ~~فاستقرت القاعدة على أن يسلموا إليه البيت المقدس ومعه مواضع يسيرة من ~~بلاده، ويكون باقي البلاد مثل الخليل، ونابلس، والغور، وملطية، وغير ذلك ~~بيد المسلمين، ولا يسلم إلى الفرنج إلا البيت المقدس والمواضع التي استقرت ~~معه. وكان سور البيت المقدس خرابا ق خربه الملك المعظم، وقد ذكرنا ذلك، ~~وتسلم الفرنج البيت المقدس، واستعظم المسلمون ذلك وأكبروه، ووجدوا له من ~~الوهن والتألم ما لا يمكن وصفه؛ يسر الله فتحه وعوده إلى المسلمين بمنه ~~وكرمه، آمين. ### || AUT ذكر ملك الملك الأشرف مدينة دمشق # وفي هذه السنة يوم الاثنين ثاني شعبان ملك الملك الأشرف ابن الملك ~~العادل مدينة دمشق من ابن أخيه صلاح الدين داود بن المعظم. وسبب ذلك ما ~~ذكرناه أن صاحب دمشق لما خاف من عمه الملك الكامل أرسل إلى عمه الأشرف ~~يستنجده، ويستعين به على دفع الكامل عنه، فسار إليه من البلاد الجزرية، ~~ودخل دمشق، وفرح به صاحبها وأهل البلد، وكانوا قد احتاطوا، وهم يتجهزون ~~للحصار، فأمر بإزالة ذلك، وترك ما عزموا عليه من الاحتياط، وحلف لصاحبها ~~على المساعدة والحفظ له ولبلاده عليه، وراسل الملك الكامل واصلحا وظن صاحب ~~دمشق أنه معهما في الصلح. وسار الأشرف إلى أخيه الكامل، واجتمعا في ذي ~~الحجة من سنة خمس وعشرين، يوم العيد، وسار صاحب دمشق إلى بيسان وأقام بها، ~~وعاد الملك الأشرف من عند أخيه، واجتمع هو وصاحب دمشق، ولم يكن الأشرف في ~~كثرة من العسكر، فبينما هما جالسان في خيمة لهما ms4566 إذ قد دخل عز الدين أيبك، ~~مملوك المعظم الذي كان صاحب دمشق، وهو أكبر أمير مع ولده، فقال لصاحبه ~~داود: قم اخرج وإلا قبضت الساعة؛ فأخرجه، ولم يمكن الأشرف منعه لأن أيبك ~~كان قد أركب العسكر الذي لهم جميعه، وكانوا أكثر من الذين مع الأشرف، فخرج ~~داود وسار هو وعسكره إلى دمشق. وكان سبب ذلك أن أيبك قيل له: إن الأشرف ~~يريد القبض على صاحبه وأخذ دمشق منه، ففعل ذلك، فلما عادوا وصلت العساكر من ~~الكامل إلى الأشرف، وسار فنازل دمشق وحصرها، وأقام محاصرا لها إلى أن وصل ~~إليه الملك الكامل، فحينئذ اشتد الحصار، وعظم الخطب على أهل البلد، وبلغت ~~القلوب الحناجر. وكان من أشد الأمور على صاحبها أن المال عنده قليل لأن ~~أمواله بالكرك، ولوثوقه بعمه الأشرف لم يحضر منها شيئا فاحتاج إلى أن باع ~~حلى نسائه وملبوسهن، وضاقت الأمور عليه، فخرج إلى عمه الكامل وبذل له تسليم ~~دمشق وقلعة الشوبك على أن يكون له الكرك والغور وبيسان ونابلس، وأن يبقي ~~على أيبك قلعة صرخد وأعمالها. وتسلم الكامل دمشق، وجعل نائبه بالقلعة إلى ~~أن سلم إليه أخوه الأشرف حران والرها والرقة وسروج ورأس عين من الجزيرة، ~~فلما تسلم ذلك سلم قلعة دمشق إلى أخيه الأشرف، فدخلها، وأقام بها، وسار ~~الكامل إلى الديار الجزرية فأقام بها إلى أن استدعى أخاه الأشرف بسبب حصر ~~جلال الدين ابن خوارزم شاه مدينة خلاط، فلما حضر عنده بالرقة عاد الكامل ~~إلى ديار مصر، وأما الأشرف فكان منه ما نذكره، إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر القبض على الحاجب علي وقتله # PageV05P0348 # وفي هذه السنة أرسل الملك الأشرف مملوكه عز الدين أيبك، وهو أمير كبير في ~~دولته، إلى مدينة خلاط، وأمره بالقبض على الحاجب حسام الدين علي بن حماد، ~~وهو المتولي لبلاد خلاط والحاكم فيها من قبل الأشرف. ولم نعلم شيئا يوجب ~~القبض عليه، لأنه كان مشفقا عليه، ناصحا له، حافظا لبلاده، وحسن السيرة مع ~~الرعية، ولقد وقف هذه المدة الطويلة في وجه خوارزم شاه جلال ms4567 الدين، وحفظ ~~خلاط حفظا يعجز غيره عنه، وكان مهتما بحفظ بلاده، وذابا عنها، وقد تقدم من ~~ذكر قصده بلاد جلال الدين والاستيلاء على بعضها ما يدل على همة عالية، ~~وشجاعة تامة، وصار لصاحبه به منزلة عظيمة، فإن الناس يقولون: بعض غلمان ~~الملك الأشرف يقاوم خوارزم شاه. وكان رحمه الله كثير الخير والإحسان لا ~~يمكن أحدا من ظلم، وعمل كثيرا من أعمال البر من الخانات في الطرق، والمساجد ~~في البلاد، وبنى بخلاط بيمارستانا وجامعا، وعمل كثيرا من الطرق، وأصلحها ~~كان يشق سلوكها. فلما وصل أيبك إلى خلاط قبض عليه، ثم قتله غيلة، لأنه كان ~~عدوه، ولما قتل ظهر أثر كفايته، فإن جلال الدين حصر خلاط بعد قبضه وملكها، ~~على ما نذكه إن شاء الله، ولم يمهل الله أيبك بل انتقم منه سريعا، فإن جلال ~~الدين أخذ أيبك أسيرا لما ملك خلاط مع غيره من الأمراء، فلما اصطلح الأشرف ~~وجلال الدين أطلق الجميع، وذكر أن أيبك قتل. وكان سبب قتله أن مملوكا ~~للحاجب علي كان قد هرب إلى جلال الدين، فلما أسر أيبك طلبه ذلك المملومك من ~~جلال الدين ليقتله بصاحبه الحاجب علي، فسلمه إليه فقتله، وبلغني أن الملك ~~الأشرف رأى في المنام كأن الحاجب عليا قد دخل إلى مجلس فيه أيبك فأخذ ~~منديلا وجعله في رقبة أيبك وأخذه وخرج، فأصبح الملك الأشرف وقال: قد مات ~~أيبك، فإني رأيت في المنام كذا وكذا. ### || AUT ذكر ملك الكامل مدينة حماة # وفي هذه السنة أواخر شهر رمضان، ملك الملك الكامل مدينة حماة. وسبب ذلك ~~أن الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر، وهو صاحب حماة، توفي، على ما ~~نذكره، وملا حضرته الوفاة حلف الجند وأكابر البلد لولده الأكبر، ويلقب ~~بالملك المظفر، وكان قد سيره أبوه إلى الملك الكامل، صاحب مصر، لأنه كان قد ~~تزوج بابنته، وكان لمحمد ولد آخر اسمه قلج أرسلان، ولقبه صلاح الدين، وهو ~~بدمشق، فحضر إلى مدينة حماة فسلمت إليه، واستولى على المدينة وعلى قلعتها، ~~فأرسل الملك الكامل يأمره أن يسلم ms4568 البلد إلى أخيه الأكبر، فإن أباه أوصى له ~~به، فلم يفعل، وتردد الرسل في ذلك إلى الملك المعظم، صاحب دمشق، فلم تقع ~~الإجابة. فلما توفي المعظم، وخرج الكامل إلى الشام وملك دمشق، سير جيشا إلى ~~حماة فحصرها ثالث شهر رمضان، وكان المقدم على هذا الجيش أسد الدين شيركوه، ~~صاحب حمص، وأمير كبير من عسكره يقال له فخر الدين عثمان، ومعهما ولد محمد ~~بن تقي الدين محمد الذي كان عند الكامل، فبقي الحصار على البلد عدة أيام. ~~وكان الملك الكامل قد سار عن دمشق ونزل على سلمية يريد العبور إلى البلاد ~~الجزرية، حران وغيرها، فلما نازلها قصده صاحب حماة صلاح الدين، ونزل إليه ~~من قلعته، ولم يكن لذلك سبب إلا أمر الله تعالى، فإن صلاح الدين قال ~~لأصحابه: أريد النزول إلى الملك الكامل، فقالوا له: ليس بالشام أحصن من ~~قلعتك، وقد جمعت من الذخائر ما لا حد له، فلأي شيء تنزل إليه؟ ليس هذا ~~برأي، فأصر على النزول، وأصروا على منعه، فقال في آخر الأمر: اتركوني أنزل، ~~وإلا ألقيت نفسي من القلعة؛ فحينئذ سكتوا عنه، فنزل في نفر يسير، ووصل إلى ~~الكامل، فاعتقله إلى أن سلم مدينة حماة وقلعتها إلى أخيه الأكبر الملك ~~المظفر، وبقي بيده قلعة بارين، فإنها كانت له، وكان هو كالباحث عن حتفه يظلفه. ### || AUT ذكر حصر جلال الدين خلاط وملكها # وفي هذه السنة، أوائل شوال، حصر جلال الدين خوارزم شاه مدينة خلاط، وهي ~~للملك الأشرف، وبها عسكره، فامتنعوا بها، وأعانهم أهل البلد خوفا من جلال ~~الدين لسوء سيرته، وأسرفوا في الشتم والسفه، فأخذه اللجاج معهم، وأقام ~~عليهم جميع الشتاء محاصرا، وفرق كثيرا من عساكره في القرى والبلاد القريبة ~~من شدة البرد وكثرة الثلج، فإن خلاط من أشد البلاد بردا وأكثرها ثلجا. ~~PageV05P0349 # وأبان جلال الدين عن عزم قوي، وصبر تحار العقول منه، ونصب عليها عدة ~~مجانيق، ولم يزل يرميها بالحجارة حتى خربت بعض سورها، فأعاد أهل البلد ~~عمارته، ولم يزل مصابرهم وملازمهم إلى أواخر جمادى الأولى من سنة ms4569 سبع ~~وعشرين، فزحف إليها زحفا متتابعا وملكها عنوة وقهرا يوم الأحد الثامن ~~والعشرين من جمادى الأولى، سلمها إليه بعض الأمراء غدرا. فلما ملك البلد ~~صعد من فيه من الأمراء إلى القلعة التي لها وامتنعوا بها، وهو منازلهم، ~~ووضع السيف في أهل البلد، وقتل من وجد به منهم، وكانوا قد قلوا، فإن بعضهم ~~فارقوه خوفا، وبعضهم خرج منه من شدة الجوع، وبعضهم مات من القلة وعدم ~~القوت، فإن الناس في خلاط أكلوا الغنم، ثم البقر، ثم الجواميس، ثم الخيل، ~~ثم الحمير، ثم البغال والكلاب والسنانير، وسمعنا أنهم كانوا يصطادون الفأر ~~ويأكلونه، وصبروا صبرا لم يلحقهم فيه أحد. ولم يملك من البلاد خلاط غيرها، ~~وما سواها من البلاد لم يكونوا ملكوه، وخربوا خلاط، وأكثروا القتل فيها، ~~ومن سلم هرب في البلاد، وسبوا الحريم، واسترقوا الأولاد، وباعوا الجميع، ~~فتمزقوا كل ممزق، وتفرقوا في البلاد، ونهبوا الأموال، وجرى على أهلها ما لم ~~يسمع بمثله أحد، لا جرم لم يمهله الله تعالى. وجرى عليه من الهزيمة بني ~~المسلمين والتتر ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في أواخر هذه السنة قصد الفرنج حصن بارين بالشام، ونهبوا بلاده، ~~وأعماله، وأسروا وسبوا، ومن جملة من ظفروا به طائفة كثيرة من التركمان، ~~فأخذوا الجميع، ولم يسلم منهم إلا النادر والشاذ، والله أعلم. ### | AUT ثم دخلت سنة سبع وعشرين وستمائة # ### || AUT ذكر انهزام جلال الدين من كيقباذ والأشرف # في هذه السنة، يوم السبت الثامن والعشرين من رمضان، انهزم جلال الدين ~~ابن خوارزم شاه من عبد الله بن كيقباذ بن كيخسرو بن قلج أرسلان، صاحب بلاد ~~الروم، قونية، وأقصرا، وسيواس، وملطية، وغيرها، ومن الملك الأشرف، صاحب ~~دمشق وديار الجزيرة وخلاط. وسبب ذلك أن جلال الدين كان قد أطاعه صاحب أرزن ~~الروم، وهو ابن عم علاء الدن، ملك الروم، وبينه وبين ملك الروم عداوة ~~مستحكمة، وحضر صاحب أرزن الروم عند جلال الدين على خلاط، وأعانه على حصرها، ~~فخافهما علاء الدين، فأرسل إلى الملك الكامل، وهو حينئذ بحران، يطلب ms4570 منه أن ~~يحضر أخاه الأشرف من دمشق، فإنه كان مقيما بها بعد أن ملكها. وتابع علاء ~~الدين الرسل بذلك خوفا من جلال الدين، فأحضر الملك الكامل أخاه الأشرف من ~~دمشق، فحضر عنده، ورسل علاء الدين إليهما متتابعة، يحث الأشرف على المجيء ~~إليه والاجتماع به، حتى قيل إنه في يوم واحد وصل إلى الكامل والأشرف من ~~علاء الدين خمسة رسل، ويطلب مع الجميع وصول الأشرف إليه ولو وحده، فجمع ~~عساكر الجزيرة والشام وسار إلى علاء الدين، فاجتمعا بسيواس، وسارا نحو ~~خلاط؛ فسمع جلال الدين بهما، فسارا إليهما مجدا في السير، فوصل إليهما ~~بمكان يعرف بباسي حمار، وهو من أعمال أرزنجان، فالتقوا هناك. وكان مع علاء ~~الدين خلق كثير، قيل: كانوا عشرين ألف فارس، وكان مع الأشرف نحو خمسة آلاف ~~فارس، إلا أنهم من العساكر الجيدة الشجعان، لهم السلاح الكثير، والدواب ~~الفارهة من العربيات، وكل منهم قد جرب الحرب. وكان المقدم عليهم أمير من ~~أمراء عساكر حلب يقال له عز الدين عمر بن علي، وهو من الأكراد الهكارية، ~~ومن الشجاعة في الدرجة العليا، وله الأوصاف الجميلة والأخلاق الكريمة. فلما ~~التقوا بهت جلال الدين لما رأى من كثرة العساكر، ولا سيما لما رأى عسكر ~~الشام، فإنه شاهد من تجملهم، وسلاحهم، ودوابهم ما ملأ صدره رعبا، فأنشب عز ~~الدين بن علي القتال، ومعه عسكر حلب، فلم يقم لهم جلال الدين ولا صبر، ومرى ~~منهزما هو وعسكره وتمزقوا لا يلوي الأخ على أخيه، وعادوا إلى خلاط ~~فاستصحبوا معهم من فيها من أصحابهم، وعادوا إلى أذربيجان فنزلوا عند مدينة ~~خوي، ولم يكونوا قد استولوا على شيء من أعمال خلاط سوى خلاط، ووصل الملك ~~الأشرف إلى خلاط وقد استصحبوا معهم من فيها فبقيت خاوية على عروشها، خالية ~~من الأهل والسكان قد جرى عليهم ما ذكرناه قبل. ### || AUT ذكر ملك علاء الدين أرزن الروم # PageV05P0350 # قد ذكرنا أن صاحب أرزن الروم كان مع جلال الدين على خلاط، ولم يزل معه، ~~وشهد معه المصاف المذكور، فلما انهزم جلال الدين أخذ ms4571 صاحب أرزن الروم ~~أسيرا، فأحضر عند علاء الدين كيقباذ ابن عمه، فأخذه، وقصد أرزن الروم، ~~فسلمها صاحبها إليه وهي وما يتبعها من القلاع والخزائن وغيرها، فكان كما ~~قيل: خرجت النعامة تطلب قرنين، فعادت بلا أذنين. وهكذا المسكين جاء إلى ~~جلال الدين يطلب الزيادة، فوعده بشيء من بلاد علاء الدين، فأخذ ماله وما ~~بيديه من البلاد وبقي أسيرا، فسبحانه من لا يزول ملكه. ### || AUT ذكر الصلح بين الأشرف وعلاء الدين وبين جلال الدين # لما عاد الأشرف إلى خلاط، ومضى جلال الدين منهزما إلى خوي، ترددت الرسل ~~بينهما، فاصطلحوا كل منهم على ما بيده، واستقرت القواعد على ذلك، وتحالفا، ~~فلما استقر الصلح وجرت الأيمان عاد الأشرف إلى سنجار، وسار منها إلى دمشق، ~~فأقام جلال الدين ببلاده من أذربيجان إلى أن خرج عليه التتر، على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى. ### || AUT ذكر ملك شهاب الدين غازي مدينة أرزن # كان حسام الدين صاحب مدينة أرزن من ديار بكر لم يزل مصاحبا للملك ~~الأشرف، مشاهدا جميع حروبه وحوادثه، وينفق أمواله في طاعته، ويبذل نفسه ~~وعساكره في مساعدته، فهو يعادي أعداءه، ويوالي أولياءه. ومن جملة موافقته ~~أنه كان في خلاط لما حصرها جلال الدين، فأسره جلال الدين، وأراد أن يأخذ ~~منه مدينة أرزن، فقيل له: إن هذا من بيت قديم عريق في الملك، وإنه ورث أرزن ~~هذه من أسلافه، وكان لهم سواها من البلاد فخرج الجميع من أيديهم؛ فعطف عليه ~~ورق له، وأبقى عليه مدينة، وأخذ عليه العهود والمواثيق أنه لا يقاتله. فلما ~~جاء الملك الأشرف وعلاء الدين محاربين لجلال الدين لم يحضر معهم في الحرب، ~~فلما انهزم جلال الدين سار شهاب الدين غازي ابن الملك العادل، وهو أخو ~~الأشرف، وله مدينة ميافارقين، ومدينة حاني، وهو بمدينة أرزن، فحصره بها، ثم ~~ملكها صلحا، وعوضه عنها بمدينة حاني من ديار بكر. وحسام الدين هذا نعم ~~الرجل، حسن السيرة، كريم، جواد، لا يخلو بابه من جماعة يردون إليه ~~يستمنحونه، وسيرته جميلة في ولايته ورعيته، وهو من بيت ms4572 قديم يقال له بيت ~~طغان أسلان، كان له مع أرزن بدليس ووسطان وغيرهما، ويقال لهم بيت الأحدب، ~~وهذه البلاد معهم من أيام ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي، فأخذ بكتمر صاحب ~~خلاط منهم بدليس، أخذها من عم حسام الدين هذا، لأنه كان موافقا لصلاح الدين ~~يوسف بن أيوب، فقصده بكتمر لذلك، وبقيت أرزن بيد هذا إلى الآن، فأخذت منه، ~~ولكل أول آخر، فسبحان من لا أول له ولا آخر لبقائه. ### || AUT ذكر ملك سونج قشيالوا قلعة رويندر # وفي هذه السنة ظهر أمير من أمراء التركمان اسمه سونج، ولقبه شمس الدين، ~~واسم قبيلته قشيالوا، وقوي أمره، وقطع الطريق، وكثر جمعه، وكان بين إربل ~~وهمذان، وهو ومن معه يقطعون الطريق، ويفسدون في الأرض، ثم إنه تعدى إلى ~~قلعة منيعة اسمها سارو، وهي لمظفر الدين، من أعمال إربل، فأخذها وقتل عندها ~~أميرا كبيرا من أمراء مظفر الدين، فجمع مظفر الدين، وأراد استعادتها منه، ~~فلم يمكنه لحصانتها، ولكثرة الجموع مع هذا الرجل، فاصطلحا على ترك القلعة ~~بيده. وكان عسكر لجلال الدين بن خوارزم شاه يحصرون قلعة رويندز، وهي من ~~قلاع أذربيجان، من أحصن القلاع وأمنعها، لا يوجد مثلها، وقد طال الحصار على ~~من بها فأذعنوا بالتسليم، فأرسل جلال الدين بعض خواص أصحابه وثقاته ~~ليتسلهما وأرسل معه الخلع والمال لمن بها، فلما صعد ذلك القاصد إلى القلعة ~~وتسلمها أعطى بعض من بالقلعة، ولم يعط البعض واستذلهم وطمع فيهم حيث استولى ~~على الحصن، فلما رأى من لم يأخذ شيئا من الخلع والمال ما فعل هم أسلوا إلى ~~سونج يطلبونه ليسلموا إليه القلعة، فسار إليهم في أصحابه فسلموها إليه، ~~فسبحان من إذا أراد أمرا سهله. قلعة رويندز هذه لم تزل تتقاصر عنها قدرة ~~أكابر الملوك وعظمائهم من قديم الزمان وحديثه، وتضرب الأمثال بحصانتها، لما ~~أراد الله سبحانه وتعالى أن يملكها هذا الرجل الضعفيف سهل له الأمور، ~~فملكها بغير قتال ولا تعب، وأزال عنها أصحاب مثل جلال الدين الذي كل ملوك ~~الأرض تهابه وتخافه، وكان أصحاب جلال الدين، كما ms4573 قيل: (رب ساع لقاعد). ~~PageV05P0351 # فلما ملكها سونج طمع في غيرها، ولا سيما مع اشتغال جلال الدين بما أصابه ~~من الهزيمة ومجيء التتر، فنزل من القلعة إلى مراغة، وهي قريب منها، فحصرها، ~~فأتاه سهم غرب فقتله، فلما قتل ملك رويندز أخوه، ثم إن هذا الأخ الثاني نزل ~~من القعلة، وقصد أعمال تبريز ونهبها، وعاد إلى القلعة ليجعل فيها من ذلك ~~النهب والغنيمة ذخيرة خوفا من التتر، وكانوا قد خرجوا؛ فصادفه طائفة من ~~التتر، فقتلوه وأخذوا ما معه من النهب؛ ولما قتل ملك القلعة ابن أخت له، ~~وكان هذا جميعه في مدة سنتين، فأف لدنيا لا تزال فرحة بترحة، وكل حسنة بسيئة. ### | AUT ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وستمائة # ### || AUT ذكر خروج التتر إلى أذربيجان # ### || AUT وما كان منهم # في هذه السنة وصل التتر من بلاد ما وراء النهر إلى أذربيجان، وقد ذكرنا ~~قبل كيف ملكوا ما وراء النهر، وما صنعوه بخراسان وغيرها من البلاد، من ~~النهب، والتخريب، والقتل، واستقر ملكهم بما وراء النهر، وعادت بلاد ما وراء ~~النهر فانغمرت، وعمروا مدينة تقارب مدينة خوارزم عظيمة، وبقيت مدن خراسان ~~خرابا لا يجسر أحد من المسلين أن يسكنها. وأما التتر فكانوا تغير كل قليل ~~طائفة منهم ينهبون ما يرونه بها، فالبلاد خاوية على عروشها، فلم يزالوا ~~كذلك إلى أن ظهر منهم طائفة سنة خمس وعشرين، فكان بينهم وبين جلال الدين ما ~~ذكرناه، وبقوا كذلك، فلما كان الآن، وانهزم جلال الدين من علاء الدين ~~كيقباذ ومن الأشرف، كما ذكرناه سنة سبع وعشرين، أرسل مقدم الإسماعيلية ~~الملاحدة إلى التتر يعرفهم ضعف جلال الدين بالهزيمة الكائنة عليه، ويحثهم ~~على قصده عقيب الضعف، ويضمن لهم الظفر به للوهن الذي صار إليه. وكان جلال ~~الدين سيء السيرة، قبيح التدبير لملكه، لم يترك أحدا من الملوك المجاورين ~~له إلا عاداه، ونازعه الملك، وأساء مجاورته، فمن ذلك أنه أول ما ظهر في ~~أصفهان وجمع العساكر قصد خوزستان، فحصر مدينة ششتر، وهي للخليفة، وسار إلى ~~دقوقا فنهبها، وقتل فيها فأكثر، وهي ms4574 للخليفة أيضا، ثم ملك أذربيجان، وهي ~~لأوزبك، وقصد الكرج وهزمهم وعاداهم، ثم عادى الملك الأشرف، صاح خلاط، ثم ~~عادى علاء الدين، صاحب بلاد الروم، وعادى الإسماعيلية، ونهب بلادهم، وقتل ~~فيهم فأكثر، وقرر عليهم وظيفة من المال كل سنة، وكذلك غيرهم، فكل من الملوك ~~تخلى عنه، ولم يأخذ بيده. فلما وصل كتب مقدم الإسماعيلية إلى التتر ~~يستدعيهم إلى قصد جلال الدين بادر طائفة منهم فدخلوا بلادهم واستولوا على ~~الري وهمذان وما بينهما من البلاد، ثم قصدوا أذربيجان فخربوا ونهبوا وقتلوا ~~من ظفروا به من أهلها؛ وجلال الدين لا يقدم على أن يلقاهم، ولا يقدر أن ~~يمنعهم عن البلاد، قد ملئ رعبا وخوفا، وانضاف إلى ذلك أن عسكره اختلفوا ~~عليه، وخرج وزيره عن طاعته في طائفة كثيرة من العسكر. وكان السبب غريبا ~~أظهر من قلة عقل جلال الدين ما لم يسمع بمثله، وذلك أنه كان له خادم خصي، ~~وكان جلال الدين يهواه، واسمه قلج، فاتفق أن الخادم مات، فأظهر من الهلع ~~والجزع عليه ما لم يسمع بمثله، ولا لمجنون ليلى، وأمر الجند والأمراء أن ~~يمشوا في جنازته رجالة، وكان موته بموضع بينه وبين تبريز عدة فراسخ، فمشى ~~الناس رجالة، ومشى بعض الطريق راجلا، فألزمه أمراؤه ووزيره بالركوب، فلما ~~وصل إلى تبريز أرسل إلى أهل البلد، فأمرهم بالخروج عن البلد لتلقي تابوت ~~الخادم، ففعلوا، فأنكر عليهم حيث لم يبعدوا، ولم يظهروا من الحزن والبكاء ~~أكثر مما فعلوا، وأراد معاقبتهم على ذلك فشفع فيهم أمراؤه فتركهم. ثم لم ~~يدفن ذلك الخصي، وإنما يستصحبه معه حيث سار، وهو يلطم ويبكي، فامتنع من ~~الأكل والشرب، وكان إذا قدم له طعام يقول: احملوا من هذا إلى فلان، يعني ~~الخادم، ولا يتجاسر أحد أن يقول إنه مات، فإنه قيل له مرة إنه مات، فقتل ~~القاتل له ذلك، إنما كانوا يحملون إليه الطعام، ويعودون فيقولون: إنه يقبل ~~الأرض ويقول: إنني الآن أصلح مما كنت؛ فلحق أمراءه من الغيظ والأنفة من هذه ~~الحالة ما حملهم على مفارقة طاعته والانحياز عنه ms4575 مع وزيره، فبقي حيران لا ~~يدري ما يصنع، ولا سيما لما خرج التتر، فحينئذ دفن الغلام الخصي، وراسل ~~الوزير واستماله وخدعه إلى أن حضر عنده، فلما وصل إليه بقي أياما وقتله ~~جلال الدين، وهذه نادرة غريبة لم يسمع بمثلها. PageV05P0352 ### || AUT ذكر ملك التتر مراغة # وفي هذه السنة حصر التتر مراغة من أذربيجان، فامتنع أهلها، ثم أذعن ~~أهلها بالتسليم على أمان طلبوه، فبذلوا لهم الأمان، وتسلموا البلد وقتلوا ~~فيه إلا أنهم لم يكثروا القتل وجعلوا في البلد شحنة، وعظم حينئذ شأن التتر، ~~واشتد خوف الناس منهم بأذربيجان، فالله تعالى ينصر الإسلام والمسلمين نصرا ~~من عنده، فما نرى في ملوك الإسلام من له رغبة في الجهاد، ولا في نصرة ~~الدين، بل كل منهم مقبل على لهوه ولعبه وظلم رعيته، وهذا أخوف عندي من ~~العدو، وقال الله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) ~~الأنفال: 25. ### || AUT ذكر وصول جلال الدين إلى آمد # ### || AUT وانهزامه عندها وما كان منه # لما رأى جلال الدين ما يفعله التتر في بلاد أذربيجان، وأنهم مقيمون بها ~~يقتلون، وينهبون ويأسرون، ويخربون البلاد، ويجبون الأموال، وهم عازمون على ~~قصده، ورأى ما هو عليه من الوهن والضعف، فارق أذربيجان إلى بلاد خلاط، ~~وأرسل إلى النائب بها عن الملك الأشرف يقول له: ما جئنا للحرب ولا للأذى، ~~إنما خوف هذا العدو حملنا على قصد بلادنا. وكان عازما على أن يقصد ديار بكر ~~والجزيرة، ويقصد باب الخليفة يستنجده وجميع الملوك على التتر، ويطلب منهم ~~المساعدة على دفعهم، ويحذرهم عاقبة إهمالهم، فوصل إلى خلاط، فبلغه أن التتر ~~يطلبونه، وهم مجدون في أثره، فسار إلى آمد، وجعل له اليزك في عدة مواضع ~~خوفا من البيات، فجاءت طائفة من التتر يقصون أثره، فوصلوا إليه وهم على غير ~~الطريق الذي فيه اليزك، فأوقعوا به ليلا وهو بظاهر مدينة آمد، فمضى منهزما ~~على وجهه، وتفرق من منعه من العسكر وتمزقوا في كل وجه، فأخذوا ما معهم من ~~مال، وسلاح، ودواب، وقصد طائفة منهم نصيبين، والموصل، وسنجار، ms4576 وإربل وغير ~~ذلك من البلاد، فتخطفهم الملوك والرعايا، وطمع فيهم كل أحد، حتى الفلاح، ~~والكردي، والبدوي، وغيرهم، وانتقم منهم وجازام على سوء صنيعهم، وقبيح فعلهم ~~في خلاط وغيرها، وبما سعوا في الأرض من الفساد، والله لا يحب المفسدين، ~~فازداد جلال الدين ضعفا إلى ضعفه، ووهنا إلى وهنه بمن تفرق من عسكره، بما ~~جرى عليهم. فلما فعل التتر بهم ذلك، ومضى منهزما منهم، دخلوا ديار بكر في ~~طلبه، لأنهم لم يعلموا أين قصد، ولا أي طريق سلك، فسبحان من بدل أمنهم ~~خوفا، وعزهم ذلا، وكثرتهم قلة، فتبارك الله رب العالمين الفعال لما يشاء. ### || AUT ذكر دخول التتر ديار بكر والجزيرة # ### || AUT وما فعلوه في البلاد من الفساد # لما انهزم جلال الدين من التتر على آمد نهب التتر سواد آمد وأرزن ~~وميافارقين، وقصدوا مدينة أسعرد، فقاتلهم أهلها، فبذل لهم التتر الأمان، ~~فوثقوا منهم واستسلموا، فلما تمكن التتر منهم وضعوا فيهم السيف وقتلوهم حتى ~~كادوا يأتون عليهم، فلم يسلم منهم إلا من اختفى؛ وقليل ما هم. حكى لي بعض ~~التجار، وكان قد وصل آمد، أنهم حزروا القتلى ما يزيد على خمسة عشرة ألف ~~قتيل، وكان مع هذا التاجر جارية من أسعرد، فذكرت أن سيدها خرج ليقاتل، وكان ~~له أم، فمنعته، ولم يكن لها ولد سواه، فلم يصغ إلى قولها، فمشت معه، فقتلا ~~جميعا، وورثها ابن أخ للأم فباعها من هذا التاجر، وذكرت من كثرة القتلى ~~أمرا عظيما، وأن مدة الحصار كانت خمسة أيام. ثم ساروا منها إلى مدينة طنزة ~~ففعلوا فيها كذلك، وساروا من طنزة إلى واد بالقرب من طنزة يقال له وادي ~~القريشية، فيه مياه جارية، وبساتين كثيرة، والطريق إليه ضيق، فقاتلم أهل ~~القريشية، فمنعوهم عنه، وامتنعوا عليهم، وقتل بينهم كثير، فعاد التتر ولم ~~يبلغوا منهم غرضا، وساروا في البلاد لا مانع يمنعهم، ولا أحد يقف بين ~~أيديهم، فوصلوا إلى ماردين فنهبوا ما وجدوا من بلدها، واحتمى صاحب ماردين ~~وأهل دنيسر بقلعة ماردين، وغيرهم ممن جاور القلعة احتمى بها أيضا. ثم وصلوا ms4577 ~~إلى نصيبين الجزيرة، فأقاموا عليها بعض نهار، ونهبوا سوادها وقتلوا من ~~ظفروا به، وغلقت أبوابها، فعادوا عنها، ومضوا إلى بلد سنجار، ووصلوا إلى ~~الجبال من أعمال سنجار، فنهبوها ودخلوا إلى الخابور، فوصلوا إلى عرابان، ~~فنهبوا، وقتلوا، وعادوا. PageV05P0353 # ومضى طائفة منهم على طريق الموصل، فوصل القوم إلى قرية تسمى المؤنسة، وهي ~~على مرحلة من نصيبين، بينها وبين الموصل، فنهبوها واحتمى أهلها وغيرهم بخان ~~فيها، فقتلوا كل من فيه. وحكي لي عن رجل منهم أنه قال: اختفيت منهم بيت فيه ~~تبن، فلم يظفروا بي، وكنت أراهم من نافذة في البيت، فكانوا إذا أرادوا قتل ~~إنسان، فيقول: لا بالله، فيقتلونه، فلما فرغوا من القرية، ونهبوا ما فيها، ~~وسبوا الحريم، رأيتهم وهم يلعبون على الخيل، ويضحكون، ويغنون بلغتهم بقول: ~~لا بالله. ومضى طائفة منهم إلى نصيبين الروم، وهي على الفرات، وهي من أعمال ~~آمد، فنهبوها، وقتلوا فيها، ثم عادوا إلى آمد، ثم إلى بلد بدليس، فتحصن ~~أهلها بالقلعة وبالجبال، فقتلوا فيها يسيرا، وأحرقوا المدينة. وحكى إنسان ~~من أهلها قال: لو كان عندنا خمس مائة فارس لم يسلم من التتر أحد لأن الطريق ~~ضيق بين الجبال، والقليل يقدر على منع الكثير. ثم ساروا من بدليس إلى خلاط، ~~فحصروا مدينة من أعمال خلاط يقال لها: باكرى، وهي من أحصن البلاد، فملكوها ~~عنوة، وقتلوا كل من بها، وقصدوا مدينة أرجيش من أعمال خلاط، وهي مدينة ~~كبيرة عظيمة، ففعلوا كذلك، وكان هذا في ذي الحجة. ولقد حكي لي عنهم حكايات ~~يكاد سامعها يكذب بها من الخوف الذي ألقى الله سبحانه وتعالى في قلوب الناس ~~منهم، حتى قيل إن الرجل الواحد منهم كان يدخل القرية أو الدرب وبه جمع كثير ~~من الناس فلا يزال يقتلهم واحدا بعد واحد، لا يتجاسر أحد أن يمد يده إلى ~~ذلك الفارس. ولقد بلغني أن إنسانا منهم أخذ رجلا، ولم يكن مع التتري ما ~~يقتله به، فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح؛ فوضع رأسه على الأرض، ومضى ~~التتري فأحضر سيفا وقتله به. ms4578 وحكى لي رجل قال: كنت أنا ومعي سبعة عشر رجلا ~~في طريق، فجاءنا فارس من التتر وقال لنا حتى يكتف بعضنا بعضا، فشرع أصحابي ~~يفعلون ما أمرهم، فقلت لهم: هذا واحد فلم لا نقتله ونهرب؟ فقالوا: نخاف. ~~فقلت: هذا يريد قتلكم الساعة، فنحن نقتله، فلعل الله يخلصنا؛ فوالله ما جسر ~~أحد أن يفعل، فأخذت سكينا وقتلته وهربنا فنجونا، وأمثال هذا كثير. ### || AUT وصول طائفة من التتر إلى إربل ودقوقا # في هذه السنة، في ذي الحجة، وسل طائفة من التتر من أذربيجان إلى أعمال ~~إربل، فقتلوا من على طريقهم من التركمان الإيوانية والأكراد الجوزقان ~~وغيرهم إلى أن دخلوا بلد إربل، فنهبوا القرى، وقتلوا من ظفروا به من أهل ~~تلك الأعمال، وعملوا الأعمال الشنيعة التي لم يسمع بمثلها من غيرهم. وبرز ~~مظفر الدين، صاحب إربل، في عسكره، واستمد عساكر الموصل فساروا إليه، فلما ~~بلغه عود التتر إلى أذربيجان أقام في بلاده ولم يتبعهم، فوصلوا إلى بلد ~~الكرخيني، وبلد دقوقا، وغير ذلك، وعادوا سالمين لم يذعرهم أحد، ولا وقف في ~~وجوههم فارس. وهذه مصائب وحوادث لم ير الناس من قديم الزمان وحديثه ما ~~يقاربها، فالله سبحانه وتعالى يلطف بالمسلمين، ويرحمهم، ويرد هذا العدو ~~عنهم، وخرجت هذه السنة ولم نتحقق لجلال الدين خبيرا، ولا نعلم هل قتل، أو ~~اختفى، لم يظهر نفسه خوفا من التتر، أو فارق البلاد إلى غيرها، والله أعلم. ### || AUT ذكر طاعة أهل أذربيجان للتتر # في أواخر هذه السنة أطاع أهل بلاد أذربيجان جميعها للتتر، وحملوا إليهم ~~الأموال والثياب الخطائي، والخوبي، والعتابي، وغير ذلك، وسبب طاعتهم أن ~~جلال الدين لما انهزم على آمد من التتر، وتفرقت عساكر، وتمزقوا كل ممزق، ~~وتخطفهم الناس، وفعل التتر بديار بكر والجزيرة وإربل وخلاط ما فعلوا، ولم ~~يمنعهم أحد، ولا وقف في وجوههم واقف، وملوك الإسلام منجحرون في الأثقاب، ~~وانضاف إلى هذا انقطاع أخبار جلال الدين، فإنه لم يظهر له خبر، ولا علموا ~~له حالة، سقط في أيديهم، وأذعنوا للتتر بالطاعة، وحملوا إليهم ما طلبوا ~~منهم ms4579 من الأموال والثياب. PageV05P0354 # من ذلك مدينة تبريز التي هي أصل بلاد أذربيجان، ومرجع الجميع إليها وإلى ~~من بها، فإن ملك التتر نزل في عساكره بالقرب منها، وأرسل إلى أهلها يدعوهم ~~إلى طاعته، ويتهددهم إن امتنعوا عليه، فأرسلوا إليه المال الكثير، والتحف ~~من أنواع الثياب الإبريسم وغيرها، وكل شيء حتى الخمر، وبذلوا له الطاعة، ~~فأعاد الجواب يشكرهم، ويطلب منهم أن يحضر مقدموهم عنده، فقصده قاضي البلد ~~ورئيسه، وجماعة من أعيان أهله، وتخلف عنهم شمس الدين الطغرائي، وهو الذي ~~يرجع الجميع إليه، إلا أنه لا يظهر شيئا من ذلك. فلما حضروا عنده سألهم عن ~~امتناع الطغرائي من الحضور فقالوا؛ إنه رجل منقطع، ما له بالملوك تعلق، ~~ونحن الأصل؛ فسكت ثم طلب أن يحضروا عنده من صناع الثياب الخطائي وغيرها، ~~ليستعمل لملكهم الأعظم، فإن هذا هو من أتباع ذلك الملك، فأحضروا الصناع، ~~فاستعملهم في الذي أرادوا، ووزن أهل تبريز الثمن، وطلب منهم خركاة لملكه ~~أيضا، فعملوا له خركاة لم يعمل مثلها، وعملوا غشاءها من الأطلس الجيد ~~المزركش، وعملوا من داخلها السمور والقندر، فجاءت عليهم بجملة كثيرة، وقرر ~~عليهم شيئا من المال كل سنة، وترددت رسلهم إلى ديوان الخلافة وإلى جماعة من ~~الملوك يطلبون منهم أنهم لا ينصرون خوارزم شاه. ولقد وقفت على كتاب وصل من ~~تاجر من أهل الري في العام الماضي، قبل خروج التتر، فلما وصل التتر إلى ~~الري وأطاعهم أهلها، وساروا إلى أذربيجان، سار هو معهم إلى تبريز، فكتب إلى ~~أصحابه بالموصل يقول: إن الكافر، لعنه الله، ما نقدر نصفه، ولا نذكر جموعه ~~حتى لا تنقطع قلوب المسلمين، فإن الأمر عظيم، ولا تظنوا أن هذه الطائفة ~~التي وصلت إلى نصيبين والخابور، والطائفة الأخرى التي وصلت إلى إربل ~~ودقوقا، كان قصدهم النهب، إنما أرادوا أن يعملوا هل في البلاد من يردهم أم ~~لا، فلما عادوا أخبروا ملكهم بخلو البلاد من مانع ومدافع، وأن البلاد خالية ~~من ملك وعساكر، فقوي طمعهم، وهم في الربيع يقصدونك، وما يبقى عندكم مقام، ~~إلا إن كان في ms4580 بلد الغرب، فإن عزمهم على قصد البلاد جميعها، فانظروا ~~لأنفسكم. هذا مضمون الكتاب، فإن لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم، وأما جلال الدين فإلى آخر سنة ثمان وعشرين لم يظهر له ~~خبر، وكذلك إلى سلخ صفر سنة تسع لم نقف له على حال، والله المستعان. ### || AUT ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قلت الأمطار بديار الجزيرة والشام، ولا سيما حلب وأعمالها ~~فإنها كانت قليلة بالمرة، وغلت الأسعار بالبلاد، وكان أشدها غلاء حلب، إلا ~~أنه لم يكن بالشديد مثل ما تقدم في السنين الماضية، فأخرج أتابك شهاب ~~الدين، وهو والي الأمر بحلب، والمرجع إلى أمره ونهبه، وهو المدبر لدولة ~~سلطانها الملك العزيز ابن الملك الظاهر، والمربي له، من المال والغلات ~~كثيرا، وتصدق صدقات دارة، وساس البلاد سياسة حسنة بحيث لم يظهر للغلاء أثر، ~~فجزاه الله خيرا. وفيها بنى أسد الدين شيركوه، صاحب حمص والرحبة، قلعة عند ~~سلمية، وسماها سميمس، وكان الملك الكامل لما خرج من مصر إلى الشام قد خدمه ~~أسد الدين، ونصح له، وله أثر عظيم في طاعته والمقاتلة بين يديه، فأقطعه ~~مدينة سليمة، فبنى هذه القلعة بالقرب من سليمة، وهي على تل عال. وفيها قصد ~~الفرنج الذين بالشام مدينة جبلة، وهي بين جملة المدن المضافة إلى حلب، ~~ودخلوا إليها، وأخذوا منها غنيمة وأسرى، فسير أتابك شهاب الدين إليهم ~~العساكر مع أمير كان أقطعها، فقاتل الفرنج، وقتل منهم كثيرا، واسترد الأسرى ~~والغنيمة. وفيها توفي القاضي ابن غنائم بن العديم الحلبي، الشيخ الصالح، ~~وكان من المجتهدين في العبادة والرياضة والعاملين بعلمه، فلو قال قائل: إنه ~~لم يكن في زمانه أعبد منه، لكان صادقا، فرضي الله عنه وأرضاه، فإنه من جملة ~~شيوخنا، سمعنا عليه الحديث، وانتفعنا برؤيته وكلامه. وفيها أيضا في الثاني ~~عشر من ربيع الأول توفي صديقنا أبو القاسم عبد المجيد بن العجمي الحلبي، ~~وهو وأهل بيته مقدمو السنة بحلب، وكان رجلا ذا مروءة غزيرة، وخلق حسن، وحلم ~~وافر، ورئاسة كثيرة، يحب إطعام الطعام، وأحب ms4581 الناس إليه من يأكل طعامه، ~~ويقبل بره؛ وكان يلقى أضيافه بوجه منبسط ولا يقعد عن إيصال راحة، وقضاء ~~حاجة، فرحمه الله رحمة واسعة. PageV05P0355 ms4582